الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 7

المحلى

ابن حزم ج 7


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس ابي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍ طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ احمد محمد شاكر الجزء السابع دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم 775 - مسألة - ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه ان يصوموه (1) عنه هم أو بعضهم، ولا اطعام في ذلك اصلا أوصى به أو لم يوص به، فان لم يكن له ولى استؤجر عنه من رأس ماله من أيصومه عنه ولابد أوصى بكل ذلك أو لم يوص، وهو مقدم على ديون الناس، وهو قول ابى ثور، وأبى سليمان، وغيرهما * وقال أبو حنيفة، ومالك: ان أوصى ان يطعم عنه اطعم عنه (2) مكان كل يوم مسكين وان لم يوص بذلك فلا شئ عليه (3)، والاطعام عند مالك في ذلك مدمد، وعند ابى حنيفة صاع من غير البر لكل مسكين، ونصف صاع من البر أو دقيقه * وقال الليث كما قلنا، وهو قول احمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه في النذر خاصة * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * نا عبد الله بن يوسف، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال عبد الله: نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج حدثنى هارون بن سعيد الايلى، وأحمد بن عيسى نا ابن وهب وقال عبد الرحمن: نا إبراهيم بن احمد ناالفربرى نا البخاري نا محمد بن موسى بن أعين (4) نا أبى، ثم اتفق موسى وابن وهب كلاهما عن عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن ابى جعفر حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة أم المؤمنين (5) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) * وبه إلى مسلم *


(1) في النسخة رقم (16) (ان يصوموا عنه) (2) لفظ (عنه) زيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (فيه) (4) في النسخة رقم (16) (ابن أيمن) وهو غلط (5) لفظ أم المؤمنين) ليس موجودا في البخاري (ج 3 ص 79) وصحيح مسلم (ج 1 ص 315)

[ 3 ]

نا أبو سعيد الاشج نا أبو خالد الاحمر نا الاعمش عن سلمة بن كهيل، والحكم ابن عتيبة، ومسلم البطين عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد عن ابن عباس ان سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن (1) أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ (2) قال: نعم قال: فدين الله أحق ان يقضى) * قال أبو محمد: سمعه الاعمش من مسلم البطين، ومن الحكم، ومن سلمة، وسمعه الحكم، وسلمة من مجاهد * وبه إلى مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة، وعبدبن حميد، وعلى بن حجر السعدى قال أبو بكر: نا عبد الله بن نمير، وقال عبد: نا عبد الرزاق انا سفيان الثوري، وقال على بن حجر: نا على بن مسهر، ثم اتفق ابن نمير، وسفيان، وعلى بن مسهر كلهم عن عبد الله بن عطاء المكى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: بينما (3) انا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتته امرأة فقالت: انى تصدقت على أمي بجارية وانها ماتت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت: يا رسول الله انه كان عليها صوم شهر أفا صوم عنها؟ قال: صومي عنها قالت: انها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجى عنها) قال ابن نمير في روايته: شهرين، واتفقوا على (4) كل ما عدا ذلك * قال أبو محمد: فهذا القرآن، والسنن المتواترة المتظاهرة التى لا تحل خلافها، وكلهم يقول: يحج عن الميت ان أوصى بذلك ثم لا يرون ان يصام عنه وان أوصى بذلك، وكلاهما عمل بدن، وللمال في اصلاح ما فسد منهما مدخل بالهدى، وبالاطعام، وبالعتق، فلا القرآن اتبعوا، ولا بالسنن (5) أخذوا، ولا القياس عرفوا، وشغبوا في ذلك باشياء، منها انهم ذكروا قول الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) وذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الميت انقطع عمله الا من ثلاث علم علمه، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له)، وباثر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابراهيم بن أبى يحى عن الحجاج بن أرطاة عن عبادة بن نسى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مرض في رمضان فلم يزل مريضا حتى مات لم يطعم عنه وان صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه) وقال بعضهم: قد روى عن عائشة وابن عباس وهما رويا الحديث المذكور انهما لم يريا الصيام عن الميت كما رويتم من طريق ابن أبى شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن


(1) لفظ (ان) سقط من النسخة رقم (14) وهو موجود في صحيح مسلم ج 1 ص (315) (2) لفظ (عنها) زيادة من صحيح مسلم (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 316 (بينا) بدل (بينما) زيدت ما للاشباع (4) في النسخة رقم (16) (في) بدل (على) (5) في النسخة رقم (16) (السنن) باسقاط حرف الجر

[ 4 ]

عبد العزيز بن رفيع عن امرأة منهم اسمها عمرة ان أمها ماتت وعليها من رمضان فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لابل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين، وإذا ترك الصاحب الخبر (1) الذى روى فهو دليل على على نسخه لا يجوز أن يظن به غير ذلك، إذا لو تعمد ترك ما رواه (2) لكانت جرحة فيه، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، وقالوا: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه * قال أبو محمد: هذا كل ماموهوا به، وهو كله لاحجة لهم في شئ منه، أما قول الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) فحق (3) الا ان الذى انزل هذا هو الذى أنزل (من بعد وصية يوصى بها أو دين) وهو الذى قال لرسوله: صلى الله عليه وسلم (لتبين للناس ما نزل إليهم) وهو الذى قال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) فصح انه ليس للانسان الا ما سعى، وما حكم الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم ان له من سعى غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك، والعجب أنهم نسوا انفسهم في الاحتجاج بهذه الاية فقالوا: ان حج عن الميت أو أعتق عنه أو تصدق عنه فأجر كل ذلك له ولا حق به فظهر تناقضهم * فان قال منهم قائل: انما يحج عنه إذا أوصى بذلك لانه داخل فيما سعى * قلنا له: فقولوا: بان يصام عنه كما إذا أوصى بذلك لانه داخل فيما سعى، فان قالوا: للمال في الحج مدخل في جبر ما نقص منه قلنا: وللمال في الصوم مدخل في جبر ما نقص منه بالعتق والاطعام، وكل هذا منهم تخليط، وتناقض، وشرع في الدين لم (4) يأذن به الله تعالى، وهم يجيزون العتق عنه، والصدقة عنه وان لم يوص بذلك فبطل تمويههم بهذه الآية * وأما اخباره عليه السلام بان عمل الميت ينقطع الا من ثلاث فصحيح، والعجب انهم لم (5) يخافوا الفضيحة في احتجاجهم به (6)، وليت شعرى من قال لهم: ان صوم الولى عن الميت هو عمل الميت حتى يأتوا بهذا الخبر الذى ليس فيه الا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلا، ولا المنع من ذلك، فظهر قبح تمويههم في الاحتجاج بهذا الخبر جملة * وأما حديث عبد الرزاق فلا تحل رواية الا على سبيل بيان فسادها لعلل ثلاث فيه، إحداها انه مرسل، والثانية ان فيه الحجاج به أرطاة وهو ساقط، والثالثة ان فيه ابراهيم بن أبى يحيى وهو كذاب، ثم لو صح لكان عليهم لالهم لان فيه ايجاب


(1) في النسخة رقم (14) (الحديث) بدل (الخبر) (2) في النسخة رقم (14) (ترك ماروى) (3) في النسخة رقم (14) (فهو حق) (4) في النسخة رقم (14) (ما لم يأذن) ولا معنى لزيادة (ما) (5) في النسخة رقم (16) (والعجب إذ) (6) لفظ (به) زيادة من النسخة رقم (14) *

[ 5 ]

الاطعام عنه ان صح بعد ان مرض، والحنيفيون، والمالكيون لا يقولون: بذلك الا ان يوصى بذلك وإلا فلا * فان قالوا: معنى ذلك ان أوصى به قلنا: كذبتم وزدتم في الخبر خلاف ما فيه لان فيه (إن مات ولم يصح لم يطعم عنه) فلو اراد الا ان يوصى بذلك لما كان لتفريقه بين تمادى مرضه حتى يموت فلا يطعم عنه وبين صحته بين مرضه وموته فيطعم عنه، لانه ان أوصى بالاطعام عنه وان لم يصح أطعم عنه عندهم فبطل تمويههم بهذا الخبر الهالك وعاد حجة عليهم * وأما تمويههم بان عائشة، وابن عباس رويا الخبر وتركاه فقول فاسد لوجوه * أحدها انه لا يجوز ما قالوا لان الله تعالى انما افترض علينا اتباع رواية الصاحب عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفترض علينا قط اتباع رأى أحدهم (1) * والثانى أنه قد يترك الصاحب اتباع (2) ماروى لوجوه غير تعمد المعصية، وهى ان يتأول فيما (3) روى تأويلا ما اجتهد فيه فأخطأ فأجر مرة، أو ان يكون نسى ماروى فافتى بخلافه، أو ان تكون الرواية عنه بخلافه وهما ممن روى ذلك عن الصاحب، فإذ كل ذلك ممكن فلا يحل ترك ما افترض علينا اتباعه من سنن رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم لما لم يأمرنا باتباعه لو لم يكن فيه هذه العلل فكيف وكلها (5) ممكن فيه؟، ولا معنى لقول من قال: هذا دليل على نسخ الخبر لانه يعارض بان يقال: كون ذلك الخبر عند ذلك الصاحب دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه، أو لعله قد رجع عن ذلك * والثالث انهم انما يحتجون بهذه الجملة إذا وافقت تقليد أبى حنيفة، ومالك، والشافعي وأما إذا خالف قول الصاحب رأى أحد ممن ذكرنا فأهون شئ عندهم اطراح رأى الصاحب والتعلق بروايته، وهذا فعل يدل على رقة الدين وقلة الورع * فمن ذلك أن عائشة رضى الله تعالى عنها (6) روت (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر واقرت صلاة السفر على الحالة الاولى)، ثم روى عنها من أصح طريق (7) الاتمام في السفر، فتعلق الحنيفيون والمالكيون بروايتها وتركوا رأيها إذا خالفت فيه ماروت، وهى التى روت (ايما أمرأة نكحت بغير اذن وليها


(1) في النسخة رقم (16) (اتباع رأى احد) (2) لفظ (اتباع) سقط من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (يتأول ماروى) (4) في النسخة رقم (14) (من سنة رسوله) (5) في النسخة رقم (14) (وكل هذا) (6) زيادة (رضى الله تعالى عنها) من النسخة رقم (16) (7) في النسخة رقم (16) (من أصح الطرق

[ 6 ]

فنكاحها باطل)، ثم أنكحت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير وأبوها غائب بالشام بغير اذنه، وانكر ذلك إذا بلغه اشد الانكار فخالفوا رأيها واتبعوا روايتها، وهى التى روت التحريم بلبن الفحل ثم كانت لا تدخل عليها من أرضعه نساء اخوتها وتدخل عليها من أرضعه بنات أخواتها فتركوا رأيها واتبعوا روايتها * وروى أبو هريرة من طريق لا تصح عنه ايجاب القضاء على من تعمد الفطر في نهار رمضان، وصح عنه انه لا يجزئه صيام الدهر (1) وإن صامه (2) وانه لا يقضيه، فتركوا الثابت من رأيه للهالك من روايته * وروى أبو هريرة في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ثم روينا عنه من طريق سعيد بن منصور عن اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - عن هشام الدستوائى عن رجل من الانصار عن أبى هريرة ماء ان لا يجزئان من غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام * وروى عن ابن عباس في صدقة الفطر (مدان من قمح) من طريق لا تصح، وصح عنه من رأيه (3) صاع من بر في صدقة الفطر فترك الحنيفيون رأيه لروايته، وهذا كثير منهم جدا (4)، وفيما ذكرنا كفاية تحقق تلاعب القوم بدينهم * والرابع ان نقول: (5) لعل الذى روى عن عائشة فيه الاطعام كان لم يصح (6) حتى ماتت فلا صوم عليها * والخامس انه قد روى عن ابن عباس الفتيا بما روى من الصوم عن الميت كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، فصح انه قد (7) نسى، أو غير ذلك مما الله تعالى أعلم به ممن (8) لم نكلفه، وقد جاء عن السلف في هذا اقوال * روينا عن حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن أبى يزيد المدنى ان رجلا قال لاخيه عند موته: ان على رمضانين لم أصمهما فسأل اخوه ابن عمر فقال: بدنتان مقلدتان، ثم سأل ابن عباس؟ فقال ابن عباس: يرحم الله ابا عبد الرحمن ما شأن البدن وشأن الصوم!، أطعم عن أخيك ستين مسكينا * قال أبو محمد: ان لم يكن قول ابن عمر في البدنتين حجة فليس قول ابن عباس في الاطعام حجة ولافرق، ولعل هذا لم يكن مطيقا للصوم، أو لعل ذينك الرمضانين كانا عن تعمد فلا قضاء في ذلك * وروينا من طريق سليمان التيمى أن عمر بن الخطاب قال:


(1) في النسخة رقم (14) (صوم الدهر) (2) في النسخة رقم (16) (ولو صامه) (3) في النسخة رقم (16) (من روايته) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) (وهذا منهم كبير جدا) (5) في النسخة رقم (16) (يقول) بحذف (ان) وهو غلط (6) كذا في الاصول والمعنى ظاهر والتركيب غير حسن (2) لفظ (قد) زيادة من النسخة رقم (14) (8) في النسخة رقم (16) (مما) وهو خطأ *

[ 7 ]

إذا مات الرجل وعليه صيام رمضان اطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع من بر * ومن طريق صحيحة عن ابن عباس ان مات الذى عليه صوم ولم يصح قبل موته ليس عليه شئ فان صح أطعم عنه عن كل يوم نصف صاع حنطة * وعن الحسن ان لم يصبح حتى مات فلا شئ عليه فان صح فلم يقض صومه حتى مات أطعم عنه عن كل يوم مكوك (1) من بر، ومكوك من تمر * وروى أيضا عن طائفة مد عن كل يوم، وقد جاء عن الحسن لا إطعام في ذلك ولا صيام، وأيضا فان احتجاج المالكيين، والشافعيين بترك عائشة، وابن عباس للخبر المذكور هو حجة عليهم لانهم خالفوا عائشة (2) في هذا الخبر نفسه في قولها (3) ان يطعم عن كل يوم نصف صاع لمسكين وهم لا يقولون: بهذا، فان كان ترك عائشة للخبر حجة فقولها في نصف صاع حجة، وان لم يكن قولها في نصف صاع حجة فليس تركها للخبر حجة، فظهر انهم إنما (4) يحتجون من قول الصاحب بما وافق تقليدهم فقط، فإذا خالف من قلدوه هان عليهم خلاف الصاحب، وهذا دليل سوء نعوذ بالله منه * وأما قول أحمد فروينا من طريق أبى ثور نا عبد الوهاب - هو ابن عطاء - عن سعيد ابن ابى عروبة، وروح بن القاسم عن على بن الحكم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس انه قال فيمن مات وعليه رمضان ونذر شهر: يطعم عنه مكان كل يوم مسكين (5) ويصوم عنه وليه نذره * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن على بن الحكم البنانى عن ميمون بن مهران عن ابن عباس سئل عن رجل مات وعليه رمضان وصوم شهر فقال: يطعم عنه لرمضان ويصام عنه النذر، وهذا اسناد صحيح، فان كان ترك ابن عباس لما ترك من الخبر حجة فاخذه بما اخذ منه حجة، وان لم يكن اخذه بما اخذ به حجة فتركه ما ترك ليس بحجة (6)، وما عدا هذا فتلاعب بالدين * وأما قولنا فروينا من طريق ابى ثورنا عبد الوهاب عن سعيد بن أبى عروبة قال: حدثوني عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أنه قال فيمن مات وعليه رمضان: ان لم يجدوا ما يطعم عنه (7) صامه عنه وليه وهو قول الاوزاعي * ومن طريق عبد الرزاق عن


(1) هو بفتح الميم وضم الكاف اسم للمكيال ويختلف مقدار مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد اهنهاية (2) في النسخة رقم (16) (لانهم خالفوهما) وما هنا اصح بدليل قوله بعد (فان كان ترك عائشة للخبر حجة) الخ (3) في النسخة رقم (16) (في قولهما) وما هنا اصح بدليل ما ذكرنا (4) في النسخة رقم (16) سقط لفظ (انما) (5) في النسخة رقم (14) (مسكينا) (6) في النسخة رقم (16) (حجة) (2) في النسخة رقم (14) (ما يطعموا) *

[ 8 ]

معمر عن ابن طاوس عن أبيه إذا مات الرجل وعليه صيام رمضان (1) قضى عنه بعض أوليائه، قال معمر: وقاله حماد بن ابى سليمان * وبه إلى معمر عن الزهري من مات وعليه نذر صيام فانه يصوم عنه بعض أوليائه * قال أبو محمد: ليس قول بعض (2) الصاحبة رضى الله عنهم أولى من بعض، وكل ما ذكرنا فهو مخالف لقول أبى حنيفة، والشافعي لان كل من ذكرنا فقد أوجب ما أوجب من غير اشتراط ان يوصى الميت بذلك، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا شئ في ذلك الا ان يوصى بالاطعام فيطعم عنه وما نعلم أحدا قبلهم قال: بهذا الا رواية عن الحسن قد صح عنه خلافها * وأما قولهم: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه فباطل وقياس للخطأ على الخطأ بل يصلى عنه النذر، وصلاة فرض ان نسيها أو نام عنها ولم يصلها (3) حتى مات، فهذا داخل تحت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (فدين الله أحق ان يقضى) والعجب انهم كلهم أجمعوا على ان تصلى الركعتان إثر الطواف عن الميت الذى يحج عنه، وهذا تناقض منهم (4) لاخفاء به، وهذا قول اسحاق بن راهويه في قضاء الصلاة عن الميت، وقال الشافعي: ان صح الخبر قلنا به (5) والا فيطعم عنه مد عن كل يوم، وإنما قلنا: ان الاستئجار لذلك ان لم يكن له ولى من رأس المال مقدم على ديون الناس لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فدين الله أحق ان يقضى) * قال أبو محمد: من الكبائر ان يقول قائل: بل دين الناس أحق ان يقضى من دين الله تعالى عزوجل (6) وقد سمع هذا القول * ( 776 - مسألة - فان صامه بعض أوليائه اجزأ لعموم الخبر في ذلك وان كانوا جماعة فاقتسموه جاز كذلك أيضا الا أنه لا يجزئ ان يصموا كلهم يوما واحدا لقول الله تعالى (فعدة من أيام أخر) فلا بد من أيام متغايرة فلو لم يصح حتى مات فلا شئ على أوليائه ولا عليه لان الاثر انما جاء فيمن مات وعليه صوم، وهذا مات وليس عليه صوم لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فإذا لم يكن في وسعه الصوم فلم يكلف وإذا لم يكلفه فقد مات ولاصوم عليه *


(1) في النسخة رقم (16) (صيام شهر) (2) في النسخة رقم (16) (ليس بعض قول الصحابة) (2) في النسخة رقم (16) (أو لم يصلها) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (16) (منه) وهو غلط (5) بهامش النسخة رقم (14) مانعه (وقد قال به المتأخرون من أصحابه عملا يوما ياء فهو مذهب الشافعي أيضا) (6) زيادة (عزوجل) من النسخة رقم (14) *

[ 9 ]

والاولياء هم ذوو المحارم بلا شك (1) ولو صامه الابعد من بنى عمه اجز أعنه لانه وليه فان أبوا من الصوم فهم عصاة الله تعالى ولا شئ على الميت من ذلك الصوم لانه قد نقله الله تعالى عنه إليهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وبأمره عليه السلام الولى ان يصوم عنه * 777 - مسألة - فان تعمد النذور ليوقعها على وليه بعد موته فليس نذرا ولا يلزمه هو ولا وليه بعده، وهو عاص لله تعالى بذلك، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج حدثنى على بن حجر نا اسماعيل بن ابراهيم نا أيوب - هو السختيانى - عن أبى قلابة عن ابى المهلب عن عمران بن الحصين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا وفاء لنذر في معصية الله (2)) * قال على: وهذا النذر انما يكون نذرا إذا قصد به الله تعالى فيلزم حينئذ فإذا قصد به غير الله تعالى فهو معصية لا يحل الوفاء به ولا يلزم صاحبه ولا غيره عنه وبالله تعالى التوفيق * 778 - مسألة - ومن نذر صوم يوم (3) فاكثر شكرا لله عزوجل، أو تقربا إليه تعالى، أو ان افاق، أو ان أراه الله تعاليا املا يؤمله لا معصية لله عزوجل في ذلك الشئ المأمول ففرض عليه اداؤه، قال عزوجل. (أو فوا بالعقود) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا القعنبى عن مالك عن طلحة بن عبد الملك الايلى عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذران يطيع الله فليطعه ومن نذران يعصى الله فلا يعصه (4)) فهذا عموم لكل نذر طاعة، ولكل نذر معصية كمن نذرت صوم يوم حيضتها (5) أو صوم يوم العيد، ونحو ذلك من كل معصية * 779 - مسألة - فان نذر ما ليس طاععة ولا معصية كالقعود في دار فلان أوان لا يأكل خبزا مأدوما أو ما اشبه هذا لم يلزمه، ولا حكم لهذا (6) الا استغفار الله تعالى


(1) في النسخة رقم (16) (والاولياء هم دون المحارم) (2) الحديث رواه مسلم مطولا ج 2 ص 13 (3) في النسخة رقم (14) (صيام يوم) (4) في سنن ابى داود ج 3 ص 228 قال الحافظ المنذرى: واخراجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه (5) في النسخة رقم (16) (يوم حيضها) (6) في النسخة رقم (16) (ولاحكم لذلك) *

[ 10 ]

منه لان ايجاب النذر شريعة والشرائع لا تلزم الا بنص، ولا نص الا في نذر الطاعة فقط * 780 - مسألة - وينهى عن النذر جملة فان وقع لزم كما قدمنا، روينا بالسند المذكور إلى أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن منصور - هو ابن المعتبر - عن عبد الله بن مرة الهمداني عن عبد الله بن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النذر (1) ويقول: (لا يرد شيئا وانما يستخرج به من البخيل) ففى قوله عليه السلام (وانما (2) يستخرج به من البخيل) ايجاب للوفاء به إذا وقع في طاعة الله تعالى (3) * 781 - مسألة - ومن قال: على لله تعالى صوم يوم أفيق: أو قال: يوم يقدم فلان. أو قال يوم أنطلق من سجنى أو ما أشبه هذا فكان ما رغب فيه ليلا أو نهارا لم يلزمه صيام ذلك اليوم ولا قضاؤه ولا صوم غيره لانه ان كان ما رغب فيه ليلا (4) فلم يكن في يوم فإذا لم يكن في يوم فلا يلزمه ما لم يلتزمه، وان كان نهارا فلا يمكنه احداث صوم لم يبيته من الليل ولاتقدم (5) الزام الله تعالى له اياه، ولا يلزمه صيام يوم آخر لانه لم يلتزمه، وهذا قول أبى حنيفة، والشافعي، وقال الاوزاعي: ان قدم نهار اصام بقية ذلك اليوم ولا قضاء عليه، وقال مالك: ان قدم ليلا صام الناذر (6) غد تلك الليلة * 782 - مسألة - فلو قال في كل ذلك: على صوم ذلك اليوم ابدا فان كان ليلا لم يلزمه كما قدمنا لانه لم يلتزمه ولا يلزم صيام الليل لانه معصية، فان كان نهارا لزمه في المستأنف صوم ذلك اليوم إذا تكرر كما (7) نذره ولا قضاء عليه في يومه ذلك لانه غير ما نذر * 783 - مسألة - ومن أفطر في صوم نذر عامدا أو لعذر فلا قضاء عليه إلا ان يكون نذر ان يقضيه فيلزمه لانه إذا (8) لم ينذر القضاء فلا يجوز ان يلزم ما لم ينذره إذ لم يوجب ذلك نص *


(1) قال في شرح سنن ابى داود المسمى بعون المعبود ج 3 ص 227 نقلا عن الخطابى مانصه: معنى نهيه عليه السلام عن النذر انما هو تأكيد لامره وتحذير من التهاون به بعد ايجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك ابطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذا كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به، وانما وجه الحديث انه قد اعلمهم ان ذلك امر مما لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يدفع عنهم ضررا فلا يرد شيئا قضاء الله تعالى يقول: لا تنذروا على انكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم، وتصرفون عن انفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء فان للذى نذرتموه لازم لكم هذا معنى الحديث ووجه (2) في النسخة رقم (14) (انه) وهو خطأ * (3) في النسخة رقم (14) (في طاعة الله عزوجل) (4) سقط من النسخة رقم (16) لفظ (ليلا) خطأ (5) في النسخة رقم (14) (ولا يقدم) (6) في النسخة رقم (16) (صام النهار) وهو خطأ (7) في النسخة رقم (14) حذف كما (8) سقط من النسخة رقم (14) لفظ (إذا) خطأ *

[ 11 ]

784 - مسألة - ومن نذر صوم يومين فصاعدا اجزأه ان يصوم ذلك متفرقا لانه غير مخالف لما نذر * 785 - مسألة - فلو نذر صوم جمعة أو قال: شهر لم يجز ان يصوم ذلك الامتتابعا ولابد، فان تعمد في خلال ذلك فطرا لعذر أو لغير عذر ابتدأه من أوله لان اسم الجمعة والشهر لا يقع الا على أيام متتابعة لا متفرقة، فانما يلزمه ما نذر لامالم ينذر فان لم يتابع ذلك فلم يأت بما نذر فعليه أن يأتي به * 786 - مسألة - ومن نذر صوم جمعتين أو قال: شهرين ولم ينذر التتابع في ذلك لزمه ان يصوم كل جمعة متتابعة ولا بد، وكل شهر متتابعا ولا بد، وله ان يفرق بين الجمعة والجمعة، وبين الشهر والشهر لما ذكرنا آنفا الا ان ينذر هما متتابعين فيلزمه ذلك لانه طاعة زائدة * 787 - مسألة - فان صام الشهر ما بين الهلالين لزمه اتمامه فان ابتد أصيامه بعد دخول الشهر لم يلزمه الا تسعة وعشرون يوما متصلة ولا بد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشهر تسعة وعشرون) وان الشهر يكون تسعا وعشرين فلا يلزمه زيادة يوم الا بنص وارد ولا نص في ذلك وانما يلزمه ما يقع عليه اسم ما نذر من شهر أو أكثر فقط، فان نذر نصف شهر لم يلزمه الا أربعة عشر يوما لان كسر يوم لا يلزم صيامه لمن نذره، ولا يجوز ان يلزم يوما زائدا لم ينذره * 788 - مسألة - ومن نذر صوم سنة فقد قال قوم: يصوم اثنى عشر شهرا لا يعد فيها رمضان ولا يوم الفطر والاضحى، ولا أيام التشريق، وفى هذا عندنا نظر (1) والواجب عندنا (2) ان لا يلزمه شئ لان هذه الفتيا الزام له ما لم ينذره لان اسم سنة لا يقع الا على اثنى عشر شهرا متصلة لا مبددة، وهو لا يقدر على الوفاء بنذره كما نذره فلا يجوز ان يلزم ما لم يلتزمه ولا نذره، ولا أن يلزم ما لم يمكن، وما ليس في وسعه قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ومن ادعى ههنا اجماعا فقد كذب لانه لا يقدر على ان يأتي في ذلك برواية عن صاحب أصلا، ولا نعلم في ذلك قولا عن تابع، وقد قال فيها أبو حنيفة: يفطر فيها يومى الفطر والاضحى، وأيام التشريق، ثم سيقضيها * وقال زفر: يفطر الايام المذكورة ولا يقضيها * وقال مالك: يصوم ويفطر الايام المذكورة ولا يقضى رمضان ولا الايام المذكورة الا أن ينوى قضاءها * وقال الليث: يصوم


(1) سقط من النسخة رقم (16) لفظ (نظر) خطأ (2) لفظ (عندنا) * سقط من النسخة رقم (14)

[ 12 ]

ويقضى رمضان ويومين مكان الفطر والاضحى، ويصوم أيام التشريق * قال أبو محمد: فهذه الاقوال إما موجبة عليه ما لم ينذره ولا التزمه وإما مسقطة عنه ما نذر (1) * قال أبو محمد: ان كان نذر صوم هذه الايام وصوم رمضان عن نذره فقد نذر الضلال، والباطل وأمرا مخالفا لدين الاسلام فلا يلزمه نذره ذلك لانه معصية، ولا يلزم صوم سائر الايام لانه غير ما نذر، وكل طاعة ما زجتها معصية فهى كلها معصية لانه لم يأت بالطاعة كما أمر، قال تعالى: (ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فان نذر أن يصوم سنة حاشا رمضان والايام المنهى عن صيامها (2) لزمه ذلك لانه نذر طاعة، وكذلك لو نذر صوم شوال، أو صوم ذى الحجة، أو صوم شعبان فلا يلزمه شئ لما ذكرنا الا ان ينوى استثناء ما لا يجوز صومه من الايام فيلزمه ذلك * 789 - مسألة - ومن كان عليه صوم يوم بعينه نذرا فإذا جاء رمضان لزمه فرضا أن يصوم ذلك اليوم لرمضان لا للنذر أصلا، فان صامه لنذره أو لرمضان ولنذره فالاثم عليه ولا يجزئه لا لنذره ولا لرمضان لان امر الله تعالى متقدم لنذره فليس له أن يصوم رمضان ولا شيئا منه لغير ما أمره الله تعالى بصيامه مخلصا له ذلك وبالله تعالى التوفيق، ولا قضاء عليه فيه لما ذكرناه * 790 - مسألة - وأفضل الصوم (3) بعد الصيام المفروض صوم يوم وافطار يوم، ولا يحل لا حد أن يصوم أكثر من ذلك أصلا، والزيادة عليه معصية ممن قامت عليه بها (4) الحجة، ولا يحل صوم الدهر أصلا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا محمد بن مقاتل نا عبد الله بن المبارك انا الاوزاعي نا يحيى بن أبى كثير حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنى عبد الله بن عمرو بن العاصى (5) قال: قال لى (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله بن عمرو ألم أخبر انك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم، فان لجسدك عليك حقا وان لعينك (7) عليك حقا وان لزوجك عليك حقا وان لزورك (8) عليك حقا وان


(1) من قوله: قال أبو محمد: فهذه إلى قوله ما نذر سقط من النسخة رقم (16) خطأ (2) في النسخة رقم (16) (عن صومها) (3) في النسخة رقم (16) (وافضل الصيام) (4) في النسخة رقم (16) (به) (5) لفظ (بن العاصى) زيادة من النسخة رقم (14) (6) لفظ (لى) زيادة من النسخة رقم (16) وهى موافقة لما في صحيح البخاري ج 3 ص 87 (7) في النسخة رقم (14) (وان لعينيك) وما هنا موافق لما في صحيح البخاري وهى رواية الكشميهى (8) قال في الصحاح الزور الزائرون يقال: رجل زائر وقوم زور وزوار مثل سافر وسفر وسفار، ونسوة زور ايضا وزور مثل نوم ونوح اه‍ *

[ 13 ]

بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فان لك بكل حسنة عشر أمثالها فإذا (1) ذلك صيام الدهر (كله فشددت فشدد على) (2) قلت: يا رسول الله انى أجد قوة قال: فصم صيام نبى الله داود ولا تزد عليه قلت: وما كان صيام نبى الله داود؟ قال: نصف الدهر) * ومن طريق البخاري عن أبى اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبى حمزة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث، وفيه ان عبد الله بن عمر وقال له عليه السلام: (انى اطيق أفضل من ذلك قال: فصم يوما وأفطر يوما قلت: انى أطيق أفضل من ذلك قال: لا أفضل من ذلك) * قال أبو محمد: فصح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الزيادة على صيام يوم وافطار يوم ونعوذ بالله من مواقعة نهيه، وإذا أخبر عليه السلام انه لا أفضل من ذلك فقد صح ان من صام أكثر من ذلك فقد انحط فضله وإذا انحط فضله فقد حبطت تلك الزيادة بلا شك وصار عملا لا أجر له فيه بل هو ناقص من أجره، فصح أنه لا يحل أصلا * قال على: ومن طوائف المصائب قول بعض من يتكلم في العلم بما هو عليه لاله: قال: قد جاء هذا الحديث وفيه انه عليه السلام قال: (فصم صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لا قى) فقال: انما هذا الحكم لمن لا يفر إذا لاقى * قال أبو محمد: فجمع هذا الكلام الملعون وجهين من الضلال، أحدهما الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يخبر به بل قد أمر عليه السلام بذلك عبد الله بن عمرو وقطع بانه لا صوم أفصل من صوم داود * والثانى انه تأويل سخيف لا يعقل لانه لا شك في ان من لا يفر في سبيل الله إذا لا قى أفضل ممن يفر، فإذا كان حكم الافضل ان لا يتزيد من الفضل في الصيام ويمنع من ذلك فهذه شريعة ابليس لا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا عبيد الله بن معاذ - هو ابن معاذ - العنبري - نا أبى نا شعبة عن حبيب بن أبى ثابت سمع أبا العباس - هو السائب بن فروخ المكى - سمع عبد الله بن عمرو ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صام من صام الابد (3)) * ورويناه من طريق البخاري نا آدم نا شعبة فذكره باسناده المذكور، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صام من صام الدهر) * ومن طريق أبى قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه (4) قال: - وقد ذكر له من يصوم الدهر - فقال عليه السلام: (لا صام


(1) في البخاري (فان ذلك) (2) قوله ((كله فشددت فشدد على) زيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 87 (3) الحديث اختصره المؤلف انظر ج 1 ص. 32 متن صحيح مسلم (4) لفظ (أنه) زيادة من النسخة رقم (14)

[ 14 ]

ولا أفطر أو ما صام ولا أفطر) * وكذلك نصا من طريق مطرف عن عبد الله ابن الشخير عن أبيه، وعمران بن الحصين كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال فيمن صام الدهر (لا صام ولا أفطر) فقد صح انه حبط صومه ولم يفطر * وهذه أخبار متظاهرة متواترة لا يحل الخروج عنها * ومن عجائبهم انهم قالوا: انما لا يجوز إذا صام الدهر كله ولم يفطر الايام المنهى عنها فقلنا: كذب من قال هذا (1)، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم منع ونهى عن الزيادة على نصف الدهر وأبطل أجرمن زاد * قال أبو محمد: وشغب من خالفنا (2) بان ذكر حديث حمزة بن عمر والاسلمي أنه قال: يا رسول الله انى أسرد الصوم أفاصوم في السفر؟ قال: (ان شئت فصم وان شئت فأفطر) * وبخبر رويناه من طريق زيد بن الحباب أخبرني ثابت بن قيس الغفاري حدثنى أبو سعيد المقبرى حدثنى أبو هريرة عن أسامة بن زيد قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الصوم فيقال: لا يفطر) * قال أبو محمد: لا حجة لهم في هذين الخبرين لان السرد انما هو المتابعة لاصوم أكثر من نصف الدهر يبين (3) ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاصى الذى أوردناه، وحديث عائشة الذى رويناه من طريق مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة نا سفيان ابن عيينة عن ابن أبى لبيد عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام (4) ويفطر حتى نقول: قد أفطر ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان الا قليلا * فهذه أم المؤمنين بينت السرد الذى ذكره أسامة والذى ذكره حمزة بن عمرو في حديثه فبطل ان يكون لهم متعلق بشئ من الآثار * وموهوا أيضا بما رويناه من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد عن أبيه ان عائشة كانت تصوم الدهر قلت: الدهر؟ قال: كانت تسرد * ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان عمر يسرد الصوم * وعنه ايضا انه سرد الصوم قبل موته بسنتين * ومن طريق عبد الرزاق


(1) انظر صفحة 16 من هذا الجزء (2) في النسخة رقم (16) (خالفها) وهو غلط (3) في النسخة رقم (14) (بين) (4) في النسخة رقم (16) (لا يفطر) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 318 *

[ 15 ]

عن جعفر بن سليمان - هو الضبعى - عن ثابت البنانى عن أنس قال: كان أبو طلحة قل ما يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل العدو فلما توفى النبي صلى الله عليه وسلم ما رأيته مفطرا (1) إلا يوم أضحى أو يوم فطر * ومن طريق ابن ابى شيبة ناحماد بن خالد عن الزبير ابن عبد الله بن أميمة (2) عن جدته قالت: كان عثمان يصوم الدهر ويقوم الليل الا هجعة من أوله (3) * وعن الاسود، وعروة، وعبيد المكتب انهم كانوا يصومون الدهر * قال أبو محمد: هذا كله لا حجة لهم فيه أما عائشة رضى الله عنها فقد فرق عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بين صيام الدهر وبين سرد الصوم كما ذكرنا، ولم يثبت عليها (4). الا السرد وهو المتابعة لا صوم الدهر، ولو صح عنها ذلك ولا يصح (5) * فقد روينا من طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه ان عائشة ام المؤمنين كانت تصوم أيام التشريق * وكذلك صح عنها رضى الله عنها انها كانت تختار صوم يوم الشك من آخر شعبان، فان كان ما لا يصح عنها من صوم الدهر حجة فالذي صح عنها من صوم أيام التشريق ويوم الشك حجة، وان لم يكن هذا حجة فليس ذلك حجة (6) (فان قالوا:) قد صح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، قيل لهم: وقد صح نهيه عليه السلام عن صوم اكثر من نصف الدهر، وصح نهيه عن صوم الدهر * وأما خبر عمر فليس فيه الا السرد فقط وهو المتابعة لا صيام الدهر بل قد صح عنه تحريم صيام الدهر كما روينا من طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن ابن عمر والشيبانى قال: بلغ عمر بن الخطاب ابن رجلا يصوم الدهر فاتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يادهر كل يادهر، وهذا في غاية الصحة عنه، فصح ان تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحا لما ضرب فيه ولا امر بالفطر * وأما عثمان فان الزبير بن عبد الله ابن أميمة وجدته مجهولان فسقط هذا الخبر * وأما أبو طلحة فقد روينا من طريق شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة يأكل البرد وهو صائم * قال أبو محمد: وفى الخبر الذى شغبوا به ان انسا قال: ما رأيته مفطرا الا يوم فطر أو يوم أضحى، ففى هذا الخبر انه كان يصوم أيام التشريق فان لم يكن فعل أبى طلحة في أكله البرد وهو صائم حجة فصومه الدهر ليس حجة، ولئن كان صومه الدهر حجة فان أكله البرد في الصيام حجة فسقط كل ماموهوا به عن الصحابة رضى الله عنهم *


(1) في النسخة رقم (14) (يفطر) (2) في الاصلين بالهمزة بعدها ميم، وفى كتب رجال الحديث رجال الحديث كالميزان وتهذيب التهذيب (رهيمة) بالراء بعدها هاء (3) أي نومة خفيفة من اول الليل (4) أي يستقر (5) ما بعده متعلق به وليس بمنقطع معنى، تفطن (6) في النسخة رقم (16) (فذلك ليس حجة) *

[ 16 ]

وأما الاسود فروينا عن وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة ان الاسود كان يصوم الدهر وأيام التشريق * وعن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه انه صام اربعين سنة أو ثلاثين سنة قال هشام: لم أره مفطرا الا يوم فطر أو يوم نحر، فليقتدوا بهما في صوم أيام التشريق والا فالقوم متلاعبون * قال على: صح عن عمر ما ذكرناه من النهى عن صوم الدهر، وأمره بالفطر فيه، وضربه على صيامه * ومن طريق شعبة عن قتادة عن أبى تميمة الهجيمى عن ابى موسى الاشعري قال: من صام الدهر ضيق الله عليه هكذا وقبض كفه * ومن طريق سفيان الثوري عن أبى تميمة الهجيمى عن أبى موسى الاشعري قال: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم، وقد روى أيضا مسندا (1) * قال على: من نوادرهم قولهم: معناه ضيقت عليه جهنم حتى لا يدخلها * قال على: وهذه لكنة، وكذب، أما اللكنة فانه لو اراد هذا لقال: ضيقت عنه ولم يقل: عليه، وأما الكذب فانما اورده رواته كلهم على التشديد والنهى عن صومه فكيف ورواية شعبة المذكورة انما هي ضيق الله عليه فقط؟ * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن ابى اسحاق أن ابن أبى انعم (2) كان يصوم الدهر فقال عمر وبن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لرجموه * قال على: هم يدعون الاجماع باقل من هذا وقد يكون الرجم حصبا كما كان يفعل ابن عمر بمن رآه يتكلم والامام يخطب * ومن طريق شعبة عن يحيى بن عمر والهمداني عن أبيه أنه سمع عبد الله بن مسعود - وسئل عن صوم الدهر - فكرهه * ومن طريق أبى بكرة وعائذ بن عمر وأنهما كرها صوم رجب، وهذا يقتضى ولا بد أنهما لا يجيزان صيام (3) الدهر * قال على: لو كان مباحا عند ابن مسعود ما كرهه لان فعل الخير لا يكره ولا يكره الا ما لا خير فيه ولا أجر * وعن الشعبى أنه كره صوم الدهر * وعن سعيد بن جبير أنه كره صوم شهر تام غير رمضان *


(1) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: (تنبيه) روى ابن حبان وغيره من حديث ابى موسى الاشعري (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين) قال ابن حبان: هو محمول على من صام الدهر الذى فيه ايام العبد والتشريق، وقال البيهقى وقبله ابن خزيمة: معنى ضيقت عليه أي عنه فلم يدخلها، وفى الطبراني عن أبى الوليد ما يومئ إلى ذلك، واورد أبو بكر بن ابى شيبة في مصنفه هذا الحديث في باب من كره صوم الدهر اه‍ (2) الذى في التهذيب - هو عبد الرحمن بن زياد بن انعم لا ابن ابى انعم ولعل لفظ ابى زائد (2) في النسخة رقم (14) (صوم) بدل (صيام).

[ 17 ]

791 - مسألة - قال أبو محمد: ونستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونستحب صيام الاثنين والخميس، وكل هذا فبأن لا يتجاوز اكثر من نصف الدهر، فاما الثلاثة الايام فلما ذكرنا آنفا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصى، وأما الاثنين والخميس فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا القاسم بن زكريا نا حسين - هو الجعفي - عن زائدة عن عاصم عن المسيب - هو ابن رافع - عن خفصة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس) (1)، ويكره صوم شهر تام غير رمضان لما ذكرنا من فعله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا مثل قولنا آنفا عن سعيد بن جبير * 792 - مسألة - ومن اقتصر على الفرض فقط فحسن لما قد ذكرناه قبل من قول رسول الله صلى الله عليه وآله للذى سأله عن الدين فأخبره عليه السلام بوجوب رمضان قال: (هل على غيره؟ قال: لا الا ان تطوع) * وذكر مثل ذلك في الصلاة والزكاة والحج فقال السائل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفلح إن صدق دخل الجنة ان صدق) * 793 - مسألة - ونستحب صوم يوم عاشوراء وهو التاسع من المحرم، وان صام العاشر بعده فحسن، ونستحب أيضا صيام يوم عرفة للحاج وغيره * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن غيلان ابن جرير سمع عبد الله بن معبد الزمانى (2) عن أبى قتادة الانصاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية، وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: يكفر السنة الماضية) * وبه إلى مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا وكيع بن الجراح عن حاجب بن عمر عن الحكم بن الاعرج قال: سألت ابن عباس عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما فقلت: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم (3) * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق نا ابن جريح أخبرني


(1) الحديث مختصر. انظر النسائي جزء 4 ص 3. 2، وقوله بعد ويكره صوم شهر تام الخ من كلام المصنف وليس من كلام عائشة تنبه (2) هو بكسر الزاى وتشديد الميم وبعده نون نسبة إلى زمان بن مالك بن صعب جد جاهلي (3) هو في مسلم ج 1 ص 313 بزيادة في اوله حذفها المصنف، ورواه ايضا أبو داود جزء 2 ص 303 *

[ 18 ]

عطاء انه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود صوموا التاسع والعاشر، (فان قيل) من أين احببتم صوم يوم عرفة في الحج؟ وقد صح من طريق ميمونة أم المؤمنين انها قالت ان الناس شكوافى صوم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عرفة فارسلت إليه بحلاب (1) وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون * ومن طريق حامد بن يحيى البلخى عن سفيان بن عيينة عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمانا فقال: ادن فكل لعلك صائم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم هذا اليوم * ومن طريق مؤمل بن اسماعيل بن سفيان الثوري عن اسماعيل بن أمية عن نافع قال: سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟ فقال: لم يصمه النبي صلى الله وعليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا حوشب بن عقيل عن مهدى الهجرى العبدى عن عكرمة قال قال لى أبو هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات * ومن طريق شعبة أخبرني عمرو بن دينار قال: سمعت عطاء عن عبيد بن عمير قال: نهى عمر بن الخطاب عن صوم يوم عرفة، وقد تكلم في سماع عبد الله بن معبد الزمانى من أبى قتادة (2) قلنا وبالله تعالى التوفيق * أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصمه فلاحجة لكم في ذلك لانه عليه السلام قد حض على صيامه أعظم حض، واخبر انه يكفر ذنوب سنتين، وما علينا أن ننتظر بعد هذا أيصومه عليه السلام أم لا؟ * وقد حدثنا يوسف بن عبد الله النمري قال: نا أحمد بن محمد بن الجسور قال: نا قاسم ابن أصبغ نا مطرف بن قيس نا يحيى بن بكير نا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين انها قالت: ان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليترك العمل وهو يحب أن يعمل به خشية ان يعمل به الناس فيفرض عليهم * وأما حديث أبى هريرة في النهى عن صوم يوم عرفة بعرفات فان روايه حوشب ابن عقيل وليس بالقوى (3) عن مهدى الهجرى (4) وهو مجهول، ومثل هذا لا يحتج به *


(1) قال النووي في شرح مسلم: الحلاب بكسر الحاء المهملة هو الاناء الذى يحلب فيه ويقال المحلب فيه ويقال المحلب بكسر الميم اه‍ (2) قال الذهبي في ميزان الاعتدال: عبد الله بن معبد الزمانى من جملة التابعين، وثفة النسائي يحدث عن ابى قتادة قال البخاري: لايعرف له سماع منه اه‍ وسيأتى قول المصنف بعد ص 19: فعبد الله ثقة، والثقات مقبولون لانحل رد رواياتهم بالظنون، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج 6 ص 40 (3) هو كما قال المصنف انظر ترجمته في تهذيب التهذيب جزء 3 ص 65 (4) سئل ابن معين عنه؟ فقال: لااعرفه انظر تهذيب التهذيب ج 10 ص 324 *

[ 19 ]

وأما ترك أبى بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس صيامه فقد صامه غيرهم كما روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سهل بن أبى الصلت عن الحسن البصري انه سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: صامه عثمان بن عفان في يوم حار يظلل عليه * ومن طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق ان عائشة أم المؤمنين كانت تصوم يوم عرفة في الحج * وبه إلى حماد بن سلمة نا عطاء الخراساني ان عبد الرحمن بن أبى بكر دخل على عائشة أم المؤمنين يوم عرفة وهى تصب عليها الماء فقال لها: أفطرى فقالت: افطر؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صوم يوم عرفة يكفر العام الذى قبله) * ومن طريق هشام بن عروة ان عبد الله بن الزبير كان يدعو عشية عرفة إذا أفاض الناس بماء ثم يفيض * قال على: فإذا اختلفوا فالمرجوع إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روينا من طريق البخاري عن مسدد عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن توبة عن مورق العجلى قال: قلت لابن عمر: (رضى الله عنهما (1)) أتصلى الضحى؟ قال: لا قلت: فعمر قال: لا (قلت: فأبو بكر قال: لا قلت: فرسول الله (2) صلى الله عليه وسلم قال: لا إخاله) * فمن كره صوم يوم عرفة لقول ابن عمر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصمه، ولا أبو بكر، ولا عمر فليكره صلاة الضحى لقوله فيها مثل ذلك، والطريقان صحيحان والا فهو متلاعب بالدين، وقد صح ان أبا بكر، وعمر لم يكونا يضحيان فليكرهوا الاضحية أيضا لذلك * قال على: ومن العجب أن يكون نهى النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء باغلظ الوعيد عن صيام الدهر ولم يصمه عليه السلام فيستحبونه ويبيحونه ثم يأتي حض النبي صلى الله عليه وسلم باشد الحض على صوم عرفة فيكرهونه لانه عليه السلام لم يصمه ولم يحض النبي صلى الله عليه وسلم بتركه الحاج دون غيره ولا بالحض عليه من ليس حاجا من حاج * وأما سماع عبد الله بن معبد من أبى قتادة فعبدالله ثقة - والثقات مقبولون - لا يحل رد رواياتهم بالظنون وبالله تعالى التوفيق * 794 - مسألة - ونستحب صيام أيام العشر من ذى الحجة قبل النحر لما حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من أيام أحب إلى الله فيهن العمل أو أفضل فيهن العمل من أيام العشر قيل: يارسول الله ولا الجهاد قال: ولا الجهاد الا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ) * قال أبو محمد: هو عشر ذى الحجة، والصوم عمل بر فصوم عرفة يدخل في هذا أيضا *


(1) الزياة من البخاري جزء 2 ص 131 (2) في البخاري ج 2 ص 131 (فالنبى) بدل (رسول الله) *

[ 20 ]

795 - مسألة - ولا يحل صوم يوم الجمعة الا لمن صام يوما قبله أو يوما بعده فلو نذره انسان كان نذره باطلا فلو كان انسان يصوم يوما ويفطر يوما فجاءه صومه في الجمعة فليصمه * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب نا حسين - هو الجعفي - عن زائدة عن هشام - هو ابن حسان - عن ابن سيرين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى ولا تخصوا (1) يوم الجمعة بصيام من بين الايام الا ان يكون في صوم يصومه احداكم) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا اسماعيل بن مسعود - هو الجحدرى - نا بشر - هو ابن المفضل - نا سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة عن سعيد ابن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهى صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا قال: أتريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا قال: فأفطرى * ورويناه أيضا من طريق جابر * ومن طريق جويرية أم المؤمنين * ومن طريق جنادة الازدي - وله صحبة - كلهم عن النبي، صلى الله عليه وسلم وبه قال طائفة من الصاحبة رضى الله عنهم * روينا من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريرى عن أبى العلاء - هو ابن الشخير - ان سلمان الفارسى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزيد (2) بن صومان انضر ليلة الجمعة فلا تصلها * قال على: لا نعلم له مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق يحي بن سعيد القطان عن شعبة عن عبد العزيز بن رفيع عن قيس ابن السكن قال: مر ناس من اصحاب ابن مسعود بابى ذر يوم جمعة وهم صيام فقال: عزمت عليكم لما أفطر تم فانه يوم عيد * قيس بن السكن ادرك أبا ذر وجالسه * وعن على بن أبى طالب انه نهى عن تعمد صيام يوم الجمعة * ومن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن أبى هريرة قال: لا تصم يوم الجمعة الا ان تصوم قبله أو بعده، وهو قول ابراهيم النخعي، ومجاهد، والشعبى، وابن سيرين وغيرهم، وذكره ابراهيم عمق لقى، وانما لقى اصحاب ابن مسعود *


(1) قال النووي في شرح مسلم: هكذا وقع في الاصول (لا تختصوا ليلة الجمعة)، (ولا تخصوا يوم الجمعة) باثبات تاء في الاول بين الخاء والصاد، ويحذفها في الثاني وهما صحيحان اه‍، والحديث في مسلم ج 1 ص 314 (2) في النسخة رقم (14) (يزيد) وهو غلط لانه أخو صعصعة وسحان لبنى صوحان أسلم في عهد رسول الله صل الله عليه وسلم وشهد وقعة الجمل مع على رضى الله عنه،

[ 21 ]

(فان قيل:) فقد رويتم من طريق شيبان عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقل ماكان يفطر يوم الجمعة * ومن طريق ليث بن أبى سليم عن عمر بن أبى عمير عن ابن عمر قل ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مفطرا يوم جمعة * ومن طريق ليث بن أبى سليم عن طاوس عن ابن عباس قل ما رأيته مفطرا يوم جمعة قط * (1) قال أبو محمد: ليث ليس بالقوى (2)، وأما خبر ابن مسعود فصحيح، والقول فيها كلها سواء، وهو أنه ليس في شئ منها لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن ابن مسعود، ولا عن ابن عمر، ولا عن ابن عباس اباحة تخصيص يوم الجمعة بصيام دون يوم قبله أو يوم بعده، ونحن لا ننكر صيامه إذا صام يوما قبله أو يوما بعده، ولا يحل ان نكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبر عنه بما لم يخبر به عنه صاحبه، ولا أ نحمل فعله على مخالفة أمره البتة إلا ببيان نص صحيح فيكون حينئذ نسخا أو تخصيصا، قال تعالى آمرا له ان يقول: (وما أريد: أن أخالفكم إلى ما انهاكم عنه) فكيف وقد ورد عن ابن عباس، وطاوس بيان قولنا بأصح من هذه الطرق؟ كما روينا من طريق ابن ابى شيبة * نا محمد بن بكر عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن افتراد اليوم كلما مر بالانسان - يعنى عن صيامه -، فصح نهى ابن عباس عن افتراد يوم بعينه في الصوم، فدخل في ذلك يوم الجمعة وغيره * ومن طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه انه كان يكره ان يتحرى يوما يصومه، وما نعلم لمن ذكرنا من الصاحبة رضى الله عنهم مخالفا اصلا في النهى عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام وبالله تعالى التوفيق * 796 - مسألة - فلو نذر المرء صوم يوم يفيق أو نحو ذلك فوافق يوم جمعة لم يلزم لانه لا يصوم يوما قبله، ولا يوما بعده ولا وافق صوما كان يصومه ولا يجوز صيامه إلا بأحد هذين الوجهين كما ذكرنا قبل، وبالله تعالى التوفيق * 797 - مسألة - ولا يحل صوم الليل أصلا، ولا أن يصل المرء صوم يوم بصوم يوم آخر لا يفطر بينهما. وفرض على كل احدان يأكل أو يشرب في كل يوم وليلة ولا بد * نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا ابرهيم بن حمزة نا ابن ابى حازم عن يزيد - هو ابن الهادى - عن عبد الله بن خباب عن أبى سعيد الخدرى


(1) في النسخة (16) يوم الجمعة (2) هو كما قال المؤلف انظر تهذيب جزء 8 ص 465 *

[ 22 ]

(انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (1): لا تواصلوا فايكم اراد أن يواصل فليواصل حتى السحر قالوا: فانك تواصل يارسول الله قال: لست كهيئتكم إنى أبيت لى مطعم يطعمنى وساق يسقينى) * ورويناه أيضا مسندا صحيحا من طريق أم المؤمنين عائشة، وأنس، وابى هريرة، وابن عمر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الاثار تنتظم كل (2) ما قلنا * قال أبو محمد: وقد روينا النهى عن الوصال عن أبى سعيد الخدرى، وعائشة ام المؤمنين، وعلى، وأبى هريرة، وروينا عن بعض السلف إباحة الوصال كما روينا من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب حدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (3) ان ابا هريرة قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقال رجل من المسلمين: فانك تواصل يارسول الله فقال: وأيكم مثلى إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقيني فلما أبوا ان ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال عليه السلام: لو تأخر (4) الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا) * وعن أخت أبى سعيد الخدرى أنها كانت تواصل وكان اخوها ينهاها * قال على: هي صاحبة بلا شك * ومن طريق حماد بن سلمة نا عمار بن ابى عمار قال: كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام فإذا كان الليلة السابعة دعا باناء من سمن فشربه ثم يؤتى بثريدة (5) فيها عرقان (6) ويؤتى الناس بالجفان (7) فيقول: هذا من خالص مالى وهذا من بيت مالكم، وكان ابن وضاح يواصل اربعة أيام * قال أبو محمد: هذا يوضح ان لاحجة في أحد غير (8) رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحاب ولا غيره فقد واصل قوم من الصحابة رضى الله عنهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتأولوا في ذلك التأويلات البعيدة فكيف بعده عليه السلام؟ فكيف من دونهم؟ ولا فرق بين من خالف حضه عليه السلام على صوم يوم عرفة ونهيه عليه السلام عن تخصيص صوم يوم الجمعة، وتأولوا في ذلك أنه عليه السلام لم يصم يوم عرفة، وقول ابن مسعود قل ما رأيته عليه السلام مفطرا يوم جمعة وبين من خالف نهيه عن الوصال وتأول أنه عليه السلام كان يواصل *


(1) في النسخة رقم (16) سقط لفظ يقول غلطا، وهو في البخاري جزء 3 ص 84 (2) في النسخة رقم (16) (كما) (3) لفظ (بن عوف) زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) (ولو تأخر) (5) فال صاحب اللسان: الثريد معروف، والثرد الهشم ومنه قيل لما يهشم من الخبز ويبل بماء القدور غيره ثريدة.. ويقال: اكلنا ثريدة دسمة بالهاء على معنى الاسم أو القطعة من الثريد اه‍ (6) هو تثنية عرق بفتح العين المهملة وسكون الراء. العطم إذا أخذ عنه معظم اللحم وجمعه عراق؟؟؟ جمع حفنه كالقصعة وعاء الاطعمة (8) في النسخة رقم (14) (دون) *

[ 23 ]

798 - مسألة - ولا يجوز صوم يوم الشك الذى من آخر شعبان، ولا صيام اليوم الذى قبل يوم الشك المذكور الا من صادف يوما (1) كان يصومه فيصومهما حينئذ للوجه الذى كان يصومهما له لا لانه يوم شك ولا خوفا من ان يكون من رمضان * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة، وابو كريب كلاهما عن وكيع عن على بن المبارك عن يحي بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل (2) كان يصوم صوما فليصم)، وقد ذكرنا أمره عليه السلام بان لا يصام حتى يرى الهلال من طريق ابن عمرو * نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالدنا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن عمر وبن دينار عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان أغمى (3) عليكم فعدوا ثلاثين قالوا: يا رسول الله الا نقدم بين يديه يوما أو يومين فغضب وقال: لا) * قال أبو محمد: نعوذ بالله من غضب رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر يوضح انه لا حجة في رأى صاحب ولا غيره أصلا، وبهذا يقول طائفة من السلف * روينا عن ابن مسعود انه قال: لان أفطر يوما من رمضان ثم اقضيه أحب إلى من أن (4) أزيد فيه يوما ليس فيه * وعن حذيفة أنه كان ينهى عن صوم اليوم الذى يشك فيه * وعن أبى اسحاق السبيعى عن صلة بن اشيم انه سمع عمار بن ياسر في يوم الشك من آخر شعبان يقول: من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم * وعن حذيفة، وابن عباس وأبى هريرة، وعمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وأنس بن مالك النهى عن صيامه * وعن ابن عمر، والضحاك بن قيس انهما قالا: لو صمت السنة كلها لافطرت اليوم الذى يشك فيه * قال أبو محمد: وروى خلاف هذا عن بعض السلف كما روينا عن عائشة أم المؤمنين انها قالت: لان أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن فأفطر يوما من رمضان * وعن اسماء بنت أبى بكر انها كانت تصوم يوم الشك *


(1) في النسخة رقم (14) (صوما) (2) في النسخة رقم (16) (رجل) بالرفع وهو الصحيح لكونه في كلام تام غير موجب وهو موافق لمسلم ج 1 ص 299، وفى النسخة رقم (14) (رجلا) بالنصب (3) يقال: اغمى علينا الهلال وغمى - بتشديد الميم - فهو مغمى - بسكون الغين المعجمة - ومغمى بفتحها - إذا حال دون رؤيته غيم أو قترة كما يقال غم علينا اه‍ نهاية (4) لفظ (ان) سقط من النسخة رقم (16) *

[ 24 ]

وحدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله (1) بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى نا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر إذا خلت تسع وعشرون ليلة من شعبان بعث من ينظر الهلال فان حال من دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائما وان لم ير ولم يحل دون منظره أصبح مفطرا * وعن أبى عثمان النهدي انه كان يصوم يوم الشك * وعن القاسم بن محمد انه كان لا يكره صيام يوم الشك إلا ان أغمى دون رؤية الهلال * وعن الحسن البصري انه كان يصبح يوم الشك صائما فان قدم خبر برؤية الهلال ما (2) بينه وبين نصف النهار أتم صومه وإلا أفطر، وبالنهى عن صومه جملة يقول ابراهيم النخعي، والشعبى، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وغيرهم * قال أبو محمد: هذا ابن عمر هو روى أن لا يصام حتى يرى الهلال ثم كان يفعل ما ذكرنا، واحتج من رأى صيام يوم الشك بما روينا من طريق مسلم عن ابن أبى شيبة نا يزيد بن هرون عن (3) الجريرى عن أبى العلاء عن مطرف (4) عن عمران بن الحصين (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هل صمت من سرر هذا الشهر (شيئا؟ يعنى شعبان (5) قال: لا قال: فإذا أفطرت من صيام رمضان فصم يومين مكانه * وبما رويناه من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا محمد بن جعفر نا شعبة عن توبة العنبري عن محمد بن ابراهيم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن أم سلمة أم المؤمنين (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما الا شعبان يصله برمضان) (6) * ومن طريق عبد الله بن أبى العلاء عن أبى الازهر المغيرة بن فروة قال: قام معاوية ابن أبى سفيان في الناس في دير مسحل (7) الذى على باب حمص فقال: يا ايها الناس انا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا وأنا متقدم بالصيام فمن أحب أن يفعله فليفعله، فقام إليه مالك بن هبيرة السبائى فقال: يا معاوية أشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم شئ من رأيك؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صوموا الشهر وسره) * قال أبو محمد: المغيرة بن فروة غير مشهور (8) ثم لو صح لما كانت فيه حجة أصلا لان


(1) جملة نا أحمد بن عبد الله سقطت من النسخة رقم (16) خطأ (2) لفظ (ما) سقط من النسخة رقم (16) خطأ * (2) لفظ (عن) سقط من النسخة رقم (16) خطأ (4) سقط لفظ (عن مطرف) من النسختين، وزدناه من صحيح مسلم ج 1 ص 322 وكذلك في سنن ابى داود ج 2 ص 370 (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) قال الحافظ في الفتح: قال المنذرى: والحديث اخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن (7) قال في القاموس: الديرخان النصارى والخان الحانوت أو صاحبه اه‍، قال في تاج العروس: ومسحل اسم رجل وهو أبو الدهناء امرأة العجاج اه‍ ولعله كان بانى هذا الدير أو مالكه، وهو بكسر الميم وسكون السين المهملة (8) انظر ترجته في تهذيب التهذيب ج 10 ص 367 *

[ 25 ]

نصه (صوموا الشهر وسره) وهو بلا شك شهر رمضان لا ما سواه، وسره مضاف إليه، ولا يخلو سره من أن يكون أوله أو آخره أو وسطه (1) وأى ذلك كان؟ فهو من رمضان لا من شعبان، وليس فيه صوموا سر شعبان فبطل التعلق به * وأما خبر أم سلمة فلا حجة لهم فيه لان كل من كان له صوم معهود فوافق يوم الشك فليصمه كما جاء في الخبر الذى صدرنا به، ولا يجوز أن يحمل صوم النبي صلى الله عليه وسلم له في وصله شعبان برمضان الا على انه صوم معهود كان له * وأما خبر عمران فصحيح الا أنه لا حجة لهم فيه لاننا لا ندري ماذا كان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم؟ لو قال له الرجل: أنه صام سرر شعبان أينهاه أم يقره على ذلك؟ والشرائع الثابتة لا يجوز خلافها بالظنون ولا بما لا بيان فيه، ثم لو كان في هذه الاخبار بيان جلى باباحة صوم يوم الشك من شعبان لما كان لهم فيه حجة، لان صوم يوم الشك وغيره كان مباحا بلا شك في صدر الاسلام، لان الصوم جملة عمل بر وخير، فلما صح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين قبل رمضان الا لمن كان له صوم يصومه صح يقينا لامرية فيه ان الاباحة المتقدمة قد نسخت وبطلت لان الصوم قد كان متقدما لهذا النهى بنصه كما هو لاستثنائه عليه السلام من كان له صوم فليصمه، ولا يحل العمل بشئ قد صح أنه منسوخ بلا شك ولا يحل خلاف الناسخ، ومن ادعى ان الحالة المنسوخة قد عادت وان الناسخ قد بطل فقد كذب وقفا مالا علم له به وقال: مالا دليل له به أبدا، والظن أكذب الحديث * 799 - مسألة - ولا معنى للتلوم في يوم الشك لانه ان كان تلومه بنية الصوم فقد خالف امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك صومه وواقع النهى، وان كان تلومه بغير نية الصوم فهو عناء لا معنى له، وترك المفطر الاكل (2) عمل فارغ، وقد روينا عن أنس وجماعة معه تعجيل الفطر في أوله * 800 - مسألة - ولا يجوز صوم اليوم السادس عشر من شعبان تطوعا أصلا ولا لمن صادف يوما (3) كان يصومه * نا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود نا قتيبة بن سعيد نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى قال: قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء


(1) قال في فتح الودود شرح سنن ابى داود (صوموا الشهر وسره): بكسر فتشديد يقال سر الشهر وسراره وسرره لآخره لاستتار القمر فيه، ويحتمل ان يكون المراد بالشهر شهر رمضان وسره آخره لتأكد الاستيعاب أو المراد بآخره آخر شعبان، واضافته إلى رمضان للاتصال، اه‍ اقول والاحتمال الثاني خلاف الظاهر (2) في النسخة رقم (14) (وللاكل) (3) في النسخة رقم (16) صوما

[ 26 ]

ابن عبد الرحمن فاخذ بيده فأقامه ثم قال (1): اللهم ان هذا يحدث عن أبيه (عن أبى هريرة) (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) فقال العلاء: اللهم ان أبى حدثنى عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك (3) * قال أبو محمد: هكذا رواه سفيان عن العلاء، والعلاء ثقة روى عنه شعبة وسفيان الثوري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ومسعر بن كدام، وابو العميس وكلهم يحتج بحديثه فلا يضره غمز ابن معين له، ولا يجوز ان يظن بابى هريرة مخالفة ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، والظن أكذب الحديث، فمن (4) ادعى ههنا اجماعا فقد كذب * وقد كره قوم الصوم بعد النصف من شعبان جملة الا ان الصحيح المتيقن من مقتضى لفظ هذا الخبر النهى عن الصيام (5) بعد النصف من شعبان، ولا يكون الصيام في أقل من يوم، ولا يجوز ان يحمل على النهى عن صوم باقى الشهر إذا ليس ذلك بينا، ولا يخلو شعبان من ان يكون ثلاثين أو تسعا وعشرين، فان كان ذلك فانتصافه بخمسة عشر يوما وان كان تسعا وعشرين فانتصافه في نصف اليوم الخامس عشر، ولم ينه عن الصيام بعد النصف، فحصل من ذلك النهى عن صيام اليوم السادس عشر بلا شك (فان قيل): فقد رويتم من طريق وكيع عن أبى العميس عن العلاء بن عبد الرحمن بن أبيه عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان) قلنا: نعم وهذا يحتمل النهى عن كل ما بعد النصف من شعبان، ويحتمل ان يكون النهى عن بعض ما بعد النصف وليس أحدا لاحتمالين أولى بظاهر اللفظ من الآخر، وقد روينا ما ذكرنا قبل من قول أم سلمة أم المؤمنين (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان) وقول عائشة أم المؤمنين انه عليه الصلاة والسلام: (كان يصوم شعبان كله إلا قليلا) وقولهما هذا يقتضى انه عليه السلام كان يداوم ذلك فوجب استعمال هذه الاخبار كلها والا يرد منها شئ لشئ أصلا، فصح صيام أكثر شعبان مرغوبا فيه، وصح جواز صوم آخره فلم يبق يقين النهى الا على مالاشك فيه وهو اليوم السادس عشر كما قلنا وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم (14) (فقال) بحذف ثم وما هنا موافق لسنن ابى داود ج 2 ص 273 (2) الزيادة من سنن أبى داود ج 2 ص 273 وهى موجدة في النسخة رقم (14) الا ان مصححها اشار إلى انها زائدة في النسخة فضرب عليها بالقلم ولعل الصواب كما يظهر لم اسقاطها بدليل آخر الحديث تنبه (3) كذا في النسختين والذى في سنن ابى داود (قال: بذلك) قال الخطابى: هذا الحديث كان ينكره عبد الرحمن بن مهدى من حديث العلاء اه‍ قال المذرى: والحديث اخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح، حكى أبو داود عن الامام احمد انه قال: هذا حديث منكر قال: وكان عبد الرحمن - يعنى ابن مهدى - لا يحدث به، ويحتمل ان يكون الامام احمد انما انكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن فان فيه مقالا لائمة هذا الشأن، انظر ترجمته في ميزان الاعتدال (4) في النسخة رقم (16) (ومن) * (5) في النسخة رقم (16) (عن الصوم) *

[ 27 ]

ومن ادعى نسخا في خبر العلاء فقد كذب وقفا مالاعلم له به وبالله تعالى نتأيد * وقد بينا فيما خلا ماقاله أبو حنيفة، ومالك، والشافعي مما لا يعرف ان احدا قاله قبل كل واحد منهم، أكثر ذلك مما قالوه برأى لا بنص * من ذلك قول أبى حنيفة يجزئ من مسح الرأس في الوضوء مقدار ثلاثة أصابع ولا يجزئ أقل منه، ومرة قال: ربع الرأ ولا يجزئ أقل، ويجزئ مسحه بثلاث اصابع ولا يجزئ باصبعين ولا بأصبع، وأجازوا الاستنجاء بالروث، وقوله: المرة والماء الخارجان من الجوف ينقضان الوضوء إذا كان كل واحد منهما مل ء الفم فان كان أقل لم ينقض الوضوء، وكذلك تعمد القئ والدم الخارج من الجوف ينقض الوضوء ان غلب على البصاق وان لم يملا الفم، والبلغم الخارج من الجوف لا ينقض الوضوء وان ملا الفم، وقوله في صدقة الخيل: ان شاء أعطى عن كل رأس من الاناث أو الذكور أو الاناث مخلوطين عن كل رأس عشرة دراهم، وان شاء قومها قيمة وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة، ولا يعطى من الذكور المفردة شيئا، وقوله الزكاة في كل ما أخرجت الارض قل أو كثر الا الحطب، والقصب، والحشيش، وقصب الذريرة، فان كان الخارج في الدار فلا زكاة فيه، وكل هذا لا يعلم احد قاله قبلهم * وكقول مالك من ترك من الصلاة ثلاث تكبيرات، أو ثلاث تسميعات بطلت صلاته، فان ترك تكبيرتين فأقل لم تبطل ولا تسميعتين فاقل، وقوله في الزكاة فيما تخرجه الارض ومما لا زكاة فيه من ذلك من أنواع الحبوب، وقوله: ان الزكاة تسقط بموت المرء الا زكاة عامه ذلك، وقوله فيما تخرج منه زكاة الفطر من الحبوب، ووقول الشافعي: فيما يخرج منه الزكاة من الحبوب وما لا يخرج منه، وقوله: فيما يخرج منه زكاة الفطر من الحبوب وما لا يجزئ فيها منها، وقوله في ان الماء ان كان خمسمائة رطل بالبغدادي لم يقبل نجاسة الا ان تغيره. فان كان أقل ولو بوزن درهم فانه ينجس وان لم يتغير، وكل هذا لايعرف له قائل قبل من ذكرنا، ولو تتبعنا مالكل واحد منهم من مثل هذا لبلغ لابي حنيفة، ومالك ألوفا من المسائل، ولبلغ للشافعي مئين وبالله تعالى نتأيد * 81 - مسألة - ولا يحل صوم يوم الفطر ولا يوم الاضحى لافى فرض ولافى تطوع وهو قول جمهور الناس، وقد روينا من طريق وكيع عن عبد الله بن عون عن زياد بن جبير قال: سأل رجل ابن عمر عمن نذر صوم يوم فوافق يوم أضحى أو يوم فطر؟ فقال ابن عمر: أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم * وروينا عن عطاء فيمن نذر صوم شوال انه يفطر يوم الفطر ثم يصوم يوما من ذى القعدة مكانه ويطعم مع ذلك عشرة مساكين *

[ 28 ]

قال على: انما أمر عزوجل بالوفاء بالنذر إذا كان طاعة لا إذا كان معصية، واد صح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والاضحى أو أي يوم نهى عنه فصوم ذلك اليوم معصية، ولم يأمر الله تعالى قط بالوفاء بنذر مصية، وقد صح في ذلك آثار * منها مارويناه من طريق البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن أبى عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) (1) فقال: هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر يوم تأكلون فيه من نسككم، وصح أيضا من طريق أبى هريرة، وأبى سعيد مسندا * وقال محمد بن الحسن في رواية هشام بن عبد الله عنه: (من نذر أن يصوم الدهر وأراد بذلك اليمين فعليه ان يصومه ويفطر يوم الفطر والاضحى، وأيام التشريق ولا يطعم شيئا لكن يوصى عند موته أن يطعم عنه لكل يوم نصف صاع)، وهذا تخليط لا نظير له * 802 - مسألة - ولا يجوز صيام أيام التشريق وهى ثلاثة أيام بعد يوم الاضحى لافى قضاء رمضان ولافى نذر، ولا في كفارة، ولا لمتمتع بالحج لا يقدر على الهدى وهو قول أبى حنيفة، والشافعي * وقال مالك: يصومها المتمتع المذكور كلها ولا يصوم الناذر منها الا اليوم الثالث فقط، ولا يجوز ان يصام شئ منها تطوعا ولا في كفارة * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا عبد الله ابن مسلمة (القعنبى) (2) نا مالك عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (3) عن أبى مرة مولى أم هانئ أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاصى على (أبيه) (4) عمرو بن العاصى فقرب اليهما (5) طعاما فقال: انى طائم فقال له: كل فهذه (6) الايام التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بافطارها وينهانا عن صيامها قال مالك: هي أيام التشريق * نا حمام بن أحمد نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نابكر - هو ابن حماد - نا مسدد نا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن بشر بن سحيم (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادى أيام التشريق انه لا يدخل الجنة الا مؤمن وانها أيام أكل وشرب) *


(1) الزيادة في صحيح البخاري جزء 3 ص 93: ادارة الطباعة المنيرية (2) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 295 (3) في النسختين (عن يزيد بن عبد الله بن الهادى) باسقاط (اسامة بن) وزدناه من تهذيب التهذيب جزء 11 ص 339، وفى سنن ابى داود ج 2 ص 295 (عن يزيد بن الهاد) (4) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 295 (5) في النسخة رقم (14) (فقرب إليه) وما هنا موافق لسنن ابى داود (6) في سنن ابى داود (فقال: (كل قال: انى صائم فقال عمر: كل فهذه) الخ *

[ 29 ]

قال أبو محمد: تفريق مالك بين اليومين وبين اليوم الثالث لا وجه له أصلا، فان ذكر ذا كرما رويناه من طريق شعبة قال: سمعت عبد الله بن عيسى - هو ابن أبى ليلى - عن الزهري عن عروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر قال: عروة عن عائشة، وقال سالم: عن ابيه ثم اتفقا قالا: لم يرخص في أيام التشريق ان يصمن الا لمن لم يجد الهدى، وقد أسنده عن شعبة يحيى بن سلام، وس هو ممن يحتج بحديثه، فان هذا موقوف على أم المؤمنين، وابن عمر رضى الله عنهم، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ان يسند هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) * وروينا من طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين انها كانت تصوم أيام التشريق * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبد الملك بن أبى نعامة عن أبيه عن ابن عباس انه كان يصوم أيام التشريق * وعن أبى طلحة انه كان لا يفطر إلا يوم فطر أو أضحى * وعن الاسود أنه كان يصوم أيام التشريق ولو كان مسندا لكان حجة على المالكيين لانه أباح اليوم الثالث ان يصومه الناذر وهو خلاف هذا الخبر * قال أبو محمد: عهدنا بالحنيفيين والمالكيين يقولون فيما وافق اهواءهم من اقوال الصحابة: هذا لا يقال بالرأى قالوا ذلك في تيمم جابر إلى المرفقين، وفى قول عائشة رضى الله عنها لام ولد زيد بن أرقم إذا باعت منه عبدا إلى العطاء بثماني مائة ثم اشترته منه بستمائة أبلغ زيدا انه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ان لم يتب، وهو خبر لا يصح، وخالفوا بذلك القرآن والسنة الثابتة، وفى التيمم إلى الكوعين فهلا قالوا هنا في قول عائشة، وابن عمر: مثل هذا لا يقال: بالرأى؟ وعهدنا بهم يقولون فيما خالف أهواءهم من السنن ما تعظم به البلوى: لا يقبل فيه خبر الواحد، وردوا بذلك الوضوء من مس الذكر فهلا قالوا ههنا: هذا مما تعظم به البلوى؟ فلا يقبل فيه خبر الواحد، إذا لو كان النهى عن صيام أيام التشريق صحيحا ما خفى على عائشة، وأبى طلحة، وابن عباس، والاسود، وعهدنا بهم يقولن: ان الخبر المضطرب فيه مردود، وادعوا ذلك في حديث (لا تحرم المصة ولا المصتان) فهذا الخبر أشد اضطرابا لانه روى عن بشر بن سحيم، ومرة عنه عن على، وعهدنا بهم يقولون فيما وافقهم: هذا ندب فهلا قالوه ههنا؟ وعهدنا بهم يقولون: إذا روى الصاحب خبرا وتركه فهو دليل على نسخه، وعائشة قد روت كما ذكرنا النهى عن صيام أيام التشريق وتركت ذلك فكانت تصومها تطوعا فهلا تركوا ههنا روايتها لرأيها؟ ولا يقدر أحد على ان يقول: انها وابن عباس صاماها في تمتع الحج لان يسارهما ويسار الاسود وسعة أموالهم لالف هدى أشهر من ان يجهله الا من لاعلم له أصلا *

[ 30 ]

