الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 10

المحلى

ابن حزم ج 10


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس أبي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍. طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر الجزء العاشر دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الرضاع 1863 مسألة ومن كانت له امرأتان أو أمتان أو زوجة وأمة فأرضعت احداهما بلبن حدث لها من حمل منه رجلا رضاعا محرما وأرضعت الاخرى بلبن حدث لها من حمل منه امرأة كذلك لم يحل لاحدهما نكاح الآخر أصلا، وكل من أرضعت الرجل حرمت عليه لانها أمه من الرضاعة وحرم عليه بناتها لانهن اخواته سواء في ذلك من ولدت قبله أو من ولدت بعده من الرضاعة وحرمت عليه اخواتها لانهن خالاته من الرضاعة وحرمت عليه أماتها لانهن جداته وحرم عليه اخوات زوج التى أرضعته بلبنها من حمل منه لانهن عماته من الرضاعة وحرمت عليه أمهاته لانهن جداته وحرم عليه من أرضعت امرأته بلبن حدث لها من حمل منه لانها من بناته، وكذلك يحرم على الرجل الذى أرضعت امرأته، وحكم التى ترضع امرأته كحكم ابنتها التى ولدتها ولايجمع بين الاختين من الرضاعة * برهان ذلك قول الله عزوجل فيما حرم من النساء: (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة) فدخل في هذا كل ما ذكرنا وما لم نذكر وبالله تعالى التوفيق، وكل هذا فلا خلاف فيه الا في خمسة مواضع وهى لبن الفحل. وصفة الرضاع المحرم. وعدد الرضاع المحرم. ورضاع الكبير. والرضاع من ميتة * 1864 مسألة لبن الفحل يحرم وهو ما ذكرنا آنفا من أن ترضع امرأة رجل ذكر أو ترضع امرأته الاخرى انثى فتحرم احداهما على الاخرى، وقد رأى قوم من السلف هذا لا يحرم شيئا كما صح عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها رويناه من طريق أبى عبيدنا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو بن علقمة عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تأذن لمن ارضعته اخواتها وبنات أخيها

[ 3 ]

ولا تأذن لمن أرضعته نساء اخوتها وبنى اخوتها، ومثله طريق مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم ان أباه حدثه بذلك عن عائشة أم المؤمنين * ومن طريق سعيد بن منصورنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى قال: أخبرني ربيعة. ويحيى بن سعيد. وعمرو بن عبد الله. وأفلح بن حميد كلهم عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق قال: كان يدخل على عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها من أرضعته بنات أبى بكر ولا يدخل عليها من أرضعته نساء أبى بكر * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن خصيف عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر أنه قال: لا بأس بلبن الفحل * ورويناه أيضا من طريق جابر بن عبد الله: ومن طريق أبى عبيدنا اسماعيل بن جعفر عن محمد ابن عمرو عن أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الاسود ان أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها أسماء بنت أبى بكر الصديق امرأة الزبير قالت زينب: فارسل إلى عبد الله بن الزبير يخطب ابنتى أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير وكان حمزة بن الكلبية فقلت لرسوله: وهل تحل له؟ انما هي بنت أخيه فارسل إلى ابن الزبير انما تريدين المنع انا وما ولدت اسماء اخوتك وما كان من ولد الزبير من غير اسماء فليسوا لك باخوة فارسلي فاسألى عن هذا فارسلت فسألت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: ان الرضاعة من قبل الرجال لا تحرم شيئا فانكحتها اياه فلم تزل عنده حتى هلكت * ومن طريق الحجاج بن المنهال ناحماد بن سلمة نا يحيى بن سعيد الانصاري أن حمزة بن الزبير بن العوام تزوج ابنة زينب بنت أم سلمة وقد ارضعت اسماء بنت أبى بكر زينب بنت أم سلمة بلبن الزبير قال يحيى بن سعيد: وكانت امرأة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قد ارضعت حمزة بن عبد الله بن عمر فولد لسالم بن عبد الله من امرأة أخرى غلام اسمه عمر فتزوج بنت حمزة بن عبد الله بن عمر * ومن طريق سعيد بن منصورنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى أخبرني عمرو بن حسين مولى قدامة بن مظعون أن سالم ابن عبد الله بن عمر زوج ابنا له أختا له من أبيه من الرضاعة * ومن طريق عبد الرزاق ووكيع قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن الاعمش وقال: وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة قالا جميعا عن ابراهيم النخعي قال: لا بأس بلبن الفحل * ومن طريق حماد بن سلمة أنا محمد بن عمرو عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أنه سأل سعيد بن المسيب: وعطاء بن يسار. وسليمان بن يسار. وأبا سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف قالوا كلهم: انما يحرم من الرضاعة ماكان من قبل النساء ولا يحرم ما كان من قبل الرجال * ومن طريق أبى عبيد نا أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير عن

[ 4 ]

محمد بن عمرو عن يزيد بن عبد الله بن قسيط فذكره عنهم وزاد فيهم أبا بكر بن سليمان ابن أبى حشمة، وروى أيضا عن مكحول. الشعبى * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله الواسطي عن خالد الحذاء عن بكر بن عبد الله عن أبى قلابة أنه لم يكن يرى بلبن يرى بلبن الفحل بأسا * ومن طريق سعيد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد أخبرني أفلح ابن حميد قال قلت للقاسم بن محمد بن محمد بن أبى بكر الصديق أن فلانا من آل أبى فروة أراد أن يزوج غلاما أخته من أبيه من الرضاعة فقال القاسم: لا بأس بذلك * وذهب آخرون إلى التحريم به كما روينا من طريق أبى عبيدنا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة ان أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها اسماء بنت أبى بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام قالت زينب: فكان الزبير يدخل على وأنا امتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي فيقول: أقبلي على فحدثيني أرى أنه أبى وما ولد فهم اخوتى * ومن طريق أبى عبيدنا عبد الرحمن بن مهدى عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس أنه سئل عن رجل كانت له امرأتان أرضعت احداهما جارية والاخرى غلاما أيحل أن يتناكحا؟ فقال ابن عباس: لا اللقاح واحد * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان نا عباد بن منصور قال: سألت القاسم ابن محمد بن أبى بكر الصديق. وطاوسا. وعطاء بن أبى رباح. والحسن البصري فقلت: امرأة أبى أرضعت بلبان أخوتي جارية من عرض الناس ألى أن أتزوجها؟ فقال القاسم: لا ابوك أبوها. وقال عطاء. وطأوس. والحسن: هي أختك * ومن طريق عبد الرحمن ابن مهدى نا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن مجاهد أنه كره لبن الفحل * ومن طريق سعيد بن منصور. وأبى عبيد قالا: ناهشيم أن عبد الله بن سبرة الهمداني أنه سمع الشعبي يكره لبن الفحل * ومن طريق حماد بن سلمة أنا هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه في رجل أرضعت امراة أبيه امرأة وليست أمه اتحل له؟ قال عروة: لا تحل له * ومن طريق مالك عن ابن شهاب قال: الرضاعة من قبل الام تحرم * ومن طريق أبى عبيدنا عبد الله بن ادريس الاودي عن الاعمش قال: كان عمارة. وابراهيم. وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسا حتى أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبى القعيس * قال أبو محمد: هكذا يفعل أهل العلم لا كمن يقول: أين كان فلان وفلان عن هذا الخبر؟ وهو قول سفيان الثوري. والاو زاعى. والليث بن سعد. وأبى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهم، وتوقف فيه آخرون كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا اسماعيل بن ابراهيم هو ابن علية أنا عباد بن منصور قال:

[ 5 ]

سألت مجاهدا عن جارية من عرض الناس أرضعتها امرأة أبى أترى لى ان أتزوجها؟ فقال: اختلف فيها الفقهاء فلست أقول شيئا، وسألت ابن سيرين فقال: مثل قول مجاهد * قال أبو محمد: فنظرنا في ذلك فوجدنا مارويناه من طريق مسلم بن الحجاج نا حرملة بن يحيى التجيبى أنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها أخبرته (أنه جاء أفلح أخو أبى القعيس ليس يستأذن عليها بعد الحجاب وكان أبوالقعيس أبا عائشة من الرضاعة (قالت عائشة: فقلت: والله لا آذن لافلح حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فان أبا القعيس هو الذى أرضعني ولكن ارضعتني امرأته فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يارسول الله ان أفلح أخا أبى القعيس جاء يستأذن على فكرهت أن آذن له حتى استأذنك قالت: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذنى له) * ونا محمد بن سعيد بن نبات نا اسماعيل بن اسحاق النصرى أنا عيسى ابن حبيب القاضى نا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى حدثنى جدى محمد ابن عبد الله نا سفيان بن عيينة عن الزهري وهشام بن عروة كلاهما عن عروة عن عائشة أم المؤمنين يزيد أحدهما على صاحبه قالت: (جاء عمى بعد ما ضرب الحجاب فاستأذن على فلم آذن له فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنى له فانه عمك فقلت: يا رسول الله فانما أرضعتني المرأة ولم يرضعنى الرجل قال: تربت يمينك ائذنى له فانه عمك) * ومن طريق مسلم نا عبد الله ابن معاذ العنبري نا أبى نا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت: (استأذن على افلح بن قعيس فابيت ان آذن له فأرسل إلى انى عمك أرضعتك امرأة أخى فأبيت ان آذن له فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: ليدخل عليك فانه عمك) فكان هذا خبرا لا تجوز مخالفته وهو (1) زائد على ما في القرآن * وأما الحنيفيون والمالكيون. فتناقضوا ههنا اقبح تناقض لان كلتا الطائفتين تقول: إذا روى الصاحب خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عن ذلك الصاحب خلاف ما روى فهو دليل على نسخ ذلك الخبر، قالوا ذلك في مواضع، منها ما روى عن جابر في ولد المدبرة انه يعتق في عتقها ويرق في رقها فادعوا ان هذا خلاف لما روى عن جابر (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا، والعجب انه ليس خلافا لما روى بل هو موافق لبيع المدبر لان فيه يرق برقها * قال أبو محمد: وهذا خبر لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الا عائشة وحدها وقد


(1) في النسخة رقم 16 وهذا (2) في النسخة رقم 14 لما روى جابر

[ 6 ]

صح عنها خلافه فاخذوا بروايتها وتركوار أيها ولم يقولوا تخالفه الالفضل علم عندها، وقالوا: لا ندري لاى معنى لم يدخل عليها من ارضعته نساء اخوتها * قال أبو محمد: فكان هذا عجبا جدا يثبت عنها كما أوردنا انه كان لايدخل عليها من أرضعته نساء أبى بكر ونساء اخوتها، ونساء بنى اخوتها بأصح اسناد وانه كان يدخل (1) عليها من أرضعته اخواتها وبنات اخواتها فهل ههنا شئ يمكن ان يحمل هذا عليه؟ الا أن الذين اذنت لهم رأتهم ذوى محرم منها وان الذين لم تأذن لهم لم ترهم ذوى محرم منها ولكنهم لا يستحيون من المجاهرة بالباطل ومدافعة الحق بكل ما جرى على ألسنتهم من غث ورث ونعوذ بالله من الضلال * وقال بعضهم: للمرأة ان تحتجب ممن شاءت من ذوى محارمها فقلنا: ان ذلك لها الا أن تخصيصها رضى الله عنه بالاحتجاب عنهم من أرضعته نساء أبيها ونساء اخوتها ونساء بنى اخواتها دون من أرضعته اخواتها وبنات اخواتها لا يمكن الاللوجه الذى ذكرنا لاسيما مع تصريح ابن الزبير وهو اخص الناس بها بأن لبن الفحل لا يحرم، وأفتى القاسم (2) بذلك فظهر تناقض أقوالهم والحمد لله رب العالمين، وعهدنا بالطائفتين تعترض كلتاهما عن الخبر الثابت بالمسح على العمامة وعلى رضاع سالم بانها زيادة على ما في القرآن ولاشك في أن التحريم بلبن الفحل زيادة على ما في القرآن ولم يجئ مجئ التواتر فظهر أيضا تناقضهم ههنا، وعهدنا بالطائفتين تقولان: ان ما كثر به البلوى لم يقبل فيه خبر الواحد وراموا بذلك الاعتراض على الخبر الثابت من أن البيعين لابيع بينهما حتى يتفرقا ولبن الفحل مما تكثر به البلوى وقد خالفته الصحابة وأمهات المؤمنين هكذا جملة وابن الزبير. وزينب بنت أم سلمة. والقاسم. وسالم. وسعيد بن المسيب. وعطاء بن يسار. وسليمان بن يسار. وأبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف. وأبو بكر بن سليمان بن أبى حثمة. وابراهيم النخعي. وأبو قلابة. ومكحول. وغيرهم فهلا قالوا ههنا. لو كان صحيحا ما خفى على هؤلاء وهو مما تكثر به البلوى كما قالوا في خبر التفرق في البيع وما نعلمه خفى عن أحد من الصحابة والتابعين الا عن ابراهيم النخعي وحده، فظهر بهذا فساد أصولهم الفاسدة التى ذكرنا وانها لا معنى لها وانما هي اعتراض على الحق بالباطل ونعوذ بالله من الخذلان * 1865 مسألة ولو أن رجلا تزوج امرأتين فارضعتهما امرأة رضاعا محرما حرمتا جميعا وانفسخ نكاحهما إذ صارتا بذلك الرضاع أختين أو عمة وبنت أخ أو خالة وبنت أخت أو حريمة امرأة له لانهما معا حدث لهما التحريم فلم تكن احداهما أولى


(1) في النسخة رقم 16 لا يدخل (2) في النسخة رقم 14 فتيا القاسم

[ 7 ]

بالفسخ من الاخرى وكذلك لو دخل بهما فارضعت احداهما الاخرى رضاعا محرما ولا فرق فلو لم يدخل بهما فأرضعت احداهما الاخرى رضاعا محرما انفسخ نكاح التى صارت أما للاخرى وبقى نكاح التى صارت لها ابنة صحيحا لان الله تعالى قال: (وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) فصارت بنت امرأته التى لم يدخل بها ولا هي في حجرة فثبت نكاحها وصارت الاخرى من أمهات نسائه فحرمت جملة وبالله تعالى نتأيد * 1866 مسألة: وأما صفة الرضاع المحرم فانما هو ما امتصه الراضع من ثدى المرضعة بفيه فقط، فاما (1) من سقى لبن امرأة فشربه من اناء أو حلب في فيه فبلعه أو أطعمه بخبز أو في طعام أو صب في فمه أو في انفه أو في اذنه أو حقن به فكل ذلك لا يحرم شيئا ولو كان ذلك غذاء، دهره كله * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فلم يحرم الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى نكاحا الا بالارضاع والرضاعة والرضاع فقط ولا يسمى ارضاعا الاما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع يقال أرضعته ترضعه ارضاعا ولا يسمى رضاعة ولا رضاعا الا اخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدى وامتصاصه اياه تقول: رضع يرضع رضاعا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك مما ذكرنا فلا يسمى شئ منه ارضاعا ولا رضاعة ولا رضاعا انما هو حلب وطعام وسقاء وشرب وأكل وبلع وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله عزوجل بهذا شيئا، فان قالوا. قسنا ذلك على الرضاع والارضاع قلنا: القياس كله باطل ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل وبالضرورة يدرى كل ذى فهم أن الرضاع من شاة أشبه بالرضاع من امرأة لانهما جميعا رضاع من الحقنة بالرضاع ومن السعوط بالرضاع وهم لا يحرمون بغير النساء فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله عزوجل * قال أبو محمد: وقد اختلف الناس في هذا فقال الليث بن سعد: لا يحرم السعوط لبن المرأة ولا يحرم أن يسقى الصبى لبن المرأة في الدواء لانه ليس برضاع انما الرضاع بامص من الثدى هذا نص قول الليث وهذا قولنا وهو قول أبى سليمان وأصحابنا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أرسلت إلى عطاء أسأله عن سعوط للبن للصغير وكحله به أيحرم؟ قال: ما سمعت انه يحرم، وقال أبو حنيفة. واصحابه:


(1) في النسخة رقم 14 بفمه فقط وأما

[ 8 ]

لا يحرم الكحل للصبى باللبن ولا صبه في العين أو الاذن ولا الحقنة به ولا مداواة الجائفة به ولا المأمومة به ولا تقطيره في الاحليل قالوا: فلو طبخ طعام بلبن امرأة حتى صار مرقة نضجة وكان اللبن ظاهرا فيها غالبا عليها بلونه وطعمه فاطعمه صغير الم يحرم ذلك عليه نكاح التى اللبن منها ولا نكاح بناتها وكذلك لو ثرد له خبز في لبن امرأة فاكله كله لم يقع بذلك تحريم أصلا فلو شربه كان محرما كالرضاع * وأما الخلاف في ذلك فانه قال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي: السعوط. والوجور يحرمان كتحريم الرضاع وقد تناقضوا في هذا على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، وروينا عن الشعبى ان السعوط والوجور يحرمان * قال أبو محمد: احتج أهل هذه المقالة بان قالوا: صح عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انه قال: (انما الرضاعة من المجاعة) قالوا: فلما جعل عليه الصلاة والسلام الرضاعة المحرمة ما استعمل لطرد الجوع كان ذلك موجودا في السقى والاكل فقلنا: هذا لاحجة لكم فيه لوجهين، احدهما ان المعنى الذى ذكرتم لاي وجود في السعوط لانه لا يرفع به شئ من الجوع. فان لجوا وقالوا: بل يدفع قلنا لاصحاب أبى حنيفة: ان حظ السعوط من ذلك كحظ الكحل والتقطير في العين باللبن سواء سواء لان كل ذلك واصل إلى الحلق إلى الجوف فلم فرقتم بين الكحل به وبين السعوط به؟ هذا وأنتم تقولون: ان من قطر شيئا من الادهان في اذنه وهو صائم فانه يفطر وكذلك ان احتقن فان كان ذلك يصل إلى الجوف فلم لم يحرموا به في اللبن يحقن بها أو يكتحل به وان كان لا يصل إلى الجوف فلم فطرتم به الصائم؟ وهذا تلاعب لاخفاء به، وقال مالك: ان جعل لبن المرأة في طعام وطبخ وغاب اللبن أو صب في ماء فكان الماء هو الغالب فسقى الصغير ذلك الماء أو اطعم ذلك الطعام لم يقع به التحريم، وأيضا فانهم يحرمون بالنقطة تصل إلى جوفه وهى لا تدفع عندهم شيئا من المجاعة (1) فظهر خلافهم للخبر الذى موهوا بأنهم يحتجون به، والوجه الثاني ان هذا الخبر حجة لنا لانه عليه الصلاة والسلام انما حرم بالرضاعة التى تقابل بها المجاعة ولم يحرم بغيرها شيئا فلا يقع تحريم بما قوبلت به المجاعة من أكل أو شرب أو وجور أو غير ذلك الا أن يكون رضاعة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون) فان موهوا بما روينا من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج انا عبد الكريم ان سالم بن أبى الجعد مولى الاشجعى حدثه ان أباه أخبره انه سأل على بن أبى طالب فقال: انى اردت ان أتزوج امرأة وقد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به


(1) في النسخة رقم 14 من الجوع وما هنا أنسب بلفظ الحديث

[ 9 ]

فقال له على: لا تنكحها ونهاه عنها، وكان على بن أبى طالب يقول: ان سقته امرأته من لبن سريته أو سقته سريته من لبن امرأته لتحرمها عليه فلا يحرمها ذلك * قال أبو محمد: هذا عليهم لا لهم لان فيه رضاع الكبير والتحريم به وهم لا يقولون بذلك، وفيه ان رضاع الضرائر لا يحرم عند على وهم لا يقولون بهذا * 1867 مسألة قال أبو محمد: وان ارتضع صغير أو كبير من لبن ميتة أو مجنونة أو سكرى خمس رضعات فان التحريم يقع به لانه رضاع صحيح، وقال الشافعي: لا يقع بلبن الميتة رضاع لانه نجس، قال على: هذا عجب جدا ان يقول في لبن مؤمنة انه نجس وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (المؤمن لا ينجس) وقد علمنا ان المؤمن في حال موته وحياته سواء هو طاهر في كلتا الحالتين، ولبن امرأة بعضها وبعض الطاهر طاهر الا أن يخرجه عن الطهارة نص فيوقف عنده ثم يرى لبن الكافرة طاهرا يحرم وهو بعضها، والله تعالى يقول: (انما المشركون نجس) وبعض النجس نجس بلاشك، فان قيل: فأنتم تقولون: ان لبن الكافرة نجس بلاشك وانتم تجيزون مع ذلك استرضاع الكافرة قلنا: لان الله تعالى أباح لنا نكاح الكتابية وأوجب على الام رضاع ولدها وقد علم الله تعالى أنه سيكون لنا أولاد منهن (وما كان ربك نسيا) الا اننا نقول: ان غير الكتابية لا يحل لنا استرضاعها لانها ليست مما أبيح لنا اتخاذهن أزواجا وطلب الولد منهن فبقى لبنها على النجاسة جملة وبالله تعالى التوفيق * ثم نقول: لو خالط لبن المرضعة دم ظاهر من فم المرضع أو غير ذلك من المحرمات لحرم كما يحرم الذى لم يخالطه شئ من ذلك لاننا قد بينا في كتاب الطهارة من كتابنا هذا وغيره أن النجس والحرام إذا خالطهما الطاهر الحلال فان الطاهر طاهر والنجس نجس والحلال حلال والحرام حرام فالمحرم هو اللبن لاما خالطه من حرام أو نجس ولكل شئ حكمه وبالله تعالى التوفيق، ولبن المشركة انما ينجس هو وهى بذلك لدينها النجس فلو أسلمت لطهرت كلها فلا رضاعها حكم الارضاع في التحريم لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 1868 مسألة ولا يحرم من الرضاع الا خمس رضعات تقطع كل رضعة من الاخرى أو خمس مصات مفترقات كذلك أو خمس ما بين مصة ورضعة تقطع كل واحدة من الاخرى هذا إذا كانت المصة تغنى شيئا من دفع الجوع والا فليست شيئا ولا تحريم شيئا، وهذا مكان اختلف فيه السلف فروى عن طائفة أنه لا يحرم الا عشر رضعات لا أقل من ذلك كما روينا من طريق مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ارسلت به إلى أم كلثوم أختها بنت أبى بكر الصديق (م 2 - ج 10 المحلى)

[ 10 ]

وهى ترضع فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل على قال سلم: فأرضعتني ثلاث رضعات ثم مرضت أم كلثوم فلم ترضعني فلم أكن أدخل على عائشة أم المؤمنين من أجل أن أم كلثوم لم تتم لى عشرا من الرضعات * ومن طريق مالك عن نافع عن صفية بنت أبى عبيد أنها أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت عاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر ترضعة عشر رضعات ليدخل عليها وهو صغير ففعلت فكان يدخل عليها * قال أبو محمد: عاصم بن عبد الله بن سعد هذا هو مولى عمر بن الخطاب * ثنا أحمد ابن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا أحمد بن فراس نا محمد بن على بن يزيدنا سعيد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن ابراهيم بن عقبة قال: سألت عروة بن الزبير عن الرضاع فقال: كانت عائشة لا ترى شيئا دون عشر رضعات فصاعدا، فدل هذا على أنه قول عروة لانه أجاب به الذى استفتاه، وقد روى أيضا سبع رضعات كما حدثنا أحمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير بن حرب نا عبيد الله بن عمر القواريرى نا معاذ بن هشام الدستوائى حدثنى أبى عن قتادة عن أبى الخليل صالح بن أبى مريم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: انما يحرم من الرضاع سبع رضعات * قال أبو محمد: الاول عنها أصح وهذا قد رواه من هو أحفظ من أبى الخليل ومن يوسف بن ماهك كما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابراهيم بن عقبة ان سأل عروة بن الزبير عن صبى شرب قليلا من لبن امرأة فقال له عروة: كانت عائشة تقول: لا تحرم دون سبع رضعات أو خمس، وطائفة قالت: بخمس، رضعات كما قلنا نحن كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت: لا تحرم دون خمس رضعات معلومات * قال أبو محمد: هذا يخرج على أنها كانت تأخذ لنفسها بعشر رضعات ولغيرها بخمس رضعات * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد ابن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا محمد بن أبى عدى عن حنظلة بن أبى سفيان الجمحى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت قال: لا تحرم الرضعة والرضعتان والثلاث وهو قول الشافعي. وأصحابه، وطائفة قالت: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات وهو قول سليمان بن يسار. وسعيد بن جبير. وأحمد بن حنبل. واسحق ابن راهويه. وأبى عبيد. وأبى ثور. وابن المنذر. وأبى سليمان. وجميع أصحابنا،

[ 11 ]

وظن قوم أنه يدخل في هذا القول ما رويناه من طريق أحمد بن شعيب نا أحمد بن حرب الموصلي نا أبو معاوية الضرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين. وعبد الله بن الزبير قالا جميعا: لا تحرم المصة ولا المصتان * ومن طريق سعيد بن منصور ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن ابراهيم بن عقبة قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرضاع؟ فقال: لا أقول كما يقول ابن عباس. وابن الزبير كانا يقولان: لا تحرم المصة ولا المصتان * قال أبو محمد: كل هذا ليس فيه بيان أنهم كانوا يحرمون بالثلاث، وقالت طائفة: لا يحرم من الرضاع الاما فتق الامعاء وأخصب الجسم كما روينا من طريق أحمد بن شعيب ارنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التنورى حدثنى أبى يعنى عبد الوارث نا حسين هو المعلم نامكحول عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: ليس بالمصة والا بالمصتين بأس انما الرضاع ما فتق الامعاء * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج عن ثور هو ابن زيد عن عمرو بن شعيب ان سفيان بن عبد الله كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله ما يحرم من الرضاع؟ فكتب إليه أنها لا يحرم منها الضرار والعفافة والملجة، والضرار أن ترضع المرأة الولدين كى تحرم بينهما، والعفافة الشئ اليسير الذى يبقى في الثدى، والملجة اختلاس المرأة ولد غيرها فتلقمه ثديها. قال ابن جريج: وأخبرني محمد بن عجلان ان عمر بن الخطاب أتى بغلام وجارية أرادوا ان يناكحوا بينهما قد علموا ان امرأة ارضعت احدهما فقال لها عمر: كيف ارضعت الآخر؟ قالت: مررت به وهو يبكى فارضعته أو قالت فأمصصته فقال عمر: ناكحوا بينهما فانما الرضاعة الخصابة * ومن طريق عبد الرزاق نامعمر. وابن جريج قالا جميعا: نا هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن الحجاج بن الحجاج الاسلمي انه استفتى أبا هريرة فقال له أبو هريرة: لا يحرم الا ما فتق الامعاء يعنى من الرضاع * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن ابى خالد عن أبى عمر الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: لا يحرم من الرضاع الاما انبت اللحم وانشز العظم وبه يؤخذ * قال أبو محمد: هكذا نص الحديث نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن ابى حصين عن ابى عطية الوادعى ان ابن مسعود قال: انما الرضاع ما أنبت اللحم والعظم فبلغ ذلك أبا موسى الاشعري فقال: لا تسألوني عن شئ مادام هذا الحبرين أظهركم * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري

[ 12 ]

أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: لارضاع الا ما أنبت اللحم والدم * وذهبت طائفة إلى التحريم بما قل أو كثر ولو بقطرة صح ذلك عن ابن عمر. وعن ابن عباس في أحد قوليه، وروى عن على بن أبى طالب. وابن مسعود منقطعا دونهما * وعن جابر ابن عبد الله كذلك أيضا، وصح عن سعيد بن المسيب في أحد قوليه، وصح أيضا عن عطاء. وعروة. وطاوس، وروى عن الحسن. والزهرى. ومكحول. وقتادة. وربيعة. والقاسم. وسالم. وقبيصة بن ذؤيب، وهو قول أبى حنيفة. ومالك. والاوزاعي. والليث بن سعد. وسفيان الثوري، فنظرنا فيما احتج به من ذهب إلى سبع رضعات فلم نجد لهذا القول متعلقا فسقط ثم نظرنا فيما احتج به من ذهب إلى عشر رضعات فوجدناهم يذكرون ما كتب به إلى أبو المرجى على بن عبد الله بن زرواز نا أبو الحسن محمد بن حمزة الرحبى نا أبو مسلم الكاتب نا أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المغلس قال نا عبد الله بن احمد ابن حنبل قال. نا أبى نا يعقوب بن ابراهيم الزهري نا أبى هو ابراهيم بن سعد عن ابن اسحق قال تى الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين ان سهلة بنت سهيل اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: ان سالما كان منا حيث علمت كنا نعده ولدا وكان يدخل على فلما أنزل الله عزوجل فيه وفى اشباهه أنكرت وجه أبى حذيفة إذ رآه يدخل على قال: فارضعيه عشر رضعات ثم ليدخل عليك كيف شاء فانما هو ابنك * قال أبو محمد: وهذا اسناد صحيح الا انه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما، أحدهما ان يكون ابن اسحاق وهم فيه لانه قد روى هذا الخبر عن الزهري من هو أحفظ من بن اسحق وهو ابن جريج فقال فيه: أرضعيه خمس رضعات على ما نورده بعد هذا ان شاء الله عزوجل، أو يكون محفوظا فتكون رواية ابن اسحق صحيحة ورواية ابن جريج صحيحة فيكونان خبرين اثنين فإذا كان ذلك فالعشر الرضعات منسوخات على ما نورد بعد هذا ان شاء الله تعالى فسقط هذا الخبر إذ لا يخلو ضرورة من أن يكون وهما أو منسوخا لابد من أحدهما، ثم نظرنا فيما احتج به من حرم بثلاث رضعات لا بأقل فوجدناهم يحتجون بالخبر المشهور من طرق شتى، منها ما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن عبد الله بن نمير نا اسماعيل بن ابراهيم هو ابن علية عن أيوب السختيانى عن ابن أبى مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحرم المصة ولا المصتان " وهكذا رواه أصحاب شعبة عن شعبة عن ايوب السختيانى عن ابن أبى مليكة عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تحرم المصة ولا المصتان " *

[ 13 ]

قال أبو محمد: ابن أبى مليكة أدرك أم المؤمنين فسمعه منها ومن ابن الزبير عنها فحدث به كذلك وهو الثقة المأمون المشهور، ومن طريق أحمد بن شعيب انا محمد بن عبد الله بن بزيغ نا يزيد هو ابن زريع نا سعيد هو ابن أبى عروبة عن قتادة قال: كتبنا إلى ابراهيم النخعي نسأله عن الرضاع؟ فكتب ان أبا الشعثاء المحاربي حدثنا ان عائشة أم المؤمنين حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (لا تحرم الخطفة ولا الخطفتان) * ومن طريق أحمد بن شعيب أخبرني عبيد الله بن فضالة بن ابراهيم النسائي نا مسلم بن ابراهيم نا محمد بن دينار نا هشام بن عروة عن ابيه عن ابن الزبير عن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الاملاجة ولا الاملاجتان) * ومن طريق أحمد بن شعيب اخبرني شعيب بن يوسف النسائي عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة أخبرني ابى عن عبد الله بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحرم المصة ولا المصتان) * قال أبو محمد: ابن الزبير سمع اباه وخالته أم المؤمنين فرواه عن كل واحد منهما وله أيضا صحبة والا فليخبرنا المقدم على نصر الباطل ودفع الحق ومؤثر رأيه على ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتهم من رواة هذه الاخبار، وقد صح أيضا من طريق أبى هريرة كما روينا من طريق احمد بن شعيب انا محمد بن منصور الطوسى نا يعقوب هو ابن ابراهيم بن سعد نا أبى عن محمد بن اسحق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله ابن الزبير عن الحجاج بن الحجاج الاسلمي عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحرم من الرضاع المصة ولا المصتان ولا يحرم منه الا ما فتق الامعاء من اللبن " وصح أيضا من طريق أم الفضل أم عبد الله بن العباس كما روينا من طريق مسلم نا اسحاق هو ابن راهويه ويحيى بن يحيى. وعمرو الناقد كلهم عن المعتمر بن سليمان التيمى واللفظ ليحيى قال: نا المعتمر بن سليمان عن أيوب هو السختيانى عن أبى الخليل هو صالح ابن أبى مريم عن عبد الله بن الحارث هو ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن أم الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان " * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة عن عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى الخليل عن عبد الله بن الحارث ان أم الفضل حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا المصة ولا المصتان ": ورويناه أيضا من طريق مسلم نا ابن أبى عمرنا بشرين السرى نا حماد بن أبى سملة عن قتادة عن أبى الخليل الضبعى عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أم الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان " * وناه حمام بن أحمدنا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك

[ 14 ]

ابن أيمن نا جعفر بن محمد الصائغ نا عفان بن مسلم ناوهيب بن خالد نا أيوب السختيانى عن صالح أبى الخليل الضبعى عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحرم الاملاجة ولا الا ملاجتان) قالوا: فهذه آثار صحاح رواها أم المؤمنين. وأم الفضل. والزبير. وأبو هريرة. وابن الزبير كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت مجئ التواتر قالوا: فهى مستثناة من عموم قول الله عزوجل: (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) وبقى ما زاد على التحريم * قال أبو محمد: صدقوا في أنها في غاية الصحة ولكن لو لم يرد غيرها لكان القول ما قالوا لكن قد جاء غير هذه مما سنذكره الآن إن شاء الله عزوجل، ثم نظرنا فيما احتج به من لم يحد المحرم من الرضاع إلا بما أغنى من الجوع فوجدنا هم يحتجون بما رويناه من طريق مسلم نا هناد بن السرى نا أبو الأحوص عن اشعث بن أبى الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة أم المؤمنين (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: انظرن من اخوتكن من الرضاعة فانما الرضاعة من المجاعة) ورويناه أيضا من طريق شعبة. وسفيان الثوري. وزائدة كلهم عن أشعث بن ابى الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم (انما الرضاعة من المجاعة) وقد أوردنا أيضا قبل من طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من انه لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الامعاء، ورويناه أيضا من طريق شريح بن النعمان عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن الحجاج بن الحجاج الاسلمي عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: وهذان أثران في غاية الصحة والحجة بهما قائمة، ثم نظرنا فيما احتج به من قال: لا يحرم من الرضاع أقل من خمس رضعات فوجدنا ما رويناه من طريق حماد بن سملة عن يحيى بن سعيد الانصاري. وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق كلاهما عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت: نزل القرآن ان لا يحرم الا عشر رضعات ثم نزل بعد وخمس معلومات هذا لفظ يحيى بن سعيد، ولفظ عبد الرحمن قالت: (كان مما نزل من القرآن ثم سقط لا يحرم من الرضاع الا عشر رضعات ثم نزل بعد وخمس معلومات) * ومن طريق القعنبى عن مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وهن مما يقرأ من القرآن) * وروينا أيضا معناه من طريق مسلم نا القعنبى. ومحمد بن المثنى قال ابن المثنى نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى، وقال:

[ 15 ]

القعنبى: نا سليمان بن بلال ثم اتفق سليمان: وعبد الوهاب كلاهما عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت: لما نزل في القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل أيضا خمس معلومات * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج أنا ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين (ان أبا حذيفة تبنى سالما وهو مولى امرأة من الانصار كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه حتى انزل الله عزوجل: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فان لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم) فردوا إلى آبائهم فمن لم يعرف له اب فمولى واخ في الدين فجاءت سهلة فقالت: يارسول الله: (انا كنا نرى سالما ولدا يأوى معى ومع أبى حذيفة ويرانى فضلا وقد أنزل الله فيه ما قد علمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه خمس رضعات) فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة * قال أبو محمد: وهذان خبران في غاية الصحة وجلالة الرواة وثقتهم ولا يسع أحدا الخروج عنهما، وهذا الخبر من رواية ابن جريج يبين وهم رواية ابن اسحق لهذا الخبر فذكر فيه عشر رضعات أو نسخة إذ قد يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام أفتاها بالعشر قبل أن ينزل التحريم بالخمس ثم أفتاها بالخمس بعد نزولها وقد لا يكون بين الامرين الا بعض ساعة، ثم نظرنا فيما احتج به من رأى أن التحريم بقليل الرضاعة وكثيرها فوجدناهم يحتجون بقول الله عزوجل: (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) قالوا: فعم الله عزوجل ولم يخص، ثم ذكروا آثارا صحاحا مثل قوله عليه الصلاة والسلام في بنت حمزة: انها ابنة أخى من الرضاعة، وقوله صلى الله عليه وسلم في بنت أبى سلمة: أنها ابنة أخى من الرضاعة وقوله عليه السلام لعائشة أم المؤمنين في عمها من الرضاعة: انه عمك فليلج عليك وفى عم حفصة أم المؤمنين: أرى فلانا يعنى عمها من الرضاعة وبالخبر الثابت في أمر سالم مولى أبى حذيفة ورويناه من طريق سفيان بن عيينة. وسفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين * ومن طريق أيوب السختيانى. وابن جريج عن ابن أبى مليكة عن القاسم ابن محمد عن عائشة أم المؤمنين * ومن طريق مالك بن أنس. ويونس بن يزيد. وجعفر بن ربيعة كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين، ومن طريق شعبة عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين. عن عائشة أم المؤمنين كلهم لم يذكروا الا ارضعيه فقط دون ذكر عدد، وذكروا قوله عليه الصلاة والسلام: (انما الرضاعة من المجاعة ولا يحرم من الرضاع الا ما فتق الامعاء) قالوا: فلم يذكر عليه الصلاة والسلام

[ 16 ]

في كل ذلك عددا، وذكروا مما لاخير فيه خبرا رويناه من طريق ابن وهب عن مسلمة ابن على عن رجال من أهل العلم عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحرم من الرضاعة؟ فقال: الرضعة والرضعتان) * قال أبو محمد: أما هذا الخبر فخبر سوء موضوع ومسلمة بن على فساقط لا يروى عنه قد أنكر الناس على بن وهب الرواية عنه ثم ذكره عمن لم يسمه فلا معنى لان يشتغل بالباطل * وأما الاخبار الثابتة التى ذكرنا قبل والآية المذكورة فان كل ذلك حق لكن لما جاءت رواية الثقات التى ذكرنا بانه لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان وانه انما يحرم خمس رضعات كانت هذه الاخبار زائدة على ما في تلك الآية وفي تلك الاخبار وكانت رواية ابن جريج في حديث أبى حذيفة أرضعيه خمس رضعات هي زائدة (1) على رواية من ذكرنا، وابن جريج ثقة لا يجوز ترك زيادته التى انفرد بها، وقد فعل المخالفون لنا مثل هذا حيث يجب ان يفعل وحيث لا يجب أن يفعل كتركهم عموم القرآن في قطع السارق لرواية فاسدة في العشرة الدراهم ولرواية صالحة في ربع الدينار وكزيادة المالكيين التدلك في الغسل على ما في القرآن لغير نص وكزيادة الحنيفيين الوضوء بالنبيذ ومن الرعاف والقئ لروايات في غاية الفساد وترك الزيادة التى يرويها العدل خطأ لا تجوز لانها رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة فمن خالفها فقد خالف أمره عليه الصلاة والسلام فهذا لا يجوز * واعترضوا بالآثار التى جاءت بخمس رضعات محرمات بما رويناه عن طاوس أنه قال: كان لازواج النبي صلى الله عليه وسلم رضاعات محرمات ولسائر النساء رضاعات معلومات، ثم ترك ذلك بعد (2) وانه سئل عز قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات ثم صار إلى خمس، وقال طاوس: قد كان ذلك فحدث بعد ذلك امر جاء بالتحريم المرة الواحدة تحرم * قال أبو محمد: هذا قول طاوس لم يسنده إلى صاحب فضلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا لا تقوم به حجة ولا يحل القطع بالنسخ بظن تابعي: وقالوا أيضا: قول الراوى فمات عليه الصلاة والسلام وهو مما يقرأ من القرآن قول منكر وجرم في القرآن ولا يحل أن يجوز أحد سقوط شئ من القرآن بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: ليس كما ظنتم انما معنى قول عبد الله بن أبى بكر في روايته لما ذكرتم ثم أي انه عليه الصلاة والسلام مات وهو مما يقرأ مع القرآن بحروف الجر يبدل بعضها من بعض، ومما يقرأ من القرآن الذى بطل ان يكتب في المصاحف وبقى حكمه كالآية الرجم سواء سواء فبطل


(1) في النسخة رقم 16 هي زيادة (2) في النسخة رقم 16 ثم نزل بعد ذلك

[ 17 ]

اعتراضهم المذكور، واعترضوا على الخبر الثابت الذى فيه (لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الرضعة ولا الرضعتان) بأن قالوا: هو خبر مضطرب في سنده فمرة عن عائشة ومرة عن الزبير فقلنا: فكان ماذا هذا قوة للخبر أن يروى من طرق وما يعترض بهذا في الآثار الا جاهل بما يجب في قبول النقل الثابت لانه اعتراض لادليل على صحته أصلا انما هو دعوى فاسدة، والعجب كله أنهم يعيبون الاخبار الثابتة بنقلها مرة عن صاحب ومرة عن آخر ثم لا يفكر الحنيفيون في أخذهم بحديث ايمن فيما تقطع فيه يد السارق، وهو حديث ساقط مضطرب فيه أشد الاضطراب ولا يفكر المالكيون في أخذهم في ذلك بحديث ربع الدينار، وفى الصدقة في الفطر بخبر ابى سعيد وكلاهما أشد اضطرابا من خبر الرضعتين ولكنهم يتعلقون بما أمكنهم، وقالوا: عروة ابن الزبير أحد رواة ذلك الخبر وقد روى عنه أن قليل الرضاع وكثيره لا يحرم فقلنا: فكان ماذا انما الحجة في روايته لا رأيه، وقد أفردنا في كتابنا المعروف بالاعراب اضطراب الطائفتين في هذا المعنى وأخذهم برواية الراوى وتركهم لرأيه في خلافه لما رواه * وذكروا أيضا اعتراضات في غاية الفساد والغثاثة لا يخفى سقوطها على ذى فهم عمدتها ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق، فوجب الاخذ بهذه الاخبار، ولما كان عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنه لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا المصة ولا المصتان علمنا أن المصة غير الرضعة فمن ذلك قلنا: ان استنفاد الراضع ما في الثديين متصلا رضعة واحدة وان المصة لا تحرم الا إذا علمنا أنها قد سدت مسدا من الجوع ولا يوقن بوصولها إلى الامعاء وان اليسير من ذلك الدى لا يسد مسدا من الجوع ولا يوقن بوصوله إلى الامعاء لا يحرم شيئا اصلا وبالله تعالى التوفيق * 1869 مسألة ورضاع الكبير محرم ولو أنه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير (1) ولا فرق، وهذا مكان اختلف الناس فيه فطائفة قالت: يحرم من الرضاع في الصغر ولا يحرم في الكبر ولم يحدوا حدا في ذلك كما روينا من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حاش عائشة وحدها كن يرين رضاع سالم مولى أبى حذيفة خاصة له فدل ذلك على أنهن كن يرين لا يحرم الارضاع الصغير لارضاع الكبير دون ان يرد عنهن في ذلك حد * ومن طريق مالك عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر وقد سأله رجل عن رضاع الكبير فقال له ابن عمر: قال عمر بن الخطاب: انما الرضاعة رضاعة الصغير * ومن طريق مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: لا رضاعة الا ما أرضع في الصغر ولا رضاعة لكبير *


(1) في النسخة رقم 16 من رضاع الصغير. (م 3 - ج 10 المحلى)

[ 18 ]

وقالت طائفة: لا يرم من الرضاع إلا ما كان في المهد كما روينا من طريق أبى داود حدثنى أحمد بن صالح حدثنى عنبسة حدثنى يونس هو ابن يزيد عن ابن شهاب حدثنى عروة بن الزبير أبى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بالرضاعة أحد حتى يرضع في المهد * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب قال: لا رضاع الا ما كان في المهد * وقالت طائفة: لا يحرم من الرضاع الا ما كان قبل الفطام وأما بعد الفطام فلا كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن أم سملة أم المؤمنين رضى الله عنها سئلت هل يحرم الرضاع بعد الفطام؟ فقالت: لارضاع بعد فطام * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى حصين عن أبى عطية الوادعى أن رجلا مص من ثدى امرأته فدخل اللبن في حلقه فسأل ابا موسى الاشعري عن ذلك؟ فقال له أبو موسى: حرمت عليك امرأتك ثم سأل ابن مسعود عن ذلك قال أبو عطية ونحن عنده فقام ابن مسعود وقمنا معه حتى أتى أبا موسى الاشعري فقال: أرضيعا ترى هذا؟ انما الرضاع ما أنبت اللحم والعظم فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شئ مادام هذا الحبرين أظهركم، فتبين ههنا أنه انما يحرم مدة تغذى الرضيع باللبن * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جويبر عن الضحاك عن النزال هو ابن سبرة عن على بن أبى طالب قال: لارضاع بعد الفصال * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عمن سمع من ابن عباس يقول: لارضاع بعد الفطام * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الحسن. والزهرى. وقتادة قالوا: لارضاع بعد الفصال قال معمر: وأخبرني من سمع عكرمة يقول ذلك ويقول: الرضاع بعد الفطام مثل الماء يشربه وبه يقول الاوزاعي وقال: ان فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع الثاني شيئا قال: فان تمادى رضاعه ولم يفطم قبل الحولين فانه ما كان في الحولين فانه يحرم وما كان بعدهما فانه لا يحرم وان تمادى الرضاع * وقالت طائفة: لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الامعاء كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان هو ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن الحجاج بن الحجاج الاسلمي عن أبى هريرة قال: لارضاع الا ما فتق الامعاء * وقالت طائفة: لا يحرم من الرضاع الا ما كان في ثلاثة اعوام واما ما رضع بعد الثلاثة الاعوام فلا يحرم، وهذا قول زفر بن الهذيل * وقالت طائفة: لا يحرم من الرضاع الا ما كان في عامين وستة أشهر فما


(1) في النسخة رقم 16 وشهرين

[ 19 ]

كان بعد ذلك فانه لا يحرم وهو قول أبى حنيفة * وقالت طائفة: لا يحرم من الرضاع الا ما كان في عامين وشهرين فما كان بعد ذلك لم يحرم وهذا قول مالك، وهذه الاقوال الثلاثة قول أبى حنيفة. وزفر. ومالك، ما نعلم أحدا من أهل العلم قال بشئ منها قبل المذكورين ولا معهم الا من قلدهم اتباعا لهواهم ونعوذ بالله من الفتنة * وقالت طائفة: لا يحرم من الرضاع الا ما كان في الحولين، وأما الرضاع بعدهما فلا يحرم كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي عن ابن مسعود قال: لارضاع بعد حولين * ومن طريق أبى عبيدنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: لارضاع الا في الحولين * ومن طريق مالك عن ابراهيم بن عقبة أنه سأل سعيد بن المسيب. وعروة بن الزبير عن الرضاعة؟ فقالا جميعا: كل ما كان في الحولين وان كانت قطرة واحدة فهى تحرم وما كان بعد الحولين فانما هو طعام يأكله * ومن طريق أبى عبيدنا عبد الرحمن ابن مهدى عن سفيان الثوري عن اسحق الشيباني قال: سمعت الشعبى يقول: ما كان من سعوط أو وجورا أو رضاع في الحولين فهو يحرم وما كان بعد الحولين لم يحرم شيئا، وهو قول ابن شبرمة. وسفيان الثوري. والشافعي. وأبى يوسف. ومحمد بن الحسن: وأبى سليمان. وأصحابنا، ورواه ابن وهب عن مالك ثم رجع إلى الذى ذكرنا قبل لانه هو المأثور عنه في موطئه الذى قرئ. عليه إلى أن مات * قال أبو محمد: وقالت طائفة: ارضاع الكبير والصغير يحرم كما ذكرنا قبل عن أبى موسى وان كان قد رجع عنه * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني عبد الكريم أن سالم (1) بن أبى الجعد مولى الاشجعى أخبره ان أباه أخبره أنه سأل على بن أبى طالب فقال: ان أردت أن أتزوج امرأة وقد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به فقال له على: لا تنكحها ونهاه عنها * ومن طريق مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاع الكبير؟ فقال: أخبرني عروة بن الزبير بحديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل بأن ترضع سالما مولى أبى حذيفة خمس رضعات وهو كبير ففعلت فكانت تراه ابنا لها قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال فكانت تأمر أختها ام كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبى رباح وسأله رجل فقال: سقتني امرأة من لبنها بعدما كنت رجلا


(1) في النسخة رقم 16 عبد الكريم بن سالم وهو غلط

[ 20 ]

كبيرا أفأنكحها؟ قال عطاء: لاقال ابن جريج فقلت له: وذلك رأيك قال: نعم كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها وهو قول الليث بن سعد * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة. وزفر. ومالك فلا خفاء بفسادها الا على قول من يقول في النهار. انه ليل مكابرة ونصرا للباطل، ومن عجائب الدنيا قول بعض المفتونين لما قال الله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) دل ذلك على ان ههنا حولين ناقصين وأشار إلى عددها بالشمس * قال أبو محمد: فجمع هذا القول مخالفة عزوجل ومكابرة الحس أما مخالفة الله عزوجل فانه يقول: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم) فنص تعالى على ان عدة الشهور عنده هي التى منها أربعة حرم وانه في كتاب الله يوم خلق السموات والارض وان ذلك هو الدين القيم ولا يمكن أن تكون الاشهر الحرم الا في الاشهر العربية القمرية فمن خالف ذلك فقد خالف الدين القيم ونسب إلى الله تعالى الكذب من انه أمر أن يراعى عدد الحولين بالعجمية، وأما مكابرة العيان فانه ليس بين الحولين الاعجميين المعدودين بالشمس وقطعهما للفلك وبين الحولين العربيين المعدودين بالقمر والا اثنان وعشرون يوما، فالزيادة على ذلك إلى تمام شهرين لا ندري من اين اتت والقطع بالتحريم والتحليل في دين الله عزوجل بمثل هذا لا يحل، وأما من حد ذلك بما كان في المهد فكلام أيضا لا تقوم بصحته حجة لامن قرآن ولا من سنة ولا من اجماع ولا من قياس ولامن رواية ضعيفة فسقط هذا القول، وأما من حد ذلك بما كان في الصغر فان الصغر يتمادى إلى بلوغ الحلم لانه قبل ذلك لا تلزمه الحدود ولا الفرائض وهذا حد لا يوجبه قرآن ولاسنة، وأما من حد ذلك بالفطام فانهم احتجوا بقول الله عزوجل: (فان أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه التحريم إذ ليس للتحريم في هذه الآية ذكر ولا في تراضيهما بالفصال تحريم لان يرتضع الولد بعد ذلك انما فيها انقطاع النفقة الواجبة على الاب في الرضاع وليس بانقطاع حاجة الصبى إلى الرضاع ينقطع التحريم برضاعه ان رضع اذلم يأت بذلك قرآن ولاسنة، واحتجوا بخبر رويناه من طريق أحمد ابن شعيب انا قتيبة بن سعيدنا أبو عوانة نا هشام بن عروة عن فاطمه بنت المنذر عن أم سلمة أم المؤمنين قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الامعاء في الثدى وكان قبل الفطام) *

[ 21 ]

قال أبو محمد: هذا خبر منقطع لان فاطمة بنت المنذر لم تسمع من أم سلمة أم المؤمنين لانها كانت اسن من زوجها هشام باثنى عشر عاما وكان مولد هشام سنة ستين فمولد فاطمة على هذا سنة ثمان وأربعين وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين وفاطمة صغيرة لم تلقها فكيف ان تحفظ عنها ولم تسمع من خالة أبيها عائشة أم المؤمنين شيئا وهى في حجرها انما أبعد سماعها من جدتها اسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهم * وموهوا أيضا بخبرين ساقطين أحدهما من طريق معمر عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن على عن النبي صلى الله عليه وآله (لارضاع بعد الفصال) والآخر من طريق معمر أيضا عن حرام بن عثمان عن عبد الرحمن. ومحمد ابني جابر بن عبد الله عن أبيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر كلاما كثيرا وفيه ولا رضاع بعد الفطام، وهذان خبران لا يجوز التشاغل بهما لان جويبرا ساقط والضحاك ضعيف. وحرام بن عثمان هالك بمرة فسقط كل ما تعلقوا به وبالله تعالى التوفيق وسقطت الاقوال كلها الاقول مزراعي الحولين وقول من لم يراع في ذلك حدا أصلا فنظرنا فيمن راعى الحولين فوجدناهم يحتجون بقول الله عزوجل: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وبقوله عزوجل: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، وبقوله عزوجل: (حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين) فقالوا: قد قطع الله عزوجل ان فصال الرضيع في عامين وان رضاعه حولان كاملان لمن أراد ان يتم الرضاعة قالوا: فلا رضاع بعد الحولين أصلا لان الرضاعة قد تمت وإذا انقطع الرضاع انقطع حكمه من التحريم وغير ذلك * قال أبو محمد: صدق الله تعالى وعلينا الوقوف عند ما حد عزوجل ولو لم يأت نص غير هذا لكان في هذه النصوص متعلق لكن قد جاء في ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا عمرو الناقد. وابن أبى عمر، قالا جميعا: نا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبى بكر الصديق عن ابيه عن عائشة أم المؤمنين (قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله انى أرى في وجه أبى حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ارضعيه فقالت: وكيف ارضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد علمت أنه رجل كبير) * ومن طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه ومحمد بن أبى عمرو اللفظ له قال: نا عبد الوهاب الثقفى عن أيوب هو السختيانى عن ابن أبى ملكية عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين أن سالما مولى ابى حذيفة كان مع أبى حديفة وأهله في بيتهم فأتت يعنى سهلة بنت سهيل إلى النبي

[ 22 ]

صلى الله عليه وسلم فقالت: ان سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وانه يدخل علينا وانى أظن أن في نفس أبى حذيفة من ذلك شيئا فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذى في نفس أبى حذيفة) * ومن طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سملة قالت: قالت أم سملة لعائشة رضى الله عنهما أنه يدخل عليك الغلام الايفع الذى ما أحب أن يدخل على فقالت عائشة: أما لك في رسول اله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ أن امرأة أبى حذيفة قالت: يا رسول الله ان سالما يدخل على وهو رجل وفى نفس أبى حذيفة منه شئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه حتى يدخل عليك * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سالما كان يدعى ابن أبى حذيفة وان الله قد أنزل في كتابه ادعوهم لآبائهم وكان يدخل على وانا فضل (1) ونحن في منزل ضيق فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعي سالما تحرمي عليه قال الزهري: قال بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ندري لعل هذه كانت رخصة لسالم خاصة قال الزهري: فكانت عائشة تفتى بأنه يحرم الرضاع بعد الفصال حتى ماتت * قال أبو محمد: فهذه الاخبار ترفع الاشكال وتبين مرادا لله عزوجل في الآيات المذكورات أن الرضاعة التى (2) تتم بتمام الحولين أو بتراضى الابوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحا للرضيع أنها هي الموجبة للنفقة على المرضعة والتى يجبر عليها الابوان أحبا أم كرها، ولعمري لقد كان في الآية كفاية في هذا لانه تعالى قال: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فأمر تعالى الوالدات بارضاع المولود عامين وليس في هذا تحريم الرضاعة بعد ذلك ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين وكان قول الله تعالى: (وأمهاتكم اللاتى ارضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) ولم يقل تعالى في حولين ولا في وقت دون وقت زائدا على الآيات الاخر وعموما لا يجوز تخصيصه إلا بنص يبين أنه مخصص له لا بظن ولا بمحتمل لابيان فيه، وكانت هذه الآثار قد جاءت مجئ التواتر رواها نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوردنا. وسهلة بنت سهيل من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة، ورواه من التابعين القاسم بن محمد. وعروة بن الزبير. وحميد ابن نافع، ورواه عن هؤلاء الزهري. وابن ابى ملكية. وعبد الرحمن بن القاسم. ويحيى بن سعيد الانصاري. وربيعة، ورواه عن هؤلاء أيوب السختيانى. وسفيان


(1) أي متبذلة في ثياب مهنتي (2) في النسخة رقم 16 الرضاع الذى وهو لا يناسب ما بعده

[ 23 ]

الثوري. وسفيان بن عيينة. وشعبة. ومالك. وابن جرير. وشعيب بن أبى حمزة. ويونس بن يزيد. وجعفر بن ربيعة. وسليمان بن بلال. ومعمر. وغيرهم، ورواه عن هؤلاء الناس الجماء الغفير فهو نقل كافة لا يختلف مؤالف ولا مخالف في صحته فلم يبق من الاعتراض الا أن يقول قائل: هو خاص لسالم كما قال بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فليعلم من تعلق بهذا أنه ظن ممن ظن ذلك منهن رضى الله عنهن، وهكذا جاء في الحديث أنهن قلن: ما نرى هذا الاخاصا لسالم وما ندري لعله رخصة لسالم فإذ هو ظن بلاشك فان الظن لا يعارض بالسنن (1) قال تعالى: (ان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وشتان بين احتجاج أم سلمة رضى الله عنها باختيارها وبين احتجاج عائشة رضى الله عنها بالسنة الثابتة وقولها لها: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم اسوة حسنة؟ وسكوت أم سملة يبنئ برجوعها إلى الحق عن احتياطها، ومن أعجب العجائب (2) أن المخالفين لنا ههنا يقولون: ان المرسل كالمسند، وقد رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرضعن الكبير دخل عليهن فكان ذلك لهن خاصة، وقال آخرون: هذا منسوخ بنسخ التبني * قال أبو محمد: وهذا باطل بيقين لانه لا يحل لاحدان يقول في نص ثابت هذا منسوخ إلا بنص ثابت مبين غير محتمل فكيف وقول سهلة رضى الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ بيان جلى لانه بعد نزول الآيات المذكورات وباليقين ندرى أنه لو كان خاصة لسالم أو في التبني الذى نسخ لبينه عليه الصلاة والسلام كما بين لابي بردة في الجذعة إذ قال له تجزئك ولا تجزى. أحدا بعدك، وقال بعض من لا يخاف الله تعالى (3) فيما يطلق به لسانه: كيف يحل للكبير أن يرضع ثدى امرأة اجنبية * قال أبو محمد: هذا اعتراض مجرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أمر بذلك والقائل بهذا لا يستحى من أن يطلق أن للمملوكة أن تصلى عريانة يرى الناس ثدييها وخاصرتها وان للحرة أن تتعمد أن تكشف من شفتي فرجها مقدار الدرهم البغلى تصلى كذلك ويراها الصادر والوارد بين الجماعة في المسجد وان تكشف أقل من ربع بطنها كذلك ونعوذ بالله من عدم الحياء وقلة الدين (4) * قال أبو محمد: وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما الرضاعة من المجاعة) حجة لنا بينة


(1) في النسخة رقم 14 لا تعارض به السنن (2) في النسخة رقم 16 ومن أعجب العحب (3) في النسخة رقم 14 وقال بعض من لا يبالي بخلاف الله (4) في النسخة رقم 14 ورقة الدين

[ 24 ]

لان للكبير من الرضاعة في طرد المجاعة نجوما للصغير فهو عموم لكل رضاع إذا بلغ خمس رضعات كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال على: فصح أن عائشة رضى الله عنها كان يدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كره أخت من أخواتها الرضاع المحرم ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل ونقطع بأنه تعالى لم يكن ليبيح سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتهكه من لا يحل له مع قوله تعالى: (والله يعضمك من الناس) فنحن نوقن ونبت بأن رضاع الكبير يقع به التحريم وليس في امتناع سائرهن من أن يدخل عليهن بهذه الرضاعة شئ ينكر لان مباحا لهن ان لايدخل عليهن من يحل له الدخول عليهن وبالله تعالى التوفيق * 1870 مسألة وان حملت امرأة ممن يلحق ولدها به فدر لها اللبن ثم وضعت فطلقها زوجها أو مات عنها فتزوجها آخر أو كانت أمة فملكها آخر فما أرضعت فهو ولد للاول لا للثاني فان حملت من الثاني فتمادى اللبن فهو للاول الا ان يتغير ثم يعتدل فانه إذا تغير فقد بطل حكم الاول وصار للثاني [ والحمد لله رب العالمين ] (1) * 1871 مسألة واهل الاسلام كلهم أخوة لا يحرم على ابن من زنجية لغية نكاح ابنة الخليفة الهاشمي والفاسق الذى بلغ الغاية من الفسق المسلم ما لم يكن زانيا كفؤ للمسلمة الفاضلة، وكذلك الفاضل المسلم كفؤ للمسلمة الفاسقة ما لم تكن زانية والذى نختاره فنكاح الاقارب بعضهم لبعض وقد اختلف الناس في هذا فقال سفيان الثوري. وابن جريج. والحسن بن حى. وابن أبى ليلى. والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومى صاحب مالك. واسحاق بن راهويه: يفسخ نكاح المولى للعربية، وقال أبو حنيفة: ان رضيت القرشية بالمولى ووفاها صداق مثلها أمر الولى أن ينكحها فان أبى أنكحها القاضى، وقال مالك. والشافعي. وأبو سليمان: كقولنا * قال أبو محمد: احتج المخالفون بآثار ساقطة والحجة قول الله تعالى: (انما المؤمنون اخوة) وقول تعالى مخاطبا لجميع المسلمين: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) وذكر عزوجل ما حرم علينا من النساء ثم قال تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) وقد انكح رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب أم المؤمنين زيدا مولاه وأنكح المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وانما تخيرنا نكاح الاقارب لانه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكح بناته الامن بنى هاشم وبنى عبد شمس، وقال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) وبالله تعالى التوفيق، وأما قولنا في الفاسق. والفاسقة فيلزم من خالفنا أن لا يجيز للفاسق أن ينكح الا فاسقة وأن لا يجيز للفاسقة أن ينكحها الا فاسق وهذا


(1) الزيادة من النسخة رقم 14

[ 25 ]

لا يقوله أحد، وقد قال الله تعالى: (انما المؤمنون اخوة) وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وبالله تعالى التوفيق * 1872 مسألة وتزويج المريض الموقن بالموت أو غير الموقن مريضة كذلك أو صحيحة جائز ويرثها وترثه مات من ذلك المرض أو صح ثم مات، وكذلك للمريضة الموقنة وغير الموقنة ان تتزوج صحيحا أو مريضا ولها في كل ذلك الصداق المسمى كالصحيحين ولا فرق، وقال مالك: يفسخ نكاح المريض قبل الدخول وبعد الدخول فان لم يدخل بها فلا شئ لها فان دخل بها فلها صداق مثلها في ثلث ماله بما استحل من فرجها ولا ميراث لها منه البتة قال: فان مات قبل أن يفسخ نكاحها فعليها الا حداد ولا ميراث لها قال: فان صح من مرضه وقد كان دخل بها فارى أن يفارقها، وقال مرة أخرى: ان صح من مرضه جاز النكاح قال: وكذلك لا يجوز للمريضة ان تتزوج ولا يرثها الذى يتزوجها دخل بها أو لم يدخل ولها الصداق عليه ان دخل بها قال: ومن طلق امرأته وهى حامل طلاقا بائنافلا يجوز لهما ان يتراجعا إذا أتمت ستة أشهر وهذا تقسيم لا نعرفه عن أحد قبله وممن قال: لا يجوز نكاح المريض عطاء بن أبى رباح الا أنه قال: ان صح من مرضه جاز ذلك النكاح ويحيى بن سعيد الانصاري قال صداق التى تتزوج المريض في ثلثه واختلف عن ربيعة فروى عنه ابن سمعان وهو ضعيف ان صداقها في ثلثه ولا ميراث لها قال ابن سمعان: وقضى بهذا أبو بكر بن عمر بن حفص في نكاح بنت المعتمر بن عياض الزهري، وروى عن ربيعة معمر وهو ثقة ان صداقها وميراثها في ثلثه قال معمر: وهو قول ابن أبى ليلى * قال أبو محمد: وهو قول الليث بن سعد. وعثمان البتى، وراعى آخرون المضارة كما روينا من طريق أبى عبيدنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران قال سألت القاسم بن محمد. وسالم بن عبد الله عن تزويج المريض فقالا جميعا: ان لم يكن مضارا جاز تزويجه وان كان مضارا لم يجز ولها نصف الصداق في ثلث ماله قالا فان خلا بها فلها الصداق من الثلث * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في نكاح المريض قال: ليس له أن يدخل الاضرار على أهل الميراث ولا نرى أن ترثه ان فعل ذلك ضرارا قال معمر: وقال قتادة: ان كان تزوجها من حاجة إليها في خدمته أو في قيام بأمره فانها ترثه، وقال آخرون بمثل قولنا كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي عن ابن مسعود قال: لو لم يبق من أجلى إلا عشرة أيام اعلم أن أموات في آخرها يومالى فيهن (م 4 ج 10 المحلى)

[ 26 ]

طول للنكاح لتزوجت مخافة التفتنة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن بشر عن أبى رجاء عن الحكم بن زيد عن الحسن قال قال معاذ بن جبل في مرضه الذى مات فيه زوجوني انى أكره أن القى الله عزوجل عزبا * ومن طريق أبى عبيد. وسعيد بن منصور قالا جميعا: نا أبو معاوية هو الضرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: دخل الزبير على قدامة ابن مظعون يعوده فبشر الزبير بجارية وهو عنده فقال له قدامة: زوجنيها فقال له الزبير وما تصنع بجارية صغيرة وأنت على هذه الحال؟ فقال له قدامة ان أنا عشت فابنة الزبير وان مت فأحق من ورثتني قال عروة فزوجها اياه * ومن طريق سعيد بن منصورنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى أخبرني موسى بن عقبة عن نافع مولى ابن عمر قال: تزوج عبد الرحمن بن أبى ربيعة بنت عم له في مرضه لترثه فمات فورثته وذلك في زمن عثمان ابن عفان * ومن طريق عبد الرزاق نى ابن جريج قال موسى بن عقبة عن نافع مولى ابن عمر قال: تزوج عبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومى بنت حفص بن المغيرة عمه وهو مريض لتشرك نساءه في الميراث * قال أبو محمد: عبد الله له صحبة صحيحة * ومن طريق أبى عبيد. وسعيد بن منصور قالا جميعا: نا هشيم عن أبى اسحاق الشيباني عن الشعبى قال سعيد في روايته سمعت الشعبى يقول: تزويج المريض جائز وشراؤه وبيعه * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس بن عبيد عن الحسن البصري انه كان يقول: يجوز تزويج المريض في مرضه * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان نا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: نكاح المريض جائز ولا يحسب من الثلث * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال: نكاح المريض جائز على مهر مثلها وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأصحابهما وكلهم يرى الصداق من رأس ماله وهو قول ابن شبرمة. والاوزاعي. والحسن بن حى. وأبى سليمان وجميع أصحابنا، ورأى الحسن بن حى: وأبو سليمان أن لها الصداق المسمى لها من رأس ماله * قال على: وتزويج شيخنا أبو الخيار مسعود بن سليمان رضى الله عنه قبل موته بسبع ليال وهو مريض يائس من الحياة ودخل بها احياء للسنة * قال أبو محمد: عهدنا با لمالكيين يعظمون خلاف الصاحب الذى لايعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، وهذا مما خالفوا فيه ابن مسعود. ومعاذ بن جبل. والزبير. وقدامة بن مظعون. وعبد الله بن أبى ربيعة بحضرة جميع الاحياء من الصحابة لا ينكر ذلك أحد وفي خلافة عثمان *

[ 27 ]

قال أبو محمد: أباح الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم النكاح ولم يخص في القرآن. ولا في السنة صحيحا وصحيحة من مريض ومريضة وما كان ربك نسيا، وما نعلم للمخالف حجة أصلا لامن قرآن. ولا سنة. ولا قول صاحب. ولا من رأى يعقل غير أن بعضهم احتج بأنه ليس له أن يدخل على أهل الميراث من يشركهم فيه * قال أبو محمد: وأهل هذا القول يقولون: ان أقر في مرض موته وهو موقن بالموت بابن امة له لم يزل يقول انه عبده فأقر عند موته انه ابنه فان اقراره نافذ ويرث ماله فأجازوا ان يدخل على أهل الميراث من يحرمهم الكل ومنعوه أن يدخل عليهم من يحطهم اليسير وهذا غاية التخليط، ولم يختلفوا أن رجلا مريضا يائسا من الفاقة والعيش ابتاع جارية وأشهد الناس على نفسه انه انما يبتاعها ليطلب منها الولد ليمنع بذلك ورثته الميراث فوطئها فحملت ان ذلك جائز مباح، فان قالوا: انها قد تحمل وقد لاتحمل قلنا والتى تزوج في مرضه قد تموت هي قبله فيرثها فيزيد بذلك الورثة في ميراثهم وليت شعرى أيمنعون المسلم المريض من زواج مملوكة أو ذمية لا يرثانه أم لا؟ وهل يمنعون المريض الذى لا شئ له من الزواج؟ ولابد لهم من ترك أصلهم الفاسد ضرورة أو التناقض وقالوا: قسنا نكاح المريض على طلاقه فقلنا: قستم الخطأ على الخطأ ثم اخطأتم في القياس لانكم أجزتم طلاق المريض وورثتموه بعد ذلك فان أردتم اصابة القياس فأجيزوا نكاحه وامنعوه الميراث مع ذلك وهذا مما ترك فيه الحنيفيون القياس الذى هو عندهم أصل لا يجوز تركه، ومن العجائب أن مالكا يفسخ نكاح الامة الفارة كما يفسخ نكاح الصحيحة للمريض ولا يدع للفارة مما سمى لها إلا ثلاثة دراهم ويجعل للتى تزوجت المريض جميع مهر مثلها فهل يسمع بأعجب من هذا التحكم بلا برهان * 1873 مسألة وان حملت المرأة من زنا أو من نكاح فاسد مفسوخ أو كان نكاحها صحيحا ففسخ لحق واجب أو كانت أمة فحملت من سيدها ثم اعتقها أو مات عنها فلكل من ذكرنا أن تتزوج قبل أن تضع حملها الا أنه لا يحل للزوج ان يطأها حتى تضع حملها كل ذلك بخلاف المطلقة أو المتوفى عنها وهى حامل، فهاتان لا يحل لهما الزواج البتة حتى يضعا حملهما وحاش المعتقة الحاملة تختار نفسها فان نكاح هذه مفسوخ ولا يحل لها أن تنكح حتى تضع حملها * برهان ذلك ان الحامل المطلقة أو المتوفى عنها هي معتدة بنص القرآن وقد حرم الله عزوجل نكاح المعتدة جملة حتى تتم عدتها واما سائر من ذكرنا فلم يأت في القرآن ولا في السنة ايجاب عدة عليهن ولا على أحد منهن الا على المعتقة تختار نفسها فقط وإذا لم تكن المرأة في عدة ولا ذات زوج

[ 28 ]

فلها أن تتزوج الا أن يمنع من ذلك نص ولا نص يمنع ههنا من الزواج ولا يحل بالنص وطئ حامل الا أن يكون الحمل منه * وقد اختلف الناس فيها فقال أبو حنيفة. والشافعي. ومحمد بن الحسن. وأبو يوسف. في أحد قوليه: للحامل من زنا ان تتزوج ولا يطؤها حتى تضع حملها وقال أبو حنيفة: وان خرجت الينا الحربية مسلمة وهى حامل من زوجها فلها أن تتزوج ولكن لا يحل له وطؤها حتى تضع حملها * قال أبو محمد: وهو قول أصحابنا وقال زفر: على الزانية العدة كاملة وقال مالك: لا تتزوج الحامل من زنا حتى تضع حملها ولا ان كانت غير حامل الا حتى تعتد ثلاثة قروء * قال على: وممن روى عنه مثل قولنا عمر بن الخطاب روينا من طريق مالك عن أبى الزبير قال: خطبت إلى رجل أخته فذكر أنها أحدثت يعنى زنت فبلغ ذلك عمر فضربه أو كاد يضربه، وقال: مالك وللخبر قال ابن وهب، وأخبرني عمرو بن الحارث بهذا الخبر عن أبى الزبير وفيه أن عمر قال له: انكح واسكت * قال أبو محمد: فهذا عمر أمرها بالنكاح ولم يستثن حتى تتم عدة ولا ان كانت حاملا * ومن طريق اسماعيل بن اسحق نا على بن عبد الله نا سفيان بن عيينة نا عبيد الله بن ابى يزيد عن أبيه قال: تزوج سباع بن ثابت بنت موهب بن رباح وله ابن من غيرها ولها بنت من غيره ففجر الغلام بالجارية فظهر بها حمل فسئلت فاعترفت فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فاعترفا فحدهما وحرض على أن يجمع بينهما فابى الغلام، فهذا عمر يبيح للحامل من زنى الزواج بحضره الصحابة رضى الله عنهم لايعرف له مخالف منهم وهم يعظمون مثل هذا لو ظفروا به، وشغب المخالفون بان قالوا: قال الله عزوجل: (واولات الاحمال أجهلن أن يضعن حملهن) وبخبر رويناه عن سعيد بن المسيب أن رجلا يقال له نضرة بن أكتم تزوج امرأة فلما غشيها وجدها حبلى فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان صداقها لزوجها وان ما في بطنها عبد له وأمر بها فجلدت مائة وفرق بينهما * قال أبو محمد: لاعجب أعجب من أن يكون المحتج بهذا الخبر أول مخالف لكل ما فيه واما نحن فلو السند لقلنا به ولكنه منقطع بين سعيد ونضرة ولا حجة في منقطع، وقد روينا من طريق أبى داود نا ابن أبى السرى نا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: نضرة قال: تزوجت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا في حبلى فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك وإذا ولدت فاجلدوها *

[ 29 ]

قال أبو محمد: ولم يذكر ههنا تفريقا وهو أقرب إلى ان يموه باسناده إلا أنه لا يعلم لسعيد بن المسيب سماع من نصرة أو نضرة فبطل الاحتجاج به ولو صح لقلنا به، وأما قول الله عزوجل: (وأولات الاحمال اجلهن أن يضعن حملهن) فانما جاء في المطلقة قال الله عزوجل: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وهذا مردود على أول السورة في المطلقات ومحمول عليه ما بعده من قوله تعالى: (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) الآيات كلها وانما وجب ذلك في المتوفى عنها بخبر سبيعة الاسلمية وقالوا: قسنا المنفسخة النكاح بعد صحته أو لفساده في ذلك على المطلقة قلنا: القياس كله باطل ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل لان القياس عن القائلين به انما هو أن يحكم للشئ بحكم نظيره وليس النكاح الصحيح الحلال نظيرا للفاسد الحرام الذى لا يحل عقده ولا اقراره بل هو ضده فهو باطل لانسبة بينه وبين الطلاق على أصول أصحاب القياس، وأما التى انفسخ نكاحها بعد صحته فان الفسخ لانسبة بينه وبين الطلاق لان الطلاق لا يكون الا باختيار الزوج، وأما الفسخ فلا يراعى اختياره في ذلك * قال أبو محمد: وكذلك الامة الحامل من سيدها يموت عنها أو يعتقها أو تحمل من زنا لاعدة عليها وقد ثبت أن المرأة التى لازوج لها ولاهى في عدة ولا هي أم ولد فان انكاحها حلال وبالله تعالى التوفيق * 1874 مسألة ومن كان عنده اربع زوجات فطلق احداهن ثلاثا وهى حامل منه أو غير حامل وقد وطئها إذ كانت في عصمته أو انفسخ نكاحها منه فله أن يتزوج اثر طلاقه لها رابعة أو أختها أو عمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو بنت أختها ويدخل بها فأما في الطلاق الرجعى فلا يحل له ذلك ما دامت في عدتها وقولنا في هذا هو قول روى عن عثمان بن عفان. وزيد بن ثابت، وصح عن الحسن. وسعيد بن المسيب. وخلاس بن عمرو. وعروة بن الزبير. والقاسم بن محمد. وعطاء. والزهرى. ويزيد ابن عبد الله بن قسيط. وعبد الله بن أبى سلمة. وربيعة. وابن ابى ليلى. وعثمان البتى. والليث بن سعد. ومالك. والشافعي. وأصحابهما. وأبى ثور. وأبى عبيد. وأبى سليمان. وأصحابه وهو الاشهر من قول الاوزاعي ولم يجز ذلك جماعة من السلف، وروى عن على بن أبى طالب وصح عن ابن عباس: وعن سعيد بن المسيب أيضا وأحد قولى أبى عبيدة بن نضيلنة. وعبيدة السلمانى، وصح عن الشعبى. والنخعي وغيرهم وهو قول أبى حنيفة وأصحابه. وسفيان الثوري. والحسن بن حى. وأحمد بن حنبل. وأحد

[ 30 ]

قولى الاوزاعي، وصح عن الحسن اباحة ذلك الا أن تكون التى طلق حبلى * قال أبو محمد: ما نعلم لمن منع من ذلك حجة الا أنهم موهوا بقول الله عزوجل: (وأن تجمعوا بين الاختين) قالوا: وهذا جامع بينهما في لحاق حملهما به وفى وجوب نفقتهما واسكانهما عليه، وقالوا: لا يجوز أن يجتمع ماؤه في خمس نسوة ولا في أختين ما نعلم لهم غير هذا * قال على: أما قولهم إنهما يجتمعان في نفقته عليهما واسكانه لهما فلسنا نساعدهم على ذلك، ثم لو كان كما قالوا ما ضر ذلك شيئا لان الله تعالى لم يمنع من الجمع بينهما في شئ الا في استحلال الوط. فقط ولا فرق بين اجتماعهما في لحاق حملهما به وبين اجتماعهما في لحاق ابنيهما به، وأما اجتماع مائه في خمس نسوة أو في ثمان أو في أختين فلا نعلم نصا من قرآن ولا سنة منعا من ذلك انما منع الله تعالى من نكاح أكثر من أربع نسوة ومن الجمع بين الاختين في عقد نكاح أو استحلال وطئ فقط وقد فصل الله تعالى لنا ما حرم علينا من النساء ثم قال: (واحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) * ومن طريف تناقض الحنيفيين ههنا أن أبا حنيفة قال من أعتق أم ولد لم يحل له أن يتزوج أختها ولا عمتها ولا خالتها ولا بنت أخيها ولا بنت أختها حتى تتم المعتقة عدتها ثلاث حيض قال: وله أن يتزوج أربعا قبل انقضاء عدتها فأجاز ان يجتمع ماؤه في أربع زوجات وخامسة معتدة منه ومنع من كل ذلك زفر * 1875 مسألة ولا يحل لاحد أن يتزوج مملوكته قبل أن يعتقها ولا لامرأة أن تتزوج مملوكها قبل ان تعتقه فان اعتقته جاز لهما التناكح ان تراضيا كالأجنبي ولا فرق وهذا لا خلاف فيه من احد لان الله تعالى قال: (الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم) ففرق تعالى بين الصنفين فلا يجوز اجتماع صنفين فرق الله تعالى بينهما * 1876 مسألة وجائز للرجل أن يتزوج أمة والده التى لا تحل لوالده وأمة ولده التى لا تحل لولده وأمة أمه وأمة ابنته، وجائز للعبد نكاح أم سيده وبنت سيده وأخت سيده إذا كان كل ذلك باذن سيده وما نعلم لمن منع من ذلك حجة أصلا الا أن بعضهم قال قديرثها وترثه فينفسخ النكاح فقلنا. نعم فكان ماذا؟ أو قد تشتريه ويشتريها ولا فرق * برهان صحته ذلك قول الله عزوجل: (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم) فلم يستثن الله تعالى احدا ممن ذكرنا (وما كان ربك نسيا) ونعوذ بالله من اعتقاد من يظن أنه يستدرك بعقله شيئا لم يشرعه ربه تعالى * 1877 مسألة ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر

[ 31 ]

منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن منه وظهر ولايجوز ذلك في أمة يريد شراءها ولا يجوز له أن ينظر منها الا إلى الوجه والكفين فقط لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره * برهان ذلك قول الله عزوجل: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) فافترض الله عزوجل غض البصر جملة كما افترض حفظ الفرج فهو عموم لا يجوز أن يخص منه الا ما خصه نص صحيح وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط كما روينا من طريق أبى داودنا مسدد نا عبد الواحد بن زياد نا محمد بن اسحق عند اود بن الحصين عن واقد بن عبد الرحمن هو ابن سعد بن معاذ عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) قال جابر فخطبت امرأة من بنى سلمة فكنت أتخبئ تحت الكرب حتى رأيت منها بعض ما دعاني إليها، وقد رويناه أيضا من طرق صحاح من طريق أبى هريرة. والمغيرة بن شعبة فكان هذا عموما مخرجا لهذه الحال من جملة ما حرم من غض البصر، وأما النظر إلى الجارية يريد ابتياعها فلا نص في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حجة فيما جاء عن سواء * وقد اختلف الناس في ذلك فصح عن ابن عمر اباحة النظر إلى ساقها وبطنها وظهرها ويضع يده على عجزها وصدرها ونحو ذلك عن على ولم يصح عنه، وصح عن أبى موسى الاشعري اباحة النظر إلى ما فوق السرة ودون الركبة، وروى عن سعيد بن المسيب، وروينا عن الاسود بن يزيد انه لم يستجز النظر إلى ساقها * قال أبو محمد: فبقى أمر الابتياع على وجوب غض البصر، وأما الوجه والكفان فقد جاء فيهما الخبر المشهور الذى أوردناه في غير هذا المكان من أمر الخثعمية التى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج عن أبيها؟ وان الفضل بن العباس جعل ينظر إلى وجهها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل عنها ولم يأمرها بستر وجهها ففي هذا اباحة النظر إلى وجه المرأة لغير اللذة، وأما الكفان فروينا من طريق مسلم نا عبيد الله بن معاذ العنبري نا ابى نا شعبة عن عدى هو ابن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم اضحى أو فطر فصلى ركعتين ثم أتى النساء ومعه بلال فامرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقى خرصها وتلقى سخابها) * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا عبد الرزاق. ومحمد بن بكر قالا جميعا: انا ابن جريج أخبرني عطاء قال: (سمعت جابر بن عبد الله يقول: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فبدا بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب ثم نزل فأتى النساء فذكرهن

[ 32 ]

وبلال باسط ثوبه يلقين فيه النساء صدقة تلقى المرأة فتخها) * قال أبو محمد: الفتخ خواتم كباركن يحبسنها في أصابعهن فلولا ظهور اكفهن ما أمكنهن القاء الفتخ * 1878 مسألة ولا يحل لاحد أن ينظر من اجنبية لا يريد زواجها أو شراءها ان كانت أمة لتلذذ الا لضرورة فان نظر في الزنا إلى الفرجين ليشهد بذلك فمباح له لانه مأمور باداء الشهادة قال عزوجل: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) ولا سبيل لهم إلى أداء الشهادة في الزنا الا بصحة النظر إلى الفرجين والتثبت في ذلك، وأما في غير ذلك فالوجه والكفان كما قدمنا آنفا عند الشهادة عليها أولها أو منها، وجائز لذى المحمر أن يرى جميع جسم حريمته كالام والجدة والبنت وابنة الابن والخالة والعمة وبنت الاخ وبنت الاخت وامراة الاب وامرأة الابن حاش الدبر والفرج فقط، وكذلك النساء بعضهن من بعض، وكذلك الرجال بعضهم من بعض * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ابنائهن أو ابناء بعولتهن أو اخوانهن أو بنى اخوانهن أو بنى اخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير اولى الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) الآية فذكر الله عزوجل في هذه الآية زينتهن زينة ظاهرة تبدى لكل واحد وهى الوجه والكفان على مابينا فقط وزينة باطنة حرم عزوجل ابداءها الا لمن ذكر في الآية ووجدناه تعالى قد ساوى في ذلك بين البعولة والنساء والاطفال وسائر من ذكرنا في الآية، وقد اوضحنا في كتاب الصلاة ان المرأة كلها عورة الا الوجه والكفين فحكم العورة سواء فيما ذكرنا الا مالا خلاف فيه من انه لا يحل لغير الزوج النظر إليه من الفرج والدبر، ولم نجد لافي قرآن. ولا سنة. ولا معقول فرقا بين الشعر والعنق والذرع والساق. والصدر، وبين البطن. والظهر والفخذ الا انه لا يحل لاحد ان يتعمد النظر إلى شئ من امرأة لا يحل له لا الوجه ولا غيره الا لقصة تدعو إلى ذلك لا يقصد منها منكر بقلب أو بعين، وقد روينا عن طاوس كراهة نظر الرجل إلى شعرا بنته وامه واخته ولا يصح عن طاوس، وصح عن ابراهيم ان لا ينظر من ذات المحرم الا إلى ما فوق الصدر وهذا تحديد لا برهان على صحته، وليس هذا مكان رأى ولا استحسان لان المخالفين لنا ههنا باهوائهم لا يختلفون في انه لا يحل النظر إلى زينة شعر العجوز السوداء الحرة ولعل النظر إليها يقذى العين ويميت تهييج النفس، ويجيزون النظر لغير لذة إلى وجه الجارية الجميلة الفتاة ويديها، وقد

[ 33 ]

صح في ذلك ما رويناه من طريق مسلم بن الحجاج نا قتيبة بن سعيد نا الليث هو ابن سعد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: ان أم عطية أم المؤمنين استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجامة فاذن لها فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طيبة ان يحجمها، قال: حسبت ان كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم * قال أبو محمد: هذا خبر في غاية الصحة لانه من رواية الليث عن أبى الزبير عن جابر وقد روينا باصح طريق ان كل ما رواه الليث عن أبى الزبير عن جابر فان أبا الزبير أخبره انه سمعه عن جابر موأما قول الرواى حسبت انه كان اخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتمل فانما هو ظن من بعض رواة الخبر ممن دون جابر ثم هو أيضا ظن غير صادق لان أم سلمة رضى الله عنها ولدت بمكة وبها ولدت أكثر اولادها، وأبو طيبة غلام لعبض الانصار بالمدينة فمحال ان يكون اخاها من الرضاعة وكان عبدا مضروبا عليه الخراج كما روينا من طريق مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو طيبة فامر له بصاع من تمروامر أهله ان يخففوا من خراجه ولا يمكن أن يحجمها الا حتى يرى عنقها وأعلى ظهرها مما يوازى أعلى كتفيها * 1879 مسألة وحلال للرجل ان ينظر إلى فرج امرأته زوجته وامته التى يحل له وطؤها، وكذلك لهما ان ينظرا إلى فرجه لاكراهية في ذلك أصلا * برهان ذلك الاخبار المشهورة من طريق عائشة. وأم سلمة. وميمونة أمهات المؤمنين رضى الله عنهن أنهن كن يغتسلن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة من اناء واحد، وفى خبر ميمونة بيان انه عليه الصلاة والسلام كان بغير مئزر لان في خبرها انه عليه الصلاة والسلام أدخل يده في الاناء ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله فبطل بعد هذا ان يلتفت إلى رأى احد، ومن العجب ان يبيح بعض المتكلفين من أهل الجهل وطئ الفرج ويمنع من النظر إليه، ويكفى من هذا قول الله عزوجل: (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) فأمر عزوجل بحفظ الفرج الا على الزوجة وملك اليمين فلا ملامة في ذلك وهذا عموم في رؤيته ولمسه ومخالطته، وما نعلم للمخالف تعلقا الا بأثر سخيف عن امرأة مجهولة عن أم المؤمنين ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط وآخر في غاية السقوط عن أبى بكر بن عياش: وزهير بن محمد، كلاهما عن عبد الملك بن ابى سليمان العرزمى، وهؤلاء ثلاث الاثافي والديار البلاقع أحدهم كان يكفى في سقوط الحديث * 1880 مسألة ولا يحل لمسلم أن يخطب على خطبة مسلم سواء ركنا وتقاربا (م 5 - ج 10 المحلى)

[ 34 ]

أو لم يكن شئ من ذلك الا أن يكون أفضل لها في دينه وحسن صحبته فله حينئذ أن يخطب على خطبة غيره ممن هو دونه في الدين وجميل الصحبة أو الا ان يأذن له الخاطب الاول في أن يخطبها فيجوز له ان يخطبها حينئذ أو الا ان يدفع الخاطب الاول الخطبة فيكون لغيره ان يخطبها حينئذ أو الا أن ترده المخطوبة فلغيره ان يخطبها حينئذ والا فلا * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم حدثنى أبو الطاهر انا عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة انه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن ان يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر) ففى هذا الخبر تحريم الخطبة على خطبة المسلم حتى يذر * ومن طريق أحمد بن شعيب انا ابراهيم بن الحسن المصيصى نا حجاج هو ابن محمد قال: قال ابن جريج: سمعت نافعا يحدث ان ابن عمر كان يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبيع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب * قال أبو محمد: وأما إذا ردته المخطوبة فقد وجب عليه قطع الخطبة لان في تماديه الاضرار بها والظلم لها في منعه بذلك غيره من خطبتها فكل خطبة تكون معصية فلا حكم لها وأما إذا كان فوقه في دينه وحسن صحبته فلحديث فاطمة بنت قيس المشهور: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: من خطبك؟ قالت: معاوية ورجل من قريش آخر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما معاوية فانه غلام من غلمان قريش لا شئ له وأما الآخر فانه صاحب شر لاخير فيه أنكحي أسامة قالت: فكرهته فقال لها ذلك ثلاث مرات فنحكته) * وروينا من طريق مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الاسود بن سفيان عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس فذكرت حديثها وفيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: فإذا حللت فاذنيني قالت فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبى سفيان واباجهم خطباني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لامال له انكحي اسامة بن زيد قالت: فكرهته ثم قال انكحي اسامة فنكحته جعل الله فيه خيرا واغتبطت) * قال أبو محمد: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار عليها بالذى هو أجمل صحبة لها من أبى جهم الكثير الضرب للنساء، وأسامة أفضل من معاوية، فان قيل. وما يدريك ان هذا الخبر كان قبل خبر النهى عن أن يخطب أحد على خطبة أخيه قلنا: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصحية) وهذا حكم

[ 35 ]

باق إلى القيامة، ومن أنصح النصائح أن يكون مريد يريد خطبة امرأة قد خطبها من هو أحسن صحبتة وأفضل دينا من الذى خطبها قبله فيخطبها هو ما أما ان ترك خطبتها من اجل الخاطب قبله فقط فما نصح المسلمة ولقد غشها وهذا لا يجوز وقد علمنا ان معاوية فتى من بنى عبد مناف في غاية الجمال والحلم واسامة مولى كلبى أسود كالقار فبالضرورة ندرى أنه لافضل له عليه الا بالدين الذى هو نهاية الفضل عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في غاية النصيحة لجميع المسلمين بلاشك، وأما من قال: ان ذلك إذا ركناو تقاربا فدعوى فاسدة باطل لانه لم يعضدها قرآن ولاسنة ولا أجماع ولاقول صاحب ولانظر صحيح أنما هو رأى ساقط فقط * 1881 مسأله ولا يحل التصريح بخطبة امرأة في عدتها وجائز ان يعرض لها بما تفهم منه انه يريد نكاحها * برهان ذلك قول الله عزوجل: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا الا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) إلى قوله (فاحذروه) فاباح تعالى التعريض ومنع من المواعدة سرا * قال أبو محمد: ومن التعريض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكرناه آنفا لفاطمة بنت قيس: (إذا حللت فاذنيني) وقد صح أيضا أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا تفوتيني بنفسك * روينا من طريق أبى داود نا قتيبة بن سعيد أن محمد بن جعفر حدثهم قال: نا محمد نب عمرو عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن التعريض ما رويناه عن ابن عباس أن يقول ان أريد الزواج ولوددت أن الله تعالى يسر لي امرأة صالحة ونحو هذا * 1882 مسألة ولا يحل نكاح من لم يولد بعد فمن فعل ذلك لم يلزمه لانه لا يدرى أيولد له ابنة أم ابن أم ميتة * 1883 مسألة ولا يحل نكاح غائبة الا بتوكيل منها على ذلك ولا يحل انكاح غائب الا بتوكيل منه ورضا لقول الله عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة أم المؤمنين رضى الله عنها وهى بأرض الحبشة وهو بالمدينة برضاهما معا * 1884 مسألة ومن تزوج مملوكة لغيره باذن السيد أو بغير اذنه سواء ادعت أنها حرة أو لم تدع فكل ما ولدت منه فهم عبيد لسيدها لا يجبر على قبول فداء فيهم الا ان ما كان من ذلك بغير اذن سيدها فعليها حد الزنا وليس نكاحا والولد لاحقون

[ 36 ]

بالرجل كان جاهلا، وقال أبو حنيفة: من تزوج امرأة على انها حرة فوجدت مملوكة وقد ولدت منه أولادا فاولاده منها أحرار وعليه قيمة الاحياء منهم يوم الحكم ويرجع بما غرم من ذلك على من غره ان كان غره غيرها أو عليها ان كانت هي غرته وعليه صداقها لسيدها ولا يرجع به على من غره ولا عليها ولا شئ عليه فيمن مات منهم الا أن يكون قتل فأخذ الاب ديته فان كان الاب معسرا فلا شئ عليه ولا على أولاده، وقال مالك: هن أحرار وعلى أبيهم قيمة الاحياء منهم يوم الحكم ولا شئ عليه فيمن مات منهم قبل ذلك فان مات الاب قبل الحكم فلا شئ على الاولاد وهم أحرار، وقال مرة أخرى: عليهم قيمة أنفسهم وكذلك ان كان أبوهم عديما، وقال الشافعي: هم أحرار وعلى أبيهم قيمتهم يوم ولدوا سواء من مات منهم ومن عاش * قال أبو محمد: اعجبوا لما في هذه الاقوال من الفضائح لا يمكن البتة أن تكون الاولاد الا أحرارا أو مماليك ولا سبيل إلى قسم ثالث فلعمري لان كانوا أحرارا مذ ولدوا فما يحل لسيد أمهم أخذ قيمة حر ولا يحل أن يغرم أبوهم في قيمتهم ثمنا اصلا * روينا من طريق البخاري نابشر بن مرحوم نا يحيى بن سليم عن اسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة انا خصمهم يوم القيامة فذكر فيهم ورجل باع حرا فأكل ثمنه) وان كانوا مماليك فما يحل لاحد اجبار انسان على بيع مماليكة بغير نص من قرآن أو سنة عز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عجب آخر وهو الزامه قيمة الاحياء منهم دون من مات منهم ثم ارتجاعه بما غرم على من غره من قمية الاولاد ولا يردونه بما غرم من الصداق فأتو بغريبة قالوالانه قد استعاض بضعها فقلنا وقد استعاض أولادا أحرارا فلا تردوه على من غره بذلك * قال أبو محمد: وقد جاءت عن السلف في هذا آثار روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد قال: باع رجل جارية لابيه فتسراها المشترى فولدت له أولادا فجاء أبوه فخاصمه إلى عمر بن الخطاب فردها وولدها إليه فقال المشترى: دع لى ولدى فقال: دع له ولده، ورويناه بلفظ يدل على ان عمر قضى بالخلاص على البائع كما روينا من طريق سعيد بن منصورنا هشيم قال: انا حميد الطويل عن الحسن أن رجلا باع جارية لابيه وأبوه غائب فلما قدم أبى ان يجيز بيع ابنه وقد ولدت من المشترى فاختصموا إلى عمر بن الخطاب فقضى للرجل بجاريته وأمر المشترى ان يأخذ بيعه بالخلاص فلزمه فقال أبو البائع: مره فليخل عن ابني فقال عمر: وأنت فخل عن ابنه * قال أبو محمد: هذه شفاعة من عمر رضى الله عنه لانه قد قضى له بملكهم

[ 37 ]

أو قضى منه بالخلاص * ونا محمد بن سعيد بن نبات نا عباس بن أصبغ نا محمد بن قاسم بن محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى عبد الاعلى - هو ابن عبد الاعلى النغلبى - نا سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة عن خلاس بن عمرو قال: ان أمة اتت طيئا فزعمت أنها حرة فتزوجها رجل منهم فولدت له أولادا ثم ان سيدها ظهر عليها فقضى لها عثمان بن عفان أنها واولادها لسيدها وان لزوجها ما ادرك من متاعه وجعل فيهم الملة أو السنة كل رأس برأسين قال قتادة: وكان الحسن يقول: في كل رأس رأس * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة ان امرأة باعت هي وابن لها جارية لزوجها فولدت الجارية للذى ابتاعها ثم جاء زوجها فخاصم إلى على بن أبى طالب وقال: لم أبع ولم اهب فقال له على: قد باع ابنك وامرأتك فقال: ان كنت ترى لى حقا فاعطني قال على: فخذ جاريتك وابنها ثم سجن المرأة وابنها حتى تخلصا له فلما رأى ذلك الزوج سلم البيع فهؤلاء عمر. وعثمان. وعلى أئمة الهدى قد قضوا بأولاد المستحقة رقيقا لسيد امهم ولا يعرف لهم في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم الا رواية ساقطة عن على رويناها من طريق ابن أبى شيبة عن أبى بكر ابن عياش عن مطرف عن الشعبى عن على في رجل اشترى جارية فولدت منه أولادا ثم اقام رجل البينة انها له قال: ترد عليه ويقوم عليه ولدها فيغرم الذى باعه بما عز وهان، وابن عياش ضعيف وهم يشنعون خلاف مثل هذا إذا وافق أهواءهم وقد خالفوهم ههنا، وأما نحن فلا نحتج ههنا ولا في غير هذا المكان جملة الا بقرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما نورد من ذلك تبكيتا لمن يحتج به إذا وافق هواه ولا يحتج به إذا خالفه، وهذا هو التلاعب بالدين، وقال عزوجل: (والذين هم لفروجهم حافظون الاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام " وجاء حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من بعده بلا خلاف من أحد من اهل الاسلام بان ولد ما يملكه المرء من اناث الاماء وسائر الحيوان فانه ملك لمالك أمه فنسأل المخالفين عن هذه الغارة أو المبيعة بغير اذن مالكها اهى زوجة للذى ولدت له أو ملك يمين له أم ليست له زوجة ولا ملك يمين ولابد له من أحدهما؟ فلا يختلفون انها ليست له زوجة ولا ملك يمين وانها انما هي ملك مالكها الذى لم يبعها ولا أخرجها عن ملكه ولا أذن لها في النكاح وانها مال من ماله فإذ لا شك في هذا فلا يجوز لاحد الحكم باخراج أمته أو مماليكه مما ولدت عن يده بغير قرآن أو سنة، وهذا غاية البيان وبالله تعالى التوفيق *

[ 38 ]

قال أبو محمد: وقد جاء عن الصحابة رضى الله عنهم والتابعين أشياء نذكر منها ان شاء الله عزوجل ما يصلح لهذا المكان * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال لى عمر بن الخطاب: اعقل عنى ثلاثا الامارة شورى وفي وفد العرب مكان كل عبد عبد وفي ابن الامة عبدان * قال أبو محمد: هذا في الصحابة عن عمر رضى الله عنه؟ نزلة مالو سمعناه منه ولا فرق وبالله لو ظفروا خصومنا بمثل هذا ما ترددوا ولا استخاروا الله تعالى لو وافق تقليدهم ان يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأى فلا شك في أنه توفيق كما قالوا في قول عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها في ابتياع زيد بن أرقم العبد وبيعه لا ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الله بن عون عن غاضرة العنبري قال اتينا عمر بن الخطاب في نساء سعين في الجاهلية فأمر ان يقوم أولادهن على آبائهم ولا يسترقوا - يعنى اما زنين في الجاهلية - فولدن من الزنا * ومن طريق ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: قضى عمر بن الخطاب في فداء ولد الرجل من أمته قوم مكان كل جارية ومكان كل غلام غلام، قال ابن وهب: وأخبرني مالك انه بلغه ذلك عن عمر عثمان * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قضى عمر بن الخطاب في فداء سبى العرب بستة فرائض وقضى عمر بن عبد العزيز في ذلك في كل رأس أربعمائة درهم * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن يحيى الغساني قال: كتب عمر بن عبد العزيز ان عمر بن الخطاب قضى في فداء سبى العرب في كل رأس أربعمائة درهم * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال سمعت سليمان بن موسى يذكر ان عمر بن الخطاب قضى في ولد الامة تخبر انها حرة فينكحها احدهم فتلد له ان على آبائهم مثل كل ولد له من الرقيق في الشبر والذرع قفال ابن جريج: فقلت له فان كان أولاده حسانا قال لا يكلف مثلهم في الحسن انما يكلف في الذرع * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابراهيم بن ميسرة قال: نكح رجل أمة فولدت له فكتب في ذلك إلى عمر ابن عبد العزيز فكتب ان يفادى أولاده قال ابن مفرج في غير كتاب ابن الاعرابي بوصيفين أحمرين كل واحد باثنين فهؤلاء كلهم لا يرون الفداء الا اما بغلام مكان الذكر أو بجارية مكان الانثى واما بغلامين مكان غلام ذكر، وروينا عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في ولد الغارة يقارب أبوهم فيهم * ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن كثير عن شعبة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم في الغارة قال صداقها على الذى غره، وقال حمام بن أبى سليمان مثل ذلك، وقال الحكم فكاك ولدها على الاب ولا

[ 39 ]

نعلم عن صاحب ولا تابع غير ما أوردنا فخالف الحنيفيون: والمالكيون، والشافعيون كل هؤلاء لاختراع لهم فاسد وبايجاب القيمة التى لم تأت من احد نعلمه قبل أبن حنيفة ثم اتبعه مالك والشافعي. وقد جاء في ذلك اثران نذكرهما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان ابن عيينة عن زكريا - هو ابن أبى زائدة - عن الشعبى قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبى العرب في الجاهلية ان فداء الرجل ثمان من الابل وان في الانثى عشر قال سفيان: فاخبرني مجالد عن الشعبى ان ذلك شكى إلى عمر بن الخطاب فجعل فداء الرجل أربعمائة درهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم في فداء رقيق العرب من أنفسهم في الرجل إذا سبى في الجاهلية بثمان من الابل وفى ابن الامة بوصيفين وصيفين لكل انسان منهم ذكر وانثى وقضى في سبية الجاهلية بعشر من الابل وفي ولدها من العبد بوصيفين يفديه موالى أمه وهم عصبتها لهم ميراثها وميراثه ما لم يعتق أبوه وقضى في سبى الاسلام بستة من الابل في الرجل والمرأة والصبى فذلك فداء العرب فان تعلقوا بما روينا من طريق عبد الرزاق عن أبى بكر ابن عياش قال: أبو حصين عن الشعبى لما استخلف عمر بن الخطاب قال: ليس على عربي ملك ولسنا بنازعين من يد أحد شيئا اسلم عليه ولاكنا نقومهم الملة قلنا: أنتم أول مخالف لهذا فتوجبون الملك للعلج على أولاد العربي والقرشي إذا تزوج أمته باذنه ولا يمكنكم دعوى اجماع ههنا لان سعيد بن المسيب. والاوزاعي. وسفيان الثوري. وأبا ثور. واسحق بن راهويه كلهم يقول عن عمر في العبد يتزوج أمة رجل باذن سيدها ان أولاده منها أحرار لارق عليهم ولا على أبيهم فداؤهم وهو قول الشافعي بالعراق * قال أبو محمد: ان من تعلق في رد السنة الثابتة برواية شيخ من بنى كنانة عن عمر البيع عن صفقة أو خيار وبرواية مجالد عن الشعبى لا يؤمن أحد بعدى جالسا ثم خالف رواية سفيان بن عيينة عن زكريا عن الشعبى التى ذكرنا ورواية ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن عمر ومرسل عكرمة لمنحوس الحظ من الصواب ونعوذ بالله من الضلال * ومن طرائف ما يأتون به احتجاجهم في هذه المسألة بأنه انما اعتق ولد الغارة والمستحقة لان أباهم على ذلك دخل فقلنا: ان هذا العجب فكان ماذا وفى أي كتاب الله عزوجل وجد ثم أم في أي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج ملك فرج وما ولد عن ملك مالكهم قهر من أجل أن الواطئ له بغير حق على ذلك دخل فحسبك بهذا القول هجنة وبالله تعالى نتأيد *

[ 40 ]

1885 مسألة ولا يحل للمرأة التبرج ولا التزين للخروج إذا خرجن لحاجة قال الله عزوجل: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) وقد ذكرنا في كتاب الصلاة امر النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج النسأء إلى الصلاة أن يخرجن تفلات (1) * 1886 مسألة وفرض على الرجل أن يجامع امرأته التى هي زوجته وأدنى ذلك مرة في كل طهران قدر على ذلك والا فهو عاص لله تعالى * برهان ذلك قول الله عزوجل: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) وروينا من طريق أبى عبيد نا يزيد بن محمد بن اسحاق عن محمد بن اسحق عن يعقوب بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال انا لنسير مع عمر بن الخطاب بالرف من جمدان إذ عرضت له امرأة من خزاعة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين انى امرأة أحب ما تحب النساء من الولد وغيره ولى زوج شيخ ووالله برحنا حتى نظرنا إليه يهوى شيخ كبير فقال لعمر: يا أمير المؤمنين انى لمحسن إليها وما الوها فقال له عمر أتقيم لها طهرها فقال: نعم، فقال لها عمر: انطلقي مع زوجك والله ان فيه لما يجزى أو قال يغنى المرأة المسلمة * قال أبو محمد: ويجبر على ذلك من أبى بالادب لانه اتى منكرا من العمل * ومن طريق البزار نا محمد بن بشار بندار نا جعفر بن عون نا أبو العميس - هو عتبة ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود - عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه أن سلمان الفارسى قال: لابي الدرداء: (ان لجسدك عليك حقا وان لاهلك عليك حقا أعط كل ذى حق حقه صم وافطر وقم ونم وأت أهلك) فأخبر أبو الدرداء بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قول سلمان * 1887 - مسألة - وفرض على الامة والحرة ان لا يمنعا السيد والزوج الجماع متى دعاهما ما لم تكن المدعوة حائضا أو مريضة تتأذى بالجماع أو صائمة فرض فان امتنعت لغير عذر فهى ملعونة * روينا من طريق مسلم نا ابن أبى عمر مروان - هو ابن معاوية الفزارى - عن يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه الا كان الذى في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها، * نا حمام نا عباس بن اصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا بكر بن حماد نا مسدد نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - نا شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا باتت المرأة مهاجرة إلى زوجها أو فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع * ومن طريق أحمد


(1) أي تاركات للطيب

[ 41 ]

ابن شعيب أنا هناد بن السرى عن ملازم بن عمرو نا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن على قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دعى الرجل زوجته لحاجته فلتأته وان كانت على التنور) * 1888 مسألة: والعدل بين الزوجات فرض، وأكثر ذلك في قسمة الليالى ولا يجوز ان يفضل في قسمة الليالى حرة على أمة متزوجة ولا مسلمة على ذمية فان عصته حل له هجرانها حتى تطيعه وضربها بما لم يؤلم ولا يجرح ولا يكسر ولا يعفن فان ضربها بغير ذنب أقيدت منه ولا يجوز له المبيت عند أمته ولا عند أم ولده ولا في دار غيره الا بعذر * برهان ذلك قول الله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم الا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) وقول الله عزوجل: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) وقال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) فلم يبح الله عزوجل هجرانها في المضجع الا إذا خاف نشوزها وانما أباح الضرب ولم يبح الجراح ولا كسر العظام ولا تعفين اللحم، وقال تعالى: (والحرمات قصاص) فصح انه ان اعتدى عليها بغير حق فالقصاص عليه * وروينا من طريق أحمد بن شعيب انا عمرو بن على نا عبد الرحمن - هو ابن مهى - نا همام - هو ابن يحيى - عن قتادة عن النضر بن أنس بن مالك بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له امرأتان يميل لاحداهما على الاخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل) فلم يخص عليه الصلاة والسلام حرة متزوجة من أمة متزوجة ولا مسلمة من ذمية وامر عزوجل من خاف ان يعدل ان يقتصر على واحدة من الزوجات أو ان يقتصر على ما ملكت يمينه، فصح انه ليس عليه ان يعدل بين امائه، وكل ما قلنا فهو قول أبى سليمان. وأصحابنا، وقال ابراهيم النخعي: لا فضل للزوجة المسلمة على الكتابية في القسمة وهو قول مالك. والليث. وأبى حنيفة. والشافعي، وقال أبو حنيفة: من كانت له زوجة حرة وزوجة مملوكة فللحرة ليلتان وللملوكة ليلة * وروينا ذلك عن على. ومسروق. ومحمد بن على بن الحسين. والشعبى، والحسن وعطاء. وسعيد بن جبير. وسعيد بن المسيب. وعثمان البتى. والشافعي. وقال مالك. والليث. وابو سليمان: القسمة لهما سواء، واحتج من رأى للحرة يومين وللامة يوما بانه روى في ذلك حديث مرسل وانه عن على ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وانه قول جمهور السلف، وقالوا: لما كانت عدة الامة (م 6 - ج 10 المحلى)

[ 42 ]

وحدها نصف عدة الحرة وحدها وجب أن تكون قسمتها نصف قسمة الحرة * قال أبو محمد: المرسل لاحجة لهم فيه، وعهدنا بهم يردون السنن الثابتة في المسح العمامة وما يحرم من الرضاعات بأنها زائدة على ما في القرآن وتركوا ههنا عموم أمر الله تعالى بالعدل بين النساء عموما بخبر ساقط مرسل مخالف لعموم القرآن ولا حجة في احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالفوا طائفة من الصحابة منهم على فيمالا يعرف لهم فيه مخالف منهم في القضاء بولد الامة المستحقة لسيد أمه أو فدائه برأس أو رأسين والزام البائع الخلاص وخالفوهم وجمهور السلف في ذلك أيضا، وأما قياس القسمة على العدة فباطل لان القياس كله باطل ونعارضهم بقياس أدخل في الايهام من قياسهم وهو أنه لما كانتا في النفقة سواء وجب أن يكونا في القسمة سواء، وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل * الايلاء 1889 مسألة ومن حلف بالله عزوجل أو باسم من اسمائه تعالى ان لا يطأ امرأته أو أن يسوءها أو أن لا يجمعه واياها فراش أو بيت سواء قال ذلك في غضب أو في رضا لصلاح رضيعها أو لغير ذلك استثنى في يمينه أو لم يستثن فسواء وقت وقتا ساعة فاكثر إلى جميع عمره أو لم يوقت الحكم في ذلك واحد، وهو أن الحاكم يلزمه أن يوقفه ويأمره بوطئها ويؤجل له في ذلك أربعة أشهر من حين يحلف سواء طلبت المرأة ذلك أو لم تطلب رضيت ذلك أو لم ترض فان فاء في داخل الاربعة الاشهر فلا سبيل عليه وان أبى لم يعترض حتى تنقضي الاربعة الاشهر فإذا تمت أجبره الحاكم بالسوط على أن يفئ فيجامع أو يطلق حتى يفعل أحدهما كما أمره الله عزوجل أو يموت قتيل الحق إلى مقت الله تعالى الا أن يكون عاجزا عن الجماع لا يقدر عليه أصلا فلا يجوز تكليفه مالا يطيق لكن يكلف أن يفئ بلسانه ويحسن الصحبة والمبيت عندها أو يطلق ولابد من أحدهما، ولا يجوز أن يطلق عليه الحاكم فان فعل لم يلزمه طلاق غيره، وسواء استثنى في يمينه أو لم يستثن، ومن آلى من اجنبية ثم تزوجها لم يلزمه حكم الايلاء لكن يجبر على وطئها كما قدمنا قبل، ومن حلف في ذلك بطلاق أو عتق أو صدقة أو مشى أو غير ذلك فليس موليا، وعليه الادب لانه حلف بما لا يجوز الحلف به * برهان ذلك قول الله عزوجل: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فان فاؤا فان الله غفور رحيم وان عزموا الطلاق فان الله سميع

[ 43 ]

عليم) فهذه الآية تقتضي كل ما قلنا لان الالية هي اليمين وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان حالفا فلا يحلف الا بالله " فصح ان من حلف بغير الله تعالى فلم يحلف بما أمره الله عزوجل به فليس حالفا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد " ولم يخص الله تعالى بالحكم المذكور من وقت ممن لم يوقت ولا من استثنى ممن لم يستثن ولا من طلبته امرأته ممن لم تطلبه وهو حق الله عزوجل في عبده لا لها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده "، والآبي من الفيئة أو الطلاق بعد الاربعة الاشهر معلن بالمنكر فواجب تغييره باليد ما دام مظهرا للمنكر ولا يجوز أن يعارض بشئ قبل انقضاء الاربعة الاشهر لانه نص الاية، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا فهجرهن كلهن شهرا ثم راجعهن فمن فعل كذلك فلا شئ عليه إذا فاء قبل انقضاء الاربعة الاشهر والعاجز عن الجماع إذا حلف مول من امرأته لان الله تعالى لم يخص بذلك جماعا من غيره فواجب أن يكلف من الفيئة ما يطيق وهو مطيق على الفيئة بلسانه ومراجعته مضجعها وحسن صحبتها، وقال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقال عزوجل: (وان عزموا الطلاق فان الله سميع عليم) فمنع عزوجل من كل شئ الا عزيمته الطلاق، فصح ان طلاق الحاكم عليه فضول وباطل وتعد لحدود الله عز وجل، ومن الباطل أن يطلق عليه غيره أو أن يفئ عنه غيره وانما أوجب الله عزوجل الحكم المذكور على من آلى من امرأته لا على من آلى ممن ليست من نسائه وإذا لم يلزم الحكم حين كون ما يوجبه لم يلزمه بعد ذلك الا بنص وبالله تعالى التوفيق * فان طلقها ثم راجعها فقد سقط عنه حكم الايلاء لانه قد فعل ما أمر الله عزوجل ومن فعل ما أمره الله تعالى فقد احسن قال الله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) وفي كثير مما ذكرنا خلاف قد رأى قوم ان الهجرة بلا يمين له حكم الايلاء * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الاصم ان ابن عباس قال له: ما فعلت اهلك عهدي بها لسنة سيئة الخلق قال: أجل والله لقد خرجت وما اكلمها فقال له ابن عباس: عجل السير ادركها قبل أن تمضى اربعة اشهر فان مضت فهى تطليقة، وصح عن ابن عباس ما رويناه من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج انا أبو الزبير انه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس انه قال: الايلاء هو ان يحلف ان لا يأتيها أبدا وصح عن عطاء أن الايلاء انما هو ان يحلف بالله على الجماع أربعة اشهر فاكثر فان لم يحلف فليس إيلاءا، وممن قال مثل قولنا بعض السلف كما روينا

[ 44 ]

من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: إذا حلف بالله ليغيظنها. أو ليسؤنها. أو ليحرمنها. اولا يجمع رأسه ورأسها. فهو إيلاء * ومن طريق عبد الرزاق عن خصيف عن الشعبى قال: كل يمين حالت بين الرجل وبين امرأته فهى إيلاء، وممن قال بقولنا في الايمان بعض السلف كما روينا من طريق شعبة عن عبد الخالق عن حماد بن أبى سليمان في رجل قال لامرأته: انت على كظهر أمي ان قربتك قال ليس بشئ، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في رجل قال لامرأته: أنت طالق ان مسستك أربعة اشهر قال عطاء: ليس ذلك بايلاء ليس الطلاق بيمين فيكون إيلاء، وخالف في ذلك آخرون كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أبى الشعثاء قال: ان قال: أنت على حرام أو أنت كأمى أو أنت طالق ان قربتك فهو إيلاء، وقال أبو حنيفة: ان حلف بطلاق أو عتاق أو حج أو عمرة أو صيام فهو إيلاء فان حلف بنذر صلاة أو بان يطوف أسبوعا أو بأن يسبح مائة مرة فليس موليا، وهذا كلام يغنى سماعه عن تكلف الرد عليه * وممن قال مثل قولنا في المدة طائفة كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا محمد نبن كثير عن سفيان الثوري عن ليث بن أبى سليم عن وبرة فيمن حلف ان لا يقرب امرأته عشرة ايام فلم يقربها حتى مضت ثلاثة أشهر فاتوا في ذلك ابن مسعود فجعله إيلاء، قال سفيان. وقال ابن أبى ليلى. وغيره: إذا آلى يوما أو ليلة فهو ايلاء * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء انه سئل عمن حلف ان لا يقرب امرأته شهرا فمكث عنها خمسة أشهر فقال عطاء: ذلك ايلاء سمى أجلا أو لم يسمه فإذا مضت أربعة اشهر كما قال عزوجل فهى واحدة يريد هي تطليقة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتداة فيمن حلف أن لا يقرب امرأته عشرة أيام فتركها أربعة أشهر فهو إيلاء * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا يونس بن عبيد عن الحسن البصري انه كان يقول: إذا قال الرجل لامرأته والله لا أقربها الليلة فتركها أربعة أشهر فان كان تركها ليمينه فهو إيلاء * ورويناه ايضا عن ابراهيم النخعي وبه يقول اسحق بن ابراهيم بن راهويه وصح خلاف هذا عن ابن عباس كما ذكرنا، وعن طاوس إذا حلف دون أربعة اشهر فليس إيلاء وهو قول سعيد بن جبير وأحد قولى عطاء وهو قول سفيان الثوري. وأبى حنيفة. وأصحابه، وقال مالك. والشافعي. وأبو ثور. وأحمد بن حنبل. وأصحابهم: لا يكون موليا من حلف ان لا يقربها أربعة أشهر فأقل انما المولى من حلف على أكثر من أربعة اشهر *

[ 45 ]

قال أبو محمد: كلا القولين خلاف لنص الآية انما ذكر الله تعالى الايلاء من نسائهم دون توفيق ثم حكم بالتوقيف والتربص أربعة أشهر ثم حكم بعد انقضاء الاربعة الاشهر بالزام الفيئة أو الطلاق. وأما من قال: لا ايلاء الا ما كان في غضب فروينا ذلك عن على كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا داود بن أبى هند عن سماك بن حرب عن أبى عطية الاسدي قال: قلت لعلى بن أبى طالب: تزوجت امرأة أخى وهى ترضع ابن أخى فقلت: هي طالق ان قربتها حتى تفطمه قال على: انما أردت الاصلاح لك ولابن أخيك فلا ايلاء عليك انما الايلاء ما كان في الغضب * قال أبو محمد: ونا يونس بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول: مثل ذلك قال هشيم: ونا أبو وكيع عن أبى فزارة عن ابن عباس قال: انما جعل الايلاء في الغضب، وممن لم يراع ذلك ابراهيم النخعي. وابن سيرين روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا القعقاع بن يزيد الضبي أنه قال لمحمد بن سيرين في قول من يقول: انما الايلاء في الغضب فقال: لا أدرى ما يقولون قال الله تبارك وتعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فان فاءوا فان الله غفور رحيم وان عزموا الطلاق فان الله سميع عليم) * قال أبو محمد: صدق أبو بكر رحمه الله وهو قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبى سلمان. وأصحابهم، وأما الاختلاف في هل يقع طلاق بمضي الاربعة الاشهر أم لا يقع بذلك طلاق؟ فالذين قالوا بمضي الاربعة الاشهر يقع الطلاق فكما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا أبو بكر بن أبى شيبة نا عبد الله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراساني عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن عثمان بن عفان. وزيد بن ثابت قالا في الايلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة وهى أملك بنفسها * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس بن عمر وان على بن أبى طالب قال: إذا آلى منها فمضت الاربعة الاشهر فقد بانت منه ولا يخطبها غيره * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا أبو بكر بن أبى شيبة نا أبو معاوية - هو الضرير - عن الاعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وابن عباس قالا جميعا: إذا آلى فلم يفئ حتى تمضى الاربعة الاشهر فهى تطليقة بائنة قال اسماعيل: ونا سليمان ابن حرب نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى قلت لسعيد بن جبير: أكان ابن عباس يقول في الايلاء إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة بائنة وتتزوج ولا عدة عليها؟ قال: نعم * ومن طريق وكيع عن المسعودي عن على بن بزيمة عن أبى عبيدة بن عبد الله

[ 46 ]

ابن مسعود عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: إذا آلى منها فمضت أربعة أشهر فهى تطليقة بائنة ويخطبها في عدتها ولا يخطبها غيره * قال أبو محمد: هذا خلاف قول ابن عباس لان ابن عباس رأى انقضاء العدة مع انقضاء الاربعة الاشهر، ورأى ابن مسعود أنها تبتدئ العدة بعد انقضاء الاربعة الاشهر وبقول ابن عباس يقول جابر بن زيد * ورويناه من طريق سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد قال: إذا آلى الرجل فمضت أربعة أشهر فليس عليها عدة، ويقول ابن مسعود يقول مسروق كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا المغيرة عن الشعبى. عن مسروق أن رجلا استفتاه في ايلائه من امرأته فقال له مسروق، إذا مضت الاربعة الاشهر بانت منك بتطليقة وتعتد بثلاث حيض فتخطبها ان شئت وشاءت ولا يخطبها غيرك * ورويناه ايضا عن شريح وبه يقول عطاء، وممن صح عنه أنها تطليقة بائنة الحسن البصري. وابراهيم النخعي. وقبيصة بن ذئيب. وعكرمة مولى ابن عباس. وعلقمة. والشعبى وبه يقول أبو حنيفة. واصحابه. وابن جريج. وسفيان الثوري. وابن أبى ليلى. والاوزاعي، ويرى أبو حنيفة ان تعتد بعد انقضاء الاربعة الاشهر، وقالت طائفة منهم بمضي الاربعة الاشهر تقع عليها تطليقة رجعية كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام في الايلاء: إذا مضت أربعة اشهر فهى تطليقة وهو أحق بها وبه يقول الزهري ومكحول، وروى عن سعيد بن المسيب ولم يصح عنه، وأما من قال: يوقف بعد الاربعة الاشهر فكما روينا من طريق سعيد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى انا يحيى بن سعيد الانصاري عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت لا ترى الايلاء شيئا حتى يوقف * ومن طريق اسماعيل بن أسحق نا نصر بن على الجهضمى نا سهل بن يوسف. ومحمد بن جعفر غندر كلاهما عن شعبة عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير قال: ان عمر بن الخطاب قال في الايلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهى امرأته * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن مسعر ابن كدام عن حبيب بن أبى ثابت عن طاوس عن عثمان بن عفان قال: يوقف المولى فاما ان يفئ واما أن يطلق * ومن طريق اسماعيل بن اسحق نا عبد الله بن مسلمة - هو القعنبى - نا سليمان بن بلال عن عمر بن حسين ان عثمان بن عفان كان لا يرى الايلاء شيئا وان مضى أربعة اشهر حتى يوقف، وصح عن على كما روينا من طريق سعيد ابن منصور نا هشيم انا الشيباني - هو أبو إسحق - عن بكير بن الاخنس عن مجاهد

[ 47 ]

عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: شهدت على بن أبى طالب أوقف رجلا عند الاربعة الاشهر بالرحبة اما أن يفئ وأما أن يطلق * ومن طريق اسماعيل بن اسحق نا على ابن عبد الله المدينى نا جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى عن على ابن أبى طالب قال: إذا آلى الرجل من امرأته وقف عند تمام الاربعة الاشهر، وقيل له: اما تفئ واما تعزم الطلاق ويجبر على ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: يوقف المولى عند انقضاء الاربعة الاشهر فاما أن يفئ. واما أن يطلق * ومن طريق حماد بن سلمة أنا قتادة عن سعيد بن المسيب والقاسم ابن محمد بن أبى بكر وطاوس. ومجاهد كلهم أن أبا الدرداء قال: يوقف في الايلاء عند انقضاء الاربعة الاشهر فاما أن يطلق واما أن يفئ * ومن طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول في الايلاء: يوقف وهو قول سعيد بن المسيب وطاوس. ومجاهد. والقاسم بن محمد بن أبى بكر كلهم صح عنه ان المولى يوقف فاما ان يفئ واما أن يطلق، وصح ذلك عن عمر بن عبد العزيز. وعروة بن الزبير. وأبى مجلز. ومحمد بن كعب كلهم يقول يوقف * ومن طريق اسماعيل بن اسحق نا سليمان ابن حرب نا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سليمان بن يسار قال: أدركت الناس يقفون صاحب الايلاء إذا مضت أربعة أشهر فاما أن يفئ واما أن يطلق وهو قول سليمان بن يسار وهو قول مالك. والشافعي. وأبى ثور. وابى عبيد. وأحمد. واسحق. وأبى سليمان. وأصحابهم الا ان مالكا. والشافعي في أحد قوليه يقولان: يطلق الحاكم عليه ان أبى ثم اختلفا فقال الشافعي: له أن يراجعها ما دامت في عدتها فان وطئها فذلك سقوط الايلاء وان لم يطأها عاد عليه التوقيف أربعة أشهر من ذى قبل، فان فاء والا طلق عليه الحاكم ثم له أن يراجعها فان وطئها سقط الايلاء والا عاد عليه التوقيف أربعة أشهر ثم يطلق عليه الحاكم وتحرم عليه الا بعد زوج * قال على: وهذا قول فاسد لانه يصير التوقيف في الايلاء بلا شك عاما كاملا وهذا خلاف القرآن وإذا بطل التوقيف بطل الايلاء الذى أوجبه بلا شك وقال مالك: له أن يراجعها فان وطئها سقط عنه الايلاء وان لم يطأها بانت عنه عند تمام عدتها من طلاق الحاكم * قال أبو محمد: وهذا كلام لا ندري كيف قاله قائله إذ ليس في الباطل اكثر من اجازة كون امرأة في عصمة زوج صحيح الزوجية وهى في عدة من طلاق غيره عليه وما

[ 48 ]

نعلم في أي دين الله تعالى وجد هذا * واعلموا أن قول مالك لم يقله أحد قبله ولا قاله أحد غيره الا من ابتلى بتقليده. ثم أن قوله الذى اتبعه عليه الشافعي من أن يطلق عليه غيره لم يحفظ قط عن أحد قبل مالك وهو قول مخالف للقرآن وللسنن كلها وللقياس والمعقول، أما القرآن فان الله عزوجل يقول: (وان عزموا الطلاق) فجعل عزيمة الطلاق إلى الزوج المولى لا إلى غيره، وقال عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فمن الباطل ان يطلق احد على غيره لا حاكم ولا غير حاكم، وأما السنن فانها انما جاءت في مواضع معروفة بفسخ النكاح وأما بطلاق احد عن غيره فلا أصلا، وكل من روى عنه في هذا كلمة فانما قال بقولنا إما أن يفئ واما أن يطلق فالواجب أن يجبر على أيهما شاء ولابد، وأما القياس فلا أدرى من أين اجازوا ان يطلق الحاكم على المولى ولم يجيزوا ان يفئ عنه ولا فرق بين الامرين، فان قالوا: لا يحل للحاكم ان يستحل فرج امرأة سواه فيكون زنا قلنا له: ولا يحل له ان يبيح فرج امرأة سواه لغير زوجها بأن يطلقها عليه فيكون اباحة للزنا ولا فرق، فان قالوا: أي فرق بين ان يفسخ نكاحه وبين ان يطلقها عليه قلنا: ولا فرق وما أجزنا قط أن يفسخ الحاكم نكاح امرأة في العالم عن زوجها ومعاذ الله من ذلك انما قلنا: كل نكاح اوجب الله تعالى في القرآن أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فسخه فهو مفسوخ سواء أحب الحاكم ذلك أو كرهه ولا مدخل للحاكم في ذلك ولا رأى له فيه انما الحاكم منفذ بقوة سلطانه كل ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم ومانع من العمل بما لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فقط وكل ما حكم به الحاكم، مما عدا ما ذكرنا فهو باطل مردود مفسوخ ابدا * 1890 مسألة والعبد. والحر في الايلاء كل واحد منهما من زوجته الحرة أو الامة المسلمة أو الذمية الكبيرة أو الصغيرة سواء في كل ما ذكرنا لان الله عزوجل عم ولم يخص (وما كان ربك نسيا) وروينا عن عمر بن الخطاب ولم يصح عنه لانه من طريق عبد الرزاق عن ابراهيم بن محمد بن أبى يحيى عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل أبى طلحة عن سفيان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال قال عمر بن الخطاب: إيلاء العبد شهران * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج بلغني عن عمر ايلاء العبد شهران، وروينا عنه أيضا إيلاء الامة شهران ولا يصح أيضا لانه من طريق سعيد ابن منصور عن حبان بن على عن ابن أبى ليلى عن عبد الكريم عن ابن سيرين ان عمر، قال: طلاق الامة تطليقتان وإيلاؤها شهران، وصح عن عطاء ان لا إيلاء للعبد دون سيده وهو شهران وبه يقول الاوزاعي. والليث. ومالك. واسحاق، فان موهوا

[ 49 ]

بعمر قلنا: وقد جاء عن عمر الايلاء من الامة شهران وجاء عنه لا ينكح العبد الا اثنتين فخالفتموه وهذا تلاعب، وقالت طائفة: الحكم في ذلك للنساء فان كانت حرة فايلاء زوجها الحر والعبد عنها أربعة اشهر وان كانت أمة فايلاء زوجها الحر والعبد عنها شهران وهو قول ابراهيم النخعي. وقتادة. وسفيان الثوري، وأبى حنيفة وأصحابه، وقالت طائفة: ايلاء الحر والعبد من الزوجة الحرة والامة سواء وهو أربعة اشهر وهو قول الشافعي. وأحمد بن حنبل. وأبى ثور. وأبى سليمان. وأصحابهم * قال أبو محمد: لا حجة لاحد من القرآن * 1891 مسألة: ومن آلى من أربع نسوة له بيمين واحدة وقف لهن كلهن من حين يحلف فان فاء إلى واحدة سقط حكمها وبقى حكم البواقى فلا يزال يوقف لمن لم يفئ إليها حتى يفئ أو يطلق وليس عليه في كل ذلك الا كفارة واحدة لانها يمين واحدة على أشياء متغايرة ولكل واحدة حكمها وهو مول من كل واحدة منهن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * 1892 مسألة: ومن آلى من أمته فلا توقيف عليه لان الله عزوجل قال: (وان عزموا الطلاق) فصح ان حكم الايلاء انما هو فيمن تلزمه فيها الفيئة أو الطلاق وليس في المملوكة طلاق أصلا فصح انه في المتزوجات فقط وبالله تعالى التوفيق * 1893 مسألة وأما قولنا فيمن آلى من أجنبية ثم تزوجها انه ليس عليه حكم الايلاء فلان الله عزوجل انما قال: (للذين يؤلون من نسائهم) فمن آلى من اجنبية فلم يول من أحد من نسائه فلا إيلاء. عليه، فان قيل: قد صارت من نسائه قلنا: من المحال ان يسقط الحكم حين ايجابه ويجب حين لم يجب ولم يوجب ذلك نص وارد ولا جاءت به سنة ولان التربص لا يكون الا حيث يؤخذ بالفيئة، ولا يجوز ذلك في أجنبية وبالله تعالى التوفيق * تم كتاب الايلاء بحمد الله تعالى وحسن عونه وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وسلم * بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الظهار 1894 مسألة ومن قال من حر أو عبد لامرأته أو لامته التى يحل له وطؤها: انت على كظهر امى، أو قال لها: أنت منى بظهر امى أو كظهر أمي أو مثل ظهر أمي فلا شئ عليه ولا يحرم بذلك وطؤها عليه حتى يكرر القول بذلك مرة أخرى فإذا قالها مرة ثانية وجبت عليه كفارة الظهار وهى عتق رقبة، ويجزى في ذلك المؤمن والكافر (م 7 - ج 10 المحلى)

[ 50 ]

والذكر والانثى والمعيب والسالم فمن لم يقدر على رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين ولا يحل له ان يطأها ولا ان يمسها بشئ من بدنه فضلا عن الوطئ الا حتى يكفر بالعتق أو بالصيام فان أقدم أو نسى فوطئ قبل ان يكفر بالعتق أو بالصيام أمسك عن الوطئ حتى يكفر ولا بد، فان عجز عن الصيام فعليه ان يطعم ستين مسكينا متغايرين شبعهم، ولا يحرم عليه وطؤها قبل الاطعام ولا يجب شئ مما ذكرنا الا بذكر ظهر الام ولا يجب بذكر فرج الام ولا بعضو غير الظهر ولا بذكر الظهر أو غيره من غير الام لا من ابنة ولا من أب ولا من أخت ولا من اجنبية والجدة ام * برهان ذلك قول الله عزوجل: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ان أمهاتهم) الآية إلى قوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا: فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ان يتماسا فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا) فهذه الآية تنتظم كل ما قلناه لان الله عزوجل لم يذكر الا الظهر من الام ولم يوجب تعالى الكفارة في ذلك الا بالعود لما قال وأوجب عتق الرقبة ولم يخص كافرة من مؤمنة ولا معيبة من صحيحة ولا ذكرا من أنثى ولا كبيرا من صغير (وما كان ربك نسيا)، وشرط الله عزوجل في العتق والصيام قبل التماس ولم يشترط ذلك في الكفارة بالاطعام (لا يضل ربى ولا ينسى) تبيانا لكل شئ، ولا يجزى التكرار على اقل من ستين مسكينا لانهم ليسوا ستين مسكينا ولا خلاف في الاشباع ولم يشترط تعالى طعاما دون طعام ولم يخص تعالى حرا من عبد ولا زوجة من أمة، وفيما ذكرنا خلاف ذهب قوم إلى ان الظهار من الامة لا تجب فيه كفارة روى ذلك عن الشعبى في قول له وعكرمة ولم يصح عنهما وصح عن مجاهد في أحد قوليه. وابن أبى مليكة، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأحمد. واسحق. وأصحابهم الا ان أحمد قال في الظهار من ملك اليمين كفارة يمين، وقالت طائفة: ان كان يطأ الامة فعليه كفارة الظهار ان كان لا يطؤها فلا كفارة ظهار عليه صح هذا القول عن سعيد بن المسيب. والحسن البصري في أحد قوليهما، وقالت طائفة: الظهار من الامة كالظهار من الحرة صح ذلك عن سعيد بن المسيب. والحسن. وسليمان بن يسار. ومرة الهمداني. وابراهيم النخعي. وسعيد بن جبير. والشعبى وعكرمة. وطاوس. والزهرى. وقتادة. وعمرو بن دينار. ومنصور بن المعتمر، وهو قول مالك. والليث. والحسن بن حى. وسفيان الثوري. وأبى سليمان. وجميع أصحابهم * قال أبو محمد: احتج القائلون بأنه ليس ظهارا بأن قالوا: قسناه على الايلاء،

[ 51 ]

قال على: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل والتحكم لانه ليس قياس ذكر النساء في الظهار على ذكر النساء في الايلاء بأولى من قياس ذكر النساء في الظهار على ذكر النساء فيما حرم الله عزوجل علينا إذ يقول: (وأمهات نسائكم) فدخل في ذلك باجماع منا ومنهم الاماء مع الحرائر، والعجب انهم يقولون: ان أضعف النصوص أولى من القياس، وهذا مكان تركوا فيه عموم القرآن لقياس فاسد وليس في الظهار علة تجمعه بالايلاء فيجوز القياس عليها عند أصحاب القايس، وأتوا بأهذار بعد هذا لا معنى لذكرها لانها سخافات وحماقات، وقالت طائفة: الظهار يجب بقول مرة واختلفوا في معنى العود لما قالوا، فقالت طائفة مرة العود لما قالوا هو الوطئ نفسه فلا تجب عليه كفارة الظهار حتى يطأها فإذا وطئها لزمته الكفارة والامساك عن وطئها حينئذ، صح ذلك عن طاوس. وقتادة. والحسن. والزهرى * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قول الله عزوجل: (ثم يعودون لما قالوا) قال: جعلها عليه كظهر أمه ثم يعود فيطؤها فتحرير رقبة * ومن طريق ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال في قوله عزوجل: (ثم يعودون لما قالوا) قال: يعود لمسها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه في قوله عزوجل: (ثم يعودون لما قالوا) قال: جعلها عليه كظهر أمه ثم يعود فيطؤها فتحرير رقبة، وقالت طائفة: إذا تكلم بالظهار فقد لزمه كفارة كما روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن ابن أبى نجيح عن طاوس قال: إذا تكلم بالظهار فقد لزمه وهو قول سفيان الثوري. وعثمان البتى قال البتى: ان ماتت لم يصل إلى ميراثها حتى يكفر وان وطئها كفر، وقالت طائفة: العود ههنا ارادة الوطئ فمن ظاهر من امرأته لم يلزمه كفارة الوطئ حتى يريد وطئها فإذا اراد وطأها فحينئذ لزمته الكفارة فان بدا له عن وطئها سقطت عنه الكفارة فان أراد عادت عليه الكفارة فان بداله سقطت عنه، وهكذا ابدا، وهو قول مالك في أشهر قوليه وروى عن عبد العزيز الماجشون وما نعلم هذا عن أحد قبلهما وهو أسقط الاقوال لتعريه عن الادلة ولانه ايجاب وابطال للدعوى بلا معنى، وقالت طائفة: معنى العود أن الظهار يوجب تحريما لا ترفعه الا الكفارة الا أنه ان لم يطأها مدة طويلة حتى ماتت فلا كفارة عليه سواء أراد في خلال ذلك وطئها أو لم يرد فان طلقها ثلاثا فلا كفارة عليه فان تزوجها بعد زوج عاد عليه حكم الظهار ولا يطؤها حتى يكفر وهذا قول أبى حنيفة قال: والظهار قول كانوا يقولونه في الجاهلية فنهوا عنه فكل من قاله فقد عاد لما قال *

[ 52 ]

قال أبو محمد: وهذا قريب في الفساد من قول مالك لانه تحكم بالباطل ولعب وكذب ظاهر لان الذين يقولونه في الاسلام لم يقولوه قط في الجاهلية وانما قال عز وجل: (ثم يعودون لما قالوا) ولم يقل لما قال غيرهم، وذكر هذين القولين يغنى عن تكلف الرد عليهما لظهور فسادهما وانهما شرع لم يأذن به الله تعالى وانهما لا يحفظان عن أحد قبل أبى حنيفة. ومالك، وقالت طائفة: العود هو أن يظاهر منها ثم يمسكها مدة بقدر أن يقول فيها: أنت طالق فلا يطلقها في تلك المدة فإذا فعل ذلك فقد عاد لما قال ولزمته الكفارة ماتت أو عاشت طلقها بعد ذلك أو لم يطلقها فان طلقها أثر ظهاره منها فلا كفارة ظهار عليه وهذا قول الشافعي. وبعض أصحابنا، وروى أشهب عن مالك انه قال: إذا ظاهر من امرأته ثم أمسكها وعزم على وطئها فقد لزمته الكفارة ولا تسقط عنه بعد ماتت أو عاشت، وقالت طائفة: كقولنا روى عن بكير بن الاشج. ويحيى بن زياد الفراء، وقد روى نحوه عن عطاء * قال أبو محمد: جميع الاقوال التى قدمنا انما هي دعاوى لا توافق في اللغة التى بها خاطبنا الله عزوجل وبها نزل القرآن ما يقع عليه لفظة العود (1) لما قال وما كان هكذا فهو باطل بيقين نعنى من فسر العود بالوطئ أو بارادة الوطئ أو بالامساك إذ ليس شئ من هذا عود لما قال، وكذلك من قال: انه يوجب تحريما لا يرفعه الا الكفارة لان الله تعالى لم يوجب الكفارة بالظهار وحده لكن به وبالعود لما قال هذا نص القرآن * قال أبو محمد: ولم يبق إلا قولنا وهو أن يعود لما قال ثانية ولا يكون العود للقول الا بتكريره لا يعقل في اللغة غير هذا، وبهذا جاءت السنة كما روينا من طريق سليمان ابن حرب. ومحمد بن الفضل عارم كلاهما عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن جميلة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت وكان به لمم فكان إذا اشتد لممه ظاهر منها فأنزل الله عزوجل فيه كفارة الظهار * قال أبو محمد: هذا يقتضى التكرار ولابد ولا يصح في الظهار الا هذا الخبر وحده الا خبرا نذكره بعد هذا ان شاء الله عزوجل وكل ما عدا ذلك فساقط اما مرسل واما من رواية من لاخير فيه كما بينا في كتاب الايصال والحمد لله رب العالمين * واختلفوا فيما يجزى في ذلك من الرقاب، فقالت طائفة: لا يجزى في ذلك عتق الكتابى وهو قول مالك، وقال أصحابنا. وأبو حنيفة: يجزى وانما قال المالكيون ذلك قياسا على رقبة كفارة قتل الخطأ *


(1) في النسخة رقم 16 لفظ العود

[ 53 ]

قال أبو محمد: وهذا خطأ لان القياس باطل ولو كان حقا لكان هذا [ منه ] (1) باطلا لانهم جمعوا بين الكفارتين في ان لا يجزى فيهما كافر ولم يجمعوا بينهما ولا قاسوا احداهما على الاخرى في تعويض الاطعام من الصيام لمن عجز عن الصيام وهذا تحكم لا يسوغ لاحد، فان قالوا: لم يذكر تعويض الصيام في كفارة القتل انما ذكر في الظهار فقلنا: ولا ذكرت المؤمنة الا في كفارة القتل ولم تذكر في الظهار فاما قسوا كل واحدة على الاخرى واما أن لا تقيسوا [ كل ] (2) واحدة منهما على الاخرى، وأما قياسكم احداهما على الاخرى في بعض ما فيها دون سائر ما فيها فتحكم فاسد ومناقضة ظاهرة، وقال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي في الرقبة المعيبة اقوالا في غاية الفساد، ولا ندرى ما ذنب المعيب عندهم فلم يجيزوا عتقه في واجب، فان قالوا: السالم اكثر ثمنا قلنا: والبيضاء الجميلة أكثر من السوداء الذميمة فلا تجيزوا في ذلك السوداء الذميمة، وجملة الامر فانما هي آراء فاسدة ونعوذ بالله من التحكم في الدين بمثلها * وقد روينا عن النخعي. والشعبى ان عتق الاعمى يجزى في ذلك، وعن ابن جريج ان الاشل يجزى، وقالت طائفة: ان ظاهر بذات محرم فهو ظهار وان ظاهر بغير ذات محرم فليس ظهارا، روينا ذلك من طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن الحسن البصري قال: من ظاهر من ذات محرم فهو ظهار * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء من ظاهر بذات محرم أو بأخت من الرضاعة فكل ذلك كأمه لا تحل له حتى يكفر فان ظاهر ببنت خاله فليس ظهارا، ورويناه عن الشعبى وهو قول أبى حنيفة. وأحد قولى الشافعي، وللشافعي قول آخر هو أشهر أقواله وهو ان كل من ظاهر بامرأة حل له نكاحها يوما من الدهر فليس ظهارا ومن ظاهر بامرأة لم يحل له نكاحها قط فهو ظهار، وقال مالك: من ظاهر بذات محرم أو بأجنبية أو بابنة فهو كله ظهار، وروينا عن الشعبى لا ظهار إلا بأم أو جدة وهو قول رواه أيضا أبو ثور عن الشافعي وبه يقول أبو سليمان. وأصحابنا * قال أبو محمد: يقال لمن قال: لا ظهار الا من ذات محرم من اين خصصتم ذوات المحارم؟ فان قالوا: لانهن محرمات كالام قلنا: والاب أيضا محرم كالام وجميع الرجال كذلك، فان قالوا: ليسوا من النساء والام من النساء قلنا: ولا ذوات المحارم أمهات والام هي التى ولدته فما الفرق بين قياس وقياس، ويقال لمن قال بالظهار من كل اجنبية ومن الاب أيضا: من اين قستم الظهار بالاب على الظهار بالام ولم تقيسوا


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 54 ]

ظهار المرأة من الرجل على ظهار الرجل من المرأة؟ وقد قال بهذا جماعة كلهم اجل من مالك. وأبى حنيفة كما روينا من طريق أحمد بن حنبل نا هشيم انا مغيرة - هو ابن مقسم - عن ابراهيم النخعي ان عائشة بنت طلحة بن عبيدالله قالت: ان تزوجت مصعب بن الزبير فهو على كظهر امى فسألت أهل المدينة فرأوا ان عليها الكفارة قال الاثرم: فقلت لاحمد بن حنبل: اتكفر؟ قال: نعم تكفر، فهذا كما يرى أهل المدينة في زمن مصعب هذا قديم * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم النخعي ان عائشة بنت طلحة ظاهرت من المصعب بن الزبير ان تزوجته فتزوجته فسألت الفقهاء وهم متوافرون؟ فأمرت بكفارة * ورويناه أيضا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني. واشعث بن عبد الملك الحمراني قال أبو إسحق عن الشعبى. وقال الحمراني عن محمد بن سيرين كلاهما بمثل حديث ابراهيم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن شبرمة قال قالت بنت طلحة: مصعب بن الزبير ان نكحته فهو على كظهر ابيها ثم نكحته فسألت عن ذلك أصحاب ابن مسعود؟ فقالوا: تكفر * وبه إلى معمر عن الزهري في امرأة قالت لزوجها: هو عليها كأبيها فقال الزهري: قالت منكرا من القول وزورا فنرى أن تكفر بعتق رقبة أو بصوم شهرين متتابعين أو تطعم ستين مسكينا ولا يحول بينها وبين زوجها ان يطأها * وروينا من طريق سفيان الثوري عن عمرو بن عامر النهدي عن الحسن البصري انه كان يرى تظاهر المرأة من الرجل ظهارا، وهو قول الاوزاعي. والحسن بن حى. والحسن بن زياد اللؤلؤي * فان قالوا: كان الظهار طلاق الجاهلية والطلاق إلى الرجال قلنا: ومن اين صح عندكم ان الظهار كان طلاق الجاهلية؟ فكيف وانتم تجيزون ان يكون الطلاق بيد المرأة إذا جعله الرجل بيدها فقولوا كذلك في الظهار وهذا كله يبين فساد القياس وتناقضه * وقالت طائفة منهم سفيان الثوري. والشافعي: ان ظاهر برأس أمه أو يدها فهو ظهار، وقال أبو حنيفة: ان ظاهر بشي لا يحل له ان ينظر إليه من أمه فهو ظهار وان ظاهر بشئ يحل له ان ينظر إليه من أمه فليس ظهارا * قال أبو محمد: وكل هذه مقاييس فاسدة ليس بعضها أولى من بعض، وكذلك قياس قول مالك ذكره ابن القاسم أن ما ظاهر به من أعضاء أمه فهو ظهار والحق من ذلك ما ذكرنا من أن لا نتعدى النص الذى حده الله تعالى قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وقال أبو حنيفة: ان كرر الاطعام على مسكين واحد ستين يوما أجزأه *

[ 55 ]

قال أبو محمد: هذا خلاف ايجاب الله تعالى ستين مسكينا، وأما من شرع في الصوم فوطئ ليلا قبل أن يتمهن (1) أو وطى. قبل أن يكفر بعتق أو بصوم فروى عن أبى يوسف أنه لا يكفر لانه لا يستطيع على الكفارة، وقال آخرون: ليس عليه الا كفارة واحدة كما روينا عن وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن سعيد ابن المسيب في المظاهر يجامع قبل أن يكفر قال: يمسك حتى يكفر * ومن طريق وكيع أيضا عن الصلت بن دينار قال: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر فقالوا: كفارة واحدة قال وكيع: وهم الحسن. وابن سيرين. ومورق العجلى. وبكر بن عبد الله المزني. وقتادة. وعطاء. وطاوس. ومجاهد. وعكرمة قال وكيع: والعاشر أراه نافعا وهو قول ابراهيم النخعي. والشعبى، وقالت طائفة: عليه كفارتان كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى. ويزيد بن هرون قال عبد الاعلى: عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن رجاء بن حيوة (2) عن قبيصة بن ذويب عن عمرو بن العاصى، وقال يزيد بن هرون عن التيمى بلغني عن ابن عمر ثم اتفق عمرو ابن العاص. وابن عمر في المظاهر يطؤها قبل أن يكفر قالا جميعا عليه كفارتان * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن قبيصة بن ذوئيب في المظاهر يطؤها قبل أن يكفر قال عليه كفارتان قال معمر: وهو قول قتادة أيضا وهو قول سعيد ابن جبير. والحكم بن عتيبة. وعبيد الله بن الحسن القاضى، وقالت طائفة: عليه ثلاث كفارات كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا يونس بن عبيد. وعبيدة قال يونس: عن الحسن وقال عبيدة: عن ابراهيم قالا جميعا في الذى يظاهر ثم يطؤها قبل ان يكفر: عليه ثلاث كفارات * قال أبو محمد: كان القول قول أبى يوسف لولا الخبر الذى روينا من طريق أحمد ابن شعيب انا الحسن بن حريث ارنا الفضل بن موسى عن معمر عن الحكم بن ابان عن عكرمة عن ابن عباس " أن رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله انى ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقربها حتى تفعل ما أمر الله عزوجل " * قال أبو محمد: فوجب الوقوف عند أمره صلى الله عليه وسلم قال على: هذا خبر صحيح من رواية الثقات لا يضره ارسال من أرسله * قال أبو محمد: وأما من شرع في الصوم فوطئ قبل التى ظاهر عليها ليلا قبل أن


(1) أي أيام الصوم، وفي النسخة رقم 14 قبل أن يتمها (2) في النسخة رقم 14 جابر بن حيوة وهو غلط

[ 56 ]

يتم الشهرين فان مالكا قال: يبتدئ الشهرين من ذى قبل، وقال أبو حنيفة. والشافعي يتمهما بانيا على ما صام منهما، وهذا هو صحيح إذ انما كان الواجب أن يكون الشهران يتمان قبل الوطئ فإذ لا سبيل إلى ذلك بعد فلا يكون ما بقى منهما بعد الوطئ وما مضى منهما قبل الوطئ خير من أن يقصد إلى ان يكونا بكمالهما بعد الوطئ وأما ظهار العبد ففيه اختلاف روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن ابراهيم النخعي قال في العبد يظاهر من امرأته انه ان صام شهرا أجزأ عنه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في عبد ظاهر من امرأة قال: ينتظر الصوم ولا ظهار لعبد دون سيده، وقال آخرون كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يونس ابن عبيد عن الحسن البصري في العبد المظاهر يصوم شهرين وان اذنوا له في العتق جاز وله أن يطعم * وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد في تكفير العبد قال: ليس على العبد الا الصوم والصلاة، وقال طاوس كقولنا كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة قال قلت: لعبد الله ابن طاوس: ما كان أبوك يقول في ظهار العبد قال: كان يقول عليه مثل كفارة الحر، وقال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي: يصوم شهرين ولا يجزيه العتق * قال على: لم يخص الله عزوجل حرا من عبد، (وما كان ربك نسيا) * 1895 مسألة ومن ظاهر من أجنبية ثم كرره ثم تزوجها فليس عليه ظهار ولا كفارة، وقد اختلف الناس في هذا فروينا من طريق مالك عن سعيد ابن عمرو بن سليم الزرقى عن القاسم بن محمد قال: جعل رجل امرأة كظهر أمه ان تزوجها فقال له عمر بن الخطاب: ان تزوجتها فلا تقربها حتى تكفر، وهو قول عطاء. وسعيد بن المسيب. والحسن. وعروة بن الزبير صح ذلك عنهم، وهو قول أبى حنيفة. ومالك. وأحمد بن حنبل. وأصحابهم. وسفيان الثوري. واسحاق، وقالت طائفة: كما قلنا روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى الظهار قبل النكاح شيئا ولا يرى ايضا الطلاق قبل النكاح شيئا وهذا في غاية الصحة عن ابن عباس * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الحسن. وقتادة قالا جميعا: ان ظاهر قبل ان ينكح فليس بشئ وهو قول الشافعي. وأبى سليمان * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (الذين يظاهرون من نسائهم) فانما جعل الكفارة على من ظاهر من امرأته ثم عاد لما قال ولم يجعل تعالى ذلك على من ظاهر من غير امرأته، فان قيل: فانه إذا تزوجها فهو مظاهر منها وهى امرأته قلنا: انما الظهار حين النطق به

[ 57 ]

لا بعد ذلك، ومن الباطل ان لا يلزم الحكم للقول حين يقال ثم يلزم حين لا يقال، ومن علق ظهاره بشئ يفعله مثل ان يقول: أنت كظهر أمي ان وطأتك أو قال: ان كلمت زيدا وكرر ذلك فليس ظهارا فعل ذلك الشئ أو لم يفعله لانه لم يمض الظهار ولا التزمه حين نطق به، وكل ما لم يلزم حين التزامه لم يلزم في غير حال التزامه الا أن يوجب ذلك نص ولا نص ههنا * 1896 مسألة: ومن ظاهر ثم كرر ثانية ثم ثالثة فليس عليه الا كفارة واحدة لان الثانية بها وجبت الكفارة كما قدمنا وحصلت الثالثة منفردة لا توجب شيئا فان كرر رابعة فعليه كفارة اخرى وهكذا القول في كل ما اعاد من الظهار لان بتكراره ثانية تجب الكفارة وتلزم فيكون فيما بعدها مبتدئا للظهار فان كرره وجبت كفارة أيضا وبالله تعالى التوفيق، وقد جاءت في هذا آثار روينا من طريق عبد الرزاق عن مطرف عن سعيد عن قتادة عن خلاس عن على بن أبى طالب قال: إذا ظاهر في مجلس واحد مرارا فكفارة واحدة وان ظاهر في مقاعد شتى فعليه كفارات شتى والايمان كذلك وهو قول قتادة. وعمرو بن دينار صح ذلك عنهما، وقال آخرون: ليس في كل ذلك الا كفارة واحدة روينا عن طاوس. وعطاء. والشعبى قالوا: إذا ظاهر الرجل من امرأته خمسين مرة فانما عليه كفارة واحدة، وصح مثله عن الحسن. وعطاء وهو قول الاوزاعي، وقالت طائفة: كفارة واحدة سواء كان ذلك في مجلس واحد أو في مجالس شتى ما لم يكفر فان كفر ثم ظاهر فكفارة اخرى * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن الحسن قال: إذا ظاهر مرارا وان كان في مجالس شتى فكفارة واحدة ما لم يكفر، والايمان كذلك قال معمر: وهو قول الزهري * قال أبو محمد: وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة: ان كان كرر الظهار في مجلس واحد ونوى التكرار فكفارة واحدة وان لم تكن له نية فلكل ظهار كفارة، وسواء كان ذلك في مجلس واحد أو في مجالس شتى * قال على: لا نعلم هذا عن أحد قبل أبى حنيفة وبالله تعالى التوفيق، وهذه أقوال لا برهان على صحتها لا من قرآن ولا سنة. ولا من قياس وبالله تعالى التوفيق * 1897 مسألة ومن لزمته كفارة الظهار لم يسقطها عنه موته ولا موتها ولا طلاقه لها وهى من رأس ماله ان مات أوصى بها أو لم يوص لانها من ديون الله عزوجل فهى مقدمة على ديون الناس * 1898 مسألة فمن عجز عن جميع الكفارات فحكمه الاطعام ابدا أيسر (م 8 - ج 10 المحلى)

[ 58 ]

بعد ذلك أم لم يوسر قوى على الصيام أو لم يقو وذلك لانه إذا عجز عن العتق والصيام فقد استقر عليه الاطعام بنص القرآن ولم يعوض الله عزوجل منه شيئا أصلا فهو حكم من عجز عن العتق والصوم ومن عجز عن شئ لم يوقت الله عزوجل له آخر فهو لازم ابدا لان أمره تعالى واجب لا يسقطه شئ ومن كان حين لزومه كفارة ظهار له قادرا على عتق رقبة لم يجزه غيرها أبدا وان افتقر فأمره إلى الله عزوجل لان فرض الله تعالى عليه بالعتق قد استقر فلا يحيله شئ ومن كان عاجزا عن الرقبة قادرا على صوم شهرين متصلين لا يحول بينهما رمضان ولا بيوم لا يحل صيامه واتصلت قوته كذلك إلى انقضاء المدة المذكورة فلم يصمها ثم عجز عن الصوم إلى ان مات لم يجزه اطعام ولا عتق ابدا، فان صح صامهما وان مات صامهما عنه وليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " فلو لم تتصل صحته وقوته على الصيام جميع المدة التى ذكرنا فان أيسر في خلالها فالعتق فرضه ابدا فان لم يوسر فالاطعام فرضه ابدا وبالله تعالى التوفيق * العنين 1899 - مسألة - ومن تزوج امرأة فلم يقدر على وطئها سواء كان وطئها مرة أو مرارا أو لم يطأها قط فلا يجوز للحاكم ولا لغيره ان يفرق بينهما أصلا ولا ان يؤجل له أجلا وهى امرأته ان شاء طلق وان شاء أمسك، وفي هذا خلاف قديم وحديث روينا عن عثمان بن عفان أنه أمره بفراقها دون توقيف ولا تأجيل وهو منقطع سليمان بن يسار أن عثمان * وروينا من طريق ابى عبيد نا يزيد بن عيينة ابن عبد الرحمن عن أبيه أنه حضر سمرة بن جندب قد شكت إليه امرأة ان زوجها لا يصل إليها فكتب في ذلك سمرة إلى معاوية فكتب إليه معاوية ان يزوجه امرأة ذات جمال ودين ويدخله عليها ثم يسألها فان ذكرت انه لا يطؤها أمره بفراق التى شكت به ففعل فحكت انه لا يجامع فأمره بفراقها، وقول ثالث صح من طريق شعبة عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال في العنين يؤجل قلت: كم يؤجل؟ قال: يؤجل فكلما كرر عليه كم يؤجل لم يزده على يؤجل، وقول رابع رويناه من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن المغيرة بن مقسم عن الشعبى ان الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة أجل رجلا لم يستطع أن يأتي امرأته عشرة أشهر، وقول خامس رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب جعل للعنين أجل سنة واعطاها صداقها وافيا، وروينا عن عمر بن الخطاب انه قال: ان لم يصبها في السنة فرق بينهما ولا يصح عن عمر هذا أصلا لانها اما عن ضعفاء واما

[ 59 ]

منقطعة، ومن جملتها ان عمر بن الخطاب. وعبد الله بن مسعود قضيا في العنين أن ينتظر به سنة * ثم تعتد بعد السنة عدة المطلقة وهو أحق بأمرها في عدتها، وعن ابن مسعود أيضا تؤجل سنة فان وصل إليها والا فرق بينه وبين امرأته ولا يصح * وروينا أيضا عن المغيرة بن شعبة أنه يؤجل سنة ثم يفرق بينهما ولها الصداق وعليها العدة ولا يصح ذلك، وعن على أيضا أنه أجله سنة ثم فرق بينهما ولا يصح ذلك وصح عن الحسن البصري. وابراهيم النخعي يؤجل سنة ولها الصداق كاملا، وصح عن سعيد بن المسيب انه يؤجل سنة فان مسها والا فرق بينهما. وروى هذا عن القضاه هكذا جملة. وربيعة. وشريح القاضى. وعمرو بن دينار. وحماد بن أبى سليمان، وهو وقل الاوزاعي. والليث. والحسن بن حى. وأبى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأصحابهم، ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة: هذا ان صدقها واما إذا خالفها فان كانت بكرا نظر إليها النساء وان كانت ثيبا فالقول قول الزوج ولا يؤجل لها ولا يفرق بينهما * وقال المالكيون: القول قوله مع يمينه ان ادعى أنه يطؤها * وقال الشافعي: القول قول الزوج مع يمينه فان نكل حلفت هي وفرق بينهما، وان قال النساء: هي بكر حلفت مع ذلك وفرق بينهما فان نكلت حلف هو وبقيت معه ثم اختلفوا فقال هؤلاء: ان كان قد وطئها ولو مرة فلا كلام لها ولا يؤجل لها، وقال أبو ثور: متى عن عنها أجل سنة ثم فرق بينهما وان كان قد وطئها قبل ذلك * وروى عن طائفة مثل قولنا كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري أن رجلا زوج ابنته من ابن اخ له وكان عنينا فقال له عمر: قد آجرك الله ووفر لك ابنتك * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا شعبة عن أبى اسحق السبيعى قال: سمعت هانئ بن هانئ قال: رأيت امرأة جاءت إلى على بن أبى طالب فقالت: هل لك في امرأة ليست بأيم ولا بذات بعل؟ قال وجاء زوجها فقال: لا تسأل عنها الا مبيتها فقال له على: الا تستطيع أن تصنع شيئا قال: لا قال ولا من السحر قال لا قال له على: هلكت وأهلكت اما أنا فلست مفرقا بينكما اتقى الله واصبري * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان نا أبو إسحاق عن هانئ ابن هانئ قال: كنت عند على بن أبى طالب فقامت إليه امرأة فقالت له: هل لك إلى امرأة لا أيم ولا ذات بعل قال: وأين زوجك؟ فقالت: هو في القوم فقام شيخ يجنح فقال ما تقول هذه المرأة قال: سلها هل تنقم في مطعم أو ثياب فقال على: فما من شئ قال لا قال ولا من السحر قال لا قال هلكت وأهلكت قالت فرق بينى وبينه قال: اصبري فان الله تعالى لو شاء لابتلاك باشد من ذلك * ومن طريق أبى عبيدنا عبد الله بن المبارك

[ 60 ]

عن معمر عن ابن أبى نجيح عن مجاهد انه قال في الرجل يتزوج المرأة ثم يعرض له الداء قال: هي امرأته لا تنزع منه، وروى عن الحكم بن عتيبة انها امرأته لا تؤجل له ولا يؤجل لها ولا يفرق بينهما وبه يقول أبو سليمان. وأصحابنا * قال أبو محمد: احتج من ذهب إلى مثل قول عثمان انه امره بفراقها دون توقيف بخبر رويناه من طريق أبى داود نا أحمد بن صالح نا عبد الرزاق انا ابن جريج أخبرني بعض بنى أبى رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس قال: " طلق عبد يزيد ابو ركانة واخوته أم ركانة واخوته ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغنى عنى الاكما تغنى هذه الشعرة الشعرة اخذتها من رأسها ففرق بينى وبينه فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله حمية "، فذكر الحديث " وفيه انه عليه الصلاة والسلام قال له: طلقها ففعل قال: راجع امرأتك أم ركانة واخوته فقال: انى طلقتها ثلاثا يارسول الله قال قد علمت ارجعها وتلا (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) "، واحتجوا بفعل عثمان وقالوا: انما تزوجته للوطئ فإذا عدمته فهو ضرر بها والضرر ممنوع لا حجة لهم غير ما ذكرنا * قال أبو محمد: اما الخبر فضعيف لانه عمن لم يسم ولا عرف من بنى أبى رافع فهو لا يصح وايضا فان عبد يزيد لم تكن له قط صحبة ولا اسلام وانما الصحبة لركانة ابنه فسقط التمويه به، واما فعل عثمان فقد قلنا انه لا يصح عنه وقد جاء عن غيره من الصحابة رضى الله عنهم خلاف ذلك فليس الاحتجاج ببعضهم أولى من الاحتجاج باآخر منهم * وأما قولهم: انما نكحته للوطئ فعدمه ضرر عليها فنعم ان الممتنع من ذلك وهو قادر عليه مضار فواجب منعه من ذلك، واما العاجز فقد قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فوجب أن لا يكلف العنين ما لا يقدر عليه، وأما قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي. في تأجيل السنة ثم التفريق بينهما فقول فاسد لا دليل على صحته لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من شئ يصح عن أحد من الصحابة ولا من قياس. ولا من رأى له وجه يعقل اما الرواية عن عمر فلا تصح لانها مرسلة اما من طريق سعيد بن المسيب عن عمر ولا سماع له من عمر الا نعيه النعمان بن مقرن، وعن الشعبى. والحسن عن عمر ولم يولد الشعبى الا بعد موت عمر ولا ولد الحسن الا لعامين بقيا من حياة عمر. وعن عبد الكريم. وعطاء عن عمر ولم يولدا الا بعد موت عمر. وعن يحيى بن سعيد ولم يولد الا بعد موت عمر بنحو خمس وعشرين سنة، وعن يحيى بن عبد الرحمن الانصاري، وهو مجهول، وقد روينا عن عمر من طريق

[ 61 ]

سعيد بن منصور نا هشيم أنا عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن أنس بن مالك أن عمر ابن الخطاب بعث رجلا على بعض السقاية فتزوج امرأة وكان عقيما فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم قال لا قال فانطلق فأعلمها ثم خيرها، وروى أيضا أنه رضى الله عنه أجل مجنونا سنة فان أفاق والا فرق بينه وبين امرأته وهم يخالفون عمر في كل ذلك فمن أين وجب تقليده في العنين دون العقيم والمجنون؟ وأما الرواية عن ابن مسعود فانما جاءت من طريق عبد الكريم الجزرى ولم يولد الا بعد موت ابن مسعود * أو من طريق حصين بن قبيصة وهو مجهول، وأما الرواية عن على فمن طريق يزيد ابن عياض بن جعدية وهو مذكور بالكذب ووضع الحديث * ومن طريق الحسن ابن عمارة وهو متروك الحديث جملة هالك * ومن طريق الضحاك بن مزاحم وهو لا شئ، وأما الرواية عن الصحابة جملة فمن طريق شريك وهو مدلس عن جابر الجعفي وهو كذاب مشهور بذلك فاسد الدين يقول بالرجعة، وأما الرواية عن المغيرة ابن شعبة فمن طريق أبى طلق العائدى. وأبى النعمان وهما مجهولان لا يدريهما أحد، وعن الحجاج بن أرطاة وهو ساقط مطرح عن رجل لا يعرف اسمه ولا يدرى من هو عن حنظلة بن نعيم وهو مجهول فسقط كل ما تعلقوا به، ثم لو صح كل ذلك لكان قد روى عن عثمان. وعلى. وسمرة. ومعاوية خلاف ذلك وليس بعضهم أولى بأخذ قوله من بعض، وأيضا فان في الرواية عن عمر. وابن مسعود ان عليها العدة وهو أملك بها ما دامت في عدتها وهم لا يقولون بذلك وأيضا فليس عن أحد من المذكورين انه ان وطئها مرة واحدة فلا كلام لها ولا توقيف وصح انهم مخالفون لكل من روى عنه في ذلك كلمة من الصحابة رضى الله عنهم ولا متعلق لهم بضرر فقد الجماع لانها إذا كلفوها صبر سنة فلا فرق بين صبر سنة وبين صبر سنتين وهكذا ما زاد ثم أشد ذلك قولهم ان وطئها مرة في الدهر فلا كلام لها والضرر في ذلك أشد منه في التى لم يطأها قط، من قال غير هذا فقد جاهر وكابر الضرورة والحس * قال أبو محمد: وبرهان صحة قولنا هو ان كل نكاح صح بكلمة الله عزوجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد حرم الله تعالى بشرتها وفرجها على كل من سواه فمن فرق بينهما بغير قرآن أو سنة ثابتة فقد دخل في صفة الذين ذمهم الله تعالى بقوله: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) ونعوذ بالله من هذا، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قولنا كما روينا من طريق مسلم نا أبو الطاهر. وحرملة بن يحيى واللفظ له قال: أنا ابن وهب اخبرني يونس - هو ابن يزيد - عن الزهري نى عروة بن الزبير أن عائشة

[ 62 ]

زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رفاعة القرظى طلق امرأته فتزوجت بعده عبد الرحمن ابن الزبير فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله انها كانت تحت رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وانه والله ما معه الا مثل هذه الهدبة وأخذت بهدبة من جلبابها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوب عسيلتك " وذكر الحديث * قال أبو محمد: فهذه تذكر ان زوجها لم يطأها وان احليله كالهدبة لا ينتشر إليها وتشكو ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتريد مفارقته فلم يشكها ولا اجل لها شيئا ولا فرق بينهما وفي هذا كفاية لمن عقل * فاعترض بعض المخالفين في هذا الاثر الصحيح بآثار واهية احدها من طريق ابن نافع عن مالك عن المستورد بن رفاعة عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير " ان رفاعة بن شموال طلق امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فنكحا عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع ان يغشاها فقارقها فاراد رفاعة ان ينكحها وهو زوجها الاول فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لك حتى تذوقي عسيلته " * قال أبو محمد: وهذا منقطع لا حجة فيه ثم عن المستورد بن رفاعة عن الزبير بن عبد الرحمن وهما مجهولان وهو خبر غير معروف عن مالك ثم لو صح لما كان فيه اعتراض على الخبر الذى احتججنا به لاننا لاننكر ان يطلقها عبد الرحمن مختارا فبطل تمويههم به جملة * والخبر الثاني رواه ابن قانع راوي كل بلية عن يحيى بن محمد البخترى الذى لا يعرف من هو عن هدبة بن خالد عن وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة " ان امرأه رفاعة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم " وذكر الحديث إلى قوله " فلا تحلين له حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته فقالت: يا رسول الله انه قد جاءني هبة واحدة " * ورويناه أيضا من طريق ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بحديث امرأة رفاعة القرظى فذكرت فيه انها قالت: فانه يا رسول الله قد جاءني هبة " * قال أبو محمد: عبد الرحمن بن أبى الزناد في غاية الضعف ثم لو صح كل هذا لكان لا متعلق لهم فيه لانه ليس في شى. من هذين الخبرين الساقطين، " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انه انما أسقط التأجيل أو التفريق من اجل تلك الهبة ولا ان عائشة قالت ذلك " فصح انها كهانة كاذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما جاء لفظ الهبة صحيحا في حديث رويناه من طريق البخاري نا محمدنا أبو معاوية - هو الضرير - نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: " طلق رجل امرأته فتزوجت زوجا غيره فطلقها

[ 63 ]

