الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 8

المحلى

ابن حزم ج 8


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍ طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر الجزء الثامن دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب النذور (1) 1114 - مسألة - نكرة النذر وننهى عنه لكن مع ذلك من نذر طاعة لله عز وجل لزمه الوفاء بها فرضا إذا نذرها تقربا إلى الله عزوجل مجردا أو شكرا لنعمة من نعم الله تعالى، أو ان أراه الله تعالى أملا لا ظلم فيه لمسلم ولا لمعصية مثل ان يقول: لله على صدقة كذا وكذا أو يقول صوم كذا وكذا فأكثر، أو حج. أو جهاد. أو ذكر لله تعالى. أو رباط: أو عيادة مريض. أو شهود جنازة. أو زيارة قبر نبى. أو رجل صالح. أو المشى. أو الركوب. أو النهوض إلى مشعر من مشاعر مكة. أو المدينة. أو إلى بيت المقدس. أو عتق معين أو غير معين أو أي طاعة كانت فهذا هو التقرب المجرد، أو يقول: لله على إذا خلصني من كذا أو إذا ملكني أمر كذا. أو إذا جمعنى مع أبى أو فلان صديقى أو مع أهلى صدقة أو ذكر شيئا من القرب التى ذكرنا، أو يقول: على لله ان أنزل الغيث. أو ان صححت من علتى. أو ان تخلصت أو ان ملكت أمر كذا أو ما أشبه هذا * فأن نذر معصية لله أو ما ليس طاعة ولا معصية لم يلزم الوفاء بشئ من ذلك مثل أن ينشد شعرا أو أن يصبغ ثوبه أحمر أو ما أشبه هذا، وكذلك من نذر طاعة ان نال معصية أو إذا رأى معصية مثل ان يقول لله على صوم ان قتل فلان أو ان ضرب وذلك الفلان لا يستحق شيئا من ذلك، أو قال: لله على صدقة إذا أرانى مصرع فلان وذلك الفلان مظلوم فكل هذا لا يلزم الوفاء بشئ منه ولا كفارة في شئ منه وليستغفر الله تعالى فقط، وكذلك من أخرج نذره مخرج اليمين فقال: على المشى إلى مكة ان كلمت فلانا


(1) هو جمع نذر وأصله الانذار بمعنى التخويف، قال الراغب الاصبهاني في مفرداته: النذر ان توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر اه‍، وقال العلامة ابن الاثير في النهاية يقال: نذرت أنذر وأنذر - أي بضم الذال المعجمة وكسرها - نذر إذا أوجبت على نفسك شيئا تبرعا من عبادة أو صدقة أو غير ذلك اه‍.

[ 3 ]

أو على عتق خادمي فلانة ان كلمت فلانا أو ان زرت فلانا، فكل هذا لا يلزم الوفاء به ولا كفارة فيه إلا الاستغفار فقط، فان قال: لله على نذرولم يسم شيئا فليس عليه الا كفارة يمين فقط، وقال قوم: ما خرج من هذا مخرج اليمين فعليه الوفاء به، وقال آخرون: ما خرج من هذا مخرج اليمين فليس فيه إلا كفارة يمين * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا أما المنع من النذر فلما رويناه من طريق سفيان (1) وشعبة كلاهما عن منصور عن عبد الله بن مرة (2) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه نهى عن النذر وقال: انه لا يرد شيئا ولكن يستخرج به من البخيل) هذا لفظ سفيان، ولفظ شعبة (انه لا يأتي بخير) مكان (انه لا يرد شيئا وانه يستخرج به من البخيل) (3) واتفقا في غير ذلك، وصح أيضا مسندا من طريق أبى هريرة (4)، ورينا من طريق سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى (انه سمع أبا هريرة يقول: لا انذر أبدا) وهذا يوجب ما قلنا: من انه منهى عنه فإذا وقع لزم واستخرج به من البخيل، وأيضا قول الله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقوله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وقوله تعالى: (قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق) فصح بهذا كله ان كل ما نهى الله تعالى عنه فلا يحل لاحد أن يفعله فصح من هذا ان من نذره فقد نذر ان يعصى الله عزوجل وقد نهاه الله تعالى عن معصيته فقد صح يقينا (5) ان النذور والعقود التى أمر الله تعالى بالوفاء بها انما هي نذر الطاعة فقط وليس نذر الطاعة إما ما ذكرنا


(1) رواية سفيان عن منصور هي في صحيح البخاري ج 8 ص 224 وص 253 وهى في صحيح مسلم ايضا ج 2 ص 13 ورواية شعبة عن منصور في صحيح مسلم ج 2 ص 12 (2) في الاصول كلها (عن عمرو بن مرة) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب وصحيحي البخاري ومسلم (3) قال الخطابى: معنى نهيه عليه السلام عن النذر انما هو تأكيد لامره وتحذير عن النهاون به بعد ايجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك ابطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به وانما وجه الحديث انه قد أعلمه ان ذلك امر مما لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يدفع عنهم ضرا فلا يرد شيئا قضاه الله تعالى يقول: لا تنذروا على انكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء به فان الذى نذرتموه لازم لكم هذا معنى الحديث ووجه قوله عليه السلام (انما يستخرج به من البخيل) فثبت بذلك وجوب استخراجه من ماله ولو كان غير لازم له لم يجز ان يكره عليه والله أعلم، وقد ذكر هذا العلامة ابن الاثير في النهاية ولم يعزه إلى الخطابى تنبه لذلك (4) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 12 (5) في النسخة رقم 16 (فصح يقينا) باسقاط لفظ (قد).

[ 4 ]

ولا مزيد، وبالضرورة يدرى كل أحد أن من نذر طاعة ان رأى معصية (1) أوان تمكن من معصية أواذ رأى معصية سرورا بها فان كل ذلك منه عصيان لله تعالى يشك في شئ من هذا مسلم، فصح انه كله نذر معصية فلا يحل الوفاء به، وأما ما لا طاعة فيه ولا معصية فان ناذره موجب ما لم يوجبه الله تعالى ولا ندب إليه ومن فعل هذا فقد تعدى حدود الله تعالى ففعله لذلك معصية فلا يلزمه الوفاء بما لم يلزمه الله تعالى من ذلك * روينا من طريق أحمد بن شعيب انا أبو كريب محمد بن العلاء نا ابن أدريس - هو عبد الله - عن عبيدالله بن عمر عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن عائشة أم المؤمنين قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يقول ] (2): (من نذر ان يطيع الله تعالى فليطعه ومن نذر ان يعصى الله تعالى فلا يعصه) قال أحمد: طلحة ابن عبد الملك ثقة ثقة ثقة * ومن طريق البخاري ناموسى بن اسماعيل نا وهيب بن خالد (3) نا أيوب - هو السختيانى - عن عكرمة عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب (4) إذا هو برجل قائم فسأل عنه؟ فقالوا: [ أبو إسرائيل ] (5) نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه، وهذا كله هو نفس قولنا ولله الحمد، أمره عليه السلام بالوفاء بالصوم الذى هو طاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس طاعة ولا معصية من الوقوف وترك الاستظلال وترك الكلام، وقد قال أبو ثور: يلزمه ترك الكلام واحتج له بقوله تعالى: (انى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) وبقوله تعالى: (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) * قال على: هذه شريعة زكريا ومريم عليهما السلام ولا يلزمنا شريعة غير نبينا صلى الله عليه وسلم ان شأنهما آية من آيات النبوة وليس الآيات لنا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ترك الكلام كما ذكرنا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن طاوس قال: سمعت أبى يقول:


(1) قوله (ان رأى معصية) شرط لنذر المعصية وتعليق، وقوله (أو ان تمكن من معصية) معطوف عليه وكذا ما بعده، وتقدير الكلام هكذا وبالضرورة يدرى كل احد ان من نذر طاعه ان رأى معصية الخ معصية وعصيان لله تعالى والله أعلم (2) الزيادة من النسخة رقم 14 وهى موافقة لسنن النسائي ج 7 ص 17 (3) في النسخ كلها (وهب بن خالد) مكبرا وهو غلط صححناه من صحيح البخاري ج 8 ص 256 وتهذيب التهذيب (4) في صحيح البخاري (عن ابن عباس قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب) (5) الزيادة من صحيح البخاري.

[ 5 ]

مذ عقلت لا نذر في معصية الله لانذر الا فيما تملك * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري عن النذر ينذره الانسان؟ فقال: ان كان طاعة لله فعليه وفاؤه وان كان معصية لله فليتقرب إلى الله تعالى بما شاء * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابان عن ابن عباس أن رجلا أتاه فقال: انى نذرت ان نجا أبى من الاسر ان أقوم عريانا وان أصوم يوما فقال له ابن عباس: البس ثيابك وصم يوما وصل قائما وقاعدا * وعن أبى الزبير انه سمع جابرا يقول: لا وفاء لنذر في معصية الله تعالى * وعن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رجلا نذران لا يأكل مع بنى أخيه يتامى فقال له عمر: اذهب فكل معهم * وعن قيس بن أبى حازم أن أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أمر امرأه نذرت ان تحج ساكتة بأن تتكلم * وعن مسروق. والشعبى لا وفاء في نذر معصية ولا كفارة * ومن طريق مسلم نا قتيبة نا اسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار انه سمع ابن عمر يقول (1): (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان حالفا فلا يحلف الا بالله) * ومن طريق مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (انه قال في حديث: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (2)) فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يمين الا بالله عزوجل ونهى عنها، فمن حلف بغير الله فقد عصى الله تعالى ولاوفاء لنذر في معصية الله * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة. ومالك: من أخرج نذره مخرج اليمين مثل من قال: على المشى إلى مكة ان كلمت فلانا فان كلمه فعليه الوفاء بذلك، وقال الشافعي: كفارة يمين فقط الا في العتق المعين وحده، وقال أبو ثور (3): كفارة يمين في كل ذلك العتق المعين وغيره، وقال المزني: لا شئ في ذلك الا في العتق المعين وحده ففيه الوفاء به * قال على: أما من قال بقول أبى حنيفة. ومالك فانهم احتجوا بأنه نذر طاعة فعليه الوفاء به وقالوا: قسناه على اطلاق * قال أبو محمد: وهذا خطأ ظاهر لان النذر ما قصد ناذره الرغبة في فعليه والتقرب إلى الله تعالى به واستدعى من الله عزوجل تعجيل تبليغه ما يوجب عليه ذلك العمل، وهذا بخلاف ذلك لانه انما قصد الامتناع من ذلك البر وابعاده عن نفسه جملة ومنع


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 14 (قال) بدل يقول، والحديث احتصره المصنف، وجه النهى عن ذلك ان الحلف باسم شئ يقتضى تعظيمه ولا يتحقق حتى يعتقد فيه العظمة والبركة، والعظمة لا تكون حقيقة الا الله وحده فلا ينبغى ان يضاهى بها غيره بل كل ما يشابه ذلك يترك ويهجر (2) هو في الموطأ ج 3 ص 33 مطولا كما قال المصنف (3) في النسخة رقم 16 (وقال أبو يوسف).

[ 6 ]

نفسه مما يوجب عليها ذلك العمل فصح يقينا انه ليس ناذرا واذ ليس ناذرا فلا وفاء عليه بما قال، وأيضا فانه عاص لله عزوجل في ذلك الالتزام إذ أخرجه مخرج اليمين وقد حرم الله تعالى عليه أن يحلف بغيره فصار معصية ولا وفاء لنذر معصية (1)، فصح يقينا ان كل ما ذكرنا ليس نذر طاعة فيجب الوفاء به وليس يمينا لله تعالى فيجب فيه كفارة يمين فبطل أن يجب في ذلك شئ إذ لم يوجبه قرآن ولا سنة والاموال محظورة محرمة الا بنص * وأما قياسهم اياه على الطلاق فالخلاف أيضا في الطلاق غير المعين أشهر من أن يجهل فظهر بطلان هذا القول * وأما من أؤجب في ذلك كفارة يمين فباطل أيضا لانه لا يمين الا بالله تعالى ولم يوجب عزوجل كفارة في غير اليمين به فلا كفارة في يمين بغيره عزو جل، وأما من فرق بين العتق المعين وغيره فخطأ، وحجتهم في ذلك أنه عتق بصفة وليس كما قالوا بل هو يمين بالعتق فهو باطل أيضا لا يلزم، وقالوا: قسنا العتق المعين على الطلاق المعين فقلنا: القياس كله باطل ثم لا يصح قولكم في الطلاق المعبن إذا قصد به اليمين لامن قرآن. ولا سنة. ولا اجماع، (فان احتجوا) بالخبر الذى رويناه من طريق الزهري عن أبى سلمة عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) (2) وهذا خبر لم يسمعه الزهري من أبى سلمة انما رواه عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، وسليمان بن أرقم مذكور بالكذب * وخبر آخر من طريق طلحة بن يحيى الانصاري عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن بكير بن [ عبد الله بن ] (3) الاشج عن كريب عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين)، وطلحة بن يحيى الانصاري ضعيف جدا * وروينا من طيق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد بن درهم عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين) (4) * وخبر من طريق عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا نذر في معصية وكفارته كفارة


(1) في النسخة رقم 16 (ولا وفاء في معصية) (2) الحديث في سنن ابى داود ج 3 ص 230 (3) الزيادة من سنن ابى داود ج 3 ص 246 والحديث اختصره المصنف، قال أبو داود بعد ما ذكر الحديث روى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد الله بن سعيد بن ابن الهند اوقفوه على ابن عباس، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: يعنى وهو أصح، وقال الحافظ ايضا فيه طلحة بن يحيى وهو مختلف فيه اه‍ (4) هو ايضا في سنن النسائي ج 7 ص 28.

[ 7 ]

يمين (1))، محمد بن الزبير الحنظلي في غاية الضعف وزيادة، فقد روينا من طريق ابن أبى شيبة عن المعتمر بن سليمان التيمى عن محمد بن الزبير الحنظلي عن عمران بن الحصين فذكر هذا الحديث نفسه، قال المعتمر: فقلت لمحمد بن الزبير أحدثكه من سمعه من عمران؟ فقال: لا ولكن حدثنيه رجل عن عمران بن الحصين فبطل جملة * وآخر من طريق اسماعيل بن أبى أويس عن أبيه عن داود بن الحصين عن بكير بن الاشج عن كريب عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث طلحة بن يحيى الانصاري الذى ذكرنا، وابن أبى أويس (2) ضعيف * ومن طريق عبد الرزاق بن روح عن سلام ابن سليمان عن محمد بن الفضل بن عطية عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدى بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم (من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين) * سلام بن سليمان هالك، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر. وابن جريج قال معمر: عن يحيى بن أبى كثير عن رجل من بنى حنيفة (3)، وقال ابن جريج: حدثت عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة ثم اتفقا عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا نذر في غضب ولا في معصية الله وكفارته كفارة يمين) أحدهما مرسل ومنقطع، والآخر مرسل وعمن لا يدرى من هو * وروينا عن ابن مسعود. وابن عباس لا وفاء لنذر في معصية وكفارته كفارة يمين ولا يصح شئ من ذلك لانه عن ابن مسعود من طريق ابنه أبى عبيدة (4) ولم يسمع منه شيئا، وعن ابن عباس من طريق ابراهيم بن أبى يحيى وهو مذكور بالكذب * وروينا ايضا من طريق أبى سفيان عن جابر لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين، وأبو سفيان ساقط * قال أبو محمد: ثم كل هذا على فساده فان أبا حنيفة. والشافعي مخالفان له أما أبو حنيفة فلا يرى فيمن أخرج النذر مخرج اليمين الا الوفاء به وهو نذر معصية وانما يرى كفارة نذر المعصية كفارة يمين في موضعين فقط، أحدهما إذا قال: أنا كافر ان فعلت كذا وكذا وإذا قال: لله على ان قتل اليوم فلان وأراد اليمين ولم ير على من نذر أن يزنى. أو أن يقتل. أو ان يكفر. أو أن يلوط. أو أن يشرب الخمر كفارة يمين أصلا، فخالف كل ما ذكرنا إلى غير سلف يعرف، وأما الشافعي فلم ير في شئ من النذور في المعصية كفارة يمين الا فيمن نذر طاعة أخرجه مخرج اليمين فكلاهما مخالف لكل ما ذكرنا


(1) هو في النسائي أيضا ج 7 ص 28 في النسخة رقم 14 (وابو اويس) وكلاهما صحيح لان ابن ابى اويس واباه ضعيفان (3) قال الحافظ في التلخيص: والحنفى هو محمد بن الزبير قاله الحاكم وقال ان قوله (من بنى حنيفة) تصحيف وانما هو من بنى حنظلة (4) في النسخة رقم 14 (من طريق ابيه ابى عبيدة) وهو غلط.

[ 8 ]

فبطل أن يكون لهم متعلق بشئ اصلا، وقولنا هو قول طائفة من السلف كما روينا من طريق عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمى عن أبيه عن بكر بن عبد الله المزني أخبرني أبو رافع قال: قالت لى مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية أو نصرانية ان لم نطلق امرأتك فأتيت زينب بنت ام سلمة أم المؤمنين فجاءت معى إليها فقالت: يا زينب جعلني الله فداءك انها قالت: كل مملوك لها حر وهى يهودية فقالت لها زينب: يهودية ونصرانية خل بين الرجل وبين امراته فكأنها لم تقبل فاتيت حفصة أم المؤمنين فارسلت معى إليها فقالت: يا ام المؤمنين جعلني الله فداءك انها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية أو نصرانية فقالت أم المؤمنين: يهودية ونصرانية خل بين الرجل وبين امرأته * ومن طريق عائشة أم المؤمنين فيمن قال لغريمه: ان فارقتك فمالى عليك في المساكين صدقة ففارقه إن هذا لا شئ يلزمه فيه، وصح هذا أيضا عن الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان من طريق شعبة عنهما وهو قول الشعبى (1). والحارث العكلى وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد. وأبى سليمان. وأصحابنا، فان قالوا: قد أفتى ابن عمر في ذلك بكفارة يمين قلنا: نعم وقد اختلف الصحابة رضى الله عنهم في ذلك على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى. فما الذى جعل قول بعضهم أولى من قول بعض بلا برهان؟ وصح عن عائشة. وأم سلمة أمي المؤمنين * وعن ابن عمر انه جعل قول ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية أو نصرانية لم تطلق امرأتك كفارة يمين واحدة * وعن عائشة أم المؤمنين انها قالت فيمن قال في يمين: مالى ضرائب في سبيل الله أو قال: مالى كله في رتاج الكعبة (2) كفارة يمين * وعن أم سلمة. وعائشة أمي المؤمنين فيمن قال: على المشى إلى بيت الله ان لم يكن كذا كفارة يمين * ومن طريق محمد بن عبد الله الانصاري عن أشعث الحمراني عن بكر بن عبد الله المزني عن أبى رافع عنهما * وروينا عن حماد بن عبد الله النذر كفارته كفارة يمين، وعن ابن عباس مثل هذا، وعن عمر بن الخطاب نحوه، وعن عكرمة. والحسن فيمن قال: مالى كله في رتاج الكعبة كفارة يمين، وصح عن طاوس. وعطاء أما طاوس فقال: الحالف بالعتاق وما لى هدى وكل شئ لى في سبيل الله، وهذا النحو كفارة يمين، وأما عطاء فقال فيمن قال: على الف بدنة أو قال: على الف حجة أو قال: مالى هدى أو قال: مالى في المساكين كل ذلك يمين وهو قول قتادة


(1) في النسخة رقم 16 (وهو قول الشافعي) وظاهر السياق ومقارنته مع ما بعده يؤيد ماهنا والله اعلم (2) الرتاج بكسر الراء الباب وجمعه رتج أي فجعل ماله كله الكعبة فكنى عنها بالباب لان الدخول إليها منه والله اعلم.

[ 9 ]

وسليمان بن يسار. وسالم بن عبد الله بن عمر * قال أبو محمد: كل هذا خلاف لقول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي لان الشافعي اخرج من ذلك العتق المعين، والذى ذكرنا عمن ذكرنا من الصحابة. والتابعين هو قول عبيدالله بن الحسن. وشريك. وأبى ثور. وأحمد بن حنبل. واسحاق [ بن راهويه ] (1) وأبى عبيد، وبه يقول الطحاوي، وذكر أنه قول زفربن الهذيل. وأحد قولى محمد بن الحسن، وقد روينا من طريق ثابتة عن ابن القاسم صاحب مالك أنه أفتى ابنه في المشى إلى مكة بكفارة يمين وقال له: ان عدت أفتيتك بقول مالك، وهذا عجب جدا * حدثنى بذلك حمام بن أحمد قال ثنا عبد الله بن محمد الباجى نا عمر بن أبى تمام نا محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنى بذلك عبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وروينا عن ابن عمر قولا آخر وهو ان ابن عمر سئل عن النذر؟ فقال: أفضل الايمان فان لم تجد فالتى تليها فان لم تجد فالتى تليها يقول: العتق. ثم الكسوة. ثم الاطعام الا أنها من طريق أبى معشر وهو ضعيف * وروينا مثل تفريق الشافعي أيضا بخلاف قوله أيضا عن ابن عباس. وابن عمر من طريق اسماعيل بن أمية عن عثمان ابن أبى حاضر قال: حلفت امرأة مالى في سبيل الله وجاريتي حرة ان لم تفعل كذا فقال ابن عباس. وابن عمر: أما الجارية فتعتق وأما قولها: مالى في سبيل الله فيتصدق بزكاة مالها، وروينا مثل قول أبى حنيفة عن ابن عمر من طريق لا تصح، وقد خالفوه أيضا فيها كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا جميل بن زيد عن ابن عمر قال: من حلف على يمين أصر فلا كفارة له (3)، والاصر أن يحلف بطلاق. أو عتاق. أو نذر. أو مشى، ومن حلف على يمين غير ذلك فليأت الذى هو خير فهو كفارته * جميل بن زيد ساقط ولو صح لكانوا قد خالفوه في هذا الخبر نفسه لانه لم يجعل فيمن أتى خيرا مما حلف أن يفعله كفارة الافعله ذلك فقط، فان قالوا: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا بالكفارة قلنا: نعم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله تعالى ونهى عن الوفاء بنذر المعصية فان كان قوله يمينا فهو معصية وان كان نذرا فهو معصية إذ لم يقصد به قصد القربة إلى الله تعالى فلا وفاء فيه ولا كفارة، فحصل قول هؤلاء القوم خارجا عن أقوال جميع السلف * ومما ذكرنا مسائل فيها خلاف قديم وهى من نذر الصدقة بجميع ماله، ومن نذر


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) قوله أيضا زيادة من النسخة رقم 14 (3) الضمير في (له) يعود على الحالف لا على اليمين لانها مونثة وفى النهاية (لها) وهو يعود على اليمين (م 2 - ج 8 المحلى)

[ 10 ]

أن ينحر نفسه، ومن نذر المشى إلى مسجد المدينة. أو مسجد ايليا. أو الركوب. أو النهوض إلى مكة: أو إلى موضع سماه من الحرم، ومن نذر عتق عبده ان باعه أو عتق عبد فلان ان ملكه، فأما الصدقة بجميع المال فقد ذكرنا من قال: لا شئ في ذلك من الصحابة والتابعين إذا خرج مخرج اليمين وهو قولنا، وقالت طائفة: من نذر أن يتصدق بجميع ماله في المساكين فعليه أن يتصدق به كله صح ذلك من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رجلا سأله فقال (1): جعلت ما لى في سبيل الله فقال ابن عمر: فهو في سبيل الله، وروينا عن سالم. والقاسم بن محمد انهما قالا في هذه المسألة يتصدق به على بعض بناته، وصح عن الشعبى. والنخعي أنهما كانا يلزمانه ما جعل على نفسه وهو قول عثمان البتى. والشافعي. والطحاوى. وأبى سليمان، قال هؤلاء: فان أخرجه مخرج اليمين فكفارته كفارة (2) يمين الا أبا سليمان فقال: لا شئ في ذلك، وقالت طائفة: يتصدق بجميعه حاشا قوت شهر فإذا افاد شيئا تصدق بما كان أبقى لنفسه وهو قول زفر بن الهذيل ورأى فيه إذا أخرجه مخرج اليمين كفارة يمين، وقالت طائفة: يتصدق بثلث ماله ويجزيه * روينا ذلك عن ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وصح نحوه عن الزهري وهو قول الليث بن سعد، وقالت طائفة: فيه كفارة يمين روينا ذلك أيضا عن عكرمة. والحسن. وعطاء، وروينا ذلك قبل عن عائشة أم المؤمنين. وعمر. وجابر. وابن عباس. وابن عمر وهو قول الاوزاعي، وقالت طائفة: كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن جابر بن زيد أنه سئل عمن جعل ماله هديا في سبيل الله عزوجل؟ فقال: ان الله تعالى لم يرد أن يغتصب أحدا ماله فان كان كثيرا فليهد خمسه وان كان وسطا فسبعه وان كان قليلا فعشره، قال قتادة: الكثير ألفان. والوسط ألف. والقليل خمسمائة، وقالت طائفة: ما روينا بالسند المذكور إلى قتادة قال: يتصدق بخمسة، وقالت طائفة: يتصدق بربع العشر كما روينا ذلك آنفا عن ابن عباس. وابن عمر وهو قول ربيعة وسوى بين من حلف بصدقة جميع ماله (3) أو بصدقة جزء منه سماه (4) وانما روينا ذلك عنهم في اليمين بذلك، وروينا عن عبد العزيز بن الماجشون انه استحسن قول ربيعة هذا، وقالت طائفة: كما روينا


(1) في النسخة رقم 14 (قال) (2) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (فكفارة يمين) (3) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (بصدقة جميعه) وما هنا أوضح (4) في النسخة رقم 14، والنسخة اليمنية (جزء سماه منه)

[ 11 ]

من طريق ابن جريج. وعمر بن ذر كلاهما عن عطاء فيمن قال: ابلى نذر أو هدى انه يجزيه بعير منها. قال ابن جريج عنه: لعله يجزيه ان كانت ابله كثيرة، وقال ابن ذر عنه: يهدى جزورا ثمينا ويمسك بقية ابله * وأما المتأخرون فلهم أقوال غير هذا كله قال أبو حنيفة: من نذر أن يتصدق يجميع ماله نذرا أو على سبيل اليمين فانه يلزمه أن يتصدق من ماله بكل نوع تجب فيه الزكاة فقط كالمواشي. والذهب والفضة سواء كان معه من ذلك نصاب تجب في مثله الزكاة أو كان معه أقل من النصاب. ولا شئ عليه في سائر أمواله * قال أبو محمد: ولا ندرى ما قولهم في الحبوب وما يزرع. والثمار. والعسل؟ فان الزكاة في كل هذا عنده نعم وفى كل عرض إذا كان للتجارة (1) وهو قول أبى يوسف. ومحمد بن الحسن، وهذا قول في غاية الفساد ولا يعرف عنه حد قبل أبى حنيفة ولا متعلق له بقرآن. ولا بسنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول سلف. ولا قياس، وموه بعضهم بان قال: المال هو الذى فيه الزكاة لقول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) قال أبو محمد: والصدقة المأخوذة انما هي من جملة ما يملك المرء، وما اختلف قط عربي ولا لغوى ولا فقيه في أن الحوائط والدور تسمى ما لا وأموالا، وان من حلف أنه لا مال له وله حمير. ودور. وضياع فانه حانث عندهم وعند غيرهم، وقال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب أموالي إلى بيرحاء (2)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك: (امسك عليك بعض مالك فقال. انى أمسك سهمي الذى بخيبر، ويلزم على قولهم الفسادان لاتجزئ صدقة أصلا الا بمال فيه زكاة أو بمقدار الزكاة فقط، وقال مالك: سواء نذر ذلك أو أخرجه مخرج اليمين ان قال: مالى كله صدقة على المساكين أجزأه ثلثه فان قال. دورى كلها صدقة على المساكين وضياعي كلها صدقة على المساكين وثيابى كلها صدقة على المساكين ورقيقي كلهم صدقة على المساكين فلم يزل هكذا حتى سمى نوعا نوعا حتى أتى على كل ما يملك لزمه ان يتصدق بكل ذلك أو له عن آخره لا يجزيه منه الثلث الا أنه يؤمر ولا يجبر، فلو قال مكان المساكين على انسان بعينه لزمه أن يتصدق عليه بكل ذلك ويجبر على ذلك، قالوا: فلو نذر أو حلف أن يتصدق بماله كله الا دينارا انه تلزمه الصدقة بجميعه الا دينارا وهذا قول في غاية الفساد لانه لا قرآن يعضده. ولا سنة. ولا رواية ضعيفة. ولا قول نعلمه عن أحد قبله (3) ولا قياس. ولا رأى له وجه بل هو


(1) في النسخة رقم 16 (في التجارة) (2) هي أرض لابي طلحة، وهو قصر بنى جديلة بالمدينة (3) في النسخة رقم 16 (ولاقول عن أحد نعلمه قبله)

[ 12 ]

مخالف لكل ذلك، ونسألهم عمن نذر أن يتصدق بماله كله الانصف دينار أو درهما حتى نبلغهم إلى الفلس. وحبة الخردلة؟، وقال ابن وهب: ان كان ماله كثيرا تصدق بثلثه وان كان يسيرا فربع عشره وان كان علقة قليلة فكفارة يمين، وهذا أيضا قول لا وجه له * قال أبو محمد: ليس لشئ من هذه الاقوال متعلق يحتاج إلى ذكره الاقول من قال: يتصدق بجميعه، وقول من قال: يتصدق بثلثه وقول من قال: كفارة يمين فقط، فأما من قال: كفارة يمين فانهم احتجوا بالخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله (كفارة النذر كفارة يمين (1)) * قال على: وهذا خبرلا حجة لهم فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، فلا يخلو النذر بصدقة المال كله من أن يكون طاعة لله تعالى فيلزم الوفاء به أو يكون معصية فلا يلزمه أصلا الا أن يأتي نص صحيح في ذلك بحكم ما فيوقف عنده فبطل تعلقهم بقوله عليه السلام: كفارة النذر كفارة يمين، ولهذا الخبر وجه ظاهر نذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى * وأما من قال: يتصدق بجميعه فانهم قالوا: هو نذر طاعة فعليه الوفاء به * قال أبو محمد: وليس كما قالوا بل ليس هو نذر طاعة على ما نبين ان شاء الله تعالى * وأما من قال: يجزيه الثلث فانهم احتجوا بخبر رويناه من طريق أبى داود نا محمد ابن يحيى نا الحسن بن الربيع نا ابن ادريس قال قال ابن اسحاق: حدثنى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده في قصته إذ تخلف عن تبوك (2) قال: قلت: يا رسول الله ان من توبتي إلى الله أن أخرج من مالى كله إلى الله و [ إلى ] (3) رسوله صلى الله عليه وسلم صدقة قال: لا، قلت فنصفه قال: لا قلت: فثلثه قال: نعم قلت: فانى أمسك (4) سهمي من خيبر * وبخبر رويناه من طريق ابن شهاب ان حسين بن السائب ابن أبى لبابة أخبره أن أبا لبابة قال: يا رسول الله إن من توبتي إلى الله عزوجل ان أهجر دار قومي وأساكنك وانخلع من مالى صدقة لله ولرسوله قال: يجزى عنك الثلث * ومن طريق ابن شهاب أخبرني بعض بنى السائب بن أبى لبابة عن أبى لبابة بمثله * ومن طريق الزهري أخبرني ابن المسيب فذكر الحديث وفيه (ان أبا لباية قال:


(1) رواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 14 (2) قوله (إذ تخلف عن تبوك) هو زيادة من المؤلف توجد في سنن أبى داود (3) الزيادة من سنن أبى داود (4) في سنن أبى داود (سأمسك)

[ 13 ]

يا رسول الله وان أنخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله قال: يجزى عنك الثلث (1)) قال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به وكله لا حجة لهم فيه لانها كلها مراسيل، والاول منقطع لان ابن ادريس لم يذكر أنه سمعه من ابن اسحاق، وأما تمويه المالكيين بالاحتجاج بهذا الخبر فعار عظيم عليهم لانهم مخالفون له كله بتلك التقاسيم الفاسدة وبانهم يرون عليه الوفاء بصدقة نصف ماله إذا نذره، وفي هذا الخبر خلاف ذلك، والتسوية بين النذر بصدقة جميعه وبصدقة نصفه فبطل أن يكون لهذا القول متعلق * قال على: فإذا بطلت هذا الاقوال الاقول من قال يتصدق بجميعه لانه طاعة منذورة فههنا نتكلم معهم إن شاء الله تعالى فنقول: قال الله تعالى: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا) وقال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) وقال تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يجب المسرفين) فلام الله تعالى ولم يجب من تصدق بكل ما يملك * ومن طريق البخاري نا أحمد بن صالح نا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب اخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك - فذكر حديث تخلفه عن تبوك - وأنه قال لرسول الله (2) ان من توبتي ان انخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك (3) * ومن طريق مسلم عن أحمد بن عمرو بن عبد الله ] (4) ابن عمرو بن السرح عن ابن وهب باسناده مثله وزاد فيه فقلت: انى (5) أمسك سهمي الذى بخيبر * ومن طريق أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن خير الصدة ما ترك غنى أو تصدق عن غنى وابدأ بمن تعول (6) * ومن طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (ابدأ بنفسك فتصدق عليها فان فضل شئ فلاهلك فان فضل عن أهلك شئ فلذى قرابتك فان فضل عن ذى قرابتك شئ فهكذا وهكذا (7))، والاحاديث ههنا كثيرة جدا * ومن طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الظفرى عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله [ الانصاري ] (8) قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله


(1) انظر سنن أبى داود في كتاب الايمان والنذور (2) في النسخة رقم 16 (وأنه قال: يا رسول الله) الخ (3) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 252 (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 329 (5) في صحيح مسلم (فانى) (6) هو في سنن أبى داود (7) رواه النسائي في سننه (8) الزيادة من سنن أبى داود

[ 14 ]

أصبت هذه من معدن فخذها فهى صدقة ما أملك غيرها فاعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنه مرارا - وهو يردد كلامه هذا - ثم أخذها عليه السلام فحذفه (1) بها فلو أنها أصابته لاوجعته [ أو لعقرته ] (2) وقال عليه السلام: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد فيتكفف الناس (3) خير الصدة ما كان عن ظهر غنى * ومن طريق عبد الله بن ادريس عن محمد بن اسحاق باسناده نحوه، وفي آخره أنه عليه السلام قال: خذعنا مالك لا حاجة لنا به (4) * ومن طريق سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله ابن سعد انه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: دخل رجل المسجد فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا فامر له منها بثوبين ثم حث عليه السلام على الصدقة فطرح الرجل أحد الثوبين فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وقال ] (5) (خذ ثوبك) * ومن طريق حكيم ابن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى (6) * فهذه آثار متواترة متظاهرة بابطال الصدقة بما زاد على ما يبقى غنى وإذا كان الصدقة بما أبقى غنى خيرا وأفضل من الصدقة بما لا يبقى غنى فبالضرورة يدرى كل أحدان صدقته بتلك الزيادة لا أجر له فيها بل حطت من أجره فهى غير مقبولة، وما تيقن انه يحط من الاجرا أو لا أجر فيه من اعطاء المال فلا يحل اعطاؤه فيه لانه افساد للمال واضاعة له وسرف حرام، فكيف ورده عليه السلام الصدقة بذلك بيان كاف * فان ذكروا قول الله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقوله عليه السلام إذ سئل (أي الصدقة أفضل فقال: جهد المقل) (7) وقوله عليه السلام سبق درهم مائة ألف كان لرجل درهمان تصدق بأجودهما (8) وبقوله تعالى (والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم)، وبحديثي أبى مسعود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصدقة فينطلق أحدنا فيتحامل فيجئ بالمد، وصدقة أبى عقيل بصاع تمر (9) فهذا كله صحيح وحجة لنا لا لهم * أما قول الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فليس فيه انهم لم يبقوا لانفسهم معاشا انما فيه انهم كانوا مقلين ويؤثرون من


(1) هو بحاء مهملة وذال معجمة أي رماه بها (2) الزيادة من سنن أبى داود، ومعناه لجرحته (3) في سنن أبى داود (يستكف الناس) قال الخطابى: معناه يتعرض للصدقة وهو أن يأخذها ببطن كفه يقال: تكفف الرجل واستكف إذا فعل ذلك (4) هو في سنن أبى داود أيضا (5) الزيادة من سنن أبى داود (6) هو في سنن النسائي مطولا (7) هو هن سنن النسائي مطولا و (جهد المقل) بضم الجيم أي قدر ما يحتمله حال قليل المال (8) هو في سنن النسائي أيضا (9) في سنن النسائي بنصف صاع تمر

[ 15 ]

بعض قوتهم، وأما قوله تعالى: (والذين لا يجدون الا جهدهم) فمثل هذا أيضا، وأما قولهم جهد المقل ففى حديث أبى هريرة هذه اللفظة المرصولة بقوله عليه السلام: (وابدأ بمن تعول) فبين هذا القول انه جهده بعد كفاف من تعول، وكذلك حدثنا أبى مسعود أيضا وانما كان لرجل درهمان فتصدق باجود هما فكذلك أيضا وقد يكون له ضيعة أوله غلة تقوم به فتصدق بأحد درهمين كاناله ولم يقل عليه السلام: انه لم يكن له غيرهما، فان ذكروا صدقة أبى بكر بما يملكه قلنا: هذا لا يصح لانه من طريق هشام بن سعد وهو ضعيف (1) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فوافق ذلك ما لا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكران سبقته يوما [ قال ]: فجئت بنصف ما لى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لاهلك؟ قلت مثله وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لاهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. * قال أبو محمد: ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه بلا شك كانت له دار بالمدينة معروفة ودار بمكة وأيضا فان مثل أبى بكر لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليضيعه فكان في غنى، فصح بما ذكرنا أن من نذران يتصدق بجميع ماله مجملا أو منوعا على سبيل القربة إلى الله تعالى لم يلزمه أن يتصدق منه إلا بما أبقى لنفسه ولاهله غنى كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وغيره، (فان ذكروا حديث سعد في الوصية) قلنا: هو عليكم لان أمر الوصية غير أمر الصدقة المنفذة في الحياة باتفاق منا ومنكم، وأيضا فقد منعه عليه السلام من الصدقة بنصفة وأنتم لا تقولون هذا، وليس لاحد أن يوصى بأكثر من الثلث ولو ترك ألف ألف دينار أو أكثر ويرد ما زاد على ذلك وأنتم لا تقولون: برد ما نفذ من الصدقة بأكثر من ثلثه في حياته، وبالله تعالى التوفيق * وأما من نذر نحر نفسه أو ابنه فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يحيى ابن سعيد الانصاري قال: سمعت القاسم بن محمد بن أبى بكر يقول: سئل ابن عباس عمن نذر أن ينحر ابنه؟ فقال: لا ينحر ابنه وليكفر عن يمينه فقيل لابن عباس. كيف تكون في طاعة الشيطان كفارة فقال ابن عباس: الذين يظاهرون ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت * قال أبو محمد: لا حجة لابن عباس في هذه الآية، أول ذلك انه لم يجعل هو في طاعة الشطان التى شبهها بطاعته في الظهار الكفارة التى في الظهار ويكفى هذا، ثم لو طرد هذا القول لوجبت في كل معصية كفارة يمين وهذا لا يقوله هو ولا غيره، وقد صح عنه فيمن


(1) هو ضعيف كما قال المصنف، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح

[ 16 ]

قال لامرأته: انت على حرام انهالا تحرم بذلك ولم يجعل فيه كفارة وهذا أصح أقواله، وقد روينا عنه غير هذا من طريق ابن جريج عن عطاء قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: نذرت لا نحرن نفسي فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وفديناه بذبح عظيم فأمره بكبش، قال عطاء: يذبح (1) الكبش بمكة، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: نذر لينحرن فرسه أو بغلته فقال: جزور أو بقرة فقلت له: أمره ابن عباس بكبش في نفسه وتقول في الدابة جزور فأبى عطاء الا ذلك * قال أبو محمد: وليس في هذه الآية أيضا حجة لابن عباس لان ابراهيم عليه السلام لم ينذر ذبح (2) ولده لكن أمره الله تعالى بذبحه فكان فرضا عليه ان يذبحه وكان نذر الناذر نحر ولده أو نفسه معصية من كبار المعاصي، ولا يجوز ان تشبه الكبائر بالطاعات، وأيضا فاننا لا ندرى ما كان ذلك الذبح الذى فدى به اسماعيل عليه السلام فبطل هذا التشبيه * وروينا عنه قولا ثالثا ايضا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن ابيه عن ابن عباس أنه قال في رجل نذران ينحر نفسه: قال: ليهدى مائة ناقة * ومن طريق شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت سالم بن أبى الجعد قال. جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: انى كنت أسيرا في أرض العدو فنذرت ان نجاني الله ان افعل كذا وان انحر نفسي وانى قد فعلت ذلك قال وفى عنقه قد (3) فأقبل ابن عباس على امرأة سألته وغفل عن الرجل فانطلق لينحر نفسه فسأل ابن عباس عنه؟ فقيل له: ذهب لينحر نفسه فقال على بالرجل فجاء فقال. لما أعرضت عنى انطلقت انحر نفسي فقال له ابن عباس: لو فعلت ما زلت في نار جهنم انظر ديتك فاجعلها في بدن فاهدها في كل عام شيئا ولو لا أنك شددت على نفسك لرجوت أن يجزيك كبش، وهذه آثار في غاية الصحة * ومن طريق قتادة عن ابن عباس انه أفتى رجلا نذر ان ينحر نفسه فقال له: أتجد مائة بدنة؟ قال: نعم قال. فانحر ها فلما ولى الرجل قال ابن عباس: أما لو امرته بكبش لاجزأ عنه * ومن طريق ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار ان عكرمة أخبره أن رجلا أتى إلى ابن عباس فقال له: لقد أذنبت ذنبا لان أمرتنى لانحرن الساعة نفسي والله لا أخبر كه (4) فقال له ابن عباس. بل لعلى ان أخبرك بكفارة قال. فأبى فأمره بمائة ناقة، وهذا أيضا اسناد صحيح * وروينا من طريق ساقطة فيها ابن حبيب الاندلسي ان عليا. وابن عباس، وابن عمر أفتوا فيمن نذر ان يهدى ابنه أن يهدى مائة من الابل، قال ابن حبيب: وحدثني ابن المغيرة عن


(1) في النسخة رقم 16 (فذبح الكبش بمكة) (2) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (نحر) (3) هو وزان حمل سير يخصف به النعل (4) في النسخة رقم 16 (لاخبركه) وهو غلط

[ 17 ]

الثوري عن اسماعيل بن أمية عن عثمان بن حاطب انهم ثلاثتهم سئلوا عن ذلك بعد ذلك؟ فقالوا: ينحر بدنة فان لم يجد فكبشا * قال أبو محمد: فهذه اقوال عن ابن عباس صحاح ليس بعضها أولى من بعض ولا حجة في أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس وغيره لم يعصم من الخطأ، ومن قلدهم فقد خالف امر الله تعالى في أن لا تتبع إلا ما أنزل الينا، ولكل واحد من الصحابة رضى الله عنهم فضائل ومشاهد تعفو عن كل تقصير (1) وليس ذلك لغيرهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن رجل نذر نذر الا ينبغى له ذكر لانه معصية؟ فأمره أن يوفيه ثم سأل عكرمة؟ فنهاه عن الوفاء به وأمره بكفارة يمين فرجع إلى سعيد بن المسيب فاخبره فقال سعيد: لينتهين عكرمة أو ليوجعن الامراء ظهره فرجع إلى عكرمة فاخبره فقال له عكرمة: إذ بلغتني فبلغه أما هو فقد ضربت الامراء ظهره وأوقفوه في تبان (2) شعر وسله عن نذرك أطاعة لله هو أم معصية؟ فان قال: معصية لله فقد أمرك بالمعصية وان قال هو طاعة لله فقد كذب على الله إذ زعم ان معصية الله طاعة له * قال أبو محمد: وروينا من طريق عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن رشدين بن كريب مولى ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (انى نذرت أن أنحر نفسي فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بان يهدى مائة ناقة وأن يجعلها في ثلاث سنين قال: فانك لا تجد من يأخذه منك بعد أن سأله ألك مال؟ فقال: نعم) (وقد خالف الحنيفيون والمالكيون ماروى عن الصحابة في هذا فلا ما يوهمون من اتباع الصحابة التزموا ولا النص المفترض عليهم اتبعوا ولا بالمرسل أخذوا وهم يقولون: إن المرسل والمسند سواء، أما أبو حنيفة فقال: من نذر نحر ولده أو نحر نفسه أو نحر غلامه أو نحر والده أو نحر أجنبي أو اهداءه أو اهداء ولده أو اهداء والده فلا شئ عليه في كل ذلك الا في ولده خاصة فيلزمه فيه هدى شاة، وهذا من التخليط الذى لا نظير له، ووافقه على كل ذلك محمد بن الحسن الا أنه قال: وعليه في عبده أيضا شاة * واضطرب قول مالك فمرة قال: من حلف فقال: أنا انحر ابني ان فعلت كذا فحنث فعليه كفارة يمين ومرة قال: ان كان نوى بذلك الهدى فعليه هدى وان كان لم ينو هديا فلا شئ عليه لا هدى ولا كفارة، ومرة قال: ان نذر ذلك عند مقام ابراهيم فعليه هدى


(1) في النسخة اليمنية (ينفى كل تقصير) (2) هو بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الباء الموحدة سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، وقد يكون للملاحين، وفى نسخة رقم 16 (بيان) بباء موحدة وياء مثناة من تحت وهو تصحيف (م 3 - ج 8 المحلى)

[ 18 ]

وان لم يقل عند مقام ابراهيم فكفارة يمين، وقال ابن القاسم صاحبه: ان نذر أن ينحر أباه أو أمه ان فعلت كذا وكذا فالحكم في ذلك كالحكم المذكور في الابن أيضا، وكذلك ان نذر ذلك بمنى أو بين الصفا والمروة فكما لو نذره عند مقام ابراهيم، وهذه أقوال في غاية الفساد وخلاف للسلف، وقال الليث بن سعد: من قال أنا أنحر ابني عند البيت فعليه أن يحج ويحج بابنه ويهدى هديا، وقال الحسن بن حيى: من قال: أنا أنحر فلانا عند الكعبة فانه يحجه أو يعمره ويهدى إلا أن ينوى أحد ذلك فيلزمه ما نوى فقط، وهذه أقوال لا برهان عليها فلا وجه للاشتغال بها، وقال أبو يوسف. والشافعي. وأبو سليمان: لا شئ عليه في كل ذلك إلا الاستغفار فقط * قال أبو محمد: وهذا هو الحق لقول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقال تعالى: (ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (من نذر أن يعصى الله فلا يعصه (1)) ولم يأمره في ذلك بكفارة ولا هدى وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحى يوحى (وما كان ربك نسيا) * روينا من طريق ابن جريج قال: سمعت سليمان بن موسى يحدث عطاء أن رجلا أتى إلى ابن عمر فقال له: نذرت لانحرن نفسي فقال له ابن عمر: أوف ما نذرت فقال له الرجل: أفأقتل نفسي؟ قال [ له ]. (2) إذا تدخل النار قال له: ألبست على قال. أنت ألبست على نفسك * قال أبو محمد: وبهذا كان يفتى ابن عمر صح ان آتيا أتاه فقال: نذرت صوم يوم النحر فقال له ابن عمر: أمر الله تعالى بوفاء النذر ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم النحر * وان امرأة سألته؟ فقالت: نذرت ان أمشى حاسرة فقال: أو في بنذرك واختمري، وقد ذكرنا قبل عن ابن عباس سقوط نذر المعصية جملة وبهذا نقول * قال أبو محمد: وأما من نذر نحر فرسه أو بغلته فلينحر هما لله، وكذلك ما يؤكل لانه نذر طاعة وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وأما من نذر المشى إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس أو إلى مكان سماه من الحرم أو إلى مسجد من سائر المساجد فانه ان نذر مشيا أو ركوبا أو نهوضا إلى مكة أو إلى موضع من الحرم لزمه لانه نذر طاعة، والحرم كله مسجد على ما ذكرنا في كتاب الحج فأغنى عن اعادته، وكذلك ان نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى المدينة لزمه ذلك وكذلك إلى أثر من آثار الانبياء عليهم السلام، فان نذر مشيا أو ركوبا أو اعتكافا أو نهوضا إلى بيت المقدس لزمه، فان نذر صلاة فيه كان مخيرا بين أمرين، أحدهما وهو


(1) هو في صحيح البخاري مطولا (2) الزيادة من النسخة رقم 14.

[ 19 ]

الافضل أن ينهض إلى مكة فيصلى فيها ويجزيه، والثانى أن ينهض إلى بيت المقدس، فان نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى مسجد من مساجد الارض غير هذه لم يلزمه شئ أصلا * برهان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد فقط. المسجد الحرام. ومسجد المدينة. والمسجد الاقصى * روينا من طريق البزار نا محمد بن معمر نا روح - هو ابن عبادة - نا محمد بن أبى حفصة عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الرحلة إلى ثلاثة مساجد. مسجد الحرام. ومسجد المدينة. ومسجد ايلياء (1) فصار القصد إلى ما سواها معصية والمعصية لا يجوز الوفاء بها، ولا يجوز ان يلزم ما لم ينذره من صلاة في غير المسجد الذى سمى، ولا فرق بين النهوض. والذهاب. والمشى. والركوب الا أن المشى طاعة والركوب أيضا طاعة لان فيه نفقة زائدة في بر، وأما من نذر الصلاة في بيت المقدس أو في غيرها (2) مكة أو مسجد المدينة فان كان نذر صلاة تطوع هنا لك لم يلزمه شئ من ذلك، فان نذر ان يصلى صلاة فرض في أحد هذه المساجد لزمه لان كونه في هذه المساجد طاعة لله عزوجل يلزمه الوفاء بها، وانما قلنا: لا يلزمه ذلك في نذره صلاة تطوع فيها للاثر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عزوجل (انه قال: ليلة الاسراء إذ فرض عزوجل الخمس الصلوات هن خمس وهن خمسون (3) لا يبدل القول لدى) فأمنا بقوله تعالى: (لا يبدل القول لدى) ان تكون صلاة مفترضة غير الخمس لا أقل من خمس ولا أكثر من خمس معينة على انسان بعينه أبدا، وليس ذلك في غير الصلاة إذ لم يأت نص في شئ من الاعمال بمثل هذا، وبهذا أسقطنا وجوب الوتر فرضا مع ورود الامر، ووجوب الركعتين فرضا على الداخل المسجد قبل أن يجلس، فان قيل: قد قلتم فيمن نذر صلاة في بيت المقدس ما قلتم قلنا: نعم يستحب له أن يصليها بمكة لما روينا من طريق أبى داود ناموسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة نا حبيب المعلم عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله (ان رجلا [ قام يوم الفتح ] (4) فقال: يا رسول الله انى نذرت [ لله ] ان فتح الله عليك مكة أن أصلى في بيت المقدس ركعتين فقال له رسول الله عليه السلام: صل ههنا فأعادها عليه فقال: صل ههنا ثم أعادها فقال: شأنك إذا) * ومن طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نا على بن عبد العزيز نا أبو عبيد القاسم ابن سلام نا محمد بن كثير عن حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عطاء عن جابر بن عبد الله


(1) رواية الصحيحين (لاتشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد) وذكرها (2) أي في غير المساجد الثلاثة (3) الحديث في الصحيحين كما هنا، وفى لفظ (هي خمس وهى خمسون)، والمراد انها خمس في العدد وخمسون في الاجر والاعتداد (4) الزيادة من سنن أبى داود

[ 20 ]

قال: قال رجل يوم الفتح: يا رسول الله انى نذرت ان فتح الله عليك أن أصلى في بيت المقدس قال: صل ههنا فأعاد الرجل مرتين أو ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فشأنك إذا) * قال أبو محمد: ولم يأت مثل هذ فيمن نذر اعتكافا في مسجد ايلياء وانما جاء فيمن نذر صلاة فيه فقط (وما كان ربك نسيا) فان عجز ركب لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ولا شئ عليه * قال على: لما أخبر الرجل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نذر الصلاة في بيت المقدس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صل ههنا - يعنى بمكة - تبين بذلك انه ليس عليه وجوب نذره أن يصلى في بيت المقدس، وصح أنه ندب مباح وكان في ظاهر الامر لازما له ان يصلى بمكة فلما راجع بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام. فشأنك إذا تبين وصح ان أمره عليه السلام له بأن يصلى بمكة ندب لا فرض أيضا هذا ما لا يمكن سواه ولا يحتمل الخبر غيره فصار كل ذلك ندبا فقط، فان قيل: فانكم توجبون صلاة الجنازة فرضا قلنا: نعم على الكفاية لا متعينا على أحد بعينه ونسأل من خالف هذا عمن نذر ركعتين في الساعة الثالثة من كل يوم فان ألزمه ذلك كانت صلاة سادسة؟، وبدل القول الذى أخبر تعالى انه لا يبدل لديه فان لم يلزمه ذلك سألناه ما الفرق؟ ولا سبيل إلى فرق أبداو بالله تعالى التوفيق (1) * فلو نذر النهوض إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس ليصلى فيها لزمه النهوض إليها ولابد فقط لانه طاعة لله عزوجل ثم يلزمه من صلاة الفرض هنا لك ما أدركه وقته ويستحب (2) له فيها من التطوع ما يستحب لمن هو هنالك * وروينا من طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد ابن المسيب ان رجلا أراد أن يأتي بيت المقدس فقال له عمر بن الخطاب. اذهب فتجهز فتجهز ثم أتاه فقال له عمر: اجعلها عمرة، وقد روى نحو هذا عن أم سلمة أم المؤمنين في امرأة نذرت أن تصلى في بيت المقدس فأمرتها بان تصلى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وصح عن سعيد بن المسيب أنه قال. من نذر أن يعتكف في مسجد ايلياء فاعتكف بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام اجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف على رءوس الجبال فانه لا ينبغى له ذلك وليعتكف في مسجد جماعة * رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن ابن المسيب * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: رجل نذر أن يمشى إلى بيت المقدس من البصرة قال. انما امرتم بهذا البيت، وكذلك


(1) في النسخة اليمنية (وبالله تعالى نتأيد) (2) في النسخة رقم 16 (ونستحب)

[ 21 ]

في الجوار قلت. فأوصى في أمر فرأيت خيرا منه قال: افعل الذى هو خير ما لم تسم لانسان شيئا ولكن ان قال للمساكين أو في سبيل الله فرأيت خيرا من ذلك فافعل الذى هو خير ثم رجع عطاء عن هذا وقال: ليفعل الذى قال ولينفذ أمره، قال ابن جريج. وقوله الاول أحب إلى، وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان (1) من قال له: نذرت مشيا إلى بيت المقدس أو زيارة بيت المقدس قال له طاوس: عليك بمكة مكة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: من نذر المشى إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أو إلى بيت المقدس. أو اتيان بيت المقدس. أو اتيان مسجد المدينة لم يلزمه شئ أصلا، وكذلك من نذر صلاة في المسجد الحرام بمكة أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أو بيت المقدس فانه لا يلزمه شئ من ذلك لكن يلزمه أن يصلى في مسكنه من البلاد حيث كان إلا أنه قد روى عن أبى يوسف أنه ان نذر صلاة في موضع فصلى في أفضل منه أجزأه وان صلى في دونه لم يجزه، وقال مالك: إذا قال: لله على أن أمشى إلى المدينة أو قال إلى بيت المقدس لم يلزمه ذلك الا أن ينوى صلاة هنالك فعليه أن يذهب راكبا والصلاة هنا لك، فان قال: على المشى إلى مسجد المدينة أو قال: إلى مسجد بيت المقدس فعليه الذهاب إلى ما هنالك راكبا والصلاة هنا لك قال: فان نذر المشى إلى عرفة أو إلى مزدلفة لم يلزمه فان نذر المشى إلى مكة لزمه، وقال الليث: من نذر أن يمشى إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد، وقال الشافعي: من نذر أن يصلى بمكة لم يجزه الا فيها فان نذر أن يصلى بالمدينة أو بيت المقدس أجزأه ان يصلى بمكة أو في المسجد الذى ذكر لا فيما سواه فان نذر صلاة في غير هذه الثلاثة المساجد لم يلزمه لكن يصلى حيث هو فان نذر المشى إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس أجزأه الركوب اليهما * قال أبو محمد: أما قول ابى حنيفة ففى غاية الفساد وخلاف السنة الواردة فيمن نذر طاعة وفى ان صلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه وان صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا مسجد المدينة عموما لا يخص منه نافلة من فرض، وهذه طاعة عظيمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) فقالوا: لا يطعه * وأما قول أبى يوسف ففاسد أيضا لانه يجب (2) على قوله من نذر صوم يوم فجاهد فانه يجزيه من الصوم لانه قد فعل خيرا مما نذر وان من نذر أن يتصدق بدرهم فتصدق بثوب انه يجزيه وهذا خطأ لانه لم يف بنذره * وأما قول


(1) في النسخة رقم 14 (انه كان يقول) بزيادة لفظ (يقول) ولا معنى له (2) في النسخة رقم 16 (لانه لا يجب) بزيادة لفظ (لا) وهو خطأ

[ 22 ]

ملك فخطأ لائج أيضا لانه أسقط وجوب المشى عن من نذره إلى المدينة وأوجبه على من نذره إلى مكة، وهذا عجب جدا: لا سيما مع قوله: إن المدينة أفضل من مكة ثم تخصيصه فيمن نذر المشى إلى بعض المشاعر كمزدلفة أو عرفة فلم يوجب ذلك وأوجبه إلى مكة. والى الكعبة. والى الحرم، وهذا كله تحكم بلا برهان، وكذلك قول الشافعي أيضا فانه ينتقض بما ينتقض به قول أبى يوسف * وأما من نذر عتق عبد فلان ان ملكه أو أوجب على نفسه عتق عبده ان باعه فان من أخرج ذلك مخرج اليمين فهو باطل لا يلزم لما ذكرنا قبل، فان أخرج ذلك مخرج النذر لم يلزمه أيضا شئ لانه إذا قال: عبدى حر إن بعته أو قال: ثوبي هذا صدقة ان بعته فباعه فقد سقط ملكه عنه، وإذا سقط ملكه عنه فمن الباطل أن ينفذ عتقه في عبدلا يملكه هو وانما يملكه غيره وصدقته (1) كذلك، ومن قال: ان ابتعت عبد فلان فهو حر أو ان ابتعت دار فلان فهى صدقة ثم ابتاع كل ذلك لم يلزمه عتق ولا صدقة لما روينا من طريق مسلم نا على بن حجر السعدى نا اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - نا أيوب - هو السختيانى - عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد) * (2) ومن طريق أبى داود السجستاني نا داود بن رشيدنا شعيب بن اسحاق عن الاوزاعي حدثنى يحيى بن أبى كثير حدثنى أبو قلابة نا ثابت بن الضحاك - هو من أصحاب الشجرة - (أن رجلا [ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نذر أن ينحر ابلا ببوانة ] (3) فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انى نذرت ان أنحر ابلا بيوانة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها [ وثن ] (4) من أو ثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا [ قال هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا ] (5) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ف بنذرك فانه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)، ففى هذا الخبر نص ما قلنا من أنه لا يلزم المرء وفاء نذره (6) فيما لا يملكه، وفيه ايجاب الوفاء بنذر نحر الابل في غير مكة وهو قولنا ولله الحمد * وقال الناس في هذا: أقوالا فاختلفوا في رجل قال: ان بعت عبدى هذا فهو حر، وقال آخر ان اشتريته منك فهو حرثم باعه منه فان أبا حنيفة. وعبد العزيز بن الماجشون قالا: يعتق على المشترى لا على البائع، وقال مالك.


(1) في النسخة رقم 16 وكذلك اليمنية (أو صدقته) (2) الحديث في صحيح مسلم ج 2 ص 12 مطولا وفيه قصة (3) الزيادة من سنن أبى داود وقوله (ببوانة) هو - بضم الموحدة بعدها واوفنون - كغرابة، ويفتح مصبة من وراء ينبع (4) الزيادة من سنن أبى داود (5) الزيادة من سنن أبى داود (6) في النسخة رقم 16 (وفاء نذر نذرة)

[ 23 ]

والشافعي: يعتق على البائع لا على المشترى، وقال أبو سليمان: لا يعتق على واحد منهما وهو الحق لما ذكرنا، والمذكورون قبل قد نقضت كل طائفة أصلها لانهم على اختلافهم متفقون على أن من قال: ابن بعت عبدى فهو حرفباعه انه يعتق عليه، وعلى انه ان قال: ان اشتريت، عبد فلان (1) فهو حرفاشتراه فانه حر فمن أين غلبت كل طائفة منهما في اجتماعهما في بيعه وابتياعه احد الناذرين على الآخر؟ فكان الاولى (2) بهم ان يعتقوه عليهما جميعا، فم ذا نقض واحد * وأما قول مالك: يعتق على البائع فخطأ ظاهر لانه لا يخلو من أن يكون باعه أو لم يبعه ولا سبيل إلى قسم ثالث فان كان باعه فقد ملكه غيره فبأى حكم تفسخ صفقة مسلم قد تمت؟ وبأى حكم يعتق زيد عبد عمرو؟ ان هذا لعجب! وان كان لم يبعه فما يلزمه عتقه لانه انما نذر عتقه ان باعه وهو لم يبعه وهذا نفسه لازم للشافعي سواء سواء فظهر فساد أقوالهم ولله الحمد * وقال ابن أبى ليلى: من قال: ان دخل غلامي دار زيد فهو حر ثم باعه ثم دخل الغلام دار زيد بعد مدة فانه يفسخ البيع فيه ويعتق على بائعه، ولعمري ما قول مالك. والشافعي ببعيد من قول ابن أبى ليلى لانهم كلهم قد أعتقوه عليه بعد خروجه عن ملكه وأبطلوا صفقة المشترى وصحة ملكه، وليت شعرى ماذا يقول ابن أبى ليلى ان أعتقه المشترى قبل أن يدخل الغلام دار زيد أيفسخ عتقه ثم يعتقه على بائعه؟ أو كانت أمة فأولدها المشترى ثم دخلت الدار * 1115 - مسالة وهذا بخلاف من قال: لله تعالى على عتق رقبة أو قال: بدنة أو قال: مائة درهم أو شئ من البر هكذا لم يعينه فان هذا كله نذر لازم لانه لم ينذر شيئا من ذلك في شئ لا يملكه لان الذى نذر ليس معينا فيكون مشار إليه مخبرا عنه فانما نذر عتقا في ذمته أو صدقة في ذمته * برهان هذا قول الله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن) ثم لا معهم عزوجل إذ لم يفوا بذلك إذ آتاهم من فضله، فخرج هذا على ما التزم في الذمة جملة وخرج نهى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم عن النذر فيما لا يملك على ما نذر في معين لا يملكه، ويدخل في القسم اللازم من نذر عتق أول عبديملكة أو أول ولدتلده أمته وفى هذا نظر * ومن طريق مسلم نا أبو بكر ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه (ان حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير [ ثم أعتق في الاسلام مائة رقبة وحمل على مائة بعير (3) ] قال حكيم: فقلت: يا رسول الله أشياء كنت أفعلها في الجاهلية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عبد زيد) (2) في النسخة رقم 16 (وفان الاولى) (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 46

[ 24 ]

أسلمت على ما أسلفت لك من الخير قال حكيم: قلت: فو الله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية الا فعلت في الاسلام مثله)، فهذا انذر من حكيم في عتق مائة رقبة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكره كما أنكر نذر الانصارية نحر الناقة التى لم تملكها، فصح أن ذلك النهى انما هو في المعين وان الجائز هو غير المعين وان لم يكن في ملكه حينئذ لانه في ذمته * وأما من قال: على نذر ولم يسم شيئا فكفارة يمين ولابد لا يجزيه غير ذلك لما روينا من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن شماسة عن أبى الخير عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كفارة النذر كفارة يمين (1) * قال أبو محمد: قد ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وفاء لنذر في معصية الله)، وأمره من نذر أن يصوم ولا يستظل ولا يقعد ولا يتكلم بأن يصوم ويطرح ما سوى ذلك، ونهيه عن اليمين بغير الله تعالى ولم نجد نذرا في العالم يخرج عن هذه الوجوه، وقد بين عليه السلام لكل وجه حكمه فكان من استعمل في أحد تلك الوجوه كفارة يمين فقد أخطأ لانه زاد في ذلك ما لم يأت به نص في ذلك الوجه فوجب حمل هذا الخبر على ما لا يحال به حكم تلك النصوص عن أحكامها فوجدناه إذا حمل على ظاهره صح حكمه وهو من نذر نذرا فقط كما في نص الخبر ولم يجز أن يلزم شيئا من أعمال البر لم يلنزمها ولا جاء بالتزامه اياها نص وبالله تعالى التوفيق * وسواء قال: على نذر أو قال: ان تخلصت مما أنا فيه فعلى ندر، وسواء تخلص أو لم يتخلص عليه في كل ذلك كفارة يمين ولابد وبالله تعالى التوفيق * وروينا من طريق سعيد ابن منصور نا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الرجل يقول: على حرام، على نذر قال: اعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينا * قال سعيد. ونا سفيان - هو ابن عيينة - عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: النذر أغلظ اليمين وفيها أغلظ الكفارة عتق رقبة وكلاهما صحيح عن ابن عباس ولا نعلم له مخالفا من الصحابة، وممن قال: فيه يمين كقولنا الشعبى رويناه من طريق سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبى ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. 1116 - مسألة ومن قال في النذر اللازم الذى قدمنا: الا أن يشاء الله أو ان شاء الله، أو الا ان لا يشاء الله أو ذكر الارادة مكان المشيئة أو الا ان بدل الله ما في نفسي أو الا ان يبدو لي


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 14

[ 25 ]

أو نحو هذا من الاستثناء ووصله بكلامه فهو استثناء صحيح ولا يلزمه ما نذر لقول الله تعالى: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله) ولانه إذا علق نذره بكل ما ذكرنا فلم يلتزمه لان الله تعالى لو شاء تمامه لا نفذه دون استثناء وقد علمنا انه إذا لم يكن فان الله تعالى لم يرد كونه وهو لم يلتزمه الا ان أراد الله تعالى كونه فإذ لم يرد الله تعالى كونه فلم يلتزمه، وكذلك ان بداله، وبالله تعالى التوفيق * 1117 - مسألة ونذر الرجل. والمرأة البكر ذات الاب وغير ذات الاب وذات الزوج وغير ذات الزوج والعبدو الحر سواء في كل ما ذكرنا لان أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك عموم لم يخص من ذلك أحد (1) من أحد (وما كان ربك نسيا) ومن الباطل الممتنع أن يكون الله تعالى يريد تخصيص بعض ما ذكرنا فلا يبينه لنا هذا أمر قد أمناه ولله الحمد الا الصيام وحده فليس للمرأة أن تصوم غير الذى فرضه الله تعالى عليها الا باذن زوجها على ما ذكرنا في كتاب الصيام، وبالله تعالى التوفيق * 1118 - مسألة ومن نذر ما لا يطيق أبدالم يلزمه لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وكذلك من نذر نذرا في وقت محدود فجاء ذلك الوقت وهو لا يطيقه فانه غير لازم له لا حينئذ ولا بعد ذلك * 1119 - مسأله ومن نذر في حاله كفره طاعة لله عزوجل ثم أسلم لزمه الوفاء به لقول الله تعالى: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذامتربة ثم كان من الذين آمنوا) فحض الله تعال على فعل الخير وأوجبه لفاعله ثم على الايمان وعلى فعل الخير فيه أيضا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) وهو عليه السلام مبعوث إلى الجن والانس وطاعته فرض على كل مؤمن وكافر من قال غير هذا فليس مسلما، وهذه جملة لم يختلف فيها أحد ممن يدعى الاسلام ثم نقضوا في التفصيل * روينا من طريق مسلم نا حسن الحلواني نا يعقوب - هو ابن ابراهيم بن سعد بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف - نا أبى عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أنا عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما اسلفت من خير (2)، * نا يوسف بن عبد [ الله بن عبد ] البر النمري نا سعيد


(1) في النسخة رقم 16 (لم يخص من ذلك أحد) وهو صحيح أيضا (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 46 (3) الزيادة من النسخة اليمنية (م 4 - ج 8 المحلى)

[ 26 ]

ابن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا أبو بكر بن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: (نذرت نذرا في الجاهلية فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت؟ فأمرني أن أو في بنذري) * نا حمام نا أبو محمد الباجى نا عبد الله ابن يونس المرادى نابقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: نذرت نذرا في الجاهلية ثم أسلمت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأمرني أن أوفى بنذري * فهذا حكم لا يسع أحدا الخروج عنه * وقال مالك: لا يلزمه واحتج له مقلدوه بقول الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) وقوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا) * قال أبو محمد: لا حجة لهم في هذا لان هذا كله نما نزل فيمن مات كافرا بنص كل آية منهما قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاؤلئك حبطت أعمالهم) ثم هم أول من ينقض هذه الحجة فيجيزون بيعهم. وابتياعهم. ونكاحهم. وهباتهم. وصدقاتهم. وعتقهم وبالله تعالى التوفيق * ومن طريق مسلم نا قتيبة [ بن سعيد ] (1) نا ليث ابن سعد عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى (انه سمع أبا هريرة يقول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له: ثمامة بن اثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سوارى المسجد) وذكر الحديث وفيه (ان ثمامة أسلم بعد أن أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد والله ما كان [ على الارض ] (2) من دين أبغض إلى من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلى [ والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها الى ] (3) وان خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر)، فهذا كافر خرج يريد العمرة فأسلم فأمره عليه السلام باتمام نيته * وروينا عن طاوس من نذر في كفره ثم أسلم فليوف بنذره، وعن الحسن. وقتادة نحوه، وبهذا يقول الشافعي. وأبو سليمان. وأصحابهما * 1120 - مسألة ومن نذر لله صوم يوم يقدم فيه فلان أو يوم يبرأ أو ينطلق فكان ذلك ليلا أو نهارا لم يلزمه في ذلك اليوم شئ لانه ان كان ليلا فلم يكن ما نذر فيه وان كان نهارا فقد مضى وقت الدخول في الصوم الا أن يقول: لله على صوم اليوم الذى أنطلق فيه أو يكون كذا في الابد أو مدة يسميها فيلزمه صيام ذلك اليوم في المستأنف وبالله تعالى التوفيق *


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 وهى موافقة لما في صحيح مسلم ج 2 ص 56 (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) الزيادة من صحيح مسلم

[ 27 ]

1121 - مسأله ومن نذر صياما. أو صلاة. أو صدقة ولم يسم عدد اما لزمه في الصيام صوم يوم ولا مزيد، وفي الصدقة ما طابت به نفسه مما يسمى صدقة ولو شق تمرة أو أقل مما ينتفع به المتصدق عليه، ولزمه في الصلاة ركعتان لان كل ما ذكرنا أقل مما يقع عليه الاسم المذكور فهو اللازم بيقين ولا يلزمه زيادة لانه لم يوجبها شرع ولا لغة وبالله تعالى التوفيق * 1122 - مسألة ومن قال: لله على صدقة أو صيام. أو صلاة هكذا جملة لزمه أن يفعل أي ذلك شاء ويجزيه لانه نذر طاعة فعليه ان يطيع، وكذلك لو قال لله على عمل بر فيجزيه تسبيحة. أو تكبيرة. أو صدقة. أو صوم. أو صلاة. أو غير ذلك من أعمال البر، وسواء قال على ذلك نذرا أو على عهد الله أو قال على لله كذا وكذا كل ذلك سواء ولا يجزى في ذلك لفظ دون نية ولا نية دون لفظ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فلم يفرد عليه السلام نية دون عمل ولا عملا دون نية، وبالله تعالى التوفيق * 1123 - مسألة ومن مات وعليه نذر ففرض أن يؤدى عنه من رأس ماله قبل ديون الناس كلها فان فضل شئ كان لديون الناس لقول الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فعم نعالى ولم يخص، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قد ذكرناه في كتاب الصيام وكتاب الزكاة وكتاب الحج (دين الله أحق ان يقضى) * ومن طريق البخاري نا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - انا شعيب - هو ابن أبى حمزة - عن الزهري أخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الانصاري استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه فتوفيت قبل ان تقضيه فافناه عليه السلام أن يقضيه عنها فكانت سنة بعده (1) * قال أبو محمد إن من رغب عن فتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارع إلى قبول فتيا أبى حنيفة. ومالك. والشافعي لمخذول محروم من التوفيق ونعوذ بالله من الضلال، والعجب من احتجاجهم في أن في ثلاثة أصابع تقطع للمرأة ثلاثين من الابل وفي أربع أصابع تقطع لها عشرين من الابل لقول سعيد بن المسيب تلك السنة ثم لا يرى قول ابن عباس ههنا أو عبيد الله بن عبد الله أو الزهري فكانت سنة حجة لبعيد من القول بالحق * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن ابراهيم بن مهاجر عن عامر بن مصعب أن عائشة أم المؤمنين اعتكفت عن اخيها بعد ما مات * ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن امه نذرت اعتكافا فماتت ولم تعتكف فقال له ابن عباس:


(1) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 255

[ 28 ]

اعتكف عن أمك * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبى حصين عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس إذا مات وعليه نذر قضاه عنه وليه، وهو قول طاوس وغيره * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال سألت عطاء عمن نذر جوارا أو مشيا فمات ولم ينفذ؟ قال: ينفذه عنه وليه قلت فغيره من ذوى قرابته قال نعم، وأحب الينا الاولياء * قال أبو محمد: فان كان نذر صلاة صلاها عنه وليه أو صوما كذلك أو حجا كذلك أو عمرة كذلك أو اعتكافا كذلك أو ذكرا كذلك، وكل بر كذلك فان أبى الولى استؤجر من رأس ماله من يؤدى دين الله تعالى قبله، وهو قول أبى سليمان وأصحابنا، وبالله تعالى التوفيق * 1124 - مسألة قال على: ومن تعمد النذور ليلزمها من بعده فهى غير لازمة لاله ولا لمن بعده لا النذر اللازم الوفاء به هو نذر الطاعة كما قدمنا وهو الآن نذر معصية لا نذر طاعة لانه لم يقصد به وجه الله تعالى وانما قصد ادخال المشقة على مسلم فهو نذر معصية وبالله تعالى التوفيق * الوعد 1125 - مسألة ومن وعد آخر بان يعطيه مالا معينا أو غير معين، أو بان يعينه في عمل ما حلف له على ذلك أو لم يحلف لم يلزمه الوفاء به ويكره له ذلك، وكان الافضل لو وفي، وسواء أدخله بذلك في نفقة أو لم يدخله كمن قال. تزوج فلانة وأنا أعينك في صداقها بكذا وكذا أو نحو هذا، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال مالك لا يلزمه شئ من ذلك الا أن يدخله بوعده ذلك في كلفة فيلزمه ويقضى عليه، وقال ابن شبرمة الوعد كله لازم ويقضى به على الواعد ويجبر * فأما تقسيم مالك فلا وجه له ولا برهان يعضده لامن قرآن. ولا سنة، ولا قول صاحب. ولا قياس، فان قالوا قد أصربه إذ كلفه من أجل وعده عملا ونفقة قلنا فهبكم أنه كما تقولون من أين وجب على من أضر بآخر وظلمه وغره ان يغرم له مالا؟ ما علمنا هذا في دين الله تعالى الا حيث جاء به النص فقط، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه * وأما من ذهب إلى قول ابن شبرمة فانهم احتجوا بقول الله تعالى: (كبر مقتاعند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) والخبر الصحيح من طريق عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه

[ 29 ]

خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر (1)) * والآخر الثابت من طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من علامة النفاق ثلاثة وان صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف. وإذا اؤتمن خان (2))، فهذان أثران في غاية الصحة آثار أخر لا تصح، أحدها من طريق الليث عن ابن عجلان (ان رجلا من موالى عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوى حدثه عن عبد الله ابن عامر قالت لى أمي هاه تعال أعطك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أردت ان تعطيه؟ فقالت أعطية تمر افقال لها عليه السلام أما أنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة)، هذا لا شئ لانه عمن لم يسم * وآخر من طريق ابن وهب أيضا عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأى المؤمن حق واجب) (3) هشام بن سعد ضعيف وهو مرسل، ومن طريق ابن وهب عن اسماعيل بن عياش عن أبى اسحاق (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه فان ذلك يورث بينك وبينه عداوة) وهذا مرسل واسماعيل بن عياش ضعيف * ومن طريق ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لصبى تعال هاه لك ثم لم يعطه شيئا فهى كذبة) ابن شهاب كان إذ مات أبو هريرة ابن أقل من تسع سنين لم يسمع منه كلمة، وأبو حنيفة. ومالك يرون المرسل كالمسند ويحتجون بما ذكرنا فيلزمهم أن يقضوا بانجاز الوعد على الواعد ولابد وإلا فهم متناقضون فلو صحت هذه الآثار لقلنا بها، وأما الحديثان اللذان صدرنا بهما فصحيحان الا أنه لا حجة فيهما علينا لانهما ليسا على ظاهر هما لان من وعد بما لا يحل أو عاهد على معصية فلا يحل له الوفاء بشئ من ذلك كمن وعد بزنا. أو بخمر. أو بما يشبه ذلك، فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا بل قد يكون مطيعا مؤدى فرض، فإذ ذلك كذلك فلا يكون فرضا من انجاز الوعد والعهد إلاعلى من وعد بواجب عليه كانصاف من دين أو اداء حق فقط، وأيضا فان من وعد وحلف واستثنى فقد سقطه عنه الحنث بالنص والاجماع المتيقن، فإذا سقط عنه الحنث لم يلزمه فعل ما حلف عليه، ولا فرق بين وعد أقسم عليه وبين وعد لم يقسم عليه، وأيضا فان الله تعالى يقول: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله)، فصح تحريم الوعد بغير استثناء فوجب أن من وعد ولم يستثن فقد عصى الله تعالى في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد على معصية، فان استثنى فقال


(1) الحديث في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمرو بالفاظ متقاربة من هذا (2) هو في الصحيحين أيضا (3) رواه أبو داود في مراسيله، والوأى الوعد لفظا ومعنى

[ 30 ]

ان شاء الله تعالى أو الا ان يشاء الله تعالى أو نحوه مما يعلقه بارادة الله عزوجل فلا يكون مخلفا لوعده ان لم يفعل لانه انما وعده أن يفعل إن شاء الله تعالى) وقد علمنا أن الله تعالى لو شاءه لانفذه فان لم ينفذه فلم يشأ الله تعالى كونه، وقول الله تعالى: (كبر مقتاعند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) على هذا أيضا مما يلزمهم كالذى وصف اله تعالى عنه إذ يقول: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولكنونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه)، فصح ما قلنا لان الصدقة واجبة. والكون من الصالحين واجب فالوعد والعهد بذلك فرضان فرض انجازهما، وبالله تعالى التوفيق، وأيضا فان هذا نذر من هذا الذى عاهد الله تعالى على ذلك والنذر فرض وبالله تعالى نتأيد، تم كتاب النذور والحمد لله أو لا وآخرا * كتاب الايمان 1126 - مسألة لا يمين الا بالله عزوجل إما باسم من أسمائه تعالى أو بما يخبر به عن الله تعالى ولا يراد به غيره مثل مقلب القلوب. ووارث الارض وما عليها. الذى نفسي بيده رب العالمين، وما كان من هذا النحو، ويكون ذلك بجميع اللغات. أو بعلم الله تعالى. أو قدرته. أو عزته. أو قوته. أو جلاله، وكل ما جاء به النص من مثل هذا فهذا هو الذى ان حلف به المرء كان حالفا فان حنث فيه كانت فيه الكفارة، وأما من حلف بغير ما ذكرنا أي شئ كان لاتحاش شيئا فليس حالفا ولا هي يمينا ولا كفارة في ذلك ان حنث ولا يلزمه الوفاء بما حلف عليه بذلك وهو عاص لله تعالى فقط وليس عليه الا التوبة من ذلك والاستغفار * برهان ذلك ما ذكرناه قبل في كتاب النذور من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فلا يحلف الا بالله)، وقوله تعالى. (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن اياما تدعوا فله الاسماء الحسنى) وقال تعالى. (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه) وكل ما ذكر نا قبل فانما يراد به الله تعالى لا شئ سواه ولا يرجع من كل ذلك إلى شئ غير الله تعالى * روينا من طريق البخاري نا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - أنا شعيب ابن أبى حمزة (1) نا أبو الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة [ رضى الله عنه ] (2) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. ان لله تسعة وتسعين اسما مائة الا واحدا من أحصاها دخل الجنة)، وقال تعالى: (ان هي الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) فصح


(1) هو بحاء مهملة واسمه دينار الاموى (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 45

[ 31 ]

أنه لا يحل لاحد أن يسمى الله تعالى الا بما سمى به نفسه، وصح ان أسماءه لا تزيد على تسعة وتسعين شيئا لقوله عليه السلام: (مائة الا واحدا) فنفى الزيادة وأبطلها لكن يخبر عنه بما يفعل تعالى، وجاءت أحاديث في احصاء التسعة والتسعين أسماء مضطربة لا يصح منها شئ أصلا فانما تؤخذ من نص القرآن، ومما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ احصاؤنا منها إلى ما نذكر * وهى. الله. الرحمن. الرحيم العليم. الحكيم. الكريم. العظيم. الحليم. القيوم. الاكرم. السلام. التواب. الرب. الوهاب. الاله. القريب. السميع. المجيب. الواسع. العزيز. الشاكر. القاهر. الآخر. الظاهر. الكبير. الخبير. القدير. البصير. الغفور. الشكور. الغفار. القهار. الجبار. المتكبر. المصور. البر. مقتدر. الباري. العلى. الغنى. الولى. القوى. الحى. الحميد. المجيد. الودود. الصمد. الاحد. الواحد. الاول. الاعلى. المتعال. الخالق. الخلاق. الرزاق. الحق. اللطيف. رءوف. عفو. الفتاح. المتين. المبين. المؤمن. المهيمن. الباطن. القدوس. الملك. مليك. الاكبر. الاعز. السيد. سبوح. وتر. محسان. جميل. رفيق. المسعر. القابض. الباسط. الشافي. المعطى. المقدم. المؤخر. الدهر * روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - أنا الفضل بن موسى نا محمد بن عمر ونا أبو سلمة - هو ابن عبد الرحمن بن عوف - عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديث خلق الجنة والنار وفيه (ان جبريل عليه السلام لما رأى الجنة وأنها حفت بالمكاره قال لله عزوجل وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، وقال تعالى: (أنزله بعلمه) * ومن طريق البخاري نا مطرف بن عبد الله [ أبو مصعب ] (1) نا عبد الرحمن بن أبى الموالى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كلها كالسورة من القرآن إذا هم [ أحدكم ] (2) بالامر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم انى استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك) وقال عزوجل: (هو أشد منهم قوة) وقال تعالى: (ذو الجلال والاكرام) وقال تعالى: (فثم وجه الله) وقال تعالى: (يد الله فوق أيديهم) وقال تعالى: (ولتصنع على عينى) وقال تعالى: (فانك باعيننا) فهذه جاء النص بها * وأما اليمين بعظمة الله وارادته وكرمه وحلمه وحكمته وسائر ما لم يأت به نص فليس شئ من ذلك يمينا لانه لم يأت بها نص فلا يجوز القول بها *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 8 ص 146 (2) الزيادة من بعض نسخ البخاري، والحديث في البخاري مطولا اختصره المصنف

[ 32 ]

1127 - مسألة ومن حلف بما ذكرنا أن لا يفعل أمرا كذا أو أن يفعل أمرا كذا (1) فان وقت وقتا مثل غدا أو يوم كذا أو اليوم أو في وقت يسميه فان مضى ذلك الوقت ولم يفعل ما حلف أن يفعله فيه عامدا ذاكرا ليمينه أو فعل ما حلف أن لا يفعله فيه عامدا ذاكرا ليمينه فعليه كفارة اليمين هذا ما لا خلاف فيه من أحد وبه جاء القرآن والسنة، فان لم يوقت وقتا قوله لافعلن كذا فهو على البر أبدا حتى يموت، وكذلك لو وقت وقتا ولا فرق ولا حنث عليه، وهذا مكان فيه خلاف، قال مالك: هو حانث في كلا الامرين وعليه الكفارة، وقال الشافعي: هو على البر إلى آخر أوقات صحته التى يقدر فيها على فعل ما حلف أن يفعله فحينئذ يحنث وعليه الكفارة، وقال أبو ثور. وأبو سليمان كقولنا * قال أبو محمد: فنسأل من قال بقول مالك أحانث هو ما لم يفعل ما حلف أن يفعله أم بار؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث فان قالوا: هو بار قلنا: صدقتم ووهو قولنا لنا لا قولكم، وان قالوا: هو حانث قلنا: فأجبوا عليه الكفارة وطلاق امرأته في قولكم ان كان حانثا وهم لا يقولون بذلك، فظهر يقين فساد قولهم بلا مرية وان قولهم هو على حنث وليس حانثا ولا حنث بعد كلام متناقض في غاية الفساد والتخليط، وأما قول الشافعي فخطأ لانه أوجب الحنث بعد البر بلا نص ولا اجماع، ولا يقع الحنث على ميت بعد موته فلاح أن قوله دعوى بلا برهان، وبالله تعالى التوفيق * 1128 - مسألة وأما الحلف بالامانة. وبعهد الله. وميثاقه. وما أخذ يعقوب على بنيه. وأشد ما أخذ أحد على أحد. وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحق المصحف. وحق الاسلام. وحق الكعبة. وأنا كافر. ولعمري. ولعمرك. ولافعلن كذا. وأقسم. وأقسمت. وأحلف. وحلفت. وأشهد. وعلى يمين. أو على ألف يمين. أو جميع الايمان تلزمني. فكل هذا ليس يمينا، واليمين بها معصية ليس فيها الا التوبة والاستغفار لانه كله غير الله ولا يجوز الحلف الا بالله * قال أبو محمد: والعجب ممن يرى هذه الالفاظ يمينا ويرى الحلف بالمشى إلى مكة. وبالطلاق. وبالعتق. وبصدقة المال أيمانا ثم لا يحلف في حقوق الناس من الدماء والفروج والاموال والابشار بشئ من ذلك وهى أو كد عندهم لانها لا كفارة لها ويحلفونهم بالله وفيه الكفارة أليس هذا عجبا؟ ولئن كانت أيمانا عندهم بل من أغلظ الايمان وأشدها فالواجب أن يحلفوا الناس بالايمان الغليظة، ولئن كانت ليست ايمانا فلم يقولون انها ايمان؟ حسبنا الله وهو المستعان *،


(1) كذا في النسختين على الوصفية، وفى النسخة اليمنية (أمر كذا) على الاضافة

[ 33 ]

وفي كل ما ذكرنا خلاف قديم من السلف يرون كل ذلك أيمانا * روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن ليث عن مجاهد عن ابن مسعود: قال لان أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغير الله صادقا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى سلمة عن وبرة قال: قال ابن مسعود. أو ابن عمر. لان أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت عبد الله ابن أبى مليكة سمعت ابن الزبير يقول: ان عمر قال له - وقد سمعه يحلف بالكعبة -: لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك احلف بالله فأثم أو ابرر * 1129 - مسألة ومن حلف بالقرآن. أو بكلام الله عزوجل فان نوى في نفسه المصحف أو الصوت المسموع أو المحفوظ في الصدور (1) فليس يمينا وان لم ينو ذلك بل نواه على الاطلاق فهى يمين وعليه كفارة ان حنث لان كلام الله تعالى هو علمه (2) قال تعالى: (ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم) وعلم الله تعالى ليس هو غير الله تعالى، والقرآن كلام الله تعالى، وقد روينا خلاف هذا، [ روينا ] (3) من طريق عبد الرزاق. والحجاج بن المنهال قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد، وقال الحجاج بن المنهال: نا أبو الأشهب عن الحسن البصري ثم اتفق الحسن. ومجاهد قالا جميعا: قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: (من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية منها يمين صبر فمن شاء برو من شاء فجر) ولفظ الحسن ان شاء بروان شاء فجر * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى سنان عن عبد الله بن أبى الهذيل عن عبد الله ابن حنظلة قال: أتيت مع عبد الله بن مسعود السوق فسمع رجلا يحلف بسورة البقرة فقال ابن مسعود: أما ان عليه بكل آية يمينا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن ابن مسعود قال: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به أجمع ومن حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، وهو قول الحسن البصري. وأحمد ابن حنبل، وروينا عن سهم بن منجاب من حلف بالقرآن فعليه بكل آية خطيئة، وقال أبو عبيد. هو يمين واحدة، وروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت عطاء - وقد سأله رجل - فقال: قلت: والبيت. وكتاب الله فقال عطاء: ليسا لك برب ليسا يمينا، وبه يقول أبو حنيفة، وقد كان يلزم الحنيفيين والمالكيين أن يقولوا بقول ابن مسعود لانه لا يعلم له في ذلك مخالف من الصحابة *


(1) في النسخة اليمنية (في الصدر) بالافراد (2) في النسخة اليمنية (هو علم الله) (3) الزيادة من النسخة اليمنية (م 5 - ج 8 المحلى)

[ 34 ]

1130 - مسألة - ولغو اليمين لا كفارة فيه ولا اثم وهو وجهان أحدهما ما حلف عليه المرء وهو لا يشك في أنه كما حلف عليه ثم تبين له (1) أنه بخلاف ذلك وهو قول أبى حنيفة. ومالك. وأبى سليمان، والثانى ما جرى به لسان المرء في خلال كلامه بغير نية فيقول في اثناء كلامه: لا والله. وأى والله وهو قول الشافعي. وأبى سليمان، قال الله تعالى (لا يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) وصح من طريق معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: ربما قال ابن عمر لبعض بنيه: لقد حفظت عليك في هذا المجلس أحد عشر يمينا ولا يأمره بكفارة * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج انا عطاء أنه سمع عائشة أم المؤمنين وقد سألها عبيد بن عمير عن قول الله تعالى: (لا يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم)؟ قالت: هو قول الرجل لا والله. وبلى والله * ومن طريق معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله (2) عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت في اللغو: هو قول القوم يتدارمون في الامر يقول هذا: لا والله. وبلى والله. وكلا والله ولا تعقد عليه قلوبهم، وهو قول القاسم بن محمد. وعطاء. وابراهيم. والشعبى وعكرمة. ومجاهد. وطاوس. والحسن. والزهرى. وأبى قلابة. وغيرهم * ومن طريق ابن عباس - ولا يصح عنه لانه من طريق الكلبى - لغو اليمين هو قول الرجل هذا والله فلان وليس بفلان، وهو أيضا قول الحسن. وابراهيم. والشعبى. ومجاهد. وقتادة. وزرارة بن أوفى. وسليمان بن يسار. وسفيان الثوري. والاوزاعي. والحسن ابن حي. وأحمد بن حنبل وغيرهم * قال أبو محمد: أما قول المرء: لا والله. وأى والله بغير نية فأمره ظاهر لا اشكال فيه لانه نص القرآن كما قال أم المؤمنين رضى الله عنها، وأما من أقسم على شئ وهو يرى ولا يشك في أنه كما حلف عليه فانه لم يعمد الحنث ولا قصد له ولا حنث الاعلى من قصد إليه الا أن هذا مما تناقض فيه الحنيفيون. والمالكيون فأسقطوا الكفارة ههنا وأوجبوها على من فعل ما حلف عليه ناسيا أو مكرها ولا فرق بين شئ من ذلك، وبالله تعالى التوفيق * والعجب أيضا أنهم رأوا اللغو في اليمين بالله تعالى ولم يروه في اليمين بغيره تعالى كالمشى إلى مكة. والطلاق. والعتق وغير ذلك، وقد جاء أثر بقولنا رويناه من طريق أبى داود. السجستاني نا حميد بن مسعدة نا حسان - هو ابن ابراهيم - نا إبراهيم - هو الصائغ - عن عطاء بن أبى رباح قال: اللغو في اليمين قالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو كلام الرجل


(1) سقط لفض (له) من النسخة رقم 16 (2) جملة (عن سالم بن عبد الله) سقطت من النسخة اليمنية

[ 35 ]

في بيته كلا والله. وبلى والله (1)، وبالله تعالى التوفيق * 1131 - مسألة - ومن حلف أن لا يفعل أمرا كذا ففعله ناسيا أو مكرها أو غلب بأمر حيل بينه وبينه به، أو حلف على غيره أن يفعل فعلا ذكره له أو ان لا يفعل فعلا كذا ففعله المحلوف عليه عامدا أو ناسيا أو شك الحالف أفعل ما حلف أن لا يفعله أم لا؟ أو فعله في غير عقله فلا كفارة على الحالف في شئ من كل ذلك (2) ولا اثم * روينا من طريق هشيم عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: لغو اليمين هوأن يحلف على الشئ ثم ينسى، قال هشيم: وأخبرني منصور عن الحسن بمثله * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) وقال تعالى: (ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقد قلنا إن الحنث ليس الا على قاصد إلى الحنث يتعمد له بنص القرآن وهؤلاء كلهم غير قاصدين إليه فلا حنث عليهم إذا لم يتعمدوه بقلوبهم، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم (عفى لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وانه (رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق) ولقول الله تعالى: (يلا يكلف الله نفسا الا وسعها) وبالمشاهدة ندرى أنه ليس في وسع الناس ولا المغلوب بأى وجه منع أن يفعل ما نسى ولا ما غلب على فعله، فصح بنص القرآن انه لم يكلف فعل ذلك واذ ليس مكلفا لذلك فقد سقط عنه الوفاء بما لم يكلف الوفاء به، وهذا في غاية البيان والحمد لله رب العالمين، وهو قول الحسن. وابراهيم * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا منصور هو ابن المعتمر عن الحسين البصري قال: إذا أقسم على غيره فأحنث فلا كفارة عليه * ومن طريق هشيم نا مغيرة عن ابراهيم فيمن أقسم على غيره فأحنثه (3) أحب إلى للمقسم أن يكفر فلم يوجبه الا استحبابا * 1132 مسألة ومن هذا من حلف على ما لا يدرى أهو كذلك أم لا وعلى ما قد يكون ولا يكون؟ كمن حلف لينزلن المطر غدا فنزل أو لم ينزل فلا كفارة في شئ من ذلك لا نه لم يتعمد الحنث، ولا كفارة الا على من تعمد الحنث وقصده لقوله تعالى: (ولكن ما تعمدت قلوبكم)، وقد صح أن عمر حلف بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ان ابن صياد هو الدجال فلم يأمره عليه السلام بكفارة، وقال مالك: عليه الكفارة كان ما حلف عليه أو لم يكن، وهذا خطأ لانه لا نص بما قال، والاموال محظورة الا بنص، والشرائع لا تجب الا


(1) قال أبو داود في سننه بعد ما ساق الحديث: روى هذا الحديث داود بن أبى الفرات عن ابراهيم الصائغ موقوفا عن عائشة، وكذلك رواه الزهري. وعبد الملك ابن أبى سليمان. ومالك بن مغول كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفا * (2) في النسخة اليمنية (من ذلك كله) (3) في النسخة رقم 16 (فأحنث) *

[ 36 ]

بنص، وبالله تعالى التوفيق * 1133 مسألة ومن حلف عامد اللكذب فيما يحلف فعليه الكفارة وهو قول الاوزاعي. والحسن بن حى. والشافعي، وقالت طائفة: لا كفارة في ذلك وهو قول أبى حنيفة. ومال: وسفيان الثوري. وأبى سليمان، وروينا مثل قولنا عن السلف المتقدم من طريق شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عن الرجل يحلف بالحلف الكاذب؟ أفيه كفارة؟ قال: نعم * ومن طريق هشيم عن الحجاج عن عطاء بن أبى رباح فيمن حلف على كذب يتعمد فيه الكذب قال عطاء عليه الكفارة ولا يزيد بالكفارة الا خيرا * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن ابى نجيح عن مجاهد (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) قال: بما تعمد تم * ومن طريق قتادة عن الحسن في قوله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان فكفارته) قال يقول بما تعمدتم فيه المأثم، وقال سعيد بن جبير: هي اليمين في المعصية * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر في الرجل يحلف على أمر يتعمده كاذ بايقول: والله لقد فعلت ولم يفعل أو والله ما فعلت وقد فعل، قال: أحب إلى ان يكفر * وروينا القول الثاني من طريق رفيع أبى العالية ان ابن مسعود كان يقول: كنا نعد من الذنب الذى لا كفارة له اليمين الغموس ان يحلف الرجل كاذبا على مال أخيه ليقتطعه * وعن ابراهيم النخعي. والحسن. وحماد بن أبى سليمان أن هذا اليمين أعظم من أن تكفر أو انها كذبة لا كفارة فيها * قال أبو محمد: احتج من لم ير الكفارة في ذلك بالاخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها من طريق ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان فانزل الله تعالى [ تصديق ذلك ] (1) (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم)) * ومن طريق أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم، فذكر عليه السلام فيهم (المنفق سلعته بالحلف الكاذب) (2) * ومن طريق عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم (الكبائر الا شراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) (3) *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 8 ص 247، والحديث مطول اقتصر المصنف على محل الشاهد منه (2) رواه مسلم في صحيحه عن أبى ذر ج 1 ص 41 ورواه البخاري في غير موضع في صحيحه عن أبى هريرة (3) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 246

[ 37 ]

ومن طريق عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على يمين مصبورة كاذبا (1) فليتبوأ بوجهه مقعده من النار) * ومن طريق الاشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم (من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو غضبان) * ومن طريق جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على منبرى هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار) وزاد بعضهم (ولو كان سوا كا أخضر) (2) هذه كلها آثار صحاح، وذكروا أيضا خبرا صحيحا من طريق يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من استلج في أهله بيمين فهو أعظم اثما ليس تغنى الكفارة) (3) * وبخبر رويناه من طريق ابن الجهم نا يوسف بن الضحاك ناموسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة عن ثابت عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل: (فعلت كذا وكذا قال: لا والذى لا اله الا هو ما فعلت فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: بلى قد فعل ولكن الله قد غفر له بالاخلاص (4)، ورواه أبو داود من طريق موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة عن عطاء ابن السائب عن أبى يحيى عن ابن عباس، وهكذا رويناه أيضا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن أبى يحيى عن ابن عباس فان لم يكن أخطأ فيه يوسف بن الضحاك فهو حديث جيد والا فهو ضعيف قالوا: فلم يأمره عليه السلام بكفارة، وقالوا: انما الكفارة فيما حلف فيه في المستأنف، وموهوا في ذلك بذكر قول الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) قالوا: وحفظها انما يكون بعد مواقعتها (5) هذا كل ما شغبوا به وكله لاحجة لهم فيه * أما حديث ابن مسعود. وأبى ذر. وعمران. وجابر. والاشعث، وقول الله تعالى (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم) فليس في شئ من ذلك اسقاط الكفارة ولا ايجابها كما ليس فيها ذكر التوبة أصلا وانما فيها كلها الوعيد الشديد بالنار والعقاب، فسقط تعلقهم بها في اسقاط الكفارة، ثم العجب كله انهم في هذه الاحاديث. وفي هذه الآية على قسمين، قسم يقول: إنه ليس شئ ما ذكر في هذه الآية وفى هذه الاحاديث يقطع


(1) في النسخ (كاذبة) وهى صفة لليمين، وفى سنن أبى داود (كاذبا) وهو حال من الحالف وما هنا أظهر (2) هو في سنن أبى داود (3) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 230، وقوله (استلج) قال ابن الاثير في النهاية: هو استفعل من اللجاج، ومعناه ان يحلف على شئ ويرى أن غيره خير منه فيقيم على يمينه ولا يحنث فيكفر فذلك آثم له، وقيل: هو أن يرى أنه صادق فيها مصيب فيلج فيها ولا يكفرها اه‍ (4) في سنن أبى داود (باخلاص قول لا اله الا الله) وليس في سنن أبى داود جملة (فجاء جبريل) الخ (5) في النسخة رقم 16 (بعد موافقتها)

[ 38 ]

بكونه ولابد وقد يمكن أن يغفر الله عزو جل، وقسم قالوا: هو نافذ ما لم يتب فمن أعجب شأنا ممن احتج بآية واخبار صحاح في اسقاط كفارة يمين ليس فيها من ذلك ذكر أصلا وهم قد خالفوا كل ما فيها علانية، وهذا عجب جدا * وأما قوله عليه السلام: (من استلج في أهله بيمين فهو أعظم اثما ليس تغنى الكفارة) فلا حجة لهم فيه أصلا لان الايمان عندنا وعندهم، منها لغو لا اثم فيه ولم يرد هذا الصنف في هذا الخبر بلا شك، ومنها ما يكون المرء بها حالفا على ما غيره خير منه ولا خلاف عندنا وعندهم في أن الكفارة تغنى في هذا وبه جاء النص عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى * ومنها اليمين الغموس التى اختلفنا فيها وبالحس والمشاهدة ندرى نحن وهم ان الحالف بها لا يسمى مستلجا في أهله فبطل أن (1) يراد بهذا الخبر هذا القسم وبطل احتجاجهم به في اسقاطهم الكفارة في اليمين الغموس، فان قيل: فما معنى هذا الخبر عندكم وهو صحيح؟ قلنا: نعم معناه ولله الحمد بين على ظاهر لفظه دون تبديل ولا احالة ولا زيادة ولا نقص وهو أن يحلف المرء أن يحسن إلى أهله أو أن لا يضربهم ثم لج في أن يحنث فيضربهم ولا يحسن إليهم ويكفر عن يمينه، فهذا بلا شك مستلج بيمينه في أهله ان لا يفى بها وهو أعظم إثما بلا شك والكفارة لا تغنى عنه ولا تحط اثم اساءته إليهم وان كانت واجبة عليه لا يحتمل البتة هذا الخبر معنى غير هذا * وأما حديث حماد بن سلمة. وسفيان. فطريق سفيان لا تصح فان صحت طريق حماد فليس فيه لاسقاط الكفارة ذكرو انما فيه أن الله تعالى غفر له بالاخلاص فقط، وليس كل شريعة توجد في كل حديث، ولا شك في أنه ما أمور بالتوبة من تعمد الحلف على الكذب وليس في هذا الخبر لها ذكر، فان كان سكوته عليه السلام عن ذكر الكفارة حجة في سقوطها فسكوته عن ذكر التوبة حجة في سقوطها ولابد وهم لا يقولون بهذا، فان قالوا: قد أمر بالتوبة في نصوص أخر قلنا وقد أمر بالكفارة في نصوص أخر نذكرها ان شاء الله تعالى، ونقول لهم: ان كان سكوته عليه السلام عن ذكر الكفارة في هذه الاخبار كلها حجة في اسقاطها فسكوته عليه السلام عن ذكر سقوطها حجة في إيجابها ولا فرق وهى دعوى كدعوى، فالواجب طلب حكم الكفارة في نص غير هذه * وأما قول الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) فحق * وأما قولهم: ان الحفظ لا يكون الابعد مواقعة اليمين (2) فكذب. وافتراء. وبهت وضلال محض بل حفظ الايمان واجب قبل الحلف. وفى الحلف بها. وبعد الحلف بها، فلا يحلف في كل ذلك الا على حق


(1) في النسخة رقم 16 (أن يكون يراد) (2) في النسخة رقم 16 (بعد موافقة اليمين)

[ 39 ]

ثم هبك أن الامر كما قالوا، وان قوله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) انما هو بعد أن يحلف فاى دليل في هذا على أن لا كفارة على من تعمد الحلف كاذبا وهل هذا منهم الا المباهتة والتمويه. وتحريف كلام الله عن مواضعه وما يشك كل ذى مسكة تمييز في أن من تعمد الحلف كاذبا فما حفظ يمينه، فظهر فساد كل ما يمخرقون به * وأما قولهم: إن الكفارة انما تجب عليه فيما حلف عليه في المستأنف فباطل ودعوى بلا برهان لامن قرآن ولا سنة ولا إجماع، فان ذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انه لا يحلف على يمين فيرى غيرها خيرا منها إلا أتى الذى هو خير وكفر عن يمينه) فلاحجة لهم فيه لان الكفارة عندهم وعندنا تجب في غير هذه الصفة، وهى من حلف على يمين ورأى غيرها شرامنها ففعل الذى هو شر، فان الكفارة عندهم وعندنا واجبة عليه في ذلك * قال أبو محمد: وأما قولهم: هي أعظم من أن تكفر فمن أين لهم هذا؟ وأين وجدوه؟ وهل هو إلا حكم منهم (1) لا من عند الله تعالى؟ ويعارضون بان يقال لهم: دعوى أحسن من دعواهم بل كلما عظم الذنب كان صاحبه أحوج إلى الكفارة وكانت أوجب عليه منها فيما ليس ذنبا أصلا أو فيما هو صغير من الذنوب، وهذا المتعمد للفطر في رمضان نحن وهم متفقون على أن الكفارة عليه ولعله أعظم إثما من حالف على يمين غموس أو مثله وهم يرون الكفارة على من تعمدا فساد حجة بالهدى بآرائهم، ولعله أعظم اثما من حالف يمين غموس أو مثله، وأعجب من هذا كله قولهم فيمن حلف أن لا يقتل مؤمنا متعمدا، وأن يصلى اليوم الصلوات المفروضة، وأن لا يزنى بحريمة (2)، وأن لا يعمل بالربا، ثم لم يصل من يومه ذلك، وقتل النفس التى حرم الله، وزنى. وأربى. فان عليه الكفارة في أيمانه تلك، فيالله ويا للمسلمين أيما اعظم اثما ممن حلف عامدا للكذب أنه ما رأى زيدا اليوم وهو قدرآه فأسقطوا فيه الكفارة لعظمه، أو من حنث بان لا يصلى الخمس صلوات. وبان قتل النفس. وبان زنى بابنته أو بامه. وبان عمل بالربا ثم لا يرون عظم حنثه في إتيانه هذه الكبائر العظيمة التى هي والله قطعا عند كل من له علم بالدين أعظم اثما من الف يمين تعمد فيها الكذب لا تجب فيه كفارة لانه أعظم من أن يكفر؟ فهل تجرى أقوال هؤلاء القوم على اتباع نص أو على التزام قياس؟ * وأما تمويههم بانه روى ذلك عن ابن مسعود ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم فهى رواية منقطعة لا تصح لان أبا العالية لم يلق ابن مسعود ولا أمثاله من الصحابة


(1) في النسخة اليمنية (الا بحكم منهم) (2) وفى النسخة (بحيمته) والمعنى أن لا يزني بمحرم عليه نكاحه كأمه وبنته كما هو ظاهر في تمثيل المصنف بعد *

[ 40 ]

رضى الله عنهم انما أدرك اصاغر الصحابة كابن عباس ومثله رضى الله عن جميعهم، وقد خالفوا ابن مسعود في قوله، ان من حلف بالقرآن. أو بسورة منه فعليه بكل آية كفارة ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة، فابن مسعود حجة إذا اشتهوا وغير حجة إذا لم يشتهوا أن يكون حجة * قال أبو محمد: فاذقد سقط كل ما شغبوا به فلنأت بالبرهان على صحة قولنا فنقول وبالله تعالى التوفيق: قال الله عزوجل: (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أو سط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) إلى قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم) فظاهر القرآن ايجاب الكفارة في كل يمين فلا يجوز أن تسقط كفارة (1) عن يمين أصلا الا حيث أسقطها نص قرآن. أو سنة، ولا نص قرآن ولا سنة أصلا في اسقاط الكفارة عن الحالف يمينا غموسا، فهى واجبة عليه بنص القرآن، والعجب كله ممن اسقطها عنه والقرآن يوجبها ثم يوجبونها على من حنث ناسيا مخطئا والقرآن والسنة قد اسقطاها عنه، وأوجبوها على من لم يتعمد اليمين ولا نواها والقرآن والسنة يسقطانها عنه، وهذا كما ترى، فان قالوا: ان هذه الآية فيها حذف بلا شك ولو لا ذلك لوجبت الكفارة على كل من حلف ساعة حلف بر أو حنث قلنا: نعم لا شك في ذلك الا أن ذلك الحذف لا يصدق أحد في تعيينه له الا بنص صحيح أو اجماع متيقن على أنه هو الذى أراد الله تعالى لا ما سواه وأما بالدعوى المفتراة فلا، فوجدنا الحذف المذكور في الآية قد صح الاجماع المتيقن والنص على أنه فخثتم، واذ لا شك في هذا فالمتعمد لليمين على الكذب عالما بأنه كذب حانث بيقين حكم الشريعة وحكم اللغة فصح إذ هو حانث ان عليه الكفارة وهذا في غاية الوضوح وبالله تعالى التوفيق، والقوم أصحاب قياس بزعمهم وقد قاسوا احالق رأسه لغير ضرورة وهو محرم عاصيا لله تعالى على حالق رأسه لضرورة محرما غير عاص لله تعالى، فهلا قاسوا الحالف عامدا للكذب حانثا عاصيا على الحالف ان لا يعصى فحنث عاصيا أو على من حلف أن لا يبر فبرغير عاص في ايجاب الكفارة في كل ذلك؟ ولكن هذا مقدار عليهم وقياسهم، وبالله تعالى التوفيق * 1134 - مسألة - واليمين في الغضب. والرضا. وعلى أن يطيع. أو على أن يعصى. أو على ما لا طاعة فيه ولا معصية سواء في كل ما ذكرنا ان تعمد الحنث في كل ذلك فعليه الكفارة، وان لم يتعمد الحنث أو لم يعقد اليمين بقلبه فلا كفارة في ذلك لقول الله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم) فالكفارة واجبة في كل حنيث قصده المرء *


(1) في النسخة رقم 16 (الكفارة)

[ 41 ]

وقد اختلف السلف في ذلك، فروى عن ابن عباس ان لغو اليمين هو اليمين في الغضب ولا كفارة فيها * قال أبو محمد: وهذا قول لا دليل على صحته بل البرهان قائم بخلافه كما روينا من طريق البخاري نا أبو معمر - هو عبد الله بن عمرو هو الرقى - (1) نا عبد الوارث بن سعيد التنورى نا أيوب - هو السختيانى - عن القاسم بن عاصم عن زهدم الجرمى عن أبى موسى أنه سمعه يقول: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من الاشعريين فوافقته وهو غضبان فاستحملناه فخلف أن لا يحملنا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها الا أتيت الذى هو خير وتحللتها (2))، فصح وجوب الكفارة في اليمين في الغضب قال تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون) والحالف في الغضب معقد ليمينه فعليه الكفارة * وأما اليمين في المعصية فروينا من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى أن رجلا أضافه رجل فحلف أن يأكل فحلف الضيف أن لا يأكل فقال له ابن مسعود: كل وانى لا ظن ان أحب اليك أن تكفر عن يمينك، فلم ير الكفارة في ذلك الا استحبابا * ومن طريق حماد بن سلمة عن داود بن هند عن عبد الرحمن بن عابس ان ابن عباس حلف أن يجلد غلامه مائة جلدة ثم لم يجلده قال: فقلنا له في ذلك فقال: ألم تر ما صنعت (3)؟ تركته فذاك بذاك * ومن طريق سفيان بن عيينة عن سليمان الاحول قال: من حلف على ملك يمينه أن يضربه فان كفارة يمينه أن لا يضربه وهى مع الكفارة حسنة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن المعتمر بن سليمان التيمى عن أبيه عن المغيرة عن ابراهيم فيمن حلف أن يضرب مملوكه قال ابراهيم: لان يحنث أحب إلى من أن يضربه قال المعتمر: وحلفت أن أضرب مملوكة لى فنهاني أبى ولم يأمرنى بكفارة * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبيدالله بن موسى العبسى نا حنظلة بن أبى سفيان الجمحى قال: سئل طاوس عمن حلف أن لا يعتق غلاما له فأعتقه؟ فقال طاوس: تريد من الكفارة أكثر من هذا؟ * ومن طريق عبد الرزاق عن هشيم عن أبى بشر - هو جعفر ابن أبى وحشية - عن سعيد بن جبير في لغو اليمين قال: هو الرجل يحلف على الحرام فلا يؤاخده الله بتركه (4) * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نامسدد نا عبد الواحد ابن زيادنا عاصم عن الشعبى قال: اللغو في اليمين كل يمين في معصية فليست لها كفارة


(1) في تهذيب التهذيب وغيره (والمنقري) (2) هو في صحيح البخاري ج ص 248 (3) في النسخة رقم 16 (لما صنعت) (4) في النسخة رقم 16 (في تركه) (م 6 - ج 8 المحلى)

[ 42 ]

من يكفر للشيطان (1)؟ * ومن طريق إسماعيل نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبى نا عبد الواحد بن زياد نا سليمان الشيباني قال: سمعت عكرمة قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأته (لا يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم) فيه نزلت * ومن طريق حماد ابن سلمة نا داود بن أبى هند عن الشعبى عن مسروق انه قال في الرجل يحلف أن لا يصل أباه وأمه قال كفارته تركه، فسألت سعيد بن جبير؟ فقال: لم يصنع شيئا ليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه * واحتج أهل هذه المقالة بما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن الوليد ابن كثير نا عبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على معصية فلا يمين له ومن حلف على قطعية رحم فلا يمين له) * ومن طريق أبى داود نا المنذر بن الوليد نا عبد الله بن بكر نا عبيدالله بن الاخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله ولا في قطعية رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذى هو خير فان تركها كفارتها (2)) * ومن طريق حجاج ابن المنهال نا هشيم عن يحيى بن عبيدالله عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير فهو كفارتها) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن المنهال نا يزيد بن زريع نا حبيب المعلم عن عمرو ابن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يقول ] (3): لا يمين عليك ولا نذر في معصية الله ولا في قطعية الرحم وفيما لا تملك) * ومن طريق العقيلى نا أحمد بن عمرو نا ابراهيم بن المستمر نا شعيب بن حيان بن شعيب ابن درهم نا يزيد بن أبى معاذ عن مسلم بن عقرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على مملوكه ليضربنه فان كفارته أن يدعه وله مع كفارته خير) * ومن طريق سعيد بن منصور نا حزم بن أبى حزم القطعي (4) سمعت الحسن يقول: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (لمن يكفر للشيطان) (2) قال في شرح سنن أبى داود. حديث عمر وبن شعيب ذكر البيهقى انه لم يثبت قال أبو داود: الاحاديث كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم وليكفر عن يمينه الا مالا يعبأ به، قال الحافظ: ورواته لا بأس بهم لكن اختلف في سنده على عمرو وفى بعض طرقه عند أبى داود (ولافى معصية) (3) الزيادة من سنن أبى داود والحديث فيه مطول اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه (4) هو بضم القاف وفتح الطاء المهملة وبعدهما عين مهملة منسوب إلى قطيعة بن عبس

[ 43 ]

قال: (لا نذر لابن آدم في مال غيره ولا يمين في معصية) * قال أبو محمد: كل هذا لا يصح، حديث عمرو بن شعيب صحيفة ولكن لا مؤنة على المالكيين. والشافعيين. والحنيفيين في أن يحتجوا بروايته إذا وافقتهم ويصححونها حينئذ فإذا خالفتهم كانت حينئذ صحيفة ضعيفة ما ندرى كيف ينطق بهذا من يوقن أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؟ أم كيف تدين به نفس تدرى أن الله تعالى يعلم السر وأخفى؟ * وأما حديث عمر فمنقطع لان سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر شيئا الا نعيه النعمان بن مقرن المزني على المنبر فقط، وهؤلاء يقولون: إن المنقطع. والمتصل سواء فأين هم عن هذا الاثر؟ * وأما حديث أبى هريرة فعن يحيى بن عبيد الله وهو ساقط متروك ذكر ذلك مسلم وغيره * وأما حديث مسلم بن عقرب ففيه شعيب بن حيان وهو ضعيف ويزيد بن أبى معاذ وهو غير معروف * وحديث الحسن مرسل فسقط كل ما في هذا الباب * ووجدنا نص القرآن يوجب الكفارة في ذلك بعمومه ومع ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غير ها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفره)، فان قيل: ان هذا فيما كان في كليهما خير الا أن الآخر أكثر خيرا قلنا هذه دعوى بل كل شرفي العالم وكل معصية فالبر والتقوى خير منهما، قال الله تعالى: (الله خير أم ما يشركون) فصح ان الله تعالى خير من الاوثان ولا شئ من الخير في الاوثان، وقال تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) ولاخير في جهنم أصلا * ومن طريق مسلم نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق [ ثنا معمر ] (1) عن همام بن منبه نا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لان يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطى كفارته التى فرض الله)، فصح بهذا الخبر وجوب الكفارة في الحنث في اليمين التى يكون التمادي على الوفاء بها اثما، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه رأى في ذلك الكفارة، وهو قول الحاضرين وبالله تعالى التوفيق * 1135 - مسالة - واليمين محمولة على لغة الحالف وعلى نيته، وهو مصدق فيما ادعى من ذلك الامن لزمته يمين في حق لخصمه عليه والحالف مبطل فان اليمين ههنا على نية المحلوف له، ومن قيل له: قل كذا أو كذا فقاله وكان ذلك الكلام يمينا بلغة لا يحسنها القائل فلا شئ عليه ولم يحلف، ومن حلف بلغته باسم الله تعالى عندهم فهو حالف فان حنث فعليه الكفارة * برهان ذلك أن اليمين (2) انما هي إخبار من الحالف عما يلتزم بيمينه تلك وكل


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 18 (2) في النسخة رقم 16 (الايمان) *

[ 44 ]

واحد فانما يخبر عن نفسه بلغته وعما في ضميره فصح ما قلناه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)، وقال الله تعالى: (وان من أمة إلا خلا فيها نذير)، وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم). ولله تعالى في كل لغة اسم فبالفارسية أو زمز، وبالعبرانية اذوناى. والوهيم. والوهاء واسرايل، وبالتينية داوش وقريطور، وبالصقلبية بغ، وبالبربرية يكش، فان حلف هؤلاء بهذه الاسماء فهى يمين صحيحة، وفى الحنث فيها الكفارة، وأما من لزمته يمين لخصمه وهو مبطل فلا ينتفع بتوريته وهو عاص لله تعالى في جحوده الحق عاص له في استدفاع مطلب خصمه بتلك اليمين فهو حالف يمين غموس ولابد * روينا من طريق هشم عن عباد بن أبى صالح. وعبد الله بن أبى صالح عن أبى صالح السمان عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك (1))، وقد قيل: عباد. وعبد الله. واحد، ولا يكون صاحب المرء الامن له معه أمر يجمعهما يصطحبان فيه وليس الا ذو الحق الذى له عليك يمين تؤديها إليه ولابد وأما من (2) لا يمين له عندك فليس صاحبك في تلك اليمين * 1136 - مسألة - ومن حلف ثم قال: نويت بعض ما يقع عليه اللفظ الذى نطق به صدق وكذلك لو قال: جرى لساني ولم يكن لى نية فانه يصدق، فان قال: لم أنو شيئا دون شئ حمل على عموم لفظه لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 1137 - مسألة - ومن حلف على شئ ثم قال موصولا بكلامه ان شاء الله تعالى أو إلا أن يشاء الله، أو الا أن لا يشاء الله أو نحو هذا، أو إلا ان أشاء، أو إلا أن لا أشاء، أو إلا إن بدل الله ما في قلبى، أو إلا أن يبدو إلى، أو إلا أن يشاء فلان، أو إن شاء فلان فهو استثناء صحيح وقد سقطت اليمين عنه بذلك ولا كفارة عليه ان خالف ما حلف عليه، فلو لم يصل الاستثناء بيمينه لكن قطع قطع ترك للكلام ثم ابتدأ الاستثناء لم ينتفع بذلك وقد لزمته اليمين، فان حنث فيها فعليه الكفارة، ولا يكون الاستثناء الا باللفظ وأما بنية دون لفظ فلا لقول الله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) فهذا لم يعقد اليمين ونحن على يقين من ان الله تعالى لو شاء تمام تلك اليمين لانفذها وأتمها فاذلم ينفذها عزوجل ولا أتمها فنحن على يقين من أنه تعالى لم يشأ كونها وهو انما التزمها ان شاءها الله تعالى والله تعالى لم يشأها فلم يلتزمها قط، وكذلك اشتراطه


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 17 (2) في النسخة رقم 16 (وأما مع من) بزيادة لفظ (مع)

[ 45 ]

مشيئة نفسه أو مشيئة زيد لان مشيئته الا من قبله فهو مصدق فيها، ومشيئة زيد لا ندرى أصدق في دعواه انه شاء أو لم يصدق؟ ولا ندرى أيضا أصدق في دعواه انه لم يشأ أو لم يصدق؟ فلسنا على يقين من لزوم هذه اليمين الذى حلف بها فلم يجز انه نلزمه كفارة بالشك: ومن طريق أحمد بن زهير بن حرب نا يحيى بن معين عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) * ومن طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نابكر بن حماد نا مسدد عن عبد الوارث - هو ابن سعيد التنورى - عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف فاستثنى فان شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث) فهذا عموم لكل استثناء كما ذكرنا * قال أبو محمد: وقوله عليه السلام فقال: ان شاء الله أو فاستثنى يقتضى القول والقول لا يكون الا باللسان لا يكون بالنية أصلا، وقد قال قوم. إن استثنى في نفسه أجزأه * وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن محل (1) بن محرز عن ابراهيم النخعي قال لاحتى يجهر بالاستثناء كما جهر باليمين * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم ان استثنى في نفسه فليس بشئ حتى يظهره بلسانه * وعن معمر عن حماد في الاستثناء ليس بشئ حتى يسمع نفسه * وعن قتادة عن الحسن البصري إذا حرك لسانه أجزأ عنه في الاستثناء * قال أبو محمد: وبهذا نقول لانه قول صحيح يعنى حركة اللسان، وأما وصل الاستثناء باليمين فان أبا ثور قال لا يكون مستثنيا الا حتى ينوى الاستثناء في حين نطقه باليمين لا بعد تمامها لانها إذا أتم اليمين ولم ينوفيها الاستثناء كان قد عقد يمينه فلزمته * قال أبو محمد: ولا يعترض بالنظر على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) فأثبت له اليمين أو لاثم أسقطها عليه السلام عنه بقوله (فقال ان شاء الله) والفاء تعطى أن يكون الثاني بعد الاول بلا مهلة فصح ما قلناه، وقالت طائفة: الاستثناء جائز أبدا متى أراد أن يستثنى كما روينا من طريق الحجاج ابن المنهال نا عبد الله بن داود - هو الخريبى - عن سليمان الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال له ثنياه بعد كذا وكذا * ومن طريق خصيف عن مجاهد قال. ان قال بعد سنين. ان شاء الله تعالى فقد استثنى، وقالت طائفة بعد أربعة أشهر كما روينا من طريق سالم الافطس عن سعيد بن جبير قال ان قال بعد أربعة أشهر ان شاء الله فقد استثنى، وقالت طائفة.


(1) هو بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام في آخره

[ 46 ]

بعد شهر كما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن سالم بن عجلان الافطس عن سعيد بن جبير قال إذا حلف الرجل فقال بعد شهر. ان شاء الله فله ثنياه، وقالت طائفة من نسى فله أن يستثنى متى ما ذكر كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: يستثنى في يمينه متى ما ذكر، وقرأ (واذكر ربك إذا نسيت) وصح [ هذا ] (1) أيضا عن سعيد بن جبير و [ عن ] (2) أبى العالية، وقالت طائفة في ذلك بمهلة غير محدودة كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة بن عبداله بن مسعود عن القاسم بن عبدالرحن بن عبد الله بن مسعود قال قال عبد الله بن مسعود. من حلف ثم قال. ان شاء الله فهو بالخيار، وقالت طائفة بمقدار حلب شاة غزيرة كما رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال له الاستثناء في اليمين بمقدار حلب الناقة الغزيرة، وطائفة قالت: له الاستثناء ما لم يقم عن مجلسه أو يتكلم كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن قتادة قال إذا حلف ثم استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه، وطائفة قالت: ما لم يقم فقط كما روينا من طيق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال من استثنى لم يحنث وله الثنيا ما لم يقم من مجلسه * ومن طريق ابن أبى شيبة عن حماد ابن سلمة عن هشام بن حسان عن الحسن البصري انه كان يرى الاستثناء في اليمين ما لم يقم من مقعده ذلك لا يوجب عليه الكفارة ان استثنى قبل أن يقوم، وقالت طائفة: له الاستثناء في أول نهاره كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود قال قال عبد الله بن مسعود قال أبو ذر هو الغفاري ما من رجل يقول حين يصبح. اللهم ما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدى ذلك كله ما شئت منه كان وما لم تشأ لم يكن فاغفره لى وتجاوز لى عنه اللهم من صليت عليه فصلواتي عليه ومن لعنته فلعنتى عليه الا كان في استثنائه بقية يومه ذلك * وأما قولنا فاننا روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع ان ابن عمر كان يحلف يقول. والله لا أفعل كذا وكذا ان شاء الله ثم يفعله ولا يكفر، وقد صح عن ابن عمر أنه كان يكفر أيمانا أخر فقد ثبت عنه اسقاط الكفارة إذا وصل الاستثناء بكلامه ولم يصح عنه في المهلة شئ فظاهره انه إذا لم يكن استثناؤه موصولا بيمينه كفر * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال لى عطاء إذا حلف ثم استثنى على أثر


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) الزيادة من النسخة اليمنية

[ 47 ]

ذلك ومع ذلك وعند ذلك، قال ابن جريج كأنه يقول: ما لم يقطع اليمين ويتركه، وصح عن الاعمش عن ابراهيم في الاستثناء في اليمين قال: ما كان في كلامه [ بقول ] (1) * ورويناه أيضا عن الشعبى. والحسن. وسفيان الثوري، وهو قول أبى حنيفة ومالك. والشافعي. وأبى سليمان * قال أبو محمد: انما قلنا بهذا لقول الله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقد تم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين) الآية فاوجب الله تعالى الكفارة على من عقد اليمين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) فلم يجعل الاستثناء مردودا على اليمين الا بالفاء والفاء في لغة العرب توجب تعقيبا بلا مهلة فوقفنا عند ذلك، وقال بعضهم لو كان ما قال ابن عباس ما لزمت أحدا كفاره أبدا * قال على: وهذا الاشئ لان ابن عباس لا يمنع من أراد الحنث وايجاب الكفارة من أن يكفر لكن لو قالوا هذا مما تكثر به البلوى فما كان مثل هذا ليخفى على ابن عباس لكان ألزم لهم، والعجب ان أبا حنيفة وما لكا يريان الاستثناء في اليمين بالله تعالى فقط ولا يريانه في سائر الايمان، وهذا عجب جدا أن يكون الايمان بغير الله تعالى أو كد وأعظم من اليمين بالله لان اليمين بالله تعالى يسقطها الاستثناء ويسقطها الكفارة، واليمين بغير الله تعالى أجل من أن يسقطها الاستثناء ومن أن يسقطها الكفارة، ومن أن يكون فيها غير الوفاء بها ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول البشيع الشنيع، والكفارة في نص القرآن جاءت على الايمان جملة والاستثناء في بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء في الحلف جملة فان كان تلك أيمانا فالاستثناء والكفارة فيها وان لم تكن أيمانا فمن أين ألزموها؟ وعجب آخر عجيب جدا! وهو أن مالكا قال: ان الاستثناء في الايمان ان نوى به الحالف الاستثناء فهو استثناء صحيح فان نوى به قول الله عزوجل: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله) لم يكن استثناء * قال أبو محمد: هذا كلام لا يدرى ما هو ولا ماذا أراد قائله به ولقدرمنا أن نجد عند من أخذنا قوله عنه من المنتمين إليه معنى يصح فهمه لهذا الكلام فما وجدناه الا أنهم يحملونه كما جاء وكما نقول نحن في كهيعص وطه آمنا به كل من عند ربنا وان لم نفهم معناه * قال أبو محمد: فان احتج محتج لقول ابن عباس وغيره بما روينا من طريق أبى داود نا محمد بن العلاء نا ابن بشر (2) عن مسعر عن سماك بن حرب [ عن عكرمة ] (3) يرفعه


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (نا أبو بشر) وهو غلط (3) الزيادة من سنن أبى داود

[ 48 ]

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لاغزون قريشا ثم قال: ان شاء الله (1) ثم قال والله لاغزون قريشا ثم سكت ثم قال: ان شاء الله) قال أبو داود: وقال الوليد بن مسلم (2) عن شريك ثم لم يغزهم * ورويناه أيضا من طريق شريك عن سماك عن عكرمة، وأسنده جماعة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس * قال أبو محمد: سماك ضعيف يقبل التلقين ويلزم من اعتد بروايته في أخذ الدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير ان يأخذ بها ههنا، ومن قال: إن المرسل كالمسندان يقول بهذا أيضا ويلزمهم إذ قاسوا ما يكون صداقا على ما تقطع فيه اليد في السرقة ان يقيسوا مدة مهلة الاستثناء على مدة الايلاء فيقولوا بقول سعيد بن جبير في ذلك أو يجعلوه شهراعلى قولهم في أجل المدين (3) أنه يسجن شهرا ثم يسأل عنه بعد الشهر؟ أو يقيسوه على قولهم الفاسد في المخيرة ان لها الخيار ما لم تقم عن مجلسها أو تتكلم، فاى فرق بين هذه التحكمات في الدين بالباطل في تحريم الفروج واباحتها وغير ذلك من الديانة وبين مهلة الاستثناء؟ وهل هذا إلا شبه التلاعب بالدين، والعجب من اجازتهم أكل ما ذبح أو نحرو نسى مذكيه أن يسمى الله تعالى عليه ثم لا يرون ههنا نسيان الاستثناء عذرا يوجبون للحالف به الاستثناء متى ذكر، فان قالوا فهلا قلتم أنتم بهذا كما أسقطتم الكفارة عمن فعل ما حلف عليه ناسيا قلنا لم نقل بذلك لان الفاعل ناسيا ليس حانثا لان الحانث هو القاصد إلى الحنث وناسى الاستثناء لم يستثن، فانعقدت اليمين عليه فوجبت الكفارة بنص القرآن، والكفارة لا تسقط بعد وجوبها الا بالنص ولم يسقطها النص الا إذا قال موصولا باليمين ما يستثنى به والعجب أنهم يقولون في مثل هذا إذا وافقهم: مثل هذا لا يقال بالرأى فهلا قالوا في قول أبى ذر. وابن عباس ههنا مثل هذا لا يقال بالرأى كما قالوا في رواية شيخ من بنى كنانة عن عمر البيع عن صفقة أو خيا وهذا: لا يقال بالرأى فردوا به السنة الثابتة من أن كل بيعين فلا بيع بينهما ما لم يتفرقا وكانا معا * 1138 مسألة ويمين الابكم واستثناؤه لا زمان على حسب طاقته من صوت يصوته أو اشارة ان كان مصمتا لا يقدر على اكثر لما ذكرنا من أن الايمان أخبار من الحالف عن نفسه والابكم والمصمت مخاطبان بشرائع الاسلام كغيرهما، وقد قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بامر فائتوا منه ما استطعتم) فوجب عليهما من هذه الشريعة ما استطاعاه وان يسقط عنهما ما ليس


(1) في النسخة رقم 16 (ان يشأ الله) (2) في سنن أبى داود قال أبو داود: (زاد فيه الوليد ابن مسلم) الخ (3) في النسخة رقم 16 (المديون) وهما صحيحان

[ 49 ]

في وسعهما وان يقبل منهما ما يخبران به عن أنفسهما حسب ما يطيقان ويلزمهما ما التزماه، وبالله تعالى التوفيق * 1139 مسألة والرجال. والنساء. الاحرار. والمملوكون. وذوات الازواج والابكار وغيرهن في كل ما ذكر نا ونذكر سواء لان الله تعالى قال: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وقال تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) وقال عليه السلام: (من كان حالفا فلا يحلف الا بالله) وقال في الاستثناء ما ذكرنا، ولم يأت نص بتخصيص عبد من حرو لا ذات زوج من أيم ولا بكر من ثيب (وما كان ربك نسيا)، والتحكم في الدين بالآراء الفاسدة لا يجوز وبالله تعالى التوفيق * وقد وافقونا على أن كل من ذكرنا مخاطب بالصلاة وبالصيام. وتحريم ما يحرم. وتحليل ما يحل سواء فأنى لهم تخصيص بعض ذلك من بعض بالباطل. والدعاوى الكاذبة؟ فان ذكروا ما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن حرام بن عثمان عن عبد الرحمن. ومحمد ابني جابر بن عبد الله عن أبيهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمين لولد مع يمين والد. ولا يمين لزوجة مع يمين زوج. ولا يمين للمملوك مع يمين مليكه. ولا يمين في قطيعة. ولا نذر في معصية. ولا طلاق قبل نكاح. ولا عتاقة قبل الملك (1) ولا صمت يوم إلى الليل. ولا مواصلة في الصيام. ولا يتم بعد الحلم. ولا رضاعة بعد الفطام. ولا تغرب بعد الهجرة. ولا هجرة بعد الفتح)، فحرام بن عثمان ساقط مطرح لا تحل الرواية عنه، ويلزم من قلد روايته في استظهار المستحاضة بثلاث بعد أيامها فأسقط بها الصلوات المفروضة والصيام المفروض وحرم الوطئ المباح ان يأخذوا (2) بروايته ههنا وإلافهم متلاعبون بالدين، وبالله تعالى التوفيق * وقد خالفوا أكثر ما في هذا الخبر، وأما نحن فو الله لو صح برواية الثقات متصلا لبادرنا إلى القول به، وبالله تعالى التوفيق * 1140 مسألة ولا يمين لسكران ولا لمجنون في حال جنونه. ولا لهاذ (3) في مرضه ولا لنائم في نومه. ولا لمن لم يبلغ، ووافقنا في كل هذا أبو حنيفة. ومالك. والشافعي الا أنهم خالفونا في السكران وحده ووافق في السكران أيضا قولنا ههنا قول المزني. وأبى سليمان. وأبى ثور. والطحاوى. والكرخي من أصحاب أبى حنيفة وغيرهم * وحجتنا في الكسران قول الله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فمن شهد الله تعالى له بانه لا يدرى ما يقول فلا يحل أخذه بما لا يدرى ما هومن


(1) في النسخة اليمنية (ولاعتاقة قبل الملكة) (2) في النسخة رقم 16 (أن يأخذ) (3) الهاذى هو الذى يتكلم بكلام غير معقول في مرض أو غيره * (م 7 ج 8 المحلى)

[ 50 ]

قوله، وبيقين ندرى أنه لم يعقد اليمين والله تعالى لا يؤاخذ الا بما عقد منها بنص القرآن، وما نعلم لهم حجة الا أنهم قالوا: هو أدخل ذلك على نفسه فقلنا: نعم فكان ماذا؟ وما تقولون فيمن قطع الطريق فجرح جراحة أقعدته أو جرحها نفسه عابثا عاصيا أينتقل إلى حكم من أقعد في سبيل الله أو بمرض من عنده عزو جل في جواز الصلاة قاعدوا وفى وجوب الفطر في رمضان في مرضه أم لا؟ فمن قولهم نعم فظهر تناقضهم وكل من صار إلى حال يبطل اختياره فيها باى وجه صار إليها فهو في حكم من صار إليها بغلبة لان النصوص لم تستثن ههنا من أحوال المصير إلى تلك الحال شيئا، والعجب من المالكيين القائلين فيمن خرج قاطعا للطريق فاضطر إلى الميتة. والخنزير ان له أن يقوى نفسه باكلها والقرآن جاء بخلاف ذلك وهو قادر على التوبة ثم يأكل حلالا فلا يلزمه ذلك ثم لا يرى السكران في حكم من ذهب عقله من أجل أنه هو ادخله على نفسه، والعجب من أبى حنيفة الذى يرى أن النائم في نهار رمضان ان أكل في حال نومه أو شرب ما دس في فمه أنه مفطر ثم يراه ههنا غير حالف ثم يلزم السكران يمينه، وهذا عجب جدا، فان قالوا: لعله متساكر ومن يدرى أنه سكران؟ قلنا: ولعل المجنون متجنن متحامق ومن يدرى أنه مجنون أو أحمق، وجوابنا ههنا أنه من حيث يدرى أنه مجنون يدرى أنه سكران ولا فرق * (وفى الصبى يحلف) خلاف نذكره، روينا من طريق محمد بن المثنى عن حفص بن غياث عن ليث بن أبى سليم عن طاوس قال: إذا حلف الصبى ثم حنث بعد ما يكبر كفر * قال أبو محمد. وقد صح عن بعض الصحابة عمر. أو عثمان إقامة الحد على من بلغ خمسة أشبار وان لم يبلغ، ويلزم من يرى من المالكيين ان يكفر عن الصبى يصيب الصيد في احرامه أن يكفر عنه ان خنث والافقد تناقضوا * قال على: والحجة في هذا هو ما رويناه من طريق أبى داود ناموسى بن اسماعيل نا وهيب هو ابن خالد عن خالد الحذاء عن أبى الضحى عن على بن ابى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل) * ومن طريق أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا يزيد بن هارون نا حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي عن الاسود بن يزيد عن عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر * قال على: السكران مبتلى بلا شك في عقله * 1141 مسألة ومن حلف بالله تعالى في كفره ثم حنث في كفره أو بعد اسلامه فعليه الكفارة لانهم مخاطبون بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودين الله تعالى لازم لهم قال تعالى.

[ 51 ]

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وقال تعالى. (وان احكم بينهم بما أنزل الله) ولا يجزيه أن يكفر في حال كفره لانه لم يأت بالكفارة التى افترض الله تعالى عليه في القرآن مصدقا انها دين الله تعالى فعليه أن يأتي بها قال تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء * 1142 مسألة ومن حلف واللات والعزى فكفارته أن يقول لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير يقولها مرة أو يقول لا اله إلا الله وحده ثلاث مرات ولابد، وينفث عن شماله ثلاث مرات ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات ثم لا يعد فان عاد عاد لما ذكرنا أيضا، ومن قال لآخر تعال أقامرك فليتصدق ولابد بما طابت به نفسه قل أم كثر لما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا عبد الحميد ابن محمد أنا مخلدنا يونس هو ابن أبى اسحاق السبيعى عن أبيه [ قال ] (1) حدثنى مصعب ابن سعد عن أبيه سعد بن أبى وقاص قال: (حلفت باللات والعزى فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: قل لا اله إلا الله وحده لا شريك له آله الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وانفث عن شمالك (2) ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد) * ومن طريق أحمد بن شعيب نا أبو داود الحرانى نا الحسن بن محمد هو ابن أعين ثقة نا زهير هو ابن معاوية نا أبو إسحاق هو السبيعى عن معصب بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه قال: (حلفت باللات والعزى فقال لى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما قلت إئت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فأخبره ] (3) فانالا نراك الا قد كفرت فلقيته فأخبرته فقال لى: قل: لا اله إلا الله وحده [ لا شريك له ] ثلاث مرات وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات وانفث عن شمالك (4) ثلاث مرات ولا تعدله) * ومن طريق مسلم نا اسحاق هو ابن راهويه أنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف منكم فقال في حلفه: باللات فليقل لا اله إلا الله ومن قال لصاحبه: تعالى أقا مرك فليتصدق 5)) * قال على: في هذا ابطال التعلق بقول احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال الصحابة رضى الله عنهم لسعد: ما نراك الا قد كفرت ولم يكن كفر * 1143 مسألة ومن حلف أيمانا على أشياء كثيرة على كل شئ منها يمين مثل


(1) الزيادة من سنن النسائي (2) في سنن النسائي (عن يسارك) والحديث فيه زيادة هناك (3) الزيادة من سنن النسائي وفيه طول (4) في النسائي (عن يسارك) (5) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 14

[ 52 ]

والله لا أكلت اليوم، ووالله لا كلمت زيدا، والله لا دخلت داره أو نحو هذا فهى أيمان كثيرة ان حنث في شئ منها فعليه كفارة، فان عمل آخر فكفارة أخرى فان عمل ثالثا فكفارة ثالثة وهكذا ما زاد لانها أيمان متغايرة. وأفعال متغايرة وأحناث متغايرة ان حنث في يمين لم يحنث بذلك في أخرى بلا شك فلكل يمين حكمها * 1144 مسألة فلو حلف كذلك ثم قال في آخرها: ان شاء الله أو استثنى بشئ ما فان قوما قالوا: ان كان كل ذلك موصولا فهو مصدق فيما نوى فان قال أردت بالاستثناء جميع الايمان فلا حنث عليه في شئ منها وان قال: نويت آخرها فهو كما قال وبالله تعالى التوفيق * وقال أبو ثور: الاستثناء راجع إلى جميع الايمان، وقال أبو حنيفة: لا يكون الاستثناء الالليمين التى تلى الاستثناء * قال أبو محمد: وبهذا نأخذ لانه قد عقد الايمان السالفة ولم يستثن فيها وقطع الكلام فيها وأخذ في كلام آخر فبطل أن يتصل الاستثناء بها فوجب الحنث فيها ان حنث والكفارة وكان الاستثناء في اليمين التى اتصل بها كما قدمنا، وبالله تعالى التوفيق * 1145 مسألة فان حلف يمينا واحدة على أشياء كثيرة كمن قال والله لا كلمت زيدا ولا خالدا ولا دخلت دار عبد الله ولا أعطيتك شيئا فهى يمين واحدة ولا يحنث بفعله شيئا مما حلف عليه ولا تجب عليه كفارة حتى يفعل كل ما حلف عليه، وهذا قول عطاء. والشافعي. وبعض أصحابنا * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال عطاء فيمن قال: والله لا أفعل كذا والله لا أفعل كذا لامور شتى قال هو قول واحد ولكنه خص كل واحد بيمين قال: كفارتان، وقال عطاء فيمن قال والله لا أفعل كذا وكذا لامرين شتى فعمهما باليمين قال كفارة واحدة، ولا نعلم لمتقدم فيها قولا آخر، وقال المالكيون: هو حانث بكل ما فعل من ذلك ثم يخرج على هذا القول انه يجب عليه لكل فعل كفارة وقول آخر انه يلزمه كفارة بأول ما يحنث ثم لا كفارة عليه في سائر ذلك * قال أبو محمد: اليمين لا تكون بالنية دون القول وهو لم يلفظ الا بيمين واحدة فلا يلزمه أكثر من يمين أصلا إذ لم يوجب لزومها اياه قرآن ولا سنة فإذ هي يمين واحدة فلا يجوز أن يكون في بعضها على حنث وفى بعضها على بر انما هو حانث أو غير حانث لم يأت بغير هذا قرآن. ولا سنة. ولا قياس. ولا قول متقدم، فصح أنه لا يكون حانثا الا بأن يفعل كل ما عقد بتلك اليمين أن لا يفعله، وأيضا فالاموال محظورة والشرائع لا تجب بدعوى لا نص معها، وبالله تعالى التوفيق * 1146 مسألة فان حلف أيمانا كثيرة على شئ واحد مثل أن يكون بالله

[ 53 ]

لاكلمت زيد أو الرحمن لاكلمة والرحيم لا كلمته بالله ثانية لا كلمته بالله ثالثة لا كلمته، وهكذا أبدا في مجلس واحدا أو في مجالس متفرقة وفى أيام متفرقة فهى كلها يمين واحدة ولو كررها ألف ألف مرة وحنث واحد وكفارة واحدة ولا مزيد * وقد اختلف السلف في هذا روينا من طريق حماد بن سلمة عن أبان عن مجاهد قال: زوج ابن عمر مملوكه من جارية له فأراد المملوك سفرا فقال له ابن عمر: طلقها فقال المملوك والله لا طلقتها فقال له ابن عمر: والله لتطلقنها كرر ذلك ثلاث مرات قال مجاهد فقلت لابن عمر. كيف تصنع؟ قال أكفر عن يمين فقلت له: قد حلفت مرارا قال كفارة واحدة * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن مجاهد عن ابن عمر قال: إذا أقسمت مرارا فكفارة واحدة * ومن طريق ابراهيم النخعي إذ اردد الايمان فهى يمين واحدة * وعن هشام بن عروة ان أباه سئل من تعرضت له جارية له مرارا كل مرة يحلف بالله أن لا يطأ ها ثم وطئها فقال له عروة: كفارة واحدة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس ابن سعد عن عطاء قال كفارة واحدة إذا حلف في أمر واحد في مجالس شتى * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا حلف في مجالس شتى قال: كفارة واحدة قال. وأخبرني من سمع عكرمة يقول مثل هذا * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد. وقتادة عن الحسن قال: كفارة واحدة إذا حلف في أمر واحد في مجالس شتى وهو قول الاوزاعي. ومالك. وأحمد. واسحق. وأبى سليمان. وأبى عبيد وأحد قولى سفيان الثوري، وروينا عن ابن عمر. وابن عباس إذا أكد اليمين فعتق رقبة، وقالت طائفة: ان كان ذلك في مجلس واحد فكفارة واحدة وان كان في مجالس شتى فكفارات شتى صح ذلك عن قتادة، وقال عمرو بن دينار: يقولون ذلك، وقال سفيان الثوري في قول له ان نوى باليمين الاخرى يمينا ثانية فكفارتان، وقال عثمان التى، وأبو ثور ان أراد التكرار فيمين واحدة وكفارة واحدة وان أراد التغليظ فلكل مرة كفارة، وهو قول الشافعي الا أنه عبر عنه بأن قال: ان أراد التكرار فكفارة واحدة والافلكل مرة كفارة فلم يخرجه عن أن يكون لكل مرة كفارة الا بأن ينوى التكرار فقط ثم لم يشترط (1) إرادة التغليظ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ان أراد التكرار فيمين واحدة وان لم تكن له نية أو أراد التغليظ أو كان ذلك في مجلسين فصاعدا فلكل يمين كفارة * قال أبو محمد: لا نعلم لمن رأى في تأكيد اليمين عتق رقبة فقط حجة لان الله تعالى حين بين الرقبة. والا طعام. والكسوة وقد علم أن هنالك أيمانا مؤكدة قال تعالى. (ولا تنقضوا


(1) في النسخة اليمنية (فقط ولم يشترط)

[ 54 ]

الايمان بعد توكيدها)، ولا نعلم لمن فرق بين أن يكون ذلك في مجلس وبين أن يكون في مجلسين فصاعدا حجة الا الدعوى أنها يمين واحدة في مجلس ويمين ثانية في المجلس الثاني، وهذه دعوى لا يصححها برهان، وكل لفظ فهو بلا شك غير اللفظ الآخر كما ان كل مجلس غير المجلس الآخر ولا فرق، وكذلك لا ندرى لمن فرق بين التغليظ وغير التغليظ حجة أصلا الا الدعوى بلا برهان، وأما من قال: ان نوى التكرار فهى يمين واحدة والا فهى أيمان شتى فما نعلم لهم حجة الا أنهم قالوا: هي ألفاظ شتى فلكل لفظ حكم أو ان يقيسوا ذلك على تكرار الطلاق * قال أبو محمد: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلاق لان النص جاء في القرآن بأن حكم الطلقة الثالثة غير حكم الثانية وغير حكم الاولى ولم يأت ذلك في الايمان وأما قولهم. انها ألفاظ شتى فنعم الا أن الحنث به تجب الكفارة لا بنفس اليمين فان الايمان لا توجب الكفارة أصلا ولا خلاف في ذلك ولا يوجب الكفارة الا الحنث فالحنث فيها كلها حنث واحد بلا شك، ولا يجوز أن يكون بحنث واحد كفارات شتى، والاموال محرمة والشرائع ساقطة الا أن يبيح المال نص أو يأتي بالشرع نص وبالله تعالى التوفيق، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون والشافعيون ابن عمر. وابن عباس ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف، وبالله تعالى التوفيق * 1147 مسألة ومن حلف بالله لا أكلت هذا الرغيف أو قال لا شربت ماء هذا الكوز فلا يحنث بأكل بعض الرغيف ولو لم يبق منه الا فتاتة، ولا بشرب بعض ما في الكوز ولو لم يبق الا نقطة الا حتى يستوعب أكل جميع الرغيف وشرب جميع ما في الكوز، وكذلك لو حلف بالله لآكلن هذا الرغيف اليوم فأكله كله الا فتاتة وغابت الشمس فقد حنث وهكذا في الرمانة وفي كل شئ في العالم لا يحنث ببعض ما حلف عليه، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال المالكيون يحنث بأكل بعضه وشرب بعضه * قال أبو محمد: نسألهم عن رجل أكل بعض رغيف لزيد فشهد عليه شاهدان أنه أكل رغيف زيد؟ أصادقان هما أم كاذبان؟ فمن قولهم إنهما كاذبان مبطلان فاقروا على أنفسهم بالفتيا بالكذب. وبالباطل. وبالمشاهدة يدرى فساد هذا القول لانه انما حلف أن لا يأكله لم يحلف أن لا يأكل منه شيئا وهو إذا أبقى منه شيئا فلم يفعل ما حلف عليه، والاموال محظورة الا بنص ولا نص في صحة قولهم، وقال قائلهم الحنث. والتحريم كلاهما يدخل بارق الاسباب فقلنا: هذا باطل ما يدخل الحنث والتحريم لا بارق الاسباب ولا

[ 55 ]

بأغلظها ولا يدخل التحليل أيضا لا بأرق الاسباب ولا بأغلظها وكل هذا باطل وافك، ولا يدخل الحنث. والبر. والتحريم. والتحليل الا حيث أدخل الله تعالى شيئا منها في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأطراف شئ انهم قالوا: تحريم زوجة الاب على الابن يدخل بأرق الاسباب وهو العقد وحده فقلنا لهم نسيتم أنفسكم أو لم يكن فرج هذه المرأة حراما على الاب كما هي على الابن ثم دخل التحليل للاب بارق الاسباب وهو العقد وحده فاين قولكم إن التحليل لا يدخل الا بأغلظ الاسباب؟ وكم هذا التخليط بما لا يعقل في دين الله تعالى؟ وقالوا: والتحليل في المطلقة ثلاثا لا يدخل الا بأغلظ الاسباب وهو العقد. والوطئ فقلنا: نقضتم قولكم قولوا بقول الحسن والا فقد أفسدتم بنيانكم لانه يقول: لا تحل المطلقة ثلاثا الا بالعقد. والوطئ. والانزال فيها والا فلا وهذا أغلظ (1) الاسباب والقوم في لا شئ، ونحمد الله على السلامة، وابنة الزوجة لا تحرم على زوج أمها بارق الاسباب الذى هو العقد لكن بالدخول بالام مع العقد فهذا تحريم لم يدخل الا باغلظ الاسباب، ثم تناقضهم ههنا طريف جدا لان من قولهم: ان من حلف أن لا يأكل رغيفا فاكل نصف رغيف يحنث ومن حلف أن لا يهب لزيد عشرة دنانير فوهب له تسعة دنانير انه لا يحنث فاى فرق بين هذا كله لو كان ههنا تقوى؟ * واحتج بعضهم في ذلك بان من حلف أن لا يدخل دار زيد فدخل شيئا منها فانه يحنث فقلنا لهم: انما يكون الحنث بمخالفة ما حلف عليه ولا يكون في اللغة والمعقول دخول الدار الا بدخول بعضها لا بأن يملا ها بجثته بخلاف أكل الرغيف ولو أنه دخل بعضه الدار لا كله لم يحنث لانه لم يدخلها وهم مجمعون معنا على أن من حلف أن لا يهدم هذا الحائط فهدم منه مدرة أنه لا يحنث * 1148 مسألة فلو حلف أن لا يأكل من هذا الرغيف أو ان لا يشرب من ماء هذا الكوز فانه يحنث بأكل شئ منه وشرب شئ منه لانه خلاف ما حلف عليه، وبالله تعالى التوفيق * 1149 مسألة فلو حلف أن لا يشرب ماء النهر فان كانت له نية في شرب شئ منه حنث [ باى شئ شرب منه ] (2) لانه بهذا (3) يخبر عن شرب بعض مائه فان لم يكن له نية فلا حنث عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) * 1150 مسألة ومن حلف أن لايدخل دار زيد فان كانت من الدور المباحة


(1) في النسخة رقم 16 (فهذا أغلظ) (2) الزيادة من النسخة اليمنية (3) في النسخة اليمنية (لانه هكذا)

[ 56 ]

الدهاليز كدور الرؤساء لم يحنث بدخول الدهليز حتى يدخل منها ما يقع على من صار هنا لك انه داخل دار زيد (1) وان كانت من الدور التى لا تباح دهاليز ها حنث بدخول الدهليز، وهكذا في المساجد. والحمامات. وسائر المواضع لما ذكرنا من أنه انما يراعى ما يتخاطب به أهل تلك اللغة وقد قال الله تعالى: (وان منكم إلا وارد ها كان على ربك حتما مقضيا) فهذا عموم ولا يجوز أن يقال إن محمدا عليه السلام والانبياء يدخلون جهنم * 1151 مسألة ومن حلف أن لا يدخل دار فلان أو ان لايدخل الحمام فمشى على سقوف كل ذلك أو دخل دهليز الحمام لم يحنث لانه لم يدخل الدار ولا الحمام ولا يسمى دخول دهليز الحمام دخول حمام * 1152 مسألة ومن حلف أن لا يكلم فلانا فأوصى إليه أو كتب إليه لم يحنث لانه لا يسمى الكتاب ولا الوصية كلاما، وكذلك لو أشار إليه قال الله عزوجل: (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سو يا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)، وقال تعالى: (فاماترين من البشر أحدا فقولي إنى نذرت للحرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا) إلى قوله (فاشارت إليه)، فصح أن الاشارة والايماء ليسا كلا ما * 1153 - مسألة - ومن حلف أن لا يشترى ادامافاى شئ اشتراه من لحم. أو غيره أي شئ كان مما يؤكل به الخبز فاشتراه ليأكل به الخبز حنث أكل به أو لم يأكل لانه قد اشترى الا دام فلو اشتراه ليأكله بلا خبز لم يحنث لانه ليس ادا ما حينئذ، وقال أبو حنيفة: من حلف أن لا يأكل اداما فاكل خبزا بشواء لم يحنث فان أكله بملح أو بزيت أو بشئ يصنع فيه الخبز حنث * قال على: وهذا كلام فاسد جدالانه لا دليل عليه لا من شريعة ولا لغة * نا أحمد ابن عمر بن أنس نا أحمد بن محمد البلوى غندر نا خلف بن القاسم نا أبو الميمون نا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصرى نا عمر بن حفص بن غياث نا أبى عن محمد بن أبى يحيى ثقة عن يزيد الاعور عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة خبز شعير ووضع عليها تمرة قال: هذه ادام هذه) * قال على: وأصل الادام الجمع بينه وبين الخبز. فذلك أحرى أن يؤدم بينهما فكل شئ جمع إلى الخبز ليسهل أكله به فهو إدام * 1154 - مسألة - ومن حلف أن يضرب غلامه عددا من الجلد أكثر من العشر


(1) في النسخة رقم 16 (انه دخل دار زيد)

[ 57 ]

لم يحل له ذلك ويبر في يمينه بان يجمع ذلك العدد فيضربه به ضربة واحدة * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أنه أخبره عبد الله بن عبيد بن عمير أنه رأى أباه يتحلل يمينه في ضرب نذره بأدنى ضرب فقال عطاء: قد نزل ذلك في كتاب الله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وهو قول أبى حنيفة: والشافعي. وأبى سليمان، وقال مجاهد. والليث. ومالك: لا يبر بذلك وما نعلم لهم حجة أصلا * 1155 - مسألة - ولا معنى للبساط في الايمان ولا للمن، ولو منت امرأته عليه أو غيرها بما لها فحلف أن لا يلبس من ما لها ثوبا لم يحنث الا بما سمى فقط ويأكل من مالها ما شاء ويأخذ ما تعطيه ولا يحنث بذلك ويشترى بما تعطيه ما يلبس ولا يحنث بذلك، وكذلك من من على آخر بلبن شاته فحلف أن لا يشرب منه شيئا فله أن يأكل من لحم تلك الشاة ومن جبنها ومن زبدها. وورائها لانه ليس شئ من ذلك شرب لبن، فان باعت تلك الشاة واشترت أخرى كان له أن يشرب من لبنها ولا كفارة في ذلك انما يحنث بما حلف عليه وسماه فقط، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال مالك: يحنث بكل ذلك ثم تناقض فقال: ان وهبت له شاة ثم منت بها عليه فحلف أن لا يأكل من لبنها شيئا فباعها وابتاع بثمنها ثوب بالبسه فانه يحنث ولا يحنث بامساكها في ملكه ولا ببيعها وقضاء دينه من ثمنها، وهذا قول ظاهر الفساد لانه أحنثه بغير ما حلف عليه، وموه بعضهم بان ذكر ما رويناه من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن على بن الحسين (أن أبا لبابة ربط نفسه إلى سارية وقال: لا أحل نفسي حتى يحلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تنزل توبتي فجاءت فاطمة تحله فابى إلا أن يحله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: ان فاطمة بضعة منى) فهذا لا يصلح لانه مرسل، ثم عن على بن زيد وهو ضعيف، ثم لو صح لكانوا مخالفين لما فيه لانهم لا يختلفون فيمن حلف أن لا يضرب زيدا فضرب ولد زيد أنه لا يحنث * 1156 - مسألة ومن حلف أن لا يفعل أمرا كذا حينا أو دهرا أو زمانا أو مدة أو برهة أو وقتا أو ذكر كل ذلك بالالف واللام. أو قال مليا أو قال: عمرا أو العمر فبقى مقدار طرفة عين لم يفعله ثم فعله فلا حنث عليه لان كل جزء من الزمان زمان. ودهر. وحين. ووقت. وبرهة. ومدة * وقد اختلف السلف في الحين فقالت طائفة: الحين سنة * روينا من طريق ابن وهب عن الليث بن سعد كان على بن أبى طالب يقول: أرى الحين سنة، وقد روى من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الحين سنة * ومن طريق شعبة عن (م 8 - ج 8 المحلى)

[ 58 ]

الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان قالا جميعا: الحين سنة، وعن عكرمة مثله، وهو قول مالك قال: الا أن ينوى غير ذلك فله ما نوى * وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق محمد بن عبد الله الانصاري عن محمد بن على بن الحسين أنه سئل في رجل حلف على امرأته أن لا تفعل فعلاما الى حين؟ فقال: أي الاحيان أردت؟ فان الاحيان ثلاثة قال الله عزوجل: (تؤتى أكلها كل حين باذن ربها) كل ستة أشهر، وقوله تعالى: (ليسجننه حتى حين) فذلك ثلاثة عشر عاما، وقوله تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) فذلك إلى يوم القيامة * وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق اسماعيل بن اسحاق عن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر قال الحسن البصري: (تؤتى أكلها كل حين) ما بين ستة اشهر إلى تسعة أشهر * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد بن المثنى نا المغيرة بن سلمة بن هشام المخزومى نا وهيب بن خالد نا ابن حرملة أن رجلا سأل سعيد ابن المسيب عن يمينه أن لا تدخل امرأته على أهلها حينا؟ فقال سعيد الحين ما بين أن تطلع النخل إلى أن ترطب (تؤتى أكلها كل حين)، وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق عن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر عن قتادة (تؤتى أكلها كل حين) قال: تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري حدثنى طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (الحين ستة أشهر) وهو قول سعيد بن جبير. والشعبى * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد ابن المثنى نا يزيد بن هارون انا هشام - هو ابن حسان - عن عكرمة أن عمر بن عبد العزيز سألهم عمن قال لا أفعل امرا كذا حينا؟ فقال له عكرمة: إن من الحين ما يدرك ومالا يدرك فالذي لا يدرك قوله عزوجل (ومتعناهم إلى حين) والذى يدرك قوله تعالى (تؤتى أكلها كل حين) فاراه من حين تثمر إلى حين تصرم ستة أشهر فاعجب ذلك عمر بن العزيز وبه يقول أبو حنيفة. والاوزاعي. وأبو عبيد، وقال أبو حنيفة. الا أن ينوى مدة ما فله ما نوى * وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق محمد بن المثنى نا يزيد بن هارون عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابراهيم بن ميسرة عن سعيد بن المسيب قال: الحين شهران النخلة تطلع السنة كلها الاشهرين * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد بن المثنى نا أبو معاوية الضرير نا الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال: الحين قد يكون غدوة وعشية وهو قول الشافعي. وأبى سليمان * وروينا من طريق وكيع عن أبى جعفر عن طاوس قال الزمان شهران * قال أبو محمد: المرجوع إليه عند التنازع كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم

[ 59 ]

فوجدناه تعالى قد قال (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) فهذا مذ خلق الله عزوجل مبدأ العالم إلى خلق آدم عليه السلام ونسم بنيه والى وقت نفخ الروح في كل واحد منا، وقال تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) فهذا إلى يوم القيامة، وقال تعالى: (ومتعناهم إلى حين) فهذا مدة عمر الانسان إلى أن يموت، وقال تعالى: (ليسجننه حتى حين)، وقال تعالى: (فلبث في السجن بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع، وقال الله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون) فسمى الله تعالى المساء حينا. والاصباح حينا. والظهيرة حينا، فصح بذلك ما ذكرناه وبطل قول من حد حدا دون حد، ووجدنا احتجاجهم بالنخلة عليهم لا لهم لاننا نشاهدها يرطب منها ما كان زهوا. ويزهى ما كان بسرا. ويبسر منها ما كان بلحا. ويبلح منها ما كان طلعا، ففى كل ساعة تؤتى أكلها وبالله تعالى التوفيق * ولابي حنيفة هنا تخاليط عظيمة، منها انه قال: من حلف أن لا يكلم فلانا زمانا أو الزمان. أو حينا أو الحين. أو مليا أو طويلا فهو كله ستة أشهر الا أن ينوى مدة ما فله ما نوى، وروى عنه أيضا في قوله مليا انه شهر واحد فان حلف أن لا يكلمه دهرا قال أبو حنيفة: لا أدرى ما الدهر؟ وقال أبو يوسف. ومحمد: هو ستة أشهر فان قال لا أكلمه الدهر قال أبو يوسف: هو على الابد، وقال محمد بن الحسن: ستة أشهر فان حلف أن لا يكلمه إلى بعيد فهو أكثر من شهر قال أبو يوسف: شهر ويوم فان حلف أن لا يكلمه إلى قريب فهو أقل من شهر فان حلف أن لا يكلمه عمر افان أبا يوسف قال: ستتة أشهر، وروى عنه أنه يوم واحد الا أن ينوى مدة ما فله ما نوى * 1157 - مسألة - فان حلف أن لا يكلمه طويلا فهو ما زاد على أقل المدد، فان حلف أن لا يكلمه أياما أو جمعا أو شهورا أو سنين أو ذكر كل ذلك بالالف واللام فكل ذلك على ثلاثة ولا يحنث فيما زاد لانه الجمع وأقل الجمع ثلاثة وهو ما زاد على التثنية قال تعالى: (فان كن نساء فوق اثنتين) فان قال في كل ذلك: كثيرة فهى على أربع لانه لا كثير الا بالاضافة إلى ما هو أقل منه ولا يجوز أن يحنث أحد الابيقين لا مجال للشك فيه، وبالله تعالى التوفيق * 1158 - مسألة - ومن حلف أن لا يساكن من كان ساكنا معه من امرأته أو قريبه أو أجنبي فليفارق حاله التى هو فيها إلى غيرها ولا يحنث فان أقام مدة يمكنه فيها أن لا يساكنه فلم يفارقه حنث فان رحل كما ذكرنا مدة قلت أو كثرت ثم رجع لم يحنث، وتفسير ذلك ان كان في بيت واحد أن يرحل أحدهما إلى بيت آخر من تلك الدار

[ 60 ]

أو غيرها وان كانا في دار واحدة رحل أحدهما إلى أخرى متصلة بها أو متنابذة (1)، أو اقتسما الدار وان كانا في محلة واحدة رحل أحدهما إلى أخرى وان كانا في مدينة واحدة أو قرية واحدة خرج أحدهما عن دور القرية أو دور المدينة لم يحنث وان رحل أحدهما بجسمه وترك أهله وماله وولده لم يحنث الا أن يكون له نية تطابق قوله فله ما نوى وهذا كله قول أبى حنيفة والشافعي. أبى سليمان، وكل ما ذكرنا مساكنة وغير مساكنة، فان فارق تلك الحال فقد فارق مساكنته وقد بر ولا يقدر أحد على أكثر لان الناس مساكن بعضهم لبعض في ساحة الارض وفى العالم قال تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار) وقد افترض الله عزوجل على المهاجرين الرحلة عن مكة ودار الكفر إلى المدينة فكان من خرج منهم بنفسه قد أدى ما عليه وفارق وطن الكفر، وأكثرهم ترك أهله وولده وماله بمكة وفى دار قومه فلم يخرجهم ذلك عن الهجرة ومفارقة الكفار، وقال مالك: يحنث حتى يرحل بأكثر رحيله وهذا خطأ لما ذكرنا ولانه قول بلا دليل، واحتج بعض مقلديه بما روى (المرء مع رحله) وهذا لا يسند، ثم لو صح لكان حجة عليهم لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو أنه قال الا في رحل ناقته فقط لا في رحيل منزله بل تركه بمكة بلا شك ولم يخرج الا بجسمه * 1159 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وآخر معه لم يحنث، وكذلك لو حلف أن لا يدخل دار زيد فدخل دارا يسكنها زيد بكرا [ وكذلك ] (2) دارا بين زيد وغيره لم يحنث الا أن ينوى دارا يسكنها زيد فيحنث لان المنظور إليه في الايمان ما تعارفه أهل تلك اللغة في كلامهم الذى به حلف وعليه حلف فقط ولا يطلق على طعام اشتراه زيد وخالد أنه اشتراه زيد، ولا على دار مشتركة انها لا حد من هي له * 1160 - مسالة - ومن حلف أن لا يهب لا حد عشرة دنانير فوهب له أكثر حنث الا أن ينوى العدد الذى سمى فقط فلا يحنث * 1161 - مسألة - ومن حلف أن لا يجمعه مع فلان سقف فدخل بيتا فوجده فيه ولم يكن عرف إذ دخل أنه فيه لم يحنث لكن ليخرج من وقته فان لم يفعل حنث لما ذكرنا قبل من أن الحنث لا يلحق الا قاصدا إليه عالما به * 1162 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل لحما أو ان لا يشتريه فاشترى شحما أو كبدا


(1) وفى النسخة اليمنية (متباعدة) وهما بمعنى أي غير متلاصقة ومتصلة (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 61 ]

أو سناما. أو مصرانا. أو حشوة. أو رأسا. أو أكارع. أو سمكا. أو طيرا. أو قديدا لم يحنث لانه لا يقع على شئ مما ذكرنا في اللغة اسم لحم أصلا بل كل لغوى وعامي يقول في كل ذلك: ليس لحما ولا يطلق على السمك (1) والطير اسم لحم الا بالاضافة، وقال أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان كما قلنا، وقال مالك: يحنث بكل ذلك، واحتج له مقلدوه بقول الله تعالى: (ولحم طير مما يشتهون) * (ومن كل تأكلون لحما طريا) * قال أبو محمد: قد قلنا: انه لا يطلق على ذلك اسم لحم الا بالاضافة كما لا يطلق على ماء الورد اسم ماء الا بالاضافة ويلزمهم أن يقولوا فيمن حلف أن لا يجمعه مع فلان سقف أن يحنث ولابد لان الله تعالى قال: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) وأن يقول فيمن حلف أن لا يقرأ بضوء سراج فقرأ بضوء الشمس أن يحنث لانه تعالى قال: (وجعلنا سراجا وهاجا) وقوله تعالى: (وجعل الشمس سراجا) وأن يقولوا فيمن حلف أن لا يلقى ثيابه على وتدفأ لقاها على جبل أن يحنث لان الله تعالى يقول: (والجبال أوتادا) وهم لا يقولون هذا فصح أن المراعى في ذلك ما قلناه، ولا يخالفو ننا فيمن قال لآخر ابتع لى بهذا الدرهم لحما فابتاع له به سمكا. أو دجاجة. أو شحما. أو رأسا. أو حشوة. أو أكاوع فانه ضامن للدرهم وانه قد خالف ما أمر به وتعدى وبالله تعالى التوفيق * 1163 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل شحما حنث بأكل شحم الظهر والبطن وكل ما يطلق عليه اسم شحم ولم يحنث بأكل اللحم المحض، وهذا قول الشافعي. وأبى سليمان وقال أبو حنيفة. وأصحابه: لا يحنث الا بشحم البطن وحده ولا يحنث بشحم الظهر، وقال مالك: من حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث ومن حلف أن لا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث، واحتج أصحاب أبى حنيفة بأن الله تعالى قال: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) قالوا: فكان ذلك على شحم البطن خاصة * قال أبو محمد: وهذا احتجاج محال عن موضعه لانه لم يخص شحم البطن بالتحريم عليهم بنفس هذا اللفظ لكن بما بعده من قوله تعالى: (الا ما حملت ظهور هما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) فبهذا خص شحم البطن بالتحريم ولو لا ذلك لحرمت الشحوم كلها فالآية حجة عليهم، واحتج المالكيون بأن قالوا: حرم الله تعالى لحم الخنزير فحرم شحمه وحرم على بنى اسرائيل الشحم فلم يحرم اللحم وقالوا: الشحم متولد من اللحم وليس اللحم متولدا من الشحم * قال أبو محمد:: وهذان الاحتجاجان في غاية التمويه بالباطل لان تحريم شحم الخنز


(1) في النسخ كلها (ولا يطلق للسمك)

[ 62 ]

لم يحرم من أجل تحريم لحمه لكن ببرهان آخر قد ذكرناه في باب ما يحل أكله ويحرم، ولو كان تحريم، شحم الخنزير من أجل تحريم لحمه دليلا على أن من حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث لكان تحريم لبن الخنزيرة وعظمها على قولهم من أجل تحريم لحمها موجبا للحنث على من حلف أن لا يأكل لحما فشرب لبنا ولا فرق وهم لا يقولون هذا، وأما قولهم: ان الشحم تولد من اللحم فيقال لهم فكان ما ذا؟ أليس اللحم. واللبن متولدين من الدم والدم حرام وهما حلالان؟ أو ليس الخمر متولدة من العصير والخل متولدة من الخمر وهى حرام وما تولدت منه حلال وما تولد منها حلال فبطل قولهم وبالله تعالى التوفيق * 1164 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل رأ سالم يحنث بأكل رؤس الطير ولا رؤس السمك ولا يحنث الا بأكل رؤس الغنم. والماعز، فان كان أهل موضعه (1) لا يطلقون اسم الرؤس في البيع والاكل على رؤس الابل والبقر لم يحنث بأكلها وان كانوا يطلقون عليها في البيع والاكل اسم الرؤس حنث بها لما ذكرنا من أن الايمان انما هي على لغة الحالف ومعهود استعماله في كلامه وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، ألا ترى أن المسك دم جامد ولكون لما لم بطلق عليه اسم دم حل ولم يحرم * 1165 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل بيضا لم يحنث الا بأكل بيض الدجاج خاصة ولم يحنث بأكل بيض النعام وسائر الطير ولا بيض السمك لما ذكرنا وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان * 1166 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو شرب عصيرا أو أكل ربا (2) أو خلالم يحنث، وكذلك من حلف أن لا ياكل زبيبا لم يحنث بأكل العنب ولا بشرب نبيذ الزبيب وأكل خله، وكذلك القول في التمر. والرطب. والزهو. والبسر. والبلح. والطلع. والمنكت ونبيذ كل ذلك وخله وذو شائبه. وناطفه لا يحنث، ومن حلف أن لا يأخذ شيئا منها حنث بأكل سائرها ولا يحنث بشرب ما يشرب منها وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان لان اسم كل واحد منها لا يطلق على الآخر، والعالم كله بعضه متولد من بعض، ونحن مخلوقون من تراب وماء، فلو أن امرءا حلف أن لا يدخل في داره حيوانا فادخل التراب والماء لم يحنث بلا خلاف منا ومن غيرنا، وقال مالك: من حلف أن لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو شرب


(1) في النسخة رقم 16 (أهل مواضعه) (2) هو بضم أوله وتشديد الباء الموحدة الطلاء الخاثر، والطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه

[ 63 ]

عصيرا حنث ولا يحنث بأكل الخل فكان عجبا جدا وكان احتجاجهم لهذه القولة أعجب منها لانهم قالوا: أمر الخل بعيد وليث شعرى ما معنى بعيد، فان قالوا: ان بين العنب وبين الخل در جتين العصير والخمر قلنا فكان ماذا؟ ومن الذى جعل كون درجتين بين الخل والعنب علة في التحليل؟ وحاش لله من هذا الحكم الفاسد فما زادونا على أن جعلوا دعواهم حجة لدعواهم (1) وقد تناقضوا من قرب فخشوا من أكل جبنا يابسا وقد حلف أن لا يأكل لبنا وبين الجبن اليابس واللبن درجتان وهما العقيد (2) والجبن الرطب، فان قالوا: كل ذلك عين واحدة قلنا: والخل. والعصير. والخمر عين واحدة الا أن أحكامها اختلفت باختلاف صفاتها ولا مزيد، وكذلك السمن بينه وبين اللبن درجتان الرائب ثم الزبد، وقد يترك العنب في الظروف من أيامه إلى أيام الربيع ثم يعصر خلا محضا * 1167 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل لبنا لم يحنث بأكل (3) اللبأ. ولا بأكل العقيد. لا الرائب. ولا الزبد. ولا السمن. ولا المخيض. ولا الميس. ولا الجبن، وكذلك القول في الزبد. والسمن وسائر ما ذكرنا لا ختلاف اسماء كل ذلك * 1168 - مسألة - ومن حلف أن لا ياكل خبز افأ كل كعكا. أو بشماطا. أو حريرة. أو عصيدة. أو حسوفتاة. أو فتيتا لم يحنث، ومن حلف أن لا يأكل قمحا فان كانت له نية في خبزه حنث والا لم يحنث الا باكله صرفا، ولا يحنث بأكل هريسة. ولا أكل حشيش. ولا سويق. ولا أكل فريك لانه لا يطلق على كل ذلك اسم قمح، ومن حلف أن لا يأكل تينا حنث بالاخضر واليابس لان اسم التين يطلق على كل ذلك * 1169 - مسألة - ومن حلف أن لا يشرب شرابا فان كانت له نية حمل عليها وان لم تكن له نية حنث بالخمر وبجميع الانبذة. وبالجلاب. ولاسكنجبين وسائر الاشربة لان اسم شراب يطلق على كل ذلك ولا يحنث بشرب اللبن ولا بشرب الماء لانه لا يطلق عليها اسم شراب، ومن حلف أن لا يأكل لبنا فشر به لم يحنث لانه لم يأكله ولو حلف أن لا يشربه فاكله بالخبز لم يحنث لانه لم يشربه، ومن حلف أن لا يشرب الماء يومه هذا فاكل خبزا مبلولا بالماء لم يحنث، ومن حلف أن لا يأكل سمنا ولا زيتا فاكل خبزا معجونا بهما أو باحدهما لم يحنث لانه لم يأكل زيتا ولا سمنا، ولو حنث في هذا لحنث من حلف أن لا يشرب يومه هذا ماء فاكل خبزا لانه بالماء عجن ولا يحنث باكل طعام طبخ بهما الا أن يكونا ظاهرين فيه لم يزل الاسم عنهما فيحنث حينئذ، ومن حلف أن لا ياكل ملحا فاكل


(1) في النسخة رقم 16 (حجة لدعوانا) (2) في النسخة رقم 16 (العقد) (3) في النسخة رقم 16 (الا باكل) وهو غلط

[ 64 ]

طعاما معمولا بالملح وخبزا معجونا به لم يحنث لانه لم يأكل ملحا، فان كان قد ذر عليه الملح حنث لانه ظاهر فيه، ومن حلف أن لا يأكل خلافأكل طعاما يظهر فيه طعم الخل متميزا حنث لانه هكذا يؤكل الخل * 1170 - مسألة - ومن حلف أن لا يبيع هذا الشئ بدينار فباعه بدينار غير فلس فاكثر أو بدينار وفلس فصاعدا لم يحنث لانه لا يسمى في ذلك كله بائعا له بدينار * 1171 - مسألة - ومن حلف ليقضين غريمه حقه رأس الهلال فانه ان قضاه حقه أول ليلة من الشهر أو أول يوم منه ما لم تغرب الشمس لم يحنث لان هذا هو رأس الهلال في اللغة فان لم يقضه في الليلة أو اليوم المذكورين وهو قادر على قضائه ذاكر حنث * 1172 - مسألة - ومن حلف أن لا يشترى أمر كذا. أو لا يزوج وليته. أو أن لا يضرب عبده. أو ان لا يبنى داره. أو ما أشبه هذا من كل شئ فامر من فعل له ذلك كله فان كان ممن يتولى الشراء بنفسه. والبناء. والضرب أو فعل ما حلف عليه لم يحنث لانه لم يفعله وان كان ممن لا يباشر بنفسه ذلك حنث بامره من يفعله لانه هكذا يطلق في اللغة الخبر عن كل من ذكرنا (1) ولا يحنث في أمر غيره بالزواج على كل حال لان كل أحد يزوج وليته فإذا لم يزوجها وأمر غيره فلم يزوجها هو * 1173 - مسألة - ومن حلف ألا يبيع عبده فباعه بيعا فاسدا. أو أصدقه. أو اجره. أو بيع عليه في حق لم يحنث لانه ليس شئ مما ذكرنا بيعا والبيع الفاسد حرام والله تعالى يقول: (وأحل الله البيع) ولا شك عند من دماغه صحيح في أن الحرام غير الحلال، فان باعه بيعا صحيحا لم يحنث ما لم يتفرقا عن موضعيهما فان تفرقا وهو مختار ذاكر حنث حينئذ لانه حينئذ باعه لما نذكر في كتاب البيوع ان شاء الله تعالى * 1174 - مسألة - ومن حلف أن لا يتكلم اليوم فقرأ القرآن في صلاة. أو غير صلاة. أو ذكر الله تعالى لم يحنث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هو التسبيح. والتكبير. وقراءة القرآن أو نحو ذلك) (2) ولقول الله تعالى (ثم أدبر واستكبر فقال ان هذا إلا سحر يؤثر ان هذا إلا قول البشر سأصليه سقر) نصح أن القرآن ليس قول البشروان من أطلق ذلك عليه (3) سيصلى سقر، فصح أنه لا يطلق في اللغة ولا في الشريعة على شئ مما ذكر نا اسم كلام، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 (عن كل ما ذكرنا) (2) الحديث في سنن النسائي مطولا (3) في النسخة اليمنية (من أطلق عليه ذلك)

[ 65 ]

كفارات الايمان 1175 - مسألة - من حنث بمخالفة ما حلف عليه فقد وجبت عليه الكفارة بعد الحنث لا خلاف في ذلك * 1176 - مسألة - ومن أراد أن يحنث فله ان يقدم الكفارة قبل أن يحنث أي الكفارات لزمته من العتق. أو الكسوة أو الاطعام. أو الصيام، وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة. وأبو سليمان لا يجزيه ذلك الا بعد الحنث، وقال الشافعي: أما العتق. أو الكسوة أو الاطعام فيجزى تقديمه قبل الحنث وأما الصيام فلا يجزى. الا بعد الحنث، وحجة الشافعيين أن العتق. والكسوة. والاطعام من فرائض الاموال والاموال من حقوق الناس وحقوق الناس جائز تقديمها قبل آجالها، وأما الصوم فمن فرائض الابدان وفرائض الابدان لا يجزى تقديمها قبل أوقاتها * قال أبو محمد: وهذه قضية فاسدة وهم موافقون لنا على أن تعجيل أموال الناس انما تجب برضا صاحب الحق. والذى عليه الحق معا لا برضا أحدهما دون الآخر وأن هذا إنما يجب أيضا فيما هو حق للانسان بعينه فتراضى هو وغريمه على تقديمه أو تأخيره أو اسقاطه أو اسقاط بعضه، وأما كل ما ليس لانسان بعينه وانما هو حق لله تعالى وقته بوقت محدود وليس ههنا مالك بعينه يصح رضاه في تقديمه لا في تأخيره ولا في اسقاطه ولا في اسقاط بعضه وانما هو حق لله تعالى لا يحل فيه الا ما حد الله تعالى، قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) ويقال لهم أيضا: ان حقوق الناس يجوز فيها التأخير والاسقاط فهل يجوز في الكفارات الاسقاط أو التأخير إلى أجل أو إلى غير أجل؟ فظهر فساد قولهم جملة * وأما المالكيون فانهم وان كانوا أصابوا ههنا فقد تناقضوا جدا لانهم أجازوا تقديم الكفارة اثر اليمين وقبل الحنث ولم يجيزوا تقديم الزكاة اثر كسب المال لكن قبل الحول بشهر ونحوه، ولا أجازوا تقديم صدقة الفطر اثر ابتداء الصوم لكن (1) قبل الفطر بيومين فاقل فقط، ولم يجيزوا تقديم كفارة الظهار أصلا، ولا بساعة قبل ما يوجبها عندهم من ارادة الوطئ، ولا أجازوا تقديم كفارة قتل الخطأ قبل ما يوجبها من موت المقتول ولا بطرفة عين. ولا كفارة قتل الصيد في الحرم قبل قتله، وأجازوا اذن الورثة للموصى في أكثر من الثلث قبل أن يجب لهم المال بموته، فظهر تناقض أقوالهم ولله تعالى الحمد * وأما الحنيفيون فتناقضوا أقبح تناقض لانهم أجازوا تقديم الزكاة قبل الحول


(1) في النسخة رقم 16 (ولكن) بزيادة واو (م 9 - ج 8 المحلى)

[ 66 ]

بثلاثة أعوام وتقديم زكاة الزرع أثر زرعه في الارض، وأجازوا تقديم الكفارة في جزاء الصيد بعد جراحه وقبل موته. وتقديم كفارة قتل الخطأ قبل موت المجروح ولم يجيزوا للورثة الاذن في الوصية باكثر من الثلث قبل وجوب المال لهم بالموت. ولا أجازوا اسقاط الشفيع حقه من الشفعة بعد عرض شريكه أخذ الشقص عليه قبل وجوب أخذه له بالبيع، فظهر تخليطهم وسخف أقوالهم وبالله تعالى نعوذ من الخذلان * وكلهم لا يجيز الاستثناء قبل اليمين ولا قضاء دين قبل أخذه. ولا صلاة قبل وقتها فلم يبق الا قولنا. وقول أصحابنا المانعين من تقديم كل حق له وقت قبل وقته فانهم قالوا: الكفارة لا تجب الا بالحنث وهى فرض بعد الحنث بالنص والاجماع فتقديمها قبل أن تجب تطوع لا فرض، ومن المحال أن يجزى التطوع عن الفرض وقالوا: قال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) والدلائل ههنا تكثر جدا * قال أبو محمد: وهذه أدلة صحاح ونحن موافقون لهم في أنه لا يجزى شئ من الشريعة قبل وقته الا في موضعين، أحدهما كفارة اليمين فحائز تقديمها قبل الحنث لكن بعد ارادة الحنث ولابد، والثانى اسقاط الشفيع حقه بعد عرض الشفيع عليه أن يأخذ أو يترك قبل البيع فاسقاطه حقه حينئذ لازم له فقط وانما فعلنا ذلك للنصوص المخرجة لهذين الشرعين عن حكم سائر الشريعة في أنه لا يجزى ولا يجوز اداء شئ منها قبل الوقت الذى حده الله تعالى له * قال أبو محمد: وقد احتج بعض من وافقنا ههنا في تصحيح قولنا بان قال: قال الله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) قال: فالكفارة واجبة بنفس اليمين * قال على: ولا حجة لنا في هذا لانه قد جاء النص والاجماع المتيقن على أن من لم يحنث فلا كفارة تلزمه فصح أنه ليس بنفس اليمين تجب الكفارة، واحتج بعضهم بأن في الآية حذفا بلا خلاف وانه فاردتم الحنث أو حنثتم * قال أبو محمد: وهذه دعوى منهم في أن المحذوف هو فأردتم الحنث لا يقبل الا ببرهان فوجب طلب البرهان في ذلك فنظرنا فوجدنا ما رويناه من طريق مسلم نا زهير ابن حرب نا مروان بن معاوية الفزارى نا يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه (1)) * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا أحمد بن سليمان نا عفان - هو ابن مسلم - نا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن - هو البصري - يقول: نا (2) عبد الرحمن بن سمرة


(1) الحديث في صحيح مسلم ج 2 ص 16 باطول من هذا (2) في سنن النسائي ج 7 ص 10 (قال حدثنا)

[ 67 ]

قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم،: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذى هو خير)، وهكذا رويناه أيضا من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) * ومن طريق أحمد ابن شعيب أنا اسحاق بن منصور أنا عبد الرحمن بن مهدى نا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن عمرو مولى الحسن بن على يحدث عن عدى بن حاتم (قال [ قال ] (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفر [ عن يمينه ]) (3) فهذه الاحاديث جامعة لجميع أحكام ما اختلفوا فيه من جواز تقديم الكفارة قبل الحنث لان في حديث أبى هريرة تقديم الحنث قبل الكفارة، وفى حديث عبد الرحمن ابن سمرة تقديم الكفارة قبل الحنث، وفى حديث عدى بن حاتم الجمع بين الحنث والكفارة بواو العطف التى لا تعطى رتبة، وهكذا جاء من طريق أبى موسى الاشعري فوجب استعمال جميعها ولم يكن بعضها أولى بالطاعة من بعض ولا تحل مخالفة بعضها لبعض فكان ذلك جائزا وبالله تعالى التوفيق، وصح بهذا أن الحذف الذى في الآية انما هو إذا أردتم الحنث أو حنثتم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين عن ربه عزوجل، واعترض بعضهم بان قال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فليكفر ثم ليأت الذى هو خير) هو مثل قول الله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا) وكقوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب) وكقوله تعالى: (ولقد خلقنا كم ثم صورنا كم ثم قلنا للملائكة اسجدوا الآدم) قال هذا القائل: ولفظة ثم في هذه الآيات لا توجب تعقيبا بل هي واقعة على ما كان قبل ما عطف اللفظ عليه بثم * قال أبو محمد: ليس كما ظنوا أما قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا) فان نص الآيات هو قوله تعالى: (وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذى مسغبة يتيما ذامقربة أو مسكينا ذا مترتبة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: (أسلمت على ما أسلفت من الخير) فصح بهذه الآية عظيم نعمة الله تعالى على عباده في قوله كل عمل برعملوه في كفر هم ثم أسلموا فالآية على ظاهرها وهى زائدة على سائل ما في القرآن من قبوله تعالى أعمال من آمن ثم عمل الخير والحمد لله رب العالمين * وأما قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب) فليس كما ظنوا الان


(1) الحديث أيضا في سنن النسائي (2) الزيادة من سنن النسائي ج 7 ص 11 (3) الزيادة من سنن النسائي

[ 68 ]

أول الآية قوله عزو جل: (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذى أحسن) وقد قال تعالى: (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما) وقال تعالى: (ملة أبيكم ابراهيم) فصح أن الصراط الذدى أمرنا الله تعالى باتباعه وأتانابه محمد صلى الله عليه وسلم هو صراط ابراهيم عليه السلام، وقد كان قبل موسى بلا شك ثم آتى الله تعالى موسى الكتاب، فهذا تعقيب بمهلة لا شك فيه، فأما قوله تعالى: (لقد خلقنا كم ثم صورنا كم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) فعلى ظاهره لان الله تعالى خلق أنفسنا وصورها وهى التى أخذ الله عليها العهد ألست بربكم قالوا بلى ثم بعد ذلك أسجد الملائكة لآدم عليه السلام فبطل تعلقهم بهذه الآيات، ثم حتى لو خرجت عن ظاهرها أو كانت ثم لغير التعقيب فيها لم يجب لذلك أن تكون ثم لغير التعقيب حيثما وجدت لان ما خرج عن موضوعه في اللغة بدليل في موضع ما لم يجز أن يخرج في غير ذلك الموضع عن موضوعه في اللغة، وهذا من تمويههم الفاسد الذى لا ينتفعون به إلا في تحيير من لم ينعم النظر في أول ما يفجأونه به، وبالله تعالى التوفيق * وقولنا هذا هو قول عائشة أم المؤمنين * ومن طريق ابن أبى شيبة نا المعتمر بن سليمان التيمى عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين أن مسلمة بن مخلد. وسلمان الفارسى كانا يكفران قبل الحنث * وبه إلى أبى بكر بن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين أن أبا الدرداء دعا غلاما له فاعتقه ثم حنث فصنع الذى حلف عليه * وبه إلى ابن أبى شيبة نا أزهر عن ابن عون أن محمد بن سيرين كان يكفر قبل الحنث وهو قول ابن عباس أيضا. والحسن. وربيعة. وسفيان. والاوزاعي. ومالك. والليث. وعبد الله بن المبارك. وأحمد بن حنبل. واسحاق بن راهويه. وسليمان بن داود الهاشمي. وأبى ثور. وأبى خيثمة وغيرهم، ولا يعلم لمن ذكرنا مخالف من الصحابة رضى الله عنهم الا أن مموها موه برواية عبد الرزاق عن الاسلمي - هو ابراهيم بن أبى يحيى - عن رجل سماه عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان لا يكفر حتى يحنث، وهذا باطل لان ابن أبى يحيى مذكور بالكذب ثم عمن لم يسم، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لانه ليس فيه ان ابن عباس لم يجز الكفارة قبل الحنث انما فيه انه كان يؤخر الكفارة بعد الحنث فقط ونحن لا ننكر هذا * 1177 - مسألة - ومن حلف أن لا يعتق عبده هذا فأعتقه ينوى بعتقه ذلك كفارة تلك اليمين لم يجزه، ومن حلف أن لا يتصدق على هؤلاء العشرة المساكين

[ 69 ]

فاطعمهم ينوى بذلك كفارة يمينه تلك لم يجزه ولا يحنث بأن يتصدق عليهم بعد ذلك وكذلك الكسوة لكن عليه الكفارة، ومن حلف أن لا يصوم في هذه الجمعة ولا يوما ثم صام منها ثلاثة أيام ينوى بها كفارة يمينه تلك - وهو من أهل الكفارة بالصيام - لم يجزه ولا يحنث بان يصوم فيها بعد ذلك وعليه الكفارة لان معنى الكفارة بلا شك اسقاط الحنث والحنث قد وجب بالعتق. والاطعام. والكسوة فلا يحنث بعد في يمين قد حنث فيها، والكفارة لا تكون الحنث بلا شك بل هي المبطلة له والحق لا يبطل نفسه * 1178 - مسألة - وصيفة الكفارة هي أن من حنث أو أراد الحنث وان لم يحنث بعد فهو مخير بين ما جاء به النص وهو اما أن يعتق رقبة واما أن يكسو عشرة مساكين واما أن يطعمهم أي ذلك فعل فهو فرض ويجزيه فان لم يقدر على شئ من ذلك ففرضه صيام ثلاثة أيام ولا يجزيه الصوم مادام يقدر على ما ذكرنا من العتق. أو الكسوة. أو الاطعام * برهان ذلك قول الله تعالى: (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفضوا أيمانكم) وما نعلم في هذا خلافا ولا نبعده لان من قال في قول الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما): ان هذا على الترتيب لا على التخيير فغير مستبعد منه أن يقول في كفارة الايمان أيضا: انه على الترتيب، ونسال الله التوفيق * 1179 - مسألة - ولا يجزيه بدل ما ذكرنا صدقة. ولا هدى. ولا قيمة. ولا شئ سواه أصلا لان الله تعالى لم يوجب غير ما ذكرنا فمن أوجب في ذلك قيمة فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى (وما كان ربك نسيا) * 1180 - مسألة - ومن حنث وهو قادر على الاطعام. أؤ الكسوة. أو العتق ثم افتقر فعجز عن كل ذلك لم يجزه الصوم أصلا لانه قد تعين عليه حين وجوب الكفارة أحد هذه الوجوه بنص القرآن فلا يجوز سقوط ما ألزمه الله تعالى يقينا بدعوى كاذبة لكن يمهل حتى يجد أو لا يجد فالله تعالى ولى حسابه، وأما ما لم يحنث فلم يتعين عليه وجوب كفارة بعد الا أن يعجلها فتجزيه على ما قدمناه وبالله تعالى التوفيق * 1181 - مسألة - ومن حنث وهو عاجز عن كل ذلك ففرضه الصوم قدر عليه حينئذ أو لم يقدر متى قدر فلا يجزيه الا الصوم فان أيسر بعد ذلك وقدر على العتق.