803 - مسألة - ولا يحل صوم أخرج مخرج اليمين كأن (1) يقول القائل: أنا لا أدخل دارك فان دخلتها فعلى صوم شهر أو ما جرى هذا المجرى * نا يونس بن عبد الله بن مغيث نا أبو بكر محمد بن أحمد بن خالد قال: نا أبى ناعلى ابن عبد العزيز نا أبو عبيد القاسم بن سلام نا اسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فلا يحلف الا بالله) * قال أبو محمد: فصار الحلف بغير الله تعالى معصية، وخلافا لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذ هو كذلك فقد ذكرنا قبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا وفاء لنذر في معصية الله) والنذر اللازم هو الذى يتقرب به إلى الله تعالى فقط، وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبى سليمان وغيرهم * 804 - مسألة - ولا يحل لذات (2) الزوج أو السيد ان تصوم تطوعا بغير اذنه، وأما الفروض كلها فتصومها أحب أم كره، فان كان غائبا لا تقدر على استئذانه أو تقدر فلتصم التطوع ان شاءت * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا الحسن بن على - هو الحلواني - نا عبد الرزاق انا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد الا باذنه غير رمضان ولا تأذن في بيته وهو شاهد الا باذنه) (3) * قال على: البعل اسم للسيد وللزوج (4) في اللغة، وصيام قضاء رمضان والكفارات وكل نذر تقدم لها قبل نكاحها اياه مضموم إلى رمضان لان الله تعالى افترض كل ذلك كما افترض رمضان، وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم). فأسقط الله عزوجل الاختيار فيما قضى به وانما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الاذن والاستئذان فيما فيه الخيار، وأما مالاخيار فيه ولا اذن لاحد فيه ولافى تركه ولافى تغييره فلا مدخل للاستئذان فيه. هذا معلوم بالحس، وهو الذى يقتضى تخصيصه على السلام اذن البعل فيه، وبالله تعالى التوفيق * 805 - مسألة ونستحب تدريب الصبيان على الصوم في رمضان إذا أطاقوه وليس ذلك واجبا عليهم لما قد ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث) فذكر فيهم الصبى حتى يحتلم، وقد ذكرنا في أول كتاب الطهارة وجوب الاحكام بالانبات،


(1) في النسخة رقم (14) (مثل ان) (أي لصاحبة الزوج) (3) في سنن ابى داود ج 2 ص 306، قال المنذرى وأخرحه مسلم (4) وقد جاء لسان الشرع ايضا ومنه قوله في حديث الامام (وان تلد الامة بعلها: المراد بالبعل؟؟ المالك اه‍ نهاية *

[ 31 ]

والحيض والله تعالى يقول: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)، وتدريبهم على الصوم خير، وقد ذكرنا (قبل) (1) قول عمر رضى الله عنه للشيخ الذى وجده سكران في رمضان: ولداننا صيام، وقد روينا من طريق ابن جريح عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا صام الغلام ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان) * قال أبو محمد: محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة (2) لا شئ الا أن الحنيفيين، والمالكيين، والشافعيين بروايته اخذوا في (اباحة) (3) كراء الارض وأبطلوا بها الروايات الثابتة في تحريم كراء الارض، فهو حجة إذا اشتهوا وليس هو حجة إذا اشتهوا * وروينا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا بلغ الغلام خمسة أشبار وجبت عليه الحدود، وروينا عن ابن سيرين، وقتادة، والزهرى يؤمر الغلام بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وبالصوم إذا أطاقه * وعن عروة بن الزبير يؤمرون بالصلاة إذا عقلوها، وبالصوم إذا أطاقوه * قال على: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * وعن سعيد بن المسيب تكتب الصلاة على الجارية إذا حاضت وعلى الغلام إذا احتلم * 806 - مسألة - ويجب على من وجد التمر أن يفطر عليه فان لم يجد فعلى الماء وإلا فهو عاص لله تعالى ان قامت عليه الحجة فعند (4) ولا يبطل صومه بذلك لان صومه قد تم وصار في غير صيام، وكذلك لو أفطر على خمر أو لحم خنزير أو زنى فصومه تام وهو عاص لله تعالى * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا قتيبة بن سعيد نا سفيان بن عيينة عن عاصم الاحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن عمها سلمان ابن عامر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أفطر احدكم فليفطر على تمر فانه بركة فان لم يجد تمرا فالماء فانه طهور) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا أحمد بن حنبل نا عبد الرزاق نا جعفر بن سليمان الضبعى نا ثابت البنانى انه سمع أنس بن مالك يقول كان النبي (5) صلى الله عليه وسلم: (يفطر على رطبات قبل أن يصلى فان لم تكن (رطبات) (6) فعلى


(1) الزيادة في النسخة رقم (14) (2) قال الحافظ في تقريب التهذيب: بفتح اللام وكسر الموحدة وسكون التحية وفتح الموحدة الاخرى، ويقال: ابن لبينه: كثير الارسال من السادسة (2) الزيادة في النسخة رقم (14) (4) بفتحات: أي خالف (5) في سنن ابى داود جزء 2 ص 278 (كان رسول الله) (6) الزيادة من سنن ابى داود *

[ 32 ]

تمرات فان لم يكن حساحسوات (1) من ماء)، وقد قال قوم: ليس هذا فرضا لانه عليه السلام قد أفطر في طريق خيبر على السويق فقلنا: وما دليلكم على أنه لم يكن أفطر بعد على تمر أو انه كان معه تمر؟ والسويق المجدوح بالماء فالماء فيه ظاهر فهو فطر على الماء، وأيضا فالفطر على كل مباح موافق للحالة المعهودة، والامر بالفطر على التمر - فان لم يكن فعلى الماء - امر وارد يجب فرضا، وهو رافع للحالة الاولى بلا شك، وادعى قوم الاجماع على غير هذا وقد كذب ما ادعى الاجماع وهو لا يقدر على ان يحصى في هذا أقوال (2) عشرة من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم، وذكروا افطار عمر رضى الله عنه بحضرة الصحابة على اللبن * قال أبو محمد: ان كان هذا اجماعا أو حجة فقد خالفوه وأوجبوا القضاء بخلاف قول عمر في ذلك فقد اعترفوا على أنفسهم خلاف الاجماع، وأما نحن فليس هذا عندنا اجماعا ولا يكون اجماعا الا مالا شك في ان كل مسلم يقول به، فان لم يقله فهو كافر كالصلوات الخمس، والحج إلى مكة، وصوم رمضان ونحو ذلك، وبالله تعالى التوفيق * 807 - مسألة - ويستحب فعل الخير في رمضان حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد ابن معاوية نا أحمد بن شعيب انا سليمان بن داود - هو المهرى - عن ابن وهب أخبرني يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبد الله بن عتيبة ان (عبد الله) (3) ابن عباس كان يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان)، وذكر باقى الحديث (4) قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * 808 - مسألة - ومن دعى إلى طعام - وهو صائم - فليجب فإذا أتاهم فليدع لهم وليقل: انى صائم حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا عبد الله بن سعيدنا أبو خالد - هو الاحمر - عن هشام - هو ابن حسان - عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعى أحدكم فليجب فان كان مفطرا فليطعم وان كان صائما فليصل) قال هشام: والصلاة الدعاء (5) *


(1) قال في النهاية: الحسوة بالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة، والحسوة بالفتح المرة اه‍ (2) في النسخة رقم (14) (في هذا القول) (3) الزيادة من النسائي ج 4 ص 125 (4) ولفظه (حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من شهر رمضان فيدارسه القرآن، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة) (5) الصلاة ان تعدت بالام فهى الصلاة المعروفة ذات الاقوال والافعال لقوله تعالى (فصلى لربك وانحر) وان تعدت بعلى فهى الدعاء كقوله تعالى: (وصلى عليهم) ولم تتعد في هذا الحديث بشئ فيحتمل الامرين فحين إذ ان صلى فقط أو دعا فقط أو جمع بينهما فقد امتثل أمره عليه السلام (فليصلي) قال الطيبى في تفسير قوله (فليصلي) أي ركعتين في ناحية البيت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم أخرجه البخاري اهو يؤيد الثاني فعل ابن عمر الذى ذكره المصنف بعد وعمل ابى بن كعب والله اعلم بذلك *

[ 33 ]

وبه إلى أبى داود نا مسدد نا سفيان عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: انى صائم (1)) * قال أبو محمد: فعليه أن يجمع بن الامرين جميعا * وروينا ان ابن عمر كان إذا دعى إلى طعام وهو صائم أتاهم فدعا لهم ثم انصرف * ومن طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى قال: دعاني أنس إلى طعام فقلت: انى لا أطعم فقال: قل: انى صائم * ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين ان أباه أو لم بالمدينة سبعة أيام يدعو الناس فدعا أبى بن كعب وهو صائم فاجابه ودعا لهم ورجع * (ليلة القدر (2) 809 - مسألة - ليلة (3) القدر واحدة في العام في كل عام، في شهر رمضان خاصة، في العشر الاواخر خاصة، في ليلة واحدة بعينها لا تنتقل أبدا إلا انه لا يدرى أحد من الناس أي ليلة هي من العشر المذكور؟ إلا انها في وتر منه ولا بد، فان كان الشهر تسعا وعشرين فأول العشر الاواخر بلا شك؟ ليلة عشرين منه، فهى إما ليلة عشرين، وإما ليلة اثنين وعشرين، وإما ليلة أربع وعشرين، واما ليلة ست وعشرين، واما ليلة ثمان وعشرين، لان هذه هي الاوتار من العشر (الاواخر (4)، وان كان الشهر ثلاثين فأول الشعر الاواخر بلا شك ليلة احدى وعشرين، فهى إما ليلة احدى وعشرين، واما ليلة ثلاث وعشرين، واما ليلة خمس وعشرين، واما ليلة سبع وعشرين، واما ليلة تسع وعشرين، لان هذه هي أوتار العشر بلاشك * وقال بعض السلف: من يقم العام يدر كها * وبرهان قولنا: انها في رمضان خاصة دون سائر العام قول الله تعالى: (انا انزلناه في ليلة القدر)، وقال عزوجل: (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن)، فصح انه أنزل في ليلة القدر في شهر رمضان، فصح ضرورة أنها في رمضان لافى غيره، إذا لو كانت في غيره لكان كلامه تعالى ينقض بعضه بعضا بالمحال، وهذا مالا يظنه مسلم، وروى عن ابن مسعود انها في ليلة (5) سبع عشرة من رمضان ليلة يوم بدر * وبرهان صحة قولنا: انها في العشر الاواخر منه ولا بد ما حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج


(1) جز 2 ص 307 من سنن ابى داود (2) لم يطل الكلام في هذا المبحث المصنف رحمه الله تعالى وقد طبعنا رسالة شرح الصدر بذكر ليلة القدر للحافظ ولى الدين ابن الحافظ الزين العراقى، وقد استوعب البحث فيها تماما فارجع إليها ان شئت (3) في النسخة رقم (14) (وليلة) بزيادة الواو (4) زيادة لفظ (الاواخر) من النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (14) (ليلة) بحذف لفظ (في) *

[ 34 ]

نا محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد بن أبى نضرة عن أبى سعيد (الخدرى (1) قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الاوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له (قال فلما انقضين أمر بالبناء فقوض (2)) ثم أبينت له أنها في العشر الاواخر فامر بالبناء فاعيد ثم (خرج على الناس (3)) فقال: يا ايها الناس انها كانت أبينت لى ليلة القدر وانى خرجت لاخبركم بها فجاء رجلان يحتقان (4) معهما الشيطان فنسيتها فالتمسوها في العشر الاواخر من رمضان التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة، ثم فسرها (5) أبو سعيد فقال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتى تليها اثنتين وعشرين (6) فهى التاسعة فإذا مضى ثلاث وعشرون فالتى تليها السابعة فإذا مضى خمس وعشرون فالتى تليها الخامسة) * قال أبو محمد: هذا على ما قلنا من كون رمضان تسعا وعشر ين * وبه إلى مسلم نا زهير بن حرب نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رجالا رأوا (7) انها ليلة سبع وعشرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤيا كم في العشر الاواخر فاطلبوها في الوتر منها) * قال أبو محمد: هذه الاخبار تصحح ما قلنا إذا لو كانت تنتقل لما كان لاعلام النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة لانها كانت لا تثبت، ولوجب إذا خرج ليخبرهم بها ان يخبرهم بها عاما عاما إلى يوم القيامة، وهذا محال، وإذا نسيها عليه السلام فمن المحال الباطل ان يعلمها أحد بعده وإذا لم يقطع عليه السلام برؤيا من رأى من أصحابه فرؤيا من بعدهم ابعد من القطع بها، وقد روى عن أبى بن كعب انها ليلة سبع وعشرين وليس قوله بأولى من قول ابن مسعود * (فان قيل) قد جاء ان علامتها ان الشمس تطلع حينئذ لا شعاع لها، قلنا: نعم ولم يقل عليه السلام: ان ذلك يظهر الينا فنعلم من ذلك ما لم يعلمه هو عليه السلام، فيكون ذلك أول طلوعها بحيث لا يتبين ذلك فيها أحد (فان قيل): قد قال عليه السلام: (انه أرى انه


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 324 (2) الزيادة من صحيح مسلم، وقوله (فقوض) هو بقاف مضمومة وواو مكسورة مشددة وضاد معجمة، ومعناه ازيل (3) الزيادة من صحيح مسلم (4) هو بالقاف، ومعناه يطلب كل واحد منهما حقه ويدعى انه المحق (5) أي بعدما سئل عن ذلك ونص عبارة مسلم: قال قلت: يا ابا سعيد انكم اعلم بالعدد منا قال: اجل نحن احق بذلك منكم قال قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة قال: إذا مضت إلى الخ (6) الذى في النسخة رقم (14) (فإذا صمت واحدة وعشرين في التى تليها فالتى تليها اثنتان وعشرون) قال النوري في شرح مسلم هكذا هو في اكثر النسخ (ثنتين وعشرين) بالياء، وفى بعضها (اثنتان وعشرون) بالالف والواو والاول أصوب وهو منصوب بفعل محذوف تقديره اعني ثنتين وعشرين اه‍ وقوله: (فإذا صمت) بالصاد المهملة في النسخة رقم (14) غلط (7) في النسخة رقم (16) (ان رجلا رأى) وفى صحيح مسلم ج 1 ص 323 (عن ابيه قال: رأى رجل ان ليلة القدر ليلة سيع وعشرين) *

[ 35 ]

يسجد في صبيحتها في ماء وطين) فكان ذلك صباح ليلة احدى وعشرين قلنا: نعم وقد وكف المسجد (1) أيضا في صبيحة ليلة ثلاث وعشرين فسجد عليه السلام في ماء وطين * روينا هذا من طريق مسلم بن الحجاج عن سعيد بن عمرو بن سهل بن اسحاق بن محمد ابن الاشعث الكندى (2) انا أبو ضمرة أنس بن عياض حدثنى الضحاك بن عثمان (3) عن أبى النضر مولى عمر بن عبيدالله عن بسر (4) بن سعيد عن عبد الله بن أنيس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأرانى صبيحتها أسجد في ماء وطين قال: فمطر ناليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وان أثر الماء والطين على جبهته وأنفه)، (قال) (5) وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرون (6)، وقد يمكن ان تكف السماء في العشر الاواخر كلها فبقى الامر بحسبه * ومن طرائف الوسواس احتجاج ابن بكير المالكى في أنها ليلة سبع وعشرين بقول الله تعالى: (سلام هي) قال: فلفظة هي. هي السابعة وعشرون من السورة، قال أبو محمد: حق من قام هذا في دماغه ان يعانى بما يعانى به (7) سكان المارستان نعوذ بالله من البلاء، ولو لم يكن له من هذا أكثر من دعواه (8) انه وقف على ما غاب من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينس من علم الغيب ما أنساه الله عزوجل نبيه عليه السلام، ومن بلغ إلى هذا الحد (9) فجزاؤه ان يخذله الله تعالى مثل هذا الخذلان العاجل ثم في الآخرة أشد تنكيلا * 810 - مسألة - ويستحب الاجتهاد في العشر الاواخر من رمضان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التمسوها في العشر الاواخر) وانما تلتمس بالعمل الصالح لا بأن لها صورة وهيئة يمكن الوقوف عليها بخلاف سائر الليالى كما يظن أهل الجهل انما قال تعالى: (في ليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم) وقال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر)، فبهذا بانت عن سائر الليالى فقط والملائكة لا يراهم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تعالى التوفيق والهدى والعصمة آمين * (تم كتاب الصيام والحمد الله رب العالمين كثيرا، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما كثيرا)


(1) أي قطر ماء المطر من سقفه (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 325 (وعلى بن خشرم قالا) (3) في صحيح مسلم زيادة (وقال ابن خشرم: عن الضحاك بن عثمان) (4) في النسخة رقم (14) (عن بشر) بالشين المعجمة وهو غلط (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) كذا في النسختين وفى صحيح مسلم (ثلاث وعشرين) قال النووي هكذا هو في معظم النسخ، وفى بعضها ثلاث وعشرون، وهذا ظاهر والاول جار على لغة شاذة انه يجوز حذف المضاف ويبقى المضاف إليه مجرورا أي ليلة ثلاث وعشرين اه‍ (7) في النسخة رقم (16) (بما يعاناه) (8) في النسخة رقم (16) (من دعوى) (9) في النسخة رقم (16) سقط لفظ (الحد) خطط *

[ 36 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحج 811 - مسألة - قال أبو محمد (1): الحج إلى مكة والعمرة إليها (2) فرضان على كل مؤمن عاقل بالغ ذكر أو انثى، بكر أو ذات زوج، الحر والعبد، والحرة والامة، في كل ذلك سواء مرة في العمر إذا وجد من ذكرنا إليها سبيلا، وهما أيضا على أهل الكفر الا أنه لا يقبل منهم الا بعد الاسلام، ولا يتركون ودخول الحرم حتى يؤمنوا * أما قولنا بوجوب الحج - على المؤمن العاقل البالغ الحر، والحرة التى لها زوج أو ذو محرم يحج معها مرة في العمر - فاجماع متيقن، واختلفوا في المرأة لازوج لها ولاذا محرم، وفى الامة والعبد، وفى العمرة * برهان صحته قولنا: قول الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فعم تعالى ولم يخص، وقال عزوجل: (وأتموا الحج والعمرة لله)، * وقال قوم: العمرة ليست فرضا واحتجوا بما رويناه من طريق الحجاج بن أرطاة عن ابن المنكدر عن جابر (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أفريضة هي؟ قال: لا وان تعتمر خير لك * وبما رويناه عن معاوية بن اسحاق عن أبى صالح ماهان الحنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم (الحج جهاد والعمرة تطوع) (4) * ومن طريق يحيى بن أيوب عن عبد الله بن عمر عن أبى الزبير عن جابر (قلت: يارسول الله العمرة فريضة كالحج قال: لاوان تعتمر خير لك) * ومن طريق حفص بن غيلان عن مكحول عن أبى أمامة الباهلى عن النبي صلى الله عليه وسلم (من مشى إلى صلاة مكتوبة فهى كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهى كعمرة تامة) * ومن طريق يحيى بن الحارث عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من مشى إلى مكتوبة فأجره كأجر الحاج، ومن مشى إلى تسبيح الضحى فأجره كأجر المعتمر) (5) * ومن طريق محاضر بن المورع عن الاحوص


(1) زيادة (قال أبو محمد) من النسخة رقم (16) (2) لفظ (إليها) زيادة من النسخة رقم (14) ومرجع الضمير مكة * (2) رواء احمد بن حنبل في المسند ج 3 ص 317، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ص 204 والترمذي والبيهقي من روارة الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عنه، والحجاج ضعيف، قال البيهقى: المحفوظ عن جابر موقوف اه‍ ورواه الدارقطني ص 283 (4) قال الحافظ في التلخيص: وفى الباب عن ابى هريرة وابن حزم والبيهقي واسناده ضعيف، وأبو صالح ليس هو ذكوان السمان بل هو أبو صالح ماهان الحنفي، كذلك رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن الثوري عن معاوية ابن اسحق عن ابى صالح الحنفي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحج جهاد والعمرة تطوع)، ورواه ابن ماجه من حديث طلحة ج 2 ص 120 واسناده ضعيف، والبيهقي من حديث ابن عباس، ولا يصح من ذلك شئ اه‍ اقول: ولم اجده في سنن الدارقطني عن ابى صالح والله أعلم (5) رواه ابن ماجه ج 2 ص 130 وفيه عمر بن قيس وهو ضعيف كما يقول المصنف بعد *

[ 37 ]

ابن حكيم عن عبد الله بن عابر الالهانى عن عتبة بن عبدالسلمى، وعن أبى أمامة الباهلى كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى في مسجد جماعة ثم ثبت فيه سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر) * ومن طريق عبد الباقي بن قانع حديثا فيه عمر بن قيس عن طلحة بن موسى عن عمه اسحاق بن طلحة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الحج جهاد والعمرة تطوع) (1) * ومن طريق ابن قانع عن أحمد بن محمد بن بحير العطار عن محمد بن بكار عن محمد بن الفضل بن علية عن سالم الافطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (الحج جهاد والعمرة تطوع) * ومن طريق عبد الباقي بن قانع نا بشر بن موسى نا ابن الاصبهاني نا جرير وأبو الاحوص عن معاوية بن اسحاق عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (الحج جهاد والعمرة تطوع) * وقالوا: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) * وروى أبو داود نا زهير بن حرب وعثمان بن أبى شيبة قالا: نا زيد بن هرون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن ابن سنان عن أبى عباس ان الاقرع بن حابس (2) قال: (يارسول الله الحج في كل عام (3) أم مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة فما زاد فتطوع) قالوا: فقد صح انه لا يلزم الا حجة واحدة فالعمرة تطوع لدخولها في الحج وقالوا: قول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) لا يوجب كونها فرضا وانما يوجب اتمامها على من دخل فيها لاابتداءها لكن كما تقول: أتم الصلاة التطوع، والصوم التطوع، وقالوا: لما كانت العمرة غير مرتبطة بوقت وجب أن لا تكون فرضا، - وروينا (4) عن ابراهيم النخعي. والشعبى انها تطوع * قال أبو محمد: هذا كل ماموهوا به وكله باطل، أما الاحاديث التى ذكروا فكذوبة كلها، أما حديث جابر فالحجاج بن أرطاة ساقط لا يحتج به، والطريق الاخرى أسقط وأوهن لانها من طريق يحيى بن أيوب وهو ضعيف عن العمرى الصغير وهو ضعيف * وأما حديث أبى صالح ماهان الحنفي فهو مرسل، وماهان هذا ضعيف كوفى * وأما حديث أبى أمامة فاحد طرقه عن حفص بن غيلان وهو مجهول عن مكحول عن أبى أمامة ولم يسمع مكحول من ابى امامة شيئا، والاخرى من طريق القاسم - أبى عبد الرحمن - وهو ضعيف * والثالثة (5) - من طريق محاضر بن المورع (6) وهو ضعيف عن الاحوص بن حكيم وهو ساقط عن عبد الله بن عابر وهو مجهول وهو حديث


(1) رواه الطبراني (2) في سنن ابى داود ج 2 ص 71 زيادة (سأل النبي صلى الله عليه وسلم) الخ (3) في سنن ابى داود (في كل سنة) (4) النسخة في رقم (16) سقط الواو هنا (5) في النسخة رقم (14) (الثالث) وما هنا اولى تناسبا (6) في النسخة رقم (14) (الموزع) هنا وفيما سبق قريبا بالزاى وصوابه بالراء المهملة *

[ 38 ]

منكر ظاهر الكذب لانه لو كان أجر العمرة كأجر من مشى إلى صلاة تطوع لما كان - لما تكلفه النبي صلى الله وعليه وسلم من القصد إلى العمرة إلى مكة من المدينة - معنى، ولكان فارغا ونعوذ بالله من هذا * وأما حديث طلحة فمن طريق عبد الباقي بن قانع وقد أصفق اصحاب (1) الحديث على تركه، وهو راوي كل بلية وكذبة، ثم فيه عمر بن قيس مندل وهو ضعيف * وأما حديث ابن عباس فمن طريق عبد الباقي بن قانع ويكفى، ثم هو عن ثلاثة مجهولين في نسق لا يدرى من هم، وأما حديث أبى هريرة فكذب بحت من بلايا عبد الباقي بن قانع التى انفرد بها والناس رووه مرسلا من طريق أبى صالح ماهان كما أوردنا قبل فراد فيه أبا هريرة وأوهم انه أبو صالح السمان فسقطت كلها ولله الحمد * ولو شئنا لعارضناهم بما روينا من طريق ابن لهيعة عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (الحج والعمرة فريضتان واجبتان) ولكن يعيذنا الله عزوجل ومعاذ الله والشهر الحرام من أن تحتج بما ليس حجة، ولكن ابن لهيعة إذا روى ما يوافقهم صار ثقة وإذا روى ما يخالفهم صار ضعيفا، والله ما هذا فعل من يوقن انه محاسب كلامه في دين الله تعالى * قال أبو محمد: وعهدنا بهم يقولون: ان الصاحب إذا روى خبرا وتركه كان ذلك دليلا على ضعف ذلك الخبر، وقد حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم ابن أحمد بن فراس نا محمد بن على بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس انه قال: الحج والعمرة واجبتان * وبه نصا إلى سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس انه قال في الحج والعمرة: انها لقرينتها في كتاب الله (2)، وهذا عن ابن عباس من طرق في غاية الصحة انها واجبة كوجوب الحج * ونا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أبو قلابة نا الانصاري - هو محمد بن عبد الله القاضى - انا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ليس مسلم الا عليه حجة وعمرة من استطاع إليه سبيلا * قال أبو محمد: فلو صح مارووا من الكذب الملفق لوجب على اصولهم الخبيثة المفتراة اسقاط كل ذلك إذا كان ابن عباس وجابر رويا تلك الاخبار بزعمهم قد صح عنهما


(1) في النسخة رقم (14) (أهل) بدل (أصحاب) وأنظر الكلام على عبد الباقي بن قانع في الجزء السادس من هذا الكتاب ص 168 (2) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: رواه الشافعي وسعيد بن منصور، والحاكم والبيهقي، وعلقه البخاري ج 3 ص 15 *

[ 39 ]

خلافها، ولكن القوم متلاعبون كما ترون، ونعوذ بالله من الخذلان (1) * قال أبو محمد: ثم لو صحت كلها - ومعاذ الله من ان يصح الباطل والكذب - لما كانت لهم في شئ منها حجة لما حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا محمد بن عبد الاعلى الصنعانى نا خالد - هو ابن الحارث - نا شعبة قال: سمعت النعمان بن سالم قال: سمعت عمرو بن أوس يحدث عن أبى رزين العقيلى (انه قال: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير لايستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن (2) قال: فحج عن أبيك واعتمر) * فهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداء فرض الحج والعمرة عمن لا يطيقهما، فهذا حكم زائد وشرع وارد، وكانت تكون تلك الاحاديث موافقة لمعهود الاصل فان الحج والعمرة قد كانا بلا شك تطوعا لا فرصنا فإذا أمر بها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد بطل ونهما تطوعا بلا شك وصارا فرضين، فمن ادعى بطلان هذا الحكم وعودة المنسوخ فقد كذب وأفك وافترى، وقفا ما ليس له به علم، فبطل كل خبر مكذوب موهوا به لو صح فكيف وكلها باطل؟ * وأما قول من قال: إن اخبار النبي صلى الله عليه وسلم بدخول العمرة في الحج وبأنه ليس على المرء الا حجة واحدة دليل على أنها ليست فرضا فهذيان لا يعقل بل هذا برهان واضح في كون العمرة فرضا لانه عليه السلام أخبر بانها دخلت في الحج، ولا يشك ذو عقل في أنها لم تصر حجة، فوجب أن دخولها في الحج انما هو من وجهين فقط، احداهما أنه يجزئ لهما عمل واحد في القران، والثانى دخولها في أنها فرض كالحج، (فان قالوا): قد جاء أنها الحج الاصغر قلنا: لو صح هذا لكان حجة لنا لان القرآن قد (3) جاء بايجاب الحج فكانت حينئذ تكون فرضا بنص قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) لكنا لا نستحل التمويه لا يصح مع ان الخبر الذى ذكروا عن ابن عباس لا حجة لهم فيه لان راويه أبو سنان الدؤلى وقد قال فيه عقيل سنان (4): هو مجهول غير معروف، وأيضا فانهم كذبوا فيه وحرفوه وأوهموا ان فيه من لفظ


(1) في النسخة رقم (14) (من ذلك) بدل (من الخذلان) (2) في سنن النسائي جزء 5 ص 117 (والظعن) بحذف (لا) * (3) لفظ (قد) زيادة من النسخة رقم (14) (4) تقدم الحديث في ص 37 ورواه المصنف بسنده عن ابى داود صاحب السنن، وقد قال أبو داود بعد ماروى الحديث: هو أبو سنان الدؤلى كذا قال عبد الجليل بن حميد، وسليمان بن كثير جميعا عن الزهري، وقال عقيل: عن سنان اه‍ فقول المصنف بعد: ((هو مجهول غير معروف) من كلامه وليس من كلام عقيل، وابو سنان اسمه يزيد ين امية، وابو سنان كنيته وهو مشهور بها، وذكره ابن عبد البر في اسماء الصحابة انظر تهذيب التهذيب جزء 11 ص 314، قال ابن حجر في التلخيص: ورواه احمد بن حنبل والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وروى الحاكم والترمذي له شاهدا من حديث على وسنده منقطع، واصله في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة اه‍ *

[ 40 ]

النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس على المرء الا حجة واحدة وليس هذا في ذلك الخبر أصلا وانما فيه ان الحج مرة واحدة وهذا لايمنع من وجوب العمرة. اما مع الحج مقرونة. واما معه في عام واحد فصار حجة لنا عليهم * وأما قولهم: ان الله تعالى انما أمر باتمامها من دخل فيها لابتدائها، وان بعض الناس قرأ (والعمرة لله) بالرفع فقول كله باطل لانها دعوى بلا برهان، وقول تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) لا يقتضى ما قالوا وانما يقتضى وجوب المجئ بهما تامين وحتى لو صح ما قالوه (1) لكان حجة عليهم لانه إذا كان الداخل فيها مأمورا باتمامها فقد صارت فرضا مأمورا به، وهذا قولنا لاقولهم الفاسد المتخاذل، وابن عباس حجة في اللغة * وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: سمعت ابن عباس يقول: والله انها لقرينتها في كتاب الله عزوجل (وأتموا الحج والعمرة لله) (2) فابن عباس يرى هذا النص موجبا لكونها فرضا كالحج بخلاف كيس هؤلاء الحذاق باللغة بالضد، وبهذا احتج مسروق، وسعيد بن المسيب، وعلى ابن الحسين، ونافع في ايجابها، ومسروق وسعيد حجة في اللغة (فان قالوا): أنتم تقولون: بهذا في الحج التطوع، والعمرة التطوع قلنا: لابل هما تطوع غير لازم جملة ان تمادى فيهما أجر وإلا فلا حرج، ولو كان غير هذا لكان الحج يتكرر فرضه مرات، وهذا خلاف حكم الله تعالى في أنه لا يلزم الامرة واحدة (3) في الدهر (فان قالوا): فانكم تقولون: باتمام النذر واتمام قضاء صوم التطوع على من أفطر فيه قلنا: نعم لان كل ذلك صار فرضا زائدا بامر الله تعالى بذلك وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فانما الحج فرض مرة واحدة على من لم ينذره لاعلى من نذره بل هو على من نذره فرض آخر لا نضرب (4) أوامر الله تعالى بعضها ببعض بل نضم بعضها إلى بعض ونأخذ بجميعها * وأما القراءة (والعمرة لله) بالرفع فقراءة منكرة لا يحل لاحد أن يقر أبها، وسبحان من جعلهم يلجأون إلى تبديل القرآن فيحتجون به! * وأما قولهم: لو كانت فرضا لكانت مرتبطة بوقت فكلام سخيف لم يأت به قط قرآن ولاسنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولاقول صاحب ولا إجماع ولاقياس يعقل، وهم موافقون لنا على ان الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض ولو مرة في الدهر وليست مرتبطة بوقت، وان النذر وليس مرتبطا بوقت، وان قضاء رمضان فرض وليس


(1) في النسخة رقم (16) (ما قالوا) (2) سقط لفظ (واحدة) من النسخة رقم (14) * (4) في النسخة رقم (14) (تضرب) بالتاء في اوله، وكذلك ما بعده (تضم) وما هنا اوضح بدليل اتفاق النسخ بعد في لفظ (ونأخذ) فانه بالنون فيها *

[ 41 ]

مرتبطا بوقت، والاحرام للحج عندهم فرض وليس عندهم مرتبطا بوقت، فظهر هوس ما يأتون به * قال أبو محمد: روينا من طريق ابن ابى شيبة نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد - الثقفى عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين عن زيد بن ثابت قال فيمن يعتمر قبل ان يحج: نسكان لله عليك لا يضرك بأيهما بدأت * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج اخبرني نافع مولى ابن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة (1) وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا ومن زاد بعدهما شيئا فهو خير وتطوع * ومن طريق أبى اسحاق عن مسروق عن ابن مسعود قال: أمرتم باقامة الصلاة والعمرة إلى البيت، وقد ذكرناه آنفا عن جابر، وابن عباس * ومن طريق قتادة قال عمر بن الخطاب: يا ايها الناس كتبت عليكم العمرة * وعن أشعث عن ابن سيرين قال: كانوا لا يختلفون ان العمرة فريضة، وابن سيرين أدرك الصحابة وأكابر التابعين * وعن معمر عن قتادة قال: العمرة واجبة * ومن طريق سفيان الثوري، ومعمر عن داود ابن أبى هند قلت لعطاء: العمرة علينا فريضة كالحج؟ قال: نعم * وعن يونس بن عبيد عن الحسن، وابن سيرين جميعا العمرة واجبة * وعن طاوس العمرة واجبة * وعن سعيد بن جبير العمرة واجبة فقيل له: ان فلانا يقول: ليست واجبة فقال: كذب ان الله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) (2) * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى قال: سمعت مسروقا يقول (3): أمرتم في القرإن باقامة أربع. الصلاة. والزكاة. والحج. والعمرة، قال أبو إسحاق: وسمعت عبد الله بن شداد يقول: العمرة الحج الاصغر * وعن سعيد بن المسيب انما كتبت على عمرة وحجة * وعن مجاهد الحج والعمرة فريضتان * وعن منصور عن مجاهد العمرة الحجة الصغرى * وعن على بن الحسين انه سئل عن العمرة؟ فقال: ما نعلمها إلا واجبة (وأتموا الحج والعمرة لله) * وعن حماد بن زيد عن عبد الرحمن بن السراج (4) قال: سألت هشام بن عروة ونافعا مولى ابن عمر عن العمرة أواجبة هي -؟ فقرءا جميعا (وأتموا الحج


(1) كذا في النسخة رقم (16) (الاعليه حجة) باسقاط الواو، وفى نسخة رقم (14) (الا وعليه حج) وما هنا موافق لما سيأتي قريبا (2) ذكر هذا الاثر ابن جرير الطبري في تفسيره ج 2 ص 121، وفيه اقوال كثيرة للسلف انظره هناك تجد ما يسرك * (3) سقط لفظ (بقول) من النسخة رقم (16) خطأ، وذكر هذا الاثر ابن جرير الطبري في تفسيره ج 2 ص 121 بلفظ قريب من هذا (4) في النسخة رقم (14) (عبد الرحمن السراح) بالحاء المهملة في آخره وهو غلط، وهو عبد الرحمن بن عبد الله السراج - بالجيم - البصري، انظر تهذيب التهذيب جزء 6 ص 218 *

[ 42 ]

والعمرة لله) * ومن طريق سعيد بن منصور ناهشيم انا مغيرة - هو ابن مقسم - عن الشعبى أنه قال في العمرة: هي واجبة * وعن شعبة عن الحكم قال: العمرة واجبة * قال أبو محمد: وهو قول سفيان الثوري، والاوزاعي، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأبى سليمان وجميع أصحابهم * وقال أبو حنيفة ومالك: ليست فرضا، والقوم يعظمون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف وهم قد خالفوا ههنا عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ولا يصح عن أحد من الصحابة خلاف لهم في هذا الا رواية ساقطة من طريق أبى معشر عن ابراهيم ان عبد الله قال: العمرة تطوع، والصحيح عنه خلاف هذا كما ذكرنا، وعهدنا بهم يعظمون خلاف الجمهور وقد خالفوا (ههنا) (1) عطاء، وطاوسا، ومجاهدا، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، ومسروقا، وعلى بن الحسين، ونافعا مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، والحكم بن عتيبة، وسعيد بن المسيب، والشعبى، وقتادة وما نعلم لمن قال: ليست واجبة سلفا من التابعين الا ابراهيم النخعي وحده، ورواية عن الشعبى قد صح عنه خلافها كما ذكرنا، وتوقف في ذلك حماد بن ابى سليمان * قال أبو محمد: وموه بعضهم بحديثين هما من أعظم الحجة عليهم، أحدهما الخبر الثابت في الذى سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الاسلام؟ فأخبره بالصلاة. والزكاة. والصيام. والحج فقال: هل على غيرها يا رسول الله؟ قال: لا إلا ان تطوع، والثانى خبر ابن عمر (بنى الاسلام على خمس) فذكر شهادة التوحيد. والصلاة. والزكاة. والصيام. والحج (2) * قال أبو محمد: وهما - من أقوى حججنا (3) عليهم لصحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فصح أنها واجبة بوجوب الحج، وان فرضها دخل في فرض الحج، وأيضا فحتى لو لم يأت هذا الخبر لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وورود القرآن بها شرعا زائدا وفرضا واردا مضافا إلى سائر الشرائع المذكورة، وكلهم يرى النذر فرضا، والجهاد إذا نزل بالمسلمين (3) فرضا، وغسل الجنابة فرضا، والوضوء فرضا، وليس ذلك مذكورا في الحديثين المذكورين، ولم يروا الحديثين المذكورين حجة في سقوط فرض كل ما ذكرنا، فوضع تناقضهم وفساد مذهبهم في ذلك والحمد لله رب العالمين * 812 - مسألة - وأما حج العبد والامة فان أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي قالوا: لا حج عليه فان حج لم يجزه ذلك من حجة الاسلام * وقال أحمد بن حنبل: إذا عتق


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) * (2) في النسخة رقم (14) (وصوم رمضان وحج البيت) وما هنا اولى نظما (3) في النسخة رقم (14) (وهما من اقوى حجتنا وما هنا احسن (4) حذف الفاعل من النسخ للعلم به: تقديره العدو *

[ 43 ]

بعرفة اجزأته تلك الحجة * وقال بعض أصحابنا: عليه الحج كالحر، وقد ذكرنا آنفا عن جابر، وابن عمر (1) قال أحدهما: مامن مسلم، وقال الاخر: مامن أحد من خلق الله الا عليه عمرة وححة فقطعا وعما ولم يخصا انسيا من جنى، ولاحرا من عبد، ولا حرة من أمة، ومن ادعى عليهما تخصيص الحر والحرة فقد كذب عليهما، ولا أقل حياء ممن يجعل قول ابن عمر (بنى الاسلام على خمس) حجة في اسقاط فرض العمرة. وهو حجة في وجوب فرضها كما ذكرنا ولا يجعل قوله ما أحد من خلق الله الاعليه حجة وعمرة حجة في وجوب الحج على العبد (فان قيل) لعلهما ارادا الا العبد قيل هذا هو الكذب بعينه ان يريدا الا العبد ثم لا يبينانه، وأيضا فلعلهما ارادا الا المقعد، والا الاعمى، والا الاعور، وإلا بنى تميم، والا أهل افريقية، وهذا حمق لاخفاء به، ولا يصح مع هذه الدعوى قولة لاحد أبدا، ولعل كل ما أخذوا به من قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي ليس على عمومه ولكنهم ارادوا تخصيصا لم يبينوه (2) وهذه طريق السوفسطائية نفسها، ولا يجوز ان يقول أحدما لم يقل الا ببيان وارد متيقن ينبئ بانه أراد غير مقتضى قوله، وقد ذكروا ههنا قول الله تعالى: (تدمر كل شئ بامر ربها) * (وأوتيت من كل شئ) * (وما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم)، وكل هذا لا حجة لهم فيه لانها انما دمرت بنص الآية كل شئ بامر ربها فدمرت ما أمرها ربها بتدميره لا ما لم يأمرها، وما تذر من شئ أتت عليه فانما جعلت كالرميم ما اتت عليه لا ما لم تأت عليه بنص الآية، وأوتيت من كل شئ لا يقتضى إلا بعض الاشياء لان من للتبعيض، فمن آتاه الله شيئا ما قل أو كثر فقد آتاه من كل شئ لان كل شئ هو العالم كله، فمن أوتى شيئا فقد اوتى من العالم كله، وهذا بين وبالله تعالى التوفيق * وكتب إلى أبو المرجى الحسين بن عبد الله بن زروار المصرى قال: نا أبو الحسن الرحبى - نا أبو مسلم الكاتب نا أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المفلس نا عبد الله ابن أحمد بن حنبل نا أبى نا زيد بن الحباب العكلى نا ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الاشج قال: سألت القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار عن العبد إذا حج باذن سيده؟ فقالا جميعا: تجزئ عنه من حجة الاسلام فإذا حج بغير اذن سيده لم تجره * وبه إلى زيد بن الحباب انا ابراهيم بن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: إذا حج العبد وهو مخلى فقد اجرأت عنه حجة الاسلام *


(1) انظره في ص 41 (2) في النسخة رقم (16) (لم ينسوه) وهو غلط ولعله لم ينسوه *

[ 44 ]

قال أبو محمد: واحتج من لم ير للعبد حجا بما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن يونس بن أبى اسحاق قال: سمعت شيخا يحدث أبا اسحاق عن محمد بن كعب القرظى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيما صبى حج به أهله ثم مات أجزأ عنه وان ادرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به (1) أهله ثم مات اجزأ عنه وان عتق فعليه الحج) * قال أبو محمد: هذا مرسل، وعن شيخ لا يدرى اسمه ولا من هو * واحتجوا أيضا بخبر رويناه من طريق عثمان بن خر زاذ الانطاكي (2) نا محمد بن المنهال الضرير نا يزيد ابن زريع نا شعبة عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ايما صبى حج لم يبلغ الحنث فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه ان يحج حجة أخرى) * قال على: وهذا خبر رواه من هو أوثق من عثمان بن خر زاذ عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة، ومن هو ان لم يكن فوق بن زريع لم يكن دونه عن شعبة فأوقفه احدهما على ابن عباس واسنده الآخر بزيادة نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا محمد بن أبى عدى ومحمد بن المنهال قال ابن المنهال: نا يزيد بن زريع نا شعبة، وقال ابن أبى عدى: نا شعبة ثم اتفقا عن شعبة عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال يزيد بن زريع: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حج الصبى فهى له حجة صبى حتى يعقل فإذا عقل فعليه حجة أخرى وإذا حج الاعرابي فهى له حجة أعرابي فإذا هاجر فعليه حجة أخرى)، وأوقفه ابن أبى عدى على ابن عباس من قوله، وأوقفه أيضا سفيان الثوري عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس من قوله، وأوقفه أيضا أبو السفر، وعبيد صاحب الحلى، وقتادة على ابن عباس * قال أبو محمد: ان كان هذا الخبر حجة في ان لا يجزئ العبد حجه فهو حجة (3) في ان لا يجزئ الاعرابي حجه ولافرق، وهو قول ابن عباس الثابت عنه كما أوردنا، وكذلك ايضا رويناه من طريق أبى معاوية. وسفيان الثوري عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس من قوله في اعادة الحج على الصبى إذا احتلم، وعلى العبد إذا عتق. وعلى الاعرابي إذا هاجر وهو قول الحسن كما روينا عن ابن أبى (4) شيبة عن على بن هاشم عن اسماعيل عن الحسن البصري قال: الصبى ان حج، والمملوك ان حج، والاعرابي


(1) في النسخة رقم (16) (حج عنه) (2) هو عثمان بن عبد الله بن محمد بن خرزاد - بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء بعدها زاى - البصري أبو عمر ونزيل انطاكية (3) سقطت جملة (فهو حجة) من النسخة رقم (16) خطأ (4) لفظ (ابى) سقط من النسخة رقم (16) خطأ *

[ 45 ]

ان حج ثم هاجر الاعرابي، واحتلم الصبى، وعتق العبد فعليهم الحج، وقال عطاء: أما الاعرابي فيجزئه حجه وأما الصبى والمملوك (1) فعليهما الحج * وقال ابراهيم النخعي: لا يجزى العبد حجه إذا أعتق وعليه حجة أخرى، وأما الاعرابي فيجزئه حجه * وقد روينا أيضا مثل هذا عن الحسن، وعن الزهري، وطاوس، وما نعلم أحدا من التابعين روى عنه في هذا الباب شئ غير ما ذكرنا، ولا عن الصحابة غير ما أوردنا * قال أبو محمد: فمن أعجب شأنا ممن يدعى الاجماع في هذا وليس معه فيه الا خمسة من التابعين، أحدهم مختلف عنه في ذلك، وقد روينا (2) مثل قولنا عن ثلاثة من التابعين، وعن اثنين من الصحابة رضى الله عنهم وهم قد خالفوا في هذه المسألة كل قول جاء في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم، وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم فلم يجعلوا ما روى عن ستة من الصحابة وأربعة عشر من التابعين في ان العمرة فرض ولا يصح عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف ولا عن أحد من التابعين الا عن واحد باختلاف فلم يجعلوه (3) اجماعا * قال أبو محمد: لا تخلو رواية عثمان بن خر زاذ، ومحمد بن بشار عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع من أن تكون صحيحة أو غير صحيحة فان كانت غير صحيحة فقد كفينا المؤنة فيها وان كانت صحيحة وهو الاظهر فيما - لان رواتها ثقات - فانه خبر منسوخ بلا شك * برهان ذلك ان هذا الخبر بلا شك كان قبل فتح مكة لان فيه اعادة الحج على من حج من الاعراب قبل هجرته، وقد حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن عبد الله بن نمير نا أبى نا عبد الله بن حبيب بن أبى ثابت عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ابى حسين عن عطاء عن عائشة أم المؤمنين (4) قالت: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة؟ فقال: لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فإذا (5) استنفرتم فانفروا) * وبه إلى مسلم نا يحيى ابن يحيى واسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - قالا جميعا (6): انا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يوم فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) * ورويناه أيضا من طريق ثابتة عن مجاشع


(1) في النسخة رقم (14) (والعبد) بدل (والمملوك) (2) في النسخة رقم (14) (وقد ذكرنا) (3) كذا في الاصلين، والذى يظهر لى ان لفظ (فلم يجعلوه) زائدة مكرر، ويكون (اجماعا) مفعولا ثانيا لقوله (فلم يجعلوا ما روى) المتقدم والله اعلم (4) في صحيح مسلم ج 2 ص 93 قم يوجد لفظ (ام المؤمنين) (5) في صحيح مسلم (وإذا) بالواو (6) لفظ (جميعا) ليس في صحيح مسلم

[ 46 ]

ومجالد ابني مسعود السلميين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذ قد صح بلا شك ان هذا الخبر كان قبل الفتح فقد نسخه ماروينا (1) بالسند المذكور إلى مسلم * نا زهير بن حرب نا يزيد بن هرون نا الربيع بن مسلم القرشى عن محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس ان الله قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يارسول الله؟ فكست حتى قالها ثلاثا فقال عليه السلام: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ذروني ما تركتم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه) * قال أبو محمد: كان هذا في حجة الوداع فصار عموما لكل حر وعبد وأعرابى وعجمي (وبلا شك ولامرية (2) ان العبد قد كان غير مخاطب بالحج في صدر الاسلام ولا الحر أيضا، فكان خبر يزيد بن زريع في ان عليه وعلى الاعرابي حجة الاسلام إذا عتق العبد وهاجر الاعرابي موافقا للحالة الاولى وبقيا على انهما غير مخاطبين كما كانا، وجاء هذا الخبر فدخل في نصه في الخطاب بالحج العبد والاعرابي لانهما من الناس فكان بلا شك ناسخا للحالة الاولى ومدخلا لهما في الخطاب بالحج ضرورة ولابد * ورأيت بعضهم قد احتج فقال: حج النبي صلى الله عليه آله وسلم بازواجه ولم يحج بام ولده * قال على: وهذه كذبة شنيعة لا نجدها في شئ من الآثار ابدا وان التسهل في مثل هذا العظيم جدا * قال أبو محمد: عهدنا بهم يقولون في النفى في الزنا، وفى كثير من السنن مثل لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، وفى خبر اليمين مع الشاهد: هذا زيادة على ما في القرآن، وهذا تخصيص للقرآن، وهذا خلاف مافى القرآن وكذبوا في كل ذلك، ثم لم يقولوا في هذا الخبر: هذا تخصيص للقرآن، وهذا زياد على مافى القرآن، وهذا خلاف لما في القرآن * وعهدنا بهم (3) يردون السنن الثابتة بدعوى الاضطراب كخبر القطع في ربع دينار، وخبر ابن عمر في الزكاة وغير ذلك وكذبوا في ذلك، ثم احتجوا (في ذلك (4)) بهذا الخبر الذى لا نعلم خبرا أشد اضطرابا منه، وهم يتركون السنن للقياس كخبر المصراة، وخبر القرعة في الستة الاعبدوهم ههنا قد تركوا القياس لانهم لا يختلفون ان العبد مخاطب بالاسلام وبالصلاة والصيام فما الذى منع (من) (5) أن يخاطب بالحج والعمرة ثم يقولون:


(1) في النسخة رقم (16) (مارويناه) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (14) (وعهدناهم) (4) الزيادة من النسخة رقم (16) (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 47 ]

العبد ليس هو من أهل الجمعة فإذا حضرها صار من أهلها واجزأته فهلا قالوا ههنا: ان العبد وان لم يكن من أهل الحج فانه إذا حضره صار من أهله واجزأه؟ وأكثرهم يقول: من نوى تطوعا بحجة اجزأه عن الفرض، وأقل حال حج العبد أن يكون تطوعا فهلا أجزأه عندهم؟ (فان قالوا): هو غير مخاطب قلنا: قد جمعتم في هذا القول الكذب وخلاف القرآن إذ لم يخص الله تعالى عبدا من حر، والتناقض لانه ان لم يكن مخاطبابه فلا يحل له ان يتكلف ولا يلزمه احرام ولا شئ من جزاء صيد ولا فدية أذى ولاغير ذلك كما لا يلزم الحائض شئ من أحكام الصلاه والصيام إذا ليس مخاطبة به، وكالصبى الذى لا يلزمه شئ من أمور الحج فان فعلهما أو فعل به كان له أجر وكان له حج للاثر في ذلك لا لغيره * فهذا مما خالفوا فيه القرآن والسنن الثابتة وقول طائفة من الصاحبة لا يعرف لهم منهم مخالف والقياس. نعم والخبر الذى به احتجوا لانهم خالفوا ما فيه من حكم الاعرابي في الحج (1) وبالله تعالى التوفيق * 813 - مسألة - وأما المرأة التى لازوج لها ولا ذا محرم يحج معها فانها تحج ولا شئ عليها، فان كان لها زوج ففرض عليه ان يحج معها فان لم يفعل فهو عاص لله تعالى وتحج هي دونه وليس له منعها من حج الفرض وله منعها من حج التطوع * وروينا عن ابراهيم. وطاوس. والشعبى. والحسن لا تحج المرأة الا مع زوج أو محرم، وهو قول الحسن بن حى * وروينا عن أبى حنيفة، وسفيان ان كانت من مكة على أقل من ليال ثلاث فلها ان تحج مع غير زوج وغير ذى محرم، وان كانت على ثلاث ليال فصاعدا فليس لها ان تحج الا مع زوج أو ذى محرم من رجالها * وروينا من طريق ابن عمر لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إذ مع ذى محرم * وروينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن حميد عن الحسن ابن حى عن على بن عبد الاعلى ان عكرمة سئل عن المرأة تحج مع غير ذى محرم أو زوج؟ فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تسافر المرأة فوق ثلاث الا مع ذى محرم * وقالت طائفة: تحج في رفقة مأمونة وان لم يكن لها زوج ولا كان معها ذو محرم كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن يونس - هو ابن يزيد - عن الزهري قال: ذكر عند عائشة أم المؤمنين المرأة لا تسافر الا مع ذى محرم قالت عائشة: ليس كل النساء تجد محرما *


(1) في النسخة رقم (16) (بالحج) *

[ 48 ]

ومن طريق سعيد بن منصور نا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج عن نافع مولى ابن عمر قال: كان يسافر مع عبد الله بن عمر موليات (له) (1) ليس معهن محرم، وهو قول ابن سيرين وعطاء، وهو ظاهر قول الزهري، وقتادة، والحكم ابن عتيبة * - وهو قول الاوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبى سليمان وجميع أصحابهم * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة في التحديد الذى ذكر فلا نعلم له سلفا فيه من الصحابة ولا من التابعين رضى الله عنهم بل ما نعلم احدا قاله قبلهم، وهم يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم، ويقولون: ان المرسل كالمسند، وقد صح عن ابن عمر ما ذكرنا، وروى عن أم المؤمنين بأحسن مرسل يمكن وجود مثله، ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وقد خالفهما أصحاب أبى حنيفة، وهذا تناقض فاحش * قال أبو محمد: ثم نظرنا فيما احتجت به كل طائفة لقولها فوجدنا أصحاب أبى حنيفة يحتجون لقولهم بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسافر امرأة ثلاثا إلا مع زوج أو ذى محرم) وقالوا: قد روى أيضا (ليلتين) وروى (يوما وليلة) وروى (يوما) وروى (بريدا) قالوا: ونحن على يقين من تحريم سفرها ثلاثا وعلى شك من تحريم سفرها أقل من ذلك لانه قد يكون ذكر الثلاث متقدما ويكون متأخرا فالثلاث على كل حال محرم (2) عليها سفرها إلا مع زوج أوذى محرم فنأخذ مالا شك فيه وندع ما فيه الشك لاحجة لهم غير هذا أصلا * قال على: وهذا عليهم لالهم لوجهين، أحدهما أنه ليس صواب العمل ما ذكروا لانه ان كان خبر الثلاث متقدما أو متأخرا فليس فيه ان تقدم ابطال لحكم النهى عن سفرها أقل من ثلاث لكنه بعض مافى سائر الروايات، وسائر الروايات زائدة عليه، وليس هذا مكان نسخ اصلا بل كل (تلك) (3) الاخبار حق وكلها يجب استعمالها (4) وليس بعضها مخالفا لبعض أصلا، ويقال لهم: خبر ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسافر امرأة الا مع ذى محرم جامع لكل سفر فنحن على يقين من تحريم كل سفر عليها الا مع زوج أو ذى محرم، ثم لا ندرى أبطل هذا الحكم أم لا؟ فنأخذ باليقين ونلغي الشك فهذا معارض لاحتجاجهم مع ما قدمنا، ويقال لهم: عهدنا بكم تذمون الاخبار بالاضطراب، وهذا خبر رواه أبو سعيد، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس فلم يضطرب


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (16) (يحرم) (3) الزيادة من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (14) (وكلها يجب استعماله)

[ 49 ]

عن ابن عباس أصلا واضطرب عن سائرهم، فروى عن ابن عمر لا تسافر ثلاثا، وروى عنه لا تسافر فوق ثلاث، وروى عن أبى سعيد لا تسافر فوق ثلاث، وروى عنه لا تسافر يومين، وروى عن أبى هريرة لا تسافر ثلاثا، وروى عنه لا تسافر فوق ثلاث، وروى عنه لا تسافر يوما وليلة، وروى عنه لا تسافر يوما، وروى عنه لا تسافر بريدا، فعلى أصلكم دعوا رواية من اختلف عليه واضطرب عنه إذا ليس بعض ماروى عن كل واحد أولى من سائر ماروى عنه وخذوا برواية (1) من لم يختلف عليه ولا اضطرب عنه وهو ابن عباس فهذا أشبه من استدلالكم * والوجه الثاني أنه قد روى عن ابن عمر، وأبى سعيد، وأبى هريرة كما ذكرنا لا تسافر (المرأة) (2) فوق ثلاث فان صححتم استدلالكم (الفاسد) (3) بأخذ أكثر مما ذكر في تلك الاخبار فامنعوها مما زاد على مسيرة ثلاث لانه اليقين وابيحوا لها سفر الثلاث لانه مشكوك فيه كما سفر اليومين. واليوم. والبريد مشكوك فيه عندكم، وهذا مالا مخلص لهم منه، فان ادعوا اجماعا ههنا - فما هذا ينكر من اقدامهم - أكذبهم ما روينا من طريق الحذاقى - عن عبد الرزاق - نا عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال: لا تسافر امرأة فوق ثلاث الا مع ذى محرم، لا سيما وابن عمر هو راوي الحديث الذى تعلقوا به، وأكذبهم أيضا ماروينا عن عكرمة آنفا من منعه إياها ما زاد على الثلاث لا ما دون ذلك، والعجب أنهم يقولون في امرأة لا تجد معاشا أصلا إلا على ثلاث فصاعدا: انها تخرج بلا زوج ولا ذى محرم، ويقولون فيمن حفزتها (4) فتنة - وخشيت على نفسها غلبة الكفار. والمحاربين. أو الفاسق (5) ولم تجد أمنا الا على ثلاث فصاعداأ - نها تخرج مع غير زوج ومع غير ذى محرم، وطاعة الله تعالى في الحج واجبة عليها كوجوب خلاص روحها (6) (فان قالوا): الزوج والمحرم من السبيل قلنا: عليكم الدليل والا فهي دعوى فاسدة لم يعجز عن مثلها أحد، فسقط هذا القول الفاسد جملة، وبالله تعالى التوفيق * ثم نظرنا في قول عكرمة واحتجاجه بالخبر الذى فيه ما زاد على الثلاث فوجدناه لا حجة له فيه لما ذكرنا من أن سائر الاخبار وردت بالمنع مما دون الثلاث فليس الخبر الذى فيه نهيها عن ان تسافر ثلاثا أو اكثر من ثلاث بأولى من سائر الاخبار التى فيها منعها من سفر أقل من ثلاث *


(1) في النسخة رقم (14) (رواية) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الزيادة من النسخة رقم (14) أي دفعتها (5) في النسخة رقم (14) (والفساق) (6) في النسخة رقم (16) (زوجها) وهو غلط *

[ 50 ]

قال أبو محمد: فبطل هذا القول أيضا ولم يبق الا قولنا أو قول النخعي. والشعبى وطاوس. والحسن (1) في منعها جملة أو اطلاقها جملة فوجدنا المانعين يحتجون بالاخبار التى ذكرنا وهى اخبار صحاح لا يحل خلافها الالنص آخر يبين حكمها ان وجد، فنظرنا فوجدنا ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا ابن نمير نا أبى. وابن ادريس قالا: نا عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (2) (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) * وبه إلى ابن نميرنا أبى نا حنظلة - هو ابن أبى سفيان الجمحى - قال: سمعت سالما - هو ابن عبد الله - بن عمر يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن) فأمر عليه السلام الازواج وغيرهم ان لا يمنعوا النساء من المساجد، والمسجد الحرام أجل المساجد قدرا * ووجدنا الله تعالى يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، ثم وجدنا الاسفار تنقسم قسمين سفرا واجبا، وسفرا غير واجب فكان السفر الواجب بعض الاسفار بلا شك، وكان الحج من السفر الواجب فلم يجز أخذ بعض هذه الآثار دون بعض ووجبت الطاعة لجميعها ولزم استعمالها كلها ولابد، فهذا هو الفرض، وكان من رفض بعضها وأخذ بعضها عاصيا لله تعالى، ولا سبيل إلى استعمال جميعها الا بأن يستثنى الاخص منها من الاعم ولا بد، فكان نهى المرأة عن السفر الا مع زوج أو ذى محرم عاما لكل سفر فوجب استثناء ما جاء به النص من ايجاب بعض الاسفار عليها من جملة النهى، والحج سفر واجب فوجب استثناؤه من جملة النهى، (فان قالوا): بل ايجاب الحج على النساء (3) عموم فيخص ذلك بحديث النهى عن السفر إلا مع زوج أو ذى محرم قلنا: هذا خطأ لان تلك الاخبار انما جاءت بالنهي عن كل سفر جملة لاعن الحج خاصة وانما كان يمكن ان يعارضوا بهذا (أن) (4) لو جاءت في النهى عن ان تحج المرأة الا مع زوج أو ذى محرم فكان يكون حينئذ اعتراضا صحيحا وتخصيصا لاقل الحكمين من أعمهما وهذا بين جدا * وبرهان آخر وهو ان تلك الاخبار كلها انما خوطب بها ذواب الازواج واللاتي لهن المحارم لان فيها إباحة الحج أو إيجابه مع الزوج أو ذى المحرم بلا شك، ومن


(1) في النسخة رقم (16) (أو الحسن)) وهو غلط لان قول الحسن هو قول النخعي والشعبي وطاوس انظر صفحة 47 (2) في صحيح مسلم جزء 1 ص 129 (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) الخ (3) في النسخة رقم (14) (على الناس) والصحيح ما هنا وهو موافق لنسخة ايضا غير هذه (4) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 51 ]

المحال الممتنع الذى لا يمكن أصلا ان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مع زوج أو ذى محرم من لازوج لها ولاذا محرم فبقى من لازوج لها ولا محرم على وجوب الحج عليها وعلى خروجها عن ذلك النهى * وبرهان آخر وهو ما حدثناه حمام قال: نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا أحمد ابن خالد خبرنا عبيد بن محمد الكشورى نا محمد بن يوسف الحذافى نا عبد الرزاق نا ابن جريج. وسفيان بن عيينة كلاهما عن عمرو بن دينار عن أبى معبد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة الا مع ذى محرم فقال رجل فقال: يا رسول الله ان امرأتي خرجت حاجة وانى اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: (1) (انطلق فاحجج مع امرأتك) فكان هذا الحديث رافعا للاشكال ومبينا لما اختلفنا فيه من هذه المسألة لان نهيه عليه السلام عن أن تسافر امرأة الا مع ذى محرم وقع ثم سأله الرجل عن امرأته التى خرجت حاجة لا مع ذى محرم ولامع زوج فأمره عليه السلام بان ينطلق فيحج معها ولم يأمر بردها ولاعاب سفرها إلى الحج دونه ودون ذى محرم، وفى أمره عليه السلام بان ينطلق فيحج معها بيان صحيح ونص صريح على انها كانت ممكنا ادراكها بلا شك فأقر عليه السلام سفرها كما خرجت فيه وأثبته ولم ينكره فصار الفرض على الزوج، فان حج معها فقد أدى ما عليه من صحبتها وان لم يفعل فهو عاص لله تعالى وعليها التمادي في حجها والخروج إليه دونه أو معه أو دون ذى محرم أو معه كما أقرها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليها، فارتفع الشغب جملة ولله الحمد كثيرا * (فان قال قائل): فأين أنتم عمار ويتموه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو ابن دينار؟ قال: أخبرني عكرمة أو أبو معبد عن ابن عباس قال: " جاء رجل (إلى) (2) المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين نزلت؟ قال: على فلانة، قال أغلقت عليها بابك مرتين لاتحجن امرأة الا ومعها ذو محرم " قال عبد الرزاق: وأما ابن عيينة فاخبرناه عن عمرو عن عكرمة ليس فيه شك، قلنا: هذا خبر لم يحفظه ابن جريج لانه شك فيه أحدثه به عمرو عن عكرمة مرسلا؟ أم حدثه به عمرو عن أبى معبد مسندا؟ فلم يثته أصلا، فبطل التعلق به، وانما صوابه كما رواه عبد الرزاق عن سفيان. وابن جريج عن عمرو عن أبى معبد عن ابن عباس كما أوردناه آنفا ليس فيه هذه اللفظة *


(1) في النسخة رقم (16) (فقال) (2) للزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 52 ]

وهكذا رويناه أيضا من طريق حماد بن زيد كما حدثنا (به) (1) أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن على بن زيد الصائغ نا سعيذ بن منصور ناحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن أبى معبد عن ابن عباس انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب - يقول: (لاتسافرن امرأة الا مع ذى محرم ولا يدخلن (2) عليها رجل الا ومعها محرم فقال رجل: يا رسول الله انى نذرت ان أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتى تريد الحج قال: فاخرج معها) فلم يقل عليه السلام: لا تخرج إلى الحج الا معك ولانهاها عن الحج أصلا بل ألزم الزوج ترك نذره في الجهاد وألزمه الحج معها، فالفرض في ذلك على الزوج لا عليها * وأما حديث عكرمة فمرسل كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا اسماعيل بن اسحاق البصري نا عيسى بن خبيب قاضى أشونة (3) قال: نا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى نا جدى محمد بن عبد الله بن يزيد نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: (قدم رتجل من سفر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نزلت على فلانة فاغلقت عليها بابك مرتين) فهذا هو حديث عمرو بن دينار عن عكرمة اختلط على ابن جريج فلم يدر أحدثه به عمرو بن دينار عن عكرمة؟ أم حدثه به عمرو عن أبى معبد عن ابن عباس وأدخل فيه ذكر الحج بالشك، ولا تثبت الحجة بخبر مشكوك في اسناده أو في ارساله، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: ان له منعها من حج التطوع فلان طاعته فرض عليها فيما لا معصية لله تعالى فيه، وليس في ترك الحج التطوع معصية * 814 - مسألة - فان أحرمت من الميقات أو من مكان يجوز الاحرام منه بغير اذن زوجها أو أحرم العبد بغير اذن سيده، فان كان حج تطوع - كل ذلك - فله منعهما واحلالهما لما ذكرنا، وان كان حج الفرض نظر فان كان لاغنى به عنها أو عنه - لمرض أو لضيعته دونه أو دونها أو ضيعة ماله - فله احلالهما لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) وان كان لا حاجة به اليهما لم يكن له منعهما أصلا فان منعهما فهو عاص لله عزوجل وهما في حكم المحصر، وكذلك القول في الابن والابنة مع الاب والام ولا فرق، وطاعة الله تعالى في الحج متقدمة لطاعة الابوين والزوج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما الطاعة في الطاعة)، وقال عليه السلام (فإذا أمرت بمعصية فلا سمع


(1) لفظ به زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) (ولا يدخل) (2) بضم اوله وثانيه حصن بالاندلس من نواحى استجة، وعن السلفي (اشونة حصن من نظر قرطبة) اه‍ معجم البلدان *

[ 53 ]

ولا طاعة)، وترك الحج معصية، ولا فرق بين طاعة الابوين والزوج في ترك الحج وبين طاعتهم في ترك الصلاة أو في ترك الزكاة أو في ترك صيام شهر رمضان، (فان قيل): الحج في تأخيره فسحة قلنا إلى متى؟ أفرأيت ان لم يبيحوا الحج للاولاد أو الزوجة ابدا؟ فان حدوا في ذلك سنة أو سنتين أو أكثر كانوا متحكمين في الدين بالباطل وشارعين ما لم يأذن به الله تعالى ولا يقول أحد بطاعتهم في ترك الحج ابدا جملة، وبالله تعالى التوفيق * وروينا عن قتادة والحكم بن عتيبة في امرأة أحرمت بغير اذن زوجها انها محرمة قال الحكم: حتى تطوف بالبيت * 815 - مسألة - واستطاعة السبيل الذى يجب به الحج (1) اما صحة الجسم والطاقة على المشى والتكسب من عمل أو تجارة ما يبلغ به إلى الحج ويرجع (2) إلى موضع عيشه أو أهله، وإما مال يمكنه منه ركوب البحر أو البر - والعيش منه حتى يبلغ مكة ويرده - إلى موضع عيشه أو أهله وان لم يكن صحيح الجسم الا أنه لا مشقة عليه في السفر برا أو بحرا، وإما ان يكون له من يطيعه فيحج عنه ويعتمر باجرة أو بغير اجرة ان كان هو لا يقدر على النهوض لا راكبا ولا راجلا، فاى هذه الوجوه أمكنت الانسان المسلم العاقل البالغ؟ فالحج والعمرة فرض عليه، ومن عجز عن جميعها فلا حج عليه ولا عمرة * وقال قوم: الاستطاعة زاد وراحلة * وقال مالك: الاستطاعة قوة الجسم أو القوة بالمال على الحج بنفسه، ولم ير وجود من يطيعه استطاعة ولا أوجب بذلك حجا * وروى عن أبى حنيفة ان المقعد من رجليه وان كان له مال واسع وهو قادر على الثبات على الراحلة فلا حج عليه وكذلك الاعمى، وقد روى عنه ان عليه الحج وعلى الاعمى * ورأى الشافعي ان الاستطاعة انما هي بمال - يحج به أو من يطيعه فيحج عنه فقط، ولم يرقوة الجسم والقدرة على الراحلة (3) استطاعة * وحجة من قال: الاستطاعة زاد وراحلة بآثار رويناها، منها عن وكيع عن ابراهيم ابن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومى عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الاستطاعة (4)؟ فقال: الزاد والراحلة فقيل: يا رسول الله فما الحاج؟ قال: الاشعث الثفل (5) ومن طريق حماد بن سلمة انا قتادة. وحميد عن الحسن (ان رجلا قال: يارسول الله ما السبيل إليه؟ قال: زاد وراحلة (6)) * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق


(1) في النسخة رقم (14) (الذى يجب الحج به) (2) في النسخة رقم (16) (فيرجع) (3) في النسخة رقم (16) (على الرجلة) (4) في النسخة رقم (4) (ما الاستطاعة) (5) رواه الدارقطني ص 255 (6) رواه الدارقطني ص 254 *

[ 54 ]

عن مسلم بن ابراهيم نا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلى نا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم (من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله عزوجل فلم يحج فلا عليه ان يموت يهوديا أو نصرانيا لان الله تعالى يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين) (1)) وقالوا: لما قال الله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا) علمنا انها استطاعة غير القوة بالجسم، إذا لو كان تعالى اراد قوة الجسم لما احتاج إلى ذكرها لاننا قد علمنا ان الله تعالى لا يكف نفسا الا وسعها، وقالوا: قال الله تعالى: (إلى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس) فصح ان الرحلة (2) شق الانفس بالضرورة ولا يكلفنا الله تعالى ذلك لقوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وذكروا ماروينا من طريق عطاء الخراساني عن عمر بن الخطاب انه قال في استطاعة السبيل إلى الحج زاد وراحلة * ومن طريق الضحاك عن ابن عباس في ذلك أيضا زاد وبعير * ومن طريق اسرائيل عن الحسن عن أنس من استطاع إليه سبيلا قال زاد وراحلة * ومن طريق اسرائيل عن مجاهد عن ابن عمر قال: من استطاع إليه سبيلا قال: مل ء بطنه وراحلة يركبها، وهو قول الضحاك بن مزاحم والحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن على بن الحسين، وأيوب السختيانى، واحد قولى عطاء * قال أبو محمد: فادعوا في هذا انه قول طائفة من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف وليس كما قالوا أصلا: لاننا قد روينا عن وكيع وغيره عن عمران بن حدير عن النزال ابن عمار عن ابن عباس قال: (من ملك ثلاث مائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الاماء) * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال، في الحج: سبيله من وجد له سعة ولم يحل بينه وبينه، وهذا هو قولنا * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن خالد بن أبى كريمة عن ابن الزبير قال: من استطاع إليه سبيلا قال: على قدر القوة وهو أحد قولى عطاء * قال على: أما احتجاجهم بأن الاستطاعة لو كانت على العموم لما كان لذكرها معنى فكلام فاسد، واعتراض على الله تعالى، واخراج للقرآن عن ظاهره بلا برهان ثم لو صح هذا لكان حجة عليهم. لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب الحج على من لا يستطيعه بجسمه ولا بماله إذا وجد من يحج عنه كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، فكان ذلك داخلا في الاستطاعة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قولهم: ان الرحلة من شق الانفس والحرج والله تعالى لا يكلف ذلك عباده فصحيح ولم نقل نحن: ان من كانت الرحلة تشق


(1) رواه الترمذي (2) في النسخة رقم (16) (ان الرجلة) *

[ 55 ]

عليه وعليه فيها حرج ان الحج يلزمه بل الحج عمن هذه صفته ساقط كما قالوا، وانما قلنا: ان من يسهل عليه المشى - وهو لو كانت له في دنياه حاجة لاستسهل المشى إليها - فالحج يلزمه لانه مستطيع * وأما الاخبار التى ذكروا فان في أحدها ابراهيم بن يزيد وهو ساقط مطرح، وفى الثاني الحارث الاعور وهو مذكر بالكذب، وحديث الحسن مرسل ولا حجة في مرسل (1)، والعجب من مالك. والشافعي في هذه المسألة فان المالكيين يقولون: المرسل. والمسند سواء لاسيما مرسل الحسن فانهم ادعوا انه كان لا يرسل الحديث الا إذا حدثه به أربعة من الصحابة فصاعدا، ثم خالفوا ههنا أحسن مراسيل الحسن * والشافعيون لا يقولون: الا بالمسند الصحيح وأخذوا ههنا بالساقط، والمرسل * وأما الروايات في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم فواهية كلها لانها إما من طريق عطاء الخراساني مرسلة، وإما من طريق اسرائيل، واما من طريق رجل لم يسم، وأحسنها الرواية عن ابن عباس الموافقة لقولنا، والرواية الاخرى (2) عنه في الثلثمائة درهم، إلا أن هذا مما خالف فيه المالكيون جمهور العلماء وهم يعظمون ذلك، والحنيفيون يبطلون السنن الصحاح كنفى الزانى، وحديث لا تحرم المصة ولا المصتان، وحديث رضاع سالم وغيرها لزعمهم انها زائدة على مافى القرآن أو مخالفة له، وأخذوا ههنا باخبار ساقطة لا يحل الاخذ بها مخصصة للقرآن مخالفة له، ثم خالفوها مع ذلك تخصيصهم المقعد * وأطراف شئ احتجاجهم في تخصيص المقعد بقول الله تعالى: (ليس على الاعمى


(1) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ص 202: حديث انه صلى الله عليه وسلم سئل عن تفسير السبيل؟ فقال (زاد وراحلة) (رواه) الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق سعيد بن ابى عروبة عن فتادة عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال: قيل: يارسول الله ما السبيل؟ قال (الزاد والراحلة)، قال البيهقى الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلا يعنى الذى خرجه الدارقطني وسنده صحيح إلى الحسن ولا ارى الموصول الا وهما، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن انس ايطا الا ان الراوى عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحرانى وقد قال أبو حاتم هو منكر الحديث، ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدار قطني من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: حسن وهو من رواية ابراهيم ين يزيد الخوزى، وقد قال فيه احمد، والنسائي: متروك الحديث، ورواه ابن ماجه والدار قطني من حديث ابن عباس وسنده ضعيف ايضا، ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر، ومن حديث على بن ابى طالب، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث عائشة، ومن حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده وطرقها كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: ان طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة اه‍ وبهذا تعلم ان ماقاله المصنف صحيح حق نسأل الله اتباع سنن الصواب * (1) في النسخة رقم (14) (واما الرواية الاخرى) بزيادة (اما) وارى زيادتها زيادة لا حاجة إليها، والمعنى على ماهنا ان احسن الروايات - التى ذكرت قبل - الرواية عن ابن عباس الموافقة لقولنا وهى قول ابن عباس: في الحج سبيله من وجد له سعة ولم يحل بينه وبينه، وللرواية للثانية عن ابن عباس ايضا وهى في الثلاثمائة، والله أعلم *

[ 56 ]

حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج). وهم يقولون: ان الاعرج يلزمه الحج إذا وجد زادا وراحلة وقدر على الركوب، وكذلك الاعمى فخالفوا مافى الآية وحكموا بها فيما ليس فيها منه شئ * قال على: فلما بطل كل ما شغبوا به وجب طلب البرهان من القرآن والسنة الصحيحة فوجدنا الله تعالى قال: (من استطاع إليه سبيلا)، فكان هذا عموما لكل استطاعة بمال أو جسم (1) هذا الذى يوجبه لفظ الآية ضرورة ولم يجز أن يخص من ذلك مقعد (2) ولا أعمى ولا أعرج إذا كانوا مستطيعين الركوب ومعهم سعة، وليس هذا من الحرج الذى أسقطه الله تعالى عنهم لانه لا حرج فيه عليهم، وأيضا فان هذه الآية بنص القرآن انما نزلت في الجهاد وهو الذى يحتاج فيه إلى الشد والتحفظ والجرى، وكل ذلك حرج ظاهر على الاعرج والاعمى، وأما الحج فليس فيه شئ من ذلك أصلا وبقى من لامال له ولا قوة جسم الا انه يجد من يحج عنه بلا أجرة أو بأجرة يقدر عليها فوجدنا اللغة التى بها نزل القرآن وبها خاطبنا الله تعالى في كل ما ألزمنا إياه لا خلاف بين أحد من أهلها في انه يقال: الخليفة مستطيع لفتح بلد كذا ولنصف المنجنيق عليه وان كان مريضا مثبتا لانه مستطيع لذلك بأمره وطاعة الناس له، وكان ذلك داخلا في نص الآية * ووجدنا من السنن ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا على بن خشرم عن عيسى ابن يونس عن ابن جريج عن ابن شهاب نا سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل ابن عباس (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير عليه فريضة الله تعالى في الحج وهو لايستطيع ان يستوى على ظهر بعيره فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وسلم: حجى (3) عنه) * ورويناه (أيضا) (4) من طريق البخاري عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن (عبد الله) (5) بن عباس ان الخثعمية قالت لرسول (6) الله صلى الله عليه وسلم: (ان فريضة الله أدركت أبى شيخنا كبيرا لا يثبت عل الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع) * ونا عبد الله (بن ربيع) (7) نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على