وكانت معه مثل الهدبة فلم تصل منه إلى شئ تريده فلم تلبث ان طلقها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ان زوجي طلقني وانى تزوجت زوجا غيره فدخل بى ولم يكن معه الا مثل الهدبة فلم يقربني الا هبة واحدة ولم يصل منى إلى شئ أفأحل لزوجي الاول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحلين لزوجك الاول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته " * قال أبو محمد: ونحن لا نمنع ان يطلقها العنين ان شاء انما نمنع وننكر ان يفرق بينهما على كره أو ان يؤجل عاما ثم يفرق بينهما فهذا هو الباطل الذي لم يصح قط عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم لا ولا جاء قط في قرآن ولا سنة ولا في رواية فاسدة ولا أوجبه قياس ولا معقول، فان قالوا: قد أمر الله عزوجل في الايلاء بالتوقيف ثم الاجبار على الفيئة أو الطلاق قلنا: نعم أربعة اشهر فأين السنة واين التفريق؟ ثم انتم أول من لا يقيس على المولى من امتنع من وطئ امرأته عامدا من غير ايلاء بيمين فلا توقفونه ولا تؤجلونه فظهر فساد كل ما تعلقوا به وفساد قولهم جملة، وقد ذكرنا من روى عنه من الصحابة رضى الله عنهم والتابعين والحمد لله رب العالمين * 1899 مسألة: وإذا تزوج الرجل بكرا حرة أو أمة مسلمة أو كتابية وله زوجة أخرى حرة أو أمة فعليه (1) ان يخص البكر بمبيت سبع ليال عندها ثم يقسم فيعود ولا يحاسبها بتلك السبع ولا بشئ منها فان تزوج ثيبا حرة أو أمة وعنده زوجة أخرى حرة أو أمة مسلمة أو كتابيه فله ان يخصها بمبيت ثلاث ليال ثم يقسم ويعدل ولا يحاسبها بتلك الثلاث فان زاد على الثلاث أقام عند غيرها كما أقام عندها سواء سواء ويسقط (2) حكمها في التفضيل ولا يحل له في كل ما ذكرنا كانت عنده زوجة غيرها أو لم يكن ان يتخلف عن صلاة الجماعة في المسجد ولا عن صلاة الجمعة فان فعل فهى معصية وجرحة فيه كسائر الناس ولا فرق، ولا يجوز له ان يخص امرأه من نسائه بان تسافر معه الا بقرعة * برهان ذلك ما رويناه عن طريق البزارنا محمد بن معمر نا يعلى بن عبيدنا محمد بن اسحاق عن أيوب السختيانى عن ابى قلابة عن أنس بن مالك " ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل للبكر سبعا وللثيب ثلاثا " * ونا أحمد بن قاسم قال: أخبرني قاسم بن محمد بن قاسم ناجدى قاسم بن أصبغ نا أبو قلابة - هو عبد الملك بن يزيد الرقاشى - نا أبو عاصم - هو الضحاك ابن مخلد - نا سفيان الثوري عن أيوب السختيانى. وخالد الحذاء كلاهما عن أبى قلابة - هو عبد الله بن يزيد الجرمى - عن أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا " * وقد روينا


(1) في النسخة رقم 16 " فله " (2) في النسخة رقم 14 " وسقط "

[ 64 ]

بأن انسأ قال: هي السنة وكل ذلك حق والذى ذكرنا بيان واضح في اسناده * ومن طريق مسلم نا عبد الله بن مسلمة - هو القعنبى - نا سليمان - يعنى ابن بلال - عن عبد الرحمن بن حميد عن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أم سلمة حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها فأراد أن يخرج أخذت بثوبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث) * ومن طريق مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك ابن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: ليس بك على أهلك هو ان ان شئت سبعت عندك وان شئت ثلثت ثم درت قالت: ثلث) * وروينا هذا الخبر بين الاسناد من طريق أحمد بن شعيب نا يعقوب بن ابراهيم. ومحمد بن بشار قالا جميعا: نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن سفيان الثوري حدثنى محمد بن أبى بكر - هو ابن محمد بن عمرو ابن حزم - عن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن أم سلمة أم المؤمنين (ان النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثا وقال: ليس بك على أهلك هو ان ان شئت سبعت لك وان سبعت لك سبعت لنسائي) وبه يقول انس بن مالك. وابراهيم النخعي. والشعبى. ومالك. والشافعي. واحمد بن حنبل. واسحاق ابن راهويه. وأبو ثور. وأبو عبيد. وأبو سليمان. وجميع أصحابهم * وذهبت طائفة إلى غير ذلك وهو ان للبكر ثلاث ليال وللثيب ليلتان روينا ذلك عن عبد الرزاق عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ذلك فقال عطاء: يؤثرون عن أنس ابن مالك انه قال: للبكر ثلاث وللثيب ليلتان) * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: للبكر ثلاث وللثيب ليلتان * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: يمكث عند البكر ثلاثا ثم يقسم وعند الثيب يومين ثم يقسم وهو قول خلاس بن عمرو. وسفيان الثوري. والاوزاعي، وقالت طائفة: لا يقيم عند ثيب ولا بكر الا ما يقيم عند غيرهما ممن عنده وهو قول الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان. وأبى حنيفة. واصحابه، واحتج من ذهب إلى قول الحسن. وابن المسيب بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب. ومحمد بن اسحق قالا جميعا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للبكر ثلاث). قال أبو محمد: هذا مرسل ولا حجة فيه فسقط. هذا القول، ووجدنا من ذهب إلى

[ 65 ]

قول أبى حنيفة يحتجون بما يجب من العدل بين النساء، وبالخبر الثابت الذى فيه " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كانت له امرأتان فمال إلى احداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " * قال أبو محمد: الذى قال هذا القول هو الذى حكم للبكر بسبع زائدة وللثيب بثلاث زائدة، ولا يحل لاحدان يترك قولا له عليه الصلاة والسلام لقول له آخر ما دام يمكن استعمالهما جميعا بأن يضم بعضها إلى بعض أو بأن يستثنى بعضها من بعض ومن تعدى هذا فهو عاص لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم * ومن عجائب الدنيا ان الحنيفيين المخالفين بأهوائهم الفاسدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا يوجبون في القسمة للزوجة الحرة ليلتين وللزوجة الامة ليلة وهذا هو الميل حقا والجور صراحا لاسيما مع قولهم ان للحرة اليهودية والنصرانية ليلتين وللامة المسلمة ليلة ولا يستحيون من هذا التفصيل بالباطل، وقال بعضهم: قد جاء في ذلك أثر عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لا يعرف ثم لو صح لكان لا يجوز الاخذ به لانه مرسل * وعجب آخر وهو انهم يجيزون لمن له زوجة حرة مسلمة وأمة نصرانية أن يقسم للحرة ليلة ولمملوكة اليهودية ثلاث ليال فاعجبوا لهذه الفضائح، ولهم ههنا اعتراضات تشهد بقلة حياء المعترض بها ورقة دينه كتعلقهم بقوله عليه الصلاة والسلام: " ان سبعت لك سبعت لسنائى " فقالوا: هذا حديث يوجب التسوية ونسوا أنفسهم في قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الخبر نفسه: " وان شئت ثلثت ودرت " فاعترضوا بعقولهم الركيكة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلوه العدل والحساب، وقالوا: انما كان ينبغى لو سبع عندها أن يحاسبها بالاربع ليال الزائدة على الثلاث التى هي حقها * قال أبو محمد: وهذا من الحمق ورقة الدين في النهاية القصوى لانه لا يجب حق لاحد الا ان يوجبه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فالذي أوجب لها ثلاث ليال تخص بها دون ضرتها هو الذى أسقطها ان سبع عندها لا يعترض عليه الا كافر نعوذ بالله من الضلال * قال أبو محمد: فان قالوا: فما قولكم ان أقام عند الثيب أكثر من ثلاث وأقل من سبع أو اكثر من سبع أو أقام عند البكر الثيب اكثر من سبع ولها ضرة أو ضرائر زوجات قلنا: نعم اما ان أقام عند الثيب أكثر من ثلاث وأقل من سبع فلا يحاسبها الا بما زاد على الثلاث واما ان أقام عندها أو عند البكر اكثر من سبع فانه يحاسب الثيب بجميع ما أقام عندها ويوفى ضرتها أو ضرائرها مثل ذلك كله ولا يناسب (م 9 - ج 10 المحلى)

[ 66 ]

البكر الا بما زاد على السبع فقط * برهان ذلك ان الثلاث حق الثيب والسبع حق البكر فما زاد على هذين فهو ظلم يحاسبها به ولا يسقط حق الثيب في أن تخص بالثلاث الا حيث أسقطه الله عزوجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فقط وليس ذلك الا أن يسبع لها وزاد على السبع لان الزيادة على السبع تسبيع وزيادة، وقد سقط حقها في الثلاث بالتسبيع فإذا سقط لم يعد بالزيادة على السبع وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: واحتجوا لقولهم: يقسم للحرة ليلتين وللزوجة المملوكة ليلة برواية [ فاسدة ] (1) رويناها من طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا ابن أبى ليلى عن المنهال بن عمرو عن ذر. أو عباد بن عبد الله الاسدي عن على انه كان يقول: إذا تزوج الحرة على الامة قسم للامة الثلث وللحرة الثلثان، وهذا لا يصح لان ابن أبى ليلى سيئ الحفظ والمنهال ضعيف، وروى عن المغيرة بن مقسم انه قال: لم يثبت للمنهال شهادة في الاسلام ولكنه صحيح من قول ابراهيم. وسعيد بن المسيب. ومسروق. والشعبى. والحسن البصري، وروى عن عطاء. وسعيد بن جبير. ومحمد بن على بن الحسن وهو قول عثمان البتى. والشافعي، وقال مالك. والليث. وأبو سليمان: القسم بينهما سواء * قال أبو محمد: لا حجة في احد دون رسول (2) الله صلى الله عليه وسلم، وقد توعد عليه الصلاة والسلام كما أوردنا قبل على الميل إلى زوجة دون أخرى ولم يخص حرة من أمة ولا مسلمة من كتابيه، واحتجوا من قياسهم الفاسد بان قالوا: لما كانت عدة الامة نصف عدة الحرة وجب ان يكونا في القسم (3) كذلك * قال أبو محمد: وهذا في غاية الفساد اول ذلك اننا لا نوافقهم على ان عدة الامة نصف عدة الحرة ثم على قولهم المختلط لا يختلفون ان عدة الامة الحامل كعدة الحرة الحامل فهلا جعلوا القسمة لهما سواء من اجل تساويهما في العدة المذكورة، ويقولون: ان عدة الامة بالاقراء ثلاثا عدة الحرة فهلا قسموا لها الثلثين من قسم الحرة لما ذكرنا ولا خلاف في ان الامة لا ترث وان الحرة ترث فهلا جعلوا الامة لا قسمة لها كما لا ميراث لها وكما لا شهادة لها عندهم ولكنهم في اهذارهم مئل الغريق بما أحس تعلق * واحتجوا في قولهم الفاسد: ان للزوج ان يقسم للحرة ليلة ثم يبيت ثلاث ليلال حيث شاء بروايات ساقطة عن كعب بن سوار انه حكم بذلك بحضرة عمر بن الخطاب فأعجب عمر بذلك، وهذا لا يصح لانه انما رواه عن عمر الشعبى. وقتادة. وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 في احد مع رسول الخ (3) في النسخة رقم 14 في القسمة

[ 67 ]

عوف وكلهم لم يولد الا بعد موت عمر ثم لو صح لما كان في احد حجة غير رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم، وأما التخلف عن صلاة الجماعة فقد ذكرناه في كتاب الصلاة من ديواننا هذا وغيره ايجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وتوعده بحرق بيوت المتخلفين عنها لغير عذر، وقد تزوج عليه الصلاة والسلام واصحابه فما منهم من أحد تخلف في التسبيع والتثليث عن صلاة الجماعة والجمعة وانما هي ضلالة احدثها الشيطان، وأما السفر بامرأة من زوجاته أو بامرأتين أو بثلاث فلا يكون الا بالقرعة لانه ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - عن أبى نعيم الفضل بن دكين نا عبد الواحد بن أيمن حدثنى ابن أبى مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج أقرع بين نسائة فطارت القرعة على عائشة: وحفصة فخرجتا معه " * قال أبو محمد: فان خرج بها كما ذكرنا بقرعة لم يحاسبهن بلياليهن معه في السفر لانه خرج بهن بحق لا بميل ولا بحيف فان خرج بها بغير قرعة حاسبهن بتلك الليالى ولزمه فرضا وان يوفى التى لم يسافر بها عدد تلك الليالى، وهذا قول الشافعي. وأبى سليمان، وقال أبو حنيفة. ومالك. وأصحابهما: يخرج بها بغير قرعة * قال أبو محمد: وهذا باطل لان العدل بين الزوجات فرض كما أوردنا فلا يجوز (2) تخصيص شئ من ذلك الا ما خصه نص ولم يخص النص الا السفر بالقرعة فقط فما عدا ذلك فهو ظلم وبالله تعالى التوفيق، فان قيل: ان له أن لا يسافر بواحدة منهن قلنا نعم وهو عدل بينهن في المنع فليس بذلك مائلا إلى احداهن واما إذا سافر بغير قرعة بواحدة منهن فقد مال إليها وهذا ظلم لا يحل وبالله تعالى التوفيق * 1901 مسألة ولا يجوز للرجل ان يقسم لام ولده ولا لامته مع زوجة ان كانت، وهذا لا خلاف فيه وبرهانه قول الله تعالى: (فان خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) فلم يجعل لملك اليمين حقا يجب فيه العدل فإذ لا حق لهن في القسمة فلا يجوز ان يشارك في الواجب من لا حق له فيه مع من له فيه حق فلو طابت نفس الزوجة بذلك فله حينئذ ان يقسم لامته لانه حق الزوجة طابت بتركه نفسا لكن له ان يطأ أمته متى شاء كما فعل عليه الصلاة والسلام بمارية في يوم أي نسائه شاء دون قسمة وبالله تعالى التوفيق * 1902 مسألة وحد القسمة للزوجات من ليلة فما زاد إلى سبع لكل واحدة


في النسخة رقم 14 " دون رسول الله " (2) في النسخة رقم 16 فلا يحل

[ 68 ]

ولا يجوز له أن يزيد على سبع، وقال قوم: لا يزيد على ثلاث لكل واحدة، وقالت طائفة: لا يزيد على ليلة لكل واحدة روينا ذلك عن محمد بن المنذر النيسابوري نا بذلك عنه أحمد بن محمد بن الجسور عن منذر بن سعيد القاضى عن محمد بن ابراهيم بن المنذر * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا ما ذكرناه في الباب الذى قبل هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لام سلمة رضى الله عنها: ان سبعت لك سبعت لنسائي فصح أن للزوج أن يسبع وما دون السبع جائز بجواز السبع لانه بعض السبع، وأما الزيادة على السبع فممنوع لما ذكرنا قبل من وجوب العدل بينهن فلو جاز اكثر من سبع لكان له أن يبيت عند الواحدة ما شاء ولو أعواما ويقول: سأقسم للاخرى مثل ذلك وهذا باطل وظلم، فصح أنه لا يجوز من عدد الليالى الا ما أجازه النص فقط ولولا هذا الاثر ما أجزنا أكثر من ليلة وبالله تعالى التوفيق وليلة ليلة أحب الينا لانه كذلك جاءت الآثار الثابتة من قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لامهات المؤمنين رضى الله عنهن * 1903 مسألة وان وهبت المرأة ليلتها لضرتها جاز ذلك فان بدا لها فرجعت في ذلك فلها ذلك، برهان ذلك ما روينا من طريق أحمد بن شعيب نا اسحق - هو ابن راهويه - أنا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن سودة بنت زمعة لما كبرت قالت: يا رسول الله جعلت يومى منك لعائشة فكان عليه الصلاة والسلام يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام استأذن نساءه في مرضه الذى مات فيه أن يمرض في بيت عائشة فاذن له في ذلك، وأما قولنا: ان لها الرجوع في ذلك. فلان كل يوم هو غير اليوم الذى قبله بلا شك ولا تجوز هبة مجهول فانما هو اباحة حادثة في ذلك اليوم إذا جاء فلها أن لا تحدث تلك الاباحة وان تتمسك بحقها الذى جعله الله تعالى لها وبه عزوجل نتأيد * 1904 مسألة وجائز للرجل أن يطأ جميع زوجاته وامائه في فور واحد فان تطهر بين كل اثنتين فهو أحسن وان لم يغتسل الا في آخرهن فحسن لا كراهة في ذلك * روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن معمر عن ثابت البنانى عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلام: " كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة ثم يغتسل مرة " * قال أبو محمد: الاماء من نساء الرجل قال الله عزوجل: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) نا أحمد بن محمد بن الجسور نا وهب بن مسرة نا محمد بن وضاح نا أبو بكر بن ابى شيبة عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن فلان بن

[ 69 ]

أبى رافع عن عمته سلمى بنت أبى رافع عن أبى رافع " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة واحدة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا قال فقلت له: يا رسول الله لو اغتسلت غسلا واحدا قال: هذا اطهر واطيب، أو قال وأنظف " * قال على: ولو لم يأت هذا الخبر لكان الغسل بين كل اثنتين منهن حسنا لانه لم يأت عن ذلك نهى وبالله تعالى التوفيق * 1905 مسألة ولا يحل الوطئ في الدبر أصلا لا في امرأه ولا في غيرها أما ما عدا النساء فاجماع متيقن وأما في النساء ففيه اختلاف اختلف فيه عن ابن عمر. وعن نافع كما روينا من طريق أحمد بن شعيب ارنا الربيع بن سليمان بن داود نا اصبغ ابن الفرج ثنا عبد الرحمن بن القاسم قال قلت لمالك: ان عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: انا نشترى الجوارى فنحمض لهن قال: وما التحميض؟ قال: نأتيهن في أدبارهن قال ابن عمر: اف أف اف أو يعمل هذا مسلم؟ فقال لى مالك: فاشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار انه سأل ابن عمر فقال: لا بأس به * ومن طريق أحمد بن شعيب أخبرني على بن عثمان بن محمد بن سعيد بن عبد الله بن نفيل نا سعيد بن عيسى حدثنى المفضل نا عبد الله بن سليمان عن كعب بن علقمة عن ابى النضرانه أخبره انه قال لنافع مولى ابن عمر قد اكثر عليك القول انك تقول عن ابن عمر انه أفتى بان تؤتى النساء في أدبارهن فقال نافع: لقد كذبوا على وذكروا في ذلك أحاديث لو صحت لجاءنا ما ينسخها على ما نذكره ان شاء الله عزوجل، واحتجوا بقول الله تعالى: (نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شتم) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لان أنى في لغة العرب التى نزل بها القرآن انما هي بمعنى من اين لا بمعنى أين فإذ ذلك كذلك فانما معناه من اين شئتم قال الله عزوجل: (يا مريم أنى لك هذا) بمعنى من اين لك هذا، وقالوا: لو حرم من المرأة شئ لحرم جميعها * قال أبو محمد: هذا كما قالوا لو لم يأت نص بتحريمة، وقالوا: وطئ المجموعة جائز وربما مال الذكر إلى الدبر قال على: إذا لم يتمكن من وطئ المجموعة الا بالايلاج في الدبر فوطئها حرام * قال أبو محمد: فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدثناه أحمد بن محمد بن الجسور. وعبد الله ابن ربيع قال أحمدنا وهب بن مسرة نا ابن وضاح نا أبو بكر بن أبى شيبة، وقال عبد الله نا محمد بن معاوية انا أحمد بن شعيب نا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الاشج ثم اتفق الاشج. وابن أبى شيبة قالا جميعا: نا أبو خالد الاحمر عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان

[ 70 ]

عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبر " هذا لفظ رواية عبد الله بن ربيع. ورواية أحمد " في دبرها " لم يختلفا في غير ذلك * وبه إلى أحمد بن شعيب انا محمد بن منصور نا سفيان هو الثوري حدثنى يزيد ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ان الله لا يستحى من الحق لا تأتوا النساء في ادبارهن " * قال أبو محمد: وهذان خبران صحيحان تقوم الحجة بهما ولو صح خبر في اباحة ذلك لكان هذان ناسخين له لان الاصل ان كل شئ مباح حتى يأتي تحريمه، فهذان الخبران وردا بما فصل الله تحريمه لنا وقد جاء تحريم ذلك عن أبى هريرة وعلى ابن أبى طالب. وابى الدرداء. وابن عباس. وسعيد بن المسيب. وأبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف. وطاوس. ومجاهد، وهو قول أبى حنيفة: والشافعي. وسفيان الثوري وغيرهم، وما رويت اباحه ذلك عن أحد الا عن ابن عمر وحده باختلاف عنه. وعن نافع باختلاف عنه: وعن مالك باختلاف عنه فقط وبالله تعالى التوفيق * 1906 مسألة ولا يحل لاحد ان يطأ امرأة حبلى من غيره فان فعل ادب فان كانت امة له اعتق عليه ما ولدت من ذلك الحمل ولابد ولا تعتق هي بذلك * برهان ذلك ما روينا من طريق مسلم حدثنى محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن يزيد بن حميد قال: سمعت عبد الرحمن بن جبير يحدث عن أبيه جبير بن نفير عن أبى الدرداء " ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال له: يزيد ان يلم بها فقالوا: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد همت ان ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له * قال أبو محمد: لا يصح في تحريم وطئ الحامل خبر غير هذا فإذ لم يحل له فقد حرم عليه ملكه واذ حرم عليه ملكه فهو حرام إذ ليس الا مملوك أو حر، وأما تأديب من فعل ذلك فلانه أتى منكرا وبالله تعالى التوفيق * 1907 مسألة: ولا يحل العزل عن حرة ولا عن أمة * برهان ذلك ما روينا من طريق مسلم نا عبيدالله بن سعيد نا المقبرى - هو عبد الله بن يزيد - نا سعيد بن أبى أيوب حدثنى أبو الاسود - هو يتيم عروة - عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: " حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس فسألوه عن العزل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الوأد الخفى وقرأ (وإذا المؤودة سئلت) * قال أبو محمد: هذا خبر في غاية الصحة، واحتج من اباح العزل بخبر ابى سعيد

[ 71 ]

الذى فيه لا عليكم أن لا تفعلوا قال على: هذا خبر إلى النهى أقرب وكذلك قال ابن سيرين، واحتجوا بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم قول يهود هو المؤودة الصغرى وباخبار أخر لا تصح * قال أبو محمد: يعارضها كلها خبر جدامة الذى أوردنا وقد علمنا بيقين ان كل شئ فأصله الاباحة لقول الله تعالى: (الذى خلق لكم ما في الارض جميعا) وعلى هذا كان كل شئ حلالا حتى نزل التحريم قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فصح أن خبر جدامة بالتحريم هو الناسخ لجميع الاباحات المتقدمة التى لا شك في أنها قبل البعث وبعد البعث وهذا أمر متيقن لانه إذ أخبر عليه الصلاة والسلام انه الوأد الخفى والوأد محرم فقد نسخ الاباحة المتقدمة بيقين، فمن ادعى أن تلك الاباحة المسنوخة قد عادت وان النسخ المتيقن قد بطل فقد ادعى الباطل وقفى مالا علم له به وأتى بما لا دليل له عليه قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) وقد جاءت الاباحة للعزل صحيحة عن جابر بن عبد الله. وابن عباس. وسعد بن أبى وقاص. وزيد بن ثابت. وابن مسعود، وصح المنع منه عن جماعة كما روينا عن حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل وقال: لو علمت أحدا من ولدى يعزل لنكلته * قال أبو محمد: لا يجوز أن ينكل على شئ مباح عنده * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن عاصم بن بهدلة عن زربن حبيش ان على بن ابى طالب كان يكره العزل ورويناه أيضا من طريق شعبة عن عاصم عن زرعن على نا يونس بن عبد الله نا أحمد ابن عبد الله بن عبد البصير نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا سليمان التيمى عن أبى عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود أنه قال في العزل هي الموءودة الخفية * وروينا هذا الخبر من طريق سعيد بن منصور قال نا معتمر بن سليمان التيمى حدثنى أبو عمرو الشيباني عن ابن مسعود أنه قال في العزل هي الموءودة الصغرى * وبه إلى محمد بن بشار نا عبد الرحمن بن مهدى نا شعبة نا يزيد بن خمير عن سليمان بن عامر قال: سمعت أبا امامة الباهلى يقول وقد سئل عن العزل فقال: ما كنت أرى مسلما يفعله * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أرنا ابن عون قال حدثنى نافع عن ابن عمر قال: ضرب عمر على العزل بعض بينه * ومن طريق سعيد ابن منصور نا هشيم أرنا يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر ابن الخطاب. وعثمان بن عفان ينكران العزل * قال أبو محمد: سماع سعيد عن عثمان صحيح، وصح أيضا عن الاسود بن يزيد. وطاوس *

[ 72 ]

1908 مسألة والاحسان إلى النساء فرض ولا يحل تتبع عثراتهن ومن قدم من سفره ليلا فلا يدخل بيته الا نهارا ومن قدم نهارا فلا يدخل الا ليلا الا أن يمنعه مانع عذر * برهان ذلك قول الله عزوجل (وعاشروهن بالمعروف) وقول الله عزوجل: (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) * قال أبو محمد: إذ حرم التضييق عليهن فقد أوجب تعالى التوسيع عليهن وافترض ترك ضرهن * روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم عن حاتم ابن اسماعيل عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فذكر كلاما كثيرا وفيه فاتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " * قال أبو محمد: لم يعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فراش المضجع ذلك أمر يجب فيه الرجم على المحصنة فلا يؤمر فيه بضرب غير مبرح وانما عنى عليه الصلاة والسلام بلا شك كل ما افترش في البيوت وهذا نهى عن أن يدخل في مسكنه أو في بيته من لا يريد دخوله منزله من رجل أو امرأة فقط، وهذا يأتي مبينا في المسألة التى تأتى بعد هذه * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا حسين بن على عن زائدة عن مسرة عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر كلاما وفيه " فاستوصوا بالنساء خيرا " * ومن طريق أحمد بن شعيب أرنا عمر بن منصور نا أبو نعيم عن سفيان الثوري عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم " * ومن طريق البخاري نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل عارم - نا هشيم نا سيار عن الشعبى عن جابر بن عبد الله قال: قفلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة فلما ذهبنا لندخل قال: امهلوا حتى تدخلوا ليلا لكى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة " فان قيل: هذا تعارض قلنا: كلا بل قد بين عليه الصلاة والسلام في كلا الخبرين مراده ذكر في الخبر الاول ان لا يدخل ليلا فيتبع بذلك عثرة ان كانت أو لم تكن فصح ان ذلك في الذى جاء ليلا وبين عليه الصلاة والسلام في الآخر ان يمهل من اتى نهارا حتى يدخل ليلا بعد ان يتصل خبره باهله فتستحد وتمتشط، ولا ينسب التعارض إلى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الا كافر ولا ينسبه إلى الصحابة الا مبتدع ولا ينسبه إلى الائمة ومن دونهم الا منحرف القلب عن السنن ونعوذ بالله من كل ذلك *

[ 73 ]

1909 مسألة: وللمرأة ان تتصدق من مال زوجها غير مفسدة لكن بما لا يؤثر في ماله سواء أذن في ذلك أم نهى أحب ام كره * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق نا معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تصم المرأة وبعلها شاهد الا باذنه ولا تأذن في بيته وهو شاهد الا باذنه وما انفقت من كسبه من غير امره فان نصف أجره له " * ومن طريق أحمد ابن شعيب أخبرني احمد بن حرب نا أبو معاوية عن الاعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا انفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها اجرها وله مثله بما كسب ولها بما انفقت وللخازن مثل ذلك من غير ان ينقص من اجورهم شئ " لا قال أبو محمد: هذا اللفظ زائد على ما رويناه من طريق منصور عن شقيق في هذا الخبر فقال فيه " من طعام بيتها " * قال أبو محمد: فاعترض بعض أهل الجرأه على مخالفة السنن بان قالوا هذا من رواية أبى هريرة وقد سئل أبو هريرة هل تصدق المرأة من بيت زوجها؟ فقال: لا الا شئ من قوتها فالاجر بينهما ولا يحل لها ان تصدق من بيت زوجها الا باذنه " * قال أبو محمد: هذه الفتيا من أبى هريرة انما رويناها من طريق عبد الملك بن أبى سليمان العرزمى وهو متروك عن عطاء عن أبى هريرة فهى ساقطة فلا يعارض بها رواية همام بن منبه عنه الا جاهل أو فاسق مجاهر بالباطل وهو يعلمه * ومن طريق مسلم حدثنى محمد بن حاتم. وهارون بن عبد الله قالا جميعا: نا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة ان عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره عن اسماء بنت أبى بكر الصديق " أنها قالت: يارسول الله ليس لى شئ الا ما ادخل على الزبير فهل على جناح ان أرضخ بما يدخل على؟ فقال: ارضخى ما استطعت ولا توكى فيوكى الله عليك " * قال أبو محمد: سماع حجاج من ابن جريج ثابت ولكنه هكذا يقول قال ابن جريج، وممن قال بهذا أم المؤمنين رضى الله عنها كما روينا من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى نا سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن امرأته انها سمعت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها وسألتها امرأة فقالت اطعم من بيت زوجي فقالت أم المؤمنين: ما لم تقى مالك بماله قال الله عزوجل: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) فإذا أباح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا رأى للزوج في المنع منه أصلا * 1910 مسألة ولا يلزم المرأة أن تخدم زوجها في شئ أصلا لا في عجن. (م 10 - ج 10 المحلى)

[ 74 ]

ولا طبخ. ولا فرش. ولا كنس. ولا غزل. ولا نسج. ولا غير ذلك أصلا ولو أنها فعلت لكان أفضل لها، وعلى الزوج يأتيها بكسوتها مخيطة تامة وبالطعام مطبوخا تاما وانما عليها ان تحسن عشرته ولا تصوم تطوعا وهو حاضر الا باذنه ولا تدخل بيته من يكره وان لا تمنعه نفسها متى اراد وان تحفظ ما جعل عندها من ماله * وقال أبو ثور: على المرأة ان تخدم زوجها في كل شئ ويمكن أن يحتج لذلك بالاثر الثابت عن على بن أبى طالب قال: " شكت فاطمة مجل يديها من الطحين وانه أعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سأله خادما " * وبالخبر الثابت من طريق اسماء بنت أبى بكر قالت: كنت اخدم الزبير خدمة البيت وكان له فرس وكنت اسوسه كنت احتش له وأقوم عليه * وبالخبر الثابت من طريق اسماء أيضا انها كانت تعلف فرس الزبير وتسقى الماء وتجزم غربه وتعجن وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثى فرسخ وان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيها وهى تنقله قال: فإذا خدمت هاتان الفاضلتان هذه الخدمة الثقيلة فمن بعدهما يترفع عن ذلك من النساء * قال أبو محمد: لا حجة لاهل هذا القول في شئ من هذه الاخبار لانه ليس في شئ منها ولا من غيرها انه عليه الصلاة والسلام امرهما بذلك انما كانتا متبرعتين بذلك وهما أهل الفضل والمبرة رضى الله عنهما ونحن لا نمنع من ذلك ان تطوعت المرأة به انما نتكلم على سر الحق الذى تجب به الفتيا والقضاء بالزامه، فان قيل، قد قال الله تعالى: (فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) قلنا: أول الآية بين فيما هي هذه الطاعة قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) فصح أنها الطاعة إذا دعاها للجماع فقط، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجب على الرجل للمرأة وقد ذكرناه قبل هذه المسألة بمسألتين، ومن ألزم المرأة خدمة دون خدمة فقد شرع ما لم يأذن به الله تعالى، وقال: ما لا يصح ومالا نص فيه وكذلك بين عليه الصلاة والسلام أن لهن علينا رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فصح ما قلناه: من أن على الزوج أن يأتيها برزقها ممكنا لها اكله وبالكسوة ممكنا لها لباسها لان مالا يوصل إلى أكله ولباسه الا بعجن وطبخ. وغزل. ونسج. وقصارة. وصباغ. وخياطة فليس هو رزقا ولا كسوة هذا ما لا خلاف فيه في اللغة والمشاهدة، واما حفظ ما جعل عندها ففرض بلا خلاف * 1911 مسألة ولا يحل للمرأة أن تحلق رأسها إلا من ضرورة لا محيد منها ولا أن تصل في شعرها شيئا أصلا لا من شعرها ولا من شعر انسان غيرها أو من شعر

[ 75 ]

حيوان أو صوف أو غير ذلك، وهو من الكبائر ولا يحل لها أن تفلج أسنانها ولا أن تنتف الشعر من وجهها ولا أن تشم بالنقش والكحل أو غيره شيئا من جسدها فان فعلت فهى ملعونة هي والتى تفعل بها ذلك * برهان ذلك ما رويناه من طريق أحمد ابن شعيب أنا محمد بن موسى الجرشى نا أبو داود - هو الطيالسي - نا همام - هو ابن يحيى - عن قتادة عن خلاس عن على " قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها فان اضطرت إلى ذلك فقد قال الله تعالى: (وقد فصل لكم حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) " * ومن طريق احمد بن شعيب انا محمد بن المثنى نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن هشام ابن عروة قال: حدثنى فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت: جاءت امرأه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ان لى ابنة عروسا وانها اشتكت فتمزق شعرها فهل على جناح ان وصلت لها فيه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله الواصلة والمستوصلة " * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام نا أبو داود - هو الطيالسي - عن سفيان الثوري عن مصنور عن ابراهيم النخعي عن علقمة بن عبد الله بن مسعود قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " * 1912 مسألة ولا بأس بكذب أحد الزوجين للاخر فيما يستجلب به المودة كما روينا من طريق أحمد بن شعيب نا أبو صالح محمد بن زنبور المكى نا ابن ابى حازم - هو عبد العزيز بن عبد الوهاب بن أبى بكر - عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا أعده كذبا الرجل يصلح بين الناس يقول القول يريد الصلاح والرجل يقول القول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها " * 1913 مسألة ولا يحل النفح بالباطل كما روينا من طريق البخاري ثنا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن اسماء بنت أبى بكر الصديق " أن امرأة قالت يا رسول الله ان لى ضرة فهل على جناح أن تشبعت من زوجي غير الذى يعطى فقال عليه الصلاة والسلام: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " * 1914 مسألة وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يحل لغيرهن والصور محرمة الا هذا والا ما كان رقما في ثوب * روينا من طريق مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة وعمر والناقد قالا جميعا: نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيدالله

[ 76 ]

ابن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن ابى طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة " ومن طريق مسلم نا قتيبة نا الليث هو ابن سعد - عن بكير - هو ابن الاشج - عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبى طلحة الانصاري " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة " ثم اشتكى زيد ابن خالد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة فقلت لعبيد الله الخولانى ربيب ميمونة أم المؤمنين ألم يخبرنا زيد عن الصورة فقال عبيدالله: ألم تسمعه حين قال: الا رقما في ثوب * ومن طريق أحمد بن شعيب أرنا محمد بن رافع النيسابوري نا حجين - هو ابن المثنى - نا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين " قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرب إلى صواحبي يلعبن معى باللعب البنات الصغار " * 1915 مسألة والاستتار بالجماع فرض لقول الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم) الآية، والحديث بذلك لا يجوز * 1916 مسألة وحلال للرجل من امرأته الحائض كل شئ حاش الايلاج فقط، وهذا أمر قد اختلف الناس فيه * روينا من طريق اسماعيل بن اسحق نا محمد ابن أبى خداش نا مروان بن معاوية نا جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة - هو الباهلى - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال عمر بن الخطاب: كنا نضاجع النساء في المحيض وفي الفرش واللحف من قلة فاما إذ وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كما أمر الله تعالى * نا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أبو اسماعيل محمد بن اسماعيل الترمذي نا سفيان بن عيينة نا منبوذ المكى عن أمه قالت: كنا عند ميمونة فدخل عليها ابن عباس فقالت له ميمونة: أي بنى مالى أراك شعث الرأس فقال: ان مرجلتي حائض وذكر الحديث * واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله عزوجل: (قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) وبخبر رويناه من طريق أبى داود ثنا محمد بن سعيد نا سعيد بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن أبى اليمان عن أم درة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال إلى الحصير فلم تقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ندن منه حتى نطهر * وهذا لا شئ لانه من طريق أم درة وهى مجهولة لا تدرى * وذهبت طائفة إلى ان له من السرة فصاعدا

[ 77 ]

فقط وليس له ما دون ذلك كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبى اسحق السبيعى عن عاصم البحلى ان نفرا سألوا عمر بن الخطاب عما يحل للرجل من امرأته حائضا؟ فقال عمر: لك ما فوق الازار لا تطلعن على ما تحته حتى تطهر * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى عن نافع ان ابن عمر أرسل إلى عائشة أم المؤمنين يستفتيها في الحائض يباشرها فقالت عائشة: نعم نجعل على سفلتها ثوبا * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين عن شريح قال: لك ما فوق السرة قال معمر: وسمعت قنادة يقول: لك ما فوق الازار * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن سليمان ابن موسى قال: ما تحت الازار خرام * وبه إلى ابن جريج عن عطاء قال: تباشر الحائض زوجها إذا كان على جزلتها السفلى ازار سمعنا ذلك * واحتج أهل هذه المقالة بخبر رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " وأما ما للرجل من امرأته وهى حائض فما فوق الازار * قال أبو محمد: وهذا خبر رويناه من طرق صحاح إلى رجل يسمى عاصم بن عمرو البجلى الكوفى عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاصم هذا لم يسمعه من عمر لاننا رويناه من طريق أبى اسحق السبيعى عن عاصم بن عمرو عن عمير مولى عمر وعمير هذا مجهول، ورويناه أيضا من طريق شعبة عن عاصم المذكور عن جرل عن القوم الذين سألوا عمر عن ذلك * وبخبر آخر من طريق أبى داود نا هارون بن محمد بن بكار نا مروان - يعنى ابن محمد - نا الهيثم بن حميدنا العلاء بن الحارث عن حزام بن حكيم عن عمه انه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لى من امرأتي وهى حائض: قال: لك ما فوق الازار، وهذا لا يصح لان حزام بن حكيم ضعيف. وهو الذى روى غسل الانثيين من المذى، ومروان بن محمد الذى روى عنه ضعيف أيضا * وبخبر رويناه من طريق أبى داود نا هشام بن عبد الملك اليزنى (1) حدثنى بقية بن عبد الوليد عن سعيد - هو ابن عبد الله الاغطش عن عبد الرحمن بن عائذ الازدي قال هشام - وهو ابن قرط الازدي أمير حمص - عن معاذ ابن جبل قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امرأته وهى حائض؟ فقال: ما هو فوق الازار والتعفف عن ذلك أفضل وهذا خبر لا يصح لانه من طريق بقية وهو ضعيف عن سعيد بن عبد الله الاغطش وهو مجهول لا يعرف * وبخبر من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الرحيم نا محمد بن كريب عن كريب عن ابن عباس انه سئل عن المرأة الحائض ماذا يحل لزوجها؟ قال: سمعنا والله أعلم ان كان قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذلك لا يحل له ما فوق الازار، وهذا حديث كما ترى غير مسند * ومن طريق ابن الجهم نا محمد بن


(1) هو بفتح التحتانية والزاى ثم نون، وفي النسخة رقم 14 " البرتى " وهو غلط

[ 78 ]

الفرج نا عبد الله بن عمر عن أبى النضر عن أبى سلمة عن عائشة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل للرجل من امرأته - يعنى الحائض - قال: ما فوق الازار وهذا لا يصح لانه من طريق العمرى الصغير وهو ضعيف فسقط هذا الخبر (1) والحمد لله رب العالمين، وقد جاء خبر من طريق الليث بن سعد عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن ندبة مولاة ميمونة عن ميمونة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر الحائض من نسائه إذا كان عليها ازار يبلغ أنصاف الفخذين أو الركبتين محتجزه * وعن ابن وهب بلغني عن عائشة. وأم سلمة امى المؤمنين مثل هذا، وهذا منقطع * وعن ندبة وهى مجهولة ولو صح لم تكن فيه حجة ولا متعلق لاحد لانه فعل لا أمر، وذهبت طائفة إلى انه لا يباشرها الا وبينهما ثوب * روينا عن وكيع عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلمانى ما للرجل من امرأته الحائض؟ فقال: الفراش واحد واللحاف شتى وان لم يجد بدا من أن يرد عليها من طرف ثوبه رد عليها * واحتج أهل هذا القول بما رويناه من طريق مسلم نا هرون بن سعيد نا ابن وهب ارنا مخرمة - هو ابن بكير - عن أبيه عن كريب مولى ابن عباس قال: سمعت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معى وانا حائض وبيني وبينه ثوب * ونا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا أبو خليفة الفضل بن الحباب - هو مولى بنى جمح - نا مسدد نا أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة (2) بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تنام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى حائض وبينهما ثوب * قال أبو محمد: سماع مخرمة بن بكير عن أبيه لا يصح كما نا يوسف بن عبد الله النمري نا عبد الله بن محمد بن يوسف الازدي نا محمد بن اسحاق الصيدلانى نا العقيلى نا عبد الله بن أحمد بن حنبل نا أبى نا حماد بن خالد الخايط قال: أخرج إلى مخرمة بن بكير كتابا وقال لى: هذه كتب أبى لم أسمع منها شيئا، واما خبر عائشة أم المؤمنين ففيه عمر ابن ابى سلمة وهو ضعيف لم يوثقه أحد، وذهب أبو حنيفة. وأبو يوسف. ومالك. ومن قلده إلى أنه مباح له ما فوق السرة وما تحت الركبة ويحرم عليه ما بين السرة والركبة وما نعلم لهذا القول متعلقا اصلا فوجب تركه، ولا يموهن مموه بالاخبار التى فيها كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الحائض من نسائه ان تتزر ثم يباشرها فان الازار قد يبلغ إلى الكعبين وقد يبلغ إلى انصاف الفخذين * وذهبت طائفة إلى مثل قولنا كما نا عبد الله بن ربيع نا


(1) في النسخة رقم 14 هذا الباب (2) في النسخة رقم 14 عن عمرو بن أبى سلمة بالواو وهو تصحيف

[ 79 ]

محمد بن معاوية نا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحى نا أبو الوليد الطيالسي نا الليث ابن سعد عن بكير بن عبد الله بن الاشج عن أبى مرة مولى عقيل بن أبى طالب عن حكيم بن عقال سألت أم المؤمنين عائشة ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كان صائما؟ قالت: فرجها قلت: فما يحرم عليه منها إذا كانت حائضا؟ قالت: فرجها وهو قول أم سلمة أم المؤمنين * ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله بن محمد بن عقيل عن ابن عباس قال للرجل من امرأته وهى حائض كل شئ الا مخرج الدم * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: يباشر الرجل الحائض إذا كف عنها الاذى * ومن طريق وكيع عن مالك بن مغول عن عطاء بن أبى رباح أنه قال في الحائض لا بأس أن يأتيها زوجها فيما دون الدم * ومن طريق وكيع عن عطاء بن أبى رباح عن الحكم بن عتيبة أنه قال في الحائض لا بأس: أن يضع الرجل فرجه عليه ما لم يدخله - يعنى على فرجها - * وبه إلى وكيع عن الربيع عن الحسن البصري أنه كان لا يرى بأسا ان يقلب فخذي الحائض، وهو قول مسروق، وابراهيم النخعي. وسفيان الثوري. ومحمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة. وأبى سليمان. وجميع أصحابنا وهو المشهور عن الشافعي * قال أبو محمد: قد بينا سقوط جميع الاقوال التى قدمنا الا هذا القول وقول من تعلق بالاية فنظرنا في هذا القول فوجدنا ما روينا من طريق مسلم نا زهير بن حرب نا عبد الرحمن بن مهدى نا حماد بن سلمة أرنا ثابت - هو البنانى - عن أنس بن مالك فذكر حديثا، وفيه فأنزل الله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنعوا كل شئ الا النكاح " * قال أبو محمد: فهذا خبر في غاية الصحة وهو بيان للآية بين عليه الصلاة والسلام إثر نزولها مراد ربه تعالى فيها، وصح بهذا قول من قال من العلماء: ان معنى قوله عزوجل في المحيض: انما هو موضع الحيض ولا شك في هذا لانه عليه الصلاة والسلام بين مراد ربه تعالى في الآية ولم ينسخها ولم ينسخها قال الله عزوجل: (لتبين للناس ما نزل إليهم) وبالله تعالى التوفيق * 1917 مسألة ومن وطئ حائضا عامدا أو جاهلا فقد عصى الله تعالى في العمد وليس عليه في ذلك شئ لا صدقة ولا غيرها الا التوبة والاستغفار، وقد قال قائلون في ذلك بكفارة كما روينا عن ابن عباس ان وطئها في الدم فدينار وان وطئها في انقطاع الدم فنصف دينار * وعن قتادة ان كان واجدا فدينار وان لم يجد فنصف

[ 80 ]

دينار * وعن عطاء من وطئ حائضا يتصدق بدينار، وقد روى عن محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة، ورأى أحمد بن حنبل أنه مخير بين دينار أو نصف أو نصف دينار، ووجدنا أهل هذه المقالة يحتجون بخبر رويناه من طريق مقسم عن ابن عباس مسندا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقسم ضعيف * ورويناه أيضا من طريق شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريك. وخصيف ضعيفان * ومن طريق فيها عبد الملك بن حبيب عن المكفوف عن أيوب بن خوط عن قتادة عن ابن عباس مسندا وعبد الملك. وايوب هالكان والمكفوف مجهول * ومن طريق عبد الملك ابن حبيب عن أصبغ بن الفرج عن السبيعى عن زيد بن عبد الحميد أن عمر سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: تصدق بدينار، وعبد الملك هالك والسبيعى مجهول، ولا يظن جاهل انه أبو إسحق مات أبو إسحق قبل أن يولد أصبغ بدهر، وهو أيضا مرسل وقد رواه الاوزاعي أيضا مرسلا وفيه تصدق بخمسى دينار * وذهبت طائفة ان عليه مثل كفارة من وطئ في رمضان كما روينا من طريق أحمد بن شعيب انا محمد بن عبد الاعلى نا المعتمر - هو ابن سليمان التيمى - قال: قرأت على فضيل عن أبى جريز ان أيفع حدثه ان سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس انه قال: " من افطر في رمضان فعليه عتق رقبة أو صوم شهر أو اطعام ثلاثين مسكينا " قلت ومن وقع على امرأته وهى حائض أو سمع اذان الجمعة ولم يجمع ليس له عذر قال: كذلك عتق رقبة * ومن طريق عبد الرزاق نا هشام - هو ابن حسان - عن الحسن البصري انه كان يقيس الذى يقع على الحائض بالذى يقع على امرأته في رمضان * واحتج أهل هذه المقالة بخبر رويناه من طريق أحمد ابن شعيب أخبرني محمود بن خالد نا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمى قال: سمعت على بن بذيمة يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عباس يقول قال رجل: يا رسول الله انى أصبت امرأتي وهى حائض فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يعتق رقبة، قال ابن عباس: وقيمة الرقبة يومئذ دينار * ورويناه أيضا من طريق موسى بن أيوب عن الوليد بن مسلم عن جابر عن على بن بذيمة باسناده * قال أبو محمد: موسى بن أيوب. وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم ضعيفان فسقط كل ما في هذا الباب، ولقد كان يلزم القائلين بالقياس أن يقيسوا واطئ الحائض على الواطئ في رمضان لانهما معا وطئا فرجا حلال العين لم يحرم الا بحال الصوم أو حال الحيض فقط ولكن هذا مما تناقضوا فيه لا سيما وهم يحتجون بأضعف من هذا الخبر، وأما نحن فلو صح شئ من كل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلنا به فلما لم يصح فيه شئ لم يجب

[ 81 ]

منه شئ لانه شرع لم يأمر الله تعالى به * وممن قال بقولنا ابن سيرين صح عنه أنه قال: يستغفر الله وليس عليه شئ، وصح أيضا مثل ذلك عن ابراهيم النخعي. وعطاء. ومكحول وهو قول مالك. وأبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان وأصحابهم * 1918 مسألة وإذا رأت الحائض الطهر فان غسلت فرجها فقط أو توضأت فقط أو اغتسلت كلها فاى ذلك فعلت حل وطؤها لزوجها الا أنها لا تصلى حتى تغتسل كلها بالماء، وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: لا يحل له وطؤها الا حتى تغسل جميع جسدها، روينا ذلك عن مجاهد وابراهيم النخعي. والقاسم ابن محمد. وسالم بن عبد الله. ومكحول. والحسن. وسليمان بن يسار. والزهرى. وربيعة * ورويناه عن عطاء. وميمون بن مهران وهو قول مالك. والشافعي. وأصحابهما، وذهب أبو حنيفة. وأصحابه إلى أن الحائض ان كانت ايامها عشرة فانها بانقضاء العشرة يحل لزوجها وطؤها وان لم تغسل فرجها ولا توضأت ولا اغتسلت فان كانت أيامها أقل من عشرة فانها إذا رأت الطهر لم يحل لزوجها وطؤها الا باحد وجهين اما أن تغتسل كلها واما أن يمضى عليها وقت صلاة فان مضى لها وقت صلاة حل له وطؤها وان لم تغتسل ولا غسلت فرجها ولا توضأت * قال أبو محمد: لا قول أسقط من هذا لانه تحكم بالباطل بلا دليل أصلا ولا نعلم أحدا قاله قبل أبى حنيفة ولا بعده الا من قلده، وذهب قوم إلى مثل قولنا كما روينا من طريق عبد الرزاق أرنا ابن جريج. ومعمر قال ابن جريج عن عطاء وقال معمر عن قتادة ثم اتفق عطاء. وقتادة فقالا جميعا في الحائض إذا رأت الطهر فانها تغسل فرجها ويصيبها زوجها، وروينا عن عطاء انها إذا رأت الطهر فتوضأت حل وطؤها لزوجها وهو قول أبى سليمان. وجميع أصحابنا * قال أبو محمد: ربما يموه مموه بالخبر الذى رويناه من طريق عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ان أتاها - يعنى الحائض - وقد أدبر الدم عنها ولم يغتسل فنصف دينار " فقد قلنا: ان مقسما ضعيف ولم يلق عبد الكريم مقسما فهو لا شي ولا سيما والمالكيون والشافعيون لا يقولون بهذا الخبر، ومن الباطل ان يحتج المرأ بخبر هو أول مبطل له ولعلهم أن يقولوا: لا يجوز له وطؤها الا أن تجوز لها الصلاة * قال أبو محمد: وهذا خطأ لان الوطئ ليس معلقا بالصلاة فقد تكون المرأة جنبا فيحل وطؤها ولا تحل لها الصلاة وتكون معتكفة ومحرمة وصائمة فتصلى ولا يحل وطؤها (م 11 ج 10 المحلى)

[ 82 ]

قال أبو محمد: فإذ لا بيان في شئ من هذا الا في الآية فالواجب الرجوع إليها قال الله تعالى: (فلا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) فوجدناه عزوجل لم يبح وطئ الحائض الا بوجهين اثنين وهى أن تطهر وان تطهر لان الضمير الذى في تطهرن راجع بلا خلاف من أحد ممن يحسن العربية إلى الضمير الذى في يطهرن والضمير الذى في يطهرن راجع إلى الحيض فكان معنى يطهرن هو انقطاع الحيض وظهور الطهر لانه لم يضف الفعل اليهن وكان معني يطهرن فعلا يفعلنه لانه رد الفعل اليهن فوجب حمل الآية على مقتضاها وعمومها لا يجوز غير ذلك ولا يجوز تخصيصها ولا الاختصار على بعض ما يقع عليه لفظها دون كل ما يقع عليه بالدعوى الكاذبة فيكون اخبارا عن مراد الله تعالى بما لم يخبر به عزوجل عن مراده، وهذا حرام ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل أنه تعالى لو أراد بعض ما يقع عليه اسم (تطهرن) دون سائر ما يقع عليه لاخبرنا به ولبينه علينا ولما وكلنا إلى التكهن والظنون، وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فقد فصل لنا عزوجل ما حرم علينا من وطئ الحائض وأنه حرام ما لم يطهرن فيطهرن، فصح ان كل ما يقع عليه اسم الطهر بعد أن يطهرن فقد حللن به والوضوء تطهر بلا خلاف وغسل الفرج بالماء تطهر كذلك وغسل جميع الجسد تطهر فبأى هذه الوجوه تطهرت التى رأت الطهر من الحيض فقد حل به لنا اتيانها وبالله تعالى التوفيق * 1919 مسألة ولباس المرأة الحرير والذهب في الصلاة وغيرها حلال على أنه قد اختلف في ذلك فلم يجوز (1) ذلك قوم لهن كما روينا من طريق أحمد ابن شعيب حدثنا أبو بكر بن على المروزى نا شريح بن يونس نا هشيم عن أبى (2) بشر عن يوسف بن ماهك " أن امرأه سألت ابن عمر عن الحرير فقال لها ابن عمر: من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " * ومن طريق مسلم نا ابن أبى شيبة نا عبيد بن سعيد عن شعبة عن خليفة بن كعب أبى ذبيان قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب يقول: " ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير فان من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين أن أبا هريرة كان يقول لابنته: " لا تلبسي الذهب فانى أخاف عليك حر اللهب " * ومن طريق وكيع عن مبارك - هو ابن فضالة - عن الحسن أنه كره الذهب للنساء، واحتج أهل هذه المقالة بخبر من طريق الحسن " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - يعنى النساء - أهلكهن الاحمران


(1) في النسخة رقم 14 فلم يجز (2) في النسخة رقم 16 عن أبى كثير

[ 83 ]

الذهب والزعفران " وهذا مرسل لا حجة فيه، وبخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عائشة قلابين من فضة ملونين بذهب فأمرها أن تلقيهما وتجعل قلابين من فضة وتصفرهما بالزعفران " وهذا مرسل ولا حجة في مرسل * وبخبر رويناه من طريق شعبة. وسفيان. والمعتمر بن سليمان. وجرير كلهم عن منصور بن المعتمر عن ربعى بن خراش عن امرأته عن اخت حذيفة قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين أما انه ليس من امرأة تلبس ذهبا تظهره إلا عذبت به " وهذا عن امرأة ربعى وهى مجهولة، ولقد كان يلزم المالكيين والحنيفيين الآخذين برواية امرأة أبى اسحق عند أم ولد زيد بن أرقم فحرموا به الحلال أن يقول بهذا الخبر والافهم متناقضون * وبخبر فيه ليث بن أبى سليم وهو ضعيف عن شهرين حوشب وهو مثله أو أسقط منه عن اسماء بنت يزيد بن السكن قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأى على سوارين من ذهب وخواتم من ذهب فقال لى عليه الصلاة والسلام: اتحبين ان يسورك الله بسوارين من نار وخواتم من نار قالت: لا قال فانزعي هذين أتعجز أحداكن أن تتخذ حلقتين أو تومتين من فضة ثم تلطخهما بعبير أو ورس أو زعفران " * وخبر آخر فيه محمود بن عمرو الانصاري عن شهر أن أسماء بنت يزيد بن السكن حدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيا امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدة في عنقها مثلها من النار يوم القيامة وايما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعله الله في اذنها من النار يوم القيامة " ومحمود بن عمرو ضعيف * وآخر من طريق أبى زيد عن أبى هريرة " أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجأئته امرأة عليها سواران من ذهب فقال عليه الصلاة والسلام: سوارن من نار فقالت: ما ترى في طوق من ذهب قال: طوق من نار قالت: فما ترى في قرطين من ذهب قال قرطان من نار " وأبو زيد مجهول * وبخبر صحيح رويناه من طريق أحمد بن شعب أخبرني الربيع بن سليمان بن داود نا اسحاق بن بكر حدثنى أبى عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم: " رأى عليها مسكتى ذهب فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: الا أخبرك بما هو أحسن من هذا لو نزعت هذا وجعلت مسكتين من ورق ثم صفرتهما بزعفران كانتا حسنتين " وهذا الخبر حجة لنا لانه ليس في هذا الخبر أنه صلى الله عليه وسلم نهاها عن مسكتى الذهب إنما فيه أنه عليه الصلاة والسلام اختار لها غيره ونحن نقول بهذا * واحتجوا بخبر رويناه من طريق أبى داود نا عبد الله بن مسلمة - هو القعنبى - نا عبد العزيز بن محمد

[ 84 ]

الدراوردى عن أسيد بن أبى أسيد البراد عن نافع عن ابن عباس عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب أن يحلق جبينه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب ومن أحب أن يطوق جبينة طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب. ومن أحب أن يسور جبينه بسوار من نار فليسوره سوارا من ذهب ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها " * قال أبو محمد: هذا مجمل يجب ان يخص منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان الذهب حرام على ذكور أمتى حلال لاناثها) لانه أقل معان منه ومستثني بعض ما فيه * وذكروا ما رويناه من طريق احمد بن شعيب نا وهب بن بيان نا ابن وهب ارنا عمرو بن الحارث ان ابا عشانة حدثه انه سمع عقبة بن عامر يخبر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: ان كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسو هما في الدنيا " * قال أبو محمد: أبوعشانة غير مشهور بالنقل ثم (1) لو صح لكان عاما للرجال والنساء يخصه الخبر الذى فيه " ان الذهب والحرير حرام على ذكور أمتى حلال لاناثها " * وحديث آخر من طريق احمد بن شعيب أرنا عبيدالله بن سعيد نا معاذ بن هشام - هو الدستوائي - نا أبى عن يحيى بن أبى كثير حدثنى زيد - هو ابن سلام - عن أبى سلام - هو ممطور الحبشى عن أبى اسماء الرحبى - هو عمرو بن مرثد - قال: ان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جاءت ابنة هبيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدها فتخ - قال معاذ كذا في كتاب أبى أي خواتم كبار - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب يديها فدخلت على فاطمة تشكو ذلك إليها فنزعت فاطمة سلسلة من ذهب في عنقها فقالت. هذه أهداها أبو حسن فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلسلة في يدها فقال (2): ايسرك ان تقول الناس ابنة رسول الله وفي يدك سلسلة من نار ثم خرج ولم يقعد فأرسلت فاطمة بالسلسله إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما وذكر كلمة معناها فاعتقته فحدث بذلك صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله الذى نجا فاطمة من النار) * قال أبو محمد: أما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدى بنت هبيرة فليس فيه انه عليه الصلاة والسلام انما ضربها من أجل الخواتم ولا فيه أيضا ان تلك الخواتم كانت من ذهب، ومن زاد هذين المعنيين في الخبر فقد كذب بلا شك وقفا مالا علم له به وما لم يخبر به راوي الخبر وهذا حرام بحت وقد يمكن ان يكون عليه الصلاة والسلام ضرب يديها لانها ابرزت عن ذراعيها ما لا يحل لها ابرازه أو لغير ذلك مما هو عليه الصلاة أعلم به، وأما قوله " أيسرك ان يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدك سلسلة من نار " فظاهر اللفظ الذى ليس يفهم (1) في النسخة رقم 14 ولو (2) وفي النسخة رقم 14 فقال يا فاطمة ايضرك

[ 85 ]

منه سواه أنه عليه الصلاة والسلام انما أنكر امساكها اياها بيدها ليس في لفظ الخبر نص بغير ذها ولا دليل عليه، وليس فيه انه عليه الصلاة والسلام نهاها عن لباسها ولا عن تملكها هذا لا شك فيه، وقد يمكن أنه عليه الصلاة والسلام علم أنها لم تزكها وكانت مما تجب فيه الزكاة كما قال عزوجل: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) * والله أعلم لاى وجه أنكر كون السلسلة في يدها رضى الله عنها الا أنه ليس فيه البتة تحريم لباسها لها بل فيه نصا أنه عليه الصلاة السلام أباح لها ملكها يقينا لا شك فيه لانه جوز بيعها للسلسلة وجوز للمشترى لها منها شراءها ولو ان لباسها حراما أو ملكها لم يجز للذى اشتراها شراؤها وأما امساكها باليد الذى في هذا الخبر انكاره فقد نسخ بيقين لا شك فيه لايجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في الذهب واباحته عليه الصلاة والسلام بيع الذهب بالذهب مثلا بمثل وزنا بوزن واباحته عليه الصلاة والسلام بيع قلادة الذهب التي أصيبت بخيبر بعد أن أمر بنزع الخرز عنها. وبيع الذهب بالذهب مثلا بمثل ولم يحرم بيع القلادة التى فيها الذهب ولا ابتياعها ولا أمر بكسرها، ولا خلاف في ان ايجاب الزكاة في الذهب واباحة بيعه بالذهب مثلا بمثل باق إلى يوم القيامة لم ينسخ، واما قوله عليه الصلاة والسلام إذ بلغه بيع فاطمة رضى الله عنها السلسلة الذهب وابتياعها بثمنها غلاما فاعتقته: " الحمد لله الذى أنقذ فاطمة من النار " فالذي لا شك فيه فهو أنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مارويناه من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيدنا الليث - هو ابن سعد - عن ابن الهاد عن عمر بن على بن الحسين عن سعيد بن مرجانة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من النار حتى فرجه بفرجه " فنحن على يقين من أن الله تعالى أنقذها من النار بعتقها للغلام، ومن ادعى أنه انما أنقذها من النار ببيعها السلسلة فقد قفاما لا علم له به وقال: ما لا دليل له عليه ولا برهان عنده بصحته وما ليس في الخبر منه نص ولا دليل الا الظن الذى هو أكذب الحديث، وقد جاء في كراهة مس حلى الذهب أثر صحيح كما روينا من طريق أبى داود نا ابن نفيل - هو عبد الله بن محمد بن نفيل - نا محمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: " قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حلية من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي قالت: فاخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود

[ 86 ]

معرضا أو ببعض أصابعه ثم دعى أمامة بنت أبى العاص ابنة ابنته زينب فقال: تحلى بهذا يا بنية " فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كره مس خاتم الذهب فلعله كرهه لفاطمة أيضا ومع ذلك حلاه أمامة بنت أبى العاص * قال أبو محمد: والحاكم على كل ذلك هو ما رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا عمرو بن على نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - ويزيد - هو ابن زريع - ومعتمر - هو ابن سليمان التيمى - وبشر بن المفضل قالوا كلهم: نا عبيدالله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن سعيد بن أبى هند عن أبى موسى الاشعري " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أحل لاناث أمتى الحرير والذهب وحرمه على ذكورها " * ورويناه أيضا من طريق حماد بن سلمة. وعبد الوهاب بن عبدالميجد الثقفى. وأبى معاوية الضرير. وحماد بن مسعدة كلهم عن عبيدالله بن عمر باسناده إلا أنهم اقتصروا على ذكر الحرير فقط الا حماد ابن سلمة فانه ذكر الحرير والذهب، ورويناه أيضا من طريق سعيد بن أبى عروبة ومعمر كلاهما عن أيوب السختيانى عن نافع باسناده وذكر الحرير والذهب وهو (1) أثر صحيح لان سعيد بن أبى هند ثقة مشهور روى عنه نافع وموسى بن ميسرة * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا يعقوب - هو ابن ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - نا أبى عن ابن اسحاق قال: إن نافعا مولى ابن عمر حدثنى عن عبد الله بن عمر قال " إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في أحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس أو الزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من معصفر أو حذاء أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف " فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها جميع الحلى ولو كان الذهب حراما عليهن لبينه عليه الصلاة والسلام بلا شك فإذ لم ينص على منعه فهذا حلال لهن وبالله تعالى التوفيق * وبهذا تقول جماعة من السلف * روينا من طريق حماد بن سلمة وقتادة قال قتاده عن على بن عبد الله البارقى وقال حماد عن عقبة ابن وشاح كلاهما عن ابن عمر أنهما سألاه عن الحرير والذهب فقال يكرهان للرجال ولا يكرهان للنساء * ومن طريق شعبة عن سليمان بن (2) أبى المغيرة البزاز عن سعيد ابن جبير قال: رأى حذيفة صبيانا عليهم قمص حرير فنزعه عن الغلمان وأمر بنزعه عنهم وتركه على الجوارى، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. ومالك. وأبى سليمان وأصحابه * 1920 مسألة: والتحلى بالفضة واللؤلؤ والياقوت والزمرد حلال في كل شئ للرجال والنساء ولا نخص شيئا الا آنية الفضة فقط فهى حرام على الرجال


(1) وفي النسخة رقم 16 وهذا (2) في النسخة رقم 14 سليمان بن المغيرة والصحيح ما في الاصل

[ 87 ]

والنساء على خبر البراء بن عازب وقد ذكرناه في كتاب الصلاة لان الله عزوجل يقول: (خلق لكم ما في الارض جميعا) وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فلم يفصل عزوجل تحريم التحلى بالفضة في ذلك فهي حلال، وقد خص قوم بالاباحة حلية السيف والمنطقة والخاتم والمصحف وهذا تخصيص لا برهان على صحته (1) فهو دعوى مجردة، وأما اللؤلؤ فقد قال الله عزوجل: (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر) * قال على: ولا يخرج من البحر الا اللؤلؤ فهو بنص القرآن حلال للرجال والنساء وبالله تعالى التوفيق * 1921 مسألة: وإذا شجر بين الرجل وامرأته بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها عن حال الظالم منهما وينهيا إلى الحاكم ما وقفا عليه من ذلك ليأخذ الحق ممن هو قبله ويأخذ على يدى الظالم، وليس لهما ان يفرقا بين الزوجين لا بلخع ولا بغيره * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله وحكما من أهلها أن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما) * قال أبو محمد: الاهل القرابة هم من الاب والام والاهل أيضا الموالى كما روينا في حديث ابى طيبة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أهله ان يخففوا عنه من خراجه " وقال عز وجل: (أن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما) فلا يخلو ضرورة الضمير الذى في بينهما من أن يكون راجعا إلى الزوجين وهكذا نقول (2) أو يكون راجعا إلى الحكمين فنص الآية أنه انما يوفق الله تعالى بينهما ان ارادا اصلاحا والاصلاح هو قطع الشر بين الزوجين، فان قيل قد قال الله عزوجل: (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما ان يصلح بينهما صلحا والصلح خير) يعنى الطلاق وقد قرئ أن يصلحا قلنا نعم وانما رد عزوجل هذا الصلح إلى اختيار الزوجين لا إلى غيرهما وعليهما ولا يعرف في اللغة ولا في الشريعة. أصلحت بين الزوجين أي طلقتها عليه، وقد اختلف السلف في هذا فقالت: طائفة لهما أن يفرقا كما روينا أن عثمان بعث ابن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبى طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقيل لهما أن رأيتما ان تفرقا فرقتما وهذا خبر لا يصح لانه لم يأت الا منقطعا، ورويناه عن ابن عباس أيضا من طريق يحيى بن عبد الحميد الحمانى - وهو ضعيف - وصح عن على بن أبى طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين: عليكما ان رأيتما أن تفرقا فرقتما وان رأيتما أن تجمعا جمعتما * وصح عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف. والشعبى. وسعيد بن جبير. والحكم بن عتبة، وعن ربيعة


(1) في النسخة رقم 14 لا برهان (2) وفي النسخة رقم 14 هكذا القول

[ 88 ]

وشريح، وروى عن طاوس والنخعي وهو قول مالك. والاوزاعي. وأبى سليمان واصحابنا الا ابن المغلس وقال آخرون: ليس للحكمين أن يفرقا. نا أحمد بن عمر بن أنس العذري نا أبو ذر الهروي نا عبد الرحمن (1) عن أحمد بن حموية السرخسى نا ابراهيم ابن خريم نا عبد بن حميد الكشى نا يزيد بن هرون نا هشام - هو ابن حسان - عن الحسن البصري قال: لهما - يعنى الحكمين - أن يصلحا وليس لهما أن يفرقا، وبه إلى عبد بن حميد نا يونس عن شيبان - هو ابن فروح - عن قتادة في قول الله عزوجل: * (وإن خفتم شقاق بينهما) الآية قال قتادة: انما بعث الحكمان ليصلحا فان أعياهما ذلك شهدا على الظالم بظلمه وليس بايديهما الفرقة ولا يملكان ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن انسانا قال له: أيفرق الحكمان؟ قال عطاء: لا الا أن يجعل الزوجان ذلك بأيديهما، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى الحسن بن المغلس، وصح عن سعيد بن جبير ان التفريق إلى الحاكم بما ينهيه إليه الحكمان * قال أبو محمد: ليس في الآية ولا في شئ من السنن أن للحكمين أن يفرقا ولا ان ذلك للحاكم، وقال عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فصح أنه لا يجوز أن يطلق أحد على أحد ولا أن يفرق بين رجل وامرأته الا حيث جاء النص بوجوب فسخ النكاح فقط ولا حجة في قول احد (2) دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * النفقات 1922 مسألة وينفق الرجل على امرأته من حين يعقد نكاحها دعى إلى البناء أو لم يدع ولو أنها في المهد ناشزا كانت أو غير ناشز غنية كانت أو فقيرة ذات أب كانت أو يتيمة بكرا أو ثيبا حرة كانت أو أمة على قدر ماله فالموسر خبز الحوارى واللحم وفاكهة الوقت على حسب مقداره والمتوسط على قدر طاقته والمقل أيضا على حسب طاقته * برهان ذلك ما قد ذكرنا باسناده قبل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في النساء: " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " وهذا يوجب لهن النفقة من حين العقد، وقال قوم: لا نفقة للمرأة الا حيث تدعى إلى البناء بها وهذا قول لم يأت به قرآن ولا سنة ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأى له وجه، ولا شك في أن الله عزوجل لو أراد استثناء الصغيرة والناشز لما أغفل ذلك حتى يبينه له غيره حاش


(1) في النسخة رقم 14 نا عبد الله بن أحمد (2) في النسخة رقم 16 " في أحد "

[ 89 ]

لله من ذلك، وقدنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد ابن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا عبيدالله بن عمر أخبرني نافع عن ابن عمر قال: " كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الاجناد أن انظروا من طالت غيبته أن يبعثوا (1) نفقة أو يرجعوا أو يفارقوا فان فارق فان عليه نفقة ما فارق من يوم غاب) * قال أبو محمد: ولم يخص عمر ناشزا من غيرها * ومن طريق شعبة سألت الحكم بن عتيبة عن ا مرأة خرجت من بيت زوجها غاصبة (2) هل لها نفقة؟ قال: نعم، وقال أبو سليمان. وأصحابه. وسفيان الثوري: النفقة واجبة للصغيرة من حين العقد عليها * قال أبو محمد: وما نعلم لعمر في هذا مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم، ولا يحفظ منع الناشز من النفقة عن احد من الصحابة إنما هو شئ روى عن النخعي. والشعبى. وحماد بن أبى سليمان. والحسن. والزهرى وما نعلم لهم حجة الا أنهم قالوا: النفقة بازاء الجماع فإذا منعت الجماع منعت النفقة * قال أبو محمد: وهذه حجة أفقر إلى ما يصححها مماراموا تصحيحها به وقد كذبوا في ذلك ما النفقة والكسوة الا بازاء الزوجية فإذا وجدت الزوجية فالنفقة والكسوة واجبتان * قال أبو محمد: والعجب كله استحلالهم ظلم الناشز في منع حقها من أجل ظلمها للزوج في منع حقه وهذا هو الظلم بعينه والباطل صراحا، والعجب كله أن الحنيفيين لا يجيزون لمن ظلمه انسان فأخذ له مالا فقدر على الانتصاف من مال يجده لظالمه أن ينتصف ورأوا منع الناشز النفقة والكسوة ولا يدرى لماذا، وقد تناقضوا في حجتهم المذكورة فرأوا النفقة للمريضة التى لا يمكن وطؤها فتركوا قولهم إن النفقة بازاء الجماع * قال أبو محمد: ويكسر الرجل امرأته على قدر ماله فالموسر يؤمر بأن يكسوها الخز وما أشبهه والمتوسط جيد الكتان والقطن، والمقل على قدره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وهذا هو المعروف من مآكل الناس وملابسهم، وقد روينا من طريق احمد بن شعيب ارنا عمران بن بكار الحمصى نا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - أرنا شعيب بن أبى حمزة قال: سئل الزهري عن لباس النساء الحرير: فقال؟ أخبرني أنس بن مالك " أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم برد حرير " (3) وقال الله عزوجل: " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر


(1) في النسخة رقم 14 " أن يبعث " وهو لا يناسب ما بعده (2) في النسخة رقم 14 " عاصية " (3) في النسخة رقم 16 " ثوب حرير " (م 12 - ج 10 المحلى)

[ 90 ]

عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) فان كان في بلد لا يأكلون فيه الا التمر أو التين أو بعض الثمار أو اللبن أو السمك قضى لها بما يقتاته أهل بلدها كما ذكرنا، وأكثر النفقة عندنا رطلان بالبغدادي * ثنا احمد ابن محمد بن الجسور نا وهب بن مسرة نا ابن وضاح نا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا أبو الاحوص - هو سلام (1) بن سليم الكوفى - عن أبى إسحاق السبيعى عن أبى الاحوص عوف ابن مالك بن فضالة الجشمى قال: (دخل أبى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثياب أسمال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما لك من مال؟ فقال: بل من كل المال قد أتانى الله من الابل والبقر والغنم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فلير عليك مما أتاك الله) ففي هذا الخبر أن يلبس الانسان على حسب ماله ونعمة الله تعالى عليه (2) * 1923 مسالة: وليس على الزوج أن ينفق على خادم لزوجته ولو أنه ابن الخليفة وهى بنت خليفة إنما عليه أن يقوم لها بمن يأتيها بالطعام والماء مهيأ ممكنا للاكل غدوة وعشية وبمن يكفيها جميع العمل من الكنس والفرش وعليه أن يأتيها بكسوتها كذلك لان هذه صفة الرزق والكسوة ولم يأت نص قط بايجاب نفقة خادمها عليه فهو ظلم وجور، وأما من كلفها العجين والطبخ ولم يكلفها حياكة كسوتها وخياطتها فقد تناقض وظهر خطؤه وبالله تعالى التوفيق * 1924 مسألة: وإنما تجب لها النفقة مياومة لانه هو رزقها فان تعدى من أجل ذلك وأخر عنها الغداء أو العشاء ادب على ذلك فان اعطاها أكثر فان ماتت أو طلقها ثلاثا أو طلقها قبل أن يطأها أو اتمت عدتها وعندها فضل يوم أو غداء أو عشاء قضى عليها برده إليه وهو في الميتة من رأس مالها لانه ليس من حقها قبله وإنما جعله عندها عدة لوقت مجئ استحقاقها اياه فإذا لم يأت ذلك الوقت ولها عليه نفقة فهو عندها امانة والله تعالى يقول: (إن الله يامركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) ولا ظلم أكثر من أن لا يقضى عليها برد ما لم تستحقه قبله * وأما الكسوة فانها إذا وجبت لها فهي حقها واذ هو حقها فهو لها فسواء ماتت إثر ذلك أو طلقها ثلاثا أو أتمت عدتها أو طلقها قبل أن يطأها ليس عليها ردها لانه لو وجب عليها ردها لكانت غير مالكة لها حين تجب لها ولهذا باطل، وكذلك لو أخلقت ثيابها أو اصابتها وليست من مالها فهى لها فإذا جاء الوقت الذى يعهد في مثله اخلاق تلك الكسوة فهى لها ويقضى لها عليه باخرى فلو امتهنتها ضرارا أو فسادا حتى أخلقت قبل الوقت الذى يعهد فيه اخلاق مثلها فلا شئ لها عليه


(1) في النسخة رقم 16 " هو سالم " وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 16 " عنده "

[ 91 ]

انما عليه رزقها وكسوتها بالمعروف والمعروف هو الذى قلنا * وأما الوطاء والغطاء فبخلاف ذلك لان عليه اسكانها فإذ عليه اسكانها فعليه من الفرش والغطاء ما يكون دافعا لضرر الارض عن الساكن فهو له لان ذلك لا يسمى كسوتها وبين ذلك الخبر الذى أوردناه قبل مسندا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهونه " فنسب عليه السلام الفرش إلى الزوج فواجب عليه أن يقوم لها به وهو للزوج لا تملكه هي ومن قضى لها باكثر من نفقة المياومة فقد قضى بالظلم الذى لم يوجبه الله عزوجل ونسأله عن أن يحد في ذلك حدا فاى حد حد من جمعة أو شهر أو سنة كلف البرهان على ذلك من القرآن أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجده * فان ذكر ذاكر ما رويناه من طريق البخاري نا محمد نا وكيع عن سفيان بن عيينة قال أخبرني معمرنا ابن شهاب عن مالك بن أوس الحدثان عن عمر بن الخطاب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بنى النضير ويحبس لاهله قوت سنتهم " * ورويناه أيضا من طريق أبى داود نا أحمد بن عبدة نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري باسناده * ومن طريق مسلم أنا على ابن مسهر نا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى أزواجه كل سنة ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير " قلنا: ليس في هذا بيان أنه كان يدفعه اليهن مقدما فهو جائز وجائز أيضا أن يعطيه اياهن مياومة أو مشاهرة ونحن لم نمنع من ذلك ان طابت نفسه به، فان فعل الحاكم ذلك فتلف بغير عدوان منها أو بعد وان فهى ضامنة له لانها أخذت ما ليس حقا لها وحكم الحاكم لا يحل مال أحد لغيره ولا يسقط حق ذى حق فلو تطوع هو بذلك دون قضاء قاض فتلف بغير عدوان منها فعليه نفقتها ثانية وكسوتها ثانية كذلك لانها لم تتعد فلا شئ عليها وحقها باق قبله إذ لم يعطه اياها بعد * 1925 مسألة: ويلزمه اسكانها على قدر طاقته لقول الله تعالى: (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * 1926 مسألة ولا يلزمه لها حلى ولا طيب لان الله عزوجل لم يوجبهما عليه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم * 1927 - مسألة - ومن منع النفقة والكسوة وهو قادر عليها فسواء كان غائبا أو حاضرا هو دين في ذمته يؤخذ منه أبدا ويقضى لها به في حياته وبعد موته ومن رأس ماله يضرب به مع الغرماء لانه حق لها فهو دين قبله * 1928 - مسألة - فمن قدر على بعض النفقة والكسوة فسواء قل ما يقدر عليه

[ 92 ]

أو كثر الواجب أن يقضى عليه بما قدر ويسقط عنه مالا يقدر فان لم يقدر على شئ من ذلك سقط عنه ولم يجب أن يقضى عليه بشي فان أيسر بعد ذلك قضى عليه من حين يوسر ولا يقضى عليه بشئ مما أنفقته على نفسها من نفقة أو كسوة مدة عسره لقول الله عزوجل: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها) فصح يقينا ان ما ليس في وسعه ولا آتاه الله تعالى اياه فلم يكلفه الله عزوجل اياه وما لم يكلفه الله تعالى فهو غير واجب عليه وما لم يجب عليه فلا يجوز أن يقضى عليه به ابدا أيسر أو لم يوسر: وهذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة فمنعها اياها وهو قادر عليها، فهذا يؤخذ به أبدا أعسر بعد ذلك أو لم يعسر لانه قد كلفه الله تعالى اياه فهو واجب عليه فلا يسقطه عنه اعساره لكن يوجب الاعسار أن ينظر به إلى الميسرة فقط لقوله عزوجل: (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * 1929 - مسألة - ولو أن الزوج يمنعها النفقة أو الكسوة أو الصداق ظلما أو لانه فقير لا يقدر لم يجز لها منع نفسها منه من أجل ذلك لانه وان ظلم فلا يجوز لها أن تمنعه حقا له قبلها انما لها أن تنتصف من ماله ان وجدته له بمقدار حقها " كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هند بنت عتبة إذ قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل ممسك (1) لا يعطينى ما يكفيني أفآخذ من ماله بغير علمه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " رويناه هكذا من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق البخاري قال نا محمد بن المثنى قال نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبى عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: * 1930 - مسألة - فان عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية كلفت النفقة عليه ولا ترجع عليه بشئ من ذلك ان أيسر الا أن يكون عبدا فنفقته على سيده لا على امرأته وكذلك ان كان للحر ولد أو والد فنفقته على ولده أو والده الا أن يكونا فقيرين * برهان ذلك قول الله عز وجل: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) * قال على: الزوجة وارثة فعليها نفقته بنص القرآن: * قال أبو محمد: ونفقة الزوجة على العبد كما هي على الحر لان الله تعالى إذ أوجب على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم (نفقة النساء وكسوتهن على أزواجهن لم يخص حرا من عبد واذ قال الله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) ولم يخص تعالى حرا من عبد وما كان ربك نسيا،


(1) وفي نسخة رقم 14 مسيك

[ 93 ]

وفيما ذكرنا خلاف نذكر منه ما تيسر ان شاء الله تعالى * فمن ذلك أن ابا يوسف قال: في المرأة البالغة المريضة التى لم يدخل بها زوجها أنه لا نفقة لها عليه إذا كان مرضها يمنع من وطئها فان بنى بها وهى كذلك فله أن يردها ولا ينفق عليها حتى يقدر على جماعها فان أمسكها فعليه نفقتها قال: فان مرضت عنده بعد أن دخل بها صحيحة فعليه نفقتها وليس له ردها قال فان (1) بنى بالرتقاء فعليه نفقتها وليس له ردها، وهذه مناقضات طريفة في السخافة جدا، وقال: ان سجنت المرأة أو حيل بينها وبين زوجها كرها فلا نفقة لها عليه، وقد ذكرنا قول عمر في وجوب النفقة على الغائب مدة مغيبه وان طاق، وروينا من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد قال سئل ابن شهاب عن المرأة تنفق على نفسها من الذى لها وتتسلف قال نرى أن يؤخذ به زوجها بالسداد الا أن يكون له بينة أنه وضع لها ما يصلحها، قال يونس: وهو قول ربيعة * قال أبو محمد: هذا الحق لانه ان ادعى أنه أنفق فهو مدع لسقوط حق لها ثبت قبله فالبينة عليه واليمين عليها وهو قول الحسن البصري. والشافعي. وأبى سليمان، وروينا عن ابراهيم النخعي ما انفقت من مالها فلا شئ لها فيه وما استدانت فهو على الزوج وهذا تقسيم لا يقوم بصحته برهان، وقال ابن شبرمة: لا نفقة للمرأة الا إذا شكت إلى الجيران فمن حين تشكو تجب لها النفقة ويؤخذ بها الزوج وهذا تحديد فاسد، وصح عن شريح أن امرأة قالت له: ان زوجي غاب وانى استدنت دينارا فانفقته على نفسي فقال لها شريح: أكان أمر بذلك قالت لا قال فاقضى دينك، وقال أبو حنيفة: لا نفقة للمرأه الا أن يفرضها لها السلطان * قال أبو محمد: قد فرضها لها سلطان السلاطين وهو الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فبطل رأى أبى حنيفة، وقال مالك: من غاب ثم قدم فطلبته امرأته بالنفقة فان أقامت لها بينة بانها أقر لها بأنه لم يبعث إليها بشئ (1) قضى لها والا فلا نفقة لها الا من يوم ترفعه * قال أبو محمد: وهذه أيضا قضية لا دليل على صحتها ولا يدرى بماذا سقط حقها الواجب لها بدعواه وأما من لم يقدر على النفقة فقد اختلف الناس في حكمه فقالت طائفة: يسجن فلا يطلق ولا يكلف طلاقا وهذا قول عبيدالله بن الحسن العنبري قاضى البصرة * قال أبو محمد: ليت شعرى لماذا يسجن، وقالت طائفة: يجبر على ان ينفق أو يطلق كما روينا عن عبد الرزاق عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: (كتب عمر إلى أمراء الاجناد ادعوا فلانا وفلانا ناسا قد انقطعوا عن المدينة


(1) في النسخة رقم 14 " فلو بنى " (2) في النسخة رقم 14 شيئا

[ 94 ]

ورحلوا عنها اما أن يرجعوا إلى نسائهم واما أن يبعثوا بنفقة اليهن واما أن يطلقوا ويبعثوا بنفقة ما مضى " * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب قال: إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته أجبر على طلاقها * قال أبو محمد: فنظرنا فيما يحتج به أهل هذه المقالة بما روينا من طريق البزار نا عمرو بن على نا أبو معاوية الضرير نا الاعمش عن ابى صالح عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (افضل الصدقة ما ابقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى تقول امرأتك انفق على أو طلقني) * قال أبو محمد: فنظرنا في هذا الخبر فوجدناه هذه الزيادة ليست عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * برهان ذلك ما رويناه من طريق البخاري نا عمر بن حفص بن غياث نا أبى ثنا الاعمش نا أبو صالح حدثنى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة اما أن تطعمني واما أن تطلقني) وذكر باقى الخبر قالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا هذا من كيس أبى هريرة فبطل الاحتجاج بهذا الخبر، فان قالوا: هو من قول أبى هريرة فهو قول صاحبين عمر وأبى هريرة قلنا: أما أبو هريرة فانه انما حكى قول المرأة ولم يقل ان هذا هو الواجب في الحكم، وأما عمر فلا حجة لهم فيه لانه لم يخاطب بذلك الا أغنياء قادرين على النفقة وليس في خبر عمر ذكر حكم المعسر بل قد صح عنه اسقاط طلب المرأة للنفقة إذا أعسر بها الزوج على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، وقالت طائفة: يطلقها عليه الحاكم ثم اختلفوا فقال مالك: يؤجل في عدم النفقة شهرا أو نحوه فان انقضى الاجل وهى حائض أخر حتى تطهر وفي الصداق عامين ثم يطلقها عليه الحاكم طلقة رجعية فان ايسر في العدة فله ارتجاعها، وقالت طائفة: لا يؤجل الا يوما واحدا ثم يطلقها الحاكم عليه، وممن روينا عنه نحو هذا جماعة كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن أبى الزناد قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما قلت سنة قال نعم سنة * ومن طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد وعبد الجبار بن عمر عن ابى الزناد قال شهدت عمر بن عبد العزيز يقول لزوج امرأة شكت إليه أنه لا ينفق عليها اضربوا له أجل شهر أو شهرين فان لم ينفق عليها إلى ذلك الاجل فرقوا بينه وبينها قال: أبو الزناد فسألت عنها سعيد بن المسيب فقال في الاجل

[ 95 ]

والتفريق مثل قول عمر بن عبد العزيز، ومن طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن محمد ابن عبد الرحمن أن رجلا شكا إلى عمر بن عبد العزيز أنه أنكح ابنته رجلا لا ينفق عليها فأرسل إلى الزوج فاتى فقال: أنكحني وهو يعلم أنه ليس لى شئ فقال له عمر بن عبد العزيز: انكحته وأنت تعرف فما الذى أصنع اذهب بأهلك * ومن طريق ابن وهب عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد الانصاري قال: " من تزوج وهو غنى ثم احتاج فلم يجد ما ينفق على امرأته فرق بينهما " * ومن طريق ابن وهب عن مالك قال ان من أدركت كانوا يقولون إذا لم ينفق الرجل على امرأته فرق بينهما قيل لمالك: قد كانت الصحابة يعسرون ويحتاجون قال مالك: ليس الناس اليوم كذلك انما تزوجته رجاء * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. وحماد بن أبى سليمان قالا جميعا: إذا لم يجد ما ينفق على امرأته فرق بينهما * قال أبو محمد: لم نجد لاهل هذه المقالة حجة أصلا الا تعلقهم بقول سعيد ابن المسيب أنه سنة * قال أبو محمد: قد صح عن سعيد بن المسيب قولان كما أوردنا أحدهما يجبر على مفارقتها والآخر يفرق بينهما وهما مختلفان فايهما السنة وأيهما كان السنة فالآخر خلاف السنة بلا شك ولم يقل سعيد انها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى لو قاله لكان مرسلا لا حجة فيه فكيف وانما أورد بلا شك أنه سنة من دونه عليه الصلاة والسلام، ولعله أراد ما روينا من فعل عمر بن الخطاب الذى هو مخالف لقول من يحتج بقول سعيد هذا، والعجب كله ممن يحتج فيما يفرق به بين الزوجين بقول سعيد إنه سنة وهم لا يلتفتون ما حدثنا به محمد بن سعيد بن عمر بن نبات نا عباس بن أصبغ نا محمد بن قاسم ابن محمد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن خلاس بن عمرو " أن عثمان بن عفان قضى في فداء ولد الامة الغارة بانها حرة الملة أو السنة كل رأس رأسين " ولا يلتفتون ما حدثناه أحمد بن محمد بن الجسور نا وهب ابن مسرة نا محمد بن وضاح نا أبو بكر بن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن مطر الوراق عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال: " لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد عدة المتوفى عنها " والصحيح الثابت من طريق البخاري نا محمد بن كثير نا سفيان عن سعد - هو ابن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - عن طلحة بن عبيدالله بن عوف قال: " صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال لتعلموا أنها سنة " * ومن طريق أحمد بن شعيب ارنا


في النسخة رقم 14 بن سعيد بن نبات

[ 96 ]

قتيبة بن سعيد ارنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن ابى أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: " السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الاولى مخافتة ثم يكبر والتسليم عند الآخرة " فمن أعجب ممن يرى قول سعيد بن المسيب في قضية اختلف عنه فيها هي سنة حجة ولا يرى قول أبى أمامة بن سهل هي السنة حجة وهو مثل سعيد في ادراك الصحابة رضى الله عنهم فكيف بعثمان. وعمرو بن العاص. وابن عباس وكل واحد منهم لا يدرك سعيد يوما من أيامه أبدا وكلهم أعلم بالسنة من سعيد بلا شك وهذا تحكم في الدين بالباطل، وأما الرواية عن عمر بن عبد العزيز. وسعيد بن المسيب في تأجيل شهر أو شهرين فساقطة جدا لانها من طريق عبد الرحمن بن أبى الزناد وعبد الجبار بن عمر وكلاهما لا شئ * ومن أعجب العجب قول مالك للذى احتج عليه في هذه المسألة بأن الصحابة كانوا يحتاجون ويعسرون بقوله ليس الناس اليوم كذلك انما تزوجته رجاء فجمع هذا القول وجوها من الخطأ، منها مخالفة امر الصحابة وما مضوا عليه باقراره والاعتراف بان الناس ليسوا كذلك اليوم فكيف يجوز له أن يجيز حكما يقربان الناس فيه على خلاف ما مضى عليه الصحابة ثم من له بذلك ومن أين عرف تبدل الناس في هذه القصة وما يعلم أحد فيها ان الناس على خلاف ما كانوا عليه عصر الصحابة لان كل من تزوج من الصحابة فانما تزوجته المرأه للجماع والنفقة بلا شك فما الناس اليوم الا كذلك، ثم قوله انما تزوجته رجاء فيقال له: فكان ماذا وأى شئ في هذا مما يحيل حكم ما مضى عليه الصحابة رضى الله عنهم؟ واحتج الشافعيون عليهم بحجة ظاهرة وهى أن قالوا إذا كلفتموها صبر شهر فلا سبيل إلى عيش شهر بلا أكل فأى فرق بين ذلك وبين تكليفها الصبر أبدا * قال أبو محمد: وهذا اعتراض صحيح الا أنه يقال أيضا للشافعيين إذا طلقتموها عليه فانه لا صبر عن الاكل فانتم تكلفونها العدة وهى ربما كانت أشهرا فقد كلفتموها الصبر بلا نفقة مدة لا يعاش فيها بلا اكل ولا فرق فظهر فساد هذا القول جملة * واحتجوا أيضا على أصحاب أبى حنيفة لا علينا بأن قالوا: قد اتفقنا على التفريق بين من عن عن امرأته وبينها بضرر فقد الجماع فضرر فقد النفقة أشد فقال لهم أصحاب أبى حنيفة: قد اتفقنا نحن وأنتم على انه ان وطئها مرة ثم عن عنها انه لا يفرق بينهما فيلزمكم أن لا تفرقوا بين من انفق عليها مرة واحدة فاكثر ثم أعسر بنفقتها فيلزمكم ان لا تفرقوا بينهما * قال أبو محمد: كلا الطائفتين تركت قياسا الفا. في هذه المسألة، قال أبو محمد:

[ 97 ]

وقالت طائفة كقولنا كما روينا من طريق مسلم نا زهير بن حرب نا روح بن عبادة نا زكريا بن اسحاق أرنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: " دخل أبو بكر. وعمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجداه جالسا حوله نساؤه واجما ساكنا فقال أبو بكر: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتنى النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم وقال: هن حولي كما ترى يسألننى النفقة فقام أبو بكر على عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم ما ليس عنده فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ما ليس عنده ثم اعتزلهن عليه الصلاة والسلام شهرا " وذكر الحديث * قال أبو محمد: إنما أوردنا هذا لما فيه عن أبى بكر. وعمر رضى الله عنهما من ضربهما ابنتيهما إذ سألتا النبي صلى الله عليه وسلم نفقة لا يجدها واذ ضرب أبو بكر امرأته إذ سألته نفقة لا يجدها، ومن المحال المتيقن ان يضربا طالبة حق ومثل هذا لو وجده المخالفون لنا لعظم تسلطهم به، وأما نحن فلا نحتج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رواه أبو الزبير عن جابر لم يقل فيه انه سمعه منه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سالت عطاء عمن لم يجد ما يصلح امرأته من النفقة فقال: ليس لها الا ما وجدت ليس لها الا ما وجدت ليس لها أن يطلقها * ومن طريق حماد بن سلمة عن غير واحد عن الحسن البصري: " أنه قال في الرجل يعجز عن نفقة امرأته قال تواسيه وتتقى الله عزوجل وتصبر وينفق عليها ما استطاع " * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري عن رجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما قال يستأنا به ولا يفرق بينهما وتلا (لا يكلف الله نفسا الا ما أتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا) قال معمر: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثل قول الزهري سواء، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري في المرأة يعسر زوجها بنفقتها قال: هي امرأة ابتليت فلتصبر ولا تأخذ بقول من فرق بينهما وهو قول ابن شبرمة: وأبى حنيفة. وأبى سليمان. وأصحابهما * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا قول الله عزوجل (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وبالله تعالى التوفيق * 1931 مسألة وينفق الرجل والمرأة على مماليكهما من العبيد والاماء أن يطعمه شبعه مما يأكله اهل بلده ويكسوه مما يطرد عنه الحر والبرد ولا يكون به مثلة بين الناس لكن مما يلبس مثل ذلك المكسو في ذلك البلد مما تجوز فيه الصلاة (م 13 - ج 10 المحلى)

[ 98 ]

ويستر العورة (1) وفرض عليه مع ذلك أن يطعمه مما يأكل ولو لقمة وأن يكسوه مما يلبس ولو في العيد ويجبر السيد على ذلك فان أبى أو أعسر بيع من ماله ما ينفق به على من ذكرنا في الا باية واما في العسر فيباع عليه العبد والامة ان لم يكن بايديهما عمل يكون له أجرة يقوم منها مؤونته فانه يؤاجر حينئذ ولا يباع ولا تعتق أم الولد من عدم النفقة لكن يجبر كما قلنا ان كان له مال فان لم يكن له مال كلفت ما يكلف فقراء المسلمين * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن واصل الاحدب عن المعرور بن سويد أن أبا ذر اخبره " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم قال اخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كلفتموهم فاعينوهم عليه " * ومن طريق مسلم نا هارون بن معروف نا حاتم بن اسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبى حزرة القاص عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت أن أبا اليسر قال له: انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الرقيق: " أطمعوهم مما تأكلون والبسوهم (2) مما تلبسون قال: ابو اليسر: فكان ان أعطيته من متاع الدنيا أهون على من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة " فهذا أبو اليسر يرى هذا الامر فرضا * ومن طريق مسلم حدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح أرنا ابن وهب أرنا عمرو بن الحارث أن بكير بن الاشج حدثه عن العجلان مولى فاطمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل الا ما يطيق " * ومن طريق البخاري نا حفص بن عمر - هو الحوضى - نا شعبة عن محمد بن زياد قال: سمعت ابا هريرة يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول " إذا أتى احدكم خادمه بطعامه فليواكله أكلة أو اكلتين أو لقمة أو لقمتين فانه ولى حره وعلاجه " * قال أبو محمد هذه الاحاديث تجمع ما قلنا، وقد صح نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة، واما قولنا: انه ان غاب أو ابى بيع عليه من ماله فلقول الله عزوجل: (كونوا قوامين بالقسط) وكل من لزمت المسلم نفقته فقد وجب له حق في ماله ففرض علينا ايصاله إليه وتوفيته اياه فإذا لم يقدر على ذلك الا ببيع عرض أو عقار بيع ذلك لقول الله عزوجل: (واحل الله البيع): فمن لم يبع من مال من عليه حق ما يوصله به العبد أو غيره إلى حقه فقد عصى الله تعالى في قوله عزوجل: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ومن أبر البر ايفاء ذى الحق


(1) في النسخة رقم 14 ويستر عورته (2) في النسخة رقم 14 واكسوهم

[ 99 ]

حقه ومن الاثم والعدوان منع ذي الحق حقه، وأما بيع المملوك ان لم يكن لسيده مال ينفق منه عليه. ولا كان بيد العبد عمل يؤاجر به أو مؤاجرة المملوك ان كان بيده عمل تقوم منه نفقته وكسوته فلما قد ذكرنا قبل من أن أبا طيبة كان لمواليه عليه خراج بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانه أمرهم أن يخففوا عنه من خراجه * ورويناه من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد ناليث - هو أبن سعد - عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: " اعتق رجل من بنى عذرة عبدا له عن دبر فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألك مال غيره؟ قال: لاقال من يشتريه منى فاشتراه نعيم بن النحام بثمانمائة درهم فدفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وقال له: ابدأ بنفسك فتصدق عليها فان فضل شئ فلا هلك فان فضل عن أهلك شئ فلذى قرابتك فان فضل عن ذى قرابتك شئ فهكذا وهكذا يقول فيمن بين يديك وعن يمينك وعن شمالك " * قال أبو محمد: كل ما رواه الليث بن سعد عن ابى الزبير عن جابر فقد سمعه أبو الزبير من جابر كما نا يوسف بن عبد الله النمري نا عبد الله بن محمد بن يوسف نا اسحق بن محمد نا العقيلى نا محمد بن اسماعيل نا الحسن بن على الحلواني نا سعيد بن أبى مريم نا الليث بن سعد قال: " قدمت على أبى الزبير فدفع إلى كتابين فسألته كل هذا سمعته من جابر بن عبد الله فقال منه ما سمعت ومنه ما حدثت فقلت: أعلم لى على كل ما سمعت منه فاعلم لى على هذا الذى عندي، وقد قال قوم: لم بعتم العبد إذا أعسر السيد بنفقته أو بنفقة أهله أو بنفقة نفسه ولم تطلقوا الزوجة ولم تعتقوا أم الولد بعدم النفقة؟ قلنا: حق من له النفقة عليه هو واجب في ماله وعبده وأمته مال من ماله فيباعان في كل حق عليه ليعطى كل ذى حق حقه كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما قال عزوجل: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) ومن منع أحدانفقته الواجبة له فقد بخس شيئا هو له، وأما الزوجة وأم الولد فليستا مالا من ماله لكن حقهما في ماله فان لم يكن له مال فحقهما في مال أنفسهما فان لم يكن لهما مال فحقهما في سهم المساكين والفقراء من الصدقات بنص القرآن لانهما حينئذ من جملة المساكين أو الفقراء يعلم ذلك بالمشاهدة فأى وجه للطلاق والعتق ههنا لو أنصف المعاندون أنفسهم * 1932 مسألة ويجبر أيضا على نفقة حيوانه كله أو تسريحه للرعى ان كان يعيش من المرعى فان ابى بيع عليه كل ذلك * برهان ذلك ما رويناه من طريق البخاري نا موسى نا أبو عوانة نا عبد الملك عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية " ان نبى الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال

[ 100 ]

واضاعة المال " وذكر الحديث * قال أبو محمد: فاضاعة المال حرام واثم وعدوان بلا خلاف، ومنع المرء حيوانه مما فيه معاشه أو اصلاحه اضاعة لما له فالواجب منعه من ذلك لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) والاحسان إلى الحيوان بر وتقوى فمن لم يعن على اصلاحه فقد أعان على الاثم والعدوان وعصى الله تعالى، وقال أبو حنيفة: لا يباع عليه حيوانه لكن يؤمر بالاحسان إليه فقط ولا يجبر على ذلك * قال أبو محمد: وهذا ضلال ظاهر كما ذكرنا واحتج له بعض مقلديه بضلال آخر قال: لا يجبر على حفظ ماله إذا أراد اضاعته كما لا يجبر على سقى نخله * قال أبو محمد: وهذا عجب آخر بل يجبر على سقى النخل ان كان في ترك سقيه هلاك النخل وكذلك في الزرع * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) * قال أبو محمد: فمنع الحيوان مالا معاش له إلا به من علف أورعى وترك سقى شجر الثمر والزرع حتى يهلكا - هو بنص كلام الله تعالى - فساد في الارض واهلاك للحرث والنسل والله تعالى لا يحب هذا العمل فمن أضل ممن ينصر هذه الاقوال الفاسدة العائدة بالفساد الذى لا يحبه الله تعالى، فان قيل: فأنتم لا تجبرون أحدا على زرع أرضه إذا لم يرد ذلك قلنا: انما نتركه وذلك إذا كان معاش غيره يغنى عن زرعها وهذا بلا شك صلاح للارض واحمام لها، وأما إذا لم يكن له غنى عن زرعها فانما بجبره على زرعها ان قدر على ذلك أو على اعطائها بجزء مما يخرج منها ولا نتركه يبقى عالة على المسلمين باضاعته لماله ومعصيته لله عزوجل بذلك وبالله تعالى نستعين * النفقات على الاقارب 1933 مسألة: فرض على كل أحد من الرجال والنساء الكبار والصغار ان يبدأ بما لابد منه ولا غنى عنه به من نفقة وكسوة على حسب حاله وماله ثم بعد ذلك يجبر كل أحد على النفقة على من لا مال له ولا عمل بيده مما يقوم منه على نفسه من أبويه وأجداده وجداته وان علوا وعلى البنين والبنات وبينهم وان سفلوا والاخوة والاخوات والزوجات كل هؤلاء يسوى بينهم في إيجاب النفقة عليهم ولا يقدم منهم أحد على أحد قل ما بيده بعد موته أو كثر لكن يتواسون فيه فان لم يفضل له عن نفقة نفسه شئ لم يكلف أن يشركه في ذلك احد ممن ذكرنا، فان فضل عن هؤلاء بعد كسوتهم ونفقتهم شئ أجبر على النفقة على ذوى رحمه المحرمة

[ 101 ]

وموروثيه ان كان من ذكرنا لا شئ لهم ولا عمل بأيديهم تقوم مؤنتهم منه وهم الاعمام والعمات وان علواو الاخوال والخالات وان علوا وبنو الاخوة وان سفلوا والموروثون هم من لا يحجبه أحد عن ميراثه ان مات من عصبة أو مولى من أسفل فان حجب عن ميراثه لوارث فلا شئ عليه من نفقاتهم ومن مرض ممن ذكرنا كلف أن يقوم بهم وبمن يخدمهم وكل هؤلاء فمن قدر منهم على معاش وتكسب وان خس فلا نفقة لهم الا الابوين والاجداد والجدات والزوجات فانه يكلف أن يصوتهم عن خسيس الكسب ان قدر على ذلك ويباع عليه في كل ما ذكرنا ما به عنه غنى من عقاره وعروضه وحيوانه ولا يباع عليه من ذلك ما ان بيع عليه هلك رضاع فما كان هكذا لم يبع الا فيما في نفسه إليه ضرورة ان لم يتداركها بذلك هلك ولا يشارك الوالد أحد في النفقة على ولده الادنين فقط، وهذا مكان اختلف فيه فقالت طائفة: لا يجبر أحد على نفقة احدكما حدثنا أحمد بن عمر بن أنس العذري نا أبو ذر الهروي نا عبد الله بن أحمد بن حموية السرخسى نا ابراهيم بن خريم نا عبد بن حميد الكسى نا قبيصة عن سفيان الثوري عن أشعث عن الشعبى قال: ما رأيت أحدا أجبر أحدا على أحد - يعنى على نفقته - وقالت طائفة: لا ينفق احد الا على الوالد الادنى والام التى ولدته من بطنها فان هذين - يعنى الابوين - يجبر الذكر والانثى من الولد على النفقة عليهما إذا كانا فقيرين ويجبر الرجل دون المرأة على النفقة على الولد الادنى الذكر حتى يبلغ فقط وعلى البنت الدنيا وان بلغت حتى يزوجها فقط ولا تجبر الام على نفقة ولدها وان مات جوعا وهى في غاية الغني قال: ولا ينفق على أبويه الا ما فضل عن نفقته ونفقة زوجته وهذا قول مالك ومن قلده، وقالت طائفة: يجبر على النفقة على الابوين والاجداد والجدات وان بعدوا وعلى بنيه وبناته ومن تناسل منهم وان سفل ولا يجبر على نفقة أحد غير من ذكرنا، وهو قول الشافعي ومن قلده، وقد أشار في بعض كلامه إلى أن المرأة لا تجبر على نفقة أب ولا أم ولا غيرهما وقالت طائفة: لا يجبر أحد الا على كل ذي رحم محرمة وهو قول حماد بن أبى سليمان وبه يقول أبو حنيفة الا أنه تناقض تناقضا شنيعا فقال: يجبر الرجل على النفقة على أولاده الصغار المحتاجين خاصة ذكورا كانوا أو اناثا فان كانوا كبارا محتاجين أجبر على نفقة الاناث منهم ولم يجبر على نفقة الذكور الا أن يكونوا زمنى فان كانوا زمنى محتاجين اجبر على النفقة عليهم وكذلك يجبر على نفقة الصغار المحتاجين من الذكور والاناث والكبار الفقيرات من النساء خاصة وان لم يكن زمنات والكبار المحتاجين إذا

[ 102 ]

كانوا زمنى والا فلا كل ذلك من ذوى رحمه المحرمة إذا كان وارثا لهم خاصة، ولا يجبر على نفقة ذى رحم محرمة إذا لم يكن هو وارثا له ولا على نفقة موروثه إذا لم يكن ذا رحم محرمة منه قال: ولا يشارك الوالد في النفقة على ولده أحد ولا يشارك الولد في النفقة على والديه أحد فان كان جماعة وارثون ذوو رحم محرمة ممن ذكرنا أنه يجبر على النفقة أجبروا كلهم على النفقة عليه على قدر مواريثهم منه قالوا: فان اختلفت أديانهم لم يلزم أحدا منهم نفقة على من دينه خلاف دينه الا الولد على أبويه المخالفين له في دينه والا الوالد الكافر على نفقة أولاده الصغار خاصة الذين صاروا مسلمين باسلام أمهم قال: ولا يجبر فقير على نفقة أحد الا الوالد على أولاده الصغار والا الزوج على نفقة زوجته والا الرجل الفقير والمرأة الفقيرة على نفقة أمهما الفقيرة قال: ولا يجبر الابن الفقير على نفقة أبيه الفقير الا أن يكون الاب زمنا فيجبر حينئذ على النفقة عليه * قال أبو محمد: ليت شعرى كيف يمكن اجبار فقير على نفقة أحد ان هذا لعجب ثم لوددنا ان نعرف حد هذا الفقر عندهم من الغنى الذى يوجبون به النفقة على من ذكروا قبل ثم نسوا ما قالوا فقالوا: ان كان له خال وابن عم موسران وهو فقير زمن أو صغير صحيح فقير فنفقته على خاله دون ابن عمه قالوا: فان كان رجل معسر زمن وله ابنة معسرة وله أخ شقيق واخ لاب وأخ لام موسرون فنفقتة ونفقة ابنته على الشقيق فقط قالوا: فلو كان مكان الابنة ابن معسر زمن كبير كانت نفقة الاب خمسة أسداسها على شقيقه وسدسها على أخيه للام ولا شئ من ذلك على أخيه للاب وكانت نفقة الابن على عمه شقيق أبيه فقط فاعجبوا لهذا الهوس وهم لا يورثون الاب ولا الابن وكل ذى رحم محرمة، قالوا: ومن كان فقيرا زمنا وله أب موسر وابن موسر فنفقته على الابن دون الاب ولهم تخليط كثير طويل غث يكفى من بيان سقوطه ما ذكرنا ونسأل الله تعالى العافية، وقالت طائفة: بمثل قولنا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن شعيب أن سعيد ابن المسيب أخبره أن عمر بن الخطاب وقف بنى عم منفوس كلالة بالنفقة عليه، ومن طريق اسماعيل بن إسحاق نا على - هو ابن المدينى - نا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب حبس عصبة صبى ان ينفقوا عليه الرجال دون النساء * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا أبو بكر ابن ابى شيبة نا حميد بن عبد الرحمن هو الرؤاسى عن الحسن - هو ابن حى - عن مطرف

[ 103 ]

- هو ابن طريف - عن اسماعيل - هو ابن علية - عن الحسن البصري عن زيد بن ثابت قال: إذا كان عم وام فعلى العم بقدر ميراثه وعلى الام بقدر ميراثها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين أن عبد الله بن عتبة بن مسعود جعل نفقة الصبى من ماله وقال لوارثه أما إنه لو لم يكن له مال أخذناك بنفقة ألا ترى انه تعالى يقول: (وعلى الوارث مثل ذلك)، ومن طريق اسماعيل نا مسدد نا عبد الله بن يزيد - هو المقرى - نا حيوة بن شريح عن جعفر بن ربيعة أن قبيصة بن ذؤيب قال في قول الله عزوجل: (وعلى الوارث مثل ذلك) قال: رضاع الصبى * نا أحمد بن عمر بن أنس نا أبو ذر الهروي نا عبد الله بن أحمد بن حموية نا ابراهيم بن خريم نا عبد ابن حميد نا روح - هو ابن عبادة - عن هشام بن حسان عن الحسن البصري قال: نفقة الصبى إذا لم يكن له مال على وارثه قال الله عزوجل: (وعلى الوارث مثل ذلك) وبه إلى روح بن عبادة عن ابن جريج قلت: لعطاء أيجبر وارث الصبى وان كره بأجر مرضعته إذا لم يكن للصبى مال؟ فقال: أفتدعه يموت، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء (وعلى الوارث مثل ذلك) فقال عطاء: هو وارث المولود عليه مثل ذلك أي مثل ما ذكر، ومن طريق اسماعيل نا مسدد نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن أشعث - هو ابن عبد الملك الحمراني - عن الحسن البصري في قوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) قال: النفقة * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا محمد بن أبى بكر - هو المقدمى - ثنا حسان بن ابراهيم عن ابراهيم الصائغ أنه سأل عطاء عن يتيم له عصبة أغنياء أيجبرون على أن ينفقوا عليه قال عطاء: نعم ينفقون عليه بقدر ما كانوا يرثونه لو مات وترك مالا، ومن طريق عبد بن حميد أرنا سعيد بن عامر عن هشام الدستوائى عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: يجبر الرجل إذا كان موسرا على نفقة أخيه إذا كان معسرا * ونا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج ابن المنهال نا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: كان أصحابنا يقولون: إذا كان المال كثيرا فينفق على الصغير من نصيبه - يعنى من الميراث - ان كان المال قليلا أنفق على الصغير من جميع المال، ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا مسدد نا هشيم نا منصور عن قتادة قال: يجبر كل انسان منهم بقدر ما يرث - يعنى في النفقة على الموروث -، وبه إلى اسماعيل نا عبد الواحد بن غياث نا أبو عوانة عن اسماعيل بن سالم عن الشعبى قال: (وعلى الوارث مثل ذلك) قال رضاع

[ 104 ]

الصغير، ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا على بن عبد الله وابن المدينى نا سفيان ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد (وعلى الوارث مثل ذلك) على الوارث مثل ما على أبيه أن يسترضع له، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن منصور ابن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن شريح القاضى أنه قال في رضاع الصبى يموت أبوه: انه من جميع المال، ومن طريق ابن وهب عن الليث بن سعد عن خالد بن يزيد أن زيد بن أسلم قال في قول الله عزوجل: (وعلى الوارث مثل ذلك) قال: هو ولى الميت * قال أبو محمد: فهؤلاء عمر بن الخطاب. وزيد بن ثابت لا يعرف لهما من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، ومن التابعين عبد الله بن عتبة بن مسعود. وقيصة بن ذؤيب. والحسن البصري. وعطاء بن أبى رباح. وابراهيم النخعي. وأصحاب ابن مسعود. وقتادة. والشعبى. ومجاهد. وشريح. وزيد بن أسلم. وهو قول الضحاك بن مزاحم. وسفيان الثوري. وعبد الرزاق * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة ففي غاية الفاسد لانها تقاسيم كثيرة سخيفة لم يوجبها قرآن ولا سنة ولا رواية سقيمة ولا قياس ولا احتياط ولا معقول ولا قال بها أحد قبله، وأما قول مالك فما نعلمه أيضا عن أحد قبله ولا نعلمه يحتج له بشئ مما ذكرنا الا أن يموه مموه بان يقول: قد أجمع على وجوب النفقة على الابوين والولد الصغار واختلف فيما عدا ذلك * قال أبو محمد: وهذا باطل لاننا قد ذكرنا الرواية عن الشعبى أنه لا يجبر أحد على نفقة أحد مع أنه لا يدعى ضبط الاجماع الا كاذب على الامة كلها مع أنه قول لا يؤيده قرآن ولا سنة وكذلك قول الشافعي ولا فرق، وأما قول حماد فانه خص ذوى الرحم المحرمة دون الموروث بلا دليل فلم يبق الا قولنا وهو قول جمهور السلف فوجدنا الله تعالى يقول: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) والخبر الذى رويناه قبل من طريق احمد بن شعيب عن قتيبة عن الليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها فان فضل شئ فلاهلك فان فضل عن أهلك شئ فلذى قرابتك فان فضل عن ذى قرابتك شئ فهكذا وهكذا " فأوجب الله عزوجل حقا لذى القربى وللمساكين وابن السبيل واوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم العطية للاقارب، فان قال المخالف: حقه الصلة وترك القطيعة قلنا: نعم هذا حقه والصلة هي أن لا يدعه يسأل ويتكفف أو يموت جوعا أو بردا أو ضياعا أو يضحى للشمس والمطر والربح والبرد وهو ذو فضلة من مال هو عنها

[ 105 ]

في غني وليس في القطيعة شئ أكثر من أن يدعه كما ذكرنا، فان قالوا: انه قد قرن ذوى القربى بالمساكين وابن السبيل قلنا: نعم وحق المساكين عل كل من بحضرتهم أن يقوموا بهم فرضا يجبرون على ذلك ويقضى الحاكم عليهم به وكذلك حق ابن السبيل ضيافته فان قيل: من هم ذوو القربى هؤلاء؟ قلنا: كل من على ظهر الارض منتسلون من آدم عليه السلام وامرأته ابنا بعد ابن وولادة بعد ولادة إلى أب الانسان الادنى وأمه فلا بد من حد يبين من هم ذوو القربى الذين أوجب الله عزوجل لهم الحق من غيرهم فنظرنا في ذلك فوجدنا ما روينا من طريق أبى داود نا محمد بن كثير أرنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقال رجل: يارسول الله عندي دينار؟ فقال تصدق به على نفسك قال عندي آخر قال تصدق به على ولدك قال عندي آخر قال: تصدق به على زوجتك أو قال على زوجك قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك قال: عندي آخر قال أنت أعلم * وروينا هذا الخبر من طريق أحمد بن شعيب أرنا عمر بن على نا محمد بن المثنى قالا جميعا نا يحيى بن سعيد القطان عن ابن عجلان قال: نا سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تصدقوا فقال رجل يارسول الله عندي دينار قال تصدق به على نفسك قال: عندي آخر قال تصدق به على زوجتك قال عندي آخر قال تصدق به على ولدك قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك قال عندي آخر قال أنت أبصر " * قال أبو محمد: فاختلف سفيان. ويحيى. فقدم سفيان الولد على الزوجة وقدم القطان الزوجة على الولد وكلاهما ثقة فالواجب أن لا يقدم الولد على الزوجة ولا الزوجة على الولد بل يكونان سواء لانه قد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرر كلامه ثلاث مرات فممكن أن يكرر فتياه عليه الصلاة والسلام ههنا كذلك فمرة قدم الولد ومرة قدم الزوجة فصارا سواء مع قوله عليه الصلاة والسلام لهند بنت عتبة إذ سألته اباحة من مال أبى سفيان زوجها بغير علمه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " فقرن بينها وبين الولد سواء ثم وجدنا ما رويناه من طريق أبى بكر بن أبى شيبة ثنا عبد الله بن نمير نا يزيد بن زياد بن أبى الجعد نا أبو صخرة جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: " دخلنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس يد المعطى العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك " وهذه أخبار (م 14 - ج 10 المحلى)

[ 106 ]

صحاح من رواية الثقات فاخبر عليه الصلاة والسلام آمرا بان يبدأ بمن يعول وهم الابوان والاخوة فصح يقينا أن هؤلاء مبدون مع الولد والزوجة وقد بينا قبل أن كل جدة أم. وكل جد أب. وكل ابن ابنة وابن ابن وابنة ابن وابنة ابنة كلهم ابن وابنة فصح نصا ما قلنا، وأن بعد هؤلاء الادنى الادنى وفي هؤلاء يدخل كل ذى رحم محرمة من عم وعمة وخال وخالة وابن أخت وبنت أخت وابن أخ وابنة أخ يقينا ثم وجدنا قول الله عزوجل: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) * فصح بهذا أن النفقة على الوارث مع ذوى الرحم المحرمة وخرج من ليس ذا رحم محرمة ولا وارثا من هذا الحكم ومن تخصيصه بالنفقة منه أو عليه لانه كسائر من أدلته الولادات ولادة بعد ولادة إلى آدم عليه السلام ولادة بأولى من التى فوقها بأب فلم يجز ايجاب فرض اخراج المال عن يد مالكه إلى آخر الا بنص جلى ولا نص الا فيمن ذكرنا ولا يحل لاحد ان يخص ولادة أكثر ممن ذكرنا بغير نص فان عم أوجب النفقة على جميع ولد آدم والنصوص كلها لا توجب ذلك الا في خاص منها لتفريقه عزوجل بين ذوى القربى وبين المساكين، والمساكين من ولد آدم بلا شك فصح ان الحق الواجب انما هو لبعض ذوى القربى من ولادات بعض الآباء والاجداد دون بعض فصح ما قلنا ولله الحمد، وقد اعترض بعض المخالفين في قوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) فقالوا: معنى ذلك ان عليه ان لا يضار وذكروا ذلك من طريق لا تصح عن ابن عباس لانها اما مرسلة واما من طريق فيها أشعث بن سوار وهو ضعيف وصح عن الشعبى أن معناه لا يضار ولا غرم عليه، وروينا عن عبد الله بن مغفل والزهرى وربيعة وأبى الزناد ان رضاع الصغير في حصته من مال أبيه وعن سعيد بن المسيب يرد الميراث لاهله * قال أبو محمد: هذا كله تمويه من المخالف وكل هذا حق وبه نقول وهو خلاف قول المخالف لان قول القائل على الوارث أن لا يضار قول صحيح وليس في المضارة أكثر من أن يموت موروثه جوعا وبردا وهو غنى فلا يرحمه بأكلة ولا بشئ يستره به ويمنع منه الموت من البرد وهذا عين المضارة بلا شك عند أحد، وأما قول من قال: ان رضاع الصغير في نصيبه فقول صحيح إذا كان له ميراث من مال ونحن لم نوجب مئونته على وارثه الا إذا لم يكن له مال أصلا * قال أبو محمد: وقد قال قوم: إن للمرأة أن ترمى ولدها إلى أبيه ان كانت مطلقة

[ 107 ]

والى عصبته ان كانت متوفى عنها وان لزوجها أن يمنعها رضاع ولدها من غيره * قال أبو محمد: هذا كله باطل مخالف للقرآن قال الله عزوجل: (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا وسعها لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) فوجب اجبار الام أحبت أم كرهت على ارضاع ولدها حولين كاملين كما أمر الله عزوجل أحب زوجها أم كره وأن تجبر على أن لا تضار بولدها ولا ضرار أكثر من منعه رضاعها ولا يباح لامرأة ولو أنما بنت الخليفة غير هذا الا المطلقة فانها ان تعاسرت هي وأبو الصغير بان لا يتفقا على أجرة يتراضيان بها وكان مع ذلك يقبل ثدى غيرها فهذه يسترضع المطلق لها أخرى أخذا بقوله تعالى: (فان ارضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وان تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا) وهذا كله كلام الله عزوجل فلا سمعا ولا طاعة لمن عند عنه * وروينا من طريق حماد بن سلمة قال أخبرني يحيى بن محمد بن ثابت بن قيس بن الشماس في المختلعة من جده ثابت بن قيس الشماس " أنها كانت جميلة بنت أبى السلول وأنها ولدت غلاما فجعلته في ليف وأرسلت به إلى ثابت بن قيس أن خذ عنى صبيك فاتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه واسترضع له وسماه محمدا " * قال أبو محمد: هذا نص ما قلنا كانت مختلعة مطلقة أبغض الناس فيه معاشرة له * قال أبو محمد: ولا يجوز ان كان الورثة كثيرا أن ينفقوا على المحتاج الاعلى عددهم لا على قدر مواريثهم لان النص سوى بينهم بايجاب ذلك عليهم فلا تجوز المفاضلة بينهم، وقال بعضهم: من هو هذا الوارث أهو وارث الاب الميت أم وارث الذى تجب له النفقة؟ قلنا: هذا تعسف وتكلف يأثم السائل عنه لانه لا ذكر لوالد المنفق عليه في الآية انما قال عزوجل: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) ففي الوارث ضمير وهو أنه يقتضى موروثا ولابد والضمير راجع إلى الذى له الحكم والذى منع أبواه من المضارة به هو الولد بلا شك ولا معنى لاختلاف الدينين في ذوى الرحم خاصة، وأما في الوارثة فلا ميراث مع اختلاف الدينين لانه لم يأت بذلك نص، واما قولنا انه ان كان لكل من ذكرنا كسب يقوم به بنفسه وان كان خسيسا من الكسب فليس على الانسان أن يقوم بنفقتهم

[ 108 ]

حينئذ الا الآباء والامهات والزوجات فقط فان هؤلاء فرض عليه أن يصونهم عن ذلك لقول الله عزوجل حيث يقول: (اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) * قال أبو محمد: وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين من الكبائر وليس في العقوق اكثر من ان يكون الابن غنيا ذا حال ويترك اباه أو جده يكنس الكنف أو يسوس الدواب ويكنس الزبل أو يحجم أو يغسل الثياب للناس أو يوقد في الحمام ويدع امه أو جدته تخدم الناس وتسقى الماء في الطرق فما خفض لهما جناح الذل من الرحمة من فعل ذلك بلا شك، وقال تعالى: (وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ايمانكم) * قال أبو محمد: وقد اثبت الله عزوجل في النفوس كلها اختلاف وجوه الاحسان إلى من ذكر في هذه الآية وجاءت النصوص ببيان ذلك فالاحسان إلى الابوين الصبر لجفائهما وتوقيرهما وتعظيمهما وطاعتهما ما لم يأمرا بمعصية قال تعالى (ان اشكر لى ولوالديك إلى المصير وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) فهما وان امرا بالشرك فواجب مع ذلك ان يصحبا بالمعروف وهذا يقتضى كل ما قلنا: والاحسان إلى ذي القربى ان يدفع عنهم الاذى. وان يكرمهم ويحوطهم ويقوم في امورهم وأن لا يسلمهم إلى ضرر والاحسان إلى المساكين الصدقة بالفضل حتى يشبعوا أو يكتسبوا أو يكون لهم مرقد يأوون إليه ومن يقوم بمرضاهم والاحسان إلى اليتامى ورحمتهم وتعليمهم والقيام بهم حتى لا يضيعوا، والاحسان إلى الجار كف الاذى والبر واللقاء بالبشر والاكرام وحمايتهم من الظلم، وكذلك الاحسان إلى الصاحب بالجنب نحو ذلك، والاحسان إلى ما ملكت ايماننا اطعامهم مما نأكل وكسوتهم مما نلبس وكل ذلك بالمعروف وأن لا نكلفهم ما لا يطيقون وأن لا يسبوا في غير واجب وأن لا يضربوا في غير حق فهذا كله واجب يعصى الله تعالى من ترك شيئا من ذلك: وأما صيانة الزوجة فلانه قد أوجب الله تعالى نفقتها وكسوتها واسكانها والقيام عليها وان كانت اغنى من الزوج وهذا يقتضى صيانتها عن كل خدمة وكل عمل له أو لغيره، وأما كل من عدا الزوجة فلا نفقة لهم ولا كسوة ولا اسكان الا أن يكون لهم من المال أو الصنعة ما يقومون منه على أنفسهم ولا معنى لمراعاة الزمانة في ذلك ان لم يأت به قرآن ولا سنة، فان قاموا ببعض ذلك وعجزوا عن البعض وجب على من ذكرنا أن يقوم بما عجزوا عنه فقط

[ 109 ]

ويلزم المرأة كل ما ذكرنا كما يلزم الرجل الا نفقة الولد فما دام الاب قادرا عليها فليس على المرأة من ذلك شئ هذا عمل جميع أهل الاسلام قديما وحديثا فان عجز الاب عن ذلك أو مات ولا مال لهم فحينئذ يقضى بنفقتهم وكسوتهم على امهم لقول الله عزوجل (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) وليس في المضارة شئ أكثر من ان تكون غنية وهم يسألون على الابواب ولان الاوامر المذكورة التى جاءت مجيئا واحدا لم يخص بها رجل من امرأة * وروينا من طريق البخاري نا موسى بن اسماعيل نا وهب - هو ابن خالد - نا هشام - هو ابن عروة - عن ابيه عن زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين عن أمها أم سلمة قالت: " قلت يارسول الله هل لى من أجر في بنى أبى سلمة أن أنفقت عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا انما هم بنى قال: نعم لك أجر ما أنفقت عليهم "، فهذه أم المؤمنين تخبر أنها تنفق على بنيها وليست بتاركتهم يضيعون انما هم بنوها ولم ينكر عليه الصلاة والسلام ذلك ولا أخبرها أن ذلك ليس واجبا عليها وبالله تعالى التوفيق، وليس على الولد أن ينفق على زوجة أبيه ولا على أم ولده إذ لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة انما عليه أن يقوم بمطعم أبيه وملبسه ومئونة خدمته فقط وبالله تعالى التوفيق * (ما يفسخ به النكاح بعد صحته ومالا يفسخ به) 1934 مسألة لا يفسخ النكاح بعد صحته بجذام حادث ولا ببرص كذلك ولا بجنون كذلك ولا بان يجد بها شيئا من هذه العيوب ولا بان تجده هي كذلك ولا بعنانة ولا بداء فرج ولا بشئ من العيوب ولا بعدم نفقة ولا بعدم كسوة ولا بعدم صداق ولا بانقضاء الاربعة الاشهر في الايلاء ولا بزواج أمة على حرة ولا بزواج حرة على أمة ولا بزنا يحدث من أحدهما ولا بزناه بحريمتها كامها أو جدتها أو بنتها أو بنت ابنها أو بنت ابنتها أو أختها أو خالتها أو عمتها ولا بزناها بابنه ولا بتفريق الحكمين ولا بتخييره اياها اختارت نفسها أو لم تختر ولا بان يقول لها أنت على حرام أو قال: أنت على كالميتة والخنزير والدم ولا بهبته اياها لاهلها قبلوها أو لم يقبلوها ولا بخروجها من أرض الحرب غير مسلمة ولا ببيع الامة ذات الزوج ولا ببيع العبد ذى الزوجة ولا بفقد الزوج لانه لا يدرى أين هو وهما في كل ذلك باقيان على الزوجية كما كان، وفي كل ما ذكرنا خلاف قد ذكرنا منه ما شاء الله تعالى أن نذكره ونذكر أيضا ان شاء الله تعالى ما لم نذكره قبل فمن ذلك * 1935 مسألة روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد الانصاري سمعت سعيد بن المسيب يقول قال عمر بن الخطاب ايما امرأة تزوجت بها جنون

[ 110 ]

أو جذام أو برص فدخل بها فاطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه اياها وعلى الولى الصداق بما دلس كما غره * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أرنا يحيى بن سعيد نا سعيد بن المسيب ان عمر بن الخطاب قال: ايما رجل تزوج امرأة فدخل بها (1) فوجدها برصاء أو مجنونة أو مجذومة فلها الصداق بمسه اياها ويرجع على من غره بها فذهب إلى هذا الاوزاعي. وأبو عبيد فرأيا جواز النكاح وان الزوج يرجع مع ذلك بالصداق على من غره، وذهب قوم إلى فساده قبل الدخول وجوازه بعد الدخول لما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن مطرف عن الشعبى عن على ايما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن فزوجها بالخيار ما لم يمسها ان شاء أمسكت وان شاء طلق وان مسها فلها المهر بما استحل من فرجها * ومن طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة ان على بن أبى طالب قال في المجنونة والمجذومة والبرصاء وذات القرن ان دخل بها فهى امرأته وان علم بها قبل ان يدخل فرق بينهما * ومن طريق عبد الملك بن حبيب حدثنى الحزامى واسماعيل ابن ابى أويس وأصبغ بن الفرج قال اسماعيل عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن على بن ابى طالب، وقال الحزامى عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس وقال أصبغ عن ابن وهب. عن عمر. وعلى. وابن عباس. وسعيد بن المسيب. وابن شهاب. وربيعة قالوا كلهم: لا ترد النساء الا من العيوب الاربعة الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا محمد بن سالم عن الشعبى في الذى يجد امرأته برصاء أو مجنونة أو مجذومة أو ذات قرن ان دخل بها فلها مهرها وان علم قبل الدخول ان شاء امسك وان شاء فارق بغير طلاق فهذان قولان، أحدهما انه ان دخل بها فلها مهرها ويرجع به على من غره وهو قول روى عن عمر ومرة روى عنه يرجع على وليها، وقول آخر انه يفسخ ان شاء قبل الدخول وأما بعد الدخول فهى امرأته ان شاء طلق وان شاء أمسك وهو قول روى عن على. والشعبى كما أوردنا ورواية عن عمر. وعلى. وابن عباس. وابن المسيب. والزهرى. وربيعة انه لا يرد النكاح الا من العيوب الاربعة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، ولم يذكر في هذه الرواية قبل دخولها ولا بعده ولا حكم الصداق، وذهب قوم إلى انه يخلى لها شئ من صداقها كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء بلغنا انه لا يجوز في بيع ولا نكاح المجنونة والمجذومة والبرصاء والعفلاء قال ابن جريج: فقلت له فواقعها وبها بعض الاربع وقد علم الذى بها


(1) وفي النسخة رقم 16 فوجدها برصاء

[ 111 ]

فكتمه - يعنى وليها - قال ما أراه الا قد غرم من صداقها بما أصاب منها الا شيئا يسيرا قلت: فأنكحها غير ولى قال ترد إلى صداق مثلها، ومن طريق أبى عبيدنا يزيد عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن شريح انه كان يعوض البرصاء شيئا، وذهب قوم الا أنه لا يجوز نكاح من بها شئ من ذلك كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا حماد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد قال: اربع لا يجوز في بيع ولا نكاح المجذومة والمجنونة والبرصاء والعفلاء * ومن طريق ابى عبيدنا ابن ابى مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب قال: قال ابن شهاب لا يجوز بين المسلمين نكاح برصاء ولا مجنونة ولا عفلاء، وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز نكاحها فان دخل بها ووطئها جاز كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن أبى الشعثاء جابر بن زيد قال: أربع لا يجزين في نكاح ولا بيع الا أن يسمى فان سمى فهى منه المجنونة. والمجذومة. والبرصاء. والعفلاء فان مسها جازت وان غر * وذهبت طائفة إلى أن الولى ان أنكر أن يكون عرف ذلك أحلف وبرئ وصح النكاح كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ان كان الولى علم غرم والا استحلف بالله ما علم ثم هو على الزوج يعنى الصداق، ومن طريق أبى عبيدنا هشيم أرنا يونس ابن عبيد عن الحسن قال ان علم الولى العيب فالصداق عليه كما غره منها وان لم يعلم فهى امرأته ان شاء طلق وان شاء أمسك * ومن طريق أبى عبيد ثنا عبد الله بن صالح عن يحيى بن أيوب عن عمرو بن قيس عن عدى بن عدى ان عمر بن عبد العزيز كتب إليه في امرأة حلقاء تزوجها رجل - وهى التى في فرجها عظم انما له مثل مدخل المرود تبول منه - فكتب عمر بن عبد العزيز ان كان الذين زوجوه علموا الذى بها فأغرمهم صداقها لزوجها وان كانوا لم يعلموه فليس عليهم الا ان يحلفوا بالله ما علمنا ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الرحمن عن المثنى بن الصباح ان عدى بن عدى قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في امرأة مرتتقة لا يقدر عليها الرجال فكتب إلى أن استحلف الولى ما علم فان حلف فأجز النكاح وان لم يحلف فاحمل عليه الصداق * ومن طريق ابن وهب عن عامر بن مرة عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن فذكر كلاما معناه فيمن تزوج من بها جذام أو برص أو داء فرج أن الولى ان حلف انه ما علم بذلك فلا غرامة عليه ويرد على الزوج صداقه الا أن تعاض هي من ذلك بشئ، ومن طريق ابن وهب حدثنى عبد الاعلى بن سعيد الجيشانى أن محمد بن عكرمة المهرى حدثه انه تزوج امرأة فدخل بها فرأى باصل فخذيها وضحا من بياض فقال لها: خذى عليك

[ 112 ]

ملحفتك ثم كلم عبد الله بن يزيد بن خدام فكتب له إلى عمر بن عبد العزيز فكتب عمر في ذلك أن يستحلف الزوج في المسجد بالله ما تلذذ منها بشئ مذ رأى ذلك ويحلف اخوتها أنه لم يعلموا بالذى بها قبل أن يزوجوها فان حلفوا فأعط المرأة ربع الصداق، وذهبت طائفة إلى ان العمى وغير ذلك من العيوب كذلك كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: إذا تزوجها برصاء أو عمياء فدخل بها فلها الصداق ويرجع على من غره * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ايوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال خاصم رجل إلى شريح فقال ان هؤلاء قالوالى انا نزوجك أحسن الناس فجاؤني بامرأة عمشاء فقال شريح: ان كان دلس لك بعيب لم يجز، وروى عن الزهري انه يرد النكاح من كل داء عضال * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال في هذه العيوب في النكاح ما كان يشبهها فهو مثلها وهو قول أبى ثور، وذهبت طائفة إلى أن المرأة يرد بذلك نكاحها إذا وجدته في زوجها * نا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن عمرو بن شعيب قال: وجدت في كتاب عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: إذا عبث المعتوه بامرأته طلق عليه وليه * ومن طريق ابن وهب أخبرني مالك انه بلغه عن سعيد بن المسيب انه قال. ايما امرأة تزوجت رجلا به جنون أو ضرر فانها تخير فان شاءت قرت وان شاءت فارقت، وقال مالك: ترد المراة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج إذا تزوجها ولم يعلم بذلك فان دخل بها فلها الصداق ويرجع به على وليها ان كان أخا أو أبا بما دلسا عليه فان كان الذى زوجها ابن عمها أو مولى لا علم لهم بشئ من أمرها فلا غرم عليهم ويرد الصداق الا قدر ما يستحل به مثلها وهو ربع دينار فقط، قال: وللمرأة مثل ذلك إذا تزوجها وبه هذه الاشياء إذا كان الجذام الذى به بينا ولا يفرق بينها وبين الابرص، قال مالك: ولا ترد الا من العيوب الاربعة لا ترد من العمى ولا من السواد الا أن يشترط صحتها فترد ولا شئ عليه من الصداق قبل الدخول وأما بعد الدخول فلها الصداق ويرجع به على الولى الذى أنكحها وكذلك ان تزوجها على نسب فوجدها لغير رشدة، وقال الليث: في الجنون والجذام والبرص وداء الفرج مثل قول مالك قال الليث: والاكلة كالجذام، وقال الشافعي: ترد من الجنون والجذام والبرص والقرن فاما قبل الدخول فلا شئ لها وأما بعد الدخول فلها مهر مثلها وبه

[ 113 ]

قال الحسن بن حى الا أنه قال: لها المهر المسمى، وذهبت طائفة إلى انه لا رد له فيها ولا رد لها فيه بشئ من هذه العيوب ولا من غيرها لا قبل الدخول ولا بعده وانه ان طلق قبل الدخول فلها نصف الصداق ولها بعد الوطئ جميعه كما روينا من طريق وكيع عن اسماعيل بن ابى خالد عن الشعبى قال قال على بن ابى طالب: " ايما رجل تزوج امرأة مجنونة أو جذماء أو برصاء أو بها قرن فهى امرأته ان شاء طلق وإن شاء أمسك " وبه إلى وكيع عن سفيان الثوري عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: الحرة لا ترد من عيب * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا المغيرة عن ابراهيم انه كان يقول: هي امرأته ان شاء أمسك وإن شاء طلق دخل بها أو لم يدخل بها ليس الحرائر كالاماء الحرة لا ترد من داء * ومن طريق وكيع عن سفيان عن عمرو بن ميمون عن عمر بن عبد العزيز فيمن تزوج فدلس له فيها بعيب قال: ليس لك الا امانة اصهارك * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن زيد نا أيوب السختيانى قال: كتبت إلى ابى قلابة أسأله عن رجل تزوج امرأة فعرض لها طب أو جنون قال: هذه امرأة ابتليت فلتصبر، ومن طريق سعيد بن منصور نا اسماعيل بن عياش نا ابن جريج عن عطاء انه قال فيمن تزوج فلما دخل بها بدا لها منه برص وجذام قال عطاء: لا تنزع عنه وهو قول أبى الزناد. وأبى حنيفة. وابى يوسف. وابن أبى ليلى. وسفيان الثوري. وأبى سليمان. وأصحابنا * قال أبو محمد: أما المالكيون والشافعيون فقد خالفوا كل ما روى في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم. اما عمر فخالفوه في خمسة مواضع * اولها حكم عمر ان يرجع بصداقها على ولهيا فقال مالك: لا يرجع على وليها الا ان يكون ابا أو أخا فان كان ابن عم أو مولى لم يرجع عليه بشئ، وقال الشافعي: لا يرجع على وليها بشئ أبا كان أو غيره * وثانيها قول مالك ليس لها أن دخل بها وكان المزوج لها غير أبيها وأخيها الا ربع دينار فقط، وقال الشافعي: ترد إلى صداق مثلها وعمر يمضيه كله لها * وثالثها انهم لا يردون من العمى وعمر قد سوى بينه وبين البرص بالرواية التى جاءت عنه انه رد بالجذام وبالجنون والبرص فان كانت تلك حجة فهذه حجة وان لم تكن هذه حجة فتلك ليست حجة وإلا فهو تلاعب بالدين، فان قالوا: لم تبلغ تلك الرواية مالكا والشافعي قلنا: فقد بلغتكم فقولوا بها وارجعوا عن تلك والا فاحتجاجكم بعمر تلاعب (كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا تفعلون) * ورابعها انهم يردون النكاح بذلك قبل الدخول ولم يأت بذلك عن عمر في شئ من الروايات الا رواية مكذوبة من طريق عبد الملك بن حبيب وهو هالك عن اصبغ بن الفرج عن ابن وهب (م 15 - ج 10 المحلى)

[ 114 ]

أن عمر * وانما جاءت سائر الروايات برجوعه بالصداق على وليها فقط كما يقول الاوزاعي. وأبو عبيدة * وخامهسا انه روى عن عمر كما أوردنا في المعتوه يعبث بامرأته انه يطلقها منه وليه وهم لا يقولون بهذا، فمن أقدم على خلاف عمر في خمسة مواضع أيجوز له أن يقلد عمر في موضع واحد مما جاء عنه وهو الرجوع على بعض الاولياء؟ وأما الشافعي فلا ولا في موضع واحد وانما على رضى الله عنه فانما جاءت عنه ثلاث روايات، احداها انه لا رد في شئ من ذلك وهو قولنا، والثانية من تلك الطريق انه مخير قبل الدخول بين فسخ أو امضاء وأنه لا خيار لا بعد الدخول وهى امرأته ان شاء طلق وان شاء أمسك وهو قول الاوزاعي عن الشعبى، ورواية ثالثة في غاية السقوط لانها عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة - ولا تجوز الرواية عنه - أن النكاح مردود جملة والمالكيون والشافعيون مخالفون لجميع هذه الاقوال، وأما ابن عباس فهى من رواية عبد الملك بن حبيب وهو هالك وانما فيه أيضا رد النكاح جملة دون ذكر صداق أو شئ منه فبطل تعلق هاتين الطائفتين بشئ مما ررى عن أحد من الصحابة في ذلك ولاح خلافهم له جملة وقد أتينا من قول مالك. والشافعي في ذلك بما لا يحفظ عن أحد قبلهما فمن ذلك قول مالك ترد إلى ربع دينار وقول الشافعي ترد إلى صداق مثلها وبقى الكلام مع من لعله يتعلق في ذلك بما روى عمن ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم فأول ذلك انه لا يصح في ذلك شئ عن أحد من الصحابة، وأما الرواية عن عمر وعلى فمنقطعة، وعن ابن عباس من طريق لا خير فيه ثم لو صح لكان لا حجة فيه لانه لا حجة في قول احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اختلاف تلك الروايات على انقطاعها فقد جاء عن على ما يوافق قولنا فليس ما روى من خلاف ذلك حجة انما هو قول كقول، ووجدنا بعض المتأخرين منهم قد احتج في ذلك بان النكاح يشبه البيوع والبيوع ترد بالعيوب فوجب رد النكاح بذلك * قال أبو محمد: وهذا قول لا يسوغ التمويه به الا لمن قال بقول أبى ثور. والزهرى. وشريح، وأما المالكيون والشافعيون فلا لانهم خصوا أربعة عيوب دون سائر العيوب وهذا ترك للقياس المذكور جملة ثم نقول لمن قال بقول أبى ثور ما ندرى في أي وجه يشبه النكاح البيوع بل هو خلافه جملة لان البيع نقل ملك وليس في النكاح ملك أصلا والنكاح جائز بغير ذكر صداق في عقده ولا يجوز البيع بغير ذكر ثمن والخيار جائز عندهم في البيع مدة مسماة ولا يجوز في النكاح، والبيع بترك رؤية المبيع وترك وصفه باطل لا يجوز أصلا والنكاح بترك رؤية المنكوحة وترك وصفها جائز والنكاح

[ 115 ]

عند المالكيين جائز على بيت وخادم ووصفاء غير موصوفين ولا يجوز ذلك في البيوع فبطل تشبيه النكاح بالبيع جملة، وقال بعضهم: لا يجوز توفية حقوق النكاح مع الجنون ولا تطيب النفس على مجامعة برصاء أو مجذومة ولا يقدر على جماع قرناء وانما تزوجها للجماع فقلنا: ولا تجوز توفية حقوق النكاح مع الفسق والنشز وسوء الخلق ومع البكم والصمم ومع ضعف العقل فردوا منها، فان قالوا: قد يتوب من الفسق قلنا: وقد يبرأ من الجنون واما طيب النفس على الجماع فوالله ان نفس كل احد لا تطيب على من بها في خافى جسدها لمعة من برص ومن يمسها صرع في الشهر مرة منها على الزانية وعلى العجوز السوداء الشوهاء وعلى من بها اكلة في وجهها أو اثلول ضخم أو حدب في الصدر أو الظهر أو بكم هذا ما لا شك فيه عند أحد وكل هذه آراء فاسدة انما هو النكاح كما أمر الله عزوجل ثم امساك بمعروف أو تسريح باحسان الا أن يأتي نص صحيح فيوقف عنده، وقد ذكر بعضهم الخبر الذى فيه " وفر من المجذوم فرارك من الاسد " قلنا: ليس على الامر بالفرار ثم لو كان كذلك فافسخوا النكاح بحدوثه بعدهما بعد سنين وهم لا يفعلون هذا، وأيضا فمن أين أضفتم إليه الابرص، وقال بعضهم: لا يؤمن من المجنون قتل صاحبه قلنا هذا في الفاسق بلا شك اخوف فردوا النكاح بالفسق فلاح فساد قولهم جملة، فان موه مموه روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية الضرير نا جميل بن زيد الطائى عن زيد بن كعب بن عجرة قال: " تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فلما دخلت عليه ووضعت ثيابها رأى بكشحها بياضا فقال: البسى ثيابك والحقى باهلك " قال أبو معاوية: فحدثنا رجل عن جميل بن زيد عن زيد بن كعب بن عجرة انه صلى الله عليه وسلم أمر لها بالصداق * قال أبو محمد: هذا من رواية جميل بن زيد وهو مطرح متروك جملة عن زيد ابن كعب وهو مجهول لا يعلم لكعب بن عجرة ولد اسمه زيد ثم هو مرسل، ثم لو صح لم يكن مخالفا لقولنا لاننا لا نمنع الزوج من الطلاق قبل الدخول وبعده ان شاء * قال أبو محمد: فان اشترطا السلامة في عقد النكاح فوجد عيبا أي عيب كان فهو نكاح مفسوخ مردود لا خيار له في اجازته ولا صداق فيه ولا ميراث ولا نفقة دخل أو لم يدخل لان التى أدخلت عليه غير التى تزوج ولان السالمة غير المعيبة بلا شك فإذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما * قال أبو محمد: واما الحنيفيون فقد تاقضوا ههنا لانهم قلدوا روايات لا تصح

[ 116 ]

عن عمر وعثمان في الفسخ بالعنانة وتوريث المطلقة ثلاثا وهذه روايات كتلك عن عمرو الخلاف هنالك موجود كما هو ههنا ولا فرق وبالله تعالى التوفيق * 1936 مسألة وأما من فسخ النكاح بزناه بحريمتها أو بزنا ابنه بها فلما روينا من طريق سفيان الثوري عن الاغربن الصباح عن خليفة بن الحصين عن ابى نصر عن ابن عباس ان رجلا قال له أنه اصاب ام امرأته فقال له ابن عباس (حرمت عليك امرأتك) وذلك بعد أن ولدت امرأته سبعة أولاد كلهم بلغ مبلغ الرجال، ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن ابى عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن الحصين انه قال: من فجر بام امرأته فقد حرمت عليه امرأته، فصح هذا القول عن عطاء. والحسن. والحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان. وإبراهيم النخعي. والشعبى. ومن طريق وكيع عن جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن مجاهد قال إذا قبلها أو لامسها أو نظر إلى فرجها من شهوة حرمت عليه امها وابنتها وهو قول ابى حنيفة، وصح عن جابر بن زيد إذا زنى باخت امرأته حرمت عليه امرأته، وصح ايضا عن قتادة ولم يرها تحرم الا بالوطئ لا بالمباشرة، وصح أيضا عن طاوس، وروى عن سعيد بن المسيب. وعروة بن الزبير. وأبى سلمة بن عبد الرحمن. وعبد الله بن مغفل. وهو قول سفيان الثوري. والاوزاعي. واحد قولى مالك وقال آخرون: لا تحرم عليه صح ذلك عن ابن عباس رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان والحجاج بن المنهال قال يحيى انا هشام الدستوائى، وقال الحجاج: نا حماد بن سلمة ثم اتفق هشام وحماد كلاهما عن قتاده عن عكرمة عن ابن عباس انه قال فيمن زنا بأم امرأته بعد أن دخل بامرأته تخطأ حرمتين ولم تحرم عليه امرأته، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا همام بن يحيى بن قتادة عن الحلال بن ابى العتكى عن ابيه عن على بن ابى طالب (انه أتاه رجل فأخبره أنه تزوج ابنة رجل مسماة بعينها فأدخل عليه أختها فأمره برد التى أدخلت عليه وان يدخل عليه التى تزوجت وان لا يقربها حتى تتم عدة التى أدخلت عليه أولا، وروينا من طريق هشيم خبرا غير هذا كما أوردناه ثم قال بأثره: أرنا يونس عن الحسن انه كان يقول ذلك وأنا عبيدة عن ابراهيم انه كان يقول ذلك * قال أبو محمد: وأنا اتهمت هذه الرواية عن ابراهيم وروى عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وصح عن الزهري ويحيى بن يعمر وهو قول الشافعي. وابى سليمان وأصحابهما وأحد قولى مالك وقد تقدم كلامنا في هذه المسألة فأغنى عن ترداده * 1937 مسألة ومن خير امرأته فاختارت نفسها أو اختارت الطلاق

[ 117 ]

أو اختارت زوجها أو لم تختر شيئا فكل ذلك لا شئ وكل ذلك سواء ولا تطلق بذلك. ولا تحرم عليه ولا لشئ من ذلك حكم ولو كرر التخيير وكررت هي اختيار نفسها أو اختيار الطلاق ألف مرة وكذلك ان ملكها أمر نفسها أو جعل أمرها بيدها ولا فرق، فصح عن عمر بن الخطاب. وابن مسعود فيمن جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثا أو طلقته ثلاثا انها طلقة واحدة رجعية، وصح أيضا عن زيد بن ثابت. وعن مجاهد. وعمر بن عبد العزيز وقول آخر وهو أن القضاء ما قضت صح ذلك عن عثمان بن عفان، ومن طريق سعيد بن منصور عن ابن عمرو من طريق غيره عن عبد الله بن الزبير، وروى عن على وابن عمر منقطعا عنهما وصح عن عبد الله بن الحارث بن أبى ربيعة. وعمر بن عبد العزيز. وسعيد بن المسيب وصح عن أم سلمة. وعائشة أمي المؤمنين وقريبة أخت أم سلمة. وعبد الرحمن بن أبى بكر الصديق أن جعل أمرها بيدها فردته إلى زوجها فهى امرأته كما كانت، وقول ثالث ان اختارت الفراق أو نفسها فهى واحدة بائنة وان ردته إلى زوجها فاختارته فهى طلقة رجعية صح عن على. وزيد بن ثابت. ورجال من الصحابة، وعن الحسن البصري وقول اربع ان القضاء ما قضت وله أن يناكرها فيحلف ويقضى له بما حلف انه نواه وتكون طلقة رجعية، ورى عن عمر بن الخطاب ولم يصح وصح عن ابن عمر وصح عن القاسم بن محمد ومروان، وقول خامس وهو ثلاث بكل حال صح عن الحسن وعن رجال من الصحابة رضى الله عنهم وفيه أثر مسند، وقول سادس من جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها فليس بشئ، روى عن ابن مسعود، وقول سابع من قال لامرأته أمرك بيدك فقال قد حرمت عليك فهى واحدة رويناه من طريق سعيد بن منصور عن القاسم بن محمد وليس يصح عنه، وروينا من طريق ابن ليلى عن الشعبى أن أمرك بيدك واختارى نفسك سواء في قول زيد. وابن مسعود. وعلى وصح عن الشعبى انه قوله وعن النخعي، وأما المتأخرون فان أبا حنيفة قال: أمرك بيدك والتمليك والتخيير سواء فإذا ملكها أمرها أو قال اختاري أو قال أمرك بيدك ثم قال لم أنو طلاقا فان كان في غضب فيه ذكر طلاق أو ليس فيه ذكر طلاق لم يصدق وان كان في رضا لم يلزمه شئ مما تقضى به هي فان كان في غضب فردت إليه أمرها فلا شئ وهى امرأته فلو كان في غضب فطلقت نفسها لم يلتفت لما قالت لكن هو يسأل عن نيته فان قال: نويت الثلاث فهى طالق ثلاثا الا في اختاري فانها لا تكون الا واحدة بائنة سواء نوى ذلك أو أقل أو نوى طلاق رجعيا أو لم ينوه، وان قال: نويت اثنتين أو قال نويت الطلاق بلا عدد أو قال نويت واحدة بائنة أو قال: نويت واحدة رجعية

[ 118 ]

أو قال لم أنو طلاقا أصلا فكل هذا سواء ولا يلزمه في كل ذلك الا واحدة بائنة ولابد فاعلموا ان كل ماموه به عن الصحابة والتابعين رضى الله عنهم فباطل وانه في قوله هذا لم يوافق أحدا منهم وهو قول ما سبق إليه ولم يعرف عن أحد قبله ولا دليل له على شئ منه لا من نص ولا من قياس ولا من قول يعقل، وأما مالك فقال: أمرك بيدك والتمليك سواء، قال ومن قال: لامرأته أمرك بيدك فقالت قد قبلت فقد طلقت الا أن تقول هي لم أرد طلاقا قال: فلو جعل امر امرأته بيد امرأة له أخرى فطلقتها ثلاثا فهى طالق ثلاثا وله أن يناكرها فيقول لم أرد الا واحدة أو يقول لم أرد الا اثنتين فالقول قوله مع يمينه وتكون واحدة بائنة، قال: فلو قال لامرأته قد وليتك امرك ان شاء الله فقالت هي قد فارقتك ان شاء الله فهو طلاق فلو قال لها: ما كنت الا لاعبا أو قالت هي ما كنت الا لاعبة ما أردنا طلاقا فالقول قول الرجل مع يمينه قال: فلو قال لها: أمرك بيدك فأخذت شقة ومضت إلى أهلها وخرج هو إلى سفر ولم يكن غير هذا قالوا قد طلقت قال: فلو قال أمرك بيدك أو ملكها فطلقت نفسها واحدة فقال هو لم أنو الا ثلاثا لم يلزمه الا واحدة فاعلموا ان هذا القول أيضا غير موافق لقول أحد من الصحابة ولا من التابعين الا رواية عن عمر لم تصح رويناها من طريق عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عبد الكريم أبى أمية ان رجلا جعل امر امرأته بيدها في زمان عمر بن الخطاب فطلقت نفسها ثلاثا فقال: هو والله ما جعلت امرها الا واحدة فترافعها إلى عمر فاستحلفه عمر بالله الذى لا اله الا هو ما جعلت أمرها بيدها الا واحدة فحلف فردها عمر عليه، محمد بن راشد متكلم فيه وعبد الكريم أبو أمية غير ثقة ولم يدرك عمر والصحيح عن عمر خلاف ذلك كما ذكرنا من أقواله والاسانيد في ذلك قد ذكرناها في كتاب الايصال وانما قصدنا ههنا الاخصتار، وأما سائر تقاسيمه فلا سلف له فيها، وأيضا فان هذه الرواية عن عمر خالفه فيها لان عمر جعلها رجعية وجعلها مالك بائنة فخرج عن قول جميعهم وكذلك أيضا جعلها مروان. والقاسم بن محمد رجعية، وقد روينا ذلك أيضا من طرق ثابتة عن ابن عمر - يعنى المناكرة - من سعيد بن منصور فصح أنه رأى مجرد لا دليل عليه لا من نص ولا من قول متقدم ولا من قياس ولا من رأى يعقل، وقال سفيان الثوري. والشافعي: هو ما نوى فان قال لم انو طلاقا فهو كما قال وكذلك ان ردت الامر إليه فان طلقت نفسها أو اختارت نفسها فأى شئ قالت لم يلزمه الا طلقة واحدة رجعية فقط وهكذا قالا في التخيير والتمليك * قال أبو محمد: وكل هذه الاقاويل آراء لا دليل على صحة شئ منها، وقد تقصينا من

[ 119 ]

روى عنه من الصحابة رضى الله عنهم انه يقع به طلاق قلم يكونوا بين من صح عنه ومن لم يصح عنه الا سبعة ثم قد اختلفوا كما ترى وليس قول بعضهم اولى من قول بعض ولا أثر في شئ منها الا أثرا رويناه من طريق احمد بن شعيب ارنا على بن نصر الجهضمى نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد قال: قلت لايوب السختيانى هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك انها ثلاث غير الحسن؟ قال لا اللهم غفرا الا ما حدثنى قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن ابى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث قال أيوب فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فاخبرته فقال: نسى * قال أبو محمد: كثير مولى ابن سمرة مجهول ولو كان مشهورا بالثقة والحفظ لما خالفنا هذا الخبر وقد أوقفه بعض رواته على أبى هريرة والذى نقول به هو قول أبى سليمان وأصحابنا فهو مارويناه من طريق أبى عبيدنا أبو بكر بن عياش نا حبيب بن أبى ثابت (أن رجلا قال لامرأة له ان أدخلت هذا العدل البيت فأمر صاحبتك بيدك فأدخلته ثم قالت هي طالق فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأبانها منه فمروا بعبدالله بن مسعود فأخبروه فذهب بهم إلى عمر فقال يا أمير المؤمنين ان الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء ولم يجعل النساء قوامات على الرجال فقال عمر فما ترى قال أراها امرأته قال عمر: وأنا أرى ذلك فجعلها واحدة) * قال أبو محمد: قد يمكن أن يكون عمرا مضى حكمه وإلا فقد رجع إلى قول ابن مسعود في ان لا ينفذ طلاق من جعل امر امرأته بيده * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: رجل قال لامرأته امرك بيدك بعد يوم أو يومين قال ليس هذا بشئ قلت فارسل إليها رجلا أن امرها بيدها يوما أو ساعة قال ما أدرى ما هذا ما أظن هذا شيئا قلت لعطاء أملكت عائشة حفصة حين ملكها المنذر بن الزبير أمرها فقال عطاء لا انما عرضت عليهم أيطلقها أم لا ولم يملكها أمرها، وأما التمليك فقد صح عن ابن عمر انه قال القضاء ما قضت وله أن يناكرها فان ناكرها حلف وله ما نوى، وروى عنه قول آخر لم يصح عنه القضاء ما قضت ولا قول له وهو قول عطاء. وعمر بن عبد العزيز. والزهرى، وروى عنه قول ثالث أن التمليك نفسه طلاق رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ان ابن عمر قال: من ملك امرأته طلقت وعصى ربه وهو قول الحسن، وقول رابع صح عن زيد بن ثابت ان ملكها نفسها فطلقت نفسها ثلاثا فهى واحدة رجعية وقد ذكرنا قول سفيان والشافعي وابى حنيفة في التمليك ولمالك في التمليك أقوال لم نذكرها نذكرها ان شاء الله تعالى وهى انه قال: من ملك امرأته

[ 120 ]

أمرها فسواء كانت بالغا أو غير بالغ إذا كان مثلها يفهم ما يجعل إليها فهى طالق ثلاثا وله أن يناكرها فان ردت أمرها إليه فلا حكم لها فان طلقت نفسها أكثر من واحدة فقال لم أملكك الا واحدة أو يقول لم أرد الطلاق فهذه هي المناكرة ويحلف هو فتكون طلقة واحدة بائنة، قال فلو قال لم أنو عددا من الطلاق فهى طالق ثلاثا قال فلو قال لامرأته قد ملكتك أمرك فليس له أن يرجع عن ذلك وليس له أن يوقفها هو لتقض أو لتترك انما القضاء إليها حتى يوقفها السلطان فتقض أو تترك فيبطل ما جعل إليها ان تركت * قال أبو محمد: لم يوافق في هذا الا قولا من أقوال ثلاثة لابن عمر في المناكرة خاصة وسائر اقواله في ذلك لا سلف له فيها وقد خالفه زيد صح ذلك عنه وليس في التمليك ايجاب طلاق عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم الا عن ابن عمر وزيد فقط وذكره بعض الناس عن فضالة بن عبيد والذى نقول به هو ما رويناه من طريق أبى عبيدنا عبد الغفار بن داود عن ابن لهيعة عن يزيد بن ابى حبيب ان رميسة الفراسية كانت تحت محمد بن عبد الرحمن بن ابى بكر الصديق فملكها امرها فقالت انت طالق ثلاث مرات فقال عثمان بن عفان اخطأت لاطلاق لها الا أن المرأة لا تطلق ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج اخبرني أبو الزبير أن مجاهدا أخبره " ان رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: ملكت امرأتي فطلقتني ثلاثا فقال ابن عباس خطأ الله نوءها عليك انما الطلاق لك عليها وليس لها عليك " وهذا في غاية الصحة عن ابن عباس * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سألت عبد الله بن طاوس كيف كان أبوك يقول في رجل ملك امرأته أمرها أتملك ان تطلق نفسها أم لا؟ قال كان يقول ليس إلى النساء طلاق فقلت له فكيف كان أبوه يقول في رجل ملك رجلا أمر امرأته ايملك الرجل أن يطلقها قال لا وهو قول ابى سليمان وجميع أصحابنا، وأما التخيير فصح ان عمر بن الخطاب قال: ان اختارت نفسها فواحدة رجعية وإن اختارت زوجها فهى امرأه كما كانت، وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم عن زاذان أن على بن ابى طالب خالف عمر في ذلك ثم رجع إلى قول عمراذ ولى الخلافة، وروينا هذا القول عن ابن عباس ولم يصح عنه وصح عن عطاء وعمر بن عبد العزيز وابراهيم وصح عن جابر بن عبد الله ان اختارت نفسها فواحدة وقول آخر وهو ان اختارت نفسها فواحدة بائنة وان اختارت زوجها فواحدة رجعية فان كرر ذلك ثلاث مرات كل ذلك تختاره طلقت ثلاثا فان وطئها قبل زوج يتزوجها فعليه الرجم

[ 121 ]

روينا ان عليا رجع عن موافقة عمر إلى هذا القول إذ ولى الخلافة من طريق وكيع ابن الجراح. والحجاج بن المنهال كلاهما عن جرير بن حازم. عن عيسى بن عاصم عن زاذان عن على، وصح هذا القول عن قتادة وصح عن على أيضا أنها ان اختارت نفسها لم يجز له ولا لغيره أن يخطبها في العدة من تلك الطلقة، روينا هذه الزيادة من طريق حماد بن سلمة. عن قتادة. عن خلاس بن عمر وان على بن أبى طالب قال: ان اختارت نفسها فهى واحدة ولا يخطبها هو ولا من سواه الا بعد انقضاء العدة وان اختارت زوجها فهى واحدة وهو أحق بها، وقول ثالث صح عن زيد بن ثابت وهو ان اختارت نفسها فثلاث وان اختارت زوجها فواحدة رجعية، وبه يقول مسروق كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا داود بن أبى هند. عن الشعبى عن مسروق أنه كان يقول من قول زيد ان اختارت نفسها فثلاث وان اختارت زوجها فواحدة، وقول رابع وهو أنه إذا خيرها فطلقت نفسها ثلاثا فهى واحدة رويناه هكذا أيضا من طريق سفيان بن عيينة. عن أبى الزناد. عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر الصديق. عن زيد بن ثابت قال إذا خير الرجل امرأته فطلقت نفسها ثلاثا فهى واحدة * ومن طريق عبد الرزاق. عن معمر. عن يحيى بن أبى كثير قال: خير محمد بن أبى عتيق امرأته فطلقت نفسها ثلاثا فسأل زيد بن ثابت فجعلها زيد واحدة وهو أملك برجعتها قال: فذكرت ذلك لايوب فقال: بلغني نحو هذا عن زيد * وقول خامس رويناه عن ابن مسعود من طريق لا تصح لان فيها جابرا الجعفي وهو كذاب ان خيرها مرة ثم مرة ثم مرة وهى ساكتة فقالت في المرة الثالثة قد اخترت نفسي فهى طالق ثلاثا * وروينا عن ابراهيم النخعي والشعبى أنهما قالا: ان كرر تخييرها ثلاث مرات فاختارت واحدة فهى طالق ثلاثا، وان خيرها مرة واحدة فاختارت ثلاث تطليقات فهى طلقة واحدة، وقول سادس رويناه عن جابر بن زيد في التى يخيرها زوجها القضاء ما قضت، وصح عن ابن مسعود. وجابر بن عبد الله. والنخعي. والشعبى. وجابر بن زيد. ومكحول. وعطاء ان قامت من مجلسها قبل أن تقضى فلا قضاء لها * وروينا عن عمر بن الخطاب. وعلى بن أبى طالب. وزيد بن ثابت. وأيوب السختيانى. والزهرى أن التخيير والتمليك سواء، وقول سابع وبه نقول * رويناه من طريق سفيان بن عيينة. عن عمرو بن دينار. عن عكرمة. عن ابن عباس أنه سئل عن رجل جعل أمر امرأته بيدها فقالت: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فقال ابن عباس: خطأ الله نوءها لا أدرى ما الخيار * (م 16 - ج 10 المحلى)

[ 122 ]

قال أبو محمد: هذا أصح ما روى في ذلك عن ابن عباس، وأما الزيادة التى رواها قوم في هذا الخير من أن ابن عباس قال: لو قالت انا طالق ثلاثا لكان كما قالت أو الا طلقت نفسها ثلاثا فلا يصح لانه انما رواها الحكم بن عتيبة وحبيب بن أبى ثابت ومنصور وكلهم لم يلق ابن عباس، وروينا هذا أيضا من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس الا قالت انا طالق انا طالق وهذا خبر لم يسمعه عمرو من ابن عباس لانه إنما رواه عن عكرمة بخلاف هذا عن ابن عباس وبهذا يقول أبو سليمان. وأصحابنا * قال أبو محمد: وقد ذكرنا قول سفيان والشافعي في التخيير آنفا وأما أبو حنيفة فقال ان قال لها اختاري فخيرها ثم قال لم أرد طلاقا فان كان ذلك في رضا لم يجر فيه ذكر طلاق كان القول قوله مع يمينه ولا خيار لها فان كان في غضب فيه ذكر طلاق أو ليس فيه ذكر طلاق أو كان في رضا ذكر فيه طلاق لم يلتفت إلى دعوى الزوج وكان لها الخيار فان اختارت زوجها فهى امرأته وبطل خيارها وان اختارت نفسها فهى طالق واحدة بائنة لا تكون رجعية أصلا ولا أكثر من واحدة سواء نوى هو أكثر من واحدة أو لم ينو اختارت هي أكثر من واحدة أو اختارت واحدة رجعية ثم لهم من التخاليط في حركاتها وأعمالها أشياء يطول ذكرها الا أنها من عجائب الدنيا قد ذكرناها في كتاب الايصال، وقال مالك: ان خيرها فاختارته فهى امرأته وقد بطل خيارها فان اختارت نفسها فهى طالق ثلاثا ولابد سواء قالت أردت الطلاق أو قالت لم أرد الطلاق وليس له ان يناكرها ولا يلتفت إلى نيته أصلا فلو طلقت نفسها واحدة أو اثنتين فليس بشئ ولا يلزمه ذلك وليس لها الا اختيار زوجها أو أن تطلق نفسها ثلاثا ولابد الا أن يخيرها وقد عزم على طلاقها أو مخالعتها فههنا ان اختارت نفسها فهى طلقة واحدة بائنة وكذلك لو قال لها اختاري طلقة فليس لها الا طلقة واحدة رجعية هذا كله في المدخول بها فان خيرها قبل ان يدخل بها فهى ان اختارت نفسها طلقة واحدة فقط فلو قالت التى لم يدخل بها قد اخترت نفسي بثلاث طلقات فقال هو لم أرد الا واحدة فهى واحدة، وقال فلو قالت المدخول بها قد قبلت امرى لم يكن طلاقا الا أن تقول هي أردت الطلاق فيكون ثلاثا ولابد لا أقل من ذلك فلو قالت له قد خليت سبيلك فهى ثلاث ولابد، واختلف قوله في المخيرة تقوم من مجلس التخيير قبل ان تختار فمرة قال بطل خيارها بخلاف التمليك ثم رجع فقال بل لها الخيار حتى توقف فتختار أو تترك فلو وطئها مكرهة لم يبطل خيارها فلو وطئها طائعة بطل خيارها * قال أبو محمد: ذكر هذه الاقوال يغنى عن تكلف الرد عليها لشدة اختلاطها

[ 123 ]

وبالجملة فلم يقل أحد قبله بهذه التقسيمات وإنما تعلق بقول من أحد أقوال ثلاثة رويت عن زيد في أن اختارت نفسها فهى ثلاث فقط وخالفه في ذلك القول نفسه في الفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها وفي تسوية زيد بين التخيير والتمليك فبطل تعلقه بزيد وقد خالف هذا القول قول لزيد آخر وقول لعمر وقول لعلى، وكل هذه الاقوال لا حجة في تصحيحها من قرآن ولا ستة ولا معقول ولا قول متقدم لم يخالفه فيه من هو مثله ولا قياس ولا رأى له وجه يعقل، واحتج من رأى أن التخيير له تأثير في الطلاق بان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه * قال أبو محمد: أما المالكيون فلا متعلق لهم بذلك أصلا لانهم يقولون: لا يكون التخيير الا في البقاء أو في الطلاق الثلاث ويقولون ان طلاق الثلاث بدعة ومعصية فكيف يجوز عندهم أن يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم في انفاذ معصية حاش لله من هذا، وقال بعضهم: انما خيرهن بين الدنيا والآخرة فقلنا قد بطل تعلقكم في أن للتخيير تأثيرا في الطلاق بتخييره صلى الله عليه وسلم نساءه إذ لم يخيرهن تخييرا عندكم يكن به ان اخترن الطلاق طوالق، وأما غيرهم فنقول لهم الآية نفسها تبطل دعواكم لان نصها (وان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) فانما نص الله تعالى أنه عليه الصلاة والسلام ان أردن الدنيا ولم يردن الآخرة طلقهن حينئذ من قبل نفسه مختارا للطلاق لا أنهن طوالق بنفس اختيارهن الدنيا ومن ادعى غير هذا فقد حرف كلام الله عزوجل واقحم في حكم الآية كذبا محضا ليس فيها منه نص ولا دليل * وموه بعضهم باخبار موضوعة منها ما رويناه من طريق ابن وهب. عن عبد الجبار بن عمر. ويحيى بن عبد الله كلاهما عن ربيعة ان واحدة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم اختارت نفسها فكانت البتة. وعبد الجبار بن عمر. ويحيى بن عبد الله هالكان ثم هو مرسل * ومن طريق ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن الزهري ان النبي صلى الله عليه وسلم إذ خير نساءه تخيرت امرأة منهن نفسها فذهبت. وعبد الجبار قد بينا أمره وهو مرسل أيضا، ومن طريق ابن وهب. عن ابن لهيعة. عن يزيد بن ابى حبيب. عن عمرو بن شعيب بنحو ذلك قال: وهى بنت الضحاك العامري، ابن لهيعة لا شئ ولا مرسل ايضا وما تزوج عليه الصلاة والسلام قط بنت الضحاك العامري، ويوضح كذب هذه الفضائح الخبر الثابت الذى رويناه من طرق * منها من طريق مسلم حدثنى حرملة بن يحيى نا ابن وهب حدثنى يونس بن يزيد. عن ابن شهاب اخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ان عائشة قالت