[ 70 ]

والاطعام. والكسوة لم يجزه شئ من ذلك الا الصوم فان مات ولم يصم صام عنه وليه أو استؤجر عنه من رأس ماله من يصوم عنه لان الصوم قد تعين عليه وجوبه حين حنث وصح لزومه اياه فلا يجوز سقوط ما أوجبه الله تعالى عليه يقينا لا شك فيه بدعوى كاذبة، وقال بعض القائلين: ان أيسر قبل أن يصوم أو قبل أن يتم الصوم انتقل حكمه إلى العتق. أو الاطعام. أو الكسوة * قال أبو محمد: وهذه دعوى فاسدة وليث شعرى ما الفرق بين أن يعسر بعد أن يوسر فلا ينقلونه إلى جواز الصيام عنه أو وجوبه عليه وبين أن يوسر بعد ما يعسر فينقلونه إلى وجوب العتق. أو الاطعام. أو الكسوة، فان قالوا: انما لزمه الصيام لضرورة عدمه قلنا: كذب من قال هذا وأخبر عن الله تعالى بالباطل، وقد وجدنا الله تعالى عوض من العتق في كفارة الظهار وقتل الخطأ الصيام لا الاطعام ثم عوض من الصيام من لا يقدر عليه في كفارة الظهار الاطعام ولم يعوض منه في كفارة القتل اطعاما وخير في جزاء الصيد بين الاطعام والصيام والهدى والله تعالى يفعل ما يشاء لا يسأل عما يفعل ويحكم لا معقب لحكمه، ولا يجوز تغيير ما أوجب الله تعالى عن ما أوجبه * واختلف المخالفون لنا في هذا فقال أبو حنيفة. وأصحابه: أن قدر على الاطعام. أو الكسوة. أو العتق قبل أن يتم جميع صيام الثلاثة الايام بطل حكم الصوم ولزمه أحد ما قدر عليه من ذلك، وقال الحكم بن عتيبة. وابراهيم النخعي. وسفيان الثوري ان كان قد أتم صيام يومين صام اليوم الثالث فقط وان كان لم يصم تمام اليومين انتقل عن حكم الصوم ولزمه أحد ما قدر عليه من ذلك، وقال آخرون: ان كان قد تم له صيام يوم واحد تمادى على صيام اليومين الباقيين وأجزأه وان كان لم يتم له صيام يوم واحد انتقل عن حكم الصوم ولزمه أحد ما قدر عليه من ذلك، وهو قول أحمد بن حنبل. واسحاق. وأحد قولى الشافعي، وقال مالك: ان دخل في الصوم ثم أيسر فليتمادى في صومه وإن لم يدخل فيه بطل حكم الصوم وانتقل إلى العتق أو الكسوة أو الاطعام، وهو قول الحسن، وعطاء، قال الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لو جدوا فيه اختلافا كثيرا) وهذه أقوال لا نص قرآن فيها ولا سنة فصح أنها آراء مجردة، ولا فرق بين يساره قبل أن يشرع في الصوم وبين يساره بعد أن يشرع فيه وانما الحكم للحال التى أوجب الله تعالى فيها عليه ما أوجب، ونسألهم كلهم عمن حنث وهو معسر هل عليه لله تعالى كفارة مفترضة أم ليس لله تعالى عليه كفارة مفترضة ولابد من أحدهما؟ فمن قولهم: ان لله تعالى عليه كفارة مفترضة ولو قالوا: غير هذا لخالفوا نص القرآن بلا برهان، فإذ الكفارة عليه

[ 71 ]

ولا بد فنسألهم ما هي؟ فان قالوا: هي التى افترض الله تعالى عليه في القرآن قلنا: صدقتم فإذ قد أقررتم بذلك فمن أين سقطت عندكم بيساره بعد ذلك وليس هذا في القرآن ولا في السنة؟ وما كان هكذا فهو باطل بلا شك، وان قالوا: هي غير التى افترض الله تعالى عليه أو قسموا (1) كانوا قائلين بلا برهان، وكفونا مؤنتهم ولله تعالى الحمد، وقولنا هذا هو قول أبى سليمان وأصحابه * 1182 - مسألة - ويجزى في العتق في كل ذلك الكافر. والمؤمن والصغير والكبير. والمعيب. والسالم. والذكر. والانثى. وولد الزنا والمخدم. والمؤاجر. والمرهون. وأم الولد. والمدبرة. والمدبر. والمنذور عتقه. والمعتق إلى أجل. والمكاتب ما لم يؤد شيئا فان كان أدى من كتابته ما قل أو كثر لم يجز في ذلك ولا يجزى من يعتق على المرء بحكم واجب ولا نصفا رقبتين، وقد ذكرنا كل ذلك في كتاب الصيام فأغنى عن اعادته * وعمدة البرهان في ذلك قول الله تعالى: (أو تحرير رقبة) فلم يخص رقبة من رقبة: (وما كان ربك نسيا) فان قالوا: قسنا الرقبه في هذا على رقبة القتل لا تجزى الا مؤمنة قلنا: فقيسوهما عليهما في تعويض الاطعام منها، فان قالوا: لا نفعل لاننا نخالف القرآن ونزيد على ما فيه قلنا: وزيادتكم في كفارة اليمين أن تكون مؤمنة ولابد خلاف للقرآن وزيادة على ما فيه فان كان القياس في أحد الحكمين جائزا فهو في الآخر جائز وان كان في أحدهما غير جائز فهو في الآخر غير جائز * فان احتجوا بالخبر الذى فيه ان القائل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انه لطم وجه جارية له وعلى رقبة أفأ عتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء قال: من أنا؟ قالت: رسول الله فقال عليه السلام: اعتقها فانها مؤمنة (2)) فلا حجة لهم فيه لانها بنص الخبر لم تكن كفار يمين ولا وطئ في رمضان ولا عن ظهار، وهم يجيزون الكافرة في الرقبة المنذورة على الانسان فقد خالفوا ما في هذا الخبر واحتجوا به فيما ليس فيه منه شئ، وأيضا فانه ليس فيه انه عليه السلام قال: لا تجزى الا مؤمنة وإنما فيه أعتقها فانها مؤمنة، ونحن لا ننكر عتق المؤمنة وليس فيه أن لا يجوز عتق الكفارة فنحن لا نمنع من عتقها، فان قيل: قد رويتم هذا الخبر من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة: (ان الرشيد قال: يا رسول الله ان أمي أمرتنى أن أعتق عنها رقبة وعندي أمة سوداء أفأعتقها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادع بها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: من ربك؟ قالت: الله قال: فمن أنا؟ قالت: رسول الله قال: اعتقها فانها


(1) كذا في جميع النسخ (2) الحديث في صحيح مسلم، ورواه أيضا أبو داود في سننه

[ 72 ]

مؤمنة (1)) فهذا عليهم لا لهم لانهم يجيزون في رقبة الوصية كافرة وأما نحن فلو انسند لقلنا به في الموصى بعتقها كما ورد، وقال بعضهم: كما لا يعطى من الزكاة كافر كذلك لا يعتق في الفرض كافر قلنا: هذا قياس والقياس كله باطل ثم هذا منه عين الباطل لانه دعوى لا تقابل الا بالتكذيب والرد فقط لان الله تعالى لم يقل ذلك ولا رسوله عليه السلام * روينا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال: يجزى اليهودي والنصراني في كفارة اليمين * ومن طريق جرير عن المغيرة عن ابراهيم مثله أيضا * ومن طريق ابن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن جابر عن الشعبى قال: يجزى الاعمى في الكفارة * وعن الحسن. وطاوس يجزى المدبر في الكفارة * وعن الحسن. وطاوس. والنخعي تجزئ أم الولد في الكفارة، وأما ولد الزنا فاننا روينا من طريق يزيد بن أبى زياد عن مجاهد عن عائشة أم المؤمنين قالت: لان أتصدق بثلاث تمرات أو امتع بسوط في سبيل الله تعالى أحب إلى من أن أعتق ولد زنا * ومن طريق أبى هريرة أنه قال لعبدله: لو لا أنك ولد زنا لا عتقتك، وقال النخعي. والشعبى: لا يجزى ولد الزنا في رقبة واجبة * وعن ابن عمر أنه أعتق ولد زنا * واحتج من منع منه بخبر رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا العباس بن محمد الدورقى نا الفضل بن دكين نا اسرائيل عن زيد بن جبير عن أبى يزيد الضبى عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي عليه السلام (أنه سئل عن ولد الزنا فقال لا خير فيه نعلان أجاهد أو قال أجهز (2) بهما أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا) * قال أبو محمد: اسرائيل ضعيف. وأبو يزيد مجهول ولو صح لقلنا به * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن المغيرة عن ابراهيم. والشعبى قالا جميعا: لا يجزى في شئ من الواجب ولد زنا * قال أبو محمد: وأجازه طاوس. ومحمد بن على ولا يسمى نصفا رقبتين رقبة، ومن أعتق بحكم فلم يعتق عن الكفارة فلا يجزى فيها، وبالله تعالى التوفيق * 1183 - مسألة - ولا يجزى اطعام مسكين واحد أو ما دون العشرة يردد عليهم لان الله تعالى افترض عشرة مساكين وهنا خلاف أمر الله تعالى، وقال أبو حنيفة: يجوز. وروينا مثل قول أبى حنيفة عن الحسن وخالفه الشعبى، ولا يجزى الا مثل ما يطعم الانسان أهله فان كان يعطى أهله الدقيق فليعط المساكين الدقيق وان كان يعطى أهله


(1) رواه أبو داود في سننه، وقال: خالد بن عبد الله أرسله لم يذكر الشريد (2) في النسخة رقم 16 (أهجز)

[ 73 ]

الحب فليعط المساكين الحب، وان كان يعطى أهله الخبز فليعط المساكين الخبز، ومن أي شئ أطعم أهله فمنه يطعم المساكين لا يجزيه غير ذلك أصلا لانه خلاف نص القرآن، ويعطى من الصفة. والكيل الوسط لا الاعلى ولا الادنى كما قال عزو جل * وقد اختلف الناس في هذا فصح عن عمر بن الخطاب في كفارة اليمين لكل مسكين نصف صاع حنطة اؤ صاع تمر أو شعير، وعن على مثله * وروينا عن ابن عمر لكل مسكين نصف صاع حنطة * وعن زيد بن ثابت مثله * وعن عائشة أم المؤمنين لكل مسكين نصف صاع بر أو صاع تمر وهو قول ابراهيم النخعي. وابن سيرين، وقال: أو اكلة مأدومة، وقال الحسن: مكوك حنطة ومكوك تمر لكل مسكين، والمكوك نصف صاع، قال الحسن: ولان شاء أطعمهم أكلة خبز أو لحما فان لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فان لم يجد فخبز أو خلا وزيتا فان لم يجد صام ثلاثة أيام، وقال قتادة أيضا مكوك تمر ومكوك حنطة * وعن ابراهيم النخعي مد بر ومدتمر هذا كله في كفارة اليمين، وقال عطاء ومجاهد: عشرة أمداد لعشرة مساكين ومدان للحطب والادام * وعن الحسن. وابن سيرين يجمعهم فيشبعهم مرة واحدة، وصح أيضا عن سعيد بن المسيب، والحسن: وقتادة مد تمر ومد حنطة لكل مسكين، وصح عن ابن عباس لكل مسكين مد حنطة، وعن زيد بن ثابت، وعن ابن عمر صحيح مثله أيضا * وعن عطاء وهو قول مالك. والشافعي * وروينا عن ابن بريدة الاسلمي (1) ان كان خبزا يابسا فعشاء وغداء، وعن على يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا وسمنا، ولا يصح عنهما، وعن القاسم. وسالم. والشعبى. والنخعي. وغيرهم غداء وعشاء * واحتج من ذهب إلى هذا بما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن يعلى نا أبو المحياة عن ليث بن أبى سليم قال: قال ابن بريدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان كان خبزا يابسا فغداءو عشاء)، وهذا مرسل (2) وليث ضعيف، وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر لكل مسكين أو صاع تمر أو شعير، ومن دقيق البر وسويقه نصف صاع، ومن دقيق الشعير وسويقه صاع فان أطعمهم فغداء وعشاء. أو غداء وغداء. أو عشاء وعشاء. أو سحور وغداء. أو سحور وعشاء، ولا يجزى عند مالك. والشافعي دقيق ولاسويق * قال أبو محمد: هذه أقوال مختلفة لا حجة بشئ منها من قرآن ولا سنة، وموه بعضهم بان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب في حلق الرأس للاذى للمحرم نصف صاع بين ستة


(1) في النسخة اليمنية (عن بريدة الاسلمي) وهو غلط، واسم ابن بريدة عبد الله (2) لانه سقط منه الصحابي، وابن بريدة من التابعين توفى سنة خمس عشرة ومائة (م 10 - ج 8 المحلى)

[ 74 ]

مساكين، وهذا حجة عليهم لان نص ذلك الخبر نصف صاع تمر لكل مسكين وهو خلاف قولهم، وموهوا أيضا بخبر رويناه من طريق أبى يحيى زكريا بن يحيى الساجى نا محمد بن موسى الحرشى نا زياد بن عبد الله نا عمر بن عبد الله الثقفى نا المنهال بن عمر وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس أن يعطوا فمن لم يجد فنصف صاع)، وهذا خبر ساقط لان زياد بن عبد الله ضعيف، وعمر بن عبد الله - هو ابن يعلى بن مرة - وقد ينسب إلى جده وهو ضعيف، ولو صح لكان خلافا لقولهم لا بهم لا يجيزون نصف صاع تمر البتة * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية الضرير عن عاصم عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قال: الخبز. واللبن، والخبز والزيت، والخبز والسمن، ومن أعلى ما يطعمهم الخبز واللحم * ومن طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ان أبا موسى الاشعري كفر عن يمين فعجن فأطعمهم * ومن طريق سفيان بن عيينة قال: قال سليمان ابن أبى المغيرة - وكان ثقة - عن سعيد بن جبير قال ابن عباس: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة: وبعضهم قوتا دونا. وبعضهم قوتا وسطا فقيل: من أوسط ما تطعمون أهليكم * وعن ابن سيرين مثل قول ابن عمر، وروينا نحو هذا عن شريح. والاسود بن يزيد. وسعيد بن جبير. والشعبى وهو قول أبى سليمان وهو قولنا، وهو نص القرآن، وأما من حد كيلا ما ومن منع من اطعام الخبز. والدقيق. ومن أوجب أكلتين فأقوال لا حجة لها من قرآن: ولا سنة. ولا قياس. ولا قول صاحب لا مخالف له منهم، وبالله تعالى نتأيد * 1184 - مسألة - وأما الكسوة فما وقع عليه اسم كسوة قميص. أو سراويل أو مقنع. أو قلنسوة. أو رداء. أو عمامة. أو برنس أو غير ذلك لان الله تعالى عم ولم يخص، ولو أراد الله تعالى كسوة دون كسوة لبين لنا ذلك (وما كان ربك نسيا) فتخصيص ذلك لا يجوز * روينا عن عمران بن الحصين أن رجلا سأله عن الكسوة في الكفارة؟ فقال له عمران أرأيت لو أن وفدا دخلوا على أميرهم فكسا كل رجل منهم قلنسوة قال الناس: انه قد كساهم؟ * روينا من طريق مسدد عن عبد الوارث التنورى عن محمد ابن الزبير عن أبيه * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أشعث عن الحسن البصري قال: تجزئ العمامة في كفارة اليمين وهو قول سفيان الثوري. والاوزاعي. والشافعي وأبى سليمان، وقال مالك: لا يجزى الا ما تجوز فيه الصلاة، وهذا لا وجه له لانه قول بلا برهان، واختلف عن أبى حنيفة في السراويل وحدها ولا يجزى عنده عمامة فقط،

[ 75 ]

وقالوا: لو ان انسانا لم يلبس الاعمامة فقط. أو سراويل فقط لقال الناس: هذا عريان * قال أبو محمد: وهذا ليس بشئ (1) لان الله تعالى لم يقل لنا: اكسوهم ما لا يقع عليهم به اسم عريان (وما كان ربك نسيا) ولو أن امرءا لبس قميصا. وسراويل في الشتاء لقال الناس: هذا عريان، والعجب كله من أبى حنيفة إذ يمنع من أن تجزئ العمامة وهى كسوة ثم يقول: لو كساهم ثوبا واحدا يساوى عشرة أثواب أو أعطاهم بغلة أو حمارة تساوى عشرة اثواب أجزأه، وثم تدبرنا هذا فرأينا ضرورة أن الكسوة على الاطلاق منافية للعرى إذا ممتنع محال أن يكون كاسيا عاريا من وجه واحد لكن يكون كذلك من وجهين مثل أن يكون بعضه كاسيا وبعضه عاريا أو يكون عليه كسوة تعمه ولا تستر بشرته كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نساء كاسيات عاريات لا يد خلن الجنة) فضح يقينا أن الكسوة لا يكون معها عرى إذا كانت على الاطلاق والله تعالى قد أطلقها ولم يذكر ها باضافة، ولا شك في أن من عليه كسوة سابغة الا أن رأسه عار أو ظهره أو عورته أو غير ذلك منه فانه لا يسمى كاسيا ولا مكتسيا الا باضافة، فوجب ضرورة ان لا تكون الكسوة الا عامة لجميع الجسم ساترة له عن العيون مانعة من البرد لانه بالضرورة يعلم أن من كان في كانون الاول مغطى برداء قصب فقط أنه لا يسميه احد كاسيا بل هو عريان، وبالله تعالى التوفيق * 1185 - مسألة - ويجزئ كسوة أهل الذمة واطعامهم إذا كانوا مساكين بخلاف الزكاة لانه لم يأت ههنا نص بتخصيص المؤمنين، وقد جاء النص في الزكاة ان تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم * 1186 - مسألة - ويجزئ الصوم للثلاثة الايام متفرقة ان شاء وهو قول مالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تجزى الا متتابعة، واحتجوا بقياسها على كفاة الظهار. والقتل، وقالوا في قراءة ابن مسعود: متتابعات * قال أبو محمد: من العجائب ان يقيس المالكيون الرقبة في ان تكون مؤمنة في كفارة اليمين على كفارة القتل ولا يقيسها الحنيفيون عليها ويقيس الحنيفيون الصوم في كفارة اليمين في وجوب كونه متتابعا على صوم كفارة قتل الخطأ. والظهار، ولا يقيسه المالكيون عليه فاعجبوا لهذه المقاييس المتخاذلة المحكوم بها في الدين مجازفة؟ واما قراءة ابن مسعود فهى من شرق الارض إلى غربها اشهر من الشمس من طريق عاصم. وحمزة. والكسائي ليس فيها ما ذكروا ثم لا يستحيون من أن يزيدوا


(1) في النسخة رقم 16 (وليس هذا بشئ)

[ 76 ]

في القرآن الكذب المفترى نصرا لاقوالهم الفاسدة وهم يأبون من قبول التغريب في الزنا لانه عندهم زيادة على ما في القرآن، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يستحيون من الله تعالى ولا من الناس في أن يزيدوا في القرآن ما يكون من زاده فيه كافرا وما أن قرأ به في المحراب استتيب وان كتبه في مصحف قطع الورقة أو بشر نصرا لتقليدهم فإذ لم يخص الله تعالى تتابعا من تفريق فكيفما صامهن اجزأه، وبالله تعالى التوفيق * (1187) - مسألة - ومن عنده فضل عن قوت يومه وقوت أهله ما يطعم منه عشرة مساكين لم يجزه الصوم أصلا لانه واجد ولا يجزى الواجد بنص القرآن من وجد الا ما وجد ولا يجزى الصوم الا من لم يجد (1)، والعبد والحر في كل ذلك سواء: (وما كان ربك نسيا) ومن حد بأكثر من هذا من قوت جمعة. أو شهر. أو سنة كلف الدليل ولا سبيل له إليه * 1188 - مسالة - ولا يجزى اطعام بعض العشرة وكسوة بعضهم وهو قول مالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة. وسفيان: يجزى، وهذا خلاف القرآن وما نعلم أحدا قاله قبل أبى حنيفة * 1189 - مسألة - ومن حلف على اثم ففرض عليه أن لا يفعله ويكفر فان حلف على ما ليس اثما فلا يلزمه ذلك، وقال بعض أصحابنا: يلزمه ذلك إذا راى غيرها خيرا منها واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه * قال أبو محمد: كان هذا احتجاجا صحيحا لو لا مارويناه في كتاب الصلاة في باب الوتر من قول القائل للنبى صلى الله عليه وسلم إذ ذكر له الصلوات الخمس فقال: هل على غيرهن؟ قال: لا الا ان تطوع، وقال في صوم رمضان والزكاة كذلك (والله لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال عليه السلام: أفلح ان صدق دخل الجنة ان صدق (2)) ولا شك في أن التطوع بعد الفرض أفضل من ترك التطوع وخير من تركه فلم ينكر النبي عليه السلام يمينه تلك ولا أمره بأن يأتي الذى هو خير بل حسن له ذلك، فصح ان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك انما هو ندب وبالله تعالى التوفيق * (تم كتاب الكفارات والحمد لله رب العالمين)


(1) في النسخة رقم 16 (من لا يجد) (2) وهو حديث صحيح

[ 77 ]

كتاب القرض وهو الدين 1190 - مسألة - القرض فعل خير، وهو أن تعطى انسانا شيئا بعينه من مالك تدفعه إليه ليرد عليك مثله إما حالا في ذمته وإما إلى أجل مسمى هذا مجمع عليه، وقال الله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * 1191 - مسألة - والقرض جائز في كل ما يحل تملكه وتمليكه بهبة أو غيرها سواء جاز بيعه أو لم يجز لان القرض هو غير البيع لان البيع لا يجوز الا بثمن ويجوز بغير نوع ما بعت ولا يجوز في القرض الارد مثل ما اقترض لا من سوى نوعه أصلا * 1192 - مسألة - ولا يحل أن يشترط رد أكثر مما أخذ ولا أقل وهو ربا مفسوخ ولا يحل اشتراط رد أفضل مما أخذ ولا أدنى وهو ربا، ولا يجوز اشتراط نوع غير النوع الذى أخذ ولا اشتراط أن يقضيه في موضع كذا ولا اشتراط ضامن * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ما بال أقوام يشتر طون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وان اشترط مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق (1)) ولا خلاف في بطلان هذه الشروط التى ذكرنا في القرض وبالله تعالى نتأيد * 1193 - مسألة - فأن تطوع عند قضاء ما عليه بأن يعطى أكثر مما أخذ. أو أقل مما أخذ. أو أجود مما أخذ. أو أدنى مما أخذ فكل ذلك حسن مستحب، ومعطى أكثر مما اقترض وأجود مما اقترض مأجور، والذى يقبل أدنى مما أعطى. أو أقل مما أعطى مأجور، وسواء كان ذلك عادة أو لم يكن ما لم يكن عن شرط، وكذلك إن قضاه في بلد آخر. ولا فرق فهو حسن ما لم يكن عن شرط * روينا من طريق البخاري وموسى ابن معاوية قال البخاري: نا خلاد، وقال موسى: نا وكيع ثم اتفق خلاد ووكيع قالا: نا مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال: (كان لى على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين فقضاني وزادني) * ومن طريق وكيع عن على بن صالح بن حى عن سلمة ابن كهيل عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: (استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا فاعطاه سنا فوق سنه وقال: خياركم محاسنكم قضاء)، وهو قول السلف * روينا من طريق سفيان


(1) هو في الصحيحين بألفاظ مختلفة

[ 78 ]

ابن عيينة عن اسماعيل بن أبى خالد عن أبيه قال: قضانى الحسن بن على بن أبى طالب وزادني نحوا من ثمانين درهما * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن أبيه قال: تقاضيت الحسن بن على دينا لي عليه فوجدته قد خرج من الحمام فقضاني ولم يزنه فوزنته فوجدته قد زادني على حقى سبعين درهما * ومن طريق مالك قال: بلغني أن رجلا قال لابن عمر: انى أسلفت رجلا سلفا واشترطت أفضل مما اسلفته فقال ابن عمر: ذلك الربا ثم ذكر كلاما وفيه أن ابن عمر قال له: أرى أن تشق صكك فان أعطاك مثل الذى أسلفته قبلته وان أعطاك دون ما أسلفته فأخذته أجرت وان أعطاك أفضل مما أسلفته طيبة به نفسه فذلك شكر شكره لك وهو أجر ما أنظرته * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا هشام الدستوائى عن القاسم بن أبى بزة (1) عن عطاء بن يعقوب قال: اقترض منى ابن عمر ألف درهم فقضاني أجود من دراهمي، وقال لى: ما كان فيها من فضل فهو نائل منى لك أتقبله؟ قلت: نعم ولا يعرف لهذين مخالف من الصابة رضى الله عنهم الا رواية عن ابن مسعود انه كره ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن الزبير يستسلف من التجار اموالا ثم يكتب لهم إلى العمال فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لا بأس به، وحكى شعبة أنه سأل الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان عمن اقترض دراهم فرد عليه خيرا منها؟ فقالا جميعا: إذا كان ليس من نيته فلا بأس، وصح عن قتادة عن الحسن البصري. وسعيد ابن المسيب قالا جميعا: لا بأس أن تقرض دراهم بيضا وتأخذ سودا أو تقرض سودا وتأخذ بيضا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا قطرى بن عبد الله عن أشعث الحمراني (2) قال: سألت الحسن؟ فقلت: يا أبا سعيد لى جارات ولهن عطاء فيقترضن منى ونيتي في فضل دراهم العطاء على دراهم قال: لا بأس به * ومن طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين إذا أسلفت طعاما فاعطاكه بأرض أخرى فان كان عن شرط فهو مكروه وان كان على وجه المعروف فلا بأس به، وهو كله قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وأجاز مالك أن يرد أفضل ما لم يكن عن عادة ولم يجز أن يرد أكثر وهذا خطأ لانه خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أوردنا، وأما فرقة بين العادة وغيرها فخطأ لانه ان جاز مرة جاز ألف مرة ولا فرق وان كان خيرا في المرة الواحدة فالاكثار من الخير خير وان كان شرا فالشر لا يجوز لامرة ولامرارا وبالله تعالى التوفيق *


(1) هو بفتح الباء الموحدة وتشديد الزاى، وفى النسخة رقم 16 (برة) براء بعد الباء وهو تصحيف (2) هو بضم الحاء المهملة وسكون الميم نسبة إلى حمران، وفى النسخة رقم 16 (الحرانى) بدون ميم وهو تصحيف

[ 79 ]

ولا نعلم أحدا قبله فرق بين العادة في ذلك وبين المرة الواحدة، وأما منعه من رد أكثر فقد روينا عن الشعبى. والزهرى، والعجب كله من اجازته الزيادة حيث هي الربا المكشوف المحرم إذ يجيز مبادلة دينار ناقص بدينار زائد عليه في وزنه بمشارطة في حين المبادلة، وكذلك في الدرهم الناقص بالدرهم الزائد على في وزنه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (الدرهم بالدرهم فضل ما بينهما ربا) ثم يمنع من الزيادة غير المشترطة في قضاء القرض وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحض عليه وحسبنا الله [ ونعم الوكيل ] (1) * 1194 - مسالة - فأن قضاه من غير نوع ما استقرض لم يحل أصلا لا بشرط ولا بغير شرط مثل أن يكون أقرضه ذهبا فيرد عليه فضة أو غير ذلك وهكذا في كل شئ، يقول الله تعالى: (وتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وهو إذا رد غير ما كان عليه فقد أخذ غير حقه ومن أخذ غير حقه فقد أكل المال بالباطل، فان قالوا: انما هو من باب البيع كأنه باع منه ما كان له عنده بما أخذ منه قلنا: هذا حرام لا يحل لانه ليس ليه عنده شئ بعينه ولا يحل البيع الا في شئ بعينه وهو بيع ما ليس عندك وبيع ما لم يقبض، وكل هذا قد صح النهى عنه على ما نذكر في البيوع ان شاء الله تعالى، وهو فيما يقع فيه الربا ربا محض على ما نذكر في أبواب الربا ان شاء الله تعالى * فان احتجوا بخبر ابن عمر في ذلك فهو خبر لا يصح على ما نذكر في البيوع ان شاء الله تعالى لانه من رواية سماك بن حرب ثم لو صح لكانوا مخالفين له على ما نذكر هنا لك ان شاء الله تعالى * 1195 - مسألة - ومن استقرض شيئا فقد ملكه وله بيعه ان شاء وهبته والتصرف فيه كسائر ملكه وهذا الاخلاف فيه وبه جاءت النصوص * 1196 - مسألة - فان كان الدين حالا كان للذى أقرض ان يأخذ به المستقرض متى أحب ان شاء أثر اقراضه اياه وان شاء أنظره به إلى انقضاء حياته، وقال مالك: ليس له مطالبته اياه به الا بعد مدة ينتفع فيها المستقرض بما استقرض وهذا خطأ لانه دعوى بلا برهان، وأيضا فانه أوجب ههنا أجلا مجهول المقدار لم يوجبه الله تعالى قط ثم هو الموجب له لا يحد مقداره فاى دليل أدل على فساد هذا القول من أن يكون قائله يوجب فيه مقدارا [ ما ] (2) لا يدرى هو ولا غيره ما هو وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يعطى كل ذى حق حقه، فمن منع من هذا فقد خالف أمره عليه السلام * 1197 - مسالة - فان طالبه صاحبه الدين بدينه والشئ المستقرض حاضر عند


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 80 ]

المستقرض لم يجزان يجبر المستقرض على [ شئ من ماله إذ لم يوجب ذلك ] (1) أن يرد الذى أخذ بعينه ولابد لكن يجبر على رد مثله اما ذلك الشئ واما غيره مثله من نوعه لانه قد ملك الذى استقرض وصار كسائر ماله ولا فرق، ولايجوز أن يجبر على اخراج شئ بعينه من ماله إذ لم يوجب عليه قرآن ولا سنة فان لم يوجد له غيره قضى عليه حينئذ برده لانه مأمور بتعجيل انصاف غريمه فتأخيره بذلك وهو قادر على الانصاف ظلم وقد قال عليه السلام: (مطلق الغنى ظلم) (2) وهذا غنى فمطله ظلم * 1198 - مسألة - فان كان القرض إلى أجل ففرض عليهما أن يكتباه وان يشهدا عليه عدلين فصاعد أو رجلا. وامرأتين عدولا فصاعدا، فان كان ذلك في سفر ولم يجد كاتبا فان شاء الذى له الدين ان يرتهن به رهنا فله ذلك وان شاء أن لا يرتهن فله ذلك وليس يلزمه شئ من ذلك في الدين الحال لا في السفر ولا في الحضر * برهان ذلك قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) إلى قوله (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) إلى قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) إلى قوله تعالى (وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى ائتمن أمانته) وليس في أمر الله تعالى الا الطاعة ومن قال: انه ندب فقد قال: الباطل ولا يجوز أن يقول الله تعالى: فاكتبوه فيقول قائل: لا أكتب ان شئت ويقول الله تعالى: (واشهدوا) فيقول قائل: لا أشهدو لا يجوز نقل أوامر الله تعالى عن الوجوب إلى الندب الا بنص آخر أو بضرورة حس، وكل هذا قول أبى سليمان. وجميع أصحابنا وطائفة من السلف ونتقصى ذلك في كتاب البيوع ان شاء الله تعالى * 1199 - مسألة - ومن لقى غريمه في بلد بعيد أو قريب وكان الدين حالا أو قد بلغ أجله فله مطالبته وأخذه بحقه ويجبره الحاكم على انصافه عرضا كان الدين. أو طعاما. أو حيوانا. أو دنانير. أو دراهم كل ذلك سواء ولا يحل أن يجبر صاحب الحق على أن لا ينتصف الا في الموضع الذى تداينا فيه * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (مطل الغنى ظلم) وأمره عليه السلام أن يعطى كل ذى حق حقه، ومن ادعى أنه لا يجوز أن يجبر على انصافه الا حيث تداينا فقد قال: الباطل لانه قول لا دليل عليه لامن قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 وقد أو جدت تكلفا في الكلام (2) هو في الصحيحين

[ 81 ]

ولا قياس. ولا رأى سديد، ثم يقال له: ان كان التداين بالاندلس ثم لقيه بصين الصين ساكنا هنالك أو كلاهما أترى حقه سقط أو يكلف الذى عليه الحق هو وصاحب الحق النهوض إلى الاندس لينصفه هنا لك من مدين، ثم لو طردوا قولهم للزمهم ان لا يجيزوا الانصاف الا في البقعة التى كانا فيها بأبدانهما حين التداين وهم لا يقولون هذا فنحن نزيدهم من الارض شبرا شبرا حتى نبلغهم إلى أقص العالم، ولو حقق كل ذى قول قوله وحاسب نفسه بان لا يقول في الدين الا ما جاء به قرآن أو سنة لقل الخطأ ولكان أسلم لكل قائل، وما توفيقنا الا بالله العظيم * 1200 - مسألة وان أراد الذى عليه الدين المؤجل أن يعجله قبل أجله بما قل أو كثر لم يجبر الذى له الحق على قبوله أصلا، وكذلك لو أراد الذى له الحق أن يتعجل قبض دينه قبل أجله بما قل أو كثر لم يجز أن يجبر الذى عليه الحق على ادائه سواء في كل ذلك الدنانير والدراهم. والطعام كله. والعروض كلها. والحيوان فلو تراضيا على تعجيل الدين أو بعضه قبل حلول أجله أو على تأخيره بعد حلول أجله أو بعضه جاز كل ذلك وهو قول أبى سليمان. وأصحابنا، وقال المالكيون: ان كان ممالا مؤنة في حمله ونقله أجبر الذى له الحق على قبضه وان كان مما فيه مؤنة في حمله ونقله لم يجبر على قبوله قبل محله * قال أبو محمد: وهذا قول في غاية الفساد، أول ذلك انه قول بلا برهان لا من قرآن. ولا سنة. ولا اجماع. ولا قول صاحب لا مخالف له. ولا قياس. ولا رأى سديد، والثانى أن شرط الاجل قد صح بالقرآن والسنة فلا يجوز ابطال ما صححه الله تعالى، والثالث أنهم ابطلوا هذا الشرط الصحيح الذى أثبته الله تعالى في كتابه وأجازو الشروط الفاسدة التى أبطلها الله تعالى في كتابه كمن اشترط لامرأته ان كل امرأة يتزوجها عليها فهى طالق، وكل سرية يتخذها عليها فهى حرة وأن لا يرحلها عن دارها فان فعل فأمرها بيدها، واحتجوا ههنا برواية مكذوبة (وهى المسلمون عند شروطهم) فهلا احتجوا بها إذ هي عندهم صحيحة في انفاذ شرط التأجيل المسمى بالدين فتأملوا هذه الامور تروا العجب، والرابع أنهم احتجوا في هذا بعمر. وعثمان فيما روى عنهما في القضاء بقبول تعجيل الكتابة قبل أجلها وقد أخطأوا في هذا من وجوه، أولها أنه لا حجة فيمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى أنه انما جاء ذلك عن عمر. وعثمان في الكتابة خاصة فقاسوا عليها سائر الديون وهم مقرون بان حكم الكتابة مخالف لحكم الديون في جواز الحمالة وغير ذلك، والثالث أنه قد خالف عمر. وعثمان في ذلك أنس فلم يرتعجيل الكتابة قبل أجلها، والرابع انهم خالفوا عمر. وعثمان في مئين من القضايا، منها اجبار عمر سادات (م 11 ج 8 المحلى)

[ 82 ]

العبيد على كتابتهم بالضرب إذ طلب العبيد ذلك وغير هذا كثير، فمن الباطل ان يكون قولهما حجة في موضع غير حجة في آخر، والخامس انهم قد خالفوا عمر. وعثمان في هذه القضية نفسها لانه جاء عنهما وضع الكتابة في بيت المال ثم يعطى السيد في كل نجم حقه فظهر فساد هذا القول وبالله تعالى التوفيق، وقدموه بعضهم بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك) * قال أبو محمد: وهذا تحريف منهم للكلم عن مواضه لان هذا الخبر انما هو في العطاء المبتدأ الذى نهينا عن السؤال فيه عن غير ضرورة أو بغير سلطان ولا في الحقوق الواجبة الواجب السؤال عنها وطلبها أو الابراء منها لله تعالى * قال أبو محمد: وليت شعرى أي فرق بين ارادة الذى عليه الحق تعجيل ما عليه قيل أجله مع اباية الذى له الحق من ذلك وبين ارادة الذى له الحق تعجيل ما له قبل أجله مع اباية الذى عليه الحق من ذلك؟ إذ أوجبوا الواحد ومنعوا الآخر، فان قالوا: ان الذى عليه الحق يريدان يبرأ مما عليه قلنا لهم: والذى له الحق يريد أن يبرئ الذى عليه الحق مما عليه، فان قالوا: ليس يريد ذلك الذى عليه الحق الا إلى أجله قلنا لهم: ويريد ذلك الذى له الحق الا إلى أجله * 1201 - مسألة - والقرض جائز في الجوارى. والعبيد. والدواب. والدور. والارضين وغير ذلك لعموم قوله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) فعم تعالى ولم يخص فلا يجوز التخصيص في ذلك بالرأى الفاسد بغير قرآن. ولا سنة، وقولنا في هذا هو قول المزني. وأبى سليمان. ومحمد بن جرير. وأصحابنا، ومنع من ذلك أبو حنيفة. ومالك. و الشافعي في الجوارى خاصة وما نعلم لهم حجة أصلا لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا من اجماع. ولا من قياس. ولا من رأى سديد الا أن بعضهم قال: لا يجوز ذلك لانه يطؤها ثم يردها إليه فيكون فرجا معا را * قال أبو محمد: أما قولهم: يطؤها ثم يردها عليه فهم يوجبون هذا نفسه في التى يجد بها عيبا، فان ادعوا اجماعا قلنا: كذبتم قد صح عن على. وشريح المنع من الرد بالعيب بعد الوطئ ثم لو صح لهم انه اجماع للزمهم لانهم أصحاب قياس أن يقيسوا ما اختلف فيه على ما يزعمون أنه اتفق عليه فهذا أصلهم في القياس فانى بدا لهم عنه، ثم نقول لهم: فإذا وطئها ثم ردها فكان ماذا؟ وطئها بحق بنص القرآن قال تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) ثم ان ردها ردها بحق لانه أدى ما عليه فانتقلت من حق إلى حق،

[ 83 ]

وأما قولهم: انه فرج معار فكذب وباطل لان العارية لا يزول عنها ملك المعير فحرام على غيره وطؤها لانه ملك يمين غيره، وأما المستقرضة فهى ملك يمين المستقرض فهى له حلال وهو مخير بين أن يردها أو يمسكها ويرد غيرها وليست العارية كذلك، وقالوا: هو بشيع شنيع قلنا: لا شنعة ولا بشاعة في الحلال وأنتم لا تستبشعون مثله من أن يكون انسان يبيع جارية من غيره فيطؤها ثم يبتاعها الذى باعها فيستبرئها بحيضة ثم يطؤها ثم يبتاعها الذى باعها منه، وهكذا ابدا، ومن أن يكون انسان يتزوج امرأه فيطؤها ثم يطلقها فتعتد خمسة وأربعين يوما وهى مصدقة عنده ثم يتزوجها جاره فيطؤها ثم يطلقها فتعتد كذلك ثم يتزوجها الاول فيطؤها ثم يطلقها وهكذا أبدا، فأى فرق بين هذا وبين ما منعوا منه من قرض الجوارى؟ انما الشنيع البشيع الفظيع ما يقولونه من أن رجالا تكون بينهم أمة يطؤها كل واحد منهم فلا يرون في ذلك حدا ويلحقون الولد بهذا الوطئ الحرام الخبيث، ومن أن يطأ الوالد أم ولد ابنه فلا يرون عليه حدا ويلحقون الولد في هذا الوطئ الفاحش لا سيما الحنيفيين الذين يقولون: من عشق امرأه جاره فرشا شاهدين فشهدا له بأن زوجها طلقها وانها اعتدت وانها تزوجت هذا وهى منكرة وزوجها منكر والله تعالى يعلم أنهما كاذبان فقضى القاضى بذلك فانه يطؤها حلالا طيبا، فهذه هي الشناعة المضاهية لخلاف الاسلام وبالله تعالى التوفيق * 1202 - مسألة - وكل ما يمكن وزنه أو كيله أو عدده أو زرعه لم يجر أن يقرض جزافا لانه لا يدرى مقدار ما يلزمه أن يرده فيكون أكل مال بالباطل * 1203 - مسألة - وكل ما اقترض من ذلك معلوم العدد أو الزرع أو الكيل أو الون فان رده جزافا فكان ظاهرا متيقنا أنه أقل مما اقترض فرضى ذلك المقرض أو كان ظاهرا متيقنا انه أكثر مما اقترض وطابت نفسه المقترض وكل ذلك جائز حسن لما قدمنا، فان لم يدرأ هو مثل ما اقترض أم أقل أم أكثر؟ لم يجز له لانه لا يجوز مال أحدا لا بطيب نفس منه ورضاه ولا يكون الرضا وطيب النفس الاعلى معلوم ولابد (1) لا على مجهول وبالله تعالى التوفيق * 1204 - مسألة - ولا يجوز تعجيل بعض الدين المؤجل على أن يبريه من الباقي فان وقع رد وصرف إلى الغريم ما أعطى لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) فلو عجل الذى عليه الحق بعض ما عليه بغير شرط ثم رغب إلى صاحب الحق أن يضع عنه الباقي أو بعضه فأجابه إلى


(1) سقطت جملة (ولابد) من النسخة رقم 16

[ 84 ]

ذلك أو وضعه عنه أو بعضه بغير رغبة فكل ذلك جائز حسن وكلاهما مأجور لانه ليس ههنا شرط أصلا لكن أحدهما سارع إلى الخير في أداء بعض ما عليه فهو محسن والآخر سارع إلى الابراء من حقه فهو محسن قال الله عزوجل: (وافعلوا الخير) وهذا كله خير [ وبالله تعالى التوفيق ] (1) * 1205 - مسألة - ومن كان له دين حال أو مؤجل فحل فرغب إليه الذى عليه الحق في أن ينظره أيضا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك بغير رغبة وأشهد أو لم يشهد لم يلزمه من ذلك شئ والدين حال يأخذه به متى شاء وهو قول الشافعي وهو أيضا قول زفر. وأبى سليمان. وأصحابنا، وكذلك لو أن امرءا عليه دين مؤجل فأشهد على نفسه أنه قد أسقط الاجل وجعله حالا فانه لا يلزمه ذلك والدين إلى أجله كما كان * برهان ذلك أن كل ما ذكرنا فانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وليس شئ من هذا من العقود التى افترض الله تعالى الوفاء بها لان العقود المأمور بالوفاء بها منصوصة الاسماء في القرآن، ولا خلاف في أن كل العقود لا يلزم الوفاء بها كمن عقد أن يكفر أو أن يزنى، وكل عقد صح مؤجلا بالقرآن أو السنة فلا يجوز البتة ابطال التأجيل الا بنص آخر، وكل عقد صح حالا بالقرآن أو السنة فلا يجوز البتة ابطال الحلول الا بنص آخر، ولا سبيل إلى نص في ذلك وبالله تعالى التوفيق * فان قيل: قد قلتم: إنه ان عجل له ما عليه قبل الاجل ان ذلك لازم له لا رجوع فيه قلنا: نعم لانه قد خرج من حقه وصيره إلى غيره ووهبه فهذا جائز إذ قد أمضاه وأما ما لم يمضه فانما هو وعدو قد قدمنا ان الوعد لا يلزم انجازه فرضا وبالله تعالى التوفيق * وقال مالك: يلزمه التأجيل، وقال أبو حنيفة: ان أجله في قرض لم يلزمه وكان له الرجوع ويأخذه حالا فان أجله في غضب غصبه اياه أو في سائر الحقوق ما عدا القرض لزمه التأجيل وهو قول محمد بن الحسن. وأبى يوسف، وروى عن أبى يوسف انه ان استهلك له مما يكال أو يوزن ثم أجله به فله أن يرجع في ذلك ولا يلزمه التأجيل، فان استهلك له شاة أو ثوبا فأجله في قيمتها لزمه التأجيل * قال أبو محمد: فهل سمع بأسخف من هذه الفروق، واحتج بعضهم بان قال: ان التأجيل في أصل القرض لا يصح فما زاد هذا المحتج على خلاف الله تعالى في قوله: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) * قال أبو محمد: وانما الحجة ما ذكرنا وبالله تعالى نتأيد * 1206 - مسألة - وكل من مات وله ديون على الناس مؤجلة أو للناس عليه ديون


(1) الزيادة من النسخة اليمنية

[ 85 ]

مؤجلة فكل ذلك سواء وقد بطلت الآجال كلها وصار كل ما عليه من دين حالا وكل ماله من دين حالا سواء في ذلك كله القرض. والبيع. وغير ذلك، وقال مالك: اما الديون التى عليه مؤجلة فقد حلت واما التى له على الناس فالى أجلها * قال أبو محمد: وهذا فرق فاسد بلا برهان لامن قرآن. ولا سنة. ولا اجماع. ولا رواية سقيمة. ولاقياس. ولا قول صاحب. ولا رأى له وجه * برهان قولنا هو قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) (1) وقال تعالى في حكمه في المواريث فذكر فرائض المواريث وقال عزوجل (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فصح أن بموت الانسان بطل حكمه عن ماله وانتقل إلى ملك الغرماء والموصى لهم ووجوه الوصايا * والورثة. وعقد الغرماء في تأجيل ما عليهم أو تأجيل ما على الميت انما كان بلا شك بينهم وبين المتوفى إذ كان حيا وقد انتقل الآن المال عن ملكه إلى ملك غيره فلا يجوز كسب الميت عليهم فيما قد سقط ملكه عنه ولا يحل للغرماء شئ من ماله الورثة والموصى لهم والوصية بغير طيب أنفسهم فبطل حكم التأجيل في ذلك ووجب للورثة وللوصية أخذ حقوقهم، وكذلك لا يحل للورثة امساك مال غريم ميتهم إلا بطيب نفسه لان عقده انما كان مع المتوفى إذ كان حيا فلا يلزمه أن يبقى ماله بأيدى ورثة لم يعاملهم قط، ولا يحل لهم امساك مال الذى له الحق عنه والله تعالى لم يجعل لهم حقا ولا للوصية الا بعد انصاف أصحاب الديون وبالله تعالى التوفيق * روينا من طريق أبى عبيدنا اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - عن ليث عن الشعبى. والنخعي قالا جميعا: من كان له (2) دين إلى أجل فإذا مات فقد حل * وبه إلى أبى عبيد عن معاذ بن معاذ العنبري عن أشعث عن الحسن البصري أنه كان يرى الدين حالا إذا مات وعليه دين * ومن طريق محمد بن المثنى حدثنى عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم قال: إذا مات الميت فقد حل دينه وهذا عموم لما عليه ولما له * 1207 - مسألة - وهدية الذى عليه الدين إلى الذى له عليه الدين حلال، وكذلك ضيافته اياه ما لم يكن شئ من ذلك عن شرط، فان كان شئ عن شرط فهو حرام لما روينا من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى شريح العدوى (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان يؤمن. لله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يومه


(1) الحديث في الصحيحين (2) في النسخة رقم 16 (فمن كان له)

[ 86 ]

وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة (1)) وكان عليه السلام يأكل الهدية وقال عليه السلام: (لو أهدى إلى ذراع لقبلت (2) * رويناه من طريق شعبة عن الاعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا عموم لم يخص عليه السلام من ذلك غريما من غيره * وقالت طائفة: لا يجوز قبول هديته ولا النزول عنده ولا أكل طعامه صح عن ابن عباس إذا أسلفت رجلا سلفا فلا تقبل منه هدية قراع ولا عارية ركوب دابة (3) وانه استفتاه رجل فقال له: أقرضت سما كاخمسين درهما وكان يبعث إلى من سمكه فقال له ابن عباس: حاسبه فان كان فضل فرد عليه وان كان كفا فافقا صصه، وصح عن عبد الله. ابن سلام انه قال: إذا كان لك على رجل مال فأهدى لك حملة من تبن (4) فلا تقبلها فانها ربا اردد عليه هديته أو اثبه، وصح عن ابن عمر انه سأله سائل؟ فقاله له: أقرضت رجلا فأهدى لى هدية فقال: اثبه أو احسبها له مما عليه أو اردد ها عليه * وعن علقمة نحو هذا * واحتجوا فقالوا: هو سلف جر منفعة، وصح النهى عن هذا عن ابن سيرين. وقتادة. والنخعي * قال أبو محمد: أما هؤلاء الصحابة رضى الله عنهم فلا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خالفوا ابن عمر. وابن عباس في مئين من القضايا وقد جاء خلافهم عن غيرهم * روينا من طريق عبدالزاق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد. وخالد الحذاء كلاهما عن محمد بن سيرين ان أبى بن كعب تسلف من عمر بن الخطاب عشرة آلاف فبعث إليه أبى من ثمره وكانت تبكر وكان من أطيب ثمر أهل المدينة فردها عليه عمر فقال له: أبى بن كعب: لا حاجة لى بما منعك طيب ثمرتي فقبلها عمر، وقال: انما الربا على من أراد أن يربى وينسئ * وبه إلى سفيان عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي وذكر نهى علقمة عن أكل المراء عند من له عليه دين فقال ابراهيم: الا أن يكون معروفا كان يتعاطيانه * قال أبو محمد: قول عمر بن الخطاب هو الحق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) ولو كانت هدية الغريم والضيافة منه حراما أو مكروها لما أغفل الله تعالى بيانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم (وما كان ربك نسيا) فاذلم ينه تعالى عن


(1) هو في صحيح البخاري، والجائزة - وتسمى الجيزة - هي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، وقال الخطابى: معناه انه إذا نزل به الضيف أن يتحفه ويزيده في البر على ما بحضرته يوما وليلة، وفى اليومين الاخيرين يقدم له ما يحضره فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه فما زاد عليها مما يقدمه له يكون صدقه (2) الحديث في صحيح البخاري ج 7 ص 44 بأطول من هذا (3) في النسخة رقم 16 (ولا تجزيه ركوب دابة) (4) في نسخة (جملة من تين) *

[ 87 ]

ذلك فهو حلال محض الا ما كان عن شرط بينهما، وأما قولهم انه سلف جر منفعة فكان ماذا؟ أين وجدوا النهى عن سلف جر منفعة؟ فليعلموا الآن أنه ليس في العالم سلف الا وهو يجر منفعة وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله فيكون مضمونا تلف أو لم يتلف مع شكر المستقرض إياه وانتفاع المستقرض بمال غيره مدة ما فعلى قولهم كل سلف فهو حرام وفى هذا ما فيه، وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب القرض والحمد [ وصلى الله على محمد وآله ] (1) * كتاب الرهن 1208 - مسألة - لا يجوز اشتراط الرهن الا في البيع إلى أجل مسمى في السفر أو في السلم إلى أجل مسمى في السفر خاصة أو في القرض إلى أجل مسمى في السفر خاصة مع عدم الكاتب في كلا الوجهين * برهان ذلك ان اشتراط الرهن شرط وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له)، وقال عزوجل: (إذ تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) إلى قوله تعالى: (وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) فههنا يجوز اشتراط الرهن حيث أجازه الله تعالى، والدين إلى أجل مسمى لا يعدو ان يكون بيعا. أو سلما. أو قرضا فهذه الوجوه يجوز فيها اشتراط التأجيل لورود النصوص بوجوه في السلم وجوازه في القرض. والبيع ولا يجوز فيما عدا ذلك أصلا لانه لم يأت في شئ من المعاملات سوى ما ذكرنا نص بجواز اشتراط التأجيل فهو شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل، وصح عن مجاهد أنه لا يجوز الرهن إلا في السفر، وأما الحضر فلما رويناه من طريق البخاري نا مسدد نا عبد الواحد - هو ابن زياد - حدثه الاعمش نا ابراهيم نا الأسود عن عائشة أم المؤمنين [ رضى الله عنها ] (2) (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودى طعاما إلى أجل ورهنه درعه) * ومن طريق محمد بن المثنى حدثنى عثمان بن عمر نا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال: والله لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وان درعه لمرهونة عند رجل من اليهود بعشرين صاعا من شعير أخذها طعاما لاهله * فان قيل: قد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ شعيرا من يهودى بالمدينة ورهنه درعه وليس فيه ذكر


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 233، وفى بعض الفاظ الحديث تقديم وتأخير وفى جزء 3 ص 284 بلفظه

[ 88 ]

أجل قلنا: ولا فيه اشتراط الرهن ونحن لا نمنع من الرهن بغير أن يشترط في العقد لانه تطوع من الراهن حينئذ والتطوع بما لم ينهه عنه حسن، فان ذكر حديث أبى رافع في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم اياه إلى يهودى ليسلفه طعاما لضيف نزل به فأبى إلا برهن فرهنه درعه، فهذا خبر انفرد به موسى بن عبيد الربذى وهو ضعيف ضعفه القطان. وابن معين. والبخاري. وابن المدينى، وقال أحمد بن حنبل: لا تحل الرواية عنه * 1209 - مسألة - ولا يجوز الرهن إلا مقبوضا في نفس العقد لقول الله تعالى: (فرهان مقبوضة)، وقال قوم: ان شرطه أن يجعل الرهن عند ثقة فهو جائز وهو قول ابراهيم النخعي. والشعبى. وعطاء وبه يقول أبو حنيفة: ومالك. والشافعي، وقال آخرون: لا يجوز هذا وليس هو قبضا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر. وسفيان الثوري قال معمر: عن قتادة، وقال سفيان: عن أشعث عن الحكم ثم اتفق قتادة. والحكم على أن الرهن إذا كان على يدى عدل فليس مقبوضا قال سفيان: وهو قول ابن أبى ليلى وبه يقول أبو سليمان. وأصحابنا، وصح أيضا عن الحارث العكلى من طريق هشيم عن المغيرة عنه * قال أبو محمد: انما ذكر الله تعالى القبض في الرهن مع ذكره المتداينين في السفر إلى أجل عند عدم الكاتب وانما أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرع الذى له الدين فهو القبض الصحيح، وأما قبض غير صاحب الدين فلم يأت به نص ولا اجماع، واشتراط أن يقبضه فلان لا صاحب الدين شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1210 - مسألة - ورهن المرء حصته من شئ مشاع مما ينقسم أو لا ينقسم عند الشريك فهى وعند غيره جائز لان الله تعالى قال: (فرهن مقبوضة) ولم يخص تعالى مشاعا من مقسوم (وما كان ربك نسيا) وهو قول عثمان البتى. وابن أبى ليلى. ومالك. وعبيدالله بن الحسن. وسوار بن عبد الله. والشافعي. وأبى ثور. وأبى سليمان. وغيرهم، وقال أبو حنيفة. وأصحابه: لا يجوز رهن المشاع كان مما ينقسم أو مما لا ينقسم لا عند الشريك فيه ولا عند غيره، وأجازوا أن يرهن اثنان أرضا مشاعة بينهما عند انسان واحد، ومنعوا من أن يرهن المرء أرضه عند اثنين داينهما دينا واحدا في صفقة واحدة، وهذا تخليط ناهيك به، أول ذلك انه قول لا نعلم أحدا قاله قبلهم، والثانى أنه قول بلا دليل، والثالث أنهم تناقضوا فيه كما ذكرنا، وأيضا فانهم لا يختلون في أن بيع المشاع جائز فيما ينقسم ومالا ينقسم من الشريك وغيره. ومنع أبو حنيفة من اجازة المشاع فيما ينقسم وما لا ينقسم الا من الشريك فيه وحده فاجازه له، وهذه تخاليط ومناقضات لا خفاء بها وما نعلم لهم شيئا

[ 89 ]

موهوا به الا أنهم قالوا: لا يصح القبض في المشاع، ومن قولهم: ان البيع لا يتم الا بالقبض وقد أجازوا البيع في المشاع فالقبض عندهم ممكن في المشاع حيث اشتهوا وهو البيع، والقبض عندهم غير ممكن في المشاع حيث لم يشتهوا وهو الرهن، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ويقال لهم: كما يقبض في البيع كذلك يقبض في الرهن ولا فرق * 1211 - مسألة - وصفة القبض في الرهن وغيره هو أن يطلق يده عليه فما كان مما ينقل نقله إلى نفسه وما كان ممالا ينقل كالدور والارضين أطلقت يده على ضبطه كما يفعل في البيع وما كان مشاعا كان قبضه له كقبض صاحبه لحصته منه مع شريكه ولا فرق، ولو كان القبض لا يصح في المشاع لكان الشريكان فيه غير قابضين له ولو كانا غير قابضين له لكان مهملا لا يد لاحد عليه، وهذا أمر يكذبه الدين والعيان، أما الدين فتصرفهما فيه تصرف ذى الملك في ملكه، وأما العيان فكونه عند كل واحد مدة يتفقان فيها أو عند من يتفقان على كونه عنده، وبالله تعالى التوفيق * 1212 - مسألة - والرهن جائز في كل ما يجوز بيعه ولا يجوز فيما لا يجوز بيعه كالحر وأم الولد. والسنور. والكلب. والماء لانه وثيقة للمرتهن لينتصف ان مطل ولا يمكن الانتصاف للغريم الا مما يجوز بيعه وبالله تعالى نتأيد * 1213 - مسألة - ومنافع الرهن كلها لا تحاشى منها شيئا لصاحبه الراهن له كما كانت قبل الرهن ولا فرق حاشا ركوب الدابة المرهونة وحاشا لبن الحيوان المرهون فانه لصاحب الرهن كما ذكرنا إلا ان يضيعهما فلا ينفق عليهما وينفق على كل ذلك المرتهن فيكون له حينئذ ركوب الدابة ولبن الحيوان بما أنفق لا يحاسب به من دينه كثر ذلك أم قل * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه دماء كم وأموالكم عليكم حرام) وحكم عليه السلام بانه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه وملك الشئ المرتهن باق لراهنه بيقين وباجماع لا خلاف فيه، فإذ هو كذلك فحق الرهن الذى حدث فيه للمرتهن ولم ينقل ملك الراهن عن الشئ المرهون لا يوجب حدوث حكم في منعه ماللمرء ان ينتفع به من ماله بغير نص بذلك، فله الوطئ. والاستخدام. والمؤاجرة. والخياطة. وأكل الثمرة الحادثة. والولد الحادث. والزرع. والعمارة. والاصواف الحادثة. والسكنى. وسائر ماللمرء في ملكه الا كون الرهن في يد المرتهن فقط بحق القبض الذى جاء به القرآن ولا مزيد * وأما الركوب والاحتلاب خاصة لمن أنفق على المركوب والمحلوب فلما روينا من (م 12 ج 8 المحلى)

[ 90 ]

طريق البخاري نا محمد بن مقاتل أنا (1) عبد الله بن المبارك أنا زكريا بن أبى زائدة عن الشعبى عن أبى هريرة [ رضى الله عنه ] (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الظهر يركب (3) بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مر هونا وعلى الذى يركب ويشرب النفقة) والنص قد ورد بتحريم الاموال على غير من له فيها حق فالرهن بلا شك حرام على كل من عدا الراهن وللمرتهن فيه حق الارتهان، فدخل به في هذا العموم وخرج منه من عداه بالنص الآخر * قال أبو محمد: ومن خالفنا في هذا فانه يخالف القرآن. والسنن. والمعقول، أما القرآن. والسنن فمنعه صاحب الحق من منافع ماله والله تعالى يقول: (والذين هم لفروجهم حافظون الاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) فقد أطلقه الله تعالى على وطئ أمته ولم يخص غير مرهونة من مرهونة (وما كان ربك نسيا)، وقال تعالى: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يجب المعتدين) وأما خلاف المعقول فاننا نسأل من خالفنا ههنا عن الدار لمرهونة أتؤاجر ويصلح ما هي فيها أم تهمل وتضيع ويخرج المستأجر لها عنها؟ وعن الارض المرهونة أتحرث وتزرع أم تهمل وتضاع؟ وعن الحيوان المرهون أينفق عليه ويستغل أم يضيع حتى يهلك؟ وعن الاشجار المرهونة لمن تكون غلتها؟ فان قالوا: ان كل ذلك يضيع خالفوا الاجماع، وقيل لهم: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال، وان قالوا: لا يضيع قلنا: فالمنافع المذكورة من الاجارة. واللبن. والولد. والصوف. والثمرة لمن تكون؟ فان قالوا: تكون داخلا في الرهن قلنا لهم: ومن أين لكم ادخال مال من ماله في رهن لم يتعاقد اقط أن يكون داخلا فيه؟ ومن أمر بهذا؟ فلاسمع له ولا طاعة ولا نعمى عين لانه خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ان دماء كم وأموالكم عليكم حرام) وهذا تحريم ماله عليه واباحته لغيره وهذا باطل متيقن، وان قالوا (4): بل هو لصاحب الملك قلنا: نعم وهذا قولنا ولله الحمد، وصح عن أبى هريرة رضى الله عنه من قوله مثل قولنا وهو أنه قال: صاحب الرهن يركبه وصاحب الدر يحلبه وعليهما النفقة، وانه قال: الرهن مركوب ومحلوب بعلفه * ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي فيمن ارتهن شاة ذات لبن قال: يشرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن


(1) في صحيح البخاري ج 3 ص 285 (قال أخبرنا) الخ (2) الزيادة من صحيح البخاري (3) في صحيح البخاري ج 3 ص 285 (الرهن يركب) وما هنا أوضح (4) في النسخة رقم 16 (فان قالوا)

[ 91 ]

علفها فان استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا * قال أبو محمد: هذه الزيادة من ابراهيم لا نقول بها وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب الينا من تفسير أبى عمران رحمه الله برأيه، ولا مخالف لابي هريرة ههنا من الصحابة نعلمه، وقال الشافعي: جميع منافع الرهن للراهن كما كانت، وقال أبو ثور بذلك وبقولنا في الركوب والحلب الا أنه زاد الاستخدام ولا نقول بهذا لانه لم يأت به النص، والقياس لا يستحل به المحرم من أموال الناس: (وما كان ربك نسيا)، وقال اسحاق. وأحمد ابن حنبل: لا ينتفع الراهن من الرهن الا بالدر وهذا قول بلا برهان، وأما مالك فانه قال: لا بأس أن يشترط المرتهن منفعة الرهن إلى أجل في الدور والارضين وكره ذلك في الحيوان والثياب (1) والعروض، وهذا قول لا برهان على صحته، وتقسيم فاسد وشرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وقول لا نعلم أحدا قاله قبله. ومناقضة، وأتى بعضهم بغريبة وهو أنه قال: هو في العروض سلف جر منفعة فقيل له: وهو في العقار كذلك ولا فرق * وأما أبو حنيفة وأصحابه فانهم منعوا من موأجرة الرهن ومن أن ينتفع به الراهن والمرتهن ثم تناقضوا من قرب فاباحوا للراهن أن يستعيره من المرتهن وان يعيره إياه المرتهن ولم يروه بذلك خارجا من الرهن، وهذا قول في غاية الفساد لتعريه من البرهان ولا ننا لا نعلم أحدا قال به قبله واعترض بعضهم بان قال: فإذا كانت المنافع للراهن كما كانت فاى فائدة للرهن؟ قلنا: أعظم الفائدة أما في الآخرة فالعمل بما أمر الله تعالى به والاجر، وأما في الدنيا فلان الراهن إن مطل بالانصاف بيع الرهن وتعجل المرتهن الانتصاف من حقه، فاى فائدة تريدون أكثر من هذه الفائدة؟ ونقول لهم: أنتم توافقوننا على أنه لا يحل القمح بالقمح إلا مثلا بمثل فاى فائدة في هذا؟ وكذلك الذهب بالذهب والفضة بالفضة وهذه اعتراضات يسوء الظن بصاحبها وليس إلا الائتمار لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقال عزوجل: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) واعترض بعض من لا يتقى الله تعالى على حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذى أوردنا قبل من قوله عليه السلام: (الرهن محلوب ومركوب) فقال: هذا خبر رواه هشيم عن زكريا عن الشعبى عن أبى هريرة وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب بنفقتها وتركب) (2) قال هذا الجاهل المقدم * فإذا المراد بذلك المرتهن


(1) في النسخة رقم 16 (والنبات) وهو تصحيف (2) انظر صحيح البخاري جزء 3 ص 285

[ 92 ]

فهو منسوخ بتحريم الربا وبالنهى عن سلف جر منفعة * قال أبو محمد: وهذا كلام في غاية الفساد والجرأة، أول ذلك ان هذا خبر ليس مسندا لانه ليس فيه بيان بان هذا اللفظ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا فان فيه لفظا مختلفا لا يفهم أصلا وهو قوله ولبن الدر يشرب وعلى الذى يشرب نفقتها وتركب، وحاش لله أن يكون هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان لنا، وهذه الرواية انما هي من طريق اسماعيل بن سالم الصايغ مولى بنى هاشم عن هشيم فالتخليط من قبله لا من قبل هشيم فمن فوقه لان حديث هشيم هذا رويناه من طريق سعيد بن منصور الذى هو أحفظ الناس لحديث هشيم وأضبطهم له فقال: نا هشيم عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة يرفع الحديث فيما زعم (قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرهن يركب ويعلف ولبن الدر إذا كان مرهونا يشرب وعلى الذى يشر به النفقة والعلف) وأما قول هذا الجاهل فإذ ذلك على المرتهن فهو منسوخ بالنهي عن الربا وبالنهى عن سلف جر منفعة فقد كذب وأفك وما للربا ههنا مدخل أصلا، ولو انهم اتقوا الربا لما أقدموا عليه جهارا إذ أباحوا التمرتين بالاربع تمرات وان كانت الاربع أكبر جسما وأثقل وزنا، واذ أباح بعضه درهما فيه درهم ونصف بدرهم فيه درهم غير ثمن، واذأ باحوا كلهم ألف درهم حاضرة بمائة دينار غائبة في الذمة فهذا هو الربا حقا لا انتفاع الراهن بماله ولا انتفاع المرتهن بالدر. والركوب المباحين له بانص من أجل نفقته على المركوب والمحلوب، وقالوا أيضا: قد صح عن الشعبى أنه كره أن ينتفح الراهن من رهنه بشئ قالوا: وهو راوي الحديث فلم يتركه الالفضل علم عنه * قال أبو محمد: وهذا من أسخف ما يأتون به، ولقد كنا نظن أن في بلادهم بعض العذر لهم إذ يحتجون بترك الصحاب لما روى حتى أتونا بترك السنة من أجل ترك الشعبى لها، وقد أوردنا أخذ أبى هريرة بما روى من ذلك فلئن مشوا هكذا ليكونن ترك مالك للاخذ بما روى حجة على الحنيفيين في أخذهم به وليكونن ترك أبى حنيفة لما بلغه من الحديث حجة على المالكيين في أخذهم به وهكذا سفلا (1) حتى يكون ترك كل أحد للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه حجة قاطعة في رده، وهذا مذهب ابليس ومن اتبعه، ولا كرامة لاحد أن يكون حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو عليه السلام الحجة على الجن والانس، وأسلم الوجوه لمن خالف ما روى عن صاحب فمن دونه من الائمة


(1) هو بضم السين المهملة وسكون الفاء ضد العلو، أي وهكذا نتدرج معهم من علو إلى سفل أي ممن هو في درجة العلو إلى من هو دونه في المرتبة

[ 93 ]

خاصة أن يظن بهم النسيان أو التأويل الذى اخطأوا فيه قاصدين للخير فيؤجرون مرة واحدة وأما من أقدم على ما صح عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فان اعتقد جواز مخالفته عليه السلام فهو كافر حلال الدم والمال وان لم يعتقد ذلك فهو فاسق قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * قال أبو محمد: وقد روى عن ابن مسعود. وابن عمر. وشريح أن لا ينتفع المرتهن بشئ من الرهن ولا يصح عن أحد منهم لانه عن ابن مسعود منقطع، وعن ابن عمر من طريق ابن لهيعة، وعن شريح من طريق جابر الجعفي بل قد صح عن ابن سيرين. والشعبى. لا ينتفع من الرهن بشئ وهذا صحيح ان كانوا عنوا المرتهن (1) وبه نقول الا الحلب. والركوب ان انفق (2) فقط والا فلا وبالله تعالى التوفيق، وقال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي. وأحمد. وأبو سليمان: نفقة الرهن على راهنه وهذا صحيح لانه ماله الا أن الحنيفيين قالوا: ان مرض الرقيق المرهون. أو أصابت العبد جراحة. أو دبرت الدواب المرهونة فان كان الدين. وقيمة الرهن سواء فالعلاج كله على المرتهن وان كان الدين أقل من قيمة الرهن فالعلاج على الراهن والمرتهن بحساب ذلك، وهذا كلام يشبه الهذيان الا أنه أسوأ حالا من الهذيان لانه على حكم في الدين بالآراء الفاسدة التى لا نعلم أحدا قالها قبله ولا متعلق لهم فيها لا بقرآن. ولا سنة. ولا برواية ضعيفة. ولا بقياس. ولا برأى سديد. ولا بقول متقدم * 1214 - مسألة - فان مات الرهن. أو تلف. أو أبق. أو فسد. أو كانت أمة فحملت من سيدها. أو أعتقها. أو باع الرهن. أو وهبه. أو تصدق به. أو أصدقه فكل ذلك نافذو قد بطل الرهن وبقى الدين كله بحسبه ولا يكلف الراهن عوضا مكان شئ من ذلك ولا يكلف المعتق ولا الحامل استسعاء الا أن يكون الراهن لا شئ له من أين ينصف غريمه غيره فيبطل عتقه. وصدقته. وهبته: لو لا يبطل بيعه ولا اصداقه * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن آدم نا اسرائيل عن المغيرة بن مقسم الضبى عن ابراهيم النخعي فيمن رهن عبده ثم أعتقه قال: العتق جائز ويتبع المرتهن الراهن، قال يحيى: وسمعت الحسن ابن حى يقول فيمن رهن عبدا ثم أعتقه: العتق جائز وليس عليه سعاية * برهان ذلك أن الدين قد ثبت فلا يبطله شئ إلا نص قرآن أو سنة فلا سبيل إلى وجود


(1) في النسخة اليمنية (عند المرتهن) وهو غلط، والمرتهن هو الذى يأخذ الرهن (2) أن لا ينتفع المرتهن من الرهن حلبا وركوبا إلا إذا أنفق هو فقط فحينئذ للمرتهن أن يركب ويحلب بقدر النفقة وفى بعض النسخ (ان اتفق) وهو تصحيف

[ 94 ]

ابطاله فيهما ولا يجوز تكليف عوض ولا استسعاء لانه لم يأمر الله تعالى بذلك ولارسوله صلى الله عليه وسلم، والذمم بريئة إلا بنص قرآن أو سنة، فأما العتق. والبيع. والهبة. والاصداق. والصدقة فان الرهن مال الراهن بلا خلاف وكل هذه الوجوه مباحة للمرء في ماله بنص القرآن. والسنة. والاجماع المتيقن الا من لا شئ له غير ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة) وقوله: (الصدقة عن ظهر غنى) فمن ادعى أن الارتهان يمنع شيئا من ذلك فقوله باطل ودعواه فاسدة إذا لا سبيل له إلى قرآن ولا سنة. بتصحيح دعواه، قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) وقد اختلفوا في ذلك فقال عثمان البتى. وأبو ثور. وأبو سليمان: العتق باطل بكل حال وهو قول عطاء، وقال مالك. والشافعي: ان كان موسرا نفذ عتقه وكلف قيمة يجعلها رهنا مكانه وان كان معسرا فالعتق باطل، وقال أحمد بن حنبل: العتق نافذ على كل حال فان كان موسرا كلف قيمته تكون رهنا وان كان معسرا لم يكلف قيمته ولا كلف العبد استسعاء ونفذ العتق، وقال أبو حنيفة: العتق نافذ بكل حال ثم قسم كما نذكر بعد هذا. وقال الشافعي: ان رهن أمة له فوطئها فحملت فان كان موسرا خرجت من الرهن وكلف رهنا آخر مكانها وان كان معسرا فمرة قال: تخرج من الرهن ولا يكلف رهنا مكانها ولا تكلف هي شيئا، ومرة قال: تباع إذا وضعت ولا يباع الولد، وتكليف رهن آخر، والتفريق ههنا بين الموسر والمعسر وبيعها بعد وضعها دون ولدها أقوال فاسدة بلا برهان، وقال أبو ثور: هي خارجة من الرهن ولا يكلف لا هو ولا هي شيئا سواء معسرا كان أو موسرا، وروينا عن قتادة انها تباع هي ويكلف سيدها أن يفتك ولده منها * قال أبو محمد: افتكاك الولد لا ندرى وجهه ولئن كان مملوكا فلاى معنى يكلف والده افتكاكه؟ وان كان حرا فلم يباع حتى يحتاج إلى افتكاكه، وروينا عن ابن شبرمة أنها تستسعى وكذلك العبد المرهون إذا أعتق * قال أبو محمد: وهذا عجب: وما ندرى من أين حل أخذ مالها وتكليفهما غرامة لم يكلفهما الله تعالى قط اياها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وما جعل الله تعالى فيهما شركا للمرتهن فيستسعى له؟، وأما مالك فقال. ان كان موسرا كلف أن يأتي بقيمتها فتكون القيمة رهنا وتخرج هي من الرهن وان كان معسرا فان كانت تخرج إليه وتأتيه فهى خارجة من الرهن ولا تتبع بغرامة ولا يكلف هو رهنا مكانها ولكن يتبع بالدين الذى عليه فقط وان كان تسور عليها بيعت هي وأعطى هو ولده منها * قال أبو محمد: في هذا القول خمسة أوجه من الخطأ، وهى تفريقه بين المعسر والموسر

[ 95 ]

في ذلك والحق عل ما؟ واحد، وتكليفه احضار قطعة من ماله لترهن لم يعقد قط فيها رهنا، وتفريقه بين خروجها إلى سيدها وبين تسوره عليها، وهى آمنة في كلا الوجهين. وهى مرهونة في كلا الوجهين، وهذا عجب جدا. وبيعه اياها وهى أم ولد واخراجه ولدها من حكم الرهن بلا تكليف عوض بخلاف الام وكلاهما عنده لا يجوز رهنهما، وكل هذه أوجه فاحشة الخطأ لا متعلق له فيها بقرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. لا اجماع. ولا دليل. ولا قياس. ولا رأى له وجه. ولا قول صاحب نعم. ولا قول أحد نعلمه قبله، وقال أبو حنيفة. وأصحابه (1) ان حملت فاقر بحملها فان كان موسرا خرجت من الرهن وكلف قضاء الدين ان كان حالا أو كلف رهنا بقيمتها ان كان إلى أجل، فان كان معسرا كلفت أن تستسعى في الدين الحال بالغا ما بلغ ولا ترجع به على سيدها، ولا يكلف ولدها سعاية فان كان الدين إلى أجل كلفت أن تستسعى في قيمتها فقط فجعلت رهنا مكانها فإذا حل أجل الدين كلفت من ذى قبل أن تستسعى في باقى الدين ان كان أكثر من قيمتها قالوا: فان كان السيد استلحق ولدها بعد وضعها له وهو معسر قسم الدين على قيمتها يوم ارتهنها وعلى قيمة ولدها يوم استلحق فما أصاب الام سعت فيه بالغا ما بلغ للمرتهن ولم ترجع به على سيدها وما أصاب الولد سعى في الاقل من الدين أو قيمته (2) ورجع به على أبيه ويأخذ المرتهن كان ذلك، قالوا: فلو كان الرهن عبدا فأعتقة نفذ فيه العتق وخرج من الرهن، فان كان الراهن موسرا والدين حالا كلف غرم الدين فان كان الدين إلى أجل كلف السيد قيمة العبد تكون رهنا مكانه، فان كان معسرا استسعى العبد في الاقل من قيمته أو الدين ورجع به على سيده ورجع المرتهن على الراهن بباقى دينه * قال أبو محمد: ان في هذه الاقوال لعبرة لمن اعتبر ونعوذ بالله من الخذلان، وان من العجب تفريقه بين ما تستسعى فيه الام وبين ما يستسعى فيه العبد المعتق، وبين ما يستسعى فيه الولد وهو عنده حر لا حق النسب فيما بال أمة خرجت أم ولد من سيدها بوطئ مباح، وما بال انسان حر ابن حرولد على فراش أبيه، وما بال عبد عتق يكلفون الغرامات دون جناية جنوها ولا ذنب اقترفوه فتستباح أموالهم بالباطل ويكلفون ما لم يكلفهم الله تعالى به قط ولا رسوله عليه السلام. ولا أحد من المسلمين قبل أبى حنيفة ثم يكلفونهم ما ذكرنا ويسلمون صاحب الجناية عندهم من الغرامة ما شاء الله كان وكل ما يدخل على مالك مما ذكرنا قبل فانه يدخل على أبى حنيفة الا فرق مالك بين خروجها إليه وبين تسوره عليها


(1) سقط لفظ (وأصحابه) من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (في الاقل من قيمته أو من الدين)

[ 96 ]

ويزيد من التناقض والفساد في قول أبى حنيفة تفريقه بين الدين الحال والمؤجل في ذلك وتفريقه بين ما تكلفه الام وبين ما يكلفه الولد، وتفريقه بين اقراره بالحمل وبين اقراره بالولد بعد الوضع فيما يكلفه من الاستسعاء في الحالين، وتفريقه بين ما تكلفه أم الولد وبين ما يكلفه العبد بعتق، وتفريقه بين الرجوع مرة على السيد بما غرم الغارم منهم وبين منعهم من الرجوع عليه مرة بذلك وأغرب من ذلك كله قوله: إن الولد يستسعى فليت شعرى إلى متى بقى هذا الدين المسخوط حتى ولد المحمول به وحتى فطم وكبر وبلغ وتصرف؟ أفان مات قبل ذلك ما ذا يكون؟ كل هذا بلا دليل أصلا لا من قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا فوق أحد من ولد آدم قبلهم. ولا قياس أصلا. ولا رأى له وجه ما مثل عقول أنتجت هذه الاقوال بمأمونة على تدبير نواة محرقة فكيف على التحكم في الدين؟ وإن نعم (1) الله تعالى علينا لعظيمة في توفيقه لنا إلى اتباع كتابه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يموهون بان يقولوا: قسنا ذلك على الاستسعاء الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العبد المشترك يعتقه سيده وهو معسر فان ذلك الحكم في عبد يملكه اثنان فصاعدا وليس ههنا مالك غير المعتق عبده والمولد أمته، ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه قياس حكم على ما لا يشبهه وعلى ما ليس منه في ورد ولا في صدر * قال أبو محمد: ثم نسألهم؟ ما الفرق بين عتقه وهبته وبيعه واصداقه إذ أجزتم البيع بغير اجماع ومنعتم من سائر ذلك؟ * وأما هلاك الرهن بغير فعل الراهن ولا المرتهن فللناس فيه خمسة أقوال، قالت طائفة: يترادان الفضل، تفسير ذلك ان الرهن ان كانت قيمته وقيمة الدين سواء فقد سقط الدين عن الذى كان عليه ولا ضمان عليه في الرهن فان كانت قيمة الرهن أكثر سقط الدين بمقداره من الرهن وكلف المرتهن أن يودى (2) إلى الراهن مقدار ما كان تزيده (3) قيمة الرهن على قيمة الدين، وان كانت قيمة الرهن أقل سقط من الدين بمقداره وأدى الراهن إلى المرتهن فضل ما زاد الدين على قيمة الرهن * روينا من طريق الحكم. وقتادة أن على بن أبى طالب قال: يتراجعان الفضل يعنى في الرهن يهلك، وروى أيضا عن ابن عمر وهو قول عبيدالله بن الحسين. وأبى عبيد. واسحق بن راهويه * وقالت طائفة: إن كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين أو مثلها فقد بطل الدين كله ولا غرامة على المرتهن في زيادة قيمة الرهن على قيمة الدين


(1) في بعض النسخ (وان نعمة) (2) في النسخة رقم 16 (أن يدفع) (3) في النسخة رقم 14 (يزيده)

[ 97 ]

فان كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين سقط من الدين بمقدار قيمة الرهن وأدى الرهن إلى المرتهن ما بقى دينه، وروينا هذا من طريق مطر الوراق عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر بن الخطاب * ومن طريق وكيع عن على بن صالح بن حى عن عبد الاعلى بن عامر عن محمد ابن الحنيفة عن على بن أبى طالب * ومن طريق قتادة عن عبدربه عن أبى عياض عن على * ومن طريق وكيع عن ادريس الاودى عن ابراهيم بن عمير قال: سمعت ابن عمر يقول: مثل ذلك، وهو قول ابراهيم النخعي. وقتادة، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه * وقالت طائفة: ذهب الرهن بما فيه سواء كان كقيمة الدين أو أقل أو أكثر إذا تلف سقط الدين ولا يغرم أحدهما للآخر شيئا، صح هذا عن الحسن البصري. وابراهيم النخعي. وشريح. والشعبى. والزهرى. وقتادة، وصح عن طاوس في الحيوان يرتهن، وروينا عن النخعي. والشعبى فيمن ارتهن عبدا فاعور عنده قالا: ذهب بنصف دينه * وقالت طائفة: ان كان الرهن مما يخفى كالثياب. ونحوها فضمان ما تلفت منها على المرتهن بالغة ما بلغت ويبقى دينه بحسبه حتى يؤدى إليه بكماله. وان كان الرهن مما يظهر كالعقار. والحيوان فلا ضمان فيه على المرتهن ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه وهو قول مالك * وقالت طائفة: سواء كان مما يخفى أو مما لا يخفى لا ضمان فيه عليه المرتهن أصلا ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه وهو قول الشافعي. وأبى ثور. وأحمد بن حنبل. وأبى سليمان. وأصحابهم * وروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا همام ابن يحيى أنا قتادة عن خلاس ان على بن أبى طالب قال في الرهن: يترادان الفضل فان أصابته جائحة برى، فصح أن على بن أبى طالب لم يرتردا الفضل الا فيما تلف بجناية المرتهن لا فيما أصابته جائحة بل رأى البراءة له مما أصابته جائحة، وصح عن عطاء انه قال: الرهن وثيقة ان هلك فليس عليه غرم يأخذ الدين الذى له كله * وعن الزهري انه قال في الرهن يهلك [ انه ] (1) لم يذهب حق هذا انما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه * قال أبو محمد: أما تفريق مالك بين ما يخفى وبيم ما لا يخفى فقول لا برهان على صحته لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا قياس. ولا قول أحد نعلمه قبله فسقط وانما بنوه على التهمة والتهمة ظن كاذب يأثم صاحبه ولا يحل القول به، والتهمة متوجهة إلى كل أحد وفى كل شئ، وأما قول أبى حنيفة فانهم احتجوا بخبر مرسل رويناه من طريق سعيد بن المسيب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه لا يغلق الرهن


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (م 13 - ج 8 المحلى)

[ 98 ]

ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه (1) وقالوا: قد أجمع الصحابة على تضمين الرهن والمرتهن أمين فيما زاد من قيمة الرهن على قيمة دينه * قال أبو محمد: أما قولهم: ان المرتهن أمين فيما فضل من قيمة الرهن على قيمة دينه فدعوى فاسدة وتفريق بلا دليل وما هو الا أمين في الكل أو غير أمين في الكل، وأما قولهم: أجمع الصحابة على تضمين الرهن فقول جروا فيه على عادتهم الخفيفة على ألسنتهم من الكذب على الصحابة بلا مؤنة، ويا للمسلمين هل جاء في هذا كلمة عن أحد من الصحابة الاعن عمر. وعلى. وابن عمر فقط، فأما عمر فلم يصح عنه ذلك لانه من رواية عبيد بن عمير وعبيد لم يولد الا بعد موت عمر أو أدركه صغيرا لم يسمع منه شيئا: وأما ابن عمر فلا يصح عنه لا نه من رواية ابراهيم بن عمير عنه وهو مجهول، وقد روى عنه يترادان الفضل، وأما على فمختلف عنه في ذلك وأصح الروايات عنه اسقاط التضمين فيما أصابته جائحة كما أوردنا آنفا ثم أعجب شئ دعواهم ان الصحابة أجمعوا على تضمين الرهن فان صح ذلك فهم قد خالفوا الاجماع لانهم لا يضمنون بعض الرهن وهو ما زاد من قيمته على قيمة الدين فهذا حكمهم على أنفسهم، وأما الحديث الذى ذكروا فمرسل ولا حجة في مرسل، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة أصلا لانه لا يدل على شئ من قولهم، ولا تقسيمهم وانما مقتضاه لو صح هو ان قوله: لا يغلق الرهن ممن رهنه، بضم الرامو كسر الهاء له غنمه وعليه غرمه فوجب ضمان الرهن على المرتهن ولابد بخلاف قولهم، وقوله: (لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه) ان كان أراد بصاحبه مالكه وهو الاظهر فهو يوجب أن خسارته منه ولا يضمنه له المرتهن، وان كان أراد بصاحبه المرتهن فهو يوجب ضمانه له بكل حال فصار حجة عليهم بكل وجه وبطل قولهم، ونقول لهم في أي الاصول وجدتم شيئا واحدا رهنا كله عن دين واحد بعضه مضمون وبعضه أمانة وأنتم تردون السنن بخلافها بالاصول بزعمكم ثم تخالفونها جهارا بلا نص، وأما من قال: يترادان الفضل فما نعلم لهم حجة أصلا الا أنه استحسان وكأنه لما كان الرهن مكان الدين تقاضا فيه وهذا رأى، والدين لا يؤخذ بالآراء، وأما من قال، ذهبت الرهون بما فيها فانهم احتجوا بخبر رويناه من طريق مصعب بن ثابت عن عطاء أن رجلا


(1) الحديث رواه ابن ماجة في سننه مختصرا، قال العلامة ابن الاثير في النهاية: يقال غلق الرهن يغلق غلوقا إذا بقى في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية ان الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الاسلام *

[ 99 ]

رهن فرسا فهلك عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذهب حقك) * قال أبو محمد: هذا مرسل، ومصعب بن ثابت ليس بالقوى * قال أبو محمد: فإذ قد بطل كل ما هو هوا به فالواجب الرجوع إلى القرآن. والسنة فوجدنا ما حدثناه أحمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ حدثنى محمد بن ابراهيم حدثنى يحيى بن أبى طالب الانطاكي (1) وجماعة من أهل الثقة (2) نا نضربن عاصم الانطاكي نا شبابة عن ورقاء نا ابن أبى ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب. وأبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغلق الرهن الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه) فهذا مسند من أحسن ما روى في هذا الباب، وادعوا أن أبا عمر المطرز غلام ثعلب قال: اخطأ من قال: أن الغرم الهلاك * قال أبو محمد: وقد صح في ذم قوم في القرآن قوله تعالى: (ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما) أي يراه هالكا بلا منفعة فالقرآن أولى من رأى المطرز * قال أبو محمد: ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (ان دماء كم وأموالكم عليكم حرام) فلم يحل لغريم المرتهن شيئا ولا ان يضمن الرهن بغير نص في تضمينه الا أن يتعدى فيه أو بان يضيعه فيضمنه حينئذ باعتدائه في كلا الوجهين، وكذلك الدين قد وجب فلا يسقطه ذهاب الرهن فصح يقينا من هذين الاصلين الصحيحين بالقرآن. والاجماع. والسنة ان هلاك الرهن من الراهن ولا ضمان على المرتهن وان دين المرتهن باق بحسبه لازم للراهن وبالله تعالى التوفيق، وأما ما تولد من الرهن فاننا روينا من طريق عمر وبن دينار ان معاذ بن جبل قضى فيمن ارتهن أرضا فأثمرت فان الثمرة من الرهن * ومن طريق طاوس ان في كتاب معاذ من ارتهن أرضا فهو يحتسب ثمرها لصاحب الرهن * قال أبو محمد: الحكمان متضادان وهما قولان، أحدهما ان الثمرة لصاحب الرهن، والآخر أنها من الرهن، وقال أبو حنيفة: الولد. والغلة. والثمرة رهن من الاصول ثم تناقضوا فقالوا: ان هلك الولد. والغلة. والثمرة لم يسقط من أجل ذلك من الدين شئ وان هلك الاصل. والام. والشجر قسم الدين على ذلك وعلى النماء فما وقع للاصل سقط وما وقع للنماء بقى * قال أبو محمد: وهذا تناقض فاحش لان كل ذلك رهن عندهم ثم خالفوا بين


(1) في النسخة اليمنية والنسخة رقم 14 (يحيى بن طالب الانطاكي) وما هنا موافق لما في كتاب ميزان الاعتدال ولسان الميزان الا أنهما لم يذكرا نسبته، ولم يذكره السمعاني في كتابه الانساب (2) في النسخة رقم 16 (من أهل الصدق)

[ 100 ]

أحكامها بلا برهان، وقال مالك: أما الولد فداخل في الرهن وأما الغلة والثمرة فخارجان من الرهن، وهذا تقسيم فاسد جدا بلا برهان، فان قالوا: ان الولد بعض الام قلنا: كذب من قال: هكذا؟ وكيف يكون بعضها وقد يكون ذكرا وهى انثى ويكون مسلما وهى كافرة؟ ثم يقال لهم: والثمرة أيضا بعض الشجر دعوى كدعوى، وقال الشافعي: كل ذلك لصاحب الاصل ولا يدخل شئ منه في الرهن وهو الحق لان الرهن هو ما تعاقدا عليه الصفقة لا ما لم يتعاقداها عليه وكل ما ذكرنا شئ لم يتعاقدا الصفقة عليه فكله غير الاصل وكله حادث في ملك صاحب الاصل فكله له وبالله تعالى التوفيق * 1215 - مسألة - فان مات الراهن أو المرتهن بطل الرهن ووجب رد الرهن إلى الراهن أو إلى ورثته وحل الدين المؤجل ولا يكون المرتهن أولى بثمن الرهن من سائر الغرماء حينئذ وذلك لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فإذا مات المرتهن فانما كان حق الرهن له لا لورثته ولا لغرمائه ولا لاهل وصيته وانما تورث الاموال لا الحقوق التى ليست أموالا كالامانات. والوكالات. والوصايا وغير ذلك، فإذا سقط حق المرتهن بموته وجب رد الرهن إلى صاحبه، وإذا مات الراهن فانما كان عقد المرتهن معه لامع ورثته وقد سقط ملك الراهن عن الرهن بموته وانتقل ملكه إلى ورثته أو إلى غرمائه وهو أحد غرمائه أو إلى أهل وصيته ولا عقد للمرتهن معهم ولا يجوز عقد الميت على غيره فيكون كاسبا عليهم، فالواجب رد متاعهم إليهم ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وما نعلم لمن خالف هذا حجة أصلا * وروينا عن الشعبى فيمن رهن على يدى عدل فمات أن الرهن له أي لورثته قال الحكم: هو للغرماء * 1216 - مسألة - ومن ارتهن شيئا فخاف فساده كعصير خيف أن يصير خمرا ففرض عليه أن يأتي الحاكم فيبيعه ويوقف الثمن لصاحبه ان كان غائبا أو ينصف منه الغريم المرتهن ان كان الدين حالا أو يصرف الثمن إلى صاحبه إن كان الدين مؤجلا فان لم يمكنه السلطان فليفعل هو ما ذكرنا لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ولنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال ولان ثمن الرهن هو غير الرهن وانما عقده في الرهن لا في ثمنه وانما ثمنه مال من مال مالكه كسائر ماله ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق * 1217 - مسألة - ولا يجوز بيع سلعة على أن تكون رهنا عن ثمنها فان وقع فالبيع مفسوخ ولكن يجوز للبائع امساك سلعته حتى ينتصف من ثمنها ان كان حالا والا فليس له ذلك * برهان ذلك انه اشترط منع المشترى من قبض ما اشترى مدة مسماة وهذا شرط ليس

[ 101 ]

في كتاب الله عزوجل فهو باطل، وأيضا فان المشترى لا يملك ما اشترى الا بتمام عقد البيع بينهما والبيع لا يتم الا بما نذكره في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى من التفرق أو التخيير فهو ما لم يتم البيع فانما الشئ المبيع ملك للبائع فانما اشترطا في المسألة المذكورة كون شئ من مال البائع المرتهن رهنا عنده نفسه وهذا في غاية الفساد، وهو قول الشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهما، وأما امساك البائع سلعته حتى ينتصف فان حقه واجب في مال المشترى فان مطله بحق قد وجب له عنده فهو ظالم معتد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الغنى ظلم)، واذ هو ظالم فكل ظالم معتد، وقال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فالسلعة التى ابتاع مال من مال المشترى فللممطول بحقه المعتدى عليه أن يعتدى على المعتدى عليه بمثل ما اعتدى عليه به بنص القرآن فله امساك السلعة حتى ينتصف * روينا من طريق محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن ابن مهدى نا هشيم. وسفيان الثوري قال سفيان الثوري: عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أن عمرو بن حريث قال فيمن باع سلعة فنقده المشترى بعض الثمن فقال البائع: لا أعطيك السلعة حتى تجئ بالبقية، فجعل عمرو بن حريث السلعة رهنا بما بقى، وقال هشيم عن داود بن أبى هند عن الشعبى: أن عروة بن المغيرة بن شعبة جعل في ذلك أيضا السلعة رهنا بما بقى. فهذا اعمرو صاحب لا يعرف له في هذا مخالف من الصحابة * 1218 - مسألة - ولا يكون حكم الرهن الا لما ارتهن في نفس عقد التداين وأما ما ارتهن بعد تمام العقد فليس له حكم الرهن ولراهنه أخذه متى شاء لان الله تعالى لم يجعل الرهن الا في العقد كما تلونا وكل ما كان بعد ذلك فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1219 - مسألة - ومن تداين فرهن في العقد رهنا صحيحا ثم بعد ذلك تداينا أيضا وجعلا ذلك الرهن رهنا عن هذا الدين الثاني فالعقد الثاني باطل مردود لان ذلك الرهن قد صح في العقد الاول فلا يجوز نقله إلى عقد آخر إذا لم يوجب ذلك قرآن. ولا سنة فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وكل عقد انعقد على باطل فهو باطل لانه لم تعقد له صحة الا بصحة ما لا صحة له فلا صحة له وبالله تعالى التوفيق * 1220 - مسألة - ومن رهن رهنا صحيحا ثم أنصف من بعض دينه أقله أو أكثره فأراد أن يخرج عن الرهن بقدر ما أدى لم يكن له ذلك لان الرهن وقع في جميعه بجميع الدين فلا يسقط عن بعض الرهن حكم الرهن من أجل سقوط بعض الدين إذ لم يوجب ذلك قرآن. ولا سنة، وهو قول الشافعي. وأصحابنا، فان قيل: كيف تمنعون من اخراج الرهن الا برضا المرتهن وتجيزون بيعه وعتقه والصدقة به وهو اخراج له عن

[ 102 ]

الرهن بغير اذن المرتهن؟ قلنا: لان النص جاء بايجاب الرهن فليس له ابطال ما صححه الله تعالى فإذا أخرجه عن ملكه جملة فلم يمنعه الله تعالى من ذلك قط لا في قرآن. ولا سنة فإذا صار في ملك غيره فقد قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وعقد المرتهن لم يكن قط مع الذى انتقل إليه الملك فلا يجوز له ارتهان ماله عن غيره، ونقول لهم: إن جميعكم - يعنى المالكيين. والحنيفيين. والشافعيين - مجمعون على أن من قال لعبده: أنت حراذا قدم أبى انه قد عقد فيه عقدا لا يحل له الرجوع فيه أبدا وانه حرمتي قدم أبوه هم لا خلاف بينكم في جواز بيعه قبل أن يأتي أبوه إصداقه. وهبته فأى فرق بين الامرين أن أنصفتم أنفسكم؟ * 1221 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يرهن مال غيره عن نفسه. ولامال ولده الصغير أو الكبير الا باذن صاحب السلعة التى يريد رهنها. ولا بغير اذنه ولا مال يتيمه الصغير أو الكبير (1) ولا مال زوجته، وقال الحنيفيون. والمالكيون: له أن يرهن عن نفسه مال ابنه الصغير، قال المالكيون: وللوصي أن يرهن مال يتيمه عن نفسه وقالوا: إذا أذن الأجنبي لغيره أن يرهن ماله عن نفسه جاز، واحتجوا في ذلك ان للاب والوصى أن يودع مال الابن واليتيم فادخاله في الذمة أحق بالجواز * قال أبو محمد: وهذا باطل لانه لا يجوز لهما ايداعه ولا قرضه الا حيث يكون ذلك نظرا وحياطة للصغير ولا نظر له أصلا في أن يرهنه الاب والوصى عن أنفسهما فهو ضرر فهو (2) مردود، وأيضا فان للانسان أن يودع الوديعة التى أو دعت عنده إذا خشى هلا كها عنده ورأى السلامة في ايداعها فيلزمهم بهذا الاستدلال البديع أن يكون له أن يرهنها عن نفسه * واحتجوا في ذلك بما صح من طريق سويد بن غفلة عن عاشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (ان اطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم (3)) * ومن طريق الاسود بن يزيد عن أم المؤمنين عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (ان أطيب ما أكل الرجل منكسب يده وولده من كسبه (4)) روينا هما من طريق قاسم بن أصبغ قال: نا بكر بن حماد. وأحمد بن زهير قال بكر: نا مسدد نا يحيى ابن سعيد القطان عن سفيان الثوري نا ابراهيم بن عبد الاعلى عن سويد بن غفلة، وقال أحمد: نا أبى نا أبو معاوية الضرير عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن الاسود * قال أبو محمد: وهذا الخبران انما هما في الاكل وهكذا نقول: يأكل منه ما شاء


(1) في بعض النسخ (والكبير) (2) سقط لفظ (فهو) من النسخة رقم 16 (3) رواه الترمذي وغيره (4) هو في سنن النسائي

[ 103 ]

من بيته وغيربيته وليسا في البيع. ولا في الارتهان. ولا في الهبة. ولا في الاخذ والتملك فان قالوا: قسنا ذلك على الاكل قلنا: القياس كله باطل، ثم لو صح لكنتم قد تناقضتم أفحش تناقض من وجهين، أحدهما ان الله تعالى يقول: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم) إلى قوله تعالى: (أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) فأباح الله تعالى الاكل من بيوت الاصدقا. والتى مفاتحها بأيدينا وبيوت الاخوة والاخوات وسائر من ذكر في الآية فأبيحوا الارتهان منها قياسا على الاكل بغير اذن أهلها وأنتم لا تفعلون ذلك فقد نقضتم قياسكم وتركتموه وقضيتم بفساده وهو أهل للفساد جملة، والثانى انكم لا تجيزون أن يبيع من مال ابنه الصغير الاعلى وجه النظر له ولا ان يتملك منه شيئا أصلا لغير الحاجة الماسة الا الارتهان خاصة، وعند المالكيين أن يصدقه عن نفسه خاصة فكم هذا التناقض والتحكم في الدين بالآراء الفاسدة المضطربة، واحتجوا أيضا بما رويناه من طريق البزار نا محمد بن يحيى بن عبد الكريم نا عبد الله بن داود هو الخريبى عن هشام ابن عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (أنت ومالك لابيك (1)) * قال أبو محمد: فاباحوا به أن يرهن الرجل مال ابنه الصغير وأسقطوا عنه الحدفى وطئ أمة ابنه الصغير والكبير وأسقطوا عنه الحد فيما سرق من مال ابنه الكبير. والصغير، وقضوا على الاب بضمانه ورده. وأباح المالكيون به أن يصدق مال ابنه الصغير عن نفسه وان يعتق رقبة ابنه الصغير خاصة ويضمن القيمة في ذلك كله * قال أبو محمد: ولا حجة لهم في هذا الخبر بل هو حجة عليهم لانهم أول من خالفوه فلم يبيحوا للاب من ماله ابنه غير ما ذكرنا والحديث عام لم يخص هذه الوجوه من غيرها فلا يجوز لهم تخصيصها بدعوى كاذبة (2)، ووجه آخر وهو أنهم لم يبيحوا الارتهان والاصداق الا من مال الابن الصغير لا من مال الابن الكبير فخالفوا الخبر وتحكموا في الدين بالتحريم. والتحليل بالدعوى المبطلة بلا برهان * فان ادعوا اجماعا كذبوا لانه روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا هشام بن عروة عن أبيه (أن رجلا صنع شيئا في ماله ولم يستأذن أباه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو ابا بكر أو عمر فقال: اردد عليه فانما هو سهم من كنانتك)، وقد صح ما روينا من طريق ابن الجهم نا أبو قلابة الرقاشى نا روح


(1) سيأتي أنه منسوخ ولم يبح له إلا الا كل من البيت لقوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا) الآية (2) في النسخة رقم 14 (بدعاوى كاذبة)

[ 104 ]

هو ابن عبادة نا ابن جريج اخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: يأخذ الاب. والام من ماله ولدهما بغير اذنه ولا يأخذ الابن والابنة من ماله أبويهما بغير اذنهما، وصح مثله نصا من طريق عبد بن حميد عن عبيد الله (1) بن موسى العبسى عن سفيان الثوري عن ابراهيم عبد الاعلى عن سويد - هو ابن غفلة - عن أم المؤمنين عائشة من قولها * ومن طريق ابن الجهم نا بشر بن موسى الاسدي نا أحمد بن الوليد الازرقي نا الخباب بن فضالة بن هرمز الحنفي قال: قلت لانس بن مالك: جارية لى غلبنى عليها أبى لم يخلطها (2) مال لابي فقال لى أنس: هي له أنت ومالك من كسبه. أنت ومالك له حلال وماله عليك حرام الا ما طابت به نفسه * ومن طريق ابن الجهم نا أبو قلابة نا أبو داود - هو السجستاني - نا محمد بن ابان عن حماد عن مسعود بن جبير عن ابن عباس قال أولادكم هبة الله لكم وأموالكم لكم * روينا من طريق ابن مسعود عن عمر بن الخطاب أنه أتاه أب وابن والابن يطلب أباه بألف درهم أقرضه اياها والاب يقول: انه لا يقدر عليها فأخذ عمر بيد الابن فوضعها في يد الاب فقال: هذا وماله من هبة الله لك * وعن على بن أبى طالب نحو هذا وانه قضى بمال الولد للوالد وجوز من قال غير هذا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا غندر عن ابن جريج كان عطاء لا يرى بأسابان يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء من غير ضرورة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن اسرائيل عن جابر عن الشعبى عن مسروق (3) قال: أنت من هبة الله لابيك أنت ومالك لابيك، نا ابن أبى شيبة نا عبيدالله - هو ابن موسى - نا الحسن - هو ابن حى - عن اليث عن مجاهد. والحكم قالا جميعا يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء الا الفرج * نا ابن أبى شيبة نا معاوية ابن هشام عن سفيان الثوري عن أبى حمزة عن ابراهيم النخعي قال: الوالد في حل من مال ولده إلا الفرج ومن طريق شعبة عن أبى اسحاق السبيعى عن عبد الله بن أبى بردة بن أبى موسى الاشعري أنه خاصم أباه إلى الشعبى في مال له فقال الشعبى لعبد الله. أجعلك ومالك له يعنى لوالده * ومن طريق عبد بن حميد نا أبو نعيم الفضل بن دكين عن الحسن بن صالح بن حى عن أبيه عن الشعبى قال: الرجل في حل من مال ولده * ومن طريق على بن المدينى نا محمد بن أبى عدى انا ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء ما لم يضاره * ومن طريق عبد بن حميد نا يزيد بن هارون انا داود بن أبى هند عن سعيد بن المسيب قال: الوالد يأكل من مال


(1) في النسخة رقم 16 (عبد الله) مكبرا وهو غلط (2) في النسخة رقم 16 (لم يخالطها) (3) في النسخة رقم 16 (عن هارون)

[ 105 ]

ولده ما شاء والولد لا يأكل من مال والده إلا باذنه * ومن طريق عبد بن حميد نا محمد بن بكر البرسانى عن هشام بن حسان عن الحسن البصري قال: يأخذ الوالدان من مال ولدهما ما شاء * ومن طريق عبد بن حميد نا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: سمعت الحسن وسأله سائل عن شئ من أمر والده؟ فقال له الحسن: أنت ومالك لابيك أما علمت أنك عبد أبيك؟ * ومن طريق عبد بن حميد انا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء وان كانت جارية تسراها قال قتادة: لم يعجبنى ما قال في الجارية * ومن طريق ليث عن مجاهد قال: يأخذ الرجل من مال ولده إلا الفرج * وقد روينا عن الحسن أيضا إلا الفرج * وقال ابن أبى ليلى لا يغرم الاب ما استهلك من مال ولده ويجوز بيعه لمال ولده الكبير * قال أبو محمد: ما نعلم خلافا من الصحابة لمن ذكرنا منهم في هذه المسألة وهم عمر: ومن على. وابن مسعود. وعائشة أم المؤمنين. وجابر بن عبد الله. وأنس. وابن عباس إلا رواية صحت عن ابن عمر وأخرى عن على لم تصح، ولا نعلم لمن ذكرنا من التابعين مخالفا في هذه المسألة الا ابن سيرين. والنخعي. ومجاهدا باختلاف (1) عنهم والزهرى فانهم يقولون كقولنا * روينا من طريق عبد بن حميد نا الضحاك بن مخلد عن عبد الله ابن عون عن محمد بن سيرين قال: كل واحد منهما أولى بماله يعنى الوالد والولد * وبه إلى عبد أخبرني جعفر بن عون عن أبى حنيفة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم قال: ليس للاب من مال ابنه الا ما احتاج إليه من طعام. أو شراب. أو لباس * ومن طريق عبد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: لا يأخذ الرجل من مال ولده شيئا إلا أن يحتاج فيستنفق بالمعروف يعوله ابنه كما كان الاب يعوله فاما إذا كان الاب موسرا فليس له أن يأخذ من ماله ابنه فيبقى به ماله أو يضعه في ما لا يحل، قال: فإذا كانت أم اليتيم محتاجة انفق عليها من ماله يدها مع يده والموسرة لا شئ لها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبيد الله (2) بن موسى عن عثمان بن الاسود عن مجاهد قال: خذ من مال ولدك ما أعطيته ولا تأخذ منه ما لم تعطه * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قال رجل لجابر بن زيد: ان أبى يحرمني ماله فقال له جابر: كل من مال أبيك بالمعروف * نا ابن أبى شيبة نا يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله أن حمزة بن عبد الله بن عمر نحر جزورا فجاء سائل فسأل ابن عمر؟


(1) في النسخة اليمنية وفى النسخة رقم 16 (باختلاف عنهما) وهو تصحيف بدليل كلام المصنف بعد وسياقه لاقوال الثلاثة (2) في النسخة رقم 16 (نا عبد الله) وهو غلط (م 14 - ج 8 المحلى)

[ 106 ]

فقال ابن عمر: ما هي لى فقال له حمزة: يا أبتاه فانت في حل أطعم منها ما شئت * نا ابن أبى شيبة عن اسرائيل عن عبد الاعلى عن محمد بن الحنفية عن على بن أبى طالب قال: الرجل أحق بمال ولده إذا كان صغيرا فإذا كبر واحتاز ماله فهو أحق به، اسرائيل ضعيف * قال أبو محمد: بقول ابن سيرين. والنخعي. والزهرى. ومجاهد. وجابر بن زيد نقول في كل شئ الا في الاكل خاصة فان للاب والام أن يأكلا من مال الولد حيث وجداه من بيت أو غير بيت فقط ثم لا شئ لهما ولا حكم في شئ من ماله لا بعتق ولا باصداق ولا بارتهان الا ان كان فقيرين فيأخذ الفقير منهما ما احتاج من مال ولده من كسوة. وأكل. وسكنى. وخدمة. وما احتاجا إليه فقط، وأما الولد فيأكل من بيت أبيه وبيت أمه ما شاء بغير اذنهما ولا يأكل من يغر البيت شيئا كما جاءت النصوص لا يتعدى حدود الله، فان احتاج اخذ أيضا كما قلنا في الوالدين لقول الله تعالى: (وبالوالدين احسانا وبذي القربى) ثم الجدود. والاحكام لازمة للاب في جارية ولده وفى مال ولده ولازمة للابن في جارية أبيه وأمه ومالهما كما هي فيما بين الاجنبيين سواء، والعجب أن الحنيفيين والمالكيين يشنعون خلاف الصاحب لا يعرف له منهم مخالف إذا وافق شهواتهم ويجعلونه اجماعا ويكذبون في ذلك، وأقرب ذلك ما ذكرنا من دعوى الحنيفيين إجماع الصحابة على تضمين الرهن وليس منه الا روايات لا تصح عن عمر. وابنه. وعلى فقط، وقد صحت عن على رواية باسقاط التضمين إذا أصابته جائحة ثم لا يرون ههنا ما قد صح عن عائشة (1). وأنس. وابن عباس، وروى عن على وابن مسعود لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضى الله عنهم حجة أصلا ويلتفتون إليه إلا رواية عن عمر رويناها من طريق شعبة عن أبى بشير عن محمد بن قدامة الحنفي عن رجل منهم أن رجلا خاصم أباه إلى عمر ابن الخطاب في ماله أخذه له أبوه فقال عمر: أماما كان في يده فانه يرده وأما ما استهلك فليس عليه شئ، وهم قد خالفوا هذا أيضا مع أنها لا تصح لانها عمن لا يدرى من هو أليس هذا من أعجب العجب؟ ومما ينبغى لذى الحياء ان يهابه ولذي الدين أن يفرقه، فان قيل: فانتم القائلون بكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم استحللتم ترك الثابت عنه من قوله عليه السلام (أنت ومالك لابيك)؟ قلنا: يعيذ نا الله من أن نترك خبر اصح عنه عليه السلام ولو أجب علينا من بين البحرين الا أن يصح نسخه، وهذا الخبر منسوخ لا شك فيه لان الله عزوجل حكم بميراث الابوين. والزوج. والزوجة. والبنين. والبنات من مال الولد


(1) في النسخة رقم 16 (ما قد صح عن على وعائشة) بزيادة لفظ (على) وهى زيادة سهو من الكاتب بدليل ذكره بعد قريبا

[ 107 ]

إذا مات وأباح في القرآن لكل مالك أمة وطئها بملك يمينه وحرمها على من لا يملكها بقوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاؤلئك هم العادون) فدخل في هذا من له والد ومن لا والدله فصح ان مال الولد له بيقين لا لابويه ولا حق لهما فيه إلا ما جاء به النص مما ذكرنا من الاكل أو عند الحاجة فقط ولو كان مال الولد للوالد لما ورثت زوجة الولد ولا زوج البنت ولا أولاد هما من ذلك شيئا لانه مال لانسان حى، ولا كان يحل لذى والد ان يطأ جاريته أصلا لانها لابيه كانت تكون، فصح بورود هذين الحكمين وبقائهما إلى يوم القيامة ثابتين غير منسوخين ان ذلك الخبر منسوخ وكذلك أيضا صح بالنص والاجماع المتيقن ان من ملك أمة أو عبدا لهما والد فان ملكهما لمالكهما لا لابيهما، فصح أيضا أن (1) قوله عليه السلام: (انه لابيه) منسوخ وارتفع الاشكال والحمد لله، وهذا مما احتجوا به بالاثر وخالفوا ذلك الاثر نفسه، وأما رهن المرء السلعة تكون لغيره باذن صاحبها فان الرهن لا يجوز اخراجه عن الارتهان الا بخروجه عن ملك الراهن. أو بهلا كله. أو باستحالته حتى. يسقط عنه الاسم الذى كان عليه حين رهن أو بقضاء الحق الذى رهن عنه فالتزام غير الراهن للراهن هذا كله في سلعته شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وله أخذ سلعته متى شاء (2) فالرهن باطل لانه ليس له حكم الرهون فيما ذكرنا فليس رهنا وبالله تعالى التوفيق * 1222 - مسألة - وإذا استحق الرهن أو بعضه بطلت الصفقة كلها لانهما تعاقدا صحتها بصحة الرهن ولم يتعاقدا قط تلك المداينة الا على صحة الرهن وذلك الرهن لا صحة له فتلك المداينة لم تصح قط وبالله تعالى التوفيق * 1223 - مسألة - وإذا رهن جماعة رهنا هو لهم عند واحد أو رهن واحد عند جماعة فأى الجماعة قضى ما عليه خرج حقه من ذلك الرهن عن الارتهان وبقى نصيب شركائه رهنا بحسبه، وكذلك ان قضى الواحد بعض الجماعة حقه دون بعض فقد سقط حق المقضى في الارتهان ورجعت حصته من الرهن إلى الراهن وبقيت حصص شركائه رهنا بحسبها لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفسه الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) فصحح أن لكل واحد منهم حكمه وبالله تعالى التوفيق * 1224 - مسألة - ولا حق للمرتهن في شئ من رقبة الرهن فان كانت أمة فوطئها فهو زان وعليه الحد وذلك الولد رقيق للراهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد لفراش وللعاهر


(1) سقط لفظ (ان) من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (متى أحب)

[ 108 ]

الحجر، فالامة بلا خلاف ليست فراشا للمرتهن ولا ملك يمين له فهو معتد عاهر * 1225 - مسألة - ورهن الدنانير والدراهم جائز طبعت أو لم تطبع، قال مالك: لا يجوز الا أن تطبع، وهذا قول لا نعلمه لاحد قبله ولئن كان يخاف انتفاع بها فان ذلك لمخوف على كل ما يرهن ولا فرق ولا سيما مع قوله: ان الدنانير والدراهم لا تتعين وان امرءا لو غصب درهما أو دينارا لم يقض عليه بردهما بعينهما وان كانا حاضرين في يده وانما عليه مثلهما، وهذا عجب جدا! مع قوله فيطبعهما في الرهن، وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب الرهن والحمد لله رب العالمين، [ وصلى الله على محمد خاتم النبيين ] (1) * كتاب الحوالة 1226 - مسألة - روينا طريق البخاري. ومسلم قال البخاري: نا عبد الله ابن يوسف نا مالك عن ابى الزناد عن الاعرج، وقال مسلم: نا ابن رافع (2) نا عبد الرزاق نا معمر عن همام بن منبه ثم اتفق الاعرج. وهمام كلاهما عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (مطل الغنى ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع) وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما سنذكره ان شاء الله تعالى في كتاب البيوع باسناده انه قال: (إذا ابتعت ببعا فلاتبعه حتى تقبضه) فوجب من هذين النصين أن كل من له عند آخر حق من غير البيع لكن من ضمان غصب أو تعد بوجه ما أو من سلم سلم فيه. أو من قرض. أو من صلح أو اجارة. أو صداق. أو من كتابة. أو من ضمان فاحاله به على من له عنده حق من غير البيع لكن بأحد هذه الوجوه المذكورة ولا نبالي من وجه واحد كان الحقان أو من وجهين مختلفين وكان المحال عليه يوفيه حقه من وقته ولا يمطلقه ففرض على الذى أحيل أن يستحيل عليه ويجبر على ذلك ويبرأ المحيل مما كان عليه، ولا رجوع للذى أحيل على الذى أحاله بشئ من ذلك الحق انتصف أولم ينتصف اعسر المحال عليه اثر الاحالة عليه أم لم يعسر لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره باتباع المحال عليه ولا يجوز له اتباع غيره فان غره و أحاله على غير ملئ والمحيل يدرى أنه غير ملئ أو لا يدرى فهو عمل فاسد وحقه


(1) الزيادة من النسخة الحلبية، وهى النسخة التى استنسخها السيد محمد حسين نظيف من حلب بواسطة الشيخ راغب الطباخ الكتبى المشهور وأرسلها الينا جزى الله الجميع خيرا (2) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (نا ابن أبى رافع) بزيادة لفظ (أبى) وهو غلط صححناه من كتب تراجم رجال الحديث، واسم ابن رافع محمد، وهو موافق لما في صحيح مسلم ج 2 ص 460، وهو في صحيح البخاري ج 3 ص 191

[ 109 ]

باق على المحيل كما كان لانه لم يحل على ملئ ولا تجوز الحوالة إلا على ملئ بنص الخبر، وقال الشافعي: لا يرجع على المحيل في كل ذلك وهذا خطأ (1) لما ذكرناه، وقال أبو حنيفة. ومالك: كقولنا، فان كان أحد الحقين من بيع والآخر من غير بيع نظر فان كان الحق على المحيل من غير بيع وكان حق المحيل على المحال عليه من بيع أو غير بيع جازت الحوالة فان كان الحق على المحيل من بيع لم يجز الا بوجه التوكيل فيوكله على قبضه حقه قبله فان قبضه للموكل له فحين مصيره بيده صار قابضا ذلك الحق لنفسه وبرئ المحيل وان لم يقدر على قبضه لمانع ما أي مانع كان؟ رجع على المحيل بحقه لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ابتعت حتى تقبضه، وأما براءة ذمة الموكل إذا قبض الوكيل الحق فلانه مأمور بأن يقضيه لنفسه إذا صار بيده فان فعل فقد استوفى حقه وان لم يفعل فقد اعتدى إذ ضيع مال موكل فلزمه ضمانه بالتضييع * [ فصار ضمانه بالتضييع ] (2) فصار مثله عليه لموكله في ذمته، وقال أبو حنيفة: ان جحد المحال عليه الحوالة ولم تقم عليه بينة وحلف رجع الذى أحيل على المحيل بحقه، وكذلك ان مات المحال عليه، ولا مال له، وقال أبو يوسف. ومحمد: وكذلك إذا أفلس القاضى المحال عليه وأطلقه من السجن أيضا * قال أبو محمد: هذا قول فاسد لمخالفته أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولانهم مجمعون معنا على أن الحوالة إذا صح أمرها فقد سقط الحق عن المحيل واذ قد أقروا بسقوطه فمن الباطل رجوع حق قد سقط بغير نص يوجب رجوعه ولا اجماع يوجب رجوعه، فان قالوا: قد روى عن عثمان انه قال في الحوالات: ليس على مال مسلم توا (3) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر أو غيره عنه عن قتادة عن على بن أبى طالب انه قال في الذى أحيل: لا يرجع على صاحبه الا أن يفلس أو يموت، وهو قول شريح. والحسن و النخعي. والشعبى كلهم يقول: ان لم ينصفه رجع على الميحل، وعن الحكم لا يرجع على المحيل الا أن يموت المحال عليه قبل أن ينتصف فانه يرجع إلى المحيل قلنا: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وقد روينا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن على بن عبيدالله عن سعيد بن المسيب أنه كان لابيه المسيب دين على انسان ألفا درهم ولرجل آخر على على بن أبى طالب ألفا درهم فقال ذلك الرجل للمسيب: أنا أحيلك على على وأحلى أنت على فلان ففعلا فانتصف المسيب من على وتلف مال الذى أحاله المسيب


(1) في النسخة رقم 16 (وهو خطأ) (2) الزيادة من النسخة رقم 16 وهى زيادة لا حاجة إليها ولم تفد شيئا (3) أي ضياع وخسارة، والتو الهلاك

[ 110 ]

عليه فأخبر المسيب بذلك على بن أبى طالب فقال له على: أبعده الله، فهذا خلاف الرواية عن عثمان والذى ذكرنا عن على، وهذه موافقة لقولنا، وإذا اختلف السلف فليس بعض ما روى عنهم بأولى من بعض باتفاقكم معنا في ذلك ولسنا نرى احالة من لا حق للمحال عنده لانه أكل مال بالباطل وانما يجوز عندنا مثل فعل على. و المسيب رضى الله عنهما على الضمان فانه إذا ضمن كل واحد من الغريمين ما على الآخر من غير شرط جاز ذلك ولزم وتحول الحق الذى على كل واحد منهما على الآخر، وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يجبر المحال على قبول الحوالة واحتجوا في ذلك بان قالوا: لو وجب اجباره لوجب أيضا إذا أحاله المحال عليه على آخر ان يجبر على اتباعه ثم إذا أحاله ذلك على آخران يجبر أيضا على اتباعه وهكذا أبدا * قال أبو محمد: هذه معارضة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى هذا ما فيه فكيف والذى اعترضوا به فساد؟ لانه مطل من غنى أو حوالة على غير ملئ، ومطل الغنى ظلم والحوالة على غير ملئ لم يؤمر بان يقبلها وانما الحوالة على من يعجل الانصاف بفعله لا بقوله والا فليست حوالة بنص الحديث * 1227 - مسألة - وإذا ثبت حق المحيل على المحال عليه باقراره أو ببينة عدل وان كان جاحدا فهى حوالة صحيحة، وقال مالك: لا تجوز الا باقراره بالحق فقط. وهذه دعوى بلا برهان، واحتج له من قلده بانه قد تجرح البينة فيبطل الحق قلنا: وقد يرجع عن اقراره بذلك الحق ويقيم بينة بانه قد كان أداه فيبطل الحق ولا يجوز تخصيص ما لم يخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآراء الفاسدة، وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى (وما كان ربك نسيا) * 1228 - مسألة - وتجوز الحوالة بالدين المؤجل على الدين المؤجل إلى مثل أجله لا إلى أبعد ولا إلى أقرب، وتجوز الحوالة بالحال على الحال ولا تجوز بحال على مؤجل ولا بمؤجل على حال ولا بموجل على مؤجل إلى غير أجله لان في كل ذلك ايجاب تأجيل حال أو ايجاب حلول مؤجل، ولا يجوز ذلك إذا لم يوجبه نص ولا اجماع، وأما المؤجل بالمؤجل إلى أجله فلم يمنع منه نص ولا اجماع فهو داخل في أمره عليه السلام (من اتبع على ملئ أن يتبعه) تم كتاب الحوالة والحمد لله رب العالمين * كتاب الكفالة 1229 - مسألة - الكفالة هي الضمان. وهى الزعامة. وهى القبالة. وهى الحمالة،

[ 111 ]

فمن كان له على آخر حق مال من بيع أو من غير بيع من أي وجه كان حالا أو إلى أجل سواء كان الذى عليه الحق حيا أو ميتا فضمن له ذلك الحق انسان لا شئ عليه للمضمون عنه بطيب نفسه وطيب نفس الذى له الحق فقد سقط ذلك الحق عن الذى كان عليه وانتقل إلى الضامن ولزمه بكل حال ولا يجوز للمضمون له أن يرجع على المضمون عنه، ولا على ورثته ابدا بشئ من ذلك الحق انتصف أو لم ينتصف ولا بحال من الاحوال ولا يرجع الضامن على المضمون عنه ولا على ورثته أبدا بشئ مما ضمن عنه أصلا سواء رغب إليه في أن يضمنه عنه أو لم يرغب إليه في ذلك الافى وجه واحد وهو أن يقول الذى عليه الحق اضمن عنى ما لهذا على فإذا أديت عنى فهو دين لك على فههنا يرجع عليه بما أدى عنه لانه استقرضه ما أدى عنه فهو قرض صحيح * أما قولنا: ان الكفالة هي الضمان. والحمالة. والزعامة. والقبالة، والضامن هو القبيل. والكفيل. والزعيم. والحميل فاللغة والديانة لا خلاف فيهما في ذلك، وأما عموم جواز الضمان في كل حق من بيع أو غيره فلانه ليس فيه بيع أصلا وإنما هو نقل حق فقط، وأما جواز الضمان بغير رغبة المضمون عنه فلما روينا من طريق أبى داود نا مسدد [ بن مسرهد ] (1) نا يحيى بن سعيد القطان نا ابن أبى ذئب قال: حدثنى سعيد ابن أبى سعيد المقبرى قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انكم يا معشر خزاعة قتلم هذا القتيل [ من هذيل ] (2) وانى عاقله) وذكر باقى الخبر، فضمن النبي صلى الله عليه وسلم عنهم الدية بغير رغبتهم في ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الضمان إلا بمحضر الذى له الحق إلا في موضع واحد وهو المريض يقول لورثته: أيكم يضمن عنى دين فلان على فيضمنه أحدهم - فيجوز بغير محضر الطالب، وهذا كلام في غاية الفساد لانه دعوى بلا برهان أصلا، واحتج له بعض المبتلين بتقليده انه عقد كالنكاح والبيع فلا يصح الا بمحضر هما جميعا * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله فاسد ثم أنه لو صح لكان هذا منه عين الفساد (3) أول ذلك انهم ينتقضون من قرب فيجيزون نكاح الصغيرة بغير محضرها ويجيزون الضمان لدين المريض بغير محضر صاحب الحق، ثم ان الضمان ليس عقدا على المضمون له وانما هو على الضامن وحده وانما للمضمون له انصافه من حقه فقط فان انصف في مثل هذا وإلا فلا يلزمه ما لم يرض به وهو باق على حقه كما كان، وراموا الفرق بين مسألة المريض وغيرها بان قالوا: ان الدين قد تعين في مال المريض *


(1) الزيادة من سنن أبى داود (2) الزيادة من سنن أبى داود (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عين الباطل)

[ 112 ]

قال على: وقد كذبوا ما تعين قط في ماله الا بعد موته، وأبو حنيفة لا يجيز ضمان دين على الميت الا بان يترك وفاء فظهر فساد قولهم جملة * واحتجوا في ذلك بان الدين قد هلك وأجازوا الضمان على الحق المفلس والدين قد هلك وهذا تناقض، فان قالوا: قد يكسب المفلس (1) ما لا قلنا: وقد يطرأ للميت مال لم يكن عرف حين موته، وهذا منهم خلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد، وممن قال بقولنا في الضمان عن الميت الذى لا يترك وفاء مالك وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. والشافعي. وأبو سليمان * روينا من طريق البخاري نامكى بن ابراهيم نا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الاكوع [ رضى الله عنه ] (2) قال: (كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بجنازة فقالوا: صل عليها فقال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا قال: فهل عليه دين؟ قالوا: نعم ثلاثة دنانير قال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلى دينه فصلى عليه)، ففى هذا الخبر جواز ضمان دين الميت الذى لم يترك وفاء بدينه بخلاف رأى أبى حنيفة، وفيه أن الدين يسقط بالضمان جملة لانه لو لم يسقط عن الميت وينتقل إلى ذمة أبى قتادة لما كانت الحال الا واحدة، وامتناعه عليه السلام من الصلاة عليه قبل ضمان أبى قتادة لدينه ثم صلاته عليه السلام عليه بعد ضمان أبى قتادة برهان صحيح على أن الحال الثانية غير الاولى وان الدين الذى لا يترك به وفاء قد بطل وسقط بضمان الضامن ولزم ذمة الضامن بقول أبى قتادة الذى أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، فصح أن الدين على الضامن بعد لا على المضمون عنه، وفيه أيضا جواز الضمان بغير محضر الطالب الذى له الحق، واذ قد سقط الدين بالضمان كما ذكرنا فلا يجوز رجوعه بعد سقوطه بالدعوى الكاذبة بغير نص ولا اجماع، وأيضا الخبر الذى روينا من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى انا حماد بن يزيد عن هارون بن رئاب حدثنى كنانة بن نعيم العدوى عن قبيصة بن مخارق الهلالي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا قبيصة ان المسألة لا تحل الا لاحد ثلاثة (3) رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك) وذكر باقى الخبر، فعم عليه لاسلام اباحة تحمل الحمالة عموما بكل حال، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: انه ان لم يرض المضمون له بالضمان لم يلزمه الا بان يوفيه أيضا من حقه فليس له حينئذ الا أخذه منه أو تركه جملة، ولا طلب له على المضمون عند بعدها فلانه


(1) في النسخة رقم 16 (قد يكتسب المفلس) (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 194 والحديث مطول اختصره المصنف (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (لاحد ثلاثة رجال) بزيادة لفظ (رجال) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 284

[ 113 ]

صاحب الحق ولم يأت نص بلزوم ترك طلب غريمه بل الضمان حينئذ مطل له، وقد قال عليه السلام: (مطل الغنى ظلم) وأمر عليه السلام أن يعطى كل ذى حق حقه فان أنصف فقد أعطى حقه ومن أعطى حقه فلا حق له سواه، فان قيل: فانتم أصحاب اتباع للآثار (1) فمن أين أجزتم الصلاة على من مات وعليه دين لا وفاء له به؟ قلنا: سبحان الله! أو ليس في قوله عليه السلام لهم: (صلوا على صاحبكم) بيان في أنه عليه السلام المخصوص بهذا الحكم وحده لا أحد من المسلمين سواه لا الامام ولا غيره؟ فكيف وقد روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى على رجل مات وعليه دين فأتى بميت فقال: عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران فقال أبو قتادة الانصاري: هما على يا رسول الله فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما فتح الله على رسوله قال: انا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعلى قضاؤه) وذكر الخبر، وممن أجاز الضمان عن الميت الذى لم يترك وفاء ابن أبى ليلى. ومالك. وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. والشافعي. وأبو سليمان وما نعلم لابي حنيفة سلفا في قوله: قال أبو حنيفة. وسفيان الثوري. والاوزاعي. وأبو عبيد. واسحاق. وأحمد. والشافعي. ومالك في أول قوليه: ان للمضمون له أن يطلب بحقه ان شاء الضامن وان شاء المضمون، وقال مالك في آخر قوليه: إذا كان المضمون عنه مليا بالحق فليس لطالب الحق أن يطلب الضامن وانما له طلب المضمون عنه فقط الا أن ينقص من حقه شئ فيؤخذ من الصامن حينئذ والا أن يكون المضمون عنه غائبا أو يكون عليه ديون للناس فيخاف المضمون له محاصة الغرماء فله في هذين الوجيهن أن يطلب الضامن [ أيضا ] (2) حينئذ * قال أبو محمد: أما هذا القول الذى رجع إليه مالك فظاهر العوار لانه دعاوى كله (3) بلا برهان وتقاسيم بلا دليل لا من قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد نعلمه من صاحب أو تابع. ولا قياس. ولا رأى له وجه، وقال ابن أبى ليلى. وابن شبرمة وأبو ثور. وأبو سليمان وجميع أصحابنا كما قلنا من أن الحق قد سقط جملة عن المضمون عنه ولا سبيل للمضمون له إليه أبدا وانما حقه عند الضامن أنصفه أو لم ينصفه * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني عن الحسن. ومحمد بن سيرين قالا جميعا: الكفالة. والحوالة سواء، وقد ذكرنا برهان


(1) في النسخة رقم 16 (اتباع آثار) (2) الزيادة من النسخة رقم 14 (3) في النسخة رقم 16 (لانه دعاوى كلها) (م 15 - ج 8 المحلى)

[ 114 ]

ذلك من السنة، وأيضا فان من المحال الممتنع أن يكون مال واحد معدود محدود هو كله على زيد وهو كله على عمرو، ولو كان هذا لكان للذى هو له عليهما أن يأخذهما جميعا بجميعه فيحصل له العدد مضاعفا، ولما سقط عن أحدهما حق قد لزمه بأداء آخر عن نفسه ما لزمه أيضا وهم لا يقولون بهذا، فظهر تناقضهم واختلاط قولهم (1) وانه لا يعقل ولا يستقر، فان قالوا: انما هوله على أيهما طلبه منه قلنا: فهذا أدخل في المحال لانه على هذا لم يستقر حقه على واحد منهما بعد لا على الضامن ولا على المضمون عنه، فإذ هو كذلك فلا حق له على واحد منهما بعد، فان قالوا: فانكم تقولون في وارثين ترك مورثهما ألفى درهم فاخذ كل واحد منهما ألف درهم ثم ظهر غريم له على الميت ألف درهم: أنه يأخذها من أيهما شاء، وتقولون فيمن باع شقصا مشاعا ثم باعه المبتاع من آخر، والثالث من رابع: إن الشفيع يأخذه بالشفعة من أيهم شاء، وتقولون فيمن غصب ما لا ثم وهبه لآخر: فان المغصوب منه يأخذ بماله أيهما شاء قلنا: نعم وليس شئ من هذا مما أنكرناه من كون مال واحد على اثنين هو كله على كل واحد منهما اما الوارثان فانهما اقتسما ما لا يحل لهما اقتسامه وحق الغريم في ذلك المال بعينه لا عند الوارثين أصلا فانما يأخذ حقه من مال الميت حيث وجده ثم يرجع المأخوذ منه على صاحبه فيقتسمان ما بقى للغريم (2) حينئذ والقسمة الاولى فاسدة لان الله تعالى لم يجعل للورثة شيئا إلا بعد الوصية. والدين، وأما الغاصب يهب ما غصب فحق المغصوب منه عند الغاصب وحق الغاصب أن يرجع بما يؤدى على الذى وهبه إياه بغير حق فالمغصوب منه ان طلب الغاصب طلبه بحقه عنده وان طلب الموهوب له طلبه بحق الغاصب عنده من رد ما وهبه بالباطل فإذا فعل استحقه المغصوب منه بحقه عند الغاصب وهكذا كل ما انتقل ذلك المال بغير حق، وأما الشفيع فانه مخير بين امضاء البيع أورده فهو يمضى بيع من شاء منهم ويردبيع من شاء منهم بحق الشفعة، فظهر فاسد تنظيرهم وبالله تعالى نتأيد * واحتجوا على خبر أبى قتادة الذى ذكرنا بخبر رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن حسين بن على الجعفي عن زائدة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: (مات رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليه دين؟ قلنا: نعم ديناران فقال عليه السلام: صلوا على صاحبكم فتحملهما أبو قتادة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق الغريم عليك وبرئ منهما الميت قال: نعم يا رسول الله فصلى عليه فلما كان من الغد قال عليه السلام لابي قتادة: ما فعل الديناران؟ قال: يا رسول الله انما دفناه أمس ثم أتاه بعد فقال له: ما فعل


(1) في النسخة رقم 16 (واختلاط أقوالهم) (2) في النسخة رقم 16 (ما بقى عن الغريم)

[ 115 ]

الديناران؟ قال: قضيتهما يا رسول الله قال: الآن بردت عليه جلده)، وبخبرين آخرين لا يصحان أحدهما (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) والآخر فيه انه عليه السلام قال لعلى إذا ضمن دين الميت: (فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك) * قال أبو محمد: وهذا من العجب (1) احتجاجهم باخبار هي أعظم حجة عليهم أما فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك فليس فيه دليل ولا نص على ما يدعونه من بقاء الدين على المضمون عنه، ونحن نقول: انه قد فك رهانه بضمانه دينه فقط فانه حول دينه على نفسه (2) حيا كان المضمون عنه أو ميتا، وأما نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه فليس فيه أنه حكم المضمون عنه ولا أنه حكم من لم يمطل بدينه بعط طلب صاحبه اياه منه، ونحن نقول: ان المطالب بدينه في الآخرة انما هو من مطل به وهو غنى فصار ظالما فعليه اثم المطل أعسر بعد ذلك أو لم يعسروان كان حق الغريم فيما يتخلف من مال أو في سهم الغارمين من زكوات المسلمين ان لم يخلف مالا، وقد يمكن أن يعفوا الله تعالى عنه ذنب المطل إذا قضى عنه مما يخلف أو من سهم الغارمين أو قضاه عنه الضامن ففى هذا جاءت الاحاديث في تشديد أمر الدين، وأما من لم يمطل قط به فلم يظلم واذلم يظلم فلا اثم عليه ولا تبعة وحق الغريم ان مات الذى عليه الدين فيما يتخلف أو في سهم الغارمين والظالم حينئذ من مطله بعد موت الذى عليه الدين من ورثة أو سلطان ولا اثم على الميت أصلا لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وهو لم يمطل في حياته فلم يظلم واذ لم يظلم في حياته فليس في وسعه الانصاف بعد موته وانما عليه الاقرار به فقط وبالله تعالى التوفيق [ وبه نتأيد ] (3) * وأما حديث أبى قتادة من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل فاعظم حجة عليهم لو كان لهم مسكة انصاف (4) لان فيا نصا قول النبي صلى الله عليه وسلم للضامن عن الميت: (حق الغريم عليك وبرئ منهما الميت، قال الضامن: نعم) أليس في هذا كفاية لمن له مسكة دين أو أقل تمييز؟ ولكنهم قوم مفتونون، فان قيل: فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضاهما: (الآن بردت عليه جلده)؟ قلنا: هذا لا متعلق فيه في بقاء الدين عليه الميت ولا في رجوعه عليه لان نص الخبر قد ورد فيه بعينه: (ان الميت قد برئ من الدين وان حق الغريم على الزعيم) فلا معنى للزيادة في هذا، وأما قوله عليه السلام: (الآن بردت عليه جلده) فقد أصاب عليه السلام ما أراد وقوله الحق لا نشك فيه لكن نقول: انه قد يكون تبريد زائد دخل عليه حين


(1) في النسخة رقم 16 (وهذا من العجائب) بصيغة الجمع (2) في النسخة الحلبية (عن نفسه) (3) الزيادة من النسخة رقم 16 (4) أي بقية من انصاف

[ 116 ]

القضاء عنه وان كان لم يكن قبل ذلك في حر كما تقول لقد سرنى فعلك وان لم تكن قبل ذلك في هم ولا حزن، وكما لو تصدق عن الميت بصدقة لكان قد دخل عليه بها روح زائد ولابدوان لم يكن قبل ذلك في كرب ولا غم، ويمكن أن يكون قد كان مطل وهو غنى فحصل له الظلم ثم غفر الله تعالى له ذلك الظلم بالقضاء والله أعلم الا أنه لا متعلق لهم بهذا أصلا وانما هو حكم من أحكام الآخرة ونحن نجد من سن سنة سوء في الاسلام كان له اثم ذلك واثم من عمل بها أبدا، ونجد من سن سنة خير في الاسلام كان له أجر ذلك وأجر من عمل بها أبدا، فقد يؤجر الانسان بفعل غيره ويعاقب بفعل غيره إذا كان له فيهما سبب، وقد يدخل الروح على من ترك ولدا صالحا يدعو له ويفعل الله ما يشاء لا يسأل عما يفعل وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لا يرجع الضامن بما أدى سواء بأمره ضمن عنه أو بغير أمره الا أن يكون المضمون عنه استقرضه فلما ذكرنا من سقوط الحق عن المضمون عنه وبراءته منه واستقراره على الضامن، فمن الباطل المتيقن والظلم الواضح أن يطالب الضامن من أجل أدائه حقا لزمه وصار عليه واستقر في ذمته من لا حق قبله له ولا للذى أداه عنه وهذا لا خفاء به وما ندرى لمن قال: انه يرجع الضامن على المضمون عنه بما أدى حجة أصلا، وقال مالك: يرجع الضامن على المضمون عنه بما أدى عنه سواء بأمره ضمن عنه أو بغير أمره، وقال أبو حنيفة. والحسن بن حى. والشافعي: ان ضمن عنه بأمره رجع عليه وان ضمن عنه بغير أمره لم يرجع عليه وكلا القولين فاسد (1) لا دليل عليه أصلا. وتقسيم فاسد بلا برهان: وقال ابن أبى ليلى: وابن شبرمة. وأبو ثور. وأبو سليمان بمثل قولنا * قال أبو محمد: وموه بعضهم بخبر واه رويناه من طريق أبى داود عن القعنبى عن الدراوردى عن عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة عن ابن عباس: (ان رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير فقال: والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل فتحمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه بقدر ما وعده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن قال: لا حاجة لنا فيها ليس فها خير فقضاها عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم) * قال على: في احتجاجهم بهذا الخبر عجب! أول ذلك انه من رواية عمرو بن أبى عمرو وهو ضعيف ضعفه ابن معين وغيره وقد تركوا روايته في غير قصة، منها روايته من هذه الطريق نفسها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها [ معه ] (2) ثم


(1) في النسخة رقم 16 (وكل هذا فاسد) (2) الزيادة من النسخة رقم 14

[ 117 ]

لو صح لما كان لهم فيه حجة لان فيه فأتاه بقدر ما وعده، فصح أن المضمون عنه وعده عليه السلام بأن يأتيه بما تحمل عنه وهذا أمر لا نأباه بل به نقول إذا قال المضمون. للضامن: انا آتيك بما تتحمل به عنى، ثم العجب الثالث احتجاجهم بهذا الخبر وهم أول مخالف له لان فيه أن ما أخذ من معدن فلا خير فيه وهم لا يقولون بهذا، فمن أعجب ممن يحتج بخبر ليس فيه أثر مما يحتج به فيه ثم هو مخالف لنص ما فيه ونسأل الله العافية * 1230 مسألة وحكم العبد. والحر. والمرأة. والرجل. والكافر. والمؤمن سواء لعموم النص الذى أوردناه في ذلك ولم يأت نص بالفرق بين شئ مما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * 1231 مسألة ولا يجوز ضمان ما لا يدرى مقداره مثل أن يقول له: انا أضمن عنك ما لفلان عليك لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، ولا خباره عليه السلام: (انه لا يحل مال مسلم الا بطيب نفسه منه) والتراضي. وطيب النفس لا يكون الا على معلوم القدر هذا أمر يعلم بالحس والمشاهدة (1) * 1232 مسألة ولا يجوز ضمان مال لم يجب بعد كمن قال لآخر: انا أضمن لك ما تستقرضه من فلان، أو قال له: اقترض من فلان دينارا وأنا أضمنه عنك، أو قال له: أقرض فلانا دينارا وأنا أضمنه لك وهو قول ابن أبى ليلى. ومحمد بن الحسن. والشافعي. وأبى سليمان لانه شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل، ولان الضمان عقد واجب ولا يجوز الواجب في غير واجب وهو التزام ما لم يلزم بعد وهذا محال وقول متفاسد، وكل عقد لم يلزم حين التزامه فلا يجوز أن يلزم في ثان وفى حين لم يلتزم فيه وقد بلا يقرضه ما قال له وقد يموت القائل لذلك قبل أن يقرضه ما أمره باقراضه، فصح بكل هذا انه لا يلزم ذلك القول، فان قال له: أقرضنى كذا وكذا وأدفعه إلى فلان أو زن عنى لفلان كذا وكذا أو أنفق عنى في أمر كذا فما أنفقت فهو على أو ابتع لى أمر كذا فهذا جائز لازم لانها وكالة وكله بما أمره به * وأجاز ما ذكرنا بطلانه أبو حنيفة. وأبو يوسف. ومالك. وعثمان البتى. واحتج لهم بعض الممتحنين بتقليدهم بان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى زيد بن حارثة جيش الامراء فان مات فالامير جعفر بن أبى طالب فان مات فالامير عبد الله بن رواحة. قال: فكما تجوز المخاطرة في الولايات فهى جائزة في الضمان


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (يعلم المشاهدة والحس)

[ 118 ]

قال أبو محمد: وهذا قيا س والقياس كله باطل، ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل لانه لا نسبة بين الولاية وبين الضمان ولا نسبة بين الوكالة وبين الضمان لان الولاية فرض على المسلمين إلى يوم القيامة وليس الضمان فرضا، وأما لوكالة فحكم على حياله جاء به النصف، ثم نسألهم عمن قال: أنا أضمن لك ما أقرضته زيدا ثم مات فاقرض المقول له ذلك زياد ما أمره به؟ أيلزمونه ذلك بعد موته؟ فهذا عجب! أم لا يلزمونه؟ فقد تركوا قولهم الفاسد ورجعوا إلى الحق ولئن لزمه ضمان ذلك في ذمته في حياته فهو لازم له في ماله ولابد بعد موته من رأس ماله، ونسألهم عمن ضمن كل ما يتداين به زيد إلى انقضاء عمره؟ فان ألزموه ذلك كان شنعة من القول وان لم يلزموه تناقضوا: ونقول لهم: كما لم يجز الغرر والمخاطرة في البيوع ولا جاز اصداق ما لم يخلق بعد فكذلك لا يجوز ضمان ما لم يلزم بعد، فهذا أصح من قياسهم على الامارة والوكالة والدلائل ههنا على بطلان قولهم تكثر جدا وفيما ذكرنا كفاية * 1233 مسألة ولا يجوز أن يشترط في ضمان اثنين عن واحد أن يأخذ أيهما شاء بالجميع ولا أن يشترط قلك الضامن في نفسه وفى المضمون عنه ولا أن يشترط أن يأخذ الملئ منهما عن المعسر والحاضر عن الغائب، وهو قول ابن شبرمة. وأبى سليمان، وأجاز هذا الشرط شريح. وابن سيرين. وعطاء. وعمرو بن دينار. وسليمان ابن موسى. وهو قول سفيان الثوري. وأبى حنيفة. ومالك * برهان صحة قولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، وهذا شرط لم يأت باباحته نص فهو باطل، وأيضا فانه ضمان لم يستقر عليهما ولا على واحد منهما بعينه وانما هو ضمان معلق على أحد هما بغير عينه لا يدرى على أيهما يستقر (1) فهو باطل لان ما لم يصح على المرء بعينه حين عقده اياه فمن الباطل أن يصح عليه بعد ذلك في حين لم يعقده ولا التزمه، وهذا واضح لاخفاء به، وبالله تعالى التوفيق * 1234 مسألة فان ضمن اثنان فصاعدا حقا على انسان فهو بينهم بالحصص لما ذكرنا، فلو ابتاع اثنان بيعا أو تداينا دينا على أن كل واحد منهما ضامن عن الآخر فان ما كان على كل واحد منهما قد انتقل عنه واستقر على الآخر لا يجوز غير هذا أصلا لما ذكرنا قبل، ولان من الباطل المحال الممتنع أن يكون مال واحد على اثنين فصاعدا يكون كله على كل واحد منهما لانه كان يصير الدرهم درهمين ولابد أو يكون غير لازم لاحدهما بعينه ولا لهما جميعا، وهذا هوس لا يعقل، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (على أيهما استقر)

[ 119 ]

1235 مسألة ولايجوز أن يشترط في بيع ولا في لم ولا في مداينة أصلا أعطاء ضامن، ولا يجوز أن يكلف أحد في خصومة اعطاء ضامن به لئلا يهرب، ولا يجوز أن يكلف من وجب له حق من ميراث أو غيره ضامنا، وكل ذلك جور وباطل لانه كله شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل، ولانه تكليف ما لم يأن قط نص من الله تعالى ولا من رسوله عليه السلام بايجابه فهو شرع لم يأذن به الله تعالى، فان احتج من يجيز ذلك أو بعضه بالخبر الذى رويناه من طريق عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبيه عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بنى اسرائيل سأل بعض بنى اسرائيل أن يسلفه ألف دينار فذكر كلاما وفيه فقال: ائتنى بالكفيل فقال: كفى بالله كفيلا فقال: صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا [ يركبها ] (1) يقدم عليه للاجل الذى أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها ثم ادخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج (2) موضعها ثم أتى بها إلى البحر فذكر كلاما وفيه فرمى بها إلى البحر) وذكر باقى الخبر، وذكر البخاري هذا الخبر منقطعا غير متصل، فان هذا خبر لا يصح لانه من طريق عبد الله بن صالح وهو ضعيف جدا، ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه شريعة غير شريعتنا ولا يلزمنا غير شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) والعجب أنهم أول مخالف له فانهم لا يجيزون البتة لا حدان يقذف ماله في البحر لعله يبلغ إلى غريمه بل يقضون على من فعل هذا بالسفه ويحجرون عليه ويؤدبونه (3) فكيف يستسهل ذو حياء ان يحتج على خصمه بما هو اول مخالف له وحسبنا الله ونعم الوكيل * 1236 مسألة ولا يجوز ضمان الوجه اصلا لا في مال ولا في حدو لا في شئ من الاشياء لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، ومن طريق النظر اننا نسألهم عمن تكفل بالوجه فقط فغاب المكفول ماذا تصنعون بالضامن لوجهه أتلزمونه غرامة ما على المضمون فهذا جور وأكل مال بالباطل لانه لم يلتزمه قط أم تتركونه؟ فقد أبطلتم الضمان بالوجه الذى جاذبتم (4) فيه الخصوم وحكمتم بانه لا معنى له أم تكلفونه طلبه؟ فهذا تكليف الحرج وما لا طاقة له به وما لم يكلفه الله تعالى اياه قط ولا منفعة فيه ولعله يزول عن موضعكم ولا يطلبه ولكن يشتغل بما يعنيه، وقولنا هذا هو أحد


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 193 (2) أي سوى موضع النقر وأصلحه (3) في النسخة رقم 16 (ويؤذونه) وهو تصحيف (4) في النسخة الحليبة وغيرها (جادلتم)

[ 120 ]

قول الشافعي. وقول أبى سليمان، وقال أبو حنيفة. ومالك: يجوز ضمان الوجه الا ان مالكا قال: ان ضمن الوجه غرم المال الا أن يقول الوجه خاصة فكان هذا التقسيم طريفا جدا وما يعلم أحد فرق بين قوله أنا أضمن وجهه وبين قوله أنا اضمن وجهه خاصة، وكلا القولين لم يلتزم فيه غرامة مال ولا ضمانة أصلا فكيف يجوز أن يأخذ بغرامة مال لم يضمنه قط؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل، وما نعلم لمالك في هذا التقسيم سلفا * واحتج المجيزون ضمان الوجه بخبر رويناه من طريق العقيلى عن ابراهيم بن الحسن الهمداني عن محمد بن اسحاق البلخى عن ابراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك عن أبيه خثيم عن عراك عن أبى هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كفل في تهمة) * وبما روينا من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن محمد بن حمزة بن عمرو الاسلمي عن أبيه ان عمر بعثه مصدقا على بنى سعد هذيم فذكر الخبر وفيه (أنه وجد فيهم رجلا وطئ أمة امرأته فولدت منه فأخذ حمزة بالرجل كفيلا) لانهم ذكروا له أن عمر قد عرف خبره وانه لم ير عليه رجما لكن جلده مائة فلما أتى عمر أخبره الخبر فصدقهم عمر قال: وانما درأعنه الرجم (1) لانه عذره بالجهالة * وبخبر رويناه من طريق اسرائيل عن أبى اسحاق عن حارثة بن مضرب أن ابن مسعود أتى بقوم يقرون بنبوة مسيلمة وفيهم ابن النواحة فاستتابه فأبى فضرب عنقه ثم ان ابن مسعود استشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الباقين فأشار عليه عدى بن حاتم بقتلهم وأشار عليه الاشعث بن قيس. وجرير بن عبد الله باستتابتهم وان يكفلهم عشائر هم فاستتباهم فكفلهم عشائرهم ونفاهم إلى الشام * وذكروا أن شريحا كفل في دم وحبسه في السجن، وان عمر بن عبد العزيز كفل في حد قالوا: وهذا اجماع من الصحابة كما ترى * قال أبو محمد: في احتجاج من احتج بهذا كله دليل على رقة دين المحتج به ولا مزيد وعلى قلة مبالاته بالفضيحة العاجلة والخزى الآجل عند الله تعالى وما لهم حجة أصلا غير ما ذكرنا وكل ذلك باطل * أما الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فباطل لانه من رواية ابراهيم بن خثيم بن عراك وهو وأبوه في غاية الضعف لا تجوز الرواية عنهما ومعاذ الله من أن يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا بتهمة وهو القائل: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) والتهمة ظن، ولو جاز ان يكفل انسان بتهمة لوجب الكفيل على كل من على ظهر الارض إذ ليس أحد بعد الصدر الاول يقطع ببراءته من التهمة، وهذا تخليط لا نظير له والمحتجون بهذا الخبر لا يقولون بما فيه من أخذ الكفالة في التهمة فمن أضل ممن يحتج


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (وانما درأ عنه الحد)

[ 121 ]

بخبر يطلقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس فيه منه شئ وهو يخالف كل ما في ذلك الخبر ويرى الحكم بما فيه جورا وظلما؟ نبرأ إلى الله تعالى من مثل هذا * وأما خبر حمزة بن عمرو الاسلمي فباطل لانه عن عبد الرحمن بن أبى الزناد وهو ضعيف، ثم المحتجون به أول مخالف لما فيه فليس منهم أحد يرى أن يجلد الجاهل في وطئ أمة امرأته مائة ولا أن يدرأ الرجم عن الجاهل (1) فكيف يستحلون أن يحتجوا عن عمر رضى الله عنه بعمل هو عندهم جور وظلم أما في هذا عجب وعبرة! ما شاء الله كان، وأيضا فكلهم لا يجيز الكفالة في شئ من الحدود وهذا الخبر انما فيه الكفالة في حد فاعجبوا لهذه العجائب * وأما خبر ابن مسعود فاننا رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة كلاهما عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن ابن مسعود، ومن طريق الاعمش. وشعبة. وسفاين الثوري كلهم عن أبى اسحاق عن حارثة بن مضرب عن ابن مسعود، وهذه الاسانيد هي أنوار الهدى لم يذكر أحد منهم في روايته أنه كفل بهم ولا ذكر منهم أحد كفالة الا اسرائيل وحده - وهو ضعيف - ولو كان ثقة ما ضر روايته من خالفها من الثقات ولكنه ضعيف، ثم لو صحت لكان جميع المحتجين بها أول مخالف لها لانهم كلهم لا يجيزون الكفالة في الردة تاب أو لم يتب ولا يرون التغريب على المرتد إذا تاب، وليس هذا مكانا يمكنهم فيه دعوى نسخ بل هي احكام مجموعة اما صواب وحجة وإما خطأ وغير حجة، الكفالة بالوجه في الحدود وفى الردة والتغريب في الردة، وجلد الجاهل المحصن في الزنا مائة جلدة ولا يرجم فيا للمسلمين كيف يستحل من له مسكة حياء أن يحتج على خصمه بما هو أول مخالف له؟ وكذلك الرواية عن شريح. وعمر بن عبد العزيز انما هي أنهما كفلا في حد ودم وهم لا يرون الكفالة فيهما أصلا، وهى بعد عن شريح من طريق جابر الجعفي - وهو كذاب - ولا يعفر هذا أيضا يصح عن عمر بن عبد العزيز، فان كان ما ذكروا من هذه التكاذيب اجماعا كما زعموا فقد أقروا على أنفسهم بمخالفة الاجماع فسحقا وبعدا لمن خالف الاجماع نقول فيهم: كما قال تعالى فيمن اعترف على نفسه بالضلال: (فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير) وشهدوا على أنفسهم الا أن أولئك نادمون وهؤلاء مصرون، وأما نحن فلو صحت هذه الروايات كلها لما كان فيها حجة لانها انما هي عن خمسة من الصحابة رضى الله عنهم فقط وأين هذه من صلاة معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم امامته قومه في المسجد بنى سلمة في تلك الصلاة وخلفه ثلاثة


(1) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (ولا أن يدرأ الرجم عن غير الجاهل) بزيادة لفظ (غير) (م 16 - ج 8 المحلى)

[ 122 ]

وأربعون بدريا مسمون باسمائهم وأنسابهم سوى سائر أصحاب المشاهد منهم؟ فلم يروا هذا اجماعا بل رأوها صلاة فاسدة ومعاذ الله من هذا بل هي والله صلاة مقدسة فاضلة حق وصلاة المخالفين لها هي الفاسدة حقا، وأين هذا من اعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه أرض خيبر على نصف ما يخرج منها من زرع أو تمر إلى غير أجل مسمى لكن يقرونهم [ بها ] (1) ما شاءوا ويخرجونهم إذا شاءوا؟ فلم يروا هذا اجماعا بل رأوه معاملة فاسدة مردودة وحاش لله من هذا بل هو والله الاجماع المتيقن والحق الواضح، وأقوال من خالف ذلك هي الفاسدة المردودة حقا، ونحمد الله تعالى على ما من به، ثم اعلموا الآن أنه لم يصح قط اباحة كفالة الوجه عن صاحب ولا تابع فهى باطل متيقن لا تجوز البتة وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب الكفالة والحمد لله رب العالمين * كتاب الشركة 1237 مسألة لا تجوز الشركة بالابدان أصلا لا في دلالة. ولا في تعليم. ولا في خدمة. ولا في عمل يد. ولا في شئ من الاشياء فان وقعت فهى باطل لا تلزم ولكل واحد منهم أو منهما ما كسب فان اقتسماه وجب أن يقضى له باخذه ولا بدلانه (2) شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، ولقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وهذا كله عموم في الدنيا والآخرة لانه لم يأت بتخصيص شئ من ذلك قرآن. ولا سنة، فمن ادعى في ذلك تخصيصا فقد قال على الله تعالى ما لا يعلم، وأما نحن فقد قلنا: (3) ما نعلم لان الله تعالى لو أراد تخصيص شئ من ذلك لما أهمله ليضلنا ولبينه لنا رسوله صلى الله عليه وسلم المأمور ببيان ما أنزل عليه (4) فاذلم يخبرنا الله تعالى ولارسوله عليه السلام بتخصيص شئ من ذلك فنحن على يقين قاطع بلت على أنه تعالى اراد عموم كل ما اقتضاه كلامه، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل أن يقضى بمال مسلم أو ذمى لغيره إلا بنص قرآن. أو سنة والا فهو جور، ولقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فهذه ليست تجارة أصلا، فهى أكل مال بالباطل *


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (لانها) (3) في النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية (وأما نحن فقلنا) باسقاط لفظ (فقد) (4) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (ما أنزل الينا) وهذه الجملة سقطت من النسخة الحلبية

[ 123 ]