(1) في النسخة رقم (14) (بمال وجسم) بالواو، وما هنا احسن (2) في النسخة رقم (14) (لا مقعد) بزيادة (لا) (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 379 (فحجى عنه) بزيادة الفاء (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 45، والحديث اختصره المصنف (6) في النسخة رقم (14) (يارسول) وكلاهما غير موافق للفظ البخاري لان المصنف اختصر فأوجد خلافا (7) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 57 ]

ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا يزيد بن ابراهيم عن ابن سيرين عن عبيدالله ابن العباس قال: (كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة ان حزمها خشى ان يقتلها وان لم يحزمها لم تستمسك فأمره عليه السلام ان يحج عنها) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا وكيع بن الجراح نا شعبة عن النعمان - هو ابن سالم - عن عمرو ابن أوس عن أبى رزين العقيلى (انه قال: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة (1) والظعن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حج عن أبيك واعتمر) * ورويناه أيضا من طريق ابن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) * وهذه أخبار متظاهرة متواترة من طرق صحاح عن خمسة من الصحابة رضى الله عنهم. الفضل، وعبد الله، وعبيدالله - بنو العباس بن عبد المطلب -، وابن الزبير، وأبو رزين العقيلى، * ويزيد بن ابراهيم المذكور - هو أبو سعيد التسترى - بصرى كان ينزل بأهله عند مقبرة بنى سهم مات سنة احدى وستين ومائة، وقيل: بل في المحرم سنة اثنتين وستين ومائة (3) ثقة ثبت، وثقه أبو الوليد الطيالسي، وعبد الله بن نمير، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وعمرو بن على، وأحمد ابن صالح والنسائي والناس، وليس هو يزيد بن ابراهيم الذى يروى عن قتادة ذلك ليس بالقوى * فبين في هذه الاخبار ان من لم يكن قط صحيحا فان فريضة الحج لازمة له إذا (4) وجد من يحج عنه لانه عليه السلام سمع قول المرأة عن أبيها ان فريضة الله تعالى أدركته وهو شيخ كبير لا يستطيع الثبات على الراحلة فلم ينكر ذلك عليها ولا على أبى رزين مثل ذلك في ابيه، فصح ان الفرض باق على هذين إذا وجدا من يحج عنهما * وقال الشافعي: انما يلزمه ذلك إذا كان له زاد وراحلة وهذا خطأ لانه ليس في حديث أبى رزين أنه كانت له راحلة، ولا في حديث عبيدالله بن العباس أيضا فهذه زيادة فاسدة (فان قيل): انما جاءت هذه الاحاديث في شيخ كبير، وعجوز كبيرة فمن أين تعديتم ما فيها إلى كل من لايستطيع الحركة بزمانة أو مرض ولم يكن شيخا كبيرا؟ قلنا: ليس كل شيخ كبير تكون هذه صفته


(1) في النسائي ج 5 ص 117 (ولا العمرة) بزيادة (لا) (2) رواه النسائي ج 5 ص 117 (3) قال في تهذيب التهذيب ج 11 ص 312: وقال ابن ابنه محمد ابن سعيد بن ابراهيم: مات سنة ثلاث وستين ومائة. وفرق أبو محمد بن حزم في كتاب الحج من المحلى بين يزيد بن ابراهيم التسترى، وبين يزيد بن ابراهيم الزاوى عن قتادة فقال: ان التسترى ثقة ثبت والراوي عن قتادة ضعيف، ولا ادرى من هو سلفه في جعله اه‍ (4) في النسخة رقم (16) (ان) *

[ 58 ]

وانما يكون بهذه الصفة من غلبه الضعف فانما أمر عليه السلام بذلك فيمن لا يستطيع ثباتا على الدابة وليس للشيخ هنالك معنى أصلا، وأيضا فانه ليس للشيخ حد محدود إذا بلغه المرء سمى شيخا ولم يسم شيخا حتى يبلغه، ودين الله تعالى لا يتسامح (1) فيه ولا يؤخذ بالظنون الكاذبة المفتراة المشروع بها ما لم يأذن به الله تعالى، ولو كان للشيخ في ذلك حكم لبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حده الذى به ينتقل حكمه إلى ان يحج عنه كما أثبت ذلك فيمن (2) لايستطيع الثابت على الراحلة ولا المشى إلى الحج، فصح انه ليس للشيخ في ذلك حكم أصلا وانما الحكم للعجز عن الركوب والمشى فقط وبالله تعالى التوفيق، فكان هذا استطاعة للسبيل مضافة إلى القوة بالجسم وبالمال * قال أبو محمد: فتعلل قوم في هذه الآثار بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني عن يزيد بن الاصم عن ابن عباس (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأحج عن أبى؟ قال: نعم ان لم تزده خيرا لم تزده شرا) (3) قالوا: فهذا دليل على أنه ندب لافرض * قال على: وهذا لاحجة لهم فيه لانه ليس فيه ان أباه كان ميتا ولا أنه كان عاجزا عن الركوب والمشى ولا أنه كان حج الفريضة بل انما هو سؤال مطلق عن الحج عن غيره ممن هو ممكن ان يكون قد حج عن نفسه أو أنه قادر على الحج فاجابه عليه السلام باباحة ذلك وانما في (4) هذا الخبر جواز الحج عن كل أحد ولا مزيد وهو قولنا، وأما تلك الاحاديث ففيها بيان انها في الحج الفرض، وأيضا فليس قوله عليه السلام: (ان لم تزده خيرا لم تزده شرا) بمخرج لذلك عن الفرض إلى التطوع لان هذه صفة كل عمل مفترض أو تطوع ان لم يتقبل من المرء فانه على كل حال لا يكتب له به سيئة، فبطل اعتراضهم بهذا الخبر * وقالوا: قال الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) قال على: هذه سورة مكية بلا خلاف، وهذه الاحاديث كانت في حجة الوداع فصح ان الله تعالى بعد ان لم يجعل للانسان الا ما سعى تفضل على عباده وجعل لهم ما سعى فيه غيرهم عنهم بهذه النصوص الثابتة * وقال بعضهم: قال الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال على: إذا أمر الله تعالى ان تزر وازرة وزر أخرى لزم ذلك وكان مخصوصا من هذه الآية، وقد أجمعوا معنا على ان العاقلة لم تقتل وانها تعزم عن القاتل ولم يعترضوا على ذلك بهذه الآية وليس


(1) في النسخة رقم (16) (لا يسامح) (2) في النسخة رقم (14) (فيما) وهو غلط لان مالما لا يعقل (3) قال المحب الطبري في كتاب القرى القاصد أم القرى: اخرجه البزار (4) في النسخة رقم (16) (فانما) وما هنا احسن *

[ 59 ]

هو (1) اجماعا فان عثمان البتى لا يرى حكم العاقلة، وأيضا فان الذى اتانا بهذا هو الذى افترض ان يحج عن العاجز والميت، وقد قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وهم يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى بذلك والصدقة عن الحى والميت والعتق عنهما أوصيا بذلك أو لم يوصيا، ولا يعترضون في ذلك بهذه الآية (فان قالوا): لما أوصى بالحج كان مما سعى قلنا لهم: فاوجبوا بذلك ان يصام عنه إذا أوصى بذلك لانه مما سعى * (فان قالوا): عمل الابدان لا يعمله أحد عن أحد فقلنا: هذا باطل ودعوى كاذبة، ومن أين قلتم هذا؟ بل كل عمل إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم به ان يعمله المرء عن غيره وجب ذلك على رغم أنف المعاند * (فان قالوا): قياسا على الصلاة قلنا: القياس كله باطل ثم لو صح لكان هذا عليكم لالكم لانكم لا تختلفون في جواز ان يصلى المرء الذى يحج عن غيره ركعتين عند المقام عن المحجوج عنه فقد جوزتم ان يصلى الناس بعضهم عن بعض فقيسوا عن ذلك سائر أعمال الابدان * وقالوا: لما كان الحج فيه مدخل للمال في جبره بالهدى والاطعام جاز أن يعمله (2) بعض الناس عن بعض قلنا: ومن أين لكم هذا الحكم الذى هو كذب مفترى وشرع موضوع بلاشك؟ ثم قدتنا قضتم فيه لان الصيام فيه مدخل للمال في جبره بالعتق والاطعام ولا فرق، وفى وجوب زكاة الفطر من صومه فأجيزوا لذلك ان يعمله بعض الناس عن بعض * قال أبو محمد: والعجب كله ان المالكيين يجيزون ان يجاهد الرجل عن غيره بجعل ويجيزون الكفارة عن المرأة المكرهة على الوطئ (3) في نهار رمضان على غيرها عنها وهو الذى أكرهها فأجازوا كل ذلك حيث لم يجزه الله تعالى ولارسوله عليه السلام ومنعوا من جوازه حيث افترضه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * قال على: فان موهوا بما رويناه من طريق ابن أبى أويس نا محمد بن عبد الله بن كريم الانصاري عن ابراهيم بن محمد بن يحيى العدوى النجارى (أن امرأة قالت: يارسول الله ان أبى شيخ كبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتحجى عنه وليس لاحد بعده) * ومما رويناه من طريق عبد الملك بن حبيب حدثنى مطرف عن محمد بن الكرير (4) عن محمد بن حبان الانصاري (ان امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ان أبى شيخ كبير لا يقوى عن الحج فقال عليه السلام: فلتحجى عنه وليس ذلك لاحد بعده) * ومن طريق عبد الملك بن حبيب حدثنى هارون بن صالح الطلحى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم


(1) في النسخة رقم (16) (وليس هذا) (2) في النسخة رقم (16) (ان يفعله) (3) في النسخة رقم (14) (على الواطئ) وهو غلط ظاهر (4) في النسخة رقم (16) (الكدير) بالدال المهملة *

[ 60 ]

عن ربيعة عن محمد بن ابراهيم بن الحارث (1) التيمى (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحج أحد عن أحد الا ولد عن والد) * قال على: فهذه تكاذيب، أول ذلك أنها مرسلة ولا حجة في مرسل، والاول فيه مجهولان لا يدرى من هما؟ وهما محمد بن عبد الله بن كريم، وابراهيم بن محمد العدوى؟ والآخران من طريق عبد الملك بن حبيب وكفى، فكيف وفيه الطلحى ومحمد بن الكرير، ومحمد بن حبان ولا يدرى من هم، وعبد الرحمن بن زيد وهو ضعيف، وهذا خبر حرفه عبد الملك لاننا رويناه من طريق سعيد بن منصور قال: نا عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم حدثنى ربيعة بن عثمان التيمى عن محمد بن ابراهيم التيمى (ان رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ابى مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: نعم ولك مثل أجره) * ومن طريق سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه (ان رجلا قال: يارسول الله ان أبى مات ولم يحج حجة الاسلام أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على ابيك دين فدعوت غرماءه لتقضيهم؟ أكانوا يقبلون ذلك منك؟ قال: نعم قال: فحج عنه فان الله قابل من أبيك) * قال أبو محمد: فاعجبوا لهذه الفضائح ونعوذ بالله من الخذلان، ثم لو صحت لكانوا مخالفين لها لانهم يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى به وان يحج عنه غير ولده وهو خلاف لما في هذه الآثار فهى عليهم (لالهم) (2)، وتخصيصهم جواز الحج إذا أوصى به لا يوجد في شئ من النصوص ولا يحفظ عن أحمد من الصحابة ولا يوجبها قياس لان الوصية لا تجوز الا فيما يجوز للانسان ان يأمر به في حياته بلا خلاف * قال أبو محمد: فان قالوا: قد صح من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: لا يصومن أحد عن أحد ولا يحجن أحد عن أحد * ومن طريق وكيع عن أفلح عن القاسم بن محمد قال: لا يحج أحد عن أحد قلنا: نعم هذا صحيح عنهما وأنتم مخالفون لهما في ذلك لانكم تجيزون الحج عن الميت إذا أوصى بذلك وهو خلاف قول ابن عمر. والقاسم وما وجدنا قولهم عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، وصح قولنا عن طائفة من السلف * كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال عن شعبة عن مسلم القرى (3) قال: قلت لابن عباس: إن أمي حجت ولم تعتمر أفأعتمر عنها؟ قال: نعم *


(1) في النسخة رقم (16) (عن محمد بن الحارث) وفى النسخة رقم (14) (عن محمد بن ابراهيم) وصححناه من تهذيب التهذيب جزء ص 5 (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) قال في هامش النسخة رقم (14) مانصه: مسلم بن مخراق العبدى القرى =

[ 61 ]

قال أبو محمد فهذا لا تخصيص فيه لميت دون حى * ومن طريق يزيد بن زريع عن داود انه قال: قلت لسعيد بن المسيب: يا محمد لايهما الاجر أللحاج أم للمحجوج عنه؟ فقال سعيد: ان الله تعالى واسع لهما جميعا * قال أبو محمد: صدق سعيد رحمه الله * ومن طريق معمر عن أبى اسحاق عن أم محبة انها نذرت ان تمشى إلى الكعبة فمشت حتى إذا بلغت عقبة البطن عجزت فر كبت ثم أتت (1) ابن عباس فسألته فقال: أتستطيعين ان تحجى قابلا؟ فإذا انتهيت إلى المكان الذى ركبت فيه فتمشى ما ركبت قالت: لا قال لها: فهل لك ابنة تمشى عنك؟ قالت: لى ابنتان ولكنهما أعظم في انفسهما من ذلك قال: فاستغفري الله * وروينا أيضا مثله من طريق وكيع عن يونس بن أبى اسحاق عن أمه العالية عن ابن عباس * قال أبو محمد: هذه هي التى عولوا على روايتها عن عائشة رضى الله عنها في أمر العبد المبيع من زيد بن أرقم إلى العطاء بثمانمائة درهم ثم ابتاعته منه بستمائة، وتركوا فيه فعل زيد بن أرقم فكانت حجة هناك إذا لم توافق النصوص ولم تكن حجة عن ابن عباس إذا وافقت النصوص * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن أبى طالب أنه قال في الشيخ الكبير: انه يجهز رجلا بنفقته فيحج عنه * ومن طريق ابراهيم بن ميسرة قال: رمى عبد الله بن طاوس عن أبيه الجمار وطاف عنه طواف يوم النحر وكان أبوه مريضا * وعن سفيان عن ابن طاوس في رمى الجمار عن أبيه بأمر أبيه * وعن مجاهد من حج عن رجل فله مثل أجره * وعن عطاء فيمن نذر ان يمشى فجعز قال: يمشى عنه بعض أهل بيته وأنه رأى الرمى عن المريض للجمار * فهؤلاء ابن عباس. وعلى. وعطاء وطاوس. ومجاهد. وسعيد بن المسيب. وعبد الله بن طاوس، وروى أيضا عن ابراهيم النخعي، وما نعلم لمن خالفنا ههنا - فلم يوجب الحج على من وجد من يحج عنه وهو عاجز ولاعن الميت الا ان يوصى - سلفا أصلا من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا مما خالفوا فيه الجمهور من العلماء، وبمثل قولنا يقول سفيان الثوري. والاوزاعي. وابن أبى ليلى. واحمد. واسحاق *


= بو الاسود البصري القطان والد سوادة بن ابى الاسود مولى بنى قرة حى بن عبد القيس، ويقال: مولى بنى ضبة بن قرة، ويقال: مولى بنى فزارة من عبد القيس قاله المزى اه‍ وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: مسلم بن مخراق العبدى القرى مولى بنى قرة، ويقال المازنى الفريابى أبو الاسود البصري العطار، ويقال: انهما اثنان اه‍ والقرى ضبطه ابن حجر في تقريب التهذيب بضم القاف وتشديد الراء، ولا ادرى قوله البصري العطار هل هو مصحف عن القطان ام لا؟ والله أعلم * 1) في النسخة رقم (14) فأتت بدل " ثم اتت "

[ 62 ]

816 - مسألة - قال أبو محمد: فان حج عمن لم يطق الركوب والمشى لمرض أو زمانة حجة الاسلام ثم أفاق فان أبا حنيفة: والشافعي قالا: عليه ان يحج ولابد، وقال اصحابنا: ليس عليه ان يحج بعد * قال أبو محمد: إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحج عمن لا يستطيع الحج راكبا ولا ماشيا واخبر أنه دين الله يقضى عنه فقد تأدى الدين بلا شك واجزأ عنه، وبلا شك ان (1) ما سقط وتأدى فلا يجوز ان يعود فرضه بذلك إلا بنص ولا نص ههنا أصلا بعودته ولو كان ذلك عائدا لبين عليه السلام ذلك إذا قد يقوى الشيخ فيطيق الركوب فإذ لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلا يجوز عودة الفرض عليه بعد صحة تأديه عنه، وبالله تعالى التوفيق * 817 - مسألة - (قال على) (2) وسواء من بلغ وهو عاجز عن المشى والركوب أو من بلغ مطيقا ثم عجز في كل ما ذكرنا، وقال أبو سليمان: لا يلزم ذلك الاعمن قدر بنفسه على الحج ولو عاما واحدا ثم عجز * قال على: وهذا خطأ لان الخبر الذى قدمنا فيه فريضة الله تعالى في الحج أدركته لا يقدر على الثبات على الدابة فصح انه قد لزمه فرض الحج ولم يكن قط بعد لزومه له قادرا عليه بجسمه فصح قولنا وبالله تعالى التوفيق * 818 - مسألة - ومن مات وهو مستطيع بأحد الوجوه التى قدمنا حج عنه من رأس ماله واعتمر ولابد مقدما على ديون الناس ان لم يوجد من يحج عنه تطوعا سواء أوصى بذلك أو لم يوص بذلك * وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يحج عنه الا أن يوصى بذلك فيكون من الثلث * برهان صحة قولنا قول الله تعالى في المواريث: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فعم عزوجل الديون كلها * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا عمران بن موسى المصرى نا عبد الوارث - هو ابن سعيد التنورى - نا أبوالتياح يزيد بن حميد البصري نا موسى بن سلمة الهذلى (ان ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهنى ان تسأل النبي (3) صلى الله عليه وسلم؟ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها ان تحج عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها) (4) *


(1) في النسخة رقم (14) وبلا شك فان) الخ (2) الزيادة من النسخة رقم (16) (3) في سنن النسائي ج 5 ص 116 (ان تسأل رسول الله) (4) قال المحب الطبري في كتابه القرى لقاصدام القرى: هو حجة لاثبات القياس والحاق ما اختلف فيه إذا اشكل مما اتفق عليه اه‍ فأرجوا الله تبارك وتعالى ان يوفقني إلى طبعه فانه انفس كتاب في احكام الحج مطولا *

[ 63 ]

ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس (ان امرأة سألت رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج؟ قال: حجى عن أبيك) * ورويناه أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس مسندا نا محمد ابن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن أبى بشر - هو جعفر بن أبى وحشية - قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس (ان امرأة نذرت ان تحج فماتت فاتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على امك دين أكنت قاضية؟ قال: نعم قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) * ورويناه أيضا من طريق البخاري عن موسى بن اسماعيل عن أبى عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي) صلى الله عليه وسلم (بنصه) (2) في امرأة من جهينة نذرت امها ان تحج فماتت قبل أن تحج (3)) * ورويناه أيضا من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم و سلم مثل رواية البخاري، وفيه قوله عليه السلام (فحجى عن أمك اقضوا الله الذى له عليكم فالله تبارك وتعالى أحق بالوفاء) * فهذه آثار في غاية الصحة لا يسع أحد الخروج عنها * قال أبو محمد: ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بهذا الحديث في القول بالقياس في تحريم التين بالتين متفاضلا ثم يخالفونه فيما جاء فيه اقبح خلاف فيقولون: لا يحج عن ميت، ودين الله لا يقضى، وديون الناس أحق منه، فاى قول أقبح من قول من قال: من اهرق خمر اليهودي أو النصراني ومات قضى دين الخمر من رأس ماله أوصى به أو لم يوص، ولا يقضى دين الله تعالى في الحج الا أن يوصى به فيكون من الثلث؟ * قال أبو محمد: قولنا هو قول جمهور السلف روينا عن أبى هريرة من مات وعليه نذر أو حج فليقض عنه وليه * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (أن امرأة أتته فقالت: إن امى ماتت وعليها حجة أفأحج عنها؟ فقال ابن عباس: هل كان على أمك دين؟ قالت: نعم قال: فما صنعت؟ قالت: قضيته عنها قال ابن عباس: فالله خير غرمائك حجى عن أمك) * ومن طريق شعبة عن مسلم القرى قلت لابن عباس: ان أمي حجت وماتت ولم تعتمر أفأعتمر عنها؟ قال: نعم * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن طارق بن عبد الرحمن قال: كنت


(1) في سنن النسائي ج 5 ص 117 (سألت النبي) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الحديث اختصره المؤلف انظر ج 3 ص 45 من صحيح البخاري الذى طبع في ادارتنا *

[ 64 ]

جالسا عند سعيد بن المسيب فأتاه رجل فقال: ان أبى لم يحج قط أفأحج عنه؟ فقال له سعيد: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخص لرجل حج عن أبيه وهل هو إلا دين؟ * ومن طريق ابن أبى شيبة نا مروان بن معاوية - هو الفزارى - عن قدامة بن عبد الله الرؤاسى قال: سألت سعيد بن جبير عن أخى؟ فقلت: مات ولم يحج قط أفاحج عنه؟ فقال: هل ترك من ولد؟ قلت: ترك صبيا (1) صغيرا فقال: حج عنه فانه لو (2) وجد رسولا لارسل اليك أن عجل بها فقلت: أحج عنه من مالى أو من ماله؟ قال: بل من ماله قال: وسألت ابراهيم النخعي؟ فقال: حج عنه قال: وسألت الضحاك فقال: حج عنه من ماله؟ فان ذلك مجزئ عنه * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج عن فضيل بن عمروقال؟ نذرت امرأة أن تطوف بالبيت مقترنة (3) مع ابنتها فماتت الام قبل أن تطوف فسأل ابنها ابراهيم النخعي عن ذلك؟ فقال: طف أنت واختك عن أمك ولا تقترنا (4) * ومن طريق وكيع عن سفيان عن أسلم المنقرى عن عطاء قال: يحج عن الميت وان لم يوص * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى نهيك قال: سألت طاوسا عن امرأة ماتت وقد بقى عليها من نسكها فقال: يقضى عنها وليها، أبو نهيك - هو القاسم - ابن محمد الاسدي روى عنه سفيان. ومنصور. وجرير بن عبد الحميد * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء * ومن طريق حماد بن سلمة عن زياد الاعلم عن الحسن قال: عطاء. والحسن فيمن لم يحج الفريضة: انه يحج عنه من جميع المال والزكاة مثل ذلك أوصى أو لم يوص، وروى أيضا عن عبد الرحمن بن أبى ليلى * قال أبو محمد: وهو قول الاوزاعي. والثوري. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى. والشافعي. وأبى ثور. وأحمد. واسحاق. وأبى سليمان وأصحابهم * قال أبو محمد: قد ذكرنا قبل قول ابن عمر. والقاسم بن محمد. وخلافهم لهما، وروينا من طريق حماد بن زيد قال: سئل أيوب عن الوصايا في الحج؟ فقال: لا أعرف الوصايا في الحج انما الوصية في الاقربين قلنا: إذا فرط في الحج أيوصى به؟ قال: لا * وقد روينا عن ابراهيم النخعي من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم لا يقضى حج عن ميت * ومن طريق سعيد بن منصور عن هشيم عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم فيمن مات ولم يحج قال: كانوا يحبون ان يوصى ان ينحر عنه بدنة * ومن طريق سفيان عن منصور عنه لا يحج أحد عن أحد * ومن طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم


(1) في النسخة رقم (14) (ولدا) (2) في النسخة رقم (14) (ان) وهو غلط (3) في النسخة رقم (16) (مقرنة) (4) في النسخة رقم (16) (ولا تفترقا) *

[ 65 ]

ان أوصى بالحج حج عنه من ثلثه وإلا فلا * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن حساب عن ابن سيرين إذا أوصى بالحج فمن الثلث، وبهذا يقول حماد ابن أبى سليمان، وحميد الطويل. وداود بن أبى هند. وعثمان البتى * قال أبو محمد: ما نعلم لمن قال: بهذا حجة الا ما قد ذكرناه في الباب الذى قبل هذا وبينا انه حجة عليهم وانه لا حجة لهم فيه، وبالله التوفيق * قال أبو محمد: وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فالله أحق بالوفاء. ودين الله أحق ان يقضى) فلا يحل ان يقضى دين آدمى حتى تتم ديون الله عزوجل، وهو قول من ذكرنا، وأحد قولى الشافعي، وقول جميع أصحابنا، وللمالكيين. والحنيفيين فيما يبد أبيه في الوصايا أقوال لا يعرف لها وجه أصلا * 819 - مسألة - والحج لا يجوز شئ من عمله إلا في أوقاته المنصوصة ولا يحل الاحرام به إلا في أشهر الحج قبل وقت الوقوف بعرفة، وأما العمرة فهى جائزة في كل وقت من أوقات السنة، وفى كل يوم من أيام السنة، وفى كل ليلة من ليالها لاتحاش شيئا * برهان صحة قولنا قول الله عزوجل: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج) الآية، فنص عزوجل على أنه أشهر معلومات، وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري. وابن جريج كليهما عن أبى الزبير سمعت جابر بن عبد الله يسأل أيهل أحد بالحج قبل أشهر الحج؟ قال: لا * ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لا ينبغى لاحد ان يهل بالحج الا في اشهر الحج لقول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج) * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى قال: رأى عمرو بن ميمون بن أبى نعم (1) يحرم بالحج في غير أشهر الحج فقال: لو أن أصحاب محمد أدركوه رجموه * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى ان (2) عكرمة قال لابي الحكم: أنت رجل سوء لانك خالفت كتاب الله عزوجل وتركت سنة نبيه


(1) هو عبد الرحمن بن أبى نعم يضم النون وسكون العين المهملة - البجلى أبو الحكم الكوفى العابد، كان يحرم من السنة إلى السنة، وكان يقول: لبيك لو كان رياء لاضمحل، وكان من عباد أهل الكوفة ممن يصبر على الجوع الدائم أخذها الحجاج ليقتله وادخله بيتا مظلما وسد الباب خمسة عشر يوما ثم أمر بالباب ففتح ليخرج فيدفن فدخلوا عليه فأذا هو قائم يصلى، فقال له الحجاج: سر حيص شئت، وفى النسخة رقم (14) (نعيم) وهو غلط، وقد سبق في صفحة 16 من هذا الجزء في التحقيقات نقلا عن تهذيب التهذيب ان اسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم لاابن ابى انعم، وقلنا: لعل لفظ ابى زائد وهو سهو منانشأ من اتفاق النسختين على لفظ ابن ابى انعم) وهو غلط فيهما وصوابه كما هنا (ان ابى نعم) بحذف الهمزة، والله أعلم (2) في النسخة رقم (16) (عن) *

[ 66 ]

صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج)، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالبيداء وجعل القرية خلف ظهره أهل وانك تهل في غير أشهر الحج * وعن عطاء. وطاوس. ومجاهد قالوا: لا ينبغى لاحد أن يحرم بالحج في غير أشهر الحج * وعن عطاء والشعبى مثل ذلك قالا: فان أهل بالحج في غير أشهر الحج فانه يحل * وعن عطاء انه يحل ويجعلها غمرة وانه ليس حجا يقول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات) * وعن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن ابراهيم انه قال: لا ينبغى لاحد ان يحرم بالحج الا في أشهر الحج فان فعل فلا يحل حتى يقضى حجه، وقال الاوزاعي. والشافعي: تصير عمرة ولا بد، وقال أبو حنيفة. ومالك: يكره ذلك ويلزمه ان أحرم به قبل أشهر الحج * قال أبو محمد: ما نعلم في هذا القول سلفا من الصحابة رضى الله عنهم وهو خلاف القرآن وخلاف القياس، واحتج الشافعي بانه كمن أحرم بصلاة فرض قبل وقتها انها تكون تطوعا * قال أبو محمد: وهذا تشبيه الخطأ بالخطأ بل هو لا شئ لانه لم يأت بالصلاة كما أمر، وقال الله تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فصح أن عمل المحرم بالحج في غير أشهر الحج عمل ليس عليه أمر الله تعالى، ولاأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فصح أنه رد، ولا يصير عمرة ولا هو حج * والعجب من قول من يحتج من الحنيفيين (1) بانهم قد أجمعوا على انه يلزمه احرام مافاذ لا يجوز أن يكون عمرة فهو الحج، وان كان انما يناظر من يساعده على هذا الخطأ فهو لعمري لازم له وان كان قصد الايهام بأنه إجماع (تام) (2) فقد استسهل الكذب على الامة كلها نعوذ بالله من ذلك * قال على: وقد ذكرنا آنفا عن الشعبى. وعطاء ان يحل، وعن الصحابة رضى الله عنهم المنع من ذلك (جملة) (3) ونقول للحنيفيين والمالكيين: أنت تكرهون الاحرام بالحج قبل أشهر الحج وتجيزونه فأخبرونا عنكم أهو عمل بر وفيه أجر زائد؟ فلم تكرهون البر وعملا فيه أجر؟ هذا عظيم جدا وما في الدين كراهية البر وعمل الخير، أم هو عمل ليس فيه اجر زائد ولا هو من البر؟ فكيف أجز تموه في الدين ومعاذ الله من هذا؟ * قال أبو محمد: إذا هو عمل زائد لا أجر زائد فيه فهو باطل بلا شك، وقد قال تعالى: (ليحق الحق ويبطل الباطل)، ويقال للشافعي: كيف تبطل عمله الذى دخل فيه


(1) في النسخة رقم (14) (من قول محتج الحنيفيين) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الزيادة من النسخة رقم (14)

[ 67 ]

لانه خالف الحق ثم تلزمه بذلك العمل عمرة لم يردها قط ولاقصدها ولانواها؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انما الاعمال عمرة بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى) وهذا بين لاخفاء به، فبطل كلا القولين والحمد لله رب العالمين * ولا يختلف المذكورون في أن من أحرم بصلاة قبل وقتها فانها تبطل (1)، ومن نوى صياما قبل وقته فهو باطل، ومن قدم الوقوف بعرفة قبل وقته فهو باطل، فهلا قاسوا الحج على ذلك؟ وهلا قاسوا بعض عمل الحج على بعض؟ فهذا أصح قياس لو كان القياس حقا (2)، وهذا (3) مما خالفوا فيه القرآن. وعمل النبي صلى الله عليه وسلم. وأصحابه لايعرف لهم منهم مخالف والقياس، والعجب ان الحنيفيين قالوا: في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وسلم " في الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة ": حاشا الله ان يأتي رسول الله صلى الله عليه آله وسلم بكلام لا فائدة فيه (4) فهلا قالوا: ههنا في قول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات). حاشا لله من أن يقول في القرآن قولا لا فائدة فيه (5)، هذا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الزكاة في الغنم جملة دون ذكر سائمة، ولم يأت قط في قرآن ولا سنة جواز فرض الحج في غير أشهره المعلومات * (فان قالوا): أنتم لا تقولون بدليل الخطاب فلم جعلتم قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) حجة في ان لا يتعدى باعمال الحج إلى غيرها؟ قلنا: انما نمنع من دعوا كم في دليل الخطاب إذا أردتم أن تبطلوا به سنة أخرى عامة وأما إذا ورد نص بحكم ولم يرد نص آخر بزيادة عليه فلا يحل لاحد أن يتعدى بذلك الحكم النص الذى ورد فيه * وأما العمرة فان الخلاف قد جاء في ذلك - روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن الاعمش عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب سئل ابن مسعود عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال: الحج أشهر معلومات ليس فيهن عمرة * وعن وكيع عن ابن أبى رواد (6) عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: اجعلوا العمرة في غير اشهر الحج أتم لحجكم ولعمرتكم * وروينا من طريق الدراوردى عن الجعيد بن عبد الرحمن أن السائب بن يزيد استأذن عثمان بن عفان في العمرة في أشهر الحج فلم يأذن له * وروينا من طريق عائشة أم المؤمنين حلت العمرة الدهر الا ثلاثة أيام. يوم النحر، ويومين من أيام التشريق * ومن طريق قتادة عن معاذة عنها * وروينا أيضا عنها تمت العمرة السنة كلها الا أربعة أيام يوم عرفة. ويوم النحر. ويومين من أيام التشريق * وروى أيضا عنها إلا خمسة أيام يوم


(1) في النسخة رقم (14) (باطل) (2) في النسخة رقم (16) (صحيحا) (3) في النسخة رقم (16) (فهذا) (4) في النسخة رقم (14) (له) (5) في النسخة رقم (14) (له) (6) بفتح الراء وتشديد الواو، اسمه عبد العزيز، وفى النسخة رقم (16) (ابن ابى داود) وهو غلط *

[ 68 ]

عرفة، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق * وقال أبو حنيفة: العمرة كلها جائزة إلا خمسة أيام يوم عرفة ويوم النحر وثلاثة أيام التشريق * وقال مالك: العمرة جائزة في كل وقت من السنة الا للحاج خاصة في أيام النحر خاصة * وقال سفيان الثوري. والشافعي. وأبو سليمان كما قلنا * قال على: روينا من طريق مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب ان عمر ابن أبى سلمة استأذن عمر بن الخطاب في أن يعتمر في شوال فأذن له فاعتمر * ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج عن بسر بن سعيد قال: استأذنت أختى عبد الله بن عمر بعد ما قضت حجها أتعتمر في ذى الحجة؟ قال: نعم * وعن طاوس أن رجلا سأله فقال: تعجلت في يومين أفأعتمر؟ قال: نعم * قال أبو محمد: ليس قول بعضهم أولى من بعض، ولا بعض الروايات عن عائشة أولى من غيرها وقد حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن على بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - نا سمى - هو مولى أبى بكر - عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة والعمرة إلى العمرة تكفير لما بينهما) (1) قال أبو محمد: فحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمرة ولم يحد لها وقتا من وقت فهى مستحبة في كل وقت، وأما اختيار أبى حنيفة ففاسد جدا لانه لا حجة له على صحته دون سائر ماروى في ذلك وبالله تعالى التوفيق * 820 - مسألة - والحج لا يجوز الامرة في السنة، واما العمرة فنحب الاكثار منها لما ذكرنا من فضلها، فاما الحج فلا خلاف فيه، وأما العمرة فاننا روينا من طريق مجاهد قال على بن أبى طالب: في كل شهر عمرة * وعن القاسم بن محمد انه كره عمرتين في شهر واحد * وعن عائشة أم المؤمنين انها اعتمرت ثلاث مرات في عام واحد * وعن سعيد بن جبير. والحسن البصري. ومحمد بن سيرين. وابراهيم النخعي كراهة العمرة اكثر من مرة في السنة، وهو قول مالك، وروينا عن طاوس إذا مضت أيام التشريق فاعتمر متى شئت * وعن عكرمة اعتمر متى (2) أمكنك الموسى * وعن عطاء اجازة العمرة


(1) هو في البخاري بتقديم وتاخير واللفظ واحد إلا ان قوله (تكفير لما بينهما) ففى البخاري (كفارة لما بينهما، وكذلك رواه مسلم كلفظ البخاري ج 1 ص 382، والحج المبرور هو الذى لا يخالطه إثم، وقيل المتقبل، وقيل الذى لارياء فيه ولا سمعة ولارفث ولافسوق، وعلامته ان يزداد بعده خير أو لا يعاود المعاصي بعد رجوعه، يقال بر حجه وبر الله حجه برا - بالكسر - وايرارا، وقوله (ليس له جزاء إلا الحنة) أي لا يقتصر فيه على تكفير بعض الذنوب بل لابدان يبلغ به الجنة، ذكر ذلك المحب الطبري في كتابه القرى لقاصدام القرى والله اعلم (2) في النسخة رقم (16) (ما) والذى يظهر لى ان المعنى هنا اعتمر متى طال شعرك وامكنك حلقه بالموسى - وهى آلة الحلق والله اعلم *

[ 69 ]

مرتين في الشهر * وعن ابن عمر أنه اعتمر مرتين في عام واحد مرة في رجب، ومرة في شوال * وعن أنس بن مالك أنه أقام مدة بمكة فكلما جم رأسه (1) خرج فاعتمر وهو قول الشافعي. وأبى حنيفة. وأبى سليمان وبه نأخذ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعمر عائشة مرتين في الشهر الواحد (2) ولم يكره عليه السلام ذلك بل حض عليها واخبرانها تكفر ما بينها وبين العمرة الثانية فالاكثار منها أفضل، وبالله تعالى التوفيق * واحتج من كره ذلك بان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في عام الامرة واحدة قلنا: لا حجة في هذا لانه انما يكره ماحض على تركه وهو عليه السلام لم يحج مذ هاجر الا حجة واحدة ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عمر فيلزمكم ان تكرهوا الحج إلا مرة في العمر وان تكرهوا العمرة الا ثلاث مرات في الدهر، وهذا خلاف قولهم، وقد صح انه كان عليه السلام يترك العمل وهو يحب ان يعمل به مخافة ان يشق على أمته أو أن يفرض عليهم * والعجب أنهم يستحبون ان يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وان يقوم أكثر من ثلث الليل، وقد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم قط شهرا كاملا ولا أكثر من نصف الدهر ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة ولا أكثر من ثلث الليل فلم يروا فعله عليه السلام ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحة نهيه عن الزيادة في الصوم ومقدار ما يقام من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا فعله عليه السلام في انه لم يعتمر في العام الامرة مع حضه على العمرة والاثار منها حجة في كراهة زيادة على عمرة من العام وهذا عجب جدا * 821 - مسألة - وأشهر الحج شوال. وذو القعدة. وذو الحجة. (3) وقال قوم: شوال. وذو القعدة. وعشر من ذى الحجة * روينا قولنا عن ابن عباس (4)، وصح عن ابن عمر من طريق محمد بن اسحاق عن نافع عنه وهو قول طاوس. وعطاء * وروينا القول الآخر عن ابن عباس أيضا، وعن ابن مسعود. وابراهيم النخعي، وروينا عن الحسن شوال. وذو العقدة. وصدر ذى الحجة * قال أبو محمد: قال تعالى: (الحج أشهر معلومات) ولا يطلق على شهرين وبعض آخر اشهر، وأيضا فان رمى الجمار - وهو من اعمال الحج - يعمل اليوم الثالث عشر من ذى الحجة وطواف الافاضة - وهو من فرائض الحج - يعمل في ذى الحجة كله بلا خلاف منهم فصح أنها ثلاثة أشهر وبالله تعالى التوفيق * 822 - مسألة - وللحج. والعمرة مواضع تسمى المواقيت (5) واحدها ميقات


(1) أي طال شعر رأسه وتجمع (2) في النسخة رقم (14) (في شهر واحد) (3) وهذه تسمى مواقيت زمانية (4) انظر البخاري جزء 2 ص 277 (5) هذه تسمى المواقيت المكانية وهى اربعة، ذو الحليفة - بضم الحاء المهملة وفتح الام واسكان

[ 70 ]

لا يحل لاحد أن يحرم بالحج ولا بالعمرة قبلها * وهى لمن جاء من جميع البلاد على طريق المدينة أو كان من أهل المدينة، ذوالحليفة - وهو من المدينة على أربعة أميال - وهو من مكة على مائتي ميل - غير ميلين (1) * ولمن جاء من جميع البلاد. أو من الشام. أو من مصر على طريق مصر. أو على طريق الشام الجحفة، - وهى فيما (2) بين المغرب والشمال - من مكة ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلا * ولمن جاء من طريق العراق منها ومن جميع البلاد ذات عرق - وهو بين المشرق والشمال - من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وأربعون ميلا * ولمن جاء على طريق نجد من جميع البلاد كلها قرن - وهو شرقي من مكة - ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلا * ولمن جاء على طريق اليمن منها أو من جميع البلاد يلملم - وهو جنوب من مكة - ومنه إلى مكة ثلاثون ميلا، فكل من خطر على أحد هذه المواضع وهو يريد الحج. أو العمرة فلا يحل له ان يتجاوزه الا محرما فان لم يحرم منه. فلا احرام له. ولا حج له. ولا عمرة له الا أن يرجع إلى الميقات الذى مر عليه فينوي الاحرام منه فيصح حينئذا احرامه. وحجه. وعمرته، فان أجرم قبل شئ من هذه المواقيت وهو يمد عليها. فلا احرام له. ولا حج له. ولا عمرة له إلا أن ينوى إذا صار في الميقات تجديد احرام فذلك جائز، واحرامه حينئذ تام وحجه تام. وعمرته تامة * ومن كان من أهل الشام. أو مصر فما خلفهما فأخذ على طريق المدينة - وهو يريد حجا. أو عمرة - فلا يحل له تأخير الاحرام من ذى الحليفة ليحرم من الجحفة فان فعل فلا حج له. ولا احرام له. ولاعمرة له الا أن يرجع إلى ذى الحليفة فيجدد منها إحراما فيصح حينئذ إحرامه. وحجه وعمرته * فمن مر على أحد هذه المواقيت وهو لا يريد حجا. ولاعمرة فليس عليه ان يحرم فان تجاوزه بقليل. أو بكثير ثم بدا له في الحج. أو في العمرة فليحرم من حيث بدا له في الحج. أو العمرة، وليس عليه ان يرجع إلى الميقات، ولايجوز له الرجوع إليه، وميقاته حينئذ الموضع الذى بدا له في الحج أو العمرة فلا يحل له أن يتجاوزه إلا محرما. فان فعل ذلك فلا احرام له. ولا حج له. ولاعمرة له الا أن يرجع


الياء المثناة من تحت - اسم مالبنى جشم * والجحفة - بضم الجيم واسكان الحاء المهملة - وهى قرية كبيرة كانت عامرة ذات منبر سميت بذلك لان السيول أجحفتها وحملت اهلها * وذات عرق - بكسر العين المهملة واسكان الراء بعدها قاف - * وقرن - بفتح القاف واسكان الراء - ويقال له قرن المازل - بفتح الميم - وقرن الثعالب، واصل القرن انه كان جبلا صغيرا انقطع من جبل كبير، وقال الجوهرى: هو بفتح الراء وغلطوه فيه وفى قوله ان اويسا القرنى منسوب إليه * ويلملم - بفتح الياء واللامين واسكان الميم بينهما، ويقال فيه: يألملم بهمزة بعد الياء هو جبل تهامة والله اعلم * وقد نظمها بعض الشعراء في بيتين فقال: * عرق العراق يلملم اليمن * وبذي الحليفة يحرم المدنى والشام جحفة ان مررت بها * ولاهل نجد قرن نجد قرن فاستين (1) وهو أبعد المواقيت من مكة (2) في النسخة رقم (14) (وهى ما) *

[ 71 ]

إلى ذلك الموضع فيجدد منه احراما، فمن كان منزله بين الميقات ومكة فميقاته من منزله كما ذكرنا سواء سواء، أو من الموضع الذى بدا له أن يحج منه أو يعتمر كما قدمنا * ومن كان من أهل مكة فأراد الحج فميقاته منازل مكة، وان أراد العمرة فليخرج إلى الحل فيحرم منه وأدنى ذلك التنعيم * ومن كان طريقه لا تمر بشئ من هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء برا أو بحرا، فان أخرجه قدر بعد احرامه إلى شئ من هذه المواقيت ففرض عليه ان يجدد منها نية (1) احرام ولا بد * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا عمرو ابن منصور نا هشام بن بهرام نا (2) المعافى - هو ابن عمران الموصلي - نا أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت (3) لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل الشام. ومصر الجحفة، ولاهل العراق ذات عرق، ولاهل اليمين يلملم * قال أبو محمد: هشام بن بهرام (4) ثقة، والمعافى ثقة كان سفيان يسميه الياقوتة الحمراء، وباقيهم أشهر من ذلك * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة نا يحيى بن آدم نا وهيب - هو ابن خالد - نا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لاهل المدينة ذا الحليفة ولاهل الشام الجحفة ولاهل نجد قرن المنازل ولاهل اليمين يلملم وقال: هن لهم (5) ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فيمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة (6)) * نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد البلخى نا الفربرى نا البخاري نا مسدد نا حماد - هو ابن زيد - عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس (رضى الله عنهما) (7) قال: (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة ذا الحليفة. ولاهل


(1) في النسخة رقم (16) (ان يجدد منه) وما هنا اظهر (2) في النسائي ج 5 ص 123 (قال: حدثنا) (3) قال السيوطي في تعليقة على النسائي: حكى الاثرم عن احمد - يعنى ابن حنبل - انه سئل في أي سنة وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت؟ فقال: عام حجه * (4) بفتح الموحدة وكسرها (5) قال المحب الطبى في كتابه القرى لقاصدام القرى: هكذا جاء في بعض طرق الصحيحين، واكثر الزوايات فيهما (هن لهن) والاول اصح لانه ضمير أهل هذه المواضع المذكورة، وتخرج الروايات الاخر على المواضع نفسها أي هذه المواقيت لهذه الاقطار، والمراد أهلها، وأما جمعه مالا يعقل الهاء والنون في قوله (هن لم) فمستعملة عند العرب واكثر ما يستعمله فيما دون العشرة فيما زاد بالهاء لاغير، ومنه قوله تعالى: (منها اربعة حرم فلا تظلموا فيهن انفسكم) وقيل في الجميع، والله اعلم (6) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 328 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 266 *

[ 72 ]

الشام الجحفة. ولاهل نجد قرن المنازل. ولاهل اليمين يلملم فهن لاهلهن ولم أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذاك (1) حتى أهل مكة يهلون منها) * قال أبو محمد: فهذه الاخبار أتم من كل خبر روى في ذلك وأصح وهى منتظمة كل ما ذكرنا فصلا فصلا * قال أبو محمد: وفى بعض ما ذكرنا خلاف * فمنه ان قوما ادعوا أن ميقات أهل العراق العقيق (2) واحتجوا بخبر لا يصح لان راويه يزيد (3) بن زياد - وهو ضعيف - عن محمد بن على بن عبد الله بن العباس عن ابن عباس * ومنه أن المالكيين قالوا: من مر على المدينة من أهل الشام خاصة فلهم أن يدعوا الاحرام إلى الجحفة لانه ميقاتهم وليس ذلك لغيرهم، ومنع من ذلك أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان وغيرهم وهو الحق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هن لاهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة) فقد صار ذوالحليفة ميقاتا للشامي. والمصري إذا أتى عليه وكان ان تجاوزه غير محرم عاصيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وانما الميقات لمن مر عليه بنص كلامه عليه السلام لا لمن لم يمر عليه فقط * ولو أن مدنيا يمر على الجحفة يريد الحج وعرضت له مع ذلك حاجة إلى المدينة لم يجز له أن يؤخر الاحرام إلى ذى الحليفة * روينا من طريق سعيد بن منصور نا عبد العزيز - هو ابن محمد الدراوردى - أخبرني هشام بن عروة عن ابيه، وسعيد بن المسيب قالا جميعا: من مر من أهل الآفاق بالمدينة أهل من مهل النبي صلى الله عليه وسلم من ذى الحليفة * وروينا عن عطاء مثل قول مالك * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن جريج أخبرني نافع عن ابن عمر قال: أهل مصر، ومن مر من أهل الجزيرة على المدينة في الميقات من أهل الشام * قال أبو محمد: قول ابن عمر هذا يوجب عليهم تأخير الاحرام إلى الجحفه * ومنه من كانت طريقه على غير المواقيت فان قوما قالوا: إذا حاذى الميقات لزمه أن يحرم - وهو قول عطاء -، واحتجوا بما روينا من طريق ابن عمر قال: إن أهل العراق شكوا إلى عمر في حجهم أن قرن المنازل جور (4) عن طريقهم فقال لهم: انظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق *


(1) في النسخة رقم (14) (وكذلك) وما هنا موافق للبخاري (2) في النسخة رقم (14) (ذات عرق): (3) في النسخة رقم (16) (زيد) وهو غلط راجع ج 11 ص 329 من تهذيب التهذيب (4) أي مائل عن طريقهم ليس على جادته *

[ 73 ]

قال على: وهذا لا حجة لهم في لان الخبر المسند في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لاهل العراق وقد ذكرناه آنفا فانما حد لهم عمر ماحد لهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو لم يصح في ذلك خبر لما كان في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ويكفى من ذلك قوله عليه السلام الذى ذكرنا آنفا (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) وقد صح عن ابن عمر أنه لم يسمع توقيت النبي صلى الله عليه وسلم يلملم، فرواية من سمع. وعلم أتم من رواية من سمع بعضا ولم يسمع بعضا * وبرهان آخر وهو أن جميع الامة مجمعون اجماعا متيقنا على أن من كان طريقه لا يمر بشئ من المواقيت فانه لا يلزمه الاحرام قبل محاذاة موضع الميقات ثم اختلفوا إذا حاذى موضع الميقات فقالت طائفة: يلزمه أن يحرم، وقال آخرون: لا يلزمه فلا يجوز أن يجب فرض بغير نص ولا اجماع * ومنه من تجاوز الميقات وهو يريد حجا أو عمرة فلم يحرم منه وأحره بعده فان أبا حنيفة قال: هو مسئ ويرجع إلى ميقاته فيلبى منه ولادم عليه ولا شئ فان رجع إلى الميقات ولم يلب منه فعليه دم شاة، وكذلك عليه دم ان لم يرجع إلى الميقات وحجه وعمرته تامان (1) في كل ذلك * قال أبو محمد: ما نعلم أحدا قبله قسم هذا التقسيم (الطريف) (2) من اسقاطه الدم برجوعه إلى الميقات وتلبيته منه واثباته الدم ان لم يرجع أو ان رجع إلى الميقات ولم يلب (3) وهذا أمر لا يوجبه قرآن. ولاسنة صحيحة. ولا رواية سقيمة. ولاقول صاحب. ولا تابع. ولاقياس. ولانظر يعقل * وقال مالك. وسفيان. والاوزاعي والحسن بن حى. والليث. والشافعي. وأبو يوسف: ان رجع إلى الميقات فأحرم منه. فلا شئ عليه. لادم ولاغيره لبى أو لم يلب وان لم يرجع فعليه دم وحجه وعمرته صحيحان، وقال زفر: عليه دم شاة رجع إلى الميقات أو لم يرجع * قال أبو محمد: روينا من طريق ابن أبى شيبة قال: نا وكيع وابن علية قال وكيع: عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت، قال ابن علية: عن أيوب السختيانى عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد ثم اتفق حبيب. وجابر كلاهما عن ابن عباس انه كان يرد إلى الميقات الذين يدخلون مكة بغير احرام، قال جابر: رأيته يفعل ذلك * ومن


(1) في النسخة رقم (14) (وحجته وعمرته تامتان) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (14) (ان لم يطب) *

[ 74 ]

طريق عبد الرزاق عن ابن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس قال: إذا زل الرجل عن الوقت - وهو غير محرم - فانه يرجع إلى الميقات فان خشى ان يفوته الحج تقدم وأهراق دما، * وعن ليث عن عطاء عن ابن عباس إذا لم يهل من ميقاته اجزأه وأراق دما * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن اسماعيل عن وبرة ان رجلا دخل مكة - وعليه ثياب وقد حضر الحج وخاف ان رجع فوته - فأمره ابن الزبير ان يهل من مكانه فإذا قضى الحج خرج إلى الوقت فأهل بعمرة * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا ابن عيينة عن أبان بن تغلب (1) عن عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه أو عمه ان ابن مسعود رآهم بذات الشقوق فقال: ما هؤلاء؟ أتجار؟ قالوا: لا قال: فما يحبسهم عما خرجوا له؟ فمالوا إلى ادنى ماء فاغتسلوا وأحرموا * قال أبو محمد: ما نعلم عن الصحابة في هذا إلا ما اوردنا، وروى عن يحيى بن سعيد الانصاري انه كان لا يرى بأسا بتجاوز الميقات لمن أراد الحج والعمرة * وعن الزهري نحو هذا لمن توقع شيئا * وعن وكيع عن سفيان عن حبيب عن ابراهيم النخعي فيمن دخل مكة لاحاجا ولا معتمرا وخشى فوات الحج ان خرج إلى الميقات قال: يهل من مكانه قال حبيب: ولم يذكر دما * وعن الحسن. وسعيد بن جبير أنه يرجع إلى الميقات * وعن عطاء قال: مرة عليه دم ومرة قال: لا شئ عليه، روينا ذلك من طريق سعيد ابن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال: ليس على من تجاوز الميقات غير محرم شئ، قال سفيان: لا يعجبنا * ومن طريق سعيد بن منصور نا عتاب ابن بشير انا خصيف عن سعيد بن جبير قال: من جاوز الوقت الذى وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحرم منه (2) فلن يغنى عنه ان أحرم شيئا حتى يرجع إلى الوقت الذى وقت النبي صلى الله عليه وسلم فيحرم منه الا انسان أهله من وراء (3) الوقت فيحرم من أهله * قال أبو محمد: فأصح الروايات عن ابن عباس، وهذه الرواية عن سعيد بن جبير موافقة لقولنا، واضعف الروايات عن ابن عباس موافقة لقول الحاضرين من مخالفينا وليس بعض أقوالهم رضى الله عنهم بأولى من بعض، والواجب عند التنازع ما أوجبه الله تعالى إذا يقول (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)، ففعلنا ولله الحمد. فوجدنا الله تعالى قد وقت على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مواقيت وحد حدودا فلا يحل تعديها ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وقال رسول الله


(1) هو بفتح المثناة وسكون الغين المعجمة كسر الام، وفى النسخة رقم (16) (تعلب) بعين مهملة وهو غلط (2) في النسخة رقم (14) (فليس) (3) في النسخة رقم (14) (من ورا الميقات) *

[ 75 ]

صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال عليه السلام: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلم يجز أن يصحح عملا عمل على خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يشرع وجوب دم لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم (وما كان ربك نسيا) فيبيح من ماله المحرم ما لم يأت قرآن ولاسنة باباحته، وما نعلم لمن أوجب الدم واجاز الاحرام حجة أصلا (فان قالوا): ان أشياء جاء النص فيها بوجوب دم قلنا: نعم فلا يجوز تعديها وليس منكم أحد الا وقد أوجب الدم حيث لم يوجبه صاحبه، وهذا تحكم لا يجوز القول به، وبالله تعالى التوفيق * ومنه من أحرم قبل الوقت فان قوما استحبوه وقوما كرهوه وألزموه إذا وقع * روينا من طريق عبد الرحمن بن أذينة بن مسلمة العبدى عن أبيه قال: قلت لعمر بن الخطاب: انى ركبت السفن. والخيل. والابل فيمن أين أحرم؟ فقال: أئت عليها فاسأله؟ فسأل عليها؟ فقال له: من حيث ابدأت ان تنشئها من بلادك فرجع إلى عمر فاخبره فقال له عمر: هو كما (1) قال لك على * ومن طريق شعبة عن عمرو بن مرة (2) عن عبد الله بن سلمة ان رجلا سأل على بن أبى طالب عن قول الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال: أن تحرم من دويرة أهلك * وبه إلى عبد الله بن سلمة عن عائشة مثله * ومن طريق عبد الرحمن ابن مهدى عن هشيم عن أبى بشر عن سلام بن عمرو عن عثمان بن عفان العمرة تامة من أهلك * ومن طريق الحمانى عن هشيم عن بعض أصحابه عن ابراهيم عن ابن مسعود من تمام الحج ان يحرم من دويرة أهله * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن عيينة ابن عبد الرحمن عن أبيه انه رأى عثمان بن أبى العاص أحرم من المنجشانية بقرب البصرة * وعن الحسن أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة * وصح عن ابن عمر انه أحرم من بيت المقدس * وعن رجل لم يسم أن أبا مسعود أحرم من السيلحين (3) * وعن رجل ان ابن عباس أحرم من الشام في برد شديد * ومن طريق سعيد بن منصور نا حمادين زيد عن هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن محمد بن سيرين أنه خرج مع أنس إلى مكة فأحرم من العقيق * وعن معاذ انه أحرم من الشام * ورويناه من طريق الحذافى عن عبد الرزاق نا ابن جريج انا يوسف بن ماهك أنه سمع عبد الله بن أبى عمار أنه كان مع معاذ بن جبل، وكعب الخير فاحرما من بيت المقدس بعمرة وأحرم معهما * وبه إلى عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن سالم أن ابن عمر أحرم بعمرة من بيت


(1) في النسخة رقم (16) (هوما) (2) في النسخة رقم (16) (عن عبد الله بن مرة) وهو غلط راجع ج 8 ص 102 تهذيب التهذيب (3) اسم مكان بين الكوفة والقادسية *

[ 76 ]

المقدس * وعن ابراهيم كانوا يستحبون أول ما يحج الرجل أو يعتمر أن يحرم من أرضه التى يخرج منها * وعن سعيد بن جبير أنه أحرم من الكوفة * وعن مسلم بن يسار أنه أحرم من ضرية (1) * عن الاسود وأصحاب ابن مسعود انهم أحرموا من الكوفة * وعن طاوس. وعطاء نحو هذا * واحتج من رأى هذا بما روينا من طريق ابى داود نا أحمد بن صالح نا ابن أبى فديك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس (2) عن يحيى بن أبى سفيان الاخنسى (3) عن جدته حكيمة عن أم سلمة أم المؤمنين (4) انها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم (يقول: من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة) شك عبد الله أيهما قال؟ * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الاعلى ابن عبد الاعلى عن ابن اسحاق عن سليمان بن سحيم عن أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة (أن رسول (5) الله صلى الله عليه وسلم قال: من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له) * قال على: اما هذان الاثران فلا يشتغل بهما من له أدنى علم بالحديث لان يحيى بن أبى سفيان الاخنسى، وجدته حكيمة، وأم حكيم بنت أمية لا يدرى من هم من الناس؟ ولا يجوز مخالفة ماصح بيقين بمثل هذه المجهولات التى لم تصح قط، واحتج بعضهم (6) بأن عليا وأبا موسى أحرما من اليمن فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهما قال: وكذلك كعب بن عجزة * قال أبو محمد: ولا ندرى أين وجد هذا عن كعب بن عجزة؟ وأما على. وأبو موسى فانهما قدما من اليمن مهلين باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم فعلمهما عليه السلام كيف يعملان؟ وليس في هذا الخبر البتة ذكر للمكان الذى أحرما منه. ولا فيه دليل ولا نص بان ذلك كان بعد توقيته عليه السلام المواقيت فإذ ليس ذلك فيه فلا حجة لهم به أصلا، ولا نخالفهم في أن قبل توقيته عليه السلام المواقيت كان الاحرام جائزا من كل مكان * وأما من قدمنا ذكره من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم (7) فأما خبر ابن أذينة فاننا رويناه من طريق وكيع قال: نا شعبة عن الحكم - هو ابن عتيبة - عن يحيى بن الجزار عن ابن أذينة قال: أتيت عمر بن الخطاب بمكة فقلت له: إنى ركبت الابل والخيل


(1) بفتح اوله وكسر ثانيه وياء مشددة اسم مكان في طريق مكة من البصرة من نجد، وقيل: غير ذلك راجع معجم البلدان لياقوت الحموى (2) بضم الياء وفتح الحاء المهملة ونون ثقيلة مكسورة، وذكر تهذيب التهذيب جزء 5 ص 297. وقال في تلخيص الحبير: قال البخاري في تاريخه لا يثبت ذكره في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن يخس، وقال حديثه في الاحرام من بيت المقدس لا يثبت، والذى وقع في رواية ابى داود وغيره عبد الله بن عبد الرحمن لا محمد بن عبد الرحمن وكان الذى في رواية البخاري اصح اه‍ (3) هو بخاء معجمة ونون انظر تهذيب التهذيب ج 11 ص 224 (4) في سنن ابى داود ج 2 ص 77 (عن ام سلمة زوج النبي) (5) في النسخة رقم (14) (ان النبي عليه السلام) (6) في النسخة رقم (16) (واحتج الخصم) (7) في الكلام حذف ظاهر مغتفر *

[ 77 ]

حتى أتيتك فمن اين أعتمر؟ قال: ائت على بن أبى طالب فسله فأتيته فسألته فقال لى على: من حيث ابدأت - يعنى من ميقات أرضه - قال: فأتيت عمر فذكرت له ذلك، فقال: ما أجد لك الا ما قال ابن أبى طالب (قال أبو محمد): هكذا في الحديث نفسه يعنى من ميقات أرضه، فعاد حجة لنا عليهم لو صح من أصله * وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان حدثنى ابن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن البصري قال: أحرم عمران بن الحصين من البصرة فعاب ذلك عليه عمر بن الخطاب وقال: أردت أن يقول الناس: أحرم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصر من الامصار * قال على: عمر لا يعيب مستحبا فيه أجر وقربة إلى الله تعالى نعم ولا مباحا وانما يعيب مالا يجوز عنده، هذا ممالا يجوز أن يظن به غير هذا أصلا (1) * ورويناه من طريق سعيد بن منصور نا يزيد بن هارون عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن ان عمران بن الحصين أحرم من البصرة فبلغ ذلك عمر فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصره * قال أبو محمد: عمر لا يمكن البتة أن يغضب من عمل مباح عنده * وروينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: احرم عبد الله ابن عامر من حيرب (2) فقدم على عثمان بن عفان فلامه فقال له: غررت وهان عليك نسكك * قال أبو محمد: وعثمان لا يعيب عملا صالحا عنده ولا مباحا وانما يعيب مالا يجوز عنده لا سيما وقد بين أنه هو ان بالنسك، والهوان بالنسك لا يحل، وقد أمر تعالى بتعظيم شعائر الحج * وروينا من طريق وكيع نا عمارة بن زاذان قال: قلت لابن عمر: الرجل يحرم من سمرقند، أو من الوقت الذى وقت له، أو من البصرة، أو من الكوفة فقال ابن عمر: قد شقينا إذا * قال أبو محمد: لا يحتمل قول ابن عمر الا أنه لو كان الاحرام من غير الوقت مباحا لشقي المحرمون من الوقت * وروينا من طريق وكيع نا شعبة عن مسلم القرى قال: سألت ابن عباس بمكة من أين أعتمر؟ قال: من وجهك الذى حئت منه يعنى ميقات أرضه * قال أبو محمد: هكذا في الحديث نصا يعنى ميقات أرضه * قال على: فبطل تعلقهم بعمر. وعثمان. وعلى. وابن عباس. وابن عمر، وأما سائر الروايات التى ذكرنا عن


(1) واجاب عن ذلك بعضهم فقال: ويشبه ان يكون عمر رضى الله عنه انما انكر ذلك شفقة ان يعرض للمحرم إذا بعدت المسافة آفقة تفسد احرامه ورأى ان في قصر المسافة السلامة من ذلك: (2) في النسخة رقم (14) (من جيرب) بالجيم، ولم اجدهما في المعجم *

[ 78 ]

الصحابة والتابعين فليس في شئ منها انهم مروا على الميقات، وإذا ليس هذا فيها (1) فكذلك نقول: ان من لم يمر على الميقات فليحرم من حيث شاء، وبهذا تنفق الاخبار عنهم مع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يترك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عائشة. وابن عباس. وابن عمر رضى الله عنهم لظنون كاذبة لا دليل على صحة تأويلهم فيها، وهي خارجة أحسن خروج على موافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى لا يحل أن يظن بهم غيرها * قال أبو محمد: وما أتى إلى ماروى عن ابن مسعود من قوله: ان القبلة تفطر الصائم فقال: لعله اراد إذا كان معها منى، والى خبر عائشة رضى الله عنها انها كانت لا تدخل عليها من أرضعه نساء اخواتها فقال: لا ندرى لما ذا ولعله لامر ما وليس لانها كانت لا ترى ذلك الرضاع محرما، فليس له أن ينكر علينا حمل ما روى عنهم على حقيقته وظاهره بل الملامة كلها على ما أقحم في هذه الآثار ما ليس فيها من انهم جازوا على المواقيت بل قد كذب من قال: هذا بلا شك، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: أما أبو حنيفة. وسفيان. والحسن بن حى فاستحبوا تعجيل الاحرام قبل الميقات، وأما مالك فكرهه وألزمه إذا وقع، وأما الشافعي فكرهه، وأما أبو سليمان فلم يجزه وهو قول أصحابنا، فأما أبو حنيفة فانه ترك القياس إذا أجاز الاحرام قبل الميقات ولم يجز صلاة من صلى وبينه وبين الامام نهر ولا فرق بين الاحرام بالحج في غير موضع الاحرام وبين الاحرام بالصلاة في غير موضع الصلاة، وأما المالكيون فان حملوا هذه الآثار على ما حملوها عليه الحنيفيون فقد أعظموا القول على أصولهم إذكر هو ما استحبه الصابة، وان حملوها على ما حملناها نحن عليه فكيف يجيزون خلاف ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا ما لا مخلص منه، وبالله تعالى التوفيق * 823 - مسألة - فإذا جاء من يريد الحج أو العمرة إلى أحد هذه المواقيت فان كان يريد العمرة فليتجرد من ثيابه ان كان رجلا، فلا (2) يلبس القميص. ولا سراويل. ولا عمامة. ولا قلنسوة. ولا جبة. ولا برنسا. ولا خفين. ولا قفازين البتة لكن يلتحف فيما شاء من كساء. أو ملحفة. أو رداء، ويتزر ويكشف رأسه ويلبس نعليه، ولا يحل له أن يتزر ولا أن يلتحف في ثوب صبغ كله أو بعضه بورس. أو زعفران. أو عصفر، فان كان امرأة فلتلبس ما شاءت من كل ما ذكرنا أنه لا يلبسه الرجل وتغطى رأسها الا أنها لاتنتقب أصلا لكن اما ان تكشف وجهها وإما ان تسدل عليه ثوبا من فوق رأسها فذلك لها ان شاءت، ولا يحل لها أن تلبس شيئا صبغ كله أو بعضه بورس أو زعفران،


(1) في النسخة رقم (16) (واذ ليس في؟؟) الخ وما هنا أتم وأوضح (2) في النسخة رقم (14) (ولا) *

[ 79 ]

ولا أن تلبس قفازين في يديها ولها أن تلبس الخفاف والمعصفر، فان لم يجد الرجل ازارا فليلبس السراويل كما هي وان لم يجد نعلين فليقطع خفيه تحت الكعبين ولا بد ويلبسهما كذلك (1) * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر (قال) ((2) سأل رجل رسول (3) الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا احد - ولا يجد النعلين - فليلس خفين (4) وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس) * وبه إلى مسلم نا محمد بن رافع نا وهب بن جرير بن حازم نا أبى (قال) (5): سمعت قيسا - هو ابن سعد - يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم (وهو) (6) بالجعرانة قد أهل بالعمرة وهو مصفر رأسه ولحيته وعليه جبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (7) انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك) * قال أبو محمد: كل ماجب فيه موضع لاخراج الرأس منه فهو جبة في لغة العرب، وكل ما خيط أو نسج في طرفيه ليمتسك على الرأس فهو برنس كالغفارة (8) ونحوها * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق بن السليم نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا أحمد ابن محمد بن حنبل نا يعقوب - هو ابن ابراهيم بن سعد - نا أبى عن محمد بن اسحاق قال: إن نافعا مولى (عبد الله) (9) بن عمر حدثنى عن (عبد الله) بن عمر (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن على القفازين. والنقاب. (10) وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من الوان الثياب - من معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف -) *


(1) في النسخة رقم (14) (حينئذ) (2) الزيادة في النسخة رقم (14) (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 326 (ان رجلا سأل رسول الله) (4) في صحيح مسلم (الخفين) (5) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 328 (6) الزيادة من صحيح مسلم (7) في صحيح مسلم زيادة هنا ونصها (فقال: يارسول الله انى احرمت بعمرة وانا كما ترى فقال: انزع) الخ * (8) قال الجوهرى في صحاحه: (الغفارة الرقعة التى تكون على الحز الذى يجرى عليه الوتر) اه‍ (9) الزيادة من ابى داود ج 2 ص 103 في الموضعين (10) القفازين تثنية القفار بوزن رمان قال في القاموس: شئ يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد أو ضرب من الحلى لليدين والرجلين اه‍ والنقاب الخمار الذى يشد على الانف أو تحت المحاجر والله اعلم *

[ 80 ]

قال على: وحدثناه عبد الله بن ربيع قال: نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا نوح ابن حبيب القومسى نا يحيى بن سعيد - هو القطان - نا ابن جريج نا عطاء عن صفوان ابن يعلى ابن أمية عن أبيه (أن رجلا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحرم في جبة متضمخ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجبة فاخلعها وأما الطيب فاغسله ثم أحدث احراما) (1) * قال أبو محمد: نوح ثقة مشهور فالاخذ بهذه الزيادة واجب، ويجب احداث الاحرام لمن أحرم في جبة متضمخا بصفرة معا وان كان جاهلا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك الامن جمعهما، وقد ذكرنا في كتاب الصلاة نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن المعصفر جملة * قال أبو محمد: وفى بعض ما ذكرنا خلاف، وهو الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا غسل حتى لا يبقى منه أثر فقال قوم: لباسه جائز * قال على: قد روى بعض الناس في هذا أثرا فان صح وجب الوقوف عنده ولا نعلمه صحيحا وإلا فلا يجوز لباسه أصلا لانه قد مسه الورس. أو الزعفران * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الصمد بن عبد الوارث التنورى عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة أن عبد الله بن عروة سأل عروة بن الزبير عن الثوب المصبوغ إذا غسل حتى ذهب لونه يعنى بالزعفران للمحرم فنهاه عنه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن أبى بشر قال: كنت عند سعيد بن المسيب فقال له رجل: إنى أريد أن احرم ومعى ثوب مصبوغ بالزعفران فغسلته حتى ذهب لونه فقال له سعيد: أمعك ثوب غيره؟ قال: لا قال: فاحرم فيه * وروينا من طريق ابراهيم عن عائشة أم المؤمنين اباحة الاحرام فيه إذا غسل * ولا يصح سماع ابراهيم من عائشة * وروينا عن سعيد بن جبير وابراهيم. وعطاء. والحسن. وطاوس اباحة الاحرام فيه إذا غسل، وفى اسانيدهم مغمز * ومنه من وجد خفين ولم يجد نعلين فقد قال قوم: يلبسهما كما هما ولا يقطعهما، وقال قوم: يشق السراويل فيتزر بها * واحتج من أجاز له (3) لباس السراويل والخفين بما حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا شعبة بن الحجاج أخبرني (4) عمرو بن دينار


(1) الحديث اختصره المصنف انظر ج 5 ص 130 من سنن النسائي، وقال النسائي بعد ما ذكر الحديث (ثم احدث إحراما) ما اعلم احدا قاله غير نوح بن حبيب فلم يذكروها ولم يقبلها اهل العلم بالحديث من نوح (2) في النسخة رقم (14) (وقال بعضهم) (3) لفظ (له) زيادة من النسخة رقم (16) (4) (ارنى) *

[ 81 ]

سمعت جابر بن زيد قال: سمعت ابن عباس قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات فقال: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد ازار افليلبس سراويل)، وقال بعضهم: قطع الخفين إفساد للمال وقد نهى عنه * قال أبو محمد: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل خلافه. فليلبس السراويل كما هي ولا شئ في ذلك، وأما الخفان فحديث ابن عمر فيه زيادة القطع حتى يكونا أسفل من الكعبين على حديث ابن عباس فلا يحل خلافه، ولا ترك الزيادة * وروينا عن على بن أبى طالب (إذا لم يجد النعلين لبس الخفين وان لم يجد ازار فليلبس السراويل) وصح أيضا عن ابن عباس من قوله * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا عبيدالله بن عمر نا نافع عن ابن عمر قال: إذا لم يجد المحرم النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين * ومن طريق هشام بن عروة أن أباه قال: إذا لم يجد المحرم النعلين لبس الخفين أسفل من الكعبين * وعن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي أنه قال في المحرم لا يجد نعلين: قال: يلبس الخفين ويقطعهما حتى يكونا مثل النعلين، وهو قول ابراهيم النخعي. وسفيان. وقول الشافعي. وأبى سليمان وبه نأخذ * وروينا عن عائشة أم المؤمنين. والمسور بن مخرمة اباحة لباس الخفين بلا ضرورة للمحرم من الرجال * وقال أبو حنيفة: ان لم يجد ازار البس سراويل فان لبسها يوما إلى الليل فعليه دم ولابد، وان لبسه أقل من ذلك فعليه صدقة، وان لبس خفين لعدم النعلين يوما إلى الليل فعليه دم. وان لبسهما أقل فصدقة * وقال مالك: من لم يجد ازارا لبس سراويل وافتدى وان لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما ولا شئ عليه * وقال محمد بن الحسن: يشق السراويل ويتزر بها ولا شئ عليه * قال أبو محمد: أما تقسيم أبى حنيفة بين لباس السراويل والخفين يوما إلى الليل، وبين لباسهما أقل من ذلك فقول لا يحفظ عن أحد قبله، وليت شعرى ماذا يقولون: ان لبسهما يوما غير طرفة عين أو غير نصف ساعة وهكذا نزيد هم دقيقة دقيقة حتى يلوح (1) هذيانهم، وقولهم بالاضاليل في الدين، وكذلك ايجابه الدم في ذلك أو الصدقة لا نعلمه عن أحد قبله (فان قالوا) قسنا ذلك على الفدية الواجبة في حلق الرأس قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لان فدية الاذى جاءت بتخيير بين صيام. أو صدقة. أو نسك، وأنتم تجعلون ههنا الدم ولا بد أو صدقة غير محدودة


(1) في النسخة رقم (16) (حتى يليح) وهو صحيح من ألاح رباعى *

[ 82 ]

ولا بد: ولا سيما وأنتم تقولون: ان الكفارات لا يجوز أخذها بالقياس، فكم هذا التلاعب بالدين؟ * وأما قول مالك فتقسيمه بين حكم السراويل وبين حكم لبس الخفين خطأ لا برهان على صحته، ومالك معذور لانه لم يبلغه حديث ابن عباس وانما الملامة على من بلغه وخالفه لتقليد راى مالك * وأما قول محمد بن الحسن فخطأ لانه استدرك بعقله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يأمر به عليه السلام وأوجب فدية حديث لم يوجبها النبي عليه السلام * قال أبو محمد: وهم يعظمون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف وقد ذكرنا في هذه المسألة ما روى عن ابن عباس. وابن عمر. وعائشة. وعلى. والمسور، ولا نعلم لاحد من الصحابة رضى الله عنهم قولا غير الاقوال التى ذكرنا في هذه المسألة فخالفها الحنيفيون. والمالكيون كلها إلى آراء فاسدة لا دليل على صحتها أصلا، وبالله تعالى التوفيق * وروينا عن عائشة أم المؤمنين نهى المرأة عن القفازين * وعن على. وابن عمر أيضا وهو قول ابراهيم. والحسن. وعطاء وغيرهم * وروينا عن عائشة أم المؤمنين. وعن ابن عباس اباحة القفازين للمرأة، وهو قول الحكم. وحماد. وعطاء. ومكحول. وعلقمة. وغيرهم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكرنا هو الحاكم على ما سواه * وأما المعصفر فقد روينا عن عمر بن الخطاب المنع منه جملة وللمحرم خاصة أيضا عن عائشة أم المؤمنين وهو قول الحسن. وعطاء * وروينا عن جابر بن عبد الله. وابن عمر. ونافع بن جبير اباحته للمحرم ولم يبحه أبو حنيفة. ومالك للمحرم، وأباحه الشافعي * وروينا عن ابن عمر. وابن عباس. وعلى. وعقيل ابني ابى طالب. والقاسم بن محمد وغيرهم اباحة المورد للرجل المحرم وهو مباح إذا لم يكن بزعفران أو ورس أو عصفر لانه لم يأت عنه نهى في قرآن ولا سنة * 824 - مسألة - ونستحب الغسل عند الاحرام للرجال والنساء وليس فرضا الاعلى النفساء وحدها لما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن سلمة عن ابن القاسم حدثنى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبى بكر (الصديق) (1) بالبيداء فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مرها فلتغتسل ثم تهل) * 825 - مسألة - ونستحب للمرأة والرجل أن يتطيبا عند الاحرام بأطيب


(1) الزيادة من النسائي ج 5 ص 127، وقوله بعد (بالبيداء) هو اسم موضع بقرب المدينة *

[ 83 ]

ما يجد انه (1) من الغالية (2) والبخور بالعنبر وغيره، ثم لا يزيلانه عن أنفسهما ما بقى عليهما * وكره الطيب للمحرم قوم * روينا من طريق الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابيه قال: وجد عمر بن الخطاب ريح طيب بالشجرة فقال: ممن هذه؟ فقال معاوية: منى طيبتنى أم حبيبة فتغيظ عليه عمر، وقال: منك لعمري أقسمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسله عنك كما طيبتك، وأنه قال: انما الحاج الاشعث الادفر الاشعر (3) * ومن طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم ابن عبد الرحمن عن أبيه ان عثمان رأى رجلا قد تطيب عند الاحرام فأمره ان يغسل رأسه بطين * ومن طريق سفيان الثوري عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر يقول: لان أصبح مطليا بقطران أحب إلى من أن أصبح محرما أنضح طيبا (4) وهو قول عطاء. والزهرى. وسعيد بن جبير. ومحمد بن سيرين. ومالك. ومحمد بن الحسن إلا ان مالكا قال: ان تطيب قبل احرامه وقبل افاضته فلا شئ عليه * وأباحه جمهور الناس كما روينا آنفا عن أم حبيبة أم المؤمنين. ومعاوية * ورويناه أيضا عن كثير بن الصلت * ومن طريق وكيع عن محمد بن قيس عن بشير بن يسار الانصاري ان عمر وجد ريح طيب فقال: ممن هذه الريح؟ فقال البراء بن عازب: منى يا أمير المؤمنين قال: قد علمنا أن امرأتك عطرة انما الحاج الادفر الاغبر * وبه إلى محمد بن قيس عن الشعبى انه قال: كان عبد الله ابن جعفر يتطيب بالمسك عند احرامه * ومن طريق ابن أبى شيبة عن مروان بن معاوية الفزارى عن صالح بن حيان (5) قال: رأيت أنس بن مالك أصاب ثوبه من خلوق الكعبة وهو محرم فلم يغسله * ومن طريق سفيان عن أيوب السختيانى عن عائشة بنت سعد ابن أبى وقاص قالت: طيبت أبى بالسك والذريرة (6) لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يزور أو يطوف * ومن طريق معمر عن أيوب عنها وغيره انها سئلت؟ ما كان ذلك الطيب؟ قال: البان الجيد والذريرة الممسكة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن حماد ابن أسامة (7) عن عمر بن سويد الثقفى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كنا نضمخ جباهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم ثم نحرم ونحن مع رسول الله


(1) في النسخة رقم (16) (ما يجدونه) (2) هي نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن.. والتغلف بها التلطخ اه‍ نهاية (3) الاشعث مغبر الرأس، والادفر المنتن، والاشعر الذى لم يحلق شعره، لان الحاج ذاهب إلى عرفة لاظهار ذله وتواضعه ومسكنته إلى خالقه ليعطف عليه ويؤدى ما أمره مولاه به وأوجه عليه فليس محل اظهار الترفه، والله اعلم. قال المحب الطبري: حرجه احمد سعيد (4) هو في مسلم ج 1 ص 332 مطولا، والنسائي ج 5 ص 141 اطول من هذا وقوله (اتضح طيبا) أي افوح (5) في النسخة رقم (16) (حبان) بالباء الموحدة وهو غلط (6) السك بضم السين المهملة طيب معروف يضاف إلى غير من الطيب ويستعمل: والذريرة باذال المعجمة نوع من الطيب مجموع من اخلاط (7) في النسخة رقم (14) (عن حماد بن سلمة) والصحيح ما هنا:

[ 84 ]

صلى الله عليه وسلم فنعرق فيسيل على وجوهنا فلا ينهانا عنه النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق حماد بن سلمة قال حدثتني ذرة (1) انها كانت تغلف رأس عائشة أم المؤمنين بالمسك والعنبر عند الاحرام * ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أمه وهى بنت عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رايت عائشة تنكث (2) في مفارقها الطيب ثم تحرم * وعن أبى سعيد الخدرى انه كان يدهن بالبان عند الاحرام * ومن طريق وكيع عن سفيان عن عمار الدهنى عن مسلم البطين أن الحسين بن على امر لاصحابه بالطيب عند الاحرام * ومن طريق شعبة عن الاشعث ابن سليم عن مرة بن خالد الشيباني قال: سألنا أبا ذر بالربذة باى شئ يدهن المحرم؟ قال: بادهن * وعن أبى معاوية عن الاعمش عن أبى الضحى قال: رأيت عبد الله بن الزبير وفى رأسه ولحيته وهو محرم ما لو كان لرجل لا تخذ منه رأس مال * وعن وكيع عن هشام بن عورة عن أبيه عن ابن الزبير أنه كان يتطيب بالغالية الجيدة عند احرامه * ومن طريق وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال، سألت ابن عباس عن الطيب للمحرم؟ فقال: انى لاسغسغه (3) في رأسي قبل أن احرم ثم أحب بقاءه * وعن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا بالطيب عند الاحرام ويوم النحر قبل ان يزور * فهؤلاء جمهور الصحابة رضى الله عنهم سعد بن أبى وقاص، وأما (4) المؤمنين. عائشة وأم حبيبة. وعبد الله بن جعفر. والحسين بن على. وأبو ذر. وأبو سعيد. والبراء ابن عازب. وأنس. ومعاوية. وكثير بن الصلت. وابن الزبير. وابن عباس * وعن ابن الحنيفة أنه كان يغلف رأسه بالغالية الجيدة قبل أن يحرم، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يدهن بالسليخة - عند الاحرام - * وعن عثمان بن عروة بن الزبير ان أباه كان يحمر ثيابه. ويحرم فيمها، قال: وكان يرى لحانا تقطر من الغالية ونحن محرمون فلا ينكر ذلك علينا * وعن الاسود بن يزيد أنه كان يحرم ووبيص (5) الطيب يرى في رأسه ولحيته * وعن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة قال: كان أبى يقول لنا: تطيبوا قبل أن تحرموا وقبل أن تفيضوا يوم النحر * ومن طريق أحمد بن شعيب انا أيوب بن محمد الوزان (6) انا عمرو بن أيوب نا أفلح بن حميد عن أبى بكر - هو ابن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام - أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع أناسا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد العزيز.