[ 124 ]

فذكرت نزول آية التخيير وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها عليها فقالت انى أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت * ومن طريق مسلم نا اسحاق بن منصور نا عبد الرحمن - هو ابن مهدى -. عن سفيان الثوري عن عاصم الاحول. واسماعيل بن أبى خالد. عن الشعبى عن مسروق. عن عائشة أم المؤمنين قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعده طلاقا * قال أبو محمد: قد تقصينا كل هذه الآثار وأرينا عظيم كذب من ادعى الاجماع في شئ من ذلك ووقفنا على أنه ليس في التخيير شئ الا عن عمر. وعلى وزيد أقوال خالف فيها كل واحد منهم صاحبه وأثر لا يصح عن ابن مسعود وآثار ساقطة عن ابن عباس والثابت عنه كقولنا أنه لا معني للتخيير أصلا وأنه ليس في التمليك الا أقوال مختلفة عن زيد وابن عمر فقط لا ثالث لهما من الصحابة رضى الله عنهم الا قولا ذكر عن فضالة بن عبيد فيه أن القضاء ما قضت * وأثران من طريق عثمان وابن عباس موافقان لقولنا وأنه ليس في أمرك بيدك الا أقوال مختلفة عن عمر. وعلى. وزيد. وعثمان. وابن عمر. وابن عمرو. وابى هريرة. وابن مسعود. وابن الزبير ورجال لم يسموا من الصحابة رضى الله عنهم. وفي بعض هذه قول عن جابر بن عبد الله لم يوافق مالك أحدا منهم الا رواية عن ابن عمر صحت عنه في المناكرة فقط. ومثلها عن عمر لم تصح عنه ولم يوافق أبو حنيفة منهم أحدا ووافقنا نحن قولا روى عن ابن مسعود. وعمر * قال أبو محمد: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم واذ لم يأت في القرآن ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قول الرجل لامرأته أمرك بيدك أو قد ملكتك أمرك أو اختاري يوجب أن تكون طالقا. أو أن لها أن تطلق نفسها أو أن تختار طلاقا فلا يجوز أن يحرم على الرجل فرج أباحه الله تعالى له ورسوله صلى الله عليه وسلم بأقوال لم يوجبها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا في غاية البيان والحمد لله رب العالمين * 1938 مسألة: ومن قال لامرأته أنت على حرام أو زاد على ذلك فقال كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو ما قال من ذلك فهو كله باطل وكذب ولا تكون بذلك عليه حراما وهى امرأته كما كانت نوى بذلك طلاقا أو لم ينو، وقد اختلف الناس في هذا فقال على. وزيد بن ثابت. وابن عمر: هي بذلك القول طالق ثلاثا. وهو قول الحسن. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وروى عن الحكم بن عتيبة وقول آخر انها بذلك حرام عليه ولم يذكروا طلاقا صح هذا عن على بن أبى طالب. وعن رجال

[ 125 ]

لم يسموا عن الصحابة رضى الله عنهم. وعن أبى هريرة، وصح عن الحسن. وخلاس بن عمرو. وجابر بن زيد. وقتادة انهم أمروه باجتنابها فقط، وقول ثالث روى عن ابن مسعود ان كان نوى في التحريم الطلاق والا فهو يمين وهو قول الحسن. وطاوس. والشافعي. والزهرى، وقول رابع رويناه عن ابراهيم قال: كان أصحابنا يقولون في الحرام ان نوى ثلاثا فهى ثلاث وان نوى واحدة فهى واحدة بائنة وهو قول سفيان الا أنه قال: وان نوى يمينا فهى يمين وان لم ينو شيئا فهى كذب لا شئ فيها، وقول خامس عن ابراهيم ان نوى واحدة أو لم ينو شيئا فهى واحدة بائنة وان نوى ثلاثا فثلاث، وقد روينا من طريق وكيع عن الحسن بن حى عن المغيرة عن ابراهيم وان نوى اثنتين فهى اثنتان، وقول سادس هو طلقة واحدة رويناه عن عمر وبه يقول حماد بن أبى سليمان * وقول سابع وهو انه ظهار فيه كفارة الظهار صح ذلك عن ابن عباس من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن منصور ابن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في الحرام والنذر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا، ومن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الرجل إذا قال حرام على ان آكل أو قال هذا الطعام على حرام؟ قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا وهو قول أبى قلابة. وسعيد بن جبير. ووهب بن منبه، وهو قول عثمان البتى. واحمد بن حنبل، وقول ثامن وهو أن التحريم يمين فيه كفارة يمين، ثم اختلف هولاء فقالت طائفة منهم هي يمين مغلظة ليس فيها الا عتق رقبة روينا ذلك عن ابن عباس، وقال آخرون هي يمين فقط كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير: وأيوب السختيانى كلاهما عن عكرمة ان عمر بن الخطاب قال: هي يمين يعنى التحريم * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا المقدمى نا حماد بن زيد عن صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: الحرام يمين * نا عبد الله ابن ربيع نا محمد بن معاوية القرشى نا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحى نا أبو الوليد الطيالسي نا الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الله بن هبيرة عن قبيصة بن ذئيب قال: سألت زيد بن ثابت وابن عمر عمن قال لامرأته انت على حرام؟ فقالا جميعا كفارة يمين * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد ان ابن مسعود قال في التحريم هي يمين يكفرها، ومن طريق مسلم نا زهير بن حرب نا اسماعيل بن ابراهيم عن هشام الدستواثى قال: كتب إلى يحيى بن أبى كثير يحدث عن

[ 126 ]

يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الحرام يمين يكفرها. وروى أيضا ذلك عن أبى بكر الصديق. وعائشة أم المؤمنين وهو قول عكرمة. وعطاء روينا ذلك من طريق عبد الرزاق. عن ابن جريج قلت لعطاء من قال لامرأته انت على حرام؟ قال يمين قال ابن جريج فقلت له وإن كان اراد الطلاق قال قد علم مكان الطلاق قال عطاء ولو قال انت على كالدم أو كلحم الخنزير؟ قال عطاء هو كقوله: انت على حرام وهو قول مكحول. وقتادة كقول عطاء في كل ما ذكرناه * ومن طريق قتادة عن الحسن ان قال كل حلال على حرام فهى يمين وبهذا كان يفتى قتادة وهو قول الشعبى * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري. عن داوود بن أبى هند. عن سعيد بن المسيب قال: " الحرام يمين يكفرها " وهو قول سليمان بن يسار. وجابر بن زيد وسعيد بن جبير * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا جرير بن حازم قال: سألت نافعا مولى ابن عمر عن الحرام اطلاق هو؟ قال لا أو ليس قد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته فأمره الله عزوجل ان يكفر يمينه ولم يحرمها عليه، وروى عن طاوس أيضا فهو قول الاوزاعي. وأبى ثور. وروينا عن الحسن انه قال هو في غير الزوجة يمين، وقول تاسع وهو التوقف كما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان نا اسماعيل بن ابى خالد عن الشعبى قال: يقول رجال في الحرام هي حرام حتى تنكح زوجا غيره ولا والله ما قال ذلك على انما قال على: ما أنا بمحلها ولا بمحرمها عليك إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، وقول عاشر عن ابى حنيفة فانه قال إذا قال لامرأته أنت على حرام فان نوى طلقة واحدة أو طلقتين أو طلاقا دون عدد فهو في كل ذلك طلقة واحدة بائنة لا اكثر فان نوى ثلاثا فهى ثلاث فان نوى يمينا فهى يمين فيه كفارة يمين فان لم ينو شيئا فهو ايلاء فيه حكم الايلاء فان نوى الكذب صدق في الفتيا ولم يكن شيئا ولا ينوى في القضاء بل يكون ايلاء ولابد ولا يكون ذلك ظهارا اصلا سواء نواه وقال ذلك أو لم ينوه ولا قاله: وقول حادى عشر قاله مالك وهو انه من قال لامرأته: أنت على حرام فان كان مدخولا بها فهى ثلاث طلقات لا ينوى في ذلك فان كانت غير مدخول بها فانه ينوى فان قال نويت واحدة فهى واحدة وان قال نويت اثنتين فهى اثنتان وان قال نويت ثلاثا فهى ثلاث قال: فان قال ذلك لغير امرأته فليس بشئ سوا قال ذلك لامته أو لطعام قال فلو قال كل حل على حرام لم يحرم عليه بذلك شئ إلا زوجته فقط فان قال استثنيت نسائى أو امرأتي في نفسي صدق في ذلك، وقول ثانى عشر ليس التحريم بشئ لا في الزوجة ولا في غيرها ولا يقع بذلك طلاق اصلا ولا ايلاء ولا ظهار ولا تحريم ولا تجب في ذلك كفارة أصلا كما روينا من طريق البخاري نا الحسن بن الصباح سمع الربيع بن نافع

[ 127 ]

نا معاوية - هو ابن سلام - عن يحيى بن أبى كثير عن يعلى بن حكيم. عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم امرأته ليس بشئ لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم اسوة حسنة * ومن طريق وكيع. عن اسماعيل بن أبى خالد. عن الشعبى. عن مسروق قال: ما أبالى حرمت امرأتي أو قصعة من ثريد * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن صالح بن مسلم. عن الشعبى أنه قال: في تحريم المرأة لهى أهون على من نعلي * ومن طريق عبد الرزاق. عن ابن جريج. أخبرني عبد الكريم. عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: ما أبالى حرمتها يعنى امرأته أو حرمت ماء النهر * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا همام بن يحيى أنا قتادة أن رجلا جعل امرأته عليه حراما فسأله عن ذلك حميد بن عبد الرحمن الحميرى؟ فقال له حميد: قال الله عزوجل: (فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب) وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب، وهو قول أبى سليمان وجميع أصحابنا * قال أبو محمد: أما قول مالك. وأبى حنيفة فما نعلم أحدا قبلهما قال بما قالا من تقسيم ما قسماه مع أنه لا يؤيد قولهما قرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولا قياس ولا رأى له وجه وما يدرى أحد وجه التفريق بين تحريم الزوجة وبين تحريم الامة وغيرها والامة تحرم بالعتق كما تحرم الزوجة بالطلاق. وكما يحرم المتاع بالصدقة به وببيعه وقد تحل المطلقة ثلاثا بعد زوج فهلا قالوا بتحريمها في الابد كما قالوا في الناكح في العدة يدخل بها فكان يكون قد أتم في التحريم وكذلك لا يعلم أحد وجه التفريق بين تحريم الزوجة التى أحلها الله عزوجل وبين تحريم الطعام الذى أحله الله تعالى، وقد سوى بين الامرين عطاء. وغيره. وأطرف شئ تفريقهم بين المدخول بها وغير المدخول بها وحجتهم في ذلك أن التى لم يدخل بها تبينها الواحدة فقلنا: لهم والمدخول بها عندكم أيضا تبينها الواحدة البائنة فما الفرق ان هذا العجب، وكذلك قول أبى حنيفة ان نوى اثنتين فهى واحدة بائنة وان نوى ثلاثا فهى ثلاث. واحتجوا في ذلك بان الطلاق البائن لا يرتدف على الطلاق البائن ونسوا قولهم: ان الخلع طلاق بائن وأنه ان طلقها في عدتها لحقتها طلقة أخرى بائنة فاعجبوا لتناقضهم. وكذلك قوله ان نوى ايلاء أو لم ينو شيئا فهو ايلاء. وان نوى الظهار لم يكن ظهارا ليت شعرى من أين خرج هذا الفرق، وكذلك قول الشافعي ان نوى طلاقا فهو طلاق وان نوى ايلاء لم يكن ايلاء وان نوى ظهارا لم يكن ظهارا وهذا فرق لا يعرف وجهه، فان قيل للظهار وكالايلاء ألفاظ لا يكونان الا بها قلنا:

[ 128 ]

وللطلاق لفظ لا يكون الا به فان قالوا قد يكون الطلاق بغير لفظ الطلاق قلنا: وقد يكون الظهار عندكم بغير ظهر الام، وقد يكون الايلاء عندكم بغير ذكر الالية بالله تعالى ولا فرق * قال أبو محمد: وسائر الاقوال الموجبة للطلاق ولليمين وللظهار وللايلاء كلها أقوال لم تأت في نص قرآن ولا في سنة ولا حجة في سواهما بل وجدنا الله تعالى يقول: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) فأنكر الله تعالى تحريم ما أحله له والزوجة مما أحل الله فتحريمها منكر والمنكر مردود لاحكم له الا التوبة والاستغفار، وقال عزوجل: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) فمن قال لامرأته الحلال له بحكم الله عزوجل هي حرام فقد كذب وافترى ولا تكون عليه حراما بقوله لكن بالوجه الذى حرمها الله تعالى به صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فتحريم الحلال احداث حدث ليس في أمر الله عزوجل فوجب أن يرد، ولا فرق بين قول القائل امرأتي على حرام وبين قوله امرأة زيد لى حلال، ولا فرق بين من حرم على نفسه لحم الكبش وبين من أحل لنفسه لحم الخنزير، فصح أن التحريم باطل ولا حكم للباطل الا ابطاله والتوبة منه وبالله تعالى التوفيق، وكذلك قوله لها انت على كالميتة والدم ولحم الخنزير وكل ذلك كذب بل هي حلال كالماء ولا تكون حراما بهذا القول وبالله تعالى تتأيد * 1939 مسالة: ومن ذلك من قال لامرأته قد وهبتك لاهلك فاننا روينا عن على بن أبى طالب من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس بن عمرو ان على بن أبى طالب قال: في المرأة توهب لاهلها ان قبلوها فواحدة بائنة وان ردوها فواحدة وهو أحق بها يعنى برجعته، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا يزيد بن ابراهيم - هو التسترى - نا الحسن - هو البصري - قال: كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ان وهب امرأته لاهلها فأمسكوها فقد بانت منه وان هم ردوها عليه فهى واحدة وهو أحق بها، وروى هذا القول عن ابراهيم النخعي وقول آخر وهو مروى عن على ايضا وهو أنه ان قبلوها فهى واحدة وان لم يقبلوها فليس بشئ، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أشعث عن الشعبى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال يعنى في الموهوبة ان قبلوها (1) فواحدة بائنة وان لم يقبلوها فليس بشئ، وقال عطاء ان قبولها فواحدة بائنة


(1) وفي النسخة رقم 14 فواحدة باسقاط بائنة

[ 129 ]

وان لم يقبلوها فليس بشئ، وقول ثالث كما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. عن الحسن ان زيد بن ثابت قال: ان قبلوها فهى ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وان ردوها فواحدة وهو أحق بها وهذا قول الحسن، وقول رابع رويناه من طريق سعيد بن منصور. عن اسماعيل بن عياش. عن عبد الله بن عبيد الله الكلاعى. وعبد العزيز بن عبيدالله قال الكلاعى عن مكحول وقال عبد العزيز. عن الشعبى. عن مسروق ثم اتفق مسروق ومكحول فيمن وهب امرأته لاهلها قالا جميعا ان قبولها فهى طلقة وهو أملك بها وان لم يقبلوها فلا شئ، وروينا هذا أيضا عن الزهري وهو قول احمد بن حنبل. واسحق بن راهويه، وقول خامس كما روينا عن سعيد بن منصور انا المعتمر بن سليمان التيمى. عن منصور. عن ابراهيم قال: كان يقال في الموهوبة لاهلها تطليقة قال سعيد وأرناه أبو عوانة. عن منصور. عن ابراهيم بمثله وزاد لا ندرى ابائنة أم رجعية، وقول سادس روى عن ربيعة. ويحيي بن سعيد. وأبى الزناد فيمن وهب امرأته لاهلها قالوا: هي ثلاث قبلوها أو ردوها، وقول سابع قاله الاوزاعي قال: هي طلقة واحدة قبلوها أو ردوها، وقول ثامن وهو قول الليث بن سعد من وهب امرأته لاهلها فالقضاء ما قضوا فان كان وهبها لهم وهو لا ينتظر قضاءهم فهو طلاق البتة، وقول تاسع رويناه عن مالك وهو انه قال: من وهب امرأته لاهلها فان كانت مدخولا بها فهى طالق ثلاثا قبلوها أو لم يقبلوها وان كانت غير مدخول بها فهى واحدة فقط قبلوها أو ردوها، وقول عاشر رويناه عن الشافعي قال: من وهب امرأته لاهلها فله نيته في الفتيا والقضاء فان قال: لم أنو طلاقا لم يلزمه طلاق وان قال نويت ثلاثا فهى ثلاث وان قال نويت اثنتين فهى اثنتان رجعيتان وان قال نويت واحدة فهى واحدة رجعية، وقول حادى عشر وهو قول أبى حنيفة قال: ان قال لامرأته قد وهبتك لاهلك. أو قال لابيك. أو قال لامك. أو قال للازواج فان كان هذا في غضب أو جوابا لها إذ سألته الطلاق ثم قال لن أنو الطلاق صدق ولم يلزمه طلاق في الفتيا وفي القضاء وان قال نويت بذلك الطلاق فان نوى ثلاثا فهى ثلاث وان نوى اثنتين بائنتين أو رجعيتين أو واحدة بائنة أو رجعية لم يكن في كل ذلك الا واحده بائنة فقط لا أكثر قال فلو قال لها وهبتك لخالتك أو قال لزيد أو لفلان وذكر أجنبيا فليس ذلك بشئ ولا يلزمه بذلك طلاق سواء نوى بذلك طلاقا ثلاثا أو أقل أو لم ينو طلاقا كان ذلك في غضب أو في جواب سؤالها اياه الطلاق أو لم يكن ولا معنى لحكم أهلها الذين وهبها لهم في ذلك، وقول ثانى عشر وهو أن كل ذلك باطل لا يلزمه به طلاق (م 17 - ج 10 المحلى)

[ 130 ]

اصلا نواه أو لم ينوه وهو قول أبى ثور. وأبى سليمان. واصحابنا * قال أبو محمد: اما قول ابى حنيفة فآبدة من أوابد الدهر وتفريق ما سمع بأسخف منه كل ذلك بلا دليل يعقل ولا قياس يضبط ولا رأى له وجه ولا نعلمه عن أحد قبله لا سيما إذا اضيف هذا القول إلى قوله الذى ذكرناه في التخيير والتمليك وتلك التفاريق السخيفة، وأما قول مالك بين المدخول بها وغير المدخول بها في التفريق فما يعلم عن أحد قبله وما ندرى من اين وقع لهم بالهبة أن تكون طالقا ثلاثا، وقالوا المدخول بها لا يحرمها الا الثلاث فقلنا: وقد يحرمها عندكم الواحدة البائنة فان قالوا يتزوجها إذا شاء وشاءت وفي الثلاث يتزوجها بعد زوج وكذلك غير المدخول بها يتزوجها في البائنة ان شاء وشاءت وهلا حرمتموها في الابد كما فعلتم بالمدخول بها في عدتها * قال أبو محمد: وسائر الاقوال لا نعلم لشئ منها برهانا لا قرآنا ولا سنة ولا حجة في سواهما وما كان هكذا فلا يجوز القول به، ومن الباطل أن يهب حرة أو أمة غيره فهبته فاسدة والفاسد لا حكم له الا بابطاله والتوبة إلى الله عزوجل منه فصح الذى قلنا وبالله تعالى نتأيد * 1940 مسألة: ومن باع عبده وله زوجة فهى زوجته كما كانت ومن باع امته ولها زوج فهى زوجته كما كانت وقد اختلف الناس في ذلك كما روينا من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم قال: سئل ابراهيم النخعي عن الامة تباع ولها زوج فقال كان عبد الله بن مسعود يقول بيعها طلاقها ويتلو هذه الآية (والمحصنات من النساء الا ما ملكت ايمانكم) نا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد البصير نا قاسم ابن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري. عن حماد بن ابى سليمان. عن ابراهيم النخعي. عن ابن مسعود أنه قال في قول الله تعالى: (والمحصنات من النساء الا ما ملكت ايمانكم) ذوات الازواج من المسلمين والمشركين لا ومن طريق وكيع. عن المبارك بن فضالة عن الحسن البصري عن ابى ابن كعب قال بيعها اطلاقها * انا يونس بن عبد الله نا احمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا احمد ابن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا سليمان التيمى. عن أبى مجلز. عن أنس بن مالك قال: بيع الامة طلاقها قال انس: (والمحصنات من النساء الا ما ملكت ايمانكم) قال ذوات البعول * ومن طريق عبد الرزاق. عن معمر. عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة أن جابر بن عبد الله قال: بيعها

[ 131 ]

طلاقها * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول: بيع الامة هو طلاقها * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس ابن عبيد عن الحسن قال أيهما بيع فهو طلاق يعنى العبد من زوجته والامة من زوجها * نا محمد بن سعيد بن نبات نا عباس بن أصبغ نا محمد بن قاسم ابن محمد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد بن أبى عروبة عن قتاده عن الحسن البصري انه قال في الامة بيعها طلاقها يعنى من زوجها وبيعه طلاقها يعنى من زوجته * ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا زوج عبده من أمته فالطلاق بيد العبد وإذا اشترى أمة ولها زوج فالطلاق بيد المشترى، وقالت طائفة ان بيعت الامة فهو طلاقها من زوجها وان بيع العبد وله زوجة لم تطلق بذلك، كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. وابن ابى نجيح قال الزهري: عن سعيد بن المسيب وقال ابن أبى نجيح: عن مجاهد قالا جميعا: بيعها طلاقها فان بيع العبد لم تطلق هي حينئذ، وروينا عن الحسن البصري ان العبد إذا أبق وله زوجة فانها طالق باباقة العبد، روينا ذلك من طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا منصور عن الحسن انه كان يقول: اباق العبد طلاقه، وذهبت طائفة إلى قول آخر كما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا مسددنا المعتمر ابن سليمان قال: سمعت أبى يحدث عن أبى مجلز عن أنس بن مالك قال في قول الله عزوجل (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم) قال المحصنات ذوات الازواج من الحرائر واذ هو لا يرى بأسا بما ملكت اليمين أن ينتزع الرجل الجارية من عبده فيطؤها، وبه إلى اسماعيل نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن جعفر غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قول الله عزوجل: (الا ما ملكت ايمانكم) قال ينتزع الرجل وليدته امرأه عبده * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء أنتزع أمتى من عبد قوم آخرين أنكحتها اياه؟ قال نعم وارضه قلت: أبى الاصداقه قال هوله كله فان أبى فانتزعها ان شئت، ومن حر انكحتها اياه ثم رجع عطاء فقال: لا تنتزعها من الحر وان اعطيته الصداق فلا تستخدمها ولا تبعها، وذهب آخرون إلى أن بيع الامة ليس طلاقا وان بيع العبد أو اباقه ليس طلاقا لزوجته ولا للسيد ان ينتزع امته من عبده إذا زوجها منه، روينا عن عمر بن الخطاب أنه ليس بيع الامة طلاقا لها من زوجها، وصح أن ابن عمر ان سأله رجل فقال: اشتريت جارية لها زوج افأطؤها فقال له ابن عمر: أتريد ان أحل لك الزنا؟ وصح هذا أيضا عن عبد الرحمن بن عوف وعن

[ 132 ]

عثمان. وعلى. وسعد بن ابى وقاص. وبه يقول أبو حنيفة: (1) ومالك. والشافعي. واحمد وابو سليمان وأصحابهم * قال أبو محمد: احتج من رأى بيعها طلاقها بقول الله عزوجل: (والمحصنات من النساء الا ما ملكت ايمانكم) قالوا فحرم الله تعالى علينا كل محصنة الا ما ملكت ايماننا فهى حلال لنا من جملة المحصنات والمحصنات هن ذوات الازواج فصح انهن إذا كن ذوات أزواج فملكناهن انهن لنا حلال ولا يحللن لنا الا بان يحرمن على أزواجهن إذ كون الفرج حلالا لاثنين معا ممنوع في الديانة قالوا: وسواء في ذلك المبيعات والمسبيات لان الآية على عمومها، وقالت طائفة: انما عنى الله عزوجل بذلك المسبيات خاصة، روينا ذلك عن على بن أبى طالب من طريق ابراهيم عنه وابراهيم لم يدركه ولا لقيه، وعن ابن عباس من طريق اسرائيل بن يونس وهو ضعيف، وروينا عن ابن عباس أيضا كل ذات زوج عليك حرام من طريق يحيى بن عبد الملك (2) الحمانى وهو ضعيف عن شريك وهو مدلس * قال أبو محمد: أما من جعل بيع الامة طلاقها واحتج بقوله تعالى: (الا ما ملكت ايمانكم) فوجدناها قد خصها خبر صحيح وهو بيع بريرة وابتياع عائشة ام المؤمنين لها ولها زوج اسمه مغيث فلم يكن بيعها طلاقا لها ثم اعتقتها ام المؤمنين بعد ابتياعها لها فلم يكن ذلك أيضا طلاقا لها بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ في البقاء في زوجيتة أو في فراقه فصح بذلك ان بيع الامة ليس طلاقا لها وصح بهذا ان قوله تعالى: (الا ما ملكت ايمانكم) استثناء منقطع معناه لكن ما ملكت ايمانكم ما لم يحرم عليكم كذوات المحارم وذوات الازواج والكوافر فما عدا هؤلاء فحلال لكم، وأما من قال: بيع العبد طلاق لزوجته الامة فلا نعلم له شيئا يتعلق به فسقط هذا القول والحمد لله رب العالمين، ثم نظرنا في المسبية مع زوجها أو دونه أو يسبى هو دونها أو خرجت إلى أرض المسلمين ولها زوج في ارض الحرب فوجدناها لا تخلو من أن تكون إذ سبيت أو خرجت إلى أرض المسلمين مختارة بقيت على دينها الكتابى أو غير الكتابى أو اسلمت لا تخلو ضرورة من أحد هذين الوجهين ولا ثالث هناك فان كانت لم تسلم فقد بينا في صدر كلامنا في النكاح من كتابنا هذا أن وطئ الامة الكافرة كتابية كانت أو غير كتابية بملك اليمين لا يحل أصلا فأغنى عن اعادته لقول الله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو اعجبتكم) ولم يخص الله تعالى من هذا


(1) وفي النسخة رقم 14 اسقاط مالك والصواب اثباته (2) وفي النسخة رقم 16 الحرانى

[ 133 ]

التحريم الا ما كان بالزواج فقط بقوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) وقد صح أن عقود نكاحات الكفار صحاح ومنها كانت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم وما صح فلا سبيل لابطاله الا بنص فصح انها ما لم تسلم المسبية ذات الزوج فهى على زوجيتها سواء بقى في دار الحرب أو سي معها، وأما قول من قال إن اختلاف الدارين يقطع عصمة النكاح فقول باطل فاسد لانه دعوى مجردة لم يؤيدها قط قرآن ولا سنة وقد تكلمنا في صدر كتابنا هذا في الخبر الوارد من طريق أبى سعيد الخدرى إذ أصابوا سبايا أوطاس فتحرجوا من غشيانهن فأنزل الله عزوجل: (والمحصنات من النساء الا ما ملكت ايمانكم) فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وبينا انهن بيقين متفق عليه وثنيات من سبايا هوازن ووطؤهن لا يحل للمسلمين حتى يسلمن بلا خلاف مناومن الحاضرين من المخالفين وبنص تحريم المشركات حتى يؤمن، فصح أن مراد الله تعالى بذلك إذا اسلمن * قال أبو محمد: فإذا أسلمن فلا يخلون ضرورة من أن يكون زوج من أسلم منهن سبى معها أو لم يسب بل هو في ارضه فان كان معها أو في أرضه ولم يسلم قبل اسلامها ان كانت كتابية أو مع اسلامها كائنا ما كان دينها فقد انفسخ نكاحها منه على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى فإذا انفسخ نكاحها باسلامها دون اسلام زوجها فقد حل فرجها لسيدها المسلم حينئذ بنص القرآن والسنة بلا خلاف فان أسلم زوجها مع اسلامها كائنا ما كان دينها أو أسلم قبل اسلامها وهى كتابية فهما في كل ما ذكرنا باقيان على زوجيتهما لما ذكرنا من أن كل نكاح صح بتصحيح الله تعالى اياه فانه لا يحل لاحد فسخه الا بنص قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة ولا سبيل إلى وجود شئ من ذلك في فسخ نكاح المسبية بعد اسلامها دون اسلام زوجها فقط، وقد قال أبو حنيفة: إذا سبى الزوجان فهما على نكاحهما حتى يخرجا إلى دار الاسلام فإذا صارا فيها انفسخ النكاح وهذا قوله أوله صحيح وآخره في غاية الفساد لان اختلاف الدارين لا يحرم نسبا ولا يحله، وقال مالك: ان جاء أهل الحرب بسبي فيه زوجان فهما على نكاحهما * قال أبو محمد: كل قول ما لم يؤيده قرآن ولاسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة فهو باطل بيقين لا شك فيه وبالله تعالى التوفيق * 1941 مسألة: ومن فقد فعرف أين موضعة أو لم يعرف في حرب فقد

[ 134 ]

أو في غير حرب وله زوجة أو ام ولد وأمة ومال لم يفسخ بذلك نكاح امرأته أبدا وهى امرأته حتى يصح موته أو تموت هي ولا تعتق ام ولده ولا تباع امته ولا يفرق ماله لكن ينفق على من ذكرنا من ماله فان لم يكن له مال بيعت الامة وقيل للزوجة ولام الولد انظرا لانفسكما فان لم يكن لهما مال مكتسب انفق عليهما من سهم الفقراء والمساكين من الصدقات كسائر الفقراء ولا فرق، وقد اختلف الناس في ذلك فصح عن عمر بن الخطاب انه قال امرأة المفقود تعتد أربع سنين من طرق، منها من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الاحول وسليمان التيمى قال عاصم عن ابى عثمان النهدي عن عمر، وقال سليمان عن أبى عمر والشيبانى عن عمر وكلاهما أدرك عمر وسمع منه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى نا خالد الحذاء عن ابى نضرة عن عبد الرحمن بن ابى ليلى قال: شهدت عمر خير مفقودا تزوجت امرأته بينها وبين المهر الذى ساقه إليها * قال أبو محمد: انما أوردنا هذا ليصح سماع عبد الرحمن لذلك من عمر، ومن طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن عبد الرحمن بن ابى ليلى أن رجلا فقد امرأته فأتت عمر بن الخطاب بعد أربع سنين فسأل قومها فصدقوها فأمرها أن تعتد اربع سنين من ذى قبل ثم تزوجت فجاء زوجها وذكر الخبر قال: فخيره عمر بين الصداق وبين امرأته فاختار الصداق * ومن طريق حماد بن سلمة عن داود بن ابى هند عن أبى نضرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى ان امرأة فقدت زوجها فأتت عمر فسأل جيرانها وقومها فصدقوها فقال لها: اعتدى اربع سنين وتزوجي فجاء زوجها بعد ذلك فخيره عمر بين الصداق وبين امرأته * ومن طريق عبد الرازق عن معمر عن ثابت البنانى عن عبد الرحمن بن ابى ليلى قال: فقدت امرأة زوجها فمكثت أربع سنين ثم ذكرت أمرها لعمر بن الخطاب فأمرها أن تتربص أربع سنين من حين رفعت أمرها إليه فان جاء زوجها والا تزوجت فتزوجت بعد ان مضت السنوات الاربع ولم تسمع له بذكر ثم جاء زوجها فاخبر بالخبر فأتى إلى عمر فقال له عمر: ان شئت رددنا اليك امرأتك وان شئت زوجناك غيرها قال: بل زوجنى غيرها * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا داود بن ابى هند عن ابى نضرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى أن رجلا من الانصار خرج ليلا فاستبته الجن فطالت غيبته فأتت امرأته عمر بن الخطاب فأخبرته فأمرها ان تعتد اربع سنين ففعلت فأمرها أن تتزوج ففعلت وقدم زوجها الاول فخيره عمر بين امرأته وبين الصداق فاختار امرأته ففرق عمر بينهما وردها إليه *

[ 135 ]

قال أبو محمد: هذا الذى لا يصح عن عمر غيره أصلا وهو أن تبتدئ بتربص اربع سنين من حين ترفع أمرها إلى الامام فإذا أتمت الاربع سنين تزوجت ان شاءت فان جاء زوجها وقد تزوجت فهو مخير بين صداقها الذى أعطاها وبين أن ترد إليه امرأته ويفسخ نكاح الآخر أو يزوجه الامام زوجة أخرى * وروينا نحو هذا عن ابن عباس وابن عمر من طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن أبى بشر عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن ابن عباس. وابن عمر قالا جميعا في امرأة المفقود: تنتظر أربع سنين، قال ابن عمر: ينفق عليها فيها من مال زوجها لانها حبست نفسها عليه، قال ابن عباس: إذا يجحف ذلك بالورثة ولكن تستدين فان جاء زوجها أخذت من ماله فان مات قضت من نصيبها من الميراث ثم قالا جميعا ينفق عليها بعد الاربع سنين اربعة أشهر وعشرا من جميع المال * قال أبو محمد: هذا صحيح عن ابن عباس وابن عمر، وروى عن عمر غير هذا من طريق لا تصح فيها الحجاج بن ارطاة ان عمر أمر امرأة المفقود أن تتربص أربع سنين من حين ترفع أمرها إليه فإذا أتمتها طلقها وليه (1) عنه ثم تعتد بعد ذلك اربعة اشهر وعشرا ثم تتزوج فان جاء زوجها وقد تزوجت خيره عمر بينها وبين صداقها * وروى عن عمر غير هذا كله أيضا من طرق لا تصح لان فيها عبد الملك بن أبى سليمان العرزمى وهى أيضا مرسلة عن عبيد بن عمير قال: فقدت امرأة زوجها فأتت عمر بن الخطاب فأمرها أن تتربص اربعة أعوام ففعلت ثم جاءته فأمرها أن تعتد اربعة أشهر وعشرا ثم أتته فدعى ولى المفقود فأمره ان يطلقها فطلقها فأمرها أن تعتد ثلاثة قروء ففعلت ثم أتته فاباح لها الزواج فتزوجت فجاء زوجها المفقود فخيره عمر بين امرأته تلك وبين الصداق فاختار الصداق فأمر له عمر بالصداق، وروى عن عمر أيضا قول رابع لا يصح لانه مرسل من طريق مالك بن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب قال: ان عمر بن الخطاب قال: أيما امرأة فقدت زوجها فانها تنتظره أربع سنين ثم تعتد اربعة أشهر وعشرا ثم تحل، وروينا من طريق الحسن عن عمر مثل ذلك، ومن طريق الزهري وعطاء وعمرو بن دينار عن عمر مثل ذلك، وروينا عن عمر أيضا غير ذلك كله من طريق ضعيفة فيها المنهال بن عمرو ان عمر بن الخطاب أتته امرأة فقدت زوجها مذ ثلاثة أعوام وثمانية أشهر فأمرها عمر أن تتم أربع سنين ثم تعتد عدة المتوفى عنها ثم


(1) وفي النسخة رقم 14 وليها والصواب ما هنا

[ 136 ]

تتزوج ان شاءت * قال أبو محمد: وقد جاء من طريق سعيد بن المسيب. وعمرو بن دينار. والزهرى غير ما ذكرنا آنفا عنهم كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار قال: ان عمر بن الخطاب امر ولى المغيب عنها زوجها أن يطلقها * ومن طريق عبد الرازق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان قضيا في المفقود أن امرأته تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا بعد ذلك ثم تتزوج فان جاء زوجها الاول خير بين الصداق وبين امرأته * قال أبو محمد: ليس معمر دون مالك: وأما الزهري (1) فأحفظ من يحيى بن سعيد ورواية سعيد هذه عن عثمان صحيحة لانه أدركه وجالسه وقتل عثمان رضى الله عنه وابن المسيب له عشرون سنة، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال اخبرني عطاء الخراساني أن ابن شهاب أخبره أن عمر وعثمان قضيا في ميراث المفقود أنه يقسم من يوم تمضى الاربع السنون وتستقبل امرأته عدة اربعة أشهر وعشرا، ومن طريق سعيد بن منصور ثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة ان امرأة فقدت زوجها فلبثت ما شاء الله تعالى ثم أتت عمر بن الخطاب فأمرها أن تتربص أربع سنين فلم يجئ فأمر عمر وليه أن يطلقها ثم أمرها أن تعتد فإذا انقضت عدتها فان جاء زوجها خيره بينها وبين الصداق، ومن طريق حماد بن سلمة (2) عن أيوب السختيانى عن أبى المليح الهذلى أن رجلا ركب البحر فتيه به فتزوجت امرأته وأمهات أولاده وقسم ميراثه فقدم بعد ذلك فارتفعوا إلى عثمان بن عفان فخير الرجل بين امرأته وبين الصداق ورد عليه أمهات أولاده وجعل في أولادهن الفداء فلما قتل عثمان رضى الله عنه ارتفعوا إلى على بن ابى طالب فقضى بمثل قضاء عثمان، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى أن أبا المليح بن اسامة سئل عن امرأة المفقود؟ فقال أبو مليح: حدثتني سهمية بنت عرم الشيبانية أنها فقدت زوجها في غزاة غزاها فلم يدر أهلك أم لا فتربصت أربع سنين ثم تزوجت فجاء زوجها الاول فركب هو وزوجها الثاني إلى عمان فأخبراه، فقال عثمان يخير الاول بين امرأته وبين صداقها فلم يلبث ان


(1) وفي النسخة رقم 14 فهو احفظ (2) وفي النسخة رقم 14 نا أيوب

[ 137 ]

قتل عثمان فركبا (1) إلى على بالكوفة فقال: ما أرى إلا ما قال عثمان قالت: فاختار الصداق فأعنت زوجي بألفين وكان الصداق أربعة آلاف ورد أمهات اولاده كن تزوجن بعده ورد اولادهن معهن علمي انه قاله، ومن طريق حماد بن سلمة ارنا قتادة عن خلاس بن عمرو أن على بن أبى طالب قال: امرأة المفقود تعتد اربع سنين ثم يطلقها الولى ثم تعتد اربعة أشهر وعشرا فإذا جاء زوجها خير بين امرأته وبين الصداق وهذا صحيح عن على * قال أبو محمد: وأما التابعون فروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا الربيع ابن حبيب قال سألت الحسن البصري عن المفقود زوجها؟ فقال تعتد اربع سنين ثم يطلقها وليه ثم تعتد اربعة أشهر وعشرا عدة المتوفى عنها زوجها ثم تتزوج ان شاءت فان جاء زوجها فهو بالخيار فان شاء امرأته وان شاء صداقها الذى كان أصدقها * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة أن الحسن كان يخير المفقود بين الصداق الاول وبين امرأته قال قتادة، وقال الخلاس بن عمرو: يخير بين الصداق الآخر وبين امرأته * ومن طريق حماد بن سلمة أرنا عطاء بن السائب قال: بينما أنا عند ابراهيم النخعي وعنده رجل من أصحاب السابرى حزين كئيب فقلت ما شأن ذا فقال (2) النخعي قدم زوج امرأته فقلت فكيف يصنع قال يخير بين الصداق وبين امرأته فان اختار الطلاق أقام هذا على امرأته ولا تعتد منه لان الماء ماؤه وان اختار امرأته اعتدت من هذا قال عطاء: فاخبرت بذلك الحكم بن عتيبة فقال: لا يكون شئ من هذا الا وفيه عدة، ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح في امرأة المفقود قال: تتربص اربع سنين من يوم يتكلم ثم يطلقها وليه (3) يأخذ بالوثاق ولا يمنع زوجها تلك الطلقة وان كانت البتة فان جاء فاختارها أن يراجعها فتعتد عدة الوفاة فان جاء فاختارها اعتدت من الآخر وان اختار صداقها غرمته هي من مالها ولم تعتد من الآخر وقرت عنده كما هي، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في امرأة المفقود يأتي وقد تزوجت ان المرأة تغرم الصداق، ومن طريق ابى عبيدنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن أيوب بن موسى عن مكحول في امرأة المفقود إذا قدم الاول كانت امرأته ان شاء واعتدت من زوجها الذى هي عنده وان شاء فله ما أصدقها * ومن طريق ابى عبيدنا محمد ابن ابى عدى عن داود


(1) وفي النسخة رقم 14 فركب بالافراد والصواب التثنية (2) وفي النسخة رقم 14 فقال لى النخعي (3) وفي النسخة رقم 16 من يوم يتكلم بطلاقها وليه (م 18 - ج 10 المحلى)

[ 138 ]

ابن أبى هند عن الشعبى قال: لولا ان عمر خير المفقود لرأيته احق بها إذا شاء * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن ارطاة امرأة المفقود تعتد اربع سنين، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن داود بن أبى هند عن سعيد بن المسيب قال: إذا فقد في الصف تربصت به سنة وإذا فقد في غير صف فاربع سنين: وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: إذا مضت اربع سنين من حين ترفع امرأة المفقود أمرها فانه يقسم ماله بين ورثته * ومن طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال في الذى يحضر القتال فلا يدرى أسر أم قتل فانى أرى أن تعتد امرأته عدة المؤجلة أربع سنين واربعة أشهر وعشرا ثم تنكح ان شاءت * ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة في المفقود يتلوم لطلبه فلا يوجد له خبر فذلك الذى يضرب الامام لامرأته فيما بلغنا ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها يقولون: ان جاء زوجها في عدتها أو بعد العدة ما لم تنكح فهو أحق بها فان نكحت بعد العدة ودخل بها فلا سبيل له عليها، ومن طريق ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن ربييعة قال إذا فرق السلطان بينهما فلا سبيل للاول عليها ولا رجعة دخل بها أو لم يدخل، وروينا غير هذا كله عن على ابن أبى طالب وغيره كما روينا من طريق أبى عبيدنا جرير عن منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة قال قال على بن أبى طالب (1) إذا فقدت المرأة زوجها لم تتزوج حتى يقدم أو تموت * ومن طريق أبى عبيد أيضا نا هشيم انا سيار عن الشعبى قال قال على بن أبى طالب إذا جاء زوجها الاول فلا خيار له وهى امرأته * ومن طريق أبى عبيدنا على بن معبد (2) عن عبد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد بن جبير قال قال على بن أبى طالب في امرأة المفقود تزوج هي امرأة الاول دخل بها الآخر أو لم يدخل * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق على بن أبى طالب في امرأة المفقود على أنها تنتظره أبدا * ومن طريق سعيد بن منصور ثنا هشيم أخبرنا سيار عن الشعبى انه كان يقول في امرأة المفقود ان جاء الاول فهى امرأته ولا خيار له قال هشيم وهو القول قال هشيم وأرنا اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أنه قال في امرأة المفقود إذا تزوجت فحملت من زوجها الآخر ثم بلغها ان زوجها الاول حى (3) يفرق بينها وبين زوجها الآخر فان مات زوجها الاول فانها تعتد من هذا الآخر بقية حملها فإذا وضعت اعتدت من


(1) وفي النسخة رقم 14 وغيره كما روينا (2) وفي النسخة رقم 16 على بن سعيد (3) وفي النسخة رقم 14 أنه يفرق

[ 139 ]

الاول اربعة أشهر وعشر أو ورثته * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة امقسم عن ابراهيم النخعي في امرأة المفقود قال: هي مبتلاة فلتصبر * ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير عن مغيرة عن النخعي مثل قول على في امرأة المفقود لا تتزوج حتى يستبين أمره * ومن طريق شعبة أنه سمع حماد بن أبى سليمان يقول قال عمر في امرأة المفقود تخير وقال على هي امرأته قال حماد وعمر أحب إلى من على وقول على أعجب إلى من قول عمر، وممن قال لا تؤجل امرأة المفقود ولا يفرق بينه وبينها القاضى ابن أبى ليلى. وابن شبرمة. وعثمان البتى. وسفيان. الثوري. والحسن بن حى. وأبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان وأصحابهم، وقال الشافعي. وأبو سلمان من حكم بتأجيلها ثم فسخ النكاح منه وأمرها أن تعتد ثم تزوجت فانه يفسخ كل ذلك وترد إلى الاول كما كانت، وقال الاوزاعي في القوم يلقون العدو فيفقدون فلا يدرى أقتلوا أم أسروا فان نساءهم يعتدون عدة المتوفى عنها زوجها ثم يتزوجن كتب بذلك عمر بن الخطاب، وعلى هذا مضى أمر الناس، وقال الليث بن سعد في امرأة المفقود: انها تؤجل فان جاء زوجها المفقود ووجدها تزوجت فهو أولى بها وترد إليه، وقال مالك: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين من حين ترفع أمرها إليه ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا فان كان الزوج عبدا أجلت عامين ثم تعتد كما ذكرنا فان جاء زوجها قبل أن تتزوج فهى امرأته كما كانت وان جاء وقد تزوجت فلا سبيل له إليها دخل الثاني بها أو لم يدخل ثم رجع مالك فقال: هو أولى بها ما لم يدخل بها الثاني ولا خيار للاول قال: وانما هذا في المفقود في غير الحرب فاما الذى فقد في الحرب فلم يعرف أميت هو أم حى فلا تؤجل امرأته ولا يفرق بينه وبينها قال: ولا يقسم مال المفقود ولا تعتق أمهات أولاده حتى يأتي من الزمان ما يعرف أنه لا يعيش إليه، وقال أحمد. واسحاق تتربص امرأة المفقود أربعة أشهر وعشرا بعد أربعة أعوام ثم تتزوج قالا جميعا والمفقود الذى تؤجل امرأته هو المفقود في الحرب أو في البحر أو يفقد من منزله، وأما من غاب عن أهله فلم يدر ما فعل فلا تؤجل امرأته * قال أبو محمد: اختلف السلف في اثنى عشر موضعا من هذه القضة وهى من المفقود والتأجيل. ومن متى يبدأ التأجيل. وكم التأجيل. وهل بعد التأجيل طلاق الولى. وهل بعد ذلك عدة الوفاة. وحكم تخيير الزوج ان قدم. وفيما ذا تخير. وعلى من غرم الصداق ان اختاره. واى صداق يكون. وهل يقسم ميراثه. وهل تعتق أمهات أولاده فاما من المفقود فان كل من روى عن هفي هذا شئ لم يفرق بنى أحوال الفقد وهم

[ 140 ]

عمر. وعثمان. وعلى. وابن مسعود. وابن عباس. وابن عمر، ومن التابعين الحسن. وخلاس بن عمرو. وابراهيم النخعي. والحكم بن عتيبة وعطاء والزهرى ومكحول والشعبى وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وقتادة وأبو الزناد وربيعة وحماد ابن أبى سليمان. وابن أبى ليلى. وابن شبرمة. وعثمان البتى. وسفيان الثوري. وهشيم والحسن بن حى. والاوزاعي. والليث وأبو حنيفة والشافعي. وداود وأصحابهم حاشا مالكا واحمد واسحاق فان مالكا قال الحكم في المفقود في الحرب ولا نعلم هذا عن أحد قبل مالك، وقال أحمد واسحاق ليس هذا الحكم فيمن خرج عن أهله ففقد. وأما التأجيل فان كل من ذكرنا روى التأجيل حاشا روايات عن على وابن مسعود ورواية عن الشعبى ورواية عن النخعي وحماد بن ابى سليمان وابن ابى ليلى وابن شبرمة وعثمان للبتى وسفيان الثوري والحسن بن حى وابى حنيفة والشافعي وداود واصحابهم، واما متى يبدأ التاجيل في قول من قال به فان اكثر من ذكرنا يرى مبدأه من حين يرفع امرها إلى الامام حاشا رواية ضعيفة عن عمر انه امرها باتمام اربع سنين من حين غاب، وقال بعضهم: تربص اربع سنين ولم يحدوا من حين تبدأ * وأما كم التأجيل فان من ذكرنا يراه أربع سنين الا سعيد بن المسيب ومالكا قال سعيد: أرى ان تؤجل امرأة من فقد في الصف سنة ومن فقد في غير الصف اربع سنين، وقال مالك ان كان عبدا أجلت له عامين ولا يعلم هذا عن أحد قبله، واما طلاق الولى بعد التاجيل فانه صح عن عمر بن الخطاب. وعلى بن ابى طالب والحسن. وعطاء، واما هل بعد ذلك عدة وفاه فانه قد ذكرنا عن عمرو عثمان. وعمر بن عبد العزيز تربص اربعة اعوام ثم تتزوج دون ذكر عدة وفاة، وصح عن عثمان وابن عباس وابن عمر وعلى والحس وعطاء وابى الزناد وربيعة انها تعتد ايضا عدة الوفاة وفي بعض تلك الروايات انها تعتد ايضا من الطلاق، واما تخيير الزوج إذا قدم فثابت عن عمر وعثمان وعلى ولم يرو عن صاحب رأى التأجيل خلاف ذلك وصح ايضا عن الحسن وخلاس وابراهيم وعطاء والحكم بن عتيبة والزهرى ومكحول والشعبى، وروينا عن كل من ذكرنا عنه تخيير الزوج انه يخير بين زوجته وبين الصداق الا رواية عن عمر صحيحة انه خيره بين زوجته وبين ان يزوجه من اخرى واختلف بعضهم فيمن يغرم الصداق ان اختاره الزوج فقال جمهور من ذكرنا: يغرمه الزوج الآخر وقال الزهري: تغرمه المراة. واختلفوا ايضا أي الصداق يقضى له به ان اختاره فقال جمهورهم: صداقه الذى كان اصدقها هو وقال خلاس بن

[ 141 ]

عمرو بل صداق الزوج الآخر، واختلفوا هل تعتق امهات أولاده فقال قتادة تعتق امهات اولاده إذا ابيح لزوجته الزواج وانما قضى بذلك في خلافة عثمان رضى الله عنه وقال بعضهم: لا يعتقن، واختلفوا في ميراثه هل يقسم فروينا ان في خلافة عثمان رضى الله عنه قسم ميراثه إذا أبيح لامرأته الزواج * قال أبو محمد: أما المالكيون. والحنيفيون. والشافعيون فانه تناقضوا ههنا أقبح تناقض فاما الشافعيون فقلدوا عمر في رواية لم تصح عنه قط في تأجيل امرأة العنين واخراجها عن عصمته بغير قرآن ولا سنة ثم خالفوا ههنا عمر وعثمان وعليا وابن عباس وابن عمر فيما صح عنهم من تأجيل امرأة المفقود وهذا عجب جدا وكذلك فعل الحنيفيون أيضا وقد ردوا تقليد ما لم يصح عن عمر في توريث المطلقة ثلاثا وهذا تلاعب بالدين وبالتحريم والتحليل، ولئن كان عمر هنا لك حجة انه ههنا لحجة وان لم يكن ههنا حجة فما هو هنا لك حجة، فان قالوا: قد خالفه على ههنا. قلنا وقد خالفه على في اجل العنين ولا فرق، وقد خالفه عبد الرحمن بن عوف. وعبد الله بن الزبير في توريث المبتوتة في المرض وكلا القولين موجب فسخ نكاح لم يوجب الله تعالى فسخه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما المالكيون فانهم خالفوا الثابت عن عمر من أنه أمر وليه بطلاقها وانه خير الزوج إذا أتى بينها وبين الصداق وقلدوه فيما لم يصح عنه قط من أن تعتد بعد ذلك عدة الوفاة، فان قالوا: قد صح ذلك. عن على وابن عباس وابن عمر قلنا: وقد صح عن عمر تخيير الزوج إذا جاء بينها وبين الصداق فمن أين وقع لكم تقليد بعض الصحابة في بعض هذه القضية بلا دليل أصلا لا من قرآن ولا من سنة ولا من قياس؟ ومخالفة بعضهم فيها نفسها وهذا تحكم في الدين بالباطل، فلا ندرى من أين وقع لهم تقليد بعض ما روى عن عمر دون سائر ما روى عنه بلا برهان أصلا؟ قال على: لا حجة في أحد دون الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ولا يحل تحريم فرج اباحه الله تعالى للزوج وتحليله لمن حرمه الله تعالى عليه من سائر الرجال بغير قرآن ولا سنة، وأما الصحابة رضى الله عنهم فقد فازوا وهم والله مأجورون في كل ما قالوه قاصدين به الحق وانما الشأن فيمن قال قولا في الدين لم يأت به قرآن ولا سنة، فإذا قيل له من أين قلته؟ قال لان عمر وعثمان قاله فإذا قيل لهم ففى هذه القضية نفسها لهما قول خالفتموه هو اصح عنهما من الذى زعمتم انكم احتججتم بهما فيه لجوا على تقليدهم اعراضا عن الحق بلا برهان أصلا *

[ 142 ]

قال أبو محمد: فإذ لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز فسخ نكاح أحد بمغيبة ولا ايجاب عدة ممن لم يصح موته ولا أن يطلق أحد عن غيره وبالله تعالى التوفيق، ومن العجب قول مالك ان جاء الزوج قبل أن تتزوج فهو أولى بها وهى امرأته كما كانت فيقال لمن قلده ومن أين قلت هذا وأنت قد قطعت عصمته منها وأبحت لها ان تنكح من شاءت وكيف تردها إلى أجنبي قد أبحت لها نكاح زوج سواه من أجل تأخيرها نكاحا قد أبحته لها عادت إلى زوج قد فسخت نكاحها منه؟ هذا مع أنه قول لا يحفظ عن أحد قبل مالك فاعجبوا لهذا الاختيار ثم يقال لهم: ومن أين قلتم في أحد قوليه أنه ان جاء الزوج وهى قد تزوجت فلا سبيل له إليها من أجل عقد قد كان لها مباحا إذ رددتها إليه بكل حال فقولوا لنا أي شئ أحدثه عقدها النكاح من تحريمها على زوجها ممن لم تحدثه اباحتك لها ذلك العقد فأجزت عقدها ثم قوله الثاني من أنه ان جاء الزوج وقد تزوجت الا أنه لم يدخل بها فهى زوجة الاول وان جاء بعد دخول الثاني بها فلا سبيل له عليها فقولوا لنا هل دخل الزوج الثاني على زوجته أو على أجنبية فان قالوا على زوجته قلنا فمن أين ابحتم فرج زوجته التى احللتم له الدخول بها لانسان قد فسختم نكاحه منها وحرمتموها عليه وعقد تم نكاحها مع غيره وان قالوا بل دخل على غير زوجته ومن أين استحللتم ان تبيحوا له وطئ غير زوجته فلاح يقينا انها أقوال فاسدة متخاذلة خطأ لا شك فيها، وقد قال بعضهم انما فعلنا ذلك بما روى عن عمر ذلك في أي كنف فقلنا هذا تمويه آخر وهلا فعل عمر ذلك في أي كنف الا إذا طلق امرأته وأعلمها بالطلاق ثم راجعها ولم يعلمها بالرجعة فمن الذى ادخل هذه القضية في تلك مع أن هذين القولين جميعا لا يحفظان عن احد من أهل العلم انه قاله قبل مالك ولا يجدونه أبدا فاعجبوا لفحش هذا التقليد إذ قلدوا قولا لا يعرف أحد قاله قبل مالك خالفوا فيه كل قول لصاحب أو تابع رأوا في تلك القصة التى أوهموا فيها انهم يحتجون ببعض الصحابة رضى الله عنهم وبالله تعالى التوفيق * بسم الله الرحمن الرحيم * وبالله توفيقي واليه متابى 1942 مسألة: ما يقع به فسخ النكاح بعد صحته * وهى ثمانية أوجه فقط أحدها أن تصير حريمة (1) برضاع وقد ذكرنا ذلك، والثانى أن يطأها أبوه أو جده بجهالة أو بقصد إلى الزنا وقد ذكرنا ذلك، والثالث أن يتم التعانة والتعانها، والرابع أن تكون أمة فتعتق فلها الخيار في فسخ نكاحها من زوجها أو ابقائه،


(1) في النسخة رقم 14 حريمته

[ 143 ]

والخامس اختلاف الدينين إلا في جهة واحدة وهى أن يسلم الزوج وهى كتابية فانهما يبقيان على نكاحهما وينقسم (1) اختلاف دينهما في غير الوجه الذى ذكرنا خمسة أقسام، احدها أن يسلم هو وهى كافرة غير كتابية، وثانيها أن تسلم هي وهو كافر كتابي أو غير كتابي فلو أسلما معا فهما على نكاحهما، وثالثها ان يرتد هو دونها، ورابعها أن ترتد هي دونه، وخامسها أن يرتدا معا ففى كل هذه الوجوه ينفسخ نكاحهما سواء أسلم أثر اسلامها أو اسلمت أثر اسلامه أو راجع الاسلام أو راجعت الاسلام أو راجعاه معا لا ترجع إليه في كل ذلك إلا برضاهما وبصداق وبولي واشهاد ولا يجب ان يراعى في ذلك شئ من عدة ولا عرض اسلام وقد أوضحنا كل هذا في كتاب الجهاد من ديواننا هذا والحمد لله وحده، والسادس أن يملكها أو بعضها، والسابع أن تملكه أو بعضه، والثامن موته أو موتها ولا خلاف في ذلك فلنذكر هنا ان شاء الله تعالى ما لم نذكره بعد وهو اللعان وتخيير المعتقة * (اللعان) 1943 مسالة: صفة اللعان هو ان من قذف امرأته بالزنا هكذا مطلقا أو بانسان سماه سواء كان قد دخل بها أو لم يدخل بها كانا مملوكين أو أحدهما مملوكا والآخر حرا أو مسلمين أو هو مسلم وهى كتابية أو كانا كتابيين أو كان محدودا في قذف أو في زنا أو هي كذلك أو كلاهما أو أحدهما أعمى أو كلاهما أو فاسقين أو أحدهما ادعى رؤية أو لم يدع فواجب على الحاكم أن يجمعهما في مجلسه طلبت هي ذلك أو لم تطلبه طلب هو ذلك أو لم يطلبه لا رأى لهما في ذلك ثم يسأله البينة على ما رماها به فان أتى ببينة عدول بذلك على ما ذكرنا في الشهادة بالزنا أقيم عليها الحد فان لم يأت بالبينة قيل له التعن فيقول بالله انى لمن الصادقين بالله انى لمن الصادقين بالله انى لمن الصادقين بالله انى لمن الصادقين، هكذا يكرر بالله انى لمن الصادقين أربع مرات ثم يأمر الحاكم من يضع يده على فيه ويقول له انها موجبة فان ابى فانه يقول وعلى لعنة الله ان كنت من الكاذبين فإذا اتم هذا الكلام سقط عنه الحد لها والذى رماها به فان لم يلتعن حد حد القذف فإذا التعن كما ذكرنا قيل لها ان التعنت والا حددت حد الزنا فتقول بالله انه لمن الكاذبين بالله انه لمن الكاذبين بالله انه لمن الكاذبين بالله انه لمن الكاذبين تكرر بالله انه لمن الكاذبين أربع مرات ثم تقول وعلى غضب الله ان كان لمن الصادقين ويأمر الحاكم من يوقفها عند الخامسة ويخبرها بأنها موجبة


(1) وفي النسخة رقم 16 وينفسخ باختلاف دينهما لعله خطا من النساخ

[ 144 ]

لغضب الله تعالى عليها فإذا قالت ذلك برئت من الحد وانفسخ نكاحها منه وحرمت عليه أبد الآبد لا تحل له اصلا لا بعد زوج ولا قبله ولا وان أكذب نفسه لكن أن أكذب نفسه حد فقط، وأما ما لم يتم (1) هو اللعان أو تتمه هي فهما على نكاحهما فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان لتوارثا ولا معنى لتفريق الحاكم بينهما أو لتركه لكن بتمام اللعان تقع الفرقة، فان كانت هي صغيرة أو مجنونة حد هو حد القذف ولابد ولا لعان فان كان هو مجنونا حين قذفها فلا حد ولا لعان ويتلاعن الاخرسان كما يقدران بالاشارة فان كانت المرأة الملاعنة حاملا فبتمام الالتعان منهما جميعا ينتفى عنه الحمل ذكره أو لم يذكره إلا أن يقر به فيلحقه ولاحد عليه في قذفه لها مع اقراره بأن حملها منه إذا التعن فلو صدقته هي فيما قذفها به وفي ان الحمل ليس منه حدث ولا ينتفى عنه ما ولدت بل هو لا حق به فان لم يلاعنها حتى وضعت حملها فله أن يلاعنها لدرء الحد عن نفسه، وأما ما وردت فلا ينتفى عنه بعد أصلا فلو طلقها وقذفها في عدتها منه لا عنها فلو قذفها وهى اجنبية حد ولا تلاعن ولا يضره امساكها ووطؤها بعد أن قذفها بل يلاعنها متى شاء وبالله تعالى التوفيق * 1944 مسألة: وأما قولنا ان كل زوج قذف امرأته فانه يلاعنها إذ ذكرنا صفة اللعان فلقول الله عزوجل: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) فلم يخص عزوجل حرا من عبد ولا أعمى من بصير ولا صالحا من فاسق ولا امرأة كافرة من مؤمنة ولا حرة من أمة ولا فاسقة من صالحة ولا محدودا من غير محدود ولا محدودة من غير محدودة (وما كان ربك نسيا) وقال أبو حنيفة: ان كان أحدهما مملوكا أو كافرا فلا لعان وهذا تحكم بالباطل وتخصيص القرآن برأيه الفاسد، فان قالوا قال الله تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) والعبد لا شهادة له قلنا: باطل ما قلتم بل شهادته كشهادة الحر وانتم لا تجيزون شهادة الاعمى ولا شهادة الفاسق وتوجبون اللعان لهما، وروينا عن الشعبى (2) لا يلاعن من لا شهادة له * قال أبو محمد: وهذه قضية فاسدة لا يصححها قرآن ولا سنة والله تعالى وان كان سماها شهادة فليست من سائر الشهادات التى يراعى فيها العدل من الفاسق لان تلك الشهادات لا يحلف فيها الشاهد بها وشهادات اللعان ايمان وسائر الشهادات لا يقبل في اكثرها إلا اثنان وشهادة اللعان انما هي من واحد وسائر الشهادات لا يقبل فيها


(1) وفي النسخة رقم 14 ما لم يتم اللعان باسقاط لفظ هو فالاولى اثباتها (2) وفي النسخة رقم 16 يلاعن

[ 145 ]

المرء لنفسه وشهادة اللعان انما هي لنفسه ليدرأ عنها الحد وليوجبه على المرأة فبطل أن يكون اللعان حكم سائر الشهادات، وأما قولنا: ان التعن سقط عنه الحد والا حدت هي فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث اللعان: " البينة والا حد في ظهرك " وقوله انه رماها بانسان بعينه فحدوا حد يسقط التلاعن فلما رويناه من طريق احمد بن شعيب انا عمران (1) بن يزيد الدمشقي نا مخلد بن الحسين الازدي نا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن انس بن مالك قال: أول لعان كان في الاسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء (2) بامرأته فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أربعة شهداء والا فحد في ظهرك يكرر ذلك مرارا فقال له هلال: والله يا رسول الله ان الله ليعلم انى لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهرى من الجلد فبينما هم كذلك إذ نزلت آية اللعان فدعا هلالا (فشهد أربع شهادات بالله انه لمن الصادقين والخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين) ثم دعيت المرأة فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين، فلما كان في الرابعة أو الخامسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفوها فانها موجبة فتلكات حتى ما شككنا أنها ستعترف ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على اليمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروها فان جاءت به ابيض (3) سبطا قضى (4) العينين فهو لهلال بن امية وان جاءت به آدم (5) جعدا (6) ربعا (7) حمش (8) الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ما سبق من كتاب الله لكان لى ولها شأن، وليس في الآية ما يزيده مالك وغيره في اليمين من قول الذى لا إله إلا هو ولا غير ذلك ولا فرق بين هذه الزيادة وبين أن يزيد خالق السموات والارض الذى رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها وما أشبه ذلك من الثناء على الله عزوجل الذى من قاله أجر ومن تركه في يمينه لم يحرج، وانما يقضى على الناس بما أمر به الله لا بما لا يلزم في ذلك الوقت وان كان اجرا، وقوله عزوجل: (ويدرأ عنها العذاب ان تشهد اربع شهادات بالله) فان فيه اشارة إلى عذاب معلوم لانه بألف التعريف ولامه ولا نعلم عذابا في الزنا الا الحد، وأما السجن كما قال أبو حنيفة واصحابه فلا، ومن


(1) وفي النسخة رقم 16 عمرو بن يزيد 2 وفي النسخة رقم 14 السحماء 3 سبط بكسر السين وسكون الباء ممتد الاعضاء نام الخلق 2 قضئ العينين فاسدها 4 آدم شديد السمرة 5 الجعد في صفات الرجال يكون مدحا وذما فالمدح معناه شديد الاسر والخلق أو جعد الشعر ضد السبط. الذم معناه القصير المتردد الخلق وقد يطلق على البخيل ايضا ولعله صلى الله عليه وسلم أراد المدح 6 ربعا متوسط القامة 7 حمش الساقين دقيقهما (م 19 - ج 10 المحلى)

[ 146 ]

طريق احمد بن شعيب انا على بن ميمون الرقى عن سفيان عن عاصم بن كليب عن ابيه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر المتلاعنين باللعان أمر رجلا أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال: انها موجبة، ولا معنى لزيادة من زاد في يمين المتلاعنين أن يقول: هو انى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا وأن تقول هي: إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا لان الله تعالى كفانا بما أمرنا به في القرآن عن تكلف هذه الزيادة (وما كان ربك نسيا) وكل رأى زادنا شيئا في الدين لم يأت به أمر الله تعالى فنحن نرغب عن ذلك الرأى ونقذفه في الحش (1) لانه شرع في الدين لم يأذن به الله عزوجل، فان قالوا ربما نوى انه لمن الصادقين في شهادته بالتوحيد ونوت هي انه لمن الكاذبين في قصة أخرى: قلنا هبك أنهما نويا ذلك فوالله ما ينتفعان بذلك وان يمينهما بما أمر الله تعالى في مجاهرة أحدهما فيه بالباطل موجب عليه اللعنة وعليها الغضب نويا ما قلتم أو لم ينويا ولا يموه على علام الغيوب بمثل هذا * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا همام بن يحيى نا أيوب السختيانى ان سعيد بن جبير حدثه عن ابن عمر قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين أخوى بنى العجلان * ومن طريق أبى داود والبخاري قال أبو داود: نا احمد بن حنبل وقال البخاري: نا على بن عبد الله قالا جميعا نا سفيان - هو ابن عيينة - أنه سمع عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يقول سمعت ابن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين " حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها " * قال أبو محمد: قد رويته عن سفيان قال سفيان حفظته من عمرو بن دينار: فتفريق رسول الله صلى الله عليه وسلم يغنى عن تفريق كل حاكم بعده، وقوله عليه الصلاة والسلام " لا سبيل لك عليها " منع من ان يجتمعا أبدا بكل وجه ولم يقل عليه الصلاة والسلام ذلك بنص الخبر الا بعد تمام التعانهما جميعا فلا يقع التفريق الا حينئذ، وقد روينا ان المصعب بن الزبير لم يوجب التفريق بين المتلاعنين وهو قول عثمان البتى، وقال أبو حنيفة لا يقع التفريق بتمام اللعان الا حتى يفرق بينهما الحاكم وإذا فرق الحاكم بينهما فهى طلقة بائنة فكان هذا عجبا ونقول لهم فان أبى الحاكم من التفريق أيبقيان على زوجيتهما هيهات حاكم الحكماء قد فرق فتفريق من بعده أو تركه التفريق ونبيب (2) تيس في الحزن (3) سواء وقال الشافعي بتمام التعان الرجل يقع التفريق وينتفى الولد وهذه ايضا دعوى بلا برهان وقال مالك


(1) الحش بفتح الحاء الكنيف وموضع قضاء الحاجة (2) نبيب التيس صوته (3) الحزن بفتح الحاء وسكون الزاي ما غلظ من الارض

[ 147 ]

كما قلنا وهو قول الاوزاعي والليث: وأما قولنا ان كانت صغيرة أو مجنونة حد للقذف ولا لعان في ذلك لان الصغيرة والمجنونة لا يكون منهما زنا أصلا لان الزنا معصية لله عزوجل وهاتان لا تقع منهما معصية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث " كر الصغير حتى يبلغ. والمجنون حتى يفيق، وإذا وجب الحد حيث لا يوقن بكذبه فاسقاطه عن القاذف حين يوقن بكذبه خطأ والحد بنص القرآن واجب على كل من رمى منا بالزنا، وأما الاخرس فان الله عزوجل يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وليس في وسعه الكلام فلا يجوز ان يكلف اياه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم " فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله تعالى به ما استطاع والاخرس يستطيع الافهام بالاشارة فعليه أن يأتي بها، وكذلك من لا يحسن العربية يلتعن بلغته بالفاظ يعبر بها عما نص الله تعالى عليه والعجب من زيادات أبى حنيفة برأيه زيادات في غاية السخف على ما في آية اللعان وهو يرد أو امر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعماله كالمسح على العمامة واليمين مع الشاهد وغير ذلك بانها زيادة على ما في القرآن فاى ضلال يفوق هذا، وأما قولنا انه بتمام التعانه والتعانها ينتفى عنه لحاق حملها الا أن يقربه وسواء ذكره أو لم يذكره إذا انتفى عنه قبل ذلك فلما رويناه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال " ان النبي صلى الله عليه وسلم لا عن بين رجل وامرأته فانتفى عن ولده ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة " * ومن طريق مسلم حدثنى حرمله ابن يحيى أنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سهل بن سعد قال: ان عويمرا العجلاجنى فذكر حديث اللعان وفيه " فكانت حاملا فكان الولد إلى أمه "، وأما قولنا: انه لم يلاعنها حتى ولدت لاعن لاسقاط الحد فقط ولا ينتفى ولدها منه فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الولد لصاحب الفراش، فصح أن كل من ولد على فراشه ولد فهو ولده الا حيث نفاه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: أو حيث يوقن بلا شك انه ليس هو ولده ولم ينفه عليه الصلاة والسلام الا وهى حامل باللعان فقط فيبقى ما عدا ذلك على لحاق النسب ولذلك قلنا ان صدقته في أن الحمل ليس منه فان تصديقها له لا يلتفت إليه لان الله تعالى يقول: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فوجب ان اقرار الابوين لا يصدق على نفى الولد فيكون كسبا على غيرهما وانما نفى الله عزوجل الولد ان كذبته الام والتعنت هي والزوج فقط فلا ينتفى في غير هذا الموضع، والعجب كله ان المخالفين لنا ههنا يقولون ان اتفقا جميعا على ان الحمل من غيره أو على أن الولد من غيره لم يصدقا ولم ينفه الا بلعان فليت شعرى من أين وقع لهم هذا إذا ألغوا تصديقهما

[ 148 ]

فلم ينفوا نسبه الا بلعان فإذ لا معنى لتصديقهما له فلا يجوز اللعان الا حيث حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيث أمر الله تعالى به في القرآن وهو إذا رماها بالزنا فقط وبالله تعالى التوفيق، واما إذا قذفها وهى في عدتها من طلاق رجعى منه أنه يلاعنها متى رفع الامر للامام ولو أنها عند زوج آخر فلانه قذفها وهى زوجة له والله تعالى يقول: (والذين يرمون أزواجهم) فانما يراعى الرمى بنص القرآن فان كان لزوجة لاعن ابدا إذ لم يحد الله تعالى للعان وقتا لا يتعداه، وان كان الرمى في عدة من طلاق ثلاث أو وهى غير زوجة له ثم تزوجها فالحد ولابد ولا لعان في ذلك لانه لم يرم زوجة له انما رمى زوجة اجنبية فالحد بنص القرآن وأما قولنا ولا يضره امساكه اياها بعد رميه لها أو بعد اقراره بأنها زنت يقينا وعلم بذلك ولا يضره وطؤه لها فلان الله عزوجل لم يذكر ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فهو شرط فاسد وشرع لم يأذن الله تعالى به * 1945 مسألة: فان تزوج رجلان بجهالة امرأة في طهر واحد أو ابتاع احدهما امة من الآخر فوطئها وكان الاول قد وطئها أيضا ولم يعرف أيهما الاول ولا تاريخ النكاحين أو الملكين فظهر بها حمل فأتت بولد فانه ان تداعياه جميعا فانه يقرع بينهما فيه فأيهما خرجت قرعته الحق به الولد وقضى عليه لخصمه بحصته من الدية ان كان واحدا فنصف الدية وان كان ثلاثة فلهما ثلثا الدية وان كانوا اربعة فثلاثة أو باع الدية وهكذا الحكم فما زاد سواء كان المتداعيان اجنبيين أو قريبين أو أبا وابنا أو حرا وعبدا فان كان احدهما مسلما والآخر كافرا ألحق بالمسلم ولابد بلا قرعة فان تدافعاه جميعا أو لم ينكراه ولا تداعياه فانه يدعى له بالقافة (1) فان شهد منهم واحد عالم عدل فاكثر من واحد بأنه ولد هذا ألحق به نسبه فان الحقه واحد أو اكثر باثنين فصاعدا طرح كلامهم وطلب غيرهم ولا يجوز ان يكون ولد واحد ابن رجلين ولا ابن امرأتين وكذلك ان تداعت امرأتان فاكثر ولدا فان كان في يد احداهما فهو لها (2) وان كان في أيديهن كلهن أو لم يتداعياه ولا انكرتاه أو تدافعتاه دعى له القافة كما قلنا * برهان ذلك ما رويناه من طريق الليث ابن سعد. عن ابن شهاب. عن عروة بن الزبير. عن عائشة أم المؤمنين قالت: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: الم ترى ان مجززا نظر إلى زيد بن حارثة وأسامه بن زيد فقال: ان بعض هذه الاقدام لمن


(1) القافة الجماعة الذين يعرفون الشبه والاثر (2) وفي النسخة رقم 14 فهو ابنها

[ 149 ]

بعض، ومن طريق أحمد بن شعيب. أرنا اسحاق بن ابن اهيم - وهو ابن راهويه - نا سفيان - هو ابن عيينة - عن الزهري عن عروة. عن عائشة أم المؤمنين قالت: " دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا فقال: يا عائشة ألم ترى أن مجززا (1) المدلجى دخل على وعندي أسامة بن زيد فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة وقد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما فقال: هذه أقدام بعضها من بعض " * ومن طريق مسلم نا منصور بن أبى مزاحم نا ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت: " دخل قائف ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد واسامة ابن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان فقال: ان هذه الاقدام بعضها من بعض فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأعجبه " * ومن طريق ابى داود نا عمرو بن عثمان الحمصى نا الوليد - هو ابن مسلم - عن الاوزاعي. عن يحيى بن أبى كثير. عن أبى قلابة عن أنس بن مالك فذكر حديث العرنيين وقتلهم الرعاء وأخذهم ابل النبي صلى الله عليه وسلم قال أنس فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قافة في طلبهم فاتى بهم وذكر الحديث، فصح ان القيافة علم صحيح يجب القضاء به في الانساب والآثار، روينا من طريق عبد الرزاق. عن معمر. عن الزهري في رجل وقع على امرأة لعبده وهى أمته قال فدعى لهما القافة: فان عروة ابن الزبير أخبرني أن عمر بن الخطاب دعى القافة في رجلين اشتركا في الوقوع على امرأة في طهر واحد وادعيا ولدها فالحقه بأحدهما، قال الزهري: أخذ عمر ابن الخطاب ومن بعده بنظر القافة في مثل هذا، ومن طريق عبد الرزاق. عن معمر عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: اختصم إلى أبى موسى الاشعري في ولد (2) ادعاه دهقان. ورجل من العرب فدعا القافة فنظروا إليه فقالوا للعربي: أنت أحب الينا من هذا العلج ولكن ليس بابنك فخل عنه فانه ابنه * ثنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أبو أحمد الزبيري نا سفيان الثوري. عن عبد الكريم الجزرى. عن زياد بن ابى زياد قال انتفى ابن عباس من ولد له فدعاله (3) ابن كلدة القائف فقال له أما انه ولده فادعاه ابن عباس * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج نا يحيى بن سعيد القطان (4) وأبو الزناد كلاهما عن سعيد بن المسيب قال: ان كان له ولد فليدع له بالقافة، وبه يقول قتادة. وغيره. ومالك. والشافعي. وجمهور أصحابنا الا ان مالكا


(1) وفي النسخة رقم 16 إلى مجرز وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 16 في رجل والاولى في ولد (3) وفي النسخة رقم 14 فدعا به (4) وفي النسخة رقم 16 الانصاري

[ 150 ]

قال: لا يحكم بقول القافة الا في ولد أمة لا في ولد حرة وهذا خطأ لان الاثر الذى أوردنا آنفا من قول مجزز المدلجى في أسامة بن زيد رضى الله عنهما الذى هو عمدة مالك وعمدتنا في الحكم بالقافة انما جاء في ابن حرة لا في ابن أمة، ولم ير أبو حنيفة ولا أصحابه الحكم بالقافة، واحتجوا في ذلك بانه حكم بالظن وهم يشرعون الشرائع ويبطلون أحكام الله تعالى وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم بالقياس الذى يقرون بانه ظن وقد كذبوا ما حكم القافة بظن بل بعلم صحيح يتعلمه من طلبه وعنى به وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بالظن ثم مع هذا كله يحكمون بجهل ابى حنيفة إذ يلحق الولد بامرأتين يجعل كل واحدة منهما أمه التى ولدته ويورثه منهما ميراث الابن من الام ويورثهما منه ميراث الام من الولد ويحرم عليه اخواتهما جميعا فهذا هو الرعونة حقا والجهل الاعمى لا ما سر به رسول الله صلى الله عليه آله وسلم وحكم به الصحابة رضى الله عنهم، ولا يخرج عن حكم القافة شئ الا موضع واحد وهو الرجلان فصاعدا يتداعيان الولد فان ههنا ان لم تكن بينة ولا عرف لايهما كان الفراش والا اقرع بينهما كما ذكرنا لما روينا من طريق عبد الله أو عن سفيان الثوري. عن صالح بن حى. عن عبد خير الحضرمي عن زيد بن أرقم قال: كان على باليمن فاتى بامرأة وطئها ثلاثة في طهر واحد فسأل اثنين أتقران لهذا بالولد فلم يقرا ثم سال اثنين اتقران لهذا بالولد فلم يقرا ثم سأل اثنين حتى فرغ فاقرع بينهم فالزم الولد للذى خرجت له القرعة وجعل عليه ثلثى الدية فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه * قال أبو محمد: لا يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن ينكر ما يرى أو يسمع مالا يجوز البتة الا أن يكون سرورا به وهو عليه الصلاة والسلام لا يسر الا بالحق ولا يجوز أن يسمع باطلا فيقره وهذا خبر مستقيم السند نقلته كلهم ثقات والحجة به قائمة ولا يصح خلافه البتة فان قيل: انه خبر اضطرب في اسناده فارسله شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبى عن مجهول ورواه أبو إسحاق عن رجل من حضرموت عن زيد بن ارقم قلنا: هذا العجب فكان ماذا قد وصله سفيان وليس هو دون شعبة عن صالح بن حى وهو ثقة عن عبد خير وهو ثقة عن زيد بن ارقم وان من يتعلل بهذا ثم يرد السنة برواية شيخ من بنى كنانة ان هذا لعظيم المجاهرة وقد كان ينبغى أن يردعه الحياء عن الرضى به لا سيما أبا حنيفة وأصحابه القائلين ان ادعى الولد اثنان وهو في ايديهما فهو ابنهما يرثانه ويرثهما ثم اختلفوا فافتضحوا في اخلاتفهم كما افتضحوا في اتفاقهم في ولد ادعاه ثلاثة نفر فصاعدا فقال أبو حنيفة: هو ابنهم كلهم ولو كانوا ألفا وقال محمد:

[ 151 ]

ابن الحسن يكون ابن ثلاثة ولا يكون ابن اكثر، وقال أبو يوسف: لا يكون إلا ابن اثنين فقط لا ابن أكثر فهذا هو الفحش والسخام والضلال لا اتباع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموهوا في الحاقهم الولد باثنين برواية ساقطة عن عمر لانها مرسلة من طريق سعيد بن المسيب عن عمر ولم يحفظ سعيد عن عمر شيئا الانعى النعمان بن مقرن على المنبر مع ان فيها أنه حكم مع القافة بذلك، ومن طريق ابراهيم النخعي عن عمر ولم يدركه اصلا، ومن طريق ابن سيرين عن عمر أنه توقف فيه ورواية عن على فيها قالوس بن أبى ظبيان وهو ضعيف، وفيها أنه (1) للثاني منكما، والثابت (2) عن عمر في ذلك مارويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: ان رجلين ادعيا ولدا فدعا عمر القافة واقتدى في ذلك ببصر القافة وألحقه بأحد الرجلين وعروة قد اعتمر مع عمر، ورواية أخرى من طريق حماد ابن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال هشام: وسمعته يحدث أبى قال: ان رجلين وقعا بامرأة في الجاهلية فولدت غلاما فلما كان عمر ادعياه جميعا فدعا عمر رجلا من بنى كعب فقال: انظر فاستبطن واستظهر فقال والذى اكرمك بالخلافة لقد اشترك فيه جميعا فضربه عمر بالدرة حتى اضطجع وقال له عمر لقد ذهب بك النظر إلى غير مذهب ثم دعا عمر بالمرأة فسألها فقالت هذا كان يطأنى فإذا كان يطأنى حماني من الناس حتى إذا استمر بى الحمل خلابى (3) فاهرقت دما كثيرا فجاءني هذا فوطئني فلا أدرى من أيهما هو فقال الكعبي: الله أكبر شركاء فيه ورب الكعبة فقال عمر: أما انا فقد رأيت ثم قال للغلام اختر أيهما شئت قال يحيى بن عبد الرحمن: فلقد رأيت حين سفع احدهما بيد الغلام ثم ذهب به ورواية من طريق شعبة عن توبة العنبري عن الشعبى عن ابن عمر قال اشترك رجلان في طهر امرأة فولدت غلاما (4) فدعا عمر بالقافة فقالوا قد أخذ الشبه منهما جميعا فجعله عمر بينهما * قال أبو محمد: توبة العنبري ضعيف متفق على ضعفه، ثم هذا كله بخلاف قولهم لانه حكم بالقافة وقول ابن عمر جعله بينهما ليس فيه انه ألحقه بنسبهما لكن الظاهر من قوله جعله بينهما أي وقفه بينهما حتى يلوح له فيه وجه الحكم لا يجوز أن يظن بعمر غير هذا وما نعرف الحاق الولد باثنين عن أحد من المتقدمين إلا عن ابراهيم


(1) وفي النسخة رقم 14 للباقي ولعله غلط (2) وفي النسخة رقم 14 والثالث وهو غلط (3) وفي النسخة رقم 14 خلانى (4) وفي النسخة رقم 4 اسقاط لفظ غلام

[ 152 ]

النخعي ولا حجة في احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والثابت عنه عليه الصلاة والسلام يكذب جواز كون ولد من منى أبوين، وهو الذي رويناه من طريق مسلم نا أبو بكر ابن أبى شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير كل واحد منهما يقول نا أبو معاوية - هو الضرير - ووكيع قالا جميعا: نا الاعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود نا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح " وذكر الحديث فصح يقينا أن ابتداء العدد من حين وقوع النطفة وبلا شك أن الدقيقة التى تقع فيها النطفة في الرحم هي غير الدقيقة التى يقع فيها منى الواطئ الثاني فلو جاز ان يجمع الماءان فيصير منهما ولد واحد لكان العدد مكذوبا فيه لانه ان عد من حين وقوعه النطفة الاولى فهو للاول وحده فلو استضاف إليه الثاني لابتدأ العدد من حين حلول المنى الثاني فكان يكون في بعض الاربعين يوما نقص وزيادة بلا شك وهم أولى بالكذب وأهله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق، والعجب انهم قالوا لم يحكم أبو حنيفة بأن الولد يكون ابن امرأتين محققا أن كل واحدة منهما ولدته لكن أوجب لكل. واحدة منهما حق الاومة فقلنا: وهذا جور وظلم وباطل بلا شك أن يوجب لغير أم حكمه أم بلا نص قرآن ولا سنة ولا قول أحد من خلق الله تعالى قبله إلا الرأى الفاسد ونسأل الله العافية، وأما قولنا ان تداعى في الولد مسلم وكافر ألحق بالمسلم فلقول الله عزوجل: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) والثابت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة) ورويناه أيضا على الملة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يشركانه، فلا يجوز أن ينقل عما ولد عليه من الفطرة التى ولد عليها إلا بيقين كون الفراش لكافر بلا اشكال وبالله تعالى التوفيق * 1946 مسألة: وإذا كانت مملوكة لها زوج عبد أو حر ولو انه قرشي فاعتقت في واجب أو تطوع أو بتمام اداء مكاتبتها أو بأى وجه عتقت فانها تخير فان اختارت فراقه فلها ذلك وان اختارت أن تقر عنده فلها ذلك وقد بطل خيارها وعليها العدة في اختيارها فراقه كعدة الطلاق وليس في شئ من وجوه الفسخ عدة اصلا الا في هذا المكان وعدة الوفاة في موت الزوج فقط فان ارادا جميعا ان يتناكحا لم يجز إلا برضاهما وباشهاد وصداق وولى وله ذلك في عدتها وليس ذلك لغيره حتى تتم عدتها ولا يسقط خيارها إذا اعتقت طول بقائها معه ولا وطؤها لها برضاها أو بغير رضاها ولا

[ 153 ]

عليها بأن الخيار لها فإذا أوقفت فلابد لها من أن تختار فراقه أو البقاء معه ولا تترك تتأنى في ذلك اصلا، برهان ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخييره بريرة إذ أعتقتها عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها * وفي سائر ما ذكرنا خلاف قال قوم انها تخير تحت العبد ولا تخير تحت الحر، وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ان اعتقت تحت حر فلا خيار لها، وصح عن الحسن، والزهرى، وأبى قلابة. وعطاء وصفية بنت ابى عبيد. وعروة بن الزبير وينسب قوم ذلك إلى ابن عباس ولا نعلم هذا عنه، وهو قول ابن ابى ليلى. والاوزاعي. ومالك. والليث. والشافعي. وابى ثور. واحمد بن حنبل. واسحاق بن راهويه. وابى سليمان. وجميع أصحابهم، وقالت طائفة كقولنا كما روينا من طريق ابى داود نا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن الاسود بن يزيد عن عائشة أم المؤمنين قالت: " ان زوج بريرة كان حرا حين أعتقت وخيرت فقالت: ما أحب أن أكون معه وأن لى كذا وكذا " ومن طريق احمد بن شعيب نا عمرو بن على نا الثقفى - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - نا عبيدالله بن عمر مذ ستون سنة عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن بريرة انها قالت كانت في ثلاث سنن. فذكرت الحديث وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة اشتريها واشترطي لهم الولاء فانما الولاء لمن اعتق فاعتقتني فكان لى الخيار * قال أبو محمد: فعمت بريرة ولم تخص تحت عبد من حر، ومن طريق سعيد ابن منصورنا هشيم أنا ابن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يجعل لها الخيار على الحر، وبه يقول هشيم، ومن طريق الحجاج بن المنهال. نا يزيد بن زريع نا خالد الحذاء عن أبى قلابة قال قال عمر بن الخطاب: " إذا أعتقت الامة فلها الخيار ما لم يطاها زوجها " فعم عمر ولم يخص عبدا من حر، ومن طريق حماد بن سلمة. عن حماد بن أبن سليمان. عن ابراهيم النخعي أنه قال في الامة تعتق تحت زوج: فهى عليه بالخيار حرا كان أو عبدا ولو أنه هشام بن عبد الملك، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة. عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه في الامة تعتق تحت زوج أنها تخير ولو كانت تحت قرشي، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عاصم عن الشعبى قال: " إذا اعتقت تحت حر فلها الخيار " * ومن طريق معمر عن أيوب السختياني عن ابن سيرين إذا اعتقت عند حر فلها الخيار * ومن طريق عبد الرزاق. عن ابراهيم بن يزيد. عن عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب قال: كان زوج بريرة حرا: ومن طريق عبد الرزاق. عن أبن جريح. عن حسين بن مسلم قال: إذا (م 20 - ج 10 المحلى)

[ 154 ]

اعتقت عند حر فلها الخيار * قال أبو محمد: واحتج من لم يوجب لها الخيار الا تحت العبد بما روينا من طريق البخاري نا قتيبة بن سعيد نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى عن أيوب السختيانى عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان زوج بريرة أسود يقال له مغيث عبد النبي فلان كأنى أنظر إليه وذكر باقى الخبر * نا يوسف بن عبد الله النمري نا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن نو وضاح نا يوسف بن عدى نا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن أيوب السختيانى. وقتادة كلاهما. عن عكرمة. عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا حين أعتقت، ومن طريق أبى داود. نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير. عن هشام بن عروبة. عن أبيه. عن عائشة أم المؤمنين في قصة بريرة وكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها ولو كان حرا لم يخيرها * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - انا المغيرة بن سلمة نا وهيب عن عبيدالله بن عمر عن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت: " كان زوج بريرة عبدا " * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا حماد بن مسعدة نا ابن موهب عن القاسم بن محمد قال كان لعائشة أم المؤمنين غلام وجارية قالت فاردت أن أعتقهما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ابتدى بالغلام قبل الجارية * ومن طريق احمد بن شعيب انا احمد بن عبد الواحد نا مروان نا الليث نا عبيدالله بن ابى جعفر عن الحسن بن عمرو بن أمية الضمرى أنه حدثه أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهى بالخيار ما لم يطأها زوجها " * وقالوا من طريق النظر كل عقد نكاح صحيح فلا يجوز فسخه إلا بيقين، وقال أصحاب القياس منهم انما جعل لها الخيار لفضل الحرية على الرق فإذا ساواها فلا خيار لها هذا كل ما احتجوا به * قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم فيه أما الآثار بأنه كان عبدا فقد اختلف في ذلك عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها كما أوردنا وانما روى هذا الخبر عنها ثلاثة الاسود. وعروبة. والقاسم فأما الاسود فلم يختلف عنه عن أم المؤمنين أنه كان حرا، وأما عروة فروى عنه كما أوردنا انه كان عبدا وقد روى عنه ايضا خلاف ذلك * نا احمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن اصبغ نا احمد بن يزيد المعلم نا موسى بن معاوية نا جرير عن هشام بن عروبة عن ابيه عن عائشة أم المؤمنين،

[ 155 ]

قالت: كان زوج بريرة حرا فتعارضت الرواية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين، وأما القاسم بن محمد فروينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن اسماعيل بن علية نا يحيى بن أبى بكير أنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة فذكرت ان زوج بريرة كان عبدا ثم قال عبد الرحمن بعد ذلك ما أدرى (1) فاضطربت الرواية عن أم المؤمنين وبقيت رواية ابن عباس أنه كان عبدا حين اعتقت وقد عارضتها الرواية عن أم المؤمنين أنه كان حرا حين اعتقت فتركنا الكلام في ذلك حتى تتكلم في حديث عبيدالله بن أبى جعفر. وحديث ابن موهب عن القاسم بن محمد ان شاء الله عزوجل * قال أبو محمد: أما الخبر الذى فيه أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهى بالخيار ما لم يطأها زوجها فانما هو من طريق حسن بن عمرو بن أمية وهو مجهول لا يعرف فسقط التعلق به، ثم لو صح لما كان فيه حجة ان لا تخير تحت حر انما فيه حكم عتقها تحت العبد فقط وسكت فيه عن عتقها تحت الحر فان صح في خبر آخر ما يوجب عتقها (2) تحت الحر وجب المصير إليه، وأما حديث ابن موهب عن القاسم بن محمد عن عائشة انه كان لها عبد جارية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبدأ في العتق بالغلام قبل الجارية فانه خبر لا يصح، ورينا عن العقيلى انه قال وقد ذكر هذا الخبر فقال: هذا خبر لا يعرف إلا لعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وهو ضعيف فسقط التعلق به * قال أبو محمد: ثم لو صح لما كان فيه حجة لانه ليس فيه انهما كانا زوجين فاقحام القول بالدعوى كذب، ثم لو صح انهما كانا زوجين فليس فيه أنه عليه الصلاة والسلام أمر بذلك ليسقط خيار الزوجة واقحام هذا في ذلك الخبر كذبة بائنة وهذا عظيم لا يستجزيه من يهاب الكذب لا سيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه يوجب النار، وقد يمكن لو صح الخبر أن يكون أمرها أن تبدأ بعتق العبد لقول الله عزوجل: (وللرجال عليهن درجة) ولقوله تعالى حاكيا عن أم مريم: (وليس الذكر كالانثى) وللخبر الذى رويناه من طريق ابى داود عن حفص بن عمر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن ابى الجعد عن شرحبيل بن السمط انه قال لكعب ابن مرة أو مرة بن كعب حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر


(1) وفي النسخة رقم 14 ما أدرى ما أدرى بالتكرار (2) وفي النسخة رقم 16 وتخييرها والصواب عتقها لان السياق يقتضيه

[ 156 ]

كلاما وفيه " أيما امرئ اعتق مسلما وأيما امرأة اعتقت امرأة وأيما رجل اعتق امرأتين مسلمتين الا كانت فكاكة من النار يجزى بكل عظم (1) منها عظما من عظامه " فالاجر في عتق الذكر مضاعف فسقط هذا الخبر جملة ونحن نوقن بلا شك انه عليه الصلاة والسلام لا يتحيل في اسقاط حق أوجبه ربه تعالى للمعتقة فبطل تعلقهم به بيقين لا اشكال فيه، واما قولهم لا يحل فسخ عقد نكاح صحيح الا بيقين فصدقوا ولولا اليقين ما قلنا به، واما قول اصحاب القياس انما جعل لها الخيار تحت العبد لفضل الحرية على الرق فهذه دعوى كاذبة لا يجدونها ابدا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعوذ بالله من الاقدام على ان ننسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى الله تعالى انه انما فعل امر كذا من اجل امر كذا مما لم يخبر الله تعالى به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم الا ان هذا لهو الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بلا شك (2) ونسأل الله العافية * قال أبو محمد: فلم يبق الا تعارض الرواية عن ابن عباس كان زوج بريرة عبدا إذا أعتقت للرواية عن أم المؤمنين " كان زوج بريرة حرا إذ اعتقت " وكلا الروايتين صحيحة لا سيما رواية الاسود عن عائشة أم المؤمنين وتعارض الرواية عن عروة في ذلك وكل ذلك معارض لرواية القاسم فوجدنا كل ذلك متفقا لا تكاذب فيه وما دام يمكن تأليف روايات الثقات فلا يحل أن ينسب الكذب إلى بعضهم أو الوهم، فاعلموا أن من قال كان عبدا ومن قال كان حرا يصح على انه كان عبدا قبل ثم أعتق فصار حرا الا انه لا يخرج هذا في الرواية عن ابن عباس انه كان عبدا حين اعتقت لكنه يخرج على أنه كان يدريه عبدا أو لم يعلم بحريته، وروت عائشة رضى الله عنها ما كان في علمها من الزيادة أنه كان حرا حين أعتقت وليس في رواية عثمان بن أبى شيبة ولو كان حرا ما خيرها انه من كلام أم المؤمنين وقد يمكن ان يكون من قول من دونها فإذ ذلك كذلك فلا يجوز ان ينسب إليها قول بظن ولا يختلف مالكى ولا شافعي. ولا حنبلي. ولا ظاهري في أن عدلين لو شهدا بان هذا نعرفه عبدا مملوكا وشهد عدلان آخران اننا ندريه حرا فان الحكم يجب بقول من شهد بالحرية لانه شهد بفضل علم كان عنده ثم ندع هذا كله فنقول: هبكم أنه لم يرو أحد أنه كان حرا بل لم يختلف (3) الرواه في أنه كان عبدا حين أعتقت هل جاء قط في شئ من الاخبار الثابتة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انما خيرتها لانها تحت عبد ولو كان زوجها حرا ما خيرتها هذا أمر لا يجدونه ابدا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في النسخة رقم 14 عظمين (2) وفي النسخة رقم 14 اسقاطه (3) وفي النسخة رقم 14 لم تختلف الرواية

[ 157 ]

لا في رواية صحيحة ولا سقيمة فإذ لا سبيل إلى وجود هذا أبدا فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام لما أعتقت بريرة خيرها في البقاء مع زوجها أو فراقه فهذا لا شك فيه فلا يجوز تعديه ولا زيادة حكم فيه، ولا فرق بين من ادعى أنه عليه الصلاة والسلام انما خيرها لانه كان عبدا وبين آخر ادعى أنه لم يخيرها الا لانه كان اسود وبين ثالث ادعى أن تخييرها انما كان لان اسمه مغيث، وكل هذه ظنون كاذبة لا يحل القول بها ولا الحكم بها وانما الحق أن المعتقة خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين فراق زوجها والبقاء معه ولا مزيد فواجب ان تخير كل معتقة ولا مزيد وبالله تعالى التوفيق، ومما اختلف فيه هل ينقطع خيارها بوطئ زوجها لها أم لا؟ فروينا من طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن أبى قلابة أن عمر بن الخطاب قال في أمر بريرة ان غشيها زوجها فلا خيار لها وهذا منقطع، ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن سليمان بن يسار قال: أعتقت حفصة أم المؤمنين جارية يقال لها زبراء ثم قالت لها اعلمي أنه ان وطئك فلا خيار لك، وبه كان يقول سليمان بن يسار، وصح عن قتادة والزهرى ونافع مولى ابن عمر، وذهب آخرون إلى أنها ان وطئها وهى لا تعلم أن لها الخيار لم يسقط بذلك خيارها وان علمت فقد سقط خيارها، روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبى قلابة أن عمر بن الخطاب قال إذا جامعها بعد أن تعلم أن لها الخيار فلا خيار لها وهذا منقطع * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرت عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن ابن عمر قال ان أصابها وقد عرفت فليس لها خيار وان أصابها ولم تعرف فان لها الخيار إذا علمت وان اصابها ألف مرة حتى يشهد العدول أنها قد علمت أن لها الخيار وهذا منقطع، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج اخبرت عن ابن مسعود أنه قال: ان أعتقت عند عبد ولم تعلم أن لها الخيار أو لم تخير حتى عتق زوجها أو يموت أو تموت توارثا، وهذا شديد الانقطاع وبه يقول سعيد بن المسيب، وقول آخر وآخر في درجة، روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال إذا أعتقت وزوجها معها في مجلس وهى تعلم حتى تقوم فلا خيار لها فان ادعت أنها لم تعلم استحلفت ثم خيرت قال سفيان وبه يقول ناس ان لها الخيار ابدا حتى يقفها الامام فيخيرها بلغني هذا عنه * قال أبو محمد: فهذا سفيان الثوري يذكر مثل قولنا عمن معه أو من قبله وقد قال ابن مسعود كما أوردنا أنها قد تبقى معه ولا تختار حتى يموت أو تموت، وقال أبو حنيفة وأصحابه لها الخيار ما لم تعلم فإذا علمت فلا خيار لها الا ما دامت في المجلس

[ 158 ]

فوجدناهم يحتجون بالخبر الذى ذكرناه قبل من طريق الحسن بن عمرو بن أمية وقد بينا سقوطه، وذكروا أيضا أثرا آخر من طريق أبى داود نا عبد العزيز بن يحيى - هو أبو الأصبغ الحرانى - حدثنى محمد - يعنى ابن سلمة - عن محمد بن اسحاق عن ابى جعفر وابان بن صالح وهشام بن عروة قال أبو جعفر: ان بريرة وقال ابان عن مجاهد أن بريرة وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن بريرة عتقت ثم اتفقوا كلهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها وقال لها ان قربك فلا خيار لك * قال أبو محمد: أبو الأصبغ الحرانى ضعيف منكر الحديث، قال أبو محمد: وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها الخيار فلا يجوز أن يسقطه وطؤه ولا طول مقامه (1) معها إذ لم يصح بذلك نص ولا يبطل حكمه عليه الصلاة والسلام بالآراء ولا حجة في أحد دونه عليه الصلاة والسلام وبالله تعالى التوفيق، قال قوم: لا تخير المكاتبة إذ اعتقت صح عن ابراهيم النخعي ان أعانها زوجها في كتابتها فلا خيار لها، وصح عن الحسن لا خيار للمكاتبة إذا أعتقت وهو قول عطاء وأبى قلابة. والزهرى، وصح عن ابن سيرين. والشعبى. ورويناه عن جابر بن زيد أن لها الخيار، وبه يقول أبو حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبو سليمان وأصحابهم وبه نقول: وقال سفيان الثوري ان تزوجها بعد الكتابة فلا خيار لها وان تزوجها قبل الكتابة أو كانت معه فلها الخيار * قال أبو محمد: خير رسول الله صلى الله عليه وسلم المعتقة ولم يخص مكاتبة من غيرها فلا يجوز أن يخص معتقة من معتقة * ومما اختلفوا فيه هل اختيارها فراق زوجها فسخ أو طلاق؟ فصح عن قتادة انها واحدة بائنة، ورويناه عن عمر بن عبد العزيز وهو قول أبى حنيفة، ومالك وأصحابهما، عن عطاء انها طلقة واحدة، وصح انه فسخ لا طلاق عن حماد بن أبى سليمان، وابراهيم النخعي، ورويناه عن طاوس وهو قول الشافعي: واحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه. وابى سليمان. واصحابهم * قال أبو محمد: التسمية في الشريعة ليست إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قط فراق المعتقة لزوجها طلاقا ولا جعل له من أحكام الطلاق غير العدة وحدها فلا يحل تسميته طلاقا، قال تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس، وقد جاءهم من ربهم الهدى) فصح انه ليس طلاقا، لكنه فراق أو فسخ أو نقض نكاح وكل اسم يعبر به عن بطلان عصمة النكاح فقط وبالله تعالى التوفيق *


(1) وفي النسخة رقم 14 مقامها معه

[ 159 ]

ومما اختلفوا فيه ان تخيرت قبل الدخول فراقه ماذا لها من الصادق؟ فقال قوم لا صداق لها صح ذلك عن الزهري وصح عن قتادة لها نصف الصداق وقال أصحابنا: لها الصداق كله * قال أبو محمد: إذ قد بينا انه ليس طلاقا فقد بطل قول من قال لها نصف الصداق لان الله عزوجل لم يجعل لها نصف الصداق إلا في الطلاق قبل المس فقط ووجدناه عز وجل قال: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) فصح ان الصداق لها فلا يسقطه شئ ولا شيئا منه إلا حيث أسقط الله (1) عزوجل النصف في الطلاق قبل المس وما عدا ذلك فظلم لا شك فيه، فان قيل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هو لها بما استحللت من فرجها " قلنا: نعم وعقد نكاحها استحلال لفرجها، ولم يقل عليه الصلاة والسلام انه لها بوطئك لها فوجب أن لها جميع الصداق وكذلك في كل منفسخة النكاح قبل الدخول بلعان أو بأن تصير حريمته برضاع أو بأن يطأها أبوه أو جده أو ابنه بجهالة أو بزنا أو بأن تسلم هي وهو كافر أو بأن يسلم هو وهى غير كتابية أو بأن ترتد هي أو هو أو كلاهما، أو بأن تموت هي أو هو وقد اختلف في اسلامها دونه أبطل قوم صداقها بذلك وهذا عون للشيطان وصد عن الاسلام وهل صداقها الا كدين لها قبله من سائر ديونها ولا فرق * قال أبو محمد: ولا متعة لها في شئ من ذلك لان الله تعالى لم يجعل المتعة إلا في الطلاق فقط (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * 1947 مسألة: ومن كانت تحته امة فملكها أو بعضها قل الجزء الذى ملك منها أو كثر بأى وجه ملك ذلك من ميراث أو ابتياع أو هبة أو اجارة أو غير ذلك فقد انفسخ نكاحه منها أثر الملك بلا فصل وسواء أخرجها عن ملكه أثر ذلك بعتق أو غير ذلك أو لم يخرجها، وكذلك من كانت متزوجة بعبد فملكته أو بعضه بأى وجه ملكت ذلك من وجوه الملك فقد انفسخ نكاحها منه بلا فصل، وسواء اخرجته عن ملكها اثر ذلك بعتق أو غير ذلك أو لم تخرجه فلو ملك الامة ابن زوجها أو أبو زوجها أو أم زوجها أو عبد زوجها أو ملك العبد أبو امرأته أو ابنها أو أمها أو عبدها أو ابوها (2) لم ينفسخ النكاح بشئ من ذلك، وكذلك لو ابتدأ الرجل نكاح أمة أبيه التى لم تحل لابيه قط، أو امة ابنه التى لم تحل لابنه قط أو امة امه أو أمة ابنته أو امة امته أو امة عبده أو ابتدأت امرأة نكاح عبد ابيها أو عبد ابنها أو عبد امها أو عبد ابنتها أو عبد عبدها أو عبد امتها لكان كل ذلك حلالا جائزا، برهان ذلك قول الله عزوجل: (والذين هم لفروجهم


(1) وفي النسخة رقم 14 (اسقطه الله) وعلى كل العبارة فيها اضطراب فلينظر (2) وفي النسخة رقم 14 أو أمتها

[ 160 ]

حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) فلم يبح الله تعالى الا زوجة أو ملك يمين وفرق بينهما، وكل اسمين فرق الله عزوجل بينهما فلا يجوز أن يقال هما شئ واحد إلا بنص يوجب ذلك أو ضرورة توجبه ولا نص هنا ولا ضرورة توجب وقوع اسم الزوجة واسم ملك اليمين على امرأة واحدة لرجل واحد وبهذا الاستدلال حرم على الرجل أن يتزوج امته دون أن يعتقها أو يخرجها عن ملكه وحرم على المرأة أن تتزوج عبدها دون ان تعتقه أو تخرجه عن ملكها وكذلك محال ان يكون بعضها زوجه له وبعضها ملك يمين له لما ذكرنا من الآية فإذ قد صح ما ذكرنا فقد وجب ان الملك ينافى الزوجية فلا يجوز أن يجتمعا فوجب من هذا انه إذا ملكها أو بعضها فهى ملك يمين له أو بعضها فلا يكون زوجها لها ولا يكون بعضها زوجة له فصح انفساخ النكاح بلا شك وكذلك قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) إلى قوله (أو ما ملكت أيمانهن) ففرق عزوجل بين الزوج وبين ملك يمين المرأة فوجب أن لا يكون ملك يمينها زوجها أصلا وبالله تعالى التوفيق * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا اسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن عبيد الكلاعى عن مكحول في امرأة ورثت زوجها وهو عبد عن بعض ولدها قال: لا تحل له وقال على بن ابى طالب يؤمر بطلاقها وقد صح عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة وابراهيم النخعي ان اعتقته بعد ان ملكته فهما على نكاحهما * قال أبو محمد: وهذا خطأ لانه لو كان ذلك لكان النكاح. صحيحا ولو طرفة عين ولو صح طرفة عين لصح بعد ذلك وامة الابن ليست أمة لابيه ولا لابنه لان الله تعالى قال: (والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) فلو كانت أمة الولد لابيه لكانت حراما على الولد (1) وهكذا نقول في أمة العبد وعبد (2) الامة لا يكون شئ من ذلك ملكا للسيد الا أن ينتزع ذلك من ملك العبد فيصير ملكا له حينئذ، فان احتج محتج بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " انت ومالك لابيك " قلنا: هذا منسوخ بالمواريث وبالآية التى ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 1948 مسألة: ولا عدة في شئ من وجوه الفسخ الذى ذكرنا الا في الوفاة وفي المعتقة التى تختار فراق زوجها لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بالعدة ولم يأمر غيرهما بعدة ولا يجوز امرها بذلك لانه شرع لم يأذن به الله تعالى ولا يجوز قياس الفسخ


(1) وفي النسخة رقم 14 اسقاطها والصواب اثباتها (2) وفي النسخة رقم 14 وامة الامة

[ 161 ]

على الطلاق لانهما مختلفان لان الطلاق لا يكون إلا بلفظ المطلق واختياره والفسخ يقع بغير لفظ الزوج أحب أم كره فكيف والقياس كله باطل * وروينا من طريق البخاري نا ابراهيم ابن موسى نا هشام بن يوسف عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس كانوا إذا هاجرت امرأة من دار الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح، فهذا ابن عباس يحكى أن هذا فعل الصحابة جملة فلا يجوز خلافه وبذلك جاء النص قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن) إلى قوله (ولا جناج عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) فلم يوجب عزوجل عليهن عدة في انفساخ نكاحهن من ازواجهن الكفار باسلامهن وبالله تعالى التوفيق * (كمل كتاب النكاح والحمد لله رب العالمين) بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الطلاق 1949 مسألة: من الطلاق من اراد طلاق امرأة له قد وطئها لم يحل له أن يطلقها في حيضتها ولا في طهر وطئها فيه فان طلقها طلقة أو طلقتين في طهر وطئها فيه أو في حيضتها لم ينفذ ذلك الطلاق وهى امرأته كما كانت الا أن يطلقها كذلك ثالثة أو ثلاثة مجموعة فيلزم فان طلقها في طهر لم يطأها فيه فهو طلاق سنة لازم كيفما اوقعه ان شاء طلقة واحدة وان شاء طلقتين مجموعتين وان شاء ثلاثا مجموعة، فان كانت حاملا منه أو من غيره فله أن يطلقها حاملا وهو لازم ولو أثر وطئه اياها (1) فان كان لم يطأها قط فله ان يطلقها في حال طهرها وفي حال حيضتها ان شاء واحدة وان شاء اثنتين وان شاء ثلاثا فان كانت لم تحض قط أو قد انقطع حيضها طلقها ايضا كما قلنا في الحامل متى شاء، وفيما ذكرنا اختلاف في ثلاثة مواضع، احدها هل ينفذ الطلاق الذى هو بدعة مخالف لامر الله عزوجل أم لا ينفذ، والثانى هل طلاق الثلاث بدعة ام لا؟ والثالث صفة طلاق السنة * برهان ما قلنا قول الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ان تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها) فأباح عزوجل طلاق التى لم تمس بالوطئ ولم يحد في طلاقها وقتا ولا عددا فوجب من ذلك أن هذا حكمها. وان دخل بها وطال مكثها معه ولا أشفرها (2) فحملت من ذلك لانه لم يمسها ولا تكون بذلك محصنة لان الله تعالى لم يستثن


(1) وفي النسخة رقم 14 اسقاط لفظ اياها (2) في نسخة ولو أشفرها أي جامعها بين شفريها (م 21 - ج 10 المحلى)

[ 162 ]

شيئا من ذلك (وما كان ربك نسيا) والمفرق بين هذه الاحكام متناقض شارع من الدين ما لم يأذن به الله عزوجل، فان قيل فمن اين حكمتم بذلك في الكتابيات إذا طلقهن المؤمنون وأنتم تبطلون القياس؟ قلنا لقول الله تعالى: (وان احكم بينهم بما أنزل الله) وبقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وأخص من هذا كله بجواب هذا السؤال قوله تعالى: (لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تقرضوا لهن فريضة) الآية فعم عزوجل جميع النساء ولم يخص مؤمنة من كافرة، فهذا قوله عزوجل في غير الموطوءة واما في الموطوءة فقول الله عزوجل: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ان يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك امرا) والعدة لا تكون من الطلاق إلا في موطوءة فعلمنا الله عزوجل كيف يكون طلاق الموطوءة واخبرنا ان تلك حدود الله وان من تعداها ظالم لنفسه فصح ان من ظلم وتعدى حدود الله عزوجل ففعله باطل مردود لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " فصح أن الطلاق المذكور لا يكون إلا للعدة كما امر الله عزوجل فنظرنا بيان مراد الله عزوجل بقوله: (فطلقوهن لعدتهن) فوجدنا ما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن عبد الله بن نمير نا ابى نا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: " طلقت امرأتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مره فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها أو يمسكها فانها العدة التى امر الله ان تطلق لها النساء " فكان هذا بيانا لا يحل خلافه وقد روى هذا الخبر بنقصان عما أوردناه، منها ما رويناه من طريق شعبة عن قتادة قال سمعت يونس بن جبير قال سمعت ابن عمر يقول طلقت امرأتي وهى حائض فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مره فليراجعها فإذا طهرت فان شاء طلقها " * قال أبو محمد: وروينا الاخذ بهذا عن عطاء قال على وزيادة العدل لا يحل ترك الاخذ بها وهو خبر واحد عن قصة واحدة في مقام واحد، واما طلاق الحامل فكما روينا من طريق مسلم نا أبو بكر بن ابى شيبة نا وكيع عن سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن مولى لطلحة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر انه طلق امرأته وهى حائض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو

[ 163 ]

حاملا. وأما التى لم تحض أوقد انقطع حيضها فان الله عزوجل اجمل لنا اباحة الطلاق وبين لنا طلاق الحامل وطلاق التى تحيض ولم يحد لنا تعالى في التى لم تحض ولا في التى انقطع حيضها حدا فوجب انه تعالى اباح طلاقها متى شاء الزوج إذ لو كان له عزوجل في وقت طلاقها شرع لبينه علينا، ثم اختلف الناس في الطلاق في الحيض ان طلق الرجل كذلك أو في طهر وطئها فيه هل يلزم ذلك الطلاق ام لا؟ * قال أبو محمد: ادعى بعض القائلين بهذا أنه اجماع قال أبو محمد: وقد كذب مدعى ذلك لان الخلاف في ذلك موجود وحتى لو لم يبلغنا لكان القاطع على جميع أهل الاسلام بما لا يقين عنده به ولا بلغه عن جميعهم كاذبا على جميعهم، روينا من طريق عبد الرزاق عن وهب بن نافع أن عكرمة أخبره أنه سمع ابن عباس يقول: الطلاق على أربعة أوجه وجهان حلال ووجهان حرام فأما الحلال فأن يطلقها من غير جماع أو حاملا مستبينا حملها، وأما الحرام فأن يطلقها حائضا أو حين يجامعها لا يدرى أيشتمل الرحم على الولد أم لا؟ * قال أبو محمد: ومن المحال أن يخبر ابن عباس عما هو جائز بأنه (1) حرام * ومن طريق ابن وهب أخبرني جرير بن حازم. عن الاعمش أن ابن مسعود قال: من طلق كما أمر الله تعالى فقد بين الله تعالى له ومن خالف فانا لا نطيق خلافه: نا يونس بن عبيدالله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى نا عبيدالله ابن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهى حائض قال ابن عمر لا يعتد لذلك، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول وجه الطلاق أن يطلقها طاهرا عن غير جماع وإذا استبان حملها * نا محمد بن سعيد بن نبات نا عباس بن أصبغ نا محمد بن قاسم نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا حمام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهى حائض قال لا يعتد بها * قال أبو محمد: والعجب من جرأة من ادعى الاجماع على خلاف هذا وهو لا يجد فيما يوافق قوله في امضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن احد من الصحابة رضى الله عنهم غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر وروايتين ساقطتين عن عثمان. وزيد بن ثابت، احداهما. ويناها من


(1) وفي النسخة رقم 14 أن يجيزا ابن عباس ما يخبر بانه حرام، والمعنى فيهما واحد

[ 164 ]

طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل أخبره أن عثمان بن عفان كان يقضى في المرأة التي يطلقها زوجها وهى حائض أنهلا تعتد بحيضتها تلك وتعتد بعدها ثلاثة قروء، والاخرى من طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن قيس بن سعد مولى ابن علقمة عن رجل سماه عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلق امرأته وهى حائض: يلزمه الطلاق وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة * قال أبو محمد: بل نحن اسعد بدعوى الاجماع ههنا لو استجزنا ما يستجيزون ونعوذ بالله من ذلك، وذلك انه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة وفي جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك في أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة لامره عليه الصلاة والسلام فإذ لاشك في هذا عندهم فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التى يقرون أنها بدعة وظلالة أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفا لاجماع القائلين بأنها بدعة؟ * قال أبو محمد: واحتجوا من الآثار بما رويناه من طريق ابن وهب نا ابن أبى ذئب أن نافعا أخبرهم عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ان شاء أمسك بعد ذلك وان شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التى أمر الله تعالى ان تطلق لها النساء وهى واحدة * ومن طريق مسلم حدثنى اسحق بن راهويه أنا يزيد بن عبد ربه نا محمد بن حرب حدثنى الزبيري عن الزهري عن سالم عن أبيه فذكر طلاقه لامرأته وهى حائض وقال في آخره فراجعتها وحسبت لها التطليقة التى طلقتها، وبما في بعض تلك الآثار من قول ابن عمر. ما يمنعى أن أعتد بها وفي بعضها فمه أرأيت ان عجز واستحمق، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال أرسلنا إلى نافع وهو يترجل (1) في دار الندوة ذاهبا إلى المدينة ونحن مع عطاء هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم. وذكر بعضهم رواية من طريق عبد الباقي بن قانع. عن أبى يحيى الساجى نا اسماعيل بن أمية الذراع. نا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب. عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من طلق في بدعة الزمناه بدعته " * قال أبو محمد: كل هذا لا حجة لهم فيه. أما حديث أنس المذكور فموضوع بلا شك لم يروه أحد من أصحاب حماد بن زيد الثقات انما هو من طريق اسماعيل بن أمية


(1) يسرح شعره

[ 165 ]

الذراع فان كان القرشى الصغير البصري وهو بلا شك فهو ضعيف متروك. وان كان غيره فهو مجهول لا يعرف من هو، ومن طريق عبد الباقي بن قانع راوي كل كذبة المنفرد بكل طامة وليس بحجة لانه تغير بآخرة ثم لو صح ولم يصح قط لكان لا حجة فيه لانه كان معنى قوله ألزمناه بدعته أي أثمها كما قال عزوجل: (وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه) وليس فيه أنه يحكم عليه بامضاء حكم بدعته وتجويزها في الدين وهذا هو الظاهر كما يقولون هم فيمن باع بيعا لا يحل أو نكح نكاحا ببدعة وفي سائر الاحكام ولا فرق، وأما خبر نافع فموقوف عليه ليس فيه أنه سمعه من ابن عمر فبطل الاحتجاج به، واما ما روى عن ابن عمر فمه أرأيت ان عجز واستحمق فلا بيان في هذا اللفظ بان تلك الطلقة عدت له طلقة والشرائع لا تؤخذ بلفظ لا بيان فيه بل قد يحتمل أن يكون اراد الزجر عن السؤال عن هذا والاخبار بانه عجز واستحمق في ذلك والاظهر فيما هذه صفته أن لا يعتد به وأنه سقطة (1) من فعل فاعله لانه ليس في دين الله تعالى حكم نافذ يستحمق الحاكم به ويعجز بل كل حكم في الدين فالمنفذ له مستغفل كيس والحمد لله رب العالمين، وأما ما روى من قوله ما يمنعنى أن أعتد بها وقوله وحسبت لها التطليقة التى طلقتها فلم يقل فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبها تطليقة ولا انه عليه الصلاة والسلام هو الذى قال له اعتد بها طلقة انما هو اخبار عن نفسه، ولا حجة في فعله ولا فعل أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما حديث ابن أبى ذئب الذى في آخره وهى واحدة فهذه لفظة أتى بها ابن أبى ذئب وحده ولا نقطع على أنها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممكن أن تكون من قول من دونه عليه الصلاة والسلام والشرائع لا تؤخذ بالظنون، ثم لو صح يقينا أنها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان معناه وهى واحدة أخطأ فيها ابن عمر أو وهى قضية واحدة لازمة لكل مطلق، والظاهر أنه من قول من دون النبي صلى الله عليه وسلم مخبرا بان ابن عمر كان طلقها طلقة واحدة وقد ذكرنا قبل الرواية الصحيحة من طريق عبيدالله بن عمر. عن نافع. عن ابن عمر فيمن طلق امرأته حائضا انه لا يعتد بذلك ويكفى من هذا كله المسند البين الثابت الذى رويناه من طريق أبى داود السجستاني قال نا أحمد بن صالح نا عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا فقال ابن عمر: طلق عمر امرأته وهى حائض على عهد


(1) وفي النسخة رقم 14 ساقط

[ 166 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان ابن عمر طلق امرأته وهى حائض قال عبد الله: فردها على ولم يرها شيئا؟ وقال: إذا طهرت فليطلق إذا شاء أو ليمسك وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) * قال أبو محمد: وهذا مما قرئ ثم رفعت لفظة في قبل وأنرل الله تعالى (لعدتهن) وهكذا رويناه من طريق الدبرى. عن عبد الرزاق. عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع ابن عمر وسأله عبد الرحمن بن أيمن فذكره نصا وهذا اسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات والحمد لله رب العالمين، وقال بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمراجعتها دليل على انها طلقة يعتد بها فقلنا. ليس ذلك دليلا على ما زعمتم لان ابن عمر بلا شك إذ طلقها حائضا فقد اجتنبها فانما امره عليه الصلاة والسلام برفض فراقه لها وأن يراجعها كما كانت قبل بلا شك، وقال بعضهم: الورع الزامه تلك الطلقة إذ قد يطلقها بعد ذلك طلقتين فتبقى عنده ولعلها مطلقة ثلاثا فقلنا: بل هذا ضد الورع إذ تبيحون فرجها لاجنبي بلا بيان، وانما الورع أن لا تحرم على المسلم امرأته التى نحن على يقين من أن الله عزوجل أباحها له وحرمها على من سواه الا بيقين، وأما بالظنون والمحتملات فلا وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: والعجب كله أنهم ان وجدوا في الطلاق في الحيض ما يشغبون به مما ذكرنا فأى شئ وجدوا في طلاقه اياها في طهر وطئها فيه. فان قالوا: قسناه على الطلاق في الحيض قلنا: هذا باطل من القياس ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه قياس الشئ على ضده طهر على حيض فكيف والقياس كله باطل. فان قالوا انكم تلزمونه الطلاق في الحيض وفي طهر مسها فيه إذا كان طلاقا ثالثا أو ثلاثا مجموعة وفي غير المدخول بها بكل حال قلنا: نعم لان قول الله عزوجل (فطلقوهن لعدتهن) لا اشكال في انه تعالى انما أمر بذلك في المدخول بها فيما كان من الطلاق دون الثلاث، وفي هذين الوجهين أفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر ولم يامر قط عزوجل بذلك في غير مدخول بها ولا فيمن طلق ثالثة أو ثلاثة مجموعة وليس في غير المدخول بها عدة طلاق فيلزم أن يطلق لها كما بينا بنص القرآن وقوله تعالى: (لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك امرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) وليس هذا في طلاق الثلاث * ومن طريق عبد الرزاق. نا معمر. عن أيوب السختيانى. عن نافع. عن ابن عمر " انه طلق امرأته واحدة وهى حائض " وذكر الحديث *

[ 167 ]

ومن طريق مسلم نا محمد بن رمح نا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر " أنه طلق أمراته وهى حائض تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضه أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها فان أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء، قال ابن عمر: أانت طلقت امراتك مرة أو مرتين. فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك وان كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك * قال أبو محمد: قد يمكن أن ابن عمر أراد بالمعصية من طلقها كذلك دون الثلاث، وأما الاختلاف في طلاق الثلاث مجموعة أهو بدعة ام لا؟ فزعم قوم أنها بدعة ثم اختلفوا فقالت طائفة منهم لا يقع البتة لان البدعة مردودة، وقالت طائفة منهم: بل يرد إلى حكم الواحد المأمور بان يكون حكم الطلاق كذلك، وقالت طائفة: بل تقع كما هو ويؤدب المطلق كذلك، وقالت طائفة: ليست بدعة ولكنها سنة لا كراهة فيها واحتج من قال انها تبطل بقول الله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) الآيات وبقوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن) إلى قوله تعالى (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) وبقوله تعالى (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) قالوا: فلا يكون طلاقا الا ما كان بهذه الصفة، قالوا ومعنى قول الله تعالى (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) أي مرة بعد مرة كما تقول سير به فرسخان، وذكروا ما رويناه من طريق أحمد بن شعيب انا سليمان بن داود أنا ابن وهب أنا مخرمة - هو ابن بكير بن الاشج - عن أبيه قال سمعت محمود بن لبيد قال: " أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وانا بين أظهركم فقال رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله " قال أحمد بن شعيب: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة * قال أبو محمد: أما قولهم البدعة مردودة فصدقوا ولو كانت بدعة لوجب أن ترد وتبطل، وأما الآيات فانما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط تم نسألهم عمن طلق مرة ثم راجع ثم مرة ثم راجع ثانية ثم ثالثة اببدعة أتى فمن قولهم لا بل بسنة فنسألهم أتحكمون له بما في الآيات المذكورات فمن قولهم لا بلا خلاف فصح ان المقصود في الآيات المذكورات من اراد ان يطلق طلاقا رجعيا فبطل احتجاجهم بها في حكم من طلق ثلاثا، وأما قولهم معنى قوله: (الطلاق مرتان) ان معناه مرة بعد

[ 168 ]

مرة فخطأ بل هذه الآية كقوله تعالى: (نؤتها اجرها مرتين) أي مضاعفا معا وهذه الآية أيضا تعليم لما دون الثلاث من الطلاق وهو حجة لنا عليهم لانهم لا يختلفون يعنى المخالفين لنا في أن طلاق السنة هو أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها في قول طائفة منهم وفي قول آخرين منهم أن يطلقها في كل طهر طلقة وليس شئ من هذا في هذه الآية وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل طلاق سنة فبطل تعلقهم بقوله تعالى: (الطلاق مرتان)، وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل ولا حجة في مرسل ومخرمة لم يسمع من ابيه شيئا، وأما قول من قال ان الثلاث تجعل واحدة فانهم احتجوا بما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق انا معمر عن ابن طاوس عن ابيه عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب ان الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم فامضاه عليهم، وروينا من طريق الدبرى عن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه ان أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم انها كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابى بكر وصدرا من امارة عمر قال نعم * ومن طريق احمد بن شعيب أنا سليمان بن سيف الحرانى نا أبو عاصم هو النبيل عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: الم تعلم ان الثلاث كانت تجعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة قال نعم، ورويناه أيضا من طريق مسلم عن اسحاق بن راهويه نا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن ايوب السختيانى عن ابراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس، وبما رويناه من طريق ابى داود نا احمد بن صالح نا عبد الرزاق نا ابن جريج اخبرني بعض بنى أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة واخوته ام ركانة فذكر الحديث وفيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: راجع امرأتك ام ركانة واخوته فقال انى طلقتها ثلاثا يارسول الله قال قد علمت ارجعها وتلى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) * قال أبو محمد: ما نعلم لهم شيئا احتجوا به غير هذا وهذا لا يصح لانه عن غير مسمى من بني ابى رافع ولا حجة في مجهول وما نعلم في بنى ابى رافع من يحتج به الا عبيدالله وحده وسائرهم مجهولون، واما حديث طاوس عن ابن عباس الذى فيه ان الثلاث كانت واحدة وترد إلى الواحدة وتجعل واحدة فليس شئ منه انه عليه الصلاة والسلام هو الذى جعلها واحدة أو ردها إلى الواحدة ولا أنه عليه الصلاة والسلام علم بذلك فأقره

[ 169 ]

ولا حجة الا فيما صح انه عليه الصلاة والسلام قاله أو فعله أو علمه فلم ينكره وانما يلزم هذا الخبر من قال في قول أبى سعيد الخدرى: كنا نخرج في زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من كذا واما نحن فلا والحمد لله رب العالمين * وأما من قال: انها معصية وأنها تقع فانهم موهوا بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن عبيدالله ابن الوليد الوصافى العجلى عن ابراهيم - هو ابن عبيدالله بن عبادة بن الصامت - عن داود عن عبادة بن الصامت قال: " طلق جدى امرأة له ألف تطليقة فانطلق ابى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما اتقى الله جدك اما ثلاث فله واما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم. ان شاء الله عذبه وان شاء غفر له ": ورواه بعض الناس عن صدقة بن ابى عمران عن ابراهيم بن عبيدالله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال: " طلق بعض آبائى امرأته فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يارسول الله ان أبانا طلق أمنا الفافهل له من مخرج؟ فقال ان أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبع وتسعون اثم في عنقه " * وخبر روى من طريق محمد بن شاذان عن معلى بن منصور عن شعيب بن رزيق ان عطاءا الخراساني حدثهم عن الحسن قال نا عبد الله بن عمر " أنه طلق امرأته وهى حائض ثم أراد أن يتبعها تطليقتين أخريين عند القرأين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله انك قد اخطأت السنة "، وذكر الخبر وفيه، فقلت يارسول الله لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لى أن أراجعها؟ قال: لا كانت تبين وتكون معصية والخبر الذى ذكرناه آنفا من طريق اسماعيل ابن أمية الذراع عن حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلق في بدعة الزمناه بدعته * وذكروا عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه آنفا من قول عمر في حديث طاوس ان الناس قد استعجلوا امرا كانت لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم، ومن طريق عبد الرزاق عن اسماعيل بن ابى عبد الله اخبرني عبيدالله ابن العيزار أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان عمر إذا ظفر بمن طلق ثلاثا أوجع رأسه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: من طلق امرأته ثلاثا طلقت وعصى ربه، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: كان ابن عباس إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثا قال لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا * قال أبو محمد: لا نعلم لهم شيئا يشغبون به الاهذا، وكله لا حجة لهم فيه، أما حديث عبادة بن الصامت ففى غاية السقوط لانه اما من طريق يحيى بن العلاء وليس بالقوى (م 22 - ج 10 المحلى)

[ 170 ]

عن عبيدالله بن الوليد الوصافى وهو هالك عن ابراهيم بن عبيدالله بن عبادة بن الصامت وهو مجهول لا يعرف ثم هو منكر جدا لانه لم يوجد قط في شئ من الآثار ان والد عبادة رضى الله عنه أدرك الاسلام فكيف جده وهو محال بلا شك: ثم الفاظه متناقضة في بعضها أما ثلاث فلك وهذا اباحة للثلاث وبعضها بخلاف ذلك، واما حديث ابن عمر ففي غاية السقوط لانه عن رزيق بن شعيب أو شعيب بن رزيق الشامي وهو ضعيف وقد ذكرنا ضعف اسماعيل بن أمية الذراع وجهالته فبطل ما شغبوا به، ولم يبق بأيديهم شئ والحمد لله رب العالمين * وأما ما ذكروا عن الصحابة رضى الله عنهم فالرواية عن عمر نرى الناس قد استعجلوا شيئا كانت لهم فيه اناة فلا دليل فيه على ان طلاق الثلاث معصية اصلا وهو صحيح عن ابن عمر ولا حجة في احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: ولا اضعف من قول من يقرانه ينفذ البدعة ويحكم بما لا يجوز بغير نص من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: ثم وجدنا من حجة من قال ان الطلاق الثلاث مجموعة سنة لا بدعة قول الله تعالى: (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة ولا يجو أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص وكذلك قوله تعالى: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) عموم لاباحة الثلاث والاثنين والواحدة، وقوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) فلم يخص تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا، ووجدنا ما رويناه من طريق مالك عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي اخبره عن حديث التعان عويمر العلاجنى مع امرأته وفي آخره انه قال كذبت عليها يارسول الله ان امسكتها فطلقها ثلاثا قبل ان يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: وانا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: لو كانت طلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان ذلك فصح يقينا انها سنة مباحة، وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون طلقها وهى امرأته أو طلقها وقد حرمت عليه ووجب التفريق بينهما فان كان طلقها وهى امرأته فليس هذا قولكم لان قولكم انها بتمام اللعان تبين عنه إلى الابد وان كان طلقها اجنبية فانما نحن فيمن طلق امرأته لا فيمن طلق اجنبية. فقلنا: انما طلقها وهو يقدر انها امرأته هذا مالا شك فيه احد فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاعتراض فانما حجتنا كلها في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الانكار على من طلق ثلاثا

[ 171 ]

مجموعة امرأة يظنها امرأته ولا يشك انها في عصمته فقط، فان قالوا: ليس كل مسكوت عن ذكره في الاخبار يكون ترك ذكره حجة. فقلنا: نعم هو حجة لازمة الا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة * ومن طريق البخاري نا محمد بن بشار نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيدالله بن عمر نا القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين قالت ان رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق (1) فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحل للاول؟ قال: لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الاول فلم ينكر عليه الصلاة والسلام هذا السؤال ولو كان لا يجوز لاخبر بذلك * وخبر فاطمة بنت قيس المشهور، رويناه من طريق يحيى بن أبى كثير اخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن ان فاطمة بنت قيس أخبرته أن زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومى طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا: ان ابن حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لها نفقة وعليها العدة وذكر باقى الخبر * ومن طريق مسلم نا اسحاق بن منصور نا عبد الرحمن - هو ابن مهدى - عن سفيان الثوري عن ابى بكر ابن أبى الجهم قال: سمعت فاطمة بنت قيس فذكرت حديث طلاقها قالت: " واتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كم طلقك؟ قلت ثلاثا فقال: صدق ليس لك نفقة " وذكرت باقى الخبر * ومن طريق مسلم نا محمد بن الثمنى نا حفص بن غياث نا هشام بن عروة عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت: " قلت يارسول الله ان زوجي طلقني ثلاثا وانا أخاف ان يقتحم على قال: فأمرها فتحولت "، ومن طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا قال: " ليس لها سكنى ولا نفقة " فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبرها هي ونفر سواها بأن زوجها طلقها ثلاثا وبأنه عليه الصلاة والسلام حكم في المطلقة ثلاثا ولم ينكر عليه الصلاة والسلام ذلك ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه، فان قيل: ان الزهري روى عن ابى سلمة هذا الخبر فقال فيه انها ذكرت انه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وروى الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة أن زوجها ارسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فذكر الخبر وفيه فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته وذكر باقى الخبر، قلنا: نعم هكذا رواه الزهري فاما روايته من طريق عبيدالله بن عبد الله فمنقطعة لم يذكر عبيدالله ذلك


(1) هكذا في النسخ والمعنى فطلقها الزوج الثاني

[ 172 ]

عنها ولا عن قبيصة عنها انما قال: ان فاطمة طلقها زوجها وان مروان بعث إليها قبيصة فحدثته، وأما خبره عن أبى سلمة فمتصل إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته هي ولا غيرها بذلك انما المسند الصحيح الذى فيه انه عليه الصلاة والسلام سأل عن كمية طلاقها وانها أخبرته فهى التى قدمنا أولا، وعلى ذلك الاجمال جاء حكمه عليه الصلاة والسلام، وكذلك كل لفظ روى به خبر فاطمة من أبت طلاقي وطلقها البتة وطلقها طلاقا باتا وطلاقا بائنا فليس في شئ منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه اصلا فسقط كل ذلك وثبت حكمه عليه الصلاة والسلام على ما صح انه أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط: (وأما الصحابة رضى الله عنهم) فان الثابت عن عمر الذى لا يثبت عنه غيره ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل نا زيد بن وهب انه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته الفا فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال انما كنت ألعب فعلاه عمر بالدرة وقال: انما يكفيك من ذلك ثلاث فانما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث وأحسن عمر في ذلك وأعلمه ان الثلاث تكفى ولم ينكرها، ومن طريق وكيع عن الاعمش عن حبيب بن ابى ثابت جاء رجل إلى على ابن أبى طالب فقال: انى طلقت امرأتي ألفا فقال له على: بانت منك بثلاث واقسم سائرهن بين نسائك فلم ينكر جمع الثلاث، ومن طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن معاوية بن ابى يحيى قال جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي الفا فقال بانت منك بثلاث فلم ينكر الثلاث * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك وبقيتها عليك وزرا اتخذت آيات الله هزوا فلم ينكر الثلاث وأنكر ما زاد * والذى جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا وهو على ظاهره نعم ان اتقى الله جعل له مخرجا وليس فيه ان طلاقه الثلاث معصية، ومن طريق عبد الرزاق. عن معمر عن الاعمش. عن ابراهيم. عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: انى طلقت امرأتي تسعا وتسعين فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها وسائرهن عدوان، وهذان خبران في غاية الصحة لم ينكر ابن مسعود. وابن عباس الثلاث مجموعة اصلا وانما أنكرا الزيادة على الثلاث، * ومن طريق أحمد ابن شعيب أنا عمرو بن على نا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن أبى الاحوص. عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث

[ 173 ]

فان قيل: قد روى الاعمش. عن ابى اسحق. عن أبى الاحوص. عن ابن مسعود وفيه فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، قلنا نعم: هذا أيضا سنة وليس فيه ان ما عدا ذلك حرام وبدعة، فان قيل: قد رويتم من طريق حماد بن زيدنا يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال: قال على بن أبى طالب: لو أن الناس أخذوا بامر الله تعالى في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا يبدأ فيطلقها تطليقة ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها فمتى ما شاء راجعها قلنا: هذا منقطع عنه لان ابن سيرين لم يسمع من على كلمة، ثم ليس فيه أيضا أن ما عدا ذلك معصية ولا بدعة لا يعلم عن الصحابة رضى الله عنهم غير ما ذكرنا، وأما التابعون فروينا من طريق وكيع. عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: قال رجل لشريح القاضى: طلقت امرأتي مائة فقال بانت منك بثلاث وسبع وتسعون اسراف ومعصية فلم ينكر شريح الثلاث وانما جعل الاسراف والمعصية ما زاد على الثلاث، ومن طريق عبد الرزاق. عن معمر. عن قتادة. عن سعيد بن المسيب قال: طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع * قال أبو محمد: فلم يخص واحدة من ثلاث من اثنتين لا يعلم عن أحد من التابعين أن الثلاث معصية صرح بذلك الا الحسن. والقول بان الثلاث سنة هو قول الشافعي وأبى ذر وأصحابهما * واما صفة طلاق السنة فقد ذكرنا قول ابن مسعود آنفا في ذلك من طريق الاعمش. عن أبى اسحاق وآخر من طريق على بن أبى طالب وهو أن ابن مسعود قال: يطلقها في طهر لم يمسها فيه ثم يدعها حتى تحيض فإذا طهرت طلقها اخرى ثم يدعها حتى تحيض فإذا طهرت طلقها ثالثة، وقال على: له ان يطلقها ثم يدعها حتى تتم عدتها أو يراجعها في العدة ان شا، ومثل قول ابن مسعود الذى ذكرنا قول رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ومثله عن معمر عن الزهري وعن قتادة عن ابن المسيب ومثله من طريق عبد الرزاق عن ابى حنيفة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي وزاد فان كانت يئست من المحيض فليطلقها عند كل هلال تطليقة وهو قول الشعبى * وممن كره أن يطلقها أكثر من واحدة. الليث. والاوزاعي. ومالك. وابو حنيفة. وعبد العزيز بن الماجشون. والحسن بن حى. وابو سليمان واصحابهم، واما قولنا في طلاق الحامل والتى لم يطأها والتى لم تحض والتى يئست من الحيض فان النصوص التى ذكرنا قبل وانما جاءت في اللواتى عدتهن الاطهار، وأما الحامل فليس لها اقراء تراعى: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اوردناه قبل في صدر كلامنا في الطلاق: ثم ليطلقها طاهرا

[ 174 ]

أو حاملا فبين عليه الصلاة والسلام في الطاهر ان لا يطأها في ذلك الطهر قبل ان يطلقها واجمل طلاق الحامل (1) (وما كان ربك نسيا) واما التى لم يطأها فلا عدة له عليها بنص القرآن فليست من اللاتى قال الله تعالى فيهن (فطلقوهن لعدتهن) فله أن يطلقها كما أباح الله تعالى متى شاء قال تعالى: (لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن) وأما التى لم تحض قط أو التى انقطع حيضها فقد قال من ذكرنا انه يطلقها عند استهلال الهلال وهذا شئ لا نوجبه لانه لم يات بايجابه قرآن ولا سنة، فان قيل: ألم يقل الله عزوجل: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن) قلنا نعم وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الشهر تسعة وعشرون يوما " فمن حيث ابتدا بالعدة فإذا أتم تسعة وعشرين يوما فهو شهر * برهان ذلك قول الله عزوجل (يتربصن بانفسهن أربعة اشهر وعشرا) فاوجب عزوجل ما قلنا وهو أن يبدأ بعدد الشهور من أي يوم أو ليلة شاء العاد أو من حيث تجب العدة بالوفاة أو بالشهور وبالله تعالى التوفيق * 1950 مسألة: ومن قال: أنت طالق ونوى اثنتين أو ثلاثا فهو كما نوى سواء قال ذلك ونواه في موطوءة أو في غير موطوءة، برهان ذلك أننا قد ذكرنا ان طلاق الثلاث مجموعة سنة وان اسم الطلاق يقع عليها وعلى الثنتين وعلى الواحدة فإذ ذلك كذلك فهو ما نوى من عدد الطلاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى " فان لم ينو عددا من الطلاق فهو واحدة لانها أقل الطلاق فهى اليقين الذى لا شك فيه أنه يلزم ولا يجوز أن يلزم زيادة بلا يقين وهو قول مالك. والليث. والشافعي، وقال أبو حنيفة. وأبو سليان. وسفيان. والاوزاعي: يلزمه واحدة لا أكثر وبالله تعالى التوفيق * 1951 مسألة: فلو قال لموطوءة أنت طالق أنت طالق فان نوى التكرير لكلمته الاولى واعلامها فهى واحدة، وكذلك إن لم ينو بتكراره شيئا فان نوى بذلك ان كل طلقه غير الاخرى فهى ثلاث إن كررها ثلاثا وهى اثنتان ان كررها مرتين بلا شك فلو قال لغير موطوءة منه أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهى طلقة واحدة فقط لان تكراره للطلاق وقع وهى في غير عدة منه إذ لا عدة على غير موطوءة بنص القرآن وهى أجنبية بعد وطلاق الاجنبية باطل، واختلف الناس في هذا فقالت طائفة كما قلنا وقالت طائفة: ان كان وصل كلامه ولم يقطع بعضه عن بعض فهى ثلاث لازمة وان كان فرق بين كلامه بسكتة فهى طلقة واحدة فقط، وقالت طائفة: إن كان ذلك في مجلس واحد فهى كلها لوازم سواء فرق بين كل


(1) وفي النسخة رقم 14 الطاهر وهو غلط

[ 175 ]

طلاقين بسكتة أو لم يفرق وإن كان ذلك في مجالس شتى لم يلزم من الطلاق إلا ما كان في المجلس الاول فقط، فممن روينا عنه مثل قولنا من طريق سعيد بن منصور نا عتاب بن بشير عن خصيف عن زياد بن ابى مريم عن ابن مسعود فيمن طلق امرأته ثلاثا ولم يكن دخل بها قال هي ثلاث فان طلقها واحدة ثم ثنى ثم ثلث لم يقع عليها لانها قد بانت بالاولى، وصح هذا عن خلاس. وابراهيم النخعي في أحد اقواله. وطاوس. والشعبى. وعكرمة. وابى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وحماد بن أبى سليمان، ورويناه عن مسروق، ورويناه من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن مطرف بن طريف، قال: سألت الحكم بن عتيبة عمن قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أنت طالق؟ يعنى ولم يكن دخل بها قال تبين بالتطليقة الاولى والثنتان التى أتبع ليستا بشئ فقلت له: عمن تحفظه قال عن على بن أبى طالب. وعبد الله بن مسعود. وزيد بن ثابت، ورويناه أيضا عن ابن عباس وهو قول سفيان الثوري: والحسن بن حى. وابى حنيفة. والشافعي. وابى ثور. وأبى عبيد. وأحمد بن حنبل. وأبى سليمان. وأصحابهم، والقول الثاني رويناه من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا المغيرة عن ابراهيم النخعي فيمن قال لغير المدخول بها انت طالق أنت طالق أنت طالق وقالها متصلة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره فان قال انت طالق ثم سكت ثم قال أنت طالق ثم سكت ثم قال أنت طالق بانت بالاولى ولم تكن الاخريان شيئا. ومثله سواء سواء عن عبد الله بن مغفل المزني وهو قول مالك. والاوزاعي. والليث، والقول الثالث رويناه من طريق الحجاج بن المنهال نا عبد العزيز بن عبد الصمد قال قال لى منصور حدثت عن ابراهيم النخعي أنه كان يقول: إذا قال للتى لم يدخل بها في مجلس واحد أنت طالق أنت طالق أنت طالق فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فان قام من مجلسه ذلك بعد ان طلق طلقة واحدة ثم طلق بعد ذلك فليس بشئ وقد جاءت روايات لا بيان فيها منها ما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء ابن أبى رباح. وجابر بن زيد قالا جميعا: إذا طلقت البكر ثلاثا فهى واحدة، ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا منصور - هو ابن المعتمر - ان آخر قول الحسن فيمن طلق امرأته ثلاثا قبل الدخول بها انه ان شاء خطبها، ومن طريق مالك. عن يحيى بن سعيد الانصاري. عن النعمان بن أبى عياش: عن عطاء بن يسار أنه سئل عمن طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها؟ قال: طلاق البكر واحدة * قال أبو محمد: لم يخصوا مفرقة من مجموعة والله أعلم بمرادهم، ومنها أيضا ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن

[ 176 ]

عبد الرحمن بن ثوبان قال: طلق رجل من مزينة امرأته ثلاثا قبل الدخول فسأل ابن عباس وعنده أبو هريرة؟ فقال أبو هريرة: واحدة تببنها وثلاث تحرمها فصوبها ابن عباس وهذا لا يصح لان عمر بن راشد ضعيف * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير بن النعمان بن أبى عياش أن عبد الله قال فيمن طلق امرأته البكر واحدة تبينها وثلاث تحرمها ونحوه عن ام سلمة أم المؤمنين وعلى بن أبى طالب فلم يبنوا مفرقة أم مجموعة * قال أبو محمد: أما من فرق بين قوله ذلك في مجلس وبين قوله ذلك في مجلسين فدعوى بلا برهان، وكذلك من فرق بين قوله ذلك متصلا. وبين تفريقه بين ذلك بالسكوت هو أيضا قول لا دليل على صحته فهو ساقط فصح قولنا لانه بتمام قوله لها أنت طالق بانت وحل لها زوج غيره ولو مات لم ترثه ولو ماتت لم يرثها وليس في عدة منه فطلاقه لها لغو ساقط وبالله تعالى التوفيق * 1952 مسألة: فلو قال لغير موطوءة منه أنت طالق ثلاثا فان كان نوى في قوله أنت طالق انها ثلاث فهى ثلاث فان لم ينو ذلك لكن نوى الثلاث إذ قال ثلاثا لم تكن طلاقا الا واحدة لان بتمام قوله أنت طالق بانت منه فصار قوله ثلاثا لغوا لا معنى له وبالله تعالى التوفيق * 1953 مسألة: وطلاق النفساء كالطلاق في الحيض سواء سواء لا يلزم الا أن يكون ثلاثا مجموعة أو آخر ثلاث قد تقدمت منها اثنتان، برهان ذلك أنه ليس الا حيض أو طهر وقد ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الطلاق في الحيض وأمر بالطلاق في طهر لم يجامعها فيه أو حاملا، ولا خلاف في أن دم النفاس ليس طهرا ولا هو حمل فلم يبق الا الحيض فهو حيض ولم يصح قط نص بان النفاس ليس حيضا بل لا خلاف في أن له حكم الحيض من ترك الصلاة والصوم والوطئ وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دم الحيض أسود يعرف فصح ان كل دم أسود ظهر من فرج المرأة فهو حيض ما لم يتجاوز أمد الحيض وما لم يكن في حمل، وصح أنه عليه الصلاة والسلام قال لام سلمة وعائشة أمي المؤمنين رضى الله عنهما. إذ حاضت كل واحدة منهما أنفست قالت نعم فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيض نفاسا، وممن قال بقولنا طائفة من السلف كما روينا من طريق وكيع عن جرير بن حازم. وسفيان الثوري قال جرير عن قيس بن سعد عن بكير بن عبد الله بن الاشج عن سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت، وقال سفيان: عن ابن جرير عن عطاء قال زيد. وعطاء إذا طلق الرجل امرأته وهى نفساء لم تعتد بدم نفاسها في عدتها، وقال غيرهما: غير هذا

[ 177 ]

كما روينا من طريق عبد الرزاق عن عثمان بن مطر عن سعيد بن أبى عروبة قال: قال مطر الوراق عن الحسن في التى تطلق وهى حائض ثلاثا قال: تعتد به قرءا من اقرائها، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، قال: يكره أن يطلق امرأته حائضا كما يكره أن يطلقها نفساء * قال أبو محمد: ولو أن امرءا طلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلاقا رجعيا فحملت من زنا، أو. من إكراه أو من شبهة بجهالة فانها تنتقل إلى عدة الحامل فتنقضى عدتها بوضع حملها لانها زوجته بعد ترثه ويرثها ويلحقها إيلاؤه وظهاره. ويلاعنها ان قذفها فهى مطلقة من ذوات الاحمال، وقد قال تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن)، وكذلك تنتقل إلى عدة الحامل الوفاة ان مات، وسواء حملت في الطهر الاول أو الثاني أو الثالث، فان كان الطلاق ثلاثا أو آخر ثلاث أو معتقة تخيرت فراقه لم تنتقل إلى عدة الوفاة، ولا إلى عدة. لكن ان حملت في الطهر الاول عدت جميع حملها قرءا ثم عدت نفاسها حيضا، ثم تأتى بقرائن بعده، ولا فرق بين اعتدادها به قرءا ولو لم يبق منه الا طرفة عين وبين اعتدادها به ولو لمن يمض منه إلا طرفة عين، لان بعض الطهر طهر، فان حملت في الطهر الثاني عدت مدة حملها قرءا ثانيا، ثم نفاسها حيضا ثم عليها أن تأتى بقرء ثالث فان حملت في الطهر الثالث عدت مدة حملها قرءا فإذا وضعت حملها بأول دم يظهر منها تمت عدتها، وحلت للازواج لانها قد لزمها الاعتداد بالاقراء بنص القرآن فلا يسقط عنها، فلو كانت ممن لا تحيض فكان طلاقها بائنا كما ذكرنا، أو كانت معتقة فاختارت فراقه فانها تتمادى على عدة الشهور وتحل للازواج بتمامها، ولا معنى للحمل حينئذ، وكذلك لو حملت بعد موته فانها تتمادى على عدتها أربعة أشهر وعشر ليال. ثم تحل للازواج بتمامها، ولا يراعى الحمل وانما نعنى بقولنا تحل للازواج أنها يحل لها الزواج، وأما الوطئ فلا ألبتة حتى تضع حملها ثم تطهر من دم نفاسها، وبالله تعالى التوفيق * 1954 مسألة: ومن طلق امرأته ثلاثا كما ذكرنا لم يحل له زواجها الا بعد زوج يطأها في فرجها بنكاح صحيح في حال عقله وعقلها ولابد، ولا يحلها له وطئ في نكاح فاسد، ولا وطئ في دبر ولا وطئها في نكاح صحيح وهى في غير عقلها باغماء أو بسكر أو بجنون ولا وهو كذلك فان بقى من حسه أو من حسها في هذه الاحوال أو في النوم ما تدرك به اللذة أحلها ذلك إذا مات ذلك الزوج أو طلقها أو انفسخ نكاحها منه بعد صحته. وكذلك ان كان النكاح صحيحا ثم وطئها في حال لا يحل فيه الوطئ من (م 23 - ج 10 المحلى)

[ 178 ]

صوم فرض منه أو منها أو إحرام كذلك أو اعتكاف كذلك، أو وهى حائض فكل ذلك لا يحلها، ويحلها العبد يتزوجها والذمى ان كانت هي ذمية، ولا يحلها ان كانت أمة وطئ سيدها لها، برهان ذلك قول الله عزوجل: (فلا تحل من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعها ان ظنا أن يقيما حدود الله) ففى هذه الآية عموم كل زوج ولا يكون زوجا الا من كان زواجه صحيحا. وأما من تزوج بخلاف ما أمره الله عزوجل فليس زوجا ولا عقده زواجا وفيها تحليل رجعته لها بعد طلاق الزوج. وبقى أمر الوطئ وأمر موت الزوج الثاني وانفساخ نكاحه فوجدنا ما رويناه من طريق أبى داود السجستاني نا مسددنا أبو معاوية عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته تعنى ثلاثا فتزوجت غيره فطلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الاول؟ قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل للاول حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها، ففى هذا الخبر زيادة عموم حلها له بالوطئ لا بغيره فدخل في ذلك موته وانفساخ نكاحه بعد صحته ودخل في عموم ذوق العسيلة كل ما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق * وانما قلنا إن وطئ السيد لا يحلها لزوجها المطلق لها لانه ليس زوجا وانما احلها له تعالى بعد أن تنكح زوجا غيره، وفي كثير مما ذكرنا خلاف من ذلك عن سعيد بن المسيب قال: كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا داود بن أبى هند عن سعيد بن المسيب في المطلقة ثلاثا ثم تتزوج قال سعيد: أما الناس فيقولون حتى يجامعها وأما أنا فانى أقول: إذا تزوجها بتزويج صحيح لا يريد بذلك إحلالا فلا بأس أن يتزوجها الاول * قال أبو محمد: كان ينبغى لمن يقول في رده حديث المسح على العمامة وحديث الخمس رضعات إن هذا زائد على القرآن فلا يجوز أن يؤخذ منه الا ما جاء مجئ تواتر أن يقول بقول سعيد ههنا لان خبر عائشة في ذوق العسيلة زائد على ما في القرآن لم يأت إلا من طريق عائشة رضى الله عنها التى من قبلها جاء خبر الخمس رضعات. ولا فرق * ومن طريق ابن عباس وروى غير صحيح من طريق أنس وابن عمر. وكذلك ينبغى لمن قال برد السنة الثابتة في أن لا يتم بيع الا بأن يفترقا عن موضعهما فانه مما تكثر به البلوى ان يقول بقول سعيد، ويقول هذا مما تكثر به البلوى فلو صح ما خفى عن سعيد وجاء عن الحسن أنها لا تحل لزوجها الاول وان وطئها الثاني الا حتى ينزل فيها. ولقد ينبغى للمالكيين القائلين إن التحريم يدخل بأرق الاسباب. ولا يدخل

[ 179 ]

التحليل إلا باغلظ الاسباب أن يقول بقول الحسن هذا ولكن تناقضهم أكثر من ذلك. واختلفوا في المسلم يطلق الكتابية ثلاثا فتتزوج كتابيا ويطأها ثم يموت. فقال الحسن البصري. والزهرى. وسفيان الثوري. وأبو حنيفة. والشافعي وأبو سليمان وأصحابهم انها قد حلت للاول، وقال ربيعة ومالك: لا يحلها وما نعلم لهم شغبا الا قولهم ليس له طلاق فقلنا: فكان ماذا أي شئ في ذلك مما يمنع من احلالها إن مات أو انفسخ نكاحه منها ثم نسألهم إن تزوجها ووطئها ثم أسلم ولم يطأها بعد اسلامه ثم طلقها أيحلها له أم لا فان قالوا لا يحلها له بطل تعليلهم بأنه لا طلاق له إذ قد صح طلاقه وان قالوا بل يحلها نقضوا قولهم في أن وطئ الزوج الكتابى لا يحلها، وأما اختلافهم في النكاح الفاسد فجمهور الناس على هذا الا شيئا روى عن الحكم بن عتيبة انه يحلها، وهذا خطأ لانه ليس زوجا ولو كان زوجا ما حل ان يفرق بينهما بلا معني إلا فساد عقده فقط. وأما الاختلاف في هل يحلها وطئ سيدها ان كانت أمة. فروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا يزيد بن زريع نا خالد عن مروان الاصفر عن ابى رافع، قال دخلنا على عثمان أمير المؤمنين فسألناه عن رجل كانت تحته أمة فطلقها فبانت منه فخلف عليها سيدها ثم خلا عنها وعنده زيد ابن ثابت. ورجل آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا جميعا لا بأس به، ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن أن زيد بن ثابت. والزبير بن العوام كانا لا يريان بأسا بالامة يطلقها زوجها فيتسراها سيدها ثم يتزوجها زوجها قالا جميعا إذا لم يرد السيد بذلك احلالها فليس به بأس * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن أشعث بن عبد الملك الحمراني. عن الحسن البصري. عن زيد بن ثابت قال السيد زوج، ومن طريق عبد الرزاق. عن ابن جريج. عن عطاء. عن ابن عباس في العبد يبت الامة انه يحلها ان يطأها سيدها. قال عطاء: من كانت زوجته أمة فبتها ثم ابتاعها قبل ان تنكح غيره فحلال له وطؤها فان وطئها ثم أعتقها فله ان يتزوجها فان أعتقها قبل أن يطأها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره وهذا تقسيم لا برهان على صحته، وروينا خلاف هذا عن غيرهم كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا يزيد بن زريع نا خالد - هو الحذاء - عن الحكم بن عتيبة. عن على بن أبى طالب قال: حتى تحل له من حيث حرمت عليه يعنى الامة تطلق فيطأها سيدها دون ان تتزوج زوجا آخر. وبه إلى خالد الحذاء عن أبى معشر. عن ابراهيم النخعي. عن عبيدة السلمانى. عن ابن مسعود قال لا تحل له الا من حيث حرمت عليه وصح عن مسروق انه رجع إلى هذا

[ 180 ]

القول بعد أن أفتى بقول زيد. وأما هل تحل لسيدها بملك اليمين إذا اشتراها بعد ان كانت زوجته وطلقها ثلاثا فقد ذكرنا آنفا عن عطاء، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء رجل بت أمة ثم ابتاعها ولم تنكح بعده أحدا أتحل له قال نعم كان ابن عباس يقوله، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر. عن اسماعيل بن أمية. عن ابن قسيط أن كثيرا مولى الصلت طلقها تطليقتين ثم اشتراها فأعتقها فقال زيد بن ثابت لو كنت وطئتها بالملك حلت له ولكن لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك * ومن طريق حماد بن سلمة عن زياد الاعلم عن الحسن مثل قول زيد وعطاء سواء سواء. وصح عن غيرهم خلاف ذلك، روينا انه لا تحل لسيدها بملك اليمين إذا اشتراها بعد أن طلقها ثلاثا عن عثمان وزيد بن ثابت: وصح عن جابر بن عبد الله. وعن على بن أبى طالب انه كره ذلك وصح عن مسروق. والنخعي. وعبيدة السلمانى: والشعبى. وابن المسيب وسليمان بن يسار * قال أبو محمد: ولا يحل للسيد ان يرى من عورتها شيئا الا ما يرى من حريمته ولا ان يتلذذ بها لقول الله عزوجل (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فعم تعالى ولم يخص بخلاف الكتابية والحائض والصائمة فرضا والمحرمة لان هؤلاء انما حرم نكاحهن فقط وهو الوطئ وبالله تعالى التوفيق 1955 مسألة: فلو رغب المطلق ثلاثا إلى من يتزوجها ويطأها ليحلها له فذلك جائز إذا تزوجها بغير شرط لذلك في نفس عقده لنكاحة اياها فإذا تزوجها فهو بالخيار ان شاء طلقها وان شاء أمسكها فان طلقها حلت للاول فلو شرط في عقد نكاحها أنه يطلقها إذا وطئها فهو عقد فاسد مفسوخ أبدا ولا تحل له به ولا فرق بين هذا وبين ما ذكرنا قبل في كل نكاح فاسد * قال أبو محمد: وقال بعض القائلين: لا تكون حلالا إلا بنكاح رغبة لا ينوى به تحليلها للذى طلقها واحتجوا في ذلك بأثر رويناه من طريق احمد بن شعيب نا عمرو بن منصور نا أبو نعيم - هو الفضل بن دكين - عن سفيان الثوري عن أبى قيس - هو عبد الرحمن ابن ثروان - عن هذيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة وآكل الربا ومؤكله والمحل والمحلل له وهذا خبر لا يصح في هذا الباب سواه ثم آثار بمعناه الا أنها هالكة اما من طريق الحارث الاعور الكذاب أو من طريق اسحاق الفروى ولا خير فيه *

[ 181 ]

قال أبو محمد: اختلف الناس في المحلل الآثم الملعون والمحلل له الآثم الملعون من هما: فروينا من طريق وكيع. عن سفيان الثوري. عن المسيب بن رافع. عن قبيصة (1) بن جابر قال قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحل ولا بمحلل الا رجمته، ومن طريق ابن وهب أخبرني يزيد (2) بن عياض بن جعدبة أنه سمع نافعا يقول: ان رجلا سأل ابن عمر عن التحليل فقال له ابن عمر: عرفت عمر بن الخطاب لو رأى شيئا من ذلك لرجم فيه * قال أبو محمد: يزيد بن عياض بن جعدبة كذاب مذكور بوضع الحديث، وعن عبد الرزاق. عن سفيان الثوري. عن عبد الله بن شريك العامري قال سمعت ابن عمر يسأل عمن طلق امرأته ثم ندم فاراد أن يتزوجها رجل يحللها له؟ فقال له ابن عمر كلاهما زان ولو مكثا عشرين سنة، ومن طريق وكيع. عن أبى غسان المدنى عن عمر بن نافع. عن أبيه أن رجلا سأل ابن عمر عمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها هذا السائل عن غير مؤامرة منه أتحل لمطلقها قال ابن عمر: لا إلا بنكاح رغبة كنا نعده سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طريق ابن وهب أخبرن الليث بن سعد. عن محمد بن عبد الرحمن المرادى انه سمع ابا مرزوق (3) التجيبى يقول: إن رجلا طلق امرأته ثلاثا ثم ندما وكان له جار فاراد أن يحلل بينهما بغير علمهما فسألت عن ذلك عثمان فقال له عثمان لا الا بنكاح رغبة غير مدالسة، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الاعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: آكل الربا ومؤكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به والواصلة والمستوصلة ولاوى الصدقة والمعتدى والمرتد أعرابيا بعد هجرته عن خالد الحذاء عن مروان الاصفر عن أبى رافع قال: سئل عثمان وعلى وزيد بن ثابت عن الامة هل يحلها سيدها لزوجها إذا كان لا يريد التحليل يعنى إذا بت طلاقها؟ فقال عثمان وزيد نعم. فقام على غضبان وكره قولهما، وعن على لعن المحلل والمحلل له. ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري ومعمر كلاهما عن الاعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس: أن رجلا ساله عمن طلق امرأته كيف ترى في رجل يحلها له فقال ابن عباس من يخادع الله يخدعه. وصح عن قتادة. والحسن. والنخعي قالوا ان نوى واحد من الناكح أو المنكح (4) أو المرأة التحليل فلا يصلح فان طلقها فلا تحل للذى طلقها. ويفرق بينهما إذا كان نكاحه


(1) وفي النسخة رقم 14 عن جابر ولعله غلط (2) وفي النسخة رقم 16 زيد (3) وفي النسخة رقم 16 مروان (4) هكذا في النسخ ولعله المنكح له

[ 182 ]

على وجه التحليل. وروى عن الحسن انه سئل عن ذلك؟ فقال: اتق الله ولا تكن مسمار نار في حدود الله. وانه قال: كان المسلمون يقولون: هو التيس المستعار. وعن سعيد بن جبير المحلل ملعون. وروى أيضا عن سعيد بن المسيب وطاوس. وروينا ذلك من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أيضا. ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا مغيرة ويونس بن عبيد قال مغيرة: عن ابراهيم وقال يونس عن الحسن ثم ذكره نصا كما أوردناه. وقال سفيان الثوري ان تزوجها ليحلها للذى طلقها فاعجبته. قال سفيان يجدد نكاحا، وقال مالك ان نوى الزوج الثاني ان يتزوجها ليحلها للاول فهو نكاح فاسد مفسوخ ولها عليه المهر الذى سمى لها. ولا تحل بوطئه للاول. وذهب آخرون إلى اجازة ذلك. كما روينا من طريق عبد الرزاق عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين قال: أرسلت امرأة إلى رجل فزوجته نفسها ليحلها لزوجها فأمره عمر بن الخطاب ان يقيم عليها ولا يطلقها وأوعده أن يعاقبه ان طلقها. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه انه كان لا يرى باسا بالتحليل إذا لم يعلم أحد الزوجين به، وقال الليث بن سعد: ان تزوجها ثم فارقها لترجع إلى زوجها ولم يعلم المطلق ولا هي بذلك. وانما كان ذلك منه احتسابا فلا باس بان ترجع إلى الاول فان بين الثاني ذلك للاول بعد دخوله بها لم يضره ذلك. وهو قول سالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبى بكر. وصح عن عطاء فيمن نكح امرأة عامدا محللا ثم رغب فيها فامسكها قال لا بأس بذلك. وروينا عن الشعبى لا باس بالتحيل إذا لم يامر به الزوج وبه يقول الشافعي وأبو ثور قالا جميعا: المحلل الذى يفسد نكاحه هو الذى يعقد عليه في نفس عقد النكاح انه انما يتزوجها ليحلها ثم يطلقها. فاما من لم يشترط ذلك عليه في عقد النكاح فهو عقد صحيح لا داخلة فيه سواء شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشترط. نوى ذلك في نفسه أو لم ينوه. قال أبو ثور وهو ماجور. وأما أبو حنيفة وأصحابه فروى بشر بن الوليد عن ابى يوسف عن ابى حنيفة مثل قول الشافعي سواء سواء. وروى أيضا عن محمد بن الحسن عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أنه إذا نوى الثاني تحليلها للاول لم تحل له بذلك، وهو قول ابى يوسف ومحمد. وروى عن زفر بن الهذيل وابى حنيفة انه وان اشترط عليه في نفس العقد أنه انما يتزوجها ليحلها للاول، فانه نكاح صحيح ويحصنان به ويبطل الشرط وله أن يمسكها فان طلقها حلت للاول. وروى ذلك عن زفر عن ابى حنيفة والحسن ابن زياد *

[ 183 ]

قال أبو محمد: أما احتجاج المالكيين بمن ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم فهو كله عليهم لا لهم أما عمر فلم يأت عنه بيان من هو المحلل الملعون الذى يستحق الرجم فليسوا أولى به من غيرهم ثم قد خالفوا عمر في ذلك فلا يرون فيه الرجم. ثم قد أوردنا عن عمر اجازة طلاق المحلل فبطل تعلقهم به. وكذلك الرواية عن على وابن مسعود ليس فيها عنهما: أي المحللين هو الملعون ونحن نقول ان الملعون هو الذى يعقد نكاحه معلنا بذلك فقط، وأما عثمان وزيد فهم مخالفون لهما في تلك الفتيا بعينها في أن وطئ السيد بملك اليمين يحللها للذى بتها ومن الباطل أن يحتج بقولهم في موضع ولا يحتج به في آخر، هذا تلاعب بالدين. واما ابن عمر فقد خالفوه في انه زنا. وأما ابن عباس فليس عنه بيان أن النكاح فاسد ولا انها لا تحل به وكم قضية خالفوا فيها ابن عباس مع انه لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. واما الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لعن المحلل والمحلل له فنعم كل ماقاله عليه الصلاة والسلام فهو حق الا أننا وجميع خصومنا لا نختلف في أن هذا اللفظ منه عليه الصلاة والسلام ليس عموما لكل محل ولكل محلل له ولو كان ذلك وأعوذ بالله وقد أعاذنا الله تعالى من ذلك للعن كل واهب وكل موهوب له وكل بائع وكل مبتاع له وكل ناكح وكل منكح لان هؤلاء كلهم محلون لشئ كان حراما ومحلل لهم أشياء كانت حراما عليهم، هذا ما لا شك فيه فصح يقينا أنه عليه الصلاة والسلام انما أراد بعض المحلين وبعض المحلل لهم فإذا هذا كالشمس وضوحا ويقينا لا يمكن سواه فلا يحل لمسلم أن ينسب إليه عليه الصلاة والسلام أنه أراد أمر كذا إلا بيقين من نص وارد لا شك فيه والا فهو كاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقول له ما لم يقله ومخبر عنه بالباطل فإذ هذا كله يقين فالمحل المعلون والمحلل له كذلك انما هما بلا شك من أحل حراما لغيره بلا نص: ثم نظرنا هل يدخل في ذلك من تزوج وفي نيته أن يحلها لمطلقها ثلاثا أم لا يدخل: فوجدنا كل من يتزوج مطلقة ثلاثا فانه بوطئه لها محل والمطلق محلل له نوى ذلك أو لم ينوه فبطل ان يكون داخلا في هذا الوعيد لانه حتى انه اشترط ذلك عليه قبل العقد فهو لغو من القول ولم ينعقد النكاح الا صحيحا بريا من كل شرط بل كما أمر الله عزوجل: وأما بنيته لذلك فقد قلنا فيها الآن ما كفى، والعجب ان المخالفين لنا يقولون فيمن تزوج امرأة وفي نيته أن لا يمسكها إلا شهرا ثم يطلقها إلا أنه لم يذكر ذلك في عقد النكاح فانه نكاح صحيح لا داخلة فيه وهو مخير ان شاء طلقها وان شاء أمسكها وانه لو ذكر ذلك في نفس العقد لكان عقدا فاسدا مفسوخا فأى فرق بين ما أجاز وبين ما منعوا منه وليس هذا قياسا لاحد الناكحين على صاحبه لكنه كله باب واحد يبين حكمه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قد ذكرناه باسناده عفى لامتي عما حدثت به

[ 184 ]