1238 - مسألة - فان كان العمل لا ينقسم واستأجرهما صاحبه بأجرة واحدة فالاجرة بينهما على قدر عمل كل واحد ككمد ثوب واحد. أو بناء حائط واحد. أو خياطة ثوب واحد. وما أشبه هذا؟ وكذلك ان نصبا حبالة معا فالصيد بينهما أو أرسلا جارحين فاخذاصيدا واحدا فهو بينهما والا فلكل واحد ما صاد جارحه، وقال أبو حنيفة: شركة الابدان جائزة في الصناعات اتفقت صناعتهما أو اختلفت عملا في موضع واحد أو في موضعين، فان غاب أحدهما أو مرض فما أصاب الصحيح الحاضر فبينهما ولا تجوز في التصيد ولا في الاحتطاب * قال أبو محمد: هذا تقسيم فاسد بلا برهان، وروى عنه ان شركة الابدان لا تجوز الا فيما تجوز فيه الوكالة وهذا في غاية الفساد أيضا لان الوكالة عنده جائزة في النكاح فنجب أن تجوز الشركة عندهم (1) في النكاح، وقال مالك شركة الابدان جائزة في الاحتطاب وطلب العنبر إذا كان كل ذلك في موضع واحد، وكذلك إذا اشتركا في صيد الكلاب والبزاة إذا كان لكل واحد منهما باز وكلب يتعاون البازان أو الكلبان على صيد واحد، وتجوز الشركة عنده على التعليم في مكان واحد فان كانا في مجلسين فلاضير فيه، وأجاز شركة الابدان في الصناعات إذا كانا في دكان واحد كالقصار ونحوه إذا كان ذلك في صناعة واحدة فان مرض أحدهما فالاجرة بينهما، وكذلك ان غاب أحدهما أو عمل أحدهما يوما والآخر يومين ولا يجوز عنده اشتراك الحمالين أو النقالين على الدواب ولا يجوز عنده الاشتراك في صناعتين أصلا كحداد وقصار ونحو ذلك وهذا تحكم بلا برهان (2) وقول: لا نعلم لهم فيه سلفا، وقولنا هو قول الليث. وأبى سليمان. والشافعي. وأبى ثور * واحتج من أجاز شركة الابدان بما روينا من طريق أبى داود عن عبيدالله بن معاذ العنبري عن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن أبى عبيدة ابن عبد الله (3) بن مسعود عن أبيه قال: اشتركت أنا وعمار بن ياسر. وسعد بن أبى وقاص فيما نصيب يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشئ * قال أبو محمد: وهذا عجب عجيب وما ندرى على ماذا يحمل عليه أمر هؤلاء القوم؟ ونسأل الله السلامة من التمويه في دينه تعالى بالباطل * أول ذلك ان هذا خبر منقطع لان أبا عبيدة لا يذكر من أبيه شيئا روينا ذلك من طريق وكيع عن شعبة عن عمرو ابن مرة قال: قلت لابي عبيدة أتذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا * والثانى انه لو صح


(1) في النسخة الحلبية (فتجب أن تكون الشركة عندهم) (2) في النسخة رقم 16 (بلا دليل) (3) في سنن أبى داود (عن عبد الله) وهو هو

[ 124 ]

لكان أعظم حجة عليهم لانهم أول قائل معنا ومع سائر المسلمين ان هذه شركة لا تجوز وانه لا ينفرد أحد من أهل العسكر بما يصيب دون جميع أهل العسكر حاشا ما اختلفنا فيه من كون السلب للقاتل وانه ان فعل فهو غلول من كبائر الذنوب * والثالث ان هذه شركة لم تتم ولا حصل لسعد ولا لعمار ولا لابن مسعود من ذينك الاسيرين الا ما حصل لطلحة بن عبيد الله الذى كان بالشام. ولعثمان بن عفان الذى كان بالمدينة فأنزل الله تعالى في ذلك: (قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصحلوا ذات بينكم) فكيف يستحل من يرى العار (1) عارا أن يحتج بشركة أبطلها الله تعالى ولم يمضها؟ * والرابع انهم - يعنى الحنيفين - لا يجيزون الشركة في الاصطياد ولا يجيزها المالكيون في العمل في مكانين فهذه الشركة المذكورة في الحديث لا تجوز عندهم، فمن أعجب ممن يحتج في تصحيح قوله برواية لا تجوز عنده؟: والحمد لله رب العالمين على توفيقه لنا * 1239 - مسألة - ولا تجوز الشركة الا في أعيان الاموال فتجوز في التجارة بأن يخرج أحدهما مالا والآخر مالا مثله من نوعه أو أقل منه أو أكثر منه فيخلطا المالين ولابد حتى لا يميز أحدهما ماله من الآخر ثم يكون ما ابتاعا بذلك المال بينهما على قد حصصهما فيه والربح بينهما كذلك والخسارة عليهما كذلك، فان لم يخلطا المالين فلكل واحد منهما ما ابتاعه هو أو شريكه به ربحه كله له وحده وخسارته كلها عليه وحده * برهان ذلك انهما إذا خلطا المالين فقد صارت تلك الجملة مشاعة بينهما فما ابتاعا بها فمشاع بينهما واذ هو كذلك فثمنه أصله. وربحه مشاع بينهما. والخسارة مشاعة بينهما، وأما إذا لم يخلطا المالين فمن الباطل أن يكون لزيد ما ابتيع بمال عمرو أو ما ربح في مال غيره أو ما خسر في مال غيره لما ذكرنا آنفا من قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) * 1240 مسألة فان ابتاع اثنان فصاعدا سلعة بينهما على السواء أو ابتاع أحدهما منها أكثر من النصف والآخر أقل من النصف فهذا بيع جائز والثمن عليهما على قدر حصصهما فما ربحا أو خسرا فبينهما على قدر حصصهما لان الثمن بدل من السلعة وهكذا لو ورثا سلعة أو وهبت لهما أو ملكا ها بأى وجه ملكاها به فلو تعاقدا أن يبتاعا هكذا لم يلزم لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1241 مسألة ولا يحل للشريكين فصاعدا أن يشترطا أن يكون لاحدهما


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (من رأى العار)

[ 125 ]

من الربح زيادة على مقدار ماله فيما يبيع ولا أن يكون عليه خسارة ولا أن يشترطا أن يعمل أحدهما دون الآخر فا وقع شئ من هذا فهو كله باطل مردود وليس له من الربح إلا ما يقابل ماله من المال وعليه من الخسارة بقدر ذلك لانه كله شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، فان عمل أحدهما أكثر من الآخر أو عمل وحده تطوعا بغير شرط فذلك جائز، فان أبى من أن يتطوع بذلك فليس له الا أجر مثله في مثل ذلك العمل ربحا أو خسرا لانه ليس عليه أن يعمل لغيره فاغتنام عمله بغير طيب نفسه اعتداء وعلى المعتدى مثل ما اعتدى فيه لقول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * 1242 - مسألة - فان أخرج أحدهما ذهبا والآخر فضة أو عرضا أو ما أشبه ذلك لم يجز أصلا الا بأن يبيع أحدهما عرضه أو كلاهما حتى يصير الثمن ذهبا فقط أو فضة فقط ثم يخلطا الثمن كما قدمنا ولا بد لما ذكرنا قبل، أو يبيع أحدهما من الآخر مما أخرج بمقدار ما يريد أن يشاركه به حتى يكون رأس المال بينهما مخلوطا لا يتميز ولا بد لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 1243 - مسألة - ومشاركة المسلم للذمي جائزة ولا يحل للذمي من البيع والتصرف الا ما يحل للمسلم لانه لم يأت قرآن. ولا سنة بالمنع من ذلك، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر - وهم يهود - بنصف ما يخرج منها على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم فهذه شركة في الثمن. والزرع. والغرس، وقد ابتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما من يهودى بالمدينة ورهنه درعه فمات عليه السلام وهى رهن عنده وذكرناه باسناده في كتاب الرهن من ديواننا هذا، فهذه تجارة اليهود جائزة ومعاملتهم جائزة (1) ومن خالف هذا فلا برهان له * وروينا عن اياس بن معاوية لا بأس بمشاركة المسلم الذمي إذا كانت الدراهم عند المسلم وتولى العمل لها وهو قول مالك، وكره ذلك أصحاب أبى حنيفة جملة * قال أبو محمد: من عجائب الدنيا تجويز أبى حنيفة. ومالك معاملة اليهود والنصارى وان أعطوه دراهم الخمر والربا! ثم يكرهون مشاركته حيث لا يوقن بأنهم يعملون بمالا يحل، وهذا عجب جدا! وأما نحن فانا ندرى انهم يستحلون الحرام كما ان في السملمين من لا يبالى من أين أخذ المال الا أن معاملة الجميع جائزة ما لم يوقن حراما فإذا أيقناه حرم أخذه من كافر أو مسلم * وروينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري


(1) في النسخة رقم 16 (فهذه تجارة اليهودي جائزة ومعاملته جائزة)

[ 126 ]

عن أبى حصين قال: قال [ لى ] (1) على بن أبى طالب في المضارب وفى الشريكين: الربح على ما اصطلحا عليه ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن هشام أبى كليب. وعاصم الاحول. واسماعيل الاسدي قال اسماعيل: عن الشعبى، وقال عاصم: عن جابر ابن زيد (2)، وقال هشام: عن ابراهيم النخعي قالوا كلهم في شريكين أخرج أحدهما مائة والآخر مائتين: ان الربح على ما اصطلحا عليه والوضيعة على رأس المال * قال على: هذا صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف (3) وقد خالفه الحنيفيون والمالكيون وخالفوا معه من ذكرنا من التابعين * 1244 - مسألة - فان أخذ أحد الشريكين شيئا من المال حسبه على نفسه ونقص به من رأ س ماله ذلك القدر الذى أخذ ولم يكن له من الربح الا بقدر ما بقى له ولا يحل لاحد منهما (4) أن ينفق الا من حصته من الربح ولا مزيد لما ذكرنا من أن الأموال محرمة على غير أربابها فان تكارما في ذلك جاز ما نفد بطيب النفس ولم يلزم في المستأنف ان لم تطب به النفس * 1245 - مسألة - ومن استأجر أجيرا يعاونه في خياطة أو نسج أو غير ذلك بنصف ما يرد أو بجزء مسمى منه فهو باطل وعقد فاسد وله بقدر ما يعمل (5) ولابد فان تكارما بذلك عن غير شرط فهو جائز ما دام بطيب نفوسهما بذلك فقط لقوله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) * 1246 - مسألة - ومن كانت بينهما الدابة مشتركة لم يجز أن يتشارطا استعمالها بالايام لانه ليس شرط في كتاب الله فهو باطل وقد يستعملها أحدهما أكثر مما يستعملها الآخر والاموال محرمة على غير أربابها الا بطيب أنفسهم فان تكارما في ذلك جاز مادام بطيب أنفسهم بذلك لما ذكرنا من أن لكل أحد أن يطيب نفسه من ماله بما شاء ما لم يمنعه من ذلك نص، وكذلك القول في العبد. والرحى وغير ذلك، فان تشاحا فلكل أحد منهما على الآخر نصف أجرة ما استعمل فيه ذلك الشئ المشترك أو مقدار حصته من أجرتها فان آجرها فحسن والاجرة بينهما على قدر حصصهما في تلك السلعة * 1247 - مسألة - ومن كانت بينهما سلع مشتركة ابتاعاها للبيع فأراد أحدهما


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (عن جابر بن عبد الله زيد) (3) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (لا نعرف له من الصحابة مخالفا) (4) في النسخة رقم 16 (للآخذ منهما) وهو تصحيف (5) في النسخة رقم 16 (ولم يقدر ما يعمل) وهو غلط

[ 127 ]

البيع أجبر شريكه على البيع لانهما على ذلك تعاقدا الشركة فان لم تكن للبيعل لم يجبر على البيع من لا يريده لانه لم يوجب ذلك نص، ومن كانت بينهما دابة. أو عبد. أو حيوان أجبرا على النفقة وعلى ما فيه صلاح كل ذلك ومن كانت بينهما أرض لم يجبر من لا يريد عمارتها على عمارتها لكن يقتسمانها ويعمر من شاء حصته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت له أرض فليزرعها أو فليزرعها أو ليمسك أرضه) ومن كانت بينهما دار أو رحى أو مالا ينقسم أجبرا على الاصلاح لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال ولكل أو امره حقها من الطاعة لا يحل ضرب بعضها ببعض وبيع الشريك فيما اشتركا فيه للبيع جائز على شريكه وابتياعه كذلك لانهما على ذلك تعاقدا فكل واحد منهما وكيل للآخر فان تعدى ما أمره به فباع بوضعية أو إلى أجل أو اشترى عيبا فعليه ضمان كل ذلك لانه لم يوكله بشئ من ذلك فلا يجوز له في مال غيره الا ما أباحه له، ولا يجوز اقرار أحدهما على الآخر في غير ما وكله به من بيع أو ابتياع لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وكل واحد منهما إذا أراد الانفصال فله ذلك ولا تحل الشركة إلى أجل مسمى لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب الشركة والحمد لله رب العالمين (1) *


(1) وجد في النسخة الحلبية زيادة نقلها الناسخ من كتاب الايصال للمؤلف وادرجها في أصل النسخة فاتما ما للفائدة ذكرتها هنا ولم ادخلها في الاصل لئلا يظن أنها منه وهى هذه * قال على: فان كانت الشركة في رحى لم يجز قسمتها بالايام لكن يطحن كل واحد منهم مثل ما يطحن الآخر ويقسمون الاجرة على حصصهم إذ لا منفعة للرحى إلا الطحن فان اقتسموها بالايام وقع التفاضل وهذا حرام فان كان عبد مشترك فكسبه وغلته بخلاف خدمته فكل ما اكتسب بهبة أو اجرة أو غيرهما فلكل واحد من مالكيه انتزاع مقدار حصته فقط ولايجوز اقتسامها بالايام للتفاضل المذكور، وكذلك ألبان المواشى وأولادها لا يجوز اقتسامها بالايام ولا بالشهور ولا اقتسام غلة الدور بالشهور ولا الاعوام ولا اقتسام حمل الشجر بالاعوام لكن يقسم كل ما ظهر من لبن أو ولد وغلة أو حمل على قدر الحصص إذ فيما عدا ذلك التفاضل وأكل بعضهم مال بعض بالباطل وهذا حرام بالنص وبالله تعالى التوفيق * قال على: وجاء في المضارة خبر نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا قتيبة بن سعيد نا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن يحيى عن لؤلؤة عن صرمة - هو قيس بن مالك المازنى له صحبة - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (من ضار أضر الله به ومن شاق شاق الله عليه)

[ 128 ]

كتاب القسمة 1248 - مسألة - القسمة جائزة في كل حق مشترك (1) إذا أمكن وعلى حسب ما يمكن * برهان ذلك قول الله تعالى: (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) * ومن طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا حماد - هو ابن سلمة - عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن عبد الله بن يزيد الخطمى عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل فيقول: اللهم هذه قسمتي (2) فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) [ يعنى القلب ] (3) فهذان نصان عموم لكل قسمة وليس لا حد أن يخصهما في ميراث أوبين النساء برأيه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يعطى كل ذى حق حقه برهان قاطع في وجوب القسمة إذا طلب ذو الحق حقه وبالله تعالى التوفيق * 1249 - مسألة - ويجبر الممتنع منهما عليها ويوكل للصغير. والمجنون. والغائب من يعزل له حقه لما ذكرنا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن يعطى كل ذى حق حقه) فوجب أن ينفذ ذلك ويقضى به لكل من طلب حقه، وأما التقديم لمن ذكرنا فلقول الله عز وجل: (كونوا قوامين بالقسط) وهذا من القسط * 1250 - مسألة - وفرض على كل آخذ حظه من المقسوم أن يعطى منه من حضر القسمة من ذوى قربى أو مسكين ما طابت به نفسه ويعطيه الولى عن الصغير. والمجنون. والغائب لقول الله تعالى: (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) وأمر الله تعالى فرض حتى يأتي نص ثابت بأنه ليس فرضا والا فقول من قال: لا يلزم انفاذ أمر الله تعالى لخصوص ادعاه. أو نسخ زعمه. أو لندب أطلقه بظنه قول ساقط مردود فاسد فاحش الا أن يخبرنا بشئ من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعا وطاعة لانه المبلغ عن الله تعالى أحكامه، وأما من دونه فلا * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم عن يونس - هو ابن عبيد - ومنصور بن المعتمر. والمغيرة ابن مقسم قال يونس. ومنصور عن الحسن، وقال المغيرة: عن ابراهيم ثم اتفق الحسن وابراهيم قالا جميعا في قول الله تعالى: (وإذا حضر القسمة أو لو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه): هي بحكمة وليست بمنسوخة، وبه إلى هشيم عن عوف - هو ابن أبى جميلة -


(1) في النسخة رقم 16 (في حق كل مشترك) (2) في سنن أبى داود (هذا قسمي) (3) الزيادة من سنن أبى داود، وأخرج هذا الحديث أيضا النسائي والترمذي وابن ماجه

[ 129 ]

عن ابن سيرين قال: كانوا يرضخون لهم إذا حضر أحدهم القسمة، وابن سيرين أدرك الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق أحمد بن محمد بن اسماعيل الصفار النحوي نا جعفر بن مجاشع نا ابراهيم بن اسحاق نا عبيدالله نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان - هو الثوري - عن ابن ابى نجيح عن مجاهد. (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) قال: هي واجبة عند قسمة الميراث ما طابت به أنفسهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في هذه الآية قال: هي محكمة ما طابت به أنفسهم عند أهل الميراث، فان قيل: قد روى عن الضحاك. وابن المسيب. وابن عباس أنها منسوخة، وقال قوم: انها ندب قلنا: أما الاحتجاج بقول ابن المسيب. والضحاك فقول يستغنى عن تكلف الرد عليه باكثر من ايراده فكيف وقد خالفهما الحسن. وابن سيرين. والنخعي. والزهرى. ومجاهد. وغيرهم؟ وأما ابن عباس فما قول أحد حجة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وقد جاء عن ابن عباس خلاف هذا؟ كما رويا من طريق أحمد بن محمد بن اسماعيل الصفار النحوي نا بكر بن سهل نا أبو صالح نا معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) قال: أمر الله عزوجل عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم ويتاماهم ومساكينهم من الوصية فان لم تكن وصية وصل لهم من الميراث، وقد حكم بهذه الآية في ميراث عبد الرحمن بن أبى بكر بعلم عائشة أم المؤمنين فلم تنكر ذلك، ولا عجب أعجب ممن يأتي إلى ما قد صح عن ابن عباس من أن قول الله تعالى: (فان جاموك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) منسوخ بقوله تعالى: (وان احكم بينهم مما أنزل الله) فلا يلتفت إليه وهو قول قد صح برهانه بانكار الله تعالى حكم الجاهلية، وكل ما خالف دين الاسلام فهو حكم جاهلية سواء كان مفترى من أهله أو كان من عند الله تعالى ثم نسخه بغيره كالصلاة إلى بيت المقدس. وتربص المتوفى عنها حولا. والتزام السبت. وغير ذلك، ثم يأتي فيحتج بقول جاء عن ابن عباس في هذه الآية قد جاء عنه خلافه، وهذا هو اتباع الهوى والتحكم بالباطل في دين الله عزو جل، ولئن كان قول ابن عباس المختلف عنه فيه ههنا حجة فأحرى ان يكون حجة حيث لم يختلف عنه وان كان ليس قوله (1) هنا لك حجة فليس ههنا حجة، ثم أن قول القائل: هذه الآية منسوخة أو غير واجبة قول لا يحل اتباعه لانه دعوى بلا برهان ونهى عن اتباع أمر الله تعالى وأمر رسوله عليه السلام بلا برهان أو اباحة لمخالفتهما كذلك وكل ذلك باطل متيقن الا بنص ثابت من قرآن


(1) في النسخة رقم 16 (ولئن كان قوله ليس) الخ (م 17 ج المحلى)

[ 130 ]

أو سنة، وبالله تعالى التوفيق * 1251 مسألة ولا يجوز أن يجبر أحد من الشركاء على بيع حصته مع شريكه أو شركائه ولا على تقاومهما الشئ الذى هما فيه شريكان أصلا كان مما ينقسم أومما لا ينقسم من الحيوان لكن يجبران على القسمة ان دعا إليها أحدهما أو أحدهم أو تقسم المنافع بينهما ان كان لا تمكن القسمة ومن دعا إلى البيع قيل له: ان شئت فبع حصتك وان شئت فأمسك وكذلك شريكك الا أن يكون في ذلك اضاعة للمال بلا شئ من النفع فيباع حينئذ لواحد كان أو لشريكين فصاعدا إلا أن يكون اشتر كالتجارة فيجبر على البيع ههنا خاصة من أباه * برهان ذلك قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح بهذا انه لا يخل أن يخرج مال أحد عن ملكه بغير تراض منه والاجبار على البيع اخراج للمال عن صاحبه إلى من هو حرام عليه بنص القرآن والسنة وهذا ظلم لا شك فيه، فان قيل: ان في ترك أحدهما البيع ضررا بانتقاص قيمة حصة الآخر قلنا: لا ضرر في ذلك بل الضرر كله هو ان يجبر المرء على اخراج ملكه عن يده فهذا الضرر هو المحرم لا ضرر انسان بان لا ينفذ له هواه في مال شريكه، وقد وافقنا المخالفون ههنا على أن من له قطعة أرض أو دار صغيرة إلى جنب أرض أو دار لغيره لو بيعتا معا لتضاعفت القيمة لهما وان بيعتا متفرقتين (1) نقصت القيمة انه لا يجبر أحد على ذلك ان أباه فمن أين وقع لهم هذا الحكم في المشترك من الاموال دون المقسوم منها؟ وقولهم ههنا عار من الادلة كلها وظلم لا خفاء به * وأما ما ابتيع للتجارة والبيع (2) فهو شرط قد أباحة القرآن والسنة فلا يجوز ابطاله الا برضا منهما جميعا وبالله تعالى التوفيق * ومن عجائب الاقوال ان الذين يجبرون الشرك على البيع مع شريكه أو على تقاومه حتى يحصل لاحدهما كله لا يرون الشفعة في ذلك فيما عدا الارض والبناء فأوجبوا البيع حيث لم يوجبه الله تعالى. ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبطلوه حيث أوجبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهما بيع وبيع * 1252 مسألة ويقسم كل شئ سواء أرضا كان أو دارا صغيرة أو كبيرة أو حماما أو ثوبا أو سيفا أو لؤلؤة أو غير ذلك إذ لم يكن بينهما مال مشترك سواه حاشا الرأس الواحد من الحيوان والمصحف فلا يقسم أصلا لكن يكون بينهم يؤاجرونه


(1) في النسخة الحلبية (وان بيعا منفردين) (2) في النسخة رقم 16 (والبيع)

[ 131 ]

ويقتسمون أجرته أو يخدمهم أياما معلومة * برهان ذلك قول الله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون) إلى قوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا)) وقال قوم: ان لم ينتفع واحد من الشركاء بما يقع له وانتفع سائرهم لم يقسم، وقال آخرون: ان انتفع بما يقع له واحد منهم أجبروا على القسمة وان لم ينتفع الآخرون، وقال قوم: ان استضر أحدهم بالقسمة في انحطاط قيمة نصيبه لم يقسم * قال أبو محمد: وهذه أقوال فاسدة متناقضة لا يدل على صحة شئ منها قرآن. ولاسنة ولا قياس. ولا رأى سديد، أما من منع من القسمة ان كان فيهم واحد لا ينتفع بما يقع له فقد عجل الضرر لغيره منهم بمنعه من أخذ حقه والتصرف فيه بما يشاء، فما الذى جعل ضرر زيد مباحا خوف ان يستضر عمرو؟ وكذلك يقال لمن راعى انحطاط قيمة حصة أحدهم بالقسمة، وأما تناقضهم فانهم لا يختلفون في قسمة الارض الواسعة وان انحطت (1) قمية بعض الحصص انحطاطا ظاهرا فظهر تناقضهم، وفى المسألة التى قبل هذه زيادة في بيان فساد أقوالهم غنينا عن تكرارها، ولا فرق بين قسمة السيف. واللؤلؤة. والثوب. والسفينة وبين قسمة الدار. والحمام. والارض، وقد ينتفع المرء بكل ما يقع له من ذلك وقد ينحط النصيب من الارض. والدار من قيمة المئين من الدنانير أضعاف ما ينحط النصيب من السيف. والثوب. والؤلؤة، ومالك. والشافعي يبيحان قسمة الحمام إذا دعا إلى ذلك أحدهما وان لم ينتفع شريكه بما يقع له من ذلك، وأبو حنيفة يرى ذلك إذا اتفقا عليه، وقد يسقط في هذا من القيمة ويبطل من المنفعة ما لا يسقط من الؤلؤة إذا قسمت والسيف إذا قسم ولا سبيل إلى وجود قول صاحب بخلاف هذا فكيف دعوى الاجماع بالباطل؟ فظهر فساد نظر هم وبطل احتياطهم باباحتهم في موضع ما منعوا منه في آخر، وأما الرأس الواحد من الحيوان فان كان انسانا فتفصيل أعضائه حرام وان كان مما لا يؤكل لحمه كالحمار. والكلب. والسنور فقتله حرام وذبحه لا يكون زكاة فهو اضاعة للمال ومعصية مجردة وان كان مما يؤكل لحمه لم يحل ذبحه بغير اذن كل من له فيه ملك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل لاحد ذبح حصة شريكه بغير اذنه الا أن يرى به موت فيبادر بذبحه لان تركه ميتة اضاعة للمال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أضاعه المال * وأما المصحف فلا يحل تقطيعه ولا تفريق أوراقه لان رتبة كتاب الله منزلة من عنده فلا تحال، وقد روينا عن مجاهد


(1) في النسخة رقم 16 (ان انحطت)

[ 132 ]

لا يقسم المصحف، واحتج المانعون من هذا بخبر فيه (لا تعضية على أهل الميراث الا فيما احتمل القسم) وهذا خبر مرسرويناه من طريق ابن وهب عن ابن جريج عن صديق ابن موسى عن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، ثم لو صح لكان حجة لنا لان التعضية مأخوذة من قسمة الاعضاء وانما الاعضاء للحيوان فقط * 1253 - مسألة - فان كان المال المقسوم اشياء متفرقة فدعا أحد المقتسمين إلى اخراج نصيبه كله بالقرعة في شخص من أشخاص المال أو في نوع من أنواعه قضى له بذلك أحب شركاؤه أم كرهوا، ولا يجوز أن يقسم كل نوع بين جميعهم، ولا كل دار بين جميعهم، ولا كل ضيعة بين جميعهم الا باتفاق جميعهم على ذلك، ويقسم الرقيق والحيوان. والمصاحف وغير ذلك، فمن وقع في سهمه عبدو بعض آخر بقى شريكا في الذى وقع حظه فيه * برهان ذلك ان من قال: غير قولنا لم يكن له بد من ترك قوله هذا والرجوع إلى قولنا أو ابطال القسمة جملة وتكليف ما لا يطاق، وذلك أنه يقال له: ما الفرق بينك في قولك تقسم كل دار بينهم. وكل ضيعة بينهم. وكل غنم بينهم. وكل بقربينهم. وكل رقيق بينهم. وكل ثياب بينهم وبين آخر؟ قال: بل يقسم كل بيت بينهم وكل ركن من كل فدان بينهم لانه إذا جعلت لكل واحد منهم حصة في كل شئ تركه الميت لزمك هذا الذى ألزمناك ولابد، فان قال: ان الله تعالى يقول: (مما قل أو كثر نصيبا مفروضا) قلنا: نعم هذا الحق وهذه الآية حجتنا عليك لانك (1) إذا حملتها على ما قلت لزمك ما قلنا ولا بد والآية موجبة لقولنا لان الله تعالى انما أراد منا ما قد جعله في وسعنا فانما أراد تعالى مما قل ما تركه الميت أو كثر فقط ولم يرد تعالى قط من كل جزء من المقسوم إذ لو أراد تعالى ذلك لكان تعالى قد كلفنا ما ليس في الوسع من قسمة كل جزء منه ولو على قدر الصوابة فظهر فساد قولهم، وأيضا فان الخبر الثابت الذى رويناه من طريق البخاري عن على بن الحكم الانصاري نا أبو عوانة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة ابن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنيمة فعدل عشرة من الغنم ببعير (2)) في حديث، فهذا نص قولنا لانه عليه السلام أعطى بعضهم غنا وبعضهم ابلا، فهذا عمل الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف لهم منهم، وهو قول أبى ثور وغيره. 1254 - مسألة - ويقسم كل ما لا يحل بيعه إذا حل ملكه كالكلاب. والسنانير.


(1) في النسخة رقم 16 (لانها) وهو غلط (2) هو في صحيح البخاري ج 4 ص 171

[ 133 ]

والثمر قبل أن يبدو صلاحه. والماء وغير ذلك كل ذلك بالمساواة والمماثلة لان القسمة تمييز حق كل واحد وتخليصه وليست بيعا ولو كانت بيعا لما جاز أن تأخذ البنت دينارا والابن دينارين، وكذلك تقسم الضياع المتباعدة في البلاد المتفرقة فيخرج بعضهم إلى بلدة والآخر إلى أخرى لما ذكرنا، وكل قول خالف هذا فهو تحكم بلا برهان يؤول إلى التناقض وإلى (1) الرجوع إلى قولنا وترك قولهم إذ لابد من ترك بعض وأخذ بعض، وقال أبو حنيفة: لا يقسم الحيوان الا إذا كان معه غيره ولا يعرف هذا عن أحد قبله، وبالله تعالى التوفيق * 1255 مسألة ولا يجوز أن يقع في القسمة لاحد المقتسمين علوبناء والآخر سفله وهذا مفسوخ أبدا ان وقع * برهان ذلك ان الهواء دون الارض لا يتملك ولا يمكن ذلك فيه أصلا لوجهين، أحدهما أنه لا سبيل لاحد إلى أن يستقر في الهواء وهذا ممتنع، والثانى انه متموج غير مستقر ولا مضبوط، فمن وقع له العلو فانما يملكه بشرط أن يبنى على جدرات صاحبه وسطحه وبشرط أن لا يهدم صاحب السفل جدراته ولا سطحه ولا ان يعلى شيئا من ذلك. ولا أن يقصره. ولا أن يقبب سطحه. ولا أن يرقق جدراته. ولا أن يفتح فيها أقواسا، وكل هذه شروط ليس في كتاب الله تعالى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق) وقد علمنا ان كل من له حق فهو مملك اياه يتصرف فيه كيف شاء ما لم يمنعه قرآن أو سنة، فبطلت هذه القسمة بيقين لا اشكال فيه وصح أن ابتياع العلو على اقراره حيث هو أكل مال بالباطل وانما يجوز بيع أنقضاه فقط فإذا ابتاعها فليس له امساكها على جدرات غيره الا مادام تطيب نفسه بذلك ثم له أن يأخذه بازالتها عن حقه متى شاء، وقد منع الشافعي من اقتسام سفل لواحد وعلو لآخر * 1256 مسألة ولا يحل لاحد من الشركاء انفاذ شئ من الحكم في جزء معين مما له فيه شريك ولا في كله سواء قل ذلك الجزء أو كثر لا بيع. ولا صدقة. ولا هبة. ولا اصداق. ولا اقرار فيه لاحد ولا تحبيس ولا غير ذلك كمن باع ربع هذا البيت أو ثلث هذه الدار أوما أشبه ذلك أو كان شريكه حاضرا أو مقاسمته له ممكنة لان كل ما ذكرنا كسب على غيره لانه لا يدرى أيقع له عند القسمة ذلك الجزء ام لا؟ وقد قال الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ولقول


(1) سقط لفظ (إلى) من النسخة رقم 16

[ 134 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) * 1257 مسألة فان وقع شئ مما ذكرنا فسخ أبدا سواء وقع ذلك الشئ بعينه بعد ذلك في حصته أو لم يقع لا ينفذ شئ مما ذكرنا أصلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهورد) وكل ما ذكرنا فانه عمل وقع بخلاف امر الله تعالى وأمر رسوله عليه السلام فهو رد، وأيضا فكل عقد لم يجز حين عقده بل وجب ابطاله فمن المحال الباطل أن يجوز في وقت آخر لم يعقد فيه وكل قول لم يصدق حين النطق به فمن الباطل الممتنع أن يصدق حين لم ينطق به إلا أن يوجب شيئا من ذلك في مكان من الامكنة قرآن. أو سنة فيسمع له ويطاع وبالله تعالى التوفيق * ومن كان بينه وبين غيره أرض. أو حيوان. أو عرض فباع شيئا من ذلك. أو وهبه. أو تصدق به. أو أصدقه فان كان شريكه غائبا ولم يجب إلى القسمة أو حاضرا يتعذر عليه أن يضمه إلى القسمة أو لم يجبه إلى القسمة فله تعجيل أخذ حقه والقسمة والعدل فيها لانه لا فرق بين قسمة الحاكم إذا عدل وبين قسمة الشريك إذا عدل إذ لم يوجب الفرق بين ذلك قرآن. ولا سنة. ولا معقول، ومنعه من أخذ حقه جور وكل ذى حق أولى بحقه فينظر حينئذ؟ فان كان أنفذ ما ذكرنا في مقدار حقه في القيمة بالعدل غير متزيد ولا محاب لنفسه بشئ أصلا فهى قسمة حق وكل ما أنفذ من ذلك جائز نافذ أحب شريكه أم كره، فان كان حابى نفسه فسخ كل ذلك لانها صفقة جمعت حراما وحلالا فلم تنعقد صحيحة، فلو غرس وبنى وعمر نفذ كل ذلك في مقدار حقه وقضى بما زاد للذى يشركه ولا حق له في بنائه (1) وعمارته وغرسه الا قلع عين ماله كالغصب ولا فرق، فلو كان طعاما فاكل منه ضمن ما زاد على مقدار حقه فان كان مملوكا فاعتق ضمن حصة شريكه وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب القسمة والحمد لله رب العالمين * كتاب الاستحقاق والغصب والجنايات على الاموال 1258 مسألة لا يحل لا حد مال مسلم ولا مال ذمى الا بمال أباح الله عزوجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن أو السنة نقل ما له عنه إلى غيره أو بالوجه الذى أوجب الله تعالى به أيضا كذلك نقله عنه إلى غيره كالهبات الجائزة. والتجارة الجائزة. أو القضاء الواجب بالديات والتقاص وغير ذلك مما هو منصوص، فمن أخذ شيئا من مال غيره أو صار إليه بغير ما ذكرنا فان كان عامدا عالما بالغا مميزا فهو عاص لله عزوجل وان كان غير


(1) في النسخة رقم 16 (في بنيانه)

[ 135 ]

عالم. أو غير عامدا. أو غير مخاطب فلا اثم عليه الا أنهما سواء في الحكم في وجوب رد ذلك إلى صاحبه أو في وجوب ضمان مثله ان كان ما صار إليه من مال غيره قد تلفت عينه أو لم يقدر عليه * برهان ذلك قول الله عزوجل: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) روينا هذا من طرق منها عن البخاري نا مسدد نا يحيى - هو ابن سيعد القطان - ناقرة ابن خالد حدثنى محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وقول الله عزوجل: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (2) ولم يستثن عليه السلام عالما من غير عالم ولا مكلفا من غير مكلف ولا عامدا من غير عامد * 1259 مسألة فمن غصب شيئا أو أخذه بغير حق لكن ببيع محرم أو هبة محرمة أو بعقد فاسد أو وهو يظن أنه له ففرض عليه أن يرده ان كان حاضرا أو ما بقى منه ان تلف بعضه أقله أو اكثره ومثل ما تلف منه أو يرده ومثل ما نقص من صفاته أو مثله ان فاتت عينه وأن يرد كل ما اغتل منه وكل ما تولد منه كما قلنا سواء سواء الحيوان. والدور والشجر. والارض. والرقيق. وغير ذلك سواء في كل ما قلنا فيرد كل ما اغتل من الشجر ومن الماشية من لبن أو صوف أو نتاج، ومن العقار الكراء، وان كانت أمة فأولدها فان كان عالما فعليه الحد حد الزنا ويردها وأولادها وما نقصها وطؤه وان كان جاهلا فلا شئ عليه من حدو لا اثم لكن يردها ويرد أولاده منها رقيقا لسيدها ويرد ما نقصها وطؤه ولا شئ لكل من ذكرنا على المستحق فيما أنفق كثر أم قل * برهان ذلك ما ذكرنا آنفا من القرآن والسنة، وكل ما تولد من مال المرء فهو له باتفاق من خصومنا معنا، فمن خالف ما قلنا فقد أباح أكل المال بالباطل وأباح المال الحرام وخالف القرآن. والسنن بلا دليل أصلا * روينا من طريق مالك. والليث. وعبيدالله بن عمر. وأيوب السختيانى. واسماعيل ابن أمية. وموسى بن عقبة كلهم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يحلبن أحد ما شية أحد إلا باذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه فانما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم)، وهذا نص قولنا والحمد لله رب العالمين، وقد اختلف الناس في


(1) رواه البخاري في صحيحه في غير موضع من حديث طويل (2) رواه البخاري ومسلم وغيرهما

[ 136 ]

هذا فقال بعض التابعين وبعض المتأخرين: كل ذلك للغاصب وللمستحق عليه بضمانه، و قال آخرون: ما تولد من لبن. أو صوف. أو اجارة فهو للغاصب والمستحق عليه وأما الولد فللمستحق، وفرق آخرون في ذلك بين المستحق عليه وبين الغاصب فجعلوا كل ذلك للمستحق عليه ولم يجعلوه للغاصب، وفرق آخرون بين ما وجد من ذلك قائما وبين ما هلك منه فلم يضمنوه ما هلك * قال أبو محمد: وهذه كلها آراء فاسدة متخاذلة وحجة جميعهم انما هي الحديث الذى لا يصح الذى انفرد به مخلد بن خفاف. ومسلم بن خالد الزنجي (ان الخراج بالضمان) ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لانه انما جاء فيمن اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عبيا فرده فكان خراجه له، وهكذا نقول نحن لانه قد ملكه ملكا صحيحا فاستغل ماله لا مال غيره ومن الباطل ان يقاس الحرام على الحلال ثم لو كان القياس حقا فكيف وهو باطل كله؟ أو ان يحكم اللباطل بحكم الحق وللظالم بحكم من لم يظلم فهذا الجور والتعدى لحدود الله عز وجل، ثم لو صح هذا الخبر على عمومه لكان تقسيم من فرق بين الغاصب وبين المستحق عليه وبين الولد وبين الغلة وبين الموجود والتألف باطلا مقطوعا به لانه لا بهذا الخبر أخذ ولا بالنصوص التى قدمنا أخذ بل خالف كل ذلك فانما بقى الكلام بيننا وبين من رأى الغلة والولد للغاصب وللمستحق عليه بالضمان فقط فالنصوص التى ذكرنا توجب ما قلنا، وأيضا فان الرواية صحت من طريق أبى داود قال: نا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - نا أيوب - هو السختيانى - عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحيا أرضا ميتة فهى له وليس لعرق ظالم حق) فنسألهم عمن صار إليه مال أحد بغير حق؟ أعرق ظالم هو أم لا؟ فان قالوا،: لا خالفوا القرآن. والسنن وتركوا قولهم. وقول أهل الاسلام ولزمهم أن لا يردوا على المستحق شيئا لانه ليس بيد المستحق عليه ولا بيد الغاصب والظالم بعرق ظالم وإذا لم يكن عرق ظالم فهو عرق حق إذ لا واسطة بينهما قال تعالى: (فماذا بعد الحق الا الضلال) وهم لا يقولون بهذا وان قالوا: بل بعرق ظالم هو بيده لزمهم أن لا حق له في شئ مما سرى فيه ذلك العرق، وهذا في غاية الوضوح وبالله تعالى التوفيق * وأما من فرق بين (2) الولد وبين سائر الغلة فكلام في غاية السخف والفساد ولو عكس عليهم قولهم ما انفصلوا منه * وأما من فرق بين الاولاد الاحياء فرأى ردهم وبين الموتى


(1) في سنن أبى داود (عن النبي) الخ (2) سقط لفظ (بين) من النسخة اليمنية

[ 137 ]

علم ير ردهم فيقال لهم (1): هل وجب عليه رد كل ما نتجب الامهات حين الولادة إلى سيدهم وسيد أمهم أم لا؟ فان قالوا: لا لزمهم أن لا يقضوا بردهم أصلا أحياء وجدوا أم أمواتا، وان قالوا: نعم قلنا: فسقوط وجوب ردهم بموتهم كلام باطل لا خفاء به، ولهم في أولاد المستحقة ممن استحقت عليه أقوال ثلاثة فمرة قالوا: يأخذها ويأخذ قيمة ولدها، ومرة قالوا: يأخذها فقط ولا شئ له في الولد لا قيمة ولا غيرها، ومرة قالوا: يأخذ قيمتها وقيمة ولدها * قال أبو محمد: وهذه أقوال في غاية الفساد، ونسألهم عن هؤلاء الاولاد هل وقع عليهم قط في أول خلقهم أو حين ولادتهم ملك سيد أمهم أم لم يقع له قط عليهم ملك؟ ولا ثالث لهذين القولين فان قالوا: بل قد وقع عليهم ملكه قلنا: ففى أي دين الله عزوجل وجدتم أن تجبروه على بيع عبده أو أمته بلا ضرر كان منه إليهم؟ وما الفرق بين هؤلاء وبين من تزوج أمة فاسترق ولده منها؟ فهلا أجبرتهم سيدها على قبول فدائهم (2) فان قالوا: على هذا دخل الناكح ولم ينوا المستحق (3) عليه على ذلك قلنا: فكان ما ذا وما حرمت أموال الناس عليهم بنيات غيرهم فيها أو أين وجدتم هذا الحكم؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجوده واذ هم في ملكه فهم له بلا شك وان قالوا. لم يقع ملكه قط عليهم قلنا: فبأى وجه تقضون له بقيمتهم؟ وهذا ظلم لابيهم بين. وايكال لماله بالباطل. واباحة لثمن الحر الذى حرمه الله تعالى ورسوله عليه السلام، ويقال لمن قال: يأخذ قيمة الام فقط أو يأخذها فقط: لاى شئ يأخذها أو قيمتها؟ فان قالوا: لانها أمته قلنا: فأولاد أمته عبيده بلا شك فلم أعطيتموه بعض ما ملكت يمينه وتمنعونه البعض؟ أو لم تجبرونه على بيعها وهو لا يريد بيعها * روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد أن رجلا باع جارية لابيه فتسراها المشترى فولدت له أولادا فجاء أبوه فحاصمه إلى عمر بن الخطاب فردها وولدها إليه فقال المتشرى: دع لى ولدى فقال له: دع له ولده * قال على: هذه شفاعة من عمر رضى الله عنه ورغبة وليس فسخا لقضائه بها وبولدها لسيدها * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة عن خلاس ان أمة أتت طيئا فزعمت انها حرة فتزوجها رجل منهم فولدت له أولادا ثم ان سيدها ظهر عليها فقضى بها عثمان بن عفان أنها وأولادها لسيدها وان لزوجها ما أدرك من متاعه وجعل فيهم الملة والسنة كل رأس (4) رأسين * ومن طريق عبد الرزاق


(1) في النسخة رقم 16 (فيقال له) (2) في النسخة غير رقم 16 (على قبول فداء أبيهم) (3) في النسخة غير رقم 16 (ولم يبق المستحق) (4) في النسخة رقم 16 (والسنة على رأسين) (م 18 - ج المحلى)

[ 138 ]

عن معمر عن منصور عن الحكم بن عتيبة ان إمرأة وابنا لها باعا جارية لزوجها وهو أبو الولد فولدت الجارية للذى ابتاعها ثم جاء زوجها فحاصم (1) إلى على بن أبى طالب فقال: لم أبع ولم أهب فقال له على: قد باع ابنك وباعت امرأتك قال: ان كنت ترى لى حقا فأعطني قال: فخذ جاريتك وابنها ثم سجن المرأة وابنها حتى تخلصا له فلما رأى الزوج ذلك أنفذ البيع، فهذا على قد رأى الحق انها وولدها لسيدها وقضى بذلك وسجن المرأة وولدها وهما أهل لذلك لتعديهما والاخذ بالخلاص قد يكون المراد به رد الثمن وهذا حق * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى بكر بن عياش عن مطرف عن الشعبى عن على في رجل اشترى جارية فولدت له ثم استحقها آخر ببينة قال على: ترد عليه ويقوم ولدها فيغرم الذى باعه بما عز وهان * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا مطرف - هو ابن طريف - والمغيرة قال مطرف: عن الشعبى، وقال مغيرة: عن ابراهيم ثم اتفق الشعبى. وابراهيم في ولد الغارة ان على أبيهم أن يفديهم بما عز وهان، وعن الحسن يفدون بعبد عبد * وقد روينا من طريق سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن ابن قسيط عن سليمان بن يسار قال: قضى عمر في أولاد الغارة بالقيمة * ورويناه من طريق ابن أبى شيبة نا سفيان عن أيوب بن موسى عن ابن قسيط عن سليمان بن يسار قال: غرت أمة قوما وزعمت أنها حرة فتزوجت فيهم فولدت أولادا فوجدوها أمة فقضى عمر بقية أولادها في كل مغرور غرة، وقضى الشعبى. وابن المسيب في ولد المغرور بغرة، وهو أيضا قول أبى ميسرة. والحسن مكان كل واحد غرة، وقال ابراهيم: على أبيهم قيمتهم ويهضم عنه من القيمة شئ، وهذا قولنا وهو قول أبى ثور. وأبى سليمان. وأصحابنا. وقول الشافعي إلا في ولد المستحق عليه منها فقط فانه ناقض في ذلك * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا اسماعيل بن علية عن عبد الله بن عون أن رجلا اشترى عبدا فاستغله ثم جاء رجل فادعاه فخاصم إلى اياس بن معاوية فيه فاستحقه فقضى له بالعبد وبغلته وقضى للرجل على صاحبه الذى اشتراه منه بمثل العبد وبمثل غلته، قال ابن عون: فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين فقال: هو فهم، فهذان اياس بن معاوية ومحمد بن سيرين يقولان بقولنا في رد الغلة في الاستحقاق * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال: إذا اشتريبت غنما فنمت ثم جاء أمر برد البيع فيه (2) قال: يردها ونماءها والجارية إذا ولدت كذلك، فان قالوا: فلم (3) فرقتم أنتم بين الغاصب


(1) في النسخة رقم 16 (يخاصم) (2) في بعض النسخ (ثم جاء امرؤ يرد البيع فيه) (3) في بعض النسخ سقط لفظ (لم) وهى أظهر بدليل الجواب بعد

[ 139 ]

والمستحق فألحقتم الولد بالمستحق عليه ولم تلحقوه بالغاصب؟ قلنا: نعم لانه لم يختلف اثنان من مؤمن وكافر في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فاسلم الناس وفيهم أولاد المنكوحات النكاح الفاسد والمتملكات بغير حق، والمتملك والناكح يظنان أن ذلك النكاح والملك حق فألحقهم بآبائهم ولم يلحق قط ولد غاصب أوزان بمن وضعه في بطن أمه بل قال عليه السلام: (وللعاهر الحجر) والغاصب والعالم بفساد عقده ملكا كان أو زواجا عاهران فلا حق لهما في الولد وبالله تعالى التوفيق * وهذا مكان خالفوا فيه عمر. وعثمان. وعليا ولا يعرف لهم من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك مخالف الا رواية عن أبى بكر بن عياش عن مطرف بن طريف عن الشعبى أن رجلا اشترى جارية فولدت له فأقام رجل البينة أنها له فقال على: ترد إليه ويقوم عليه الولد فيغرم الذى باع بما عز وهان، فادعوا أنهم تعلقوا بهذه وقد كذبو الانهم لا يغرمون البائع ما يفدى به ولده، وإلا الرواية المنقطعة التى ذكرنا قبل عن عمر أنه قضى في أولاد الغارة بقيمتهم والقيمة قد صحت عن عمر في ذلك انها عبد مكان عبد أو عبدان مكان عبد، فقد خالفوا هذا أيضا وخالفوا كل من ذكرنا والحسن. وقتادة: والشعبى وهم جمهور من روى عنه في هذه المسألة قول في فداء ولد الغارة المستحقة بعبد (1) وأما قولنا: انه يضمن كل ما مات من الولد والنتاج وما تلف من الغلة ويضمن الزيادة في الجسم والقيمة لان كل ذلك مال المغصوب منه وكان فرضا عليه أن يرد كل ذلك فهو معتد (2) بامساكه مال غيره فعليه أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى، فان قالوا: ليس معتديا لانه لم يباشر غصب الولد وانما هو بمنزلة ريح ألقت ثوبا في منزل الانسان قلنا: هذا باطل لان الذى رمت الريح الثوب في منزله ليس متملكا له ولو تملكه للزمه ضمانه وهذا المشترى أو الغاصب متملك لكل ما تولد من غلة. أو زيادة. أو نتاج. أو ثمرة حائل بينه وبين صاحبه الذى افترض الله تعالى رده إليه وحرم عليه امساكه عنه فهو معتد بذلك يقينا فعليه أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى * وأما الزيادة في الثمن فانه حين زاد ثمنه كان فرضا عليه رده إلى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده إليه وهو يساوى تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فانه لا يسقط رد ما لزمه رده، وأما الكراء فانه إذ حال بين صاحبه وبين عين ماله حال بينه وبين منافعه فضمنها ولزمه أداء ما منعه من حقه بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى كل ذى حق حقه، وكراء متاعه من حقه بلا شك ففرض على مانعه اعطاؤه حقه * ومن عجائب الدنيا قول الحنيفيين أن الكراء للغاصب والغلة ولا يضمن ولدها


(1) في بعض النسخ (بعبيد) (2) في النسخة رقم 14 (معتد)

[ 140 ]

الموتى ثم يقولون فيمن صاد ظبية في الحرم فأمسكها ولم يقتلها حتى إذا ولدت عنده أولادا فماتوا ولم يذبحهم: أنه يجزيها ويجزى أولادها فلو عكسوا لاصابوا وما ألزم الله تعالى صائد الظبية ضمانها عاشت أو ماتت الا أن يقتلها عامدا وإلا فلا، فهم أبدا يحرفون كلام الله تعالى عن مواضعه، وأعجب شئ احتجاج بعض متصدريهم بالجهل بان قال: وأى ذنب للولد حتى يسترق؟ فقلنا: ما علمنا ذنبا يوجب الاسترقاق. والردة. وقتل المؤمن عمدا. وترك الصلاة. وزنا المحصن أعظم الذنوب وليس شئ من ذلك يوجب استرقاق فاعله (1) وأولاد الكفار يسترقون ولا ذنب لهم فليس يعترض بمثل هذا الهوس الامن لا عقل له ولا دين * وأما اسقاطنا المهر في وطئ الغاصب والمستحق فلانه لم يوجبه قرآن ولا سنة ومال الغاصب والمستحق عليه حرام إلا ما أوجبه النص ولا مهر إلا في نكاح صحيحي أو للتى نكحت بغير اذن وليها فقط على ما جاء به النص وانما عليه ضمان ما نقصه وطؤه اياها بزنا الغاصب أو بجهل المستحق عليه فقط لانه استهلك بذلك بعض قيمة أمة غيره فقط * وأما القضاء بالمثل فان المتأخرين اختلفوا فقال بعضهم: لا يعطى إلا القيمة في كل شئ * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني فيمن استهلك حنطة ان له طعاما مثل طعامه قال سفيان: وقال غيره من فقهائنا: له القيمة، وقال أبو حنيفة. ومالك: أما ما يكال أو يوزن فعليه مثله من نوعه وأما ما عدا ذلك من العروض. والحيوان فالقيمة. وقال أصحابنا: المثل في كل ذلك ولابد فان عدم المثل فالمضمون له مخير بين أن يمهله حتى يوجد المثل وبين أن يأخذ القيمة * قال أبو محمد: وهذا هو الحق الذى لا يجوز خلافه وما نعلم لمن قضى بالقيمة حجة أصلا الا أن بعضهم أتى بطامة فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على من اعتق شركا له في عبد بأن يقوم عليه باقيه لشريكه قالوا: فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من استهلك حصة غيره من العبد بالقيمة * قال على: وهذا من عجائبهم فانهم أفحشوا الخطأ في هذا الا حتجاج من وجهين، أحدهما احتجاجهم به فيمن استهلك والمعتق نصيبه من عبد بينه وبين آخر لم يستهلك شيئا ولا غصب شيئا ولا تعدى أصلا بل أعتق حصته التى أباح الله تعالى له عتقها وانما هو حكم من الله تعالى أنفذه لا لتعد من المعتق أصلا، والثانى عظيم تناقضهم لانه يلزمهم ان كان المعتق المذكور مستهلكا حصة شريكه ولذك يضمن القيمة


(1) في النسخة رقم 16 (يوجب استرقاقا عليه) (2) في النسخة رقم 16 (ولذلك ضمن القيمة)

[ 141 ]

بأن يوجبوا ذلك عليه معسرا كان أو موسرا (1) كما يفعلون في كل مستهلك وهم لا يفعلون هذا فكيف يستحل من يدرى أن الله تعالى سائله عن كلامه في الدين. وأن عباد الله تعالى يتعقبون كلامه على هذه المجاهرة القبيحة الفاسدة من احالة السنن عن مواضعها وسعيهم في ادحاض الحق بذلك؟ وليس لهم أن يدعو ههنا اجماعا لان ابن أبى ليلى. وزفر بن الهذيل يضمنونه معسرا أو موسرا وما نبالي بطرد هذين أصلهما في الخطأ لانهما في ذلك مخالفان لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه عليه السلام لم يضمن المعسر شيئا وانما أمر في ذلك بالاستسعاء للمعتق فقط * روينا من طريق الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك يحدث (أن زينب بنت جحش أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة ويومها جفنة من حيس فقامت عائشة فأخذت القصعة فضربت بها الارض فكسرتها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قصعة لها فدفعها إلى رسول زينب فقال: هذه مكان صحفتها وقال لعائشة: لك التى كسرت) فهذا قضاء بالمثل لا بالدراهم بالقيمة، وقد روى عن عثمان. وابن مسعود انهما قضيا على من استهلك فصلانا بفصلان مثلها * وعن زيد بن ثابت. وعلى أنهما قضيا بالمثل فيمن باع بعيرا واستثنى جلده. ورأسه. وسواقطه * وعن عمر. وعثمان. والحسن. والشعبى. وقتادة. في فداء ولد الغارة بعبيد لا بالقيمة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح أنه قضى في قصار شق ثوبا ان الثوب له وعليه مثله فقال رجل: أو ثمنه فقال شريح: انه كان أحب إليه من ثمنه قال: انه لا يجد قال: لا وجد * وعن قتادة أنه قضى في ثوب استهلك بالمثل * قال أبو محمد: لم نورد قول أحد ممن أوردنا احتجاجا به وانما أوردناه لئلا يهجموا بدعوى الاجماع جرأة على الباطل، فان قالوا: فانكم لا تقضون بالمكسور للكاسر فقد خالفتم الحديث قلنا: حاش لله من ذلك لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فعلمنا أنه عليه السلام لا يعطى احدا غير حقه ولا أكثر من حقه ولم يقل عليه السلام انها لك من أجل كسرك اياها فقد كذب عليه من نسب إليه هذا الحكم من غير أن يقوله عليه السلام، فصح بذلك يقينا ان تلك الكسارة التى أعطى لعائشة رضى الله عنها لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما اما أنها لم تصلح لشئ فأبقاها (2) كما يحل لكل انسان منا ما فسد جملة من متاع غيره ولم ينتفع منه بشئ، وإما ان قصعة عائشة التى أعطى كانت خيرا من التى كانت لزينب رضى الله عنها فجبر عليه السلام تلك الزيادة بتلك الكسارة


(1) في النسخة رقم 14 (معسرا كان ذلك أو مؤسرا) (2) في نسخة (فالقاها)

[ 142 ]

والا فنحن على يقين من أنه عليه السلام لا يعطى أحدا مال غيره بغير حق وانما حق المجني عليه في عين ماله لا في غيره فما دامت العين أو شئ منها موجودين فلاحق له في غير ذلك فان عدم جملة فحينئذ يقضى له بالمثل * قال على: فإذا عدم المثل من نوعه فكل ما قاومه وساواه فهو أيضا مثل له من هذا الباب الا أنه أقل مثليه مما هو من نوعه فلذلك قضينا به عند عدم المثل المطلق وبالله تعالى التوفيق * 1260 مسألة ومن كسر لآخر شيئا أو جرح له عبدا أو حيوانا أو خرق له ثوبا قوم كل ذلك صحيحا مما جنى عليه ثم قوم كما هو الساعة وكلف الجاني أن يعطى صاحب الشئ ما بين القيمتين ولابد، ولا يجوز أن يعطى الشئ المجني عليه للجاني لما ذكرنا آنفا وانما عليه أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى فقط، وسواء كانت الجناية صغيرة أو كبيرة لا يحل هذا، وللحنيفيين ههنا اضطراب وتخليط كثير كقولهم: من غصب ثوبا فانه يرد إلى صاحبه (1) فان وجد وقد قطعه الغاصب فصاحب الثوب مخير بين أخذه كما هو وما نقصه القطع وبين أن يعطيه للغاصب ويضمنه قيمة الثوب، فان لم يوجد الا وقد خاطه قميصا فهو للغاصب بلا تخيير وليس عليه الا قيمة الثوب، وكذلك قولهم في الحنطة تغصب فتطحن، والدقيق يغصب فيعجن. واللحم يغصب فيطبخ أو يشوى * قال أبو محمد: ما في المجاهرة بكيد الدين أكثر من هذا ولا في تعليم الظلمة أكل أموال الناس أكثر من هذا فيقال لكل فاسق: إذا أردت أخذ قمح يتيم أو جارك وأكل غنمه واستحلال ثيابه وقد امتنع من أن يبيعك شيئا من ذلك فاغصبها واقطعها ثيابا على رغمه واذبح غنمه واطبخها واغصبه حنطته وأطحنها وكل كل ذلك حلالا طيبا وليس عليك الا قيمة ما أخذت، وهذا خلاف القرآن في نهيه تعالى ان نأكل أموالنا بالباطل و خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، (ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وما يشك أحد من أهل الاسلام في أن كل ثوب قطع من شقة فانه لصاحب الشقة، وكل دقيق طحن من حنطة انسان فهو لصاحب الحنطة. وكل لحم شوى فهو لصاحب اللحم وهم يقرون بهذا ثم لا يبالون بان يقولوا: الغصب. والظلم. والتعدى يحل أموال المسلمين للغصاب (2)، واحتجوا في ذلك بامر القصعة المكسورة التى ذكرنا قبل وهم أول مخالف لذلك الخبر فخالفوه فيما فيه واحتجوا له فيما ليس فيه منه شئ، واحتجوا أيضا بخبر المرأة التى دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فاخبرته انها أرادت ابتياع شاة فلم تجدها فارسلت إلى جارة لها ابعثى إلى الشاة التى لزوجك فبعثت


(1) في النسخة رقم 16 (على صاحبه) (2) في النسخة رقم 16 (للغاصب)

[ 143 ]

بها إليها فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة أن تطعم الاسارى. قال هذا الجاهل المفترى: فهذا يدل على أن حق صاحب الشاة قد سقط عنها إذ شويت * قال أبو محمد: وهذا الخبر لا يصح ولو صح لكان أعظم حجة عليهم لانه خلاف لقولهم اذفيه انه عليه السلام لم يبق ذلك اللحم في ملك التى أخذتها بغير اذن ربها وهم يقولون: انه للغاصب حلال وهذا الخبر فيه انه لم يأخذ رأيها في ذلك، فصح انه ليس لها فهو حجة عليهم * قال على: والمحفوظ عن الصحابة رضى الله عنهم خلاف هذا كما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختياتى عن محمد بن سيرين ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلوا بأهل ماء وفيهم أبو بكر الصديق فانطلق النعمان فجعل يقول لهم: يكون كذا وكذا وهم يأتونه بالطعام واللبن ويرسل هو بذلك إلى أصابه فأخبر أبو بكر بذلك فقال: أرانى آكل كهانة النعمان منذ اليوم ثم أدخل يده في حلقه فاستقاءه (1) * ومن طريق محمد ابن اسحاق في مغازيه عن يزيد بن أبى حبيب عن عوف بن مالك الاشجعى قال: كنت في غزة ذات السلاسل فذكر قسمته الجزور بين القوم وانهم أعطوه منها فأتى به إلى أصحابه فطبخوه فأكلوه ثم سأله أبو بكر. وعمر عنه؟ فأخبرهما فقالا له: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما * ومن طريق مالك عن زيد بن أسلم قال: شرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه فسأل عنه فأخبر انه حلب له من نعم الصدقة فأدخل عمر أصبعه فاستقاءه * و من طريق سعيد بن منصور نا المعتمر ابن سليمان التيمى عن أبيه ان أهل للكوفة قالوا له: قد شرب على نبيذ الجر قال سليمان: فقلت لهم: هذا أبو إسحاق الهمداني يحدث ان على بن أبى طالب لما أخبر انه نبيذ جر تقيأه * نا أحمد بن عمر بن أنس العذري نا عبيدالله بن محمد السقطى نا محمد بن أحمد بن يعقوب ابن شيبة (2) نا أحمد بن شبويه قال: سمعت عبد الرزاق يقول: دخل معمر على أهله فإذا عندها فاكهة فأكل منها ثم سأل عنها فقالت له: أهدتها الينا فلانة النائحة فقام معمر فتقيأما أكل * قال أبو محمد: فهذا أبو بكر. وعمر. وعلى بحضرة الصحابة وعلمهم لا مخالف لهم منهم في ذلك لا يرون الطعام المأخوذ بغير حق ملكا لآخذه وان أكله بل يرون عليه اخراجه وأن لا يبقيه في جسمه مادام يقدر على ذلك وان استهلكه، فبأى شئ تعلق هؤلاء القوم في اباحة الحرام جهارا؟ * قال أبو محمد: وبهذا نقول فما دام المرء يقدر على أن يتقيأه ففرض عليه ذلك ولا


(1) في النسخة رقم 16 (فاستقاء) (2) في بعض النسخ (ابن شعبة)

[ 144 ]

يحل امساك الحرام أصلا (1)، فان عجز عن ذلك فلا يكلف الله نفسا الا وسعها، وهذا مما خالفوا فيه القرآن. والسنن بآرائهم الفاسدة وتقليدا لبعض التابعين في خطأ أخطأه وبالله تعالى التوفيق * وقالوا أيضا: فسنا هذا على العبد يموت فتضمن قيمته (2) قال على. وهذا عليهم لا لهم لان الميت لا يتملكه الغاصب * 1261 مسألة ومن غصب دارا فتهدمت كلف رد بنائها كما كان ولابد لقول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهو قد اعتدى على البناء المؤلف فحال بينه وبين صاحبه وهو باجماعهم معنا واجماع أهل الاسلام مأمور بردها في كل وقت إلى صاحبها فلا يجوز أن يسقط عنه بهدمها ما لزمه، وليت شعرى أي فرق بين دار تتهدم وبين عبد يموت؟ فكان احتجاج صاحبون أن الدور والارضين لا تغصب فكان هذا عجبا جدا! وما نعلم لا بليس داعية في الاسلام أكثر ممن يطلق الظلمة على غصب دور الناس وأراضيهم ثم يبيح لهم كراءها وغلتها ولا يرى عليهم ضمان ما تلف منها نعوذ بالله من مثل هذا * 1262 مسألة ومن غصب أرضا فزرعها أو لم يزرعها فعليه ردها وما نقص منها ومزارعته مثلها لما ذكرنا من أنه حال بين صاحبها وبين منفعة أرضه ولا منفعة للارض الا الزرع والمزارعة على ما نذكر في المزارعة ان شاء الله تعالى، وقال الحنيفيون: الارض لا تغصب وهذا كذب منهم لان الغصب هو أخذ الشئ بغير حقه ظلما، وقد روينا من طريق البخاري نا مسلم بن ابراهيم نا عبد الله بن المبارك نا موسى بن عقبة عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أخذ من الارض شبرا بغير حقه خسف [ به ] (3) يوم القيامة إلى سبع أرضين) فصح أن الارض تؤخذ بغير حق فصح أنها تغصب * 1263 مسألة ومن غصب زريعة فزرعها. أو نوى فغرسه. أو ملوخا فغرسها فكل ما تولد من الزرع فلصاحب الزريعة يضمنه له الزارع، وكل ما نبت من النوى. والملموخ فلصاحبها وكل ما أثمرت تلك الشجر في الابد فله لا حق للغاصب في شئ من ذلك لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وليس لعرق ظالم حق) ولان كل ما تولد من مال المرء فله وانما يحل للناس من ذلك ما لا خطب له به مما يتبرأ منه صاحبه فيطرحه مبيحا له من أخذه من النوى ونحو ذلك (4) فقط لا ما لم يبحه، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 (قطعا) (2) في النسخة رقم 16 (فيضمن بقيمة) (3) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 224 (4) في النسخة رقم 16 (أو نحو ذلك)

[ 145 ]

1264 - مسألة - وكل من عدا عليه حيوان متملك من بعير. أو فرس. أو بغل. أو فيل. أو غير ذلك فلم يقدر على دفعه عن نفسه الا بقتله فقتله فلا ضمان عليه فيه وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان، وقال الحنيفيون: يضمنه، واحتجوا بالخبر الثابت عن النبي (1) صلى الله عليه وسلم: (العجماء جرحها جبار) (2) * وبالخبر الذى رويناه (3) من طريق عبد الكريم (ان انسانا عدا عليه فحل ليقتله فضربه بالسيف فقتله فأغرمه أبو بكر اياه وقال: بهيمة لا تعقل) * وعن على بن ابى طالب نحوه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة قال: (من أصاب العجماء غرم) * ومن طريق سفيان الثوري عن الاسود بن قيس عن اشياخ لهم أن غلاما دخل دار زيد بن صوحان فضربته ناقة لزيد فقتلته فعمد أولياء الغلام فعقروها فأبطل عمر بن الخطاب دم الغلام وأغرم والد الغلام ثمن الناقة، وعن شريح مثل هذا * قال على: أما الحديث (جرح العجماء جبار) ففى غاية الصحة وبه نقول ولا حجة لهم فيه لا ننالم نخالفهم في أن ما جرحته العجماء لا يغرم وليس فيه الا هذا بل هو حجة عليهم في تضمينهم الراكب. والسائق. والقائد ما أصابت العجماء مما لم يحملها عليه (4) فهم المخالفون لهذا الاثر حقا * وأما حديث عمر بن الخطاب. وشريح فبه نقول: ومن قتلت بهيمة وليه فمضى بعد جنايتها فقلتها فهو ضامن لها لانها لا ذنب لها، وأما قول أبى هريرة فصحيح ومن أصاب العجماء قاصدا لها غير مضطر فهو غارم * وأما الرواية عن أبى بكر. وعلى فمنقطعة ولا حجة في منقطع لو كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف عمن دونه؟ ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة، وكم قصة خالفوا فيها أبا بكر وغيره حيث لا يجوز خلافه، أقرب ذلك ما أوردنا عن أبى بكر. وعمر. وعلى رضى الله عنهم من تقيئهم ما أكلوا أو شربوا مما لا يحل فخالفوا فانما هم حجة عندهم حيث وافقوا أبا حنيفة لا حيث خالفوه، وهذا تلاعب بالدين، والعجب أنهم يقولون: ان الاسد. والسبع حرام قتله في الحرم وعلى قاتله الجزاء الا أن يبتدئ المحرم بأذى فله قتله ولا يجزيه فكم هذا التناقض. والهدم. والبناء؟ ولقد كان يلزم المالكيين المشنعين بقول الصاحب إذا وافقهم والقائلين بان المرسل والمسند سواء أن يقولوا بهذا ولكنه مما تناقضوا فيه * قال على: لا يخلو من عدت البهيمة عليه فخشى أن تقتله أو ان تجرحه أو ان تكسر له * (هامش) (1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عن رسول الله الخ) (2) هو في الصحيحين وغيرهما (3) في النسخة رقم 16 (وبخبر رويناه) وما هنا انسب لسابقه (4) في النسخة رقم 16 (عليهم) (م 19 ج 8 المحلى)

[ 146 ]

عضواأو ان تفسد ثيابه من أن يكون مأمورا باباحة ذلك لها منهيا عن الامتناع منها ودفعها وهذا مما لا يقولونه ولو قالوه لكان زائدا في ضلالهم لان الله تعالى يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وهذا على عمومه، أو يكون مأمورا بدفعها عن نفسه منهيا عن إمكانها من روحه. أو جسمه، أو ماله. أو أخيه المسلم، وهذا هو الحق لما ذكرنا، فإذ هو مأمور بذلك ولم يقدر على النجاة منها الا بقتلها فهو مأمور بقتلها لان قتلها هو الدفع الدى أمر به [ ومن فعل ما أمر به ] (1) فهو محسن [ واذ هو محسن ] (2) فقد قال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) * 1265 - مسألة - ولا ضمان على صاحب البهيمة فيما جنته في مال أو دم ليلا أو نهارا لكن يؤمر صاحبه بضبطه فان ضبطه فذاك وان عاد ولم يضبطه بيع عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العجماء جرحها جبار) وهو قول أبى حنيفة. وأبى سليمان، وقال مالك. والشافعي: يضمن ما جنته ليلا ولا يضمن ما جنته نهارا وهو قضاء شريح. وحكم الشعبى، واحتجوا في ذلك بحديث ناقة البراء بان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية ما أصابت بالليل * قال على: لو صح هذا لما سبقونا إلى القول به ولكنه خبر لا يصح لانه انما رواه الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه، ورواه الزهري أيضا عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف ان ناقة للبراء فصح أنه مرسل لان حراما ليس هو ابن محيصة لصلبه انما هو ابن سعد بن محيصة وسعد لم يسمع من البرء ولا أبو أمامة ولا حجة في منقطع، ولقد كان يلزم الحنيفيين القائلين: إن المرسل والمسند سواء ان يقولوا به ولكن هذا مما تناقضوا فيه * واحتجوا أيضا باغرب من هذا كله وهو ما روينا من طريق عبيد بن عمير. والزهرى. ومسروق. ومجاهد في قول الله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) وأن سليمان صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك في غنم أفسدت حرث قوم بان دفع الغنم إلى أهل الحرث لهم صوفها والبانها حتى يعود العنب أو الحرث كما كان * قال أبو محمد: وهذا عجب من عجائب الدنيا والذى لا نشك فيه أن بين هؤلاء المذكورين وبين سليمان عليه السلام ما في رياح ومهامه فيحاء ولو رووا لنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قامت به حجة لانه مرسل، ثم لو صح لكان المحتجون به أول مخالفين له لانهم لا يحكمون بهذا الحكم فيا الله كيف ينطلق لسان مسلم بان يحتج على خصمه في الدين بحكم لا يحل عنده


(1) سقطت هذه الزيادة من بعض النسخ (2) سقطت هذه الجملة من بعض النسخ

[ 147 ]

أن يؤخذ به؟ وحسبنا الله * وعجب آخر من الشافعي: وهو أنه لا يرى القول بالمرسل ثم أباح ههنا الاموال بمرسل لا يصح أصلا * وأما بيع ما تعدى من العجماء فلقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ومن البر والتقوى حفظ الزروع. والثمار التى هي أموال الناس فلا يعان على فسادها فابعاد ما يفسدها فرض ولا سبيل إلى ذلك الا بالبيع المباح وههنا آثار عن الصحابة رضى الله عنهم قد خالفوها * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم ان عمر بن الخطاب كان يقول: برد البعير. والبقرة. والحمار. والضواري إلى أهلهن ثلاثا إذا حظر الحائط ثم يعقرن، قال ابن جريج: وسمعت عبد العزيز بن عبد الله يذكر عن عمر بن الخطاب انه كان يأمر بالحائط ان يحظر ويسد الحظر من الضارى المدل ثم يرد إلى أهله ثلاث مرات ثم يعقر * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان نا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمى قال. أخبرني (1) مكاتب لبنى أسد انه أتى بنقد من السواد إلى الكوفة فلما انتهى إلى جسر الكوفة جاء مولى لبكر بن وائل فتخلل النقد على الجسر فنفرت منها نقدة فقطرت (2) الرجل في الفرات فغرق فأخذت فجاء مواليه إلى موالى فعرض موالى عليهم صلحا ألفى درهم ولا يرفعوهم إلى على فأبوا فاتينا على بن أبى طالب فقال لهم: ان عرفتم النقدة بعينها فخذوها وان اختلطت عليكم فشرواها (3) * قال أبو محمد: ان في الحنيفيين والمالكيين العجب إذ يحتجون في ابطال السنن الثابتة في أن البيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا برواية شيخ من بنى كنانة ان عمر قال: البيع عن صفقة أو خيار ثم يردون هذه الرواية عن عمر بن الخطاب وهذه الاخرى عن على فهلا قالوا: مثل هذا لا يقال بالرأى؟ ولكن هذا حكم القوم في دينهم فليحمد الله أهل السنن على عظيم نعمته عندهم * 1266 مسألة ومن كسر اناء فضة أو اناء ذهب فلا شئ عليه وقد أحسن لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقد ذكرناه في الوضوء والا طعمة والاشربة، وكذلك من كسر صليبا أو أهرق خمرا لمسلم أو لذمى * وقال الحنيفيون: ان أهرق خمر الذمي ملسم فعليه قيمتها وان أهرقها ذمى فعليه مثلها * قال أبو محمد: وهذا باطل ولا قيمة للخمر وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعها وأمر بهرقها فما لا يحل بيعه ولا ملكه فلا ضمان فيه، فان قالوا: هي أموال أهل الذمة قلنا:


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (حدثنى) (2) أي القته في الفرات على أحد قطريه أي شقيه، والنقد صغار الغنم واحدتها نقدة وجمعها نقاد، وفى بعض النسخ (بقرة) وهو تصحيف (3) أي مثلها من الغنم

[ 148 ]

كذبتم وما جعلها الله تعالى مذ حرمها مالا لاحد ولكن أخبرونا أهى حلال لاهل الذمة أم هي حرام عليهم؟ فان قالوا: هي لهم حلال كفر والان الله تعالى قد أخبر فيما نعاه عيهم انهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، ولا يختلف مسلمان في أن دين الاسلام لازم للكفار لزومه للمسلمين. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوث إليهم كما بعث إلينا وان طاعته فرض عليهم كما هي علينا؟ فان قالوا: بل هي عليهم حرام قلنا: صدقتم فمن أتلف ما لا لا يحل تملكه فقد أحسن ولا شئ عليه، واحتجوا برواية رويناها من طريق سفيان الثوري عن ابراهيم بن عبد الاعلى الجعفي عن سويد بن غفلة ان عمر بن الخطاب قيل له: عمالك يأخذون الخمر. والخنازير في الخراج فقال له بلال: انهم ليفعلون فقال عمر: لا تفعلوا ولو هم بيعها * ومن طريق أبى عبيد عن [ كدام ] (1) الانصاري عن اسرائيل عن ابراهيم بن عبد الاعلى عن سويد بن غفلة ان بلالا قال لعمر ابن الخطاب: ان عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال: لا تأخذوها منهم ولكن ولو هم أنتم بيعها وخذوا أنتم من الثمن * قال أبو محمد: هذا لا حجة فيه لان حديث سفيان - وهو الصحيح - ليس فيه ما زاد اسرائيل وانما فيه (ولو هم بيعها) وهذا كقول الله تعالى: (نوله ما توى) واسرائيل ضعيف، ثم لو صح فلا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان من العجب أن يخالفوا عمر رضى الله عنه في تفريقه بين ذوى المحارم من المجوس ونهيه لهم عن الزمزمة (2) ثم يقلدون ههنا رواية ساقطة مخالفة للقرآن. والسنن وان كانت الخمر من أموالهم فان الصليب والاصنام عندهم أجل من الخمر فيجب على هؤلاء القوم أن يضمنوا من كسر لهم صليبا أو صنما حتى يعيده سالما صحيحا والا فقد تناقضوا * روينا من طريق أبى داود نا قتيبة بن سعيد نا الليث - هو ابن سعد - عن يزيد بن أبى حبيب عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله: (انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: ان الله حرم بيع الخمر. والميتة. والخنازير (3)) فيا ليت شعرى كيف يستحل مسلم أن يبيح ثمن بيع (4) حرمه الله تعالى؟ أم كيف يستحل مسلم أن يقول: انها مال من أموال أهل الذمة تضمن لهم؟ حاش لله من هذا * 1267 مسألة ومن كسر حلية فضة في سرج. أو لجام. أو مهاميز.


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) هي كلام يقولونه عند أكلهم بصوت خفى (3) في سنن أبى داود (والحنزير) وهو حديث مطول اقتصر المصنف على محل الشاهد منه (4) في النسخة رقم 16 (ان يبيح بيعا)

[ 149 ]

أو سيف. أو تاج. أو غير ذلك. أو حلى ذهب لامرأة أو لرجل يعده لاهله. أو للبيع كلف اعادته صحيحا كما كان لما ذكرنا قبل، فان تراضيا جميعا على ان يضمن له ما بين قيمته صحيحا ومكسورا جاز ذلك لانه مثل ما اعتدى به وجائز أن يتفقا من ذلك في حلى الذهب على ذهب. وفى حلى الفضة على فضة. وله أن يؤخره به ما شاء لانه ليس هو بيعا وانما هو اعتداء بمثل ما اعتدى به عليه فقط، وبالله تعالى التوفيق * 1268 مسألة وكل ما جنى على عبد أو أمة. أو بعير. أو فرس. أو بغل. أو حمار. أو كلب يحل تملكه. أو سنور. أو شاة. أو بقرة. أو ابل. أو ظبى. أو كل حيوان متملك (1) فان في الخطأ في العبد وفى الامة [ خاصة ] (2) وفى سائر ما ذكرنا خطأ أو عمدا ما نقص من قيمته بالغا ما بلغ، أما العبد والامة ففيما جنى عليهما عمدا القود وما نقص من قيمتها أما القود فللمجنى عليه وأما ما نقص من القيمة فللسيد فيما اعتدى عليه من ماله، وكذلك لو أن امرءا استكره أمة فقتلها لكان عليه الغرامة لسيدها والحد في زنائه بها ولا يبطل حق حقا، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يعطى كل ذى حق حقه، وأما القود بين الحر. والعبد فنذكره ان شاء الله تعالى في كتاب القصاص * وأما ما نقصه فللناس ههنا اختلاف، وكذلك في الحيوان، وقولنا في الحيوان هو قول أبى سليمان ومالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة: كذلك الا في الابل. والبقر. والبغال. والحمير. والخيل خاصة في عيونها خاصة فانه قال في عين كل ما ذكرنا ربع ثمنه * قال أبو محمد: واحتجوا في ذلك بأثر رويناه من طريق قاسم بن أصبغ نا زكريا ابن يحيى الناقد نا سعيد بن سليمان عن أبى أمية بن يعلى نا أبو الزناد عن عمرو بن وهب عن أبيه عن زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في الرأس الا في ثلاث. المنقلة. والموضحة. والآمة (3) وفى عين الفرس بربع ثمنه، وبرواية عن عمر بن الخطاب من طريق سفيان. وعمرو بن دينار. ومعمر قال سفيان: عن جابر الجعفي عن الشعبى عن شريح عن عمر، وقال عمرو بن دينار: أخبرني رجل أن شريحا قال له: قال لى عمر، وقال معمر: بلغني أن عمر بن الخطاب، ثم اتفقوا أنه قضى في عين الدابة بربع ثمنها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن المغيرة عن ابراهيم عن شريح قال: أتانى عروة البارقى من عند عمر بأن في عين الدابة ربع ثمنها * ومن طريق أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمر في عين الدابة ربع ثمنها *


(1) في النسخة رقم 16 (يتملك) (2) الزيادة من النسخة رقم 14 (3) المنقلة بتشديد القاف هي التى تخرج منها صغار العظام وتنتقل عن اماكنها، والموضحة هي التى تبدى وضح العظم أي بياضه، والامة هي الشجة التى بلغت أم الرأس وهى الجلدة التى تجمع الدماغ

[ 150 ]

ومن طريق ابن جريج عن عبد الكريم أن على بن أبى طالب قضى في عين الدابة بربع ثمنها * قال على: الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تصح لانها من طريق اسماعيل بن يعلى الثقفى - وهو ضعيف - عن عمرو بن وهب عن أبيه وهما مجهولان، ثم ليس فيه الا الفرس فلا هم خصوه كما جاء مخصوصا ولا هم قاسوا عليه جميع ذوات الاربع * وأما عن على. وعمر رضى الله عنهما فمراسيل كلها ثم لو صحت لما كان فيها حجة لوجوه، أو لها أنه لا حجة فيمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى أنه لا مؤنة عليهم في خلاف عمر. وعلى إذا خالفا أبا حنيفة كما ذكرنا عنهما آنفا من انهما تقيآ ما شربا إذ علما أنه لا يحل، ثم في هذه القصة نفسها كما روينا من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: كتب عمر مع عروة البارقى إلى شريح في عين الدابة ربع ثمنها وأحق ما صدق به الرجل عند موته ان ينتفى من ولده أو يدعيه * ومن طريق عبد الرزاق عمن حدثه عن محمد بن جابر عن جابر عن الشعبى ان عليا قضى في الفرس تصاب عينه بنصف ثمنه * ومن طريق سفيان ابن عيينة عن مجالد عن الشعبى ان عمر بن الخطاب قضى في عين جميل أصيب بنصف ثمنه ثم نظر إليها بعد فقال: ما أراه نقص من قوته ولا هدايته فقضى فيه بربع ثمنه، فليت شعرى ما الذى جعل احدى قضيتي عمر. وعلى أولى من الاخرى؟ وهلا أخذ وابهذه القضية قياسا على قولهم: ان في عين الانسان نصف ثمنه وقد أضعف عمر على حاطب قيمة الناقة التى انتحرها عبيده، وجاء بذلك أثر كما روينا عن ابن وهب أنا عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاصى: (أن رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ترى في حريسة الجبل (1)؟ قال: هي ومثلها والنكال) فهذا خبر أصح من خبرهم في عين الفرس ربع ثمنه وأصح من خبرهم عن عمر فظهر فساد قولهم من كل جهة، وقد كان يلزم المالكيين القائلين بتقليد الصاحب وان المرسل كالمسندان يقولوا بهذه الآثار والا فقد تناقضوا * وأما ما جنى على عبد فيما دون النفس أو على أمة كذلك فقال قوم: كما قلنا انما فيه للسيد ما نقص من ثمنه فقط وهو قول الحسن، وقال قوم: جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته بالغا ثمن العبد والامة ما بلغ، ففى عين العبد نصف ثمنه ولو أن ثمنه الفا دينار (2)، وفى عين الامة نصف ثمنها ولو بلغ عشرة آلاف دينار، وهكذا في سائر الاعضاء * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: جراحات العبيد


(1) في النسخة اليمنية (الخيل) بخاء معجمة وهو تصحيف، والحريسة فعلية بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها ويحفظها (2) في النسخة رقم 16 (الف دينار)

[ 151 ]

في أثمانهم بقدر جراحات الاحرار في دياتهم، وهو قول شريح. والشعبى والنخعي. وعمر ابن عبد العزيز. ومحمد بن سيرين. والشافعي. وسفيان الثوري. والحسن بن حى الا أن الحسن قال: ان بلغ جميع القيمة لم يكن له الا أن يسلمه ويأخذ قيمته أو يأخذ ما نقص * ورويناه أيضا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه ان عمر بن الخطاب قال: وعقل العبد في ثمنه كعقل الحر في ديته * وروى أيضا عن على بن أبى طالب * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ان رجالا من العلماء ليقولون: العبيد والا ماء سلع فينظر ما نقص ذلك من اثمانهم * قال أبو محمد: وهذا قولنا، وقالت طائفة: فيه ما نقص الا أن تكون الجناية استهلاكا كقطع اليدين أو الرجلين أوفق العينين فصاحبه مخير بين أن يأخذ ما نقص من ذلك من قيمته أو يسلمه إلى الجاني ويأخذ منه قيمته صحيا. وهو قول أبى يوسف. ومحمد بن الحسن، وطائفة قالت: جراح العبد في ثمنه كجراح الحر في ديته فان كانت الجناية مما لو كانت على حر لكانت فيه الدية كلها أسلمه إلى الجاني ولابد وألزمه قيمته صحيا وهو قول النخعي. والشعبى، وطائفة قالت: يدفع إلى الجاني وتلزمه قيمته صحيحا وهو قول اياس بن معاوية. وقتادة * روينا من طريق حماد بن سلمة عن اياس بن معاوية في رجل قطع يد عبد قال: هو له وعليه مثله * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فيمن جدع اذن عبد أو انفه أو أشل يده انه يدفع إليه ويغرم لصاحبه مثله * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: ان شج عبدا أو فقأ عينه فقيمته كما أفسده، ورأى في موضحته نصف عشر قيمته * قول أبى حنيفة ومحمد: من قتل عبدا خطأ فقيمته على العاقلة ما لم تبلغ قيمته عشرة آلاف درهم فاكثر فليس فيه الا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم وفى الامة قيمتها كذلك ما لم تبلغ خمسة آلاف درهم فصاعدا فان بلغتها فليس فيها (1) الا خمسة آلاف درهم غير خمسة دراهم على العاقلة، قال أبو حنيفة وحده: وأما ما دون النفس فمن قيمتها مثل ما في الجناية وعلى الحر من ديته فإذا بلغ أرش ذلك من الحر أنفص من قميته عشرة دراهم (2) أو خمسة دراهم هكذا جملة، ثم رجع عن الاذن والحاجب خاصة فقال: فيهما ما نقصهما فقط، فان كانت الجناية مستهلكة فليس له الا امساكه كما هو ولا شئ له أو اسلامه وأخذ ما كان يأخذ لو (3) قتل خطأ، وقال أبو يوسف في قتل العبد خطأ والجناية: عليه قيمته


(1) في النسخة رقم 16 (عليه) (2) في النسخة رقم 14 (انقص منه بقيمته من عشرة دراهم) وهو تركيب ركيك (3) في النسخة رقم 16 (وأخذ ما كان يأخذ لو)

[ 152 ]

ما بلغت ولو تجاوزت ديات، ووافقه محمد فيما دون النفس واتفقوا كلهم في الجناية المستهلكة على قول أبى حنيفة الذى ذكرنا، وقد روى عنهما أنه ان أمسكه أخذ قيمة ما نقصته الجناية المستهلكة، وقد روى عن أبى يوسف فيما دون النفس خاصة مثل قول أبى حنيفة وسواء في ذلك الحاجب. والاذن وغير ذلك ذكر ذلك في اختلاف الفقهاء، وروى عن زفر فيما دون النفس مرة مثل قول أبى حنيفة الآخر ومرة مثل قوله الاول، ووافق أبا حنيفة في قوله في النفس * وقالت طائفة جراح العبد (1) في قيمته كجراح الحر في ديته الا أن تبلغ قيمة العبد عشرة آلاف درهم فصاعدا أو تبلغ قيمة الامة خمسة آلاف درهم فصاعدا فلا تبلغ (2) بارش تلك الجراحة مقدارها من دية الحر أو الحرة لكن يحط من ذلك حصتها من عشرة دراهم في العبد وحصتها من خمسة دراهم في الامة الا أن يكون قطع اذن فبرأ أو نتف حاجب فبرأ ولم ينبت فليس عليه الا ما نقصه وهذا قول أبى حنيفة، فان بلغ من الجناية على العبد ما لو جنى على حر لوجبت فيه الدية كلها فليس له الا امساكه كما هو ولا شئ له أو اسلامه إلى الجاني وأخذ جميع قيمته ما لم يبلغ عشرة آلاف درهم فصاعدا فليس له الا عشرة آلاف غير عشرة دراهم وفى الامة نصف ذلك * وتفسيره أنه ان فقأ عين أمة تساوى خمسة آلاف درهم فما فوق ذلك إلى مائه الف فاكثر فليس عليه إلا ألفا درهم وخمسمائة درهم غير درهمين ونصف وان فقأ عين عبد يساوى عشرة آلاف فما زاد فليس عليه الا خمسة آلاف درهم غير خمسة دراهم وهكذا افي سائر الجراحات، فلو ساوت الامة مائتي درهم والعبد مائة درهم لم يلزمه في عين العبد الا خمسون درهما فقط وفى عين الامة مائة درهم فقط وهكذا العلم في سائر القيم، وطائفة قالت: ان منقلة العبد ومامومته وجائفته وموضحته من ثمنه بالغا ما بلغ فهى من الحر في ديته، ففى موضحة العبد نصف عشر ثمنه ولو أنه الف ألف درهم وفى منقلته عشر قيمته كذلك ونصف عشر قيمته كذلك، وفى جائفته ومأمومته ثلث ثمنه بالغ ما بلغ، وأما سائر الجراحات وقطع الاعضاء فانما فيه ما نقصه فقط وهو قول مالك، وقد روى عن مالك أيضا انه إذا قطع يدى عبدا أو فقأ عينيه (3) أعتق عليه وغرم قيمته كاملة لسيده، وقالت الليث بن سعد: من خصى عبد غيره فعليه


(1) قوله (وقالت طائفة جراح العبد) إلى قوله بعد اسطر (في الامة نصف ذلك) مقدم من تأخير في بعض النسخ (2) في بعض النسخ (فلا بأس) وهو غلط (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عينه) بالافراد

[ 153 ]

قيمته كلها لسيده ويبقى العبد لسيده سواء زاد ذلك في قيمته أو نقص * قال أبو محمد: أما من قال: جراح العبد في قيمته كجراح الحر في ديته فقول لا دليل على صحته لامن قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية فاسدة لكنهم قاسوه على الحر لانه انسان مثله * قال على: ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لان كثيرا من ديات أعضاء الحر مؤقته لا زيادة فيها ولا نقص، وقد وافقنا من خالفنا ههنا على أن دية أعضاء العبد غير مؤقتة لا خلاف في ذلك، إذ قد يساوى العبد عشرة دنانير فتكون دية عينه عندهم عشرة دنانير وتساوى الامة خمسة آلاف درهم فتكون دية عينها ألفى درهم وخمسمائة درهم غير درهمين ونصف. أو تكون دية عينها عند بعضهم عشرة آلاف دينار، فقد أصفقوا (1) على أن الديات في ذلك غير محدودة وعلى جواز تفضيل دية عضو المرأة على دية عضو الرجل بخلاف الاحرار والحرائر، فقد ظهر فساد قياسهم جملة بهذه الدلائل وبغيرها أيضا. فسقط هذا القول بيقين * ثم نظرنا في قول من قال: يسلمه ويأخذ قيمته فوجدناه أيضا غير صحيح لانه لا يحل اخراج مال عن يد صاحبه (2) إلى غيره بغير تراض منهما الا أن يأنى بذلك نص ولم يأت بهذا ههنا نص أصلا فسقط أيضا جملة، ثم نظرنا في قول مالك. وأبى حنيفة فوجدنا هما أشد الاقوال فسادا لانه لم يأت بشئ منه قرآن. ولاسنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب أصلا. ولا قياس. ولا رأى له وجه بل ما نعرف هذين عن أحد من الائمة قبل هذين الرجلين * وأما قول أبى حنيفة فظلم بين لا خفاء به أن يكون يقطع يد جارية تساوى عشرة آلاف دينار فلا يقضى لصاحبها الا بمائتي دينار وخمسين دينارا غير ما تساوى من الذهب درهمين ونصفا ويكون تغصب له خادم أخرى قيمتها ألف دينار فتموت عند الغاصب فيغرم له ألف دينار كاملة، على هذا الحكم الدثار والدمار، ونحن نبرأ إلى الله تعالى منه في الدنيا ويوم يقوم الاشهاد * وأما قول مالك فتقسيم في غاية الفساد ولو عكس عليهم قولهم ما تخلصوا منه لو قيل لهم: بل في المنقلة. والجائفة. والمأمومة ما نقصه فقط وأما سائر الجراحات فمن ثمنه بقدرها من الحرفى ديته ومثل هذا لا يشتغل به الا محروم * واحتج له بعض مقلديه بأن قال: هذه جراحات يشفق عليه منها فيمكن أن يتلف ويمكن أن يبرأ ولا يبقى لها أثر ولا ضرر فقلنا: نعم فاجعلوا هذا دليلكم


(1) أي أجمعوا، وقد جاء في النسخة الحلبية (فقد أجمعوا) الخ (2) في النسخة رقم 16 (اخراج مال عبد عن يد صاحبه) بزيادة لفظ (عبد) وهو زيادة سهو من النساخ (م 20 ج 8 المحلى)

[ 154 ]

في أن لا يكون فيها الا ما نقص فقط * قال أبو محمد: والحكم على الجاني بما نقص فيما جناه على العبد من خصاء. أو مأمومة. أو جائفة. أو قطع عضو. أو غير ذلك مما قل أو كثر من الجنايات انما يكون بأن يقوم صحيحا ثم يقوم في أصعب ما انتهت إليه حاله من تلك الجناية وأشد ما كان منها مرضا وضعفا وخوفا عليه ويغرم ما بين القيمتين ولا ينتظر به صحته ولا تخفف أصلا لانه في كل حال من أحواله في تأثير تلك الجناية فهو الجاني عليه في كل تلك الاحوال فعليه في كل حال منها ما نقص بجنايته من مال سيده بلا شك لقول الله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ولقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فان برئ العبد أو الامة وصحا وزادت تلك الجنايات في أثمانهما كالخصاء في العبد: أو قطع اصبع زائدة. أو ما أشبه ذلك فمن رزق الله تعالى للسيد ولا رجوع للجاني من أجل ذلك بشئ مما غرم وكذلك لو لم يغرم شيئا حتى صح المجني عليه فانه يغرم كما ذكرنا ولا بد لانه قد لزمه أداء مثل ما اعتدى فيه فلا يسقط عنه ببرء الجناية، وكذلك من قطع شجرة لانسان فانه يضمن قيمتها سواء نبتت بعد ذلك ونمت أو لم تنبت ولا نمت لما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * واما ان قتل الرم ء عبدا لغيره أو أمة عمدا أو خطأ فقيمتهما ولا بد لسيدهما بالغة ما بلغت لما ذكرنا، وقد اختلف الناس في هذا فروينا عن حماد بن سلمة عن داود ابن أبى هند عن الشعبى أن عبدا قتل خطأ وكان ثمنه عشرة آلاف درهم فجعل سعيد ابن العاصى ديته أربعة آلاف، وصح عن النخعي. والشعبى قالا جميعا: لا يبلغ بدية العبد دية الحر، ورويناه أيضا عن عطاء. والحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان وبه يقول سفيان الثوري قال: ينقص منها الدرهم ونحوه، وقال عطاء: لا يتجاوز به دية الحر، وصح أيضا عن حماد بن أبى سليمان، وقال أبو حنيفة. وزفر. ومحمد: ان كان عبدا فقيمته ما لم يبلغ عشرة آلاف درهم فان بلغها أو تجاوزها بما قل أو كثر لم يغرم قاتله الا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم وان كانت أمة فقيمتها ما لم تبلغ خمسة آلاف درهم فان بلغتها أو تجاوزتها بما قل أو كثر لم يغرم قاتلها إلا خمسة آلاف درهم غير خمسة دراهم، وقالت طائفة: يغرم القيمة بالغة ما بلغت * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن بكر عن ابن جريج عن عبد الكريم عن على بن أبى طالب: وابن مسعود. وشريح قالوا: ثمنه وان خلف دية الحر، وصح هذا أيضا عن سعيد بن المسيب. والحسن. وابن سيرين. وابراهيم النخعي أيضا. ويحيى بن سعيد الانصاري. والزهرى

[ 155 ]

ورويناه أيضا عن عمر بن عبد العزيز. وإياس بن معاوية. وعطاء: ومكحول، وهو قول مالك. وأبى يوسف. والشافعي. وأحمد بن حنبل. واسحاق. وأبى سليمان وغيرهم * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة ففى غاية السقوط لانه حد ما يسقط من ذلك بحد لا يحفظ عن أحد قبله وانما هو من رأيه الفاسد، وقال مقلدوه: ينقص من ذلك ما تقطع فيه اليد قلنا: ومن أين لكم هذا؟ ثم قد تناقضتم فأسقطتم من دية المرأة خمسة دراهم وليس تقطع فيها اليد في قولكم فقد أبطلتكم ما أصلتم من كثب (1) ثم نقول لهم: وهلا نقصتم من الدية ما نقصتم من الاربعين درهما في جعل الآبق إذا كان يساويها؟ وهلا نقصتم من الدية ما تجب فيه الزكاة؟ وهل هذا إلا راى زائف مجرد؟ وكل قول لم يقم عليه دليل أصلا ولا كان له سلف فأولى قول بالاطراح، ثم نظرنا في قول من قال لا يبلغ بدية العبد دية الحر فوجدناه قولا فاسدا لا دليل عليه، ثم هم يتناقضون فيقولون فيمن قتل كلبا يساوى ألفى دينار: انه يعطى ألفى دينار، وان عقر خنزيرا لذمى يساوى ألف دينار أدى إليه ألف دينار، وان قتل نصرانيا يجعل لله تعالى الولد وأم الولد أنه يعطى فيه دية المسلم فيا للمسلمين أيبلغ كلب وخنزير ومن هو شر من الكلب والخنزير دية المسلم ولا يبلغ بلال لو قتل قبل أن يعتق دية مسلم نعم ولا دية كافر يعبد الصليب وهو خير من كل مسلم على ظهر الارض اليوم عند الله تعالى وعند أهل الاسلام * ثم قد تناقضوا فقالوا: من غصب عبدا فمات عنده وقيمته عشرة آلاف دينار أدى عشرة آلاف دينار (2) فهل سمع باسخف من هذا التناقض؟ ثم قد جعلوا دية العبد عشرة آلاف درهم غير درهم أو غير عشرة دراهم فتجاوزوا بها دية الحرة المسلمة، وهذه وساوس يعنى ذكرها عن تكلف الرد عليها، وقد روى ما ذكرنا عن ابن مسعود. وعلى وما نعلم (3) لهما مخلفا من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك فخالفوهما، وقد جسر بعضهم فقال: قد أجمع على المقدار الذى ذكرنا واختلف فيما زاد فقلنا: كذبت وأفكت (4)، هذا سعيد بن العاصى أمير الكوفة لعثمان رضى الله عنه. وأمير المدينة. ومكة لمعاوية لا يتجاوز بدية العبد أربعة آلاف درهم * قال أبو محمد: والعبد. والامة ما فعلى متلفهما مثل ما تعدى فيه بالغا ما بلغ وبالله تعالى التوفيق، وأما جناية العبد على مال غيره ففى مال العبد كان له مال فان لم يكن


(1) بالثاء المثلثة أي من قرب (2) سقط في النسخة اليمنية من قوله (ثم قد تناقضوا) إلى هنا (3) في النسخة رقم 16 (وما يعلم لهما مخالف) (4) في النسخة رقم 16 (كذبتم وأفكتم) والضمير فيهما للبعض فما هنا أتم وأظهر

[ 156 ]

له مال ففى ذمته يتبع به حتى يكون له مال في رقه أو بعد عتقه وليس على سيده فداؤه لا بما قل ولا بما كثر ولا اسلامه في جنايته ولا بيعه فيها وكذلك جناية المدبر والمكاتب وأم الولد المأذون وغير المأذون سواء الدين والجناية في كل ذلك سواء لقول الله تعالى. (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولا يحل أن يؤخذ أحد بجريرة أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وقال تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والعبد مال من مال سيده. وكذلك ثمنه. وكذلك سائر مال السيد فنسأل من خالفنا ههنا بأى كتاب الله أم بأى سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم استحللتم اباحة مال السيد لغيره ولم يجن شيئا؟ ولعله صغير. أو مجنون. أو غائب في أرض بعيدة. أو نائم. أو في صلاة ان هذا لعجب عجيب! * قال أبو محمد: واحتج المخالفون بخبر رويناه من طريق مروان الفزارى عن دهثم ابن قران (1) اليمامى عن نمران بن جارية ابن ظفر عن أبيه (أن مملوكا قطع يد رجل ثم لقى آخر فشجه فاختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم العبد إلى المقطوع يده ثم أخذه منه فدفعه إلى المشجوج فصار له ورجع سيد البعد والمقطوع يده بلا شئ) * قال أبو محمد: هذا لا يصح لان دهثم بن قران ضعيف متفق من أهل النقل على ضعفه، ونمران مجهول فلم يجز القول به ولو صح لما سبقونا إلى الاخذ به وقد ادعى بعض من لا يبالى بالكذب على أهل الاسلام الاجماع على أن جناية العبد في رقبته وقد كذب هذا الجاهل وأفك، ما جاء في هذا [ الخبر ] عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم في علمنا الا ما نذكره ان شاء الله تعالى وما فاتنا بحول الله تعالى في ذلك شئ ثابت أصلا ولعله لم يفتنا أيضا معلول * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن حجاج - هو ابن أرطاة - عن حصين الحارثى عن الشعبى عن الحارث - هو الاعور - عن على قال: ما جنى العبد ففى رقبته ويتخير مولاه ان شاء فداه وان شاء دفعه، وهذه فضيحة الحجاج والحارث الاعور احدهما كان يكفى، وقد خالفوا على بن أبى طالب في اسلامه الشاة إلى أولياء التى نطحت فغرق في الفرات، فما الذى جعل حكمه هنا لك أولى من حكمه ههنا لو صح عنه فكيف وهو باطل؟ نعم وقد خالفوا عليا في هذه القضية (2) نفسا فأبو حنيفة يقول: ما جنى العبد من دم


(1) دهثم بثاء مثلثة، وقران بضم القاف وتشديد الراء (2) في النسخة رقم 16 (القصة)

[ 157 ]

عمدا فليس في رقبته ولا يفديه سيده ولا يدفعه انما هو القود أو العفو أو ما تصالحوا عليه، ومالك يقول: جناية العبد في ماله ان كان له مال فان لم يكن له مال فحيئذ يرجع إلى سيده، والشافعي يقول: لا يلزم السيد ان يفدى عبده ولا أن يسلمه لكن يباع في جنايته فقط * وحديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ان رقيقا (1) لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فنحروها (2) فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأمر كثير بن الصلت فقطع أيديهم، ثم قال عمر لحاطب: انى أراك تجيعهم لاغر منك غرما يشق عليك ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم قال: فاعطه ثمانمائة درهم وهو يخالفون عمر في هذا، فليت شعرى ما الذى جعل بعض حكمه في قضية واحدة حقا وبعضه في تلك القضية نفسها باطلا، ان هذا لهو الضلال المبين، ورواية من طريق وكيع نا ابن أبى ذئب عن محمد بن ابراهيم التيمى عن أبيه عن السلولى الاعور عن معاذ بن جبل عن أبى عبيدة قال: جناية المدبر على مولاه وهذا باطل لان السلولى الاعور لا يدرى من هو في خلق الله تعالى؟ ثم قد خالفوا هذه الرواية فما لك يقول: لا يغرم عنه سيده ما جنى ولا يدفعه وانما الحكم ان يستخدم في جنايته فقط، وكذلك يقول أبو حنيفة أيضا فيما جنى في الاموال (3) فان كان ذلك اجماعا فهم أول من خالف الاجماع فمن أقل حياء ممن يجعل مثل هذا اجماعا ثم لا يرى صوابا فكيف سنة فكيف اجماعا؟ دفعهم كلهم أموالهم بخيبر على نصف ما يخرج منها من زرع أو تمر إلى غير أجل لكن يقرونهم ما أقرهم الله ويخرجونهم إذا شاءوا مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم مدة أبى بكر. ثم مدة عمر رضى الله عنهما لا أحد يخالف في ذلك فأى عجب أعجب من هذا!؟ ولا يرى ايضا آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع الحاضرين من أصحابه رضى الله عنهم ولم يخف ذلك عمن غاب منه بعد أن بدأ أبو بكر بالصلاة بهم صوابا ولا سنة ولا اجماعا * قال أبو محمد: ثم هم مختلفون فقالت طائفة: لا يباع المأذون له في التجارة في ديته ولا يسلم ولا يفديه سيده، وأما غير المأذون فهو والذى يبا ع. أو يسلم. أو يفدى، وقالت طائفة: لا يباع المأذون ولا غير المأذون في دين ولا يسلم ولا يفدى وأما جنايتهما فيباعان فيهما. أو يسلمان. أو يفديان، وقالت طائفة: المأذون وغير المأذون سواء، والدين والجناية سواء كلاهما يباع في كل ذلك أو يسلمه سيده أو يفديه، فهذه أقوال كما ترونها (4)


(1) في بعض النسخ (ان رفقة) (2) في النسخة رقم 16 (فانتحروها) (3) في النسخة رقم 16 (من الاموال) (4) في النسخة رقم 16 (كما ترى)

[ 158 ]

ما نحتاج في ردها إلى أكثر من ايرادها لان كل طائفة تخطئ الاخرى وتبطل قولها وكلها باطل، * وقال أبو حنيفة. وأصحابه: ان قتل العبد حرا فليس الا القود أو العفو وهو لسيده كما كان ان عفا عنه وكذلك المدبر وأم الولد، قالوا: فان قتل العبد حرا أو عبدا خطأ أو جنى على ما دون النفس من حر أو عبد عمدا أو خطأ قلت الجناية أو كثرت كلف سيده أو يدفعه إلى المجني عليه أو إلى وليه كثر المجني عليهم أم قلوا أو يفديه بجميع أروش الجنايات قالوا: فان جنى في مال فليس عليه ولا على السيد الا أن يباع في جنايته فان وفى ثمنه بالجنايات فذلك وان لم يف بها فلا شئ على السيد ولا على العبد وان فضل فضل كان للسيد، قالوا: فان جنى المدبر فقتل خطأ أو جنى فيما دون النفس فعلى سيده الاقل من قيمته أو من أرش الجناية أو الدية ليس عليه غير ذلك الا أن تكون قيمة الجناية عشرة آلاف درهم فصاعدا فلا يلزم السيد الا عشرة آلاف غير عشرة دراهم فان قتل آخر خطأ فلا شئ على السيد لكن يرجع كل من جنى عليه بعد ذلك على المجني عليه أو لا فيشاركه فيما أخذ وهكذا أبدا، وهكذا أم الولد في جنايتها في قتل الخطأ وما دون النفس، وقال أبو حنيفة: فان جنى المدبر. وأم الولد على مال فعليهما السعي في قيمة ما جنيا ولا شئ على سيد أم الولد * قال أبو محمد: هذا الفصل موافق لقولنا، وكذلك ينبغى أن تكون سائر جناياتهما وجنايات العبيد ولا فرق، وهذه تفاريق لا تحفظ عن أحد قبل أبى حنيفة، ولو ادعى مدع في هذه التخاليط خلاف الاجماع لما بعد عن الصدق، وقالوا: ان جنى المكاتب فقتل خطأ أو فيما دون النفس فعليه أن يسعى في الاقل من قيمته أو من أرش الجناية ولا شئ عليه غير ذلك فان جنى في مال سعى في قيمته بالغة ما بلغت، وقال مالك: جناية العبد في الدماء والاموال سواء فان كان للعبد مال فكل ذلك في ماله فان لم يكن له مال فسيده مخير بين أن يفديه بأرش الجناية أو بقدر المال أو يدفعه فان جنى المدبر كذلك ففى ماله فان لم يف استخدم في الباقي فان جنت أم الولد فعلى سيدها ان يفديها بالاقل من قيمتها أو من أرش الجناية فقط ثم كلما جنت كان عليه أن يفديها كذلك فان جنى المكاتب كذلك كلف أن يؤدى أرش ما جنى فان عجز أو أبى رق وعاد إلى حكم العبيد * وهذه تفاريق لا تحفظ أيضا عن أحد من الناس قبله، ولو ادعى مدع خلاف الاجماع عليها لما بعد عن الصدوق الا قوله: ان الجنايات في مال العبد والمدبر فهو صحيح لو لم يتبعه بما ذكرنا، وقال الشافعي: كل ما جنى المدبر. والبعد من دم أوفى مال أو ما دون النفس

[ 159 ]

فانما يلزم السيد بيعه فيها فقط فان وفى فذلك (1) فان فضل فضل فللبيدو ان لم يف فلا شئ عليه ولا على البعد غيرذلك وليس عليه أن يسلمه ولا أن يفديه، فان جنت أم الولد فداها سيدها بالاقل من قيمتها ومن أرش الجناية، فان جنت ثانية فقولان. أحدهما يفديها أيضا وهكذا أبدا. والثانى يرجع الآخر على الذى قبله فيشاركه فيما أخذ ولا شئ على السيد، وهذا أيضا قول لا يحفظ عن أحد قبله، وكل هذه الاقوال ليس على صحة شئ منها دليل لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية فاسدة. ولا من قول صاحب. ولا من قياس. ولا من راى له وجه، وما كان هكذا فلا يجوز القول به، فان موهوا بان العبد لا مال له ولا يملك شيئا قلنا: هذا باطل بل يملك كما يملك الحر ولكن هبكم الآن انه لا يملك كما تدعون عدوه فقيرا واتبعوه به إذا ملك يوما ما كما يتبع الفقير سواء بسواء ولافرق، والله تعالى يقول: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) فقد وعدهم الله أو من شاء منهم بالغنى فانتظروا بهم ذلك الغنى فكيف والبراهين على صحة ملك العبد ظاهرة؟ * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: ويقاد للمملوك من المملوك في كل عمد يبلغ نفسه فما دون ذلك من الجراح، فان اصطلحوا على العقل فقيمة المقتول على مال القاتل أو الجارح * قال أبو محمد: هذا قولنا ولله تعالى الحمد، وبيان [ هذا ] (2) ان عمر بن الخطاب يرى العبد مالكا، ومن طريق حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الانصاري قال أخذ عبد أسود آبق قد عدا على رجل فشجه ليذهب برقبته فرفع ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فلم يرله شيئا وهذا قولنا، وقد جاء هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا معاذ بن هشام الدستوائى حدثنى أبى عن قتادة عن أبى نضرة عن عمران بن الحصين (أن غلاما لا ناس فقراء قطع أذن غلام لا ناس أغنياء فأتى أهله رسول (3) الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله انا اناس فقراء فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه شيئا * قال أبو محمد: لم يسلمه ولا باعه ولا ألزمه ما لا يملكه ولا ألزم ساداته فداءه وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين * تم كتاب الغصب والاستحقاق والجنايات على الاموال (4)


(1) في النسخة رقم 16 (فذاك) (2) الزيادة من النسخة رقم 14 (3) في سنن أبى داود (النبي) بدل (رسول الله) الخ (4) في النسخة الحلبية زيادة ادخلها الناسخ نسخته - وهى من كتاب الايصال للمصنف - واسندها إليه فحرصا على اظهار هذا الكتاب العظيم لطلاب العلم اثبتنا هذه الزيادة هنا مفصولة عن الاصل لئلا يظن انها منه وهى هذه قال:

[ 160 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصلح 1269 مسألة لا يحل الصلح البتة على الانكار ولا على السكوت الذى لا انكار معه. ولا اقرار. ولا على اسقاط يمين قد وجبت. ولا على أن يصالح مقر على غيره


مسألة فلو أن دينارا. أو درهما. أو لؤلؤة. أو غير ذلك وقع في محبرة أو اناء ضيق الفم قال على: كلما دخل حين وقع كذلك يخرج ولا بد فان لم يمكن اخراجه فان تراضيا على أن يضمن صاحبه الاناء أو صاحب الجرم الواقع فيه مثل شيئه جاز ولو تراضيا على كسرا لاناء وأخذ صاحب الشئ شيئه جاز ذلك ولو لم يتراضيا على شئ من ذلك وقف الاناء بما فيه لهما أبدا حتى يتفقا على ما يجوز ولم يمكن أحدهما منه * برهان ذلك أن الاناء لصاحبه فلا يحل لغيره والشئ الواقع فيه لصاحبه فلا يجوز لغيره فوقف كل واحد منهما لصاحبه لا يمكن الآخر منه حتى يتفقا على ما يجوز فلو أن صاحب المحبرة ألقى ذلك متعمدا ولم يقدر على اخراجه الا بكسر المحيرة كسرت ولا شئ عى صاحب الدرهم أو الدينار فلو ان صاحب الدينار تولى رميه متعمدا قيل له: أحضر مثل المحبرة واكسره وخذه والا فلا سبيل لك على صاحب المحبرة لانه هو المتعدى حينئذ فلو ألقاه غيرهما ضمن ما ألقى أو ما أفسد في اخراجه فلو ألقاه مجنون أو صبى أو وقع بغير القاء انسان فكما ذكرنا في أول المسألة وبالله تعالى التوفيق * مسأله فلو أن انسانا طرح ماء في غسل غيره أو لو أن صاحب الغسل طرح ماء غيره في غسله فكلا الامرين سواء وعلى صاحب الغسل ضمان ذلك الماء لا يجوز غير هذا ان كان الماء مستهلكا وان كان الغسل مستهلكا فعلى المعتدى ضمان ما اعتدى عليه وليس كذلك مزج غسل بغسل أو زيت بزيت أو ما أشبه هذا فان ما ذكرنا له عين واحدة فهما شريكان فيما امتزج ان كانا مثلين والا فعلى المستهلك ضمان متاع غيره فقط لانه لا يحل مال انسان لغيره الا لضرورة خوف الموت بالعطش فقط وهذا كله حكم واحد كما قلنا في المسألة الاولى انما الضمان على المتعدى * مسألة فلو ان انسانا أدخل فروجا صغيرا في قارورة فاطعمه حتى كبر وصار ديكا أو دجاجة فانه يضمن مثل القارورة ويكلف اخراج ديكه عنها لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فكل متعد ضامن لما اعتدى فيه هذه مختصرة ثم قال: هذه المسائل الثلاثة من تخاليط أصحاب الرأى ليوجبوا في ظنهم الفاسد أحكاما لم يأذن الله تعالى بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم هيهات لهم من ذلك انتهى من الايصال *

[ 161 ]

وذلك الذى صولح عند منكر وانما يجوز الصلح مع الاقرار بالحق فقط وهو قول ابن أبى ليلى الا أنه جوز الصلح على السكوت الذى لا اقرار معه ولا انكار، وهو قول الشافعي الا أنه جوز الصلح على اسقاط اليمين وأن يقر انسان عن غيره ويصالح عنه بغير أمره وهذا نقض لاصله، وهو أيضا قول أبى سليمان الا انه جوز الصلح على اسقاط اليمين وهذا نقض لاصله * روينا من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: كان لرجل على رجل حق فصالحه عنه ثم رجع فيه فخاصمه إلى شريح فقال له شريح: شاهدان ذوا عدل انه تركه ولو شاء أديته إليه، فهذا شريح لم يجز الصلح الا مع قدرة صاحب الحق على أخذ حقه بأداء الذى عليه الحق إليه حقه وفسخه إذا لم يكن كذلك وهو قولنا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن شريح قال: أيما امرأة صولحت عن ثمنها ولم يبين لها ما ترك زوجها فتلك الريبة كلها * وهذا أيضا بيان انه لم يجز الصلح الا على اقرار بمعلوم، وقال أبو حنيفة. ومالك: الصلح على الانكار وعلى السكوت الذى لا اقرار معه ولا انكار جائز * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ترض منكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح أن كل مال حرام على غير صاحبه ويحرم على صاحبه أن يبيحه لغيره الا حيث أباح القرآن. والسنة اخراجه أو أوجبا اخراجه، ولم يأت نص بجواز الصلح على شئ مما ذكرنا، والحديث المشهور من طريق (1) الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن أبى هريرة. وزيد بن خالد الجهنى قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله قال أحدا لخصمين: ان ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فقالوا لى: على ابنك الرجم ففديت ابني بمائة من الغنم ووليدة تم سألت أهل العلم فقالوا: انما على ابنك جلد مائه (2) وتغريب عام [ وانما الرجم على امرأته ] (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة. والغنم فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريم عام) وذكر باقى الخبر فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح المذكور وفسخه * قال أبو محمد: احتج المتأخرون المجيزون للصلح على الانكار وعلى سائر ما ذكرنا بقول الله تعالى: (والصلح خير) وبقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وبما روينا من


(1) في النسخة رقم 16 (من حديث) وفيه تكرار في التعبير (2) في النسخة رقم 16 (مائة جلدة) وما هنا موافق لما في سنن أبى داود (3) الزيادة من سنن أبى داود والحديث مطول (م 21 ج 8 المحلى)

[ 162 ]

طريق كثير بن عبد الله - وهو كثير بن زيد - عن أبيه عن جده، وعن الوليد بن رباح عن أبى هريرة كلاهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون عند شروطهم (1)) * وبما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس نا أبو ذر الهروي نا الخليل بن أحمد نا أبو داود السجستاني نا يحيى بن محمد بن صاعدنا يوسف ابن موسى القطان نا عبيدالله بن موسى نا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الاشعري والصلح جائز بين المسلمين الا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما * وبما روينا من طرق كثيرة منها عن سفيان بن عيينة. ووكيع. وهشيم. وابن أبى زائدة كلهم عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: أتى على بن أبى طالب في شئ فقال: انه لجور ولو لا انه صلح (2) لرددته، واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) قالوا: والصلح على الانكار تجارة عن تراض منهما * قال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به وكله لا حجة لهم في شئ منه بل كله حجة عليهم على ما نبين ان شاء الله تعالى، أما قوله تعالى: (والصلح خير): (وأوفوا بالعقود) فالمخالفون لنا في هذه المسألة وجميع أهل الاسلام موافقون لنا على أن كلتاهاتين الآيتين ليستا على عمومهما وان الله تعالى لم يرد قط كل صلح ولا كل عقد وان امراء (3) لو صالح على اباحة فرجه أو فرج امرأته أو على خنزير أو على خمر أو على ترك صلاة أو على ارقاق حر، أو عقد على نفسه كل هذا لكان هذا صلحا باطلا لا يحل وعقدا فاسدا مردودا فإذ لا شك في هذا فلا يكون صلح ولا عقد يجوز امضاؤهما الا صلح أو عقد شهد القرآن والسنة بجوازهما، فان قالوا: نعم لكن كل صلح وكل عقد فلا زمان إلا صلحا أو عقدا جاء القرآن أو السنة بابطالهما قلنا: نعم وهو قولنا وقد جاء القرآن بالطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عليه السلام: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) فصح أن كل شرط فحكمه الابطال الا شرطا جاء باباحته القرآن أو السنة، وكل عقدو كل صلح فهو بلا شك شرط فحكمهما الابطال أبدا حتى يصححهما قرآن أو سنة وليس في القرآن، ولا في السنة تصحيح الصلح على الانكار. ولا على السكوت. ولا على اسقاط اليمين، ولا صلح انسان عن من لم يأمره ولا اقراره على غيره فبطل كل ذلك بيقين * وأما حديث الصلح جائز بين المسلمين، وكلام عمر رضى الله عنه فكلاهما لا يجوز


(1) الحديث في سنن أبى داود (2) في النسخة رقم 16 (ولولا الصلح) (3) في النسخة رقم 16 (وان أحدا)

[ 163 ]

الحكم به * أما الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فساقطة لانه انفرد بها كثير بن عبد الله بن زيد ابن عمرو هو ساقط متفق على اطراحه وان الرواية عنه لا تحل * وأما الرواية عن عمر فانفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وكلاهما لا شئ، ثم لو صحا لكانا حجة لنا لان الصلح على الانكار وعلى السكوت لا يخلو ضرورة من أحد وجهين إما أن يكون الطالب طالب حق والمطلوب مانع حق أو مما طلا لحق، أو يكون الطالب طالب باطل ولابد من أحدهما فان كان الطالب محقا فحرام على المطلوب بلا خلاف من أحد من أهل الاسلام أن يمنعه حقه أو أن يمطله وهو قادر على انصافه حتى يضطره إلى اسقاطه بعض حقه أو أخذ غير حقه فالمطلوب في هذه الجهة أ كل مال الطالب بالباطل وبالظلم. والمطل. والكذب وهو حرام بنص القرآن، وان كان الطالب مبطلا فحرام عليه الطلب بالباطل وأخذ شئ من مال المطلوب بغير حق بلا خلاف من أحد من أهل الاسلام وبنص القرآن. والسنة، فالطالب في هذه الجهة أكل مال المطلوب بالباطل والظلم والكذب وهذا حرام بنص القرآن، ولعمري اننا ليطول عجبنا كيف خفى هذا الذى هو أشهر من الشمس على من أجاز الصلح بغير الاقرار؟ إذ لابد فيه ضرورة من أكل مال محرم بالباطل لاحد المتصالحين في كلا الوجهين، وأما الصلح على ترك اليمين فلا تخلو تلك اليمين التى يطلب بها المنكر من أن تكون صادقة ان حلف بها أو تكون كابة ان حلف بها ولا سبيل إلى ثالث، فان كان المطلوب كاذبا إن حلف فقد قدمنا انه آكل مال خصمه بالباطل والظلم والكذب، ولا يحل له ذلك، وان كان المطلوب صادقا إن حلف فحرام على الطالب أن يأخذ منه فلسا فما فوقه بالباطل، وهذا لا خفاء به على أحد يتأمله ويسمعه * وأما مصالحة المرء على غيره واقراره على غيره فهذا أبطل. الباطل لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) فاقرار المرء على غيره كسب على غير نفسه فهو باطل ومصالحته عن غيره لا تخلو أيضا مما قدمنا إما أن يكون الذى صولح عنه مطلوبا بباطل أو مطلوبا بحق ولا بد من أحدهما فان كان مطلوبا بباطل فحرام على الطالب ان يأخذ فلسا فما فوقه أو شيئا أصلا بطلب باطل فيكون أكل مال بالباطل وان كان الذى صولح عنه مطلوبا بحق فان كان المتبرع بالصلح عنه ضامنا لما على المطلوب فهذا جائز والحق قد تحول حينئذ على المقر فانما صالح حينئذ عن نفسه لا عن غيره وعن حق يأخذه به الطالب كله ان شاء وهذا جائز حسن لا نمنع منه، وكذلك ان ضمن عنه بعض ما عليه ولا فرق وانما نمنع من أن يصالح عن غيره دون دون ان يضمن عنه الحق الذى عليه وهذا في غاية البيان وبالله تعالى التوفيق، فقد صح بهذا ان كل صلح على غير الاقرار

[ 164 ]

فهو محل حراما ومحرم حلالا، فذانك الاثر ان لو صحا لكانا حجة لنا عليهم قاطعة * وأما المسلمون عند شروطهم فان شروط المسلمين هي الشروط التى جاء القرآن وجاءت السنة بايجابها واباحتها، وأما كل شرط لم يأت النص باباحته أو ايجابه (1) فليس من شروط المسلمين بل هو من شروط الكافرين أو الفاسقين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وليس الباطل من شروط المسلمين بلا شك * وأما خبر على فهو خبر سوء يعيذ الله عليا في سابقته وفضله. وإمامته من أن ينفذ الجور وهو يقر أنه جور، ويا سبحان الله! هل يجوز لمسلم أن ينفذ جورا؟ لئن صح هذا لينفذن الربا. والزنا. والغارة. على أموال الناس لانه كله جور (2) * والآفة في هذا الخبر والبلية من قبل الارسال لان الشعبى لم يسمع قط من على كلمة وانما أخذ هذا الخبر بلا شك من قبل الحارث وأشباهه، وهذا عيب المرسل، ثم العجب من احتجاجهم بهذه البلية وهم أول مخالف لها فلا يرون انفاذ الجور لا في صلح ولا غيره وهذا تلاعب بالديانة. وضلال. واضلال (فان قالوا): قد جاء عن عمر أنه قال رددوا الخصوم (3) حتى يصطلحوا فان فصل القضاء يورث بين القوم الضغائن، قلنا: هذا لا يصح عن عمر أصلا لاننا انما رويناه من طريق محارب بن دثار عن عمر وعمر لم يدركه محارب ومحارب ثقة فهو مرسل، ويعيذ الله عمر من أن يقول هذا القول فيأمر بترديد ذى الحق ولا يقضى له بحقه، هذا الظلم والجور اللذان نزه الله تعالى عمر في امامته ودينه وصرامته في الحق من أن يفوه به، ثم ليت شعرى أيها المحتجون بهذا القول الذى لم يصح قط عرفونا ماحد هذا الترديد الذى تضيفونه إلى أمير المؤمنين رضى الله عنه وتحتجون به وتأمرون به؟ أترديد ساعة فانه ترديد في اللغة بلا شك. أم ترديد يوم أم ترديد جمعة. أم ترديد شهر. أو ترديد سنة. أم ترديد باقى العمر؟ فكل ذلك ترديد وليس بعض ذلك باسم الترديد بأولى من بعض، وكل من حدفى هذا الترديد حد ا فهو كذاب قائل بالباطل في دين الله عز وجل، وأيضا فان ترك الحكم بينهم حتى ينزل المحق على حكم الباطل أو يترك الطلب أو يمل من طلب المبطل فيعطيه ماله بالباطل أشد توريثا للضغائن بين القوم من فصل القضاء بلا شك، والحمد لله الذى جعل الاسناد في ديننا فصلا بين الحق والكذب * فان ذكر ذاكر الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البخاري عن آدم بن أبى اياس عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:


(1) في النسخة رقم 14 (أو اجازته) وهو تصحيف من النساخ (2) في النسخة رقم 16 (لانها كلها جور) (3) في النسخة رقم 16 (ردوا الخصوم)

[ 165 ]

من كانت له مظلمة لاخيه (1) من عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) فان هذا الخبر من أعظم حجة في هذا الباب فان فيه ايجاب التحلل من كل مظلمة والتحلل ضرورة لا يكون بانكار الحق أصلا بل هذا اصرار على الظلم وانما التحلل بالاعتراف. والتوبة. والندم وطلب ان يجعل في حل فقط وهو قولنا وليس فيه اباحة صلح أصلا وانما فيه الخروج إلى الحل ولا يكون ذلك إلا بالخروج عن الظلم، فمن كان قبله مال انصف منه أو تحلل منه. ومن كان قبله سبب عرض طلب التحلل. ومن كان قبله قصاص اقتص من نفسه أو تحلل منه بالعفو ولا مزيد وبالله تعالى التوفيق * 1270 مسألة فإذا صح الاقرار بالصلح فاما أن يكون في المال فلا يجوز (2) الا باحد وجهين لا ثالث لهما إما أن يعطيه بعض ماله عليه ويبرئه الذى له الحق من باقيه باختياره ولو شاء ان يأخذ ما أبرأه منه لفعل فهذا حسن جائز بلا خلاف، وهو فعل خير * واما أن يكون الحق المقر به عينا معينة حاضرة أو غائبة فتراضيا على أن يبيعها منه فهذا بيع صحيح يجوز فيه ما يجوز في البيع ويحرم فيه ما يحرم في البيع ولا مزيد، وأو بالاجارة حيث تجوز الاجارة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة قال الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وروينا من طريق الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن الاعرج حدثنى عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه انه كان له على عبد الله بن أبى حد رد مال فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ايا كعب (3) فأشار بيده كأنه يقول: النصف فاخذ نصف ما عليه وترك نصفه * 1271 - مسألة - ولا يجوز في الصلح الذى يكون فيه ابراء من البعض شرط تأجيل أصلا لانه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل لكنه يكون حالا في الذمة ينظره به ما شاء بلا شرط لانه فعل خير * 1272 - مسألة ولا يجوز الصلح على مال مجهول القدرة لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والرضا لا يكون في مجهول أصلا إذ قد يظن المرء أن حقه قليل فتطيب نفسه به فإذا علم أنه كثير لم تطب نفسه به ولكن


(1) في صحيح البخاري ج 3 ص 260 (لاحد) بدل لاخيه (2) في النسخة اليمنية وغيرها (فإذا صح الاقرار فالصلح في المال لا يجوز) (3) في النسخة رقم 16 (حتى أتى كعب) وما هنا موافق لما في سنن أبى داود، والحديث رواه أبو داود في سننه من طريق أحمد بن صالح عن ابن وهب الخ وفيه قصة

[ 166 ]

ما عرف قدره جاز الصلح فيه وما جهل فهو مؤخر إلى يوم الحساب * وقد احتج من أجاز ذلك بما رويناه من طريق محمد بن اسحاق في مغازيه عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبى جعفر محمد بن على (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى بنى جذيمة أذ أوقع بهم خالد فبعثه عليه السلام بمال فودى لهم الدماء والاموال حتى أنه ليدى لهم ميلغة الكلب حتى إذا لم يبق شئ من مال ولا دم حتى أداه وبقيت معه بقية من المال فقال لهم: هل بقى لكم دم أو مال؟ قالوا: لا، قال: فانى أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يعلم ولا تعلمون ففعل فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له: أصبت وأحسنت) * قال أبو محمد: هذا لا يصلح لانه مرسل ثم عن حكيم بن حكيم وهو ضعيف، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة أصلا لانه ليس فيه صلح مشترط على طلب حق مجهول وهذا هو الذى انكرنا وانما هو تطوع لقوم لا يدعون حقا أصلا بل هم مقرون بانهم لم يبيق لهم طلب أصلا ونحون لا ننكر التطوع ممن لا يطلب بحق بل هو فعل خير، وبالله تعالى التوفيق * 1273 - مسألة - ولايجوز الصلح في غير ما ذكرنا من الاموال الواجبة المعلومة بالاقرار والبينة الا في أربعة أو جه فقط، في الخلع (1) ونذكره ان شاء الله تعالى في كتاب النكاح قال الله تعالى: (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) أو في كسر سن عمدا فيصالح الكاسر في اسقاط القود، أو في جراحة عمدا عوضا من القود. أو في قتل نفس عوضا من القود باقل من الدية أو باكثر وبغير ما يجب في الدية * برهان ذلك ما ذكرنا قبل من قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل اعطاء مال الا حيث جاء النص باباحة ذلك أو ايجابه، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) والصلح شرط فهو باطل الا حيث اباحه نص ولا مزيد، ولم يبح النص الا حيث ذكرنا فقط * روينا من طريق أبى داود نا مسدد نا المعتمر بن سليمان التيمى عن حميد الطويل عن أنس [ بن مالك ] (2) قال: (كسرت الربيع أخت أنس بن النضر ثنية امرأة (3) فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بكتاب


(1) في النسخة اليمنية وغيرها (وهى الخلع) وما هنا أنسب بلاحق كلام المصنف بعد (2) الزيادة من سنن أبى داود (3) في النسخة رقم 16 (ثنية لمرأة) وما هنا موافق لما في سنن أبى داود، والحديث فيه مطول

[ 167 ]

الله القصاص فقال أنس بن النضر: والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها اليوم قال: يا أنس كتاب الله القصاص فرضوا بارش أخذوه)، (فان قيل): فان هذا الخبر رويتموه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن أنس فذكر أنها كانت جراحة وأنهم أخذوا الدية، ورويتموه من طريق بشر بن المفضل. وخالد الحذاء كلاهما عن حميد الطويل عن أنس فذكر انهم عفوا ولم يذكر دية، ولا أرشا، ورويتموه من طريق أبى خالد الاحمر. ومحمد بن عبد الله الانصاري كلاهما عن حميد الطويل عن أنس فذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقط قلنا: نعم، وكل ذلك في غاية الصحة وليس شئ منها مخالفا لسائر ذلك (1) لان سليمان. وثابتا. وبشرا. وخالدا زادوا كلهم على أبى خالد. والانصاري العفو عن القصاص ولم يذكر الانصاري. ولا أبو خالد عفوا ولا أنهم لم يعفوا وزيادة العدل مقبولة، وزاد سليمان. وثابت على الانصاري. وأبى خالد. وخالد. وبشر ذكر قبول الارش ولم يذكر هؤلاء (2) خلاف ذلك، وزيادة العدل مقبولة، وقال ثابت: دية، وقال سليمان: أرش، وهذا ليس اختلافا لان كل دية أرش وكل أرش دية الا أن من ذلك ما يكون موقتا محدودا ومنه ما يكون غير مؤقت ولا محدود والتوقيت لا يؤخذ الا بنص وارد به، فوجب حمل مارويناه على عمومه وجواز ما تراضوا عليه وبالله تعالى التوفيق * وأما اختلاف ثابت. وسليمان فقال أحدهما وهوثابت: جراحة وان أم الربيع التى أقسمت أن لا يقتص منها، وقال سليمان: كسر سن وان أنس بن النضر أقسم أن لا يقتص منها فيمكن أن يكونا حديثين في قضيتين ويمكن أن يكون حديث واحد في قضية (3) واحدة لان كسر السن جراحة لانه يدمى ويؤثر في اللثة فهى جراحة فزاد سليمان بيانا إذ بين أنه كسر سن، وبالله تعالى التوفيق * وأما الجراحة فروينا من طريق محمد بن داود بن سفيان عن عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) بعث أبا جهم [ ابن حذيفة ] (5) مصدقا فلا جه (6) رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه (7) فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: القود يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا


(1) في النسخة رقم 16 (مخالفا لكل ذلك) (2) في النسخة رقم 16 (ولم يذكر غير هؤلاء) (3) في النسخة رقم (في قصة) (4) في سنن أبى داود (ان النبي) الخ والحديث أخرجه أبو داود في سننه (5) الزيادة من سنن أبى داود والحديث مطول (6) هو بالجيم من اللجاج أي نازعه وخاصمه قال شارح سنن أبى داود: وفى نسخة الخطابى فلاحه بالحاء المهملة منقوصا وهما بمعنى (7) أي جرح رأسه فشقه،

[ 168 ]

فلم يرضوا فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا فقال: لكم كذا وكذا فرضوا) فهذا الصلح على الشجة بما يتراضى به الفريقان، فان قيل: فان هذا خبر (1) رويتموه من طريق محمد بن رافع عن عبد الرزاق بالاسناد المذكور فيه وفيه (فضربه أبو جهم) ولم يذكر شجة قلنا: هذه بلا شك قصة واحدة وخبر واحد، وزاد محمد بن داود بيان ذكر شجه ولم يذكرها محمد بن رافع وزيادة العدل مقبولة * وأما الصلح في النفس فاننا روينا من طريق مسلم قال: نا زهير بن حرب نا الوليد بن مسلم نا الاوزاعي نا يحيى بن أبى كثير نا أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثنى أبو هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد فتح مكة: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما أن يفدى واما أن يقتل (2)) فان قيل: فهذا خبر رويتموه من طريق أبى شريح الكعبي: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوه، قلنا: نعم كلاهما صحيح وحق وجائز أن يلزم ولى القتيل القاتل الدية (3)، جائز أن يصالحه حينئذ القاتل بما يرضيه به، فكلا الخبرين صحيح وبالله تعالى التوفيق * 1274 مسألة ومن صالح عن دم. أو كسر سن. أو جراحة. أو عن شئ معين بشئ معين فذلك جائز فان استحق بعضه أو كله بطلت المصالحة وعاد على حقه في القود وغيره لانه انما ترك حقه بشئ لم يصح له والا فهو على حقه، فإذا لم يصح له ذلك الشئ فلم يترك حقه، وكذلك لو صالح من سلعة بعينها بسكنى دار أو خدمة عبد فمات العبد وانهدمت الدار أو استحقا بطل الصلح وعاد على حقه وبالله تعالى التوفيق * (تم كتاب الصلح بحمد الله وعونه) بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب المداينات والتفليس 1275 مسألة ومن ثبت للناس عليه حقوق من مال أو مما يوجب غرم مال ببينة عدل أو باقرار منه صحيح بيع عليه كل ما يوجد له وأنصف الغرماء ولا يحل أن يسجن أصلا الا أن يوجد له من نوع ما عليه فينصف الناس منه بغير بيع كمن عليه دراهم ووجدت له دراهم أو عليه طعام ووجد له طعام وهكذا في كل شئ لقول الله تعالى:


(1) في نسخة (فهذا خبر) (2) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 384 مطولا، وفيه (اما أن يعطى - يعنى الدية - واما أن يقاد أهل القتيل) (3) في النسخة رقم 16 (ولى القاتل للقتيل الدية) وهو سبق قلم من الناسخ

[ 169 ]

(كونوا قوامين بالقسط) ولتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول سلمان أعط كل ذى حق حقه، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مطل الغنى ظلم) فسجنه مع القدرة على انصاف غرمائه ظلم له ولهم معا وحكم بما لم يوجبه الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سجن قط * روينا من طريق أبى عبيد القاسم بن سلام نا أحمد بن خالد الوهبى عن محمد بن اسحاق عن محمد بن على بن الحسين قال: قال على بن أبى طالب: حبس الرجل في السجن بعد ما يعرف ما عليه من الدين ظلم وقال الحنيفيون: لا يباع شئ من ماله لكن يسجن وان كان ماله حاضرا حتى يكون هو الذي ينصف من نفسه، ثم تناقضوا فقالوا: الا ان كان الدين دراهم فتوجد له دنانير أو يكون الدين دنانير فتوجد له دراهم فان الذى يوجد له من ذلك يباع فيما عليه منها (1) فليت شعرى ما الفرق بين بيع الدنانير وابتياع دراهم وبين بيع العروض وابتياع ما عليه؟ وانما أوجب الله تعالى علينا وعلى كل أحد انصاف ذى الحق من أنفسنا ومن غير نا ومنع تعالى من السجن بقوله تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) وافترض حضور الجمعة والجماعات فمنعوا المدين من حضور الصلوات في الجماعة. ومن حضور الجمعة. ومن المشى في مناكب الارض، ومنعوا صاحب الحق من تعجيل انصافه وهم قادرون على ذلك فظلموا الفريقين * واحتجوا بآثار واهية، منها رواية من طريق أبى بكر بن عياش عن أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة) * ومن طريق عبد الرزاق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة) * ومن طريق أبى مجلز (ان غلامين من جهينة كان بينهما غلام فأعتقه أحدهما فحبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى باع غنيمته) وعن الحسن (أن قوما اقتتلوا فقتل بينهم قتيل فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم) * قال أبو محمد: كل هذا باطل، أما حديث أنس ففيه أبو بكر بن عياش وهو ضعيف وانفرد عنه أيضا ابراهيم بن زكريا الواسطي ولا يدرى من هو، وحديث بهزبن حكيم عن أبيه عن جده ضعيف، ومن هذه الطريق بعينها فيمن منع الزكاة (2) (انا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا)، فان احتجوا به في الحبس في التهمة فليأخذوا بروايته هذه والا فالقوم متلاعبون بالدين، فان قالوا: هذا منسوخ قيل لهم: أترون خصمكم يعجز عن أن يقول لكم: والحبس في التهمة منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: (اياكم والظن فان


(1) في النسخة رقم 14 والحلبية (فيما عليه منهما) والضمير في نسختنا عائد إلى الدراهم أو الدنانير (2) في النسخة رقم 16 (ومن هذه الطريق نفسها في منع الزكاة) (م 22 ج 8 المحلى)

[ 170 ]

الظن أكذب الحديث)؟ والحبس في غير التهمة منسوخ بوجوب حضور الجمعة. والجماعات، وحديث الحبس حتى باع غنيمته مرسل ولا حجة في مرسل، ولو صح لما كان لهم فيه حجة لانه قد يخاف عليه الهرب بغنيمته فحبس ليبيعها وهذا حق لا ننكره وليس فيه الحبس الذى يرون هم ولا انه امتنع من بيعها، وقد يكون الضمير الذى في باعها راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون هذا الحبس امساكا في المدينة، وليس فيه أصلا انه حبس في سجن فلا حجة لهم فيه أصلا، وحديث الحسن مرسل، وأيضا فانما هو حبس في قتيل وحاش لله أن يكون عليه السلام يحبس من لم يصح عليه قتل بسجن فيسجن البرئ مع النطف، هذا فعل أهل الظلم والعدوان لا فعله عليه السلام، والله لقد قتل عبد الله ابن سهل رضوان الله عليه وهو من أفاضل الصحابة رضى الله عنهم فيما بين أظهر شر الامة وهم اليهود لعنهم الله فما استجاز عليه السلام سجنهم فكيف أن يسجن في تهمة قوما من المسلمين؟ فهذا الباطل الذى لا شك فيه، ثم ليت شعرى إلى متى يكون هذا الحبس في التهمة بالدم وغيره؟ فان حدوا حدا زادوا في التحكم بالباطل وان قالوا: إلى الابد تركوا قولهم فهم أبدا يتكسعون في ظلمة الخطأ، واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) وهذه أحكام منسوخة، فمن أضل ممن يستشهد بآية قد نسخت وبطل حكمها فيما لم ينزل فيه أيضا وفيما ليس فيما منه لا نص ولا دليل ولا أثر، والحق في هذا هو قولنا كما روينا من طريق مسلم بن الحجاج نا قتيبة بن سعيد نا ليث - هو ابن سعد - عن بكير بن الاشج عن عياض بن عبد الله عن أبى سعيد الخدرى قال: (أصيب رجل في ثمار ابتاعها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لغرمائه ] (2): خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك) فهذا نص جلى على أن ليس لهم شئ غير ما وجدوا له وأنه ليس لهم حبسه وان ما وجد من ماله للغرماء، وهذا هو الحق الذى لا يحل سواه (فان قيل): روى أنه عليه السلام باع لهم مال معاذ قلنا: هكذا نقول وان لم يصح من طريق السند لانه مرسل لكن الحكم انه انما يقضى لهم بعين ماله ثم يباع لهم ويقسم عليهم بالحصص لانه لا سبيل إلى انصافهم بغير هذا * فان موهوا بما روى عن عمر. وعلى. وشريح. والشعبى فان الرواية عن عمر انما هي من


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 458 تقديم وتأخير (2) الزيادة من صحيح مسلم

[ 171 ]

طريق سعيد بن المسيب ان عمر حبس عصبة منفوس (1) ينفقون عليه الرجال دون النساء، وان نافع بن عبد الحارث اشترى دارا للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف فان لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة، وهذان خبر ان لا حجة لهم فيهما لان حبس عمر للعصبة للنفقة على الصبى انما هو امساك وحكم وقصر لا سجن لان من الباطل أن يسجنهم أدا ولم يذكر عنهم امتناع، ثم هم لا يقولون بايجاب النفقة على العصبة فقد خالفوا عمر فكيف يحتجون به في شئ هم أول مخالف له؟ وأما الخبر الثاني فكلهم لا يراه بيعا صحيحا بل فاسدا مفسوخا فكيف يستجيز مسلم أن يحتج بحكم يراه باطلا؟ والمحفوظ عن عمر مثل قولنا على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، والرواية عن على انه حبس في دين هي من طريق جابر الجعى وهو كذاب، وقد روينا عن على خلاف هذا كما ذكرنا ونذكر، وأما شريح. والشعبى فما علمنا حكمهما حجة، وأقرب ذلك انهما قد ثبت عنهما ان الاجير. والمستأجر كل واحد منهما يفسخ الاجارة إذا شاء وان كره الآخر، وهم كلهم خالف لهذا الحكم، فالشعبي. وشريح حجة إذا اشتهوا وليسا حجة إذا اشتهوا أف لهذه العقول. والاديان، وقد ذكرنا قبل عن على انكار السجن، وقد روينا عن عمر ما روينا من طريق مالك عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه أن رجلا من جهينة كان يشترى الرواحل إلى أجل فيغالى بها فأفلس فرفع إلى عمر بن الخطاب فقال: أما بعد أيها الناس فان الاسفع أسفع بنى جهينة (2) رضى من دينه وأمانته بان يقال: سبق الحاج وانه اد ان معرضا فأصبح قد دين به فمن كان له عليه شئ فليفد بالغداة فانا قاسمون ماله بالحصص * ورويناه أيضا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن نافع مولى ابن عمر، ومن طريق أبى عبيد نا ابن أبى زائدة عن اسماعيل بن ابراهيم ابن مهاجر عن عبد الملك بن عمير قال: كان على بن أبى طالب إذا أتاه رجل برجل له عليه دين فقال: أحبسه قال له على: أله مال؟ فان قال نعم قد لجأه (3) مال قال اقم البينة على أنه لجأه والا أحلفناه بالله ما لجاه * ومن طريق أبى عبيد نا أحمد بن عثمان عن عبد الله ابن المبارك عن محمد بن سليم عن غالب القطان عن أبى المهزم عن أبى هريرة أن رجلا أتاه بآخر فقال له: ان لى على هذا دينا فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق قال: فاقضه قال: انى معسر فقال للآخر: ما تريد؟ قال: أحبسه قال أبو هريرة: لا ولكن يطلب لك ولنفسه ولعياله، قال غالب القطان: وشهدت الحسن وهو على القضاء قضى بمثل ذلك * ومن طريق ابن أبى شيبة عن زيد بن حباب. وعبيدالله كلاهما عن أبى هلال عن


(1) أي صغير في النفاس (2) في النسخة رقم 16 (اسفع جهينة) (3) أي أخفاه وغيبه

[ 172 ]

غالب القطان عن أبى المهزم عن أبى هريرة فذكره كما أوردناه، وزاد فيه أن أبا هريرة قال لصاحب الدين: هل تعلم له عين مال فاخذه به؟ قال: لا قال: هل تعلم له عقارا أكسره؟ قال: لاثم ذكر امتناعه من أن يحبسه كما أوردناه (1) * وعن عمر بن عبد العزيز انه قضى في ذلك بأن يقسم ماله بين الغرماء ثم يترك حتى يرزقه الله * ونا محمد بن سعيد ابن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أبو عامر العقدى عن عمرو بن ميمون بن مهران ان عمر بن عبد العزيز كان يؤاجر المفلس في شر صنعة * قال أبو محمد: أمر الله تعالى بالقيام بالقسط ونهى عن المطل والسجن فالسجن مطل وظلم، ومنع الذى له الحق من تعجيل حقه مطل وظلم، ثم ترك من صح افلاسه لا يؤاجر لغرمائه مطل وظلم فلا يجوز شئ من ذلك وهو مفترض عليه انصافه غرمائه واعطاؤهم حقهم فان امتنع من ذلك وهو قادر عليه بالاجارة أجبر على ذلك وبالله تعالى التوفيق * ومن طريق أبى عبيد حدثنى يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن عبيدالله بن أبى جعفر في المفلس قال: لا يحبسه ولكن يرسله يسعى في دينه، وهو قول الليث بن سعد وبه يقول أبو سليمان. وأصحابه وبالله تعالى التوفيق * (1276) - مسألة - فان لم يوجد له مال فان كانت الحقوق من بيع أو قرض ألزم الغرم وسجن حتى يثبت العدم ولا يمنع من الخروج في طلب شهود له بذلك ولا يمنع خصمه من لزومه والمشى معه حيث مشى أو وكيله على المشى معه، فان أثبت عدمه سرح بعد أن يحلفه ماله مال باطن ومنع خصمه من لزومه وأوجر لخصومه ومتى ظهر له مال انصف منه، فان كانت الحقوق من نفقات. أو صداق. أو ضمان. أو جناية فالقول قوله مع يمينه في انه عديم ولا سبيل إليه حتى يثبت خصمه ان له ما لا لكن يؤاجر كما قدمنا، وان صح أن له ما لا غيبة أدب وضرب حتى يحضره أو يموت لقول الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) * ولما روينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قال أبوسيعد الخدرى: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقبله وذلك أضعف الايمان (2)) * ومن طريق مسلم نا أحمد بن عيسى نا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج أن سليمان بن يسار حدثهم قال حدثنى عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه عن أبى بردة الانصاري (انه سمع


(1) في النسخة رقم 16 (كما ذكرناه) (2) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 29 مطولا

[ 173 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط الافى حد من حدود الله، (1) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغيير المنكر باليد، من المنكر مطل الغنى، فمن صح غناه ومنع خصمه فقد أتى منكر أو ظلما وكل ظلم منكر فواجب على الحاكم تغييره باليد، ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يجلد أحد في غير حدأ كثر من عشرة أسواط، فواجب أن يضرب عشرة فان أنصف فلا سبيل إليه وان تمادى على المطل فقد أحدث منكرا آخر غير الذى ضرب عليه فيضرب أيضا عشرة وهكذا أبدا حتى ينصف ويترك الظلم أو يقتله الحق وأمر الله تعالى * وأما التفريق بين وجوه الحقوق فان من كان أصل الحق عليه من دين (2) أو بيع فقد صح انه قد ملك مالا، ومن صح أنه قد ملك ما لا فواجب أن ينصف من ذلك المال حتى يصح أن ذلك المال قد تلف وهو في تلفه مدعى، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبينة على المدعى، ومن كان أصل الحق عليه من ضمان. أو جناية. أو صداق. أو نفقة فاليقين الذى لا شك فيه عند أحد هو ان كل أحد ولد عريان لا شئ له فالناس كلهم قد صح لهم الفقر فهم على ما صح منهم حتى يصح أنهم كسبوا ما لا وهو في انه قد كسب ما لا مدعى عليه وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين على المدعى عليه، وهذا قول أبى سليمان. ومحمد بن شجاع البلخى. وغيرهما، وخالف في هذا بعض المتعسفين فقال: قال الله تعالى: (خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم) فصح ان الله تعالى رزق الجميع * قال أبو محمد: لم نخالفه في الرزق بل الرزق متيقن، وأوله لبن التى أرضعته فلو لا رزق الله تعالى ما عاش أحد يوما فما فوقه وليس من كل الرزق ينصف الغرماء وانما ينصفون من فضول الرزق وهى التى لا يصح ان الله تعالى آتاها الانسان الا بينة (3) وأما المؤاجرة فلما ذكرنا قبل في المسألة المتقدمة لهذه، وبالله تعالى التوفيق * 1278 - مسألة - فان قيل: إن قول الله تعالى: (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) يمنع من استئجاره قلنا: بل يوجب استئجاره لان الميسرة لا تكون الا باحد وجهين إما بسعي واما بلا سعى، وقد قال تعالى: (وابتغوا من فضل الله) فنحن نجبره على ابتغاء فضل الله تعالى الذى أمره تعالى بابتغائه فنأمره ونلزمه التكسب لينصف غرماءه ويقوم بعيناه ونفسه ولا ندعه يضيع نفسه وعياله والحق اللازم له *


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 39 (2) في النسخة رقم 16 (فان كان أصل الحق في دين) الخ وهو سقط ظاهر يحققه ما سيأتي بعد من المقابلة (3) في النسخة في النسخة الحلبية الا بنية) وهو تصحيف من الناسخ (4) سقط لفظ (مسألة) من النسخة اليمنية وكذلك الحلبية

[ 174 ]

1279 مسألة ولا يخلوا المطلوب بالدين (1) من أن يكون يوجد له ما يفى بما عليه ويفضل له فهذا يباع من ماله ما يفضل عن حاجته فينصف منه غرماؤه وما تلف من عين المال قبل أن يباع فمن مصيبته لا من مصيبة الغرماء لان حقوقهم في ذمته لا في شئ بعنيه من ماله أو يكون كل ما يوجد له يفى بما عليه ولا يفضل له شئ أو لا يفى بما عليه فهذان يقضى بما وجد لهما للغرماء كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يباع لهم ان اتفقوا على ذلك فما تلف بعد القضاء لهم بماله فمن مصيبة الغرماء ويسقط عنه من دينهم بقدر ذلك لان عين ماله قد صار لهم اان شاءوا اقتسموه بالقيمة وان اتفقوا على بيعه بيع لهم وبالله تعالى التوفيق * برهان ذلك انه إذا وفى بعض ماله بما عليه فليس شئ منه أولى بان يباع في ذلك من شئ آخر غيره فينظر أي ماله هو عنه في غنى فيباع وما لا غنى به عنه فلا يباع لان هذا هو التعاون على البر والتقوى وترك المضارة، فان كان كله لا غنى به عنه أقرع على أجزاء المال فايها خرجت قرعته بيع فيما ألزمه * 1280 - مسألة - ويقسم مال المفلس الذى يوجد له بين الغرماء بالحصص بالقيمة كما يقسم الميراث على الحاضرين الطالبين الذين حلت آجال حقوقهم فقط ولا يدخل فيهم حاضر لا يطلب. ولا غائب لم يوكل. ولا حاضر أو غائب لم يحل أجل حقه طلب أو لم يطلب لان من لم يحل أجل حقه فلا حق له بعد ومن لم يطلب فلا يلزم أن يعطى ما لم يطلب وقد وجب فرضا انصاف الحاضر الطالب فلا يحل مطله بفلس فما فوقه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للغرماء الحاضرين: (خذوا ما وجدتم) فإذا أخذوه فقد ملكوه فلا يحل أخذ شئ مما ملكوه، وهو قول أبى سليمان. وأبى حنيفة * وأما الميت يفلس فانه يقضى لكل من حضر أو غاب طلما أو لم يطلبا، ولكل ذى دين كان إلى أجل مسمى أو حالا لان الآجال تحل كلها بموت الذى له الحق أو الذى عليه الحق لما ذكرناه في كتاب القرض، وأما من لم يطلب فلقول الله تعالى في المواريث: (من بعد وصيته يوصى بها أو دين) فلا ميراث إلا بعد الوصية والدين فواجب اخراج الديون إلى أربابها والوصايا إلى أصحابها ثم يعطى الورثة حقوقهم فيما أبقى، وبالله تعالى التوفيق * 1281 - مسألة - واقرار المفلس بالدين لازم مقبول ويدخل مع الغرماء لان الاقرار واجب قبوله وليس لاحد ابطاله بغير نص قرآن. أو سنة فان أقر بعد أن قضى بماله للغرماء لزمه في ذمته ولم يدخل مع الغرماء في مال قد قضى لهم به وملكوه قبل


(1) في النسخة رقم 16 (بالديون)

[ 175 ]

اقراره وبالله التوفيق * 1282 - مسألة - وحقوق الله تعالى مقدمة على حقوق الناس فيبدأ بما فرط فيه من زكاة أو كفارة في الحى. والميت، وبالحج في الميت فان لم يعم قسم ذلك على كل هذه الحقوق بالحصص لا يبدى منها شئ على شئ، وكذلك ديون الناس ان لم يف ماله بجميعها أخذ كل واحد بقدر ماله مما وجد لما ذكرنا في كتاب الحج من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (دين الله أحق أن يقضى) * (واقضوا الله فهو أحق بالوفاء) * (كتاب الله أحق وشرط الله أوثق) * 1283 - مسألة - ومن فلس من حى أو ميت فوجد انسان سلعته التى باعها بعينها فهو أولى بها من الغرماء وله أن يأخذها، فان كان قبض من ثمنها شيئا أكثره أو أقله رده وان شاء تركها وكان اسوة الغرماء، فان وجد بعضها لا كلها فسواء وجد أكثرها أو أقلها لا حق له فيها وهو أسوة الغرماء ولا يكون مفلسا من له من أين ينصف جميع الغرماء ويبقى له فضل انما المفلس من لا يبقى له شئ بعد حق الغرماء، وأما من وجد وديعته. أو ما غصب منه. أو ما باعه بيعا فاسدا. أو أخذ منه بغير حق فهو له ضرورة ولا خيار له في غيره لان ملكه لم يزل قط عن هذا، وأما من وجد سلعته التى باعها بيعا صحيحا أو أقرضها فمخير كما ذكرنا * برهان ذلك ما رويناه من طريق زهير بن معاوية. والليث بن سعد. ومالك. وهشيم. وحماد بن زيد. وسفيان بن عيينة. ويحيى بن سعيد القطان. وحفص بن غياث كلهم عن يحيى بن سعيد الانصاري قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمر وبن حزم أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره انه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك ماله بعينه عتد رجل أو انسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (1)) اللفظ لزهير ولفظ سائرهم نحوه لا يخالفه في شئ من المعنى * ومن طريق أبى عبيد نا هشيم أنا يحيى بن سعيد الانصاري عن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من وجد عين متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به ممن سواه من الغرماء) * ومن طريق مسلم نا ابن أبى عمر نا هشام بن سليمان المخزومى عن ابن جريج حدثنى ابن أبى حسين ان أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره أن عمر ابن عبد العزيز حدثه عن حديث أبى بكر بن عبد الرحمن عن حديث أبى هريرة عن النبي


(1) الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما

[ 176 ]

صلى الله عليه وسلم في الرجل الذى يعدم (إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه انه لصاحبه الذى باعه) * ورويناه أيضا من طريق شعبة. وهشام الدستوائى. وسعيد بن أبى عروبة كلهم عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق عراك بن مالك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو نقل تواتر وكافة لا يسع أحدا خلافه، وهذا عموم لمن مات أو فلس حيا. وبيان جلى أنه ان فرق منه شئ فهو أسوة الغرماء وعموم لمن تقاضى من الثمن شيئا أو لم يتقاض منه شيئا، وبه قال جمهور السلف * روينا من طريق أبى عبيد نا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن سعيد ابن المسيب قال: أفلس مولى لام حبيبة فاختصم بفيه وبيان جلى أنه ان فرق منه شئ فهو أسوة الغرماء وعموم لمن تقاضى من الثمن شيئا أو لم يتقاض منه شيئا، وبه قال جمهور السلف * روينا من طريق أبى عبيد نا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن سعيد ابن المسيب قال: أفلس مولى لام حبيبة فاختصم بفيه إلى عثمان رضى الله عنه فقضى أن من كان اقتضى من حقه شيئا قبل أن يتبين افلاسه فهو له ومن عرف متاعه بعينه فهو له * ومن طريق أبى داود نا محمد بن بشار نا أبو داود - هو الطيالسي - نا ابن أبى ذئب عن أبى المعتمر عن عمر بن خلدة (1) قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس فقال: (لاقضين بينكم (2) بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به) * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به * وصح عن عطاء إذا أدركت مالك بعينه كما هو قبل أن يفرق منه شئ فهو لك وان فرق بعضه فهو بين الغرماء بالسوية * ومن طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه ان وجد سلعته بعينها وافرة فهو أحق بها وان كان المشترى قد استهلك منها شيئا قليلا أو كثيرا فالبائع أسوة الغرماء، وقاله ابن جريج عن عطاء * ومن طريق حماد بن سلمة عن داود ابن أبى هند عن الشعبى قال: المبتاع لو أفلس لكان البائع أحق بمتاعه * وعن الحسن هو أحق بها من الغرماء، وقد اختلف في هذا عن الشعبى. والحسن * قال أبو محمد: وقولنا في هذا هو قول الاوزاعي. وعبيد الله بن الحسن. وأحمد ابن حنبل. واسحق بن راهوية: وداود، وقد روى في هذا خلاف، فروينا من طريق وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن على بن أبى طالب قال: هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها إذا مات الرجل وعليه دين وعنده سلعة قائمة لرجل بعينها فهو فيها أسوة الغرماء، وهو قول ابراهيم النخعي. والحسن: ان من أفلس أو مات فوجد: انسان سلعته التى باع بعينها هو فيها أسوة الغرماء، وقال الشعبى


(1) في جميع النسخ (عمرو بن خلدة) بزيادة واو، وهو غلط صححناه من كتب تراجم الرجال (2) في سنن أبى داود (فيكم)

[ 177 ]

فيمن أعطى انسانا ما لا مضاربة فمات فوجد كيسه بعينه: فهو والغرماء فيه سواء، وقول أبى حنيفة. وابن شبرمة. ووكيع كقول ابراهيم، وصح عن عمر بن عبد العزيز ان من اقتضى من ثمن سلعته شيئا ثم أفلس فهو أسوة الغرماء، وهو قول الرزهى، وقال قتادة: من وجد بعض سلعته قل أو كثر فهو أحق بها من سائر الغرماء، وقال مالك: هو أحق بها أو بما وجد منها قبض من الثمن شيئا أو لم يقبض هو أحق من الغرماء في التفليس في الحياة وأما بعد الموت فهو أسوة الغرماء فيها، وقال الشافعي: ان وجها أو بعضها فهو أحق بها أو بالذى وجد منها من الغرماء ولم يخص حياة من موت قال: فان كان قبض من الثمن شيئا فهو أحق بما قابل ما بقى له فقط، وقال أحمد: هو أحق بها في الحياة وأما في الموت فهو أسوة الغرماء * قال أبو محمد: أما من ذهب إلى قول أبى حنيفة فانهم جاهروا بالباطل وقالوا: انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن وجد وديعته أو ما غصب منه * قال على: وهذا كذب مجرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه قد جاء النص كما أوردنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لصاحبه الذى باعه، وزاد بعضهم في تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يشهد برقة دينه وصفاقة وجهه فقال: انما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بانه أحق بسلعته من قبض المشترى ما اشترى بغير اذن بائعه وهو مفلس فيكون البائع أحق بما باع حتى ينصف من الثمن أو يباع له دون الغرماء، ومن اشترى سلعة في مرضه ببينة وقبها ثم أقر بدين ثم مات فصاحب السلعة أحق بها من الغرماء المقر لهم فيقال له: لعله أراد بنى تميم خاصة أو أهل جرجان خاصة، ومثل هذا من التخليط لا يأتي به ذو دين ولا ذو عقل ولا ينسب هذا الهوس وهذا الباطل الذى أتى به هذا الجاهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم الا من خذله الله تعالى، وقال بعضهم: لعله من لفظ الراوى فقلنا: من استجاز خلاف النبي صلى الله عليه وسلم لم يعجز في كل حديث يأتي أن يقول: لعله من لفظ الراوى فيبطل الاسلام بذلك * واحتج بعضهم بقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وبحكم النبي صلى الله عليه وسلم (بانه لا يحل مال مسلم الا بطيب نفسه) فهذا الاحتجاج عليهم لان ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فهو الحق وهو الذى تطيب به نفس المؤمن وانما الباطل والضلال قضاؤهم بمال المسلم للغاصب الفاسق وللكافر الجاحد، إذ يقولون: ان كراء الدور المغصوبة (1) للغاصب وان أخذه الكفار من أموال المسلمين فحلال لهم فلو اتقوا الله تعالى لكان أولى بهم، واحتجوا بخبرين موضوعين، أحدهما من رواية أبى عصمة نوح بن أبى مريم قاضى مرو


(1) في النسخة رقم 16 (الدار المغصوبة) (م 23 - ج 8 المحلى)

[ 178 ]

عن الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أذا أفلس الرجل ووجد رجل متاعه فهو بين غرمائه) وأبو عصمة كذاب مشهور بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم، والآخر من رواية صدقة بن خالد عن عمر بن قيس سندل عن ابن أبى مليكة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من باع بيعا فوجده بعينه وقد أفلس الرجل فهو ماله بين غرمائه) وعمر بن قيس ضعيف جدا، ثم لو صحا وقد اعاذ الله تعالى من ذلك لكان الثابت عن أبى هريرة زائدا وكان هذان موافقين لمعهود الاصل والاخذ بالزائد هو الواجب الذى لا يجوز غيره، والعجب من أصلهم الخبيث أن الصاحب إذا روى رواية ثم خالفها دل ذلك على بطلانها، وقد صح عن أبى هريرة خلاف هذين الاثرين المكذوبين المرضوعين، فهلا جعلوا ذلك علة فيهما ولكن أمورهم معكوسة لانهم يردون السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا. وغير ذلك بالروايات المكذوبة في أن الراوى لها تركها ثم لا يرون رد الروايات الموضوعة بان من أضيفت إليه صح عنه خلافها، فتعسا لهذه العقول ونحمد الله على السلامة، وقالوا: لا يخلوا المشترى من أن يكون مالك ما اشترى أو لم يملكه فان كان لم يملكه فشراؤه باطل وأنتم لا تقولون هذا، وان كان قد ملكه فلا يجوز ان يكون للبائع فيه رجوع وهو للغرماء كلهم كسائر ماله * قال أبو محمد: اعترضوا بهذا في الشفعة أيضا فالامر سواء لكن يا هؤلاء مثل هذا لا يعارض به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قال الله تعالى فيه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) والذى يقول فيه ربه تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) انما يعارض به من قال: (الباطل برأيه الفاسد فجعل شراء المسلم من الحربى ما غنمه من المسلمين شراء صحيحا يملكه الا أن يريد الاول أخذه بالثمن فهو أحق به فيقال له: هل ملك المشترى من الحربى ما اشتراه أو لم يملكه؟ فان كان اشتراه وملكه فلم يكون الذى غنم منه أحق به بالثمن أو بغير الثمن؟ وان كان لم يملكه فهذا قولنا لا قولكم، ومن جعل للواهب أن يرجع فيما وهب فيقال له: هل ملك الموهوب ما وهب له أم لم يملك؟ فان كان لم يملكه فلم يحلون له الانتفاع. والوطئ. والبيع؟ وان كان ملكه فبأى شئ يرجع فيه من قد بطل ملكه عنه؟ فهذا كان أولى بهم من الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بآرائهم المنتنه التى لا تساوى رجيع كلب * وروينا من طريق أبى عبيد أنه ناظر في هذه المسألة محمد بن الحسن فلم يجد عنده أكثر من ان قال: هذا من حديث أبى هريرة *

[ 179 ]

قال على: نعم هو والله من حديث أبى هريرة البر الصادق لامن حديث مثل محمد ابن الحسن الذى قيل لعبد الله بن المبارك: من أفقه أبو يوسف. أو محمد بن الحسن؟ فقال: قل: أيهما أكذب * قال أبو محمد: والعجب انهم يقولون: من باع سلعة فلم يقبضها المشترى حتى فلس فالبائع أحق بها! وهذا هو الذى أنكروا، ولا فرق بين من قبض وبين من لم يقبض، وأما من فرق بين الموت. والحياة، وبين أن يدفع من الثمن شيئا أو لا يدفع منه شيئا فانهم احتجوا بآثار مرسلة * منها من طريق مالك. ويونس بن عبيد عن الزهري عن أبى بكر ابن عبد الرحمن: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) * واسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبى مليكة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم) * ومسند من طريق اسماعيل بن عياش. وبقية كلاهما عن الزبيدى عن الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وبقية. واسماعيل ضعيفا * وآخر من طريق اسحاق ابن ابراهيم بن جوتى عن عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل باع رجلا متاعا فافلس المبتاع ولم يقبض الذى باع من الثمن شيئا فان وجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها وان مات المشترى فهو أسوة الغرماء (1)) فان اسحاق بن ابراهيم بن جوتى مجهول وهذا غير معروف من حديث مالك، وخبر آخر من طريق عبد الرزاق عن وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث الزهري هكذا لم يذكر متنه ولا لفظه، ثم هو منقطع لان قتادة لم يسمعه من بشير بن نهيك انما سمعه من النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة هكذا رويناه من طريق شعبة. وسعيد بن أبى عروبة. والدستوائى كلهم عن قتادة بمثل قولنا كما أوردناه قبل، فسقط كل ما شغبوا به، ثم لو صحت هذه الآثار لكانت كلها مخالفة لقول مالك. والشافعي لان في جميعها الفرق بين الموت. والحياة، والشافعي لا يفرق بينهما، وفى جميعها الفرق بين أن يكون قبض من الثمن شيئا وبين أن لا يكون قبض ومالك لا يفرق بينهما، فحصل قولهما مخالفا لكل الآثار * واحتجوا أيضا بان قالوا: ذمة الميت قد انقطعت وذمة الحى قائمة قلنا: فكان ماذا؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرق بينهما بل سوى بينهما كما أوردنا قبل * قال على: وأما إذا لم يجد الا بعض سلعته فلم يجدها بعينها وانما جاء النص إذا وجدها


(1) الحديث في الموطأ غير موصول

[ 180 ]

بعينها ولم يفرقها المشترى كما أوردنا قبل، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وبالله تعالى التوفيق * 1284 - مسألة - ومن غصب آخر ما لا أو خانه فيه أو أقرضه فمات ولم يشهد له به ولابينة له أو له بينة فظفر للذى حقه قبله بمال أو ائتمنه عليه سواء كان من نوع ما له عنده أو من غير نوعه، وكل ذلك سواءو فرض عليه أن يأخذه ويجتهد في معرفة ثمنه، فإذا عرف أقصاه باع منه بقدر حقه فان كان في ذلك ضرر فان شاء باعه وان شاء أخذه لنفسه حلالا، وسواء كان ما ظفر له به جارية أو عبدا أو عقار أو غير ذلك، فان وفى بماله قبله فذاك (1) وان لم يف بقى حقه فيما لم ينتصف منه وان فضل فضل رده إليه أو إلى ورثته فان لم يفعل ذلك فهو عاص لله عزوجل الا أن يحلله ويبريه فهو مأجور، وسواء كان قد خاصمه أو لم يخاصمه استحلفه أو لم يستحلفه (2) فان طولب بذلك وخاف ان أقر أن يغرم فلينكر وليحلف وهو مأجور في ذلك، وهو قول الشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهما، وكذلك عندنا كل من ظفر لظالم بمال ففرض عليه أخذه وانصاف المظلوم منه * برهان ذلك قول الله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقوله تعالى (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق) وقوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله) وقوله تعالى: (والحرمات قصاص) وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقوله تعالى: (الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا)، ومن طريق أبى داود نا أحمد بن يونس نا زهير بن معاوية نا هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين: (انه هندا أم معاوية جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ان أبا سفيان رجل شحيح وانه لا يعطينى ما يكفيني وبنى فهل على من جناح ان آخذ من ماله شيئا؟ قال: خذى ما يكفيك وولدك (3) بالمعروف) وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرماء الذى أصيب في ثمار ابتاعها: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)، وهذا اطلاق منه صلى الله عليه وسلم لصاحب الحق على ما وجد للذى له عليه الحق * ومن طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف نا الليث - هو ابن سعد - حدثنى


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (فذلك) (2) في النسخة رقم 16 (استخلفه أو لم يستخلفه) وهو تصحيف (3) في سنن أبى داود (وبنيك) بدل (وولدك)

[ 181 ]

يزيد - هو ابن أبى حبيب - عن أبى الخير - هو مرثد بن عبد الله اليزنى - عن عقبة بن عامر الجهنى [ قال ] (1): (قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى فيه؟ فقال [ لنا ] عليه السلام: ان نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا فان لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف) وهو قول على بن أبى طالب. وابن سيرين * روينا من طريق خالد الحذاء عنه انه قال: ان أخذ الرجل منك شيئا فخذ منه مثله * ومن طريق سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: ان أخذ منك شيئا فخذ منه مثله * ومن طريق عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمى عن داود بن أبى هند عن الشعبى قال: لا تخن من خانك فان أخذت منه مثل ما أخذ منك فليس عليك بأس * وعن عطاء حيث وجدت متاعك فخذه * قال أبو محمد: وأما قولنا: ان لم يفعل فهو عاص لله تعالى فلقول الله عزوجل: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) فمن ظفر بمثل ما ظلم فيه هو أو مسلم. أو ذمى فلم يزله عن يد الظالم ويرد إلى المظلوم حقه فهو أحد الظالمين لم يعن على البر والتقوى بل أعان على الاثم والعدوان هذا أمر يعلم ضرورة، وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا أن يغيره بيده ان استطاع) فمن قدر على كف الظلم وقطعه واعطاء كل ذى حق حقه فلم يفعل فقد قدر على انكار المنكر فلم يفعل فقد عصى الله عزوجل وخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يحلله من حق نفسه أحسن بلا خلاف، والدلائل على هذا تكثر جدا، وخالفنا في هذا قوم، فقالت طائفة: لا يأخذ منه شيئا، وقالت طائفة: ان ظفر بعين ماله فليأخذه والا فلا يأخذ غيره، وقالت طائفة: ان وجد من نوع ما أخذ منه فليأخذ والا فلا يأخذ غير نوعه، واحتجت هذه الطوائف بما رويناه من طريق يوسف بن ماهك قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم فغالطوه بألف درهم فاداها إليهم فأدركت لهم من مالهم مثلها قلت: أقبض الالف الذى ذهبوا بها منك قال: لا حدثنى أبى انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ادالى من ائتمنك ولا تخن من خانك) * ونحوه عن طلق بن غنام عن شريك. وقيس - هو ابن الربيع - عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) * ومن طريق عبد بن حميد عن هاشم بن القاسم عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: (كان لى حق على رجل فجحدني فدان له عندي حق أفا جحده؟ قال: لا أد الامانة إلى من ائمنك ولا تخن من خانك) *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 264

[ 182 ]

ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن رجل من بنى سدو س يقال له: ديسم قلنا لبشير بن الخصاصية: لنا جيران ما تشذلنا قاصية الا ذهبوا بها وانه يمضى لنا من أمواله أشياء فنذهب بها قال: لا * قال أبو محمد: ما نعلم لهم حجة غير ما ذكرنا وكل هذالا شئ، أما حديث فلان عن أبيه ناهيك بهذا السند ليت شعرى من فلان؟ ونبرأ إلى الله تعالى من كل دين أخذ عن فلان الذى لا يدرى من هو ولا ما اسمه ولا من أبوه ولا اسمه، والآخر طلق بن غنام عن شريك. وقيس بن الربيع وكلهم ضعيف، والثالث مرسل وفيه المبارك بن فضالة وليس بالقوى، وحديث بشير عن رجل يسمى ديسم مجهول، ثم لو صحت لما كان فيها حجحة لان نصها لا تخن من خانك وأد الامانة إلى من ائتمنك وليس انتصاف المرء من حقه خيانة بل هو حق واجب وانكار منكر وانما الخيانة أن تخون بالظلم والباطل ولا حق لك عنده لا من افترض الله تعالى عليه أن يخرج اليك من حقك أو من مثله ان عدم حقك وليس رد المظلمة أداء أمانة بل هو عون على الخيانة ثم لا حجة في هذه الاخبار الا لمن منع من الانتصاف جملة، وأما من قسم فاباح اخذ ما وجد من نوع ما له فقط فمخالف لهذه الآثار ولغيرها وبالله تعالى التوفيق * تم كتاب التفليس والحمد لله رب العالمين (1) * بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الاجارات والاجراء 1285 مسألة الاجارة جائزة في كل شئ له منفعة فيؤاجر لينتفع به ولا يستهلك عينه * روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن منصور أنا يحيى بن حماد نا أبو عوانة عن سليمان الشيباني - هو أبو إسحاق - عن عبد الله بن السائب انهم سمعوا عبد الله ابن معقل يقول: زعم ثابت (2) - هو ابن الضحاك -: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة [ وقال: لا بأس بها ] 3)) * قال على: قد صح سماع عبد الله بن معقل من ثابت بن الضحاك، وقد جاءت في الاجارات آثار، وباباحتها يقول مهور العلماء الا أن ابراهيم بن علية قال: لا تجوز لانها أكل مال بالباطل * قال على: هذا باطل من قوله وقد استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أرقط دليلا إلى مكة *


(1) إلى هنا تم الجزء الثالث من كتاب المحلى النسخة التى نعبر عنها باليمنية وهى نسخة الفاضل الغيور الشيخ محمد حسين نصيف (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 455 (قال: (دخلنا على عبد الله بن معقل فسألناه عن المزارعة فقال زعم ثابت) الخ (3) الزيادة من صحيح مسلم

[ 183 ]