(1) بالذال المعجمة صحابية رضى الله عنها (2) أي تضع الطيب في اصول الشعر وفى النسخة رقم (16) (تنكت) بالتاء المثناة * (3) بسينين مهملتين وغينين معجمتين أي اروى رأسي به، ويروى بالصاد بدل السين في الموضعين * (4) في النسخة رقم (14) (وامى المؤمنين) وهو غلط واضح، وفى النسخة رقم (16) (وام المؤمنين ام حبيبة) وما هنا خيرتهما، والله اعلم * (5) أي بريقه ولمعانه (6) في النسخة رقم (16) (الوراق) وهو غلط ايوب بن محمد بن زياد بن فروخ الوزان، قال في مامش الخلاصة كان يزن القطن اه‍ *

[ 85 ]

وخارجة بن زيد بن ثابت. والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق. وسالم. وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر. وابن شهاب. وأبو بكر بن عبد الرحمن فسألهم عن الطيب قبل الافاضة فكلهم أمره بالطيب - فلم يختلف (1) عليه أحد منهم الا أن عبد الله بن عبد الله ابن عمر قال له: كان عبد الله جادا مجدا وكان (2) يرمى الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله فقال سالم: صدق * ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار قال: قال سالم بن عبد الله بن عمر: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، وهكذا نص كلام سالم في الحديث ولم يتبع ما جاء عن أبيه وجده في ذلك * ورويناه أيضا عن ابراهيم النخعي. وابن جريج. واستحبه سفيان الثوري أي طيب كان عند الاحرام قبل الغسل وبعده؟ * قال أبو محمد: فهؤلاء جمهور التابعين. وفقهاء المدينة، وهو قول أبى حنيفة. وأبى يوسف. وزفر. ومحمد بن الحسن في أشهر قوليه، وقال الشافعي. وأحمد بن حنبل. واسحاق. وأبى سليمان وجميع أصحابهم * قال أبو محمد: أما عمر فقد ذكرنا آنفا إذا شم الطيب من البراء بن عازب ولم ينهه عنه أنه قد توقف - في كراهيته وانكاره - * وأما عبد الله ابنه فاننا رويناه عنه من طريق وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت ابن عمر عن الطيب عند الاحرام؟ فقال: لا آمر به ولا أنهى عنه * وروينا من طريق سعيد بن منصورنا يعقوب بن عبد الرحمن حدثنى موسى بن عقبة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: دعوت رجلا وأنا جالس بجنب أبى فأرسلته إلى عائشة أسألها عن الطيب عند الاحرام؟، وقد علمت قولها ولكن أحببت أن يسمعه أبى فجاءني رسولي فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الاحرام فأصب ما بدالك فصمت عبد الله بن عمر * قال على: هذا بأصح اسناد بيان في انه قد رجع عن كراهته جملة ولم ينكر استحسانه فسقط تعلقهم بعمر. وبعبد الله بن عمر، ولم يبق لهم الاعثمان وحده، وقد صح عنه رضى الله عنهم ما سنذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى من اجازة تغطية المحرم وجهه فخالفوه فسبحان من جعل قوله حيث لم تبلغه السنة حجة ولم يجعل فعله حيث لا خلاف فيه للسنن حجة! ان هذا لعجب * قال أبو محمد: فلما اختلفوا وجب الرجوع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم


(1) في النسخة رقم (16) (ولم يختلف) (2) في النسخة رقم (14) (كان) باسقاط الواو *

[ 86 ]

ابن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا محمد بن يوسف نا سفيان عن منصور عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر (رضى الله عنهما) (1) يدهن بالزيت فذكرته لابراهيم - هو النخعي - فقال: (2) ما تصنع بقوله: حدثنى الاسود عن عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنها) (3) قالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم؟ * نا أحمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا أبو اسماعيل - هو حمد ابن اسماعيل الترمذي - نا الحميدى نا سفيان بن عيينة نا عطاء بن السائب عن إبراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة قالت: رأيت الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثالثة وهو محرم * ورويناه أيضا من طريق علقمة ومسروق عن عائشة نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أحد بن منيع. ويعقوب الدورقى قالا جميعا: نا هشيم انا منصور - هو ابن المعتمر - عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا محمد بن منصور نا سفيان نا عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: قلت لعائشة: بأى شئ طيبت النبي صلى الله عليه وسلم؟ (6) قالت: بأطيب الطيب عند حله وحرمه (7) * ورويناه أيضا من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عنها * فهذه آثار متواترة متظاهرة لا يحل لاحد أن يخرج عنها، رواه عن أم المؤمنين عروة. والقاسم. وسالم بن عبد الله بن عمر. وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعمرة. ومسروق. وعلقمة. والاسود، ورواه عن هؤلاء الناس الاعلام * قال أبو محمد: فاعترض من قلد مالكا. ومحمد بن الحسن في هذا بأن قالوا: قد رويتم من طريق أبى عمير بن النحاس عن ضمرة بن ربيعة عن الاوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحلاله ولا حرامه طيبا لا يشبه طيبكم هذا - تعنى ليس له بقاء - * قال على: هذه لفظة ليست من كلامها بلا شك بنص الحديث وانما هو ظن ممن دونها، والظن اكذب الحديث، وقد صح عنها من طريق مسروق. وعلقمة. والاسود -


(1) الزيادة من البخاري ج 2 ص 270 (2) في البخاري (قال) (3) الزيادة من صحيح البخاري (4) جمع مفرق وهو وسط الراس (5) في النسخة رقم (14) (اطيب النبي عليه السلام) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 332 (6) في سنن النسائي ج 5 ص 138 (رسول الله) (2) في النسائي عند (حرمه وحله) والحرام بضم الحاء المهملة وسكون الراء - الاحرام بالحج *

[ 87 ]

وهم النجوم الثواقب - انها قالت: انها رأت الطيب في مفرقه عليه السلام بعد ثلاثة أيام (1) ولا ضعف أضعف ممن يكذب رواية هؤلاء عنها أنها رأت بعينها برواية أبى عمير ابن النحاس بظن ظنه من شاء الله تعالى أن يظنه، اللهم فلا اكثر فهذا عجب عجيب، وقال بعضهم: هذا خصوص له عليه السلام * قال أبو محمد: كذب قائل هذا (2) لان سالم بن عبد الله بن عمر روى عنها باصح اسناد أنها طيبته عليه السلام قالت: بيدى * رويناه من طريق حماد بن زيد عن عمرو ابن دينار عن سالم بن عبد الله عن عائشة * وروينا قبل أنهن كن يضمخن جباههن بالمسك ثم يحرمن ثم يعرقن فيسيل على وجوههن فيرى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره، ثم لو صح لهم كل هذه الظنون لكان هذا الخبر حجة عليهم لالهم على كل حال لان فيه أنه عليه السلام تطيب عند الاحرام بطيب، فيقال لهم (3): ليكن أي طيب شاء هو طيب على كل حال وأنهم يكرهون الطيب بكل حال فكم هذا التمويه بما هو عليكم؟ وتوهمون أنه لكم فسبحان من جعلهم يعارضون الحق البين بالظنون والتكاذيب! والذى يجب ان يحمل عليه قولها لا يشبه طيبكم هذا ان صح عنها على أنه أطيب من طيبنا لا يجوز غير هذا لقولها الذى أوردناه عنها آنفا: أنها طيبته على السلام باطيب الطيب * واعترض في ذلك من دقق منهم بما رويناه من طريق ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه سمع عائشة أم المؤمنين تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في نسائه ثم أصبح محرما قال: فصح عنه أنه اغتسل فزال ذلك الطيب عنه (4) * قال أبو محمد: نعوذ بالله من الهوى وما يحمل عليه من المكابرة للحق بالظن الكاذب، ويكذب ظن هذا الظان ما رواه كل من ذكرنا قبل عن عائشة ممن لا يعدل محمد بن المنتشر باحدمنهم لو انفرد فكيف إذا اجتمعوا؟ من أنها طيبته عليه السلام عند احرامه ولاحلاله قبل أن يطوف بالبيت * وما رواه من رواه منهم من أنها رأت الطيب في مفارقة عليه السلام بعد ثالثة من احرامه * وأيضا فقد صح بيقين لا خلاف فيه أنه عليه السلام انما أحرم في تلك (5) الحجة إثر صلاة الظهر، فصح أن الطيب الذى روى ابن المنتشر هو طيب آخر كان قبل ذلك بليلة طاف فيها عليه السلام على نسائه ثم أصبح كما في حديث ابن المنتشر، فبطل ان يكون لهم في حديث ابن المنتشر متعلق، وابن المنتشر كوفى فيا عجبا للمالكيين لا يزالون


(1) في النسخة رقم (14) (بعد ايام ثلاثة) (2) في النسخة رقم (14) (كذب هذا القائل) (3) في النسخة رقم (14) (قيل لهم) (4) في النسخة رقم (14) (فيزال عنه ذلك الطيب) (5) في النسخة رقم (16) (احرام تلك) *

[ 88 ]

يضعفون رواية أهل الكوفة فإذا وافقتهم تركوا لها المشهور من روايات أهل المدينة فكيف وليست رواية ابن المنتشر مخالفة لرواية غيره في ذلك؟ * واحتجوا بالخبر الذى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه قيل: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الاشعث التفل) * قال على: وهذا رواه ابراهيم بن يزيد وهو ساقط لا يحتج بحديثه، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة لانه لا يمكن أشعث تفلا من أول يوم ولا بعد يومين وثلاثة وانما أبحنا له الطيب عند الاحرام، وعند الاحلال كغسل الرأس بالخطمى حينئذ * وشغب بعضهم بالخبر الثابت الذى رويناه من طريق مسلم عن على بن خشرم انا عيسى - هو ابن يونس - عن ابن جريج أخبرني عطاء ان صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن (أباه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ثوب قد أظل به عليه (معه ناس من أصحابه فيهم عمر) (2) إذا جاءه رجل (عليه جبة صوف متضمخ بطيب) (3) فقال: يارسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ فجاءه الوحى) فذكر الخبر، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)، وهكذا رويناه من طريق يحيى القطان عن ابن جريج نصا * قال على: في احتجاجهم بهذا الخبر عبرة ولا حجة لهم فيه، أما العجب فانه كان في الجعرانة كما ذكر في الحديث، وعمرة الجعرانة كانت إثر فتح مكة متصلة به في ذى القعدة لان فتح مكة كان في شهر رمضان وكانت حنين متصلة به، ثم عمرة الجعرانة منصرفه عليه السلام من حنين، ثم حج تلك السنة عتاب بن أسيد، ثم كان عام قابل فحج بالناس أبو بكر، ثم كانت حجة الوداع في العام الثالث، وكان تطيب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه معه في حجة الوداع بعد حديث هذا الرجل بأزيد من عامين، فمن أعجب ممن يعارض آخر فعله عليه السلام بأول فعله هذا؟ لو صح أن حديث يعلى بن أمية فيه نهى عن الطيب للمحرم، وهذا لا يصح لهم لما نذكره ان شاء الله تعالى، وأما كونه لا حجة لهم فيه فان هذا الخبر رواه من هو أحفظ من ابن جريح وأجل منه فبينه كما حدثنا حمام عبد الله بن محمد ابن على الباجى نا أحمد بن خالد نا عبيد بن محمد الكشورى نا محمد بن يوسف الحذافى نا عبد الرزاق نا ابن عيينة - هو سفيان - عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بالجعرانة أتاه رجل متضمخ بخلوق وعليه مقطعات


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 328 (وعلى النبي صلى الله عليه وسلم) (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) الزيادة من صحيح مسلم *

[ 89 ]

فقال: يارسول الله إنى أهللت بعمرة فكيف تأمرني؟ وانزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فدعاني عمر فنظرت إليه فلما سرى عنه قال: أين السائل؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: ما كنت تصنع في حجتك؟ قال: أنزع ثيابي هذه وأغسل هذا عنى قال: فاصنع في عمرتك مثل ما تصنع في حجتك) (1) * قال على: عمرو بن دينار من التابعين صحب جابر بن عبد الله. وابن عباس. وابن عمر فقد بين أن ذلك الطيب انما كان خلوقا * وهكذا رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا وهب بن جرير بن حازم نا أبى قال: سمعت قيسا - هو ابن سعد - يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة وهو مصفر رأسه ولحيته (2) وعليه جبة فقال: يارسول الله إنى أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك * ومن طريق مسلم نا شيبان بن فروخ نا همام - هو ابن يحيى - نا عطاء - هو ابن أبى رباح - عن صفوان بن يعلى بن أمية (3) عن أبيه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة - عليه جبة وعليه خلوق أو قال: أثر الصفرة فذكرا لخبر - وفيه - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسل عنك أثر الصفرة أوقال: أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) * فاتفق عمرو بن دينار. وهمام بن يحيى. وقيس بن سعد كلهم عن عطاء في هذه القصة نفسها عن صفوان بن يعلى بن أمية عن ابيه أنه كان متضمخا بخلوق - وهو الصفرة نفسها وهو الزعفران - بلا خلاف (4) وهو محرم على الرجال عامة في كل حال. وعلى المحرم أيضا بخلاف سائر الطيب كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم


(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 327 بلفظ قريب من هذا (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 328 وهو مصفر لحيته ورأسه) (3) في صحيح مسلم (بن منية) وفى بعض النسخ (ابن امية) كماهنا، قال النووي: وهما صحيحان فأمية أبو يعلى، ومنية امه، وقيل: جدته والمشهور الاول، فنسب تارة إلى ابيه وتارة إلى امه وهى منية بضم الميم وبعدها نون ساكنة والله اعلم * (4) قال في اللسان الخلوق - بفتح الخاء المعجمة - والخلاق بكسرها - ضرب من الطيب، وقيل الزعفران اه‍ فأفادان الخلاق ليس هو الزعفران بلا خلاف، وقال العلامة ابن الاثير في النهاية: ذكر الخلوق قد تكرر في غير موضع وهو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من انواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وقد ورد تارة باباحته وتارة بالنهي عنه، والنهى أكثر واثبت، وانما نهى عنه لانه من طيب النساء وكن اكثر استعمالا له منهم، والظاهر ان أحاديث النهى نانسخة والله أعلم *

[ 90 ]

ابن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا مسدد نا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) أن يتزعفر الرجل) * نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا شعبة نا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الورس والزعفران قال: فقلت: للمحرم قال: نعم * فبطل تشغيبهم بهذا الخبر جملة لانه انما فيه نهى عن الصفرة لا عن سائر الطيب، ولانه لو كان فيه نهى عن الطيب وليس ذلك فيه لكان منسوخا بآخر فعله عليه السلام في حجة الوداع * وقال بعضهم: وجدنا المحرم منهيا عن ابتداء التطيب، وعن ابتداء الصيد، ثم وجدناه لو أحرم وفى يده صيد لوجب عليه ارساله فكذلك الطيب * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس فاسد، ثم لو صح لكان من القياس باطلا لانه لا يلزم من أحرم وفى يده صيد قد تصيده في احلاله أن يطلقه فهو تشبيه للخطأ بالخطأ، والعجب كله من قول هذا القائل: إن من أحرم وفى يده صيد وفى قفصه في منزله صيد أنه يلزمه اطلاق الذى في يده ولا يلزمه الطلاق الذى في القفص، وهذا عجب جدا وبالله تعالى التوفيق، وقاسه أيضا على من أحرم وعليه قميص. وسراويل. وعمامة * قال أبو محمد: ويعارض قياسهم هذا بانه لا يحل للمحرم أن يتزوج، فان تزوج ثم أحرم لم يبطل نكاحه (فان قالوا): لا نوافق على هذا قلتا: انما خاطبنا بهذا من يقول به من المالكيين، وأما أنتم فانكم تقولون: (ان) (2) المحرم ممنوع من ابتداء ذبح الصيد وأكله ولا تختلفون في أن من ذبح صيدا ثم أحرم فان ملكه وأكله له حلال * 826 - مسألة - ثم يقولون: لبيك بعمرة أو ينويان ذلك في انفسهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات) ونستحب أن يكون ذلك إثر صلاة فرض أو نافلة * 827 - مسألة - ثم يجتنبان تجديد قصد إلى الطيب فان مسهما من طيب الكعبة شئ لم يضر، أما اجتناب القصد إلى الطيب فلا نعلم فيه خلافا، وأما ان مسه شئ من طيب الكعبة أو غيرها عن غير قصد فلانه لم يأت فيه (3) نهى، وقد روينا عن أنس كما ذكرنا أنه أصابه فلم يغسله، وبه قال عطاء، وسئل عن ذلك؟ فقال: ليس عليه أن يغسله (4) *


(1) في صحيح البخاري ج 1 ص 280 (نهى النبي صلى الله عليه وسلم) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (لم يأت عنه) (4) في النسخة رقم (16) (وليس عليك ان تغسله) *

[ 91 ]

828 - مسألة - ولا بأس أن يغطى الرجل وجهه بما هو ملتحف به أو بغير ذلك ولا كراهة في ذلك، ولا بأس أن تسدل المرأة الثوب من على رأسها على وجهها * أما أمر المرأة فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما نهاها عن النقاب، ولا يسمى السدل نقابا فان كان البرقع يسمى نقابا لم يحل لها لباسه * وأما اللثام فانه نقاب بلا شك فلا يحل لها وقد قال الله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نهيتكم عن شئ فدعوه)، وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فصح أن ما لم يفصل لنا تحريمه فمباح، وما لم ينه عنه فحلال وبالله تعالى التوفيق * وقد صح في ذلك خلاف. روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا عبد العزيز بن عبد الله ابن أبى سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال: رأى ابن عمر امرأة قد سدلت ثوبها على وجهها - وهى محرمة - فقال لها: اكشفي وجهك فانما حرمة المرأة في وجهها * وصح خلاف هذا عن غيره كما روينا عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء بنت أبى بكر الصديق كانت تغطى وجهها وهى محرمة * وعن وكيع عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت: سئلت عائشة أم المؤمنين ما تلبس المحرمة؟ فقالت: لاتنتقب ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها * وعن عثمان أيضا كذلك، فكان المرجوع في ذلك إلى ما منع منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط * وأما الرجل فاننا روينا من طريق ابن أبى شيبة عن أبى معاوية عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن الفرافصة بن عمير قال: كان عثمان بن عفان. وزيد بن ثابت. وابن الزبير يخمرون وجوههم وهم محرمون * ومن طريق معمر. وسفيان بن عيينة كليهما عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: رايت عثمان بن عفان مخمرا وجهه بقطيفة أرجوان بالعرج (1) في يوم صائف وهو محرم * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: المحرم يغطى من الغبار ويغطى وجهه إذا نام ويغتسل ويغسل ثيابه. ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله. وابن الزبير انهما كانا يخمران وجوههما وهما محرمان * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس انه قال: المحرم يغطى ما دون الحاجب والمرأة تسدل ثوبها من قبل قفاها على هامتها *


(1) بفتح العين المهملة وسكون الراء قرية جامعة من عمل الفرع على ايام من المدينة *

[ 92 ]

وعن عبد الرحمن بن عوف أيضا إباحة تغطية المحرم وجهه وهو قول عطاء. وطاوس. ومجاهد. وعلقمة. وابراهيم النخعي. والقاسم بن محمد كلهم أفتى المحرم بتغطية وجهه وبين بعضهم من الشمس. والغبار. والذباب وغير ذلك، وهو قول سفيان الثوري. والشافعي. وأبى سليمان وأصحابهم، وروى عن ابن عمر لا يغطى المحرم وجهه * وقال به مالك. ولم ير على المحرم ان غطى وجهه شيئا لافدية. ولا صدقة. ولاغير ذلك الا أنه كرهه فقط بل قد روى عنه ما يدل على جواز ذلك * روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: الذقن من الرأس فلا تغطه، وقال: احرام المرأة في وجهها، واحرام الرجل في رأسه * وقال أبو حنيفة واصحابه: لا يغطى المحرم وجهه فان فعل فعليه الفدية * قال أبو محمد: ما نعلم أحدا قال هذا قبل أبى حنيفة، وهم يعظمون خلاف الجمهور، وقد خالفوا ههنا عبد الرحمن بن عوف. وعثمان بن عفان. وزيد بن ثابت. وجابر بن عبد الله. وابن عباس. وابن الزبير، وجمهور التابعين، فان تعلقوا بابن عمر فقد ذكرنا في هذا الباب عن ابن عمر نهى المرأة عن ان تسدل على وجهها وقد خالفوه وروينا عنه ما يدل على جواز تغطية المحرم وجهه كما ذكرنا آنفا، فمرة هو حجة ومرة ليس هو حجة أف لهذا عملا * قال أبو محمد: والعجب كل العجب انهم قالوا: لما كانت المرأة احرامها في وجهها كان الرجل بذلك أحق لانه أغلظ حالا منها في الاحرام * قال أبو محمد: والسنة قد فرقت بين الرجل والمرأة في الاحرام فوجب على الرجل في الاحرام كشف رأسه ولم يجب على المرأة، واتفقا في أن لا يلبسا قفازين واختلفا في الثياب فمن أين وجب أن يقاس عليها في تغطية وجهه؟ ان هذا القياس سخيف جدا، وأيضا فقد كذبوا وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الاحرام وان نهيت عن النقاب فقط فظهر فساد قياسهم * والعجب أنهم احتجوا في ذلك بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره في الذى مات محرما ان لا يخمر رأسه ولا وجهه رويناه من طرق جمة، منها من طريق مسلم نا أبو كريب نا وكيع عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أن رجلا أو قصته راحلته (1) وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء


(1) يقال أو قصته ووقصته كسرت عنقه فمات في الحال *

[ 93 ]

وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه (1) فانه يبعث يوم القيامة ملبيا) * قال أبو محمد: ان الحياء لفضيلة وكما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم انه من الايمان، وهم أول مخالف لهذا الحديث، وأول عاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فلا يرون فيمن مات محرما أن يكشف رأسه ووجهه بل يغطون كل ذلك. ثم يحتجون به في أن لا يغطى الحى المحرم وجهه ونعوذ بالله من الخذلان، ويقولون: ان الصاحب إذا روى خبرا وخالفه فهو دليل على نسخ ذلك الخبر عندهم هو، وابن عباس روى هذا الخبر (2)، وهو رأى للمحرم الحى أن يخمر وجهه فأين ذلك الاصل الخبيث الذى تعلقوا به في رد السنن (الثابتة؟) (3) * قال على: ونحن نقول: ان الحى المحرم لا يلزمه كشف وجهه. وانما يلزمه كشف رأسه فقط، فإذا مات أحدث الله تعالى له حكما زائدا وهو أن لا يخمر وجهه ولا رأسه لا يسأل عما يفعل تعالى، والقياس ضلال وزيادة في الدين شرعا لم يأذن به الله تعالى * قال على: لو كان تغطية المحرم وجهه مكروها أو محرما لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذ لم ينه عن ذلك فهو مباح وبالله تعالى التوفيق * 829 - مسألة - ونستحب أن يكثر من التلبية من حين الاحرام فما بعده دائما في حال الركوب، والمشى، والنزول، وعلى كل حال، ويرفع الرجل والمرأة صوتهما بها ولابد، وهو فرض ولو مرة، وهى لبيك اللهم لبيك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك * نا أحمد بن محمد بن الجسور نا أحمد بن الفضل الدينورى نا محمد بن جرير الطبري حدثنى محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي نا يعقوب بن محمد نا محمد بن موسى نا اسحاق ابن سعيد بن جبير عن جعفر بن حمزة بن أبى داود المازنى عن أبيه عن جده أبى داود - وهو بدرى - قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج. فلما كان بذى الحليفة صلى في المسجد أربع ركعات: ثم لبى دبر الصلاة ثم خرج إلى باب المسجد فإذا راحلته قائمة فلما انبعثت به أهل ثم مضى فلما علا البيداء أهل) (4) * قال على ومن حيث أهل اجزأه لانه فعل لا أمر * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج حدثنى حرملة ابن يحيى انا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: إن سالم بن عبد الله (بن عمر) (5) أخبرني عن أبيه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا يقول: لبيك اللهم لبيك


(1) في صحيح مسلم جزء 1 ص 328 (ولا تخمروا رأسه ولاوجهه) (2) في النسخة رقم (14) (فابن عباس روى هذا الخبر) (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (فلما مر على البيداء اهل) (5) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 329

[ 94 ]

لبيك (لا شريك لك لبيك) (1) ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لا يزيد على هؤلاء الكلمات " (2) * قال أبو محمد: وقد روى غيره الزيادة، ومن زاد ذكر الله تعالى فحسن ومن اختصر على هذه فحسن، كل ذلك ذكر حسن * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا قتيبة بن سعيد نا حميد بن عبد الرحمن عن عبد العزيز بن أبى سلمة - هو ابن الماجشون - عن عبد الله بن الفضل (3) عن الاعرج عن أبى هريرة قال: كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) لبيك إله الحق، قال أحمد بن شعيب (5): ما نعلم أحدا أسنده الا عبد الله بن الفضل (6) وهو ثقة * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن راهويه نا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبى بكر ابن عبد الرحمن عن خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جاءني حبريل فقال لى يا محمد مر أصحابك فليرفوا (7) أصواتهم بالتلبية " * قال أبو محمد: هذا أمر، وقال بعض الناس: يكره رفع الصوت * قال على: وهذا خلاف للسنة، وقال بعضهم: لاترفع المرأة * قال أبو محمد: هذا خطأ وتخصيص بلا دليل، وقد كان الناس يسمعون كلام أمهات المؤمنين ولاحرج في ذلك، وقد روى عنهن وهن في حدود العشرين سنة وفويق ذلك ولم يختلف أحد في جواز ذلك واستجابه * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا حميد - هو ابن عبد الرحمن - عن بكر ابن عبد الله المزني قال: سمعت ابن عمر يرفع صوته بالتلبية حتى انى لاسمع دوى صوته بين الجبال * وبه إلى هشيم انا الفضل بن عطية نا أبو حازم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم * ومن طريق وكيع نا ابراهيم بن نافع قال: قدمت امرأة أعجمية فخرجت مع الناس ولم تهل بشئ الا أنعا كانت تذكر الله تعالى فقال عطاء: لا يجزئها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن


(1) الزيادة من صحيح مسلم (2) في النسخة رقم (14) (على هذه الكلمات) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 329 (3) في النسخة رقم (16) (عبد الله بن الفضيل) وهو غلط (4) في النسائي جزء 5 ص 161 (النبي صلى اله عليه وسلم) * (5) في النسائي (قال أبو عبد الرحمن) وهى كنيته، وما هنا اسمه (6) في النسائي ج 5 ص 161 (لا اعلم احد اسند هذا عن عبد الله بن الفضل الا عبد العزيز رواه اسماعيل بن امية عنه مرسلا) (7) في النسائي ج 3 ص 162 (ان يرفعوا) *

[ 95 ]

ابن القاسم بن محمد عن أبيه قال: خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبة فقال (1): من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم فذكر ذلك لعائشة فقالت عائشة: لو سألني لاخبرته. فهذه أم المؤمنين ترفع صوتها حتى يسمعها معاوية في حاله التى كان فيها * (فان قيل): قد روى عن ابن عباس. لاترفع المرأة صوتها بالتلبية. وعن ابن عمر ليس على النساء ان يرفعن الصواتهن بالتلبية * قلنا: رواية ابن عمر هي من طريق عيسى ابن أبى عيسى (2) الخياط وهو ضعيف، ورواية ابن عباس هي من طريق ابراهيم بن أبى حبيبة وهو ضعيف. ولو صحا لكانت رواية عائشة موافقة للنص * 830 - مسألة - فإذا قدم المعتمر أو المعتمرة مكة فليدخلا المسجد ولا يبدءا بشئ لا ركعتين ولا غير ذلك قبل القصد إلى الحجر الاسود فيقبلانه، ثم يلقيان البيت على اليسار ولا بد، ثم يطوفان بالبيت من الحجر الاسود إلى أن يرجعا إليه سبع مرات منها ثلاث مرات خببا وهو مشى فيه سرعة، والاربع طوافات البواقى مشيا، ومن شاء ان يخب في الثلاث الطوافات وهى الاشواط من الركن الاسود مارا على الحجر إلى الركن اليماني، ثم يمشى رفقا من اليماني إلى الاسود في كل شوط من الثلاثة فذلك له، وكلما مرا على الحجر الاسود قبلاه وكذلك الركن اليماني أيضا فقط، فإذا تم الطواف المذكور أتيا إلى مقام ابراهيم عليه السلام فصليا هنالك ركعتين وليستا فرضا، ثم خرجا ولا بد إلى الصفا فصعدا عليه. ثم هبطا فإذا صارا في بطن الوادي أسرع الرجل المشى حتى يخرج عنه ثم يمشى حتى يأتي المروة فيصعد عليها ثم ينحدر كذلك حتى يرجع إلى الصفا ثم يرجع كذلك إلى المروة هكذا حتى يتم سبع مرات منها ثلاث خببا وأربع مشيا، وليس الخبب بينهما فرضا (3)، ثم يحلق الرجل رأسه أو يقصر من شعره ولا تحلق المرأة لكن تقصر من شعرها، وقد تمت العمرة وحل لهما كل ما كان حرم عليهما بالاحرام من لباس وغيره * قال أبو محمد: لا خلاف فيما ذكرنا الا في أشياء نبينها ان شاء الله عزوجل، وهى وجوب الخبب في الطواف، وجواز تنكيس الطواف بان يلقى البيت على اليمين، ووجوب السعي بين الصفا والمروة * برهان صحة قولنا (4) ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب أخبرني محمد بن سليمان لوين عن حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير عن


(1) في النسخة رقم (16) (فقيل) وما هنا اولى (2) في بعض النسخ (الحناط) بالنون بدل الياء التحيتة آخر الحروف وكلاهما صحيح يقال له: الحناط والخياط والخياط لانه كان يعالج الصنائع الثلاثة راجع تهذيب التهذيب جزء 8 ص 224 * (3) سقط من النسخة رقم (16) من قوله: (منه ثلاث خببا) إلى هنا خطأ (4) في النسخة رقم (14) (برهان صحة ما قلناه) *

[ 96 ]

ابن عباس قال: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) قال المشركون: (انهم يقدم عليكم قوم) (2) وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرا فأطلع الله عزوجل نبيه عليه السلام على ذلك فأمر أصحابه ان يرملوا وان يمشوا مابين الركنين) (3) فهذا أمر واجب * وبه إلى أحمد بن شعيب انا عبيدالله بن سعيد بن قدامة نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع ان عبد الله بن عمر كان يرمل الثلاث ويمشى الاربع ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) كان يفعل ذلك * فهذا بيان الرمل انما هو في الثلاثة الاشواط الاول، وان الرمل في جميع تلك الاشواط جائز (فان قيل) ان ابن عباس قال في الرمل: ليس سنة وهو راوي الحديث * قلنا: لا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نسألكم ما قولكم. وقول أهل الاسلام فيهم لو أنهم إذا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يرملوا؟ يقولون له: لانفعل، - قد أعاذهم الله تعالى من ذلك - أعصاة كانوا يكنون أم مطيعين؟ * وأما وجوبه فقد روينا من طريق ابن عمر. وعطاء. وسليمان بن يسار. ومكحول ليس على النساء رمل من طرق لو شئنا لتكلمنا في أكثرها لضعفها * وروينا عن ابن عباس. وعطاء ليس على من ترك الرمل شئ * وعن ابراهيم عليه فدية * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا الثقفى - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن حبيب - هو ابن أبى ثابت - عن عطاء انه سئل عن المجاور إذا أهل من مكة هل يسعى الاشواط (الثلاثة)؟ (5) قال: انهم يسعون قال: فاما ابن عباس فانه قال: انما ذلك على أهل الآفاق * ومن طريق عبد الرزاق عن زكريا بن اسحاق عن ابراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال: خرج ابن الزبير. وابن عمر فاعتمرا من الجعرانة لما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة قال مجاهد: وكنت جالسا عند زمزم فلما دخل ابن الزبير ناداه ابن عمر ارمل الثلاث الاول فرمل ابن الزبير السبع كله * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى أسامة عن هشام عن الحسن. وعطاء قالا: ليس على أهل مكة رمل ولا على من أهل منها الا ان يجئ أحد من أهل مكة من خارج * فهذه رواية عن ابن عباس بايجاب الرمل على أهل الآفاق * وعن الحسن وعطاء مثل ذلك * وعن ابن عمر بايجابه ذلك عن ابن الزبير وهو * (هامش) (1) في النسائي ج 5 ص 230 (النبي صلى الله عليه وسلم) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) ولم توجد في سنن النسائي في هذا الحديث (3) في النسائي زيادة اسقطها المصنف وهى (وكان المشركون من ناحية الحجر فقالوا: لهؤلاء اجلد من كذا) * (4) في النسخة رقم (14) (ان النبي عليه السلام) وما هنا موافق للنسائي ج 5 ص 229 (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 97 ]

ساكن بمكة، وأقل هذا أن يكون اختلافا من قولى ابن عباس. وعطاء. وقد ذكرنا ما تركوا فيه الجمهور وما انفردوا به بغير سنة لكن برأى، وهم يعظمون ذلك، ونحن لا ننكره إذا اتبعت السنة في خلافه * وأما تقبيل الركنين فسنة وليس فرضا لانه لم يأت بذلك أمر، وانما هو عمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، وقد طاف عليه السلام راكبا يشير بمحجن في يده إلى الركن * وأما تنكيس الطواف فان أبا حنيفة أجاز تنكيس الوضوء، وتنكيس الاذان، وتنكيس الاقامة، وتنكيس الطواف * قال أبو محمد: إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبب في الاشواط المذكورة فقد علمهم من اين يبتدئون؟ وكيف يمشون؟ فصار ذلك امرا، وأمره عليه السلام فرض، ولا أعجب ممن لا يرى العمرة. أو الحج يبطلان بمخالفة ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يراهما يبطلان بما لم يأت فيه أمر بذلك من الله تعالى، ولامن رسوله صلى الله عليه وسلم كتعمد الامناء في مباشرة امرأة بغير جماع ونحو ذلك * وأما الطواف بين الصفا والمروة في العمرة فان أنسا وغيره قالوا: ليس فرضا * روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ. (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان لا يطوف بهما) * قال أبو محمد: هذا قول من ابن عباس لا ادخال منه في القرآن * وعن ابن عباس أيضا: العمرة الطواف بالبيت * ومن طريق شعبة عن عاصم الاحول قال: سمعت أنس ابن مالك يقرأ (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) * ومن طريق عبد بن حميد عن الضحاك بن مخلد (1) عن ابن جريج عن عطاء عن ابن مسعود مثل ذلك * ومن طريق عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد المقرى عن أبى حنيفة عن ميمون بن مهران عن أبى بن كعب مثل ذلك، وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن الزبير قال في الطواف بين الصاف والمروة: هما تطوع، واحتج من رأى هذا القول بقول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) * وروينا عن عائشة رضى الله عنها إيجاب فرض السعي بينهما، وقالت في هذه الآية: انما نزلت في ناس كانوا لا يطوفون بينهما، فلما كان الاسلام طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: لو لم تكن إلا هذه الآية لكانت غير فرض لكن الحجة في فرض ذلك


(1) في النسخة رقم (16) (عن مخلد) وهو خطأ *

[ 98 ]

ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى موسى الاشعري قال: (قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال لى: أحججت؟ فقل: نعم فقال: بم أهللت؟ (قال) (1) قلت: لبيت (2) باهلال كاهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقد أحسنت طف بالبيت، وبين الصفا والمروة وأحل (3)) * قال على: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضا * وأما الرمل بينهما فحدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا محمود بن غيلان المروزى نا بشرين السرى نا سفيان - هو الثوري - عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر يمشى بين الصفا والمروة فقال: ان امش فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى وان اسع فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى (4) * قال على: والخبر الذى فيه (اسعوا فان الله كتب عليكم السعي) (5) فانما روته صفية بنت شيبة عن امرأة لم تسم، وقد قيل: هي بنت أبى تجراة وهى مجهولة، ولو صح لقلنا: بوجوبه، ومن عجز عن الخبب المذكور مشى ولا شئ عليه لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) * 831 - مسألة - ولا يحل للمحرم بالعمرة أو بالحج تصيد شئ ممما يصاد ليؤكل ولا وطئ كان له حلالا قبل إحرامه ولا لباس شئ مما ذكرنا قبل (6) ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لباسه المحرم، قال الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم). وقال تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، وهذا أيضا (7) لا خلاف فيه * 832 - مسألة - ومن أراد العمرة - وهو بمكة - إمامن أهلها، أو من غير أهلها ففرض عليه أن يخرج للاحرام بها إلى الحل ولابد فيخرج إلى أي الحل شاء ويهل بها فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبى بكر بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر منه، واعتمر عليه السلام من الجعرانة فوجب ذلك في العمرة خاصة، وبالله تعالى التوفيق * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا عمرو بن على نا أبو عاصم نا عثمان بن الاسود نا ابن أبى ملكية عن عائشة أم المؤمنين


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 348 (2) في صحيح مسلم (لبيك) (3) الحديث ذكره المصنف مختصرا (4) هو في النسائي ج 5 ص 241 (5) هو في سنن الدارقطني ص 270 وانظر الكلام على بنت ابى تجراة (6) هو ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف إليه مع نية معناه، وقوله (ان النبي) معمول لذكرنا (7) في النسخة رقم (14) (وهذا الصيد) *

[ 99 ]

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن أخاها أن يعمرها من التنعيم وانتظرها عليه السلام بأعلى مكة حتى جاءت) * 833 - مسألة - وأما من أراد الحج فانه إذا جاء إلى الميقات (1) كما ذكرنا غلا يخلو من أن يكون معه هدى، أو ليس معه هدى، والهدى إما من الابل. أو البقر. أو الغنم، فان كان لاهدى معه - وهذا هو الافضل - ففرض عليه أن يحرم بعمرة مفردة ولابد لا يجوز له غير ذلك، فان احرم بحج، أو بقران حج وعمرة ففرض عليه أن يفسخ إهلاله ذلك بعمرة يحل إذا أتمها لا يجزئه غير ذلك، ثم إذا أحل منها ابتدأ الاهلال بالحج مفردا من مكة وهذا يسمى متمتعا، وان كان معه هدى ساقه مع نفسه فنستحب له أن يشعر هديه ان كان من الابل، وهو أن يضربه بحديدة في الجانب الايمن من جسده حتى يدميه ثم يقلده، وهو أن يربط نعلا في حبل ويعلقها في عنق الهدى وان جلله بحل (2) فحسن، فان كان الهدى من الغنم فلا اشعار فيه لكن يقلده رقعة جلد في عنقه، فان كان من البقر فلا اشعار فيه ولا تقليد كانت له اسنمة أو لم تكن، ثم يقول: لبيك بعمرة وحج معا لا يجزئه الا ذلك ولابد، وان قال: لبيك بحج وعمرة، أو لبيك عمرة وحجا أو حجة وعمرة، أو نوى كل ذلك في نفسه، ولم ينطق به فكل ذلك جائز، وهذا يسمى القران * ومن ساق من المعتمرين الهدى فعل فيه من الاشعار. والتقليد ما ذكرنا، ونحب له في كل ما ذكرنا أن يشترط فيقول عند اهلاله: اللهم ان محلى حيث تحبسني، فان قال ذلك فأصابه أمر ما يعوقه عن تمام ما خرج له من حج أو عمرة أحل ولا شئ عليه لاهدى ولاقضاء الا ان كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه أن يحج حجة الاسلام وعمرته * برهان ما ذكرنا. ما رويناه من طريق مسلم نا ابن أبى عمر نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أراد منكم أن يهل بحج، أو عمرة فليفعل، ومن اراد أن يهل بحج فليهل، ومن اراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج، وأهل به ناس معه (3) وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بعمرة (وكنت فيمن أهل بالعمرة) (4) * قال أبو محمد: فهذا أول أمره عليه السلام بذى الحليفة عند ابتداء احرامهم وارادتهم الاهلال بلا شك إذ هو نص الحديث * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا


(1) في النسخة رقم (14) (جاء الميقات) (2) الجل بضم اوله هو الدابة كالثوب للانسان يلبسه يقيه البرد والجمع جلال وأجلال (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 340 سقط جملة (واهل به ناس معه)، وهى موجودة في نسخ الشرح (4) الزيادة من صحيح مسلم *

[ 100 ]

أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا ابن نميرنا أبو نعيم - هو الفضل بن دكين - نا موسى ابن نافع قال: (قدمت مكة متمتعا بعمرة قبل التروية باربعة أيام فقال الناس: تصير حجتك الآن مكية) (1) فدخلت على عطاء بن أبى رباح فقال: حدثنى جابر بن عبد الله أنه حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدى معه، وقد أهلوا بالحج مفردا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحلوا من احرامكم فطوفوا بالبيت. وبين الصفا والمروة. وقصروا واقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذى قدمتم بها متعة) (2) * وبه إلى مسلم نا اسحاق - هو ابن راهويه عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر ابن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله انه أخبره عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال عليه السلام (لو انى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جعشم (3) فقال: يارسول الله ألعامنا هذا أم للابد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم اصابعه واحدة في الاخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لابل لابد أبد) (4) * نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا موسى ابن اسماعيل نا وهيب - هو ابن خالد نا أيوب هو السختيانى عن أبى قلابة عن أنس بن مالك قال: (صلى الله عليه وسلم وسلم - ونحن معه بالمدينة - الظهر أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح. ثم ركب حتى اتوت به راحلته على البيداء حمدالله وسبح (وكبر) (5)، ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما فلما قدمنا امر الناس فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلو بالحج) (6) * نا حمام بن أحمد نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا أحمد بن خالد نا عبيد بن محمد الكشورى نا محمد بن يوسف الحذافى نا عبد الرزاق نا مالك. ومعمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فاهللنا بعمرة ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ولا يحل حتى يحل منهما جميعا) * قال أبو محمد: ففى هذه الاحاديث الثابتة برهان كل ما قلنا ولله تعالى الحمد، وهى أربعة أحاديث * ففى الاول الذى من طريق جابر أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بحج مفرد


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 345 (2) اختصر المصنف الحديث وله بقية راجع صحيح مسلم ج 1 ص 345 (3) هو ضم الجيم والشين المعجمتين وقيل بضم الجيم وفتح الشين بينهما عين مهملة ساكنة (4) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 346 فلولا جدا اقتصر المصنف على محل الشاهد منه وقوله (لا بد أبد) باضافة الاول للثاني وتنوين الثاني ومعناه لآخر الدهر، والله اعلم (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 274 (6) الحديث له بقية انظر ج 2 ص 346 من صحيح البخاري طبع ادارتنا *

[ 101 ]

ولا هدى معه يحل بان يحل بعمرة ولابد، ثم يهل بالحج يوم التروية قيصير متمتعا * وفى الحديث الثالث من طريق أنس أمره صلى الله عليه وسلم من أهل بحج وعمرة قارنا ولاهدى معه أن يهل بعمرة ولابد ثم يهل بالحج يوم التروية فيصير أيضا متمتعا * وفى الحديث الثاني الذى من طريق جابر أمره صلى الله عليه وسلم كل من لا هدى معه عموما بان يحل بعمرة، وان هذا هو آخر أمره على الصفا بمكة، وأنه عليه السلام اخبر بان التمتع أفضل من سوق الهدى معه، وتأسف إذا لم يفعل ذلك هو، وأن هذا الحكم (هو) (1) باق إلى يوم القيامة وما كان هكذا فقد أمنا أن ينسخ أبدا، ومن أجاز نسخ ما هذه صفته فقد أجاز الكذب على خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا من تعمده كفر مجرد، وفيه أن العمرة قد دخلت في الحج وهذا هو قولنا لان الحج لا يجوز الا بعمرة متقدمة له يكون بها متمتعا أو بعمرة مقرونة معه ولا مزيد * وفى الحديث الرابع الذى من طريق عائشة أم المؤمنين أمره صلى الله عليه وسلم من معه هدى أن يقرن بين الحج، والعمرة وبه يقول ابن عباس، ومجاهد، وعطاء واسحاق بن راهويه، وغيره * نا احمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أبو إسماعيل محمد بن اسماعيل نا أحمد بن صالح نا عنبسة حدثنى يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن كريب أنه حدثه عن ابن عباس أنه كان يقول: ما طاف رجل بالبيت ان كان حاجا الا حل بعمرة إذا لم يكن معه هدى، ولا طاف ومعه هدى الا اجتمعت له حجة وعمرة * ومن طريق مسلم بن الحجاج نا اسحاق - هو ابن راهويه - انا محمد بن بكر انا ابن جريج اخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولاغير حاچ إلا حل فقلت لعطاء: من أين تقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق). قلت: فان ذلك بعد المعرف قال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلو في حجة الوداع * ومن طريق عطاء. ومجاهد ان ابن عباس كان يأمر القارن ان يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدى * ومن طريق طاوس عن ابن عباس والله ما تمت حجة رجل قط الا رجل اعتمر في وسط السنة * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن ابن مهدى نا سفيان - هو الثوري - عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى موسى


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) *

[ 102 ]

الاشعري قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت؟ قلت (: أهللت) (1) باهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل سقت من هدى؟ قلت: لا قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي فكنت أفتى الناس بذلك في إمارة أبى بكر وامارة عمر فانى (2) لقائم بالمؤسم إذ جاءني رجل فقال: انك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك قلت: يا أيها الناس من كنا أفتيناه بشئ فليتئد فان أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا به فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما (هذا) (3) الذى أحدثت في شأن النسك قال: ان نأخذ بكتاب الله تعالى فان الله تعالى قال: (وأتموا الحج والعمرة لله). وان نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فانه (4) لم يحل حتى نحر الهدى * قال أبو محمد: هذا أبو موسى قد أفتى بما قلنا مدة إمارة أبى بكر وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما، وليس توقفه لما شاء الله تعالى ان يتوقف له حجة على ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحسبنا قوله لعمر ما الذى احدثت في شأن النسك؟ فلم ينكر ذلك عمر، وأما قول عمر رضى الله عنه في قول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله). فلا اتمام لهما إلا علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وهو الذى أنزلت عليه هذه الاية، وأمر ببيان ما أنزل عليه من ذلك * وأما كونه عليه السلام لم يحل حتى نحر الهدى فان أم المؤمنين ابنته حفصة رضى الله عنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان فعله كما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة أم المؤمنين انها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحل انت من عمرتك؟ قال: إنى لبدت رأسي وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر * ورواه أيضا على كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني معاوية بن صالح الاشعري نا يحيى بن معين نا حجاج - يعنى ابن محمد الاعور - نا يونس - يعنى ابا اسحاق السبيعى - عن أبيه عن البراء - هو ابن عازب - عن على بن أبى طالب ((ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: انى سقت الهدى وقرنت لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدى وقرنت) (5) * فهذا أولى ان يتبع من رأى رآه عمر قد صح عنه رجوعه عنه، وقد خالفوه فيه أيضا كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عن جعفر بن محمد عن أبيه قال في


(1) الزيادة من النسائي ج 5 ص 154 (2) في النسائي (وانى) (3) الزيادة من النسائي (4) في النسائي ج 5 ص 155 (فان نبينا صلى الله عليه وسلم) (5) هو في النسائي ج 5 ص 149 اختصره المصنف *

[ 103 ]

كتاب على بن ابى طالب: من شاء ان يجمع بين الحج والعمرة فليسق هديه معه * نا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد ابن على بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا هشيم نا منصور - هو ابن المعتمر - قال: حج الحسن البصري وحججت معه في ذلك العام فلما قدمنا مكة جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد انى رجل بعيد الشقة من أهل خراسان وانى قدمت مهلا بالحج فقال له الحسن: اجعلها عمرة وأحل فانكر ذلك الناس على الحسن وشاع قوله بمكة فاتى عطاء بن ابى رباح فذكر ذلك له فقال: صدق الشيخ، ولكنا نفرق (1) ان نتكلم بذلك * قال أبو محمد: ليس انكار اهل الجهل حجة على سنن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق عبد الرازق عن ابن جريج عن عطاء قال: من اهل من خلق الله تعالى ممن له متعة بالحج خالصا أو بحجة وعمرة فهى متعة سنة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن ابيه انه سئل عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت العمرة في الحج؟ فقال: هو الرجل يفرد الحج ويذبح فقد دخلت له عمرة في الحچ فوجبتا له جميعا * ومن طريق عبد الرزاق نا عمر بن ذر أنه سمع مجاهدا يقول: من جاء حاجا فاهدى هديا فله عمرة مع حجة * ومن طريق سعيد بن منصور نا عتاب بن بسير نا خصيف عن عطاء. ومجاهد ان ابن عباس كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدى، قال خصيف: وكنت مع مجاهد فأتاه الضحاك بن سليم وقد خرج حاجا فسأل مجاهدا فقال له مجاهد: اجعلها عمرة فقال: هذا أول ما حججت فلا تشايعني نفسي فاى ذلك ترى أتم؟ ان أمكث كما انا أو أجعلها عمرة؟ قال خصيف: فقلت له: أظن هذا أتم لحجك ان اتمكث كما أنت، فرفع مجاهد تبنة من الارض وقال: ما هو بأتم من هذا، وهو قول اسحاق بن راهويه * وقال عبيدالله بن الحسن القاضى. وأحمد بن حنبل باباحة فسخ الحج لا بايجابه، ومنع منه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي * قال على: روى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لاهدى له ان يفسخ حجه بعمرة ويحل بأوكد امر جابر (2) بن عبد الله. وعائشة ام المؤمنين. وحفصة أم المؤمنين (كذلك) (3). وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى. واسماء بنت أبى بكر الصديق. وأبو موسى الاشعري وأبو سعيد الخدرى. وأنس. وابن عباس. وابن عمر. وسبرة بن معبد. والبراء بن عازب. وسراقة بن مالك. ومعقل بن يسار خمسة عشر من الصحابة رضى الله عنهم * ورواه عن هؤلاء نيف وعشرون من التابعين * ورواه عن هؤلاء من لا يحصيه الا الله عزوجل، فلم يسمع احدا الخروج عن هذا * * (هامش) (1) أي تخاف (2) هو فاعل روى (3) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 104 ]

واحتج من خالف كل هذا باعتراضات لاحجة لهم في شئ منها * منها انهم ذكروا خبرا رويناه من طريق مالك عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج وأهل بالحج وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع بين الحج والعمر ة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر) * وبخبر رويناه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن عروة، وقد ذكر له عن رجل ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه طاف بالبيت وحل)) فقال عروة عن عائشة في حديث: قالت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (انه اول شئ بدأ به حين قدم مكة انه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر فكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شئ بدأ به الطواف (بالبيت) (1)، ثم لم يكن غيره، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع الزبير أبى (2) فكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم رأيت المهاجرين والانصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره ولا أحد ممن مضى (ما) (3) كانوا يبدؤن بشئ حين يضعون أقدامهم أول (4) من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي. وخالتي تقدمان لا تبدأن بشئ أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي انها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلو، وقد كذب فيما ذكر من ذلك) * وبخبر رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن محمد بن بشير العبدى عن محمد بن عمرو ابن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم للحج ثم ذكرت أن من كان منهم أهل بحج مفرد. أو بعمرة وحج فلم يحلل حتى قضى مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل حتى يستقبل حجا) * قال أبو محمد: حديث أبى الاسود عن عروة عن عائشة، وحديث يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب عنها منكران، وخطأ عند أهل العلم بالحديث * نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا عبيدالله بن محمد السقطى نا أحمد بن جعفر نا محمد بن مسلم الختلى نا عمر بن محمد بن عيسى الجوهرى السدانى نا


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) وهى موافقة لصحيح مسلم ج 1 ص 354 (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 354 (مع ابى الزبير بن العوام) والمغنى واحد (3) الزيادة من صحيح مسلم (4) في النسخة رقم (14) (اولى) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 354 هو الصحيح *

[ 105 ]

أحمد بن محمد الاثرم نا أحمد بن حنبل فذكر حديث مالك عن أبى الاسود الذى ذكرنا آنفا فقال أحمد: ايش في هذا الحديث من العجب؟ هذا خطأ، قال الاثرم: فقلت له: الزهري عن عروة عن عائشة بخلافه قال أحمد: نعم، وهشام بن عروة * قال أبو محمد: ولابي الاسود المذكور حديث آخر في هذا الباب لاخفاء بفساده وهو خبر رويناه من طريق البخاري نا أحمد بن صالح (1) نا ابن وهب انا عمرو بن الحارث عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ان عبد الله مولى اسماء (بنت أبى بكر قال): (2) حدثه انه كان يسمع أسماء بنت أبى بكر تقول كلما مرت بالحجون (3): صلى الله على رسوله لقد نزلنا معه ههنا. ونحن يومئذ خفاف قليل ظهرنا (4) قليلة أزوادنا فاعتمرت انا وأختى عائشة. والزبير. وفلان. وفلان فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا من العشى بالحج * قال على: وهذا باطل بلا خلاف من أحر لان عائشة رضى الله عنها لم تعتمر في عام حجة الوداع قبل الحج أصلا لانها دخلت وهى حائض - حاضت بسرف ولم تطف بالبيت الا بعد ان طهرت يوم النحر هذا أمر في شهرة الشمس، ولذالك رغبت من النبي صلى الله عليه وسلم ان يعمرها بعد الحج فأعمرها من التنعيم بعد انتقضاء أيام التشريق كلها رواه جابر ابن عبد الله، ورواه عن عائشة عروة. والقاسم بن محمد. وطاوس. ومجاهد. والاسود ابن زيد. وابن أبى مليكة * وبلية أخرى في هذا الخبرو هي قوله فيه: ثم أهللنا من العشئ بالحج وهذا باطل بلا خلاف لان عائشة أم المؤمنين. وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عباس كلهم رووا ان الاحلال كان يوم دخولهم مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في حجة الوداع صبح رابعة من ذى الحجة، والاحاديث في ذلك مشهورة قد ذكرناها في كتبنا وذكرها الناس وكل من جمع في المسند فظهر عوار رواية أبى الاسود، وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لا هدى له بفسخ الحج وانهم فسخوه، ولا يعدل أبو الأسود بالزهرى * روينا من طريق البخاري نا يحيى بن بكير نا الليث - هو ابن سعد - عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال قال عبد الله بن عمر في عمر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم: فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم


(1) وقع في البخاري (احمد) غير منسوب وهى رواية الاكثر، وفى رواية كريمة (احمد بن عيسى) وعليها جرينا في نسختنا المطبوعة، وفى رواية ابى ذر حدثنا احمد بن صالح وهى موافقة لماهنا (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 24 (3) هو بفتح الحاء المهملة اسم الحاء المهملة اسم موضع بمكة عند المحصب، وقيل جبل معروف بمكة (4) أي مراكبنا *

[ 106 ]

منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ويقصر (1) وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة وإذا رجع إلى أهله، قال الزهري عن عروة: أن عائشة أخبرته (عن النبي صلى الله عليه وسلم) (2) في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل ما اخبر به سالم عن أبيه (3)، ورواه أيضا عن عائشة من لا يذكر معه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وهم القاسم بن محمد ابن أبى بكر، والاسود بن يزيد، وذكوان مولاها وكان يؤمها، وعمرة بنت عبد الرحمن * وكل واحد من هؤلاء أخص بعائشة وأعلم وأضبط وأوثق من يحيى بن عبد الرحمن * روينا من طريق مسلم حدثنى سليمان بن عبيدالله الغيلانى (4) نا أبو عامر (عبد الملك ابن عمرو) (5) العقدى نا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وفيه (فلما قذمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه الهدى فكان الهدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبى بكر. وعمر. وذوى اليسارة ثم أهلوا حين راحوا) * ويكفى من كل هذا أن أن هذه الاخبار الثلاثة من طريق أبى الاسود، ويحيى بن عبد الرحمن انما هي موقوفة لا مسندة ولا حجة في موقوف فكيف إذا روى بضعة وعشرون من التابعين عن خمسة عشر من الصحابة خلاف ذلك؟ * وأسلم الوجوه لحديثي ابى الاسود. وحديث يحيى بن عبد الرحمن أن يخرج على أن المراد بقولها: ان الذين أهلوا بحج أو حج وعمرة (6) لم يحلوا (7) إلى يوم النحر (8) انما كانوا من كان معه هدى فاهل بهما جمعيا أو أضاف العمرة إلى الحج كما روى مالك عن الزهري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتخرج جينئذ هذه الاخبار سالمة لان ماروته الجماعة عنها فيه زيادة لم يذكرها أبو الأسود، ولا يحيى بن عبد الرحمن لو كان ما رويا مسندا فكيف وليس مسندا؟ ونحمل حديث أبى الاسود عن عروة في حج أبى بكر. وعمر. وسائر من ذكرنا على أنهم كانوا يسرقون الهدى فتتفق الاخبار * واحتجوا أيضا بنهي عمر. وعثمان عن ذلك *


(1) في صحيح البخاري ج 2 ص 324 (وليقصر) وهى رواية الاكثر وما هنا موافق لما في فتح الباري ج 3 ص 431 وهى رواية ابى ذر (2) الزيادة من صحيح البخاري (3) في صحيح البخاري بمثل الذى اخبرني سالم عن ابن عمر) (4) في النسختين (سليمان ابن عبد الله الغيلانى) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب ج 4 ص 209، ومن صحيح مسلم جرء 1 ص 341 وفيه زيادة (أبو ايوب) (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) في النسخة رقم (16) (اهلوابا لحج والعمرة) وهو غلط انظر صفحة 104 (7) في النسخة رقم (16) (لم يهلوا) وهو غلط انظر ص 104 (8) تقدم في ص 104 (حتى كان يوم النحر) وهو اوضح في التعبير من هنا *

[ 107 ]

قال أبو محمد: هذا عليهم لالهم لانه ان كان نهيهما رضى الله عنهما حجة فقد صح عنهما النهى عن متعة الحج. وهم يخالفونهما في ذلك * نا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن على ابن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا هشيم. وحماد بن زيد قال هشيم: انا خالد - هو الحذاء - وقال حماد: عن أيوب السختيانى ثم اتفق أيوب وخالد كلاهما عن أبى قلابة قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما هذا لفظ أيوب، وفى رواية خالد أنا أنهى عنهما واعاقب عليهما. متعة النساء. ومتعة الحج * وبه إلى سعيد بن منصور ناهشيم انا عبد الله بن عون عن القاسم بن محمد ان عثمان فهى عن المتعة يعنى متعة الحج * وبه إلى سعيد بن منصور نا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبد العزيز بن عن أبيه ان عثمان بن عفان سمع رجلا يهل بعمرة وحج فقال: على بالمهل فضربه وحلقه * قال أبو محمد: وهم يخالفونهما ويجيزون المتعة حتى انها عند أبى حنيفة، والشافعي أفضل من الافراد فسبحان من جعل نهى عمر. وعثمان رضى الله عنهما عن فسخ الحج حجة! ولم يجعل نهيهما عن متعة الحج وضربهما عليها حجة! ان هذا لعجب! * (فان قالوا): قد أباحها بن أبى وقاص وغيره قلنا: وقد أوجب فسخ الحج ابن عباس وغيره ولافرق * واحتجوا بما رويناه أيضا من طريق البزارنا عمر بن الخطاب السجستاني نا الفريابى (1) نا ابان بن أبى حازم (2) حدثنى أبو بكر بن حفص عن ابن عمر عن عمر قال: يا أيها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا * ومن طرق أبى ذر كانت المتعة في الحج رخصة لنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم * وعن عثمان كانت متعة الحج لنا ليست لكم * قال أبو محمد: هذا كله خالفه الحنيفيون والمالكيون والشافعيون لانهم متفقون على اباحة متعة الحج، وأما حديث عمر فانما هو في متعتة النساء بلا شك لانه قد صح عنه الرجوع إلى اللفول بها في الحج، وهؤلاء مخالفون اهذا الخبران كان محمولا عند هم على متعة الحج * روينا من طريق شعبة عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لو اعتمرت في سنة مرتين ثم حججت لجعلت مع حجتى عمرة * ورويناه


(1) في النسختين (الفاريانى) وهو غلط لان شيخ عمر بن الخطاب السجستاني محمد بن يوسف الفريابى فتصحف في النسختين إلى الفاريانى، وهو نسبة إلى فرياب أو فارياب أو فيرياب بلدة من نواحى بلخ (2) في النسخة رقم (16) (ابان بن ابى حاتم) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب وغيره *

[ 108 ]

أيضا من طريق سفيان عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس عن عمر بمثله * ورويناه أيضا من طرق * واحتجوا بما رويناه أيضا من طريق المرقع عن أبى ذر انه قال: كان فسخ الحج من رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا خاصة * ومن طريق عبد الرحمن بن الاسود عن سليمان أو سليم ابن الاسود أن أبا ذر قال فيمن حج ثم فسخها عمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق موسى بن عبيدة عن يعقوب بن زيد عن أبى ذر قال: لم يكن لاحد بعدنا ان يجعل حجته عمرة انما كانت لنار خصة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: ان لم يكن قول أبى ذر ان متعة الحج خاصة لهم حجة فليس قوله ان فسخ الحج خاص لهم حجة لا سيما وذلك الاسناد عنه صحيح لانه من رواية ابراهيم التيمى عن أبيه، وهذه الاسانيد عنه واهية لانها عن المرقع وسليمان أو سليم وهما مجهولان، وعن موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف فكيف وقد خالفه ابن عباس. وأبو موسى؟ فلم يريا ذلك خاصة، ولايجوز ان يقال في سنة ثابتة أنها خاصة لقوم دون قوم إلا بنص قرآن أو سنة صحيحة لان أوامر النبي صلى الله عليه وسلم على لزوم الانس والجن الطاعة لها والعمل بها * (فان قيل): هذا لا يقال بالرأى قلنا: فيجب على هذا متى وجد أحد من الصحابة يقول في آية أنها مخصوصة أو منسوخة أن يقال بقوله (1)، وأقرب ذلك قولهم في المتعة انها خاصة وقد خالفوا ذلك * واحتجوا بما رويناه من طريق ربيعة الرأى عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قلت: يا رسول الله (أفسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: لكم خاصة) * قال أبو محمد: الحارث بن بلال مجهول ولم يخرج احد هذا الخبر في صحيح الحديث، وقد صح خلافه بيقين كما اوردنا من طريق جابر بن عبد الله ان سراقة بن مالك قال لرسول صلى الله عليه وسلم: إذا أمرهم بفسخ الحج في عمرة: يارسول الله (لعامنا هذا أم لابد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل لابد الابد) * ومن طريق البخاري نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل عارم - ناحماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر بن عبد الله، وعن طاوس عن ابن عباس قالا جميعا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم صبح رابعة من ذى الحجة يهلون بالحج لا يخلطة شئ فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وان نحل إلى نسائنا ففشت في دلك القالة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بلغني أن قوما يقولون: كذا وكذا والله لانا ابر وأتقى لله منهم. ولو أنى استقبلت


(1) في النسخة رقم (14) (ان يقول بقوله) وما هنا اولى *

[ 109 ]

من أمرى ما استدبرت ما أهديت، ولولا ان معى الهدى لاحللت فقام بن جعشم فقال: يارسول الله هي لنا أو للابد قال لابل الابد) * قال أبو محمد: وهكذا رواه مجاهد عن ابن عباس. ومحمد بن الحسين عن جابر * قال أبو محمد: فبطل التخصيص والنسخ وأمن (من) (1) ذلك أبدا، ووالله ان من سمع هذا الخبر ثم عارض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام أحد ولو انه كلام أمي المؤمنين حفصة. وعائشة. وأبويهما رضى الله عنهم لهالك، فكيف با كذوبات كنسج العنكبوت الذى هو أوهن البيوت؟ عن الحارث بن بلال. والمرقع. وسليمان أو سليم الذين لا يدرى من هم في الخلق. وموسى الربذى، وكفاك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وليس لاحدأن يقتصر بقوله عليه السلام (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) على انه أراد جوازها في أشهر الحج دون ما بينه جابر. وابن عباس من انكاره عليه السلام ان يكون الفسخ لهم خاصة أو لعامهم دون ذلك، ومن فعل ذلك فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا * قال أبو محمد: وأتى بعضهم بطامة وهى انه ذكر الخبر الثابت عن ابن عباس انهم كانوا يرون العمرة عى أشهر الحج من أفجر الفجور في الارض فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة من ذى الحجة فأمرهم ان يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله) (2) فقال قائلهم: أمر هم عليه السلام بذلك ليوقفهم على جواز العمرة في أشهر الحج قولا وعملا * قال أبو محمد: وهذه عظيمة، أول ذلك انه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم في دعواهم انه انما أمرهم بفسخ الحج في عمرة ليعلمهم جواز العمرة في أشهر الحج ثم يقال لهم: هبك لو كان ذلك ومعاذ الله من ان يكون أبحق أمر أم بباطل؟ فان قالوا: بباطل كفروا وان قالوا: بحق قلنا، فليكن امره عليه السلام بذلك لاى وجه كان قد صار حقا واجبا، ثم لو كان هذا الهوس الذى قالوه فلاى معنى كان يخص بذلك من لم يسق الهدى دون من ساق؟، وأطم من هذا كله ان هذا الجاهل القائل بذلك قد علم ان النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر بهم في ذى القعد عاما بعد عام قبل الفتح. ثم اعتمر في ذى القعدة عام الفتح ثم قال لهم في حجة الوداع في ذى الحليفة: من شاء منكم ان يهل بعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل بحج فليفعل ففعلوا (3) كل ذلك، فيالله ويا للمسلمين أبلغ الصحابة رضى الله عنهم من البلادة. والبله. والجهل أن لايعرفو مع هذا كله ان العمرة جائزة في أشهر الحج؟ وقد عملوها معه عليه السلام عاما بعد عام (في أشهر الحج) (4)


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 355 وفى صحيح البخاري ج 2 ص 280 (3) في النسخة رقم (14) (وفعلوا) (4) الزيادة من النسخة رقم (16) *

[ 110 ]

حتى يحتاج إلى أن يفسخ حجهم في عمرة ليعلموا جواز ذلك، تالله ان الحمير لتميز الطريق من أقل من هذا، فكم هذا الاقدام والجرأة على مدافعة السنن الثابتة في نصر التقليد؟ مرة بالكذب المفضوح، ومرة بالحماقة المشهورة، ومرة بالغثاثة والبرد، حسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله على السلامة * واحتج بعضهم في جواز الافراد بالحج بالخبر الثابت من طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (والذى نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما) (1) * قال أبو محمد: كل مسلم فلا يشك في ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم هذا إلا بوحى من الله عزوجل إليه لا يمكن غير هذا أصلا، ولاشك في أن وحى الله عزوجل لا يترك بشك لانه عزوجل لا يشك، فصح ان هذا الشك من قبل أبى هريرة أو ممن دونه لامن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لو صح انه من قبله عليه السلام لكان ذلك إذ كان الافراد مباحا ثم نسخ بأمره عليه السلام من لاهدى معه بالمتعة ولابد، ومن معه الهدى بالقران ولابد * قال على: فظهر الحق واضحا والحمد لله رب العالمين، وقال مالك: الافراد أفضل ووافقنا هو والشافعي في صفة التمتع والقران لمن أراد ان يكون قارنا أو متمتعا، وكل ذلك جائز عندهما لمن ساق الهدى ولمن لم يسقه، وقال الشافعي مرة: الافراد أفضل ومرة قال: التمتع أفضل، ومرة قال: القران أفضل، وكل ذلك عند جائز كما ذكرنا، وأما أبو حنيفة فانه قال: القران أفضل ثم التمتع ثم الافراد، وكل ذلك جائز عنده لمن ساق الهدى ولمن لم يسقه الا أنه خالف في صفة التمتع القران على مانذ كر بعد هذا ان شاء الله تعالى * وأما الاشعار فان عبد الله بن ربيع نا قال: نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا عمرو بن على على الفلاس نا يحيى بن سعيد القطان نا شعبة عن قتادة عن أبى حسان الاعرج عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بذى الحليفة أمر ببدنته فأشعر في سنامها من الشق الايمن ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين) (2) وذكر باقى الخبر * وبه إلى عمرو بن على نا وكيع حدثنى أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أشعر بدنه (3) * ورويناه أيضا من طريق المسور بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم نا عبد الرحمن بن عبد الله ابن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل عارم -


(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 357، وقوله (ليثنينهما) بفتح الياء في اوله - معناه ليقرن بينهما، و (فج الروحاء) - بفتح الفاء وتشديد الجيم - موضع بين مكة والمدينة وكان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر والى مكة عام الفتح وعام حجة الوداع (2) هو في النسائي ج 5 ص 170، وباقيه (فلما استوت به على البيداء اهل) (3) هو في النسائي ج 5 ص 170 *

[ 111 ]

نا عبد الواحد - هو ابن زياد - نا الاعمش نا ابراهيم النخعي عن الاسود بن يزيد عن عائشة ام المؤمنين قالت: كنت أفتل القلائد النبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالا (1) * ورويناه أيضا من طريق أبى معاوية عن الاعمش. والحكم بن عتيبة. ومنصور كلهم عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين * قال أبو محمد: ولم يأت في البقر شئ من هذا، وروينا كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا بأن يقسم لحوم البدن وجلالها فصح التجليل فيها * وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن على بن مسهر عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: لاهدى الاماقلد وأشعر ووقف بعرفة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس ابن سعد عن عطاء عن ابن عباس ان شئت فأشعر، وان شئت فلا تشعر، وان شئت فقلد. وان شئت فلا تقلد * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى عن أبى معاوية عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود أنه ارسل إلى عائشة ام المؤمنين في اشعار البدنة فقالت: ان شئت انما تشعر ليعلم انها بدنة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يشعر في الشق الايمن حين يريد ان يحرم * ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: تشعرها من الايمن * ومن طريق وكيع نا أفلح - هو ابن حميد - قال: رأيت القاسم بن محمد أشعرها في الجانب الايمن وهو قول الشافعي، وابى سليمان * ومن طريق عبد الرزاق عن عمر بن ذر عن عطاء بن أبى رباح قال: رأيت عائشة ام المؤمنين تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى عدى عن محمد ابن عمر وعن محمد بن ابراهيم عن ابن عباس قال: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة * ومن طريق ابن ابى شيبة نا حاتم بن وردان عن برد عن عطاء قال: رأيت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوقون الغنم مقلدة * وعن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء قال رأيت الكباش تقلد * وعن وكيع عن بسام عن أبى جعفر بن محمد ابن على بن الحسين قال: رأيت الكباش تقلد * ومن طريق ابن طاوس عن أبيه قال: رأيت الغنم تقلد * ومن طريق سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن عبيدالله بن أبى يزيد قال: رأيت الغنم تقدم مكة مقلدة * قال أبو محمد: واختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة: اكره الاشعار وهو مثلة * قال على: هذه طامة من طوام العالم ان يكون مثلة شئ فعله النبي صلى الله عليه وسلم أف لكل عقل يتعقب حكم (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلزمه أن تكون الحجامة وفتح العرق مثلة


(1) هو في البخاري ج 2 ص 327 (2) في النسخة رقم (16) (يتعقب عمل) *

[ 112 ]

فيمنع من ذلك، وان يكون القصاص من قطع الانف، وقلع الاسنان، وجذع الاذنين مثلة، وان يكون قطع السارق والمحارب مثلة، والرجم للزاني المحصن مثلة، والصلب للمحارب مثلة، انما المثلة فعل من بلغ نفسه مبلغ انتقاد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الذى مثل بنفسه، والاشعار كان في حجة الوداع والنهى عن المثلة كان قبل ذلك بأعوام فصح أنه ليس مثلة، وهذه قولة: لا يعلم لابي حنيفة فيها متقدم من السلف، ولا موافق من فقهاء أهل عصره الامن ابتلاه الله بتقليده ونعوذ بالله من البلاء * وقال أبو يوسف. ومحمد بن الحسن: ومالك: يشعر في الجانب الايسر * قال أبو محمد: وهذا خلاف السنة كما ذكرنا (فان قالوا): قد رويتم عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا كانت بدنة واحدة أشعرها في الجانب الايسر وإذا كانت بدنتين قلد إحداهما في الجانب الايمن والاخرى في الايسر * وعن مجاهد كانوا يستحبون الاشعار في الجانب الايسر قلنا: هذا مما اختلف فيه عن ابن عمر، وعلى كل حال فليس هو قولكم، وسالم ابنه أوثق وأجل وأعلم به من نافع روى عنه الاشعار في الجانب الايمن كما أوردنا، ولا حجة في قول احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * والعجب من احتجاجهم بابن عمر في فعل قد اختلف عنه فيه فمرة عليهم ومرة ليس لهم، وهم قد خالفوا قوله الذى لم يختلف عنه فيه من انه لاهدى إلا ما قلدو أشعر، وهذا مما خالف فيه المالكيون عمل أهل المدينة كما ذكرنا * (فان قيل): فلم لم تقولوا أنتم: بانه لا يكون هديا الا ما أشعر؟ للحديث الذى رويتم آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم انه أمر ببدنته فاشعر في سنامها قلنا: ليس في هذا الخبر أمر بالاشعار ولو كان فيه لقلنا بايجابه مسارعين وانما فيه انه أمر ببدنته فأشعر في سنامها فمقتضاه انه أمر بها فأدنيت إليه فأشعر في سنامها، لانه هو عليه السلام تولى بيده اشعارها بذلك صح الاثر عنه عليه السلام كما ذكرنا * وروينا عن ابى بن كعب. وابن عمر اشعار البقر في أسنمتها * وعن ابن عمر الشاة لا تقلد، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالفوا ابن عمر كما أوردنا آنفا في قوله في الهدى فمن الباطل احتجاجهم بمن لامؤنة عليهم في مخالفته * وروينا عن سعيد بن جبير الابل تقلد وتشعر، والغنم لا تقلد ولا تشعر، والبقر تقلد ولا تشعر، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تقلد الغنم، ورأى مالك اشعار البقر ان كانت لها أسنمة * قال على وهذا خطأ ومقلوب بل الابل تقلد وتشعر، والبقر لا تقلد ولا تشعر، والغنم تقلد ولا تشعر، وقال أبو حنيفة: لا يقلد الا هدى المتعة والقران والتطوع من الابل والبقر فقط، ولا يقلد هدى الاحصار. ولا الجماع. ولاجزاء الصيد * وقال مالك،