أنفسها ما لم يخرج ذلك بقول أو عمل لا سيما وقد جاء في ذلك الخبر الثابت عنه عليه الصلاة والسلام من قوله للتى طلقها رفاعة القرظى وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير أتريدين ان ترجعي إلى رفاعة لاحتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته أو كما قال عليه الصلاة والسلام فلم يجعل عليه الصلاة والسلام إرادتها الرجوع إلى الذى طلقها ثلاثا مانعا من رجوعها إذا وطئها الثاني فصح بذلك قولنا وبقى قولهم وتأويلهم عاريا من كل برهان ودعوى لا حجة على صحتها: وصح ان المحلل الملعون هو الذى يتزوجها ببيان انه انما يتزوجها ليحلها ثم يطلقها ويعقدان النكاح على هذا فهذا حرام مفسوخ ابدا لانهما تشارطا شرطا يلتزمانه ليس في كتاب الله تعالى اباحة التزامه وقد قال عليه الصلاة والسلام " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " وصح أن كل عقد نكاح أو غيره عقد على ان لا صحة له بصحة ما لا صحة له فهو باطل لا صحة له وبالله تعالى نتايد: فان ذكروا ما حدثناه احمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن اصبغ نا اسماعيل بن اسحاق نا اسحاق بن محمد الفروى نا ابراهيم بن اسماعيل الفروى عن داود حدثنى عكرمة عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المحلل فقال " لا نكاح الا نكاح رغبة لا نكاح الا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا مستهزى بكتاب الله تعالى ثم تذوق العسيلة " فهذا حديث موضوع لان اسحاق بن محمد الفروى ضعيف جدا متروك الحديث. ثم عن ابراهيم بن اسماعيل وهو بلا شك إما ابن مجمع واما ابن أبى حبيبة وكلاهما انصاري مدنى ضعيف لا يحتج بهما: ثم لو صح لم يكن فيه علينا حجة لانهم لا يأتوننا بأى المحللين أراد عليه السلام وقد ببنا قبل انه عليه الصلاة والسلام لم يرد كل محلل وانما في هذا الخبر انه لا نكاح الا نكاح رغبة وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر الله عزوجل (حتى تنكح زوجا غيره) وهو زوج غيره بلا شك وكما بين عليه الصلاة والسلام حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة الآخر فهو إذا وطئها قد ذاق كل واحد عسيلة الآخر وفيه لا نكاح دلسة وليس هذا نكاح دلسة. انما الدلسة ان يدلس له بغير التى تزوج أو الذى يتزوج لا رغبة في نكاح لكن ليضربها في نفسها أو مالها وهم يبيحون نكاح من لا تنكح الا لمالها أو لحسبها أو لوجاهة أبيها أو أخيها لا رغبة فيها وهذا تناقض منهم وفيه ولا مستهزئ بكتاب الله عزوجل وهذان ليس منهم احد مستهزئا بكتاب الله عزوجل بل كل واحد منهم طائع لكتاب الله عزوجل عاملون به ممتنعون من خلافه إذ قصوا مالا يحل له مراجعتها الا بما امر الله تعلى به إنما المستهزئ بكتاب الله عزوجل من يخالف ما فيه أو لو تزوجها قبل زوج فصح ان هذا الخبر على سقوطه عليهم لا لهم، وخبر آخر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر أن ابن شهاب اخبرهما عن عروة بن

[ 185 ]

الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها أخبرته بخبر امرأة رفاعة القرظى إذ طلقها ثلاثا وذكرها للنبى صلى الله عليه وسلم أنه ليس معه الا مثل هدبة من ثوبها وقوله عليه الصلاة والسلام تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلتك، ثم روينا عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين انها قالت: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فقعدت ثم جاءته بعد فأخبرته أنه قد مسها فمنعها ان ترجع إلى زوجها الاول وقال اللهم ان كان (1) إنما بها أن يحلها لرفاعة فلا يتم له نكاحها مرة أخرى تم أتت أبا بكر وعمر في خلافتهما فمنعاها * قال أبو محمد: فهذه حجة قاطعة لنا عليهم لان فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبطل نكاحها لعبد الرحمن مع تقديره أنه انما يريد احلالها لرفاعة لكن لما أنكرت أن عبد الرحمن وطئها ثم لما علمت أنها لا تحل له الا بعد ان يطأها عبد الرحمن رجعت عن ذلك الانكار وأقرت بانه وطئها، وقوله عليه الصلاة والسلام ان كان انما بها ان يحلها لرفاعة فلا يتم له نكاحها مرة أخرى انما هو بلا شك انه لا يتم لرفاعة نكاحها مرة أخرى: والمالكيون لا يختلفون إذا لم تكن نية الزوج الثاني احلالها للاول وكانت هي لم تنو قط بزواجها اياه الا لتحليلها للاول فانها تحل بذلك العقد وبالوطئ فيه وهذا خلاف لهذا الخبر بيقين وانما في هذا الخبر انها لا تصدق إذا أنكرت مس الثاني لها ثم علمت أنها لا تحل له الا بوطئة اياها فأقرت بأنه وطئها وبهذا نقول انها لا تصدق الا حتى يجتمع اقرارها واقرار الزوج بالوطئ أو تقوم بوطئه لها بينة وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: ولو أخذ لذلك أجرة فهى أجرة حرام فرض ردها قال أبو محمد: وما نعلم لمن خالف قولنا حجة أصلا لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا قياس ولا سيما قول مالك الذى خص نية الزوج الثاني دون نيتها ودون نية المطلق * 1956 مسألة: لا يقع طلاق الا بلفظ من أحد ثلاثة ألفاظ: إما الطلاق واما السراح واما الفراق مثل أن يقول أنت طالق أو يقول مطلقة أو قد طلقتك أو أنت طالقة أو أنت الطلاق أو أنت مسرحة أو قد سرحتك أو أنت السراح أو أنت مفارقة أو قد فارقتك أو أنت الفراق هذا كله إذا نوى به الطلاق فان قال في شئ من ذلك كله لم انو الطلاق صدق في الفتيا ولم يصدق في القضاء في الطلاق وما تصرف منه وصدق في سائر ذلك في القضاء ايضا *


(1) هكذا في النسخ والمعنى انما نزل بها ووطئها (م 24 - ج 10 المحلى)

[ 186 ]

برهان ذلك قوله عزوجل (ثم طلقتموهن) وقوله تعالى (فطلقوهن * وللمطلقات متاع) وقوله تعالى (وسرحوهن سراحا جميلا) وقوله تعالى (فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) وقوله تعالى (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف). (وان يتفرقا يغن الله كلا من سعته) لم يذكر الله تعالى حل الزوج للزوجة الا بهذه الالفاظ فلا يجوز حل عقدة عقدت بكلمة الله عزوجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الا بما نص الله عزوجل عليه (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه): واما قولنا ان نوى مع ذلك الطلاق فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى " وأما تفريقنا بين ألفاظ الطلاق فلم يوجب أن اعى قوله فيها: لم أنو الطلاق في القضاء خاصة وراعينا ذلك في الفاظ السراح والفراق فلان لفظة الطلاق وما تصرف منها لا يقع في اللغة التى خاطبنا الله عزوجل بها في احكام الشريعة الا على حل عقد الزواج فقط لا معنى آخر البتة فلا يجوز أن يصدق في دعواه في حكم قد ثبت بالبينة عليه وفي اسقاط حقوق وجبت يقينا للمرأة بالطلاق قبله وراعينا دعواه تلك في الفتيا لانه قد يريد لفظا آخر فيسبقه لساني إلى ما لم يرده فإذا لم يعرف ذلك إلا بقوله فقوله كله مقبول لا يجوز أخذ بعضه وإسقاط بعضه، وأما الفاظ السراح والفراق فانها تقع في اللغة التى بها خاطبنا الله عزوجل في شرائعه على حل عقد النكاح وعلى معان أخر وقوعا مستويا ليس معنى من تلك المعاني أحق بتلك اللفظة من سائر تلك المعاني فيكون أنت مسرحة أي أنت مسرحة للخروج إذا شئت وبقوله قد فارقتك وأنت مفارقة في شئ مما بينهما ما لم توافقه فيه فلما كان ذلك كذلك لم يجز أن يحكم بحل عقد صحيح بكلمة الله عزوجل بغير يقين ما يوجب حلها وبالله تعالى التوفيق * 1957 مسألة: وما عدا هذه الالفاظ فلا يقع بها طلاق ألبتة نوى بها طلاقا أو لم ينو. لا في فتيا ولا في قضاء مثل الخلية والبرية وأنت مبرأة وقد بارأتك وحبلك على غاربك والحرج وقد وهبتك لاهلك أو لمن يذكر غير الاهل والتحريم والتخيير والتمليك. وهذه الفاظ جاءت فيها آثار مختلفة الفتيا عن نفر من الصحابة رضى الله عنهم. ولم يأت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ أصلا ولا حجة في كلام غيره عليه الصلاة والسلام لا سيما في أقوال مختلفة ليس بعضها أولى من بعض. فاما التحريم والتخيير والتمليك وقد وهبتك فقد ذكرناها قبل ونذكرها هنا ان شاء الله عزوجل ما يسر لنا من أقوال السلف في سائر الالفاظ التى لم نذكرها قبل وههنا أيضا ألفاظ جاءت فيها آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وهى البائن والبتة واعتدى والحقى باهلك وأمرك

[ 187 ]

بيدك: فأما امرك بيدك فقد ذكرناه قبل فلابد من ذكر الآثار التى جاءت في سائر هذه الالفاظ وبيان حكمها ان شاء الله عزوجل وههنا ايضا الفاظ لم يأت في شئ منها أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صحيح ولا سقيم ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم ولكن جاءت فيها فتاوى مختلفة عن نفر من التابعين فنذكر ان شاء الله عزوجل من ذلك ما يسر الله تعالى لنا ذكره، واما الالفاظ التى لم يأت فيها أثر لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم ولا عن أحد من التابعين رحمهم الله وانما جاءت فيها فتاوى عن فقهاء الامصار بآرائهم فلا معنى للاشتغال بها لانه لا يستحل تفريق نكاح مسلم واباحة فرج مسلمة لغير من أباحه الله تعالى له الا مقلد ضال بتقليده مستهلك هالك ونعوذ بالله من الخذلان * 1958 مسألة: في الالفاظ التى جاءت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى ألحقى بأهلك. واعتدى والبتة. والبائن. فاما ألحقى باهلك فكما روينا من طريق البخاري ثنا الحميدى ثنا سفيان الثوري قال: حدثنى الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين " أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت أعوذ بالله منك قال لها لقد عذت بعظيم ألحقى باهلك " * قال أبو محمد: وليس في هذا الخبر حجة لمن ادعى ان ألحقى باهلك لفظ يقع به الطلاق لما رويناه من طريق البخاري نا أبو نعيم هو الفضل بن دكين نا عبد الرحمن بن الغسيل. عن حمزة بن أبى أسيد. عن ابيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوتى بالجونية فأنزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل في نخل ومعها دابتها فدخل عليه الصلاة والسلام عليها فقال لها هبى لى نفسك قالت وهل تهب الملكة نفسها لسوقة فاهوى ليضع يده عليها لتسكن فقالت أعوذ بالله منك فقال قد عذت بمعاذ ثم خرج فقال يا أبا أسيد اكسها رازقيتين (1) وألحقها باهلها: ومن طريق مسلم حدثنى محمد بن سهل نا ابن أبى مريم - هو سعيد - نا محمد - هو ابن مطرف أبو غسان - أخبرني أبو حازم عن سهل بن سعد قال ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب فامر أبا أسيد أن يرسل إليها فارسل إليها فقدمت فنزلت في أجم (2) بنى ساعدة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كلمها قالت أعوذ بالله منك قال قد أعذتك منى فقالوا لها أتدرين من هذا قالت لا قالوا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءك ليخطبك قالت أنا كنت أشقى من ذلك. فهذه كلها أخبار عن قصة واحدة في امرأة واحدة في مقام واحد


(1) تثنية رازقية وهي ثياب كتان بيض (2) أجم بضمتين جمعها آجام وهي الحصون

[ 188 ]

فلاح انه عليه الصلاة والسلام لم يكن تزوجها بعد وانما دخل عليها ليخطبها فبطل تعلقهم بقوله عليه الصلاة والسلام ألحقى باهلك ثم لو صح أنه عليه الصلاة والسلام كان قد تزوجها فليس فيه أنه عليه الصلاة والسلام ذكر انه انما طلقها بقوله ألحقى باهلك. ولا تحل النكاحات الصحاح الا بيقين. وقد روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا سليمان بن داود نا ابن وهب عن يونس بن يزيد قال قال ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن ابن كعب بن مالك أن عبد الرحمن بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديث تخلفه عن تبوك فذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه يأمره أن يعتزل امرأته قال فقلت لرسوله أطلقها أم ماذا أفعل قال لابل اعتزلها فلا تقربها قال كعب فقلت لامرأتي ألحقى باهلك فكوني فيهم حتى يقضى الله في هذا الامر فهاذا كعب لم ير ألحقى باهلك من ألفاظ الطلاق ولا يعرف له مخالف في ذلك من الصحابة رضى الله عنهم، وروينا عن قتادة أيضا أنه ليس ذلك شئ: وجاءت عن التابعين في ذلك آثار، روينا عن الشعبى. والحسن: ان من قال لامرأته. الحقى باهلك فهو على ما نوى وهو قول مالك. والشافعي. وصح عن الحسن: ان نوى طلاقا فهى واحدة رجعية، والا فليس بشئ: ورويناه عن الشعبى ايضا: وروى عن عكرمة انها طلقة واحدة رجعية فقط: وعن الزهري انها طلقة واحدة وقال أبوحبيفة واصحابه ان نوى واحدة أو اثنتين فهى طلقة واحدة بائنة ولابد وان نوى ثلاثا فهى ثلاث وان لم ينو طلاقا فليس طلاقا. قال زفر: وان نوى اثنتين فهى اثنتان. واما البائن ففيه الخبر الثابت من طريق احمد بن شعيب انا احمد بن عبد الله بن الحكم نا محمد بن جعفرنا شعبة عن ابى بكر بن أبى الجهم قال دخلت على فاطمة بنت قيس فذكرت الحديث وفي آخره وكان زوجها طلقها طلاقا بائنا * قال أبو محمد: وهذا لا حجة فيه لانه ليس من لفظها انما هو من لفظ من دونها، وليس فيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع هذه اللفظة فجعلها طلاقا، ولا حجة فيمن دونه عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرنا في باب طلاق الثلاث مجموعة كيف كان طلاق فاطمة بنت قيس واختلف عن السلف في ذلك فصح عن على ما رويناه عن شعبة نا عطاء ابن السائب حدثنى أبو البحتري عن على بن ابى طالب انه قال في البائنة هي ثلاث، ومن طريق قتادة عن الحسن عن زيد بن ثابت انه قال في البائنة هي ثلاث. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الحسن والزهرى انهما كانا يجعلان البائنة بمنزلة الثلاث. وهو قول ابن ابى ليلى والاوزاعي، وابو عبيد، وروينا غير هذا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان

[ 189 ]

الثوري عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب قال في البائنة: هي طلقه واحدة وهو أحق بها، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أن عمرو بن دينار قال في البائنة هي طلقة واحدة ويدين، قال ابن جريج فقلت له فان نوى بها ثلاثا قال هي واحدة ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس - هو ابن عباد - عن عطاء بن أبى رباح انه قال في البائنة هي واحدة وهو أحق بها، وهو قول أبى ثور إلا أنه قال لا ينوى، وسواء نوى ثلاثا أو اثنتين أو واحدة وهو قول اسحاق بن راهويه. وابى سليمان إلا أنهما قالا ان قال لم أنو طلاقا لم يكن طلاقا، وقول ثالث رويناه من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي قال في البائنة هي واحدة بائنة. وقول رابع له نيته فان نوى ثلاثا فهى ثلاث، وان نوى اثنتين فهى اثنتان، وان نوى واحدة فواحدة، وان قال لم أنو طلاقا فليس طلاقا رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وهو قول الشافعي، وقول خامس وهو انه في المدخول بها ثلاث ولابد وفي غير المدخول بها واحده فقط وروى عن ربيعة وهو قول الليث بن سعد، وقول سادس انها في المدخول بها ثلاث، ولابد وفي غير المدخول بها ما نوى من واحدة أو اثنتين أو ثلاث وهو قول مالك وأصحابه، ولا نعلم هذا القول عن احد ممن قبله، وقول سابع انه ان قال لها ذلك في غضب أو في غير غضب ما لم يكن في ذكر طلاق فانه ينوى، فان قال لم أنو طلاقا فليس طلاقا، وان قال نويت طلاقا بلا عدد، أو قال نويت واحدة رجعية أو قال نويت واحدة بائنة، أو قال نويت اثنتين رجعيتين أو بائنتين فهى في كل ذلك طلقة واحدة بائنة ولابد، فلو كان ذلك في ذكر طلاق فكذلك سواء سواء إلا أنه لا يصدق في قوله لم أنو طلاقا قفط، وهو قول أبى حنيفة، وأبى يوسف ومحمد بن الحسن، وقول ثامن وهو قول سفيان الثوري مثل قول أبى حنيفة سواء سواء في كل ما ذكرنا إلا أنه لم يفرق بين ذكر طلاق وغير ذكره ولا بين غضب وغيره. وقول تاسع وهو قول زفر بن الهذيل مثل قول ابى حنيفة، إلا انه قال: ان نوى اثنتين فهى اثنتان باثنتان ولابد. وأما البات والبتة فروينا من طريق مسلم نا عبيدالله بن معاذ العنبري نا أبى نا شعبة ثنا أبو بكر - هو ابن ابى الجهم - انه دخل على فاطمة بنت قيس فحدثته أن زوجها طلقها طلاقا باتا، ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن بشر نا محمد بن عمرو نا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس قالت كنت عند رجل من بنى مخزوم فطلقني البتة وذكرت الحديث، ومن طريق مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الاسود بن سفيان عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن ابا عمرو بن حفص طلقها البتة فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطت (1) فقال والله مالك علينا من شئ فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت


(1) وفي النسخة رقم 14 فسخطته

[ 190 ]

ذلك له فقال لها ليس لك عليه نفقة، وذكرت الحديث، ومن طريق مسلم نا عمرو الناقد نا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وانما معه مثل هدبة الثوب فقال عليه الصلاة والسلام: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك * ومن طريق احمد بن شعيب أنا عمرو بن على انا يزيد بن زريع نا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن امرأة رفاعة قالت: يا رسول الله انى كنت تحت رفاعة فطلقني البتة وذكرت الحديث كما أوردناه آنفا حرفا حرفا، ومن طريق ابى داود نا أبو ثور ابراهيم بن خالد الفقيه نا محمد بن ادريس الشافعي حدثنى عمى محمد بن على بن شافع عن عبد الله بن على بن السائب عن نافع عن عجير بن عبد يزيد عن ركانة بن عبد يزيد أنه طلق امرأته سهمية البتة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: والله ما أردت بذلك الا واحدة فقال له عليه الصلاة والسلام: والله ما أردت الا واحدة فقال: ركانة والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق ابى داود نا سليمان بن داود العتكى نا جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد هو الهاشمي عن جده انه اطلق امرأته البتة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردت؟ قال واحدة قال الله قال الله قال عليه الصلاة والسلام هو على ما أردت * وأما من دونه عليه الصلاة والسلام فمن طريق شعبة نا عطاء بن السائب أخبرني أبوالبخترى (1) عن على بن ابى طالب انه قال في البتة هي ثلاث، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال في البتة هي ثلاث: ومن طريق ابن وهب أخبرنا مسلمة ابن على عن محمد بن الوليد الزبيدى (2) عن الزهري قال: من بت امرأته لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قال الزبيدى وقال الخلفاء مثل ذلك هذا منقطع ورويناه ايضا منقطعا عن عمر ابن الخطاب وعن ابن عباس والقاسم بن محمد وربيعة ومكحول والحسن ولا يصح شئ من ذلك الا عن على وابن عمر، وصح عن الزهري وقتادة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وروى عن سعيد بن المسيب. وهو قول ابن ابى ليلى. والاوزاعي. وأبى عبيد. وقول ثانى رويناه من طريق شعبة عن ابى اسحاق الشيباني عن عبد الله بن شداد بن الهادى عن عمر ابن الخطاب قال: البتة واحدة وهو احق بها، ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج اخبرني عمرو بن دينار أخبرني محمد بن عباد بن جعفر المخزومى ان المطلب بن حنطب جاء إلى عمر بن الخطاب فقال له: انى قلت لامرأتي أنت طالق البتة فتلا عمر:


(1) وفي النسخة رقم 16 البحترى (2) وفي النسخة رقم 16 الزهري والاولى الزبيدى

[ 191 ]

(يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) ثم تلا: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم) الواحدة تبت ارجع إلى أهلك، وصح هذا عن ابان بن عثمان. وسعيد بن جبير، وأبى ثور، وابى سليمان إلا ان أبا سليمان قال: ان لم ينو طلاقا فليس طلاقا فان نوى ثلاثا أو اثنتين فهى واحدة رجعية، وقول ثالث إنه ينوى فيكون ما نوى، صح ذلك عن شريح وهو قول الشافعي وأصحابه، وقول رابع صح عن ابراهيم النخعي ان البتة ان نواها طلقة فهى واحدة بائنة، وان نواها ثلاثا فهى ثلاث، وقول خامس وهو انه ان قال ذلك لمدخول بها، فهى ثلاث ولابد، وان قالها لغير مدخول بها فهو على ما نوى ان واحدة فواحدة وان اثنتين فاثنتان وان ثلاثا فثلاث وان لم ينو عددا فهى ثلاث، وهو قول مالك ولا يعرف هذا عن احد من السلف قبله نعنى هذا الفرق، وقول سادس انه ان قال ذلك في ذكر طلاق فان نوى واحدة أو اثنتين أو لم ينو عددا فهى واحدة بائنة، فان قال لم انو طلاقا لم يصدق فان قال لها ذلك في غير ذكر طلاق فكذلك سواء سواء إلا أنه ان قال: لم أنو طلاقا صدق. وهو قول ابى حنيفة واصحابه الا زفر بن الهذيل فانه وافقهم في كل ذلك إلا انه قال ان نوى اثنتين فهى اثنتان باثنتان * قال أبو محمد: وقد قلنا ونقول لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما في أقوال مختلفة لا برهان على صحة شئ منها فلم يبق الا الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم: فأما التى من طريق فاطمة فقد بينا قبل أنه قد صح أن طلاق زوجها لها كان ثلاثا هكذا أو آخر ثلاث فوجب ضرورة أن قول من قال في خبرها البتة أوبت طلاقها أو بائنا أنه انما عنى من عند نفسه آخر ثلاث طلقات فبطل التعلق بها: وأما حديث امرأة رفاعة فكذلك أيضا لما رويناه من طريق مسلم نا عبد بن حميدنا عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين أن رفاعة القرظى طلق امرأته فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ان رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات وذكرت الخبر ففسر عبد الرزاق عن معمر ما أجمله غيره: وصح ان طلاقه لها كان آخر ثلاث تطليقات: ثم نظرنا في خبر ركانة فوجدناه من طريق عبد الله ان على بن يزيد عن نافع. عن عجير وكلاهما مجهول: ولو صح لقلنا به مبادرين إليه: ثم نظرنا في حديث الزبير بن سعيد فوجدناه ضعيفا والزبير هذا متروك الحديث فبطل التعلق بكل أثر في هذه المسألة ولا يحل تحريم فرج على من أباحه الله عزوجل له واباحته لمن حرمه الله عليه بغير قرآن ولاسنة لا سيما قول مالك وأبى حنيفة لا يعرف أحد قال بهما قبلهما (واما اعتدى) فان بعض من لا يبالى بنصر ضلاله بأن يورد الكذب المفترى على

[ 192 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ادعى ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لسودة أم المؤمنين اعتدى فكان طلاقا ثم راجعها * قال أبو محمد: وهذا كذب موضوع ما صح قط ان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق امرأة من نسائه الا حفصة فقط ثم راجعها. وأما سودة فلا. انما جاء فيها انها وهبت يومها وليلتها لما أسنت لعائشة رضى الله عنها: وجاء انه عليه الصلاة والسلام اراد فراقها فلما رغبت إليه عليه الصلاة والسلام في امساكها وتجعل يومها وليلتها لعائشة لم يفارقها فبقى من دونه عليه الصلاة والسلام فذكر عن ابن مسعود انها طلقة: وصح هذا أيضا عن ابراهيم. ومكحول. والاوزاعي. وصح عن عطاء انه طلاق: وصح عن قتادة انها طلقة واحدة فان كررها ثلاث مرات فهى ثلاث تطليقات إلا ان يقول أردت افهامها فهو كما قال وروى عن الشعبى هي واحدة نوى ثلاثا أو أقل: وعن الحسن ان قال أنت طالق اعتدى فهى اثنتان إلا ان ينوى واحدة وكان قتادة يجعلها اثنتين. وقال أبو حنيفة: ان نوى بقوله اعتدى طلاقا فهو طلاق وان قال لم أنه طلاقا فان كان في غير غضب وفي غير ذكر طلاق صدق وان كان في ذكر طلاق أو في غضب لم يصدق ولزمته طلقة واحدة رجعية سواء قال لم أنو طلاقا أو قال نويت طلاقا بلا عدد أو قال نويت طلقة رجعية أو قال نويت بائنة أو قال نويت طلقتين رجعيتين أو قال نويت طلقتين بائنتين أو قال نويت ثلاثا قالوا فان قال لها اعتدى اعتدى اعتدى فان قال نويت طلقة واحدة أو قال لم أنو شيئا فهى ثلاث ولابد: وان قال نويت بالاولى طلاقا ونويت بالاثنتين الحيض صدق قالوا فان قال: اعتدى ثلاثا سئل عن نيته فان قال نويت واحدة تعتد لها ثلاث حيض صدق قال أبو محمد: هذه شرائع لا تقبل من أحد الا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى الذى لا يسأل عما يفعل وأما من دونه فهى ضلالات ووساوس وتلاعب ونعوذ بالله من الخذلان مع ان هذه التقاسيم الفاسدة لم تحفظ عن أحد سلف قبل أبى حنيفة: وقال مالك ان قال لامرأته اعتدى فانه ينوى فان قال لم أنو طلاقا لم يصدق ولزمته طلقة رجعية: وكذلك ان نوى طلاقا بغير عدد: فان قال نويت اثنتين فهى اثنتان وان قال نويت ثلاثا فهى ثلاث وهذا أيضا تقسيم لا يعرف عن أحد قبله فإذ ليس في هذا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحل ابطال نكاح صحيح وتحريم فرج واحلاله بآراء فاسدة بغر نص وبالله تعالى التوفيق * واما الالفاظ التى فيها آثار عن الصحابة رضى الله عنهم لا عن النبي صلى الله عليه وسلم فهى الخلية وقد خلوت منى والبرية وقد بارأتك وأنت مبرأة وحبلك على غاربك والحرج والتخيير والتمليك وقد وهبتك فاما التحريم والتخيير والتمليك وقد وهبتك فقد ذكرناها ونذكر البواقى ها هنا ان شاء الله تعالى (فمن ذلك الخلية) روينا من طريق عبد الله بن احمد بن حنبل. عن أبيه. عن محمد

[ 193 ]

ابن جعفر عن شعبة. عن عطاء بن السائب. عن أبى البخترى. عن على بن أبى طالب قال في الخلية انها ثلاث: ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال في الخلية انها ثلاث وهذا (1) قول ابن أبى ليلى. وأبى عبيد وقول ثان كما روينا من طريق عبد الرزاق. عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي. ان عمر بن الخطاب قال في الخلية هي واحدة وهو أحق بها وصح عن الزهري وقتادة انهما قالا جميعا في الخلية وخلوت عنى (2) هي واحدة رجعية، وصح عن الحسن أيضا. وعن عطاء، وهو قول أبى ثور، وقول ثالث كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن مروان الاصفر قال قال رجلا لامرأته ان خرجت فأنت خلية فخرجت ففرق معاوية بن أبى سفيان بينهما فهذا تفريق فقط ولم يذكر انه طلاق، وقول رابع كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن زياد الاعلم عن الحسن قال في الخلية قال هي واحدة بائنة، وقول خامس صح عن ابراهيم النخعي انه قال كان أصحابنا يقولون الخلية ان نوى واحدة فهى واحدة بائنة، وان نوى ثلاثا فهى ثلاث، ومن طريق وكيع عن الحسن بن حر عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال في الخلية ان نوى اثنتين فهى اثنتان، وصح عن شريح انه قال يدين فان نوى واحدة فهى واحدة بائنة، وصح عن عطاء انه قال نت خلية أو خلوت منى سواء هي سنة لا يدين وهى طلاق، وصح عن عمرو بن دينار انما هي واحدة ويدين نوى طلاقا أو لم ينو وعن مروان وعمر بن عبد العزيز انه ينوى ويلزمه ما نوى وهو قول الشافعي واسحاق ابن راهويه، وقول سادس روى عن ربيعة في الخلية انها ثلاث في المدخول بها وفي غير المدخول بها واحدة، وقول سابع قاله مالك وهو ان الخلية في المدخول بها ثلاث ولابد وفي غير المدخول بها ان نوى ثلاثا فثلاث وان نوى اثنتين فهى اثنتان وان نوى واحدة فواحدة ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد قبله، وقول ثامن قاله أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري ان نوى بالخلية ثلاثا فهى ثلاث وان نوى واحدة أو اثنتين فهى واحدة بائنة فقط قال أبو حنيفة: واصحابه فان قال لم انو طلاقا فان كان في ذكر طلاق لم يصدق ولزمته واحدة بائنة وان كان في غير ذكر طلاق صدق سواء كان في غير غضب أو في غضب * قال أبو محمد: ان من الشنع تفريقه بين الغضب وغير الغضب وتسويته مرة بينهما وهذا كله لا يعرف عن احد قبله، وقد قلنا: ان تحريم الفروج المحللة وتحليل الفروج المحرمة لا يحل لاحد بغى نص قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واما البرية وانت مبرأة منى وقد بارأتك وقد برئت منى: فروينا من طريق عبد الله بن احمد


(1) وفي النسخة رقم 14 وهو قول (2) في النسخة رقم 14 منى (م 25 - ج 10 المحلى)

[ 194 ]

ابن حنبل عن ابيه عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى عن على بن ابى طالب انه قال في البرية هي ثلاث، ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر انه قال في البرية هي ثلاث، ومن طريق قتادة. عن الحسن عن زيد بن ثابت قال البرية ثلاث، وصح عن قتادة. والزهرى ان البرية ثلاث، وصح عن الحسن ايضا ففرق الزهري وقتادة بين الخلية وبين البرية كما ذكرنا، وهو قول ابن وهب صاحب مالك، وقول ثانى كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي ان عمر بن الخطاب قال في البرية هي واحدة وهو أحق بها وروينا عن ابن عباس ان البرية واحدة وهو قول ابى ثور وابى سليمان واصحابنا. وبعض أصحاب مالك، وقول ثالث صح عن ابراهيم النخعي انه قال كان أصحابنا يقولون في البرية هي واحدة بائنة، وقول رابع كما روينا صحيحا عن ابراهيم النخعي قال كان اصحبانا يقولون في البرية ان نوى ثلاثا فثلاث وان نوى واحدة فواحدة بائنة، وصح عن ابراهيم ايضا وان نوى اثنتين فاثنتان وهو قول الشعبى. وعطاء. وعمرو بن دينار والشافعي. وقول خامس قاله ربيعة في المدخول بها ثلاث ولابد وفي غير المدخول بها واحدة، وقول سادس قاله مالك في البرية في المدخول بها ثلاث ولابد وفي غير المدخول بها واحدة الا ان ينوى اكثر فيكون ما نوى، وقول سابع قاله أبو حنيفة واصحابه: الازفر. وسفيان الثوري ان نوى ثلاثا فهى ثلاث وان نوى واحدة رجعية أو بائنة أو اثنتين رجعيتين أو بائنتين فهي واحدة بائنة لا أكثر، قال أبو حنيفة: وأصحابه ان قال لم أنو طلاقا فان كان في ذكر طلاق لم يصدق فان كان في غير ذكر طلاق فهو مصدق سواء كان ذلك في ذكر غضب أو في غير ذكر غضب، وقال زفر گذلك الا أنه قال وان نوى اثنتين فهى اثنتان بائنتان * قال أبو محمد: لا نعلم قول مالك وأبى حنيفة عن أحد قبلهما ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وسواء عندهم البرية وقد بارأتك وأنت مبرأة الا رواية عن ابن القاسم صاحب مالك فانه قال من قال قد بارأتك فهى واحدة بائنة في المدخول بها * قال أبو محمد: لا يحل تحريم فرج محلل بحكم الله عزوجل وتحليل فرج محرم بحكمه تعالى بغير نص وبالله تعالى التوفيق، واما الحرج فصح عن على انه قال إذا قال أنت طالق طلاق الحرج فهى ثلاث، وصح عن الحسن أيضا وعن الزهري في أحد قوليه، وقول ثان عن عمر بن الخطاب هي واحدة وهو أحد قولى الزهري، وقول ثالث قال سفيان الثوري له نيته وهو قول اسحاق بن راهويه *

[ 195 ]

قال أبو محمد: قد قلنا إنه لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما حبلك على غاربك فروينا عن مالك أن عمر كتب أن يجلب إلى مكة رجل من العراق قال لامرأته: حبلك على غاربك فأحلفه عند الكعبة ماذا أراد فقال أردت الفراق فقال له عمر: فهو ما أردت فجمع هذا الحكم ثلاثة أوجه، أحدها التحليف، والثانى الاستجلاب فيه من العراق إلى مكة، والثالث انه على ما نوى وروينا عن على انه على ما نوى، وقول ثان قاله مالك حبلك على غاربك في المدخول بها ثلاث وفي غير المدخول بها واحدة ولا يعرف هذا عن أحد قبله، وأما الالفاظ التى لم تأت منها لفظة عن صاحب من الصحابة رضى الله عنهم وانما جاء فيها أقوال عن نفر من التابعين فنذكر منها ما يسر الله تعالى لذكره ان شاء الله عزوجل * فمنها قد أعتقتك فروينا عن عطاء ان نوى الطلاق فهو طلاق والا فليس شيئا، وصح عن الحسن فيمن قال لامرأته أنت عتيقة قال: هي واحدة وقال قتادة: ان قال لها أنت حرة فله ما نوى. وأما قد أذنت لك فتزوجي فصح عن ابراهيم أنه ليس بشئ، وصح عنه أيضا ان لم ينو طلاقا فليس بشئ. وعن الشعبى أقل من هذا يكون طلاقا، وصح عن قتادة انها طلقة: وروى عن الحسن هي طلقة رجعية * واما اخرجي عن بيتى ما يجلسك لست لى بامرأة فصح عن الحسن انه قال من كررها ثلاثا فهى واحدة وينوى، واما لا حاجة لى فيك فصح عن ابراهيم انه قال له نيته، وعن الحسن ان نوى الطلاق فهى طلقة وعن مكحول ليس بشئ، ومن طريق وكيع عن شعبة سألت الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان عمن قال لامرأته إذ هبى حيث شئت لا حاجة لى فيك فقالا جميعا: ان نوى طلاقا فهى واحدة رجعية * واما استبرئي واخرجي واذهبي فصح عن الحسن في جميعها ان نوى الطلاق فهى طلقة، وصح أيضا عن الحسن فيمن عن الحسن فيمن قال لامرأته اذهبي فلا حاجة لى فيك انها ثلاث * واما قد خليت سبيلك لا سبيل عليك فروينا عن ابراهيم والشعبى ولم يصح عنهما هي طلقة بائنة. وصح عن الحكم بن عتيبة له نيته، وصح عن الحسن في لا سبيل لى عليك ان نوى طلاقا فهى واحدة رجعية والا فليس بشئ رويناه أيضا عن الشعبى * وأما من قال: لست لى بامرأة فروينا عن ابراهيم انه قال ما أراه ان كرر ذلك ثلاثا أراد الا الطلاق، وصح عن قتادة ان اراد بذلك طلاقا فهو طلاق وتوقف فيها سعيد بن المسيب * وأما افلجى (1) فروينا عن طاوس ان نوى طلاقا فهو طلاق * وأما شأنكم بها فروينا عن القاسم بن محمد أنه قال رأى الناس انها طلقة، وعن مسروق. وطاوس


(1) اطفري وفوزي يقال فلج فلوجا من باب قعد أي ظفر وفاز بما طلب

[ 196 ]

وابراهيم ما أريد به الطلاق فهو طلاق * قال أبو محمد: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: فان قالوا: الورع له أن يفارقها. قلنا انما الورع لكل مفت في الارض أن لا يحتاط لغيره بما يهلك به نفسه وأن لا يستحل تحريم فرج امرأة على زوجها واباحته لغيره بغير حكم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله)، وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن طاوس عن ابن عباس انه كان لا يرى الفداء طلاقا حتى يطلق قال ابن عباس: الا ترى انه عزوجل ذكر الطلاق من قبله ثم ذكر الفداء فلم يجعله طلاقا ثم قال في الثالثة (فان طلقها فلا تحل له من بعد) فهذا ابن عباس بأصح اسناد عنه لا يرى طلاقا الا بلفظ الطلاق أو ما سماه الله عزوجل طلاقا وهذا هو قولنا وقد ذكرنا خلاف ابى حنيفة ومالك لكل من روى عنه في ذلك شئ من الصحابة رضى الله عنهم وما قالاه مما لم يقله أحد قبلهما بغير نص في ذلك أصلا * 1959 مسألة: ولا تجوز الوكالة في الطلاق لان الله عزوجل يقول: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فلا يجوز عمل أحد عن أحد إلا حيث أجازه القرآن أو السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز كلام أحد عن كلام غيره إلا حيث أجازه القرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأت في طلاق أحد عن أحد بتوكيله إياه قرآن ولا سنة فهو باطل، والمخالفون لنا أصحاب قياس بزعمهم وبالضرورة يدرى كل احد أن الطلاق كلام والظهار كلام واللعان كلام والايلاء كلام، ولا يختلفون في أنه لا يجوز أن يظاهر أحد عن احد، ولا أن يلاعن أحد عن احد ولا أن يولى أحد عن أحد لا بوكالة ولا بغيرها فهلا قاسوا الطلاق على ذلك؟ ولكن لا النصوص يتبعون ولا القياس يحسنون، وكل مكان ذكر الله تعالى فيه الطلاق فانه خاطب به الازواج لا غيرهم فلا يجوز أن ينوب غيرهم عنهم لا بوكالة ولا بغيرها لانه كان يكون تعديا لحدود الله عزوجل، وقد قال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فلا خيار لاحد في خلاف ما جاء به النص وما نعلم اجازة التوكيل في الطلاق عن أحد من المتقدمين الا عن ابراهيم والحسن * 1960 مسألة: ومن كتب إلى امرأته بالطلاق فليس شيئا، وقد اختلف الناس في هذا، فروينا عن النخعي والشعبى والزهرى إذا كتب الطلاق بيده فهو طلاق

[ 197 ]

لازم وبه يقول الاوزاعي، والحسن بن حى. واحمد بن حنبل. وروينا عن سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس ومنصور. عن الحسن. في رجل كتب بطلاق امرأته ثم محاه فقال ليس بشئ الا أن يمضيه أو يتكلم به * وروينا عن الشعبى مثله. وصح أيضا عن قتادة، وقال أبو حنيفة: ان كتب طلاق امرأته في الارض لم يلزمه طلاق وان كتبه في كتاب ثم قال لم أنو به طلاقا صدق في الفتيا ولم يصدق في القضاء وقال مالك: ان كتب طلاق امرأته فان نوى بذلك الطلاق فهو طلاق وان لم ينو به طلاقا فليس بطلاق وهو قول الليث. والشافعي * قال أبو محمد: قال الله تعالى (الطلاق مرتان) وقال تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) ولا يقع في اللغة التى خاطبنا الله تعالى بها ورسوله صلى الله عليه وسلم اسم تطليق على أن يكتب انما يقع ذلك على اللفظ به فصح ان الكتاب ليس طلاقا حتى يلفظ به إذ لم يوجب ذلك نص وبالله تعالى التوفيق * 1961 مسألة: ويطلق من لا يحسن العربية بلغته باللفظ الذى يترجم عنه في العربية بالطلاق ويطلق الابكم والمريض بما يقدر عليه من الصوت أو الاشارة التى يوقن بها من سمعهما قطعا انهما أراد الطلاق، برهان ذلك قول الله عزوجل (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " فصح ان ما ليس في وسع المرء ولا يستطيعه فقد سقط عنه وانه يؤدى مما أمر به ما استطاع فقط وبالله تعالى التوفيق * 1962 مسألة: ومن طلق امرأته وهو غائب لم يكن طلاقا وهى امرأته كما كانت يتوارثان ان مات احدهما وجميع حقوق الزوجية بينهما سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها ثلاثا أو أقل الا حتى يبلغ إليها فإذا بلغها الخير من تصدقه أو بشهادة تقبل في الحكم فحينئذ يلزمها الطلاق ان كانت حاملا أو طاهرا في طهر لم يمسها فيه * برهان ذلك قول الله عزوجل: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فهذه صفة طلاق المدخول بها. وقال تعالى: (لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ان تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحون سراحا جميلا) وقال تعالى: (ولا تضاروهن لتضيقوا

[ 198 ]

عليهن وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) فهذه صفة طلاق غير المدخول بها ويدخل فيه طلاق الثلاث المجموعة وآخر الثلاث وبالضرورة يوقن كل ذى حس سليم أن من طلقها فلم يبلغها الطلاق فقد ضارها ومضارتها حرام ففعله مردود باطل والمعصية لا تنوب عن الطاعة وبالضرورة يوقن كل أحد ان من فعل ذلك فلم يسرحها سراحا جميلا. ومن لم يطلق للعدة ولم يحص العدة فلم يطلق كما أمره الله تعالى ومن لم يطلق كما أمره الله تعالى فلم يطلق أصلا (فان ذكر ذاكر) ما رويناه من طريق احمد بن شعيب قال أنا عبيدالله بن سعيد أبو قدامة السرخسى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى بكر - هو ابن ابى الجهم - قال سمعت فاطمة بنت قيس تقول ارسل إلى زوجي بطلاقي فشددت على ثيابي ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال كم طلقك قلت ثلاثا وذكر الحديث قلنا: نعم وهذا قولنا ولم نقل قط انه لا يلزمها الطلاق إذا بلغها وسنذكر ان شاء الله تعالى في باب العدد من قال من السلف ان من طلقها زوجها وهو غائب فانها لا تلزمها العدة الا من حين يبلغها الخبر، وهذا يدل على انها لم يلزمها الطلاق إلا من حين لزمتها العدة لا قبل ذلك إذ لا يجوز في دين الاسلام أن يحال بزمان بين الطلاق وبين أول عدتها ولا يجوز أن تكون امرأة ذات زوج موطوءة منه خارجة عن الزوجية بطلاقه وفي غير عدة هذا خلاف القرآن والسنة فكيف وقد جاء خبر فاطمة بخلاف ما ذكر أبو بكر بن أبى الجهم كما روينا من طريق مسلم حدثنى محمد بن رافع نا حسين بن محمد نا شيبان - هو ابن فروخ - عن يحيى - هو ابن ابى كثير - أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ان فاطمة بنت قيس أخبرته أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن وذكرت الخبر فان قيل: فأنتم لا تجيزون الطلاق إلى أجل ولا الطلاق بصفة وتحتجون بان كل طلاق لا يقع حين يوقع فمن المحال ان يقع حين لم يوقع فكيف أجزتم طلاق الغائب. قلنا: لان الله عزوجل علمنا الطلاق في كل صنف من المطلقات وفي المطلقة الصغيرة التى لم تخاطب والمجنونة وهما لا يلزم خطابهما بالطلاق وقد يطلق المطلق عند باب الدار ويبعث إليها الخبر وعلى أذرع منها وإذا جاز ذلك فلا فرق بين الطلاق في البعد ولو أقصى المعمور وبين الطلاق خلف حائط وليس ذلك طلاقا إلى أجل انما هو كله طلاق لازم إذا بلغها أو بلغ أهلها ان كانت ممن لا تخاطب فيقع بذلك حل النكاح كما يقع بالفسخ ولا فرق وبالله تعالى التوفيق * 1963 مسألة: ومن طلق في نفسه لم يلزمه الطلاق * برهان ذلك الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " عفى لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تخرجه بقول أو عمل "

[ 199 ]

أو كما قال عليه الصلاة والسلام فصح ان حديث النفس ساقط ما لم ينطق به وكذلك العتق في النفس والمراجعة في النفس والهبة والصدقة في النفس والاسلام في النفس كل ذلك ليس بشئ: وللسلف في ذلك ثلاثة أقوال، أحدها كما قلنا روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء قال إذا طلق في نفسه فليس بشئ * وبه إلى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء جابر بن زيد قال إذا طلق في نفسه فليس بشئ ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء ليس طلاقه ولا عتاقه في نفسه شيئا قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار ان رجلا طلق امرأته في نفسه فانتزعت منه فقال جابر بن زيد لقد ظلم: وروينا ذلك أيضا عن الشعبى * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن قالا جميعا: من طلق في نفسه فليس طلاقه ذلك بشئ وبه يقول أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان وأصحابهم * وقول ثان كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر قال سئل عنها ابن سيرين فقال أليس قد علم الله ما في نفسك قال بلى قال فلا أقول فيها شيئا فهذا توقف، وقول ثالث انه طلاق روى عن الزهري ورواه أشهب عن مالك * قال أبو محمد: الفرض والورع أن لا يحكم حاكم ولا يفتى مفت بفراق زوجة عقد نكاحها بكتاب الله عزوجل وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بغير قرآن أو سنة ثابتة، واحتج من ذهب إلى هذا القول بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى " * قال أبو محمد: وهذا الخبر حجة لنا عليهم لانه عليه الصلاة والسلام لم يفرد فيه النية عن العمل ولا العمل عن النية بل جمعهما جميعا ولم يوجب حكما بأحدهما دون الآخر، وهكذا نقول. ان من نوى الطلاق ولم يلفظ به أو لفظ به ولم ينوه فليس طلاقا الا حتى يلفظ به وينويه الا ان يخص نص شيئا من الاحكام بالزامه بنية دون عمل أو بعمل دون نية فنقف عنده وبالله تعالى التوفيق، واحتجوا أيضا بأن قالوا انكم تقولون من اعتقد الكفر بقلبه فهو كافر وان لم يلفظ به وتقولون ان المصر على المعاصي عاص آثم معاقب بذلك، وتقولون ان من قذف محصنة في نفسه فهو آثم، ومن اعتقد عداوة مؤمن ظلما فهو عاص لله عزوجل وان لم يظهر ذلك بقول أو فعل ومن أعجب بعلمه أو راءى فهو هالك، قلنا أما اعتقاد الكفر فان القرآن قد جاء بذلك نصا قال تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم) فخرج هؤلاء بنصوص القرآن والسنن عما عفى عنه وأيضا

[ 200 ]

فان العفو عن حديث النفس انما هو عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فضيلة لهم بنص الخبر، ومن أسر الكفر فليس من أمته عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن هذه الفضيلة، وأما المصر على المعاصي فليس كما ظننتم صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه " فصح ان المصر الآثم باصراره هو الذى عمل السيئة ثم أصر عليها، فهذا جمع نية السوء والعمل السوء معا، وأما من قذف محصنة في نفسه فقد نهاه الله عزوجل عن الظن السوء وهذا ظن سوء فخرج عما عفى عنه بالنص ولا يحل أن يقاس عليه غيره فيخالف النص الثابت في عفو الله عزوجل عن ذلك، واما من اعتقد عداوة مسلم فان لم يضربه بعمل ولا بكلام فانما هو بغضة والبغضة التى لا يقدر المرء على صرفها عن نفسه لا يؤاخذ بها فان تعمد ذلك فهو عاص لانه مأمور بموالاة المسلم ومحبته فتعدى ما أمره الله تعالى به فلذلك أثم وهكذا الرياء والعجب قد صح النهى عنهما، ولم يأت نص قط بالزام طلاق أو عتاق أو رجعة أو هبة أو صدقة بالنفس لم يلفظ بشئ من ذلك فوجب انه كله لغو وبالله تعالى التوفيق * 1964 مسألة: ومن طلق وهو غير قاصد إلى الطلاق لكن أخطأ لسانه فان قامت عليه بينة قضى عليه بالطلاق وان لم تقم عليه بينة لكن أتى مستفتيا لم يلزمه الطلاق * برهان ذلك قول الله عزوجل: (ليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انما الاعمال بالنيات، وانما لكل امرئ ما نوى " فصح أن لا عمل الا بنية ولا نية إلا بعمل، وأما إذا قامت بذلك بينة فانه حق قد ثبت وهو في قوله لم أنو الطلاق مدع ذلك الحق الثابت فدعواه باطل، روينا من طريق وكيع عن ان ابى ليلى عن الحكم بن عتيبة عن خيثمة ابن عبد الرحمن قال: قالت امرأة لزوجها سمنى فسماها الظبية قالت ما قلت شيئا قال فهات ما أسميك به قالت سمني خلية طالق قال فانت خلية طالق فاتت عمر بن الخطاب فقالت ان زوجي طلقني فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها وقال لزوجها: خذ بيدها واوجع رأسها * قال أبو محمد: أما مثل هذا فحتى لو قامت به بينة لم يكن طلاقا، وروى قولنا عن إياس بن معاوية، وقال مالك إذا قال أنت طالق البتة وهو يريد أن يحلف على شئ ثم بدا له فترك اليمين فليست طالقا لانه لم يرد أن يطلقها، وهو قول الليث بن سعد، وقال الشافعي ما غلب المرء على لسانه بغير اختيار منه لذلك فهو كلا قول لا يلزمه به طلاق ولا غيره، قال أبو حنيفة. وأصحابه: من أراد أن يقول شيئا لامرأته فسبقه

[ 201 ]

لسانه فقال: انت طالق لزمه الطلاق في القضاء وفي الفتيا وبينه وبين الله عزوجل، وكذلك لو أراد أن يقول: أنت طالق ثلاثا ان دخلت الدار فقال: أنت طالق ثلاثا ثم بدا له عن اليمين أو قطع به عن ذلك قاطع فلم يلفظ بما أراد أن يقول فهى طالق في الفتيا والقضاء وبينه وبين الله عزوجل سواء دخلت الدار أو لم تدخل، قال أبو حنيفة: فلو أراد أن يقول انت حرة ان دخلت الدار فقال أنت حرة ثم بدا له عن اليمين أو قطعه عنه قاطع فهى حرة في الفتيا وفي القضاء وبينه وبين الله عزوجل دخلت الدار أو لم تدخل فلو أراد أن يقول لها كلاما فأخطأ فسبقه لسانه فقال انت حرة قال أبو حنيفة: لا تكون بذلك حرة ولا يلزمه العتق بخلاف الطلاق وبخلاف المسألة في العتق التى ذكرنا آنفا، وقال أصحابه كل ذلك سواء * قال أبو محمد: أما قول ابى حنيفة ففى غاية الفساد والمناقضة، وأما قول مالك فمناقض لقوله في التحريم وفي حبلك على غاربك وسائر ما رأى التحريم يدخل فيه بأرق الاسباب وبالله تعالى التوفيق * 1965 مسألة: ولا يلزم المشرك طلاقه وأما نكاحه وبيعه وابتياعه وهبته وصدقته وعتقه ومؤاجرته فجائز كل ذلك، برهان ذلك قول النيى عليه الصلاة والسلام: " من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد " وقول الله عزوجل: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فصح بهذين النصين أن كل من عمل بخلاف ما أمر الله عز وجل به أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو باطل لا يعتد به، ولا شك في أن الكافر مأمور بقول لا إله الا الله محمد رسول الله ملزم ذلك متوعد على تركه بالخلود بين اطباق النيران فكل كلام قاله وترك الشهادة المذكورة فقد وضع ذلك الكلام غير موضعه فهو غير معتد. فان قيل فمن اين أجرتم سائر عقوده التى ذكرتم. قلنا اما النكاح فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح أهل الشرك وأبقاهم بعد اسلامهم عليه وأما بيعه وابتياعه فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعامل تجار الكفار، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودى في اصواع شعير، واما مؤاجرته فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم استأجر ابن ارقط ليدل به إلى المدينة وهو كافر وعامل يهود خيبر على عمل ارضها وشجرها بصنف ما يخرج الله عزوجل من ذلك، واما هبته وصدقته وعتقه فلقول حكيم بن حزام " يا رسول الله اشياء كنت اتحنث بها في الجاهلية من عتاقة وصلة رحم وصدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما اسلفت من خير " فسمى عليه الصلاة والسلام كل ذلك خيرا واخبر انه معتد له به فبقى الطلاق لم يأت في امضائه نص فثبت على اصله (م 26 - ج 10 المحلى)

[ 202 ]

المتقدم. فان قيل فقد قال الله تعالى: (وان احكم بينهم بما انزل الله اليك) قلنا نعم، وهذا الذى حكمنا به بينهم هو مما انزل الله تعالى كما ذكرنا، وقد اختلف الناس في هذا فرويناه من طريق قتادة ان رجلا طلق امرأته طلقتين في الجاهلية وطلقة في الاسلام فسأل عمر فقال له عمر لا آمرك ولا انهاك. فقال له عبد الرحمن بن عوف لكننى آمرك ليس طلاقك في الشرك بشئ وبهذا كان يفتى قتادة، وصح عن الحسن وربيعة وهو قول مالك وابى سليمان واصحابهما، وصح عن عطاء. وعمرو بن دينار. وفراس الهمداني. والزهرى. والنخعي. وحماد بن ابى سليمان إجازة طلاق المشرك وهو قول الاوزاعي. وأبى حنيفة. والشافعي وأصحابهما، فان قيل: فقد رويتم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: لقد طلق رجال نساء في الجاهلية ثم جاء الاسلام فما رجعن إلى أزواجهن * قال أبو محمد: هذا لا حجة فيه لوجوه، أولها انه مرسل، وأين عمرو بن دينار من الجاهلية. وثانيها انه ليس فيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم منع من ذلك، وثالثها انا لم نمنع نحن من أن يكون قوم رأوا ان ذلك نافذ ولا حجة في ذلك الا أن يعلمه عليه الصلاة والسلام فيقره * 1966 مسالة: وطلاق المكره غير لازم له * وقد اختلف الناس في هذا فروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سليمان الشيباني عن على بن حنظلة عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أخفته أو ضربته أو أوثقته، ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن عبد الملك بن قدامة الجمحى حدثنى أبى ان رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا فأتت امرأته فقالت له لا قطعن الحبل أو لتطلقني فناشدها الله تعالى فأبت فطلقها فلما ظهر أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال له عمر: ارجع إلى امرأتك فان هذا ليس بطلاق، ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن ان على بن أبى طالب كان لا يجيز طلاق المكره، ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ثابت الاعرج قال سألت ابن عمرو ابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعا ليس بشئ، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم نا عبيدالله بن طلحة الخزاعى نا أبو يزيد المدنى عن ابن عباس قال ليس لمكره ولا لمضطر طلاق، ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن المبارك عن الاوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن ابن عباس انه كان لا يرى طلاق المكره شيئا

[ 203 ]

وصح عن الحسن البصري طلاق المكره لا يجوز وهو أحد قولى عمر بن عبد العزيز، وصح أيضا عن عطاء. وطاوس وأبى الشعثاء جابر بن زيد. وعن الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن المغيرة عن ابراهيم قال الطلاق ما عنى به الطلاق وهو قول مالك. والاوزاعي. والحسن بن حى. والشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهم وأحد قولى الشافعي * وروى خلاف ذلك عن عمر كما روينا عن سعيد بن منصور نا فرج بن فضالة حدثنى عمرو بن شراحيل المعافرى ان امرأة سلت سيفا فوضعته على بطن زوجها وقالت والله لانفذنك أو لتطلقني فطلقها ثلاثا فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فامضى طلاقها: وعن ابن عمر روينا عنه انه سأله رجل فقال له انه وطئ فلان على رجلى حتى أطلق امرأتي فطلقتها فكره له الرجوع إليها، وهذا يخرج على انه لم ير ذلك اكراها، وروى أيضا عن عمر بن عبد العزيز وروينا عن على بن أبى طالب كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه وقد روينا عنه قبل ابطال طلاق المكرة. وروى أيضا عن ابراهيم وصح عن أبى قلابة. والزهرى. وقتادة. وسعيد بن جبير وبه أخذ أبو حنيفة واصحابه، وقول ثالث وهو ان طلاق المكره ان اكرهه اللصوص لم يلزمه وان أكرهه السلطان لزمه رويناه عن الشعبى، وقول رابع رويناه عن ابراهيم انه قال ان اكره ظلما على الطلاق فورك إلى شئ آخر لم يلزمه فان لم يورك لزمه ولا ينتفع الظالم بالتوريك وهو أحد قولى سفيان * قال أبو محمد: احتج من أجازه بخبر رويناه من طريق بقية عن الغازى بن جبلة عن صفوان بن عمرو الاصم الطائى عن رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن رجلا جلست امرأته على صدره وجعلت السكين على حلقه وقالت له طلقني أو لاذبحنك فناشدها الله تعالى فابت فطلقها ثلاثا فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال لا قيلولة في الطلاق " ومن طريق سعيد بن منصور حدثنى الوليد بن مسلم عن الغازى بن جبلة الجبلانى انه سمع صفوان يقول ان رجلا جلست امرأته على صدره فوضعت السكين على فؤاده وهى تقول لتطلقني أو لاقتلنك فطلقها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام لا قيلولة في الطلاق، وهذا خبر في غاية السقوط، صفوان منكر الحديث، وبقية ضعيف، والغازي بن جبله مغموز. وذكروا خبرا آخر من طريق عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل الطلاق جائز الا طلاق المعتوه المغلوب على عقله " وهذا شر من الاول لان عطاء بن عجلان مذكور بالكذب: والعجب ان المحتجين به أول المخالفين له لاصل فاسد لهم، اما أصلهم فانهم يقولون

[ 204 ]

في الاخبار الثابتة إذا خالف شيئا منها راويه فهو دليل على سقوطه وهذا خبر انما ذكر من طريق ابن عباس والثابت عن ابن عباس ابطال طلاق المكره كما ذكرنا آنفا، واما خلافهم له فانهم. لا يجيزون طلاق الصبى الذى لم يبلغ وعموم هذا الخبر الملعون يقتضى جوازه كما يقتضى عندهم جواز طلاق المكره: فان ادعوا في ابطال طلاق الصبى الاجماع على عادتهم في استسهال الكذب في دعوى الاجماع بين كذبهم ما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق عمن سمع على بن أبى طالب انه كان يقول: " اكتموا الصبيان النكاح " ومن طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم أنا المغيرة عن ابراهيم انه كان لا يهاب شيئا من أمر الغلام الا الطلاق، ومن طريق وگيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن سعيد بن المسيب في طلاق الصبى قال: إذا صام رمضان وأحصى الصلاة جاز طلاقه، ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: كانوا يكتمون الصبيان النكاح إذا زوجوهم مخافة الطلاق، فان قيل ففي هذا الخبر وكان إذا وقع لم يره شيئا قلنا: نعم هذه حكاية عن ابراهيم لا عن أصحابه الذين حكى عنهم كتمان الصبيان زواجهم مخافة الطلاق * واحتجوا ايضا بآثار فيها " ثلاث جدهن جدوهزلهن جد. النكاح. والطلاق. والرجعة " وهى أخبار موضوعة لانها انما فيها حكم الهاذل والجاد لاذكر للمكره فيها، وبعد فانما رويناها من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك وهو منكر الحديث مجهول لان قوما قالوا عن عبد الرحمن بن حبيب وقوما قالوا حبيب بن عبد الرحمن وهو مع ذلك متفق على ضعف روايته، أو من طريق وكيع عن سفيان عن أبى اسحاق عن أبى بردة " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما بال رجال يلعبون بحدود الله يقول احدهم قد طلقت ثم راجعت " وهذا مرسل ولا حجة في مرسل وليس فيه أيضا جواز طلاق مكره. أو عن الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من طلق لاعبا أو أنكح لاعبا أو نكح لاعبا أو اعتق لاعبا فقد جاز " ولا حجة في مرسل وليس فيه أيضا لطلاق مكره أثر، ومن طريق فيها ابراهيم بن محمد بن أبى ليلى وهو مذكور بالكذب ثم ليس فيه الا من طلق لاعبا أو أعتق لا عبا وليس فيه للمكره ذكر، أو من طريق ابن جريج ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا فاحش الانقطاع ثم ليس للمكره ذكر وانما فيه من نكح لاعبا أو طلق لاعبا، وان قالوا هو طلاق: قلنا كلا ليس طلاقا انما الطلاق ما نطق به المطلق مختارا بلسانه قاصدا بقلبه كما أمر الله تعالى وأنتم تسمون نكاح المتعة ونكاح عشر نكاحا فأجيزوه لذلك فإذ قد بطل كل ماموهوا به فعلينا ايراد البرهان بحول الله

[ 205 ]

وقوته على بطلان طلاق المكره: فمن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى " فصح ان كل عمل بلا نية فهو باطل لا يعتد به وطلاق المكره عمل بلا نية فهو باطل وانما هو حاك لما أمر ان يقوله فقط ولا طلاق على حاك كلاما لم يعتقده وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " رويناه من طريق الربيع بن سليمان المؤذن نا بشر بن بكر عن الاوزاعي عن عطاء بن أبى رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم تناقضهم انهم يجيزون طلاق المكره ونكاحه وانكاحه ورجعته وعتقه ولا يجيزون بيعه ولا ابتياعه ولا هبته ولا اقراره. وهذا تلاعب بالدين ونعوذ بالله من الخذلان * 1967 مسالة: ومن قال: ان تزوجت فلانة فهى طالق أو قال فهى طالق ثلاثا فكل ذلك باطل وله أن يتزوجها ولا تكون طالقا، وكذلك لو قال كل امرأة أتزوجها فهى طالق وسواء عين مدة قريبة أو بعيدة أو قبيلة أو بلدة كل ذلك باطل لا يلزم، وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة يلزمه كل ذلك، وقالت طائفة ان عين قبيلة أو بلدة أو امرأة أو مدة قريبة يعيش إليها لزمه فان عم لم يلزمه، وقالت طائفة يكره له أن يتزوجها فان تزوجها لم نمنعه، ولم نفسخه، فممن روى عنه قولنا كما رويناه من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن ان على بن ابى طالب قال: " لا طلاق إلا من بعد نكاح وان سماها فليس بطلاق "، ومن طريق ابى عبيدنا هشيم نا المبارك بن فضالة عن الحسن عن على بن ابى طالب انه سئل عن رجل قال: ان تزوجت فلانة فهى طالق فقال على ليس طلاق الا من بعد ملك، ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول قال ابن عباس: " لا طلاق إلا من بعد نكاح " قال عطاء: فان حلف بطلاق ما لم ينكح فلا شئ، قال ابن جريج: بلغ ابن عباس ان ابن مسعود يقول: ان طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال ابن عباس: اخطأ في هذا. ان الله عزوجل يقول: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) ولم يقل إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن، ومن طريق وكيع عن ابن ابى ذئب عن محمد بن المنكدر. وعطاء بن ابى رباح كلاهما عن جابر بن عبد الله يرفعه " لا طلاق قبل نكاح " وصح عن طاوس. وسعيد بن المسيب. وعطاء. ومجاهد. وسعيد بن جبير، ورعوة بن الزبير. وقتادة. والحسن. ووهب بن منبه. وعلى بن الحسين. والقاسم بن عبد الرحمن. وشريح القاضى، وروى أيضا عن عائشة أم المؤمنين وعكرمة، وهو قول سفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدى والشافعي واصحابه. واحمد واصحابه واسحاق بن راهويه وأبى سليمان وأصحابه وجمهور أصحاب الحديث. وأما من كره ذلك ولم يفسخه

[ 206 ]

كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد الانصاري عن القاسم بن محمد بن ابى بكر فيمن قال: كل امرأة أتزوجها فهى طالق فكرهه، وهو قول الاوزاعي، وروى عنه أنه قال: ان تزوجها لم آمره بفراقها، وان كان لم يتزوجها لم آمره ان يتزوجها. وهو قول سفيان الثوري فقيل له أحرام هو؟ فقال ومن يقول انه حرام من رخص فيه أكثر ممن شدد فيه. وبه يقول أبو عبيد * والقول الثالث في الفرق بين التخصيص والعموم روينا من طريق مالك عن سعيد ابن عمرو بن سليم عن القاسم بن محمد أن رجلا قال: ان تزوجت فلانة فهى على كظهر أمي فتزوجها فقال له عمر بن الخطاب لا تقربها حتى تكفر * قال أبو محمد: ليس هذا موافقا لهم لانه قد روى عن عمر أنه وان عم فهو لازم نذكره بعد هذا ان شاء الله عزوجل. بلغني عن ابن مسعود أنه قال: من قال: كل امرأة أنكحها فهى طالق ان لم يسم قبيلة أو قرية أو امرأة بعينها فليس بشئ وقد ذكرناه قبل عن ابن مسعود مجملا، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن محمد بن قيس - هو المرهبى - قال: سألت ابراهيم النخعي عن رجل قال في امرأة ان تزوجتها فهى طالق فذكر ابراهيم عن علقمة أو عن الاسود ان ابن مسعود قال: هي كما قال: ثم سألت الشعبى وذكرت له قول ابراهيم النخعي فقال صدق، ومن طريق أبى عبيد عن هشيم أنا مغيرة عن ابراهيم النخعي فيمن قال: كل امرأة أتزوجها فهى طالق قال: ليس بشئ هذا رجل حرم المحصنات على نفسه فليتزوج قال: فان سماها أو نسبها أو سمى مصرا أو وقت وقتا فهى كما قال * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: ان قال كل امرأة أتزوجها فهى طالق فليس بشئ فان وقت لزمه، ومن طريق ابى عبيدنا محمد بن كثير عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء قال: من قال ان تزوجت فلانة فهى طالق فهى كما قال: وهو قول الحكم بن عتيبة. وربيعة. والحسن بن حى. والليث بن سعد. ومالك وأصحابه، والقول الرابع انه يلزمه وان عم، روينا من طريق عبد الرزاق عن ياسين الزيات عن ابى محمد عن عطاء الخراساني عن ابى سلمة ابن عبد الرحمن أن رجلا قال: كل امرأة أتزوجها فهى طالق فقال له عمر بن الخطاب هو كما قلت ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فيمن قال كل امرأة أتزوجها فهى طالق، وكل أمة اشتريها فهى حرة قال الزهري هو كما قال: ومن طريق ابى عبيدنا يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون كلاهما عن يحيى بن سعيد الانصاري قال: كان القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمرو عمر بن عبد العزيز يرون الطلاق قبل النكاح كما قال، ومن

[ 207 ]

طريق ابى عبيدنا مروان عن شجاع عن خصيف قال: سألت مجاهدا عن قول من قال: طلق قبل أن (1) يملك فعابه مجاهد وقال ماله (2) طلاق إلا بعد ما ملك وهو قول عثمان البتى وأبى حنيفة * قال أبو محمد: فنظرنا فيما احتج به من اجازه بكل حال فوجدنا قائلهم قال: لا تخالفوننا فيمن قال لامرأته أنت طالق إذا بنت منى انه ليس شيئا فصح ان الطلاق معلق بالوقت الذى أضيف إليه * قال أبو محمد: هذا فاسد لانه لم يخرج الطلاق كما أمر بل لم يوقعه حين نطق به وأوقعه حيث لا يقع فهو باطل فقط، وقالوا قسناه على النذر. قلنا: القياس كله باطل ثم لو صح لكان هذا منه باطلا لان النذر جاء فيه النص ولم يأت في تقديم الطلاق قبل النكاح نص. والنذر شئ يتقرب به إلى الله عزوجل وليس الطلاق مما يتقرب به إلى الله عزوجل ولا مما ندب الله تعالى عباده إليه وحضهم عليه وهم لا يخالفوننا في أن من قال على نذر لله تعالى أن أطلق زوجتى انه لا يلزمه طلاقها، وهذا يبطل عليهم تمويههم في ذلك بقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) لان الطلاق عقد لا يلزم الوفاء به لمن عقده على نفسه. بمعنى عقد ان يطلق إلا أنه لم يطلق فليس الطلاق من العقود التى أمر الله تعالى بالوفاء بها قبل أن توقع وقالوا قسناه على الوصية * قال أبو محمد: وهذا من أرذل قياساتهم وأظهرها فسادا الا ان الوصية نافذة بعد الموت ولو طلق الحى بعد موته لم يجز والوصية قربة إلى الله عزوجل بل هي فرض والطلاق ليس فرضا ولا مندوبا إليه وما وجدنا لهم شغبا غير هذا، وهو قول لم يصح عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم لان الرواية عن عمر موضوعة فيها ياسين وهو هالك وأبو محمد مجهول ثم هو منقطع بين أبى سلمة وعمر. ثم نظرنا في قول من الزمه ان خص ولم يلزمه إن عم فوجدناه فرقا فاسدا ومناقضة ظاهرة، ولم نجدلهم حجة أكثر من قولهم إذا عم فقد ضيق على نفسه. فقلنا ما ضيق بل له في الشراء فسحة ثم هبك انه قد ضيق فاين وجدتم أن الضيق في مثل هذا يبيح الحرام، وأيضا فقد يخاف في امتناعه من نكاح التى خص طلاقها ان تزوجها أكثر مما يخاف لو عم لكلفه بها فوضح فساد هذا القول لتعريه عن البرهان جملة، ووجدناه أيضا لا يصح عن أحد من الصحابة لانه اما منقطع. واما من طريق محمد بن قيس المرهبى وليس بالمشهور، ثم رجعنا إلى قولنا فوجدنا الله تعالى يقول: " إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " وقال تعالى: (يا أيها


(1) وفي النسخة رقم 14 ما لم يملك (2) وفي النسخة رقم 14 ما طلق

[ 208 ]

الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) فلم يجعل الله تعالى الطلاق الا بعد عقد النكاح، ومن الباطل أن لا يقع الطلاق حين إيقاعه، ثم يقع حين لم يوقعه إلا ببرهان واضح. ووجدناه انما طلق اجنبية وطلاق الاجنبية باطل، والعجب ان المخالفين لنا أصحاب قياس بزعمهم ولا يختلفون فيمن قال لامراته ان طلقتك فانت مرتجعة منى فطلقها انها لا تكون مرتجعة حتى يبتدئ النطق بارتجاعه لها ووجدناهم لا يختلفون فيمن قال إذا قدم ابى فزوجيني من نفسك فقد قبلت نكاحك فقالت هي وهى مالكة أمر نفسها وأنا إذا جاء أبوك فقد تزوجتك ورضيت بك زوجا فقدم أبوه فانه ليس بينهما بذلك نكاح أصلا ولا يختلفون فيمن قال لآخر إذا كسبت مالا فانت وكيلى في الصدقة به فكسب مالا فانه لا يكون الآخر وكيلا في الصدقة به إلا حتى يبتدئ اللفظ بتوكيله فلا ندرى من أين وقع لهم جواز تقديم الطلاق والظهار قبل النكاح وحسبنا الله ونعم الوكيل، وكذلك لا يختلفون فيمن قال لآخر زوجنى ابنتك ان ولدت لك من فلانة فقال الآخر: نعم قد زوجتك ابنتى ان ولدتها لى فلانة فولدت له فلانة ابنة فانها لا تكون له بذلك زوجة، وقد جاء انفاذ هذا النكاح عن ابن مسعود والحسن، رويناه من طريق حماد ابن سلمة أخبرني يحيى بن سعيد التيمى عن الشعبى عن ابن مسعود بذلك وقضى لها بصداق احدى نسائها ولا يعرف لابن مسعود في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، ولا يختلفون فيمن قال لآخر: إذا وكلتني بطلاق امرأتك فلانة فقد طلقتها ثلاثا ثم وكله الزوج بطلاقها انها لا تكون بذلك طالقا ولا يختلفون فيمن قال ان تزوجت فلانة فهى طالق ثلاثا فتزوجها فطلقها إثر تمام العقد ثلاثا ثم أتت بولد لتمام ستة أشهر من حين ذلك فانه لا حق به، وهذه كلها مناقضات فاسدة وبالله تعالى التوفيق * 1968 مسألة: وطلاق السكران غير لازم، وكذلك من فقد عقله بغير الخمر، وحد السكر هو أن يخلط في كلامه فيأتى بما لا يعقل وبما لا يأتي به إذا لم يكن سكران وان أتى بما يعقل في خلال ذلك لان المجنون قد يأتي بما يعقل ويتحفظ من السلطان ومن سائر المخاوف، وأما من ثقل لسانه وتخبل مخرج كلامه وتخبلت مشيته وعربد فقط إلا أنه لم يتكلم بما لا يعقل فليس هو سكران، برهان ذلك قول الله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فبين الله تعالى ان السكران لا يعلم ما يقول: فمن لم يعلم ما يقول فهو سكران، ومن علم ما يقول فليس بسكران. ومن خلط فاتى بما يعقل ومالا يعقل فهو سكران لانه لا يعلم

[ 209 ]

ما يقول، ومن أخبر الله تعالى انه لا يدرى ما يقول فلا يحل أن يلزم شيئا من الاحكام لا طلاقا ولا غيره لانه غير مخاطب إذ ليس من ذوى الالباب، وقد اختلف الناس في هذا فممن روى عنه خلاف ما قلنا كما روينا من طريق عبد الرحمن ابن مهدى عن خراش بن مالك الجهضمى حدثنى يحيى بن عبيد عن أبيه ان رجلا من أهل عمان تملا من الشراب فطلق امرأته ثلاثا فشهد عليه نسوة فكتب إلى عمر بذلك فأجاز شهادة النسوة وأثبت عليه الطلاق، ومن طريق أبى عبيدنا يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن أبى لبيد ان رجلا طلق امرأته وهو سكران فرفع إلى عمر بن الخطاب وشهد عليه أربع نسوة ففرق عمر بينهما، ومن طريق أبى عبيدنا ابن أبى مريم - وهو سعيد - عن ناجية بن أبى بكر عن جعفر بن ربيعة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ان معاوية أجاز طلاق السكران، ورويناه عن ابن عباس من طرق لم تصح لان في احدى طريقيه الحجاج بن ارطاة وفي الاخرى ابراهيم بن أبى يحيى، وصح عن النخعي. وابن سيرين. والحسن. وميمون بن مهران. وحميد بن عبد الرحمن. وعطاء وقتادة. والزهرى. الا أنه فرق بين أحكامه. وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال يجوز طلاق السكران وعتقه ولا يجوز نكاحه ولا شراؤه ولا بيعه: ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب يجوز طلاق السكران ولا تجوز هبته ولا صدقته، وصحت اجازة طلاق السكران عن الشعبى. ومجاهد. وسعيد بن المسيب. وجابر بن زيد. وعمر بن عبد العزيز. ورويناه عن عطاء بن أبى رباح. وسليمان بن يسار. وهو قول ابن شبرمة وتوقف في نكاحه وأجاز ابن أبى ليلى كلا الامرين. وممن أجاز طلاقه سفيان الثوري. والحسن ابن حى. والشافعي في احد قوليه، وقال مالك: طلاق السكران ونكاحه وجميع أفعاله جائزة الا الردة فقط فلا يحكم له في شئ من أموره بحكم المرتد. وروى عنه ابن وهب يجوز طلاقه ولا يجوز نكاحه: وقال مطرف بن عبد الله صاحب مالك لا يلزم السكران شئ ولا يؤاخذ بشئ الا بأربعة أشياء لا خامس لها هكذا قال ثم سماها فقال الطلاق. والعتق. والقتل. والقذف فدل ذلك على انه لا يحد للزنا ولا للسرقة * وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز طلاقه وجميع أفعاله الا الردة، وقال محمد بن الحسن ولا اسلامه ان كان كافرا. ولا اقراره بالحدود، وقال أبو يوسف: كل ذلك له لازم واما من روى عنه مثل قولنا فكما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن ابن أبى ذئب عن الزهري عن أبان بن عثمان عن أبيه عثمان قال ليس لمجنون ولا لسكران طلاق، وقد روينا (م 27 - ج 10 المحلى)

[ 210 ]

رجوع الزهري. وعمر بن عبد العزيز إلى هذا، ومن طريق وكيع عن رباح بن أبى معروف عن عطاء بن ابى رباح قال طلاق السكران لا يجوز * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه لا يجوز طلاق السكران، وصح عن القاسم بن محمد أنه لا يجوز طلاقه وانه لا يقطع ان سرق إلا أن يكون معروفا بالسرقة * ومن طريق أبى عبيدنا هشيم انا يحيى بن سعيد الانصاري أن عمر بن عبد العزيز أتى بسكران طلق امرأته، فاستحلفه بالذى لا إله إلا هو لقد طلقها، وهو لا يعقل فحلف فرد إليه امرأته وضربه الحد، قال يحيى بن سعيد: وبهذا يقول القاسم بن محمد بن ابى بكر وصح عن يحيى بن سعيد الانصاري وحميد بن عبد الرحمن، ورويناه عن ربيعة وهو قول عبيدالله بن الحسن. والليث بن سعد. وأحد قولى الشافعي وقول اسحاق بن راهويه. وأبى ثور. والمزنى. وابى سليمان وجميع أصحابهم (1) وبه يقول أبو جعفر الطحاوي. وابو الحسن الكرخي من شيوخ الحنيفيين، وقال عثمان البتى لا يلزمه عقد ولا بيع ولاحد الا حد الخمر فقط، وان زنا وقذف وسرق، وقال الليث: لا يلزمه طلاق ولا بيع ولا نكاح ولا عتق ولا شئ بقوله، وأما ما عمل ببدنه من قتل أو سرقة أو زنا فانه يقام عليه كل ذلك فنظرنا فيما يحتج به من خالف قولنا فوجدناهم يقولون: هو أدخل على نفسه ذهاب عقله بمعصيته لله عزوجل فقلنا فكان ماذا؟ ومن أين وجب إذا أدخل ذلك على نفسه أن يؤاخذ بما يجنى في ذهاب عقله؟ وهذا ما لا يوجد في قرآن ولا سنة، ولا خلاف بينكم فيمن تردى ليقتل نفسه عاصيا لله عزوجل فسلمت نفسه إلا أنه سقط على رأسه ففسد عقله، وفيمن حارب وأفسد الطريق فضرب في رأسه ففسد عقله أنه لا يلزمه شئ مما يلزم الاصحاء وهو الذى أدخل على نفسه الجنون بأعظم المعاصي ثم لا يختلفون فيمن أمسكه قوم عيارون فضبطت يداه ورجلاه وفتح فمه بكلوب وصب فيه الخمر حتى سكرانه مؤاخذ بطلاقه وهو لم يدخل على نفسه شيئا ولا عصى، فظهر فساد اعتراضهم وموهوا بالاخبار التى فيها ثلاث هزلهن جد وليس فيها على سقوطها للسكران ذكر ولا دليل عليه، واحتجوا بالخبر الموضوع لا قيلولة في الطلاق، ولو صح هذا لكان ذلك في طلاق من طلاقه طلاق ممن يعقل كما يقولون في طلاق الصبى والمجنون، وبالخبر الكاذب كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه * قال أبو محمد: قد بينا سقوطه آنفا في باب طلاق المكره ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانهم لا يجيزون طلاق من لم يبلغ وليس بمعتوه، وأما السكران الذى لا يدرى ما يتكلم


(1) وفي النسخة رقم 14 وجميع اصحابنا

[ 211 ]

به فهو معتوه بلاشك لان المعتوه في اللغة هو الذى لا عقل له، ومن لا يدرى ما يتكلم به فلا عقل له فهو معتوه بأى وجه كان، وقالوا قد روى عن على. وعبد الرحمن بحضرة الصحابة إذا شرب سكروا إذا سكر هذى وإذا افترى وإذا افترى جلد ثمانين * قال أبو محمد: وهذا خبر مكذوب قد نزه الله تعالى عليا. وعبد الرحمن عنه لانه لا يصح اسناده ثم عظيم ما فيه من المناقضة لان فيه ايجاب الحد على من هذى، والهاذى لا حد عليه، وهلا قلتم إذا هذى كفر، وإذا كفر قتل؟ وقالوا بنفس السكر يجب عليه الحد فالطلاق كذلك، قلنا كذبتم ما وجب قط بالسگر حد لكن بقصده إلى شرب ما يسكر كثيره فقط سواء سكر أو لم يسكر * برهان ذلك أن من سكر ممن اكره على شربها لا حد عليه، وقالوا: هو مخاطب بالصلاة فطلاقه لازم له. قلنا كذبتم بل نص القرآن يبين انه غير مخاطب بالصلاة بل هو منهى عنها حتي يدرى ما يقول، وقالوا: لو كان ذلك لكان من شاء قتل عدوه سكر فقتله، ومن يدرى انه سكران فقلنا فقولوا إذا باقامة الحدود على المجانين لانه لو سقط عنهم الحد لكان من شاء قتل عدوه تحامق، ومن يدرى انه أحمق، لكن نقول لا يخفى السكران من المتساكر ولا الاحمق من المتحامق، ومما يوضح صحة قولنا يقينا الخبر الثابت الذى رويناه من طريق البخاري نا عبدان. واحمد بن صالح قال عبدان بن عبد الله بن المبارك، وقال احمد: نا عنبسة كلاهما أخبره يونس بن يزيد عن الزهري أخبرني على بن الحسين أن الحسين بن على أخبره ان عليا قال في حديث طويل قال فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزه فيما فعل يعنى إذ عقر شار في على وهو يشرب مع قوم من الانصار، قال على: فإذا حمزه ثمل محمرة عيناه فقال له حمزة: هل أنتم الا عبيد لابي؟ فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أنه ثمل فنكص عليه الصلاة والسلام على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه، فهذا حمزة رضى الله عنه يقول وهو سكران ما لو قاله غير سكران لكفر، وقد أعاذه الله من ذلك فصح ان السكران غيره مؤاخذ بما يفعل جملة وأما من فرق فلم يلزمه الردة والزمه غير ذلك فمتناقض القول، باطل الحكم بيقين لا اشكال فيه، وبالله تعالى التوفيق * 1969 مسألة: واليمين بالطلاق لا يلزم، وسواء بر أو حنث لا يقع به طلاق ولا طلاق الا كما أمر الله عزوجل ولا يمين الا كما أمر الله عزوجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم برهان ذلك قول الله عزوجل: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وجميع المخالفين لنا ههنا لا يختلفون في ان اليمين بالطلاق والعتاق والمشى إلى مكة وصدقة المال فانه لا كفارة عندهم في حنثه في شئ منه الا بالوفاء بالفعل، أو الوفاء باليمين، فصح

[ 212 ]

بذلك يقينا انه ليس شئ من ذلك يمينا إذ لا يمين الا ما سماه الله تعالى يمينا، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رويناه من طريق ابى عبيد نا اسماعيل بن جعفر نا عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كان حالفا فلا يحلف الا بالله " فارتفع الاشكال في أن كل حلف بغير الله عزوجل فانه معصية وليس يمينا، وهذا مكان اختلف فيه، فصح عن الحسن فيمن قال لامرأته أنت طالق ان لم أضرب غلامي فأبق الغلام قال: هي امرأته ينكحها ويتوارثان حتى يفعل ما قال. فان مات الغلام قبل أن يفعل ما قال فقد ذهبت منه امرأته، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن مطر الوارق عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب في رجل طلق امرأته ان لم يفعل كذا؟ قال: لا يقرب امرأته حتى يفعل ما قال. فان مات قبل أن يفعل فلا ميراث بينهما، وصح خلاف هذا عن طائفة من السلف كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في رجل قال لا مرأته أنت طالق ان لم أتزوج عليك قال ان لم يتزوج عليها حتى تموت أو يموت توارثا، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن غيلان بن جامع عن الحكم بن عتيبة قال في الرجل يقول لامرأته أنت طالق ان لم أفعل كذا ثم مات أحدهما قبل أن يفعل فانهما يتوارثان. قال سفيان الثوري إنما وقع الحنث بعد الموت * قال أبو محمد: هذا عجب: ميت يحنث بعد موته وقد تقصينا هذا في كتاب الايمان من كتابنا هذا * وممن روى عنه مثل قولنا كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهل امرأته فجلعها طالقا ان لم يبعث بنفقتها إلى شهر فجاء الاجل ولم يبعث إليها بشئ فلما قدم خاصموه إلى على فقال على اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه، ومن طريق عبد الرزاق عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن شريح انه خوصم إليه في رجل طلق امرأته إن أحدث في الاسلام حدثا فاكترى بغلا إلى حمام أعين فتعدى به إلى اصبهان فباعه واشترى به خمرا فقال شريح: ان شئتم شهدتم عليه أنه طلقها فجعلوا يرددون عليه القصة ويردد عليهم فلم يره حدثا * قال أبو محمد: لا متعلق لهم بما روى من قول على رضى الله عنه اضطهدتموه لانه لم يكن هناك اكراه انما طالبوه بحق نفقتها فقط فانما أنكر على اليمين بالطلاق فقط ولم ير الطلاق يقع بذلك. وكذلك لا متعلق لهم بما في خبر شريح من قول أحد من رواه فلم يره حدثا فانما هو ظن من محمد بن سيرين أو من هشام بن حسان وهو ظن خطأ أو ما نعلم في الاسلام أكثر ممن تعدى من حمام أعين وهو على أميال يسيرة

[ 213 ]

دون العشرة من الكوفة إلى اصبهان وهى أيام كثيرة من الكوفة ثم باع بغل مسلم ظلما واشترى بالثمن خمرا، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج اخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول الحلف بالطلاق ليس شيئا، قلت أكان يراه يمينا؟ قال لا أدرى، فهؤلاء على بن ابى طالب وشريح. وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث ولا يعرف لعلى في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * قال أبو محمد: والطلاق بالصفة (1) عندنا كما هو الطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم، وبالله تعالى التوفيق، ولا يكون طلاقا الا كما أمر الله تعالى به وعلمه وهو القصد إلى الطلاق، واما ما عدى ذلك فباطل وتعد لحدود الله عزوجل، وقد ذكر نا قول عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ثلاثا ان لم يضرب زيدا فمات زيد أو مات هو أنه لا طلاق عليه أصلا وانه يرث امرأته ان ماتت وترثه ان مات وهو قول أبى ثور، وقال سفيان الطلاق يقع بعد الموت وهذا خطأ ظاهر: وقال الشافعي: الطلاق يقع عليه والحنث في آخر أوقات الحياة وهذه دعوى بلا برهان، وقال مالك: يوقف عن امرأته وهو على حنث حتى يبر وهذا كلام فاسد لانه ان كان على حنث فهو حانث فيلزمه أن تطلق عليه امرأته أو ان تلزمه الكفارة باليمين بالله والا فليس حانثا وإذا لم يكن حانثا فهو على بر لابد من أحدهما ولا سبيل إلى حال ثالثة للحالف أصلا فصح ان قوله هو على حنث كلام لا يعقل وبالله تعالى التوفيق * وليت شعرى لاى شئ يوقف عن امرأته ولا تخلو من احد وجهين إما ان تكون حلالا له فلا يحل توقفه عن الحلال أو تكون حراما فلا تحرم عليه الا بالحنث فليطلقها عليه ثم نقول لهم من أين أجزتم الطلاق بصفة ولم تجيزوا النكاح بصفة والرجعة بصفة كمن قال إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتى المطلقة أو قال فقد تزوجتك وقالت هي مثل ذلك وقال الولى مثل ذلك ولا سبيل إلى فرق وبالله تعالى التوفيق * 1970 مسألة: من قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو ذكر وقتا ما فلا تكون طالقا بذلك لا الآن ولا إذا جاء رأس الشهر: برهان ذلك انه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق بذلك وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها وفي غير المدخول بها وليس هذا فيما علمنا (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وأيضا فان كان كل طلاق لا يقع حين ايقاعه فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه، وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة من طلق إلى أجل لم يقع [ بذلك ] (2) الطلاق الا إلى ذلك الاجل كما روينا


(1) وفي النسخة رقم 16 " والطلاق بالصيغة " (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 214 ]

من طريق أبى عبيد نا يزيد بن هارون عن الجراح بن المنهال (1) نا الحكم - هو ابن عتيبة - ان ابن عباس كان يقول: من قال لامرأته أنت طالق إلى رأس السنة انه يطأها ما بينه وبين رأس السنة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء من قال لامرأته أنت طالق إذا ولدت فله أن يصيبها ما لم تلد ولا يطلق حتى يأتي الاجل (2) وكذلك من قال أنت طالق إلى سنة * ومن طريق أبى عبيدنا يزيد بن هارون عن حبيب بن أبى حبيب عن عمرو ابن هرم عن جابر بن ريد ابى الشعثاء قال هي طالق إلى الاجل الذى سمى وتحل له ما دون ذلك * ومن طريق أبى عبيدنا هشيم أنا مغيرة عن ابراهيم النخعي فيمن وقت في الطلاق وقتا، قال: إذا جاء ذلك الوقت وقع، ورويناه أيضا عن الشعبى * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية عن عبيدة عن الشعبى مثل قول ابراهيم، وروى أيضا عن عبد الله بن محمد بن الحنيفة، وروينا عن سفيان الثوري قال: من قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق فانها إذا دخلت في الدم طلقت عليه قال: فان قال لها متى حضت حيضة فأنت طالق فلا تطلق حتى تغتسل من آخر حيضتها لانه يراجعها حتى تغتسل وبأن. لا يقع الطلاق المؤجل الا إلى أجله يقول أبو عبيد. واسحاق بن راهويه والشافعي واحمد. وأبو سليمان. واصحابهم، وقول آخر وهو ان الطلاق يقع في ذلك ساعة يلفظ به، روينا ذلك من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب فيمن طلق امرأته إلى أجل قال: يقع الطلاق ساعتئذ ولا يقربها * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا منصور. ويونس عن الحسن انه كان لا يؤجل في الطلاق وروينا عن الزهري من طلق إلى سنة فهى طالق حينئذ * ومن طريق أبى عبيد عن هشيم عن يحيى بن سعيد الانصاري انه كان لا يؤجل في الطلاق اجلا، وروى عن ربيعة وهو قول الليث وأحد قولى أبى حنيفة وهو قول زفر، وقول ثالث كما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن قتادة عن الحسن انه قال إذا قال أنت طالق إذا كان كذا لامر لا يدرى أيكون أم لا فليس بطلاق حتى يكون ذلك ويطأها فان ماتا قبل ذلك توارثا (3) فان قال أنت طالق إلى سنة فهى طالق حين يقول ذلك وهو قول مالك، وقول رابع روى عن ابن أبى ليلى فيمن قال لامرأته انت طالق إلى رأس الهلال قال اتخوف ان يكون قد طلقها فوجدنا من حجة من قال بأنه وقع (4) عليه الطلاق الآن ان قالوا هذا الطلاق إلى أجل فهو باطل كالنكاح إلى أجل فقلنا لهم فلم قلتم انه ان قال ان دخلت


(1) في النسخة رقم 16 " الحجاج بن المنهال " وهو غلط (2) في النسخة رقم 14 " في الاجل " (3) في النسخة رقم 14 قبل ما أجل توارثا (4) في النسخة رقم 14 في حجة من أوقع الخ

[ 215 ]

الدار فأنت طالق انها لا تطلق إلا بدخول الدار فانه طلاق إلى أجل فاوقعتموه حين لفظ به، وبهذا نعارضهم في قولهم ان ظاهر أمره انه ندم إذ قال أنت طالق فاتبع ذلك بالاجل فيلزمهم ذلك فيمن قال أنت طالق ان دخلت الدار وهو قول صح عن شريح فألزمه الطلاق دخلت الدار أو لم تدخله، وقالوا إذا قال أنت طالق فالطلاق مباح فانه اتبعه أجلا فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل فقلنا: بل ما طلاقه الا فاسد لا مباح إذ علقه بوقت ولا يجوز الزامه بعض ما التزم دون سائره فظهر فساد هذا القول ويكفى من هذا انه تحريم فرج بالظن على من أباحه الله تعالى له باليقين ونعوذ بالله من هذا، ولم نجد لمن فرق بين الاجل الآتى والابد وبين الاجل الذى لا يأتي حجة أصلا غير دعواه لا سيما وهم يفسدون النكاح إذا أجل الصداق إلى أجل قد يكون وقد لا يكون بعكس قولهم في الطلاق وكلا الامرين اجل ولا فرق، وأيضا فقد يأتي الاجل الذى قالوا فيه: انه يجئ وهو ميت أو وهى ميتة أو كلاهما أو قد طلقها ثلاثا فظهر فساد هذا القول جملة وبالله تعالى التوفيق * وهم يشنعون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف وقد خالفوا ههنا ابن عباس، وأيضا فانهم يوقعون عليه طلاقا لم يلتزمه قط وهذا باطل ثم لو عكس عليهم قولهم فقيل بل تطلق عليه إذا أجل أجلا قد يكون وقد لا يكون ساعة لفظه بالطلاق ولا تطلق عليه إذا أجل أجلا يأتي ولابد لما كان بينهم فرق أصلا وبالله تعالى التوفيق * ثم نظرنا فيما يحتج به من أجاز ذلك وجعل الطلاق يقع إذا جاء الاجل لا قبل ذلك بان قال: قال الله تعالى: (أوفوا بالعقود) فقلنا: انما هذا في كل عقد امر الله تعالى بالوفاء به أو ندب إليه لا في كل عقد جملة ولا في معصية، ومن المعاصي ان يطلق بخلاف ما أمر الله تعالى به فلا يحل الوفاء به وقالوا " المسلمون عند شروطهم " وهذا كالذى قبله لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل " والطلاق إلى أجل مشترط بشرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وقالوا: نقيس ذلك على المداينة إلى أجل والعتق إلى أجل فقلنا: القياس باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا لان المداينة والعتق قد جاء في جوازهما إلى أجل النص ولم يأت ذلك في الطلاق، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه باطلا لانكم مجمعون على ان النكاح إلى اجل لا يجوز وان ذلك النكاح باطل فهلا قستم الطلاق إلى أجل على ذلك وقالوا: قد أجمعوا على وقوع الطلاق عند الاجل لان من أوقعه حين نطق به فقد أجازه فالواجب المصير إلى ما اتفقوا عليه فقلنا: هذا باطل وما أجمعوا قط على ذلك لان من اوقع الطلاق حين لفظ به المطلق لم يجز قط

[ 216 ]

ان يؤخر ايقاعه إلى أجل (1) والذين أوقعوه عند الاجل لم يجيزوا ايقاعه حين نطق به وقالوا: هذا قول صاحب (2) لا يعرف له من الصحابة مخالف فقلنا: هذا من رواية أبى العطوف الجراح بن المنهال الجزرى وهو كذاب مشهور بوضع الحديث فبطل هذا القول ايضا والحمد لله رب العالمين * 1971 مسألة: ومن جعل إلى امرأته ان تطلق نفسها لم يلزمه ذلك ولا تكون طالقا طلقت نفسها أو لم تطلق لما ذكرنا قبل من ان الطلاق إنما جعله الله تعالى للرجال لا للنساء * 1972 مسألة: ولا يكون طلاقا بائنا (3) ابدا الا في موضعين لا ثالث لهما، احدهما طلاق غير الموطوءة لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ان تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) والثانى طلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة لقوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) واما ما عدا هذين فلا أصلا لقوله تعالى: (وبيوتهن احق بردهن في ذلك) ولقوله تعالى: (فامسكوهن بمعروف أو فاروقوهن بمعروف) وقال تعالى فإذا بلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) فجعل إلى الزوج في العدة ان يراجعها أو يترك، وممن قال بذلك الشافعي. وابو سليمان. وأصحابهما، الا ان الشافعي رأى الخلع طلاقا بائنا، وليس عندنا كذلك وسنتكلم فيه في بابه ان شاء الله تعالى، فممن قال لامرأته انت طالق طلقة لا رجعة لى فيها عليك بل تملكين بها نفسك، فان الناس اختلفوا في ذلك، فقال أبو حنيفة. والشافعي. واصحابهما. وابن وهب صاحب مالك: هي طلقة يملك فيها زوجها رجعتها، وقوله بخلاف ذلك لغو، وقالت طائفة هي ثلاث، وهو قول ابن الماجشون صاحب مالك، وقالت طائفة هي كما قال. وهو قول ابن القاسم صاحب مالك، والذى نقول به انه كلام فاسد لا يقع به طلاق أصلا لانه لم يطلق كما أمره الله عز وجل. ولا طلاق الا كما أمر الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " والطلاق الرجعى هو الذى يكون فيه الزوج مخيرا ما دامت في العدة بين تركها لا يراجعها حتى تنقضي عدتها فتملك امرها فلا يراجعها الا بولي ورضاها وصداق وبين ان يشهد على ارتجاعها فقط فتكون زوجته أحبت أم كرهت بلا ولى ولا صداق لكن باشهاد فقط. ولو مات احدهما قبل تمام العدة وقبل المراجعة ورثه الباقي


(1) في النسخة رقم 16 " إلى الاجل " (2) في النسخة رقم 16 وهو قول الصاحب (3) في النسخة رقم 14 (ولا تكون طالقا بائنا)

[ 217 ]

منهما. وهذا لا خلاف فيه من أحد من الائمة، والبائن هو الذى لا رجعة له عليها الا أن تشاء هي في غير الثلاث بولي وصداق ورضاها ونفقتها عليه في الطلاق الرجعى ما دامت في العدة ويلحقها طلاقه * 1973 مسألة: ومن قال أنت طالق ان شاء الله أو قال الا أن يشاء الله أو قال الا أن لا يشاء الله فكل ذلك سواء ولا يقع بشئ من ذلك طلاق * برهان ذلك قول الله عزوجل: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله)، وقال تعالى: (وما تشاءون الا أن يشاء الله) ونحن نعلم ان الله تعالى لو أراد امضاء هذا الطلاق ليسره لاخراجه بغير استثناء فصح انه تعالى لم يرد وقوعه إذ يسره لتعليقه بمشيئته عز وجل، وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة كما قلنا كما روينا من طريق ابى عبيد نا معاذ بن معاذ عن ورقاء بن عمر عن ابن طاوس عن أبيه فيمن قال لامرأته أنت طالق ان شاء الله قال له ثنياه * ومن طريق وكيع عن الاعمش عن ابراهيم النخعي فيمن قال لامرأته انت طالق ان شاء الله قال لا يحنث * ومن طريق وكيع عن أبيه عن الليت قال: اجتمع عطاء. ومجاهد. وطاوس. والزهرى على ان الاستثناء في كل شئ جائز * ومن طريق وكيع عن حكيم أبى داود عن الشعبى فيمن قال انت حر ان شاء الله تعالى قال لا يحنث * ومن طريق الحكم بن عتيبة فيمن قال أنت طالق ان شاء الله له ثنياه، وعن ابى مجلز مثل ذلك وهو قول عطاء. وحماد بن ابى سليمان. وسعيد بن المسيب * ومن طريق عبد الرزاق عن ابى حنيفة عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم قال: إذا قال ان لم أفعل كذا فامرأتي طالق ان شاء الله فحنث لم تطلق امرأته وبه كان يأخذ أبو حنيفة وعبد الرزاق قال والناس عليه، وقال سفيان الثوري من قال امرأتي طالق ان كلمت فلانا شهرا إلا أن يبدو لى انه ان وصل الكلام فله استثناؤه فان قطعه وسكت ثم استثنى فلا استثناء له، وقال الاوزاعي في أحد قوليه ان قال ان فعلت كذا فانت طالق ان شاء الله فالاستثناء جائز ولا يقع الطلاق، وكذلك العتاق، وبه يقول الشافعي. وأصحابه وابو ثور وعثمان البتى واسحاق وابو سليمان وأصحابنا، وقال آخرون: لا يسقط الطلاق بالاستثناء، كما روينا من طريق ابى عبيد نا سعيد بن عفير حدثنى الفضل بن المختار عن أبى حمزة قال سمعت ابن عباس يقول: إذا قال لامرأته أنت طالق ان شاء الله فهي طالق، وقد صح هذا عن سعيد بن المسيب والحسن الشعبى والزهرى وقتادة ومكحول وهو أحد قولى الاوزاعي ومالك. والليث. وأحد قولى ابن ابى ليلى، وروى عن ابن أبى ليلى ان طلق واستثنى فالطلاق واقع وان اخرجه مخرج اليمين فله استثناؤه، وقال (م 28 - ج 10 المحلى)

[ 218 ]

مالك فان قال: انت طالق ان شاء زيد أو قال الا أن لا يشاء زيد أو الا أن يشاء زيد فانها لا تطلق الا أن يشاء زيد، واحتجوا في ذلك بأن مشيئة زيد تعرف ومشيئة الله تعالى لا تعرف * قال أبو محمد: وهذا باطل بل مشيئة زيد لا يعرفها أبدا أحد غيره وغير الله تعالى لانه قد يكذب، وأما مشيئة الله تعالى فمعروفة بلا شك لان كل ما نفذ فقد شاء الله تعالى كونه وما لم ينفذ فلا نشك أن الله تعالى لم يشأ كونه وهذا مما خالف فيه الحنيفيون وتشنيعهم بمخالفة صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف * 1974 مسألة ومن طلق امرأته ثم كرر طلاقها لكل من لقيه مشهد أو مخبرا فهو طلاق واحد لا يلزمه أكثر من ذلك، وهذا مما لا خلاف فيه لانه لم ينو بذلك طلاق آخر * 1975 مسألة: ومن أيقنت امرأته أنه طلقها ثلاثا أو آخر ثلاث أو دون ثلاث ولم يشهد على مراجعته اياها حتى تمت عدتها ثم أمسكها معتديا ففرض عليها أن تهرب عنه ان لم تكن لها بينة فان اكرهها فلها قتله دفاعا عن نفسها والا فهو زنا منها ان امكنته من نفسها وهو أجنبي كعابر السبيل فحكمه في كل شئ حكم الأجنبي * 1976 مسألة: وطلاق المريض كطلاق الصحيح، ولا فرق مات من ذلك المرض أو لم يمت منه فان كان المريض ثلاثا أو آخر ثلاث أو قبل أن يطأها فمات أو ماتت قبل تمام العدة أو بعدها أو كان طلاقا رجعيا فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة فلا ترثه في شئ من ذلك كله ولا يرثها أصلا وكذلك طلاق الصحيح للمريضة، وطلاق المريض للمريضة، ولا فرق، وكذلك طلاق الموقوف للقتل والحامل المثقلة، وهذا مكان اختلف الناس فيه فقول اول فيه أنه ليس طلاقا كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا ابن مفرج نا عبد الله بن جعفر بن الورد نا يحيى بن ايوب ابن بادى العلاف نا يحيى بن بكير نا الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر قال: ان عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له كلبية في مرضه الذى مات فيه فكلمه عثمان ليراجعها فتلكأ عليه عبد الرحمن فقال عثمان: قد اعرف انما طلقها كراهية أن ترث مع أم كلثوم وانى والله لاقسمن لها ميراثها، وان كانت أم كلثوم اختى قال نافع: وكان آخر طلاقها تطليقة في مرضه، فهذا عثمان يأمر عبد الرحمن بمراجعتها بعد أن طلقها آخر طلاقها في مرضه، فصح انه لم يكن يراه طلاقا، فكل ما روى عن عثمان بعد هذا فهو مردود إلى هذا، وجاء عن عثمان أيضا ان عبد الرحمن بن مكمل طلق

[ 219 ]

بعض نسائه بعد ان أصابه فالج ثم مات بعد سنتين فورثها منه عثمان، وصح عنه أنه ورث أمرأة عبد الرحمن بن عوف الكلبية وقد طلقها وهو مريض آخر ثلاث تطليقات ثم مات بعد أن أتمت عدتها فقيل لعثمان لم تورثها من عبد الرحمن، وقد علمت انه لم يطلقها ضرارا ولا فرارا من كتاب الله عزوجل فقال عثمان: أردت أن تكون سنة يهاب الناس الفرار من كتاب الله عزوجل، وقول آخر ترثه ويرثها كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول: يتوارثان ان مات من مرضه ذلك، وقول ثالث ترثه وان صح ثم مات من مرض آخر * روينا من طريق ابى عبيد نا عبد الله بن صالح نا الليث بن سعد عن يونس بن يزيد عن الزهري أنه سئل عمن طلق امرأته وهو مريض فبتها فصح أياما وهى في العدة ثم مرض ثم مات من وجع آخر أو عادله وجعه قال الزهري: نرى حين طلقها وهو مريض انها في قضاء عثمان ترثه، وبهذا يقول سفيان الثوري والاوزاعي. وزفر بن الهذيل وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه كلهم يقول: إذا طلقها وهو مريض، ثم صح ثم مات قبل انقضاء عدتها فانها ترثه، وقال الاوزاعي: ان ملكها نفسها وهو مريض فطلقت نفسها لم ترثه وان طلقها وهو مريض باذنها ورثته، وقول رابع رويناه من طريق سعيد بن منصور نا اسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة انه سأل أباه عروة عمن طلق امرأته البتة وهو مريض؟ فقال عروة: لا يتوارثان إلا أن يكون بها حبل أو يطلق مضارة فيموت وهى في العدة منه * وقول خامس ان طلق ثلاثا وهو مريض ولم يصح حتى مات فانها ترثه ما لم تنقض عدتها منه فان مات بعد أن انقضت عدتها لم ترثه، كما روينا من طريق ابن ابى شيبة نا يزيد بن هارون انا سعيد بن ابى عروبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة انها قالت في المطلقة ثلاثا وهو مريض ترثه ما دامت في العدة * قال أبو محمد: لم يسمع ابن ابى عروبة من هشام بن عروة شيئا * ومن طريق ابن ابى شيبة نا حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه ان حسين بن على طلق امرأته وهو مريض فورثته * ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن عبيدة بن مغيث عن ابراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب أنه قال: الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا ورثته ما كانت في العدة وبه يقول ابراهيم * ومن طريق ابى بكر بن ابى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن ابراهيم عن شريح قال: أتانى عروة البارقى من عند عمر في الرجل يطلق امرأته ثلاثا في مرضه انها ترثه مادامت في العدة ولا يرثها وبه يقول ابراهيم *

[ 220 ]

ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا مغيرة عن ابراهيم فيمن طلق امرأته وهو مريض ثلاثا قبل ان يدخل بها قال: لها نصف الصداق، ولا ميراث لها ولا عدة عليها، قال هشيم: وبهذا نقول * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم عن ابن عمر قال: إذا طلق امرأته ثلاثا، وهو مريض ورثت في العدة * قال أبو محمد: هكذا في كتابي عن محمد بن سعيد بن عمر ولا أراه الا وهما وانه انما هو عمر والله أعلم: كذلك رويناه من طريق سفيان. وشعبة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث. عن داود. والاشعث. عن الشعبى. وشريح قالا إذا طلق ثلاثا في مرضه ورثته ما دامت في العدة، وقال أبو حنيفة وأصحابه فان خيرها أو ملكها أو خالعا وهو مريض. أو حلف بطلاقها ثلاثا وهو صحيح فحنثته وهو مريض فمات لم ترثه. فلو بارز رجلا في القتال أو قدم ليقتل فطلقها ثلاثا ورثته فلو طلقها وهو مريض ولم يكن دخل بها لم ترثه فلو أكرهها ابوه فوطئها في مرض ابنه فمات لم ترثه (1) * ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته ثلاثا في مرضه فقال عثمان: لئن مت لا ورثتها منك قال: قد علمت ذلك فمات في عدتها فورثها عثمان في عدتها * ومن طريق عبد الرزاق. عن ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة أنه سأل عبد الله بن الزبير فقال له ابن الزبير: طلق عبد الرحمن بن عوف بنت الاصبع الكلبية فبتها ثم مات فورثتها عثمان في عدتها ثم ذكر ابن الزبير قوله نفسه * نا على بن عباد الانصاري نا محمد بن عبد الله بن محمد بن يزيد اللخمى نا بن مفرج نا احمد بن عبد الرحيم الاسدي نا عمرو بن ثوبان نا محمد بن يوسف الفريابى نا سفيان الثوري عن أيوب السخيتانى عن محمد بن سيرين قال: من طلق وهو مريض طلاقا بائنا فانها ترثه ما دامت في العدة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر وابن جريج كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا طلقها مريضا فبتها فانقضت العدة فلا ميراث بينهما وصح عن شريح فيمن طلق مريضا فمات فانها ترثه ما كانت في العدة فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فلم ينكره وهو قول الشعبى. والحارث العكلى. وحماد بن أبى سليمان، وروى عن ربيعة. وطاوس. والليث ابن سعد. وسفيان الثوري والاوزاعي. وابن شبرمة. وأبى حنيفة. وأصحابه * وقول سادس من روى عنه ان المطلقة في المرض ترث هكذا جملة لم يبين في العدة فقط أم بعدها فكما روينا من طريق ابن وهب أخبرني رجال من أهل العلم ان على بن ابى طالب قال: المطلقة في المرض ترث * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبيدالله بن عثمان بن


(1) قوله وقال أبو حنيفة وأصحابه فان خيرها - إلى هنا مؤخر في النسخة رقم 14

[ 221 ]

أبى الاسود عن عطاء قال: لو مرض سنة لورثتها منه، والاصح عن عطاء انها ترثه في العدة ولا ترثه بعدها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يزيد بن هارون عن أشعث عن محمد بن سيرين قال: كانوا يقولون: لا يختلفون فيمن فرمن كتاب الله رد إليه يعنى فيمن طلق امرأته وهو مريض * وقول سابع من قال: ترثه بعد العدة ما لم تتزوج فكما نا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد الله بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن شيخ من قريش عن أبى بن كعب فيمن طلق امرأته ثلاثا في مرضه قال لا ازال أورثها منه حتى يبرأ أو تتزوج أو تمكث سنة أو قال ولو مكثت سنة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء الرجل يطلق إمرأته مريضا ثم يموت من وجعه ذلك قال عطاء: ترثه وان انقضت عدتها منه إذا مات في مرضه ذلك ما لم تنكح * ومن طريق أبى عبيدنا يزيد بن هارون عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى في التى يطلقها وهو مريض قال ترثه وان كان إلى سنتين ما لم تتزوج وقال أبو عبيد: وسمعت أبا يوسف القاضى يقول عن ابن أبى ليلى انه قال في المطلقة في المرض ترثه ما لم تتزوج وهو قول شريك القاضى. واحمد بن حنبل. واسحاق. وأبى عبيد * وقول ثامن وهو لمن قال انها لا ترثه إلا ما دامت في العده وانها تنتقل إلى عدة الوفاة وقاله أيضا بعض من ورثها بعد العدة كما روينا من طريق أبى عبيد نا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة عن أبيه عن الشعبى: قال باب من الطلاق جسيم إذا ورثت المرأة اعتدت ترثه ما لم تنكح قبل موته فإذا ورثته اعتدت أربعة أشهر وعشرا * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: إذا طلق الرجل امرأته وهو مريض فمات ورثته واستأنفت العدة أربعة أشهر وعشرا، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري ان كانت أربعة أشهر وعشرا أكثر من حيضتها أخذت بالاربعة الاشهر والعشر وان كان الحيض أكثر أخذت بالحيض * قال أبو محمد: وهذا هو قول أبى حنيفة. ومحمد بن الحسن، وقال أبو يوسف تتمادى على الحيض فقط ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، وقول تاسع وهو قول من قال ترثه في العدة وبعد العدة ولم يخص ان لم تتزوج ولا قال وان تزوجت فكما روينا من طريق ابن وهب اخبرني موسى بن يزيد عن الزهري حدثنى طلحة بن عبد الله بن عوف ان عبد الرحمن بن عوف عاش حتى حلت تماضر ثم ورثها عثمان منه بعد ما حلت

[ 222 ]

وهكذا رويناه من طريق سعيد بن منصور نا عباد بن عباد المهلبى نا هشام بن عروة عن أبيه، ومحمد بن عمرو بن علقمة كلاهما عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ان أباه طلق امرأته في مرضه فمات بعد ما حلت فورثها عثمان * واختلف عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه فروى عنه أبو عوانة انه كان ذلك في العدة: وروى عنه هشيم كان ذلك بعد العدة، وعمر ضعيف * ومن طريق ابن وهب أخبرني يزيد بن عياض بن جعدبة عن عبد الكريم بن الحارث عن مجاهد انه قال إذا طلق المريض امرأته قبل ان يدخل بها فلها ميراثها منه ونصف الصداق، ومن طريق ابن وهب أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه قال يقال: إذا طلق امرأته وهو وجع وقد فرض لها ولم يمسها فلها نصف صداقها وترثه، ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا سهل بن يوسف عن حميد عن بكر عن الحسن فيمن طلق امرأته ثلاثا في مرضه فمات وقد انقضت عدتها فانها ترثه * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا يونس بن عبيد. ومنصور كلاهما عن الحسن فيمن طلق امرأته وهو مريض قبل ان يدخل بها؟ قال: لها الصداق كله والميراث وعليها العدة. ومن طريق حماد بن سلمة عن عثمان البتى. وحميد. وأصحاب الحسن قالوا: ترثه بعد انقضاء العدة، وقول عاشر رويناه من طريق ابن وهب اخبرني رجال من أهل العلم ان ربيعة قال في المطلقة ثلاثا في المرض ترثه وان نكحت بعده عشرة أزواج، وبهذا يقول مالك ومن قلده، وروى أيضا عن الليث بن سعد، وقال مالك: ان طلقها مريضا قبل الدخول بها فلها الميراث ولها نصف الصداق ولا عدة عليها وقال: ان خيرها وهو مريض فاختارت نفسها فطلقت ثلاثا أو اختلعت منه وهو مريض ثم مات من مرضه فانها ترثه قال: وكذلك لو حلف بطلاقها ثلاثا ان دخلت دار فلان وهو صحيح فمرض (1) فتعمدت دخول تلك الدار فطلقت ثلاثا أو مات من مرضه فانها ترثه، قال وكذلك من قال وهو صحيح: إذا قدم أبى فأنت طالق ثلاثا فقدم أبوه وهو مريض فطلقت ثلاثا ثم مات هو فانها ترثه، قال: ومن قاتل في الزحف أو حبس للقتل فطلق امرأته ثلاثا فانها ترثه قال: والمحصور ان طلق ثلاثا لم ترثه قال: فلو ارتد وهو مريض لم ترثه، وقول حادى عشر كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: طلق غيلان بن سلمة الثقفى نساءه وقسم ماله بين بنيه وذلك في خلافة عمر فبلغه ذلك فقال له عمر: طلقت نساءك وقسمت مالك بين بنيك قال نعم قال له عمر: والله لارى


(1) في النسخة رقم 14 ثم مرض

[ 223 ]

الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فألقاه في نفسك فلعلك أن لا تمكث إلا قليلا وايم الله لئن لم تراجع نساءك وترجع في مالك لا ورثتهن منك إذا مت ثم لآمرن بقبرك فليرجمن كما يرجم قبر أبى رغال قال: فراجع نساءه وماله، قال نافع: فما لبث الا سبعا حتى مات * وأما المحصور فروينا من طريق ابن أبى شيبة قال نا عباد بن العوام عن أشعث عن الشعبى ان أم البنين بنت عتبة بن حصن كانت تحت عثمان فلما حوصر طلقها وكان قد أرسل إليها يشترى منها ثمنها فأبت فلما قنل أتت على بن أبى طالب فذكرت ذلك له فقال على تركها حتى إذا أشرف على الموت طلقها فورثها * وقول ثانى عشر وهو من لم يورث المبتوتة في المرض روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة انه سأل عبد الله بن الزبير عن المبتوتة يعنى في المرض قال فقال لى ابن الزبير طلق عبد الرحمن بن عوف بنت الاصبغ الكلبية ثلاثا (1) ثم مات وهى في عدتها فورثها عثمان، قال ابن الزبير: فاما أنا فلا أرى ان ترث المبتوتة * ومن طريق أبى عبيد نا يحيى بن سعيد القطان نا ابن جريج عن ابن أبى مليكة قال: سألت عبد الله ابن الزبير عمن طلق امرأته ثلاثا وهو مريض؟ فقال ابن الزبير: أما عثمان فورث ابنة الاصبغ الكلبية وأما أنا فلا أرى ان ترث مبتوتة * ومن طريق سعيد بن منصور. والحجاج بن المنهال قالا جميعا: نا أبو عوانة نا عمر بن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه فذكر حديث أبيه وان امرأته تماضر بنت الاصبغ بن زياد بن الحصين أرسلت إليه تسأله الطلاق فقال إذا طهرت يعنى من حيضها فلتؤذنى فطهرت فأرسلت إليه وهو مريض فغضب وقال: هي طالق البتة لا رجعة لها فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات فقال عبد الله بن عوف: لا أورث تماضر شيئا هذا لفظ الحجاج، وقال سعيد بن منصور في روايته فقال عبد الرحمن: لا أورث تماضر شيئا ثم اتفقا فارتفعوا لى عثمان فورثها وكان ذلك في العدة * ومن طريق أبى عبيدنا أبو أحمد الزبير عن سفيان الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن عباس في الذى يطلق امرأته ثلاثا في مرضه قبل أن يدخل بها قال: ليس لها ميراث ولها نصف الصداق * ومن طريق قتادة ان على ابن أبى طالب قال: لا ترث المبتوتة * ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة بن مقسم عن الحارث العكلى قال: من طلق امرأته طلقتين في صحته فطلقها الثالثة للعدة في مرضه لم ترثه لانه لم تعتد وبأن لا ترث المطلقة المبتوتة في المرض


(1) في النسخة رقم 14 " الكلبية فبتها "

[ 224 ]

يقول الشافعي. وأبو سليمان. وأصحابهما * قال أبو محمد: احتج من رأى توريث المبتوتة في المرض بأن قالوا: فر بذلك عما أوجب الله تعالى لها في كتابه في الميراث فوجب أن يقضى عليه (1) وعلى من لايتهم بذلك لئلا يكون ذريعة إلى منع الحقوق * قال أبو محمد: فنقول وبالله تعالى نتأيد ما فر قط عن كتاب الله تعالى. بل أخذ بكتاب الله واتبعه، لان الله تعالى أباح الطلاق وقطع بالثلاث وبالطلاق قبل الوطئ جميع حقوق الزوجية من النفقة واباحة الوطئ والتوارث فأين ههنا الفرار من كتاب الله تعالى؟ انما كان يفرعن كتاب الله تعالى لو قال: لا ترث منى شيئا دون أن يطلقها بل الفرار من كتاب الله تعالى هو توريث من ليست زوجة ولا أما ولا جدة ولا ابنة ولا ابنة ابن ولا اختار ولا معتقة، ولكن اجنبية لم يجعل الله تعالى قط لها ميراثا، وكيف يجوز أن تورث بالزوجية من ان وطئها رجم أو من قد حل لها زواج غيره أو من هي زوجة لغيره، هذا هو خلاف كتاب الله تعالى حقا بلا شك، وأيضا فان كانت ترثه بالزوجية فواجب أن يرثها بالزوجية كما يقول الحسن: إذ من الباطل المحال الممتنع أن تكون هي امرأته، ولا يكون هو زوجها فان قالوا ليست امرأته قلنا: فلم ورثتموها ميراث زوجة، وهذا عجب جدا، وهذا أكل المال بالباطل بلا شك * ومن العجب قولهم فر بميراثها، وأى ميراث لها من صحيح لعلها هي تموت قبله، ورب صحيح يموت قبل ذلك المريض، وقد يبرأ من مرضه، فما وجب لها قط إذ طلقها ميراث يفر به عنها تم من العجب توريث الحنيفيين المبتوتة ممن حبس للقتل أو بارز في حرب وليس مريضا ومنعهم الميراث التى أكرهها أبو زوجها على أن وطئها في مرض زوجها وليس لزوجها في ذلك عمل اصلا ولا طلقها مختارا قط، وتوريث المالكيين المختلعة والمختارة نفسها والقاصدة إلى تحنيثه في مرضه في يمينه، وهو صحيح بالطلاق، وهو كاره لمفارقتها وهى مسارعة إليه مكرهة له على ذلك، وما في العجب أكثر من منعهم المتزوجة في المرض من الميراث الذى أوجبه الله تعالى لها يقينا بالزوجية الصحيحة وتوريثهم المطلقة ثلاثا في المرض فورثوا بالزوجية من ليست بزوجة ومنعوا ميراث الزوجة من هي زوجته وحسبنا الله ونعم الوكيل * وروينا من طريق ابن وهب اخبرني مالك وعمرو بن الحارث. والليث بن سعد. ومخرمة بن بكير، ويونس بن يزيد، قال مالك والليث وعمر وكلهم عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن يحيى بن حبان، وقال مخرمة عن أبيه عن سليمان


(1) في النسخة رقم 14 أن يمضى عليه

[ 225 ]

ابن يسار، وقال يونس واللفظ له: أنا الزهري أن رجلا من الانصار يقال له حبان بن منقذ كانت تحته هند بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وامرأة من الانصار فطلق الانصارية وهى ترضع ابنه وهو صحيح فمكثت سبعة أشهر أو قريبا من ثمانية أشهر لا تحيض ثم مرض حبان فقيل به: انها ترثك ان مت قال: احملوني إلى أمير المؤمنين عثمان فحمل إليه فذكر له شأن امرأته وعنده على بن ابى طالب رضى الله عنه، وزيد بن ثابت فقال لهما عثمان: ما تريان؟ قالا جميعا: نرى انها ترثه ان مات ويرثها ان ماتت فانها ليست من القواعد اللائى يئسن من المحيض، وليست من اللائى لم يحضن فهى عنده على حيضها ما كانت من قليل أو كثير وانه لم يمنعها من أن تحيض الا الرضاع فرجع حبان فانتزع ابنه منها فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة ثم حاضت أخرى في الهلال ثم توفى حبان على رأس السنة أو قريبا منها فشرك عثمان بين المرأتين في الميراث وأمر الانصارية أن تعتد عدة الوفاة، وقال للهاشمية هذا رأى ابن عمك هو أشار علينا به يعنى على بن ابى طالب قال ابن وهب: انا بشر بن بكر عن الاوزاعي عن ابن شهاب قال: ان عثمان قضى أن نختلج منها ولدها حتى تحيض اقراءها، قال ابن وهب اخبرني خالد بن حميد المهرى عمن أخبره عن ابن شهاب ان عثمان أرسل إلى زيد بن ثابت يشاوره في امر حبان بن منفذ فقال زيد اختلج ابنه منها ترجع الحيضة ففعل عثمان وذكر الخبر وبه يقول مالك * قال أبو محمد: هذا حقا هو الفرار من كتاب الله عزوجل أن تمنع رضاع ولدها ليتعجل حيضها فتتم عدتها وتبطل ميراثها وانما كان الوجه إذ هو عندهم فار من كتاب الله أن يبطلوا الطلاق الذى به اراد منعها الميراث كما فعل المالكيون في نكاح المريض، وأما تجويزهم الطلاق وابقاؤهم الميراث فمناقضة ظاهرة الخطا، وقد أوردنا قبل عن عثمان انه لم يجز ذلك الطلاق إذ أمر عبد الرحمن بمراجعتها بعد أن طلقها ثلاثا، ويقال لهم أترون عبد الرحمن بن عوف فرمن كتاب الله تعالى حاشى له من ذلك، فمن قولهم انما فعل ذلك بمن لا يظن به الفرار لقطع الزريعة فقلنا فهلا قلتم بقول ابى حنيفة في ان من اكرهها أبو زوجها على الوطئ انها ترث لانه قد يمكن أن يدس الزوج أباه لذلك ليمنعها الميراث فرب فاسق يستسهل هذا في حريمته فيكون قطعا للذريعة، وهلا ان كنتم مالكيين قلتم بذلك في المرتد في مرضه إذ قلتم: لا نتهمه انه ارتد فرارا من ميراثها فكم من الناس فر إلى ارض الحرب وارتد لغضب غضبه وليغيظ جاره باذاه له وهذا كله تناقض لا خفاء به فكيف من ارتد لئلا ترثه ثم راجع

[ 226 ]

الاسلام. وهلا ورثوها منه. وان ماتت قبله فلا فوق بين توريثها وهى ميتة وبين توريثها بالزوجية وهى اجنبية زوجة لغيره لو وطئها هو لرجم ورجمت، فان قالوا: لم يأت بهذا أثر قلنا: ولا جاء في المبارز اثر فهلا قستم هذا على المطلقة كما قستم ذلك على المطلق، ولا ورثتموها من المرتد فقد قال بتوريث مال المرتد لورثته من المسلمين طائفة من السلف ولا ندرى ما قولهم في مريض تحته مملوكة فأعقتت في مرضه فاختارت فراقه، وفي مملوك تحته حرة فطلقها بتانا وهو مريض ثم أعتق هو وفي مسلم تحته كتابية فطلقها في مرضه ثلاثا ثم اعتدت وأسلمت في عدتها أو بعد عدتها. أو بعد ان تزوجت. وأيضا فان الفرار بالميراث عنها يدخل في طلاق الصحيح كما يدخل في طلاق المريض، وقد يموت الصحيح قبل المريض فليورثوها ممن طلقها ثلاثا وهو صحيح ثم مات بغتة أو من مرض أصابه، وأيضا فلا يختلفون فيمن به حبن (1) قاقل. أو جرح فانتثرت حشوته فتحامل فوطئ جارية له فحملت وهو يهتف بانه انما وطئها لتحمل فيحرم عصبته الميراث انها ان حملت وولدت حرمت العصبة (2) الميراث، فان قالوا وقد لا تحمل قلنا: وهو قد يفيق وهى قد تموت قبله وهلا وضعوا الظن في الفرار من كتاب الله تعالى حيث هو أليق به فيقولوا إذا طلقها ثلاثا وهو مريض فانما فر عن كتاب الله تعالى فيما أوجب لها من النفقة والكسوة الواجب لها كل ذلك فيلزمونه الكسوة والنفقة أبدا فلم يفعلوا وأعملوا ظنهم في أنه فرعنها بميراث لم يجب لها قط ولا يختلفون في أن من أقر في مرضه الذى مات فيه بولد أنه يلحقه ويرث ويمنع عصبته الميراث ويحط الزوجة من ربع إلى ثمن فهلا قالوا انما فعل ذلك ليحطها من الميراث * وأما الحنيفيون فانهم أمضوا فراره عن كتاب الله عزوجل إذ قطعوا ميراثها بعد العدة فجعلوه ينتفع بفراره عن كتاب الله تعالى في موضع، ولا ينتفع به في موضع آخر فهذا التخليط والخبط وانقطاع العدة متولد من الطلاق الذى هو فعله، ويقال لهم: قد أجزتم نكاح المريض وهو اضرار باهل الميراث في ادخال من يشركهم فيه. فهلا إذ أجزتم طلاق المريض أمضيتم حكمه في قطع الميراث، ويقال للمالكيين: من أين ورثتم المخنثة لزوجها في مرضه وهو لم يفر قط بميراثها ولا طلقها في مرضه وكيف يجوز أن يقاس غير فار على فار، وأعجب شئ قول المالكيين في التى يطلقها زوجها وهو مريض ولم يدخل بها أنها ترثه، وليس لها الا نصف الصداق فهلا قالوا: أنه فر بنصف صداقها فيقضوا لها بجميعه كما قال الحسن


(1) الحبن والحبنة كالدمل (2) في النسخة رقم 14 " حرم عصبته "

[ 227 ]

وهلا قالوا فيمن قال لامرأته ان دخلت دار زيد فانت طالق ثلاثا، وهو صحيح فاعتلت هي فأمرت من حملها فدخلت دار زيد وقالت: انما أفعل هذا لئلا يرثنى فهذه فارة بميراثها فهلا وروثه منها بعلة الفرار ولكنهم لا يتمسكون بنص ولا بقياس ولا بعلة، وعجب آخر وهو أنهم قالوا: ان صح لم ترثه فجعلوه ينتفع بفراره من كتاب الله عز وجل ان صح، وهذا تلاعب ولم يأت قط عن أحد من الصحابة انه ان صح لم ترثه الا عن أبى وحده وقد خالفه المالكيون في قوله الا أن تتزوج وخالفه الحنيفيون في توريثها منه بعد العدة والقوم متلاعبون بلا شك، وقال بعضهم: لما كان المرض يحدث لصاحبه احكاما لم تكن له في الصحة فيمنع من أكثر من ثلث ماله في الصدقة والعتق والهبة كان الطلاق كذلك فقلنا: هذا احتجاج للخطأ بالخطأ، وما وجب قط منع المريض من جميع ماله بل هو كالصحيح سواء سواء، وحتى لو كان ما قلتم فمن اين وجب أن يكون الطلاق مقيسا على ذلك وما نعلم دليلا على ذلك لا من نص ولا من اجماع ولا من قول متقدم ولا من معقول الا دعوى كاذبة فبطل هذا ايضا بيقين ولا يعجز أحد عن أن يدعى ما شاء، وقد تكلمنا على هذا في كتاب الهبات من ديواننا هذا فأغنى عن اعادته، وقالوا: هذا قول جمهور الصحابة رضى الله عنهم فقلنا كذب من قال هذا أشنع كذب انما جاءت في ذلك روايات مختلفة متناقضة عن خمسة. من الصحابة فقط. عمر. وعثمان. وعلى. وعائشة أم المؤمنين. وأبى بن كعب.، أما الرواية عن على فساقطة مفضوحة ولم تصح قط لانها عن ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن على ثم ليس عنه الا المطلقة في المرض ترث ونحن نقول أنها ترث ما لم تكن مبتوتة وليس فيه أنها ترث في العدة دون ما بعد العدة ولا أنها ترث الا أن يصح فهي رواية على سقوطها غير موافقة لتحكم الحنيفيين والمالكيين فكيف وقد أوردنا عن على مثلها لا ترث مبتوتة وأوردنا عنه انه ورث المرأة التى طلقها عثمان وهو محصور وهم كلهم لا يقولون بهذا، والرواية عن عائشة أم المؤمنين لا تصح لان سعيد بن أبى عروبة لم يسمع من هشام بن عروة شيئا قط فلا ندرى عمن أخذه وهو مخالف لقول المالكيين فهو عليهم لا لهم فسقطت هذه الرواية * والرواية عن أبى ساقطة لا تصح لانها من طريق شيخ من قريش لا يدرى من هو، ثم هي مخالفة للحنيفيين والمالكيين جميعا لان فيها الا أن تتزوج فبطل تعلقهم بما هم أول مخالفين له والرواية عن عمر منقطعة لانها عن ابراهيم عن عمر، وفي بعض رواياتي عن ابن عمر وهو وهم وكلاهما غير متصلة لان ابراهيم لم يسمع قط من عمر ولا من ابن عمر كلمة وانما تصح من الطريق التى أوردنا عن

[ 228 ]

ابراهيم عن شريح مع أن كل ما روى في ذلك عن عمر مخالف للمالكيين لانها كلها لا ترث الا في العدة فليس للحنيفيين غير هذه الرواية وحدها وكم قصة خالفوا فيها الطائفة من الصحابة لايعرف لهم فيها مخالف كقول عمر في امرأة المفقود وغير ذلك نعم وفي هذه الرواية نفسها لان فيها كان فيما جاء به عروة البارقى إلى شريح من عند عمر ابن الخطاب ان جروح الرجال والنساء سواء الا الموضحة [ والسن فيما جاء ] (1) فعلى النصف، وإذا طلق امرأته ثلاثا ورثته ما دامت في العدة، ومن الباطل أن يكون بعض كتاب عمر حجة وبعضه ليس بحجة لانهم كلهم لا يقولون بهذا، وقد أوردنا عن عمر بأصح طريق أنه قال: لغيلان بن سلمة وقد طلق نساءه وهو صحيح لئن مت لاورثتهن منك وهم لا يقولون بهذا فكيف وقد صح خلاف عمر في هذا عن ابن الزبير. وعبد الله بن عوف أخى عبد الرحمن بن عوف وله صحبة، وروى عن على مثل قولنا، وعن عبد الرحمن بن عوف * وأما الرواية عن عثمان فقد ذكرنا انه لم يره طلاقا وانه أمره بمراجعتها، وهذا خلاف الطائفتين معا، ثم اضطربت رواية الثقات عنه فروى عنه عبد الله بن الزبير. وحماد بن سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عروة بن الزبير أنه لم يورثها إلا في العدة، وكذلك روى أبو عوانة عن عمر بن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن ابى سلمة، وروى عروة بن الزبير. ومحمد بن عمرو بن علقمة عن ابى سلمة. وطلحة بن عبد الله بن عوف. وهشيم عن عمر بن ابى سلمة عن أبى سلمة. وابن المسيب أنه ورثها منه بعد العدة، فاحدى الروايتين مخالفة للحنيفيين، ولا شك في ان احداهما وهم لا ندرى أيتهما هي، ولا يجوز الحكم بقضية قد صح الوهم فيها فلا يدرى كيف وقعت، وقد روينا عن عثمان أن زيدا (2) طلق امرأته وبه فالج فعاش سنتين ثم مات فورثها منه، وهم لا يختلفون في أن المفلوج لا يرثه بذلك المرض من طلقها فيه فسقط تعلقهم بعثمان، والعجب ان الحنيفيين يقولون انها ان سألته الطلاق في مرضه فطلقها انها لا ترثه، والثابت عن عبد الرحمن انه لم يطلقها إلا بعد ان سألته الطلاق حتى غضب فخالفوا عثمان في ذلك، فلم يبق لهم من الصحابة رضى الله عنهم متعلق، فان قيل: قد رويتم عن جعفر بن محمد عن أبيه ان الحسين بن على طلق امرأته وهو مريض فورثته، قلنا: هذه رواية لا حجة فيها أول ذلك انها منكرة لان فيها أن الحسين طلق امرأته وهو مريض فروثته، والحسين رضى الله عنه لم يمت حتف انفه، انما مات مقتولا فصح انه قد كان صح من ذلك المرض فهذا مخالف


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 14 " ان رجلا " بدل زيدا

[ 229 ]

للطائفتين، ثم هي منقطعة لان محمد بن على بن الحسين لم يدرك الحسين ولا الحسن ثم ليس فيه من هو المورث لها ولا ان الحسين أخبر أنها ترثه وقال بعضهم قد رويتم أن عثمان قال لعبد الرحمن لئن مت لا ورثنها منك فقال عبد الرحمن: لقد علمت، قالوا فدل ذلك على موافقته لعثمان في ذلك فقلنا: كلاما دل ذلك قط على موافقته لعثمان في ذلك بل انما فيه مما لا يحتمل سواه قد علمت ما أعلمني به انه من رأيك فبطل كل ما شغبوا به عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك والحمد لله رب العالمين * واعترض بعضهم على الرواية الثابتة عن ابن الزبير انه لا ترث مبتوتة بما حدثناه سعيد بن عبد البر البلنسى قال: نا عبد الله بن أبي زيد المالكى نا ابن عثمان نا محمد بن احمد بن الجهم نا محمد بن شاذان نا معلى بن منصور نا هشيم عن الحجاج بن ارطاة عن ابن أبى مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: طلق ابن عوف امرأته الكلبية وهو مريض ثلاثا فمات ابن عوف فورثها منه عثمان قال ابن الزبير: لولا أن عثمان ورثها لم أر لمطلقة ميراثا * قال أبو محمد: الحجاج بن ارطاة هالك ساقط ولا يعترض بروايته على رواية الامام المشهور ابن جريج عن ابن أبي مليكة الا جاهل أو مجاهر بالباطل مجادل به ليدحض به الحق، وهيهات له من ذلك، وما يزيد من فعل هذا على أن يبدى عن عواره وجهله أو قلة ورعه ونعوذ بالله من الظلال، فبطل (1) كل ما موهوا به في ذهه المسألة، وصح انها خطأ محض، وصح ان المبتوتة في المرض أو المطلقة فيه ولم يطأها لا ميراث لهما أصلا، وكذلك المطلقة طلاقا رجعيا في المرض إذا لم يراجعها حتى مات فلا ميراث لها، وحتى لو أقر علانية انه انما فعل (2) ذلك لئلا ترثه، ولا حرج عليه في ذلك لانه فعل ما أبيح له من الطلاق الذى قطع الله تعالى الموارثة بينهما وقطع به حكم الزوجية بينهما، وكذلك ان طلق وهو موقوف للقتل في حق أو باطل أو للرجم في زنا، ولا فرق لانه لم يأت نص قط بين طلاق هؤلاء وبين غيرهم بفرق، ولا يجوز أن يرث بالزوجية الا زوجة أو زوج ترثه حيث يرثها ولا فرق، ولا يرث بالبنوة الا ابن أو ابنة، ولا يرث بالابوة إلا أب، ولا يرث بالامومة إلا أم ولا فرق بين شئ من ذلك، والمفرق بين ذلك مؤكل مالا بالباطل ومن صح عنه انه قضى بذلك من الصحابة رضى الله عنهم فمأجور بكل حال من خطا أو صواب وانما الشأن فيمن قلد بعض ما اجتهدوا فيه، وخالفهم في بعضه تحكما في الدين بالهوى والباطل وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 14 (فسقط) (2) في النسخة رقم 16 (انما يفعل)

[ 230 ]

1977 مسألة: وطلاق العبد بيده لا بيد سيده، وطلاق العبد لزوجته الامة أو الحرة، وطلاق الحر لزوجته الامة أو الحرة كل ذلك سواء لا تحرم واحدة ممن ذكرنا على مطلق ممن ذكرنا إلا بثلاث تطليقات مجموعة أو مفرقة لا بأقل أصلا * برهان ذلك قول الله عزوجل (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) وقال تعالى: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن)، وقال تعالى: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) فسوى تعالى بين طلاق كل ناكح من حر أو عبد عربي أو عجمى أو مريض أو صحيح وما كان ربك نسيا، ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل انه تعالى لو أراد أن يفرق بين شئ من ذلك لما أهمله ولا أغفله ولا غشنا (1) بكتمانه ولبينه لنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فإذ لم يفعل ذلك فوالله ما أراد الله قط فرقا بين شئ من ذلك، وبالآيات التي ذكرنا صح ان الطلاق بيد الناكح لا بيد سواه فدخل في ذلك الحر والعبد دخولا مستويا بلا شك، وقد وافقنا المالكيون والحنيفيون والشافعيون على هذا، ووافقنا الحنيفيون على ان الحرة لا تحرم على زوجها العبد إلا بثلاث تطليقات، ووافقنا الشافعيون والمالكيون على ان الامة لا تحرم على زوجها الحر الا بثلاث تطليقات وخالفونا (2) في الامة تحت العبد، وقول الله تعالى: (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) بعد قوله تعالى: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) قاض لقولنا بالصواب، وشاهد بانه الحق قطعا لانه تعالى لم يخص بذلك حرا من عبد، وفيما ذكرنا خلاف نذكر منه ان شاء الله تعالى ما يسر بفضله لذكره، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس كان يقول: طلاق العبد بيد سيده ان طلق جاز، وان فرق فهى واحدة إذا كانا له جميعا، فان كان العبد له والامة لغيره طلق السيد أيضا ان شاء * وحدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد الله بن عبد البصير نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن ابن مهدى عن سفيان الثوري. عن عبد الكريم الجزرى. عن عطاء. عن ابن عباس قال: ليس طلاق العبد ولا فرقته بشئ * قال أبو محمد: ههنا عم الحرة والامة * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج انا أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول في الامة والعبد: سيدهما يجمع بينهما ويفرق * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن ابى الشعثاء


(1) في النسخة رقم 14 (ولا عنتنا) (2) في النسخة رقم 14 " وخالفوا "

[ 231 ]

أنه قال: لا طلاق لعبد إلا باذن سيده، فان طلق اثنتين لم يجزه سيده ان شاء * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن ابي خالد عن الشعبى قال: أهل المدينة لا يرون للعبد طلاقا إلا باذن سيده، فهذا قول، وقول ثان كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني هشام بن عروة قال: سألنا عروة يعني أباه عن رجل انكح عبده أمته هل يصلح له أن ينتزعها منه بغير طيب نفس العبد؟ قال: لا ولكن إذا ابتاعه وقد أنكحه، وقول ثالث كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أنه قال لعطاء: انتزع أمتى من عبد قوم آخرين، وقد أنكحتها اياه قال نعم وارضه قلت أبي الا صداقه كله قال: هو له كله فان ابي فانتزعها ان شئت ومن حر أنكحتها اياه ثم رجع عطاء فقال: لانتزعها من الحر، وان أعطيته الصداق ولا تستخدمها ولا تبعها * وقول رابع من طريق منقطعة عن عمر بن الخطاب إذا نكح العبد بغير اذن مواليه فنكاحه حرام، فان نكح باذن مواليه فالطلاق بيد من يستحل الفرج * ومن طريق مالك عن نافع عن ابن عمر ان أذن السيد لعبده أن يتزوج فانه لا يجوز لامرأته طلاق إلا أن يطلقها العبد [ وإن أبي ] (1) أن يأخذ أمة غلامه أو أمة وليدته فلا جناح عليه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن أببا معبد أخبره أن عبدا كان لابن عباس وكانت له امرأة جارية لابن عباس فطلقها فبتها فقال ابن عباس لا طلاق لك فارتجعها (2) فابى قال عبد الرزاق: نا معمر عن سماك بن الفضل أن العبد سأل ابن عمر فقال له: لا ترجع إليها، وان ضرب رأسك، وصح عن سعيد بن جبير الطلاق بيد العبد، وصح عن سعيد بن المسيب إذا انكح السيد عبده فليس له أن يفرق بينهما، وصح عن شريح. والحسن. وابراهيم. ان الطلاق بيد العبد، وهو قول أبي حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبي سليمان. وأصحابهم * واما بكم تحرم الامة تحت العبد من عدد الطلاق أو الحرة وبكم تحرم الامة والحرة تحت الحر؟ فروينا من طريق اسحاق بن أحمد نا العقيلى نا عبد الله بن احمد بن حنبل نا أبي نا محمد بن جعفر غندر نا همام بن يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن علي ابن أبي طالب أنه قال: السنة بالنساء يعنى الطلاق والعدة قال: همام لا أشك فيه ولا أمترى * قال أبو محمد: وهو قول قتادة ومن طريق سعيد بن منصور نا عبد الرحمن ابن زياد. عن شعبة. عن أشعث بن سوار عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود


(1) في النسخة رقم 14 (العبد فاما أن يأخذ الخ) (2) في النسخة رقم 14 فارجعها

[ 232 ]

قال: السنة بالنساء الطلاق والعدة * ومن طريق عبد الرزاق عن محمد بن يحيى، وغير واحد عن عيسى. عن الشعبى. عن اثنى عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الطلاق [ بالرجال (1) ] والعدة بالمرأة * ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان وداود. وقتادة. قال حماد بن أبي سليمان عن ابراهيم وقال داود عن الشعبي وقال قتادة، عن الحسن قالوا كلهم: العبد يطلق الحرة ثلاثا وتعتد ثلاث حيض والحر يطلق الامة تطليقتين وتعتد حيضتين * ومن طريق الحجاج بن المنهال. نا حماد بن زيد نا أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين والحسن قالا جميعا: الطلاق والعدة بالنساء * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: يطلق المملوك الحرة ثلاثا ويطلق الحر المملوكة تطليقتين * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا ابن علية. عن أيوب السختيانى. عن نافع قال تبين الامة من الحر والعبد بتطليقتين قال أيوب: وثبت عند ابن عباس الطلاق والعدة بالنساء * ومن طريق ابن أبي شيبة نا زيد بن الحباب عن سيف. عن مجاهد قال: إذا كانت الحرة تحت العبد فطلاقها ثلاث وعدتها ثلاث حيض، وإذا كانت الامة تحت الحر فطلاقها اثنتان وعدتها حيضتان * ومن طريق الحجاج بن المنهال: نا شعبة عن الحكم بن عتيبة: والاعمش قال الحكم عن ابراهيم أنه سأل عبيدة السلماني عمن كان تحته امة فطلقها ثنتين ثم اشتراها أن يأتيها فأبي، وقال الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق فيمن كانت تحته امة فطلقها اثنتين ثم اشتراها فكره أن يأتيها وبه يقول سفيان الثوري. والحسن ابن حي. وأبو حنيفة. وأصحابه: فهم على - وصح عنه - وابن مسعود وابن عباس واثنى عشر من الصحابة رضي الله عنهم ولا يصح عن أحد منهم لانه اما منقطع، وأما عن أشعث بن سوار وعيسى الحناط وكلاهما ضعيف وهو صحيح عن قتادة: والنخعي والشعبي. ومسروق. وعبيدة. والحسن: وابن سيرين. ونافع مولي ابن عمر. ومجاهد، وقالت طائفة: بخلاف ذلك: كما روينا من طريق ابن وهب. عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب أخبرني قبيصة من ذوئيب أنه سمع زيد بن ثابت يقول ان كان الرجل حرا وامرأته أمة ثلاث تطليقات واعتدت حيضتين وان كان عبدا وامرأته حرة طلق تطليقتين واعتدت ثلاث حيض * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريح عن أيوب السختياني نا رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذوئيب عن عائشة أم المؤمنين ان غلاما طلق امرأته وهى حرة تطليقتين فسال عائشة فقالت: لا تقربها * ومن طريق


(1) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 233 ]

عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قضى عثمان بن عفان في مكاتب طلق امرأته وهى حرة تطليقتين انها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره * ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن زياد بن سمعان ان عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري أخبره عن نافع عن أم سلمة أم المؤمنين مثل قول عثمان وزيد لا ومن طريق ابن أبي شيبة نا وكيع عن هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس انه كان يقول الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، ومن طريق ابن أبي شيبة نا علي بن مسهر عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: إذا كانت الحرة تحت العبد فقد بانت [ منه ] بتطليقتين وعدتها ثلاث حيض وإذا كانت الامة تحت الحر فقد بانت منه بثلاث وعدتها حيضتان * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء * ومن طريق ابن ابى شيبة عن وكيع عن الشعبى عن مكحول قال: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريح عن عطاء قال: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء * ومن طريق ابن وهب أخبرني رجال من أهل العلم عن القاسم بن محمد. وسالم بن عبد الله. وأبي سلمة بن عبد الرحمن. وعمر بن عبد العزيز. ويحيى بن سعيد. ويزيد ابن قسيط. وعبد الرحمن بن عبد الله بن الهدير. وربيعة. وأبي الزناد. وسليمان بن يسار ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. وعمرو بن شعيب الطلاق بالرجال والعدة بالنساء وهو قول مالك: والشافعي فهم زيد بن ثابت. وعثمان. وابن عباس. وابن عمر ولا يصح عن غيرهم: وسعيد بن المسيب. وعطاء. وسائر ذلك منقطع، وقالت طائفة: الحكم للرق خاصة كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: الحر يطلق الامة تطليقتين وتعتد حيضتين والعبد يطلق الحرة تطليقتين وتعتد ثلاث حيض وبه يقول عثمان البتي، وذهبت طائفة إلى مثل قولنا كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا اسماعيل بن اسحاق النصري نا عيسى بن حبيب نا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري نا جدي محمد ابن عبد الله نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولي ابن عباس عن ابن عباس ان عبدا له طلق امرأته طلقتين فأمره ابن عباس ان يراجعها فاني فقال له ابن عباس: هي لك فاستحلها بملك اليمين، وبه يأخذ أبو سليمان وجميع أصحابنا * قال أبو محمد: شغبت الطائفة الاولى بما روينا من طريق أبي داود. نا محمد ابن مسعود نا أبو عاصم عن ابن جريج. عن مظاهر بن اسلم. عن القاسم بن محمد عن (م 30 - ج 10 المحلى)

[ 234 ]

عائشة ام المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " طلاق الامة تطليقتان وقرؤها حيضتان " قال أبو عاصم: حدثنى به مظاهر عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم الا انه قال " وعدتها حيضتان " نا حمام نا يحيى بن مالك بن عائذ نا ابن ابى غسان نا أبويحيى زكريا بن يحيى الساجى نا محمد بن اسماعيل بن سمرة الاحمسي نا عمر بن شبيب المسلى نا عبد الله ابن عيسى عن عطية عن ابن عمر قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان " وقالوا لما اتفقنا مع المالكيين والشافعيين على ان عدة الامة نصف عدة الحرة وكان الطلاق هو الموجب للعدة وجب ان يكون طلاقها نصف طلاق الحرة قالوا: ولما كان حد العبد والامة الزانيين نصف حد الحر والحرة سواء زنيا بحر أو بحرة أو بعبد أو أمة، ولما كان حد الامة القاذفة للحر والعبد وللامة والحرة نصف حد الحرة وجب أن يكون الطلاق لها كذلك ما نعلم لهم حجة غير هذا * قال أبو محمد: الاثران ساقطان لان أحدهما من طريق مظاهر بن اسلم وهو ضعيف، وفي الثاني عمر بن شبيب المسلي وعطية وهما ضعيفان ضعف مظاهرا أبو عاصم الذي روي عنه والبخاري وضعف عطية سفيان الثوري. واحمد بن حنبل، وضعف عمر بن شبيب ابن معين والساجي فسقط التعلق بهما * وأما قياسهم الطلاق على القذف والزنا والعدة فهلا قاسوه على ما اتفق عليه جميع أهل الاسلام من ان عدة الامة بوضع الحمل كعدة الحرة ومن ان حد العبد والامة في القطع في السرقة وفي الحرابة كل ذلك سواء كالحر والحرة لاسيما والحنيفيون يقولون: ان اجل العبد العنين من زوجه الامة والحرة كأجل الحر وصيام العبد في الظهار كصيام الحر وفي كفارة اليمين كذلك فبطل هذا القول، ثم نظرنا فيما احتجت به الطائفة الثانية فوجدنا ما روينا من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: كتب إلى عبد الله بن زياد بن سمعان ان عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري أخبره عن نافع عن أم سلمة أم المؤمنين ان غلاما لها طلق امرأة له حرة تطليقتين فاستفتت أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك * وقالوا لما كان حد العبد نصف حد الحر وجب ان يكون طلاقه نصف طلاق الحر * قال أبو محمد: أما القياس فعارضه قياس الطائفة الاولى وكل ذلك باطل ودعوى بلا حجة ويقال لهم: هلا قستم طلاق العبد على مساواته للحر في حد السرقة والحرابة وعلى ما أباح له مالك من زواج أربع كالحر وعلى ما جعل الشافعي أجله في الايلاء كاجل الحر وعلى صيامه في الكفارات لاسيما وكلهم متناقض إذا احتجوا بزعمهم

[ 235 ]

لكون طلاق العبد أو الامة نصف طلاق الحر والحرة، وقد أبطلوا في ذلك لان طلاق العبد عند احدى الطائفتين طلقتا وطلاق الامة عند الطائفة الاخرى ثلاثا طلاق الحر والحرة وما وجدنا حدا يكون للعبد ثلثى حد الحر، فان قالوا: لم يقدر على طلقة ونصف قلنا فاسقطوا ما عجزتم عنه وحرموها بطلقة، وأما الخبر ففى غاية الفساد لان ابن سمعان مذكور بالكذب. وعبد الله بن عبد الرحمن مجهول مع ان هذا الاثر الساقط يعارض ذينك الاثرين الساقطين فهى متدافعة متكاذبة لا يحل القول بشئ منها، وتالله لو صح شئ منها لما سبقونا إليه ولا إلى القول به ولكن القول بالباطل لا يحل كما لا تحل مخالفة الحق وبالله تعالى التوفيق * وأما من غلب عليه الرق فما نعلم لهم حجة الا ان جمعوا قياس الطائفتين فيقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من غلب الحرية وهل هي الا دعوى كدعوى؟ فان قيل ان ابن عباس انما أمر غلامه ان يراجع زوجته الامة بعد ان طلقها طلقتين لانه لا يري طلاق العبد شيئا قلنا قد أعاذ الله ابن عباس من التدليس بل روي عنه عطاء لا طلاق للعبد، وقد روي عنه أبو معبد ان طلاقه جائز وكلاهما ثقة مأمون فإذ لا نص في الفرق بين طلاق العبد وطلاق الحر ولا بين طلاق الامة وطلاق الحرة فلا يحل تخصيص القرآن في ان الطلاق لا يحرم الا بثلاث في حر أو عبد أو حرة أو أمة بالدعوي بلا برهان وبالله تعالى نتأيد * (الخلع) 1978 مسألة: الخلع وهو الافتداء إذا كرهت المرأة زوجها فخافت أن لا توفيه حقه أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها فلها أن تفتدي منه ويطلقها ان رضى هو والا لم يجبر هو ولا اجبرت هي انما يجوز بتراضيهما، ولا يحل الافتداء إلا بأحد الوجهين المذكورين، أو باجتماعهما، فان وقع بغيرهما فهو باطل ويرد عليها ما أخذ منها وهى امرأته كما كانت، ويبطل طلاقه ويمنع من ظلمها فقط ولها أن تفتدي بجميع ما تملك وهو طلاق رجعي إلا أن يطلقها ثلاثا أو آخر ثلاث، أو تكون غير موطوءة فان راجعها في العدة جاز ذلك أحبت أم كرهت، ويرد ما أخذ منها إليها ويجوز الفداء بخدمة محدودة، ولا يجوز بمال مجهول لكن بمعروف محدود مرئي معلوم أو موصوف * قال أبو محمد: واختلف الناس في الخلع فلم تجزه طائفة، واختلف الذين أجازوه فقالت طائفة: لا يجوز إلا باذن السلطان، وقالت طائفة: هو طلاق، وقالت طائفة: ليس طلاقها ثم اختلف القائلون انه طلاق فقالت طائفة: هو رجعي كما قلنا، وقالت طائفة: هو بائن، وقالت طائفة: لا يجوز إلا بما أصدقها لا بأكثرها، وقالت

[ 236 ]

طائفة منهم: فان أخذ اكثر أحببنا له أن يتصدق به، وقالت طائفة: يجوز بكل ما تملك وقالت طائفة: لا يجوز الخلع إلا مع خوف نشوزه واعراضه أو أن لا تقيم معه حدود الله تعالى، وقالت طائفة: يجوز بتراضيهما. وان لم يكن هنالك خوف نشوز أو خوف أن لا تقام حدود الله تعالى، وقالت طائفة: لا يجوز الخلع إلا بان يجد على بطنها رجلا وقالت طائفة: لا يجوز الخلع الا بأن تقول لا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة، واختلفوا في الخلع الفاسد فقالت طائفة: ينفذ ويتم، وقالت طائفة يرد ويفسخ فأما من قال: لا يجوز الخلع فكما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا عقبة بن ابي الصهباء قال سألت بكر بن عبد الله المزني عن الخلع قال: لا يحل له ان يأخذ منها قلت فقول الله عز وجل في كتابه: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قال: نسخت هذه وذكر ان الناسخ لها قوله تعالى: (وان اردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا اتأخذونه بهتانا واثما مبينا) وكيف تأخذونه، وقد افضى بعضكم إلى بعض وأخذنا منكم ميثاقا غليظا) * قال أبو محمد: واحتج من ذهب إلى هذا بما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد ابن اسحاق بن السليم نا ابن الاعرابي نا محمد بن اسماعيل الصائغ نا عفان بن مسلم نا حماد نا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أبي اسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنه " * وبما روينا من طريق احمد بن شعيب نا اسحق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - انا المخزومى هو المغيرة ابن سلمة - نا وهيب عن أيوب السختياني عن الحسن البصري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: " المنتزعات (1) والمختلعات هن المنافقات " قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة * قال أبو محمد: فسقط بقول الحسن أن تحتج بذلك الخبر. وأما الخبر الاول فلا حجة فيه في المنع من الخلع لانه انما فيه الوعيد على السائلة الطلاق من غير بأس وهكذا نقول وليس في البأس أعظم من أن يخاف الا يقيم حدود الله في الزوجة، وأما الآيتان فليستا بمتعارضتين انما في التي نزع بها بكر تحريم أخذ شئ من صداقها اثما مبينا وبهتانا. وهذا لا شك فيه. وليس فيهما نهى عن الخلع أصلا. وقال تعالى: (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) وفي الآية الاخرى حكم بطيب النفس منها (2) فليس اثما ولا عدوانا. وما كان هكذا فلا يحل [ القول به ولا ] (3) أن يقال فيه ناسخ أو


(1) في النسخة رقم 14 " المتبرعات " (2) في النسخة رقم 14 " بطيب نفسها " (3) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 237 ]

منسوخ الا بنص بل الفرض الاخذ بكلا الآيتين لا ترك احداهما للاخرى ونحن قادرون على العمل بهما بأن نستثني احداهما من الاخرى * قال أبو محمد: قال الله عزوجل: (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما والصلح خير)، وقال تعالى: (فان خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فهاتان الآيتان قاضيتان على كل ما في الخلع. وأما من منع منه بغير اذن السلطان فروينا من طريق وكيع عن يزيد بن ابراهيم التستري وربيع - هو ابن صبيح - كلاهما عن الحسن البصري قال: لا يكون خلع الا عند السلطان * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن زيد نا يحيى - هو ابن عتيق - أنه سمع محمد بن سيرين يقول كانوا يقولون لا يجوز الخلع الا عند السلطان، ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: لا يكون الخلع الا حتى يعظها فان اتعظت والا ضربها فان اتعظت والا ارتفعا إلى السلطان فيبعث حكما من أهلها وحكما من أهله يرفع كل واحد منهما إلى السلطان ما يسمع من صاحبه فان رأى ان يفرق فرق. وان رأى أن يجمع جمع * قال أبو محمد: وهذا كله لا حجة على تصحيحه قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) * وأما من قال الخلع ليس طلاقا فاحتج بما (1) نا محمد بن سعيد بن نبات نا ابن مفرج نا عبد الله بن جعفر ابن الورد نا يحيى بن أيوب بن بادى العلاف نا يحيى ابن بكير نا الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر انه سمع ربيع ابنة معوذ بن عفراء وهى تخبر عبد الله بن عمر انها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها إلى عثمان فقال: ان ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل، فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما لها ولا عدة عليها الا انها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حمل فقال عبد الله بن عمر: فعثمان أخبرنا واعلمنا، فهذا عثمان والربيع ولها صحبة وعمها وهو من كبار الصحابة وابن عمر كلهم لا يري في الفسخ عدة * ومن طريق احمد بن حنبل نا يحيى بن سعيد هو القطان عن سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: الخلع تفريق وليس بطلاق * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس انه سأله ابراهيم بن سعد عن رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه اينكحها؟ قال ابن عباس: نعم ذكر الله الطلاق قي أول الآية وفي آخرها والخلع بين ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس قال: كان أبي لا يري الفداء طلاقا ويجيزه بينهما، وقال ابن جريج


(1) في النسخة رقم 14 " فلما حدثناه "

[ 238 ]

أخبرني عمرو بن دينار انه سمع عكرمة ابن عباس يقول: ما أجازه المرء فليس بطلاق * وروينا من طريق عبد الله بن احمد بن حنبل قال: رأيت أبي كأنه يذهب إلى قول ابن عباس ان الخلع ليس طلاقا وهو قول اسحاق بن راهويه. وأبي ثور. وأبي سليمان وأصحابه * وأما من قال: انها تطليقة فكما روينا من طريق حماد بن سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن جمهان ان أم بكرة الاسلمية كانت تحت عبد الله بن أسيد فاختلعت منه فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك وقال: هي واحدة الا ان تكون سميت شيئا فهو على ما سميت * ومن طريق أبى بكر بن أبي شيبة نا على بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن طلحة بن مصرف عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود قال لا تكون طلقة بائنة الا في فدية أو ايلاء، ورويناه من طريق لا تصح عن على بن أبي طالب وبهذا يقول الحسن. وسعيد بن المسيب. وعطاء. وشريح. والشعبى وقبيصة بن ذوئيب. ومجاهد. وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وابراهيم النخعي. والزهري. ومكحول. وابن أبي نجيح. وعروة بن الزبير. والاوزاعي. وسفيان الثوري. وأبو حنيفة. ومالك. والشافعي * قال أبو محمد: أما احتجاج من احتج بان الله تعالى ذكر الطلاق ثم الخلع ثم الطلاق فنعم هو في القرآن كذلك الا أنه ليس في القرآن انه ليس طلاقا ولا انه طلاق فوجب الرجوع إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرنا في ذلك فوجدنا ما روينا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة انها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الانصارية فذكرت اختلاعها من زوجها ثابت بن قيس بن الشماس وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لثابت: خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها * ومن طريق احمد بن شعيب نا محمد بن يحيى المروزي حدثنى شاذان بن عثمان أخو عبدان نا أبي نا على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير أخبرني محمد بن عبد الرحمن ان ربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته فذكرت اختلاع امرأة ثابت بن قيس منه وان اخاه شكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال له خذ الذي لها وخل سبيلها قال: نعم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مولى ابن عباس قال: اختلعت امرأة ثابت بن قيس من زوجها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة، قالوا: فهذا يبين ان الخلع ليس طلاقا لكنه فسخ * قال أبو محمد: أما حديث عبد الرزاق الذي ذكرنا آنفا فساقط لانه مرسل وفيه

[ 239 ]

عمرو بن مسلم وليس بشئ وأما خبر الربيع وحبيبة فلو لم يأت غيرهما لكانا حجة قاطعة لكن روينا من طريق البخاري نا ازهر بن جميل نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي نا خالد - هو الحذاء - عن عكرمة عن ابن عباس " ان امرأة ثابت بن قيس اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني اكره الكفر في الاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " فكان هذا الخبر فيه زيادة على الخبرين المذكورين [ والزيادة ] (1) لا يجوز تركها، واذ هو طلاق فقد ذكر الله عزوجل عدة الطلاق فهو زائد على ما في حديث الربيع والزيادة لا يجوز تركها وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: الا ان الحنيفيين والمالكيين: لا يجوز لهم الاحتجاج بهذا الخبر على اصولهم الفاسدة لان من قولهم إذا خالف الصاحب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم دل على نسخه أو ضعفه كما فعلوا في رواية عائشة. وابن عباس " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " وهذا الخبر لم يأت الا من طريق ابن عباس والثابت عن ابن عباس ما ذكرنا آنفا من ان الخلع ليس طلاقا وأما نحن فلا نلتفت إلى شئ من هذا انما هو ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا به والحمد لله رب العالمين * (وأما هل الخلع) طلاق بائن أو رجعى فقالت طائفة: هي طلقة بائنة كما ذكرنا عن ابن مسعود آنفا، وروينا من طريق وكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن ابى كثير قال: كان عمر ان بن الحصين. وابن مسعود يقولان في التي تفتدي من زوجها بمالها يقع عليها الطلاق ما دامت في العدة وخالف ذلك غيرهما كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء انه قال فيمن طلق بعد الفداء لا يحسب شيئا من اجل انه طلق امرأة لا يملك منها شيئا اتفق على ذلك ابن عباس وابن الزبير في رجل اختلع من امرأته ثم طلقها بعد الخلع فانه لا يحسب شيئا قالا جميعا: اطلق امرأته انما طلق من لا يملك قال ابن جريج: وزعم ابن طاوس عن ابيه انه كان يقول ان طلقها بعد الفداء جاز، وقال أبو حنيفة: هو طلاق بائن ويلحقها طلاقه، ما دامت في العدة، وقال مالك والشافعي هو طلاق بائن ولا يلحقها طلاقه في العدة * وأما من قال: ان الخلع طلاق رجعى فكما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب انه قال في المختلعة ان شاء ان يراجعها فليردد عليها ما أخذ منها في العدة وليشهد على رجعتها، قال معمر وكان الزهري يقول ذلك قال قتادة وكان الحسن يقول لا يراجعها الا بخطبة *


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 وليست بشئ

[ 240 ]

قال أبو محمد: قد بين الله تعالى حكم الطلاق وان بعولتهن أحق بردهن وقال: (فامسكوهن بمعروف، أو فارقوهن بمعروف) فلا يجوز خلاف ذلك، وما وجدنا قط في دين الاسلام عن الله تعالى ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم طلاقا بائنا لا رجعة فيه الا الثلاث مجموعة أو مفرقة أو التى لم يطأها ولا مزيد واما عدا ذلك فآراء لا حجة فيها * وأما رده ما أخذ منها فانما أخذه لئلا تكون في عصمته فإذا لم يتم لها مرادها فمالها الذى لم تعطه الا لذلك مردود عليها الا أن يبين عليها انها طلقة له الرجعة فيها فترضى فلا يرد عليها شيئا، وبالله تعالى التوفيق * واما ما يجوز فيه الفداء فقالت طائفة: لا يجوز الفداء الا بما اصدقها لا بأكثر فكما روينا من طريق عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمى عن ليث بن ابى سليم عن الحكم بن ابى عتيبة أن على بن ابى طالب قال: لا يأخذ منها فوق ما اعطاها، وهذا لا يصح عن على لانه منقطع وفيه ليث * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر. وابن جريج قالا نا ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها قال ابن جريج: وقال لى عطاء ان أخذ زيادة على صداقها فالزيادة مردودة إليها، وقال معمر عن الزهري: لا يحل له أن يأخذ من امرأته أكثر مما اعطاها * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا أبو بكر - هو المقدمى نا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: من أخذ منها أكثر مما أعطاها فلم يسرح باحسان، وقال الاوزاعي: كانت القضاة لا تجيز أن يأخذ منها إلا ما ساق إليها، وقالت طائفة: بكراهة ذلك كما روينا من طريق وكيع عن أبي حنيفة عن عمار بن عمران الهمداني عن أبيه ان على بن أبى طالب كره أن يأخذ منها أكثر مما اعطاها * ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبي سليمان أنهما كرها أن يأخذها في فداء امرأته منها أكثر مما ساق إليها * * ومن طريق وكيع عن سفيان عن أبي حصين عن عامر الشعبى أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما اعطاها، وقالت طائفة: يكره أن يأخذ منها كل ما أعطاها * كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبدالكرمى الجزري عن سعيد بن المسيب قال: لا أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها ما يغنيها (1) وقالت طائفة: يأخذ منها كل ما معها فما دون ذلك إذا تراضيا به، كما روينا من طريق حماد بن سلمة با أيوب السختياني عن كثير بن أبى كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة إن امرأة نشزت على زوجها فرفعها إلى عمر بن الخطاب فذكر القصة وأن عمر قال لزوجها اخلعها ولو من قرطها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله ابن محمد بن عقيل بن ابى طالب أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته انها اختلعت من


(1) في النسخة رقم 14 ما يعيشها

[ 241 ]

زوجها بكل شئ تملكه فخاصمه في ذلك إلى عثمان بن عفان فاجازه وأمره أن يأخذ عقاص رأسها فما دونه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع ان ابن عمر جاءته مولاة لامرأته اختلعت من كل شئ لها وكل ثوب لها حتى من نقبتها، وصح عن عكرمة. وابراهيم. ومجاهد، وهو قول مالك. والشافعي. وابى سليمان وأصحابهم، وقال ابو حنيفة: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها فان فعل فليتصدق بالزيادة * قال أبو محمد: احتجت الطائفة الاولى بما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء " اتت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله انى أبغض زوجي وأحب فراقه قال فتردين إليه حديقته التى اصدقك؟ قالت نعم وزيادة من مالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما زيادة من مالك فلا ولكن الحديقة قالت: نعم " فقضى عليه الصلاة والسلام بذلك على الزوج، وروي أيضا عن ابن جريج عن ابى الزبير * قال أبو محمد: وهذا مرسل، ولقد كان يلزم المالكيين القائلين بأن المرسل كالمسند أن يقولوا به ولا حجة عندنا في مرسل فسقط القول المذكور، ثم نظرنا في القول الثاني فوجدنا ما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد الله بن عبد البصير نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا مؤمل بن اسماعيل عن ابن جريج عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يأخذ في الخلع أكثر مما اعطاها، وهذا مرسل فسقط الاحتجاج به، ولم نجد لقول ابن المسيب متعلقا اصلا، وأما قول ابي حنيفة ففي غاية الفساد لانه لا يخلو اخذه الزيادة على ما أعطاها في صداقها من أن يكون حراما أو مباحا فان كان حراما فواجب رده إليها كما قال عطاء، وان كان مباحا فلم امروه بالصدقة بالزيادة دون سائر ماله وهذا ظاهر الخطأ، والعجب أنهم يردون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت بدعواهم انه زائد على ما في القرآن كالمسح على العمامة والاستنشاق وغير ذلك ثم يأخذون بكلام ساقط متناقض مخالف لما في القرآن ليس معهم فيه إلا رأى ابى حنيفة فقط فوجب الاخذ بعموم قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ومن العجب تمويه بعضهم بقوله تعالى: (وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) وقوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله) * قال أبو محمد: نعم لا يحل له أن يأخذ مما آتاها شيئا إلا أن تطيب نفسها به ثم حكم آخر: (ان خافا أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) عموم لا يحل تخصيصه بالدعاوي الكاذبة، وقال بعضهم: من أخذ أكثر مما أعطى فلم يسرح باحسان فقلنا لا فرق بين أخذه كل ما أعطاها أو بعض ما أعطاها أو أكثر مما أعطاها بغير حق (م 31 ج 10 المحلى)

[ 242 ]