1286 - مسألة - والاجارة ليست بيعا وهى جائزة في كل ما لا يحل بيعه كالحر. والكلب. والسنور. وغير ذلك ولو كانت (1) بيعا لما جازت اجارة الحر، والقائلون إنها بيع يجيزون اجارة الحر فتناقضوا، ولا يختلفون في أن الاجارة انما هي الانتفاع بمنافع الشئ المؤاجر التى لم يخلق بعد ولا يحل بيع ما لم يخلق بعد فظهر فساد هذا القول * 1287 - مسألة - ولا يجوز اجارة ما تتلف عينه أصلا مثل الشمع للوقيد. والطعام للاكل. والماء للسقي به. ونحو ذلك لان هذا بيع لا اجارة، والبيع هو تملك العين، والاجرة لا تملك بها العين * 1288 - مسألة - ومن الاجارات ما لا بد فيه من ذكر العمل الذى يستأجر عليه فقط ولا يذكر فيه مدة كالخياطة. والنسج. وركوب الدابة إلى مكان مسمى ونحو ذلك، ومنها ما لابد فيه من ذكر المدة كسكنى الدار. وركوب الدابة. ونحو ذلك، ومنه ما لابد فيه من الامرين معا كالخدمة ونحوها فلابد من ذكر المدة والعمل لان الاجارة بخلاف ما ذكرنا مجهولة وإذا كانت مجهولة فهى أكل مال بالباطل، والاجارة على تعليم القرآن والعلم جائزة لان كل ذلك داخل في عموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة * 1289 - مسألة - ومن استأجر حرا أو عبدا من سيده للخدمة مدة مسماة بأجرة مسماة فذلك جائز، وليستعملهما فيما يحسنانه ويطيقانه بلا اضرار بهما * روينا من طريق البخاري نا يحيى بن بيكر نا الليث بن سعد عن عقيل قال: قال ابن شهاب: اخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين [ رضى الله عنها ] (2) قالت: (استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بنى الديل هاديا خريتا وهو على دين [ كفار ] (3) قريش ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال) * 1290 - مسألة - ولا يجوز اشتراط تعجيل الاجرة ولا تعجيل شئ منها ولا اشتراط تأخيرها إلى أجل ولا تأخير شئ منها كذلك ولا يجوز أيضا اشتراط تأخير الشئ المستأجر ولا تأخير العمل المستأجر له طرفة عين فما فوق ذلك لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، ومن هذا استئجار دار مكتراة. أو عبد مستأجر. أو دابة مستأجرة. أو عمل مستأجر. أو غير ذلك كذلك قبل تمام الاجارة التى هو مشغول فيها لان في هذا العقد اشتراط تأخير قبضه الشئ المستأجر أو العمل المستأجر له، وقد أجاز بعض الناس اجارة ما ذكرنا قبل انقضاء مدته باليومين ومنع من أكثر وهذا تحكم فاسد ودعوى باطل بلا برهان،


(1) في النسخة رقم 16 (فلو كانت) (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 181 (3) الزيادة من صحيح البخاري

[ 184 ]

وليس إلا حرام فيحرم جملة أو حلال فيحل جملة، وقالوا: هو في المدة الطويلة غرر فقلنا: وهو أيضا في الساعة غرر ولا فرق إذ لا يدرى أحد ما يحدث بعد طرفة عين الا الله تعالى، وأيضا فيكلفون إلى تحديد المدة (1) التى لا غرر فيها والمدة التى فيها غرر، وان يأتوا بالبرهان على ذلك والا فهم قائلون في الدين ما لا علم لهم به، فان تأخر كل ذلك بلا شرط فلا بأس وبالله تعالى التوفيق * 1291 - مسألة - وموت الاجير. أو موت المستأجر. أو هلالك الشئ المستأجر. أو عتق العبد المستأجر. أو بيع الشئ المستأجر من الدار. أو البعد. اؤ الدابة. أو غير ذلك أو خروجه عن ملك مؤاجره باى وجه خرج كل ذلك يبطل عقد الاجارة فيما بقى من المدة خاصة قل أو كثر وينفذ العتق. والبيع والاخراج عن الملك بالبهة. والاصداق. والصدقة * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وإذا مات المؤاجر فقد صار ملك الشئ المستأجر لورثته أو للغرماء وانما استأجر المستأجر منافع ذلك الشئ والمنافع انما تحدث شيئا بعد شئ فلا يحل له الانتفاع بمنافع حادثة في ملك من لم يستأجر منه شيئا قط، وهذا هو أكل المال بالباطل جهارا، ولا يلزم الورثة في أموالهم عقد ميت قد بطل ملكه عن ذلك الشئ ولو أنه آجر منافع حادثة في ملك غيره لكان ذلك باطلا بلا خلاف وهذا هو ذلك بعينه، وأما موت المستأجر فانما كان عقد صاحب الشئ معه لا مع ورثته فلا حق له عند الورثة ولا عقد له معهم ولا ترث الورثة منافع لم تخلق بعد ولا ملكها مورثهم قط، وهذا في غاية البيان وبالله تعالى التوفيق، وهو قول الشعبى. وسفيان الثوري. والليث بن سعد. وأبى حنيفة. وأبى سليمان وأصحابهما * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن ادريس الاودى عن مطرف بن طريف عن الشعبى قال: ليس لميت شرط * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الصمد - هو ابن عبد الوارث - عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحكم بن عتيبة فيمن آجر داره عشر سنين فمات قبل ذلك قال: تنتقض الاجارة، وقال مكحول: قال ابن سيرين: واياس بن معاوية: لا تنتقض، وقال عثمان البتى. ومالك. والشافعي. وأصحابهما لا تنتقض الاجارة بموتهما ولا بموت أحدهما، وأقصى ما احتجوا به أن قالوا: عقد الاجارة قد صح فلا يجوز أن ينتقض الا ببرهان قلنا: صدقتم وقد جئناكم بالبرهان، وقالوا: فكيف تصنعون في الاحباس؟ قلنا:


(1) في النسخة الحلبية (فيكلفون ان يحدوا المدة)

[ 185 ]

رقبة الشئ المحبس لا مالك لها الا الله وانما للمحبس عليهم المنافع فقط فلا تنتقض الاجارة بموت أحدهم ولا بولادة من يستحق بعض المنفعة لكن ان مات المستأجر انتقضت الاجارة لما ذكرنا من أن عقده قد بطل بموتهه ولا يلزم غيره إذ النص من القرآن قد أبطل ذلك بقوله عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الاعليها) (فان قالوا): قد ساقى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود وملكها للمسلمين وبلا شك فقدمات من المسلمين قوم ومن اليهود قوم والمساقاة باقية قلنا: ان هذا الخبر حق ولا حجة لهم فيه بل هو حجة لنا عليهم لوجوه أربعة * أو لها ان ذلك العقد لم يكن إلى أجل محدود بل كان مجملا يخرجونهم إذا شاؤا ويقرونهم ما شاؤا كما نذكره في المساقاة ان شاء الله تعالى ولست الاجارة هكذا * والثانى انه ان كان لم ينقل الينا تجديد عقده صلى الله عليه وسلم أو عامله الناظر على تلك الاموال مع ورثة من مات من يهود وورثة من مات من المسلمين فلم يأت أيضا ولا نقل انه اكتفى بالعقد الاول عن تجديد آخر فلا حجة لهم فيه ولا لنابل لا شك (1) في صحة تجديد العقد في ذلك * والثالث أنهم لا يقولون بما في هذا الخبر، ومن الباطل احتجاج قوم بخبر لا يقولون به على من يقول به وهذا معكوس * والرابع أن هذا الخبر انما هو في السماقاة والمزارعة وكلا منا ههنا في الاجارة وهى أحكام مختلفة وأول من يخالف بينهما فالمالكيون والشافعيون المخالفون لنا في هذا المكان فلا يجيزان المزارعة أصلا قياسا على الاجارة ولا يريان للمساقاة حكم الاجارة، فمن المحال ان لا يقيسوا الاجارة عليهما وهم أهل القياس ثم يلزموننا أن نفيسها عليهما ونحن نبطل القياس، وبالله تعالى التوفيق * وأما البيع. والهبة. والعتق. والاصداق وغير ذلك فان الله تعالى يقول: (وأحل الله البيع) ويقول: (والمصدقين والمصدقات) ويقول: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وحض على العتق فعم تعالى ولم يخص، فكل ذلك في كل ما يملكه المرء فإذا نفذ كل ذلك فيه فقد خرج عن ملك مالكه فإذا خرج عن ملكه فقد بطل عقده فيه إذ لا حكم له في مال غيره ولا يحل للمستأجر منافع حادثة في ملك غير مؤاجره وخدمة حر لم يعاقده قط لانها حرام عليه لانها بغير طيب نفس مالكها وبغير طيب نفس الحر فهو أكل مال بالباطل فان ذكروا قول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وهذا عقد لازم حق قلنا: نعم هو مأمور بالوفاء بالعقد في ماله لا في مال غيره بل هو محرم عليه التصرف في مال غيره، (فان قالوا) اخراجه للشئ الذى آجر من ملكه ابطال للوفاء بالعقد الذى هو مأمور بالوفاء به قلنا: وقولكم لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما أصلا اما أن تمنعوه من اخراجه عن


(1) في النسخة رقم 16 (بل لا يشك) (م 24 - ج 8 المحلى)

[ 186 ]

ملكه بالوجوه التى أباح الله تعالى له اخراجه بها عن ملكه بسبب عقد الاجارة واما أن تبيحوا له اخراجه عن ملكه بالوجوه التى أباح الله تعالى له اخراجه بها عن ملكه لابد من أحدهما، فان منعتموه اخراجه عن ملكه بالوجوه التى أباح الله تعالى له اخراجه بها عن ملكه كنتم قد خالفتم الله عزوجل وحرمتم ما أحل وهذا باطل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله عزوجل من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله احق وشرط الله أوثق) فصح يقينا أن شرطهما في عقد الاجارة لا يمنع ما في كتاب الله تعالى من اباحة البيع والهبة والصدقة والا صداق، وأن شرط الله تعالى في اباحة كل ذلك أحق من شرطهما في عقد الاجارة وأوثق ومتقدم له فانما يكون عقدهما الاجارة على جواز ما في كتاب الله تعالى لا على المنع منه ومخالفته، وان قلتم: بل نجيز له كل ذلك ويبقى عقد الاجارة مع كل ذلك قلنا: خالفتم قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، فأوجبتم أن تكسب على غيره وأن ينفذ عقده في مال غيره وخالفتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم و سلم (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فأبحتم للمستأجر مال غيره وأبحتم له مال من لم يعقد معه قط فيه عقدا: ومنعتم صاحب الحق من حقه وهذا حرام. وأوجبتم للبائع أن يأخذ اجارة على منافع حادثة في مال غيره. وعن خدمة حر لاملك له عليه، وهذا أكل مال بالباطل وأكل اجارة مال حرام عليه عينه والتصرف فيه. وهذا كله ظلم، وباطل بلا شك، وقولنا هذا هو قول الشعبى: والحسن البصري. وسفيان الثوري: وغيرهم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب الثقفى عن خالد الحذاء عن اياس بن معاوية فيمن دفع غلامه إلى رجل يعلمه ثم أخرجه قبل انقضاء شرطه قال: يرد على معلمه ما أنفق عليه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا غندر عن شعبة عن الحكم بن عتيبة فيمن أجر غلامه سنة فاراد أن يخرجه قال: له أن يأخذه؟ قال حماد: ليس له اخراجه الا من مضرة (1) * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن البصري قال: البيع يقطع الاجارة؟ قال أيوب: لا يقطعها قال معمر: وسألت ابن شبرمة عن البيع أيقطع الاجارة؟ قال نعم، قال عبد الرزاق: وقال سفيان الثوري: الموت والبيع يقطعان الاجارة * قال أبو محمد: وقال مالك. وأبو يوسف. والشافعي: ان علم المشترى بالاجارة فالبيع صحيح ولا يأخذ الشئ الذى اشترى الا بعد تمام مدة الاجارة، وكذلك العتق


(1) في بعض النسخ (الا من تضرة)

[ 187 ]

نافذ والهبة وعلى المعتق ابقاء الخدمة وتكون الاجرة في كل ذلك للبائع والمعتق. والواهب (1) قالوا: فان لم يعلم بالبيع فهو مخير بين انفاذ البيع وتكون الاجارة للبائع أورده لانه لا يمتنع من الانتفاع بما اشترى وهذا فاسد بما أوردنا آنفا * وقال أبو حنيفة: قولين، أحدهما ان للمستأجر نقض البيع، والآخر أنه مخير بين الرضا بالبيع وبين أن لا يرضى به فان رضى به بطلت اجارته وان لم يرض به كان المشترى مخيرا بين امضاء البيع والصبر حتى تنقضي مدة الاجارة وبين فسخ البيع لتعذر القبض (2) * قال أبو محمد: هذان قولان في غاية الفساد والتخليط لا يعضدهما قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد نعلمه قبل أبى حنيفة. ولا قياس. ولا رأى سديد، وليت شعرى إذا جعل للمستأجر الخيار في فسخ البيع أترونهم يجعلون له الخيار أيضا في رد المعتق أو امضائه؟ ان هذا لعجب! أو يتناقضون في ذلك؟ ولا يحل في شئ مما ذكرنا من خروج الشئ المستأجر عن ملك المؤاجر ببيع. أو عتق: أو هبة. أو صدقة. أو اصداق أن يشترط على المعتق وعلى من صار إليه الملك بقاء الاجارة لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1292 - مسألة - وكذلك ان اضطر المستأجر إلى الرحيل عن البلد أو اضطر المؤاجر إلى ذلك فان الاجارة تنفسخ إذا كان في بقائها ضرر على أحدهما كمرض مانع. أو خوف مانع. أو غير ذلك لقول الله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) وقال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وهو قول أبى حنيفة * روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري قال: سئل الشعبى عن رجل استأجر دابة إلى مكان فقضى حاجته دون ذلك المكان؟ قال: له من الاجرة (3) بقدر المكان الذى انتهى إليه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فيمن اكترى دابة إلى أرض معلومة فابى أن يخرج قال قتادة: إذا حدث نازلة يعذر بها (4) لم يلزمه الكراء * 1293 - مسألة - وكذلك ان هلك الشئ المستأجر فان الاجارة تنفسخ (5)، ووافقنا على هذا أبو حنيفة. ومالك. والشافعي، وقال أبو ثور: لا تنفسخ الاجارة بهذا أيضا بل هي باقية إلى أجلها والاجرة كلها واجبة للمؤاجر على المستأجر *


(1) في النسخة رقم 16 (وللمعتق وللواهب) (2) في النسخة رقم 14 (وبين فسخ البيع والصبر حتى تنقضي لتعذر القبض) وهى زيادة حشو أدرجها الناسخ سهوا لانه إذا فسخ البيع فلا معنى لصبره حتى تنقضي الاجارة (3) في النسخة الحلبية (من الاجر) (4) في النسخة الحلبية (إذا جاءت منزلة يعذر بها) وهو تصحيف (5) في النسخة رقم 14 (تبطل)

[ 188 ]

قال أبو محمد: وهذا خطأ لانه أكل مال بالباطل، وقاس أبو ثور ذلك على البيع ولقد يلزم من رأى الاجارة كالبيع أن يقول بهذا، ولا فرق بين ابقاء مالك. والشافعي الاجارة بموت المؤاجر. والمستأجر وبين ابقاء أبى ثور اياها بهلالك الشئ المستأجر حتى قال مالك: من استؤجرت دابته إلى بلد بعينه فمات المستأجر بالفلاة ان الاجارة باقية في ماله وان من الواجب أن يؤتى المؤاجر ثمن نقله كنقل الميت ينقله إلى ذلك البلد، وهذا عجب ما مثله عجب! لاسيما مع ابطاله بعض الاجارة بجائحة تنزل كاستعذار. أو قحط فاحتاط في أحد الوجهين ولم يحتط في الآخر (1) ولا تبطل اجارة بغير ما ذكرنا، وقد روى عن شريح. والشعبى وصح عنهما ان كل واحد من المستأجر والمؤاجر ينقض الاجارة إذا شاء قبل تمام المدة وان كره الآخر وكانا يقضيان بذلك ولا نقول بهذا لانه عقد عقداه في مال يملكه المؤاجر فهو مأمور بانفاذه، وكذلك معاقده ماداما حيين وما دام ذلك الشئ في ملك من أجره (2) وبالله تعالى التوفيق * 1294 - مسألة - وجائز استئجار العبيد. والدور. والدواب وغير ذلك إلى مدة قصيرة أو طويلة إذا كانت مما يمكن بقاء المؤاجر. والمستأجر. والشئ المستأجر إليها، فان كان لا يمكن البتة بقاء أحدهم إليها لم يجز ذلك العقد وكان مفسو خا أبدا * برهان ذلك أن بيان المدة واجب فيما استؤجر لا لعمل معين فإذ هو كذلك فلا فرق بين مدة ما وبين ما هو أقل منها أو أكثر منها، والمفرق بين ذلك مخطئ بلا شك لانه فرق بلا قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب أصلا. ولا قول تابع نعلمه. ولا قياس. ولا رأى له وجه يعقل، والمخاوف لا تؤمن في قصير المدد كما لا تؤمن في طويلها، وأما ان عقدت الاجارة إلى مدة يوقن أنه لابد من أن يخترم أحد هما دونها أو لابد من ذهاب الشئ المؤاجر دونها فهو شرط متيقن الفساد بلا شك لانه اما عقدمنهما على غيرهما وهذا لا يجوز، وإما عقد في معدوم وذلك لا يجوز وبالله تعالى التوفيق * ولقد كان يلزم من يرى الاجارة لا تنتقض بموت أحدهما من المالكيين. والشافعيين أو لا تنتقض بهلاك الشئ المستأجر ممن ذهب مذهب أبى ثور أن يجيز عقد الاجارة في الارض وغيرها إلى ألف عام. وإلى عشرة آلاف عام. وأكثر ولكن هذا مما تناقضوا فيه وبالله تعالى نتأيد * وقد جاء النص بالاجارة إلى أجل مسمى كما روينا من طريق البخاري نا سليمان


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (في احدى الجهتين ولم يحتط في الاخرى) (2) في النسخة الحلبية وكذلك رقم 14 (في ملك مؤجره) والمعنى واحد *

[ 189 ]

ابن حرب نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر [ رضى الله عنهما ] (1) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لى من غدوة (2) إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود إلى صلاة الظهر ثم قال: من يعمل لى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى ثم قال: من يعمل لى من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فانتم هم) وذكر الحديث * 1295 - مسألة - وجائز استئجار المرأة ذات اللبن لا رضاع الصغير مدة مسماة * برهان ذلك قول الله تعالى: (فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) * 1296 - مسألة - ولايجوز استئجار شاة. أو بقرة. أو ناقة. أو غير ذلك لا واحدة ولا أكثر للحلب أصلا لان الاجارة إنما هي في المنافع خاصة لا في تملك الاعيان وهذا تملك اللبن وهو عين قائمة فهو بيع لا اجارة، وبيع ما لم يرقط ولا تعرف صفته باطل، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي، ولم يجز مالك اجارة الشاة ولا الشاتين للحلب وأجاز اجارة القطيع من ذوات اللبن للحلب وأجاز استئجار البقرة للحرث واشتراط لبنها وهذا كله خطأ وتناقض لانه فرق بين القليل والكثير بلا برهان أصلا، ثم لم يأت بحد بين ما حرم وما حلل فمزج الحرام بالحلال بغير بيان وهذا كما ترى * وفرض على كل من حلل وحرام ان يبين للناس ما يحرم عليهم مما يحل لهم ان كان يعرف ذلك فان لم يعرفه فالسكوت هو الواجب الذى لا يحل غيره، ثم أجاز ذلك في الرأس الواحد من البقر وهذا تناقض فاحش، وكذلك أجاز كراء الدار تكون فيها الشجرة أو النخلة واستثناء ثمرتها وإن لم تكن فيها حين الاجارة ثمرة إذا كانت الثمرة أقل من ثلث الكراء وإلا فلا يجوز، ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد قبله ولا دليل على صحته شئ منه، ولئن كان الكثير مما ذكرنا حلالا فالقليل من الحلال حلال، وإن كان حراما فالقليل من الحرام حرام، وهذا بعينه أنكروا على الحنيفيين إذ أباحوا القليل مما يكسر كثيره وقد وافقونا على انه لا يحل كراء الطعام ليؤكل فما الفرق بين ذلك وبين ما أباحوه من كراء الدار بالثمرة التى لم تخلق فيها لتؤكل وبين كراء الغنم لتحلب؟ فان قالوا: قسنا ذلك على استئجار الظئر قلنا: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان ههنا باطلا لان أصح القياس ههنا إن يقاس استئجار الشاة الواحدة للحلب على استئجار الظئر الواحدة


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 183 (2) في النسخة رقم 16 (من غدوة النهار) بزيادة لفظ النهار ولم توجد في البخاري ولا في جميع النسخ، والحديث مطول اختصره المصنف كما أشار إلى ذلك

[ 190 ]

للرضاع فحرمتم ذلك ثم قسمتم حيث لا تشابه بينهما من البقرة للحرث ومن القطيع الكثير عدده، والعلة المانعة عندهم من إجارة الرأس الواحد للحلب موجودة في الظئر ولا فرق، وما رأينا أجهل بالقياس ممن هذا قياسه، وبالله تعالى التوفيق * 1297 - مسألة - ولا تجوز إجارة الارض أصلا لا للحرث فيها. ولا للغرس فيها. ولا للبناء فيها. ولا لشئ من الاشياء أصلا لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة. ولا لغير مدة مسماة لا بدنانير. ولا بدراهم. ولا بشئ أصلا، فمتى وقع فسخ أبدا، ولايجوز في الارض إلا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها أو المغارسة كذلك فقط، فان كان فيها بناء قل أو كثر جاز استئجار ذلك البناء وتكون الارض تبعا لذلك البناء غير داخلة في الاجارة أصلا * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد حدثنى أبى عن جدى ثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر قال: لقى عبد الله بن عمر رافع به خديج فسأله؟ فقال له رافع: سمعت عمى - وكانا قد شهدابدرا - يحدثان [ أهل الدار ] (1): (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الارض) فذكر الحديث وفيه: (ان ابن عمر ترك كراء الارض) * قال أبو محمد: أهل بدر كلهم عدول * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع ابن خديج قال: جاء جبريل أو ملك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون من شهد بدرا فيكم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيارنا قال: كذلك هم عندنا) * قال على: ومن روينا عنه المنع من كراء الارض جملة جابر بن عبد الله. ورافع ابن خديج: وابن عمر. وطاوس. ومجاهد. والحسن * قال على: وعند ذكرنا للمزارعة ان شاء الله تعالى نتقصى ما شغب به من أباح كراء الارض ونقض كل ذلك بحول الله تعالى وقوته * 1298 - مسألة - ولا يجوز استئجار دار ولا عبد ولا دابة ولا شئ أصلا ليوم غير معين. ولا لشهر غير معين. ولا لعام غير معين لان الكراء لم يصح على شئ لم يعرف فيه (2) المستأجر حقه فهو أكل مال بالباطل وعقد فاسد، وبالله تعالى التوفيق * 1299 - مسألة - وكل ما عمل الاجير شيئا مما استؤجر لعمله استحق من الاجرة بقدر ما عمل فله طلب ذلك وأخذه وله تأخيره بغير شرط حتى يتم عمله أو يتم


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 454 وهو فيه مطول (2) في النسخة رقم 16 (منه)

[ 191 ]

منه جملة ما لان الاجرة انما هي على العمل فلكل جزء من العمل جزء من الاجرة، وكذلك كل ما استغل المستأجر الشئ الذى استأجر فعليه من الاجارة بقدذلك أيضا، وكما ذكرنا للدليل الذى ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * 1300 - مسألة - وجائز الاستئجار بكل ما يحل ملكه وان لم يحل بيعه كالكلب والهر. والماء. والثمرة التى لم يبد صلاحها. والسنبل الذى لم ييبس فيستأجر الدار بكلب معين. أو كلب موصوف في الذمة. وبثمرة قد ظهرت ولم يبد صلاحها. وبماء موصوف في الذمة أو معين محرز، أو بهر كذلك لان الاجارة ليست بيعا وانما نهى في هذه الاشياء عن البيع، وقياس الاجارة على البيع باطل لو كان القياس حقا فكيف وهو كله باطل؟ لانهم موافقون لنا على اجارة الحر نفسه وتحريمهم لبيعه ولان البيع تمليك للاعيان بالنقل لها عن ملك آخر والاجارة تمليك منافع لم تحدث بعد، وبالله تعالى التوفيق * 1301 - مسألة - والاجارة الفاسدة ان أدركت فسخت أو ما أدرك منها، فان فاتت أو فات شئ منها قضى فيها أو فيما فات منها بأجر المثل لقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) فمن استغل (1) مال غيره بغير حق فهى حرمة انتهكها فعليه أن يقاص بمثله من ماله، وبالله تعالى التوفيق * 1302 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على الصلاة. ولا على الاذان لكن اما أن يعطيهما الامام من أموال المسلمين على وجه الصلة وإما أن يستأجرهما أهل المسجد على الحضور معهم عند حلول أو قات الصلاة فقط مدة مسماة فإذا حضر تعين الاذان والاقامة على من يقوم بهما، وكذلك لا تجوز الاجارة على كل واجب تعين على المرء من صوم. أو صلاة. أو حج. أو فتيا. أو غير ذلك. ولا على معصية أصلا لان كل ذلك أكل مال بالباطل لان الطاعة المفترضة لابد له من عملها والمعصية فرض عليه اجتنابها فأخذ الاجرة (2) على ذلك لا وجه له فهو أكل مال بالباطل، وكذلك تطوع المرء عن نفسه لا يجوز أيضا اشتراط أخذ مال عليه لانه يكون حينئذ لغير الله تعالى * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث - هو ابن عبد الملك الحمراني - عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص قال: كان آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن لا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا * 1303 - مسألة - وجائز للمرء أن يأخذ الاجرة على فعل ذلك عن غيره مثل أن


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (فمن استعمل) (2) في النسخة رقم 16 (فأخذ الاجارة)

[ 192 ]

يحج عنه التطوع. أو يصلى عنه التطوع. أو يؤذن عنه التطوع: أو يصوم عنه التطوع لان كل ذلك ليس واجبا على أحدهما ولا عليهما، فالعامل يعمله عن غيره لا عن نفسه فلم يطع ولا عصى، وأما المستأجر فأنفق ماله في ذلك تطوعا لله تعالى فله أجر ما اكتسب بماله * 1304 - مسألة - ولا تجوز الاجارة في اداء فرض من ذلك الاعن عاجز أو ميت لما ذكرنا في كتاب الحج. وكتاب الصيام من النصوص في ذلك وجواز أن يعمله المرء عن غيره فالاستئجار في ذلك جائز لانه لم يأت عنه نهى فهو داخل في عموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة، وأما الصلاة المنسية. والمنوم عنها. والمنذورة فهى لازمة للمرء إلى حين موته فهذه تؤدى عن الميت، فالاجارة في أدائها عنه جائزة، وأما المتعمد تركها فليس عليه أن يصليها إذ ليس قادرا عليها إذ قد فاتت فلا يجوز أن يؤدى عنه ما ليس هو مأمورا بآدائه، وبالله تعالى التوفيق * 1305 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على النوح ولا على الكهانة لانهما معصيتان منهى عنهما لا يحل فعلهما ولا العون عليهما فالاجارة على ذلك. أو العطاء عليه معصية. وتعاون على الاثم والعدوان * 1306 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على الحجامة ولكن يعطى على سبيل طيب النفس له طلب ذلك فان رضى والا قدر عمله بعد تمامه لا قبل ذلك وأعطى ما يساوى، وكذلك لا تحل الاجارة على انزاء الفحل أصلا لا نزوة ولا نزوات معلومة، فان كان العقد إلى أن تحمل الانثى كان ذلك أبلغ في الحرام والباطل وأكل السحت. لما روينا من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم قال: سمعت ابن أبى نعم (1) قال: سمعت أبا هريرة يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام. وثمن الكلب. وعسب الفحل) * وروينا النهى عن عسب الفحل وكسب الجحام من طرق كثيرة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حنيفة والشافعي. وأحمد. وأبو سليمان: لا تجوز الاجارة على ضراب الفحل * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن شوذب أبى معاذ قال: قال لى البراء بن عازب: لا يحل عسب الفحل * ومن طريق الاعمش عن عطاء بن أبى رباح قال: قال أبو هريرة (اربع من السحت. ضراب الفحل. وثمن الكلب. ومهر البغى. وكسب الحجام) وقال عطاء: لا تعطه على طراق الفحل أجرا


(1) هو بضم أوله وسكون ثانيه، واسمه عبد الرحمن بن أبى نعم البجلى أبو الحكم الكوفى، ووقع في النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية (ابن أبى نعيم) بزيادة ياء آخر الحروف وهو غلط

[ 193 ]

الا أن لا تجد من يطرقك وهو قول قتادة * قال أبو محمد: وأباح مالك الاجرة (1) على ضراب الفحل كرات مسماة وما نعلم لهم حجة أصلا لا من نص ولا من نظر، ورووا رواية فاسدة موضوعة من طريق عبد الملك بن حبيب - وهو هالك - عن طلق بن السمح (2) ولا يدرى من هو؟ عن عبد الجبار ابن عمر وهو ضعيف أن ربيعة أباح ذلك، وذكره عن عقيل بن أبى طالب أنه كان له تيس ينزيه بالاجرة * قال أبو محمد: قد أجل الله قدر عقيل في نسبه وعلو قدره عن أن يكون تياسا يأخذ الاجرة على قضيب تيسه، وأما أجرة الحجام فقد ذكرنا عن أبى هريرة تحريمها، وروى عن عثمان أمير المؤمنين أيضا عن غيره من الصحابة رضى الله عنهم، وروينا عن ابن عباس اباحة كسبه * واحتج من أباحه بما روينا من طريق شعبة عن حميد الطويل عن أنس قال: (دعاء النبي صلى الله عليه وسلم غلاما فحجمه (3) فامر له بصاع أو صاعين وكلم فيه فخفف من خراجه) * قال أبو محمد: فاستعمال الخبرين واجب فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عن غير مشارطة فكانت مشارطته لا تجوز، ولانه أيضا عمل مجهول، ولا خلاف في أن ذلك الحديث ليس على ظاهره لان فيه النهى عن كسب الحجام جملة وقد يكسب من ميراث. أو من سهم من المغنم. ومن ضيعة. ومن تجارة وكل ذلك مباح له بلا شك، ولم تحرم الحجامة قط بلا خلاف ولا بدله من كسب يعيش منه والامات ضياعا، فصح ان كسبه بالحجامة خاصة هو المنهى عنه فوجب أن يستثنى من ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون حلالا حسنا ويكون ما عداه حراما كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا معمر بن سالم عن أبى جعفر - هو ابن محمد بن على بن الحسين - قال: لا بأس بأن يحتجم الرجل ولا يشارط، وهو قول أبى سليمان. وأصحابنا * 1307 - مسألة - والاجارة جائزة على تعليم القرآن. وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة، وكل ذلك جائز، وعلى الرقى. وعلى نسخ المصاحف. ونسخ كتب العلم لانه لم يأت في النهى عن ذلك نص بل قد جاءت الاباحة كما روينا من طريق البخاري نا أبو محمد سيدان بن مضارب الباهلى نا أبو معشر البراء [ هو صدوق ] (4) يوسف بن يزيد حدثنى عبيد الله بن الاخنس أبو مالك عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب رسول الله


(1) في النسخة رقم 16 (الاجارة) (2) هو بفتح أوله وسكون ثانيه وفى آخره حاء مهملة (3) في النسخة رقم 16 (يحجمه) (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 241 (م 25 ج 8 المحلى)

[ 194 ]

صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ [ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما ] (1 فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا [ حتى قدموا المدينة ] فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله، والخبر المشهور (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج امرأه من رجل بما معه من القرآن) (2) أي ليعلمها اياه، وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان، وقال أبو حنيفة. والحسن بن حى: لا تجوز الاجرة على تعليم القرآن، واحتج له مقلدوه بخبر رويناه من طريق قاسم بن أصبغ نا عبد الله بن روح نا شبابة - هو ابن ورقاء - نا أبو زيد عبد الله بن العلاء الشامي نا بشر بن عبيد الله عن أبى ادريس الخولانى قال: كان عند أبى بن كعب ناس يقرئهم من أهل اليمن فاعطاه أحدهم قوسا يتسلحها في سبيل الله تعالى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (أتحب أن تأتى بها في عنقك يوم القيامة نارا) * ورويناه أيضا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع. وحميد بن عبد الرحمن [ الرؤاسى ] (3) عن المغيرة بن زاد الموصلي عن عبادة بن نسى قاضى الاردن عن الاسود ابن ثعلبة عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة القوس * وأيضا من طريق أبى داود عن عمرو بن عثمان نا بقية نا بشر (4) بن عبد الله بن يسار عن عبادة بن نسى عن جنادة بن أبى أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله * ومن طريق سعيد ابن منصور عن اسماعيل بن عياش عن عبدربه بن سليمان بن عمير بن زيتون عن الطفيل ابن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عرض له ذلك في القوس مع أبى بن كعب وفيه زيادة (أنه قال: يا رسول الله انا نأكل من طعامهم قال: أما طعام صنع لغيرك فحضرته فلا بأس ان تأكله وأما ما صنع لك فان أكلته فانما تأكله بخلاقك) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن ميسر (5) أبو سعد عن موسى بن على بن رباح عن أبيه ان أبى بن كعب غداه رجل كان يقرئه القرآن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان كان شئ يتحفك به فلا خير فيه وان كان من طعامه وطعام أهله فلا بأس به) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عفان بن مسلم نا أبان بن يزيد العطار حدثنى يحيى بن أبى كثير عن زيد - هو ابن أبى سلام - عن أبى سلام - هو ممطور الحبشى - عن أبى راشد الحبرانى عن عبد الرحمن بن شبل) سمعت رسول الله


(1) الزيادة من صحيح البخاري (2) الحديث في الصحيحين وغيرهما (3) الزيادة من سنن أبى داود (4) في النسخة رقم 16 (بشير) بزيادة ياء آخر الحروف وهو غلط (5) في النسخة الحلبية (بن قيس) وفى رقم 16 (بن مسروق) وهو غلط

[ 195 ]

صلى الله عليه وسلم يقول: تعلموا القرآن ولا تعلوا عنه (1) ولا تجفوا فيه ولا تأكلوا به ولا تستكبروا به ولا تستكثروا به) ورويناه عن عوف بن مالك من قوله مثل هذا أنه قال في قوس أهداها انسان إلى من كان يقرئه: (أتريدان تعلق قوسا من نار) * وصح عن عبد الله بن مغفل أنه أعطاه الامير ما لا لقيامه بالناس في رمضان فأبى وقال: انا لا نأخذ للقرآن أجرا * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله - هو الطحان - عن سعيد بن اياس الجريرى عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون بيع المصاحف وتعليم الغلمان بالارش ويعظمون ذلك، وصح عن ابراهيم أنه كره أن يشترط المعلم وأن يأخذ أجرا على تعليم القرآن * ومن طريق شعبة. وسفيان كلاهما عن أبى اسحاق الشيباني عن أسير ابن عمرو قال شعبة روايته: أن عمار بن ياسر أعطى قوما قرء وا القرآن في رمضان فبلغ ذلك عمر فكرهه، وقال سفيان في روايته: ان سعد بن أبى وقاص قال: من قرأ القرآن الحقته على الفين فقال عمر أو يعطى على كتاب الله ثمنا؟ وصح عن عبد الله بن يزيد. وشريح لا تأخذ لكتاب الله ثمنا * ومن طريق حماد بن سلمة عن عبد الله بن عمثمان القرشى عن بلال بن سعد الدمشقي عن الضحاك بن قيس انه قال لمؤذن معلم كتاب الله: انى لا بغضك في الله لانك تثغنى في اذانك وتأخذ لكتاب الله أجار، وكره ابن سيرين الاجرة على كتاب المصاحف، وعن علمقة أنه كره ذلك ايضا * قال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به. وقد ذكرنا عن سعد. وعمار الآن انهما أعطيا على قراءة القرآن * وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن صدقة الدمشقي عن الوضين ابن عطاء قال: كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان فكان عمر بن الطخاب يرزق كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا مهدى بن ميمون ابن سيرين قال: كان بالمدينة معلم عنده من أبناء أولياء الفخام فكانوا بعرفون حقه في النيروز والمهرجان * قال أبو محمد: محمد بن سيرين أدرك أكابر الصحابة وأخذ عنهم. أبى بن كعب (2). وأبا قتادة فمن دونها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يزيد بن هارون أنا شعبة عن الحكم ابن عتيبة قال: ما علمت أحدا كره أجر المعلم، وصح عن عطاء. وأبى قلابة اباحة أجر المعلم على تعليم القرآن، وأجاز الحسن. وعلقمة في أحد قوليه الاجرة على نسخ المصاحف * قال أبو محمد: أما الاحاديث في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يصح منها شئ، أما حديث أبى إدريس الخولانى أن أبى بن كعب فمنقطع لا يعرف لابي إدريس سماع من أبى، والآخر


(1) في النسخة رقم 16 (ولا تغلوا عنه) (2) هو بالنصب بدل من أكابر الصحابة

[ 196 ]

أيضا منقطع لان على بن رباح لم يدرك أبى بن كعب * وأما حديث عبادة بن الصامت فاحد طرقه عن الاسود بن ثعلبة وهو مجهول لا يدرى قاله على بن المدينى. وغيره، والآخر من طريق بقية وهو ضعيف، والثالثة من طريق اسماعيل بن عياش وهو ضعيف، ثم هو منقطع أيضا * وأما حديث عبد الرحمن بن شبل ففيه أبو راشد الحبرانى وهو مجهول ثم لو صحت لكانت كلها قد خالفها أبو حنيفة. وأصحابه لانها كلها إنما جاءت فيما أعطى بغير أجرة ولا مشارطة وهم يجيزون هذا الوجه فموهوا بايراد أحاديث ليس فيها شئ مما منعواوهم مخالفون لما فيها فبطل كل ما في هذا الباب، والصحابة رضى الله عنهم قد اختلفوا فبقى الاثران الصحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اللذان أوردنا لا معارض لهما وباله تعالى التوفيق * 1308 - مسألة - والاجارة جائزة على التجارة مدة مسماة في مال مسمى أو هكذا جملة كالخدمة. والوكاة. وعلى نقل جواب المخاصم طالبا كان أو مطلوبا. وعلى جلب البينة وحملهم إلى الحاكم. وعلى تقاضى اليمين. وعلى طلب الحقوق. وعلى المجئ بمن وجب احضاره لان هذه كلها أعمال محدودة داخلة تحت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة * 1309 - مسألة - وإجارة الامير من يقضى بين الناس مشاهرة جائزة لما ذكرنا * 1310 - مسألة - ولا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلا لانه بيد الله تعالى لا بيد أحد وانما الطبيب معالج ومقو للطبيعة بما يقابل الداء ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية قوة الداء فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى * 1311 - مسألة - وجائز أن يستأجر الطبيب لخدمة أيام معلومة لانه عمل محدود فان أعطى شئ عند البرء بغير شرط فحلال لامر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ ما أعطى المرء من غير مسألة * 1312 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على حفر بئر البتة سواء كانت الارض معروفة أو لم تكن لانه قد يخرج فيها الصفاة الصلدة والارض المنحلة الرخوة والصليبة، وهذا عمل مجهول، وقد يبعد الماء في موضع ويقرب فيما هو إلى جانبه وانما يجوز ذلك في استئجار مياومة ثم يستعمله فيها في حفر البئر لانه عمل محدود معلوم يتولى منه حسب ما يقدر عليه، وبالله تعالى التوفيق * 1313 - مسألة - ولا يجوز أن يشترط على المستأجر للخياطة احضار الخيوط. ولا على الوراق القيام بالحبر. ولا على البناء القيام بالطين أو الصخر أو الجيار وهكذا

[ 197 ]

في كل شئ، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان لانه اجارة وبيع معاقد اشترط أحدهما مع الآخر فحرم ذلك من وجهين، أحدهما أنه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، والثانى أنه بيع مجهول واجارة مجهولة لا يدرى ما يقع من ذلك للبيع ولا ما يقع منه للاجارة فهو أكل مال بالباطل، فان تطوع كل من ذكرنا باحضار ما ذكرنا عن غير شرط جاز ذلك لانه فعل خير، وأما استئجار البناء وآلاته. والنجار وآلاته. والوراق وأقلامه. وجمله (1) وسكينه. وملزمته. ومحبرته، والخياط وابرته وجمله فكل ذلك جائز حسن لانها جارة واحدة كلها، فان كان شئ من ذلك لغيره لم يجز لانه لا يدرى ما يقع من ذلك لتلك الآلة ولا ما يقع للعامل فهو أكل مال بالباطل وبالله تعالى التوفيق، وأما الصباغ فانما استؤجر لا دخال الثوب في قدره فقط * 1314 - مسألة - ومن استأجر دارا. أو عبدا. أو دابة. أو شيئا ما ثم أجره باكثر مما استأجره به أو بأقل أو بمثله فهو حلال جائز، وكذلك الصائغ المستأجر لعمل شئ فيستأجر هو غيره ليعمله له بأقل أو بأكثر أو بمثله فكل ذلك حلال والفضل جائز لهما إلا أن تكون المعاقدة وقعت على أن يسكنها بنفسه. أو يركبها بنفسه. أو يعمل العمل بنفسه فلا يجوز غير ما وقعت عليه الاجارة لانه لم يأت نهى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهى مؤاجرة وقد أمر عليه السلام بالمؤاجرة وبالله تعالى التوفيق * 1315 - مسألة - والاجارة بالاجارة جائزة كمن أجر سكنى دار بسكنى دار أو خدمة عبد بخدمة عبد. أو سكنى بخدمة عبد أو بخياط كل ذلك جائز لانه لم يأت نص بالنهي عن ذلك وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز كراء دار بكراء دار ويجوز بخدمة عبد، وهذا تقسيم فاسد * بقية الكلام في المسألة التى قبل هذه قال على: روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عباد بن العوام عن عمر بن عامر عن قتادة عن نافع عن ابن عمر انه قال فيمن استأجر أجيرا فأجره بأكثر مما استأجره قال ابن عمر: الفضل للاول * ومن طريق وكيع نا شعبة عن قتادة عن ابن عمر أنه كرهه، وصح عن ابراهيم انه قال: يرد الفضل هو ربا، ولم يجزه مجاهد ولا اياس بن معاوية. ولا عكرمة، وكرهه الزهري بعد ان كان يبيحه، وكرهه ميمون بن مهران. وابن سيرين. وسعيد ابن المسيب. وشريح. ومسروق: ومحمد بن على. والشعبى. وأبو سلمة بن عبد الرحمن


(1) الجلم - بالتحريك - الذى يحزبه الشعر والصوف

[ 198 ]

وأباحه سليمان بن يسار. وعروة بن الزبير. والحسن. وعطاء * قال أبو محمد: احتج المانعون من ذلك بأنه كالربا وهذا باطل بل هي اجارة صحيحة، ولا فرق بين من ابتاع بثمن وباع بأكثر وبين من اكترى بشئ وأكرى بأكثر، والمالكيون يشنعون بخلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف وهذا مما تناقضوا فيه لان ابن عمر لم يجزه ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وممن قال بقول أبى حنيفة في ذلك الشعبى * قال على: هذا قول لا دليل على صحته والتقليد لا يجوز، والعجب انهم قالوا: يتصدق بالفضل! وهذا باطل لانه ان كان حلالا فلا يلزمه أن يتصدق به الا ان يشاء وان كان حراما عليه فلا يحل له أن يتصدق بما لا يملك، وبالله تعالى التوفيق * 1316 مسألة وتنقية المرحاض على الذى ملاه لا على صاحب الدار، ولا يجوز اشتراطه على صاحب الدارلان على من وضع كناسة أو زبلا أو متاعا في أرض غيره التى هي مال غيره لم يجز له ذلك وعليه أن يزيله عن المكان الذى لا حق له فيه واشتراطه على صاحب الدار باطل من وجهين، أحد هما انه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، والثانى انه مجهول القدر فهو شرط فاسد، وبالله تعالى التوفيق * 1317 مسألة فان كان خانا يبيتون فيه ليلة ثم يرحلون فعلى صاحب الخان احضار مكان فارغ للخلاء ان شاء والا يتبرزوا في الصعدات ان أبى من ذلك * 1318 - مسألة - والاجرة على كنس السكنف جائزة وهو الظاهر من أقوال أبى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبى سليمان لعموم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة على أننا روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن الفضيل بن طلحة أن ابن عمر قال لرجل كناس للعذرة: أخبره أنه منه تزوج. ومنه كسب. ومنه حج فقال له ابن عمر: أنت خبيث وما كسبت خبيث وما تزوجت خبيث حتى تخرج منه كما دخلت فيه، قال سعيد ابن منصور: انا مهدى بن ميمون عن واصل مولى أبى عيينة عن عمرو بن هرم عن عبد الحميد ابن محمود أنه سمع ابن عباس وقد قال له رجل: انى كنت رجلا كساحا أكسح هذه الحشوش فاصبت مالا فتزوجت منه وولد لي فيه وحججت فيه فقال له ابن عباس: أنت ومالك خبيث. وولدك خبيث ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف. فأين الحنيفيون والمالكيون عن هذا إن طردوا أقوالهم؟ ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم * 1319 - مسألة - وجائزا عطاء الغزل للمنسج بجزء مسمى منه كربع. أو ثلث. أو نحو ذلك فان تراضيا على أن ينسجه النساج معا ويكونا معا شريكين فيه جاز ذلك

[ 199 ]

وان أبى أحدهما لم يلزمه وكان للنساج من الغزل الذى سمى له أجرة بمقدار ما ينسج من الاجر حتى يتم نسجه ويستحق جميع ما سمى له، وكذلك يجوز اعطاء الثوب للخياط (1) بجزء منه مشاع أو معين. واعطاء الطعام للطحين بجزء منه كذلك، واعطاء الزيتون للعصير كذلك. وكذلك الاستئجار لجميع هذه الزيوت المحدودة بجزء منها كذلك كل ذلك جائز، وكذلك استئجار الراعى لحراسة هذه الغنم بجزء منها مسمى كذلك أيضا، ولا يجوز بجزء مسمى من النسل الذى لم يولد بعد لان كل ما ذكر نا قبل فهى اجارة محدودة في شئ موجود قائم، ولا تجوز الاجارة بما لم يخلق بعد لانه غرر لا يدرى أيكون أم لا؟ * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن أبى عدى عن ابن عون سألت محمد بن سيرين عن دفع الثوب إلى النساج بالثلث ودرهم أو بالربع أو بما تراضيا عليه؟ قال: لا أعلم به بأسا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان قال: أجاز الحكم اجارة الراعى للغنم بثلثها أو ربعها، وهو قول ابن أبى ليلى، وروى عن الحسن أيضا * نا ابن أبى شيبة نا ابن علية عن ليث عن عطاء مثل قول ابن سيرين * نا ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن معمر عن الزهري مثل قول ابن سيرين. وعطاء * نا ابن أبى شيبة نا عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن زيد قال: سألت أيوب السختيانى. ويعلى بن حكيم عن الرجل يدفع الثوب إلى النساج بالثلث والربع؟ فلم يريا به بأسا * نا ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب عن أبى هلال عن قتادة قال: لا بأس أن يدفع إلى النساج بالثلث. والربع * نا ابن أبى شيبة نا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا بأس بان يعالج الرجل النخل ويقوم عليه بالثلث. والربع ما لم ينفق هو منه شيئا * نا ابن أبى شيبة نا ابن علية عن أيوب السختيانى عن الفضيل عن سالم قال: النخل يعطى من عمل فيه منه، وهو قول ابن أبى ليلى والاوازعى. والليث، وكره كل ذلك ابراهيم. والحسن في أحد قوليه ولم يجزه أبو حنيفة. ولا مالك. ولا الشافعي * 1320 - مسألة - وجائز كراء السفن كبارها وصغارها بجزء مسمى مما يحمل فيها مشاع في الجميع أو متميز، وكذلك الدواب. والعجل ويستحق صاحب السفينة من الكراء بقدر ما قطع من الطريق عطب أو سلم لانه عمل محدود، وقال مالك: لا كراء له إلا إن بلغ * قال على: وهذا خطأ واستحلال تسخير السفينة بلا أجرة وبلا طيب نفس صاحبها ولا فرق بين السفينة. والدابة في ذلك، وقوله في هذا قول لا يعضده قرآن ولا سنة


(1) في النسخة رقم 16 (للخياطة)

[ 200 ]

ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد قبله نعلمه، ولا قياس، ولا رأى له وجه، وكذلك استئجار خدمة المركب جائز ولهم من الاجرة بقدر ما عملو عطب المركب أو سلم، وبالله تعالى التوفيق * 1321 - مسألة - فان هال البحر وخافوا العطب فليخففوا الاثقل فالاثقل، ولا ضمان فيه على أهل المركب لانهم مأمورون بتخليص أنفسهم، قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى النهلكة) فمن فعل ما أمر به فهو محسن، قال الله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) وقال مالك: يضمن ما كان للتجارة ولا يضمن ما سيق للاكل. والقنية ولا يضمن شئ من ذلك من لا مال له في المركب، وهذا كله تخليط لا يعضده دليل أصلا، وقول لا نعلم أحدا تقدمه قبله، وبالله تعالى التوفيق، فان كان دون الاثقل ما هو أخف منه فان كان في رمى الاثقل كلفة يطول أمرها ويخاف غرق السفينة فيها ويرجى الخلاص برمى الاخف رمى الاخف حينئذ لما ذكرنا، وأما من رمى الاخف وهو قادر على رمى الاثقل فهو ضامن لما رمى من ذلك لا يضمنه معه غيره لقول النبي صلى الله عليه وآله: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) ولا يرمى حيوان الا لضرورة يوقن معها بالنجاة برميه ولا يلقى انسان أصلا لا مؤمن ولا كافر لانه لا يحل لاحد دفع ظلم عن نفسه بظلم من لم يظلمه والمانع من القاء ماله المثقل للسفينة ظالم لمن فيها فدفع الهلاك عن أنفسهم بمنعه من ظلمهم فرض * 1322 - مسألة - واستئجار الحمام جائز ويكون البئر. والساقية تبعا، ولا يجوز عقد اجارة مع الداخل فيه لكن يعطى مكارمة فان لم يرض صاحب الحمام بما أعطى الزم بعد الخروج ما يساوى بقاؤه فيه فقط لان مدة بقائه قبل أن يستوفيه مجهولة ولا يجوز عقد الكراء على عمل مجهول لانه أكل مال بالباطل لجلهلهما بما يتراضيان به، وبالله تعالى التوفيق * 1323 - مسألة - ومن استأجر دارا فان كانت فيها دالية. أو شجرة لم يجز دخلوها في الكراء أصلا قل خطرها أم كثر ظهر حملها أو لم يظهر طاب أو لم يطب لانها قبل أن تخلق الثمرة وقبل أن تطيب لا يحل فيها عقد أصلا الا المساقاة فقط وبعد ظهور الطيب لا يجوز فيها إلا البيع لا الاجارة لان الاجارة لا تلمك بها العين ولا تستهلك أصلا، والبيع تملك به العين والرقبة فهو بيع بثمن مجهول. واجارة بثمن مجهول فهو حرام من كل جهة وهو قول أبى حنيفة. والشافعي: وأبى سليمان * 1324 - مسألة - واجارة المشاع جائزة فيما ينقسم. وما لا ينقسم من الشريك ومن غير الشريك ومع الشريك ودونه وهو قول مالك. والشافعي. وأبى يوسف.

[ 201 ]

ومحمد بن الحسن: وأبى سليمان. وغيرهم، وقال أبو حنيفة: لا تجوز اجارة المشاع لا ما ينقسم ولا ما لا ينقسم الا من الشريك وحده، وقال: لا يجوز رهن المشاع كان مما ينقسم أو مما لا ينقسم لا عند الشريك فيه ولا عند غيره فان ارتهن اثنان معا رهنا من واحد جاز ذلك، وقال: لا تجوز هبة المشاع ان كان مما ينقسم كالدور والارضين ويجوز فيها لا ينقسم كالسيف واللؤلؤة ونحو ذلك، وأجاز بيع المشاع ما انقسم وما لا ينقسم من الشريك وغير الشريك ولم يجز زفر اجارة المشاع لا من الشريك ولامن غيره، وهذه تقاسيم في غاية الفساد والدعوى بالباطل والتناقض بلا دليل أصلا ولا نعلمها عن أحد قبل أبى حنيفة، ولا حجة لهم في ذلك الا أن قالوا: الانتفاع بالمشاع غير ممكن الا بالمهايأة وفى ذلك انتفاع بحصة شريكة * قال أبو محمد: وهذا داخل عليهم في البيع وفى التملك ولا فرق وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة ولم يخص مشاعا من غير مشاع وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحى يوحى وما كان ربك نسيا، وقد تم الدين ولله الحمد ونحن في غنى عن رأى أبى حنيفة وغيره، وبالله تعالى التوفيق * 1325 - مسألة - ولا ضمان على أجير مشترك أو غير مشترك ولا على صانع أصلا الا ما ثبت أنه تعدى فيه أو أضاعه والقول في كل ذلك ما لم تقم عليه بينة قوله مع يمينه فان قامت عليه بينة بالتعدي أو الاضاعة ضمن وله في كل ذلك الاجرة فيما أثبت انه كان عمله فان لم تقم بينة حلف صاحب المتاع انه ما يعلم أنه عمل ما يدعى انه عمله ولا شئ عليه حينئذ، وبرهان ذلك قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) فمال الصانع والاجير حرام على غيره فان اعتدى أو اضاع لزمه حينئذ أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى والاضاعة لما يلزمه حفظه تعد وهو ملزم حفظ ما استعمل فيه بأجر أو بغير اجر لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال وحكمه عليه السلام بالبينة على من ادعى وباليمين على المطلوب إذا أنكر، ومن طلب بغرامة مال أو ادعى عليه ما يوجب غرامة فهو المدعى عليه فليس عليه الا اليمين بحكم الله عزوجل والبينة على من يدعى لنفسه حقا في مال غيره * وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: كما قلنا * روينا من طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: لا يضمن الصائغ ولا القصار، أو قال الخياط وأشباهه * ومن طريق حماد بن سلمة أنا جبلة بن عطية عن يزيد بن عبد الله بن موهب قال في حمال استؤجر لحمل قلة عسل فانكسرت قال: لا ضمان عليه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أزهر السمان عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين انه كان لا يضمن الاجير الا من تضييع * ومن طريق ابن أبى شيبة عن اسماعيل بن سالم عن الشعبى قال: ليس على أجير المشاهرة (م 26 ج 8 المحلى)

[ 202 ]

ضمان * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان الثوري عن مطرف بن طريف عن الشعبى قال: لا يضمن القصار الا ما جنت يده * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن مطرف عن الشعبى قال: يضمن الصانع ما أعنت بيده ولا يضمن ما سوى ذلك * ومن طريق ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين عن شريح انه كان لا يضمن الملاح غرقا ولا خرقا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري قال: إذا أفسد القصار فهو ضامن وكان لا يضمنه غرقا ولا خرقا ولا عدوا مكابرا * قال أبو محمد: وهذا نص قولنا * ومن طريق سعيد بن منصور عن مسلم بن خالد عن ابن أبى نجيح عن طاوس انه لم يضمن القصار * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر قال: قال ابن شبرمة: لا يضمن الصانع الا ما اعنت بيده، وقال قتادة: يضمن إذا ضيع * وبه إلى عبد الرزاق نا سفيان الثوري ان حماد بن أبى سليمان كان لا يضمن أحدا من الصناع وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وزفر. وأبى ثور. وأحمد. واسحاق. والمزنى. وأبى سليمان، وقالت طائفة: الصناع كلهم ضامنون ما جنوا وما لم يجنوا * روينا من طريق عبد الرزاق عن بعض أصحابه عن الليث بن سعد عن طلحة بن سيعد عن بكير بن عبد الله بن الاشج أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضمن الصناع يعنى من عمل بيده * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس بن عمرو قال: كان على بن أبى طالب يضمن الاجير * وصح من طريق ابن أبى شيبة نا حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا كان يضمن القصار. والصواغ وقال: لا يصلح الناس الا ذلك، وروى عنه أنه ضمن نجارا، وصح عن شريح تضمين الاجير. والقصار. وعن ابراهيم أيضا تضمين الصناع، وكذلك عن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وعن مكحول انه كان يضمن كل أجير حتى صاحب الفندق الذى يحبس للناس دوابهم، وهو قول ابن أبى ليلى حتى انه ضمن صاحب السفينة إذا عطبت الامتعة التى تلفت فيها، وقالت طائفة: يضمن كل من أخذ أجرا، وروى ذلك عن على وعن عبد الرحمن بن يزيد وغيرهما، وقالت طائفة: يضمن الاجير المشترك وهو العالم وهو الذى استؤجر على الاعمال ولا يضمن الخاص وهو الذي استؤجر لمدة ما، وهو قول أبى يوسف. ومحمد بن الحسن، وروى عن ابراهيم يضمن الاجير المشترك ولم يأت عنه لا يضمن الخاص، وقالت طائفة: يضمن الصانع ما غاب عليه الا أن يقيم بينة انه تلف بعينه من غير فعله فلا يضمن ولا يضمن ما ظهر أصلا الا أن تقوم عليه بينة بأنه تعدى وهو قول مالك بن أنس *

[ 203 ]

قال أبو محمد: أما قول مالك فما نعلم له حجة أصلا لا من قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد قبله. ولا من قياس، وما كان هكذا فلا وجه له ولم نجد لهم شبهة الا أنهم قالوا: انما فعلنا ذلك احتياطا للناس فقلنا لهم: فضمنوا الودائع احتياط الناس، فقد صح عن عمر بن الخطاب انه ضمنها أنس بن مالك، وأيضا فمن جعل المستصنعين أولى بالاحتياط لهم من الصناع والكل مسلمون، ولو عكس عاكس عليهم قولهم لما كان بينه وبينهم فضل كمن قال: بل أضمن ما ظهر الا أن تأتى بينة على أن الشئ تلف من غير فعله وتعديه ولا أضمن ما بطن الا ان تقوم بينة عدل بأنه هلك من تعديه بل لعل هذا القول أحوط في النظر، وكذلك قول أبى يوسف. ومحمد [ بن الحسن ] (1)، وهذا كما ترى خالفوا فيه عمر (2). وعلى بن أبى طالب ولا يعرف لهما من الحصابة مخالف رضى الله عنهم وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق آراءهم (3) والقوم أصحاب قياس بزعمهم وقد قال بعضهم من أصحاب القياس: وجدنا ما يدفعه الناس بعضهم إلى بعض من أموالهم ينقسم اقساما ثلاثا لا رابع لها، فقسم ينتفع به الدافع وحده لا المدفوع إليه فقد اتفقنا انه لا ضمان في بعضه كالوديعة فوجب رد كل ما كان من غيرها إليها، وقسم ينتفع به الدافع والمدفوع إليه فقد اتفقنا على أنه لا ضمان في بعضه كالقراض فوجب رد ما كان من غيره إليه ودخل في ذلك الرهن وما دفع إلى الصناع، وقسم ثالث ينتفع به المدفوع إليه وحده فقد افتقنا في بعضه على أنه مضمون كالقرض فوجب أن تكون العارية مثله * قال أبو محمد: لو صح قياس في العالم لكان هذا ولكنهم لا الآثار اتبعوا ولا القياس عرفوا، وبالله تعالى التوفيق * 1326 - مسألة - ولا تجوز الاجارة الا بمضمون مسمى محدود في الذمة، أو بعين معينة متميزة معروفة الحد والمقدار وهو قول عثمان رضى الله عنه وغيره * قال أبو محمد: وقال مالك: يجوز كراء الاجير بطعامه، واحتجوا بخبر عن أبى هريرة كنت أجيرا لا بنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلى * قال أبو محمد: قد يكون هذا تكارما من غير عقد لازم وأما العقود المقتضى بها فلا تكون الا بمعلوم، والطعام يختلف فمنه اللين. ومنه الخشن. ومنه المتوسط، ويختلف الادم، وتختلف الناس في الاكل اختلافا متفاوتا فهو مجهول لا يجوز وبالله تعالى التوفيق * تمت الاجارة بحمد الله *


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة الحلبية (وهذا مما خالفوا فيه كلهم عمر) الخ (3) في النسخة رقم 14 والحلبية (أهواءهم)

[ 204 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الجعل في الآبق وغيره 1327 - مسألة - لا يجوز الحكم بالجعل على أحد فمن قال لآخر: ان جئتني بعبدي الآبق فلك على دينار أو قال: ان فعلت كذلك وكذا فلك على درهم أو ما أشبه هذا (1) فجاءه بذلك، أو هتف وأشهد على نفسه من جاءني بكذا فله كذا فجاءه به لم يقض عليه بشئ ويستحب لو وفى بوعده، وكذلك من جاءه بآبق فلا يقضى له بشئ سواء عرف بالمجئ بالاباق أو لم يعرف بذلك الا أن يستأجره على طلبه مدة معروفة أو ليأتيه به من مكان معروف فيجب له ما استأجره به، وأوجب قوم الجعل وألزموه الجاعل واحتجوا بقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وبقول يوسف صلى الله عليه وسلم وخدمته عنه (قالوا: نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) ويحديث الذى رقى على قطيع من الغنم وقد ذكرناه في الاجارات فاغنى عن اعادته * قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم فيه، أما قول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام) وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) فصح أنه ليس لاحد أن يعقد في دمه ولا في ماله ولا في عرضه ولا في بشرته عقدا ولا أن يلتزم في شئ من ذلك حكما الا ما جاء النص بايجابه باسمه أو باباحته باسمه، فصح أن العقود التى أمر الله تعالى بالوفاء بها انما هي العقود المنصوص عليها باسمائها وان كل ما عداها فحرام عقده، وأيضا فان الله عزوجل يقول: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غعدا الا أن يشاء الله) فصح أن من التزم أن يفعل شيئا ولم يقل: ان شاء الله فقد خالف أمر الله تعالى واذ خالف أمر الله تعالى لم يلزمه عقد خالف فيه أمر ربه عزوجل بل هو معصية يلزمه أن يستغفر الله عزوجل منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فان قال: الا أن يشاء الله فقد علمنا يقينا علم ضرورة إذ قد عقد ذلك العقد بمشيئة الله عزوجل ثم لم ينفذه ولا فعله فان الله تعالى لم يشأه إذ لو شاء ه الله لانفذه وأتمه فلم يخرج عن ما التزم من كون ذلك العقدان شاءه الله تعالى أنفذه وأتمه والا فلا، وأيضا فان المخالفين لنافى هذا لا يرون جميع العقود لازمة ولا يأخذون بعموم الآية التى احتجوا بها بل يقولون فيمن عقد على نفسه أن يصبغ ثوبه أصفر أو أن يمشى إلى السوق أو نحو هذا: أنه لا يلزمه فقد نقضوا احتجاجهم بعمومها ولزمهم أن يأتوا بالحد المفرق بين


(1) في النسخة الحلبية (أو ما اشبه ذلك)

[ 205 ]

ما يلزمونه من العقود وبين ما لا يلزمونه، وبالبرهان على صحة ذلك الحدو ذلك الفرق وإلا فقولهم مردود لانه دعوى بلا برهان وما كان هكذا فهو باطل قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * والعجب ان المخالفين لنا: يقولون: ان وكد كل عقد عقده بيمين لم يلزمه الوفاء به وانما فيه الكفارة ان لم يف به فقط ثم يلزمونه اياه إذا لم يؤكده فتراهم كلما أكد العاقد عقده انحل عنه وإذا لم يؤكده لزمه وهذا معكوس وبالله تعالى التوفيق، وأما قول يوسف عليه السلام فلا يلزم لوجوه، أحدها ان شريعة من قبلنا من الانبياء عليهم السلام لا تلزمنا قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنها جا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضلت على الانبياء بست فذكر عليه السلام منها وأرسلت إلى الناس كافة) (1) وقال عليه السلام أيضا: (أعطيت خمسالم يعطهن أحد قبلى) فذكر عليه السلام منها (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (2)، روينا هذا من طريق جابر. والذى قبله من طريق أبى هريرة، فاذقد صح هذا فلم يبعثوا الينا وإذ لم يبعثوا الينا فلا يلزمنا شرع لم نؤمر به وانما يلزمنا الايمان بانهم رسل الله تعالى وان ما أتوا به لازم لمن بعثوا إليه فقط، وأيضا فان المحتجين بهذه الآية أول مخالف لها لانهم لا يلزمون من قال: لمن جاءني بكذا حمل بعير الوفاء بما قال لان هذا الحمل لا يدرى مما هو أمن لؤلؤ. أو من ذهب. أو من رماد. أو من تراب ولا أي البعران هو؟ ومن البعران الضعيف الذى لا يستقل بعشرين صاعا. ومنهم القوى والصحيح الذى يستقل بثلثمائة صاع، ولا أشد مجاهرة بالباطل ممن يحتج بشئ هو أول مخالف له على من لم يلتزم قط ذلك الاصل، وأيضا فحتى لو كان هذا في شريعتنا لما كان حجة علينا لانه ليس في هذه الآية الزام القضاء بذلك وانما فيها انه جعل ذلك الجعل فقط وليس هذا مما خالفناهم فيه فبطل تعلقهم بالآيتين جميعا (3) ولله تعالى الحمد * وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الراقي فصحيح الا أنه لا حجة لهم فيه لانه ليس فيه الا اباحة أخذ ما أعطى الجاعل على الرقية فقط، وهكذا نقول وليس فيه القضاء على الجاعل بما جعل ان أبى أن يعطيه فسقط كل ما احتجوا به وبالله تعالى التوفيق * (فان قيل) انه وعد قلنا: قد تكلمنا في الوعد والاخلاف في آخر كتاب النذور بما فيه كفاية وكلامنا ههنا فيه بيان انه ليس كل وعد يجب الوفاء به وانما يجب الوفاء بالوعد بالواجب الذى افترضه الله تعالى فقط ولا يلزمه أحدا ما التزمه لكن ما ألزمه الله تعالى


(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 147 من طريق أبى هريرة (2) هو في الصحيحين (3) في النسخة الحلبية (بالاثنين يقينا) وفى النسخة رقم 14 (بالآيتين يقينا)

[ 206 ]

على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فهو الذى يلزم سواء التزمه المرء أو لم يلتزمه وبالله تعالى نتأيد * ومن العجائب أن الملزمين الوفاء بالجعل يقولون: انه لا يلزم المجعول له أن يفعل ما جعل له فيه ذلك الجعل وهم بزعمهم أصحاب أصول يردون إليها فروعهم ففى أي الاصول وجدوا عقدا متفقا عليه أو منصوصا عليه بين اثنين يلزم أحدهما ولا يلزم الآخر؟ وقال مالك: ما جاء بالآبق فان كان ممن يعرف بطلب الاباق انه يجعل له على قدر قرب الموضع وبعده فان لم يكن ذلك شأنه ولا عمله فلا جعل له لكن يعطى ما اتفق عليه فقط، وقال أبو حنيفة لا يجب الجعل في شئ الا في رد الآبق فقط العبد. والامة سواء فمن رد آبقا أو آبقة من مسيرة ثلاثث ليال فصاعدا فله على كل رأس أربعون درهما فان رد هما من أقل من ثلاث رضخ له ولا يبلغ بذلك أربعين درهما فان جاء باحد هما من مسيرة ثلاث ليال فصاعدا وهو يساوى أربعين درهما فاقل نقص من قيمته درهم واحد فقط، ثم رجع أبو يوسف: ومحمد بن الحسن عن هذا القول فقال محمد: ينقص من قيمته عشرة دراهم، وقال أبو يوسف: له أربعون درهما ولو لم يساو الا درهما واحدا * قال أبو محمد: أما قول مالك فخطأ لا برهان على صحته أصلا لانه تفريق بين ما لا فرق بينه بلا برهان لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا قياس. ولا رأى له وجه، وما نعلم هذا القول عن أحد قبله، ويلزم عليه ان من كان بناء فمر على حائط مائل فأصلحه وبناه أن له أجرة عليه فان لم يكن بناء وبناه فلا أجرة (1) له، وكذلك من نسج غزلا لآخر لم يأمره به فان كان نساجا فله الاجرة وان لم يكن نساجا فلا أجرة له والباب يتسع ههنا جدا، فاما أن يتزيدوا من التحكم في أموال الناس بالباطل واما أن يتناقضوا لابد من أحدهما، وأما قول أبى حنيفة وأصحابه ففى غاية الفساد والتخليط لانهم حدوا حدا لم يأت بة قط قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب. ولا تابع. ولا أحد نعلمه قبلهم. ولا قياس. ولا رأى يعقل، ثم فيه من التخاذل، ما لا يخفى على ذى مسكة عقل وهم قد قالوا: من قتل جارية تساوى مائة ألف درهم فصاعدا أو اقل إلى خمسة آلاف درهم لم يكن عليه الا خمسة آلاف غير خمسة دراهم، ومن قتل عبدا يساوى عشرين ألف درهم فصاعدا أو أقل إلى عشرة آلاف درهم لم يكن عليه الا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم ثم سووا في جعل الآبق بين المرأة والرجل وأسقط أبو حنيفة درهما من قيمته ان لم يساو أربعين درهما فهلا أسقط من ثمن الذكر عشرة دراهم ومن ثمن الامة خمسة دراهم كما فعل في القتل؟ أو هلا أسقط هنا لك


(1) في النسخة رقم 14 (فلا أجر له) فيها

[ 207 ]

درهما كما أسقط هنا؟ وليت شعرى من أين قصدوا إلى الدرهم؟ ولعله بغلى أيضا كالذى حد به النجاسات، وهلا حد بنصف درهم أو بربع درهم أو بفلس؟ ثم ايجاب أبى يوسف أربعين درهما في جعله وان لم يساو الادرهما فيا لله ويا للمسلمين من أضل طريقة. أو أبعد عن الحقيقة: أو أقل مراقبة ممن يعارض حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصراة في أن ترد وصاع تمر لحماقتهم وآرائهم المنتنة! فقالوا: أرأيت ان كان اشتراها بنصف صاع تمر؟ ثم يوجب مثل هذا في الجعل الذى لم يصح فيه سنة قط، وهلا إذ حمقوا ههنا؟ قالوا في المصراة: يردها وقيمتها من صاع تمران كانت أقل من صاع الا تمرتين أو الانصف مد أو نحوه ذلك، ثم موهوا بانهم اتبعوا في ذلك أثرا مرسلا. وروايات عن الصحابة رضى الله عنهم وكذبوا في ذلك كله بل خالفوا الاثر المرسل في ذلك وخالفوا كل رواية رويت في ذلك عن صاحب أو تابع على ما نذكر ان شاء الله تعالى * وأعجب شئ دعواهم أن الاجماع قد صح في ذلك فان كان اجماعا فقد خالفوه ومن خالف الاجماع عندهم كفر، فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير وان لم يكن اجماعا فقد كذبوا على الامة كلها وعلى أنفسهم انظر كيف كذبوا على أنفسهم * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن ابن جريج عن عطاء - أو ابن أبى مليكة. وعمرو ابن دينار قالا جميعا: ما زلنا نسمع (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في العبد الآبق يوجد خارجا من الحرم دينارا أو عشرة دراهم) * ومن طريق وكيع نا ابن جريج عن ابن أبى مليكة وعمرو بن دينار قالا جميعا: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآبق إذا جئ به خارج الحرم دينارا * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن عمرو بن دينار قال: (قضى البنى صلى الله عليه وسلم في الآبق يوجد في الحرم عشرة دراهم) وهذا خلاف قول الطائفتين مع قولهما ان المرسل كالمسند ولا مرسل أصح من هذا لان عمرا. وعطاء. وابن أبى مليكة ثقات أئمة نجوم، وكلهم أدرك الصحابة فعطاء أدرك عائشة أم المؤمنين وصحبها فمن دونها (1)، وابن أبى مليكة أدرك ابن عباس. وابن عمر. وأسماء بنت أبى بكر. وابن الزبير وسمع منهم وجالسهم، وعمر وأدرك جابرا. وابن عباس وصحبهما لا سيما مع قول اثنين منهما لا نبال أيهما كانا انهما ما زالا يسمعان ذلك، فهان عند هؤلاء مخالفة كل ذلك تقليدا لخطأ أبى حنيفة. ومالك، وسهل عندهم في رد السنن الثابتة بتقليد رواية شيخ من بنى كنانة عن عمر البيع عن صفقة أو خيار. وسائر المرسلات الواهية إذا وافقت راى أبى حنيفة ومالك، فمن أضل ممن هذه طريقته في دينه ونعوذ بالله من الخذلان * ومن طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن يزيد


(1) في النسخة رقم 14 (فمن بعدها)

[ 208 ]

عن أيوب أبى العلاء عن قتادة وأبى هاشم كلاهما قال: ان عمر بن الخطاب قضى في جعل الآبق إذا أصيب في غير مصره أربعين درهما فان أصيب في المصر فعشرين درهما أو عشرة دراهم * ومن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل نا أبى نا يزيد بن هارون نا الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب في جعل الآبق دينار أو اثنا عشر درهما وهذا كله خلاف قول المالكيين والحنيفيين * ومن طريق أحمد بن حنبل وابن أبى شيبة قالا جميعا: نا يزيد بن هارون عن الحجاج بن أرطاة عن الحصين ابن عبد الرحمن عن الشعبى عن الحارث الاعور عن على بن أبى طالب قال في جعل الآبق دينار أو اثنا عشر درهما زاد أحمد في روايته إذا كان خارجا من المصر، وهذا كله خلاف قول المالكيين. والحنيفيين * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان الثوري عن أبى اسحاق قال: أعطيت الجعل في زمن معاوية أربعين درهما، وهذا خلاف قول الحنيفيين. والمالكيين، تم ليس فيه ان معاوية قضى بذلك ولا أنه قضى بذلك على أبى اسحاق ولا في أي شئ أعطاه وظاهره انه تطوع بذلك ولا يدرى في أي شئ فلا متعلق لهم بهذا أصلا ولعله أعطاه في جعل شرطى وكله عليه زياد ظلما * ومن طريق محمد ابن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أبو عامر العقدى عن سفيان الثوري عن ابن رباح عبد الله بن رباح عن أبى عمرو الشيباني قال: أتيت عبد الله بن مسعود باباق أو بآبق فقال الاجر. والغنيمة قلت: هذا الاجر فما الغنيمة؟ قال: من كل رأس أربعون درهما * ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن عبد الله بن رباح عن أبى عمر والشيبانى أن رجلا أصاب آبقا بعين التمر فجاء به فجعل فيه ابن مسعود أربعين درهما * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة نا شيخ عن أبى عمرو الشيباني أن ابن مسعود سئل عن جعل الآبق فقال: إذا كان خارجا من الكوفة فأربعين وإذا كان بالكوفة فعشرة، هذا كل ما روى فيه عن الصحابة رضى الله عنهم، وكله مخالف لابي حنيفة. ومالك ولم يحد ابن مسعود ولا أحد قبله مسيرة ثلاث باربعين درهما ثم كل ذلك لا يصح * أما عن عمر فأحد الطريقين منقطع، والاخرى والتى عن على فكلاهما عن الحجاج ابن أرطاة وهو ساقط، والتى عن ابن مسعود عن شيخ لا يدرى من هو، وعن عبد الله ابن رباح القرشى وهو غير مشهور بالعدالة، وأما التابعون فصح عن شريح. وزياد ان الآبق ان وجد في المصر فجعل واجده عشرة دراهم. وان وجد خارج المصر فأربعون درهما، وروى هذا أيضا عن الشعبى وبه يقول اسحق بن راهوية وهذا خلاف

[ 209 ]

قول أبى حنيفة، ومالك، وصح عن عمر بن عبد العزيز ما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا الضحاك بن مخلد عن ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة أن عمر بن عبد العزيز قضى في جعل الآبق إذ أخذ (1) على مسيرة ثلاث ثلاثة دنانير، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قضى عمر بن عبد العزيز في الآبق في يوم دينارا وفى يومين دينارين وفى ثلاثة أيام ثلاثة دنانير فما زاد على أربعة فليس له الا أربعة، وهذا كله خلاف قول أبى حنيفة. ومالك * ومن طريق أحمد بن حنبل نا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحيم عن زيد بن أبى شيبة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: جعل الآبق قد كان يجعل فيه وهو الذى يعمل فيه أربعون درهما، فهذا عموم وخلاف قول أبى حنيفة. ومالك، وقد جاء عن ابراهيم خلاف هذا ومثل قولنا، وقال أحمد بن حنبل: ان وجد في المصر فلا شئ وان وجد خارج المصر فأربعون درهما * قال أبو محمد: فهم ثلاثة من الصحابة لم يصح عن أحمد منهم، وهم أيضا مختلفون وهم خمسة من التابعين مختلفون فلم يستح الحنيفيون من دعوى الاجماع من الصحابة على جعل الآبق ولم يصح عن أحد منهم قط ولا جاء الا عن ثلاثة فقط كما ذكرنا وقد خالفوهم مع ذلك ثم لم يكن عندهم اجماعا اجماعهم بيقين على المساقاة في خيبر الى غير أجل وقد اتفقوا بلا شك على ذلك عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر (2) أبى بكر. وعمر رضى الله عنهم ولا بالوا بمخالفة أكثر من ضعف هذا العدد من الصحابة رضى الله عنهم، صح عنهم القصاص من اللطمة. من ضربة بالسوط. والمسح على الجوربين. والعمامة. وغير ذلك، ثم قد روينا خلاف هذا كله عن بعض الصحابة والتابعين كما روينا من طريق عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على بن أبى طالب في الاباق قال: المسلمون يرد بعضهم على بعض * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن اسرائيل عن ابراهيم بن مهاجر عن ابراهيم النخعي قال: المسلم يرد على المسلم يعنى في الآبق * ومن طريق وكيع نا سفيان عن جابر عن الحكم بن عتيبة قال في الآبق المسلم: يرد على المسلم، وهو قول الشافعي. والاوزاعي. والليث. والحسن بن حى. وأبى سليمان. وأحد قولى أحمد بن حنبل كلهم يقول: لا جعل في الآبق * وروينا من طريق وكيع نا مسعر - هو ابن كدام - عن عبد الكريم قال: قلت لعبد الله بن عتبة: أيجتعل في الآبق؟ قال: نعم قلت: الحر قال: لا * ومن طريق وكيع نا اسرائيل عن جابر عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد


(1) في النسخة رقم 16 (إذا أخذه) (2) في النسخة رقم 16 (على ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وعصر) والخ (م 27 ج 8 المحلى)

[ 210 ]

ابن أبى بكر قال: ان لم يعطه جعلا فليرسله في المكان الذى أخذه * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال، وقال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ففرض على كل مسلم حفظ مال أخيه إذا وجده ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفسه (1) فلا شئ لمن أتى بآبق لانه فعل فعلا هو فرض عليه كالصلاة والصيام وبالله تعالى التوفيق، ولو أعطاه بطيب نفسه لكان حسنا، ولو أن الامام يرتب لمن فعل ذلك عطاء لكان حسنا، وبالله تعالى التوفيق * تم كتاب الجعل بحمد الله [ وعونه ] (2) كتاب المزارعة والمغارسة 1329 - مسألة - الاكثار من الزرع والغرس حسن وأجر ما لم يشغل ذلك عن الجهاد، وسواء كان كل ذلك في أرض العرب أو الارض التى أسلم أهلها عليها. أو أرض الصلح. أو أرض العنوة المقسومة على أهلها أو الموقوفة بطيب الانفس لمصالح المسلمين * روينا من طريق البخاري نا قتيبة [ بن سعيد ] (3) نا أبو عوانة عن قتادة عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طائر أو انسان أو بهيمة الا كان له به صدقة) * ورويناه أيضا من طريق الليث أنه سمع أبا الزبير انه سمع جابرا عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، فعم عليه السلام ولم يخص، وكره مالك الزرع في أرض العرب وهذا خطأ وتفريق بلا دليل، واحتج لهذا بعض مقلديه بما رويناه من طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف نا عبد الله بن سالم الحمصى نا محمد بن زياد الالهانى عن أبى امامة الباهلى أنه رأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل هذا بيت قوم الا دخله الذل (4)) * قال أبو محمد: لم تزل الانصار كلهم وكل من قسم له النبي صلى الله عليه وسلم أرضا من فتوح بنى قريظة ومن أقطعه أرضا من المهاجرين يزرعون ويغرسون بحضرته صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل من أسلم من أهل البحرين. وعمان. واليمن. والطائف فما حض عليه السلام قط على تركه، وهذا الخبر (5) عموم كما ترى لم يخص (6) به غير أهل بلاد العرب من أهل


(1) في النسخة رقم 16 (طيب نفس) (2) الزيادة من النسخة الحلبية (3) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 208 (4) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 208 (5) في النسخة رقم 16 (فهذا) (6) في النسخة رقم 14 (ولم يخص)

[ 211 ]

بلاد العر ب وكلامه عليه السلام لا يتناقض، فصح أن الرزع المذموم الذى يدخل الله تعالى على أهله الذل هو ما تشوغل به عن الجهاد وهو غير الزرع الذى يؤجر صاحبه وكل ذلك حسنه ومذمومه (1) سواء، كان في أرض العرب أو في أرض العجم إذا لسنن في ذلك على عمومها، واحتجوا أيضا بما روينا من طريق أسد بن موسى عن محمد بن راشد عن مكحول ان المسلمين زرعوا بالشام فبلغ عمر بن الخاطب فأمر باحراقة وقدا بيض فأحرق، وان معوية تولى حرقه * ومن طريق أسد بن موسى عن شرحبيل بن عبد الرحمن المرادى أن عمر بن الخطاب قال لقيس بن عبد يغوث المرادى: لا آذن لك بالرزع الا أن تقر بالذل وأمحو اسمك من العطاء، وان عمر كتب إلى أهل الشام من زرع واتبع اذناب البقر ورضى بذلك جعلت عليه الجزية * قال أبو محمد: هذا مرسل، وأسد ضعيف، ويعيذ الله أمير المؤمنين من أن يحرق زروع المسلمين ويفسد أموالهم، ومن أن يضرب الجزية على المسلمين، والعجب ممن يحتج بهذا وهو أول مخالف له * 1330 - مسألة - ولا يجوز كراء الارض بشئ أصلا لا بدنانير ولا بدراهم. ولا بعرض. ولا بطعام مسمى ولا بشئ أصلا ولا يحل في زرع الارض الا أحد ثلاثة أوجه اما أن يزرعها المرء بآلته وأعوانه وبذره وحيوانه، واما أن يبيح لغيره زرعها ولا يأخذ منه شيئا فان اشتركا في الآلة والحيوان. والبذر. والاعوان دون أن يأخذ منه للارض كراء فحسن، واما أن يعطى أرضه لمن يزرعها ببذره وحيوانه وأعوانه وآلته بجزء ويكون لصاحب الارض مما يخرج الله تعالى منها مسمى إما نصف وإما ثلث أو ربع أو نحو ذلك أكثر أو أقل، ولا يشترط على صاحب الارض البتة شئ من كل ذلك ويكون البقى للزارع قل ما أصاب أو كثر فان لم يصب شيئا فلا شئ له ولا شئ عليه فهذه الوجوه جائزة فمن أبى فليمسك أرضه * برهان ذلك اننا قد روينا عن الاوزاعي عن عطاء عن جابر بن عبد الله أن رسول (2) الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له أرض فليزرعها أو لمينحها فان أبى فليمسك أرضه (3)) * ومن طريق رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله * ومن طريق رافع عن عم له بدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله * ومن طريق البخاري نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر [ رضى الله


(1) في النسخة رقم 14 (أو مذمومه) (2) في النسخة رقم 16 (عن رسول الله) الخ (3) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 217

[ 212 ]

عنهما ] (1) انه كان يكرى مزارعه قال: فذهب إلى رافع بن خديج وذهبت معه [ فسأله ] فقال رافع: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض * ومن طريق مسلم نا محمد ابن حاتم نا معلى بن منصور الرازي نا خالد - هو الحذاء - نا الشيباني - هو أبو إسحاق - عن بكير بن الاخنس عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للارض أجر أو حظ (2)) * ومن طريق مسلم نا أبو توبة - هو الربيع بن نافع - نا معاوية - هو ابن سلام - عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فان أبى فليمسك أرضه (3)) * ومن طريق ابن وهب نا مالك [ بن أنس ] (4) عن داود بن الحصين أن أبا سفيان مولى ابن أبى أحمد أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة قال: والمحاقلة كراء الارض) * ومن طريق حماد بن سلمة نا عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عن كراء الارض) * فهؤلاء شيخان بدريان. ورافع بن خديج. وجابر. وأبو سعيد. وأبو هريرة. وابن عمر كلهم يروى عن النبي عليه السلام النهى عن كراء الارض جملة وأنه ليس الا أن يزرعها صاحبها أو يمنحها غيره أو يمسك أرضه فقط، فهو نقل (5) تواتر موجب للعلم المتيقن فأخذ بهذا طائفة من السلف كما روينا من طريق ابن وهب أخبرني عمرو - هو ابن الحارث - أن بكيرا - هو ابن الاشج - حدثه قال: حدثنى نافع مولى ابن عمر انه سمع ابن عمر يقول: كنا نكرى أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج (6) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن عكرمة بن عمار عن عطاء عن جابر انه كره كراء الارض * من طريق ابى داود السجستاني قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني قلت: أحدثكم عبد الله بن المبارك عن سعيد أبى شجاع حدثنى عيسى بن سهل (7) بن رافع قال: انى يتيم في حجر جدى رافع ابن خديج وحججت معه فجاءه أخى عمران بن سهل قال: أكرينا ارضنا فلانة بمائتي درهم


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 217 والحديث فيه مطول (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 452 (3) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 453 (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 453 واقتصر المصنف على بعضه في التفسير (5) في النسخة رقم 16 (فهذا نقل) (6) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 453 (7) وقع في سنن أبى داود (عثمان بن سهل) والصواب ماهنا كما هو في سنن النسائي *

[ 213 ]

فقال: دعه فان النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن كراء الارض) * وعن عمى رافع نحوه * ومن التابعين كما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان عن منصور عن مجاهد قال: لا يصلح من الزرع الا أرض تملك رقبتها أو أرض يمنحكها رجل * وعن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان بن منصور عن مجاهد أنه كره اجارة الارض * وبه إلى وكيع عن يزيد ابن ابراهيم. واسماعيل بن مسلم عن الحسن أنه كره كراء الارض * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه انه كان يكره كراء الارض البيضاء * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى أن عكرمة مولى ابن عباس قال: لا يصلح كراء الارض * ومن طريق أحمد بن شعيب انا عمرو بن على نا أبو عاصم نا عثمان بن مرة قال: سالت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن كراء الارض؟ فقال (1) رافع بن خديج: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض * قال أبو محمد: فأفتى من استفتاه بالنهي عن كراء الارض * ومن طريق ابن الجهم نا ابراهيم الحربى نا خلاد بن أسلم نا النضر بن شميل عن هشام بن حسان قال: كان محمد بن سيرين يكره كراء الارض بالذهب. والفضة * وبه إلى ابراهيم الحربى نا داود بن رشيد نا الوليد بن مسلم نا الاوزاعي قال: كان عطاء. ومكحول. ومجاهد. والحسن البصري يقولون: لا تصلح الارض البيضاء بالدرهم ولا بالدنانير ولا معاملة الا أن يزرع الرجل أرضه أو يمنحها * ومن طريق شعبة نا أبو إسحاق السبيعى عن الشعبى عن مسروق أنه كان يكره الزرع قال الشعبى: فذلك الذى منعنى ولقد كنت من أكثر أهل السواد ضيعة، وهذا يقتضى ولابد ضرورة أنهما كانا يكرهان اجارة الارض جملة * فهولاء عطاء. ومجاهد. ومسروق. والشعبي. وطاوس. والحسن. وابن سيرين. والقاسم بن محمد كلهم لا يرى كراء الارض أصلا لا بدنانير ولا بدراهم ولا بغير ذلك. فصح النهى عن كراء الارض جملة ثم وجدنا قد صح ما رويناه من طريق البخاري نا ابراهيم ابن المنذر نا أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمرانه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر (2) * ومن طريق البخاري نا موسى بن اسماعيل نا جويرية - هو ابن أسماء - عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها * ومن طريق مسلم نا ابن رمح أنا الليث - هو ابن سعد - عن محمد بن عبد الرحمن عن نافع عن


(1) سقط لفظ (قال) من النسخة رقم 14 وهو موجود في سنن النسائي ج 7 ص 39 (2) في صحيح البخاري ج 3 ص 211 (من ثمر أوزرع) والحديث مطول فيه

[ 214 ]

ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصف ثمرها (1) * ومن طريق مسلم حدثنى محمد بن رافع نا عبد الرزاق أنا ابن جريج حدثنى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر أراد اخراج اليهود عنها فسألوه عليه السلام أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم بها على ذلك ما شئنا فقروابها حتى أجلاهم عمر (2) * ففى هذا أن آخر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن مات كان اعطاء الارض بنصف ما يخرج منها من الزرع ومن الثمر ومن الشجر، وعلى هذا مضى أبو بكر. وعمر وجميع الصحابة رضى الله عنهم معهما فوجب استثناء الارض ببعض ما يخرج منها من جملة ما صح النهى عنه من أن تكرى الارض أو يؤخذ لها أجر أو حظ، وكان هذا العمل المتأخر ناسخا للنهى المتقدم عن اعطاء الارض ببعض ما يخرج منها لان النهى عن ذلك قد صح فلو لا أنه قد صح لقلنا: ليس نسخا لكنه استثناء من جملة النهى ولولا انه فد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات على هذا العمل لما قطعنا بالنسخ لكن ثبت أنه آخر عمله عليه السلام، فصح أنه نسخ صحيح متيقن لا شك فيه وبقى النهى عن الاجارة جملة بحسبه إذ لم يأت شئ ينسخه ولا يخصصه البتة إلا بالكذب البحث أو الظن الساقط الذى لا يحل استعماله في الدين * فان قيل: انما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهى عن أن يؤخذ للارض أجر أو حظ. وعن أن تكرى بثلث أو ربع، وصح أنه أعطاها بالنصف فاجيزوا اعطاءها بالنصف خاصة وامنعوا من اعطائها بأقل أو أكثر * قلنا: لا يجوز هذا لانه إذا أباح عليه السلام أعطاءها بالنصف لهم والنصف للمسلمين وله عليه لاسلام فبضرورة الحس. والمشاهدة يدرى كل أحدان الثلث. والربع. وما دون ذلك وفوق ذلك من الاجزاء (3) مما دون النصف داخل في النصف فقد أعطاها عليه السلام بالربع وزيادة. وبالثلث وزيادة، فصح أن كل ذلك مباح بلا شك وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وممن أجاز اعطاء الارض بجزء مسمى مما يخرج منها * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن حجاج عن أبى جعفر محمد بن على قال: عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر. وعمر. وعثمان. وعلى * وروينا من طريق البخاري


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 456 (شطر ثمرها) (2) الحديث اختصره المصنف (3) في النسخة رقم 16 (من الاجرة) وهو تصحيف من الناسخ

[ 215 ]

قال: عامل عمر بن الخطاب الناس على إن جاء عمر بالبذر [ من عنده ] (1) فله الشطر وان جاءوا بالبذر فلهم كذا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الحارث بن حصيرة (2) حدثنى صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع (3) أن رجلا قال لعلى بن أبى طالب: أخذت أرضا بالنصف أكرى أنهارها وأصلحها وأعمرها قال على: لا بأس بها قال عبد الرزاق: كراء الانهار هو حفرها * ومن طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء أنه سمع طاوسا يقول: قدم علينا معاذ بن جبل فأعطى الارض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم * قال أبو محمد: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ باليمين على هذا العمل * ومن طريق عبد الرزاق قال سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن مجاهد قال كان ابن عمر يعطى أرضه بالثلث، وهذا عنه في غاية الصحة، وقد ذكرنا عنه رجوعه عن اباحة كراء الارض * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن كليب بن وائل قال: سألت ابن عمر؟ فقلت: أرض تقبلتها ليس فيها نهر جار ولا نبات عشر سنين بأربعة آلاف درهم كل سنة كريت أنهارها وعمرت فيها قراها وأنفقت فيها نفقة كثيرة وزرعتها لم ترد على رأس مالى زرعتها من العالم المقبل فاضعف قال ابن عمر: لا يصلح لك الا رأس مالك * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن أبى زائدة. وأبو الاحوص كلاهما عن كليب بن وائل قلت لابن عمر: رجل له أرض. وماء ليس له بذر ولا بقر فأعطاني أرضه بالنصف فزرعتها ببذرى وبقري ثم قاسمته قال: حسن * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص وعبيدالله ابن اياد بن لقيط كلاهما عن كليب بن وائل مثله أيضا، فهذان اسنادان في غاية الصحة - عن ابن عمر أنه سأله كليب ابن وائل عن كراء الارض بالدراهم فلم يجزه ولا أجاز له ما أصاب فيها زيادة على قدر (4) ما انفق، وسأله عن أخذها بالنصف مما يخرج فيها لا يجعل صاحيها فيها لا بذرا ولا عملا ويكون العمل كله على العامل والبذر؟ فأجازه، وهذا هو نفس قولنا ولله الحمد * ومن طريق سفيان. وأبى عوانة (5). وأبى الاحوص وغيرهم كلهم عن ابراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة بن عبيد الله انه شاهد جارية سعد


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 211 (2) هو بفتح الحاه المهملة وكسر الصاد المهملة ووقع. في النسخة رقم 14 (حضيرة) بالضاد المعجمة وهو تصحيف، وفى النسخة الحلبية (عن الحارث عن حصيرة) وهو غلط (3) هو بالصاد المهملة مصغرا ووقع في النسخة الحلبية (ضليع) بالضاد المعجمة وهو تحريف (4) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (على قدر زيادة) (5) في النسخة الحلبية (عن أبى عوانة) وهى زيادة مضرة

[ 216 ]

ابن أبى وقاص. وعبد الله بن مسعود يعطيان أرضهما على الثلث * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن عثمان بن عبد الله بن وهب عن موسى بن طلحة ان خباب بن الارت. وحذيفة بن اليمان. وابن مسعود كانوا يعطون أرضهم البياض على الثلث. والربع، فهؤلاء أبو بكر. وعمر. وعثمان. وعلى. وسعد. وابن مسعود. وخباب. وحذيفة. ومعاذ بحضرة جميع الصحابة * ومن التابعين من طريق عبد الرزاق نا معمر أخبرني من سأل القاسم بن محمد ابن أبى بكر الصديق عن الارض تعطى بالثلث. والربع؟ فقال: لا باس به، وقد ذكرنا قبل نهيه عن كراء الارض وهذا نص قولنا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضيل بن عياض عن هشام - هو ابن حسان - عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق. وابن سيرين انهما كانا لا يريان بأسا أن يعطى أرضه على أن يعطيه الثلث. أو الربع. والعشر ولايكون عليه من النفقة شئ * ومن طريق أحمد بن شعيب النسائي أنا محمد ابن عبد الله بن المبارك نا زكريا بن عدى أنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قال: كان طاوس يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب. والفضة ولا يرى بالثلث والربع بأسا (1) وهذا نص قولنا * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة أن سعيد بن المسيب. وابن سيرين كانا لا يريان بأسا بالاجارة على الثلث. والربع - يعنى في الارض -، وقد ذكرنا نهى ابن سيرين عن كراء الارض فقوله هو قولنا * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد عن اياس بن معاوية أن عمر بن عبد العزيز كتب أن أعطوا الارض على الربع والثلث والخمس إلى العشر ولا تدعوا الارض خرابا * ورويناه أيضا من طريق ابن أبى شيبة قال: نا حفص بن غياث. وعبد الوهاب: الثقفى قال حفص: عن يحيى بن سعيد الانصاري، وقال عبد الوهاب: عن خالد الحذاء ثم اتفق يحيى. وخالد عن أن عمر بن عبد العزيز أمر باعطاء الارض بالثلث والربع * ومن طريق وكيع نا شريك عن عبد الله بن عيسى قال: كان لعبد الرحمن بن أبى ليلى أرض بالفوارة (2) فكان يدفعها بالثلث. والربع فيرسلني فأقاسمهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر سألت الزهري عن اعطاء الارض بالثلث. والربع فقال: لا بأس بذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري أخبرني قيس بن مسلم عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة الاوهم يعطون أرضهم بالثلث والربع * ومن طريق عبد الرزاق


(1) الاثر في سنن النسائي ج 7 ص 3 مطولا (2) هي بفتح الفاء وبتشديد الواو قرية يجنب الظهران

[ 217 ]

نا وكيع أخبرني عمرو بن عثمان بن موهب قال: سمعت أبا جعفر محمد بن على بن الحسين يقول: آل أبى بكر. وآل عمر. وآل على يدفعون أرضهم بالثلث. أو الربع * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضل بن دكين عن بكير بن عامر عن عبد الرحمن بن الاسود بن يزيد قال: كنت أزار ع بالثلث والربع وأحمله إلى علقمة. والاسود فلورأيابه بأسا لنهياني عنه * وروينا ذلك أيضا عن عبد الرحمن بن يزيد. وموسى بن طلحة بن عبيد الله وهو قول ابن أبى ليلى. وسفيان الثوري. والاوزاعي. وأبى يوسف، ومحمد بن الحسن. وابن المنذر، واختلف فيها عن الليث وأجازها أحمد. واسحاق الا أنهما قالا: ان البذر يكون من عند صاحب الارض وانما على العامل البقر. والآلة. والعمل، وأجازها بعض أصحاب الحديث ولم يبال من جعل البذر منهما * قال أبو محمد: في اشتراط النبي صلى الله عليه وسلم على أهل خيبر أن يعملوها بأموالهم بيان أن البذر والنفقة كلها على العامل ولا يجوز أن يشترط شئ من ذلك على صاحب الارض لان كل ذلك شرط (1) ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، فان تطوع صاحب الارض بان يقرض العامل البذر أو بعضه أو ما يبتاع به البقر أو الآلة أو ما يتسع فيه من غير شرط في العقد فهو جائز لانه فعل خير والقرض أجروبر، وبالله تعالى التوفيق * واتفق أبو حنيفة. ومالك. والشافعي، وأبو يوسف. ومحمد. وزفر. وأبو سليمان على جواز كراء الارض، واختلفوا فيه أيضا. وفى المزارعة فأجاز كل من ذكرنا حاشا مالكا وحده كراء الارض بالذهب والفضة وبالطعام المسمى كيله في الذمة ما لم يشترط أن يكون مما تخرجه تلك الارض وبالعروض كلها، وقال مالك: بمثل ذلك الا انه لم يجز كراء الارض بشئ مما يخرج منها ولا بشئ من الطعام وان لم يخرج منها كالعسل. والملح. والمرى. ونحو ذلك، وأجاز كراءها بالخشب. والحطب وان كانا يخرجان منها، وهذا تقسيم لا نعرفه عن أحد قبله. وتناقض ظاهر وما نعلم لقوله هذا (2) متعلقا لا من قرآن. ولا من سنة صحيحة. ولا رواية سقيمة. ولا من قول متقدم. ولا قياس. ولا رأى له وجه - يعنى استثناءه العسل والملح واجازته الخشب والحطب - ومنع أبو حنيفة وزفر اعطاء الارض بجزء مسمى مما يزرع فيها بوجه من الوجوه، وقال مالك: لا يجوز اعطاء الارض بجزء مسمى مما تخرج الارض الا أن تكون أرض وشجر فيكون مقدار البياض من الارض ثلث مقدار الجميع ويكون السواد مقدار الثلثين من


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (لانه شرط) (2) في النسخة رقم 16 (لقوله ههنا) (م 28 ج 8 المحلى)

[ 218 ]

الجميع فيجوز حينئذ أن تعطى بالثلث والربع والنصف على ما يعطى به ذلك السواد، وقال الشافعي: لا يجوز اعطاء الارض بجز مسمى مما تخرج إلا أن يكون في خلال الشجر لا يمكن سقيها ولا عملها الا بعمل الشجر وحفرها وسقيها فيجوز حينئذ اعطاؤها بثلث. أو ربع. أو نصف على ما تعطى به الشجر، وقال أبو بكر بن داود: لا يجوز اعطاء الارض بجزء مسمى مما يخرج منها الا أن تعطى هي والشجر في صفقة واحدة فيجوز ذلك حينئذ * قال أبو محمد: حجة جميعهم في المنع من ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم و سلم عن اعطاء الارض بالنصف. والثلث. والربع * قال على: ولسنا نخارجهم الآن (1) في ألفاظ ذلك الحديث بل نقول: نعم قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن أن يؤخذ للارض أجر أو حظ وقال: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها فان أبى فليمسك أرضه، وهذا نهى عن اعطائها بجزء ما يخرج منها لكن فعله عليه السلام في خيبر هو الناسخ على ما بينا قبل، فأما أبو حنيفة فخالف الناسخ وأخذ بالمنسوخ، وأما مالك. والشافعي. وأبو سليمان فحيرهم فعلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر فأخرجوه على ما ذكرناه عنهم، وكل تلك الوجوه تحكم، ويقال لمن قلد مالكا: من أين لكم تحديد البياض بالثلث؟ ولم يأت قط في شئ من الاخبار تحديد ثلث ولا دليل عليه ومثل هذا في الدين لا يجوز، ويقال لهم: ماذا تريدون بالثلث؟ أثلث المساحة؟ أو ثلث الغلة؟ أم ثلث القيمة؟ فالى أي وجه مالوا (2) من هذه الوجوه قيل لهم: ومن أين خصصتم هذا الوجه دون غيره؟ والغلة قد تقل وتكثر والقيمة كذلك، وأما المساحة فقد تكون مساحة قليلة أعظم غلة أو أكثر قيمة من أضعافها، وأيضا فان خيبر لم تكن حائطا واحدا ولا محشرا واحدا ولا قرية واحدة ولا حصنا واحدا بل كانت حصونا كثيرة باقية إلى اليوم لم تتبدل منها الو طيح. والسلالم. وناعم. والقموص. والكتيبة. والشق. والنطاه. وغيرها، وما الظن ببلد أخذ فيه القسمة مائتا فارس وأضعافهم من الرجالة فتمولوا منها وصاروا أصحاب ضياع فمن أين لمالك تحديد الثلث؟ وقد كان فيها بياض لا سواد فيه وسواد لابياض فيه وبياض وسواد فما جاء قط في شئ من الآثار تخصيص ما خصه، فان قال: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير قلنا: نعم وأنتم جعلتم في هذه المسألة الثلث قليلا بخلاف الاثر ثم يقال لهم وللشافعي: من أين لكم أن رسول الله


(1) في النسخة رقم 16 (قال على نعارضهم الآن) الخ والكلام عليها لايتم (2) في النسخة رقم 16 (فبأى وجه قالوا)

[ 219 ]

صلى الله عليه وسلم انما أعطى أرض خيبر بنصف ما يخرج منها لانها كانت تبعا للسواد؟ وهل يعلم هذا أحد إلا من أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك عن نفسه والا فهو غفلة ممن قاله وقطع بالظن؟ وأما بعد التنبيه عليه فما هو الا الكذب البحث عليه صلى الله عليه وسلم، وانما الحق الواضح فهو أنه عليه السلام أعطى أرضها بنصف ما يخرج منها من زرع وأعطى نخلها وثمارها كذلك فنحن نقول: هذا سنة وحق أبدا ولا نزيد ونعلم أنه ناسخ لما تقدمه مما لا يمكن الجمع بينهما بظاهرهما، وكذك أيضا يقال لمن قال بقول أبى بكر بن داود سواء بسواء، والعجب أن بعضهم قال: المخابرة مشتقة من خيبر فدل أنها بعد خيبر * قال أبو محمد: ولو علم هذا القائل (1) قبيح ما أتى به لاستغفر الله تعالى منه ولتقنع حياء منه أما علم الجاهل أن خيبر كان هذا اسمها قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وان المخابرة كانت تسمى بهذا الاسم كذلك. وان اعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر كان إلى يوم موته عليه السلام واتصل كذلك بعد موته عليه السلام؟ فكيف يسوغ لذى عقل أو دين أن يقول: ان نهيه عليه السلام عن المخابرة كان بعد ذلك؟ أترى عهده عليه السلام أتانا من الآخرة بعد موته عليه السلام بالنهي عنها؟ أما هذا من السخف. والتلوث. والعار ممن ينسب إلى العلم ويأتى بمثل هذا الجنون؟ فصح يقينا كالشمس أن النهى عن المخابرة وعن اعطاء الارض بما يخرج منها كان قبل أمر خيبر بلا شك، وبالله تعالى التوفيق * واحتج المجيزون للكراء بحديث ثابت بن الضحاك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال: لا بأس بها) * وبالخبر الذى رويناه من طريق مسلم نا اسحاق - هو ابن راهويه - أنا عيسى بن يونس نا الاوزاعي عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن حدثنى حنظلة بن قيس الزرقى (2) قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الارض بالذهب والفضة؟ (3) فقال: لا بأس به انما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات. وأقبال الجداول (4) وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا [ ويسلم هذا ويهلك هذا فلم يكن للناس كراء الا هذا فلذلك زجر عنه ] فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به، وهذان خبران صحيحان، وبما روينا من طريق البخاري


(1) في النسخة الحلبية (قائل هذا) (2) هو بضم الزاى وفتح الراء نسبة إلى بنى زريق بطن من الانصار، وفى صحيح مسلم ج 1 ص 457 (الانصاري) بدل (الزرقى) وهو صحيح أيضا (3) في صحيح مسلم (بالورق) بدل (بالفضة) والورق الفضة (4) الماذيانات جمع ماذيان هو النهر الكبير وليس اللفظ بعربي، والاقبال الاوائل والرؤس وهو جمع قبل

[ 220 ]

نا على بن عبد الله - هو ابن المدينى - نا سفيان - هو ابن عيينة - قال عمرو - هو ابن دينار -: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة فان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها فما يزعمون فقال لى طاوس: ان أعلمهم - يعنى ابن عباس - أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال: لان يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما (1)، وهذ أيضا خبر صحيح * وبخبر رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن عبد الرحمن بن اسحاق عن أبى عبيدة بن عمار ابن ياسر عن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن الوليد بن أبى الوليد عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج انا والله أعلم بالحديث منه انما أتاه رجلان قد اقتتلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع * قال على: فقلنا لهم: أما حديث زيد فلا يصح ولكنا نسامحكم فيه فنقول: هبكم أنه قد صح فان رافعا لا يثبت عليه الوهم بمثل هذا بل نقول: صدق زيد وصدق رافع وكلاهما أهل الصدق والثقة، وإذ حفظ زيد في ذلك الوقت ما لم يسمعه رافع فقد سمع رافع أيضا مرة أخرى ما لم يسمعه زيد وليس زيد بأولى بالتصديق (2) من رافع ولا رافع أولى بالتصديق من زيد بل كلاهما صادق * وقد روى النهى عن الكراء جملة للارض جابر وأبو هريرة. وأبو سعيد. وابن عمرو فيهم من هو أجل من زيد ثم نقول لهم: إن غلبتم هذا الخبر على حديث النهى عن الكراء فغلبوه على النهى عن المخابرة ولا فرق، وهكذا القول في حديث ابن عباس لانه يقول: لم ينه عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول جابر. وأبو هريرة. وأبو سعيد. وابن عمر: نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل صادق وكل انما أخبر (3) بما عنده، وابن عباس لم يسمع النهى وهؤلاء سمعوه فمن أثبت أولى ممن نفى ومن قال: انه علم أولى ممن قال لا أعلم (4)، وأما خبر حنظلة بن قيس عن رافع فالذي فيه انما هو من كلام رافع - يعنى قوله -: وأما شئ مضمون فلا * وقد اختلف عن رافع في ذلك كما أوردنا قبل، وروى عنه سليمان بن يسار النهى عن كرائها بطعام مسمى فلم أجزتموه؟ ورواية حنظة عن رافع شديدة الاضطراب وعلى كل حال فالزائد علما أولى، وقد روى عمران بن سهل بن رافع. وابن عمر. ونافع. وسليمان ابن يسار. وأبو النجاشي (5) وغيرهم النهى عن كرى الارض جملة عن رافع بن خديج


(1) في النسخة رقم 16 (خراجا معلوما) وما هنا موافق لما في صحيح البخاري ج 3 ص 212 والحديث فيه تقديم وتأخير (2) في النسخة رقم 14 (بالصدق) (3) في النسخة رقم 16 (وكل أخبرنا) (4) في النسخة رقم 16 (لم أعلم) (5) في النسخة رقم 16 (وابن النجاشي) وهو تصحيف، واسمه عطاء بن صهيب الانصاري مولى رافع بن خديج *

[ 221 ]

خلاف ما روى عنه حنظلة وكلهم أوثق من حنظلة فالزائد أولى * وأما حديث أمر بالمؤاجرة فنعم هو صحيح وقد صح نهيه صلى الله عليه وسلم، وخبر الاباحة موافق لمعهود الاصل، وخبر النهى زائد فالزائد أولى ونحن على يقين من أنه صلى الله عليه وسلم حين نهى عن الكراء فقد حرم ما كان مباحا من ذلك بلا شك ولا يحل أن يترك اليقين للظن، ومن ادعى أن الاباحة التى قد تيقنا بطلانها (1) قد عادت فهو مبطل وعليه الدليل، ولا يجوز ترك اليقين بالدعوى الكاذبة وليس الا تغليب النهى فبطل الكراء جملة والمخابرة جملة أو تغليب الاباحة فيثبت الكراء جملة والمخابرة جملة كما يقول أبو يوسف. ومحمد. وغيرهما * وأما التحكم في تغليب النهى في جهة وتغليب الاباحة في أخرى بلا برهان فتحكم الصبيان. وقول لا يحل في الدين وبالله تعالى التوفيق * وأما قول مالك فان مقلديه احتجوا له بحديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رافع بن أسيد بن ظهير عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض قلنا: يا رسول الله إذا نكريها بشئ من الحب قال لا قال: نكريها بالتبن فقال: لا قال: وكنا نكريها على الربيع الساقى قال: لا ازرعها أو امنحها أخاك (2) * وبحديث مجاهد قال: رافع نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتقبل الارض ببعض خرجها (3) * وبما رويناه من طريق عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال: ان بعض عمومته أتاهم فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى) * وبما رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا عبيدالله بن سعد بن ابراهيم نا عمى قال: نا أبى عن محمد بن عكرمة عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبى وقاص قال: كان أصحاب المزارع يكرون مزارعهم (4) في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكون على السواقى من الرزع فجاؤا [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (5) يختصمون فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكروا بذلك وقال: اكروا بالذهب والفضة) * ورويناه أيضا من طريق عبد الملك بن حبيب عن ابن الماجشون عن ابراهيم بن سعد بن ابراهيم عن أبيه عن سعيد ابن المسيب عن سعد بن أبى وقاص قال: أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في كراء الارض باذهب. والورق * ومن طريق سفيان بن عيينة نا يحيى بن سعيد الانصاري أنا حنظلة ابن قيس الزرقى أنه سمع رافع بن خديج يقول: كنا نقول للذى نحابره: لك هذه القطعة


(1) في النسخة رقم 16 (قد سقنا بطلانها) والصواب، ماهنا بدليل ما بعده (2) هو في سنن النسائي ج 7 ص 33 (3) في النسخة رقم 16 (ببعض خراجها) (4) في سنن النسائي ج 7 ص 41 فيه تقديم وتأخير (5) الزيادة من سنن النسائي

[ 222 ]

ولنا هذه القطعة نزرعها فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأما بورق فلم ينه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انما يزرع ثلاثة. رجل له أرض فهو يزرعها أو رجل منح أرضا فهو يزرعها. أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة * قال أبو محمد: أما الحديث الاول فسنده ليس بالنير ثم لو صح لكان حجة لنا عليهم لا حجة لهم لان الذى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو النهى عن كراء الارض جملة والمنع من غير زريعتها من قبل صاحبها أو من قبل من منحها وهذا خلاف قولهم * وأما حديث مجاهد عن رافع فلا خلاف في أنه لم يسمعه من رافع ثم لو صح لكان فيه النهى عن كراء الارض ببعض ما يخرج منها وهو خلاف لقولهم من قبل أنهم يمنعون من كرائها بالعسل والملح وليسا مما يخرجان منها ويجيزون كراءها بالحطب والخشب وهما من بعض ما يخرج منها فقد خالفوه من وجهين فزادوا فيه ما ليس فيه وأخرجوا منه ما فيه وأيضا فان الذهب. والفضة من بعض ما يخرج من الارض وهم يجيزون الكراء بهما وبالرصاص والنحاس وكل ذلك خارج منها، فان قالوا: إنما منع النبي عليه السلام من كرائها (1) بما يخرج من تلك الارض بعينها قلنا: هاتوا دليلكم على هذا التخصيص وإلا فلفظ الخبر على عمومه فسقط قولهم جملة في هذا الخبر، ثم أيضا فنحن نقول بما فيه ثم نستثني منه ما صح نسخه بيقين من إعطائنا الارض بجزء مما يخرج منها مسمى ونمنع من غير ذلك فهو حجة لنا لا لهم * وأما خبر سليمان بن يسار فعليهم لا لهم لان فيه أن يزرعها أو يزرعها فقط وهكذا روينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني زياد بن أيوب نا ابن علية أنا أيوب - هو السختيانى - عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج أن رجلا من عمومته قال لهم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحاقل بالارض أو نكريها بالثلث والربع والطعام مسمى وأمر رب الارض أن يزرعها أو يزرعها وكره كراءها وما سوى ذلك (2) * وأما خبر حنظلة عن رافع فقد ذكرنا أنه من قول رافع - يعنى قوله: فاما بورق فلم ينه - وقد صح عن رافع ما ذكرنا أنه من قول رافع قبل من نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك حتى أبطل كراء أرض بنى ابيه بالدراهم، وهذه الرواية أولى لوجوه. أحدها أنها مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك موقوفة على رافع، والثانى أن هذه غير مضطرب فيهاو تلك مضطرب فيها


(1) في النسخة رقم 16 (انما يمنع كراءها) والمؤدى واحد الا أن ماهنا أوضح وأصرح (2) هو في سنن النسائي ج 7 ص 42 اختصره المصنف

[ 223 ]

على رافع، وثالثها - أن الذين رووا عموم النهى عن رافع - ابن عمر. وعثمان. وعمران. وعيسى ابنا سهل بن رافع. وسليمان بن يسار. وأبو النجاشي، وكلهم أوثق من حنظلة ابن قيس فسقط تعلقهم بهذا الخبر * وأما خبر سعد بن أبى وقاص فأحد طريقيه عن عبد الملك بن حبيب الاندلسي وهو هالك عن عبد الملك بن الماجشون وهو ضعيف * والاخرى من طريق محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة (1) وهو مجهول لا يدرى من هو فسقط التعلق به * وأما خبر طارق عن سعيد عن رافع فان ابن أبى شيبة رواه كما أوردنا عن أبى الاحوص فوهم فيه لاننا رويناه من طريق قتيبة بن سعيد. والفضل بن دكين. وسعيد بن منصور كلهم عن أبى الاحوص عن طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة. رجل له أر ض فهو يزرعها. أو رجل منح أرضا فهو يزرع ما منح. أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة) فكان هذا الكلام مخزولا (2) عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فظن ابن أبى شيبة أنه من جملة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزله وأبقى السند، وقد جاء هذا الخبر عن طارق من طريق من هو أحفظ من ابى الاحوص مبينا أنه من كلام سعيد بن المسيب كما روينا من طريق أحمد بن شعييب أخبرني محمد بن على [ وهو ابن ميمون ] (3) نا محمد نا سفيان عن طارق قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول لا يصلح من الزرع غير ثلاث (4) أرض تملك (5) رقبتها. أو منحة: أو أرض بيضاء تستأجرها بذهب أو فضة * قال على: وأيضا فلو صح أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لكانوا مخالفين له لان فيه النهى عن كل كراء في الارض إلا بذهب. أو فضة وأنتم تبيحونها بكل عرض في العالم حاشا الطعام أو ما أنبتت الارض (6) فقد خالفتموها كلها، فان ادعوا ههنا اجماعا من القائلين بكراء الارض بالذهب والفضة على أن ما عدا الذهب والفضة كالذهب والفضة - فما يبعد عنهم التجاسر والهجوم على مثل هذا - أكذبهم ما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا تكرى الارض البيضاء إلا بالذهب والورق، وهذا إسناد صحيح جيد، (فان قالوا): قسنا على الذهب والفضة ما عداهما قلنا: فقيسوا اعطاءها بالثلث والربع على المضاربة، فان قالوا:


(1) في تهذيب التهذيب (ويقال: ابن أبى لبيبة) (2) أي منقطعا (3) الزيادة من سنن النسائي ج 7 ص 41 (4) في سنن النسائي (لا يصلح الزرع غير ثلاث) (5) في النسائي (يملك) وكذا (يتسأجرها) بالياء فيهما (6) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (أو ما تنبت الارض)

[ 224 ]

قد صح النهى عن ذلك قلنا: فقد صح النهى عن أن يؤخذ للارض أجرأو حظ، ونص عليه السلام على أن ليس له إلا أن يزرعها صاحبها أو يمنحها أو يمسك أرضه فقط، فظهر فساد هذا القول جملة وانهم لم يتعلقوا بشئ أصلا واعلموا أنه لم يصح كراء الارض بذهب أو فضة عن أحد من الصحابة إلا عن سعد. وابن عباس، وصح عن رافع بن خديج. وابن عمر، ثم صح رجوعه ابن عمر عنه وصح عن رافع المنع منه أيضا * قال أبو محمد: فلم يبق إلا تغليب الاباحة في كرائها بكل عرض وكل شئ مضمون من طعام أو غيره وبالثلث والربع كما قال سعد بن أبى وقاص. وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. وأحمد بن حنبل. واسحق. وغيرهم، أو تغليب المنع جملة كما فعل رافع بن خديج. وعطاء. ومكحول. ومجاهد. والحسن البصري. وغيرهم، أو أن يغلب النهى حيث لم يوقن أنه نسخ ويؤخذ بالناسخ إذا تيقن كما فعل ابن عمر. وطاوس. والقاسم بن محمد. ومحمد بن سيرين. وغيرهم، فنظرنا في ذلك فوجدنا من غلب الاباحة قد أخطأ لان معهود الاصل في ذلك هو الاباحة على ما روى رافع وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليهم وهم يكرون مزارعهم) وقد كانت المزارع بلا شك تكرى قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد مبعثه هذا أمر لا يمكن أن يشك فيه ذو عقل، ثم صح من طريق جابر. وأبى هريرة. وأبى سعيد. ورافع. وظهير البدرى. وآخر من البدريين. وابن عمر: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض جملة) فبطلت الاباحة بيقين لا شك فيه، فمن ادعى أن المنسوخ قد رجع وأن يقين النسخ قد بطل فهو كاذب مكذب قائل ما لا علم له به وهذا حرام بنص القرآن إلا أن يأتي على ذلك ببرهان ولا سبيل له إلى وجوده أبدا إلا في اعطائها بجزء [ مسمى ] (1) مما يخرج منها فانه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بخيبر بعد (2) النهى بأعوام وأنه بقى على ذلك إلى أن مات عليه السلام، فصح أن النهى عن ذلك منسوخ بيقين وان النهى عماعدا ذلك باق بيقين، وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فمن المحال أن ينسخ حكم قد بطل ونسخ ثم لا يبين الله تعالى علينا أنه قد بطل وأن المنسوخ قد عاد وإلا فكان الدين غير مبين وهذا باطل وبالله تعالى التوفيق، فارتفع الاشكال والحمد لله كثيرا * 1331 - مسألة - والتبن في المزارعة بين صاحب الارض وبين العامل على ما تعاملا عليه لانه مما أخرج الله تعالى منها * 1332 - مسألة - فان تطوع صاحب الارض بأن يسلف العامل بذرا أو دراهم أو يعينه بغير شرط جاز لانه فعل خير وتعاون على بر وتقوى، فان كان شئ من ذلك


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 16 (قبل) وهو غلط

[ 225 ]

عن شرط في نفس العقد بطل العقد وفسخ لانه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الذين دفع إليهم خيبر إنما كان كما أوردنا قبل أن يعملوها بأموالهم وبالله تعالى التوفيق * 1333 - مسألة - فان اتفقا تطوعا على شئ يزرع في الارض فحسن وان لم يذكرا شيئا فحسن لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكر لهم شيئا من ذلك ولا نهى عن ذكره فهو مباح، ولابد من أن يزرع فيها شئ ما فلا بد من ذكره إلا أنه إن شرط شئ من ذلك في العقد فهو شرط فاسد وعقد فاسد لانه ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل إلا أن يشترط صاحب الارض أن لا يزرع فيها ما يضر بأرضه أو شجره إن كان له فيها شجر فهذا واجب ولابد لان خلافه فساد وإهلاك للحرث قال الله تعالى: (إن الله لا يحب المفسدين) وقال تعالى: (ليهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) فاهلاك الحرث بغير الحق لا يحل وبالله تعالى نتأيد، فهذا شرط في كتاب الله تعالى فهو صحيح لازم * - 1334 - مسألة - ولا يحل عقد المزارعة إلى أجل مسمى لكن هكذا مطلقا لان هكذا عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا مضى جميع الصحابة رضى الله عنهم وكذلك أخرجهم عمر رضى الله عنه إذ شاء في آخر خلافته فكان اشتراط مدة في ذلك شرطا ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وخلاف لعمله عليه لاسلام، وقد قال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد قال مخالفون بذلك (1) في المضاربة * 1335 - مسألة - وأيهما شاء ترك العمل فله ذلك لما ذكرنا وأيهما مات بطلت المعاملة لان الله تعالى يقول: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) فان أقر وارث صاحب الارض العامل ورضى العامل فهما على ما تراضيا عليه، وكذلك إن أقر صاحب الارض ورثة العامل برضاهم فذلك جائز على ما جرى عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الصحابة رضى الله عنهم بلا خلاف من أحد منهم في ذلك وبالله تعالى التوفيق * 1336 - مسألة - وإذا أراد صاحب الارض إخراج العامل بعد ان زرع أو أراد العامل الخروج بعد ان زرع بموت أحدهما أو في حياتهما فذلك جائز وعلى العامل خدمة الزرع كله ولابد وعلى ورثته حتى يبلغ مبلغ الانتفاع به من كليهما لانهما على ذلك تعاقدا العقد الصحيح فهو لازم لانه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو في كتاب الله تعالى فهو صحيح لازم. وعقد يلزم الوفاء به وبالله تعالى التوفيق، وما عداه إضاعة للمال وإفساد للحرث وقد صح النهى عنه *


(1) في النسخة رقم 14 (ذلك) (م 29 ج 8 المحلى)

[ 226 ]

1337 - مسألة - فان أراد أحدهما ترك العمل وقد حرث. وقلب. وزبل ولم يزرع فذلك جائز ويكلف صاحب الارض للعامل أجر مثله فيما عمل وقيمة زبله إن لم يجد له زبلا مثله إن أراد صاحب الارض إخراجه لانه لم تتم بينهما المزارعة التى يكون كل ما ذكرنا ملغى بتمامها، وقال تعالى: (والحرمات قصاص) فعمله حرمة فلابد له من أن يقتص بمثلها والزبل ماله فلا يحل إلا بطيب نفسه وبالله تعالى التوفيق * 1338 - مسألة (1) - فلو كان العامل هو المريد للخروج فله ذلك ولا شئ له فيما عمل وان أمكنه أخذ زبله بعينه أخذه والا فلا شئ له لانه مختار للخروج ولم يتعد عليه صاحب الارض في شئ ولا منعه حقا له فهو مخير بين تمام عمله وتمام شرطه والخروج (2) باختياره ولا شئ له لانه لم يتعد عليه بغير طيب نفسه في شئ، وبالله تعالى التوفيق * 1339 - مسألة - ومن أصاب منهما تجب فيه الزكاة فعليه الزكاة ومن قصر نصيبه عن ما فيه الزكاة (3) فلا زكاة عليه، ولا يحل اشتراط الزكاة من أحدهما على الآخر لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزروازرة وزر أخرى) ولكل أحد حكمه، واشتراط اسقاط الزكاة عن نفسه ووضعها على غيره (4) شرط للشيطان ومخالفة لله تعالى فلا يحل أصلا وبالله تعالى التوفيق، وقد كانا قادرين على الوصول إلى ما يريدان من ذلك (5) بغير هذا الشرط الملعون وذلك بأن يكونا يتعاقدان على أن لاحدهما أربعة أعشار الزرع أو أربعة أخماس الثلث أو نحو هذا فيصع العقد * 1340 - مسألة - وإذا وقعت المعاملة فاسدة رد إلى مزارعه مثل تلك الارض فيما زرع فيها سواء كان أكثر مما تعاقد أو أقل * برهان ذلك أنه لا يحل في الارض أخذ أجر ولا حظ الا المزارعة بجزء مشاع مسمى مما يخرج الله تعالى منها فإذ ذلك كذلك فهو حق الارض فلا تجوز اباحة الارض وما اخرجت للعامل بغير طيب نفس صاحب الارض لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ولا يجوز اباحة بذر العالم وعمله لصاحب الارض بغير طيب نفسه لذلك أيضا فيردان إلى مثل حق كل واحد منهما مما أخرج الله تعالى منها لقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) فالارض حرمة محرمة من مال صاحبها وبشرته فله ومن حقه أن يقتص بمثل حق مثلها مما اباحه الله تعالى في المعاملة فيها، وبذر الزارع وعمله حرمة محرمة


(1) سقط هنا لفظ (مسألة) من النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 16 (اتمام العمل وتمام شرطه أو الخروج) (3) في النسخة رقم 16 (عن ما يلزم من الزكاة) (4) في النسخة رقم 16 (عن غيره) وهو تحريف (5) في النسخة رقم 16 (من غير ذلك)

[ 227 ]

من ماله وبشرته فله ومن حقه أن يقتص بمثل حق مثل ذلك مما أباحه الله تعالى في المعاملة فوجب ما قلنا ولابد وبالله تعالى التوفيق * المغارسة 1341 - مسألة - من دفع أرضا له بيضاء إلى انسان ليغرسها له لم يجز ذلك الا بأحد وجهين إما بأن تكون النقول أو الاوتاد أو النوى أو القضبان لصاحب الارض فقط فيستأجر العامل لغرسها وخدمتها والقيام عليها مدة مسماة ولابد بشئ مسمى أو بقطعة من تلك الارض مسماة محوزة أو منسوبة القدر مشاعة في جميعها فيستحق العامل بعمله في كل ما يمضى من تلك المدة ما يقابلها مما استؤجر به فهذه إجارة كسائر الاجارات، واما بأن يقوم العامل بكل ما ذكرنا وبغرسه وبخدمه وله من ذلك كله (1) ما تعاملا عليه من نصف أو ثلث أو ربع أو جزء مسمى كذلك ولا حق له في الارض أصلا فهذا جائز حسن الا أنه لا يجوز الا مطلقا لا إلى مدة أصلا، وحكمه في كل ما ذكرنا قبل حكم المزارعة سواء سواء في كل شئ لا تحاش منها شيئا * 1342 - مسألة - فان أراد العامل الخروج قبل أن ينتفع فيما غرس بشئ وقبل أن تنمى له فله ذلك ويأخذ كل ما غرس وكذلك ان أخرجه صاحب الارض لانه لم ينتفع بشئ فان لم يخرج حتى انتفع ونماما غرس فليس له الا ما تعاقدا عليه لانه قد انتفع بالارض فعليه حقها وحقها هو ما تعاقدا عليه * برهان ذلك هو ما ذكرناه في أول كلامنا في المزارعة من اعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم ولهم نصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر ونصف ما يخرج (2) منها هكذا مطلقا، وكذلك روينا من طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لليهود على أن لهم الشطر من كل زرع. ونخل. وشئ) وهذا عموم لكل ما خرج منها بعمله من شجر أو زرع أو ثمر وكل ذلك داخل تحت العمل بأنفسهم وأموالهم، ولا فرق بين غرس أو زرع أو عمارة شجر، وبالله تعالى التوفيق * وبالضرورة يدرى كل ذى تمييز أن خيبر وفيها نحو ألفى عامل ويصاب فيها نحو ثمانين ألف وسق تمر وبقيت بأيديهم أزيد من خمسة عشر عاما أربعة أعوام من حياة النبي


(1) في النسخة رقم 16 (من كل ذلك) (2) في النسخة رقم 16 (ونصف ما خرج) وما هنا أنسب بلفظ الحديث

[ 228 ]

صلى الله عليه وسلم وعامين ونصف عام مدة أبى بكر وعشرة أعوام من خلافة عمر رضى الله عنهما حتى أجلاهم في آخر عام من خلافته فلابد أن فيهم من غرس فيما بيده من الارض فكان بينهم وبين أصحاب الاصول (1) من المسلمين بلا شك، وقال مالك: المغارسة هو أن يعطى الارض البيضاء ليغرسها من ماله ما رأى حتى يبلغ شبابا ما ثم له ما تعاقدا عليه من رقبة الارض ومن رقاب ما غرس * قال أبو محمد: وهذا لا يجوز أصلا لانه اجارة مجهولة لا يدرى في كم يبلغ ذلك الشباب ولعلها لا تبلغه ولا يدرى ما غرس ولا عدده، وأعجب شئ قوله: حتى تبلغ شبابا ما والغروس تختلف في ذلك اختلافا شديدا متباينا لا ينضبط البتة فقد يشب بعض ما غرس ويبطل البعض ويتأخر شباب البعض، فهذا أمر لا ينحصر أبدا فيما يغرس ولعله لا يغرس له الا شجرة واحدة أو اثنتين فيكلف لذلك استحقاق نصف أرض عظيمة فهو بيع غرر بثمن مجهول. وبيع. واجارة معا. وأكل مال بالباطل. واجارة مجهولة. وشرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل قد جمع هذا القول كل بلاء وما نعلم أحدا قاله قبله ولا لهذا القول حجة لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من روايه سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا تابع نعلمه. ولا من قياس. ولا من رأى له وجه، وما كان هكذا لم يجز القول به، وبالله تعالى التوفيق * 1343 - مسألة - ومن عقد مزارعة أو معاملة في شجر أو مغارسة فزرع العامل وعمل في الشجر وغرس ثم انتقل ملك الارض أو الشجر إلى غير المعاقد بميراث أو بهبة أو بصدقة أو باصداق أو ببيع، فأما الزرع ظهر أو لم يظهر فهو كله للزارع وللذى كانت الارض له على شرطهما وللذى انتقل ملك الارض إليه اخذهما بقطعه أو قلعه في أول إمكان الانتفاع به لا قبل ذلك لانه لم يزرع إلا بحق والزرع بلا خلاف هو غير الارض الذى انتقل ملكها إلى غير مالكها الاول، وأما المعاملة في الشجر ببعض ما يخرج منها فهو ما لم يخرج غير متملك لاحد فإذا خرج فهو لمن الشجر له فان أراد إبقاء العامل على معاملته فله ذلك وإن أراد تجديد معاملة فلهما ذلك وإن أراد اخراجه فله ذلك وللعامل على الذى كان الملك له أجره مثل عمله لانه عمل في ملكه بأمره، وأما الغرس فللذى انتقل الملك إليه إقراره على تلك المعاملة أو أن يتفقا على تجديد أخرى فان أراد إخراجه فله ذلك وللغارس قلع خصته مما غرس كما لو أخرجه الذى كان عامله أو لا على ما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق، وأما إذا انتقل الملك بعد ظهور الثمرة فالثمرة بين العامل وبين الذى


(1) في النسخة رقم 16 (وبين أصحاب الارض)

[ 229 ]

كان الملك له على شرطهما لا شئ فيها للذى انتقال الملك إليه، وبالله تعالى التوفيق * [ تم كتاب المزارعة والمغارسة والحمد لله رب العالمين ] * (1) بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب المعاملة في الثمار 1344 - مسألة - المعالمة فيها سنة، وهى أن يدفع المرء أشجاره أي شجر كان من نخل. أو عنب. أو تين. أو ياسمين. أو موز. أو غير ذلك لا تحاش شيئا مما يقوم على ساق ويطعم سنة بعد سنة لمن يحفرها ويزبلهاو يسقيها إن كانت مما يسقى بسانية. أو ناعورة أو ساقية، ويأبر النخل. ويزبر الدوالي. ويحرث ما احتاج إلى حرثه ويحفظه حتى يتم ويجمع أو ييبس إن كان مما ييبس أو يخرج دهنه ان كان مما يخرج دهنه أو حتى يحل بيعه ان كان مما يباع كذلك على سهم مسمى من ذلك الثمر أو مما تحمله الاصول كنصف (2) أو ثلث. أو ربع. أو أكثر أو أقل كما قلنا في المزارعة سواء سواء * برهان ذلك ما ذكرناه هنا لك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، ورويناه من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا يعقوب بن ابراهيم بن سعد نا أبى عن محمد بن اسحاق حدثنى نافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر بن الطخاب للناس. (أيها الناس (3) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أننا نخر جهم إذا شئنا فمن كان له مال فليلحق به فانى مخرج يهود فأخرجهم) * قال أبو محمد: وبهذا يقول جمهور الناس إلا أننا روينا عن الحسن. وابراهيم كراهة ذلك، ولم يجزه أبو حنيفة ولازفر وأجازه ابن أبى ليلى. وسفيان الثوري. والاوزاعي. وأبو يوسف. ومحمد. والشافعي. ومالك. وأحمد. وأبو سليمان. وغيرهم، وأجازه مالك في كل شجر قائم الاصل إلا فيما يخلف ويجنى (4) مرة بعد أخرى كالموز. والقصب. والبقول فلم يجزه فيما ولا أجاز ذلك أيضا في البقول الا في السقى خاصة ولم يجزه الشافعي في أشهر قوليه الا في النخل. والعنب فقط، ومن أصحاب أبى سليمان من لم يجز ذلك الا في النخل فقط * قال أبو محمد: من منع من ذلك الا في النخل وحده. أو في النخل والعنب. أوفى بعض دون بعض. أو في سقى دون بعل فقد خالف الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا قبل ودخلوا في الذين انكروا على أبى حنيفة فلا معنى لقولهم، واحتج بعض المقلدين


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 16 (بنصف) (3) في سنن أبى داود (أن عمر قال: أيها الناس) (4) في النسخة رقم 16 (ويجئ) وهو غلط

[ 230 ]

لابي حنيفة بأن قالوا: لا تجوز الاجارة الا بأجرة معلومة * قال أبو محمد: ليست المزارعة ولا اعطاء الشجر ببعض ما يخرج منها اجارة والتسمية في الدين انما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى قال تعالى: (ان هي الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) ويقال لهم: هلا أبطلتم بهذا الدليل بعينه المضاربة قلتم: إنها اجارة بأجرة مجهولة؟ فان قالوا: ان المضاربة متفق عليها قلنا: ودفع الارض يجزء مما يخرج منها ودفع الشجر مما يخرج منها متفق عليه بيقين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعمل جميع أصحابه رضى الله عنهم لا تحاش منهم أحدا فما غاب منهم عن خيبر الا معذور بمرض أو ضعف أو ولاية تشغله ومع ذلك فكل من غاب بأحد هذه الوجوه فقد عرف أمر خيبر واتصل الامر فيها عاما بعد عام إلى آخر خلافة عمر فهذا هو الاجماع المتيقن المقطوع عليه لا ما يدعونه من الباطل والظن الكاذب في الاجماع على المضاربة التى لا تروى الا عن ستة من الصحابة رضى الله عنهم فاعترضوا في أمر خيبر بان قالوا: لا يخلوا أهل خيبر من أن يكونوا عبيدا أو أحرارا فان كانوا عبيدا فعماملة المرء لعبده بمثل جائز، وان كانوا أحرارا فيكون الذى أخذ منهم بمنزلة الجزية لانه لم يأت في شئ من الاخبار أنه عليه السلام قد أخذ منهم جزية ولا زكاة * قال أبو محمد: وهذا مما جروا فيه على الكذب والبهت والتوقح البارد أما قولهم: لا يخلوا اهل خيبر من أن يكونوا عبيد ا فكيف انطلقت ألسنتهم بهذا وهم أول مخالف لهذا الحكم؟ فلا يختلفون في أن أهل العنوة أحرار وأنه (1) ان رأى الامام إرقاقهم فلا بد فيهم من التخميس والبيع لقسمة أثمانهم، ثم كيف استجازوا أن يقولوا. لعلهم كانوا عبيدا وقد صح أن عمر أجلاهم بحضرة الصحابة رضى الله عنهم عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باخراج اليهود عن جزيرة العرب فكيف يمكن أن يستجيز عمر تفويت عبيد المسلمين وفيهم حظ لليتامى والارامل؟ ان من نسب هذا إلى عمر لضال مضل بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح أنه عليه السلام أراد اجلاءهم فرغبوا في اقرارهم فأقرهم على أن يخرجهم إذا شاء المسلمون وهو عليه السلام لا يجوز أن ينسب إليه تضييع رقيق المسلمين، ومن المحال أن يكونوا عبيدالله عليه السلام خاصة لانه عليه السلام ليس له من المغنم الا خمس الخمس وسهمه مع المسلمين، وقد قال قوم: والصفى ولم يقل أحد من أهل الاسلام: ان جميع من ملك عنوة عبيد له عليه السلام، ثم لو أمكن أن يكون ما زعموا من الباطل وكانوا له عبيدا لكان قد أعتقهم بلا شك كما روينا من طريق البخاري نا ابراهيم


(1) في النسخة رقم 16 (وانهم) وهو تصحيف

[ 231 ]

ابن الحرث نا يحيى بن أبى بكير نا زهير - هو ابن معاوية الجعفي - نا أبو إسحاق - هو السبيعى - عن عمرو بن الحارث [ ختن رسول الله ] (1) وأخى أم المؤمنين جويرية بنت الحارث قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا الا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة) وقد قسم عليه السلام من أخذ عنوة بخيبر كما روينا من طريق مسلم نا زهير بن حرب نا اسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فذكر الحديث وفيه: (قال: فأصبناها عنوة وجمع السبى فجاءه دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبى قال: اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيى (2)) وذكر الحديث * قال أبو محمد: وكانت الارض كلها عنوة وصالح أهل بعض الحصون على الامان فنزلوا ذمة احرارا، وقد صح من حديث عمر قول كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فصح أن الباقين بها أحرار، وأما قولهم: ان ذلك المأخوذ منهم كان مكان الجزية فكلام من لا يتقى الله تعالى، وكيف يجوز أن يكون ذلك النصف مكان الجزية؟ وانما كان حقوق أرباب الضياع المقسومة عليهم الذى عومل اليهود على كفايتهم العمل والذين خطبهم عمر كما ذكرنا وأمرهم أن يلحقوا بأموالهم فلينظروا فيها إذ أراد اجلاء اليهود عنها، والآثار بهذا متواترة متظاهرة كالمال الذى حصل لعمربها فجعله صدقة، وكقول ابن عمر في سبب اجلاء اليهود: خرجنا إلى خيبر فتفرقنا في أموالنا وكان اعطاء أمهات المؤمنين بعض الارض والماء وبعضهن الاوساق وان بقايا أبناء المهاجرين لبها إلى اليوم على مواريثهم، فظهر هذيان هؤلاء النوكى * والعجب انهم قالوا: لو كان اجماعا لكفر أبو حنيفة وذفر! فقلنا: عذرا بجهلهما كما يعذر من قرأ القرآن فأخطأ فيه وبدله وزاد ونقص وهو يظن أنه على صواب، وأما من قامت الحجة عليه وتمادى معاندا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر بلا شك، وشغب أصحاب الشافعي بأن قالوا: لما صحت المساقاة في النخل وجب أن يكون أيضا في العنب لان كليهما فيه الزكاة ولا تجب الزكاة في شئ من الثمار (3) غيرهما * قال أبو محمد: وهذا فاسد وقياس بارد، ويقال لهم: لما كان ثمر النخل ذا نوى وجب أن يقاس عليه كل ذى نوى أو لما كان ثمر النخل حلوا وجب أن يقاس عليه كل حلو والا فما الذى جعل وجوب الزكاة حجة في إعطائها بسهم من ثمارها؟ وقالوا أيضا: ان ثمر النخل ظاهر يحاط به وكذلك العنب *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 46 (1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 403 (2) في النسخة الحلبية (من الثمر)

[ 232 ]

قال على: وكذلك التين. والفستق وغير ذلك، وأما منع المالكيين من ذلك في الموز والبقل فدعوى بلا دليل، فان قالوا: لفظ المساقاة يدل على السقى فقلنا: ومن سمى هذا العمل مساقاة حتى تجعلوا هذه اللفظة حجة؟ ما علمناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم وانما نقولها معكم مساعدة فقط، وبالله تعالى التوفيق، وقد كان بخيبر بلا شك بقل وكل ما ينبت في أرض العرب من الرمان. والموز. والقصب. والبقول فعاملهم عليه السلام على نصف كل ما يخرج منها، وبالله تعالى التوفيق * 1345 - مسألة - ولا يجوز أن يشترط على صاحب الارض في المزارعة. والمغارسة. والمعاملة في ثمار الشجر لا أجير ولا عبد ولا سانية ولا قادوس. ولا حبل. ولا دلو. ولا عمل. ولا زبل. ولا شئ أصلا، وكل ذلك على العامل لشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أن يعملوها من أموالهم فوجب العمل كله على العامل، فلو تطوع صاحب الاصل (1) بكل ذلك أو ببعضه فهو حسن لقول الله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم * 1346 - مسألة - وكل ما قلنا (2) في المزارعة فهو كذلك ههنا لا تحاش شيئا من تلك المسائل فأغنى عن تكرارها وبالله تعالى التوفيق 1347 - مسألة - ولايجوز أن يشترط في المزارعة واعطاء الاصول بجزء مسمى مما يخرج منها مشاع في جميعها على العامل بناء حائط. ولا سد ثلمة. ولاحفر بئر ولا تنقيتها. ولا حفر عين ولا تنقيتها. ولا حفر سانية ولا تنقيتها. ولا حفر نهر. ولا تنقيته، ولا عمل صهريج. ولا اصلاحه. ولا بناء دار. ولا اصلاحها. ولا بناء بيت. ولا اصلاحه. ولا آلة سانية. ولا خطارة. ولا نا عورة لان كل ذلك شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، فان تطوع بشئ من ذلك بغير شرط جاز لان السنة انما وردت بان الشرط عليهم أن يعتملوها بأموالهم وبأنفسهم فقط، وكل هذا ليس من عمل الارض ولا من عمل الشجر في شئ، وأما آلة الحرث والحفر كلها وآلة السقى كلها. وآلة التقليم. وآلة التذبيل والداب والاجراء فكل ذلك على العامل ولابد لانه لا يكون العمل الواجب عليهم الا بذلك فهو عليهم وبالله تعالى التوفيق * [ تم كتاب المعاملة في الثمار والحمد لله رب العالمين ] (3)


(1) في النسخة رقم 16 (صاحب الارض) (2) في النسخة الحلبية (ما قلنا) (3) الزيادة من النسخة الحلبية

[ 233 ]

كتاب احياء الموات. والاقطاع. والحمى. والصيد يتوحش ومن ترك ماله بمضيعة. أو عطب ماله في البحر 1348 مسألة كل أرض لامالك لها ولا يعرف أنها عمرت في الاسلام فهى لمن سبق إليها وأحياها سواء باذن الامام فعل ذلك أو بغير اذنه لا اذن في ذلك للامام ولا للامير ولو أنه بين الدورفى الامصار، ولا لاحد أن يحمى شيئا من الارض عمن سبق إليها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أن الامام أقطع انسانا شيئا لم يضره ذلك ولم يكن له أن يحميه ممن سبق إليه فان كان احياؤه لذلك مضرا بأهل القرية ضررا ظاهرا لم يكن لاحد أن ينفرد به لا باقطاع الامام ولا بغيره كالملح الظاهر. والماء الظاهر. والمراح. ورحبة السوق. والطريق. والمصلى. ونحو ذلك، وأما ما ملك يوما ما باحياء أو بغيره ثم دثرو أشغر (1) حتى عاد كأول حاله فهو ملك لمن كان له يجوز لاحد تلمكه بالاحياء أبدا، فان جهل أصحابه فالنظر فيه إلى الامام ولا يملك الا باذنه * وقد اختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة: لا تكون الارض لمن أحياها الا باذن الامام له في ذلك، وقال مالك: أما ما يتشاح الناس فيه مما يقرب من العمران فانه لا يكون لاحد الا بقطيعة الامام وأما حمى ما كان في الصحارى وغير العمران فهو لمن أحياه فان تركه يوما ما حتى عاد كما كان فقد صار أيضا لمن أحياه وسقط عنه ملكه (2) وهكذا قال في الصيد يتملك ثم يتوحش فانه لمن أخذه فان كان في أذنه شنف (3) أو نحو ذلك فالشنف للذى كان له والصيد لمن أخذه، وقال الحسن بن حى: ليس الموات الا في أرض العرب فقط، وقال أبو يوسف: من أحيا الموات فهو له ولا معنى لاذن الامام الا ان حد الموات عنده ما إذا وقف المرء في أدنى المصر إليه ثم صاح لم يسمع فيه فما سمع فيه الصوت لا يكون الا باذن الامام، وقال عبد الله بن الحسن. ومحمد بن الحسن. والشافعي وأبو ثور. وأبو سليمان. وأصحابه: كقولنا، فأما من ذهب مذهب أبى حنيفة فاحتجوا بخبر من طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبى أمية قال: نزلنا دابق (4) وعلينا أبو عبيدة بن الجراح فقتل حبيب بن مسلمة قتيلا من الروم فأراد عبيدة أن يخمس سلبه فقال له حبيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل، فقال له


(1) هو بالغين المعجمة أي خلا، وفى النسخة الحلبية (أشعر) بالعين المهملة وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 16 (سقط ملكه عنه) (3) هو بفتح أوله وسكون ثانيه القرط الذى يعلق في شحمة الاذن (4) بكسر الباء وقد تفتح قرية قرب حلب (م 30 ج 8 المحلى)

[ 234 ]

معاذ بن جبل: مه يا حبيب انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انما للمرء ما طابت به نفس إمامه، وقالوا: لما كان الموات ليس أحد أولى به من أحد أشبه ما في بيت المال ما نعلم لهم شبهة غير هذا * قال على: أما الاثر فموضوع لانه من طريق عمرو بن واقد وهو متروك باتفاق من اهل العلم بالآثار، ثم هو حجة عليهم لانهم أول من خالفه فأباحوا الصيد لمن أخذه بغير اذن الامام، فان ادعوا اجماعا كذبوا لان في التابعين من منع من الصيد في دار الحرب وجعله من المغنم ولا يعارض بمثل هذا الاثر الكاذب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلب للقاتل وبالارض لمن أحياها، وأما تشبيههم ذلك (1) بما في بيت المال فهو قياس والقياس كله باطل لان ما في بيت المال أموال مملوكة اخذت بجزية أو بصدقة أو من بيت مال كان له رب فلم يعرف ولا يجوز أن يشبه ما لم يعرف أكان له رب أم لم يكن له رب بما يوقن أنه كان له رب، ولو كان الامر بالقياس حقا لكان قياس الارض الموات التى لم يكن لها رب بالصيد والحطب أولى وأشبه ولكن لا النصوص يتبعون ولا القياس يحسنون، ثم لو صح هذا الخبر الموضوع لكان حجة لنا لان النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى بالموات لمن أحياه وهو عليه السلام الامام الذى لا امامة لمن لم يأتم به وهو الذى قال فيه تعالى. (يوم ندعو كل أناس بامامهم) فهو إمامنا نشهد الله (2) تعالى على ذلك، وجميع عباده لا امام لنا دونه ونسأل الله أن لا يدعوا نا مع امام غيره، فمن اتخذ إمامه دونه عليه السلام يغلب حكمه على حكمه عليه السلام فسيرد ويعلم ونحن إلى الله منه برآء * وأما قول مالك فظاهر الفساد لانه قسم تقسيما لا نعلمه عن أحد قبله ولا جاء به قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قياس، وأعجب شئ فيه! انه لم يجعل الموات القريب الذى لم يكن له قط مالك لمن أحياه وقد جعله الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ثم جعل المال المتملك الذى حرمه الله تعالى في القرآن وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (ان دماءكم وأمالكم عليكم حرام) فجعلها ملكا لمن أخذها كالقول الذى ذكرنا عنه في الموات يعمر ثم يتشغر ومثل الصيد يتوحش وما وجب سقوط الملك، بالتوعر والتوحش (3) لا بقرآن ولا بسنة ولا برواية سقيمة. ولا بقياس. ولا برأى له وجه) وأيضا فلا يخلو ما قرب من العمران أو تشاح فيه الناس من أن يكون فيه ضرر على أهل القرية والمصر أو لا ضرر فيه عليهم فان كان فيه ضرر فما للامام أن يقطعه أحدا ولا أن يضربهم وان


(1) في نسخة (في ذلك) (2) في النسخة رقم 14 (يشهد) (3) في النسخة رقم 16 (سقوط الملك بالتشغر) الخ، يقال شغر البلد إذا خلا من الناس

[ 235 ]

كان لا ضرر فيه عليهم فأى فرق بينه وبين البعيد عن العمران؟ فصح أن لا معنى للامام في ذلك أصلا، وكذلك تقسيم أبى يوسف. والحسن بن حى ففاسد أيضا لانه قول بلا برهان فهو ساقط * قال أبو محمد: وبرهان صحة قولنا ما رويناه من طرق أحمد بن شعيب النسائي نا يونس بن عبد الاعلى نا يحيى - هو ابن بكير - عن الليث - هو ابن سعد - عن عبيدالله بن أبى جعفر عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - هو أبو الأسود - عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحيا أرضا ميتة ليست لاحد فهو أحق بها) * ومن طريق البخاري نا يحيى بن بكيرنا الليث عن عبيد الله بن أبى جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمر أرضا ليست لاحد فهو أحق بها) قال عروة * وقضى به عمر بن الخطاب * قال أبو محمد: هذا الخبر هو نص قولنا وهو المبطل لقول من لم يجعل ذلك الا باذن غير النبي صلى الله عليه وسلم اما عموما واما في مكان دون مكان، ولقول من قال: من عمر أرضا قد عمرت ثم أشغرت فهى للذى عمرها آخرا قال الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) فصح أن كل قضية قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل عطية أعطاها عليه السلام فليس لاحد يأتي بعده لا امام ولا غيره أن يعترض فيها ولا أن يدخل فيها حكما وقد اتصل كما ترى أن عمر قضى بذلك ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق أبى داود نا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - نا أيوب - هو السختيانى - عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد [ بن زيد ] (1) بن عمرو بن نفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال من أحيا أرضا ميتة فهى له وليس لعرق ظالم حق) * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا يونس بن عبد الاعلى أنا ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير أنه قال: العرق الظالم هو الرجل يعمر الارض الخربة وهى للناس قد عجزوا عنهما فتركوها حتى خرجت * قال أبو محمد: فهذا عروة سمى هذه الصفة عرق ظالم وصدق عروة وهذا [ هو ] (2) الذى أباحة المالكيون، وروينا من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن يحيى بن أيوب. وعلى بن مسلم قال محمد بن يحيى: نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - نا أيوب - هو السختيانى -، وقال على بن مسلم: نا عباد بن عباد المهلبى ثم اتفق أيوب. وعباد كلاهما


(1) الزيادة من سنن أبى داود (2) زيادة لفظ (هو) من النسخة رقم 16

[ 236 ]

عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجروا ما أكلت العوافي منها فهو له صدقة) * قال على: لا معنى لاخذ رأى الامام في الصدقة ولا ما فيه أجر، ولو أراد المنع من ذلك لكان عاصيا لله تعالى * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن عبدة الآملي (1) نا عبد الله بن عثمان نا عبد الله بن المبارك أنا نافع بن عمر الجمحى عن ابن أبى مليكة عن عروة بن الزبير قال: (أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الارض أرض الله والعباد عباد الله ومن أحيا مواتا فهو أحق به جاءنا بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين جاءوا بالصلوات عنه * ومن طريق أبى داود نا ابن السرح (2) نا ابن وهب أخبرني يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا حمى الا لله ولرسوله)) فصح أن ليس للامام أن يحمى شيئا من الارض عن أن تحيا * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن سعيد الدارمي نا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن ابن اسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه (أن رجلا غرس نخلا في أرض غيره فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الارض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها)) قال عروة: حدثنى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكبر ظنى انه أبو سعيد الخدرى فأنا رأيت الرجل يضرب في أصول للنخل (3) * قال أبو محمد: هذا هو الحق الذى لا يجوز غيره وعروة لا يخفى عليه من صحت صحبته ممن لم تصح، وقد اعتمر من مكة إلى المدينة مع عمر بن الخطاب وأدركه فمن دونه لا قول مالك: إنه ان لم ينتفع بالشجر أان قلعت كان لغارسها قيمتها مقلوعة أحب أم كره وتركت لصاحب الارض أحب أم كره وما يزالون يقضون للناس بأموال الناس المحرمة عليهم بغير برهان والمتعدي وان ظلم فظلمه لا يحل أن يظلم فيؤخذ من ماله ما لم يوجب الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم أخذه ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه * ومن طريق أبى عبيد حدثنى أحمد بن خالد الحمصى عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على هذا المنبر يقول: يا أيها الناس من أحيا أرضا ميتة فهى له، وجاء أيضا عن على فهذا بحضرة الصحابة علانية لا ينكره أحد منهم * ومن طريق أبى عبيد نا أحمد بن عثمان عن عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبى من أحيا أرضا ميتة ببنيان أو حرث ما لم تكن من أموال قوم


(1) هو بالمد وضم الميم (2) واسمه أحمد بن عمرو (3) المصنف تصرف في بعض ألفاظ الحديث

[ 237 ]

ابتاعوها أو أحيوا بعضا وتركوا بعضها فأجز للقوم ايحاءهم وأما ما كان مكشوفا فلجميع المسلمين (1) يأخذون منه الماء أو الملح أو يريحون فيه دوابهم فلانهم (2) قد ملكوه فليس لاحد أن ينفرد به * وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى بن قيس المازنى عن أبيه عن أبيض بن حمال - هو المازني - قال: (استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح الذى بمأ رب فاقطعنيه قيل له: انه بمنزلة الماء العد (3) قال: فلا إذا * قال أبو محمد: فان قيل: فقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقطع أبو بكر. وعمر. وعثمان. وماوية فما معنى اقطاعهم؟ قلنا: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذى له الحمى والاقطاع والذى لو ملك انسانا رقبة حر لكان له عبدا وأما من دونه عليه السلام فقد يفعلون ذلك قطعا للتشاح والتنازع ولا حجة في أحد دونه عليه السلام * قال أبو محمد: وليس المرعى متملكا بل من أحيا فيه فهو له، ويقال لاهل الماشية: أعزبوا وأبعدوا في طلب المرعى وانما التملك بالاحياء فقط وبالله تعالى التوفيق، والرعى ليس احياءا ولو كان احياءا لملك المكان من رعاه وهذا باطل متيقن في اللغة وفى الشريعة * واحتج بعض المالكيين لقولهم في الصيد المتوحش باسخف معارضة سمعت، وهو أنه قال: الصيد إذا توحش بمنزلة من أخذ ماء من بئر متملكة (4) في وعائه فانهرق الماء في البئر أيكون شريكا بذلك في الماء الذى في البئر؟ * قال أبو محمد: البئر وآخذ الماء منها لا يخلو أن تكون مباحة أو متملكة فان كانت مباحة فله أن يأخذ منها أضعاف ما انهرق له ان شاء وله أن يترك ان شاء كما يترك الناس ما لا قيمة له عندهم من أموالهم ويبيحونه لمن أخذه كالنوى. والتبن. والزبل. ونحو ذلك، ولو أن صاحب كل ذلك لم يطلقه ولا أباح أخذه لاحد لكان ذلك له ولما حل لاحد أخذه فلا يحل مال أحد قل أو كثر الا باباحته له أو حيث اباحته الديانة عن الله تعالى، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من اقتطع بيمينه حق مسلم أوجب الله له النار ولو كان قضيبا من أراك، فايما أكثر عندهم - وهم أصحاب قياس بزعمهم - قضيب أراك أوأيل. أو حمار وحش يساوى كل واحد منهما مالا أو أرض تساوى الاموال؟ وان كانت البئر متملكة فلا يخلوا آخذا لماء منها من أن يكون محتاجا الى ما أخذ أو غير محتاج فان كان محتاجا فله أن يأخذ منها مثل ما انهرق له أو أكثر أو أضعافه إذا احتاج إليه، وإن


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (لجميع المسلمين) (2) في النسخة الحلبية لانهم) (3) هو الدائم الذى لا انقطاع لمادته، ووقع في النسخة الحلبية بعد قوله العد (المر) ولم يذكر في النهاية (4) في النسخة رقم 14 (فيتملكه))

[ 238 ]

كان (1) غير محتاج لم يجز له أخذ شئ من مائها لا ما قل ولا ما كثر، فظهر هذر هذا الجاهل وتخليطه * 1349 مسألة والاحياء هو قلع ما فيها من عشب أو شجر أو نبات بنية الاحياء لا بنية أخذ العشب والاحتطاب فقط. أو جلب ماء إليها من نهر. أو من عين. أو حفر بئرفيها لسقيها منه. أو حرثها. أو غرسها. أو تزبيلها. أو ما يقوم مقام التزبيل من نقل تراب إليها. أو رماد. أو قلع حجارة. أو جرد تراب ملح عن وجهها حتى يمكن بذلك حرثها. أو غرسها. أو أن يختط عليها بحظير للبناء فهذا كله إحياء في لغة العرب التى بها خاطبنا الله تعالى على لسان نبيه (2) صلى الله عليه وسلم فيكون له بذلك ما ادرك الماء في فوره وكثرته من جميع جهات البئر. أو العين. أو النهر. أو الساقية قد ملكه واستحقه لانه أحياه، ولا خلاف في ضرورة الحس واللغة أن الاحتطاب وأخذ العشب للرعى ليس إحياءا وما تولى المرء (3) من ذلك بأجرائه وأعوانه فهو له لا لهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى) * 1350 مسألة ومن خرج في أرضه معدن فضة. أو ذهب. أو نحاس. أو حديد. أو رصاص. أو قزدير. أو زئبق. أو ملح. أو شب. أو زرنيخ أو كحل. أو ياقوت. أو زمرد. أو بجادى. أو رهوبى. أو بلور. أو كذان. أو أي شئ كان نهو له ويورث عنه وله بيعه ولا حق للامام معه فيه ولا لغيره وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان ووقال مالك: تصير الارض للسلطان * قال أبو محمد: وهذا باطل لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أحياء أرضا ميتة فهى له ولعقبه) ولقول عليه السلام: (من غصب شبرا من الارض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) ولقوله عليه السلام: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فليت شعرى بأى وجه تخرج أرضه التى ملك بارث أو التى أحيا عن يده من أجل وجود المعدن فيها؟ وما علمنا لهذا القول متعلقا لا من قرآن. ولا من سنة. ولا رواية سقيمة. ولا من قول أحد قبله نعلمه. ولا من قياس. ولا من رأى سديد. ونسأله عن مسجد ظهر فيه معدن أو لو ظهر معدن في المسجد الحرام أو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في مقبرة للمسلمين؟ أيكون للامام أخذ المسجد الحرام وأخذ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقبرة فيمنع الناس من كل ذلك


(1) في النسخة الحلبية (فان كان) (2) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية ((لسان رسوله) الخ (3) في النسخة الحلبية (المؤمن)

[ 239 ]

ويقطعها من أراد؟ أف أف لهذا القول وما قاد إليه * 1351 - مسألة - ومن ساق ساقية أو حفر بئراأو عينا فله ما سقى كما قدمنا ولا يحفر أحد بحيث يضر بتلك العين أو تلك البئر أو بتلك الساقية أو ذلك النهر أو بحيث يجلب شيئا من مائها عنها فقط لا حريم لذلك أصلا غير ما ذكرنا لانه إذا ملك تلك الارض فقط ملك ما فيها من الماء فلا يجوز أخذ ماله بغير حق * وروينا من طريق اسماعيل بن علية عن رجل عن سعيد بن المسيب * ومن طريق محمد بن مسلم الطائفي عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حريم البئر المحدثة خمس وعشرون ذراعا وحريم البئر العادية خمسون ذراعا) * وعن سعيد بن المسيب. ويحيى بن سعيد الانصاري من قولهما مثل ذلك * وعن أبى هريرة. والشعبى. والحسن حريم البئر أربعون ذراعا لاعطان الابل والغنم * وعن ابن المسيب حريم بئر الزرع ثلاث مائة ذراع، قال الزهري: سمعت الناس يقولون: حريم العين خمسمائة ذراع * وعن عكرمة حريم ما بين العينين مائتا ذراع وليس عند مالك في ذلك حد، وقال أبو حنيفة: حريم بئر العطن أربعون ذراعا وحريم بئر الناضح ستون ذراعا من كل جهة إلا أن يكون حبلهما أطول، وحريم العين خمسمائة ذراع، ولا يعلم لابي حنيفة سلفا في قوله في بئر الناضح، وقد خالف المرسل في هذا الحكم، وقال يحيى بن سعيد في قوله المذكور: هو السنة، والمالكيون يحتجون في أصابع المرأة بقول سعيد بن المسيب: هي السنة فهلا احتجوا ههنا بقول يحيى بن سعيد: هي السنة؟ * 1352 - مسألة - وأما الشرب من نهر غير متملك فالحكم أن السقى للاعلى فالاعلى لاحق للاسفل حتى يستوفى الاعلى حاجته وحق ذلك أن يغطى الماء وجه الارض حتى لا تشربه ويرجع للجدار أو السياج ثم يطلقه ولا يمسكه أكثر، وسواء كان الاعلى أحدث ملكا أو إحياء من الاسفل أو مساويا له أو أقدم منه، ولا يتملك شرب نهر غير متملك أصلا ولاشرب سيل وتبطل الدول والقسمة فيها وان تقادمت الا أن يكون قوم حفر واساقية وبنوها فلهم أن يقتسموا ماءها بقدر حصصهم فيها * برهان ذلك ما رويناه من طريق أبى داود نا أبو الوليد - هو اليطالسى - نا الليث - هو ابن سعد - عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: (خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة التى يسقون بها فقال الانصاري للزبير: سرح الماء يمر فأبى [ عليه ] (1) الزبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ للزبير ] (2) اسق يا زبير ثم أرسل إلى


(1) الزيادة من سنن أبى داود، والحديث مختصر (2) الزيادة من سنن أبى داود

[ 240 ]

جارك فغضب الانصاري وقال: يا رسول الله ان كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق ثم احتبس الماء (1) حتى يرجع إلى الجدر) * 1353 مسألة ومن غرس أشجارا فله ما أظلت أغصانها عند تمامها فان انتثرت على أرض غيره أخذ بقطع ما انتثر منها على أرض غيره * روينا من طريق أبى داود نا محمود بن خالد ان محمد بن عثمان حدثهم قال: نا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردى - عن عمرو بن يحيى المازنى عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى: (قال: اختصم [ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (2) رجلان في حريم نخلة (3) فأمر عليه السلام بجريدة من جريدها فذرعت فقضى بذلك) يعنى بملبغها (4) أما انتثارها على أرض غيره فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل لاحد الانتفاع بمال غيره الا مادامت نفسه له طيبة بذلك وبالله تعالى التوفيق * 1354 مسألة ومن ترك دابته بفلاة ضائعة فأخذها انسان فقام عليها فصلحت أو عطب في بحر أو نهر فرمى البحر متاعه فأخذه انسان أو غاص عليه انسان فأخذه فكل ذلك لصاحبه الاول ولا حق فيه لمن أخذ شيئا منه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وقد جاء في ذلك خلاف كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا منصور - هو ابن المعتمر - عن عبيدالله (5) بن حميد الحميرى قال: سمعت الشعبى يقول: من قامت عليه دابلته فتركها فهى لمن أحياها فقلت له: عمن يا أبا عمرو؟ قال: ان شئت عددت لله كذا وكذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد - هو ابن عبد الله الطحان الواسطي - أنا مطرف هو - ابن طريف - عن الشعبى في رجل سيب دابته فأخذها رجل فأصلحها فقال الشعبى: هذا قد قضى فيه ان كان سيبها في كلا. وأمن. وماء فصاحبها أحق بها وان كان سيبها في مخافة أو مفازة (6) فالذي أخذها أحق بها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن عثمان بن غياث (7) قال: سئل الحسن عمن ترك دابته بأرض قفر فأخذها رجل فقام عليها حتى صلحت؟ قال: هي لمن أحياها، قال: وسئل الحسن عن السفينة تغرق في البحر فيها متاع لقوم شتى؟ فقال:


(1) في سنن أبى داود (ثم احبس الماء) (2) الزيادة من سنن أبى داود (3) أي في أرض حول النخلة قريبا منها (4) أي بقدر قامتها وذرعها، وجاء التصريح بذلك في سنن أبى داود (فوجدت سبعة أذرع) وفى رواية (خمسة أذرع) (5) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (عبد الله) مكبرا وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (6) في النسخة رقم 14 والحلبية (في مفازة أو مخافة) (7) في النسخة رقم 16 (عثمان بن عتاب) وهو تصحيف

[ 241 ]

ما ألقى البحر على ساحله ومن غاص على شئ فاستخرجه فهو له * قال أبو محمد: وهو قول الليث ولقد كان يلزم من شنع بقول الصاحب لايعرف له مخالف أن يقول بقول الشعبى. والحسن لانه عن جماعة من الصحابة لا يعرف له مخالف منهم * 1354 - مسألة - (1) ولا يلزم من وجد متاعه إذا أخذه أن يؤدى إلى الذى وجده عنده ما أنفق عليه لانه لم يأمره بذلك فهو متطوع بما أنفق * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا داود بن أبى هند عن الشعبى أن رجلا أضل بعير اله نضوا فأخذه رجل فأنفق عليه حتى صلح وسمن فوجده صاحبه عنده فخاصمه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى له بالنفقة ورد الدابة إلى صاحبها قال الشعبى: أما أنا فأقول: يأخذ ماله حيث وجده سمينا أو مهزولا ولا شئ عليه * (المرفق) 1355 - مسألة - ولكل أحد أن يفتح ما شاء في حائطه من كوة أو باب أو أن يهدمه إن شاء في دار جاره أو في درب غير نافذ أو نافذ ويقال لجاره: ابن في حقك ما تستر به على نفسك الا أنه يمنع من الاطلاع فقط وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال مالك: يمنع من كل ذلك * قال أبو محمد: وهذا خطأ لان كل ذى حق أولى بحقه، ولا يحل للجار أن ينتفع بحائط جاره إلا حيث جاء النص بذلك، ولا فرق بين أن يهدم حائطه فلا يكلف بنيانه ويقول لجاره: استر على نفسك ان شئت وبين أن يهدم هو حائط نفسه، ولا فرق بين السقف والاطلاع منه وبين قاع الدار والاطلاع منه، ولا فرق بين فتح كوة للضوء وبين فتحها هكذا (1) وكلا الامرين يمكن الاطلاع منه ولم يأت قط قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب يمنع المرء من أن يفتح في حقه وفى حائطه ما شاء، فان احتجوا بالخبر (لا ضرر ولا ضرار) فهذا خبر لا يصح لانه انما جاء مرسلا أو من طريق فيها زهير بن ثابت وهو ضعيف إلا أن معناه صحيح، ولا ضرر أعظم من أن يمنع المرء من التصرف في مال نفسه مراعاة لنفع غيره فهذا هو الضرر حقا، وأما الاطلاع فمنعه واجب لما روينا من طريق البخاري نا على بن عبد الله بن المدينى نا سفيان بن عيينة نا أبو الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بعصا ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) * ورويناه أيضا من طريق أخرى (بحصاة) (2) وهو أصح *


(1) وقع في صفحة 210 غلط في رقم 1329 وتسلسل إلى هنا (2) في النسخة رقم 14 (بين فتحها لذلك) (3) رواية النسخة المطبوعة (بحصاة) ج 9 ص 19 (م 31 ج 8 المحلى)

[ 242 ]

1356 مسألة وليس لاحد أن يرسل ماء سقفه أو داره على أرض جاره أصلا فان أذن له كان له الرجوع متى شاء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فاطلاقه ماء داره على أرض جاره تصرف منه في مال غيره وهو عليه حرام والاذن في ذلك إنما هو مادام إذنا لانه لم يملكه الرقبة والاذن في شئ ما اليوم غير ما لم يؤذن له فيه غدا بلا شك وبالله التوفيق * 1357 مسألة ولا يجوز لاحد أن يدخن على جاره لانه أذى وقد حرم الله تعالى أذى المسلم، ولكل أحد أن يعلى بنيانه ما شاء وإن منع جاره الريح والشمس لانه لم يباشر منعه بغير ما أبيح له، ولكل أحد أن يبنى في حقه ما شاء من حمام. أو نرن. أو رحى. أو كمد (1) أو غير ذلك إذ لم يأت نص بالمنع من شئ من ذلك * 1358 مسألة ولا يحل لاحد أن يمنع جاره من أن يدخل خشبا في جداره ويجبر على ذلك أحب أم كره إن لم يأذن له، فأن اراد صاحب الحائط هدم حائطه كان له ذلك وعليه أن يقول لجاره: دعم خشبك أو انزعه فانى أهدم حائطي، ويجبر صاحب الخشب على ذلك لما روينا من طريق مالك عن ابن شهاب عن الاعرج عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة: مالى أراكم عنها معرضين والله لارمين بها بين أكتافكم) (2) فهذا قول أبى هريرة ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم وهو قول أصحابنا، وقال أبو حنيفة. ومالك: ليس له أن يضع خشبة في جدار جاره * قال أبو محمد: وهذا خلاف مجرد للخبر وما نعلم لهم حجة أصلا الا أن بعضهم ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) * قال على: الذى قال هذا هو الذى قال ذلك وقوله كله حق وعن الله تعالى، وكله واجب علبنا السمع له والطاعة وليس بعضه معارضا لبعض قال الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) والذى قضي بالشفعة واسقاط الملك بعد تمامه. وابطال الشراء بعد صحته. وقضى بالعاقلة. وان يغرموا ما لم يجنوا. وأباح أموالهم في ذلك أحبوا أم كرهوا هو الذى قضى بأن يغرز الجار خشبه في جدار جاره ونهى عن منعه من ذلك، ولو أنهم استعملوا هذا الحكم حيث أباحوا ثمر النخل وكراء الدار المغصوبة كل ذلك لمن اشتراه من الغاصب بالباطل لكان أولى بهم،


(1) كذا في جميع النسخ (2) ورواه أيضا أبو داود في سننه من طريق مسدد. وابن أبى خلف عن سفيان عن الزهري الخ

[ 243 ]

والواجب استعمال جميع السنن فنقول: أموالنا حرام على غيرنا إلا حيث أباحها الذى حرمها، وقال بعضهم: قد روى هذا الخبر خشبة بالنصب على أنها واحدة فقلنا: فأنتم لا تجيزون له لا واحدة ولا أكثر من واحدة فاى راحة لكن في هذه الرواية؟ وكل خشبة في العالم فهى خشبة وليس للجار منع جاره من أن يضعها في جداره فالحكم واحد في كلتا الروايتين وبالله تعالى التوفيق * 1359 مسألة وكل من ملك ماء في نهر حفره أو ساقية حفرها أو عين استخرجها أو بئر استنبطها فهو أحق بماء كل ذلك ما دام محتاجا إليه، ولا يحل له منع الفضل بل يجبر على بذله لمن يحتاج إليه ولا يحل له أخذ عوض عنه لا ببيع ولا غيره لما روينا من طريق جرير عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلا) ومن طريق أبى داود. نا النفيلى (1) نا داود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن أبى المنهال عن إياس بن عبد قال: (نهى (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء) * 1360 مسألة وما غلب عليه الماء من نهر أو نشع. أو سيل فاستغار (3) فهو لصاحبه كما كان فان انتقل عنه يوما ما ولو بعد ألف عام فهو له ولورثته، وما رمى النهى من أحد عدوتيه (4) إلى أخرى فهو باق بحسبه كما كان لمن كان له، وقال المالكيون: بخلاف ذلك وهذا باطل لان تبدل (5) مجرى الماء لا يسقط ملكا عن مالكه ولا يحل ما لا محرما لمن حرمه الله تعالى عليه، وهذا حكم في الدين بلا برهان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) * 1361 مسألة ولا تكون الارض بالاحياء الا لمسلم وأما الذمي فلا لقول الله تعالى: (ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده) وقوله تعالى: (ان الارض يرثها عبادي الصالحون) ونحن أولئك لا الكفار، فنحن الذين أورثنا الله تعالى الارض فله الحمد كثيرا (6) *


(1) هو عبد الله بن محمد شيخ أبى داود السجستاني (2) في سنن أبى داود (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى) الخ، والحديث الذى قبل هذا أيضا في سنن أبى داود بالسند الذى ذكره المصنف (3) في النسخة الحلبية (فاستعذر) (4) تثنية عدوة بضم العين وكسرها جانب النهر وحافته (5) في النسخة رقم 16، تبديل، (6) تم الجزء الثالث من كتاب المحلى من النسخة رقم 14 وقد ذكر ناسخها ومصححها تاريخ كتابتها انها لخمس بقين من جمادى الاولى سنة ثمانين وسبعمائة ولله الحمد والمنة

[ 244 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الوكالة 1362 مسألة الوكالة جائزة في القيام على الاموال. والتذكية. وطلب الحقوق واعطائها. وأخذ القصاص في النفس فما دونها وتبليغ الانكاح. والبيع. والشراء. والاجارة. والاستئجار، كل ذلك من الحاضر. والغائب سواء ومن المريض والصحيح سواء، وطلب الحق كله واجب بغير توكيل الا أن يبرئ صاحب الحق من حقه * برهان ذلك بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم الولاة لا قامة الحدود. والحقوق على الناس. ولاخذ الصدقات وتفريقها، وقد كان بلال على نفقات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان له نظار على أرضه بخيبر. وفدك، وقد روينا في كتاب الاضاحبى من طريق الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عامر [ الجهنى ] عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه أعطاه غنما يقسمها بين أصحابه، وذكرنا في الحج من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على قال: (أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أقسم جلودها وجلالها) * ومن طريق أبى داود نا عبيدالله بن سعد ابن ابراهيم بن سعد نا [ عمى - هو يعقوب بن ابراهيم نا ] (1) أبى - هو ابراهيم بن سعد - عن محمد بن اسحاق عن أبى نعيم وهب بن كيسان قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: أردت الخروج إلى خيبر فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت وكيلى بخيبر (2) فخذ منه خمسة عشر وسقا فان ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته (3)) وفى هذا الخبر تصديق الرسول إذا علم الوالى بصدقه (4) بغير بينة * ومن طريق مسلم نا سلمة ابن شبيب نا الحسن بن أعين نا معقل عن أبى قزعة الباهلى عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى فذكر حديث التمر، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بيعوا تمرها واشتروا لنا من هذا * ومن طريق أبى داود نا حجاج بن أبى يعقوب (5) الثقعى حدثنا معلى بن منصور نا عبد الله بن المبارك حدثنا معمر عن الزرهى عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة أم المؤمنين أنها كانت تحت عبيدالله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة، وهذا خبر منقول نقل الكافة، وأمر عليه السلام بأخذ القود


(1) الزيادة من سنن أبى داود والحديث اختصره المصنف (2) سقط الفظ (خيبر) من النسخة رقم 14 (3) هو العظم الذى بين ثغرة النحر والعاتق (4) في النسخة رقم 16 (بتصديقه) (5) في النسخة رقم 14 (نا حجاج نا يعقوب) وهو غلط

[ 245 ]

وبالرجم وبالجلد: وبالقطع * ومن طريق أبى داود نا عبيدالله بن عمر بن ميسرة نا حماد ابن زيد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن بشير بن يسار عن سهل بن أبى حثمة. ورافع ابن خديج أن محيصة بن مسعود. وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر (1) فتفرقا في البخل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكبر الكبر أو قال: ليبدأ الاكبر فتكلما في أمر صاحبهما)، وقال أبو حنيفة: لا اقبل توكيل حاضر ولا من كان غائبا على أقل من مسيرة ثلاث إلا أن يكون الحاضر أو من ذكرنا مريضا إلا برضى الخصم، وهذا خلاف السنة وتحديد بلا برهان (3) وقول لا نعلم أحدا قاله قبله * وقال المالكيون: لا نتكلم في الحقوق إلا بتوكيل صاحبها وهذا باطل لما ذكرنا. ولقول الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهدا لله) وقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) فواجب بما ذكرنا انكار الظلم وطلب الحق لحاضر وغائب ما لم يترك حقه الحاضر سواء بتوكيل أو بغير توكيل، وطلب الحق قد وجب ولا يمنع من طلبه قول القائل لعل صاحبه لا يريد طلبه ويقال له: قد أمر الله تعالى بطلبه فلا يسقط هذا اليقين ما يتوقعه بالظن * 1363 مسألة ولا تجوز وكالة على طلاق ولا على عتق ولا على تدبير. ولا على رجعة ولا على اسلام ولا على توبة ولا على إقرار ولا على إنكار ولا على عقد الهبة. ولا على العفو. ولا على الابراء ولا على عقد ضمان. ولا على ردة. ولا على قذف. ولا على صلح. ولا على انكاح مطلق بغير تسمية المنكحة والناكح لان كل ذلك إلزام حكم لم يلزم قط. وحل عقد ثابت. ونقل ملك بلفظ، فلا يجوز أن يتكلم أحد عن أحد إلا حيث أوجب ذلك نص ولا نص على جواز الوكالة في شئ من هذه الوجوه، والاصل ان لا يجوز قول أحد على غيره ولا حكمه على غيره لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزرو ازرة وزر أخرى) وكل ما ذكرنا كسب على غيره وحكم بالباطل فلا يمضيه أحد على أحد وبالله تعالى التوفيق * 1364 مسألة ولا يحل للوكيل تعدى ما أمره به موكله فان فعل لم ينفذ فعله فان فات ضمن لقول الله تعالى: (ولا تعتدوا انه لا يحب المعتدين ولقوله تعالى: (فمن


(1) في سنن أبى داود (قبل خيبر) (2) في سنن أبى داود (فأتوا النبي الخ) (3) في النسخة رقم 16 (بلا دليل)

[ 246 ]

اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى علكيم) فوجب من هذا أن من أمره موكله بأن يبتاع له شيئا بثمن مسمى أو يبيعه له بثمن مسمى فباعه أو ابتاعه بأكثر أو بأقل ولو بفلس فما زاد لم يلزم الموكل ولم يكن البيع له أصلا ولم ينفذ البيع لانه لم يؤمر بذلك، فلو وكله على أن يبيع له أو يبتاع له فان ابتاع له بما يساوى أو باع بذلك لزم والا فهو مردود، وكذلك من ابتاع لآخر أو باع له بغير أن يأمره لم يلزم في البيع أصلا ولا جاز للآخر امضاؤه لانه امضاء باطل لا يجوز وكان الشراء لازما للوكيل وما عدا هذا فقول بلا برهان. وحكم بالباطل * واحتج قوم في اجازة ذلك بحديث عروة البارقى. وحكيم ابن حزام (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر كل واحد منهما بأن يبتاع له شاة بدينار فابتاع شاتين فباع أحدهما بدينار وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبالشاة) وهما خبران منقطعان لا يصحان * 1365 - مسألة - وفعل الوكيل نافذ فيما أمر به الموكل لازم (1) للموكل ما لم يصح عنده أن موكله قد عزله فإذا صح ذلك عنده لم ينفذ حكمه من حينئذ ويفسخ ما فعل، وأما كل ما فعل مما أمره به الموكل من حين عزله إلى حين بلوغ الخبر إليه فهو نافذ طالت المدة بين ذلك أو قصرت، وهكذا القول في عزل الامام للامير. وللوالي. والقاضي، ووفى عزل هؤلاء لمن جعل إليهم أن يولوه ولا فرق لان عزله بغير أن يعلمه بعد أن ولاه وأطلقه على البيع وعلى الابتياع وعلى التذكية. والقصاص. والانكاح لمسماة ومسمى خديعة (2) وغش قال الله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا أنفسهم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا: فعزله له باطل الا أن يقول أو يكتب إليه أو يوصى إليه إذا بلغك رسولي فقد عزلتك فهذا صحيح لان له أن يتصرف في حقوق نفسه كما يشاء فإذا بلغه فقد صح عزله وليس للخصم أن يمنع من يخاصمه من عزل وكيله وتولية آخر لان التوكيل في ذلك قد صح ولا برهان على أن للخصم منعه من عزل من شاء وتولية من شاء * (فان قيل): ان في ذلك ضررا على الخصم قلنا: لا ضرر عليه في ذلك أصلا بل الضرر كله هو المنع من تصرف المرء في طلب حقوقه بغير قرآن أوجب ذلك. ولا سنة، وهذا هو الشرع الذى لم بأذن الله تعالى به * 1366 مسألة والوكالة تبطل بموت الموكل بلغ ذلك إلى الوكيل أو لم يبلغ بخلاف موت الامام فانه ان مات فالولاة كلهم نافذة أحكامهم حتى يعزلهم الامام الوالى، وذلك لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) والمال قد انتقل بموت الموكل إلى ورثته فلا يجوز في مالهم حكم من لم يوكلوه وليس كذلك الامام لان المسلمين لابد


(1) في النسخة رقم 16 (نافذ) (2) قوله خديعة هو خبر عن قوله قبل (لان عزله)) الخ

[ 247 ]

لهم ممن يقوم بأمرهم وقد قتل أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم بمؤتة كلهم فتولى الامر خالد بن الوليد من غير أن يؤمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجع بالمسلمين وصوب عليه السلام ذلك، وقد مات عليه السلام وولاته باليمن. ومكة. والبحرين وغيرها فنفذت أحكامهم قبل أن يبلغهم موته عليه السلام ولم يختلف في ذلك أحد من الصحابة رضى الله عنهم وبالله تعالى التوفيق * كتاب المضاربة وهى القراض 1367 مسألة - القراض كان في الجاهلية. وكانت قريش أهل تجارة لا معاش لهم من غيرها وفيهم الشيخ الكبير الذى لا يطيق السفر. والمراة. والصغير. واليتيم فكانوا وذو والشغل والمرض (1) يعطون المال مضاربة لمن يتجر به يجزء مسمى من الربح فأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في الاسلام وعمل به المسلمون عملا متيقنا لا خلاف فيه ولو وجد فيه خلاف ما التفت إليه لانه نقل كافة بعد كافة إلى زمن (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه بذلك، وقد خرج صلى الله عليه وسلم في قراض بمال خديجة رضى الله عنها * 1368 مسألة والقراض انما هو بالدنانير. والدراهم ولا يجوز بغير ذلك الا بأن يعطيه العرض فيأمره ببيعه بثمن محدود وبأن يأخذ الثمن فيعمل به قراضا لان هذا مجمع عليه وما عداه مختلف فيه ولا نص بايجابه. ولا حكم لاحد في ماله إلا بما أباحه له النص، وممن منع من القراض بغير الدنانير. والدراهم الشافعي. ومالك. وأبو حنيفة. وأبو سليمان. وغيرهم * 1369 مسألة - ولا يجوز القراض إلى أجل مسمى أصلا الا ما جاء به نص. أو اجماع، ولا يجوز أن يشترط عبدا يعمل معه أو أجيرا يعمل معه أو جزءا من الربح لفلان لانه شرط ليس في كتاب الله عزو جل فهو باطل، وأما المالكيون. والشافعيون فتناقضوا ههنا فقالوا في القراض كما قلنا. وقالوا في المساقاة: لا تجوز البتة الا إلى أجل مسمى، وكذلك قالوا في المزارعة في الموضع الذى أجازوها فيه ولا فرق بين شئ من ذلك مع خلافهم في المزارعة. والمساقاة السنة الواردة في ذلك وتركوا القياس أيضا، وبالله تعالى التوفيق * 1370 - مسألة ولا يجوز القراض الا بأن يسميا السهم الذى يتقارضان


(1) في النسخة رقم (فكانواو ذو الشغل. والمريض) الخ. وفى النسخة الحلبية (والصغير وذو الشغل والمريض فكانوا) الخ (2) في النسخة رقم 14 (إلى زمان)

[ 248 ]

عليه من الربح كسدس. أو ربع. أو ثلث. أو نصف. أو نحو ذلك ويبينا ما لكل واحد منهما من الربح لانه ان لم يكن هكذا لم يكن قراضا ولا عرفا ما يعمل العامل عليه فهو باطل وبالله تعالى التوفيق * 1371 مسألة ولا يحل للعامل أن يأكل من المال شيئا ولا أن يلبس منه شيئا لا (1) في سفر ولا في حضر * روينا من طريق (2) عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: ما أكل المضارب فهو دين عليه وصح عن ابراهيم. والحسن أن نفقته من جميع المال قال ابراهيم: وكسوته كذلك قال ابن سيرين ليس كذلك، وقولنا ههنا هو قول الشافعي. وأحمد. وأبى سليمان، وقال أبو حنيفة. ومالك: أما في الحضر فكما قلنا وأما في السقر فيأكل منه ويكتسى منه ويركب منه بالمعروف إذا كان المال كثيرا وإلا فلا إلا أن مالكا قال له: في الحضر أن يتغذى منه بالافلس، وهذا تقسيم في غاية الفساد لانه بلا دليل وليت شعرى ما مقدار المال الكثير الذى أباحوا هذا فيه وما مقدار القليل الذى منعوه فيه وهذا كله باطل لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فلا يجوز اشتراطه فان لم يشترط فهو أكل مال بالباطل، ثم أيضا يعود المال إلى الجهالة فلا يدرى ما يخرج منه ولا ما يبقى منه وقليل الحرام حرام ولو أنه مقدار ذرة وكثير الحلال حلال ولو أنه الدنيا وما فيها، فان قالوا هو ساع (3) في مصلحة المال قلنا نعم فكان ماذا؟ وإنما هو ساع لربح يرجوه فانما يسعى في حظ نفسه * 1372 مسألة - وكل ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه فان يفعلا وتركا الا مر بحسبه ثم خسر في المال فلا ربح للعامل وأما إذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له فلا يسقط ملكه عنه لانهما على هذا تعاملا وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه فان لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما وذلك مباح * 1373 مسألة ولا ضمان على العامل فيما تلف من المال ولو تلف كله ولا فيما خسر فيه ولا شئ له على رب المال إلا أن يتعدى أو يضيع فيضمن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم واموالكم عليكم حرام).