[ 113 ]

والشافعي: يقلد كل هدى ويشعر، وهذا هو الصواب لعموم فعل النبي صلى الله عليه وسلم * قال على: وقال بعض من أعماه الهوى وأصمه: انما معنى ماروى عن عائشة من هدى الغنم مقلدة. انما هو انها فتلت قلائد الهدى من الغنم - أي من صوف الغنم - * قال أبو محمد: وهذا استسهال للكذب البحت (1) وخلاف لما رواه الناس عنها من اهدائه عليه السلام الغنم مقلدة، ونعوذ بالله العظيم من الخذلان * وأما الاشتراط فلما حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب محمد بن العلاء (الهمداني) (2) نا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير هو ابن عبد المطلب - فقال لها: أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني الا وجعة فقال لها: حجى واشترطي وقولى: اللهم محلى حيث حسبتني، وكانت تحت المقداد) * ورويناه أيضا من طريق اسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لضباعة: (حجى واشترطي ان محلى حيث تحبسني) * ورويناه أيضامن طريق طاوس. وعكرمة. وسعيد بن جبير كلهم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لضباعة: (أهلى بالحج واشترطي ان محلى حيث تحبسني) * ورويناه ايضا من طريق عروة بن الزبير عن ضباعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه آثار متظاهرة متواترة لا يسمع أحدا الخروج عنها * وروينا من طريق سويد بن غفلة قال لى عمر بن الخطاب: لان حججت ولست صرورة فاشترط إن أصابني مرض أو كسراو حبس فانا حل * وروينا أيضا الامر بالاشتراط في الحج من طريق وكيع. وعبد الرحمن بن مهدى. ويحيى بن سعيد القطان كلهم عن سفيان الثوري عن ابراهيم بن عبد الاعلى عن سويد بن غفلة عن عمر أنه، وفى رواية ابن مهدى. ويحيى لانه قال له: أفرد الحج واشترط فان لك ما اشترطت ولله عليك ما شرطت * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضل بن دكين عن سعيد بن عبد الرحمن عن ابن سيرين عن عبد الله بن عتبة عن عثمان بن عفان مثل ما رواه ابن المبارك عن هشام بن حسان عن ابن سيرين ان عثمان رأى رجلا واقفا بعرفة فقال له: أشارطت؟ قال: نعم * ومن طرق جمة عن محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن مسيرة ان على بن أبى طالب كان إذا أراد الحج قال: اللهم حجة ان تيسرت أو عمرة ان أن أراد العمرة والا فلا حرج *


(1) في النسخة رقم (14) (وهذا استسهال الكذب البحث (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 339 *

[ 114 ]

ومن طريق سفيان الثوري عن ابى اسحاق عن عميرة بن زياد قال: قال لى ابن مسعود: حج واشترط وقل: اللهم الحج اردت وله عمدت فان تيسر وإلا فعمرة * ومن طريق هشام (1) بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين انها كانت تقول: اللهم للحج خرجت وله عمدت قال قضيت فهو الحج تو ان حال دونه شئ فهى عمرة، وانها كانت تأمر عروة بأن يشترط كذلك * ومن طريق أبى اسحاق عن المنهال عن عمار - هو ابن ياسر - أنه قال: إذا اردت الحج فاشترط * ومن طريق كريب عن ابن عباس انه كان يأمر بالاشتراط في الحج * فهؤلاء عمر. وعثمان. وعلى. وعائشة ام المؤمنين. وعمار بن ياسر. وابن مسعود. وابن عباس، ومن التابعين عميرة بن زياد * ومن طريق الحجاج بن المنهال عن أبى عوانة عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: كانوا يشترطون في الحج والعمرة يقول: الهم انى أريد الحج تان تيسر والا فعمرة ان تيسرت، اللهم انى أريد العمرة إن تيسرت وإلا فلا حرج على * ومن طريق وكيع نا الربيع عن الحسن البصري. وعطاء ابن أبى رباح قالا جميعا في المحرم يشترط: قالا جميعا: له شرطه * ومن طريق الاعمش عن عمارة بن عميرة قال: كان علقمة. والاسود يشترطان في الحج * ومن طريق سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن المسيب بن رافع اردت الحج فأرسل إلى عبيدة - هو السلمانى - ان اشترط * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى معاوية عن الاعمش عن عمارة بن عمير قال: كان شريح القاضى يشترط في الحج فيقول: اللهم انك قد عرفت نيتى وما أريد فان كان امرا تتمه فهو أحب إلى وإن كان غير ذلك فلا حرج * وعن أبى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام انه كان يشترط في العمرة، وجاء أيضا (نصا) (2) عن سعيد بن المسيب. وعطاء بن يسار. وعكرمة، وقال الشافعي: ان صح الخبر قلت به * قال أبو محمد: قد صح الخبر وبالغ في الصحة فهو قوله وهو قول أحمد. واسحاق. وأبى ثور. وأبى سليمان وروى عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن الاستثناء في الحج؟ قال: لا أعرفه * وروينا عن ابراهيم اضطرابا فروينا عنه من طريق المغيرة انه قال: كانوا يستحبون ان يشترطوا عند الاحرام وكانوا لا يرون الشرط شيئا لو أن الرجل ابتلى * وروينا عنه من طريق الاعمش أنه (قال) (3) كانوا يكرهون ان يشترطوا في الحج * قال أبو محمد: هذا تناقض فاحش، مرة كانوا يستحبون الشرط، ومرة كانوا يكرهونه، فأقل مافى هذا ترك رواية ابراهيم جملة لاضطرابها * وروينا من طريق سعيد بن جبير. وابراهيم النخعي انهما قالا: المشترط وغير المشترط سواء إذا أحصر فليجعلها عغمرة *


(1) في النسخة رقم (16) (ومن طرق عن هشام) (2) الزيادة من النسخة رقم (16) (3) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 115 ]

ومن طريق الحجاج بن أرطاة - وهو ساقط - عن عطاء مثل قول سعيد بن جبير هذا، والصحيح عن عطاء خلاف هذا * ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يرى الاشتراط في الحج شئيا * وعن طاوس الاشتراط في الحج ليس شيئا * وعن ابراهيم * ابن مهاجر - وهو ضعيف - عن ابراهيم النخعي عن علقمة أنه كان لا يرى الاشتراط في الحج شيئا * وعن الحكم بن عتيبة، وحماد مثل هذا، وهو قول مالك. والحنيفيين * قال أبو محمد: وشغبوا في مخالفة السنن الواردة في هذا الباب بأن قالوا: هذا الخبر خلاف للقرآن لان الله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) * قال على: هذه الآية حجة عليهم لاعلينا لانهم يفتون من عرض له عارض من مرض أو نحوه ان يحل بعمرة ان فاته الحج، فقد خالفوا الآية في إتمام الحج، وأما نحن فانا نقول: ان الذى أنزلت عليه هذه الآية وأمر ببيان ما أنزل عليه لنا قد أمر بالاشتراط في الحج وان محله حيث حبسه ربه تعالى بالقدر النافذ، فنحن لم نخالف الآية إذا أخذنا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم خالفتموها بآرائكم الفاسدة إلى مخالفتكم السنة الواردة في ذلك * وقالوا: هذا الخبر خلاف لقول الله تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى). قلنا: كذب من ادعى ان هذا الخبر خلاف لههذه الآية بل أنتم خالفتموها إذ قلتم: من أحصر بمرض لم يحل الا بعمرة برأى لانص فيه، وأما نحن فقلنا بهذه الآية: ان لم يشترط (1) كما أمر الذى أنزلت عليه هذه الآية وأمر ببيانها لنا * قال أبو محمد: ومن جعل هذه السنة معارضة للقرآن فالواجب عليه ان يجعل الرواية في القطع في ربع دينار وعشرة دراهم مخالفة للقرآن إذ يقول تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). لان حديث الاشتراط لم يضطرب فيه عن عائشة وهو في غاية الصحة، وقد اضطرب في حديث القطع في ربع دينار عليها ولم يصح قط خبر في تحديد القطع في عشرة دراهم بل قولهم هو المخالف للقرآن حقا لان الله تعالى يقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج). وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). ولا حرج. وعسر. ولا تكليف ما ليس في الوسع أكثر من إيجاب البقاء على حال الاحرام ومنع الثياب،. والطيب، والنساء لمن قد منعه الله تعالى من الحج والعمرة، فلو لم يكن الا هذه الآيات لكفت في وجوب احلال ن عاقه عائق عن اتمام الحج والعمرة فكيف والسنة قد جاءت بذلك نصا؟ *


(1) أي نقيد الآية ببقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه *

[ 116 ]

وشغب بعضهم بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط، ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق): * قال أبو محمد: هذا من أعجب شئ لانهم احتجوا بما هو أعظم حجة عليهم، والا شتراط في الحج هو في كتاب الله تعالى منصوص ما ذكرنا من قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * و (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وبقوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، وقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). وإنما الشروط التى ليست في كتاب الله تعالى فهى الشروط التى أباحوا من أن كل امرأة يتزوجها على فلانة امرأته فهى طالق، وكل أمة اشتراها عليها فهى حرة، وأن يكون بعض الصداق لا يلزم الا إلى كذا وكذا عاما والله تعالى يقول: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)، وكبيع السنبل وعلى البائع درسه، وكنزول أهل الحرب وبأيديهم الاسرى من المسلمين بشرط ان لا يمنعوا من الوطئ لهن ولامن ردهم إلى بلاد (1) الكفر وسائر الشروط الفاسدة التى أباحوا، واحتجوا بأن هذا الخبر رواه عروة. وعطاء. وسعيد بن جبير. وطاوس وروى عنهم خلافه *. قال أبو محمد: فقلنا: سمعناكم تقبلون هذا في الصاحب إذا روى الخبر وخالفه فانكرناه حتى أتيتم بالابدة (2) إذ جعلتم ترك التابع لما روى حجة في ترك (3) السنن، وهذا إن أدرجتموه (4) بلغ الينا والى من بعدنا فصار كل من بلغة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فتركه كائنا من كان من الناس حجة في رد السنن، وهذا حكم ابليس اللعين، وما أمرنا الله تعالى باتباع رأى من ذكرتم وانما أمرنا باتباع روايتهم بانهم ثقات عدول وليسوا معصومين من الخطأ في الرأى، ولا أعجب ممن يعترض في رد السنن بأن طاوسا، وعطاء وعروة، وسعيد بن جبير خالفوا مارووا من ذلك، ثم لو أنه (5) عزم على صبغ قميصة أخضر فقالوا له: بل اصبغه أحمر لم ير رأيهم في ذلك حجة ولا ألزم نفيسه الاخذ به. ثم يرى رأيهم حجة في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن كان خالف هؤلاء مارووا فقد رواه غيرهم ولم يخالفه كعكرمة، وعطاء، ولا يصح عن عطاء الا القول به، وقد رواه عائشة: وابن عباس وأخذا به * وقالوا: لم يعرفه ابن عمر فقلنا: فكان. ماذا؟ فقد عرفه عمر، وعثان، وعلى،


(1) في النسخة رقم (16) (ولامن ردهم لبلاد) (2) قال في المجمل الابدة الفعلة بقى ذكرها على الابد (3) في النسخة رقم (14) (في رد) (4) في النسخة رقم (14) (درجتموه) (4) في النسخة رقم (14) (ثم انه لو)

[ 117 ]

وعائشة، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس واخذوا به، وهذا مما خالفوا فيه جمهور الصحابة بل ليس ابن عمر ههنا خلافا لانه لم يقل: بابطاله وانما قال: لا أعرفه، والعجب، كله ان عمر رأى الاشتراط في الحج ومعه القرآن السنة فخالفوه وتعلقوا في ذلك بأن ابنه عبد الله لم يعرفه، وصح عن عبد الله بن عمر الاهلال يوم التروية ومعه السنة فخالفوه وتعلقوا برواية جاءت في ذلك عن عمر، وقال عمر. وعثمان: بالاشتراط في الحج فحالفوهما ومعهما السنة وتعلقوا بهما في المنع من فسخ الحج في عمرة إذ جاء (1) عنهما خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم مغرمون بمخالفة السنن ومخالفة الصحابة فيما جاء عنهم من موافقة السنن، والقوم غرقى في بحار هواهم * وبكل ما يردى الغريق تعلقوا وذكروا قول ابراهيم: كانوا يشترطون في الحج ولا يرونه شيئا * قال أبو محمد: وهذا كلام في غاية الفساد وليس فيه أكثر من أنه يصفهم بفساد الرأى والتلاعب. إذ يشترطون مالا فائدة فيه. ولا يصح. ولايجوز، وهذه صفة من لاعقل له، ويكفى من هذا كله أن السنة إذا صحت لم يحل لاحد خلافها، ولم يكن قول أحد حجة في معارضتها وبالله تعالى التوفيق * وهذا مما خالفوا فيه القرآن. والسنة الثابتة. وجمهور الصحابة. والقياس لانهم يقولون: من دخل في صلاة فعجز عن اتمامها قائما، وعن الركوع وعن السجود سقط عنه مالا يقدر عليه من ذلك، ومن دخل في صوم فرض فعجز عن اتمامه سقط عنه ولم يكلفه، وكذلك التطوع * وقالوا ههنا: من دخل في حج فرض. أو تطوع. أو عمرة كذلك فعجز عنهما لم يسقطا عنه بل هو مكلف مالا يقدر عليه من الوصول إلى البيت * 834 - مسألة - وأما جواز تقديم لفظة العمرة على الحج أو لفظة الحج على العمرة فلانه قال تعالى (2): (وأتموا الحج والعمرة لله) فبدأ بلفظة الحج، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (لبيك عمرة وحجة)، وصح انه عليه السلام قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فلا نبالي أي ذلك قدم في اللفظ، وبالله تعالى التوفيق * 835 - مسأله - فإذا جاء القارن إلى مكة عمل في الطواف والسعى بين الصفا والمروة كما قلنا في العمرة الا أنه يستحب له ان يرمل في الثلاث وليس ذلك فرضا في الحج ثم إذا أتم ذلك أقام محرما (كما هو) (3) إلى يوم منى - وهو الثامن من ذى الحجة -، فذا كان اليوم المذكور أحرم بالحج من كان متمتعا ثم نهض القارن والتمتع إلى منى فيبقيان بها نهارهما ولياتهما، فإذا كان من الغد - وهو اليوم التاسع من ذى الحجة نهضوا كلهم (4) إلى


(1) في النسخة رقم (14) (من فسخ الحج في العمرة إذا جاء) (2) أي فلان الله تعالى قال: الخ (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (ذهبوا كلهم) والمعنى واحد *

[ 118 ]

عرفة فيصلى هنالك الامام والناس الظهر بعد ان يخطب الناس ثم يؤذن المؤذن ويقيم ويصلى الظهر بالناس، فإذا سلم من الظهر أقيمت الصلاة أقامة بلا أذان وصلى بهم العصر اثر سلامه من الظهر بعد زوال الشمس لا ينتظر وقت العصر كما في سائر الايام، ثم يقف الناس للدعاء فإذا غابت الشمس نهضوا كلهم إلى مزدلفة، ولو نهض انسان إلى مزدلفة قبل غروب الشمس فلا حرج في ذلك ولا شئ عليه لادم ولاغيره وحجه تام، فإذا أتوا مزدلفة أذن المؤذن لصلاة المغرب. ثم أقام وصلى الامام بالناس صلاة المغرب ولا بجزئ أحدا أن يصليها (1) تلك الليلة قبل مزدلفة ولا قبل مغيب الشفق، فذا سلم أقيم لصلاة العتمة اقامة بلا أذان فيصليها بالناس وهى ليلة عيد الاضحى ويبيت الناس هنالك، فإذا انصدع الفجر أذن المؤذن وأقيمت الصلاة فصلى بهم الصبح، ومن لم يقف بعرفة من بعد زوال الشمس من يوم عرفة إلى مقدار ما يدفع منها ويدرك بمزدلفة صلاة الصبح مع الامام فقد بطل حجه إن كان رجلا ومن لم يدرك مع الامام بمزدلفة صلاة الصبح فقد بطل حجه ان كان رجلا، وأما النساء فان وقفن بعرفة إلى قبل طلوع الفجر من يوم النحر أو دفعن من عرفة بعد ذكرهن الله تعالى فيها اجزأهن الحج، ومن لم يقف منهن بعرفة لايوم عرفة ولا ليلة يوم النحر حتى طلع الفجر فقد بطل حجها، ومن لم تقف منهن بمزدلفة بعد وقوفها بعرفة وتذكر الله تعالى فيها حتى طلعت الشمس من يوم النحر فقد بطل حجها، فإذا صلى الامام كما ذكرنا بمزدلفة صلاة الصبح بالناس وقفوا للدعاء، فذا أسفر قبل طلوع الشمس دفعوا كلهم إلى منى، فإذا أتوا منى أحببنا لهم التطيب بعد أن يرموا جمرة العقبة بسبع حصيات يكبرون مع كل حصاة ولا يقطعون التلبية مذ يهلون بالحج من المسجد أو بالقران من الميقات الا مع تمام رمى السبع حصيات، فإذا رموها كما ذكرنا فقدتم احرامهم ويحلقون. أو يقصرون، والحلق أفضل للرجال، وينحرون الهدى ان كان معهم، ثم قد حل لهم كل ماكان من اللباس حراما على المحرم، وحل لهم التصيد في الحل والتطيب حاشا الوطئ فقط، نهضوا ممن يومهم إلى مكة فطافوا بالبيت سبعا لاخبب في شئ منها، ثم سعى بين الصفا والمروة سبعا ان كان متمتعا أو ان كان لم يسع بينهما أول دخوله ان كان قارنا فقد تم الحج كله أو القران كله وحل لهم الوطئ ويرجعون إلى منى فيقيمون بها ثلاثة أيام بعد يوم النحر يرمون كل يوم بعد زوال الشمس الجمرات الثلاث بسبع حصيات سبع حصيات سبع حصيات يبدأ بالقصوى، ثم بالتى تليها، ثم جمرة العقبة التى رمى يوم النحر يقف عند الاولتين للدعاء ولا يقف عند تجمرة


(1) في النسخة رقم (14) (ان يصليهما) وهو غلط *

[ 119 ]

العقبة، فإذا ذلك فقد تم جميع (عمل) (1) الحاج، ويأكل القارن ولابد من الهدى الذى ساق مع نفسه ويتصدق منه ولابد، فأما المتمتع فان كان من غير أهل مكة والحرم ولم يكن أهله معه قاطنين هنا لك ففرض عليه ان يهدى هديا ولابد إما رأس من الابل. أو من البقر، وإما شاة. وإما نصيب مشترك في رأس من الابل. أو في رأس من البقر بين عشرة أنفس فأقل لا نبالي متمتعين كانوا أو غير متمتعين، وسواء أراد بعضهم حصته للاكل. أو للبيع. أو للهدى، ولا يجزئه أن يهديه الا بعد ان يحرم بالحج ويذبحه بمكة أو بمنى ولابد. أو متى شاء بعد ذلك، فان لم يقدر على هدى ففرضه ان يصوم ثلاثة أيام مابين ان يحرم بالحج إلى أول يوم من النحر فان فاته ذلك فليؤخر طواف الافاضة - وهو الطواف الذى ذكرنا يوم النحر - إلى ان تنقضي أيام التشريق، ثم يصوم الثلاثة الايام، ثم يطوف بعد تمام صيامهن طواف الافاضة، ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع من عمل الحج كله ولم يبق منه شئ، فان كان أهله بمكة لم يلزمه ان كان متمتعا هدى. ولا صيام وهو محسن في كل ذلك، والمتمتع هو من اعتمر ممن ليس أهله من سكان الحرم ثم حج من عامه سواء رجع إلى بلده. أو إلى الميقات أو لم يرجع، ولا يضر الهدى ان لا يوقف بعرفة، ولاهدى على القارن مكيا كان أو غير مكى حاشا الهدى الذى كان معه عند إحرامه، فمن أراد ممن ذكرنا ان يخرج عن مكة فليجعل آخر عمل يعمله ان يطوف بالبيت سبعا، ثم يخرج إثر تمامه موصولا به ولابد، فان تردد لامر ما أعاد الطواف إذا اراد الخروج عن مكة، فان خرج ولم يطف ففرض عليه الخروج ولابد ولو من أقصى الدنيا حتى يجعل آخر عمله بمكة الطواف بالبيت، ومن ترك من طواف الافاضة ولو بعض شوط حتى خرج ففرض عليه الرجوع حتى يتمه، فان خرج ذو الحجة قبل ان يتمه فقد بطل حجه، ومن لم يرم جمرة العقبة يوم النحر أو باقى ذى الحجة فقد بطل حجه، ويجزئ القارن طواف واحد لعمرته ولحجه كالمفرد بالحج ولافرق * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة، واسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - جميعا عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه. قال: قلت لجابر بن عبد الله: أخبرني عن حجة الوداع؟ (2) فقال جابر - فذكر حديثا - وفيه (فجرجنا (معه) (3) حتى أتينا ذا الحليفة - فذكر كلاما -، ثم قال فصلى


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) * (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 346 (عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم) *

[ 120 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء (1) - فذكر كلاما - ثم قال: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. ثم نفذ إلى مقام ابراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت.. ثم رجع إلى الركن فاستمله ثم خرج (2) من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ (ان الصفا والمروة من شعائر الله) ابدأ (3) بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره (4) وقال: لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله الا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه (5) في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة قال: لو انى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة (بن مالك) (6) بن جعشم فقال: يارسول الله ألعامنا هذا أم للابد؟ - فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم اصابعه واحدة في الاخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين - لا بل لابد أبد، وقدم على من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا فانكر ذلك عليها فقالت: إنى أمرت بهذا (7).. فاخبر على بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت (صدقت) (8) ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم قال: فان معى الهدى فلا تحل.. فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر. والعصر. والمغرب، والعشاء. والفجر، ثم مكث (قليلا) (9) حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم.. (10) حتى أتى عرفة.. فنزل في القبة بنمرة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فاتى بطن الوادي فحطب الناس فقال: ان دماء كم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، - ثم ذكرنا كلاما كثيرا -


(1) هو لقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصواء - بفتح القاف وبالمد، وفى بعض النسخ بالقصر وهو خطأ - الناقة التى قطع طرف اذنها، ولم تكن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم قصواء وانما كان هذا لقبالها وقيل كانت مقطوعة الاذن اه‍ من النهاية (2) في النسخة رقم (16) (ثم رجع) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 346 (3) في النسخة رقم (16) (ابدأوا) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم وتلك النسخة موافقة لما في النسائي (4) في النسخة رقم (14) (وكير) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم (5) قال النوى في شرح مسلم نقلا عن القاضى عياض: فيه اسقاط لفظة لابد منها وهى حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي) (6) الزيادة من صحيح مسلم (7) في صحيح مسلم ج 1 ص 347 (فقالت إن أبى أمرنى بهذا، (8) الزيادة من صحيح مسلم (9) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 347 (10) هذه العلامة اشارة إلى أن في محلها سقطا اختصره المصنف *

[ 121 ]

ثم أذن. ثم أقام فصلى الظهر. ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب عليه السلام حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة (1) بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا.. وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام (2). وقال: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذن واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع عليه السلام (3) حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل ابن العباس... حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف (4)، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة (5) ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة (6) فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر.. ثم أتى زمزم فتناول دلوا فشرب منه (7)) * قال أبو محمد: كل مافى هذا الخير من دعاء. وصفة مشى وغير ذلك لاتحاش شيئا فهو كله سنة مستحبة، (وأما قولنا): من دفع من عرفة قبل غروب الشمس فحجه تام ولا شئ عليه، ووجوب فرض الوقوف بعرفة كما ذكرنا فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد ابن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم أنا وكيع نا سفيان - هو الثوري - عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلى (قال): (8) (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة - وسئل عن الحج - (9)؟ فقال: الحج عرفة فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع


(1) روى (حبل) بحاء مهملة وباء موحدة ساكنة، وروى (جبل) بجيم معجمة فباء موحدة مفتوحتين، والاول اشبه بالحديث، وحبل المشاة مجتمعهم، وحبل الرمل ما طال منه وضخم، وأما جبل بالجيم فمعناه طريقهم وحيث تسلك الرجالة والله أعلم (2) (شنق) بتخفيف النون معناه ضم وضيق (3) في صحيح مسلم (ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) هو بالخاء المعجمة والذال المعجمة الساكنة وفى آخره فاء وهى حصى صغار قد رحبة الباقلاء (5) في صحيح مسلم ج 1 ص 348 (بيده) قال النووي هكذا هو في النسخ ثلاثا وستين بيده وكذا نقله القاضى عن جميع الرواة سوى ابن ماهان فانه رواه (بدنة) قال: كلاهما صواب والاول أصوب قلت: وكلاهما حرى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده (6) البضعة بفتح الباء الموحدة القطعة من اللحم (7) الزيادة من صحيح مسلم (8) الزيادة من سنن النسائي ج 5 ص 256 (9) في النسائي ج 5 ص 256 (شهدت رسول الله

[ 122 ]

الفجر (من ليلة جمع) (1) فقد أدرك) (2) * وبه إلى أحمد بن شعيب أنا اسماعيل بن مسعود الجحدرى نا خالد - هو ابن الحارث - عن شعبة عن شعبة عن عبد الله بن ابى السفر قال: سعت الشعبى يقول: حدثنى عروة بن مضرس ابن أوس بن حارثة بن لام الطائى قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) بجمع فقلت له: هل لى من حج؟ فقال: من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى يفيض وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه) (4) * وقال أبو حنيفة، والشافعي: ان أفاض منها نهارا فحجه تام وعليه دم * وقال مالك: ان لم يقف بها ليلا فلا حج له، واحتج له من قلده بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بها في أول الليل، فقلنا: ووقف نهارا فأبطلوا حج من لم يقف بها نهارا فقالوا: قد قال عليه السلام: (من أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفحر فقد ادرك) فقلنا: وقد قال عليه السلام: (وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد أدرك) فبلحوا (5) فأتوا بنادرة وهى انهم قالوا: معنى قوله: (ليلا أو نهارا) انما هو ليلا ونهارا كما قال تعالى: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) فقلنا: هذا الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم صراحا، ولو كان كما تأولتموه لما كان عليه السلام منهيا عن أن يطيع منهم آثما إلا حتى يكون كفورا، وهذا لا يقوله مسلم بل هو عليه السلام منهى عن أن يطيع منهم الآثم والكفور (6) وان لم يكن الآثم كفورا، ثم لو صح لكم في الخبر تأويلكم الفاسد لكان لا يصح لاحد حج حتى يقف بها نهارا وليلا معا، وهذا خلاف قولكم مع ان النبي صلى الله عليه وآله لم يقف بها الانهارا ودفع منها إثر تمام غروب القرص في أول الليل، والدفع لا يسمى وقوفا بل هو زوال عنها * وذكروا خبرا فاسدا رويناه من طريق ابراهيم بن حماد عن أبى عون محمد بن عمرو ابن عون (7) عن داود بن جبير (8) عن أبى هاشم رحمة بن مصعب الفراء الواسطي عن


صلى الله عليه وسلم فأتاه ناس فسألوه عن الحج؟ الخ * (1) الزيادة من النسائي، وجمع - بفتح الجيم المعجمة وسكون الميم - علم للمزدلفة سميت له لان آدم عليه السلام وحواء لما أهبطا اجتمعا بها (2) في النسائي ((فقدتم حجه) (3) في النسائي ج 5 ص 264 (اتيت النبي صلى الله عليه وسلم) (4) أي أتم مدة ابقاء التفث - انى الوسخ وغيره مما يناسب المحرم - فحل له ان يزيل عنه التفث بحلق الرأس وقص الشارب والاظفار وحلق العانة وازالة الشعث والدرن والوسخ، (5) قال الجوهرى في الصحاح: (بلح الرجل بلوحا أي أعيا) اه‍ (6) في النسخة رقم (14) (الكفور والآثم) وما هنا انسب بنظم الآية (7) في الاصول كلها (عن ابن عون بن عمرو بن عون) صححناه من سنن الدارقطني ص 264 ولم أهتد لترجمته (8) في الاصول كلها (داودين حنين) وهى موافقة لما في معين ان الاعتدال، قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: والصواب ان اسم ابيه جبير بالجيم والراء كذا هو في الاصول الصحيحة من سنن الدارقطني اه‍ اقول وما قاله الحافظ موافق للنسخة الهنهدية ص 264 والله اعلم *

[ 123 ]

ابن أبى ليلى عن عطاء عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج (1)) * قال أبو محمد: هذا عورة لان أبا عون (3) بن عمرو، ورحمة بن مصعب، وداود ابن جبير مجهولون لا يدرى من هم (3)، وابن أبى ليلى سئ الحفظ، وعلى هذا الخبر يبطل حج النبي صلى الله عليه وسلم لانه لم يقف بعرفة بليل انما دفع منها في أول أوقات الليل * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا ابن أبى ليلى نا عطاء يرفع الحديث قال: (من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج) وهذا مرسلي، ومع ذلك فليس فيه بيان جلى بانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن أبى ليلى سئ الحفظ، وهذا مما ترك فيه الحنيفيون المرسل * وخبر من طريق عبد الملك بن حبيب الاندلسي نا ابن أبى نافع عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدفعوا من عرفة ومزدلفة حتى يدفع الامام) * وهذا لا شئ لوجوه، أحدها انه مرسل، والثانى أن فيه ثلاثة ضعفاء في نسق (4)، وثالثها انه ليس فيه ايجاب الوقوف بعرفة ليلا أصلا، والرابع انه مخالف لقولهم لانهم لا يبطلون حج من دفع قبل الامام من عرفة ولا من مزدلفة * ومنها خبر من طريق عبد الملك بن حبيب أبى معاوية المدنى عن يزيد بن عياض - هو ابن جعدبة - عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أجاز بطن غرنة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له)، وهذه بلية لان عبد الملك ساقط (5)، وأبا معاوية مجهول، ويزيد كذاب (6)، ثم هو مرسل، ثم انه مخالف لقولهم لان بطن غرنة من الحرم - وهو غير عرفة - فليس فيه وجوب الوقوف ليلا بعرفة أصلا * وخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انا لا ندفع حتى تغرب الشمس - يعنى من عرفات - وان أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، وانا ندفع قبل ذلك، هدينا مخالف لهديهم) * قال أبو محمد: وهذا لا شئ لانه مرسل. ثم هو عن رجل لم يسم. ثم هم مخالفون له لانهم لا يبطلون حج من دفع من جمع بعد طلوع الشمس أو من لم يقف بها أصلا *


(1) في سنن الدارقطني ص 264 زيادة بعد قوله (فقد فاته الحج) ونصها (فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل) (2) في الاصول (لان ابن عون) صححناه من سنن الدارقطني (3) هم مجهولون كما قال المؤلف رحمه الله (4) هو كما قال المصنف رحمه الله (5) انظر برجمته في تهذيب التهذيب ج 6 ص 390 (6) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج 11 ص 352 *

[ 124 ]

قال أبو محمد: وما ندرى من أين وقع ايجاب الوقوف بعرفة ليلا وإبطال الحج بتركه؟ وهم لا يبطلون الحج بمخالفة عمل النبي صلى الله عليه وسلم كله في عرفة، وفى الدفع منها، وفى مزدلفة * فان ذكروا ا رويناه من طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا ابن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ومن لم يدرك عرفات بليل فقد فاته الحج * قلنا: قد صح عن ابن عمر أنه لا يكون هديا الا ما قلدو أشعر فخالفتموه، وصح عن عمر من قدم ثقله من منى بطل حجه فخالفتموه، فمن أين صار (1) ابن عمر ههنا حجة ولم يصر حجة هو ولا أبوه فيما ذكرنا غنهما مما استسهلتم خلافهما فيه، وما نعلم (2) للمالك في هذا القول حجة أصلا * وأما إيجاب الدم في ذلك فحطأ لانه لا يخلو ان يكون من دفع من عرفة قبل غروب الشمس فعل ما أبيح له أو ما لم يبح له، فان كان فعل ما أبيح له فلا شئ عليه، وان كان فعل ما لم يبح له فحجه باطل ولا مزيد * قال أبو محمد: روينا من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: ملاك الحج الذى يصير إليه ليلة عرفة من أدركها قبل الفجر ليلا أو نهارا فقد أدرك الحج * وأما استحبابنا للتمتع ان يهل بالحج يوم التروية في أخذه في النهوض إلى منى فلما ذكرنا من فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بحضرته، واختار مالك ان يهل المتمتع وأهل مكة إذا أهل هلال ذى الحجة، واحتجوا برواية عن عمر أنه قال: يا أهل مكة يقدم الناس شعثا وانتم مدهنون فذا رأيتم الهلال فأهلوا، فان هذه رواية لا نعلمها تتصل إلى عمر انما نذكرها من طريق القاسم بن محمد وابراهيم النخعي عن عمر، وكلاهما لم يولد الابعد موت عمر بأعوام، ثم لو صح عنه لكان الثابت المتصل من فعل الصحابة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أولى من رأى رآه عمر * وقد روينا عن سعيد بن منصور نا هشيم نا ابن أبى ليلى. عن عطاء ابن أبى رباح قال: رأيت ابن عمر في المسجد الحرام وقد أهل بالحج إذ رأى هلال ذى الحجة عاما ثم عاما آخر، فلما كان في العام الثالث قيل له: قد رؤى هلال ذى الحجة فقال: ما أنا الا كرجل من أصحابي وما أرانى أفعل الا كما فعلوا فأمسك إلى يوم التروية ثم أحرم من البطحاء حين استوت به راحلته بالحج * ومن طريق سعيد بن منصور عن عتاب بن أبى بشر عن خصيف عن مجاهد عن ابن عمر أنه


(1) في النسخة رقم (14) (فمن اين كان) وما هنا أنسب (2) في النسخة رقم (14) (ولا نعلم) *

[ 125 ]

أحرم عاما من المسجد حين أهل هلال ذى الحجة ثم عاما آخر كذلك فلما كان العام الثالث لم يحرم حتى كان يوم التروية قال مجاهد: فسألته عن ذلك؟ فقال: إنى كنت امرءا من أهل المدينة فأحببت ان أهل باهلالهم ثم ذهبت أنظر فإذا أنا أدخل على أهلى وأنا محرم وأخرج وأنا محرم فإذا ذلك لا يصلح لان المحرم إذا احرم خرج لوجهه، قال مجاهد: فقلت لابن عمر: فاى ذلك ترى؟ قال: يوم الترية، فهذا ابن عمر قد أخبر ان فعل الصحابة ان يهل المتمتع وأهل مكة يوم التروية ورغب عن رأى أبيه لو ثبت أيضا عنه * (فان قالوا): انما اخترنا له ذلك ليكون اشعث قلنا: ما علمنا الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم اختار الشعث للمحرم فان اخترتموه فأمروهم بالاهلال من أول شوال فهو أتم للشعث * وأما قولنا: ان يؤذن المؤذن إذا أتم الامام الخطبة بعرفة. ثم يقيم لصلاة الظهر. ثم يقيم للعصر ولا يؤذن لها. فلما ذكرناه في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آنفا وهو قول أبى سليمان، واحد قولى مالك، وقال مالك مرة أخرى: ان شاء أذن والامام في الخطبة وان شاء إذا أتم * وقال أبو حنيفة. وأبو ثور: يؤذن إذا قعد الامام على المنبر قبل ان يأخذ في الخطبة * وقال أبو يوسف: يؤذن قبل خروج الامام ثم رجع فقال: يؤذن بعد صدر من الخطبة، وذكر ذلك عن مؤذن من أهل مكة * وقال الشافعي: يأخذ في الاذان إذا أتم الامام الخطبة الاولى * قال أبو محمد: هذه اقوال لاحجة لصحة شئ منها (فان قالوا): قسنا ذلك على الجمعة قلنا: القياس باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه ليس قياس الاذان بعرفة على الاذان بالجعة بأولى من القياس للجمعة على ماروى في عرفة لا سيما وأنتم تقولون: لا جمعة بعرفة (فان قيل): فانتم تقولون: ان الجمعة بعرفة كما هي في غيرها من البلاد قلنا: نعم وليس ذلك بمبيح مخالفة ماصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الاذان فيها بخلافه في سائر البلاد كما كان بعرفة حكم الصلاة في الجمع بين الظهر. والعصر بخلاف ذلك في سائر البلاد، ولو قلنا: ان هذه الاقوال خلاف لاجماع الصحابة رضى الله عنهم كلهم في القول بذلك لصدقنا * وأما قولنا: بالجمع بين صلاتي الظهر. والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين وبمزدلفة بين المغرب والعتمة كذلك أيضا فلما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر المذكور، وقد اختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة. والشافعي في الصلاة بعرفة: كما قلنا، وقال مالك: بأذانين وإقامتين لكل صلاة أذان وأقامة. وما نعلم لهذا القول حجة أصلا لامن سنة صحيحة،

[ 126 ]

ولامن رواية سقيمة، ولامن عمل صاحب. ولاتابع (فان قالوا): قسنا ذلك على الجمع بمزدلفة قلنا: هذا قياس للخطأ على الخطأ، وقولكم هذا في مزدلفة خطأ على ما نبينه ان شاء الله تعالى (فان قالوا): قسنا ذلك على الصلوات الفائتات قلنا: القياس كله باطل. ثم لو كان حقا لكان (هذا) (1) منه عين الباطل لان صلاة الظهر والعصر بعرفة ليستا فائتتين، ومن الباطل قياس صلاة تصلى في وقتها على صلاة تصلى في وقتها على صلاة فائتة لاسيما وأنتم لا تقولون بهذا العمل في الفائتات، وقال سفيان. واسحاق: يجمع بين الظهر. والعصر بعرفة باقامتين فقط بلا أذان * واحتج أهل هذا القول بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بمكة وبمنى كل صلاة بأذان وإقامة، وصلى بعرفة وبجمع كل صلاة باقامة * قال أبو محمد: هذا لا تقوم به حجة ثم لو صح لما كانت فيه حجة لان خبر جابر ورد بزيادة ذكر الاذان، وزيادة العدل واجب قبولها ولابد، وأما الجمع بمزدلفة كما ذكرنا فللخبر المذكور أيضا، وفى هذا خلاف من السلف. روينا من طريق حماد بن زيد. وحماد بن سلمة قال ابن زيد: عن نافع قال: لم أحفظ عن ابن عمر أذانا ولا إقامة بجمع - يعنى مزدلفة - * وقال ابن سلمة عن أنس عن ابن سيرين قال: صليت مع ابن عمر بجمع المغرب بلا أذان ولا إقامة ثم العشاء بلا أذان ولا إقامة * وقول ثان وهو اننا روينا عنه أيضا أنه جمع بينهما باقامة واحدة بلا أذان، وروينا ذلك عن شعبة عن الحكم ابن عتيبة. وسلمة بن كهيل كلاهما عن سعيد بن جبير أنه صلى المغرب والعشاء بجمع باقامة واحدة وذكر أن ابن عمر فعل مثل ذلك وأن ابن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ورويناه أيضا من طريق مجاهد. وغيره عن ابن عمر أنه فعل ذلك وهو قول سفيان. وأحمد بن حنبل في أحد قوليهما وبه أخذا أبو بكر بن داود * واحتج أهل هذه المقالة بما رويناه من طريق سفيان الثوري. ويحيى بن سعيد القطان قال سفيان: عن مسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال القطان: عن ابن أبى ذئب عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، ثم اتفق ابن عباس. وابن عمر على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء باقامة واحدة، وهذا خبر صحيح * وقول ثالث وهو الجمع بينهما باقامتين لكل صلاة إقامة دون أذان روينا عن حمادبن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن أبى اسحاق السبيعى عن عبد الرحمن بن يزيد أن عمر بن الخطاب


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) سقطت من النسخة رقم (14) خطاه

[ 127 ]

جمع بينهما باقامتين - يعنى بمزدلفة - * ومن طريق عبد الرزاق عن بعض أصحابه عن شريك عن أبى اسحاق عن أبى جعفر أن على بن ابى طالب جمع بين المغرب والعشاء كل واحدة منهما باقامة - يعنى بمزدلفة - * ومن طريق حماد بن سلمة انا عبد الكريم انه كان مع سالم ابن عبد الله بن عمر بمزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء باقامتين - وهو قول سفيان، والشافعي وأحمد - في أحد اقوالهم * واحتجوا بما رويناه من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن كريب (مولى ابن عباس) (1) عن أسامة بن زيد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مزدلفة فتوضأ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره (في منزله) (2) ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما (شيئا) (3) * ومن طريق البخاري نا عاصم عن ابن ابى ذئب عن الزهري عن سالم (بن عبد الله) (4) عن ابن عمر (رضى الله عنهما) قال (5): (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما باقامة ولم يسبح بينهما. ولا على إثر (كل) (6) واحدة منهما) وهذان خبران صحيحان * وقول رابع: وهو أن الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة * روينا من طريق سفيان الثوري عن سماك بن حرب عن النعمان بن حميد أن عمر جمع بين الصلاتين بمزدلفة بأذان وإقامة * ومن طريق ابى داود السجستاني نا مسدد نا أبو الاحوص نا أشعث بن سليم عن أبيه (أنه كان مع ابن عمر بمزدلفة فأذن وأقام أو أمر بذلك. ثم صلى المغرب ثلاث ركعات. ثم التفت الينا فقال: الصلاة فصلى العشاء ركعتين قال أشعث: وأخبرني علاج بن عمر وعن ابن عمر بهذا (7) قال: فقيل لابن عمر في ذلك فقال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا) وبه يأخذ أبو حنيفة إلا أنه قال: فان تطوع بينهما أقام للعشاء إقامة أخرى * وقول خامس: وهو الجمع بينهما بأذانين وإقامتين صح ذلك عن عمر بن الخطاب من طريق هشيم عن المغيرة عن ابراهيم عن الاسود كنت مع عمر فأتى المزدلفة فصلى المغرب والعشاء كل صلاة بأذان وإقامة * نا حمام نا الباجى نا عبد الله بن يونس نا بقى نا أبو بكر بن أبى شيبة نا أبو الاحوص عن ابى إسحاق السبيعى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صليت مع ابن مسعود المغرب بجمع بأذان وإقامة، ثم أتينا بعشائنا (8) فتعشينا، ثم صلى بنا العشاء بأذان وإقامة * وبه نصا إلى أبى إسحاق السبيعى عن أي جعفر محمد بن على بن الحسين ان على بن أبى طالب كان يجمع


(1) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 355 (2) الزيادة من الموطأ (3) الزيادة من الموطأ والحديث اختصره المصنف انظر ج 1 ص 355 من متن الموطأ ورواه البخاري ج 2 ص 317 بتغيير بعض الالفاظ، وابو داود ج 2 ص 135 (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 318 (5) الزيادة من صحيح البخاري (6) الزيادة من صحيح البخاري (7) في سنن ابى داود ج 2 ص 123 (بمثل حديث ابى عن ابن عمر) والحديث اختصره المصنف (8) في النسخة رقم (14) (بعشاء) وهو بفتح العين فيهما *

[ 128 ]

بين الصلاتين بمزدلفة كل صلاة بأذان وإقامة، وهو قول محمد بن على بن الحسين وذكره عن أهل بيته، وبه يقول مالك * ولا حجة في هذا القول ممن خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حجة في قول عمر. وابن مسعود. وعلى في ذلك لانه قد خالفهم غيرهم من الصحابة، واختلف عن عمر أيضا كا اوردنا فالمرجوع إليه عند النازع هو القرآن والسنة، ولا حجة لابي حنيفة في دعواه أن إعادة الاذان للعشاء هو من أجل ان عمر وابن مسعود تعشيا بين الصلاتين لانها لم يدكرا ذلك ولا أخبرا أن اعادتهما الاذان انما هو من أجل العشاء فهى دعوى فاسدة * (فان قيل): قسنا ذلك على الجمع بين سائر الصلوات إذا صليت الاولى في آخر وقتها والاخرى في أول وقتها فلابد من أذان وإقامة لكل صلاة قلنا: القياس باطل ولايجوز أن يعارض ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقياس فاسد * قال أبو محمد: وقد روى مثل قولنا عن ابن عمر. وسالم ابنه. وعطاء كما روينا من طريق ابن ابى شيبة عن الفضل بن دكين عن مسعر بن كدام عن عبد الكريم قال: صليت خلف سالم المغرب والعشاء بحمع بأذان وإقامتين فلقيت نافعا فقلت له: هكذا كان يصنع عبد الله؟ قال: نعم فقليت عطاء فقلت له فقال قد كنت أقول لهم لاصلاة الا باقامة، وهو قول الشافعي من رواية أبى ثور عنه، فهى ستة أقوال أحدها الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة وصح عن ابن عمر *، والثانى الجمع بينهما باقامة واحدة فقط. وصح أيضا عن ابن عمر وقول سفيان. وأحمد. وأبى بكر بن داود. وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث الجمع بينهما باقامتين فقط. روى عن عمر. وعلى. وصح عن سالم بن عبد الله وهو أحد قولى سفيان. وأحمد. والشافعي، وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * والرابع الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة. روى عن عمر وصح عن ابنه عبد الله وهو قول أبى حنيفة وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * والخامس الجمع بينها بأذان واحد وإقامتين صح عن ابن عمر. وسالم ابنه. وعطاء وهو أحد قولى الشافعي وبه نأخذ، وصح بذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * والسادس الجمع بينهما بأذانين وإقامتين صح عن عمر. وابن مسعود وروى عن على، وعن محمد بن على بن الحسين وأهل بيته وهو قول مالك * فأما الاخبار في ذلك فبعضها باقامة واحدة من طريق ابن عمر. وابن عباس، وبعضها باقامتين من طريق ابن عمر. وأسامة بن زيد، وبعضها بأذان واحد واقامة واحدة من طريق ابن عمر، وبعضها بأذان واحد وإقامتين من طريق جابر، فاضطربت الرواية عن ابن عمر الا ان احدى الروايات عنه وعن أسامة بن زيد، وعن جابر بن عبد الله زادت

[ 129 ]

على الاخرى، وعلى رواية ابن عباس إقامة فوجب الاخذ بالزيادة، وإحدى الروايات عنه، وعن جابر تزيد على الاخرى، وعلى رواية أسامة أذانا فوجب الاخذ بالزيادة لانها رواية قائمة بنفسها صحية فلا يجوز خلافها، فإذا جعت رواية سالم. وعلاج عن ابن عمر صح منهما أذان وإقامتان كما جاء بينا في حديث جابر، وهذا هو الذى لا يجوز خلافه، ولا حجة لمن خالف ذلك، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لاتجزئ صلاة المغرب تلك الليلة الا بمزدلفة ولابد وبعد غروب الشفق ولابد. فلما رويناه من طريق البخاري نا ابن سلام نا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الانصاري عن موسى بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال: (لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات عدل إلى الشعب فقضى حاجته فجعلت أصب عليه ويتوضأ فقلت: يارسول الله أتصلى؟ قال المصلى أمامك) وذكر باقى الحديث (1) * ومن طريق مسلم نا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وابن حجر قالوا: نا اسماعيل نا يحيى بن يحيى واللفظ له - نا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن كريب مولى اين عباس عن أسامة بن زيد (أنه كان ردف (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات، فلما بلغ (رسول الله صلى الله عليه وسلم) (3) الشعب الايسر الذى دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا، ثم قلت: الصلاة يارسول الله فقال: الصلاة أمامك) وذكر الحديث * قال أبو محمد: فإذ قد قصد عليه السلام ترك صلاة المغرب وأخبر بأن المصلى من أمام وان الصلاة من امام فالمصلى هو موضع الصلاة فقد أخبر بان موضع الصلاة ووقت الصلاة من امام فصح يقينا ان ما قبل ذلك الوقت المكان ليس مصلى ولا الصلاة فيه صلاة * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لاصلاة الا بجمع * وروينا من طريق حجاج بن النهال نا يزيد بن ابراهيم - هو التسترى - نا عبد الله بن أبى مليكة قال: كان ابن الزبير يخطبنا فيقول: ألا لاصلاة إلا بجمع يرددها ثلاثا * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد قال: لاصلاة الا بجمع ولو إلى نصف الليل * وروى عن ابن عمر وابن عباس صلاة المغرب دون جمع، ولا حجة الا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم *


(1) هو في البخاري ج 2 ص 316 (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 362 (قال ردفت) (3) الزيادة من صحيح مسلم *

[ 130 ]

وأما بطلان حج من لم يدرك مع الامام صلاة الصبح بمزدلفة من الرجال. فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن قدامة المصيصى نا جرير ابن جازم عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن عروة بن مضرس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أدرك جمعا مع الامام والناس حتى يفيضوا (منها) (1) فقد أدرك الحج ومن لم يدرك مع الامام والناس (2) فلم يدرك)، وبه إلى أحمد بن شعيب أنا عمرو بن على نا يحيى بن سعيد القطان نا إسماعيل بن أبى خالد أخبرني عامر الشعبى أخبرني عروة ابن مضرس الطائى قال قلت (3): يارسول الله أتيتك من جبلى طئ أكللت مطيتي (4) وأتعبت نفسي، والله (5) ما بقى من حبل (6) الا وقفت عليه فهل لى من حج؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الغداة ههنا. ثم أقام معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقدتم حجه) (7)، وقال تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) فوجب الوقوف بمزدلفة - وهى المشعر الحرام - وذكر الله تعالى عندها فرض يعصى من خالفه ولا حج له لانه لم يأت بما أمر إلا أن إدراك صلاة الفجر فيها مع الامام هو الذكر المفترض ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور، ومن أدرك شيئا من صلاة الامام فقد أدرك الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) * قال أبو محمد: والعجب ممن يقول: ان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائمة الابل (في كل خمس شاة) دليل على ان غير السائمة بخلاف السائمة، وممن يقول: ان قوله عليه السلام: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) دليل على ان الامام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وان المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده. ثم لا يرى قوله عليه السلام (من صلى الغداة ههنا معنا وقد أتى عرفة قبل ذلك فقد تم حجه) دليلا عى ان من لم يصل الغداة هنالك مع الامام لم يتم حجه، فكيف وقد غنينا (عن ذلك كله) (8) بنصه عليه السلام؟ على أنه إن لم يدرك ذلك فلم يدرك الحج * واحتج بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) قال على: وهم أول مبطل لهذا الاحتجاج لان عندهم فرائض يبطل الحج بتركها سوى عرفة كترك الاحرام. وترك طواف الافاضة. وترك الصفا والمروة. فكم هذا التناقض؟ وليس قوله عليه السلام (الحج


(1) الزيادة من النسائي ج 1 ص 262، وفيه (حتى يفيض منها) بدل (حتى يفيضوا) (2) في النسائي (مع الناس والامام) (3) في النسائي ج 5 ص 264 (0 قال: اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:) الخ (4) في النسخة رقم (14) (أضللت مطيتي) وما هنا موافق لما في النسائي (5) لفظ (والله) سقط من النسائي (6). هو بالحاء المهملة المفتوحة. وسكون الباء الموحدة. ما استطال من الرمل، وقيل الحبل ما دون الجبل في الارتفاع وسبق قريبا تفسيره * (7) في النسائي فيه مخالفة لبعض الالفاظ التى ذكرها المصنف انظر ج 5 ص 264 (8) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 131 ]

عرفة) ممانع من ان يكون غير عرفة الحج أيضا إذا جاء بذلك نص، وقد قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). والبيت غير عرفة بلا شك، وسوى تعالى بين الامر بعرفة الامر بمزدلفة في القرآن، وقد قال تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر). وأخبر رسول الله صلى الله عليه سلم ان يوم الحج الاكبر - هو يوم النحر - ولايكون يوم الحج الاكبر الا وغيره يوم الحج الاصغر، ومحال ممتنع أن يكون - هو يوم الحج الاكبر - ولا يكن فيه من فرائض الحج شئ، ويكون فرض الحج في غيره، فصح ان جملة فرائض الحج في يوم الحج الاكبر، وهى الوقوف بمزدلفة الذى لا يكون في غيره، ورمى الجمرة، والافاضة، وقد يكونان فيما بعده كما عرفة فيما قبلة * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرنى عن ابن عباس قال: (من أفاض من عرفة فلا حج له) وقد ذكرنا عن ابن الزبير أنه كان يقول في خطبته: ألا لاصلاة الا بجمع، فإذا ابطل الصلاة الا بمزدلفة فقد جعلها من فرائض الحج * ومن طريق شعبة عن داود بن يزيد الازدي عن أبى الضحى قال: سألت علقمة عمن لم يدرك عرفات أو جمعا أو وقع باهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: عليه الحج * ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: كان يقال: من فاته جمع أو عرفة فقد فاته الحج * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: من فاته عرفة أو جمع، أو جامع قبل ان يزور فقد فسد حجه * ومن طريق سفيان الثوري أيضا عن عبد الله أبن أبى السفر عن الشعبى انه قال: من فاته جمع جعلها عمرة * وعن الحسن البصري من لم يقف بجمع فلا حج له * وعن حماد بن أبى سليمان قال: من فاته الافاضة من جمع فقد فاته الحج فليحل بعمرة ثم ليحج من قابل * ومن طريق شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير قال: يوم الحج الاكبر - هو يوم النحر - ألا ترى انه إذا فاته عرفة لم يفته الحج وإذا فاته يوم النحر فاته الحج * قال أبو محمد: صدق سعيد لان من فاتته عرفة يوم عرفة لم يفته الحج لانه يقف بعرفة ليلة يوم النحر، وأما يوم النحر فانما سماه الله تعالى يوم الحج الاكبر لان فيه فرائض ثلاثا من فرائض الحج، وهو الوقوف بمزدلفة لا يكون جازئا الاغداة يوم النحر، وجمرة العقبة، وطواف الافاضة ويجوز تأخيره، فصح أن مزدلفة أشد فروض الحج تأكيدا وأضيقها وقتا، وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا *

[ 132 ]

وأما قولنا: ان النساء. والصبيان. والضعفاء بخلاف هذا. فلما روينا من طريق مسلم نا محمد ابن أبى بكر المقدمى نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن ابن جريج حدثنى عبد الله مولى أسماء بنت أبى بكر الصديق ان أسماء قالت له بمزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لافصلت ساعة ثم قالت (يا بنى) (1) هل غاب القمر؟ قلت: نعم قالت: ارحل (بى) (2) فارتحلنا حتى رمت الجمرة ثم صلت في منزلها فقلت لها: (أي هنتاه) (3) لقد غسلنا قالت: كلا أي بنى إن رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم، اذن للظعن (5) * ومن طريق ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب ان سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله تعالى ثم يدفعون قبل أن يقف الامام، ويقول (ابن عمر) (6) أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق مسلم حدثنى على بن خشرم أنا عيسى بن يونس عن ابن جريج أخبرني عطاء ان ابن شوال أخبره أنه دخل على أم حبيبة أم المؤمنين (7) فأخبرته أن رسول الله (8) صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل * ومن طريق مسلم نا يحيى بن يحيى عن حماد بن زيد عن عبيدالله بن أبى يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثقل (9) وفى الضعفة (10) من جمع بليل * قال أبو محمد: كان ابن عباس حينئذ قد ناهز الاحتلام ولم يحتلم بعد، هكذا ذكر عن نفسه في الخبر الذى فيه انه أتى منى على أتان. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس قال: وأنا غلام قد ناهزت الاحتلام (11) * فخرج هؤلاء عن وجوب حضور صلاة الصبح بمزدلفة مع الامام عليهم وبقى عليهم فرض الوقوف بمزدلفة، وذكر الله تعالى هنالك ليلة النحر ولابد لعموم قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) * وأما وجوب رمى جمرة العقبة. فلما رويناه من طريق أبى داود نا نصر بن على الجهضمى نا يزيد بن زريع انا - هو الحذاء - عن عكرمة عن ابن عباس (أن رجلا


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 366 (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) الزيادة من صحيح مسلم، ومعناه يا هذه، وقوله بعد (لقد غسلنا) أي لقد تقدمنا على الوقت المشروع (4) في صحيح مسلم (أن النبي) (5) هو بضم الظاء والغين وباسكان العين ايضا وهن النساء الواحدة ظعينة كسفينة وسفن واصل الظعينة الهودج الذى تكون فيه المرأة على البعير، والله أعلم (6) الزيادة من النسخة رقم (16) (7) لفظ (أم المؤمنين) سقط من صحيح مسلم ج 1 ص 366 (8) في صحيح مسلم (ان النبي) (9) هو بفتح الثاء المثلثة والقاف المتاع ونحوه المتاع ونحوه (10) في صحيح مسلم ج 1 ص 366 (أو قال في الضعفة) (11) هو في صحيح البخاري ج 1 ص 49 *

[ 133 ]

قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انى أمسيت ولم ارم قال: ارم ولا حرج (1)) * ومن طريق البخاري عن عبد الله بن يوسف نا مالك عن ابن شهاب عن عيسى ابن طلحة عن عبيدالله عن عبد الله بن عمرو بن العاصى (2) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع (فجعلوا يسألونه)؟ (3) فقال له رجل: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج) فأمر عليه السلام برميها فوجب فرضا * (فان قيل): ان في هذا الخبر انه عليه السلام قال: (اذبح ولاحرج) فأوجبوا الذبح فرضا. قلنا: ان كان كان ذلك الذبح منذورا أو هديا واجبا فنعم هو فرض، وان كان تطوعا فيكفى من البرهان على انه ليس ذبحه فرضا تيقن العلم بأنه تطوع لافرض * روينا من طريق الحذافى عن عبد الرزاق عن معمر قال: الزهري فيمن لم يرم الجمرة: ان ذكر وهو بمنى رمى وإن فاته ذلك حتى نفر فانه يحج من قابل ويحافظ على المناسك وبه يقول داود. وأصحابنا، ولا يجزئ الرمى الا بحصى كحصى الخذف لاأصغر. ولا أكبر. لما روينا من طريق مسلم * نا محمد بن رمح عن الليث - هو ابن سعد - عن أبى الزبير عن أبى معبد مولى ابن عباس عن الفضل بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بحصى الخذف الذى ترمى به الجمرة (4)) * ومن طريق أحمد بن شعيب انا يعقوب بن ابراهيم - هو الدورقي - نا اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - نا عوف - هو ابن أبى (5) جميلة - نا زياد بن حصين عن أبى العالية قال: قال ابن عباس: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: (هات القط لى فلقطت له حصيات هي حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء (6) وإياكم والغلو في الدين فانما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) * وقال مالك: أحب أكبر من حصى الخذف، وهذا قول في غاية الفساد لتعرية من البرهان ومخالفة الاثر الثابت * روينا من طريق ابن أبى شبية نا أبو خالد الاحمر عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله. وابن الزبير قالا جميعا: مثل حصى الخذف، ولا مخالف لهما لامن صاحب. ولا من تابع، وهذان الاثران يبطلان قول من قال: يجزئ الرمى بغير الحصى *


(1) الحديث ذكره المصنف مختصرا انظر ج 2 ص 149 من سنن ابى داود (2) لفظ (ابن العاص) غير موجود في صحيح البخاري ج 3 ص 2 (3) الزيادة من صحيح البخاري والمصنف ذكر الحديث مختصرا (4) الحديث ذكره المصنف مختصرا اقتصر فيه على محل الشاهد وهو في مسلم ج 1 ص 363 (5) سقط من النسخة رقم (14) لفظ (ابى) خطأ (6) في سنن النسائي چ 5 ص 268 بدون تكرار لفظ (بامثال هؤلاء) *

[ 134 ]

وأما العدد فان الناس اختلفوا. روينا من طريق ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد أن سعد بن أبى وقاص قال: جلسنا فقال بعضنا: رميت بست، وقال بعضنا: رميت بسبع فلم يعب بعضنا على بعض (1) * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني محمد بن يوسف ان عبد الله بن عمرو بن عثمان أخبره أنه سمع أبا حبة الانصاري يفتى بأنه لا بأس بما رمى به الانسان من عدد الحصى فجاء عبد الله بن عمرو إلى ابن عمر فأخبره فقال: صدق أبو حبة * قال أبو محمد: أبو حبة بدرى * وروينا عن طاوس من ترك حصاة فانه يطعم تمرة أو لقيمة * وعن عطاء من فاتته الجمار يوما تصدق بدرهم ومن فاتته حتى تنقضي أيام منى فعليه دم * قال على: روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن سليمان التيمى عن أبى مجلز قلت لابن عمر: نسيت أن ارمى بحصاة من حصى الجمرة فقال لى ابن عمر: اذهب إلى ذلك الشيخ فسله ثم ارجع فأخبرني بمما يقول قال: فسألته؟ فقال لى: لو نسيت شيئا من صلاتي لاعدت فقال ابن عمر: أصاب * فقال أبو محمد: هذا الشيخ - هو محمد بن الحنفية - هكذا رويناه من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه، وروينا عن ابن عمر قال: من نسى الجمرة رماها بالليل حين يذكر * وعن طاوس. وعروة بن الزبير. والنخعي. والحسن قالوا كلهم: يرمى بالليل،، وهو قول سفيان، ولم يوجبوا في ذلك شيئا * قال أبو محمد: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر وأباح رميها بعد ذلك وان أمسى، هذا يقع على الليل والعشي معا كما ذكرنا قبل، قال أبو حنيفة: عليه في كل حصاة نسيها طعام مسكين نصف صاع حنطة إلا أن يبلغ ذلك دما * وقال مالك: عليه في الحصاة الواحدة فأكثر إن نسيها دم فان ترك سبع حصيات فعلية بدنة فان لم يجد فبقرة. فان لم يجد فشاة. فان لم يجد فصيام * وأما الشافعي فمرة قال: عليه في حصاة واحدة مد طعام، وفى الحصاتين ثلثا دم. وفى الثلاث. فصاعدا دم، وقد روى عنه في حصاة ثلث دم. وفى الحصاتين ثلثا دم. وفى الثلاث فصاعدا دم، وروى عنه للحصاة الواحدة فصاعدا دم * قال أبو محمد: وهذه الاقوال المذكورة كلها ليس شئ منها جاء به نص، ولا رواية فاسدة، ولاقول صاحب، ولاتابع، ولاقياس، ولا قال بشئ منها أحد نعلمه قبل القائل بكل قول ذكرناه عمن ذكرناه عنه *


(1) في النسائي ج 5 ص 275 بزيادة *

[ 135 ]

وأما الرمى قبل طلوع الشمس فلا يجزئ أحدا. لا امرأة. ولارجلا، روينا من طريق أحمد بن شعيب انا محمود بن غيلان المروزى نا بشر بن السرى نا سفيان الثوري عن حبيب - هو ابن أبى ثابت - عن عطاء عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم قدم أهله وأمرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس) (1) * وروينا عن طائفة من التابعين إباحة الرمى قبل طلوع الشمس، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال سفيان: من رمى قبل طلوع الشمس أعاد الرمى بعد طلوعها، وهو قول أصحابها * وأما قولنا: لا يقطع التلبية الا مع آخر حصاة من جمرة العقبة. فان مالكا قال: يقطع التلبية إذا نهض إلى عرفة، وذكروا في ذلك رواية عن عائشة أم المؤمنين. وابن عمر. وعن على، واحتجوا بأن قالوا: التلبية استجابة فذا وصل فلا معنى للتلبية * قال أبو محمد: اما الرواية عن على فلا تصح لانها منقطعة إليه. والصحيح عنه خلاف ذلك، وأما عن أم المؤمنين، وابن عمر فقد خالفهما غيرهما من الصحابة رضى الله عنهم، وإذا وقع التنازع فالمرجوع فيه إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه ومن القرآن والسنة، وأما قولهم: ان التلبية استجابة فدعوى لا برهان على صحتها، ولو كان ما قالوا: لو جبت التلبية عند سماع الاذان. ووجوب النهوض إلى الجمعة وغيرها، وما التلبية إلا شريعة أمر الله بها لاعلة لها الا ما قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، وثم لو كانت استجابة كما قالوا: لكان لم يصل بعد إلى ما دعى إليه لانه قد بقيت عليه فروض من فروض الحج لا يكون واصلا إلى ما دعى إليه الا بتمامها كعرفة وطواف الافاضة * روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا وكيع عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة) (2)، وصح أيضا من طريق أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق مسلم نا شريح بن يونس نا هشيم انا حصين - هو ابن عبد الرحمن - عن كثير بن مدرك الاشجعى عن عبد الرحمن ابن يزيد أن عبد الله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع فقيل له: عن أي هذا (3)؟ فقال: أنسى الناس أم ضلوا؟ سمعت الذى أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: (لبيك اللهم لبيك) * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن ابراهيم بن عقبة عن كريب


(1) هو في النسائي ج 5 ص 272 (2) هو في سنن ابى داود ج 2 ص 99، قال المنذرى: واخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 363 (فقيل أعرابي هذا) وهو اوضح مما هنا *

[ 136 ]

مولى ابن عباس أن ميمونة أم المؤمنين لبت حين رمت الجمرة، * وبه إلى سفيان عن عامر بن شقيق سمعت أبا وائل يقول: قال ابن مسعود: لا يمسك الحاج عن التلبية حتى يرمى جمرة العقبة * ومن طريق حماد بن زيد نا أيوب السختيانى أنه سمع عبد الرحمن ابن الاسود بن يزيد يقول: حدثنى أبى أنه سمع عمر بن الخطاب يلبى بعرفة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال: سمعت عمر يلبى غداة المزدلفة * وعن ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن محمد بن اسحاق سمعت عكرمة يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى رمى الجمرة. وأبو بكر، وعمر * وعن على بن أبى طالب أنه لبى حتى رمى جمرد العقبة * وعن القاسم بن محمد عن أم المؤمنين عائشقة كانت تلبي بعد عرفة * وعن سفيان بن عيينة سمع سعد بن ابراهيم (1) يحدث الزهري عن عبد الرحمن ابن الاسود أن أباه صعد إلى ابن الزبير المنبر يوم عرفة فقال له: ما يمنعك ان تهل؟ فقد رأيت عمر في مكانك هذا يهل فأهل ابن الزبير * وعن ابن عيينة عن عبيدالله بن أبى يزيد يقول: تلبي حتى ينقضى حرمك إذا رميت الجمرة * وعن سفيان الثوري عن عبد الله ابن الحسن عن عكرمة قال: كنت مع الحسين بن على فلبى حتى رمى جمرة العقبة * قال أبو محمد: وكان معاوية ينهى عن ذلك * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد قال: غدا عمر بن عبد العزيز من منى إلى عرفة فسمع التكبير عاما فبعث الحرس يصيحون. أيها الناس انها التلبية * ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير عن المغيرة قال: ذكر عند ابراهيم النخعي إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية مادام يطوف بالبيت فقال ابراهيم: لابل يلبى قبل الطواف وفى الطواف وبعد الطواف. ولا يقطعها حتى يرمى الجمرة وهو قول أبى حنيفة، والشافعي، وأحمد، واسحاق. وأبى سليمان * قال أبو محمد: إلا أن أبا حنيفة. والشافعي قالا: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجرة وليس كذلك بل مع آخر حصاة من الجمرة لانه نص فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حكى ابن عباس. وأسامة أنه عليه السلامم لبى حتى رمى جمرة العقبة ولو كان ما قاله أبو حنيفة، والشافعي لقالا: حتى بدا رمى جمرة العقبة * روينا من طريق الحذافى عن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن ابراهيم بن حنين عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يهل وهو يرمى جمرة العقبة فقلت له: فيما الاهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا بعد؟ وهو المفهوم الظاهر من فعل كل من ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم * وقال قوم


(1) في النسخة رقم (16) (سعيد بن ابراهيم) وهو غلط *

[ 137 ]

منهم مالك: ان الحاج يقطع التلبية إذا طاف بالبيت. وبالصفا. والمروة. فذا أتم ذلك علودها (1) * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة. والشافعي: لا يقطعها وهذا هو الحق لما ذكرنا من ان النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة * روينا من طريق أبى داود نا عبد الله ابن محمد النفيلى. وعثمان بن أبى شيبة قالا: نا حاتم بن اسماعيل نا جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر بن عبد الله أخبره فذكر حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم (وقال: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعة لك والملك لا شريك لك فأهل الناس بهذا الذى يهلون به (فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه) (2) ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته) فصح أنه عليه السلام لم يقطعها * ومن طريق سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن أبى وائل عن مسروق أنه رأى عبد الله بن مسعود طاف بالبيت سبعا ثم خرج إلى الصفا قال: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ان ناساينهون عن الاهلال في هذا المكان فقال: لكنى آمرك به، وذكر باقى الخبر * (فان ذكروا) ما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا صفوان بن عيسسى عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب (3) عن مجاهد عن عبد الله بن سخبرة عن عبد الله ابن مسعود قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى أتى جمرة العقبة الا أن يخلطها بتكبير أو بتهليل * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن محمد بن اسحاق عن عكرمة قال: سمعت الحسن بن على يلبى حتى انتهى إلى الجمرة وقال لى (4): سمعت أبى على بن ابى طالب يهل حتى انتهى إلى الجمرة وحدثني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حتى انتهى إليها * قلنا الحارث ضعيف. وأبان بن صالح ليس بالقوى، ثم لو صحا لكان خبر الفضل ابن عباس. واسامة بن زيد زائدين على هذين الخبرين زياده لا يحل تركها رغبة عنها واختيار الغيرها عليها، وليس في هذين الخبرين نهى عما في خبر ابن عباس. واسامة * وقال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم، وقالت طائفة: لا يقطعها إلا حتى يرى بيوت مكة، وقالت طائفة: حتى يدخل بيوت مكة، وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حتى يستلم الحجر فإذا استلمه قطعها، وقال الليث: إذا بلغ الكعبة قطع التلبية * وقال الشافعي:


(1) في النسخة رقم (14) (اعادها) والضمير يرجع إلى التلبية (2) الزيادة من سنن أبى داود ج 2 ص 124 وهو هناك مطول اختصره المصنف هنا (3) هو بذال معجمة مضمومة وبموحدتين (4) في النسخة رقم (16) (وقال: انى) *

[ 138 ]

لا يقطعها حتى يفتتح الطواف، وقال مالك: من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم فان أحرم من الجعرانة أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة أو إذا دخل المسجد * روينا عن وكيع عن عمر بن ذر عن مجاهد قال: قال ابن عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الركن، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة * قال وكيع: وحدثنا سفيان - هو الثوري - عن عبد الله بن دينار قال: قال ابن عمر: يقطع التلبية إذا دخل الحرام * قال أبو محمد: والذى نقول به فهو (1) قول ابن مسعود الذى ذكرنا آنفاانه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة (فان ذكروا) ما روينا عن سعيد بن منصور ناهشيم نا ابن أبى ليلى عن عطاء عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى في عمرته حتى استلم الحجر * ومن طريق حفص بن غياث عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، فهذا أثران ضعيفان في أحد هما ابن أبى ليلى - وهو سئ الحفظ - وفى الاخر الحجاج وناهيك به، وهو أيضا صحيفة (فان قالوا): فهل عندكم اعتراض؟ فيما رويتم من طريق أحمد بن شعيب عن يعقوب بن ابراهيم عن ابن علية عن ايوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى ثم يصلى به الصبح. ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك (1) * قلنا: لا معترض فيه وهو صحيح الا أنه لا حجة لكم فيه، أول ذلك انه ليس في هذا الخبر ما تذكرون من ان ذلك كان في العمرة فهو مخالف لما اختاره أبو حنيفة، والشافعي في الحج ولما اختاره أبو حنيفة في العمرة أيضا، ثم نقول لمن ذهب إلى قول مالك في هذا: ان هذا خبر لا حجة لكم فيه لانه قد يمكن أن ابن عمر انما أشار بقوله: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك) إلى المبيت بذى طوى وصلاة الصبح بها فقط، وهكذا نقول: أو يكون أشار بذلك إلى قطع التلبية كما تقولون، فان كان هذا فخبر جابر بن عبد الله. وأسامة. وابن عباس (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم التلبية ولم يقطعها حتى رمى جمرة العقبة) زائد على ما في خبر ابن عمر، وزيادة العدل لا يجوز تركها لانه ذكر علما كان عنده لم يكن عند ابن عمر (3) الذى لم يذكره وبالله تعالى التوفيق * وأما اختيارنا الطيب بمنى قبل رمى الجمرة. فلما قد ذكرنا قبل في اختيار التطيب للاحرام من النص، وممن قال بذلك من الصحابة، وغيرهم رضى الله عنهم فأغنى عن اعادته *


(1) وانما قرن الخبر بالفاء لسبه الموصول بالشرط في العموم (2) لم اجد (في سنن النسائي المطبوع ولعله في السنن الكبرى) وهو موجود بهذا السند بلفظه ومتنه في البخاري ج 2 ص 283 (3) لفظ (ابن عمر) سقط من النسخة رقم (14) خطأ *

[ 139 ]

وأما قولنا أن يرمى الجمرة. وبدخول وقتها يحل للمحرم بالحج أو القران كل ما كان عليه حراما من اللباس، والطيب. والتصيد في الحل. وعقد النكاح لنفسه، ولغيره حاشا الجماع فقط فانه حرام عليه بعد حتى يطوف بالبيت فهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهم: * وقال مالك. وسفيان: إذا رمى الجمرة حل له كل شئ الا النساء. والتصيد. والطيب، قال: فان تطيب فلا شئ عليه لما جاء في ذلك، وان تصيد فعليه الجزاء، وذكروا في ذلك رواية عن عمر. وابنه عبد الله أنه حل له كل شئ الا النساء والطيب، وعن سالم. وعروة مثل هذا * قال أبو محمد: أما ابن عمر فقد روى عنه الرجوع وقد خالف في ذلك عمر عائشة وغيرها كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن عمرو بن دينار عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال عمر: إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا الطيب. والنساء. فقالت عائشة: انا طيب ت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق ان تتبع * قال أبو محمد: هذا قول ابن عمر الذى لو اتبعوه لوفقوا * ومن طريق وكيع عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرنى عن ابن عباس قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئ الا النساء فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما انا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك أطيب ذلك أم لا؟ * ومن طريق وكيع عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: إذا رميت الجمرة فقد حل لك كل شئ الا النساء * وعن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر سمعت ابن الزبير يقول: إذا رميت الجمرة فقد حل لك كل شئ ما وراء النساء، وهو قول عطاء. وطاوس. وعلقمة. وخارجة بن زيد بن ثابت * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقال تعالى: (فإذا حللتم فاصطادوا) وجاء النص واجماع المخالفين معنا على أن المحرم حرام عليه لباس القمص. والعمائم. والبرانس. والخفين. والسراويل. ووافقو نامع مجئ النص على جواز لباس كل ذلك إذا رمى ونحر، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى جواز تقديم الطواف. والذبح. والحلق بعضها على بعض، فصح أن الاحرام قد بطل بدخول وقت الرمى. والحلق. والنحر. رمى أولم يرم، حلق أو لم يحلق، نحر أو لم ينحر، طاف أو لم يطف، وإذا حل له الحلق الذى كان حراما في الاحرام فبلا شك أنه قد بطل الاحرام وبطل حكمه، وإذا كان ذلك فقد حل فحل له

[ 140 ]

الصيد الذى لم يحرم عليه الا بالاحرام وحل له بالاحلال، وكذلك الزواج. والتزويج لان النص انما جاء بأن لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب، فصح أن هذا حرام على المحرم ومن حل له لباس القمص. والبرانس. وحلق الرأس لغير ضرورة فهو حلال لا محرم فالنكاح. والانكاح. والخطبة حلال له إذ ليس محرما، وأما الجماع فبخلاف هذا لان الله تعالى قال (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج). فحرم الرفث وهو الجماع في الحج جملة لا على المحرم خاصة (1) وما دام يبقى من فرائض الحج شئ فهو بعد في الحج وان لم يكن محرما، والوطئ حرام عليه مادام في الحج * قال أبو محمد: ومالك يرى في الطيب المحرم على المحرم الفدية كما يرى الجزاء على المحرم في الصيد. ثم رأى ههنا الجزاء في الصيد ولم ير الفدية في التطيب وهذا عجب! (فان احتجوا له) بالاثر الوارد في طيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل ان يطوف بالبيت قلنا لهم: لا يخلو هذا الاثر من أن يكون صحيحا ففرض عليكم أن لا تخالفوه وأنتم قد خالفتموه أو يكون غير صحيح فلا تراعوه وأوجبوا الفدية على من تطيب كما أوجبتموها على من تصيد. ولا فرق، ثم نقول لهم: أخبرونا عن ايجابكم الجزاء على من تصيد في الحل بعد رمى جمرة العقبة أحرم هو أم غير حرم؟ ولا سبيل إلى ثالث (فان قلتم): هو حرم قلنا لكم، فحرموا عليه اللباس الذى يحرم على المحرمين وحرموا عليه حلق رأسه، وان قالوا: ليس حراما قلنا: فلا جزاء عليه في التصيد، (فان قالوا): قد جاء النص والاجماع بأمره بحلق رأسه، وبلباس ما يحرم على المحرمين قلنا: فهذا برهان كاف في أنه ليس محرما، وهذا ما لا مخلص (لهم) (2) منه، وأيضا فانهم أو هموا أنهم تعلقوا بعمر. وابن عمر. وانما عنهما المنع من التطيب لا من الصيد، وهذا عجب جدا!، وأيضا فالقوم أصحاب قياس وهم قد أباحوا لباس القمص. والسراويل وغير ذلك بعد رمى جمرة العقبة. وحلق الرأس، ومنعوا من الصيد. والطيب * (فان قالوا): قسناه على الجماع قلنا: هذا قياس فاسد لان اللباس. والحلق والطيب. والصيد عندكم خبر واحد. وحكم واحد في أنه لا يبطل به الحج في الاحرام، وكان للجماع خبر آخر لانه لا يبطل به الحج في الاحرام، فلو كان القياس حقا لكان قياس الطيب. والصيد على اللباس. والحلق (3) أولى من قياسه على الجماع، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: - ان نهض إلى مكة فطاف بالبيت سبعا لا رمل فيها وسعى بين الصفا والمروة ان كان متمتعا أو لم يسع ان كان قارنا وكان قد سعى بينهما في أول دخوله فقدتم