فحينئذ يكون غير مسرح باحسان أن يأخذ كل ذلك حيث أباح الله تعالى له أخذه فهو مسرح باحسان، ولو أباح الله له قتلها لكان محسنا في ذلك، فان قيل انتم تمنعون من أن يتصدق بجميع ماله أو بما لا يبقى لنفسه غنى بعده، ومن أن يصدق الرجل بماله كله وتبيحون لها أن تعطى مالها كله قلنا: انما نتبع في ذلك أمر الله تعالى فجاء النهى عن الصدقة إلا بما ابقى غنى وبأن لا يصدقها ازاره إذ لا غنى به عنه وجاء النص بأن لا جناح عليهما فيما افتدت به فوقفنا عند كل ذلك ولم نعترض على أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم بالرأى وبالله تعالى التوفيق * (وأما الحال التى يجوز فيها الفداء) فروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى قال: كان أبو قلابة يرى أن المرأة إذا فجرت فاطلع زوجها على ذلك فليضربها حتى تفتدي * قال أبو محمد: وهذا لا معنى له إذا رأى ذلك وهى محصنة حل له قتلها * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا مسدد نا المعتمر بن سليمان التيمى سمعت أبى يقول: ان أبا قلابة. ومحمد بن سيرين كانا يقولان: لا يحل الخلع حتى يحد على بطنها رجلا قال الله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبنية) * قال أبو محمد: هذا في الاخراج من البيوت في العدة لا في الخلع * ومن طريق حماد بن سلمة انا حميد أن بكر بن عبد الله المزني سأل الحسن عمن رأى امرأته يقبلها رجل غيره قال: قد حل له أن يخلعها، روينا عن على ولا يصح يطيب الخلع للرجل إذا قالت: والله لا أبرلك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أكرم لك نفسا، فيها اسرائيل وهو ضعيف عن جابر وهو كذاب، وعنه أيضا من طريق فيها ابراهيم ابن ابى يحيى يحل خلع المرأة ثلاثا إذا افسدت عليك ذات يدك أو دعوتها لتسكن إليها فأبت أو خرجت بغير اذنك * ومن طريق حماد بن سلمة أخبرني مروان الاصغر عن حميد بن عبد الرحمن الحميرى قال: لا يصح الخلع حتى تقول المرأة: والله لا أطيع لك أمرا، ولا اغتسل لك من جنابة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء ومجاهد قال احدهما: لا يصح الخلع حتى لا تغتسل له من جنابة، ولا تطيع له أمرا ولا تبر له قسما، وقال الآخر لو فعلت هذا كفرت ولكن حتى تقول لا ابرلك قسما ولا أغتسل لك من جنابة ولا أطيع لك أمرا * ومن طريق وكيع عن يزيد بن ابراهيم عن الحسن قال: الخلع إذا قالت والله لا أغتسل لك من جنابة. وكل هذا لا برهان على صحته * ومن طريق وكيع عن اسماعيل ابن ابى خالد عن الشعبى إذا كرهت المرأة زوجها فليأخذ منها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري لا يحل له أخذ شئ من الفدية حتى يكون النشوز من قبلها ان

[ 243 ]

تظهر له البغضاء وتسئ عشرته وتعصى أمره، ولا يحل له أن يأخذ أكثر مما أعطاها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج اخبرني ابن طاوس عن ابيه في الخلع قال: قال الله عزوجل: (ان خافا أن لا يقيما حدود الله) ولم يكن يقول قول السفهاء لا يحل له حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة لكن ان يخافا أن لا يقيما حدود الله تعالى فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة * قال أبو محمد: هذا هو الحق لقوله تعالى الذى ذكرنا وبالله تعالى التوفيق، وقال الشافعي: الخلع جائز بتراضيهما وان لم يخف منهما نشوزا ولا اعراضا ولا خافا أن لا يقيما حدود الله تعالى وهذا خطأ لانه قول بلا برهان، وأما الخلع الفاسد فقد أجازه قوم وما أعلم لهم حجة وكيف يجوز عمل فاسد، والله تعالى يقول: (ان الله لا يصلح عمل المفسدين) وقال أبو حنيفة: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا وهو مضاربها فان فعل لزمه الطلاق وجاز له ما أخذ * قال أبو محمد: في هذا القول عجب لئن كان لا يحل له أن ياخذه فما يحل له إذا أخذه ولئن كان يحل له إذا أخذه انه ليحل له أن يأخذه وما عدا هذا فوساوس * وقال الزهري ومالك لا يحل له أن يأخذ منها شيئا وهو مضار لها فان فعل لزمه الطلاق ويرد ما أخذ وهذه أيضا مناقضة لانه ان لزمه الطلاق وجب له تملك ما أخذه عوضا عن الطلاق وان لم يجب له تملك ما أخذه عوضا من الطلاق لم يلزمه الطلاق لانه لم يطلق طلاقا مطلقا بل طلاقا بعوض لولاه لم يطلق، وقال قتادة: ان أخذه منها وهو مضار لها يرد ما أخذ وله ان يرجع إليها مادامت في العدة ولا يرجع إليها بعد انقضاء العدة الا برضاها وهذا خطأ لانه ان كان الطلاق له لازما فالذي أخذ له ملك الا ان كان يقول ان طلاق الخلع طلاق رجعى فقد قلنا إذا لم يصح العوض الذى لم يعقد الطلاق الا عليه لم يصح الطلاق الذى لا وقوع له بصحة ملك المطلق لما أخذ عوضا من الطلاق، وقول عطاء انه ان افتدت منه وكانت له مطاوعة فانها ترجع إليه ومالها لها الا ان تكون الثالثة فتذهب، روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عنه فهو أيضا خطأ لما ذكرنا في بطلان قول قتادة ومالك وقول طاوس هو الحق رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال: ان أخذ فداءها - ولا يحل له أخذه - رجع إليها مالها ورجعت إليه ولم تذهب بنفسها ومالها وهذا الذى لا يجوز غيره لما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق * 1979 مسألة: ومن خالع على مجهول فهو باطل لانه لا يدرى هو ما يجب له عندها ولا تدريه هي فهو عقد فاسد وكل طلاق لم يصح الا بصحة مالا صحة له فهو

[ 244 ]

غير صحيح وإذا كان غير صحيح فلم يطلق أصلا، والعجب كله احتجاجهم في خلاف هذا بقول الله عزوجل (فلا جناح عليها فيما افتدت به)، قالوا: هذا عموم فقلنا: نعم عموم لما يحل عقده وملكه لا للحرام ولو كان ذلك لجاز ان يفتدى من زوجته بأن يزنى بها متى أراد وبزق خمر ويصح له ملكه وبأن لا يصلى وما اشبه ذلك * 1980 مسألة: والخلع على عمل محدود جائز لدخوله تحت قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) هذا إذا كان ذلك العمل مباحا تجوز المعاوضة فيه بالاجازة وغيرها وبالله تعالى التوفيق * 1981 مسألة: ومن خالع امرأته خلعا صحيحا لم يسقط بذلك عنه نفقتها وكسوتها واسكانها في العدة الا أن تكون ثلاثة مجموعة أو مفرقة ولا يسقط بذلك عنه ما بقى عليه من صداقها قل أو كثر، وللمخالفين ههنا اقوال طريفة قال أبو حنيفة ان طلقها على مال يأخذه منها فانه لا يبرأ من شئ من حقوقها قبله سواء كانت من قبل النكاح أو من قبل غيره قال: فان بارأها على مال يأخذه منها فانه يسقط بذلك عنه جميع حقوقها التى لها عليه من قبل النكاح خاصة كالصداق والمتعة فان كانت قد قبضت المهر فهو لها ولا يرجع عليها بشئ سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها قال: ولا يبرأ من نفقتها واسكانها في العدة فان ابرأته في عقد الخلع من النفقة والسكنى مدة عدتها برئ من النفقة ولم يبرأ من السكنى * قال أبو محمد: ايراد هذا التقسيم يغنى من الرد عليه ونسأل الله العافية، وقال مالك ان افتدت منه قبل الدخول بعشرة دنانير لم يكن لها ان تبيعه بنصف المهر فلو سألته أن يطلقها على شئ من صداقها رجعت عليه بنصف ما بقى، وهذا كلام يغنى ذكره عن تكلف الرد عليه لانه ظلم صراح واسقاط حق لم تسقطه والعجب من اسقاطهم الف دينار لها قبله من صداقها من اجل انها افتدت منه بدينار ولا يسقطون عنه بذلك درهما استقرضته منه، وهذه تخاليط ناهيك بها، وبالله تعالى نستعين * 1982 مسألة: ولا يجوز أن يخالع عن المجنونة ولا عن الصغيرة أب ولا غيره لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم) فمخالعة الاب أو الوصي أو السلطان عن صغيرة أو كبيرة كسب على غبره وهذا لا يجوز، واستحلال الزوج مالها بغير رضى منها أكل مال بالباطل فهو حرام وبالله تعالى التوفيق * 1983 مسألة ولا يجوز الخلع على أن تبريه من نفقة حملها أو من رضاع ولدها وكل ذلك باطل لانه غير معلوم القدر وقد يزيد السعر وقد ينقص ولانه لم يجب لها بعد فمخالعتها بمالا تملكه باطل وظلم، ومن عجائب الدنيا اجازة أبي حنيفة أن

[ 245 ]

تخالعه على خمر أو خنزير وهما مسلمان ومنع مالك من النكاح بثمرة ظاهرة قبل ان تنضج وبزرع لم يسنبل وهو يجيز الخلع على ما يثمر نخلها وان لم يكن فيها ثمرة ولا يرى لها غير ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل * المتعة 1984 - مسألة - المتعة فرض على كل مطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو آخر ثلاث وطئها أو لم يطأها فرض لها صداقها أو لم يفرض لها شيئا ان يمنعها، وكذلك المفتدية أيضا ويجبره الحاكم على ذلك احب أم كره ولا متعة على من انفسخ نكاحه منها بغير طلاق ولا يسقط التمتع عن المطلق مراجعته اياها في العدة ولا موته ولا موتها والمتعة لها أو لورثتها من رأس ماله يضرب بها مع الغرماء وان تعاسر في المتعة قضى على الموسر لها سواء كان عظيم اليسار أو ذا فضلة عن قوته وقوت أهله خادم يستقل بالخدمة وعلى من لا فضلة عنده عن قوت أهله ونفسه ثلاثون درهما بالعراقي وهو الدرهم الذى تجب الزكاة فيه، وقد ذكرناه في كتاب الزكاة، ويقضى على المقل ولو بمد أو بدرهم على حسب طاقته * برهان ذلك قول الله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين) وقوله تعالى: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) فعم عزوجل كل مطلقة ولم يخص، واوجبه حقا لها على كل متق يخاف الله تعالى، وقد اختلف الناس في وجوبها فروي عن طائفة انها ليست واجبة روينا ذلك من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن فقهاء المدينة السبعة * قال أبو محمد: عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف وهو قول ابن أبي ليلى وعبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون. ومالك، ومن عجائب الدنيا احتجاج من قلده لقولهم هذا بان الله تعالى انما أوجبها على المتقين والمحسنين لا على غيرهم فقلنا لهم: فهبكم صادقين في ذلك أتوجبونها أنتم على من أوجبها الله تعالى عليه من المتقين والمحسنين أم لا فان قالوا لا أقروا بخلافهم لقول الله تعالى وأبطلوا احتجاجهم المذكور، وان قالوا نعم تركوا مذهبهم، وقالت طائفة: هي فرض على المتقين والمحسنين واحتجوا بظاهر كلام الله تعالى كما روينا من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: شهدت شريحا وأتوه في متاع فقال لا تأب ان تكون من المتقين قال: انى محتاج قال لا تاب ان تكون من المحسنين قال أيوب قلت لسعيد بن جبير: لكل مطلقة متاع؟ قال:

[ 246 ]

نعم ان كان من المتقين ان كان من المحسنين، قال أيوب: وسأل عكرمة رجل فقال: انى طلقت امرأتي فهل على متعا قال ان كنت من المتقين فنعم * قال أبو محمد: كل مسلم هو على أديم الارض فهو بقوله لا إله إلا الله محمد رسول الله من جملة المتقين بقوله ذلك، وايمانه ومن جملة المحسنين، ولله تعالى أن يخلده في النار ان لم يسلم فكل مسلم في العالم فهو محسن متق من المحسنين المتقين ولو لم يقع اسم محسن ومتق إلا على من يحسن ويتقى في كل أفعاله لم يكن في الارض محسن ولا متق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لابد لكل من دونه من تقصير واساءة لم يكن فيها من المحسنين ولا من المتقين فكان على هذا يكون كلام الله تعالى حقا على المحسنين حقا على المتقين فارغا ولغوا وباطلا، وهذا لا يحل لاحد أن يعتقده، ولا فرق بين قوله تعالى من المحسنين ومن المتقين، وبين قوله تعالى من المسلمين ومن المؤمنين، والمعنى في كل ذلك واحد، ولا فرق * فان ذكروا ما رويناه من طريق وكيع عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب نسخت هذه الآية: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة) التى بعدها (وللمطلقات متاع بالمعروف) قلنا: لا يصدق أحد على ابطال حكم آية منزلة إلا بخبر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وليس في الآية التى ذكر شئ يخالف التى زعم انها نسختها فكلتاهما حق، وقالت طائفة لا تجب المتعة الاللتى طلقت قبل أن توطأ، وإن لم يسم لها صداق فهذه تجب لها المتعة فرضا كما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق نا على بن عبد الله ابن المدينى نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا فوض إلى الرجل فطلق قبل أن يمس فليس لها إلا المتاع * قال أبو محمد: ليس في هذا دليل على انه لم يكن يرى لغيرها المتعة إلا أن هذا القول قول سفيان الثوري والحسن بن حى. والاوزاعي. وأبى حنيفة. وأصحابه إلا أن الاوزاعي قال: لا متعة على عبد إلا أن أبا حنيفة قال: من تزوج ولم يذكر مهرا ثم فرض لها مهرا برضاه وبرضاها وقد فرض لها القاضى مهر المثل ثم طلقها قبل أن يدخل بها فان ذلك المهر يبطل ولا يجب لها إلا المتعة * قال أبو محمد: وهذا فاسد جدا، وقول بلا برهان اسقاط فرض أمر به الله تعالى بعد التزامه أو الزامه بغير حق، واحتج هؤلاء بقول الله تعالى: (لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن) * قال على: لو لم يكن إلا هذه الآية لكان قولهم هذا حقا، لكن قول الله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) جامع لكل مطلقة مفروض لها أو غير مفروض لها

[ 247 ]

مدخول بها أو غير مدخول بها، ولم يقل عزوجل في أول الآية التى نزعوا بها انه لا متعة لغيرها فظهر بطلان قولهم والحمد لله رب العالمين * وقالت طائفة: لكل مطلقة متعة إلا التى طلقت قبل أن تمس وقد فرض لها بحسبها نصف ما فرض لها بما روينا من طريق حماد بن سلمة انا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متعة إلا التى لم يدخل بها * ومن طريق ابن وهب نا الليث. ومالك قالا جميعا: نا نافع ان ابن عمر كان يقول: لكل مطلقة متعة التى تطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا إلا أن تكون امرأة طلقها زوجها قبل أن يمسها وقد فرض لها فريضة فحسبها فريضتها وان لم يكن فرض لها فليس لها إلا المتعة وهو قول شريح. ومجاهد، وصح عن ابراهيم، ورويناه عن القاسم بن محمد. وعبد الله ابن أبي سلمة * قال أبو محمد: ويبطل هذا القول ان الله تعالى إذ ذكر ان لها نصف ما فرض لها لم يقل ولا متعة لها، وقد أوجب لها المتعة بقوله الصادق: (وللمطلقات متاع بالمعروف) وهذه مطلقة فلها المتعة فرضا مع نصف ما فرض لها، وقول غريب رويناه من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة قال: انما يؤمر بالمتاع من لا ردة عليه ولا تحاص الغرماء ليست على من ليس له شئ، وهذا قول لا برهان على صحته فهو ساقط، وطائفة قالت كقولنا كما روينا من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن موسى بن ايوب الغافقي عن اياس ابن عامر انه سمع على بن ابى طالب يقول: لكل مطلقة متعة * ومن طريق ابن وهب عن مالك عن الزهري قال: لكل مطلقة متعة * ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد قال: سئل ابن شهاب عن المملكة والمخيرة؟ فقال ابن شهاب: كل مطلقة في الارض لها متاع * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال للمختلعة المتعة التى جمعت والتى لم تجمع سواء * ومن طريق حماد بن زيد عن ايوب السختيانى عن سعيد بن جبير قال: لكل مطلقة متعة وتلا: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المنقين) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابى قلابة قال: لكل مطلقة متعة * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج عن معمر عن ابى قلابة قال: لكل امرأة افتلتت نفسها من زوجها فلها المتعة * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حمادبن أبي سليمان عن ابراهيم النخعي قال: للمختلعة المتعة * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا يونس بن عبيد عن الحسن قال: لكل مطلقة متاع * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال: للمملوكة واليهودية. والنصرانية المتعة إذا طلقت * قال أبو محمد: من عجائب أصحاب القياس ان الله عزوجل أوجب العدة على كل

[ 248 ]

متوفى عنها زوجها من الزوجات وعلى كل مطلقة موطوءة منهن وعلى المعتقة المختارة فراق زوجها، وأوجب المتعة للمطلقات جملة فقاسوا بآرائهم كل من ليست له زوجة لكن وطئت بعقد مفسوخ فاسد لا يوجب ميراثا على الزوجة الصحيحة الزواج في إيجاب العدة عليهما وأسقطوا كثيرا من المطلقات عن إيجاب المتعة لهن فهل سمع بأعجب من فساد هذا العمل، ونسأل الله العافية * (وأما مقدار المتعة) فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع ان ابن عمر قال: ادنى ما أراه يجزى في المتعة ثلاثون درهما * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن اسماعيل بن أمية عن عكرمة عن ابن عباس قال: أعلى المتعة الخادم، ودون ذلك النفقة والكسوة * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عمرو بن عبيد عن الحسن في المتعة للمطلقة: قال ليس فيها شي مؤقت يمتعها على قدر الميسرة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: لا أعلم للمتعة وقتا قال الله تعالى: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، وقال أبو حنيفة: اعلى ما يجبر عليه من المتعة عشرة دراهم وادنى ذلك خمسة دراهم، وهذا قول لا دليل عليه وهبك انه قاس العشرة دراهم على ما تقطع فيه اليد فعلى أي شئ قاس الخمسة دراهم * قال أبو محمد: لو أن الله تعالى وكل المتعة إلى المتمتع لوقفنا عند أمره عزوجل والزمناه ذلك كما يفعل في ايتاء المكاتب من مال المكاتب (1) لكنه تعالى ألزمه على قدر اليسار والاقتار فلزمنا فرضا ان نجعل متعة الموسر غير متعة المقتر ولابد ولم نجد في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدا وجب حمل ذلك على المعروف عند المخاطبين بذلك فوجب بهذا الرجوع إلى ما صح عن الصحابة رضى الله عنهم في ذلك كما فعلنا في جزاء الصيد فما كان هو المعروف عندهم في المتعة فهو الذى أراد الله عزوجل بلا شك إذ لابد لما أمر الله تعالى به من بيان فقد كان فيهم رضى الله عنهم الموسر المتناهى كعبد الرحمن ابن عوف وغيره وكان ابن عباس. وابن عمر موسرين دون عبد الرحمن، ومما يبين وجوب الرجوع إلى ما رأه الصحابة رضى الله عنهم انه متعة بالمعروف كما قلنا في النفقة والكسوة إذ قال الله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) وقد وافقنا المخالفون على هذا وكلا النصين واجب اتباعه، وما نا (2) محمد بن سعيد بن نبات نا ابن مفرح نا عبد الله بن جعفر بن الورد


(1) في النسخة رقم 16 " يفعل في أمة المكاتب لكنه " الخ (2) في النسخة رقم 16 " بما ناه "

[ 249 ]

نا يحيى بن أيوب بن بادى العلاف نا يحيى بن بگير نا الليث بن سعد عن عبد الله بن يزيد مولى الاسود عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن فاطمة بنت قيس نفسها قالت: طلقني أبو عمرو بن حفص البتة ثم خرج إلى اليمن ووكل بها عياش بن أبي ربيعة فارسل إليها عياش بعض النفقة فسخطتها فقال لها عياش: مالك علينا نفقة ولا سكنى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسليه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما قال؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لك نفقة ولا مسكن ولكن متاع بالمعروف واخرجي عنهم " وذكرت باقى الخبر، فهذا غاية البيا ان المتعة مردودة إلى ما كان معروفا عندهم يومئذ فقد ذكرنا قول ابن عمر. وابن عباس، وروينا من طريق سعيد بن منصور نا عبد الرحمن بن زياد نا شعبة عن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن أمه هي أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات الفواضل لها صحبة انها قالت كأنى انظر إلى جارية سوداء حممها عبد الرحمن بن عوف امرأته أم أبي سلمة حين طلقها في مرضه قال سعيد بن منصور: نا هشيم نا مغيرة عن ابراهيم قال: العرب تسمى المتعة التحميم، فقد افتق ابن عباس. وعبد الرحمن بحضرة الصحابة رضى الله عنهم لا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم على ان متعة الموسر المتناهى خادم سوداء فان زاد على ذلك فهو محسن كما فعل الحسن بن على وغره فان كانت غير مطيقة للخدمة فليست خادما فعلى هذا المقدار يجبر الموسر إذا أبى أكثر من ذلك، وأما المتوسط فيجبر على ثلاثين درهما أو قيمتها إذ لم يأت عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم أقل من ذلك كما روينا آنفا عن ابن عباس. وابن عمر إذ رأيا ذلك هو المعروف، وأما المقتر فأقلهم من لا يجد قوت يومه أو لا يجد زيادة على ذلك فهذا لا يكلف حينئذ شيئا لكنها دين عليه فإذا وجد زيادة على قوته كلف أن يعطيها ما تنتفع به ولو في أكلة يوم كما أمر الله عزوجل إذ يقول: (وعلى المقتر قدره) وبالله تعالى التوفيق * 1985 مسألة: ومن الرجعة من طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين فاعتدت ثم تزوجت زوجا وطئها في فرجها ثم مات عنها أو طلقها ثم راجعها الذى كان طلقها ثم طلقها لم تحل له الا حتى تنكح زوجا آخر يطأها في فرجها ان كان طلقها قبل ذلك طلقتين فان كان انما طلقها طلقة واحدة فانه تبقى لها فيها طلقة هي الثالثة، وقالت طائفة: ان الذى تزوجها بعد طلاق الاول قد هدم طلاقه كما يهدم الثلاث فانه يهدم ما دونها، (م 32 - ج 10 المحلى)

[ 250 ]

فممن روى عنه القول الاول كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب ان أبا هريرة قال فيمن طلق امرأته طلقة فاعتدت ثم تزوجت ثم طلقها الثاني فتزوجها الاول فطلقها طلقتين انها قد حرمت عليه ووافقه على ذلك على. وأبى بن كعب * ومن طريق عبد الرزاق عن مالك. وسفيان بن عيينة كلاهما عن الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب. وحميد ابن عبد الرحمن. وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة. وسليمان بن يسار كلهم قال سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر يقول: أيما امرأة طلقها زوجها طلقة أو طلقتين ثم تزوجت غيره فمات أو طلقها ثم تزوجها الاول فانها عنده على ما بقى من طلاقه لها * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عمران بن الحصين مثله، وصح ايضا عن ابن عمر في أحد قوليه عن حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عنه، وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ونفر من الصحابة رضى الله عنهم وهو قول الحسن: وابن ابى ليلى. وسفيان الثوري. والحسن بن حى. ومحمد بن الحسن. ومالك. والشافعي. وأبي سليمان وأصحابهم، وروينا القول الثاني من طرق منها ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: نكاح جديد وطلاق جديد، وعن ابن عمر في احد قوليه من طريق عبد الرزاق ووكيع قال وكيع عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبى وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه ثم اتفقا عن ابن عمر قال: نكاح جديد وطلاق جديد، ورويناه أيضا عن ابن مسعود وهو قول عطاء. وشريح. وابراهيم. وأصحاب ابن مسعود. وعبيدة السلماني. وأبى حنيفة. وزفر. وأبي يوسف فنظرنا فيما احتج به أهل هذه المقالة فلم نجد لهم أكثر من أن قالوا: اننا لم نختلف ان نكاح زوج آخر يهدم الثلاث ولا شك في انه إذا هدمها فانه قد هدم الواحدة من جملتها والاثنتين من جملتها، ومن المحال أن يهدمها مجموعة ولا يهدمها متفرقة * قال أبو محمد: فقلنا: لم يهدم قط طلاقا انما هدم التحريم الواقع بتمام الثلاث مفرقة أو مجموعة فقط ولا تحرم بالطلقتين ولا بالواحدة بهدمه وقلنا لهم: أنتم قد حملتم العاقلة نصف عشر الدية فأكثر ولم تحملوها أقل من نصف العشر، ولا شك انها إذا حملت نصف العشر فقد حملت في جملته أقل منه فقالوا: انما حملناها ما ثقل فقلنا: ومن لكم بان نصف العشر فصاعدا هو الثقل دون أن يكون الثلث هو الثقل أو الكل، وأيضا فرب جان يعظم عليه ويثقل ربع عشر الدية لقلة ماله وآخر تخف عليه الدية

[ 251 ]

كلها لكثرة ماله ثم السؤال باق عليكم إذ حملتموها ما ثقل فالاولى أن تحملوها ما خف وكل هذا لا معنى له انما الحجة في ذلك قول الله تعالى: (فان طلقها) يعنى في الثالثة (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فلا يجوز تعدى حدود الله تعالى والقياس كله باطل، وبالله تعالى التوفيق * 1986 مسألة وقد قلنا: ان المطلقة طلاقا رجعيا فهى زوجة للذى طلقها (1) ما لم تنقض عدتها يتوارثان ويلحقها طلاقه وايلاؤه وظهاره ولعانه (2) ان قذفها وعليه نفقتها وكسوتها واسكانها فإذ هي زوجته فحلال له أن ينظر منها إلى ما كان ينظر إليه منها قبل أن يطلقها وان يطأها إذ لم يأت نص بمنعه من شئ من ذلك وقد سماه الله تعالى بعلا لها إذ يقول عزوجل: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) * قال أبو محمد: فان وطئها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهدو يعلمها بذلك قيل تمام عدتها فان راجع ولم يشهد فليس مراجعا لقول الله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف واشهدوا ذوى عدل منكم) فرق عزوجل بين المراجعة والطلاق والاشهاد فلا يجوز افراد بعض ذلك عن بعض وكان من طلق ولم يشهد ذوى عدل أو راجع ولم يشهد ذوى عدل متعديا لحدود الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فان قيل قد قال الله عزوجل: (واشهدوا إذا بايعتم) وقال تعالى في الدين المؤجل (واستشهدوا شهدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) فلم اجزتم البيع المؤجل وغيره إذا لم يشهد عليه وقال تعالى: (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم) فلم اجزتم الدفع إلى اليتم ماله إذا بلغ تميزا دون اشهاد قلنا ثم نجز دعواه للدفع الا حتى يأتي بالبينة وقضينا باليمين على اليتيم ان لم يأت المولى بالبينة على انه قد دفع إليه ماله ولكن جعلناه عاصيا لله تعالى ان حلف حانثا فقط كما جعلنا المرأة التى لم يقم للزوج بينة بطلاقها ولا برجعتها عاصية لله عزوجل ان حلفت حانثة عالمة بانه قد طلقها أو راجعها واما أجازتنا البيع المؤجل وغيره وان لم يشهدا عليه فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انهما بالخيار ما لم يتفرقا فإذا تفرقا أو خير احدهما الآخر فاختار البيع فقد تم البيع " أو كما قال عليه الصلاة والسلام مما قد ذكرناه في كتاب البيوع من ديواننا هذا وغيره بنصه واسناده والحمد لله رب العالمين، وهو في كل ذلك عاص لله عزوجل ان لم يشهد في البيع المؤجل


(1) في النسخة رقم 14 زوجة الذى طلقها (2) في النسخة رقم 16 " ويلاعنها "

[ 252 ]

وغيره وفي دفع المال لليتيم (1) إذا بلغ مميزا وفي طلاقه وفي رجعته إذا لم يفعل كما أمره الله عزوجل * وقد اختلف الناس في الوطئ في العدة أيكون رجعة أم لا نعم وفيما دون الوطئ فروينا عن الحكم بن عتيبة وسعيد بن المسيب ان الوطئ رجعة وصح هذا أيضا عن ابراهيم النخعي. وطاوس. والحسن. والزهرى. وعطاء ورويناه عن الشعبي وروى عن ابن سيرين وهو قول الاوزاعي وابن أبي لبلى وقال مالك. واسحاق بن راهويه ان نوى بالجماع الرجعة فهى رجعة وان لم ينو به الرجعة فليس رجعة قالا جميعا: وأما ما دون النكاح فليس رجعة وان نوى به الرجعة * قال أبو محمد: هذا تقسيم لا حجة على صحته أصلا، وقال الحسن بن حى. وسفيان الثوري. وأبو حنيفة: الجماع رجعة نوى به الرجعة أو لم ينو وكذلك اللمس، قال سفيان وأبو حنيفة إذا كان لشهوة والا فلا قال أبو حنيفة: والنظر إلى الفرج بشهوة رجعة قال فلو قبلته لشهوة أو لمسته لشهوة واقر هو بذلك فهى رجعة فلو جن فقبلها لشهوة فهى رجعة فلو جامعته مكرها فهي رجعة ولا يكون ما دون الجماع باكراه رجعة * قال أبو محمد: هذه الاقوال في غاية الفساد لانها شرع في الدين بغير قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا قياس له وجه ولا رأى له في السداد حظ ولا سبقه إليها أحد نعلمه، وقال جابر بن زيد. وأبو قلابة. والليث بن سعد. والشافعي الوطئ فما دونه لا يكون رجعة نوى به الرجعة أو لم ينو ولا رجعة الا بالكلام * قال أبو محمد: لم يأت بان الجماع رجعة قرآن ولا سنة ولا خلاف في ان الرجعة بالكلام رجعة فلا يكون رجعة الا بما صح أنه رجعة وقال تعالى (فامسكوهن بمعروف) والمعروف ما عرف به ما في نفس الممسك الراد ولا يعرف ذلك الا بالكلام وبالله تعالى التوفيق وقد قال قوم ان معنى قول الله تعالى (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف) انما معناه مقاربة بلوغ الاجل * قال أبو محمد: وهذا خطأ وباطل بلا شك لانه اخبار عن الله تعالى بأنه أراد ما لم يخبرنا عزوجل بأنه أراده ولا أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى (وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله مالا تعلمون) وأيضا فلو كان ما قالوا لكان لا إمساك له إلا قرب بلوغ أقصى العدة (1) وهذا مالا يقولونه لاهم ولا غيرهم قال أبو محمد: معناه بلا شك فإذا بلغن أجلهن أجل عدتهن * برهان ذلك ان من أول


(1) في النسخة رقم 14 إلى اليتيم (2) في النسخة رقم 14 بلوغ انقضاء العدة

[ 253 ]

العدة إلى آخرها وقت لرده إياها ولامساكه لها ولا قول أصح من قول صححه الاجماع المتيقن من المخالف والموالف * قال أبو محمد: واما قولنا انه ان راجع ولم يشهد أو أشهد ولم يعلمها حتى تنقضي عدتها غائبا كان أو حاضرا وقد طلقها واعلمها واشهد فقد بانت منه ولا رجعة له عليها إلا برضاها بابتداء نكاح بولي واشهاد وصداق مبتداء سواه تزوجت أو لم تتزوج دخل بها الزوج الثاني أو لم يدخل فان أتاها الخبر وهى بعد في العدة فهى رجعة صحيحة * برهان ذلك قول الله تعالى (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون الا أنفسهم) وقال تعالى: (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) وهذا عين المضارة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " فمضارته مردودة باطل، وأيضا فان الله تعالى سمى الرجعة امساكا بمعروف قال تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) فالرجعة هي الامساك ولا تكون بنص كلام الله تعالى إلا بمعروف والمعروف هو اعلامها واعلام أهلها ان كانت صغيرة أو مجنونة فان لم يعلمها لم يمسك بمعروف ولكن بمنكر إذ منعها حقوق الزوجية من النفقة والكسوة والاسكان والقسمة فهو امساك فاسد باطل ما لم يشهد باعلامها فحينئذ يكون بمعروف وكذلك قال الله تعالى عزوجل (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ان أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف) * قال أبو محمد: إنما يكون البعل أحق بردها (1) إن أراد اصلاحا بنص القرآن ومن كتمها الرد أو رد بحيث لا يبلغها فلم يرد اصلاحا بلا شك بل أراد الفساد فليس ردا ولا رجعة أصلا * وقد اختلف الناس في هذا على خمسة أقوال فالقول الاول كما روينا من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة ان عمر بن الخطاب قال في امرأة طلقها زوجها فاعلمها ثم راجعها ولم يعلمها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه، ومن طريق سعيد بن منصور نا المعتمر بن سليمان عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: قال عمر بن الخطاب إذا طلق امرأته فاعلمها طلاقها ثم راجعها فكتمها الرجعة حتى انقضت العدة فلا سبيل له عليها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنا عمرو بن دينار أخبرني الشعثاء جابر بن زيد قال: تماريت أنا ورجل من القراء يطلقها الرجل ثم يرتجعها فيكتمها رجعتها فقلت: أنا ليس له شئ فسألنا شريحا القاضى فقال ليس له إلا فسوة الضبع * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا يونس بن عبيد عن ابن سيرين قال: سأل رجل عمران بن


(1) في النسخة رقم 14 أحق برجعتها

[ 254 ]

الحصين فقال: انه طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد فقال له عمران: طلقت بغير عدة وراجعت في غير سنة فاشهد على ما صنعت * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أخبرني عبيدة عن الحسن بن رواح قال: سألت سعيد بن المسيب عن رجل طلق سرا وراجع سرا فقال: طلقت في غير عدة وارتجعت في عما اشهد على ما صنعت * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا منصور عن الحسن قال إذا طلق امرأته ثم راجعها في غيب أو مشهد ولم يعلمها بالرجعة حتى انقضت العدة فلا سبيل له عليها، فهذا قول وقول ثان رويناه من طريق ابن وهب عن مالك قال بلغني ان عمر بن الخطاب قال في الذى يطلق امرأته وهو غائب ثم يراجعها ولا يبلغها مراجعته وقد بلغها طلاقه انها ان تزوجت ولم يدخل بها زوجها الآخر أو دخل فلا سبيل إلى زوجها الاول إليها، وقال مالك: وهذا احب ما سمعت إلى فيها وفي المفقود * ومن طريق ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال مضت السنة في الذى يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها رجعتها حتى تحل فتنكح زوجا غيره فانه ليس له من أمرها شئ ولكنها من زوجها الآخر، قال ابن وهب، وأخبرني مخرمة ابن بكير عن أبيه عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ونافع مثله وصح أيضا من طريق ابن سمعان عن الزهري مثل ذلك إذا كانا في بلد واحد، وقال ثالث من طريق ابن وهب قال مالك: الامر الذى لااختلاف فيه انه إذا دخل بها زوجها الآخر قبل ان يدركها الاول فلا سبيل له إليها ودلك الامر عندنا في هذا وفي المفقود يعنى في الذى طلقها واعلمها ثم راجعها واشهد ولم يبلغها قال ابن القاسم: ثم رجع مالك عن ذلك وقال زوجها الاول أحقبها قال ابن القاسم أما انا فأرى انها ان دخل بها زوجها فلا سبيل له إليها فان لم يدخل بها فهى للاول قال أبو محمد: انما أوردنا هذا لنرى المشغبين (1) بقول مالك: الامر عندنا والامر الذى لا اختلاف فيه عندنا حجة واجماع لا يحل خلافه، وهذا مالك قد رجع عن قول ذكر انه الامر عندهم والامر الذى لا اختلاف فيه فحسبهم وحسبكم، وروينا من طرق عن عمر گلها منقطعة لانها عن ابراهيم عن عمر أو عن الحسن بن مسلم عن عمر أو عن سعيد بن المسيب عن عمر أو عن أبي الزناد ان عمر قال فيمن طلق امرأته ثم سافر وأشهد على رجعتها قبل انقضاء العدة ولا علم لها بذلك حتى تزوجت انه ان ادركها قبل ان يدخل بها فهى امرأته وان لم يدركها حتى دخل بها الثاني فهى امرأة الثاني حكم بذلك في أبى كنف وهو قول الليث. والاوزاعي، وقول رابع رويناه من طريق


(1) في النسخة رقم 14 المشنعين

[ 255 ]

عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فيمن طلق ثم ارتجعها واشهد فلم تأتها الرجعة حتى تزوجت قال ان اصيبت فلا شئ للاول فيما بلغنا يقال ذلك فان نكحت ولم تصب فالاول احق بها وبه يقول عبد الكريم، وقول خامس رويناه من طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة قال: قال على بن أبي طالب إذا طلق الرجل امرأته ثم راجعها ولم يعلمها فهى امرأته إذا اشهد، ومن طريق سفيان الثوري عن منصور ابن المعتمر عن الحكم بن عتيبة عن على بن أبي طالب انه قال فيمن طلق امرأته ثم غاب فكتب إليها برجعتها فضاع الكتاب حتى انقضت عدتها فان زوجها الاول احق بها دخل بها الآخر أو لم يدخل، ومن طريق حماد بن أبي سليمان. وقتادة عن على مثله، ومن طريق ابراهيم عن على في أبى كنف مثله وهو قول الحكم بن عتيبة ثم وجدناه متصلا عن على كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا عياش بن اصبغ نا محمد بن قاسم بن محمد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد - هو ابن ابى عروبة - عن قتادة عن خلاس بن عمرو ان رجلا طلق امرأته واعلمها وأرجعها واشهد شاهدين وقال: اكتما على فكتما حتى انقضت عدتها فاتفعوا إلى على بن أبى طالب فأجاز الطلاق وجلد الشاهدين واتهمهما * قال أبو محمد: ثم نظرنا في هذه الرواية فوجدناها لا حجة فيها لمن ذهب إلى هذا القول لانه ليس فيها الا اجازه الطلاق لا اجازة الرجعة * قال أبو محمد: ليس الا هذا القول أو الذى تخيرناه وما عداهما فخطأ لا اشكال فيه لان زواجها أو دخوله بها أو وطؤه لها لا يفسخ شئ من ذلك نكاحا صحيحا وبالله تعالى التوفيق * وانما هو صحة الرجعة أو فسادها. وبقول على الذى ذكرنا يقول سفيان الثوري. وأبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان. وأصحابهم * 1987 - مسلة -: ونجمع ههنا ما لعنا ذكرناه مفرقا وهو انه لا يكون طلاق لا يملك فيه المطلق الرجعة ما دامت في العدة الا طلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة وطلاق التى لم يطأها المطلق سواء طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثا الا انه فيما دون الثلاث ان رضى هو وهى فلهما ابتداء النكاح بولي واشهاد وصداق وهذا حكم الفسخ كله، وأما طلاق الموطوءة واحدة أو اثنتبن فللمطلق مراجعتها أحبت أم كرهت بلا صداق ولا ولى ولكن باشهاد فقط وهذا مالا خلاف فيه وبالله تعالى التوفيق *

[ 256 ]

العدد 1988 - مسألة -: العدد ثلاث أما من طلاق في نكاح وطئها فيه مرة في الدهر فأكثر وأما من وفاة سواء وطئها أو لم يطأها وأما المعتقة إذا اختارت نفسها وفراق زوجها فان هذه خاصة دون سائر وجوه الفسخ عدتها عدة المطلقة سواء سواء، وأما سائر وجوه الفسخ والتى لم يطأها زوجها فلا عدة على واحدة منهن ولهن أن ينكحن ساعة الفسخ وساعة الطلاق * برهان ذلك ان عدة الطلاق والوفاة مذكورة في القرآن وكذلك سقوط المسقوطة العدة عن التى طلقت ولم يطأها المطلق في ذلك النكاح، وأما المعتقة تختار فسخ نكاحها فكما روينا من طريق أبى داود نا عثمان بن أبي شيبة نا عفان بن مسلم نا همام بن يحيى عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ان زوج بريرة كان عبدا اسود اسمه مغيث فخيرها يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرها أن تعتد * قال أبو محمد: فلو كانت عدة غير المذكورة في القرآن لبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك وانما قلنا: انها عدة الطلاق لانها عدة من حى لا من ميت فصح إذ أمرها عليه. الصلاة والسلام بان تعتد من فراقها له وهو حى انها العدة من مفارقة الحى بلا شك، وأما سائر وجوه الفسخ سواء كانت من نكاح صحيح أو من عقد فاسد فلا عدة في شئ من ذلك لانه لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة ولا حجة فيما سواهما ولا يكون طلاق الا في نكاح صحيح وكذلك لا عدة من وفاة من ليس عقد زواجه صحيحا لان الله تعالى لم يوجب عدة طلاق له أو وفاة الا من زوج ومن عقده فاسد ليس زوجا فلا طلاق له واذ لا طلاق له فلا عدة من فراقه واذ ليس زوجا فلا عدة من وفاته (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فان قالوا: قسنا كل فسخ على المعتقة تختار فراق زوجها قلنا: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لان جميع وجوه الفسخ لاخيار فيه للمنفسخ نكاحها الا المعتقة فقد أجمعوا بلا خلاف على مفارقة حكمها لحكم سائر المنفسخ نكاحهن والعدة الواجبة انما هي حكم أمر الله تعالى به ليس شئ منها لاستبراء الرحم * برهان ذلك ان المخالفين لنا في هذا لا يخالفوننا في ان العدة على الصغيرة الموطؤة التى لا تحمل والعجوز الكبيرة التى لا تحمل في الطلاق والوفاة ولو خالفونا في الطلاق في الصغيرة لكان قول الله تعالى (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن) حاكما بصحة قولنا وبطلان قولهم، ومعنى قوله تعالى (ان ارتبتم) انما هو ان ارتبتم كيف يكون حكمها

[ 257 ]

لا يجوز غير ذلك لان الائى يئسن من المحيض لا يشك أحد في أنه لا يرتاب فيها بحمل، وكذلك لا يختلفون في ان الخصى الذى بقى له من الذكر ما يولج فان على امرأته العدة وهو بلا شك لا يكون له ولد ابدا، وكذلك لا يختلفون في أن من وطئ امرأته مرة ثم غاب عنها عشرات سنين ثم طلقها ان العدة عليها، ولاشك في انها لاحمل بها ولو كانت العدة خوف الحمرا لاجزأت حيضة واحدة وبالله تعالى التوفيق * 1989 مسألة وعدة المطلقة الموطوءة التى تحيض ثلاثة قروء وهى بقية الطهر الذى طلقها فيه. ولو أنها ساعة أو اقل أو اكثر ثم الحيضة التى تلى بقية ذلك الطهر ثم طهر ثان كامل ثم الحيضة التى تليه، ثم طهر ثالث كامل فإذا رأت أثره أول شئ من الحيض فقد تمت عدتها ولها أن تنكح حينئذ ان شاءت، واختلف الناس في هذا، فقالت طائفة كما قلنا: وقالت طائفة الاقراء الحيض مع اتفاق الجميع على الطاعة لقوله عزوجل: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء لا يحل لهن أن يكتمن) * قال أبو محمد: القروء جمع قرء والقرء في لغة العرب التى بها نزل القرآن يقع على الطهر ويقع على الحيض، ويقع على الطهر والحيض * نا بذلك أبو سعيد الجعفري نا محمد بن على المقرى نا أبو جعفر احمد بن محمد بن اسماعيل النحاس النحوي نا أبو جعفر الطحاوي نا محمد بن محمد بن حسان نا عبد الملك بن هشام نا أبو زيد الانصاري قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول فذكره كما أوردنا، وقال الاعشى: أفى كل عام أنت جاشم عزوة * تشد لاقصاها غريم عزائكا مورثة مالا وفى الاصل رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا فاراد الاطهار، وقال آخر: يا رب دى ضغن على قارض * له قروء كقروء الحائض فاراد الحيض وممن روى عنه مثل قولنا جماعة كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت قال: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها * وبه إلى الزهري عن عورة عن عائشة أم المؤمين مثل قول زيد نصا قال الزهري وهو قول ابى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وبه يأخذ الزهري * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر مثل قول زيد المذكور نصا، وهو قول ابان بن عثمان والقاسم بن محمد بن أبى بكر وبه يقول مالك. والشافعي. وابو ثور. وابو سليمان، وأصحابهم، وقال بعض هؤلاء: إذا رأت أول الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها، ولايجوز لها أن تتزوج حتى ترى الطهر من تلك (م 33 - ج 10 المحلى)

[ 258 ]

الحيضة كما روينا من طريق سيعد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا حاضت الثالثة فقد برئت منه إلا أنها لا تتزوج حتى تطهر * ومن طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سالم ابن عبد الله بن عمر قال إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد ذهبت منه. قال يحيى فقلت له أتتزوج في الحيضة الثالثة؟ قال: لا، روى هذا القول عن اسحاق بن راهويه * وتوقفت في ذلك طائفة كما روينا عن الحجاج بن المنهال نا حماد بن زيد عن ايوب السختيانى عن نافع عن سليمان بن يسار قال: طلق رجل امرأته طلقة أو طلقتين فلما دخلت في الحيضة الثالثة مات فطلبت ميراثه فاتى معاوية بن ابى سفيان في ذلك فارسل في ذلك إلى رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فضالة بن عبيد فلم يجد عندهم بذلك علما. واضطرب في ذلك احمد بن حنبل فمرة قال: الاقراء الاطهار، ومرة قال: الاقراء الحيض ومرة توقف في ذلك، واختلف القائلون بأنها الحيض فقالت طائفة له الرجعة ما كانت في الحيضة الثالثة فإذا رأت الطهر منها فلا رجعة له عليها كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن مسلم عن طاوس قال: يراجعها ما كانت في الدم وهو قول سعيد بن جبير، روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال: هو أحق بها ما كانت في الدم وهو قول ابن شبرمة. والاوزاعي، وروينا عن بعض الصحابة ما يدل على ذلك. كما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال: عدة الامة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض * ومن طريق الزهري عن قبيصة بن ذوئيب عن زيد بن ثابت مثل ذلك سواء سواء، وقالت طائفة كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن رفيع عن معبد الجهنى قال: إذا غسلت فرجها من الحيضة الثالثة فقد بانت منه، وقالت طائفة إن له أن يرتجعها ما لم تغتسل من الحيضة الثالة كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن منصور عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود انه كان عند عمر بن الخطاب فاتته امرأة مع رجل فقالت: طلقي ثم تركني حتى إذا كنت في آخر ثلاث حيض وانقطع عنى الدم وضعت غسلى ونزعت ثيابي فقرع الباب وقال: قد رجعتك فقال عمر لابن مسعود: ما تقول فيها؟ فقال أراه أحق بها ما دون أن تحل لها الصلاة فقال له عمر: نعم ما رأيت وأنا أرى ذلك، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن على بن ابى طالب قال لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن رجلا طلق امرأته طلقة فلما أرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة راجعها

[ 259 ]

فاختصما إلى أبى موسى الاشعري فاستحلفها بالله الذى لا إله إلا هو لقد حلت لها الصلاة فابت أن تحلف فردها إليه وصح مثله أيضا عن ابن مسعود، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن رفيع عن ابى عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: أرسل عثمان إلى أبى بن كعب في ذلك فقال أبى بن كعب: أرى انه احق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة وتحل لها الصلاة قال فما اعلم عثمان الا أخذ بذلك * ومن طريق وكيع عن محمد بن راشد عن مكحول عن معاذ بن جبل. وابى الدرداء مثله، ومن طريق وكيع عن عيسى الحناط عن الشعبى عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير فالخير منهم أبو بكر. وعمر. وابن عباس انه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، ومن طريق عبد الرزاق عن عمر بن راشد عن يحيى بن ابى كثير أن عبادة بن الصامت قال: لاتبين حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلوات (1) وصح هذا عن عطاء بن ابى رباح وعبد الكريم الجزرى وسعيد بن المسيب والحسن بن حى وسوى في ذلك بين المسلمة والذمية، وقال شريك ابن عبد الله القاضى: ان فرطت في الغسل عشرين سنة فله الرجعة عليها * قال أبو محمد: هذا ظاهر ما روينا عن الصحابة آنفا نعنى القائلين هو أحق بها ما لم تغتسل وتحل لها الصلوات. وقالت طائفة كما روينا عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن اسماعيل بن مسلم عن الحسن البصري قال إلا أن ترى الطهر ثم تؤخر اغتسالها حتى تفوتها تلك الصلاة فان فعلت فقد بانت حينئذ، وبه يقول سفيان الثوري وأبو حنيفة، وقال أبو حنيفة واصحابه: ان كانت حيضتها عشرة أيام فبتمامها تنقضي عدتها ولا تحل للازواج اغتسلت أو لم تغتسل رأت الطهر أو لم تره قالوا: وأما الذمية فبانقطاع الدم من الحيضة الثالثة تنقضي عدتها وتحل للازواج كانت عدتها عشرا أو أقل من عشر اغتسلت أو لم تغتسل قالوا: وأما المسلمة (2) التى حيضها أقل من عشرة أيام فله الرجعة عليها ما لم تغتسل كلها ولو لم يبق لها من الغسل الا عضو واحد كامل قالوا: وكان القياس انه ان بقى لها عضو كامل لم تغسل أن لا يكون له عليها رجعة قالوا: ولكن ندع القياس ونستحسن أن يكون له عليها الرجعة فان لم يبق (3) لها أن تغسل إلا بعض عضو فلا رجعة له عليها وقد حل لها الزواج، ولابي حنيفة قول آخر وهو انه ان بقى عليها من العضو أكثر من قدر الدرهم (4) البغلى [ فله الرجعة عليها فان بقى عليها منه قدر الدرهم البغلى ] (5) فلا رجعة له عليها ولا يحل لها الزواج حتى تغسل تلك اللمعة قال: فلو رأت الطهر من الحيضة


(1) في النسخة رقم 14 " تحل لها الصلاة " (2) في النسخة رقم 16 المسنة (3) في النسخة رقم 14 فلو لم يبق (4) في النسخة رقم 14 ان بقى عليها منه قدر الدرهم الخ (5) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 260 ]

الثالثة وهى مسافرة لاماء معها فتيممت فله عليها الرجعة ما لم تصل قال: فلو وجدت ماء قد شرب منه حمار ولم تجد غيره فاغتسلت به أو تيممت فلا رجعة له عليها ولا يحل مع ذلك لها الزواج * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة ففي غاية الفساد. وهو قول لا يعرف عن أحد قبله. وكذلك تحديد من حد انقطاع العدة بأن يمضي لها وقت صلاة فلا تغتسل لانه قول لا دليل على صحته أصلا لا من قرآن ولا من سنة ولا رواية صحيحة [ ولا سقيمة ] (1) ولا قول صاحب، وكذلك قول من قال حتى تغسل فرجها من الحيضة الثالثة فسقطت هذه الاقوال كلها ولا يبقى إلا قول من قال هو أحق بها ما لم تغتسل وتحل لها الصلاة، وقول من قال: ان بطهرها من الحيضة الثالثة تتم عدتها وهو قولنا فوجدنا حجة من قال: هو احق بها ما لم تحل لها الصلوات يحتجون بأنه صح عن عمر بن الخطاب. وعلى بن ابى طالب. وابن مسعود، وروى عن ابى بكر الصديق. وابى موسى الاشعري. وأبى بن كعب. ومعاذ بن جبل. وابى الدرداء. وابن عباس. وعبادة بن الصامت. وغيرهم. وان لم يصح عنهم قالوا: ومثل هذا لا يقال بالرأى * قال أبو محمد: وما نعلم لهم شغبا غير هذا وهو باطل لانه لا يحل ان يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن الذى اخبر عليه الصلاة والسلام انه أكذب الحديث ما لم يأت عنه عليه الصلاة والسلام لاسيما والثابت عن عمر وابن مسعود ما ذكرنا قبل من أنه رأى رأياه لا عن اثر عندهما انهما قالاه. ومع ذلك فلا يفرح الحنيفيون بهذا الشغب فهم أول مخالف للصحابة في هذا المكان لان الثابت عمن ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم ان له الرجعة ما لم تحل لها الصلاة وهم يقطعون عنه الرجعة قبل ان تحل لها الصلاة إذا بقى لها شئ من أعضاء جسدها ولو قدر الدرهم * قال أبو محمد: وقد خالف من ذكرنا هذا من رأى من الصحابة أن بدخولها في الحيضة الثالثة تتم عدتها فبطل هذا القول أيضا بلا شك إذ لا دليل على صحته من قرآن ولا سنة ولا رواية سقيمة فلم يبق إلا قول من قال [ ان ] (2) بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة تتم عدتها وهو قول من قال: الاقراء الحيض فوجدنا من حجتهم انه لو كان القرء الطهر لكانت العدة قرأين وشيئا من قرء. والله تعالى أوجب ثلاثة قروء فصح انها الحيض التى تستوفي ثلاث منها كاملك‍ * قال أبو محمد: وليس كذلك بل بعض القرء قرء بلا شك وبعض الحيض حيض *


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 261 ]

قال أبو محمد: وذكروا ما روينا من طريق ابى داود نا محمد بن مسعود نا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان * ونا حمام نا يحيى بن مالك بن عائذ نا أبو الحسن ابن ابى غسان نا أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجى نا محمد بن اسماعيل بن سمرة الاحمسي نا عمر بن شبيب المسلى نا عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان " * قال أبو محمد: هذان خبران ساقطان لا يجوز الاحتجاج بهما لان مظاهر ابن أسلم ضعيف. وكذلك عمر بن شبيب. وعطية ضعيفان لا يحتج بهما ولو صح احدهما أو كلاهما لما خالفناه * قال أبو محمد: فان ذكر ذاكر الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " للمستحاضة إذا اتاك قرؤك فلا تصلى وإذا مر القرء تطهري ثم صلى من القرء إلى القرء " والخبر الثابت عنه عليه السلام انه أمرها أن تترك الصلاة قدر اقرائها وحيضتها قلنا: لم ننكر ان الحيض يسمى قرءا كما انكم لا تنكرون أن الطهر يسمى قرءا وانما اختلفنا في أي ذلك هو المراد من قوله تعالى: (ثلاثة قروء) وقالوا انما أمر الله تعالى بطلاق النساء لاستقبال العدة قالوا فلو كان القرء هو الطهر لكان مطلقا في العدة فقلنا: هذا خطأ من حكمكم وبنائكم على مقدمة صحيحة. ونعم انما أمر الله تعالى بالطلاق في استقبال العدة فلو كانت العدة التى هي الاقراء الحيض لكان بين الطلاق وبين أول العدة مدة ليست فيها معتدة وهذا باطل * قال أبو محمد: فسقط كل ما احتجوا به وبقى قولنا فوجدنا حجة من قال به ما روينا من طريق البخاري نا اسماعيل بن عبد الله نا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ان شاء أمسك بعد وإن شاء طلق فتلك العدة التى أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء " فاشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطهر وأخبر انه العدة التى أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء فصح ان القرء هو الطهر. وأيضا فان العدة واجبة فرضا أثر الطلاق بلا مهلة فصح انها الطهر المتصل بالطلاق الحيض الذى لا يتصل بالطلاق ولو كان القرء هو الحيض لوجب عندهم على أصلهم فيمن طلق حائضا ان تعتد بتلك الحيضة قرءا. وقد قال بذلك الحسن كما روينا من طريق عبد الرزاق بن عثمان بن مطر عن سعيد بن ابى عروبة عن مطر

[ 262 ]

الوراق عن الحسن فيمن طاق امرأته ثلاثا وهى حائض انها تعتد بها من اقرائها، وقال ابن ابى عروبة وحدثني قتادة. وأبو معشر قال قتادة عن سعيد بن المسيب وقال أبو معشر عن ابراهيم قالا جميعا لا تعتد بها * قال أبو محمد: وأى القولين كان مراد الله تعالى فالاقراء الاطهار أم الحيض فان قولنا يقتضيهما (1) جميعا لان الطلاق يقع في الطهر فهو قرء ثم الطهر الثاني ثم الثالث وبين الطهر الاول والثانى حيض ثم بين الثاني والثالث حيض ثم دفعة حيض آخر الثلاث (2) وقد قلنا ان بعض الحيض حيض وبعض الطهر طهر وبعد القرء قرء فهى ثلاثة أقراء بكل حال وبقول الحسن نقول ان طلقها ثلاثا وهى حائض فانها تعتد بتلك الحيضة ثم بالطهر الذى يليها ثم بالحيضة الثانية ثم بالطهر الثاني ثم بالحيضة الثالثة فإذا رأت الطهر منها فهو طهر ثالث حلت به للازواج وهكذا القول في عدة الامة التى تعتق فتختار فراق زوجها ان كانت حين ذلك حائضا ولافرق وكذلك نقول في المطلقة ثلاثا في طهر مسها فيه وفى المعتقة تختار فراق زوجها انهما يعتدان بذلك الطهر قرءا، وقد صح عن الزهري انها لا تعتد به لكن بثلاثة أقراء مستأنفة * 1990 مسألة فان اتبعها في عدتها قبل انقضائها طلاقا بائنا ولم تكن عدتها تلك من طلاق ثلاث مجموعة ولا من طلقة ثالثة فعليها أن تبتدى العدة من أولها فان طلقها بعد ثنتين ثالثة فتبتدئ العدة أيضا ولابد وكذلك لو راجعها في عدتها فوطئها أو لم يطأها ثم طلقها فانها تبتدئ العقدة (3) ولابد وروينا مثل قولنا عن طائفة من السلف كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر وغيره عن قتادة ان جابر بن عبد الله وخلاس بن عمرو قالا جميعا في المطلقة في العدة تعتد من الطلاق الآخر ثلاث حيض، وروينا عن ابن مسعود انها تبنى على عدتها من الطلاق الاول وهو قول ابراهيم النخعي. وسعيد بن المسيب. والحسن. وأبى قلابة وبه قال الزهري. وقتادة * قال أبو محمد: وبه يقول أبو حنيفة ومالك. والشافعي الا ان أبا حنيفة. ومالكا وأحد قولى الشافعي في التى يراجعها في العدة ثم يطلقها قبل أن يطأها انها تستأنف العدة، وقال الشافعي: مرة تبنى على عدتها من الطلاق الاول وهو قول عطاء * قال أبو محمد: ما نعلم لهم حجة من قرآن ولا من سنة أصلا ولا متعلق لهذه الطوائف فيما جاء عن ابن مسعود في ذلك لانه خبر حدثناه عبد الله بن ربيع


(1) في النسخة رقم 14 ينتظمهما (2) في النسخة رقم 14 أثر الثالت (3) في النسخة رقم 14 في العدة

[ 263 ]

قال نا محمد بن معاوية القرشى نا احمد بن شعيب أنا محمد بن يحيى بن أيوب المروزى نا حفص هو ابن غياث نا الاعمش عن أبى اسحاق عن أبى الاحوص عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة يطلقها تطليقة وهى طاهرة في غير جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ثم تعتد بعد ذلك بحيضة قال الاعمش فسألت ابراهيم النخعي فقال مثل ذلك * قال أبو محمد: كل هؤلاء الطوئف مخالفون لما صح عن ابن مسعود ههنا انه السنة لانهم كلهم يكرهون أن يتبعها طلاقا في العدة والماكيون (1) والشافعيون لا يرون الحيض عدة، ولا عجب أعجب ممن يحتج بقول سعيد بن المسيب في دية أصابع المرأة هي النسة يا ابن أخى ولا يحتج بقول ابن مسعود ههنا ان السنة * قال أبو محمد: وأما نحن فلا حجة عندنا فيما عدانص قرآن وسنة ثبت (2) حكمها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجتنا لقولنا ههنا هو ان الله عزوجل انما أسقط العدة عن المطلقة غير الممسوسة فقط وأوجبها على المطلقة الممسوسة وأمر الله تعالى من طلق ان يطلق للعدة وجعل العدة على التى تحيض ثلاثة قروء وعلى التى لا تحيض لصغر أو كبر ثلاثة أشهر وحكم تعالى انها امرأته ما لم تنقض عدتها منه يتوارثان ويلحقها طلاقه فهو إذا طلقها ثانية مطلق امرأته الموطوءة منه في ذلك النكاح بلا شك فعليها أن تبتدئ العدة من أثره بلا فصل، ومن الباطل ان يتقدم شئ من العدة قبل الطلاق كما من الباطل طلاق (3) موطوءة بلا عدة أو طلاق موطوءة يكون قرءا واحدا أو قرأين ولا بد لمخالفينا ههنا من احد هذه الوجوه الثلاثة وهى كلها باطل بيقين، وكذلك من المحال ان تبنى المرتجعة على عدة قد بطلت بالرجعة إذ من الباطل (3) ان تكون مرتجعة وهى بعد الارتجاع في العدة وبالله تعالى التوفيق * 1991 مسألة: فان كانت المطلقة حاملا من الذى طلقها أو من زنا أو باكراه فعدتها وضع حملها ولو اثر طلاق زوجها لها بساعة أو أقل أو أكثر وهو آخر ولد في بطنها فإذا وضعته كما ذكرنا أو أسقطته فقدا نقضت عدتها وحل لها الزواج وكذلك المعتقة وهى حامل تتخير فراق زوجها ولا فرق، وكذلك المتوفى عنها زوجها وهى حامل منه أو من زنا أو من اكراه فان عدتها تنقضي بوضع آخر ولد في بطنها ولو وضعته أثر موت زوجها ولها أن تتزوج ان شاءت، وكذلك لو أسقطته ولا


(1) في النسخة رقم 14 فاما المالكيون (2) في النسخة رقم 14 أو نص حكم ثبت (3) في النسخة رقم 14 ان طلاق (4) في النسخة رقم 14 ومن الباطل

[ 264 ]

فرق * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وأولات الاحمال اجلهن ان يضعن حملهن) فلم يخص عزوجل كون الحمل منه أو من غيره، وسواء وطئها الزوج أو لم يطأها لان الله تعالى قال ما ذكرنا وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها) * قال أبو محمد: فاحتمل أن يستثنى هذه من الاولى فيكون المراد وأولات الاحمال أجلهن ان يضعن حملهن الا اللواتى لم تمسوهن وهن حوامل منكم من تشفير أو من غيركم، واحتمل أن تستثنى الاولى من هذه فيكون المراد ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها الا ان يكن حوامل منكم أو من غيركم فواجب أن تنظر أي الاستعمالين أو أي الاستثناءين هو الحق إذ قد ضمن عزوجل بيان ذلك فيما انزل الينا من شرائعه فوجدنا خبر عبد الله بن عمر في طلاق امرأته وقد ذكرناه في اول مسألة من الطلاق في كتابنا هذا باسناده فوجدنا فيه انه صلى الله عليه وسلم قال: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا منه وفيه أيضا إذا طهرت فليطلق أو ليمسك وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل عدتهن) * قال أبو محمد: نصح ان طلاق الحامل جائز عموما إذ هذا منه عليه الصلاة والسلام تعليم لكل مطلق إلى يوم القيامة سواء كان الحمل منه أو من غيره لانه عليه الصلاة والسلام لم يخص حاملا من حامل من غيره وان تلك الحال هو قبل عدتها فوجبت العدة عليها بما ذكرنا ولم يجز أن يسقط هذا الحكم الا بيقين ولا يقين في سقوطه الا في المطلقة التى لم يطأها وليست حاملا فقط وإذا صح ان عليها العدة فقد وجب ضرورة ان له الرجعة عليها مادامت في العدة من طلاقه وعليه النفقة ويتوارثان ويلحقها إيلاؤه وظهره ويلاعنها لقوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) وبقوله تعالى (فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) وبالله تعالى التوفيق، وكذلك نقول: انه ان طلقها وعدتها بالاقراء أو بالشهور ثم حملت قبل تمام العدة منه أو من غيره بزنا أو باكراه فانها تنتقل عدتها إلى وضع ذلك الحمل فإذا وضعت فقد تمت عدتها وكذلك لو مات فحملت في عدتها من وفانه من زنا أو إكراه فان عدتها تنتقل إلى عدة الحامل بوضع الحمل لان كل ذلك داخل في عموم قوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وقد غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع الحمل في الوفاة على الاربعة الاشهر والعشر كما روينا من طريق احمد بن شعيب أنا حسين ابن منصور بن جعفر النيشابوري أنا جعفر بن عون نا يحيى بن سعيد هو الانصاري

[ 265 ]

أخبرني سليمان بن يسار أخبرني أبو سملة بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعثنا كريبا - هو مولى ابن عباس - إلى أم سلمة أم المؤمنين فجاءنا من عندها أن سبيعة وضعت بعد وفاه زوجها بأيام فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، وأما قولنا آخر ولد في بطنها فلقول الله عزوجل (أجلهن أن يضعن حملهن) فمتى ما بقى من حملها شئ من بطنها لم تضع حملها * قال أبو محمد: ولمحمد بن الحسن قول ههنا نذكره ليحمد الله تعالى سامعه على السلامة، وهو انه قال: إذا خرج من بطن المرأه من الولد النصف فقد تمت عدتها لا يعد في ذلك النصف فخذاه ولا ساقاه ولا رجلاه ولا رأسه، وقال أبو يوسف: من قال لامته وهى تلد: أنت حرة فان كانت حين قوله ذلك قد خرج نصفه الذى فيه رأسه فهى حرة والولد حر وان كانت قد خرج نصف بدنه سوى رأسه فالولد مملوك وهى حرة روى عنها ذلك جميعا هشام بن عبيدالله الراوى في سماعه منهما * قال أبو محمد: فليعجب سامع هذا من هذا الاختلاط أتراه البائس كان من الغرارة بحيث لا يدرى انه متى خرج رأس المولود ومنكباه فانه في أسرع من كر الطرف يسقط كله فمتى يتفرغ لتكسير صلب المولود ومساحته حتى يعلم أخرج نصفه أم أقل أم أكثر وانه متى خرج رأسه ومنكباه فانه لا يمكن البتة ان يتم قوله أنت حرة حتى يقع جميعه، أتراه خفى عليه انها المسكينة في ذلك الوقت أشغل من ذات النجيبين ان العجب ليكثر من نسبة من هذا مقدار علمه إلى شئ من العلم وحسبنا الله ونعم الوكيل، فان بقى من المشيمة ولو شئ فهى في العدة بعد لانها من حملها المتولد مع الولد سواء سواء * 1992 - مسألة - فان مات في بطنها فلا تنقضي عدتها إلا بطرح جميعه ولو لم يبق منه الا اصبع أو بعضها لانها ما لم تضع جميعه فلم تضع حملها وبالله تعالى التوفيق * 1993 - مسألة - فان كانت المطلقة لا تحيض لصغر أو كبر أو خلقة ولم تكن حاملا وكان قد وطئها فعدتها ثلاثة أشهر من حين بلوغ الطلاق إليها أو إلى أهلها ان كانت صغيرة لقول الله تعالى: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن) وهذا قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهم يعنى لزوم ذلك للصغيرة والكبيرة، وقال مالك: لاعدة على الصغيرة جدا * قال أبو محمد: ولا نعلم أحدا قال بهذا قبله وهو قول فاسد لوجوه، أحدها انه (م 34 - ج 10 المحلى)

[ 266 ]

تخصيص للقرآن مخالف لحكمه، وثانيها انه أوجب عليها عدة الوفاة ولو انها في المهد واسقط عنها عدة الطلاق وهى موطوءة مطلقة وهذا تناقض ظاهر الفساد، وثالثها أنه لم يحد منتهى الصغر الذى أسقط فيه عنها عدة الطلاق من مبدأ وقت الزمها فيه العدة وهذا تلبيس لاخفاء بفساده ومزج للفرض بما ليس فرضا ويكفى من هذا كله انه قول لادليل على صحته لامن قرآن ولاسنة ولا رواية سقيمة ولا رواية فاسدة ولاقياس ولا رأى له وجه ولاقول سلف وما كان هكذا فهو ساقط بيقين * 1994 مسألة فان طلقها في استقبال أول ليلة من الشهر مع تمام غروب الشمس اعتدت حتى يظهر هلال الشهر الرابع فإذا ظهر حلت من عدتها فان طلقها قبل ذلك أو بعده لزمها أن تعتد سبعا وثمانين ليلة بمثلهن من الايام كملى إلى مثل الوقت الذى لزمتها فيه العدة ولا يلغى كسر اليوم ولا كسر الليلة لانه لا يجوز أن يكون بين أول عدتها وبين وقت لزوم العدة لها فرق أصلا لا ما قل ولا ما كثر، فإذا أتمت ما ذكرنا حلت لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشهر تسع وعشرون " وقد ذكرناه في كتاب الصيام باسناده، فان قيل: انه قد لزمتها عدة بيقين فلا تخرج منها إلا بيقين قلنا: هذا وضع فاسد لكن قد لزمتها عدة بوحى الله عزوجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيقين من قبل الوحى الذى ذكرنا لابيقين مطلق من ظن كاذب أو قول قائل فلا نخرج من ذلك إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى هو اليقين حقا، وقد بين عليه الصلاة والسلام ان الشهر تسع وعشرون فلا يحل أن يزاد على ذلك شئ بوسوسة لاأصل لها، (وما كان ربك نسيا) * 1995 مسألة وقد قلنا: ان أسقطت الحامل المطلقة أو المتوفى عنها زوجها أو المعتقة المتخيرة فراق زوجها حلت، وحد ذلك أن تسقطه علقة فصاعدا، وأما إن أسقطت نطفة دون العلقة فليس بشئ ولا تنقضي بذلك عدة * برهان ذلك ما روينا من طريق مسلم نا أبو بكر بن ابى شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا جميعا: نا أبو معاوية ووكيع قالا جميعا: نا الاعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة " وذكر باقى الخبر * ومن طريق مسلم نا أبو الطاهر أحمد بن عمر بن السرح انا ابن وهب أنا عمرو بن الحارث عن ابى الزبير المكى أن عامر بن واثلة حدثه انه سمع حذيفة بن اسيد الغفاري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى " وذكر باقى الخبر *

[ 267 ]

قال أبو محمد: معناه خلق الجملة التى تنقسم بعد ذلك سمعا وبصرا وجلدا ولحما وعظاما فصح ان أول خلق المولود كونه علقة لاكونه نطفة وهى الماء * 1996 مسألة فان طلقت التى لم تحض قط ثم حاضت قبل تمام العدة سواء إثر طلاقها أو في آخر الشهر (1) فما بين ذلك تمادت على العدة بالشهور فإذا أتمتها حلت ولم تلتفت إلى الحيض، وكذلك لو حملت منه أو من غيره اثر طلاقها أو قبل انقضاء الثلاثة الاشهر [ فلو مات هو قبل انقضاء الثلاثة الاشهر ] (2) ابتدأت عدة الوفاة كاملة * برهان ذلك قول الله عزوجل: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن) فانما أوجب الله عزوجل عليها عدة ثلاثة أشهر اثر وجوب العدة عليها من الطلاق فلا يبطل ما أوجبه الله تعالى عليها بدعوى لم يأت بها قط نص، فان قيل فالله تعالى قد أوجب الاقراء بقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء) وقال تعالى أيضا: (واولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وهذه زوجة مطلقة قلنا: انما أوجب الله تعالى ما ذكرتم على ذوات الاقراء وعلى ذوات الحمل وهذه إذ لزمتها عدة هذا الطلاق انما كانت بيقين من اللائى يئسن أو من اللائى لم يحضن ولم تكن أصلا من ذوات الاقراء ولا من ذوات الحمل، ومن الباطل المتين والمحال الممتنع أن يلزم الله تعالى العدة بالاقراء من لاقرء لها حين وجوب العدة عليها أو يلزم العدة بالحمل من ليست ذات حمل حين وجوب العدة عليها كما ان من الباطل أن يحول بين وقت وجوب العدة من الطلاق أو الموت وتبين العدة وقت ليس من العدة لقوله عليه الصلاة والسلام: " فطلقوهن لقبل عدتهن " وقد ذكرناه قبل هذا باسناده إلا أن يأتي بذلك نص جلى فيوقف عنده، وأيضا فان القرء انما هو ما بين الحيضتين من الطهر فحالها قبل أن تحيض وبعد اليأس من المحيض ليس قرء فبطل أن تعتد بالاقراء من لم تطلق في استقبال قرء هي فيه وهى وان كان ولدها منه لاحقا به لانها زوجته بعد فقد قلنا: ان وطأه لها ليس رجعة ولا طلاقا فتبتدئ العدة منه، وقد ادعى قوم الاجماع ههنا، وهذا باطل لانهم لا يقدرون على إيراد كلمة في ذلك عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم انما جاءت في ذلك آثار عن ثمانية من التابعين فقط وهم عطاء. ومجاهد. وسعيد بن المسيب. والزهرى. والحسن. وقتادة. والنخعي. والشعبى، ومثل هذا لا يعده اجماعا إلا من استجاز الكذب على الامة *


(1) في النسخة رقم 16 في آخر الاشهر (2) الزيادة في النسخة رقم 16

[ 268 ]

قال أبو محمد: ثم استدركنا النظر في قول الله تعالى: (1) (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وقوله تعالى: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن) فوجدنا المعتدة إذا حاضت في العدة فليست من اللائى يئسن من المحيض ولا من اللائى لم يحضن بلا شك بل هي من اللائى حضن فوجب ضرورة ان عدتها ثلاثة قروء، ومن الباطل أن تكون من اللائى يحضن وتكون عدتها الشهور فصح أن حكم الاعتداد بالشهور قد بطل وان كان بعض العدة، وصح انها تنتقل إلى الاقراء، أو إلى وضع الحمل إن حملت، وأما انتقالها إلى عدة الوفاة ان كان الطلاق رجعيا فقط وإلا فلا فلانها زوجة ترثه ويرثها فهى متوفى عنها فيلزمها بالوفاة عدة الوفاة، وبالله تعالى التوفيق * 1997 مسألة: وأما المستحاضة التى لا يتميز دمها ولاتعرف أيام حيضتها فان كانت مبتدأة لم يكن لها أيام حيض قبل ذلك بعدتها فعدتها ثلاثة أشهر لانها لم يصح منها حيض قط فهى من اللائى لم يحضن فان كانت ممن كان لها حيض معروف فنسيته أو نسيت مقداره ووقته فعليها أن تتربص مقدارا توقن فيه انها قد أتمت ثلاثة أطهار وحيضتين وصارت في الثالثة ولابد، فإذا مضى المقدار المذكور فقد حلت لانها من ذوات الاقراء بلا شك فعليها اتمام ثلاثة قروء وأما إذا تميز دمها فأمرها بين إذا رأت الدم الاسود فهو حيض، واذ رأت الاحمر أو الصفرة فهو طهر، وكذلك التى لا يتميز دمها إلا أنها تعرف أيامها فانها تعتد إذا جاءت أيامها التى كانت تحيض فيها حيضا وبأيامها التى كانت تطهر فيها طهرا، وقد ذكرنا برهان ذلك في كتاب الحيض في الطهارة من ديواننا هذا فأغنى عن اعادته، وهى أخبار ثابتة عن رسول الله صلى الله عيله وسلم بما ذكرنا، وأما المستريبة فان كانت عدتها بالاقراء أو بالشهور فأتمتها إلا أنها تقدر أنها حامل وليست مؤقتة بذلك ولا بأنها ليست حاملا، فهذه امرأة لم توقن انها من ذوات الاقراء قطعا ولا توقن انها من ذوات الشهور حتما ولا توقن انها من ذوات الاحمال (2) بتلا هذه صفتها بلا شك نعمل ذلك حسا ومشاهدة فإذا هي كذلك فلا بدلها من التربص حتى توقن انها حامل فتكون عدتها وضع حملها أو توقن انها ليست حاملا فتتزوج ان شاءت إذا أيقنت انها لاحمل بها لانها قد تمت عدتها المتصلة بما أوجبها الله تعالى من الطلاق، اما الاقراء واما المشهور، وبالله تعالى التوفيق * وأقصى ما يكون التربص من آخر وطئ وطئها زوجها خمسة أشهر فلا سبيل إلى أن تتجاوزها


(1) في النسخة رقم 14 ثم استدركنا فوجدنا الله تعالى قال الخ (2) في النسخة رقم 14 من أولات الحمل

[ 269 ]

إلا وهى موقنة بالحمل أو ببطلانه لان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبر بأنه بعد أربعة أشهر ينفخ فيه الروح وإذا نفخ فيه الروح فهو حى وإذا كان حيا فلا بد له ضرورة من حركة، وأما المختلفة الاقراء فلابد لها من تمام اقرائها بالغة ما بلغت لاحد لذلك لان الله تعالى أوجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء ولم يجعل الله تعالى لذلك حدا محدودا (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فان حاضت حيضة ثم لم تحض أو حاضت حيضتين ثم لم تحض أو انتظرت الحيضة الاولى فلم تأتها بعد ان كانت قد حاضت في عصمة زوجها أو قبلها فلا بدل لهؤلاء كلهن من التربص أبدا حتى يحضن تمام ثلاث حيض كما أمر الله عزوجل أو حتى يصرن في حد اليأس من المحيض فإذا صرن فيه استأنفن ثلاثة أشهر ولابد لان الله تعالى لم يجعل العدة ثلاثة أشهر إلا على اللواتى لم يحضن وعلى اليائسات من المحيض، وهذه ليست واحدة منهما فإذا صارت من اليائسات فحينئذ دخلت في أمر الله تعالى لها بالعدة بثلاثة أشهر، هذا نص كلام الله عزوجل وحكمه والحمد لله رب العالمين * وفيما ذكرنا اختلاف روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن حبان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهى ترضع فمكثت سبعة أشهر لا تحيض يمنعها الرضاع الحيض ثم مرض حبان بعد أن طلقها بأشهر فقالوا له: انها ترثك ان مت فامر أن يحمل إلى عثمان فحمل إليه فذكر له شأن امرأته وعنده على بن ابى طالب. وزيد بن ثابت فسألهما عثمان؟ فقالا جميعا: نرى أن ترثه ان مات وانه يرثها ان ماتت فانها ليست من القواعد اللائى يئسن من المحيض ولا من الابكار اللائى لم يحضن * نا يونس بن عبد الله نا احمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا احمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان عن أشعث بن عبد الملك الحمراني عن محمد بن سيرين ان عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن مسعود قالا جميعا في الشابة تطلق فلا تحيض: انها تنتظر حتى تيأس من المحيض، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري ومعمر كلاهما عن منصور بن المعتمر. وحماد بن ابى سليمان كلاهما عن ابراهيم النخعي عن علقمة انه طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم ارتفعت حيضتها ستة عشر شهرا ثم ماتت فقال له عبد الله بن مسعود: حبس الله على ميراثها وورثة منها هذا في غاية الصحة عن ابن مسعود وقد روينا هذا بعينه عن ابن عباس. وابن عرم إلا أنه من طريق ابن وهب عن ابن سمعان * ومن طريق محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد العزيز بن عبد الصمد العمى قال: سألت منصور بن المعتمر عمن طلق امرأته فحاضت حيضة ثم يئست من المحيض قال: تسنأنف العدة حينئذ بثلاثة أشهر قال: وسألته عن امرأة شابة طلقت فلم

[ 270 ]

تحض من مرض أو ارتفع حيضها قال: تعتد بالحيض ما كان وسأتله عن جارية حاضت حيضة وطلقت فلم تحض سنتين قال عدتها الحيض ما كان * ومن طريق ابن وهب أنا عقبة ابن نافع عن خالد بن يزيد عن عطاء بن ابى رباح انه سأل عن مطلقة لا تحيض في السنة إلا مرة قال: اقراؤها ما كانت * ومن طريق ابن وهب عن مالك عن الزهري مثل ذلك * ومن طريق ابن وهب أخبرني يونس عن ابى الزناد قال: ينبغى لها أن تعتد ثلاث حيض ولو كانت في عشر سنين إذا كانت تحيض ولها شباب * ومن طريق وكيع عن الربيع بن صبيح. ويزيد بن ابراهيم - هو التسترى - عن الحسن البصري قال: تعتد بالحيض وان كانت لا تحيض في السنة إلا مرة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال عطاء تعتد اقراءها ما كانت تقاربت أو تباعدت، قال ابن جريج وهو قول عبد الكريم قال عطاء فان وجدت في بطنها كالحشة لا تدري أفى بطنها ولد ام لا فلا تعجل بنكاح حتى تستبين أنه ليس في بطنها ولد * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا كانت تحيض فعدتها على حيضتها تقاربت أو تباعدت، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج اخبرني عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء جابر بن زيد أنه كان يقول تعتد أقراؤها ما كانت * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن داود بن ابى هند عن الشعبى في المرأة تحيض حيضا مختلفا ان عدتها الحيض وان لم تحض في كل سنة إلا مرة * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا عبيدة عن ابراهيم قال: إذا كانت تحيض فعدتها بالحيض وان حاضت في كل سنة مرة، ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار في التى لا تحيض في السنة إلا مرة قال اقراؤها ما كانت وهو قول ابى حينفة وسفيان الثوري والشافعي وابى سليمان وأصحابهم. وابى عبيد، وقال الليث في المتخلفة الاقراء * قال أبو محمد: فكل هؤلاء يقولون مثل قولنا وههنا قول ثان كما روينا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت حيضتها فانها تنتظر تسعة أشهر فان بان بها حمل فذلك والا اعتدت بعد التسعة الاشهر ثلاثة أشهر ثم حلت، وصح مثل هذا عن الحسن البصري، وسعيد بن المسيب * ومن طريق مالك عن ابن شهاب - هو الزهري - عن سعيد بن المسيب مثل قول عمر في المستحاضة تعتد سنة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: إذا كانت في الاشهر مرة يعنى الحيض فعدتها سنة، وقول ثالث كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة انه سئل عن التى تحيض فيكثر دمها حتى لا تدري كيف حيضتها

[ 271 ]

قال تعتد ثلاثة أشهر وهى الريبة التى قال الله عزوجل: (ان ارتبتم) قضى بذلك ابن عباس. وزيد بن ثابت * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو ابن دينار عن طاوس قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا اجزا عنها ان تعتد ثلاثة أشهر * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عكرمة قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فانه ريبة عدتها ثلاثة أشهر قال قتادة: تعتد المستحاضة ثلاثة أشهر * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار عن جابر ابن زيد قال إذا كانت تحيض في كل سنة مرة يكفيها ثلاثة أشهر * قال أبو محمد: اختلف بن جريج. وسفيان بن عيينة على عمرو بن دينار في هذا كما أوردنا فذكر سفيان عن جابر بن زيد ثلاثة أشهر وعن طاوس اقراؤها ما كانت، وذكر ابن جريج عن جابر بن زيد اقراؤها ما كانت وعن طاوس ثلاثة أشهر * وأما المتأخرون فان الليث بن سعد قال: عدة المستحاضة في الطلاق والوفاة سنة، وقال الاوزاعي: ان ارتفع حيض المطلقة ثلاثة أشهر اعتدت سنة، وقال احمد. واسحاق: عدة المستحاضة الاقراء ان عرفت أو قاتها والا فسنة، وقال مالك: ان لم تحض المطلقة تسعة أشهر متصلة استأنفت عدة ثلاثة أشهر فان أتمتها ولم تحض فقد تمت العدة وحلت للازواج وان حاضت قبل تمامها عدت كل ذلك قرءا واحدا ثم تنتظر الحيض فان لم تحض تسعة أشهر استأنفت عدة ثلاثة أشهر فان لم تحض حتى تتمها تمت عدتها وان حاضت فيها عدت كل ذلك قرءا ثانيا ثم تنتظر تسعة أشهر فان لم تحض اعتدت ثلاثه أشهر فان حاضت فيها أو أتمتها دون أن ترى حيضا فقد تمت عدتها قال أبو محمد: كل هذه الاقوال لاحجة لتصحيحها من قرآن ولا من سنة ولا رواية ضعيفة ولا قياس ولا رأى يصح ولا رواية تصح عن صاحب انما جاء في ذلك الرواية التى ذكرنا عن عمر مع انها لا تصح لان سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر الا نعيه النعمان بن مقرن وقد روينا عن عمر خلاف ذلك كما أوردنا آنفا فما الذى جعل احدى الروايتين عنه أولى من الاخرى، وقال مالك انما تبتدى بتربص التسعة الاشهر من حين ارتفعت حيضتها لامن حين طلقها زوجها الا التى رفعتها حيضتها إثر طلاقها فهذه تعتد التسعة الاشهر من حين طلقت قال: والمستحاضة كذلك عتدها سنة الحرة والامة سواء، وكذلك التى ارتفع حيضها من مرض الامة والحرة سواء قال واما التى ارتفع حيضها من أجل الرضاع فانها بخلاف ذلك ولا تتم عدتها الا بتمام ثلاثة اقراء كائنة ما كانت، قال واما المرتابة فانها تقيم حتي تذهب

[ 272 ]

الريبة أو يصح الحمل قال: وأقصى تربصها تسعة أشهر * قال أبو محمد: هذه تقاسيم لاتحفظ عن أحد قبله، فان شغبوا بالرواية التى هي عن على وزيد بحضرة عثمان قلنا: لم يقولوا ان ذلك من أجل الرضاع انما بينوا انها ليست من اللائى لم يحضن ولا من اللائى لم يئسن (1) من المحيض فلا يحل ان يقولوا ما لم يقولوا وبالله تعالى التوفيق * 1998 - مسألة - وسواء فيما ذكرنا تقارب الاقراء أو تباعدها لاحد في ذلك الا انه لاتصدق المراة في ذلك إذا أنكر الزوج قولها الا بأربع عدول من النساء عالمات يشهدن انها حاضت حيضا اسود ثم طهرت منه هكذا ثلاثة اقراء أو بشهادة امرأتين كذلك مع يمينها لان الله عزوجل لم يحد في ذلك حدا ولا رسوله صلى الله عليه وسلم (وما كان ربك نسيا) * ومن الباطل المتيقن ان يكون تعالى اراد أن يكون للاقراء مقدار لا يكون أقل منه ثم يسكت عن ذلك ليكلفنا علم الغيب الذى حجبه عنا أو يكلنا إلى الظنون الكاذبة والاقوال الفاسدة التى لا يشك في بطلانها واما ان لاتصدق في ذلك إذا أنكر الزوج فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بالبينة على من ادعى وهى مدعية بطلان حق ثابت لزوجها في رجعتها أحبت أم كرهت فلا تصدق الا ببينة عدل * روينا من طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: جاءت امرأة إلى على بن ابى طالب قد طلقها زوجها فادعت انها حاضت ثلاث حيض في شهر فقال على لشريح قل فيها فقال شريح ان جاءت ببينة ممن يرضى دينه وأمانته من بطانة أهلها انها حاضت في شهر ثلاثا طهرت عند كل قرء وصلت فهى صادقة والا فهى كاذبة، فقال على: قالون - يعنى أصبت بالرومية - * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة قال ان امرأة طلقت فحاضت في نحو من أربعين ليلة ثلاث حيض فاختصموا إلى شريح فرفعهم إلى على بن أبى طالب فقال على: أن شهد أربعة من نسائها ان حيضها كان هكذا أبانت منه والا فلتعتد ثلاث حيض في ثلاثة أشهر * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن المغيرة عن ابراهيم النخعي في امرأة حاضت في شهر أو أربعين ليلة ثلاث حيض قال. إذا شهدت لها العدول من النساء انها قد رأت ما يحرم عليها الصلاة من طموث النساء الذى هو الطموث المعروف فقد خلا أجلها (2) * قال أبو محمد: هذا كله قولنا وقد رويت رواية نذكرها ان شاء الله تعالى


(1) في النسخة رقم 16 ولا من اللائى يئسن (2) في النسخة رقم 16 فقد حل أجلها

[ 273 ]

روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري. وسفيان بن عيينة قال سفيان الثوري: عن الاعمش عن أبى الضحى عن مسروق وعن ابى بن كعب، وقال ابن عيينة: عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قالا ميعا من الامانة ان المرأة أؤتمنت على فرجها * ومن طريق وكيع عن حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن سليمان بن يسار انه ذكر عنده النساء فقال: لم نؤمر بفتحهن * قال أبو محمد: صدق أبى رضى الله عنه. وعبيد بن عمير في ان المرأة أؤ تمنت على فرجها وكذلك الرجل أيضا كل أحد موكل في دينه الذى يغيب عن الناس به إلى أمانته وليس في هذا ما يوجب تصديقها على ابطال حق زوجها في الرجعة لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) وكذلك قول سليمان بن يسار لم نؤمر بفتح النساء قول صحيح ما نازعه في ذلك أحد، وتكليفها البينة على انها حاضت كتكليف البينة على عيوب النساء الباطنة ولا فرق * قال أبو محمد: ثم اختلف هؤلاء فروى عن أبى حنيفة لاتصدق في انقضاء العدة في أقل من ستين يوما ولا تصدق النفساء في أقل من خمسة وثمانين يوما، وقال أبو يوسف. ومحمد بن الحسن. وسفيان في احد قوليه. ومالك في موجب أقواله لاتصدق في انقضاء العدة في أقل من تسعة وثلاثين يوما * قال أبو محمد: هذا أقيس على أصولهم لانه يجعلها مطلقة في آخر طهرها ثم ثلاث حيض كل حيضة من ثلاثة أيام وهو أقل الحيض عندهم وطهران كل طهر خمسة عشر يوما وهو أقل الطهر عندهم، واختلفوا في النفساء فقال أبو يوسف: لا أصدقها في أقل من خمسة وستين يوما، وقال محمد بن الحسن: لا أصدقها في أقل من أربعة وخمسين يوما وساعة، وقال الحسن بن حى: لاأصدق المعتدة بالاقراء في أقل من خمسة وأربعين يوما، وقال الاوزاعي: لا أصدقها في أقل من أربعين يوما وقال أبو عبيد: ان لم تأت ببينة لم تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، وعلى أحد أقوال الشافعي لاتصدق في أقل من اثنين وثلاثين يوما وبعض يوم لان أقل الحيض عنده في هذا القول يوم وأقل الطهر خمسة عشر يوما * قال أبو محمد: قال الله عزوجل: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) فصح ان هذه الاختلافات ليست من عند الله عزوجل لاشك في ذلك واذ ليست من عند الله فليست بشئ وانما أتوا في ذلك لتحديدهم أقل الحيض وأقل الطهر ومن الباطل تحديد شئ لم يحده الله عزوجل فهو شرع لم يأذن به الله تعالى، فان قالوا (م 35 - ج 10 المحلى)

[ 274 ]

قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم " تحيض في علم الله ستا أو سبعا " قلنا: لا يصح ولو صح لكان عليكم لا لكم لانكم لا تقولون بهذا التحديد في أقل الحيض ولا في اكثره، فان قالوا: صح انه عليه الصلاة السلام قال: " انظري عدد الايام والليالي التى كنت تحيضين " قلنا: لاشك في انه عليه الصلاة والسلام انما أمر بذلك من كانت تحيض أياما وليالي وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام قال: " إذا اتاك قرؤك فلا تصلى فإذا مر القرء فتطهري ثم صلى من القرء إلى القرء " فلم يجعل عليه الصلاة والسلام لذلك حدا لا يكون أقل منه فصح ان ذلك الخبر لمن لها أيام وليالي معروفة، فهذا الآخر لمن لم يبلغ الليالى ولا الايام كل خبر على ظاهره دون تكلف تأويل فاسد أو ترك احدهما للآخر وبالله تعالى الوفيق * فان قيل ان الله تعالى جعل ثلاثة أشهر بازاء ثلاثة اقراء قلنا: نعم وليس ذلك بموجب انه لا يكون قرؤ في أقل من شهر ولا في أكثر منه وأنتم أول مبطل لهذه الحجة لانكم تجيزون كون قرءين في شهر واحد وتجيزون أن يكون قرء واحد أكثر من ثلاثة أشهر فبطل كل ما شغبوا به، فان قالوا: لا تظهر البراءة من الرحم في نصف شهر فأقل قلنا ولا في ثلاثة أشهر وكلكم يجعل العدة تتم بالاقراء في أقل من ثلاثة أشهر، واما مالك فانه قال: الحيض متى ظهر تركت الصلاة والصوم وحرم وطؤها على زوجها فمتى رأت الطهر منه صلت وصامت وحلت لزوجها الا ان ذلك لا يكون طهرا تعتد به في العدة * قال أبو محمد: وهذا في غاية الفساد إذ من المحال ان يكون حيضا وطهرا يحيل حكم الصلاة والصيام واباحة الوطئ وتحريمه ولايكون حيضا وطهرا يعد قرءا في العدة هذا قول لاخفاء بفساده لانه خلاف للقرآن والسنن ولقول كل من سلف، وما نعلم لابي حنيفة ومالك انهما تعلقا في هذه المسألة بقول أحد من السلف فوجب الرجوع إلى كلام الله عزوجل وبيان رسوله صلى الله عليه وسلم فوجدناه تعالى قال: (ثلاثة قروء) ولم يحد في ذلك بعدد أيام لا تتجاوز (وما كان ربك نسيا) وأمر عليه الصلاة والسلام إذا أقبلت الحيضة ان تدع الصلاة فإذا ادبرت صلت وصامت وحلت لبعلها، وقال عليه الصلاة والسلام: " دم الحيض اسود يعرف فإذا أقبل فدعى الصلاة " ولم يحد عليه الصلاة والسلام في ذلك حدا فلا يجوز لاحد التحديد في ذلك الا انه ان انكر زوجها ذلك لم تصدق الا ببينه عدل كما ذكرنا وكذلك ان ادعى الزوج ان عدتها قد تمت وقالت: هي لم تتم فالزوج غير مصدق الا ببينة وهى مصدقة مع يمينها لانها مدعى عليها وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وقد شغب بعضهم في تصديقها في انقضاء عدتها بقول الله تعالى:

[ 275 ]

(ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في ارحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر) * قال أبو محمد: وليس في هذه الآية دليل على وجوب تصديقها ولا ندرى من أين وقع لهم ان هذه الآية توجب تصديقها؟ وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: لا يحل لها ان تقول انا حبلى وليست حبلى ولا لست حبلى وهى حبلى ولا أنا حائض وليست حائضا ولا لست حائضا وهى حائض وعن عطاء قال: الولد لا تكتمه ولا أدرى لعل الحيضة معه * قال أبو محمد: المدعية انها قد أتمت عدتها لم تكتم شيئا خلقه الله تعالى في رحمها انما ادعت انه تعالى قد خلق حيضها وهى اما كاذبة واما صادقة فلا مدخل لها فيما في الآية من تحريم كتمان ما خلق الله في رحمها وليس في ان ذلك لا يحل لها ما يسقط حق الزوج الذى أوجبه الله تعالى له في الرجعة * قال أبو محمد: ولو ادعت انها حامل وأنكر الزوج ذلك عرض عليها من القوابل من لا يشك في عدالتهن أربع ولا بد فان شهدن بحملها قضى بما يوجبه الحمل وان شهدن بان لاحمل بها بطلت دعواها فلو شهدن بحلمها ثم صح انهن كذبن أو أو همن قضى عليها برد ما أخذت من الزوج من نفقة وكسوة وبالله تعالى التوفيق * 1999 مسألة: وعدة الوفاة والاحداد فيها يلزم الصغيرة ولو في المهد، وكذلك المجنونة وهو قول مالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة: عليها العدة ولا احداد عليها قال: لانها غير مخاطبة * قال أبو محمد: ان كان ذلك عنده حجة مسقطة للاحداد فينبغي أن يسقط بذلك عنها العدة لان الله تعالى يقول: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا). والصغيرة غير مخاطبة وكذلك المجنونة ولا تتربص بنفسها، وأما نحن فحجتنا في ذلك ما رويناه من طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف أنا مالك عن عبد الله بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن حميد بن نافع عن زينب بنت ابى سلمة أنها اخبرته أنها سمعت أم سلمة أم المؤمنين تقول: قالت امرأة: يا رسول الله ان ابنتى توفى عنها زوجها. وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا لا انما هي أربعة أشهر وعشر، وذكرت الخبر فلم يخص عليه الصلاة والسلام كبيرة من صغيرة ولا عاقلة من مجنونة ولا خاطبها بل خاطب غيرها فيها، فهذا عموم زائد على ما في القرآن، فان ابتدأت بالعدة من أول ليلة من الشهر مشت اربعة اهلة وعشر ليل من الهلال الخامس فإذا طلع الفجر من اليوم العاشر فقد تمت عدتها وحلت للازواج لانه تعالى قال وعشرا

[ 276 ]

فهو لفظ تأنيث فهو لليالي ولو اراد الايام لقال وعشرة، وان بدأت بالعدة قبل ذلك أو بعده فعدتها مائة ليلة وست وعشرون ليلة بما بينها من الايام فقط لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الشهر تسعة وعشرون " ولايجوز أن يحال بين أيام شهر واحد بما ليس منه هذا محال بلاشك والله تعالى التوفيق * 2000 مسألة وفرض على المعتدة من الوفاة أن تجتنب الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة ولو ذهبت عيناها لاليلا ولانهارا، وأما الضماد فمباح لها وتجتنب أيضا فرضا كل ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس أو على الجسد أو على شئ منه سواء في ذلك السواد والخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك إلا العصب وحده وهى ثياب موشاة تعمل بالمين فهو مباح لها، وتجتنب أيضا فرضا الخضاب كله فلا تقربه كله جملة وتجتنب الامتشاط حاش التسريح بالمشط فقط فهو حلال لها، وتجتنب أيضا فرضا الطيب كله فلا تقربه حاشى شيئا من قسط أو اظفار عند طهرها فقط ومباح لها أن تلبس بعد ذلك ما شاءت من حرير أبيض أو أصفر من لونه الذى لم يصبغ وصوف البحر الذى هو لونه، والقطن الابيض، والكتان الابيض من دبق مضر والمروى وغير ذلك، ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلى كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد وغير ذلك وتدخل الحمام وتغسل رأسها بالخطمى والطفل فهى خمسة أشياء تجتنبها فقط * برهان ذلك ما حدثناه احمد بن قاسم نا ابى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن اصبغ نا محمد بن اسماعيل نا محمد بن كثير العبدى نا سفيان الثوري عن عبد الله بن ابى بكر. وأيوب بن موسى. ويحيى بن سعيد الانصاري كلهم عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة " أن ابنة النحام توفى عنها زوجها فاتت امها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ان ابنتى تشتكى عينها أفأكحلها؟ قال لا قالت: انى أخشى أن تنفقئ عينها قال وإن انفقأت) وذكرت الخبر * قال أبو محمد: زينب لها صحبة وقد ذكرناه قبل هذا عن زينب عن أمها أم المؤمنين رضى الله عنها * ومن طريق احمد بن شعيب أنا حسين بن محمد الزارع البصري نا خالد بن الحارث نا هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاتحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فانها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمتشط ولا تمس طيبا إلا عند طهرها حين تطهر نبذة من قسط واظفار " * ومن طريق احمد بن شعيب انا محمد بن منصور المكى نا سفيان نا عاصم عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية ان رسول

[ 277 ]

الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج ولا تكتحل ولا تختضب ولا تلبس ثوبا مصبوغا " فهذه هي الآثار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى جامعة لكل ما ذكرنا، وههنا آثار لا تصح ننبه عليها ان شاء الله تعالى لئلا يخطئ بها من لايعرف وههنا * منها خبر من طريق ابراهيم بن طهمان حدثنى بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى " * قال أبو محمد: في هذا الخبر ذكر الحلى، ولا يصح لان ابراهيم بن طهمان ضعيف ولو صح لقلنا به، والاحداد واجب على الذمية لقول الله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) وبقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) والدين الحكم فواجب أن يحكم عليهم بحكم الاسلام وهو لازم لهم وبتركهم إياه استحقوا الخلود ومن قال انه لا يلزمهم دين الاسلام فقد فارق الاسلام، ويلزم الاحداد الامة المتوفى عنها زوجها كالحرة * ومن الآثار التى ذكرنا اثر رويناه من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حكيم بنت اسيد عن امها ان زوجها تو في عنها فارسلت مولاتها إلى أم سملة أم المؤمنين تسألها عن كحل الجلاء فقالت: لا تكتحل به إلا لامر لابد منه يشتد عليك وتمسحينه بالنهار فان النبي صلى الله عليه وسلم دخل على حين توفى أبو سلمة وقد جعلت على عينى صبرا فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ قلت: يا رسول الله انما هو صبر ليس فيه طيب فقال: انه يشبب [ كذا ] الوجه فلا تجعلينه إلا بالليل وتنزعينه بالنهار ولا تمتشطى بالطيب ولا بالحناء فانه خضاب قلت بأى شئ امتشط يا رسول الله؟ قال بالسدر تغلفين به رأسك " أم حكيم مجهولة وامها أشد إيغالا في الجهالة * وجاء في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم صح عن ابن عمر لا تكتحل ولا تطيب ولا تختضب ولا تلبس المعصفر ولا ثوبا مصبوغا إلا بردا ولا تزين بحلى ولا تلبس شيئا تريد به الزينة ولا تكتحل بكحل تريد به الزينة إلا أن تشتكى عينها، وصح عنه أيضا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر لا تمس المتوفى عنها زوجها طيبا ولا تختضب ولا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا الا ثوب عصب تتجلبب به وهذا قولنا، وصح عن أم عطية أن لا تلبس في الاحداد الثياب المصبغة إلا العصب وأن لا تمس طيبا إلا أدناه في الطهر القسط والاظفار * وروينا من طريق سعيد بن منصور ناهشيم أنا هشام بن حسان عن ابن سيرين وحفصة عن أم

[ 278 ]

عطية قالت في المتوفى عنها زوجها أنها لا تمس خضابا ولا تكتحل بكحل زينة ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا تمس من الطيب إلا أدنى الطيب نبذة من قسط واظفار عند ظهرها * وقد روينا عن أم سلمة أم المؤمنين لا تكتحل وان فقأت عينها، وهذا قولنا، وروينا عن ابن عباس انها تجتنب الطيب والزينة، وروينا عن أم سلمة أم المؤمنين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن بديل العقيل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة أم المؤمنين المتوفى عنها زوجها لا تلبس من الثياب المصبغة شيئا ولا تكتحل ولا تلبس خاتما (1) ولا تختضب ولا تطيب * وعن ابن عباس أو سعيد بن المسيب المتوفى عنها زوجها لا تمس طيبا ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا تكتحل ولا تلبس الحلى ولا تختضب * ومن طريق لا تصح عن عائشة أم المؤمنين لان فيها ابن لهيعة، لا تلبس المتوفى عنها معصفرا ولا تقرب طيبا ولا تكتحل ولا تلبس حليا وتلبس ان شاءت ثياب العصب (2) * اما التابعون فصح عن عطاء ان المتوفى عنها لا تلبس صباغا ولا حليا وتنهى عن الطيب والزينة، ولا تكتحل باثمد دن فيه زينة ولا تحضض (3) فان فيه زعموا ورسا، وتكتحل بالصبر ان شاءت فان كان عليها حلى فضة فلا تنزعة ان شاءت وان لم يكن عليها فلا تلبسه تريد به الزينة فان اضطرت إلى الاثمد أو الطيب فلها أن تتداوى به، وكان يكره الذهب لها ولغيرها إلا أن يكون خاتما قال: ولها ان تمتشط بالحناء والكتم قال: وليس القسط والاظفار طيبا ولاتزين هودجها ان ركبت فيه ورأى المروى والهروى زينة ورأى اللؤلؤ زينة قال: فان كان عليها خواتم فضة فيها فصوص يواقيت أو غيره فلها أن تلبسه قال: فان توفى زوج الصغيرة فلاهلها أن يزينوها ويطيبوها * ورى عن سعيد بن المسيب وعمرة بنت عبد الرحمن. وعروة بن الزبير. وعطاء. ويحيى بن سعيد الانصاري وربيعة انها لا تلبس حليا ولا ثوبا مصبوغا بشئ من الاصباغ. وصح عن عروة بن الزبير المتوفى عنها زوجها لا تكتحل ولا تختضب ولا تمتشط ولا تلبس ثوبا فيه ورس أو زعفران ولا تلبس الحرمة إلا العصب، وصح عن الزهري قال: يكره للمتوفى عنها العصب والسواد ولا تلبس الثياب المصبغة ولا تلبس حليا ولاطيبا. وصح عن ابراهيم النخعي المتوفى عنها لا تمس الصفرة ولا الطيب ولا تكتحل بكحل زينة لكن بزور أو صبر إلا أن ترمد فتكتحل: وصح عن عروة بن الزبير أن امراة مات زوجها قالت له: ليس لى الا هذا الخمار وهو مصبوغ ببقم فقال. اصبغيه بسواد * وأما المتأخرون فان أبا حنيفة وأصحابه قالوا: تمتنع من الزينة والطيب والكحل


(1) في النسخة رقم 14 حليا (2) هو ضرب من برود اليمن (3) هو بظم الضاد الاولى وفتحها دواء

[ 279 ]

والثياب المصبوغة بالورس والزعفران والعصفر خاصة ولا تدهن بزيت أصلا سواء مطيبا كان أو غير مطيب وأبا حوالها الخز الاحمر. وقال مالك: تجتنب الزينة كلها والحلى الخاتم وغيره ولا تلبس الخز ولا العصب إلا العصب الغليظ خاصة ولا ثوبا مصبوغا إلا بسواد، ولا تكتحل أصلا ولاتقرب شيئا من الطيب ولادهنا مطيبا بريحان أو غيره ولا تمتشط بحناء ولا بتكتم ولا بشئ يختمر في الرأس لكن بالسدر وما أشبهه وتدهن بالزيت والشيرج، وقال الشافعي: تجتنب الزينة كلها والدهن كله الزيت وغيره في الرأس وغيره ولا تكتحل بما فيه زينة، ولا بأس بالكحل الذى لازينة فيه فان اضطرت إلى ما فيه زينة منه جعلته ليلا ومسحته نهارا كالصبر ونحوه، وتجتنب كل صباغ فيه زينة وتلبس البياض والمصبوغ بالسواد والخضرة المقاربة للسواد وما ليس بزينة وتجتنب الطيب * قال أبو محمد: كل هذه الاقوال خطأ لاخفاء به لانها ليس بشئ منها برهان يصححه لا قرآن ولاسنة، ولاسيما قول ابى حنيفة في تخصيص ما صبغ بورس أو زعفران أو عصفر خاصة، وقول مالك في اجتناب العصب إلا الغليظ منه، وقول الشافعي في تخصيص الاصباغ فانها أقوال لا تعرف عن أحد قبلهم ولا معنى (1) لها اصلا، فان قيل: المعنى في الاحداد اجتناب الزينة قلنا: حاشى لله من ذلك والله لو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لما عجز عن كلمة واحدة يقولها ولا يطول بذكر الصباغ إلا العصب وبذكر الطيب الا القسط والاظفار عند الطهر خاصة وبذكر الكحل والامتشاط والاختضاب خاصة وهو عليه الصلاة والسلام قد أوتى جوامع الكلم، ومن الباطل المتيقن أن ينسب إليه عليه الصلاة والسلام انه أراد الزينة فلم يسمها ولم يرد الا بعد الصباغ فسماه عموما هذه الباطل الذى لاشك فيه والكذب المقطوع به، وكل قول عرى من البرهان فهو باطل * فان قالوا: انما قصد بالاحداد الحزن قلنا: هذا الكذب لو كان ذلك لكان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم الذى لاحزن أوجب من الحزن عليه صلى الله عليه وسلم ثم على الابوين ولو أن امرأة اعلنت بأنها لم تسر قط كسرورها بموت زوجها لما كان عليها في ذلك اثم ولا ملامة إذ لم تقصر في حقوق التبعل (2) في حياته ولو كان للحزن عليه لكان مباحا لها بعد العدة والحزن عليه بعد العدة ليس محظورا، ولايجوز لها الاحداد كثر من المدة المذكورة، وههنا قول آخر كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد ان الحسن البصري كان يقول: المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها يكتحلان ويمتشطان ويطيبان ويختضبان وينتعلان ويضعان ما شاءتا * ومن طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة أن المتوفى عنها لاتحد *


(1) في النسخة رقم 16 " فلا معنى " (2) في النسخة رقم 16 " في حقوق الله تعالى "

[ 280 ]

قال أبو محمد: واحتج أهل هذه المقالة بما نا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عون الله نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر (1) نا شعبة نا الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد بن الهادى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة جعفر ابن ابى طالب: إذا كان ثلاثة أيام فالبسي ما شئت أو إذا كان بعد ثلاثة أيام * شعبة شك، ومن طريق حماد بن سلمة نا الحجاج بن ارطاة عن الحسن بن سعيد عن عبد الله بن شداد ان اسماء بنت عميس استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تبكى على جعفر وهى امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة ايام أن تطهري واكتحلي * قال أبو محمد: هذا منقطع ولا حجة فيه لان عبد الله بن شداد لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قال على: ولقد كان يلزم الآخذين بالمرسل إذا وافق آراءهم الفاسدة وردوا به السنن الثابتة كصلاة الامام قاعدا لمرض بالاصحاء، وكايجاب العهدة أن يأخذوا بهذا. ولاسيما والاحداد روته أم سلمة أم المؤمنين انه عليه الصلاة والسلام أمر به أثر موت ابى سلمة ولا خلاف في أن موت ابى سلمة كان قبل قتل جعفر رضى الله عنهما بسنتين ولكنهما لا يبالون بالتناقض * قال على: ان غسل الثوب المصبوغ حتى لا يبقى فيه أثر صباغ فليس مصبوغا فلها لباسه * 2001 مسألة فلو النزمت المرأة هذا ثلاثة أيام على أب أو اخ أو ابن أو أم أو قريب أو قريبة كان ذلك مباحا لما روينا من طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف نا مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبى سلمة انها أخبرته أنها سمعت أم حبيبة. وزينب بنت جحش أمي المؤمنين يقولان انهما سمعتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج اربعة أشهر وعشرا " * 2002 مسألة: وليس على المطلقة ثلاثا احداد اصلا وهو قول عطاء، ومالك. وابى سليمان، وقال غيرهم خلاف ذلك كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: تحد المبتوتة كما تحد المتوفى عنها فلا تمس طيبا ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا تكتحل ولا تختضب ولا تلبس الحلى، وقال الزهري المبتوتة لاتحدث حليا (2) فان كان عليها حلى لم تنزعه ولا تمس طيبا وتمتشط بالحناء والكتم وتدهن بالدهن الذى ينش بالريحان، وكره الزهري الذى فيه الافاويه (3) * ومن طريق ابن ابى شيبة نا عبد الوهاب بن عبيد المجيد الثقفى عن أيوب السختيانى قال: كتب إلى عطاء


(1) في النسخة رقم 14 نا غندر (2) في النسخة رقم 16 لا تتخذ حليا (3) في النسخة رقم 16 الافواه

[ 281 ]

الخراساني قال: سألت سعيد بن المسيب. وفقهاء المدينة عن المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ فقالوا: تحدان وتتركان التكحيل والتخضيب والتطيب والزينة * ومن طريق أبى بكر ابن ابى شيبة نا جرير عن المغيرة عن ابراهيم قال: المطلقة لا تكتحل بكحل زينة * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا أبو داود - هو الطيالسي - عن حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: المطلقة ثلاثا لا تكتحل ولا تختضب * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا غندر عن شعبة عن الحكم في المطلقة ثلاثا لا تكتحل ولاتزين وهى عنده أشد من المتوفى عنها * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم النخعي انه كان يكره الزينة للتى لا رجعة له عليها من المطلقات، وبقول ابراهيم النخعي يقول الشافعي ولم يوجبه وأوجبه سفيان الثوري. والحسن بن حى. وأبو حنيفة. واصحابه. وأبو عبيد. وابو ثور * قال أبو محمد: حجة من اوجب الاحداد على المطلقة ثلاثا ان قالوا هي مفارقة لزوجها كالمتوفى عنها فيجب ان يكون حكمهما واحدا * قال على: ما نعلم لهم شغبا غير هذا وهو شغب فاسد لان القياس كله باطل، ثم يقال لهم: هلا أوجبتم الاحداد على الملاعنة والمختلعة والمطلقة عندكم طلاقا بائنا فكل هؤلاء عندكم مفارقات لازواجهن، وأيضا فقد سمى الله عزوجل المطلقة طلافا رجعيا مفارقة لزوجها بتمام عدتها إذ يقول تعالى: (فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) ولا خلاف في انه لااحداد عليها لافى العدة ولا بعد العدة، وقد فرق الله تعالى بين ما جمعوا بينه فجعل عدة المتوفى عنها اربعة أشهر وعشرا وعدة المبتوتة ثلاثة قروء أو ثلاثة اشهر فلاح فساد من قاس احداهما على الاخرى وبالله تعالى التوفيق * وهذا مما نقض فيه مالك تعظيمه مخالفة فقهاء المدينة وجمهور المتقدمين * 2003 مسألة فان اغفلت المعتدة الا حداد المذكور حتى تنقضي العدة فان كان من جهل فلا حرج وان كان عمدا فهى عاصية لله عزوجل ولا تعيد ذلك لان وقت الاحداد قد مضى ولا يجوز عمل شئ في غير موضعه وفى غير وقته * قال أبو محمد: ان كانت عدة المتوفى عنها وضع حملها فلا بد لها من الاحداد أربعه اشهر فأقل ولا نوجبه عليها بعد ذلك لان النصوص كلها انما جاءت بأربعة أشهر وعشر فقط، وقد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ام سبيعة الاسلمية بأن تنكح من شاءت إذ وضعت حملها اثر موت زوجها بليال وقد تشوفت للخطاب فلم ينكر ذلك عليها، فصح انه لااحداد عليها بعد انقضاء حملها قبل الاربعة الاشهر والعشر ولم (م 36 - ج 10 المحلى)

[ 282 ]

نجد نصا بايجابه عليها ان تمادى الحمل أكثر من أربعة أشهر وعشر فان وجد فالقول به واجب والا فلا وبالله تعالى التوفيق * ثم استدركنا إذ تدبرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق خبر أم عطية انها تجتنب ما ذكر اجتنابه دون ذكر أربعة أشهر وعشر فكان العموم أولى أن تضع جملها * 2004 مسألة: وتعتد المتوفى عنها والمطلقة ثلاثا أو آخر ثلاث والمعتقة تختار فراق زوجها حيث احببن ولاسكنى لهن لاعلى المطلق ولا على ورثة الميت ولا على الذى اختارت فراقه ولانفقة ولهن ان يحججن في عدتهن وان يرحلن حيث شئن، وأما كل مطلقة للذى طلقها عليها الرجعة مادامت في العدة فلا يحل لها الخروج من بيتها الذى كانت فيها إذ طلقها ولها عليه النفقة والكسوة فان كان خوف شديد أو لزمها حد فلها ان تخرج حينئذ والا فلا أصلا لاليلا ولانهارا البتة الا لضرورة لا حيلة فيها * برهان ذلك قول الله عزوجل: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) فهذه صفة الطلاق الرجعى لاصفة الطلاق البات، وأما الطلاق البات فكما روينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن سلمة ابن كهيل عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا ليس لها سكنى ولا نفقة * نا حمام بن احمد نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا عبد الله ابن احمد بن حنبل نا أبى ناهشيم ارباسيار. وحصين - هو ابن عبد الرحمن - والمغيرة - هو ابن مقسم - واسماعيل بن ابى خالد داود بن ابى هند كلهم عن الشعبى قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فقالت: طلقها زوجها البتة قالت: فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة فلم يجعل لى سكنى ولانفقة وأمرني ان اعتد في بيت ابن أم مكتوم * ومن طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا عبد العزيز بن أبى حازم ويعقوب - هو ابن عبد الرحمن - القارى كلاهما عن أبى حازم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن فاطمة بنت قيس " انه طلقها زوجها قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لانفقة لك ولاسكنى " * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان الثوري عن أبى بكر بن أبى الجهم العدوى قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول ان زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها النبي صلى الله عليه وسلم

[ 283 ]

سكنى ولانفقة * ومن طريق مسلم حدثنى محمد حاتم بن ميمون. ومحمد بن رافع وهارون بن عبد الله واللفظ له قال ابن حاتم انا يحيى بن سعيد القطان، وقال ابن رافع: نا عبد الرزاق، وقال هارون: نا حجاج بن محمد ثم اتفق يحيى. وعبد الرزاق، وحجاج كلهم عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير المكى " أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طلقت خالتي فارادت ان تجد نخلها فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم بل اذهبي فجدى نخلك فانك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا " * ومن طريق ابى داود السجستاني نا أحمد بن حنبل نا يحيى هو ابن سعيد القطان عن ابن جريج حدثنى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: " طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد نخلها فنهاها رجل فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: اخرجي فجدى نخلك فعسى أن تصدقي منه أو تفعلي خيرا " * قال أبو محمد: أما خبر فاطمة فمنقول نقل الكافة قاطع للعذر وأما خبر جابر ففى غاية الصحة، وقد سمعه منه أبو الزبير ولم يخص لها ان لا تبيت هنا لك من أن تبيت وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى، وما كان ربك نسيا، ولا يسع أحدا الخروج عن هذين الاثرين لبيانهما وصحتهما، ولم يصح في وجوب السكنى للمتوفى عنها اثر أصلا، والمنزل لا يخلو من أن يكون ملكا للميت أو يكون ملكا للميت أو ملكا لغيره، فان كان ملكا لغيره وهو مكترى أو مباح فقد بطل العقد بموته فلا يحل لاحد سكناه إلا باذن صاحبه وطيب نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام " وان كان ملكا للميت فقد صار للغرماء أو للورثة أو للوصية فلا يحل لها مال الغرماء. والورثة والموصى لهم لما ذكرنا، وانما لها منه مقدار ميراثها ان كانت وارثة فقط، وهذا برهان قاطع لائح وما عدا هذا فظلم لاخفاء به، وهذا مكان كثر فيه اختلاف الناس فطائفة قالت بقولنا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس قال: تعتد المبتوتة حيث شاءت قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتد المبتوتة حيث شاءت * ومن طريق عبد الرزاق قال: انا معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ان فاطمة بنت قيس قالت: قال الله عز وجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن) قالت: هذا كان لمن كانت له رجعة فأى أمر يحدث بعد الثلاث قال لنا عبيدالله بن عبد الله: فطلق عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام شاب بنت سعيد بن زيد بن عمرو في امارة مروان وأمها بنت قيس فانتقلتها خالتها فاطمة بنت قيس * ومن طريق ابن ابى شيبة نا الثقفى هو عبد الوهاب بن عبد المجيد عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ان الربيع اختلعت

[ 284 ]

من زوجها فاتى معوذ هو - ابن عفراء - عثمان بن عفان فسأله أتنتقل؟ قال: نعم تنتقل * قال أبو محمد: انم أوردنا هذا لان المختلعة عندهم طلاقها بائن وعليها العدة وأما نحن فهى عندنا مطلقة طلاقا رجعيا لا تخرج فيه من موضعها الذى طلقها فيه حتى تتم عدتها، فهؤلاء من الصحابة رضى الله عنهم، وأما التابعون فروينا من طريق سعيد ابن منصور ناهشيم أنا يونس - هو ابن عبيد - عن الحسن البصري انه كان يقول: المطلقة ثلاثا، والمتوفى عنها لاسكنى لهما ولا نفقة وتعتدان حيث شاءتا، ومن طريق عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس. وعطاء قالا جميعا: المبتوتة والمتوفى عنها يحجان يعتمران وينتقلان ويبيتان * ومن طريق عبد الرزاق [ عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس ] (1) وسفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن انه قال: تحج المبتوتة في عدتها، ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن عكرمة أنه قال: في المطلقة ثلاثا لها أن تنتقل قال الله عزوجل: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) فأى أمر بعد الثلاث انما [ جاء ] (2) ذلك في الواحدة والاثنتين * نا حمام أنا عباس ابن اصبغ نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا عبد الله بن احمد بن حنبل نا ابى قال الشعبى: المطلقة ثلاثا لاسكنى لها ولانفقة، قال احمد وبه أقول * قال أبو محمد: وبه يقول اسحاق بن راهوية. وابو سليمان وجميع أصحابنا * وأما المتوفى عنها فروينا من طريق حماد بن سلمة أنا قيس - هو ابن عباد - عن عطاء بن ابى رباح عن عائشة أم المؤمنين أنها حجت بأختها أم كلثوم امرأة طلحة بن عبيدالله في عدتها في الفتنة، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين انها كانت تفتى المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيدالله بن عبد الله إلى مكة في عمرة ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج اخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال: انما قال الله عزوجل تعتد أربعة أشهر وعشرا ولم يقل: تعتد في بيتها فلتعتد حيث شاءت، ومن طريق اسماعيل ابن اسحاق القاضى نا على بن عبد الله - هو ابن المدينى - نا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن اربعة اشهر وعشرا) ولم يقل يعتددن في بيوتهن تعتد حيث شاءت قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما اخبرنا هذا يبين أن عطاء سمعه من ابن عباس * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتد المتوفى عنها حيث شاءت، ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 285 ]

اسماعيل بن ابى خالد عن الشعبى أن على بن ابى طالب كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن، ومن طريق عبد الزراق عن ابن جريج عن عطاء قال: لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت، وقد ذكرناه قبل هذا الباب عن الحسن * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا على بن عبد الله - هو ابن المدينى - نا سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار، عن عطاء وابى الشعساء جابر بن زيد قالا جميعا: المتوفى عنها تخرج في عدتهما حيث شاءت * ومن طريق اسماعيل ابن اسحاق نا أبو بكر بن ابى شيبة نا عبد الوهاب الثقفى عن حبيب المعلم قال: سألت عطاء عن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها ايحجان في عدتهما؟ قال نعم، وكان الحسن يقول مثل ذلك * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا أبو ثابت المدنى نا ابن وهب انا عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج قال سألنا سالم بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلد فيتوفى الزوج فقال تعتد حيث توفى عنها زوجها أو ترجع إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، قال ابن وهب، واخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن ابى حبيب عن القاسم بن محمد بهذا، قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة عن حسين بن ابى حكيم أن امرأة مزاحم لما توفى عنها زوجها بخناصرة سألت عمر بن عبد العزيز أامكث حتى تنقضي عدتي؟ فقال لها: بل الحقى بقرارك ودار ابيك فاعتدى فيها، وبه يقول ابن وهب انا يحيى بن أيوب عن يحيى ابن سعيد الانصاري انه قال في رجل توفى بالاسكندرية ومعه امرأته وله بالفسطاط دار فقال: ان أحبت أن تعتد حيث توفى زوجها فلتعتد وان أحبت أن ترجع إلى دار زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع، وبه يقول أبو سليمان وجميع اصحابنا، وقول آخر كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في المبتوتة ان كانت غير حبلى فلا نفقة لها وينفق على الحبلى من أجل ولده * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عطاء وقتادة قالا جميعا في المبتوتة: لها النفقة حتى تضع حملها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه لانفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا * ومن طريق ابن وهب اخبرني عمرو بن الحارث عن يزيد بن ابى حبيب أن عمر بن عبد العزيز أمر بالنفقة على المبتوتة الحامل حتى تضع حملها ثم يعطيها أجر الرضاع ثم يمتعها * ومن طريق ابن وهب أخبرني ابن سمعان ان ابن قسيط أخبره ان ابن المسيب كان يقول: لانفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا فلها النفقة حتى تضع حملها ويقول: هذا في كتاب الله عزوجل وهى السنة، وعلى ذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصح عن ربيعة لانفقة لها إلا أن تكون حاملا فان قضى لها بالنفقة لحملها ثم ظهر انه لاحمل بها ردت ما أخذت من النفقة وبايجاب النفقة لها ان كانت حاملا وبايجاب السكنى بكل حال (1) يقول مالك.


(1) في النسخة رقم 16 تأخير هذه الجملة إلى ما بعد قوله وعبد الرحمن بن مهدى

[ 286 ]

والشافعي وأبو عبيد. وعبد الرحمن بن مهدى * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ابن ابى ليلى انه قال في المطلقة والحامل لها السكنى والنفقة وقول ثالث لها السكنى ولا نفقة لها، أتى قوم في هذا بآثار نذكرها وهو كما روينا من طريق عبد الرزاق أخبرني ابن جريج عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير قال ان عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس يعنى انتقال المطلقة ثلاثا * ومن طريق سعيد من ومنصور نا أبو معاوية نا الأعمش عن ابراهيم بن مسروق قال جاء رجل إلى ابن مسعود فقال انى طلقت امرأتي ثلاثا فابت ان تعتد في بيتها قال: لا تدعها قال: أبت الا الخروج قال: فقيدها قال: ان لها أخوة غليظة رقابهم قال استعن عليهم بالسلطان (1) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: لا تنتقل المبتوتة من بيت زوجها حتى يخلو أجلها * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا أبو بكر بن ابى شيبة نا يزيد بن هارون عن سعيد بن ابى عروبة عن يعلى بن أبى حكيم عن نافع عن ابن عمر قال في المتبوتة: انه لانفقة لها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابراهيم بن محمد - هو ابن ابى يحيى - عن جعفر بن محمد عن أبيه أن على بن ابى طالب قال في المبتوتة: لانفقة لها، ومن طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: قلت لسعيد بن المسيب: المطلقة ثلاثا أين تعتد؟ قال في بيت زوجها * ومن طريق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في المطلقة في بيت مكترى قال تعتد فيه وعلى زوجها الكراء، وأما المتوفى عنها فكما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب أن عمر رد نسوة من ذى الحليفة حاجات أو معتمرات توفى عنهن أزواجهن، ومن طريق عبدالزراق نا ابن جريج أنا حميد الاعرج عن مجاهد قال: كان عمر وعثمان يرجعانهن حواج أو معتمرات من الجحفة، ومن ذى الحليفة، ومن طريق عبد الزراق عن معمر عن ايوب عن يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة ان امرأة متوفى عنها زارت أهلها في عدتها فضربها الطلق فأتوا عثمان فقال: احملوها إلى بيتها وهى تطلق، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كانت له ابنة تعتد من وفاة زوجها فكانت تأتيهم بالنهار فتتحدث إليهم فإذا كان الليل أمرها أن ترجع إلى بيتها، ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا أبو بكر بن ابى شيبة ناوكيع عن على ابن المبارك عن يحيى بن ابى كثير عن ابن ثوبان أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأنى أهلها بياض يومها وأن زيد بن ثابت لم يرخص لها إلا في بياض يومها أو ليلتها، ومن طريق


(1) في النسخة رقم 14 استعد عليهم السلطان

[ 287 ]

عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن علقمة قال: سأل ابن مسعود نساء من همدان نعى اليهن ازوجهن فقلن انا نستوحش فقال ابن مسعود: يجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منهن إلى بيتها بالليل * ومن طريق الحجاج ابن المنهال نا أبو عوانة عن منصور عن ابرهيم ان امرأة بعثت إلى ام سلمة ام المؤمنين ان ابى مريض وانا في عدة أفآتيه امرضه؟ قالت نعم ولكن بيتى أحد طرفي الليل في بيتك * ومن طريق حماد بن سلمة ارنا هشام بن عروة ان اباه قال: المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الا ان ينتوى أهلها فتنتوى معهم * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا اسماعيل بن ابى خالد عن الشعبى انه سئل عن المتوفى عنها أتخرج في عدتها فقال: كان اكثر اصحاب ابن مسعود اشد شئ في ذلك يقولون لا تخرج وكان الشيخ يعين على بن ابى طالب رضى الله عنه يرحلها * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء، وجابر بن زيد كلاهما قال في المتوفى عنها لا تخرج * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا يحيى بن سعيد هو الانصاري ان القاسم بن محمد. وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفى عنها لا تخرج حتى تنقضي عدتها * ومن طريق وكيع عن الحسن بن صالح عن المغيرة عن ابراهيم انه قال في المتفوى عنها لا بأس بأن تخرج بالنهار ولا تبيت عن بيتها، ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير عن المغيرة عن ابراهيم في المتوفى عنها في بيت بأجرة قال: ان احسن ان يعطى الكراء وتعتد في البيت الذى كانت فيه، انما أورد بالكلام ابراهيم لقوله في صفة الخروج وفي الكراء والا فان قوله ان لها السكنى والنفقة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت يحيى بن سعيد الانصاري يقول في امر المتوفى عنها قال: فنحن على ان تظل يومها اجمع حتى الليل في غير بيتها ان شاءت وتنقلب * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا أبو ثابت المدينى عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث ان بكيرا - هو ابن الاشج - حدثه ان ابنة هبار بن الاسود توفي عنها زوجها فارادت الحج وهى في عدتها فسألت سعيد بن المسيب؟ فنهاها ثم أمرها غيره بالحج فخرجت كما كانت بالبيداء صرعت فانكسرت * قال أبو محمد: من العجب احتجاج أهل الجهل بهذا على انها عقوبة، وتالله (1) لو جرت هذه القصة أو غيرها على ما ظنوا لكان أولى بذلك عسكر مسرف بن عقبة الموقعون بأهل المدينة يوم الحرة المحاربون لمكة (2) وقد امتحن سعيد بن المسيب رحمه


(1) في النسخة رقم 16 وبالله (2) في النسخة رقم 16 المحاربون لله

[ 288 ]

الله بأشد من محنة هذه المرأة، والمحن للمسلم أجر وتكفير، وقد يمهل الله تعالى الكفار والفساق إلى يوم القيامة، روى عن ربيعة ولم يصح ان المتوفى عنها تنتوى مع أهلها وان كانت في موضع خوف فانها لا تقيم فيه، وصح عن الزهري في الذى يبتدئ فيموت ان امرأته ترجع إلى بيت زوجها إذا لم تكن في مسكن تسكنه * ومن طريق حماد بن زيد عن أبوب السختيانى عن محمد بن سيرين ان امرأة توفى عنها زوجها وهى مريضة فنفلها أهلها ثم سألوا فكلهم يأمرهم ان ترد إلى بيت زوجها قال ابن سيرين فرددناها في نمط * وبه يقول مالك. والشافعي. وعبد الرحمن بن مهدى. وأبو عبيد، وقول رابع ان لهما السكنى والنفقة كما نا احمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا محمد بن شاذان نا المعلى بن منصور نا يعقوب - هو أبو يوسف القاضى - وحفص بن غياث قالا عن ابراهيم عن الاسود عن عمر بن الخطاب انه كان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة زاد حفص مادامت في عدتها، رويناه من طريق سعيد ابن منصور نا أبو معاوية نا الاعمش عن ابراهيم قال كان عمر بن الخطاب وعبد الله ابن مسعود يجعلان للمطلقة ثلاث السكنى والنفقة * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن ابراهيم عن شريح في المطلقة ثلاثا قال: لها السكنى والنفقة وبه إلى سفيان عن حماد بن أبى سليمان قال: للمطلقه ثلاثا السكنى والنفقة، ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي قال المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة. ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا أبو بكر بن أبو شيبة نا حميد عن الحسن ابن صالح بن حى عن السدى عن الشعبى في المطلقة ثلاثا قال: لها السكنى والنفقة وهو قول سفيان الثوري. والحسن بن حى. وأبى حنيفة وأصحابه، وأما المتوفى عنها الحامل فطائفة قالت ان كانت وارثة فمن نصيبها حاملا كانت أو غير حامل فان لم تكن وارثة فمن نصيب ذى بطنها ان كان وارثا فان لم يكونا وارثين فمن مالها نفسها ان كان لها مال والا فهى أحد فقراء المسلمين، فان مات ذو بطنها قبل ان يخرج حيا ردت ما أنفق عليها من نصيبه إلى الورثة، وتفسير قولنا: ان لم يكن وارثا ان تكون أسلمت بعد موت زوجها وهو كافر فيكون هو مسلما باسلام أمه ولا يرث كافرا مسلم، وهذا قولنا، وقالت طائفة: ان كان المال كثيرا انفق عليها من نصيبها وان كان قليلا فمن جميع المال، وقالت طائفة: نفقتها من جميع المال، وقالت طائفة: وارثة كانت أو لم تكن نفقتها عليها من مالها ان كان لها مال ومن سؤالها ان كان لامال لها لا من ميراثها ولا من ميراث ذى بطنها ولا من جميع المال، فالقول الاول

[ 289 ]

كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نفقة المتوفى عنها الحامل من نصيبها ومن طريق حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عباد بن أبى ذكوان أن ابن عباس قال في المتوفى عنها الحامل نفقتها من نصيبها. ومن طريق وكيع عن الربيع عن عطاء قال: المتوفى عنها من نصيبها ينفق على الحامل ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم ابن عتيبة في الحامل المتوفى عنها قال: ينفق عليها من نصيبها * ومن طريق حماد بن سلمة ان زيادا الاعلم أخبره عن محمد بن سيرين انه ارسل إلى عبد الملك بن يعلى قاضى البصرة في الحامل المتوفى عنها فقال: نفقتها من نصيبها * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا يونس عن الحسن قال: نفقتها من نصيبها * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو شهاب عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى في المتوفى عنها وبلغها الخبر وقد انفقت من ماله قال: يحسب ما انفقت من ماله من يوم مات فيجعل من نصيبها، وبه يقول أبو حنيفة. واحمد. وأبو سليمان وجميع أصحابهم وهو احد قولى الشافعي واحد قولى سفيان * ومن طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن الزهري قال: قال قبيصة بن ذوئيب في الحامل المتوفى عنها لو أنفقت عليها من غير نصيبها انفقت عليها من مال ذى بطنها، والقول الثاني كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن منصور عن ابراهيم النخعي قال في الحامل المتوفى عنها كان أصحابنا يقولون: ان كان المال كثيرا أمر ان ينفق عليها من نصيبها وان كان قليلا انفق عليها من جميع المال، والقول الثالث انقسم القائلون به أقساما فقالت طائفة ان ورثت فمن نصيب ذى بطنها وان لم ترث فمن جميع المال، وقالت طائفة: نفقة الحامل المتوفى عنها من جميع المال، وقالت طائفة: لها النفقة من رأس المال حاملا كانت أو غير حامل ما كانت في العدة كما روينا من طريق سعيد بن منصور ارنا هشيم يونس عن الحسن انه كان يقول في أم الولد إذا مات عنها سيدها وهى حامل ان ولدته حيا فنفقتها من نصيبه وان كان ميتا فمن جميع المال قال يونس: كان ابن سيرين يقول: ينفق عليها من جميع المال كان ذلك رأيه حتى ولى تركة ابن اخ له مات وترك ام ولده حاملا فكره ان يعمل فيها برأيه فأرسل إلى عبد الملك ابن يعلى قاضى البصرة فقال: لانفقة لها، والقول الثاني كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال سئل ابن شهاب عن المتوفى عنها على من نفقتها؟ فقال: كان ابن عمر يرى نفقتها حاملا كانت أو غير حامل من جميع المال الذى ترك زوجها فأبى الائمة ذلك وقضوا ان لانفقة لها * قال أبو محمد: التهويل بخلاف الائمة ههنا كلام فارغ لانه لم يكن في الائمة (م 37 - ج 10 المحلى)

[ 290 ]

بعد أبى بكر. وعمر. وعثمان. وعلى. أحد يعدل ابن عمر، ولاشك في ان الزهري بم يكن الاربعة المذكورين انما عين من بعدهم الذين أبوا قول ابن عمر * نا محمد بن سعيد ابن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن سفيان بن حسين قال سمعت الزهري يحدث عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال في الحامل المتوفى عنها زوجها نفقتها من جميع المال * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أشعث عن الشعيب أن على بن ابى طالب وابن مسعود كانا يقولان: النفقة من جميع المال للحامل * نا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد الله بن عبدالصير نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن حبيب بن ابى ثابت قال سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن الحامل المتوفى عنها؟ فقال: قد كنا ننفق عليها حتى نبتم ما نبتم * وبه إلى الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان حدثنى ام داود الوابشية قالت توفى زوجي وأنا حبلى في ثلاثة أشهر فخاصمني أهله إلى شريح فعرض لى خمسة عشر درهما من جميع المال في كل شهر وقال: هذه لك حتى تلدي فإذا ولدت فان امسكته فلك مثلها، ورويناه أيضا من طريق وكيع عن أم داود المذكورة وزاد حتى تعظمى، ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن منصور عنابراهيم عن شريح قال: ينفق على الحامل المتوفى عنها من جميع المال، ومن طريق وكيع عن شعبة عن قنادة وحماد بن ابى سليمان. والمغيرة قال المغيرة عن ابراهيم قالوا كلهم في الحامل المتوفى عنها: ينفق عليها من جميع المال، ومن طريق حماد بن سلمة أنا قتادة عن ابى العالية وخلاس بن عمرو قالا جميعا في المتوفى عنها زوجها وهى حامل أن نفقتها من جميع المال، ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا سيار عن الشعيب في المتوفى عنها الحامل قال: ينفق عليها من جميع المال، ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن. وعطاء بن ابى رباح قالا جميعا في المتوفى عنها وهى حامل أن نفقتها من جميع المال وهو قول أيوب السختيانى وابن ابى ليلى. والحسن بن حى. وأبى عبيد واحد قولى سفيان. وأحد قولى الشافعي، وقال مالك: لا ينفق عليها من نصيبها ولا من نصيب ذى بطنها ولامن جميع المال حتى تضع ولا ينتصف الغرماء من ديونهم حتى تضع، وقال الاوزاعي: ان كانت المتوفى عنها الحامل زوجة فلا نفقة لها على الورثة، وإن كانت أم ولد فنفقتها من جميع المال حتى تضع، وقال الليث: ينفق على أم الولد الحامل إذا مات سيدها من جميع المال. فان ولدت جعل ما أنفق عليها من حصة ولدها، وإن لم تلد قضى عليها برد ما أعطيت. وقال أبو حنيفة: تخرج المتوفى عنها نهارا وترجع ليلا إلى منزلها. وأما المطلقة المبتوتة

[ 291 ]

فلا تخرج لاليلا ولانهارا * قال أبو محمد: أما قول ابى حنيفة هنا (1) فظاهر الفساد وتقسيم لادليل على صحته. وكذلك قول الاوزاعي. وقول مالك. وأظهرها فسادا قول مالك في منعه الغرماء ولاحظ للمورثة إلا فيما بقى للغرماء فان لم يبق للغرماء شئ فلا شئ للورثة فلاى معنى يمنعون حقهم الواجب كذلك كل من له حق متيقن في الميراث فمنعه مما لابد له من أن يقع في حصته ظلم متيقن لا يدرى من أين وقع لهم. وقد أكثرنا مساءلتهم عن ذلك فما وجدنا لهم متعلقا إلا أنهم قالوا: لابد من اثبات الموت وعدة الورثة. ومن تقديم ناظر على المولود فقلنا لهم. هذا قول فاسد باطل. بل من ذلك ألف بد. أما الورثة فلا معنى لاثبات الموت أصلا بل يقتضى لهم بحقوقهم حيا كان أو ميتا: وأما الورثة فلا معنى لا ثبات عددهم فيما لاشك انه (2) يقع لكل واحد منهم. وأما ما يقع له أو لا يقع لكثرة الورثة أو قلتهم. وبولادة ذكر أو أنثى فهذا يوقف ولابد حتى يتيقن كيف يكون حكمه. وأما من أوجب النفقة من جميع المال للمتفوى عنها أو للمبتوتة فخطأ لاخفاء به لان مال الميت ليس له بل قد صار لغيره فلا يجوز أن ينفق على امرأته أو أم ولده من مال الغرماء أو من مال الورثة أو مما اوصى به لغيرهما. وهذا عين الظلم والمبتوتة ليست له زوجة فهى والاجنبية سواء فأخذه بالنفقة عليها لا يجوز. ونذكر ان شاء الله تعالى شغب من أوجب للمبتوتة السكنى والنفقة أو السكني دون النفقة أو خص الحامل بذلك. نبين بعون الله تعالى فساد كل ذلك وبه عزوجل نتأيد. أما قول من قال لانفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملا فانهم احتجوا بقول الله تعالى: (وان كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وان تعاسرثم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه زرقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) الآية قالوا وهذا عموم لكل مطلقة حامل * قال أبو محمد: هذا لاحجة لهم فيه لانهم سكتوا عن أول الآية. وهو قوله عزوجل: (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن. وإن كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) فالتى (3) أمر الله عزوجل بالنفقة عليها ان كانت حاملا هي التى (4) أمر باسكانها ولافرق فمن أوجب النفقة دون السكنى فقد قال بلا دليل وبطل قوله ولم يبق إلا قولنا. أو قول من أوجب لها السكنى والنفقة إن كانت حاملا. وسنبين وجه الحق في ذلك ان شاء الله تعالى *


(1) في النسخة رقم 14 " هذا " بدل هنا (2) في النسخة رقم 16 " فيما لا يشك ان " (3) في النسخة رقم 16 فانما (4) في النسخة رقم 16 إن التى كانت حاملا

[ 292 ]

واحتجوا أيضا بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أرسل مروان قبيصة بن ذوئيب إلى فاطمة بنت قيس يسألها فاخبرته انها كانت تحت أبى عمرو بن حفص المخزومى فذكر الحديث وانه طلقها آخر ثلاث تطليقات إذ خرج إلى اليمن مع على بن ابى طالب وان عياش بن ابى ربيعة. والحارث بن هشام قالا: والله مالها نفقة إلا أن تكون حاملا قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لانفقة لك إلا أن تكوني حاملا. واستأذنته في الانتقال فاذن لها * قال أبو محمد: هذه اللفظة إلا أن تكوني حاملا لم تأت إلا من هذه الطريق ولم يذكرها احد ممن روى هذا الخبر عن فاطمة غير قبيصة. وعلة هذا الخبر أنه منقطع لم يسمعه عبيدالله بن عبد الله لامن قبيصة ولا من مروان فلا ندرى ممن سمعه. ولا حجة في منقطع ولو اتصل لسارعنا إلى القول به فبطل هذا والحمد لله رب العالمين، ثم نظرنا في قول من أوجب (1) للمبتوتة السكنى دون النفقة فوجدنا هم يحتجون بالنص المذكور ولا حجة لهم فيه لمن تأمله لان الله عزوجل ابتدأ قوله الصادق: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) إثر قوله تعالى في بيان العدد (2) إذ يقول عزوجل: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ذلك أمر الله أنزله اليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) إلى قوله تعالى: (من وجدكم) الآية كما أوردنا ونحن لا نختلف في ان هذه العدة للمبتوتة كما هي لغير المبتوتة ولافرق، فوجب ضرورة أن يكون قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) أراد به تعالى جميع المطلقات من مبتوتة ورجعية أو أراد أحد القسمين هذا ما لاشك فيه فان قلتم: انه تعالى أراد كلا القسمين قلنا لكم: فيجب على هذا ان غير المبتوتة لانفقة لها إلا أن تكون حاملا كما قلتم في المبتوتة ولابد لان النص عندكم فيهما جميعا. وهذا خلاف قولكم فبطل هذا القول، فان قالوا أراد المبتوتات فقط قلنا: هذا خطأ من وجهين، أولهما أنه دعوى بلا برهان وتخصيص لقرآن بلا دليل وهذا لا يحل، والوجه الثاني ان السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صحت


(1) في النسخة رقم 16 فيمن اوجب (2) في النسخة رقم 14 في بيان العدة

[ 293 ]

في خبر فاطمة بنت قيس بأنه لانفقة لها ولا سكنى، ومعاذ الله أن يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف القرآن إلا أن يكون نسخا أو مضافا إلى ما في القرآن وليس هذا مضافا إلى ما في الآية، ولا يحل أن يقال هذا نسخ إلا بيقين لا بالدعوى فبطل هذا القول. فان قالوا: أراد الله عز وجل الرجعيات فقط قلنا: صدقتم وهذا قولنا وبرهاننا على ذلك خبر فاطمة بنت قيس وأوجبنا النفقة على المطلقة طلاقا رجعيا ليست بحامل لانها زوجته يرثها وترثه بلا خلاف، وقد جاء النص بان للزوجات النفقة والكسوة بنص قد ذكرناه قبل في ذكرنا حكم النفقات وأخذنا حكم الرضاع المبتوتة والمنفسخة النكاح والتى يلحق ولدها في نكاح فاسد من وقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) الآيات كما هي على ما نذكر بعد هذا في بابه ان شاء الله تعالى، فهذه براهين ضرورية قاطعة لامحيد عنها وبالله تعالى التوفيق، فسقط القول المذكور والحمد لله رب العالمين * (وأما ما تعلقوا به عن الصحابة والتابعين) فانما هم عمر وابن مسعود وهم مخالفون لهما لان الثابت عنهما ان للمبتوتة النفقة وهم لا يقولون بذلك، ومن الباطل ان يحتجوا بهما في موضع ولا يرونهما حجة في آخر، وابن عمر وعائشة أم المؤمنين * ومن التابعين سعيد بن المسيب. ونفر منهم قال بعضهم: لانفقة لها الا ان تكون حاملا ولم يذكروا السكنى، وذكر بعضهم السكنى دون النفقة، فلما ابن عمر فقد صح عنه ان نفقة المتوفى عنها من جميع المال وهم يخالفونه، ومن الباطل ان يكون حجة حيث اشتهوا غير حجة حيث لا يشتهون، وأما أم المؤمنين فقد خالفوها في اخراجها المتوفى عنها زوجها، ومن الباطل ان تكون حجة في موضع وغير حجة في آخر ولم يأت عنها أيضا انها لانفقة لها، والرواية عن على ساقطة لانها من طريق ابراهيم بن أبى يحيى وهو مذكور بالكذب وهى منقطعة أيضا ثم لم يأت عنه لانفقة لها، وأما سعيد بن المسيب فانما جاء عنه ايجاب السكنى للمبتوتة ولم يأت عنه ولا عن عائشة ولا عن على انه لانفقة لها على الزوج فحصل قولهم عاريا من البرهان من قرآن أو سنة أو قول أحد من الصحابة الا ابن عمر وحده، وما كان هكذا فلا شك في بطلانه وسقوطه والحمد لله رب العالمين، فلم يبق إلا قولنا وقول من اوجب للمبتوتة السكنى والنفقة فنظرنا في قولهم فلم نجد لهم شيئا يشغبون به الا الاعتراض في خبر فاطمة بنت قيس وبنوا انهم ان سقط ذلك الخبر كانت الآيات المذكورات محمولات على كل مطلقة مبتوتة أو غير مبتوتة * قال أبو محمد: فاعترضوا في ذلك الخبر بما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن

[ 294 ]

جريج أخبرني ابن شهاب عن عروة بن الزبير ان عائشة أم المؤمنين انكرت ذلك على فاطمة بنت قيس نعنى انتقال المطلقة ثلاثا * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد ان يحيى بن سعيد بن العاصى طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم فانتقلها عبد الرحمن فارسلت عائشة إلى مروان بن الحكم - وهو أمير المدينة - اتق الله واردد المرأة إلى بيتها فقال مروان: أو ما بلغك (1) شأن فاطمة بنت قيس فقالت عائشة: لا يضرك ان لانذكر حديث فاطمة * ومن طريق البخاري نا محمد نا غندر نا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين انها قالت ما لفاطمة ألا تتقى الله - تعنى في قولها لاسكنى ولا نفقة - * ومن طريق البخاري نا عمرو بن عباس نا ابن مهدى نا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه ان عروة قال لعائشة أم المؤمنين: ألم تسمعى في قول فاطمة فقالت اما انه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا نصر بن على نا أبى عن هارون عن محمد بن اسحاق قال أحسبه عن محمد بن ابراهيم ان عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: انما أخرجك هذا تعنى اللسان * قال أبو محمد: أما هذا الخبر فساقط لاوجه للاشتغال به لانه مشكوك في اسناده كما أوردنا ثم منقطع أيضا لم يسمع محمد بن ابراهيم عائشة أم المؤمنين قط فلا يرد الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الا مظلم الجهل أو رقيق الدين ونعوذ بالله من كليهما، ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا أبو ثابت المدينى نا ابن وهب نا ابن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: عابت ذلك عائشة أشد العيب وقالت: ان فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: وهذا باطل لانه من رواية ابن أبى الزناد وهو ضعيف أول من ضعفه جدا مالك بن أنس، ومن تأمل هذا الخبر والذى قبله علم أنهما متكاذبان لانها ان كان اخراجها من أجل لسانها كما في ذلك الخبر فقد بطل هذا الذى فيه انها كان في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك ارخص لها النبي صلى الله عليه وسلم إذ لاشك انها إذا كانت بين قوم تؤذيهم بلسانها فليست في مكان وحشن أو إذا كانت في مكان وحش يخاف عليها فيه فلا شك انه ليس هنالك قولم تؤذيهم بلسانها فتخرج لذلك ويأبى الله الا فضيحة الكاذبين (فهذا ما تعلقوا به عن عائشة أم المؤمنين) وذكرو اماناه حمام بن احمدنا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا مطلب نا أبو صالح - هو عبد الله بن صالح - كاتب


(1) في النسخة رقم 14 " اما بلغك "

[ 295 ]

الليث حدثنى الليث بن سعد حدثنى جعفر عن ابن هرمز عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئا من ذلك - يعنى من انتقالها في عدتها - رماها بما في يده * قال أبو محمد: وهذا ساقط لان روايه عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف جدا ثم لو صح لما كان الا انكار أسامة لذلك كانكار عائشة. وعمر رضى اله عنهما، وسيأتى الكلام في ابطال الاحتجاج بذلك ان شاء الله تعالى إذا تقصينا كل ما موهوا به ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم * ومن طريق سعيد ابن منصور نا أبو معاوية نا الاعمش عن ابراهيم قال: كان عمر بن الخطاب إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها ان تعتد في غير بيت زوجها قال: ما كنا نعتد في ديننا بشهادة امرأة * قال أبو محمد: هذا باطل بلا شك لانه منقطع ولم يولد ابراهيم الا بعد موت عمر بسنين وما اخذ ابراهيم هذا الا عمن لاخير فيه بلاشك، والعجب كله من قبيح (1) مجاهرة من يحتج بهذا من الحنيفيين. والمالكيين. والشافعيين وهم اول مبطل لما فيه منسوب إلى عمر من ان لا نعتد في ديننا بشهادة امرأة وهم لا يختلفون في ان السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل الا يستحى من الاحتجاج بهذا عن عمر من يجيز شهادة الافابلة وحدها في الرضاع والولادة وعيوب النساء والمرأة الواحدة الحرة أو الامة في هلال رمضان أترون كل هذا ليس من الدين ومن خالف القرآن جهارا في قول الله تعالى (واحل الله البيع وحرم الربا) وقوله تعالى (إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه) محرم ذلك برواية امرأة مجهولة لا يدرى احد من هي امرأة أبى اسحاق عن أم محبة أم ولد زيد بن أرقم ومن أباح منزلة الورثة من غير حق وخالف السنة الثابتة في ان أموال الناس محرمة الا باذنهم برواية امرأة مجهولة لا تعرف [ من هي ] (2) وهى زينب بنت كعب فاوجبوا السكنى بروايتها للمتوفى عنها ولم يلتفتوا حينئذ إلى عمل عائشة أم المؤمنين أليس هذا عجبا؟ فان قالوا قد اتصل من بين ابراهيم وعمر في هذا الحديث كما حدثكم احمد بن قاسم قال: نا ابى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا محمد بن شاذان نا المعلى بن منصور نا أبو يوسف القاضى عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عمر انه قال: لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة قلنا: الآن زاد وهى هذا الاسناد وقد علمتم محل أبى يوسف عند الذين شاهدوه وعرفوه من أئمة المسلمين


(1) في النسخة رقم 16 " من قبح " (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 296 ]

وعلماء الحديث كابن المبارك. وعبد الله بن ادريس. وأبى نعيم الفضل بن دكين. ووكيع ابن الجراح. ويزيد بن هارون. واحمد بن حنبل وغيرهم، وقد روى هذا الخبر عن الاعمش الثقة حفص بن غياث بهذا الاسناد فلم يذكر فيه هذه الفضيحة التى انما هي مذهب الخوارج والمعتزلة، ثم لا عليكم ان كنتم تحتجون بهذا الكلام وتصححونه عن عمر فخذوا به لانكم أول مخالف له وان عصيتموه واطرحتموه وان تجيزوا القول به فبأى وجه استحللتم الاحتجاج به؟ لقد كان ينبغى للحياء والدين وخوف العار والنار أن يمنع كل ذلك من مثل هذا ولكن. من يضلل الله فلا هادى له * وذكروا ما روينا من طريق مسلم نا محمد بن عمرو بن جبلة نا أبو أحمد - هو الزبيري - نا عمار بن زريق عن أبى اسحاق قال: كنت مع الاسود بن يزيد في المسجد الاعظم ومعنا الشعيب فحدث الشعيب بحديث فاطمة بنت قيس " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولانفقة ثم أخذ الاسود كفا من حصا فحصبه به فقال: ويلك تحدث بمثل هذا قال عمر: لانترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا تدرى هل حفظت أم نسيت لها السكنى والنفقة قال الله عزوجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينه) " قال مسلم ونا احمد بن عبدة نا أبو داود نا سليمان بن معاذ عن أبى اسحق بهذا الاسناد نحو حديث أبى احمد عن عمار بن زريق * ومن طريق أبى داود السجستاني نا نصر بن على أخبرني أبو احمد هو الزبيري نا عمار بن زريق عن ابى اسحاق السبيعى قال: كنت في المسجد الجامع مع الاسود بن يزيد فذكر ان فاطمة بنت قيس أتت عمر فقال عمر: ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة: لا ندري أحفظت أم نسيت * ومن طريق احمد بن شعيب نا أبو بكر بن اسحاق نا أبو الجواب الاحوص بن جواب نا عمار هو ابن زريق عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس فذكر الحديث فحصبه الاسود وقال: ويحك لم تفتى بمثل هذا؟ قال عمر لها ان جئت بشاهدين يشهدان انهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والا لم نترك كتاب الله لقول امراة (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا أن يأتين بفاحشة مبينة) قلنا: هذا كله صحيح فاما قول عمر ماگنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري احفظت أم نسيت فان هذا يجمع ثلاثة معان أما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهى بيد فاطمة بنت قيس ونحن نشهد بشهادة الله تعالى قطعا انه لم يكن عند عمر في ذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير عموم سكنى المطلقات فقط ولا يحل لمسلم ان يظن بعمر رضى الله عنه في ذلك حكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابينة للناس ويأتى به لما في هذا من عظيم الوعيد في القرآن وههنا أمر قريب جدا نحن قد صرحنا بأنه لم يكن في ذلك عند عمر سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتمها ولم ينصها ويبينها

[ 297 ]

فليصرحوا بأنه كان عند عمر في ذلك سنة عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم لم يخبر بنصها الناس حتى يروا من منا الذى يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأينا يضيف إلى عمر ما قد نزهه الله تعالى عنه ولا نقنع منهم إلا بالقطع بأنه كان عنده رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ان للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة مدة العدة، وأما كتاب الله تعالى فقد بينه إذ أتى بالآية المذكورة وهى حجة لفاطمة عليه لان فيها (لا ندري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) فهل يشك أحد في أن هذه الآية في الطلاق الرجعى خاصة ولو ذكر عمر بذلك لرجع كما رجع عن قوله إذ منع من ان يزيد أحد على أربعمائة درهم في صداق امرأة حين ذكرته امرأة بقول الله تعالى: (وآتيتم احداهن قنطارا) فتذكر ورجع وكما ذكره أبو بكر إذ سل سيفه وقال: لا يقولن: أحد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات الا ضربته بالسيف فلما تلى عليه أبو بكر قول الله تعالى: (انك ميت وانهم ميتون) سقط إلى الارض، وبهذا احتجت فاطمة نصا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ان فاطمة قالت حين بلغها قول مروان في هذا الخبر بينى وبينكم كتاب الله عزوجل قال الله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) إلى قوله سبحانه (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) قالت فأى أمر يحدث بعد الثلاث وأما قوله لقول امرأة لا ندري احفظت أم نسيت فاما أمكن من النسيان على فاطمة فهو ممكن على عمر بلاشك، وأقرب ذلك تذكير عمار له بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما جميعا بالتيمم من الجنابة لمن لم يجد الماء فلم يذكر عمر ذلك وثبت على انه لا يصلى حتى يجد الماء، وقد ذكرناه من طريق البخاري في كتبنا وكما نسى ذكرنا آنفا فليس جواز النسيان مانعا من قبول رواية العدل الذى قد افترض الله تعالى قبول روايته ولو كان ذلك لوجب على أصول خصومنا ترك خبر الواحد جملة ورد شهادة كل شاهد في الاسلام لجواز النسيان في هذا، فمن أضل ممن يحتج بما هو أول مبطل له عصبية ولجاجا في الباطل، وهكذا القول في قوله لما: ان جئت بشاهدين يشهدان انهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أول مخالف لهذا ولو لزم هذا فاطمة للزم عمر في كل ما حدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل أحد من الصحابة ولافرق، فمن اضل ممن يموه على المسلمين باشياء هو يدين الله تعالى بخلافها وبطلانها ونعوذ بالله من الخذلان * فان قيل: فقد رويتم من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن ابى سليمان انه اخبر ابراهيم النخعي بحديث الشعبى عن فاطمة بنت قيس فقال له ابراهيم: ان عمر أخبر بقولها فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله تعالى، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لعلها (م 38 - ج 10 المحلى)

[ 298 ]

أوهمت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهما السكنى والنفقة قلنا: هذا مرسل لان ابراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين. ثم لو صح لما كانت فيه حجة لانه ليس فيه ان عمر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " للمطلقة ثلاث السكنى والنفقة " وقد يمكن أن يسمعه عليه السلام يقول للمطلقة السكنى والنفقة فيحمل ذلك على عمومه، وهذا لا يجوز بل يجب استعمال ذلك مع حديث فاطمة ولا بد فيستثنى الاقل من الاكثر ولايجوز رد نص ثابت بين الا بنص ثابت بين لا بمشكلات لا تصح وبمجملات (1) لابيان فيها فلم يبق من كل ذلك إلا ان عمر أنكر على فاطمة فقط مع ان هذا الخبر الساقط لا يرضاه المالكيون ولا الشافعيون، وموهوا أيضا بما روينا من طريق ابن وهب اخبرني ابن سمعان ان ابن قسيط أخبره ان ابن المسيب كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته وهو صحيح سوى ثلاثا فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملا فينفق عليها حتى تضع حملها للحامل المطلقة النفقة في كتاب الله عزوجل وعلى ذلك كان أصحاب رسول الله عليه وسلم وهى السنة * قال أبو محمد: هذا في غاية السقوط لان ابن سمعان مذكور بالكذب أسقطه مالك وغيره، وأما احتجاجه بأن لها النفقة في كتاب الله عزوجل فانما النفقة في كتاب الله تعالى للمطلقة الرجعية وأما قوله على ذلك كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل من روينا عنه في ذلك شيئا فانما هم على ان لها النفقة حاملا أو غير حامل أو على انه لانفقة لها أصلا الا ابن عمر وحده، وأما الرجعية فلا شك ان لها النفقة عند اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واما قوله وهى النسة فقد قالها في دية اصابع المرأة فلم يلتفت إلى قوله في ذلك الحنيفيون والشافعيون، وقال من هو خير منه ما روينا من طريق أبى داود نا محمد بن كثير نا سفيان عن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن طلحة بن عبد الله ابن عوف قال صليت مع ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال: انها من السنة فلم يلتفت إلى قوله ذلك الحنيفيون والمالكيون، فمن أضل ممن يدين بتصحيح قول لم يثبت عن سعيد بن المسيب هي السنة والا يصدق القول الثابت عن ابن عباس هي السنة الا هكذا فليكن الباطل والضلال * وذكروا ما روينا من طريق ابى داود نا احمد بن زهير نا احمد بن يونس نا زهير نا جعفر ابن برقان نا ميمون بن مهران قال: قلت لسعيد بن المسيب فاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها فقال سعيد: تلك المرأة فتنت الناس انها كانت لسنة فوضعت على يدى ابن ام الكتوم *


(1) في النسخة رقم 14 ومحتملات

[ 299 ]

قال أبو محمد: هذا مرسل لا ندري من اخبر سعيدا بذلك فهو ساقط، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا ليس لها سكنى ولانفقة الذى أوردنا قبل بأصح اسناد يبطل هذه الظنون الكاذبة كلها ويبين انه ليس ذلك في فاطمة وحدها بل في كل مطلقة ثلاثا * وذكروا ماناه حمام نا عباس بن اصبغ نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا مطلب نا ابو صالح - هو عبد الله بن صالح كاتب الليث - حدثنى الليث حدثين عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن فذكر حديث فاطمة ثم قال: فانكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها من قبل ان تحل * قال أبو محمد: وهذا ساقط لانه من رواية عبد الله بن صالح وهو ضعيف جدا كما ذكرنا قبل، ولا ندرى من هؤلاء الناس وانما ندرى ان الحجة تقوم على الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن الحجة تقوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وانكار من انكر ذلك من الناس هو الذى يجب ان ينكر حقا * وذكروا ما روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم ارنا عبد الرزاق ارنا معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة فذكر حديث فاطمة هذا فقال مروان: لم يسمع هذا الحديث الا من امرأة سنأخذ بالعصمة التى وجدنا الناس عليها * قال أبو محمد: لو ان مروان تورع هذا الورع حيث شق عصى المسلمين وخرج على ابن الزبير امير المؤمنين بلا تأويل ولا تمويه فأخذ بالعصمة التى وجد جميع الناس واهل الاسلام عليها من القول بامامة ابن الزبير من اقصى اعمال افريقية إلى أقصى خراسان حاشى اهل الاردن لكان أولى به وانجى له في آخرته، وقد ذكرنا اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فيما ادعى فيه العصمة * واحتجوا بما روينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا حفص بن غياث نا هشام بن عروة عن ابيه عن فاطمة بنت قيس قالت: " قلت يارسول الله: ان زوجي طلقني ثلاثا وانا اخاف ان يقتحم على قال فأمرها فتحولت " * قال أبو محمد: هذا كما ترون فتأملوا قوله فأمرها فتحولت ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من كلام فاطمة لان نصه قال فأمرها فتحولت فصح انه من كلام عروة، ولا يخلو هذا الخبر من ان يكون لم يسمعه عروة من فاطمة فيكون مرسلا، ويوضح ذلك انه ما خبرنا به يونس به عبد الله بن مغيث قال نا محمد بن احمد بن خالد نا أبى نا محمد بن وضاح نا أبو بكر بن ابى شيبة عن حفص بن غياث عن هشام بن

[ 300 ]

عروة عن أبيه قال: قالت فاطمة بنت قيس: يا رسول الله انى اخاف ان يقتحم على فأمرها ان تتحول، فان كان هذا هو اصل الخبر فهو منقطع ولا حجة في منقطع أو يكون عروة سمعه من فاطمة فلا حجة فيه أيضا لانه ليس فيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انما أمرك بالتحول من أجل خوفك أن يقتحم عليك إذا لم يقل عليه الصلاة والسلام هذا فلا يحل لمسلم يخاف النار ان يقول انه عليه الصلاة والسلام انما أمرها بالتحول من أجل ذلك لانه اخبار عنه عليه الصلاة والسلام بما لم يخبر به عن نفسه، وعلى كل حال فقد صح من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن. والشعبى. وأبى بكر به أبى الجهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لاسكنى لها ولا نفقة أفترون النفقة سقطت خوف الاقتحام عليها هذا كله خدش في المصفا، وقوله عليه الصلاة والسلام بل المطلقة ثلاثا لاسكنى لها ولا نفقة يغنى عن هذا كله وعن تكلف الظنون الكاذبة وبالله تعالى التوفيق، فمل يبق الا انكار عمر، وعائشة أم المؤمنين عليها فكان ماذا فقد وافقها جابر بن عبد الله. وابن عباس. وعياش بن أبى ربيعة، وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم فما الذى جعل رأى عائشة وعمر أولى من رأى من ذكرنا، فكيف ولا حجة في شئ من ذلك إنما لحجة على كل أحد ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعلن ونهتف ونصرح ان رأى أم المؤمنين. وعمر أمير المؤمنين لا نأخذ به إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه، ولا يحل الاخذ برأيهما حينئذ ولا ان يقول أحد عندهما في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة كتماها فليصرحوا هم بأن يقولوا: ان رأى عمر. وأم المؤمنين أحق ان يتبع مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يروا حالهم عند الله تعالى وعند أهل الاسلام وليت شعرى اين كان عنهم هذا الانقياد لام المؤمنين عائشة إذ لم يلتفتوا قولها بتحريم رضاع الكبير إذ قد نسبوا إليها ما قد برأها الله تعالى (1) عنه من انها تولج حجاب الله تعالى الذى ضربه على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا يحل له ولوجه، فهذه هي العظيمة التى تقشعر منها جلود المؤمنين، وفي اباحتها للمتوفى عنها ان تعتد حيث شاءت، وأين كانوا من هذه الطاعة لعمر رضى الله عنه إذ خالفوه في المسح على العمامة وجعلوه يفتى بالصلاة بغير وضوء، وما قد جمعناه عليهم مما قد خالفو هما فيه (2) في كتاب أفردناه لذلك إذا تأمله المتأمل رآهم كأنهم مغرمون بخلاف الصاحب فيما وافق فيه السنة وتقليده في رأى وهم فيه أبدا ولكن من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه بالباطل وحسبنا الله ونعم الوكيل، فصح خبر فاطمة كالشمس لانها من المهاجرات المبايعات الاول كما روينا من طريق مسلم [ نا عبد الوارث بن


(1) في النسخة رقم 14 ما قد نزهها الله تعالى وهو يناسب ما سبق (2) في النسخة رقم 16 قد خالفونا فيه

[ 301 ]

عبد الصمد بن عبد الوارث وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عبد الوارث بن سعيد التنورى عن الحسن بن زكران نا أبو بريرة ] (1) عن عامر الشعبى انه سأل فاطمة بنت قيس وهى من المهاجرات الاول وذكر الحديث * قال أبو محمد: قد شهد الله عزوجل لكلهم بالصدق قال عزوجل: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله وسوله أولئك هم الصادقون) فمن أضل ممن يكذب منهم أحدا ونسأل الله العافية، والحمد لله رب العالمين * ولم نجد لاحد خلافه (وقالوا) في خبر خالة جابر انما أمرها عليه الصلاة والسلام بالخروج على أن لا تبيت هنالك فكان هذا كذبا مستسهلا، واخبارا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالافتراء بلا دليل، ولعمري لو لم يأت اثر لكان الواجب أن لانفقة لمبتوتة، ولا سكنى لانها أجنبية ليست له بزوجة فلا حق لها في ماله لا في اسكان ولا في نفقة والعدة شئ ألزمها الله تعالى إياها لامدخل للزوج (2) في اسقاطه ولا الزيادة فيه. وبالله تعالى التوفيق * وأما المتوفى عنها فان من أوجب لها السكنى احتجوا بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سعيد بن اسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب عن فريعة بنت مالك أن زوجها قتل بالقدوم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن لها أهلا فأمرها أن تنتقل فلما أدبرت دعاها فقال أمكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله أربعة أشهر وعشرا * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن لكعب بن عجرة قال: حدثتني عمتى وكانت تحت أبى سعيد الخدرى أن فريعة حدثتها ان زوجها خرج في طلب أعلاج حتى إذا كان بطرف القدوم وهو جبل أدركهم فقتلوه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن زوجها قتل وانه تركها في مسكن ليس له واستأذنته في الانتقال فاذن لها فانطلقت حتى إذا كانت بباب الحجرة أمر بها فردت فأمرها أن لا تخرج حتى يبلغ الكتاب أجله * ومن طريق مالك عن سعد بن اسحاق ابن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك بن سنان أخت أبى سعيد الخدرى فذكره، وفيه (3) قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلى في بنى خدرة (4) فان زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال لها: أمكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قال: فاعتدت فيه اربعة أشهر وعشرا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير قال: قال مجاهد


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 للخروج (3) في النسخة رقم 14 " فذكر فيه " (4) في النسخة رقم 16 في بيت خدره

[ 302 ]

" استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: انا نستوحش يارسول الله بالليل فنبيت عند أحدانا حتى إذا أصبحنا تبددنا (1) في بيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها " * قال أبو محمد: أما حديث مجاهد فمنقطع لاحجة فيه، وأما حديث فريعة ففيه زينب بنت كعب بن عجرة وهى مجهولة لا تعرف، ولا روى عنها أحد غير سعد ابن اسحاق وهو غير مشهور بالعدالة على إن الناس أخذوا عنه هذا الحديث لغرابته ولانه لم يوجد عند أحد سواه فسفيان يقول سعيد ومالك وغيره يقولون سعد والزهرى يقول عن ابن لكعب بن عجرة فبطل الاحتجاج به إذ لا يحل أن يؤخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما ليس في اسناده مجهول ولا ضعيف ثم لو صح لكان الحنيفيون والمالكيون مخالفين له لان مالكا يقول: ان كان المنزل ليس للميت فان كان بكراء فهى أولى به وان كان ليس إلا اسكانا أو كان قد تمت فيه مدة الكراء فلصاحب المنزل إخراجها منه، ولو طلب منها الكراء فغلى عليها لم يلزمها ان تكريه ولا يلزم الورثة أن يكروه لها من مال الميت * وقال أبو حنيفة: لاسكنى لها في مال الميت أصلا سواء كان المنزل له أو بكراء فقد خالفوا نص هذا الخبر، ومن المحال احتجاج قوم بخبر هم أول عاصين له (2)، وموهوا فيما صح من ذلك عن عائشة أم المؤمنين، وعلى بن ابى طالب بما رويناه من طريق اسماعيل ابن اسحاق نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد قال سمعت أيوب السختيانى ذكر له نقله أم كلثوم بنت على فقال أيوب انما نقلها من دار الامارة، وقال حماد: وسمعت جرير ابن حازم يحدث أيوب بحديث عطاء أن عائشة حجت بأختها أم كلثوم في عدتها من طلحة ابن عبيدالله فقال أيوب: انما نقلتها إلى بلادها * وبه إلى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة تخرج المرأة من بيتها إذا توفى عنها زوجها لا ترى به بأسا وأبى الناس الا خلافها فلا نأخذ بقولها وندع قول الناس * قال أبو محمد: لا ندري من هؤلاء الناس والشرط ناس ولا حجة في الناس على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم انما كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحجة على الناس، وقد حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كل أحد على سواه إلا بحق، ومنزل الميت اما للغرماء وأما للورثة بعد الوصية ليس لامرأته فيه حق ان كانت وارثة الا مقدار حصتها فقط، وما عدا ذلك فحرام عليها إلا بطيب انفس الورثة، وأما كلام