(1) سقط لفظ (لا) من النسخة رقم 14 (2) الجار والمجرور سقط النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (3) في النسخة رقم 16 (انه ساع) (4) في لنسخة رقم 14 (في حفظ) وهو غلط

[ 249 ]

1374 مسألة وأيهما اراد ترك العمل فله ذلك ويجبر العامل على بيع السلع معجلا خسر أو ربح لانه لا مدة في القراض فإذ ليس فيه مدة فلا يجوز أن يجبر الا بى منهما على التمادي في عمل لا يريده أحدهما في ماله ولا يريده الآخر في عمله ولا يجوز التأخير في ذلك لانه لا يدرى كم يكون التأخير؟ وقد تسمو قيمة السلع وقد تنحط فايجاب التأخير في ذلك خطأ ولا يلزم أحدا أن يبيح ماله لغيره ليمو له به، والعجب ممن ألزم ههنا إجبار صاحب المال على الصبر حتى يكون للسلع سوق ليمون بذلك العامل من مال غيره وهو لا يرى إجباره على تدارك من يموت جوعا من ذوى رحمه أو غيرهم بما يقيم رمقه: وهذا عكس الحقائق وبالله تعالى التوفيق * 1375 مسألة وإن تعدى العامل فربح فان كان اشترى في ذمته ووزن من مال القراض فحكمه حكم الغاصب وقد صار ضامنا للمال إ تلف (1) أو لما تلف منه بالتعدي ويكون الربح له لان الشرى له، وإن كان اشترى بمال القراض نفسه فالشرى فاسد مفسوخ فان لم يوجد صاحبه البائع منه فالربح للمساكين لانه مال لايعرف له صاحب، وهذا قول النخعي. والشعبى. وحماد بن أبى سليمان. وابن شبرمة. وأبى سليمان وبالله تعالى التوفيق * 1376 - مسألة - وأيهما مات بطل القراض أما في موت صاحب المال فلان المال قد صار للورثة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وأما في موت العامل فلقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) وعقد الذى له المال إنما كان مع الميت لا مع وارثه إلا أن عمل العامل بعد موت صاحب المال ليس تعديا وعمل الوارث بعد موت العامل إصلاح للمال (2) وقد قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) فلا ضمان على العامل ولا على وارثه إن تلف المال بغير تعد ويكون الربح كله لصاحب المال أو لوارثه ويكون للعامل ههنا أو لورثته أجر مثل عمله فقط لقوله تعالى: (والحرمات قصاص) فحرمة عمله يجب له أن يقاص بمثلها لانه محسن معين على بر وبالله تعالى التوفيق * 1377 - مسألة - وان اشترى العامل من مال القراض جارية فوطئها فهو زان عليه حد الزنا لان أصل الملك لغيره وولده منها رقيق لصاحب المال، وكذلك ولد الماشية. * (هامش ش) * (1) في النسخة رقم 16 (وان تلف) بزيادة. واو ولا شئ، وسقطت جملة ((ان تلف) من النسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 14 (وعلى الوارث بعد موت العامل اصلاح المال) والصواب ماهنا لان الكلام الذى بعده يعين ماهنا والآية كذلك (م 32 ج 8 المحلى)

[ 250 ]

وممر الشجر، وكرى الدور لانه شئ حدث في ماله وانما للعامل حظه من الربح فقط ولا يسمى ربحا إلا ما نمى بالبيع فقط وبالله تعالى التوفيق * كتاب الاقرار 1378 - مسألة - من أقر لآخر أو لله تعالى بحق في مال. أو دم. أو بشرة وكان المقر عاقلا بالغا غير مكره وأقر إقرارا تاما ولم يصله بما يفسده فقط لزمه ولا رجوع له بعد ذلك، فان رجع لم ينتفع برجوعه وقد لزمه ما أقربه على نفسه من دم. أو حد. أو مال، فان وصل الاقرار بما يفسده بطل كله ولم يلزمه شئ لا من مال. ولا قود. ولا حد مثل أن يقول: لفلان على مائة دينار، أو يقول: قذفت فلانا بالزنا، أو يقول: زنيت، أو يقول: قتلت فلانا أو نحو ذلك فقد لزمه فان رجع عن ذلك يلتفت، فان قال: كان لفلان على مائة دينار وقد قضيته اياها، أو قال: قذفت فلانا وأنا في غير عقلي، أو قتلت فلانا لانه أراد قتلى ولم أقدر على دفعه عن نفسي، أو قال: زنيت وأنا في غير عقلي أو نحو هذا فان هذا كله يسقط ولا يلزمه شئ، والحر. والعبد. والذكر، والانثى ذات الزوج. والبكر ذات الاب. واليتيمة فيما ذكرنا سواء، وانما هذا كله إذا لم تكن (1) بينة فإذا كانت البينة فلا معنى للانكار ولا للاقرار * روينا من طريق مسلم نا هداب بن خالد نا همام - هو ابن يحيى - نا قتادة عن أنس أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان فلان حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها فاخذ اليهودي فأقر فامر به (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بالحجارة * ومن طريق مسلم نا محمد بن رمح أنا لليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة [ ابن مسعود ] (3) عن أبى هريرة. وزيد بن خالد الجهنى فذكر الحديث وفيه قول القائل: ان ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وأنى أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام اغد يا أنيس على امرأة هذا فان اعترفت فارجمها فغذا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت، فقتل عليه السلام بالاقرار ورجم به ورد به المال ممن كان بيده إلى غيره، وأما إذا وصل به ما يفسده فلم يقر بشئ ولا يجوز أن يلزم بعض اقراره ولا يلزم سائره لانه لم يوجب ذلك قرآن. ولا سنة. ولا اجماع *


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (ما لم تكن بينة) (2) سقط لفظ به من النسخة رقم 16 وهو موجود في صحيح مسلم ج 2 ص 27 (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 36.

[ 251 ]

وقد تناقض ههنا المخالفون فقالوا: ان قال: له على دينار الاربع دينار فهو كما قال، وان قال: ابتعت منه داره بمائة دينار فأنكر الآخر البيع وقال: قد أقر لي بمائة دينار وادعى ابتياع دارى فانهم لا يقضون عليه بشئ أصلا وهذا تناقض ظاهر، وقال مالك: من قال: أحسن الله جزاء فلان فانه (1) أسلفني مائتي دينار وأمهلني حتى أديتها كلها إليه فانه لا يقضى لذلك الفلان عليه بشئ إن طلبه بهذا الاقرار، ولا يختلفون فيمن قال: قتلت رجلا مسلما الآن أمامكم أو قال: أخذت من هذا مائة دينار الآن بحضرتكم فانه لا يقضى عليه بشئ ولم يقولوا: انه أقر ثم ندم ولا أخذوا ببعض قوله دون بعض وهذا تناقض ظاهر * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر الصديق أن رجلا استضاف ناسا من هذيل فأرسلوا جارية تحتطب فأعجبت الضيف فتبعها فأرادها فامتنعت فعاركها فانفلتت فرمته بججر ففضت كبده فمات فأتت أهلها فاخبرتهم فاتوا عمر بن الخطاب فاخبروه فقال عمر: قتيل الله لا يودى والله أبدا * ومن طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى. وحمد. ومطرف كلهم عن عبد الله ابن عبيد بن عمير قال. غزا رجل فخلف على امرأته رجل من يهود فمر به رجل من المسلمين عند صلاة الفجر وهو يقول: وأشعث غره الاسلام منى * خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسى * على جرداء لاحقة الحزام كأن مجامع الربلات منها * قيام ينهضون إلى فئام (2) فدخل عليه فضربه بسيفه حتى قتله (3) فجاءت اليهود يطلبون دمه فجاء الرجل فأخبره بالامر فأبطل عمر بن الخطاب دمه * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الله بن ادريس الاودى نا عاصم بن كليب عن أبيه عن أبى موسى الاشعري قال: أتيت وأبا باليمن بامرأة فسألتها؟ فقالت: ما تسأل عن امرأة حبلى ثيب من غير بعل أما والله ما خاللت خليلا ولا خادنت خدنا مذ أسلمت ولكني بينما أنا نائمة بفناء بيتى فو الله ما ايقظنى الا الرجل حين ركبني وألقى في بطني مثل الشهاب فقال فكتبت فيها إلى عمر [ بن الخطاب ] فكتب إلى أن وافنى بها وبناس من قومها فوافيته بها في الموسم فسأل عنها قومها؟ فأثنوا خيرا وسألها فأخبرته كما أخبرتني فقال عمر: شابة تهامية تنومت قد كان ذلك يفعل فمارها


(1) سقط لفظ (فانه) من النسخة رقم 14 (2) الترائب عظام الصدر، والربلات جمع ربلة باطن الفخذ يسكن ويحرك قال الاصمعي: الافصح التحريك، والفئام الجماعة من الناس (3) في النسخة رقم 16 (حتى مات)

[ 252 ]

عمر وكساها وأوصى بها قومها خيرا، هذا خبر في غاية الصحة * ومن طريق حماد بن سلمة عن عامر بن أبى الحكم عن الحسن أن رجلا رأى مع امرأته رجلا فقتله فارتفعوا إلى عثمان بن عفان فأبطل دمه * ومن طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب. وسليمان بن يساقالا جميعا: ان رجلا أتى امرأة ليلا فجعلت تستصرخ فلم يصرخها أحد فلما رأت ذلك قالت: رويدك حتى أستعد وأتهيأ فاخذت فهرا (1) فقامت خلف الباب فلما دخل ثلغت (2) به رأسه فارتفعوا إلى الضحاك بن قيس فابطل دمه * ومن طريق حماد بن سلمة أخبرنا أبو عقبة أن رجلا ادعى على رجل ألف درهم ولم تكن له بينة فاختصما إلى عبد الملك بن يعلى فقال: قد كانت له عندي ألف درهم فقضيته (3) فقال: أصلحك الله قد أقر فقال له عبد الملك بن يعلى: ان شئت أخذت بقوله أجمع وان شئت أبطلته أجمع، عبد الملك بن يعلى من التابعين ولى قضاء البصرة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: من أقر بشئ في يده فالقول قوله * ومن طريق حماد بن سلمة عن اياس بن معاوية قال: كل من كان في يده شئ فالقول فيه قوله، وقولنا فيما ذكرنا هو قول عثمان البتى. وأبى سليمان. وأحد قولى الشافعي، وأما الرجوع عن الاقرار فكلهم متفق على ما قلنا الا في الرجوع عن الاقرار بما يوجب الحد فان الحنيفيين. والمالكيين قالوا: ان رجع لم يكن عليه شئ وهذا باطل والقوم أصحاب قياس بزعمهم فهلا قاسوا الاقرار بالحد على الاقرار بالحقوق سواه؟ وأيضا فان الحد قد لزمه باقراره فمن ادعى سقوطه برجوعه فقد ادعى ما لا برهان له به، واحتجوا بشيئين. أحدهما (4) حديث ما عز. والثانى أن قالوا: ان الحدود تدرأ بالشبهات * قال على: أما حديث ما عز فلا حجة لهم فيه أصلا لانه ليس فيه ان ما عزا رجع عن الاقرار البتة لا بنص. ولا بدليل. ولا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن رجع عن اقراره قبل رجوعه أيضا البتة فكيف يستحل مسلم أن يموه على أهل الغفلة بخبر ليس فيه شئ مما يزعم؟ وانما روى عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نتحدث ان ما عزاء والغامدية لو رجعا بعد اعترافهما أو لم يرجعا [ بعد اعترافهما ] لم يطلبهما هكذا رويناه من طريق أبى أحمد الزبيري عن بشير بن المهاجر عن ابن بريدة عن أبيه أنه قال هذا القول، وهذا ظن والظن لا يجوز القطع به، وقول القائل: لو فعل فلان كذا لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا كذا ليس بشئ إذ لم يفعل ذلك الفلان ولا غيره ذلك الفعل


(1) هو حجر مل ء الكف يذكرو يؤنث والجمع أفهار (2) أي شدخته (3) في النسخة رقم 16 (فقضيتها) (4) في النسخة رقم 14 (بسنتين احداهما) الخ وما هنا أوضح *

[ 253 ]

قط ولا فعله عليه السلام قط، وقد قال جابر: أنا أعلم الناس بأمر ماعز انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلا تركتموه وجئتموني به) ليستثبت (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فاما لترك حدفلا * هذا نص كلام جابر فهو أعلم بذلك ولم يرجع ما عزقط عن اقراره انما قال: ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قومي قتلوني وغرونى من نفسي وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي هكذا روينا كل ما ذكرنا من طريق أبى داود نا عبيدالله بن عمر بن ميسرة نا يزيد بن زريع عن محمد بن اسحاق أن عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثنى (2) حسن ابن محمد بن على بن أبى طالب أن جابز بن عبد الله قال له: كل ما ذكرنا على نصفه، فبطل تمويههم بحديث ما عز * وأما ادرؤا الحدود بالشبهات فما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قط من طريق فيها خير ولا نعلمه أيضا جاء عنه عليه السلام أيضا لا مسندا ولا مرسلا وانما هو قول روى عن ابن مسعود. وعمر فقط، ولو صح لكانوا أول مخالف له لان الحنيفيين. والمالكيين لا نعلم أحدا أشد إقامة للحدود بالشبهات منهم، فالمالكيون يحدون في الزنا بالرجم. والجلد بالحبل فقط وهى منكرة وقد تستكره وتوطأ بنكاح صحيح لم يشتهر أو وهى في غير عقلها، ويقتلون (3) بدعوى المريض أن فلانا قتله وفلان منكر ولا بينة عليه، ويحدون في الخمر بالرائحة وقد تكون رائحة تفاح أو كمثرى شتوى، ويقطعون في السرقة من يقول: صاحب المنزل بعثنى في هذا لشئ وصاحب المنزل مقر له بذلك، ويحدون في القذف بالتعريض وهذا كله هو إقامة الحدود بالشبهات * وأما الحنيفيون فانهم يقطعون من دخل مع آخر في منزل إنسان للسرقة فلم يتول أخذ شئ ولا اخراجه وانما سرق الذى دخل فيه فقط فيقطعونهما جميعا في كثير لهم من مثل هذا قد تقصيناه في غير هذا المكان، فمن أعجب شأنا ممن يحتج بقول قائل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هو أول مخالف لما احتج به من ذلك، وأما تسويتنا بين الحر. والعبد. والذكر. واألانثى ذات الاب البكر وغير البكر. واليتيمة. وذات الزوج فلان الدين واحد على الجميع والحكم واحد على الجميع الا أن يأتي بالفرق بين شئ من ذلك قرآن أو سنة. ولا قرآن. ولا سنة ولا قياس. ولا اجماع على الفرق بين شئ مما ذكرنا (4) وبلا خلاف من أحد من أهل الارض من المسلمين في أن الله تعالى خاطب كل من ذكرنا خطابا قصد به إلى كل واحد منهم في ذات نفسه بقوله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على


(1) في النسخة رقم 16 (ليتثبت) وما هنا موافق لما في سنن ابى داود (2) في النسخة رقم 16 (أخبرني) وما هنا موافق لما في سنن ابى داود (3) في النسخة رقم 16 والحلبية (فيقبلون) وهو تصحيف (4) في النسخة رقم 14 (من ذلك)

[ 254 ]

أنفسكم أو الوالدين والاقربين) فكل من ذكرنا مأمور بالاقرار بالحق على نفسه، ومن الباطل المتيقن أن يفترض عليهم ما لا يقبل منهم، وقد قال قوم: ان (1) إقرار العبد بما يوجب الحد لا يلزم لانه مال فانما هو مقر في مال سيده والله تعالى يقول: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) * قال على: هو وان كان مالا فهو انسان تلزمه احكام الديانة، وهذه الآية حجتنا في ذلك لانه كاسب على نفسه باقراره، وقد وافقونا لو أن أجيرا أقر على نفسه بحد للزمه، وفى اقراره بذلك إبطال اجارته ان أقر بما يوجب قتلا أو قطعا وليس بذلك كاسبا على غيره وبالله تعالى التوفيق * 1379 مسألة وباقراره مرة يلزم كل ما ذكرنا من حد. أو قتل. أو مال، وقال الحنيفيون: لا يلزم الحد في الزنا إلا باقرار أربع مرات، وقال أبو يوسف: لا يلزم في السرقة الا باقرار مرتين وأقاموا ذلك مقام الشهادة، وقال مالك. والشافعي. وأبو سليمان. كقولنا * واحتج الحنيفيون بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رددما عزا أربع مرات * قال على: قد صح هذا وجاء أنه ردده أقل، وروى أكثر وانما ردده عليه السلام لانه اتهم عقله. واتهمه أنه لا يدرى ما الزنا؟ هكذا في نص الحديث أنه قال: استنكهوه هل شرب خمرا؟ أو كما قال عليه السلام، وانه عليه السلام بعث إلى قومه يسألهم عن عقله؟ وأنه عليه السلام قال له: أتدرى ما الزنا؟ لعلك غمزت أو قبلت، فاذقد صح هذا كله ولم يأت قط في رواية صحيحة ولا سقيمة أنه عليه السلام قال: لا يحد حتى يقر أربع مرات فلا يجوز أن يزاد هذا الشرط فيما تقام به حدود الله تعالى، والقوم أصحاب قياس بزعمهم فيلزمه إذ أقاموا الاقرار مقام البينة في بعض المواضع أن يقيموه مقامها في كل موضع فلا يقضوا على أحد أقر بمال حتى يقر مرتين وهم لا يفعلون (2) هذا، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي الذى قتل الجارية باقرار غير مردد والقتل أعظم الحدود وبالله تعالى التوفيق * 1380 مسألة واقرار المريض في مرض موته وفى مرض أفاق منه لوارث ولغير وارث نافذ من رأس المال كاقرار الصحيح ولا فرق * روينا من طريق عبد الرزاق نا بعض أصحابنا عن الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: إذا أقر المريض في مرضه بدن لرجل فانه جائز. فعم ابن عمر لم يخص * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن ليث عن طاوس قال: إذا أقر لوارث بدين جاز - يعنى في المرض - * وبه إلى ابن علية عن عامر الاحول قال: سئل الحسن عنه؟ فقال: احملها اياه ولا اتحملها عنه *


(1) سقط لفظ (ان) من النسخة رقم 14 (2) في النسخة رقم 16 (لا يقولون)

[ 255 ]

ومن طريق ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب ناحماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء فيمن أقر لوارث بدين قال: جائز * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عمر بن أيوب الموصلي عن جعفر - هو ابن برقان - عن ميمون - هو ابن مهران - إذا أقر بدين في مرضه فأرى أن يجوز عليه لانه لو (1) أقربه - وهو صحيح - جازوا أصدق ما يكون عند موته، وهذا هو قول الشافعي. وأبى سلمان. وأصحابهما * وقالت طائفة: لا يجوز اقرار المريض أصلا كما روينا عن ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: لا يجوز إقرار المريض بالدين وهو قول ياسين الزيات الا أنه قال: هو من الثلث، وقسمت طائفة كما روينا عن شريح أنه كان يجيز اعتراف المريض عند موته بالدين لغير الوارث ولا يجيزه للوارث الا ببينة وهو قول ابراهيم. وابن أذينة صح ذلك عنهما، ورويناه أيضا عن الحكم. والشعبى وهو قول أبى حنيفة الا أن دين الصحة عنده مقدم على دين المرض، واتفقوا على أن اقرار الصحيح للوارث ولغير الوارث بالدين جائز من رأس المال كان له ولد أو لم يكن، وقال مالك. وأبو حنيفة: ان أقر المريض لوارث فأفاق من مرضه فهو لازم له من رأس ماله، واختلف عن مالك في ذلك ان مات من ذلك المرض فرواية ابن القاسم عنه أنه لا يجوز ذلك الاقرار، وروى أبو قرة عن مالك لا يجوز الا في الشئ اليسير الذى يرى (2) أنه لا يوثر به لتفاهته، وروى عن مالك أيضا انه ان أقر لوارث بار به لم يجز اقراره له فان أقر لوارث عاق جاز اقراره له كالأجنبي، وقال في اقراره لزوجته بدين أو مهر: فانه ان كان له ولد من غيرها ولم يعرف له انقطاع إلى الزوجة ولا ميل إليها فاقراره لها جائز من رأس المال فان عرف له ميل إليها وكان بينه وبين ولده من غيرها تفاقم لم يجز اقراره لها قال: وليس سائر الورثة في ذلك كالزوجة لانه لا يتهم في الزوجة إذا لم يكن له إليها ميل أن يصرف ماله عن ولده إليها قال: فان ورثه بنون أو اخوة لم يجز اقراره لبعضهم دون بعض في مرضه فان لم يترك الا ابنة وعصبة فأقر لبعض العصبة جاز ذلك، وقال: ولا يجوز اقراره لصديقه الملاطف إذا ورثه أبواه أو عصبته فان ورثه ولد أو ولد ولد جاز اقراره له * قال أبو محمد: هذه أقوال مبينة - بلا خلاف - على الظنون الزائغة على التهمة الفاسدة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) وقال الله تعالى: (إن يتبعون الا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وكل هذه الاقوال لا تحفظ عن أحد قبله، ولا يخلو اقرار المريض عندهم إذا اتهموه فيه من أن يكون عندهم هبة أو يكون


(1) في النسخة رقم 16 (لانه إذا) (2) في النسخة رقم 16 (والذى يرى)

[ 256 ]

وصية فان كان هبة فالهبة عندهم لبعض الورثة دون بعض جائزة من رأس المال وما جاء قط فرق بين هبة مريض ولا هبة صحيح، وان كان وصية فوصية الصحيح. والمريض سواء لا تجوز الا من الثلث، فظهر ان تفريقهم فاسد * فان ذكروا حديث عتق الستة الاعبد واقراع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة فليس هذا من الاقرار في شئ (1) أصلا والاقرار انما هو اخبار بحق ذكره. وليس عطية أصلا. ولا وصية، وحديث الستة الاعبد سنذكره إن شاء الله تعالى في العتق باسناده مبينا وبالله تعالى التوفيق * 1381 مسألة ومن قال: هذا الشئ لشئ في يده كان لفلان ووهبه لى أو قال: باعه منى صدق ولم يقض عليه بشئ لما ذكرنا قبل، ولان الاموال. والاملاك بلا شك منتقلة من يد إلى يد هذا أمر نعلمه يقينا، فلو قضى عليه ببعض إقراره هنا دون سائره (2) لوجب اخراج جميع أملاك الناس عن أيديهم أو أكثرها لانك لا تشك (3) في الدور. والارضين: والثياب المجلوبة (4). والعبيد. والدواب انها كانت قبل من هي بيده لغيره بلا شك وان أمكن في بعض ذلك أن ينتجه فان الام وأم الام بلا شك كانت لغيره، وكذلك الزريعة مما بيده مما ينبت فظهر فساد هذا القول جملة، فان قامت بينة في شئ مما بيده مما أقر به أو مما لم يقربه أنه كان لغيره قضى به لذلك الغير (5) حينئذ ولم يصدق على انتقال ما قامت به البينة لا نسان بعينه البتة الا ببينة وهذا متفق عليه، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى بالبينة للمدعى * 1382 مسألة ومن قال: لفلان عندي مائة دينار دين ولى عنده مائة قفيز قمح، أو قال: الا مائة قفيز تمر أو نحو ذلك أو إلاجارية ولا بينة عليه بشئ ولا له قوم القمح الذى ادعاه فان ساوى المائة الدينار التى أقر بها أو ساوى أكثر فلا شئ عليه وان ساوى أقل قضى بالفضل فقط للذى أقر له * برهان ذلك انه لم يقر له قط اقرارا تاما بل وصله بما أبطل به أول كلامه فلم يثبت له قط على نفسه شيئا، ولو جاز ان يؤخذ ببعض كلامه دون بعض لوجب أن يقتل من قال لا اله الا الله لان نصف كلامه إذا انفرد كفر صحيح وهو قوله لا اله فيقال له: كفرت ثم ندمت، وهذا فاسد جدا، ولوجب أيضا أن يبطل الاستثناء كله بمثل هذا لانه ابطال


(1) في النسخة رقم 16 ورقم 14 (في سبب) (2) في النسخة رقم 14 (دون بعض) (3) في النسخة رقم 16 (لا يشك) (4) في النسخة الحلبية (الثياب المحلوبة) فكتب ناسخها بهامشها هكذا وجد في الاصل والاظهر (الشاة المحلوبة) اه‍ وليس كذلك بل هو تصحيف في لفظ (المحلوبة) فقط (5) في النسخة رقم 16 (قضى له بذلك الغير) وهو غلط

[ 257 ]

لما أثبته بأول كلامه قبل أن يستثنى ما استثنى، وقد قال قوم: انما يجوز الاستثناء من نوع ما قبله لا من نوع غيره * قال أبو محمد: وهذا باطل لان الله تعالى يقول: (انى لا يخاف لدى المرسلون الا من ظلم) وقال تعالى: (فجسد الملائكة كلهم أجمعون الا ابليس) فاستثنى ابليس من الملائكة وليس منهم بل من الجن الذين ينسلون والملائكة لا تنسل، واستثنى تعالى: (من ظلم) من المرسلين وليسوا من أهل صفتهم، وقال الشاعر: وبلدة ليس بها انيس * الا اليعافير والا العيس وليس اليعافير. والعيس من الانيس وقد استثناهم الشاعر الفصيح العربي * كتاب اللقطة. والضالة. والآبق 1383 - مسألة - من وجد ما لا في قرية. أو مدينة. أو صحراء في أرض العجم أو أرض العرب العنوة أو الصحلح مدفونا أو غير مدفون الا أن عليه علامة أنه من ضرب مدة الاسلام أو وجد ما لا قد سقط أي مال كان فهو لقطة، وفرض عليه أخذه وان يشهد عليه عدلا واحدا فاكثر ثم يعرفه ولا يأتي بعلامته لكن تعريفه هو أن يقول في المجامع الذى يرجو وجود صاحبه فيها أو لا يرجو: من ضاع له مال فليخبر بعلامته فلا يزال كذلك سنة قمرية فان جاء من يقيم عليه بينة أو من يصف عفاصه (1) ويصدق في صفته ويصف وعاءه ويصدق فيه ويصف رباطه ويصدق فيه، ويعرف عدده ويصدق فيه. أو يعرف ما كان له من هذا، أما العدد. والوعاء ان كان لا عفاص له ولا وكاء، أو العدد ان كان منثورا في غير وعاء دفعها إليه كانت له بينة أو لم تكن ويجبر الواجد على دفعه إليه ولا ضمان عليه بعد ذلك، ولو جاء من يثبته ببينة فان لم يأت أحد يصدق في صفته بما ذكرنا (2) ولا بينة (3) فهو عند تمام السنة مال من مال الواجد غنيا كان أو فقيرا يفعل فيه ما شاء ويورث عنه إلا أنه متى قدم من يقيم فيه بينة أو يصف شيئا مما ذكرنا فيصدق ضمنه له ان كان حيا أو ضمنه له الورثة ان كان الواجد له ميتا، فان كان ما وجد شيئا واحدا كدينار واحد.


(1) قال أبو عبيد: العفاص هو الوعاء الذى يكون فيه النفقة ان كان جلدا أو خرقة أو غير ذلك ولذلك سمى الجلد الذى يلبس رأس القارورة العفاص لانه كالوعاء لها (2) في النسخة رقم 16 (في وصفه ما ذكرنا) وفى الحلبية (في صفة ما ذكرنا) (3) في النسخة رقم 14 (ولا ببينة) (م 33 ج 8 المحلى)

[ 258 ]

أو درهم واحد. أو لؤلؤة واحدة. أو ثوب واحد. أو أي شئ كان كذلك لا رباط له. ولا وعاء. ولا عفاص فهو للذى يجده من حين يجده ويعرفه. أبدا طول حياته فان جاء من يقيم عليه بينة فقط ضمنه له فقط هو أو ورثته بعده والا فهو له أو لورثته يفعل فيه ما شاء من بيع أو غيره، وكذلك ورثته بعده ولا يرد (1) ما أنفذوا فيه، فان كان ذلك في حرم مكة حرسها الله تعالى أو في رفقة قوم ناهضين إلى العمرة أو الحج عرف أبدا ولم يحل له تملكه بل يكون موقوفا فان يئس بيقين عن معرفة صاحبه فهو في جمع مصالح المسلمين * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نى اسحاق بن منصور نا عبيدالله بن موسى العبسى عن شيبان عن يحيى - هو ابن أبى كثير - أخبرني أبو سلمة - هو ابن عبد الرحمن بن عوف - أخبرني أبو هريرة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة فقال: (إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها نبيه (2) والمؤمنين ألا وانها لم تحل لاحد قبلى ولم تحل لاحد بعدى ألا وانها أحلت لى ساعة من النهار ألا وانها ساعتي هذه حرام لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد) * قال أبو محمد: مكة هي الحرم كله فقط وهى ذات الحرمة المذكورة لا ما عدا الحرم بلا خلاف، ورويناه أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، ومن طريق مسلم نى أبو الطاهر أنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الاشج عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الرحمن بن عثمان التيمى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج (3) * قال أبو محمد: الحج في اللغة هو القصد ومنه سميت المحجة محجة، فالقاصد من بيته إلى الحج أو العمرة هو فاعل للقصد الذى هو الحج إلى أن يتم جميع أعمال حجه أو عمرته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فإذا تمت فليس حاجا لكنه كان حاجا وقد حج وبالله تعالى التوفيق * وروينا هذا عن عمر بن الخطاب. وابن المسيب * روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا الاسود بن شيبان عن أبى نوفل - هو ابن أبى عقرب - عن أبيه أنه أصاب بدرة بالموسم على عهد عمر بن الخطاب فعرفها فلم يعرفها أحد فأتى بها عمر عند النفر وقال له: قد عرفتها فاغنها عنى (4) قال: ما أنا بفاعل قال: يا أمير المؤمنين فما تأمرني؟ قال: أمسكها حتى توافي بها الموسم قابلا ففعل فعرفها


(1) في النسخة رقم 14 (ولا يردوا) (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 384 (رسوله) والحديث مطول اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه ((3) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 44 (4) أي اصرفها عنى)، وفى نسخة رقم 16 (فأغبها عنى) وهو تصحيف

[ 259 ]

فلم يعرفها أحد فأتى بها عمر فأخبره أنه قد وافاه بها كما أمره وعرفها فلم يعرفها أحد وقال له: أغنها عنى قال له عمر: ما أنا بفاعل ولكن ان شئت أخبرتك بالمخرج منها أو سبيلها ان شئت تصدقت بها فان جاء صاحبها خيرته فان اختار المال رددت عليه المال وكان الاجر لك وان اختار الاجر كان لك نيتك، فهذا فعل عمر في لقطة الموسم، وفعل في لقطة غير الموسم ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني اسماعيل ابن أمية أن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهنى أخبره أن أباه عبد الله - قال اسماعيل: وقد سمعت أن له صحبة - أقبل من الشام فوجد صرة فيها ذهب مائة فأخذها فجاء بها إلى عمر ابن الخطاب فقال له عمر: انشدها الآن على باب المسجد ثلاثة أيام ثم عرفها سنة فان اعترفت والا فهى لك قال: ففعلت فلم تعرف فقسمتها بنى امرأتين لى * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن قتادة قال: كنت أطواف بالبيت فوطئت على ذهب. أو فضة فلم آخذه فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال. بئس ما صنعت كان ينبغى لك ان تأخذه تعرفه سنة فان جاء صاحبه رددته إليه والا تصدقت به على ذى فاقة ممن لا تعول، وقال في لقطة غير الحرم ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني اسماعيل بن أمية أن زيد بن الاخنس الخزاعى أخبره أنه قال لسعيد بن المسيب: وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال: لا تؤجر أنت ولا صاحبها قلت: أفأدفعها إلى الامراء؟ قال: إذا يأكلونها أكلا سريعا قلت: وكيف تأمرني؟ قال: عرفها سنة فان اعترفت والا فهى لك كما لك، فهذا سعيد بن المسيب يقول: بايجاب أخذ اللقطة ولا بد، ويراها بعد الحول قد صارت من مال الملتقط الا لقطة مكة، وقولنا في لقطة مكة هو قول عبد الرحمن بن مهدى. وأبى عبيدنا بذلك أحمد بن محمد بن الجسور قال: نا محمد بن عيسى بن رفاعة نا على بن عبد العزيز نا أبو عبيد عن عبد الرحمن بن مهدى بذلك، وعن أبى عبيد من قوله، وأما ما عدالقطة الحرم. والحاج فلما روينا من طريق أبى داود نا مسدد نا خالد - هو الحذاء - عن أبى العلاء - هو يزيد بن عبد الله بن الشخير - عن مطرف - هو ابن عبد الله بن الشخير - عن عياض بن حمار المجاشعى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ (1) لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوى عدل ولا يكتم ولا يغيب فان وجد صاحبها فليردها عليه والا فهو مال الله عزوجل يؤتيه من يشاء * ورويناه من طريق هشيم عن خالد الحذاء باسناده فقال: فليشهد ذوى عدل * قال أبو محمد: وزاد مسدد كما ذكرنا وليس شكا، ولا يجور أن يحمل شئ


(1) في سنن أبى داود (من وجد)

[ 260 ]

مما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه شك الا بيقين أنه شك والا فظاهره الاسناد * ومن طريق حماد بن سلمة عن ربيعة عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سئل عن اللقطة فقال: أعرف عفاصها وعدتها ووعاءها فان جاء صاحبها فعرفها فادفعها إليه والا فهى لك) * ومن طريق مسلم حدثنى أبو الطاهر [ أحمد بن عمرو بن السرح ] (1) نا ابن وهب نا الضحاك بن عثمان عن أبى النضر - هو مولى عمر بن عبيدالله - عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهنى قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة؟ فقال: عرفها سنة فان لم تعترف فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فان جاء صاحبها فأدها إليه) * ومن طريق حماد بن سلمة نا سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة (أن أبى بن كعب قال له: انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرف عددها ووكاءها ووعاءها ثم استمتع بها فان جاء صاحبها فعرف عددها ووكاءها ووعاءها فاعطها إياه وإلا فهى لك) * وأما الشئ الواحد الذى لا وكاء له ولا عفاص ولا وعاء فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر بتعريف السنة فيما له عدد. وعفاص. ووكاء أو بعض هذه فأما ما لا عفاص له. ولا وعاء. ولا وكاء. ولا عدد فهو خارج من هذا الخبر وحكمه في حديث عياض ابن حمار فحكمه أن ينشد ذلك أبدا لقوله عليه السلام: (ولا يكتم ولا يغيب) ولقوله عليه السلام: (هو مال الله يؤتيه من يشاء) فقد آتاه الله واجده (2) روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن رافع ناحجين بن المثنى نا عبد العزيز - هو ابن أبى سلمة - الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سلمة بن كهيل قال: كان سويد بن غفلة. وزيد بن صوحان وثالث معهما في سفر فوجد أحدهم - هو سويد بلا شك - سوطا فأخذه فقال له صاحباه ألقه فقال: استمتع به فان جاء صاحبه أديته إليه خير من أن تأكله السباع فلقى أبى ابن كعب فذكر ذلك له فقال: أصبت وأخطئا * ففى هذا أن أبى بن كعب رأى وجوب أخذ اللقطة * قال أبو محمد: فيما ذكرنا اختلاف، فمن ذلك أن قوما قالوا: لا تؤخذ اللقطة أصلا، وقال آخرون: مباح أخذها وتركها مباح، فأما من نهى عن أخذها (3) فلما ذكرنا آنفا، وكما روينا عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن جعفر بن ربيعة أن الوليد بن سعد حدثه قال: كنت مع ابن عمر فرأيت دينارا فذهبت لآخذه


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 44 (2) في النسخة رقم 16 (فقد أتاه من أخذه) وفى النسخة الحلبية (فقد أتاه واخذه) ولا يخفى ما فيهما (3) في النسخة رقم 16 (عن اللقطة)

[ 261 ]

فضرب ابن عمر يدى وقال: مالك وله اتركه * ومن طريق قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس لا ترفع اللقطة لست منها في شئ تركها خير من أخذها * ومن طريق سفيان الثوري عن ابراهيم بن عبد الاعلى سئل سعيد بن جبير عن الفاكهة توجد في الطريق؟ قال: لا تؤكل إلا باذن ربها * وعن الربيع بن خيثم انه كره أخذ اللقطعة * وعن شريح أنه مر بدرهم فتركه، وقال أبو حنيفة. ومالك: كلا الامرين مباح والافضل أخذها، وقال الشافعي مرة: أخذها أفضل ومرة قال: الورع تركها * قال أبو محمد: أما من أباح كلا الامرين فما نعلم له حجة أصلا، فان حملوا أمره عليه السلام بأخذها على الندب قيل لهم: فاحملوا أمره بتعريفها على الندب ولا فرق، فان قالوا: أموال الناس محرمة قلنا: واضاعتها محرمة ولا فرق، وأما من منع من أخذها فانهم احتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فقلنا لهم: نعم وما أمرناه باستحلالها أصلا لكن أمرناه بالمفترض عليه من حفظها وترك اضاعتها المحرمة عليها ثم جعلناها له حيث جعلها له الذى حرم أموالنا علينا إلا بما أباحها لنا لا يجوز ترك شئ من أوامره صلى الله عليه وسلم فهو أولى بنا من أنفسنا، وقد كفر من وجد في نفسه حرجا مما قضى، واحتجوا أيضا بحديث المنذر بن جرير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يأوى الضالة الاضال) (1)، وبحديث أبى مسلم الجرمى أو الحرمى عن الجارود عن النبي صلى الله عليه وسلم (قال: ضالة المسلم حرق النار)، وهذان خبران لا يصحان لان المنذر بن جرير. وأبا مسلم الجرمى أو الحرمى غير معروفين، لكن (ضالة المسلم حرق النار) قد صح من طريق أخرى وهذا لفظ مجمل فسره سائر الآثار، وهو خبر رويناه من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضوال الابل؟ فقال عليه السلام: ضالة المسلم حرق النار، وهم أول مخالف فامروا بأخذ ضوال الابل ثم لو صحا لما كان لهم فيهما حجة لان إيواء الضالة بخلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم حرق النار وضلال بلا شك، وما أمرناه قط بايوائها مطلقا لكن بتعريفها وضمانها في الابد، وقد جاء بهذا حديث أحسن من حديثهم كما روينا من طريق ابن وهب حدثنى عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة عن أبى سالم الجيشانى عن زيد بن خالد الجهنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ أنه قال ]: (من أخذ لقطة (2) فهو ضال ما لم يعرفها)، ومنها


(1) الحديث في سنن أبى داود بلفظ (من آوى ضالة) الخ (2) الحديث بهذا السند ومتنه في صحيح مسلم ج 2 ص 45 الا أن قوله (من أخذ لقطة) بدل ماهنا (3) قال الخطابى: ليس هذا بمخالف للاخبار التى جاءت في أخذ اللقطة وذلك أن اسم الضالة لا يقع على

[ 262 ]

مدة التعريف، وقد روينا عن عمر رضى الله عنه التعريف ثلاثة أيام على باب المسجد ثم سنة، وبه يقول الليث بن سعد، ويحتج لهذا القول بما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد (1) نا على بن عياش نا الليث - هو ابن سعد - حدثنى من أرضى عن اسماعيل بن أمية عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - وقد سئل عن الضالة -: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها ثلاثة أيام على باب المسجد فان جاء صاحبها فادفعها إليه وان لم يأت فعرفها سنة فان جاء صاحبها والا فشأنك بها)، وهذا حديث هالك لان الليث لم يسم من أخذ عنه وقد يرضى الفاضل من لا يرضى، وهذا سفيان الثوري يقول: لم أرا أصدق من جابر الجعفي وجايز مشهور بالكذب، ثم هو خطأ لانه قال فيه: عن عبد الله بن يزيد (2) وانما هو عن يزيد لا عن عبد الله بن يزيد، ووجه آخر كما روينا من طريق حماد ابن سلمة أنا يحيى بن سعيد - هو الانصاري - عن معاوية بن عبد الله بن بدر قال: وجد أبى في مبرك بعير مائة دينار فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك؟ فقال له: عرفها عاما فعرفها عاما فلم يجد لها عارفا فقال له عمر: عرفها ثلاثة أعوام فلم يجد لها عارفا فقال له عمر: هي لك * ويحتج لهذا بما رويناه من طريق احمد بن شعيب أنا محمد بن قدامة نا جرير عن الاعمش عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة قال: قال لى أبى بن كعب التقطت صرة فيها مائة دينار فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عرفها حولا فعرفتها حولا فقلت: يا رسول الله قد عرفتها حولا فقال: عرفها سنة أخرى فعرفتها سنة أخرى ثم قلت: يا رسول الله عرفتها سنة فقال: عرفها سنة أخرى فعرفتها سنة أخرى ثم أخبرته عليه السلام بذلك فقال: انقطع بها واعرف وكاءها وخرقتها واحص عددها فان جاء صاحبها قال جرير: لم أحفظ ما بعد هذا، وهكذا رويناه من طريق زيد بن أبى أنيسة. وعبيدالله بن عمر الرقيين كلاهما عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبى بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: هذا حديث ظاهره صحة السند إلا أن سلمة بن كهيل أخطأ فيه بلا شك لاننا رويناه من طريق حماد بن سلمة عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبى بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه: فلم أجد لها عارفا عامين أو ثلاثة * وروينا من طريق


الدراهم والدنانير والمتاع ونحوها وانما الضال اسم للحيوان التى تضل عن أهلها كالابل والبقر والطير وما في معناها فإذا وجدها المرء لم يحل له أن يعرض لها مادامت بحال تمنع بنفسها وتستقل بقوتها حتى يأخذها صاحبها اه‍ (1) في النسخة رقم 14 (عن عبد الصمد) وهو غلط (2) كذلك رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه بسنده (عن يزيد) كما قال المصنف

[ 263 ]

عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبى بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه: عرفها عاما قال: فعرفتها فلم تعترف فرجعت فقال: عرفها عاما مرتين أو ثلاثا، فهذا شك من سلمة بن كهيل، ثم رويناه من طريق مسلم بن الحجاج قال: حدثنى أبو بكر بن نافع نا غندر نا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت سويد بن غفلة قال: لقيت أبى بن كعب فذكر الحديث (وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: عرفها حولا فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال: عرفها حولا فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال: عرفها حولا فلم أجد من يعرفها، وذكر باقى الحديث، قال شعبة: فلقيته بعد ذلك بمكة فقال: لا أدرى ثلاثة أحوال أو حول واحد (1)) فهذا تصريح من سملة بن كهيل بالشك والشريعة لا تؤخذ بالشك * ورويناه أيضا من طريق مسلم حدثنى عبد الرحمن بن بشر (2) العبدى نا بهز - هو ابن أسد - نا شعبة أنا سلمة بن كهيل قال: سمعت سويد بن غفلة فاقتص الحديث قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها عاما واحدا * فصح أن سلمة بن كهيل تثبت واستذكر فثبت على عام واحد بعد أن شك فصح أنه وهم ثم استذكر فشك ثم استذكر فتيقن وثبت وجوب تعريف العام وبطل تعريف ما زاد والحمد لله رب العالمين * قال أبو محمد: وههنا أثران آخران. أحهدما رويناه من طريق عبد الرزاق عن أبى بكر - هو ابن أبى ميسرة - عن شريك بن عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى: (أن عليا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدينار وجده في السوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرفه ثلاثا ففعل فلم يجد أحدا يعترفه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كله) فكذر الحديث كله وفى آخره: (فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام) لهذا الحديث * قال أبو محمد: لا ندرى من كلام من هذه الزيادة، وهذا خبر سوء لانه من طريق ابن أبى سبرة وهو مشهور بوضع الحديث، والكذب، عن شريك (3) وهو مدلس يدلس المنكرات عن الضعفاء إلى الثقات، وروى من طريق اسرائيل عن عمر بن عبد الله ابن يعلى عن جدته حكيمة عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم قال: (من التقط لقطة يسيرة درهما أو حبلا أو شبه ذلك فليعرفه ثلاثة أيام فان كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام) وهذا


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 44 (2) في النسخة رقم 16 (بشير) وهو غلط (3) في النسخة رقم 14 (على شريك) وهو تصحيف قبيح لانه يوهم ان الجار والمجرور متعلق (بوضع) وهذا فاسد كما لا يخفى

[ 264 ]

لا شئ. اسرائيل ضعيف وعمر بن عبد الله مجهول. وحكيمة (1) عن أبيها أنكر وأنكر، ظلمات بعضها فوق بعض * قال أبو محمد: روينا عن مالك. والشافعي. وأبى سليمان. والاوزاعي تعريف اللقطة سنة وهو القول الظاهر عن أبى حنيفة، وقد روى عنه خلافه، وروى عن عمر ابن الخطاب أيضا تعريف القطة ثلاثة أشهر، وروى أيضا عنه من طريق شريك عن أبى يعقوب العبدى عن أبى شيخ العبدى عن زيد بن صوحان العبدى أن عمر أمر أن يعرف قلادة التقطها أربعة أشهر فان جاء من يعرفها والاوضعها في بيت المال، فهذه عن عمر رضى الله عنه خمسة أقوال، وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري من التقط درهما فانه يعرفه أربعة أيام، وقال الحسن بن حى. وأبو حنيفة في رواية هشام بن عبيدالله الرازي عن محمد بن الحسن عنه: ان ما بلغ عشرة دراهم فصاعدا فانه يعرف سنة، واختلفا فيما كان أقل فقال الحسن بن حى: يعرف ثلاثة أيام، وقال أبو حنيفة: يعرف على قدر ما يرى الملتقط، وهذه آراء فاسدة كما ترى، ومنها دفع اللقطة إلى من عرف العفاص. والوكاء. والعدد. والوعاء فقال. مالك. وأبو سليمان كما قلنا، وقال أبو حنيفة. والشافعي: لا يدفعها إليها بذلك فان فعل ضمنها لانه قد يسمع صاحبها يصفها فيعرف صفتها فيأتى بها، واحتجوا في ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه، ونهى عن أن يعطى أحد بدعواه، وقال عليه السلام: (شاهداك أو يمينه ليس لك غير ذلك) * قال أبو محمد: هذا كله حق والذى قاله هو الذى أمر بأن تعطى اللقطة من عرف العفاص. والوكاء. والعدد. والوعاء وليس كلامه متعارضا ولا حكمه متناقضا ولا يحل ضرب بعضه ببعض ولا ترك بعضه وأخذ بعض فكله حق وكله وحى من عند الله عزوجل، وهم مجمعون معنا على أن المدعى عليه إن أقر قضى عليه بغير بينة فقد جعلوا للمدعى شيئا غير الشاهدين أو يمين المدعى عليه، فان قالوا: قد صح الحكم بالاقرار قلنا: وقد صح دفع اللقطة بأن يصف المدعى وكاءها. وعددها. وعفاصها. ووعاءها ولا ترق، وليس كل الاحكام توجد في خبر واحد ولا تؤخذ من خبر واحد ولكن تضم السنن بعضها إلى بعض ويؤخذ بها كلها، ولو أن الحنيفيين اعترضوا أنفسهم بهذه الاعتراضات في قبولهم امرأة واحدة في عيوب النساء. والولادة ولو عارضوا أنفسهم


(1) قال ابن حجر في تلخيص الحبير: وزعم ابن حزم ان عمر مجهول وزعم هو وابن القطان ان حكيمة ويعلى مجهولان وهو عجب منهما لان يعلى صحابي معروف اه‍

[ 265 ]

بهذا في حكمهم للزوجين يختلفان في متاع البيت ان ما أشبه أن يكون للرجال كان للرجل مع يمينه وما اشبه أن يكون للنساء كان للمرأة بيمينها بغير بينة، ولا يحكمون بذلك في الاخت والاخ يختلفان في متاع البيت الذى هما فيه، ولو عارضوا أنفسهم بهذا الاعتراض في قولهم: إن من ادعى لقيطا هو وغيره فأتى بعلامات في جسده قضى له به ولا يقضون بذلك فيمن ادعى مع آخر عبدا فأتى أحدهما بعلامات في جسده، وفى قولهم: لو أن مستأجر الدار تداعى مع صاحب الدار في جذوع موضوعة في الدار وأحد مصراعين في الدار أن تلك الجدوع إن كانت تشبه الجذوع التى في البناء والمصراع القائم كان كل ذلك لصاحب الدار بلا بينة، وسائر تلك التخاليط التى لا تعقل، ثم لا يبالون بمعارضة أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بآرائهم الفاسدة، واما الشافعي فانه قضى في القتيل يوجد في محلة أقوام أعداء له ان المدعين بقتله عليه يحلفون خمسين يمينا ثم يقضى لهم بالدية فأعطاهم بدعواهم، فان قالوا: ان السنة جاءت بهذا قلنا لهم: والسنة جاءت بدفع القطة إلى من عرف عفاصها. ووكاءها. ووعددها. ووعاءها ولا فرق، وقالوا: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فان جاء صاحبها فادها إليها قلنا: نعم وصاحبها هو الذى أمر عليه السلام بدفعها إليه إذا وصف ما ذكرنا، وأما قولهم: قد يسمعها متحيل فيقال لهم: وقد تكذب الشهود ولا فرق، وقالوا: قد قال أبو داود السجستاني: هذه الزيادة - فان عرف عفاصها. ووكاءها. وعددها فادفعها إليه - غير محفوظة * قال أبو محمد: وهذا لا شئ ولا يجوز أن يقال فيما رواه الثقات مسندا: هذا اغير محفوظ، ولا يعجز أحد عن هذه الدعوى فميا شاء من السنن الثوابت، وقد أخذ الحنيفيون بزيادة جاءت في حديث حماد بن سلمة في الزكاة وهى ساقطة غير محفوظة ولو صح اسنادها ما قلنا فيه: غير محفوظ، وأخذوا بخبر الاستعساء وقد قال من هو أجل من أبى داود: وليس الاستسعاء محفوظا وانما هو من كلام ابن أبى عروبة، وأخذوا بالخبر (من ملك ذارحم محرمة فهو حر) وجمهور أصحاب الحديث يقولون: انه غير محفوظ، وأخذ الشافعي في زكاة الفطر باللفظة التى ذكرها من لا يعتد به: (ممن تعولون) وهى بلا شك ساقطة غير محفوظة ولو صحت من طريق الاسناد ما استحللنا أن نقول فيها: غير محفوظة ثم نقول: أخطأ أبو داود في قوله: هي غير محفوظة بل هي محفوظة لانها لو لم يروها إلا حماد ابن سلمة وحده لكفى لثقته وامامته وكيف وقد وافقه عليها سفيان الثوري عن ربيعة عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهنى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسفيان أيضا عن سلمة ابن كهيل عن سويد بن غفلة عن ابى بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فبطل قول من قال: (م 34 ج 8 المحلى)

[ 266 ]

هي غير محفوظة بل هي مشهورة محفوظة، ومنها تملك اللقطة بعد الحول روينا قولنا عن عمر بن الخطاب وغيره كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا أبو عبيدة بن أبى السفر نا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن عمرو بن شعيب عن عمرو. وعاصم ابني سفيان بن عبد الله عن أبيهما أنه التقط عيبة (1) فأتى بها عمر بن الخطاب فأمره أن يعرفها حولا ففعل ثم أخبره فقال: هي لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك قلت: لا حاجة لى بها وأمر بها فالقيت في بيت المال، وقد صح عن عمر من طرق جمة. وعن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق ابن عمر أنه راى تمرة مطروحة في السكة فأخذها فالكها * وعن على بن أبى طالب أنه التقط حب رمان فاكله * وعن ابن عباس من وجد لقطة من سقط المتاع سوطا أو نعلين. أو عصا أو يسيرا من المتاع فليستمتع به ولينشده فان كان ودكا فليأتدم به ولينشده وان كان زادا فليأكله ولينشده فان جاء صاحبه فليغرم له، وهو قول روى أيضا عن طاوس. وابن المسيب. وجابر بن زيد. وعطاء في أحد قوليه. والشافعي. وأبى سليمان. وغيرهم، وقالت طائفة: يتصدق بها فان عرفت خير صاحبها بين الاجر والضمان * روينا ذلك أيضا عن عمر. وعلى. وابن مسعود. وابن عباس. وابن عمر قال: لا آمرك أن تأكلها، وعن طاوس أيضا. وعكرمة وهو قول أبى حنيفة. والحسن بن حى. وسفيان، واحتج هؤلاء بما روى من طريق البزار نا خالد بن يوسف نا أبى نا زياد بن سعد نا سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة؟ فقال: لا تحل اللقطة فمن التقط شيئا فليعرفه سنة فان جاء صصاحبه فليرده إليه وان لم يأت فليتصدق به فان جاء فليخيره بين الاجر وبين الذى له) * قال أبو محمد: وهذا لا شئ لان يوسف بن خالد. وأباه مجهولان ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لان قوله لا تحل اللقطة حق ولا تحل قبل التعريف وأمره بالصدقة بها مضموم إلى أمره عليه السلام باستنفاقها وبكونها من جملة ماله إذ لو صح هذا لكان (2) بعض أمره عليه السلام أولى باطاعة من بعض ولا يحل مخالفة شئ من أوامره عليه السلام لآخر منها بل كلها حق واجب استعماله ونحن لم نمنع واجدها من الصدقة بها إن أراد فيحتج علينا بهذا فبطل تعلقهم بهذا الخبر لو صح فكيف وهو لا يصح؟ فان ادعوا إجماعا على الصدقة بها كذبوا لما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أن زيد بن الاخنس الخزاعى أخبره أنه قال لسعيد بن المسيب: وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال: لا تؤجر أنت ولاصاحبها قلت: أفأدفعها إلى الامراء؟ قال: إذا يأكلونها أكلا سريعا قلت: فكيف تأمرني؟


(1) هو زبيل من أدم وما يجعل فيه الثياب (2) في النسخة رقم 14 والحلبية (لما كان) وهو غلط

[ 267 ]

قال: عرفها سنة فان اعترفت والا فهي لك، والعجب أن بعضهم احتج لمذهبه (1) الخطأ في هذا بقول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * قال على: احتجاج هذا الجاهل بهذه الآية في هذا المكان (2) دليل على رقة دينه إذ جعل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم باطلا ولو كان له دين لما عارض حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنه جعل هذه المعارضة لقولهم الملعون: ان الغاصب لدور المسلمين وضياعهم يسكنها ويكريها فالكراء له حلال واحتراث ضياعهم له حلال لا يلزمه في ذلك شئ، وقولهم: من اشترى شيئا شراء فاسدا فقد ملكه ملكا فاسدا وأبا حواله التصرف فيما اشترى بالباطل بالوطئ: والعتق وسائر أقوالهم الخبيثة لكانوا قد وافقوا، ثم أعجب شئ (3) أمرهم بالصدقة بها فان جاء صاحبها ضمنوا المساكين ان وجدوهم فعلى أصلهم هو أيضا أكل مال بالباطل، وأى فرق بين أن يأكلها الواجد وضمانها عليه وبين أن يأكلوها المساكين وضمانها عليهم؟ فان لم يوجدوا فعليه لان كان أحد الوجهين أكل مال بالباطل فان الآخر أكل مال بالباطل ولا فرق، ولا كان أحدهما أكل مال بحق فان الآخر أكل مال بالحق ولا فرق إذ الضمان في العاقبة في كلا الوجهين ولكنهم قوم لا يعقلون * واحتجوا بما ذكرنا قبل أنه لا يصح من ضالة المسلم حرق النار. ولا يأوى الضالة الاضال ولو صحا لكانا عليهم أعظم حجة لانهم يبيحون أخذ ضوال الابل التى فيها ورد النص المذكور فاعجبوا لهذه العقول!، وأعجب شئ احتجاجهم ههنا برواية خبيثة رواها أبو يوسف عن عبد الملك بن العرزمى عن سلمة بن كهيل أن أبى بن كعب ثم ذكر باقى الحديث وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: فانك ذوحاجة إليها * قال أبو محمد: هذا منقطع لان سلمة لم يدرك أبيا ثم العرزمى ضعيف جدا، وأبو يوسف لا يبعد عنه فمن أضل ممن يرد ما رواه سفيان الثوري. وحماد بن سلمة كلاهما عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبى بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ بما رواه أبو يوسف المغموز عن العرزمى الضعيف عن سلمة عن أبى وهو لم يلق (4) أبيا قط ففى مثل هذا فليعتبر أولو الابصار، ثم لو صحت لهم هذه الزيادة التى لا تصح لما كان لهم فيها حجة لانه ليس فيها الا اباحة اللقطة للمحتاج ولسنا ننكر هذا بل هو قولنا وليس فيها منع الغنى منها لا بنص ولا بدليل، ثم العجب كله رد هم كلهم في هذا المكان نفسه حديث على


(1) في النسخة رقم 16 (يحتج لمذهبه) (2) في النسخة رقم 16 (هذا الموضع) (3) في النسخة رقم 16 (وأعجب شئ) (4) في النسخة رقم 16 (هو لم يدرك)

[ 268 ]

ابن أبى طالب في التقاطه الدينار واباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم له استنفاقه بان قالوا (1): هو مرسل ورواه شريك وهو ضعيف فالمرسل الذى يرويه الضعيف لا يجوز الاخذ به إذا خالف رأى أبى حنيفة والمرسل الذى رواه العرزمى وهو الغاية في الضعف لا يجوز تركه إذا وافق رأى أبى حنيفة والله لتطولن ندامة من هذا سبيله في دينه يوم لا يغنى الندم عنه شيئا، وما هذه طريق من يدين بيوم الحساب لكنه الضلال والاضلال نعوذ بالله من الخذلان، ثم قد كذبوا بل قد روى حديث على من غير طريق شريك وأسند من طريق أبى داود نا جعفر بن مسافر التنيسى نا ابن أبى فديك ناموسى بن يعقوب الزمعى - هو موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة - عن أبى حازم عن سهل بن سعد أخبره أن على بن أبى طالب وجد الحسين والحسن يبكيان من الجوع فخرج فوجد دينارا بالسوق فجاء به إلى فاطمة فأخبرها فقالت له: اذهب إلى فلان اليهودي فخذلنا دقيقا فذهب إلى اليهودي فاشترى به دقيقا فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذى يزعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم قال: فخذ دينارك ولك الدقيق فخرج على حتى جاء به فاطمة فأخبرها فقالت له: [ اذهب إلى فلان الجزار ] (2) فخذلنا بدرهم لحما فذهب فرهن الدينار بدرهم لحم فجاء به فعجنت ونصبت وخبزت وأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاءهم فقالت له: يا رسول الله أذكر لك فان رأيته لنا حلالا أكلنا وأكلت معنا من شأنه كذا وكذا فقال عليه السلام: كلوا باسم الله فأكلوا فبينما هم مكانهم إذا غلام ينشد الله تعالى والاسلام الدينار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعى له [ فسأله ] (3) فقال: سقط منى في السوق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا على اذهب إلى الجزار فقل له: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك: ارسل إلى بالدينار ودرهمك على فأرسل به فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا بينة (4) * قال أبو محمد: هذا خبر خير من خبرهم وهو عليه السلام. وعلى. وفاطمة. والحسن. والحسين رضى الله عنهم لا تحل لهم الصدقة أغنياء كانوا أو فقراء، وقد أباح في هذا الخبر شراء الدقيق بالدينار فانما أخذه ابتياعا ثم أهدى إليه اليهودي الدينار، وكذلك رهن الدينار في اللحم، والخبر الصحيح يكفى من كل هذا * روينا من طريق البخاري نا محمد بن يوسف أنا سفيان عن منصور بن المعتمر عن طلحة بن مصرف عن أنس بن مالك [ رضى الله عنه ] (5)


(1) في النسخة رقم 16 (فان قالوا) (2) الزيادة من سنن أبى داود (3) الزيادة من سنن أبى داود (4) قوله (بلا بينة) غير موجود في سنن أبى داود (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 251

[ 269 ]

قال مر: (رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة مطروحة في الطريق فقال: لو لا أنى أخاف أن تكون من الصدقة لاكلتها) فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم غنى لا فقير بشهادة الله تعالى له إذ يقول (ووجدك علائلا فأغنى) يستحل أكل اللقطة وإنما توقع أن تكون من الصدقة فقال بعضهم: هذا على تحقيق الصفة إنها من الصدقة (1) لانها لقطة، وهذا كلام إناسن عديم عقل وحياء ودين لانه كلام لا يعقل وخلاف لمفهوم لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب مجاهر به باردغث، وأعجب شئ قول بعضهم: قد صح الاجماع على أنه لا يعطيها غنيا غيره فكان هو كذلك * قال أبو محمد: لا شئ أسهل من الكذب المفضوح عند هؤلاء القوم ثم كذبهم إنما هو على الله تعالى. وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى جميع أهل الاسلام. وعلى العقول والحواس ليث شعرى متى اجمع معهم على هذا ومن أجمع معهم على هذا أبقية الجندل. والكثكث (2) وأين وجدوا هذا الاجماع؟ بل كذبوا في ذلك وإذا أدخلت اللقطة في ملكه بانقضاء الحول الذى عرفها فيه فان أعطاها غنيا أو أغنياء أو قارون لو وجده حيا أو سليمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان في عصره لكان ذلك مباحا لا شئ من الكراهية فيه، وقالوا: قد شك يحيى بن سعيد في أمر الملتقط بأن يستنفقها أهو من قول يزيد مولى المنبعث؟ أو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقطع مرة أخرى على أنه من قول يزيد قلنا: وقد أسنده يحيى أيضا وهذا كله صحيح فيه لانه سمعه مرة مسندا وسمع يزيد يقول: من فتياه أيضا ثم يقول: لكن ربيعة لم يشك في أنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضا لم يشك بسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى مالك. وسفيان الثوري عن ربيعة عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم (فان جاء صاحبها والا فشأنك بها) وروى حماد بن سلمة عن ربيعة عن يزيد عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم ([ فان جاء صاحبها والا فشأنك بها) * وروى حماد بن سلمة عن ربيعة عن يزيد عن زيد بن خالد عن النبي عليه السلام فان جاء صاحبها فعرفها فادفعها إليه والا فهى لك * وروى سفيان بن عيينة ان ربيعة اخبره ان يزيد مولى المنبعث حدثه عن زيد بن خالد عن النبي عليه السلام ] (3) أنه سئل عن اللقطة؟ فقال. عرفها سنة فان اعترفت وإلا فاخلطها بمالك * ورويناه من طريق سعيد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردى - سمعت ربيعة يحدث عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وفى


(1) في النسخة رقم 16 (على تحقيق الصدقة انما هي الصدقة) (2) هو فتات الحجارة والتراب (3) هذه الزيادة سقطت من النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية

[ 270 ]

آخره (فان جاء صاحبها فأدها إليه وإلا فاصنع بها ما تصنع بمالك) ورواه أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللقطة قال: (عرفها سنة فان لم تعترف فاعرف عفاصها. ووكاءها ثم كلها فان جاء صاحبها فادها إليه) * ورواه حماد بن سلمة انا سلمة بن كهيل عن سويد ابن غفلة ان أبى بن كعب قال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له في اللقطة: (فان جاء صاحبها فعرف عددها. ووكاءها. ووعاءها فأعطها اياه والا فهى لك) وعلى هذا دل حديث عياض بن حمار. وأبى هريرة لا مثل تلك الملفقات المكذوبة من مرسل. ومجهول. ومن لا خير فيه وبالله تعالى التوفيق * وقد جاء خبر من طريق لا يزال المخالفون يحتجون بها إذا وافقتهم روينا من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف ترى ما وجد في الطريق الميتاء أو في القرية المسكونة؟ قال: عرف سنة فان جاء باغية فادفعه إليه والا فشأنك به فان جاء طالبها يوما من الدهر فادها إليه وما كان في الطريق غير الميتاء وفى القرية غير المسكونة ففيه وفى الركاز الخمس) وأما نحن فهذه صحيفة لا نأخذ بها فهذا حكم القطة من غير الحيوان * وأما الضوال من الحيوان فلها ثلاثة أحكام، أما الضأن والمعز فقط كبارها وصغارها توجد بحيث يخاف عليها الذئب أو من يأخذها من الناس ولا حافظ لها ولا هي بقرب ماء منها فهى حلال لمن أخذها سواء جاء صاحبها أو لم يجئ وجدها حية. أو مذبوحة. أو مطبوخة أو مأكولة لا سبيل له عليها * وأما الابل القوية على الرعى. وورود الماء فلا يحل لاحد أخذها وانما حكمها أن تترك ولابد فمن أخذها ضمنها ان تلفت عنده بأى وجه تلفت وكان عاصيا بذلك الا أن يكون شئ من كان ما ذكرنا من لقطة أو ضالة يعرف صاحبها فحكم كل ذلك ان ترد إليه ولا تعريف في ذلك، وأما كل ما عدا ما ذكرنا من إبل لا قوة بها على ورود الماء والرعى وسائر البقر. والخيل. والبغال. والحمير. والصيود كلها المتملكة والا باق من العبيد والاماء وما أضل صاحبه منها والغنم التى تكون ضوال بحيث لا يخاف عليها الذئب ولا انسان وغير ذلك كله ففرض أخذه وضمه وتعريفه أبدا، فان يئس من معرفة صاحبها أدخلها الحاكم أو واجدها في جميع مصالح المسلمين وبالله تعالى التوفيق * سواء كان كل ما ذكرنا مما أهمله صاحبه لضرورة أو لخوف. أو لهزال.

[ 271 ]

أو مما ضل ولا فرق * برهان ذلك ما رويناه من طريق البخاري نا قتيبة [ بن سعيد ] (1) نا اسماعيل بن جعفر عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهنى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل (2) عن اللقطة؟ فقال: عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فان جاء ربها فادها إليه فقال: يا رسول الله فضالة الغنم؟ قال: خذها فانما هي لك أو لاخيك أو للذئب قال: يا رسول الله فضالة الابل؟ فغضب عليه السلام حتى احمرت وجنتاه [ أو احمر وجهه ] (3) وقال (4) مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها) * ومن طريق البخاري نا اسماعيل ابن عبد الله بن أبى أويس نا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الانصاري عن يزيد مولى المنبعث أنه سمع زيد بن خالد الجهنى يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ترى في ضالة الغنم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذها فانما هي لك أو لاخيك أو للذئب فقال: كيف ترى في ضالة الابل؟ قال: دعها فان معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) (5) فأمر عليه السلام بأخذ ضالة الغنم التى يخاف عليها الذئب أو العادى ويترك الابل التى ترد الماء وتأكل الشجر، وخصها بذلك دون سائر القطعات والضوال فلا يحل لاحد خلاف ذلك * قال أبو محمد: وأما ما عرف ربه فليس ضالة لانها لم تضل جملة بل هي معروفة وانما الضالة ما ضلت جملة فلم يعرفها صاحبها أين هي؟ ولا عرف واجدها لمن هي وهى التى أمر عليه السلام بنشدها وبقى حكم الحيوان كله حاشى ما ذكرنا موقوفا على قول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ومن البر والتقوى احراز مال المسلم أو الذمي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم واموالكم عليكم حرام) فلا يحل لاحد من مال أحد إلا ما أحله الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عماله لا تضموا الضوال فلقد كانت الابل تتناتج هملا وترد المياه لا يعرض لها أحد حتى يأتي من يعترفها فيأخذها حتى إذا كان عثمان كتب أن ضموها وعرفوها جاء من يعترفها والا فبيعوها وضعوا أثمانها في بيت المال فان جاء من يعترفها فادفعوا إليهم الاثمان * ومن طريق ابن وهب أخبرني أنس بن عياض (6) عن سلمة بن وردان سألت سالم بن


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 253 (2) في صحيح البخاري (ان رجلا سأل رسول الله) الخ (3) الزيادة من صحيح البخاري (4) في صحيح البخاري (ثم قال) (5) الحديث في صحيح البخاري ج 3 ص 250 مطولا اختصرة المصنف (6) في النسخة رقم 16 (انيس بن عياض) وهو غلط

[ 272 ]

عبد الله بن عمر عن الشاة توجد بالارض التى ليس بها أحد فقال لى: عرفها دنالك فان عرفت فادفعها إلى من عرفها وإلا فشاتك وشاة الذئب فكلها * ومن طريق وكيع حدثنا سلمة ابن وردان قال: سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن ضالة الابل؟ فقال: معها سقاؤها وحذاؤها دعها إلا أن تعرف صاحبها فتدفعها إليه * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر: وسفيان الثوري كلاهما عن أبى اسحاق السبيعى عن امرأته قال: جاءت امرأة إلى عائشة أم المؤمنين فقالت: إنى وجدت شاة فقالت: اعلفى واحلبى وعرفي ثم عادت إليها ثلاث مرات فقالت: تريدين أن آمرك بذبحها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو الاحوص عن زيد بن جبير أنه سمع ابن عمر يقول لرجل سأله عن ضالة وجدها: فقال له ابن عمر: أصلح إليها وانشد قال: فهل على ان شربت من لبنها قال: ما أرى عليك في ذلك * وقال أبو حنيفة. وأصحابه: تؤخذ ضالة الابل كما تؤخذ غيرها، وقال الشافعي: ما كان من الخيل. والبقر. والبغال قويا يرد الماء ويرعى لم يأخذ قياسا على الابل وما كان منها ومن سائر الحيوان لا يمتنع أخذ (1)، وقال أبو حنيفة. والشافعي: من أخذ ضالة من الغنم فعليه ضمانها إن أكلها، وقال مالك: أما ضالة الغنم فما كان بقرب القرى فلا يأكلها ولكن يضمنها إلى أقرب القرى فيعرفها هنالك وأما ما كان في الفلوات والمهامه فانه يأكلها أو يأخذها فان جاء صاحبها فوجدها حية فهو أحق بها وإن وجدها مأكولة فلا شئ له ولا يضمنها له واجدها الذى أكلها، واختلف أصحابه فيها إن وجدها مذبوحة لم تؤكل بعد قال: وأما البقر فان خيف عليها السبع فحكمها حكم الغنم وإن لم يخف عليها السبع فحكمها حكم الابل يترك كل ذلك ولا يعترض له ولا يؤخذ، وأما الخيل. والبغال. والحمير. فلتعرف ثم يتصدق بها * قال أبو محمد: أما تقسيم مالك فخطأ لانه لم يتبع النص إذ فرق بين أحوال وجود ضالة الغنم وليس في النص شئ من ذلك وكذلك تفريقه بين وجود الشاة صاحبها حية أو مأكولة فليس في الخبر شئ من ذلك اصلا لا بنص ولا بدليل ولا القياس طرد ولا قول متقدم التزم لان القياس أن لا يبيح الشاة لواجدها أصلا كما لا يبيح سائر اللقطات إلا أن كان فقير ابعد تعريف عام ولا نعلم فرقة هذه عن أحد قبلة ولا نعلم لقوله حجة أصلا، وأما أبو حنيفة فانه خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كله جهارا فمنع من الشاة جملة وأمر بأخذ ضالة الابل وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا احمر له وجهه ونعوذ بالله من ذلك، فاما هو - يعنى ابا حنيفة - فيعذر لجهله بالآثار، وأما هؤلاء الخاسرون فو الله


(1) في النسخة رقم 14 (أخذه)

[ 273 ]

ما لهم عذر بل هم قد أقدموا على ما أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية فحصلوا في جملة من قال الله تعالى فيهم: (ذلك بانهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه) فما أخوفنا عليهم من تمام الآية لان الحجة قد قامت عليهم، (فان قالوا): ان الاموال حرام على غير أهلها وواجب حفظها فلا نأخذ بخلاف ذلك بخبر واحد قلنا لهم: قد أخذ تم بذلك الخبر بعينه فما أنكرتموه نفسه فأمرتم باتلافها بالصدقة بها بعد تعريف سنة فمرة صار عندكم الخبر حجة ومرة صار عندكم باطلا وهو ذلك الخبر بعينه فما هذا الضلال؟ وقد روينا لهم عن أم المؤمنين. وابن عمر اباحة شرب لبن الضالة وهم لا يقولون بذلك، وأما الشافعي فنقض أصله ولم ير أخذ الشاة وأقحم في حكم الخبر ما ليس فيه فألحق بالابل ما لم يذكر في النص وجعل ورود الماء ورعى الشجر علة قاس عليها ولا دليل له على صحة ذلك، وان الشاة لترد الماء وترعى ما أدركت من الشجر كما تفعل الابل ويمتنع منها ما لم تدركه كما يمتنع على الابل ما لا تدركه وان الذنب ليأكل البعير كما يأكل الشاة ولا منعة عند البعير منه وانما يمتنع منه البقر فقط هذا أمر معلوم بالمشاهدة، وقالوا: قول النبي صلى الله عليه وسلم. (هي لك أو لاخيك أو للذئب) ليس تمليكا للذئب فكذلك ليس تمليكا للواجد فقلنا: هذا باطل من قولكم لان الذنب لا يملك والواجد يملك و الواجد مخاطب والذئب ليس مخاطبا وقد أمر الواجد بأخذها فزيادتكم كاذبة مردودة عليكم وبالله تعالى التوفيق * فظهر سقطوط هذه الاقوال كلها بتيقن وان كل واحد منهم أخذ ببعض الخبر وجعله حجة وترك بعضه ولم يره حجة، واختلفوا في ذلك فاخذ هذا ما ترك هذا وترك هذا ما أخذ الآخر، وهذا ما لا طريق للصواب إليه أصلا وبالله تعالى التوفيق، ولئن كان الخبر حجة في موضع فانه لحجة في كل ما فيه الا أن تأتى مخالفة له بناسخ متيقن، وان كان ليس حجة في شئ منه فكله ليس حجة، والتحكم في أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز وبالله تعالى التوفيق * كتاب اللقيط 1384 مسألة ان وجد صغير منبوذ ففرض على بحضرته أن يقوم به ولابد لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ولقول الله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) ولا إثم أعظم من اثم من أضاع (1) نسمة مولودة على الاسلام صغيرة لاذنب لها حتى تموت جوعا وبردا


(1) في النسخة رقم 14 (ولا اثم أعظم من اضاعة) الخ (م 35 ج 8 المحلى)

[ 274 ]

أو تأكله الكلاب هو قاتل نفس عمدا بلا شك، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) * 1385 مسألة واللقيط حر ولا ولاء عليه لاحد لان الناس كلهم أولاد آدم وزوجه حواء عليهما السلام وهما حران وأولاد الحرة أحرار بلا خلاف من أحد فكل أحد فهو حر (1) إلا أن يوجب نص قرآن. أو سنة ولانص فيهما يوجب ارقاق اللقيط، واذلارق عليه فلا ولاء لاحد عليه لانه لا ولاء الا بعد صحته رق على المرء أو على أب له قريب أو بعيد يرجع إليه بنسبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الولاء لمن أعتق) وهذا قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي، وداود، وقد صح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ما رويناه من طريق مالك عن ابن شهاب عن سنين أبى جميلة أنه وجد منبوذا فأتى به إلى عمر بن الخاطب فقال له عمر: هو حر وولاؤه لك ونفقته من بيت المال * وروينا أيضا هذا عن شريح أنه جعل ولاء اللقيط لمن التقطه، وصح عن ابراهيم النخعي ما رويناه من طريق محمد بن جعفر نا شعبة عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: اللقيط عبد، وقد روينا هذا عن عمر بن الخطاب كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان عن سليمان - هو أبو إسحق الشيباني - عن حوط عن ابراهيم النخعي قال: قال عمر: هم مملوكون - يعنى اللقطاء - (2) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو ابن دينار عن الزهري عن رجل من الانصار قال: ان عمرا أعتق لقيطا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا الاعمش عن زهير العبسى أن رجلا التقط لقيط فأتى به على ابن أبى طالب فاعتقه * قال أبو محمد: لا يعتق الا مملوك قال على: فان قيل: قد رويتم من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا شعبة قال: سألت حماد بن أبى سليمان، والحكم عن اللقيط؟ فقالا جميعا: هو حر فقلت: عمن؟ فقال الحكم: عن الحسن عن على، ورويتم عن وكيع عن سفيان عن زهير بن أبى ثابت. وموسى الجهنى قال موسى: رأيت ولد زنا ألحقه على في مائه، وقال زهير عن ذهل بن أوس عن تميم بن مسيح قال: وجدت لقيطا فاتيت به على ابن ابى طالب فالحقه في مائه، قلنا: ليس في هذا خلاف لما ذكر نا قبل لان قول عمر هو حر وقول الحسن عن على هو حر إذا ضم إلى ما روى عنهما من أن كل واحد منهما أعتق اللقيط مع ما روى عن عمر من أنهم مملوكون وأن ولاءه لمن وجده اتفق كل ذلك على أن قولهما

[ 275 ]


(1) قوله (فكل أحد فهو حر) سقط من النسخة رقم 14 (2) في النسخة رقم 16 (هو مملوك - يعنى اللقيط -) رضى الله عنهما هو حرانه اعتاق منهما له في ذلك الوقت، وان العجب ليطول ممن ترك السنة الثابة لرواية شيخ من بنى كنانة عن عمر بن الخطاب أنه قال: (البيع عن صفقة أو خيار) ولو سمعنا هذا من عمر لما كان خلافا للسنة في أن البيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر بل كان يكون موافقا للسنة، فالصفقة التفرق والخيار التخيير ثم لا يجعل ما روى سنين - وله صحبة - عن عمر حجة وما رواه ابراهيم النخعي حجة عن عمر، وهو والله أجل وأوضح من شيخ من بنى كنانة، ولا يعرف لعمر. وعلى ههنا مخالف من الصحابة رضى الله عنهم لا سيما وقد جاء أثرهم أبدا يأخذون بما دونه وهو ما رويناه من طريق محمد بن الجهم نا عبد الكريم بن الهيثم نا يزيد بن عبد ربه نا محمد بن حرب الخولانى نا عمر بن رؤبة (1) قال: سمعت عبد الواحد النصرى (2) يقول: سمعت واثلة بن الاسقع يقول: (ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: تحرز المرأة ثلاثة مواريث. لقيطها. وعتيقها. وولدها الذى لاعنت عليه) * قال أبو محمد: عمر بن رؤبة. وعبد الواحد النصرى مجهولان ولو صح لقلنا به وأما هم فلا يبالون بهذا ولا أحد إلا وهو أعرف وأشهر من شيخ من بنى كنانة وقد تركوا السنة الثابة لروايته، فان قالوا: وبأى وجه (3) يرق واصله الحرية؟ قلنا: يا سبحان الله يا هؤلاء: ما أسرع ما نسيتم أنفسكم أو لستم القائلين: إن رجلا قرشيا لو لحق بدار الحرب مرتدا هو وامرأته القرشية مرتدة فولدت هنا لك أولادا فان أولادهم أرقاء مملوكون يباعون، وقال الحنيفيون: ان تلك القرشية تباع وتتملك أو ليس الرواية عن ابن القاسم إما عن مالك واما على ما عرف من أصل مالك إن أهل دار الحرب لو صاروا ذمة سكانا بيننا وبأيديهم رجلال ونساء من المسلمين أحرار وحرائر أسروهم وبقوا على الاسلام في حال أسرهم فانهم مملوكون لاهل الذمة من اليهود والنصارى يتبايعونهم متى شاءوا، وهذا منصوص عنه في السمتخرجة، فايما أشنع وأفظع هذا كله: أوارقاق لقيط لا يدرى من أمه أحرة أم أمة؟ حتى لقد أخبرني محمد بن عبد الله البكري التدميرى (4) وما علمت فيهم أفضل منه ولا أصدق عن شيخ من كبارهم أنه كان يفتى أن التاجر. أو الرسول إذا

(1) في النسخة رقم 14 (عمرو بن رؤبة) وهو غلط (2) هو بالصاد المهملة (3) في النسخة رقم 16 (فبأى وجه) (4) بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الدال المهملة وكسر الميم وسكون الياء المنقوطة آخر الحروف بعدها راء نسبة إلى تدمير وهى من بلاد الاندلس، ووقع في النسخة رقم 16 (التدمرى) باسقاط الياء آخر الحروف نسبة إلى تدمر وهى بلدة في الشام وهو غلط

[ 276 ]

دخل دار الحر ب فاعطوه أسراء من أحرار المسلمين وحرائرهم عطية فهم عبيد واماء له يطأ ويبيع كسائر ما يملك، وشاه وجه هذا المفتى ومن اتبعه على هذا * قال أبو محمد: وروينا عن ابراهيم قولا آخر كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم النخعي في اللقيط قال: له نيته ان نوى أن يكون حرافهو حروان نوى أن يكون عبدافهو عبد، وقولنا بأنه لارق عليه هو قول عمر بن عبد العزيز. وعطاء. والشعبى. والحكم. وحماد، ورويناه أيضا عن ابراهيم وعهدنا بهم يقولون فيما خالف الاصول. والقياس إذا وافق آراءهم: مثل هذا لا يقال بالرأى فهلا قالوا ههنا هذا؟ وبالله تعالى التوفيق * 1386 مسألة وكل ما وجد مع اللقيط من مال فهو له لان الصغير يملك وكل من يملك فكل ما كان بيده فهو له وينفق عليه منه * 1387 مسألة وكل من ادعى أن ذلك اللقيط ابنه من المسلمين حرا كان. أو عبدا صدق ان أمكن أن يكون ما قال حقا فان تيقن كذبه لم يلتفت * برهان ذلك أن الولادات لا تعرف الا بقول الآباء والامهات وهكذا انساب الناس كلهم ما لم يتيقن الكذب، وانما قلنا - للمسلمين - للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (كل مولود يولد على الفطرة وعلى الملة) وقوله عليه السلام عن ربه تعالى في حديث عياض بن حمار المجاشعى: (خلقت عبادي حنفاء كلهم) ولقوله تعالى: (واذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين) فان ادعاه كافر لم يصدق لان في تصديقه اخراجه عن ما قد صح له من الاسلام ولا يجوز ذلك الا حيث أجازه النص ممن ولد على فراش كافر من كافره فقط ولا فرق بين حر. وعبد فيما ذكرنا * وقال الحنيفيون: لا يصدق العبد لان في تصديقه ارقاق الولد وكذبوا في هذا ولد العبد من الحرة حر لاسيما على أصلهم في أن العبد لا يتسرى، وأما نحن فقد قلنا: ان الناس على الحرية ولا تحمل امرأة العبد الا على أنها حرة فولده حرحتى يثبت انتقاله عن أصله وبالله تعالى التوفيق * بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الوديعة 1388 مسألة فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها وردها إلى صاحبها إذا طلبها منه لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ولقوله تعالى: (ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) ومن البر حفظ مال المسلم أو الذمي، وقد صح

[ 277 ]

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال، وهذا عموم لمال المرء ومال غيره * 1389 مسألة فان تلفت من غير تعد منه ولا تضييع لها فلا ضمان عليه فيما لانه إذا حفظها ولم يتعد ولاضيع فقد أحسن والله تعالى يقول: (ما على المحسنين من سبيل)، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فمال هذا المودع حرام على غيره ما لم يوجب أخذه منه نص، وقد صح عن عمر بن الخطاب تضمين الوديعة، وروى عنه (1) وعن غيره أن لا تضمن * 1390 مسألة وصفة حفظها هو أن يفعل فيها من الحفظ ما يفعل بماله وان لا يخالف فيها ما حد له صاحبها الا أن يكون فيما حدله يقين هلاكها فعليه حفظها لان هذا هو صفة الحفظ وما عداه هو التعدي في اللغة ومعرفة الناس، وبالله تعالى التوفيق * 1391 مسألة فان تعدى المودع في الوديعة أو أضاعها فتلفت لزمه ضمانها ولو تعدى على بعضها دون بعض لزمه ضمان ذلك البعض الذى تعدى فيه فقط لانه في الاضاعة أيضا متعد لما أمر به، والتعدى هو التجاوز في اللغة التى نزل بها القرآن وبها خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يقول: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فيضمن ضمان الغاصب في كل ما ذكرنا في حكم الغصب، وبالله تعالى التوفيق * 1392 مسألة والقول في هلاك الوديعة أو في ردها إلى صاحبها أو في دفعها إلى من أمره صاحبها بدفعها إليه قول الذى أودعت عنده مع يمينه سواء دفعت إليه ببينة أو بغير بينة لان ماله محروم كما ذكرنا فهو مدعى عليه وجوب غرامة وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن اليمين (2) على من ادعى عليه وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان * وههنا خلاف في مواضع * منها أن مالكا فرق بين الثقة وغير الثقة فرأى أن لا يمين على الثقة وهذا خطأ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجب اليمين على من ادعى عليه لم يفرق بين ثقة وغير ثقة، والمالكيون موافقون لنا في ان نصرانيا. أو يهوديا. أو فاسقا من المسلمين معلن الفسق يدعى دينا على صاحب من الصحابة رضى الله عنهم ولا بينة له وجبت اليمين (3) على الصاحب، ولا فرق بين دعوى جحد الدين وبين دعوى جحد الوديعة أو تضييعها، والمقرض مؤتمن على ما أقرض وعلى ما عومل فيه كما ان المودع مؤتمن ولا فرق، وفرق أيضا بين الوديعة تدفع ببينة وبينها إذا دفعت بغير بينة فرأى ايجاب الضمان فيها إذا دفعت ببينة، وهذا لا معنى له لانه لم يأت بالفرق بين ذلك قرآن. ولا سنة،


(1) في النسخة رقم 16 (ورويت عنه) (2) في النسخة رقم 14 (باليمين)، سقط جمل في هذا الموضع من النسخة الحلبية (3) في النسخة رقم 14 (لوجبت اليمين)

[ 278 ]

والايمان لا تسقط والغرامة لا تجب الا حيث أوجبها الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو حيث أسقطها الله تعالى. أو رسوله صلى الله عليه وسلم * وفرق قوم بين قول المودع هلكت الوديعة فصدقوه اما ببينة واما بغير بينة وبين قوله: قد صرفتها إليك فألزموه الضمان، وكذلك في قوله: أمرتنى بدفعها إلى فلان فضمنوه * قال أبو محمد: وهذا خطأ لانه لم يأت بالفرق بين ذلك قرآن. ولا سنة، والوجه في هذا هو أن كل ما قاله المودع مما يسقط به عن نفسه الغرامة ولا تخرج عين (1) الوديعة عن ملك المودع فالقول قوله مع يمينه لان ماله محرم الا بقرآن أو سنة، سواء كانت. الوديعة معروفة للمودع ببينة أو بعلم الحاكم أو لم تكن، ولا فرق بين شئ مما فرقوا بينه بآرائهم الفاسدة (2) وأما إذا ادعى المودع شيئا ينقل به الوديعة عن ملك المودع إلى ملك غيره فانه ينظر فان كانت الوديعة لا تعرف للمودع الا بقول المودع فالقول أيضا قول المودع مع يمينه في كل ما ذكر له من أمره إياه ببيعها: أو الصدقة بها. أو بهبتها. أو انه وهبها له وسائر الوجوه ولا فرق لانه لم يقر لى بشئ في ماله ولا بشئ في ذمته لا بدين ولا بتعد ولاقامت له عليه بينة بحق ولا بتعد وماله محرم على غيره، وأما إن كانت الوديعة معروفة العين للمودع بينة أو بعلم الحاكم فان المودع مدع نقل ملك المودع عنها فلا يصدق الا ببينة وقد أقر حينئذ في مال غيره بما قد منع الله تعالى منه إذ يقول: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) فهو ضامن وبالله تعالى التوفيق * 1393 مسألة وإن لقى المودع من أودعه في غير الموضع الذى أودعه فيه ما أودعه فليس له مطالبته بالوديعة، ونقل الوديعة بالحمل والرد على المودع لا على المودع وانما على المودع أن لا يمنعها من صاحبها فقط لان بشرته وماله محرمان وهذا بخلاف الغاصب. والمتعدي في الوديعة أو غيرها وأخذ المال بغير حق فرده على المتعدى والغاصب وأخذه بغير حق إلى صاحبه حيث لقيه من بلاد الله تعالى لان فرضا عليه الخروج من الظلم والمطل في كل أو ان ومكان وبالله تعالى التوفيق * كتاب الحجر 1394 مسألة لا يجوز الحجر على أحد في ماله الا على من لم يبلغ أو على مجنون في حال جنونه فهذان خاصة لا ينفذ لهما أمر في مالهما فإذا بلغ الصغير وأفاق المجنون جاز


(1) في النسخة رقم 16 (ولا يخرج ملك) (2) سقط لفظ (الفاسدة) من النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية

[ 279 ]

مر هما في مالهما كغيرهما، ولا فرق سواء في ذلك كله (1) الحر. والعبد. والذكر. والانثى. والبكر ذات الاب. وغير ذات الاب. وذات الزوج. والتى لا زوج لها فعل كل من ذكرنا في أموالهم من عتق. أو هبة. أو بيع. أو غير ذلك نافذ إذا وافق الحق من الواجب. أو المباح، ومردود فعل كل أحد في ماله إذا خالف المباح أو الواجب ولا فرق ولا اعتراض لاب ولا لزوج ولا لحاكم في شئ من ذلك الا ما كان معصية لله تعالى فهو باطل مردود، ومن معصية الله تعالى الصدقة. والعطية بما لا يبقى بعده للمتصدق أو الواهب غنى، فان أراد السيد إبطال فعل العبد في ماله فليعلن بانتزاعه منه ولا يجوز للعبد حينئذ تصرف في شئ منه * برهان ذلك ما رويناه من طريق أبى داود نا أحمد بن عمرو بن السرح نا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الاعمش عن أبى ظبيان وهو حصين بن جندب الجنبى (2) عن ابن عباس أن على بن أبى طالب قال لعمر بن الخطاب: أو ما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله [ حتى يفيق ] (3). وعن النائم حتى يستيقظ. وعن الصبى حتى يحتلم)؟ * ومن طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا وهيب - هو ابن خالد - عن خالد الحذاء عن أبى الضحى عن على بن أبى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، أبو ظبيان ثقة لقى على بن أبى طالب وسمع منه. ومن ابن عباس * ومن طريق أبى داود أيضانا عثمان بن ابى شيبة نا يزيد بن هرون نا حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ. وعن المبتلى حتى يبرأ. وعن الصبى حتى يكبر) * قال على: معنى ثلاث ثلاث نفوس (4) وقال تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وقال تعالى: (والمصدقين والمصدقات) وقال تعالى: (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) وقال تعالى: (ما سلككم في سقر قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) وحض على العتق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) وقال تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) وقال تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) فصح أن كل أحد مندوب إلى فعل الخير. والصدقة. والعتق. والنفقة في وجوه البر ليقى نفسه بذلك نار جهنم، ولا خلاف في أن كل من


(1) في النسخة رقم 16 (في كل ذلك) (2) نسبة إلى جنب قبيلة في اليمن (3) الزيادة من سنن أبى داود، والحديث فيه مطول (4) في النسخة رقم 16 (ثلاث أنفس)

[ 280 ]

ذكرنا من عبد. وذات أب. وبكز. وذات زوج مأمورون منهيون متوعدون بالنار. مندوبون موعودون بالجنة فقراء إلى انقاذ أنفسهم منها كفقر غيرهم سواء سواء ولا مزية فلا يخرج من هذا الحكم الا من أخرجه النص ولم يخرج النص الا المجنون ما دام في حال جنونه. والذى لم يبلغ إلى أن يبلغ فقط، فكان المفرق بين من ذكرنا فيطلق بعضا على الصدقة. والهبة. والنكاح ويمنع بعضا بغير نص مبطل محرم ما ندب الله تعالى الله مانع من فعل الخير * قال على: وروينا عن محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: لا يحجر على حر * وحدثني أحمد بن عمر العذري نا أبو ذر الهروي نا عبد الله بن أحمد ابن حمويه السرخسى نا ابراهيم بن خزيم نا عبد بن حميد نا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين أنه كان لا يرى الحجر على الحر شيئا، وهو قول جماعة من الصحابة رضى الله عنهم. وقول مجاهد. وعبيدالله بن الحسن. وغيره، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على حر لا لتبذير ولا لدين ولا لتفليس ولا لغيره، ولا يرى حجر القاضى عليه لازما ويرى تصرفه في ماله واقراره بعد حجر القاضى عليه لازما [ ويرى تصرفه في ماله واقراره بعد حجر القاضى ] (1) وقبله سواء كل ذلك نافذ الا أنه زاد فقال: من بلغ ولم يؤنس منه رشد (2) حيل بينه وبين ماله الا أنه ان باع شيئا كثر أو قل نفذ بيعه وإن أقر فيه كثر أو قل نفذ اقراره حتى إذا تمت له خمس وعشرون سنة دفع إليه ماله وان لم يؤنس منه رشد * وهذه الزيادة في غاية الفساد، أول ذلك انه لا نعلم أحدا قال بها قبله، وأيضا فانه قول متناقض لانه إذا جاز بيعه واقراره فاى معنى للمنع له من ماله هذا تخليط لا نظير له، ثم تحديده بخمس وعشرين سنة من احدى عجائب الدنيا: وما ندرى بأى وجه يستحل في الدين منع مال واطلاقه بمثل هذه الآراء بغير اذن من الله تعالى؟ وأعجب شئ احتجاج بعض من خذله الله تعالى بتقليه اياه فقال: يولد للمرء من اثنى عشر عاما ونصف فيصير أبا ثم يولد لابنه كذلك فيصير جدا وليس بعد الجد منزلة * قال أبو محمد: وهذا كلام احمق بارد ويقال له: هبك أنه كما تقول فكان ماذا؟ ومتى فرق الله (3) تعالى بين من يكون جدا وبين من يكون أبا في أحكام مالهما، وفى أي عقل وجدتم هذا؟ وأيضا فقد يولد له من اثنى عشر عاما ولابنه كذلك فهذه اربعة وعشرون عاما، وأيضا فبعد الجد أبو جد فبلغوه هكذا إلى سبع وثلاثين سنة أو إلى أربعين سنة


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 14 (الرشد) (3) في النسخة رقم 14 (وما فرق)

[ 281 ]

لقول الله تعالى: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) فظهر فساد هذه الزيادة جملة وبالله تعالى التوفيق * وذهب آخرون إلى الحجر (1) فقال مالك: من كان يخدع في البيوع ولا يحسن ضبط ماله حجر عليه فلم ينفذ له عتق. ولا صدقة. ولا بيع. ولاهبة. ولا نكاح ولا يكون وليالا بنته في النكاح (2) وكل ما أخذه قرضا لم يلزمه أداؤه ولا قضى عليه به وان رشد بعد ذلك وقال: ما فعل قبل أن يحجر القاضى عليه ففعله نافذ غير مردود إلى أن يحجر القاضى عليه وأجاز لوليه أن يدفع نفقة شهر ونحو ذلك، قال: فان ظهر منه الرشد لم يكن بذلك نافذ الامر حتى يفك القاضى عنه الحجر وأجاز لمن لم يحجر عليه اعطاء كل ما يملك في ضربة وفى مرات وأنفذه عليه، وهذا خطأ ظاهر وتناقض شديد في وجوه جمة * أحدها وأعظمها ابطاله أعماله البر التى ندب الله تعالى إليها وجعلها منقذات من النيران كالعتق. والصدقة، وابطاله البيع الذى أباحه الله تعالى وهذا صد عن سبيل الله تعالى وتعاون على الاثم والعدوان لا على البر والتقوى بغير برهان لا من قرآن. ولا سنة * وثانيها ابطاله الولاية لمن جعلها الله تعالى وليا لها في الانكاح فان كان عندهم في حكم الصغير. والمجنون اللذين هما غير مخاطبين ولا مكلفين انقاذ أنفسهما من النار ولا ولاية لهما فليسقطوا عنه الصلاة والصوم وان كان عندهم مكلفا مخاطبا مأمورا منهيا مندوبا موعودا متوعدا فما بالهم (3) يحولون بينه وبين ما ندبه الله تعالى إليه وجعله في يديه من الولاية بقوله تعالى: (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) وما الذى أسقط عنه هذا الخطاب وأوقع عليه الخطاب بالصلاة. والصوم. والتحريم والتحليل. واقامة الحدود؟ وما ندرى ما هذا؟ فان قالوا: لو علمنا أنه يقصد بذلك الله تعالى لم نمنعه قلنا لهم: ما علمكم بهذا منه ولا جهلكم به منه الا كعلمكم به وجهلكم من غيره ممن تطلقونه على كل ذلك وتنفذونه منه ولعله أبعد من تقوى الله تعالى. وأقل اهتبا لا بالذين. وأطغى من هذا الذى حلتم بينه وبين ما يقربه من ربه تعالى بالظنون الكاذبة * وثالثها ابطالهم أموال الناس التى يأخذها بالبيع أو القرض اللذين أباحهما الله عزوجل، وهذه عظيمة من العظائم ما ندرى أين وجدوا هذا الحكم؟ ونعوذ بالله منه، وهذا ايكال للمال بالباطل وقد حرم الله تعالى هذا أيضا (4)، وإذا أسقطوا عنه حقوق الناس اللازمة له من أثمان البيع ورد القرض


(1) أي إلى القول بمشروعية الحجر (2) في النسخة رقم 16 وكذلك بهامش نسخة رقم 14 (في الانكاح) (3) في النسخة رقم 14 (فمالهم) (4) في النسخة رقم 16 (هذا نصا) * (م 36 ج 8 المحلى)

[ 282 ]

بنص القرآن فليسقطوا عن قصاص الجنايات في أموال الناس ودمائهم والا فقد تناقضوا أقبح تناقض وهذا هو التعاون على الاثم والعدوان جهارا * ورابعها وهو أفحشها في التناقض انفاذه ما فعل من التبذير المفسد حقا وبيوع الغبن (1) قبل أن يحجر عليه القاضى ورده ما فعل من الصدقة والعتق بعد حجر القاضى عليه فكان حكم القاضى أنفذ من حكم الله تعالى ولا كرامة لوجه القاضى كائنا من كان فما جعل الله تعالى قط حكم القاضى محللا ولا محرما إنما القاضى منفذ بسلطانه على من امتنع فقط لا خصلة له غيرها ولا معنى سوى هذا والا فليأتونا بآية. أو سنة بخلاف هذا ويأبى الله من ذلك، وهذا كله لا ندرى من أين أخذوه؟ * وخامسها إبطاله جميع أفعاله وان كانت رشد اما لم يفك القاضى عنه الحجر وهذه كالتى قبلها * وسادسها اجازته أن يعطيه الولى نفقة شهر يطلق يده عليها فليث شعرى من أين خرج هذا التقسيم العجيب؟ وما الفرق بين اطلاق يده على نفقة شهر وبين اطلاقها على نفقة سنة أو نفقة سنتين؟ فان قالوا: نفقة شهر قليلة قلنا: قد يكون مال تكون نفقة شهر فيه كثيرا ويكون مال نفقة عشرة أعوام فيه قليلا، ولا يخلو دفع ماله إليه من أن يكون واجبا. أو حراما فان كان واجبا فدفعه كله إليه واجب. وان كان حراما فقليل الحرام حرام، وهذا بعينه أنكروا على أصحاب أبى حنيفة في اباحتهم قليل المسكر وتحريمهم كثيره * وسابعها انفاذهم أفعال الفساق الظلمة المتعدين على المسلمين بكل بائقة المبتاعين للخمور المنهمكين في أجر الفسق إذا كانوا جماعين للمال من أي وجه أمكن بالظلم وغيره فيجيزون بيعهم وشراءهم وهباتهم وان كانت في الاغلب والاظهر لغير الله تعالى، وان أتى ذلك على كل ما يملكونه وبقوا بعده فقراء متكففين فانفذوا منه التبذير الذى حرم الله تعالى والبسط الذى يقعد عليه بعده ملوما محسورا وردهم العتق والصدقة بدرهم وان كان ذامال عظيم ممن يخدع في البيوع ويصفونه بأنه لا يحسن ضبط ماله فأى تناقض أفحش ممن يجعل أصله بزعمه ضبط المال وحفظه؟ ثم يجيزون من واحد اعطاء ماله كله حتى يبقى هو وعياله جاعة وينفذونه عليه ويمنعون آخر من عتق عبد وصدقة بدرهم وابتياع فاكهة يأكلها ووراءه من المال ما يقوم بأمثاله وأمثال عياله، ثم يجعلون أصله بزعمهم دفع الخديعة له عن ماله وهم يجيزون الخديعة المشكوفة في المال العظيم لغيره، فما هذا البلاء وما هذا التخاذل وكم هذا التناقض؟ والحكم في الدين بمثل هذه الاقوال بلا قرآن. ولا سنة. ولا قول صاحب. ولا قياس. ولا رأى له وجه يعقل ونعوذ بالله من البلاء * وقال الشافعي بمثل هذا كله الا


(1) في النسخة رقم 14 (وبيوع العين) وهو تصحيف

[ 283 ]

أنه قال: ان كان مفسدا فجميع أفعاله مردودة حجر عليه القاضى أو لم يحجر وإذا رشد فجميع أفعاله نافذة حل عنه القاضى الحجر أو لم يحل، وكل ما أدخلنا على مالك يدخل عليه حاشا ما يدخل في هذين الوجهين فقط * قال أبو محمد: والحق الواضح هو ما قلناه وهو أن كل بالغ مخاطب مكلف أحكام الشريعة فحكمهم كلهم سواء في أنهم مندوبون إلى الصدقة والعتق مباح لهم البيع والنكاح والشراء، محرم عليهم اتلاف المال بالباطل وإضاعته والخديعة عنه والصدقة بما لا يبقى لهم غنى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) وكما قال عليه السلام: (الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المسلمين وعامتهم) وكما قال عليه السلام: (ليس منا من غشنا) وكما قال الله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) وكما قال تعالى: (ولا تبذر تبذيرا) وكما قال تعالى: (ولا تجعل يدك مفلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) وكل من تصدق وأعتق وفعل الخير عن ظهر غنى نفذ ولم يحل رده، وكل من أعتق وتصدق عن غير ظهر غنى رد وبطل لانه لا طاعة الا ما أمر الله تعالى به ولا معصية الا ما نهى الله عنه فالصدقة بما لا يبقى غنى معصية والصدقه بما يبقى غنى طاعة، وكل من باع أو اشترى فخدع أو خدع فمردود لان الله تعالى حرم الخديعة والغش، وكل من باع أو اشترى فلم يغبن ولا غش (1) فنافذ لان الله تعالى أباح البيع، وكل من أنفق في معصية فلسا فما فوقه فمردود، وكل من أنفق كما أمر قل أو كثر فنافذ لازم، وما أباح الله تعالى قط ابطال حق ولا المنع من اطاعة من أجل معصية عصاها ذلك الممنوع أو خيف أو يعصيها ولم يعص بعد كما لم يبح أو تنفذ معصية وأن يمضى باطل (2) من أجل باطل عمل به ذلك المخل ومعصيته بل الباطل مبطل قل وجوده من المرء أو كثر والحق نافذ قل وجوده من المرء أو كثر، هذا هو الذى جاء به القرآن والسنن وشهدت له العقول وما عدا هذا فباطل (3) لا خفاء به. و تناقض لا يحل. وقول مخالف للقرآن. والسنن. والعقول * وقال محمد بن الحسن: ان أعتق المحجور نفذ عتقه وعلى العبد ان يسعى له في قيمته فكانت هذه طريفة جداو لا ندرى من أين استحل الزام العبد السعي ههنا في هذه الغرامة؟ * وقال أبو سليمان. وأصحابنا: من بلغ مبذرا فهو على الحجر كما كان لانه محجور عليه بيقين فلا يفك عنه الا بيقين آخر قالوا:


(1) في النسخة رقم 16 (فلم يغش ولاغبن) وفى النسخة رقم 14 (فلم يغبن ولاغبن 9) وما هنا أظهر (2) في النسخة رقم 14 (يمضى باطلا) (3) في النسخة رقم 16 (فضلال)

[ 284 ]

فان رشد ثم ظهر تبذيره لم يحجر عليه لكن ينفذ من أفعاله ما وافق الحق ويرد ما خالف الحق كغيره سواء * قال على: أما قولهم: قدر لزمه الحجر بيقين فلا ينحل عنه إلا بيقين آخر فقول صحيح واليقين قد ورد وهو أمر الله تعالى له بالصدقة وأن يتقى النار بالعتق وباطلاقه على البيع إذا بلغ وعلى النكاح إذا كان مخاطبا بسائر الشرائع ولا فرق * قال أبو محمد واحتج المخالفون باشياء يجب إيرادها وبيان فاسد احتجاجهم بها ووضعهم النصوص في غير مواضعها. وبيان ذلك بحول الله تعالى وقوته * قال أبو محمد: قالوا: قال الله عزوجل: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) قالوا: فانما أمر الله تعالى بان ندفع إليهم أموالهم مع ايناس الرشد منهم لا في غير هذه الحال، وقال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء مأموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) فنهى عزوجل عن ايتاء السفهاء المال ولم يجعل لهم إلا أن يرزقوا منها في الاكل ويكسوا ويقال لهم قول معروف) وقال عز وجل: (فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) فاوجب الولاية على السفيه. والضعيف، وقال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقترواو كان بين ذلك قواما) وقال تعالى: (ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا اخوان الشياطين) وقال تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يجب المسرفين) فحرم الله تعالى السرف. والتقتير. والتبذير، وقال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) هذا كل ما ذكروا من القرآن وكله حجة لنا عليهم ومخالف لاقوالهم على ما نبين ان شاء الله تعالى ما نعلم لهم من القرآن حجة غير هذا أصلا * وذكروا من السنة الخبر الصحيح عن المغيرة بن شعبة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اضاعة المال) وذكروا خبرا رويناه من طريق أبى عبيد نا عمرو بن هارون عن يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى لبيبة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل كان عنده يتيم فحال بينه وبين أن يتزوج فزنى فالاثم بينهما) ما نعلم لهم خبرا غير هذين وكلاهما حجة لنا عليهم ومخالف لاقوالهم على ما نبين [ بعد هذا ] (1) ان شاء الله تعالى، وذكروا عن الصحابة رضى الله عنهم ما روينا عن هشام بن عروة عن أبيه أن على بن أبى طالب أتى عثمان بن عفان فقال له: ان ابن جعفر اشترى بيعا كذا وكذا فاحجر عليه فقال الزبير: أنا شريكه في البيع فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع


(1) الزيادة من النسخة رقم 14

[ 285 ]

شريكه فيه الزبير؟ * ومن طريق أبى عبيد حدثنى عفان بن مسلم عن حماد بن زيد عن هشام ابن حسان عن ابن سيرين قال قال عثمان لعلى: ألا تأخذ على يدى ابن أخيك - يعنى عبد الله ابن جعفر - وتحجر عليه؟ اشترى سبخة بستين ألفا ما يسرنى أنها لى بنعلى (1) * وما رويناه من طريق أبى عبيد نا محمد بن كثير عن الاوزاعي عن الزهري عن الطفيل بن الحارث قال: بلغ ابن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أرادت بيع رباعها فقال: لتنتهين أو لاحجرن عليها * ومن طريق أبى عبيد نا سعيد بن الحكم بن أبى مريم عن عبد الله بن لهيعة عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير قال: كان عبد الله بن الزبير إذا نشأ منا ناشئ حجر عليه * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن ابن عباس أنه سئل عن الشيخ الكبير ينكر عقله أيحجر عليه؟ قال نعم * ومن طريق يزيد بن هرمز (2) عن ابن عباس أنه كتب إلى نجدة بن عويمر وكتبت تسألني عن اليتيم متى ينقضى يتمه فلعمري أن الرجل لتنبت لحيته وانه لضيعف الاخذ لنفسه ضعيف العطاء منها وإذا أخذ لنفسه من مصالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم وأنه لا ينقطع عن اليتيم اليتيم حتى يبلغ ويؤنس منه رشد، وإذا بلغ النكاح وأونس منه رشد دفع إليه ماله فقد انقضى عنه يتمه * قال أبو محمد: جمعنا هذه الالفاظ كلها لانها كلها مما رويناه من طرق كلها راجع إلى يزيد ابن هرمز عن ابن عباس فاقتصر نا على ذكر من روى جميعها عنه فقط وكلها صحيح السند * ومن طريق فيها شريك عن سماك (3) عن عكرمة عن ابن عباس (فان آنستم منهم رشدا) قال: اليتيم يدفع إليه ماله بحلم وعقل ووقار ما نعلم عن الصحابة رضى الله عنهم شيئا غير هذا، وكله مخالف لقولهم وحجة عليهم وأكثره موافق لقولنا * وعن التابعين عن الحسن البصري (فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) قال: صلاح في دينه وحفظ لماله * وعن الشعبى ان كان الرجل ليشمط (4) وما أو نس منه رشد * وروينا مثل قولهم عن شريح. والقاسم بن محمد. وربيعة. وعطاء * وروينا عن الضحاك أنه لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه صلاح إلا أنه لم يأت عن شريح ولا عن القاسم منعه من عتق. وصدقة. وبيع. لا يضر ماله انما جاء ذلك عن ربيعة. وعطاء فقط * قال على: ما نعلم لهم عن التابعين غير هذا وبعضه موافق لقولنا * قال أبو محمد: أما قول الله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم


(1) عزى هذا الحديث الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير إلى أبى عبيد في كتاب الاموال ونسخ هذا الكتاب نادرة جدا (2) في النسخة رقم 16 (يزيد بن هرون) وهو غلط (3) في النسخة رقم 16 (عن سالم) وهو خطأ (4) الشمط الشيب

[ 286 ]

منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) فينبغي أن يعرف ما الرشد الذى أمر الله تعالى من أو نس منه بدفع ماله إليه فنظرنا في القرآن الذى هو المبين لنا ما ألزمنا الله تعالى اياه فوجدناه كله ليس الرشد فيه الا الدين. وخلاف الغى فقط لا المعرفة بكسب المال أصلا قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) وقال تعالى: (أولئك هم الراشدون) وقال تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) فصح أن من بلغ مميزا للايمان من الكفر فقد أونس منه الرشد الذى لا رشد سواه أصلا فوجب دفع ماله إليه وما يشك مؤمن ولا كافر أن فرعون وأصحابه كانوا أشد عناية بالمال وأضبط له وأكثر وأعرف بوجوه جمعه من موسى عليه السلام وأن فرعون لم يكن قط مغبونا في ماله ولقد أتى موسى عليه السلام. والخضر عليه السلام إلى أهل قرية فاستطعماهم فأبوا أن يضيفوهما فباتا ليلتهما بغير قرى وما بلغ فرعون في ملكه قط هذا المبلغ، وكذلك لا شك في أن المقنطر من قريش كأبى لهب. والوليد ابن المغيرة. وابن جدعان كانوا أبصر وأسرع إلى كسب المال من أي وجه أمكن من مساعاة الاماء. والربا وغير ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق مسلم نا أبو بكر ابن أبى شيبة. وعمرو الناقد قالا جميعا: حدثنا أسود بن عامر (1) نا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة. وثابت البنانى قال هشام: عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين وقال ثابت: عن أنس ثم اتفق أنس. وأم المؤمنين فذكرا حديث تلقيح النخل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) (2) فصح ان الرشد ليس هو كسب المال ولا منعه من الحقوق ووجوه البر بل هذا هو السفه وانما الرشد طاعة الله تعالى وكسب المال من الوجوه التى لا تثلم الدين ولا تخلق العرض وانفاقه في الواجبات وفيما يتقرب به إلى الله تعالى للنجاة من النار. وابقاء ما يقوم بالنفس والعيال على التوسط والقناعة فهذا هو الرشد، وقال تعالى: (سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا) وهكذا كل مكان في القرآن ذكر فيه الرشد، وكذلك لم نجد في شئ من لغة العرب أن الرشد هو الكيس في جمع (3) المال وضبطه فبطل تأويلهم في الرشد بالآية. وفى دفع المال بايناسه، وصح أنها موافقة لقولنا وان مراد الله تعالى يقينا بها انما هو أن من بلغ عاقلا مميزا مسلما وجب دفع ماله إليه وجاز فيه من جميع أفعاله ما يجوز


(1) في النسخة رقم 16 (سويد بن عامر) وهو غلط (2) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 223 (3) في النسخة رقم 14 (في كسب)

[ 287 ]

من فعل سائر الناس كلهم ويرد من أفعاله ما يرد من أفعال سائر الناس كلهم ولا فرق، وان من بلغ غير عاقل ولا مميز للدين لم يدفع إليه ماله ولو كان الذى قالوا في الرشد وفى السفه قولا صحيحا - ومعاذ الله من ذلك - لكان طوائف من اليهود. والنصارى. وعباد الاوثان ذوى رشد ولكان طوائف من المسلمين سفهاء وحاش لله من هذا، وأما قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) الآية. وقوله تعالى: (فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا) فان السفه في لغة العرب التى نزل بها القرآن وبها خوطبنا لا يقع الا على ثلاثة معان لا رابع لها أصلا، أحدها البذاء والسب باللسان وهم لا يختلفون ان من هذه صفته لا يحجر عليه في ماله فسقط الكلام في هذا الوجه، والوجه الثاني الكفر قال الله عزوجل: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء) وقال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: انه قال لله تعالى: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) يعنى كفرة بنى اسرائيل، وقال تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها) وقال تعالى: (ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه) وقال تعالى حاكيا عن مؤمنى الجن الذين صدقهم ورضى عنهم قولهم: (وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا) فهذا معنى ثان ولا خلاف منهم ولا منافى ان الكفار لا يمنعون أموالهم وان معاملتهم في البيع والشراء وهباتهم جائز كل ذلك، وان قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) وقوله تعالى: (فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا) لم يرد به تعالى قط الكفار ولا ذوى البذاء في ألسنتهم * والمعنى الثالث وهو عدم العقل الرافع للمخاطبة كالمجانين والصبيان فقط، وهؤلاء باجماع منا ومنهم هم الذين أراد الله تعالى في الآيتين وان أهل هذه الصفة لا يؤتون أموالهم لكن يكسون فيها ويرزقون ويرفق بهم في الكلام ولا يقبل إقرارهم لكن يقرعنهم وليهم الناظر لهم فصح هذا بيقين، فمن قال: ان من يغبن في البيع ولا يحسن حفظ ماله وان كان عاقلا مخاطبا بالدين مميزا له داخل في اسم السفه المذكور في الآيتين فقد قال: الباطل وقال على الله تعالى: ما لا علم له به وقفا ما لا علم له به وما لا برهان له على صحته، وهذا كله حرام لا يحل القول به، قال تعالى: (وان تقولوا على الله مالا تعلمون) وقال تعالى: (قل: هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) فإذ لا برهان لهم فليسوا صادقين فيه بلا شك، فصح أن الآيتين موافقتان لقولنا مخالفتان لقولهم، وما سمى الله تعالى قط في القرآن ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا العربي الجاهل بكسب ماله أو المغبون في البيع سفيها، والسفيه الذي ذكر في الآية هو الذى لا عقل له لجنونه والضعيف الذى لا قوة له قال تعالى: (ثم جعل

[ 288 ]

من بعد قوة ضعفا) والذى لا يستطيع أن يمل هو من به آفة في لسانه تمنعه كخرس أو نحو ذلك ولا يجوز أن يفسر كلام الله تعالى الا بكلامه أو بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بلغة العرب التى أخبر الله تعالى أنه أنزل بها القرآن وباليقين الذى لا شك فيه أنه مراد الله تعالى فهذه طريق النجاة وأما بالظنون وما لا برهان عليه فمعاذ الله من هذا * روينا من طريق سعيد بن منصور نا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله الله تعالى: (فان آنستم منه رشدا) قال: العقل لا يدفع إلى اليتيم ماله وان شمط حتى يؤنس منه رشد، وهذا هو الحق المتيقن * ومن طريق سعيد بن منصور أبا يونس عن الحسن في قوله تعالى: (ولا تؤتو السفهاء أموالكم) قال: السفهاء الصغار والنساءهن السفهاء (1) * وبه إلى سعيد بن منصور نا عون بن موسى سمعت معاوية بن قرة يقول: عودوا النساء لا فانها سفيهة ان أطعتها أهلكتك * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق عن يحيى بن عبد الحميد الحمانى نا أبى وحميد الرؤاسى. وعبد الله بن المبارك قال الرؤاسى: عن الحسن بن صالح عن السدى رده إلى عبد الله قال في قوله تعالى: (ولا توتوا السفهاء أموالكم) قال: النساء. والصبيان، وقال ابن المبارك عن اسماعيل عن أبى مالك: النساء. والصبيان، قال: وقال أبى عن سلمة بن نبيط عن الضحاك: قال: النساء والصبيان * وبه إلى اسماعيل نا نصر بن على. ومحمد بن عبد الله بن نمير قال نصر: نا أبو أحمد عن ابن أبى غنية (2) عن الحكم بن عتيبة، وقال ابن نمير: نا أبى نا الاعمش عن مجاهد، ثم اتفق الحكم. ومجاهد في قول الله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) قالا جميعا: النساء والصبيان (3) * وبه إلى اسماعيل نا يحيى بن خلف نا أبو عاصم عن عيسى نا ابن أبى نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما) قال: نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم والسفهاء من كن أزواجا. أو أمهات. أو بنات * وبه إلى اسماعيل نا يحيى بن عبد الحميد الحمانى نا شريك عن سالم عن سعيد - هو ابن جبير - (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) قال: النساء * قال أبو محمد: فاتفق الحسن. والحكم. ومعاوية بن قرة. ومجاهد. والضحاك. وسعيد بن جبير. وأبو مالك. وعبد الله، أما ابن مسعود وهو الاظهر. وأما ابن عباس على أن النساء سفهاء وأنهن من المراد في هذه الآية، وصرح مجاهد بانهن الامهات


(1) في النسخة رقم 16 (والنساء من السفهاء) (2) هو بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتانية، وفى النسخة الحلبية (ابن أبى عبيد) وهو تصحيف (3) في النسخة رقم 14 (والولدان)

[ 289 ]

والزوجات. والبنات فاين المشنعون بخلاف الجمهور؟ وجميع الحاضرين من المخالفين لنا في هذه المسألة مخالفون لهذا القول * قال أبو محمد: أما الصبيان فنعم وأما النساء فلا لانه لم يأت قرآن ولا سنة بانهن سفهاء بل قد ذكرهن الله تعالى مع الرجال في أعمال البر فقال: (والمتصدقين والمتصدقات) وفى سائر أعمال البر فبطل تعلقهم بهذه الآية والحمد لله رب العالمين * وأما تحريمه تعالى التبذير. والاسراف. وبسط اليد كل البسط فحق وهو قولنا وهم مخالفون لكل ذلك جهلا فيجيزون من الذى لا يخدع في البيع اعطاء ماله كله اما صدقة واما هبة لشاعر أو في صداق امرأة نعم حتى انه ليكتب لها على نفسه بعد خروجه لها عن جميع ماله الدين الثقيل وهذا هو التبذير المحرم والاسراف المحرم وبسط اليد كل البسط حتى يقعد ملوما محسورا ونحن نمنع من هذا كله ونبطله ونرده، ثم يمنعون آخرين من الصدقة بدرهم في حياته ومن عتق عبده وان كان له مائة عبد، وينفذون وصيتهم وان عظمت بعد موتهم ويحجرون الصدقة والعتق باليسير والكثير على من يخدع (1) في البيع ولا يحجرون على من يبتاع الخمور. ويعطى أجر الفسق. وينفق على الندمان. وفى القمار وان أكثر ذلك إذا كان بصيرا بكسب المال من ظلم وغير ظلم ضابطا له من حق وغير حق ومانعا من زكاة وصدقة، وهذه تناقضات في غاية السماجة. وظهور الخطأ بغير وجه يعرف، فمرة يطلقون اتلاف المال جملة في الباطل ومرة يحتاطون فيردون صدقة درهم وعتق رقبة لا ضرر على المال فيهما (2) ومرة يجيزون الخديعة في الالوف في البيع ولا يكرهونها ويقولون: البيع خدعة، ومرة يبطلون البيع الصحيح الذى لا خديعة فيه خوف أن يخدع مرة أخرى، وهذا في التناقض كالذى قبله، وفى القول بما لا يعقل ولا يشهد له قرآن. ولا سنة. ولا معقول. ولا رأى سديد، وأما نحن فنرد الخديعة والغش (3) حيث وجدا وممن وجد اقلا أم كثرا ونجيز البيع الصحيح الذى لا خديعة فيه حيث وجد وممن وجد ونرد كل عطية في باطل قلت أم كثرت ونمضى كل عطية في حق قلت أم كثرت، وبهذا جاءت النصوص وله شهدت العقول والآراء الصحاح (4) التى إليها ينتمون وبها في دين الله تعالى يقضون، والحمد لله رب العالمين * قال أبو محمد: ونحن نفسر بعون الله تعالى التبذير. والاسراف. وبسط اليد


(1) في النسخة رقم 16 (والكثير ممن يخدع) وفى النسخة الحلبية (والكثير من يخدع) (2) في النسخة رقم 16 والحلبية (فيها) في النسخة رقم 16 (والغبن) (4) في النسخة رقم 16 (والادلة الصحاح) * (م 37 ج 8 المحلى)

[ 290 ]

كل البسط التى حرم الله تعالى وزجر عنها لا كتفسيرهم الذى لا يفهمونه ولا يفهمونه أصلا، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم * قال على: هذه الاعمال المحرمة معناها كلها واحد ويجمعه (1) ان كل نفقة أباحها الله تعالى وأمر بها كثرت أم قلت فليست اسرافا ولا تبذيرا ولا بسط اليد كل البسط لانه تعالى لا يحل ما حرمت معا فلا شك في ان الذى أباح هو غير الذى نهى عنه وهو نفس قولنا ولله الحمد، وكل نفقة نهى الله تعالى عنها قلت أم كثرت فهى الاسراف والتبذير وبسط اليد كل البسط لانه لا شك في ان الذى نهى الله تعالى عنه مفسرا هو الذى نهنئ عنه مجملا ولله الحمد كثيرا، وبهذا جاءت الآثار * روينا من طريق اسماعيل بن اسحق نا محمد بن كثير أنا سليمان بن كثير عن حصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في المبذر: هو الذى ينفق في غير حق * ومن طريق يحيى بن سيعد القطان عن سفيان الثوري عن أبى العبيدين (2) عن ابن مسعود في قول الله تعالى: (ولا تبذر تبذيرا) قال: الانفاق في غير حقه * ومن طريق ابن وهب أخبرني خالد بن حميد عن عقيل بن خالد عن الزهري انه كان يقول في قول الله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) قال: لا تمنعه من حق ولا تنفقه في باطل، قال الزهري: وكذلك قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) * قال أبو محمد: فصح أن هذه الآيات هي نص قولنا (3) وانهم مخالفون لها أوضح خلاف * قال على: كل شراء لمأكول. أو ملبوس. أو مركوب، وكل عتق وصدقة وهبة أبقى غنى فهو حلال. والحلال هو غير التبذير والاسراف وبسط اليد كل البسط، والحلال لا يجوز رده وكل ما لم يبق غنى من كل ذلك مما ليس بالمرء عنه غنى فهو الاسراف والتبذير وبسط اليد كل البسط فهو كله باطل ممن فعله مردود، وهكذا كله نفقة في محرم كالخمر. وأجرة الفسق. والقمار وغير ذلك قل أو كثرو بالله تعالى التوفيق، فبطل عنهم (4) كل ما تعلقوا به من القرآن، وأما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال فحق وهو قولنا، واضاعته هو صبه في الطريق أو انفاقه في محرم كما قلنا في التبذير والاسراف وبسط اليد * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكرناه آنفا في المزارعة: (من كانت له


(1) في النسخة رقم 16 (يجمعه) بدون واو (2) هو بلفظ التثنية واسمه معاوية ابن سبرة السوائى (3) في النسخة رقم 14 (هي نص ما نقول) (4) سقط لفظ (عنهم) من النسخة رقم 14

[ 291 ]

أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه فان أبى فليمسك أرضه) فلم يجعل عليه السلام ترك الارض لا تعمر اضاعة للمال إذا لم يحتج صاحبها إلى ذلك، وما نعلم خلافا في أن ترك التزيد من كسب المال لمن معه الكفاف له ولعياله مباح وان اقباله حينئذ على العمل للآخرة أفضل من إكبابه على طلب التزيد من المال، فظهر فساد قولهم من كل وجه، وأعجب شئ قولهم: ان من لم يثمر ماله فهو سفيه، ثم أباحوا لمن تعدى فأكل أموال الناس ظلما أو غصبا وبالبيع وبأى وجه أمكنه فلما طلب بالحقوق وأخذ ما وجد له أو لم يوجد له شئ (1) ان يقعد مكانه فلا يتكسب شيئا ينصف منه أهل الحقوق قبله وهذه ضد الحقائق، مرة يمنعونه من الصدقة. والعتق. والبيع لانه لا يحسن تثمير ماله، ومرة يطلقون له أن لا يثمر ماله وان أضر ذلك بأهل الحقوق قبله، فواخلافاه * روينا من طريق محمد بن المثنى نا يعلى بن عبيد الطنافسى نا محمد بن سوقه نا ابن سعيد ابن جبير قال. سئل أبى عن اضاعة المال؟ فقالك أن يرزقك الله تعالى ما لا فتنفقه فيما حرم عليك * قال أبو محمد: أولاد سعيد بن جبير هم ثلاثة عبد الله وعبد الملك. واسحاق كلهم ثقات مشاهير فايهم كان فهو ثقة، وقد روينا عن مالك ان الاسراف هو النفقة في المعاصي فظهر أن هذا الخبر هو قولنا وانه مخالف لقولهم، وأما الخبر الآخر: (أيما رجل كان عند يتيم فحال بينه وبين أن يتزوج فزنى فالاثم بينهما) فلو صح لكان أعظم حجة عليهم وأضد خلافا لقولهم لانه ليس فيه الا نهى الولى عن أن يحول بين اليتيم وبين التزويج بأشد الوعيد وهذا هو قولهم لانهم يأمرون ولى اليتيم بأن يحول بينه وبين التزويج ويردون زواجه إن تزوج بعير اذن وليه حتى يكون وليه هو الذى يزوجه ممن أراد الولى لا ممن أراد المولى عليه، فأى عجب أعجب من احتجاج قوم (2) بما هو أعظم حجة عليهم فبطل أن يكون لهم متعلق بشئ من القرآن. أو بشئ من السنن. أو برواية أصلا، ولاح أن القرآن. والسنن مخالفان لاقوالهم ههنا، وأما الروايات عن الصحابة رضى الله عنهم فكلها لا حجة لهم فيها بل هي عليهم، أما الرواية عن عثمان من قوله لعلى: الا تحجر على ابن أخيك وتأخذ على يده اشترى سبخة بستين ألفا ما أحب أنها لى بنعلى؟ فلا شك في ان ابن جعفر لم يحجر عليه قط فان كان الحجر واجبا فلم تركه عثمان ولم يحجر عليه حتى يخرج ذلك مخرج (3) الرأى يراه؟ فصح


في النسخة رقم 16 (أخذ ما وجد له أو لم يؤخذ له شئ) (2) في النسخة رقم 14 (من قوم يحتجون) الخ (3) في النسخة رقم 16 (حتى أخرجه مخرج)

[ 292 ]

أنه لم ير الحجر واجبا (1) ولو رآه على. أو عثمان واجبا لما حل لهما أن لا يمضياه، وهذا خبر ناقص رويناه بتمامه من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد ابن سيرين أن عثمان قال لعلى: خذ على يد ابن أخيك اشترى سبخة آل فلان بستين ألفا ما أحب أنها لى بنعلى فأقل قال: فجزأها عبد الله بن جعفر ثمانية أجزاء وألقى فيها العمال فأقبلت الارض فمر بها عثمان فقال: لمن هذه؟ قالوا: لعبد الله بن جعفر فقال: يا ابن أخى ولنى جزءين منها فقال عبد الله بن جعفر: لا والله حتى تأتيني بالذين سفهتني عندهم فيطلبون إلى ففعل فقال: والله لا أنقصك جز أين منها من مائة وعشرين ألفا قال عثمان: قد أخذتهما فصح أن ذلك القول كان من عثمان رأى قد رجع عنه لانه لم يحجر عليه أصلا ما بين انكاره للشراء إلى أن أقبلت الارض * وأما الرواية الاخرى عن على أنه ذكر لعثمان أنه يحجر على عبد الله بن جعفر في بيع ابتاعه فقال له الزبير: أنا شريكه فيه فرواية ننكرها جدا، ولا يخلوا ذلك البيع من أن يكون يوجب الحجر على صاحبه أو لا يوجبه فان كان يوجب الحجر فالحجر واجب على الزبير كما هو على عبد الله وان كان لا يوجب الحجر على الزبير فما يوجبه على عبد الله ولا على غيره، وقد أعاذ الله عثمان رضى الله عنه من أن يكون يترك حقا واجبا من أجل ان الزبير في الطريق وقد أعاذ الله الزبير رضى الله عنه من أن يحول بين الحق وبين انفاذه وقد أعاذه الله عليا رضى الله عنه في أن يتكلم فيما لم يتبين له * فان قيل: انما ترك عثمان الحجر على عبد الله من أجل الزبير لانه علم أن الزبير لا يخدع في البيع فعلم بدخلول الزبير فيه انه بيع لا يحجر في مثله قلنا: فقد مشى على في خطأ إذا أراد الحجر في بيع لا يجوز الحجر فيه وصح بهذا كله أنه رأى ممن رآه منهم وقد خالفهم عبد الله بن جعفر فلم ير الحجر على نفسه في ذلك وهو صاحب من الصحابة فبطل تعلقهم بهذين الخبرين * وأما الرواية عن ابن الزبير فطامة الابد لا ندرى (2) كيف استحل مسلم أن يحتج بخطيئة. ووهلة. وزلة كانت من ابن الزبير والله تعالى يغفر له إذ أراد مثله في كونه من أصاغر الصحابة أن يحجر على مثل أم المؤمنين التى أثنى الله تعالى عليها أعظم الثناء في نص القرآن وهو لا يكاد يتجزى منها في الفضل عند الله تعالى، وهذا خبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عوف بن الحارث ابن أخى عائشة أم المؤمنين لامها أن عائشة أم المؤمنين حدثت: (أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته: والله لتنتهين عائشة أو لا حجرن عليها فقالت عائشة: أو قال هذا؟ قالوا: نعم فقالت عائشة: هو لله على نذر ان لا أكلم ابن الزبير كلمة أبدا ثم ذكر الحديث بطوله وتشفعه إليها وبكاه لعبد الرحمن


(1) في النسخة رقم 14 (لم يره واجبا) (2) في النسخة رقم 14 (ما ندرى))

[ 293 ]

ابن الاسود بن عبد يغوث. والمسور بن مخرمة الزهريين حتى كلمته (1) وأعتقت في نذرها ان لا تكلمه أربعين رقبة * قال أبو محمد: قد بلغت به عائشة رضى الله عنها الانكار حيث بلغته (2) فلا يخلو الامر من أن يكون ابن الزبير أخطأ وأصابت هي وهو كذلك بلا شك فلا يحتج بقول أخطأ فيه صاحبه، أو يكون ابن الزبير أصاب واخطأت هي، ومعاذ الله من هذا ومن أن تكون أم المؤمنين توصف بسفه وتستحق أن يحجر علهيا نعوذ بالله من هذا القول، فصح أن ابن الزبير أخطأ في قوله وعلى كل حال فقد اختلفت الصحابة في ذلك وادا اختلفوا فالواجب الرجوع إلى القرآن. والسنة كما أمر الله تعالى، وفى القرآن. والسنة إباحة البيع الذى لا خديعة فيه ولا غش والحض على الصدقة. والعتق فيما أبقى غنى والمنع مما عدا ذلك، فواجب امضاء ذلك كله من كل من فعله لان الكل مندوب إلى ذلك ومباح له ذلك وواجب رد كل بيع فيه خديعة وغش وكل صدقة وعطية لم يبق بعدهما غنى من كل من فعله لان الكل منهى عن ذلك وبالله تعالى التوفيق * وأما الروايات عن ابن عباس فلا حجة لهم في شئ منها لانه ليس فيها إلا أنه قد تنبت اللحية لمن هو ضعيف الاخذ والاعطاء وانه إذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس (3) فقد انقضى يتمه وهكذا نقول إذا عقل الرشد من الفتى (4) فقد أخذ لنفسه باصلح ما يأخذ الناس فانما هم - كما أوردنا - سبعة. عثمان وعلى. والزبير. وابن الزبير. وأم المؤمنين. وعبد الله بن جعفر. وابن عباس، وقد روينا أيضا في ذلك كلاما موافقا لقولنا نذكره في آخر الباب ان شاء الله عزوجل، ثلاثة منهم روى عنهم الاشارة بالحجر ولا مزيد ولا بيان عنهم ولا عن أحد منهم ما صفة ذلك الحجر، فان كان هو رد البيع الذى فيه الغبن فهكذا نقول وهذا هو قولنا لا قول المخالفين، وهم عثمان. وعلى. وابن الزبير، وعلى كل حال فليس فيه رد صدقة ولا عتق ولا نكاح ولا بيع لا غبن فيه، وثلاثة منهم جاء عنهم انكار الحجر والقول به، وهم عائشة. وابن جعفر. والزبير، وأما ابن عباس فليس عنه شئ يوافق المخالفين لنا بل انما قال في الشيخ الذى ينكر عقله أنه يحجر عليه وهذا قولنا نفسه فيمن تغير عقله فهم مختلفون كما أوردنا ولو اتفقوا فما في أحد حجة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم قصة خالفوا فيها أكثر من هؤلاء الصحابة رضى الله عنهم لا مخالف لهم منهم؟ وأقرب ذلك هذه المسألة نفسها فانه لم يأت عن أحد من الصحابة قطعا


(1) في النسخة رقم 16 (حين كلمته) وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 16 (حيث بلغت) (3) في النسخة رقم 16 (ما يأخذه الناس) (4) في النسخة رقم 14 (من الغى)

[ 294 ]

ما ذكروه من ابطال العتق ورد الصدقة في المحجور فبطل أن يكون لهم موافق من الصحابة في هذه المسألة، وقد خالفوا أكثر من هذا العدد في المسح على الجوربين ونحو ذلك * وأما التابعون فقد اختلفوا كما ذكرنا فما الذى جعل قول عطاء. والقاسم. وربيعة. وشريح أولى من قول ابراهيم. وابن سيرين. وعمر بن عبد العزيز؟ هذا وليس عن القاسم. وشريح ابطال صدقة. ولا عتق. ولا بيع وانما عنهما امساك ماله عنه فقط وانما جاء ابطال البيع. والعتق. والنكاح عن ربيعة. وعطاء فقط وقد جاء كما أوردنا عن سبعة من التابعين وواحد من الصحابة أن السفهاء هم النساء، وهم الحسن. والحكم. ومعاوية بن قرة. وأبو مالك. والضحاك. ومجاهد. وسعيد بن جبير فخالفوهم كلهم، فمن جعل قول اثنين من التابعين قد خالفهم ثلاثة (1) منهم حجة ولم يجعل قول سبعة منهم حجة، وأما الحسن. والشعبى فليس فيما روى عنهما شئ يخالف قولنا أصلا لان الحسن قال: الرشد صلاح الدين وحفظ المال وكذلك نقول وكل مسلم فله حظ من الصلاح ولا يستوعب صلاح الدين أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بد من نقص عنه ومن لم ينفق ماله في معصية فقد حفظه، وقال الشعبى: إن الرجل ليشمط وما أونس منه رشد وصدق قد يبلغ الشيخ وهو مجنون فبطل أن يكون لهم متعلق أصلا * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن عدى الكندى مهما أقلت السفهاء فيه من شئ فلا تقلهم في ثلاث. عتق. وطلاق. ونكاح * قال أبو محمد: ونقول لهم: متى تحجرون على المرء؟ أبأول مرة يغبن فيها في البيع أم بأن يغبن مرة بعد مرة؟ فان قالوا: بأول مرة قلنا: فما على الارض أحد الا وهو عندكم مستحق للحجر عليه إذ لا سبيل أن يوجد أحد يبيع ويشترى الا وهو يغبن، وان قالوا (2) بل للمرة بعد المرة قلنا: حدوا لنا العدد الذى من بلغه فسخ منعه من البيع وفسخ عتقه ونكاحه وردت صدقته، فهذه عظائم لاتستسهل مطارفة ولا مسامحة بل النار في طرفها، فان حدوه كلفوا البرهان وكانوا قد زادوا تحكما بالباطل في دين الله تعالى، وان لم يحدوا في ذلك حداكانوا قد أقروا بأنهم لا يدرون متى يلزمهم الحكم بما به يحكمون ولا متى لا يلزمهم وأنهم يحكمون بالجهالات والعمى، وكذلك نسألهم متى يحجرون عليه إذا غبن بما يزيد على ما يتغابن الناس به بمثله أم إذا غبن بالكثير فان قالوا: بل بما يزيد على ما يتغابن الناس بمثله قلنا: ما على أديم الارض احد إلا وهو مستحق للحجر عندكم إذ ليس أحد الا وقد


(1) في النسخة رقم 14 (قد خالفوهم ثلاثة) (2) في النسخة رقم 14 (فان قالوا)

[ 295 ]

يغبن (1) بهذا القدر ممن يبيع ويشترى، وان قالوا: بل باكثر من ذلك كلفوا أن يبينوا الحد الذى عنده تجب هذه العظائم من فسخ بيوعه وأن لا يعدى عليه فيما أكل من أموال الناس بالشراء ومنع الثمن. وان ترد صدقاته. وعتقه. ونكاحه ومتى لا تجب فان حدوا زادوا شنعا وحكما بالباطل وان لم يحدوا كانوا حاكمين بما لا يدرون، وفى هذا ما فيه، ويكفى من هذا انهم لا يقدرون - إلى منتهى الابد - على ان يأتوا برواية معروفة غير موضوعة في الوقت على أنه كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أبى بكر ولا عهد عمر. نعم ولا عهد عثمان. ولا عهد على رضى الله عنهم انسان مسلم يفهم الدين يمنع بالحجر من صدقة. وعتق. ونكاح لا يضر شئ من ذلك بما له ولا من بيع لا غبن فيه هذا ما لا يجدونه أبدا، فأف لكل شريعة تفطن لها من بعدهم، وبالله تعالى التوفيق * ومن طوام الدنيا وشنعها قولهم: ان المحجور عليه لا يكفر في ظهاره. ولا في وطئه في رمضان. ولا في قتله الخطأ. ولا في أيمانه الا بالصيام وان كان صاحب أموال لا يحصيها الا الله تعالى خلافا للقرآن. والسنن وهم يلزمونه الزكاة. والنفقات على الاقارب وعلى الزوجة فهل بين الامرين فرق؟ وقد جاء ايجاب العتق فيما ذكرنا في القرآن كما جاءت الزكاة سواء سواء، فليت شعرى من أين خرج هذا التقسيم الفاسد؟ ان هذا العجب * قال أبو محمد: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قولنا مما يبطل قولهم كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا يوسف بن حماد نا عبد الاعلى عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس: (أن رجلا كان في عقدته (2) ضعف وان أهله [ أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ] (3) فقالوا: يا نبى الله احجر عليه فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه فقال: يا نبى الله انى لا أصبر عن البيع فقال عليه السلام: إذا بعت فقل لا خلابة (4)) * ومن طريق مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار عن [ عبد الله ] (5) بن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله (6) صلى الله عليه وسلم انه يخدع في البيع (7) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بايعت فقل: لا خلابة قال: فكان الرجل إذا بايع يقول: لاخلابة) * ومن طريق قاسم بن أصبغ نا محمد بن وضاح نا حامد بن يحيى البلخى نا سفيان بن عيينة نا محمد بن اسحق عن نافع عن ابن عمر قال: (ان


(1) في النسخة رقم 14 (الا وهو قد يغبن) (2) بضم العين المهملة وسكون القاف أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه وغيره، وفى النسخة رقم 14 (في عقله) وما هنا موافق لما في سنن النسائي ج 7 ص 25 (3) الزيادة من سنن النسائي (4) أي لا خديعة، والخلابة الخديعة بالقول اللطيف (5) الزيادة من الموطأ ج 2 ص 171 (6) في الموطأ (ان رجلا ذكر لرسول الله) (7) في الموطأ المطبوع سنة 1343 (في البيوع)

[ 296 ]

منقذا سقع في رأسه مأمومة (1) في الجاهلية فخبلت لسانه فكان يخدع في البيع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بع وقل: لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثا من بيعك قال ابن عمر: فسمعته يقول: إذا بايع لا خذابة لا خذابة) * قال على: هذان أثران (2) في غاية الصحة وما يقول بعد سماعهما بالحجر على من يخدع في البيوع أو بانفاذ بيع فيه خديعة الا ذا هل عن الحق مقدم على العظائم لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إلى قولهم: احجر عليه ولا حجر عليه ولا منعه من البيع بل جعل له الخيار فيما اشترى ثلاثا وأمره أن لا يبايع الا ببيان أن لا خلابة وهكذا نقول ولله الحمد * ومن طريق البخاري نا يحيى بن بكير نا الليث بن سعد عن عقيل بن خالد قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين قالت في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت فيه اتيانه إلى المدينة إذ هاجر من مكة: (ثم ركب - تعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ناقته فسار حتى بركت عند مسجده عليه السلام بالمدينة وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل [ غلامين ] (3) يتيمين في حجر أسعد ابن زرارة ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا) فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أنهما في حجر غيرهما يتيمان فلم يساومه ولا شاوره ولا ابتاعه منه بل ساومهما وأنفذ بيعهما فيه ولم يجعل للذى كانا في حجره في ذلك أمرا، فان قيل: لم يقبل هبتهما اياه قلنا: قد فعل مثل ذلك بأبى بكر قبل ذلك بأقل من شهر أو شهر أذ أراد عليه السلام الهجرة فقدم إليه أبو بكر رضى الله عنه إحدى ناقتين له وقال له: هي لك يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبها إلا بالثمن فابتاعها منه، فرده عليه السلام هبة اليتيمين كرده هبة أبى بكر ولا فرق ليس لان ذلك لا يجوز منهم، وبرهان هذا (4) اجازته عليه السلام بيعهما ولا خلاف بين المخالفين لنا في أن من لم يحجر عليه بيعه لم يحجر عليه هبته في هذا المكان، وانما فرقوا بين الهبة والبيع في المريض. والمرأة ذات الزوج وفى المحاباة فيما زاد على الثلث خاصة، وهذا أثر صحيح لا مغمز فيه، وعقيل


(1) أي ضرب في رأسه فشج حتى بلغت المأمومة وهى ام الدماغ، وفى النهاية (ان منقذا صقع - بالصاد المهملة - آمة في الجاهلية أي شج شجة بلغت أم رأسه (2) في النسخة رقم 14 (أثران صحيحان) (3) الزيادة من صحيح البخاري ج 5 ص 160، والمربد السطح وأهل المدينة يسمون الموضع الذى يجفف فيه التمر مربدا وهو الجرن في لغة أهل نجد اه‍ من الصحاح للجوهري (4) في النسخة رقم 14 (برهان ذلك)

[ 297 ]

أحد المختصين بالزهرى المتحققين به الملازمين له، وكذلك عروة بعائشة رضى الله عنها * وقد روينا خبرا لو ظفروا بمثله لبغوا كما روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن صالح نا يحيى بن محمد المدينى نا عبد الله بن خالد بن سعيد بن ابى مريم عن سعيد بن عبد الرحمن ابن رقيش أنه سمع شيوخه من بنى عمرو بن عوف ومن خاله عبد الله بن أبى أحمد قال: قال على بن أبى طالب: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتم بعد احتلام) * قال أبو محمد: وأقل ما في هذا الاثر أن يكون موقوفا على على بن أبى طالب فهو خلاف لما تعلقوا به عنه في الحجر الذى لا بيان فيه أنه موافق لقولهم على كل حال، ونا أحمد بن عمر بن أنس العذري نا أبو ذر الهروي نا عبيدالله بن محمد بن اسحاق بن حبابة ببغداد نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي نا مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام نا أبى عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم (أنه سمع عمر بن الخطاب يقول لصهيب: يا صهيب ما فيك شئ أعيبه عليك إلا ثلاث خصال ولو لا هن ما قدمت عليك أحدا فقال له صهيب: ما هن فانك طعان؟ فقال عمر بعد كلام: أراك تبذر مالك وتكتنى باسم نبى وتنتسب عربيا ولسانك أعجمى فقال له صهيب: أما تبذيري مالى فما أنفقه إلا في حقه وأما اكتنائي فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانى بابى يحيى أفأتركها لقولك؟ وأما انتسابي إلى العرب فان الروم سبتني وأنا صغير فانى لا أذكر أهل أبياتي ولو انفلقت عنى روثه لا نتسبت إليها) فهذا عمر يرى فعل صهيب تبذيرا ولم يحجر عليه، وفى هذا كفاية وبالله تعالى التوفيق * 1395 مسألة والمريض مرضا يموت منه أو يبرأ منه. والحامل مذ تحمل إلى أن تضع أو تموت. والموقوف للقتل بحق في قود أو حد أو بباطل. والاسير عند من يقتل الاسرى أو من لا يقتلهم. والمشرف على العطب. والمقاتل بين الصفين كلهم سواء، وسائر الناس في أموالهم ولا فرق في صدقاتهم. وبيوعهم. وعتقهم. وهباتهم وسائر أموالهم، وقال قوم: بالحجر على هؤلاء فيما زاد على الثلث، وقال أبو سليمان. وأصحابنا: كقولنا الا في العتق خاصة فقط فانهم قالوا: عتق المريض خاصة دون سائر من ذكرنا لا ينفذ إلا من الثلث سواء أفاق من مرضه أو مات منه أي مرض كان * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا على بن مسهر نا اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن مسروق أنه سئل عمن أعتق عبداله في مرضه وليس له مال غيره؟ فقال مسروق: أجيزه برمته شئ جعله الله لا أرده، وقال شريح أجيز ثلثه واستسعيه في ثلثيه قال الشعبى قول مسروق أحب إلى في الفتيا وقول شريح أحب إلى في القضاء، وقول النخعي كقول: (م 38 ج 8 المحلى)

[ 298 ]

شريح * ومن طريق قتادة عن الحسن عن ابن مسعود فيمن أعتق عبداله في مرضه لا مال له غيره قال: اعتق ثلثه * ومن طريق معمر عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم ابن عبد الرحمن أن رجلا اشترى جارية في مرضه فأعتقها عند موته فجاء الذين باعوها بثمنها فلم يجدوا له مالا فقال ابن مسعود: اسعى في ثمنك * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن الحسن سئل على عمن أعتق عبدا له عند موته وليس له مال غيره وعليه دين؟ قال: يعتق ويسعى في القيمة، وقال النخعي فيمن أعتق عبدا عند موته لا مال له غيره وعليه دين: أنه يسعى في قيمته فيقضى الدين فان فضل شئ فله ثلثه وللورثة ثلثاه، وقال الحسن. وعطاء: عتق المريض من الثلث وهو قول قتادة. وسعيد بن المسيب. وأبان بن عثمان. وسليمان بن موسى. ومكحول، ثم اختلفوا فمن مرق منه ما زاد على الثلث ومن معتق لجميعه ويستسعيه فيما زاد على الثلث، وأما بيعه وشراؤه فروينا من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبى في المريض يبيع ويشترى قال: هو في الثلث وان مكث عشر سنين، وأما الحامل فروينا من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبى عن شريح أنه كان يرى ما صنعت الحامل في حملها من الثلث قال سفيان: ونحن لا نأخذ بهذا بل نقول: ما صنعت فهو جائز الا أن تكون مريضة من غير الحمل أو يدنو مخاضها يريد أن يضر بها الطلق (1)، وقال عطاء: ما صنعت الحامل في حملها فهو وصية قلت: أرأى؟ قال: بل سمعناه وهو قول قتادة: وعكرمة، وقال الحسن. والنخعي. ومكحول. والزهرى: علطية الحامل كعطية الصحيح * ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد الانصاري أنه سمع القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق قال: ما أعطت الحامل لوارث. أو لزوج فمن رأس مالها الا أن تكون مريضة وقال ربيعة: كذلك الا أن تثقل أو يحضرها نفاس، قال ابن وهب: وأخبرت بهذا أيضا عن ابن المسيب. ويحيى بن سعيد. وابن حجيرة الخولانى وهو قول أحمد. واسحق، وقال النخعي. ومكحول. ويحيى بن سعيد الانصاري والاوزاعي. وعبيدالله بن الحسن. والشافعي في عطية الحامل كقول سفيان الثوري، وهو قول أبى حنيفة، وروى عن سعيد بن المسيب عطية الغازى من الثلث، وقال مكحول: بل من رأس ماله الا أن تقع المسايفة (2) وعطية راكب البحر كذلك، وقال الحسن: هو كالصحيح وكذلك راكب البحر، ومن كان في بلد قد وقع فيه


(1) في النسخة رقم 14 (وأن يضريها الطلق) (2) بالفاء، وهى المجالدة والتضارب بالسيوف، وفى النسخة رقم 14 (المسابقة) بالباء الموحدة بعدها قاف وهو تصحيف

[ 299 ]

الطاعون، وقال مكحول: كذلك في راكب البحر ما لم يهج البحر، وقال الحسن في اياس ابن معاوية لما حبسه الحجاج: ليس له من ماله الا الثلث فقال اياس إذ بلغه قوله: ما فقه أحد الاساء ظنه بالناس، وقال الشعبى: ما صنع المسافر فمن الثلث من حيث يقع رحله في الغرز، قال النخعي: بل من رأس المال، وقال الزهري: ما صنع الاسير فمن الثلث، وقال أبو حنيفة: ليس للمريض أن يقضى بعض غرمائه دون بعض ورأوا محاباته في البيع وهباته. وصدقاته. وعتقه كل ذلك من الثلث ان مات من ذلك المرض الا أن العتق ينفذ كله ويستسعى فيما لا يحمله الثلث منه فان أفاق من ذلك المرض نفذ كل ذلك من رأس ماله، وأما المحصور. والواقف في صف الحرب فكالصحيح، وأما الذى يقدم للقتل في قصاص. أو رجم فكالمريض، ومن اشترى ابنه في مرضه الذى مات فيه فان خرج من ثلثه عتق وورثه وان لم يخرج من ثلثه عتق ولم يرثه واستسعى فيما زاد على الثلث كسائر الورثة، فان أقر بولد أمته في مرض موته لحق به (1) وورثه وان وطئ أمة في مرض موته فحملت فهى أم ولد من رأس ماله ويرثه ولدها ووافقه على ذلك كله أبو يوسف. ومحمد إلا أن الذى يشترى ولده في مرضه ولا يحمله الثلث فانهما قالا: يرثه على كل حال ويستسعى فيما يقع من قيمته للورثة فيأخذونه وقالوا كلهم: انما هذا في المرض المخيف كالحمى الصالب. والبرسام. والبطن. ونحو ذلك ولم يروا ذلك في الجذام. ولا حمى الربع. ولا السل. ولا من يذهب ويجئ في مرضه، وقال مالك: كقول أبى حنيفة في كل ما ذكرنا إلا في الحامل فان أفعالها عنده كالصحيح إلى أن تتم ستة أشهر فإذا أتمتها فافعالها في مالها كالمريض حتى أنه منعها من مراجعة زوجها الذى طلقها طلاقا بائنا واحدة أو اثنتين وإلا الاستسعاء فلم يره بل أرق ما لم يحمل الثلث منه والا فيمن اشترى ابنه في مرضه ولم يحمله الثلث فانه اعتق منه ما حمل الثلث وأرق الباقي، وقال الشافعي. وسفيان الثوري: للمريض أن يقضى بعض غرمائه دون بعض وقال الشافعي: فعل المريض مرضا مخيفا من الثلث فان أفاق فمن رأس ماله، واختلف قوله في الذى يقدم للقتل فمرة قال: هو كالصحيح ومرة قال: هو كالمريض * قال أبو محمد: أما قول مالك. وأبى حنيفة: انه ليس للمريض أن يقضى بعض غرمائه دون بعض فخطأ في تفريقهما في ذلك بين الصحيح. والمريض، والحق في ذلك هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأن يعطى كل ذى حق حقه فهو في انصافه بعض غرمائه دون بعض معطى ذلك الذى أنصف حقه ومن فعل ما أمر به فهو محسن والاحسان لا يرد، فان كان


(1) في النسخة رقم 16 (لحقه)

[ 300 ]

الذى لم ينصفه حاضرا طالبا حقه فهو عاص في أنه لم ينصفه وهما قضيتان أصاب في احداهما وظلم في الاخرى والحق لا يبطله ظلم فاعله في قصة أخرى. وحق الغريم انما هو في ذمة المدين لا في عين ماله مادام حيا لم يفلس، فإذ ذلك كذلك فقد نفذ الذى أعطى ما أعطاه بحق (1) ولزمه أن ينصف من بقى إذ حقه في ذمته لا في عين ما أعطى الآخر ولم يأت (2) نص في الفرق بين صحيح. ومريض، وما نعلم لهما في قولهما هذا سلفا، وأما قولهما فيمن اشترى ولده في مرضه فلم يحمله الثلث انه لا يرثه فان حمله الثلث عتق وورث فقول في غاية الفساد والمناقضة، ولا نعلم لهما فيه سلفا متقدما لانه ان كان وصية فالوصية للوارث لا تجوز فينبغي على أصلهم أن لا ينفذ عتقه أصلا حمله الثلث أو لم يحمله، وقد قال بهذا بعض الشافعيين، وقال آخرون منهم: الشراء فاسد لانه وصية لوارث وان كان ليس وصية فما باله لا يرث وقد صار حرا بملك أبيه لم ثم مناقضتهم في المريض يطأ أمته فتحمل انها من رأس ماله حرة ويرثه ولدها، فان قالوا: حملها ليس من فعله قلنا: لكن وطئه لها من فعله واقراره بولدها من فعله، وعتق الولد في كل حال ليس من فعله: وأما قول مالك في الحامل فقول أيضا لا نعلم له فيه سلفا، واحتج له بعض مقلديه بقول الله تعالى: (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما) * قال أبو محمد: وهذا ايهام منهم للاحتجاج بما لا حجة لهم فيه أصلا لان الله تعالى لم يقل: ان الاثقال لم تكن الا بتمام ستة أشهر فظهر تمويههم بما ليس لهم فيه متعلق، ثم ليت شعرى من لهم بأن الاثقال جملة يدخلها في حكم المريض وقد يحمل الحمال حملا ثقيلا فلا يكون بذلك في حكم المريض عندهم، فان قالوا: قد تلد لستة أشهر قلنا: وقد تسقط قبل ذلك والاسقاط أخوف من الولادة أو مثلها فظهر فساد هذا القول جملة وبالله تعالى التوفيق * قال على: ثم نأخذ بحول الله تعالى وقوته في قول من قال: بأن أفعال المريض ومن خيف عليه الموت من الثلث * قال أبو محمد: احتجوا بالخبر الثابت المشهور من طريق ابن سيرين. وأبى المهلب كلاهما عن عمران بن الحصين: (أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فاعتق اثنين وأرق أربعة) وجاء في بعض الروايات أنه عليه السلام قال فيه قولا شديدا * وبالخبر الصحيح الثابت من طريق مالك. وابن عيينة. وابراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد


(1) في النسخة رقم 14 (فقد نفذ للذى أعطى مما أعطاه بحق) (2) في النسخة رقم 16 (إذ لم يأت)

[ 301 ]

ابن أبى وقاص عن أبيه قال: (جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بى فقلت: يا رسول الله ققد بلغني من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثنى الا ابنة لى أفأتصدق بثلثي مالى؟ قال عليه السلام: لا قلت: فالشطر قال: لا ثم قال عليه السلام: الثلث والثلث كثير انك ان تذر ورثتك اغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس (1)) وذكر باقي الخبر قالوا: فلم يأذن له عليه السلام بالصدقة بأكثر من الثلث * وبخبر رويناه من طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نا يزيد بن محمد العقيلى نا حفص ابن عمر بن ميمون (2) عن ثور بن يزيد عن مكحول عن الصنابحى عن أبى بكر الصديق (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم رحمة لكم وزيادة في أعمالكم وحسناتكم) * ومن طريق سليمان بن موسى سمعت: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جعل لكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم) * ومن طريق معمر عن أيوب عن أبى قلابة (قال النبي صلى الله عليه وسلم في خبر عن الله تعالى انه قال: جعلت لك طائفة من مالك عند موتك أرحمك به) * ومن طريق معمر عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابتاعوا أنفسكم من ربكم أيها الناس ألا انه ليس لا مرئ شئ الا لا أعرفن امرءا بخل بحق الله حتى إذا حضره الموت أخذ يذ عذع ماله (3) ههنا وههنا) * ومن طريق وكيع عن طلحة - هو ابن عمرو المكى - عن عطاء عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله تصدق عليكم بالثلث من أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم) * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا حجاج عن العلاء بن بدر عن أبى يحيى المكى أن رجلا أعتق غلاما له عند موته ليس له مال غيره وعليه دين فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسعى في قيمته * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا خالد عن أبى قلابة عن رجل من بنى عذرة أن رجلا منهم أعتق غلاما عند موته ولم يكن له مال غيره فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتق منه الثلث واستسعى في الثلثين، وقالوا: (4) قد صح عن أبى بكر أنه قال لعائشة رضى الله عنها عند موته: (إنى كنت نحلتك جاد عشرين وسقا من مالى فلو كنت جددتيه وحزتيه (5) لكان لك وإنما هو اليوم مال الوارث) قالوا: فاخبر أبو بكر بحضرة الصحابة أن من قارب الموت فماله مال الوارث، وقالوا: قد جاء ما أوردنا عن على. وابن مسعود ولا مخالف لهما يعرف من الصحابة رضى الله عنهم فهو اجماع،


(1) أي يستعطون باكفهم الناس) (2) في النسخة رقم 14 (حفص بن عمرو ابن ميمون) وهو غلط (3) أي يفرقه (4) في النسخة رقم 14 (وقال) والسياق يعين ماهنا (5) جد النخل - بالدال المهملة - يجده أي صرمه وقطعه

[ 302 ]

وقالوا: قسناه على الوصية * قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا به وكله لا حجة لهم فيه، أما حديث رجل من بنى عذرة فمرسل وعن مجهول ثم لو صح لكان مخالفا لقول مالك. والشافعي لانهما لا يريان الاستسعاء، وأما خبر أبى يحيى المالكى فهالك لانه مرسل وعن حجاج وهو ساقط، ثم لو صح لكان مخالفا لقول مالك. والشافعي * وأما حديث أبى هريرة ففيه طلحة بن عمرو المكى وهو كذاب * وأما حديث قتادة فمرسل ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لان البخل بحق الله تعالى لا نخالفهم انه لا يحل وان ذعذعة المال ههنا وههنا لا تجوز عندنا لا في صحة ولا في مرض فليس ذلك الخبر مخالفا (1) لقولنا * وأما حديث أبى قلابة فمرسل، وكذلك حديث سليمان بن موسى * وأما حديث أبى بكر فسنده غير مشهور ولا ندرى حال حفص بن عمر بن ميمون ثم لو صح هو وجميع الآثار التى ذكرنا لم يكن لهم في شئ منهما حجة أصلا لانه ليس فيها كلها الا أن الله عزوجل تصدق علينا عند موتنا بثلث أموالنا، فهذا يخرج على أنه الوصية التى هي بلا خلاف نافذة بعد الموت ومعروف في اللغة التى بها خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العرب تقول: كان أمر كذا عند موت فلان وارتدت العرب عند موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وولى عمر عند موت أبى بكر هذا أمر معروف مشهور، فجميع هذه الاخبار خارجة على هذا أحسن خروج. وموافقة لقولنا على الحقيقة حاشا خبر العلاء بن بدر عن أبى يحيى المكى فانه لا يخرج لا على قولنا ولا على قول أحد منهم فليس لهم أن يحتجوا بخبر يخالفونه لان أبا حنيفة يقول: ان كان الدين لا يستغرق جميع قيمة العبد فانما يسعى في الدين فقط ثم في ثلثى ما يبقى من قيمته بعد الدين فقط وهو قولنا إذا أوصى بعتقه ونحن نقول: ان كان الدين يستغرق جميع قيمته فالعتق باطل وهو قول مالك. والشافعي، فكل طائفة منهم قد خالفت ذلك الحديث ثم جميعهم مخالف لجميع هذه الآثار لانه ليس فيها إلا عند موته وعند موتكم وليس في شئ منها ذكر لمرض أصلا فالمرض شئ زادوه بآرائهم ليس في شئ من الآثار نص منه ولا دليل عليه، وقد يموت الصحيح فجأة ومن مرض خفيف فاقتصارهم على المرض من أين خرج؟ وهلا راعوا ما جاءت به الآثار من لفظ عند موته؟ فجعلوا من فعل ذلك عند موته صحيحا فعله أو مريضا من الثلث وجعلوا ما فعلوا في صحته أو مرضه مما تأخر عند موته من رأس ماله * فظهر أن جميع هذه الآثار مخالفة لقولهم وانها من النوع الذى احتجوا به لاقوال لهم ليس منها شئ فيما احتجوا له به،


(1) في النسخة رقم 14 (موافقا) وهو غلط

[ 303 ]

وهذا ايهام منهم قبيح وتدليس في الدين فسقط تعلقهم بها * وأما حديث سعد فانا رويناه من طريق سفيان الثوري عن سعد بن ابراهيم عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه، ومن طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه * ومن طريق مروان ابن معاوية الفزارى عن هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص عن عامر بن سعد عن أبيه * ومن طريق عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه * ومن طريق أيوب السختيانى عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد سعد كلهم عن سعد * ومن طريق قتادة عن يونس بن جبير (1) عن محمد بن سعد ابن أبى وقاص عن أبيه * ومن طريق عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن السلمى عن سعد ابن أبى وقاص * ومن طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعد. وعائشة أم المؤمنين كلهم قال في هذا الخبر: أفأوصى بمالى أو بثلثي مالى يا رسول الله؟ ثم بنصفه وهو خبر واحد، فصح ان الذين رو وا لفظ (أفا تصدق) عن الزهري انما عنوا به الوصية بلا شك لا الصدقة في حال الحياة لانه كله خبر واحد عن مقام واحد عن رجل واحد في حكم واحد، وكل وصية صدقة وليس كل صدقة وصية، نعم وروينا (2) هذا الخبر من طريق أبى داود نا أبو الوليد الطيالسي قال: نا عبد العزيز بن الماجشون. وابراهيم ابن سعد كلاهما عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: (مرضت مرضا شديدا فأشفيت منه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ان لى ما لا كثيرا وانما ترثني ابنة لى واحدة أفأتصدق بمالى كله؟ قال: لا قلت: فأوصى بالشطر قال: لا قلت: يا رسول الله فبم أوصى؟ قال: الثلث والثلث كثير انك ان تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) فروى مالك. وابن عيينة عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أفأتصدق؟ وروى ابراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه مرة أفأتصدق ومرة أفأوصى؟، وروى معمر. وسعد بن ابراهيم عن عامر ابن سعد عن أبيه أفأوصى؟ وليسا دون مالك. وابن عيينة، واتفق سائر من ذكرنا على لفظ أوصى فارتفع الاشكال جملة، وأيضا فليس في هذا الخبر نص ولا دليل بوجه من الوجوه على أن ذلك الحكم في المرض خاصة دون الصحة، فمن قال: انه في المرض خاصة فقد كذب وقول (3) رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يقل، وهذا من أكبر الكبائر، وأيضا فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سعدا سيبرأ وتكون له آثار في الاسلام فبطل أن


(1) في النسخة رقم 16 (عن يونس بن جبر) وهو غلط، وهو يونس بن جبير الباهلى أبو غلاب البصري (2) في النسخة رقم 16 (روينا) بدون واو (3) هو بتشديد الواو

[ 304 ]