(1) في النسخة رقم (14) (في الحج جملة على المحرم خاصة) وما هنا اتم لان المعنى والله اعلم إن هذه الاشياء المذكروة في الآية الشريفة حرمت في الحج على الحاج ما بقى عليه شئ من اعمال الحج لاعلى المحرم فقط: * (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (14) (وحلق الرأس) *

[ 141 ]

حجه وقرانه. وحل له النساء - فاجماع (1) لا خلاف فيه مع النص في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) * وأما قولنا -: انهم يرجعون إلى منى فيقيمون بها ثلاث ليال بأيامها يرمون في كل يوم من الايام الثلاثة الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس بسبع حصيات سبع حصيات كل جمرة يبدأ بالقصوى، ثم التى تليها، ثم جمرة العقبة التى رمى يوم النحر وقد تم حجه وعمله كله - فاجماع (1) لا خلاف فيه من أحد * وأما قولنا: يقف للدعاء عند الجمرتين الاولتين ولا يقف عند الثالثة فلما رويناه من طريق البخاري نا عثمان بن أبى شيبة نا طلحة بن يحيى الانصاري نا يونس عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (رضى الله عنهما) (2) (أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل (3) مستقبل القبلة فيقوم طويلا. ويدعو. ويرفع يديه. ثم يرمى الجمرة الوسطى. ثم يأخذ بذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة (فيقوم طويلا) (4) ثم يدعو. ويرفع يديه. ثم يقوم طويلا. ثم يرمى جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها. ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) يفعله) * ومن طريق أبى داودنا على بن بحر. وعبد الله بن سعيد المعنى قالا (جميعا) (6) نا أبو خالد الاحمر عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر. ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة) (7) * وأما قولنا: ويأكل القارن من هديه ولا بد ويتصدق، وكذلك من هدى التطوع فلقول الله تعالى (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رضوان الله عليه (8) قارنين، وأكلا من هديهما وتصدقا *


(1) في النسخة رقم (14) (باجماع) والصحيح ماهنا لانه جواب الشرط. عن قوله. (واما قولنا) الخ، وقوله قبل فقد تم حجه جواب الشرط. اعني قوله (ان نهض) وهومن مقول القول تنبه لذلك (2) الزيادة من البخاري ج 3 ص 8، وفيه (عن أبن عمر) بدل (عن ابيه) (3) في البخاري (حتى يسهل فيقوم) ومعنى سهل. بضم اوله وسكون ثانيه. يقصد السهل من الارض وهو المكان اللين الذى لاارتفاع فيه (4) الزيادة من البخاري (5) في البخاري (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم) (6) الزيادة من النسخة رقم (14) وهى غير موجوده في سنن ابى داود ج 2 ص 147 (7) في سنن ابى داود زيادة اسقطها المصنف، قال الحافظ المنذرى: في اسناده محمد بن اسحاق بن يسار (8) في النسخة رقم (14) (رضى الله عنه) *

[ 142 ]

قال أبو محمد: وروى أثر (أن من لم يطف بالبيت يوم النحر فانه يعود محرما كما كان حتى يطوف به) رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة عن أمها عن أم سلمة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح لان أبا عبيدة وإن كان مشهور الشرف والجلالة في الرياسة فليس معروفا بنقل الحديث. ولا معروفا بالحفظ، ولو صح لقلنا به مسارعين إلى ذلك، وقد قال به عروة بن الزبير * وأما قولنا: - (1) فأما المتمتع فان كان من غير أهل الحرام أو لم يكن أهله معه قاطنين هنالك ففرض عليه أن يهدى هديا ولا بد ولا يجزئه ان يهديه الا بعد أن يحرم بالحج، فان لم يجد هديا ولا ما يبتاعه به ء فليصم ثلاثة أيام من يوم يحرم بالحج إلى انقضاء يوم عرفة وسبعة أيام إذا انقضت أيام التشريق، فان لم يصم الثلاثة الايام كما ذكرنا فليؤخر طواف الافاضة حتى تنقضي أيام التشريق، ثم يصوم الثلاثة الايام فإذا أتمها كلها طاف طواف الافاضة في اليوم الرابع، ثم ابتدأ بصيام السبعة الايام فان لم يفعل حتى خرج عن عمل الحج صام السبعة الايام فقط واستغفر الله (2) ان كان تعمد ترك صيام الثلاثة الايام، ولو وجد هديا بعد إحرامه بالحج لم يجزه وفرضه الصوم ولا بد، فان وجده قبل ان يحرم بالحج ففرضه الهدى - فلقول (3) الله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام). وهذا نص ما قلناه ولله الحمد كثيرا * وقد أجاز قوم ان يصوم الثلاثة الايام قبل ان يحرم بالحج وهذا خطأ لانه خلاف أمر الله تعالى بأن يصومها في الحج، وما لم يحرم المرء فليس هو في الحج فليس هو في وقت بعد ممن تمتع بالعمرة إلى الحج، ولا يجزئ (أداء) (4) فرض إلا في وقته الذى أوجبه الله تعالى فيه (5)، وأجاز قوم ان يصوم الثلاثة الايام في أيام التشريق وهذا خطأ، وقد ذكرنا البرهان على بطلان (هذا القول) (6) في كتاب الصيام من هذا الديوان، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق جملة وبه يقول الشافعي. وأبو حنيفة. وأبو سليمان وغيرهم * وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن نافع


(1) اعلم ان أغلب ما يذكره المصنف ويورده بلفظ (واما قولنا) الخ هو مختصر وفيه تغيير وتبديل لا باللفظ الذى سبق ذكره في اول مسالة 835 ص 117 (2) في النسخة رقم (16) (وليستغفر الله) (3) في النسخة رقم (14) (لقول الله تعالى) وهو غلط لانه جواب قوله (واما قولنا) الح فيجب ان يقرن بالفاء (4) الزيادة من النسخة رقم (14) ص 117 (5) في النسخة رقم 14 (فيه وبه) بزيادة (وبه) وما هنا اتم (6) الزيادة من النسخة رقم (14) وسقطت من النسخة رقم (16) خطأ *

[ 143 ]

عن ابن عمر قال: لا يصوم المتمتع إلا وهو محرم لا يقضى عنه الا ذلك * وروينا عن عائشة وابن عمر أيضا جواز صيام أيام التشريق للمتمتع ولا حجة مع التنازع الا فيما صح عن الله تعالى، أو عن رسوله عليه السلام، وروينا عن على من طريق منقطعة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال في المتمتع يفوته الصوم في العشر: أنه يتسحر ليلة الحصبة فيصوم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع * قال أبو محمد: ليلة الحصبة هي الليلة الرابعة عشر من ذى الحجة التالية لآخر أيام التشريق، وروينا عن عمر. وابن عباس ان من لم يصم الثلاثة الايام في عشر ذى الحجة لم يكن له ان يصومها بعد * قال على: قول الله تعالى - هو الحاكم على كل شئ - ولم يوجب تعالى صيام الثلاثة الايام إلا في الحج فليس له ان يصومها لاقبل الحج لانه يكون مخالفا لامر الله تعالى في ذلك، ولم يوجب عزوجل صيامها (1) في الاحرام لكن في الحج، وهو ما لم يطف طواف الافاضة فهو في الحج بعد * وقال أبو حنيفة: إن صام الثلاثة الايام بعد ان أحرم بالعمرة وقبل ان يطوف لها أو بعد تمامها وقبل ان يحرم بالحج اجزأه ذلك ولا يجزئه ان يصوم السبعة الايام في عشر ذى الحجة، فكان هذا تناقضا لاخفاء به وخلافا للقرآن كما ذكرنا بلا دليل، وقال بعضهم: معنى قوله تعالى: (في الحج) أي في أشهر الحج فقلنا: هذا كذب على القرآن، فان كان كما تزعمون فأجيزوا له صيامها في أشهر الحج قبل ان يعتمر، والا فقد تناقضتم، وصح عن أم الؤمنين عائشة، وعن ابن عمر أنه لا يصوم الثلاثة الايام الابعد إحرامه بالحج، وهو قول مالك. والشافعي. وأحمد. وأبى سليمان ولا يعرف لهم (2) مخالف من الصحابة في ذلك، وقال الشافعي: يصومهن بعد أيام التشريق ويفرق بين الثلاثة والسبعة ولو بيوم * قال على: وهذا خطأ وخلاف للقرآن كما ذكرنا، ولا فرق بين تقديم الفرض قبل وقته. وبين تأخيره بعد وقته بغير نص * وقال عطاء: لا يجزئ هدى المتعة الا بعد الوقوف بعرفة، وقال عمرو بن دينار: يجزئ مذ يحرم بالحج وبه نأخذ لما ذكرنا آنفا * واختلفوا في معنى قوله تعالى (وسبعة إذا رجعتم) فقال قوم: إذا ارجعتم إلى بلادكم، وقال آخرون: إذا رجعتم من عمل الحج وهو قول سفيان. وابى حنيفة. وهو الصحيح لانه لا يجوز تخصيص القرآن بلا نص ولا ضرورة موجبة لتخصيصه، وقد ذكر تعالى صيام الثلاثة الايام في الحج، ثم قال عزوجل: (وسبعة إذا رجعتم) فصح أنه على ظاهره


(1) في النسخة رقم (16) (صيامهن) (2) في النسخة رقم (16) (لهما) وهو خطأ *

[ 144 ]

وعمومه بعد رجوعه من الحج الموجب عليه ذلك الصيام وبالله تعالى التوفيق (فان قيل) فقد رويتم من طريق البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري (1) عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبين الصفا. والمروة ويقصر ويحل ثم ليهلل بالحج (2) فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) قلنا: نعم والرجوع إلى أهله يقع على وجهين، أحدهما المشى إلى بلده، والآخر الرجوع إلى أهله وان حل له فيها ما كان له حراما بالعمل للحج، ولايجوز تخصيص اللفظ إلا بنص أو اجماع فحمله على كل ما يقع عليه اسم رجوع هو الواجب، فان صام السبعة إذا رجع إلى أهله من تحريمها عليه فذلك جائز وان صامها إذا رجع بالمشى فذلك جائز * قال أبو محمد: فان لم يصم الثلاثة الايام حتى أتم الحج فقد روينا عن عمر بن الخطاب انه يعود عليه الهدى وصح ذلك (3) عن ابن عباس وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، والنخعي، والحكم * وروى عنه أيضا ان عليه هديين، هدى المتعة، وهدى لتأخيره، ولم يصح عنه، وبه يأخذ أبو حنيفة وأصحابه * وقال مالك والشافعي: يصومهن بعد الحج وهذا قول روى عن على ولم يصح عنه، وقال سعيد بن جبير: يطعم عن الثلاثة الايام ويصوم السبعة * قال على: ولا حجة في أحد مع الله تعالى. ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد نص عزوجل على أن من لم يجد الهدى صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فصح يقينا ان من لم يجد هديا. ولا ثمنه ان فرضه الصوم المذكور وانه لاهدى عليه فإذ هو كذلك بيقين وبلا خلاف من أحد فلا يجوز سقوط فرضه الواجب عليه، وايجاب هدى قد جاء القرآن بسقوطه عنه بقول مختلف فيه لا يصححه قرآن. ولاسنة، ولا يجزئه أيضا أن يصوم الثلاثة الايام في غير الوقت الذى افترض الله تعالى عليه صيامها فيه بقول مختلف فيه لا يصححه قرآن، ولا سنة، وعمر، وابن عباس يقولان: لا يصوم بعد، وعلى يقول: لا يهدى بعد، وسعيد بن جبير يقول: لا يهدى ولا يصومهن لكن يطعم، وغيره لا يرى الاطعام، فلم يصح ايجاب صومم أو هدى. أو اطعام بغير إجماع ولانص بل النص مانع (4) منهما وغير موجب للاطعام، وقد وجدنا الله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وهو ليس في وسعه أن يصوم الثلاثة الايام في وقت قد فات، فصح انه ليس مكلفا بعد ما ليس في وسعه من ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)


(1) في البخاري ج 2 ص 324 (عن ابن شهاب) وهو هو (2) في صحيح البخاري ج 2 ص 324 (وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج) والحديث اختصره المصنف (3) في النسخة رقم (16) (وكذلك عن ابن عباس) وما هنا اتم واوضح (4) في النسخة رقم (16) (بل النص قد منع) وما هنا أنسب *

[ 145 ]

فسقط عنه صوم الثلاثة الايام لعجزه عن أدائها كما أمر وبقى عليه صيام السبعة الايام لانه مستطيع عليها فعليه أن يأتي بها أبدا وتجزئ عنه، فان مات ولم يصمها صامها عنه وليه على ما ذكرنا في كتاب الصيام، ولا تصام عنه الثلاثة الايام لانها ليست عليه بعد الا أنه عاص لله تعالى ان كان تعمد ترك صيامها حتى فات وقتها فليستغفر الله عزوجل وليتب وليكثر من فعل الخير، ولا حرج عليه ان كان تركها العذر لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة: ان وجد هديا أن يتم صيام الثلاثة الايام أو بعد أن أتمهن وقبل أن يحل في أيام النحر فقد بطل صومه وعاد حكمه إلى الهدى، وان وجد الهدى بعد انقضاء أيام النحر وقد حل أو لم يحل فصوه تام ولا هدى عليه، وقال مالك. والشافعي: ان وجد الهدى بعد أن دخل في الصوم ففرضه الصوم (ولا هدى عليه) (1) وان وجد الهدى قبل أن يأخذ في الصوم عاد حكمه إلى الهدى * قال على: كلا القولين لا دليل عليه ولا حجة في أحد مع كلام الله تعالى وانما أوجب تعالى ما أوجب من الهدى. أو ن الصوم ان لم يجد الهدى بأن يكون متمتعا بالعمرة إلى الحج فهو ما لم يحرم بالحج فليس متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يجب عليه حتى الآن هدى. ولا صوم، ولا خلاف بين أحد من أهل الاسلام في أن المسلم ان اعتمروهو يريد التمتع ثم لم يحج من عامه ذلك فانه لاهدى عليه وصوم، فصح يقينا انه لا يجب عليه ذلك الا بدخوله في الحج فانه حينئذ يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج فإذ لا شك في هذا فانما حكمه حين وجب عليه ذلك الحكم بالتمتع لا قبل ذلك ولا بعد ذلك، فان كان في اثر حين إحرامه بالحج قادرا على هدى ففرضه الهدى بنص القرآن سواء أعسر بعد ذلك أو كان معسرا قبل ذلك، ولا يسقط عنه ما أوجبه الله تعالى عليه من الهدى بدعوى لا برهان على صحتها من قرآن ولا سنة وعليه أن يهدى متى وجد، فان كان في اثر حين إحرامه بالحج لا يقدر على هدى ففرضه الصوم بنص القرآن سواء كان قبل ذلك قادرا على هدى أو قدر عليه بعد ذلك لا يسقط عنه ما أوجب الله تعالى عليه بالقرآن بدعوى لا برهان على صحتها قرآن ولاسنة * وقاسه الحنيفيون على المطلقة التى لم تحض تعتد بالشهور فتحيض قبل إتمام عدتها فانها تنتقل إلى العدة بالاقراء، أو بالمطلقة يموت زوجها قبل تمام عدتها فتنتقل إلى عدة الوقاة *


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 146 ]

قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل لانه لانسبة بين الحج وبين الطلاق، وانما انتقلت التى لم تحض إلى العدة بالاقراء لان القرآن جاة بذلك نصا، وبأن عدة المطلقة الاقراء إلا أن التى لم تحض أو يئست من الحيض عدتها الشهور فإذا حاضت فبيقين ندرى أنها ليست من اللواتى لم يحضن ولامن اللائى يئسن من الحيض فوجب ان تعتد لما أمرها الله تعالى ان تعتد به من الاقراء، وإنما انتقلت المتوفى عنها زوجها إلى عدة الوفاة لانها مادامت في العدة فهى زوجة له وجميع احكام الزوجية باق عليها وترثه ويرثها، فإذا مات زوجها لزها ان تعتد اربعة أشهر وعشرا كما أمرها الله تعالى، فظهر تخليط هؤلاء القوم. وجهلهم بالقياس. وخلافهم القرآن بآرائهم * وأما قولنا: ان هذا حكم من كان أهله قاطنين في الحرم بكمة فلان الله تعالى قال (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام)، ووجدنا الناس اختلفوا * فقال أبو حنيفة: حاضرو المسجد الحرام هو من كان ساكنا في أحد المواقيت قما بين ذلك إلى مكة، وهو قول روى عن عطاء ولم يصح عنه، وصح عن مكحول * وقال الشافعي: هم من كان من مكة على أربعة برد بحيث لا يقصر الصلاة إلى مكة، وصح هذا عن عطاء * وقال مالك: هم أهل مكة وذى طوى، وقال سفيان. وداود: هم أهل دور مكة فقط، وصح عن نافع مولى ابن عمر، وعن الاعرج، وروينا عن عطاء. وطاوس أنهم أهل مكة إلا أن طاوسا قال: إذا اعتمر المكى من أحد المواقيث ثم حج من عامه فعليه ما على المتمتع. روينا ذلك من طريق وكيع عن سفيان عن عبد الله بن طاوس عن أبيه * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حاضرى المسجد الحرا قال: من كان أهله من مكة على يوم أو نحوه * وقال آخرون: هم أهل الحرم كما روينا من طريق سعيد بن منصور عن اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: المسجد الحرام الحرم كله * ومن طريق الحذافى عن عبد الرزاق نامعمر، وسفيان بن عيينة قال معمر: عن رجل عن ابن عباس، وعن عبد الله بن طاوس عن أبيه، وقال سفيان: عن ابن أبى نجيح عن مجاهد، ثم اتفق ابن عباس. وطاوس. ومجاهد في قول الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) قالوا كلهم: هي لمن يكن أهله في الحرم * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة وأصحابه ففى غاية الفساد وما نعلم لهم حجة الا أنهم قالوا: وجدنا من كان أهل ما دون المواقيت لا يجوز لهم إذا أرادو الحج أو المعرة ان يتجاوزوا المواقيت إلا محرمين، وليس لهم ان يحرموا قبلها فصح ان للمواقيت حكما غير حكم ما قبلها *

[ 147 ]

قال على: وهذا الاحتجاج في غاية الغثانة ويقال لهم: (نعم) (1) فكان ماذا؟ ومن أين وجب من هذا ان يكون أهل المواقيت فما وراءها إلى مكة هم حاضرو المسجد الحرام؟ وهل هذا التخليط إلا كمن قال: وجدنا كل من كان في أرض الاسلام ليس له ان يطلق سيفه - فيمن لقى - وغارته؟، ووجدنا من كان في دار الحرب له ان يطلق سيفه وغارته، فصح ان لاهل (دار) (2) الاسلام حكما غير حكم غيرها فوجب من ذلك ان يكون جميع أهل دار الاسلام حاضرو المسجد الحرام، ثم يقال له: ان الحاضر عندكم يتم الصلاة والمسافر يقصرها فإذا كان أهل ذى الحليفة. والجحفة حاضرى المسجد الحرام - وهم عندكم يقصرون إلى مكة ويفطرون - فكيف يكون الحاضر يقصر ويفطر؟ * والعجب كله ان جعل من كان في ذى الحليفة ساكنا من حاضرى المسجد الحرام وبينهم وبين مكة نحو مائتي يل، وجعل من كان ساكنا خلف يلملم ليس من حاضرى المسجد الحرام وليس بينه وبينها إلا ثلاثة وثلاثون ميلا فهل في التخليط أكثر من هذا؟ وانا لله وانا إليه راجعون إذ صارت الشرائع في دين الله تعالى تشرع بمثل هذا الرأى * وأما قول مالك: فتخصيصه ذا طوى قول لادليل عليه ولا نعلم هذا القول عن أحد قبل مالك، وأما قول الشافعي: فانه بنى قوله ههنا على قوله فيما تقصر فيه الصلاة، وقوله هنالك خطأ فبنى الخطأ على الخطأ، ويقال لهم: أنتم تقولون: لا يجوز التيمم للحاضر المقيم أصلا ويجوز لمن كان على ميل ونحوه من منزله، فهلا جعلتم حاضرى المسجد الحرام قياسا على من يجوز له التيمم؟، وهذا مالا انفكاك منه، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون. والمالكيون. والشافعيون صاحبا لايعرف له مخالف من الصحابة وهم يشنعون بهذا * وأما قول سفيان. وداود: فوهم منهما لان الله تعالى لم يقل. حاضرى مكة وانما قال تعالى: (حاضرى المسجد الحرام) فسقطت مراعاة مكة ههنا وصح ان المراعى ههنا انما هو المسجد الحرام فقط، فإذ ذلك كذلك فواجب ان نطلب مراد الله تعالى بقوله (حاضرى المسجد الحرام) لنعرف من ألزمه اله تعالى الهدى أو الصوم ان تمتع ممن لم يلزمه الله تعالى ذلك فنظرنا فوجدنا لفظة المسجد الحرام لا تخلو من أحد ثلاثة وجوه (3) لا رابع لها: اما ان يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط، أوما أحاطت به جدران المسجد فقط، أم أراد الحرم كله لانه لا يقع اسم مسجد حرام الا على هذه الوجوه فقط، فبطل ان يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط لانه لو كان ذلك لكان لا يسقط الهدى الا عمن أهله في


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (من احد ثلاثة اوجه) *

[ 148 ]

الكعبة وهذا معدوم وغير موجود، وبطل أن يكون غزوجل أراد ما أحاطت به جدران المسجد الحرام فقط لان المسجد الحرام قد زيد فيه مرة بعد مرة فكان يكون هذا الحكم ينتقل ولا يثبت، وأيضا فكان لا يكون هذا الحكم إلا لمن أهله في المسجد الحرام، وهذا معدوم غير موجود، فإذ قد بطل هذان الوجهان فقد صح الثالث إذ لم يبق غيره، وأيضا فانه إذا كان اسم المسجد الحرام يقع على الحرم كله فغير جائز ان يخص بهذا الحكم بعض ما يقع عليه هذا الاسم دون سائر ما يقع عليه بلا برهان، وأيضا فان الله تعالى قد بين علينا فقال: (يريد الله ليبين لكم) فلو أراد الله تعالى بعض ما يقع عليه اسم المسجد الحرام دون بعض لما أهمل ذلك ولبينه، أو لكان الله تعالى معنتا لنا غير مبين علينا ما ألزمنا (1)، ومعاذ الله من أن يظن هذا مسلم، فصح إذ لم يبين الله تعالى انه اراد بعض ما يقع عليه اسم المسجد الحرام دون بعض فلا شك في انه تعالى أراد كل ما يقع عليه اسم المسجد الحرام، وأيضا فان الله تعالى يقول: (انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) فلم يختلفوا في أنه تعالى أراد الحرم كله، فلا يجوز تخصيص ذلك بالدعوى، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبى هريرة. وجابر. وحذيفة (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) (2)، فصح أن الحرم مسجد لانه من الارض فهو كله مسجد حرام فهو المسجد الحرام بلا شك، والحاضرون هم القاطنون غير الخارجين، فصح أن من كان أهله حاضرى المسجد الحرام هم من كان أهله قاطنين في الحرم * (فان قيل): فان من سكن خارجا منه بقربه هم حاضروه قلنا: هذا خطأ، وبرهان فساد هذا القول اننا نسألكم عن تحديد ذلك القرب الذى يكون من هو فيه حاضرا مما يكون من هو فيه غير حاضر، وهذا لا سبيل إلى تفصيله الا بدعوى كاذبة لان الارض كلها خط بعد خط إلى منقطعها * وروينا من طريق مسلم نا على بن حجر نا على بن حجر نا على بن مسهر عن الاعمش عن ابراهيم ان يزيد التيمى ان أباه قال له: سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ عن أول مسجد وضع في الارض فقال: ((المسجد الحرام) (3) * قال أبو محمد: فصح انه الحرم كله بيقين لاشك فيه لان الكعبة لم تبن في ذلك الوقت وانما بناها ابراهيم. واسماعيل عليهما السلام، قال عزوجل ت: (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل) ولم يبن المسجد حول الكعبة الا بعد ذلك بدهر طويل، ولا خلاف


(1) في النسخة رقم (14) (ما لزمنا) (2) هذا قطعة من حديث رواه البخاري ومسلم حذف المصنف اوله وآخره واتى بمحل الشاهد منه (3) الحديث اختصره المصنف انظر صحيح مسلم ج 1 ص 146 *

[ 149 ]

بين أحد من الامة في أنه لو زيد في المسجد أبدا حتى يعم به جميع الحرم يسمى مسجدا حراما، وانه لو زيد فيه من الحل لم يسم مازيد فيه مسجدا حراما فارتفع كل اشكال ولله الحمد كثيرا (1) * مسائل من هذا الباب 836 - مسألة - من كان له أهل حاضرو المسجد الحرام وأهل غير حاضرين فلا هدى عليه ولا صوم لان أهله حاضرو المسجد الحرام فمن حج بأهله فتمتع. فان أقام أكثر من أربعة ايام باهله بمكة فأهله حاضرو المسجد الحرام وان لم يقم بها الا أربعة أيام فأقل (2) فليس أهله حاضرى المسجد الحرام فعليه الهدى أو الصوم، وقد حج مع رسول اله صلى الله عليه وسلم أهله وجماعة من أصحابه رضى الله عنهم بأهلهم فوجب على من تمتع منهم الهدى أو الصوم، فصح ان من هذه صفته فليس أهله حاضرى المسجد الحرام، وانما أقام (رسول الله) (3) عليه السلام بمكة أربعا في حجة الوداع، ثم رجعنا عن هذا القول (4) إلى انه ان أقام بأهله بمكة عشرين يوما فأقل فليس ممن أهله حاضرو المسجد الحرام، فان بقى أكثر من عشرين يوما مذ يدخل مكة إلى ان يهل بالحج فهو ممن أهله حاضرو المسجد الحرام لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة، وان كان مكى لا أهل له أصلا أوله أهل في غير الحرم فتمتع فعليه الهدى أو الصوم لانه ليس ممن أهله حاضرو المسجد الحرام، والاهل هم العيال خاصة هنا لان كل من حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش فان أهلهم كانوا بمكة - يعنى أقاربهم - فلم يسقط هذا عنهم حكم الهدى أو الصوم الذى على المتمتع، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: ان الهدى الواجب على التمتع رأس من الغنم أو من الابل. أو من البقر، أو شرك في بقرة أو ناقة بين عشرة فأقل سواء كانوا متمتعين أو بعضهم، أو كان فيهم من يريد نصيبه لحما للاكل أو البيع أو لنذر أو لتطوع فلقول الله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) واسم الهدى يقع على الشاة. والبقرة. والبدنة * وروينا عن ابن مسعود انه كان يجيز في ذلك الشاة * وعن ابن عباس مثل ذلك، واختلف فيه عن أم المؤمنين (عائشة) (5) فروى عنها مثل قول ابن عباس، وروى عنها أيضا. وعن ابن عمر انه لا يجزئ في ذلك شاد وانه انما في ذلك الناقة أو البقرة كما روينا عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى الاحوص عن أبى اسحاق - هو السبيعي - عن وبرة (1) إلى هنا تم الجز الثاني من كتاب المحلى للامام العلامة أبى محمد المشهور بابن حزم من النسخة الموجودة في دار الكتب المصرية (14) من تجزئة ست مجلدات، نسأل الله الاكمال (2) في النسخة رقم (14) (وان لم يقم بها الا اربعة أيام فصاعدا) والصحيح ماهنا (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) سقط لفظ (القول) من النسخة رقم (14) (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 150 ]

ابن عبد الرحمن قال: قال لى ابن عمر: صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إلى أهلك أحب إلى من شاة * ومن طريق حماد بن زيد عن غيلان بن جرير قال: سمعت ابن عمر يسأل عن هدى المتعة - وهم يذكرون الشاة - فقال ابن عمر: شاة شاة ورفع بها صوته لابل بقرة، أو ناقة * وعن عروة بن الزبير مثل قول ابن عر، وروينا عن طاوس الترتيب. روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا على بن عبد الله - هو ابن المدينى - نا هشام بن يوسف أنا ابن جريج قال: سمعت ابن طاوس يزعم عن أبيه انه كان يقول: بقدر يسار الرجل ان استيسر جزور فجزور، وان استيسر بقرة فبقرة وان لم يستيسر الا شاة فشاة قال: وكان أبى يفرق بين ما استيسر وتيسر قال: فان استيسر على قدر يساره وتيسر ما شاء قال أبو محمد: وروينا من طريق البخاري نا اسحاق بن منصور انا النضر بن شميل انا شعبة نا أبو جمرة (1) - هو نصربن عمر ان الضنبعى - قال: سألت ابن عباس (رضى الله عنهما) (2) عن المتعة؟ فأمرني بها وسألته عن الهدى؟ فقال: فيها جزور. أو بقرة. أو شاة أو شرك في دم، وهكذا رويناه في تفسير هدى المتعة أيضا من طريق الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن أبى جمرة عن ابن عباس، وبهذا نأخذ * فأما اجازة الشاة في ذلك فهو قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي:، وأما الشرك في الدم فبه يقول أبو حنيفة. والشافعي. والاوزاعي. وسفيان الثوري. وأحمد بن حنبل واسحاق. وأبو ثور. وأبو سليمان الا ان أبا حنيفة قال: لا يجوز الشرك في الدم الا بأن يكونوا كلهم يريدونه للهدى وان اختلفت أسبابهم، وقال صاحبه زفر بن الهذيل: لا يجوز الا بأن تكون (3) أسبابهم واحدة مثل أن يكونوا كلهم متمتعين، أو كلهم مفتدين ونحو هذا * وقال الشافعي. وأبو سليمان: كما قلنا إلا أنهم (كلهم) (4) قالوا: لا يجوز ان يشرك فيه أكثر من سبعة * فأما قول مالك: فانهم احتجوا برواية رويناها من طريق أبى العالية. وسعيد بن جبير وابن سيرين كلهم عن ابن عمر قال أبو العالية: سمعت ابن عمر يقول: يقولون البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة ما أعلم النفس تجزئ إلا عن النفس * وقال سعيد بن جبير عنه أنه قال: ماكنت أشعر (5) ان النفس تجزئ إلا عن النفس * وقال ابن سيرين عنه


(1) في النسخ كلها (أبو حمزة بالحاء المهملة وبالزاى وهو غلط صححناه من فتح الباري ج 3 ص 426، وتهذيب التهذيب ج 10 ص 431 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 322، والحديث اختصره المؤلف (3) في النسخة رقم (14) (الا ان تكون) (4) الزيادة في النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (16) ((ماكنت اشك) وما هنا موافق لقوله بعد (لااعلم *

[ 151 ]

انه قال: لاأعلم (1) وما يراق عن أكثر من انسان واحد وهو رأى ابن سيرين، وكره ذلك الحكم. وحماد بن أبى سلمان، وما نعلم لهم شبهة غير هذا، وهذا لا حجة فيه لان ابن عمر قد رجع عن هذا إلى إجازة الاشتراك، واما اخبر ههنا بأنه لم يعلم بذلك ولا شعر به، وليس من لم يعلم حجة على من علم * حدثنا يوسف بن عبد الله النمري نا عبد الله النمري نا عبد الله بن محمد يوسف الازدي القاضى نا اسحاق بن أحمد نا أحمد بن عمرو بن موسى العقيلى نا محمد بن عيسى الهاشمي نا عمرو بن على نا وكيع بن الجراح نا عريف بن درهم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: الجزور والبقرة عن سبعة * قال أبو محمد: اجازته عن ذلك (2) دليل بين على أنه علم بالسنة في ذلك بعد ان لم يكن علمها، وقد جاء هذا نصا عنه كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا ابن نمير نا مجالد عن الشعبى قال: قلت لابن عمر: البقرة. والبعير تجزئ عن سبعة فقال: وكيف؟ ألها سبعة أنفس؟ فقلت له (3): ان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين بالكوفة أفتوني فقال: القوم نعم: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبو بكر. وعمر فقال ابن عمر: ما شعرت، فبطل تعلقهم بان عمر، ولم يمنع من ذلك حماد. والحكم لكن مكرهاه فقط، فصح أنهما مجيز ان لذلك، وانما هو عن ابن سيرين رأى لاعن أثر فبطل ان يكون لهذا القول متعلق أصلا، وقد ذكرنا عن ابن عمر آنفا أنه رأى الصوم في التمتع ولم يجز الشاة في ذلك، وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن زيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر سئل عمن يهدى جملا؟ فقال: ما رأيت أحذا فعل ذلك * قال على: من الباطل الفاحش ان يكون ابن عمر، أو غيره حجة في مكان غير حجة في (مكان) (4) آخر، وروينا ن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة * وعن قتادة عن أنس كمان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يشركون السبعة في البدنة من الابل * وعن سفيان الثوري عن مسلم القرى عن حبة العرنى عن على بن أبى طالب قال: البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة * وعن سفيان الثوري عن زهير بن أبى ثابت عن سليمان بن زافر العبسى (5) قال: أنا وأمى اخذنا مع حذيفة بن اليمان من بقرة عن سبعة في الاضحى * وعن سفيان الثوري عن أبى حصين عن خالد بن سعد عن أبى مسعود البدرى قال: تنحر البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سليمان بن يسار


(1) في النسخة رقم (16) (ما اعلم) (2) في النسخة رقم (16) (اجازته لذلك) (3) في النسخة رقم (14) سقط لفظ (له) منها * (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) وفى نسخة (القيسي) لم اجدهما *

[ 152 ]

عن عائشة أم المؤمنين قالت: البقرة. والجزور عن سبعة، وبه إلى ابن أبى شيبة عن ابن فضيل عن مسلم عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود قال: البقرة والجزور عن سبعة * وعن يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس قال: الجزور. والبقرة عن سبعة * وصح القول بذلك أيضا عن عطاء. وطاوس. وسليمان التيمى. وأبى عثمان النهدي. والحسن البصري. وقتادة. وسالم بن عبد الله بن عمر. وعمرو بن دينار وغيرهم * والحجة لهذا القول ما رويناه من طريق مالك عن أبى الزبير (المكى) (1) عن جابر ابن عبد الله (انه) (2) قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان نا جعفر بن محمد نا أبى - هو محمد ابن على بن الحسين - نا جابر بن عبد الله فذكر حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها (فنحر عليه السلام ثلاثا وستين فأعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه) * ومن طريق أحمد بن شعيب انا أبو داود - هو الطيالسي - نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة) * قال أبو محمد: فصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو اجماع من الصحابة كما أوردنا * وأما قول من لم يجز ذلك إلا عن سبعة فانه تعلق بما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم وعن الصحابة رضى الله عنهم، فأما الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم فقد اختلفوا * روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا اسحاق (بن ابراهيم) - هو ابن راهويه (3) انا الفضل بن موسى نا الحسين بن واقدعن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر النحر فنحرنا البعير عن عشرة (4)) * ومن طريق الحذافى عن عبد الرزاق نا معمر نا قتادة قال: قال سعيد بن المسيب: البدنة عن عشرة * فهذا اختلاف من الصحابة والتابعين على اننا إذا تأملنا فعل الصحابة رضى الله عنهم وقولهم في ذلك فانما (5) هو أن البقرة عن سبعة. والبرنة عن سبعة، وهذا قول صحيح وليس فيه منع من جوازهما عن أكثر من سبعة، وكذلك الاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا انما فيه أنه عليه السلام (نحر البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) وهذا حق ودين وليس فيه منع من نحرهما عن أكثر من سبعة، أو عن أقل من سبعة، وكذلك مارويناه من


(1) الزيادة من الموطأ ج 2 ص 37 (2) الزيادة من الموطأ (3) في سنن النسائي (اخبرنا محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا الفضل) الخ بدل (انا اسحاق بن ابراهيم) والزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسائي ج 7 ص 222 (فحضر النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة) (5) في النسخة رقم (16) (انما) *

[ 153 ]

طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة) (1) فنعم قال: الحق وقوله الحق: وليس في هذا منع من جوازهما عن أكثر من سبعة ان جاء برهان بذلك وإلا فلا تجوز الزيادة على ذلك بالدعوى * فنظرنا (في ذلك) (2) فوجدنا مارويناه من طريق أبى داود السجستاني نا عمرو بن عثمان. ومحمد بن مهران الرازي قالا (جمعيا) (3): نا الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عمن اعتمر من أزواجه (4) بقرة بينهن) * ومن طريق البخاري نا عثمان - هو ابن أبى شيبة - نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة ام المؤمنين (رضى الله عنها) (5) (قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدى ان يحل فحل من لم يكن ساق الهدى ونساؤه لم يسقن فأحللن) * قال أبو محمد: كن رضوان الله عليهن تسعا خرجت منهن عائشة لانها لم تحل لكنها أردفت حجا على عمرتها كما جاء في أثر آخر فبقى ثمان لم يسقن الهدى فأحللن كما تسمع ونحر عليه السلام عنهن كلهن بقرة واحدة فهذا عن أكثر من سبعة، فان قيل: قد روى أنه عليه السلام أهدى عن نسائه البقر قلنا: هذا لفظ رويناه من طريق عبد العزيز ابن أبى سلمة الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين فذكرت حديثا، وفيه فأتينا بلحم فقلت: ماهذا؟ قالوا: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر * وقد روينا هذا الخبر نفسه عمن هو أحفظ وأضبط من ابن الماجشون عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين فبين ما أجمله ابن الماجشون * ورويناه من طريق البخاري عن مسدد عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين فذكرت الحديث (وفيه قالت: فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بالبقر) (5) فبين سفيان في هذا


(1) هو في سنن ابى داود ج 3 ص 56. والجزور - بفتح الجيم - البعير ذكرا كان أو أنثى (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الزيادة ليست موجدة في سنن ابى داود ج 3 ص 79 (4) في سنن ابى داود (من نسائه) قال الحافظ المنذرى: واخرجه النسائي وابن ماجه (5) الزيادة من البخاري ج 2 ص 279 والمصنف اختصر الحديث واقتصر على محل الشاهد منه * (6) هو في البخاري ج 7 ص 181 *

[ 154 ]

الخبر - وهو الذى رواه عبد العزيز بن الماجشون نفسه - ان تلك البقر كانت أضاحى، والاضاحي غير الهدى في التمتع بالعمرة إلى الحج بلا شك * ومن طريق مسلم بن الحجاج حدثنى محمد بن حاتم نا محمد بن بكر انا ابن جريج انا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم (فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحللنا ان نهدى ونجمع النفر منا في الفدية (1) وذلك حين أمرهم ان يحلوا في هديهم من حجهم) (2) * قال أبو محمد: هذا سندلا نظير له، وبيان لا إشكال فيه، والبقر يقع على العشرة وأقل وأكثر فنظرنا في الآية فوجدنا الله تعالى أيضا يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى). ومن للتبعيض فجاز الاشتراك في الهدى بظاهر الآية * (فان قيل): فمن أين اقتصرتم على العشرة فقط؟ قلنا: لو جهين، أحدهما أنه لم يقل أحد: بأنه يجوز أن يشرك في هدى فرض أكثر من عشرة؟ والثانى مارويناه عن طريق البخاري نا مسدود نا أبو الأحوص نا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده رافع بن خديج فذكر حديث حنين (وفيه أنه عليه السلام قسم بينهم وعدل بعيرا بعشر شياه) (3) * قال على: قد صح إجماع المخالفين لنا مع ظاهر الآية بان شاة تجزئ في الهدى الواجب في التمتع. والاحصار. والتطوع. وقد عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عشر شياه ببعير فصح ان الشاة بازاء عشر البعير جملة، وان البقرة كالبعير في جواز الاشتراك فيهما في الهدى الواجب فيما ذكرنا، فصح ان البعير والبقرة يجزئان عما يجزئ عنه عشر شياه، وعشر شياه تجزئ عن عشرة، فالبعير. والبقرة يجزئ كل واحد منهما عن عشرة، وهو قول ابن عباس. وسعيد بن المسيب. واسحاق بن راهويه وبه نقول لما ذكرنا. وبالله تعالى التوفيق * وأما من منع من اختلاف اغراض المشتركين في الهدى فانهم احتجوا بأن قالوا: إذا كان فيهم من يريد نصيبه للبيع، أو للاكل لا للهدى فلم تحصل البدنة ولا البقرة مذكاة للهدى القصود به إلى الله عزوجل * وحجة زفر أنه لم يحصل الهدى المذكور إذا اشترك (4) فيه المحصر. والمتمتع. والمتطوع. والقارن فلم يحصل الهدى مذكى لما قصده به كل واحد منهم، والذكاة لاتتبعض *


(1) في النسخة رقم (16) (في الهدية) وهما بمعنى (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 344 اختصره المصنف وذكره بمعناه (3) (وفى صحيح البخاري ج 7 ص 178 مطولا اختصر) المصنف واقتصر على محل الشاهد منه (4) في النسخة رقم (16) (المذكور المشترك) *

[ 155 ]

قال أبو محمد: وهذا لا يحل (1) الاحتجاج به لانه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوردنا أنه أمر أن يجتمع النفر منهم في الهدى (2) وانه قال عليه السلام: (البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة) فعم عليه السلام ولم يخص من اتفقت اغراضه ممن اختلفت، وانما أمرنا في الهدى بالتذكية وبالنية عما يقصده المرء، وقد قال عليه السلام (ولكل امرئ ما نوى) فحصلت البدنة. والبقرة مذكاة إذ ذكيت كما أمر الله تعالى بأمر مالكها وسمى الله تعالى عليها، ثم لكل واحد منهم في حصته منها نية. قال عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فأحكام جملتها أنها مذكاة، وحكم كل جزء منها مانواه فيه مالكه، ولا فرق حينئذ بين اجزاء سبعة من البقرة أو البعير وبين سبع شياة (3)، ولا يختلفون في أنهم وان كانت أغراضهم متفقة وكان سببهم كلهم واحد فان لكل واحد حكمه وانه قد يمكن أن يقبل الله تعالى من بعضهم ولا يقبل من بعضهم، ولا يقدح ذلك في حصة المتقبل منه، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لا يجزئه أن يهديه ألا بعد أن يحرم بالحج وان له أن يذبحه أو ينحره متى شاء بعد ذلك ولا يجزئه ان يهديه وينحره الا بمنى أو بمكة فلان الله تعالى قال: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) فانما أوجبه تعالى على من تمتع بالعمرة إلى الحج لاعلى من لم يتمتع بالعمرة إلى الحج (بلا شك) (4)، فهو ما لم يحرم بالحج فلم يتمتع بعد بالعمرة إلى الحج واذ لم يتمتع بعد بالعمرة إلى الحج فالهدى غير واجب عليه، ولا يجزئ غير واجب عن واجب الا بنص وارد في ذلك، ولا خلاف بين أحد في أنه ان بدا له فلم يحج من عامه ذلك فانه لاهدى عليه فصح أنه ليس (عليه) (5) هدى بعد، وإذا لم يكن عليه فلا يجزئه ما ليس عليه عما يكون عليه بعد ذلك، وهو قول الشافعي. وأبى سليمان * وأما ذبحه ونحره بعد ذلك فلان هذا الهدى قد بين الله تعالى لنا أول وقت وجوبه ولم يحد آخر وقت وجوبه بحد، وما كان هكذا فهو دين باق أبدا حتى يؤدى، والامر به ثابت حتى يؤدى، ومن خصه بوقت محدود فقد قال على الله تعالى: ما لم يقله عزوجل، وهذا عظيم جدا * وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يجزئ هديه قبل النحر وهذا قول لادليل على صحته بل هو دعوى بلا برهان، وما كان هكذا فهو ساقط. والعجب ن تجويز أبى حنيفة تقديم الزكاة واجازة أصحابه لمن نذر صيام يوم الخميس فصام يوم الاربعاء قبله اجزأه ثم لا يجيزون هدى المتعة قبل يوم النحر *


(1) في النسخة رقم (16) (وهذا لا يصح) (2) في النسخة رقم (16) (ان يجمع النفر منهم في الهدى) (3) في النسخة رقم (16) (أو سبع شياه) بحذف بين وبلفظ أو (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 156 ]

وأما قولنا: انه لا يجزئ الا بمكة أو منى فان قوما قالوا: (1) يجزئ في كل بلد لان الله تعالى يحد موضع أدائه فهو جائز في كل موضع، ولو أراد الله تعالى قصره على مكان دون مكان لبينه كما بين ذلك في جزاء الصيد بقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) ولم يقل: في هدى المتعة ولا في هدى المحصر (وما ان ربك نسيا)، (فان قيل): نقيس الهدى على الهدى في ذلك قلنا: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه ان صححتم قياسكم هدى المتعة على هدى جزاء الصيد لزمكم أن تقيسوه عليه في تعويض الاطعام من الهدى والصيام في هدى المتعة وأنتم لا تقولون: هذا، فظهر فساد قياسكم وتناقضه * قال أبو محمد لكن الحجة في ذلك ان الله تعالى قال: (ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى * ثم محلها إلى البيت العتيق) وقال تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير) فجاء النص بان شعائر الله تعالى محلها إلى البيت العتيق، وان البدن من شعائر الله تعالى، فصح يقينا ان محلها إلى البيت العتيق، ولا خلاف بين أحد في أن حكم الهدى كله كحكم البدن * روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا يحيى بن سعيد القطان نا جعفر بن محمد ابن على عن أبيه ان جابر بن عبد الله حدثه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال: قد نحرت هنا ومنى كلها منحر) (2) * نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبيدالله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا معاذ بن المثنى نا مسدد نا حفص ابن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند المنحر (3): هذا المنحر وفجاج مكة كلها منحر) (4)، وقال عليه السلام في منى (هذا المنحر وفجاج منى كلها منحر) فصح أنه حيثما نحرت البدن والاهداء من فجاج مكة ومنى - وهو الحرم كله - فقد أصاب الناحر، وأنه لا يجوز نحر البدن والهدى في غير الحرم الا ما خصه النص من هدى المحصر. وهدى التطوع إذا عطب قبل بلوغه مكة (5) * وروينا عن طاوس، وعطاء قالا: كل ماكان من هدى فهو بمكة والصيام والاطعام حيث شئت * وعن مجاهد انحر حيث شئت * وأما قولنا: ومن كان أهله ساكنين في الحرم فلا يلزمه في تمتعه هدى ولاصوم وهو محسن في تمتعه * وقال قوم: هو مسئ في تمتعه * قال أبو محمد: (6) قال الله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم


(1) في النسخة رقم (14) (فقد قال قول) (2) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 138 (3) في النسخة رقم (16) (عند المسجد) (4) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 138 (5) في النسخة رقم (16) (قبل دخوله مكة) (6) جواب قوله (وأما قولنا) الخ قوله قال أبو محمد الخ *

[ 157 ]

يجد فصيام ثلاثه أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) * قال على: فقال المخالفون: لو ان الله تعالى أراد ما قلتم لقال: ذلك على من لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام، فصح أن المتعة إنما هي لغير أهل مكة * قال أبو محمد: ليس كما قالوا: لان الهدى أو الصوم الذى أوجبه الله تعالى في التمتع انما هو نسك زائد وفضيلة وليس جبرا لنقص كما ظن من لا يحقق، فهو لهم لا عليهم (1) * برهان صحة ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة ولاحللت) (2) أو كما قال عليه السلام، فأخبر عليه السلام بفضل المتعة وأنها أفضل أعمال الحج، وأسقط الله عزوجل الهدى عن أهل مكة والصوم فيها لما هو أعلم به، وظاهره الرفق بهم لانه لاشك في أن الله تعالى لو كلفهم ذلك لكان حرجا عليهم لسهولة العمرة عليهم ولا مكانها لهم كل يوم بخلاف أهل الآفاق، وقال الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويبطل قول المخالف ان الآية لو كانت كما ظن لحرمت في أشهر الحج على أهل مكة والحرم، وهذا خلاف ما جاءت به السنة من الحض على العمرة وأنها كفارة لما بينهما، فدخل في ذلك أهل مكة وغيرهم * روينا عن سعيد بن منصور ناهشيم نا حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: ليس على أهل مكة هدى (في) (3) المتعة * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم. ووكيع، قال هشيم: نا المغيرة بن مقسم. ويونس بن عبيد قال المغيرة: عن النخعي، وقال يونس: عن الحسن، وقال وكيع: عن الحسن بن حى عن ليث عن عطاء. وطاوس. ومجاهد، ثم اتفق عطاء. وطاوس. ومجاهد. والحسن. والنخعي. قالوا كلهم: ليس على المكى هدى في المتعة * ومن طريق الحذافى عن عبد الرزاق عن ابن جريج. ومعمر قال ابن جريج: عن عطاء وقال معمر. عن الزهري، ثم اتفق الزهري، وعطاء قالا جمعيا في المكى يمر بالميقات فيعتمر منه: إنه ليس بمتمتع وبهذا نقول * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه قال: إذا خرج المكى إلى الميقات فتمتع منه فعليه الهدى * قال أبو محمد: لا شئ عليه لان أهله حاضرو المسجد الحرام، وزعم المالكيون ان الهدى انما جعل على المتع لاسقاطه سفر الحج إلى مكة *


(1) يعنى هدى المتمتعين لهم لا عليهم (2) تقدم الحديث غير مرة (3) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 158 ]

قال على: وهذا باطل بحت، والعجب من تسهيلهم على أنفسهم مثل هذا القول الفاسد الذى يفتضحون به (1) من قرب، ويقال لهم: هذه العلة نفسها موجودة فيمن اعتمر في آخر يوم (2) من رمضان، ثم أقام بمكة حتى حج فقد أسقط أحد السفرين وأنتم لاترون عليه هديا ولا صوما، ثم تقولون فيمن اعتمر في أشهر الحج ثم خرج إلى ما رواء أبعد المواقيت فأهل بالحج منه، وهو من أهل مصر أو الشام أو العراق: أنه لاهدى عليه ولاصوم ولم يسقط أحد السفرين، ويقولون فيمن كان من أهل هذه البلاد فخرج لحاجته لا يريد حجا وكانت حاجته بعسفان أو ببطن فلما صار بها بدا له في الحج والعمرة فحج بعد ان اعتمر في غير أشهر الحج. فلا هدى عليه وهو قد أسقط السفرين إلى الحج وإلى العمرة أيضا، ولعمري ما ينبغى لمن له دين أو عقل ان يطلق عن الله تعالى مالا علم له به، وبالله تعالى نتأيد * وأما قولنا: - والمتمتع الذى يجب عليه الصوم أو الهدى هو من ابتدأ عمرته بأن يحرم لها في أحد أشهر الحج لاقبل ذلك أصلا ويتم عمرته ثم يحج من عامه سواء رجع فيما بين ذلك إلى الميقات أو إلى منزله أو إلى أفق أبعد من منزله أو مثله أو أقرب منه أو اقام بمكة، اعتمر فيما بين ذلك عمرا كثيرة أو لم يعتمر، فان أحرم بالعمرة قبل هلال شوال فليس بمتمتع ولا هدى عليه ولا صوم ان حج من عامه، أقام بمكة أو لم يقم عمل بعض عمرته أكثرها أو أقلها في أشهر الحج. أو لم يعمل منها شيئا في أشهر الحج إلا أن يعتمر بعد ذلك في أشهر الحج فيكون متمتعا - فان (3) الناس اختلفوا في هذا * فقالت طائفة: كما روينا ن طريق حماد بن سلمة نا اسحاق بن سويد قال: سمعت ابن الزبير يقول: أيها الناس ان المتمتع ليس بالذى تصنعون يتمتع أحدكم بالعمرة قبل الحج ولكن الحاج إذا فاته الحج أو ضلت راحلته أو كسر حتى يفوته الحج فانه يجعلها عمرة وعليه الحج من قابل وما استيسر من الهدى * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال: كان ابن الزبير يقول: المتعة لمن أحصر * وقالت طائفة: المتمتع هو من اعتمر في أي أشهر السنة كانت عمرته قبل أشهر الحج أو في أشهر الحج، ثم أقام حتى حج من عامه فهذا عليه الهدى أو الصوم، وكذلك من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام حتى حج من عامه أو لم يحج فعليه الهدى أو الصوم * روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن ليث بن أبى سليم عن طاوس قال. إذا أهل


(1) في النسخة رقم (16) (فيه) بدل (به) (2) في النسخة رقم (14) (آخر يوم) باسقاط لفظ (فيه) (3) هذا جواب قوله قبل (واما قولنا: والمتمتع) الخ *

[ 159 ]

بالعمرة في أشهر الحج فعليه الهدى وان لم يحج * ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن ليث عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: ان اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام إلى الحج فهو متمتع * ومن طريق وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه قال. إذا خرج المكى إلى الميقات فاعتمر منه فعليه الهدى * وقالت طائفة: ليس المتمتع الا من أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى حج من عامه فان رجع إلى أهله بين العمرة والحج فليس متمتعا * روينا من طريق وكيع نا العمرى عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال: إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فهو متمتع وإذا رجع إلى أهله ثم حج فليس متمتعا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع. وحفص بن غياث قال حفص: عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر، وقال وكيع: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قالا جميعا: من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع فليس بمتمتع ذاك من أقام ولم يرجع * وبه إلى وكيع نا سفيان الثوري عن المغيرة. ويحيى بن سعيد الانصاري قال المغيرة: عن ابراهيم النخعي، وقال يحيى: عن سعيد بن المسيب قالا جيعا: مثل قول عمر * وقالت طائفة: المتمتع من أهل بالعمرة في أشهر الحج لا قبلها. ثم أقام بمكه حتى حج من عامه، فان خرج بين العمرة والحج إلى ما تقصر فيه الصلاة من مكة فليس متمتعا * روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن ليث عن عطاء قال: ليس بمتمتع حتى يعتمر في أشهر الحج * ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن ابن جريج قال قال (عطاء) (1): عمرته في الشهر الذى يهل فيه فإذا سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فليس بمتمتع * ومن طريق وكيع نا سفيان عن ليث عن عطاء فيمن أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم لم يحج من عامه قال. لا شئ عليه * وقالت طائفة: ان المتمتع من طاف في أشهر الحج: ثم حج من عامه. روى ذلك من طريق سفيان عن بعض أصحابه عن ابراهيم النخعي قال: عمرته في الشهر الذى يطوف فيه * ومن طريق عبد الرزاق عن هشام عن حفصة بنت سيرين قالت: أحرمنا بالعمرة في رمضان فقد منا مكة في شوال فسألنا الفقهاء - والناس متوافرون - فكلهم قال: هي متعة * ومن طريق عبد الرزاق عن عثمان بن مطر عن مطر الوراق عن الحسن. والحكم ابن عتيبة فيمن أهل في رمضان وطاف في شوال قالا جميعا: عمرته في الشهر الذى طاف فيه * وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم قال: إذا رجع إلى


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 160 ]

أهله قبل ان يحج وبعد ان اعتمر في أشهر الحج فليس متمتعا، فان أقام حتى يحج فهو متمتع، وهو كله قول سفيان * وقالت طائفة: ان أحرم بالعمرة في رمضان فدخل الحرم قبل هلال شوال فليس متمتعاو إن دخل الحرم بعد هلال شوال فهو متمتع إذا حج من عامه كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر. وابن جريج قال معمر: عن ابن أبى نجيح عن عطاء، وقال ابن جريج: عن عطاء قال: إذا دخل المحرم الحرم قبل ان يرى هلال شوال فليس متمتعا وان دخل الحرم بعد أن يرى هلال شوال فهو متمتع إذا مكث إلى الحج، وهو قول الاوزاعي * وقالت طائفة: مثل قولنا كما روينا من طريق مالك عن عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر يقول: من اعتمر في أشهر الحج في شوال أو ذى القعدة (أو في ذى الحجه قبل الحج) (1) فقد استمتع ووجب عليه الهدى أو الصيام إذا لم يجد هديا * ومن طريق عبد الرزاق عن سيف عن يزيد الفقير أن قوما اعتمروا في أشهر الحج ثم خرجوا إلى المدينة فأهلوا بالحج فقال ابن عباس: عليهم الهدى * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فيمن قدم في غير أشهر (2) الحج معتمرا ثم بدا له ان يعتمر في أشهر الحج قال: لا يكون متمتعا حتى يأتي من ميقاته في أشهر الحج قلت له: أرأى أم علم؟ قال. بل علم * قال أبو محمد: انما وافقنا عطاء في أنه لا يكون المتمتع إلا من أحرم في أشهر الحج لافى قوله: ان من قدم في غير أشهر الحج محرما ثم اعتمر ثم حل ثم اعتمر في أشهر الحج أنه ليس متمتعا بل هو متمتع ان حج من عامه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: عمرته في الشهر الذى أهل فيه * ومن طريق سعيد بن منصور ناهشيم وأبو عوانة قال أبو عوانة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وقال هشيم: انا يونس عن الحسن ثم اتفق الحسن وسعيد قالا. في المتمتع عليه الهدى وان رجع إلى بلاده * وقالت طائفة (أخرى) (3): ان أحرم في غير أشهر الحج فطاف من عمرته أربعة أشواط (4) ثم أهل هلال شوال فأتم عمرته ثم أقام بمكة أو لم يقم إلا أنه لم يرجع إلى بلده أو أهل بعمرته كذلك في أشهر الحج ولم يكن من أهل المواقيت فما دونها فهو متمتع عليه الهدى أو الصوم، فان أهل بعمرته في غير أشهر الحج وطاف من عمرته ثلاثة (5) أشواط، ثم أهل هلال شوال فليس متمتعا * وهو قول أبى حنيفة، ووافقه أبو يوسف على ذلك


(1) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 317 والحديث اختصره المصنف (2) في النسخة رقم (16) (في غير شهور) (3) الزيادة من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (14) (أقل من أربعة اشواط) وما هنا موافق لما يأتي بعد (5) في النسخة رقم (14) (اربعة وما هنا موافق لما يأتي بعد (قوله قال أبو محمد: اما قول أبى حنيفة في تقسيمه بين الاربعة الاشواط والاقل) *

[ 161 ]

إلا أنه قال: إذا رجع (1) إلى ما وراء ميقات من المواقيت فليس متمتعا، وقالوا: من كان متمتعا ولاهدى معه فانه يحل إذا أتم عمرته فان كان أتى بهديه (2) فانه لا يحل حتى يحل من الحج يوم النحر فان حل فعليه هدى آخر لاحلاله * وقالت طائفة: من اعتمر في أشهر الحج أو أهل بعمرة في رمضان ثم بقى عليه من الطواف بين الصفا والمروة شئ وإن قل فأهل هلال شوال ثم أقام بمكة أو رجع إلى أفق دون أفقه في البعد ثم حج من عامه فهو متمتع، فان أتم عمرته في رمضان فليس متمتعا، وكذلك الذى يعتمر في شهر من شهور الحج ثم يرجع إلى أفقه أو أفق مثل أفقه في البعد فليس متمتعا، وان حج من عامه، وهو قول مالك * وقالت طائفة: من اعتمر أكثر عمرته في أشهر الحج، ثم أقام أو خرج إلى ما دون ميقات من المواقيت فهو متمتع إذا حج من عامه، فان خرج إلى ميقات من المواقيت أو اعتمر في غير أشهر الحج فليس متمتعا، وهو قول الشافعي * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة في تقسيمه بين الاربعة الاشواط والاقل فيما يكون به متمتعا فقول لايعرف عن أحد قبله، ولا حجة له فيه لان قرآن، ولان سنة صحيحة، ولا رواية سقيمة، ولا قول صاحب، ولا تابع، ولا قياس * واحتج له بعض مقلديه بانه عول على قول عطاء في المرأة تحيض بعد ان طافت أربعة أشواط * قال أبو محمد: وهذه مسألة غير المتعة، وقول عطاء أيضا فيها خطأ لانه خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وآله (الحائض ان لا تطوف بالبيت)، ولانه (3) تقسيم بلا دليل أصلا * وأما قول أبى حنيفة: ان المعتمر الذى معه الهدى المريد الحج فانه لا يحل حتى يحل من حجه فانه نبى على الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأمره من معه الهدى بالبقاء على إحرامه ومن لاهدى معه بالاحلال، والاحتجاج بهده الآثار لقول أبى حنيفة جهل مظلم وقول بغير علم، أو تعمد - ممن يعلم الكذب - على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاها بلية لان جميع تلك الآثار انما وردت بأنه عليه السلام أمر من لاهدى معه من المفردين للحج والقارنين بالاحلال، وأمر من معه الهدى بأن يقرن بين حج وعمرة، وليس في شئ منها انه عليه السلام أمر معتمرا لم يقرن بالبقاء على إحرامه، وقد ذكرناها في ذكرنا عمل الحج من ديواننا هذا * وأما قول مالك في تفريقه بين بقاء شئ من السعي لعمرته حتى يهل هلال شوال فلا يحفظ عن أحد قبله ولاله أيضا تعلق في ذلك لا بقرآن. ولا بسنة. ولا برواية صحيحة. ولا سقيمة، ولا بقول صاحب، ولاتابع، ولاقياس *


(1) في النسخة رقم (16) (ان رجع) (2) في النسخة رقم (16) ((بهدى) (3) في النسخة رقم (14) (وانه) *

[ 162 ]

وقول الشافعي أيضا: لاحجة له فيه أصلا، وانما هي آراء محضة فوجب النظر في سائر الاقوال في أربعة مواضع من هذا الحكم، أحدها من أهل بعمرة في غير أشهر الحج، والثانى من أقام بكة حتى حج أو رجع إلى بلده أو أبعد من بلده ثم حج من عامه، والثالث من اعتر في غير أشهر الحج وأقام بمكة ثم اعتمر في أشهر الحج ثم حج من عامه، والرابع هل المتمتع من فاته الحج كما قال ابن الزبير أم ليس هذا متمتعا؟ * فنظرنا في قول ابن الزبير هذا فوجدنا غيره من الصحابة (رضى الله عنهم) (1) قد خالفوه، ووجدناه قولا بلا دليل بل الدليل قائم على خطائه لان الله تعالى سمى من حال بينه وبين ادراك الحج حتى فات وقته محصرا ولم يسمه متمتعا، وفرق بين حكمه وبين حكم المتمتع، قال تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى). وقال تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) ففرق تعالى بين اسميهما وبين حكميهما، فلم يجز أن يقال: هما شئ واحد، وبالله توفيق * ثم نظرنا في قول طاوس: ان من اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع وا ن لم يحج من عامه ذلك فوجدناه خطأ لان الله تعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) فصح بنص القرآن أنه ليس متمتعا الا من حج بعد عمرته لوجوب الصيام عليه في الحج ان لم يجد هديا * ثم نظرنا فيمن اعتمر في غير أشهر الحج أو في أشهر الحج أو اعمر بعض عمرته في غير أشهر الحج أقلها أو أكثرها، وبعضها في أشهر الحج أقلها أو أكثرها، وفيمن أقام من هؤلاء بمكة حتى حج من عامه أو لم يقم لكن خرج إلى مسافة تقصر فيها الصلاة أولاتقصر، أو إلى ميقات أو وارء ميقات إلى بلده أو مثل بلده أو أبعد من بلده ثم حج من عامه فكان كل هؤلاء ممكنا في اللغة أن يقع عليه اسم متمتع بالعمرة إلى الحج وممكنا ان لا يقع عليه أيضا اسم متمتع فلم يجز أن يوقع على أحد إيجاب غرامة هدى أو إيجاب صوم بالظن الا ببيان جلى ان الله تعالى ألزمه ذلك، فوجب الرجوع إلى بيان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك * فوجدنا مارويناه من طريق البخاري نا يحيى بن بكير نا الليث - هو ابن سعد - عن عقيل ابن خالد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله بن عمر: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة (2) إلى الحج، وأهدى (3)، وساق معه الهدى


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخ كلها (في العمرة) صححناه من صحيح البخاري ج 2 ص 324 (3) في النسخة رقم (16) (فاهدى) وما هنا موافق لما في صحيح البخاري *

[ 163 ]

من ذى الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ويقصر ويحل (2) ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) وذكر باقى الحديث، فكان في هذا الخبر بيان من هو المتمتع الذى يجب عليه الهدى أو الصوم المذكور، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم انما أمر بهذا أصحابه المتمتعين بالعمرة إلى الحج، وهم قوم ابتدؤا الاحرام لعمرتهم في أشهر الحج ثم حجوا في تلك الاشهر، فخرج بهذا الخبر الثابت عن أن يكون متمتعا بالعمرة إلى الحج كل من عمل شيئا من عمرته في غير أشهر الحج كلها أو أكثرها أو أقلها لانه عليه السلام لم يخاطب بهذا الحكم أحدا من أهل هذه الصفات بلا شك وارتفع الاشكال في أمر هؤلاء بيقين، وأيضا فيقال لمن قال: ان عمل الاكثر من عمرته في أشهر الحج فهو متمتع: من أين لك هذا؟ دون أن يقول: ان من عمل منها شيئا في أشهر الحج فهو متمتع، ولا سبيل إلى دليل على ذلك ويقال له أيضا: من أين لك ان أربعة أشواط من طواف العمرة هو الاكثر؟ بل هو من جملة الاقل لان العمرة عندك وعندنا إحرام مدة. ثم سبعة أشواط. ثم سعبة اطواف بين الصفا والمروة، فالباقي بعد الاربعة الاشواط قد يكون أكثر مما مضى له من عمل العمرة، ويقال لمن قال: ان عمل من عمرته شيئا في أشهر الحج فهو متمتع: من أين قلت هذا؟ دون أن تقول: ان عمل الاكثر منها في أشهر الحج فهو متمتع، ولا سبيل إلى دليل أصلا، وكلتا الدعوتين تعارض الاخرى وكلتاهما لا شئ، وبالله تعالى التوفيق * وبقى أمر من خرج بعد اعتماره في أشهر الحج إلى بلده أو إلى بلد في البعد مثل بلده، أو إلى وراء ميقات من المواقيت، أو إلى ميقات من المواقيت، أو إلى ما تقصر فيه الصلاة فوجدنا هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله تعالى مراده لم يشترط فيه على من خاطبه بذلك الحكم إقامة بمكة وترك خروج منها أصلا (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى)، (وما كان ربك نسيا)، ولو كان هذا من شرط التمتع لما أغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانه حتى نحتاج في ذلك إلى بيان برأى فاسد. وظن كاذب. وتدافع من الاقوال بلا برهان، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر الثابت (ويحل ثم ليهل بالحج) بيان باباحة المهلة بين الاحلال والاهلال، ولا مانع لمن عرضت له منهم رضى


(1) في صحيح البخاري (فلما قدم النبي) (2) في صحيح البخاري (وليقصر وليحلل) *

[ 164 ]

الله عنهم حاجة من الخروج عن مكة لها فبطل ان تكون الاقامة بمكة حتى يحج من شروط التمتع، وبالله تعالى التوفيق * وصح ان المتمتع بنص الخبر المذكور هو من أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم حج في تلك الاشهر فقط وبالله تعالى التوفيق، ثم يقال لمن قال: ان خرج إلى بلده سقط عنه الهدى والصوم اللذان افترض الله تعالى أحدهما على المتمتع: من أين لك هذا؟ وما الفرق بين من قال: ان خرج إلى بلد مثل بلده في البعد فليس بمتمتع؟ وهكذا يقال: أيضا لمن قال: ان خرج إلى بلد في البعد مثل بلده فليس بمتمتع من أين قلت هذا؟ وهلا خصصت بسقوط التمتع من خرج إلى بلده فقط، ويقال لهما جميعا: هلا قلتما من خرج إلى وراء ميقات فليس بمتمتع؟ * قال أبو محمد: لا مخلص لهم من هذا السؤال أصلا إلا أن يقول قائلهم: كان عليه ان يأتي بالحج من بلده. أو من ميقات من المواقيت فنقول لمن قال هذا: قلت الباطل، وما أوجب الله تعالى قط على أحد من أهل الاسلام أن يأتي بالحج من بلده ولا من مثل بلده في البعد ولا من ميقات ولابد، بل أنتم مجمعون معنا على ان المسلم في أول أوقات الاستطاعة للحج لو خرج تاجرا أو مسافرا لبعض الامر قبل مقدار ما إن أراد الحج كانت له مهلة بينه وبين الوقت الذى إذا أهل (فيه) (1) أدرك الحج على سعة ومهل فانه لا يلزمه الخروج إلى مكة حينئذ أصلا وأنه ان قرب من مكة لحاجته فقرب وقت الحج وهو مستطيع له فحج من ذلك المكان أنه قد أدى ما عليه بأتم ما يلزمه وأنه لا شئ عليه إذ لم يأت للحج من بلده أصلا، وكذلك لا خلاف فيمن جاز على ميقات لا يريد حجا، ولاعمرة ولادخول مكة لكن لحاجة له في رهاط (2) أو في بستان ابن عامر (3) أنه لا يلزمه الاهلال من هنالك وأنه إن بدا له في الحج والعمرة وقد تجاوز الميقات فانه يهل من مكانه ذلك وحجه تام وعمرته تامة وأنه غير مقصر في شئ مما يلزمه، فصح ان القصد للحج أو العمرة من بلد الانسان، أو من مثل بلده في البعد، أو من الميقات لمن لم يمر به وهو يريد حجا، أو عمرة ليس شئ من ذلك من شروط الحج ولا العمرة فبطلت هذه الاقوال الفاسدة جدا وكان تعارضها وتوافقها برهانافى فساد جميعها، (فان قال من قال): إنه ان خرج إلى الميقات فليس بمتمتع لان أهل المواقيت ليس لهم التمتع قلنا له: قد قلت: الباطل. واحتججت للخطأ بالخطأ. ولدعوى كاذبة وكفى هذا مقتا، فان قال: ان أهل


(1) الزيادة من النسخة رقم (14)، وكذلك في اليمينية (2) هو بضم اوله وآخره طاء مهملة موضع على ثلاث مراحل من مكة وفى النسخة رقم (16) (رباط) وهو غلط (3) هو اسم موضع قريب من الجحفة وابن عامر هذا هو عبد الله بن عامر بن كريز استعمله عثمان رضى الله عنه على البصرة قاله البطليوسى في شرح ادب الكاتب *

[ 165 ]

المواقيت فما دونها إلى مكة لاهدى عليهم ولا صوم في التمتع قلنا: قلت: الباطل وادعيت مالا يصح ثم لو صح لك لكان حجة عليك لان أهل مكة لاهدى عليهم ولا صوم في التمتع ولم يكن المقيم بها حتى يحج كذلك بل الهدى عليه. أو الصوم فهلا إذ كان عندك من خرج إلى ميقات فما دونه إلى مكة يصير في حكم من هو من اهل ذلك الموضع في سقوط الهدى والصوم عليه جعلت أيضا المقيم بمكة حتى يحج في حكم أهل مكة في سقوط الهدى والصوم عنهما فظهر تناقض هذا القول الفاسد أيضا، ثم يقال لمن قال: ان خرج إلى مكان تقصر فيه الصلاة، سقط عنه الهدى والصوم: من أين قلت: هذا؟ ولا دليل على صحة هذا القول أصلا، فان قال: لانه قد سافر إلى الحج قلنا: نعم فكان ماذا؟ وما الذى جعل سفره مسقطا للهدى والصوم اللذين أوجب الله تعالى عليه؟ هاتوا شيئا غير هذه الدعوى ولا سبيل إلى ذلك، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: ومن هذا الخبر الذى ذكرنا غلط أبو حنيفة. وأصحابه في إيجابهم على المتمتع الذى ساق الهدى أن يبقى على إحرامه حتى يقضى حجه * قال أبو محمد: ولا حجة لهم فيه لان ابن عمر راوي الخبر رضى الله عنه وان كان قال في أوله: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في العمرة إلى الحج فانه بين إثر هذا الكلام صفة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه عليه السلام (بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) فذكر صفة القران، وهكذا صح في سائر الاخبار من رواية البراء. وعائشة. وحفصة أمي المؤمنين. وانس وغيرهم أنه عليه السلام كان قارنا، فصح ان الذين أمرهم عليه السلام إذا أهدوا بأن لا يحلوا إنما كانوا قارنين، وهكذا روت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها (أنه عليه السلام أمر من معه الهدى بأن يهل بجج مع عمرته) فعاد احتجاجهم عليه وبالله تعالى التوفيق، (فان قيل قائل): قد صح الاجماع على ان من تمتع بالعمرة إلى الحج فابتدأ عمرته في أشهر الحج، ثم أقام بمكة إلى أن حج لم يخرج عنها أنه متمتع عليه الهدى. أو الصوم، واختلفوا فيه إذا أهل بعمرة قبل أشهر الحج وإذا خرج بين عمرته. وحجه من مكة أمتمتع (هو) (1) أم لا؟ فوجب ان لا يلزم الهدى أو الصوم الا من أجمع على أنه يلزمه (2) حكم المتمتع قلنا: هذا خطأ وما أجمع الناس قط على ما قلتم، وقد روينا عن ابن الزبير ان المتمتع هو المحصر لامن حج بعد أن اعتمر، ولا معنى لمراعاة الاجماع مع (3) ورود بيان صلى الله عليه وسلم لان في القول بهذا إيجاب مخالفة أو امره عليه السلام ما لم يجمع الناس عليها، وهذا عين الباطل بل إذا تنازع الناس


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) (على انه لا يلزمه) (3) في النسخة رقم (16) (بعد) بدل (مع) *

[ 166 ]

رددنا ذلك إلى ما افترض الله تعالى علينا الرد إليه من القرآن. والسنة، ولا نراعى ما أجمعوا عليه مع وجود بيان السنة في أحد أقوال المتنازعين وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لا يجب الوقوف بالهدى بعرفة فان وقف بها فحسن وإلا فحسن، فان مالكا ومن قلده قال: لا يجزئ من الهدى الذى يبتاع في الحرم إلا أن يوقف بعرفة ولابد والا فلا يجزئ إن كان واجبا، فان كان تطوعا فلم يوقف بعرفة فانه ينحر بمكة ولابد، ولايجوز ان ينحر بمنى، فان ابتيع الهدى في الحل ثم أدخل الحرم اجزا وان لم يوقف بعرفة، والابل. والبقر. والغنم عندهم سواء في كل ذلك، وقال الليث: لا يكون هديا إلا ما قلدو أشعر ووقف بعرفة، وقال أبو حنيفة. والشافعي. وسفيان. وأبو سليمان: لا معنى للتعريف بالهدى سواء ابتيع في الحرم أو في الحل ان عرف فجائز وان لم يعرف فجائز * قال أبو محمد: أما قول مالك فما نعلمه عن أحد من العلماء لاقبله ولا معه ولا نعرف له وجها أصلا لامن سنة صحيحة، ولامن رواية سقيمة، ولا من قول سلف، ولامن قياس، ولامن رأى له معنى، وأما قول الليث فانه يحتج له بما رويناه من طريق حجاج ابن أرطاة. واسرائيل. ويونس بن يونس قال حجاج: عن عطاء، وقال اسرائيل: عن ثوير بن أبى فاختة عن طاوس (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عرف بالبدن) * قال على: وهذان مرسلان ولا حجة في مرسل، ثم ان الحجاج. واسرائيل. وثويرا كلهم ضعفاء، ثم لو صح لم يكن فيه حجة لان هذا فعل لاأمر، ولا حجة فيه للمالك لانه شرط شروطا ليس في هذا الخبر شئ منها، وهذى النبي صلى الله عليه وسلم انما سيق من المدينة بلا خلاف، ومالك لا يوجب التوقيف بعرفة فيما أدخل (1) من الحل * ويحتج لقول الليث أيضا بما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس نا عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال: لاهدى إلا ما قلد. وسيق. ووقف بعرفة * ومن طريق سفيان بن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كل هدى لم يشعر ويقلد ويفاض به من عرفة فليس بهدى انما هي ضحايا * قال على: مالك لا يحتج (له) (2) بهذا لانه لايدى الترك للتقليد وللاشعار مانعا من ان يكون هديا * قال على: لاحجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالف ابن عمر في هذا غيره من الصحابة كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس نا رباح بن أبى معروف


(1) في النسخة رقم (14) (بما ادخل) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية *

[ 167 ]

عن عطاء عن ابن عباس قال: ان شئت فعرف الهدى، وان شئت فلا تعرف به انما أحدث الناس السياق مخافة السراق (1) * وعن سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس نا الاعمش عن ابراهيم قال: دعا الاسود مولى له فأمره أن يخبرني بما قالت له عائشة فقال: نعم سألت عائشة أم المؤمنين؟ فقلت: أعرف بالهدى؟ فقالت: لا عليك ان لا تعرف به، وعن عطاء، وطاوش لا يضرك أن لا تعرف به. وعن ابن الحنفية أنه أمر بتعريف بدنة أدخلت من الحل * وعن سعيد بن جبير أنه لم ير هديا الا ما عرف به من الابل والبقر خاصة * قال أبو محمد: لم يأت أمر بتعريف شئ من ذلك في قرآن، ولاسنة، ولا يجب الا ما أوجبه الله تعالى في أحدهما ولاقياس يوجب ذلك أيضا لان مناسك الحج انما تلزم الناس لا الابل، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: ولاهدى على القارن غير الهدى الذى ساق مع نفسه قبل أن يحرم وهو هدى تطوع سواء مكياكان أو غير مكى فان مالكا. والشافعي قالا: على القارن هدى وحكمه كحكم المتمتع سواء سواء في تعويض الصوم منه إن لم يجد هذيا وليس على المكى عندهما هدى، ولاصوم إن قرن كما لا شئ عليه في التمتع، وقال مالك: لم أسمع قط ان مكيا قرن، وقال أبو حنيفة: ان تمتع المكى فلا شئ عليه. لاهدى، ولاصوم وان قرن فعليه هدى ولابد، ولايجوز ان يعوض منه صوم وجد هديا أو لم يجد، ولا يجوز له ان يأكل منه شيئا قال: والمكى عنده من كان ساكنا في أحد المواقيت فما دونها إلى مكة قال: فان تمتع من هو ساكن فيما وراء المواقيت أو قرن فعليه هدى وله ان يأكل منه فان لم يجد فصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة ففيه وجوه جمة من الخطأ، أو لها انه تقسيم لايعرف عن أحد قبله، والثانى تفريقه بين قران المكى وبين تمتعه وتسويته بين قران غير المكى وبين تمتعه بلا برهان، والثالث تعويضه الصوم من هدى غير المكى، ومنعه من تعويضه الصوم من هدى المكى، كل ذلك رأى فاسد لاسلف له فيه ولا دليل أصلا، فقالوا: ان المكى إذا قرن قهو داخل في إساءة، فقلنا: فكان ماذا؟، وأين وجدتم أن من دخل في إساءة لم يجز له أن يعوض من هديه دم؟ وهذا قاتل الصيد محدما داخل في أعظم الاساءة وأشد الاثم وقد عوض الله تعالى من هديه صوما واطعاما وخيره في أي ذلك شاء؟ وهذا المحصر غير داخل في إساءة بل مأجور معذور ولم يعوض الله تعالى من هديه صوما ولا إطعاما، فكم هذا التخليط والخبط في دين الله تعالى بشرع الشرائع الفاسدة فيه؟


(1) في النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية (السرق) بكسر السين السرقة.