(1) في النسخة رقم 16 تبرزنا (2) في النسخة رقم 16 أول عاص له

[ 303 ]

أيوب فزلة عالم قد حذر منها قديما، وأما تمويه المحتج به وهو يدرى بطلانه فمصيبة، أما قوله نقلها عن دار الامارة فوافضيحتاه. وهل كان في المدينة قط دار امارة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبى بكر. عمر. وعثمان. وعلى. ومعاوية، وهل سكن كل واحد من هؤلاء الا في دار نفسه لكن لما رأى أيوب رحمه الله دار الامارة بالبصرة ظن أنها بالمدينة كذلك وأن عمر ابن الخطاب سكن في دار الامارة بالمدينة فيا للعجب، وكذلك قوله عن عائشة أم المؤمنين انما نقلتها إلى بلادها فهذه طامة أخرى هو يسمع حجت بها في عدتها ويقول: نقلتها إلى بلادها وهى المدينة، وهل يخفى على أحد انه ضد قول أيوب وانها انما نقلتها عن بلادها وهى المدينة وعن الموضع الذى قتل فيه زوجها طلحة رضى الله عنه وهو البصرة إلى مكة التى ليست لها بلدا، ولكن من ذا عصم من الخطأ من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى تكفل الله تعالى له بالعصمة * وأما تهويلهم بعمر. وعثمان فانما الرواية عنهما في ذلك وعن أم سلمة وزيد منقطعة ونحن نأتيهم عنهم بمثلها سواء سواء قد أوردنا في تلك الرواية نفسها ان زيد بن ثابت أرخص للمتوفى عنها أن تبقى عن منزلها بياض يومها أو ليلتها، وهذا خلاف قولهم، وعن أم سلمة ان تبقى عن منزلها احد طرفي الليل فليت شعرى ما الفرق بين الطرف الواحد والطرف الثاني، وأما عمر فروينا من طريق سعيد بن منصور نا يحيى بن سعيد - هو القطان - عن أيوب بن موسى عن سعيد بن المسيب أن امرأة توفى عنها زوجها فكانت في عدتها فمات أبوها فسئل لها عمر بن الخطاب فرخص لها أن تبيت الليلة والليلتين وهذا خلاف قوله، فمرة عمر حجة ومرة ليس بحجة من مثل تلك الرواية نفسها، وقد ذكرنا الرواية الثابتة عن ابن عمر نفقة المتوفى عنها من جميع المال، وقول سالم ابنه كنا ننفق عليهن حتى نبتم ما نبتم فتركوا هذا كله وتركوا. عمر. وعثمان وأم المؤمنين. وابن مسعود حيث أحبوا وشنعوا بخلافهم وان خالف ما جاء عنهم السنن الثابتة حيث احبوا ووالله قسما برا ما اتبع الحاضرون منهم قط عمر وعثمان ولا ابن عمر ولا ابن مسعود، ولا عائشة، وما اتبعوا الا أبا حنيفة. ومالكا. والشافعي، ثم لا مؤونه عليهم في انكار ما يعرفونه من أنفسهم من ذلك ويعلمه الله تعالى والناس منهم وبالله تعالى نعوذ من مثل هذا وحسبنا الله ونعم الوكيل * 2005 مسألة والامة المعتدة لا تحل لسيدها حتى تنقضي عدتها لقول الله تعالى: (ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا) والسر النكاح، والسر أيضا ضد الاعلان وكلاهما ممنوع بنص الآية ولا خلاف في هذا * 2006 مسألة ولاعدة من نكاح فاسد * برهان ذلك انها ليست مطلقة ولا متوفى عنها، ولم يأت بايجاب عدة عليها قرآن ولاسنة ولا حجة في سواهما *

[ 304 ]

2007 مسألة ولا عدة على أم ولد ان أعتقت أو مات سيدها ولا على أمة من وفاة سيدها أو عتقه لها لانه لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة، ولهما أن ينكحا متى شاءتا لانه لاعدة عليهما وما كان ربك نسيا، إلا أنها ان خافت حملا تربصت حتى توقن بأن بها حملا أو انها لاحمل بها، وقد اختلف في هذا فقول أول كما نا حمام نا عباس بن أصبغ. نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا محمد بن اسماعيل الصائغ نا عبد الله بن بكر السهمى نا سعيد - يعنى ابن ابى عروبة - عن مطر الوراق عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاصى قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عمرو بن العاص قال في المعتقة عن دبر إذا كان سيدها يطؤها وان لم تلد فعدتها إذا مات عنها أربعة أشهر وعشر * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن ابن مهدى نا سفيان الثوري عن ثور بن زيد عن رجاء بن حيوة أن عمرو بن العاص قال: عدة أم الولد ثلاثة قروء * وبه إلى عبد الرحمن بن مهدى نا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو قال: ان عمر بن عبد العزيز. والزهرى قالا جميعا: عدة أم الولد من وفاة سيدها أربعة أشهر وعشر * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عدة أم الولد من وفاة سيدها أربعة أشهر وعشر فان كانت أمة يطؤها ولم تلد له فمات فتستبرأ بشهرين وخمس ليال * ومن طريق حماد بن سلمة أخبرنا حميد قال: سألت الحسن البصري عن عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها قال: تعتد أربعة أشهر وعشرا * وبه إلى حميد عن عمارة عن سعيد بن جبير قال: عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها أربعة أشهر عشر * وبه إلى حماد أخبرنا قيس عن مجاهد في أم الولد إذا توفى عنها سيدها قال: تعتد أربعة أشهر وعشرا * وبه إلى حماد أنا داود - هو ابن ابى هند - عن سعيد بن المسيب قال في أم الولد يتوفى عنها سيدها عدتها أربعة أشهر وعشر، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حمام بن يحيى قال: سئل قتادة عن عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها فقال: قال سعيد بن المسيب. وخلاس بن عمرو. وأبو عياض: عدتها عدة الحرة أربعة أشهر وعشر * ومن طريق حماد بن سلمة أرنا محمد بن عمرو عن عبادة بن نسى ان عبد الملك بن مروان كتب إليه في أم ولد تزوجت قبل أن تمضى لها أربعة أشهر وعشر ان يفرق بينهما ويعزرهما وهو قول محمد بن سيرين. والاوزاعي. واسحاق بن راهوية، وقول ثنا يجعل عدتها في العتق والوفاة ثلاثة قروء، روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن المبارك عن الحجاج بن ارطاة عن الحكم

[ 305 ]

ابن عتيبة عن على بن أبى طالب قال: عدة السرية ثلاث حيض * ومن طريق سعيد ابن منصورنا يزيد بن هارون عن حجاج بن ارطاة عن الشعبى عن على بن أبى طالب. وابن مسعود قالا جميعا في أم الولد: عدتها إذا مات عنها سيدها ثلاثة قروء * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فيمن اعتق سرية وهى حبلى قال: تعتد ثلاث حيض وهى امرأة حرة وقاله أيضا عمرو بن دينار، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني عن الحكم بن عتيبة قال: الامة يصيبها سيدها فلم تلد له فاعتقها فعدتها ثلاثة أشهر * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن ابراهيم النخعي قال: عدة السرية إذا اعتقت أو مات عنها سيدها ثلاث حيض وهو قول سفيان. وأبى حنيفة. أصحابه. والحسن بن حى، واستحب لها الاحداد، وقول ثالث كما روينا من طريق حماد بن سلمة ارنا داود ابن أبى هند عن الشعبى ان ابن عمر قال في عدة أم الولد إذا اعتقها سيدها في مرضه ثم توفى فانها تعتد ثلاث حيض فان لم يعتقها فحيضة واحدة، وقول رابع روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم ارنا داود عن الشعبى عن ابن عمر قال: تعتد حيضة واحدة - يعنى أم الولد قال هشيم: وارنا اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: عدتها حيضة واحدة قال اسماعيل بن أبى خالد: وهو قول أبى قلابة. وروينا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد قال: سمعت القاسم بن محمد وذكر ان ابن يزيد بن عبد الملك فرق بين رجال ونسائهم وكن أمهات أولاد فتزوجن بعد حيضة أو حيضتين ففرق بينهم حتى يعتددن أربعة أشهر وعشرا فقال القاسم: عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها حيضة، وروى أيضا عن مكحول وهو قول الشافعي: وأبى عبيد وقول خامس عدتها حيضة فان لم تحض فثلاثة أشهر وهو قول مالك * قال أبو محمد: لقد كان يلزم الحنيفيين والمالكيين القائلين: ان المرسل كالمسند أن يقولوا بما روينا عن عمرو بن العاص، ومن العجب قولهم في قول سعيد ابن المسيب في دية أصابع المرأة هي السنة ان هذا اسناد تقوم به الحجة ولم يقولوا ذلك في قو عمرو بن العاص في عدة أم الولد لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم فياليت شعرى من أولى بمعرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى ان يصدق عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سعيد بن المسيب، والعجب انهم يدعون العمل بالقياس وهم قد قاسوا العقد الفاسد المفسوخ الذى لا يحل عندهم اقراره على النكاح الثابت الصحيح في ايجاب العدة فيهما ولم يقيسوا ام الولد المتوفى عنها على الزوجة المتوفى عنها، والعجب (م 39 - ج 10 المحلى)

[ 306 ]

من احتجاج الحنيفيين بان الله تعالى لم يجعل عدة الوفاة الا على الزوجة ولم يحتجوا على أنفسهم بان الله تعالى لم يجعل العدة بالاقراء وبالشهور الا على مطلقة ولكنهم قوم لا يفقهون * قال أبو محمد: لو صح خبر عمرو مسندا لسارعنا إلى القول به، وفيه أيضا مطر وهو سيئ الحفظ، وأما قول مالك فما نعلم له سلفا إذ عوض من حيضة واحدة ثلاثة أشهر بلا برهان * قال أبو محمد: لم يوجب الله تعالى قط عدة إلا على زوجة متوفى عنها أو مطلقة أو مخيرة إذا اعتقت فاختارت فراق زوجها وما كان ربك نسيا ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وقياس من ليست زوجة على زوجة باطل بكل حال وبالله تعالى التوفيق * 2008 مسألة: وعدة الامة المتزوجة من الطلاق والوفاة كعدة الحرة سواء سواء ولا فرق لان الله عزوجل علمنا العدد في الكتاب فقال: (والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء)، قال تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر عشرا) وقال تعالى: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * قال أبو محمد: وقد علم الله عزوجل إذ أباح لنا زواج الاماء انه يكون عليهن العدد المذكورات فما فرق عزوجل بين حرة ولا أمة في ذلك وما كان ربك نسيا، ونعوذ بالله تعالى من الاستدراك على الله عزوجل والقول عليه بما لم يقل ومن أن نشرع في الدين ما لم يأذن به الله، وقد اختلف في هذا فروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن زيد عن عمرو بن أوس الثقفى ان عمر بن الخطاب قال: لو استطعت ان اجعل عدة الامة حيضة ونصفا لفعلت فقال له رجل: يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرا ونصفا * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني أبو الزبير انه سمع جابر ابن عبد الله يقول: جعل لها عمر حيضتين يعنى الامة المطلقة * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر بن الخطاب قال: ينكح العبد اثنتين ويطلق تطليقتين وتعتد الامة حيضتين فان لم تحض فشهرين. وقال فشهرا ونصفا * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن المغيرة عن ابراهيم النخعي عن ابن مسعود

[ 307 ]

قال: يكون عليها نصف العذاب ولا يكون لها نصف الرخصة * ومن طريق حماد ابن سملة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ابن عمر قال: الحر يطلق الامة تطليقتين وتعتد حيضتين * ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب أخبرني قبيصة بن ذوئيب انه سمع زيد بن ثابت يقول: عدة الامة حيضتان * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: ينكح العبد اثنتين وعدة الامة حيضتان، قال معمر: وهو قول الزهري * ومن طريق عبد الزراق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب عدة الامة حيضتان قال معمر: وهو قول الزهري، ومن طريق عبد الرزاق عن داود ابن قيس قال: سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن عدة الامة قالك حيضتان وان كانت لا تحيض فشهر ونصف * ومن طريق ابن وهب عن أساسة بن زيد عن زيد بن أسلم عدة الامة حيضتان * ومن طريق ابن وهب أخبرني رجال من أهل العلم ان نافعا. وابن قسيط. ويحيى بن سعيد. وربيعة. وغير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين عدة الامة حيضتان * ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان. وقتادة وداود بن أبى هند قال حماد عن ابراهيم النخعي وقال قتادة عن الحسن وقال داود: عن الشعبى قالوا كلهم. عدة الامة حيضتان * ومن طريق ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق قال: عدة الامة حيضتان قال القاسم مع ان هذا ليس في كتاب الله عزوجل ولا نعلمه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن قد مضى أمر الناس على هذا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في عدة الامة صغيرة أو قاعدا قال: قال عمر بن الخطاب: شهر ونصف * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن السميب. وأبى قلابة انهما قالا جميعا: الامة إذا طلقت وهى لا تحيض تعتد شهرا ونصفا * ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: عدة الامة التى طلقت ان شاءت شهرا ونصفا وان شاءت شهرين وان شاءت ثلاثة أشهر * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عدة الامة شهر ان لكل حيضة شهر، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد ابن زيد عن عمرو بن دينار قيل له ان ابن جريج يقول عن عطاء في عدة الامة التى لا تحيض خمس وأربعون ليلة فقال عمرو: اشهد على عطاء انه قال: عدتها شهر ان إذا كانت لا تحيض، وقال أبو حنيفة. وأصحابه. وسفيان الثوري. والحسن بن حى. والشافعي. وأصحابه: عدة الامة المطلقة التى لا تحيض شهر ونصف، وقالوا كلهم:

[ 308 ]

عدتها حيضتان الا الشافعي فانه قال: طهران فإذا رأت الدم من الحيضة الثانية فهو خروجها من العدة * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الكريم البصري عن مجاهد قال: عدة الامة التى لا تحيض ثلاثة أشهر * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد قال: قال الحسن: عدة الامة التي لا تحيض ثلاثة أشهر * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن صدقة بن يسار قال: خاصمت إلى عمر بن عبد العزيز في أمة لم تحض فجعل عدتها ثلاثة أشهر * ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة قال في الامة حاضت أو لم تحض أو قعدت: ينتظر بها ثلاثة أشهر لا نعلم براءتها الا براءة الحرة ههنا، قال ابن وهب: وأخبرني رجال من أهل العلم عن عمر بن الخطاب وابن شهاب. وبكير بن الاشج وغيرهم ان عدة الامة التى يئست من المحيض والتى لم تبلغ ثلاثة أشهر وهو قول مالك. وأصحابه. والليث ابن سعد * قال أبو محمد: وروى عن ابن عمر. وسعيد بن المسيب. وسليمان بن يسار. وربيعة. ويحيى بن سعيد. وبان قسيط من طرق ساقطة عدة الامة من الوفاة شهران وخمس ليال، وصح ذلك عن عطاء. وقتادة. والزهرى وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. ومالك. وأصحابهم، وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: ما أرى عدة الامة إلا كعدة الحرة الا ان تكون مضت في ذلك سنة فالسنة أحق ان تتبع، وذكر عن احمد بن حنبل ان قول مكحول ان عدة الامة في كل شئ كعدة الحرة وهو قول أبى سليمان وجميع أصحابنا * قال أبو محمد: احتج من رأى ان عدتها حيضتان بما روينا من طريق أبى داود هو السجستاني نا محمد بن مسعود نا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة ام المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طلاق الامة تطليقتان وقرؤها حيضتان * وبماناه حمام بن احمد نا يحيى بن مالك بن عائذ نا عبد الله بن أبى غسان نا أبويحيى زكريا بن يحيى الساجى نا محمد بن اسماعيل ابن سمرة نا عمر بن شيب المسلى نا عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان " * قال أبو محمد: ما تعلقوا من الآثار الا بهذا، وهذان الخبر ان لا يسوغ للمالكبين ولا للشافعيين الاحتجاج بهما لانهما مبطلان لمذهبهما لان الطلاق عندهما الرجال، والاقراء الاطهار فان صححوهما لزمهما ترك مذهبهما في ذلك وان أبطلوهما

[ 309 ]

فقد كفونا مؤنتهم في هذين الخبرين * وأما الحنيفيون فانهم احتجوا بهما وهما ساقطا لان أحدهما من طريق مظاهر بن أسلم وهو في غاية الضعف والسقوط، والعجب ان الحنيفيين من أصولهم ان الراوى إذا خالف خبرا رواه أو ذكر له فلم يعرفه فانه دليل على سقوط ذلك الخبر احتجوا بذلك في خبر اليمين مع الشاهد وبالخبر الثابت من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وفي الخبر الثابت أيما امراة نكحت بغير اذن مواليها فنكاحها باطل، وفي الخبر الثابت في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وفي الخبر الثابت في غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا، ثم يتعلقون بهذا الخبر الساقط الذى لاخير فيه، وقد صح عن القاسم بن محمد كما ذكرنا آنفا ان الحكم بأن عدة الامة حيضتان لم يأت به سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويردون الاخبار بأنها زائدة على ما في القرآن كما فعلوا في الخبر الثابت بالمسح على العمامة ثم يحتجون بهذين الخبرين الساقطين وهما مخالفان لما في القرآن حقا فاعجبوا لعظيم تناقض هؤلاء القوم، والخبر الثاني من طريق عمر بن شيب المسلى. وعطية وهما متفق على ضعفهما فلا يحل الاخذ بهما ولو صحا لما سبقوا إلى القول بهما وقالوا: وهو قول جمهور السلف الصالح من الصحابة والتابعين * قال أبو محمد: وهذا أيضا لا يمكن المالكيين ولا الشافعيين الاحتجاج بهذا لانهم مخالفون لكل من جاء عنه في ذلك قول من الصحابة رضى الله عنهم لان الثابت عن عمر بن الخطاب وابنه. وزيد بن ثابت والمأثور عن ابن مسعود أن عدة الامة حيضتان وهذا خلاف قول المالكيين. والشافعيين. وإذا جاز عندهم أن يخطئ الصحابة في مئية الاقراء من الامة فلا ننكر على من قال بذلك في كمية عدتها * وأما الحنيفيون فانما صح ذلك عن عمر. وابنه. وزيد فقط، وايضا فان عمر قد بين انه رأى منه ولا حجة في رأى وقد صح عن عمر. وابنه. وزيد التحذير من الرأى ولا حجة في رأى أحد، وعمر يقول: لو استعطت أن أجعل عدتها حيضة ونصفا لفعلت، وما ندرى كيف هذا وأى امتناع في أن يقول إذا رأت جمهور الحيضة وفورها قد أخذ في الانحطاط فقد حلت لانه بلاشك قد مضى نصف الحيضة، وقد قلنا: لاحجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا فيما خلا من المسائل في كتابنا هذا قبل هذه المسألة ما قالوه مما خالفوا فيه بآرائهم جمهور الصحابة رضى الله عنهم بل كل من روى عنه في ذلك قول مما لايعرف ان أحدا قاله قبلهم كثيرا جدا كقولهم فيما يحل به وطئ الحائض إذا رأت الطهر، وكقولهم في صفة الاحداد وغير ذلك كثيرا جدا، وقد قلنا: لاحجة في قول أحد دون القرآن

[ 310 ]

والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * واحتجوا بأنه لما كان حد الامة نصف حد الحرة وجب أن تكون عدتها نصف عدة الحرة * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل ثم لو صح القياس لكان هذا منه أفسد قياس وأشده بطلانا لم نبينه عليه ان شاء الله تعالى، والعجب فيما روى ولم يصح عن ابن مسعود أيجعلون عليها نصف العذاب ولا يجعلون لها نصف الرخصة؟ وأن هذا لبعيد عن رجل من عرض الناس فكيف عن مثل بن مسعود رضى الله عنه لانه يقال لقائل هذا القول ومصوبه ما نحن جعلنا عليها نصف العذاب ولا نحن نجعل لها نصف الرخصة بل الله تعالى جعل عليها نصف العذاب حيث شاء ولم يجعل لها نصف الرخصة وما كان ربك نسيا، ثم هبك لو جعلنا نحن عليها نصف العذاب وكان ذلك مباحا لنا أن نجعله فمن أين وجب علينا أن نجعل لها نصف الرخصة إن هذا لعجب لا نظير له * وأما فساد هذا القياس فان قياس هذه العدة على حد الزنا فاسد لانه لاشبه بين الزنا الموجب للحد وبين موت الزوج وطلاقه، والقياس عندهم باطل إلا على شبه بين المقيس والمقيس عليه فصح على أصولهم بطلان هذا القياس فكيف عند من لا يجيز القياس أصلا، والحمد لله رب العالمين ثم فساد آخر وهو أنهم أوجبوا القياس على نصف الحد في الامة وهم لا يختلفون في ان حد الامة في قطع السرقة كحد الحرة فمن أين وجب أن تقاس العدة عندهم على حد الزنا دون أن يقيسوه على حد السرقة؟ ثم هلا قاسوا عدة الامة من الطلاق والوفاة بالاقراء وبالشهور على ما لا يختلفون فيه من أن عدتها من كل ذلك إن كانت حاملا كعدة الحرة فلئن صح القياس يوما فان قياس العدة من الوفاة والطلاق على العدة من الوفاة والطلاق لاشك عند من عنده أدنى فهم أولى من قياس العدة على حد الزنا فلاح فساد قياسهم في ذلك كظهور الشمس يوم صحو والحمد لله رب العالمين * ثم العجب كله من قياس مالك عدة الامة من الوفاة على عدتها عنده بالاقراء ثم لم يقس عدة الامة بالشهور من الطلاق على عدتها بالشهور من الوفاة بل جعل عدة الامة بالشهور من الطلاق كعدة الحرة ولا فرق، وهذه مناقضات وأقوال فاسدة لاتخفى على ذى حظ من فهم، ثم عجب آخر وهو أنهم جعلوا عدة الامة من الوفاة نصف عدة الحرة من الوفاة شق الانملة ثم اختلفوا فجعل ابو حنيفة والشافعي عدة الامة بالشهور من الطلاق نصف عدة الحرة بالشهور من الطلاق وجعل مالك عدة الامة من الطلاق بالشهور كعدة الحرة من الطلاق بالشهور سواء سواء، ثم جعلوا ثلاثتهم عدة الامة بالاقراء ثلثى عدة الحرة بالاقراء فهل في التلاعب أكثر من هذا مرة نصف عدة الحرة ومرة مثل عدة الحرة ومرة ثلثى عدة الحرة كل هذا بلا قرآن

[ 311 ]

ولا سنة ولاقياس يعقل، وكل هذا قد اختلف فيه السلف وقبل وبعد فعلى أي شئ قاسوا قولهم في عدتهما بالاقراء ثلثى عدة الحرة وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله كثيرا على توفيقه إيانا للحق وتيسيره للصواب، ولقد كان يلزمهم إذ قاسوا عدة الامة على حدها أن لا يوجبوا عليها إلا نصف الطهارة ونصف الصلاة ونصف الصيام قياسا على حدها، والذى يلزمهم أكثر مما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 2009 مسألة وتعتد المطلقة غير الحامل والحامل المتوفى عنها من حين يأتيها خبر الطلاق وخبر الوفاة وتعتد الحامل المتوفى عنها من حين موته فقط * برهان ذلك قول الله عزوجل: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، وقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وقال تعالى: (فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن) فلابد من أن يفضون إلى العدة من الوفاة والقروء. وعدة الاشهر بنية لها وتربص منهن وإلا فذلك عليهن باق، وأما الحامل فان الله تعالى يقول: (وأولات الاحمال أجلهن ان يضعن حملهن) فليس ههنا فعل أمرن بقصده والنية له لكن المطلقة الحامل خرجت من ذلك بما ذكرنا قبل من أنه لا يكون طلاق الغائب طلاقا أصلا حتى يبلغها فاغنى ذلك عن إعادته وبقيت المتوفى عنها على وضع الحمل أثر موت الزوج وبالله تعالى التوفيق، وفي هذا خلاف قديم صح عن ابن عمر. وابن عباس انها تعتد من يوم مات أو طلق، ورويناه عن ابن مسعود من طريق ابن ابى شيبة نا أبو الأحوص سلام بن سليم عن ابى اسحاق عن أبى الاحوص عن ابن مسعود، وصح أيضا عن سعيد بن المسيب. والنخعي. والشعبى. وعطاء. وطاوس. ومجاهد. وسعيد بن جبير. وأبى الشعئاء جابر ابن زيد. والزهرى. وسليمان بن يسار وأبى قلابة. ومحمد بن سيرين. وعكرمة. ومسروق. وعبد الرحمن بن يزيد، وهو قول ابى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأصحابهم، وقال آخرون غير ذلك كما ناه محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عوف الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخضنى نا محمد بن بشار بندار نا أبو داود الطيالسي نا شعبة عن ابان بن ثعلبة عن الحكم بن عتيبة عن أبى صادق عن ربيعة بن ناجد عن على بن أبى طالب في المتوفى عنها قال: عدتها من يوم يأتيها الخبر * ومن طريق وكيع عن أبى الاشهب عن الحسن البصري قال: تعتد من يوم يأتيها الخبر * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري. ومعمر قال سفيان عن يونس بن عبيد وقال معمر عن أيوب ثم اتفق يونس وأيوب كلاهما عن الحسن في الطلاق والموت تعتد من يوم يأتيها من زوجها الخبر زاد أيوب في روايته ولها النفقة قال معمر: وقاله قتادة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن

[ 312 ]

خلاس بن عمرو قال: تعتد من يوم يأتيها الخبر، وقال آخرون: من يوم تقوم البينة كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب. وأبى الشعثاء جابر ابن زيد. وأبى قلابة قالوا كلهم في امرأة جاءها طلاق أو موت قالوا: تعتد من يوم قامت البينة * ومن طريق ابن ابى شيبة نا أبو خالد الاحمر الثقفى - هو عبد الوهاب ابن عبد المجيد - قال أبو خالد عن داود عن سعيد بن المسيب. والشعبى، وقال عبد الوهاب عن يزيد عن مكحول قالواكلهم في الرجل يطلق أو يموت إذا قامت البينة فتعتد من يوم يموت وان لم تقم لها بينة فمن يوم يأتيها الخبر * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال: قال حماد بن أبى سليمان. ومنصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: ما أكلت بعد موته وهى لا تدري بموته، فهو لما ما حبست نفسها عليه، وصح عن الشعبى أنه يؤخذ منها إلا قدر ميراثها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال: لا يتوارثان ولا رجعة له عليها في قول الفريقين جميعا قاله قتادة عن على. وابن مسعود * قال أبو محمد: لم يدرك قتادة عليا ولا ابن مسعود ولا وجدنا ذلك عن غيره، الذى نقول به انهما يتوارثان وله الرجعة عليها ما لم يبلغها طلاقه بالثلاث ولا ترد ما اكلت في الطلاق لانها زوجته ما لم يبلغها أو يأتيها الخبر، وأما في الموت فبخلاف ذلك وترد ما اكلت لانها أكلت مال الورثة أو مال الغرماء ولا حق لها عندهم انما حقها في مال الزوج فما دام المال ماله فحقها فيه باق وبالله تعالى التوفيق * 2010 - مسألة - وإذا تنازع الزوجان في متاع البيت في حال الزوجية أو بعد الطلاق أو تنازع أحدهما مع ورثة الآخر بعد الموت أو ورثتهما جميعا بعد موتهما فكل ذلك سواء وكل ذلك بينهما مع أيمانهما أو يمين الباقي منهما أو ورثة الميت منهما أو ايمان ورثتهما معا وسواء في ذلك السلاح والحلى ومالا يصلح إلا للرجال أو الا للنساء أو للرجال والنساء إلا ما على ظهر كل واحد منهما فهو له مع يمينه، وقد اختلف السلف في هذا على أقوال، فقول كما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري أنه قال في تداعى الزوجين البيت بيت المرأة إلا ما عرف للرجل * ومن طريق معمر عن أيوب السختيانى عن ابى قلابة في ذلك مثل قول الزهري * ومن طريق عبد الرزاق نا معتمر بن سليمان التيمى عن أبيه عن الحسن البصري قال للمرأة ما أغلق عليه بابها إذا مات زوجها * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيا الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: ليس للرجل الا سلاحه وثياب جلده * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: أما ما أحدث الرجل من متاع فهو له إذ أقام عليه البينة *

[ 313 ]

ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا منصور عن الحسن في رجل طلق امرأته أو مات عنها. - وقد أحدثت في بيته أشياء - فقال الحسن: لها ما أغلقت عليه بابها الا سلاح الرجل ومصحفه، وقالت طائفة: غير هذا كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا منصور عن ابن سيرين قال: ما كان من صداق فهو لها وما كان من غير صداق فهو ميراث، وقول ثالث كل شئ للرجل الا ما على المرأة من الثياب أو الدرع والخمار وهو قول ابن أبى ليلى، وقول رابع كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد الله ابن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى ثنا الضحاك بن مخلد - هو أبو عاصم - عن سفيان الثوري عن عبيدة بن مغيث عن ابراهيم النخعي أنه قال في الرجل إذا مات فادعت المرأة متاع البيت أجمع قال: ان كان من متاع الرجل فهو للرجل وأما ما كان من متاع النساء فهو للمرأة وما كان مما يكون للرجل وللمرأة فهو للباقى منهما فان كان فرقة وليس موتا فهو للرجل، وقول خامس كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سويد بن عبد العزيز قال: سألت ابن شبرمة عن تداعى الزوجين فقال: متاع النساء للنساء ومتاع الرجال للرجال (1) وما كان من متاع يكون للرجال والنساء فهو بينهما، وسألت ابن ابى ليلى عن ذلك فقال مثل قول ابن شبرمة وزاد في الحياة والموت * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا من سمع ابن ذكوان المدنى وعثمان البتى يقولان: ما كان للرجال والنساء فهو بينهما، وهو قول عبيدالله بن الحسن. والحسن بن حى. وأحد قولى زفر وأوجبوا الايمان مع ذلك كله، وقول سادس كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم عن ابن شبرمة. وابن أبى ليلى قالا جميعا: ما كان للرجال فهو للرجل وما كان للنساء فهو للمرأة وما كان مما يكون للرجال والنساء فهو للرجل (2) وهو قول الحكم وهو قول مالك الفرقة والموت سواء في ذلك عنده ويحلف كل واحد منهما في كل ذلك * وقول سابع كما روينا من طريق سعيد ابن منصور ناهشيم أخبرنا من سمع الحكم بن عتيبة وسعيد بن اشوع يقولان ما كان للرجال فهو للرجل وما كان للنساء فهو للمرأة وما كان للرجال والنساء فهو للمرأة وبهذا يقول هشيم * وقول ثامن كما روينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا غندر عن شعبة عن حماد انه سئل عن متاع البيت فقال: ثياب المرأة للمرأة وثياب الرجل للرجل وما تشاجرا فيه ولم يكن لهذا ولا لهذا [ بينة ] (3) فهو للذى في يديه، وقال أبوحينفة: إن كان أحد الزوجين


(1) في النسخة رقم 16 ومتاع الرجل للرجل (2) في النسخة رقم 14 مما يكون للرجل والمرأة فهو للرجل (3) الزيادة من النسخة رقم 14 (م 40 - ج 10 المحلى)

[ 314 ]

مملوكا والآخر حرا فالمال كله لمن كان منهما حرامع يمينه، وكذلك قال أبو يوسف، محمد إلا أن يكون العبد مأذونا له في التجارة فهو كالحر في حكمه في ذلك، ثم اختلفوا فقال أبو يوسف: فان كانا حرين أو مكاتبين أو مأذونين لهما في التجارة أو أحدهما حرا والآخر مكاتبا أو مأذونا له في التجارة أو مسلمين أو أحدهما فانه يقضى للمرأة بمثل ما تجهز به إلى زوجها فما بقى بعد ذلك فسواء كان مملا يصلح إلا للرجال أو لا يصلح الا للنساء أو يصلح للرجال والنساء فكل ذلك للرجل مع يمينه في الفرقة والموت، وقال أبو حنيفة في كل هؤلاء: ما كان من متاع الرجال فهو للرجل مع يمينه وما كان من متاع النساء فهو للمرأة مع يمينها هذا في الفرقة والموت، وما صلح للرجال والنساء فهو للرجل مع يمينه في الفرقة وهو للباقى منهما أيهما كان، ووافقه على كل ذلك محمد بن الحسن إلا في الموت فانه جعل ما يصلح للرجال والنساء للرجل أو لورثته مع يمينه أو أيمانهم * وقول تاسع كما قلنا نحن وهو قول سفيان الثوري. والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود القاضى، وشريك بن عبد الله القاضى. والشافعي. وأبى سليمان وأصحابهما. وأحد قولى زفر بن الهذيل. وقول الطحاوي * قال أبو محمد: احتج من قال بأن ما صلح للرجال فهو للرجل وما صلح للنساء فهو للمرأة بما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا سويد بن عبد العزيز الدمشقي نا أبو نوح المدنى من آل أبى بكر قال نا الحضرمي رجل قد سماه عن على بن أبى طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: " متاع النساء للنساء ومتاع الرجال للرجال " * قال أبو محمد: هذا خبر موضوع مكذوب لا يحل لاحد أن يرويه إلا على بيان وضعه، سويد بن عبد العزيز مذكور بالكذب، وأبو نوح لا يدرى أحد من هو، والحضرمى مثل ذلك ثم لو صح لكان غير حجة لهم لان ظاهره أن لكل أحد متاعه الذى بيده لانه لم يقل فيه ان اختلف الزوجان ولا قال فيه ما صلح للرجال ولا ما صلح للنساء وانما فيه متاع النساء ومتاع الرجال، والمتاع هو متاع المرء الذى في ملكه سواء صلح له أو لم يصلح له وإذا لم يخص به اختلاف الزوجين فليس لاحد أن يخص هذا الباب دون اختلاف الاخ والاخت فبطل تمويههم بهذا الخبر المكتوب * قال أبو محمد: ولا يختلف المخالفون لنا من الحنيفيين والمالكيين في أخ واخت ساكنين في بيت فتداعيا ما فيه انه بينهما بنصفين مع أيمانهما ولم يحكموا في ذلك بما حكموا به في الزوجين: وكذلك لم يختلفوا في عطار ودباغ أو بزار ساكنين في بيت في أن كل مافى البيت بينهما مع أيمانهما ولم يحكموا ان ما كان من عطر فللعطار وما كان من

[ 315 ]

آلة الدباغ فللدباغ وما كان من آلة البز فللبزاز فظهر تناقضهم وفساد قولهم بيقين وانه ظن كاذب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث " * برهان صحة قولنا أن يد الرجل ويد المرأة على ما في البيت الذى يسكناه أو دار سكناهما أي شئ. كان فليس أحدهما أولى به فهو لهما إذ هو بأيديهما مع ايمانهما ولا ننكر ملك المرأة للسلاح ولاملك الرجل للحلى وبالله تعالى التوفيق * الاستبراء 2011 مسألة قال أبو محمد: وقد ذكرنا في كتاب اللعان من ديواننا هذا حكم الولد يدعيه اثنان فصاعدا إذا لم يعرف ايهم (1) كان معها أو لاسواء من أمة كان أو من حرة (2) ونذكر ههنا ان شاء الله تعالى حكم ذلك إذا كان يعرف أيهما الاول من الازواج أو السادات في ملك اليمين * قال أبو محمد: من كانت له جارية يطؤها وهى ممن تحيض فاراد بيعها فالواجب عليه أن لا يبيعها حتى تحيض حيضا يتيقنه، وكذلك إن أراد انكاحها أو هبتها أو صداقها فان كانت ممن لا تحيض فلا يبعها حتى يوقن انه لاحمل بها ثم على الذى انتقل ملكها إليه أن لايطاها حتى يستبرئها بحيضة ويوقن انها حيضة أو حتى يوقن انه لاحمل بها إلا أن يصح عنده انها قد حاضت عند الذى انتقل ملكها عنه حيضا متيقنا وانه لم يخرجها عن ملكه حتى أيقن أنه لاحمل بها فليس عليه أن يستبرئها حينئذ ولا يجوز أن يجبر على مواضعتها على يدى ثقة ولا أن يمنع منها لان كلا الامرين شرط ليس في كتاب الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل "، وقد أباح الله تعالى ملك اليمين فلا يلح منع المالك من أمته، والعجب أن المالكيين الموجبين للمواضعة متفقون على أنه لا ينتفع بذلك متى ظهر بها حمل، فأى معنى لعمل لا فائدة فيه ولا تنقطع الريبة دون أن يوجبه نص * قال أبو محمد: ولا يجب في البكر استبراء أصلا فان ظهر بها عند المشترى أو الذى انتقل ملكها إليه أو الذى تزوجها حمل بقيت بحسبها حتى تضع أو حتى توقن بأن الحمل كان قبل انتقال ملكها إليه فان تيقن بذلك فسخ البيع والهبة والاصداق والنكاح وردت إلى الذى كانت له فان كان تزوجها وهى أمة أمر بأن لا يطأها حتى تضع ولم يفسخ النكاح لما قد ذكرناه في كتاب النكاح من ديواننا هذا، وجملته أنه لاعدة على أمة من غير زوج فإذا لم تكن في عدة فنكاحها جائز فان لم يوقن ذلك حتى تضع نظر فان كان


(1) في النسخة رقم 14 " أيهما " (2) في النسخة رقم 14 أو من زوجة

[ 316 ]

وضعها لاقل من تسعة أشهر من حين أنكر الاول وطئها أو لاقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني. فالولد للاول بلاشك وان ولدته لاكثر من تسعة أشهر بطرفة عين من حين وطئها الثاني فالولد للثاني بلا شك، فان ولدته لاكثر من تسعة أشهر من حين أمكن الاول وطئها ولاقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني فهو غير لاحق بالاول ولا بالثاني وهو مملوك للثاني ان كانت أمه أمة إلا أنها يعتق عليه ولابد لما ذكرنا في كتاب العتق فلو ولدته لاقل من تسعة أشهر من حين أمكن الاول وطئها ولاكثر من ستة أشهر من حين وطئها الثاني فهو للاول ولا بد لان فراشه كان قبل فراش الثاني فلا ينتقل عنه إلا بنص أو يقين من ضرورة مشاهدة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد لصاحب الفراش " فإذ لاشك في هذا فلا يجوز أن يبطل الفراش الاول الذى هو المتيقن ويصح فراش ثان بظن لكن بيقين لا مجال للشك فيه، فان تيقن بضؤلة خلقته انه لستة أشهر أو سبعة أشهر أو ثمانيه وكانت هذه المدة قد استوفتها عند الثاني وتيقن بذلك أنه ليس للاول فهو للثاني بلا شك، ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر لقول الله تعالى (وحمله فصاله ثلاثون شهرا) وقال تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) فمن ادعى ان حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا فقد قال الباطل والمحال ورد كلام الله عزوجل جهارا * وقد قال أبو حنيفة: يكون الحمل عامين، واحتج له أصحابه بحديث فيه الحارث بن حصيرة وهو هالك ان ابن صياد ولد لسنتين وهذا كذب وباطل، وابن حصيرة هذا شيعي يقول برجعة على إلى الدنيا، (وذكروا) أيضا ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن أبى سفيان عن اشياخ لهم عن عمرانه رفع إليه امرأة غاب عنها زوجها سنتين فجاء وهى حبلى فهم عمر برجمها فقال له معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين. ان يك السبيل لك عليها فلا سبيل لك على ما في بطنها فتركها عمر حتى ولدت غلاما قد نبتت ثناياه فعرف زوجها شبهه فقال عمر: عجز النساء أن تكون مثل معاذ لولا معاذ هلك عمر * قال أبو محمد: وهذا أيضا باطل لانه عن أبى سفيان وهو ضعيف عن اشياخ لهم وهم مجهولون، ومن طريق سعيد بن منصور نا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة أم المؤمنين قالت: ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل هذا المغزل جميلة بنت سعد مجهولة لا يدرى من هي فبطل هذا القول والحمد لله رب العالمين، وقالت طائفة: لا يكون الحمل أكثر من أربع سنين رويناه عن سعيد بن المسيب

[ 317 ]

من طريق فيها على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وهو قول الشافعي ولا نعلم لهذا القول شبهة تعلقوا بها أصلا، وقالت طائفة: يكون الحمل خمس سنين ولا يكون أكثر أصلا وهو قول عباد بن العوام والليث بن سعد، وروى عن مالك أيضا ولا نعلم لهذا القول متعلقا أصلا * وقالت طائفة: يكون الحمل سبع سنين ولايكون أكثر وهو قول الزهري. ومالك، واحتج مقلدوه بان مالكا ولد لثلاثة أعوام وان نساء بنى العجلان ولدن لثلاثين شهرا وان مولاة لعمر بن عبد العزيز حملت ثلاث سنين وان هرم بن حيان الضحاك بن مزاحم حمل بكل واحد منهما سنتين. وقال مالك: بلغني عن امرأة حملت سبع سنين * قال أبو محمد: وكل هذه أخبار مكذوبة (1) راجعة إلى من لا يصدق ولا يعرف من هو، ولايجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا * وممن روى عنه مثل قولنا عمر بن الخطاب كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يحيى ابن سعيد الانصاري انه سمع سعيد بن المسيب يقول: قال عمر بن الخطاب أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضه أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى يستبين حملها فان لم يستبن حملها في تسعة أشهر فلتعتد بعد التسعة الاشهر ثلاثة أشهر عدة التى قد قعدت عن المحيض * قال أبو محمد: فهذا عمر لا يرى الحمل أكثر من تسعة أشهر وهو قول محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم. وأبى سليمان. وأصحابنا * قال على: الا ان الولد قد يموت في بطن أمه فيتمادى بلا غاية حتى تلقيه متقطعا في سنين فان صح هذا فانه حمل صحيح لا تنقضي عدتها الا بوضعه كله (2) الا انه لا يوقف له ميراث ولا يلحق اصلا لانه لاسبيل إلى أن يولد حيا ولو سعت عند تيقن ذلك في اسقاطه بدوا لكان مباحا لانه ميت بلا شك وبالله تعالى التوفيق * وأما ولد الزوجة لاأكثر من تسعة أشهر من آخر وطئ وطئها زوجها فهو متيقن بلا لعان، وكذلك ان ولدته لافل من ستة أشهر إلا أن يكون سقطا فهو له وتصير الامة به أم ولده وتنقضي به عدة المطلقة والمتوفى عنها، وأما استبراء الامة المنتقلة الملك فقد اختلف في ذلك ايضا كما روينا من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: قال عطاء: تداول ثلاثة من التجار جارية فولدت فدعا عمر بن الخطاب القافة فالحقوا ولدها بأحدهم ثم قال عمر: من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربص بها


(1) في النسخة رقم 14 " كاذبة " (2) في النسخة رقم 14 بوضع كله

[ 318 ]

حتى تحيض فان كانت لم تحض فليتربص بها خمسا واربعين ليلة * ومن طريق الحجاج ابن المنهال نا هشيم ارنا الحجاج ومنصور قال الحجاج عن عطاء. وقال منصور عن سعيد ابن المسيب قالا جميعا: تستبرأ الامة التى لم تحض بشهر ونصف * وقول ثان كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري. ومعمر قال سفيان عن فراس عن الشعبى عن علقمة عن ابن مسعود، وقال معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قالا جميعا: تستبرأ الامة بحيضة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: كم عدة الامة تباع؟ قال: حيضة، وقاله أيضا عمرو بن دينار * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في الامة تباع وقد حاضت قال: يستبرئها الذى باعها ويستبرئها الذى اشتراها بحيضة أخرى وقال به الثوري * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن في الامة إذا باعها سيدها وهو يطؤها قال: يستبرئها بحيضة قبل ان يبيعها ويستبرئها المشترى بحيضة أخرى وهو قول الشافعي. وأبى سليمان، وقول ثالث كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم نا منصور عن الحسن انه سئل عن استبراء الامة التى لم تحض قال: تستبرأ بثلاثة أشهر فاتينا ابن سيرين فسألناه عن ذلك فقال ثلاثة أشهر قال هشيم: وأرنا خالد الحذاء عن أبى قلابة قال: تستبرأ الامة بثلاثة أشهر * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: إذا كانت الامة عذراء لم يستبرئها ان شاء قال أيوب: يستبرئها قبل ان يقع عليها * وبه إلى معمر عن قتادة قال في أمة عذراء اشتراها من امرأة قال: لا يستبرئها فان اشتراها من رجل فليستبرئها، وقال سفيان الثوري. تستبرى. التى لم تبلغ كما تستبرئ العجوز، وقال أبو حنيفة. وأصحابه: لايطأ الرجل الجارية يشتريها حتى يستبرئها بحيضة فان كانت لا تحيض فشهر ولا يحل له ان يتلذذ منها بشئ قبل الاستبراء قالوا: فلو اشتراها فلم يقبضها حتى حاضت لم يجز له ان يعد تلك الحيضة استبراء بل يستبرئها بحيضة أخرى ولابد. قالوا فلو زوجها من رجل لم يكن عليه ان يستبرئها لاهو ولا الناكح إلا في رواية الحسن بن زياد عن أبى حنيفة فانه قال: لا يطؤها حتى يستبرئها بحيضة واختلفوا في التى تحيض تباع فترتفع حيضتها لامن حمل يعرف بها قال أبو حنيفة. وأبو يوسف لا يطؤها حتى تمضى أربعة أشهر. وقال محمد بن الحسن: لا يطؤها حتى يمضى عليها شهران وخمس ليال ثم رجع فقال: لا يطؤها حتى تمضى لها أربعة أشهر وعشر ليال. وقال زفر: لا يطؤها حتى يمضى لها سنتان وهو قول سفيان الثوري، وهذه أقوال في غاية الفساد لانها بلا برهان.

[ 319 ]

قال أبو محمد: واحتج من رأى الاستبراء كما ذكرنا بما رويناه من طريق أبى داود نا عبيدالله بن عمر بن ميسرة نا يزيد بن زريع نا سعيد - هو ابن أبى عروية - عن قتادة عن صالح بن رستم الخزاز عن أبى علقمة الهاشمي عن أبى سعيد الخدرى ان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا بأوطاس فكان الناس تحرجوا من غشيانهن من اجل ازواجهن من المشركين فانزل الله عزوجل: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن * ومن طريق أبى داود نا عمرو بن عون ارنا شريك عن قيس بن وهب عن أبى الوداك عن أبى سعيد الخدرى رفعه انه قال في سبايا اوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولاغير ذات حمل حتى تحيض، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن طاوس أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا في بعض مغازيه لا يقعن رجل على حامل ولا على حائل حتى تحيض، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن زكريا عن الشعبى أصاب المسلون سبايا يوم أوطاس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا يقعوا على حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة، لا نعلم ورد في هذا غير ما ذكرنا * قال أبو محمد: حديث طاوس. والشعبى مرسلان ولا حجة في مرسل، وخبر أبى الوداك ساقط لان أبى الوداك وشريكا ضعيفان ثم لو صحت لكانت حجة على من احتج بها لان فيها المنع من وطئ التى ليست حاملا حتى تحيض وهم لا يقولون بهذا بل يحدون حدودا ليست في هذه الآثار، ومن الكبائر مخالفة أثر يحتج به المرء ويصححه وأما اخبر أبى علقمة فهو الذى لا يصح في هذا الباب غيره فليس فيه ذكر للاستبراء أصلا لا بنص ولا بدليل فيه اباحة وطئ المحصنات إذا ملكنا هن فقط فهو عليهم لا لهم، وأما الذى في آخره أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن فلا شك في انه ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلى مراتبه ان يكون من كلام أبى سعيد ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لو صح انه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يصح أبدا لما كانت لهم فيه حجة لانه انما فيه إذا انقضت عدتهن، والعدة المعروفة في الدين ليست الا أربعة أشهر وعشرا في الوفاة وثلاثة قروء للتى تحيض من المطلقات أو ثلاثة أشهر للتى لم تحض أو لا تحيض من المطلقات أو وضع الحمل لمطلقة أو متوفى عنها ولا مزيد، وهم ههنا جعلوا الاستبراء بحيضة وليس هذا عدة فبطل ان يكون لهم متعلق فيه أصلا، وأما مالك فانه رأى الاستبراء بالمواضعة في علية الرقيق ولم يرها في الوحش ولم يجز اشتراط النقد في ذلك ورأى نفقتها مدة المواضعة على البائع، ورأى ما حدث فيها مدة المواضعة على البائع ورأى

[ 320 ]

المواضعة في البكر ولم ير مع هذا كله ان المواضعة تبرئ من الحمل وهذه أقوال لا تعرف عن أحد قبله وهى مع ذلك في غاية المناقضة والفساد (1)، وأول ذلك ايجابه فرضا شرط المواضعة وهو شرط ليس في كتاب الله عزوجل وأبطل شرط نقد الثمن وهو حق للبائع مأمور في القرآن بايفائه إياه إذ يقول الله تعالى (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) وقوله تعالى: (الا ان تكون تجارة عن تراض منكم) وثانيها فرقه بتفريقه في ذلك بين العالية والوخش وهذا عجب جدا أتراهم يجهلون ان الوخش يحمل كما تحمل العالية ولا فرق، وثالثها ايجابه النفقة على البائع وهذا أكل مال بالباطل ولا يخلو ان يكون صح بينهما بيع أو لم يصح فان كان صح بينهما بيع فأن شئ يوجب النفقة على البائع على أمة غيره وان كان لم يصح بينهما بيع فلاى معنى أوجب المواضعة، فان قالوا: ربما ظهر بها حمل فبطل البيع قلنا: هذا لا يؤمن عندكم بعد الحيضة في المواضعة فاوجبوا في ذلك نفقتها على البائع والا فقد ظهر فساد قولكم يقينا، وكذلك لا يؤمن ظهور عيب يوجب الرد ولافرق، ورابعها إيجابه ما حدث فيها مدة المواضعة على البائع فيلزمه فيها ما ألزمناه في ايجابه النفقة على البائع سواء سواء، وروينا من طريق حماد بن سلمة ارنا على بن يزيد عن أيوب بن عبد الله اللخمى عن ابن عمر قال: وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها ابريق فضه قال ابن عمر: فما ملكت نفسي ان جعلت أقبلها والناس ينظرون فقد أجاز التلذذ بل الاستبراء وبالله تعالى التوفيق * 2012 مسألة ومن استلحق ولد خادم له باعها ولم يكن عرف قبل ذلك ببينة انه وطئها أو باقرار منه قبل بيعه لها بوطئه إياها لم يصدق ولم يلحق به سواء باعها حاملا أو حدث الحمل بها بعد بيعه لها أو باعها دون ولدها أو باع ولدها دونها كل ذلك سواء فلو صح ببينة عدل انه وطئها قبل بيعه لها أو بأنه أقر قبل ان يبيعها بوطئه لها فان ظهر بها حمل كان مبدؤه قبل بيعه لها بلا شك فسخ البيع بكل حال وردت إليه أم الولد ولحق به ولدها أحب أم كره أقر به أو لم يقر، وكل أمة لانسان صح انه وطئها ببينة أو باقرار منه فانه يلحق به ما ولدت أحب أم كره ولا ينتفع بان يدعى استبراء أو بدعواه العزل، وبالله تعالى التوفيق. برهان ذلك قول الله عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم واموالكم عليكم حرام " ولا شك في ان الامة قد صح ملكها أو ملك ولدها أو ملكهما للمشترى فقد منع الله عزوجل من قبول


(1) في النسخة رقم 14 في غاية السقاطة والفساد

[ 321 ]

دعوى البائع في ابطال ملك المشترى بالملك لانه كاسب على غيره ومدعى في مال سواء بلا بينة، وقال مالك: ان باعها حاملا ثم ادعى ان ولدها منه فسخ البيع قال: فلو ادعاه وقد اعتقت لم يفسخ العتق والا ابتياع المعتق لها * قال أبو محمد: وهذه مناقضة لاخفاء بها لانه إذا صدق في دعواه ففسخ بها ملك مسلم وصفقته فواجب ان يصدق ويفسخ بها عتق الامة ولا فرق. بين لم يجز أن يصدق في فسخ العتق فانه لا يجوز ان يصدق في فسخ صفقة مسلم وابطال ملكه وبالله تعالى نتأيد * فان قالوا: البيع يفسخ بالعيب قلنا: والعتق يفسخ بالاستحقاق واما إذا صح وطؤه لها إذا كانت في ملكه أو صح حينئذ اقراره بوطئها * فبرهان قولنا في لحاق الولد به وفسخ العتق والبيع والايلاد فيهما ما روينا من طريق ابى داود السجستاني نا مسدد نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت: اختصم سعد بن أبى وقاص. وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة فقال ابن زمعة: أخى ابن أمة أبى ولد على فراش أبى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش احتجبي منه يا سودة هو أخوك يا عبد " * نا احمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم ثنا جدى قاسم بن أصبغ نا احمد بن زهير بن حرب نا أبى نا جرير عن المغيرة ابن مقسم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الولد لصاحب الفراش " * نا حمام بن احمد نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا بكر ابن حماد التيمرتى نا مسدد نا يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن محمد بن زياد انه سمع أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: " الولد لصاحب الفراش " * قال أبو محمد: فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالولد لصاحب الفراش بعد موته في أمة لم يحفظ اقرار سيدها بذلك الولد ولو أقر به لم يحتج عبد بن زمعة لسوى ذلك وحكم عليه الصلاة والسلام بأن الامة فراش وان الولد لصاحب الفراش، وانما تكون الامة فراشا إذا صح ان سيدها افترشها ببينة بذلك أو ببينة باقراره بذلك، وليس أمره عليه الصلاة والسلام سودة أم المؤمنين بالاحتجاب منه بكادح في ذلك أصلا ولا احتجاب الاخت عن أخيها بمبطل اخوته لها البتة لانه ليس فرضا على المرأة رؤية أخيها لها انما الفرض عليها صلة رحمه فقط ولم يأمرها عليه الصلاة والسلام قط بأن لاتصله. ومن ادعى ذلك فقد كذب وقد قال عليه الصلاة والسلام: هو أخوك يا عبد وهذا يكفى من له عقل، وقد قال بعض من لا يبالي بما اطلق به لسانه من الكذب في الدين: انما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: " هو لك يا عبد " أي هو (م 41 - ج 10 المحلى)

[ 322 ]

عبدك فقلنا: الثابت انه قال: هو أخوك كما أوردنا، ولو قضى به عبدا لم يلزمها ان تحتجب عنه بنص القرآن فاعجبوا لهذل هؤلاء القوم فوجب ما قلنا نصا والحمد لله رب العالمين. وإذا صح ان الحمل منه فواجب فسخ بيع الحر وبيع أم الولد وفسخ عتق من أعتقهما وفسخ إيلاد من أولدها بعد ذلك وبالله تعالى التوفيق. وبهذا جاء الاثر عن السلف، روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر. وابن جريج كلاهما عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: بلغني ان رجالا منكم يعزلون فإذا حملت لاجارية قال: ليس منى والله لاأوتى برجل منكم فعل ذلك إلا ألحقت به الولد فمن شاء فليعزل ومن شاء لا يعزل، ومن طريق عبد الرزاق عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن صفية بنت أبى عبيد ان عمر بن الخطاب قال: من كان منكم يطأ جاريته فليحصنها فان احدكم لايقر باصابته جاريته إلا الحقت به الولد، وما نعلم في هذا خلافا لصاحب إلا ما روينا من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى نا سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت ان اباه كانت له جارية يعزل عنها وانها جاءته بحمل فانكر ذلك وذكر الحديث، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ابن ذكوان هو أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: كان زيد بن ثابت يقع على جارية له وكان يعزلها فلما ولدت انتفى من ولدها وضربها مائة ثم اعتق الغلام * ومن طريق عبد الرزاق عن محمد بن عمر وأخبرني عمرو بن دينار ان ابن عباس وقع على جارية له وكان يعز لها فانتفى من ولدها * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة: لا يلحق ولد الامة بسيدها سواء كانت أم ولد أو لم تكن إلا بأن يدعيه وإلا فهو منتف عنه، وقال مالك: يلحق به لوطئه إياها الا ان يدعى انها استبرأت ثم لم يطاها * قال أبو محمد: كل ما روى في هذا الباب عن الصحابة مخالف لقولهما، والعجب كله ان هذين قولان بلا دليل اصلا لا من قرآن ولا من سنة ولا من رواية سقيمة ولا من قول صاحب. ولا من قياس. ولا من رأى له وجه * والعجب كله ان مالكا لا يرى الاستبراء يمنع من الحمل ثم يراه ههنا ينفى النسب به وهذا أعجب من العجب * 2013 - مسألة - والولد يحلق في النكاح الصحيح. والعقد الفاسد بالجاهل ولا يلحق بالعالم بفساده ويلحق في الملك الصحيح وفى المتملكة بعقد فاسد بالجاهل ولا يلحق بالعالم بفساده لان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق الناس بمن ولدوا ممن تزوجوا من النساء وممن تملكوا في الجاهلية، ولا شك في أنه كان فيهم من نكاحه فاسد وملكه فاسد، ونفى أولاد الزنا جملة بقوله عليه الصلاة والسلام: " وللعاهر الحجر " فصح ما قلنا، وأما

[ 323 ]

العالم بفساد عقد النكاح أو عقد المالك فهو عاهر عليه الحد فلا يلحق به الولد والولد يلحق بالمرأة إذا زنت وحملت به ولا يحلق بالرجل ويرث أمه وترثه لانه عليه الصلاة والسلام والحق الولد بالمرأة في اللعان ونفاه عن الرجل والمرأة في استلحاق الولد بنفسها كالرجل بل هي أقوى سببا في ذلك لما ذكرنا من أنه يلحق بها من حلال كان أو من حرام ولانه لاشك منها إذا صح انها حملته وبالله تعالى التوفيق * الحضانة 2014 - مسألة - الام أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الانبات مع التمييز وصحة الجسم سواء كانت أمة أو حرة تزوجت أو لم تتزوج رحل الاب عن ذلك البلد أو لم يرحل والجدة أم فان لم تكن الام مأمونة في دينها ودنياها نظر للصغير أو الصغيرة بالاحوط في دينهما ثم دنياهما فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين وجبت هنا لك عند الاب أو الاخ أو الاخت أو العمة أو الخالة أو العم أو الخال، وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال والدين مغلب على الدنيا فان استووا في صلاح الحال فالام والجدة ثم الاب والجد ثم الاخ والاخت ثم الاقرب فالاقرب والام الكافرة أحق بالصغيرين مدة الرضاع فإذا بلغا من السن والاستغناء ومبلغ الفهم فلا حضانة لكافرة ولا لفاسقة * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فأما الام فانه في يدها لانه في بطنها ثم في حجرها مدة الرضاعة بنص قول الله عزوجل: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) فلا يجوز نقله أو نقلها عن موضع جعلهما الله تعالى فيه بغير نص ولم يأت نص صحيح قط بأن الام ان تزوجت يسقط حقها في الحضانة ولا بأن الاب ان رحل عن ذلك البلد سقط حق الام في الحضانة، روينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد، وزهير بن حرب قالا جميعا: نا جرير بن حازم عن عمارة بن القعقاع عن ابى زرعة عن أبى هريرة " قال: قال رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أبوك "، ومن طريق مسلم نا ابو كريب محمد بن العلاء الهمداني نا ابن فضيل عن أبيه عن عمارة بن القعقاع عن ابى زرعة عن ابى هريرة قال: " قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك داناك " فهذا نص جلى على إيجاب الحضانة لانها صحبة، وأما تقديم الدين فلقول الله عزوجل: (تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وقوله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط) وقوله تعالى: (وذروا ظاهر الاثم وباطنه) فمن ترك الصغيره والصغيرة حيث يدربان على سماع الكفر

[ 324 ]

ويتمرنان على جحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ترك الصلاة والاكل في رمضان وشرب الخمر والانس إليها حتى يسهل عليهما شرائع الكفر أو على صحبة من لاخير فيه والانهماك على البلاء فقد عاون على الاثم والعدوان ولم يعاون على البر والتقوى ولم يقم بالقسط ولاترك ظاهر الاثم وباطنه وهذا حرام ومعصية، ومن ازالهما عن المكان الذى فيه ما ذكرنا إلى حيث يدربان على الصلاة الصوم وتعلم القرآن وشرائع الاسلام والمعرفة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنفير عن الخمر والفواحش فقد عاون على البر والتقوى ولم يعاون على الاثم والعدوان وترك ظاهر الاثم وباطنه وأدى الفرض في ذلك * وأما مدة الرضاع فلا نبالي عن ذلك لقول الله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) ولان الصغيرين في هذه السن ومن زاد عليها بعام أو عامين لافهم لهما ولا معرفة بما يشاهدان فلا ضرر عليهما في ذلك، فان كانت الام مأمونة في دينها والاب كذلك فهى أحق من الاب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكرنا ثم الجدة كالام فان لم تكن مأمونة لا الام ولا الجدة في دينها أو تزوجت غير مأمون في دينه وكان الاب مأمونا فالاب أولى ثم الجد، فان لم يكن احد ممن ذكرنا مأمونا في دينه وكان للصغير أو الصغيرة أخ مأمون في دينه أو أخت مأمونة في دينها فالمأمون أولى وهكذا في الاقارب بعد الاخوة فان كان اثنان من الاخوة أو الاخوات أو الاقارب مأمونين في دينهما مستويين في ذلك، فان كان أحدهما أحوط للصغير في دنياه فهو أولى فان كان احدهما احوط في دينه والآخر احوط في دنياه فالحضانة لذى الدين لما ذكرنا قبل ولقول الله تعالى: (انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما) وتفسير الحياطة في الدنيا أن يكون أحدهم أشد رفاهية في عيشه ومطعمه وملبسه ومرقده وخدمته وبره واكرامه والاهتبال به فهذا فهى احسان إلى الصغير والصغيرة فواجب أن يراعى بعد الدين لقوله تعالى: (وبالوالدين احسانا وبذي القربى) وروينا من طريق وكيع عن الحسن بن عتبة عن سعيد بن الحارث قال: اختصم خال وعم إلى شريح في صبى فقضى به للعم فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالى فدفعه إليه شريح وهذا نص قولنا * قال أبو محمد: فان استووا الاخوات أو الاخوة في كل ذلك أو الاقارب فان تراضوا في أن يكون الصغير أو الصغيرة عند كل واحد منهم مدة فذلك لهم فان كان في ذلك ضرر على الصغير أو الصغيرة فان كان تقدم كونه عند أحدهم لم يزل عن يده فان

[ 325 ]

ابوا فالقرعة، وأما قولنا إن الامة والحرة سواء فلان القرآن والسنة لم يأت في أحدهما نص في التفريق بينهما فالحكم فيما لانص فيه شرع لم يأذن به الله تعالى، وأما قولنا سواء رحل الاب أو لم يرحل فلانه لم يأت نص قرآن ولاسنة بسقوط حضانة الام من أجل رحيل الاب فهو شرع باطل ممن قال به وتخصيص للقرآن والسنن التى اوردنا ومخالف لهما بالرأى الفاسد وسوء نظر للصغيرين واضرار بهما في تكليف الحل والترحال والازالة عن الام والجدة، وهذا ظلم لاخفاء به وجور لاشك فيه، وأما قولنا انه لا يسقط حق الام في الحضانة بزواجها إذا كانت مأمونة وكان الذى تزوجها مأمونا فللنصوص التى ذكرنا، ولم يخص عليه الصلاة والسلام زواجها ولما روينا من طريق البخاري نا يعقوب بن ابراهيم بن كثير نا ابن علية نا عبد العزيز عن أنس بن مالك قال: " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ليس له خادم فأخذ ابو طلحة بيدى فانطلق بى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله أن أنسا غلام كيس فليخدمك قال فخدمته في السفر والحضر " وذكر الخبر، فهذا أنس في حضانة أمه ولها زوج وهو ابو طلحة بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فرق في النظر والحياطة بين الربيب زوج الام والربيبة زوجة الاب بل في الاغلب الربيب أشفق وأقل ضررا من الربيبة وانما يراعى في كل ذلك الدين ثم صلاح الدنيا فقط * واحتج المانعون من ذلك بما روينا من طريق عبد الرزاق انا ابن جريج انا أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة عن ابى سلمة بن عبد الرحمن قال: " كانت امرأة من الانصار تحت رجل من الانصار فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فانكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فقالت. أنكحني أبى رجلا لا أريده وترك عم ولدى فيأخذ من ولدى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال له: أنت الذى لانكاح لك اذهبي فانكحى عم ولدك " * قال أبو محمد: هذا مرسل وفيه مجهول ومثل هذا لا يحتج به وذكروا ما روينا من طريق ابى داود نا محمود بن خالد السلمى نا الوليد - هو ابن - مسلم عن ابى عمرو الاوزاعي حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدة عبد الله بن عمرو " ان امرأة طلقها زوجها وأراد انتزاع ولده منها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي " وهذه صحيفة لا يحتج بها، وقد ذكرنا في كتابنا الموسوم بالاعراب، وفي كتاب الايصال ما تركوا فيه رواية عمرو بن شعيب عن ايبه عن جده ولم يعبوه إلا بأنه صحيفة، فان قيل: فهلا قلتم: الخالة كالجدة لقول الله عزوجل: (ورفع ابويه على العرش)

[ 326 ]

وانما كانت خالته واباه، قلنا لم يأت قط نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انها كانت خالته وانما هي من اخبار بنى اسرائيل وهى ظاهرة الكذب، ولعلها كانت امه من الرضاعة فهما ابوان على هذا، فان قيل: فقد رويتم عن ابى داود نا عباد بن موسى نا اسماعيل بن جعفر عن اسرائيل عن ابى اسحاق عن هانئ وهبيرة عن على بن ابى طالب فذكر اخذه بنت حمزة من مكة وان جعفر بن ابى طالب قال: ابنة عمى وخالتها عندي فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الام قلنا: لا يصح لان اسرائيل ضعيف وهانئ وهبيرة مجهولان فان قيل فقد رويتم من طريق ابى داود نا محمد بن عيسى نا سفيان عن ابى فروة عن عبد الرحمن بن ابى ليلى " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ببنت حمزة لجعفر لان خالتها عنده قلنا هذا مرسل ولا حجة في مرسل، وابو فروة - هو مسلم بن سالم الجهنى - وليس بالمعروف، فان قيل: قد حدثكم يوسف بن عبد الله النمري قال نا عبد الله بن محمد يوسف الازدي نا اسحاق بن احمد نا العقبلى نا احمد بن داود نا عمران الحصنى نا يوسف بن خالد السمتى نا ابو هريرة المدنى عن مجاهد عن ابى هريرة " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخالة ام " قلنا: هذا أسقط من ان يشتغل به لان فيه يوسف بن خالد السمتى وهو مرغوب عنه متروك مذكور بالكذب، وابو هريرة المدنى لا يدرى احد من هو، فان قيل: فقد حدثكم احمد بن محمد الطلمنكى نا محمد بن أحمد ابن مفرج نا محمد بن ايوب الصموت نا احمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار نا محمد بن المثنى نا ابو عامر العقدى نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن يزيد بن عبد الله يعنى ابن الهادى عن محمد بن ابراهيم عن نافع بن عجيز عن ابيه عن على بن ابى طالب انه اختصم هو واخوه جعفر وزيد بن حارثة في حضانة بنت حمزة " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اما الجارية فأقضى بها لجعفر تكون مع خالتها وانما الخالة ام " قلنا: نافع بن عجير وابوه عجير مجهولان، ولا حجة في مجهول إلا ان هذا الخبر بكل وجه حجة على الحنيفيين والمالكيين والشافعيين لان خالتها كانت متزوجة بجعفر وهو اجمل شاب في قريش وليس هو ذا محرم من بنت حمزة ونحن لاننكر قضاءه عليه الصلاة والسلام بها لجعفر من اجل خالتها لان ذلك احوط لها، فان قيل: فهلا قلتم بتخييره إذا أعقل لما حدثكم به حمام بن احمد نا عباس بن اصبغ نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا احمد بن زهير بن حرب نا ابى نا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن هلال بن ابى ميمونة عن أبى ميمونة قال: شهدت ابا هريرة خير غلاما بين ابيه وامه فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه، ومن طريق ابى بكر بى أبى شيبة ناوگيع عن على بن المبارك

[ 327 ]

عن يحيى بن ابى كثير عن ابى ميمونة عن ابى هريرة " أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد طلقها زوجها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استهما عليه ثم قال عليه الصلاة والسلام للغلام تخير أيهما شئت فاختار امه قلنا: أبو ميمونة هذا مجهول ليس هو والد هلال الذى روى عنه ثم إذا تدبر لم تكن فيه حجة لانه ليس فيه انه لو تخير أباه قضى له به، وأيضا فنحن لاننكر تخييره إذا كان أحد الابوين أرفق به، ولاشك في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخير بين خير وشر ولاشك في انه عليه الصلاة والسلام لا يخير إلا بين خيرين، وكذلك نحن على يقين من أنه عليه الصلاة والسلام لا يترك أحدا على اختياره ما هو فساد له في دينه أو في حالته فقد يسوء اختيار الصغير لنفسه ويميل إلى الراحة والاهمال فلا شك في أنه عليه الصلاة والسلام ان كان خير الصبى فلم ينفذ اختياره إلا وقد اختار الذى يجب ان يختار لا يجوز غير ذلك أصلا. فان قيل: فقد ذكر تم ما حدثكم عبد الله ابن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية القرشى نا احمد بن شعيب النسائي نا محمود بن غيلان نا عبد الرزاق ارنا سفيان هو الثوري عن عثمان التبين عن عبد الحميد الانصاري عن أبيه عن جده " انه لما أسلم وأبت امرأته ان تسلم فجاء ابن لها صغير لم يبلغ ثم خيره عليه الصلاة والسلام بينهما فاختار أمه فقال: اللهم اهده فذهب إلى أبيه " قلنا: هذا خبر لم يصح قط لان الرواة له اختلفوا فقال عثمان البتى: عبد الحميد الانصاري عن أبيه عن جده، وقال مرة أخرى: عبد الحميد بن يزيد بن سملة ان جده أسلم، وقال مرة أخرى: عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده، وقال عيسى: عبد الحميد بن جعفر أخبرني ابى عن جدى رافع بن سنان، وكل هؤلاء مجهولون ولا يجوز تخيير بين كافر ومسلم أصلا، فهذا ما يذكر من الآثار في هذا الباب * وأما ما جاء عن السلف فيه فروينا من طريق الزهري وعكرمة انه قضى بحضانة ابن لعمر بن الخطاب لام الصبى واقل: هي أحق به ما لم تتزوج وكان عمر نازعها فيه وخاصمها إلى ابى بكر وهذان منقطعان * ومن طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن غير واحد من الانصار وغيرهم ان أم عاصم بن عمر تزوجت فقضى أبو بكر بعاصم لام أمه وقد كان عمر يخاصمها فيه وهذا لا شئ لان ابن لهيعة ساقط فكيف وهو عمن لا يدرى * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس ان عمر خاصم امرأته أم ابنه عاصم إلى أبى بكر إذ طلقها وقال: انا أحق به فقال له أبو بكر: ريحها وحرها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه وقضى أبو بكر لها به * ومن طريق القاسم بن محمد ان أبا بكر قضى لجدة عاصم بن عمر ام أمه

[ 328 ]

وقد جاذبها عمر فيه، وهذا منقطع، فهذا ما يعرف عن ابى بكر رضى الله عنه. وأما عمر رضى الله عنه فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن عبيد ابن عمير قال: خير عمر غلاما بين ابيه وامه فاختار امه فانطلقت به * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن اسماعيل بن عبيدالله عن عبد الرحمن ابن غنم قال: اختصم إلى عمر بن الخطاب في غلام فقال: هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه فيختار * ومن طريق حماد بن سلمة عن الاغر بن سويد عن عمير بن سعيد ان عمر مقضى بالولد للعم دون الام ثم رده إلى الام، فهذا ما بلغنا عن عمر رضى الله عنه، وأما على رضى الله عنه فروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان نا يونس بن عبيدالله الحرمى حدثنى عمارة بن ربيعة انه خاصم فيه أمه وعمه إلى على بن أبى طالب قال: فخيرني على ثلاثا كلهن اختار أمي ومعنا أخ لى صغير فقال لعلى: هذا إذا بلغ مبلغ هذا خير * وأما ابو هريرة فقد ذكرنا عنه التخيير قبل، فهذا ما حضرنا فيه عن الصحابة رضى الله عنهم. وروينا عن عمرو ابن عمر إذا بعتم اخوين فلا تفرقوا بينهما * واما التابعون فروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ايوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن شريح قال: الام ارفق والاب احق وقضى ان الصبى مع امه إذا كانت الدار واحدة ويكون معهم من النفقة ما يصلحهم * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن اجلح ان شريحا قضى بالصبى للجدة إذا تزوجت امه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزرهى قال: الام احق بالولد ما لم تتزوج فإذا تزوجت اخذه ابوه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت عطاء سئل عن ولد المكاتب والعبد من الحرة فقال: الام احق به لانها حرة * ومن طريق ابن وهب عن الليث بن سعد قال: نا يحيى بن سعيد ان المرأة إذا طلقت فهى اولى بالولد الذكر والانثى ما لم تتزوج فإذا خرج الوالد إلى ارض يسكنها كان اولى بالولد وان كانوا صغارا وان هو خرج غازيا أو تاجرا فالام احق (1) بولدها إلا ان يكون غزا غزوة انقطاع. لا نعلم عن تابع غير ما ذكرنا. وما نعلم استثناء الزواج في الام إلا عن شريح. والزهرى. ويحيى بن سعيد الانصاري إلا ان الزهري قضى به في ذلك للاب وقضى به شريح للجدة. فان قالوا: لعل الزهري قضى به للاب إذا لم يكن له جدة ولا خالة قلنا. ولعل شريحا إنما قضى به للجدة إذا لم يكن للولد اب وما وجدنا إباحة رحيل الاب بالولد الا عن يحيى بن سعيد وحده وكلام شريح في ذلك


(1) في النسخة رقم 14 أولى

[ 329 ]

وليس بالبين أفيكون أكذب ممن ادعى الاجماع في هذا ونعوذ بالله من الخذلان واستسهال الكذب * واما المتأخرون فان سفيان الثوري قال: ان تزوجت الام فالخالة احق، وقال الاوزاعي: إذا تزوجت الام فالجدة للاب احق بالولد فان لم تكن فالعم احق بالولد من جدته أم أمه (1) فان طلقت الام لم ترجع إلى الحضانة، وقال الليث بن سعد: الام أحق بالابن حتى يبلغ ثمانى سنين وبالابنة حتى تبلغ ثم الاب أولى بهما إلا أن تكون الام غير مرضية فتنتزع الابنة منها قبل ذلك. وقال الحسن بن حى: الام أولى حتى تكعب (2) الابنة وييفع الغلام (3) فيخير ان بين ابويهما فأيهما اختار قضى له بذلك، ثم ان بدا للولد والا بنة بعد ذلك فارادا الرجوع إلى الآخر فذلك لهما فان تزوجت الام فلا حق لها في الحضانة فان طلقت قبل وقت تخيير الولد والابنة (4) عادت على حقها في الحضانة قال: فإذا بلغت الابنة وهى مأمونة فلها أن تسكن حيث شاءت كذلك الابن إذا بلغ وأونس رشده، وقال أبو حنيفة: الام أحق بالابن والابنة الصغيرين ثم الجدة ام الام ثم ام الاب ثم الاخت الشقيقة ثم الاخت للام ثم اختلف قوله فمرة قال ثم الخالة ثم الاخت للاب ثم العمة وبه يأخذ زفر، ومرة قال ثم الاخت للاب ثم الخالة ثم العمة وبه يأخذ أبو يوسف، ثم لم يختلف قوله في ان الخالة الشقيقة أحق من الخالة للاب وان الخالة للاب أحق من الخالة للام والخالة للام أحق من العمة الشقيقة، والعمة الشقيقة أحق من العمة للاب وأن العمة للاب أحق من العمة للام، وقال أبو حنيفة: والكافرة والمؤمنة سواء قال: فالام والجدتان أحق بالجارية حتى تحيض وبالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس ثيابه وحده، وأما الاخوات والخالات والعمات فهن أحق بالجارية والغلام حتى يأكلا وحدهما ويشربا وحدهما ويلبسا ثيابهما وحدهما فقط، ولا حق لمن ذكرنا في الحضانة ان تزوجن إلا أن يكون زوج الجدة هو الجد ويكون زوج سائر من ذكرنا ذا رحم محرمة من الجارية والغلام فلا يسقط بذلك حق الحضانة لهن قال: وبعد كل من ذكر نا تجب الحضانة للاب ثم لاب الاب ثم للاخ الشقيق ثم للاخ للاب ثم للعم الشقيق ثم للعم للاب قال: ولا حق في الحضانة للاخ للام ولا للعم للام ولا للجد للام ولا للخال جملة ولا للرجل تكون قرابته من قبل الام، وقد روى عن زفران الخالة أولى من الجدة للاب وان الاخت الشقيقة والاخت للام سواء


(1) في بعض النسخ أم أبيه (2) يقال كعبت الجارية من باب دخل بدا ثديها للنهود (3) يفع الغلام شب (4) فان طلقها قبل تخيير الولد أو الابنة (م 42 - ج 10 المحلى)

[ 330 ]

لاتقدم احداهما على الاخرى قالوا: فان امت (1) أو طلقت احدى من ذكرنا رجعت على حقها في الحضانة. وقال مالك: الام أحق بحضانة الولد ثم الجدة ام الام ثم الخالة ثم الجدة من قبل الاب ثم الاخت ثم العمة ثم ابنه الاخ قال: وكل هؤلاء أحق بالذكر حتى يبلغ الحلم وبالابنة حتى تزوج قال فان تزوجت الام سقط حقها في الحضانة فان كان زوج الجدة الجد لم يسقط حقها في الحضانة قال ثم بعد ابنة الاخ الاب ثم العصبة، وقال الشافعي: الام أحق بالابن والابنة ما لم تتزوج ثم الجدة من قبل الام وان علت ثم الاب ثم الجد ابو الاب وان علا ثم سائر العصبة الاخ وابن الاخ والعم وابن العم ثم الجدة أم الاب ثم أمهاتها ثم الجدة أم أب الاب ثم أمهاتها وان علت ثم الاخت الشقيقة ثم الاخت للاب ثم الاخت للام ثم الخالة الشقيقة ثم الخالة للاب ثم العمة قال: فإذا بلغ الصغير سبع سنين وهو يعقل عقل مثله خير بين أبيه وأمه فحيث اختار جعل فان تزوجت الام خرجت عن الحضانة فان أمت عادت إلى حقها في الحضانة * واختلفوا في رحيل الاب فقال أبوحنيفية: ان كان النكاح وقع في مصر فارادت المرأة أن تشخص بولدها الصغار فالوالد أحق (2) فان سكنت في غير الموضع الذى وقع فيه عقد النكاح فأرادت الرجوع إلى المكان الذى وقع فيه عقد النكاح فلها ذلك وهى في ذلك أحق بهم من الاب ولها أن ترحل بهم إلى ما يقرب من المصر الذى وقع فيه عقد النكاح إن كان يمكن عصبة الولد أن ينهضوا إلى رؤية الصغير أو الصغيرة ويرجعوا من نهارهم، وقال ابن ابى ليلى: نحو ذلك وقال مالك: للاب أن يرحل ببنيه إذا كان راحلا رحلة اقامة لا رجوع له صغارا كانوا أو كبارا قال: والعصبة كالاب في ذلك إذا مات الاب قال: وليس للام أن ترحلهم إلا البريد ونحوه، وقال الليث والشافعي نحو ذلك * قال أبو محمد: كل ما ذكر نا من حق الحضانة في الزوجات فهو في المماليك المسبيين والمبيعين كل ذلك سواء سواء لان النصوص التى أوردنا تقتضي ذلك ولا يفسخ البيع لكن يخير من له ملك الصغير والصغيرة على أن يدعهما عند من له حضانتهما لانه لم يات نص بفسخ البيع، وقال أبو حنيفة لا يفرق بين الصغير والصغيرة وبين ذوى رحمها المحرمة فان بيع الصغير أو الصيغرة دون ذوى رحمها أو ذات رحمه لم يفسخ البيع قال أبو يوسف: يفسخ في الام والولد خاصة، وقال مالك. والليث. والشافعي: يفرق بين الصغيرين وبنى كل ذى رحم محرمة إلا الابوين فقط فلا يفرق بينهما وبين ولدهما، وقال أحمد بن حنبل لا يفرق بين الصغيرين من السى وبين ذوى رحمه المحرمة، وقال محمد بن عبد الله


(1) يعنى بقيت أم ولد (2) في النسخة رقم 14 فالاب أحق

[ 331 ]

ابن عبد الحكم لا يفرق بين الولد وأمه إن كان بالغا * قال أبو محمد: انما أوردنا هذه الاقوال ليوقف على تخاذلها وتناقضها وفسادها استحسانات لا معنى لها وليظهر كذب من ادعى الاجماع في شئ من ذلك * وروينا من طريق شعبة نا عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: إذا بعتم أخوين فلا تفرقوا بينهما * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا عثمان بن عمر عن ابن ابى ذئب عمن سمع سالم بن عبد الله بن عمر يذكر عن ابيه انه قال: إذا بعتم أخوين فلا تفرقوا بينهما قلت له إذا لا يعتدل القسم قال: لااعتدل، وعن عثمان رضى الله أن لا يباع السبى إلا أعشاشا، وعن عمر بن عبد العزيز فسخ البيع بخلاف ذلك * 2015 مسألة وإذا بلغ الولد أو الا بنة عاقلين فهما أملك بأنفسهما، ويسكنان أينما أحبا فان لم يؤمنا على معصية من شرب خمر أو تبرج أو تخليط فللاب أو غيره من العصبة أو للحاكم أو للجيران أن يمنعاهما من ذلك ويسكناهما حيث يشرفان على أمورهما، وقد ذكرنا قول ابى حنيفة، والحسن بن حى بمثل هذا * برهان صحة قولنا قول الله عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وتصويبه عليه الصلاة والسلام قول سلمان اعط كل ذى حق حقه ولا معنى للفرق بين الذكر والانثى في ذلك ولا لمراعاة زواج الابنة لانه شرع لم يأذن به الله تعالى وقد تزوج وهى في المهد وقد لا تتزوج وهى بنت تسعين سنة، ورب بكر أصلح وأنظر من ذوات الازواج وبضرورة الحس يدرى كل أحد أن الزواج لم يزدها عقلا لم يكن ولا صلاحا لم يكن وأما إذا ظهر من الذكر أو الانثى تخليط أو معصية فالمنع من ذلك واجب لقول الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) * 2016 مسألة وان كان الاب: والام محتاجين إلى خدمة الابن أو الابنة الناكح أو غير الناكح لم يجز للابن ولا للابنة الرحيل ولا تضييع الابوين أصلا وحقهما أوجب من حق الزوج والزوجة فان لم يكن بالاب والام ضرورة إلى ذلك فللزوج ارحال امرأته حيث شاء مما لاضرر عليهما فيه * برهان ذلك قول الله عز وجل: (ان اشكر لى ولوالديك) فقرن تعالى الشكر لهما بالشكر له عزوجل، وقوله تعالى: (وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في

[ 332 ]

الدنيا معروفا) فافترض الله عزوجل ان يصحب الابوين بالمعروف وان كانا كافرين يدعوانه إلى الكفر ومن ضيعهما فلم يصحبهما في الدنيا معروفا، وقول تعالى: (وبالوالدين احسانا إما يبلغن عندك الكبر أحد هما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) الآية، وقد ذكرنا آنفا قول الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: أمك ثم امك ثم اباك، وقول عليه الصلاة والسلام: " عقوق الوالدين من الكبائر " وقد اختلف قوم فيما ذكرنا (1) واحتجوا باخبار ساقطة * منها خبر رويناه من طريق الحارث بن أبى أسامة عن يزيد بن هارون عن يوسف بن عطية عن ثابت البنانى عن أنس بن مالك أن رجلا غزا وترك امرأته في علو وأبوها في سفل وأمرها ان لا تخرج من بيتها فاشتكى ابوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره فقال لها: اتقى الله وأطيعي زوجك ثم كذلك إذ مات أبوها ولم تشهده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله غفر لابيك بطواعيتك لزوجك " يوسف بن عطية متروك الحديث ولا يكتب حديثه * ومن طريق مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن ليث بن أبى سليم عن عطاء عن ابن عمر " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حق الرجل على زوجته؟ فقال كلاما منه ان لا تخرج من بيتها إلا باذنه فان فعلت لعنتها ملائكة الله وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع إلى بيتها أو تتوب قيل يا رسول الله وان ظلمها قال: وان ظلمها، ليث ضعيف وحاش لله أن يبيح رسول الله صلى الله عليه وسلم الظلم وهى زيادة موضوعة ليست لليث بلا شك * ومن طريق قاسم بن اصبغ نا ابن ابى العوام ثنا عبيد بن اسحاق - هو العطار - ناحيان بن على العنزي عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن بريدة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو كنت آمر بشرا أن يسجد لبشر لامرت المراة أن تسجد لزوجها تعظيما لحقه " * ومن طريق وكيع عن الاعمش عن ابى ظبيان عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله حرفا حرفا ليس فيه تعظيما لحقه * ومن طريق خلف بن خليفة عن حفص بن أخى أنس بن مالك عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لامرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم (2) حقه عليها " ومن طريق ابى داود نا عمرو بن عون انا اسحاق بن يوسف الازرق عن شريك بن عبد الله القاضى عن حصين عن الشعبى عن قيس بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كت آمر أحدا أن يسجد لاحد لامرت النساء أن يسجدن لازواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق * نا احمد بن محمد بن أحمد


(1) في النسخة رقم 14 وقد خالف قوم ما ذكرنا (2) في النسخة رقم 14 من عظم

[ 333 ]

ابن الجسور نا احمد بن الفضل الدينورى نا محمد بن جرير الطبري نا ابراهيم بن المستمر نا وهب ابن جرير بن حازم نا موسى بن على بن رباح عن ابيه عن سراقة بن جعشم انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لو كنت آمر احدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها " * قال أبو محمد: كل هذا باطل. أما حديث بريدة ففيه عبيد من اسحاق يعرف بعطار المطلقات كوفى يحدث بالباطل ليس بشئ وهو الذى اسند " معملوا صبيانكم شراركم " وهذا هو الكذب البحت لصحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " وأما حديث معاذ فمنقطع لان ابا ظبيان لم يلق معاذا ولا ادركه * واما حديث انس ففيه حفص بن اخى انس ولا يعرف لانس ابن اخ اسمه حفص ولا اخ لانس إلا البراء بن مالك من ابيه، وعبد الله بن ابى طلحة من امه ولا يعرف لواحد منهما ولد اسمه حفص، وخلف بن خليفة ليس بالحافظ، وأما حديث سراقة ابن جعشم فمنقطع لان على بن رباح لم يدرك سراقة قط * وأما حديث قيس بن سعد ففيه شريك بن عبد الله القاضى وهو مدلس يدلس المنكرات عمن لاخير فيه إلى الثقات * ومن طريق احمد بن شعيب ارنا شعيب بن شعيب بن اسحاق نا عبد الوهاب حدثنى شعيب بن اسحاق نا الاوزاعي أخبرني يحيى - هو ابن سعيد الانصاري - ان بشير بن يسار أخبره ان عبد الله بن محصن أخبره عن عمة له " انها ذكرت زوجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها عليه الصلاة والسلام: انظري أين أنت منه فانه جنتك أو نارك " * ومن طريق احمد بن شعيب أرنا قتيبة بن سعيد. ومحمد بن منصور. واحمد ابن سليمان. ومحمد بن بشار. ومحمد بن المثنى. ويونس بن عبد الاعلى. ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال قتيبة: نا الليث بن سعد وقال محمد بن منصور: نا سفيان ابن عيينة: وقال احمد بن سليمان نا يعلى ويزيد وقال ابن المثنى. وابن بشار: نا يحيى ابن سعيد القطان وقال يونس نا ابن وهب ارنا مالك وقال ابن عبد الحكم نا شعيب ابن الليث نا الليث وقال يونس نا خالد عن سعيد بن أبى هلال ثم اتفق الليث. وسفيان. ويعلى. ويزيد. ويحيى. ومالك. وابن أبى هلال. كلهم عن يحيى بن سعيد الانصاري عن بشير بن يسار عن حصين بن محصن عن عمة له عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وهكذا رويناه من طريق حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن حصين بن محصن فهذا كله لا يصح لان عبد الله بن محصن وحصين بن محصن مجهولان لا يدرى أحد منهما * ومن طريق احمد بن شعيب أرنا محمود بن غيلان نا أبو أحمد هو الزبيري نا مسعر هو

[ 334 ]

ابن - كدام عن أبى عتبة عن عائشة أم المؤمنين قالت: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: زوجها قلت فأى الناس أعظم حقا على الرجل؟ قال أمه " * قال أبو محمد: ابو عتبة مجهول لا يدرى من هو والقرآن كما أوردنا والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صدرنا به يبطل هذا * ومن طريق احمد بن شعيب ارنا احمد بن عثمان بن حكيم الكوفي نا جعفر بن عون حدثنى ربيعة بن عثمان عن محمد بن يحيى ابن حبان عن نهار العبدى - مدنى لا بأس به - عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها ما دات حقه " ربيعة بن عثمان مجهول * ومن طريق خلف بن خليفة عن أبى هاشم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا اخبركم بنسائكم من اهل الجنة الودود الولود العؤود على زوجها التى إذا آذت أو أوذيت جاءت حتى تأخذ بيد زوجها ثم تقول والله لاأذوق عضما حتى ترضى " هذا خبر لا بأس به وهكذا في كتابي عضما بالضاد وهو عظم القوس ولا مدخل له ههنا ومن طريق احمد بن شعيب أرنا عمرو بن منصور نا محمد محبوب نا سرار بن مجشر بن قبيصة البصري عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهى لاتستغنى عنه " قال احمد بن شعيب. سرار بن مجشر ثقة هو ويزيد بن زريع مقدمان في سعيد بن أبى عروبة هكذا بالسين ورائين * قال أبو محمد: هذا حديث حسن والشكر لكل محسن واجب * ومن طريق احمد ابن شعيب ارنا عمرو بن على نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - نا ابن عجلان نا سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن خير النساء فقال: " التى تطيع زوجها إذا أمر وتسره إذا نظر وتحفظه في نفسها وماله " هذا خبر صحيح وقد صح ما روينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن زبيد الاليامى عن سعيد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على بن أبى طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لاطاعة في معصية انما الطاعة في المعروف " * وأما السلف فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: رجل غاب عن امرأته ولم تكن استأذنته في الخروج أتخرج في طواف الكعبة أو في عيادة مريض ذى رحم أو ابوها يموت؟ فأبى عطاء أن تخرج في شئ (1) من ذلك، قال ابن جريج: واقول انا: تأتى كل ذى رحم قريب *


(1) في النسخة رقم 16 " ان يرخص في شئ "

[ 335 ]

الرضاع 2017 مسألة والواجب على كل والدة حرة كانت أو أمة في عصمة زوج أو في ملك سيد أو كانت خلوا منهما لحق ولدها بالذى تولد من مائه أو لم يلحق أن ترضع ولدها أحبت أم كرهت ولو انها بنت الخليفة وتجبر على ذلك الا أن تكون مطلقة فان كانت مطلقة لم تجبر على ارضاع ولدها من الذى طلقها إلا ان تشاء هي ذلك فله ذلك أحب ابوه أم كره أحب الذى تزوجها بعده أم كره فان تعاسرت هي وأبو الرضيع أمر الوالد بان يسترضع لولده امرأة اخرى ولابد إلا أن لا يقبل الولد غير ثديها فتجبر حينئذ احبت أم كرهت احب زوجها ان كان لها ام كره فان مات أبو الرضيع أو افلس أو غاب بحيث لا يقدر عليه اجبرت الام على ارضاعه الا ان لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضربه فانه يسترضع له غيرها ويتبع الاب بذلك ان كان حيا وله مال فان لم تكن مطلقة لكن في عصمته أو منفسخة النكاح منه أو من عقد فاسد. بجهل فاتفق ابوه وهى على استرضاعه وقبل غير ثديها فذلك جائز فان اراد أبوه ذلك فابت هي الا ارضاعه فلها ذلك فإذا أرادت هي أن تسترضع له غيرها وأبى الوالد لم يكن لها ذلك وأجبرت على ارضاعه قبل غير ثديها أو لم يقبل غير ثديها الا ان لا يكون لها لبن أو كان لبنها يضر به فعلى الوالد حينئذ أن يسترضع لولده غيرها فان لم يقبل في كل ذلك الا ثدى امه أجبرت على ارضاعه ان كان لها لبن لا يضر به فان كان لا أب له اما بفساد الوطئ بزنا أو اكراه أو لعان أو بحيث لا يلحق بالذى تولد من مائه واما قد مات أبوه فالام تجبر على ارضاعه الا ان لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضر به أو ماتت أمه أو غابت حيث لا يقدر عليها فيسترضع له غيرها سواء في كل ذلك كان للرضيع مال أو لم يكن فان كان له أب أو أم فاراد الاب فصاله دون رأى الام أو أرادت الام فصاله دون رأى الاب فليس ذلك لمن أراده منهما قبل تمام الحولين كان في ذلك ضرر بالرضيع أو لم يكن فان أرادا جميعا فصاله قبل الحولين فان كان في ذلك ضرر على الرضيع لمرض به أو لضعف بنيته أو لانه لا يقبل الطعام لم يجز ذلك لهما فان كان لاضرر على الرضيع في ذلك فلهما ذلك فان أرادا التمادي على ارضاعه بعد الحولين فلهما ذلك فا أراد احدهما بعد الحولين فصاله وأبى الآخر منهما فان كان في ذلك ضرر على الرضيع لم يجز فصاله وكذلك لو اتفقا على فصاله وان كان لاضرر على الرضيع في فصاله بعد الحولين فأى الابوين أراد فصاله بعد تمام الحولين فله ذلك هذا حق الرضيع والحق على الاب والام في ارضاعه * وأما الواجب

[ 336 ]

للام في ذلك فان كان الولد لا يلحق نسبه بالذى تولد من مائه أو كان أبوه ميتا أو غائبا حيث لا يقدر عليه ولا وارث للرضيع فالرضاع على الام ولا شئ لها على أحد من أجل ارضاعه فان كانت في عصمته بزواج صحيح أو ملك يمين صحيح فعلى الوالد نفقتهما أو كسوتهما فقط كما كان قبل ذلك ولا مزيد، وان كانت في غير عصمته فان كانت أم ولده فاعتقها أو منفسخة النكاح بعد صحته بغير طلاق لكن بما ذكرنا قبل ان النكاح ينفسخ به بعد صحته أو وطوء بعقد فاسد بجهل يلحق فيه الولد بوالده أو طلقها طلاقا رجعيا وهو رضيع فلها في كل ذلك على والده النفقة والكسوة فقط ولا مزيد، فان كان فقيرا كلفت ارضاعه ولا شئ لها على الاب الفقير فان غاب وله مال وامتنع اتبع بالنفقة والكسوة متى قدر له على مال، فان كانت مطلقة ثلاثا وأتمت عدتها من الطلاق الرجعى بوضعه فلها على أبيه الاجرة في راضاعه فقط فان رضيت هي باجرة مثلها فان الاب يجبر على ذلك احب ام كره ولا يلتفت إلى قوله انا واجد من ترضعه بأقل أو بلا اجرة، فان لم ترض هي الا باكثر من اجرة مثلها وأبى الاب الا أجرة مثلها فهذا هو التعاسر وللاب حينئذ ان يسترضع غيرها لولده إلا ان لا يقبل غير ثديها أو لا يجد الاب الا من لبنها مضر بالرضيع أو كان الاب لامال له فتجبر الام حينئذ على ارضاعه وتجبر هي والوالد على أجرة مثلها ا كان له مال والا فلا شئ عليه، وكل ما ذكرنا انه يجب على الوالد في الرضاع من اجرة أو رزق أو كسوة فهو واجب عليه كان للرضيع مال أو لم يكن كانت صغيرة زوجها أبوها أو لم تكن بخلاف النفقة على الفطيمة أو الفطيم، فان مات الاب فكل ما ذكرنا انه يجب على الوالد من كسوة أو نفقة أو اجرة وللرضيع وارث فهو على وارث الرضيع على عددهم لا على مقادير مواريثهم منه والام من جملتهم والزوج ان كان زوجها أبوها من جملتهم سواء كان للرضيع مال أو لم يكن بخلاف كسوته ونفقته إذا أكل الطعام فان لم يكن له وارث فرضاعه على الام وارثة كانت أو غير وارثة ولا شئ لها من اجل ذلك في مال الرضيع بخلاف وجوب نفقتها في ماله ان كان له مال ولا مال لها فان كانت مملوكة وولدها عبدا لسيدها أو لغير سيدها فرضاعه على الام بخلاف كسوته ونفقته إذا استغنى عن الرضاع فان كانت مملوكة وولدها حر فان كان له اب أو وارث فالنفقة والكسوة أو الاجرة على الاب أو على الوارث كما قدمنا فان لم يكن له اب ولا وارث فرضاعه على امه فان ماتت أو مرضت أو اضر به لبنها أو كانت لالبن لها ولامال لها فعلى بيت مال المسلمين فان منع فعلى الجيران يجبرهم الحاكم على ذلك وبالله تعالى التوفيق *

[ 337 ]

قال أبو محمد: برهان كل ما ذكرنا منصوص في قول الله عزوجل: (والولدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا وسعها لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فان ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليها وان اردتم ان تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا ان الله بما تعملون بصير) وفى قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك امرا فإذا بلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) فهذه صفة الطلاق الرجعى بلا شك، ثم ذكر الله تعالى العدة بالاقراء والشهور، ثم قال عزوجل: (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وان كن اولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) إلى قوله (سيجعل الله بعد عسر يسرا) وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا هذا ان قوله تعالى: (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن. لتضيقوا عليهن وان كن أولات حمل فانفقوا علهين حتى يضعن حملهن) قد بين حديث فاطمة بنت قيس انه عزوجل انما اراد به المطلقات طلاقا رجعيا لا المطلقات ثلاثا فكل ما قلنا فانه منصوص في الآيات المذكورات بلا تأويل ونحن ان شاء الله تعالى ذاكرون بيان ذلك فصلا فصلا ولاحول ولاقوة الا بالله العلى العظيم * أما قولنا في أول المسالة الواجب على كل حرة أو أمة في عصمة زوج كانت أو في ملك سيد أو خلو منهما لحق ولدها بالذى تولد من مائه أو لم يلحق ان ترضع ولدها احبت ام كرهت ولو انها بنت الخليفة وتجبر على ذلك فلقول الله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن اراد أن يتم الرضاعة) وهذا عموم لا يحل لاحد ان يخص منه شيئا الا ما خصه نص ثابت والا فهو كذب على الله تعالى، فان قيل: هذا خبر لا أمر قلنا هذا أشد عليكم إذ أخبر عزوجل بذلك فمخالف خبره ساع في تكذيب ما أخبر الله عزوجل وفى هذا ما فيه، وهذا قول ابن أبى ليلى. والحسن بن حى. أبى ثور. وأبى سليمان. وأصحابنا وأختلف فيه عن مالك مرة قال مثل قولنا ومرة قال الشريفة لا تجبر على ذلك وهذا قول في غاية الفساد لان الشرف هو التقوى فرب هاشمية أو عبشمية بنت خليفة تموت هزلا ورب زنجية (م 43 - ج 10 المحلى)

[ 338 ]

أو بنت غية قد صارت حرمة ملك أو أمه، وقال أبو حنيفة: لاتجر الام على الرضاع وهذا خلاف مجرد للقرآن * واما قولنا الا ان تكون مطلقة فان كانت مطلقة فانها لا تجبر على ارضاع ولدها من الذى طلقها الا ان تشاء هي ذلك فان شاءت هي ذلك فذلك لها أحب ذلك الذى طلقها أو أبى احب ذلك زوج ان كان لها أو أبى فلقول الله تعالى في سورة الطلاق بعد ذكر المعتدات (فان ارضعن لكم فآتوهن أجور هن وائتمروا بينكم بمعروف وان تعاسرتم فسترضع له أخرى) فلم يخص تعالى ذات زوج من غيرها ولا جعل في ذلك خيارا للاب ولا للزوج بل جعل الارضاع إلى الامهات وفى هذا خلاف قديم * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن ابى اسحاق الشيباني قال: أتى عبد الله بن عتبة بن مسعود في رجل تزوج امرأة ولها ولد ترضعه فابى الزوج أن ترضعه فقضى عبد الله بن عتبة أن لا ترضعه قلنا: حكم حكما لا دليل على صحته، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن احتج ههنا بهذا فنحن نذكر له ما رويناه من طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال اتى عبد الله بن عتبة بن مسعود في رضاع صبى فقضاه في مال الغلام وقال لوليه: لو لم يكن له مالا لالزمتك، ألا تقرأ [ وعلى الوارث مثل ذلك ] * وما ناد احمد بن عمر بن أنس العذري نا أبو ذر الهروي نا عبد الله بن أحمد بن حمويه نا ابراهيم بن خريم نا عبد بن حميد نا روح عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين أن عبد الله بن عتبة بن مسعود قضى بنفقة الصبى في ماله وقال لوارثه: لو لم يكن له مال لقضيت بالنفقة عليك، ألا تقرأ (وعلى الوارث مثل ذلك) فقد قلد عبد الله بن عتبة في قول اخطأ فيه لا برهان له على صحته فليتبعه فيما أصاب فيه ووافق القرآن وهم لا يفعلون ذلك، فان قالوا: انما تزوجها للوطئ قلنا نعم فكان ماذا؟ وانما ولدته لترضعه فحق الصبى قبل حق الذى تزوجها بعد إن ولدته ولا يمنعه ارضاعها ولدها من وطئه لها، وأما قولنا فان تعاسرت هي وأبو الرضيع أمر الوالد أن يسترضع لولده امرأة أخرى ولا بد فلقول الله عزوجل في الآية المذكورة: (وان تعاسرتم فسترضع له أخرى) والخطاب للآباء والامهات بنص القرآن (1) * واما قولنا إلا أن لا يقبل الولد غير ثديها فنجبر حينئذ على ارضاعه أحبت أم كرهت أحب زوجها أم كره أحب أبوه أم كره فلقول الله عزوجل: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم) ولقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا


(1) في النسخة رقم 14 بنص الآية

[ 339 ]

على الاثم والعدوان) ولقوله تعالى: (لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) وهذه هي المضارة حقا، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " رويناه من طرق شتى متواترة في غاية الصحة، منها من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله البجلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * وأما قولنا: فان مات أبو الرضيع أو أفلس أو غاب بحيث لا يقدر عليه أجرت الام أيضا على ارضاعه إلا أن لا يقبل ثديها أو لا يكون لها لبن أو كان لبنها مما يضر به فانه يسترضع له غيرها فلما ذكرنا في الفصل الذى قبل هذا متصلا به نصا ويتبع الاب بذلك إن نكان حيا وله مال لان الحق عليه في ذلك * وأما قولنا فان لم تكن مطلقة لكن في عصمته أو منفسخة النكاح منه أو من عقد فاسد بجهل أو أم ولد اعتقت فاتفق أبوه وهى على استرضاعه وقبل غير ثديها فذلك جائر فلقول الله عزوجل: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم) وهذا خطاب من الله تعالى لمن الاولاد لهم وهم الآباء والامهات بلاشك * وأما قولنا فان أراد أبوه ذلك وأبت الام الا أن ترضعه هي فلها ذلك فان أرادت هي أن تسترضع له غيره وأبى الولد لم يكن لها ذلك وأجبرت على ارضاعه فلان ارادة الاب والام لم يتفق على الاسترضاع له ولم يجعل الله تعالى ذلك الا بارادتهما وأما قولنا إلا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضر به فعلى الوالد حينئذ أن يتسرضع له غيرها فان لم يقبل في كل ذلك إلا ثدى أمه (1) أجبرت على ارضاعه إن كان لها لبن لا يضر به فلما ذكرنا آنفا من قوله تعالى: (لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) مع سائر ما ذكرنا في ذلك الفضل * وأما قولنا فان كان لا أب له إما بفساد الوطئ زنا أو إكراه أو لعان أو بحيث لا يلحق بالذى تولد من مائه، وإما قد مات أبوه فالام تجبر على ارضاعه فلقول الله تعالى: (ولا تضار والدة بولدها) ولما ذكرنا مع هذه الآية في ذلك الفصل * وأما قولنا: إلا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضر به أو ماتت أمه أو غابت حيث لا يقدر عليا فسترضع له غيره سواء كان في ذلك كله للرضيع مال أو لم يكن فلما ذكرنا من قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وما أوردنا في وجوب الرحمة * وأما قولنا فان كان له أب أو أم فاراد الاب فصاله دون رأى الام أو أرادت الام فصاله دون رأى الاب فليس ذلك لمن أراده منهما قبل تمام الحولين كان في الفصال (2) ضرر بالصغير أو لم يكن، فان أرادا جميعا فصاله قبل الحولين فان كان لاضرر في ذلك على الرضيع فلهما ذلك فان كان في ذلك


(1) في النسخة رقم 16 الا ثدى الام (2) في النسخة رقم 16 في الفصل

[ 340 ]

ضرر على الرضيع لمرض به أو لضعف بنيته أو لان لا يقبل الطعام لم يجز لهما ذلك فلقول الله عزوجل: (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) ولقوله تعالى: (فان أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) * واما مراعاة ضرر الرضيع فلما ذكرنا من قوله تعالى: (لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) مع ما ذكرنا مع هذه الآية هنا لك * وأما قولنا فان أرادت الام أو الاب التمادي على ارضاع الرضيع بعد الحولين فلهما ذلك فلانه لم يأت نص بالمنع من ذلك ولا بأن هذه من حقوق زوج ان كان لها وهو صلة لابنها وقد أوجب الله تعالى صلة الرحم فليس لاحد منعها مما أوجبه الله تعالى عليها للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لاطاعة في معصية " * وأما قولنا: فان كان الولد لا يلحق نسبه بالذى تولد من مائه أو كان أبوه ميتا أو غائبا حيث لا يقدر عليه ولا وارث للرضيع فالرضاع على الام ولا شئ لها على أحد من أجل الرضاعة لقول الله تعالى: (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) وليس ههنا مولود له ولا وارث فهو عليها فقط * وأما قولنا: فان كانت في عصمة الاب بزواج صحيح أو ملك يمين صحيح فعلى الوالد نفقتها وكسوتها كما كان قبل ذلك ولا مزيد فلقول الله عزوجل: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) * وأما قولنا: فان كانت في غير عصمته فان كانت أم ولد فاعتقها أو منفسخة النكاح بعد صحته بغير طلاق لكن بما ذكرنا قبل ان النكاح ينفسخ به بعد صحته أو موطوءة بعقد فاسد بجهل يلحق فيه الولد بوالده أو طلقها طلاقا رجعيا وهو رضيع فلها في كل ذلك على والده النفقة والكسوة بالمعروف فقط وهو للمطلقة مدة عدتها فان كان فقيرا كلفت إرضاع الولد ولا شئ له على الاب الفقير فان غاب وله مال اتبع بالنفقة والكسوة متى قدر عليه أو على مال له، وكذلك ان امتنع وله مال لقوله عزوجل: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وإذا أوجب الله تعالى ذلك لها فهو دين عليه ان كان له مال فان لم يكن له مال فلقول الله عزوجل: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) وإذا لم يكلف شيئا فلا يجوز أن يتبع ان أيسر بما لم يكلفه قط لكن ان أيسرو الرضاع متماد كلف من حين يوسر * وأما قولنا: فان كانت مطلقة ثلاثا أو أتمت عدة الطلاق الرجعى بوضعه فليس لها على أبيه اثر طلاقه لها ثلاثا أو آخر ثلاث أو اثر تمام عدتها من الطلاق الرجعى الا أجرة الرضاع فقط فلقول الله تعالى: (وان كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان ارضعن لكم فآتوهن اجورهن) وقد بينا قبل ان هذا النص انما هو

[ 341 ]

في المطلقات طلاقا رجعيا فقط بحديث فاطمة بنت قيس * وأما قولنا: فان رضيت هي بأجرة مثلها فان الاب يجبر على ذلك أحب أم كره. ولا يلتفت إلى قوله: أنا أجد من يرضعه بأقل أو بلا اجرة، فلقوله تعالى: (فان ارضعن لكم فآتوهن اجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وان تعاسرتم فسترضع له أخرى) فأوجب الله تعالى لهن الاجرة الا مع التعاسر والتعاسر في لغة العرب التى بها نزل القرآن فعل من فاعلين فإذا قنعت هي بأجرتها التى أوجبها الله تعالى لها بالمعروف فلم تعاسره وإذا لم تعاسره فهى على حقها في الاجرة المؤتمرة بالمعروف * وأما قولنا فان لم ترض هي إلا بأكثر من أجرة مثلها وأبى الاب إلا اجرة مثلها فهذا هو التعاسر وللاب حينئذ أن يسترضع لولده غيرها بأجرة مثلها أو بأقل أو بلا أجرة ان وجد * وأما قولنا إلا أن لا يقبل غير ثديها أو لا يجد الاب الا من لبنها مضر بالرضيع أو من تضيعه أو كان الاب لامال له فتجبر الام حيلئذ على ارضاعه وتجبر هي والوالد حينئذ على أجرة مثلها ان كان له مال والا فلا شئ عليه فلما ذكرنا من قول الله عزوجل: (وان تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا) ولما ذكرنا من قوله تعالى: (لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) ولما ذكرنا من وجوب الرحمة، وأما قولنا كل ما ذكرنا انه يجب على الوالد في الرضاع من أجرة أو كسوة أو نفقة وهى الرزق فهو واجب عليه كان للرضيع مال أو لم يكن صغيرة كانت أو لم تكن زوجها أو بها أو لم يكن بخلاف النفقة على الفطيم أو الفطيمة فلان الله عزوجل أوجب كل ما ذكرنا ولم يستثن ان كان للرضيع مال ولا ان كانت صغيرة ولها زوج وما كان ربك نسيا * وأوجب عزوجل أن ينفق على كل أحد من ماله وعلى الزوج للزوجة ولايجوز ضرب أوامر الله تعالى بعضها ببعض لقوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وأما قولنا فان مات الاب فكل ما ذكرنا انه يحب على الوالد من نفقة أو كسوة أو أجرة فهو على وارث الرضيع ان كان له وارث على عددهم لا على قدر مواريثهم منه لو مات والام من جملتهم ان كانت ترثه ان مات وزوج الصغيرة المرضع أيضا من جملتهم إن كان يرثها لو ماتت سواء كان للرضيع أو الرضيعة (1) مال أو لم يكن بخلاف نفقتهما وكسوتهما بعد الفطام فلقول الله عزوجل (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لاتضار


(1) في النسخة رقم 14 أو المرضعة

[ 342 ]

والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) فان قيل: إنما على الوارث ان لا يضار وقد روى ذلك عن ابن عباس من طريق فيها أشعث بن سوار وهو ضعيف قلنا نعم. ومن المضارة ترك الرضيع يضيع، وكيف وقوله تعالى (مثل ذلك) لا يختلف أهل العلم باللغة العربية التى بها خاطبنا الله عزوجل في ان ذلك اشارة إلى الابعد لا إلى الاقرب فصح انه اشارة إلى الرزق والكسوة يقينا، وقد ذكرنا من قال بهذا في كتاب النفقات من ديواننا هذا فاغنى عن إعادته كعمر بن الخطاب. وزيد بن ثابت. وغيرهما، ولا حجة لمن خالف ذلك مع القرآن، وهذا مما خالفوا فيه عمر. وزيد بن ثابت ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم وهم يشنعون هذا إذا وافق اهواءهم * واما قولنا فان لم يكن له وارث فرضاعه على الام وارثة كانت أو غير وارثة لا شئ لها من أجل ذلك في مال الرضيع ان كان له مال بخلاف نفقته بعد الفطام ان كان له مال فلقول الله عزوجل (لاتضار والدة بولدها) ولقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) * وأما قولنا: فان كانت مملوكة وولدها عبد لسيدها أو لغيره فرضاعه على الام بخلاف نفقته وكسوته بعد الفطام فلهذين النصين المذكورين أيضا وليس السيد وارثا لعبده لانه يأخذ ماله وان كان كافرا بعد موته * واما قولنا: فان كانت مملوكة وولدها حر فان كان له أب أو وارث فالنفقة لها والكسوة والاجرة على الاب أو على الوارث كما قدمنا فان لم يكن له وارث فانفقة لها والكسوة والاجرة على الاب أو على الوارث كما قدمنا فان لم يكن له وارث فرضاعه على أمه فلما ذكرنا آنفا فأغنى عن إعادته وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: فان ماتت أو مرضت أو اضر به لبنها أو كانت لالبن لها ولا مال لها فارضاعه على بيت المال فان منع فعلى الجيران يجبرهم الحاكم على ذلك فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ترك دينا أو ضياعا فالى أو على " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولقول الله تعالى: (وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب) وهذا من الاحسان المفترض المأمور به وبالله تعالى التوفيق * تم كتاب الطلاق وما دخل فيه والحمد لله كثيرا وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما وحسبنا الله ونعم الوكيل * (كتاب الدماء والقصاص والديات) (بسم الله الرحمن الرحيم * وصلى الله على محمد وآله) 2018 مسألة: لاذنب (1) عند الله عزوجل بعد الشرك أعظم من شيئين


(1) في النسخة رقم 16 قال أبو محمد رضى الله عنه: لا ذنب الخ بدل " مسألة "

[ 343 ]

احدهما تعمد ترك صلاة فرض (1) حتى يخرج وقتها، والثانى قتل مؤمن أو مؤمنة عمدا بغير حق * أما الصلاة فقد ذكرناها في كتاب الصلاة * وأما القتل فقال عز وجل: (وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ) وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)، روينا من طريق البخاري نا على - هو ابن عبد الله - نا اسحاق بن سعيد بن عمر وبن سعيد بن العاصى عن أبيه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " قال البخاري: ونا احمد ابن يعقوب نا اسحاق - هو ابن سعيد المذكور - عن أبيه انه سمعه يحدث عن ابن عمر انه قال: " ان من ورطات الامور التى لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " * 2019 مسألة: والقتل قسمان عمد وخطأ * برهان ذلك الآيتان اللتان ذكرنا آنفا فلم يجعل عزوجل في القتل قسما ثالثا، وادعى قوم ان ههنا قسما ثالثا وهو عمد الخطأ وهو قول فاسد لانه لم يصح في ذلك نص أصلا وقد بينا سقوط تلك الآثار في كتاب الايصال والحمد لله رب العالمين، مع ان الحنيفيين والشافعيين القائلين بشبه العمد هم مخالفون لتلك الآثار الساقطة التى موهوا بها فيما فيها من صفة الدية وغير ذلك على ما بينا في غير هذا الموضع، وهو عندهم ينقسم قسمين، أحدهما ما تعمد به المرء مما قد يمات من مثله وقد لايمات من مثله * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا عمد وفيه القود أو الدية كما في سائر العمد لانه عدوان، وقال عزوجل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والثانى ما تعمد به مما لا يموت أحد أصلا من مثله فهذا ليس قتل عمد ولاخطأ ولا شئ فيه الا الادب فقط * ومن عجائب الاقوال ههنا ان الحنيفيين يقولون: من أخذ حجرا من قنطار فضرب متعمدا رأس مسلم ثم لم يزل يضربه به حتى شدخ رأسه كله فانه لاقود فيه وليس قتل عمد، وكذلك لو تعمد ضرب رأسه بعود غليظ حتى يكسره كله ويسيل دماغه ويموت ولافرق * وقال المالكيون من ضرب بيده في فخذ مسلم فمات المضروب أثر الضربة ففيه القود ويقتل الضارب * وسماع هذين القولين يكفى من تكلف الرد عليهما * قال أبو محمد: رضى الله عنه: فالخطأ من رمى شيئا فاصاب مسلما لم يرده بما قد يمات


(1) في النسخة رقم 14 ترك الصلاة الفرض

[ 344 ]

من مثله فمات المصاب أو وقع على مسلم فمات من وقعته فهذا كله لا خلاف في انه قتل خطأ لاقود فيه أو قتل في دار الحرب انسانا يرى انه كافر فإذا به مسلم أو قتل انسانا متأولا غير مقلد وهو يرى انه على الحق فإذا به على الخطأ * برهان قولنا (1) في القاتل في دار الحرب قول الله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) من ههنا بمعنى في لانه لا خلاف بين أحد في ان قوما كفارا حرببين أسلم منهم انسان وخرج إلى دار الاسلام فقتله مسلم خطأ فان فيه الدية لولده والكفارة فصح بذلك ما قلنا والحمد لله رب العالمين * وأما المتأول فلما روينا من طريق أبى داود السجستاني نا مسدد نا يحيى بن سعيد القطان نا ابن. أبى ذئب حدثنى سعيد - هو ابن أي سعيد المقبرى - سمعت أبا شريح الكعبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وانى عاقله ومن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فاهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل وبين ان يقتلوا) * قال أبو محمد رضى الله عنه: فلا شك ان خزاعة قتلوه متأولين ان لهم قتله وهكذا نقول فيمن قامت عليه الحجة من النص ثم قتل متماديا على تأويله الفاسد المخالف للنص أو على تقليد من تأول فأخطأ فعليه القود وهذا الخبر زائد على خبر اسامة بن زيد وخالد رضى الله عنهما في قنل خالد من قتل من بنى جذيمة متأولا، وفى قتل اسامة الرجل الذى قال لاإلا إلا الله، والزيادة لا يجوز تركها * 2020 مسألة ولا قود على مجنون فيما أصاب في جنونه ولا على سكرا فيما أصاب في سكره المخرج له من عقله ولا على من لم يبلغ ولا على أحد من هؤلاء دية ولا ضمان، وهؤلاء والبهائم سواء لما ذكرنا في الطلاق وغيره من الخبر الثابت في رفع القلمعن الصبى حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق (2) والسكران لا يعقل، وقد ذكرنا خبر حمزة رضى الله عنه في قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لو قاله في صحته لخرج بذلك ع الاسلام وعقره اقتى على رضى الله عنه فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ملامة ولا غرامة، وقال بعضهم: لو كان هذا ما شاء واحد أن يقتل احدا أو يفسد ماله الاتساكر حتى يبلغ ما يريد فقلنا لهم: فقولوا هذا الكلام في المجنون فقولوا لو كان هذا لما شاء أحد أن يقتل أحدا أو يتلف ماله الا تحامق وتجنن حتى يبلغ من ذلك ما يريد ولافرق، فقالوا: ومن يعرف انه سكران فقلنا ومن يعرف انه مجنون *


(1) في النسخة رقم 16 برهان ذلك (2) في النسخة رقم 16 حتى يبرأ

[ 345 ]

قال أبو محمد رضى الله عنه: والحق المتيقن في هذا ان الاحكام لازمة لكل بالغ حتى يوقن انه ذاهب العقل بجنون أو سكر * وأما ما لم يوقن ذلك فالاحكام له لازمة وحال ذهاب العقل بأحد هذين الوجهين لا يخفى على من يشاهده، وقد وافقنا المخالفون لنا في هذا المكان على ان لا يؤخذ السكران بارتداده عن الاسلام وهذا اشنع من كل ما سواه، فان قالوا: فهلا جعلتم في ذلك دية قلنا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم واموالكم واعراضكم وابشاركم عليكم حرام " فاموال الصبى والمجنون والسكران حرام بغير نص كتحريم دمائهم ولا فرق ولانص في وجوب غرامة عليهم اصلا، وجاءت عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك آثار أما الصبى فجاء عن على بن ابى طالب أثر بان ستة صبيان تغاطوا في النهر فغرق احدهم فشهد اثنان على ثلاثة وشهد الثلاثة على الاثنين فجعل على على الاثنين ثلاثه أخماس الدية وجعل على الثلاثة خمسى الدية وهذا لا يصح البتة لانه من رواية سلمة بن كهيل أو حماد بن ابى سليمان ان على بن ابى طالب وكلاهما لم يولد الا بعد موت على، ومن طريق الحجاج بن ارطاة وهو هالك ثم لو صح لكان المالكيون والحنيفيون والشافعيون مخالفين له وانما يكون الشئ حجة على من صححه لا على من لم يصححه، وروى ايجاب الغرامة على عاقلة الصبى الزهري. وحماد بن ابى سليمان. وابراهيم النخعي. وقتادة، وبه يقول أبو حنيفة، وروى عن ربيعة انه قال: إذا كان الصبى صغيرا جدا فلا شئ على عاقلته ولا في ماله وان كان يعقل فالدية على عاقلته. وبه يقول مالك، وقال الشافعي: هي في ماله بكل حال * قال أبو محمد رضى الله عنه: فهذه مناقضات ظاهرة واقوال بلا دليل لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا رواية عن صاحب أصلا ولا قياس وما كان هكذا فهو باطل متيقن، وقد اتفقوا على انه لا يجوز ان يقاس على العامد وقياسه على الخطأ باطل لو كان القياس حقا لانه لا يقاس عندهم الشئ إلا على نظيره ومشبهه ولا شبه بين العاقل البالغ وبين الصبى والمجنون أصلا فبطل كل ما قالوه وبالله تعالى التوفيق * وقد أجمعوا على سقوط الكفارة في ذلك عنه فلو كان القياس حقا لكان اسقاط الدية قياسا على سقوط الكفارة في ذلك أصح قياس يوجد ولكنهم لا النصوص يتبعون ولا القياس يحسنون ولا الصحابة يقلدون * وأما المجنون فحدثنا احمد بن عمر ابن انس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد ابن احمد بن الجهم نا جعفر بن محمد الصائغ نا عفان - هو ابن مسلم - نا صخر بن (م 44 - ج 10 المحلى)

[ 346 ]

جويرة عن نافع مولى ابن عمر قال: ان مجنونا على عهد ابن الزبير دخل البيت بخنجر فطعن ابن عمه فقتله فقضى ابن الزبير بان يخلع من ماله ويدفع إلى أهل المقتول * ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه ان عبد الله بن الزبير قال: جناية المجنون في ماله * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذان الاثران في غاية الصحة * ومن طريق الحسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده عن على قال: جناية الصبى والمجنون على عاقلتهما، وهذا لا يصح لان الحسين بن عبد الله وأباه وجده لاخير فيهم * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري ان مروان كتب إلى معاوية في مجنون قتل رجلا فكتب إليه معاوية اعقله ولا تقدمنه، وهذا لا يصح لان يحيى بن سعيد الانصاري لم يولد إلا بعد موت معاوية وروينا عن سعيد بن المسيب. وسليمان بن يسار على المجنون العقل، ولا يصح عنهما لانه عن مخرمة بن بكير عن أبيه ولم يسمع من أبيه شيئا، ورويناه أيضا عن يحيى بن سعيد الانصاري. ومحمد بن جعفر بن الزبير جناية المجنون على عاقلته، ولا يصح عنهما لانه عمن لم يسم عنهما إلا انه صحيح عن الزهري. وأبى الزناد، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالف الحنيفيون والمالكيون. والشافعيون في هذا ما صح عن ابن الزبير ولم يصح قط عن أحد من الصحابة خلافه، ولا حجة لهم فيما روى عن معاوية لانه ليس فيه ان الغرامة في مال المجنون ولا انها على عاقلته انما فيها انه أمر مروان بان يعقله وظاهر الامر انه عقله من بيت المال ولو فعل الامام هذا لكان حسنا وليس واجبا، وهذا مما خالفوا فيه النصوص، ومما صح عن الصاحب الذى لا يصح لقوله خلاف عن أحد منهم والقياس إذ قاسوا ما جنى المجنون القاصد على ضده وهو ما جناه العاقل المخطئ ولم يقيسوا اسقاط الدية على اسقاطهم الكفارة في ذلك وبالله تعالى التوفيق * فاما السكران (1) فروينا عن على بن أبى طالب ان سكارى تضاربوا بالسكاكين وهم أربعة فجرح اثنان ومات اثنان فجعل على دية الاثنين المقتولين على قبائلهما وعلى قبائل الذين لم يموتا وقاص الحيين من ذلك بدية جراحهما، وان الحسن بن على رأى ان يقيد للحيين للميتين ولم ير على ذلك، وقال: لعل الميتين قتل كل واحد منهما الآخر، وهذا لا يصح عن على لانه من طريق فيها سماك بن حرب عن رجل مجهول رواه حماد بن سلمة عن سماك فقال عن عبيد بن القعقاع، ورواه أبو الأحوص عن سماك فقال عن عبد الرحمن


(1) في النسخة رقم 16 وأما السكران

[ 347 ]

ابن القعقاع وكلاهما لا يدرى من هو، وسماك يقبل التلقين (1) ولو صح لكان مخالفا لقول الحنيفيين. والشافعيين. والمالكيين * ومن طريق يحيى بن سعيد الانصاري وعبد الرحمن بن أبى الزناد ان معاوية أقاد من السكران قال ابن أبى الزناد: وكان القاتل محمد بن النعمان الانصاري والمقتول عمارة بن زيد بن ثابت * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا لا يصح لان يحيى لم يولد إلا بعد موت معاوية وعبد الرحمن بن ابى الزناد غاية الضعف أول من ضعفه مالك ولا نعلم في هذا الباب عن احد من الصحابة شيئا غير ما ذكرنا، وصح عن الزهري، وربيعة وبه يقول أبو حنيفة. ومالك. والشافعي يقاد من السكران، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مما خالفوا فيه النصوص وما روى عن الصحابة والقياس كما ذكرنا * قال أبو محمد رضى الله عنه: روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ان في كتاب لابيه عن عمر بن الخطاب قال: لاقود ولا قصاص ولاحد ولا جراح ولاقتل ولانكال على من لم يبلغ الحلم حتى يعلم ماله في الاسلام وما عليه، وقد صح عن عثمان بن عفان ان السكران لا يلزمه طلاق فصح انه عنده بمنزلة المجنون وبهذا يقول أبو سليمان. والمزنى. والطحاوى وغيرهم، وإيجاب الغرامة شرع فإذا كان بغير نص قرآن أو سنة فهو شرع من الدين لم يأذن (2) به الله ونعوذ بالله من هذا * قال أبو محمد رضى الله عنه: إلا أن من فعل هذا من الصبيان أو المجانين أو السكارى في دم أو جرح أو مال ففرض ثقافه في بيت ليكف اذاه حتى يتوب السكران ويفيق المجنون ويبلغ الصبى لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وتثقيفهم تعاون على البر والتقوى واهمالهم تعاون على الاثم والعدوان وبالله تعالى التوفيق * 2021 مسألة وان قتل مسلم عاقل بالغ ذميا أو مستأمنا عمدا أو خطأ فلا قود عليه ولا دية ولا كفارة ولكن يؤدب في العمد خاصة ويسجن حتى يتوب كفا لضرره * برهان ذلك قول الله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) إلى قوله تعالى: (وكان الله عليما حكيما) فهذا كله في المؤمن بيقين، والضمير الذى في (كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) راجع ضرورة لا يمكن غير هذا إلى المؤمن المذكور أولا، ولا ذكر في هذه الآية لذمى أصلا ولا


(1) في النسخة رقم 16 يقبل الندليس (2) في النسخة رقم 14 شرع من الدين ما لم يأذن

[ 348 ]

لمستأمن فصح يقينا إن ايجاب الدية على المسلم في ذلك لا يجوز البتة، وكذلك إيجاب القود عليه ولافرق * وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة منهم أبو حنيفة يقاد المسلم بالذمي في العمد وعليه في قتله خطأ الدية والكفارة ولا يقتل بالمعاهد وإن تعمد قتله ولا نعمل له في قوله هذا سلفا أصلا * وقالت طائفة: منها مالك لايقاد المسلم بالذمي إلا أن يقتله غيلة أو حرابة فيقاد به ولابد، وعليه في قتله خطأ أو عمدا غير غيلة الدية فقط، والكفارة في الخطأ * وقالت طائفة منها الشافعي: لايقاد المسلم بالذمي أصلا لكن عليه في قتله إياه عمدا أو خطأ الدية والكفارة، وجاء في ذلك عن السلف ما روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الحيرة فاقاده عمر بن الخطاب قال وكيع: ونا أبو الأشهب عن أبى نضرة بمثله سواء سواء، وهذا مرسل * نا محمد بن سعيد بن نبات نا قاسم بن أصبغ نا محمد ابن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الله بن ادريس الازدي عن ليث بن أبى سليم عن الحكم بن عتيبة أن على بن أبى طالب. وابن مسعود قالا جميعا: من قتل يهوديا أو نصرانيا قتل به وهذا مرسل أيضا، وصح هذا عن عمر بن عبد العزيز كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن ميمون قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى بعض امرائه في مسلم قتل ذميا فأمره أن يدفعه إلى وليه فان شاء قتله وان شاء عفى عنه قال ميمون: فدفع إليه فضرب عنقه وأنا أنظره، وصح أيضا عن ابراهيم النخعي كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: المسلم الحر يقتل باليهودى والنصراني، وروى عن الشعبى مثل وهو قول ابن ابى ليلى. وعثمان البتى وأحد قولى أبى يوسف، وقد اختلف عن عمر بن عبد العزيز في ذلك كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل قاضى اليمن قال: كتب عمر بن عبد العزيز في زياد بن مسلم وكان قد قتل هنديا باليمن أن أغرمه خمسمائة ولا تقده به * وقول آخر رويناه أيضا عن عمر بن الخطاب في المسلم يقتل الذمي ان كان ذلك منه خلقا وعادة وكان لصا عاديا فاقده به، وروى فاضرب عنقه وان كان ذلك في غضبة أو طيرة فاغرمه الدية، وروى فاغرمه أربعة آلاف، ولا يصح عن عمر لانه من طريق عبد الله بن محرز وهو مالك عن ابى مليح بن اسامة أن عمر وهذا مرسل * ومن طريق عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز في كتاب لابيه ان عمر * ومن طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن القاسم بن ابى بزة أن عمر، وهذا مرسل * أو من طريق سوء فيها عبد الملك بن حبيب الاندلسي عن أسد بن موسى عن سعيد بن ابى عروبة عن عمرو بن دينار ان عمر وهذا

[ 349 ]

مرسل * وقول آخر وهو انه لا يقتل المسلم بالذمي الا أن يقتله غيلة رويناه عن عثمان بن عفان من طريق هالكة مرسلة فيها عبد الملك بن حبيب الاندلسي عن مطرف عن ابن ابى ذئب عن مسلم بن جندب الهذلى قال: كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله فكتب إليه عثمان أن اقتله به فان هذا قتل غيلة على الحرابة * ورويناه أيضا عن ابان بن عثمان. وأبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. ورجال كثير من أبناء الصحابة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن كل ذلك من رواية عبد الملك بن حبيب الاندلسي وفى بعضها ابن ابى الزناد وهو ضعيف وبعضها مرسل ولا يصح منها شئ، وقول آخر: لا يقتل به كما روينا بالرواية الثابتة من طريق شعبة نا عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الحيرة فكتب عمر بن الخطاب أن يقاد به ثم كتب عمر كتابا بعده أن لا تقتلوه ولكن اعقلوه * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا سليمان بن حرب نا ماد بن زيد عن كثير ابن زياد عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب: لا يقتل مؤمن بكافر، ومن طريق اسماعيل نا يحيى بن خلف نا أبو عاصم النبيل عن ابن جريج أخبرني ابن شهاب في قتل المسلم النصراني أن عثمان بن عفان قضى أن لا يقتل به وان يعاقب، ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رجلا مسلما قتل رجلا من اهل الذمة عمدا فدفع إلى عثمان بن عفان فلم يقتله به وغلظ عليه الدية كدية المسلم، قال الزهري: وقتل خالد ابن المهاجر - هو ابن خالد بن الوليد - رجلا ذميا في زمن معاوية فلم يقتله به وغلظ عليه الدية الف دينار * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا في غاية الصحة عن عثمان ولا يصح في هذا شئ غير هذا عن أحد من الصحابة الا ما ذكرنا عن عمر أيضا من طريق النزال بن سيرة، ومن طريق عبد الرزاق نا رباح بن عبد الله بن عمر أخبرني حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك يحدث أن يهوديا قتل غيلة فقضى فيه عمر بن الخطاب باثنى عشر الف درهم، ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا سليمان بن حرب نا أبو هلال نا الحسن البصري أن على بن أبى طالب قال: لا يقتل مؤمن بكافر، ورويت بذلك مرسلات من طريق الصحابة جملة، وعن ابى عبيدة بن الجراح. ومعاذ بن جبل. وزيد بن ثابت. وأبى موسى الاشعري، ومن طريق عبد الزراق عن معمر عن يحيى بن ابى كثير عن عكرمة مولى ابن عباس قال في المسلم يقتل الذمي: لا يقتل به وفيه الدية * قال أبو محمد رضى الله عنه: وروى ايضا عن عمر بن عبد العزيز وهو قول

[ 350 ]

سفيان الثوري. وابن شبرمة. والاوزاعي. والشافعي. واحمد بن حنبل. وأبى ثور. واسحاق. وأبى سليمان. ابن المنذر وجميع اصحابهم واليه رجع زفر بن الهذيل روينا ذلك من طريق أبى عبيد عن عبد الرحمن بن مهدى عنه * قال أبو محمد رضى الله عنه: أما قول أبى حنيفة في تفريقه بين الذمي والمعاهد فما نعلم له حجة لا من قرآن ولا من سنة ولا من رواية سقيمة ولا من رواية عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من قياس ولا من رأى له وجه فسقط بيقين، وكذلك وجدنا من فرق بين المرة وبين الاكثار من ذلك لاحجة لهم من قرآن ولا من سنة ولا من رواية سقيمة ولا من رواية ثابتة عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، ولا من قياس ولا من رأى له وجه، وأما قول مالك في الفرق بين الغيلة وغيرها وكذلك أيضا سواء سواء الا انهم قالوا: انما قتلناه للحرابة فقلنا: انتم لا تقولون بالترتيب في حد الحرابة ولو قلتموه لكنتم متناقضين ايضا لانه لا خلاف بين احد ممن قال بالترتيب في أنه لا يقتل المحارب ان قتل في حرابة من لا يقتل به ان قتله في غير الحرابة وأنتم لا تقتلون المسلم بالذمي في غير الحرابة فظهر فساد هذا التقسيم بيقين وأما المشهور من قول المالكيين انهم يقولون بتخيير الامام في قتل المحارب أو صلبه أو قطعه أو نفيه فمن أين أوجبوا قتل المسلم بالذمي ولا بد في الحرابة وتركوا قولهم في تخيير الامام فيه فوضح فساد قولهم بيقين لااشكال فيه وانه لاحجة لهم أصلا وبالله تعالى التوفيق * ثم نظرنا في قول من قال يقتل المسلم بالذمي وبالمعاهد فوجدناهم يحتجون بقول الله عز وجل: (وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس) قالوا: هذا عموم وبقوله تعالى: (والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله تعالى (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وبقوله عزوجل: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق) وبقوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى) الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) وقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا) قالوا: وذو العهد وان كان كافرا فانه قتل بغير حق فهو مظلوم بلاشك، وبالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما يودى واما يقاد) وبالخبر الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أيضا " لا يحل دم رجل مسلم الا ثلاثة نفر فذكر فيهم والنفس بالنفس " قال على وسنذكرهما بأسانيدهما ان شاء الله تعالى بعد هذا *

[ 351 ]

قال أبو محمد رضى الله عنه: واحتجوا بما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلمانى يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم انه أفاد مسلما قتل يهوديا وقال: انا احق من وفى بذمته، ورواه بعض الناس عن يحيى بن سلام عن محمد بن أبى حميد المدنى عن محمد بن المنكدر قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا أشياء ادعوا فيها الاجماع وهو ان عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما مات ابوه رضى الله عنه قتل الهرمزان وكان مسلما وقتل جفينة وكان نصرانيا وقتل بنية صغيرة لابي لؤلؤة وكانت تدعى الاسلام فأشار المهاجرون على عثمان بقتله قالوا: فظاهر الامر انهم اشاروا بقتله بهم ثلاثتهم، وقالوا كما لا خلاف في ان المسلم يقطع ان سرق من مال الذمي والمستأمن فقتله بهما أولى لان الدم أعظم حرمة من المال، وقالوا لنا خاصة انتم تحدون المسلم ان قذف الذمي والمستأمن وتمنعون من قتله بقتله لهما وهذا عجب جدا * واحتجوا على الشافعيين بقولهم: ان قتل ذمى ذميا ثم اسلم فانه يقتل به عندكم ولا فرق بين قتلكم مسلما بكافر وبين قتلكم مسلما بكافر في المسألة الاخرى * قال أبو محمد رضى الله عنه: وكل هذا لاحجة لهم في شئ منه، أما قول الله عزوجل: (وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس) فان هذا مما كتب الله عزوجل في التوراة ولا تلزمنا شرائع من قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم لو صح اننا ملزمون ذلك لكان القول في هذه الآية كالقول في الآيات الاخر التى ذكرناها بعدها وفى الاخبار الثابتة التى أوردنا، وفيها " أو نفس بنفس " وأيضا ففى آخر هذه الآية بيان انها في المؤمنين بالمؤمنين خاصة لانه قال عزوجل في آخرها: (فمن تصدق به فهو كفاره له) ولا خلاف بيننا وبينهم في ان صدقة الكافر على ولى الكافر الذمي المقتول عمد الا تكون كفارة له فبطل تعلقهم بهذه الآية، وأما قوله عزوجل (والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فان الخطاب في هذه الآيات للمؤمنين لا للكافرين فالمؤمنون هم المخاطبون في اول الآية وآخرها بأن يعتدوا على من اعتدى عليهم بمثل ما اعتدى به عليهم وليس فيها ان القصاص من الذمي للذمي بقول الله تعالى: (وان احكم بينهم بما انزل الله) لا بالآية المذكورة وأما قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فهو أيضا في المؤمن يساء إليه خاصة لان نصها (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى واصلح فأجره على

[ 352 ]

الله) ولا خلاف في ان هذا ليس للكفار ولا أجر لهم البتة، وأما قوله عزوجل: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) فكذلك ايضا انما هو خطاب للمؤمنين خاصة يبين ذلك ضرورة قوله تعالى فيها: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) ولاخير لكافر أصلا صبر أو لم يصبر قال الله عزوجل: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا): وأما قوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق) وقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا) وقوله تعالى: (ثم بغى عليه لينصرنه الله) وقوله عزوجل: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) الآية * والاخبار الثابتة التى فيها " النفس بالنفس " و " من قتل له قتيل فاما يودى وأما يقاد " فان كل ذلك يخص بقول الله عزوجل: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) وبقوله تعالى: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) وبقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) فوجب يقينا ان المسلم ليس كالكافر في شئ أصلا ولا يساوية في شئ فإذ هو كذلك فباطل ان يكافئ دمه بدمه أو عضوه بعضوه أو بشرته ببشرته فبطل أن يستقاد للكافر من المؤمن أو يقتص له منه فيما دون النفس إذ لا مساواة بينهما أصلا، ولما منع الله عزوجل ان يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا وجب ضرورة أن لا يكون له عليه سبيل في قود ولا في قصاص أصلا ووجب ضرورة استعمال النصوص كلها إذ لا يحل ترك شئ منها * ومن فضائح الحنيفيين المخزية لقائلها في الدنيا والآخرة قطعهم يد المسلم بيد الذمي الكافر ومنعهم من قطع يد الرجل المسلم بيد المرأة الحرة المسلمة نعم ولا يقطعون يد الذمي الكلب ان تعمد قطع يد امرأه حرة مسلمة فاعجبوا لهذه المصائب مع قول الله عزوجل: (انما المؤمنون اخوة) فان اعترضوا في الآية المذكورة بما روينا من طريق سفيان الثوري عن الاعمش عن زرعن يسيع الكندى قال: جاء رجل إلى على بن ابى طالب فقال له: كيف تقرأ هذه الآية (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) وهم يقتلون يعنى المسلمين فقال على فالله يحكم بينهم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا * قال أبو محمد رضى الله عنه: يسيع الكندى مجهول لا يدرى أحد من هو، وجواب هذا السائل ان هذه الآية حق واجب في الدنيا والآخرة انما منع الله تعالى من ان يكون للكافرين على المؤمنين سبيل بحق يجعله الله تعالى له ويأمر بانفاذه للكافر على المسلم

[ 353 ]

في الدنيا ويوم القيامة، وأما بالظلم والتعدى فلم يؤمننا الله تعالى قط من ذلك كما أطلق أيدى الكفار فيما خلى على بعض الانبياء عليهم الصلاة والسلام فقتلوهم وعلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فجرحوا وجهه المقدس وكسروا ثنيته بنفسى هو وبأبى وأمى، وكما أطلق ألسنة الحنيفيين وأيدي من وافقهم بايجاب الباطل في القصاص للكافر من المسلم وكل ذلك ظلم لم يأمر الله تعالى به ولا رضية قط ولاجعله حقا بل أنكره عزوجل أشد الانكار نعم وفى الآية التى فيها: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) وهذا نص جلى بانها في المؤمنين خصاة بعضهم في بعض فقط لانهم اخوة كلهم فاسقهم وصالحهم عبدهم وحرهم، وليس أهل الذمة اخوة لنا ولا كرامة لهم، وكذلك قوله تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا) فمعاذ الله أن يكون هذا لكافر والله ما جعل الله تعالى لهم قط بحكم دينه سلطانا بل جعل لهم الصغار قال عزوجل: (حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) فان قالوا فإذ لا يساووننا فلم قتلتم الكافر بالمؤمن قلنا: ولا كرامة ان نقتله به قودا بل قتلناه لانه نقص الذمة وخالف العهد بخروجه عن الصغار، وكذلك نقتله ان لطم مسلما أو سبه ونستفئ جميع ماله بذلك ونسئ أهله وصغار ولده، فان قالوا: فلم تحكمون على المسلم برد ما غصبه من الذمي أو منعه إياه من المال؟ قلنا: ليس في هذا سبيل له على المسلم انما هي مظلمة يبرأ منها المسلم تنزيها له عن حبسها فقط * قال أبو محمد رضى الله عنه: ويوضح هذا غاية الوضوح ما رويناه من طريق أبى داود السجستاني قال: نا احمد بن حنبل نا يحيى بن سعيد القطان نا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن البصري عنقيس بن عباد قال: انطلقت انا وآخر ذكره إلى على بن أبى طالب فقلنا: هل عهد اليك رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال لا الا ما في كتابي هذا فإذا فيه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم ادناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) * نا حمام بن احمد بن حمام القاضى نا عباس بن اصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا عبد الله بن احمد بن حنبل. ومحمد بن اسماعيل الترمذي قال عبد الله: نا أبى وقال الترمذي. نا الحميدى ثم اتفق احمد بن حنبل. والحميدي واللفظ له قالا جميع نا سفيان بن عيينة نا مطرف بن طريف قال سمعت الشعبى يقول نا أبو جحيفة - هو السوائى - قال قلت لعلى بن أبى طالب: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى القرآن؟ قال على: " لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطى الله (م 45 - ج 10 المحلى)

[ 354 ]

عبدا فهما في كتابه أو ما في الصحيفة قلت: وما في الصحيفة قال العقل وفكاك الاسير وان لا يقتل مسلم بكافر " * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا لا يحل لمسلم خلافه، فاعترض فيه أهل الجهالة المضلة (1) بان قالوا: قد روى هذا الخبر من طريق احمد بن شعيب أنا محمد بن بشار نا الحجاج بن المنهال نا همام عن قتادة عن أبى حسان قال: قال على بن أبى طالب " ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا دون الناس الا صحيفة في قراب سيفى فلم يزالوا به حتى أخرجها فإذا فيها المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " قالوا فمرة رواه قتادة عن الحسن ومرة وراه عن أبى حسان مرسلا، وهذه علة في الخبر فقلنا فكان ماذا؟ ما جعل مثل هذا علة إلا ذو علة في دينه وما ندري في رواية قتادة للخبر مرة عن أبى حسان ومرة عن الحسن وجها يعترض به إلا من عدم الحياء وكابر عين الشمس * وقالوا أيضا قد رويتم من طريق وكيع نا أبو بكر الهذلى عن سعيد بن جبير قال: انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم (2) بكافر ان أهل الجاهلية كانوا يتطالبون (3) بالدماء فلما جاء الاسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يقتل رجل من المسلمين بدم أصابه في الجاهلية " * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا عجب جدا، أبو بكر الهذلى كذاب مشهور ثم لو رواه أيوب عن سعيد بن جبير لما كانت فيه شبهة يتعلق بها مخالف للحق لانه اما رأى ما رآه سعيد بن جبير فهو كسائر الآراء لا يعترض بها على السنن ولا كرامة، واما سمعه ممن لا يدرى [ من هو ] (4) فهذا أبعد له (5) من أن يتعلق به ثم لو صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكان هذا خبرا قائما بنفسه كوضعه عليه الصلاة والسلام دماء الجاهلية في حجة الوداع وكان في صحيفة على بن أبى طالب خبرا آخر قائما بنفسه لا يحل تخصيصه بذلك الخبر لانه عمل فاسد بلا برهان ودعوى بلا دليل وضرب للسنن بعضها ببعض كمن أباح اكل الخنزير وشرب الخمر بقول الله عزوجل: (وكلوا واشربوا) ولا فرق، وقالوا أيضا: قد رويتم هذا الخبر من طريق أبى داود السجستاني قال: نا مسلم بن ابراهيم نا محمد بن راشد نا سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتل مؤمن بكافر فمن قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فان شاءوا قتلوه وان شاءوا أخذوا الدية " *


(1) وفي النسخة المظلمة (2) في النسخة رقم 14 لا يقتل مؤمن (3) في النسخة رقم 14 يتظالمون (4) الزيادة من النسخة رقم 16 (5) في النسخة رقم 14 فهو أبعد له

[ 355 ]

قال أبو محمد رضى الله عنه: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيفة لا يجوز الاحتجاج بها وهى مملوءة مناكير ثم لو صحت لما كانت لهم فيها حجة بل كانت تكون حجة لنا عليهم لان فيها ان لا يقتل مؤمن بكافر فهذه قضية صحيحة قائمة بنفسها وهى قولنا ثم فيها حكم من قتل عمدا فلو دخل في هذه القضية المؤمن يقتل الذمي عمدا لكانت مخالفة للحكم الذى قبلها وهذا باطل، فلو صحت لكانت بلا شك في المؤمن يقتل المؤمن عمدا لافيما قد أبطله قبل من أن يقتل مؤمن بكافر، وقالوا: معناه لا يقتل مؤمن بكافر حربى أو إذا قتله خطأ فكان هذا من أسخف ما أتوا به وكيف يجوز ان يظن هذا ذو مسكة عقل ونحن مندوبون إلى قتل الحربيين موعودون على قتلهم باعظم الاجر أيمكن ان يظن من به طباخ (1) أن النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الحال وأمره عليه الصلاة والسلام بالجهاد يتكلف ان يخبرننا لا نقتل بالحربيين إذا قتلناهم ما شاء الله كان، وكذلك القول في تأويلهم السخيف أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن لا يقتل مؤمن بكافر إذا قتله خطأ هذا والله يقين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجب للنار، وكيف يمكن ان يسع هذا في دماغ من به مسكة عقل أن يكون مذ بعث الله نبيه عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة قد أمنا أن يقتل منا أحد بألف كافر قتلهم خطأ ثم يتكلف عليه الصلاة والسلام اخبارنا بأن لا يقتل المؤمن بكافر قتله خطأ ثم لا يبين لنا ذلك إلا بكلام مجمل لا يفهم أحد منه هذا المعنى انما يأتي به المتكلفون لنصر الباطل واما رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أعطى (2) جوامع الكلم وأمره ربه تعالى بالبيان لنا فلا ولاكرامة لقد نزهه الله عزوجل عن هذا وباعده عن أن يظن به ذلك مسلم * وقالوا في قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يقتل مؤمن بكافر ولاذو عهد في عهده " تقديم وتأخير انما أراد أن يقول لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، وقد صح بلا خلاف وجوب قتل المعاهد بالذمي فصح انه انما أراد بالكافر الحربى * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا كذب آخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم موجب لصاحبه ولوج النار واللعنة إذ تحكموا في كلامه عليه الصلاة والسلام بلا دليل وليس إذا وجد نص قد قام البرهان بأن فيه تقديم وتأخيرا وجب أن يحكم في نص آخر بالتقديم والتأخير بلا دليل كما انه إذ وجد نص منسوخ لم يحل لاحد أن يقول في نص آخر لم يأت


(1) يقال رجل ليس به طباخ أي قوة ولاسمن قال الشاعر: المال يغشى رجالا. طباخ لهم * كالسيل يغشى أصول الديدن البالى (2) في النسخة رقم 14 أوتى

[ 356 ]

دليل بأنه منسوخ، هذا منسوخ هذه صفة الكذابين الفساق المفترين على الله عزوجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالكذب * وقالوا ان الشعبى هو أحد رواة ذلك الخبر (1) وهو يرى قتل المؤمن بالذمي فقلنا: هذا لم يصح قط عن الشعبى لانه لم يروه إلا ابن ابى ليلى وهو شئ الحفظ، وداود بن يزيد الزغافرى وهو ساقط، ثم لو صح ذلك عنه لكان الواجب رفض رأيه واطراحه والاخذ بروايته لانه وغيره من الائمة موثوق بهم في أنهم لا يكذبون لفضلهم غير موثوق بهم بأنهم لا يخطئون بل كل أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الخطأ ولابد وليس يخطئ أحد في الدين إلا لمخالفة نص قرآن أو نص سنة بتأويل منه قصد به الحق فأخطأه، وقد أفردنا بابا ضخما (2) في كتابنا الموسوم بالاعراب فيما أخذ به الحنيفيون من السنن التى خالفها من رواها من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا من ابرد ماموهوا به فهذا ما اعترضوا به قد أوضحنا سقوط أقوالهم فيه * وأما احتجاجهم بخبر ابن المنكدر. وربيعة عن ابن البيلمان فمرسلان ولا حجة في مرسل، فان لجوا قلنا لهم دونكم مرسلا مثلهما نا حمام بن أحمد نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن شعيب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم وانه ينفى من ارضه إلى غيرها " وذكر ان عمر بن عبد العزيز قضى بذلك، وأما قصة عبيدالله بن عمر بن الخطاب وقتله الهرمزان وجفينة وبنت ابى لؤلؤة فليس في الخبر نص ولا دليل على ان أحدا قال بقتل جفينة فبطل بذلك دعواهم وصح انه انما طولب بدم الهرمزان فقط وكان مسلما ولا خلاف في القود للمسلم من المسلم فلا يجوز أن يقحم في الخبر ما ليس فيه بغير نص ولا اجماع * وأما احتجاجهم بأنه كما يجب قطع يد المسلم إذا سرق مال ذمى فكذلك يجب قتله به فقياس فاسد والقياس كله باطل ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل لان القود والقصاص للمسلم من الذمي حق للذمي عندهم له طلبه وله تركه والعفو عنه، وهذا هو السبيل الذى منع الله عز وجل منا ولم يجعلها لكافر على مسلم وليس كذلك القطع في السرقة ليس هو من حقوق المسروق منه المال ولا له طلبه دون غيره ولا له العفو عنه انما هو حق لله عزوجل أمر به شاء المسروق منه أو أبى فلا سبيل فيه للذمي على المسلم أصلا * وأما قولهم انا نحد المسلم إذا قذف الذمي قلنا نعم وكذلك نحده إذا قذف الحربى ولافرق لما ذكرنا في القطع في السرقة من انه ليس كلا الامرين حقا للذمي ولا للمقذوف ولا للمسروق منه ولا لهما العفو عنه ولا طلبه دون سائر الناس انما الحد في القذف حق الله تعالى أمر به كما هو


(1) في النسخة رقم 14 هو راوي هذا الخبر (2) في النسخة رقم 14 بابا محكما

[ 357 ]

الحد في الخمر لذمى كانت أو لحربي ولا فرق، فان قالوا: انكم تغرمون المسلم المال إذا وجب للذمي قبله وتأخذونه من المسلم بالسجن والادب إذا امتنع من أدائه وهو قادر عليه قلنا نعم وليس هذا من القود والقصاص في شئ لان المال المأخوذ بغير حق هو محرم على آخذه كائنا من كان واذ هو كذلك فانما هو باطل منعناه منه وأزلناه عن يده كما نمنعه من قتل الذمي بلا حق ولا فرق ولو قدرنا على تكليفه احياء الذمي الذى قتل لفعلنا ذلك به فإذ لا يقدر عليه ذلك فلا شئ عليه إلا الادب لتعديه إلى ما حرم الله تعالى عليه فقط كما نؤدبه في غصبه ماله إذا لم يقدر على رده ولا على انصافه فقط وليس كل متعد إلى ما حرم على الله عزوجل يلزمه قتل ولاقطع عضو ولا قصاص * وأما احتجاجهم على من قال: إذا قتل ذمى ذميا ثم أسلم القاتل فالقود عليه باق فقد أخطأ هذا القائل بل قد سقط القود والقصاص عنه لانه قتل مؤمن بكافر. وقد حرم الله تعالى ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعكس عليهم هذه القياسات الفاسدة فيقال لهم كما لا تحدون أنتم المسلم إذا قذف الذمي وتحدون الذمي إذا قذف المسلم فكذلك اقتلوا الذمي بالمسلم ولا تقتلوا المسلم بالذمي، هذا أصح قياس يكون لو كان القياس حقا لانها حرمة وحرمة * ومن غرائب القول احتجاج الحنيفيين في الفرق بين قاتل المستأمن فلا يقيدونه به وبين قاتل الذمي فيقيدونه به، فان قالوا: الذمي محقون الدم بغير وقت والمستأمن محقون الدم بوقت ثم يعود دمه حلالا إذا رجع إلى دار الحرب ولا ندرى من أين وجب اسقاط القود بهذا الفرق وكلاهما محرم الدم إذا قتل تحريما مساويا لتحريم الآخر، وانما يراعى الحكم وقت الجناية الموجبة للحكم لابعد ذلك ولعل المستأمن لا يرجع إلى دار الحرب ولعل الذمي ينقض الذمة ويلحق بدار الحرب فيعود دمه حلالا ولافرق. وحسبك بقوم هذا مقدار علمهم الذى به يحلون دماء المسلمين وحسبنا الله ونعم الوكيل * قال أبو محمد رضى الله عنه: وأما قولنا لادية على المسلم (1) في قتله الذمي عمدا ولا على عاقلته في قتله إياه خطأ ولا كفارة عليه أيضا فلما قد بينا قبل في أول كلامنا في هذه المسألة من ان الآية التى فيها إيجاب الدية والكفارة في قتل الخطأ انما هي في المؤمن المقتول خطأ فقط ولم يأت قط نص في ايجاب دية ولا كفارة في قتل الكافر الذمي خطأ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام " ولايجوز على أصول أصحاب القياس أن يقاس الشئ الا على نظيره وليس الكافر نظير المؤمن (2) ولا مثلا فقياسه عليه باطل على أصول القائلين بالقياس. والمانعين منه، وبالله تعالى


(1) في النسخة رقم 14 على مسلم (2) في النسخة رقم 14 نظيرا للمسلم

[ 358 ]

التوفيق * وانما أوجبنا الدية في قتل الكافر المسلم خطأ بعموم قول الله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ) الآية فعم بهذا قاتل المؤمن خطأ ولم يخص بذلك مؤمنا من كافر ولم يأت دليل من قرآن ولاسنة ولا اجماع يخص ذلك فوجب امضاؤها على عمومه، وأما هذه الآية فلا حجة لهم فيها أصلا لان نصها ان الله تعالى يقول: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الاخطأ) إلى قوله تعالى: (عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) فصح بنص هاتين الآيتين نصا جليا لا يمكن أن يتأول فيه شئ أن هذا الحكم انما هو في المؤمن المقتول خطأ نقط، ثم قال عزوجل: (فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) فصح بالضرورة التى لامدخل للشك فيها ان في كان من قوله تعالى: (فان كان من قوم) ضمير راجع إلى أول مذكور لا يمكن غير ذلك البتة فإذ لابد من هذا، والضمير في لغة العرب لا يرجع الا إلى أقرب مذكور قبله الا ببرهان يدل على غير ذلك فليس في هذه الآيات أقرب مذكور ولا أبعد مذكور الا المؤمن المقتول خطأ فقط، فصح بيقين لا اشكال فيه ان مراد الله تعالى بقوله (وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) انه مؤمن يقتل خطأ كما قال الحسن. وجابر بن زيد، وصح ان معنى قول الله تعالى (من قوم بينكم وبينهم ميثاق) انما هو في قوم إذا كان سكناه فيهم لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بأن لا يرث الكافر المسلم وأن الدية موروثة فبطل بيقين ان يرث الكفار الذميون ابن عمهم المؤمن * والدية في العمد انما وجبت بقول الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنو كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما أن يودى وإما أن يقاد " فصح بنص القرآن والسنة انه لادية في العمد الا حيث يكون القود يقينا، وقد بينا انه لاقود من المسلم للذمي فإذ لاقود له منه فلا دية له عليه إذ لم يوجب الدية دون القود في العمد قط قرآن ولاسنة وبالله تعالى التوفيق * نا حمام نا أبو محمد الباجى نا عبد الله بن يونس نابقى بن مخلدنا أبو بكر بن أبى شيبة نا يحيى بن سعيد القطان عن أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن البصري قال: " إذا قتل المسلم الذمي فليس عليه كفارة * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا محمد بن المنهال نا يزيد ابن زريع نا يونس هو ابن يزيد عن الحسن انه كان لا يرى العتق الا في قتل المسلم الذمي وهو قول أبى عياض. وجابر بن زيد، فان شغبوا بما ناه الطلمنكى نا ابن مفرج نا الصموت محمد بن أيوب نا البرار نا محمد بن معاوية الزنادى نا أبو داود نا يعقوب بن عبد الله

[ 359 ]

ابن نجيد حدثنى ابى عن أبيه عن عمران بن الحصين قال: " ان رجلا من خزاعة قتل رجلا من هذيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلته فاخرجوا عقله " فان يعقوب وأباه وجده مجهولون (وأما أدبه وسجنه) فالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المنع من أن يجلد أحد في غير حد أكثر من عشر جلدات، ولقوله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ان استطاع " وقتل الذمي بغير حق منكر فواجب تغييره باليد وقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) فسجن القاتل منع له من الظلم وتعاون على البر والتقوى واطلاقه عون له على الاثم والعدوان وبالله تعالى التوفيق * 2022 مسألة وان قتل المسلم أو الذمي البالغان العاقلان مسلما خطأ فالدية واجبة على عاقلة القاتل وهى عشيرته وقبيلته وعلى القاتل في نفسه ان كان بالغا عاقلا مسلما عتق رقبة مؤمنه ولابد فان لم يقدر عليها لفقره فعليه صيام شهرين متتابعين لا يحول بينهما شهر رمضان ولا بيوم فطر ولا بيوم أضحى ولا بمرض ولا بأيام حيض ان كانت امرأة وذلك واجب على الذمي الا أنه لا يقدر في حاله تلك على عتق رقبة مؤمنة ولا على صيام حتى يسلم فان اسلم يوما ما لزمه العتق أو الصيام فان لم يسلم حتى مات لقى الله عزوجل وذلك زائد في اثمه وعذابه ولا يصوم عنه وليه، هذا كله نص القرآن الذى لا يجهله من له في العلم أقل حظ * واما كون الدية على عشيرته فلما روينا من طريق احمد بن شعيب أنا قنيبة بن سعيد نا الليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن ابى هريرة " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ثم ان المرأة التى قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بان ميراثها لبنيها وزوجها وان العقل على عصبتها " * قال أبو محمد رضى الله عنه: وقال الحنيفيون. والمالكيون: العقل على أهل الديوان وادعوا ان عمر قضى بذلك وذلك لا يصح ولو صح لما كانت فيه حجة لانه لاحجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيذ الله تعالى عمر من ان يكون يحيل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدث حكما آخر بغير وحى من الله تعالى وهذا عظيم جدا * قال أبو محمد رضى الله عنه: فمن لم يكن له من المسلمين خاصة عصبة فمن سهم الغارمين أو من كل مال موقوف لجميع مصالح المسلمين لقول الله عزوجل: (المؤمنون

[ 360 ]

بعضهم أولياء بعض) ولا حظ في المال المذكور لكافر ذميا كان أو غيره، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لا يحول بين الشهرين برمضان ولا باضحى ولا بمرض ولا أيام حيض فلان الله عزوجل أمر بهما متتابعين وأما إذا حال بينهم شئ مما ذكرنا فليسا متتابعين ولم يخص الله عز وجل حيلولة بغير عذر من حيلولة بعذر، وتؤخر المرأة صيامها حتى ترتفع حيضتها لانها لا تقدر على المتابعة فقرضها ان توخر حتى تقدر كالمريض وغيره ولو بدأهما في أول شعبان ثم سافر رمضان كله اجزاه اتمام الشهرين فيه ثم يقضى رمضان كما أمره الله تعالى، واما الذمي فان كل كافر من جن أو انس ففرض عليهم ترك كل دين والرجوع إلى الاسلام والتزام شرائعه لا يقول غير هذا مسلم لانه بهذا جاء القرآن وعليه حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالفه ولم يؤمن به، وبذلك وجب الخلود في النار على من لم يسلم فإذ كل كافر فملزم دين الاسلام ومأمور به فحكمه لازم لهم وشرائعه كذلك الا ان منها مالا يقبل منهم حتى يسلموا كالصلاة هي فرض على الجنب وغير المتوضى الا انها لاتقبل منهما إلا حتى يغتسل الجنب ويتوضاء المحدث * وأما قولنا لا يصوم عن الكافر وليه بخلاف المسلم يموت وعليه صيام لانه لا يصوم الولى الا ما لو صامه الميت لاجزأه وليس هذا صفة الكافر وبالله تعالى التوفيق * 2022 مسألة: ومن قتل مؤمنا عمدا في دار الاسلام أو في دار الحرب وهو يدرى انه مسلم فولى المقتول مخير ان شاء قتله بمثل ما قتل هو به وليه من ضرب أو طعن أو رمى أوصب من حالق أو تحريق أو تغريق أو شدخ أو اجاعة أو تعطيش أو خنق أو غم أو وطئ فرس أو غير ذلك لاتحاش شيئا وان شاء عفى عنه أحب القاتل أم كره لا رأى له في ذلك وليس عفوا لولى عن القود وسكوته عن ذكر الدية بذلك بمسقط للدية بل هي واجبة للولى وان لم يذكرها الا ان يلفظ بالعفو عن الدية أيضا وان شاء عفا عنه بما يتفقان عليه فههنا خاصة ان لم يرضه القاتل لم يلزمه ويكون للولى القود أو الدية فان أبى الولى الا أكثر من الدية لم يلزم القاتل أن يزيده على الدية وبرة فما فوقها * قال أبو محمد رضى الله عنه: وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: ليس لولى المقتول الا القود فقط أو العفو ولا تجب له الدية إلا برضى القاتل فان أبى الولى الا أكثر من الدية ولو اضعافا كثيرة فان رضى بذلك القاتل جاز ذلك والا فلا، صح هذا القول عن ابراهيم النخعي وعن أبى الزناد وهو قول أبى حنيفة. وسفيان الثوري. ومالك. وابن شبرمة. والحسن بن حى. وأصحابهم، وصح قولنا عن ابن عباس روينا

[ 361 ]

من طريق البخاري نا قتيبة بن سعيد نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عزوجل: (فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) قال: كان في بنى اسرائيل القدوم لم تكن فيهم الدية قال فالعفو ان يقبل الدية في العمد يطلب بمعروف ويودى باحسان * ومن طريق حماد بن سلمة نا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس في الآية المذكورة هو العمد يرضى أهله بالدية اتباع من الطالب بالمعروف وأداء إليه من المطلوب باحسان، وصح أيضا عن مجاهد والشعبى. وعن عمر بن عبد العزيز كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل قاضى صنعاء قال: كتب عمر ابن عبد العزيز في امرأة قتلت رجلا ان احب الاولياء ان يعفوا عفوا وان أحبوا ان يقتلوا قتلوا وان أحبوا ان يأخذوا الدية أخذوها وأعطوا امرأته ميراثها من الدية * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال يجبر القاتل على اعطاء الدية فان اتفقوا على ثلاث ديات فهو جائز انما اشتروا به صاحبهم وهو قول سعيد بن المسيب. ومحمد ابن سيرين. والاوزاعي. والشافعي. وأبى ثور. واحمد بن حنبل. واسحاق، وأبى سليمان. وأصحابهم. وجمهور أصحاب الحديث * قال أبو محمد رضى الله عنه: فنظرنا فيما احتج به أهل هذا القول فوجدنا قول الله عزوجل: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) فالضمير في قول تعالى له وفى من أخيه راجع إلى القاتل لا يجوز غير ذلك لانه هو الذى عفى له من ذنبه في قتل أخيه المسلم * وما روينا من طريق البخاري نا أبو نعيم - هو الفضل بن دكين نا شيبان عن يحيى - هو ابن أبى كثير - عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة فذكر حديثا وفيه " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما يودى وإما ان يقاد " * ومن طريق أبى داود السجستاني نا مسدد نا يحيى بن سعيد القطان نا ابن أبى ذئب نا سعيد بن أبى سعيد المقبرى قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول في خبر " فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فاهله بين خيرتين بين ان يأخذوا العقل وبين ان يقتلوا " فهذا نص جلى لا يحتمل تأويلا بان الخيار في الدية أو القود إلى ولى المقتول لا إلى القاتل، وقد وافقونا على انه ان عفى واحد من الاولياء فاكثر ان الدية واجبة للباقين احب القاتل ام كره وكذلك عندهم إذا بطل القود بأى وجه بطل كالاب قتل ابنه أو نحو ذلك فاى فرق بين امتناع القود بهذا وبين امتناعه بعفو الولى، قالوا: ولا يصح خلاف ابن عباس في ذلك عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم ثم نظرنا فيما يشغب به أهل القول الذى ذكرنا أولا فوجدناهم يحتجون بما روينا من طريق (م 46 - ج 10 المحلى)

[ 362 ]

احمد بن شعيب أخبرني هلال بن العلاء نا سعيد بن سليمان نا سليمان بن كثير نا عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قتل في رميا أو عميا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو عصى فعقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فقود يديه فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله " وذكر الحديث * ومن طريق ابن وهب أخبرني سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من اغتبط مؤمنا قتلا فهو موديه إلا ان يرضى ولى المقتول " وذكر الحديث وفى آخره " وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله والرسول " * وبماناه احمد ابن قاسم حدثنى أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا احمد بن زهير نا الحكم بن موسى نا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود الجزرى عن الزهري عن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن ابن حزم عن ابيه عن جده " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم فمن اغتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود الا ان يرضى أولياء المقتول، وبما روينا من طريق أبى داود نا عبيدالله بن عمر بن ميسرة نا يحيى بن سعيد - هو القطان - عن عوف الاعرابي عن حمزة أبى عمرو العايذى الضبى حدثنى علقمة بن وائل حدثنى وائل بن حجر قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جئ بقاتل في عنقه النسعة فقال عليه الصلاة والسلام لمولى المقتول: أتعفو؟ قال لا قال أتأخذ الدية قال لا قال أفتقتل قال نعم، وفى آخر الحديث انه عليه الصلاة والسلام قال له: " اما انك ان عفوت عنه فانه يبوء باثمك واثم صاحبك " قال فعفى عنه، ومن طريق أبى داود نا محمد بن عوف الطائى نا عبد القدوس بن الحجاج ثنا يزيد بن عطاء الواسطي عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى بقاتل فقال هل: هل لك من مال تؤدى ديته؟ قال: لا قال أفرأيت ان ارسلتك تسأل الناس تجمع ديته قال لا قال فمواليك يعطونك ديته؟ قال لا قال لولى المقتول خذه ثم قال عليه الصلاة والسلام اما انه ان قتله كان مثله وذكر باقى الحديث وفيه انه عليه الصلاة والسلام قال له " ارسله يبوء باثم صاحبك واثمه فيكون من أصحاب النار فارسله " * ومن طريق احمد بن شعيب أنا عيسى بن يونس الفاخورى نا ضمرة عن عبد الله بن شوذب عن ثابت البنانى عن أنس ابن مالك " ان رجلا أتى بقاتل وليه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام اعف عنه فابى فقال خذ الدية فابى قال: اذهب فاقتله فانك مثله " فذكر الحديث وفيه " انه ارسله " قالوا ففى حديث ابن عباس وعبد الرحمن بن أبى ليلى وعمرو بن حزم القود الا ان يرضى اولياء المقتول، وفى حديث وائل بن حجر وأنس الفرق بين العفو وبين أخذ الدية قالوا فلو كانت الدية واجبة بالعفو وان لم يذكرها الولى العامي لاستغنى عليه الصلاة والسلام عن إعادة ذكرها،

[ 363 ]

قالوا وفى احد حديثى وائل انه استشار القاتل في اعطاء الدية فلو كانت واجبة عليه ما استشاره في ذلك قالوا: وقد رويتم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس قال في الكتاب الذى هو عند ابى هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذى في حديث معمر وهى في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون وأربعون خلفة فتية سمينة إذا اصطلحوا في العمد فهو على ما اصطلحوا عليه قالوا فلم يذكر في العمددية وقالوا: قال الله عزوجل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم بغير طيب نفس منه " قالوا فدل هذان النصان على ان مال القاتل لا يجوز أخذ شئ منه إلا بطيب نفس منه، وقالوا قال الله عزوجل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقال تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) قالوا: وليس مثل القتل الا القتل فلا مدخل للدية ههنا الا برضاهما معا، وقالوا قال الله عزوجل: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل) قالوا: فلم يذكر عزوجل الا القتل فقط وقالوا: (لا يخلو ولى المقتول من أن يكون له القصاص أو يكون له أيضا أخذ الدية بدلا من القصاص، فان قلتم هذا قلنا لم نجد قط حقا لانسان أن يكون له أخذ بدل منه الا برضى الذى عليه الحق، فان قلتم له اما القصاص واما الدية قلنا: لو كان ذلك لكان ان عفى عن احدهما لم يجز عفوه لانه لم يجب له بعد بعينه وانما يجوز عفوه عنه إذا اختاره ثم عفى عنه بعد وجوبه له بعينه، وقالوا: قد روى عن عمر بن الخطاب كما رويتم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: لايمنع السلطان ولى لادم ان يعفو ان شاء أو يأخذ العقل ان اصطلحوا عليه ولا يمنعه ان يقتل ان أبى الا القتل بعد أن يحق له القتل في العمد، واعترضوا في قول الله عزوجل: (فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع) وقالوا: ان الضمير الذى في له وفى من اخيه راجع إلى ولى المقتول لا إلى القاتل بمعنى فمن سمح له القاتل بالدية، واعترضوا في خبر أبى هريرة بأن قالوا: قد رويتم هذا الخبر بعينه بخلاف ذلك اللفظ لكن كما رويتم من طريق أحمد بن شعيب انا العباس بن الوليد بن مزيد ارنى ابى حدثنى الاوزاعي نا يحيى ابن ابى كثير حدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ان أبا هريرة أخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما يقاد واما يفادى " * ومن طريق ابى بكر ابن ابى شيبة نا الحسن بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبى كثير أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ان أبا هريرة أخبره في حديث " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما أن يقتل واما أن يفادى أهل القتيل " قالوا فلم يذكر دية.