يكون ذلك حكم المرض الذى يموت المرء منه * روينا من طريق أبى داود نا عثمان ابن محمد بن أبى شيبة نا جرير عن الاعمش عن أبى وائل عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيامه الساعة الا أخبر به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علم أصحابي هؤلاء أنه ليكون منى (1) الشئ فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه فإذا رآه عرفه * قال أبو محمد: وسعد قد فتح أعظم الفتوح وأنزل ملك الفرس عن سريره وافتتح قصوره. ودوره. ومدائنه فبطل أن يكون لهم بهذا الخبر متعلق أصلا، وأما خبر عمران بن الحصين في الستة الاعبد فأولى الناس أن لا يحتج به أبو حنيفة. وأصحابه الذى لا يستحيون من أن يقولوا: انه قمار وأنه فعل باطل. وحكم جور شاه وجه من قال ذلك (2) في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقى الكلام فيه مع المالكيين. والشافعيين. وأصحابنا القائلين به * قال على: فنقول وبالله التوفيق: انه لا حجة لهم فيه أصلا لوجوه ثلاثة، أولها انه ليس فيه الا العتق وحده فاقحامهم (3) مع العتق جميع أفعال المريض خطأ وتعد لحدود الله تعالى والقياس باطل ولو كان حقا لكان ههنا باطلا لانهم يفرقون بين حكم العتق وسائر الاحكام فيوجبون فيمن أعتق شقصاله من عبد أن يقوم عليه باقية فيعتقه ولا يرون فيمن تصدق بنصف عبده أو أوقف (4) نصف داره. أو نصف فرسه. أو تصدق بنصف ثوبه. أو بنصف ضيعته أن يقوم عليه باقى ذلك وينفذ فعله في جميعه، فمن أين وجب أن يقاس على العتق ههنا ولم يجب أن يقاس عليه هنا لك؟ ان هذا لتحكم فاسد * والوجه الثاني أنه ليس فيه من فعل المريض كلمة ولا دلالة ولا اشارة بوجه من الوجوه انما فيه أعتق عند موته فكان الواجب عليهم أن يجعلوا هذا الحكم فيمن أعتق عند موته صحيحا أو مريضا فمات اثر ذلك لا فيمن أعتق مريضا أو صحيحا ثم تراخى موته فان هذا لم يعتق عند موته بلا شك، وهذا مما خالفوا فيه الخبر الذى احتجوا به فيما فيه وأقحموا فيه ما ليس فيه واحتجوا به فيما ليس فيه منه شى ء أصلا، وهذه قبائح موبقة نعوذ بالله منها * والثالث أن هذا الخبر حجة لنا عليهم قاطعة لان هذا الانسان


(1) في النسخة رقم 16 (منه) (2) في النسخة رقم 16 (من قال هذا) (3) في النسخة رقم 16 (فايجابهم) (4) قال الجوهرى في صحاحه: وقفت الدار للمساكين وقفا وأوقفتها بالالف لغة رديئة وليس في الكلام أوقفت الاحرف واحد أوقفت عن الامر الذى كنت فيه أي أقلعت وكل شئ أمسكت عنه تقول: أوقفت اه‍ *

[ 305 ]

لم يبق لنفسه شيئا أصلا هكذا في الحديث أنه لم يكن له مال غيرهم، وهذا عند نا مردود الفعل صحيحا كان أو مريضا، ولا يجوز لاحد في ماله عتق تطوع. ولا صدقة تطوع. ولا هبة يبت بها إلا فيما أبقى غنى كما قال عليه السلام: (الصدقة عن ظهر غنى) وقد أبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق انسان صحيح لم يكن له مال غيره كما روينا من طريق البخاري. واحمد بن شعيب قال البخاري: نا عاصم بن على وقال أحمد: انا عبيدالله بن سعد بن ابراهيم نا أبى وعمى - هو يعقوب بن ابراهيم بن سعد - ثم اتفق عاصم. وسعد. ويعقوب أبناء ابراهيم قالوا كلهم: نا ابن أبى ذئب عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق عبداله لم يكن له مال غيره فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتاعه منه نعيم بن النحام قال الزهريون في روايتهم: فرده عليه السلام فهذا إسناده كالشمس لا يسع أحدا خلافه، فصح أن النبي صلى الله عليه وسلم انما رد عتق أولئك الاعبد لان معتقهم لم يكن له مال غيرهم، وكان عتقه عليه السلام لثلثهم والله أعلم كما روى في بعض الاخبار أنه عليه السلام قال لكعب بن مالك إذ جعل على نفسه إذ تاب الله عليه: (يجزيك من ذلك الثلث) وإن كان هذا اللفظ لا يصح لكن أنه عليه السلام قال له: أمسك عليك بعض مالك فأمسك سهمه بخيبر، فقد يكون ذلك المعتق له في أربعة منهم غنى، وبرهان هذا أن الرواية الثانية في ذلك الخبر أنه عليه السلام انما أعتق اثنين وأرق اربعة ولم يذكر قيمة، والثلث عند المحتجين بهذا الخبر لا يكون هكذا أصلا ولا يكون الا بالقيمة * ووجه رابع وهو أننا روينا هذا الخبر من طريق مسلم نا اسحق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - وابن أبى عمر كلاهما عن الثقفى - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران بن الحصين أن رجلا أوصى عند موته فاعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم ] (1) فأعتق اثنين وأرق اربعة وقال له: قولا شديدا) فصح أن ذلك العتق انما كان وصية ولا خلاف أنها من الصحيح والمريض سواء لا تجوز إلا بالثلث، فان كانت الروايتان حديثا واحدا وهو الاظهر الذى لا يكاد يمكن ولا يجوز غيره فقد ارتفع الكلام وبطل تعلقهم به وان كانا خبرين وهذا ممكن بعيد فكلاهما لنا وموافق لقولنا ومخالف لقولهم، وعلى كل حال فليس في شئ منه ذكر لمرض ولا لفعل في مرض أصلا ولا لان الرد إنما كان لان العتق وقع في مرض وبالله تعالى التوفيق * فبطل عنهم كل ما موهوا به من الآثار التى هم أول مخالف لها وعادت كلها لنا عليهم حجة *


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 23 (م 39 ج 8 المحلى)

[ 306 ]

وأما ما رووا في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم فكذلك أيضا وانما هم ثلاثه أبو بكر. وعلى. وابن مسعود، فاما أبو بكر فانما تعلقوا عنه بقوله. وانما هو اليوم مال الوارث (1) وهذا لا متعلق لهم به أصلا لانه لا يختلف اثنان وهم معنا أيضا في أنه رضى الله عنه انما عنى أنه مال الوارث بعد موته وانه لم يعن بذلك أن مال المريض الذى يموت من ذلك المرض للوارث مادام شئ من الروح في المريض، ولا خلاف في أن أسماء لو ماتت إذ قال أبو بكر هذا القول لها لما ورث عبد الله. وعروة. والمنذر اولادها من مال أبى بكر حبة خردل ولا قيمتها فما فوق ذلك، ولو كان مال المريض قد صار ما لا للوارث في مرضه لورثه عنه ان مات ورثته في حياة المريض وهذا لا يقوله أحد ولا أحمق. ولا عاقل، وأيضا فلا خلاف منا ومنهم في أن الوارث لو وطئ أمة المريض قبل موته لكان زانيا يحد حيث يحد لو وطئها وهو صحيح ولا فرق، وانه لو سرق من ماله قبل موته شيئا في مثله القطع قطعت يده حيث تقطع يده لو سرق منه وهو صحيح، فظهر تمويههم وبردهم وتدليسهم في الدين بايها مهم الباطل من اغتر بهم وأحسن الظن بطرقهم، فان أتونا في صرف الاخبار التى ذكرنا قبل عن ظاهرها ببرهان مثل هذا وجب الانقياد للحق وان لم يأتونا إلا بالكذب البحت وبالظن الفاسد وبالتموية الملبس فعار ذلك وناره لا زمان لهم لا لنا وبالله تعالى التوفيق، فبطل تعلقهم بخبر أبى بكر رضى الله عنه جملة * وأما الخبر عن ابن مسعود فمرسل لان الحسن. والقاسم بن عبد الرحمن لم يدركاه ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لان في احدى الروايتين عنه أنه ابتاعها في مرضه فاجاز بيعه وأعتقها عند موته فأمرها بان تسعى في ثمنها للغريم، وفى الاخرى أعتق عبده في مرضه لا مال له غيره، فقال ابن مسعود: عتق ثلثه، والقول في هذا كالقول في بعض الاخبار المتقدمة من أنه انما رد ذلك لانه لم يكن له مال غيره فراعى ما ابقى له غنى * وقد روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن حجاج عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أعتقت امرأة جارية لها ليس لها مال غيرها فقال عبد الله بن مسعود: تسعى في قيمتها، فهذا عبد الله قد رأى السعي في قيمتها إذ لم يكن (2) له مال غيرها ولم يذكران ذلك كان في مرض أصلا فعاد فعل ابن مسعود لو صح حجة علهيم، فكيف ولا حجة في قول أحد ولا نعله دون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبطل تعلقهم بابن مسعود ولاح خلافهم له * وأما الرواية عن على فمنقطعة لان الحسن لم يسمع من على شيئا ثم لو صحت لما كان لهم بها متعلق أصلا لانه لم يقل على رضى الله عنه انه انما فعل ذلك لانه أعتقه في مرضه البتة


(1) في النسخة رقم 14 (مال وارث) وما هنا موافق لما تقدم (2) في النسخة رقم 16 (اذالم يكن)

[ 307 ]

ولا في تلك الرواية ذكر أن ذلك كان في مرض (1) لا بنص ولا بدليل وانما فيه انه أعتقه عند موته فقط، والاظهر أن عليا انما أوجب الاستسعاء في ذلك لانه لم يكن له مال غيره وعليه دين، فهذا هو نص الخبر وهو قولنا لا قولهم كلهم، وكذلك نقول بالاستسعاء في هذا إذا فضل من قيمة العتق عن الدين شئ قل أو كثر وليس في ذلك الخبر خلاف لهذا فلاح ولله الحمد كثيرا ان كل ما احتجوا به من أثر صحيح أو سقيم أو عن صاحب فليس منه شئ أصلا موافقا لقولهم. وان ايرادهم لكل ذلك تمويه. وايهام بالباطل. والظن الكاذب، وأن كله أو أكثره حجة لنا وموافق لقولنا والحمد لله رب العالمين * وأما احتجاجهم بالتابعين ودعواهم الاجماع في ذلك فغير منكر من استسهالهم الكذب على جميع أهل الاسلام، وقد أوردنا في صدر هذه المسألة باصح طريق عن مسروق خلاف قولهم. وان عتق المريض من رأس ماله وان مات من مرضه ذلك. وانه انما قال بذلك لانه شئ جعله لله تعالى فلا يرد، فصح أن كل ما فعله المريض لله تعالى فمات من مرضه أو عاش فمن رأس ماله عند مسروق فظهر كذبهم في دعوى الاجماع فكيف وانما جاءت في ذلك آثار عن أربعة عشر من التابعين فقط؟ شريح. والشعبى. والنخعي. وسعيد بن المسيب. والقاسم. وسالم. والزهرى. وربيعة. ويحيى بن سعيد الانصاري وعكرمة. ومكحول. وعطاء. والحسن. وقتادة أكثر ذلك لا يصح عنهم لانها من طريق جابر الجعفي ومثله، ثم هم مختلفون فمنهم من رأى المسافرين حين يضع رجله في الغرز لا ينفذ له أمر في مال الا من ثلثه، ومنهم من يرى ذلك في الحامل جملة، ومنهم من يرى ذلك في الاسير جملة، والمالكيون. والحنيفيون. والشافعيون مخالفون لكل هذا، ثم قولهم في تقسيم الامراض مخالف لجميعهم، فان كان هؤلاء إجماعا فقد أقروا على أنفسهم بخلاف الاجماع وان كان ليس اجماعا فلاحجة لهم في قول من دون الصحابة إذا لم يكن اجماعا عندهم فكيف وقد روينا عن مسروق. والشعبى خلاف هذا، وروينا من طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن ابن أبى ليلى عن الحكم ابن عتيبة عن ابراهيم النخعي قال: إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها في مرضها فهو جائز، وقال سفيان: لا يجوز، فصح أن ابراهيم انما عنى مرضها الذى تموت منه ولم يراع ثلثا ولا رآه وصية * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز في الرجل يتصدق بماله كله قال: إذا وضع ماله كله في حق فلا أحد أحق بماله منه وإذا أعطى بعض


(1) في النسخة رقم 16 (في المرض)

[ 308 ]

الورثة دون بعض (1) فليس له إلا الثلث * قال أبو محمد: لا يخلو عمر بن عبد العزيز من أن يكون أراد الصحيح. والمريض معا أو المريض وحده أو الحصحيح وحده، فان كان أراد الصحيح فقط فقد رد فعله في صدقته بما له كله وإن كان أراد المريض فقد أمضى فعله في ماله كله فهذا خلاف ظاهر * ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى. وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع أن رجلا رأى فيما يرى النائم أنه يموت إلى ثلاثة أيام فطلق نساءه طلقة طلقة وقسم ماله فقال عمر بن الخطاب له: أجاءك الشيطان في منامك فأخبرك أنك تموت إلى ثلاثة أيام فطلقت نساءك وقسمت مالك؟ رده ولو مت لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبى رعال؟ فرد ماله ونساءه، وقال له عمر: ما أراك تلبس إلا يسيرا حتى تموت * ومن طريق حمادبن سلمة نا يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين أن أمرأة رأت فيما يرى النائم انها تموت إلى ثلاثة أيام فشذبت مالها (2) وهى صحيحة ثم ماتت في اليوم الثالث قأمضى أبو موسى الاشعري فعلها، فان كان للموقن بالموت حكم المريض في ماله فقد امضاه أبو موسى فهذا خلاف قولهم، وإن كان له حكم الصحيح فقد رده عمر ولم يمض منه ثلثا ولا شيئا وهذا خلاف قولهم وبالله تعالى التوفيق * ومن أقبح (3) مجاهرة ممن يجعل مثل من ذكرنا قبل اجماعا ثم لا يبالى بمخالفة أبى بكر. وعمر. وعثمان. وخالد بن الوليد. وأبى موسى. وابن الزبير. وغيرهم. وطوائف من التابعين في القصاص من اللطمة وضربة السوط لا مخالف لهم يعرف من الصحابة، ومثل هذا كثير جدا قد تقصينا منه جزءا صالحا في موضع آخر، وأما قولهم: قسنا ذلك على الوصية فالقياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لان الوصية انما تنفذ بعد الموت وهى من المريض. والصحيح سواء بلا خلاف لا تجوز إلا في الثلث فما دونه فإذا قيس فعل المريض علهيا وجب أن يكون في الحياة فعل المريض كفعل الصحيح سواء سواء، وأيضا لو كان القياس حقا لكان لا شئ أشبه بشئ وأولى بأن يقاس عليه من شيئين شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما * وقد روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا قتيبة نا أبو الأحوص عن أبى حبيبة عن أبى الدرداء (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الذى يعتق عند الموت كالذى يهدى بعد ما يشبع) * قال على: ولا يختلفون في أن الذى يهدى بعد ما يشبع فهديته من رأس ماله،


(1) في النسخة رقم 14 (وإذا أعطى الورثة بعضهم دون بعض) (2) أي فرقته (3) في النسخة رقم 16 (ولا اقبح)

[ 309 ]

فان كان القياس حقا فالمعتق عند الموت مثله سواء سواء فواجب ان يكون من رأس ماله قال تعالى: (وأنفقوا مما رزقنا كم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) وهذا نص جلى لا يحتمل تأويلا على جواز الصدقة للصحيح والمريض ما لم يأته الموت ويجئ حلول أجله دون تأخير قريب أو بعيد ولكنهم لا النصوص يتبعون ولا القياس يحسنون، وأيضا فلا خلاف بينهم أصلا في أن ما اشتراه المريض من فاكهة. ولحم. ونحو ذلك مما هو عنه في غنى وما تصدق بنه على سائل بالباب فانه من رأس ماله، فلو كان فعله في مرضه من الثلث لكان هذا من الثلث بل لو لم يكن له من ماله إلا لثلث في مرضه الذى يموت منه لما وجب أن يعد أكله ونفقته على نفسه وعياله إلا من الثلث لان باقى ذلك لا حكم له فيه وهم لا يقولون بهذا، فظهر من تخاذلهم وتناقضهم وفساد أقوالهم في هذه المسألة ما بعضه يكفى، وبالله تعالى التوفيق * 1396 مسألة وكذلك لا يجوز الحجر أيضا على امرأة ذات زوج. ولا بكر ذات أب. ولا غير ذات أب، وصدقتهما. وهبتهما نافذ كل ذلك من رأس المال إذا حاضت كالرجل سواء سواء، وهو قول سفيان الثوري. وأبى حنيفة. والشافعي. وأبى ثور. وأبى سليمان. وأصحابهم، وقال مالك: ليس لذات الزوج الا الثلث فقط تهبه وتتصدق به أحب زوجها أم كره، فإذا مضت لهامدة جاز لها في ثلث ما بقى أيضا أن تفعل فيه ما شاءت أحب زوجها أم كره وهكذا أبدا، فان كان ذلك قريبا من فعلها في الثلث الاول فسخ فان زادت على الثلث رد الكل أوله عن آخره بخلاف المريض ان شاء زوجها ان يرده وان أنفذه نفذ، فان خفى ذلك عن زوجها حتى تموت أو يطلقها نفذ كله، قال المغيرة بن عبد الرحمن صاحبه: بل لا يرد الزوج الا ما زاد على الثلث فقط وينفذ لها الثلث كالمريض قال مالك: فان وهبت لزوجها مالها كله نفذ ذلك وأما بيعها وابتياعها فجائز أحب زوجها أم كره إذا لم يكن فيه محاباة. قال: وأما البكر فمحجورة على كل حال ذات أب كانت أو غير ذات أب لا يحوز لها فعل في مالها ولا في شئ منه ولا أن تضع عن زوجها من الصداق وان عنست (1) حتى تدخل بيت زوجها ويعرف من حالها فان وهبت قبل أن تتزوج ثم تزوجت كان لها أن ترجع فيما وهبت الا ان كان يسيرا قال: وأما التى كان لها زوج ثم تأيمت فكالرجل في نفاذ حكمها في مالها كله (2)


(1) يقال: عنست المرأة فهى عانس وعنست - بتشديد النون - فهى معنسة إذا كبرت وعجزت في بيت أبويها (2) في النسخة رقم 16 (في نفاذ حكمها في ماله كله)

[ 310 ]

وأما المتقدمون فروينا عنهم أقوالا روينا من طريق ابن أبى شيبة ناوكيع عن اسماعيل ابن خالد. وزكريا بن أبى زائدة كلاهما عن الشعبى عن شريح قال: عهد إلى عمر بن الخطاب أن لا أجيز عطية جارية حتى تلد ولدا أو تحول في بيتها حولا * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا اسماعيل بن أبى خالد نا الشعبى قال: قال شريح: أمرنى عمر بن لاخطاب أن لا أجيز لجارية مملكة عطية حتى تحيل في بيت زوجها (1) حولا أو تلد ولدا قال: فقلت للشعبى: كتب إليه عمر فقال: بل شافهه به مشافهة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن مجالد عن الشعبى قال: قرأت كتاب عمر إلى شريح بذلك، وذلك أن جارية من قريش قال لها أخوها وهى مملكة، تصدقي على بميراثك من أبيك ففعلت ثم طلبت ميراثها فرده عليها * ورويناه أيضا من طريق الحجاج بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع عن داود ابن أبى هند عن خلاس بن عمر وقال: وكتب عمر بن الخطاب لا تجيزوا نحل امرأة بكر حتى تحيل حولا في بيت زوجها أو تلد ولدا * قال أبو محمد: وهو قول شريح كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن قتادة. وأيوب السختيانى. وهشام بن حسان كلهم عن محمد بن سيرين أن شريحا قال في المرأة إذا وهبت من مالها فانه لا تجوز لها هبتها حتى تلد ولدا أو تبلغ انى ذلك (2) وهو سنة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى داود اليطالسى عن سعيد بن عبد الرحمن عن الحسن. ومحمد بن سيرين قال محمد: لا تجوز لا مرأة عطية حتى تحول حولا أو تلد ولدا فقال الحسن: حتى تلد ولدا أو تبلغ أنى ذلك * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبيدالله بن عثمان بن الاسود عن عطاء ومجاهد قالا جميعا: لليتيمة خناقان (3) لا يجوز لها شئ في مالها حتى تلد ولدا أو تمضى عليها سنة في بيت زوجها، وهو قول قتادة. والشعبى الا أنه اختلف عنه إذا عنست قبل ذلك فروينا عنه من طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد قال: قلت للشعبى: أرأيت ان عنست أيجوز يعنى هبتها؟ قال: نعم * وروينا عنه من طريق ابن أبى زائدة عن اسماعيل بن أبى خالد قلت للشعبى: أرأيت ان عنست؟ قال: لا يجوز كلاهما من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع وابن أبى زائدة ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن المغيرة عن الشعبى قال: إذا حالت في بيتها حولا جاز لها ما صنعت قال المغيرة: وقال ابراهيم: إذا ولدت الجارية أو ولد مثلها جازت هبتها وهو قول الاوزاعي. وأحمد بن حنبل. واسحاق بن راهويه. وقول آخر روى عن أنس ابن مالك وهو أنه لا يجوز لذات زوج عطية في شئ من مالها الا باذن زوجها *


(1) في النسخة رقم 16 (في بيتها) (2) أي حين ذلك وسقط لفظ (انى ذلك) من النسخة رقم 16 (3) هو تثنية خناق بكسر أوله وأصله حبل يخنق به استعير إلى الضيق والمنع

[ 311 ]

ومن طريق العرزمى عبد الملك عن عطاء عن أبى هريرة قال: لا يحل للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها الا باذنه وان صفية بنت أنى عبيد كانت لا تعتق - ولها ستون سنة - إلا باذن ابن عمر * قال أبو محمد: هذا ليس فيه دليل على أنه كان لا يرى لها ذلك جائزا دون اذنه لكنه على حسن الصحبة فقط * وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: لا تجوز لامرأه عطية الا باذن زوجها، وقد روى هذا عن الحسن. ومجاهد وهو قول الليث بن سعد فلم يجز لذات الزوج عتقا ولا حكما في صداقها ولا غيره إلا باذن زوجها الا الشئ اليسير الذى لابد لها منه في صلة رحمن أوما يتقرب به إلى الله عزو جل * وممن روى عنه مثل قولنا كما روينا من طريق مسلم نا محمد بن عبيد الغبرى (1) ناحماد ابن زيد عن أيوب السختيانى عن ابن أبى مليكة أن اسماء بنت أبى بكر الصديق قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت وأسوس فرسه كنت أحتش له وأقوم عليه فلم يكن شئ أشد على من سياسة الفرس ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم سبى فاعطاها خادما ثم ذكرت حديثا وفيه أنها باعتها قالت: فدخل الزبير وثمنها في حجري فقال: هبيها إلى قالت: أنى لكن تصدقت بها * فهذا الزبير. وأسماء بنت الصديق قد أنفذت الصدقة بثمن خادمها وبيعها بغير إذن زوجها ولعلها لم تكن تملك شيئا غيرها أو كان أكثر ما معها كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا الحسن بن محمد - هو ابن الصباح - عن حجاج - هو ابن محمد الاعور - عن ابن جريج (2) أخبرني ابن أبى مليكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أسماء بنت أبى بكر [ أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ]: (3): (يا نبى الله ليس لى شئ الا ما أدخل على الزبير فهل على جناح في أن أرضح مما يدخل على؟ قال: ارضخى (4) ما استطعت ولاتوكى (5) فيوكى عليك) فلم ينكر الزبير ذلك * وروينا من طريق حماد بن سلمة أنا يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين أن امرأة رأت فيما يرى النائم أنها تموت إلى ثلاثة أيا فاقبلت على ما بقى من القرآن عليها فتعلمته وشذبت ما لها وهى صحيحة فلما كان يوم الثالث دخلت على جاراتها فجعلت تقول: يا فلانة استودعك الله وأقرأ عليك السلام فجعلن يقلن لها: لا تموتين اليوم لا تموتين اليوم إن شاء الله فماتت فسأل زوجها أبا موسى الاشعري عن ذلك؟ فقال


(1) هو بضم الغين المعجمة بعدها باء موحدة مفتوحة، وفى نسخة رقم 16 (محمد ابن أبى عبيد الغبرى) وهو غلط (2) في سنن النسائي ج 5 ص 74 (قال قال ابن جريج)). (3) الزيادة من سنن النسائي (4) هو براء وضاد معجمة - العطية القليلة (5) أي لا تبخلي

[ 312 ]

له أبو موسى، أي أمرأة كانت امرأتك فقال: ما أعلم أحدا كان أحرى منها (1) أن تدخل الجنة الا الشهيد ولكنها فعلت ما فعلت وهى صحيحة، فقال أبو موسى: هي كما تقول فعلت ما فعلت وهى صحيحة (2) فلم يرده أبو موسى * ومن طريق حماد بن سلمة عن عدى بن عدى الكندى قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن المرأة تعطى من ما لها بغير اذن زوجها؟ فكتب أما هي سفيهة أو مضارة فلا يجوز لها وأما هي غير سفيهة ولا مضارة فيجوز (3) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل قال: كتب عمر بن عبد العزيز في امرأة أعطت من مالها ان كانت غير سفيهة ولا مضارة فأجز عطيتها (4) * وعن ربيعة أنه قال: لا يحال بين المرأة وبين ان تأتى القصد في مالها في حفظ روح (5). أو صلة رحم. أوفى مواضع المعروف إذا لم يجز للمرأة أن تعطى من مالها شيئا كان خيرا لها أن لا تنكح وانها إذا تكون بمنزلة الامة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس - هو ابن سعد - قال: قال عطاء بن أبى رباح: تجوز عطية المرأة في مالها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين قال: إذا أعطت المرأة الحديثة السن ذات الزوج قبل السنة عطية فلم ترجع حتى تموت فهو جايز * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا أعطت المرأة من مالها في غير سفه ولا ضرار جازت عطيتها وان كره زوجها * قال أبو محمد: أما قول مالك فما نعلم له متعلقا لا من القرآن. ولا من السنن. ولا من رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا تابع. ولا أحد قبله نعلمه الا رواية عن عمر بن عبد العزيز قد صح عنه خلافها كما ذكرنا آنفا ولم يأت عنه أيضا تقسيمهم المذكور ولا عن أحد نعلمه. ولا من قياس. ولا من رأى له وجه بل كل ما ذكرنا مخالف لقوله ههنا على ما نبين ان شاء الله تعالى، والرواية عن عمر رويناها (6) من طريق عبدالزراق عن معمر عن الزهري قال: جعل عمر بن عبد العزيز للمرأة إذا قالت: أريد أن أصل ما أمر الله به وقال زوجها: هي تضارني فأجاز لها الثلث في حياتها، وهم قد خالفوا عمر بن عبد العزيز في سجوده: (إذا السماء انشقت) وفى عشرات من القضايا، وهم قد خالفوا ههنا عمر بن الخطاب. وأنس بن مالك. وأبا هريرة. وأبا موسى


(1) في النسخة رقم 16 (أدنى منها)) (2) سقط هنا جمل من النسخة الحلبية (3) في النسخة رقم 14، والنسخة الحلبية (فانه يجوز) (4) في النسخة رقم 16 (فأقر عطيتها) (5) في النسخة رقم 16 (في حفظ زوج) وكذلك النسخة الحلبية (6) في النسخة رقم 16 والحلبية (روينا)

[ 313 ]

الاشعري. والزبير. وأسماء. وجميع الصحابة على ما نذكر ان شاء الله تعالى. وشريحا. والشعبى. والنخعي. وعطاء. وطاوسا. ومجاهدا. والحسن. وابن سيرين. وقتادة. وعمر بن عبد العزيز. وغيرهم، و العجب من تقليدهم عمر رضى الله عنه في امرأة المفقود. وفى ما يدعونه عليه من الحد في الخمر ثمانين. ومن تأجيل العنين سنة. ومن تحريمه على من تزوج في العدة ودخل أن يتزوجها في الابد وقد خالفه غيره من الصحابة في كل ذلك ورجع هو عن بعض ذلك، ثم لم يقلدوه ههنا، وهلا قالوا ههنا: مثل هذا لا يقال بالرأى كما قالوه في كثير مما ذكرنا، فان عمر ومن ذكرنا معه أبطلوا فعل المرأه جملة قبل أن تلد أو تبقى في بيت زوجها سنة ثم أجازه (1) بعد ذلك جملة ولم يجعل للزوج في شئ من ذلك مدخلا ولاحد ثلثا من أقل ولا من أكثر * وأما الحنيفيون فيلزمهم مثل هذا سواء سواء لانهم قلدوا عمر في حد الخمر. وفى تأجيل العنين سنة وفيما ادعوا عليه من شرب النبيذ المسكر وكذبوا في ذلك فهلا قلدوه ههنا وقالوا: مثل هذا لا يقال بالرأى، ولكن القوم في غير حقيقة، ونحمد الله تعالى على نعمه * قال أبو محمد: وموه المالكيون بأن قالوا: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (تنكح المرأة لما لها وجمالها وحسبها ودينها) قالوا: فإذا نكحها لما لها فله في مالها متعلق وقالوا: قسناها على المريض. والموصى * قال على: وهذا تحريف للسنة عن مواضعها وأغث ما يكون من القياس وأشده بطلانا، أما الخبر المذكور فلا مدخل فيه لشئ من قولهم في اجازة الثلث وابطال ما زاد وإنما يمكن أن يتعلق به من يذهب (2) إلى ما روى عن أبى هريرة. وأنس. وطاوس. والليث تعلقا مموها أيضا على ما نبين ان شاء الله تعالى * وأما قياسهم المرأة على المريض فهو قياس للباطل على الباطل احتجاج للخطأ بالخطأ، ثم لو صح لهم في المريض ما ذهبوا إليه لكانوا قد اخطأوا من وجوه * أحدها أن المرأة صحيحة وإنما احتاطوا بزعمهم على المريض لا على الصحيح، وقياس الصحيح على المريض باطل عند كل من يقول بالقياس لانهم إنما يقيسون الشئ على مثله لا على ضده * والثانى أنه لاعلة تجمع بين المرأة الصحيحة وبين المريض ولا شبه بينهما أصلا، والعلة عند القائلين به اما على علة جامعة بين الحكمين واما على شبه بينهما * والثالث أنهم يمضون فعل المريض في الثلث ويبطلون ما زاد على الثلث وههنا يبطلون الثلث وما زاد على


(1) في النسخة رقم 14 (ثم أجازوه) وهو لا يناسب قوله بعد: ولم يجعل (2) في النسخة رقم 16 (من ذهب) (م 40 ج 8 المحلى)

[ 314 ]

الثلث فقد أبطلوا قياسهم * والرابع أنهم يجيزون للمرأة ثلثا بعد ثلث ولا يجيزون ذلك للمريض فجمعوا في هذا الوجه مناقضة القياس. وابطال أصلهم في الحياطة للزوج لانها لا تزال تعطى ثلثا بعد ثلث حتى تذهب المال إلا ما لا قدر له وهذا تخليط لا نظير له، فان قالوا: قسناها على الموصى قلنا: المنفذ غير الموصى ودخل عليهم كل ما أدخلناه آنفا في قياسهم على المريض، فان قالوا: إن للزوج طريقا في مالها إذ قد تتزوج بالمال فسنذكر ما يفسد به هذا القول إن شاء الله تعالى إثر هذا في كلامنا على من يمنعها من الحكم في شئ من مالها لان هذا الاحتجاج انما هو لهم لا للمالكيين بل هو عليهم لانه لو صح لكان موجبا للمنع من قليل ما لها وكثيره لكن نسألهم عن الحرة لها زوج عبد والكافرة لها زوج مسلم والتى تسلم تحت كافر هل لهؤلاء منعهن من الصدقة باكثر من الثلث أم لا؟ فان قالوا: لا تناقضوا وان قالوا: نعم زادوا أخلوقة، فان قالوا: هي محتاجة إلى ما يتقرب به إلى الله عزوجل فلم يجز منعها من جميع مالها وكان الثلث قليلا قلنا: هذا يفسد من وجوه، أحدها أنها ان كانت محتاجة إلى ما يتقرب به إلى الله تعالى فما الذى أوجب أن تمنع من التقرب إلى الله تعالى بالكثير الزائد على الثلث كغيرها ولا فرق؟ وثانيها أن نقول لهم: والمحجور السفيه محتاج باقراركم إلى ما يتقرب إلى الله تعالى به كما توجبون عليه الصلاة. والصيام. والزكاة والحج. وسائر الشرائع فأبيحوا له الثلث أيضا بهذا الدليل السخيف نفسه، فان قالوا: المرأة ليست سفيهة قلنا: فاطلقوها على مالها ودعوا هذا التخليط بما لا يعقل * وثالثها (أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الثلث والثلث كثير) فقلتم: أنتم أنه قليل وحسبكم هذا الذى نستعيذ الله من مثله، ورابعها أن الثلث عند كم مرة كثير فتردونه كالجوائح ومرة قليل فتنفذونه مثل هذا الموضع وشبهه، فكم هذا التناقض والقول في دين الله تعالى بمثل هذه الآراء؟ وخامسها أن حجة الزوج في مالها كحجة الولد. أو الوالد. أو الاخ بل ميراث هؤلاء أكثر لان الزوج مع الولد ليس له الا الربع وللولد ثلاثة الارباع، والوالد. والولد كالزوج في أنهم لا يحجبهم أحد عن الميراث أصلا فامنعوها مع الولد. والوالد من الصدقة باكثر من الثلث بهذا الاحتياط الفاسد لا سيما وحق الابوين فيما أوجب عندهم وعندنا من حق الزوج لان الابوين ان افتقرا قضوا بنفقتهما وكسوتهما واسكانهما وخدمتهما عليها في مالها أحبت أم كرهت، ولا يقضون للزوج في مالها بشئ ولو مات جوعا وبردا، فكيف احتاطوا للاقل حقا ولم يحتاطوا للاكثر حقا فلاح فساد هذا القول الذى لا ندرى كيف ينشرح صدر من له أدنى تمييز لتقليد من أخطأ فيه الخطأ الذى لا خفاء به وخالف فيه كل متقدم نعلمه الا رواية عن عمر بن عبد العزيز

[ 315 ]

قد صح عنه خلافها ليس أيضا في تقسيمهم ذلك (1) وبالله تعالى التوفيق * وأما من منعها من أن تنفذ في مالها شيئا إلا باذنه فانهم احتجوا بالخبر المذكور وبقوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) * وبما رويناه من طريق الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير؟ قال: الذى تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره * وبما حدثناه أحمد بن عمر نا محمد بن أحمد بن نوح الاصبهاني نا عبد الله بن محمد بن الحسن المدينى نا محمد بن اسماعيل الصائغ نا الحسن بن عبد الغفار بن داود نا موسى بن أعين عن ليث بن أبى سليم عن عبد الملك قال الصائغ: ليس هو العرزمى عن عطاء عن ابن عمر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم ما حق الزوج على زوجته (2)؟ قال: (لا تصدق الا باذنه فان فعلت كان له الاجر وكان عليها الوزر) * ومن طريق عمرو بن شعيب أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة خطب فقال: تجوز لامرأة عطية في مالها الا باذن زوجها) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل وعن عبد الله بن طاوس قال الرجل: عن عكرمة وقال ابن طاوس: عن أبيه، ثم اتفقا: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل (3) لامرأة شئ في مالها الا باذن زوجها) هذا لفظ طاوس، ولفظ عكرمة (في مالها شئ) ما نعلم لهم شيئا غير هذا أصلا، وكل هذه النصوص - الآية والاخبار - ماصح منها وما لم يصح فحجة على المالكيين ومبطل لقولهم في اباحة الثلث ومنعهم مما زاد، فاما الخبر (تنكح المرأة لاربع) فليس فيه الغبيط بذلك ولا الحض عليه ولا اباحته فضلا عن غير ذلك بل فيه الزجر عن أن تنكح لغير الدين لقوله عليه السلام في هذا الخبر نفسه: (فاظفر بذات الدين) فقصر أمره على ذات الدين فصار من نكح للمال غير محمود في نيته تلك، ثم هبك أنه مباح مستحب أي دليل فيه على أنها ممنوعة من مالها بكونه أحد الطماعين في مال لا يحل له منه شئ الا ما يحل من ماله جاره؟ وهو ما طابت له به نفسها ونفس جاره ولا مزيد، وأيضا فان الله تعالى افترض في القرآن والسنة التى أجمع أهل الاسلام عليهما اجماعا مقطوعا به متيقنا أن على الازواج نفقات الزوجات وكسوتهن واسكانهن وصدقاتهن وجعل لهن الميراث من الرجال كما جعله للرجال (4) منهن سواء سواء فصار بيقين من كل ذى مسكة عقل حق المرأة في مال زوجها واجبا لازما حلالا يوما بيوم


(1) في النسخة رقم 16 (ليس لها في تقسيمهم في ذلك) (2) في النسخة رقم 14 (على الزوجة) (3) في النسخة رقم 14 (لا يجوز) (4) في النسخة رقم 16 (للرجل) فيهما *

[ 316 ]

وشهرا بشهر وعاما بعام وفى كل ساعة وكرة الطرف لا تخلو ذمته من حق لهافى ماله بخلاف منعه من مالها جملة. وتحريمه عليه إلا ما طابت له نفسها به ثم ترجو من ميراثه بعد الموت كما يرجو الزوج في ميراثها ولا فرق، فان كان ذلك موجبا للرجل منعها من مالها فهو للمرأة أوجب وأحق في منعه من ماله الا باذنها لان لها شركا واجبا في ماله وليس له في مالها الا التب والزجر فيا للعجب في عكس الاحكام. فان لم يكن ذلك مطلقا لها منعه من ماله خوف أن يفتقر فيبطل حقها اللازم فأبعد والله وأبطل أن يكون ذلك موجبا له منعها من مال لا حق له فيه ولا حظ الا حظ الفيل من الطيران، والعجب كل العجب من اطلاقهم له المنع من مالها أو من شئ منه وهو لو مات جوعا أو جهدا أو هزالا أو بردا لم يقضوا له في مالها بنواة يزدردها ولا بجلد يستتر به فكيف استجازوا هذا؟ ان هذا لعجب! فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة * وأما قول الله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) فان الله تعالى لم يخص بهذا الكلام زوجا من أب ولا من أخ، ثم لو كان فيها نص على الازواج دون غيرهم لما كان فيها نص ولا دليل على أن له منعها من مالها ولا من شئ منه، وانما كان يكون فيه أن يقوموا بالنظر في أموالهن وهم لا يجعلون هذا للزوج أصلا بل لها عندهم أن توكل في النظر في مالها من شاءت على رغم أنف زوجها ولا خلاف في أنها لا ينفذ عليها بيع زوجها لشئ من مالها لا ما قل ولا ما كثر لا لنظر ولا لغيره ولا ابتياعه لها أصلا، فصارت الآية مخالفة لهم فيما يتأولونه فيها، وصح أن المراد بقول تعالى: (الرجال قوامون على النساء) ما لا خلاف فيه من وجوب نفقتهن وكسوتهن عليهم، فذات الزوج على الزوج وغير ذات الزوج ان احتاجت على أهلها فقط وبالله تعالى التوفيق، فصارت الآية حجة علهيم وكاسرة لقولهم * وأما حديث أبى هريرة فان يحيى بن بكير رواه عن الليث وهو أوثق الناس فيه عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه: (ولا تخالفه في نفسها وماله بما يكره) وهكذا رويناه أيضا من طريق أحمد بن شعيب انا عمرو بن على نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - نا ابن عجلان نا سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير النساء؟ قال: التى تطيع إذا أمرو تسر إذا نظر وتحفظه في نفسها وماله) (1) ثم لو صح ومالها دون معارض لما كان لهم في تلك الرواية متعلق لان هذا اللفظ انما فيه الندب فقظ لا الايجاب وانما الطاعة في الطاعة والمنع من الصدقة


(1) الذى يظهر أن المصنف أتى بالرواية معنى لا لفظا انظر سنن النسائي ج 6 ص 68

[ 317 ]

وفعل الخير ليس طاعة بل هو صد عن سبيل الله تعالى فبطل تعلقهم بهذا الخبر * وأما خبر ابن عمر فهالك لان فيه موسى بن أعين وهو مجهول. وليث بن أبى سليم وليس بالقوى * وأما حديث عبد الله بن عمرو فصحيفة منقطعة، ثم لو صح لكان منسوخا بخبر ابن عباس الذى نذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى * وأما خبر طاوس. وعكرمة فمرسلان فبطل كل ما شغبوا به، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: فإذ قد سقطت هذه الاقوال فالتحديد الوارد عن عمر رضى الله عنه ومن اتبعه في أن لا يجوز لها عطية إلا بعد أن تلد أو تبقى في بيت زوجها سنة فلا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما افترض الله تعالى الرجوع عند التنازع إلى القرآن. والسنة لا إلى قول أحد دون ذلك، وبالله تعالى التوفيق * قال على: فبطلت الاقوال كلها إلا قولنا ولله تعالى الحمد * ومن الحجة لقولنا قول الله تعالى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) فبطل بهذا منعها من مالها طمعا في أن يحصل للمانع بالميراث أبا كان أو زوجا، وقول الله تعالى: (والمتصدقين والمتصدقات) وقال تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي. أحد كم الموت) فلم يفرق عزوجل بين الرجال في الحض على الصدقة وبين امرأة. ورجل، ولا بين ذات أب بكر. أو غير ذات أب ثيب. ولا بين ذات زوج. ولا أرملة، فكان التفريق بين ذلك باطلا متيقنا وظلما ظاهرا ممن قامت الحجة عليه في ذلك فقلد، وبالله تعالى التوفيق * وقد ذكرنا في صدر هذا الباب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بالصدقة ولم يشترط عليها إذن الزبير ولا ثلثا فما دون فما فوق بل قال لها: (ارضخى ما استطعت ولا توكى فيوكى عليك) * ومن طريق سفيان بن عيينة نا أيوب السختيانى سمعت عطاء قال: سمع ابن عباس يقول: أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم لصلى (1) قبل الخطبة ثم خطب فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهن فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة وبلال قائل بثوبة فجعلت المرأة تلقى الخاتم والخرص والشئ * ومن طريق مسلم نا ابو الربيع الزهراني نا حماد - هو ابن زيد - نا ايوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أمر أن يخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور) (2) * ومن طريق مسلم نا قتيبة نا اسماعيل بن جعفر عن داود ابن قيس عن عياض بن عبد الله بن أبى سرح العامري عن أبى سعيد الخدرى (أن


(1) في النسخة رقم 16 (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 241 (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 242

[ 318 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الاضحى ويوم الفطر وكان يقول: تصدقوا تصدقوا وكان أكثر من يتصدق النساء (1) فهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالصدقة عموما نعم وجاء (ولو من حليكن وفيهن العواتق المخدرات ذوات الآباء. وذوات الازواج) فما خص منهن بعضا دون بعض وفيهن المقلة. والغنية فما خص مقدارا دون مقدار، وهذا آخر فعله عليه السلام. وبحضرة جميع الصحابة. وآثار ثابتة، ولله تعالى الحمد * 1397 مسألة وللمرأة حق زائد وهو أن لها أن تتصدق من مال زوجها أحب أم كره وبغير اذنه غير مفسدة وهى مأجورة بذلك، ولا يجوز له أن يتصدق من مالها بشئ أصلا الا باذنها قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فبطل بهذا حكم أحد في مال غيره، ثم وجب أن يخص من ذلك ما خصه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا من طريق أسماء بنت أبى بكر الصديق في الباب الذى قبل هذا * وروينا من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق نا معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا باذنه ولا تأذن في بيته وهو شاهد الا باذنه وما أنفقت من كسبه من غير أمره فان نصف أجره له) * ومن طريق أحمد بن شعيب أخبرني أحمد بن حرب نا أبو معاوية عن الاعمش عن سفيان عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غيره مفسدة كان له أجره بما كسب ولها مثله بما أنفقت وللخازن مثل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شئ) * ورويناه أيضا من طريق محمد بن جعفر نا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها أجر وللزوج مثل ذلك. وللخازن مثل ذلك ولا ينقص كل واحد [ منهما ] (2) من أجر صاحبه شيئا) * قال أبو محمد أبو وائل أدرك الجاهلية وأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فغير منكر أن يسمعه من أم المؤمنين ومن مسروق عنها أيضا * قال على: واعترض بعض الجهال في هذه الآثار القوية برواية تشبهه من طريق العرزمى عن عطاء عن أبى هريرة (لا يحل للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها بغير اذنه) وهذا جهل شديد لانه لا يصح عن أبى هريرة لضعف العرزمى ثم لو صح فلا يعارض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم برأى من دونه الا فاسق، فان قالوا: أبو هريرة روى هذا وهو تركه قلنا: قد مضى الجواب وانما افترض علينا الانقياد لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لا للباطل الذى لم يصح


(1) هو في صحيح مسلم مطولا ج 1 ص 242 (2) الزيادة من سنن النسائي ج 5 ص 65

[ 319 ]

عمن دونه نعم ولالما صح عمن دونه، والحجة في رواية أبى هريرة لا في رأيه، وقد أفردنا لما تنقاضوا في هذا المكان بابا ضخما فكيف وقد صح عن غير أبى هريرة القول بهذا؟ كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن امرأته أنها كانت عند عائشة أم المؤمنين فسألتها امرأة هل تتصدق المرأة من بيت زوجها؟ فقالت عائشة: نعم ما لم تق مالها بماله * فان ذكروا ما روينا من طريق عبد الرزاق عن اسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولانى عن أبى امامة الباهلى: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تنفق المرأة شيئا من بيت زوجها الا باذن زوجها قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا) * وما روينا من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن مورق العجلى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته امرأة ما يخل من أموال أزواجهن؟ قال: الرطب تأكلينه وتهدينه) * ومن طريق حمادبن سلمة عن يونس بن عبيد عن زياد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله: الا انه قال: (الرطب) بفتح الراء واسكان الطاء وفى الاول بضم الراء وفتح الطاء * قال أبو محمد: فهذا كله لا شئ حديث عبد الرزاق عن اسماعيل بن عياش وهو ضعيف عن شرحبيل بن مسلم (1) وهو مجهول لا يدرى من هو لا يعارض بمثله الثابت من طريق اسماء. وعائشة. وأبى هريرة المتواتر عنهم من طريق ابن أبى مليكة. وعباد بن عبيدالله بن الزبير. وفاطمة بنت المنذر عن اسماء. ومسروق. وشقيق عن عائشة. والاعرج. وهمام بن منبه عن أبى هريرة هذا نقل تواتر يوجب العلم في أعلام مشاهير بمثل هذا السقوط والضعف الذى لو انفرد عن معارض لم يحل الاخذ به، والآخران مرسلان على أن فيهما خلافا لقول المخالف لان فيه اباحة الرطب جملة وقد تعظم قيمته، وقد رويت مراسيل (2) أحسن من هذا بخلاف قولهم كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا يزيد بن زريع نا يونس بن عبيد عن الحسن: (قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صاحبتي تتصدق من مالى وتطعم من طعامي قال: انتما شريكان قال: أرأيت انها نهيتها عن ذلك؟ قال: لها ما نوت ولك ما بخلت) * ومن طريق ابن عباس ان امرأة قالت له: آخذ من مال زوجي فاتصدق به؟ قال: الخبز والتمر قالت: فدراهمه قالت: أتحبين أن يتصدق عليك قالت: لا قال: فلا تأخذي دراهمه الا باذنه أو نحو هذا * قال على: يكفى من هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غير مفسدة)،


(1) شرحبيل بن مسلم ضعفه ابن معين وقال أحمد من ثقات الشاميين انظره في تهذيب التهذيب (2) في النسخة رقم 14 (مرسل) وما هنا موافق لما ذكره بعد

[ 320 ]

فهذا يجمع البيان كله، وقال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فمن خالف هذا لم يلتفت إليه وبالله تعالى التوفيق * 1398 مسألة والعبد في جواز صدقته. وهبته. وبيعه. وشرائه كالحر، والامة كالحرة ما لم ينتزع سيدهما مالهما * برهان ذلك ما ذكرناه قبل من أمر الله تعالى بالصدقة. وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بها. وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون * وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول: رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) وقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) ولا خلاف في أن العبد. والامة مخاطبان بالاسلام وشرائعه ملزمان بتخليص أنفسهما والتقرب إلى الله تعالى بصالح الاعمال موعدان بالجنة متوعدان بالنار كالاحرار ولا فرق، فالتفريق بينهما خطأ الا حيث جاء النص بالفرق بينهما * قال على: أما المالكيون ففحش اضطرابهم ههنا وذلك (1) أنهم أباحوا التنسرى باذن مولاه والله تعالى يقول: (والذين هم لفروجهم حافظون الاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاؤلئك هم العادون) ولا خلاف بين أحد في أن العبدان وطئ أمة سيده فانه زان فيقال للمالكيين: لا تخلو هذه السرية التى أبحتم فرجها للعبد من أن يكون ملك يمينه فهذا قولنا فقد صح ملكه لماله وظهر تناقضهم (2) أو تكون ليست ملك يمينه وانما هي ملك يمين سيده فهو زان عاد، وهذا ما لا مخرج منه وإذا ملكها فقد ملك بلا شك ثمنها الذى اشتراها به والذى يبيعها به، وقال تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف) فأمر تعالى باعطاء الامة صداقها وجعله ملكا لها وحقا لها والله تعالى لا يأمر بن يعطى أحد مال غيره فصح أنهن مالكات كسائر النساء الحرائر ولا فرق * وأما الحنيفيون. والشافعيون فقالوا: لا يملك العبد أصلا ولم يبيحوا له التسرى الا أن الشافعيين تناقضوا أيضا لانهم أوجبوا عليه نفقة زوجه وكسوتها فلو لا أنه يملك لما جاز أن يلزم غرامة نفقة وكسوة من لا يجوز أن يملك ولا من لا يمكن أن يملك


(1) في النسخة رقم 14 (وهو) بدل (وذلك) (2) في النسخة رقم 16 (تناقضكم) وما هنا أنسب لما قبله

[ 321 ]

وأما الحنيفيون فلم يوجبوا عليه نفقة أصلا لكن جعلوه بزواجه جانيا جناية توجب أن يقضى برقبته لزوجته فينفسخ النكاح إذا ملكته فهل سمع بابرد من هذه الوساوس المضادة لاحكام القرآن. والسنن. والمعقول بلا دليل أصلا؟ * واحتج المانعون من ملك العبد بان ذكروا قول الله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه) * قال أبو محمد: وقالوا: العبد لا يرث ولا يورث فصح أنه لا يملك وقالوا: العبد سلعة من السلع ما نعلم لهم شيئا غير هذا أصلا وكله لا حجة لهم فيه، أما قول الله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) فلا حجة لهم فيه لوجوه * أو لها أنه لم يقل الله تعالى: ان هذه صفة كل عبد مملوك وانما ذكر من المماليك من هذه صفته، وقد قال تعالى: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير) فهل يجب من هذا أن تكون هذه صفة كل أبكم أو أن يكون الابكم لا يملك شيئا؟ هذا ما لا يقولونه، ولا فرق بين ورود الآيتين، ونحن لا ننكر أن يكون في الاحرار وفى العبيد من لا يملك شيئا لفقره ولا يقدر على شئ ولكن ليس كلهم كذلك * والثانى هو أن هذه الآية ليس فيها نص ولا دليل ولا اشارة على ذكر ملك ولا مال وانما فيها أنه لا يقدر على شئ فانما فيها نفى القدرة. والقورة فقط إما بضعف واما بمرض أو نحو ذلك * والثالث أنهم إذا أسقطوا ملكه بهذا الآية فاحرى بهم أن يسقطوا عنه بها الصلاة والصوم لانهما شيئان، وفهيا أنه لا يقدر على شئ فوضح فساد تعلقهم بها جملة * وأما قولهم: إن العبد لا يرث ولا يورث فنعم لان السنة وردت بذلك وليس في هذا دليل (1) على أنه لا يملك، والعمة لا ترث وليس ذلك دليلا على أنها لا تملك ويخص الله تعالى بالميراث من شاء كما قال تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) وقال تعالى: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فدخل في هذا بنو البنات وخرجوا من الاولى ولم يكن في ذلك دليل على أنهم ليسوالنا أولادا، وأما قولهم: العبد سلعة فنعم فكان ماذا؟ إن كانوا من أجل أنه سلعة جعلوه لا يملك فليسقطوا عنه الصلاة. والطهارة. والصوم. والحدود لان السلع لا يلزمها شئ من ذلك * قال أبو محمد: يكفى من هذا قول الله تعالى: (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) فقد وعدهم الله تعالى بالغنى وأخبر أن الفقر والغنى جائزان على العبيد. والاماء، ولا يجوز أن يوصف بالفقر الا من يملك


(1) في النسخة رقم 14 (وليس ذلك دليلا) (م 41 ج 8 المحلى)

[ 322 ]

فيعدم مرة ويستغنى أخرى وأما من لا يملك أصلا فلا يجوز أن يوصف بفقر ولا بغنى كالابل. والقر. والسباع. والجمادات، وهذا واضح والقرآن. والسنن في أكثر عهودهما شاهد كل ذلك بصحة قولنا ههنا إذ لم يأت فرق في شئ من الاوامر بالفرق (1) في الاموال بين حر. وعبد، وبالله تعالى التوفيق * وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة المملوك فلو لم يكن مالكا لما له لم يجب عليه السلام دعوته، وقد قبل هدية سلمان وهو مملوك واكلها عليه السلام كما أخبرنا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري نا اسحاق بن راهويه أنا يحيى بن آدم نا ابن ادريس - هو عبد الله - نا محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة (2) عن محمود بن لبيد عن ابن عباس حدثنى سلمان الفارسى من فيه قال: كنت من أهل أصبهان واجتهدت في المجوسية ثم ذكر الحديث بطوله وأنه عامل ركبا من كلب على أن يحملوه إلى أرضهم قال: فظلموني فباعوني (3) عبدا من رجل يهودى ثم باعه ذلك اليهودي من يهودى من بنى قريظة، ثم ذكر قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال: فلما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بقبا ومعه نفر من أصحابه فقلت: كان عند شئ وضعته للصدقة رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به فقال عليه السلام: كلوا وأمسك هو ثم تحول عليه السلام إلى المدينة فجمعت شيئا ثم جئت فسلمت عليه فقلت: رأيتك لا تأكل الصدقة وكان عندي شئ أحب أن أكرمك به هدية فأكل هو وأصحابه ثم أسلمت ثم شغلنى الرق حتى فاتني بدر ثم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتب، وذكر الحديث فقد أجاز عليه السلام صدقة العبد. وهديته ولا حجة في أحد دونه وبالله تعالى التوفيق، نعم وأجازها معه عليه السلام الحاضرون من أصحابه (4) ولا مخالف لهم من الصحابة أصلا، واحتج بعضهم بقول الله تعالى: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فانتم فيه سواء) * قال أبو محمد: ولا حجة لهم فيها لاننا لم نخالفهم في أن عبيدنا لا يملكون أموالنا ولاهم شركاء لنا فيها وانما خالفناهم هل يملكون أموالهم وكسبهم ام لا؟ * * قال أبو محمد: وأما انتزاع السيد مال عبده فمباح وقد جاءت السنة بذلك في الغلام الذى حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خراجه؟ فأخبر فأمر عليه


(1) في النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية (بالقرب) وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 14 (عن عاصم بن عمر بن حبيب بن قتادة) وما هنا موافق لما في تهذيب التهذيب ج 5 ص 53 (3) في النسخة رقم 14 (وباعونى) (4) في النسخة رقم 14 (من الصحابة)

[ 323 ]

السلام بأن يخفف عنه، فصح أن للسيد أخذ كسب عبده فإذا قال السيد: قد انتزعت كسبك فقد سقط ملك العبد عنه وصار للسيد وبالله تعالى التوفيق * 1399 مسألة وأما من لم يبلغ أو بلغ وهو لا يميز ولا يعقل. أو ذهب تمييزه بعد أن بلغ مميزا فهؤلاء غير مخاطبين ولا ينفذ لهم أمر في شئ من مالهم (1) لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبى حتى يبلغ. والمجنون حتى يبرأ) فان كان المجنون يفيق تارة ويعقل ويجن أخرى جاز فعله في الساعات التى يفيق فيها وبطل فعله في الساعات التى يجن فيها لما ذكرنا آنفا ولانه مخاطب في ساعات عقله غير مخاطب في ساعات جنونه * قال على: ومن حجر عليه ماله لصغر. أو جنون فسواء كان عليه وصى من أب أو من قاض كل من نظر له نظرا حسنا في بيع أو ابتياع أو عمل ما فهو نافذ لازم لايردو ان أنفذ عليه الوصي ما ليس نظرا لم يجز لقول الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) ولقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ولقول الله تعالى: (انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم) وقوله تعالى: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) فصح أن كل مسلم فهو ولى لكل مسلم وأنه مأمور بالنظر له بالاحوط. وبالقيام له بالقسط. وبالتعاون على البر والتقوى، فكل بر وتقوى أنفذه المسلم للصغير والذى لا يعقل (2) فهو نافذ بنص القرآن ولم يأت قط نص بافراد الوصي بذلك ورد ما سواه، فان قيل: فأجيزوا هذا في الصغير الذى له أب قلنا: نعم هكذا نقول ولو أن أباه يسئ له النظر لمنع من ذلك، فان قالوا: فأجيزوا هذا من المسلمين بعضهم على بعض بهذا الدليل نفسه قلنا: منعنا (3) من ذلك قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) فالمخاطب المكلف المتملك ماله لا يجوز لاحد أن يكسب عليه غيره وأما من ليس مخاطبا ولا مكلفا ولا مملكا ماله فلا شك في أن غيره هو المأمور باصلاح ماله، فمن سارع إلى ما أمر به من ذلك فهو حقه وكذلك الغائب الذى يضيع ماله، فكل من سبق إلى حسن النظر فيه نفذ ذلك الا فيما يمنع منه (4) إذا قدم وكان لا ضرر في ترك انفاذه فهذا ليس لاحد انفاذه عليه لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 1400 مسألة ولا يجوز أن يدفع إلى من لم يبلغ شئ من ماله ولا نفقة


(1) في النسخة رقم 14 (من اموالهم) (2) في النسخة رقم 16 (للصغير الذى لا يعقل) (3) في النسخة رقم 16 (يمنعنا) (4) في النسخة رقم 16 (منع منه)

[ 324 ]

يوم فضلا عن ذلك الا ما يأكل في وقته وما يلبس لطرد الحر والبرد من لباس مثله ويوسع عليه في كل ذلك * 1401 مسألة ومن باع ما وجب بيعه لصغير. أو لمحجور غير مميز. أو لمفلس. أو لغائب (1) بحق. أو ابتاع لهم ما وجب ابتياعه. أو باع في وصية الميت. أو ابتاع من نفسه للمحجور. أو للصغير. أو لغرماء المفلس. أو للغائب. أو باع لهم من نفسه فهو سواء كما لو ابتاع لهم من غيره أو باع لهم من غيره ولا فرق، ان لم يحاب نفسه (2) في كل ذلك ولا غيره جاز وان حابى نفسه أو غيره بطل لانه مأمور بالقيام بالقسط والتعاون على البر فإذا فعل ما أمر به فهو محسن واذ هو محسن فما على المحسنين من سبيل، ولم يأت قط نص قرآن. ولا سنة بالمنع من ابتياع ممن ينظر له (3) لنفسه أو يتشرى له من نفسه * فان قيل: ان ابن مسعود قد منع من ذلك كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان عن أبى اسحاق عن صلة بن زفرقال: جاء رجل إلى ابن مسعود على فرس فقال: ان عمى أوصى إلى بتركته وهذا منها أفأشتريه؟ قال: لا ولا تستقرض من أموالهم شيئا قلنا: قد روينا ما حدثناه أبو سعيد الجعفري قال: نا أبو بكر محمد بن على المقرى نا أحمد بن محمد ابن اسماعيل النحوي عن الحسن بن غليب بن سعيد عن يوسف بن عدى نا أبو الأحوص نا أبو إسحاق عن يرفا مولى عمر بن الخطاب قال: قال لى عمر بن الخطاب: أنزلت مال الله تعالى منى بمنزلة مال اليتيم ان احتجت إليه أخذت منه فإذا أيسرت قضيت، فهذا عمر لا ينكر الاستقراض من مال اليتيم، وكذلك صح عن ابن عمر أيضا ولا فرق بين أخذ مال اليتيم قرضا ورد مثله بعد ذلك وبين ابتياعه بمثل ثمنه وقيمته واعطاء مثله نقدا * فان قالوا: يتهم في ذلك قلنا: ويتهم أيضا أنه يدلس أيضا فيما يبتاع له من غيره أو يبيعه له من غيره فيأكل ويخون في الامرين ولا فرق بين من استجازعين الوصية ومن في ولايته فيما يبتاع له من نفسه أو ما يشترى منه لنفسه وبين أن يستجيز ذلك فيما يبتاع له من غيره أو يبيع له من غيره وما جعل الله قط بين الامرين فرقا يعقل * وقال أبو حنيفة: لا يبتاع لنفسه من مال يتيمه شيئا، وروى هذا عن الشافعي، وقال أبو حنيفة مرة أخرى: ان ابتاع منه بأكثر من القيمة جاز وأما بالقيمة فأقل فلا، وقال مالك: يحمل إلى السوق فان بلغ أكثر بطل عقده والا فهو له لازم * والعجب أنهم منعوا من هذا وأجازوا أن يرهن عن نفسه مال يتيمه، وأباح المالكيون أن يعتق عبد يتيمه، وهذا


(1) في النسخة الحلبية (أو للغائب) (2) في النسخة رقم 16 (وان لم يحاب نفسه) (3) في النسخة رقم 14 (من ان يبتاع من ينظر له)

[ 325 ]

تناقض وعكس للحقائق، وقال بقولنا أبو يوسف. وأبو سليمان. وسفيان الثوري في أحد قوليه، فعلى كل حال قد خالفوا ابن مسعود وبالله تعالى التوفيق * 1402 مسألة مستدركة، ولا يحل للوصي أن يأكل من مال من إلى نظره مطارفة لكن ان احتاج استأجره له (1) الحاكم بأجرة مثل عمله لقول الله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي أحسن) فان ذكروا قول الله تعالى: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قلنا: قد قال بعض السلف: ان هذا الاكل المأمور به انما هو في مال نفسه لا في مال اليتيم وهو الاظهر لان الله تعالى يقول: (ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) فهى حرام أشد التحريم الا على سبيل الاجرة أو البيع اللذين أباحهما الله تعالى وبالله تعالى التوفيق (2) * * (هامش) (1) لفظ (له) سقط من النسخة رقم 14 (2) إلى هنا انتهى كتاب الحجر، وقد ذكر المصنف في كتابه الايصال مسائل كثيرة وفروعا في الفقه زيادة على مافى كتاب المحلى فنسخها كاتب النسخة الحلبية وألحقها بكتاب المحلى ونبه على ذلك، ولما كانت مشتملة على احكام فقهية نافعة ألحقتها هنا الا انى فصلتها عن أصل الكتاب وجعلنا مستقلة خوف اختلاطها بالاصل وهى هذه * * زيادة من الايصال في الاكل من مال اليتيم للوصي والقاضى * قال على: ذهب أبو حنيفة إلى انه لا يأكل منه شيئا في الحضر قال: فان سافر من أجله أخذ ما يحتاج إليه * قال على: هذا تقسيم فاسد لا دليل على صحته وذهب مالك إلى أنه لا يأكل منه الا الشئ اليسير كالحلب والتمران كان غنيا وان كان فقيرا فليأكل بقدر حاجته، وذهب آخرون إلى أنه لا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئا روى ذلك عن ابن عباس وهو قول أبى سليمان وأصحابنا * قال على: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب الرد إلى كلام الله وما صح من كلام رسوله عليه السلام كما افترض الله علينا إذ يقول: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ففعلنا فوجدنا الله تعالى يقول: (يسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم) وقال تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها اسرافا وبدرا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فيأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا) وقال تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا) وقال تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) وقال تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن

[ 326 ]

حتى يبلغ أشده) وقال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) فصح أن كل ما تلونا من الآيات متفق غير مختلف مضموم بعضه إلى بعض ككلمة واحدة لا يحل غير ذلك لا ترك بعضه وأخذ بعضه ولا ضرب بعضه ببعض، ووجدناه تعالى يقول مخاطبا لنبيه عليه السلام: (لتبين للناس ما نزل إليهم) وقال تعالى مخبرا عنه عليه السلام: (وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحى يوحى) روينا من طرق مسلم حدثنى هرون بن سعيد الايلى نا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن ثور بن يزيد عن أبى الغيث عن أبى هريرة 0 (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله الا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا اسحق بن منصور أنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن محمد بن عجلان حدثنى سعيد بن أبى سعيد - هو المقبرى - عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم انى اخرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) * ومن طريق أحمد بن شعيب أيضا أخبرني محمد بن بكار نا محمد - هو ابن مسلمة - عن المقبرى عن أبيه عن شريح الخزاعى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم انى أخرج حق السفيهين حق اليتيم وحق المرأة) وكل هذا صحيح ثابت * ومن طريق أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير بن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى (انما يأكلون في بطونهم نارا) الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل: اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم) فخلطوا اطعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه * قال على: هذا كل نص ورد في ذلك مما يصح وهو كله ولله الحمد متفق لا اختلاف في شئ منه، وذلك أنه قد صح تحريم أموال اليتامى والوعيد بالنار في بطونهم وصلى السعير على آكلها فكان هذا تحريما للدنو منها جملة الا بالتى هي أحسن وهو حفظها وانماؤها وإيتاؤه اياها فقط وليس أكلها ولا تملكها شئ منها التى هي أحسن بل التى هي أسوأ بلا خلاف ومن عند عن الحق هنها فانه موافق لنا في أنها التى هي أسوأ في أموال الاجنبيين والوعيد بالنار على أموال اليتامى اشد منه على أموال غيرهم فظهر تناقض المخالفين في هذا * وصح قولنا والحمد لله رب العالمين، وكذلك قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا) فصح أن كل ما قل أو كثر من مال اليتيم من الكبائر والحوب بنص القرآن، وكذلك نص حديثه عليه السلام الذى ذكرنا فانه أخبر أن أكل مال اليتيم من الموبقات المقرونة بالشرك والقتل *

[ 327 ]

قال على: فلم يبق الا الآيتين اللتين تعلق بهما من تعلق فوجب النظر فيهما مضمومتين إلى هذه الآيات الاخر ولابد لا مفردتين عنها لما نص الله تعالى عليه من أن كلامه لا اختلاف فيه فصح أنه كله شئ واحد * قال على: فإذ لابد من ضم تينك الآيتين إلى سائر هذه الآيات وهذا الحديث فلابد في ذلك من أحد وجهين لا ثالث لهما اما أن يكون في تينك الآيتين استثناء باباحة في بعض ما حرم في هذه الآيات الاخر فيستثنى ما فيها ويوقف عنده وأما أن لا يكون فيهما استثناء شئ مما في هذه الآيات الاخر فيكون حكم الجميع واحدا ومن تعدى هذين الوجهين فهو مخالف للقرآن متحكم في دين الله تعالى برأيه، وهذا عظيم جدا ونسأل الله التوفيق * قال على: فنظرنا في الآية التى فيها قول الله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) فوجدناه تعالى أمر الغنى بالاستعفاف جملة فبطل بهذا قول من أباح للغنى أكل ما قل أو كثر من مال اليتيم ووجدناه قد أمر الفقير أن يأكل بالمعروف ولم يقل تعالى: ما الشئ الذى يأكل فلم يحل لاحد أن يتحكم في ذلك برأيه فيكون قائلا على الله تعالى ما لا علم له به، وهذا مقرون بالشرك قال تعالى: (قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وان المقدم على هذا بعد ساعة هذه الآية لجرئ هالك نعوذ بالله من الخذلان * قال على: فلم يكن في معنى هذه الآية وما أمر الله تعالى فيها الا قولان لا ثالث لهما أحدهما قول من قال: فليأكل بالمعروف أي من مال اليتيم، والثانى قول من قال: فليأكل بالمعروف أي من مال نفسه لا من مال اليتيم وانها وصية للفقيران لا نحرمه في النفقة من نفقته التى رزقه الله تعالى اياه عن يده وفقره * قال على: يوجب النظر في الصحيح من هذين القولين ليؤخذ به وفى الباطل منهما فيطرح ويرفض فنظرنا في قول من قال: ان مراد الله تعالى بذلك اباحة الاكل له من مال اليتيم فوجدناه دعوى بلا دليل وما كان هكذا فهو باطل وحرام أن ينسب إلى الله عزوجل فسقط هذا القول لتعريه من البرهان وقد قال تعالى: (قال هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) ثم إذ قد سقط هذا القول فقد صح القول الثاني إذ ليس في الآية الا هذان القولان فلو لم يكن لنا دليل الا هذا الكفى لانه برهان ضروري صحيح فكيف والبرهان على صحته واضح قاطع مقطوع على صحته بيقين لا شك فيه وهو انه لا يحل أن ينسب إلى الله تعالى شئ من الاحكام يقال فيه هذا مراد الله عزوجل الا بنص أو اجماع متيقن ونحن على يقين وثقة من أن اموال اليتامى محرمة على الوصي بيقين ونحن على يقين من اباحة مال الوصي لنفسه

[ 328 ]

بلا شك فنحن ان قلنا: ان مراد الله تعالى باطلاقه للفقير أن يأكل بالمعروف انما هو من مال نفسه كنا على يقين وصحة من أن الله تعالى قد أراد هذا واباحته بلا شك، وكان من نسب إلى الله تعالى ما لا يشك في صحته محسنا مصيبا صادقا فوجب الوقوف عند هذا الذى لا تبعة على قائله فيه ووجدنا من أخبر ان مراد الله تعالى بقوله: (فليأكل بالمعروف) انه من مال اليتيم مخالف ليقين تحريمه تعالى أموال اليتامى ناسبا إلى الله تعالى برأيه ما لا علم له به، وهذا حرام لا يحل، فبطل هذا القول جملة والحمد لله رب العالمين * نا أبو سعيد الفتى نا أبو بكر محمد بن على بن ألادفوى نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن اسماعيل ابن النحاس عن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى نا قبيصة عن سفيان الثوري عن الاعمش عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس في قوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف) قال ابن عباس: معناه لا يأكل من مال اليتيم قال: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال ابن عباس: يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم وبه إلى ابن النحاس نا جعفر بن مجاشع نا ابراهيم بن اسحق نا ابراهيم بن عبد الله نا حجاج - هو ابن محمد - عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس نسخت الظلم والاعتداء ونسختها: (ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) * قال على: كلتا الروايتين عن ابن عباس متفقة مؤديتان إلى منع الوصي الغنى والفقير من أكل شئ من مال اليتيم وبه نقول، والرواية عن عمر بن الخطاب وعن ابنه رضى الله عنهما في الاستقراض موافقة لقولنا في انه احراز لمال اليتيم، فحصل قولنا وهو قول الصحابة رضى الله عنهم * (فان قيل): كيف تقولون هذا؟ وأنتم تقولون: الفقير هو الذى لا يملك شيئا أصلا، قلنا وبالله تعالى التوفيق هو كما قلنا ليس في قولنا هنا مناقضة لما قدمنا لاننا قد علمنا أن كل حى في الارض فلو لا انه له رزق رزقه الله تعالى اياه مياومة ما عاش قال الله تعالى: (خلقكم ثم رزقكم) فإذ لابد من رزق يعاش به فما ذلك الرزق قلنا: انه يأكل بالمعروف وهواما من عمل أو صدقة أو احتشاش وما أشبه ذلك * وروينا من طريق البخاري انه عليه السلام قال للرجل الذى أراد أن يتزوج المرأة التى عرضت نفسها عليه. (التمس شيئا ولو خاتما من حديد فلم يجد فقال: أمعك من القرآن شئ قال: نعم) الحديث، فهذا رجل يعلم النبي صلى الله عليه وسلم انه لا شئ معه غير ازاره لا ما يلبس ولا ما يفضل عنه ولا خاتم حديد فما فوقه وبيقين يدرى انه قد أكل ما أقام قوته ولو لا ذلك ما قدر على النكاح ولا على المشى إذ مشى يلتمس شيئا فلم يجدو هو في غاية الفقر، فمثل هذا أن يأكل

[ 329 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الاكراه 1403 مسألة الاكراه ينقسم قسمين. اكراه على كلام. واكراه على فعل، فالاكراه على الكلام لا يجب به شئ وان قاله المكره كالكفر. والقذف. والاقرار. والنكاح. والانكاح. والرجعة. والطلاق. والبيع. والابتياع. والنذر. والايمان. والعتق. والهبة. واكراه الذمي الكتابى على الايمان وغير ذلك لانه في قوله ما أكره عليه انما هو حاك للفظ الذى أمر ان يقوله ولا شئ على الحاكى بلا خلاف، ومن فرق بين الامرين فقد تناقض قوله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فصح أن كل من أكره على قول ولم ينوه مختار اله فانه لا يلزمه * والاكراه على الفعل ينقسم قسمين، أحدهما كل ما تبيحه الضرورة كالاكل. فيما رزقه تعالى من قوته الذى يمسك حياته بالمعروف ولا يحرق فيه * قال على: ثم رجعنا إلى الآية التى هي (وان تخالطوهم فاخوانكم) والحديث المأثور في ذلك وهو صحيح فوجدنا هما ليس فيهما اباحة أكل شئ من مال اليتيم أصلا للوصي وانما فيهما اباحة المخالطة فقط وهى ضم طعامهم مع طعامه فقط ونحن لا نمنع من هذا إذا لم يستزد مؤاكل اليتيم على مقدار ما جعل، وقد ذكرنا في كتاب الاطعمة نهية عليه السلام عن القران الا أن يستأذن صاحبه فحرم بهذا الاستزادة من مال المؤاكل الا باذنه واليتيم لا اذن له ما لم يبلغ فحرمت الاستزادة من طعامه ما قل أو كثر، وفى نص الآية بيان لذلك جلى وهو قوله تعالى: (وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) فصح يقينا أن الفساد في المخالطة محظور وأن الاصلاح فيها حسن، والاصلاح هو أن يتجافى لليتيم عن زيادة على قدر طعامه فهذا اصلاح لا شك فيه وأن يقتصر على مقدار طعامه فقط، والافساد هو أن يستوفى جميع طعامه ويتزيد من مال اليتيم، وهذا هو نص قولنا والحمد لله رب العالمين * قال على: وأما قول المالكيين: وتقسيم الحنيفيين فخال من موافقة نص. أو سنة صحيحة أو قياس. أو قول صاحب وبالله تعالى التوفيق * قال على: فان ابى الوصي من النظر لليتيم ولم يجد الحاكم من ينظر له حسبة فليستأجر له وكيلا ناظرا وهذا انما هو حظ لليتيم فهذا جائز بلا خلاف لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة وأما من عمل له حسبة فلا يحل له أن يأكل من ماله شيئا فيكون أكل مال اليتيم بالباطل وبالله تعالى التوفيق * (انتهى من كتاب الايصال) (م 42 ج 8 المحلى)

[ 330 ]

والشرب فهذا يبيحه الاكراه لان الاكراه ضرورة فمن أكره (1) على شئ من هذا فلا شئ عليه لانه أتى مباحا له اتيانه، والثانى ما لا تبيحه الضرورة كالقتل. والجراح. والضرب. وافساد المال فهذا لا يبيحه الاكراه فمن أكراه على شئ من ذلك لزمه القود والضمان لانه أتى محرما عليه اتيانه، والاكراه هو كل ما سمى في اللغة إكراها وعرف بالحسن أنه اكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه انفاذ ما توعدبه. والوعيد بالضرب كذلك. أو الوعيد بالسجن كذلك. أو الوعيد بافساد المال كذلك. أو الوعيد في مسلم غيره بقتل. أو ضرب. أو سجن. أو افساد مال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) * 1404 مسألة فمن أكره على شرب الخمر. أو أكل الخنزير. أو الميتة. أو الدم. أو بعض المجرمات. أو أكل مال مسلم. أو ذمى فمباح له أن يأكل. ويشرب ولا شئ عليه لاحد ولا ضمان لقول الله عز وجل: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) وقوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) ولقوله تعالى: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم) فان كان المكره على أكل مال مسلم له مال حاضر فعليه قيمة ما أكل (2) لان هكذا هو حكم المضطر فان لم يكن له مال حاضر فلا شئ عليه فيما أكل لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * فان قيل: فهلا أبحتم قتل النفس للمكره والزنا. والجراح والضرب. وافساد المال بهذا الاستدلال؟ قلنا: لان النص لم يبح له قط أن يدفع عن نفسه ظلما بظلم غيره ممن لم يتعد عليه وانما الواجب عليه دفع الظالم أو قتاله لقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقبله وذلك أضعف الايمان ليس وراء ذلك من الايمان شئ) فصح أنه لم يبح له قط العون على الظلم لا لضرورة ولا لغيرها وانما فسح له ان عجز في أن لا يغيره بيده ولا بلسانه وبقى عليه التغيير بقلبه ولا بد والصبر لقضاء الله تعالى فقط وأبيح له في المخمصة (3) بنص القرآن الاكل والشرب وعند الضرورة (4) وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 (ومن أكره) (2) في النسخة رقم 16 (له مال حاضر معه فعليه بالاكل) (3) أي مجاعة تورث خمص البطن أي ضموره (4) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (عند الضرورة) بدون واو، والظاهر ماهنا فيكون أباح له ذلك في حالتين عند المخمصة وعند الضرورة والله أعلم

[ 331 ]

1405 مسألة فلو أمسكت امرأة حتى زنى بها أو أمسك رجل فأدخل احليله في فرج امرأه فلا شئ عليه ولا عليها سواء انتشر أو لم ينتشر. أمنى أو لم يمن. أنزلت هي أو لم تنزل لانهما لم يفعلا شيئا أصلا، والانتشار والامناء فعل الطبيعة الذى خلقه الله تعالى في المرء أحب أم كره لا اختيار له في ذلك * 1406 مسألة ومن كان في سبيل معصية كسفر لا يحل. أو قتال لا يحل فلم يجد شيئا يأكله الا الميتة. أو الدم. أو خنزيرا. أو لحم سبع. أو بعض ما حرم عليه لم يحل له أكله الا حتى يتوب فان تاب فليأكل حلالا وان لم يتب فان أكل أكل حراما وان لم يأكل فهو عاص لله تعالى بكل حال، وهذا قول الشافعي (1). وأبى سليمان، وقال مالك: يأكل * قال أبو محمد: وهذا خلاف للقرآن بلا كلفة لان الله تعالى لم يبح له ذلك الا في حال يكون فيها غير متجانف لاثم. ولا باغيا. ولا عاديا، وأكله ذلك عون على الاثم والعدوان وقوة له على قطع الطريق. وفساد السبيل. وقتل المسلمين وهذا عظيم جدا، فقالوا: (2) معنى قوله تعالى: (غير باغ ولا عاد) أي غير باغ في الاكل ولاعاد فيه فقلنا: هذا الباطل والقول على الله تعالى بزيادة في القرآن بلا برهان، وهذا لا يحل أصلا لانه تحريف للكلم عن مواضعه، فان قالوا: (3) قد قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) فهو ان لم يأكل قاتل نفسه فقلنا: قول الله حق وما أمرناه قط بقتل نفسه بل قلنا له: افعل ما افترض الله عليك من التوبة واترك ما حرم عليك من السعي في الارض بالفساد. والبغى وكل في الوقت حلالا طيبا، فان أضفتم إلى خلافكم القرآن الاباحة له أن لا يتوب وأمره بان يصر على الفساد في الارض فما أردنا منكم الا أقل من هذا * وقال الحنيفيون: لا يلزم الاكراه على البيع. ولا على الشرى. ولا على الاقرار. ولا على الهبة. ولا على الصدقة، ولا يجوز عليه شئ من ذلك * قالوا: فان اكراه على النكاح. أو الطلاق. أو الرجعة. أو العتق، أو النذر. أو اليمين لزمه كل ذلك وقضى عليه به وصح ذلك النكاح. وذلك الطلاق. وذلك العتق. وتلك الرجعة. ولزمه ذلك النذر. وتلك اليمين * وروينا من طريق حماد بن سلمة نا عبد الملك بن قدامة الجمحى حدثنى أبى أن رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا فخلفت له امرأته لتقطعن الحبل أو ليطلقنها ثلاثا فطلقها ثلاثا فلما خرج أتى عمر بن الخطاب فاخبره فقال له عمر: ارجع إلى امرأتك فان هذا ليس طلاقا * ومن طريق حماد بن سلمة


(1) في النسخة رقم 16 (وهو قول الشافعي) (2) في النسخة رقم 16 (وقالوا) (3) في النسخة رقم 16 (فقالوا)

[ 332 ]

عن حميد عن الحسن أن على بن أبى طالب قال: ليس لمستكره طلاق، قال الحسن: وأخذ رجلا أهل امرأته نطلقها إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر فجاء الاجل ولم يبعث شيئا فخاصموه إلى على فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا (1) فردها عليه * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم نا عبد الله بن طلحة الخزاعى نا أبو يزيد المدنى (2) عن ابن عباس أنه قال: ليس لمكره طلاق، وصح أيضا عن ابن عمر من طرق أنه لم يجز طلاق المكره * ومن طريق ثابت الاعرج قال: سألت كل فقيه بالمدينة عن طلاق المكره؟ فقالوا: ليس بشئ ثم أتيت ابن الزبير. وابن عمر فردا على امرأتي، وكان قد أكره على طلاقها ثلاثا، وصح هذا أيضا عن جابر بن زيد. والحسن. وعطاء. وطاوس. وشريح. وعمر بن عبد العزيز: وهو قول مالك. والاوزاعي. والشافعي. وأحمد. وأبى سليمان. وجميع أصحابهم، وصح اجازة طلاق المكره أيضا عن ابن عمر، وروى عن عمر. وعلى. ولم يصح عنهما، وصح عن الزهري. وقتادة: والنخعي. وسعيد بن جبير * واحتج المجيزون لذلك بعموم قوله تعالى: (فان طلقها فلا تحل له من بعد) الآية * قال أبو محمد: وهذا تمويه منهم لان الله تعالى الذى قال هذا هو الذى قال: (ولكن يواخذ كم بما كسبت قلوبكم) والمكره لم يطلق قط انما قيل له: قل: هي طالق ثلاثا فحكى قول المكره له فقط، والعجب من تخليطهم وقلة حيائهم يحتجون بعموم هذه الآية في اجازة طلاق المكره ثم لا يجيزون بيع المكره والله تعالى يقول: (وأحل الله البيع وحرم الربا) فان قالوا: البيع لا يكون الاعن تراض قلنا: والطلاق لا يكون الا عن رضى من المطلق ونية له بالنصوص التى قدمنا، ثم قد خالفوا هذا العموم ولم يجيزوا طلاق الصبى ولا طلاق النائم، فان قالوا: ليس هذان مطلقين قلنا: ولا المكره مطلقا * وأطراف شئ أنهم احتجوا ههنا فقالوا: البيع يرد بالعيب فقلنا: نعم ولكن بعد صحة فاخبرونا هل وقع بيع المكره صحيحا أم لا؟ فان قلتم: وقع صحيحا فلا سبيل إلى رده الا برضاهما أو بنص في ذلك، وان قلتم: لم يقع صحيحا وهو قولهم قلنا: فقياسكم ما لم يصح على ما صح باطل في القياس لانه قياس الشئ (3) على ضده وعلى ما لا يشبهه، وقلنا لهم أيضا: وكذلك الطلاق من المكره وقع باطلا واحتجوا باخبار فاسدة * منها ما رويناه من طريق أبى عبيد نا اسماعيل بن عياش حدثنى الغازى بن جبلة الجبلانى عن صفوان


(1) في النسخة رقم 14 والحلبية (حتى جعلها عليه) (2) في النسخة رقم 16 (أبو زيد المدينى) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (3) في النسخة رقم 14 (قياس للشئ)

[ 333 ]

ابن عمران الطائى (أن رجلا جعلت امرأته سكينا على حلقه وقالت: طلقني ثلاثا أولا ذبحنك فنا شدها الله تعالى فأبت فطلقها ثلاثا فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا قيلولة في الطلاق) * ورويناه أيضا من طريق نعيم بن حماد عن بقية عن الغازى بن جبلة (1) عن صفوان الطائى عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البنى صلى الله عليه وسلم (2)، وهذا كله لا شئ لان اسماعيل بن عياش. وبقية ضعيفان. والغازي بن جبلة مجهول. وصفوان ضعيف ثم هو مرسل * وذكروا حديثا من طريق مطين عن حسين بن يوسف التميمي وهو مجهول عن محمد بن مروان وهو مجهول عن عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله) * قال أبو محمد: وهذا قلة حياء منهم أن يحتجوا برواية عطاء بن عجلان وهو مذكور بالكذب ثم هم يقولون: ان الصاحب إذا روى خبرا وخالفه فذلك دليل على سقوط ذلك الخبر وانما روى هذا من طريق ابن عباس، وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن المباك عن الاوزاعي عن يحيى بن أبى كثير قال: ان ابن عباس لم يرطلاق المكره فيلزمهم على أصلهم الفاسد أن يسقطوا كل هذه الاخبار لان ابن عباس روى بعضها وخالفه كما فعلوا فيما كذبوا فيه على أبى هريرة من تركه ما روى هو وغيره من الصحابة رضى الله عنهم من غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا ولكنهم قوم لا يعقلون، وأيضا فهم أول مخالف لهذا الخبر لانهم لا يجيزون طلاق النائم يتكلم في نومه بالطلاق. ولا طلاق الصبى وليسا معتوهين ولا مغلوبين على عقولهما، ويقولون فيمن قال لامرأته في غضب: أنت خلية. أو بائن. أو برية. أو حرام. أو أمرك بيدك ونوى طلقة واحدة فهى لازمه وان نوى ثلاثا فهى لازمة. وان نوى اثنتين لزمت واحدة ولم تلزم الاخرى، فمن أرق دينا ممن يحتج بخبر هو أول مخالف له على من لا يراه حجة أصلا * واحتجوا بالآثار الواردة: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد) * قال أبو محمد: وهى آثار واهية كلها لا يصح منها شئ، ثم لو صحت لم يكن لهم فيها


(1) هو - بالزاى وفى بعض النسخ بالراء - قال الذهبي في الميزان: وغازي بالزاى وقيده بعض الائمة بالراء، قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان وهو كذلك في كتاب العقيلى ((2) ذكر الحافظ ابن حجر الحديث في لسان الميزان ولفظه (أن رجلا كان نائما فاخذت امرأته السكين فقالت: طلقني والا ذبحتك فطلقها فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: لا قيلولة في الطلاق) قال ابن عدى: ليس له الا هذا الحديث الواحد، وقال البخاري حديثه منكر في طلاق المكره *

[ 334 ]

حجة أصلا لان المكره ليس مجدا في طلاقه ولا هاز لا فخرج أن يكون لهم حكم في ذلك * قال على: وأى عجب أكثر ممن يحتج بهذه الاكذوبات التى هي اما من رواية كذاب أو مجهول. أو ضعيف. أو مرسلة ثم يعترض على ما رويناه من طريق الربيع بن سليمان المؤذن عن بشر بن بكر عن الاوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (عفى لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فان قال: سأل عبد الله بن أحمد ابن حنبل أباه عن هذا الحديث فقال له: إنه رواه شيخ عن الوليد بن مسلم عن الاوزاعي. ومالك قال مالك: عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الاوزاعي: عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحمد: هذا كذب. وباطل ليس يروى إلا عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاعجبوا للعجب! انما كذب أحمد رحمه الله من روى هذا الخبر من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، * ومن طريق الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن عطاء عن ابن عباس وصدق أحمد في ذلك. فهذا لم يأت قط من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر ولا من طريق الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن عطاء عن ابن عباس انما جاء من طريق بشر بن بكر عن الاوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بدل الاسانيد فقد أخطأ أو كذب ان تعمد ذلك * ثم العجب كله عليهم هذا الخبر بانه مرسل من طريق الحسن وهم يحتجون في هذه المسألة نفسها بانتن ما يكون من المراسيل أما هذا عجب! ثم قالوا: كيف يرفع عن الناس ما استكرهوا عليه وقد وقع منهم؟ وهذا اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حملهم قلة الدين وعدم الحياء على مثل هذا الاعتراض الذى هو عائد عليهم بذاته كما هو عائد في رفعهم (1) الاكراه في البيع. والشراء. والاقرار. والصدذة، ثم هو كلام سخيف منهم لانه لم يقل عليه السلام قط: ان المكره لم يقل ما أكره على أن يقوله ولا انه لم يفعل ما أكره على فعله لكنه أخبر عليه السلام أنه رفع عنه حكم كل ذلك كما رفع عن المصلى فعله بالسهو في السلام. والكلام. وعن الصائم أكله. وشربه. وجماعه سهوا. وعن البائع مكرها بيعه وبالله التوفيق * قال أبو محمد: وكل ماء وهوا به في هذا فهو مبطل لقولهم في إبطاال بيع المكره وابتياعه. واقراره. وهبته. وصدقته مثل قولهم: اننا وجدنا المكرهة على ارضاع الصبى خمس رضعات يحرمها عليه ويحرم عليه ما يحرم عليه من جهتها لو أرضعته طائعة * قال على: وهذا عليهم في الاكراه على البيع. والابتياع. والصدقة. والاقرار،


(1) في النسخة رقم 16 (رفعه) وفى النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية سقط لفظ (عائد) منهما

[ 335 ]

ثم نقول لهم: ان الرضاع لا يراعى فيه نية بل رضاع المجنونة. والنائمة كرضاع العاقلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فلا مدخل للارادة في الرضاع ولا هو عمل أمرت به فيراعى فيه نيتها، وقالوا: وجدنا من أكره على وطئ امرأة ابنه يحرمها على الابن * قال أبو محمد: وهذا عليهم في البيع. والصدقة. والاقرار، وجوابنا نحن انه ان أخذ فرجه فادخل في فرجها لم يحرم شيئا لانه لم ينكحها واما أن تهدد أو ضرب حتى جامعها بنفسه قاصدا فهو زان مختار قاصدو عليه الحد وتحرم لانه لا حكم للاكراه ههنا * قال على: ونقول لهم: هبكم أنكم وجدتم في الطلاق. والعتق هذه الآثار المكذوبة فأى شئ وجدتم في النكاح؟ وبأى شئ ألزمتموه؟ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ابطاله كما روينا من طريق مالك عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عبد الرحمن. ومجمع ابني يزيد بن جارية (1) الانصاري عن خنساء بنت خدام (2) [ الانصارية ] (3) ان أباها زوجها وهى ثيب فكرهت ذلك فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه * ومن طريق أحمد بن شعيب نا محمد بن داود المصيصى نا الحسين بن محمد نا جرير ابن حازم عن أيوب السختيانى عن عكرمة عن ابن عباس: (أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ان أبى زوجنى وهى كارهة فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها) وهذان سندان في غاية الصحة لا معارض لهما * قال أبو محمد: فمن حكم بامضاء نكاح مكره. أو طلاق مكره. أو عتق مكره فحكمه مردود ابدا، والواطئ في ذلك النكاح وبعد ذلك الطلاق وبعد ذلك العتق أن تزوج المطلقة والمعتقة زان يجلد ويرجم ان كان محصنا ويجلد مائة ويغرب عاما ان كان غير محصن، والعجب أنهم لا يرون الاكراه على الردة تبين الزوجة والردة عندهم تبينها، وهذا تناقض منهم في اجازتهم الطلاق بالكره * 1407 مسألة ومن أكره على سجود لصنم. أو لصليب فليسجد لله تعالى مبادرا الى ذلك ولا يبالى في أي جهة كان ذلك الصنم. والصليب قال الله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) * 1408 مسألة ولا فرق بين اكراه السلطان. أو اللصوص. أو من ليس


(1) وقع في النسخ (حارثة) بالحاء المهملة وهو غلط (2) هو بالخاء المعجمة والدال المهملة هكذا ضبطه السيوطي في تنوير الحوالك، وضبطه في تعليقه على السنن وفى بعض النسخ (خذام) باذال المعجمة وكذلك في اسد الغابة (3) الزيادة من الموطأ ج 2 ص 69

[ 336 ]

سلطانا كل ذلك سواء في كل ما ذكرنا لان الله تعالى لم يفرق بين شئ من ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم * 1409 - مسألة - وقال الحنيفيون: الاكراه بضرب سوط أو سوطين أو حبس يوم ليس اكراها، قال أبو محمد: وهذا تقسيم فاسد لانه لم يأت به قرآن. ولا سنة. ولا معقول، والضرب كله سوط ثم سوط إلى مائة ألف أو أكثر، وهم يشنعون بقول الصاحب الذى لا يعرف له مخالف، وقد روينا من طريق شعبة قال: نا أبو حيان يحيى بن سعد التيمى عن أبيه قال: قال لى الحارث بن سويد سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما من ذى سلطان يريد أن يكلفني كلا ما يدرأ عنى سوطا أو سوطين الا كنت متكلما به، ولا يعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف * 1410 - مسألة - واحتجوا في الزام النذر. واليمين بالكره بحديث فاسد من طريق حذيفة ان المشركين أخذوه - وهو يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر - فأحلفوه أن لا يأتي محمد افحلف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: نفى لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم * قال أبو محمد: وهو حديث مكذوب وما كان المشركون المانعون عن النبي صلى الله عليه وسلم قط في طريق بدر وحذيفة (1) لم يكن من أهل مكة انما هو من أهل المدينة حليف للانصار، ونص القرآن يخبر بأنهم لم يجتمعوا ببدر عن وعد ولا علم بعضهم ببعض حتى قرب العسكران ولم يكن بينهم الا كثيب رمل فقط، ومثلهم احتج بمثل هذاوحاش لله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بانفاذ عهد (2) بمعصية، ليت شعرى لو عاهدوا انسانا على أن لا يصلى أو أن يأتي أمه أكان يلزمهم هذا عندهم؟ ان هذا العجب! ونعوذ بالله من الخذلان * كتاب البيوع 1411 - مسألة - البيع قسمان: إما بيع سلعة حاضرة مرثية مقبلة بسلعة كذلك أو بسلعة بعينها غائبة معروفة موصوفة أو بدنانير أو بدراهم كل ذلك حاضر مقبوض. أو إلى أجل مسمى. أو حالة في الذمة وان لم يقبض * والقسم الثاني بيع سلعة بعينها غائبة معروفة أو موصوفة بمثلها. أو بدنانير. أو بدراهم كل ذلك حاضر مقبوض أو إلى أجل مسمى أو حالة في الذمة وان لم يقبض * أما بيع الحاضر المرئى المقلب بمثله أو بدنانير أو دراهم حاضرة مقبوضة أو إلى أجل مسمى أو حالة في الذمة فمتفق على جوازه


(1) في النسخة رقم 16 (فحذيفة) (2) في النسخة رقم 16 (بايفاء عهد)

[ 337 ]

وأما بيع سلعة غائبة بعينها مرئية موصوفة معينة ففيه خلاف (1) فأحد قولى الشافعي المنع من بيع الغائب جملة وقال مرة: هو جائز وله خيار الرؤية، وقال مرة: مثل قولنا في جواز بيع الغائب وجواز النقد فيه ولزوم البيع إذا وجد على الصفة التى وقع البيع عليها بلا خيار (2) في ذلك، وأجاز مالك بيع الغائبات الا أنه لم يجز النقد فيها جملة في أحد قوليه رواه ابن وهب عنه وأجاز ابن القاسم عنه النقد في الضياع والدور قربت أم بعدت، وأما العروض فانه أجاز النقد فيه ان كان قريبا ولا يجوز ان كان بعيدا * وقال أبو حنيفة: بيع الغائبات جائز موصوفة وغير موصوفة والنقد في ذلك جائز الا أن الخيار للمشترى إذا رأى ما اشترى فله حينئذ أن يريد البيع وأن يمضيه سواء وجده كما وصف له أو وجده بخلاف ما وصف له، وله الخيار أيضا في فسخ البيع أو امضائه قبل أن يرى ما اشترى، ولو أشهد على نفسه انه قد أسقط ماله من الخيار وانه قد أمضى البيع والتزمه لم يلزمه شئ من ذلك وهو بالخيار كما كان، فإذا رأى وجه الجارية التى اشترى وهى غائبة ولم يقلب سائرها فقد لزمته وسقط خياره ولا يردها الا من عيب، وكذلك القول في العبد سواء سواء قال: فان اشترى دابة غائبة فرأى عجزها فقد لزمته وإن لم يرسائرها ولا يردها إلا من عيب، وكذلك سائر الحيوان حاشا بنى آدم، قال: فان اشترى ثيابا غائبة أو حاضرة مطوية فرأى ظهورها ومواضع طيها ولم ينشرها فقد لزمته وسقط خياره ولا يردها الا من عيب، قال: فان اشترى ثيابا هروية في جراب أو ثيابا زطية (3) في عدل. أو سمنا في زقاق، أو زيتا كذلك. أو حنطة ى غرارة. أو عروضا مما لا يكال ولا يوزن. أو حيوانا ولم ير شيئا من ذلك فان له خيار الرؤية حتى يرى كل ما اشترى من ذلك، ولو رأى جميع الثياب الا واحدا منها أو جميع الدواب الا واحدا منها فله فسخ البيع ان شاء، وسواء وجد كل ما رأى كما وصف له بخلاف ما وصف له الا السمن والزيت. والحنطة فانه إن رأى بعض ذلك فكان ما لم يرمنه مثل الذى رأى فقد لزمه البيع وسقط خياره، قال: فان ابتاع دارا فرآها من خارجها ولم يرها من داخل فقد لزمته وسقط خيار الرؤية ولا يردها الا من عيب، وروى عن زفرانه لا يسقط خياره الا حتى يرى مع ذلك شيئا من أرضها، وقال أبو يوسف: لمس الاعمى لباب الدار ولحائطها يسقط خياره ويلزمه البيع ولا يردها الا من عيب، قال أبو حنيفة. وأصحابه: وليس له أن يرد البيع إذا رأى ما ابتاع الا بمحضر البائع فلو اشترى اثنان


(1) في النسخة رقم 16 (اختلاف) (2) في النسخة رقم 16 (لاخيار) (3) منسوبة إلى الزط جيل أسود في السند، وفى النسخ (رطبة)) وهو تصحيف (م 43 ج 8 المحلى)

[ 338 ]

شراءا واحدا شيئا غائبا فرأياه فرد أحدهما البيع وأجازه الآخر فلا يجوز الرد إلا أن يرداه معا قالوا: فان أرسل رسولا ليقبض له ما اشترى فرأى الرسول الشئ المبيع وقبضه فالمشترى باق على خياره فلو وكل وكيلا فرأى الوكيل الشئ المبيع وقبضه فقد سقط خيار المشترى في قول أبى حنيفة ولم يسقط عند أبى يوسف. ومحمد، وقال بو حنيفة مرة: الخيار أيضا للبائع إذا باع ما لم يركما للمشترى ثم رجع عن ذلك * قال أبو محمد: وروى في ذلك عن السلف [ وفى ذلك ] (1) أثر، وهو أن عثمان باع من طلحة رضى الله عنهما أرضا بالكوفة فقيل لعثمان: انك قد غبنت فقال عثمان: لى الخيار لانى بعت ما لم أر، وقال طلحة: بل لى الخيار لانى اشتريت ما لم أر فحكما بينهما جبير بين مطعم فقضى أن الخيار لطلحة لا لعثمان، وقال ابن شبرمة: بخيار الرؤية للبائع وللمشترى معا كما روى عن عثمان * ومن طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن اسماعيل ابن سالم. ويونس بن عبيد. والمغيرة قال اسماعيل: عن الشعبى. وقال يونس: عن الحسن. وقال المغيرة: عن ابراهيم ثم اتفقوا كلهم فيمن اشترى شيئا لم ينظر إليه كائنا ما كان قالوا: هو بالخيار ان شاء اخذ وان شاء ترك، وقال ابراهيم: هو بالخيار وان وجده كما شرط له، وروى أيضا عن مكحول وهو قول الاوزاعي. وسفيان الثوري، والنقد عندهم في كل ذلك جائز، وخالفهم غيرهم كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: إذا ابتاع الرجل البيع ولم يره ونعت له فوافق النعت وجب في عنقه، قال الحجاج: وحدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين: إذا ابتاع البيع ولم يره فوصفه له البائع فجاء على الوصف فهو له، وقال الحسن: هو بالخيار إذا رآه، قال أيوب: ولا أعلم رجلا اشترى بيعا لم يره فوصفه له البائع فوجده على ما وصفه له فرده عليه إلا هو من الظالمين * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن المغيرة عن الحارث العكلى فيمن اشترى العدل من البر فنظر بعض التجار إلى بعضه فقد وجب عليه إذا لم يرعوارا فيما لم ينظر إليه * ومن طريق شعبة عن الحكم. وحماد فيمن اشترى عبدا قد رآه بالامس ولم يره يوم اشتراه قالا جميعا: لا يجوز حتى يراه يوم اشتراه * قال أبو محمد: هذا كل ما نعلمه عن المتقدمين، فاما أقوال أبى حنيفة التى (2) ذكرنا فاقوال في غايه الفساد لا توثر عن أحد من أهل الاسلام قبله نعنى الفرق بين ما يسقط الخيار مما يرى من الرقيق. ومما يرى من الدواب. ومما يرى من الثياب الزطية في الوعاء


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) في النسخة رقم 16 (فاما قول أبى حنيفة الذى) وهو غلط

[ 339 ]

وما يرى من الثياب التى ليس في عدل. وما يرى من السمن. والزيت. والحنطة. والدور، وكل ذلك وساوس لا حظ لها في شئ من العقل ولا لها مجاز على القرآن. ولا السنن ولا الروايات الفسادة. ولا قول أحد من السلف. ولا من قياس لا جلى ولا خفى. ولا من رأى له حظ من السداد، وما كان هكذا فلا يحل لاحد القول به * وأما قولا مالك جميعا فكذلك أيضا سواء سواء ولا نعلمهما من أحد قبله ومالهم شبهة أصلا الا أن بعضهم ادعى العمل في ذلك وهذا باطل لانهما عنه قولان كما ذكرنا كلاهما مخالف لصاحبه فان كان العمل على أحدهما فقد خالف العمل في قوله الآخر وخلاف المرء لما يراه حجة قاطعة في الدين عظيم جدا وليس في الممكن أن يكون العمل على كليهما، وأيضا فان تحديده جواز النقد ان كان المبيع قريبا ومنعه من النقدان كان المبيع بعيدا وهو لم يحد مقدار البعد الذى يحرم فيه النقد من القرب الذى يجوز فيه النقد عجب جدا! وأى عجب أعجب ممن يحرم ويحلل ا ثم لا يبين لمن يتبعه العمل المحرم ليجتنبه من المحلل ليأتيه * واحتج بعض مقلديه في المنع من النقد في ذلك وهو قول الليث بان قال: ان نقد في ذلك ثم وجده على خلاف ما وصف له فرد البيع كان البائع قد اتفع بالثمن مدة فصار ذلك سلفا جر منفعة * قال أبو محمد: وهذا الاحتجاج أفسد من القول الذى احتج له ونقول لهم: نعم فكان ماذا؟ وما صار قط سلفا جر منفعة بل هو بيع كسائر البيوع ولا فرق، ثم أين وجدتم المنع من سلف جر منفعة في أي كتاب الله عزوجل وجدتم ذلك؟ أم في أي سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم في أي قول صاحب؟ ثم العجب كله أنه ليس على ظهر الارض سلف الا وهو يجر منفعة للمستسلف ولولا أنه ينتفع به ما استسلفه، فما سمعنا بابزد ولا بأغث من هذا القول، ثم لو كان ما ذكروا لوجب بذلك ابطال جميع البيوع كلها لانه لا بيع في العالم الا وهذه العلة موجودة فيه لانه لا بيع الا وممكن أن يستحق فيرد أو يوجد فيه عيب فيرد به فهلا منعو النقد في كل بيع من أجل ذلك؟ لانه إذا رد صار البائع قد رد إلى المشترى الثمن بعد أن انتفع به فيصير سلفا جر منفعة، وما ندرى كيف يستجيز ذو ورع أن يغر قوما من السملمين بمثل هذا الاحتجاج الفاسد؟ ونسأل الله العافية، فسقط هذا القول جملة * وأما قول الشافعي في المنع من بيع الغائب (1) فان أصحابه احتجوا له بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. وعن الملامسة. والمنابذة لا نعلم لهم حجة غير هذا أصلا،


(1) في النسخة رقم 14 (بيع الغائبات)

[ 340 ]

ولا حجة لهم فيه لان بيع الغائب إذا وصف عن رؤية. وخبرة. ومعرفة وقد صح ملكه لما اشترى فأين الغرر؟ فان قالوا: قد تهلك السلعة قبل حين البيع فيقع البيع فاسدا قلنا: وقد تستحق السلعة فيقع البيع فاسدا ولا فرق فأبطلوا بهذا النوع من الغرر كل بيع في الارض فلا غرر ههنا أصلا الا كالغرر في سائر البيوع كلها ولا فرق * وأما المنابذة. والملامسة فروينا من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن عبد الاعلى نا المعتمر بن سليمان [ قال ] (1) سمعت عبيدالله - هو ابن عمر - عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن بيعتين المنابذة والملامسة وزعم أن الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسا، والمنابذة أن يقول: أنبذ ما معى وتنبذ ما معك ليشترى أحدهما من الآخر ولا يدرى كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو من ذا) * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا أبو داود الطيالسي نا يعقوب بن ابراهيم بن سعد بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف نا أبى عن صالح - هو أبن كيسان - عن ابن شهاب أن عامر (2) ابن سعد بن أبى وقاص أخبره أن أبا سعيد الخدرى [ رضى الله عنه ] قال، (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة، والملامسة لبس الثوب لا ينظر إليه. وعن المنابذة، والمنابذة طرح الرجل ثوبه إلى الرجل قبل أن يقلبه (3)) * قال أبو محمد: وهذا حرام بلا شك، وهذا تفسير أبى هريرة، وأبى سعيد رضى الله عنهما، وهما الحجة في الشريعة. واللغة ولا مخالف لهما في هذا التفسير، وليس هذا بيع غائب البتة بل هو بيع حاضر فظهر تمويه من احتج منهم بهذين الخبرين * قال على: الا أن هذين الخبرين هما حجة على أبى حنيفة في اجازته بيع الغائب والحاضر (4) غير موصوفين ولامرئيين * قال على: ومما يبطل قول الشافعي انه لم يزل المسلمون يتبايعون الضياع بالصفة وهى في البلاد البعيدة وقد بايع عثمان ابن عمر رضى الله عنهم ما لا لعثمان بخيبر بمال لابن عمر بوادي القرى وهذا أمر مشهور، فان احتجوا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك قلنا: نعم والغائب هو عند بائعه لامما ليس عنده لانه لا خلاف في لغة العرب في صدق القائل عندي ضياع. وعندي دور. وعندي رقيق ومتاع غائب وحاضر إذا كان كل


(1) الزيادة من سنن النسائي ج 7 ص 261 (2) في النسخة رقم 14 (عن عامر) وما هنا موافق لما في سنن النسائي ج 7 ص 261 (3) هذا الحديث ذكر في سنن النسائي بغير هذا الاسناد ولا أدرى ممن الوهم والله أعلم (4) في النسخة رقم 16 (بالحاضر)

[ 341 ]

ذلك في ملكه وانما ليس عند المرء ما ليس في ملكه فقط وان كان في يده، والبرهان على فساد قول الشافعي هذا هو قول الله تعالى: (وأحل الله البيع) وقول تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فبيع الغائب بيع داخل فيما أحله الله تعالى، وفى التجارة التى يتراضى بها المتبايعان فكل ذلك حلال إلا بيعا حرمه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن. والسنة الثابتة، ومن الباطل المتيقن أن يكون الله تعالى يحرم علينا بيعا من البيوع فيجمل لنا اباحة البيع جملة ولا يبينه لنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان، هذا أمر قد أمناه ولله تعالى الحمد لقوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وليس في وسعنا أن نعرف ما حرم الله علينا. وما أحله لنا. وما أوجبه علينا إلا بورود النص بذلك، وما نعلم للشافعي في المنع من بيع الغائبات الموصوفات سلفا، فان قيل: فاين قول الحكم. وحماد الذى رويتموه آنفا؟ قلنا: إنهما لم يمنعا من بيع الغائب إنما منعا من بيع ما لم يره المشترى يوم الشراء وقد يراه في أول النهار ويغيب بعد ذلك فلم يشترطا حضوره في حين عقد البيع ولا يحل أن يقول أحد ما لم يقل بالظن الكاذب وبالله التوفيق * قال على: فسقطت هذه الاقوال كلها وبقى قول من أوجب خيار الرؤية جملة على ما روينا عن ابراهيم. والحسن. والشعبى. ومكحول. وأحد قولى الشافعي فوجدناهم يذكرون أثرا رويناه من طريق وكيع عن الحسن بن حى عن الحسن البصري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اشترى بيعا فهو بالخيار حتى ينظر إليه) قال أبو محمد: وهذا مرسل ولا حجة في مرسل، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لانه ليس فيه أن له الخيار إذا وجده (1) كما وصف له وظاهره قطع الخيار بالنظر فهو مخالف لقول أبى حنيفة جملة وبالله تعالى التوفيق، وهذا مما تركه المالكيون وهم يقولون بالمرسل لانهم لا يجعلون له خيارا قبل أن يراه أصلا * وذكروا ما روينا (2) من طريق سعيد بن منصور عن اسماعيل بن عياش عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم عن مكحول (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه ان شاء أخذه وان شاء رده) (3) واسماعيل ضعيف. وأبو بكر ابن مريم مذكور بالكذب، ومرسل مع ذلك، ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه يحتمل أن يريد له رده ان وجده بخلاف ما وصف له * 1412 مسألة فان وجد مشترى السلعة الغائبة ما اشترى كما وصف له فالبيع


(1) في النسخة رقم 14 (ان وجده) (2) في النسخة رقم 14 (ما رويناه) (3) في النسخة رقم 16 (تركه)

[ 342 ]

له لازم وان وجده بخلاف ذلك فلا بيع بينهما الا بتجديد صفة أخرى (1) برضاهما جميعا * برهان ذلك انه اشترى شراء صحيحا إذا وجد الصفة كما اشترى كما ذكرنا آنفا فان وجد الصفة (2) بخلاف ما عقد الابتياع عليه فبيقين ندرى انه لم يشتر تلك السلعة التى وجد لانه اشترى سلعة بصفة كذا لا سلعة بالصفة التى وجد فالتى وجد غير التى اشترى بلا شك من أحد فان لم يشترها فليست له، فان قيل: فألزموا البائع احضار سلعة بالصفة التى باع قلنا: لا يحل هذا لانه إنما باع عينا معينة لا صفة مضمونة فلا يجوز الزامه احضار (3) ما لم يبع، فصح أن عقده فاسد لانه لم يقع على شئ أصلا وبالله تعالى التوفيق * وهذا قول أبى سليمان. وغيره * 1413 مسألة فان بيع شئ (4) من الغائبات بغير صفة ولم يكن مما عرفه البائع لا برؤية ولا بصفة من يصدق ممن رأى ما باعه ولا مما عرفه للمشترى برؤية أو بصفة من يصدق فالبيع فاسد مفسوخ أبدا لا خيار في جوازه أصلا. ويجوز ابتياع المرء ما وصفه له البائع صدقه أو لم يصدقه، ويجوز بيع المرء ما وصفه له المشترى صدقه أو لم يصدقه فان وجد المبيع بتلك الصفة فالبيع لازم وان وجد بخلافها فالبيع باطل ولابد * وأجاز الحنيفيون بيع العين المجهولة غير الموصوفة وجعلوا فيها خيار الرؤية كما ذكرنا، وقولنا في أنه لا يجوز الا بمعرفة وصفه هو قول مالك في بعض ذلك أو قول أبى سليمان. وغيرهما * قال أبو محمد: واحتج الحنيفيون لقولهم بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الحب قبل أن يشتد، قالوا: ففى هذا اباحة بيعه بعد اشتداده وهو في أكمامه بعد لم يره أحد ولا تدرى صفته * قال على: وهذا مما موهوا به وأوهموا أنه حجة لهم وليس كذلك لانه ليس في هذا الخبر الا النهى عن بيعه قبل اشتداده فقط وليس فيه إباحة بيعه بعد اشتداده ولا المنع من ذلك فاعجبوا لجرأة هؤلاء القوم على الله تعالى بالباطل: إذ احتجوا بهذا الخبر ما ليس فيه منه شئ وخالفوه فيما جاء فيه نصا، فهم يجيزون بيع الحب قبل أن يشتد على شرط القطع فيالضلال هذه الطريقة * قال أبو محمد: وعجب آخر: أنهم كذبوا في هذا الخبر فاقحموا فيه ما ليس فيه منه نص ولا أثر من اباحة بيع الحب بعد أن يشتد ثم لم يقنعوا بهذه الطامة حتى أوجبوا بهذا


(1) في النسخة رقم 16 (صفقة أخرى) (2) في النسخة رقم 14 (صفة) (3) في النسخة رقم 16 (باحصار) (4) في النسخة رقم 16 (فان بيع شيئا)

[ 343 ]

الخبر ما ليس فيه له ذكرو لا اشارة إليه بوجه من الوجوه من بيع الغائبات التى لا تعرف صفاتها ولا عرفها البائع ولا المشترى ولا وصفها لهما أحد ثم لم يلبثوا أن نقضوا ذلك ككرة الطرف (1) فحرموا بيع لحم الكبش قبل ذبحه. والنوى دون التمر قبل أكله. وبيع الزيت في الزيتون قبل عصره. وبيع الالبان في الضروع، واحتجوا في ذلك بانه كله مجهول لا تدرى صفته وهذا موق (2) وتلاعب بالدين نعوذ بالله من مثله * قال على: ونحن نجيز بيع الحب بعد اشتداده كما هو في أكمامه باكمامه. وبيع الكبش حيا ومذبوحا كله لحمه مع جلده. وبيع الشاة بما في ضرعها من اللبن، وبيع النوى مع التمر لانه كله ظاهر مرئى ولا يحل بيعه دون أكمامه لانه مجهول لا يدرى أحد صفته ولا بيع اللحم دون الجلد. ولا النوى دون التمر. ولا اللبن دون الشاة كذلك * قال أبو محمد: ولا يخلو بيع كل ذلك قبل ظهوره من أن يكون اخراجه مشترطا على البائع أو على المشترى أو عليهما أو على غيرهما أولا على أحد فان كان مشترطا على البائع أو على المشترى فهو بيع بثمن مجهول. واجارة بثمن مجهول وهذا باطل لان البيع لا يحل بنص القرآن الا بالتراضى والتراضي بضرورة الحس لا يمكن أن يكون الا بمعلوم لا بمجهول، فكذلك ان كان مشترطا عليهما أو على غيرهما، وأيضا فان كل ذلك شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل فان لم يشترط على أحد فهو (3) أكل مال بالباطل حقا لانه لا يصل إلى أخذ ما اشتراه * قال على: والبرهان على بطلان بيع ما لم يعرف برؤية ولا بصفة صحة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وهذا عين الغرر لانه لا يدرى ما اشترى أو باع (4)، وقول الله تعالى: (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ولا يمكن أصلا وقوع التراضي على ما لا يدرى قدره ولا صفاته وانما فرقنا بين صفة البائع للمشترى أو المشترى للبائع صدق أحدهما الآخر أو لم يصدقه فأجزنا البيع بذلك وبين صفة غيرهما فلم يجزه إلا ممن يصدقه الموصوف له فلان صفة البائع للمشترى أو صفة المشترى للبائع عليها (5) وقع البيع وبها تراضيا، فان وجد المبيع كذلك علمنا أن البيع وقع صحيحا على حق وعلى ما يصح به التراضي والا فلا، وأما إذا وصفه لهما غيرهما ممن لا يصدقه الموصوف له فان


(1) هو بسكون الراء والمعنى اسرع ما يكون (2) هو - بضم الميم وسكون الواو - حمق في غبارة (3) في النسخة رقم 14 (فهذا) (4) في النسخة رقم 16 (وما باع) (5) في النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية (عليهما) والضمير على نسختنا هذه يرجع إلى صفة البائع أو المشترى، وعلى النسختين يرجع إلى الصفتين معا

[ 344 ]

البيع ههنا لم يقع على صفة أصلا فوقع العقد على مجهول من أحدهما أو من كليهما وهذا حرام لا يحل فان وصفه من صدقه الموصوف له فالتصديق يوجب العلم فانما اشترى ما علم أو باع البائع ما علم فالعقد صحيح والتراضي صحيح، فان وجد المبيع كذلك علم أن البيع انعقد على صحة وان وجد بخلاف ذلك علم أن البيع لم ينعقد على صحة كما لو وجده قد استحال عما عرفه عليه ولا فرق وبالله تعالى التوفيق * 1414 مسألة وجائز بيع الثوب الواحد المطوى أو في جرابه أو الثياب الكبيرة كذلك إذا وصف كل ذلك فان وجد كل ذلك كما وصف فالبيع لازم والا فالبيع باطل * قال على: التفريق بين الواحد. والكثير خطأ وليس إلا حرام فقليله وكثيره حرام أو حلال فقليله وكثيره حلال، وهذا بعينه هو لو أو شنعوا على الحنيفيين في اباحتهم قليل المسكر وتحريمهم كثيره ولا يقبل مثل هذا الا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط وما نعلم لهم شيئا شغبوا به الا أنهم قالوا: أمر الثوب الواحد يسهل نشره وتقليبه وطيه وهذا يصعب في الكثير فقلنا لهم: وأين وجدتم هذه الشريعة ان تكون صعوبة العمل تبيح المحرمات والبيوع المحرمة؟ ثم نقول لهم: ما تقولون في ثوبين مدرجين في جراب أو جرابين؟ فان أباحوا ذلك سألناهم عن الثلاثة ثم عن الاربعة ثم نزيدهم هكذا واحدا فواحدا؟ فان حرموا سألناهم عن الدليل على تحليل ما أحلوا من ذلك وتحريم ما حرموا. وعن الدليل على صعوبة ما جعلوه لصعوبته حلالا وعلى سهولة ما جعلوه لسهولته حراما، وهذا ما لا سبيل إليه، وأيضا فرب ثياب يكون نشرها وطيها أسهل من نشر ثوب واحد وطيه هذا أمر يعرف ضرورة كالمروى المجلوب من بغداد الذى لا يقدر على اعادة طيه بعد نشره الا واحد بين ألوف وانما الحكم في ذلك كوجوه صحة التراضي بعلمها بالصفة وارتفاع الغرر في عقد البيع عن الجهالة فقط وبالله تعالى التوفيق * 1415 مسألة وفرض على كل متبايعين لما قل أو كثر أن يشهدا على تبايعهما رجلين أو رجلا وامرأتين من العدول فان لم يجدا عدولا سقط فرض الاشهاد كما ذكرنا فان لم يشهدا وهما يقدران على الاشهاد فقد عصيا الله عزوجل والبيع تام فان كان البيع بثمن إلى أجل مسمى ففرض عليهما مع الاشهاد المذكور أن يكتباه فان لم يكتباه فقد عصيا الله عزوجل والبيع تام فان لم يقدرا على كاتب فقد سقط عنهما فرض الكتاب (1) * برهان ذلك قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب


(1) في النسخة رقم 14 (فرض الكاتب)

[ 345 ]

وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعد واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى اجله ذلكم أقسط عند الله وأقوام للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيدو إن تفعلوا فانه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله ولله بكل شئ عليم وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة) * قال أبو محمد: فهذه أوامر مغلظة مؤكدة لا تحتمل تأويلا، أمر بالكتاب في المداينة إلى أجل مسمى وبالاشهاد في ذلك في التجارة المدارة كما أمر الشهداء أن لا يأبوا أمرا مستويا فمن أين صار عند هؤلاء القوم أحد الاوامر فرضا والآخر هملا؟ وأخبر تعالى أن الكتاب ان ضار - ولا شك في أن امتناعه من الكتاب مضارة وان امتناع الشاهد من الشهادة إذ دعى - فسوق، ثم أكد تعالى أشد تأكيد ونهانا ان نسأم كتاب ما أمرنا بكتابه صغيرا كان أو كبيرا وأخبر تعالى ان ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى من أن لا نرتاب، وأسقط الجناح في ترك الكتاب خاصة دون الاشهاد في التجارة المدارة ولم يسقط الجناح في ترك الكتاب فيما كان دينا إلى أجل مسمى، وبهذا جاءت السنة كما روينا من طريق غندر عن شعبة عن فراس الخارفى (1) عن الشعبى عن أبى بردة ابن أبى موسى الاشعري عن أبيه قال: ثلاثة يدعون الله تعالى فلا يستجاب لهم وذكر فيهم ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه، وقد أسنده معاذ بن المثنى عن أبيه عن شعبة عن فراس عن الشعبى عن أبى بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق اسماعيل بن إسحق القاضى نا على بن عبد الله - هو ابن المدينى - أخبرنا المؤمل بن اسماعيل نا سفيان الثوري عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد في قول الله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) قال مجاهد: كان ابن عمر إذا باع بنقد أشهدو إذا باع بنسيئة كتب وأشهد * ومن طريق اسماعيل نا على بن عبد الله نا حسان بن ابراهيم الكرماني نا ابراهيم - هو ابن ميمون الصائغ - عن عطاء بن أبى رباح قال: تشهد على كل شئ تشتريه وتبيعه ولو كان بدرهم أو بنصف


(1) هو - بخاء معجمة في أوله وراء وفاء بعدها ياء النسبة - نسبة إلى خارف بطن من همدان، وفى النسخة رقم 16 (الحازمى) وهو غلط (م 44 ج 8 المحلى)

[ 346 ]

درهم أو بربع درهم أو أقل فان الله تعالى يقول: (وأشهدوا إذا تبايعتم) نا أبو سعيد الفتى نا محمد بن على الادفوى نا أحمد بن محمد بن اسماعيل بن النحاس النحوي نا جعفر بن مجاشع نا ابراهيم بن اسحاق نا شجاع نا هشيم عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: (أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو على دستجة بقل، قال ابن النحاس: وقال محمد ابن جرير الطبري: لا يحل لمسلم إذا باع واشترى إلا أن يشهد وإلا كان مخالفا لكتاب الله عزوجل، وهكذا ان كان إلى أجل فعليه أن يكتب ويشهد إذا وجد كاتبا، وهو قول جابر بن زيد. وغيره * ومن طريق اسماعيل بن اسحق نا يحيى بن خلف نا أبو عاصم - هو الضحاك بن خلف - عن عيسى نا ابن أبى نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى: (ولا يأب كاتب) قال: وأوجب على الكاتب أن يكتب، وكل هذا قول أبى سليمان. وأصحابنا * وذهب الحنيفيون. والمالكيون. والشافعيون إلى أنه ليس الاشهاد المذكور ولا الكتاب المذكور المأمور به واجبا ولا يلزم الكاتب أن يكتب * روينا عن أبى سعيد الخدرى أنه قرأ هذه الآية فلما بلغ إلى قول الله تعالى: (فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته) قال: نسخت هذه الآية ما قبلها * قال أبو محمد: الظاهر من قول أبى سعيد رضى الله عنه انها [ انما ] (1) نسخت الامر بالرهن لانه هو الذى قبلها متصلا بها ولا يجوز أن يظن بأبى سعيد أنه يقول: انها نسخت كل ما كتب قبلها من القرآن ولا كل ما نزل قبلها من القرآن فإذ لا شك في هذا فلا يجوز أن يدخل في قول أبى سعيد أنها نسخت الامر بالاشهاد والكتاب بالدعوى البعيدة الفاسدة بلا برهان الا أنه قد روى هذا عن الحسن. والحكم، وروى عن الشعبى ان الامر بكل ذلك ندب وهو قول أبى قلابة. وصفوان بن محرز. وابن سيرين * قال أبو محمد: دعوى النسخ جملة لا يجوز الا ببرهان متيقن لان كلام الله تعالى انما ورد ليؤتمر له ويطاع بالعمل به لا لتركه والنسخ يوجب الترك فلا يجوز لاحد أن يقول في شئ أمره الله تعالى به هذا لا تلزمني طاعته الا بنص آخر عن الله عزوجل أو عن رسوله عليه السلام بابه قد نسخ والا فالقول بذلك لا يجوز، وكذلك دعوى الندب باطل أيضا الا ببرهان آخر من النص كذلك لان معنى الندب ان شئت فافعل وان شئت فلا تفعل ولا يفهم في اللغة العربية من لفظة افعل (2) لا تفعل ان شئت الا ببرهان يوجب ذلك فبطلت الدعوتان معا بيقين لا اشكال فيه، وليت شعرى ما الفرق بين قول الله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وبين قوله تعالى: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) في النسخة رقم 14 (من لفظ افعل)

[ 347 ]

أو كبيرا إلى أجله)؟ وقد قال المالكيون في ذلك: هو فرض وقالوا ههنا: هو ندب تحكما بلا برهان، وكذلك قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذى آتاكم) وقد قال الشافعيون: انه فرض وقالوا ههنا: هو ندب تحكما بلا دليل، وكذلك قوله تعالى: (مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنا) فقال الحنيفيون: هذا فرض ولا يقام بمكة حد، وقالوا ههنا: هو ندب تحكما بلا حجة، وأى فرق بين أمره تعالى بالاشهاد. والكتاب وبين أمره تعالى بما أمر في كفارة الايمان. وكفارة الظهار. وحكم الايلاء. وحكم اللعان. وسائر أوامر القرآن؟ ونعوذ بالله من أن نجعل القرآن عضين فنوجب بعضا ونلغي بعضا * فان ذكروا قول الله تعال: (فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته) قلنا: هذا مردود على ما يتصل به من الرهن ولا يجوز أن يحمل على اسقاط وجوب الامر بالاشهاد. والكتاب بالدعوى بلا برهان، وكذلك من قال: هو فرض على الكفاية لان كل ذلك دعوى عارية من البرهان وما كان بهذه الصفة فهو باطل مطرح قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) ومن أطراف شئ مبادرتهم إذا ادعوا في شئ من أوامر القرآن انه ندب فقلنا لهم: ما برهانكم على هذه الدعوى؟ قالوا: قول الله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) فقلنا لهم: ان هذا لعجب! ليت شعرى في أي دين وجدتم أم في أي عقل انه إذا صح في أمر من أوامر الله تعالى انه منسوخ أو أنه ندب وجب أن تحمل سائر أوامره تعالى على أنها منسوخة وعلى أنها ندب؟ فما سمع باعجب من هذا الاحتجاج الفاسد! إذ قصدوا به هدم القرآن بلا برهان، ولا فرق بين فعلهم هذا ههنا وبين من قصد إلى أي آية شاء من القرآن فقال: هي منسوخة فإذا قيل له: ما برهانك على ذلك قال: نسخ الله تعالى الاستقبال إلى بيت المقدس ونسخه لاعداد المتوفى عنها سنة * قال أبو محمد: ونحن لا ننكر وجود النسخ (1) في بعض الاوامر أو كونه على الندب أو على الخصوص إذا جاء نص آخر ببيان ذلك وأما بالدعوى فلا، فإذا صح في أمر من القرآن أو السنة انه منسوخ. أو مندوب. أو مخصوص بنص آخر قلنا بذلك ولم نتعده بهذا الحكم إلى ما لم يأت فيه دليل يصرفه عن موضوعه ومقتضاه * قال على: واحتجوا بالخبر المأثور من طريق الزهري عن عمارة بن خزيمة بن ثابت أن عمه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليعطيه الثمن فاسرع النبي صلى الله عليه و سلم وأبطأ الاعرابي فطفق رجال يساومون الاعرابي بالفرس وزيد على السوم فنادى الاعرابي النبي صلى الله عليه وسلم ان كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه والابعته فقال له


(1) في النسخة رقم 14 (وجوه النسخ)

[ 348 ]

النبي صلى الله عليه وسلم. أو ليس قد ابتعته منك؟ قال الاعرابي: والله ما بعتكه هلم شهيدا يشهد أنى بايعتك فقال خزيمة: أنا أشهد أنك بايعته فاقبل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: بم تشهد؟ قال: بتصديقك فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين * ومن طريق حماد بن سلمة عن أبى جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت نحوه وزاد فيه فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم ان كان كذب فلا تبارك له فيها فاصبحت شاصية برجلها (1) فقالوا: (2) فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قدابتاع ولم يشهد * قال أبو محمد: هذا لاحجة لهم فيه لوجوه، أو لها انه خبر لا يصح لانه راجع إلى عمارة بن خزيمة وهمجهول، والثانى أنه لو صح لما كانت لهم فيه حجة لانه ليس فيه ان الامر تأخر مقدار مدة يمكن فيها الاشهاد فلم يشهد عليه السلام وانما فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاع منه الفرس ثم استتبعه ليوفيه الثمن فأسرع عليه السلام وأبطأ الاعرابي والبيع لا يتم الا بالتفرق بالابدان ففارقه النبي صلى الله عليه وسلم ليتم البيع والا فلم يكن تم بعد وانما يجب الاشهاد بعد تمام البيع، صحته لا قبل أن يتم، والثالث أنه حتى لو صح لهم الخبر وهو لا يصح ثم صح فيه انه عليه السلام ترك الاشهاد وهو قادر عليه بعد تمام البيع وهذا لا يوجد أبدا فليس فيه انه كان بعد نزول الآية ونحن نقر بأن الاشهاد انما وجب بنزول الآية لا قبل نزولها ولا يجوز ترك يقين حكم الله عزوجل بظن كاذب لا يحل القطع به فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة * قال أبو محمد: وعهدنا بهم يقولون: بخلاف هذا الخبر لان جميعهم يقول: لا يحكم الحاكم لنفسه * وفى المسند من طريقي هذا الخبر أنه حكم عليه السلام لنفسه، فمن عجائب الدنيا تركهم الحكم بخبر فيما ورد فيه واحتجاجهم به في ما ليس منه فيه أثر. ولا نص. ولا دليل * فان قالوا: أخذنا بالمرسل في أنه عليه السلام ردها قلنا: وما الذى جعل المرسل من هذا الخبر أقوى من المسند، ثم ليس في المرسل أنه عليهالسلام ردها لوجوب الحكم بردها بل قد يهبها عليه السلام له كما أخبر عن نفسه المقدسة أنه لا يسأله أحد ما لا تطيب به نفسه فيعطيه اياه الا لم يبارك له فيه فهذا حسن واعطاء حلال والدعاء عليه بالعقوبة لكذبه ولا يجوز غير ذلك لو صح الخبر [ فكيف - وهو لا يصح ] (3) أصلا لانه لا يحل لمسلم أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أطلق يد الفاسق على حرام وهو يعلمه حراما إذا كان يكون معينا على الاثم والعدوان. وعلى أخذ الحرام عمدا وظلما


(1) أي رافعة رجلها وهو عيب واضح (2) في النسخة رقم 14 (قالوا) (3) قوله (فكيف وهو لا يصح) سقط من النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية والظاهر حذفه

[ 349 ]

والله تعالى يقول: (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ومن نسب هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خرج عن الاسلام * وعهدنا بالحنيفيين لا يستحيون من مخالفة الخبر الثابت في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم باليمين مع الشاهد لانه بزعمهم خلاف ما في القرآن وردوا الخبر الثابت في تغريب الزانى سنة لانه زيادة على ما في القرآن وقالوا: لا نأخذ بخبر الواحد إذا كان زائدا على ما في القرآن وفعلوا هذا كلهم في جلد المحصن مع الرجم ثم لا يبالون ههنا بالاخذ بخبر ضعيف لا يصح مخالف بزعمهم لما في القرآن فكيف ولو صح لما كان فيه خلاف للقرآن على ما بيناه؟ وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وقد زاد بعضهم في الهذر والتخليط فأتوا باخبار كثيرة صحاح كموته عليه السلام - ودرعه مرهونة في ثلاثين صاعا من شعير - وكابتياعه البكر من عمر. والجمل من جابر، وابتياع بريرة. وابتياع صفية بسبعة أو رؤس. والعبد بالعبدين. والثوب بالثوبين إلى الميسرة، وكل خبر ذلك فيه أنه عليه السلام باع أو ابتاع قالوا: وليس فيها ذكر الاشهاد (1)، وكل ذلك لا متعلق لهم بشئ منه لان جميعها ليس في شئ منها انه عليه السلام لم يشهد ولا أنه أشهد، ووجدنا أكثرها ليس فيها ذكر ثمن فيلزمهم على هذا أن يجيزوا البيع بغير ذكر ثمن لانه مسكوت عنه كما سكت عن ذكر الاشهاد وليس ترك ذكر جميع الاحكام في كثير من الاخبار بمسقط لها كما أن قوله تعالى: (كلوا واشربوا) ليس فيه. إباحة ما حرم من المآكل. والمشارب بل النصوص كلها مضموم بعضها إلى بعض مأخوذ بما في كل واحد منها وان لم تذكر في غيره منها وما عدا هذا ففساد في العقل وافساد للدين: ودعاوى في غاية البطلان، وأيضا فانهم مهما خالفونا في وجوب الاشهاد: والكتاب فانهم مجمعون معنا على أنهما فعل حسن مندوب إليه، فان كان السكوت عن ذكر الاشهاد في هذه الاخبار دليلا على سقوط وجوبه فهو دليل على سقوط اختياره لانه عليه السلام لا يترك الافضل في جميع أعماله للادنى * ومن عجائبهم احتجاجهم بهذه الآية - يعنى الحنيفيين والمالكيين - في مخالفتهم السنة في أن لا بيع بين المتبايعين الابعد التفرق فقالوا: قال الله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) ولم يذكر التفرق، ثم أبطلوا حكم هذه الآية باخبار أخر ليس فيها ذكر الاشهاد، وهذا باب يبطل به لو صح جميع الدين أوله عن آخره لانهم لا يعدمون نصوصا أخر لم يذكر فيها ما في تلك الاحاديث فيبطلون لذلك أحكامها، وهكذا أبدا كل ما ورد نص لم يذكر فيه سائر الاحكام وجب بطلان ما لم يذكر فيه ثم يبطل حكم ذلك النص أيضا لانه لم يذكر أيضا في نص


(1) في النسخة رقم 16 (ذكر اشهاد)

[ 350 ]

آخر، وهذه طريق من سلكها فلم يزد على أن أثبت فساد دينه وقلة حيائه وضعف عقله ونعوذ بالله من الخذلان * فان قالوا: هذا مما تعظم به البلوى فلو كان واجبا ما خفى (1) على كثير من العلماء قلنا: هبكم موهتم بهذا في اخبار الآحاد أترون هذا يسوغ لكم في القرآن الذى لم يبق من لم يعلمه؟ وهلا قلتم هذا لانفسكم في قول من قال منكم: لا يتم البيع إلا بالتسليم المبيع وهذا أمر تعظم به البلوى ولا يعرفه أكثر الناس وفى قول من قال منكم: لا يتم البيع الا بالتفرق، وهذا أمر تعظم به البلوى ولا يعرفه كثير من الناس، وفى قول من قال منكم: بعهدة الرقيق في السنة والثلاث. وبالجوائح في الثمار وهى أمور تكثر بها البلوى ولا يعرفها غير القائلين بذلك منكم فظهر التحكم بالباطل في أقوالهم واستدلالهم وبالله تعالى التوفيق * وانما قلنا: انه ان ترك الاشهاد. والكتاب فقد عصى الله تعالى والبيع تام فالمعصية لخلافه أمر الله تعالى بذلك، وأما جواز البيع فلان الاشهاد والكتاب عملان غير البيع وانما أمر الله تعالى بهما بعد تمام البيع وصحته فإذا تم البيع لم تبطله معصية حدثت بعده ولكل عمل حكمه: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * 1416 مسألة ولا يجوز البيع الا بلفظ البيع. أو بلفظ الشراء. أو بلفظ التجارة. أو بلفظ يعبر به في سائر اللغات عن البيع، فان كان الثمن ذهبا أو فضة غير مقبوضين لكن حالين أو إلى أجل مسمى جاز أيضا بلفظ الدين أو المداينة ولا يجوز شئ من ذلك بلفظ الهبة. ولا بلفظ الصدقة. ولا بشئ غير ما ذكرنا أصلا * برهان ذلك قول الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقوله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) فصح أن ما حرم الله تعالى فهو حرام وما أحل فهو حلال، فمتى أخذ مال بغير الاسم الذى اباح الله تعالى به أخذه كان باطلا بنص القرآن * وصفة البيع والربا واحدة والعمل فيهما واحد وانما فرق بينهما الاسم فقط انما هما معاوضة مال بمال أحدهما حلال طيب والآخر حرام خبيث كبيرة من الكبائر قال تعالى: (وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا: سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا) وقال تعالى: (إن هي الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) فصح أن الاسماء كلها توقيف من الله تعالى لا سيما أسماء أحكام الشريعة التى لا يجوز فيها الاحداث ولا تعلم الا بالنصوص ولا خلاف بين الحاضرين منا ومن خصومنا في ان امرءا لو قال لآخر:


(1) في النسخة رقم 14 (لما خفى)

[ 351 ]

أقرضنى هذا الدينار وأقضيك دينارا إلى شهر كذا ولم يحدو قتا فانه حسن، وأجر. وبر. وعندنا ان قضاه دينارين أو نصف دينار فقط ورضى كلاهما فحسن، ولو قال له: بعنى هذا الدينار بدينار إلى شهر ولم يسم أجلا فانه ربا. وإثم. وحرام. وكبيرة من الكبائر. والعمل واحد وانما فرق بينهما الاسم فقط، وكذلك لو قال رجل لامرأة: أبيحى لى جماعك متى شئت ففعلت ورضى وليها لكان ذلك زنا ان وقع يبيح الدم في بعض المواضع، ولو قال لها: أنكحيني نفسك ففعلت ورضى وليها لكان حلالا. وحسنا. وبرا، وهكذا عندنا في كل شئ، وأما لفظ الشرى فلما روينا من طريق البخاري نا على بن عياش نا أبو غسان محمد بن مطرف حدثنى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله [ رضى الله عنهما ] (1) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله امرءا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) * 1417 مسألة وكل متبايعين صرفا أو غيره فلا يصح البيع بينهما أبدا وان تقابضا السلعة والثمن ما لم يتفرقا بابدانهما من المكان الذى تعاقدا فيه البيع ولكن واحد منهما ابطال ذلك العقد أحب الآخر أم كره ولو بقيا كذلك دهرهما الا أن يقول أحدهما للآخر: لا تبال أيهما كان القائل بعد تمام التعاقد: اختر أن تمضى البيع أو أن تبطله فان قال: قد أمضيته فقد تم البيع بينهما تفرقا أو لم يتفرقا وليس لهما ولا لاحدهما فسخه الا بعيب ومتى ما لم يتفرقا (2) بابدانهما ولاخير أحدهما الآخر فالمبيع باق على ملك البائع كما كان والثمن باق على ملك المشترى كما كان ينفذ في كل واحد منهما حكم الدى هو على ملكه لا حكم الآخر * برهان ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذى رويناه من طريق البخاري نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل غارم - نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر وربما قال: أو يكون بيع خيار) (3) * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن على بن حرب أنا محرز بن الوضاح عن اسماعيل - هو ابن جعفر - عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا الا أن يكون البيع كان عن خيار فان كان البيع كان (4) عن خيار فقد وجب البيع *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 121 (2) في النسخة رقم 16 (وأما ما لم يتفرقا) (3) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 134 (4) لفظ (كان) سقط من سنن النسائي ج 7 ص 248

[ 352 ]

قال أبو محمد: هذا يبين أن الخيار المذكور انما هو قول أحدهما للآخر: اختر لا عقد البيع على خيار مدة مسماة لانه قال عليه السلام: ان كان البيع عن خيار فقد وجب البيع وهذا خلاف حكم البيع المعقود على خيار مدة عند القائلين به * ومن طريق يحيى ابن سعيد القطان نا عبيد الله بن عمر (1) أخبرني نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا أو يكون خيارا) وهكذا رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الانصاري عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لابيع بينهما، وهكذا رويناه عن اسماعيل بن جعفر. وسفيان الثوري. وشعبة كلهم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا بيع بينهما حتى يتفرقا) * ومن طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد عن الليث ابن سعد حدثه عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فان خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وان تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع) (2) * قال أبو محمد: هذا الحديث يرفع كل اشكال. ويبين كل اجمال. ويبطل التأويلات المكذوبة التى شغب بها المخالفون * ومن طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نا محمد بن اسماعيل الترمذي نا الحميدى نا سفيان بن عيينة نا ابن جريج قال: أملى على نافع في ألواحى قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايع المتبايعان البيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار) قال نافع: فكان ابن عمر إذا ابتاع البيع فاراد أن يجب له مشى قليلا ثم رجع * ومن طريق مسلم نا محمد ابن المثنى. وعمرو بن على قال ابن المثنى: نا يحيى بن سعيد القطان وقال عمرو بن على: نا عبد الرحمن بن مهدى ثم اتفق يحيى. وعبد الرحمن كلاهما عن شعبة عن قتادة عن أبى الخليل - هو صالح بن أبى مريم - عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذبا وكتما محق بركة بيعهما) * ورويناه أيضا من طريق همام ابن يحيى - وسعيد بن أبى عروبة عن قتادة باسناده * ومن طريق أبى التياح عن عبد الله بن الحارث باسناده، وهذه أسانيد متواترة متظاهرة منتشرة توجب العلم الضرورى * ومن طريق أبى داود السجستاني نا مسدد نا حماد بن زيد عن جميل بن مرة عن


(1) في النسخة رقم 14 (عبيدالله بن عمير) وهو غلط (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 447، وكذلك ما بعده

[ 353 ]

أبى الوضئ قال: غزونا غزوة لنا فنزلنا منزلا فباع صاحب لنا فرسا لغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل (1) قام إلى فرسه ليسرجه فندم فاتى الرجل ليأخذه بالبيع فأبى أن يدفعه إليه فقال له: بينى وبينك أبوبرزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالا له: هذه القصة فقال: أترضيان أن أقضى بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) قال هشام بن حسان. قال جميل بن مرة قال أبوبرزة. ما أراكما افترقتما * قال أبو محمد: أبوالوضئ - هو عباد بن نسيب تابعي ثقة - سمع على بن أبى طالب. وأبا هريرة وأبا برزة، فهؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الصحابة، وعنهم الائمة من التابعين ومن بعدهم * نا محمد بن سعيد بن عمر بن نبات قال: نا عبد الله بن محمد بن قاسم القلعى نا محمد بن أحمد الصراف ببغداد نا بشر بن موسى بن صالح بن شيخ بن عمير الاسدي نا عبد الله بن الزبير الحميدى نا سفيان - هو ابن عيينة - نا بشر بن عاصم الثفى قال: سمعت سعيد ابن المسيب يحدث عن أبى بن كعب قال: إن عمر بن الخطاب. والعباس بن عبد المطلب تحاكما إليه في دار للعباس إلى جانب المسجد أراد عمر أخذها ليزيدها في المسجد فابى العباس فقال لهما أبى: لما أمر سليمان ببناء بيت المقدس كانت أرضه لرجل فاشتراها منه سليمان فلما اشتراها قال له الرجل: الذى أخذت منى خير أم الذى أعطيتني قال سليمان: بل الذى أخذت منك قال: فانى لا أجيز البيع فرده فزاده ثم سأله فاخبره فأبى أن يجيزه فلم يزل يزيده ويشترى منه فيسأله فيخيره فلا يجيز البيع حتى اشتراها منه بحكمه على أن لا يسأله فاحتكم شيئا كثير افتعاظمه سليمان فأوحى الله إليه ان كنت انما تعطيه من عندك فلا تعطه وان كنت انما تعطيه من رزقنا فأعطه حتى يرضى بها فقضى بها للعباس * وروينا من طريق البخاري قال الليث - هو ابن سعد -: حدثنى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (2) قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبى حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع (3) وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يفترقا (4) * ومن طريق الليث أيضا عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله بن عمر: كنا


(1) أي آن وقت الرحيل للجيش (2) سقط لفظ (عن أبيه) من صحيح البخاري ج 3 ص 137 (3) أي يطلب استرداده (4) في النسخة رقم 16 (ما لم يتفرقا) وما هنا موافق لصحيح البخاري (م 45 ج 8 المحلى)

[ 354 ]

إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان فتبايعت أنا وعثمان بن عفان فبعته مالا لى بالوادي بمال له بخيبر فلما بايعته طفقت أنكص على عقبى القهقرى خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه * فهذا ابن عمر يخبر بان هذا مذهب الصحابة وعملهم. ومذهب عثمان بن عفان لانه خشى أن يراده البيع قبل التفرق بالابدان، فلو لم يكن ذلك مذهب عثمان ما خاف ابن عمر ذلك منه ويخبر بان ذلك هو السنة * وروينا ذلك أيضا عن أبى هريرة. وابى زرعة بن عمرو بن جرير. وطاوس كما روينا عن عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن أبى عتاب عن أبى زرعة أن رجلا ساومه بفرس له فلما بايعه خيره ثلاثا ثم قال: اختر فخير كل واحد منهما صاحبه ثلاثا، ثم قال أبو زرعة: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض، فهذا عمر. والعباس يسمعان أبيا يقضى بتصويب رد البيع بعد عقده فلا ينكران ذلك فصح أنهم كلهم قائلون بذلك ومعهم عثمان. وأبو هريرة. وأبو برزة. وابن عمر. والصحابة جملة رضى الله عنهم * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن سليمان الاحول سمعت طاوسا يحلف بالله ما التخيير الا بعد البيع * ومن طريق سعيد ابن منصور نا هشيم أنا محمد بن على السلمى سمعت أبا الضحى يحدث أنه شهد شريحا اختصم إليه رجلان اشترى أحدهما دارا من الآخر بأربعة آلاف فاوجبها له ثم بداله في بيعها قبل أن يفارق صاحبه فقال: لا حاجة لى فيها فقال البائع: قد بعتك وأوجبت لك فاختصما إلى شريح فقال شريح: هو بالخيار ما لم يتفرقا، قال محمد بن على: وشهدت الشعبى يقضى بهذا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن مغيرة عن الشعبى أن رجلا اشترى برذونا فاراد أن يرده قبل أن يتفرقا فقضى الشعبى أنه قد وجب عليه فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا أتى في مثل ذلك فرده على البائع فرجع الشعبى إلى قول شريح * وروينا أيضا من طريق معمر عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين أنه شهد شريحا يقضى بين المختصمين اشترى أحدهما من الآخر بيعا فقال: انى لم أرضه وقال الآخر: بل قد رضيته فقال شريح: بينكما أنكما تصادرتما عن رضى بعد البيع أو خيار أو يمينه بالله ما تصادرتما عن رضى بعد البيع ولا خيار، وهو قول هشام بن يوسف. وابنه عبد الرحمن، وقال البخاري: هو قول عطاء بن أبى رباح. وابن أبى مليكة، وهو قول الحسن. وسعيد بن المسيب. والزهرى. وابن أبى ذئب. وسفيان الثوري. وسفيان بن عيينة. والاوزاعي. والليث. وعبيد الله بن الحسن القاضى. والشافعي. وأبى ثور. وجميع أصحابه. واسحاق بن راهويه. وأحمد بن حنبل. وأبى عبيد. وأبى سليمان. ومحمد بن نصر المروزى. ومحمد بن جرير الطبري. وأهل الحديث. وأهل المدينة كما روينا من طريق ابن أيمن نا عبد الله بن أحمد

[ 355 ]

ابن حنبل قال: قال لى أبى: بلغني عن ابن أبى ذئب أنه بلغه قول مالك بن أنس: ليس البيعان بالخيار فقال ابن أبى ذئب: هذا حديث موطوء بالمدينة - يعنى مشهورا - * قال أبو محمد الا أن الاوزاعي قال: كل بيع فالمتبايعان فيه بالخيار ما لم يتفرقا بابدانهما إلا بيوعا ثلاثة. المغنم. والشركاء في الميراث يتقاومونه. والشركاء في التجارة يتقاومونها، قال الاوزاعي: وحد التفرق أن يغيب كل واحد منهما عن صاحبه حتى لا يراه، وقال أحمد: كما قلنا إلا أنه لا يعرف التخيير ولا يعرف الا التفرق بالابدان فقط، وهذا الشعبى قد فسخ قضاءه بعد ذلك ورجع إلى الحق فشذعن هذا كله أبو حنيفة. ومالك. ومن قلدهما وقالا: البيع يتم بالكلام وان لم يتفرقا بابدانهما ولا خير أحدهما الآخر وخالفوا السنن الثابتة. والصحابة، ولا يعرف لمن ذكرنا منهم مخالف أصلا وما نعلم لهم من التابعين سلفا إلا ابراهيم وحده كما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا هشيم عن المغيرة عن ابراهيم قال: إذا وجبت الصفقه فلا خيار * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان عن مغيرة عن ابراهيم قال. البيع جائزو ان لم يتفرقا، ورواية مكذوبة موضوعة عن الحجاج بن أرطاة وكفى به سقوطا عن الحكم عن شريح قال: إذا كلم الرجل بالبيع وجب عليه البيع، والصحيح عن شريح هو موافقة الحق كما أوردنا قبل من رواية أبى الضحى. وابن سيرين عنه، ولعمري أن قول ابراهيم ليخرج على أنه عنى كل صفقة غير البيع لكن الاجارة. والنكاح. والهبات فهذا ممكن لانه لم يذكر البيع أصلا فحصلوا بلاسلف، وقوله: البيع جائز وان لم يتفرقا صحيح وما قلنا: انه غير جائز ولا قال، هو: انه لازم وانما قال: انه جائز * قال أبو محمد: وموهوا بتمويهات في غاية الفساد، منها أنهم قالوا: معنى التفرق أي بالكلام فقلنا: لو كان كما يقولون لكان موافقا لقولنا ومخالفا لقولكم لان قول المتبايعين آخذه بعشرة فيقول الآخر: لا ولكن بعشرين لا شك عند كل ذى حسن سليم أنهما متفرقان بالكلام فإذا قال أحدهما بخمسة عشر وقال الآخر: نعم قد بعتكه بخمسة عشر فالآن اتفقا ولم يتفرقا فالآن وجب الخيار لهما إذ لم يتفرقا بنص الحديث فاذهبوا كيف شئتم من عارض الحق بلج (1) وافتضح، وأيضا فنقول لهم: قولكم. التفرق بالكلام كذب ودعوى بلا برهان لا يحل القول بهما في الدين، وأيضا فرواية الليث عن نافع عن ابن عمر التى أوردنا رافعة لكل شغب ومبينة أنه التفرق عن المكان بالابدان ولابد، وقال بعضهم: معنى المتبايعين ههنا انما هما (2) المتساومان كما سمى الذبيح ولم يذبح وقال


(1) بلج الرجل بلوجا وتبليجا أعيا (2) في النسخة رقم 14 (انهما))

[ 356 ]

كما قال تعالى: (فبلغن أجلهن) انما أراد تقاربن بلوغ أجلهن، وقال آخرون منهم: انما أراد بقوله عليه السلام: (ما لم يتفرقا) انما هو ما بين قول أحدهما قد بعتك سلعتي هذه بدينار فهو بالخيار ما لم يقل له الآخر قد قبلت ذلك وبين قوله لصاحبه قد ابتعت سلعتك هذه بدينار فهو بالخيار ما لم يقل له الآخر: قد بعتكها بما قلت، وقال آخرون: انما هو ما بين قول القائل بعنى سلعتك بدينار فهو بالخيار ما لم يقل له الآخر: قد فعلت وبين قول القائل اشتر منى سلعتي هذه بدينار فله الخيار ما لم يقل له الآخر قد فعلت * فجواب هذه الاقوال كلها واضح مختصر وهو أن يقال: كذب قائل هذا وأفك وأثم لانه حرف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواضعه بلا برهان أصلا لكن مطارفة ومجاهرة بالدعوى الباطل، فمن أين لكم هذه الاقوال؟ ومن أخبركم بان هذا هو مراده عليه السلام؟ وأما قولكم: كما سمى الذبيح ولم يذبح فما سماه الله تعالى قط ذبيحا ولا صح ذلك أيضا قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان هكذا فانما هو قول مطلق عامى لا حجة فيه وانما أطلق ذلك من أطلق مسامحة أو لانه حمل الخليل عليه السلام السكين على حلقه وهذا فعل يسمى من فاعله ذبحا وما نبالي عن هذه التسمية لا نها لم يأت بها قط قرآن. ولا سنة فلا يقوم بها حجة في شئ أصلا * وأما قوله تعالى: (فبلغن أجلهن) فصدق الله تعالى وكذب من قال: انه تعالى أراد المقاربة حاش لله من هذا، ولو كان ما ظنوه لكان الامساك والرجعة لا يجوز إلا في قرب بلوغ الاجل لا قبل ذلك وهذا باطل بلا خلاف. وتأويل الآية موافق لظاهرها بلا كذب ولا تزيد وانما أراد تعالى بلا شك بلوغ المطلقات أجل العدة بكونهن فيها من دخولهن اياها إلى اثر الطلاق إلى خروجهن عنها وهذه المدة كلها للزوج فيها الرجعة والاسماك بلا خلاف أو التمادي على حكم الطلاق، وحتى لو صح لهم ما أطلقوا فيه الباطل لكان لا متعلق لهم به لانه ليس (1) إذا وجد كلام قد صرف عن ظاهره بدليل وجب أن يصرف كل كلام عن ظاهره بلا دليل، وفى هذا افساد التفاهم والمعقول والشريعة كلها، فكيف ورواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام قال: (كل بيعين لابيع بينهما حتى يتفرقا) فاضح لهذا الكذب كله ومبطل لتخصيص بعض من يقع عليه اسم بيع من سائر من يقع عليه هذا الاسم، وقالوا: هذا التفريق المذكور في الحديث هو مثل التفريق المذكور في قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) فقلنا: نعم بلا شك وذلك التفرق المذكور في الآية تفرق بالقول يقتضى التفرق بالابدان ولابد، والتفرق المذكور في الحديث كذلك أيضا تفرق بالقول يقتضى التفرق


(1) في النسخة الحلبية (إذ ليس)

[ 357 ]

بالابدان ولابد وأنتم تقولون: إن التفرق المراعى فيما يحرم به الصرف أو يصح إنما هو تفرق الابدان فهلا قلتم عن هذا ههنا: ان التفرق المذكور في هذا الخبر هو أيضا تفرق الابدان لولا التحكم البارد حيث تهوون، وموهوا بقول الله تعالى: (إلا أن تكونن تجارة عن تراض منكم) فأباح تعالى الاكل بعد التراضي قالوا: وهذا دليل على صحة الملك بالعقد * قال أبو محمد: الذى أتانا بهذه الآية هو الذى من عنده ندرى ما هي التجارة المباحة لنا مما حرم علينا وما هو التراضي الناقل للملك من التراضي الذى لا ينقل الملك؟ ولو لاه لم نعرف شيئا من ذلك، وهو الذى أخبرنا أن العقد ليس بيعا ولا هو تجارة ولا هو تراضيا ولا ينقل ملكا إلا حتى يستضيف إليه التفرق عن موضعهما أو التخيير فهذا هو البيع. والتجارة. والتراضي لا ما ظنه أهل الجهل بآرائهم بلا برهان لكن بالدعوى الفاسدة، واحتجوا بقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وهذا حق الا أن الذى أمرنا بهذا على لسان نبيه هو تعالى الآمر لرسوله عليه السلام أن يخبر نا أنه لا يصح هذا العقد ولا يتم ولا يكون عقدا إلا بالتفرق عن موضعهما أو بأن يخير أحدهما الآخر بعد التعاقد وإلا فلا يلزم الوفاء بذلك العقد وهم مجمعون معنا على أنه لا يلزم أحدا الوفاء بكل عقد عقده بل أكثر العقود حرام الوفاء بها كمن عقد على نفسه أن يزنى أو أن يشرب الخمر نعم وأكثر العقود لا يلزم الوفاء به عندهم وعندنا كمن عقد أن يشترى أو أن يبيع أو أن يغنى أو أن يزفن (1) أو أن ينشد شعرا، فصح يقينا أنه لا يلزم الوفاء بعقد أصلا إلا عقدا أتى النص بالوفاء به (2) باسمه وعينه وهم يقولون - يعنى الحنيفيين - أن من بايع آخر شيئا غائبا وتعاقدا اسقاط خيار الرؤية انه عقد لا يلزم والمالكيون يقولون: من ابتاع ثمرة واشترط أن لا يقوم بجائحة وعقد ذلك على نفسه فانه عقد لا يلزمه فأين احتجاجهم بقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود)؟ فان قالوا: هذه عقود قامت الادلة على أنه لا يلزم الوفاء بها قلنا: وعقد البيع عقد قد قام البرهان حقا على أنه لا يلزم الوفاء به إلا بعد التفرق بالابدان أو بعد التخيير بخلاف الادلة الفاسدة التى خصصتم بها ما خصصتم من العقود المذكورة، وموهوا أيضا بقول الله تعالى: (واشهدوا إذا تبايعتم) وان الحياء القليل في وجه من احتج بهذه الآية في هذا المكان لوجوه، أو لها أنهم أول مخالف لهذه الآية فيما وردت فيه من وجوب الاشهاد فكيف يستحلون الاحتجاج بانهم قد عصوا الله تعالى فيها وخالفوها ولم يروها حجة في وجوب الاشهاد في البيع؟ والثانى أنه ليس في الآية نص ولا دليل على بطلان التفرق المذكور في الخبر ولاذكر منه أصلا * والثالث أن نص الاية انما هو ايجاب الاشهاد إذا تبايعنا والذى


(1) الزفن الرقص واللعب (2) سقط لفظ (به)) من النسخة رقم 14

[ 358 ]

جاء نا بهذه الآية - ولو لاه لم ندر ما البيع المباح من المحرم البتة - هو الذى أخبرنا أنه لا بيع أصلا إلا بعد التفرق عن موضعهما أو النخيير، فصح يقينا أن قول الله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) انما هو أمر بالاشهاد بعد التفرق أو التخيير الذى لا بيع بينهما أصلا الا بعد أحدهما وان رغمت أنوف المخالفين؟ ثم موهوا بايراد أخبار ثابتة وغير ثابتة مثل قوله عليه السلام: (إذا ابتعت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه) والقول فيه كالقول في الآية سواء سواء لانه لا بيع بينهما إلا بعد التفرق أو التخيير والا فلم يبتع المبتاع أصلا ولا باع البائع البتة، ومثل من باع عبدا وله مال فما له للبائع ومثل من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، ومثل النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان، وإذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع، وأخبار كثيرة جاء فيها ذكر البيع والقول فيها كلها كما قلنا آنفا ان كل هذه الاحكام إنما وردت في البيع والذى أمر بما صح منها هو الذى أخبر وحكم وقال: انه لا بيع بين المتبايعين ما كانا معا ولم يتفرقا أو خيرا أحدهما الآخر فتبا لمن عصاه، والعجب أن أكثر هذه الاخبار هم مخالفون لما في نصوصها فلم يقنعوا بذلك حتى أضافوا إلى ذلك غرور من أحسن الظن في أن أو هموهم ما ليس فيها منه شئ أصلا، ولا فرق بينهم في احتجاجهم بكل ما ذكرنا في ابطال السنة الثابته من أن لا بيع بين المتبايعين الا بعد التفرق بالابدان أو التخيير وبين من احتج بها في اباحة كل بيع لم يذكر فيها من الربا. والغرر. والحصاة. والملامسة. والمنابذة وغير ذلك بل هو كله عمل واحد نعوذ بالله منه، ومن عجائبهم احتجاجهم في هذا بالخبر الثابت من أنه لا يجزى ولد والد إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه * قال أبو محمد: ولو لا أن القوم مستكثرون من الباطل. والخديعة في الاسلام لمن اغتر بهم لم يخف عليهم هذا التطويل بلا معنى ونعم الخبر صحيح وما اشترى قط أباه من لم يفارق بائعه ببدنه ولا خيره بعد العقد ولا ملكه قط بل هو في ملك بائعه كما كان حتى يخيره المبتاع أو يفارقه ببدنه فحينئذ يعتق عليه والا فلا بنص حكم الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم * وذكروا أيضا (المسلمون عند شروطهم) وهذا خبر مكذوب لانه انما رواه كثير بن زيد وهو ساقط ومن هو دونه. أو مرسل عن عطاء، ثم لو صح لكان حجة لنا عليهم لان شروط المسلمين ليست كل شرط بلا خلاف بل انما هي الشروط المأمور بها أو المباحة باسمائها في القرآن. وصحيح السنن، ولو كان ما أوهموا به لكان شرط الزنا. و القيادة. وشرب الخمر. والربا شروطا لوازم وحاش لله من هذا الضلال، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل كتاب

[ 359 ]

الله أحق وشرط الله أوثق) فشرط الله تعالى هو التفرق بالابدان بعد العقد للبيع أو التخيير والا فلا شرط هنالك يلزم أصلا، وأعجب شئ احتجاج بعضهم بان من باع بيعا على أنه ثابت بلا خيار أن الخيار ساقط * قال ابو محمد: ليت شعرى من وافقهم على هذا الجنون لا ولا كرامة بل لو أن متبايعين عقدا بيعهما على اسقاط الخيار الواجب لهما قبل التفرق بابدانهما وقبل التخيير لكان شرطا ملعونا وعقدا فاسدا وحكم ضلال لانهما اشترطا ابطال ما أثبته الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم). وموهوا أيضا بان قالوا: لما كان عقد النكاح. وعقد الطلاق. وعقد الاجارة، والخلع. والعتق. والكتابة تصح ولا يراعى فيها اتفرق بالابدان وجب مثل ذلك في البيع * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل لا جماعهم معنا على أن كل حكم من هذه التى ذكروا له (1) أحكام وأعمال مخالفة لسائرها لا يجوز أن يجمع بينهما فيه، فالبيع ينتقل فيه ملك رقبة المبيع وثمنه وليس ذلك في شئ من الاحكام التى ذكروا، والنكاح فيه اباحة فرج كان محرما بغير ملك رقبته ولا يجوز فيه اشتراط خيار أصلا ولا تأجيل، وهم يجيزون الخيار المشترط في البيع والتأجيل ولا يرون قياس أحدهما على الآخر في ذلك جائزا، والطلاق تحريم فرج محلل اما في وقته واما إلى مدة بغير نقل ملك ولا يجوز فيه اشتراط خيار بعد ايقاعه أصلا بخلاف البيع، والاجارة إباحة منافع بعوض لا تملك به الرقبة بخلاف البيع ويجوز في الحر بخلاف البيع وهى إلى أجل ولا بد إما معلوم واما مجهول ان كان في عمل محدود بخلاف البيع، والخلع طلاق بمال لا يجوز فيه عندهم خيار مشترط بخلاف البيع. والعتق كذلك. والكتابة، فظهر سخف قياسهم هذا وانه هوس وتخليط * وكم قصة لهم في التخيير في الطلاق أوجبوا فيه الخيار ما داما في مجسلهما وقطعوه بالتفرق (2) بابدانهما حيث لم يوجبه قط رب العالمين. ولا رسوله عليه السلام. ولا قول صاحب. ولا معقول. وقياس شبه به لكن بالآراء الفاسدة؟ ثم أبطلوه حيث أوجبه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فنحمد الله تعالى على السلامة مما ابتلاهم به، وقال بعضهم: التفرق بالابدان في الصرف قبل القبض يبطل العقد فمن المحال أن يكون ما يبطل العقد هو الذى يثبته * قال على: وهذا كلام في غاية الفساد ولا ننكر هذا إذا جاء به النص فقد وجدنا النقد (3)


(1) في النسخة رقم 16 (لها) (2) في النسخة رقم 14 (بالتفريق) (3) في النسخة رقم 16 (التفرق)

[ 360 ]

وترك الاجل يفسد السلم عندهم ويصحح البيوع التى يقع فيها الربا حتى لا تصح إلا به فكيف والمعنى فيما راموا الفرق بينه واحد؟ وهو أن المتصارفين لم يملكا شيئا ولا تبايعا أصلا قبل التقابض، وكل متبايعين فلم يتم بينهما بيع اصلا قبل التفرق أو التخيير متصارفين كانا أو غير متصارفين، فان تفرق كل من ذكرنا بأبدانهم قبل ما يتم به البيع فمن كان قد عقد عقدا أبيح له تم له بالتفرق ومن كان لم يعقد عقدا أبيح له فليس ههنا شئ يتم له بالتفرق، وقالوا أيضا متعقبين لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم رادين عليه: المتبايعان انما يكونان متبايعين ماداما في حال العقد لا بعد ذلك كالمتضار بين والمتقاتلين (1)، فمن المحال أن يكونا متبايعين متفاسخين معا * قال أبو محمد: وهذا كلام من لا عقل له. ولا علم. ولا دين. ولا حياء لانه سفسطة باردة ونعم فان المتبايعين لا يكونان متبايعين إلا في حين تعاقدهما لكن عقدهما بذلك ليس بشئ ولا يتم الا بالتفرق أو التخيير بعد العقد كما أمر من لا يحرم دم أحد الا باتباعه أو بجزية يغرمها ان كان كتابيا وهو صاغر * ومن طريف نوادرهم احتجاجهم في معارضة هذا الخبر بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) قالوا: فالاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع وصحة انتقال الملك * قال على: قبل كل شئ فهذا حديث لا يصح ولسنا ممن يحتج لنفسه بما لا يصح وقد أعاذنا الله تعالى من ذلك ولو صح لكان موافقا لقولنا إلا في المنع من المفارقة خوف الاستقالة فقط فلسنا نقول به لان الخبر المذكور لا يصح ولو صح لقلنا بما فيه من تحريم المفارقة على هذه النية وليست الاستقالة المذكورة في هذا الخبر ما ظن هؤلاء الجهال وانما هي فسخ النادم منهما للبيع رضى الآخر أم كره لان العرب تقول استقلت من علتى واستقلت ما فات عنى إذا استدركه، والبرهان على صحة قولنا هذا وعلى فساد تأويلهم وكذبه هو أن المفارقة بالابدان لا تمنع من الاستقالة التى حملوا الخبر عليها بل هي (2) ممكنة ابدا ولو بعد عشرات أعوام فكان الخبر على هذا لا معنى له ولا حقيقة ولا فائدة، فصح أنها الاستقالة التى تمنع منها المفارقة بلا شك وهى التفرق بالابدان الموجب للبيع المانع من فسخه ولابد لا يمكن غير هذا ولا بحتمل لفظ الخبر معنى سواه البتة، فصار هذا الخبر ثقلا عليهم على ثقل لانهم صححوه وخالفوا ما فيه وأبا حوا له مفارقته خشى أن يستقيله أو لم يخش * قال على: هذا كل ما موهوا به وكله عائد عليهم ومبدى تخاذل علمهم (3) وقلة فهمهم


(1) في النسخة الحلبية (والمتقابلين) (2) في النسخة رقم 16 (إذ هي) (3) في النسخة رقم 14 (لتخاذل علمهم)

[ 361 ]

ونحن ان شاء الله تعالى نذكر ما هو أقوى شبهة لهم ونبين جسم التعلق به لمن عسى أن يفعل ذلك وبالله تعالى التوفيق * روينا من طريق البخاري قال: وقال الحميدى عن سفيان بن عيينة نا عمرو عن ابن عمر [ رضى الله عنهما قال ]: (1) (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنت على بكر صعب لعمر فكان يغلبنى فيتقدم أمام القوم فيزجره عمرو يرده [ ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: بعنيه قال: هو لك يا رسول الله قال: بعنيه فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [ النبي صلى الله عليه وسلم ]: هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت) قالوا: فهذا بيع صحيح لا تفرق فيه وهبة لما ابتاع عليه السلام قبل التفرق بلا شك * قال أبو محمد: هذا خبر لا حجة لهم فيه لوجوه * أو لها أنه وان لم يكن فيه تفرق فقد يكون فيه التخيير بعد العقد وليس السكوت عنه بمانع من كونه لان صحة البيع تقتضيه ولابد ولم يذكر في هذا الخبر ثمن أيضا فينبغي لهم أن يجيزوا البيع بغير ذكر ثمن أصلا لانه لم يذكر فيه ثمن، فان قالوا: لابد من الثمن بلا شك لان البيع لا يصح الا به قلنا: ولابد من التفرق أو التخيير لان البيع لا يكون بيعا ولا يصح أصلا إلا باحدهما ولا فرق بينهم في احتجاجهم بهذا الخبر في اسقاط حكم ما لم يذكر فيه من التخيير بعد العقد وبين من احتج به في البيع بالمحرمات لانه لم يذكر فيه ثمن أصلا وهذه اهبة لما ابتيع قبل القبض بخلاف رأى الحنيفيين فهو حجة عليهم، وكذلك القول في الاشهاد سواء سواء * والوجه الثاني أنه (2) حتى لو صح لهم أنه لم يكن في هذا البيع تخيير ولا إشهاد أصلا - وهو لا يصح أبدا - فمن لهم أن هذه القصة كانت بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر؟ وبعد أمر الله تعالى بالاشهاد، ومن ادعى علم ذلك فهو كذاب أفك يتبوء - ان شاء الله تعالى - مقعده من النار لكذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان كان هذا الخبر قبل ذلك كله فنحن نقول: ان البيع حينئذ كان يتم بالعقد وان لم يتفرقا ولاخير أحدهما الآخر وان الاشهاد لم يكن لازما وانما وجب كل ما ذكرنا حين الامر به لا قبل ذلك، وأما نحن فنقطع بان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف أمر ربه تعالى ولا يفعل ما نهى عنه أمته هذا ما لا شك فيه عندنا ومن شك في هذا أو أجاز كونه فهو كافر نتقرب إلى الله تعالى بالبراءة منه، وكذلك نقطع بانه عليه السلام لو نسخ ما أمرنا به لبينه حتى لا يشك عالم بسنته في أنه قد نسخ ما نسخ وأثبت ما أثبت، ولو جاز غير هذا - وأعوذ بالله - لكان دين الاسلام فاسدا لا يدرى أحدما يحرم عليه ما يحل له مما أوجب


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 136 (2) سقط لفظ (انه) من النسخة رقم 14

[ 362 ]

ربه تعالى عليه حاش لله من هذا، ان هذا لهو الضلال المبين الذى يكذبه الله تعالى إذ يقول: (تبيانا لكل شئ) * (ولتبين للناس ما نزل إليهم) وقد تبين الرشد من الغى والدين كله رشد وخلاف كل شئ منه غى، فلو لم يتبين كل ذلك لكان الله تعالى كذبا والرسول عليه السلام لم يبين ولم يبلغ (1) والدين ذاهبا فاسدا، وهذا هو الكفر المحض ممن أجاز كونه * والوجه الثالث أنهم يقولون: ان الراوى من الصحابة أعلم بما روى. وابن عمر هو راوي هذا الخبر وهو الذى كان لا يرى البيع يتم إلا بالتفرق بالابدان فهو على أصلهم أعلم بما روى، وسقط على أصلهم هذا تعلقهم بهذا الخبر جملة والحمد لله رب العالمين، وقال بعضهم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغررو من الغرر أن يكون لهما خيار لا يدريان متى ينقطع * قال أبو محمد: وهذا كلام فاسد من وجوه * أحدها أن العقد قبل التفرق بالابدان. أو التخيير ليس بيعا أصلا لا بيع غرر ولا بيع سلامة كما قال عليه السلام: (أنه لا بيع بينهما ما كان معا) فهو غير داخل في بيع الغرر المنهى عنه * والوجه الثاني انه ليس كما قالوا: من أن لهما خيارا لا يدريان متى ينقطع بل أيهما شاء قطعه قطعه في الوقت بأن يخير صاحبه فاما يمضيه فيتم البيع وينقطع الخيار واما يفسخه فيبطل حكم العقد (2) وتماديه. أو بأن يقوم فيفارق صاحبه كما كان يفعل ابن عمر، فظهر برد هذا الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرأى السخيف. والعقل الهجين * والوجه الثالث أنه لا يكون غررا شئ أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه لا يأمر بما نهى عنه معا حاش له من ذلك وإنما الغرر ما أجازه هؤلاء بآرائهم الفاسدة من بيعهم اللبن الذى لم يخلق في ضروع الغنم شهرا أو شهرين. وبيع الجزر المغيب في الارض الذى لم يره انسى ولاعرف صفته ولا أهو جزر أم هو معفون مسوس لاخير فيه. وبيع أحد ثوبين لا يدرى أيهما هو المشتري. والمقاثى التى لم تخلق. والغائب الذى لم يوصف ولا عرف فهذا هو الغرر المحرم المفسوخ الباطل حقا، فان ذكروا ما رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن هاشم بن القاسم عن أيوب بن عتبة اليمامى عن أبى كثير السحيمى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من بيعهما أو يكون بيعهما بخيار) * قال أبو محمد: وهذا عجب جدا لانه عليهم لو صح، والتفرق من البيع لا يكون إلا بأحد امرين لا ثالث لهما إما بتفرق الابدان فيتم البيع حينئذ ويتفرقان منه حينئذ لا قبل ذلك وإما أن يتفرقا منه بفسخه وإبطاله لا يمكن غير هذا، فكيف وأيوب بن عتبة ضعيف لا نرضى الاحتجاج بروايته أصلا وان كانت لنا، وأتى بعضهم بطامة تدل على رقة دينه.