[ 168 ]

وأيضا فالمكي عندهم إذا تمتع فهو داخل في إساءة أو غير داخل في إساءة لابد من أحدهما، فان كان داخلا في إساءة فلم لم يجعلوا عليه هديا كالذى جعلوا في القران عليه؟ وان كان ليس داخلا في إساءة فمن أين وجب أن يدخل إذا قرن في إساءة؟ فهل فيما يأتي به الممرورون أكثر من هذا؟، وأما نحن فليس المكى ولاغيره مسيئا في قرانه ولافى تمتعه بل هما محسنان في كل ذلك كسائر الناس ولافرق، فسقط قول أبى حنيفة لعظيم تناقظه وفساده، وأما مالك، والشافعي فانهما قاسا القران على المتعة في المكى وغيره * قال أبو محمد: القياس كله خطأ (1) ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الخطأ لانه لاشبه بين القارن والمتمتع لان المتمتع يجعل بين عمرته وحجه إحلالا ولا يجعل القارن بين عمرته وحجه إحلالا، وأيضا فان القارن عندهما وعندنا لا يطوف إلا طوافا واحدا ولا يسعى إلا سعيا واحدا والمتمتع يطوف طوافين ويسعى سعيين، وأيضا فان القارن لابد له من عمل الحج مع عمرته والمتمتع إن لم يرد أن يحج لم يلزمه ان يحج، والقياس عندهما لا يكون إلا على علة جامعة بين الحكمين ولا علة تجمع بين القارن والمتمتع * (فان قالوا): العلة في ذلك هي إسقاط أحد السفرين قلنا: هذه علة موضوعة لادليل لكم على صحتها وقد أريناكم بطلانها مرارا، وأقرب ذلك ان من أحرم وعمل عمرته في آخر يوم من رمضان ثم أهل هلال شوال إثر احلاله منها ثم أقام بمكة ولم يبرح حتى حج من عامه ذلك فلا هدى عليه عندهما ولاصوم، وقد أسقط أحد السفرين، وكذلك من قصد إلى ما دون التنعيم داخل العام لحاجة فلما صار هنالك وهو لا يريد حجا ولاعمرة بداله في العمرة فاعتمر من التنعيم في آخر يوم من رمضان، ثم أقام حتى حج من عامه فلا هدى عليه ولاصوم عندهما، وهو قد أسقط السفرين جميعا سفر الحج وسفر العمرة، ثم يقولان فيمن حج بعده بساعد إثر ظهور هلال شوال فاعتمر، ثم خرج إلى البيداء على أقل من بريد (2) من المدينة عند الشافعي أو إلى مدينة الفسطاط وهو من أهل الاسكندرية عند مالك ثم حج من عامه: فعليه الهدى أو الصوم وهو لم يسقط سفرا أصلا، فظهر فساد هذه العلة التى لاعلة أفسد منها ولا أبطل، وبالله تعالى التوفيق * واحتج بعض أهل المعرفة ممن يرى الهدى في القران بأن قال: قد صح عن سعد ابن ابى وقاص. وعلى بن أبى طالب. وعائشة أم المؤمنين. وعمران بن الحصين. وعبد الله ابن عمر أنهم سموا القران تمتعا. وهم الحجة في اللغة، فإذ القران تمتع فالهدى فيه، أو الصوم بنص القرآن في إيجاب ذلك على التمتع *


(1) في النسخة رقم (16) (القياس كله باطل) وما هنا أنسب لما يأتي (2) في النسخة رقم (16) (اقل من بريدين) *

[ 169 ]

قال أبو محمد: لا يختلف هؤلاء رضى الله عنهم ولاغيرهم في ان عمل المهل بحج وعمرة معا هو عمل غير عمل المهل بعمرة فقط ئم يحج من عامه باهلال آخر مبتدأ، فإذ ذلك كذلك فالمرجوع إليه هو بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهبك ان كليهما يسمى تمتعا إلا أنهما عملان متغايران فنظرنا في ذلك فوجدنا الحديث الذى ذكرنا قبل من رواية البخاري عن يحيى ابن بكير عن الليث عن عقيل بن خالد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس معه عليه السلام بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من (أهدى) (1) فساق الهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال (للناس) (2): من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبن الصفا والمروة ويقصر ويحل، ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) * وقد ذكرنا قبل من طريق مالك ومعمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من معه الهدى بأن يجعل مع عمرته حجا، فصح أمر النبي صلى الله عليه وسلم من تمتع بالعمرة إلى الحج بالهدى، أو الصوم ولم يأمر القارن بشئ من ذلك * ووجدنا مارويناه من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا عبدة بن سليمان عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (في حجة الوداع) (3) موافين لهلال ذى الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فقدمنا مكة فادركني يوم عرفة وانا حائض لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دعى عمرتك وانقضى رأسك وامتشطى وأهلي بالحج قالت: ففعلت (4) فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معى عبد الرحمن بن أبى بكر فأردفني وخرج بى إلى التنعيم فأهللت بعمرة وقضى الله (5) حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدى، ولا صدقة، ولاصوم) * ومن طريق أبى داود نا الربيع بن سليمان (المؤذن) (6) أنا محمد بن ادريس الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن عطاء عن عائشة أم المؤمنين (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) فصح أنها كاتت قارنة، ولم يجعل عليه السلام في ذلك هدياو لاصوما *


(1) الزيادة من البخاري ج 2 ص 324 (2) الزيادة من البخاري (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 340 (4) في النسخة رقم (14) (ففعلت قالت) بزيادة (قالت) وليست في صحيح مسلم (5) في النسخة رقم (14) (وقد قضى الله) بزيادة ((وقد) وليست في صحيح مسلم (6) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 119 (2) في النسخة رقم (14) (بالبيت وبالصفى والمروه) وما هنا موافق لسنن ابى داود *

[ 170 ]

(فان قيل): إنها رضى الله عنها: رفضت عمرتها (1) قلنا: ان كنتم تريدون أنها حلت منها فقد كذب من قال: ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها ان طوافها وسعيها يكفيها لحجها وعمرتها، ومن الباطل ان يكفيها عن عمرة قد أحلت منها، وان كنتم تريدون أنها رفضتها وتركتها بمعنى أخرت عمل العمرة من الطواف والسعى حتى أفاضت يوم النحر فطافت وسعت لحجها وعمرتها معافنعم، وهذا قولنا: (فان قيل): فان وكيعا روى هذا الخبر فجعل قولها ولم يكن في ذلك هدى ولاصوم من قول هشام قلنا: فان عبد الله بن نمير. وعبدة جعلاه منكلام عائشة، وما ابن نمير دون وكيع في الحفظ. والثقة. وكذلك عبدة، وكلا الروايتين حق قالته هي وقاله هشام، ونحن أيضا نقوله * (فان قيل): قد صح أنه عليه السلام أهدى عن نسائه البقر قلنا: نعم وقد بين معنى ذلك الاهداء سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنه كان أضاحى لاهدى متعة، ولاهديا عن قران * قال أبو محمد: وقالوا: قد روى عن عمر. وجابر وجوب الهدى على القارن قلنا: أما الرواية عن عمر فانها من طريق عبد السلام بن حرب عن سعيد عن أبى معشر (2) عن ابراهيم عن عمر، فعبد السلام ضعيف، وابو معشر مثله، وابراهيم لم يولد الابعد موت عمر رضى الله عنه، وأما الرواية عن جابر فرويناها من طريق موسى بن عبيدة عن بعض أصحابه أنه سأل جابر بن عبد الله أن يقرن بين حج وعمرة بغير هدى؟ فقال: ما رأيت أحدا منا فعل (مثل) (3) ذلك، فموسى ضعيف وبعض أصحابه عجب البتة، ثم لو صحت لكانت موافقة لقولنا: لان ظاهرها المنع من القران دون أن يسوق مع نفسه صلى الله عليه وسلم ولكان قد خالفهما غيرهما من الصحابة كما ذكرنا آنفا عن أم المؤمنين * وروينا عن سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان انه سأل ابن عمر مع قوم عن رجل أحرم بالقران ما كفارته؟ فقال ابن عمر: كفارته أنه يرجع بأجرين. وترجعون بأجر، فلو كان عله هدى لافتاهم به * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة ان الحسن بن على ابن أبى طالب قرن بين حج. وعمرة ولم يهد قال الحكم: وقرن أيضا شريح بين الحج والعمرة ولم يهد، (فان قيل): فقد رويتم عن ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن


(1) في النسخة رقم (14) (العمرة) (2) في النسخة رقم (14) (عن سعيد بن ابى معشر) وهو غلط لان سعيدا هذا هو سعيد بن أبى عروبة، وابو معشر هذا هو زياد بن كليب التميمي الحنظلي، وابراهيم هو النخعي والله اعلم (3) الزيادة من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (16) (دون السوق للهدى مع نفسه) *

[ 171 ]

اسماعيل - هو ابن أبى خالد - عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: إذا قرن الرجل بين الحج والعمرة فعليه بدنة فقيل له: ان ابن مسعود يقول: شاة، فقال ابن عمر: الصيام أحب إلى من شاة قلنا: نعم وأنتم أول من خالف ابن عمر في هذا، ومن التلاعب في الدين ان توجبوا قول الصاحب حجة (لا يجوز خلافها) (1) إذا وافق قول أبى حنيفة. أو مالك. أو الشافعي وغير حجة إذا خالفهم، نبرأ إلى الله تعالى من هذا العمل * وأما قولنا: - من أراد أن يخرج من مكة. من معتمر، أو قارن، أو متمتع بالعمرة إلى الحج، ففرض عليه أن يجعل آخر عمله الطواف بالبيت فان تردد بمكة بعد ذلك أعاد الطواف ولابد فان خرج ولم يطف بالبيت ففرض عليه الرجوع ولو كان بلده بأقصى الدنيا حتى يطوف بالبيت، فان خرج عن منازل مكة فتردد خارجا ماشيا فليس عليه أن يعيد الطواف إلا التى تحيض بعد أن تطوف طواف الافاضة فليس عليها أن تنتظر طهرها لتطوف لكن تخرج كما هي، فان حاضت قبل طواف الافاضة فلابد لها ان تنتظر حتى تطهر، وتطوف، وتحبس عليها الكرى والرفقة - فلما رويناه من طريق مسلم قال: نا سعيد ابن منصور نا سفيان عن سليمان الاحول عن طاوس عن ابن عباس قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله (: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (3)) * ومن طريق مسلم نا محمد بن رمح نا الليث عن ابن شهاب عن أبى سلمة - هو ابن عبد الرحمن ابن عوف - أن عائشة أم المؤمنين قالت: (حاضت صفية بنت حيى بعد ما أفاضت فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: (3) أحابستناهى؟ فقلت: يا رسول الله انها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت (بعد الافاضة) (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتنفر:) * قال أبو محمد: فمن خرج ولم يودع من غير الحائض فقد ترك فرضا لازما له فعليه ان يؤديه * روينا من طريق وكيع عن ابراهيم بن يزيد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله ان قوما نفروا ولم يودعوا فردهم عمر بن الخطاب حتى ودعوا * قال على: ولم يخص عمر موضعا من موضع، وقال مالك، بتحديد مكان إذا بلغه لم يرجع منه، وهذا قول لم يوجبه نص. ولا إجماع. ولاقياس. ولاقول صاحب * ومن طريق عبد الرزاق نا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن نافع قال: رد عمر


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) ومن النسخة اليمنية (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 374 (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 375 (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) الزيادة من صحيح مسلم *

[ 172 ]

ابن الخطاب نساء من ثنية هر شى (1) كن أفضن يوم النحر (ثم حضن) (2) فنفرن فردهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت، ثم بلغ عمر بعد ذلك حديث غير ما صنع فترك صنعه الاول، قال أبو محمد: هر شى هي نصف الطريق من المدينة إلى مكة بين الابواء والجحفة على فرسخين من الابواء وبها علمان مبنيان علامة لانه نصف الطريق، وفد روى أثر من طريق أبى عوانة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله ابن أوس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن الخطاب أفتياه في المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض أن يكون آخر عهدها بالبيت) * قال أبو محمد: الوليد بن عبد الرحمن غير معروف، ثم لو صح لكان داخلا في جملة أمره عليه السلام - ان لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت - وعمومه، وكأن يكون أمره عليه السلام الحائض التى أفاضت بأن تنفر حكما زائد مبنيا على (3) النهى المذكور مستثنى منه ليستعمل الخبران معا ولا يخالف شئ منهما، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: من ترك عمدا أو بنسيان شيئا من طواف الافاضة أو من السعي الواجب بين الصفا والمروة فليرجع أيضا كما ذكرنا ممتنعا من النساء حتى يطوف (بالبيت) (4) ما بقى عليه، فان خرج ذو الحجة قبل أن يطوف فقد بطل حجه وليس عليه في رجوعه لطواف الوداع أن يمتنع من النساء فلان طواف الافاضة فرض، وقال تعالى: (الحج أشهر معلومات). وقد ذكرنا أنها شوال. وذو القعدة. وذو الحجة فإذ هو كذلك فلا يحل لاحد أن يعمل شيئا من أعمال الحج في غير أشهر الحج فيكون مخالفا لامر الله تعالى، * وأما امتناعه من النساء فلقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). فهو ما لم يتم فرائض الحج فهو في الحج بعد، وأما رجوعه لطواف الوداع فليس هو في عمرة فليس عليه أن يحرم ولا أن يمتنع من النساء لان الله تعالى لم يوجب ذلك،، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا إحرام الا بحج، أو عمرة: وأما لطواف مجرد فلا * وأما قولنا: ان من لم يرم جمرد العقبة حتى خرج ذو الحجة أو حتى وطئ عمدا فحجه باطل. فلما روينا من طريق أبى داود السجستاني نا نصر بن على - هو الجهضمى - نا يزيد بن زريع انا خالد - هو الحذاء - عن عكرمة عن ابن عباس (أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انى أمسيت ولم أرم قال: ارم ولا حرج) (5) فأمر عليه السلام بالرمي المذكور. وأمره


(1) هي - بفتح الهاء وسكون الراء ثم شين معجمة وبالقصر - ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر ولها طريقان فكل من سلك واحد منهما واحدا أفضى إلى موضع واحد ولذلك قال الشاعر * خذا أنف هرشى أو قفاها فانما * كلا جانبى هرشى لهن طريق (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (على ان النهى) (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) الخديث اختصره المصنف انظر سنن ابى داود ج 2 ص 149 *

[ 173 ]

فرض، وأخبر عليه االسلام انه لاحرج في تأخيره فهو باق مادام من أشهر الحج شئ ولا يجزئ في غير أشهر الحج لانه من فرائض الحج لما ذكرنا آنفا * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ان ذكر وهو بمنى رمى، وان فاته ذلك حتى ينفر فانه يحج من قابل ويحافظ على المناسك * قال أبو محمد: والعجب كله ممن يبطل حج المسلم بأن بشر امرأته حتى أمنى من غير ايلاج. ولا نهى عن ذلك أصلا لافى قرآن. ولا في سنة. ولا جاء بابطال حجه بذلك نص، ولا إجماع، ولا قياس، ثم لا يبطل حجه بترك رمى جمرة العقبة وترك مزدلفة وقد صح الامر بهما في القرآن والسنة الثابتة * وأما قولنا: - انه يجزئ القارن بين الحج والعمرة طواف واحد سبعة أشواط لهما جميعا، وسعى واحد بين الصفا والمروة سبعة أشواط (1) لهما جميعا كالمفرد سواء سواء - فلما رويناه من طريق مسلم نا قتيبة نا الليث - هو ابن سعد - عن نافع أن ابن عمر قال لهم: اشهدوا انى قد أوجبت حجا مع عمرتي، ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة. لم يزد على ذلك (ولم ينحر) (2)، ولم يحاق، ولاقصر، ولا أحل من شئ حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى انه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول، وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق مسلم نا محمد بن حاتم نا بهز بن أسد نا وهيب - هو ابن خالد - نا عبد الله ابن طاوس عن أبيه عن عائشة (انها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج. فقال لها رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج) * ومن طريق مسل حدثنى حسن (بن على) (4) الحلواني نا زيد بن الحباب حدثنى ابراهيم بن نافع حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن عائشة أم المؤمنين أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجزى عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك * ومن طريق مسلم نا قتيبة نا الليث عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عائشة بعمرة فذكر الحديث، وفيه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهى تبكى فقال:


(1) في النسخة رقم (14) (سبعة اطواف) (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 352، والحديث ذكره المصنف مختصرا وفيه اختلاف في بعض الالفاظ (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 342 (فقال لها: النبي) (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 343 *

[ 174 ]

ما شأنك؟ قالت: (شأني أنى) (1) قد حضت، وقد حل حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي. ثم أهلى بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا (طهرت) (2) طافت بالكعبة وبين الصفا والمروة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا * ومن طريق أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (3) انا أشهب ان مالكا حدثهم ان ابن شهاب وهشام بن عروة حدثاه عن عروة عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فقد منا مكة فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد ان رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طوافا واحدا) * حدثنا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا محمد بن بشر بن مطرنا أبو المصعب. وجعفر بن محمد الوركانى قالا جميعا: نا الدراوردى - هو عبد العزيز بن محمد - نا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرن بين الحج والعمرة فليطف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا) * فهذه آثار متواتره متظاهرة توجب العلم الضرورى * ومن طريق عبد الرزاق نا عبيدالله بن عمر عن نافع ان ابن عمر كان يقول: للقارن سعى واحد. وللمتمتع سعيان * ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: يكفيك لهما طوافك الاول بين الصفا والمروة يعنى القارن بين الحج والعمرة * ومن زريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال: حلف لى طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجه وعمرته الاطوافا واحدا * ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه انه كان يحفظ عن على بن أبى طالب للقارن طوافا واحدا بين الصفا والمروة خلاف ما يحفظ أهل العراق * ومن طريق هشيم ابن بشير نا أبو بشر (4) عن سليمان اليشكرى أن جابر بن عبد الله قال: لو أهللت بالحج والعمرة جميعا لطفت لهما طوافا واحدا ولكنت مهديا - يعنى سوق الهدى قبل الاحرام - وهو قول محمد بن سيرين. والحسن البصري. وسعيد بن جبير. وعطاء. وطاوس. ومجاهد.


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 344 (2) الزيادة من صحيح مسلم وهى موافقة لسنن النسائي ج 5 ص 165 (3) في النسخة رقم (16) (اخبرني احمد بن عبد الله بن عبد الحگم وهو غلط وفى النسخة اليمنية (أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحكم) وهو غلط ايضا صححناه من تهذيب التهذيب ج 9 ص 360 (4) في النسخة رقم (16) (نا ابن بشر) وهو غلط لانه جعفر بن اياس وهو ابن ابى وحشية اليشكرى - أبو بشر - روى عن سليمان اليشكرى وروى عنه هشيم انظر تهذيب التهذيب ج 2 ص 83 وج 4 ص 214 *

[ 175 ]

وسالم بن عبد الله بن عمر. ومحمد بن على بن الحسين. والزهرى. ومالك. والشافعي وأحمد. واسحاق. وأبى ثور، وداود وأصحابهم * وقالت طادفة: بل يطوف طوافين، ويسعى سعيين. كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي ان الضبى بن معبد قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى سعيين ولم يحل بينهما وأهدى. وأخبر بذل عمر بن الخطاب فقال عمر: هديت لسنة نبيك * ومن طريق عبد الرزاق عن عباد بن كثير. ويس الزيات قال يس: عن رجل عن ابن الاصبهاني، وقال عباد: عن عبد الرحمن بن الاصهبانى عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى ان الحسين بن على قرن بين الحج والعمرة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لعمرته، ثم قعد في الحجر ساعة، ثم قام فطاف بالبيت سبعا وبين الصفا والمروة سبعا لحجه، ثم قال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق عبد الرزاق عن الحسن ابن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى (ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والمعرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين) * وروى عن بعض الصحابة كما روينا من طريق منصور بن المعتمر عن مالك بن الحارث عن أبى نصر - هو ابن عمر والسلمى -، ومن طريق منصور عن رجل من بنى سليم، ومن طريق أبى عوانة عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن أذينة، ومن طريق وكيع عن مسعر عن بكير بن عطاء الليثى عن رجل من بنى عذرة، ومن طريق منصور بن زاذان عن الحكم بن عتيبة. وزياد بن مالك، ومن طريق ابن سمعان عن ابن شبرمة، ثم اتفق أبو نص بن عمرو، والرجل السلمى، والرجل العذري، وعبد الرحمن بن أذيتة، والحكم بن عتيبة، وزياد بن مالك، وابن شبرمة كلهم عن على أنه قال: يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين، ومن طريق منصور بن زاذان عن زياد بن مالك، ومن طريق سفيان عن أبى إسحاق السبيعى، ثم التفق زياد بن مالك. وأبو إسحاق كلاهما عن ابن مسعود على القارن طوافان وسعيان (1) * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عمرو بن الاسود (2) عن الحسين (3) بن على قال: إذا قرنت بين الحج والعمرة فطف طوافين واسع سعيين، وهو قول مجاهد. وجابر بن زيد. وشريح القاضى والشعبى. ومحمد بن على بن الحسين. وابراهيم النخعي. وحماد بن أبى سليمان. والحكم ابن عتيبة، وروى عن الاسود بن يزيد، وهو قول أبى حنيفة. وسفيان. والحسن ابن حى، وأشار نحوه الاوزاعي * وههنا قول ثالث رويناه من طريق سعيد بن منصور


(1) في النسخة رقم (16) (على القارن سعيين) وهو غلط وسقط، وفى النسخة اليمنية (على القارن طوافين وسعيين) والتقدير أي يطوف طوافين ويسعى سعيين (2) في النسخة رقم (16) (عن الحكم عن عمرو بن الاسود) وما هنا كالنسختين الاخريين وكلها صحيحة لان الحكم هو عمرو بن الاسود في النسخة رقم (14) (عن الحسن) والنسختان موافقتان لما سيأتي قريبا *

[ 176 ]

قال: نا جهم بن واقد الانصاري سألت عطاء بن أبى رباح فقلت: قرنت الحج والعمرة فقال: تطوف طوافين بالبيت ويجزئك سعى واحد بين الصفا والمروة * قال أبو محمد: أما قول عطاء هذا فانه كان لا يرى السعي بين الصفا والمروة من فرائض الحج فلذلك اجزأه عنده سعى واحد بينهما لانه للحج وحده * قال أبو محمد: أما ما شغب به من يرى ان يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين عن - النبي صلى الله عليه وسلم فساقط كله لا يجوز الاحتجاج به، وكذلك كل مارووا في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم لا يصح منه ولا كلمة واحدة، ولكنه عمن ذكرنا من التابعين صحيح الاعن الاسود وحده فانه من رواية جابر الجعفي * أما حديث الضبى بن معبد فان إبراهيم لم يدرك الضبى. ولا سمع منه. ولا أدرك عمر فهو منقطع، وقد رواه الثقات. مجاهد. ومنصور عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن الضبى. فلم يذكروا فيه طوافا. ولاطوافين. ولاسعيا ولاسعيين أصلا. وانما فيه أنه قرن بين الحج والعمرة فقط * وأما حديث ابن أبى ليلى فمرسل، ثم هو أيضا عن الحسن بن عمارة ولا يجوز الاحتجاج بروايته * وأما حديث الحسين بن على. فعن عباد بن كثير. ويس وكلاهما ضعيف جدا في غاية السقوط، فسقط كل ذلك وتسقط بسقوطه الرواية عن عمرو عن الحسين بن على * ووالله ما جعل الله تعالى عذرا لمن يعارض رواية عطاء. وطاوس. ومجاهد. وعروة عن ام المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم، ورواية نافع عن ابن عمر. وأبى الزبير عن جابر كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه العفونات الذفرة، ونعوذ بالله من الخذلان * وأما الرواية عن على فأبو نصربن عمرو، وعبد الرحمن بن أذينة، وزياد بن مالك، ورجل من بنى عذرة. ورجل من بنى سليم لا يدرى أحد من خلق الله تعالى من هم؟ وأما الحكم بن عتيبة. وابن شبرمة فلم يدركا عليا ولا ولدا الا بعد موته، وأما الرواية عن الحسين ابنه. فعن الحجاج بن أرطاة وهو في غاية السقوط. وأما الرواية عن ابن مسعود. فزياد ابن مالك لا يدرى من هو، وأما أبو إسحاق فلم يولد الاسنة موت ابن مسعود أو بعدها، * فمن أعجب ممن يعارض رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ورواية عمرو ابن دينار عن طاوس عن ابن عباس، ورواية سلمة بن كهيل عن طاوس عن الصحابة جملة، ورواية أبى بشر عن سليمان اليشكرى عن جابر، ورواية مالك عن الزهري. وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة أم المؤمنين عن كل من قرن من الصحابة مع رسول الله

[ 177 ]

صلى الله عليه وسلم بهذه النطائح (1) المترديات، وهذا - لمن تأمله - اجماع صحيح من جميع الصحابة رضى الله عنهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكدح فيه ما جاء بعده. لو جاء فكيف وكله باطل مطرح؟ * قال أبو محمد: وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رواه طاوس. ومجاهد عن ابن عباس ورواه عطاء. ومحمد بن على عن جابر، ورواه طاوس عن سراقة كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) * قال على: ومن الباطل أن تحتاج العمرة إلى عمل غير عمل الحج وقد دخلت فيه، ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بمن ذكرنا من السقاط الذين يؤنس بالخير فقدهم منه، ويوحش منه وجودهم فيه، ثم يقولون في الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره من قرن بين الحج والعمرة بأن يطوف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا: هذا من رواية الدراوردى نعم انه لمن رواية الدراوردى الثقة المأمون لا من رواية الحجاج بن أرطاة. وعباد بن كثير. ويس الزيات المطرحين المتروكين، ثم أعجب شئ ان في رواية عبد الرحمن بن أذينة المذكور عن على أنه لا يجوز لمن بدأ بالاهلال بالحج ان يردف عليه عمرة، فجعل أبو حنيفة ماروى ابن أذينة عن على من ان القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين حجة خالف لها (2) السنن الثابتة وإجماع الصحابة ولم يجعل ما رواه ابن أذينة عن على - من أنه لا يجوز لمن بدأ بالاهلال بالحج ان يضيف إليه عمرة - حجة، فما هذا التلاعب؟ ولئن كانت رواية ابن أذينة عن على في أحد الوجهين حجة انها في الوجه الآخر: ولئن لم تكن حجة في أحد الوجهين فما هي حجة في الآخر، ثم اعترضوا في الآثار الواردة عن ابن عمر بما روى عنه من أن النبي صلى الله عليه آله وسلم كان متمتعا، ولو ان الذى احتج بهذا يستحى ممن حضره من الناس (من) (3) قبل ان يبلغ إلى الحياء من الملائكة، ثم من الذى إليه معاده عز وجل لردعه عن هذه المجاهرة القبيحة، وهذا الخبر قد ذكرناه وفيه (من) (4) (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) فوصف عمل القران وسماه تمتعا * والعجب أن هذا المجاهر بهذه العظيمة يناظر الدهر في اثبات ان النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، ثم أضرب عن ذلك الآن وجعل يوهم أنه كان متمعتا، وهذا من الغاية في السماجة والصفة المذمومة، واعترض في الآثار المذكورة عن عائشة أم المؤمنين بما روى في ذلك الخبر


(1) في النسخة رقم (16) (الفضائح) والذى يناسب لفظ (المترديات) ماهنا (2) في النسخة اليمنية (خالف بها) (3) الزيادة في النسخة رقم (14) (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (ومن) هنا حرف جر *

[ 178 ]

من قول النبي صلى الله عليه وسلم (ارفضي العمرة، ودعى العمرة، واتركى العمرة، وامتشطى، وانقضى رأسك، وأهلي بالحج) وأوهم هذا المكابر بهذه الالفاظ أنها أحلت من العمرة وهذا باطل لان - معنى ارفضي العمرة، ودعى العمرة، واتركى العمرة، وأهلي بالحج - ان تدع الطواف الذى هو عمل العمرة وتتركه وترفض عمل العمرة من أجل حيضها وتدخل حجا على عمرتها فتكون قارنة فإذا طهرت طافت بالبيت حينئذ للعمرة وللحج * وأما نقض الرأس والامتشاط فلا يكره ذلك في الاحرام بل هو مباح مطلق * برهان ذلك (1) قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها حينئذ: (طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) فكيف يمكن أن يكفيها طوافها وسعيها لعمرة قد أحلت منها؟ لولا الهوى المعمى المصم المقحم في بحار الضلالة بالمجاهرة بالباطل، فصح يقينا أنه انما كفاها طوافها وسعيها لحجها وعمرتها اللذين كانت قارنة بينهما، هذا مالا يحيل على من له أدنى فهم ولم يجد مايموه به في حديث جابر ولافى حديث عروة عن عائشة أن الذين جمعوا بين العمرة والحج من الصحابة طافوا لهما طوافا واحدا فرجع إلى أن قال: ان عليا كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه وأشركه في هديه فلم يقل: ما قال إلا عن علم فيقال لمن قال: هذا القول: انك تنسب إلى على الباطل وقولا لم يثبت عنه قط، ثم لو ثبت عنه فأم المؤمنين كانت في تلك الحجة أبطن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأعلم به من على وغير على، واذ صار على ههنا يجب تقليده واطراح السنن الثابتة وأقوال سائر الصحابة لقول لم يصح عنه، فهلا وجب تقليده في الثابت عنه من بيع أمهات الاولاد، ومن قوله: ان في خمس وعشرين من الابل خمس شياه، وسائر ما خالفوه فيه لما هو أقل مما تركوا ههنا؟ ولكن الهوى إله معبود * وعهدنا بهم يقولون فيما روى عن أم المؤمنين إذ قالت لام ولد زيد بن أرقم في بيعها غلاما من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم ابتاعته مه بستمائة درهم نقدا أبلغ زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان لم يتب: مثل هذا لا يقال بالرأى، فهلا قالوا ههنا في قول عائشة. وجابر. وابن عمر. وابن عباس: ان القارن يجزئه طواف واحد: مثل هذا لا يقال بالرأى: ولكن حسبهم ونصر المسألة الحاصلة الحاضرة بما يمكن (2)، وبالله تعالى التوفيق * 837 - مسألة - ويجزى في الهدى المعيب، والسالم أحب الينا. ولا تجزى جذعة من الابل. ولامن البقر. ولا من الغنم إلا في جزاء الصيد فقط * برهان ذلك ان نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العرجاء البين عرجها، والعوراء البين عورها،


(1) في النسخة رقم (16) (برهان هذا) وما هنا أنسب (2) في النسخة اليمنية وفى النسخة رقم (14) (بما أمكن) *

[ 179 ]

والمريضة البين مرضها، والعجفاء التى لاتنقى (1)، وأن لا يضحى بشرقاء. ولا خرقاء. ولا مقابلة. ولا مدابرة انما جاء في الاضاحي نصا والاضحية غير الهدى، والقياس باطل، وقدو افقنا المخالف على اختلاف حكم الهدى والاضحية (2) في الاشعار والتقليد وحكمه إذا عطب قبل محله، فمن الباطل ان يقاس حكم الهدى على الاضاحي في مكان، ولا يقاس عليه في مكان آخر بغير برهان مفرق بين ذلك، والهدى جائز في جميع السنة ولا تجوز الاضيحة عندهم الا في ثلاثة أيام من ذى الحجة فبطلت التسوية بينهما، وبالله تعالى التوفيق * وأما الجذعة فلما روينا من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى انا هشيم عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن البراء بن عازب أن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل ان يذبح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ان هذا اليوم اللحم فيه مكروه (3) وان عجلت نسيكتى لاطعم أهلى وجيراني وأهل دارى فقال له (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعد نسكا فقال: يارسول الله ان عندي عناق لبن (5) هي خير من شاتى لحم فقال عليه السلام: هي خير نسيكتيك ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك) * وهذا عموم منه عليه السلام وابتداء قضية قائمة بذاتها (6) وانما كان يكون هذا مقصورا على الاضحية لو قال عليه السلام: ولا تجزى عن أحد بعدك فكان يكون الضمير مردودا إلى الاضحية لكن ابتدأ عليه السلام فاخبر أنه لاتجزى جذعة عن أحد بعدها. فعم ولم يخص وانما خصصنا جزاء الصيد بنص (7) قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم). فعم تعالى أيضا ووجب ان يجزى الجذع بمثله، والصغير بمثله، والمعيب بمثله بنص القرآن، وبالله تعالى التوفيق * 838 - مسألة - ولا يجوز لاحد أن يطوف بالبيت عريان، فان فعل لم يجزه، فان غطى قبله، ودبره فلا يسمى عريان فان انكشف ساهيا لم يضره قال الله عزوجل: (خذوا زينتكم عند كل مسجد): روينا من طريق شعبة عن المغيرة عن الشعبى عن المحرر (8) بن أبى هريرة عن أبيه قال: كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة كنا ننادى أنه لايدخل الجنة الا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، وقال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) * 839 - مسألة - والطواف بالبيت على غير طهارة جائز، وللنفساء، ولا يحرم الا على الحائض فقط لان رسول الله صلى الله عليه وسلم منع أم المؤمنين - إذ حاضت - من الطواف بالبيت كما ذكر نا قبل، وولدت أسماء بنت عميس بذى الحليفة فأمرها عليه السلام بأن تغتسل وتهل ولم ينهها عن الطواف


(1) أي التى لامخ لها (2) في النسخة رقم (14) واليمنية (الاضحية والهدى) (3) معناه هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه وشاق (4) سقط لفظ (له) من صحيح مسلم ج 2 ص 117 (5) العناق - بفتح العين هي الانثى من المعز التى لم تستكمل سنة، وجمعها أعنق وعنوق، وقوله عناق لبن معناه صغيرة قريبة مما ترضع (6) في النسختين (بنفسها) وهما بمعنى (7) لفظ (بنص سقط من النسخة رقم (14) (8) هو براءين مهملتين *

[ 180 ]

فلو كانت الطهارة من شروط الطواف لبينه (رسول الله) (1) صلى الله عليه وسلم كما بين أمر الحائض (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى)، (وما كان ربك نسيا) ولا فرق بين اجازتهم الوقوف بعرفة والمزدلفة (2) والسعى بين الصفا والمروة ورمى الجمرة على غير طهارة وبين جواز الطواف على غير طهارة إلا حيث منع منه النص فقط * روينا عن سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن أبى بشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهى تطوف مع عائشة أم المؤمنين فأتمت بها عائشة بقية طوافها، فهذه أم المؤمنين لم ترالطهارة من شروط الطواف ولا نقول بهذا في الحيض خاصة للنص الوارد في ذلك * 840 - مسألة - فلو حاضت امرأة ولم يبق لها من الطواف الا شوط أو بعضه، أو أشواط فكل ذلك سواء وتقطع ولا بد، فإذا طهرت بنت على ما كانت طافته ولها أن تطوف بين الصفا والمروة لانها لم تنه إلا عن الطواف (بالبيت) (3) فقط، وقد وافقونا على اجازة كل ذلك للحائض لان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهها عن ذلك فكذلك لم ينه الجنب ولا النفساء عن الطواف ولا فرق، (وبالله تعالى التوفيق) (4) * 841 - مسألة - ومن قطع طوافه لعذر أو لكلل بنى على ما طاف، وكذلك السعي لانه قد طاف ما طاف كما أمر فلا يجوز ابطاله فلو قطعه عابثا فقد بطل طوافه لانه لم يطف كما أمر * 842 - مسألة - والطواف والسعى راكبا جائز، وكذلك رمى الجمرة لعذر ولغير عذر * روينا من طريق مسلم ثنى أبو الطاهر وحرملة بن يحيى انا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن) (5) * ورويناه أيضا من طريق عائشة. وجابر بن عبد الله (6) * ومن طريق مسلم نا عبد بن حميد انا محمد بن بكر انا ابن جريج أخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه (7)) * ومن طريق مسلم حدثنى أحمد بن حنبل (8) نا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحيم - هو خال محمد بن سلمة -، واسمه خالد بن أبى يزيد عن زيد بن أبى انيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين (9) قالت: (حججت مع رسول الله (10) صلى الله عليه وسلم حجة الوداع


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) ومن النسخة اليمنية (2) في النسخة رقم (16) (ومزدلفة) (3) الزيادة من النسخة (14) (4) الزيادة من النسخة رقم (16) (5) هو من صحيح مسلم ج 1 ص 360 (6) هما في صحيح مسلم ج 1 ص 361 (7) الحديث في مسلم له بقية اسقطها المصنف انظر جزء 1 ص 361 (8) في النسخة رقم (16) (احمد بن كهيل) وهو غلط * (9) في صحيح مسلم ج 1 ص 367 (عن ام الحصين جدته) والمعنى واحد (10) في صحيح مسلم (مع النبي) *

[ 181 ]

فرأيت أسامة بن زيد وبلالا أحدهما (1) آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) * وقد روينا عن عمر. وعروة المنع من ذلك ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * 843 - مسألة - ولا يجوز التباعد عن البيت عند الطواف إلا في الزحام (2) لان التباعد عنه عمل بخلاف فعل (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبث لا (4) معنى له فلا يجوز * 844 - مسألة - والطواف بالبيت في كل ساعة جائز وعند طلوع الشمس. وعند غروبها، ويركع عند ذلك * روينا من طريق أحمد بن شعيب انا عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن الزهري نا سفيان - هو ابن عيينة - نا أبو الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن معطم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بنى عبد مناف لا تمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار) (5) * ورويناه أيضا من طريق ابن أبى نجيح عن عبد الله بن باباه باسناده * وروينا عن الحسن. والحسين ابني على. وعبد الله بن عمر الطواف بعد العصر والصلاة حينئذ إثر الطواف * وعن ابن عباس انه طاف بعد العصر * وعن ابن الزبير انه طاف بعد صلاة الصبح وصلى الركعتين حينئذ * قال أبو محمد: انما جاء النهى عن الصلاة بعد العصر جملة فمن أجاز الطواف بعد العصر ما لم تصفر الشمس فقد تحكم بلا دليل * 845 - مسألة - وجائز في رمى الجمرة. والحلق. والنحر. والذبح. وطواف الافاضة. والطواف بالبيت. والسعى بين الصفا والمروة أن تقدم أيها شئت على أيها شئت لا حرج في شئ من ذلك * روينا من طريق مسلم (بن الحجاج) نا محمد ابن عبد الله بن قهزاد (6) نا على بن الحسن عن عبد الله بن المبارك انا محمد بن أبى حفصة عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يارسول الله ان حلقت قبل أن ارمى قال: ارم ولا حرج وأتاه آخر فقال: انى ذبحت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج وأتاه آخر فقال: أنى أفضت إلى البيت قبل أن أرمى قال: ارم ولاحرج (قال) (7) فما رأيته يسأل (8) يومئذ عن شئ إلا قال: افعلوا ولاحرج) * ومن طريق مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة عن عبد الله


(1) في صحيح مسلم (وأحدهما) بزيادة واو وليست موجودة في شرح مسلم (2) في النسخة رقم (16) (إلا لزحام) (3) في النسخة رقم (14) سقط لفظ (فعل) خطأ (4) في النسخة رقم (14) (فلا) ولا لزوم للفاء هنا (5) هو في النسائي ج 5 ص 223 (6) هو بضم القاف وبمعجمتين بعد الهاء الساكنة بينهما ألف (7) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 370 (8) في صحيح مسلم (سئل) *

[ 182 ]

ابن عمرو بن العاضى (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بمنى في حجة الوداع فجاء رجل (1) فقال: يارسول الله إنى لم أشعر فحلقت قبل أن أرمى قال: ارم ولاحرج، وجاء آخر فقال: يا رسول الله ان لم اشعر فنحرت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج قال: فما سئل (رسول الله صلى الله عليه وسلم) (2) عن شئ يومئذ قدم أو أخر إلا قال: اصنع ولاحرج) * ومن طريق ابن الجهم عن اسماعيل بن اسحاق انا أبو المصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: (وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج فقال آخر: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج فما سئل عن شئ قدم ولا أخر الا قال: افعل ولاحرج) (3) * ومن طريق مسلم حدثنى محمد بن حاتم نا بهز بن أسد نا وهيب - هو ابن خالد - نا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له. في الذبح. والحلق (4). والرمى. والتقديم. والتأخير فقال: لا حرج) * ومن طريق أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن الشيباني - هو أبو إسحاق - عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) حاجا فكان الناس يأتونه فمن قائل (6): يارسول الله سعيت قبل ان أطوف أو أخرت شيئا أو قدمت شيئا فكان يقول: لا حرج (لا حرج) (7) وذكر باقى الحديث * قال أبو محمد: فأخذ بهذا جمهور من السلف كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان نا أيوب - هو السختيانى - عن نافع عن ابن عمر أنه رأى رجلا من أهله أفاض قبل أن يحلق فأمره أن يحلق * وروينا عنه غير هذا من طريق سعيد أيضا، نا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد عن نافع ان ابن عمر لقى ابن أخيه عبد الرحمن ابن عبد الرحمن بن عمر قد أفاض قبل أن يحلق أو يقصر فأمره أن يقصر، ثم يرجع فيفيض * ومن طريق ابن الجهم نا عبد الله بن الحسن الهاشمي نا روح نا سعيد عن قتادة عن مورق العجلى قلت لابن عمر: (رجل) (8) حلق قبل أن يذبح قال: خالف السنة قلت: ما ذا عليه؟ قال: انك لضخم اللحية ولم يجعل عليه شيئا * ومن طريق ابن الجهم نا ابراهيم بن حماد نا الصاغانى نا سعيد


(1) في الموطأ ج 1 ص 368 (انه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بمنى والناس يسألون فجائه رجل) الخ (2) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 368 (3) هو في الموطأ ج 1 ص 368، وفى صحيح مسلم ج 1 ص 369 (4) في النسخة رقم (16) (في الحلق والذبح) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 370 وكذلك النسختان (5) في سنن ابى داود ج 1 ص 160 (مع النبي صلى الله عليه وسلم (6) في سنن ابى داود (4) (فمن قال) وليس بشئ (7) الزيادة من سنن ابى داود (8) الزيادة من النسخة رقم (16) *

[ 183 ]

ابن عامر عن سعيد بن أبى عروبة عن مقاتل انهم سألوا أنس بن مالك عن قوم حلقوا قبل أن يذبحوا؟ قال: اخطأتم السنة ولا شئ عليكم * قال على: ما أخطأوا السنة ولا خالفوها لان ما أباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ير فيه حرجا فهو سنة لكن تركوا الافضل فقط * ومن طريق الحذافى نا عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء فيمن رمى الجمرة الوسطى قبل الاولى قال: يرمى التى ترك (وأجزأه) (1) * وبه نصا إلى سفيان قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء أنه قال: من بدأ بالصفا والمروة قبل البيت انه يطوف بالبيت وقد أجزأ عنه، وبه يقول سفيان * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد أنه أتى الحسن البصري بمكة ثانى يوم النحر قد بدأ برمى جمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الاخرى قال: فسألت فقهاء مكة عن ذلك فلم ينكروه؟ * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضيل بن عياض عن ليث بن أبى سليم عن صدقة قال: سألت طلوسا ومجاهدا عمن حلق قبل أن ينحر؟ قالا: لا شئ عليه وهو قول سفيان. والاوزاعي. وداود وأصحابه، وقد روى عن بعض السلف غير هذا * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا سلام بن مطيع - هو أبو الأحوص - عن ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قدم شيئا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دما * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن منصور عن سعيد ابن جبير قال: من قدم شيئا قبل شئ من حجه أو حلق قبل أن يذبح فعليه دم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن الاعمش عن ابراهيم قال: من حلق قبل ان يذبح أهرق دماو قرأ (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا فضيل بن عياض عن ليث عن صدقة عن جابر بن زيد قال: من حلق قبل ان ينحر فعليه الفدية * قال أبو محمد: أما الرواية عن ابن عباس فواهية لانها عن ابراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف، وأما قول ابراهيم. وجابر بن زيد في ان من حلق قبل الذبح والنحر: فعليه دم أو الدفية، واحتجاجهم بقول الله تعالى. (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) فغفلة ممن احتج بهذا (2) لان محل الهدى هو يوم النحر بمنى ذبح أو نحر أولم يذبح ولانحر إذا دخل يوم النحر والهدى بمنى أو بمكة فقد بلغ محله فحل الحلق ولم يقل تعالى: حتى تنحروا أو تذبحوا، وبين رسول صلى الله عليه وسلم ان كل ذلك مباح ولا حجة في قول أحد سواه عليه السلام * وأما المتأخرون عمن ذكرنا فان أبا حنيفة قال: من حلق قبل أن يرمى فلا شئ عليه، فان حلق قبل أن ينحر أو يذبح فان كان مفردا فعليه دم وان كان قارنا فعليه دمان *


(1) سقط هذا اللفظ من النسخة رقم (16) خطأ (2) في النسخة رقم (16) (به) *

[ 184 ]

وقال زفر صاحبه: إن حلق القارن قبل أن يذبح أو ينحر فعليه ثلاثة دماء، فان كان متمتعا فعليه دم واحد، فان كان مفردا فلا شئ عليه * وقال أبو يوسف: ان حلق قبل أن يذبح قارنا أو متمتعا فعليه دم واحد، فان كان مفردا فلا شئ عليه، ثم رجع فقال هو. ومحمد بن الحسن: لا شئ عليه في كل ذلك * وقال مالك: ان حلق قبل ان يذبح أو ينحر فلا شئ عليه فان حلق قبل ان يرمى فعليه دم * وقال الشافعي: لا شئ عليه فيما أخر أو قدم إلا من طاف بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت فعليه دم * قال أبو محمد: كل هذه أقوال في غاية الفساد لانها كلها دعاوى بلا دليل لامن قرآن. ولا من سنة. ولا من قول صاحب. ولا من قياس. ولامن رأى سديد * فأما تفريق - أبى حنيفة بين الحكم المفرد والقارن وايجاب زفر ثلاثة دماء على القارن ودما على المتمتع، وتفريق مالك بين تقديم الحلق على الرمى وتقديمه على النحر والذبح، وتفريق الشافعي بين تقديم السعي على الطواف وبين سائر ما قدم وأخر - فأقوال لاتحفظ عن أحد من أهل العلم قبل القائل بها ممن ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * 846 - مسألة - ومن لم يبت ليالى منى بمنى فقد أساء ولا شئ عليه الا الرعاء وأهل سقياية العباس فلا نكره لهم المبيت في غير منى بل للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما * روينا من طريق ابى داود نا مسدد نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبد الله. ومحمد ابني أبى بكر بن (1) محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن أبى البداح بن عدى عن أبيه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) رخص للرعاء ان يرموا يوما ويدعوا يوما) * فصح بهذا الخبر ان الرمى في كل يوم من أيام منى ليس فرضا * ومن طريق مسلم نا ابن نمير - هو محمد بن عبد الله - نا أبى نا عبيدالله - هو ابن عمر - حدثنى نافع عن ابن عمر قال: (ان العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل سقايته ان يبيت بمكة ليالى منى فأذن له) (3) * قال أبو محمد: فأهل السقاية مأذون لهم من أجل السقاية وبات عليه السلام بمنى ولم يأمر بالمبيت بها فالمبيت بها سنة وليس فرضا لان الفرض انما هو امره صلى الله عليه وسلم فقط، (4) * (فان قيل): ان إذنه للرعاء وترخيصه لهم وإذنه للعباس ذليل على ان غيرهم بخلافهم قلنا: لا وانما كان يكون هذا لو تقدم منه عليه السلام أمر بالمبيت والرمى فكان يكون هؤلاء مستثنين من سائر من أمروا، واما إذا لم يتقدم منه أمر عليه السلام فنحن ندرى ان هؤلاء


(1) في النسخة رقم (14) (ان) وهو غلط (2) في سنن أبى داود ج 2 ص 148 ((ان انلى صلى الله عليه وسلم (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 371 (ان يبيت بمكة ليالى منى من اجل سقايته فذن له) (4) قال في هامش النسخة رقم (14) (ونسى أبو محمد قوله عليه السلام (خذوا عنى مناسككم) والمبيت بمنى كان لاجل المانسك * اقول وهذه دعوى تحتاج إلى دليل آخر غير ما ذكره تنبه *

[ 185 ]

مأذون لهم وليس غيرهم مأمورا بذلك ولامنهيا فهم على الاباحة * روينا عن عمر بن الخطاب (لا يبيتن احد من وراء العقبة أيام منى، وصح هذا عنه رضى الله عنه * وعن ابن عباس مثل هذا، وعن ابن عمر أنه كره المبيت بغير منى أيام منى ولم يجعل واحد منهم في ذلك فدية أصلا * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: لا بأس لمن كان له متاع بمكة ان يبيت بها ليالى منى * ومن طريق ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب نا ابراهيم بن نافع انا عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا رميت الجمار فبت حيث شئت * وبه إلى ابراهيم بن نافع ا ابن أبى نجيح عن عطاء قال: لا بأس ان يبيت بمكة ليالى منى في ضعيته * وعن مجاهد لا بأس بأن يكون أول الليل بمكة وآخره بمنى أو أول الليل بمنى وآخره بمكة * وروينا من طريق ابن ابى شيبة نا أبو معاوية عن ابن جريج عن عطاء أنه كان يقول: من بات ليالى منى بمكة تصدق بدرهم أو نحوه * وعن بكير بن مسمار (1) عن سالم عن ابن جريج عن عطاء مثل هذا أيضا يتصدق بدرهم إذا لم يبت بمنى * ومن طريق أبى بكر بن عياش عن المغيرة عن ابراهيم قال: إذا بات دون العقبة أهرق دما * وقال أبو حنيفة: بمثل قولنا، وقال سفيان: يطعم شيئا، وقال مالك: من بات ليلة من ليالى منى بغير منى أو أكثر ليلته فعليه دم، فان بات الاقل من ليلته فلا شئ عليه، وقال الشافعي: من بات ليلة من ليالى التشريق في غير منى فليتصدق بمد. فان بات ليلتين، فمدان فان بات ثلاثا فدم * وروى عنه في ليلة ثلث دم وفى ليلتين ثلثا دم وفى ثلاث ليال دم * قال أبو محمد: هذه الاقوال لادليل على صحتها (2) يعنى الصدقة بدرهم أو باطعام شئ. أو بايجاب دم. أو بمد. أو مدين. أو ثلث دم. أو ثلثى دم. أو الفرق بين المبيت أكثر الليل. أو أقله، وما كان هكذا فالقول به لا يجوز وما نعلم لمالك. ولا للشافعي في أقوالهم هذه سلفا أصلا. لامن صاحب. ولا من تابع * 847 - مسألة - ومن رمى يومين، ثم نفر ولم يرم الثالث فلا بأس به، ومن رمى الثالث فهو أحسن * برهان ذلك قول الله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) وقال أبو حنيفة: ان نفر (3) اليوم الثاني إلى الليل لزمه أن يرمى الثالث * قال على: وهذا خطأ وحكم بلا دليل وخلاف للقرآن *


(1) في النسخة رقم (16) (عن بكر بن مسمار) وهو غلط (2) في النسخة رقم (16) وفى اليمنية (على تصحيحها) (3) في النسخة رقم (16) (ان بقى) وكذلك في النسخة اليمنية *

[ 186 ]

848 - مسألة - والمرأة المتمتعة بعمرة ان حاضت قبل الطواف بالبيت ففرضها ان تضيف حجا إلى عمرتها آن كانت تريد الحج من عامها وتعمل عمل الحج حاشا الطواف بالبيت فإذا طهرت طافت، وهذا لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بذلك وقد ذكرناه قبل * 849 - مسألة - ولا يلزم الغسل في الحج فرضا الا المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت فهذه تغتسل ولابد وتقرن حجا إلى عمرتها، والمرأة تلد قبل ان تهل بالعمرة أو بالقران ففرض عليها ان تغتسل ولتهل بالحج * لما روينا من طريق مسلم نا قتيبة نا الليث عن أبى الزبير عن جابر قال: (أقبلت عائشة بعمرة) فذكر الحديث وفيه (انها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت (والناس يذهبون إلى الحج الان) (1) فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي وأهلي بالحج (2)) ولامره عليه السلام، أسماء بنت عميس إذ ولدت محمد بن أبى بكر بالشجرة ان تغتسل وتهل، ونحن قاطعون بائتمارها له عليه السلام، وانهما لو لم يغتسلا لكانتا عاصيتين، وقد أعاذهما الله عزوجل من ذلك * 850 - مسألة - وكل من تعمد مصية أي معصية كانت - وهو ذاكر لحجه مذ يحرم إلى أن يتم طوافه بالبيت للافاضة ويرمى الجمرة - فقد بطل حجه فان أتاها ناسيا لها أو ناسيا لاحرامه ودخوله في الحج أو العمرة فلا شئ عليه في نسيانها، وحجه وعمرته تامان في نسيانه كونه فيهما، وذلك لقول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فكان من شرط الله تعالى في الحج براءته من الرفث والفسوق، فمن لم يتبرأ منهما فلم يحج كما أمر، ومن لم يحج كما أمر فلا حج له، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) * ومن عجائب الدنيا ابطالهم الحج بتقبيله امرأته المباحة له فيمنى ولم ينهه الله تعالى قط عن هذا، ثم لا يبطلونه بالفسوق من قتل النفس المحرمة وترك الصلاة وسائر الفسوق ان هذا لعجب!، وأعجب من ذلك ابطال أبى حنيفة الحج بوطئ الرجل امرأته ناسيا لاحرامه!، وقد صح ان الله تعالى لا يؤآخذ بالنسيان، قال تعالى: (وليس عليكم جناج فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، ثم لا يبطل الحج بتعمد القصد إلى أن يلوط في إحرامه أو يلاط به فهل في الفضائح والقبائح أكثر (3) من هذه المصيبة؟ وأعجب شئ دعواهم الاجماع على هذا! ولا سبيل إلى أن يأتوا برواية عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 344 (2) في صحيح مسلم (ثم اهلي بالحج) (3) في النسخة رقم (16) (اكبر) أي اعظم *

[ 187 ]

في ان تعمد الفسوق (1) لا يبطل! بل الروايات عن السلف تشهد لقولنا * وروى عن مجاهد انه قال: انا لنحرم من الميقات وأخشى ان لاأخرج منه حتى أخرج احرامي أو كلاما هذا معناه، وان شريحا كان إذا أحرم فكأنه حية صماء * 851 - مسألة - فان أمكنه تجديد الاحرام فليفعل ويحج أو يعتمر وقد أدى فرضه لان احرامه الاول قد بطل وأفسده، والتمادى عليه لا يجوز لقول الله تعالى: (ان الله لا يصلح عمل المفسدين). وقال الاوزاعي: في سباب المحرم دم، وهم يجعلون الدم فيما لا يكره فيه من المبيت في غير منى وغير ذلك ولا يجعلونه في السباب للمحرم في الحج * 852 - مسألة - ومن وقف بعرفة على بعير مغضوب، أو جلال بطل حجه إذا كان عالما بذلك وأما من حج بمال حرام فأنفقه في الحج - ولم يتول هو حمله بنفسه (2) - فحجه تام * أما المغصوب فلانه مخالف لما أمره الله تعالى به ولم يحج كما أمر، وأما وقوفه على بعير جلال. لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم مما حدثناه عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود نا أحمد بن أبى سريج (3) الرازي أخبرني عبد الله بن الجهم نا عمرو - هو ابن أبى قيس - عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عن الجلالة في الابل أن يركب عليها) * وبه إلى أبى داود نا مسدد نا عبد الوارث - هو التنورى - عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) عن ركوب الجلالة) * قال أبو محمد: والجلالة هي التى علفها الجلة وهى العذرة، فمن وقف بعرفة بعير جلال فلم يقف كما أمر لانه عاص في وقوفه (عليه) (5)، والوقوف بعرفة طاعة وفرض، ومن المحال ان تنوب المعصية عن الطاعة، وقال عليه السلام: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فمن وقف بها حاملا لمال حرام فلم يقف كما أمر بل وقف عاصيا فان لم يعلم بذلك فقد قال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، ومن لم يتعمد للحرام عالما به فليس عاصيا وإذا لم يكن عاصيا فهو محسن قال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل)، فقد وقف كما أمرو عفا الله تعالى له عما لم يعلمه * وأما نفقة المال الحرام في الحج وطريقه فهو ان كان عاصيا بذلك فلم يباشر


(1) في النسخة رقم (16) (تعمد الفسق) (2) في النسخة رقم (14)، واليمنية (مع نفسه) (3) هو بسين مهملة وفى آخره جيم معجمة، وفى النسخ كلها بالشين المعجمة وآخره حاء مهملة وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب وحاشية تفريب التهذيب وجاء صحيحا في سنن ابى داود ج 2 ص 330 (4) سقط من سنن ابى داود ج 2 ص 330 لفظ (رسول الله صلى الله عليه وسلم) وعليها قوله (نهى) مبنى للمجهول، والحديثان سكت عنهما الحافظ المنذرى (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 188 ]

المعصية في حال إحرامه ولا في شئ من أعمال حجه فلم يخلط في عمله الواجب عملا محرما (1)، وبالله تعالى التوفيق، وكذلك لور كب الجلال في شئ من إحرامه أو عمل حجه لقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). والمعصية فسوق، وقد وافقونا على بطلان صلاة من صلى الفرض راكبا لغير ضرورة، ولافرق بين الامرين لان كليهما عمل محرم * 853 - مسألة وعرفة كلها موقف الا بطن عرنة، ومزدلفة كلها موقف الا بطن محسر لان عرفة من الحل، وبطن عرنة من الحرم فهو غير عرفة، وأما مزدلفة فهى المشعر الحرام وهى من الحرم، وبطن محسر من الحل فهو غير مزدلفة * نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن حسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن احمد بن الجهم نا جعفر الصائغ نا أبو نصر التمار - هو عبد الملك بن عبد العزيز - عن سليمان ابن موسى عن عبد الرحمن بن أبى حسين عن جبير بن مطعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عرفات موقف وارفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارفعوا عن بطن محسر (2)) * 854 - مسألة - ورمى الجمار بحصى قد رمى به قبل ذلك جائز، وكذلك رميها راكبا حسن، أما رميها بحصى قد رمى به فلانه لم ينه عن ذلك قرآن. ولا سنة، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه * (فان قيل): قد روى عن ابن عباس ان حصى الجمار ما تقبل منه رفع وما لم يتقبل منه ترك ولولا ذلك لكان هضابا (3) تسد الطريق قلنا: نعم فكان ماذا؟ وان لم يتقبل رمى هذه الحصا من عمرو فسيتقبل من زيد، وقد يتصدق المرء بصدقة فلا يقبلها الله تعالى منه، ثم يملك تلك العين آخر فيتصدق بها فتقبل منه * وأما رميها راكبا نا عبد الله به ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا وكيع نا أيمن بن نابل (4) عن قدامة بن عبد الله (قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمى جمرة العقبة (يوم النحر) (5) على ناقة له صهباء. لاضرب. ولاطرد. ولا إليك إليك) (6) * وقال أبو يوسف قبل موته بأقل من ساعة: رمى الجمرتين الآخرتين راكبا أفضل


(1) أورده مصحح نسخة رقم (14) بهامشها مانصه (لافرق بين ركوب الجلالة وأكل المال الحرام في الحج لقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ولاشك ان كليهما فاسق فليتأمل اه‍ أقول تأملت ذلك ونظرت كلام المصنف فوجدته يغنى عن الجواب لانه فرق بين من تلبس بالمعصية وهو واقف بعرفة وبين من أكل الحرام ولم يتلبس وقتئذ بالمعصية فشتان ما بينهما وهو فرق واضح نسأل الله الهداية (2) الحديث في مسند الامام احمد بسند آخر عن جبير بن مطعم ج 4 ص 82، وفيه زيادة ونسبه ابن حجر في التلخيص الجبر إلى ابن حيان والطبراني والبيهقي والبزار وغيرهم في ص 216 (3) هو جمع هضبة الجبل المنبسط على وجه الارض (4) هو بنون فباء موحدة وفى النسخ كلها (نافع) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (5) الزيادة من سنن النسائي ج 5 ص 270 (6) هو تعريض للامراء بانهم أحدثوا هذا الامور وقوله (اليك اليك) اسم فعل أي تبعد وتنح *

[ 189 ]

ورمى جمرة العقبة راجلا أفضل، وهذا تقسيم فاسد بلا برهان بل رميها راكبا أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم * 855 - مسألة ويبطل الحج تعمد الحج تعمد الوطئ في الحلال من الزوجة واذمة ذاكر الحجه أو عمرته، فان وطئها ناسيا لانه في عمل حج أو عمرة فلا شئ عليه، وكذلك يبطل بتعمده أيضا حج الموطوءة وعمرتها قال تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج)، والرفث الجماع. فمن جامع فلم يحج. ولا اعتمر كما أمر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (1)، وأما الناسي والمكره فلا شئ عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (2) ولقول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، وهو قول أصحابنا * 856 - مسألة - وان وطئ وعليه بقية من طواف الافاضة (3) أو شئ من رمى الجمرة فقد بطل حجه كما قلنا: قال تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج)، فصح أن من رفث ولم يكمل حجه فلم يحج كما أمر، وهو قول ابن عمر، وقول أصحابنا، وقال ابن عباس: لا يبطل الحج بالوطئ بعد عرفة، وهو قول أبى حنيفة، وقال مالك: ان وطئ يوم النحر قبل رمى الجمرة بطل حجه، وان وطئ يوم النحر بعد رمى الجمرة لم يبطل حجه، وان وطئ بعد يوم النحر قبل رمى الجمرة (4) لم يبطل حجه * فاما قول مالك فتقسيم لادليل على صحته أصلا، واحتج أبو حنيفة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) * قال على: ولا حجة لهم في هذا لان الذى قال هذا هو الذى اخبرنا عن الله تعالى بأنه قال: (وليطوفوا بالبيت العتيق). وبانه قال: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وهو الذي أمر برمى الجمرة فلا يجوز الاخذ ببعض قوله دون بعض، وقد قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع اله سبيلا) فكان الطواف بالبيت هو الحج كعرفة ولافرق، وقوله عليه السلام (الحج عرفة) لايمنع من ان يكون الحج غير عرفة أيضا، وقد وافقنا المخالف على أن امرءا لو قصد عرفة فوقف بها فلم يحرم (5). ولالبى. ولاطاف. ولاسعى فلا حج له، فبطل تعلقهم بقوله عليه السلام (الحج عرفة) * 857 - مسألة - فمن وطئ عامدا كما قلنا فبطل حجه فليس عليه ان يتمادى على عمل فاسد باطل لا يجزئ عنه لكن يحرم من موضعه، فان أدرك تمام الحج فلا شئ


(1) تقدم الكلام عليه في حديث جابر الطويل ص 119 من هذا الجزء، وهذا قطعة منه (2) سيأتي الكلام عليه ومن خرج قريبا (3) في النسخة رقم (16) (وان وطئ وبقى عليه من طواف الافاظة) وهو كلام ناقص (4) في النسخة رقم (16) (قبل ان يرمى الجمرة) وما هنا انسب بالسياق (5) في النسخة رقم (16) (ولم يحرم) *

[ 190 ]

عليه غير ذلك وان كان لا يدرك تمام الحج فقد عصى وأمره إلى الله تعالى ولاهدى في ذلك ولا شئ إلا أن يكون لم يحج قط، فعليه الحج والعمرة * وقد اختلف السلف في هذا * فروينا عن عمر رضى الله عنه أن يتماديا في حجهما، ثم يحجان من قابل ويتفرقان من الموضع الذى جامع فيه وعليه هدى وعليها، وهذا مرسل عن عمر لانه عن مجاهد عن عمر ولم يدرك مجاهد عمر * وروينا عن على على كل واحد منهما بدنة ويتفرقان إذا حجا من قابل، وهذا مرسل عن على لانه عن الحكم عن على والحكم لم يدرك عليا، وروينا عن ابن عباس أقوالا منها ان يتماديا على حجهما ذلك وعليهما هدى وحج قابل ويتفرقان من الموضع الذى جامعها فيه * وعن عبد الله بن عمرو. وعبد الله بن عمر مثله قالوا: فان لم يجدهديا صام صيام المتمتع، وقول آخر مثل هذا سواء سواء إلا أنه لم يعوض من الدم صياما * وعن ابن عمرو. وابن عمر مثله ولم يذكروا تفريقا * وروى عن ابن عباس ايضا انه عيه بدنة ويتفرقان من قابل قبل الموضع الذى جامعها فيه * وعن ابن عباس ايضا كل واحد منهما هدى * وعن جبير بن مطعم انه قال للمجامع: أف لاأفتيك بشئ * وأما من جامع بعد عرفة فعن ابن عمر من وطئ قبل ان يطوف بالبيت فعليه الحج والهدى، وروى عنه أيضا عليه الحج من قابل وبدنة * وعن ابن عباس على كل واحد منهما جزور * ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن علية عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من واقع امرأته قبل أن يطوف بالبيت فعليه دم * وعن ابن عباس أيضا عليه وعليها بدنة * وروينا عن عائشة أم المؤمنين لاهدى الاعلى المحصر، وقال أبو حنيفة: ان وطئ قبل عرفة تماديا على حجهما ذلك وعليهما حج قابل وهدى ويجزى في ذلك شاة ولا يتفرقان، فان وطئ بعد عرفة فحجه تام وعليه بدنة * قال أبو محمد: فكان من العجب! انه إذا بطل حجه اجزأه هدى شاة وإذا تم حجه لم يجزه الا بدنة، وهذا تقسيم ما روى عن أحد، فان تعلق بابن عباس فقد اختلف عن ابن عباس كما ذكرنا وعن غيره من الصحابة رضى الله عنهم، وليس قول بعضهم أولى من بعض، وهذا جبير ابن مطعم لو يوجب في ذلك هديا أصلا ولا أمر بالتمادي على الحج * قال على: قال الله تعالى. (إن الله لا يصلح عمل المفسدين). فمن الخطأ (1) تماديه على عمل لايصحله الله عزوجل لانه مفسد بلا خلاف منا ومنهم، فالله تعالى لا يصلح عمله بنص القرآن، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الحج انما يجب مرة، ومن ألزمه التمادي على ذلك الحج الفاسد، ثم ألزمه حجا آخر فقد ألزمه حجتين، وهذا خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم *


(1) في النسخة رقم (14) (فمن الباطل) *

[ 191 ]

والعجب انهم يدعون أنهم أصحاب قياس بزعمهم! وهم لا يختلفون في أن من (1) أبطل صلاته انه لا يتمادى عليها فلم ألزموه التمادي على الحج؟، وقد خالف أبو حنيفة ابن عباس. وعمر. وعليا فيما روى عنهم من التفريق (2) فلا نكره فيمن خالف ابن عباس في قول قد صح عنه خلافه وانما هم ستة من الصحابة رضى الله عنهم مختلفون كما ذكرنا، فالواجب الرجوع إلى القرآن، والسنة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يجوز أن يوجب هدى بغير قرآن ولاعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم * وروينا من طريق مجاهد وطاوس فيمن وطئ امرأته وهو محرم ان حجه يصير عمرة وعليه حج قابل وبدنة، فلم يريا عليها التمادي في عمل الحج * وروينا عن قتادة انهما يرجعان إلى حدهما يعنى الميقات ويهلان بعمرة ويتفرقان ويهديان هديا هديا * وعن الحسن فيمن وطئ قبل طواف الافاضة قال: عليه حج قابل ولم يذكر هديا أصلا، وقال مالك: ان وطئ قبل رمى الجمرة يوم النحر فعليه هدى وحج قابل ويتفرقان من حيث جامعها، فان وطئ بعد رمى الجمرة فحجه تام وعليه عمرة وهدى بدنة، فان لم يجد فبقرة، فان لم يجد فشاة، فان لم يجد صام صيام المتمتع، فكان إيجاب العمرة ههنا عجبا لا يدرى معناه!، وكذلك تقسيمه الهدى وتقسيمه وقت الوطئ ولا يعرف هذا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم * وقال الشافعي: ان وطئ ما بين أن يحرم إلى أن يرمى جمرة العقبة فسد حجه وعليه بدنة. فان لم يجد بدنة فبقرة. فان لم يجد بقرد فسبع من الغنم، فان لم يجد قومت البدنة بمكة دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما فأطعم كل مسكين مدا، فان لم يجد صام عنكل مديوما، فان وطئ بعد رمى جمرة العقبة فحجه تام وعليه بدنة، فكان هذا أيضا قولا لا يؤيده قرآن. ولاسنة. ولاقول صاحب. ولاقياس، ولا يوجد هذا عن أحد من الصحابة أصلا. وبالله تعالى التوفيق * 858 - مسألة - ومن أخطأ في رؤية الهلال لذى الحجة فوقف بعرفة اليوم العاشر وويظنه التاسع ووقف بمزدلفة الليلة الحادية عشرة وهو يظنها العاشرة فحجه تام ولا شئ عليه لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: ان الوقوف بعرفة لا يكون إلا في اليوم التاسع من ذى الحجة أو الليلة العاشرة منها، وانما أوجب عليه السلام الوقوف بها ليلا أو نهارا فصح ان كل من وقف بها اجزأه ما لم يقف في وقت لا يختلف اثنان في أنه لا يجزيه فيه، وقد تيقن (3) الاجماع من الصغير. والكبير. والخالف. والسالف ان من وقف بها قبل الزوال من اليوم التاسع من ذى الحجة أو بعد طلوع الفجر من الليلة الحادية


(1) في النسخة رقم (16) (في من) (2) في النسخة رقم (14) (من التفريق) (3) في النسخة رقم (16) (وقد تلقى) (4) في النسخة رقم (14) واليمنية (أو بعد اطلاع الفجر) *

[ 192 ]

عشرة (1) من ذى الحجة فلا حج له، وكذلك ان وقف بها بعد طلوع الفجر من الليلة العاشرة وهو يدرى أنها العاشرة، وهذا (2) قول جمهور الناس * 859 - مسألة - فن صح عنده بعلم أو بخبر صادق ان هذا هو اليوم التاسع إلا أن الناس لم يروه رؤية (3) توجب أنها اليوم الثامن ففرض عليه الوقوف في اليوم الذى صح عنده أنه اليوم التاسع والا فحجه باطل لما ذكرنا * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمر بن محمد قال: شهد نفر أنهم رأوا هلال ذى الحجة فذهب بهم سالم إلى ابن هشام وهو أمير الحج فلم يقبلهم فوقف سالم بعرفة لوقت شهادتهم، ثم دفع فلما كان في يوم الثاني وقف مع الناس * 860 - مسألة - ومن أغمى عليه في إحرامه، أوجن بعد ان احرم في عقله فاحرامه صحيح، وكذلك لو أغمى عليه، أو جن بعد أن وقف بعرفة ولو طرفة عين أو بعد ان أدرك شيئا من الصلاة بمزدلفة مع الامام فحجه تام لان الاغماء والجنون لا يبطلان عملا تقدم أصلا ولا جاء بذلك نص أصلا ولا إجماع، وليس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث فذكر النائم حتى ينتبه والمبتلى حتى يفيق والصبى حتى يبلغ) (4) بموجب بطلان ما تقدم من عمله، وانما فيه أنهم في هذه الحال غير مخاطبين فقط فإذا أفاقوا صاروا على حكمهم الذى كانوا عليه قبل، وبالله تعالى التوفيق نتأيد * 861 - مسألة - ومن أغمى عليه. أوجن أو نام قبل الزوال من يوم عرفة فلم يفق. ولا استيقظ إلا بعد طلوع الفجر من ليلة يوم النحر فقد بطل حجه سواء وقف به بعرفة أو لم يوقف به، وكذلك من أغمى عليه أوجن. أو نام قبل أن يدرك شيئا من صلاة الصبح بمزدلفة مع الامام فلم يفق ولا استيقظ الا بعد سلام الامام من صلاة الصبح فقد بطل حجه، فان كانت امرأد فنامت. أو جنت. أو أغمى عليها قبل أن تقف بمزدلفة فلم تفق. ولا انتبهت حتى طلعت الشمس من يوم النحر فقد بطل حجها، وسواء وقف بها بمزدلفة. أو لم يوقف لان الاعمال المذكورة فرض من فرائض الحج، وقال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فصح أنه لا يجزى عمل مأمور به الابنية القصد إليه مؤدى باخلاص لله تعالى فيه كما أمر عزوجل، وكل من ذكرنا فلم يعبد الله


(1) في النسخ كلها (الحادية عشر) والقاعدة ان الحادية عشر والثانية عشر يؤنثان مع المؤنث ويذكران مع المذكر (2) في النسخة (16) (وهو) (3) في النسخة رقم (14) وفى اليمنية (لم يروه الا رؤية) بزيادة (الا والذى يظهر لى انها زائدة بدليل استدلاله بفعل ابن هشام من عدم قبول قول من رأى الهلال واخبر فان كانت تلك الرؤية توجب انها اليوم الفلاني لقبله ولم يرده، والله اعلم (4) رواه الحاكم في مستدركه ج 1 ص 258 واقره الذهبي على تصحيحه. ورواه الامام أحمد في مسنده وابى داود في سننه *

[ 193 ]

في الاعمال المذكورة مخلصا له الدين بها فلم يأت بها. ولا حج لمن لم يأت يها. ولا يجزى ان يقف به غيره هنا لك لقول الله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة). وقال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وكذلك لو أن امرءا مر (1) بعرفة مجتازا ليلة النحر نزل بها أو لم ينزل. وهو لا يدرى أنها عرفة فلا يجزئه ذلك ولا حج له حتى يقف بها قاصدا إلى الوقوف بها كما أمره الله تعالى * واختلف الناس في هذا، فقال مالك: لا يجزى ان يحرم أحد عن غيره فإذا أحرم بنية الحج اجزأ كل عمل في الحج بلا نية، وقال أبو حنيفة. والشافعي: اعمال الحج كلها تجزى بلانية ولو ان من لم يحج قط حج ولا ينوى إلا التطوع اجزأه عن حجة الفرض * قال أبو محمد: وهذه اقوال في غاية الفساد والتناقض، وقد أجمعوا لو أن امرءا عليه صلاة الصبح فصلى ركعتين تطوعا. أو عليه الظهر فصلى أربعا تطوعا ان ذلك لا يجزئه من الفرض وأن من عليه زكاة خمسة دراهم فتصدق بخمسة دراهم تطوعا أنها لاتجزئه من الفرض، وأجمعوا إلا زفرأن من صام يوما من رمضان ينوى به التطوع فقط، أو لا ينوى به شيئا فانه لا يجزئه من صوم الفرض، فليث شعرى أي فرق بين الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج لو نصحوا أنفسهم!؟، (فان قالوا): قد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر ان للصبى حجا، وسمع انسانا لم يكن حج يلبى عن شبرمة فقال (له): (2) اجعل حجك هذا عن نفسك، ثم حج عن شبرمة (3) قلنا: أما إخباره عليه السلام ان للصبى حجا فخبر صحيح ثابت ولا متعلق لكم به لانه لم يحعل عليه السلام ذلك الحج جازيا من حج الفريضة فهو حجة لنا عليكم، ونحن نقول: ان للصبى حجا كما قال عليه السلام وهو تطوع لا يجزى عن الفرض، ونحن نقول: ان للصبى صلاة، وصوما وكل ذلك تطوع منه له، وقد كان الصبيان يشهدون الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حج بهم معه ولافرق، وأما خبر شبرمة فلا يصح ولو صح لما كان لهم فيه حجة لانه ليس فيه ان حجه عن شبرمة يجزى عن الذى حج عنه بل هو حجة عليهم لان فيه ان يجعل الحجة عن نفسه، وفى هذا إيجاب للنية (4) بها عن نفسه فهو حجة عليهم، وبالله تعالى التوفيق *