[ 364 ]

وهذا قولنا، واعترضوا في خبر أبى شريح الكعبي بأن قالوا: قد رويتموه كما حدثكم أحمد ابن قاسم نا ابى قاسم بن محمد بن قاسم بن قال حدثنى جدى قاسم بن اصبغ قال نا عبد الله بن روح نا يزيد بن هارون نا محمد بن اسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان بن أبى العوجاء السلمى عن ابى شريح الخزاعى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح - فهو بالخيار في احدى ثلاث أشياء اما أن يعفو وأما أن يقتص وإما أن يأخذ العقل " قالوا فلو وجبت الدية بالعفو وان لم تذكر لما كان لذكره عليه الصلاة والسلام للدية مع ذكر للعفو مخيرا بينهما معنى قالوا ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: " إما أن يقاد واما أن يعقل " ان يرضى القاتل كما تقول خذ بسلعتك كذا وكذا أي يرضى البائع. هذا كل ما موهوا به قد تقصيناه لهم ولا حجة لهم في شئ منه على ما نذكر ان شاء الله عزوجل، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلى العظيم * أما حديث سعيد بن سليمان عن سعيد بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس فلا حجة لهم فيه لانه باجماع منا ومنهم لم يذكر فيه عفوا وانما ذكر فيه القود فقط، فان قالوا: قد ذكر العفو في غير هذا المكان قلنا: وقد ذكرت الدية في غير هذا المكان ولا فرق، وزيادة العدل لا يجوز تركها، والحنيفيون يخالفون هذا الخبر لانهم لا يرون القود للولد من الوالد فخصه بلا برهان، وكذلك المالكيون لانهم لا يرون القود للعبد من الحر فخصوه أيضا بلا برهان * وأما حديث ابن ابى ليلى فمرسل ولا حجة في مرسل ثم هو عن محمد بن عبد الرحمن، وهو سيئ الحفظ * وأما حديث عمرو بن حزم فساقط لان سليمان بن داود الذى رواه عن الزهري ضعيف الحديث مجهول الحال قاله ابن معين وغيره، ثم لو صح هو وحديث ابن ابى ليلى لكانا حجة لنا لا لهم لان فيه إلا أن يرضى أولياء المقتول ونحن لاننكر هذا بل نقول انهم ان رضوا بالدية أو بأكثر من الدية فلهم رضاهم، وخبر أبى شريح. وأبى هريرة ففيهما زيادة عدل على هذين الخبرين وزيادة عدلين لا يجوز تركها، وكم قضية في خبر عمرو بن حزم المذكور وقد خالفوها بآرائهم كما ذكرنا في كتاب الزكاة وبالله تعالى التوفيق * وأما حديثا وائل بن حجر فساقطان، أحدهما من رواية أبى عمرو العايذى وهو مجهول وقد روى عن عوف ايضا عن ابى عمرو الضبى فان لم يكن ذلك فهو ضعيف، وقد روى هذا الخبر مدلسا ونحن نبينه ان شاء الله عزوجل عليه لئلا يموه به على جاهل بعلوم الحديث وهو كما روينا من طريق احمد بن شعيب نا محمد بن اسماعيل بن ابراهيم نا اسحاق بن يوسف الازرق عن عوف الاعرابي عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: جئ بالقاتل وذكر

[ 365 ]

الحديث نفسه فاسقط بين عوف وعلقمة أبا عمرو المذكور، والثانى من رواية سماك بن حرب وهو يقبل التلقين ثم لو صحا لكانا حجة لنا عليهم لان في أحدهما أنه عليه الصلاة والسلام قال لولى القاتل أتعفو؟ قال لا قال أفتاخذ الدية؟ قال: لا قال أفتقتل قال: نعم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار في العفو أو القود أو أخذ الدية لولى المقتول دون أن يستشير القاتل أو يلتفت إلى رضاء وهذا قولنا لاقولهم، والآخر أن فيه عليه الصلاة والسلام قال للقاتل ألك مال تؤدى ديته قال: لاقال أفرأيت ان ارسلتك تسأل الناس تجمع ديته؟ قال: لا: قال فمواليك يعطونك ديته؟ قال لا " * قال أبو محمد رضى الله عنه: ومن لا مال له ولا يطمع في أن يجمع له الدية لا الناس ولا مواليه الذين لا شئ عليهم من جنايته فلا يجوز تكليفه مالا يطيق * واما خبر أنس فساقط لانه من طريق عبد الله بن شوذب وهو مجهول ثم لو صح لكان حجة لنا كما قلنا في خبر وائل لان فيه تخيير الولى بين أخذ الدية أو القود أو العفو فكيف وهما خبران موضوعان بلا شك لان فيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا يكن أن يقولوه من ايجاب النار على من أخذ حقه الذى أعطاه اياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمره عليه الصلاة والسلام اياه فقتل من نهاه عن قتله، فهذا تناقض قد نزه الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وسلم عنه * وأما قولهم: لو كانت الدية واجبة بالعفو وان لم يذكر لما كررها عليه الصلاة والسلام فليس كما ظنوا وانما ذكر عليه الصلاة والسلام عفوا مطلقا عاما لاعفوا خاصا عن الدم فقط وكذلك نقول ان عفا عن الدم وحده خاصة فالدية باقية له وان عفا عفوا عاما عن الدم والدية فذلك له * وأما خبر ابن طاوس عن أبيه فمرسل ولا حجة في مرسل، ثم هو أعظم حجة على الحنيفيين والمالكيين لخلافهم لما فيه، أما الحنيفيون فالدية عندهم في شبه العمد بخلاف ما فيه لكن أرباعا جداع وحقاق وبنات لبون وبنات مخاض، وأما المالكيون فلا يرون في شبه العمد شيئا أصلا، فمن أعجب ممن بحتج بما هو أول مخالف له ويصححه على من لا يصححه ثم ليس فيه الا كما في العمد ما اصطلحوا عليه إذا اصطلحوا، ونحن نقول بهذا ولا نخالفه، وأما ذكرهم قول الله عزوجل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه " فصحيح كل ذلك وهو قولنا، وقد قال الله عزوجل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فإذا أوجب الله تعالى الدية أو رسوله صلى الله عليه وسلم فقد وجب أحدهما على رغم انف الزاعم رضى الذى يؤخذ منه أو كره طابت نفسه أو خبثت كما قلنا، وقالوا في العاقلة

[ 366 ]

والزكاة والنفقات الواجبات وغير ذلك، ولو انهم احتجوا على أنفسهم بهذين النصين حيث أوجبوا الدية على عاقلة الصبى. والمجنون. وان كرهوا ولم تطب أنفسهم ولارضوا ولا اوجبها الله تعالى قط ولا رسوله عليه الصلاة والسلام لكان أولى بهم وهذا هو الاكل للمال بالباطل حقا * وأما قوله عزوجل: (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به والحرمات قصاص) و (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فحق كل ذلك، وقوله عزوجل: (فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اما أن يقاد وإما أن يودى " حكم زائد على تلك الآيات وأحكام الله عزوجل وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم كلها حق يضم بعضها إلى بعض ولا يحل خلاف شئ منها ولو أنهم احتجوا على أنفسهم بهذه الآيات حيث خالفوها من اسقاطهم القود للولد من أبيه واسقاط القود لمن لم يعف من أجل عفو واحد منهم واسقاط بعضهم القود للعبد من الحر لكان أولى بهم وأما قوله عزوجل: (فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل) فحق وبه نقول إذا اختار القود فليقتل قاتل وليه ولا يحل له أن يسرف فيقتل غير قاتله وليس ههنا ذكر الدية التى قد ورد حكمها في نص آخر، وأما قولهم: لا يخلو ولى المقتول من أن يكون له القصاص أو أخذ الدية بد لا من القصاص قالوا: ولم نجد قط حقا لانسان يكون له أخذ بدل منه بغير رضى الذى عليه الحق فهذيان نسوا فيه أقوالهم الفاسدة إذ قالوا: من كسر قلب فضة لغيره فصاحب القلب يخير بين أخذ قلبه كما هو ولا شئ له وان شاء ضمن قيمته مصوغا غير مكسور من الذهب أحب الكسر أو أبى، وإذ قالوا من غصب ثو ب الآخر فقطعه قطعا استهلكه به كحرق أو خرق في بعضه فان صاحب الثوب مخير بين أن يأخذ ثوبه وقيمة نقصانه وان شاء اعطاه للغاصب والزمه قيمته صحيحا بخلاف الحكم لو قطعه قميصا وبخلاف القمح إذا طحنه دقيقا. والدقيق إذا خبزه خبزا. واللحم إذا طبخه أو شواه فلم يروا للمغصوب في كل هذا الا قيمة ما غصب منه فقط، وجعلوا القميص والخبز والطبخ والشواء حلالا للغاصب بحكم ابليس اللعين، فهذه ابدال أوجبوها بآرائهم الفاسدة فرضا من حقوق واجبة بغير رضى الذى الزموها اياه ولا طيب نفسه، وأما نحن فلا نعترض على أحكام الله عزوجل وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه القضايا الخبيثة وبالله تعالى نتأيد، وأما قولهم: ان كان له القود أو الدية فلا يجوز عفوه عن أحدهما حتى يختاره فقول سخيف بل عفوه عن القود جائز وتبقى له النسية إلا أن العفو عنها كما امر الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم كما انه إذا اختار القود فقد اسقط حقه في الدية وإذا اختار الدية فقد

[ 367 ]

أسقط حقه في القود وإذا عفى عن القود بقى حكمه في القسم الآخر وهو الدية وبالله تعالى التوفيق * واما قولهم ان التخيير زيادة في النص ولا تجوز الزيادة في النص الا بما يجوز به النسخ فصحيح والنسخ جائز لما في القرآن بقرآن أو سنة ثابتة بخبر الواحد وهو جائز أيضا للسنة بالقرآن وبخبر ثابت من طريق الثقات أيضا، فلو انهم احتجوا على انفسهم بهذا القول حيث زادوا على النسخ بالاخبار الواهية لكان أولى بهم كالوضوء بالنبيذ ولا مسح على الجبائر والتدليك في الغسل، وكايجاب الديات في كثير من الاعضاء بقياس أو رواية ساقطة أو تقليد بغير نص وبالله تعالى التوفيق * وأما روايتهم ذلك عن عمر بن الخطاب فلا تصح لانها عن عمر بن عبد العزيز. عن عمر ابن الخطاب ولم يولد عمر رحمه الله تعالى الا بعد موت عمر رضى الله تعالى عنه بنحو سبع وعشرين سنة، ولو صح لكان الثابت عن ابن عباس خلافا له * وأما تعلقهم (1) في قول الله عز وجل: (فمن عفى له من أخيه شئ) ان الضمير راجع إلى القاتل فدعوى كاذبة ومحال لا يجوز لانها دعوى بلا دليل وتكلف ظاهر البطلان مع أنه خلاف لقول المالكيين منهم لان في الآية (فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) فقالوا هم: بل نتبع بضرب مائة سوط ونفى سنة بلا نص أوجب ذلك أصلا ولا رواية عن صاحب ولا يشك ذو فهم ان المعفو له من ديته في أخيه هو القاتل وأما ولى المقتول فلم يعف له شئ من أخيه وحتى لو كان معناه ما تأولوه بالباطل لكان مخالفا لاقوالهم لانه لا يوجب ذلك مراعاة رضى الولى بل كان يكون الخيار حينئذ للقاتل فقط وهذا لا يقوله أحد على ظهر الارض لاهم ولا غيرهم فصح ان تأويلهم في الآية محال باطل ممتنع لا يحل القول به أصلا والحمد لله رب العالمين * واما اعتراضهم في خبر أبى هريرة بأنه قد روى فيه أيضا أما ان يقاد واما أن يفادى أهل القتيل فصحيح وهو معنى ثالث وبه نقول وهو اتفاقهم كلهم القاتل وأولياء القتيل على فداء القاتل باكثر من الدية ولا يحل ترك شئ مما صح ولا ضرب بعضه ببعض فهذا هو التلاعب بالدين وكيد الاسلام جهارا ونعوذ بالله من ذلك، وليس ترك الصحيح مما في ذلك الخبر من ان يقاد أو يودى من أجل ما قد صح أيضا من ان يقاد أو يفاد بأولى من آخر خالف الحق فترك قوله عليه الصلاة والسلام أن يفادى من أجل قوله أو يودى وكل ذلكم باطل، فصح ان اخذ كل ذلك وضم بعضه إلى بعض هو الحق الذى لا يجوز خلافه، واما اعتراضهم في خبر أبى شريح برواية سفيان بن أبى العوجاء فسفيان مجهول لا يدرى من هو، ثم العجب


(1) في النسخة رقم 14 واما تعللهم

[ 368 ]

كله من احتجاجهم به وهم مخالفون ما فيه لان فيه ايجاب القود في الجراح جملة وهم لا يرون القود في شئ من الجراح الا في الموضحة وحدها فقط فيا للمسلمين في أي باب يقع احتجاج المرء على خصمه بما يخالف وهو يصححه وخصمه لا يصححه، ثم لو صح لكان حجة لنا عليهم لان فيه التخيير للمجروح أو لولى المقتول بين القود أو الدية أو العفو دون اشتراط رضى الجاني وهذا عجب آخر ورضى بالتموية المفتضح من قرب ونسأل الله تعالى العافية * وأما قولنا بان كل ما ذكرنا فهو من قتل عمدا مسلما في دار الحرب وهو يدرى انه مسلم في دار الحرب كما لو فعل ذلك في دار الاسلام ولا فرق فلعموم نص القرآن والسنة التى أوردنا في ذلك ولم يخص احدى الدارين من الاخرى وما كان ربك نسيا، وهو قول مالك. والشافعي. أبى سليمان وجميع أصحابهم وبه نأخذ، واما أبو حنيفة فقال: ان قتل مسلم مسلما عمدا في أرض الحرب وكان المقتول غير ساكن في أرض الحرب فلا قود فيه أصلا انما فيه الدية، فان كان المسلم المقتول ساكنا في أرض الحرب فعلى قاتله عمدا وهو يدرى انه مسلم الكفارة فقط ولاقود فيه ولادية * قال أبو محمد رضى الله عنه: ولا ندرى من اين اخرج هذا القول السخيف ولا من تقدمه إليه، والعجب ان المبتلين من الله تعالى بتقليده موهوا في ذلك بما رويناه من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا ابو خالد الاحمر عن الاعمش عن أبى ظبيان عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصبحنا الحرقات من جهينة فادركت رجلا فقال: لاإله الا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقال لا اله الا الله وقتلته؟ قلت: يا رسول الله انما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فمازال يكررها على حتى تمنيت انى اسلمت يومئذ ". وبما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة فدعاهم إلى الاسلام فلم يحسنوا ان يقولوا اسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا وجعل خالد فيهم اسرا وقتلا ودفع إلى كل رجل منا أسيرا حتى إذا أصبح يوما (1) أمرنا خالد بن الويد ان يقتل كل واحد منا (2) أسيره فقال ابن عمر: والله لاأقتل أسيرى ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له صنيع خالد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم ان ابرأ اليك مما صنع خالد ". ومن طريق أبى داود


(1) في النسخة رقم 16 أصبح يومنا (2) في النسخة رقم 14 كل رجل منا

[ 369 ]

نا هناد بن السرى نا أبو معاوية عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله البجلى قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم فاعتصموا بالسجود فاسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فامر لهم بنصف العقل وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين اظهر المشركين قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: لاتراءى ناراهما (1) * قال أبو محمد رضى الله عنه: لا يصح في هذا الباب شئ غير هذه الاحاديث، وأما حديث اليمان والد حذيفة رضى الله عنهما ففيه زياد بن عبد الله البكائى وليس بالقوى * وأما حديث ملجم بن قدامة وقتله عامر بن الاضبط واعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الدية فيه ومنعه من القود ففيه زياد بن ضميرة وهو مجهول بل انه يصح في حديث ملجم المذكور ماناه حمام بن أحمد نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا أحمد بن زهير بن حرب نا أبو بكر بن أبى شيبة نا أبو خالد الاحمر عن محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط عن القعقاع عن عبد الله بن أبى حدود قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أطم فلقينا عامر بن الاضبط - هو أشجعي - فحيانا بتحية الاسلام فقام إليه الملجم بن جثامة - هو ليثى كنانى - فقتله ثم سلبه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا) * قال أبو محمد رضى عنه: كل هذه الاخبار حجة عليهم لان خالدا لم يقتل بنى جذيمة الا متأولا انهم كفار، ولم يعرف ان قولهم: صبأنا صبأنا اسلام صحيح، وكذلك اسامة بلاشك وحسبك بمراجعته رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقوله: انما قالها من خوف السلاح وهو والله الثقة الصادق (2) الذى ثبت انه لم يقل الا ما في نفسه، وكذلك السرية التى اسرعت بالقتل في خثعم وهم معتصمون بالسجود واذ هم متأولون فهم قاتلوا خطأ بلا شك فسقط القود، ثم نظرنا فيهم فوجدناهم كلهم في دار الحرب في قوم عدو (3) لنا فسقطت الدية بنص القرآن ولم يبق الا الكفارة فلا بد من أحد أمرين ضرورة اما أنه عليه الصلاة والسلام أمرهم بها فسكت الراوى


(1) يقال تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا، والمعنى أنه يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك لئلا يرى نار شركه (2) في النسخة رقم 14 التقى الصادق (3) في النسخة رقم 16 في دار عدو (م 47 - ج 10 المحلى)

[ 370 ]

عن ذلك، واما ان الآية التى فيها (وان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة) لم تكن نزلت بعد فلا شئ عليهم الا الاستغفار والدعاء إلى الله عزوجل فقط، فان قيل: كيف يقول متأولا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبرأ إلى الله تعالى من فعله؟ قلنا: نعم قد برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل خطأ خالف الحق ونحن نبرأ إلى الله عزوجل منه وان كان فاعله مأجورا أجرا واحدا ولم يبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد قط انما برئ من فعله وهكذا نقول نبرأ إلى الله عزوجل من كل تأويل أخطا فيه المتأول ولا نبرأ من المتأول ولو برئ عليه الصلاة والسلام من خالد لما أمره بعدها فصح قولنا والحمد لله رب العالمين، فان قيل: فما وجه اعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خثعما نصف الدية؟ قلنا: فعل ذلك تفضلا وصلة واستئلافا على الاسلام فقط ولو وجبت لهم دية لما منعهم عليه الصلاة والسلام منها وبرة فما فوقها فلما بطل احتجاج الحنيفيين لقولهم الخبيث بهذه الاخبار في اسقاط القود والدية عمن تعمد قتل مسلم يدرى انه مسلم وان كان ساكنا في أرض الحرب وفى اسقاطهم القود فقط عن المتعمد قتل المسلم في عسكر المسلمين في دار الحرب إذ قد صح انها كلها قتل خطأ لاقتل عمد فظهر فساد قولهم بيقين، فان قيل: فقد برئ عليه الصلاة والسلام من كل مسلم سكن بين أهل دار الحرب قلنا: لو كان هذا مبيحا لتعمد قتله لبطل قولكم في ايجاب الكفارة في ذلك وانما معناه انه جان على نفسه بذلك فان قتله من لا يدرى انه مسلم فلا قود ولا دية انما فيه الكفارة فقط بنص القرآن ثم زادوا ضلالا فاحتجوا في ذلك بخبر ساقط موضوع ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقطع الايدى في السفر " فكان هذا عجبا لانهم أول مخالف لهذا الخبر فيقطعون الايدى في السفر فلا ندرى من أين وقع لهم تخصيص دار الحرب بذلك؟ ثم لو صح لهم ذلك لكان اسقاطهم القود والدية أو القود فقط على ترك قطع الايدى هوسا ظاهرا وقد أعاذ الله رسوله عليه الصلاة والسلام من أن يريد النهى عن القود والدية في قتل نفس المسلم عمدا في أرض الحرب فيدع ذكر ذلك ويقتصر على النهى عن قطع الايدى في السفر هذا لا يضيفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الا كذاب ملعون متعمد للكذب عليه عليه الصلاة والسلام * قال أبو محمد رضى الله عنه: وأما قولنا يقتل قاتل العمد بأى شئ قتل به فانه قد اختلف الناس في كل ذلك فقالت طائفة كما قلنا كما روينا من طريق أبى بكر ابن ابى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن أشعث عن الشعبى قال: قال على بن أبى طالب العمد كله قود * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الرحيم عن أشعث عن

[ 371 ]

الشعبى. والحسن. وابن سيرين. وعمرو بن دينار قالوا كلهم: العمد قود * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عمن سمع الشعبى يقول: إذا مثل بالرجل ثم قتله فانه يمثل به ثم يقتل * ومن طريق حماد بن سلمة عن اياس بن معاوية قال: كل شئ يقتله فانه يقاد به نحو الحجر العظيم والخشبة العظيمة التى تقتل * ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة أنه حدثه ان ابنا لصهيب أخذ ابنا لحاطب بن أبى بلتعة فضربه بخشبة معه حتى ظن انه قد قتله فذكر الحديث وانه مات منها وأن الصهيبى دفع إلى ولى حاطب فضربه بعصا معه في الرأس حيت تطايرت شؤون رأسه فمات، وعروة ابن الزبير جالس لا ينكره، كان اسم الصهيبى الحسن بن عثمان وكان اسم الحاطبى يزيد بن المغيرة * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا سليمان بن حرب نا حماد بن سلمة عن أبى رجاء قال: قال قتادة ان قتل بحجر قتل بحجر وان قتل بخشبة قتل بخشبة وهو قول ابان بن عثمان. وأبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم * ومن طريق حماد بن سلمة انا حميد عن ميمون بن مهران أن يهوديا قتله مسلم بفهر فكتب ميمون في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر يأمره بدفعه إلى أم اليهودي فدفعه إليها فقتلته بفهر * وبه يأخذ مالك. والشافعي. وأبو ثور. وأحمد بن حنبل. واسحاق. وابن المنذر. وأصحابهم. وغيرهم، وقال مالك: إن قتله بحجر أو عصى أو بالنار أو بالتغريق قتل بمثل ذلك يكرر عليه أبدا حتى يموت، وقال الشافعي: ان ضربه بحجر حتى مات ضربه بحجر أبدا حتى يموت وان حبسه بلا طعام ولا شراب حتى يموت حبس مثل تلك المدة حتى يموت فان لم يمت قتل بالسيف، وهكذا ان غرقة وهكذا ان ألقاه من مهواة عالية، فان قطع يديه ورجليه فمات قطعت يدا القاطع ورجلاه فان مات والا قتل بالسيف * قال أبو محمد رضى الله عنه: ان لم يمت ترك كما هو حتى يموت لا يطعم ولا يسقى، وكذلك ان قتله جوعا أو عطشا جوع وعطش حتى يموت ولا بد ولا تراعى المدة أصلا، وقال ابن شبرمة: ان غمسه في الماء حتى يموت غمسته فيه حتى يموت وان قتله ضربا ضربته مثل ضربه لا أكثر من ذلك، وقد كانوا يكرهون المثلة ويقولون: السيف يجزئ من ذلك كله * قال أبو محمد رضى الله عنه: بل اضربه حتى يموت، وقالت طائفة: لا يقتل في كل ذلك الا بالسيف كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري انه قال: لاقود إلا بحديدة * ومن طريق وكيع نا سفيان عن المغيرة عن ابراهيم النخعي فيمن قتل بخشبة أو بالشئ قال: لا سيف محل ذلك * ومن طريق

[ 372 ]

شعبة عن المغيرة عن ابراهيم لاقود الا بالسيف * ومن طريق ابى بكر بن أبى شيبة ناوكيع عن محمد بن قيس عن الشعبى لاقود الا بحديدة، وروى نحو هذا عن سفيان، وقال أبو حنيفة وأصحابه: بأى شئ قتله مما يوجب القود فلا يقاد الا بالسيف، وهو قول أبى سليمان * قال أبو محمد رضى الله عنه: ظاهر ما روينا عن الحسن. والشعبى ايجاب القود بالسيف والرمح والسكين والمطرقة فنظرنا فيما احتجت به الطائفة الاولى فوجدنا هم يحتجون بقول الله عزوجل: (والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وبقوله عزوجل: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وبقوله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وبقوله عزوجل: (ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق أولئك لهم عذاب اليم) وبقوله عزوجل: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) وبقوله تعالى: (ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين) قالوا: فكلام الله تعالى كما أوردنا موجب ان الغرض القصاص في القتل فما دونه انما هو بمثل ما اعتدى به وأنه لا يحل تعدى ذلك إلى غير ما اعتدى به قالوا: فمن قتل بالسيف من قتل متعديا بغير السيف فقاتله بما لم يقتل به متعد ظالم بنص القرآن عاص لله عزوجل فيما أمر به، واحتجوا أيضا بما قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: " ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام " قالوا: فمن قتل أحدا بغير السيف ظالما عامدا فبشرة غير القاتل (1) محرمة على المستقيد وغيره إذ قد صح تحريمها، ولم يأت نص ولا اجماع باباحتها وانما حل من بشرة القاتل ومن التعدي عليه مثل ما انتهك هو من بشرة غيره ومثل ما تعدى عليه به فقط ومن خالف هذا فهو كمن أفتى من فقئت عيناه ظلما بأن يجدع هو اشراف اذنى فاقى عينيه ولافرق، ومن طريق مسلم نا هداب بن خالد نا همام نا قتادة عن أنس بن مالك أن جارية قد وجد رأسها قد رضى بين حجرين فسألوها من صنع هذا بك فلان فلان حتى ذكروا لها يهوديا فأومأت برأسها فاخذ اليهودي فأقر فامر النبي صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بين الحجارة (2) ورواه أيضا شعبة عن هشام بن زيد عن أنس ومعمر عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن أنس * ومن طريق مسلم نا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبى شيبة واللفظ له نا ابن علية عن الحجاج ابن أبى عثمان نا أبو رجاء مولى ابى قلابة حدثنى أنس بن مالك أن نفرا من عكل ثمانية قدموا


(1) في النسخة رقم 14 فبشرة عنق القاتل (2) في النسخة رقم 14 يرض رأسه بالحجارة

[ 373 ]

على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الاسلام فاستوخموا الارض وسقمت أجسامهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا تخرجون مع راعينا في ابله فتصيبون من أبوالها والبانها؟ فقالوا بلى فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعى وطردوا الابل فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم فادركوا فجئ بهم فامر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا " قال مسلم: حدثنى الفضل ابن سهل الاعرج مروزى نا يحيى بن غيلان نا يزيد بن زريع عن سليمان التيمى عن أنس بن مالك قال: انما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين اولئك لانهم سملوا أعين الرعاء، فهذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره الذى لا يسع أحد الخروج عنه، ومن طريق أبى بكر ابن أبى شيبة نا عبد الرحمن بن سليمان نا إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العمد قود الا ان يعفو ولى المقتول " * ومن طريق البخاري نا أبو نعيم - هو الفضل بن دكين - نا شيبان عن يحيى - هو ابن أبى كثير - عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما أن يودى واما أن يقاد " * قال أبو محمد رضى الله عنه: القود في لغة العرب المقارضة بمثل ما ابتدأه به لا خلاف بين أحد في أن قطع اليد باليد والعين بالعين والانف بالانف والنفس بالنفس كل ذلك يسمى قودا فقد صح يقينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا بالقود فانه انما أمرنا بأن يعمل بالمتعدى في القتل فما دونه مثل ما عمل هو سواء سواء، هذا أمر تقتضيه الشريعة واللغة ولابد، ثم نظرنا فيما احتجت به الطائفة الاخرى فوجدناهم يعولون على ماروينا من طريق ابى بكر بن أبى شيبة نا عيسى بن يونس عن أشعث. وعمرو ابن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاقود الا بالسيف " * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا مرسل ولا يحل الاخذ بمرسل، وقالوا: الخبران عن أنس في الذين قتلوا الرعاء وفى الذى رضخ رأس الجارية فانما كانا إذ كانت المثلة مباحة ثم نسخها بتحريم المثلة، ويدل على ذلك أن في رواية أيوب عن أبى قلابة عن أنس لذلك الخبر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات " * قالوا: والرجم قد لا يصيب الرأس فقد قتله بغير ما قتل هو به الجارية وقد رويتم من طريق أبى داودنا محمد بن المثنى نا معاذ بن هشام الدستوائى حدثنى أبى عن قتادة عن الحسن عن الصباح بن عمران - هو البرجمى - انه سمع سمرة بن جندب: وعمران يقولان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة * وروينا نحوه أيضا من

[ 374 ]

طريق الحسن عن أبى برزة. وأبى بكرة. وأنس بن مالك. ومعقل بن يسار كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ما سمعناه عليه الصلاة والسلام قط خطبنا الا وهو يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة، نا أحمد بن عمر العذري نا أحمد بن على بن الحسن الكسائي نا على بن غيلان الحرانى أنا المفضل بن محمد نا على بن زياد ثنا ابو قرة عن ابن جريج أخبرني اسماعيل بن علية عن معمر عن أيوب السختيانى عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من بدل دينه أو رجع عن دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله أحدا يعنى بالنار " ونهى عليه الصلاة والسلام عن المثلة قالوا: والنهى عن المثلة ثابت من طرق قالوا: وقد رويتم من طريق البخاري. نا موسى بن اسماعيل نا همام عن قتادة عن أنس فذكر حديث الذين قتلوا الرعاء وقد أوردناه آنفا قال قتادة: فحدثني محمد بن سيرين أن ذلك كان قبل نزول الحدود * قال أبو محمد رضى الله عنه: لم نخالفهم قط في أن المثلة لا تحل لكن قلنا: انه لامثلة إلا ما حرم الله عزوجل وأما ما أمر به عزوجل وليس مثلة ليت شعرى ما الفرق عند هؤلاء القوم، بين من قتل عامدا ظالما بالحجارة فقتل هو كذلك فقالوا هذه مثلة وبين من زنا وهو محصن فقتل بالحجارة فقالوا: ليس هو مثلة إلا ان يستحى ذودين من هذا الكلام الظاهر فساده * فان قالوا: ان الله عزوجل أمر بالرجم في الزنا والاحصان، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: والله سبحانه وتعالى أمر بالاعتداء على المعتدى بمثل ما اعتدى به وبالمعاقبة بمثل ما عوقب به ظالما، وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشدخ بالحجر من قتل ظالما كذلك، فهل من فرق؟ وليت شعرى على ما يعهد الناس أيكون مثلة أعظم من قطع اليد والرجل من خلاف وفق ء العينين وجدع الانف والاذنين وبرد الاسنان وقطع الشفتين وهم موافقون لنا على ان كل ذلك واجب ان يفعل بمن فعله بغيره ظالما فلو ترحموا التحكم لكان أولى، ولقد قالوا: ان من قطع الطريق فقطعت يده ورجله من خلاف فان قطع بعد ذلك الطريق لم تقطع يده الثانية ولا رجله ونظن انهم يقولون انه من قطع يد آخر ورجله انه تقطع يده ورجله، فان قالوا ذلك لاح تناقضهم وان لم يقولوه زادوا في الباطل ومنع الحق * وأما قول ابن سيرين كان ذلك قبل نزول الحدود فخطأ وكلام من لم يحضر تلك المشاهد ولا ذكر انه أخبره من شهدها فهو لا شئ، وحديث أنس الذى موهوا به لم يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قط يخطب الا نهى عن المثلة أعظم حجة عليهم في كذبهم انه ناسخ لفعله عليه الصلاة والسلام بالذين قتلوا الرعاء لان أنسا صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 375 ]

ولازمه خادما له من حين قدم عليه السلام المدينة إلى حين موته صلى الله عليه وسلم فصح يقينا قطعا بلا شك انه سمع انس خطبته عليه الصلاة والسلام ونهيه عن المثلة قبل فعله عليه الصلاة والسلام بالذين قتلوا الرعاء فبطل ضرورة أن يكون المتقدم ناسخا للمتأخر وبالله ان ضرب العنق بالسيف لاعظم مثلة ولقد شاهدناه فرأيناه منظرا وحشا وكأنه جسد بأربعة أفخاد فظهر فساد احتجاجهم بالمثلة وصح ان كل ما أمر به عليه الصلاة والسلام فليس هو مثلة انما المثلة من فعل مانهاه الله تعالى عنه متعديا ولا مزيد، وأما قولهم ان في رواية أيوب " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به فرجم بالحجارة حتى مات، فلا شك ولا خلاف في ان تلك الروايات كلها هي في قصة واحدة في مقام واحد في انسان واحد فقول أيوب عن أبى قلابة عن أنس فامر به فرجم حتى مات، وقول شعبة عن هشام ابن زيد عن أنس فامر به فرض. رأسه بين حجرين وقول همام عن قتادة عن أنس فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ترض رأسه بين الحجارة أخبار عن عمل واحد وإذا رض رأسه بين حجرين فقد رض بالحجارة وقد رجم رأسه حتى مات فبطل تعلقهم باختلاف الفاظ الرواة إذ كلها معنى واحد ولله تعالى الحمد وكلهم ثقة وإنما هذا تعلل في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالباطل * واحتجوا أيضا بما روى من طريق أبى داود نا مسلم بن ابراهيم نا شعبة، عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أبى الاشعث عن شداد بن أوس قال: خصلتان سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا صحيح وغاية الاحسان في القتلة هو أن يقتله بمثل ما قتل هو وهذا هو عين العدل والانصاف والحرمات قصاص، وأما من ضرب بالسيف عنق من قتل آخر خنقا أو تغريقا أو شدخا فما أحسن القتلة بل انه أساءها أشد الاساءة إذ خالف ما أمر الله عزوجل به وتعدى حدوده وعاقب بغير ما عوقب به وليه والا فكله قتل وما الايقاف لضرب العنق بالسيف بأهون من الغم والخنق وقد لا يموت من عدة ضربات واحدة بعد أخرى هذا أمر قد شاهدناه ونسأل الله العافية، فعاد هذا الخبر حجة عليهم * واحتجوا بما رويناه من طريق أبى داود نا أبو داود الطيالسي نا شعبة عن هشام بن زيد عن أنس انه كان معه فقال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تصبر البهائم " * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا من طريف ماموهوا به ومتى خالفنا هم في ان العبث بالبهائم وبغير البهائم لا يحل انما بهم ان يموهوا أنهم يحتجون وهم لا يأتون الا بما نهوا عنه وأما بالباطل نعم صبر البهائم لا يحل الا حيث أمر الله تعالى به من الذبح والنخر والرمى فيما شرد بالنبل والرماح وارسال الكلاب وسباع الطير عليها فهذا كله حلال حسن

[ 376 ]

باجماع منا ومنهم وكذلك لا يحل العبث بابن آدم فإذا عبث هو ظالما اقتص منه بمثل فعله وكان حقا وعدلا، والعجب كله ان ضرب العنق صبر بلا شك والصلب أشنع الصبر وهم يرون كل ذلك فلو راجعوا الحق لكان أولى بهم، وهكذا القول فيما موهوا به مما رويناه من طريق عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج عن يعلى قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال أبو أيوب الانصاري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل الصبر * وذكروا ماروينا من طريق أبى داود نا سعيد بن منصور نا المغيرة بن عبد الرحمن الحذامى عن أبى الزناد حدثنى محمد بن حمزة الاسلمي عن أبيه " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية وقال: ان وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار ثم نادانى فرجعت إليه فقال: ان وجدتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فانه لا يعذب بالنار الا رب النار " * ورويناه أيضا من طريق أبى داود نا قتيبة بن سعيد ان الليث بن سعد حدثهم عن بكير بن الاشج عن سليمان بن يسار عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا صحيح ولا يحل ان يحرق أحد بالنار ابتداء حتى إذا فعل المرء من ذلك ما حرمه الله تعالى عليه وجب القصاص عليه بمثل ما فعل كما أمر الله عزوجل * وذكروا ما روينا من طريق شعبة عن عدى بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا " * ومن طريق مسلم نا أبو كامل نا أبو عوانة عن أبى بشير عن سعيد بن جبير قال: " مر ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يرمونها فقال ابن عمر: لعن الله من فعل هذا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا " قال أبو محمد رضى الله عنه: ونحن نقول: لعن الله من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا الا حيث أمر الله تعالى به من القصاص فمن استحق لعنة الله لفعله ذلك والاعتداء عليه بمثل ما اعتدى هو به وهم يوافقوننا في رمى العدو بالنبل والمجانيق واتخاذهم غرضا وهذا خراج عن ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا القول فيما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه نهى ان يقتل شئ من الدراب صبرا وقد علمنا أن نحر الابل وذبح الحيوان والقتل بالسيف في القصاص كل ذلك قتل صبر وكل ذلك خارج عن قتل الصبر المنهى عنه وهكذا سائر وجوه القصاص التى أمر الله تعالى به ولا فرق * وذكروا ما روينا من طريق أبى داود نا زياد بن أيوب نا هشيم عن سماك عن ابراهيم عن هنئ بن نويرة عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 377 ]

" اعف الناس قتلة أهل الايمان " * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا وان لم يصح لفظه فان فيه هنى بن نويرة وهو مجهول فمعناه صحيح ولا أعف قتلة ممن قتل كما أمره الله عزوجل فاعتدى بمثل ما اعتدى المقتص منه على وليه ظلما وما اعف قط في قتلة من ضرب عنق من لم يضرب عنق وليه بل هو معتد ظالم فاعل ما لم يبحه الله تعالى قط * وموهوا أيضا بما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا حجاج بن المنهال نا صالح المرى عن سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدي عن أبى هريرة " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة رضى الله عنه حين استشهد فذكر كلاما وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال: والله مع ذلك لامثلن بسبعين منهم مكانك فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعد بخواتيم سورة النحل (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا لو صح ولم يكن من طريق صالح المرى. ويحيى الحمانى وأمثالهما لكان حجة لنا عليهم لان فيه انه عليه الصلاة والسلام أمر أن يعاقب بمثل ما عوقب به وهذه اباحة التمثيل بمن مثل بحمزة رضى الله عنه فانما نهاه الله عزوجل عن أن يمثل بسبعين منهم لم يمثلوا بحمزة وهذا قولنا لاقولهم * قال أبو محمد رضى الله عنه: وموهوا بخبر ساقط موضوع، وهو ما روى من طريق أسد بن موسى عن سليمان بن حيان عن يحيى بن أبى أنيسة عن أبى الزبير عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستانا بالجراح سنة " وأسد ضعيف، ويحيى بن أبى انيسة كذاب، ثم هم أول مخالف لهذا الخبر لانهم لا يرون الاستينا بالجراح سنة فكيف يستحل مسلم أو من له حياء أن يحتج بشئ هو أول مبطل له، وأول من لا يرى العمل بما فيه * وبحديث من طريق ابن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن الشعبى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ " * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا باطل لان عنبسة هذا مجهول وليس هو عنبسة ابن سعيد بن العاصى لان المبارك لم يدركه بل قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف هذا * كما نا احمد بن محمد بن الجسور قال: نا وهب بن مسرة نا ابن وضاح نا أبو بكر بن ابى شيبة نا إسماعيل بن علية عن أيوب السختيانى عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: إن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقيد فقيل له حتى تبرأ فابى وعجل فاستقاد فعنتت رجله وبرئت رجل المستقاد منه فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: ليس لك شئ انك أبيت، فصح ان تعجيل القود أو تأخيره إلى المجني عليه، فهذا ماموهوا به من (م 48 - ج 10 المحلى)

[ 378 ]

الاخبار * واحتجوا من طريق النظر بأن قالوا: وجدنا من قطع يد آخر خطأ انه ان برئ فله دية اليد وان مات فله دية النفس ويسقط حكم اليد فوجب أن يكون العمد كذلك قياسا على الخطأ * قال أبو محمد رضى الله عنه: القياس كله باطل ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل لان القياس عند القائلين به لا يجوز إلا على نظيره لا على خلافه وضده والعمد ضد الخطأ فلا يجوز ان يقاس عليه عند من يقول بالقياس فكيف والقياس كله باطل * وقالوا: يلزمكم ان رمى انسان آخر بسهم فقتله أن ترموه بسهم فان لم يمت فبآخر ثم بآخر وكذلك ان اجافه أن يوالى عليه بالجوائف حتى يموت وهذا أكثر مما فعل، وهذا لا يجوز فقلنا: هذا تمويه فاسد وكلام محال بل يطعن بسهم مثله في الموضع الذى صادف فيه سهمه ظلما حتى يموت، وكذلك يجاف بجائفة موقن انه يموت منها ولا فرق ثم نعكس عليهم هذا السؤال فنقول لهم: ان ضرب بالسيف في عنقه فلم يقطع أو قطع قليلا فاعيد عليه مرارا وهذا أشد مما قلتم وأمكن فهو امر مشاهد يقع كثيرا جدا، وقالوا: أرأيتم ان استدبره بالاوتار فقلنا يستدبره بمثلها وما ذلك على الله بعزيز، فقالوا: فان نكحه حتى يموت قلنا يستدبره بوتد حتى يموت لان المثل محرم عليه وبالله تعالى التوفيق * (باب من الكلام في شبه العمد: وهو عمد الخطأ) قال أبو محمد رضى الله عنه: وقد ذكرناه قبل ولم نوضح فساد الاخبار التى موهوا بها وتناقض الطوائف الثلاث المالكيين والحنيفيين والشافعيين فيها فوجب أن نستدرك ذلك كما فعلنا في سائر المسائل وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: شغب الحنيفيون والشافعيون القاتلون بعمد الخطأ بما روينا من طريق شعبة وسفيان الثوري كلاهما عن جابر الجعفي عن أبى عازب عن النعمان ابن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل شئ خطأ إلا السيف وفى كل خطأ أرش " * قال أبو محمد رضى الله عنه: جابر الجعفي كذاب وأول من شهد عليه بالكذب أبو حنيفة ثم لم يبال بذلك أصحابه فاحتجوا بروايته حيث اشتهوا، ثم العجب كله أن الحنيفيين والشافعيين مخالفون لهذا الخبر عاصون له فالشافعيون يرون القود في العمد بكل ما يمكن أن يمات من مثله، والحنيفيون يرون القود على من ذبح بليطة القصب وعلى من أحرق بالنار وعلى من خنق ثلاث مرات فصاعدا، وكل هذا ليس فيه قتل بالسيف فمن

[ 379 ]

أضل ممن يحتج بما هو أول مخالف له، وأما المالكيون فانهم احتجوا بخلاف السنة الثابتة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس جالسا آخر صلاة صلاها بأصحابه رضى الله عنهم برواية جابر الجعفي الكذب المذكور المرسلة أيضا " لا يؤمن أحد بعدى جالسا " ورأوه حينئذ حجة لازمة ترد به رواية أهل المدينة الثقات المسندة وآخر عمله عليه الصلاة والسلام إذا وافق رأى مالك ثم لم يكبر عليهم تكذيب جابر ورد روايته إذا خالف رأى ما لك فأى دين يبقى مع هذا، وهل هذا إلا اتباع الهوى ولا مزيد؟ * قال أبو محمد رضى الله عنه: وقد روى هذا الخبر أيضا من طريق عبد الباقي بن قانع راوي كل بلية وترك حديثه بآخرة عن محمد بن عثمان بن أبى شيبة عن عقبة بن مكرم عن يونس بن بكير عن قيس بن الربيع عن أبى حصين عن ابراهيم ابن بنت النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل شئ خطأ إلا السيف ولكل خطأ أرش " * قال أبو محمد رضى الله عنه: عبد الباقي لا شئ: وقيس بن الربيع ضعفه ابن معين. ومعين. وعفان. ووكيع، وترك حديثه القطان. وعبد الرحمن بن مهدى وهو بعد عن ابراهيم ابن بنت النعمان الذى لا يدرى أحد من هو * واحتجوا أيضا بما رويناه من طريق ابى بكر بن ابى شيبة عن عبد الرحمن بن سليمان عن اسماعيل بن مسلم عن عمرو ابن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العمد قود اليد الا أن يعفو ولى المقتول " وفيه فما كان من رمى أو ضربة بعصى أورمية بحجر فهو مغلظ في أسنان الابل، ورويناه أيضا من طريق عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن عمرو ابن دينار عن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل في رميا رميا بحجر أو ضربا بعصى أو سوط فعليه عقل الخطأ ومن قتل اعتباطا فهو قود "، ومن طريق ابن الاعرابي عن عبد الرزاق قال ابن الاعرابي: لعله عن ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه ان عنده كتابا جاء به الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قتل العمية ديته دية الخطا الحجر والسوط والعصى ما لم يحمل سلاحا، ورويناه من طريق أحمد ابن شعيب أخبرني هلال بن العلاء نا سعيد بن سليمان نا سليمان بن كثير نا عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل في عميا أو رميا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصي فعقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فقود يديه "، ومن طريق احمد بن شعيب نا محمد بن معمر بن كثير نا سليمان بن كثير عن عمرو بن

[ 380 ]

دينار عن طاوس عن ابن عباس رفعه بنحوه، وما رويناه من طريق البزار نا محمد بن مسكين نا بكر بن مضر عن عمرو بن دينار قال: قال طاوس عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل في عمية بحجر أو عصى فهو خطأ عقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فهو قود) * قال أبو محمد رضى الله عنه: كل هذا لاحجة لهم فيه، أما الخبر الذى صدرنا به من طريق ابن أبى شيبة ففيه اسماعيل بن مسلم وهو مخزومي مكى ضعيف ثم لو صح لكانوا كلهم مخالفين له، أما الحنيفيون فان في هذا الخبر ما كان من رمى أو ضربة بعصى أورمية بحجر فهو مغلظ في أسنان الابل وهم يقولون من رمى بسهم أو رمح ففيه القود ولم يخص في هذا الباب رميا من رمى بل فرق بين الرمي المطلق والرمى بالحجر والضربة بالعصى فصح انه الرمى بالرمح والسهم وهم لا يقولون ذلك وكذلك خالفه الشافيعون أيضا في الرمى من كل مايمات من مثله، والمالكيون مخالفون له جملة، وأما خبر عبد الرزاق أما الاول ففيه الحسن بن عمارة وهو هالك وأما الثاني فمرسل ثم انه لوصحا جميعا لكانوا أيضا قد خالفوهما لان فيهما ان عقله عقل الخطا ولا يرى هذا أحد منهم، أما الحنيفيون والشافعيون فيغلظون فيه الدية في الابل بخلاف عقل الخطأ، وأما المالكيون فيرون فيه القود، وأما خبرا سليمان بن كثير. وبكر بن مضر فصحيحان وبهما قول وهما خلاف قولهم لان فيهما ان من قتل في عمية أو عميا فهو خطأ عقله عقل خطأ فهذا قتيل لايعرف قاتله، واذ هو كذلك فليس فيه الا الدية وديته دية قتل الخطأ، وفيهما من قتل عمدا فهو قود فلم يخص عليه الصلاة والسلام سيفا من غيره ولا حديدة من غيرها بل أوجب فيه القود بمثل ما أصاب بيده وهو قولنا لاقولهم وبالله تعالى التوفيق * وموهوا أيضا بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " شبه العمد مغلظ ولا يقتل صاحبه " وذلك ان ينزو الشيطان (1) بين الناس فيكون رميا في عمياء عن غير ضغينة ولا حمل سلاح * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا مرسل لاحجة فيه وجميع الطوائف نقضت أصولها فيه، أما الحنيفيون فاقحموا فيه من تعمد قتل مسلم بالخنق أو بالتغريق أو بشدخ رأسه (2) بحجر فيه قنطار وليس هذا مما فسر في هذا الخبر في شئ، وأما


(1) في النسخة رقم 16 " أن ينزل السلطان " وهو غلط (2) الزيادة من النسخة رقم 16 وقوله في عمياء تأنيث الاعمى يريد بها الضلالة والجهالة وقوله من غير ضغينة أي حقد ولا عداوة

[ 381 ]

المالكيون فهم يقولون: المرسل كالمسند وهذا مرسل قد تركوه، والشافعيون لا يرون الاخذ بالمرسل وأخذوا ههنا بمرسل، وبما رويناه من طريق أبى داود نا محمد بن يحيى بن فارس نا محمد بن بكار بن بلال أرنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه " قال محمد بن يحيى بن فارس: وزاد نا خليل عن ابن راشد في هذا الخبر باسناده وذلك مثل ان ينزو الشيطان بين الناس فيكون دما في عماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذه صحيفة مرسلة لا يجوز الاحتجاج بها، ثم انهم كلهم قد خالفوا ما في هذا الخبر، أما أبو حنيفة وأصحابه فيقحمون في هذا القسم خلاف ما في الخبر لانهم يجعلون من قتل في ضغينة وحمل سلاح فقتل بعمود حديد عمدا قصدا حكمه حكم من ذكر في هذا الخبر وهو خلافه جهارا ولم يدخل الشافعيون فيه من قتل في عميا قصدا بما قد يمات من مثله من عصا ونحوها وخالفه المالكيون جملة، وموهوا أيضا بما روينا من طريق شعبة عن أيوب السختيانى سمعت القاسم ابن ربيعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قتل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الابل أربعون منها في بطونها أولادها * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا خبر مدلس سقط منه بين القاسم بن ربيعة وبين عبد الله بن عمر رجل كما رويناه من طريق احمد بن شعيب أنا يحيى بن حبيب ابن عربي نا حماد بن زيد عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فيه هذا الخبر بعينه، وعقبة بن أوس مجهول لا يدرى من هو، ولا يصح للقاسم بن ربيعة سماع من عبد الله ابن عمرو. وقد رويناه أيضا عن القاسم بن ربيعة بخلاف هذا كما نا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا احمد بن زهير بن حرب ثنى ابى ثنا ابن علية عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن يعقوب بن أوس رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقال: الا ان قتيل خطأ العمد " قال خالد أو قال قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا منها أربعون في بطونها أولادها " * قال أبو محمد رضى الله عنه: يعقوب بن أوس مجهول لاصحبة له كما روينا هذا الخبر نفسه من طريق احمد بن شعيب انا اسماعيل بن مسعود - هو الجحدرى -

[ 382 ]

نا بشر بن المفضل عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن يعقوب بن أوس عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الخبر نفسه، وقد رويناه أيضا من طريق أسقط من هذه كما روينا من طريق حماد بن سلمة. وسفيان بن عيينة قال حماد أرنا على ابن زيد بن جدعان عن يعقوب السدوسى عن عبد الله بن عمرو هو ابن العاصى ان النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح فقال: " ألا ان دية العمد الخطأ بالسوط والعصا دية مغلظة مائة من الابل فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها، وقال سفيان نا ابن جدعان سمعه من القاسم بن ربيعة عن ابن عمرو فذكره، وابن جدعان هذا هو على بن زيد ضعيف جدا، ويعقوب السدوسى مجهول ولم يلق القاسم بن ربيعة ابن عمرو قط فسقط جملة والحمد لله رب العالمين، ومع ذلك فان الطوائف الثلاث نقضت فيه اصولها، أما الحنيفيون حاشى محمد بن الحسن فلا يرون دية عمد الخطأ إلا خمسا وعشرين بنت مخاض. وخمسا وعشرين بنت لبون. وخمسا وعشرين حقاقا (1) وخمسا وعشرين جذعة بخلاف ما في هذا الخبر، وأما المالكيون فخالفوه كله، وأما الشافعيون فلا يرون ذلك في العصا التى يمات من مثل ضربتها ولا في الضرب بالسوط عمدا حتى يموت بل يرون في هذا القود خلافا لهذا الخبر مع انهم لا يقولون إلا بالمسند من رواية المشهورين، وليس هذا الخبر من هذا النمط، وشغبوا بخبر الهذليين المشهور الثابت لما فيه يأن احداهما ضربت الاخرى بحجر. وفى بعض الروايات بعمود فسطاط فماتت هي وجنينها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة والدية على عاقلة الضاربة ثم افترقوا فرقتين فقال أبو حنيفة ومن قلده: في هذا الخبر بيان ان من قتل آخر بعصا يمات من مثلها أو بحجر يمات منه فلا قود ولكنه عمد خطأ على العاقلة. وقال أبو يوسف. ومحمد بن الحسن. والشافعي. وأصحابه: في هذا الخبر بيان ان من مات بما لايمات من مثله ففيه الدية على العاقلة * قال أبو محمد رضى الله عنه: أما قول من قال ان ذلك العمود والحجر كانا مما لايمات من مثله فقول ظاهر الفساد لان عمود فسطاط لا يمكن البتة ان يكون مما لايمات من الضرب في الشر بمثله فسقط هذا القول والحمد لله رب العالمين * وأما القائلون بان في هذا الخبر دليلا على ان العمود والحجر الذين يمات من مثلهما لاقود فيهما وان تعمد الضرب بهما في الشر لكن فيهما الدية على العاقلة فهذا ظن فاسد منهم يبين ذلك ما رويناه من طريق أبى داود، وأحمد بن شعيب قال أبو داود * نا محمد بن


(1) في النسخة رقم 14 حقه

[ 383 ]

مسعود نا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار انه سمع طاوسا عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب انه سال عن قضية النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين فضربت احداهما الاخرى بمسطع فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وان تقتل، وقال احمد بن شعيب أنا يوسف بن سعيد بن مسلم المصيصى نا حجاج - هو ابن محمد - عن ابن جريج أخبرني عمر وبن دينار سمع طاوسا يحدث عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب فذكر مثله سواء سواء الا انه قال فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وان تقتل بها، فهذا اسناد في غاية الصحة فقالوا: قد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دية المضروبة على عاقلة القاتلة ولايجوز هذا فيما فيه القود قلنا: وقد صح انه عليه الصلاة والسلام أمر في ذلك بالقود، وكل أوامره حق ولا يجوز ترك شئ منها لشئ بل الغرض الجمع بين جميعها ووجه ذلك بين وهو انه عليه الصلاة والسلام حكم في ذلك بحكم العمد إذ حكم بالقود ثم حكم فيه بحكم قتل الخطأ إذ حكم بالدية على العاقلة فلا يجوز ان يكون هذا الا بانه أخبر عليه الصلاة والسلام بأنها ضربتها فقتلتها فحكم بالقود على ظاهر الامر ثم صح ان ضربها لما كان خطأ عن غير قصد فرجع عليه الصلاة والسلام إلى الحكم بما يحكم به في قتل الخطأ إذ لا يحل أن يحمل حكمه عليه الصلاة والسلام إلا على الحق الذى لا يقتضى ما حكم عليه الصلاة والسلام فيه غير ما حكم به، وقد ادعى قوم ان ابن جريج أخطأ فيه، وقالوا: قد روى سفيان بن عيينة هذا الخبر عن عمرو بن دينار فلم يذكر فيه ما ذكر ابن جريج فقلنا: بل المخطئ من خطا الائمة برأيه الفاسد وإذ لم يرو ابن عيينة ماروى ابن جريج فكان ماذا ابن جريج أجل من ابن عيينة وكلاهما جليل وابن جريج زاد على ابن عيينة ما لم يعرفه ابن عيينة وزيادة العدل لا يحل ردها، وقد أتى قوم بما يملا الفم فقالوا: حمل بن النابغة لا يحتج بروايته فقلنا: هذا حكم ابليس ترد رواية حمل رضى الله عنه وهو صاحب ثابت الصحبة وقد أخذ عنه عمر أمير المؤمنين وكل من بحضرته من الصحابة رضى الله عن جميعهم، ويؤخذ بتخليط أبى حنيفة الذى لا يساوي الاشتغال به وحسبنا الله ونعم الوكيل * وقالوا قد قال بشبه العمد طائفة من الصحابة رضى الله عنهم همر بن الخطاب. وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وابن مسعود. وزيد بن ثابت وأبو موسى الاشعري قالوا: ومثل هذا لا يقال بالرأى، وهو أيضا قول الجمهور من الفقهاء بعد الصحابة رضى الله عنهم كالنخعي والشعبى وعطاء وطاوس

[ 384 ]

ومسروق والحكم بن عتيبة وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن المسيب وقتادة. والزهرى وأبى الزناد وحماد بن أبى سليمان، وهو أيضا قول جمهور الفقهاء كسفيان الثوري وابن شبرمة وعثمان البتى والحسن بن حى والاوزاعي وأبى حنيفة. والشافعي وأصحابهما * قال أبو محمد رضى الله عنه: لاحجة في أحد دون (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح في ذلك شئ عن أحد من الصحابة (2) رضى الله عنهم إلا عن على بن أبى طالب وعن زيد بن ثابت أما الرواية عن عمر بن الخطاب فمنقطعة لانها من طريق سفيان الثوري عن ابن أبى تجيح عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة، وأما عن عثمان فانها من طريق عبد الرزاق عن عثمان بن مطر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد ابن المسيب أن عثمان بن عفان قال في شبه العمد أربعون جذعة خلفة إلى بازل عامها وثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون، وعثمان بن مطر ضعيف، وأما عن على فانها من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على قال شبه العمد الضربة بالخشبة أو القذفة بالحجر العظيم * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على قال في الخطأ شبه العمد الضرب بالخشبة والحجر الضخم ثلاث حقاق وثلاث جذاع وثلاث ما بين ثنية إلى بازل عامها، وأما عن زيد بن ثابت فمن طريق وكيع نا اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: قال زيد ابن ثابت في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون مابين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة * ورويناه أيضا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحق الشيباني عن الشعيب عن زيد بن ثابت، وقد صح أيضا عن زيد بن ثابت غير هذا لكن مثل ماروينا عن عثمان كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا عباس بن اصبغ نا محمد بن قاسم بن محمد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا محمد بن عبد الله الانصاري القاضى نا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت أنه قال في دية المغلظة: أربعون جذعة خلفة وثلاثون حقة وثلاثون بنات لبون، وأما الرواية عن أبى موسى الاشعري فمنقطعة عنه لانها من طريق ابن وهب عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم، وسليمان هو أبو إسحاق الشيباني - كلاهما عن الشعبى أن أبا موسى الاشعري قال: دية شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى


(1) في النسخة رقم 14 بعد (2) في النسخة رقم 16 في ذلك شئ عن الصحابة

[ 385 ]

بازل عامها كلها خلفة والشعبى لم يدرك أبا موسى بعقله * واما ابن مسعود فرويناها عنه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم عن ابن مسعود انه قال: العمد السلاح وشبه العمد الحجر والعصا قال ابن جريج: وأخبرني محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ان ابن مسعود قال: شبه العمد الحجر والعصا والسوط والدفعة وكل شئ عمدته به ففيه التغليظ، والخطأ أن يرمى شيئا فيخطئ به * ومن طريق وكيع وسعيد بن منصور قال وكيع: نا إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى، وقال سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن النخعي ثم اتفق الشعبى. والنخعي ان ابن مسعود قال في دية شبه العمد أرباعا خمس عشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون * قال أبو محمد رضى الله عنه: ولم يولد الشعبى. النخعي وابن ابى ليلى وعبد الكريم إلا بعد موت ابن مسعود * وأما التابعون فروى عن النخعي والشعبى رواية ساقطة فيها الحجاج بن ارطاة مثل قول على في دية شبه العمد، وقد صح عن عطاء. والزهرى مثل القول الذى روينا عن عمر بن الخطاب. وأبى موسى. واحد قولى زيد بن ثابت، وصح أيضا عن طاوس. وعطاء والحسن البصري وعن الزهري مثل القول الذى ذكرنا عن عثمان وأحد قولى زيد بن ثابت، وصح أيضا عن أبى الزناد من طريق ابن وهب عن يونس بن عبيد عنه فيمن عمد بآخر لاعبا معه أو ضربه بسوط أو عصا أو لاكزه أو رماه لاعبا فهذا هو شبه العمد فيه الدية مغلظة أرباعا كالذى روينا آنفا عن ابن مسعود سواء سواء، هذا كل ما نعلمه جاء عن الصحابة والتابعين في دية شبه العمد وعن الصحابة في صفة شبه العمد وجاء عن التابعين في صفة شبه العمد ما نذكره ان شاء الله تعالى * صح عن ابراهيم شبه العمد كل شئ بعمد به بغير حديدة لكن بالحجر والخشبة ولا يكون إلا في النفس، وقد صح عن ابراهيم خلاف هذا على ما نذكره بعد هذا ان شاء الله عزوجل، وأما الحكم بن عتيبة فروينا عنه من طريق ساقطة في رجل ضرب آخر ضربتين بعصا فمات قال: دية مغلظة، وصح عن الحكم بن عتيبة من طريق شعبة عنه ان أعاد عليه الضرب بالعصا فمات فلا قود في ذلك وصح عن عطاء العمد السلاح كذلك بلغنا وشبه العمد الحجر والعصا سواء في ذلك النفس وما دون النفس ما علمنا غير ذلك، ولو أن رجلا كسر أسنان آخر بحجرا أو فقأ عينه بعود فانه لايقاد منه قال ابن جريج وأنا أقول بل يقاد منه لانه عمد وليس كمن شج آخر بحجر لا يريد قتله فمات من ذلك، وصح عن عطاء الدفعة يستقيد بها الرجل غيره ليس هذا شبه العمد، وصح (م 49 - ج 10 المحلى)

[ 386 ]

عن طاوس العمد السلاح، وصح عن ابنه عبد الله بن طاوس من تعمد فضخ رأس آخر بحجر هذا عمد، وروينا عن سعيد بن المسيب من طريق عبد الرزاق عن ابى بكر بن عبيد الله عن عمرو بن سليم مولاهم عن المسيب قال العمد الحديدة ولو بابرة فما فوقها من السلاح، وروينا عن مسروق من طريق لاخير فيها ليس العمد إلا بحديدة، وصح عن عمر بن عبد العزيز من دمغ آخر بحجر أقيد منه فان رماه بالحجر فلا قود، وصح عن قتادة شبه العمد الضرب بالخشبة الضخمة والحجر العظيم، والخطأ أن يرمى انسان فيصيب غيره أو يرمى شيئا فيخطئ به وصح عن الحسن البصري لايقاد من ضارب إلا أن يضرب بحديدة، وفى الخطأ شبه العمد دية مغلظة، وصح عن حماد ابن أبى سليمان من خنق آخر حتى يموت فهو خطأ، ومن ضرب آخر بعصا فأعاد عليه الضرب بها فمات فعليه القود، روى كل ذلك عنه شعبة، والذى وعدنا أن نذكره عن ابراهيم. والشعبى فروينا عن الشعيب من طريق لا تصح من خنق آخر فلم يقلع عنه حتى يموت أقيد منه فلو رفع عنه ثم مات فدية مغلظة وروى عنه إذا أعاد عليه الضرب بالحجر والعاص فهو قود، وصح عن ابراهيم إذا خنقة حتى يموت أو ضربه بخشبة حتى يموت أقيد به فان تعمد ضربه بحجر ففيه القود * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا قولنا وأما فقهاء الامصار فان ابن شبرمة قال: الدية في شبه العمد في مال الجاني فان لم يف ماله بها فعلى العاقلة وقال الاوزاعي: كذلك وفسر شبه العمد انه ان يضرب آخر بعصا أو سوط ضربة واحدة فيموت قال فان ثنى عليه فمات مكانه فهو قود، وقال الحسن بن حى مثل ذلك الا انه قال: ان ثنى عليه فلم يمت مكانه فهو شبه الحمد، والدية في ذلك على العاقلة، وقال سفيان الثوري: العمد ما كان بسلاح وفيه القود في النفس فيما دونها وشبه العمد هو ان يضربه بعصا أو سوط ضربة واحدة فيموت أو يحد عودا أو عظما فيجرح به بطن آخر فهذا لاقود فيه وليس فيما دون النفس عنده شبه عمد، وقال أبو حنيفة: لاقود الا فيما قتل بحديدة بقطع أو بليطة قصب أو أحرقه في النار حتى مات، ولو خنقه حتى يموت فلا قود في ذلك الا ان يخنق الناس مرارا فيقاد منه فلو شدخ رأسه عمدا بحجر عظيم حتى يموت أو غرقه في ماء بعيد القعر في نهر أو بحر أو بئر أو بركة حتى مات أو ضربه بخشبة ضخمة ابدا حتى مات أو فتح فمه كرها ورمى في حلقه سما قاتلا فمات فلا قود عليه في شئ من ذلك وانما فيه الدية كدية العمد كما روينا عن ابن مسعود. وأبى الزناد

[ 387 ]

على العاقلة وفى ماله الكفارة كقتل الخطأ قال: فلو هدم عليه هدما فمات عامدا لذلك فلا شئ عليه الا أن تقوم بينة بانه كان حيا حين الهدم ففيه حينئذ الدية والكفارة ونرى قوله كذلك فيمن طمس عليه بيتا حتى مات جوعا وجهدا * قال أبو محمد رضى الله عنه: قول أبى حنيفة من تأمله علم أنه مخالف لكل خبر روى في ذلك ولقول كل من ذكرنا إلا الرواية الساقطة عن ابن مسعود وما نعلم أحدا وافق أبا حنيفة على ذلك الا ابا الزناد وخالفه في صفة شبه العمد وما نعلم مصيبة ولا فضيحة على الاسلام أشد ممن لم ير (1) القود فيمن يقتل المسلمين بالصخر والتغريق والشدخ بالحجارة ثم لاقود عليه ولا غرامة بل تكلف الديات في ذلك عاقلته مع عظيم تناقضه إذ لم ير عمد الخطأ الا في النفس ولم يره فيما دونها فان قال: لم ترد الاخبار إلا في النفس قلنا: قد خالفتها كلها فيما فيها كما بينا قبل وفساد تقسيمه الذى لاخفاء به ولم ير في ذلك تغليظا إلا في أسنان الا بل خاصة لا في الدنانير ولا في الدراهم فاين قياسه الذى يحرم به ويحلل ويترك له القرآن والسنن، ورأى عثمان البتى الدية في ذلك في مال الجاني ولم ير - هو يعنى البتى - وأبو يوسف ومحمد بن الحسن شبيه العمد الا من ضرب بما لايمات من مثله، وأما ما يمات من مثله ففيه عندهم القود وهو قول الشافعي، والدية عندهم في شبه العمد كما روينا آنفا عن عمر ابن الخطاب. وأبى موسى الاشعري وزيد بن ثابت وعطاء وطاوس والحسن. والزهرى، وممن روى عنه نحو قولنا جماعة كما روينا من طريق أبى بكر ابن أبى شيبة عن شريك بن عبد الله عن زيد بن جبير عن جروة بن حميل عن أبيه قال قال عمر ابن الخطاب: يعمد أحدكم إلى أخيه فيضربه بمثل آكلة اللحم لا أوتى برجل فعل ذلك فقتل الا اقدته به وروينا أيضا عنه انه أقاد من رجل جبذ شعر آخر حبذا شديدا فورم عنقه فمات من يومه * ومن طريق معمر عن سماك بن الفضل ان عمر ابن عبد العزيز أقاد من رجل خنق صبيا حتى مات، وصح عن عبيد بن عمير القود ممن قتل بحجر أو عصا وهو قول ربيعة ومالك وعبد العزيز بن أبى سلمة وأبى سليمان وأصحابنا * قال أبو محمد رضى الله عنه: أما المالكيون فقد تناقضوا ههنا لان المرسل عندهم كالمسند وخالفوا ههنا المراسيل وجمهور الصحابة وغيرهم، وأما قولنا: ان أبى الولى الا أكثر من الدية لم يلزم القاتل ذلك الا بتراض منه مع الولى والا فلا فلانه


(1) في النسخة رقم 16 أشد من لا يرى

[ 388 ]

لم يوجب ذلك للولى قرآن ولاسنة وانما ألزمنا القاتل ذلك إذا رضى به هو والولى فللاثر الصحيح الذى ذكرنا من قوله عليه الصلاة والسلام: " أو يفادى "، فهذا فعل من فاعلين فهو لازم بتراضيهما * 2023 مسألة: والدية في العمد والخطأ مائة من الابل فان عدمت فقيمتها لو وجدت في موضع الحكم بالغة ما بلغت من أوسط الابل بالغة ما بلغت وهى في الخطأ على عاقلة القاتل، وأما في العمد فهى في ما القاتل وحده وهى في كل ذلك حالة العمد والخطأ سواء لا أجل في شئ منها فمن لم يكن له مال ولا عاقلة فهى في سهم الغارمين في الصدقات وكذلك من لم يعرف قاتله والدية في العمد والخطأ أخماس ولابد عشرون بنت مخاض وعشرون بنو لبون وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة لا تكون البتة من غير الابل الحاضرة والبادية سواء فلو تطوع الغارم بان يعطيها كلها اناثا فحسن وكذلك إذا اعطاها أرباعا لاأكثر، وأما قولنا ان الدية في العمد والخطأ مائة من الابل فلقول الله عزوجل: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) والخبر الثابت الذى قد أوردناه قبل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين اما أن يقاد وإما أن يأخذ العقل " * من طريق أبى هريرة وأبى شريح الكعبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصح وجوب الدية في العمد والخطا ولا يمكن البتة أن يعلم معنى ما أمر الله عزوجل به ورسوله عليه الصلاة والسلام إلا من بيان القرآن أو السنة قال الله عزوجل: (لتبين للناس ما نزل إليهم) وليست لفظة العقل والدية من الالفاظ التى لها مقدار محدود في اللغة أو جنس محدود في اللغة أو أمد محدود في اللغة فوجب الرجوع في كل ذلك إلى النص فطلبنا ذلك فوجدنا الخبر الثابت المشهور الذى رويناه من طريق مسلم نا محمد ابن عبد الله بن نمير نا أبى نا سعيد بن عبيد نا بشير بن يسار الانصاري عن سهل بن أبى حثمة الانصاري أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلا وساق الحديث، وفيه " فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أن يبطل دمه فوداه مائة من ابل الصدقة " * ومن طريق مالك بن أنس قال: حدثنى أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبى حثمة انه أخبره عن رجال من كبراء قومه ان عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد اصابهم فاتى محيصة فاخبر ان عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير فاتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه قالوا: والله ما قتلناه فذكر الخبر، وفى آخر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اما أن يدوا صاحبكم وإما أن

[ 389 ]

يؤذنوا بحرب فذكر كلاما وفى آخره " فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ناقة ادخلت عليهم الدار فلقد ركضتنى منها ناقة حمراء " * قال أبو محمد رضى الله عنه: فصح أن الدية مائة من الابل، هذا حكم منه عليه الصلاة والسلام في دية حضرى ادعى على حضريين لافى بدوى فبطل أن تكون الدية من غير الابل، وايضا فقد صح ان الاجماع متيقن على ان الدية تكون من الابل واختلفوا في هل تكون من غير ذلك والشريعة لا يحل اخذها باختلاف لانص فيه، فان قيل فما وجه اعطائه صلى الله عليه وسلم الدية في هذا الخبر من ابل الصدقة ولم يدعى القتل إلا على يهود قلنا: وجه ذلك بين لاخفاء به، وهو أن عبد الله بن سهل رضى الله عنه قد صح قتله بلا شك ثم لاشك في انه قتل عمدا أو خطأ لابد من احدهما والدية واجبة في الخطأ بكل حال بنص القرآن وواجبة في العمد إذا بطل القود لما قدمنا من ان لوليه القود وقد بطل أو الدية وهى ممكنة والقود ههنا قد بطل لانه لايعرف قاتله فصحت الدية فيه بكل حال، ثم لابد ضرورة من ان يكون قاتله مسلما أو غير مسلم، ولسنا على يقين من ان قاتله غير مسلم والناس كلهم محمولون على الاسلام حتى يصح من احد منهم كفر لقول الله عزوجل: (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها) ولقوله عزوجل: (واذ اخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذرياتهم واشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه: " كل مولود يولد على الملة وعلى هذه الفطرة حتى يكون ابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه " وللخبر الثابت عن عياض بن حمار المجاشعى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى انه قال: " خلقت عبادي كلهم حنفاء فاجتالتهم (1) الشياطين عن دينهم " وقد ذكرنا كل ذلك باسناده في كتاب الجهاد وغيره، فالواجب ان يحمل قاتل عبد الله على الاسلام ولابد حتى يوقن خلافه ثم ان كان قاتل عبد الله قتله خطا فالدية على عاقلته وان كان قتله عمدا فالدية في ماله فهو غارم أو عاقلته وحق الغارمين في الصدقات بنص القرآن، قال الله عزوجل: (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعالمين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) فصح بهذا ما قلناه يقينا * وممن روى عنه ان الدية في الابل كقولنا ولم يرو عنه غير ذلك فطائفة كما روينا من طريق


(1) هو بجم في أوله أي استخفتهم فجالوا معهم في الضلال، وفي النسخة رقم 14 فاختالتهم الشياطين بالخاء المعجمة ويؤيد ما هنا ما جاء لابن الاثير

[ 390 ]

وكيع نا اسماعيل بن ابى خالد عن الشعبى عن زيد بن ثابت. وعلى بن ابى طالب. وعبد الله بن مسعود قالوا كلهم في الدية مائة من إلابل * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال في الدية مائة بعير أو قيمة ذلك من عسره * قال أبو محمد رضى الله عنه: يعنى من عسره في وجود الابل * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج انا ابن طاوس عن ابيه انه كان يقول على الناس اجمعين اهل القرية واهل البادية مائة من الابل فمن لم يكن عنده ابل فعلى اهل الورق الورق وعلى اهل البقر البقر وعلى اهل الغنم الغنم وعلى اهل البز البز يعطون من أي صنف كان بقيمة الابل ما كانت ان ارتفعت أو انخفضت قيمتها يومئذ فمن اتقى بالابل من الناس فهو حق المعقول له الابل * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج ان عطاء بن أبى رباح قال له: كانت الدية الابل حتى كان عمر قال ابن جريج فقلت له فان شاء القروى أعطى مائة ناقة أو مائتي بقرة أو الفى شاة فقال عطاء: ان شاء أعطى الابل ولم يعط ذهبا هذا هو الامر الاول لا يتعاقل أهل القرى من الماشية غير الابل هو عقلهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا عطاء لم يأخذ قضاء عمر وقد عرفه إذ رأى انه رأى منه فقط لم يمضه الا على من رضيه لنفسه فقط * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نا محمد بن المنهال نا يزيد بن زريع نا شعبة عن قتادة قال في كتاب عمر بن عبد العزيز الدية مائة بعير قيمة كل بعير مائة درهم فهذه صفة منه للابل * نا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن ابن مهدى نا سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: كان يقتضى بالابل في الدية يقوم كل بعير عشرين ومائة درهم * قال أبو محمد رضى الله عنه: فهذه صفة منه للابل وهو قول الشافعي الذى ثبت عليه وهو قول المزني وابن المنذر وابى سليمان وجميع اصحابنا، وخالف ذلك قوم فقالت طائفة: الدية على اهل الابل الابل وعلى اهل الذهب الذهب وعلى اهل الورق الورق ولم يروا ان تكون الدية من غير هذه الاصناف، ثم اختلف هولاء فقالت طائفة: هي على اهل الورق اثنا عشر الف درهم، وقالت طائفة: بل عشرة آلاف درهم اتفقت الطائفتان على انها على اهل الذهب الف دينار، وقالت طائفة: الدية على أهل الابل من الابل وعلى أهل الذهب الف دينار وعلى أهل الورق الورق وعلى أهل البقر مائتا بقره وعلى أهل الغنم ألفا شاة وعلى اهل الحلل الفا حلة ولا تكون الدية الا من هذه الاصناف، وقالت طائفة: بمثل ذلك وزادوا ان الدية على أهل

[ 391 ]

الطعام من الطعام فاما الذين قالوا على أهل الذهب الف دينار فروينا من طريق اسماعيل ابن اسحاق نا ابن أبى أويس عن عبد الرحمن بن ابى الزناد عن أبيه في كتاب السبعة انهم كانوا يقولون الدية على أهل الذهب الف دينار * ومن طريق اسماعيل أيضا نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد قال: قال مطر الوارق ثبتت الدية في الابل والدنانير والدراهم وسقطت في البقر * قال أبو محمد رضى الله عنه: وقول السبعة مقصور على ابن أبى الزناد وهو ضعيف أول من ضعفه مالك فمن العار والمقت على أصحابه ان يحتجوا برواية كان من قلدوه دينهم أول من أسقط روايته وأشار إلى تكذيبه، وأما قول مطر ففى غاية السقوط ليت شعرى ما الذى أثبت الدية في الدنانير والدراهم وأسقطها من البقر ان هذا لعجب وهو قول أبى حنيفة وزفر ومالك والليث، وأما اختلافهم في مقدار الدية من الورق فطائفة قالت: انها اثنا عشر الف درهم، روينا ذلك من طريق ابن أبى الزناد عن أبيه عن السبعة ورويناه أيضا من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه انه قال ذلك، وصح عن عروة بن الزبير والحسن البصري، وهو قول مالك. واحمد واسحاق (واما الذين قالوا): عشرة آلاف درهم فروينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز في الدية عشرة آلاف درهم وهو قول سفيان الثوري. وأبى حنيفة واصحابه وأبى ثور صاحب الشافعي وقالت طائفة: بل هي ثمانية آلاف درهم على ما نورد بعد هذا ان شاء الله عزوجل * واما الذين قالوا: ان الدية ايضا تكون من البقر والغنم والحلل فكما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الدية من البقر مائتا بقرة كان يقال على اهل البقر البقر وعلى اهل الشاء الشاء * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة قالا جميعا: الدية من البقر مائتا بقرة قال قتادة: الثنية فصاعدا قال قتادة على أهل الذهب الذهب وعلى أهل الورق الورق وعلى اهل الغنم الغنم وعلى أهل البز الحلل، وهذا اسناد في غاية الصحة عن الزهري وقتادة ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل مكحول في الدية مائتا بقرة. ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار سمعت طاوسا يقول: دية الحمير في ثلاثمائة حلة من حلل الثلاث، وقال ابن جريج: قلت لعطاء البدوى صاحب البقر والشاة أله أن يعطى ابلا ان شاء وانى كره المتبع؟ فقال المعقول له هو حقه له ماشية العاقل كائنة ما كانت لاتصرف إلى غيرها ان شاء * ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن ابيه قال: على أهل الابل الابل وعلى اهل البقر

[ 392 ]

البقر وعلى أهل الغنم الغنم وعلى أهل الحلل الحلل. ومن طريق وكيع نا زكريا بن أبى زائدة عن الشعبى يعطى أهل المال المال وأهل الابل الابل وأهل الغنم الغنم في البعير الذكر خمس عشرة شاة وفى الناقة عشرون شاة. ومن طريق وكيع نا أبو هلال عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: كنا نأخذ عن البقر خمس شياه وعن الجزور عشر شياه، وممن قال تكون الدية من الابل ومن الذهب ومن الفضة ومن الغنم ومن البقر ومن الحلل الحسن البصري وهو قول سفيان الثوري وأبى يوسف ومحمد بن الحسن * قال أبو محمد رضى الله عنه: أما من اقتصر بالدية على الذهب والورق فقط ولم يرها في بقر ولاغنم ولا حلل فانهم شغبوا في ذلك بأن قالوا: قد أجمعوا على ان الدية تكون من الذهب ولافضة فصح بهذا انها توقيف وانها ليست ابدالا إذ لو كانت ابدالا لوجب أن تراعى قيمة الابل فتزيد وتنقص ولم يجمعوا على ان الدية تكون من بقر أو من غنم أو حلل ولم تجب أن تكون دية الا ما أجمعوا عليه * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا كذب بحت وما أجمعوا قط على ان الدية لا تكون من فضة ولا من ذهب ولا من غير الابل، وقد ذكرنا قول على. وزيد وابن مسعود وطاوس وعطاء، وقولهما ان الدنانير والدراهم في ذلك انما تكون بقيمة الابل زادت أو نقصت، وقول الشافعي وغيره في ذلك، وقد ذكرنا اختلاف قيمة الابل في قول عمر بن عبد العزيز. وابراهيم النخعي فبطل بذلك دعواهم الكاذبة على جميع الامة في دعواهم انهم أجمعوا بل الحق في هذا أن يقال: لما صح الاجماع المتيقن والنص الثابت أن الدية تكون من الابل واختلفوا فيما عدا ذلك وجب أن لا تكون الدية الا مما أجمعوا عليه فقط، وموهوا أيضا بأن قالوا: لما كانت الدية من الابل ثم نقلت إلى الذهب والفضة على سبيل التقويم وكانت القيمة المعهودة لا تكون الا من الذهب والفضة وجب ان لا تكون الدية إلا من الذهب والفضة * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا الباطل الثاني يكذب باطلهم الذى موهوا قبل هذا به لان هنالك راموا أن يجعلوا الذهب والفضة في الدية توقيفا لابد لا بقيمة وهنا اقروا انها بدل بقيمة فلو استحى هؤلاء القوم من المجاهرة بالتخليط في نصر الباطل لكان خيرا لهم، ثم نقول لهم إذ قد أقررتم انها بدل بقيمة فهى على قدر ارتفاع القيمة وانخفاضها ولا ندرى أي شئ اتفقوا عليه في البدل والتقويم، وموهوا أيضا بأن قالوا لما صح ان الدية لا تكون من الخيل ولا من الحمير ولا من العروض وجب أن لا تكون أيضا من البقر ولا من الغنم ولا من الثياب *

[ 393 ]

قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا قياس والقياس كله باطل، ثم نعكس عليهم قياسهم الفاسد فنقول لهم: لما صح عندكم أن الدية تكون من غير الابل وجب أن تكون من كل شئ إلا مما اتفقتم على أن لا تكون منه، وأيضا فان الابل حيوان تجب فيه الزكاة وقد صح أن الدية تكون منها فوجب أن يقاس عليها البقر والغنم لانهما حيوان يزكى، والحق من هذا هو أنه لما صح ان الدية لا تكون من الخيل ولا من الحمير ولا من العروض وجب أيضا أن لا تكون من الذهب ولا من الفضة ولا مما عدا ما جاء به النص والاتفاق، والعجب ان الحنيفيين يقولون: ان ضعيف الاثر أولى من القياس وههنا نقضوا هذا الاصل الذى صححوه وشغب المالكيون منهم بآثار نذكرها ان شاء الله تعالى، وهى أثر رويناه من طريق زيد بن الحباب العكلى نا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالدية اثنى عشر الف درهم * قال أبو محمد رضى الله عنه: محمد بن مسلم الطائفي ساقط لا يحتج بحديثه * ومنها أثر رويناه من طريق أحمد بن شعيب انا محمد بن ميمون نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة سمعت مرة يقول عن ابن عباس " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باثنى عشر الف درهم " - ويعنى في الدية - * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا لاحجة فيه لان قوله في الخبر المذكور - يعنى في الدية - ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في الخبر بيان انه من قول ابن عباس فالقطع بأنه قوله حكم بالظن والظن أكذب الحديث فان كان من قول من دون ابن عباس فلا حجة فيه، وقد يقضى عليه الصلاة والسلام باثنى عشر الفا في دين أو في دية بتراضى الغارم والمقتضى له فان ليس في هذا الخبر بيان انه قضاء منه عليه الصلاة والسلام بأن الدية اثنا عشر الف درهم فلا يجوز أن يقحم في الخبر ما ليس فيه، والقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن كذب عليه، وهذا يوجب النار ونعوذ بالله مما أدى إليها، والذى رواه مشاهير أصحاب بن عيينه عنه في هذا الخبر فانما هو عن عكرمة لم يذكر فيه ابن عباس كما رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: قتل مولى لبنى عدى بن كعب رجلا من الانصار فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في ديته باثنى عشر الفا. والمرسل لا تقوم به حجة * وذكروا أيضا ما رويناه من طريق الاوزاعي عن عمرو ابن سعيد عن يزيد الرقاشى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لان أجلس مع قوم يذكرون الله عزوجل من بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إلى من ان أعتق ثمانية من ولد اسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر الفا " * (م 50 - ج 10 المحلى)

[ 394 ]

قال أبو محمد رضى الله عنه: يزيد الرقاشى ضيعف لا يحتج به، وذكروا ما رويناه من طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ بخمسمائة إلى الف آية أصبح وله قنطار في الآخرة والقنطار دية احدكم اثنا عشر الفا " * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا مرسل ولا حجة في مرسل الا ان الحنيفيين نقضوا هاهنا أصولهم أقبح نقض لانهم يقولون: المرسل والمسند سواء وكلاهما أولى من النظر، وتركوا ههنا هذه المراسيل وهم يحتجون في نصر رأى أبى حنيفة بمثلها وباسقط منها فصح انهم متلاعبون لا تحقيق عندهم إلا في نصر رأى أبى حنيفة الذى رضوا به بدلا من القرآن ومن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقالوا: لعل هذه الآثار انما أراد فيها بذكر الاثنى عشر الفا انها وزن كل عشرة منها وزن ستة مثاقيل * قال أبو محمد رضى الله عنه: وهذا من أسخف كلام في الارض لان العشرة آلاف درهم عندهم لا يختلفون انها وزن سبعة آلاف مثقال ولا يختلف المالكيون في ان الاثنى عشر الف درهم هي وزن ثمانية آلاف مثقال وأربعمائة فعاد قولهم لعلها وزن ستة مثاقيل في العشرة هذيا نالم يعقل قط قديما ولا حديثا، وشغب المالكيون أيضا بخبر رويناه من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل انا عبد الله بن عون الخراز نا عفيف بن سالم الموصلي عن عبد الله بن المؤمل عن عبد الله بن أبى مليكة عن عائشة بنت طلحة قالت: كان حبان يطلع على عائشة أم المؤمنين فخرجت عليه مرة بعد مرة فأبى إلا أن يظهر فعدت عليه بحديدة فقتلته فأتيت في منامها فقيل لها أقتلت فلانا اما انه قد كان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يطلع عليك لا حاسرا ولا متجردا إلا أنه كان يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم فاخذها ما تقدم وما تأخر فذكرت ذلك لابيها فقال: تصدقي باثنى عشر الف درهم ديته * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا لا شئ عفيف بن سالم مجهول لا يدرى من هو، وعبد الله بن المؤمل هو المكى ضعيف لا يحتج به، وأشبه ما في هذا الباب فخبر رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان نا ابو يونس حاتم بن أبى صغيرة عن ابن أبى مليكة عن عائشة بنت طلحة من عائشة أم المؤمنين انها قتلت جانا فاتيت في منامها وقيل لها والله لقد قتلته مسلما قالت: لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقيل أو كان يدخل عليك الا وعليك ثيابك فاصبحت فزعة فأمرت باثنى عشر الف درهم فجعلتها في سبيل الله عزوجل *

[ 395 ]

قال أبو محمد رضى الله عنه: لاحجة لهم في هذا لانه ليس في هذا الخبر انها قصدت بذلك قصد دية وجبت عليها فزيادة ذلك عليها كذب لا يحل وانما هي صدقة تصدقت بها، ولا يختلف المالكيون في أن القتل ليس إلا عمدا أو خطأ فان كان قتلها له خطأ فليس فيه انها كفرت بعتق رقبة وهى المفترضة في القرآن لا الاثنى عشر الف درهم وان كان قتلها له عمدا فهم لا يختلفون في أنه لادية في العمد انما هو القود أو العفو أو ما تراضوا عليه، ولاشك في أنها رضى الله عنها لم تراض مع عصبة الجنى على الاثنى عشر الف درهم فبطل أن يكون للدية ههنا مدخل وانما هي أحلام نائم لا يجوز أن تشرع بها الشرائع، والاظهر انها من حديث النفس فصح انها صدقة تطوع منها رضى الله عنها فقط لا يجوز غير ذلك أصلا، وموهوا بما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق نا ابراهيم بن الحجاج نا عبد الوارث بن سعيد التنورى نا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب ان عمر بن الخطاب جعل الدية على أهل الذهب الف دينار وهذا منقطع. ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن أيوب بن موسى عن مكحول قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والدية ثمانمائة دينار فخشى عمر من بعده فجعل الدية اثنى عشر الفا والف دينار * قال أبو محمد رضى الله عنه: نشهد بشهادة الله عزوجل ان هذا كذب موضوع وقد أعاذ الله تعالى عمر رضى الله عنه من أن يبدل ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستقر الحكم ثم مات أبو بكر رضى الله عنه عليه، واحمق الحمق قول من وضع هذا الخبر فخشى عمر بن بعده فجعلها الف دينار واثنى عشر الف درهم ليت شعرى ماذا خشى ممن بعده وكيف خشى من بعده ان ترك الدية ثمانمائة دينار ولم يخش من بعده إذ بلغها الف دينار أو اثنى عشر الفا هل في النوك أكثر من هذا الكلام؟ ما شاء الله كان لقد كيدت ملة الاسلام من كل وجه ويأبى الله الا ان يتم نوره، وتالله لو جاز لعمر ان يزيد فيما مضى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بعده لتجوزن لمن بعد عمر الزيادة على فعل عمر قطعا بل الزيادة على حكم عمر اخف من الزيادة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم أبى بكر بعده، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذه الضلالة، وهذا عيب المرسل فتأملوه * ومن طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري ان عمر ابن الخطاب لما رأى أثمان الابل تختلف قال: لاقضين فيها بقضاء لا يختلف فيه بعدى فقضى على أهل الذهب الف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر الف درهم * قال أبو محمد رضى الله عنه: لم يولد يحيى بن سعيد الانصاري إلا بعد موت عمر

[ 396 ]

بنحو نيف وأربعين عاما، وبالله الذى لا إله إلا هو ما قال عمر قط هذا الكلام وما كان في فضله رضى الله عنه ليقطع على ما يكون بعده لاسيما وقد ظهر كذب هذا القول الذى أضافوه إلى عمر فان الخلاف في ذلك لاظهر من أن يجهله من له أقل علم وهذا من عيوب المرسل فاحذروه * وذكروا ما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أرنا يونس ابن عبيد عن الحسن ان عمر بن الخطاب قوم الابل في الدية عشرين ومائة درهم كل بعير هذا مرسل، ثم انما ذكر قسمة لاحدا محدودا، ثم قد روى عن عمر غير هذا على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى * وذكروا ما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن ابن أبى نجيح عن أبيه ان امرأة قتلت في الحرم فجعل عثمان بن عفان ديتها ثمانية آلاف درهم دية وثلث دية * ومن طريق حماد بن سملة عن محمد بن اسحاق عن ابن ابى نجيح ان امرأة قتلت في الحرم فجعل عمثان ديتها ستة آلاف درهم والفين للحرم * قال أبو محمد رضى الله عنه: كلاتا الطائفتين مخالفة لهذا الحكم مبطلة له فمن أضل وأخزى ممن يموه في دين الله عزوجل بالاحتجاج بشئ هو اول مبطل له نعوذ بالله من الضلال، وموهوا بما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق نا سليمان بن حرب نا حماد بن سلمة عن حماد أبى الحسن حدثنى أبو سليمان انه شهد على بن ابى طالب قضى في ثنية امرأة على زوجها بثلاثمائة درهم قالوا: والثلاثمائة نصف عشر دية المرأة * قال أبو محمد رضى الله عنه: أبو سليمان مجهول لا يدرى أحد من هو، وقد روى أيضا من طريق الحارث الاعور عن على والحارث كذاب، ومن طريق حماد بن سلمة عن محمد ابن اسحاق عن الزهري ان رجلا بالكوفة قتل خطأ فقال أهل القاتل خذوا منا الابل وكانت الابل يومئذ رخاصا بعشرين وثلاثين فكتب المغيرة بن شعيبة في ذلك إلى معاوية فكتب إليه معاوية كيف أصنع بقضاء عمر في ذلك فقضى عليهم باثنى عشر الفا * قال أبو محمد رضى الله عنه: هذا مرسل من طريق ابن الجهم نا عبد الله بن احمد بن حنبل نا أبى نا اسماعيل بن عليه نا خالد هو الحذاء عن عكرمة قال قال أبو هريرة انى لاسبح كل يوم ثنتى عشرة الف تسبيحة قدر ديتي. قال أبو محمد: هذا لاحجة لهم فيه لان أبا هريرة لم يقل ان الدية إثنا عشر الف درهم انما قال في اثنتى عشرة الف تسبيحة قدر ديتي ان انها يرجوان تكون فداءه من النار كما ان الدية فداء من القتل، ولا يشك أحد في أن التسبيح ليس دية، ثم لاحجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن أبى زيد عن نافع بن جبير

[ 397 ]

قال: قتل رجل في البلد الحرام في شهر حرام فقال ابن عباس: ديته اثنا عشر الف درهم وللشهر الحرام أربعة الاف وللبلد الحرام أربعة آلاف * قال أبو محمد رضى الله عنه: الحنيفيون والمالكيون مخالفون لهذا الحكم عاصون له فسقط ان يكون لهم تعلق بأحد من الصحابة رضى الله عنهم فعارضهم الحنيفيون فقالوا: قد رويتم من طريق وكيع عن ابن ابى ليلى عن الشعبى عن عبيدة السلمانى قال: وضع عمر بن الخطاب الديات فوضع عل أهل الذهب الف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم * قال أبو محمد رضى الله عنه: ابن أبى ليلى سيئ الحفظ فخبرهم ساقط كخبر المالكيين وليس الذى رواه المالكيون بأولى من هذا الحديث فتدافعت هذه الاخبار الساقطة مع تناقضها فوجب اطراحها وقال الحنيفيون قد صح اجماعنا على عشرة آلاف ذرهم فقلنا كذبتم وأفكتم قد روينا من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن ارطاة عن مكحول ان عمر بن الخطاب جعل الدية ثمانية آلاف درهم فان قلتم هذا منقطع وعن الحجاج وهو ضعيف قلنا: وابن ابى ليلى وسائر ما روى في ذلك عن عمر منقطع أو ضعيف كما بينا قبل ولا فرق، وقالوا أيضا: قد صح ان الدينار في الزكاة بعشرة دراهم فوجب أن يكون في الدية كذلك * قال أبو محمد رضى الله عنه: قلنا كذبتم وافكتم لان ابن ابى ليلى وشريك بن عبد الله. والحسن بن حى والشافعي وغيرهم لا يرون جمع الفضة إلى الذهب في الزكاة أصلا ولا يختلفون في ان من كان معه عشرون مثقالا من ذهب غير حبة ومائتا درهم فضة غير حبة وأقام كل ذلك عنده حولا كاملا فلا زكاة عليه في شئ من ذلك ثم أبو حنيفة الذى قلدتموه دينكم لا يرى جمع الذهب إلى الفضة في الزكاة إلا بالقيمة بالغة ما بلغت ولو انها درهم بدينار أو الف درهم بدينار وعطاء والزهرى وسليمان بن حرب وغيرهم يزكون الذهب بقيمة من الفضة بالغة ما بلغت فظهرت جرأتهم على الكذب نعوذ بالله من سوء مقامهم، وأما المالكيون فتناقضوا ههنا أقبح تناقض بلا برهان إذ قدروا دينار الدية ودينار القطع في السرقة ودينار الصداق برأيهم باثنى عشر درهما وقدروا دينار الزكاة بعشرة دراهم وهذا تلاعب لاخفاء به وشرع في الدين لم يأذن به الله تعالى واستدركنا اعتراضا للحنيفيين والمالكيين وهو انهم قالوا لو كانت الدنانير والدراهم ابدا لا من الابل لكانت دينا بدين لان عمر قضى بها في ثلاث سنين قلنا: وعمر قضى بالدية حالة في قصة المدلجى التى هي أصح عنه من توقيته فيها ثلاث سنين فما الذى جعل رواية عنه لا تصح أولى من رواية عنه أخرى، والعجب انهم يأخذون بما روى عنه من

[ 398 ]

ابدال خمسين دينار أو خمسمائة درهم من الغرة ولم يروه دينا بدين، يقول الحنيفيون فيمن تزوج على بيت وخادم ان لها في البيت خمسين دينارا وفى الخادم أربعين دينارا ولم يروه دينا بدين وما ندري نصا منع دينا بدين أصلا إنما ندرى النص الثابت المانع من بيع ما لم يقبض * قال أبو محمد: ثم نقول للطائفتين ان كانت الآثار السخيفة التى موهتم بها حجة عندكم فانكم قد افتضحتم في ذلك أقبح فضيحة لان بعضها وغيرها قد جاءت بما خالفتموه وأخذ به غيركم من فقهاء المدينة والكوفة كما ذكرنا كسعيد بن المسيب. وعروة بن الزبير والزهرى والعشبى وأبى يوسف ومحمد بن الحسن القائلين بأن الدية تكون من البقر والغنم والحلل كما أوردنا قبل فمن ذلك ما روينا من طريق سعيد بن منصور ناهشيم انا محمد بن اسحاق سمعت عطاء بن ابى رباح يحدث " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض الدية في أموال المسلمين ما كانت فجعلها في الابل مائة بعير وفى البقر مائتي بقرة وفى الغنم الفى شاة وعلى أهل الذهب الذهب وعلى اهل الورق الورق، وجعل في الطعام شيئا لم يحفظه "، ومن طرق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عطاء بن ابى رباح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على أهل الابل مائة بعير وعلى اهل الحلل مائتي حلة وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء الفى شاة، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان عقله من الشاء فألفا شاة فهذه مراسيل احسن مما ذكرتم أو مثله، ومن طريق أبى داود السجستاني قرأت على سعيد ابن يعقوب الطالقاني حدثكم ابو تميلة يحيى بن واضح نا محمد بن اسحاق نا عطاء عن جابر بن عبد الله فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية على اهل الابل مائة بعير وعلى اهل الحلل مائتي حلة وعلى اهل البقر مائتي بقرة وعلى اهل الشاء الفى شاة وعلى اهل الطعام شيئا لاأحفظه * قال أبو محمد رضى الله عنه: لم يسنده إلا أبوتميلة يحيى بن واضح وليس بالقوى ولو صح لقلنا به، ومن طريق أبى داود نا صاحب لنا ثقة نا شيبان نا محمد بن راشد نا سليمان - هو ابن موسى - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاء فالفا شاة، وفى المأمومة ثلث العقل ثلاثة وثلاثون من الابل وثلث أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاء والجائفة مثل ذلك ومن طريق ابى داود السجستاني نا يحيى بن حكيم نا عبد الرحمن بن عثمان نا الحسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله

[ 399 ]

صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار ثمانية آلاف درهم دية أهل الكتاب يومئذ على النصف من دية المسلم وكانت كذلك حيت استخلف عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقام خطيبا فقال ألا ان الابل قد غلت ففرضها عمر على أهل الذهب الف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر الف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى اهل الشاء الفى شاة وعلى أهل الحلل مائنى حلة وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من أهل الدية قالوا فهذه أحاديث أحسن من التى موهوا بها في أن لدية تكون من الذهب والفضة فما الذى منعهم من ان يأخذوا بها وهم يأخذون برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا وافقت أهواءهم في تقليد مالك وابى حنيفة كاحتجاجهم بها في أن المرأة أولى بحضانة ولدها ما لم تنكح. والمكاتب عبد ما بقى عليه درهم وفى الموضحة خمس وغير ذلك فاى دين يبقى مع هذا، ونسأل الله تعالى التوفيق والعافية * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بعير بكل أوقية بعير فذلك أربعة آلاف فلما كان عمر رخصت الورق وغلت الابل فجعلها عمر أوقية ونصفا ثم غلت الابل ورخصت الورق فجعلها عمر أوقيتين فذلك ثمانية آلاف ثم لم تزل الابل ترخص وتغلو حتى جعلها عمر اثنى عشر الف درهم أو الف دينار ومن البقر مائتي بقرة ومن الشاه الفى شاة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة قضى أبو بكر الصديق مكان كل بعير بقرتين - يعنى في الدية -، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قال أبو بكر الصديق من كان عقله في الشاء فكل بعير بعشر شياه * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن ارطاة عن مكحول ان عمر بن الخطاب جعل الدية ثمانية آلاف وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء الفى شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة * ومن طريق وكيع نا محمد بن عبد الرحمن بن ابى ليلى عن الشعبى عن عبيدة السلمانى قال: وضع عمر بن الخطاب الديات فوضع على أهل الذهب الف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل الابل مائه من الابل وعلى أهل البقر مائتي بقرة ثنية ومسنة وعلى أهل الشاء الفى شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة فهذا هو حديث الحنيفيين الذى لاحديث لهم غيره أفلا يستحيون من العار حسبنا الله ونعم الوكيل * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال في كتاب أبيه أن عمر بن الخطاب شاور السلف حين جند الاجناد فكتب ان على أهل الذهب الف دينار وعلى أهل الورق أثنى عشر الف درهم وعلى أهل الابل مائة من الابل وعلى اهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء الفى شاة

[ 400 ]

وعلى أهل البز من البز من نسج اليمن بقيمة خمسة خمسة يعنى دنانير مائتي حلة أو قيمة ذلك مما سوى الحلل، وقضى عثمان بن عفان في تغليظ الدية بأربعة الاف درهم، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال عمرو بن شعيب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم الابل على أهل القرى أربعمائه دينار أو عدلها من الورق وبقيمتها على أثمان الابل فإذا غلت رفع في ثمنها وإذا هانت نقص من قيمتها على أهل القرى على ثمانمائة وقضى عمر بن الخطاب في الدية على أهل الورق اثنى عشر الفا وقال ان أرى الزمان تختلف فيه الدية تختفض فيه مرة من قيمة الابل وترتفع مرة وانى أرى المال قد كثروانى أخشى عليكم الحكام بعدى فان يصاب الرجل المسلم فتهلك ديته بالباطل وأن ترتفع ديته بغير حق فتحمل على أقوام مسلمين فتجتاحهم وليس على اهل القرى زيادة في تغليظ عقل ولا في الشهر الحرام ولا في الحرمة ولا على أهل القرى فيه تغليظ لا يزاد فيه على اثنى عشر الف درهم وعقل أهل البادية على أهل الابل مائة من الابل على اسنانها كما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى اهل الشاء الفا شاة ولم أقسم على اهل القرى إلا عقلهم يكون ذهبا وورقا فيقام عليهم، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على أهل القرى في الذهب الورق عقلا مسمى لا زيادة فيه أتبعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ولكنه كان يقيمه على اثمان الابل * قال أبو محمد رضى الله عنه: هكذا في كتابي عن حمام قضى عمر في الدية على أهل البقر إثنى عشر الفا وهو وهم بلاشك وانما هو قضى عمر في الدية على أهل الورق * قال أبو محمد: رضى الله عنه: هذا حديث المالكيين الذى موهوا ببعضه وتركوا سائره فان كانت تلك الميتات والنطائح حجة عندهم فهذه المنخنقات والموقوذات مثلها وبتمامها وأحسن منها، وان موهوا هنالك مما لا يصح مما ذكر عن أبى بكر وعمر وعثمان فهذا مثله عن أبى بكر وعمر وعثمان بالاحتجاج بذلك واطراح هذه ضلال وتلاعب بالدين وكلها لاخير فيه الوضع ظاهر في جميعها فقالوا: لعل ما روى من ذكر البقر والشاء والحلل انما كان على التراضي من الفريقين قلنا فلعل ما روى من ذكر ما لا يصح من الذهب والورق انما كان على التراضي من الفريقين والا فما الفرق فصح ان لادية إلا من الابل أو قيمتها ان عدمت لو وجدت فقط، ولو شئنا أن تحتج بأحسن مما احتجوا به لذكرنا الحديث الذى أوردناه قبل من طريق قاسم بن أصبغ نا احمد بن زهير نا الحكم بن موسى نا يحيى ابن حمزة عن سليمان بن داود الجزرى عن الزهري عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن

[ 401 ]

والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت باليمن وهذه نسختها فذكر فيه وفى النفس مائة من الابل ولم يذكر ذهبا ولا ورقا ولكن معاذ الله أن نحتج بما لا يصح وبالله تعالى التوفيق (1) * (بسم الله الرحمن الرحيم * رب يسر واختم بخير يا كريم) 2024 مسألة (2) من كتاب الايصال تكملة لما انتهى إليه أبو محمد من كتاب المحلى قال: واما الدية في قتل الخطأ فعلى العصبة وهم العاقلة، وهذا مما لا خلاف فيه إلا شئ ذكر عن عثمان البتى انه قال: لاأدرى ما العاقلة * قال أبو محمد: وقد يمكن أن يحتج لهذا القول بقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا ترز وازره وزر أخرى) * قال أبو محمد: لولا أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان هذا القول الذى لا يجوز خلافه ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى ولاه الله البيان عن مراده تعالى فقال: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فوجدنا ماناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب أنا قتيبة


(1) إلى هنا انتهى المجلد الخامس من كتاب المحلى لابن حزم رقم 14 من دار الكتب المصرية الاهلية، وبه ينتهى ما كتبه الامام العلامة أبو محمد على بن حزم ومات رحمه الله تعالى ولم يتمه، ووجد في آخر هذه النسخة ما نصه: تم الجزء الخامس من كتاب المحلى بشرح المجلى وبتمامه انتهى تأليف الامام الحافظ أبى محمد على بن احمد بن سعيد بن حزم رحمه الله ورضى عنه آمين آمين * وكانت وفاته رحمه الله في سلخ شعبان سنة ست وخمسين واربعمائة، ويتلوه في الجزء السادس ان شاء الله تعالى - مسألة من كتاب الايصال - تكملة لما انتهى إليه أبو محمد من كتاب المحلى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما * ووجد في آخر نسخة رقم 45 هنا انتهى تأليف الفقيه ابى محمد مؤلفه وفجئة الموت فلم يتم تفسير المحلى وبقيت منه بقية يسيرة يجب انتساخها من الكتاب المسمى بالايصال الذى هو هذا مختصر منه، أعان الله على القربة إليه باقتفاء آثار رسوله ما عاد من تعدى حدوده منه انه منعم كريم * كمل هذا السفر المذكور بعون الله وتوفيقه، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما * (2) وجد في هامش النسخة رقم 14 ما نصه: من هنا إلى آخر الجزء مختصر من كتاب الايصال لابي محمد بن حزم اختصره ولده أبو رافع وكمل به كتاب المحلى على ما ذكر عنه، والله تعالى أعلم * (م 51 - ج 10 المحلى)

[ 402 ]

نا الليث بن سعد بن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبى هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بنى لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ثم ان المرأة التى قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقل على العصبة كما ترى فوجب الوقوف عند ذلك * وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: فمن لم تكن له عصبة فعلى بيت المال على ما نذكره في بابه ان شاء الله تعالى وبه نتأيد (اعتراض في قتل الذمي المسلم) قال أبو محمد: فان قال قائل: انكم تقولون ان الذمي إذا قتل مسلما عمدا بطلت ذمته وعاد حربيا وقتل ولابد واستفى ماله فكيف تقولون فيما حدثكم به عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا احمد ابن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا اسحاق بن منصور أنا بشر بن عمر قال: سمعت مالك بن أنس يقول: نى ابو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبى حثمة أنه اخبره عن رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما فابى محيصة فاخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطوح في عين أو فقير فاتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه قالوا: والله ما قتلناه ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر ذلك لهم ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم وهو الذى كان بخيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحيصة: كبر كبر يريد السن فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن يدوا صاحبكم وأما أن يؤذنوا بحرب وذكر باقى الخبر، فهذا قتل كافر لمؤمن وفيه الدية * قال أبو محمد: فجوابنا وبالله تعالى التوفيق اننا على يقين ولله الحمد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلزم أحدا دية الا قاتلا عمدا أو عاقلة قاتل خطأ أو من بيت مال المسلمين عمن لاعاقلة له فالزامه عليه السلام اليهود الدية لا يخلو بيقين لا إشكال فيه من أحد وجهين لا ثالث لهما اما أن يكونوا قاتلي عمد أو اما أن يكونوا عاقلة قاتلي خطا هذا ما لا يمكن أن يكون سواه فوجب أن ينظر أي الوجهين هو المراد في هذا المكان فنظر نا في ذلك فوجدنا حكم قاتل العمد بيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه عند غير نا القود أو العفو فقط أو ما تصالحوا به وحكمه عند طائفة من أهل العلم أيضا بتخيير الولى بين القود أو العفو أو الدية وحكمه عندنا التخيير بين القود أو العفو أو الدية أو ما تصالحوا عليه فالقود على كل هذه الاقوال حكم قتل العمد والية بلا خلاف فيه في مال القاتل وحكم قاتل الخطأ الدية أو العفو عنها فقط فلما وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكر قودا أصلا في هذه الرواية وما كان رسول الله

[ 403 ]

صلى الله عليه وسلم ليغفل حقا للحارثيين إلا ويذكره لهم ولا يسكت عنه فيبطل حقهم علمنا أن حكمه بالدية بذلك لا يخلو من أحد وجهين من أن يكون قتل عمد ولا يعرف قاتله فبحكم فيه بحكم ناقض الذمة أو قتل خطأ فان كان قتل عمد لايعرف قاتله فنحن على يقين من أنه عليه السلام لا يلزمهم دية لا تجب عليهم، ولا خلاف بين الحاضرين من خصومنا في أن العاقلة لا تؤدى عن قاتل عمد ولا أوجب ذلك نص فبطل هذا الحكم ولم يبق ألا أنه الوجه الثاني وهو قتل الخطأ، وهذا هو الحق لان القتل قد صح بلاشك، وممكن أن يكون بقصد وممكن أن لا يكون بقصد فلا يجوز أن يحكم عليهم بانهم قصدوه إلا ببرهان من بينة أو إقرار أو نص موجب لذلك فبقى أنهم لم يقصدوه وهذا هو الخطأ نفسه، ثم قول النبي صلى الله عليه وآله: " وإما أن يؤذنوا بحرب " دليل على صحة ما قلناه من أنهم بخروجهم عما يجب عليهم ينقضون الذمة ويعودون حربيين * قال على: فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم حكم الخطأ في القتل الموجود ان اعترفوا بذلك ثم أعلمهم حكم العمد في غير هذه الرواية وأعلمهم أنهم ان حلفوا على رجل منهم أسلم إليهم ولاح وجه الحديث، وبالله تعالى التوفيق * فان قال: فكيف تصنعون بالرواية الاخرى التى حدثكم بها عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد ابن على نا مسلم بن الحجاج نا عبيدالله بن عمر القواريرى نا حماد بن زيد نا يحيى بن سعيد الانصاري عن بشير بن يسار عن سهل بن أبى حثمة. ورافع بن خديج أن محيصة بن مسعود. وعبد الله بن سهل فذكر الحديث، وفيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف " وذكر باقى الخبر * قال أبو محمد: فان هذا القول حق ومعاذ الله ان نخالفه، بل هو نص قولنا، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يدفع القاتل منهم برمته وهذا يقتضى قتله ويقتضى أيضا استرقاقه لانه عموم لا يخرجه منه شئ مما يقع عليه مقتضى لفظه إلا بنص أو اجماع وبالله تعالى التوفيق * (ديات الجراح (1) والاعضاء فيما دون النفس في العمد والخطأ) 2025 مسألة قال أبو محمد: فلنذكر الآن بعون الله تعالى وتأييده أن القصاص واجب في كل ما كان بعمد من جرح أو كسر لايحاب القرآن ذلك في كل تعد وفى كل حرمة وفى كل عقوبة وفى كل سيئة وورود السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقى الكلام هل في ذلك العمد دية يتخير (2) المجني عليه فيها أو في القصاص أم لا؟ وهل في


(1) في النسخة رقم 45 بسم الله الرحمن الرحيم * باب ديات الجراحة الخ (2) في النسخة رقم 14 بتخيير

[ 404 ]

في الخطأ في ذلك دية مؤقتة أم لا؟ * قال على: فنظرنا في هذا فوجدنا الله تعالى يقول: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * نا أحمد بن عمر بن أنس أنا الحسين بن عبد الله الجرجاني قال: نا عبد الرزاق بن احمد بن عبد الحميد الشيرازي قال: أخبرتنا فاطمة بنت الحسن بن الريان المخزومى وراق بكار بن قتيبة نا الربيع بن سليمان المؤذن نا بشر بن بكر عن الاوزاعي عن عطاء بن ابى رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان الله تجاوز لى عن أمتى الخطا والنسيان وما استكرهوا عليه " * قال أبو محمد: وهذا حديث مشهور من طريق الربيع عن بشر بن بكر عن الاوزاعي بهذا الاسناد متصلا، وبهذا اللفظ رواه الناس هكذا، وقال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام " فصح بكل ما ذكرنا ان الخطا كله معفو عنه لا جناح على الانسان فيه وانما الاموال محرمة فصح من هذا أن لا يوجب على أحد حكم في جناية خطأ إلا ان يوجب ذلك نص صحيح أو اجماع متيقن والا فهو معفو عنه، وصح بذلك انه لا يجب على أحد غرامة في عمد ولا في خطا إلا أن يوجب ذلك نص صحيح أو اجماع متيقن وإلا فالاموال محرمة والغرامة ساقطة لما ذكرنا فان قال قائل: قد أوجب الله تعالى في قتل النفس خطا الدية كاملة وتحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد فإذا كان حكم النفس في الخطا تجب فيه الدية فما دونها في الخطا كذلك تجب أيضا قلنا: وبالله تعالى التوفيق * هذا قياس والقياس كله باطل، ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لوجوه أربعة أو لها أنه خطأ في القياس على أصول أصحاب القياس لانه يقال لهم: أنتم أصحاب تعليل فماذا تقولون لمن قال لكم على أصولكم ان النفس لا شئ أعظم من قتلها بعد الشرك عند الله تعالى فلذلك عظم أمرها وجعل في الخطا فيها كفارة وان كان لاذنب لقاتل النفس خطا بلا خلاف، وأما ما دون النفس فليس له عظم النفس عند الله تعالى ولا حرمتها فلا يجب في شئ من ذلك ما يجب في النفس إذ ليس فيما دون النفس العلة التى في النفس، والثانى انكم قد نقضتم هذا القياس وتركتموه جملة ففى بعض الجنايات جعلتم ديات مؤقتة وفى بعضها لم تجعلوا دية أصلا الا إما حكومة واما أجر الطبيب واما لا شئ وهذا نقض منكم لقياسكم ما دون النفس على النفس ولاقياس أفسد من قياس نقضه القائلون به، فان قلتم: انما أوجبنا دية مؤقتة حيث جاء نص عن

[ 405 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا لهم: ان كان ذلك النص مما تقوم به الحجة لصحة اسنادة فالقول به فرض، والطاعة له واجبة، وان كان مما لا يصح كصحيفة عمرو بن حزم وصحيفة عمرو بن شعيب فلا حجة تقوم بشئ من ذلك، وأول من يشهد بهذا فأنتم لانكم تتركون كثيرا مما في تينك الصحيفتين، ومن المحال أن تجعلوا بعض حكم جاء مجيئا واحدا حجة وبعضه ليس بحجة بلا دليل أصلا الا توهين ذلك مرة إذا اشتهيتم ولم يوافق حكمها تقليدكم وتوثيقها مرة إذا اشتهيتم ووافق تقليدكم حكمها ونحن نبين بعد هذا ان شاء الله تعالى كل ذلك فصلا فصلا، وان قالوا: انما أوجبنا الدية المؤقتة حيث أوجبها الصحابة رضى الله عنهم قلنا وبالله تعالى التوفيق ان كان اوجب ذلك جميع الصحابة رضى الله عنهم فالسمع والطاعة لاجماعهم لان اجماعهم هوالحق المقطوع به على صحته وانه من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى وان كان هو قولا عن بعض الصحابة فانتم معشر الحاضرين من خصومنا مخالفون لذلك فقد جاء عن بعض الصحابة فيما دون الموضحة تحديد دية وانتم لا تقولون بذلك فالاضراب عما صححتموه خطأ وافساد لاحتجاجكم فصح انكم لم تتعلقوا ههنا بقياس ولا بقول صاحب ولا بنص صحيح ولا بنص تلتزمونه وان لم يصح وما كان من الاقوال هكذا فهو غير صحيح بيقين مقطوع على انه باطل عند الله تعالى بلاشك * والثالث انكم قد ابطلتم هذا القياس أيضا لان لانص في القرآن جاء في كفارة قتل النفس بالخطأ برقبة مؤمنة أو بصيام شهرين متتابعين لمن لم يجد مع الدية، فمن عجائب الدنيا أن تقيسوا ما دون النفس على النفس في ايجاب كفارة في بعض ذلك أو ايجاب بعض الدية في بعض ذلك ثم لا تقيسوا ما دون النفس على النفس في ايجاب كفارة في بعض ذلك حيث تجب الدية كاملة أو بعض كفارة في بعض ذلك حيث تجب بعض الدية فهذا تحكم في القياس ما سمع بأسقط منه، ولئن كان قياس ايجاب الدية أو بعضها فيما دون النفس على وجوب ذلك في النفس حقا فان قياس ايجاب الكفارة أو بعضها فيما دون النفس على وجوب ذلك في النفس لحق ولئن كان أحد القياسين المذكورين باطلا لا يجوز فان القياس الآخر باطل لا يجوز، وهذا مالاخفاء به عن ناصح لنفسه لاسيما والكفارة أوجب وأوكد من الدية لان الله تعالى لم يوجب الدية في القرآن الا وقد أوجب معها الكفارة وقد أوجب الله تعالى الكفارة وأسقط الدية قال تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله الا أن يصدقوا) ثم قال تعالى: (فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) فاوجب تعالى الكفارة في قتل الخطا الذى ذكر في القرآن

[ 406 ]

فأوجب الدية (1) في موضعين وأسقط تعالى في الموضع الثالث، فان قالوا: ان الاجماع قد صح على اسقاط الكفارة في ذلك قلنا لهم: إذا صح هذا فان الاجماع قد أبطل هذا القياس فلا يجوز استعماله أصلا في الدية ولا في الكفارة إذ هو كله قياس واحد وباب واحد، وأيضا فان جمهوركم لا يوجبون الكفارة في قتل العمد ولم يأت اجماع باسقاطها فقد تركتم القياس في هذا المكان دون أن يمنع منه اجماع * والوجه الرابع ان الله تعالى لم يوجب دية في كل قتل خطأ بل قد جاء قتل المؤمن خطا وهو من قوم عدو لنا ولا دية فيه فمن أين وقع لكم الحكم بالقياس على القتل الذى اوجب الله تعالى فيه دية دون أن تحكموا بالقياس على القتل الذى لم يوجب الله تعالى فيه دية؟ وما الفرق بينكم وبين من قال: بل لا تجب دية في شئ مما دون النفس نصاب خطا قياسا على قتل المؤمن خطا وهو من قوم عدو لنا فإذا كانت علتكم غير مطردة فالقياس على أصولكم لا يجوز عليها فبطل أن يكون فيما دون النفس دية لا بقياس ولا بقول صاحب ولا بنص صحيح لانه غير موجود ولا اضمان الاموال في الخطا بنص ملتزم وان لم يصح فان قال قائل: قال الله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) قالوا: والجراح وان كانت خطا فهى سيئة فجزاؤها مثلها والسيئتة المماثلة قد تكون بغرامة المال، فإذا لم يكن هناك قود كانت المماثلة بالغرامة قلنا: وبالله تعالى التوفيق * وأما قول الله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فحق، وأما قولكم ان جناية الخطا سيئة فباطل ما السيئة إلا ما نهى الله تعالى عنه وليس الخطا مما نهى الله تعالى عنه لان الله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وبالضرورة ندرى انه ليس في وسع أحد أن يمتنع من فعل الخطأ الذى لم يتعمده ولا قصده، فان قيل: قد اجتمعت الامة على ضمان ما اتلف من الاموال بالخطا وبالعدم فما الفرق بين ضمان الجنايات في الاموال وبين ضمان الجنايات في الاعضاء والجراحات؟ قلنا: وبالله تعالى التوفيق: ان هذا قياس والقياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لان الاجماع قد صح على ابطال هذا القياس لان لا خلاف بين أحد من الامة كلها في تضمين كل ما أصيب من الاموال قل أو كثر وليس كذلك الجنايات على الاعضاء والجراحات إذ لا خلاف في أن كثيرا منها ليس فيه تضمين بدية مؤقتة [ محدودة ] (2) وكل قياس لم يطرد في نظرائه وكل علة لم تجر في معلولاتها فهما خطا عند أصحاب القياس وان المماثلة بين الاموال مدركة مضمونة معروفة اما بالقيمة واما بالكيل واما بالوزن


(1) في النسخة رقم 45 واوجب الدية (2) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 407 ]

وأما بالذرع وأما بالصفة، ولا تدرك المماثلة بين الاعضاء والجراحات وبين الاموال أبدا الا بنص وارد من الله تعالى في ذلك، هذا أمر يعلم بالضرورة بل المماثلة ممتنعة في ذلك جملة لانه لا يجوز أن يمثل ما يتملك بما لا يحل تملكه فإذا الامر كذلك فلا سبيل إلى الحكم بالمماثلة في ذلك إلا مما صح فيه نص أو اجماع ومن فعل ذلك فقد أخطا بيقين إذ حكم بالمثلية في شيئين ليس احدهما مثلا للآخر وان تملك الاموال بالخطأ ممكن واسترجاعها باعيانها ممكن واسترجاع امثالها ان فاتت أعيانها ممكن والاعضاء والجراح لا يصح للجاني تملكها لاعمدا ولاخطأ ولا يصح استرجاعها أصلا ولا استرجاع أمثالها فقياس أحد هذين الوجيهن على الآخر قياس فاسد لانه قياس الضد على ضده في الحكم وانما يقول أصحاب القياس بقياس الشئ (1) على نظيره لاعلى ضده، وانهم قد أطبقوا على ابطال هذا القياس من حيث هو أقرب شبها بما قاسوه عليه وذلك انهم لا يختلفون فيمن غصب حرا فتملكه واسترقه فمات في تملكه فانه لا يضمنه ولا يضمن فيه قيمة ولادية الا أنه روى عن مالك ان باعه ففات فلم يقدر عليه أنه يودى ديته فان كان غصب الحر لا يقاس على غصب المال لا في الخطأ ولا في العمد بلا خلاف فالجراح وكسر العضو وقطعة أبعد من أن يقاس على الاموال، وهذا لاخفاء به والحمد لله رب العالمين * فان ذكروا ما حدثناه أبو عمر احمد بن قاسم في منزله بمدينة قرطبة عند مسجد القصارين قال: حدثنى ابى قاسم بن محمد بن قاسم حدثنى جدى قاسم بن أصبغ نا عبد الله بن روح نا يزيد بن هرون نا محمد بن اسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان بن أبى العوجاء السلمى عن أبى شريح الخزاعى قال قال. رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصيب بدم أو خبل والخبل الجراح - فهو بالخيار في احدى ثلاث اما ان يعفو واما ان يقتص واما ان يأخذ العقل فان أخذ شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فان له النار خالدا فيها " * وحدثناه عبد الله بن ربيع قال نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر البصري نا سليمان بن الاشعث نا موسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة نا محمد بن اسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان بن أبى العوجاء عن أبى شريح الخزاعى ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أصيب بقتل أو خبل فانه يختار احدى ثلاث اما أن يقتص وأما أن يعفو واما أن ياخذ الدية فان أراد الرابعة فخذوا على يديه (2) فان اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " نا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد ابن عبد الملك بن أيمن نا حبيب بن خلف نا أبو ثور ابراهيم بن خالد نا يزيد بن هارون


(1) في النسخة رقم 14 يقاس الشئ (2) في النسخة رقم 45 على يده

[ 408 ]

نا محمد بن اسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان عن أبى العوجاء عن أبى شريح الخزاعى قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصيب بقتل أو خبل - يعنى جراحا - فهو بخير النظرين ان أحب أن يعفو عفا وان أحب ان ياخذ الدية أخذ " قلنا: هذا لا يصح لانه لم يروه أحد الا سفيان بن أبى العوجاء السلمى وهو مجهول لا يدرى من هو ولا يعرف عنه غير هذا الحديث فلو صح لقلنا به منشرحة صدورنا بذلك ولما تركناه لقول أحد، وأما إذا لم يصح فلا يجوز الاخذ به، ثم لو صح لكان حجة على جميع الحاضرين ومخالفا لقولهم لانه انما جاء في جراح العمد وفيه القصاص منها جملة لم يستثن شيئا وكلهم لا يرى القود منها فيما دون الموضحة وجمهورهم لا يرى القود منها إلا في المواضحة فقد خالفوا هذا الحديث كما ترى، وأيضا انه قد جاء في العمد فقط كما ذكرنا لان فيه التخيير بين القود والدية ولا خلاف بين أحد من الامة في ان القود ليس إلا في العمد فقط وفيه الخيار في الدية في العمد وكلهم أو جمهورهم لا يرى في قطع الاعضاء في العمد الا القود فقط وقد خالفوا هذا الخبر في هذا الوجه، وأيضا فان الحنيفيين والمالكيين لا يرون خيارا في قود أو دية في قتل العمد، وأيضا انه ليس فيه حكم شئ من جراح الخطا فلو صح هذا الخبر لكان وفاقه لنا أكثر من وفاقه لهم وكانوا مخالفين له من كل وجه * قال أبو محمد: فبطل كل ما شغبوا به في هذا الباب والحمد لله رب العالمين * فاما جنايات العمد وجراحه فان مالكا لا يرى فيها جملة إلا القود أو العفو فقط ولا يرى فيها (1) دية فات القود أو لم يفت إلا في قليل منها فيرى فيها الدية لامتناع القود ويرى في سائر جراحات الخطا الدية إلا قليلا منها فانه لا يرى فيها دية لكن حكومة، وهذا قول (2) أبى حنيفة. وأصحابه والشافعي وأصحابه إلا في فروع اختلفوا فيها نبينها ان شاء الله تعالى، وهو أيضا قول أصحابنا وبه نأخذ إلا اننا لا نرى في شئ من ذلك دية ولا حكومة أمكن القود أو لم يمكن إلا أن ياتي به نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يثبت به اجماع متيقن وحتى لو غاب عنا في شئ من ذلك اجماع لم نعلمه لكنا بلا شك عند الله اعذر وأسلم وأخلص إذ لم نقتحم ما لم ندر ولم نقف ما ليس لنا به علم مما لو علمناه لقلنا به * قال على: ونحن ذاكرون الآن ان شاء الله تعالى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ثم ما جاء عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم في ذلك ثم ما جاء عن التابعين رحمهم الله في ذلك ثم


(1) في النسخة رقم 14 فيه (2) في النسخة رقم 45 وهكذا قول

[ 409 ]

ما تيسر من أقوال الفقهاء بعدهم إذ العمدة في الدين بعد القرآن وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم انما هو اجماع الصحابة رضى الله عنهم واختلافهم وليس كذلك من بعدهم * وقد روينا من طريق مسلم نا أبو بكر بن ابى شيبة نا عفان - هو ابن مسلم - نا حماد بن سمله انا ثابت البنانى عن أنس " ان أخت الربيع أم حارثة جرحت انسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: القصاص القصاص فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟ والله لايقتص منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله قالت: لا والله لايقتص منها أبدا قال: فما زالت حتى قبلوا الدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان من عباد الله من لو أقسم على الله لابره " * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق بن السليم نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا مسدد نا المعتمر - هو ابن سليمان - عن حميد الطويل عن أنس ابن مالك قال: " كسرت الربيع أخت أنس بن النضر ثنية امرأة فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بكتاب الله تعالى القصاص فقال أنس بن النضر: والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها اليوم فقال: يا أنس كتاب الله القصاص فرضوا بأرش أخذوه فعجب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: النبي صلى الله عليه وسلم ان من عباد الله من لو أقسم على الله لابره " قال أبو داود: سألت أحمد بن حنبل كيف يقتص من السن قال يبرده * وروينا من طريق البخاري نا محمد القزارى - هو ابو اسحاق - عن حميد الطويل عن أنس قال: " كسرت الربيع ونهى عمة أنس بن مالك ثنية جارية من الانصار فطلب القوم القصاص فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقال أنس بن النضر عم انس بن مالك: " والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص فرضى القوم وقبلوا الارض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان من عباد الله من لو أقسم على الله لابره " * قال أبو محمد: فهما حديثان متغايران وحكمان اثنان في قضيتين مختلفتين لجارية واحدة، أحد الحكمين في جراحة جرحتها أم الربيع انسانا فقضى عليه الصلاة والسلام بالقصاص من تلك الجراحة فحلفت أمها انها لايقتص منها فرضوا بالدية فابر الله تعالى قسمها، والحكم الثاني في ثنية امرأة كسرتها الربيع فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص في ذلك فحلف أنس بن النضر اخوها أن لايقتص منها فرضوا بأرش أخذوه وأبر الله تعالى قسمه فلاح كما ترى انهما حديثان جراحة وثنية ودية وارش وحلفت أمها في الواحدة وحلف أخوها في الثانية وكان هذا قبل أحد لان أنس بن النضر رضى الله عنه قتل يوم احد بلا خلاف، وهذا الحديث بين واضح ان كل ما أخذه من له القصاص من جرح أو نفس فهو دية سواء كان ذلك شيئا مؤقتا محدودا وكان قد تراضوا به في ترك القصاص الواجب * (م 52 - ج 10 المحلى)

[ 410 ]

برهان ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذى قد ذكرناه في باب دية المكاتب فأغنى عن اعادته بمقدار ما أدى دية حر وبمقدار ما لم يؤد دية عبد فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعطى من قتل عبده دية وهو مختلف المقدار غير مؤقت فإذ ذلك كذلك فنحن على يقين من أن الذى جرحته الربيع قد أخذ ما لابدل اقتصاصه من الجرح ولم يأت قط ان الذى أخذ كان عددا مؤقتا محدودا في ذلك الجرح فإذ لم يأت ذلك فنحن على يقين وثلج (1) من الله تعالى انه لو كان في تلك الجراحة دية مؤقتة لا تزيد ولا تنقص وكان ذلك الحكم في جراحة ما دون جراحة أخرى لما طمس الله تعالى عنا ذلك ولاعفى (2) أثره حتى لا ينقله أحد حاش لله من هذا، وقد تكفل بأنه حافظ لذكر الذى أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام وهو الوحى الذى لا ينطق صلى الله عليه وسلم في الشريعة إلا منه، فصح أن تلك الدية التى أخذ الذى جرحت الربيع كان فداء عن القصاص فقط وبهذا نقول فوضح انه ليس في هذين الخبرين إلا أن القود جائز في كل جراحة وفى كسر السن وان المفاداة في كل ذلك جائزة بما تراضيا به على المجني عليه أو وليه والجانى لان القول في الدية المذكورة هو ما ذكرنا * وأما حديث حميد في كسر السن فانما فيه انهم رضوا بأرش أخذوه فقط وبالله تعالى التوفيق * نا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا سليمان بن الاشعث نا محمد ابن داود بن سفيان نا عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابا جهم بن حذيفة مصدقا فلاحه رجل في صدقته فضربه ابو جهم فشجه فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: القود يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا فلم يرضوا فقالوا القود يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا فلم يرضوا فقال لكم كذا وكدا فرضوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انى خاطب العشية على الناس فمخبرهم برضاكم قالوا: نعم فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان هؤلاء الليثيين اتونى يريدون القود ففرضت عليهم كذا وكذا فرضوا أرضيتم؟ قالوا: لافهم المهاجرون بهم فامرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا عنهم فكفوا عنهم فدعاهم فزادهم فقال أرضيتم؟ قالوا: نعم قال انى خاطب على المنبر فمخبرهم برضاكم قالوا: نعم فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرضيتم فقالوا نعم " * قال أبو محمد: فليس في هذا الحديث إلا ما جاء في حديث أنس الذى رواه ثابت وهو المفاداة في الشجة التى وجب فيها القود ولا مزيد، وفى هذا الخبر عذر الجاهل وانه لا يخرج من الاسلام بما لو فعله العالم الذى قامت عليه الحجة لكان كافر الان هؤلاء الليثيين


(1) يقال ثلجت نفسه اطمأنت وبابه دخل وطرب (2) هو بالتشديد والتخفيف

[ 411 ]

كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف لكنهم بجهلهم واعرابيتهم عذروا بالجهالة فلم يكفروا * ثنا حمام نا عباس بن اصبغ نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا محمد بن سليمان المنقرى نا سليمان بن داود نا يزيد بن زريع نا سعيد - هو ابن ابى عروبة - عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في الاصابع عشر عشر " * قال أبو محمد: هذا حديث صحيح لا داخلة فيه المنقرى ثقة، وسليمان بن داود هو الهاشمي أحد الائمة من نظراء احمد بن حنبل ويزيد بن زريع لا يسأل عنه وسماعه من سعيد صحيح لانه سمع من أيوب، وقد روينا من طريق ابن وضاح نا موسى بن معاوية ناوكيع عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه وهذه سواء " وجمع بين ابهامه وخنصره * ومن طريق ابى داود نا عباس بن عبد العظيم العنبري نا عبد الصمد بن عبد الوارث التنورى نا شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الاصابع سواء والاسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء) * قال أبو محمد: ما نعلم في الديات في الاعضاء أثرا يصح في توقيتها وبيانها إلا هذا وسائر ذلك انما يرجع فيه إلى الاجماع (1) والاستدلال منه ومن النص على ما نبين ان شاء الله تعالى * نا احمد بن محمد الطلمنكى نا محمد بن احمد بن مفرج نا ابراهيم بن أحمد ابن فراس نا محمد بن على بن زيد نا سعيد بن منصور نا هشيم انا ابن أبى ليلى - هو محمد ابن عبد الرحمن - عن عكرمة بن خالد المخزومى قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانف إذا استؤصل بالدية وفى اللسان الدية وفى الذكر الدية وفى العين خمسين وفى الرجل خمسين وفى الموضحة بخمس من الابل وفى المنقلة بخمس عشرة وفى الجائفة ثلث دية النفس وفى المأمومة ثلث دية النفس وفى الاسنان خمسا خمسا وفيما هنالك من الاصابع عشرا عشرا * نا احمد بن قاسم نا ابى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن اصبغ نا احمد بن زهير ومحمد ابن سليمان المنقرى قالا جميعا: نا الحكم بن موسى نا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود الجزرى عن الزهري عن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن (2) والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت باليمن وهذه نسختها، وكان في كتابه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول وفى النفس الدية مائة من الابل، وفى الانف إذا أوعب جدعا الدية وفى اللسان الدية وفى الشفتين الدية وفى البيضتين الدية


(1) في النسخة رقم 14 انما يراجع فيه الاجماع (2) في النسخة رقم 14 فيه القصاص والسنن

[ 412 ]

وفى الذكر الدية وفى الصلب الدية وفى العينين الدية وفى الرجل والواحدة نصف الدية وفى المأمومة ثلث الدية وفى المنقلة خمسة عشر من الابل وفى الجائفة ثلث الدية وفى كل أصبع من الاصابع من اليد والرجل عشرة من الابل وفى السن خمس من الابل وان الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب الف دينار الدية " * وفى حديث احمد بن شعيب أنا عمرو بن منصور نا الحكم بن موسى - هو ابن صالح - ثقة نا يحيى بن حمزة عن سليمان ابن داود حدثنى الزهري عن ابى بكر بن محمد عمرو بن حزم عن أبيه عن جده " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن وهذه نسختها: " من محمد النبي إلى شرحبى بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذى رعين ومعافر وهمدان أما بعد " ثم ذكر نص الحديث حرفا حرفا لا زيادة فيه ولا نقص ولا تقديم ولا تأخير إلا أنه قال في الرجل الواحد، وقال: قتلا عن بينة، وفى هذه الاحاديث زيادة في الرواية وطول * قال أبو محمد: فيجمع هذا كله كتاب ابن حزم ومرسل عكرمة وحديث عمرو ابن شعيب وحديث زيد بن ثابت وحديث رجل من آل عمر، وحديث ابن طاوس عن أبيه، فاما حديث مسروق بن أوس عن ابى موسى، وحديث ابى ثميلة عن يسار المعلم عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس فلا حاجة بنا اليهما لانه ليس فيهما إلا ما في حديث يزيد بن زريع عن سعيد بن ابى عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، والمعتمد عليه رواية شعبة. وسعيد لصحتهما فقط وبالله تعالى التوفيق * أما حديث شعبة نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن اصبغ نا ابن وضاح ناموسى بن معاوية ناوكيع نا شعبة عن غالب التمار عن مسروق بن أوس بن مسروق عن ابى موسى قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الاصابع سواء " * قال أبو محمد: لم يسمعه غالب من مسروق * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب انا عمرو بن على نا محمد بن جعفر غندر نا سعيد بن ابى عروبة عن غالب التمار عن حميد بن هلال عن مسروق عن ابى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الاصابع سواء عشر " * وأما حديث ابن حزم. وزيد بن ثابت ورجل من آل عمر وابن طاوس عن أبيه. وخبر مكحول ومرسل عكرمة فانه لا يصح منها شئ * أما حديث ابن حزم فانه صحيفة ولا خير في اسناده لانه لم يسنده إلا سليمان بن داود الجزرى وسليمان بن قرم وهما لا شئ، وقد سئل يحيى بن معين عن سليمان الجزر ى الذى يحدث عن

[ 413 ]

الزهري روى عنه يحيى بن حمزة فقال: ليس بشئ، وأما سليمان بن قرم فساقط بالجملة، وكذلك من طريق مالك بن عبد الله بن أبى بكر، ولا حجة في مرسل فسقط ذلك الكتاب جملة * قال أبو محمد: فظهر وهى هذه الاخبار كلها، وأما ما جاء في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم والتابعين ومن بعدهم * روينا من طريق الحجاج بن المنهال ناحماد ابن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى فيما أقبل من الاسنان بخمسة أبعرة، وفى الاضراس بعيرا بعيرا فلما كان معاوية وقعت أضراسه فقال: أنا أعلم بالاضراس من عمر فجعلهن سواء * نا يوسف بن عبد الله النمري نا احمد بن محمد بن الجسور نا قاسم بن أصبغ نا مطرف بن قيس نا يحيى بن بكير نا مالك عن زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى لعمر بن الخطاب عن عمر انه قضى في الضرس بجمل * وبه إلى مالك عن يحيى بن سعيد انه سمع سعيد بن المسيب يقول: قضى عمر بن الخطاب في الاضراس ببعير بعير، وقضى معاوية بن ابى سفيان في الاضراس بخمسة أبعرة خمسة أبعرة، قال سعيد: فالدية تنقص في قضاء عمر وتزيد في قضاء معاوية فلو كنت أنا لجعلت في الاضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء، وقد جاء عن عمر غير هذا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جابر عن الشعبى عن شرح أن عمر كتب إليه (1) ان الاسنان سواء * ومن طريق عبد الرزاق أيضا عن معمر عن ابن شبرمة ان عمر بن الخطاب جعل في كل ضرس خمسا من الابل * ومن طريق وكيع نا سفيان عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال في السن خمس من الابل * وعن وكيع نا مالك بن أنس عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس انه قال: الاسنان سواء اعتبروها بالاصابع عقلها سواء * ومن طريق عبد الرزاق عن مالك عن داود ابن الحصين عن أبى غطفان ان مروان أرسله إلى ابن عباس يساله ماذا جعل في الضرس؟ قال: فيه خمس من الابل قال فردني إلى ابن عباس قال: اتجعل مقدم الفم كالاضراس (2) قال: لو لم نعتبر ذلك الا بالاصابع عقلها سواء * قال أبو محمد: ادعى قوم ان معنى قول ابن عباس اعتبروها بالاصابع انما هو قيسوها بالاصابع وهذا باطل لاننا قد ذكرنا قبل هذه بنحو ورقتين في الآثار الرواية الثابتة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الاصابع سواء وان الاضراس سواء وان


(1) في النسخة رقم 14 عن شريح انه كتب إليه (2) في النسخة رقم 14 مثل الاضراس

[ 414 ]

الثنايا سواء، وقد ذكرنا آنفا اختلاف الصحابة في التفضيل بين الاسنان، وسنذكر في باب الاصابع اختلافهم في الاصابع فمن الباطل البحت أن يأمر ابن عباس بقياس الاضراس على الاصابع والنص قد جاء فيهما معا مجيئا واحدا والخلاف فيهما معا موجود وانما معنى قول ابن عباس اعتبروها بالاصابع انما هو انه كانوا يخالفونه فيرون المفاضلة بين الاسنان والاضراس لتفاضل منافعهما لا يرون ذلك في الاصابع وان كانت مختلفة المنافع فكان يبكتهم ابن عباس بذلك ويريهم تناقضهم في تعليلهم ويبطل تعليلهم بذلك ويأمرهم بأن يتفكروا فيها بقولهم في الاصابع لان العبرة في كلام العرب انما هو التفكر والتعجب والتدبر فقط * وأما التابعون فحدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم ابن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا هشام بن عروة عن ابيه انه كان يسوى بين الاسنان في الدية ويقول ان كان للثنية جمال فان للضرس منفعة * وبه إلى وكيع نا شعبة عن سلمة بن كهيل عن شريح قال: الاسنان سواء * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. وقتادة قالا جميعا: في كل سن خمس من الابل الاضراس والاسنان سواء * وبه إلى عبد الرزاق [ عن محمد بن راشد ] (1) قال سمعت مكحولا يقول. الاصابع سواء والاسنان سواء، وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج عن سليمان بن موسى قال في كتاب لعمر بن عبد العزيز: في الاسنان خمس خمس من الابل * قال أبو محمد: وبهذا يقول أبو حنيفة. ومالك والشافعي واحمد. وأبو سليمان وأصحابهم وسفيان الثوري واسحاق بن راهويه، وهنا قول آخر كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن ابيه " ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السن بخمس من الابل " قال طاوس: وتفضل كل سن على التى تليها بما يرى أهل الرأى والمشورة * وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبى طاوس قال: قلت لابي من أين يبدأ؟ قال الثنيتان خير من الاسنان. قال ابن جريج: وأخبرني عمرو بن مسلم انه سمع طاوسا يقول: يفضل الناب في أعلى الفم وأسفله على الاضراس قال: وفى الاضراس صغار الابل * قال أبو محمد رضى الله عنه: وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء بن أبى رباح الاسنان قال عطاء في الثنيتين والرباعيتين [ والنابين ] (2) خمس خمس وفيما بقى بعيران بعيران أعلى الفم وأسفله سواء كل ذلك سواء والاضراس


(1) الزيادة من النسخة 45 (2) الزيادة من النسخة 45

[ 415 ]

سواء قال ابن جريج: قلت لعطاء اسنان المرأة تصاب جميعا قال خمسون * قال على: فهذه الاقوال كما أوردنا قول عن عمر. وعلى. ومعاوية. وابن عباس رضى الله عنهم أن دية السن والضرس وسواء خمس خمس وهو قول عروة بن الزبير. وشريح والزهرى وقتادة ومكحول وعمر بن عبد العزيز، وقول آخر ان الثنايا (1) والرباعيات والانياب خمس خمس وفى سائر الاضراس وهى الطواحين بعير بعير وهو الثابت عن عمر بن الخطاب * وقول آخر ان الطواحين مفضلة على الثنايا والرباعيات وهو قول صح عن معاوية كما اوردنا، قول رابع وهو قول سعيد بن المسيب. ومجاهد وعطاء ان في الاسنان خمسا خمسا وفى الاضراس بعيران بعيران، وقول آخر وهو ان في الثنية خمسا من الابل ثم تفضل على التى تليها وتفضل التى تليها على التى تليها وهكذا إلى آخر الفم وهو قول طاوس (2) * قال على: فلم يحصل من هذه المسألة الا على اخبار مرسلة لا تصح ولو صحت لكان الحاضرون من خصومنا مخالفين لها كما ذكرنا، ومن الباطل احتجاج المرء بخبر لا يراه على نفسه حجة وهو عنده حجة لاحجة على من لا يراه حجة في شئ أصلا * قال أبو محمد: لكنا نقول قول من يدرى ويوقن أن قوله وكتابه معروضان عليه [ في ] (3) يوم القيامة وهو مسئول عنهما ان الخطا في السكوت بالجهل أسلم من الخطأ في الحكم في الدين بالجهل بل السكوت لمن لم يعلم فرض عليه واجب والقول بما لا يعلم حرام على الناس فنقول وبالله تعالى التوفيق: وانه ان لم يصح في ايجاب الدية في الخطا في السن اجماع متيقن فلا يجب في ذلك شئ أصلا لما قد ذكرناه من قول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطاتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم دأموالكم عليكم حرام " فلا يحل لاحد ايجاب غرامة على أحد الا أن يوجبها نص صحيح أو اجماع متيقن فاما النص الصحيح فقد أمنا وجوده بيقين ههنا فكل ما روى في ذلك منذ أربعمائة عام ونيف وأربعين عاما من شرق الارض إلى غربها قد جمعناه في الكتاب الكبير المعروف بكتاب الايصال ولله الحمد، وهو الذى أوردنا منه ما شاء الله تعالى فان وجد شئ غير ذلك فما لاخير فيه أصلا لكن مما لعله (4) موضوع محدث * واما الاجماع فلسنا نعرفه وقد قالت الملائكة لاعلم لنا الا ما علمتنا، ولو صح عندنا في ذلك اجماع لبادرنا إلى الطاعة له وما ترددنا في ذلك


(1) في النسخة 45 وقال آخرون في الثنايا (2) الزيادة من النسخة رقم 45 (3) الزيادة من النسخة رقم 45 (4) في النسخة رقم 14 لكن بالعلة

[ 416 ]

طرفة عين فمن صح عنده في ذلك اجماع فليتق الله ولا يخالفه ومن لم يصح عنده اجماع ولا نص ففرضه التوقف ولا يحل له ان يكذب فيدعى اجماعا * قال أبو محمد: ثم نقول وبالله تعالى التوفيق انه لو صح في ذلك اجماع بان فيه خمسا فوجه العمل في ذلك أنه لو صح الاجماع المتيقن على أن في الثنية خمسا من الابل فواجب كان (1) أن يكون في كل سن وكل ضرس خمس خمس لانه قد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الاسنان سواء الثنيه والضرس سوء " وهذا العموم لا يحل لاحد خلافه ولا تخصيصه فواجب حمله على ظاهره وانه في القصاص الذى أمر الله تعالى به في القرآن وأمر هو به عليه الصلاة والسلام بلا شك، وأما في العمد فجائز تراضى الكاسر والمكسور سنه. والقالع والمقلوع سنه على الفداء في ذلك على ما صح وثبت في حديث الربيع وبالله تعالى التوفيق * الضرس تسود وترجف قال على: روينا من طريق عبد الرزاق عن الحجاج بن ارطاة عن مكحول عن زيد بن ثابت قال في السن يستأنا بها سنة فان اسودت ففيها العقل كاملا والا فما اسود منها فبالحساب * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم ان على ابن ابى طالب قال في السن تصاب فيخشون أن تسود ينتظر بها سنة فان اسودت ففيها قدرها وافيا وان لم تسود فليس فيها شئ، قال عبد الكريم: ويقولون: فان اسودت بعد سنة فليس فيها شئ * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد العزيز أن في كتاب لعمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب في السن خمس من الابل أو عدلها من الذهب أو الورق فان اسودت فقد تم عقلها فان كسر منها إذ لم تسود فبحساب ذلك، وعن سعيد بن المسيب إذا اسودت السن فقد تم عقلها فان طرحت بعد ذلك ففيها العقل أيضا كاملا قال ابن وهب: وأخبرني يونس عن ربيعة بمثله (2) قال ابن وهب: وسمعت حنظلة بن أبى سفيان يقول: سمعت القاسم بن محمد يسأل عن سن كانت ترجف ولم تسود؟ قال: ففيها العقل كاملا * وعن عمر بن عبد العزيز انه كتب إلى الاجناد ان السن إذا اسودت فقد تم عقلها وما كسر منها بعد ذلك فبحساب ذلك، وعن ابن وهب انه قال: أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبى رباح انه سأله رجل عن رجل كسر سن رجل فاقيد منه فأخذ سنه


(1) في النسخة رقم 45 فكان واجب (2) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 417 ]

فردها فثبت فخاصمه الآخر فقال: ليس له شئ * وعن شريح انه قال: في السن إذا كسرت يؤجل صاحبها سنة فان اسودت فديتها كاملة، وان لم تسود فبقدر ما نقص منها، وعن عطاء قال: ان سقطت سن أو اسودت أو رجفت قومت قال ابن جريج: وقال لى ابن شهاب: في السن إذا اسودت فقد تم عقلها وقال عبد العزيز بن أبى سلمة والليث إذا ضربت السن فاسودت ففيها عقلها كاملا فان طرحت بعد ذلك ففيها العقل كاملا مرة أخرى، وقال مالك: إذا اسودت السن فقد تم عقلها فان طرحت مرة أخرى فعقلها أيضا تام (1) وههنا قول آخر عن ابن عباس ان عمر بن الخطاب قال في السن [ السوداء ] (2) إذا سقطت ثلث ديتها * قال أبو محمد: وهذا هو الثابت عن عمر بن الخطاب لاتصال سنده، وجودة روايته واتصاله، حدثنا يونس بن عبد الله نا حمد بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا هشام الدستوائى نا قتادة عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب وبه يقول أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: في السن السوداء ثلث الدية، وعن مجاهد أنه قال: إذا اسودت السن أو رجفت ثم طرحت فنصف قدرها، وان كان فيها قدرها أول مرة وذكر ابن أبى نجيح عن مجاهد في السن السوداء ربع ديتها، وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط أنه قال في السن السوداء إذا كسرت خمس ديتها وفى كل عضو * قال أبو محمد: ففى اسودادها - كما ترى - أقوال اختلف فيها، أما التوقيت بثلث الدية ونصفها وربعها فقول لا يعضده قرآن ولاسنة والا إجماع وما كان هكذا فلا يجوز القول به فإذا كان سواد السن وأخضرارها واحمرارها وإصفرارها وصدعها وكسرها إذا كان كل ذلك خطأ لا قرآن جاء فيه بايجاب غرامة ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع على شئ من ذلك أصلا لم يجز أن يوجب في ذلك شئ أصلا لان الخطأ مرفوع بنص القرآن والاموال محرمة بالقرآن وبالسنة فلا يجوز البتة إيجاب غرامة في ذلك لانه إيجاب شرع والشرع لا يجب إلا بنص أو اجماع، وهذا مما لا يشك فيه ولا يتردد، والحمد لله رب العالمين * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن مكحول قال: قال زيد بن ثابت في السن الزائدة ثلث ديتها، وعن الحسن البصري قال: فيها حكم، وبهذا يقول الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وأما سن الصغير فروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج بن ارطاة عن الوليد بن أبى مالك (3)


(1) في النسخة رقم 14 " تاما " (2) الزيادة من النسخة رقم 45 (3) في النسخة رقم 14 الوليد بن مالك وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (م 53 - ج 10 المحلى)

[ 418 ]

عن أخيه أن عمر بن الخطاب قضى في سن صبى كسرت قبل أن يثغر (1) ببعير، وروينا من طريق عبد الرزاق عن أبى حنيفة قال: قال زيد بن ثابت في سن الصبى الذى لم يثغر عشرة دنانير * قال أبو محمد: وهى قيمة البعير عندهم في الدية. قال عبد الرزاق قال معمر وهو قول بعض علماء الكوفة * وعن الحسن قال في سن الصبى إذا لم يثغر قال: ينظر فيه ذوا عدل فان نبتت جعل له شئ وان لم تنبت كان كسن الرجل * وعن سليمان بن يسار انه استفتى في غلام لم يثغر أصيبت سنه هل فيها من عقل؟ قال: لا، وقال أبو حنيفة فيها حكومة، وقال مالك. والشافعي: ان نبتت فلا شئ فيها، وقال مالك ان نبتت ناقصة أعطى بقدر نقصها عن التى تليها فان لم تنبت ففيها خمس فرائض، وهذا مما خالف فيه أبو حنيفة. ومالك. والشافعي عمر بن الخطاب. وزيد بن ثابت رضى الله عنهما فيما روى عنهما في هذا الباب، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * قال أبو محمد: فإذ قد صح الخلاف في ذلك فلا يجوز أن يكلف أحد غرامة إلا بنص أو اجماع، ولا نص ولا إجماع في إيجاب شئ في سن الصبى فلا يجوز أن يجب في الخطأ في ذلك شئ أصلا وبالله تعالى التوفيق * (العين) قال أبو محمد: قد ذكرنا ان دية العين والعينين لم يأت إلا في صحيفة عمرو بن حزم. وخبر رجل من آل عمر وخبر مكحول. وطاوس وكلها لا يصح منها شئ لما ذكرنا ونذكر ان شاء الله تعالى ما يسر الله عزوجل لذكره مما جاء عن الصحابة رضى الله عنهم وعن التابعين رحمة الله عليهم * حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن سفيان الثوري ومعمر كلاهما عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال في العين النصف * وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب قال: في العين نصف الدية أو عدل ذلك من الذهب أو الورق وفى عين المرأة نصف ديتها أو عدل ذلك من الذهب أو الورق، وأما عين الاعور ففى ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا احتجاج بن المنهال ناحماد بن سلمة عن قتادة عن ابى مجلز قال: ان رجلا سأل ابن عمر عن أعور فقئت عينه خطأ فقال عبد الله بن صفوان: قضى فيها عمر بالدية كاملة فقال الرجل انى لست اياك اسأل انما اسأل ابن عمر فقال ابن عمر يحدثك عن عمر وتسألني * وبه إلى حماد بن سلمة


(1) إذا سقطت رواضع الصبى قيل ثغر وهو مثغور فإذا نبتت قيل اثغر

[ 419 ]

انا قتادة عن عبد ربه عن أبى عياض انه قال في رجل أعور فقأ عين صحيح العينين عمدا فقال قضى فيها الامير بالدية كاملة - يعنى عثمان - لان لايقتص من الاعور * حدثنا عبد الله بن ربيع نا ابن مفرج نا قاسم بن اصبغ نا ابن وضاح نا سحنون نا ابن وهب عن ابن سمعان عن ابن عباس قال: دية عين الاعور الف دينار، وأخبرني مالك عن ابن شهاب انه كان يقول في عين الاعور الدية كاملة، قال مالك: بلغني عن سليمان بن يسار انه كان يقول ذلك قال ابن وهب: وأخبرني يونس ومالك عن ربيعة بن ابى عبد الرحمن مثل قال ابن وهب: وأخبرني عمر بن قيس. ويزيد بن عياض. وابن لهيعة قال عمر بن قيس عن عطاء عن على بن أبى طالب، وقال ابن لهيعة عن يزيد بن ابى حبيب عن محمد ابن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير، وقال يزيد بن عياض عن عبد الملك بن عبيد عن سعيد بن المسيب قالوا كلهم: مثل ذلك، وقال ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد الانصاري انه قال: السنة ورأى الصالحين ان الاعور إذا فقئت عينه ثمن عين الاعور الف دينار، وانه إذا فقأ الاعور عين صحيح العينين غرم له ألف دينار * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في عين الاعور الف دينار قال معمر: وقال قتادة والزهرى معا: إذا فقأ الاعور عين صحيح العينين عمدا أغرم الف دينار، وإذا فقأها خطأ أغرم خمسمائة دينار، وقال الزهري في رجل في احدى عينيه بياض فاصيبت عينه الصحيحة قال: نرى أن يزاد في عقل عينيه ما نقص من الاخرى التى لم تصب * وبه يأخذ الحسن البصري. ومالك. والليث. وأحمد بن حنبل. واسحاق بن راهويه، وقال آخرون: فيها نصف الدية كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد العزيز عن الحكم بن عتيبة عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال في عين الاعور خمسون * وعن مسروق انه قال: في عين الاعور نصاب أنا أدى قتيل الله فيها نصف الدية، وبه يقول الشعبى * وعن عبد الله بن مغفل انه سئل عن الرجل يفقأ عين (1) الاعور قال: ما أنا فقأت عينه الاخرى فيها نصف الدية * وعن عطاء بن ابى رباح قال في عين الاعور نصف الدية * [ وعن ابراهيم النخعي أنه قال في عين العور تفقأ عينه خطأ قال: نصف الدية ] (2) * قال أبو محمد: قولنا في العين هو قولنا في السن سواء سواء، وانه انما جاءت في دية العين بالخطأ آثار وقد تقصيناها ولله الحمد ليس منها شئ يصح * وأما قول الصحابة رضى الله عنهم في ذلك فانما جاء ذلك عن عمر وعلى وعثمان وابن


(1) في النسخة رقم 14 " فقأ عين " (2) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 420 ]

عمر. وابن عباس وبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وعن نفر من التابعين نحو العشرة، ومثل هذا لا يجوز أن يقطع به على جميع الامة إلا غافل أو مستسهل للكذب والقطع مما لاعلم له به فان صح اجماع متيقن في دية العين فنحن قائلون به، والا فقد حصلنا على السلامة فالاجماع المتيقن في هذا بعيد ممتنع أن يوجد في مثل هذا لان الاجماع حجة من حجج الله تعالى المتيقنة الظاهرة التى قد قطع الله تعالى به العذر وأبان بها الحجة وحسم فيها العلة، ومثل هذا لا يستتر على أهل البحث والحقائق لا تؤخذ بالدعاوي فإذ لا اجماع في ذلك فلا يجب في الخطا شئ لقول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * قال أبو محمد: فاما قول مالك في أن في عين الاعور الدية فانه وان تعلق بما جاء وصح عن بعض الصحابة فانه قد تناقض في القياس، والعجب أن قولا ينسبه بعض أصحابه إليه من انه يرى ان القياس أقوى من خبر الواحد ثم ههنا قد ترك القياس الذى لو صح قياس في العالم (1) لكان هذا هو ذلك الذى يصح وهو انه فرق بين سمع امرئ لا يسمع إلا باذن واحدة ويد انسان اقطع ورجل اقطع فلم ير في كل ذلك إلا نصف الدية ورأى في عين الاعور الدية كاملة وليس لهم ان يدعوا في هذا اجماعا لان في هذا اختلافا سنذكره ان شاء الله تعالى في باب يد الاقطع وسمع ذى الاذن الواحدة وبالله تعالى نتأيد، فان قالوا: انما قلنا ذلك لان عين الاعور هي بصره كله فالواجب في ذلك ما يجب في البصر كله قلنا لهم: هذا يبطل عليكم من وجهين أحد هما انه ان كان كما تقولون فيجب عليكم ان تقيدوه من عينى الصحيح معا لانه بصر ببصر لا على قولكم وأنتم لا تقولون ذلك (2) والثانى انه يقال لكم وسمع ذى الاذن الواحدة الصماء هو سمعه كله وهو له أنفع وأقوى وأقرب من تمام السمع من عين الاعور فان الاعور لا يرى إلا من جهة واحدة فقط فنما هو نصف بصره وكذلك يد الاقطع هي محل تصرفه ورجل الاقطع أيضا فاجعلوا في كل ذلك دية وأنتم لا تفعلون ذلك، ووجه ثالث وهو انه لا يجب على أصلكم هذا أن تقيدوا ذا عينين فقأ احداهما أعور فانتم تقيدون من الاعور ولا اجماع في هذا فقد أقدتم بصرا كاملا بنصف بصر، وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن عثمان بن سعيد عن قتادة عن أبى عياض ان عثمان بن عفان قضى في رجل أعور فقأ عين صحيح قال: لاقود عليه وعليه دية عينه، وقال سعيد بن المسيب: لايقاد من الاعور وعليه دية كاملة وان كان عمدا، وعن عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: الاعور يصيب عين انسان عمدا


(1) في نسخة في الارض (2) في النسخة رقم 14 لا تقولون بهذا

[ 421 ]

أيقاد منه؟ قال: ما أرى أن يقاد منه أرى له الدية وافية * وعن عبد الرزاق نا ابن جريج عن محمد بن ابى عياض أن عمر. وعثمان اجتمعا على ان الاعور إذا فقأ عين آخر فعليه مثل دية عينيه، وقال على بن أبى طالب: أقام الله تعالى القصاص في كتابه العين بالعين وقد علم هذا فعليه القصاص فان الله تعالى لم يكن لينسى شيئا * قال أبو محمد: وأما الحنيفيون والشافعيون فانهم يعظمون خلاف الصاحب الذى يعرف له مخالف وهم قد خالفوا ههنا عمرو ابن عمر وعليا وابن عباس رضى الله عنهم ولا يعرف لهم في هذا من الصحابة رضى الله عنهم مخالف الا رواية ضعيفة قد ذكرناها عمن لم يسم فكل طائفة تنقض أصلها وتهدم ما تبنى وما ينبغي أن يرضى لنفسه بهذا ذو ورع ونحمد الله تعالى على عظيم نعمه * (وأما العين العوراء) قال على: نذكر الآن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية وقال بهذا طائفة من السلف الطيب كما حدثنا يونس بن عبد الله نا احمد بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا هشام هو الدستوائى نا قتادة عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قضى في العين العوراء إذا فضخت واليد الشلاء إذا قطعت. والسن السوداء إذا سقطت ثلث ديتها * وعن ابن عباس في العين العوراء إذا خسفت ثلث الدية، وقول آخر (1) روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد هو الانصاري عن بكير بن عبداللهب الاشج عن سليمان بن يسار قال: قضى زى بن ثابت في العين القائمة إذا بخصت (2) بمائة دينار * وعن سعيد بن المسيب يقول في العين القائمة تبخص عشر الدية وقال به غيره كما روينا من طريق الحجاج ابن المنهال نا حماد بن سلمة نا محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط انه قال في العين القائمة إذا بخصت خمس ديتها وبه يقول الليث بن سعد وغيره وقول آخر كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر قالا جميعا: نا ابن أبى نجيح عن مجاهد قال في العين القائمة التى لاتبصر ان ثقبت أو بخصت ففيها نصف قدر العين خمس وعشرون بعيرا من الابل وان كان قد أخذ نذرها أول مرة * وقول آخر كما روينا من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج نا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال في كتاب عمر بن عبد العزيز: ان كان لطمت العين فدمعت دموعا لاترقأ فلها ثلثا دية العين وان كانت دمعة لاتجف دمعها وهى دون الدمعة الاولى فنصف دية العين وان كانت دمعة من العين تسحل أحيانا وأحيانا يذهب فيها بصره ففيها خمسمائة دينار *


(1) في النسخة رقم 14 وقال آخرون (2) بخص عينيه قلعها مع شحمتها وبابه قطع ولا نقل بخس

[ 422 ]

وعن ابراهيم النخعي قال في العين العوراء القائمة إذا أصيبت الدية فإذا كانت مفقوءة قائمة فخسفت ففيها صلح * وعن ابراهيم النخعي من طريق جابر الجعفي في العين العوراء حكم وبه يقول أبو حنيفة. ومالك. والشافعي. وأصحابهم، وهو قول الزهري رويناه من طريق ابن وهب * قال أبو محمد: هذا من عجائب الدنيا ان الحنيفيين والمالكيين يدعون انهم يقولون برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا وافق أهواءهم وهم ههنا قد خالفوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعمر بن الخطاب. وابن عباس في قول ثابت عنهما * قال على: نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ [ نا ابن وضاح ] (1) نا موسى بن معاوية نا وكيع نا هشام الدستوائى عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال في العين العوراء إذا تشترت ثلث الدية * حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى امراء الاجناد أن يكتبوا إليه بعلم علمائهم قال: مما اجتمع عليه فقهاؤهم في شتر العين ثلث الدية * وروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمه عن قتادة قال في التشتر في العين ربع الدية * قال أبو محمد: لو وجد المالكيون والحنيفيون أقل من هذا لما ترددوا وأى اجماع على أصولهم يكون أقوى من هذا الاجماع بهذا السند (2) الثابت إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يكتب إلى امراء الاجناد يسألهم عن اجماعهم وهو خليفة لا يشذ عن طاعته مسلم في شئ من أقطار الارض كلها أولها عن آخرها من آخر الاندلس وطنجة إلى بلاد السودان إلى آخر السند وآخر خراسان وآخر أرمينية وآخر اليمن فما بين ذلك يجمع له فقهاؤهم على أن في شتر العين ثلث الدية ولكن ما على المهولين بالاجماع مؤنة في خلاف هذا الاجماع فلا يرون في ذلك إلا حكومة، ولكن لله در الامام أبى عبد الله احمد بن حنبل رضى الله عنه إذ يقول ما حدثنا به حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا عبد الله بن احمد بن حنبل قال: سمعت أبى يقول فيما يدعى فيه الاجماع هذا الكذب من ادعى الاجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا ولم ينه إليه فيقول لا نعلم الناس اختلفوا هذا دعوى بشر المريسى والاصم ولكن نقول لا نعلم الناس اختلفوا ولم يبلغني ذلك * قال أبو محمد: هذا هو الدين والورع لا الجسر بلا علم كما كان يقول الشعبى رحمه الله


(1) الزيادة من النسخة رقم 45 (2) في النسخة رقم 45 بهذا الاسناد

[ 423 ]

إذا سئل عن مسألة ماذا قال فيها الحكم البائس أجسر جسار اسميتك الفسفاس ان لم تقطع * قال على: إلا ما لا يختلف فيه مسلمان في أن من خالفه فليس مسلما فهذا اجماع صحيح كالاجماع على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكالصلوات الخمس وشهر رمضان والحج وجملة الزكاة، وما كان هكذا وما تيقن بلاشك علم جميع الصحابة وقولهم به وبالله تعالى التوفيق * (شفر العين) وأما شفر العين فقد روينا من طريق عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن مكحول عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت انه قال في جفن العين ربع الدية، وعن الحسن البصري في كل شفر ربع الدية * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع لعمر ابن عبد العزيز في شفر العين الاعلى إذا نتف نصف دية العين وفى شفر العين الاسفل إذا نتف ثلث دية العين، قال عبد العزيز بن عمر: وكتب أبى إلى أمراء الاجناد أن يكتبوا إليه بعلم علمائهم قال: وما اجتمع عليه فقهاؤهم في حجاج العين (1) ثلث الدية * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال في كل شفر ربع الدية قطع ولم ينبت شعره * وبه إلى معمر عن بعض أصحابه عن الشعبى قال في كل شفر ربع دية العوض * حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد بن خالد نا على ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة نا داود بن أبى هند قال قال الشعبى في الجفن الاعلى ثلث دية العين وفى الجفن الاسفل ثلثا دية لانها ترد الحدقة وما قطع منها فيقدر ذلك، وعن الشعبى قال: كانوا لا يوقنون في الشعر شيئا، وقال أبو حنيفة. وسفيان الثوري. والشافعي وأصحابهم في كل جفن من أجفان العين نصف دية العين، قال الشافعي: فان نتفت الاهداب فلم تنبت ففيها حكومة، وقال مالك وأصحابه: ليس في شفر العين وحجابها الا اجتهاد الامام * قال أبو محمد: أما قول مالك فمخالف لاصول أصحابه لانهم يعظمون على خصومهم خلاف الصاحب الذى لايعرف له مخالف إذا وافق تقليدهم وههنا خالفوا قول زيد بن ثابت ولا يعرف له من الصحابة مخالف، ويحتجون بقول عمر بن عبد العزيز إذا خالف قول خصومهم ووافقهم وههنا خالفوا حكمه وقوله واجماع فقهاء الامصار وأهل عصره له لاصح اسناد يمكن أن يكون ثم أوجبوا غرامة حكومة


(1) حجاج العين بفتح أوله ويكسر عظم ينبت عليه الحاجب

[ 424 ]