(1) في النسخة رقم 16 (ولا بلغ) (2) في النسخة رقم 16 (حكم البيع)

[ 363 ]

وضعف عقله فقال: معنى ما لم يفترقا انما أراد ما لم يتفقاكما يقال للقوم: على ماذا افترقتم؟ أي على ما ذا اتفقتم فأردا على ما ذا افترقتما عن كلامكما * قال أبو محمد: وهذا باطل من وجوه * أولها ان هذه دعوى كاذبة بلا دليل ومن لكم بصرف هذا للفظ إلى هذا التأويل؟ وما كان هكذا فهو باطل * والثانى ان يقول: هذا هو السفسطة بعينه ورد الكلام إلى ضده أبدا ولا يصح مع هذا حقيقة ولا يعجز أحد عن أن يقول: كذلك في كل ما جاء عن القرآن. والسنن، وهذه سبيل الروافض إذ يقولون: ان الجبت والطاغوت انما هما انسانان بعينهما وأن تذبحوا بقرة أنما هي فلانة بعينها * والثالث أن نقول لهم: فكيف ولو جاز هذا التأويل لكان ما رواه الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكان جميعا أو يخير أحدهما الآخر فان خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وان تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع) مكذبا لهذا التأويل الكاذب المدعى بلا دليل. ومبينا أن التفرق الذى به يصح البيع لا يكون البتة على رغم أنوفهم الا بعد التبايع كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كما ظن أهل الجهل من أنه في حال التبايع ومع آخر كلامهما * قال أبو محمد: وهذا مما خالفوا فيه طائفة من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف، وهم يعظمون هذا وهذا مما خالفوا فيه جمهور العلماء الا رواية عن ابراهيم ثم جاء بعضهم بعجب! وهو أنهم زادوا في الكذب فأتوا برواية رويناها من طريق عطاء أن عمر قال: البيع صفقة أو خيار، وروى أيضا من طريق الشعبى أن عمر * وعن الحجاج بن أرطاة أن عمر قال: انما البيع عن صفقة أو خيار والمسلم عند شرطه * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن محمد بن خالد بن الزبير عن شيخ من بنى كنانة أن عمر قال: البيع عن صفقة أو خيار ولكل مسلم شرطه * قال أبو محمد: من عجائب الدنيا ومن البرهان على البراءة من الحياء الاحتجاج بهذه الروايات في معارضة السنن وكلها عليهم لوجوه * أولها أنه ليس شئ منها يصح لانها مرسلات. أو من طريق الحجاج بن أرطاة وهو هالك. عن شيخ من بنى كنانة وما أدراك ما شيخ من بنى كنانة؟ ليت شعرى أبهذا يحتجون إذا وقفوا في عرصة القضاء يوم القيامة؟ عياذك اللهم من التلاعب بالدين، ثم لو صحت لما كان لهم فيها متعلق لانه ليس في شئ منها ابطال ما حكم به الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من أنه لا بيع إلا بعد التفرق أو التخيير، وكلام عمر هذا لو سمعناه من عمر لما كان خلافا لقولنا لان الصفقة ما صح من

[ 364 ]

البيع بالتفرق والخيار ما صح من البيع بالتخيير كما قال عليه السلام وحكم ان لا بيع بين البيعين الا بان يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر فكيف وقد صح عن عمر مثل قولنا نصا؟ كما روينا من طريق مسلم نا قتيبة ناليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن مالك بن أوس ابن الحدثان قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم فقال طلحة بن عبيدالله [ وهو عند عمر بن الخطاب ] (1): أردنا ذهبك ثم جئنا إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك فقال له عمر: كلا والله لتعطينه ورقة أو لتردن إليه درهمه (2)، فهذا عمر يبيح له رد الذهب بعد تمام العقد وترك الصفقة، فان قيل: لم يكن تم البيع بينهما قلنا: هذا خطأ لان هذا خبر رويناه من طريق مالك عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النصرى (3) أنه أخبره أنه التمس صرفا بمائة دينار قال: فدعاني طلحة بن عبيدالله فتراوضنا (4) حتى اصطرف منى وأخذ ذهبه فقلبها (5) في يده ثم قال: حتى يأتيني خازني من الغابة وعمر يسمع فقال عمر: والله لا تفارقه حتى تأخذه فهذا بيان أن الصرف قد كان قد انعقد بينهما فصح أن عمر وبحضرته طلحة وسائر الصحابة يرون فسخ البيع قبل التفرق بالابدان، ثم لو صح عن عمر ما ادعوه ما كان في قوله حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عليه، وكم قصة خالفوا فيها عمرو معه السنة أو ليس معه؟ أول ذلك (6) هذا الخبر نفسه فانهم رووا عن عمر كما ترى (والمسلم عند شرطه) وهم يبطلون شروطا كثيرة جدا ونسوا خلافهم لعمر في قوله: الماء لا ينجسه شئ. وأخذه الصدقة من الرقيق من كل رأس عشرة دراهم أو دينارا. وايجابه الزكاة في ناض اليتيم. وتركه في الخرص في النخل ما يأكل أهله. والمسخ على العمامة، وأزيد من مائة قضية فصار ههنا الظن الكاذب في الرواية الكاذبة عن عمر حجة في رد السنن فكيف وقد روينا هذه الرواية نفسها من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن خالد بن محمد بن خالد بن الزبير أن عمر بن الخطاب قال: انه ليس بيع الاعن صفقة وتخاير هكذا بواو العطف وهذا مخالف لقولهم. وموافق لقولنا وموجب أن عمر لم ير البيع الا ما جمع العقد والتخيير سوى العقد، وقد ذكرناه عن عمر أيضا قبل من طريق صحيحة، فظهر فساد تعلقهم من كل جهة، وذكر بعضهم قول ابن عمر الثابت عنه: ما أدركت


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 456 (2) في صحيح مسلم (ذهبه) والحديث مطول اختصره المصنف (3) في النسخة الحلبية (البصري) وهو تصحيف وما هنا موافق لما في موطأ مالك ج 2 ص 137 (4) أي تجاذبنا (5) في الموطأ (وأخذ الذهب يقلبها) والحديث مطول اختصره المصنف كما اختصر حديث مسلم المذكور قبله (6) في النسخة رقم 16 (فأول ذلك)

[ 365 ]

الصفقة حيا مجموعا فهو من المبتاع رويناه من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه * قال أبو محمد: وهذا من عجائبهم لانهم أول مخالف لهذا الخبر فالحنيفيون يقولون: بل هو من البائع ما لم يره المبتاع أو يسلمه إليه البائع. والمالكيون يقولون: بل ان كان غائبا غيبة بعيدة فهو من البائع، فمن أعجب ممن يحتج بخبر هو عليه لا له ويجاهر هذه المجاهرة؟ وما في كلام ابن عمر هذا شئ يخالف ما صح عنه من أن البيع لا يصح الا بالتفرق بالابدان (1) فقوله: ما أدركت الصفقة انما أراد البيع التام بلا شك * ومن قوله المشهور عنه: أنه لا بيع يتم البتة إلا بالتفرق بالابدان أو بالتخيير بعد العقد * قال على: فظهر عظيم فحشهم في هذه المسألة وعظيم تناقضهم فيها وهم يقولون: ان المرسل كالمسند وبعضهم يقول: بل أقوى منه ويحتجون به إذا وافقهم، وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الخيار بعد البيع) * قال أبو محمد: وقد ذكرنا عن طاوس أن التخيير ليس الا بعد البيع وهم يقولون: الراوى أعلم بما روى * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا وكيع نا قاسم الجعفي عن أبيه عن ميمون ابن مهران قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيع عن تراض والتخيير بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغبن مسلما) فهذا مرسلان من أحسن المراسيل مبطلان لقولهم الخبيث المعارض للسنن فاين هم عنه؟ لكنهم يقولون ما لا يفعلون كبر مقتا عند الله أن يقولوا: ما لا يفعلون نعوذ بالله من مقته * قال على: وقد ذكرنا أن بعض أهل الجهل والسخف قال: هذا خبر جاء بالفاظ شتى فهو مضطرب * قال على: وقد كذب بل ألفاظه كلها ثابتة منقولة نقل التواتر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شئ منها مختلفا (2) أصلا لكنها ألفاظ يبين بعضها بعضا كما أمر عليه السلام ببيان وحى ربه تعالى * 1418 - مسألة فان قيل: فهلا أوجبتم التخيير في البيع ثلاث مرات؟ لما رويتموه من طريق هشام الدستوائى عن قتادة عن الحسن عن سمرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البيعان بالخيار حتى يتفرقا ويأخذ كل واحد منهما من البيع ما هوى أو يتخايران ثلاث مرار (3)) * ومن طريق البخاري نا اسحاق أبا حيان نا همام نا قتاده عن أبى الخليل عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البيعان


(1) في النسخة رقم 14 (بتفرق الابدان) (2) في النسخة رقم 16 (مخالفا) (3) في النسخة رقم 16 (ثلاث مرات)

[ 366 ]

بالخيار حتى يتفرقا قال همام: وجدت في كتابي (يختار ثلاث مرار فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما (1) وهكذا رويناه من طريق عفان عن همام أيضا قلنا: رواية الحسن عن سمرة مرسلة لم يسمع منه الا حديث العقيقة وحده، وأما رواية همام فانه لم يحدث بهذه اللفظة وانما أخبر أنه وجدها في كتابه ولم يلتزمها ولا رواها ولا أسندها، وما كان هكذا فلا يجوز الاخذ به ولا تقوم به حجة، وقد روى هذا الخبر همام عن أبى التياح عن عبد الله بن الحارث عن حكيم فلم يذكر فيه ثلاث مرات، ورواه شعبة. وسعيد بن أبى عروبة. وحماد بن سلمة كلهم عن قتادة باسناده ولفظ فلم يذكر احد منهم ثلاث مرار، وقد حدثنا هشام بن سعيد الخير (2) نا عبد الجبار بن أحمد المقرى نا الحسن بن الحسين بن عبدربه النجيرمى (3) نا جعفر بن محمد الاصبهاني نا يونس بن حبيب (4) الزبيري نا أبو داود الطيالسي نا شعبة. وهمام كلاهما عن قتادة قال شعبة في حديثه: سمع صالحا أبا الخليل يحدث عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذباو كتما محق (5) بركة بيعهما) قال أبو داود: وحديث همام مثل هذا (6) فارتفع الاشكال وثبت همام على ترك هذه اللفظة ولم يقل إذ وجدها في كتابه أنها من روايته، وو الله لو ثبت همام عليها من روايته أو غيره من الثقات لقلنا بها لانها كانت تكون زيادة * 1419 مسألة فان تبايعا في بيت فخرج أحدهما عن البيت أو دخل حنية في البيت فقد تفرقا وتم البيع أو تبايعا في حنية فخرج أحدهم إلى البيت فقد تفرقا وتم البيع فلو تبايعا في صحن دار فدخل أحدهما البيت فقد تفرقا وتم البيع، فلو تبايعا في دار أو خص فخرج أحدهما إلى الطريق أو تبايعا في طريق فدخل أحدهما دارا أو خصا فقد تفرقا وتم البيع، فان تبايعا في سفينة فدخل أحدهما البليج أو الخزانة أو مضى إلى الفندقوق أو صعد الصارى فقد تفرق وتم البيع، وكذلك لو تبايعا في احد هذه المواضع فخرج أحدهما إلى السفينة فقد تم البيع إذ تفرقا، فان تبايعا في دكان فزال أحدهما إلى دكان آخر أو خرج إلى


(1) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 136 (2) في النسخة رقم 14 (سعد الخير) (3) في النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية (عن عبدويه النجيرمى) (4) في النسخة رقم 14 (نا يوسف بن حبيب) صححناه من تهذيب التهذيب (5) في سنن أبى داود (محقت) (6) في سنن أبى داود ليس كما قال المصنف بل ما فيه هكذا (قال أبو داود: وكذلك رواه سعيد ابن أبى عروبة وحماد وأما همام فقال: حتى يتفرقا أو يختار ثلاث مرات)

[ 367 ]

الطريق فقد تم البيع وتفرقا، ولو تبايعا في الطريق فدخل احدهما الدكان فقد تم البيع وتفرقا، فلو تبايعا في سفر أو في فضاء فلهما لا يفترقان إلا بأن يصير بينهما حاجز يسمى تفريقا في اللغة أو بأن يغيب عن بصره في الرفقة أو خلف ربوة. أو خلف شجرة. أو في حفرة، وانما يراعى ما يسمى في اللغة تفريقا فقط وبالله تعالى التوفيق * 1420 مسألة فلو تنازع المتبايعان فقال أحدهما. تفرقنا وتم البيع أو قال: خيرتني أو قال: خيرتك فاخترت أو اخترت تمام البيع وقال الآخر: بل ما تفرقنا حتى فسخت وما خيرتني ولا خيرتك أو أقر بالتخيير وقال: فلم اختر أنا أو قال: أنت تمام البيع فان كانت السلعة المبيعة معروفة للبائع بينة أو بعلم الحاكم ولا نبال حينئذ في يد من كانت منهما ولا في يد من كان الثمن منهما أو كانت غير معروفة إلا أنها في يده والثمن عند المشترى فان القول في كل هذا (1) قول مبطل البيع منهما كائنا من كان مع يمينه لانه مدعى عليه عقد بيع لا يقربه ولابينة عليه به فليس عليه الا اليمين بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين على المدعى عليه، فان كانت السلعة في يد المشترى وهى غير معروفة للبائع وكان الثمن عند البائع بعد فالقول قول مصحح البيع منهما كائنا من كان مع يمينه لانه مدعى عليه نقل شئ عن يده ومن كان في يده شئ فهو في الحكم له فليس عليه الا اليمين، فلو كانت السلعة والثمن معا في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه لانه مدعى عليه كما قلنا وبالله تعالى التوفيق * وهكذا القول في كل ما اختلف فيه المتبايعان مثل أن يقول أحدهما: ابتعته بنقد ويقول الآخر: بل بنسيئة أو قال أحدهما: بكذ أو كذا أو قال الآخر: بل أكثر، أو قال أحدهما: بعرض وقال الآخر: بعرض آخر أو بعين أو قال أحدهما: بدنانير وقال الآخر بل بدراهم. أو قال أحدهما بصفة كذا وذكر ما يبطل به البيع وقال الآخر: بل بيعا صحيحا، فان كان في قول أحدهما إقرار للآخر بزيادة اقرارا صحيحا ألزم ما أقر به ولابد، فان كانت السلعة بيد البائع والثمن بيد المشترى فهنا هو كل واحد منهما مدعى عليه فيحلف البائع بالله ما بعتها منه كما يذكر ولا بما يذكر ويحلف المشترى بالله ما باعها منى بما يذكر ولا كما يذكر ويبرأ كل واحد منهما من طلب الآخر ويبطل ما ذكرا من البيع * وذهب قوم إلى أن البيعين إذا اختلفا تراد البيع دون أيمان وهو قول ابن مسعود. والشعبى، وأحمد بن حنبل كما روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن معن بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود أن ابن مسعود باع من الاشعث بن قيس بيعا فاختلفا في الثمن فقال ابن مسعود: بعشرين وقال الاشعث: بعشرة فقال له ابن مسعود: اجعل بينى وبينك


(1) في النسخة رقم 14 (في كل ذلك) وفى النسخة الحلبية (في هذا كله)

[ 368 ]

رجلا فقال له الاشعث: أنت بينى وبين نفسك قال ابن مسعود: فانى أقول بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم: (إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال رب المال أو يترادان البيع) وروى عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه قال: يحلف البائع فان شاء المشترى أخذوان شاء ترك ولم يذكر عليه يمينا: وقال قوم: ان كانت السلعة قائمة تحالفا وفسخ البيع وان كانت قد هلكت فالقول قول المشترى مع يمينه هذا إذا لم تكن هنالك بينة، وهو قول حماد بن أبى سليمان. وأبى حنيفة. وأبى يوسف. ومالك، وقال ابراهيم. والثوري. والاوزاعي في المستهلكة: بذلك * وقال قوم: إذا اختلف المتبايعان حلفا جميعا فان حلفا أو نكلا فسخ البيع وان حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بقول الذى حلف سواء كانت قائمة أو مستهلكة، وهو قول شريح. والشافعي. ومحمد بن الحسن الا أنهما قالا: يترادان ثمن المستهلكة، وقال عطاء: يرد البيع الا أن يتفقا، وقال زفر بن الهذيل في السلعة القائمة يتحالفان ويترادان واما المستهلكة فان اتفقا على أن الثمن كان من جنس واحد فالقول قول المشترى فان اختلفا في الجنس تحالفا وترادا قيمة المبيع، وقال أبو سليمان. وأبو ثور: القول في ذلك قائمة كانت السعلة أو مستهلكة قول المتشرى مع يمينه * قال أبو محمد: فأما قول ابن مسعود والشعبى. واحمد فانهم احتجوا بالحديث الذى ذكرنا فيه ورويناه بلفظ آخر وهو إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع والمبتاع بالخيار فاللفظ الاول رويناه كما ذكرناه، ورويناه أيضا من طريق حفص بن غياث عن أبى عميس أخبرني عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الاشعث بن قيس عن أبيه عن جده قال ابن مسعود * ومن طريق أبى عميس أيضا عن عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث عن أبيه عن جده قال ابن مسعود * ومن طريق هشيم انا ابن أبى ليلى هو محمد بن عبد الرحمن القاضى عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن ابن مسعود، وأما اللفظ الثاني فرويناه من طريق ابن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن مسعود * قال أبو محمد: وهذا كله لا حجة فيه ولا يصح شئ منه لانها كلها مرسلات، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود كان له إذ مات أبوه رضى الله عنه ست سنين فقط لم يحفظ منه كلمة والراوي عنه أيضا محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وهو سيئ الحفظ، وعبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ظالم من ظلمة الحجاج لا حجة في روايته، وأيضا فلم يسمع منه أبو عميس شيئا لتأخر سنه عن لقائه، وأيضا فهو خطأ وانما هو عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد ابن الاشعث وهو مجهول ابن مجهول، وأيضا محمد بن الاشعث لم يسمع من ابن مسعود فبطل التعلق به جملة، وأما قول أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود فانه يحتج له بما روينا من

[ 369 ]

طريق أحمد بن شعيب أخبرني ابراهيم بن الحسين نا حجاج - هو ابن محمد - قال ابن جريج: أخبرني اسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيدة أنه سمع أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول: قال ابن مسعود: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتبايعين سلعة يقول أحدهما: أخذتها بكذا وكذا وقال الآخر: بعتها بكذا وكذا بأن يستحلف البائع ثم يختار المبتاع فان شاء أخذ وان شاء ترك) * ورويناه أيضا من طيق اسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيدة عن ابن لعبد الله بن مسعود عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا شئ لان أبا عبيدة بن عبد الله ابن مسعود سئل أتذكر من أبيك شيئا؟ قال: لا ولكم يكن لعبد الله رضى الله عنه من الولد إلا أبو عبيدة وهو أكبر هم. وعبد الرحمن تركه ابن ست سنين. وعتبة وكان أصغر هم. وعبد الملك ابن عبيدة المذكور مجهول فسقط هذا القول * قال أبو محمد: وأما سائر الاقوال فلا حجة لهم أصلا لا سيما من فرق بين السلعة القائمة والمستهلكة ومن حلف المشترى فانه لا يوجد ذلك في شئ من الآثار أصلا الا انهم أطلقوا اطلاقا سامحوا فيه قلة الورع - يعنى الحنيفيين والمالكيين - فلا يزالون يقولون في كتبهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فانهما يتحالفان ويترادان) وهذا لا يوجد أبدا لا في مرسل ولا في مسند لا في قوى ولا في ضعيف الا أن يوضهع للوقت * قال على: وهذا مما تناقضوا فيه فخالفوا المرسل المذكور وخالفوا ابن مسعود ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، واحتج بعضهم لقولهم في ذلك بأن قال: لما كان كلاهما مدعيا ومدعى عليه وجب عليهما اليمين جميعا فان البائع يدعى على المشترى ثمنا أو عقدا لا يقر به المشترى والمشترى يدعى على البائع عقدا لا يقربه البائع * قال أبو محمد: ليس هذا في كل مكان كما ذكروا لان من كان بيده شئ لا يعرف لغيره وقال له إنسان: هذا لى بعته منك بمثقالين وقال الذى هو في يده: بل ابتعته منك بمثقال وقد أنصفتك فان الذى الشئ بيده ليس مدعيا على الآخر بشئ أصلا لان الحكم أن كل ما بيد المرء فهو له فان ادعى فيه مدع حلف الذى هو بيده وبرئ ولم يقر له قط بملكه اقرارا مطلقا فليس البائع ههنا مدعى عليه أصلا، وقد عظم تناقضهم ههنا لا سيما تفريقهم بين السلعة القائمة والمستهلكة فهو شئ لا يوجبه قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب. ولا قياس. ولا معقول. ولا رأى له وجه، ويعارضون بما احتج له أصحابنا. وأبو ثور في قولهم: ان القول قول المشترى على كل حال مع يمينه لانهما جميعا قد اتفقا على البيع وعلى انتقال الملك إلى المشترى ثم ادعى البائع على المشترى بما لا يقر له به المشترى، وهذا أشبه بأصول الحنيفيين. والمالكيين من أقوالهم في الاقرار * (م 47 ج 8 المحلى)

[ 370 ]

قال أبو محمد: وليس هذا أيضا صحيحا لان البائع لم يوافق المشترى قط على ما ادعاه في ماله وانما أقر له بانتقال الملك وبالبيع على صفقة لم يصدقه المشترى فيها فلا يجوزأن يقضى للمشترى باقرار هو مكذب له فصح أن القول ما قلناه من أن كل ما كان بيد انسان فهو له الا أن تقوم بملكه بينة لغيره وهو قول اياس بن معاوية وبهذا جاءت السنة * والعجب من ايهام الحنيفيين. والمالكيين. والشافعيين. انهم يقولون بالحديث المذكور وهم قد خالفوه جملة كما أوردنا لا سيما الشافعيين فانهم يقولون: لا يجوز الحكم بالمرسل ثم أخذواهها بمرسل وليتهم صدقوا في أخذهم به بل خالفوه وتناقضوا كلهم مع ذلك في فتاويهم في فروع هذه المسألة تناقضا كثيرا * وبالله تعالى التوفيق * وأعجب شئ في هذا تحليف المالكيين للبائع. والمشترى بان يحلف البائع بالله لقد بعتكها بكذا وكذا وبان يحلف المشترى بالله لقد اشتريتها منك بكذا وكذا فيجمعون في هذا أعجوبتين: احداهما تحليفهما على ما يدعيانه لا على نفى ما يدعى به كل واحد منهما على الآخر، والاخرى أنهم يحلفونهما كذلك ثم لا يعطونهما ما حلفا عليه فاى معنى لتحليفهما بذلك؟ وانما يحلف المدعى عليه على نفى ما ادعى عليه به ويبرأ، وأما هم ومن يرى رد اليمين فانه يحلف المدعى على ما ادعى ويقضون له به) ونقضوا ههنا أصولهم أقبح نقض وأفسده بلا دليل أصلا، وقالوا أيضا: ان ادعى أحدهما صحة العمل والآخر فساده القول قول مدعى الصحة ولا يدرى من أين وقع لهم هذا؟، وبالله تعالى التوفيق * 1420 مسألة وكل بيع وقع بشرط خيار للبائع أو للمشترى أو لهما جميعا أو لغيرهما خيار ساعة أو يوم أو ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل فهو باطل تخيرا انفاذه أو لم يتخيرا فان قبضه المشترى باذن بائعه فهلك في يده بغير فعله فلا شئ عليه فان قبضه بغير اذن صاحبه لكن بحكم حاكم أو بغير حكم حاكم ضمنه ضمان الغصب، وكذلك ان أحدث فيه حدثا ضمنه ضمان التعدي، وقال أبو حنيفة: بيع الخيار جائز لكل واحد منهما ولهما معا ولانسان غيرهما فان رد الذى له الخيار البيع فهو مردود وان أمضاه فهو ماض الا أنه لا يجيز مدة الخيار أكثر من ثلاثة أيام لكن ثلاثة أيام فاقل، فان اشترط الخيار أكثر من ثلاثة أيام بطل البيع، فان تبايعا بخيار ولم يذكرا مدة فهو إلى ثلاثة أيام، وخالفه أبو يوسف. ومحمد فقالا: الخيار جائز إلى ما تعاقداه طالت المدة أم قصرت واتفقوا في كل ما عدا ذلك، والنقد جائز عندهم في بيع الخيار بتطوع المشترى لا بشرط اصلا فان تشارطا النقد فسد البيع فان مات الذى له الخيار في مدة الخيار فقد لزمه البيع فان تلف الشئ في مدة الخيار فان كان الخيار للمشترى فقد لزمه البيع بذلك الثمن وان كان الخيار للبائع

[ 371 ]

فعلى المشترى قيمته لاثمنه وللذى له الخيار منهما انفاذ الرضى بغير محضر الآخر وليس له أن يرد البيع إلا بمحضر الآخر، وزكاة الفطران تم البيع بالرضى (1) على المشترى وان لم يتم البيع بالرد على البائع * قال أبو محمد: وهذه وساوس. وأحكام لا يعرف لها أصل وأقسام وأحكام لا تحفظ عن احد قبله، وقال مالك: بيع الخيار جائز كما قال أبو حنيفة. وأصحابه الا أن مدة الخيار عنده تختلف أما في الثوب فلا يجوز الخيار عنده إلا يومين فاقل فما زاد فلا خير فيه وأما الجارية فلا يجوز الخيار عنده فيها الا جمعة فأقل فما زاد فلا خير فيه ينظر إلى خبرها. وهيئتها. وعملها، وأما الدابة فيوم فاقل أو سير البريد فأقل، وأما الدار فالشهر فأقل وانما الخيار عنده ليستشير ويختبر البيع (2) وأما ما بعد من أجل الخيار فلا خير فيه لانه غرر، ولا يجوز عنده النقد في بيع الخيار لا بشرط ولا بغير شرط فان تشارطاه فسد البيع، فان مات الذى له الخيار فورثته يقومون مقامه، فان تلف المبيع في يد المشترى من غير فعله في مدة الخيار فهو من مصيبة البائع ولاضمان على المشترى سواء كان الخيار للمشترى أو للبائع أولهما أو لغيرهما وللذى له الخيار الرد والرضى بغير محضر الآخر وبمحضره، وزكاة الفطر على البائع في كل ذلك، قال: فان انقضى أمد الخيار ولم يرد ولا رضى فله الرد بعد ذلك بيوم فان لم يرد في هذا القدر لزمه البيع، وهذه أقوال في الفساد كالتى قبلها ولا تحفظ عن أحد قبله وتحديدات في غاية الفساد لان كل ما ذكرنا من الجارية. والثوب. والدار. والدابة قد يختبر ويستشار فيه في أقل من المدد التى ذكروا وفى أقل من نصفها وقد يخفى من عيوب كل ذلك أشياء في أضعاف تلك المدد، فكل ذلك شرع لم يأذن الله تعالى به ولا أوجبته سنة. ولا رواية ضعيفة. ولاقياس. ولا قول متقدم. ولا رأى له وجه، وليت شعرى ما قولهم ان كان الخيار لا جنبى فمات في أمد الخيار أيقوم ورثته (3) مقامه في ذلك أم لا؟ فان قالوا: لا تناقضوا وجعلوا الخيار مرة يورث ومرة لا يورث وان قالوا: نعم قلنا: فلعلهم صغار. أو سفها. أو غيب. أو لا وارث له فيكون الخيار للامام أو لمن شاء الله هذه لعجائب! * وقال الشافعي: يجوز الخيار لاحدهما ولهما معا ولا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، واختلف قوله في التبايع على أن يكون الخيار لاجنبي فمرة أجازه ومرة أبطل البيع به الا على معنى الوكالة والنقد جائز عنده في بيع الخيار فان مات الذى له الخيار فورثته يقومون مقامه فان


(1) سقط لفظ (بالرضى 9) من النسخة رقم 14 (2) في النسخة رقم 16 (وتخيير للمبيع) (3) في النسخة رقم 16 (وارثه)

[ 372 ]

تلف الشئ في يد المشترى في مدة الخيار فان كان الخيار للبائع أولهما معا فعلى المشترى ضمان القيمة وان كان الخيار للمشترى فقد لزمه البيع بالثمن الذى ذكرا وللذى له الخيار عنده أن يرد وان يرضى بغير محضر الآخر وبمحضره، واحتج هو. وأبو حنيفة في أن الخيار لا يكون أكثر من ثلاث بخبر المصراة. وبخبر الذى كان يخدع في البيوع فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثا وأمره أن يقول إذا باع: لا خلابة، واحتج الحنيفيون في ذلك بما روينا من طريق الحذافى محمد بن يوسف قال: اخبرني محمد بن عبد الرحيم بن شروس أخبرني حفص بن سليمان الكوفى أخبرني أبان عن أنس أن رجلا اشترى بعيرا واشترط الخيار أربعة أيام فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم البيع وقال: انما الخيار ثلاثة أيام، قال الحذافى: وحدثنا عبد الرزاق نا رجل سمع أبانا يقول: عن الحسن: (اشترى رجل بيعا وجعل الخيار أربعة أيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البيع مردود وانما الخيار ثلاثة أيام) * قال أبو محمد: أما احتجاج أبى حنيفة. والشافعي بحديث منقذ وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار ثلاثة أيام فيما اشترى فعجب عجيب جدا أن يكونا أول مخالف لهذا الحديث، وقولهما بفساد بيعه جملة ان كان يستحق الحجر ويخدع في البيوع أو جواز بيعه جملة ولا يرده إلا من عيب ان كان لا يستحق الحجر فكيف يستحل ذو ورع أن يعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به ثم يقوله ما لم يقل مع ذلك، وليس في هذا الخبر بيع وقع بخيار من المتبايعين لاحدهما أولهما وفى هذا نوزعوا فوا أسفاه عليهم * وأما احتجاج أبى حنيفة بحديث المصراة فطامة من طوام الدهر وهو أول مخالف له وزار عليه (1) وطاعن فيه مخالف كل ما فيه، فمرة يجعله ذو التورع منهم منسوخا بتحريم الربا وكذبوا في ذلك ما للربا ههنا مدخل، ومرة يجعلونه كذبا ويعرضون بأبى هريرة والله تعالى يجزيهم بذلك في الدنيا والآخرة وهم أهل الكذب لا الفاضل البر أبو هريرة رضى الله عنه وعن جميع الصحابة وكب الطاعن على أحد منهم لوجهه ومنخريه ثم لا يستحيون من أن يحتجوا به فيما ليس فيه منه شئ لانهم انما يريدون نصر تصحيح بيع وقع بشرط خيار للبائع أو للمشترى أولهما معا أو لغيرهما وليس من هذا كله في خبر المصراة أثر. ولا نص. ولا اشارة. ولا معنى، فأى عجب أكثر من هذا!، وأما حديثا الحذافى المسند. والمرسل فهما من طريق ابان بن يزيد الرقاشى وهو هالك مطرح، والمسند من طريق حفص بن سليمان الكوفى وهو هالك أيضا متروك، وأما المرسل فعن رجل لم يسم فهما فضيحة وشهوة لا يأخذ بهما في دينه إلا محروم * (هامش) (1) يقال زرى عليه فعله عابه

[ 373 ]

التوفيق، ولعمري لقد خالف المالكيون ههنا أصولهم (1) فانه لا مؤنة عليهم من الاخذ بمثلها في الدناءة والرذالة إذا وافق تقليدهم وقالوا: أيضا قد اتفقنا على جواز الخيار ثلاثا واختلفنا فميا زاد * قال أبو محمد: وهذا كذب ما وفقوا قط على ذلك، وهذا مالك لا يجيز الخيار في الثوب الا يومين فاقل ولا في الدابة الا اليوم فاقل فبطل كل ما موهوا به وبالله تعالى التوفيق * ويعارضون بالخبر الذى فيه النهى عن تلقى الركبان فمن تلقى شيئا من ذلك فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق وهو خبر صحيح وفيه الخيار إلى دخول السوق ولعله لا يدخله إلا بعد عام فأكثر، وسنذكره باسناده بعد هذا ان شاء الله تعالى، فظهر فساد أقوال هؤلاء جملة وانها آراء أحدثوها متخاذلة لا أصل لها ولا سلف لهم فيها * وقال ابن أبى ليلى: شرط الخيار في البيع جائز لهما أو لاحدهما أو لاجنبي ويجوز إلى أجل بعيد أو قريب * وقال الليث: يجوز الخيار إلى ثلاثة أيام فاقل * وقال الحسن بن حى: يجوز شرط الخيار في البيع ولو شرطاه أبدا فهو كذلك لا أدرى ما الثلاث الا أن المشترى ان باع ما اشترى بخيار فقد رضيه ولزمه وان كانت جارية بكرا فوطئها فقد رضيها ولزمته * وقال عبيد الله بن الحسن: لا يعجبنى شرط الخيار الطويل في البيع إلا أن الخيار للمتشرى ما رضى البائع * وقال ابن شبرمة. وسفيان الثوري. لا يجوز البيع إذا شرط فيه الخيار للبائع أو لهما، وقال سفيان: البيع فاسد بذلك فان شرط الخيار للمشترى عشرة أيام أو أكثر جاز، وروينا في ذلك عن المقتدمين آثارا كما روينا من طريق وكيع نا زكريا - هو ابن ابى زائدة - عن الشعبى قال: اشترى عمر فرسا واشترط حبسه ان رضيه وإلا فلا بيع بينهما بعد فحمل عمر عليه رجلا فعطب الفرس فجعلا بينهما شريحا فقال شريح لعمر: سلم ما ابتعت أورد ما أخذت فقال عمر: قضيت بمر الحق * وروينا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمر وبن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ عن أبيه قال: اشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية بن خلف دارا للسجن بأربعة آلاف فان رضى عمر فالبيع بيعه وان لم يرض (2) فلصفوان أربعمائة درهم فأخذها عمر * وبه إلى سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: كنت ابتاع ان رضيت حتى ابتاع عبد الله بن مطيع نجيبة ان رضيها فقال: ان الرجل ليرضى ثم يدعى فكأنما أيقظني فكان يبتاع ويقول: ها ان اخذت * ومن طريق عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني سليمان بن البرصاء قال: بايعت ابن عمر بيعا فقال لى: إن جاءتنا نفقتنا إلى ثلاث ليال فالبيع بيعنا وان لم تأتنا نفقتنا إلى ذلك فلا بيع بيننا وبينك ولك سلعتك


(1) في النسخة رقم 16 (اقوالهم) (2) في النسخة رقم 14 (وان عمر لم يرض)

[ 374 ]

قال أبو محمد: لا نعلم عن الصحابة رضى الله عنهم في بيع الخيار شيئا غير هذا وهو كله خلاف لا قوال أبى حنيفة. ومالك. والشافعي، وهذه عندهم بيوع فاسدة مفسوخة فاين تهويلهم بالصاحب الذى لا يعرف له مخالف؟ نعم وان عرف له مخالف، وأين ردهم السنة الثابة في أن لا بيع بين أحد من المتبايعين حتى يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر بعد البيع برواية شيخ من بنى كنانة عن عمر البيع عن صفقة أو خيار؟ وليس في هذا لو صح خلاف للسنة بل قد صح عن عمر وغير عمر من الصحابة موافقة السنة في ذلك واجازة رد البيع قبل التخيير والتفرق ثم هان عليهم ههنا خلاف عمل عمر بن الخطاب. ونافع بن الحارث. وصفوان بن أمية وكلهم صحابة العمل المشهور الذى لا يمكن أن يخفى بحضرة الصحابة بالمدينة. ومكة ولا يعرف لهم في ذلك مخالف ولا عليهم منهم منكر ممن يجيز البيع بشرط الخيار أصلا باصح طريق وأثبته في أشهر قصة، وهى ابتياع دار للسجن (1) بمكة، وما كان قبل ذلك بها للسجن دار أصلا، ثم فعل ابن عمر. وابن مطيع وهما صاحبان يبتاعان كما ترى بخياران أخذا إلى غير مدة مسماة، وعمر قبل ذلك. وصفوان. ونافع يتبايعون (2) على الرضى إلى غير مدة مسماة لا يعرف لهم في ذلك مخالف ممن يجيز البيع بشرط خيار فاعجبوا لاقوال هؤلاء القوم * وأما التابعون فروينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن ابن طاوس عن أبيه في الرجل يشترى السلعة على الرضى قال: الخيار لكليهما حتى يفترقا عن رضى * وبه إلى معمر عن أيوب عن ابن سيرين إذا بعت شيئا على الرضى فلا تخلط الورق بغيرها حتى تنظر أيأخذ أم يرد * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس عن الحسن قال: إذا أخذ الرجل من الرجل البيع على أنه فيه بالخيار فهلك منه فان كان سمى الثمن فهو له ضامن وان لم يسمه فهو أمين ولا ضمان عليه * وعن شريح ما ذكرنا قبل ما نعلم في هذا عن أحد من التابعين غير ما ذكرنا وكله مخالف لقول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي لانه ليس في شئ منه ذكر مدة أصلا، وفى قول الحسن جواز ذلك بغير ذكر ثمن، وفى قول ابن سيرين جواز النقد فيه ولم يخص بشرط ولا بغير شرط، وأما قول طاوس فموافق لقولنا لانه قطع بان كل بيع يكون فيه شرط خيار فان الخيار يجب فيه للبائع وللمشترى حتى يتفقا فصح أنه ليس هو عنده بيعا أصلا وانه باق على حكمه كما كان، وهذا قولنا فصح بقينا أن أقوال من ذكرنا مخالفة لكل ما روى في ذلك عن صاحب أو تابع وأنهما لا سلف لهم فيها، وتفريق سفيان. وابن شبرمة من كون الخيار للبائع أو لهما فلم يجيزاه وبين أن يكون الخيار


(1) في النسخة رقم 14 (دار السجن) (2) في النسخة رقم 16 (يبتاعون)

[ 375 ]

للمشترى وحده فاجازه سفيان لا معنى له لانه لم يأت بالفرق بين ذلك قرآن. ولاسنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول متقدم. ولا قياس. ولا رأى له وجه، وليس إلا جواز كل ذلك أو بطلان كل ذلك، وقد روينا بطلان ذلك عن جماعة من السلف كما روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن عاصم بن عبيدالله عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق أن عائشة أم المؤمنين كرهت ان تباع الامة بشرط * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أراد ابن مسعود ان يشترى جارية يتسراها من امرأته فقالت: لا أبيعكها حتى اشترط عليك ان اتبعتها نفسي فانا أولى بالثمن فقال ابن مسعود: حتى أسأل عمر فسأله فقال له عمر: لا تقربها وفيها شرط لاحد * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم قال: سألت عكرمة مولى ابن عباس عن رجل أخذ من رجل ثوبا؟ فقال: اذهب به فان رضيته أخذته فباعه الآخذ قبل أن يرجع إلى صاحب الثوب فقال عكرمة: لا يحل له الربح * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال عطاء: كل بيع فيه شرط فليس بيعا، وقال طاوس بما ذكرنا قبل * قال أبو محمد: هذا كله عند كل ذى حس سليم أوضح في ابطال البيع بشرط الخيار من دعواهم أن عمر مخالف للسنة في أن لا بيع بين المتبايعين حتى يتفرقا بما لم يصح عنه من قوله: البيع عن صفقة أو خيار، ومن دعواهم مثل ذلك على ابن عمر في قوله: ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فمن البائع وليس في هذا اشارة إلى خلاف السنة المذكورة بل قد صح عنهما موافقة السنة في ذلك * قال على: فان كان ما روى عن الصحابة. والتابعين في ذلك اجماعا فقد خالفوه فهم مخالفون للاجماع كما أقروا على انفسهم وان لم يكن اجماعا فلا حجة في قول لم يأت به نص ولا اجماع، فان احتجوا في إباحة بيع الخيار بما روى (المسلمون عند شروطهم) فهذا لا يصح لانه عن كثير بن زيد وهو مطرح باتفاق ولا يحل الاحتجاج بما روى * ومن طريق أخرى عن كذاب عن مجهول عن مجهول مرسل مع ذلك (1) * وعن عطاء مرسل ولو صح مع ذلك لما كان لهم فيه متعلق أصلا لان شروط المسلمين ليس هي كل ما اشترطوه ولو كان ذلك للزم شرط الزنا. والسرقة وهم قد أبطلوا أكثر من ألف شرط أباحها غيرهم وانما شروط المسلمين الشروط التى جاء القرآن. والسنة باباحتها نصا فقط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) *


(1) في النسخة رقم 16 (مرسلا مع ذلك)

[ 376 ]

قال على: فان احتج من يجيز بالخيار بماقد ذكرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا الا بيع الخيار) فلا حجة لهم فيه لان أيوب عن نافع عن ابن عمر قد بين ذلك الخيار ما هو وانه قول أحدهما للآخر: اختر، وبينه أيضا الليث عن نافع عن ابن عمر بمثله، وأوضحه اسماعيل بن جعفر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون البيع عن خيار فان كان البيع عن خيار فقد وجب البيع) فصح ضرورة أن هذا الخيار انما هو التخيير من أحدهما للآخر فقط * وذكروا أيضا خبر المصراة وسنذكره في هذا الكتاب باسناده ان شاء الله تعالى، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الخيار لواجدها ثلاثا فان رضيها أمسكها وان كرهها ردها ورد معها صاعا من تمر * وخبر منقذ اذأ مره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول إذا باع أو ابتاع: لا خلابة ثم جعل له الخيار ثلاثا، وقد ذكرناه في كتاب الحجر من ديواننا هذا (1)، وخبر تلقى السلع [ الركبان ] (2) والنهى عنه وانه صلى الله عليه وسلم جعل للبائع الخيار إذ دخل السوق وبالخيار في رد البيع يوجد فيه العيب * قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم في شئ منه، واحتجاجهم به في إباحة بيع الخيار إثم وعار لان خبر المصراة انما فيه الخيار للمشترى أحب البائع أم كره لا برضى منه أصلا ولا بأن يشترط في حال عقد البيع فكيف يستجيز ذو فهم أن يحتج بهذا الخيار في إباحة بيع يتفق فيه البائع والمشترى على الرضى بشرط خيار لاحدهما أو لكليهما أو لغيرهما؟ * وأما خبر منقذ فكذلك أيضا لانه انما هو خيار يجب لمن قال عند التبايع: لا خلابة بائعا كان أو مشتريا سواء رضى بذلك معامله أو لم يرض لم يشترطه الذى جعل له في نفس العقد، فأى شبه بين هذين الحكمين وبين خيار يتفقان برضاهما على اشتراطه لاحدهما أو لغيرهما وكلهم لا يقول بهذا الخير أصلا؟ * وأما خبر تلقى السلع فكذلك أيضا انما هو خيار جعل للبائع أحب المشترى أم كره لم يتشرطاه في العقد وهو أيضا خيار إلى غير مدة محدودة وكلهم لا يجيز هذا أصلا، فأى عجب يفوق قول قوم يبطلون الاصل ولا يجيزون القول به ويصححون القياس عليه في ما لا يشبهه ويخالفون السنن فيما جاءت فيه ثم يحتجون بها فيما ليس فيها منه أثر ولا دليل ولا معنى؟! فخالفوا الحقائق جملة ونحمد الله تعالى على ما من به من التوفيق (فان قالوا): لما جاز في هذه الاخبار في أحدها الخيار للبائع. وفى الآخر الخيار للمشترى. وفى الثالث الخيار للمرء بائعا كان أو مشتريا وكان في الشفعة الخيار لغير البائع والمشترى بغير أن يشترط في العقد شئ


(1) هو في هذا الجزء ص 295 (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 377 ]

من ذلك من غير أن يلتفت رضى الآخر أو رضى البائع والمشترى كان إذا اشترطاه بتراضيهما لاحدهما أو لهما أو لغيرهما أحرى أن يجوز قلنا: هذا حكم الشيطان لا حكم الله عزوجل، وهذا هو تعدى حدود الله تعالى الذى قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وتلك دعوى منكم لا برهان على صحتها بل البرهان قائم على بطلانها بقوله تعالى: (شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) وما ندرون أنتم ولا غير كم من أين قلتم بدعوا كم هذه؟ ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل لان القياس عند القائلين به لا يصح تشبيه المشبه الا حتى يصح المشبه به وليس منكم أحد يصحح حكم شئ من هذه الاخبار الا المصراة. والشفعة فقط فكيف تستحلون أن تحكموا بحكم لانه يشبه حكما لا يجوز العمل به؟ وهل سمع بأحمق من هذا العمل؟ والذين يصححون منكم حكم المصراة لا يختلفون في أنه لا يجوز القياس على ما فيه من رد صلاع تمر (1) مع الشئ الذى يختار الراد رده فمن أين جاز عندكم القياس على بعض ما في ذلك الخبر وحرم القياس على بعض ما فيه؟ أليس هذا مما تحتار فيه أو هام العقلاء؟، وكذلك الشفعة انما هي للشريك عندكم أو للجار فيما بيع من مشاع في العقار خاصة فمن أين وقع بكم يا هؤلاء ان تحرموا القياس على ذلك ما بيع أيضا من المشاع في غير العقار للشريك أيضا؟ ولو صح قياس في الدهر لكان هذا أوضح قياس وأصحه لتساويهما في العلة والشبه عند كل ناظر ثم تقيسون عليه ما لا يشبهه أصلا من اشتراط اختيار للبائع أو للمشترى أولهما أو لاجنبي وهو ضد ذلك الحكم جملة. فذلك للشريك وهذا لغير الشريك. وذلك في المشاع وهذا في غير المشاع. وذلك مشترط وهذا غير مشترط، وذلك إلى غير مدة وهذا إلى مدة، فما هذا التخليط. والخبط؟ وأما الخيار في رد المبيع فالقول فيه كالقول في خيار الشفعة سواء سواء من أنه لا شبه بينه وبين اشتراط الخيار في البيع بوجه من الوجوه لما قلنا آنفا، فظهر فساد احتجاجهم جملة بالاخبار. وبالقياس وبالله تعالى التوفيق، وأى قول أفسد من قول من يبطل اخيار الذى أوجبه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم للمتبايعين قبل التفرق بأبدانهما وقبل أن يخير أحدهما الآخر فيختار امضاءا أوردا والخيار الواجب لمن قال عند البيع: لا خلابة، والخيار لمن باع سلعته ممن تلقاها إذا دخل السوق، والخيار الواجب لمن ابتاع مصراة، والخيار الواجب لمن باع شركا (2) من مال هو فيه شريك ثم أوجب خيارا لم يوجبه الله تعالى قط


(1) في النسخة رقم 16 (وعلى خبر من رد صاع تمر) (2) في النسخة رقم 14 (لمن باع بيع شرك) وفى النسخة الحلبية (لمن بيع شرك)) (م 48 ج 8 المحلى)

[ 378 ]

ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن البرهان على بطلان كل بيع يشترط فيه) خيار للبائع أو للمشترى أو لهما أو لغير هما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وان اشترطه مائة مرة وان كان مائة شرط كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل كتاب الله أحق وشرط الله أوثق) * وكان اشتراط الخيار المذكور شرطا ليس في كتاب الله تعالى ولا في شئ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان فيها لكان في كتاب الله تعالى لان الله تعالى أمر في كتابه بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فوجب بطلان الشرط المذكور (2) يقينا واذ هو باطل فكل عقد لم يصحح إلا بصحة ما لم يصح فلا صحة له بلا شك، فوجب بطلان البيع الذى عقد على شرط خيار كما ذكرنا قال الله تعالى: (ان الله لا يصلح عمل المفسدين) * قال أبو محمد: وعهدنا بهم يفتخرون باتباع المرسل وأنه كالمسند * وقد روينا من طريق أبى بكربن أبى شيبة نا اسماعيل بن علية عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتفرق بيعان الاعن تراض) وهذا من أحسن المراسل فأين هم عنه وفيه النهى عن بقاء الخيار بعد التفرق؟ ونسألهم عن بيع الخيار هل زال ملك بائعه عنه وملكه المشترى له أم لا إذا اشترط الخيار للبائع أولهما؟ فان قالوا: لا فهو قولنا وصح أنه لا بيع هنالك أصلا لان البيع نقل ملك البائع وايقاع ملك المشترى وان قالوا: نعم قلنا: فالخيار لا معنى له ولا يصح في شئ قد صح ملكه عليه وأقوالهم تدل على خلاف هذا، فان قالوا: (3) قد باع البائع ولم يشتر المشترى بعد قلنا: هذا تخليط وباطل لا خفاء به لانه لا يكون (4) بيع إلا وهنالك بائع ومبتاع وانتقال ملك، وهكذا ان كان الخيار للبائع فقط فمن المحال أن ينعقد بيع على المشترى ولم ينعقد ذلك البيع على البائع فان كان الخيار لهما أو لاجنبي فهذا بيع لم ينعقد لا على البائع ولا على المبتاع فهو باطل والقوم أصحاب قياس بزعمهم، وقد أجمعوا على أن النكاح بالخيار لا يجوز فهلا قاسوا على ذلك البيع وسائر ما أجازوا فيه الخيار، كما فعلوا في معارضة السنة بهذا القياس نفسه في ابطالهم الخيار بعد البيع قبل التفرق فلا النصوص التزموا ولا القياس طردوا، والدلائل على ابطال بيع الخيار تكثر ومناقضاتهم فيه جمة وانما أقوالهم فيه دعاوى بلا برهان مختلفة متدافعة كما ذكرناها قبل، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 (شرط فيه) (2) في النسخة رقم 14 (الشروط المذكورة) وهو لا يناسب قوله بعد (واذ هو باطل) (3) في النسخة رقم 16 (وان قالوا) (4) في النسخة رقم 16 (لانه لا يصح)

[ 379 ]

1421 مسألة وكل بيع صح وتم فهلك المبيع اثر تمام البيع فمصيبته من المبتاع ولا رجوع له على البائع، وكذلك كل ما عرض فيه من بيع أو نقص سواء في كل ذلك كان المبيع غائبا أو حاضرا أو كان عبدا أو أمة فجن أو برص أو جذام أثر تمام البيع (1) فما بعد ذلك أو كان ثمرا قد حل بيعه فاجيح كله أو أكثره أو أقله فكل ذلك من المبتاع ولا رجوع له على البائع بشئ وهو قول أبى سليمان. والشافعي. وأصحابهما * وقال أبو حنيفة: على البائع تسليم ما باع فان هلك قبل أن يسلمه فمصيبته من البائع، وقال مالك: بقولنا الا في الرقيق والثمار خاصة فانه قال: ما أصاب الرقيق في ثلاثة أيام بعد بيع الرأس من اباق. أو عيب. أو موت. أو غير ذلك فمن مصيبة البائع فإذا انقضت برئ البائع الا من الجنون. والجذام. والبرص فان هذه الادواء الثلاثة ان أصاب شئ منها الرأس المبيع (2) قبل انقضاء عام من حين ابتياعه كان له الرد بذلك قال: ولا يقضى بذلك إلا في البلاد التى جرت عادة أهلها بالحكم بذلك فيها، وأما البلاد التى لم تجر عادة أهلها بالحكم بذلك فيها فلا يحكم عليهم بذلك قال: ومن باع بالبراءة بطل عنه حكم العهدة وأسقطها جملة فيما باعه السلطان لغريم أو من مال يتيم وأجاز النقد في عهدة السنة ولم يجزه في عهدة الثلاث، قال: وأما الثمار فمن باع ثمرة أي ثمرة كانت بعد أن يحل بيعها والمقائى فإذا أجيح من ذلك الثلث فصاعدا رجع بذلك على البائع فان اجيح ما دون الثلث بما قل أو كثر فهو من مصيبة المشترى ولا رجوع له على البائع قال: فان كان بقلا فاصابته جائحة قلت أو كثرت فانه يرجع بذلك على البائع واختلف قوله في الموز فمرة قال: هو بمنزلة الثمار في مراعاة الثلث ومرة قال: هو بمنزلة البقل في الرجوع بقليل الجائحة وكثيرها، ومرة قال: لا يرجع بجائحة أصابته كله أو أكثره أو أقله * قال أبو محمد: أما ايجاب التسليم فما نعلم فيه للحنيفيين حجة أصلا لا من قرآن: ولا من سنة. ولا رواية ضعيفة. ولا قول صاحب. ولا قياس. ولا رأى سديد وانما على البائع أن لا يحول بين المشترى وبين قبض ما باع منه فقط فان فعل صارعا صياو ضمن ضمان الغصب فقط ولا يحل أن يلزم أحد حكما لم يأت به قرآن، ولا سنة قال تعالى: (شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) فسقط هذا القول. * وأما قول مالك في الرقيق فان مقلديه يحتجون له بما رويناه من طريق أبى داود نا مسلم بن ابراهيم نا ابان - هو ابن يزيد العطار - عن قتادة عن الحسن البصري عن عقبة بن عامر الجهنى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عهدة الرقيق ثلاثة أيام 9) * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبدة. ومحمد بن بشر عن سعيد


(1) في النسخة رقم 16 (تمام بيعه) (2) في النسخة رقم 14 (ان أصاب شئ من الرأس المبيع)

[ 380 ]

ابن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عهدة الرقيق ثلاث) وقالوا: انما قضى بعهدة الثلاث لاجل حمى الربع لانها لا تظهر في أقل من ثلاثة أيام، وذكروا ما رويناه من طريق مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم انه سمع ابان بن عثمان بن عفان. وهشام بن اسماعيل بن هشام يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الايام الثلاثة من حين يشترى العبد أو الوليدة (1) وعهدة السنة ويأمران بذلك * ومن طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: قضى عمر بن عبد العزيز في عبداشترى فمات في الثلاثة الايام فجعله عمر من الذى باعه، قال ابن وهب: وحدثني يونس عن ابن شهاب قال: القضاة منذ أدركنا يقضون في الجنون والجذام. والبرص سنة، قال ابن شهاب: وسمعت سعيد بن المسيب يقول: العهدة من كل داء عضال نحو الجنون. والجذام. والبرص سنة، قال ابن وهب: وأخبرني ابن سمعان قال: سمعت رجالا من علمائنا منهم يحيى بن سعيد الانصاري يقولون: لم تزل الولاة بالمدينة في الزمان الاول يقضون في الرقيق بعهدة السنة من الجنون. والجذام. والبرص ان ظهر بالمملوك شئ في ذلك قبل أن يحول الحول عليه فهو رد إلى البائع ويقضون في عهدة الرقيق بثلاث ليال فان حدث في الرأس في تلك الثلاث حدث من موت أو سقم فهو من الاول وانما كانت عهدة الثلاث من الربع ولا يستبين الربع إلا في ثلاث ليال * هذا كل ما شغبوا به وما نعلم لهم في ذلك شيئا غير ما أوردنا وكله لا حجة لهم في شئ منه، أما الحديثان فساقطان لان الحسن لم يسمع من عقبة بن عامر شيئا قط ولا سمع من سمرة الا حديث العقيقة فصارا منقطعين ولا حجة في منقطع * وقد روينا هما بغير هذا اللفظ لكن كما روينا من طريق ابن وهب أخبرني مسلمة بن على عمن حدثه عن عقبة بن عامر الجهنى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عهدة الرقيق أربعة أيام أو ثلاثة) * ومن طريق قاسم بن اصبغ نا محمد بن الجهم نا عبد الوهاب - هو ابن عطاء الخفاف - أنا هشام عن قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر قال: عهدة الرقيق أربع ليال * ومن طريق حماد بن سلمة عن زياد الاعلم عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا عهدة الا بعد أربعة أيام) * قال أبو محمد: وهذا مما نقضوا فيه أصولهم فان الحنيفيين يقولون: المنقطع. والمتصل سواء، وقد تركوا ههنا هذه الاخبار وما عابوها الا بالانقطاع فقط، والمالكيون تركوا ههنا الاخذ بالزيادة فهلا جعلوا العهدة أربع ليال بالآثار التى


(1) في النسخة (أو الامة)

[ 381 ]

أوردنا فظهر تناقضهم وأنهم لا يثبتون على أصل * قال على: وأما نحن فنقول: ان الله تعالى افترض على رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لنا ما نزل إلينا وما ألزمنا إياه ولم يجعل علينا في الدين من حرج، وقول القائل: عهدة الرقيق ثلاث كلام لا يفهم ولا تدرى العهدة ما هي في لغة العرب وما فهم قط أحد من قول قائل عهدة الرقيق ثلاثة أيام أن معناه ما أصاب الرقيق المبيع في ثلاثة أيام، فمن مصيبة البائع ولا يعقل أحد هذا الحكم من ذلك اللفظ، فصح يقينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله قط ولو قاله لبين علينا ما أراد به، ولا يفرح الحنيفيون بهذا الاعتراض فانه انما يسوغ ويصح على أصولنا لا على أصولهم لان الحنيفيين إذ رزقهم الله تعالى عقولا كهنوا بها ما معنى الكذب المضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البتيراء حتى فهموا أن البتيراء هي أن يوتر المرء بركعة واحدة لا بثلاث على أن هذا لا يفهمه انسى ولا جنى من لفظة البتيراء، ولم يبالوا بالتزيد من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاخبار عنه بما لم يخبر به عن نفسه، فما المانع لهم من أن يكهنوا أيضا ههنا معنى العهدة؟ فما بين الامرين (1) فرق، وأما نحن فلا نأخذ ببيان شئ من الدين الا من بيان النبي صلى الله عليه وسلم فقط فهو الذى يقوم به حجة الواقف غدا بين يدى الله تعالى لا بما سواه * وأما المالكيون فهم أصحاب فياس بزعمهم وقد جاء الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في البيع فقاسوا عليه الشفعة في الصداق بآرائهم، وجاء النص بتحديد المنع من القطع في سرقة أقل من ربع دينار فقاسوا عليه الصداق ولم يقيسوا عليه الغصب (2) وهو أشبه بالسرقة من النكاح عند كل ذى مسكة عقل، وقد جاء النص بالربا في الاصناف الستة فقاسوا عليها الكمون. واللوز. فهلا قاسوا ههنا على خبر العهدة في الرقيق سائر الحيوان؟ ولكن لا النصوص يلتزمون ولا القياس يحسنون * ومن طرائفهم ههنا أنهم قاسوا من أصدق امرأته عبدا أو ثمرة بعد أن بدا صلاحها فمات العبد أو أبق أو أصابه عيب قبل انقضاء ثلاثة أيام وأجيحت الثمرة بأكثر من الثلث فللمرأة القيام بالجائحة ولا قيام لها في العبد بعهدة الثلاث فكان هذا طريفا جدا، وكلا الامرين تعلقوا فيه بخبر وعمل ولا فرق * وأما احتجاجهم بأن عهدة الثلاث انما جعلت من أجل حمى الربع فلا يخلو من أن تكون هذه العلة مخرجة من عند أنفسهم أو مضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد من أحدهما، فان أضافوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك كذبا بحتا موجبا للنار، وان كانوا أخرجوها من عند أنفسهم قلنا لهم: فلم


(1) في النسخة رقم 16 (فما بين الاثرين) (2) في النسخة رقم 16 (الغاصب)

[ 382 ]

تعديتم بالحكم بذلك إلى الاباق. والموت. وسائر العيوب التى يقرون بأنها حادثة بلا شك كذهاب العين من رمية ونحو ذلك؟ فهذا عجب جدا! وليس هذا موضع قياس لافتراق العلة، وأيضا فان كنتم فعلتم ذلك لهذه العلة فنراكم قد اطرحتم الخبر الوارد في ذلك واقتصرتم على علة في غاية الفساد * وأما الآثار التى شغبوا بها فلا متعلق لهم بشئ منها لانه لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا فان هشام بن اسماعيل ممن لا نعلمه تجب الحجة بروايته فكيف بخطبته؟ * وأما خطبة أبان بن عثمان بذلك فعهدنا بهم قد خالفوا أبانا في قوله: ان البتة في الطلاق واحدة وفى ابطاله طلاق السكران وغير ذلك فمرة يكون حكم ابان حجة ومرة لا يكون حجة وهذا تخليط شديد وعمل لا يحل * وأما عمر بن عبد العزيز فالرواية عنه بذلك ساقطة لا نها من طريق ابن أبى الزناد وأول من ضعف روايته فمالك وهو ضعيف جدا وهم قد اطرحوا حكم عمر بن عبد العزيز الثابت عنه والسنة معه في أمره الناس علانية بالسجود في (إذا السماء انشقت) وغير ذلك من أحكامه كثير جدا، فالآن صار حجة وهنا لك ليس حجة ما أقبح هذا العمل في الديانة * وأما قول يحيى بن سعيد الانصاري فمن رواية ابن سمعان وهو مذكور بالكذب لا تحل الرواية عنه * وأما قول الزهري. وسعيد بن المسيب فصحيح عنهما ولا حجة في الدين في قول احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول سعيد مخالف لهم لانه رأى عهدة السنة من كل داء عضال ولم يخص الجنون. والجذام. والبرص فقط، وقد علم كل ذى حس أنه الاكلة والحربة والادرة من الادواء العضال فبطل كل ما موهوا به وما نعلم لهم في عهدة السنة من الادواء المذكورة أثرا أصلا. ولاقول صاحب. ولا قياسا، وقال بعضهم: هذه الادواء لا تظهر ببيان إلا بعد عام * قال أبو محمد: وهذه دعوى كاذبة. وقول بلا برهان وما كان هكذا فحكمه الا طراح ولا يحل الاخذ به، وما علم هذا قط لا في طب. ولا في لغة عربية. ولا في شريعة * قال على: وذكروا أيضا ما رويناه من طريق الحجاج بن المنهال نا همام عن قتادة أنه كان يقول: ان رأى عيبا في ثلاث ليال رد بغير بينة وان رأى عيبا بعد ثلاث لم يرد (1) الا بينة * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد عن عبد الملك بن يعلى فيمن ابتاع غلاما فوجده مجنونا قال: ان ظهر ذلك في السنة فانه يستحلف البائع لقد باعه وما به جنون وان كان بعد السنة فيمينه بالله على علمه، وذكر بعضهم (2) ان عمر بن الخطاب. وابن


(1) في النسخة رقم 16 (لم يرده) (2) في النسخة رقم 14 (وقال بعضهم)

[ 383 ]

الزبير سئلا عن العهدة فقالا: لا نجدأ مثل من حديث حبان بن منقذ (1) إذا كان يخدع في البيوع فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثا ان شاء أخذ وان شاء رد، وخبرا عن على بن أبى طالب أجل الجارية بها الجذام والداء سنة * قال على: وكل هذا لا حجة لهم فيه، أما خبر عمر. وابن الزبير فلا بيان فيه بأنهما يقولان بقولهم أصلا بل فيه انه خلاف قولهم لانهما بنياه على حديث حبان بمن منقذ والمالكيون مخالفون لذلك الخبر، فقول عمر. وابن الزبير حجة عليهم ولا وفاق (2) فيه لقولهم أصلا لانه انما فيه الخيار بين الرد والاخذ فقط دون ذكر وجود عيب، ولا فيه تخصيص للرقيق دون سائر ذلك فهو حجة عليهم لالهم، ونحن نقول بهذا إذا قال المشترى: ما أمر منقذ أن يقوله * وأما خبر على فليس فيه أيضا شئ يدل على موافقة قولهم ولا ذكر رد أصلا وانما يموهون بالخبر يكون فيه لفظ كبعض ألفاظ قولهم فيظن من لا ينعم النظر أن ذلك الخبر موافق لقولهم وليس هو كذلك بل هو مخالف لقولهم في الاكثر أو لا موافق ولا مخالف كذلك أيضا * قال ابو محمد: وقد روى ابن جريج أنه سأل الزهري عن عهدة الثلاث والسنة؟ فقال. ما علمت فيه أمرا سالفا، قال ابن جريج: وسألت عطاء عن ذلك فقال: لم يكن فيما مضى عهدة في الارض قلت فما ثلاثة أيام؟ قال: لا شئ * قال على: قال الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) فمن الباطل ان تكون جارية ملكها لزيد وفرجها له حلال ويكون ضمانها على خالد حاش لله من هذا، وقد صح عن ابن عمر ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من المبتاع ولا يعلم له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * رويناه من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه وهذا يبطل عهدة الثلاث. والسنة وبالله تعالى التوفيق * قال ابو محمد: ثم نقول لهم: أخبرونا عن الحكم بعهدة الثلاث والسنة أسنة هو وحق أم ليس سنة ولا حقا ولا بد من أحدهما؟ فان قالوا: هو سنة وحق قلنا: فمن أين استحللتم أن لا تحكموا بها في البلاد التى اصطلح أهلها على ترك الحكم بها فيها ومتى رأيتم سنة يفسح للناس في تركها ومخالفتها حاش لله من هذا، وان قالوا: ليست سنة ولاحقا قلنا: فبأى وجه استحللتم أن تأخذوا بها أموال الناس المحرمة فتعطوها غيرهم (3) بالكره منهم؟ ولعل المحكوم عليه فقير


(1) ذكر الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ان ذلك الرجل الذى كان يخدع في البيوع هو حبان بن منقد - بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة - وقيل ان القصة كانت المنقذ والد حبان قال النووي وهو الصحيح وهو في ابن ماجه وتاريخ البخاري وبه جزم ابن عبد الحق والله أعلم (2) في النسخة رقم 14 (لا وفاق) (3) في النسخة رقم 16 لغيرهم

[ 384 ]

هالك والمحكوم له غنى أشر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) ففسختم البيوع الصحيحة بما ليس سنة ولا حقا إذا أبحتم ترك الحكم بالسنة والحق ولا مخلص لكم من أحدهما وهذا كما ترى * وأما قول مالك في الجوائح فانه لا يعرف عن أحد قبله مما ذكرنا عنه من التقسيم بن الثمار. والمقائى. وبين البقول. والموز، ولا يعضد قوله في ذلك قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة أصلا. ولا قول أحد ممن سلف. ولا قياس. ولا رأى له وجه، ولهم في تخصيص الثلث آثار ساقطة (1) نذكرها أيضا ان شاء الله تعالى ونبين وهيها، وقولنا في هذا هو قول أبى حنيفة. وسفيان الثوري. وأبى سلميان. وأحد قولى الشافعي. وقول جمهور السلف كما روينا من طريق أبى عبيدة نا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد أخبرني أبو بكر بن سهل بن حنيف أن أهل بيته كانوا يلزمون المشترى الجائحة، قال الليث: وبلغني عن عثمان بن عفان أنه قضى بالجائحة على المشترى * قال أبو محمد: وذهب أحمد بن حنبل: وأبو عبيد. والشافعي في أول قوله إلى حط الجائحة في الثمار عن المشترى قلت أو كثرت وهذا قول له متعلق باثر صحيح نذكره ان شاء الله تعالى ونبين وجهه وحكمه بحول الله تعالى وقوته * روينا من طريق مسلم بن الحجاج نا محمد ابن عباد نا أبو ضمرة عن ابن جريج عن أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو بعت من أخيك ثمرا فاصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق (2)؟) * ومن طريق مسلم نا بشر بن الحكم نا سفيان - هو ابن عيينة - عن حميد [ الاعرج ] (3) عن سليمان بن عتيق عن جابر بن عبد الله (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح) * قال على: وهذان أثران صحيحان، وقالوا أيضا: على بائع الثمرة (4) اسلامها إلى المشترى طيبة كلها فإذا لم يفعل سقط عن المشترى بمقدار ما لم يسلم إليه كما يلزم * ومن طريق ابن وهب عن أنس بن عياض أن أبا اسحاق مقدما مولى أم الحكم بنت عبد الحكم حدثه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجوائح (5) * وبه إلى ابن وهب عن عثمان بن الحكم عن ابن جريج عن عطاء قال: الجوائح كل ظاهر مفسد من مطر أو برد أو ريح أو حريق أو جراد * قال أبو محمد: ان لم يأت ما يبين أن هذين الخبرين المذكورين على غير ظاهرهما والا


(1) في النسخة رقم 16 (آراء ساقطة) (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 457 (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 458 (4) في النسخة رقم 16 (على البائع للثمرة) (5) في النسخة رقم 14 (الجائحة)

[ 385 ]

فلا يحل خلاف ما فيهما، وعلى كل حال فلا حجة فيهما لقول مالك بن هما حجة عليه لانه ليس فيهما تخصيص ثلث من غيره فنظرنا هل جاء في هذا الحكم غير هذين الخبرين؟ فوجدنا ما روينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا ليث بن سعد عن بكير - هو ابن الاشج - عن عياض بن عبد الله بعن أبى سعيد الخدرى قال: أصيب رجل [ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (1) في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لغرمائه ] (2): خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ماله كله لغرمائه ولم يسقط عنه لاجل الجائحة شيئا فنظرنا في هذا الخبر مع خبرى جابر المتقدمين فوجدنا خبرين من طريق جابر. وأنس قد وردا ببيان تتألف به هذه الاخبار كلها بحمد الله تعالى كما روينا من طريق مسلم حدثنى أبو الطاهر انا ابن وهب أخبرني مالك عن حميد الطويل عن أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يزهى (3) قالوا: وما يزهى قال تحمر أرأيت إذا منع (4) الله الثمرة بم تستحل مال أخيك؟) * ومن طريق أحمد بن شعيب أخبرنا قتيبة نا سفيان - هو ابن عيينة - عن حميد الاعرج عن سليمان بن عتيق عن جابر: (ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع [ الثمر ] (5) السنين) فصح بهذين الخبرين أن الجوائح التى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعها هي التى تصيب ما بيع من الثمر سنين وقبل أن يزهى وان الجائحة التى لم يسقطها وألزم المشترى مصيبتها، وأخرجه عن جميع ماله بها هي التى تصيب الثمر المبيع بعد ظهور الطيب فيه وجواز بيعه وبالله تعالى التوفيق * وأيضا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا) فلم يخص عليه السلام شجرا في ورقه من ثمر موضوع في الارض (6) وهم يخصون ذلك بآرائهم، فقد صح خلافهم لهذا الخبر وتخصيصهم له وبطل احتجاجهم به على عمومه والاخذ فيه (7)، وأمر بوضع الجوائح ولم يذكر في ثمر ولا في غيره ولا في أي جائحة هو، فصح أنهم مخالفون له أيضا وبطل أن يحتجوا به على عمومه وصار قولهم وقولنا في هذين الخبرين سواء في تخصيصهم الا أنهم خصوهما بلا دليل * قال أبو محمد: والخسارة لا نحطاط السعر جائحة بلا شك وهم لا يضعون عنه شيئا لذلك، وأما قولهم على البائع أن يسلمها طيبة إلى المشترى فباطل ما عليه ذلك انما عليه أن يسلم إليه ما باع


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 258 (2) الزيادة من صحيح مسلم (23) في صحيح مسلم ج 1 ص 458 عن بيع الثمرة حتى تزهى (4) في صحيح مسلم وقال إذا منع (5) الزيادة من سنن النسائي ج 7 ص 266 (6) في النسخة رقم 14 فلم يخص عليه السلام ثمرا في شجر من ثمر موضوع في الارض (7) في النسخة رقم 14 والاخر فيه (م 49 ج 8 المحلى)

[ 386 ]

منه بيعا جائزا فقط إذ لم يوجب عليه غير ذلك نص ولا اجماع، وهذا مما خالف فيه المالكيون القياس. والاصول إذ جعلوا ما لا ربحه وملكه لزيد وخسارته على عمر والذى لا يملكه * قال على: وأما الآثار الواهية التى احتج بها مقلد ومالك فروينا من طريق عبد الملك ابن حبيب الاندلسي نا مطرف عن أبى طوالة (1) عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أصيب ثلث الثمر فقد وجب على البائع الوضيعة) قال عبد الملك: وحدثني أصبغ بن الفرج عن السبيعى (2) عن عبد الجبار بن عمر عن ربيعة الرأى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجائحة إذ بلغت ثلث الثمر فصاعدا) قال عبد الملك: وحدثني عبيدالله بن موسى عن خالد بن اياس عن يحيى بن سعيد عن أبى الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من الجوائح الريح. والبرد. والحريق. والجراد. والسيل) * قال أبو محمد: هذا كله كذب. عبد الملك مذكور بالكذب. والاول مرسل مع ذلك. والسبيعى مجهول لا يدرى أحد من هو؟ وعبد الجبار بن عمر ضعيف وهو أيضا مرسل فسقط كل ذلك. وخالد بن إياس ساقط، ثم لو صح لما كان فيه أمر باسقاط الجوائح أصلا لا بنص ولا بدليل الا أن الحنيفيين الذين يحتجون بروايات الكذابين ومرسلاتهم كمبشر بن عبيد الحلبي. وجابر الجعفي وغيرهما فلا عذر لهم في أن لا يأخذوا بهذه المراسيل، وهذا مما تناقضوا فيه، وذكر المالكيون عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رويناه من طريق عبد الملك بن حبيب نا ابن أبى أويس عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة (3) عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب أنه كان يقضى بوضع الجائحة إذا بلغت ثلث الثمر فساعدا * ومن طريق ابن حبيب أيضا حدثنى الحذافى عن الواقدي عن موسى بن ابراهيم التيمى عن أبيه عن سليمان بن يسار قال: باع عبد الرحمن بن عوف من سعد بن أبى وقاص عنبا له فأصابه الجراد فأذهبه أو أكثره فاختصما إلى عثمان فقضى على عبد الرحمن برد الثمن إلى سعد، قال الواقدي: وكان سهل بن أبى حثمة. وعمر بن عبد العزيز. والقاسم. وسالم. وعلى بن الحسين. وسليمان بن يسار. وعطاء بن أبى رباح يرون الجائحة موضوعة عن المشترى إذا بلغت الثلث فصاعدا * قال أبو محمد: هذا كله باطل لانه كله من طريق عبد الملك بن حبيب ثم الحسين ابن عبد الله بن ضميرة مطرح متفق على أن لا يحتج بروايته، وأبوه مجهول، والواقدى مذكور بالكذب، ثم لو صح حديث عثمان لكان فيه أن عبد الرحمن بن عوف لم يرد الجائحة وان أتت على الثمر كله أو أكثره، وإذا وقع الخلاف فلا حجة في قول بعضهم دون


(1) في النسخة رقم 16 (عن ابن أبى طوالة) (2) في النسخة رقم 14 (الشعبى) وهو غلط (3) في النسخة رقم 16 (ضمرة) وهو غلط

[ 387 ]

بعض، والثابت في هذا عن ابن عمر رضى الله عنه وهو عالم أهل المدينة في عصره ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم ابن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته) * قال أبو محمد: تأملوا هذا فان ابن عمر روى نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه وفسر ابن عمر بأن بدو صلاح الثمر هو ذهاب عاهته، فصح يقينا أن العاهة وهى الجائحة لا تكون عند ابن عمر الاقبل بدو صلاح الثمر وانه لا عاهة ولا جائحة بعد بدو صلاح الثمر وهذا هو نص قولنا والحمد لله رب العالمين، ولا يصح غير هذا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم * ومن تناقض المالكيين في هذا انهم يقولون فيمن باع ثمرا قد طاب أكله وحضر جداده فأجيح كله أو بعضه: لم يسقط عنه لذلك شئ من الثمن وهذا خلاف كل ما ذكرنا آنفا من الموضوعات جملة * فان احتجوا في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الثلث والثلث كثير) قلنا: نعم هذا في الوصية ولكن من أين لكم أن الكثير من الجوائح يوضع دون القليل حتى تحدوا ذلك بالثلث؟ وأنتم نقولون في غنى له مائة ألف دينار ابتاع ثمرا بثلاثة دراهم فأجيح في ثلث الثمرة ثم باع الباقي بدينار: انه توضع عنه الجائحة، وتقولون في مسكين ابتاع ثمرة بدينار فذهب ربعها ثم رخص الثمر فباع الباقي بدرهم: انه لا يحط عنه شئ والكثير والقليل انما هما باضافة كما ترى لا على الاطلاق، ثم لو يلبثوا أن تناقضوا أسمج تناقض وأغثه وأبعده عن الصواب للمرأة ذات الزوج أن تحكم في الصدقة بالثلث من مالها فأقل بغير رضى زوجها ولا يجوز لها ذلك فيما كان أكثر من الثلث الا باذن زوجها فجعلوا الثلث ههنا قليلا كما هو دون الثلث (1) وجعلوه في الجائحة كثيرا بخلاف ما دونه، ثم قالوا: ان اشترط المحبس مما حبس الثلث فما زاد بطل الحبس فان اشترط أقل من الثلث جاز وصح الحبس فجعلوا الثلث ههنا كثيرا بخلاف ما دونه، ثم قالوا: من باع سيفا محلى بفضة أو مصحفا كذلك يكون ما عليهما من الفضة ثلث قيمة الجميع فأقل فهذا قليل ويجوز بيعه بالفضة وان كان ما عليهما (2) من الفضة أكثر من الثلث لم يجز أن يباعا بفضة أصلا فجعلوا الثلث ههنا قليلا في حكم ما دونه، وأباحوا أن يستثنى المرء من ثمر شجره ومن زرع أرضه إذا باعها مكيلة تبلغ الثلث فأقل ومنعوا من استثناء ما زاد على الثلث فجعلوا الثلث ههنا قليلا في حكم ما دونه،


(1) في النسخة رقم 14 كما هو دونه (2) في النسخة رقم 16 فان كان ما عليها

[ 388 ]

ثم منعوا من باع شاة واستثنى من لحمها لنفسه أرطالا أن يستثنى منها مقدار ثلثها فصاعدا وأباحوا له أن يستثنى منها أرطالا أقل من الثلث نجعلوا الثلث ههنا كثير بخلاف ما دونه، ثم أباحوا لمن اكترى دارا فيها شجر فيها ثمر لم يبد صلاحه أن يدخل الثمر في كراء الدار ان كان الثلث بالقيمة منه ومن كراء الدار ومنعوا من ذلك إذا كان الثلث فأكثر فجعلوا الثلث ههنا قليلا في حكم ما دونه، ثم جعلوا العشر قليلا وما زاد عليه كثيرا فقالوا فيمن أمر آخر بأن يشترى له خادما (1) بثلاثين دينارا فاشتراها له بثلاثة وثلاثين دينارا: انها تلزم الآمر لان هذا قليل، قالوا: فان اشتراها له باكثر لم يلزم الآمر لانه كثير وهذا يشبه اللعب فيا للناس أبهذه الآراء تشرع الشرائع وتحرم وتحلل وتباع (2) الاموال المحرمة وتعارض السنن؟ حسبنا الله ونعم الوكيل * وروينا من طريق ابن وهب عن عثمان بن الحكم عن يحيى بن سعيد الانصاري قال: لا جائحة فيما أصيب (3) دون ثلث رأس المال * ومن طريق عبد الرزاق حدثنا معمر أخبرني من سمع الزهري قال: قلت له: ما الجائحة؟ قال: النصف * قال على: فهذا الزهري لا يرى الجائحة الا النصف، وهذا يحيى بن سعيد فقيه المدينة لا يرى الجائحة الا في الثمن لا في عين الثمرة وكل ذلك خلاف قول مالك وبالله تعالى التوفيق * 1421 مسألة وبيع العبد الآبق عرف مكانه أو لم يعرف جائز، وكذلك بيع الجمل الشارد عرف مكانه أو لم يعرف، وكذلك الشارد من سائر الحيوان ومن الطير المتفلت (4) وغيره إذا صح الملك عليه قبل ذلك والا فلا يحل بيعه، وأماكل ما لم يملك أحد بعد فانه ليس أحد أولى به من أحد فمن باعه فانما باع ما ليس له فيه حق فهو أكل مال بالباطل وأماما عدا ذلك من كل ما ذكرنا فقد صح ملك مالكه له وكل ما ملكه المرء فحكمه فيه نافذ بالنص ان شاء وهبه وان شاء باعه وان شاء أمسكه وان مات فهو موروث عنه لا خلاف في أنه ماله وموروث عنه، فاما الذى حرم بيعه وهبته؟، وقد أبطلنا قبل قول من فرق بين الصيد يتوحش وبين الابل والغنم والبقر والخيل يتوحش، وكذلك لا فرق بين الصيد من السمك ومن الطير ومن النحل ومن ذوات الاربع كل ما ملك من ذلك فهو مال من مال مالكه بلا خلاف من أحد، فمن أدعى سقوط الملك عنه بتوحشه أو برجوعه إلى النهر أو البحر فقد قال الباطل وأحل حراما بغير دليل لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا من قياس. ولا من تورع. ولا من رأى يعقل، فان قال قائل: فانه لا يعرفه أبدا صاحبه ولا غير صاحبه


(1) في النسخة رقم 14 جارية وهي اخص من الحادم (2) في النسخة رقم 16 وتباح وما هنا أنسب (3) سقط لفظ أصيب من النسخة رقم 14 (4) في النسخة رقم 16 المتغلب

[ 389 ]

قلنا: فكان ماذا؟ ومن أين وجب عندكم سقوط ملك المسلم عن ماله بجهله بعينه؟ وبأنه لا يميزه وما الفرق بين هذا وبين العبد يأبق فلا تميزه صورته أبدا والبعير كذلك والفرس كذلك؟ أفترون الملك يسقط عن كل ذلك من أجل أنه لا يميزه أحد أبدا لا صاحبه ولا غيره؟ ولئن كان الناس لا يعرفونه ولا يميزونه فان الله تعالى يعرفه ويميزه لا يضل ربى ولا ينسى بل هو عزوجل عارف به وبتقلبه ومثواه كاتب لصاحبه أجر ما نيل منه وما يتناسل منه في الابد، وما الفرق بين هذا وبين الارض تختلط فلا تحاز ولا تميز؟ أترون الملك يسقط عنها بذلك؟ حاش لله من هذا بل الحق اليقين ان كل ذلك باق على ملك صاحبه إلى يوم البعث، ونحن وان حكمنا فيما يئس من معرفة صاحبه بالحكم الظاهر من أنه في جميع مصالح المسلمين أو للفقراء. والمساكين، أو لمن سبق إليه من المؤمنين فانه لا يسقط بذلك حق صاحبه ولو جاء يوما وثبت أنه حقه لصرفناه إليه وهو لقطة من اللقطات يملكه من قضى له بنص حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي صاحبه ان جاء، ومنع قوم من بيع كل ذلك وقالوا: انما منعنا من بيعه لمغيبه * قال على: وقد أبطلنا بعون الله تعالى هذا القول وأتينا بالبرهان على وجوب بيع الغائبات، ومنع قوم من ذلك واحتجوا بانه لا يقدر على تسليمه وهذا لا شئ لان التسليم لا يلزم (1) ولا يوجبه قرآن. ولا سنة. ولا دليل أصلا وانما اللازم أن لا يحول البائع بين المشترى وبين ما اشترى منه فقط فيكون ان فعل ذلك عاصيا ظالما، ومنع آخرون من ذلك واحتجوا بانه غرر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر * قال أبو محمد: ليس هذا غررا (2) لانه بيع شئ قد صح ملك بائعه عليه وهو معلوم الصفة والقدر فعلى ذلك يباع ويملكه المشترى ملكا صحيحا فان وجده فذلك وان لم يجده فقد استعاض الاجر الذى هو خير من الدنيا وما فيها وربحت صفقته، ولو كان هذا غررا لكان بيع الحيوان كله حاضرة وغائبه غررا لا يحل ولا يجوز لانه لا يدرى مشتريه أيعيش ساعة بعد ابتياعه أم يموت ولا يدرى أيسلم أم يسقم سقما قليلا يحيله أو سقما كثيرا يفسده أو أكثره؟ وليس ما يتوقع في المستأنف غرر الان الاقدار تجرى بما لا يعلم ولا يقدر على رده، ولانه غيب قال الله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب الا الله) وقال تعالى: (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) وانما الغرر ما عقد على جهل بمقدراه وصفاته حين العقد، فان قالوا: فلعله ميت حين العقد أوقد تغيرت صفاته قلنا: هو على الحياة التى قد صحت له حتى يوقى موته وعلى ما تيقن من صفاته حتى يصح


(1) في النسخة رقم 16 (لا يلزمه) (2) في النسخة رقم 16 (ليس شئ من هذا غررا)

[ 390 ]

تغييره فان صح موته ردت الصفقة وان صح تغيره فكذلك أيضا، ولئن قلتم: ان هذا يمنع من بيعه فامنعوا من بيع كل غائب من الحيوان ولو أنه خلف الجدار إذ لعله قد مات للوقت حين عقد الصفقة أو تغير بكسر. أو وجع. أو عور، نعم وامنعوا من يبع البيض. والجوز. واللوز. وكل ذى قشراذ لعله فاسد ولا فرق بين شئ من ذلك وانما الغرر ما أجزتموه من بيع المغيبات التى لم يرها أحد قط من الجزر. والبقل. والفجل ولعلها مستاسة أو معفونة، وما أجازة بعضكم من بيع ما لم يخلق بعد من بطون المقاثى التى لعلها لا تخلق أبدا. ومن لبن الغنم شهرين أو ثلاثة ولعها تموت أو تحارد فلا يدر لها شخب (1). ومن بيع لحم شاة مذبوحة لم تسلخ بعد فلا يدرى أحد من خلق الله تعالى ما صفته، فهذا وأشباهه هو بيع الغرر المحرم، وقد أجزتموه لا ما صح ملكه وعرفت صفاته، وقال بعضهم: أنما منعنا من ذلك بالنص الوارد فيه فقلنا: تلك آثار مكذوبة لا يحل الاحتجاج بها ولو صحت لكنا أبدر إلى الاخذ بها منكم * وهى كما روينا من طريق عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن جهضم بن عبد الله عن محمد بن زيد العبدى عن شهربن حوشب الاشعري عن أبى سعيد الخدرى (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العبد وهو آبق. وعن ان تباع المغانم قبل أن تقسم. وعن بيع الصدقات قبل أن تقبض) * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا حاتم بن اسماعيل عن جهضم بن عبد الله عن محمد بن ابراهيم الباهلى عن محمد بن زيد عن شهر بن حرشب عن أبى سعيد (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الانعام حتى تضع. وعن ما في ضروعها إلا بكيل. وعن شراء البعد الآبق. وعن شراء المغانم حتى تقسم. وعن شراء الصدقات حتى تقبض. وعن ضربة الغائص) * قال أبو محمد: جهضم. ومحمد بن أبراهيم. ومحمد بن زيد العبدى مجهولون. وشهر متروك، ثم لو صححوه فهو دمار عليهم لانهم مخالفون لما فيه وكلهم - يعنى الحاضرين من خصومنا - يجيزون بيع الاجنة في بطون الامهات مع الامهات، والمالكيون يجيزون بيع اللبن الذى لم يخلق بعد والذى في الضروع بغير كيل لكن شهرين أو نحو ذلك، ويجيزون شراء المغانم قبل أن تقسم بل هو الواجب عندهم والاولى؟ والحنيفيون يجيزون أخذ القيمة عن الصدقة الواجبة وهذا هو بيع الصدقة قبل أن تقبض، وهذا بيع الغرر حقا لانه لا يدرى ما باع ولا أيها باع ولا قيمة ماذا أخذ فهو أكل المال بالباطل حقا. والغرر حقا، والحرام حقا * واحتجوا بخبر فيه يزيد بن أبى زياد وهو ضعيف فيه النهى عن بيع السمك في الماء ثم


(1) يقال: حاردت الابل - بالحاء المهملة - حر ادا أي قلت أليانها والحرود من التوق القليلة الدر، والشنخب بالضم ما امتد من اللبن حين يحلب، وفى بعض النسخ (تجارد) بالجيم وهو غلط

[ 391 ]

لو صح لما كان لهم فيه حجة لانه انما يكون نهيا عن بيعه قبل أن يصاد وهكذا نقول كما حملوا خبرهم في النهى عن بيع الآبق على أنه في حال اباقه لا وهو مقدور عليه * ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بخبر هم أول مخالف له وحرموا به ما ليس فيه من بيع الجمل الشارد، فان قالوا: قسنا الجمل الشارد على العبد الآبق قلنا: القياس كله باطل ثم نقول للحنيفيين: هلا قستم الجمل الشارد في ايجاب الجعل فيه على الجعل في العبد الآبق؟ فان قالوا: لم يأت الاثر إلا في الآبق: قلنا: ولا جاء هذا الاثر الساقط ايضا الا في الآبق * قال على: وروينا عن سنان بن سلمة. وعكرمة أنهما لم يجيزا بيع العبد الآبق قال عكرمة: ولا الجمل الشارد، وممن روينا عنه مثل قولنا ما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبدة بن سليمان عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه اشترى بعيرا وهو شارد * قال على: ما نعلم له مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا اسناد في غاية الصحة والثقة وهم يعظمون خلاف مثل هذا إذا وافقهم ويجعلونه اجماعا، وعهدنا بالحنيفيين والمالكيين يقولون إذا روى الصحاب خبرا وخالفه: فهو أعلم بما روى وهو حجة في ترك الخبر، وقد روينا من طريق وكيع عن موسى ابن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر) وقد صح عن ابن عمر اباحة بيع الجمل الشارد فلو كان عنده غرر اما خالف ماروى هذا لازم لهم على أصولهم والا فالتناقض حاصل وهذا أخف شئ عليهم * ومن طريق ابن ابى شيبة نا جرير عن المغيرة عن الشعبى عن شريح أن رجلا أتاه فقال: ان لى عبدا آبقا وأن رجلا يساومنى به أفأبيعه منه قال: نعم فانك إذ رأيته فأنت بالخيار إن شئت أجزت البيع وان شئت لم تجزه، قال الشعبى: إذا أعلمه منه ما كان يعلم منه جاز بيعه ولم يكن له خيار * ومن طريق حماد ابن سلمة عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين أن رجلا أبق غلامه فقال له رجل: بعنى غلامك فباعه منه ثم اختصما إلى شريح فقال شريح: ان كان أعلمه مثل ما علم فهو جائز * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى قال: أبق غلام لرجل فعلم مكانه رجل آخر فاشتراه منه فخاصمه إلى شريح بعد ذلك قال ابن سيرين: فسمعت شريحا يقول له: أكنت أعلمته مكانه ثم اشتريته؟ فرد البيع لانه لم يكن أعلمه * قال ابو محمد: وهذا صحيح لان كتمانه مكانه وهو يعلمه أيهما علمه فكتمه غش وخديعة والغش. والخديعة يرد منهما البيع * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى أن محمد بن سيرين كان لا يرى بأسا بشراء العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو سعد (1) عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه انه كان


(1) في النسخة رقم 14 ابو سعيد

[ 392 ]

لا يرى بأسا أن يشترى الرجل الدابة الغائبة إذا كان قدرآها ويقول: ان كانت صحيحة فهى لى ولم يخص غير شاردة من شاردة والشاردة غائبة، وممن اجاز بيع الجمل الشارد. والعبد الآبق عثمان البتى. وأبو بكر بن داود. وأصحابنا وبالله تعالى التوفيق * 1422 مسألة وبيع المسك في نا فجنه مع النافجة. والنوى في التمر مع التمر. وما في داخل البيض مع البيض. والجوز. واللوز. والفستق. والصنوبر. والبلوط. والقسطل. وكل ذى قشر مع قشره كان عليه قشران أو واحد، والعسل مع الشمع في شمعه. والشاة المذبوحة في جلدها مع جلدها جائز كل ذلك، وهكذا كل ما خلقه الله تعالى كما هو مما يكون ما في داخله بعضاله، وكذلك الزيتون بما فيه من الزيت. والسمسم بما فيه من الدهن: والاناث بما في ضروعها من اللبن. والبر. والعلس في أكمامه مع الاكمام وفى سنبله مع السنبل كل ذلك جائز حسن، ولا يحل بيع شئ مغيب في غيره مما غيبه الناس إذا كان مما لم يره أحد لامع وعائه ولا دونه، فان كان مما قد رؤى جاز بيعه على الصفة كالعسل. والسمن في ظرفه. واللبن كذلك. والبر في وعائه. وغير ذلك كله. والجزر. والبصل. والكراث. والسلجم. والفجل قبل أن يقلع، وقال الشافعي: ما له قشران فلا يجوز بيعه حتى يزال القشر الاعلى * قال أبو محمد: كل جسم خلقه الله تعالى فله طول، وعرض. وعمق قال تعالى: (وأحل الله البيع) وكل ما ذكرنا فكذلك بيعه بنص القرآن جائز، وقد أجمعوا وصحت السنن المجمع عليها على جواز بيع التمر. والعنب. والزبيب. وفيها النوى وأن النوى داخل في البيع، وأجمعوا على جواز بيع البيض كما هو وانما الغرض منه ما في داخله ودخل القشر في البيع بلا خلاف من أحد، وكذلك الزيتون بما فيه من الزيت. والسمسم بما فيه من الدهن. والشاة المذبوحة كماهى فليت شعرى ما الفرق بين ذلك وبين ما اختلفوا فيه المسك في نافجنه مع النافجة. والعسل في شمعه مع الشمع؟ ولا سبيل إلى فرق لا في قرآن. ولا في سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب. ولا تابع. ولا قياس. ولا معقول. ولا رأى يصح، وكل ذلك بيع قد أباحه الله تعالى ولم يخص منه شيئا، وقد قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فلو كان حراما لفصله الله تعالى لنا فاذلم يفصله فهو منصوص على تحليله، فان قالوا: هو غرر قلنا: أو ليس على قولكم هذا سائر ما ذكرنا غررا أيضا؟ والا فما الفرق، وأما الحق فانه ليس شئ منه غررا لانه جسم واحد خلقه الله عزوجل كما هو وكل ما في داخله بعض لجملته، وأما قول الشافعي فظاهر الفساد لانه لا فرق في مغيب المعرفة

[ 393 ]

بصفة (1) ما في القشر بين كونه في قشر واحد وبين كونه في قشرين أو أكثر، وهو قد أجاز بيع البيض في غلافين بالعيان احداهما القشر الظاهر وهو القيض والثانى الغرقئ، ولا غرض للمشترى إلا فيما فيهما لا فيهما مع أنه قول لا نعلمه عن أحد قبله، فان قيل: ان ما قدرنا على إزالته من الغرر فعلينا أن نزيله قلنا: وانكم لقادرون على ازالة القشر الثاني فأزيلوه ولابد لانه غرر، فان قالوا: في ذلك ضرر على اللوز. والجوز. والقسطل. والبلوط قلنا: لا ما فيه ضرر على البلوط. ولا على القسطل. ولا على اللوز في الاكثر وأيضا فلا ضرر على التمر في إزالة نواه، وأيضا فما علمنا حراما يحله خوف ضرر على فاكهة لو خيف عليها ولو أن امرءا له رطب لا ييبس ولم يجد من يشتريه منه الا بتمر يابس لما حل له بيعه خوف الضرر، وكذلك لو أن امرءا خاف عدوا ظالما على ثمرته ولم يكن بدا صلاحها لم يحل له بيعها خوف الضرر عليها * 1423 مسألة ومن هذا بيع الحامل بحملها إذا كانت حاملا من غير سيدها لان الحمل خلقه الله عزوجل من منى الرجل ومنى المرأة ودمها فهو بعض أعضائها وحشوتها ما لم ينفخ فيه الروح قال تعالى: (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) فبيعها بحملها كما هي جائز وهى وحملها للمشترى، فإذا نفخ فيه الروح فقد اختلف أهل العلم فقالت طائفة: هو بعد ذلك غيرها لانها أنثى وقد يكون الجنين ذكرا وهى فرده (2) وقد يكون في بطنها اثنان وقد تكون هي كافرة وما في بطنها مؤمنا. وقد يموت أحدهما ويعيش الآخر. ويكون أحدهما معيبا والآخر صحيحا. ويكون أحدهما أسود والآخر أبيض ولو وجب عليها قتل لم تقتل هي حتى تلد، فصح أنه غيرها فلا يجوز دخوله في بيعها، وهكذا في اناث سائر الحيوان حاش اختلاف الدين فقط أو القتل فقط * فقال آخرون: هو كذلك الا أنه حتى الآن مما خلقه الله تعالى فيها وولده منها ولم يزايلها بعد فحكمه في البيع كما كان حق يزايلها، وليس كونه غير ها وكون اسمه غير اسمها وصفاته غير صفاتها بمخرج له عما كان له من الحكم إلا بنص وارد في ذلك، وهذا النوى هو بلا شك غير التمر وانما يقال: نوى التمر وصفاته غير صفات التمر واسمه غير اسم التمر وكذلك قشر البيض أيضا، وكذلك بيض ذات البيض قبل أن تبيضه، وكل ذلك جائز بيعه كما هو لان الله تعالى خلق كل ذلك كما هو ومازال الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعلمه يبيعون التمر ويتواهبونه ويبيعون البيض ويتهادونه من بيض الدجاج. والضباب. والنعام، ويتبايعون


(1) في النسخة رقم 16 (نصفه) وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 14 (فردة) (م 50 ج 8 المحلى)

[ 394 ]

العسل ويتهادونه كما يشتارونه في شمعه ويبتايعون أناث الضأن. والبقر. والخيل. والمعز. والابل. والاماء. والظباء حوامل وغير حوامل، ويغنمون كل ذلك ويقتسمونهن ويتوارثونهن ويقتسمونهن كما هن فما جاء قط نص بأن للاولاد حكما آخر قبل الوضع فيع الحامل بحملها جائز كما هو ما لم تضعه * قال على: وهذا هو الصواب عندنا وبه نقول لانه كله باب واحد وعمل واحد، وبالله تعالى التوفيق * 1424 مسألة وليس كذلك ما تولى المرء وضعه في الشئ كالبذر يزرع. والنوى يغرس فان هذا شئ أو دعه المرء في شئ آخر مباين له بل هذا ووضعه الدراهم والدنانير في الكيس. والبر في الوعاء. والسمن في الاناء سواء ولا يدخل حكم أحدهما في الآخر، ومن باع من ماله شيئا لم يلزمه بيع شئ آخر غيره وان كان مقرونا معه ومضافا إليه فمن باع أرضا فيه بذر مزروع ونوى مغروس طهرا أو لم يظهرا فكل ذلك للبائع ولا يدخل في البيع لما ذكرنا، وقال مالك: أما ما ظهر نباته فلا يدخل في البيع من الزرع خاصة وأما ما لم يظهر فهو في البيع * قال أبو محمد: وهذا فرق فاسد لانه لا دليل على صحته لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا من قياس. ولا من قول أحد من السلف. ولا من احتياط. ولا من رأى له وجه بل القرآن يبطل هذا بقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ووجدنا البذر. والنوى ما لا للبائع بلا شك فلا يحل لغيره أخذه الا برضى الذى ملكه له وبالله تعالى التوفيق * 1425 مسألة ولا يحل بيع شئ من المغيبات المذكورة كلها دون ما عليها أصلا لا يحل بيع النوى أي نوى كان قبل اخراجه واظهاره دون ما عليه. ولا بيع المسك دون النافجة قبل اخراجه من النافجة. ولا بيع البيض دون القشر قبل اخراجه عنه. ولا بيع حب الجوز. واللوز. والفستق. والصنوبر. والبلوط. والقسطل. والجلوز، وكل ذى قشر دون قشرة قبل اخراجه من قشرة. ولا بيع العسل دون شمعه قبل اخراجه من شمعه. ولا لحم شاة مذبوحة دون جلدها قبل سلخها. ولا بيع زيت دون الزيتون قبل عصره ولا بيع شئ من الادهان دون ما هو فيه قبل اخراجه منها ولا بيع حب البردون أكمامه قبل اخراجه منها. ولا بيع سمن من لبن قبل اخراجه. ولا بيع لبن قبل حلبه أصلا ولا بيع الجزر. والبصل. والكراث: والفجل قبل قلعه لا مع الارض ولادونها لان كل ذلك بيع غرر لا يدرى مقداره ولا صفته ولا رآه أحد فيصفه، وهو أيضا أكل مال

[ 395 ]

بالباطل قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وبالضرورة يدرى كل أحد أنه لا يمكن البته وجود الرضى على مجهول وانما يقع التراضي على ما علم وعرف فإذ لا سبيل إلى معرفة صفات كل ما ذكرنا ولا مقداره فلا سبيل إلى التراضي به وإذ لا سبيل إلى التراضي به فلا يحل بيعه وهو أكل مال بالباطل، وأما الجزر. والبصل. والكراث. والفجل فكل ذلك شئ لم يره قط أحد ولا تدرى صفته فهو بيع غرر وأكل مال بالباطل إذا بيع وحده وأما بيعه بالارض معا فليس مما ابتدأ الله تعالى خلقه في الارض فيكون بعضها وانما هو شئ من مال الزارع لها أو دعه في الارض كما لو أودع فيها شيئا من سائر ماله ولا فرق فما لم يستحل البذر عن هيئته فبيعه جائز مع الارض ودونها لانه شئ موصوف معروف القدر وقد رآه بائعه أو من وصفه له فبيعه جائز لان التراضي به ممكن وأما إذا استحال عن حاله فقد بطل أن يعرف كيف هو وما صفته وليس هو من الارض ولكنه شئ مضاف إليها فهو مجهول الصفة جملة ولا يحل بيع مجهول الصفة بوجه من الوجوه لانه بيع غرر حتى يقلع ويرى وبالله تعالى التوفيق * وممن أبطل بيع هذه المغيبات في الارض الشافعي. وأحمد بن حنبل. وأبو سليمان، وقد تناقض الحاضرون من مخالفينا في كثير مما ذكرنا فاجاز أبو حنيفة بيع لحم الشاة مذبوحة قبل السلخ وأوجب السلخ على البائع وأجاز بيع البر دون التبن والاكمام قبل أن يدرس ويصفى وجعل الدرس والتصفية على البائع، وأجاز بيع الجزر. والبصل. وغير ذلك مغيبا في الارض، وأوجب على البائع أن يقلع منه أنموذجا قدر ما يريه المشترى (1) فان رضيه كان على المشترى قلع سائره فلو أن المشترى يتولى بنفسه قلع أنموذج منه فلم يرضه لم يلزمه البيع فلو قلع منه أكثر من أنموذ ج فقد لزمه البيع أحب أم كره، وقال أبو يوسف: لا أجيز البائع ولا المشترى على قلع شئ من ذلك فان تشاحا أبطلت البيع، فان قلع المشترى منه أقل ما يقع في المكاييل (2) فله الخيار في امضاء أو فسخ، فان قلع أكثر من ذلك فقد لزمه البيع كله * قال أبو محمد: ان في هذا لعجبا ليت شعرى من أين وجب أن يجبر البائع على الدرس. والتصفية. والسلخ ولا يجبر على قلع الجزر. والبصل. والكراث. والفجل؟ وهل سمع باسخف من هذا التقسيم؟ وليت شعرى ما هذا الانموذج الذى لا هو لفظه عربية من اللغة التى بها نزل القرآن وخاطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لفظة شرعية ثم صار يشرع بها أبو حنيفة الشرائع فيحرم ويحلل فعلى الانموذج العفاء


(1) في النسخة رقم 16 (قدر ما يراه المشترى) (2) في النسخة رقم 14 (مكايل)

[ 396 ]

وصفع القفاء وعلى كل شريعة تشرع بالانموذج، ثم تحديد (1) أبى يوسف ذلك باقل ما يقع في المكاييل وقد يتخذ الباعة مكاييل صغارا جدا وما عهدنا بالجزر. ولا الفجل يقعان في الكيل فمن أين خرج له تحديد هذه الشريعة بهذا الحد الفاسد ونحمد الله تعالى على السلامة؟ وليت شعرى من أين وقع لهم جواز بيع هذه المغيبات دون الارض؟ ومنعوا من بيع الجنين دون أمه وكلا الامرين سواء لا فرق بين شئ منهما وكلاهما غرر وبيع مجهول، ثم أطرف من هذا كله منعهم من بيع الصوف على ظهور الغنم وذراع محدودة من هذا الطرف من هذا الثوب من أوله إلى آخره، أو ذراع محدود إلى طرفه من خشبة حاضرة وحلية هذا السيف دون جفنه ونصله ورأوا هذا غررا وعملا مشترطا يفسد البيع وكذبوا في ذلك، ولم يروا الدرس. والتصفية. والسلخ غررا ولا عملا مشترطا يفسد البيع فهل لاصحاب هذه (2) الاقوال المتخاذلة حظ من العلم؟ ثم أجازوا بيع القصيل على القطع والثمرة التى لم يبد صلاحها على القطع، وأجازوا بيع جذل نخلة (3) على ظهر الارض ولم يروا قطعه غررا ولا عملا مشترطا يفسد البيع وهل يشك ذو مسكة من عقل في أن ادخال الجلم إلى حاشية محدوده من ثوب وقطعة وقلع حلية على غمد سيف لا يتعذر على غلام مراهق أسهل وأخف من درس ألف كروتصفيتها ومن سلخ ناقة؟ ولكن هذا مقدار نظر هم وفقههم، وقال بعضهم: الصوف ينمى ولا يدرى أين يقع القطع منه ومن الثوب فقلنا: والجذل ينمى ولا يدرى أين يقع القطع منه ولا فرق، فان قالوا: قد صح عن ابن عباس المنع من بيع الصوف على ظهور الغنم (4) ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم قلنا: وقد صح عن ابن عمر ما أدركت الصفقة مجموعا حيا فمن البائع ولا يعرف له مخالف من الصحابة (5) فخالفتموه، فما الذى جعل أحدهما أولى من الآخر؟ وقالوا: لو أن أرضا تكسيرها معلوم مائة ذراع في مثلها أو دارا كذلك فباع صاحبها منها عشرة أذرع في مثلها مشاعا في جميعها لم يجز ذلك فلو باع منها عشرة أسهم من مائة سهم مشاعا في جميعها جاز ذلك، وهذا تخليط ناهيك به وتحريم شئ واباحته بعينه وكلا الامرين انما هو بيع العشر مشاعا ولم يجيزوا بيع نصل السيف وحمائله ونصف حليته مشاعا وقالوا: هذا ضرر فليت شعرى أي ضرر في هذا؟، وأما المالكيون فأجازوا بيع الصوف على ظهور الغنم ووفقوا في ذلك الا أنهم قالوا: ان أخذ في جزازه والافلا، واجازوا بيع لبن الغنم الكثيرة شهرين فأقل وهذا قول ظاهر الفساد لانه بيع شئ لم يخلق وبيع غرر، ومنعوا من بيع لبن شاة واحدة كله، وقالوا: هذا غرر


(1) في النسخة رقم 14 (ثم تحرى) (2) في النسخة رقم 14 (فهل صحب هذه) (3) جذل النخلة أصلها (4) في النسخة رقم 16 (على ظهر الغنم) (5) في النسخة رقم 14 (ولا مخالف له من الصحابة)

[ 397 ]

وقد تموت فقلنا: وقد تموت الكثيرة أو يموت بعضها، ونسألهم عن بيع لبن شاتين كذلك فان منعوا من ذلك سألناهم عن لبن ثلاث شياه ولا نزال نزيد هم واحدة فواحدة حتى يحدوا ما يحرمون مما يحللون، ثم نسألهم عن الفرق وذلك ما لا سبيل إليه، وأجازوا بيع بطون المقاثى. والياسمين: وجزات القصيل قبل أن يخلق الله تعالى ذلك كله ولم يروه غررا، ورأوا بيع العبد الآبق. والجمل الشارد: والمال المغصوب غررا فيا لهذه العجائب!، وأجازوا بيع لحم الشاة وهى حية دون جلدها، وأجازوا استثناء ارطال يسيرة من لحمها للبائع الثلث فأقل، ومنعوا من استثناء أكثر فليت شعرى من أي أعضائها تكون تلك الارطال وهى مختلفة الصفات والقيم؟ قالوا: فان استثنى الفخذ أو الكبد أو البطن لم يجز فان استثنى الرأس والسواقط قال: أن كان مسافرا جازوا ان كان غير مسافر لم يجز فكانت هذه أعاجيب لا نعلم تقسيمها عن أحد قبله وأقوالا متناقضة لا يعضدها قرآن. ولا سنة. ولا قول متقدم. ولا قياس، وأجازوا بيع الجزر. والبصل. والجل المغيبة في الارض * قال أبو محمد: واحتج بعضهم على في ذلك بقول الله تعالى: (يؤمنون بالغيب) فقلت: فابح بهذه الآية بيع الجنين في بطن أمه دون أمه لانه من الايمان بالغيب، وهذا احتجاج نسأل الله السلامة من مثله في تحريف كلام الله تعالى عن مواضعه إلى ما ليس فيه منه شئ * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا تشتروا الصوف على ظهور الغنم ولا اللبن في ضروعها * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا ملازم بن عمرو نا زفر بن يزيد ابن عبد الرحمن عن أبيه وكان من جلساء أبى هريرة قال: سألت أبا هريرة عن بيع اللبن في ضروع الغنم؟ فقال: لا خير فيه وسألته عن الشاة بالشاتين إلى أجل؟ فقال: لا إلا يدا بيد * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يشترى اللبن في ضروع الشاة، وكرهه مجاهد. وطاوس، وروى عن طاوس أنه أجازه بالكيل فقط، وروى عن سعيد بن جبير إجازة بيع اللبن في الضروع. والصوف على ظهور الغنم، وروى عن الحسن أنه أجاز بيع لبن الشاة جملة أشهر (1) ولم يجزه أبو حنيفة. ولا الشافعي. ولا أحمد. ولا اسحاق ولا أبو سليمان، فهذا صاحبان لا يعرف لهما من الصحابة رضى الله عنهم مخالف أصلا، وابراهيم يذكر ذلك عمن أدرك وهما أكابر التابعين وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق آراءهم * واحتجوا


(1) في النسخة رقم 16 (لشهر)

[ 398 ]

في هذا بجواز اجارة الظئر (1) للرضاع فقلنا: أفى اجارة تكلمنا معكم أم في بيع؟ والاجارة غير البيع لا ننا نؤاجر الحرة للرضاع ولم نبتع منها لبنها أصلا، ثم أغرب شئ احتجاجهم في هذا بما ذكرنا من اجارة الظئر وهم يحرمون بيع لبن الشاة الواحدة. والبقرة الواحدة. والناقة الواحدة. وهذا أشبه باجارة الظئر الواحدة وانما يجيزون ذلك في الغنم الكثيرة فاعجبوا لسخافة هذا القياس وشدة تناقضه إذ حرموا ما يشبه ما قاسوا على اباحته وأباحوا قياسا عليه ما لا يشبهه * قال أبو محمد: فان زاد الصوف فهما متداعيان والقول قول البائع مع يمينه ان كانت الغنم معروفة له أو في يده فان لم تكن معروفة له وكانت في يد الآخر فالقول قول الآخر مع يمينه، فان كانت في أيديهما أو في غير أيديهما معا فحكمهما (2) حكم المتداعيين في الشئ يكون بايديهما أو بغير أيديهما على ما نذكر ان شاء الله تعالى في التداعي في الاقضية وبالله تعالى التوفيق * 1426 مسألة وأما بيع الظاهر دون المغيب فيها فحلال الا أن يمنع من شئ منه نص فجائز بيع الثمرة واستثناء نواها وبيع جلد النافجة دون المسك الذى فيها. والجراب. والظروف كلها دون ما فيها. وقشر البيض. واللوز. والجوز. والجلوز. والفستق. والبلوط. والقسطل: وكل قشر لا تحاش شيئا دون ما تحتها، وبيع الشمع دون العسل الذى فيه، وبيع التبن دون الحب الذى فيه، وجلد الحيوان المذبوح أو المنحور دون لحمه أو دون عضو مسمى منها، وبيع الارض دون ما فيها من بذر أو خضروات مغيبة أو ظاهرة. ودون الزرع الذى فيها. ودون الشجر الذى فيها. والحيوان اللبون دون لبنه الذى اجتمع في ضروعه ولا يحل استثناء لبن لم يحدث بعد ولا اجتمع في ضروعه (3) ويجوز بيع الحامل دون حملها سواء نفخ فيه الروح أو لم ينفخ، ولا يحل بيع حيوان حى واستثناء عضو منه أصلا، ويجوز بيع عصارة الزيتون والسمسم دون الدهن قبل عصره، ولا يحل بيع جلد حيوان حى دون لحمه، ولا دون عضو مسمى منه أصلا ولا يجوز بيع مخيض لبن قبل أن يمخض ولا الميش (4) قبل أن يخرج * برهان كل ما ذكرنا قول الله تعالى: (وأحل الله البيع) وقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فكل بيع لم يأت في القرآن ولا في السنة تحريمه باسمه مفصلا فهو حلال بنص كلام الله تعالى، وكل ما ذكرنا فمال للبائع وملك له يبيع منه ما شاء فهو من ماله ويمسك منه ما شا فهو


(1) هي المرضعة غير ولدها (2) في النسخة رقم 14 (فحكمها) (3) في النسخة رقم 16 (في الضرع) (4) الميش حلب نصف مافى الضرع فإذا جاوز النصف فليس بميش

[ 399 ]

من ماله، فما ظهر من ماله ورؤى أو وصفه من رآه فبيعه جائز ويمسك ما لم يره هو ولا غيره لانه لا يحل بيع المجهول كما قدمنا أو لانه لا يريد بيعه فذلك له وان كان مرئيا (1) حاضرا أو موصوفا غائبا، وأما قولنا: لا يحل استثناء لبن لم يحدث بعد فلانه إنما يحدث إذا أحدثه الله تعالى في مال غيره فلا يحل له أن يشترط من مال غيره شيئا إلا أن يكون الثمن فيما باع فقط لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإنما منعنا من بيع حيوان إلا عضوا مسمى منه * وأجز نا بيع الحامل دون حملها فان ذلك (2) الحيوان لا يخلو من أن يكون من بنى آدم أو من سائر الحيوان فان كان من سائر الحيوان فاستثناء العضو المعين منه أكل مال بالباطل لانه لا ينتفع به إلا بذبحه ففى هذا البيع اشتراط ذبح ذلك الحيوان على بائع العضو منه أو على بائعه إلا عضوا منه وهذا شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وان كان ذلك الحيوان من بنى آدم فكذلك أيضا وهو إضاعة للمال جملة وهذا مما يوافقنا [ عليه ] (3) الحاضرون كلهم من خصومنا * وأما الحمل. والصوف. والوبر. والشعر. وقرن الايل وكل ما يزايل الحيوان بغير مثلة ولا تعذيب فكما قدمنا انه مال لبائعه يبيع من ماله ما شاء ويمسك ما شاء إلا أن يكون في ذلك إضاعة مال أو مثلة بحيوان أو إضرار به فلا يحل لصحة النهى عن المثلة وعن تعذيب الحيوان وبالله تعالى التوفيق * وأما منعنا من بيع المخيض دون السمن قبل المخض ومن بيع الميش دون الجبن قبل عصره فلانه لا يرى ولا يتميز ولا يعرف مقداره فقد يخرج المخض والعصير قليلا وقد يخرج كثيرا وهذا بخلاف بيع عصارة الزيتون والسمسم دون الدهن قبل العصر لان الزيتون. والسمسم. واللوز. والجوز كل ذلك مرئى معروف وانما الخافى فهو الدهن فقط ولا يحل بيعه قبل ظهوره ويجوز استثناؤه لانه ابقاء له في ملك مالكه وهذا مباح حسن وبالله تعالى التوفيق * وقد جاءت في هذا آثار روينا من طريق سعيد بن منصور نا حبان بن على نا محمد بن اسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر) * ومن طريق ابن ابى شيبة عن ابن ادريس - هو عبد الله - عن عبيدالله بن عمر عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر) وقد أباحه (4) بعض السلف كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عباد بن العوام عن هشام - هو ابن حسان - عن ابن سيرين عن شريح أنه كان لا يرى بأسا ببيع الغرر إذا كان علمهما فيه سواء، وكما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية - هو اسماعيل بن ابراهيم - عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين


(1) في النسخة رقم 16 (قريبا) (2) في النسخة رقم 16 (لان ذلك) (3) الزيادة من النسخة الحلبية (4) في النسخة رقم 16 (وقد أجازه)

[ 400 ]

قال: لا أعلم ببيع الغرر بأسا * ومن طريق سعيد بن منصور نا حبان بن على نا المغيرة عن ابراهيم قال: من الغرر ما يجوز ومنه ما لا يجوز فأما ما يجوز فشراء السلعة المريضة أما مالا يجوز فشراء السمك في الماء، وقد روينا إجازة بيع السمك في الماء قبل أن يتصيد عن عمر بن عبد العزيز وبه يقول (1) ابن أبى ليلى * قال ابو محمد: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذى ذكر ابراهيم ليس شئ منه غررا أما المريضة فكل الناس يمرض ويموت وقد يموت الصحيح فجأة ويبرأ المريض المدنف فلا غرر ههنا أصلا، وأما السمك في الماء فان كان قد ملك قبل فليس بيعه غرر ابل هو بيع صحيح وقد وافقنا الحاضرون من خصومنا على أن بركة في دار لانسان صغيرة صاد صاحبها سمكة (2) ورماها فيها (3) حية فان بيعها فيها جائز، وأما ما لم يملك من السمك بعد فلم يجز بيعه لانه غرر حتى لو كانت السمكة مقدورا عليها بالضمان ما حل بيعها وإنما حرم لانه بيع ما ليس له وهذا أكل مال بالباطل * وقد روينا من طريق ابن أبى شيبة نا قرة بن سليمان عن محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن عمر فيمن باع أمة واستثنى ما في بطنها قال: له ثنياه، وقد صح هذا أيضا عن ابن عمر في العتق * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: من باع حبلى أو اعتقها واستثنى ما في بطنها فله ثنياه فيما قد استبان خلقه فان لم يستبن خلقه فلا شئ له * قال على: سواء استبان خلقه أو لم يستبن له ثنياه لما قد ذكرناه من أنه ماله يستثنيه ان شاء فلا يبيعه أو يدخل في صفقة أمه لانه بعضها ما لم ينفخ فيه الروح ومن جملتها بعد نفخ الروح فيه ولكن من استثنى حمل الحامل الذى باع كما ذكرنا فما ولدت ان كانت من بنى آدم إلى تسعة أشهر غير ساعة فهو له الا أن يوقن أن حملها به كان بعد البيع فلا شئ له لانه حدث في مال غيره وينظر في سائر الحيوان كذلك فما ولدت لا قصى ما يلد له ذلك الحيوان فهو للذى استثناه وما ولدت لاكثر فليس له لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * ومن طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن يونس عن الحسن البصري انه كان يجيز ثنيا الحمل في البيع ولا يجيزه في العتق، وهو قول أبى سليمان. وأبى ثور في البيع والعتق، وهو كما أوردنا قول صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم * وروينا من طريق ابن أيمن نا عبد الله بن أحمد بن حنبل نا أبى نا عبد الرحمن بن مهدى نا عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب - ثقة مأمون - عن عبيدالله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر قال: أعتق ابن عمر أمة له واستثنى ما في بطنها، وبه يقول عبيدالله بن عمر * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن سعيد - هو


(1) في النسخة رقم 16 (وهو قول) (2) في النسخة رقم 14 (سمكا) (3) أي في الدار وهى مؤنثة

[ 401 ]

القطان عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين فيمن اعتق أمته (1) واستثنى ما في بطنها فقال: له ثنياه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن يمان عن سفيان - هو الثوري - عن جابر. ومنصور بن المعتمر. وابن جريج قال جابر: عن الشعبى. وقال منصور: عن ابراهيم. وقال ابن جريج: عن عطاء ثم اتفق الشعبى. وابراهيم النخعي. وعطاء قالوا كلهم: إذا أعتقها واستثنى ما في بطنها فله ثنياه * وبه إلى ابن أبى شيبة نا حرمى بن عمارة ابن أبى حفصة عن شعبة قال: سألت الحكم. وحماد بن أبى سليمان عن ذلك - يعنى من أعتق أمته واستثنى ما في بطنها - فقالا جميعا: ذلك له * نا حمام نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أحمد بن مسلم نا أبو ثور نا أسباط نا سفيان الثوري (2) عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: من كاتب أمته واستثنى ما في بطنها فلا بأس بذلك * وبه يقول أبو ثور. وأحمد بن حنبل في العتق. والبيع، وبه يقول أيضا اسحق. وأبو سليمان، فهؤلاء جمهور التابعين الحسن. وابن سيرين. وابراهيم. والشعبى. وعطاء: والحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان بعضهم في البيع. وبعضهم في العتق. وبعضهم في الامرين معا وما نعلم الآن مخالفا لهم الا الزهري وقال بقولنا في هذا من الفقهاء كما ذكرنا عبيدالله بن عمر. وأحمد. وأبو ثور. واسحاق. وأبو سليمان. وغيرهم، وليت شعرى أين هم عن حجتهم بالمسلمين عند شروطهم؟ * وأما استثناء الجلد والسواقط فروينا من طريق عبد الملك بن حبيب الاندلسي نا أصبغ عن ابن وهب عن الليث بن سعد عن عمارة بن غزية عن عروة بن الزبير: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر مهاجرين إلى المدينة اشتريا من راعى غنم شاة وشرطا له إهابها) * قال أبو محمد: هذا باطل عبد الملك هالك. وعمارة ضعيف ثم هو مرسل، ثم لو صح لكان منسوخا لانه كما ترى قبل الهجرة، وقد جاء النهى عن بيع الغرر بعد ذلك، وبيع لحم شاة حية غرر لانه لا يدرى أهزيل أم سمين. أو ذو عاهة أم سالم، ثم من لهم أن ذلك انما جاز لاجل السفر فان هذا ظن (3) لا يصح * فان قالوا: كان في سفر قلنا: وكان في طريق المدينة فلا تجيزوه في غيره * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبى عن زيد بن ثابت أن رجلا باع بقرة واشترط رأسها ثم بداله فأمسكها فقضى له زيد بشروى (4) رأسها قال سفيان: نحن نقول: البيع فاسد * ومن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن نسير


(1) في النسخة رقم 16 أمة (2) في النسخة رقم 14 عن سفيان الثوري (3) في النسخة رقم 14 فهذا ظن (4) شروى الشئ مثله (م 51 ج 8 المحلى)

[ 402 ]

ابن ذعلوق (1) عن عمرو بن راشد الاشجعى أن رجلا باع بخية واشترط ثنياها فبرئت فرغب فيها فاختصما إلى عمر بن الخطاب فقال: اذهبا إلى على فقال على: اذهب بها إلى السوق فإذا بلغت أفضل ثمنها فاعطوه حساب ثنياها من ثمنها * ورويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن نسير بن ذعلوق عن عمرو بن راشد أن رجلا باع بعيرا مريضا واستثنى جلده فبرأ البعير فقال على: يقوم البعير في السوق ثم يكون له شراوه (2) * ومن طريق عبد الملك بن حبيب الاندلسي حدثنى أصبغ عن ابن وهب عن اسماعيل ابن عياش اشترى رجل رأس جمل ونقد ثمنه واشترى آخر بقيته ونقد ثمنه لينحراه فعاش الجمل وصلح فقال مشترى الجمل لمشترى الرأس: انما لك ثمن الرأس فاختصما إلى شريح فقال شريح: هو شريكك فيه بحصة ما نقد وبحكم شريح هذا يأخذ عثمان البتى. وأحمد. واسحاق ولم يجز مالك استثناء الجلد والرأس الا في السفر لا في الحضر فخالف كل من ذكرنا ولم يجزه أبو حنيفة. ولا الشافعي أصلا، وأجاز الاوزاعي استثناء اليد أو الرأس أو الجلد عند الذبح خاصة وكرهه ان تأخر الذبح، والحنيفيون. والمالكيون يعظمون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف منهم وخالفوا ههنا زيد بن ثابت. وعمر ابن الخطاب ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف، وأما المالكيون فانهم رأوا فيمن باع بعيرا واستثنى جلده فاستحياه الذى اشتراه ان له شروى جلده أو قيمته هذا في السفر خاصة، وهذا خلاف حكم عمر. وعلى. وزيد لانهم حكموا بذلك مطلقا لم يخصوا سفرا من حضر، وروينا مثل قولنا عن بعض السلف كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن أبى حمزة قلت لابراهيم: أبيع الشاة واستثنى بعضها قال: لا ولكن قل: أبيعك نصفها * قال ابن أبى شيبة: نا عبد الصمد بن أبى الجارود (3) سألت جابر بن زيد عمن باع بيعا واستثنى بعضه قال: لا يصح ذلك * 1427 مسألة ومن باع ممن ذكرنا الظاهر دون المغيب أو باع مغيبا يجوز بيعه، بصفة كالصوف في الفراش. والعسل في الظرف. والثوب في الجراب فانه إن كان المكان للبائع فعليه تمكين (4) المشترى من أخذ ما اشترى ولا بد وإلا كان غاصبا مانع حق وعلى المشترى ازالة ماله عن مكان غيره وإلا كان غاصبا للمكان مانع حق، فان كان المكان للمشترى فعلى البائع نزع ماله عن مكان غيره والا كان ظالما مانع حق، فان كان المكان لهما جيمعا فأيهما أراد تعجيل انتفاعه بمتاعه فعليه أخذه ولا يجبر الآخر


(1) نسير - بنون في اوله بعدها سين مهملة - مصغر أو ذعلوق بدال معجمة في أوله، وفى النسخة رقم 16 (بشر ابن ذعلوق) وهو غلط (2) أي مثله (3) في النسخة رقم 16 (عبد الصمد بن ابى المخارق) وهو غلط (4) في النسخة رقم 14 (فعليه أن يمكن)

[ 403 ]

على ما لا يريد تعجيله من أخذ متاعه، فان كان المكان لغيرهما فعليهما جميعا أن ينزع (1) كل واحد منهما ماله من مكان غيره وإلا فهو ظالم مانع حق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) ولقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قال سلمان لابي الدرداء: (اعط كل ذى حق حقه فصدقه عليه السلام. وصوب قوله) فمن باع تمرا دون نواها فأخذ التمرة وتخليصها من النوى على المشترى لانه مأمور بأخذ متاعه ونقله وترك النوى مكانه إن كان المكان للبائع فان أبى أجبر واستؤجر عليه من يزيل التمر عن النوى ولا يكلف البائع ذلك إلا أن يشاء لانه لا يلزمه فتح ثمرة غيره ولا أن يعمل له فيه عملا فان كان المكان للمشترى فان أراد المشترى قلع ثمرته فله ذلك ولا يترك غيره يؤثر له فيها أثر الا يريده فان أبى المشترى من ذلك فعلى البائع اخراج نواه ونقله على ألطف ما يمكن ولا شئ عليه، فان تعدى ضمن مقدار تعديه في إفساد الثمرة فان كان المكان لهما فكما قلنا: أيهما أراد تعجيل أخذ متاعه فله أخذه فان أراد ذلك الذى له النوى كان له إخراج نواه بألطف ما يمكن إذ لابد له من ذلك ولا شئ عليه لانه فعل مباحا له فان تعدى (2) ضمن فان كان المكان لغيرهما أجبرا جميعا على العمل معا في تخليص كل واحد منهما ماله وهكذا القول في نافجة المسك. والظروف دون ما فيها. والقشور دون ما فيها. والشمع دون العسل. والتين دون الحب. وجلد الحيوان المذبوح أو المنحور. ولحمة الزيتون. والسمسم وكل ذى دهن، وأما من باع الارض دون البذر. أو دون الزرع. أو دون الشجر. أو دون البناء فالحصاد على الذى له الزرع. والقلع على الذى له الشجر. والبناء والقطع أيضا عليه لان فرضا عليه ازالة ماله عن أرض غيره، ومن باع الحيوان دون اللبن أو دون الحمل فالحلب على الذى له اللبن ولابد وأجرة القابلة عليه أيضا لان واجبا عليه إزالة لبنه عن ضرع (3) حيوان غيره وليس على صاحب الحيوان الا امكانه من ذلك فقط لا خدمته في حلب لبنه، وكذلك على الذى له ملك الولد العمل في العون في أخذ مملوكه أو مملوكته من بطن أمة غيره بما أبيح له من ذلك، ومن باع سارية خشب أو حجر في بناء فعلى المشترى قلع ذلك بألطف ما يقدر عليه من التدعيم (4) لما حول السارية من البناء وهدم ما حواليها مما لابد له من هدمه ولا شئ عليه في ذلك لان له أخذ متاعه كما يقدر، ومن هو مأمور بشئ وبعمل في شئ فلا ضمان عليه لانه بفعل ما يفعل من ذلك محسن وقد قال الله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل انما السبيل على الذى يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق) فان تعدى ضمن لما ذكرنا *


(1) في النسخة رقم 16 (أن ينتزع) (2) في النسخة رقم 14 (وان تعدى) (3) في النسخة رقم 16 وعن ضروع (4) في النسخة رقم 16 (بألطف ما يقدر وليس عليه من التدعيم)

[ 404 ]

1428 مسألة (1) - ومن باع صوفا أو وبرا أو شعرا على الحيوان فالجز على الذى له الصوف. والشعر. والوبر لان عليه ازالة ماله عن مال غيره ومكان الشعر. والوبر. والصوف وهو جلد الحيوان فعلى الذى له كل ذلك ازالة ماله عن مكان غيره وعلى الذى له المكان أن يمكنه من ذلك فقط، وكذلك من اشترى خابية في بيت فعليه اخراجها وله (2) أن يهدم من باب البيت ما لا بدله من هدمه لاخراج الخابية ولاضمان عليه في ذلك إذ لا سبيل له إلى عمل ما كلف الا بذلك وبالله تعالى التوفيق * 1429 مسألة ولا يحل بيع تراب الصاغة أصلا بوجه من الوجوه لانه انما يقصد المشترى ما فيه من قطع الفضة والذهب وهو مجهول لايعرف فهو غرر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر * 1430 مسألة وكل ما نخله الغبارون من التراب أو استخرجه غسالو الطين من الطين. أو استخرج من تراب الصاغة فهو لقطة ما أمكن أن يعرف كالفص. أو الدينار. أو الدرهم فما زاد فتعريفه كما ذكرنا في اللقطة ثم هو للملتقط (3) مضمونا لصاحبه ان جاء وما كان منه لا يمكن أن يعرف صاحبه أبدا من قطعة (4) أو غير ذلك فهو حلال لو اجده على ما ذكرنا في كتاب اللقطة وبالله تعالى التوفيق * 1431 مسألة وأما تراب المعادن فما كان منه معدن ذهب فلا يحل بيعه البتة بوجه من الوجوه لان الذهب فيه مخلوق في خلاله مجهول المقدار، فلو كان الذهب الذى فيه مرئيا كله محاطا به جاز بيعه بما يجوز به بيع الذهب على ما نذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى، وما كان من تراب معدن فضة جاز بيعه بدراهم وبذهب نقدا والى أجل والى غير أجل وبالعرض نقدا وجاز السلم فيه، وكذلك تراب سائر المعادن لانه ليس فيه شئ من الفضة أصلا وانما هو تراب محض لا يصير فضة إلا بمعاناة وطبخ فيستحيل بعضه فضة كما يستحيل الماء ملحا والبيض فراريج. والنوى شجرا ولا فرق (5) * 1432 مسألة وبيع القصيل قبل أن يسنبل جائز وللبائع أن يتطوع للمشترى بتركه ما شاء إلى أن يرعاه أو إلى أن يحصده أو إلى أن يبيس بغير شرط، فان غفل عنه حتى زاد فيه أولادا من أصله لم تكن ظاهرة إذا اشتراه فاختصما فيها فأيهما أقام البينة بمقدار المبيع قضى بها ولم يكن للمشترى إلا القدر الذى اشترى وكانت الزيادة من الاولاد للبائع فان لم تكن له بينة حلفا وقسمت الزيادة التى يتداعيانها بينهما، وأما السنبل. والخروب.


(1) سقط لفظ (مسألة) من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (وعليه) (3) في النسخة رقم 14 (لملتقطه) (4) في النسخة رقم 16 (من فضة) (5) إلى هنا انتهى المجلد الرابع من كتاب المحلى من النسخة رقم 16 نسأل الله التوفيق لاتمامه

[ 405 ]

والحب فللمشترى على كل حال، وكذلك ما زاد في طوله فإذا سنبل الزرع لم يحل بيعه أصلا لا على القطع ولا على الترك إلا حتى يشتد فإذا اشتد حل بيعها حينئذ * برهان صحة بيع القصيل قبل أن يسنبل قول الله تعالى (وأحل الله البيع) وقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فالبيع كله حلال الا بيعا منع منه نص قرآن أو سنة: ولم يأت في منع بيع الزرع مذ ينبت إلى أن يسنبل نص أصلا * وبرهان تحريم بيعه إذا سنبل إلى أن يشتد ما رويناه من طريق مسلم نا على بن حجر. وزهير بن حرب قالا جميعا: نا اسماعيل بن علية عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشترى) (1) * ومن طريق أبى داود نا الحسن بن على نا أبو الوليد - هو الطيالسي - عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد) ولا يصح غير هذا أصلا، وهكذا روينا عن جمهور السلف * روينا من طريق وكيع نا اسرائيل بن يونس عن جابر عن الشعبى عن مسروق عن عمر بن الخطاب. وعبد الله بن مسعود قالا جميعا: لا يباع النخل حتى يحمر ولا السنبل حتى يصفر * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين قال: نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وعن السنبل حتى يبيض * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن عاصم عن ابن سيرين قال: لا يشترى السنبل حتى يبيض * ومن طريق وكيع نا الربيع - هو ابن صبيح - عن الحسن أنه كره بيع السنبل حتى يبيض * ومن طريق ابن أبى شيبة نا على بن مسهر عن أبى اسحاق الشيباني قال: سألت عكرمة عن بيع القصيل فقال: لا بأس فقلت: إنه يسنبل فكرهه، وهذا هو نفس قولنا فلم يستثن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ منع من بيع السنبل حتى يشتد أو يبيض جواز بيعه على الحصاد وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى وما كان ربك نسيا، وكذلك عمر بن الخطاب. وابن مسعود لا مخالف لهما نعلمه من الصحابة رضى الله عنهم * قال أبو محمد: فان حصد السنبل رطبا لم يجز بيعه أيضا لانه سنبل يمكن فيه بعد أن يشتد ويبيض، وكذلك ان صفى فصار حبا ولا فرق للنهى عن ذلك أيضا، فان كان ان ترك لم ييبس ولكن يفسد جاز بيعه لانه قد خرج عن الصفة التى جاء النهى عن بيع ماهى فيه والسنبل في لغة العرب معروف وهو في القمح. والشعير. والعلس: والدخن. والسلت


(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 448

[ 406 ]

وسائر ما يسمى في اللغة سنبلا * 1433 - مسألة - وأما بيع القصيل قبل أن يسنبل على القطع فجائز لان فرضا على كل أحد أن يزيل ما له عن أرض غيره وأن لا يشغلها به فهذا شرط واجب مفترض فان تطوع له رب الارض بالترك من غير شرط فحسن لان لكل أحد اباحة أرضه لمن شاء ولما شاء مما لم ينه عنه، فان زاد فلصاحب المال أن يتطوع له بالزيادة لانه ماله يهبه لمن شاء ما لم يمنعه قرآن. أو سنة، والهبة فعل خير وفضل قال الله تعالى: (وافعلوا الخير) وقال تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) فان أبى فالبينة فان لم تكن بينة فهما متداعيان في الزيادة وهى بأيديهما معا فكل واحد يقول: هي لى فيحلفان لان كل واحد منهما مدعى عليه ثم يبقى لكل أحد ما بيده لبراءته من دعوى خصمه بيمينه وبالله تعالى التوفيق * ومنع أبو حنيفة. ومالك. والشافعي من بيع القصيل حتى يصير حبا يابسا ولم يأت بهذا نص أصلا، ثم تناقضوا فاجازوا بيعه على القطع، وكل هذا بلا برهان أصلا لامن قرآن. ولا من سنة. ولا قول صاحب. ولاقياس. ولا رأى له وجه، ولا دليل لهم على ما منعوا من ذلك ولا على ما أباحوا منه * وقال سفيان الثوري. وابن أبى ليلى: لا يجوز بيع القصيل لا على القطع ولا على الترك، وقول هؤلاء أطرد وأصح في السنبل قبل أن يشتد، واختلفوا ان ترك الزرع فزاد فقال مالك: ينفسخ البيع جملة، وقال أبو حنيفة: للمشترى المقدار الذى اشترى ويتصدق بالزيادة، ويروى عنه (1) أنه رجع فقال: للمشترى المقدار الذى اشترى، وأما الزيادة فللبائع، وقال الشافعي: البائع مخير بين أين يدع له الزيادة فيجوز البيع والبهة معا أو يفسخ البيع، وقال أبو سليمان: الزيادة للمشترى مع ما اشترى * قال أبو محمد: أما فسخ مالك للبيع فقول لا دليل على صحته أصلا، ولاى معنى يفسخ بيعا وقع على صحة باقراره؟ هذا ما لا يجوز الا بقرآن: أو سنة، وأما أول قولى أبى حنيفة فخطأ لان الزيادة إذ جعلها للمشترى فلاى شئ يأمره بالصدقة بها دون أن يأمره بأن يتصدق بالقدر الذى اشترى وكلاهما له، وأما القول الذى رجع إليه من أن الزيادة للبائع فصحيح إذا قامت البينة بها وبمقدار ما اشترى، وأما قول الشافعي فظاهر الخطأ لانه إذ جعل الزيادة للبائع فلاى معنى أجبره على هبتها للمشترى أو فسخ البيع؟ ولاى دليل منعه من طلب حقه والخصام فيه والبقاء عليه؟ فهذه آراء القوم كما ترى في التحليل والتحريم، وأما قول أبى سليمان: ان الزيادة للمشترى فخطأ لان المشترى انما اشترى قدرا


(1) في النسخة رقم 14 (وروى عنه)

[ 407 ]

معلوما فله ما حدث في العين الذى اشترى وللبائع ما زاد فيما استبقى لنفسه ولم يبعه من المشترى فالزيادة في طول الساق للبائع لما ذكرنا لانه ليس للمشترى الازرع ما اشترى فقط وانما تأتى الزيادة من الاصل، وأما السنبل. والحب. والنور. والورق. والتبن. والخروب فللمشترى لانه في عين ماله حدث، وقد جاء في هذا عن بعض التابعين ما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير قال: لا بأس ببيع الشعير للعلف قبل أن يبدو صلاحه إذا كان يحصده من مكانه فان غفل عنه حتى يصير طعاما فلا بأس به * 1434 مسألة ويجوز بيع ما ظهر من المقاثى وان كان صغيرا جدا لانه يؤكل ولا يحل بيع ما لم يظهر بعد من المقاثى. والياسمين. والنور. وغير ذلك، ولا جزة ثانية من القصيل لان كل ذلك بيع ما لم يخلق ولعله لا يخلق وان خلق فلا يدرى أحد غير الله تعالى ما كميته ولا ما صفاته فهو حرام بكل وجه. وبيع غرر. وأكل مال بالباطل، وأجاز مالك كل ذلك (1)، وما نعلم له في تخصيص هذه الاشياء سلفا ولا أحد اقاله غيره قبله ولا حجة، واحتج بعضهم باستئجار الظئر وهذا تحريف لكلام الله تعالى عن موضعه، وأين الاستئجار من البيع ثم أين اللبن المرتضع من القثاء. والياسمين؟ وهم يحرمون بيع لبن شاة قبل حلبه ولا يقيسونه على الظئر ثم يقيسون عليه بيع القثاء. والنور. والياسمين قبل أن يخلق * روينا (2) من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس بن عبيد عن الحسن انه كره بيع الرطاب جزتين جزتين * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا شريك عن المغيرة عن ابراهيم النخعي. والشعبى قالا جميعا: لا بأس ببيع الرطاب جزة جزة * ومن طريق وكيع عن بريد (3) بن عبد الله بن أبى بردة قال: سألت عطاء بن أبى رباح عن بيع الرطبة جزتين؟ فقال: لا تصلح إلا جزة * ومن طريق وكيع عن محمد بن مسلم عن ابن أبى نجيح (4) عن مجاهد أنه كره بيع القضب والحناء إلا جزة وكره بيع الخيار والخربز (5) الا جنية * ومن طريق وكيع عن اسرائيل عن جابر عن ابن أشوع. والقاسم أنهما كرها بيع الرطاب الاجزة وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأحمد. وأبى سليمان. وغيرهم * 1435 - مسألة - فلو باعه المقثاة (6) بأصولها والموز بأصوله وتطوع له بابقاء كل ذلك في أرضه بغير شرط جاز ذلك فإذا ملك ما ابتاع كان له كل ما تولد فيه لانه تولد في ماله وله أخذه بقلع كل ذلك متى شاء لانه أملك بماله ولا يحل له اشتراط ابقاء ذلك


(1) في النسخة رقم 16 (ذلك كله) (2) سقط لفظ (روينا) من النسخة رقم 14 (3) في النسخة رقم 14 (يزيد) وهو غلط (4) في النسخة رقم 14 (عن محمد بن سليمان عن أبى مجح) وهو غلط فيهما (5) هو بكسر الحاء المعجمة بعدها راء البطيخ بالفارسية (6) في النسخة رقم 16 القثاء

[ 408 ]

في أرضه مدة مسماة أو غير مسماة لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، فان احتجوا بالمسلمين عند شروطهم قلنا: هذا لا يصح وأنتم تصححونه فأين أنتم عنه في منعكم جواز بيع القصيل على شرط الترك واباحتكم بيعه بشرط القطع وكلاهما شرط مجرد لم يأت به نص قرآن. ولا سنة أصلا ففرقتم بلا دليل وبالله تعالى التوفيق * 1436 - مسألة - وبيع الامة وبيان أنها حامل من غير سيدها لكن من زوج أو زنا أو اكراه بيع صحيح سواء كانت رائعة أو وخشا (1) كان البيع في أول الحمل أو في وسطه أو في آخره، وقال مالك: يجوز في الوخش ولا يجوز في الرائعة وهذا قول لا دليل عليه أصلا وما نعلم أحدا سبقه إليه أصلا، وقال تعالى: (وأحل الله البيع) وما خص حاملا من حائل. ولا رائعة من وخش. ولا امرأه من سار أناث الحيوان وما كان ربك نسيا * 1437 - مسألة - وبيع السيف دون غمدة جائز. وبيع الغمددون النصل جائز. وبيع الحلية دونهما جائزة، وبيع نصفها مشاع أو ثلثها أو عشرها أو شئ منها بعينه كل ذلك جائز وأحل الله البيع، ومنع أبو حنيفة من بعض ذلك وما نعلم أحدا قاله قبله وما نعلم له دليلا أصلا وبالله تعالى التوفيق، وكذلك بيع قطعة من ثوب أو من خشبة معينة محدودة جائز، وأحل الله البيع * 1438 - مسألة - وبيع حلقة الخاتم دون الفص جائز وقلع الفص حينئذ على البائع وبيع الفص دون الحلقة جائز. وقلع الفص حينئذ على المشترى لان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان دماءكم وأموالكم عليم حرام) والفصل في الحلقة فهى مكان للفص، ففرض على الذى له الفص اخراج الفص من مال غيره (2) وليس له أن يشغل مال غيره بغير اذنه، وليس على صاحب الحلقة الا امكانه من ذلك فقط وأن لا يحول بينه وبين ماله، ولمتولى اخراج الفصل توسيع الحلقة بما لا بد منه في استخراج متاعه ولا ضمان عليه لانه فعل ما هو مأمور بفعله فان تعدى ضمن، وهكذا القول في الجذع يباع دون الحائط أو الحائط يباع دونه. والشجرة دون الارض أو الارض دون الشجرة ولا فرق (3) وبالله تعالى التوفيق * 1439 - مسألة - ومن باع شيئا فقال المشترى: لا أدفع الثمن حتى أقبض ما ابتعت وقال البائع: لا أدفع حتى أقبض أجبرا معا على دفع المبيع والثمن معا لانه ليس أحدهما أحق بالانصاف والانتصاف من الآخر وبيدكل واحد منهما حق للآخر وفرض على كل واحد منهما أن يعطى الآخر حقه فلا يجوز أن يخص أحدهما بالتقدم، وفعل ذلك جور.


(1) الرائع الجواد، والوخش من الناس الرذل يستوى فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع (2) في النسخة رقم 16 عن ملك غيره (3) سقط لفظ ولافرق من النسخة رقم 14

[ 409 ]

وحيف. وظلم، وهذا قول أصحابنا و عبيدالله بن الحسن (1) * 1440 - مسألة - فان أبى المشترى من أن يدفع الثمن مع قبضه لما اشترى وقال: لا أدفع الثمن الا بعد ان أقبض ما اشتريت فللبائع أن يحبس ما باع حتى ينتصف وينصف معا فان تلف عنده من غير تعد منه فهو مصيبة المشترى وعليه دفع الثمن ولا ضمان على البائع فيما هلك عنده من غير تعديه لانه احتبس بحق قال الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) الا أن يكون في بعض ما حبس (2) وفاء بالثمن فانه يضمن ما زاد على هذا المقدار لانه متعد باحتباسه أكثر مما تعدى عليه فيه الآخر، هذا ان كان مما يمكن أن ينقسم فان كان مما لا يمكن قسمته الا بفساده أو حط ثمنه فلا ضمان عليه أصلا، فلو قال البائع: لا أدفع الا بعد قبض الثمن ودعاه المشترى إلى ان يقبض ويدفع معا فأبى فهو ههنا ضامن لانه متعد باحتباسه ما حبس وقد دعى إلى الانصاف فانى وبالله تعالى التوفيق * 1441 - مسألة - ومن قال حين يبيع أو يبتاع: لا خلابة فله الخيار ثلاث ليال بما في خلالهن من الايام ان شاء رد بعيب أو بغير عيب أو بخديعة أو بغير خديعة، وبغبن أو بغير غبن وان شاء أمسك فإذا انقضت الليالى الثلاث بطل خياره ولزمه البيع ولارد له الا من عيب أو وجده (3)، والليالي الثلاث مستأنفة من حين العقد فان بايع قبل غروب الشمس بقليل أو كثير ولو من حين طلوعها فانه يستأنف الثلاث مبتدأة وله الخيار أيضا في يومه ذلك * وان بايع بعد غروب الشمس فله الخيار من حينئذ إلى مثل ذلك الوقت من الليلة الرابعة * حدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا محمد بن اسماعيل الترمذي نا الحميدى نا سفيان بن عيينة نا محمد بن اسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: ان منقذا سفع في رأسه في الجاهلية مأمومة فحبلت لسانه فكان إذا بايع خدع في البيع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بايع وقل: لا خلابة ثم أنت بالخيار) * نا أحمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا محمد بن وضاح نا حامد بن يحيى (4) البلخى نا سفيان بن عيينة نا محمد بن اسحاق عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: (إن منقذاسفع في راسه مأمومة في الجاهلية فخبلت لسانه فكان يخدع في البيع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بع وقل: لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثا من بيعك) قال ابن عمر: فسمعته يقول إذا بايع: لا خذابة لاخذابة *


(1) في النسخة رقم 14 ابن الحسين وهو غلط (2) في النسخة رقم 16 ما احتبس (3) في النسخة رقم 14 ولا رد له من عيب إلا إذا وجده (4) في النسخة رقم 14 جابر بن يحيى وهو تحريف (م 52 ج 8 المحلى)

[ 410 ]

1442 - مسألة - فان لم يقدر على أن يقول: لا خلابة قالها كما يقدر لآفة بلسانه (1) أو لعجمة فان عجز جملة قال: بلغته ما يوافق معنى لا خلابة وله الخيار المذكور أحب البائع أم كره * برهان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منقذا أن يقولها وقد علم أنه لا يقول الا لا خذابة، وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) * 1443 - مسألة - فان رضى في الثلاث وأسقط خياره لزمه البيع وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار ثلاثا فلو كان لا يلزمه الرضى ان رضى في الثلاث لكان انما جعل له عليه السلام الخيار في الرد فقط لا في الرضى وهذا باطل لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل له الخيار فكان عموما لكل ما يختار من رضى أورد، ولو كان الخيار لا ينقطع باسقاطه اياه واقراره (2) بالرضى لوجب أيضا ضرورة أن لا ينقطع خياره وان رد البيع حتى ينقضى الثلاث وهذا محال، فظاهر اللفظ ومعناه أن له الخيار مدة الثلاث ان شاء رد فيبطل البيع ولا رضى له بعد الرد وان شاء رضى فيصح البيع ولارد له بعد الرضى لا يحتمل أمره عليه السلام غير هذا أصلا فان لم يلفظ بالرضى ولا بالرد لم يجز أن يجبر على شئ من ذلك وبقى على خياره إلى انقضاء الثلاث ان شاء ردوان شاء أمسك فان انقضت الثلاث ولم يرد فقد لزمه البيع لانه بيع صحيح جعل له الخيار في رده ثلاثا لا أكثر فان لم يبطله فلا ابطال له بعد الثلاث الا من عيب كسائر البيوع وبقى البيع بصحته لم يبطل، وبالله تعالى التوفيق * 1444 - مسألة - فان قال لفظا غير لا خلابة لكن أن يقول: لا خديعة أو لا غش أولا كيد أو لا غبن أو لا مكر أو لا عيب أو لا ضرر أو على السلامة. أولاداء ولا غائلة. أو لا خبث أو نحو هذا لم يكن له الخيار المجعول لمن قال: لا خلابة لكن ان وجد شيئا مما بايع على أن لا يعقد بيعه عليه بطل البيع وان لم يجده لزمه البيع * برهان ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر في الديانة بأمر ونص فيه بلفظ ما لم يجز تعدى ذلك اللفظ إلى غيره سواء كان في معناه أو لم يكن مادام قادرا على ذلك اللفظ الا بنص آخر يبين أن له ذلك لانه عليه السلام قد حدفى ذلك حدافلا يحل تعديه قال الله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله نارا خالدا فيها) وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحى يوحى)، وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) ولو جاز غير هذا الجاز الاذان بأن يقول: العزيز أجل. ليس لنارب الا الرحمن. أنت ابن عبد الله بن عبد المطلب مبعوث من الرحمن. هلموا [ إلى ] (3) نحو الظهر هلموا نحو البقاء


(1) في النسخة رقم 14 لا آفة لسانه (2) في النسخة رقم 14 واقرار (3) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 411 ]

العزيز أعظم ليس لنا رب الا الرحيم * قال أبو محمد: من أذن هكذا فحقه أن يستتاب فان تاب والا قتل لانه مستهزئ بآيات الله عزوجل متعد لحدود الله (1)، ولا فرق بين ما ذكرناه وبين ما أمر به عليه السلام في ألفاظ الصلاة. والاذان. والاقامة. والتلبية. والنكاح. والطلاق. وسائر الشريعة وعلى المفرق الدليل والا فهو مبطل، وأما من أجاز محالفة الالفاظ المحدودة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاذن. والاقامة وأجاز تنكيسها. وقراءة القرآن في الصلاة بالاعجمية وهو فصيح بالقرآن فما عليه أن يقول بتنكيس الصلاة فيبدؤها بالتسليم ثم بالعقود. والتشهد، ثم بالسجود، ثم بالركوع، ثم بالقيام، ثم بالتكبير ويقرأ في الجلوس. ويتشهد في القيام. وأن يصوم الليل في رمضان. ويفطر النهار ويحيل الحج. ويبدل ألفاظ القرآن بغيرها مما هو في معناها ويقدم ألفاظة ويؤخرها ما لم يفسد المعنى. ويكتب المصحف كذلك. ويقرأ في الصلاة كذلك. ويقرئ الناس كذلك. ويبدل الشرائع ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كل ذلك ومن أن نتعدى شيئا مما حده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الينا لا علم لنا إلاما علمنا ونحمد الله كثيرا على ذلك * وقد وافقنا كثير من مخالفينا أن لفظ البيع لا ينوب عن لفظ السلم، وهذا منقذ المأمور باللفظ المذكور لم ير أن يتعداه إلى غيره وان كان في معناه بل قاله كما أمر. وكما قدر. وكما كلف. ونسأل المخالف لنا (2) في هذا عن الفرق بين الالفاظ المأمور بها في الاحكام وبين الاوقات المأمور بها في الاحكام. وبين المواضع المأمور بها في الاحكام. وبين الاحوال والاعمال المأمور بها في الاحكام ولا سبيل له إلى فرق أصلا فان سوى بين الجميع في الايجاب وفق وهو قولنا وان سوى بين الجميع في جواز التبديل كفر بلا خلاف وبدل الدين كله وخرج عنه وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب دعاء يقوله وفيه (آمنت بكتابك الذى أنزلت ونبيك الذى أرسلت) فذهب البراء يستذكره (3) فقال: وبرسولك الذى أنزلت ونبيك الذى أرسلت فقال له عليه السلام: (ونبيك الذى أرسلت) فلم يدعه أن يبدل لفظة مكان التى أمره بها والمعنى واحد، ومنم أعجب وأضل ممن يجيز تبدليل لفظ أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول: ان قال الشاهد: أخبرك أو أعلمك بانى أعلم أن (4) لهذا عند هذا دينارا أنها ليست شهادة ولا يحكم بها حتى يقول: أشهد فاعجبوا لعكس هؤلاء القوم للحقائق! * وأما الالفاظ الاخر فهى ألفاظ معروفة المعاني بايع


(1) في النسخة رقم 16 (لحدوده) (2) في النسخة رقم 14 (ونسأل المخالفين لنا) ويوهنه ما سيأتي بعد ولا سبيل له (3) في النسخة رقم 16 (يستذكرها) أي الجملة من الدعاء، ومرجع الضمير على ماهنا الدعاء (4) لفظ أن سقط من النسخة رقم 14

[ 412 ]

عليها فله ما بايع عليه ان وجده كذلك لانه ما تراضيا عليه كما قال الله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فان وجد غير ما تراضيا به في بيعه فلم يجد ما باع ولا ما ابتاع وليس له غير ذلك فلا يحل له من مال غيره ما لم يبايعه فيه عن تراض منهما، وهذا بين وبالله تعالى التوفيق * 1445 مسألة - وكل شرط وقع في بيع منهما أو من أحدهما برضى الآخر فانهما ان عقداه قبل عقد البيع أو بعد تمام البيع بالتفرق بالابدان. أو بالتخيير. أو في أحد الوقتين - يعنى قبل العقد أو بعده - ولم يذكراه في حين عقد البيع فالبيع صحيح تام والشرط باطل لا يلزم (1)، فان ذكرا ذلك الشرط في حال عقد البيع (2) فالبيع باطل مفسوخ والشرط باطل أي شرط كان لاتحاش شيئا الا سبعة شروط فقط فانها لازمة والبيع صحيح ان اشترطت في البيع، وهى اشتراط الرهن فيما تبايعاه إلى أجل مسمى. واشتراط تأخير الثمن ان كان دنانير أو دراهم إلى أجل مسمى، واشتراط أداء الثمن إلى الميسرة وان لم يذكرا أجلا، واشتراط صفات المبيع التى يتراضيانها معا ويتبايعان ذلك الشئ على أنه بتلك الصفة، واشتراط أن لا خلابة، وبيع العبد أو الامة فيشترط المشترى ما لهما أو بعضه مسمى معينا أو جزءا منسوبا مشاعا في جميعه سواء كان ما لهما مجهولا كله أو معلوما كله أو معلوما بعضه مجهولا بعضه، أو بيع أصول نخل فيها ثمرة قد أبرت قبل الطيب أو بعده فيشترط المشترى الثمرة لنفسه أو جزءا معينا منها أو مسمى مشاعا في جميعها، فهذه ولا مزيد وسائرها باطل كما قدمنا كمن باع مملوكا بشرط العتق أو أمة بشرط الايلاد. أو دابة واشترط ركوبها مدة مسماة قلت أو كثرت أوا إلى مكان مسمى قريب أو بعيد أو دارا واشترط سكناها ساعة فما فوقها أو غير ذلك من الشروط كلها * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم بن الحجاج نا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني نا أبو أسامة - هو حماد بن أسامة - نا هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرتني عائشة أم المؤمنين فذكرت حديثا قالت فيه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه [ بما هو أهله ] (3) ثم قال: أما بعد فما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل وان كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق (وذكر باقى الخبر * ومن طريق أبى داود حدثنا القعنبى. وقتيبة بن سعيد قالا جميعا: نا الليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير قال: ان عائشة أم المؤمنين أخبرته (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقال: ما بال اناس يشترطون


(1) في النسخة رقم 16 (فلم يلزم) (2) في النسخة رقم 16 (في حال العقد) (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 440

[ 413 ]

شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وان اشترط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق (1)، فهذا الاثر كالشمس صحة وبيانا يرفع الاشكال كله، فلما كانت الشروط كلها باطلة غير ما ذكرنا كان كل عقد من بيع أو غيره عقد على شرط باطل باطلا ولابد لانه عقد على أنه لا يصح (2) الا بصحة الشرط والشرط لاصحة له فلا صحة لما عقد بان لا صحة له الا بصحة ما لا يصح * قال أبو محمد: وأما تصحيحنا الشروط السبعة التى ذكرنا فانها منصوص على صجتها وكل ما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه (3) فهو في كتاب الله عزوجل قال تعالى: (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى) وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) فاما (4) اشتراط الرهن في البيع إلى أجل مسمى فلقوله تعالى: (ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * وأما اشتراط الثمن إلى أجل مسمى فلقول الله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) وأما اشتراط أن لا خلابة فقد ذكرنا الخبر في ذلك قبل هذا المكان بنحو أربع مسائل (5) وأما اشتراط الصفات التى يتبايعان عليها من السلامة: أو من أن لا خديعة ومن صناعة البعد. أو الامة. أو سائر صفا ت المبيع فلقول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فنص تعالى على التراض منهما والتراضي لا يكون الا على صفات المبيع، وصفات الثمن ضرروة * وأما اشتراط الثمن إلى الميسرة فلقول الله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * وروينا من طريق شعبة أخبرني عمارة ابن أبى حفصة عن عكرمة عن عائشة أم المؤمنين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودى قدمت عليه ثياب ابعث إلى بثوبين إلى الميسرة) وذكر باقي الخبر * وأما مال البعد. أو الامة واشتراطه واشتراط ثمر النخل المؤبر فلما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من باع عبدا وله مال فما له للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ومن باع نخلا قد ابرت فثمرتها للبائع الا أن يشترط المبتاع * قال أبو محمد: ولو وجدنا خبرا يصح في غير هذه الشروط باقيا غير منسوخ لقلنا به ولم نخالفه، وسنذكر إن شاء الله تعالى حكم هذين الشرطين إذ قد ذكرنا غيرهما والحمد لله رب العالمين، وقد ذكرنا رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كل بيع فيه شرط فليس بيعا *


(1) الحديث في سنن أبى داود مطولا اختصره المؤلف (2) في النسخة رقم 14 (لانه عقد مالا يصح) (3) سقط لفظ عليه من النسخة رقم 14 (4) في النسخة رقم 14 (وأما) (5) ذكر في ص 376

[ 414 ]

قال على: فان احتج معارض لنا بقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وقوله تعالى: ((أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) بما روى: (المسلمون عند شروطهم) قلنا [ وبالله تعالى التوفيق ] (1) أما أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود لا يختلف اثنان في أنه ليس على عمومه ولا على ظاهره، وقد جاء القآرن بأن نجتنب نواهى الله تعالى ومعاصيه فمن عقد على معصية فحرام عليه الوفاء بها فإذا لا شك في هذا فقد صح أن كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل والباطل محرم فكل محرم فلا يحل الوفاء به، وكذلك قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) فلا يعلم ما هو عهد الله إلا بنص وارد فيه وقد علمنا أن كل عهد نهى الله عنه فليس هو عهد الله تعالى بل هو عهد الشيطان فلا يحل الوفاء به، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل والباطل لا يحل الوفاء به * وأما الاثر في ذلك فاننا رويناه من طريق ابن وهب حدثنى سليمان بن بلال نا كثير ابن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم)) * ورويناه أيضا من طريق عبد الملك بن حبيب الاندلسي حدثنى الحزامى عن محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن محمد بن أبى بكر بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم 9) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يحيى ابن أبى زائدة عن عبد الملك عن عطاء بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون عند شروطهم) * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن الحجاج بن أرطاة عن خالد بن محمد عن شيخ من بنى كنانة سمعت عمر يقول: المسلم عند شرطه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن عيينة عن يزيد ابن يزيد بن جابر عن اسماعيل بن عبيدالله عن عبد الرحمن بن غنم قال عمر بن الخطاب: (ان مقاطع الحقوق عند الشروط 9) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على قال: المسلمون عند شروطهم * قال أبو محمد: كثير بن زيد هو كثير بن عبد الله بن عمرو (2) بن زيد هالك متروك باتفاق، والوليد بن زباح مجهول، والآخر عبد الملك بن حبيب هالك، ومحمد بن عمر هو الواقدي مذكور بالكذب، وعبد الرحمن بن محمد مجهول لا يعرف. ومرسل أيضا، والثالث مرسل أيضا، والذى من طريق عمر فيه الحجاج بن أرطاة وهو هالك، وخالد ابن محمد مجهول. وشيخ من بنى كنانة، والآخر فيه اسماعيل بن عبيدالله ولا أعرفه، وخبر على مرسل، ثم لو صح كل ما ذكرنا لكان حجة لنا وغير مخالف لقولنا لان شروط المسلمين هي الشروط التى أباحها الله لهم لا التى نهاهم عنها، وأما التى نهو عنها فليست


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 14 (ابن عمر) وهو غلط

[ 415 ]

شروط المسلمين، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وان كان مائة شرط أو اشترط مائة مرة وانه لا يصح لمن اشترطه فصح أن كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فباطل فليس هو من شروط المسلمين فصح قولنا بيقين ثم ان الحنيفيين. والمالكيين. والشافعيين أشد الناس اضطرابا وتناقضا في ذلك لانهم يجيزون شروطا ويمنعون شروطا كلها سواء في أنها باطل ليست في كتاب الله عزوجل ويجيزون شروطا ويمنعون شروطا كلها سواء في أنها حق لانها في كتاب الله تعالى، فالحنيفيون. والشافعيون يمنعون اشتراط المبتاع مال العبد. وثمرة النخل المؤبر ولا يجيزون له ذلك البتة الا بالشراء على حكم البيوع، والمالكيون. والحنيفيون. والشافعيون لا يجيزون البيع إلى الميسرة ولا شرط قول: لا خلابة عند البيع وكلاهما في كتاب الله عزوجل لامر النبي (1) صلى الله عليه وسلم بهما وينسون ههنا (2): (المسلمون عند شروطهم) وكلهم يجيز بيع الثمرة التى لم يبد صلاحها بشرط القطع وهو شرط ليس في كتاب الله تعالى بل قد صح النهى عن هذا البيع جملة، ومثل هذا كثير * قال أبو محمد: ولا يخلوا كل شرط اشترط في بيع أو غيره من أخذ ثلاثة أوجه لا رابع لها اما اباحة مال لم يجب في العقد. واما ايجاب عمل. وأما المنع من عمل والعمل يكون بالبشرة أو بالمال فقط وكل ذلك حرام بالنص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم وأبشاركم عليكم حرام) وأما المنع من العمل فان الله تعالى يقول: (لم تحرم ما أحل الله لك) فصح بطلان كل شرط جمله الا شرطا جاء النص من القرآن أو السنة باباحته، وههنا أخبار نذكرها ونبينها ان شاء الله تعالى لئلا يعترض بها جاهل أو مشغب * حدثنى محمد بن اسماعيل العذري القاضى بسرقسطة نا محمد بن على الرازي المطوعى نا محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري نا جعفر بن محمد الخلدى نا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير نا محمد بن سليمان الذهلى نا عبد الوارث - هو ابن سعيد التنورى - قدمت مكة قوجدت بها أبا حنيفة. وابن أبى ليلى. وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة عمن باع بيعا واشترط شرطا؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم سألت ابن أبى ليلى عن ذلك؟ فقال البيع جائز والشرط باطل، ثم سألت ابن شبرمة عن ذلك؟ فقال: البيع جائز والشرط جائز فرجعت إلى أبى حنيفة فأخبرته بما قالا فقال: لا أدرى ما قالا - حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط) البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبى ليلى فاخبرته بما قالا فقال: لا أدرى ما قالا - حدثنا


(1) في النسخة رقم 16 (امر النبي) (2) في النسخة رقم 14 هنا

[ 416 ]

هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اشترى بريرة واشترطي لهم الولاء) البيع جائز والشرط باطل، فأتيت ابن شبرمة فاخبرته بما قالا فقالا: لا أدرى ما قالا نا مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله (أنه باع من رسول الله صلى الله عليه وسلم جملا واشترط ظهره إلى المدينة) البيع جائز * والشرط جائز * وههنا خبر رابع رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا زياد بن أيوب نا ابن علية نا أيوب السختيانى نا عمرو بن شعيب حدثنى أبى عن أبيه عن أبيه (1) حتى ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن) وبه يأخذ أحمد بن حنبل فيبطل البيع إذا كان فيه شرطان ويجيزه إذا كان فيه شرط واحد، وذهب أبو ثور إلى الاخذ بهذه الاحاديث كلها فقال: ان اشترط البائع بعض ملكه كسكنى الدار مدة مسماة أو دهره كله أو خدمة العبد كذلك. أو ركوب الدابة كذلك. أو لباس الثوب كذلك جاز البيع والشرط لان الاصل له والمنافع له فباع ما شاء وأمسك ما شاء، وكل بيع اشترط فيه ما يحدث في ملك المشترى فالبيع جائز والشرط باطل كالولاء ونحوه، وكل بيع اشترط فيه عمل أو مال على البائع أو عمل المشترى فالبيع والشرط باطلان معا * قال أبو محمد: هذا خطأ من أبى ثور لان منافع ما باع البائع من دار. أو عبد. أو دابة. أو ثوب أو غير ذلك فانما هي له مادام كل ذلك في ملكه فإذا خرج عن ملكه فمن الباطل والمحال أن يملك ما لم يخلقه الله تعالى بعد من منافع ما باع فإذا أحدثها الله تعالى فانما أحدثها الله تعالى في ملك غيره فهى ملك لمن حدثت [ عنده ] (2) في ملكه فبطل توجيه أبى ثور، وكذلك باقى تقسميه لانه دعوى بلا برهان * وأما قول أحمد فخطأ أيضا لان تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرطين (3) في بيع ليس مبيحا لشرط واحد ولا محرما له لكنه مسكوت عنه في هذا الخبر فوجب طلب حكمه في غيره فوجدنا قوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) فبطل الشرط الواحد وكل ما لم يعقد الا به وبالله تعالى التوفيق، وبقى حديث بريرة. وجابر في الجمل فنقول وبالله تعالى التوفيق: اننا روينا ما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات نا محمد بن أحمد بن مفرج نا عبد الله بن جعفر بن الورد نا يحيى بن أيوب بن بادى العلاف نا يحيى بن بكير نا الليث ابن سعد عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت: (جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلى على تسع أواق في كل عام أوقية فاعينيني فقالت عائشة: ان أحب أهلك (4) أن أعدها لهم


(1) سقط لفظ (عن أبيه) الثاني من سنن النسائي ج 7 ص 295 (2) الزيادة من النسخة رقم 16 (3) في النسخة رقم 14 (للشرطين) (4) في النسخ كلها (ان احبوا أهلك)

[ 417 ]

عدة واحدة ويكون لى ولاؤك فعلت فعرضتها عليهم فأبوا الا أن يكون الولاء لهم (1) فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فسألها فاخبرته فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء فانما الولاء لمن أعتق ففعلت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية في الناس فحمد الله عزوجل ثم قال: ما بال رجال يشترطون شروطا ليس في كتاب الله عزوجل ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق) وذكر باقى الخبر * ومن طريق البخاري نا أبو نعيم نا عبد الواحد بن أيمن نا أبى قال: دخلت على عائشة [ رضى الله عنها ] (2) فقالت: دخلت بريرة - وهى مكاتبة - وقالت: اشتريني واعتقيني قالت: نعم قالت: لا تبيعوني حتى يشترطوا ولائي فقالت عائشة: لا حاجة لى بذلك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشتريها وأعتقيها ودعيهم يشترطوا ما شاءوا فاشترتها عائشة فاعتقتها واشترط أهلها الولاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن اعتق وان كان مائة شرط) (3) * قال أبو محمد: فالقول في هذا الخبر هو على ظاهره دون تزيد ولا ظن كاذب مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحريف اللفظ وهو ان اشترط الولاء على المشترى في المبيع للعتق كان لا يضر البيع شيئا وكان البيع على هذا لشرط جائزا حسنا مباحا وان كان الولاء مع ذلك للمعتق، وكان اشتراط البائع الولاء لنفسه مباحا غير منهى عنه ثم نسخ الله عزوجل ذلك وأبطله إذ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كما ذكرنا فحينئذ حرم أن يشترط هذا الشرط أو غيره جملة الا شرطا في كتاب الله تعالى لاقبل ذلك أصلا، وقد قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * برهان ذلك أنه عليه السلام قد أباح ذلك وهو عليه السلام لا يبيح الباطل ولا يغر أحدا ولا يخدعه، فان قيل: فهلا أجزتم البيع بشرط العتق في هذا الحديث؟ قلنا: ليس فيه اشتراطهم عتقا أصلا (4) ولو كان لقلنا به، وقد يمكن أنهم اشترطوا ولاءها ان اعتقت يوما ما أو ان أعتقتها إذ إنما في الحديث أنهم اشترطوا ولاءها لانفسهم فقط ولا يحل أن يزاد في الاخبار شئ لا لفظ ولا معنى فيكون من فعل ذلك كاذبا الا اننا نقطع ونبت أن البيع بشرط العتق لو كان جائزا لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وبينه، فإذ لم يفعل فهو شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولا فرق بين البيع بشرط العتق وبين بيعه


(1) في النسخة رقم 14 ان يكون لهم الولاء (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 304 والحديث فيه مطول اختصره المصنف (3) في صحيح البخاري وان اشترطوا مائة شرط (4) في النسخة رقم 14 عتقا أصلا (م 53 ج 8 المحلى)

[ 418 ]

بشرط الصدقة. أو بشرط الهبة. أو بشرط التدبير وكل ذلك لا يجوز. وأما حديث جابر فاننا رويناه من طريق البخاري نا أبو نعيم نا زكريا سمعت عامرا الشعبى يقول: حدثنى جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه فدعا له فسار سيرا (1) ليس يسير مثله ثم قال: بعنيه بأوقية قلت: لاثم قال: بعنيه بأوقية فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلى فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ثم انصرفت فأرسل على إثرى فقال: ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك فهو مالك) * ومن طريق مسلم نا ابن نمير نا أبى نا زكريا - هو ابن أبى زائدة - عن عامر الشعبى حدثنى جابر بن عبد الله فذكر هذا الخبر وفيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: بعنيه فبعته بأوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلى فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت (2) فارسل في أثرى فقال: أتراني ما كستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك) * ومن طريق أحمد بن شعيب انا محمد بن العلاه نا أبو معاوية عن الاعمش عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله فذكر هذا الخبر وفيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ما فعل الجمل بعينه قلت: يا رسول الله بل هو لك (3) قال: لابل بعينه قلت: لابل هو لك قال [ لابل ] (4) بعينه قد أخذته بأوقية أركبه فإذا قدمت المدينة فأتنا به فلما قدمت المدنية جئته به فقال لبلال [ يا بلال ] (5) زن له أوقية وزده قيراطا) هكذا رويناه من طريق عطاء عن جابر * قال أبو محمد: روى هذا أن ركوب جابر الجمل كان تطوعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف فيه على الشعبى. وأبى الزبير فروى عنهما عن جابرانه كان شرطا من جابر، وروى عنهما أنه كان تطوعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نسلم لهم انه كان شرطا ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق: انه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد أخذته بأوقية، وصح عنه عليه السلام أنه قال: أتراني ما كستك لآخذ جملك ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك فهو مالك كما أوردنا آنفا، فصح يقينا أنهما أخذان، أحدهما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر لم يفعله بل انتفى عنه ومن جعل كل ذلك أخذا واحدا فقد كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه وهذا كفر محض فاذلابد من أنهما أخذان لان الاخذ الذى أخبر به عليه السلام عن نفسه هو بلا شك غير الاخذ الذى انتفى عنه البتة، فلا سبيل (6) إلى غير ما يحمل عليه ظاهر الخبر وهو انه عليه السلام أخذه وابتاعه ثم تخير قبل التفرق ترك (7) أخذه،


(1) في صحيح البخاري ج 4 ص 30 فسار بسير (2) في النسخة رقم 16 ثم ان رجعت وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 470 (3) في سنن النسائي ج 7 ص 299 قلت، بل هو لك يا رسول الله (4) لزيادة من سنن النسائي (5) الزيادة من سنن النسائي (6) في النسخة رقم 16 (إذ لا سبيل) (7) في النسخة رقم 14 (وترك)

[ 419 ]

وصح أن في حال المماكسة كان ذلك أيضا في نفسه عليه السلام لانه عليه السلام أخبره أنه لم يماكسه ليأخذ جمله فصح أن البيع لم يتم فيه قط فانما اشترط جابر ركوب جمل نفسه فقط وهذا هو مقتضى لفظ الاخبار إذا جمعت ألفاظها، فإذ قد صح أن ذلك البيع لم يتم ولم يوجد في شئ من ألفاظ ذلك الخبر أصلا أن البيع تم بذلك الشرط فقد بطل أن يكون في هذا الخبر حجة في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها أصلا وبالله تعالى التوفيق * فأما الحنيفيون. والشافعيون فلا يقولون بجواز هذا الشرط أصلا فانما الكلام بيننا وبين المالكيين فيه فقط، وليس في هذا الخبر تحديد يوم ولا مسافة قليلة من كثيرة ومن ادعى ذلك فقد كذب، فمن أين خرج لهم تحديد مقدار دون مقدار؟ ويلزمهم إذ لم يجيزوا بيع الدابة على شرط ركوبها شهرا ولا عشرة أيام، وأبطلوا هذا الشرط وأجازوا بيعها واشتراط ركوبها مسافة يسيرة أن يحدوا المقدار الذى يحرم به ما حرموه من ذلك المقدار الذى حللوه هذا فرض عليهم والا فقد تركوا من اتبعهم في سخنة عينه وفى ما لا يدرى لعله يأتي حراما (1) أو يمنع حلالا، وهذا ضلال مبين، فان حدوا في ذلك مقدارا ما سئلوا عن البرهان في ذلك ان كانوا صادقين؟ فلاح فساد هذا القول بيقين لا شك فيه، ومن الباطل المتيقن أن يحرم الله تعالى علينا ما لا يفصله لنا من أوله لآخره لنجتنبه ونأتى ما سواه إذا كان تعالى يكلفنا ما ليس في وسعنا من أن نعلم الغيب وقد أمننا الله تعالى من ذلك (فان قالوا): ان في بعض ألفاظ الخبر أن ذلك كان حين دنوا من المدينة قلنا: الدنو يختلف ولا يكون الا بالاضافة فمن أتى من تبوك فكان من المدينة على ست مراحل أو خمس فقد دنامنها، ويكون الدنو أيضا على ربع ميل وأقل أو أكثر فالسؤال باق عليكم بحسبه، وأيضا فان هذه اللفظة انما هي في رواية سالم بن أبى الجعد وهو انما روى أن ركوب جابر كان تطوعا من النبي صلى الله عليه وسلم وشرطا، وفى رواية المغيرة عن الشعبى عن جابر دليل على أن ذلك كان في مسيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزاة، وأيضا فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من ذلك الشرط إلا في مثل تلك المسافة فإذ لم يقيسوا على تلك المسافة سائر المسافات فلا تقيسوا على تلك الطريق سائر الطرق (2) ولا تقيسوا على اشتراط ذلك في ركوب جمل سائر الدواب والا فانتم متناقضون متحكمون بالباطل، واذ قستم على تلك الطريق سائر الطرق. وعلى الجمل سائر الدواب فقيسوا على تلك المسافة سائر المسافات كما فعلتم في صلاته عليه السلام راكبا متوجها إلى خيبر إلى غير القبلة فقستم على تلك المسافة سائر المسافات فلاح أنهم لا متعلق لهم في هذا الخبر أصلا وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 14 (ياتي محرما) (2) في النسخة رقم 16 (سائر الطريق)

[ 420 ]

وقد جاءت عن الصحابة رضى الله عنهم آثار في الشروط في البيع خالفوها * فمن ذلك ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا لو أن عثمان بن عفان. وعبد الرحمن بن عوف قد تبايعا حتى ننظر (1) أيهما أعظم جدا في التجارة فاشترى عبد الرحمن بن عوف من عثمان فرسا بأرض أخرى بأربعين ألفا أو نحوها ان أدركتها الصفقة وهى سالمة ثم أجاز قليلا ثم رجع فقال: أزيدك ستة آلاف ان وجدها رسولي سالمة قال: نعم فوجدها رسول عبد الرحمن قد هلكت وخرج منها بالشرط الآخر، قيل للزهري: فان لم يشترط قال: فهى من البائع * فهذا عمل عثمان. وعبد الرحمن بحضرة الصحابة رضى الله عنهم وعلمهم لا مخالف لهم يعرف منهم ولم ينكر ذلك سعيد وصوبه الزهري، فخالف الحنيفيون. والمالكيون. والشافعيون كل هذا وقالوا: لعل الرسول يخطئ أو يبطئ أو يعرضه عارض فلا يدرى متى يصل وهم يشنعون مثل هذا إذا خالف تقليدهم * ومن طريق وكيع نا محمد بن قيس الاسدي عن عون بن عبد الله عن عتبة بن مسعود قال: ان تميما الدارى باع داره واشترط سكناها (2) حياته وقال: انما مثلى مثل أم موسى رد عليها ولدها وأعطيت أجر رضاعها * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن مرة بن شراحيل قال: باع صهيب داره من عثمان واشترط سكناها، وبه يأخذ أبو ثور فخالوه ولا مخالف لذلك من الصحابة ممن يجيز الشرط في البيع، وقد ذكرنا قبل ابتياع نافع بن عبد الحرث دارا بمكة للسجن من صفوان بأربعة آلاف على أن رضى عمر فالبيع تام فان لم يرض فلصفوان أربعمائة فخالفوهم كلهم * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله بن عمر أخبرني نافع عن ابن عمر انه اشترى بعيرا بأربعة أبعرة على أن يوفوه اياها بالربذة وليس فيه وقت ذكر الايفاء فخالفوه * ومن طريق حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن حميد قال: أصاب عمار ابن ياسر مغنما فقسم بعضه وكتب إلى عمر يشاوره فتبايع الناس إلى قدوم الراكب، وهذا عمل عمار والناس بحضرته فخالفوه، وأما نحن فلا حجة عندنا في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله تعالى التوفيق، وحكم على بشرط الخلاص. وللحنيفيين. والمالكيين. والشافعيين تناقض عظيم فيما أجازوه من الشروط في البيع وما منعوا منه فيها قد ذكرنا بعضه ونذكر في مكان آخر ان شاء الله تعالى ما يسر الله تعالى لذكره لان الامر أكثر من ذلك وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة 14 حتى نعلم (2) في النسخة 16 سكناه