في ذلك ولا يعرف هذا القول عن أحد قبلهم * قال على: وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد دون كلام الله تعالى. وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم والا فالاموال محرمة فلا يجب ههنا في الخطأ شئ لقول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام " * (فقأ عين انسان ثم مات الفاقئ) قال على: حدثنا عبد الله بن ربيع نا ابن مفرج نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا سخنون نا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن انه قال في رجل فقأ عين رجل فقام ابن عم له فقتل الفاقئ غضبا لابن عمه قال: يقتل القاتل بمن قتل ولا شئ للمفقوءة عينه وقد فاته القود قال ابن وهب: وبلغني عن ربيعة أنه قال في أعمى فقأ عين صحيح أو عينيه جميعا قال ما فيه مأخذ لقود عليه الدية * قال على: هاتان فتيتان متناقضتان لانه أوجب الدية في عين فقئت عمد الاجل امتناع القود في إحدى المسألتين ولم يوجب في الاخرى دية لاجل امتناع من القود أيضا هذا تناقض ظاهر لا يؤيده نص ولا قياس ولا خبر عن صاحب، والحق من هذا ان القود واجب ما أمكن كما أمر الله تعالى إذ يقول: (والحرمات قصاص) فإذا تعذر (1) القصاص بموت أو بعدم العضو أو بامتناع أو بفرار فان كان في ذلك دية مؤقتة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه واجبة لمن أراده مكان قصاصه الفائت لان النص اوجبها له وان لم تكن هناك دية مؤقتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة فلا شئ له لان الاحكام لا يوجبها الا الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو اجماع متيقن فإذ ذلك كذلك كما ذكرنا فاحدى فتيا ربيعة صواب والاخرى خطا فاما الصواب ففتياه في الذى فقأ عين آخر فوثب ابن عم المفقوءة عينه فقتل الفاقئ ان على القاتل القود [ ولا شئ للمفقوءة عينه لانه قد فاته القود ولم يكن له غير القود ] (1) وأما الخطا فقوله في أعمى فقا عين صحيح أو عينيه انه لاقود عليه وانما عليه الدية وذلك انه أوجب دية لم يوجبها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا قياس ولا نص صحيح ومنع القود الذى اوجبه الله تعالى في نص القرآن وبالله تعالى التوفيق * 2026 مسألة: جنى على عين ثم فقئت قال على: نا عبد الله بن ربيع


(1) في النسخة رقم 14 فان تعذر (2) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 425 ]

نا محمد بن عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج بن ارطاة أن مسروقا وشريحا والشعبى وابراهيم النخعي قالوا في رجل فقئت عينه، وقد كان ذهب منها شئ انه يلقى عنه بقدر ما ذهب منها * قال على: هذا ليس فيه قرآن ولا سنة ولا اجماع، وهذه رواية ساقطة لانها عن الحجاج بن ارطاة، ولو صحت فلا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قلنا: ان الاموال محرمة إلا بنص أو اجماع فان كان كل ما ذكرنا خطأ فلا شئ فيه، وان كان عمدا فالقود ما أمكن وان أمكن ذهاب شئ من قوة البصر كما ذهب هو أنفذ ذلك بدوءا أو بما أمكن وان لم يمكن ذلك فقد قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فالواجب في ذلك الادب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ان استطاع " ولقول الله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فإذا عجزنا عن المثل الاخص لزمنا أن نأتى باقصى ما نقدر عليه من التماثل الآية المذكورة والادب والسجن سيئة فيهما جزاء سيئة أخرى عجزنا عن مثلها من نوعها الادنى، وبالله تعالى التوفيق * 2027 مسالة شج انسانا فذهب بصره فقال كان أعمى. قال على: روينا من طريق ابى بكر بن ابى شيبة نا زيد بن الحباب عن سفيان الثوري عن خالد النيلى (1) عن الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان انهما قالا في رجل شج رجلا فذهبت عينه. من غير تلك الشجة فقال الحكم: ان شهدوا انها ذهبت من الضربة فهو جائز، وقال حماد: ان شهدوا أنه ضربه يوم ضربه وهى صحيحة فهو جائز * قال على: وان كان صحيحا فقد يمكن أن تذهب عينه من غير تلك الشجة فلابد من الشهادة في ذلك كما قال الحكم انها ذهبت من تلك الشجة فان شهد الشهود بذلك وكان عمدا فالقود في ذلك من كلا الامرين ومن العين فلابد من اذهاب عينه ومن شجه كما شج * قال على: برهان ذلك قول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهذا اعتداء منه بفعلين شجه واذهاب عين فلابد من القودين كليهما، فان احتجوا بما رويناه من طريق أبى بكر بن أبى شية نا اسماعيل بن علية عن أيوب السختيانى عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فلم النبي صلى الله عليه وسلم يستقيد فقيل له حتى تبرأ فابى وعجل فاستقاد فعنتت رجله وبرئت رجل المستقاد منه فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ليس لك شئ قد أبيت، قلنا: هذا الخبر هو حجتنا


(1) هو خالد بن دينار النيلى بكسر النون بعدها تحتانية نسبة إلى النيل بلد بين واسط والكوفة (م 54 - ج 10 المحلى)

[ 426 ]

وعمدتنا وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمره بالتأخير حتى يبرأ فيقاد له بما تبلغه تلك الحال التى يبرأ عليها فأبى فاعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه فلما عنتت رجله - والعنت البرؤ على عوج - (1) لم يمكن أن يستقيد من العوج أصلا فلا شئ له، ولو لا وجوب القود من كل ما يمكن لما كان لتأخيره معنى وبالله تعالى التوفيق * 2028 مسألة قول المتأخرين في جناية على عضو بطل منه عضو آخر * قال على: قال أبو حنيفة: إذا شج آخر موضحة فذهبت عيناه أو قطعت أصبعه فشلت أصبع له أخرى أو قطعت إحدى يديه فشلت الاخرى أيتهما كانت أو قطعت أصبعه فشلت يده أو قطع بعض أصبعه فبطلت الاصبع كلها أو شجه موضحة فصارت منقلة فلا قصاص في شئ من ذلك وعليه الارش، وقال أبو يوسف. ومحمد بن الحسن صاحباه: مثل هذا في العضو الواحد كالموضحة تصير منقلة أو قطع أنملة فشلت أصبعه قالا: وأما إذا شج موضحة فبطلت عينه أو قطع أصبعه فبطلت أصبع أخرى أو يد أخرى فعليه القصاص في الاولى وعليه الارش في الاخرى، وقد روى عن أبى يوسف. ومحمد. وأبى حنيفة أيضا انه ان قطع له أنملة فسقطت من المفصل أصبعه أو يده كلها من المفصل أو كسر بعض سنه فسقطت السن كلها كان القصاص في السن كلها في جميع اليد وفى جميع الاصابع وانه ان قطع أصبعه فسقطت الكتف من نصف الساعد وبرئ فلا قصاص له كانه ابتدأ قطعها من نصف الساعد، وفرقوا بين الشلل والسقوط، وقال عثمان البتى: إذا فقأ عينه عمدا فذهبت العين الاخرى [ اقتص منه ] و (2) فقئت عينا الفاقى جميعا، وقال مالك: إذا قطع أصبعه فشلت يده فعليه لاقصاص من الاصبع وهل الارش في اليد، ويجتمع في قوله العقل والقصاص جميعا في عضو واحد، وقال الشافعي: ان قطع احدى انثيية فذهبت الاخرى اقتص منه في التى قطع وعليه الدية في الاخرى * قال أبو محمد: الحكم في هذا كله ما تيقن انه تولد من جناية العمد فبالضرورة ندرى انه كله جناية عمدو عدوان فالواجب في ذلك القود أو المفاداة سواء في ذلك النفس وما دونها، والعجب كله انهم كلهم أصحاب قياس بزعمهم وهم لا يختلفون في أن من قطع أصبع آخر فمات منها فان عليه القود في النفس ثم يمنع من منع منهم فيمن قطع اصبع آخر فذهبت كفه منها ان يقاد منه في الكف فهل في التناقض أفحش من هذا؟ وأما إذا أمكن أن تتولد الجناية الاخرى من غير الاولى فلا شئ فيها لاقود ولاغيره مثل أن يقطع له يدا فتشل له الاخرى فهذا ان لم يتيقن انه تولد من الجناية الاولى


(1) في النسخة رقم 45 على عرج (2) الزيادة من النسخة رقم 45 وعليها فما بعدها تفسير لها

[ 427 ]

فلسنا على يقين من وجوب شئ على الجاني وإذا لم نكن على يقين من انه يلزمه شئ فلا يجوز أن يلزم شيئا لا في بشرته ولا في ماله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام " * قال على: وكان في أصحابنا فتى اسمه يبقى بن عبد الملك ضربه معلمه في صباه بقلم في خده فيبست عينه فهذا عمد يوجب القود لان الضربة كانت في العصبة المتصلة بالناظر وبالله تعالى التوفيق * 2029 مسألة من أمسك آخر حتى فقئت عينه أو قطع عضوه أو ضرب، قال على: نا عبد الله بن ربيع نا ابن مفرج نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا سحنون نا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب انه كان يقول في الرهط يجتمعون على الرجل فيمسكونه فيفقا أحدهم عينه أو يكسر رجليه أو يديه أو أسنانه أو نحو هذا انه يقاد من الذى باشر ذلك منه، وأما الآخرون الذين أمسكوه فيعاقبون عقوبة موجعة منكله فان استحب المصاب الدية كانت الدية عليهم كلهم يغرمونها جميعا سواء قال يونس: وقال ربيعة ان أحب الذى فقئت عيناه الدية فله اثنا عشر الف درهم في عينيه فان كان الذين أمسكوه انما أمسكوه ليفقأ عينيه فعليهم الدية جميعا وان كانوا أمسكوه ليصكه أو ليضربه لا يريدون بذلك فق ء عينيه فالدية على الذى فقأ عينيه دون أصحابه، قال ابن وهب. قال ابن سمعان: قال ربيعة. ان أراد القود أقيد منهم جميعا ممن باشر ذلك وممن أمسكه * قال أبو محمد: أما إيجاب الدية عليهم كلهم والمنع من القود منهم كلهم فخطأ لا إشكال فيه وتناقض ظاهر لانهم لا يخلو من أن يكونوا كلهم فقأه أو لم يفقاه كلهم لكن من باشره خاصة لاسبيل إلى قسم ثالث فان كانوا كلهم فقأ عينيه فالقود عليهم كلهم كما الدية عليهم كلهم ولافرق، وان كانوا ليس كلهم فقأه لكن المباشر خاصة فالزام الدية في ذلك من لم يفقا ولا كسر ولاقطع خطا، وهذا لاخفاء به * وأما قول ربيعة في إيجاب القود على جميعهم أو الدية على جميعهم فلم يتناقض ولكنه خطا لان الممسك آخر ليفقا عينيه أو ليقطع يده أو ليخصى أو ليجنى عليه أو ليضرب لا يقع عليه البتة في اللغة ولا في الشريعة اسم فاقئ ولا اسم قاطع ولا اسم كاسر ولا اسم ضارب، وإذا لم يكن شيئا من هذا فلا قود عليه في ذلك لان الله تعالى انما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فبطل هذا القول بلاشك، وهذا مما خالف فيه مالك شيخيه ربيعة والزهرى، لانهما جعلا في جناية العمد في العين الخيار بين القود أو الدية وهو لا يرى فيها إلا القود فقط وهما كبشا المدينة *

[ 428 ]

قال على: والحكم في هذا هو أن يقتص من الفاقئ والكاسر والقاطع والضارب بمثل ما فعل ويعزر الممسك ويسجن على ما يراه الحاكم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده " ولامره صلى الله عليه وسلم بالتعزير في كل ما دون الحد عشرة أسواط فاقل على ما نذكره في باب التعزير ان شاء الله تعالى من كتاب الحدود، فان قال قائل: انكم تقولون فيمن أمسك آخر للقتل فقتل انه يسجن حتى يموت فهذا خلاف لما قلتم ههنا أم لا فجوابنا وبالله تعالى التوفيق: انه ليس ذلك مخالفا لشئ منه لان الحكم في هذا قول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فكل من فعل فعلا يوصف به وكان به متعديا فانه يجب أن يعتدى عليه بمثله بأمر الله تعالى فالممسك آخر حتى قتل ممسك له وحابس حتى مات وليس قاتلا فالواجب أن يحبس حتى يموت فهو مثل ما اعتدى به، ولا نبالي بطول المدة من قصرها (1) إذ لم ايأت بمراعاة ذلك نص ولا اجماع وبالله تعالى التوفيق * 2030 مسألة عين الدابة، قال على: نا أبو عمر أحمد بن قاسم نا أبي قاسم ابن محمد بن قاسم أخبرني جدى قاسم بن اصبغ نا زكريا بن يحيى الناقد نا سعيد بن سليمان عن ابى أمية بن يعلى نا أبو الزناد عن عمرو بن وهب عن أبيه عن زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في الرأس إلا في ثلاث. المنقلة والموضحة. والآمة. وفى عين الفرس بربع ثمنه * نا محمد ابن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا ابو جناب هو يحيى بن ابى حية الكلبى عن أبى عون محمد بن عبيدالله الثقفى عن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه في فرس فقئت عينه أن يقوم الفرس ثم يكون في عينه ربع قيمته نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة انا عبد الملك بن عمير قال: ان دهقانا فقأ عين فرس لعروة بن الجعد فكتب سعد بن أبى وقاص إلى عمر بن الخطاب يساله عن ذلك فكتب عمر إليه أن خير الدهقان فان شاء أخذ الفرس وأعطى الشروى وان شاء أعطى ربع ثمنه فقوم الفرس عشرين الفا فغرم خمسة آلاف، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم أن على بن ابى طالب قال في عين الدابة الربع يعنى ثمنها، عن محمد ابن سيرين أن شريحا قال في الدابة إذا فقئت عينها لصاحبها الشروى فان رضى جبرها بربع ثمنها، وعن ابن جريج قلت لعطاء عين الدابة قال الربع زعموا، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبى أن عمر بن الخطاب قضى في عين


(1) في النسخة رقم 14 من طول المدة بقصرها

[ 429 ]

جمل أصيبت بنصف ثمنه ثم نظر إليه بعد فقال ما أراه نقص من قوته ولا من هدايته فقضى فيه بربع ثمنه، وعن الحسن بن حى في عين الدابة ربع ثمنها فان قطع ذنبها أغرم ما نقصها، وقال أبو حنيفة. وزفر في الفرس والبعير والبقرة تفقا عين كل واحد منهم ربع ثمنه فان فقأ عين شاة فليس في ذلك [ إلا ما نقصها وقال مالك. والشافعي. وزفر في احد قوليه ليس في كل ذلك ] (1) إلا ما نقص من الثمن فقط، وهو قول ابى سليمان. وأصحابنا وقال الليث: ان فقأ عين دابة أو كسر رجلها أو قطع ذنبها فعليه ثمنها كلها أو مثلها * قال أبو محمد: أما الحديث المذكور فلا يصح لانه من رواية أبى أمية اسماعيل ابن يعلى الثقفى وليس بشئ، وأما الرواية في ذلك عن عمر بن الخطاب. وسعد بن أبى وقاص. وشريح. وعطاء فثابته، وأما الرواية عن على بن أبى طالب أنه قضى في ذلك بنصف القيمة وعن عمر بمثل ذلك فواهيتان أما التى عن على فهى عمن لا يدرى عن محمدن بن جابر اليمامى وهو هالك عن جابر الجعفي وهو مفروغ منه * وأما التى عن عمر بن الخطاب فمثل ذلك لانها عن مجالد وهو ضعيف عن الشعبى عن عمر ولم يولد الشعبى إلا بعد موت عمر بنحو عشرة أعوام * قال أبو محمد: إلا أن المالكيين قد يحتجون باسقط من هذا الحديث إذا وافق تقليدهم كاحتجاجهم " بلا يؤمن أحد بعدى جالسا " وبحديث حرام في الاستظهار وبكثير جدا قد ذكرناه مفرقا وسنجمعه ان شاء الله تعالى * قال على: وأما نحن فانه لاحجة عندنا إلا في نص قرآن أو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اجماع متيقن لا خلاف فيه من أحد وليس في هذه المسالة شئ من هذه البراهين فإذ ذلك كذلك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: " ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام " فلا يجوز الزام فاقئ عين الدابة الا ما أوجبه نص أو اجماع، وقد قال الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فواجب بهذه الآية الزامه قيمة ما نقص فقط وبالله تعالى التوفيق * (الحاجب) 2031 مسألة: قال أبو محمد: قد اختلف الناس في الحاجبين نا حمام ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى أبو بكر الصديق في الحاجب إذا أصيب حتى يذهب شعره فقضى فيه موضحتين عشرا من الابل، وقال آخرون: غير هذا كما روينا بالاسناد المذكور


(1) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 430 ]

إلى عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنا عبد الكريم انه بلغه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجب يتحصص شعره أن فيه الربع وفيما ذهب منه بالحساب فان أصيب الحاجب بما يوضح ويذهب شعره كان قدر الحاجب فقط ولم يكن للموضحة قدر فان أصيب بمنقولة كان قدر الحاجب والمنقولة جميعا، وروى عن زيد بن ثابت أن في الحاجب الواحد ثلث الدية، وقال الشعبى في الحاجبين الدية، وعن سعيد بن المسيب قال في الحاجبين إذا استوعبا الدية وفى أحدهما نصف الدية، وعن ابراهيم النخعي قال: كان يقال في كل اثنين من الانسان الدية وفى كل واحد النصف قلت الثنتين قال: لعل ذلك قال وفى كل واحد من الانسان الدية، وعن الشعبى قال: في كل اثنين من الانسان الدية * نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة انا الحجاج بن ارطاة عن الحكم بن عتيبة أن شريحا قال في الحاجبين والشفتين واليدين والرجلين نصف الدية يعنى في كل واحد منهما وفى كل فرد في الانسان الدية، وهو قول الحسن البصري. وقتادة وأبى حنيفة واحمد بن حنبل وأصحابهم، وقال آخرون فيها حكومة فقط، وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما، وقال آخرون: لا شئ فيها كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء بن أبى رباح الحاجب يشتر قال لم أسمع فيه بشئ * قال أبو محمد: أما الحنيفيون والمالكيون والشافعيون فقد نقضوا ههنا أصولهم في تهويلهم بخلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم وهم ههنا قد خالفوا ما روى عن أبى بكر الصديق وزيد بن ثابت وسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقوال لم تحفظ قط عن صاحب وهذا قبيح جدا فاما الحنيفيون فانهم طردوا القياس ههنا إذ جعلوا في كل اثنين في الانسان الدية قياسا على اليدين والحاجبان اثنان، وأما قول مالك والشافعي فان أصحابهما لامؤنة عليهم في ادعاء الاجماع من الامة فيما لا يعرفون فيه خلافا نعم حتى انهم ليدعونه فيما فيه الخلاف مشهور كفعلهم في الموضحة على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، ولا نعلم أحدا قال قبل مالك بقوله في الحاجبين حكومة. هذا ولم يتبع فيه نص قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا قياس فينبغي لهم أن لا ينكروا على من قال بقول اتبع فيه القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أباح الله تعالى قط لمالك ولا لابي حينفة ولا للشافعي شيئا حرمه الله تعالى على غيرهم * قال على: فإذ لانص في الحاجبين يصح ولا اجماع فيما يتيقن فالواجب ان لا يجب

[ 431 ]

فيهما في العمد الا القود أو المفاداة، وأما في الخطأ فلا شئ لان الاموال محرمة إلا بنص أو اجماع والحكومة غرامة فلا يجوز الزامها أحدا بغير نص ولا اجماع وهو قول عطاء كما أوردنا * (الانف) 2032 مسألة: قال على: نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة ن على بن أبى طالب اله قال في الانف الدية * وبه إلى وكيع نا اسرائيل عن جابر عن الشعبى قال في العرنين الدية * وبه إلى وكيع نا سلام عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال في المارن الدية، وعن يزيد بن عبد الله ابن قسيط انه قال: في الانسان خمس ديات الانف واللسان والذكر والصل والفؤاد، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عكرمة قال في الروثة النصف قال عبد الرزاق أحسبه ذكره عن عمر، وعن معمر عن أبى نجيح عن مجاهد قال في روثة الانف ثلث الدية * ومن طريق عبد الزراق عن ابن جريج عن ابن أبى نجيح عن مجاهد انه كان يقول في الروثة الثلث فإذا بلغ من المارن العظم فالدية وافية فان أصيب من الروثة الارنبة أو غيرها لم يبلغ العظم فبحساب الروثة * وعن ابن جريج عن سليمان ابن موسى أن عمر بن عبد العزيز قال: في الانف إذا أوعى جدعه الدية كاملة فما أصيب من الانف دون ذلك فبحساب ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبيه عن الشعبى قال: ما ذهب من الانف فبحسابه * نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد ابن سلمة عن الحجاج بن ارطاة عن مكحول انه قال في روثة الانف ثلث دية الانف وفى الجنابتين إذا خرمتا ثم لم تلتئما في كل واحد منهما ثلث دية الانف وفى الروثة ثلث دية الانف وفى قصبة الانف إذا انكسرت ثم انجبرت ثلاثة أبعرة * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق نا ابن جريج عن عثمان ابن سليمان ان عبدا كسر احدى قصبتي أنف رجل فرفع ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فقال عمرك وجدنا في كتاب لعمر بن الخطاب أيما عظم كسر ثم جبر كما كان ففيه حقتان فراجعه ابن سراقة فقال: ايما كسر أخذ من القصبتين فابى عمر الا ان يجعل فيه الحقتين * وبه إلى ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: ان كسر الانف كسرا يكون شيئا فسدس ديته وان كان المنخران منهما الشين فثلث دية

[ 432 ]

المنخرين وان كان مارن الانف مهبورا هبرة فله ثلث الدية وان كان مهشوما ملتطيا يبح صوته كالعين فنصف الدية لعينيه وبحه خمسمائة دينار فان كان ليس فيه عيب ولا غش ولا ريح توجد منه فله ربع الدية، فان أصيب قصبة الانف فجافت وفيه شين ولا ريح ولا يوجد ريح شئ فالدية مائة وخمسة وعشرون دينارا. وان ضرب أنفه فبرأ غير أنه لا يجد ريحا طيبة ولا ريح شئ فله عشر الدية، سمعت مولى لسليمان بن حبيب يحدث قال: قضى سليمان بن حبيب في الانف إذا وثن بعشرة دنانير وإذا كسر بمائة دينار، وبه إلى ابن جريج قال قلت لعطاء في الانف جائفة؟ قال: نعم قال ابن جريج: واخبرني ابن ابى نجيح عن مجاهد انه كان يقول في جائفة الانف ثلث الدية فان نفذت فالثلثان، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن عطاء الخراساني في الانف إذا خرم مائة دينار * قال أبو محمد: فحصل من هذا عن على أن في الانف الدية وكذلك عن الشعبى، وعن عمر بن عبد العزيز. وعن ابن قسيط. وعن ابراهيم ومجاهد في المارن الدية وهو كل ما دون العظم، وعن عمر بن عبد العزيز في المارن ثلث دية الانف، وعن الشعبى في العرنين الدية وهو ما دون المارن، وعن مجاهد في الروثة الثلث وهى دون العرنين وهو قول ابن حنبل واسحاق وقتادة وفى الارنبة بحساب ذلك وهو طرف الانف، وعن مجاهد مكحول في الروثة ثلث الدية وفى خرم جنبتى الانف إذا لم يلتئما في كل واحد من الخرمين ثلث دية الانف، وعن مكحول واسحاق في الوترة ثلث دية الانف وهى الحاجزة بين ثقبت الانف، وفى قصبة الانف إذا كسرت ثم انجبرت ثلاثة أبعرة، وعن عمر بن الخطاب. وعمر بن عبد العزيز في ذلك بعيران حقتان وفى كسر الثنتين عن عمر بن عبد العزيز سدس دية الانف فان كان في كلا المنخرين فثلث دية الانف وفى هشم الانف حتى يكون لاطيا يبح صوته نصف دية النفس وان لم يكن فيه ريح منتة ولا رشح فربع دية النفس وفى جائفته عشر دية وربع عشر دية، وفى جائفة الانف عن مجاهد ثلث دية النفس فان نفذت فالثلثان، وعن عطاء الخراساني في خرم الانف عشر الدية، وقال مالك فيما دون المارن من كل ما ذكرنا حكم، وبه قال الشافعي. وأبو حنيفة * قال أبو محمد: وكل هذا لا يصح منه شئ والذى نقول به وبالله تعالى التوفيق: انه لاسبيل إلى أن يوجد في هذا خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا فقد بحث عنه البحاث من أقصى خراسان إلى أدناها وأهل فارس وأصبهان وكرمان. وسجستان

[ 433 ]

والسند. والجبال. والرى. والعراق. وبغداد. والبصرة. والكوفة وسائر مدنها. واذربيجان وأرمينية. والاهواز ومكة والمدينة واليمن والجزيرة ومصر والشام والاندلس فما وجدوا شيئا مذ أربعمائة عام وأربعين سنة غير ما ذكرنا مما لا يصح عند أحد من أهل العلم بالحديث فبطل أن يكون هنا خبر ثابت تقوم به الحجة ولا قرآن في ذلك أصلا ونحن نوقن ان الله تعالى قد أقام الحجة من القرآن والسنن وأوضح الاجماع ايضاحا لا يخفى على أحد من مبتداه إلى منتهاه، وهذه الصفة معدومة ههنا * قال على: فقولنا ههنا الذى ندين الله تعالى به ونلقاه عليه أنه لو صح عندنا في ذلك أثر لقلنا به ولما خالفناه ولو صح عندنا في ذلك اجماع لقلنا به ولما ترددنا في الطاعة له فإذ لامنة في ذلك ولا اجماع فليس فيه الا القود في العمد أو المفاداة ولا شئ في الخطأ لقول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وبالله تعالى التوفيق * (الشعر) 2033 مسألة: قال أبو محمد: نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا منهال بن خليفة العجلى عن أبى عبد الله سلمة بن تمام الشقرى قال: مر رجل بقدر فوقعت منه على رأس رجل فاحرقت شعره فرفع إلى على بن أبى طالب فأجله سنة فلم ينبت فقضى على عليه فيه بالدية * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية - هو الضرير - نا حجاج عن مكحول عن زيد بن ثابت قال في الشعر الدية إذا لم ينبت، وقد احتجوا في كثير من هذه الابواب بهذه الرواية نفسها وهو قول الشعبى، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة والحسن بن حى. واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه في شعر الرأس إذا لم ينبت الدية وفى شعر اللحية إذا لم ينبت الدية، وأما المالكيون والشافعيون فليس عندهم في ذلك إلا حكومة وهذا مما نقضوا فيه أصولهم في تشنيعهم خلاف الصاحب الذى لايعرف له مخالف وقد جاء ههنا عن على بن أبى طالب وزيد بن ثابت ما لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا من التابعين مخالف، وهذا يريك انهم لا يضبطون أصلا وقد قال بعضهم: ليس للشعر أصل يرجع إليه في السنة فيقال لهم: ولا في شئ مما أوجبتم فيه الدية من الاعضاء أصل من السنة يصح حاش الاصابع فقط * (الشاربان) (م 55 - ج 10 المحلى)

[ 434 ]

2034 مسألة: قال على (1) نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: اجتمع لعمر بن عبد العزيز أن من مرط الشارب ففية (2) ستون دينارا فان مرطا جميعا ففيهما مائة وعشرون دينارا، قال عبد الرزاق وقال معمر: بلغني في الشاربين مائة وعشرون دينارا في كل واحد ستون دينارا * قال على: عهدنا بهم يحتجون بعمر بن عبد العزيز في البتة وغيرها فما لهم لا يتبعونه فيما اجتمع له عليه ههنا ولكنهم لا يتفق لهم قول الا في النادر وليس فيهما شئ عندنا في الخطأ لانه لانص في ذلك ولا اجماع الا القود في العمد فقط، وبالله تعالى التوفيق * (العقل) 2035 مسألة نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا سفيان - هو الثوري - عن عوف قال: سمعت شيخا يحدث في المسجد فجلسته فقالوا ذاك أبو المهلب عم أبى قلابة قال: رمى رجل رجلا بحجر في رأسه فذهب سمعه ولسانه وعقله ويبس ذكره فقضى فيه عمر باربع ديات وهو حى * وبه إلى سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: في العقل الدية * ومن طريق عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن مكحول عن قبيصة بن ذوئيب عن زيد بن ثابت قال في الرابية بعير وفى الباضعة بعيران وفى المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الابل وفى السمحاق اربع وفى الموضحة خمس وفى الهاشمة عشر وفى المنقلة خمس عشرة وفى المأمومة ثلث الدية وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة أو يضرب حتى يغن فلم يفهم الدية كاملة أو حتى يبح فلا يفهم الدية كاملة، وفى جفن العين ربع الدية، وفى حلمة الثدى ربع الدية * قال أبو محمد: وبه يقول سفيان الثوري. وأبو حنيفة. ومالك. والشافعي. وابن حنبل وأصحابهم، وهذا كالذى قبله وما فيه عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم الا أقل مما في العين العوراء وقد خالفه أبو حنيفة. ومالك والشافعي فليت شعرى أي فرق بين الامرين الا الدعوى الكاذبة المفتضحة في الاجماع؟ وقد خالف المالكيون في هذا الخبر زيد بن ثابت في الدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والهاشمة وفى جفن العين وحلمة الثدى فما الذى جعل بعض قوله حجة وبعضه لاحجة؟ ان هذا لعجب، فان قالوا: أخذنا بقول عمر في ذلك قيل لهم: فهلا أخذتم بقول عمر في العين العوراء والسن السوداء وسائر ما ذكرناه قبل؟ فمرة يكون قول عمر بن الخطاب


(1) سقط من النسخة رقم 45 لفظ قال على (2) في النسخة رقم 45 ان مرط الشارب فيه

[ 435 ]

وزيد حجة ومرة يكون قولهما لاحجة فيه، ونعوذ بالله من التدين بمثل هذه الاقوال * قال أبو محمد: فإذ لانص في العقل ولا اجماع يثبت فيه فلا شئ في ذهابه بالخطأ، وأما بالعمد فانما هي ضربة كضربة ولا مزيد فان لم يذهب عقل المتقص منه فلا شئ عليه فقد اعتدى بمثل ما اعتدى به عليه، وأيضا فالخبر في هذا عن عمر لا يصح لان أبا المهلب عبد الرحمن بن عمرو لم يدرك عمر بن الخطاب فزاد الامر وهنا على وهن * (اللحيان والذقن) 2036 مسألة: نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن مكحول انه قال: في اللحيين إذا كسر ثم انجبر سبعة أبعرة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر وابن جريج كلاهما عن رجل عن الشعبى في اللحى إذا كسر أربعون دينارا، وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن جريج عن رجل عن سعيد بن المسيب قال في فقمى الانسان قال يثنى ابهامه ثم تجعل قبضتهما السفلى ويفتح فاه فيجعلها بين لحييه فما نقص من فتحة فاه من قصبة ابهامه السفلى فبالحساب * قال على: وهذا أيضا كسائر ما سلف ولا فرق ولا شئ في ذلك بالخطا وفيه القود بالعمد * (الاصابع) 2037 مسألة: قد ذكرنا الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء كلامنا في باب الاعضاء، وانه عليه الصلاة والسلام صح عنه أنه قال: " الاصابع سواء هذه وهذه سواء " يعنى الخنصر والابهام وانه عليه الصلاة والسلام قال: " الاصابع عشر عشر " فهذا نص لا يسع احدا الخروج عنه * قال أبو محمد: وباليقين ندرى انه ليس ههنا الا عمد أو خطأ وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " رفع عن أمتى الخطا " وصح قول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطاتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) فورد هذان النصان وكان ممكنا أن يستثنى كل واحد منها من الآخر يمكن أن يكون المراد ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ورفع عن أمتى الخطا الا في دية الاصابع. وكان ممكنا ان يكون المراد في الاصابع عشر عشر في العمد خاصة لافى الخطا ولم يجز لاحد أن يصير إلى أحد الاستثناءين الا بيقين نص أو اجماع لانه خبر عن الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 436 ]

ولا يحل الخبر عن الله تعالى الا بنص ثابت في القرآن أو عن رسوله المبين عنه عليه السلام، ونحن على بصيرة ويقين من الله تعالى لا يدعنا في عمى من هذا الحكم في الدين لانه تعالى يقول: (تبيانا لكل شئ وهدى) وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فنظرنا في ذلك ضارعين إلى الله تعالى في أن يليح لنا الحق في ذلك فلا هدى إلا من قبله تعالى فابتدانا بالعمد فوجدنا الناس مختلفين فطائفة قالت: لا شئ في العمد الا القود فقط ولا دية هنالك، وقالت طائفة: فيه القود أو الدية فوجدنا الاختلاف في وجوب الدية في العمد في ذلك ثم رجعنا إلى الخطا في ذلك فلم نجد اجماعا متيقنا على وجوب الدية في الخطا في ذلك ثم وجدنا القائلين بالدية في ذلك مختلفين فيما دون الثلث فطائفة قالت: هي في مال الجاني وطائفة قالت: هي على عاقلته فلم نجد اجماعا منهم أيضا في هذا ولم يجز أن يلزم الجاني غرامة لم يوجبها عليه نص ولا اجماع بل قد أسقط الله تعالى عنه الجناح بيقين في ذلك، ولم يجز أيضا أن تلزم عاقلته غرامة في ذلك بغير نص ولا اجماع بل النص مسقط عنهم ذلك بقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) فبطل بيقين أن يجب في الخطا في ذلك شئ لانه لانص يبين هذه العشرة على من هي وإذا لم يبين النص ولا الاجماع على من هي فمن الباطل المتيقن أن يكون الله تعالى يلزم غرامة من لا يبين لنا من هو الملزم إياها هذا امر نقطع ونبت ان الله تعالى لم يفعل بنا ذلك قط وهو تعالى القائل متفضلا علينا: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) والآمر تعالى لنا إذ يقول: (ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) إلى قوله تعالى: (مالا طاقة لنا به) والقائل تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وبيقين ندرى انه ليس في وسع أحد ولا في طاقته ان يفهم مراد الله تعالى من غير ان يفهمه الله تعالى إياه فسقط أن يكون في الخطأ غرامة أصلا فيما دون النفس فسقط أن يكون في الخطأ في ذلك دية أصلا فرجعنا إلى العمد فلم يكن بد من ايجاب دية الاصابع كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اما على العامد واما على المخطئ أو على عاقلة المخطئ وقد سقط أن يجب في ذلك على المخطئ أو على عاقلته شئ بنصوص القرآن التى أوردنا فلم يبق في ذلك الا العامد فالدية في ذلك واجبة على العامد بلا شك إذ لم يبق الاهو، وأيضا فان الله تعالى يقول: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وكان العامد مسيئا بسيئته فالواجب بنص القرآن أن يساء إليه بمثلها والدية إذ أوجبها الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وفى اساءة مسئ فهى مثل سيئة ذلك المسئ بلاشك، وكذلك الحدود إذا أمر الله تعالى بها أيضا فإذا فاتت المماثلة بالقود في الاصابع وجبت المماثلة بالدية في ذلك *

[ 437 ]

(الخلاف في الاصابع) 2038 مسألة: قال أبو محمد: نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد ابن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الابهام والتى تليها نصف دية اليد وفى الوسطى عشرة أبعرة وفى البنصر تسعة أبعرة وفى الخنصر ستة أبعرة * وبه إلى الحجاج بن المنهال نا همام بن يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الابهام خمسة عشر بعيرا وفى السبابة عشرا وفى الوسطى عشرا وفى البنصر تسعا وفى الخنصر ستا وقد وافقه على ذلك غيره كما روينا بالسند المذكور إلى حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه انه قال في الابهام والتى تليها نصف الدية وجاء عن عروة بيان زائد عن أبيه قال: إذا قطعت الابهام والتى تليها ففيها نصف دية اليد وإذا قطعت احداهما ففيها عشر من الابل، وعن على بن أبى طالب قال: الاصابع عشر عشر، وعن الشعبى أنه قال: جاء رجل من مراد إلى شريح فقال: يا أبا أمية ما تقول في دية الاصابع؟ قال سواء في كل أصبع ما هنالك عشر من الابل فجمع المرادى بين ابهاميه وخنصريه وقال: يا سبحان الله سواء هاتان فقال شريح: نتبع ولا نبتدع. فانك لن تضل ما أخذت بالاثر يدك وأذنك في اليد النصف وفى الاذن النصف والاذن يواريها الشعر والقلنسوة والعمامة وعن الشعبى قال: أشهد على مسروق وشريح انهما قالا: الاصابع سواء عشر عشر من الابل، وقد روينا هذا القول عن ابن عباس قبل، وعن زيد بن ثابت رضى الله عنهم * قال أبو محمد: وليعلم العالمون أنه لم يأت عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم أن هذه الدية في الخطاء واعجب من ذلك من لا يرى هذه الدية في العمد أصلا ولا يراها إلا في الخطأ فعكس الحق عكسا، ونحمد الله على السلامة * قال على: وأما مفاصل الاصابع فقد روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وعن رجل عن عكرمة عن عمر بن الخطاب في كل أنملة ثلث دية الاصبع، وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن سليمان بن موسى قال في كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الاجساد في كل قصبة من قصب الاصابع قطعت أو شلت ثلث دية الاصابع (1) إلا ما كان من ابهامها فانما هي قصبتان ففى كل قصبة من الابهام نصف ديتها، وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: في كل مفصل من الاصابع ثلث دية الاصبع إلا الابهام فانها مفصلان في كل مفصل النصف *


(1) في النسخة رقم 45 الاصبع

[ 438 ]

قال على: لا نعرف (1) في هذا خلافا والذى نقول به وبالله تعالى التوفيق: هو ان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم حكم في كل أصبع بعشر من الابل فواجب بلا شك ان العشر المذكورة مقابلة للاصبع ففى كل جزء من الاصبع جزء من العشر فعلى هذا في نصف الاصبع نصف العشر وفى ثلث الاصبع ثلث العشر وهكذا في كل جزء وبالله تعالى التوفيق، وأما الاصبع تشل فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاصابع عشر عشر فهذا عموم لا يخرج عنه إلا ما أخرجه نص أو إجماع، وقد قيل: ان في شلل الاصبع ديته كاملة فالواجب القول بذلك لعموم النص الذى ذكرنا، وأما كسره فيفيق عنتا أو صحيحا إلا أنه لم يبطل فلا شئ في ذلك عندنا * قال أبو محمد: فهذا النص الذى ذكرنا يقتضى ان أصابع اليدين والرجلين سواء لعموم ذكره عليه الصلاة والسلام الاصابع * وروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن مكحول عن زيد بن ثابت انه قال: في الاصبع الزائدة ثلث دية الاصبع، وقال معمر: بلغني ان في الاصبع الزائدة. والسن الزائدة ثلث ديتها وقال آخرون: فيها حكومة، وقال آخرون: لا شئ فيها فنظرنا فوجد نا النص عن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح بأن في الاصبع عشرا من الابل، واسم أصبع يقع على زائدة ولم يخص عليه الصلاة والسلام أصبعا زائدة من غيرها وما كان ربك نسيا، ولو أراد ذلك لبينه فواجب أن يكون فيها ما في سائر الاصابع، وبالله تعالى التوفيق * 2039 مسألة: قال على: قد ذكرنا ما جاء في اليد تشل أو تقطع في كتاب ابن حزم وتلك الصحيفة وانه لا يصح شئ من ذلك، روينا من طريق الحجاج بن منهال نا حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عمرو بن شعيب قال: كان في كتاب أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، ان في الرجل إذا يبست فلم يستطع ان يبسطها أو بسطها فلم يستطع أن يقبضها أو لم تنل الارض ففيها نصف الدية فان نال منها شئ الارض فبقدر ما نقص منها وفى اليد إذا لم يأكل بها ولم يشرب بها ولم يأتزر بها ولم يستصلح بها: ففيها نصف الدية نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية ناوكيع نا سفيان الثوري عن ابى إسحاق السبيعى عن عاصم عن على بن ابى طالب قال في اليد النصف، وحدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب قال في اليد نصف الدية فما نقصت فبالحساب، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن قتادة، وعن رجل عن عكرمة في اليد إذا شلت ديتها كاملة *


(1) في النسخة رقم 14 لا نعلم

[ 439 ]

2040 مسألة في اختلافهم في موضع قطع اليد (1)، قال أبو محمد: نا يونس بن عبد الله بن مغيث نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا أبو عوانة عن مغيرة بن مقسم الضبى عن ابراهيم النخعي قال: ان قعطت اليد من الكف فنصف الدية، وان قطعت من المنكب فالدية، وعن عامر الشعبى من رواية جابر الجعفي قال: إذا قطعت اليد من المفصل ففيها نصف الدية، ومن المرفق ففيها الدية، وعن ابراهيم النخعي قال في اليد إذا قطعت من البراجم ففيها الدية، وكذلك لو قطعت من الرسغ أو من المرفق أو من المنكب كل ذلك الدية فقط * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء انه قال: في اليد تستأصل خمسون من الابل إذا قطعت من المنكب والرجل مثل ذلك قال ابن جريج قلت له من أين أمن المنكب أو من الكف؟ قال: بل من المنكب، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: سواء قطعت اليد من المنكب أو مما دونه إلى موضع السوار * قال أبو محمد: وهؤلاء الحاضرون من المخالفين من الحنيفيين والمالكيين والشافعيين. لا يقولون بهذا الذى جاء عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين فصح انه لاحجة في قولهم ولا في قول غيرهم إلا ما صح به النص أو تيقن فيه الاجماع فقط، وقال مالك: ان قطعت أصبع أو ذهبت ثم قطعت الكف فله ديه ما بقى من الاصابع فقط فان قطعت أنملة ثم قطعت الف فله دية الاصابع كلها * قال على: هذا خطا ظاهر لان الانملة عنده لها حظها من العقل كما للاصبع فلاى شئ حظ (2) الاصبع ولم يحظ الانملة، فان قالوا: لقلتها قيل لهم: القليل والكثير من الحرام حرام [ والكبير من الكثير حرام ] (3) ولا يحل من أموال الناس قليل ولا كثير الا بحق، ولاسيما ان كان الذى أصاب الانملة فقضى عليه بعقلها هو الذى أصاب الكف بعد ذلك فقد اغرموه في الكف دية كاملة وثلث خمس الدية * (كسر اليد والزند) 2041 - مسألة - قال أبو محمد: نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني عكرمة بن خالد ان نافع بن علقمة أتى في رجل رجل كسرت فقال: كنا نقضى فيها بخمسمائة درهم حتى أخبرني عاصم بن سفيان أن سفيان بن عبد الله كتب إلى عمر بن الخطاب فكتب بخمس أواقى في اليد تكسر ثم تجبر وتستقيم قلت لعكرمة: فلا يكون فيها عوج ولا شلل قال: نعم قلت: فقضى فيها


(1) في النسخة رقم 45 قطع اليدين (2) في النسخة رقم 14 حط الاصبع بالطاء المهملة (3) الزيادة من النسخة رقم 14

[ 440 ]

ابن علقمة بمائتي درهم، وبه إلى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ابن ابى ليلى عن عكرمة بن خالد عن رجل عن عمرانه قال: في الساق أو الذراع إذا انكسرت ثم جبرت فاستوت في غير عثم عشرون دينارا أو حقتان، وبه إلى عبد الرزاق نا ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عمر بن عبد العزيز قال: كتب سفيان بن عبد الله إلى عمر بن الخطاب - وهو عامله بالطائف - يستشيره في يد رجل كسرت فكتب إليه عمر بن الخطاب ان كانت جبرت صحيحة فله حقتان، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: إذا كسرت اليد أو الرجل وإذا كسرت الذراع أو العضد أو الفخذ أو الساق ثم جبرت فاستوت ففى كل واحد عشرون دينارا فان كان فيها عثم فأربعون دينارا، وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لى عطاء في كسر الرجل واليد والترقوة ثم تجبر في ذلك شئ وما بلغني ما هو، وكان شريح يقول: إذا جبرت فليس فيها شئ، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج عن مكحول قال في الرجل إذا كسر احد زنديه ثم انجبر ففيه عشرة أبعرة، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون والمالكيون والشافعيون الرواية عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهم يشنعون بخلاف الصحاب إذا وافق تقليدهم وبالله تعالى التوفيق * 2041 - مسألة - من قطعت يده في سبيل الله أو في غيره * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: من قطعت يده في سبيل الله تعالى ثم قطع انسان يده الاخرى غرم له ديتين، فان قطعت يده في حد وقطع انسان يده الاخرى غرم له دية التى قطع، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في رجل مقطوع اليد قطعت الاخرى بعد ذلك قال: لو أعطى عقل بدين رأيت ذلك غير بعيد من السداد ولم أسمع فيه سنة * قال أبو محمد: كان يلزم من قال بقول مالك في أن في عين الاعور دية عينين أن يقول بقول الزهري ولكنهم يتناقضون وأما نحن فلا نزيد على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الاصابع سواء قطعت الاخرى في سبيل الله تعالى أو في حد وما كان ربك نسيا، ولو ان الله تعالى أراد ذلك لما أهمله ولا أغفله ولبينه * (أصابع المرأة) 2042 - مسألة - وقد ذكرنا قبل اختلاف الناس في هذا وأن فيهم من رأى في أصبعها عشرا من الابل وفى اثنتين عشرين من الابل، وفى الثلاثة ثلاثين من الابل وفى الاربعة عشرين من الابل، وقول من رأى انها في كل ذلك على النصف من الرجل *

[ 441 ]

قال على: فوجب علينا ما افترضه الله تعالى عند التنازع من الرد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه والصلاة والسلام ففعلنا فوجدناه صلى الله عليه وسلم قد قال: " الاصابع سواء هذه وهذه سواء " فصح يقينا ان أصابع المرأة سواء بنص حكمه عليه الصلاة والسلام وأن أصابع الرجل سواء بنص حكمه صلى الله عليه وسلم، فإذ ذلك كذلك، وقد صح الاجماع على أن في أربعة أصابع من المرأة فصاعدا نصف ما في ذلك من الرجل بلا خلاف فإذ بلا شك في هذا وقد حكم عليه الصلاة والسلام أن أصابعها سواء فواجب أن يكون في أصبعين نصف ما في الاربع بلاشك، وفى الاصبع الواحدة نصف ما في الاثنين وبالله تعالى التوفيق * (في اليد الشلاء) 2043 - مسألة - نا يونس بن عبد الله نا احمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا هشام الدستوائى نا قتادة عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال في العين العوراء إذا فضخت واليد الشلاء إذا قطعت والسن السوداء إذ سقطت: ثلث ديتها، ومن طريق وكيع نا ابو هلال محمد بن سليم الراسبى عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس قال في اليد الشلاء إذا قطعت: ثلث الدية، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن داود بن أبى عاصم عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها وفى الرجل الشلاء ثلث ديتها، وعن مجاهد قال في اليد الشلاء ثلث ديتها، وعن سعيد بن المسيب مثل ذلك وهو قول ابن شبرمة، وعن عبد الرزاق أنه قال في الاصبع الشلاء تقطع: نصف ديتها، وقال آخرون غير ذلك كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن محمد ابن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال في اليد الشلاء إذا قطعت خمس ديتها، وعن مسروق قال في اليد الشلاء حكم وعن النخعي مثل ذلك حكم، وعن ابن جريج قال في الاصبع الشلاء تقطع شئ لجمالها، وبه يقول أبو حنيفة ومالك الشافعي. وأصحابهم * قال أبو محمد: وقد جاء في هذا أثر كما روينا نا حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا أحمد بن ابراهيم بن محمدنا ابن عائذ نا الهيثم بن حميد نا العلاء - هو ابن الحارث - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست ثلث ديتها "، وفى اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها، وفى السن السوداء إذا نزعت ثلث ديتها * قال على: فجاء هذا الخبر كما ذكرنا، والحنيفيون. والمالكيون والشافعيون يحتجون به إذا وافق أهواهم وجاء بمثل ما فيه الاثر الصحيح عن عمر بن الخطاب وابن (م 56 - ج 10 المحلى)

[ 442 ]

عباس رضى الله عنهما، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة أصلا وقال بذلك سعيد بن المسيب ومجاهد، وهم يهولون ويشنعون بخلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم * في الرجلين 2044 - مسألة - وقد ذكرنا ما جاء عن ذلك في الاثر وانه لا يصح من ذلك شئ إلا ما جاء في الاصابع بالقول في أصابع الرجل كما قلنا في أصابع اليد سواء سواء لا يفترق شئ من الحكم في ذلك في جميع المسائل لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: " الاصابع سواء وفى الاصابع عشر عشر يعنى كل واحدة "، حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد ابن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن عاصم ابن ضمرة عن على بن أبى طالب قال في الانف وفى اللسان الدية وفى الذكر الدية وفى العين النصف وفى الاذن النصف وفى اليد النصف وفى الرجل النصف، وبه إلى الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عمرو بن شعيب قال: كان في كتاب أبى بكر. وعمر أن في الرجل إذا يبست فلم يستطع أن يبسطها أو يبسطها فلم يستطع أن يقبضها أو لم تنل الارض فبقدر ما نقض منها، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: وفى الرجل نصف الدية أو عدل ذلك من الذهب أو الورق فإذا نقصت فبالحساب وعن ابن جريج عن عطاء في اليد تستأصل خمسون من الابل إذا قطعت من المنكب والرجل كذلك * قال على: الدية في ذلك للاصابع فقط على ما قلنا في اليد سواء سواء وبالله تعالى التوفيق * في اللسان 2045 مسألة قد ذكرنا الاثر في ذلك وانه لا يصح، نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال قضى أبو بكر الصديق رضى الله عنه في اللسان إذا قطع بالدية إذا نزع من أصله فان قطع من أسلته (1) فتكلم صاحبه ففيه نصف الدية، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة قال: قضى ابو بكر في اللسان إذا قطع الدية فان قطعت اسلته فبين بعض الكلام ولم يبين بعضه فنصف الدية، وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال في اللسان إذا استؤصل دية كاملة وما أصيب من اللسان فبلغ أن بمنع الكلام ففيه الدية كاملة، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن أبى


(1) الاسلة مستدق اللسان والذراع كما في الصحاح

[ 443 ]

اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على قال في اللسان الدية، وعن ابراهيم النخعي مثل ذلك * وعن سليمان بن موسى أنه قال في كتاب عمر بن عبد العزيز في الاجناد ما قطع من اللسان فبلغ أن يمنع الكلام كله ففيه الدية كاملة وما نقص دون ذلك فبحسابه * وعن مجاهد قال في اللسان الدية كاملة فان قطعت اسلته فتبين بعض الكلام فانه بحسبه بالحروف ان بين نصف الحروف فنصف الدية، وان بين الثلث فثلث الدية * وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: اللسان يقطع كله؟ قال الدية قلت فقطع منه ما يذهب الكلام ويبقى من اللسان قال: ما أرى إلا أن فيه الدية إذا ذهب الكلام * وعن ابن جريج أخبرني ابن أبى نجيح ان اللسان إذا قطع منه ما يذهب الكلام ان فيه الدية قلت عمن؟ قال: هو قول القياس قال: فان ذهب بعض الكلام وبقى بعض فبحساب الكلام والكلام من ثمانية وعشرين حرفا قلت عمن؟ قال: لاأدرى * قال أبو محمد: وبايجاب الدية في اللسان وفى الكلام يقول أبو حنيفة. ومالك. والشافعي وأحمد وأصحابهم، وأما الاثر في ذلك فلا يصح، وأما الرواية عن أبى بكر. وعمر رضى الله عنهما فان صححوها فرواية أبى بكر قد خالفوها لانه رضى الله عنه جعل في ذهاب أسلة اللسان نصف الدية، ومثل هذا لا يجوز ان يقطع فيه على انه اجماع إذ ليس فيه إلا أثر ان عن أبى بكر وعمر منقطعان، وثالث عن على وهم قد خالفوا أضعاف هذا في غير ما موضع، من ذلك قول عمر وابن عباس في العين العوراء واليد الشلاء، وقول على في السمحاق، وقول ابى بكر: وعمر وغيرهما في القود من اللطمة وغير ذلك كثير جدا، فالواجب أن لا يجب في اللسان إذا كان عمدا إلا القود أو المفاداة لانه جرح ولا مزيد، وأما الخطا فمرفوع بنص القرآن وبالله تعالى التوفيق * 2046 - مسألة - في لسان الاعجم (1) والاخرس قال أبو محمد: حدثنا أحمد بن عمر نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا ابن الجهم ناموسى ابن اسحاق الانصاري نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن بكر عن ابن جريج عن قتادة قال في لسان الاخرس الثلث مما في لسان الصحيح * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن مكحول قال: قضى عمر بن الخطاب في لسان الاخرس يستأصل بثلث الدية، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال في لسان الاعجمي ثلث الدية، وهو قول ابن شبرمة، وقد روى عن ابراهيم النخعي أن فيه الدية كلها، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي واصحابهم ليس فيه إلا حكومة *


(1) الاعجم الذى لا يفصح ولا يبين وان كان من العرب

[ 444 ]

قال أبو محمد: وهذا مما خالفوا فيه الرواية عن عمر التى يحتجون بأضعف منها إذا وافق آراءهم ولا يروى في ذلك عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلاف لما جاء فيه عن عمر وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق آراءهم * قال على: لسان الاخرس كغيره والالم واحد، والقود واجب لقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) أو المفادات وكذلك لسان الصغير، وبالله تعالى التوفيق * 2047 - مسألة - فيمن قطع يدا فيها آكلة أو قلع ضرسا وجعة أو متأكلة بغير اذن (1) صاحبها * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وقال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فالواجب استعمال هذين النصين من كلام الله تعالى فينظر فان قامت بينة أو علم الحاكم أن تلك اليد لا يرجى لها برؤ ولا توقف وانها مهلكة ولابد ولادواء لها إلا القطع فلا شئ على القاطع، وقد أحسن لانه دواء، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمداواة، وهكذا القول في الضرس إذا كان شديد الالم قاطعا به عن صلاته ومصالح أموره فهذا تعاون على البر والتقوى * نا محمد بن عمر العذري نا أبو ذر الهروي نا عبد الله ابن محمد الصيدلانى ببلخ نا عبد الرحمن بن أبى حاتم نا الحسن بن عرفة نا وكيع عن مسعر بن كدام وسفيان الثوري عن زياد بن علاقة عن يحيى بن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تداووا فان الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد قالوا: وما هو يارسول الله؟ قال: الهرم " * قال على: فمن داوى أخاه المسلم كما أمره الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام فقد أحسن قال الله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) وأما إذا كان يرجى للاكلة برؤ أو توقف وكان الضرس تتوقف أحيانا ولا يقطع شغله عن صلاته ومصالح أموره فعلى القاطع والقالع القود لانه حينئذ متعد، وقد أمر الله تعالى بالقصاص في القود * البحح والغنن والصعر والحدب 2048 - مسألة - قال أبو محمد: البحح هو خشونة تعرض من فضل نازل في أنابيب الرئة فلا يتبين الكلام كل البيان وقد يزيد حتى لاتبين أصلا، والغنن هو خروج الكلام من المنخرين، والصعر هو ميل الوجه كله إلى ناحية واحدة با نفتال ظاهر، والحدب تقوس وانحناء في فقرات الصلب أو فقرات الصدر وقد


(1) في النسخة رقم 14 بغير ارادة

[ 445 ]

يجتمعان معا، وقد يعرض للكبير كما يعرض للصغير نسأل الله العافية * حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة نا الحجاج عن مكحول ان زيد بن ثابت قال في الحدب الدية كاملة وفى البحح الدية كاملة، وفى الصعر نصف الدية وفى الغنن بقدر ما غنن * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن غير واحد عن الحجاج عن مكحول عن زيد بن ثابت قال في الصعر إذا لم يلتفت الدية كاملة، وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج اخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال قال عمر بن عبد العزيز في الصعر إذا لم يلتفت الرجل الا منحرفا نصف الدية خمسمائة دينار وبه يقول معمر، وقال احمد بن حنبل في الصعر الدية * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ليس في ذلك الا حكومة وهذا مما خالفوا فيه الرواية عن زيد بن ثابت ولا يعرف عن أحد من الصحابة خلافه، وأما نحن فنقول وبالله تعالى التوفيق: انه ان حديث كل ذلك من ضرب عمد اقتص بمثل ذلك بالغا ما بلغ فان حدث مثل ذلك والا فلا شئ على الجاني أكثر من أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى ولا يجوز أن يعتدى عليه بما لم يعتد هو به ولو قدرنا على أن نبلغه حيث بلغه هو بظلمه لفعلنا ولكن إذ عجزنا عن ذلك فقد سقط عنا ما لا يقدر عليه لقول الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " وقد أمرنا عليه الصلاة والسلام بالقصاص جملة * (في الظفر) 2049 مسألة: نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد بن خالد نا على ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج عن مكحول عن زيد بن ثابت قال في الظفر إذا اعور بعير وإذا ثبت فخمسا بعير وفى كل مفصل من مفاصل الاصبع إذا انكسر ثم انجبر ثلثا بعير وفى قصبة الانف إذا انكسرت ثم انجبرت ثلاثة أبعرة * وعن ابن عباس انه قال. في الظفر إذا اعور خمس دية الاصبع وبه يقول احمد بن حنبل. واسحاق، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر وابن جريج قال معمر عن رجل عن عكرمة، وقال ابن جريج عن عمرو بن شعيب ثم اتفق عكرمة. وعمرو ان عمر بن الخطاب قال في الظفر إذا اعرنجم وفسد قلوص * وبه إلى ابن جريج عن بعد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ان عمر بن عبد العزيز اجتمع له في الظفر إذا نزع فعر أو سقط أو اسود العشر من الدية عشرة دنانير * قال أبو محمد: هذا القلوص على أصلهم لانه عشر دية الاصبع من الابل * وبه إلى

[ 446 ]

عبد الرزاق قال قال الحجاج عن مكحول عن زيد بن ثابت في الظفر (1) يقلع ان خرج اسود أو لم يخرج ففيه عشرة دنانير وان خرج ابيض خمسة دنانير، وعن مجاهد انه قال ان اسود الظفر أو اعور فناقة * وعن مجاهد انه كان يقول: ان لم ينبت الظفر فناقة * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج نا محمد بن الحارث بن سفيان عن أذينة انه كان يقول في الظفر إذا طرحت فلم تنبت بنت مخاض فان لم يكن فابن لبون * وعن عطاء قال: سمعت في الظفر شيئا لاأدرى ما هو، وقال مالك والشافعي فيه حكومة * قال على: وما نعلم أحدا قبل مالك روى عنه القول بالحكومه ههنا، وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذ لانص في هذا ولا اجماع فلا شئ فيه الا القود في العمد فقط أو المفاداة فانه جرح وأما في الخطا فلا شئ فيه وبالله تعالى التوفيق * (في الشفتين) 2050 مسألة نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة أنا الحجاج عن مكحول عن زيد ابن ثابت قال في الحاجب ثلث الدى وفى الشفة العليا ثلث الدية وفى الشفة السفلى ثلثا الدية لانها ترد الطعام والشراب * وعن سعيد بن المسيب مثل ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى أبو بكر في الشفتين الدية مائة من الابل * ومن طريق الحجاج المنهال نا أبو عوانة عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على قال: في احدى الشفتين النصف يعنى نصف الدية * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء الشفتان قال: خمسون من الابل * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال. في احدى الشفتين نصف الدية، وروينا أيضا عن الشعبى وعن مجاهد قال: الشفتان سواء وانما تفضل السفلى في الابل * قال على: هذا مكان اختلف فيه على. وزيد كما أوردنا ولا يصح في الشفتين نص ولا اجماع أصلا ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والاموال محرمة، وأصحاب أبى حنيفة، ومالك والشافعي قد خالفوا ههنا زيد بن ثابت وخالفوا في كثير من الابواب المتقدمه صحابة لايعرف لهم مخالف منهم بلا حجة من قرآن ولا من سنة ولا من اجماع فالواجب في الشفتين القود في العمد أو المفاداة لانه جرح وأما في الخطأ فلا شئ لرفع الجناح عن المخطئ وتحريم الاموال إلا بنص أو اجماع وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 14 في الضرس

[ 447 ]

(في السمع) 2051 مسألة: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا سفيان عن عوف قال: سمعت شيخا يحدث في المسجد فجلسته فقالوا: ذاك أبو المهلب عم أبى قلابة قال: رمى رجل رجلا بحجر في رأسه فذهب سمعه ولسانه وعقله ويبس ذكره فقضى فيه عمر بن الخطاب بأربع ديات * قال على: ليس عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم شئ في السمع غير هذا وهو لا يصح لان أبا المهلب لم يدرك عمر أصلا، ولا في السمع أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صحيح ولا سقيم، ولا يعرف فيه ايجاب الدية عن أحد من التابعين إلا قتادة وحده وقد خالفه غيره كما حدثنا حمام نا ابن مفرج عن ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق نا ابن جريج عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال في ذهاب السمع خمسون * وبه إلى ابن جريج عن عطاء قال لم يبلغني في السمع شئ وانما جاء عن عمر بن عبد العزيز. وابراهيم النخعي وابن علاثة اختيار دعواه في أنه ذهب سمعه فقط لا إيجاب دية أصلا ونذكره لئلا يموه به مموه كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: ما اجتمع عليه لعمر بن عبد العزيز ان قال: لا أسمع في شئ يصاب به عمم به فاه ومنخريه فان سمع صرير في الاذن فلا بأس، وجاء إلى عمر بن عبد العزيز رجل فقال: ضربني فلان حتى صمت احدى أذنى فقال له: كيف تعلم ذلك؟ قال: ادع الاطبة فدعاهم فشموها فقالوا للصماء هذه الصماء * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال: بلغني عن ابراهيم وغيره قال: يختبر فينظر هل يسمع أم لا؟ * وعن عبد الرزاق عن معمر سألت ابن علاثة القاضى قلت الرجل يدعى على الرجل انه أصمه من ضربه كيف له أن يعلم ذلك؟ قال: يلتمس غفلاته فان قدر على شئ والا استحلف ثم أعطى فان ادعى صمما في احدى أذنيه دون الاخرى فانه بلغني أنه تحشى التى لم تصم وتلتمس غفلاته، وقال أبوحنيفية ومالك والشافعي وأصحابهم في ذهاب السمع الدية وهذا لانص فيه ولا اجماع لصحة وجود الخلاف كما ذكرنا، وقال أبو حنيفة في ذهاب الشم: الدية * قال أبو محمد: وهذا ايجاب شريعة والشرائع لا يوجبها إلا الله تعالى في القرآن أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام فلا شئ في ذهاب السمع بالخطأ لان الاموال محرمة الا بنص أو اجماع، وأما في العمد فان أمكن القصاص منه بمثل ما ضرب فواجب ويصب في أذنه ما يبطل سمعه مما يؤمن معه موته فهذا هو القصاص *

[ 448 ]

(الاذن) 2052 مسألة قد ذكرنا في صحيفة ابن حزم. وحديث مكحول في الاذنين الدية وجاء في ذلك عن السلف، وقد روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان ابن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه أن أبا بكر الصديق قضى في الاذن بخمس عشرة فريضة ولم يقض فيها أحد قبله، وقال يواريها الشعر والعمامة والقلنسوة * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن عكرمة ان أبا بكر الصديق قضى في الاذن خسمة عشر من الابل وقال: انما هو شئ لا يضر سمعا ولا ينقص قوة يغيبها الشعر والعمامة * وبه إلى معمر عن قتادة قال: إذا قطعت الاذن قضى فيها أبو بكر بخمسة عشر من الابل فهذا قول * وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن عمر بن الخطاب قضى في الاذن إذا استؤصلت بنصف الدية، قال عبد الرزاق والناس عليه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى عمر بن الخطاب في الاذن بنصف الدية أو عدل ذلك من الذهب والورق * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: في الانف الدية وفى اللسان الدية وفى الذكر الدية وفى العين النصف وفى الاذن النصف وفى اليد النصف. وفى الرجل النصف. وفى احدى الشفتين النصف * وعن الشعبى عن شريح قال في الاذن نصف الدية * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال عطاء في الاذن إذا استؤصلت خمسون من الابل * وعن مجاهد إذا استؤصلت نصف الدية * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن علقمة ابن قيس قال قال ابن مسعود: كل زوجين ففيهما الدية وكل واحد ففيه الدية، وبه يقول ابراهيم النخعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي واحد وأصحابهم * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الرحيم - هو ابن سليمان - وعبيد الله بن نمير كلاهما عن حجاج عن مكحول عن زيد بن ثابت قال في شحمة الاذن ثلث دية الاذن * قال أبو محمد: وعهدنا بالمالكيين يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم وهم ههنا قد خالفوا أبا بكر. وعمر وعلى بن أبى طالب وابن مسعود وزيد ابن ثابت فلم يقولوا بشئ مما روى عنهم ونقضوا اصولهم وانما أوردنا هذا لئلا يقولوا لنا: انما عنى هؤلاء الذين جاءت عنهم هذه الرويات بالاذن السمع فانهم كثيرا ما يتقحمون مثل هذا فاريناهم مالا عمل لهم به، ويقال لهم: الذى روى عن على في الانف الدية لعله أيضا انما عنى الشم فقط لا الانف الظاهر والرواية عن زيد في

[ 449 ]

شحمة الاذن تبطل تأويلكم هذا * قال على: وأما نحن فلا حجة عندنا إلا في كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو اجماع متيقن لا مدخل للشك فيه وليس ههنا شئ من ذلك فلا شئ في الاذنين إلا القود أو المفاداة في العمد لانه جرح ولا شئ في الخطأ في ذلك (1) لما ذكرنا * (الذكر والانثيين) 2053 مسألة: قد ذكرنا ما جاء في ذلك في صحيفة عمرو بن حزم وصحيفة عمرو بن شعيب وخبر مكحول ورجل من آل عمر، وان كل (2) ذلك لا يصح منه شئ ونحن ذاكرون ان شاء الله تعالى ما جاء في ذلك عن السلف الطيب رضى الله عنهم * نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال في الذكر الدية * نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح ناموسى بن معاوية نا وكيع عن سفيان عن عوف عن شيخ عن عمر مثله * وبه إلى وكيع نا سفيان عن أبى اسحاق عن عاصم ابن ضمرة عن على في احدى البيضتين النصف * وبه إلى وكيع نا سفيان عن عوف قال سمعت شيخا يحدث في المسجد فجلسته فقالوا: ذاك أبو المهلب عم أبى قلابة قال: رمى رجل رجلا بحجر في رأسه فذه بسمعه ولسانه وعقله ويبس ذكره فقضى عمر في ذلك باربع ديات * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى أبو بكر في ذكر الرجل مائة من الابل * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على انه قضى في الحشفة بالدية كاملة * وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ابن العاص عن عمر بن الخطاب انه حكم في البيضة يصاب صافيها الاعلى بسدس الدية، وعن مكحول يقول: قضى عمر في اليد الشلاء ولسان الاخرس وذكر الخصى يستأصل بثلث الدية. وعن عمرو بن شعيب ان عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن امرأة أخذت بأنثى زوجها فجبذته فخرقت الجلد ولم تخرق الصفاق فقضى عليها بسدس الدية، ومن طريق ابى بكر بن أبى شيبة نا محمد بن فضيل عن ليث عن عمرو بن شعيب قال: كتب إلى عمر بن الخطاب في امرأة أخذت بأنثى زوجها فخرقت الجلد ولم تخرق الصفاق فقال عمر لاصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: اجعلها في


(1) في النسخة رقم 45 وليس في الخطأ في ذلك شئ (2) في النسخة رقم 14 وان كان (م 57 - ج 10 المحلى)

[ 450 ]

منزلة الجائفة قال عمر: لكنى أرى غير ذلك أرى أن فيها نصف ما في الجائفة، وعن ابن مسعود قال: كل زوجين ففيهما الدية وكل واحد ففيه الدية، وعن الشعبى عن ابن مسعود قال: الانثيان سواء، وعن زيد بن ثابت البيضتان سواء * (وأما التابعون) فروينا من طريق الحجاج بن المنال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال في البيضة اليمنى ثلث الدية وفى اليسرى ثلثا الدية لان الولد يكون منها، وعن الشعبى عن مسروق قال: البيضتان سواء ففيهما الدية، وعن عطاء انه قال في الحشفة الدية إذا أصيبت قلت فاستؤصل الذكر قال فالدية قلت: أرأيت أن استؤصلت الحشفة ثم أصيب شئ مما بقى بعد؟ قال: جرح يرافيه قلت فذكر الذى لا يأتي النساء قال: مثل ما في ذكر الذى يأتي النساء قلت: الكبير الذى قد ذهب ذلك منه أليس يوفى قدره يعنى ديته قال: بلى قلت والبيضتان في كل بيضة خمسون خمسون قال مجاهد: لا يفصل بينهما، وعن قتادة في ذكر الذى لا يأتي النساء ثلث دية ذكر الذى ياتي النساء وكذلك يقيسه على لسان الاخرس والسن السوداء والعين القائمة، وعن ابراهيم في ذكر الخصى حكم فحصل في هذا الباب روايات عن أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وزيد ان في الذكر الدية الا أن عمر جاء عنه وذكر الخصى ثلث دية وفى صفاق البيض سدس دية، وعمن بحضرته من الصحابة ثلث الدية، وجاء عن على. وابن مسعود. وزيد التسوية بين البيضتين، وجاء عن التابعين ما ذكرناه، وقال مالك: والثوري. وأبو حنيفة في ذكر الصبى حكومة، وقال أبو حنيفة وأصحابه في ذكر [ الذى لا يأتي النساء حكومة وقال الشافعي ] (1) في ذكر الخصى والصبى والهرم والعنين الدية كاملة * قال أبو محمد: ليس في هذا الباب شئ الا عن خمسة من الصحابة رضى الله عنهم لا يصح عن أحد منهم شئ من ذلك إلا عن على وحده ومدعى الاجماع ههنا مقدم على الكذب على جميع الامة فان ذكروا في ذلك ما حدثناه حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه ان عنده كتابا عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قطع الذكر ففيه مائة ناقة قد انقطعت شهوته وذهب نسله فهذا منقطع وان صححوه فانه يلزم به أن الدية لا تجب في ذكر العقيم ولا في ذكر الشيخ الكبير وهم لا يقولون بهذا، وقد خالفوا عمر في ذكر الخصى وللعين


(1) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 451 ]

العوراء واليد الشلاء ثلث الدية وخالفوا سعيد بن المسيب في قوله أن في البيضة اليسرى ثلثى الدية وفى اليمنى ثلث الدية ولو كان هذا اجماعا لما استجاز ابن المسيب خلافه * قال على. وأما قوله ان الولد من اليسرى فقد أخبرني احمد بن سعيد بن حسان ابن هداج العامري وكان ثقة مأمونا فاضلا انه أصابه خراج في البيضة اليسرى أشرف منه على الهلاك وسالت كلها ولم يبق لها أثر أصلا ثم برئ وولد له بعد ذلك ذكر وأنثى ثم أصابه خراج أيضا في اليمنى فذهب أكثرها ثم برى ولم يولد له بعدها شئ فإذ لا يصح في الدية في الذكر والانثيين شئ لانص ولا اجماع فالواجب أن لا يجب في ذلك شئ في الخطأ وأن يجب في ذلك القود في العمد أو المفاداة لانه جرح وبالله تعالى التوفيق * (الصلب والفقارات) 2054 مسألة نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى أبو بكر في صلب الرجل إذا كسر ثم جبر بالدية كاملة إذا كان لا يحمل (1) له وبنصف الدية ان كان يحمل له * وبه إلى ابن جريج ومعمر كلاهما عن رجل عن عكرمة ان أبا بكر. وعمر قضيا (2) في الصلب إذا لم يولد له بالدية وان ولد له فنصف الدية * وبه إلى ابن جريج أخبرني محمد بن الحرث بن سفيان ان محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة قال: حضرت عبد الله بن الزبير قضى في رجل كسر صلبه فاحدودب هو ولم يقعده وهو يمشى محدود بابثلثى الدية * وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال الشعبى: قضى زيد بن ثابت في فقار الظهر كله بالدية كلها وهى الف دينار وهى اثنتان وثلاثون فقارة في كل فقارة احدى وثلاثون دينارا وربع دينار إذا كسرت ثم برئت على غير عثم فان برئت على عثم ففى كسر أحد وثلاثون دينارا وربع دينار وفى العثم ما فيه من الحكم المستقبل سوى ذلك * وعن مكحول انه قال في كل فقار أحد وثلاثون دينارا وربع دينار * وعن الزهري قال في الصلب إذا كسر الدية كاملة، وعن عطاء مثل ذلك، وعن سعيد بن جبير مثل ذلك، وهو قول الحسن البصري يزيد بن قسيط وبه يقول الثوري والشافعي إذا منعه المشى، وبه يقول (3) احمد. واسحاق إذا لم يولد له وقد جاء في هذا أثر كما حدثنا حمام بن احمد نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق نا معمر عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال في الصلب إذا كسر


(1) في النسخة رقم 45 ان كان لا يحبل له (2) في النسخة رقم 45 ان أبا بكر وعمر قضى (3) في النسخة رقم 45 وبه قال

[ 452 ]

فذهب ماؤه الدية كاملة فان لم يذهب الماء فنصف الدية قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: فهذه رواية عن أربعة من الصحابة رضى الله عنهم لا يعلم لهم من الصحابة مخالف أبو بكر. وعمر. وابن الزبير. وزيد وهى عن زيد غير صحيحة (1) ولا يقول بهذا الحنيفيون ولا المالكيون وهو تناقض فلا يرون في ضرب الصلب يقطع الولد شيئا ولا يرون في الفقارات أيضا ما جاء عن زيد بن ثابت فيها ولا يعرف له من الصحابة في هذا مخالف وهو أيضا عن جماعة من التابعين، ولا فرق بين سائر ما ذكرنا قبل، وفى هذا أيضا خبر مرسل كما أوردنا بالدية وان لم يولد له وبنصف الدية ان ولد له وهم يدعون الاخذ بالمرسل ولا يبالون بالتناقض والتشنيع على خصومهم (2) وهم يجعلون في كل واحد في الاسنان الدية قياسا على النفس وفى كل اثنتين الدية وفى كل أربع الدية وفى كل عشرة الدية فما بالهم لا يجعلون في الفقارات كذلك كما جاء عن زيد وهذا مما نقضوا فيه القياس * قال على: وأما نحن فلا حجة عندنا في مرسل ولا في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في هذا الباب خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم يصح ولا اجماع متيقن والاموال محرمة إلا ما أباحه نص أو اجماع والخطا مرفوع كما قد تقدم فليس في الصلب ولا في الفقارات في الخطأ شئ، وأما في العمد فالقود فقط ولا مفاداة فيه لانه ليس جرحا فان كان ذلك جرحا ففيه القود أو المفاداة على ما ذكرنا * (في الضلع) 2055 - مسألة - حدثنا احمد بن محمد بن الجسور نا احمد بن سعيد بن حزم نا عبيدالله بن يحيى نا أبى نا مالك عن زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: قضى في الضرس بجمل وفى الترقوة بجمل وفى الضلع بجمل، ومن طريق وكيع نا سفيان عن زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب عن اسلم مولى عمر ابن الخطاب قال: سمعت عمر يقول على المنبر في الضلع جمل وفى الضرس جمل وفى الترقوة جمل * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن ابى نجيح عن مجاهد قال: في الضلع إذا كسر بعير، وعن ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن عمر بن الخطاب انه قضى في الضلع ببعير * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج بن ارطاة عن داود بن أبى عاصم عن سعيد بن المسيب انه قال في الترقوة بعير وفى الضلع بعير، قال حماد: وأخبرنا قتادة أن عبد الملك بن


(1) في النسخة رقم 45 عن زيد صحيحة ويظهران النفى مرجوح (2) في النسخة رقم 14 على خصمهم

[ 453 ]

مروان قضى في الضلع ببعير فان كان فيها أجور فبعير ان * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في الضلع إذا كسرت ثم جبرت عشرون دينارا فان كان فيها عثم فأربعون دينارا وفى ضلع المرأة إذا كسرت عشرة دنانير، وعن مسروق في الضلع حكم، وقال الشافعي في أحد قوليه. واحمد بن حنبل. واسحاق بن راهويه: في الضلع بعير وفى الترقوة بعير، وقال مالك. وأبو حنيفة. وأصحابهما. والشافعي في احد قوليه (1) ليس في ذلك الاحكم * قال أبو محمد: هذا اسناد في غاية الصحة عن عمر بن الخطاب يخطب به على المنبر بحضرة الصحابة رضى الله عنهم لا يوجد له منهم مخالف بأن الواجب في الضلع جمل، وفى الضرس جمل وقال به كل من عرف له قول في ذلك من ذلك من التابعين حاش مسروقا. وقتادة فان قتادة أضعف فيه الدية فزاد على قول عمر ولم يخالفه في إيجاب دية في ذلك فاستسهل المالكيون: والحنيفيون خلاف كل ذلك بارائهم، وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل هذه الرواية ليست إجماعا لانه قد يسكت الصاحب (2) لبعض المعاني، وقد يغيب النفر منهم، ولا اجماع الا ما تيقن ان كل واحد منهم علمه ودان به كالصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان وسائر الشرائع التى قد تيقنا اجماعهم عليها فإذ لانص ولا اجماع ههنا فلا شئ في الضلع إذا كان خطأ لان الخطأ مرفوع بنص القرآن والسنة والاموال محرمة بنص القرآن والسنة فان كان عمدا ففيه القود فقط إلا أن يكون يجرح ففيه القود أو المفاداة على ما ذكرنا قبل، وبالله تعالى التوفيق * (الترقوة) 2056 مسألة قد ذكرنا قول عمر في الترقوة جمل في الباب الذى قبل هذا متصلا به وخطبته بذلك على المنبر فاغنى عن اعادته، وقول سعيد بن المسيب بمثل ذلك، وبه يقول أحمد واسحاق وقال به الشافعي في احد قوليه، وقول آخر رويناه من طريق الحجاج بن المنهال ابا الحجاج عن مكحول عن زيد بن ثابت انه قال في الترقوة أربعة أبعرة، وعن الشعبى ومجاهد قالا جميعا في الترقوة ان كسرت أربعون دينارا، وعن عبد الرزاق في الترقوة عشرون دينارا، وقضى فيها عبد الملك بن مروان ببعيرين فان برئت وفيها أجور فأربعة أبعرة وعن سعيد بن جبير: في كل شئ من الاعضاء حكومة الا الترقوة ففيها بعيران * قال أبو محمد: وهذا خلاف موجود ثابت في أنه ليس في شئ من الاعضاء


(1) في النسخة رقم 14 في قوله (2) في النسخة رقم 45 يسكت الصحابة

[ 454 ]

دية مؤقتة: والعينان والاسنان أعضاء فبطل دعوى الاجماع في ذلك، وعن مسروق في الترقوة حكم وفى الضرس حكم، وبه يأخذ أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه وأصحابهم، أما الرواية عن زيد فواهية لانه نقل الحجاج بن ارطاة وهو ضعيف ثم عن مكحول عن زيد ومكحول لم يدرك زيدا، وأما الرواية عن عمر فثابتة قالها على المنبر بحضرة الصحابة رضى الله عنهم، وهذا قد خالفه المالكيون والحنيفيون بآرائهم * قال على: وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ههنا نص فلا يجب في الترقوة شئ في الخطأ لما ذكرنا [ وأما في العمد فالواجب في ذلك القصاص فقط الا ان كان جرحا فالقود أو المفاداة لما ذكرنا ] (1) قبل، وبالله تعالى التوفيق * (الثدى) 2057 مسألة نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج بن ارطاة عن مكحول أن زيد بن ثابت قال في حلمة ثدى الرجل إذا قطعت ثمن دية الثندوة وفى حلمة ثدى المرأة إذا قطعت ربع دية ثديها * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن محمد راشد عن مكحول عن قبيصة بن ذوئيب عن زيد بن ثابت قال في حلمة الثدى: ربع الدية، وروينا بالسند المذكور إلى عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة ان أبا بكر الصديق جعل في حلمة ثدى الرجل خمسين دينارا، وفى حلمة ثدى المرأة مائة دينار قال معمر: سمعت عطاء الخراساني يقول مثل ذلك، وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى أبو بكر في ثدى المرأة بعشرة من الابل إذا لم يصب الا حلمة ثديها فإذا قطع من أصله فخمسة عشر من الابل، وعن الزهري قال في حلمة ثدى الرجل خمس من الابل وعن عطاء قال كم في حلمة الرجل؟ قال: لاأدرى، وعن الشعبى قال: في احد ثديى المرأه نصف ديتها، وعن ابراهيم النخعي قال: في ثدى المرأة الدية وفى ثدى الرجل حكومة، ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن سليمان الشيباني عن الشعبى قال في ثدى المرأة الدية، وبه يقول سفيان الثوري. ومالك. وأبو حنيفة. والشافعي. واحمد. وأصحابهم، وقال هؤلاء في ثدى الرجل حكومة، وقال أحمد واسحاق فيهما الدية كاملة * قال أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب الرجوع إلى ما أمر الله تعالى به الرجوع إليه من القرآن والسنة عند التنازع ففعلنا فلم نجد في ذلك نص قرآن ولاسنة


(1) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 455 ]

لاصحيحة ولاسقيمة ولا اجماعا متيقنا وكل حكم لم يكن في هذه العمد فهو باطل [ بيقين ] (1) وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في أقوال من ذكرنا من صاحب أو تابع سنة ولا قرآن ولا اجماع، وقد ذكرنا أن الاموال محرمة لقول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم واموالكم عليكم حرام " فوجب أن لا يجب في الثديين (2) غرامة أصلا فان أصيبا خطا فلا شئ في ذلك لما ذكرنا وان كان عمدا ففيه القود. وهذا قول أبى سليمان وجميع اصحابنا وبه نأخذ * قال على: فان قطع الرجل حلمة ثدى المرأة قطع ثديه كله لانه كله حلمة لاثدى له فان قعطت هي ثديه قطعت حلمتها فان قطع جميع ثديها عمدا قطع من جلده ما حوالى ثديه مقدار ذلك لقول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (افضاء الرجل المرأة) 2058 - مسألة - نا حمام نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا عبد الله بن يونس المرادى نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا هشيم عن داود عن عمرو بن شعيب ان رجلا استكره امراة فافضاها فضربه عمر بن الخطاب الحد وغرمه ثلت ديتها * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن رجل عن عكرمة قال: قضى عمر بن الخطاب في المرأة إذا غلبت على نفسها فافضيت أو ذهبت عذرتها بثلث ديتها ولاحد عليها * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن قتادة في الرجل يصيب المرأة فيفضيها قال ثلث الدية، وقول آخر كما روينا بالسند المذكور إلى عبد الرزاق عن عبد الله بن محرز عن قتادة أن زيد بن ثابت قال في المرأة يفضيها زوجها ان حبست الحاجتين والولد فثلث الدية، وان لم تحبس الحاجتين والولد فالدية كاملة، وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز [ ان عمر بن عبد العزيز ] (3) قال في افضاء المرأة الدية كاملة من أجل انها تمتنع اللذة والجماع * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد ابن سلمة أنا هشام بن عمرو الفزارى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز إذ جاءه كتاب من عامله بنجران فلما قرأه قال: ما ترون في رجل ذى جدة وسعة خطب إلى رجل ذى فاقة بنته فزوجه اياها فقال: ادفعها إلى فانى أوسع لها فيما أنفق عليها فقال: إنى أخافك عليها أن تقع بها فقال: لا تخف لاأقربها فدفعها إليه فوقع بها فخرقها فهريقت دما وماتت؟ فقال عبد الله بن معقل بن مقرن غرم والله وقال عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان غرم والله


(1) الزيادة من النسخة رقم 45 (2) في النسخة رقم 14 في الثدى (3) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 456 ]

فقال عمر بن عبد العزيز: أعقلا وصداقا، أعقلا وصداقا، وقال ابان بن عثمان بن عفان: ان كانت أدركت ما أدرك النساء فلا دية لها، وان لم تكن أدركت ما أدرك النساء فلها الدية فكتب عمر بذلك إلى الوليد بن عبد الملك ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا زيد ابن الحباب عن خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن أبان بن عثمان أنه رفع إليه رجل تزوج جارية فافضاها فقال فيها هو. وعمر بن عبد العزيز: ان كانت ممن يجامع مثلها فلا شئ عليه وان كانت ممن لا يجامع مثلها فعليه ثلث الدية، وعن ابن جريج إذا كان لا يستمسك الغائط فعليه الدية كاملة وبه يقول سفيان الثوري وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: مثل ذلك وزاد فإذا كان الغائط يستمسك فثلث الدية، ولا يعرف لمالك ولا للشافعي فيها قول * قال أبو محمد: أما المأثور في ذلك عن عمر بن الخطاب. وزيد بن ثابت رضى الله عنهما فانه توقيف، والتوقيف (1) لا يؤخذ الا عن الله تعالى على لسان نبية صلى الله عليه وسلم، ولقد كان يلزم المالكيين المشنعين بقول الصاحب الذى لايعرف له مخالف أن يقولوا ههنا بقول عمر وزيد ولكن هذا مما تناقضوا فيه، وأما الحنيفيون فانهم طردوا أصلهم وقالوا ههنا بما روى عن عمر وزيد فهلا فعلوا ذلك في حلمة ثدى الرجل والمرأة، ولكن هذا يريكم تناقض القوم وأنهم لا يحققون أصلا * قال على: وأما نحن فنقول: ان كان ذلك وقع منه في زوجته من غير قصد فعاشت وبرئت فلا شئ في ذلك لانه مخطى وقد أباح الله تعالى له وطئ زوجته فلم يتعد حدود الله تعالى في ذلك، وان كان فعل ذلك عامدا وهو يدرى انها لاتحمل أو فعل ذلك بامة كذلك أو باجنبية فعليه القصاص ويفتق منه بحديدة مقدار (2) ما فتق منها متعديا وعليه في الاجنبية مع ذلك الحد ولاغرامة في شئ من ذلك أصلا، الا أن فعل ذلك مخطئا فماتت فالدية كاملة لانها نفس وبالله تعالى التوفيق * (من قطع من جلده شئ) 2059 - مسألة - نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد ناعلى بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج عن مكحول قال: إذا اختلف من جلدة الوجه والرأس مثل الدرهم ففيه ثلاثة أبعرة وان اختلف، من الجسد فبعير ونصف * قال أبو محمد: هذا تحديد لم بأت به نص قرآن ولاسنة ولا اجماع فلا يجب


(1) في النسخة رقم 45 فانه توقيت والتوقيت (2) في النسخة رقم 14 بقدر

[ 457 ]

في ذلك شئ، وأما الحنيفيون. والمالكيون. والشافعيون فانهم أصحاب قياس بزعمها وهذا مكان يجب عليهم على أصولهم (1) أن يقيسوه على قولهم في الموضحة ولكنه مما تناقضو فيه، وأما نحن فالقصاص في ذلك في العمد وليس في الخطا في ذلك شئ لقول الله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطاتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وبالله تعالى التوفيق (الكسر إذا انجبر) 2060 - مسألة - نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة نا قتادة عن سليمان بن يسار أن عمر الخطاب قضى في رجل كسرت يده أو رجله أو فخذه ثم انجبرت فقضى فيها بحقتين وعن حماد بن سلمة نا عمرو بن دينار قال: إن رجلا كسر احد زندية ثم انجبر فقضى فيه عمر بمائتي درهم، وعن حماد بن سلمة عن الحجاج عن عكرمة بن خالد المخزومى أن عمر ابن الخطاب قضى فيه ببعيرين، والبعيران بازاء المائتي درهم من حساب عشرة آلاف درهم وعن حماد بن سلمة أنا أيوب السختيانى وهشام بن حسان وحبيب بن الشهيد كلهم عن محمد بن سيرين أن شريحا قضى في الكسر إذا انجبر قال لا يزيده ذلك الا شدة يعطي أجر الطبيب وقدر ما شغل عن صنعته، وعن مكحول أنه قال في الصدع في العضد قد انجبر ثمانية أبعرة فإذا انكسر أحد زنديه ثم انجبر فعشرة أبعرة، وفى كل مفصل من مفاصل الاصبع إذا انكسر ثم انجبر ثلثا بعير، وفى الظفر إذا اعور بعير فإذا.. فخمسا بعير، فهذه آثار جاءت عن عمر بن الخطاب وعن شريح وعن مكحول والحنيفيون والمالكيون والشافعيون قد خالفوا ما جاء عن عمر بآرائهم * قال أبو محمد: وليس في ذلك عندنا الا القصاص في العمد فقط وأما في الخطا فلا لما قد ذكرنا من قول الله تعالى ومن قول رسوله عليه الصلاة والسلام * (المثانة إذا انفتقت) 2061 مسألة حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة أنا قتادة عن أبى مجلز أنا في المثانة إذا فتقت: ثلث الدية ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن أزهر عن عون محمد بن عبيدالله الثقفى عن شريح قال في الفتق ثلث الدية * نا حمام نا ابن مفرج نا الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن الشعبى قال: في المثانة خرقت: ثلث الدية قال عبد الرزاق قال ابن جريج وأنا أقول: ان فيها إذا لم تمسك


(1) في النسخة رقم 14 على اصلهم (م 58 - ج 10 المحلى)

[ 458 ]

الدية كاملة قاله أهل الشام، وقال سفيان الثوري مثل ذلك، قال على: ليس في ذلك إلا القصاص في العمد أو المفاداة لانه جرح وليس في الخطأ شئ لما ذكرنا * (الورك) 2061 - مسألة - روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن الحجاج عن مكحول عن زيد بن ثابت قال في الورك إذا انكسرت ثم انجبرت: عشرة أبعرة وهو قول (1) صاحب لايعرف له مخالف من الصحابة، والحنيفيون والمالكيون والشافعيون يشنعون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم وأما نحن فليس عندنا إلا القود في العمد فقط وأما في الخطأ فلا شئ فيه * (المقعدة الشفران والاليتان والعفلة (2) والمنكب) 2062 - مسألة - نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الزراق عن ابن جريج عن عبد الكريم أنه قال في المقعدة إذا لم يستطع أن يمسك خلاه فالدية، وبه يقول الثوري * وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب أنه قال في الاليتين إذا قطعتا حتى يبدو العظم الدية كاملة وفى أحداهما نصف الدية، وعن ابراهيم النخعي في الاليتين الدية وبه إلى عبد الرزاق عن ابى جريج أخبرني محمد بن الحارث بن سفيان قال: يقضى في شفر قبل المرأة إذا اوعب حتى يبلغ العظم نصف ديتها وفى شفريها بديتها إذا بلغ العظم فان كانت عاقرا لاتحمل قال ابن جريج: واجتمع لعمر بن عبد العزيز في ركب المرأة (3) إذا قطع بالدية من أجل انها تمتنع من لذة الجماع، وقال عطاء: ما علمت في قبل المرأة شيئا ببلادنا قال ابن جريج: وأخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع العلماء لابي في خلافته على أن في العفلة تكون من الضربة الدية كاملة لانها تمنع اللذة والجماع وعلى أن في المنكب إذا كسر ثم جبر في غير عثم (4) أربعون دينارا * قال على: وقال الشافعي في العفلة إذا بطل الجماع الدية وفى ذهاب الشفرين (5) كذلك، وقال أبو حنيفة. والشافعي. واحمد. وأصحابهم في الاليتين: الدية، وكل هذا


(1) في النسخة رقم 14 وهذا قول (2) العفلة والعفل - بالتحريك فيهما - شئ يخرج من قبل النساء وحياء الناقة شبيه بالادرة التى للرجال والمرأة عفلاء، والادرة نفحة الخصية (3) الركب - بالتحريك - منبت العانة قيل هو للمرأة خاصة، وقيل لهما (4) هو العظم المكسور إذا جبر على غير صحة (5) تثنية شفر حرف كل شئ شفرة وشفيرة وبالضم واحد اشفار العين وهى حروف الاجفان التي ينبت عليها الشعر وهو الهدب

[ 459 ]

لانص فيه ولا اجماع فلا شئ في ذلك في الخطأ أما في العمد فالقصاص فيما أمكن (1) أو المفاداة فيما كان جرحا وبالله تعالى التوفيق * (العنق) 2063 - مسألة - نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أزهر عن أبى عون عن شريح قال في العنق ثلث الدية * قال على: لا شئ في ذلك في الخطا والقود في العمد ولا بد * (الدرس لبطن آخر حتى يسلح) 2064 - مسألة - نا حمام نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا عبد الله بن يونس نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الانصاري أن رجلين اختصما بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز فقال أحدهما لصاحبه ضربته حتى سلح فقال: اشهدوا فقد والله صدق فارسل عمر بن عبد العزيز إلى سعيد بن المسيب يسأله عن رجل ضرب رجلا حتى سلح هل مضى في ذلك أثر أو سنة؟ فقال سعيد. قضى فيها عثمان بثلث الدية قال سفيان وليس ذلك على العاقلة وقد روى عن عثمان في ذلك غير هذا كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن عمر بن عبد الله بن طلحة الخزاعى قال: كان رجل يقال له ابو عقاب كان عظيما سمينا فاخذه رجل قصير فوطئ في بطنه حتى خرئ فارسل عمر بن عبد العزيز إلى سعيد بن المسيب يسأله عن ذلك؟ فقال سعيد بن المسيب: قضى فيه عثمان بن عفان باربعين دينار أو باربعين فريضة * وعن حماد بن سلمة عن أبى الخطاب عن حميد بن يزيد عن نافع أن عثمان بن عفان قضى في ذلك باربعين بعيرا يعنى الذى ضرب حتى سلح * قال على: وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد ولا حكمه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فليس عندنا في ذلك الا القصاص ضرب كضرب ولا مزيد والحدث ليس فعل الضارب بالمضروب فلا اعتداء عليه في ذلك والطبائع تختلف في الشدة والاسترخاء وبالله تعالى التوفيق * (الضرطة) 2065 مسألة: نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن معمر عن اسماعيل بن أمية أن رجلا (2) كان يقص شارب عمر بن الخطاب فافزعه عمر فضرط الرجل فقال عمر: أما انا لم نرد هذا ولكن سنعقلها فاعطاه


(1) في النسخة رقم 14 ان امكن (2) اسماعيل هذا لم يدرك عمر، وان رجلا مجهول لا يدرى من هو *

[ 460 ]

أربعين درهما قال: واحسبه قال: شاة أو عناقا * قال على: قد سمى عمر بن الخطاب الذى اعطى في ذلك عقلا والشافعيون. والمالكيون والحنيفيون يخالفون هذا ولا يرونه اصلا وهذا تحكم وتلاعب في الدين لا يحل، فان كان ما روى عن الصاحب مما لايعرف له مخالف حجة فليلتزموا كل هذا وكل ما أوردناه فان فعلوا ذلك تركوا أكثر مذاهبهم وفارقوا من قلدوا دينهم وان كان ما روى عن الصاحب لايعرف له منهم مخالف ليس حجة فهذا قولنا فليتركوا التهويل على من خالف ذلك وليسقطوا الاحتجاج بما احتجوا به من ذلك * (الجبهة) 2066 مسألة: نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز [ عن عمر بن عبد العزيز ] (1) انه قال في الجبهة إذا هشمت وفيها غوص من داخل مائة وخمسون دينارا فان كان بين الحاجبين كسر شان الوجه ولم تنتقل منه العظام فربع الدية وان كسرما بين الاذنين يصيب ما ضغ اللحيين وقد أذاه الشعر في تخوص لم يضر في الجرح ولم ينقل منه عظم ففيه مائة دينار * قال على: هذا أصح سند كما ترى إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فلئن كان رأيا كما هو رأى بلا شك فلعمري أن رأى عمر بن عبد العزيز لاحق بالسداد بلا شك من رأى ابى حنيفة ومالك والشافعي، ولئن كان يطلق في ذى فضل يقول مثل هذا لا يقال بالرأى فهو توقيف فان عمر بن عبد العزيز لاحق بهذه المخرجة ممن ذكرنا، وأما نحن فنقول: إن عمر رحمه الله وغيره ممن سلف معذورن فيما أخطأوا فيه مأجورون في اجتهادهم ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لانص فيه ولا اجماع فلا يجوز القول فيه وليس فيه الا القود في العمد فقط الا أن يكون جرحا فتكون فيه المفاداة ولا شئ فيه في الخطا وبالله تعالى التوفيق * (اللطمة) 2067 مسألة: نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق قال: سمعت مولى لسليمان بن حبيب يخبر عن معمر قال: ان سليمان بن حبيب قضى في الصكة إذا احمرت أو اسودت أو اخضرت بستة دنانير * قال أبو محمد: هذا كالذى قبله ولا شئ في هذا الا القصاص فقط فلو قامت


(1) الزيادة من النسخة رقم 45

[ 461 ]

بينة في شئ مما ذكرنا انه أراد غيره مما أبيح له فهو خطا لا شئ فيه * (الجراح وأقسامها) 2068 - مسألة - قال أبو محمد: اولها الحارضة. ثم الدامية ثم الدامعة ثم الباضعة ثم المتلاحمة ثم السمحاق وهى أيضا الملطا ثم الموضحة ثم الهاشمة ثم المنقلة ثم المأمومة وهى الآمة أيضا وفى الجوف وحده الجائفة وهى التى نفذت إلى الجوف، والحارضة التى تشق الجلد شقا خفيفا يقال: حرض القصار الثواب إذا شقه شقا لطيفا، والدامة هي التى ظهر فيها شئ من دم ولم يسل، والدامعة هي التى سال منها شئ من دم كالدمع، والباضعة هي التى شقت الجلد ووصلت إلى اللحم، والمتلاحمة هي التى شقت الجلد وشرعت في اللحم، والسمحاق هي الملطا وهى التى قطعت الجلد واللحم كله ووصلت إلى القشرة الرقيقة التى على العظم، والموضحة التى شقت الجلد اللحم وتلك القشرة وأوضحت عن العظم، والهاشمة التى قطعت الجلد واللحم والقشرة وأثرت في العظم فهشمت فيه، والمنقلة وهى المنقولة أيضا التى فعلت ذلك كله وكسرت العظم فصار يخرج منها العظام، والمأمومة التى نفذت ذلك كله وشقت العظم كله فبلغت أم الدماغ، هذا الكلام كله هكذا حدثناه احمد بن محمد بن الجسور قال نا محمد بن عيسى بن رفاعة قال نا على بن عبد العزيز نا أبو عبيد عن الاصمعي وغيره فذكر كما ذكرنا * قال أبو محمد: فقال بعض السلف: كما قدمنا لاقصاص في العمد في شئ منها إلا في الموضحة وحدها وادعوا أن المماثلة في ذلك متعذرة، وقال آخرون: بل القصاص في كلها والمماثلة ممكنة كما أمر الله تعالى وقد ذكرنا بطلان قول من منع من القصاص فيها برأيه قبل فأغنى عن اعادته، يكفى من ذلك عموم قول الله تعالى: (والجروح قصاص) برفع الحاء، وقال تعالى: (والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وما كان ربك نسيا، فلو علم الله تعالى ان شيئا من ذلك لا تكمن فيه مماثلة لما أجعل لنا أمره بالقصاص في الجروح حملة ولم يخص شيئا فنحن نشهد بشهادة الله تعالى التامة الصادقة ونقطع قطع الموقن المصدق بكلام ربه تعالى أن ربنا عزوجل لو أراد تخصيص شئ من الجروح بالمنع من القصاص في العمد لبينها لنا كما أخبر تعالى عن كتابه انه أنزله تبيانا لكل شئ فإذ لم يفعل ذلك فنحن نقسم بالله تعالى قسما برا انه تعالى ما أراد قط تخصيص شئ من الجروح بالمنع من القصاص منه إلا في الاعتداء به وبالله تعالى التوفيق * 2069 - مسألة - من قتل عمدا فعفى عنه. وأخذ منه الدية أو المفاداة *

[ 462 ]

قال أبو محمد: اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: يجلد مائة وينفى سنة كما نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عباس بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قال في الذى يقتل عمدا انه لا يقع القصاص عليه بجلد مائة قلت: كيف؟ قال في الحر يقتل عمدا أو في أشباه ذلك * وبه إلى ابن جريج عن عمرو بن شعيب أن عمر جلد حرا قتل عبدا مائة ونفاه عاما * وبه إلى ابن جريج عن اسماعيل بن أمية قال: سمعت أن الذى يقتل عبدا يسجن سنة ويضرب مائة * وبه إلى ابن جريج عن ابن شهاب قال: ان قتل الحر عبدا عوقب بجلد وجيع وسجن وبعتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولم تكن عليه عقوبة. وقال الاوزاعي. والليث. ومالك: من قتل عمدا فعفى عنه الاولياء أو فادوه بالدية فانه يجلد مائة سوط مع ذلك وينفى سنة إلى أن قال مالك في القسامة يدعى على جماعة انهم لا يقسمون الا على واحد فان أقسموا عليه قتلوه وضرب الباقون كل واحد مائة سوط وينفوا كلهم سنة سنة. وقال آخرون: لا شئ عليه كما نا حمام نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا عبد الله بن يونس نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان في بنى اسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية قال الله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والاثنى بالاثنى فمن عفى له من أخيه شئ)، فالعفو أن تقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم ورحمة قال: فعلى هذا أن يتبع بالمعروف وعلى ذلك أن يؤدى إليه باحسان فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي. وأحمد بن حنبل وأبو سلميان واصحابهم، وبه يقول اسحاق بن راهويه وسائر أصحاب الحديث فلما اختلفوا كما ذكر من نظرنا فيما احتجت به الطائفة الموجبة للادب والنفى في ذلك فوجدناهم يقولون أو من قال منهم: قال الله تعالى: (ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب) قال: فشبه الله تعالى القتل بالزنا ووجدنا الزنا فيه الرجم على المحصن فإذا لم يكن محصنا سقط عنه العقل ووجب عليه مائة جلدة ونفى سنة قالوا: فالواجب على من قتل فسقط عنه القتل مثل ذلك أيضا جلد مائة ونفى سنة، وذكروا ما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس العذري نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد نا محمد بن احمد بن الجهم نا محمد بن عبدوس نا أبو بكر بن أبى شيبة نا اسماعيل بن عياش عن اسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن عمرو بن شعيب. وابراهيم بن عبد الله بن حنين قال عمرو بن عن أبيه عن جده وقال ابراهيم عن أبيه عن على بن أبى طالب ثم اتفق على وجد عمرو

[ 463 ]

ابن شعيب كلاهما قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل عبده متعمدا فجلده مائة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقدمنه * قال أبو محمد: ما لهم شبهة غير هذا إلا ما ذكرنا آنفا في صدر هذا الباب عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكل هذا لاحجة لهم فيه، أما تشنيعهم بذكر الله تعالى: (ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون) الآية وتنظيرهم ما يجب على القاتل بما يجب على الزانى ففاسد جدا وتحريف لكلام الله تعالى وحكمه عن مواضعه خطأ بحت من عدة وجوه، أولها أنه قياس والقياس كله باطل، والثانى أنه لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل لان الله تعالى لم يسو قط بين القاتل والزانى في الحكم وانما سوى بينهما في وعيد الآخرة فقط وليست أحكام الدنيا كاحكام الآخرة لان من تاب من كل ذلك فقد سقط عنه الوعيد في الآخره ولم يسقط عنه حكم للدنيا باتفاقهم معنا، والثالث أنه لا خلاف في أن حكم الزانى يراعى الاحصان في ذلك وعدم الاحصان ولا خلاف في انه لا يراعى ذلك في القتل * والرابع (1) ان حكم الزانى إذا وجب عليه القتل بلا خلاف ممن يعتد به القتل بالرجم خاصة وليس ذلك حكم القاتل إذا استقيد منه بلا خلاف إلا أن يكون قتل بحجر، والخامس أن الله تعالى قال في أول هذه الآية التى موهوا بايراد بعضها دون بعض (والذين لا يدعون مع الله الها آخر ويقتلون النفس التى حرم الله الا بالحق ولا يزنون) فيلزمهم إذا ساووا بين حكم القاتل والزانى لان الله تعالى قد ذكرهما معا في هذه الآية أن يساووا أيضا بين الكافر والقاتل والزانى لان الله تعالى قد ذكرهم كلهم معا وساوى بينهم بينهم في وعيد الآخرة الا من تاب فيلزمهم إذا أسلم الكافر والمرتد فراجع الاسلام أن يجلد مائة سوط وينفى سنة لان القتل قد سقط عنه كما قد سقط عن القاتل المعفو عنه وعن الزانى غير المحض، فان قالوا: الاجماع منع من ذلك قيل لهم فقد أقررتم بان الاجماع منع من قياسكم الفاسد وأبطله فظهر فساد كلامهم هذا (2) وبالله تعالى التوفيق * وأما الخبر الذى تعلقوا به ففى غاية البطلان والسقوط لانه عن اسماعيل بن عياش وهو ضعيف جدا ولا سيما ماروى عن الحجازيين فلا خير فيه عند أحد من أهل العلم، ثم هو عن اسحاق بن عبد الله بن فروة (3) وهو متروك الحديث ولم يبق لهم الا التعلق بما روينا في ذلك عن عمر رضى الله عنه فنظرنا فيه فوجدناه لاحجة لهم فيه لانه لا يصح عن عمر أبدا لانه اما عن عمرو بن شعيب أن عمر، واما


(1) في النسخة رقم 14 والثالث أنه لا خلاف في أنه لا يراعى ذلك في القتل والرابع الخ (2) في النسخة رقم 45 كلامكم هذا (3) في النسخة رقم 45 عبد الله بن ابى فروة

[ 464 ]

عن العباس بن عبد الله أن عمر وكلاهما لم يولد إلا بعد موت عمر رضى الله عنه بدهر طويل، وأيضا فقد صح عن ابن عباس خلافه إذا صح الخلاف عن الصحابة رضى الله عنهم فليس قول بعضهم أولى من قول بعض فالواجب حينئذ الرجوع إلى ما أمر الله تعالى به عند التنازع إذ يقول تعالى: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) فكل قول عرى من الادلة فهو باطل بيقين قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) ثم نظرنا في قول من لم ير على المعفو عنه بالدية أو المفاداة أو العفو المطلق جلدا ولانفيا فوجدناهم يقولون: قال الله تعالى: (فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) فاوجب الله تعالى نصا لاخفاء به أن من قتل عمدا فوجب عليه القصاص في القتل ثم عفى عنه على مال فواجب على الولى العافى أن يتبع القاتل المعفو عنه بالمعروف وأوجب الله تعالى على القاتل المعفو عنه أن يؤدى ما عفا عنه عليه باحسان وليس من المعروف والاحسان الضرب بالسياط والنفى عن الاوطان سنة، ووجدنا هم أيضا يذكرون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم واعراضكم وابشاركم عليكم حرام " فصح أن بشرة القاتل محرمة بتحريم الله تعالى فلا يحل جلده ولانفيه إذ لم يوجب ذلك قرآن ولاسنة ولا اجماع ولا دليل من الادلة أصلا، وذكروا ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا احمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا احمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن حاتم نا سعيد بن سليمان نا هشيم نا اسماعيل بن سالم عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد قتل رجلا فاقاد ولى المقتول منه فانطلق به وفى عنقه نسعة يجرها فلما أدبر الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القاتل والمقتول في النار " فاتى رجل إلى الرجل فقال له مقالة النبي صلى الله عليه وسلم فخلى عنه قال اسماعيل بن سالم: فذكرت ذلك لحبيب بن أبى ثابت فقال: حدثنى بن أشوع ان النبي صلى الله عليه وسلم انما سأله أن يعفو عنه فابى * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان عن عوف بن أبى جميلة (1) وجامع بن مطر الحبطى (2) قال عوف: حدثنى حمزة العائذى أبو عمر ثم اتفق جامع. وحمزة كلاهما عن علقمة بن وائل بن حجر عن وائل قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم حين جئ بالقاتل يقوده ولى المقتول في نسعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولى المقتول: " أتعفو عنه؟ قال: لاقال له أتأخذ الدية؟ قال: لا قال: فتقتله؟ قال نعم: قال اذهب به فلما تولى من عنده دعاه


(1) في النسخة رقم 14 عن عوف بن جمبلة وهو غلط (2) هو بفتح المهملة والموحدة بعدهما طاء مهملة

[ 465 ]

قال له: أتعفو عنه؟ قال لا قال له فتأخذ الدية؟ قال: لاقال: فتقتله؟ قال: نعم قال اذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أما انك ان عفوت عنه يبوء باثمه واثم صاحبك فعفا عنه وتركه قال فانا رأيته يجر نسعته "، قال يحيى بن سعيد القطان وقد ذكر هذين الحديثين فقال عن حديث جامع هو أحسن منه يعنى أنه أحسن من حديث حمزة * قال على: وهو كذلك لان حمزة العائذى شيخ مجهول لايعرف قاله ابن معين ولم يوثقه أحد نعلمه، وأما جامع بن مطر فقال فيه احمد بن حنبل: لا بأس به وما علمنا أحدا جرحه وقد روى عنه ائمة. يحيى. وعبد الصمد بن عبد الوارث. وحفص بن عمر الحوضى وغيرهم * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب أنا عمرو بن منصور نا حفص بن عمر - هو الحوضى - نا جامع بن مطر عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا عنده إذ جاءه رجل في عنقه نسعة فقال: " يا رسول الله ان هذا وأخى كانا في جب يحفرانها فرفع المنقار فضرب به رأس صاحبه فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعف عنه فابى وقام فقال: يا نبى الله ان هذا وأخى كانا في بئر يحفرانها فرفع المنقار فضرب بها رأس صاحبه فقتله قال: اعف عنه فابى ثم قام فقال: يا رسول الله هذا وأخى كانا في جب يحفرانها فرفع المنقار أراه قال فضرب به رأس صاحبه فقتله قال اعف عنه فابى قال: اذهب ان قتلته كنت مثله فخرج به حتى جاوز فناديناه اما تسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع فقال: ان قتلته كنت مثله قال نعم اعف عنه فخرج يجر نسعته حتى خفى علينا " * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب أنا عيسى بن يونس الفاخورى نا ضمرة عن عبد الله بن شوذب عن ثابت البنانى عن أنس " ان رجلا أتى بقاتل وليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اعف عنه فابى فقال: خذ الدية فابى قال اذهب فاقتله فانك مثله فخلى سبيله فمر الرجل وهو يجر نسعته " * قال أبو محمد: أما حديث اسماعيل بن سالم: وجامع بن مطر كلاهما عن علقمة فجيدان تقوم الحجة بهما وفى كليهما اطلاق القاتل المعفو عنه ومسيره حتى غاب عنهم وخفى عنهم لاضرب ولا نفى، فصح قول من رأى أن لاجلد على القاتل ولا نفى إذا عفى عنه، وهو قول ابن عباس ولا يصح عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلاف له أصلا، وهذا مما يستشنعه المالكيون إذا وافق تقليدهم وإذا خالفه لم يبالوا به، وأما قول مالك بذلك في القسامة فما عرف قط عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم وبالله (م 59 - ج 10 المحلى)

[ 466 ]

تعالى التوفيق * 2070 مسألة: في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الاخبار " القاتل والمقتول في النار وان قتلته كنت مثله " * قال على: قد أيقنا ولله الحمد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول الا الحق المتيقن، وايقنا انه صلى الله عليه وسلم لا يقضى بباطل وهو يدرى أنه باطل فإذ لاشك في هذين الوجهين فالواجب علينا طلب وجه حكمه عليه الصلاة والسلام بالقود في هذه الاخبار واطلاقه على القتل في ذلك مع قوله الصادق ان قتله كان مثله والقاتل والمقتول في النار فان للسائل أن يقول: كيف يقضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقود لا يحل له وهو يدرى أنه لا يحل له حاش لله من هذا واذ لا يجوز هذا فكيف يكون في النار ومثلا للقاتل من استقادكما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اقتص بالحق * قال أبو محمد: أما تفسير ابن أشوع الذى ذكرناه آنفا من طريق مسلم عنه ان ذلك كان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله العفو عنه فابى فانه تفسير فاسد لا يجوز البتة لانه صلى الله عليه وسلم لا يخلو في ذلك من احد وجهين لا ثالث لهما إما أن يكون شافعا في العفو واما أن يكون امرا بالعفو فان كان شافعا فليس الممتنع من اسعاف شفاعته صلى الله عليه وسلم عاصيا لله تعالى كما فعلت بريرة إذ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خيرها في البقاء مع زوجها أو فراقه فاختارت فراقه لو راجعتيه فانه أبو ولدك فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا انما انا شافع فقالت. لاأرجع إليه أبدا، فلا خلاف بين أحد من الامة أن بريرة رضى الله عنها لم تكن عاصية بذلك فان كان عليه الصلاة والسلام شافعا في هذا القاتل فليس الممتنع عاصيا فإذ ليس عاصيا فليس في النار ولاهو مثل القاتل الظالم وان كان صلى الله عليه وسلم آمرا فهو بيقين لا يأمر الا بواجب فرض، ومن الباطل أن يأمر عليه الصلاة والسلام بشئ ويطلق على خلافه ولا يمنع من الحرام الذى هو خلاف أمره وهذا هو القضاء بالباطل وقد أبعده الله تعالى عن هذا، فان قالوا: هو أمر على الندب قلنا: لاراحة لكم في هذا لان من ترك قبول الامر بالندب الذى ليس فرضا فليس في النار ولا هو مثل القاتل الظالم فبطل تفسير بن أشوع، وهكذا القول فيما حدثنا عبد الله ابن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد ناعلى بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة أنا على بن الحكم البنانى عن محمد بن زيد عن سعيد بن جبير قال: " ان الرجل قال يا رسول الله قتل أخى فدخل النار وان قتلته دخلت النار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله انه قتل أخاك فدخل النار بقتله إياه، وأنى نهيتك عن قتله فان قتلته دخلت النار بمعصيتك إياى " * قال أبو محمد: وهذا مرسل، والمرسل لا تقوم به حجة، والقول في ابطاله

[ 467 ]

كالقول في حديث بن أشوع ولا فرق وبه إلى حماد عن حميد عن الحسن أنه كان يعنى بهذا الخبر ان قتلته فانت مثله كان يرى ذلك عاما، وكذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا ابن السليم نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا موسى بن اسماعيل نا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني عن عطاء بن أبى ميمونة عن أنس بن مالك قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شئ فيه قصاص الا أمر فيه بالعفو قال: فلو كان هذا أمر فرض وايجاب لحرم القصاص جملة، وهذا أمر متيقن أنه لا يقوله أحد من أهل الاسلام فان كان أمر ندب فلا يدخل النار ولا يكون ظالما من ترك الندب غير راغب عنه، فان تركه راغبا عنه فهو فاسق وربما كفر * قال على: والقول في هذا عندنا هو ما وجدناه في خبر آخر وهو الذى حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني الكوفى. وأحمد بن حرب واللفظ له قالا: نا أبو معاوية عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع القاتل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه إلى ولى المقتول فقال القاتل يا رسول الله لا والله ما اردت قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولى المقتول: أما انه ان كان صادقا ثم قتلته دخلت النار فخلى سبيله وكان مكتوفا فخرج يجر نسعته فسمي ذا النسعة * قال أبو محمد: فهذا بيان الاخبار الواردة في هذا الحكم لا يجوز غير ذلك البتة وهو أنه حكم عليه الصلاة والسلام بالقود والقتل قصاصا بظاهر البينة أو الاقرار التام وهذا هو الحق المفترض على الحكام (1) المتيقن أن الله تعالى أمرهم به ولم يكلفهم علم الغيب فحكم النبي عليه الصلاة والسلام بالحق في ذلك فلما قال: ان لم أرد قتله وكان ذلك ممكنا أخبره عليه الصلاة والسلام بأنه ان كان كذلك فقاتله في النار وهو مثله لانه لا يحل له قتله حينئذ فصار حكمه عليه الصلاة والسلام حقا وقوله حقا كما قال أيضا عليه الصلاة والسلام: " فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه فانما أقطع له قطعة من النار " وهو عليه الصلاة والسلام في ظاهر الحكم بالبينة أو الاقرار أو اليمين حاكم بالحق المتيقن (2) لا بالظن لكن بما أمره الله تعالى أن يحكم به ولابد وان كان الباطن بخلاف ذلك مما لو علمه عليه الصلاة والسلام لم ينفذه ولا تركه يمضى أصلا وبالله تعالى التوفيق، فان قيل: هذا وجه الجمع بين حكمه عليه الصلاة والسلام وقوله في ذلك فما وجه حكمه عليه الصلاه والسلام بان القاتل والمقتول في النار وأنه مثله وكيف يكون من قتل غير مريد للقتل في النار؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق * هذا اخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بغيب أعلمه الله تعالى اياه لانه عليه الصلاة والسلام لا يقول البتة الا الحق ولا


(1) في النسخة رقم 14 على الحكم (2) في النسخة رقم 14 بالحق اليقين

[ 468 ]

يقول بالظن قاصدا إلى ذلك ومن قال هذا عليه ونسبه إليه فهو كافر. فنقول. ان ذلك القاتل الذى لم يعمد القتل كان فاسقا من اهل النار بعمله غير هذا القتل أطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على عاقبته فيه ولم يكن دمه يحل لهذا المستقيد لانه لم يعمد قتل أخيه فلو قتله على هذا الوجه لكان قاتلا بغير الحق ولاستحق النار ولكان ظالما كالمقتول إذ ليس كل ظالم يستحق القتل وبالله تعالى التوفيق * 2071 مسألة من قتل في الزحام أو لم يعرف من قتله أو أصابه سهم أو حجر لا يدرى من رماه أو هرب قاتله * قال على: نا حمام نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا عبد الله بن يونس نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة ناوكيع نا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي أن رجلا قتل في الطواف فاستشار عمر الناس فقال على ديته على المسلمين أو في بيت المال * وبه إلى وكيع نا وهب بن عقبة. ومسلم بن يزيد بن مذكور سمعاه من يزيد بن مذكور قال: ان الناس ازدحموا في المسجد الجامع بالكوفة يوم الجمعة فافرجوا عن قتيل فوداه على بن أبى طالب من بيت المال * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي عن الاسود أن رجلا قتل في الكعبة فساأل عمر عليا، فقال: من بيت المال يعنى ديته * ومن طريق ابن وهب حدثنى سعيد بن عبد الله الثقفى عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في رجلين ماتا في الزحام ان يوديا من بيت المال فانما قتله يد أو رجل، وقد روى هذا أيضا عن سعيد بن المسيب أيضا وعروة بن الزبير. وقد روى غير هذا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: من قتل في زحام فان ديته على الناس من حضر ذلك في جمعة أو غيرها * قال على: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب ان ننظر فيما تحتج به كل طائفة فوجدنا أهل القول الاول يحتجون بما حدثنا حمام نا ابن مفرج الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن العزيز عن كتاب لعمر بن عبد العزيز قال: بلغنا " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن قتل يوم أضحى أو يوم فطر فان ديته على الناس جماعة " لانه لا يدرى من قتله، وهذا خبر مرسل ولا حجة في مرسل والذى نقول به: ان من ضغط في زحام حتى مات من ذلك الضغط (1) فقد عرفنا أن الجماعة تلك بعينها كلهم قتله إذ كلهم تضاغطوا حتى مات من ضغطهم فإذ قد عرف قاتلوه فالدية واجبة على عواقلهم بلا شك، فان قدر على ذلك فهو عليهم وان جهلوه فهم غارمون حيث كانوا وحق الغارمين واجب في صدقات المسلمين وفى سائر


(1) في النسخة رقم 14 من تلك الضغطة

[ 469 ]

الاموال الموقوفة لجميع مصالح المسلمين لقول الله تعالى: (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ترك دينا أو ضياعا فالى وعلى " وان كان مات من أمر لا يدرى من أصابة فديته واجبة على جميع الاموال الموقوفة لمصالح المسلمين لان مصيبه غارم أو عاقلته ولابد، وهذا هو نص الخبر وان كان لا يحتج به بارساله لكن معناه صحيح بالنصوص التى ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وقد حدثناه حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن معمر قال: قضى هشام بن سليمان في قوم كانوا في ماء فتماقلوا فمات واحد منهم في الماء فشهد اثنان على ثلاثة وثلاثة على اثنين فقضى بديته على جميعهم * حدثنا حمام نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا عبد الله بن يونس نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن أبى عدى عن أشعث عن الحسن أنه قال في قوم تناضلوا فأصابوا انسانا لا يدرى أيهم أصابه؟ قال: الدية عليهم * ورويناه من طريق الحجاج ابن المنهال نا حماد بن سملة انا سلمة بن كهيل وحماد بن أبى سليمان ان على بن أبى طالب قضى في ستة غلمة كانوا يتغاطون في النهر فغرق أحدهم فشهد اثنان على ثلاثة انهم غرقوه وشهد ثلاثة على اثنين انهما غرقاه فجعلي على بن ابى طالب ثلاثة أخماس الدية على الاثنين وخمسى الدية على الثلاثة * قال على: أما الرواية عن على بن أبى طالب فلا تصح ولو صحت لكان جميع الحاضرين من خصومنا مخالفين لحكمه فيها، وأما القول عندنا فهو ان الله تعالى حرم الاموال الا بيقين الحق لقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام " فلا يصح قضاء بدية (1) على أحد الا حيث أوجبها نص [ قرآن أو سنة ] عن رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم فإذا مات انسان في تغاظ أو نضال أو في وجه ماء فانه لا يحل أن يغرم من حضر شيئا من ديته ولا عواقلهم لاننا لا ندري أجميعهم قتله أو بعضهم واذ لا ندري من القاتل له فلا فرق بين الحاضرين وبين العابرين على السبيل والزامهم ديته أو عواقلهم ظلم لاشك فيه بل نوقن أن جميعهم لم يقتله فنحن على يقين من ان الزام جميعهم الدية ظلم لاشك فيه، فحق هذا أن يودى من سهم الغارمين أو من الاموال الموقوفة لمصالح جميع المسلمين لان الله تعالى افترض ديته بقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى


(1) في النسخة رقم 14 فلا يحل قضاء بدية (2) في النسخة رقم 14 أوجبها نص صحيح عن رسول الله

[ 470 ]

أهله) فلابد من دية مسلمة إلى أهله، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قد ذكرناه باسناده في مواضع من كتابنا هذا ولله الحمد " من قتل له قتيل بعد مقالتي هذه فاهله بين خيرتين بين أن يقتلوا أو يأخذوا العقل " أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالعقل واجب على كل حال في العمد والخطأ ولا يخلو قتيل من احد هذين الوجهين * قال أبو محمد: وهكذا من أصابه حجر لا يدرى من رماه أو سهم كذلك ولا فرق، ولو أن امرءا خرج إليه عدو في طريق فقتله وجماعة ثقات ينظرون إلى ذلك الا انهم لا يعرفون القاتل من هو فلما رآهم القاتل هرب وصار خلف ربوة أو في بيت أو في خان فاتبعته الجماعة فوجدوا خلف الرابية أو الخان أو البيت جماعة من الناس أو اثنين فصاعدا فيهم ثقات وغير ثقات فسألوهم من دخل عندكم الساعة؟ فقال كل امرئ منهم لا ندري كل امرئ منا مشغول بامره فاما المالكيون يقولون: يقذف كل من كان في الخان وكل من كان في البيت وكل من كان خلف الرابية في السجن الدهر الطويل حتى يكون موتهم خيرا لهم من الحياة وهذا ظلم عظيم متيقن وخطا عند الله تعالى بلا شك لانهم على يقين من أنهم كلهم مظلمون الا واحد افقد أقدموا على ظلم الف انسان بيقين وهم يدرون أنهم ظالمون لهم خوف أن يفلت ظالم واحد لا يعرفونه بعينه * قال أبو محمد: ويلزم من قال بهذا القول (1) على كل أن يقصد إلى أهل كل سوق فيقذفهم في الحبس لاننا ندرى أن فيهم آكل ربا بيقين وشارب خمر بيقين وكذلك يلزمهم في قتيل وجد في مدينة أو جزيرة ان يسجنوا جميع أهل تلك المدينة وأهل الجزيرة وإلا فقد تناقضوا أفحش تناقض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبطل هذا الحكم الفاسد بفعله (2) في أهل خيبر إذ قتل فيهم عبد الله بن سهل رضى الله عنه فما سجن أحد منهم بل قنع منهم بالايمان فقط على من ادعى عليه منهم أو بايمانهم * قال أبو محمد: ويبطل هذا أيضا قول الله تعالى: (ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس) وقوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث " فلا يحل لاحد الاقدام على أحد بالظن فكيف وهم ههنا قد اقدموا بالجور المحض والظلم المتيقن، والواجب في هذا أن لا يسجن واحذ منهم لكن من ادعى عليه حلف المدعون على حكم القسامة فان نكلوا حلف هو يمينا واحدة، وكذلك لو ادعوا على جماعة باعيانهم كل واحد منهم يحلف يمينا واحدة ويبرأ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء


(1) في النسخة رقم 14 هذا القول (2) في النسخة رقم 14 بقوله

[ 471 ]

قوم وأموالهم ولكن اليمين على من ادعى عليه " وان كان وجد في دار قوم أيضا حكم هناك بحكم القسامة وبالله تعالى التوفيق * 2072 مسألة فيمن أمر آخر بقطع يده أو بقتل ولده أو عبده أو بقتله نفسه * حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا احمد بن خالد نا على ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حمادبن سملة عن عمرو بن دينار قال ان رجلا قال لعبد: اقطع أذنى وأنت شريكي في الدية ففعل فاختصموا إلى ابن الزبير فقامت البينة على قوله فابطل ديته * قال على: قد أوجب الله تعالى في النفس الدية ان أرادها ولى المقتول على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وأوجب الله تعالى أيضا كذلك دية الاصابع على ما ذكرنا قبل، وحرم الله طاعة احد من الناس في معصية الله تعالى، وقد ذكرنا كل ذلك باسناده فيما سلف من ديواننا * حدثنا عبد الله بن يوسف نا احمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا احمد بن محمد نا احمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا قتيبة ناليث - هو ابن سعد - عن عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما احب أو كره، الا ان يؤمر بمعصية فان امر بمعصية فلا سمع ولاطاعة " * وبه إلى مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن زبيد عن سعد بن عبيد عن ابى عبد الرحمن السلمى عن على بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " انما الطاعة في المعروف " * قال أبو محمد: فحرام على كل من أمر بمعصية أن يأتمر لها فان فعل فاسق عاص لله تعالى وليس له بذلك عذر وكذلك الآمر في نفسه بما لم يصح الله تعالى له فهو عاص لله تعالى فاسق ولاعذر للمأمور في طاعته بل الآمر والذى يؤمر سواء في ذلك فالواجب أن يجب للآمر انسانا بقطع يد الآمر نفسه بغير حق أو بقتل عبده أو بقتل ابنه ما يجب له لو لم يأمر بذلك من القود أو الدية لان وجود أمره بذلك باطل لاحكم له في الاباحة أصلا، وكذلك من أباح لآخر أن يقتله ففعل فلا ولياء المقتول القود أو الدية، وقد قال مالك من أمر آخر بقتل عبده فقتله فلا شئ على المأمور، وقال الشافعي: من أمر آخر بقطع يد الآمر فلا شئ على القاطع * قال على: وهذان القولان في غاية الفساد لما ذكرنا، والعجب أنهم أصحاب قياس بزعمهم وهم لا يختلفون فيمن أمر انسانا بأن يزنى بأمته نفسه ففعل أن الحد عليه، فان قالوا: ان له بعد قطع يده وقتل أبيه وغلامه أن يعفو وليس له أن يعفو بعد الزنا بأمته قيل

[ 472 ]

لهم أن وقت العفو لم يأت بعد فليس له أن يعفو وهم لا يختلفون فيمن قال: من قتل ابن عمى فلان بن فلان فقد عفوت عنه فقتله قاتل فان له القود فبطل تظيرهم، وبالله تعالى التوفيق * 2073 مسألة في قول الله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) قال الله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن، والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له) * قال على: من قرأوالعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص بالرفع في ذلك كله لا بالعطف على النفس بالنفس فهو حكم ثابت علينا لازم لنا، ومن قرأها بالنصب في كل ذلك فهو معطوف على ان النفس بالنفس وأن ذلك من حكم التوراة * قال أبو محمد: وكلتا القراءتين حق مشهور من عند الله تعالى فكلا المعنيين حق فكان ذلك مكتوبا في التوراة، وكل ذلك أيضا مكتوب علينا بحق فإذ ذلك كذلك فواجب أن ينظر في معنى قوله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) فوجدنا ما ناه حمام نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا عبد الله بن يونس المرادى نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أي شيبة ناوكيع عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن الهيثم بن الاسود عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) قال: هدم عنه من ذنوبه مثل ذلك * قال أبو محمد: فهذا يدل على أنه كفارة لذنوب المجروح المتصدق بحقه * وبه إلى أبى بكر بن أبى شيبة نا هشيم عن مغيرة عن ابراهيم النخعي في قوله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) قال للمجروح، وبه إلى أبى بكر بن أبى شيبة نا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الحسن قال: (فمن تصدق به فهو كفارة له) * قال للمجروح، وعن الشعبى قال للذى تصدق به * على: وقيل غير هذا كما روينا بالسند المذكور إلى أبى بكر ابن ابى شيبة نا الفضل بن دكين ويحى بن آدم عن سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: (فهو كفارة له) قال للمجروح وأجر المتصدق على الله تعالى * وعن جابر بن زيد قال للمجروح، وعن مجاهد في قوله تعالى: (فهو كفارة له) وأجر المتصدق على الله * ومن طريق وكيع نا سفيان عن زيد بن أسلم انه سمعه يقول: ان عفا عنه أو اقتص منه أو قبل منه الدية فهو كفارة له * ومن طريق ابن ابى شيبة نا جرير ووكيع قال وكيع عن سفيان ثم التفق جرير وسفيان كلاهما عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: كفارة للذى تصدق عليه واجر الذى أصيب على الله تعالى * قا أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب ان نفعل ما امرنا الله تعالى به

[ 473 ]

إذ يقول: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) الآية ففعلنا فوجدنا نص قوله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) جاء بلغة العرب كما قال تعالى (بلسان عربي مبين) ووجدنا في لغة العرب الضمير راجعا ولابد إلى اقرب مذكور الا بدليل ووجدنا اقرب مذكور إلى (فهو كفارة له) الضمير الذى في تصدق به وهو ضمير المجني عليه المتصدق فلا يجوز اخراجه عن هذا الا بدليل ولا دليل على ذلك وأما المتصدق عليه فان الجاني فيما دون النفس إذا عفا عنه المجني عليه فان غفر له وتصدق بحقه عليه فلا شك في انه مغفور له ومكفر عنه لان صاحب الحق قد اسقط حقه قبله، واما إذا لم يغفر له ولكنه أخر طلبه إلى الآخرة واسقطه في الدنيا فبلا شك ندرى ان حقه باق له قبله وانه سيقتص يوم القيامة من حسناته، واما من قتل آخر فعليه حقان حق المقتول في ظلمه اياه وحق الولى في اخذ القود. فان عفا الولى فانما عفا عن حق نفسه ولا عفو له في حق غيره - وهو المقتول - فحق المقتول باق عليه كما كان لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وكما اخبر صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق مسلم نا قتيبة. وابن حجر قالا جميعا: نا اسماعيل - هو ابن جعفر - عن العلاء هو ابن عبد الرحمن - عن ابيه عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لادرهم له ولامتاع فقال: ان المفلس من امتى يأتي يوم القيمة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا واكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل ان يقضى ما عليه اخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار لتؤدن الحقوق إلى اهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " * ومن طريق البخاري نا عمر بن حفص بن غياث نا ابى نا الاعمش حدثنى شقيق قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: اول ما يقضى بين الناس في الدماء " * وبه إلى البخاري نا اسماعيل - هو ابن ابى أويس - نا مالك عن سعيد ابن ابى سعيد المقبرى عن ابى هريرة " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كانت له مظلمة لاخيه فليتحلله منها فانه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل ان يؤخذ لاخيه من حسناته فان لم تكن له حسنات يؤخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه " * ومن طريق البخاري نا الصلت بن محمد نا يزيد بن زريع نا سعيد بن ابى عروبة عن قتادة عن ابى المتوكل الناجى ان ابا سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخلص المؤمنون من النار فيحسبون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص (م 60 - ج 10 المحلى)

[ 474 ]

لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لاحدهم أهدى إلى منزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا " قال على: وأما إذا قتل قودا فقد انتصف منه كما أمر الله تعالى فلا تبعة عليه، وبالله تعالى التوفيق * 2074 - مسألة - في امرأة نامت بقرب أبنها أو غيره فوجد ميتا * قال على: نا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي في امرأة شربت دواء فالقت ولدها قال: تكفر، وقال في امرأة أنامت صبيها إلى جنبها فطرحت عليه ثوبا فاصبحت وقد مات قال أحب الينا أن تكفر * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح ناموسى بن معاوية نا وكيع نا مغيرة عن ابراهيم انه قال في امرأة غطت وجه صبى لها فمات في نومه فقال تعتق رقبة * قال أبو محمد: ان مات من فعلها مثل أن تجر اللحاف على وجهه ثم ينام فينقلب فيموت غما أو وقع ذراعها على فمه أو وقع ثديها على فمه أو رقدت عليه وهى لا تشعر فلا شك انها قاتلته خطأ فعليها الكفارة وعلى عاقلتها الدية أو على بيت المال وان كان لم يمت من فعلها فلا شئ عليها في ذلك ولا دية أصلا فان شكت أمات من فعلها أم من غير فعلها فلا دية في ذلك ولا كفارة لاننا على يقين من براءتها من دمه ثم على شك أمات من فعلها أم لا والاموال محرمة الا بيقين والكفارة ايجاب شرع والشرع لا يجب الا بنص أو اجماع فلا يحل أن تلزم غرامة ولا صياما ولا أن تلزم عاقلتها دية بالظن الكاذب وبالله تعالى التوفيق * 2075 - مسألة - هل بين الاجير ومستأجره قصاص * قال على: روى عن بعض التابعين ليس بين الاجير ومستأجره قصاص إلا أن يتعدى فيجب العقل بعد القسامة وهذا خطا لان الله تعالى لم يفرق بين المستاجر وغيره وليس الا خطأ أو عمد فلا شئ في الخطأ إلا ما أوجبه الله تعالى في النفس، وأما العمد ففيه القصاص سواء الاجير والمستاجر كما قال الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * 2076 مسألة - في ميراث الدية * قال على: اختلف الناس في كيف تورث الدية فقالت طائفة: الدية للعصبة، وقال آخرون: هي لجميع الورثة كما نا محمد بن سعيد

[ 475 ]

ابن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أبو معاوية محمد بن حازم الضرير عن ليس بن أبى سليم عن أبى عمرو العبدى عن على بن أبى طلب قال: تقسم الدية على ما يقسم عليه الميراث * وبه إلى قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية ناوكيع نا سفيان عن عمار عمن سمع عليا يقول: لقد ظلم من منع الاخوة من الام نصيبهم من الدية * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن سالم عن الشعبى عن عمر بن الخطاب أنه قال: يرث من الدية كل وارث والزوج والزوجة في الخطا والعمد * وبه إلى أبى بكر بن أبى شيبة نا جرير عن مغيرة عن ابراهيم قال في الرجل يقتل عمدا فيعفو بعض الورثة قال: لامرأته ميراثها من الدية * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا اسباط بن محمد عن هشام عن الحسن قال: ترث المرأة من دم زوجها * ومن طريق أبى بكر بن بى شيبة نا معن بن عيسى عن ابن أبى ذئب عن الزهري قالك إذا قبل العقل في العمد كان ميراثا ترثه الزوجة وغيرها * وعن أبى قلابة انه كان يتحدث أن الدية سبيلها سبيل الميراث * وعن الشعبى قال: الدية للميراث * وعن ابن جريج قال قلت لعطاء العقل كهيئة الميراث؟ قال: نعم قلت وترث الاخوة من الام منه؟ قال: نعم * وعن عمر بن عبد العزيز انه كتب في الاخوة من الام يرثون في الدية وكل وارث * قال أبو محمد: والقول الثاني كما حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ما أرى الدية إلا للعصبة لانهم يعقلون عنه فهل سمع أحد منكم في ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقال الضحاك بن سفيان الكلابي - وكان النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على الاعراب - كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امراة أشيم الضبابى من دية زوجها فاخذ عمر بذلك، وبه إلى عبد الرزاق نا معرم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه كان لا يورث الاخوة من الام من الدية شيئا * قال أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر فيما اختلفوا فيه لنعلم حجة كل طائفة منهم فتبع الحق حيث كان بعون الله تعالى فوجدنا حجة من قال: لا يرث من الدية إلا العصبة ان ذكروا ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا مسدد نا يحيى بن سعيد القطان نا ابن أبى ذئب نا سعيد بن أبى سعيد المقبرى قال سمعت أبا شريج الكعبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا " *

[ 476 ]

قال على: فوجدنا هذا الخبر لاحجة لهم فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية لمن له أن يستقيد وأخبر أنهم أهله والاخوة للام والزوج والزوجة يقع عليهم اسم أهل على ما نذكر ان شاء الله تعالى في باب من له عن القود العفو أو القصاص، وقد صح النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قلتم كما روينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا ليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أنه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بنى لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة غير أن المرأة التى قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها [ وزوجها ] (1) وأن العقل على عصبتها * قال أبو محمد: فصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالميراث لغير من قضى عليه بالعقل فبطل قولهم بيقين، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الخطأ بان الدية لاهل المقتول مسلمة، وأن الدية في العمد لاهل المقتول واجبة لهم ان أرادوا أخذها، وصح انه ليس للقتل نوع الاعمد أو خطا فصحت الدية بيقين لاهل المقتول والزوجة من أهله كما روينا من طريق البخاري نا الاويسى نا ابراهيم - هو ابن سعد - عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال أخبرني عروة. وابن المسيب. وعلقمة بن وقاص وعبيدالله ابن عبد الله بن عتبة عن عائشة حين قال لها أهل الافك ما قالوا قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن ابى طالب. واسامة بن زيد حين استلبث الوحى يسألهما وهو يستشيرهما في فراق أهله فاما أسامة فاشار بالذى يعلم من براءة أهله وأما على فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير واسأل الجارية تصدقك فقال: هل رأيت من شئ ريبك قالت: ما رأيت شيئا (2) أكثر من انها جاريه حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتاتي الداجن فتأكله فقام على المنبر فقال: " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلى وانه (3) ما علمت من أهلى الا خيرا " ومن طريق عروة قال: لما أخبرت عائشة بالامر قالت: يا رسول الله أتاذن لى أن انطلق إلى أهلى؟ فاذن لها وأرسل معها الغلام، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمى زوجته أهلا وأخبر انها أهله وقد قالت له بريرة: تنام عن عجين أهلها وبلا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له في ذلك العجين نصيب فهو عليه الصلاة والسلام أهلها أيضا، وقد استاذنته في الانطلاق إلى أهلها وقد كان لها أخ لام معروف فصح أن هؤلاء كلهم داخلون في الاهل فإذ الدية بنص القرآن ونص السنة للاهل والزوجة والزوج والاخوة للام أهل فحظهم في الدية


(1) الزيادة من النسخة رقم 45 (2) في النسخة رقم 14 امرا (3) في النسخة رقم 45 والله

[ 477 ]

واجب كسائر الورثة، ولا خلاف بين أحد من الامة كلها في أن الدية موزونة على حسب المواريث لمن وجبت له، وعلى هذا اعتماد نا في توريث من ذكرنا من الدية، وأما الاحاديث الواردة في ذلك غير ما ذكرنا فواهية لا تصح وأحسن ما فيها حديث الضحاك بن سفيان الضبابى الكلابي الذى ذكرنا آنفا وهو منقطع لم يسمعه منه سعيد بن المسيب * قال أبو محمد: فلو أن امرءا نذر نذرا لله تعالى أن يتصدق بكل ما ورث عن فلان ثم قتل ذلك الفلان خطأ أو عمدا فانه لا يلزمه أن يتصدق بما يقع له من ديته في العمد والخطأ لانه لم يرثه عنه * 2077 مسألة فذكر ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في المقتتلين أن يحتجزوا * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاويه نا أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا الوليد بن مسلم عن الاوزاعي حدثنى حصن حدثنى أبو سلمة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " وعلى المقتتلين أن يحتجزوا الاول فالاول وان كانت امرأة " * قال أبو محمد: فماج الناس في تفسير هذا الخبر، وجكى أحمد بن محمد الطحاوي أنه سأل عن تفسير هذا الخبر محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وأحمد بن أبى عمران. وابراهيم المزني فاما محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فلم يجبه بشئ واعترف له بأنه لا يدرى ما معناه، وأما أحمد بن أبى عمران فقال له: هذا يخرج منه جواز عفو النساء عن الدم، وأما المزني فقال له: معناه النهى عن القتال في غير الحق * قال أبو محمد: أما ابن عبد الحكم فاحسن إذ سكت عن شئ لم يتبين له وجهه، وأما ابن أبى عمران فقال قولا فاسدا لانه لا يفهم أحد من قول قائل على المقتتلين أن يحتجزوا الاول فالاول، وان كانت امرأة أنه يجوز عفو النساء من الدم أو لا يجوز وهذا سمج جدا، وما يعجز أحد من أن يدعى فيما شاء ما شاء إذا لم يحجزه ورع أو حياء، وأما المزني فانه قال الكلام الصحيح الذى لا يجوز لاحد أن يقول غيره وهو مقتضى لفظ الخبر ومفهومه الذى لا يفهم منه غيره وهو أنه واجب على المقتتلين أن ينحجز بعضهم عن بعض فلا يقتتلون وان يبدأ بالانحجاز الاول فالاول لان الاولين من المقتتلين هم المتصادمون قبل الذين من خلفهم فغرض الانحجاز واقع على الاول فالاول من المقتتلين ولو أنه امرأة لان القتال فيما بيننا محرم، هذا على أن الخبر لا يصح وحصن مجهول * 2078 مسألة فيمن له العفو عن الدم ومن لاعفو له * اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: العفو جائز لكل أحد ممن يرث وللزوجة والزوج وغيرهما ثان عفا أحد

[ 478 ]

ممن ذكر نا فقد حرم القصاص ووجبت الدية لمن لم يعف، وقال آخرون: العفو للرجال خاصة دون النساء، وقالت طائفة: من أراد القصاص فذلك له ولا يلتفت إلى من أراد الدية أو العفو ما لم يتفقوا على ذلك * فالقول الاول كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا الاعمش عن زيد بن وهب أن رجلا قتل امرأته ولها اخوة فعفا أحدهم فاجاز ذلك عمر بن الخطاب ورفع عن القاتل نصيب الذى عفا وغرمه نصيب الذى لم يعف قال سعيد: ونا سفيان بن عيينة. وأبو عوانة كلاهما عن الاعمش عن زيد بن وهب بمثله * وروينا من طريق أبو بكر بن أبى شيبة نا وكيع نا الاعمش عن زيد بن وهب قال: رأى رجل مع امرأته رجلا فقتلها فرفع إلى عمر بن الخطاب فوهب بعض أخوتها نصيبه له فامر عمر سائرهم أن يأخذوا الدية * وعن ابراهيم النخعي في رجل قتل رجلا متعمدا فعفا بعض الاولياء فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال لعبدالله بن مسعود: قل فيها فقال: أنت احق أن تقول: يا أمير المؤمنين فقال عبد الله: إذا عفا بعض الاولياء فلا قود يحط عنه بحصة الذى عفا ولهم بقية الدية فقال عمر ذلك الرأى وافقت مافى نفسي * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الاعمش عن زيد بن وهب أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجلا قتل رجلا فجاء أولياء المقتول فارادوا قتله فقالت أخت المقتول وهى امرأة القاتل: قد عفوت عن حصتي من زوجي فقال عمر: عتق الرجل من القتل * وعن ابراهيم قال: عفو كل ذى سهم جائز * وعن ابن جريج قال: قال عطاء في رجل قتل رجلا عمدا فعفا أحد بنى المقتول واب الآخر: فانه يعطى الذى لم يعف شطر الدية * وعن قتادة إذا عفا أحد الاولياء فانما تكون دية ويسقط عن القاتل بقدر حصة الذى عفا * وعن عمر بن عبد العزيز إذا عفا أحدهم فالدية * وأما القول الثاني فكما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: العفو إلى الاولياء ليس للمرأة عفو * ومن طريق أبى بكر بنأبى شيبة نا ابو خالد عن أشعث عن الزهري قال: صاحب الدم اولى بالعفو، وعن قتادة لا عفو للنساء فإذا كانت الدية فلها نصيبها * وعن الحسن البصري ليس للنساء عفو * وعن عمر بن عبد العزيز لاعفو للمرأة في العمد * وعن ابراهيم النخعي ليس للزوج ولا للمرأة عفو * وعن الزهري. وربيع. وأبى الزناد قال ربيعة: ليس للام عفو والولى ولى حيث كان والبنت تعفو مع ولاة الدم ولا تعفو الولاة دونها، وقال الزهري: وليه أولى بذلك، وقال أبو الزناد: أما العفو فلولى المقتول ان شاء قتل وان شاء عفا *

[ 479 ]

وأما المتأخرون فان أبا حنيفة. وسفيان الثوري. والحسن بن حى. والاوزاعي. والشافعي قالوا بما روى عن عمر بن الخطاب. وابن مسعود أن لكل وارث عفوا ولا يقتل الا باجتماعهم على قتله، وقال ابن شبرمة، والليث: ليس للنساء عفو وقال ابن أبى ليلى لكل وارث عفو الا الزوج والزوجة فلا عفو لهما، وقال مالك: الامر المجتمع عليه عندنا في الرجل يقتل عمدا وليس له ولاة الا النساء والعصبة فاراد العصبة أن يعفو عن الدم وأبى بنات المقتول فانه لاعفو للعصبة ويقتل به قاتله فان أراد بنات المقتول أن يعفون وأبى العصبة فلا عفو للبنات والقول ما قال العصبة ويقتل القاتل إذا لم يجتمع على العفو، وكذلك ان كانت له ابنة واحدة فارادت القتل وعفا العصبة فيقتل ولا عفو للعصبة، ورأى إذا كان للمقتول ابن وابنة أنه لاعفو للابنة مع الابن ولكن ان عفا الابن جاز على الابنة ورأى عفو الاقرب فالافرب من العصبة جائزا على الابعد منهم * قال أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر فيما احتجت به كل طائف لقولها لنعلم الحق من ذلك فنظر نا فيما قالت به الطائفة القائلة بان عفو كل ذى سهم جائز فوجدناهم يقولون بقول الله تعالى: (وان تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم) فلما كان العفو أقرب للتقوى وجب أن من دعى إلى من هو أقرب للتقوى كان قول أولى، وذكروا في ذلك ما روى عن أنس بن مالك أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شئ فيه قصاص الاأمر بالعفو قالوا: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر في كل قصاص رفع إليه بالعفو فوجب أن يكون العفو مغلبا على القود، وهذا أيضا حكم قد جاء عن عمر. وابن مسعود بحضرة الصحابة رضى الله عنهم ولا يعرف لهما مخالف فهذا كل ما احتجوا به ما نعرف لهم شيئا غيره أصلا، ثم نظرنا في قول من قال: العفو لجميع الورثة الا الزوج والزوجة فلم نجد لهم شبهة إلا ان يقولوا ليسا من العصبة ولا يعقلان مع العاقلة، ونظرنا في قول من قال: العفو للرجال خاصة دون النساء فلم نجد لهم شبهة أصلا الا ان يقولوا انهن لايرثن الولاء ولا الولاية في الانكاح فكذلك لا عفو لهن، وأما من قال بالفرق بين الزوجين وبين سائر الورثة من أجل ان الزوجين ليسا من العصبة فقول في غاية الفساد، ومن أين خرج لهم ان هذا الامر للعصبة وهذا حكم ما جاء به من عند الله تعالى أمر ولا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بالطل، واما انهما لا يعقلان مع العاقلة فنعم فكان ما ذا وما الذى أدخل حكم العاقلة في حكم العفو من الدم؟ والعاقلة إنما هي في القتل في الخطا خاصة والعفو إنما هو في العمد خاصة فما الذى جمع بين حكم العمد والخطا؟ ثم نظرنا في قول من رأى العفو للرجال دون النساء فوجدناه أيضا فاسدا لانه قياس، والقياس

[ 480 ]

كله باطل ثم نظرنا في قول مالك فوجدناه في غاية التناقض بلا دليل اصلا لانه مرة غلب من دعى إلى القتل وذلك في الابنة مع العصبة فرأى أن دعا العصبة إلى القتل وعفت الابنة ان القول قول العصبة، واحتج بانها قد يدخلها زوجها إلى العفو وأمرها إلى الضعف وان عفا العصبة ودعت الابنة إلى القتل فالقول قول الابنة، واحتج بانها المصابة بابيها فمرة راعى ضعفها وادخال زوجها لها إلى العفو ولم يراع مصيبتها ومرة غلب من دعى إلى العفو، وذلك في البنين يعفو احدهم دون الآخرين (1) ومرة غلب الرجال على النساء وذلك في البنات مع الابن، وهذه أقوال ظاهرة التناقض يهدم بعضها بعضا لاحجة لشئ منها لافى قرآن ولاسنة صحيحة ولاسقيمة ولاقياس ولا في اجماع ولا في قول صاحب، فكان هذا القول أسقط من سائر الاقوال، ثم نظرنا في حجة من أجاز عند كل وارث وغلبه فوجدناهم يقولون قال الله تعالى: (وان تعفوا أقرب للتقوى) وقال تعالى: (ولكم في القصاص حياة) فاعلي ما يريده أهل هذا القول أن يكون العفو أعظم أجرا والقصاص بلاشك مباح وإذا كان كلاهما مباحا فلا يجوز بلا خلاف أن يجبر على الافضل من لا يريده غير راغب فبطل ان يكون في هذه الآية دليل على سقوط حق من أراد القصاص إذا عفا أحد الورثة وهكذا القول في حديث أنس ان صح انه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم قط رفع إليه شئ فيه قصاص الا أمر فيه بالعفو لانه لم يختلف اثنان من الامة في أنه ان صح فانه امر ندب لا امر الزام فإذ ذلك كذلك فلا خلاف في أنه لا يجوز أن يجبر على الافضل من لا يريده غير راغب عنه إذا أراد ما أبيح له فبطل أن يكون لهم في هذا الخبر تعلق * قال أبو محمد: فلما سقطت هذه الاقوال كلها وتعرت من الادلة وجب علينا إذ تنازعوا أن نرجع إلى ما افترض الله تعالى علينا الرجوع إليه عند التنازع إذ يقول تعالى (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) الآية ففعلنا فوجدنا الله تعالى قد قال: (ولكم في القصاص حياة) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قتل له قتيل فاهله بين خيرتين بين أن ياخذوا العقل وبين أن يقتلوا) فجعل الله تعالى القصاص حقا وجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام أهل القتيل بين خيرتين إما أخذ العقل وأما القتل فساوى بين الامرين أيهما شاوا، وكما روينا من طريق مسلم نا إسحاق بن منصور أنا بشر بن عمر - هو الزهراني - (2) سمعت مالك بن أنس يقول: حدثنى أبو ليلى


(1) في النسخة رقم 14 عن الاخرين (2) في النسخة رقم 14 بشر بن عمر وهو الزهري وهو غلط صححناه من تقريب التهذيب

[ 481 ]

ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل بن أبى حثمة انه أخبره عن رجال من كبراء قومه ان عبد الله بن سهل. ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محيصة واخبر أن عبد الله بن سهل قتل وطرح في عين أو فقير (1) فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه قالوا: والله ما قتلناه ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك ثم أقبل هو واخوه محيصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر الكبر اما ان يدوا صاحبكم وأما أن يؤذنوا بحرب فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في ذلك فكتبوا انا والله ما قتلناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم قولوا: لا وذكر الحديث * وبه إلى مسلم حدثنى عبيدالله بن عمر القواريرى نا حماد بن زيد نا يحيى بن سعيد عن بشير ابن يسار عن سهل بن أبى حثمة. ورافع بن خديج " أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة. ومحيصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغر منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبر الكبر أو قال: ليبدأ الاكبر فتكلما في أمر صاحبهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقسم خمسون منكم على رجل عنهم فيدفع برمته فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف " وذكر باقى الخبر، ففى هذا الخبر الثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الحق في طلب الدم لابن العم [ لسنه ] (2) كما جعله للاخ للاب الوارث دون ابن العم وانه عليه الصلاة والسلام بدأ ابن العم لسنه فبطل بهذا قول من راعى ان الحق للاقرب فالاقرب أو للوارث دون غيره وصح أن الحق للاهل كما جاء في القرآن والسنة الصحيحة وابن العم من الاهل بلاشك في لغة العرب وهذا هو الاجماع الصحيح لانه كان بعلم الصحابة بالمدينة إذ قتل مثل عبد الله بن سهل وقيام بنى حارثة في طلب دمه لا يمكن استتار مثله عن أحد من قومه وعن المهاجرين فادا الحق للجيمع سواء فمن الباطل أن يغلب أحدهم على الآخرين منهم الا بنص أو اجماع ولا نص ولا اجماع في ذلك، ثم نظرنا إذا عفا أحد الاهل ولم يعف غيره منهم بعد صحة الاتفاق من اجماع الامة على انهم كهم ان اتفقوا على القود نفذ وان اتفقوا على العفو نفذ وقيام البرهان على انهم ان اتفقوا على الدية أو المفاداة نفذ ذلك فوجدنا القود والدية قد ورد التخيير فيهما ورودا واحدا ليس أحدهما مقدما على الآخر فلم يجز أن يغلب عفو العافى [ على ارادة من أراد القصاص ولا ارادة من أراد القصاص على عفو العانى ] (3) إلا بنص أو اجما ع ولا نص ولا اجماع


(1) هو البئر (2) الزيادة من النسخة رقم 45 (3) الزيادة من النسخة رقم 45 (م 61 - ج 10 المحلى)

[ 482 ]

في تغليب العافى فنظرنا في ذلك فوجدنا الله تعالى يقول (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) فوجب بهذه الآية أن لا يجوز عفو العافى عمن لم يعف ووجدنا القاتل قد حل دمه بنفس القتل كما حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد ابن بكر نا أبو داود سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنا مع عثمان بن عفان رضى الله عنه - وهو محصور - فخرج الينا وهو متغير لونه فقال: يتواعدونى بالقتل آنفا وبم يقتلونني؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث رجل كفر بعد اسلامه أو زنى بعد احصان أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل فوالله ما زنيت في جاهلية ولا اسلام قط ولا أحببت أن لى بدينى بدلا مذ هدانى الله تعالى ولا قتلت نفسا " * قال أبو محمد: فصح بقول النبي صلى الله عليه وسلم أن من قتل نفسا فقد خرج دمه من التحريم إلى التحليل بنفس قتله من قتل، فإذ صح هذا فالقاتل متيقن تحليل دمه والداعى إلى أخذ القود داع إلى ما قد صح بيقين وذلك له والعافي مريد تحريم دم قد صح تحليله بيقين فليس له ذلك الا بنص أو اجماع ومريد أخذ الدية دون من معه مريد اباحة أخذ مال والاموال محرمة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام " والنص قد جاء باباحة دم القاتل كما قلنا بيقين قتله ولم يأت نص باباحة الدية الا بأخذ الاهل لها، وهذا لفظ يقتضى اجماعهم على أخذها فالدية ما لم يجمع الاهل على أخذها لا يحل أخذها إذ لم يبحها نص ولا اجماع فبطل بيقين وصح أن من دعا إلى القود فهو له وهو قول مالك في البنات مع العصبة الا أنه ناقض في ذلك مع البنين والبنات وفى بعض البنين مع بعض * قال أبو محمد: والذى نقول به أن كل ذلك سواء وان الحكم للاهل وهم الذين يعرف المقتول بالانتماء إليهم كما كان يعرف عبد الله بن سهل بالانتماء إلى بنى حارثة وهم الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقسم منهم خمسون ويستحقون القود أو الدية وان من أراد منهم القود سواء كان ولدا أو ابن عم [ أو ابنة ] أو أختا أو غير ذلك من ام أو زوج أو زوجة أو بنت عم أو عمة فالقود واجب ولا يلتفت إلى عفو من عفا ممن هو أقرب أو أبعد أو أكثر في العدد لما ذكرنا فان اتفق الورثة كلهم على العفو فلهم الدية حينئذ ويحرم الدم فان أراد أحد الورثة العفو عن الدية فله ذلك في حصته خاصة إذ هو مال من ماله وبالله تعالى التوفيق * 2079 مسالة مقتول كان في أوليائه غائب أو صغير أو مجنون، اختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة: إذا كان للمقتول بنون وفيهم واحد كبير وغيرهم صغاران

[ 483 ]

للواحد الكبير أن يقتل ولا ينتظر بلوغ الصغار قال: فان كان فيهم غائب لم يكن للحاضرين أن يقتلوا (1) حتى يقدم الغائب وهو قول الليث بن سعد * وبه يقول حماد بن أبى سليمان، وقال مالك مثل ذلك سواء سواء وزاد أن المقتول إذا كان له ولد صغير وأخ كبير أو أخت كبيرة فللاخ أو للاخت أن يقتلا قودا ولا ينتظر بلوغ الصغير، وكذلك للعصبة أيضا وهو قول الاوزاعي، ورأى مالك للعصبة إذا كان الولد صغير ان يصالحوا على الدية وينفذ حكمهم، وقال ابن أبى ليلى: والحسن بن حى. وابو يوسف. ومحمد. والشافعي لا يستقيد الكبير من البنين حتى يبلغ الصغير، وروى هذا القول عن عمر بن عبد العزيز * قال أبو محمد: والظاهر من قولهم: ان المجنون كالصغير فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر فيما احتجت به كل طائفة لنعلم الحق فنتبعه، فنظرنا في قول أبى حنيفة فوجدناه ظاهر التناقض إذا فرق بين الغائب والصغير ووجدنا حجتهم في هذا أن الغائب لا يولى عليه والصغير يولى عليه قالوا: وكما كان أحد الوليين (2) يزوج إذا كان هنالك صغير من الاولياء فكذلك يقتل، وقالوا: قد قتل الحسن بن على رضى الله عنهما عبد الرحمن بن ملجم قاتل على ولعلى بنون صغار وهم بحضرة الصحابة رضى الله عنهم دون مخالف يعرف له منهم * قال على: أما احتجاجهم بفعل الحسن بن على فهو لازم للشافعيين ولمن وافق من الحنيفيين أبا يوسف. ومحمد بن الحسن لانهم يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم * قال أبو محمد: فلئن كان مثل هذا اجماعا فلقد شهد الحنيفيون على شيخهم بخلاف الاجماع فان كفروهما بهذا أو بدعوهما فما يحل لهم أخذ ديتهم عن كافر ولا عن مبتدع وان عذروهما في ذلك فلنا من العذر ماليعقوب ومحمد وقد بطل تشنيعهم في الابد بمثل هذا، وهذا واضح ولله الحمد * قال أبو محمد: فكان من اعتراض الشافعيين ان قالوا: ان الحسن بن على رضى الله عنهما كان اماما فنظر في ذلك بحق الامامة وقتله بالمحاربة لاقودا، وهذا ليس بشئ لان عبد الرحمن بن ملجم لم يحارب ولا أخاف السبيل وليس للامام عند الشافعيين ولا للوصي أن يأخذ القود لصغير حتى يبلغ فبطل تشنيعهم (3) إلا أن هذه القصة عائدة على الحنيفيين


(1) في النسخة رقم 45 للحاضر أن يقتل (2) في النسخة رقم 14 أحد الاولياء (3) في النسخة رقم 14 شغبهم

[ 484 ]

بمثل ما شغبوا به على الشافعيين سواء سواء لانهم والمالكيون لا يختلفون في أن من قتل آخر على تأويل فقود في ذلك ولا خلاف بين أحد من الامة في أن عبد الرحمن ابن ملجم لم يقتل عليا رضى الله عنه الا متأولا مجتهدا مقدرا انه على صواب، وفى ذلك يقول عمر ابن حطان شاعر الصفرية: يا ضربة من تقى ما أراد بها * الا ليبلغ من ذى العرش رضوانا انى لاذكره حينا فاحسبه * أو في البرية عند الله ميزانا أي لاأفكر فيه ثم أحسبه، فقد حصل الحنيفيون من خلاف الحسن بن على على مثل ما شغبوا (1) به على الشافعيين وما ينقلون أبدا من رجوع سهامهم عليهم، ومن الوقوع فيما حفروه فظهر تناقض الحنيفيين والمالكيين في الفرق بين الغائب والصغير، وأما قولهم ان الصغير يولى عليه والغائب لا يول عليه فلا شبهة [ لهم ] (2) في هذا لان الغائب يوكل له أيضا كما يولى على الصغير، وأيضا فان الوصي عندهم لايقتص للصغير فبطل تمويههم جملة * قال أبو محمد: والذى نقول به قد قدمنا في الباب الذى قبل هذا ان القول قول من دعى إلى القود فللكبير وللحاضر العاقل أن يقتل ولا يستأنا بلوغ الصغير ولا افاقة المجنون ولا قدوم الغائب فان عفا الحاضرون البالغون لم يجز ذلك على الصغير ولا على الغائب ولا على المجنون بل هم على حقهم (3) في القود حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون فإذا كان ذلك فان طلب أحدهم القود قضى له به وان اتفقوا كلهم على العفو جاز ذلك حينئذ لما ذكرنا في الباب الذى قبل هذا وبالله تعالى التوفيق * قال على: فان مات الصغير أو الغائب أو المجنون كان حينئذ رجوع الامر إلى من بقى من الورثة ولا يلزم من عفا فلم ينفذ عفوه ذلك العفو الذى قد بطل بل له الرجوع فيه لانه لاحكم له في نص ولا اجماع وانما العفو اللازم عفو صح بامضائه نص أو اجماع فقط لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ومن عفا دون سائر الاهل فقد عمل عملا ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فهو رد * قال على: ومن مات من الاهل لم يورث عنه الخيار لان الخيار للاهل بنص حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان من الاهل فله الخيار ومن لم يكن من الاهل فلا خيار له أصلا إذ لم يوجب ذلك نص ولا اجماع والخيار ليس ما لا فيورث وانما جعل


(1) في النسخة رقم 45 ما شنعوا (2) الزيادة من النسخة رقم 45 (3) في النسخة رقم 45 على فقههم

[ 485 ]

الله الميراث فيما ترك الموروث والخيار ليس مالا موروثا ولو كان الخيار مالا موروثا لوجب فيه حق أهل الوصية بالثلث فدونه * قال أبو محمد: فان كان الوارث صغيرا أو مجنونا أو غائبا ولا وارث هنالك غيره فقد وجب القود بلا شك ولا تجب الدية ولا المفادات الا برضى الوارث أو بتراض منه ومن القاتل وقد علمنا ان الصغير والاحمق لارضى لهما والقود حق قد وجب لهما بيقين فاخذه واجب على كل حال يأخذه لهما الولى أو السلطان، وهكذا الغائب ولا فرق بين أخذ حظهم في القود وأخذ حظهم في الاموال والعفو جائز والابراء للغائب في كلا الامرين جوازا واحدا إذ كل ذلك حق له تركه، وكذلك القول في الصغير والمجنون سواء سواء وليس هذا قياسا ومعاذ الله من ذلك لكنه حكم واحد في حقين وجبا وجوبا واحدا ووجب لمن يجوز أمره العفو عنهما سواء سواء وليس أحدهما أصلا والثانى فرعا بل هما أصلان معا ولا أحدهما منصوصا عليه والآخر غير منصوص عليه بل كلاهما منصوص عليه لوجوب الانتصاف من القود ومن المال وبالله تعالى التوفيق * 2080 - مسألة - عفو الاب عن جرح ابنه الصغير أو استقادته له أو في المجنون كذلك * روينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أبى اسحاق الشيباني عن الشعبى قال: إذا وهب الشجة الصغيرة التى تصيب ابنه جازت عليه * قال على: تفريق الشعبى رحمه الله بين الشجة الصغيرة والكبيرة لا معنى له وقد قال الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) وحق الصغير والمجنون قد وجب فلا يجوز أن يسقطه له غيره لانه كسب عليه وهذا مالا اشكال فيه، وقد أجمعوا على أن للاب والولى أن يطلبا وأن يقتصا كل حق للصغير والمجنون في مالهما وأنه ليس للاب ولا للولى في ذلك عفو ولا إبراء فهلا قاسوا أمر القصاص لهما على أمر المال ولكنهم لا القياس يحسنون ولا النص يتبعون * قال أبو محمد: والقول في ذلك ان الله تعالى قال: (والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له) وقال تعالى: (والحرمات قصاص) وقال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فصح بهذه النصوص أن القود قد وجب ولا بد وان العفو لا يصح الا برضى المجني عليه والصبى والمجنون لارضى لهما ولاعفو ولا أمر نافذ بصدقة فسقط هذا الوجه وبقى الذى وجب بيقين من القود فيستقيد له أبوه أو وليه أو وصيه ولابد، فان أغفل ذلك حتى بلغ الصبى وعقل المجنون كان له القود الذى قد وجب أخذه له بعد وحدث له جواز

[ 486 ]

العفو ان شاء وليس للاب ولا للولى أخذ الدية ولا أن يفادى في شئ من الجروح لان كل هذا داخل على وجوب القود [ والعفو ] (1) لايكرن إلا برضى المجني عليه أو بتراض من الجاني والمجني عليه * 2081 - مسألة - هل يجوز عفو المجني عليه جناية يموت منها خطأ أو عمدا عن ديته وغيرها عن دمه أم لا؟ (2) * روينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث بن سوار عن أبى بكر بن حفص قال: كان بين قوم من بنى عدى وبين حى من الاحياء قتال ورمى بالحجارة وضرب بالنعال فاصيب غلام من آل عمر فاتى على نفسه فلما كان قبل خروج نفسه قال: انى قد عفوت رجاء الثواب والاصلاح بين قومي فاجازه ابن عمر * وبه إلى أبى بكر بن أبى شيبة نا هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري قال: إذا عفا الرجل عن قاتله في العمد قبل أن يموت فهو جائز، وعن أبى طاوس قلت لابي يقتل عمدا أو خطأ فيعفو عن دمه قال: نعم، وعن الشعبى قال: إذا قتل الرجل فعفا عن دمه فليس للورثة أن يقتلوا * وعن ابن جريج قلت لعطاء: ان وهب الذى يقتل خطا ديته لمن قتله فانما له منها ثلثها انما هو مال يوصى به * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن لا يتصدق الرجل بديته فان قتل خطأ فالثلث من ذلك جائز إذا لم يكن له مال غيره * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن فيمن يضرب بالسيف عمدا ثم يعفو عنه قبل أن يموت قال: هو جائز وليس في الثلث، وقال هشام عن الحسن إذا كان خطا فهو في الثلث، ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا قبيصة بن عقبة نا سفيان عن ابن جريج عن أبى عبيدالله عن ابن عباس في رجل قطعت يده فصالح عليها ثم انتقضت به فمات قال: الصلح مردود ويؤخذ بالدية * قال أبو محمد: وأما المتأخرون فان أبا حنيفة وزفر قالا: إذا عفا عن الجراحة العمد أو الشجة وعما يحدث منها فهو جائز ولا شئ على القاتل فان عفا عن الجراحة أو القطع أو الشجة ثم مات فعليه الدية، قال أبو يوسف. ومحمد: لا شئ على القاتل في كل ذلك، قالوا: فان عفا عن ديته في الخطا فذلك في الثلث، وقال مال: من صالح من جراحة أو من قطع ثم مات بطل الصلح ووجب القود فان عفا عن ديته في الخطأ فذلك في ثلثه، وقال سفيان الثوري: إذا


(1) الزيادة من النسخة رقم 45 (2) في النسخة رقم 14 خطأ أو عمدا عن دمه أو عن ديته أم لا الخ *

[ 487 ]

عفا عن الجراحة ثم مات فلا قود لكن يغرم الجاني الدية بعد أن يسقط منها أرش الجراحة، وقال الشافعي: إذا عفى عن الجراحة وعما يحدث منها من عقل أو قود ثم مات فلا قود، ثم اختلف قوله في الدية فمرة قال كقول سفيان الثوري الذى ذكرنا قبله ومرة قال يؤخذ بجميع الدية، وقال الشافعي في أحد قوليه وبه يقول أبو ثور وأحمد واسحاق: لاعفو له في العمد * قال أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا نظرنا في ذلك ليعلم (1) الحق فنتبعه فوجدناهم يقولون قال الله تعالى: (والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له) وقال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فاجره على الله) وقال تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) الآية * وذكروا ما حدثنا حمام نا عبد الله بن محمد ابن الباجى نا عبد الله بن يونس نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن بشر نا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة أن عروة بن مسعود الثقفى دعا قومه إلى الله ورسوله فرماه رجل منهم بسهم فمات فعفا عنه فدفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجاز عفوه وقال: هو كصاحب ياسين * نا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود نا أحمد بن دحيم نا ابراهيم بن حماد نا اسماعيل بن اسحاق نا على بن عبد الله نا عمران بن ظبيان عن عدى بن ثابت قال: قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق به) * قال على: وقالوا: هذا حكم من عمر بحضرة الصحابة رضى الله عنهم ولا يعرف له منهم مخالف وقالوا: هذا هو المجني عليه فهو اولى بنفسه فهذا كل ما أوردوه في ذلك فنظرنا في الذى احتجوا به فوجدناه لاحجة لهم في شئ منه أصلا، أما قول الله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) فانما قال تعالى ذلك عقب قول تعالى: (والعين بالعين) إلى قوله تعالى: (فهو كفارة له)، وهذا كله كلام مبتدأ بعد تمام قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس) فانما جاء نص الله تعالى على الصدقة بالجروح بالاعضاء وهكذا نقول: ان للمجني عليه أن يتصدق بما أصيب به من ذلك فيبطل القود (2) جملة في ذلك وليس في هذه الآية حكم الصدقة بالدم في النفس لان النفس بالنفس انما هو في التوراة بنص الآية وليس ذلك خطابا لنا وانما خوطبنا بما بعده إذا قرئ كل ذلك بالرفع خاصة فإذا قرئ بالنصب فليس خطابا لنا وكلا القراءتين حق من عند الله تعالى فبطل تعلقهم بهذه الآية، وأما قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح


(1) في النسخة رقم 14 فلما لختلفوا في ذلك نظرنا لنعلم (2) في النسخة رقم 14