[ 421 ]

1446 مسألة وكل من باع بيعا فاسدا فهو باطل ولا يملكه المشترى وهو باق على ملك البائع وهو مضمون على المشترى ان قبضه ضمان الغصب سواء سواء، والثمن مضمون على البائع ان قبضه ولا يصححه طول الازمان ولا تغير الاسواق ولا فساد السلعة ولا ذهابها ولا موت المتبايعين أصلا، وقال أبو حنيفة في بعض ذلك كما قلنا، وقال في بعض ذلك: من باع بيعا فاسدا فقبضه المشترى فقد ملكه ملكا فاسدا وأجاز عتقه فيه، وقال مالك في بعض ذلك: كما قلنا، وقال في بعض ذلك: ان من البيوع الفاسدة بيوعا تفسخ الا أن يطول الامر أو تتغير الاسواق فتصح حينئذ * قال أبو محمد: وهذان قولان لا خفاء بفسادهما على من نصح نفسه، أما قول أبى حنيفة: فقد ملكه ملكا فاسدا فكلام في غاية الفساد وما علم أحد قط في دين الله تعالى ملكا فاسدا انما هو ملك فهو صحيح أو لا ملك فليس صحيحا، وما عدا هذا فلا يعقل، واذ أقروا أن الملك فاسد فقد قال تعالى: (والله لا يحب الفساد) فلا يحل لا حد أن يحكم بانفاذ مالا يحبه الله عزوجل، وقال تعالى: (ان الله لا يصلح عمل المفسدين) فمن أجاز شيئا نص الله تعالى على أنه لا يصلحه فقد عارض الله تعالى في حكمه وهذا عظيم جدا، وقد احتج بعضهم في هذا بحديث بريرة * قال أبو محمد: هذا احتجاج فاسد الدين ونبرأ إلى الله تعالى ممن نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أنفذ الباطل وأجاز الفاسد والله ما تقر على هذا نفس مسلم، واحتج بعضهم بأن البائع سلطه عليه * قال أبو محمد: ليس لاحد أن يسلط غيره على شئ من ماله بما لم يأذن الله تعالى فيه فليجيزوا على هذا أن يسلطه على وطئ أم ولده وأمته، وهذه ملاعب وضلال لاخفاء به (1) * وأما قول مالك فاول ما يقال لمن قلده: حدوا لنا المدة التى إذا مضت صح البيع الفاسد عندكم بمضيها والافقد ظلتم وأظللتم، وحدوا لنا تغير الاسواق الذى أبحتم به المحرمات فان زيادة نصف درهم وحبة ونقصان ذلك تغير سوق بلاشك، فان أجازوا صحة الفاسد بهذا المقدار فقد صح كل بيع فاسد لانه لابد من تقلب القيم بمثل هذا أو شبهه في كل يوم، ثم نسألهم الدليل على ما قالوه من ذلك ولا سبيل إليه لا من قرآن. ولا من سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد يعرف قبله. ولا قياس. ولا رأى له وجه بل هو اباحة أكل المال بالباطل، فان ذكروا في ذلك حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير الناس فمن ترك ما اشتبه عليه (هامش) * (1) كذا في جميع النسخ والراجح بها، وهذه عادة المصنف في أن يذكر الضمير مذكر أو يكون مرجعه مؤنثا أو جمعا

[ 422 ]

كان لما سواه أترك واستبر ألدينه وعرضه) أو كلاما هذا معناه قلنا: أنتم أول مخالف لهذا الخبر لانكم ان قلتم: انكم انما حكمتم بهذين الحكمين فيما اشتبه عليكم تحريمه من تحليله قلنا: إما كذبتم واما صدقتم فان كنتم كذبتم فالكذب حرام ومعصية وجرحة، وان كنتم صدقتم فما أخذتم بما في الحديث الذى احتججتم به من اجتناب القول والحكم فيما اشتبه عليكم بل جسرتم أشنع الجسر فنقلتم الاملاك المحرمة وأبحتم الاموال المحظورة فيما أقررتم بألسنتكم أنه لم يتبين لكم تحريمه من تحليله فخالفتم ما في ذلك الخبر جملة، وان قلتم حكمنا بذلك حيث ظننا انه حرام ولم نقطع بذلك قلنا: قد حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هذا عليكم، قال تعالى: (ان تتبعون الا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وذم قوما حكموا فيما ظنوه ولم يستيقنوه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) والفرض على من ظن ولم يستيقن أن يمسك فلا يحكم ولا يتسرع فيما لا يقين عنده فيه فإذا تيقن حكم حينئذ * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) وقال تعالى: (تبيانا لكل شئ) وقال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد) * وروينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبنة نا يزيد بن هرون ناحماد بن سلمة عن قتادة أن أبا موسى الاشعري قال: لا ينبغى لقاض أن يقضى حتى يتبين له الحق كما يتبين الليل من النهار فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: صدق أبو موسى * قال على: المفتى قاض لانه قد قضى بوجوب ما أوجب وتحرم ما حرم أو إباحة ما أباح، فمن أيقن تحريم شئ بنص من القرآن أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت فليحرمه وليبطله أبدا، ومن أيقن باباحته بنص كما ذكرنا فليبحه ولينفذه (1) أبدا، ومن أيقن بوجوب شئ بنص كما ذكرنا فليوجبه به ولينفذه أبدا وليس في الدين قسم رابع أصلا، وما لم يتبين له حكمه من النص المذكور فليمسك عنه وليقل كما قالت الملائكة: (لا علم لنا الا ما علمتنا) وما عدا هذا فضلال نعوذ بالله منه، قال تعالى: (فما بعدا لحق إلا الضلال) * 1447 مسألة ومن ابتاع عبدا أو أمة لهما مال فما لهما للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فيكون له ولا حصة له من الثمن كثرأ وقل ولا له حكم البيع أصلا، فان كان في مال العبد أو الامة ذهب كثيرا وقليل وقد ابتاع الامة أو العبد بذهب أقل من ذلك الذهب أو مثله أو أكثر نقدا أو حالا في الذمة أو إلى أجل جاز كل ذلك، وكذلك ان كان فيه فضة ولا فرق، فان اطلع على عيب في العبد أو الامة رده أوردها والمال له لا يرده معه، فان


(1) سقط لفظ (ولينفذه) من النسخة 14

[ 423 ]

وجد بالمال عيبا لا يرد العبد من أجل ذلك ولا الامة فان باع نصف عبده أو نصف أمته أو جزءا مسمى مشاعا فيهما منهما جاز ذلك ويجوز هنا اشتراط المال أصلا، وكذلك لو باع نصيبه من عبد بينه وبين آخر ولا فرق، فلو باع اثنان عبدا بينهما جاز للمشترى اشتراط المال لان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك بلفظ الاشتراط كما قدمنا، والاشتراط غير البيع (1) فليس له حكم البيع ولم يخص عليه السلام معلوما من مجهول ولا مقدارا من مقدار ولا مالا من مال فلا يجوز تخصيص شئ من ذلك، وقد ملك المال بالشرط الصحيح وليس مما دخل في صفقة الرد (2) فليس عليه رده بعيب فيه ولا بعيب في المبيع، ومن باع نصف عبد مشاع أو نصف عبده فلم يشتر المشترى عبدا وانما جعل عليه السلام اشتراط المال لمن اشترى عبدا وإذا اشترى عبدا من اثنين فقد ابتاع عبدا فله اشتراط المال، وهذا كله قول أصحابنا، وقال مالك كقولنا في اشتراط الذهب. والفضة. والمجهول. والكثير. والقليل، وقال أبو حنيفة. والشافعي: لا يجوز ذلك الا بحكم البيوع وهذا خلاف للحديث مجرد، فرد واما أباح الله تعالى من الشروط وأجازوا ما أبطل الله تعالى منها * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال: من باع عبداو له مال فما له للبائع إلا أن يشترط المبتاع * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص نا أشعث بن أبى الشعثاء قال: باع رجل غلامه ولم يشترط واحد منهما ماله فوجد للغلام مال فقضى به شريح للبائع * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس. ومغيرة. وأبو إسحاق الشيباني وبعض أصحابنا عن الشعبى عن شريح، قال يونس. عن الحسن، وقال مغيرة: عن ابراهيم، قال الشيباني: عن الشعبى عن شريح، وقال بعض أصحابنا: عن الشعبى، ثم اتفقوا كلهم الحسن. والنخعي. وشريح. والشعبى على أن من باع عبداو له مال فماله للمشترى ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالله تعالى التوفيق * 1448 مسألة وللمبتاع أن يشترط شيئا مسمى بعينه من مال العبد أو الامة وله أن يشترط ثلثا أو ربعا أو نحو ذلك، ومنع من ذلك مالك. وأبو سليمان وقالا: لا يجوز أن يشترط. الا الجميع أو يدع * قال أبو محمد: وهذا خطأ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل فماله للبائع إلا أن يشترط كله المبتاع وبعض المال مال فهو داخل في نص مقتضى لفظه عليه السلام، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 خلاف البيع (2) في النسخة رقم 14 في صفة الرد

[ 424 ]

1449 - مسألة - فان قيل: انما جاء النص في العبد فمن أين قلتم بذلك في الامة؟ قلنا: لفظة العبد تقع في اللغة العربية على جنس العبيد والاماء لان العرب تقول عبد وعبدة، والعبد اسم جنس كما تقول: الانسان والفرس والحمار وبالله تعالى التوفيق * وان أحق الناس بان يعكس عليه هذا الاعتراض ويلزم هذا السؤال من فرق بين العبد. والامة في الحكم فرأى الزنا في الامة عيبا يجب به الرد ولم يره في العبد الذكر عيبا يجب به الرد من الحنيفيين، ومن رأى أن للرجل أن يجبر أمته على النكاح ولا يجبر العبد الذكر على النكاح من المالكيين، فان كانت الامة في استثناء مالها في البيع انما وجب قياسا على العبد فليقيسوها عليه في الرد بالعيب وفى الاكراه في النكاح والافقد تحكموا * 1450 مسألة ومن باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبلائع الا أن يشترطها المبتاع والتأبير في النخل هو أن يشقق الطلع ويذر فيه دقيق الفحال (1) وأما قبل الابار فالطلع للمبتاع ولا يجوز في ثمرة النخل إلا الاشتراط فقط وأما البيع فلا حتى يصير زهوا فإذا أزهى جاز فيه الاشتراط مع الاصول وجاز فيها البيع مع الاصول ودون الاصول وليس هذا الحكم الا في النخل المأبور وحده كما جاء النص، ولو ظهرت ثمرة النخل بغير إبار لم يحل اشتراطها أصلا لانه خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما سائر الثمار فان من باع الاصول وفيها ثمرة قد ظهرت أو لم يبد (2) صلاحها فالثمرة ضرورة ولا بد للبائع لا يحل بيعها لامع الاصول ولا دونها ولا اشتراطها أصلا، ولا يجوز لمشترى الاصول أن يلزم البائع قلع الثمرة أصلا الا حتى يبدو صلاحها فإذا بدا صلاحها فله أن يلزمه أخذ ما يمكن النفع فيه بوجه ما من الوجوه ولا يلزم أخذ ما لا يمكن الانتفاع به بوجه من الوجوه، وأما تخصيص النخل بما ذكرنا فلان النص لم يرد الا فيها فقط مع وجود الابار والقياس باطل. والتعليل بظهور الثمرة باطل لانه دعوى كاذبة بلا دليل، وأما قولنا: لا يجوز في ثمرة النخل الا الاشتراط فقط ما لم تزه فلما ذكرنا قبل من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى تزهى وتحمر فلا يجوز بيعها قبل أن تزهى أصلا وأباح عليه السلام اشتراطها فيجوز ما أجازه عليه السلام ويحرم ما نهى عنه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه * وقاس الشافعيون. والمالكيون سائر الثمار على النخل وأجازواهم. والحنيفيون بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وقبل أن تزهى على القطع أو مع الاصول، وهذا خلاف نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم واباحة ما حرم وما عجز عليه السلام قط عن أن يقول إلا على القطع أو مع الاصول وما قاله


(1) فحال النخل هو ما كان من ذكوره فحلا لاناثه (2) في النسخة رقم 14 ولم يبد

[ 425 ]

عليه السلام قط فهو شرع لم يأذن به الله تعالى * وممن منع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها جملة لا بشرط القطع ولا بغيره سفيان الثوري. وابن أبى ليلى * روينا من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشترى (1)) * ورويناه أيضا من طريق أيوب. وعبيدالله بن عمر. وموسى بن عقبة. ويحيى بن سعيد كلهم عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * ورويناه أيضا من طريق اسماعيل بن جعفر. وشعبة كلاهما عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه) * ورويناه أيضا من طريق ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق أبى الزبير. وعمرو بن دينار كلاهما عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق سعيد بن المسيب. وأبى سلمة بن عبد الرحمن كلاهما عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فصار نقل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الصحابة، والى التابعين وفيمن دونهم، فان قطع شئ من الثمرة فان كان ان ترك أزهى ان كان بلحا أو بسرا أو ظهر فيه الطيب ان كان من سائر الثمار لم يحل بيعه حتى يصير في الحال التى أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعه فيها، فان كان ان ترك لم يزه أبدا ولا ظهر فيه الطيب أبدا حل بيعه بعد القطع لاقبله لانه حينئذ قد خرج عن الصفة التى أحل رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز بيعه إليها وبيقين يدرى كل ذى فهم وتمييز أن نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ثمرة النخل حتى تزهى وعن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها انما هو بلا شك فيما ان ترك أزهى أو ظهر صلاحه (2) لا يمكن غير ذلك، وأما ما لا يمكن أن يصير إلى الازهاء أبدا ولا أن يبدو صلاحه أبدا فليس هو الذى نهى عليه السلام عن بيعه حتى يزهى أو حتى يبدو صلاحه فإذ ليس هو المنهى عن بيعه فقد قال الله تعالى: (وأحل الله البيع) وأما قولنا: لا يجوز لمشترى الاصول ان يأخذ البائع بقلع ثمرته قبل أن يمكنه الانتفاع بها فللثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق المغيرة بن شعبة أنه عليه السلام (نهى عن اضاعة المال) والبائع لم يتعد في كون ثمرته في أصولها فيكون هو المضيع لما له، وكذلك القول فيمن باع أرضا وفيها بذرله ونوى ولم يبع البذر ولا النوى فليس لمشترى الارض أخذه بقلع ذلك الا حتى يصير النبات في أول حدود الانتفاع به في وجه ما فليس له حينئذ أن يغل أرض غيره ولا شجر غيره بمتاعه بغير اذن صاحب الاصل، وباله تعالى التوفيق *


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 448 (البائع والمبتاع) (2) في النسخة 16 (وظهر صلاحه) (م 54 ج 8 المحلى)

[ 426 ]

1451 - مسألة - وأما بعد ظهور الطيب في ثمرة النخل فانه يجوز فيها الاشتراط إن بيعت الاصول ويجوز فيها البيع مع الاصول ودونها أما الاشتراط فلوقوع الصفة عليها (1) وهى قوله عليه السلام: (قد أبرت) فهذه ثمرة قد أبرت * وأما جواز بيعها مع الاصول ودونها فلاباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعها إذا أزهت وبالله تعالى التوفيق * 1452 مسألة ومن باع أصول نخل وفيها ثمرة قد أبرت فللمشترى أن يشترط جميعها ان شاء أو نصفها أو ثلثها أو جزءا كذلك مسمى مشاعا في جميعها أو شيئا منها معينا فان وجد بالنخل عيبا ردها ولم يلزمه رد الثمرة لان بعض الثمرة ثمرة وقوله عليه السلام: (وفيها ثمرة قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع) يقع على كل ما كان منها يسمى ثمرة للنخل والاشتراط غير البيع فلا يرد ما اشترط من أجل رده لما اشترى إذ لم يوجب ذلك نص قرآن. ولا سنة، فلو اشترى ثمرة النخل بعد ظهور الطيب أو ثمر أشجار غير النخل ثم وجد بالاصول عيبا فردها أو وجد بالثمرة عيبا فردها، فان كان اشترى الثمرة مع الاصول صفقة واحدة رد الجميع ولا بد أو أمسك الجميع ولابد لانها صفقة واحدة، فلو كان اشترى الثمرة في صفقة أخرى لم يردها ان رد الاصول بعيب ولا يرد الاصول الا ان رد الثمرة بعيب، فلو اشترى الاصول من النخل واشترط الثمرة أو بعضها فوجد البيع فاسدا فوجب رده رد الثمرة ولابد وضمنها ان كان أتلفها أو تلفت لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبح الاشتراط الا للمبتاع ولا يكون مبتاعا الا من قد صح بيعه، وأما من لم يصح بيعه فليس هو الذى جعل له النبي صلى الله عليه وسلم اشتراط الثمرة فإذ ليس هو ذلك فحرام عليه ما اشترطه بخلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعد قال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * 1453 مسألة ومن باع نخلة أو نخلتين وفيها ثمر قد أبرلم يجز للمبتاع اشتراط ثمرتها أصلا ولا يجوز ذلك الا في ثلاثة فصاعدا، ومن باع حصة له مشاعة في نخل فان كان يقع له في حصته منها لو قسمت ثلاث نخلات فصاعدا جاز للمبتاع اشتراط الثمرة والا فلا والثمرة في كل ما قلنا للبائع ولابد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فلم يحكم عليه السلام بذلك إلا في نخل، وأقل ما يقع عليه اسم نخل ثلاث فصاعد الان لفظ التثنية الواقع على اثنين معروف في اللغة التى بها نزل القرآن وخاطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول لفظ الجمع (2) انما يقع على الثلاث فصاعدا، فان ذكروا قول الله تعالى: (قد صغت قلوبكما) قلنا:


(1) في النسخة 14 الصفقة عليها (2) في النسخة 14 وأقل لفظ الجمع

[ 427 ]

المعروف عند العرب أن كل اثنين من اثنين فانه يخبر عنه بلفظ الجمع وقد قال الراجز (1) ومهمهين قذفين مرتين * ظهراهما مثل ظهور الترسين (فان قيل): الجمع ضم شئ إلى شئ فالاثنان جمع قلنا: هذا باطل ولو كان كما قلتم لجاز أن نخبر عن الواحد بلفظ الجمع فيقال: زيد قاموا والرجل قتلوا لان الواحد أيضا أجزاء مجموع بعضها إلى بعض، وبالله تعالى التوفيق * 1454 مسألة ولا يحل بيع سلعة على أن يوفيه الثمن في مكان مسمى ولا على (2) أن يوفيه السلعة في مكان مسمى لانه شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل لكن يأخذه البائع بايفائه الثمن حيث هما أو حيث وجده هو أو وكيله من بلاد الله تعالى ان كان الثمن حالا (3) لامر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم باعطاء كل ذى حق حقه، وليس على البائع إلا أن لا يحول (4) بين المشترى وبين ما باع (5) منه فقط وبالله تعالى التوفيق * 1455 مسألة ولا يحل بيع جارية بشرط أو توضع على يدى عدل حتى تحيض رائعة كانت أو غير رائعة والبيع بهذا الشرط فاسد، فان غلب على ذلك فبيعه تام وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وأوجبه مالك في الرائعة ولم يوجبه في غير الرائعة، وهذا أول التناقض. وفساد القول لان غير الرائعة توطأ كما توطأ الرائعة وتحمل كما تحمل الرائعة، ثم أعظم التناقض قولهم: ان الحيض لا يكون براءة من الحمل وان الحامل قد تحيض فقلنا لهم: يا هؤلاء فلاى معنى أوجبتم منع المشترى من جاريته وأوجبتم هذا الشرط الفاسد الذى لم يوجبه قرآن. ولا سنة. ولا رواية فاسدة. ولا قول صاحب. ولا قياس. ولا تورع. ولا رأى يعقل؟ وأنتم تقولون: انها إذا حاضت أسلمت إليه وحل له التلذذ منها فيما فوق المئزر وحل له وطؤها بعد الطهر، وممكن عندكم أن تكون حاملا من البائع حينئذ، فأى فرق بين ما أبحتم له الآن وبين ما منعتموه منه قبل أن تحيض وخوف الحمل. وفساد المبيع موجود في كلتا الحالتين؟ فأى عجب أعجب من هذا! ولا خلاف بيننا وبينكم في انه ان ظهر بها حمل بعد الحيض وبعد إباحتكم له وطئها فولدته لاقل من ستة أشهر فان البيع مفسوخ وهى مردودة إلى البائع (6) وولدها به لاحق ان كان قد أقر بوطئها ولم يدع استبراء، فأى منفعة للمواضعة أو أي معنى لها؟ فان قالوا: لانما اتبعنا النص الوارد لا توطأ حائل حتى تحيض قلنا: كلابل خالفتم هذا النص بعينه لانكم فرقتم بين الرائعة وغير الرائعة وليس هذا في الخبر ولا قاله احد نعلمه


(1) في النسخة 16 الشاعر (2) في النسخة 16 ولا يحل (3) في النسخة 16 ان كان الثمن مؤجلا وهو غلط (4) في النسخة 14 الا ان يحول هو خطأ (5) في النسخة 14 وبين ما باعه (6) في النسخة 16 مردودة البائع

[ 428 ]

قبلكم، وفرقتم بين البكر وغير البكر وليس ذلك في الخبر وليس لكم ان تدعوا ههنا اجماعا فان الحنيفيين يقولون: ان البكر وغير البكر سواء لا توطأ واحدة منهما حتى تحيض أو حتى تستبرئ بما تستبرئ به التى لا تحيض وهذا خبر لم يصح (1) ولو صح لقلنا به لكنا (2) نقول: لا يبيعها (3) حتى يسترئها بحيضة ولا يطؤها المشترى حتى يستبرئها كذلك احتياطا (4) خوف الحمل فقط فان أيقنا أن بها حملا من البائع فالبيع حرام ان كانت (5) أم ولده وان كان الحمل من غيره فالبيع حلال والوطئ حرام حتى تضع وتطهر وهو مؤتمن على ذلك كائتمانه على ما حرم عليه من وطئ الحائض. والنفساء ولا فرق إذ لم يأت نص بغير ذلك، ولا فرق بين ائتمانه على التى اشترى وبين ائتمانكم من تضعونها عنده لذلك، وأنتم لا تفرقون بين الثقة وبين غير الثقة ههنا وفرقتم بين الرائعة وغير الرائعة وهذا تخليط وتناقض، وأما الحكم فيها ان ظهر بها حمل فسنذكره ان شاء الله تعالى في كتاب الاستبراء ببرهانه، ولاحول ولاقوة الا بالله العلى العظيم * 1456 مسألة ولا يحل بيع عبد أو أمة على أن يعطيهما البائع كسوة قلت أو كثرت، ولا بيع دابة على أن يعطيها البائع إكافها أو رسنها أو بردعتها، والبيع بهذا الشرط باطل مفسوخ لا يحل فمن قضى عليه بذلك قسرا فهو ظلم لحقه (6) والبيع جائز * برهان ذلك أنه شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل. وقال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فسمى الله تعالى أخذ المرء مال غيره من غير تراض بالتجارة باطلا وحرمه إذ نهى عنه وعلى لسان رسوله عليه السلام أيضا، والكسوة مال البائع ولم يبعها برضى منه فلا يحل أخذها منه أصلا، وهذا قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهم، وقال مالك: يجبر على كسوة مثلها للشتاء ان بيعت في الشتاء وعلى كسوة مثلها في الصيف ان بيعت في الصيف كسوة تجوز الصلاة في مثلها فكانت هذه شريعة لم يأت بها قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قياس. ولا رأى سديد. ولا قول أحد نعلمه قبله - نعنى بهذا التقسيم - وقد روى عن ابن عمر كل حلى وكسوة على الامة عرضت فيها للبيع فهى داخلة في البيع وهم لا يقولون بهذا، فان قالوا: كسوتها من مالها قلنا: تناقضتم ههنا في موضعين. أحدهما أنها ان كانت من مالها فقد أجزتم اشتراط بعض مالها وهذا حرام عندكم، والثانى أن نقول لكم: كيف هي من مالها وأنتم تجبرون البائع على احضارها أحب أم كره من حيث شاء؟ ثم هبكم أن الكسوة من مال


(1) في النسخة 16 (لا يصح) (2) في النسخة رقم 14 (ولكنا) (3) في النسخة 14 (لا يبيعهما) (4) في بعض النسخ اختيارا (5) في النسخة 16 وكانت (6) في النسخة 16 (فهو ظلم له)

[ 429 ]

الامة أترون البرذعة والرسن من مال الحمار والبغل إذ قلتم: لا يباع الا و معه برذعة ورسن؟ ثم من أين لم تقولوا بهذا في السرج. واللجام؟ وهذه أعاجيب وشنع لا ندرى من أين خرجت، وهلا أوجبتم عليه نفقة شهر أو شهرين تصحبها اياها كما أوجبتم عليه كسوة عام أو نصف عام؟ وما [ ندرى ] الفرق بين الكسوة والنفقة بل النفقة أو كدلانها لا تعيش دونها، فان قالوا: مشتريها ينفق عليها قلنا: ومشتريها يكسوها أيضا كما يلزمه أن يكسو زوجته ولا يلزم أباها ولا أخاها الذى يزوجها كسوتها مذتتزوج، فان قالوا: أيبيعها عريانة؟ قلنا: أيبيعها جائعة ولا فرق؟ وقال بعضهم: الكسوة ركن من أركانها فقلنا: هذا كذب وحمق معا، وما علمنا للانسان أركانا تكون الكسوة بعضها، فان ادعوا عمل أهل المدينة قلنا: كذب من قال هذا، ومن الباطل المتيقن أن تكون هذه الشريعة عند أهل المدينة ثم يكتمها عمر. وعثمان. وعلى. ومعاوية. والحسن. وعبد الله ابن الزبير رضى الله عنهم حتى لا يدريها أحد الا مالك ومن قلده، وبالله تعالى التوفيق * 1457 مسألة ولا يحل بيع سلعة لآخر بثمن يحده له صاحبها فما استزاد على ذلك الثمن فلمتولى البيع * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل الرجل الثوب فيقول: بعه بكذا فما ازددت فلك، ولا يعرف له من الصحابة في ذلك مخالف، وأجازه شريح. والحكم. والشعبى. والزهرى. وعطاء * وقد روينا من طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين انه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل الرجل الثوب أو الشئ فيقول له: ما ازددت على كذا أو كذا فهو لك * وبه إلى عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة. وسفيان الثوري كلاهما عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي انه كره ذلك وكرهه الحسن. وطاوس * قال أبو محمد: هذا شرط ليس في كتاب الله تعالى [ فهو باطل ]، فان باعه المأمور على هذا الشرط فالبيع باطل لانها وكالة فاسدة ولا يجوز بيع شئ الا بتولى صاحبه أو بوكالة صحيحة وإلا فهو عمل فاسد فلو قال له: بعه بكذا وكذا فان أخذت أكثر فهو لك فليس شرطا والبيع صحيح وهى عدة لا تلزم ولا يقضى بها لانه لا يحل مال أحد بغير رضاه والرضا لا يكون إلا بمعلوم وقد يبيعه بزيادة كثيرة لا تطيب بها نفس صاحب السلعة إذا علم مقدارها وبالله تعالى التوفيق * 1458 - مسألة - ولا يحل بيع شئ غير معين من جمله مجتمعة لا بعدد ولا بوزن * (هامش ش) * (1) الزيادة من النسخة 16 (2) في النسخة 14 (لاعيش) (3) في النسخة 16 (لاحد) (4) في النسخة 16 (عن ابن عباس قال فلا نرى) الخ (5) الزيادة من النسخة 16 (6) في النسخة 14 (فالبيع فاسد)

[ 430 ]

ولا بكيل كمن باع رطلا. أو قفيزا. أو صاعا. أو مديا (1). أو أوقية من هذه الجملة من التمر. أو البر. أو اللحم. أو الدقيق. أو كل مكيل في العالم. أو موزون كذلك، وكمن باع ثلاثة من هذه البيض أؤ أربعة. أو أي عدد كان. أو من كل ما يعد. أؤ كمن باع ذراعا أو ذراعين أو نحو ذلك من كل ما يذرع سواء استوت ابعاض كل ذلك أو لم تستو وانما تجب أولا المساومة فإذا تراضيا كال أو وزن أو ذرع أو عد، فإذا تم ذلك تعاقد البيع حينئذ على تلك العين المكيلة أو الموزونة. أو المذروعة. أو المعدودة ثم بقى التخيير من أحدهما للآخر فيمضى أو يرد. أو يتفرقا بابدانهما بزوال أحدهما عن الآخر كما قدمنا قبل، فلو تعاقدا البيع قبل ما ذكرنا من الكيل. أو الوزن. أو العد. أو الذرع لم يكن بيعا وليس بشئ، وأجازه المالكيون فيما استوت أبعاضه كالدقيق واللحم. والتمر. والزبيب ونحو ذلك، ولم يجيزوه (2) فيما اختلفت أبعاضه كالبطيخ. والقثاء. والبيض. والجوارى. والحيتان. وسائر الحيوان. والجوهر. ونحو ذلك، وأجاز أبو حنيفة بيع ثوب بغير عينه من ثوبين أو من ثلاثة يختاره المشترى ولم يجزه من أربعة أثواب، وهذا تخليط ناهيك به * برهان صحة قولنا قول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فحرم الله تعالى أخذ المرء مال غيره بغير تراض منهما وسماه باطلا، وبضرورة الحس يدرى كل أحدان التراضي لا يمكن البتة إلا في معلوم متميز وكيف ان قال البائع: أعطيك من هذه الجهة وقال المشترى: بل من هذه الآخرى كيف العمل؟ ومن جعل أحدهما بالاجبار على ما يكره من ذلك أولى من الاخر وهذا ظلم لاخفاء به * وبرهان آخر وهو نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ولا غرر أكثر من أن لا يدرى البائع أي شئ هو الذي باع ولا يدرى المشترى أي شئ اشترى وهذا حرام بلا شك * وبرهان ثالث وهو انهم كلهم مجمعون معنا فيمن عقد مع آخر بيعا على هذه الجهة أو هذه الاخرى أو اشترى منه اما هذه الجهات أو هذه الاخرى فانه بيع باطل مفسوخ لا يحل، وهذا نفسه هو الذى أجازوا ههنا لا نقول: انه تشبيه بل نقول: هو نفسه ولابد * وبرهان رابع وهو ان السلم عند أبى حنيفة. ومالك لا يجوز حالا والسلم عندهم انما هو يعقد على ذرع ما. أو عدد ما. أو كيل ما. أو وزن ما، ولا يجوز عندهم ولا عند الشافعيين في بعض صبرة بعينها وهذا هو نفسه الذى منعوا منه، وقولنا ههنا: هو قول أبى سليمان. وأصحابنا، وما نعلم للمخالفين حجة أصلا. لامن قرآن: ولا سنة. ولا (هامش) (1) هو بضم الميم وسكون الدال المهملة القفيز الشامي وهو غير المد (2) في النسخة 14 ولم يجزه وهو غلط

[ 431 ]

رواية سقيمة. ولا نذكره الآن من قول متقدم. ولا من قيسا. ولا من تورع أصلا * ومن عجائب الدنيا اجازة الحنيفيين هذا البيع ومنعهم من بيع ذراع من هذا الثوب محدود في هذه الجهة إما في ذراع واما في عرض الثوب أو في طوله فأجازوا المجهول. والمنكر، ومنعوا مما لمعروف وبالله تعالى التوفيق: 1459 - مسألة - ولا يحل بيع المرء جملة مجموعة إلا كيلا مسمى منها أو إلا وزنا مسمى منها أو إلا عددا مسمى منها أي شئ كان، وكذلك لا يحل أن يبيع هذا الثوب أو هذه الخشبة إلا ذرعا مسمى منها، وكذلك لا يحل بيع الثمرة بعد طيبها واستثناء مكيلة مسماة منها. أو وزن مسمى منها. أو عدد مسمى منها أصلا قل ذلك أو كثر، ولا يحل بيع نخل من أصولها أو ثمرتها على أن يستثنى منها نخلة بغير عينها لكن يختارها المشترى، هذا كله حرام مفسوخ أبدا محكوم فيما قبض منه كله بحكم الغصب وانما الحلال في ذلك أن يستثنى من الجملة ان شاء أي جملة كانت حيوانا أو غيره أو من الثمرة نصف كل ذلك مشاعا أو ثلث كل ذلك مشاعا أو ثلثى كل ذلك أو أكثر أو أقل جزءا مسمى نسوبا مشاعا في الجميع، أو يبيع جزءا كذلك من الجملة مشاعا أو يستثنى منها عينا معينة محوزة كثرت أم قلت. أو يبيع منها عينا معينة محوزة كثرت أم قلت، فهذا هو الحق الذى لا خلاف من أحد في جوازه إلا في مكان واحد نذكره إن شاء الله تعالى، وأجاز مالك بيع مائة نخلة يستثنى منها عشر نخلات بغير عينها، وكذلك من الغنم ومنع من ذلك في الكثير، وأجاز بيع الثمرة واستثناء مكيلة منها تكون الثلث فأقل فان استثنى أكثر من الثلث لم يجز، وقال مالك: إن ابتاع ثمر أربع نخلات من حائط بغير عينها لكن يختارها المتباع لم يجز فلو ابتاعها كذلك بأصولها جاز إذا لم يكن فيها ثمر كالعروض، وأجاز للبائع أن يبيع ثمر حائطه ويستثنى منه (1) ثمر أربع نخلات بغير عينها لكن يختارها البائع، أجاز هذا بعدان توقف فيه أربعين ليلة، وأجاز ذلك في الغنم وكرهه ابن القاسم في النخل قال: فان وقع أجزته لقول مالك * قال أبو محمد: في هذه الاقوال عبرة لمن اعتبر من التفريق بين البائع. والمشترى في اختيار الثمر، ومن الفرق بين اخبتيار المشترى لثمر أربع نخلات فمنع منه وبين اختيار البائع له فأجازه، وليت شعرى ما قوله في ست نخلات أو سبع ونزيده هكذا واحدة واحدة فاما يتمادى على الاباحة واما يمنع فيكلفوا (3) البرهان على ما حرموا وما حللوا


(1) في النسخة 16 منها (2) في النسخة 16 التفريق (3) كذا في جميع النسخ - والذى بناسب قوله قبل وليت شعرى ما قوله فانه أفرد الضمير، وقوله فاما يتمادى كذلك أفرده - افراد الضمير فيه فتنبه

[ 432 ]

أو يتحيروا فلا يدروا ما يحللون وما يحرمون ولابد من احد هذه الوجوه ضرورة مم نسألهم عما اجازوا في الاربع نخلات فنقول: اتجيزون ذلك إن لم يكن في الحائط إلا خمس نخلات؟ فان اجازوه سألناهم من اين خصوا الاربع نخلات بالاجازة دون ما هو اكثر أو اقل؟ فان منعوا زدناهم في عدد نخل الحائط نخلة نخلة، وهذه تخاليط لا نظير لها، وهذا يبطل دعواهم في عمل أهل المدينة إذ لو كان ذلك عملا ظاهرا ما احتاج إلى أن يتوقف فيه أربعين ليلة، وان في اجازة ابن القاسم العمل الذى منع منه ان وقع من اجل إجازة مالك له لعجبا، ونحمد الله على عظيم نعمته علينا في تيسيرنا لطاعة كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وتنفيرنا عن تقليد ما دون ذلك حمدا كثيرا كما هو اهله، واما الحنيفيون. والشافعيون فانهم منعوا من هذا كله * قال ابو محمد: وتناقضوا ههنا اقبح تناقض لانه لا فرق بين ما حرموا ههنا من بيع جملة واستثناء مقدار منها بغير عينه وبين ما اجازوا في المسألة التى (3) قبل هذه من بيع بعض جملة بكيل أو بوزن أو بعدد بغير عينه فهو ذلك نفسه ونحمد الله تعالى على السلامة، وكلا الامرين بيع بعض جملة وامساك بعضها واحل الله البيع، وقد فصل لكم ما حرم عليكم * واما المكان الذى اختلفن فيه مما ذكرنا فان المالكيين منعوا من بيع جملة الا ثلثيها وقالوا: لا يجوز الاستثناء الا في الاقل * قال على: وهذا باطل لانه لم يوجب ما قالوه لا قرآن: ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب: ولا قياس. ولا رأى له وجه. ولا لغة أصلا، وأيضا فان استثناء الاكثر أو الاقل نما هو منع بعض الجملة فقط دون سائرها ولا خلاف في جواز هذا، وهو الذى منعوا منه نفسه بعينه (4) * وروينا من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة سألت أبا بكربن أبى موسى عن الرجل يبيع بيعا ويستثنى نصفه؟ فكرهه، الحجاج هالك * ومن طريق حماد بن سلمة عن عثمان البتى قال: إذا استثنى البائع نصفا ونقد المشترى نصفا فهو بينهما نصفان * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن منصور. والاعمش كلاهما عن ابراهيم النخعي انه كان لا يرى بأسا أن يبيع السلعة ويستثنى نصفها * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا ههنا هي البراهين التى أوردنا في ال‍ مسألة التى قبلها سواء سواء، وههنا برهان زائد وهو ما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا زياد بن أيوب نا عباد بن العوام نا سفيان بن حسين نا يونس بن عبيد عن عطاء بن أبى رباح عن


(1) في النسخة 16 فلابد (2) في النسخة 14 وان (3) سقط لفظ التى من النسخة 14 (4) سقط لفظ (بعينه) من النسخة 14 (5) في النسخة 14 (قولنا هذا هنا)

[ 433 ]

جابر بن عبد الله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا حتى تعلم) فصح أن الاستثناء لا يحل (2) الا معلوما من معلوم، فان قيل: فقد رويتم من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن أبى الزبير. وسعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة. والمحاقلة. والمعاومة. والمخابرة) قال أحدهما: بيع السنين وهى المعاومة وهى الثنيا قلنا: هذا تفسير لا تقوم به حجة لانه من كلام أبى الزبير ورأيه. أو كلام سعيد بن ميناء ورأيه ولا حجة في كلام أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثنيالفظة معروفة عربية قال تعالى: (كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون) وإنما الثنيا استثناء شئ من شئ فقط، ومن المحال الباطل المتيقن أن يكون للثنيا معنى غير هذا فينهانا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يبينها علينا حاش لله من هذا، وهو الذى افترض الله تعالى عليه أن يبين لنا ديننا * قال أبو محمد: وقد جاءت في الثنيا آثار روينا من طريق ابن أبى شيبة نا اسماعيل بن علية. وابن ابى زائدة كلاهما عن عبد الله بن عون عن القاسم بن محمد قال: ما كنا نرى بالثنيا بأس لو لا أن ابن عمر كرهها، وكان عندنا مرضيا، قال ابن علية: قال ابن عون: فتحدثنا أن ابن عمر كان يقول: لا أبيع هذه النخلة ولا هذه النخلة * قال على: سمع ابن عون هذا الخبر من القسام بن محمد * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الانصاري عن يعقوب بن ابراهيم عن سعيد بن المسيب قال: يكره ان يبيع النخل ويستثنى منه كيلا معلوما قال سفيان: ولكن يستثنى هذه النخلة وهذه النخلة * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن زيد نا أيوب - هو السختيانى - عن عمرو ابن شعيب أنه سأل سعيد بن المسيب عن الثنيا فكرهها إلا ان يستثنى نخلات معلومات قال عمرو: ونهاني سعيد أن أبرأ من الصدقة إذا بعت * ومن طريق أبن أبى شيبة نا ابن علية عن أيوب السختيانى عن عمرو بن شعيب قال: قلت لسعيد بن المسيب: أبيع ثمرة أرضى واستثنى؟ قال: لا تستثن إلا شجرا معلوما ولا تبرأن من الصدقة قال أيوب: فذكرته لمحمد بن سيرين فكأنه أعجبه * ومن طريق ابن ابى شيبة نا ابو الاحوص عن ابى حمزة قلت لا براهيم: ابيع الشاة واستثنى بعضها؟ قال: لا ولكن قل: أبيعك نصفها * ومن طريق ابن ابى شيبنا نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن منصور عن ابراهيم قال: لا بأس ببيع السلعة ويستثنى نصفها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن يونس عن الحسن فيمن باع ثمره ارضه فاستثنى كرا قال: كان يعجبه أن يعلم


(1) في سنن النسائي ج 7 ص 296 (ان النبي) والحديث فيه مطول اختصره المصنف (2) في النسخة 14 لا يصح (3) هو بكسر الميم ومد النون (4) في النسخة 14 (واستثناه نصفها) (م 55 - ج 8 المحلى)

[ 434 ]

تخلا * ومن طريق ابن ابى شيبة نا ابن ابى زائدة عن يزيد - هو ابن ابراهيم - عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسا ان يبيع ثمرته ويستثنى نصفها ثلثا ربعها * قال أبو محمد: واحتج المالكيون بما روينا من طريق عبد الرزاق حدثنا معمر سمعت الزبير بن عدى سمعت ابن عمر وهو يبيع ثمرة له فقال: ابيعكموها بأربعة آلاف وطعام الفتيان الذين يعملونها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن ابراهيم بن اسماعيل بن مجمع عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه كان لا يرى بأس ان يبيع ثمرته ويستثنى منها مكيلة معلومة * ومن طريق مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ان جده محمد ابن عمرو باع ثمر حائط له يقال له: الا فراق بأربعة آلاف درهم واستثنى منه بثمانمائة درهم تمرا وما نعلم لهم غير هذا، فالرواية عن ابن عمر هم أول مخالف لهما لان طعام الفتيان ان كان مستثنى من الثمرة فهو مجهول لا يدرى ما يكون نوعه ولا مقدار ما يكون فان كان مضافا على المشترى إلى الثمن فكذلك أيضا، والمالكيون لا يجيزون شيئا من هذين الوجهين فقد خالفوه، والصحيح عن ابن عم مثل قولنا كما أوردنا آنفا * وأما حديث سالم فلم يخص ثلثا من أقل ولا من أكثر والمالكيون لا يجيزون اكثر من الثلث فقد خالفوه * وأما حديث محمد بن عمرو بن حزم فانما استثنى من ثمر باعه بأربعة آلاف ممر ابثما نمائة درهم وهم الخمس فانما استثنى خمس ما باع وهذا جائز حسن، فلاح أنه لا سلف لهم أصلا فيما قالوه من ذلك، وقد روينا المنع من الاستثناء جمله كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الصمد بن أبى الجارود قال: سألت جابر بن زيد عمن باع شيئا واستثنى بعضا؟ قال: لا يصلح ذلك * قال أبو محمد: ان كان عنى مجهولا فصحيح وان كان عنى جملة الاستثناء فخطأ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح الثنيا إذا علمت ولا حجة في أحد معه عليه السلام * 1460 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يبيع مال غيره بغير اذن صاحب المال له في بيعه فان وقع فسخ أبدا سواء كان صاحب المال حاضرا يرى ذلك أو غائبا ولا يكون سكوته رضى بالبيع طالت المدة أم قصرت ولو بعد مائة عام أو أثر بل يأخذ ماله أبدا هو وورثته بعده ولا يجوز لصاحب المال أن يمضى ذلك البيع أصلا إلا أن يتراضى هو والمشترى على ابتداء عقد بيع فيه وهو مضمون على من قبضه ضمان الغصب، وكذلك لا يلزم أحدا شراء غيره له الا ان يأمره بذلك فان اشترى له دون أمره فالشراء للمشترى ولا يكون للذى اشتراه له أراد كونه له أو لم يرد إلا بابتداء عقد شراه مع الذى اشتراه إلا الغائب الذى


(1) في النسخة 16 (نخلاه) (2) في النسخة 16 فيصح

[ 435 ]

يوقن بفساد شئ من ماله فسادا يتلف به قبل أن يشاور فانه يبيعه له الحاكم أو غيره ونحو ذلك ويشترى لاهله مالابد لهم منه ويجوز ذلك أو ما بيع عليه بحق واجب لينتصف غريم منه، أو في نفقة من تلزمه نفقته فهذا لازم له حاضرا كان أو غائبا رضى أم سخط * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام) فليس لاحد أن يحل ما حرم الله تعالى من ماله. ولا من بشرته. ولا من عرضه: ولا من دمه إلا بالوجه الذى أباحه به نص القرآن. أو السنة، ومن فعل ذلك فهو مردود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد) والسكوت ليس رضى الا من اثنين فقط، أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذى لا يقر على باطل، والذى ورد النص بان ما سكت عنه فهو عفو جائز، والذى لا حرام الا ما فصل لنا تحريمه ولا واجب إلا ما أمرنا به فما لم يأمرنا به ولانها نا عنه فقد خرج عن أن يكون فرضا أو حراما فبقى أن يكون مباحا ولابد، فدخل سكوته الذى ليس أمرا ولا نهيا في هذا القسم ضرورة * والثانى البكر في نكاحها للنص الوارد في ذلك فقط، وأما كل من عدا ما ذكرنا فلا يكون سكوته رضى حتى يقر بلسانه بأنه راض به منفذ، ويسأل من قال: ان سكوت من عدا هذين رضى ما الدليل على صحة قولكم: ان الرضى يكون بالسكوت وان الانكار لا يكون الا بالكلام؟ ومن أين قلتم ذلك؟ فان ادعوا نصا كذبوا وان ادعوا علم ضرورة كابروا لان جمهور الناس مخالفون لهم في ذلك وهم لا يعرفون الضرورة التى يدعون ولا فرق بين دعواهم على غيرهم على الضرورة ههنا وبين دعوى غيرهم عليهم علم الضرورة في بطلان ذلك، وفى أن الانكار يكون بالسكوت وأن الرضى لا يكون الا بالكلام فبطلت الدعوتان لتعارضهما ولم يبق الا أن الساكت ممكن أن يكون راضيا وممكن أن يكون غير راض، وهذا هو الذى لا شك فيه، والرضا يكون بالسكوت وبالكلام، والانكار يكون بالسكوت وبالكلام، فإذ ذلك كذلك فانما هو الظن فقط ولا تحل الاموال المحرمة بالظن قال تعالى: (ان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 0 (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث)، فان قالوا: قسنا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى نكاح البكر قلنا: القياس باطل ثم لو كان حقا لكان ههنا في غاية الباطل لان من عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت (1) تقية أو تدبيرا في أمره وتروية أو لانه يرى أن سكوته لا يلزمه به شئ وهذا هو الحق،


(1) في النسخة 16 ولم يبق الا الساكت

[ 436 ]

ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقى في الله تعالى أحد ا ولا يحكم في شئ من الدين بغير الوحى من ربه تعالى، ولا يجوز له السكوت (1) على الباطل فلا ينكره لانه كان يكون غير مبين وقد أمره الله تعالى بالبيان والتبليغ (2) والامر بالواجبات وتفصيل الحرام فسكوته خارج عن هذين الوجهين وليس غيره كذلك، وطول المدد لا يعيد الباطل حقا أبدا ولا الحق باطلا، ويلزم المخالف لهذا أن من قيل له: يا كافر فسكت أنه قد لزمه حكم الكفر، ومن قيل له: انك طلقت أامرأتك فسكت أن يلزمه الطلاق، وان من قتل ولده - وهو يرى - فسكت انه قد بطل طلبه ولزمه الرضى وهم لا يقولون بشئ من هذا * وقال أبو حنيفة. وأصحابه: من باع مال آخر بغير أمره فلصاحب المال اجازة ذلك أو رده، واحتجوا بالخبر الثابت عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذى استأجر أجيرا بفرق من ذرة فاعطيته فابى فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقى فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فقال: أتستهزئ بى قلت: ما استهزئ بك ولكنها لك فذكر الخبر وان الله فرج عنهم الصخرة المطبقة على فم الغار، فان هذا خبر لا حجة لهم فيه لوجوه بل هو حجة عليهم ومبطل لقولهم، فاولها أن ذلك كان فيمن قبلنا ولا تلزمنا شررائعهم * والثانى انه ليس فيه ان الاجارة كانت بفرق ذرة بعينه بل ظاهره انه كان بفرق ذرة في الذمة فإذ ذلك كذلك فلم يبع له شيئا بل باع ماله ثم تطوع بما أعطاه وهذا حسن وهو قولنا * والثالث أنه حتى لو كان فيه أنه كان فرقا بعينه وانه كان في الاسلام لما كان لهم فيه حجة لانه أعطاه أكثر من حقه فرضى وأبرأه من عين حقه، وكلاهما متبرع بذلك من غير شرط، وهذا جائز عندنا حسن جدا، وأما كونه حجة عليهم فان فيه أنه عرض عليه حقه فأبى من أخذه وتركه ومضى فعلى أصلهم قد بطل حقه إذ سكت عن أخذه فلا طلب له فيه بعد ذلك * واحتجوا بما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا سفيان ابن عيينة عن شعيب بن غرقدة عن عروة البارقى: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشترى له به شاة قال: فاشتريت له شاتين فباع احدا هما بدينار فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة فدعاله بالبركة) * ورويناه أيضا من طريق أبى داود نا الحسن بن الصباح نا أبو المنذر نا سعيد بن زيد نا الزبير بن الحرث عن أبى لبيد عن عروة الباقرقى فذكره * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان عن أبى حصين عن رجل من أهل المدينة عن حكيم ابن حزام: (ان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ليشترى له أضيحة بدينار فاشتراها ثم باعها بدينارين


(1) في النسخة 16 سكت 2 في النسخة 16 بالبيان بالتبليغ

[ 437 ]

فاشترى شاة بدينار وجاء بدينار فدعاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة وأمره أن يتصدق بالدينار) هذا كل ماموهوا به وكله لا شئ * أما حديث حكيم فعن رجل لم يسم ولا يدرى من هو من الناس والحجة في دين الله تعالى لا تقوم بمثل هذا * وأما حديث عروة فأحد طريقيه عن سعيد بن زيد أخى حماد بن زيد وهو ضعيف، وفيه أيضا أبو لبيد وهو لمازة (1) بن زبار وليس بمعروف العدالة، والطريق الاخرى معتلة وان كان ظاهرها الصحة وهى أن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة كما روينا من طريق أبى داود السجستاني نا مسدد نا سفيان - هو ابن عيينة - عن شبيب ابن غرقدة حدثنى الحى (2) عن عروة [ يعنى ابن الجعد البارقى ] قال. (أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينار اليشترى له أضحية أو شاة فاشترى اثنتين فباع احداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعاله بالبركة) فحصل منقطعا فبطل الاحتجاج به، ثم لو صح حديث حكيم. وعروة لم يكن لهم فيهما حجة لانه إذ أمره عليه السلام ان يشترى له شاة فاشترى له شاتين صار الشراء لعروة بلا شك لانه انما اشترى كما أراد لا كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ثم وزن دينار النبي صلى الله عليه وسلم إما مستقرضا له ليرده واما متعديا فصار الدينار في ذمته بلا شك ثم باع شاة نفسه بدينار فصرفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما لزمه (5) وأهدى إليه الشاة فهذا كله هو ظاهر الخبر ولى فيه أصلا لا بنص ولا بدليل (6) على أن الشراء جوزه النبي صلى الله عليه وسلم والتزمه فلا يجوز القول بما ليس في الخبر * وأما خبر حكيم فانه تعدى في بيع الشاة فلزمه ضمانها فابتاعها بدينار كما أمر وفضل دينار فأمره عليه السلام بالصدقة إذ لم يعرف صاحبه * قال أبو محمد: ثم نسألهم عمن باع مال غيره فنقول: أخبرو ناهل ملك المشترى ما اشترى وملك صاحب الشئ المبيع الثمن بذلك العقد أم لا، ولا بد من أحدهما، فان قالوا: لا وهو الحق وهو قولنا فمن الباطل أن لا يصح عقد حين عقده ثم يصح في غير حين عقده الا أن يأمر بذلك الذى لا يسئل عما يفعل فنسمع ونطيع لله تعالى، وأما من يسئل عما يفعل فلا يقبل منه مثل هذا أصلا إذ لم يوجب الله تعالى قبوله منه، وان (7) قالوا: قد ملك الشمترى ما اشترى وملك الذى له الشئ المبيع الثمن قلنا: فمن أين جعلتم له ابطال عقد قد صح بغير أن يأتي بذلك قرآن. ولا سنة؟ وهذا لا يحل لانه تحكم في دين الله تعالى،


(1) بكسر اللام وتخفيف الميم وبزاي؟ وزبار بفتح الزاى وتشديد الباء للوحدة وآخره راء (2) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتانية أي القبيلة، وهم غير معروفين كما صرح به البيهقى والخطابى (3) الزيادة من سنن أبى داود (4) في سنن أبى داود زيادة لم يذكرها المصنف وهى فكان لو اشترى ترا با لربح فيه (5) في النسخة 16 (ألزمه) (6) في النسخة 14 (لانص ولا دليل) (7) في النسخة 14 (فان)

[ 438 ]

وقولنا في هذا هو قول أحمد بن حنبل روينا عنه أن من بيعت داره وهو ساكت فان ذلك لا يجوز حتى يرضى أو يأمر أو يأذن في بيع داره وهو قول أبى سليمان. وجميع أصحابنا، وهو قول الشافعي الا أنه اختلف عنه فيمن بيع ماله (1) فعلم بذلك فروى عنه أنه باطل ولابد (2) وروى عنه أن له ان يجيز ذلك ان شاءولم يختلف عنه في ان السكوت ليس رضى أصلا، وأما أبو حنيفة فان السكوت عنده لا يكون إقرارا الا في خمسة مواضع، أحدها من رأى عبده يبيع ويشترى كما يفعل المأذون له في التجارة فيسكت فان العبد يصير بذلك مأذونا له والشفعة يعلمها الشفيع فيسكت ولا يشهد على انه طالب لها فسكوته اسقاط لحقه في الطلب والانسان يباع وهو حاضر عالم بذلك، ثم يقال له: قم مع مولاك فيقوم فهذا إقرار منه بالرق وان لم يتكلم به والبائع للشئ بثمن حال فيقبضه المشترى والبائع ساكت فهذا اذن منه في القبض، والبكر في النكاح * قال أبو محمد: هذه (3) الاربعة وجوه باطل وتخليط ودعوى بلا دليل لا من قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول متقدم. ولا قياس. ولا رأى سديد يفرق بينها وبين غيرها وما كان هكذا فان القول لا يحل به، وأما مالك فانه قال: من رأى ما له يباع فسكت فقد لزمه البيع أمة كانت المبيعة أو عبدا أو غير ذلك، ومن غصب ماله فمات الغاصب فرأى ماله يقسم فسكت فان حقه قد بطل، ومن ادعى عليه بدين فسكت فقد لزمه ما ادعى به عليه (4) ولم ير السكوت عن طلب الدين - وان رآه يقسم - مسقطا لحقه في الطلب، ولا رأى السكوت عن طلب الشفعة رضى باسقاطها الا حتى تمضى له سنة فسكوته بعد السنة رضى باسقاطها عنده، ولم يرسكوت من تتزوج (5) امرأته بحضرته طلاقا ولا أنها بانت عنه بذلك، وهذه مناقضات لا دليل على صحة شئ منها لا من نص ولا من قول أحد تقدمه. ولا من رواية سقيمة. ولا من قياس. ولا من رأى له وجه، وأعجب ذلك أنه لم يرسكوت البكر العانس رضى بالنكاح الا حين تنطق بالرضى وهذا خلاف النص جهارا، ورأى على من رأى داره تبنى وتهدم ويتصرف فيها أجنبي فسكت عشر سنين فأكثر أنها قد خرجت عن ملكه بذلك، وان سكت عن ذلك أقل من سبع سنين انها لم تخرج عن ملكه بذلك، واختلف عنه في سكوته سبع سنين. أو ثمان سنين. أو تسع سنين فروى عنه أن كل ذلك قطع لحقه، وروى عنه أنه ليس ذلك قطعا لحقه ولم ير سكوت المرء عن ذلك لبعض أقار به قطعا لحقه الا بعد سبعين سنة، وهذه أقوال كما ترى نعوذ بالله منها، ففيها اباحة الاموال المحرمة جزافا وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة 14 باع ماله وهو غلط (2) الزيادة من النسخة 16 (3) سقط لفظ (هذه) من النسخة 14 (4) في النسخة 14 ما ادعى عليه فيه (5) في النسخة 14 من تزوج

[ 439 ]

1461 مسألة ولا يجوز بيع شئ لا يدرى بائعه ما هو وان دراه المشترى ولا ما لا يدرى المشترى ما هو وان دراه البائع. ولا ما جهلاه جميعا، ولا يجوز البيع الا حتى يعلم البائع والمشترى ما هو ويرياه جميعا أو يوصف لهما عن صفة من رآه وعلمه كمن اشترى زبرة يظنها قزديرا فوجد ها فضة، أو فصا لا يدرى أزجاج هو أم ياقوت فوجده ياقوتا أم زمردا أو زجاجا وهكذا في كل شئ، وسواء وجده أعلى مما ظن أو أدنى أو الذى ظن كل ذلك باطل مفسوخ أبدا لا يجوز لهما تصحيحه بعد علمهما به الا بابتداء عقد برضاهما معا والا فلا وهو مضمون على من قبضه ضمان الغضب * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ولا يمكن ببديهة العقل. وضرورة الحس رضى (2) بما لا يعرف ولا يكون الرضى إلا بمعلوم المائية، ولا شك في أنه ان قال: رضيت انه قد لا يرضى إذا علم ما هو وان كان دينا جدا، وقد سمى الله تعالى ما لم يكن عن تراض أكل مال بالباطل، وايضا فهو بيع غرر لان (3) لا يدرى ما ابتاع ولا ما باع، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر وهذا أعظم الغرر، وهذا قول الشافعي. وأبى سليمان، وقد ذكرنا عن مالك اجازة هذا البيع وهو قول لا دليل على صحته أصلا * ومن عجائب الدنيا اجازته هذا البيع الفاسد ومنعه من بيع صبرة مرئية محاط بها علم البائع مكيلتها ولم يعلم المشترى مكيلتها (4) وهذا عجب لا نظير له، وبالله تعالى التوفيق * 1462 مسألة ولا يحل بيع شئ باكثر مما يساوى ولا باقل مما يساوى إذا اشترط البائع أو المشترى السلامة الا بمعرفة البائع والمشترى معا بمقدار الغبن في ذلك ورضاهما به، فان اشترط أحدهما السلامة ووقع البيع كما ذكرنا ولم يعلما قدر الغبن أو علمه غير المغبون منهما ولم يعلمه المغبون فهو بيع باطل مردود مفسوخ أبدا مضمون على من قبضه ضمان الغب وليس لهما إجازته الا بابتداء عقد فان لم يشترطا السلامة ولا أحدهما ثم وجد غبن على أحدهما ولم يكن علم به فللمغبون انفاذ البيع أورده، فان فات الشئ المبيع رجع المغبون منهما بقدر الغبن وهو قول أبى ثور. وقول أصحابنا الا أنهم قالوا: لا يجوز رضاهما بالغبن أصلا، وقال أبو حنيفة: ومالك. والشافعي: لا رجوع للبائع ولا للمشترى بالغبن في البيع كثر أو قل، وذكر ابن القصار عن مالك أن البيع إذا كان فيه الغبن مقدار الثلث فان يرد * برهان صحة قولنا قول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون


(1) بضم أوله وسكون ثانيه القطعة (2) في النسخة 14 كون رضى (3) في النسخة 14 ولانه وهو غلط (4) في النسخة 16 مكيلها في الموضعين

[ 440 ]

تجارة عن تراض منكم) ولا يكون التراضي البتة الاعلى معلوم القدر ولا شك في أن من لم يعلم بالغبن ولا بقدره فلم يرض به، فصح أن البيع بذلك أكل مال بالباطل، وقوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) فحرم عزوجل الخديعة، ولا يمترى أحدفى أن بيع المرء باكثر مما يساور ما باع ممن لا يدرى ذلك خديعة للمشترى، وأن بيع المرء باقل مما يساوى ما باع وهو لا يدرى ذلك خديعة للبائع، والخديعة حرام لا تصح * وما روينا عن أبى داود نا أحمد بن حنبل نا سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما فسأله كيف تبيع؟ فاخبره فأوحى الله تعالى إليه [ أن ] (1) أدخل يدك فيه فادخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من غش) * وقال عليه اللاسم: (ان دماءكم واموالكم عليكم حرام) * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن سهيل بن أبى صالح عن عطاء بن يزيد الليثى عن تميم الدارى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله. ولكتابه وللائمة. ولجماعة المسلمين) ونهى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم عن النجش في البيع برهان صحيح على قولنا ههنا لانه نهى بذلك عن الغرور. والخديعة في البيع جملة بلا شك يدرى الناس كلهم أن من أخذ من آخر فيما يبيع منه أكثر مما يساوى بغير علم المشترى ولا رضاه ومن أعطاه آخر فيما يشترى منه أقل مما يساوى بغير علم البائع ولا رضاه فقد غشه ولم ينصحه، ومن غش ولم ينصح فقد أتى حراما، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فصح أنه باطل مردود بنص أمره عليه السلام، وهو قول السلف كما روينا من طريق حماد بن زيد نا أيوب. وهشام - هو ابن حسان - كلهم عن محمد بن سيرين أن رجلا قدم المدينة بجواري فنزل على ابن عمر فذكر الحديث، وفيه أنه باع جارية من ابن جعفر ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن غبنت بسبعمائة درهم فاتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال: انه غبن بسبعمائة درهم فاما أن تعطيها اياه واما أن ترد عليه بيعه فقال ابن جعفر: بل نعطيها اياه، فهذا ابن جعفر. وابن عمر قدرأيا رد البيع من الغبن في القيمة * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن يونس بن عبيد عن رجل عن جرير بن عبد الله البجلى أنه ساوم رجلا بفرس فسامه فسامه الرجل خمسمائة درهم ان رأيت ذلك فقال له جرير: فرسك خير من ذلك ولك ستمائة حتى بلغ ثمانماثة وهو يقول: ان رأيت ذلك فقال جرير: فرسك خير من ذلك ولا أزيدك فقال له الرجل:


(1) الزيادة من سنن أبى داود

[ 441 ]

خذها فقيل له: ما منعك أن تأخذها بخمسمائة؟ فقال: جرير: لانا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نغش أحدا أو قال: مسلما، وعن ابن عمر ليس لى غش * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن زبيد اليامى عن ميسرة عن ابن عمر وقد ذكرناه قبل في باب ما لا يتم البيع إلا به من التفرق * ومن طريق سفيان بن عيينة نا بشر بن عاصم الثقفى سمع سعيد بن المسيب يحديث عن أبى بن كعب أن عمر بن الخطاب. والعباس بن عبد المطلب تحاكما إليه في دار كانت للعباس إلى جانب المسجد أراد عمر أخذها ليزيدها في المسجد وأبى العباس فقال أبى بن كعب لهما: لما أمر سليمان ببناء بيت المقدس كانت أرضه لرجل فاشتراها سليمان منه فلما اشتراها قال له الرجل: الذى أخذت منى خير أم الذى أعطيتني؟ قال سليمان: بل الذى أخذت منك قال: فانى لا أجيز البيع فرده فزاده ثم سأله؟ فاخبره فابى أن يجيزه وذكر الحديث، فهذ أبى يورد هذا على سبيل الحكم به بحضرة عمر بن الخطاب. والعباس رضى الله عنهم فيصوبان قوله، فهؤلاء عمر. وابنه. والعباس. وعبد الله بن جعفر. وأبى. وجرير ولا مخالف (1) لهم من الصحابة رضى الله عنهم يرون رد البيع من الخديعة في نقصان الثمن عن قيمة المبيع * ومن طريق وكيع عن اسرائيل عن جابر عن القاسم بن عبد الرحمن أنه رد البيع من الغلط ولم يرده الشعبى وقال: البيع خدعة * قال أبو محمد: والعجب كله من أقوالا لحاضرين من خصومنا فانهم يردون البيع من العيب يحط من الثمن يوجد فيه لانه عندهم غش ثم يجيزون البيع وقد غش فيه بأعظم الغش وأخذ فيه منه أكثر من ثمنه، وهذا عجب جدا! وتناقض سمج، وعجب آخرو هو انهم يردون البيع من العيب يوجد فيه وان كان قد أخذه المشترى بقيمته معيبا ولا يردون البيع إذا غبن البائع فيه الغبن العظيم فلا ندرى من أين وقع لهم هذه العناية بالمشترى؟ وهذا الحنق على البائع، ان هذا لعجب لا نظير له! وعجب ثالث وهو انهم - فعنى المالكيين والشافعيين - يحجرون على الذى يخدع في البيوع حتى يمنعوه من العتق. والصدقة ومن البيع الصحيح الذى لا غبن (2) فيه ويردون كل ذلك وهم ينفذون مع ذلك تلك البيوع التى غبن فيها ولا يردونها، فلئن كانت تلك البيوع التى خدع فيها حقا وجائزة فلاى معنى حجر واعليه من أجلها وهى حق وصحيحة ولئن كانت تلك البيوع التى خدع فيها باطلا وغير جازئة فلاى معنى يجيزونها ان هذه لطوام فاحشة. وتخليط سمج. وخلاف مجرد لكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه ذكر له منقذ وانه يخدع في البيوغ فلم يحجر


(1) في النسخة 16 لا مخالف (2) في النسخة 16 لاغش (م 56 - ج 8 المحلى)

[ 442 ]

عليه لكن أمره أن يقول: لا خلابة عند البيع وجعل له الخيار ثلاثا في إنفاذ البيع أورده، فأبطل عليه السلام الخلابة وأنفذ بيوعه الصحاح والتى يختار انفاذها بعد المعرفة بها ولم يحجر عليه وهذا عكس كل ما يحكمون به، وحسبنا الله ونعم الوكيل * 1463 مسألة (1) فمن غبن في بيع اشترط فيه السلامة فهو بيع مفسوخ لان بيع الغش بيقين هو غير بيع السلامة الذى لا غش فيه هذا. أمر يعلم بالمشاهدة، فإذ هو كذلك فالبيع المنعقد بينهما في الباطن ليس هو الذى عقد عليه مشترط السلامة (2) ولا يحل أن يلزم غير ما عقد عليه ولا يحل له أن يتمسك بما لم يعقد عليه بيعه الذى تراضى به لان مال الآخر حرام عليه الا ما تراضى معه، وكذلك ماله على الآخر أيضا، وأما إذا علم بقدر الغبن كلاهما وتراضيا جميعا به فهو عقد صحيح. وتجارة عن تراض. وبيع لا داخلة فيه، وأما إذا لم يعلما أو أحدهما بقدر الغبن ولم يشترطا السلامة ولا أحدهما فله الخيار إذا عرف في رد أو امساك لان البيع وقع سالما على الجملة فهو بيع صحيح ثم وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الخيار لمن قال: لا خلابة ثلاثا ان شاء أمسك وانشاء رد فوجب أن لا يحل ما تزيد فيه الخادع على المخدوع الا بعلم المخدوع وطيب نفسه فان رضى بترك حقه (3) فذلك له وان أبى لم يجزله أخذ ما ابتاع بغير رضى البائع فله أن يرده، وقد صح الاجماع المقطوع به على أن له الرد، واختلف الناس هل له الامساك أم لا؟ وقد قال الله تعالى: (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فصح أنه إذا رضى ما ابتاع فذلك، وبالله تعالى التوفيق * قال على: والقيمة قيمتان باتفاق جميع أهل الاسلام قديما وحديثا، فقد كان التجار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيعون ما يشترون طلب الربح هذا أمر متيقن، فقيمة يبتاع بها التجار السلع لا يتجاوزونها الا لعلة، وقيمة يبيع بها التجار السلع لا يحطون عنها ولا يتجاوزونها إلا لعلة، فهاتان القيمتان تراعيان لكل قيمة (4) في حالها * قال أبو محمد: واحتج أصحابنا في ابطالهم البيع بأكثر مما يساوى وان علما جميعا بذلك وتراضيا به (5) بأن قالوا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال قالوا (6): والمشترى الشئ بأكثر من قيمته والبائع له (7) بأقل من قيمته كلاهما مضيع لماله، قالوا: ولا يجوز اخراج المال عن الملك إلا بعوض أجر من الله تعالى فهو أفضل عوض، وأما بعوض من اعراض الدنيا كعمل في الاجارة. أو عرض في التجارة. أو ملك بضع في


(1 سقط الفظ مسألة من النسخة 16 والنسخة الحلبية (2) في النسخة 16 بشرط السلامة (3) في النسخة 16 بتركه حقه (4) في النسخة 16 كل قيمة (5) في النسخة 14 وتراضياه (6) في النسخة 14 قال وهو غلط (7) في النسخة 16 للشئ

[ 443 ]

النكاح. أو انحلال ملكه في الخلع. ونحو ذلك مما جاءت به النصوص، قالوا: ومن باع ثمرة بألف دينار أو ياقوتة بفلس فان هذا هو التبذير. والسرف. وبسط اليد كل البسط. وأكل المال بالباطل * قال أبو محمد: لا حجة لهم غير ما ذكرنا * قال أبو محمد: فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق: ان الذى قلتم انما هو فيما لا يعلم بقدره واما إذا علم بقدر الغبن وطابت به نفسه فهو بربربه معامله بطيب نفسه فهو مأجور لانه فعل خيرا وأحسن إلى انسان وترك له مالا أو أعطاه مالا وليس التبذير. والسرف. واضاعة المال. وأكله بالباطل إلا ما حرمه الله عزوجل على ما بينا في كتاب الحجر من ديواننا هذا، وأما التجارة عن تراض فما حرمها الله تعالى قط بل أباحها * قال أبو محمد: وإنما يجوز من التطوع بالزيادة في الشراء ما أبقى غنى لانه معروف من البيع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة) وقال عليه السلام: (الصدقة عن ظهر غنى) وأما ما لم يبق غنى فمردود لا يحل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * قال على: ومما يبين صحة قولنا ما رويناه من طريق مسلم نا أبو كامل - هو فضيل بن حسين الجحدرى - نا عبد الواحد بن زياد نا الجريرى عن أبى نضرة عن جابر بن عبد الله [ قال ]: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ في سفر ] فتختلف نا ضحى فذكر الحديث وفيه (فمازال يزيدنى ويقول: والله يغفر لك) * قال أبو محمد: فلا يخلو أول عطاء أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمل من أن يكون هو قيمة الجمل أو أقل من قيمته أو أكثر من قيمته فان كان قيمته فقد زاده بعد ذلك، وفى هذا جواز البيع بالزيادة على القيمة عن رضاهما معا، وان كان أعطاه أو لا أقل من القيمة أو أكثر فهذا هو قولنا وهو عليه السلام لا يسوم بما لا يحل ولا يخدع ولا يغر ولا يغش، فهذا نفس قولنا ولله الحمد، وكذلك قوله عليه السلام: (لا يسم أحدكم على سوم أخيه) فيه اباحة المساومة وهى عند كل من يدرى اللغة العربية معروفة وهى أن يسأل أحدهما ثمنا يعطيه الآخر أقل فلو كان اعطاء أقل من القيمة أو طلب أكثر منها طلبا باطلا لما أباحه الله تعالى على لسان رسوله، فصح أن كل ذلك جائز إذا عرفاه وعرفا مقداره وتراضيا معا به ولم يكن خديعة ولا غشا، وكذلك ما جعل عليه السلام لمنقذ من الخيار في رد البيع أو امضائه وكان يخدع في البيوع، فيه إجازة البيع الذى فيه الخديعة إذا رضيها المخدوع وعرفها، وكذلك الذى روينا من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله


(1) في النسخة 14 غير هذا أصلا (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 470

[ 444 ]

ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الامة إذا زنت؟ فقال: إذا زنت فاجلدوها ثم ان زنت فاجلدوها ثم ان زنت فاجلدوها ثم ان زنت فبيعوها ولو بضفير أو بحبل من شعر) فأباح عليه السلام بيعها بحبل من شعر إذا رضى بائعها بذلك، وقد أجاز أصحابنا الذى أنكروا ههنا في حس مس إذ أجازوا بيع عبد بعشرة دنانير واشتراط ماله وهو أنه عشرة آلاف دينار ولم ينكروه أصلا وكيف ينكرونه ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أباحه جملة؟ وهذا أخذ مال بغير صدقة ولا عوض * قال أبو محمد: وليس في شئ من هذه الاخبار متعلق لمن أجاز البيع الذى فيه الخديعة المحرمة والغش المحرم من الغبن (1) الذى لا يدريه المغبون لانه ليس فيها دليل على شئ من ذلك انما فيها جواز ذلك إذا علمه الراضي به في بيعه فقط ولا يجوز الرضا بمجهول أصلا لانه يمتنع في الجبلة محال في الخلقة، وقد يقول المرء: رضيت رضيت فيما لا يعلم قدره فإذا وقف عليه لم يرضه أصلا، هذا أمر محسوس في كل أحد وفى كل شئ * قال على: واحتج المذكورون بما روينا من طريق عبد الملك بن حبيب الاندلسي قال: بلغني عن ابن عمر أنه كان يقول: إذا بعث بمن يبتاع له سلعة أرثم أنفه (2) * ومن طريق ابن حبيب حدثنى عبد العزيز الاويسى. وعبد الملك بن مسلمة عن اسماعيل بن عياش عن عمرو بن المهاجر عن عمر بن عبداعزيز أنه قال: وددت أنى لا أبيع شيئا ولا ابتاعه إلا بطحت بصاحبه، وبما ذكرنا عن الشعبى من قوله (3): البيع خدعة * قال أبو محمد. هذا كله باطل، وابن حبيب متروك، ثم هو عن ابن عمر بلاغ كاذب، ثم لو صح لما فهم منه أحد إباحة غبن. ولا خديعة انما معنى أر ثم أنفه خذ أفضل ما عنده، وهذا مباح إذا تراضيا بذلك وأعطاه اياه بطيب نفسه * وأما حديث عمر بن عبد العزيز فاسماعيل بن عياش لا شئ، وكم قصة خالوافيها عمر بن عبد العزيز؟ كسجوده في (إذا السماء انشقت) واباحته بيع السمك في الماء قبل أن يصاد. وعشرات من القضايا، فمن الباطل أن يكون ما صح عنه ليس حجة وما لم يصح عنه حجة، وبالله تعالى التوفيق * والذى جاء من طريق الشعبى هو من طريق جابر الجعفي وقد خالفه القاسم. وغيره، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله * 1464 - مسألة - ولا يجوز البيع بثمن مجهول ولا إلى أجل مجهول كالحصاد. والجداد. والعطاء. والزريعة. والعصير. وما أشبه هذا، وهو قول أبى حنيفة.


(1) في النسخة 14 والغش المحرم وليس المحرم من الغبن الخ (2) قال الجوهرى في صحاحه، رثمت انفه إذا كسرته حتى أدميته ورثمت المرأت أنفها بالطيب طلته ولطخته (3) في النسخة 14 وبما ذكرنا من قول الشعبى الخ

[ 445 ]

والشافعي. وأبى سليمان لان كل ما ذكرنا يتقدم بالايام ويتأخر (1)، فالحصاد. والجداد يتأخران أياما ان كان المطر متواترا ويتقدمان بحر الهواء وعدم المطر، وكذلك العصير، وأما الزريعة فتتأخر شهرين وأكثر لعدم المطر، وأما العطاء فقد ينقطع جملة، وأيضا فكل ذلك شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وانما يجوز الاجل إلى ما لا يتأخر ساعة ولا يقتدم كالشهور العربية والعجمية، أو كطلوع الشمس أو غروبها، أو طلوع القمر أو غروبه، أو طلوع كوكب مسمى أو غروبه، فكل هذا محدود الوقت عند من يعرفها قال الله تعالى: (يسألونك عن الاهلة قل هي واقيت للناس والحج) حاشا ما ذكرنا من المبيع إلى الميسرة فهو حق للنص في ذلك ولانه حكم الله تعالى في كل من لا يجد اداء دينه، ولا يجوز الاجل إلى صوم النصارى أو اليهود أو فطرهم ولا إلى عيد من أعيادهم لانها من زينتهم ولعلهم سيبدولهم فيها فهذا ممكن، وقال الشافعي. لا يجوز الاجل الا بالاهلة فقط وذكر هذه الآية. وقول الله عزوجل: (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم) * قال أبو محمد: قال الله عزوجل: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) فعم تعالى كل أجل مسمى ولم يخص فكانت هذه الآية زائدة على تينك الآيتين والزيادة لا يحل تركها وليس في تينك الآيتين منع من عقد الآجال (2) إلى غير الاهلة ولا اباحة فواجب طلب حكم ذلك من غيرهما فان وجد ما يدل على جوازه قيل به والا فلا، وهذا (3) قول الحسن بن حى. وأبى سليمان وأصحابنا، وأباح مالك البيع إلى العطاء فيما خلا قال: واما اليوم فلا لانه ليس الآن معروفا وكان معروفا قبل ذلك وأجاز البيع إلى الحصاد. والجداد. والعصير قال: وينظر إلى عظم ذلك وكثرته لا إلى أوله ولا إلى آخره * قال أبو محمد: ما نعلم في الجهالة أكثر من هذا التحديد ولا غرر أعظم منه * قال على: وقد تبايع الناس بحضرة عمار ومن معه من الحصابة رضى الله عنهم إلى قدوم الراكب فخالف الحنيفيون. والمالكيون ذلك وهم يشنعون باقل من هذا إذا وافق تقليدهم، ونسوافى هذا الباب احتجاجهم بالاثر الوارد (المسلمون عند شروطهم)) ومن غرائب احتجاجهم أن كلتا الطائفتين ذكرت الخبر الذى رويناه من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبى اسحاق السبيعى عن أم يونس أن عائشة أم المؤمنين قالت لها أم محبة ام ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أنى بعت زيد بن أرقم عبدا إلى العطاء بثمانمائة درهم فاحتاج إلى الثمن فاشتريته منه قبل محل الاجل بستمائة فقالت عائشة: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت (هامش) (1) في النسخة 14 تتأخر الايام وتنقدم (2) في النسخة 16 الاجل (3) في النسخة 14 وهو

[ 446 ]

أبلغي زيدا انه قد بطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب فقالت: أرأيت ان تركت وأخذت السمائة؟ قالت: نعم فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) فقال الحنيفيون. والمالكيون: بتحريم البيع المذكور تقليد العائشة أم المؤمنين رضى الله عنها ولم يقلد وازيد ابن أرقم في جوازه، وقالوا: مثل هذا القول عن أم المؤمنين لا يكون إلا عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقولوا: ان فعل زيد لا يكون الا عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم لان ما كان طريقه التوقيف فليست هي أولى بالقول من زيد بن أرقم، والتزم الحنيفيون هذا الاحتجاج في البيع إلى العطاء ولم يرضه المالكيون فيه فقلنا لهم: يا هؤلاء أين أنتم عن هذا الاحتجاج الكاذب في كل ما تركتم فيه التوقيف الصريح من أن كل بيعين لا بيع بينهما ما لم يتفرقا الا أن يخير أحدهما الآخر، والنهى عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه فابحتموه على القطع، والنهى عن بيع الماء فابحتموه وسائر التوقيفات الثابتة؟ فهان عليكم تركها لآرائكم المجردة. وتأويلاتكم الفاسدة، ثم التزمتم القول بظن كاذب لا يحل القول به ان ههنا توقيفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتمته أم المؤمنين ولم تبلغه، وهذا هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم المكشوف وقبيح الوصف لام المؤمنين رضى الله عنها، فان قالوا: تركنا دليل النصوص لتأويل تأولناه واجتهاد رأيناه فقلنا: ومن أباح لكم ذلك وحظره على زيد بن أرقم - وقلامة ظفره والله قبل أن تفارقه - خير من أبى حنيفة. ومالك. وكل من اتبعهما؟ وهو الذى صدقه الله تعالى في القرآن، وحتى لو كان ههنا نص ثابت بخلاف قوله فمن أحق بالتأويل منه في أن يعذر في ذلك لو أخطأ مجتهدا في خلاف القرآن كما تأول ابن مسعود أن لا يتيمم الجنب ولا يصلى ولو لم يجد الماء شهرا، وكما تأول عمر إذ خطب فمنع الزيادة في الصداق على خمسمائة درهم. وإذا أعلن بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت ولا يموت حتى يكون آخرنا، وأم المؤمنين رضى الله عنها انما قالت هذا القول ان كانت قالته أيضا فلم يرو ذلك عنها من يقوم بنقله حجة، وان العجب ليطول ممن رد رواية فاطمة بنت قيس المهاجرة المبايعة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يلزم الناس الحجة برواية أم يونس. وأم محبة، فلا أكثر من أم يونس. وأم محبة لرأى رأته أم المؤمنين خالفها فيه زيد بن أرقم * قال أبو محمد: واحتج من أباح البيع إلى العطاء بما رويناه من طريق الحجاج بن أرطاة عن عطاء. وجعفر بن عمرو بن حريث قال عطاء: كان ابن عمر يشترى إلى العطاء، وقال جعفر عن أبيه: ان دهقانا بعث إلى على بن أبى طالب ثوب ديباج منسوج بالذهب فابتاعه منه عمرو بن حريث إلى العطاء بأربعة آلاف درهم، قال حجاج: وكان امهات المؤمنين يتبايعن إلى العطاء * ومن طريق اسرائيل عن جابر الجعفي عن الشعبى لا بأس بالبيع إلى

[ 447 ]

العطاء * وعن ابن أبى شيبة نا أبو بكر عن نوح بن أبى بلال اشترى منى على بن الحسين طعاما إلى عطائه * قال على: كل هذا عن حجاج بن أرطاة وناهيك به ضعفا، وعن جابر وهو دون حجاج بدرج، ولا أدرى نوح بن أبى هلال من هو؟ ولقد كان يلزم الحنيفيين المحتجين برواية حجاج بن أرطاة في أن العمرة تطوع أن يحتجوا ههنا بروايته، ولقد كان يلزمهم إذ قلدوا أم المؤمنين فيما خالفها فيه زيد بن أرقم أن يقلدوها ههنا ومعها صواحبها أمهات المؤمنين وعلى. وعمرو بن حريث، وأيضا عمار بن ياسر وغيره، ولكن القوم متلاعبون * قال على: وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الكريم الجزرى عن عكرمة عن ابن عباس لا يسلم إلى عصير ولا إلى العطاء ولا إلى العطاء ولا إلى الاندر - يعنى البيدر - * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن بكير بن عتيق عن سعيد بن جبير لا تبع (1) إلى الحاصد. ولا إلى الجداد. ولا إلى الدراس ولكن سم شهرا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن أبى عدى عن عبد الله بن عون سئل محمد بن سيرين عن البيع إلى العطاء؟ قال: لا أدرى ما هو * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن منصور عن ابراهيم أنه كره الشراء إلى العطاء والحصاد ولكن يسمى شهرا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حميد بن عبد الرحمن عن الحسن ابن صالح بن حى عن المغيرة عن الحكم أنه كره البيع إلى العطاء، وهو قول سالم بن عبد الله ابن عمر. وعطاء * 1465 مسألة ولا يحل لاحد أن يسوم على سوم آخر ولا أن يبيع على بيعه، المسلم. والذمى سواء، فان فعل فالبيع مفسوخ، فان وقف سلعة لطلب الزيادة أو قصد الشراء ممن باعه لا من انسان بعينه لكن محتاطا لنفسه جازت المزايدة حينئذ هذا إذا لم يبتد بسوم آخر فقط فان بدأ بمساومة انسان بعينه فلم يزده المشترى على أقل من القيمة ووقف على ذلك فلغيره أن يبلغه إلى القيمة وأكثر حينئذ، وكذلك لو طلب البائع أكثر من القيمة ولم يجب إلى القيمة أصلا فلغيره حينئذ أن يعرض على المشترى سلعته بقيمتها (2) وبأقل * برهان ذلك مارويناه من طريق مالك عن نافع. وأبى الزناد قال أبو الزناد: عن الاعرج عن أبى هريره، وقال نافع: عن ابن عمر ثم اتفق ابو هريرة. وابن عمر كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزيد


(1) في النسخة 16 (لايبع) يرجح ماهنا قوله بعد ولكن سم شهرا (2) في النسخة 16 سلعة بعينها (3) الحديث في موطأ مالك ج 2 ص 170 مطولا اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه

[ 448 ]

أحدكم على بيع أخيه) * قال على: هذا خبر معناه الامر لانه لو كان معناه الخبر لكان كذبا لوجود خلافه، والكذب مقطوع ببعده عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجيزه عليه الا كافر حلال دمه * ومن طريق شعبة عن الاعمش عن أبى صالح - هو السمان - عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يسم المسلم على سوم المسلم) * قال على: هذا بعض ما في حديث أبى هريرة. وابن عمر لان البيع على البيع يدخل فيه السوم ضرورة لانه لا يمكن البيع البتة الا بعد سوم ولا يكون السوم البتة الا للبيع وإلا فليس سوما فإذا حرم البيع حرم السوم عليه وإذا حرم السوم حرم البيع ضرورة ولا يجوز السوم بمالا يجوز بيعه كبيع الحر والسوم فيه، وفى الربا، وبهذا قال بعض الصحابة رضى الله عنهم * قال ابو محمد: وقال مالك: انما هذا إذا ركنا وتقاربا وهذا تفسير لا يدل عليه لفظ الحديث، فأما من أوقف سلعته طلب الزيادة فيه (1) أو طلب بيعا يستر خصه فليس مساوما لان نسان بعينه فلا يلزمه هذا النهى، وأما من رأى المساوم أو المبايع لا يريد الرجوع إلى القيمة لكن يريد غبن صاحبه بغير علمه فهذا فرض عليه نصحيه المسلم فقد خرج عن هذا النهى أيضا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصحية) * وروينا من طريق وكيع عن حزام بن هشام الخراعى عن ابيه شهدت عمر بن الخطاب باع ابلا من إبل الصدقة فيمن يزيد * ومن طريق حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمى عن المغيرة بن شعبة أنه باع المغانم فيمن يزيد * ومن طريق ابن أبى شيبة نا معتمر بن سليمان عن الاخضر بن عجلان عن أبى بكر الحنفي عن أنس بن مالك عن رجل من الانصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع حلسا وقدحا فيمن يزيد * 1466 مسألة ولا يحل النجش وهو أن يريد البيع فينتدب انسان للزيادة في البيع وهو لا يريد الشراء لكن ليغتر غيره فيزيد بزيادته فهذا بيع إذا وقع بزيادة على القيمة فللمشترى الخيار وانما العاصى والمنهى هو الناجش، وكذلك رضى البائع ان رضى بذلك، والبيع غير النجش وغير الرضى بالنجش، وإذ هو غير هما فلا يجوز أن يفسخ بيع [ صح ] (2) بفساد شئ غيره ولم يأت نهى قط عن البيع الذى ينجش فيه الناجش بل قال الله تعالى: (وأحل الله البيع) * وروينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش) * ومن طريق عبد الرزاق عن اسماعيل بن عياش عن عبيد بن مهاجر قال: بعث عمر بن عبد العزيز عبيد بن مسلم يبيع السبى (3) فلما فرغ أتى عمر فقال له: ان اليع كان كاسدالولا أنى كنت أزيد عليهم وأنفقه فقال له عمر: كنت تزيد عليهم ولا تريد أن


(1) سقط لفظ (فيه) من النسخة 14 (2) الزيادة من النسخة 16 (3) في النسخة 16 شيئا وهو تحريف

[ 449 ]

تشترى قال: نعم فقال عمر: هذا نجش، والنجش لا يحل ابعث مناديا ينادى أن البيع مردود وأن النجش لا يحل * 1468 مسألة (1) ولا يحل لاحد تلقى الجلب سواء خرج لذلك أو كان ساكنا على طريق الجلاب، وسواء بعد موضع تلقيه أم قرب، ولو أنه على السوق على ذراع فصاعدا لا لاضحية. ولا لقوت ولا لغير ذلك أضر ذلك بالناس أو لم يضر، فمن تلقى جلبا أي شئ كان فاشتراه فان الجالب بالخيار إذا دخل السوق متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضاء البيع أورده، فان رده حكم فيه بالحكم في البيع برد العيب لا في المأخوذ بغير حق، ولا يكون رضى الجالب إلا بان يلفظ بالرضى لا بان يسكت علم أو لم يعلم، فان مات المشترى فالخيار للبائع باق، فان مات البائع قبل أن يرد أو يمضى فالبيع تام * برهان ذلك ما روينا من طريق مسلم نا ابن نمير - هو محمد بن عبد الله بن نمير - نا أبى عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ان تتلقى السلع (3) حق تبلغ الاسواق) * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الله بن المبارك عن التيمى - هو سليمان - عن أبى عثمان النهدي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تلقى البيوع * وروينا نحوه مسندا صحيحا من طريق ابن عباس (4)، ومن طريق على أيضا * ومن طريق مسلم حدثنا ابن أبى عمر نا هشام بن سليمان عن ابن جريج اخبرني هشام القردوسى (5) - هو ابن حسان - عن ابن سيرين قال: سمعت أبا هريرة يقول: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فأذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) * ومن طريق أبى داود نا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا عبيدالله بن عمرو الرقى عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة (ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقى الجلب فان تلقاه متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق) * قال أبو محمد: هذا نقل تواتر رواه خمسة من الصحابة، ورواه عنهم الناس وبهذا قال السلف * روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة نهى عن تلقى الجلب فمن تلقى جلبا فاشترى منه فالبائع بالخيار إذا وقع السوق، وهذا نص قولنا ولا يعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف لا سيما هذه الطريق التى


(1) تنبيه حصل غلط سهوا في رقم المسائل من ابتداء صفحة 370 فرقمت المسألة 1420 وحقها أن تكون 1421، وفى صحفة 388 فرقمت المسألة 1421 وحقها أن تكون 1423 وتسلسل هذا إلى هنا فاستدرك في هذه المسألة (2) في النسخة 16 (عن تلقى السلع) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 444 (3) في النسخة 16 (السوق) (4) في النسخة 16 (ابن مسعود) (5) هو بالقاف المضمومة نسبة إلى قراديس درب بالبصرة ينسب إلى ابى حى من اليمن، والحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 444 (م 57 ج 8 المحلى)

[ 450 ]

كأنها الشمس * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو هلال نا محمد بن سيرين قال: كان يكره أن يتلقى الجلب خارج البلد فأذا تلقى الجلب خارجا من البلد فرب الجلب بالخيار إذا قدم إن شاء باع وان شاء امسك، وهذا أيضا نص قولنا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن المبارك عن أبى جعفر الرازي عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: لا تلقوا البيوع بأفواه السكك * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو داود الطيالسي عن اياس بن دغفل قرئ علينا كتاب عمربن عبد العزيز لا تلقوا الركبان * وممن نهى عن تلقى الركبان الجالبين جملة الليث. والحسن ابن حى. وأحمد بن حنبل. واسحاق. والشافعي. وابو سليمان. وأصحابهم، وقال الشافعي. وابو سليمان: بايجاب الخيار للبائع إذا قدم السوق، ونهى عنه الاوزاعي ان كان بالناس إليه حاجة، وأباحه أبو حنيفة جملة الا أنه كرهه ان أضر ذلك بأهل البلد دون أن يحظره، وأجازه بكل حال، وهذا خلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وخلاف صاحبين لا يعرف لهما من الصحابة مخالف، وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم، وما نعلم لابي حنيفة في هذا القول أحدا قاله قبله، وقال مالك: لا يجوز ذلك للتجارة خاصة ويؤدب من فعل ذلك في نواحى المصر فقط ولا بأس بالتلغى لا بتياع القوت من الطعام والاضحية، وهذه تقاسيم مخالفة للسنة الواردة في ذلك ولا نعلمها عن أحد قبل مالك أصلا * قال أبو محمد: وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيار للبائع بيان بصحة البيع الا أن للبائع خيارا في رده أو امضائه، والخيار لا يكون البتة ولا يجوز الا لمن جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ومن جعله يورث فقد تعدى ما حدرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الخيار ما لا يورث ولو ورث لكان لاهل الوصية منه نصيبهم، وقال سفيان الثوري: تلقى السلع منهى عنه من تلقاها بحيث لا تقصر الصلاة إليه فان تلقا ها بحيث تقصر الصلاة فصاعدا فلا بأس بذلك * قال على: فهذا تقسيم فاسد لانه دعوى بلا برهان، وقال الليث: ينزع من المشترى ويرد إلى البائع فان مات نزعت من المشترى وبيعت في السوق ودفع ثمنها إلى البائع * قال أبو محمد: احتج من أجاز تلقى الركبان (1) بما رويناه من طريق البخاري عن موسى بن اسماعيل عن جويرية عن نافع عن ابن عمر [ رضى الله عنهما ] (2) قال: كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فها نا النبي صلى الله عليه وسلم: (أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام) * ومن طريق البخاري نا ابراهيم بن المنذرنا أبو ضمرة - هو أنس بن عياض - نا موسى ابن عقبة عن نافع عن ابن عمر: (انهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم فيبعث عليهم من يمنعم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث


(1) في النسخة 14 من أباح تلقى السلع وفى النسخة الحلبية من أجاز تلقى السلع وما هنا موافق للفظ الحديث (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 151 (3) في صحيح البخاري ج 3 ص 139 على عهد النبي الخ

[ 451 ]

يباع الطعام) * ومن طريق ابن أيمن نا هشام نا أبو صالح حدثنى الليث بن سعد حدثنى ابن غنج (1) عن نافع عن ابن عمر أنه حدثه (أنهم كانوا يشترون الطعام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الركبان فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانهم الذى ابتاعوه فيه حتى ينقلوه إلى سوق الطعام) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لستة وجوه، أحدها أن المحتجين بهذا هم (2) القائلون بأن الصاحب إذا روى خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم خالفه أو حمله على تفسير ما فهو أعلم بما فسرو قوله حجة في رد الخبر، وابن عمر هو راوي هذا الخبر وقد صح عنه الفتيا بترك التلقى كما أوردنا آنفا والاخذ بما روى من النهى عن التلقى * وثانيها أن هذين خبران هم أول مخالف لنا فيهما فلا كراهة عندهم في بيع الطعام حيث ابتاعه، ولا أسوأ طريقة ممن يحتج بحجة هو أول مبطل لها ومخالف لموجبها * والثالث أنهما موافقان لقولنا لان معنى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يبلغوا به سوق الطعام هو نهى للبائع أن يبيعه وللمشترى أن يبتاعه حتى يبلغ به السوق، ومشهور غير منكور في لغة العرب بعت بمعنى ابتعت ويخرج خبر موسى بن عقبة على هذا أيضا، وأنه عليه السلام نهى البائعين أن يبيعوه في مكانهم الذى ابتاعه المشترون منهم، وهذا معنى صحيح لا داخلة فيه * والرابع أنه حتى لو كان فيهما نص على جواز تلقى الركبان وليس ذلك فيهما لكان النهى ناسخا ولا بد بيقين لا شك فيه لان التلقى كان مباحا بلا شك قبل النهى فكان هذان الخبران موافقين للحال المتقدمة بلا شك، وباليقين يدرى كل ذى فهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى عن التلقى فقد بطلت الاباحة بلا شك فقد بطل حكم هذين الخبرين ونسخ لو صح فهيما إباحة التلقى فكيف وليس ذلك فيهما؟ وهذا برهان قاطع لامحيدعنه، ومن ادعى عود حكم قد نسخ فقد كذب وقفا مالا علم له به وادعى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يبين كما أمر وان الدين مختلط لا يدرى أحد حرامه من حلاله من واجبه وحاش لله من هذا * وخامسها أن يضم هذا الخبران إلى اخبار النهى فيكون البائعون تخيروا امضاء البيع فأمر المبتاعون بنقله (3) حينئذ إلى السوق فتتفق الاخبار كلها ولا تحمل على التضاد * وسادسها اننا روينا هذا الخبر ببيان صحيح رافع للاشكال من طريق من هو أحفظ وأضبط من جويرية كما روينا من طريق البخاري نا مسدد نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيدالله - هو ابن عمر - حدثه نافع عن عبد الله ابن عمر قال: كانوا يبتاعون (4) الطعام في اعلى السوق ويبيعونه في مكانه (5) فنهاهم


(1) هو - بفتح الغين المعجمة والنون في آخر جيم - محمد بن عبد الرحمن (2) في النسخة 14 به (3) في النسخة 16 (وأمر المتبايعون أن ينقلوه) (4) في النسخة 14 والنسخة 16 يتبايعون وما هنا موافق لما في صحيح البخاري ج 3 ص 151 (5) في صحيح البخاري في مكانهم

[ 452 ]

النبي (1) صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة. ومحمد بن عبد الله بن نمير قال ابن أبى شيبة: نا على بن مسهر، وقال أبو بكر: نا أبى ثم اتفق على بن مسهر. وعبد الله بن نمير كلاهما عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: (كنا نشترى الطعام من الركبان جزافافنها نا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (2)) فهذا يبين أن البيع كان في السوق الا أنه في أعلاه وفى الجزاف خاصة فنهى المشترون (3) عن ذلك، واحتج أيضا بعضهم بشئ طريف جدا وهو أنه ذكر رواية عن هشام القردوسى عن ابن سيرين عن أبى هريرة وفيه فمن اشتراه فهو بالخيار، وقال: ان هذا اللفظ يوجب الخيار للمشترى أيضا * قال أبو محمد: وهذا مما جروابه على عادتهم الخبيثة في الايهام والتمويه بانهم يحتجون وهم لا يأتون بشئ لان هذا الذى قاله هذا القائل باطل ولو جاء بهذا اللفظ لكان مجملا تفسره رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة لهذا الخبر نفسه وان الخيار انما هو للبائع وهكذا قال أبو هريرة. وابن سيرين في فتياهما، ثم هبك لو صح خيار آخر للمشترى فاى منفعة لهم في هذا؟ وهم لا يقولون بهذا، فلو كان ههنا حياء. أو ورع لردع عن التمويه بمثل هذا مما هو كله عليهم * قال أبو محمد: وقال بعض الناس: انما أمر عليه السلام بهذا حياطة للجلاب دون أهل الحضر * قال على: وقال بعضهم: بل حياطة على أهل الحضر دون الجلاب * قال أبو محمد: وكلا القولين فاسد وما حياطة النبي صلى الله عليه وسلم لاهل الحضر الا كحياطته للجلاب سواء سواء قال الله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريض عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم) فهو عليه السلام ذو رأفة ورحمة بالمؤمنين كما وصفه ربه تعالى، ولم يفرق بين المؤمنين من أهل الحضر والمؤمنين من الجالبين وكلهم مؤمنون فكلهم (4) في رأفته ورحمته سواء ولكنها الشرائع يوحيها إليه باعثه عزوجل فيؤديها كما أمر لا يبدلها من تلقاء نفسه ولا ينطق عن الهوى، ولا علة لشئ من احكام الشريعة إلا ما قاله الله عزوجل: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * (ولا يسئل عما يفعل وهم يسألون) * (لا معقب لحكمه) وما عدا هذا فباطل وافك مفترى، فان قال قائل: فما يقولون في خبر ابن عمر المذكور وهو صحيح وأنتم المنتسبون إلى القول بالسنن؟ قلنا: نعم ولله الحمد كثيرا وسنذكر الحكم الذى في هذه الخبر من نقل الطعام عن موضع ابتياعه وأنه في الجزاف خاصة بعد هذا ان شاء الله تعالى من خبر آخر، وأما هذا الخبر الذى


(1) في صحيح البخاري رسول الله (2) الحديث اختصره المصنف انظر ج 1 ص 446 (3) في النسخة 16 فنهى المشترى (4) في النسخة 14 (وكلهم)

[ 453 ]

ذكرنا ههنا فهو كما ذكرنا ولابد اما أمر للبائعين (1) وهم الركبان الجالبون له بان نهوا عن ذلك البيع هنا لك ونهى المشترون (2) عن التلقى واما انه مفسوخ بالنهي عن التلقى أو في الجزاف خاصة كما في خبر عبيدالله لابد من أحد هذه الامور لما ذكرنا، ولا يحتمل غير هذين الوجهين أصلا، وبالله تعالى التوفيق * 1469 مسألة ولا يجوز أن يتولى البيع ساكن مصر أو قرية أو مجشر لخصاص (3) لا في البدو ولا في شئ مما يجلبه الخصاص إلى الاسواق. والمدن. والقرى أصلا ولا ان يبتاع له شيئا لا في حضر ولا في بدو، فان فعل فسخ البيع والشراء أبدا وحكم فيه بحكم الغصب ولا خيار لاحد في امضائه لكن يدعه يبيع لنفسه أو يشترى لنفسه أو يبيع له خصاص مثله ويشترى له كذلك لكن يلزم الساكن في المدينة. أو القرية. أو المجشرأن ينصح للخصاص في شرائه وبيعه ويدله على السوق ويعرفه بالاسعار ويعينه على رفع سلعته ان لم يرد بيعها وعلى رفع ما يشترى، وجائز للخصاص أن يتولى البيع. والشراء لساكن المصر. والقرية. والمجشر، وجائز لساكن المصر. والقرية. والمجشر (4) أن يبيع ويشترى لمن هو ساكن في شئ منها * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا زهير بن حرب نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه نهى أن يبيع حاضر لباد) (5) * ومن طريق مسلم نا يحيى بن يحيى أنا هشيم عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: نهينا أن يبيع حاضر لبادوان كان أخاه أو أباه * ومن طريق مسلم نا اسحاق ابن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد) قال طاوس: فقلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون (6) له سمسارا * ومن طريق أحمد ابن شعيب أنا ابراهيم بن الحسن نا حجاج - هو ابن محمد - قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبع (7) حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا شبابة عن ابن أبى ذئب حدثنى مسلم الخياط عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع حاضر لباد) فهذا نقل خمسة من الصحابة بالطرق الثابتة فهو نقل تواتر، وبه تأخذ الصحابة رضى الله عنهم كما روينا آنفا عن ابن عباس مفسرا مبينا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع


(1) في النسخة 16 أمر البائعين (2) في النسخة 16 المشترى (3) الخصاص جمع خص هو البيت من القصب أي صاحبه (4) يقال أصبح بنو فلان جشرا إذا كانوا يبيتون مكانهم في الابل لا يرجعون إلى بيوتهم (5) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 445 (6) في صحيح مسلم ج 1 ص 445 (لا يكن) (7) في سنن النسائي (لا يبيع) على الخير

[ 454 ]

عن سفيان الثوري عن أبى موسى عن الشعبى كان المهاجرون يكرهون بيع حاضر لباد؟ قال الشعبى: وانى لا فعله (1) * قال أبو محمد: الاولى أن يحمل عليه قول الشعبى وانى لافعله أي انى أكرهه كما كرهوه * ومن طرق سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن مسلم الخياط أنه سمع أبا هريرة ينهى أن يبيع حاضر لباد * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن عيينة عن مسلم الخياط أنه سمع أبا هريرة يقول: نهى أن يبيع حاضر لباد، وسمع عمر يقول: لا يبيع حاضر لباد * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبى حمزة عن ابراهيم النخعي قال: قال عمر بن الخطاب: دلوهم على السوق دلوهم على الطريق وأخبروهم بالسعر * ومن طريق أبى داود سمعت حفص بن عمر يقول: نا أبو هلال نا محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: كان يقال: لا يبع حاضر لباد وهى كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا يبتاع له شيئا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن أنس قال: لا يبع حاضر لباد * ومن طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن سالم المكى أن أعرابيا حدثه أنه قدم بجلوبة [ له ] (2) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل على طلحة بن عبيدالله فقال له طلحة: ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك أو أنهاك * فهؤلاء المهاجرون جملة. وعمر بن الخطاب. وأنس. وابن عباس. وابو هريرة. وطلحة لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضى الله عنهم، وهو قول عطاء. وعمر بن عبد العزيز * وروينا عن بعض التابعين خلافه (3) * روينا عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يشترى من الاعرابي للاعرابي قيل (4) له: فيشترى منه للمهاجر؟ قال: لا * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا أبو حرة (5) سمعت الحسن يقول: اشترى للبدوي ولا تبع له * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو داود - هو الطياسى - عن اياس بن دغفل قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز لا يبع حاضر لباد * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن إبن ابى نجيح عن مجاهد قال: انما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد لانه أراد أن يصيب المسلمون من غرتهم فأما اليوم فلا بأس، وقال عطاء: لا يصلح اليوم * ومن طريق وكيع عن ابن خثيم قلت لعطاء: قوم من الاعراب يقدمون علينا أفنشترى لهم؟ قال: لا بأس * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم قال: كان يعجبهم أن يصيبوا


(1) في النسخة 16 لا أفعله وهو غلط (2) الزيادة من سنن أبى داود، والجلوية بفتح الجيم ما يجلب للبيع من كل شئ (3) في النسخة 14 خلافا (4) لفظ له سقط من النسخة 14 (5) هو بالحاء المهملة واسمه واصل بن عبد الرحمن البصري وفى النسخة 14 أبو جرة بالجيم وهو تصحيف

[ 455 ]

من الاعراب رخصة، وهو قول الاوزاعي، وسفيان الثوري. وأحمد. واسحاق. والشافعي. وأبى سليمان. ومالك. والليث، قال (1) الاوزاعي: لا يبيع له ولكن يشير عليه وليست الاشارة بيعا الا أن الشافعي قال: ان وقع البيع لم يفسخ، وقال الليث. ومالك: لا يشير عليه، وقال مالك: لا يبع الحاضر أيضا لاهل القرى ولا بأس بأن يشترى الحضار للبادى انما منع من البيع له فقط، ثم قال: لا يبع مدنى لمصري ولا مصرى لمدني ولكن يشير كل واحد منهما على الآخر ويخبره بالسعر، وقال أبو حنيفة: يبيع الحاضر للبادى لا بأس بذلك * قال أبو محمد: أما فسخنا للبيع فانه بيع محرم من انسان منهى عن ذلك البيع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وناقض الشافعي ههنا إذ لم يبطل هذا البيع وأبطل سائر البيوع المنهى عنها بلا دليل مفرق، وأما من قال: ان النهى عن ذلك ليصاب غرة من البدوى وأنه نظر للحاضرة فباطل حاش لرسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا، وهو الذى قال فيه ربه تعالى: (بالمؤمنين رؤف رحيم) وأهل البدو مؤمنون كاهل الحضر فنظره وحياطته عليه السلام للجميع سواء، ويبطل هذا التأويل الفاسد من النظر الصحيح ان ذلك لو كان نظرا لاهل الحضر لجاز للحاضر أن يبيع للبادى من البادى وأن يشترى منه لنفسه وكلا الامرين لا يجوز، فصح أن هذه علة فاسدة وأنه لا علة لذلك أصلا الا الانقياد لامر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم * وأما قول مالك فخطأ من جهات، أما تفريقه بين البيع للبادى فمنع منه وبين الشراء له فاباحه فخطأ ظاهر لان لفظة لا يبع يقتضى أن لا يشترى له أيضا كما قال أنس بن مالك وهو حجة في اللغة وفى الدين، والعرب تقول: بعت بمعنى اشتريت قولا مطلقا وإذا اشترى له من غيره فقد باع من ذلك الغير له يقينا بلا تكلف ضرورة، وقد قال تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فحرموا الشراء كما حرموا البيع وأحلوا ههنا الشراء له وحرموا البيع له، وأما قول مالك: لا يبع لاهل القرى فخطأ لان اسم البادى لا يقع عند العرب على ساكن في المدن البتة وانما يقع على أهل الاخبية. والخصوص المنتجعين مواقع القطر للرعى فقط، وأما تفريقه بين من كان من أهل الدين بمنزلة أهل المدن وبين سائر أهل القرى فخطأ ثالث بلا دليل أصلا * وأما قوله، لا يبع مدنى لمصري ولا مصرى لمدني فخطأ رابع لا دليل عليه البتة ولا نعلم أحدا قاله قبله، وانما تفريقه بين المدنى والمصري فرأى أن يشير كل واحد منهما على الآخر ولا يبيع له ولم ير أن يشير


(1) في النسخة 16 (وقال)

[ 456 ]

حاضر على أعرابي ولا يبيع له فخطأ خامس بلا دليل * فهذه وجوه خمسة مخالفة للخبر المذكور لا دليل على صحة شئ منها لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. لا من قياس: ولا من رأى له وجه. ولا من قول أحد قبله (1) لا صاحب. ولا تابع، وأما قوله: لا يشير الحاضر على البادى فان من قال بهذا احتج بما روى في بعض هذه الاخبار من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه أصلا ولا في هذا اللفظ ما توهموه من الميل على أهل البادية. لا نص. ولا أثر. ولا شبهة بوجه من الوجوه لانه عليه السلام لم يقل: دعوا الحاضرين يرزقهم الله من أهل البادية انما قال: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وأهل البدو من الناس كما أهل الحضر سواء سواء ولا فرق، فيدخل في هذا اللفظ رزق الله تعالى للبادى من الحاضر. واللبادى من البادى وللحاضر من البادى وللحاضر من الحاضر دخولا مستويا لامزية لشئ من ذلك على شئ آخر منه فبطل ذلك الظن الكاذب، ولا يحل من بيع البادى والحاضر الا ما يحل من بيع الحاضر للحاضر ولا فرق * فان قالوا: انما نهى عن أن يبيع له قسنا على ذلك أن لا يشير عليه قلنا: القياس كله باطل ولو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانكم تركتم أن تمنعوا من الشراء له قياسا على البيع له وهو بيع مثله وقستم الاشارة على البيع وليست منه في ورد ولا صدر، ولا يختلفون في أن امرءا لو شاور آخر بعد النداء للجمعة في بيع فأشار عليه لم يحرج ولا أتى مكروها ولو باع أو اشترى لعصى الله تعالى وان من حلف أن لا يبيع فأشار في أمر بيع لم يحنث، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه وللائمة ولجماعة المسلمين) والبادى من المسلمين فالنصحية له فرض، ولو أراد الله تعالى أن لا يشار عليه لنص على ذلك كما نص على البيع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا النصيحة للبادى آنفا من طريق عمر بن الخطاب. وطلحة بن عبيد الله ولا مخالف لهما في ذلك من الصحابة، وقد جاء في ذلك أثر كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن حكيم بن أبى يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح الرجل أخاه فلينصح له) * وأما أبو حنيفة فلم يحتج إلى تطويل لكن خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن أن يبيع حاضر لباد بنقل التواتر، وخالف ما جاء في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم دون أن يعرف لهم منهم مخالف وهم يشنعون بأقل من هذا،


(1) في النسخة 16 (نعلمه)

[ 457 ]

فمن أعجب ممن يرد هذه الآثار المتواترة المتظاهرة الصحاح من السنن. وعن الصحابة ثم يقلد آثار أو اهية مكذوبة في جعل الآبق فلا يعللها ولا يتأول فيها هذا؟ وهم يطلقون في أصولهم ان الاثر وان كان ضعيفا فهو أقوى من النظر وحسبنا الله ونعم الوكيل * 1470 مسألة. فان كان في حائط أنواع من الثمار من الكمثرى. والتفاح. والخوخ. وسائر الثمار فظهر صلاح شئ منها من صنف دون سائر أصنافه جاز بيع كل ما ظهر من أصناف ثمار ذلك الحائط وان كان لم يطلب بعد إذا بيع كل ذلك صفقة واحدة فان أراد بيعه صفقتين لم يجز بيع ما لم يبدفيه شئ من الصلاح وإن كان قدبدا صلاح ذلك الصنف بعد حاشا ثمر النخل والعنب فقط فانه لا يجوز بيع شئ منه لا وحده ولا مع غيره إلا حتى يزهى ثمر النخل ويبدأ سواد العنب أو طيبه * برهان ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، ولا يخلو هذا الصلاح الذى به يحل بيع الثمار بعد تحريمه من أن يكون عليه السلام أراد به ابتداء ظهور الطيب في شئ منه أو تناهى الطيب في جميعه أو له عن آخره. أو في أكثره. أو في أقله. أو في جزء مسمى منه كنصف. أو ثلث. أو ربع. أو عشر. أو نحو ذلك لابد ضرورة من أحد هذه الوجوه، فمن المحال الممتنع الذى لا يمكن أصلا أن يريد عليه السلام أكثره أو أقله أو جزءا مسمى منه ثم لا ينص على ذلك ولا يبينه وقد افترض الله عزوجل عليه البيان فلا سبيل إلى أن يكلفنا شرعا لا ندرى ما هو لانه كان يكون عليه السلام مخالفا لامر ربه تعالى له بالبيان، وهذا ما لا يقوله مسلم، وأيضا فان ذلك كان يكون تكليفا لنا مالا نطيقه من معرفة ما لم نعرف به وقد أمننا الله تعالى من ذلك بقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فبطلت هذه الوجوه بيقين لامرية فيه ولم يبق إلا وجهان فقط، إما ظهور الصلاح في شئ منه وان قل. واما عموم الصلاح لجميعه فنظرنا في لفظه عليه السلام فوجدناه حتى يبدو صلاحه فصح أنه ظهور الصلاح وبصلاح حبة واحدة يطلق عليه في اللغة أنه قدبدا صلاح هذا الثمر، فهذا مقتضى لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنه عليه السلام أراد صلاح جميعه لقال: حتى يصلح جميعه، وأيضا فان جميع الثمار يبدو صلاح بعضه ثم يتتابع صلاح شئ شئ منه فلا يصح آخره الا ولو ترك أوله لفسدو ضاع بلا شك، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال، وأيضا فلا نعرف أحدا (1) قال هذا قديما ولا حديثا، ومازال الناس يتبايعون الثمار كل عام عملا عاما فاشيا ظاهرا بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ثم كذلك كل عام في جميع أقطار أهل الاسلام ما قال قط أحد: إنه


(1) في النسخة 4 (فلا يعرف احد) (2) في النسخة 16 (بعلمه عليه السلام) (م 5 8 ج 8 المحلى)

[ 458 ]

لا يحل بيع الثمر إلا حتى يتم صلاح جميعه حتى لا يبقى منه ولاحبة واحدة * قال أبو محمد: فإذ الامر كما ذكرنا فبيع ثمار الحائط الجامع لا صناف الشجر صفقة واحدة بعد ظهور الطيب في شئ منه جائز وهو قول الليث بن سعد لانه بيع ثمار قد بدا صلاحها ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان ذلك لا يجوز الا في صنف واحد، ولو كان ذلك هو اللازم لما أغفل عليه السلام بيانه، وأما إذا بيع الثمر صفقتين فلا يجوز بيع ما لم يبدفيه شئ من الصلاح بعد سواء كان من صنف قدبدا الصلاح في غيره أو من صنف آخر لانه بيع ثمرة لم يبد صلاحها وهذا حرام، وانما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الضمير - وهو الهاء الذى في صلاحه - إلى الثمر المبيع المذكور في الخبر بلا شك فصح ما قلناه يقينا، وأما النخل. والعنب فقد خصهما نص آخر وهو نهيه عليه السلام عن بيع ثمر النخل حتى تزهى أو تحمر، وعن بيع العنب حتى يسود أو يبدو صلاحهه بدخوله في سائر الثمار وان كان (1) مما لا يسود، فلا يجوز بيع شئ من ثمار النخل والعنب الا حتى يصير المبيع منهما في حال الازهاء أو ظهور الطيب فيه نفسه بالسواد أو بغيره، وبالله تعالى التوفيق * 1471 مسألة ولا يحل بيع فراخ الحمام في البرج مدة مسماة كسنة. أو ستة أشهر. أو نحو ذلك لانه بيع ما لم يخلق. وبيع غرر لا يدرى كم يكون. ولا أي صفة يكون فهو أكل مال بالباطل، وانما الواجب في الحلال في ذلك بيع ما ظهر منها بعد أن يقف البائع أو وكيله. والمشترى أو وكيله عليها وان لم يعرفا أو أحدهما عددها أو يرها أحد من ذكرنا فيقع البيع بينهما على صفة الذى رآها (2) منهما، فان تداعيا بعد ذلك في فراخ فقال المشترى: كانت موجودة حين البيع فدخلت فيه، وقال الآخر: لم تكن موجودة حينئذ ولا بينة حلفامعا وقضى بها بينهما لانها في أيديهما معا هي بيد المشترى بحق الشراء للفراخ التى في البرج وهى بيد صاحب الاصل بحق ملكه للاصل من الامهات والمكان وبالله تعالى التوفيق، والا ان كان المشترى قبض كل الفراخ وعرف ذلك ثم ادعى أنه بقى له شئ هنا لك فهو للبائع وحده مع يمينه لانه مدعى عليه فيما بيده * 1472 مسألة وجائز بيع الصغار من جميع الحيوان حين تولد ويجبر كلاهما على تركها مع الامهات إلى أن يعيش دونها عيشا لا ضرر فيه عليها، وكذلك يجوز بيع البيض المحضونة ويجبر كلاهما على تركها إلى أن تخرج وتستغني عن الامهات * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وأحل الله البيع) وأما ترك كل ذلك إلى أن يستغنى عن


(1) في النسخة 14 (ان كان) (2) في النسخة 16 رآه

[ 459 ]

الامهات فلقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) والنهى عن اضاعة المال. والوعيد الشديد على من عذب الحيوان وأصبرها، وازالة الصغار عن الامهات قبل استغنائها عنها عذاب لها وقتل الا من ذبحها للاكل فقط على ما ذكرنا في كتاب ما يحل أكله وما يحرم وازالة البيض بعد أن تغيرت بالحضن عن حالها اضاعة للمال * 1473 مسألة ولا يحل بيع شئ من ثمر النخل من البلح. والبسر. والزهو. والمنكث. والحلقان. والمعو. والمعد. والثغد. والرطب بعضه ببعض من صنفه أو من صنف آخر منه ولا بالثمر لا متماثلا ولا متفاضلا لا نقداو لا نسيئة لا في رؤس النخل ولا موضوعا في الارض، ويجوز بيع الزهو. والرطب بكل شئ يحل بيعه حاشا ما ذكرنا نقدا وبالدراهم والدنانير نقدا ونسيئة حاشا العرايا في الرطب وحده، ومعناها ان ياتي أو ان الرطب ويكون قوم يريدون ابتياع الرطب للاكل فابيح لهم أن يبتاعوا رطبا في رؤس النخل بخرصها تمرا فيما دون خمسة أوسق يدفع التمر إلى صاحب الرطب ولابد ولا يحل بتأخير ولا في خمسة أو سق فصاعدا ولا باقل من خرصها تمرا ولا باكثر فان وقع بما قلنا: انه لا يجوز فسخ أبدا وضمن ضمان الغصب * برهان ذلك ما روينا من طريق مسلم نا ابن نمير: وزهير بن حرب قالا جميعا: نا سفيان بن عيينة نا الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) عن بيع الثمر بالتمر) * ومن طريق مسلم نا عبد الله بن مسلمة القعنبى نا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الانصاري عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل دارهم منهم سهل بن أبى حثمة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر وقال: ذلك الربا) (2) * وصح أيضا من طريق رافع بن خديج. وأبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (النهى عن بيع التمر بالتمر) والثمر يقتضى الاصناف التى ذكرنا، وصح النهى عن ذلك عن سعيد بن أبى وقاص، ولم يجز سعيد بن المسيب قفيز رطب بقفيز من جاف، وهو قول مالك. والشافعي. والليث. وأبى يوسف. ومحمد بن الحسن. وأبى ثور. وأبى سليمان، وهو الخارج من أقوال سفيان. وأحمد. واسحاق، وأجاز أبو حنيفة بيع الرطب بالتمر كيلا بمثله نقدا ولم يجزه متفاضلا ولا نسيئة وقال: انما يحرم بيع الثمر الذى في رؤوس النخل خاصة بالتمر ولم يجز ذلك لا في العرايا ولا في غيرها، واحتج له مقلدوه بما صح من طريق ابن عمر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، والمزابنة أن يباع ما في رؤس النخل من ثمر بتمر مسمى بكيل ان زاد فلى وان نقص فعلى) ومثله مسندا


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 448 (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى) الخ والحديث فيه مطول (2) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 449 مطولا

[ 460 ]

أيضا من طريق أبى سعيد الخدرى * ومن طريق عطاء عن جابر بن عبد الله أنه فسر لهم المزابنة أنها بيع الرطب في النخل بالتمر كيلا * قال أبو محمد: لا حجة لهم في شئ من هذه الاخبار لا ننا لم ننازعهم في تحريم الرطب في رؤس النخل بالتمر كيلا نعم وغير كيل، ولانازعنا هم في أن هذا مزابنة فاحتجاجهم بها تمويه وايهام ضعيف وليس في شئ من هذه الاخبار ولا غيرها انه لا يحرم من بيع الثمر بالتمر الا هذه الصفة فقط ولا في شئ من هذا ان ما عدا هذا فحلال لكن كل ما في هذه الاخبار فهو بعض ما في حديث ابن عمر الذى صدرنا به، وبعض ما في حديث سهل بن أبى حثمة. ورافع. وأبى هريرة، وتلك الاخبار جمعت ما في هذه (1) وزادت عليها فلا يحل ترك ما فيها من زيادة الحكم من أجل أنها لم تذكر في هذه الاحاديث كما أن قول الله تعالى: (منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) ليس حجة في اباحة الظلم في غيرها، وهكذا جميع الشرائع أولها عن آخرها ليست كل شريعة مذكورة في كل حديث، وأيضا فاننا نقول لهم: من أين قلتم: ان المراد في تلك الاخبار التى فيها النهى عن بيع الثمر بالتمر انما هو ما ذكر في هذه الاخبار الاخر من النهى عن بيع الثمر في رؤس النخل بالتمر، وما برهانكم على ذلك؟ وهل زدتمونا على الدعوى المجردة الكاذبة شيئا؟ ومن أين وجب ترك عموم تلك الاخبار الثابتة من أجل أنه ذكر ى هذه بعض ما في تلك؟ فانهم (2) لا سبيل لهم إلى دليل أصلا لا قوى. ولا ضعيف فحصلوا على الدعوى فقط، فان ادعوا اجماعا على ما في هذه كذبوا * وقد روينا من طريق ابن أبى شيبة نا ابن المبارك عن عثمان بن حكيم عن عطاء عن ابن عباس قال: الثمر بالتمر على رؤس النخل مكايلة إن كان بينهما ديار أو عشرة دراهم فلا بأس به، وهذا خبر صحيح، وعثمان بن حكيم ثقة وسائر من فيه أئمة أعلام، وقد فسر ابن عمر المزابنة كما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر المزابنة. والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا. وبيع الكرم بالزبيب كيلا) * وحدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا بكر - هو ابن حماد - نا مسدد نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيدالله بن عمر أخبرني نافع (3) عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر واشتراء العنب بالزبيب كيلا) فمن جعل تفسير ابن عمر باطلا وتفسير جابر. وأبى سعيد صحيحا (4) بل كلاهما حق وكل ذلك مزابنة منهى عنها،


(1) في النسخة 14 هذا (2) في النسخة 16 (فانه) (3) في النسخة 14 (بن عمر عن نافع) (4) إذا كان قوله فمن جعل استفهاما يكون قوله بعد صحيحا تاما، وإذا كان اسما موصولا مبتدءا أو شرطا فالكلام غير تام وكثيرا ما يقع مثل ذلك في كلام المصنف وتقديره (فغير صحيح) يدل عليه ما بعده والله أعلم

[ 461 ]

وما عدا هذا فضلال وتحكم في دين الله تعالى بالباطل * والعجب كله من اباحة أبى حنيفة ومن قلده دينه ما قد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على النهى عن من بيع الرطب بالتمر. وبيع التمر بالتمر. وتحريمه ما لم يحرمه الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا جاء قط عنه نهى من بيع الجوز على رؤس أشجاره بالجوز المجموع، وهذا عجب جدا! وما رأينا قط سنة مضاعة الا والى جنبها بدعة مذاعة ونعوذ بالله من الخذلان * واحتجوا أيضا بان قالوا: لا يخلوا الرطب. والتمر من أن يكونا جنسا واحدا أو جنسين فان كانا جنسا واحدا فالتماثل في الجنس الواحد جائز لا باحة رسول الله صلى الله عليه وسلم التمر بالتمر مثلا بمثل وان كانا جنسين فذلك فيهما أجوز لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اختلفت الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) * قال أبو محمد: فنقول لهم: الذى أباح التمر بالتمر متماثلا يدا بيد وأمرنا إذا اختلفت الاصناف أن نبيع كيف شئنا إذا كان يدا بيد هو الذى نها نا عن بيع الرطب بالتمر جملة. وعن بيع التمر بالتمر، وأخبرنا أنه الربا وليست طاعته في بعض ما أمر به واجبة وفى بعضه غير واجبة هذا كفر ممن قاله بل طاعته في كل ما أمر به واجبة لكن يا هؤلاء أين كنتم عن هذا الاستدلال الفاسد الذى صححتموه وعارضتم به سنة الله تعالى ورسوله عليه السلام؟ إذ حرمتم برأيكم الفاسد بيع الدقيق بالحنطة أو بالسويق جملة فلم تجيزوه لا متفاضلا ولا متماثلا. ولا نقدا. ولا نسيئة. ولا كيلا. ولا وزنا، وهلا قلتم لانفسكم: لا يخلوا الدقيق والحنطة. والسويق من أن تكون جنسا واحدا أو جنسين أو ثلاثة أجناس، فان كانت جنسا واحدا فالتماثل في الجنس الواحد جائز لاباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، وإن كانت جنسين أو ثلاثة فذلك فيها أجوز لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اختلفت الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) فهذا المكان أولى بالاعتراض وبالرد وبالاطراح لاقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه، فقال قائل منهم: التفاضل في الدقيق بالحنطة موجود في الوقت وأما في الرطب بالتمر فلا يوجد إلا بعد الوقت فقلنا: فكان ماذا لو كان ما قلتم حقا؟ ومن أين وجب مراعاة التفاضل في الوقت أو بعده؟ فكيف والذى قلتم باطل؟ لان المماثلة بالكيل موجودة في الرطب بالتمر كما هي موجوده في الدقيق بالسويق. وفى الدقيق بالحنطة في الوقت فلا تفاضل فيهما أصلا وإنما كان التفاضل موجودا في الدقيق بالسويق فيما خلا وبطل الآن ولا يقطع أيضا بهذا فبطل فرقكم الفاسد، وأيضا فانما أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم التمر بالتمر مثلا بمثل، وبالمشاهدة ندرى أن الرطب ليس مثلا للتمر في صفاته * واحتجوا أيضا بأن قالوا: بيع التمر الحديث بالتمر القديم جائز وهو ينقص

[ 462 ]

عنه فيما بعد فقلنا: نعم فكان ماذا؟ ومتى جعلنا لكم علة المنع من بيع الرطب بالتمر انما هي نقصانه إذا يبس؟ حاشا لله أن يقول هذا لان الاثر الذى من طريق سعد الذى فيه أينقص الرطب إذا جف (1) لا يصح لانه من رواية زيد بن أبى عياش وهو مجهول، ولو صح لاذعناله ولقلنا به، وهذا التعليل منكم باطل وتخرص في دين الله تعالى لم يأت به قرآن. ولا سنة وانما هو الطاعة لله تعالى ولرسوله عليه السلام فقط: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) ونقول لمن ادعى التعليل وانه هو الحكمة وما عداه عبث: أخبر ونا ما علة تحريم الميتة. والدم. ولحم الخنزير. والخامسة في النكاح. وسائر الشرائع؟ فلا سبيل لهم إلى وجود شئ أصلا فمن أين وجب أن تعلل بعض الشرائع بالدعاوي الكاذبة ولا تعلل سائرها؟ وما نعلم لابي حنيفة سلفا قبله في اباحة الرطب بالتمر ممن يحرم الربا في غير النسيئة، وقال مالك: بيع الرطب بالرطب جائز وهذا خطأ لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالتمر، وقال الشافعي كقولنا وبالله تعالى التوفيق، وأما العرايا روينا من طريق نافع عن ابن عمر قال: كانت العرايا أن يعرى الرجل في ماله النخلة والنخلتين * قال على: ليس في هذا بيان حكم العرايا، وروينا عن موسى بن عقبة أنه قال: العرايا نخلات معلومات يأيتها فيشتريها، وروينا عن يزيد بن ثابت. ويحيى بن سعيد الانصاري. ومحمد بن اسحق أنها النخلة والنخلتان والنخلات تجعل للقوم فيبيعون ثمرها بخرصها تمرا، وقال سفيان بن حسين. وسفيان بن عيينة. والاوزاعي. وأحمد بن حنبل مثل هذا إلا أنهم خصوا بذلك المساكين يجعل لهم ثمر النخل فيصعب عليهم القيام عليها فأبيح لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر * وروينا عن عبدربه بن سعيد الانصاري أن العرية الرجل يعرى النخلة أو يستثنى من ماله النخلة أو النخلتين يأكلها فيبيعهما بمثل خرصهما تمرا، وقال أبو حنيفة: العرية أن يهب الرجل رجلا آخر ثمرة نخلة أو نخلتين ثم ببدو له فيعطيه مكان ثمر ما أعطاه تمرا يابسا فيخرج بذلك عن اخلاف الوعد، وقال مالك: العرية أن يهب الرجل لآخر ثمر نخلة أو نخلتين أو نخلات من ماله ويكون الواهب ساكنا بأهله في ذلك الحائط فيشق عليه دخول المعرى في ذلك الحائط فله أن يبتاع منه ذلك الثمر بخرصه تمرا إلى الجداد، ولا يجوز عنده إلا نسيئة ولابد، وأما يدا بيد فلا، وأما قول الشافعي فأنه قال: العرية أن يأتي أو ان الرطب وهناك قوم فقراء لا مال لهم ويريدون ابتياع رطب يأكلونه مع الناس ولهم فضول تمر من أقواتهم فأبيح لهم أن يشتروا الرطب بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق تقدا


(1) في النسخة 16 (إذا يبس)

[ 463 ]

ولابد، وأما قولنا الذى ذكرنا فهو قول يحيى بن سعيد الانصاري. وأبى سليمان وروينا من طريق مسلم نا محمد بن رمح بن المهاجر نا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد الانصاري قال: العرية أن يشترى الرجل ثمر النخلاف لطعام أهله رطبا بخرصها تمرا (1) * قال أبو محمد: أما قول ابن عمر. وموسى بن عقبة فلا بيان فيهما، وأما قول زيد بن ثابت وأحد قولى يحيى بن سعيد. وابن اسحاق. وسفيان بن حسين. والاوزاعي. وأحمد فانه يحتج له بما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر (2) * قال على: ليس لهم في هذا الحديث حجة أصلا وانما فيه أن صاحب الرطب هو الذى يبيعه بخرصه تمرا ونحن هكذا نقول، وجائز عندنا أن نبيع الرطب كذلك الذى هو له والنخل معا، وجائز أن نبيعه أيضا كذلك من مالك (3) الرطب وحده بهبة أو بشراء أو بميراث أو باجازة أو باصداق، فهذا الخبر موافق لقولنا ولله الحمد، وليس فيه إلا صفة البائع فقط وليس فيه من هو المشترى، وأما من ذهب مذهب عبد ربه بن سعيد فانه يحتج له بما رويناه من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا أبو أسامة عن الوليد بن كثير حدثنى بشير بن يسار مولى بنى حارثة أن رافع بن خديج. وسهل بن أبى حثمة حدثاه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فانه أذن لهم) (4) * قال أبو محمد: وهذا لاحجة لهم فيه لانه ليس فيه بيان قولهم لا بنص ولا باشارة ولا بدليل وانما فيه أن أصحاب العرايا أذن لهم في التمر بالتمر فقط وهكذا نقول فبطل أن يكون لشئ من هذين القولين في شئ من هذين الخبرين حجة (5) ثم نظرنا في قول الشافعي فوجدناه دعوى بلا برهان وانما ذكر فيه حديثا لا يدرى أحد منشأه ولا مبدأه ولا طريقه ذكره أيضا بغير اسناد فبطل أن يكون فيه حجة وحصل قوله دعوى بلا برهان - نعنى تخصيصه ان الذين أبيح لهم ابتياع الرطب بخرصه تمرا انماهم من لا شئ لهم يبتاعون به الرطب ليأكلوه فقط - ثم نظر نا في قول مالك فوجدنا قوله: ان العرية هي ثمر نخل تجعل لآخرين، وقوله: ان الذين جعلوه يسكنون بأهليهم في الحائط الذى فيه تلك النخل وقوله: ان أصحاب النخل ينادون بدخول الذين جعل لهم تلك النخل أقوالا ثلاثة لا دليل على شئ منها. لا في قرآن. ولا في سنة. ولا في رواية سقيمة. ولا في قول صاحب. ولا تابع. ولا قياس. ولا لغة. ولا رأى له وجه، وما نعلمه عن أحد قبله، ثم الشنعة (6) والاعجوبة


(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 449 باطول من هذا (2 (سقط لفظ (من التمر) من الموطأ ج 2 ص 125 (3) في النسخة 14 (من ملك) (4) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 450 (5) سقط لفظ (حجة) من النسخة 14 (6) في النسخة 16 ثم السفه

[ 464 ]

العظيمة قوله: ان ذلك لا يجوز الا نسيئة إلى الجداد ولا يجوز نقدا أضلا، وهذا هو الربا المحرم جهارا ثم إلى أجل مجهول ولا نعلم هذا عن أحد قبله، وهو حرام مكشوف لا يحل أصلا وانما حل ههنا الرطب بالتمر بالنص الوارد فيه فقط، ووجدنا النسيئة فيما فيه الربا حراما بكل وجه فلما حل بيع التمر بالتمر ههنا لم يجز الا يدا بيد ولا بد لانه لا بيع الا إما نقدا واما نسيئة فالنسيئة حرام لانه ربا في كل ما يقع فيه الربا بلا خلاف. - ولانه شرط ليس في كتاب الله تعالى - يعنى اشتراط تأخيره فهو باطل فلم يبق الا النقد فلم يجز غيره وبالله تعالى التوفيق * ثم نظر نا في قول أبى حنيفة فوجدناه أبعد (1) الاقوال لانه خالف جميع الآثار كلها جهارا وأتى بدعوى لادليل عليها ولا نعلم أحدا قال بها قبله، والخبر في استثناء جواز بيع الرطب بالتمر لاهل العرايا خاصة منقول نقل التواتر رواه رافع وسهل. وجابر. وأبو هريرة، وزيد وابن عمر في آخرين سواهم كل من سمينا هو عنهم في غاية الصحة فخالفوا ذلك بآرائهم الفاسدة * والبرهان لصحة قولنا هو ما رويناه من طرق جمة كلها ترجع إلى مالك أن داود ابن الحصين حدثه عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد عن أبى هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق) يشك داود * قال أبو محمد: فاليقين واقع فيما دون خمسة أوسق بلا شك فهو مخصوص فيما حرم من بيع التمر بالتمر ولا يجوز ان يباح متيقن الحرام بشك، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح ذلك في خمسة أوسق لحفظه الله تعالى حتى يبلغ الينا مبينا وتقوم به الحجة فلم يفعل الله تعالى ذلك فايقنا أنه لم يبحه نبيه عليه السلام قط في خمسة أوسق لكن فيما دونها بيقين، وبالله تعالى التوفيق * فلا يجوز لاحد أن يبلغ بذلك في عام واحد في صفقة واحدة ولا في صفقات خمسة أوسق أصلا لا البائع ولا المشترى (2) لانه يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق مسلم بن الحجاج نا يحيى بن يحيى - هو النيسابوري - أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الانصاري أخبرني نافع أنه سمع [ عبد الله ] (3) بن عمر يحدث ان زيد بن ثابت حدثه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا) * ومن طريق مسلم نا عبد الله بن مسلمة القعنبى نا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الانصاري عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل دارهم


(1) في النسخة 14 أفسد (2) في النسخة رقم 16 لا لبائع ولا لمشتر (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 449

[ 465 ]

منهم سهل بن أبى حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) (أنه نهى عن بيع التمر بالتمر وقال: ذلك الربا تلك المزابنة الا أنه رخص في بيع العرية والنخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا) * قال أبو محمد: تحديد النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبى هريرة ما دون خمسة أو سق يقضى على هذه الاحاديث لانه ان كان في النخلتين خمسة أو سق لم يجزو ان كان في النخلات أقل من خمسة أوسق جاز ذلك فيها لان تحديد الخمسة الاوسق زيادة حكم. وزيادة حد. وزيادة بيان لا يجوز تركها وبالله تعالى التوفيق * 1474 مسألة فمن ابتاع كذلك رطبا للاكل ثم مات فورثت عنه. أو مرض. أو استغنى عن أكلها إلا أنه حين اشتراها كانت نيته أكلها بلا شك فقد ملك الرطب ملكا صحيحا ويفعل فيه ما شاء من بيع أن غيره وبالله تعالى التوفيق * 1475 مسألة ولا يجوز حكم العرايا المذكور في شئ من الثمار غير ثمار النخل كما ذكرنا، ولايجوز بيع شئ من الثمار سوى ثمر النخل بخرصها أصلا لا في رؤس النخل ولا مجموعة في الارض أصلا، ولا يحل أن يباع العنب بالزبيب كيلا لا مجموعا ولا في عوده ولا بيع الزرع بالحنطة لما روينا من طريق مسلم حدثنا يحيى بن معين. وهارون ابن عبد الله قالا: نا أبو أسامة نا عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وبيع الزبيب بالعنب كيلا. وعن كل ثمر بخرصه * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن بشر نا عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر أنه أخبره (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الزرع بالحنطة كيلا) * ومن طريق مسلم نا قتيبة نا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه ان كانت نخلا بتمر كيلا وان كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وان كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام) (2) * 1476 مسألة فان كان ثمر ما عدا ثمر النخل جاز أن يباع بيابس ورطب من صنفه ومن غير صنفه باكثر منه وباقل ومثله، وان يسلم في جنسه وغير جنسه ما لم يكن بخصره كما ذكرنا وما لم يكن زبيبا كيلا بعنب لان الله تعالى قال: (وأحل الله البيع) وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فلو كان حراما لفصل لنا تحريمه (وما كان ربك نسيا) فان قيل: قد نهى عن الرطب باليابس وروى أنه عليه السلام سأل: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقيل: نعم فنهى عن بيعه بالتمر قلنا: أما أينقص الرطب إذا يبس فان مالكا. (1) في صحيح مسلم (أن رسول الله) الخ (2) في النسخة 16 (بكيل من طعام) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 450 (م 59 ج 8 المحلى)

[ 466 ]

واسماعيل بن أمية روياه عن عبيد الله بن يزيد عن زيد أبي عياش عن سعد، وقال مالك مرة: زيادة أبى عياش مولى بنى زهرة وهو رجل مجهول لا يدرى من هو، ثم لو صح لما وجب أن يكون ذلك علة لغير ما نص عليه فيه من الرطب بالتمروحده لانه كان يكون تعديا لحدود الله عزوجل، ومن العجب العجيب أن يكون صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا إلا السن والظفر أما السن فانه عظم وأما الظفر فانه مدى الحبشة) (1) فخالفه (2) الحنيفيون. والمالكيون ولا يرون العظمية علة لما يمنع من أن يزكى به ولا يرى الشافعيون كون الذى يزكى به من مدى الحبشة علة في منع الذكاة به إلا في الظفر وحده، ثم يجعلون ما لم يصح عنه من (أينقص الرطب إذا يبس) علة في جميع الثمار وأى عجب أعجب من هذا!، وأما الرطب باليابس فلا يصح أصلا لانه أثر رويناه من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف عن الليث بن سعد عن أسامة ابن زيد وهو ضعيف وغيره وهو مجهول عن عبد الله بن يزيد مولى الاسود بن سفيان عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رطب بتمر؟ فقال: أينقص الرطب؟ قالوا: نعم قال: لا يباع الرطب باليابس) ومثل هذا لا يحل الاحتجاج به ولو صح لما ترددنا في الاخذ به، والعجب من الحنيفيين الآخذين بكل ضعيف. ومرسل كالوضوء من القهقهة في الصلاة. والوضوء بالنبيذ. وغير ذلك! ثم يخالفون هذا المرسل. وهذا الضعيف، وأيضا فان الشافعيين. والمالكيين المدعين الاخذ بهذا الخبر قد خالفوه لانهم يبيحون بيع الرطب من التمر. والتين. والعنب باليابس من غير جنسه، وهذا خلاف لعموم الخبر، فان قالوا: انما أريد بذلك ما كان من جنسه قلنا: وما دليلكم على ذلك؟ وما الفرق بينكم وبين أبى حنيفة القائل: انما أريد بذلك ما كان في رؤس أشجاره فقط؟ وهل هي إلا دعوى بدعوى بلا برهان؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن أبى زائدة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى سعيد الخدرى قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة. والمزابنة. فالمحاقلة في الزرع والمزابنة في النخل) هذا نص لفظ أبى سعيد رضى الله عنه وهذا نص قولنا لانه لم ير المزابنة إلا في النخل وحده لا في سائر الثمار والحمد لله رب العالمين، وما نعلم له من الصحابة رضى الله عنهم مخالفا * ومن طريق مسلم نا عبد الله بن مسلمة القعنبى نا سليمان بن بلال عن يحيى - هو ابن سعيد الانصاري - عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من


(1) هي جمع مدية وهى السكين (2) في النسخة 16 فخالف

[ 467 ]

أهل دارهم ] (1) منهم سهل بن أبى حثمة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر وقال: ذلك الربا تلك المزابنة الا أنه رخص في بيع العرية) وذكر الحديث * ومن طريق مسلم نا محمد بن رمح نا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة ان يبيع ثمر حائطه ان كانت نخلا بتمر كيلا وان كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا. وان كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام)) (2) * قال أبو محمد: لامزابنة الا مابين النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة رضى الله عنهم بعده أنه مزابنة ولا ما عدا ذلك فباطل وخطأ متيقن بلا شك وبالله تعالى التوفيق * 1477 - مسألة - فان قال قائل: فأنتم المنتمون إلى الاخذ بما صح من الآثار وقد رويتم من طريق ابن وهب أخبرني ابن جريج عن عطاء. وأبى الزبير عن جابر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر حتى يطيب ولا يباع شئ منه إلا بالدنانير. والدراهم) ورويتموه أيضا من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا خبر في غاية الصحة قلنا وبالله تعالى التوفيق: نعم لان الثمار كلها إذا يبست جدت أو لم تجد فهى ثمار قد طابت بلا خلاف من أحد ولا خلاف في اللغة، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر ببيع التمر بالتمر يدا بيد كيلا بكيل مثلا بمثل وأمر ببيعه بغير صنفه كيف شئنا، فصح النص على جواز بيع التمر بما شئنا مما يحل بيعه فكان ما في هذا مضافا إلى ما في خبر جابر المذكور وزائدا عليه فكان ذلك لا تبيعوا الثمر إذا طاب إلا بالدنانير والدراهم. وبما شئتم حاشا ما نهيتم عنه، وهذا هو الذى لا يجوز غيره، وقد صح الاجماع المتيقن المقطوع به على أن جميع الثمار بعد طيبها حكمها فيما يباع مما يجوز حكم التمر، وهذا برهان صحيح وبالله تعالى التوفيق، وما نعلم أحدا منع من بيع التمر بغير الدنانير والدراهم (3) وبالله تعالى التوفيق * 1478 مسألة الربا، والربا لا يكون إلا في بيع. أو قرض. أو سلم، وهذا ما لا خلاف فيه من أحد لانه لم تأت النصوص الا بذلك ولا حرام الا ما فصل تحريمه قال الله تعالى: (خلق لكم ما في الارض جميعا) وقال تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) * 1479 - مسألة - والربا لا يجوز في البيع. والسلم الافى ستة أشياء فقط. في التمر. والقمح. والشعير. والملح. والذهب. والفضة، وهو في القرض في كل شئ فلا يحل اقراض شئ ليرد اليك أقل ولا أكثر ولا من نوع آخر أصلا لكن مثل ما أقرضت


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 449 (2) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 450 وفيه بعض تغيير في ألفاظه (3) في النسخة 16 (بغير الدينار والدراهم)

[ 468 ]

في نوعه ومقدار، على ما ذكرنا في كتاب القرض من ديواننا هذا فأغنى عن اعادته، وهذا اجماع مقطوع به، والفرق بين البيع والسلم وبين القرض هو أن البيع. والسلم يكونان في نوع بنوع آخرو في نوع بنوعه ولا يكون القرض الا في نوع بنوعه ولابد، وبالله تعالى التوفيق، وكذلك الذى ذكرنا من وقوع الربا في الانواع الستة المذكورة في البيع والسلم فهو اجماع مقطوع به وما عدا الانواع المذكورة فمختلف فيه أيقع فيه الربا أم لا؟ * والربا من أكبر الكبائر قال تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ذلك بانهم قالوا: انما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) * ومن طريق مسلم نا هرون بن سعيد الايلى نا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن ثور بن زيد (1) عن أبى الغيث عن أبى هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات [ قيل: يا رسول الله وما هن؟ ] (2) قال: الشرك بالله. والسحر. وقتل النفس التى حرم الله الا بالحق. وأكل مال اليتيم. وأكل الربا. والتولى يوم الزخف. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) * ومن طريق مسلم نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن المغيرة بن مقسم نا ابراهيم - هو النخعي - عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود قال: 0 (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله) (3) * قال أبو محمد: فإذ أحل الله تعالى البيع وحرم الربا فواجب طلب معرفته ليجتنب، وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسوله عليه السلام من الربا أو من الحرام فهو ربا وحرام وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال لانه لو جاز أن يكون في الشريعة شئ حرمه الله تعالى ثم لم يفصله لنا ولا بينه رسوله عليه السلام لكان تعالى كاذبا في قوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) وهذا كفر صريح ممن قال به، ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصيا لربه تعالى إذ أمره بالبيان فلم يبين (4) فهذا كفر متيقن ممن أجازه * وممن قال: لا ربا الا في الاصناف المذكورة طاوس. وقتادة. وعثمان البتى. وأبو سليمان. وجميع أصحابنا، واختلف الناس في هذا فقالت طائفة: ان هذه الاصناف الستة انما ذكرت لتكون دلالة على ما فيه الربا مما سواها مما يشبهها في العلة التى حيثما وجدت كان ما وجدت فيه ربا، ثم اختلفوا في تلك العلة وكل طائفة منها تبطل علة


(1) في النسخة 14 (عن ثور بن يزيد) وهو غلط (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 27 (3) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 469 باطول من هذا (4) في النسخة 16 (ولم يبين)

[ 469 ]

الآخرين أو تنفيها فقالت طائفة: هي الطعم. واللون * روينا من طريق ابن وهب عن يونس بين يزيد قال: سئل ابن شهاب عن الحمص بالعدس اثنان بواحد يدا بيد؟ فقال ابن شهاب: كل شئ خالف صاحبه باللون. والطعم فلا أراده الا شبه الطعام، قال ابن وهب: وبلغني عن ابن مسعود. ويحيى بن سعيد الانصاري. وربيعة مثله * قال أبو محمد: فنظرنا في هذا فوجدناه قولا بلا دليل فسقط، وقد بين ابن شهاب أنه رأى منه والرأى إذا لم يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو خطأ بلا شك، وقالت طائفة: هي وجوب الزكاة كما روينا من طريق ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن أنه كان لا يرى بأسا بالتفاحتين بالتفاحة. والخوخ مثل ذلك. وكل ما لم تجز فيه الزكاة فنظر نا في هذا فوجدناه أيضا قولا بلا دليل ووجدنا الملح لا زكاة فيه. والربا يقع فيه بالنص فبطل * قال على: ولا يعجز من قلد ربيعة في هذا عمار قدر عليه مالك. والشافعي بزيادتهم في علتهم كما قال الشافعي: علة الربا الطعم. والتثمين، وقول مالك: علة الربا الادخار فيما يؤكل والتثمين فهل هذا الاكقول من قلد ربيعة علة الربا بما فيه الزكاة والملحية؟ وهل هي الا دعوى كدعوى كلاهما بلا برهان؟ وقالت طائفة: بغير ذلك كما روينا من طريق عبد الرزاق نا عبد الله بن كثير عن شعبة سألت الحكم بن عتيبة عمن اشترى خمسة عشر جريبا من أرض بعشرة أجربة فقال: لا بأس به وكرهه حماد بن أبى سليمان ولا ندرى ما علته في ذلك ولعلها الجنس، فلم يجز التفاضل في جنس واحد كائنا ما كان والله أعلم الا أنها دعوى ليست غيرها أصح منها ولا هي بأضعف من غيرها، وقد روى مثله (1) عن سعيد بن جبير وهو انه جعل علة الربا تقارب المنفعة في الجنس الواحد أو الجنسين، وقد روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا الربيع بن صبيح عن محمد بن سيرين قال: إذا اختلف النوعان فلا بأس إذا كان (2) يدا بيد واحدا باثنين * قال أبو محمد: وهذه أعم العلل فيلزم من قال منهم: بالعلة العامة أن يقول بها، وقال المالكيون: علة الربا هي الاقتيات. والادخار في الجنس فما كان يدخر مما يكون قوتا في الاكل فالربا فيه نقدا ونسيئة، وما كان لا يقتات ولا يدخر فلا يدخل الربا فيه يدا بيد، وان كان جنسا واحدا لكن يدخل فيه الربا في النسيئة إذا كان جنسا واحدا، وهذه هي علة المتقدمين منهم، ثم رغب عنها المتأخرون منهم لانهم وجدوها تفسد عليهم لان الثوم. أو البصل. والكراث. والكرويا. والكسبر. والخل. والفلفل، نعم


(1) في النسخة 14 (مثاله) (2) في النسخة 14 بما كان

[ 470 ]

والملح الذى جاء فيه النص ليس منه شئ يكون قوتا أصلا بل بعضه يقتل إذا أكل منه مثل نصف وزن ما يؤكل مما يتقوت به كالملح. والفلفل فلو أن انسانا أكل رطل فلفل في جلسة لقتله بلا شك، وكذلك الملح. والخل الحاذق، وكذلك الثوم، ووجدوها تفسد عليهم أيضا في اللبن. والبيض فانهما لا يمكن ادخارهما، والربا عندهم يدخل فيهما، ووجدوها أيضا تفسد عليهم في الكمون. والشونيز. والحلبة الرطبة. والكسبر والكرويا ليس شئ من ذلك قوتا والربا عندهم في كل ذلك، فلما رأوا هذه العلة كذلك وهى علة من قلدوه دينهم اطرحوها ولم تكن عيهم مؤنة في استخراج غيرها بآرائهم ليستقيم لهم آراؤهم في الفتيا عليها فقال بعضهم: انما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى القوت وهو البر وأدون القوت وهو الملح ليدل على أن حكم ما بينهما كحكمهما * قال أبو محمد: هذا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم مجرد بلا كلفة، وما ندرى كيف ينشرح صدر مسلم لا طلاق مثل هذا على الله تعالى. وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولو أطلق هذا المطلق مثله على سائس حماره بغير أن يخبره به عن نفسه لكان كاذبا مجرحا بذلك فكيف على الله تعالى وعلى نبيه عليه السلام؟ اللهم لك الحمد على عظيم نعمتك في تنفيرنا عن مثل هذا وشبهه، ثم لم يرض سائرهم هذه العلة وقالوا: ليس الملح دون (1) الاقوات بل الحاجة إليه أمس منها إلى الثوم. والحلبة الرطبة. والشونيز فارتادوا غيرها كمن يتحكم في بيدر تمره يأخذ ما استحسن ويترك ما لم يستحسن، فقالوا: العلة في الربا مختلفة فمنها الاقتيات والادخار كما قال أسلافهم قياسا على البر والشعير، ومنها الحلاوة. والادخار كالزبيب والتين. والعسل قياسا على التمر، ومنها التأدم. والادخار قياسا على الملح، وهذا تعليل استصئنعه لهم محمد بن عبد الله (2) بن صالح الابهري، وهذا تعليل يفسد عليهم لان السلجم (3) والباذنجان. والقرع. والكرنب، والرجلة. والقطف. والسلق. والجزر. والقنبيط. واليربز إدام الناس في الاغلب، وكثير من ذلك يدخر ولا يقع الربا فيه عندهم كاللفت. والجزر. والباذنجان، بل كل ذلك يجوز منه اثنان بواحد يدا بيد من جنس واحد فاطرح بعضهم هذه العلة ولم تعجبه لما ذكرنا فزاد فيها بان قال: ومنها الحلاوة. والادخار مما يتفكه به. ويصلح للقوت فلم يرض غيره منهم هذه العلة وقال: ليست بشئ لان الفلفل. والثوم. والكرويا. والكمون ليس شئ منها يتفكه به ولا يصلح للقوت ولا يتأدم به ولا هو حلو، وأيضا فان العناب. والاجاص المزبب والمكثرى المزبب. والمخيطاء كلها حلو يتفكه به ويصلح لقوت، ولا يدخل الربا في


(1) في النسخة 14 (أدون) (2) سقط جملة (بن عبد الله) من النسخة 14 (3) في النسخة 14 (بان السلجم)

[ 471 ]

شئ منه عندهم فاحتاج إلى استعمال علة أخرى فقال: العلة هي الاقتيات. والادخار وما يصلح به الطعام المتقوت به ليصح (1) له فيما ظن ادخال الكمون. والكرويا. والبصل. والثوم. والكراث. والفلفل. والخل فيما يقع فيه الربا قياسا على الملح لان الطعام يصلح بكل ذلك (2) * قال أبو محمد: وهذه أفسد العلل التى ذكروا وان كانت كلها فاسدة واضحة البرهان، برهان ذلك أن اصلاح الطعام بما ذكرنا من التوابل. والخضراوات. والخل لا يشبه اصلاحه بالملح أصلا لان الطعام المبطوخ ان لم يصلح بالملح لم يؤكل صلا ولا يقدر عليه أحد الا من قارب الموت من الجوع أو خافه، واما اصلاحه بالتابل. والخضراوات المذكورة فما بالطعام إلى شئ منه حاجة الا عن بذخ (3) وأشر، وأيضا فان كل ذى حسن سليم في العالم يدرى بضرورة الحس ان اصلاح الطعام بالكرويا، والكمون. والفلفل. والكسبر. والشونيز. كاصلاحه بالدار صينى. والخولنجان. والقرفة. والسنبل. والزعفران ولا فرق بل اصلاحه بهذه أطيب له وأعبق. وأصلح منه بتلك والربا عندهم لا يدخل في هذه، وبلا شك ان الضرورة في اصلاح الطعام بالماء أشد وأمس والربا عندهم لا يدخل في الماء بالماء وما نعلم لهم علة غير ما ذكرنا، وهذه العلل كلها ذكر بعضها عبد الله بن أبى زيد القيرواني، وذكر سائرها ابن القصار. وعبد الوهاب بن على ابن نصر في كتبهم مفرقة ومجموعة * قال أبو محمد: وكلها فاسد بما ذكرنا من التخاذل وبانها موضوعة مستعملة، ويقال لهم: ما الفرق بين علتكم هذه وبين من قال: بل علة الربا ما كان ذا سنبل قياسا على البر: والشعير، وما كان ذا نوى قياسا على التمر، وما كان طعمه ملحيا قياسا على الملح. وما كان معدنيا قياسا على الذهب. والفضة، فان قالوا: لم يقل بهذا أحد قلنا: ولا قال بعللكم أحد قبلكم، فان قال قائل: هذه أيضا يكون مثلكم، وأيضا فمن أين خرج لكم أن تعللوا البر. والشعير. والتمر. والملح؟ ولا تعللون الذهب. والفضة وكلها جاء النص به سواء، فمن أين هذا التحكم يا هؤلاء؟ وهل هذا إلا شبه اللعب؟ وليس هذا مكان دعوى اجماع فقد علل الحنيفيون الذهب والفضة بالوزن وعللوا الاصناف الاربعة بالكيل * قال على: وغيرهم لم يعلل شيئا من ذلك ولا بد من تعليل الجميع والقياس عليه أو ترك تعليل الجميع وترك القياس عليه والاقتصار على ما جاء به النص فقط وهذا ما لا مخلص لهم


(1) في النسخة 14 (ليصلح) (2) في النسخة 16 (بذلك كله) (3) هو بالتحريك الفخر والتطاول، والاشر البطر، وقيل أشد البطر

[ 472 ]

منه أصلا وقد أجهد نا أنفسنا في أن نجد لنظارهم شيئا يقوون به شيئا من هذه العلل يمكن ايراده وان كان شغبا فما قدر نا عليه في شئ من كتبهم وجهدنا أن نجدلهم شيئا نورده وان لم يوردوه كما نفعل بهم وبكل من خالفنا فانهم وان كانوا لم ينتبهوا له فلا يبعد أن ينتبه له منتبه فيشغب به فما قدرنا على ذلك، وأيضا فاننا لم نجد لما لك في تعليله المذكور الذى عليه بنى أقواله في الربا سلفا البتة لا من صاحب: ولا من تابع. ولا من أحد قبله، ولهم تخاليط عظيمة في أقوالهم في الربا تقصيناها في غير هذا المكان ولم نذكرها ههنا لانه كتاب مختصر لكن يكفى من ايرادها أن ينظر كل ذى فهم كيف تكون أقوال بنيت (1) على هذه القواعد وفروع أنشئت من هذه الاصول؟ وبالله تعالى التوفيق * وقالت طائفة منهم أبو ثور. ومحمد بن المنذر. والنيسابوري وهو قول الشافعي في أول قوليه: علة الربا هي الاكل. والشرب. والكيل. والوزن. والتثمين، فما كان مما يوكل أو يشرب أو يكال أو يوزن لم يجزمنه من جنس واحد واحد باثنين لايدا بيدولا نسيئة وكذلك الذهب والفضة، وما كان يكال. أو يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب، أو كان يؤكل أو يشرب مما لا يكال ولا يوزن فلا ربا فيه يدا بيد والتفاضل فيه جائز، فأجازوا الاترج في الاترج متفاضلا نسيئة، وكذلك كل ما لا يوزن ولا يكال مما يؤكل أو يشرب وكل ما يكال أو يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب ولا هو ذهب ولا فضة، وهذا القول صح عن سعيد بن المسيب ذكره مالك عن أبى الزناد عنه في موطأه ولا نعلمه على أحد قبل سعيد ولا عن غيره من أهل عصره، وحجة أهل هذا القول أنهم ادعوا الاجماع عليه قالوا: وما عداه فمختلف فيه ولا دليل على وجوب الربا فيما عا ما ذكرنا * قال أبو محمد: ودعواهم ههنا باطل لان من ادعى الاجماع على أهل الاسلام وفيهم الجن. والانس في مسألة لم يرو فيها قول عن ثمانية من الصحابة أصلا أكثرها باطل لا يصح. ولا عن ثلاثه عشر من التابعين أصلا على اختلاف شديد بينهم فقد ادعى الباطل فكيف والخلاف في هذا أشهر من الشمس؟ لان ما لكا ومن وافقه لا يرون الربا في الماء ولا في كل ما يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب إذا لم يكن مقتاتا مدخرا، فلا يرون الربا في التفاح. ولا في العناب. ولا في حب القنب. ولا في زريعة الكتان. ولا في الكرنب. ولا في غير ذلك وكله يوزن أو يكال ويؤكل فبطل هذا الاجماع المكذوب، وما وجدنا لهم حجة غير هذا أصلا ولا قدرنا على أن نأتى لهم بغير ها فبطل هذا القول لتعريه من البرهان


(1) في النسخة 16 (ثبتت)

[ 473 ]

وبالله تعالى التوفيق * وقالت طائفة: علة الربا انما هي الطعم في الجنس أو الجنسين. والتثمين في الجنس أو الجنسين فما كان يؤكل. ويشرب فلا يجوز متفاضلا أصلا ولا بنسيئة أصلا وانما يجوز فيه التماثل نقدا فقط إذا كان في جنس واحد فان كان من جنسين جاز فيه التماثل والتفاضل نقدا، ولم يجز فيهما النسيئة، وما كان لا يؤكل ولا يشرب ولا هو ذهب ولا فضة فالتماثل والتفاضل والنقدر والنسيئة جائز فيه جنسا كان أو جنسين فاجاز رطل حديد برطلى حديد إلى أجل، وكذلك في كل ما لا يؤكل ولا يشرب ولا هو ذهب ولا فضة، ومنع من بيع رطل سقمو نيا برطلى سقمونيا، وكذلك كل ما يتداوى به لانه يطعم على وجه ما، وهو قول الشافعي الآخر وعليه يعتمد أصحابه واياه ينصرون، واحتج أهل هذه المقالة بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطعام بالطعام مثلا بمثل) من طريق معمر ابن عبد الله العدوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: هكذا رويناه من طريق مسلم نا هرون بن معروف أنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو - هو ابن الحرث - أن أبا النضر حدثه ان بسر بن سعيد حدثه عن معمر ابن عبد الله العدوى قال: (كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل (1)) * قال على: وحرفه بعض متأخريهم ممن لا علم له بالحديث ولا ورع له يحجزه عن أن يتكلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يقله ولا جاء عنه وبما لاعلم له به فأطلقه اطلاقا بلا اسناد (2) فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يباع الطعام بالطعام الا مثلا بمثل) * قال أبو محمد: وهذا كذب بحت وتعمد لوضع الحديث ان لم يكن خطأ من جاهل، وما جاء هكذا قط ولا يوجد أبدا من طريق غير موضوعة * قال أبو محمد: ولا حجة لهم في الخبر المذكور لانه انما فيه الطعام بالطعام مثلا بمثل وليس فيه المنع عند مثلا بأكثر ولا اباحته انما هو مسكوت عنه فوجب طلبه من غير هذا الخبر، وأيضا فان لفظة الطعام لا تطلق في لغة العرب الا على البر وحده كما روينا من طريق أبى سعيد الخدرى - وهو حجة في اللغة - كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط فلم يوقع اسم الطعام الاعلى البر وحده، وأيضا فإذا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطعام بالطعام مثلا بمثل) موجبا عندكم للمنع من بيع الطعام بالطعام أكثر من مثل بمثل فاجعلوا - ولابد - اقتصاره


(1) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 467 مطولا ذكر المصنف محل الشاهد منه (2) في النسخة 14 بلاسند (م 60 ج 8 المحلى)

[ 474 ]

عليه السلام على ذكر الاصناف الستة مانعا من وقوع (1) الربا فيما عداها والا فقد تناقضتم * (فان قالوا): فما الفائدة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (2): (الطعام بالطعام مثلا بمثل)؟ قلنا: أعظم الفائدة إن كنتم تتعدون باسم الطعام إلى كل ما يؤكل فان فيه إبطال قول المالكيين: لا يجوز تفاحة بتفاحة إلا حتى يوقن أيهما أكبر. ولا الخضر بالخضر إلا حتى يوفن أيها أكثر وان كان لا يتعدى بلفظة الطعام البر ففيه اباحة بيع بر فاضل بأذنى وفاضل وأدنى بمتوسط إذا تماثلت في الكيل، وأيضا فلا يطلق عربي ولا مستعرب على السقمونيا اسم طعام لا باطلاق ولا باضافة، فان قالوا: قد تؤكل في الادوية قلنا: والصندل قد يؤكل في الادوية والطين الارمينى. والاحمر. والطفل كذلك والسبد. واللؤلؤ. وحجر اليهود كذلك، فأوقعوا الربا في كل ذلك وهم لا يفعلون هذا نعم وفى الناس من يأكل أظفاره. وشعر لحيته: والرق أكلا ذريعا فأوقعوها في الطعام وأدخلوا الربا فيها لانهما قد يؤكلان (3) أيضا، واحتجوا أيضا بما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا محمد بن أيوب الرقى نا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار نا يوسف بن موسى نا محمد بن فضيل نا محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار. وأبى سلمة بن عبد الرحمن كلاهما عن أبى سعيد الخدرى قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما مختلفا فتبايعناه بيننا بزيادة فنها نا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأخذه إلا كيل بكيل) * وبما رويناه من طريق أحمد بن شعيب أخبرني ابراهيم بن الحسن نا حجاج - هو ابن محمد - قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تباع الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام ولا الصبرة من الطعام بالكيل من الطعام المسمى (4)) فهذان حديثان صحيحان الا انهما لاحجة لهم فيهما لان اسم الطعام لا يقع كما قلنا عند العرب مطلقا الا على البر فقط كما ذكرنا عن أبى سعيد الخدرى آنفا * (فان قيل): فقد قال الله عزوجل: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) فأراد تعالى ذبائحنا وذبائحهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام)) قلنا: لا نمنع من وقوع اسم الطعام على غير البر باضافة أو بدليل من النص على أن هذا الاحتجاج هو على الشافعيين لالهم لانهم لا يختلفون في أحد قوليهم ان ذبائح أهل الكتاب وذبائحنا جائز بعضها ببعض متفاضلا، وفى قولهم الثاني: إنه لا يجوز بيع شئ منها بشئ أصلا حتى ييبس، وهذان القولان مخالفان لا حتجاجهم باطلاق اسم


(1) في النسخة 16 (من ذكر) (2) في النسخة 14 قوله عليه السلام (3) كذا في جميع النسخ بالتثنية، والظاهر (لانها قد تؤكل) لان الضمير راجع إلى الاظفار. والشعر، والرق - وهو الجلد الرقيق - وهى اصناف ثلاثة تنبه والله أعلم (4) في سنن النسائي ج 7 ص 270 بالكيل المسمى من الطعام

[ 475 ]

الطعام على اللحوم وغيرها * قال أبو محمد: وهذان الخبران مخالفان لقول مالك. وأبى حنيفة جملة ان حملاهما على أن الطعام واقع على كل ما يؤكل مبطلان لقولهما في الربا وبالله تعالى التوفيق * وأما حديث أبى سيعد فكما قلنا ويبطل أيضا احتجاجهم به بانه قد رواه عن ابن اسحاق من هو أضبط وأحفظ من ابن فضيل قتيبة كما روينا من طرق ابن أبى شيبة نا ابن نمير - هو عبد الله - نا محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى (قال: قسم فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما من التمر مختلفا بعضه أفضل من بعض فذهبنا نتزايد فيه فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الا كيلا بكيل) فبطل تعلقهم بذلك، وأيضا فانه لا خلاف بيننا وبينهم في أن ذلك الطعام الذى فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم انما كان صنفا واحدا اما تمرا. واما شعيرا: واما برا: أو غير ذلك لان فيه نهيهم عن أن يبيعوه بعضه ببعض بزيادة هذا ما لا شك فيه فاذهو كذلك فتسميته بالطعام ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمكن لهم أن ينازعونا في معناه ثم يحملوه على عمومه انما هو من كلام أبى سعيد، وقد أخبرنا عن أبى سعيد أنه لا يطلق اسم الطعام الا على البرثم لا يماروننا في أن حكم ذلك الخبر انما هو في ذلك المقسوم هذا نص مقتضى لفظ الخبر يقينا ضرورة ولابد فلا حجة لهم فيه في جميع أصناف ما يريدون أن يسموه طعاما الا بقياس فاسد ينازعون فيه وهم لا يدعون معرفة ما كان من صنف ذلك الطعام فيمكنهم عندنا أن يحتجوا علينا به لو صح لهم أنه لم يكن برا. ولا تمرا. ولا شعيرا ويبطل تعلقهم به ان كان برا. أو تمرا. أو شعيرا لان هذا هو قولنا في هذه الاصناف الثلاثة فبطل تعلقهم بخبر أبى سعيد بيقين لا امكان في سواه ولله تعالى الحمد، واستدركنا في حديث جابر ما رويناه من طريق أحمد ابن شعيب قال: ونا به ابراهيم بن الحسن مرة أخرى فقال: نا حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها (1) بالكيل المسمى من التمر، فقد أخبر أحمد بن شعيب أن ابراهيم بن الحسن حدثهم بذلك الحديث مرة أخرى فاخبر عنه أنه هو ذلك الحديث نفسه، وصح أن ابراهيم بن الحسن حدث به مرة على ما هو معناه عنده ومرة على ما سمعه وأيضا فان حجاج بن محمد لم يذكر فيه أنه سمعه من ابن جريج [ فظاهره الانقطاع ] (2) * وقد رويناه مسندا صحيحا من طريق مسلم بن الحجاج قال: نا [ أبو الطاهر ] (3) أحمد بن عمرو بن السرح أنا ابن وهب أخبرني ابن جريج أن أبا الزبير أخبره أنه سمع (4) جابر


(1) في سنن النسائي ج 7 ص 270 (مكيلها) (2) الزيادة من النسخة 14 (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 447 (4) في صحيح مسلم قال: سمعت

[ 476 ]

ابن عبد الله يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر)، قال مسلم: وناه أيضا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - أنا روح بن عبادة نا ابن جريج أنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر مثله الا أنه لم يقل بالكيل المسمى في آخر الحديث، فهذا هو المتصل الصحيح، وصح بهذا كله أن ابراهيم بن الحسن اخطأ فيه مرة واستدرك أخرى أو حدث به مرة على معناه عنده ومرة كما سمعه كما رواه غيره وبالله تعالى التوفيق، فبطل التعلق بهذين الخبرين جملة، فان موهوا بما رويناه من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر قال: كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نعطى الصاع من حنطة بستة أصوع من تمر فاما سوى ذلك من الطعام فيكره ذلك إلا مثلا بمثل، فهذا لا شئ لانه من طريق ابن لهيعة وهو ساقط، ثم لو صح لكان موقوفا على جابر وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هو مخالف لقول المالكيين. والشافعيين. والحنيفيين جملة لانهم لا يمنعون من التفاضل في التمر مع غير البر ولا يتقتصرون في اباحة التفاضل في البر بالتمر خاصة كما في هذا الخبر، هذا كل ما يمكن أن يحتجوا به قد تقصيناه * وذكروا في ذلك عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روينا من طريق ابن وهب عن يونس ابن يزيد عن ابن شهاب الزهري بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: لا بأس أن تتبايعوا يدا بيد ما اختلفت ألوانه من الطعام يريد التمر بالقمح والتمر بالزبيب * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه قال: ما اختلفت ألوانه من الطعام فلا بأس به يدا بيد البر بالتمر. والزبيب بالشعير وكرهه نسيئة، وكان يكره الطعام أن يباع شئ منه بشئ نظرة * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا الربيع بن صبيح عن عطاء بن أبى رباحأنه كان يكره أن يشترى شيئا من الفاكهة ما يكال بشئ من الطعام نسيئة * قال أبو محمد: أما قول عمر فمنقطع ثم لو صح (1) فقد روى عن عمر خلافه كما نذكر في ذكرنا قول أبى حنيفة إن شاء الله تعالى، ثم ليس فيه بيان بمنعه (2) من النظرة فيما عدا الستة الاصناف فبطل تعلقهم به، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه وهو صحيح لانه كراهية لا تحريم ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى عنه خلافه على ما نذكر إن شاء الله تعالى في ذكرنا أقوال أبى حنيفة فعاد حجة عليهم لانه خلاف قولهم، ثم كم قصة خالفوا فيها عمر. وابن عمر كتوريث عمر المطلقة ثلاثا في المرض، وقول عمر:


(1) في النسخة 16 (ولو صح) (2) سقط لفظ بمنعه من النسخة 16

[ 477 ]

وابن عمر فيمن أكل بظن أنه ليل فإذا به قد طلع الفجر إن صومه (1) تام ولا قضاء عليه، وفى توريث ذوى الارحام. وفي أن لا يقتل أحد قودا بمكة. وفى أن لا يحج أحد على بعير جلال. وفى غير ما قصة، فكيف ولم يأت عن عمر. وابنه رضى الله عنهما وعن عطاء ههنا الا الكراهية فقط لا التحريم الذى يقدمون عليه بلا برهان أصلا؟ * وقد حدثنا محمد ابن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا سفيان الثوري عن بعض أصحابه عن ابن عمر قال: انه ليعجبنى أن يكون بين الحلال. والحرام ستر من الحرام، وقد جاء عن عمر أنه خاف أن يزيد فيما نهى عنه من الربا أضعاف الربا المحرم خوفا من الوقوع فيه على ما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا يزيد بن زريع عن داود بن أبى هند عن عامر الشعبى أن عمر بن الخطاب قام خطيبا فقال: انا والله ما ندرى لعلنا نأمركم بأمور لا تصلح لكم ولعلنا ننهاكم عن أمور تصلح لكم وانه كان من آخر القرآن نزولا آيات الربا فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبينه لنا فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم * قال على: حاش لله من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبين الربا الذى توعد فيه أشد الوعيد. والذى أذن الله تعالى فيه بالحرب ولئن كان لم يبينه لعمر فقد بينه لغيره وليس عليه أكثر من ذلك ولا عليه أن يبين كل شئ لكن أحد لكن إذا بينه لمن يبلغه فقد بلغ ما لزمه تبليغه * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عيسى بن المغيرة عن الشعبى قال: قال عمر بن الخطاب: تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا، فبطل أن يكون لهم متعلق في شئ مما ذكرنا، وحصل قولهم لا سلف لهم فيه أصلا ولا نعرفه عن أحد قبلهم * وقالوا: انما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ستة أصناف أربعة مأكولة واثنتين هما ثمن الاشياء فقسنا على المأكولة كل مأكول ولم نقس على الاثمان شيئا فقلنا: هذا أول الخطأ ان كان القياس باطلا فما يحل لكم أن تقيسوا على الاربعة المأكولة المذكورة غيرها وان كان القياس حقا فما يحل لكم أن تدعوا الذهب. والفضة دون أن تقيسوا عليهما كما فعلتم في الاربعة المأكولة ولا فرق فقيسوا على الذهب والفضة كل موزون كما فعل أبو حنيفة. أو كل معدني، فان أبيتم وعللنم الذهب والفضة بالتثمين قلنا: هذا عليكم لا لكم لان كل شئ يجوز بيعه فهو ثمن صحيح لكل شئ يجوز بيعه باجماعكم مع الناس على ذلك، ولا ندرى من أين وقع لكم الاقتصار بالشمين على الذهب. والفضة ولا نص في ذلك ولا قول أحد من أهل الاسلام؟ وهذا خطأ في غاية الفحش. ولازم للشافعيين. والمالكيين


(1) في النسخة 16 فان صومه

[ 478 ]

لزوما لا انفكاك منه، وأيضا فما الذى جعل علتكم باولى من علة الحنيفيين الذين عللوا الاربعة الاصناف بالكيل. والذهب. والفضة با