(1) سقط لفظ (مر) من النسخة رقم (16) خطأ (2) الزيادة من النسخة رقم (16) ومن النسخة اليمنية سقط لفظ (فقال له) خطا (3) في هامش النسخة اليمنية مانصه يقال: قد قال له: (حج عن شبرمة وهذا أمر له بأن يحج عن الغير) اه‍ وهو ذهول عن جواب المصنف بعد، وعلى تسليم دلالة ذلك عليه فهل يقال انه يجب عليه ان يحج لامره صلى الله عليه وسلم بذلك ولا قائل، والمعنى والله اعلم ان امر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بذلك استغرابا منه فعل ذلك لان الانسان يبدأ بنفسه ثم بغيره فلا دلالة له على مشروعية ذلك والله اعلم (4) في النسخة رقم (16) (ايجاب النية) *

[ 194 ]

وروينا عن الحسن فيمن عليه شهران متتابعان من كفارة ظهار، أو نذر، وعليه حج نذره ولم يكن حج حجة الفريضة فصام شعبان ورمضان وحج فان ذلك يجزئه عما كان عليه، وعن فرض رمضان، وتلك الحجة تجزئه عن نذره وفرض الاسلام، وهذا خطأ لما ذكرنا قبل - وهو قول أصحابنا - وبالله تعالى التوفيق * (فان قال مالكى): الحج كصوم اليم إذا دخل فيه بنية، ثم عزبت نيته اجزأه قلنا: ليس كذلك لان الحج أعمال كثيرة متغايرة يحول بينها ما ليس منها كالتلبية، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، ورمى الجمار، وطواف الافاضة، والسعى بين الصفا والمروة فلا بد لكل عمل من نية له، وأما الاحرام فهو عمل متصل لا ينفصل فيجزئه نية الدخول فيه ما لم يتعمد إحالة نيته أو ابطال إحرامه، وبالله تعالى نتأيد (1) * 862 - مسألة - ومن أدرك مع الامام صلاة الصبح بمزدلفة من الرجال فلما سلم الامام ذكر هذا الانسان أنه على غير طهارة فقد بطل حجه لانه لم يدرك الصلاة مع الامام، وقد تقدم ذكرنا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. وبالله التوفيق * 863 - مسألة - ومن قتل صيدا متصيدا له ذاكرا لاحرامه عامدا لقتله فقد بطل حجه أو عمرته لبطلان إحرامه وعليه الجزاء مع ذلك لقول الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) الآية، فحرم الله تعالى عليه أن يقتل الصيد متعمدا في إحرامه فإذا فعل فلم يحرم كما أمر لان الله تعالى انما أمره باحرام ليس فيه تعمد قتل صيد، وهذا الاحرام هو بلا شك غير الاحرام الذى فيه تعمد قتل الصيد فلم يأت بالاحرام الذى أمره الله تعالى به، وأيضا فان الله تعالى قال: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، ولا خلاف في أن تعمد قتل الصيد في الاحرام فسوق، ومن فسق في حجه فلم يحج كما أمر، ومن لم يحج كما أمر فلم يحج * روينا من طريق اسماعيل بن اسحق القاضى نا ابراهيم بن الحجاج نا عبد الوارث ابن سعيد التنورى عن ليث عن مجاهد قال: من قتل صيدا متعمدا فقد بطل حجه وعليه الهدى * واعترض بعضهم بأن قال: إن الله تعالى يقول: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) فسماهم حرما * قال أبو محمد: وهذا إقدام منهم عظيم على تقويل الله تعالى ما لم يقله قط، وانما سماهم الله تعالى حرما قبل قتل الصيد ونهاهم إذا كانوا حرما عن قتل الصيد وما سماهم تعالى قط


(1) في النسخة رقم (16) (وبالله التوفيق) (2) في النسخة رقم (14) (في ان من تعمد) ولا يوافقه الخبر الا بضرب من التأويل ولا داعى إليه *

[ 195 ]

بعد قتل الصيد حرما، فأف لكل عصيبة لمذهب تحدو (1) إلى الكذب على الله تعالى جهارا، وقد قال تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج) فأثبت الحج ونهى فيه عن الرفث فيلزمهم على هذا أن لايبطلوا الحج بالجماع الذى هو الرفث، وهذه كالتى قبلها ولا فرق، وانما جعلهم تعالى في الحج ما لم يرفثوا ولافسقوا، وقال بعضهم: قد أوجب عليه السلام في الضبع كبشا ولم يخبر بأن إحرامه بطل، قلنا لهم: (2) قلتم: الباطل بل قد أخبر عليه السلام بأن إحرامه قد بطل بقوله عليه السلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وأيضا فلم يقل عليه السلام قط ان إحرامه لم يبطل، ولا دل دليل على ذلك أصلا، وبالله تعالى التوفيق * 864 - مسألة - قال أبو محمد: (3) وكل فسوق تعمده المحرم ذاكرا لاحرامه فقد بطل إحرامه. وحجه. وعمرته لقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فصح ان من تعمد الفسوق (4) ذاكرا لحجه. أو عمرته فلم يحج كما أمر، وقد أخبر عليه السلام (ان العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة)، وقال عليه السلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * ومن عجائب الدنيا! ان الاية وردت كما تلونا فأبطلوا الحج بالرفث ولم يبطلوه بالفسوق وأعجب من هذا! ان أبا حنيفة قال: من وطئ في إحرامه - ناسيا غير عامدو لا ذاكر لانه محرم - امرأته التى أباح الله تعالى له وطأها قبل الاحرام أو بعده فقد بطل حجه، فلو تعمد اللياطة بذكرا وأن يلاط به ذاكرا لاحرامه فحجه تام وإحرامه مبرور، فأف لهذا القول عدد الرمل. والحصى. والتراب * (فان قالوا): إنما يبطل إحرامه بأن يأتي ما حرم في حال الاحرام فقط لا بما هو حرام قبل الاحرام. وفي الاحرام. وبعد الاحرام قلنا: وعن هذا التقسيم الفاسد سألناكم؟ ولا حجة لكم فيه، وأنتم تبطلون الصلاة بكل عمل محرم. وقبلها. وفيها. وبعدها كما تبطلونها بما حرم فيها فقط، وقد نقضتم هذا الاصل الفاسد فلم تبطلوا الاحرام بتعمد لباس ما حرم فيه مما هو حلال قبله وبعده، فقد أبطلتم هذا التقسيم الفاسد فأين القياس الذى تنتسبون إليه بزعمكم؟ والله تعالى قدأ كد الحج وخصه بتحريم الفسوق فيه كما خصه بتحريم الرفث فيه ولا فرق * أخبرنا محمد بن الحسن بن عبد الوارث الرازي نا عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن النحاس بمصر نا أبو سعيد بن الاعرابي نا عبيد بن غنام بن غنام بن حفص بن غياث النخعي نا محمد بن عبد الله


(1) أي تسوق، وفى النسخة اليمنية (تجر) والمعنى قريب (2) سقط لفظ (لهم) من النسخة رقم (16) خطأ (3) سقط جملة (قال ابو محمد) من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) واليمنية (الفسق) وما هنا انسب بنظم الآية (5) سقط لفظ (فيه) من النسخة رقم (16) *

[ 196 ]

ابن نمير نا أحمد بن بشر عن عبد السلام بن عبد الله بن جابر الاحمسي عن أبيه عن زينب بنت جابر الاحمسية (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها في امرأة حجت معها مصمتة: قولى لها: تتكلم فانه لاحج لمن لم يتكلم)، وقد ذكرنا رواية أحمد بن شعيب عن نوح بن حبيب القومسى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الذى أحرم في جبة ان يجدد إحراما) (1) * قال أبو محمد: ولا سبيل لهم إلى ان يوجدوا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم ان الفسوق لا يبطل الاحرام، وأما من فسق غير ذاكر لاحرامه فان لا يبطل بذلك إحرامه لانه لم يقصد ابطاله ولا أتى باحرامه بخلاف ما أمر به عامدا، وبالله تعالى التوفيق * 865 - مسألة - والجدال قسمان، قسم في واجب وحق، وقسم في باطل. فالذي في الحق واجب في الاحرام وغير الاحرام قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هي أحسن). ومن جادل في طلب حق له فقد دعا إلى سبيل ربه تعالى، وسعى في اظهار الحق والمنع من الباطل، وهكذا كل من جادل في حق لغيره أو لله تعالى، والجدال بالباطل وفى الباطل عمدا ذاكرا لاحرامه مبطل للاحرام وللحج لقوله تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج)، وبالله تعالى التوفيق * 866 - مسألة - ومن لم يلب في شئ من حجه أو عمرته بطل حجه وعمرته (2) فان لبى ولو مرة واحدة اجزأه والاستكثار أفضل، فلو لبى ولم يرفع صوته فلا حج له ولا عمرة لامر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عزوجل بأن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فمن لم يلب أصلا أو لبى ولم يرفع صوته وهو قادر على ذلك فلم يحج ولا اعتمر كما أمره الله تعالى، وقد قال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). ولو أنهم رضى الله عنهم إذ أمرهم عليه السلام برفع أصواتهم بالتلبية أبوا لكانوا عصاة بلا شك، والمعصية فسوق بلا خلاف، وقد أعاذهم الله عزوجل من ذلك قال تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، وقد بينا أن الفسوق يبطل الحج، وبالله تعال التوفيق * ومن لبى مرة واحدة رافعا صوته فقد لبى كما أمره الله تعالى ووقع عليه اسم ملب (3) وعلى فعله اسم التلبية فقد أدى ما عليه ومن أدى ما عليه ومن أدى ما عليه لم يلزمه فرضا أن يؤدى ما ليس عليه، والفرائض لا تكون إذ محدودة ليعلم الناس ما يلزمهم منها، وما لاحد له فليس فرضا عليه، وبالله تعالى التوفيق، لان في إلزامه تكليف مالا يطاق وقد أمننا الله تعالى من ذلك * 867 - مسألة - وجائز للمحرمين من الرجال والنساء ان يتظللوا في المحامل


(1) تقدم قريبا (2) سقط من النسخة رقم (14) جملة (بطل حجه وعمرته) خطا (3) في النسخة رقم (16) والنسخة اليمنية ملبى باثبات الياء جريا على خلاف القاعدة *

[ 197 ]

وإذا نزلوا وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأصحابنا، وقال مالك: يتظللون إذا نزلوا ولا يتظللون في المحامل ولا ركابا، وهذا تقسيم لا دليل على صحته فهو خطأ * (فان قيل): قد نهى عن ذلك ابن عمر قلنا: نعم ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح عن عمر من قدم ثقله من منى فلا حج له، فما الذى جعل قول ابن عمر في النهى عن التظلل حجة ولم يجعل قول أبيه في النهى عن تقدم الثقل من منى وتشدده في ذلك حجة؟ وقد صح عن ابن عمر فيمن أفطر في (نهار) (1) رمضان ناسيا ان صيامه تام ولا قضاء عليه، وصح عنه إباجة تقريد (2) البعير للمحرم، وصح عن ابن عمر من وطئ قبل أن يطوف طواف الافاضة بطل حجه، ولا مخالف له من الصحابة في شئ مما ذكرنا الا ابن عباس فانه رأى حج من وطئ بعد الوقوف بعرفة تاما فخالفوه، فما الذى جعل قول ابن عمر في بعض المواضع حجة وفي بعضها ليس حجة؟ * روينا من طريق مسلم نا سلمة بن شبيب نا الحسن بن أعين نا معقل عن زيد بن أبى أنيس عن يحيى بن الحصين قال: سمعت جدتى أم الحصين تقول: (3) (حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة انصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس) ومن طريق مسلم حدثنى أحمد بن حنبل نا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحيم عن؟؟ ابن أبى أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت: (حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة)، فهذا هو الحجة لا ما سواه، وقد خالف ابن عمر في هذا القول بلالا (6) وأسامة، وهو قول عطاء. والاسود. وغيرهما * 868 - مسألة - والكلام مع الناس في الطواف جائز، وذكر الله أفضل لان النص لم يأت بمنع من ذلك، وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فما لم يفصل تحريمه فهو حلال، وبالله تعالى التوفيق * 869 - مسألة - ولا يحل لرجل ولا لامرأة أن يتزوج أو تتزوج، ولا أن يزوج الرجل غيره من وليته، ولا أن يخطب خطبة نكاح مذ يحرمان إلى أن تطلع


(1) الزيادة من النسخة رقم (16) وزيادتها ليست بلازم (2) قال في الصحاح: يقال قرد بعيرك أي انزع منه القردان - واواحد القردان قراد - والتقريد الخداع، واصله ان الرجل إذا اراد ان يأخذ البعير الصعب قرده اولا كأنه ينزع قرادته اه‍ (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 367 (عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول) الخ (4) الحديث له بقية (5) في صحيح مسلم ج 1 ص 367 (عن النبي صلى الله عليه وسلم) وسبق ذكر هذا الحديث بهذا السند في ص 180 من هذا الجزء (6) في النسخة رقم (16) (بلال) وما هنا أتم لان المخالفة تسند للصغير أدبا وابن عمر اصغر منهما *

[ 198 ]

الشمس من يوم النحر ويدخل وقت رمى جمرة العقبة، ويفسخ النكاح قبل الوقت المذكور. كان فيه دخول وطول مدة وولادة، أو لم يكن، فإذا دخل الوقت المذكور حل لهما النكاح والانكاح، وله ان يراحع زوجته المطلقة ما دامت في العدة فقط، ولها أن يراجعها زوجها كذلك أيضا مادامت في العدة، وله أن يبتاع الجوارى للوطئ ولا يطأ * روينا من طريق مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن أبان بن عثمان بن عفال قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) (1) وهذا لفظ يقتضى كل ما قلناه، والمحرم اسم يقع على الجنس ويعم الرجال والنساء ومراجعة المرأة (المطلقة) (2) في عدتها لا يسمى نكاحا لانها امرأته كما كانت ترثه ويرثها وتلزمه نفقتها واسكانها، ولاصداق في ذلك، ولا يراعى اذنها، ولا حكم للولى في ذلك، وأما بعد انقضاء العدة فهو نكاح لا مراجعة ولا يكون إلا برضاهما وبصداق وولى، وابتياع الجوارى للوطئ لا يسمى نكاحا، وانما حرم الله تعالى ما ذكرنا من النكاح والانكاح والخطبة على المحرم، والمحرم هو الذى يحرم عليه لباس القمص. والعمائم. والبرانس. وحلق رأسه الا لضرورة بالنص والاجماع، فإذا صار في حال يجوز له كل ذلك فليس محرما بلا شك فقدتم إحرامه وإذا لم يكن محرما حل له النكاح والانكاح والخطبة، وبدخول وقت رمى الجمرة يحل له كل ما ذكرنا. رمى، أو لم يرم على ما ذكرنا قبل من اباحة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تقديم الحلق على الرمى، فان نكح المحرم أو المحرمة فسخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وكذلك (3) ان أنكح من لا نكاح لها الا بانكاحه فهو نكاح مفسوخ لما ذكرنا ولفساد الا نكاح الذى لا يصح النكاح الا به ولا صحة لما لا يصح الا بما يصح، وأما الخطبة فان خطب فهو عاص ولا يفسد النكاح لان الخطبة لا متعلق لها بالنكاح، وقد يخطب ولا يتم النكاح إذا رد الخاطب، وقد يتم نكاح بلا خطبة أصلا لكن بأن يقول لها: أنكحيني نفسك فتقول: نعم قد فعلت ويقول هو: قد رضيت ويأذن الولى في ذلك (4)، وبالله تعالى التوفيق * واختلف السلف في هذافأ جاز نكاح المحرم طائفة صح (5) ذلك عن ابن عباس، وروى عن ابن مسعود. ومعاذ، وقال به عطاء. والقاسم بن محمد بن أبى بكر. وعكرمة. وابراهيم النخعي، وبه يقول أبو حنيفة. وسفيان، وصح عن عمر بن الخطاب. وزيد ابن ثابت فسخ نكاح المحرم إذا نكح، وصح عن ابن عمر من طريق حماد بن سلمة


(1) في موطأ مالك ج 1 ص 321 مطولا اختصر، المصنف واقتصر على محل الشاهد منه (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (فكذلك) وما هنا اصح * (4) في النسخة رقم (16) (وتأذن لولى في ذلك) وليس بشيئ * (5) في النسخة رقم (16) (وصح) بزيادة واو لالزوم لها *

[ 199 ]

عن أيوب السختيانى عن نافع عنه قال: المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب على نفسه ولا على من سواه * وروينا عن على بن أبى طالب لا يجوز نكاح المحرم ان نكح (1) نزعنا منه امرأته، وهو قول سعيد بن المسيب: وبه يقول مالك. والشافعي. وأبو سليمان. وأصحابهم: * واحتج من رأى نكاحه جائزا بما رويناه من طريق الاوزاعي عن عطاء عن ابن عباس قال: (تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم)، وبما رويناه من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن مجاهد عن ابن عباس قال (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزويج ميمونة وهما محرمان) * وكذلك رويناه أيضا من طريق جابر بن زيد. وعكرمة عن ابن عباس * قال على: فعارضهم الآخرون بأن ذكروا مارويناه من طريق حماد بن سلمة نا جبيب ابن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الاصم ابن أخت ميمونة أم المؤمنين عن ميمونة أم المؤمنين قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف * قال أبو محمد: فقال من أجاز نكاح المحرم: لا يعدل يزيد بن الاصم أعرابي بوال على عقبيه بعبدالله بن عباس وقالوا: قد يخفى على ميمونة كون رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما، فالمخبر عن كونه عليه السلام محرما زائد علما، وقالوا: خبر ابن عباس وارد بحكم زائد فهو أولى، وقالوا في خبر عثمان لا ينكح المحرم ولا ينكح: انما معناه لا يوطئ غيره ولا يطأ ولا يطأ، ثم اعترضوا بوساوس من القياس عورضوا بمثلها لا فائدة في دركها لانها حماقات * قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا بهو كله ليس بشئ، أما تأويلهم في خبر عثمان رضى الله عنه أن معناه لايطأ ولا يوطئ فباطل وتخصيص للخبر بالدعوى الكاذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صرفوا كذمه عليه السلام (2) إلى بعض ما يقتضيه دون بعض وهذا لا يجوز، قال تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه). ويبين ضلال هذا التأويل قوله عليه السلام (ولا يخطب) فصح أنه عليه السلام أراد النكاح الذى هو العقد، ولايجوز ان يخص هذا اللفظ بلا نص بين * وأما ترجيحهم خبر ابن عباس على خبر ميمونة بقولهم: لايقرن يزيد إلى ابن عباس فنعم والله لا نقرنه إليه ولاكرامة، وهذا تمويه منهم انما روى يزيد عن ميمونة وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس فليسمعوا الآن إلى الحق: نحن نقول: لانقرن ابن عباس صبيا من صبيان أصحاب (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ميمونة المتكئة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراش واحد في الرفيق الاعلى القديمة الاسلام والصحبة، ولكن نقرن يزيد بن الاصم إلى أصحاب ابن عباس ولا يقطع بفضلهم عليه *


(1) في النسخة رقم (16) (وان نكح) * (2) لفظ (عليه السلام) سقط من النسخة رقم (14) (3) سقط لفظ (اصحاب) من النسخة رقم (16) * خطأ *

[ 200 ]

وأما قولهم: قد يخفى على ميمونة إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ تزوجها فكلام سخيف، ويعارضون بأن يقال لهم: قد يخفى على ابن عباس إحلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحرامه، فالمخبرة عن كونه قد أحل زائدة علما فحصلنا على قد يخفى وقد لا يخفى * وأما قولهم: خبر ابن عباس وارد بحكم زائد فليس كذلك بل خبر عثمان هو الوارد بالحكم الزائد على ما نبين ان شاء الله تعالى، فبطل كال ما شغبوا به، فبقى ان نرجح خبر عثمان. وخبر ميمونة على خبر ابن عباس رضى الله عن جميعهم * فنقول وبالله تعالى التوفيق: خبر يزيد عن ميمونة هو الحق، وقول ابن عباس وهم منه بلا شك لوجوه بينة * أولها أنها رضى الله عنها أعلم بنفسها من ابن عباس لاختصاصها بتلك القصة دونه، هذا مالا يشك فيه أحد * وثانيها أنها رضى الله عنها كانت حينئذ امرأة كاملة وكان ابن عباس رضى الله عنه يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر فبين الضبطين فرق لا يخفى * والثالث أنه عليه السلام انما تزوجها في عمرة القضاء هذا مالا يختلف فيه اثنان ومكة يومئذ دار حرب وانما هادنهم عليه السلام على أن يدخلها معتمرا ويبقى بها ثلاثة أيام فقط ثم يخرج فأتى من المدينة محرما بعمرة ولم يقدم شيئا إذ دخل على الطواف والسعى وتم إحرامه في الوقت ولم يختلف أحد في أنه إنما تزوجها بمكة حاضرا بها لا بالمدينة، فصح أنه بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه لافى حال طوافه وسعيه، فارتفع الاشكال جملة، وبقى خبر ميمونة. وخبر عثمان لا معارض لهما والحمد لله رب العالمين * ثم لو صح خبر ابن عباس بيقين ولم يصح خبر ميمونة لكان خبر عثمان هو الزائد الوارد بحكم لا يحل خلافه لان النكاح مذ أباحه الله تعالى حلال في كل حال للصائم. والمحرم. والمجاهد. والمعتكف، وغيرهم هذا مالا شك فيه، ثم لما (1) أمر عليه السلام بأن لا ينكح (2) المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب كان ذلك بلا شك ناسخا للحال المتقدمة من الاباحة لا يمكن غير هذا أصلا، وكان يكون خبر ابن عباس منسوخا بلا شك لموافقته للحالة المنسوخة بيقين، ومن ادعى في حكم قد صح نسخه وبطلانه انه قد عاد حكمه وبطل نسخه فقد كذب أو قطع بالظن ان لم يحقق ذلك، وكلاهما لا يحل القول به ولا يجوز ترك اليقين للظنون * قال أبو محمد: وقالوا: لما حل له شراء جارية للوطئ ولا يطأ حل له نحاح زوجة للوطئ ولا يطأ فقلنا لهم: لو استعملتم هذا في قولكم: لا يكون صداق يستباح به الفرج أقل من عشرة دراهم فهلا قلتم: كما حل له استباحة فرج جارية محرمة بأن يبتاعها بدرهم حل له فرج زوجة محرمة بأن يصدقها درهما؟ والقياسات لا يعارض بها الحق لان القياس


(1) سقط من النسخة (14) (لفظ لما) خطأ (2) في النسخة رقم (14) واليمنية (ان لا ينكح) *

[ 201 ]

كله باطل، وقالوا: كما جاز له ان يراجع المطلقة في عدتها جاز له ابتداء النكاح فقلنا: هذا باطل لانه لو كان قياس النكاح على المراجعة حقا لوجب أن يقولوا: كما جازت المراجعة بغير اذنها ولا اذن (1) وليها وبغير صداق وجب أن يجوز (2) النكاح بغير اذنها ولا اذن (3) وليها وبغير صداق وهم لا يقولونه، وهذه صفة قياساتهم السخيفة * وأما المالكيون فانهم أجازوا نكاح الموهوبة إذا ذكر فيه صداق ومنعوا من نكاح المحرم وهم لا يزالون يقولون في الاوامر: هذا ندب كقوهلم في قوله عليه السلام: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه): انما هو ندب فهلا قالوا: ههنا في قوله عليه السلام (لا ينكح المحرم ولا ينكح): هذا ندب. ولكنهم انما يجرون على ما سنح وبالله تعالى التوفيق * 870 - مسألة - ويستحب الا كثار من شرب ماء زمزم وان يستقى بيده منها وأن يشرب من نبيذ السقاية. لما روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن راهويه عن حاتم ابن اسماعيل (المدنى) (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله فذكر حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض بالبيت فصلى بمكة الظهر وأتى بنى (5) عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه) (6) * ومن طريق مسلم نا محمد بن المنهال الضرير نا يزيد بن زريع عن حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني انه سمع ابن عباس يقول: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه باناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم وأجملتم هكذا فاصنعوا، قال ابن عباس: فنحن لا نريد أن نغير (7) ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم) * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر وسفيان بن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه فذكر أمر شرب النبي صلى الله عليه وسلم من ماء زمزم ومن شراب سقاية العباس النبيذ (8) المذكور فقال طاوس: هو من تمام الحج * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * 871 - مسألة - ومن فاتته الصلاة مع الامام بعرفة أو مزدلفة في المغرب والعشاء ففرض عليه ان يجمع بينهما كما لو صلاهما مع الامام بعرفة فلو أدرك الامام (9) في العصر لزمه أن يدخل معه وينوى بها (10) الظهر ولابد لا يجزيه (11) غير ذلك فإذا


(1) في النسخة رقم (14) (وبغير اذن) (2) في النسخة رقم (14) (وجب ان يكون) (3) في النسخة رقم (14) (وبغير اذن) (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 346 (5) في النسخة رقم (14) (واتى على بنى) وفى النسخة اليمنية ايضا، وما هنا موافق لصحيح مسلم (6) اقتصر المصنف على محل الشاهد من الحديث وهو مطول جدا جمع اغلب احكام الحج (7) في صحيح مسلم ج 1 ص 371 (لا تريد تغير) والحديث مختصر من اوله (8) في النسخة رقم (16) (من النبيذ) (9) في النسخة رقم (16) (من الامام) (10) في النسخة رقم (14) (ينوى بها) بدون واو (11) في النسخة رقم (16) (ولا يجزيه) بزيادة واو *

[ 202 ]

سلم الامام أتم صلاته ان كان بقى عليه منها شئ، ثم صلى العصر ان أمكنه في جماعة والا فوحده، وكذلك لو وجد الامام بمزدلفة في العشاء الآخرة فليدخل معه ولينوبها المغرب ولا بد لا يجزئه غير ذلك، أما الجمع فانه حكم هذه الصلوات هنالك في ذلك اليوم. وتلك الليلة بالنص، والاجماع فلا يجوز له خلاف ذلك، وأما تقديم الظهر والمغرب فلانهما قبل العصر والعتمة ولا يحل تقديم مؤخرة منهما ولا تأخير مقدمة، وقد ذكرنا في كتاب الصلاة جواز اختلاف نية الامام والمأموم، فان أدركها من أولها فليقعد في الثالثة ولا يقم حتى يقعد الامام فإذا سلم الامام سلم معه وان أدرك معه ثلاث ركعات فليقم في الثانية بقيام الامام ولا بد، وليقعد في الاولى بقعوده وليسلم بسلامه، أما قعوده في الثالثة فلانه لو قام لصلى المغرب أربعا عامدا وهذا حرام وفساد للصلاة وكفر ممن دان به، وأما ان أدرك ثلاثا فقط فقعوده في الاولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انما جعل الامام ليؤتم به) ولا خلاف في نص ولا بين الامة في ان المأموم ان وجد الامام جالسا جلس معه وكذلك من أدرك ركعة من أي الصلوات كانت فانه يجلس ولو كان منفردا أو إماما لقام، وأما قيامه من الثانية فللنص الوارد والاجماع في ان الامام ان قام من اثنتين ساهيا ففرض على المأمومين اتباعه في ذلك هذا كله ان أتم الامام أو كان المأموم ممن يتم وإلا فلا، فإذا أتم صلاة المغرب صلى العتمة في جماعة أو وحده ان لم يجد جماعة، وبالله تعالى التوفيق * 872 - مسألة - ومن كان في طواف فرض أو تطوع فأقيمت الصلاة أو عرضت له صلاة جنازة أو عرض له بول أو حاجة فليصل وليخرج لحاجته ثم ليبن على طوافه ويتمه، وكذلك من عرض له شئ مما ذكرنا في سعيه (1) بين الصفا والمروة ولا فرق، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي، وقال مالك: اما في الطواف الواجب فيبتدئ ولا بد الا في الصلاة المكتوبة فقط فانه يصليها ثم يبنى، وأما في طواف التطوع فيبنى في كل ذلك * قال أبو محمد: هذا تقسيم لا برهان على صحته أصلا ولم يأت نص ولا إجماع على وجوب ابتداء الطواف والسعى ان قطع لحاجة، ولا بابطال ما طاف من أشواطه وسعى، وقد قال الله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم)، وانما افترض الطواف والسعى سبعا، ولم يأت نص بوجوب اتصاله (2) وانما هو عمل من النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وأما من فعل ذلك عبثا فلا عمل لعابث ولا يجزئه * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم


(1) في النسخة رقم (14) (في سعى) (2) في النسخة رقم (14) (يوجب اتصاله) *

[ 203 ]

ابن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا مؤمل بن اسماعيل الحميرى نا سفيان الثوري نا جميل بن زيد قال: رأيت ابن عمر طاف في يوم حار ثلاثة أطواف، ثم أصابه حر فدخل الحجر فجلس، ثم خرج فبنى على ما كان طاف * وعن عطاء لا بأس بأن يجلس الانسان في الطواف ليستريح وفيمن عرضت له حاجة في طوافه ليذهب وليقض حاجته، ثم يبنى على ما كان طاف، وبالله تعالى التوفيق * 873 - مسألة - وأما الاحصار فان كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه أو عمرته قارنا كان. أو متمتعا. من عدو. أو مرض. أو كسر. أو خطأ طريق. أو خطأ في رؤية الهلال. أو سجن. أو أي شئ كان فهو محصر، فان كان اشترط عند إحرامه كما قد منا ان محله حيث حبسه الله عزوجل فليحل من إحرامه ولا شئ عليه سواء شرع في عمل الحج. أو العمرة أو لم يشرع بعد، قريبا كان أو بعيدا، مضى له أكثر فرضهما أو أقله كل ذلك سواء ولا هدى في ذلك ولا غيره ولا قضاء عليه في شئ من ذلك إلا أن يكون لم يحج قط ولا اعتمر فعليه ان يحج ويعتمر ولا بد، فان كان لم يشترط كما ذكرنا فانه يحل أيضا كما ذكرنا سواء سواء ولا فرق وعليه هدى ولا بد كما قلنا في هدى المتعة سواء سواء إلا أنه لا يعوض من هذا الهدى صوم ولا غيره فمن لم يجده فهو عليه دين حتى يجده ولاقضاء عليه إلا ان كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه ان يحج ويعتمر * واختلف الصحابة ومن بعدهم في الاحصار فروينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: لا إحصار الا من عدو * ومن طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - انا عيسى بن يونس نا زكريا - هو ابن أبى زائدة - عن أبى اسحاق السبيعى عن البراء بن عازب قال: (لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيبقى (1) بها ثلاثا ولا يدخلها الا بجلبان (2) السلاح السيف وقرابه ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحدا يمكث بها من كان معه) (3) فسمى البراء منع العدو احصارا * وروينا عن ابراهيم النخعي الاحصار من الخوف والمرض. والكسر * ومن طريق ابن جريج عن عطاء قال: الاحصار من كل شئ يحسبه، وأما الحصر فروينا عن مجاهد عن ابن مسعود أنه قال: الحصر والمرض. والكسر وشبهه * ومن طريق ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: لا حصر إلا من حبسه عدو * وعن طاوس قال: لا حصر الان قد ذهب الحصر *


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 65 (فيقيم) (2) هو بضم الجيم واللام وتشديد الياء الموحدة، وقيل: بسكون اللام، قال النووي في شرح مسلم: وانما شرطوا هذا لوجهين، احدهما ان لا يظهر منه دخول الغالبين القاهرين والثانى انه ان عرض فتنة أو نحوها يكون في الاستعداد بالسلاح صعوبة، والله اعلم (3) الحديث له بقية اقتصر المصنف على محل الشاهد هنا منه *

[ 204 ]

وعن علقمة الحصر الخوف والمرض * وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: الحصر ما حبسه من حابس من وجع. أو خوف. أو ابتغاء ضالة * وعن معمر عن الزهري قال: الحصر ما منعه (1) من وجع، أو عدو حتى يفوته الحج، وفرق قوم بين الاحصار والحصر فروينا عن الكسائي قال: ما كان من المرض فانه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حصر، وقال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: ما كان من مرض، أو ذهاب نفقة قيل فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حصر، وبه يقول أبو عبيد * قال أبو محمد: هذا لا معنى له، قول الله تعالى هو الحجة في اللغة والشريعة قال تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى): وانما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية إذ منع الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتمام عمرته وسمى الله تعالى منع العدو إحصارا، وكذلك قال البراء بن عازب. وابن عمر. وابراهيم النخعي: وهم في اللغة فوق أبى عبيدة. وأبى عبيد. والكسائي، وقال تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) * فهذا هو منع العدو بلا شك لان المهاجرين انما منعهم من الضرب في الارض الكفار بلا شك، وبين ذلك تعالى بقوله: (في سبيل الله) فصح ان الاحصار والحصر بمعنى واحدو أنهما اسمان يقعان على كل مانع من عدو، أو مرض، أو غير ذلك أي شئ كان؟ * ثم اختلفوا في حكم المحصر الممنوع من إتمام حجه، أو عمرته، فروينا عن ابن مسعود أنه أفتى في محرم بحج مرض فلم يقدر على النهوض أنه يبعث بهدى فإذا بلغ محله حل، فان اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ، ثم حج من قابل فليس عليه هدى فان لم يزر البيت حتى يحج ويجعلها سفرا واحدا فعليه هدى آخر سفران وهدى أو هديان وسفر، وهذا عنه منقطع لا يصح، وصح عنه أنه أفتى في محرم بعمرة لدغ (2) فلم يقدر على النفوذ أنه يبعث بهدى ويواعد أصحابه فإذا بلغ الهدى أحل، وصح عنه أيضا أنه أفتى في مريض محرم لا يقدر على النفوذ بأن ينحر عنه بدنة، ثم ليهل عاما قابلا بمثل إهلاله الذى أهل به، وصح عن ابن عباس. وابن عمر في محرم بعمرة مرض بوقعة من راحلته قالا جميعا: ليس لها وقت كوقت الحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت * وعن ابن الزبير مثل هذا أيضا، وروينا عن ابن عباس فيمن أحصر يبعث بهديه فإذا نحر فقد حل من كل شئ * وروينا من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن


(1) في النسخة اليمنية (ما حبسه) (2) هو بدال مهملة وغين معجمة من لدغ العقرب، وفى النسخة رقم (16) (لذع) بذال معجمة وعين مهملة وليس مرادا معناه هنا، في النسخة اليمنية (ابدع به) ولا معنى له هنا *

[ 205 ]

عمر أنه قيل له: لا يضرك ان لا تحج العام فانا نخشى ان يكون بين الناس قتال يحال بينك وبين البيت وذلك حين نزل الحجاج بابن الزبير فقال ابن عمر: ان حيل بينى وبينه فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت أشهدكم أنى قد أو جبت عمرة، ثم قال: ما أمر هما الا واحد إن حيل بينى وبين العمرة حيل بينى وبين الحج اشهدكم أنى قد أو جبت حجة مع عمرتي * قال أبو محمد: ولم يختلف اثنان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ حال كفار قريش بينه وبين العمرة - وكان مهلا بعمرة هو وأصحابه رضى الله عنهم - نحر وحل وانصرف من الحديبية * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري عن يعقوب بن خالد بن المسيب المخزومى عن أبى أسماء مولى عبد الله بن جعفر (أنه (أخبره أنه) (1) كان مع عبد الله ابن جعفر (فخرج معه من المدينة) (2) فمروا على الحسين بن على وهو مريض بالسقيا فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الفوات خرج وبعث إلى على بن أبى طالب وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة فقد ما عليه وان حسينا أشار إلى رأسه فأمر على برأسه فحلق، ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا) * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري اخبرني يحيى بن سعيد الانصاري عن يعقوب بن خالد عن أبى أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال: ان الحسين بن على خرج معتمرا مع عثمان بن عفان فلما كان بالعرج مرض فلما أتى السقيا برسم (3)، فكان أول افاقته أن اشار إلى رأسه فحلق على رأسه ونحر عنه بها جزورا * قال أبو محمد: إنما أتينا بهذا الخبر لما فيه من انه كان معتمرا. فهذا على. والحسين. وأسماء رأوا أن يحل من عمرته ويهدى في موضعه الذى كان فيه وهو قولنا:، وعن علقمة في المحصر قال: يبعث بهديه فإذا ذبح حل * وروينا عن علقمة أيضا لا يحله الا الطواف بالبيت، وروينا عنه أيضا ان حل قبل نحر هديه فعليه دم * وروينا عن ابراهيم. وعطاء. والحسن. والشعبى لا يحله الا الطواف بالبيت * وروينا عنهم أيضا حاشا الشعبى ان حل دون البيت فعليه هدى آخر سوى الذى لزمه أن يبعث به ولا يحل إلا في اليوم الذى واعدهم لبلوعه مكة ونحره * وروينا عن ابراهيم أيضا في القارن يحصر قال: عليه هديان * وروينا عنه أيضا. وعن سعيد بن جبير في القارن يحصر قالا جميعا: عليه عمرتان وحجة، وعن عطاء. وطاوس ليس على القارن الا هدى واحد * وعن الشعبى أيضا ان أحل المحصر قبل نحر هديه فعليه فدية الاذى اطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام أو شاة *


(1) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 348 (2) الزيادة من الموطأ (3) البرسام علة معروفة وهى ورم حار يعرض للحجاب الذى بين الكبد والمعة ابعدها الله عنا جميعا *

[ 206 ]

وعن مجاهد في القارن يحصر قال: يبعث بهدى يحل به، ثم يهل من قابل بما كان أهل به * وعن حماد بن أبى سليمان في القارن يحصر أنه يبعث بالهدى فإذا بلغ محله حل وعليه عمرة وحجة، قال الحكم بن عتيبة: عليه حجة وثلاث عمر * وعن عروة بن الزبير في المحصر إذا رجع لا يحل منه الا رأسه * وعن الزهري من أحصر بالحرب نحر حيث حبس وحل من النساء ومن كل شئ * وعن القاسم بن محمد. وسالم. وابن سيرين يبعث هديه فإذا نحر فقد حل من كل شئ، وعن مجاهد أيضا إذا حل المحصر قبل نحر هديه فعليه هدى آخر، وقال أبو حنيفة فيمن أهل بالحج فأحصر: عليه أن يبعث بثمن هدى فيشترى له بمكة فيذبح عنه يوم النحر ويحل وعليه عمرة وحجة، فان لم يجد هديا أقام محرما حتى يجد هديا وله أن يواعدهم بنحره قبل يوم النحر: قال: والمعتمر ينحر هديه متى شاء، والاحصار عنده بالعدو والمرض وبكل مانع سوا هما سواء سواء، فان تمادى مرضه إلى يوم النحر فكما قلنا: وان هو أفاق قبل وقت الحج لم يجزه ذلك وهو محرم بالحج كما كان، فان كان معتمرا فأفاق فان قدر على ادراك الهدى الذى بعث مضى وقضى عمرته فان لم يقدر على ذلك حل إذا نحر عنه الهدى، وقال مالك: ان أحصر بعدو فانه ينحر هديه حيث حبس ويحل ولا قضاء عليه إلا أن يكون لم يحج قط حجة الاسلام فعليه أن يحج فان لم يهد فلا شئ عليه لا يلزمه (1) الهدى إلا أن يكون حاضرا معه قد ساقه مع نفسه، فان أحصر بغير عدو لكن بحبس. أو مرض، أو غير ذلك فانه لا يحل إلا بالطواف بالبيت ولو بقى كذلك إلى عام آخر، وقال الشافعي: إذا أحصر بعدو، أو بسجن فانه يهدى ويحل حيث كان من حل، أو حرم، ولا قضاء عليه إلا ان كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه أن يحج ويعتمر، فان لم يقدر على هدى ففيها قولان، أحد هما لا يحل الا حتى يهدى، والآخر يحل والهدى دين عليه، وقد قيل: عليه اطعام أو صيام ان لم يقدر على الهدى فان أحصر بغير عدو أو حبس لم يحله الا الطواف بالبيت فان لم يفق حتى فاته الحج طاف وسعى وحل وعليه الهدى * قال أبو محمد: أما التفريق بين المحصر بعدو. وبغير عدو ففاسد على ما قدمنا قبل، وأما اسقاط الهدى عن المحصر بعدو، أو غيره فخلاف للقرآن (2) لان الله تعالى يقول: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى). وأما إيجاب القضاء فخطأ لانه لم يأت بذلك نص * (فان قيل): ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر بعد عام الحديبية قلنا: نعم ونحن لم نمنع من القضاء عام آخر لمن أحب وانما نمنع من إيجابه فرضا لان الله تعالى لم يأمر بذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد صح أن الله تعالى لم يوجب على المسلم الا حجة واحدة وعمرة في الدهر فلا


(1) في النسخة رقم (16) (ولا يلزمه) بزيادة واو (2) في النسخة رقم (16) (فخلاف القرآن) *

[ 207 ]

يجوز إيجاب أخرى الا بقرآن أو سنة صحيحة توجب ذلك فيوقف عند ذلك، وأما القول ببقاء المحصر بمرض (1) على احرامه حتى يطوف بالبيت فقول لا برهان على صحته ولا أوجبه قرآن. ولا سنة. ولا إجماع بل هو خلاف القرآن كما أوردنا * والصحابة قد اختلفوا في ذلك في العمرة خاصة ولم يرو عن أحد منهم أنه أفتى بذلك في الحج أصلا * (فان قيل): فان الله تعالى يقول: (ثم محلها إلى البيت العتيق). قلنا: نعم ولم يقل تعالى: ان المحصر لا يحل الا بالطواف، والذى قال: (ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق) هو الذى قال: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى)، وهو الذى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ان يحل ويرجع قبل أن يطوف بالبيت في عمرته التى صد فيها (2) عن البيت ولا يحل ضرب أو امره بعضها ببعض * وأما القول: ببعثه هديا (3) يحل به فقول لا يؤيده قرآن، ولا سنة، ولا اجماع، والصحابة قد اختلفوا في ذلك كما أوردنا (فان قيل): فان الله تعالى يقول: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) قلنا: نعم وليس هذا في المحصر وحده بل هو حكم كل من ساق هديا في حج أو عمرة على عموم الآية * فالحاج. والقارن إذا كان يوم النحر فقد بلغ الهدى محله من الزمان والمكان بمكة أو بمنى فله أن يحلق رأسه، والمعتمر إذا أتم طوافه وسعيه فقد بلغ هديه محله من الزمان والمكان بمكة فله أن يحلق رأسه، والمحصر إذا صد فقد بلغ هديه محله فله أن يحلق رأسه ان كان مع هؤلاء هدى ولم يقل الله عزوجل قط: إن المحصر لا يحل حتى يبلغ هديه مكة بل هو الكذب على الله تعالى ممن نسبه إليه عزوجل، فظهر خطأ هذه الاقاويل * واما قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي: في الاحصار فلا يحفظ قول منها بتمامه وتقسيمه عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم أصلا * قال أبو محمد: فوجب الرجوع عند التنازع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه إذ يقول عزوجل: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). فوجدنا حكم الاحصار يرجع إلى قول الله تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى) فكان في هذه الآية عموم إيجاب الهدى على كل من أحصر بأى وجه أحصر، وإلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صده المشركون عن البيت فنحر وحلق هو وأصحابه وحلوا بالحديبية، وإلى أمره عليه السلام من حج أن يقول: (اللهم ان محلى حيث حبستنى)، وقد ذكرناه قبل، وإلى ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد


(1) سقط لفظ (بمرض) من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) (منها (3) في النسخة رقم (16) واليمنية (ببعثه هدى) وهو غلط *

[ 208 ]

ابن معاوية نا أحمد بن شعيب انا حميد بن مسعدة (البصري) (1) نا سفيان (هو ابن حبيب) (2) عن الحجاج الصواف عن يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن الحجاج ابن عمرو الانصاري قال: (سمعت (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كسر أو عرج (4) فقد حل وعليه حجة أخرى فسألت ابن عباس. وأبا هريرة؟ فقالا: صدق). فهذه النصوص تنتظم كل ما قلنا، والحمد لله رب العالمين * (فان قيل): ففى هذا الخبر ان عليه حجة أخرى وليس فيه ذكر هدى قلنا: ان القرآن جاء بايجاب الهدى فهو زائد على ما في هذا الخبر وليس في هذا الخبر ذكر لا سقاط الهدى ولا لايجابه فوجب اضافة ما زاده القرآن إليه، وقد قدمنا ان النبي صلى الله عليه وسلم اخبر بأن اللازم للناس حجة واحدة، فكان هذا الخبر محمولا على من لم يحج قط وبهذا تتألف الاخبار * (فان قيل): ان ابن عباس قد روى عنه خلاف ماروى من هذا قلنا: الحجة انما هي فيما روى لا في رأيه وقد ينسى، أو يتأول، وأيضا فان التوهين بما روى لما روى عنه مما يخالف ماروى أولى من توهين ماروى بما روى عنه من خلافه لما روى، لان الطاعة علينا انما هي لما روى لا لما رأى برأيه، وأيضا فلو صح عن ابن عباس خلاف ما روى لكان الحجاج. وأبو هريرة قد روياه ولم يخالفاه * وقال أبو حنيفة: لا ينحر هدى الاحصار الا في الحرم واحتج بأن ناجية بن كعب نهض بالهدى يوم الحديبية في شعاب وأودية حتى نحره في الحرم * قال أبو محمد: لو سح هذا لما كانت فيه حجة لانه لم يأمر بذلك عليه السلام ولا أوجبه وانما كان يكون عملا عمله وانما الطاعة لامره عليه السلام * وروينا خبرا فيه أنه عليه السلام أمر أصحابه بالبدن للهدى وهذا لا يصح لان راويه أبو حاضر (5) الازدي وهو مجهول، وبالله تعالى التوفيق * 874 - مسألة - ومن احتاج إلى حلق رأسه - وهو محرم لمرض. أو صداع، أو لقمل. أو لجرح به أو نحو ذلك مما يؤذيه - فليحلقه وعليه أحد ثلاثة أشياء هو مخير في أيها شاء لا بدله من أحدها، إما ان يصوم ثلاثة أيام، وإما ان يطعم ستة مساكين متغايرين لكل مسكين منهم نصف صاع تمر ولابد، وإما ان يهدى شاة يتصدق بها على المساكين، أو يصوم، أو يطعم، أو ينسك الشاة في المكان الذى حلق فيه، أو في غيره، فان حلق رأسه لغير ضرورة، أو حلق بعض رأسه دون بعض عامدا عالما ان ذلك لا يجوز بطل حجه، فلو قطع من شعر رأسه ما لا يسمى به حالقا بعض رأسه فلا شئ عليه لااثم ولا كفارة بأى وجه قطعه، أو نزعه *


(1) الزيادة من النسائي ج 5 ص 198 (2) الزيادة من النسائي (3) في النسائي (انه سمع) بدل سمعت (4) في النسائي (من عرج أو كسر) (5) هو بالضاد المعجمة، وفى بعض النسخ بالصاد المهملة وهو غلط *

[ 209 ]

برهان ذلك قول الله عزوجل: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فكان في هذه الآية التخيير في أي هذه الثلاثة الاعمال أحب وليس فيها بيان كم يصوم؟ ولا بكم يتصدق؟، ولا بماذا ينسك؟ وفي الاية أيضا حذف بينه الاجماع. والسنة وهو فحلق رأسه * وروينا من طريق حماد بن سلمة عن داود ابن أبى هند عن الشعبى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة في هذا الخبر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ان شئت فانسك نسيكة، وان شئت فصم ثلاثة أيام، وان شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين) * وروينا من طريق مسلم حدثنى يحيى ابن يحيى نا خالد بن عبد الله الطحان عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن كعب بن عجرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به زمن الحديبية فقال له: آذاك هو ام رأسك (1)؟ قال: نعم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: احلق، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين * قال أبو محمد: هذا أكمل الاحاديث وأبينها، وقد جاء هذا الخبر من طرق في بعضها (أو انسك ما تيسر) وبعضها رويناه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الرحمن ابن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل أن كعب بن عجرة أخبره بهذا الخبر، وفيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حينئذ: أو أطعم ستة (2) مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين)، وروى أيضا من طريق بشر بن عمر الزهراني عن شعبة عن عبد الرحمن ابن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة فذكر فيه نصف صاع حنطة لكل مسكين * وخبر من طريق أبى داود نا محمد بن منصورنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد نا أبى عن محمد بن اسحاق (قال) (3) حدثنى ابان - هو ابن صالح - عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فذكر فيه (أو اطعام (4) ستة مساكين فرقا (5) من زبيب)) * وخبر من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن زكريا بن أبى زائدة عن (6) عبد الرحمن بن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل أخبرني كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وفيه (أنه عليه السلام قال له: هل عندك نسك؟ قال: ما أقدر عليه فأمره ان يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل


(1) في النسخة رقم (14) (اتؤذيك هو ام رأسك) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 336 ولسنن ابى داود ج 2 من 110 إلا ان في سنن ابى داود زيادة لفظ (قد) وهو ام الرأس القمل (2) في النسخة رقم (14) (أو اطعام ستة) وما هنا موافق الحديث المتقدم قريبا (3) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 111 (4) في سنن ابى داود (أو اطعم) (5) (الفرق) بفتح اوله وثانيه مكيال يسع عشر رطلا (6) في النسخة رقم (14) (حدثنا) بدل لفظ (عن)

[ 210 ]

مسكين نصف صاع) * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن عبد الرحمن بن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل أن كعب بن عجرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الخبر: (هل تجد من نسيكة؟ قال: لا قال: وهى شاة قال فصم ثلاثة أيام. أو أطعم ثلاثة آصع بين ستة مساكين) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - انا داود بن أبى هند عن الشعبى عن كعب بن عجرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الحديث نفسه: (أمعك دم؟ قال: لا) فذكر الحديث وفيه (أنه عليه السلام قال له: فصم ثلاثة أيام أو تصدق بثلاثة آصع (من) (1) تمر بين ستة (2) مساكين) لم يسمعه الشعبى من كعب على ما ذكرنا قبل * ونذكر الآن ان شاء الله تعالى كما روينا من طريق محمد بن الجهم نا جعفر الصائغ نا محمد بن الصباح نا اسماعيل بن زكريا عن أشعث عن الشعبى عن عبد الله بن معقل عن كعب ابن عجرة قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الخبر: أمعك هدى؟ قلت: ما أجده قال: إنه ما استيسر قلت: ما أجده قال: فصم ثلاثة أيام. أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاعا من تمر) * قال أبو محمد: فهذه الاحاديث المضطربة كلها انما هي في رواية عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة، والذى ذكرناه أولا من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب ابن عجرة هو الصحيح المتفق عليه * أما هذا الخبر الذى فيه لكل مسكين صاع تمر فهو عن أشعث الكوفى عن الشعبى وهو ضعيف البتة، وفي هذا الخبر الذى قبله من طريق داود عن الشعبى عن كعب إيجاب الترتيب وان لا يجزى الصيام. ولا الصدقة الا عند عدم النسك وذلك الخبر قد بينا ان الشعبى لم يسمعه من كعب فحصل منقطعا فسقطا معا * وأما رواية ابن أبى زائدة. وأبى عوانة عن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل ففيها أيضا إيجاب الترتيب وقد خالفهما شعبة عن ابن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل فذكره بالتخيير بين النسك. أو الصوم. أو الصدقة، ثم وجدنا شعبة قد اختلف عليه أيضا في هذا الخبر، فروى عنه محمد بن جعفر نصف صاع طعاما لكل مسكين، وروى عنه بشر بن عمر نصف صاع حنطة لكل مسكين، وروى عنه أبو داود الطيالسي ثلاثة آصع بين ستة مساكين ولم يذكر مماذا؟ * قال أبو محمد: وهذا كله خبر واحد في قصة واحدة بلا خلاف من أحد. وبنصوص هذه الاخبار كلها أيضا فصح ان جميعها وهم إلا واحدا فقط فوجدنا أصحاب شعبة قد


(1) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 110 (2) في سنن ابى داود (على ستة) *

[ 211 ]

اختلفوا عليه فوجب ترك ما اضطربوا فيه إذ ليس بعضه أولى من بعض، ووجب الرجوع إلى رواية عبد الرحمن بن أبى ليلى الذى لم يضطرب الثقات من رواته فيه، ولو كان ما ذكر في هذه الاخبار عن قضايا شتى لوجب الاخذ بجميعها وضم بعضها إلى بعض وأما في قضية واحدة (1) فلا يمكن ذلك أصلا، ثم وجدنا ابان بن صالح قد ذكر في روايته فرقا من زبيب، وابان لا يعدل في الحفظ بداود بن أبى هند عن الشعبى عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى ولا بأبي قلابة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى ولابد من أخذ احدى هاتين الروايتين إذا لا يمكن جمعهما لانها كلها في قضية (2) واحدة، في مقام واحد، في رجل واحد، في وقت واحد، فوجب أخذ ما رواه أبو قلابة، والشعبى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجزة لثقتهما (3)، ولانها مبينة لسائر الاحاديث، وبالله تعالى التوفيق * وأما من حلق رأسه لغير ضرورة عالما عامدا بان ذلك (4) لا يجوز، أو حلق بعض رأسه وخلى البعض عالما بان ذلك لا يجوز فقد عصى الله تعالى وكل معصية فسوق وقد بينا ان الفسوق (5) يبطل الاحرام، وبالله تعالى التوفيق، ولا شئ في ذلك لان الله تعالى لم يوجب الكفارة الا على من حلق رأسه لمرض. أو أذى به فقط (وما كان ربك نسيا) ولا يجوز ان يوجب فدية، أو غرامة، أو صيام، لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فهو شرع في الدين لم يأذن به الله تعالى، ولا يجوز قياس العاصى على المطيع لو كان (6) القياس حقا فكيف وهو كله باطل؟ وأما من قطع من شعر رأسه ما لا يسمى بذلك (7) حالقا بعض رأسه فانه لم يعص ولا أتى منكرا لان الله تعالى لم ينه المحرم الا عن حق رأسه ونهى جملة على لسان رسوله (8) صلى الله عليه وسلم عن حلق بعض الرأس دون بعض وهو القزع (9) * روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم صبيا (10) قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنها هم عن ذلك، وقال: احلقوا كله. أو اتركوا كله (11)) * قال أبو محمد: وجاءت اخبار لا تصح، منها من طريق الليث عن نافع عن رجل أنصارى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امر كعب بن عجرة ان يحلق ويهدى بقرة) وهذا مرسل عن مجهول *


(1) في النسخة رقم (16) (في قصة واحدة) وهى لا شئ (2) في النسخة رقم (16) (في قصة) (3) في النسخة رقم (16) (لثقتها) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) (فان ذلك وهو غلط (5) في النسخة رقم (14) (ان الفسق) وما هنا نسب بآية التنزيل * (6) في النسخة رقم (16) (ان كان) وما هنا ابلغ (7) في النسخة رقم (16) (به) (8) في النسخة رقم (16) (لسان نبيه) (9) هو بفتح اوله وثانيه (10) في سنن ابى داود ج 4 ص 134 (ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا) (11) في سنن ابى داود (احلقوه كله أو اتركوه كله) *

[ 212 ]

ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن سليمان بن محمد بن كعب ابن عجرة ان كعبا ذبح بقرة بالحديبية، عبد الله بن عمر ضعيف جدا * ومن طريق اسماعيل ابن أمية عن محمد بن يحيى بن حيان ان رجلا أصابه مثل الذى أصاب كعب بن عجرة فسأل عمر ابنا لكعب بن عجرة عما كان أبوه ذبح بالحديبية في فدية رأسه؟ فقال: بقرة، محمد بن يحيى لم يدرك عمر * ومن طريق نافع. وغيره عن سليمان بن يسار قال: سأل عمر ابنا لكعب بن عجرة بماذا افتدى أبوه؟ فقال: ببقرة، سليمان لم يدرك عمر * ومن طريق أبى معشر المدنى (1) عن نافع عن ابن عمر قال: افتدى كعب بن عجرة من أذى كان برأسه فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها * أبو معشر ضعيف * قال أبو محمد: واختلف السلف فروينا عن ابن عباس. وعلقمة. ومجاهد. وابراهيم النخعي. وقتادة. وطاوس. وعطاء كلهم قال في فدية الاذى: صيام ثلاثة أيام، أو نسك شاة، أو اطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وصح عن الحسن البصري. ونافع مولى ابن عمر. وعكرمة في فدية الاذى نسك شاة، أو صيام عشرة أيام، أو اطعام عشرة مساكين * روينا ذلك من طريق سعيد بن منصور عن هشام انا منصور بن المعتمر عن الحسن فذكره * ومن طريق بشر بن عمر عن شعبة عن قتادة عن الحسن. وعكرمة فذكره * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع. وعكرمة فذكره * قال أبو محمد: وأما المتأخرون فان أبا حنيفة قال: ان حلق من رأسه أقل من الربع لضرورة فعليه صدقة ما تيسر، فان حلق ربع رأسه فهو مخير بين نسك ما شاء ويجزئه شاة، أو صيام ثلاثة أيام: أو اطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع حنطة، أو دقيق حنطة، أو صاعا من تمر، أو من شعير، أو من زبيب، قال أبو يوسف: ويجزى أن يغديهم ويعشيهم، قال محمد بن الحسن: لا يجزئه إلا أن يعطيهم اياه، وقال أبو يوسف في قول له آخر: ان حلق نصف رأسه فأقل فصدقة وان حلق أكثر من النصف فالفدية كما ذكرنا، وروى عن محمد بن الحسن في قول له آخر ان حلق عشر رأسه فصدقة فان حلق أكثر من العشر فالفدية المذكورة قالوا كلهم: فان حلق رأسه لغير ضرورة فعليه دم لا يجزئه (2) بدله صيام، ولا اطعام، وقال الطحاوي: ليس في حلق بعض الرأس شئ * قال أبو محمد: وهذه وساوس واستهزاء وشبيه بالهزل نعوذ بالله من البلاء، ولا


(1) في النسخة رقم (16) واليمنية (المدينى) وهو غلط راجع تهذيب التهذيب ج 10 ص 419 (2) في النسخة رقم (16) (ولا يجزئه) بزيادة واو *

[ 213 ]

يحفظ هذا السخام عن أحد من خلق الله تعالى قبلهم * وقال مالك: ان حلق، أو نتف شعرات ناسيا، أو جاهلا أو عامدا فيطعم شيئا من طعام فان حلق. أو نتف ما يكون فيه اماطة أذى فعليه الفدية المذكورة في حديث كعب بن عجرة * قال على: وهذا أيضا قول لا دليل على صحته ولا يعرف عن أحد قبلهم، وقال الشافعي. والاوزاعي في نتف شعرة أو حلقها عامدا وناسيا: مد، وفي الشعرتين كذلك مدان، وفي الثلاث شعرات فصاعدا كذلك دم، قال الشافعي: ان أحب فشاة وان شاء أطعم ستة مساكين لكل مسكين مدان مدان مما يأكل وان شاء صام ثلاثة أيام * قال أبو محمد: روينا عن عطاء ليس في الشعرتين ولا في الشعرة شئ وفى ثلاث شعرات دم، وكان الليث بن سعد نحا إلى هذا * وروينا عن ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث عن هشام ابن حسان عن الحسن. وعطاء قالا جميعا في ثلاث شعرات للمحرم: دم، الناسي والعامد سواء * ومن طريق سعيد بن منصور عن المعتمر بن سليمان عن أبى اسماعيل المكى: قال سألت عطاء عن محرم حلق شعرتين لدواء؟ قال: عليه دم * قال أبو محمد: روينا (1) عن أبى بكر بن أبى شيبة نا أبو أسامة - هو حماد بن أسامة - عن جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس لا يرى بأسا للمحرم ان يلحق عن الشجة * قال على: فأباح ذلك ولم ير فيه شيئا ولا يعرف في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله تعالى عنهم * قال أبو محمد: وأما موضع النسك والاطعام والصيام فقد ذكرنا في باب المحصر نسك على بن أبى طالب عن الحسين رضى الله تعالى عنهما في حلق رأسه لمرض كان به بالسقيا ولا نعلم لهما من الصحابة رضى الله تعالى عنهم مخالفا (2)، ونسك حلق الرأس لا يسمى هديا، فإذا لم يكن هديا فهو جائز في كل موضع إذا لم يوجب كون النسك بمكة قرآن. ولا سنة. ولا اجماع * وروينا عن طاوس (3) قال: ما كان من دم أو طعام فبمكة وأما الصوم فحيث شاء وقال عطاء وابراهيم النخعي (4) ما كان من دم فبمكة وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء وقال الحسن: كل دم واجب فليس لك ان تذبحه الا بمكة * روينا عن سعيد بن منصورنا جرير عن منصور عن مجاهد قال: اجعل الفدية حيث شئت * قال أبو محمد: لا يجوز ان يخص بالنسك مكان دون مكان الا بقرآن. أو سنة ثابتة *


(1) في النسخة رقم (16) (وروينا) (2) في النسخة رقم (14) (ولا يعلم لهما من الصحابة رضى الله عنهم مخالف) (3) في النسخة رقم (16) (عن عطاء) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) (وقال الحسن وعطاء وابراهيم) بزيادة الحسن *

[ 214 ]

875 - مسألة - فان حلق رأسه بنورة فهو حالق في اللغة ففيه ما في الحالق من كل ما ذكرنا بأى شئ لحقه؟ فان نتفه فلا شئ في ذلك لانه لم يحلقه والنتف غير الحق (وما كان ربك نسيا) وانما جاء النهى والفدية في الحلق لا في النتف * 876 - مسألة - ومن تصيد صيدا فقتله وهو محرم بعمرة أو بقران أو بجة تمتع ما بين أول احرامه إلى دخول وقت رمى جمرة العقبة أو قتله محرم أو محل في الحرم فان فعل ذلك (1) عامدا لقتله غير ذاكر لاحرامه أو لانه في الحرم أو غير عامد لقتله سواء كان ذاكرا لاحرامه أو لم يكن فلا شئ عليه لا كفاره ولا اثم، وذلك الصيد جيفة لا يحل أكله فان قتله عامدا لقتله ذاكرا لاحرامه أو لانه في الحرم فهو عاص لله تعالى وحجة باطل وعمرته كذلك وعليه ما نذكر بعد هذا ان شاء الله عزوجل، قال الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه) * فصح يقينا لا اشكال فيه ان هذا الحكم كله انما هو على العامد لقتله، الذاكر لاحرامه أو لانه في الحرم لان اذاقة الله تعالى وبال الامر وعظيم وعيده بالانتقام منه لا يختلف ائنان من أهل الاسلام في انه ليس على المخطئ البتة ولا على غير العامد للمعصية القاصد إليها، فبطل يقينا أن يكون في القرآن ولا في السنة إيجاب حكم في هذا المكان على غير العامد الذاكر القاصد إلى المعصية، وقال الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (2)) * واختلف الناس في هذا فروينا من طريق وكيع عن المسعودي - هو عتبة بن عبد الله ابن عتيبة بن عبد الله (3) بن مسعود - عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر الاسدي انه سمع عمر بن الخطاب ومعه عبد الرحمن بن عوف وعمر يسأل رجلا قتل ظبيا وهو محرم؟ فقال له عمر: عمدا قتلته أم خطأ؟ فقال له الرجل لقد تعمدت رميه وما أردت قتله فقال له عمر: ما أراك الا أشركت بين العمد والخطأ اعمد إلى شاة فاذبحها فتصدق بلحمها وأسق اهابها (1) * قال أبو محمد: فلو كان العمد والخطأ في ذلك سواء عند عمر. وعبد الرحمن لما سأله عمر أعمدا قتلته أم خطأ؟ ولم ينكر ذلك عبد الرحمن لانه كان يكون فضولا من السؤال لا معنى له *


(1) في النسخة رقم (16) (فان عمل ذلك) (2) رواه الطبراني عن ثوبان باسناد حسن (3) سقط لفظ (ابن عبد الله) من تهذيب التهذيب (4) أي اعط جلدها من يتخذه سقاء، والسقاء ظرف الماء من الجلد اه‍ نهاية *

[ 215 ]

ومن طريق ابن أبى شيبة عن اسماعيل بن علية عن الحسين المعلم عن قتادة عن أبى مدينة عن ابن عباس انه قال في المحرم يقتل الصيد ليس عليه في الخطأ شئ، أبو مدينة - هو عبد الله ابن حصن السدوسى - (1) تابعي، سمع أبا موسى. وابن عباس. وابن الزبير رضى الله عنهم * ومن ريق شعبة عن أبى بشر جعفر بن أبى وحشية عن سعيد بن جبير انه سئل عن المحرم يقتل الصيد خطأ؟ قال: ليس عليه شئ قال: فقلت له: عمن؟ قال: السنة * قال أبو محمد: عهدنا بالمالكيين يجعلون قول سعيد بن المسيب إذ سأله ربيعة عن قوله في المرأة يقطع لها ثلاث أصابع لها ثلاثون من الابل فان قطعت لها أربع أصابع فليس لها إلا عشرون من الابل فقال له سعيد: السنة يا ابن أخى فجعلوه (2) حجة لا يجوز خلافها، وقد خالف سعيد (3) في ذلك عمر بن الخطاب. وعلى بن أبى طالب وغيرهما، ثم لم يجعلوا ههنا حجة قول سعيد بن جبير ان السنة هي أن ليس على المحرم يقتل الصيد خطأ، ومعه القرآن والصحابة، وهذا عجب جدا * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن طاوس قال: لا يحكم الاعلى من قتله متعمدا كما قال الله عزوجل * وعن القاسم ابن محمد. وسالم بن عبد الله. وعطاء. ومجاهد فيمن اصاب الجنادب (4) خطأ قالوا: لا يحكم عليه فان أصابها متعمدا حكم عليه وهو قول أبى سليمان وأصحابنا، وصح عن مجاهد قول آخر وهو أنه انما يحكم على من قتل الصيد وهو محرم خطأ وأما من قتله عامدا ذاكرا لاحرامه فلا يحكم عليه، وقال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي: العمد والخطأ سواء يحكم عليه في كل ذلك، وقد روى هذا القول أيضا عن عمر. وعبد الرحمن. وسعد. والنخعي. والشعبى * قال أبو محمد: المرجوع إليه عند التنازع هو ما افترضه الله عزوجل علينا من الرجوع إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشغب أهل هذه المقالة بأن قالوا: قد أوجب الله تعالى الكفارة على قاتل المؤمن خطأ فقسنا عليه قاتل الصيد خطأ * قال على: هذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، ولكانوا أيضا قد فارقوا حكم القياس في قولهم هذا، أما كونه خطأ فلان من أصلهم الذى لا يختلفون فيه ان ما خرج عن حكم أصله فصار مخصوصا أنه لا يقاس عليه،


(1) في النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية (هو عبد الرحمن بن حصن السدوسى) وما هنا موافق لكتاب الكنى للدولابي ج 2 ص 109 (2) قوله (فجعلوه) ثابت في النسخ كلها وهو زائد وقوله (حجة) بعد هو مفعول ثان لقوله قبل (يجعلون قول سعيد بن المسيب) الخ، واتى به المصنف لطول الفصل بين الفعل ومفعوله الثاني، وقد تكرر ذلك من المصنف قبل ونبهنا عليه في تحقيقنا والله أعلم (3) في النسخ كلها (سعيدا) بالنصب، والذى يناسب الرفع (سعيد) لان الخالفة تنسب إلى المتأخر والاقل مكانة وقد سبق في ص 179 لنا كلام في ذلك (4) جمع جندب بضم الدال وفتحها هو ضرب من الجراد *

[ 216 ]

والاصل ان لا شئ على الناسي والمخطئ فخرج عندهم إيجاب الكفارة والدية على قاتل المؤمن خطأ عن اصله فوجب أن لا يقاس عليه، وأيضا فانهم متفقون على ان لا يقيسوا حكم الواطئ في نهار رمضان ناسيا على الواطئ فيه عمدا في ايجاب الكفارة عليهما، وقتل الصيد اشبه بالوطئ منه بقتل المؤمن لان قتل المؤمن لم يحل قط، ثم حرم بل لم يزل حراما مذ آمن أو مذولد إن كان ولد على الاسلام، وأما الوطئ وقتل الصيد فكانا حلالين، ثم حرما بالصوم وبالاحرام فجمعتهما هذه العلة فاخطأوا في قياس قاتل الصيد (1) خطأ على مالا يشبهه، وأما مخالفتهم للقياس هنا (2) فان الحنيفيين من أصلهم ان الكفارات لا يجوز ان توجب بالقياس ثم أوجبوها ههنا بالقياس، وايضا فان الحنيفيين. والمالكيين قاسوا الخطأ في قتل الصيد على الخطأ في قتل المؤمن فأوجبوا الجزاء في كليهما ولم يقيسوا قتل المؤمن عمدا على قتل الصيد عمدا (3) فأوجبوا الكفارة في قتل الصيد عمدا ولم يوجبوها في قتل الؤمن عمدا وهذا تناقض وباطل، وأيضا فلم يقيسوا ناسى التسمية في التذكية على المتعمد لتركها فيها مع مجئ القرآن بالتسوية بين الامرين هنالك، وتفريق الحكم ههنا، والشافعيون فرقوا بين الناسي فيما تبطل به الصلاة وبين العامد، وكذلك في الصوم وساووا ههنا بين الناسي والعامد وهذا اضطراب شديد * وقالوا: ليس تخصيص الله تعالى المتعمد بايجاب الكفارة عليه بموجب ان المخطئ بخلافه وذكروا ما نحتج به نحن ومن وافقنا منهم من النصوص في ابطال القول بدليل الخطاب * قال أبو محمد: وهذا جهل شديد من هذا القائل لاننا إذا أبطلنا القول بدليل الخطاب لم نوجب القول بالقياس بل ابطلناهما جميعا والقياس هو ان يحكم للمسكوت عنه بحكم المنصوص عليه، ودليل الخطاب هو أن يحكم للمسكوت عنه بخلاف المنصوص عليه، وأما هم فتلونوا (4) ههنا ما شاءوا فمرة يحكمون للمسكوت عنه بحكم المنصوص عليه قياسا ومرة يحكمون عليه بخلاف حكمه اخذا بدليل الخطاب، وكل واحد من هذين الحكمين مضاد للآخر، وأما نحن فلا نتعدى القرآن ولا السنة ونوقف أمر المسكوت عنه فلا نحكم له بحكم المنصوص ولا بحكم آخر بخلاف حكم المنصوص لكن نطلب حكمه في نص آخر فلا بدمن وجوده ولم نقل قط ههنا: انه لما نص الله تعالى على ايجاب الجزاء والكفارة على قاتل الصيد عمدا وجب أن يكون المخطئ بخلافه ومعاذ الله ان نقول: هذا لكن


(1) في النسخة رقم (14) (قتل الصيد) وما هنا يناسب ما تقدم قبل (2) في النسخة رقم (14) (هذا) بدل هنا * (3) من قوله (فأوجبوا الجزاء في كليهما) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية خطأ، وفى النسخة رقم (16) (خطأ) بدل لفظ (عمدا) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) والنسخة اليمنية (فتأولوا) وفى النسخة رقم (16) (فتلوثوا) وهى تصحيف عن (فتلونوا) وما هنا اظهر في المراد لان من يذهب تارة إلى كذا وتارة إلى كذا يكون متلونا لا يثبت على حال والله اعلم *

[ 217 ]

قلنا: ليس في هذه الاية الا المتعمد وحده وليس فيها ذكر للمخطئ لا بايجاب جزاء عليه ولا باسقاطه عنه فوجب طلب حكمه في نص آخر، إذ ليس حكم كل شئ موجودا في آية واحدة، وهذا هو الذى لا يعقل أحد سواه، فإذا وجدنا حكمه حكمنا به اما موافقا لهذا الحكم الاخر واما مخالفا له ففعلنا فوجدنا الله تعالى قد أسقط الجناح عن المخطئ، ووجدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد قال: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وأنه قد عفا عن الخطأ والنسيان وذم تعالى من شرع في الدين ما لم يأذن به، فوجب بهذه النصوص ان لا يلزم قاتل الصيد خطأ أو ناسيا لاحرامه شرع صوم. ولاغرامة هدى. أو اطعام أصلا، فظهر فساد احتجاجهم ولله تعالى الحمد * واحتجوا أيضا بان قالوا: لما كان متلف أموال الناس يلزمه ضمانها بالخطأ والعمد وكان الصيد ملكا لله تعالى وجب ضمانه بالعمد والخطأ * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، ولكانوا أيضا قد اخطأوا فيه، أما كونه خطأ فان الله تعالى فرق بين حكم ما أصيب من أموال الناس وبين حكم ما أصيب من الصيد في الاحرام فجعل في اموال الناس المثل. أو القيمة عند عدم المثل، وجعل في الصيد جزاء من النعم لامن مثله من الصيد المباح في الاحلال، أو اطعاما أو صياما وليس شئ من هذا في اموال الناس فسووا بين حكمين قد فرق الله تعالى بينهما، وهذه جرأة شديدة وخطأ لائح، واما خطأهم فيه فان الحنيفيين مجمعون على ان الكفارات لا يجوز ان تؤخذ قياسا وأو جبوا ههنا قياسا والقوم ليسوا في شئ، وانما هم في شبه اللعب ونعوذ بالله من الخذ لان * وأما المالكيون فانهم قاسوا متلف الصيد خطأ على متلف أموال الناس عمدا وانما يجب عندهم في أموال الناس القيمة فقط ويجب عندهم في الصيد المثل من النعم. أو الاطعام. أو الصيام فقد تركوا قياسهم الفاسد * (فان قالوا) اتبعنا القرآن قلنا: فالتزموا اتباعه في العامد خاصة واسقاط الجناح عن المخطئ واوجبوا (1) في الصيد القيمة كما فعل أبو حنيفة وطرد قياسه الفاسد، وأيضا فان الحنيفين لا يرون ضمان ما ولدت الماشية المغصوبة إلا أن تستهلك الاولاد ويرى على من أخذ صيدا وهو محرم فولد عنده، ثم مات الولد من غير فعله ان يضمن الام والاولاد، فاين قياسه الصيد على أموال الناس؟ * وأما الشافعيون فان الله تعالى قد حرم الخنزير وكل ذى ناب من السباع وكل ذى


(1) في النسخة اليمنية والنسخة رقم (16) (أو اوجبوا) *

[ 218 ]

مخلب من الطير كما حرم الصيد في الاحرام وكل ذلك ملك لله تعالى، ثم لا يوجبون على من قتل شيئا من ذلك جزاء فنقضوا قياسهم، (فان قالوا): لم يحرم قتل شئ من هذه قلنا: ولا أوجب الله تعالى الجزاء الا على المتعمد فاما التزموا النصوص كما وردت ولا تتعدوا حدود الله واما اطرد واقياسكم فأوجبوا الجزاء في الخنزير، وفي السباع، وفي ذوات المخالب كما فعل أبو حنيفة، فظهر أيضا فساد اقوالهم جملة، وبالله تعالى التوفيق، وقال بعضهم: انما نص على المتعمد ليعلم أن حكم المخطئ مثله * قال أبو محمد: وهذا من أسخف كلام في الارض، ويلزمه أن يقول: ان الله تعالى انما نص على ان جزاء قاتل المؤمن عامدا في جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ليعلم أن حكم قاتله مخطئا مثله، وإلا فقد ظهر كذب هذا القائل على الله عزوجل وافتراؤه على خالقه لاخباره عنه بالكذب والباطل، (فان قال): (1) قد فرق الله تعالى بين قاتل العمد وقاتل الخطأ قلنا: وقد فرق الله عزوجل بين كل مخطئ وكل عامد بقوله عزوجل: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * قال على: ما نعلم لهم تمويها غير هذا وهو كله ظاهر الفساد، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: إن ذلك الصيد حرام أكله فلان الله تعالى سماه قتلا ونهى عنه ولم يبح لنا عزوجل أكل شئ من الحيوان الا بالذكاة التى أمر بها عزوجل، ولاشك عند كل (2) ذى حس سليم ان الذى امر الله تعالى به من الذكاة هو غير ما نهى عنه من القتل فإذ هو غيره فالقتل المنهى عنه ليس ذكاة، واذ ليس هو ذكاة فلا يحل أكل الحيوان به، وبالله تعالى التوفيق * (فان قيل): فهلا خصصتم العامد بذلك؟ قلنا: نص الآية مانع من ذلك لان الله تعالى قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم * فعم تعالى ولم يخص، وسمى اتلاف الصيد في حال (3) الحرم قتلا وحرمه، ثم قال: (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) فأوجب حكم الجزاء على العامد خاصة بخلاف النهى العام في أول الآية * وأما بطلان احرامه بذلك فلانه (4) بلا خلاف معصية، والمعاصي كلها فسوق، والا حرام يبطل بالفسوق كما ذكرنا قبل، ومن شنع الاقوال وفاسدها ابطال المالكيين الحج بالدفع من عرفة قبل غروب الشمس ولم يمنع الله تعالى قط من ذلك ولا رسوله عليه السلام، ثم لم يبطلوه بالفسوق الكبير الذى توعد الله تعالى أشد الوعيد فيه وهو قتل الصيد عمدا، وأبطلواهم


(1) في النسخة رقم (14) (فان قالوا) (2) لفظ (كل) سقط من النسخة رقم (14) لفظ (حال) سقط من النسخة رقم (14) خطأ (3) لفظ " حال " سقط من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (فانه) *

[ 219 ]

والحنيفيون الاحرام بالوطئ ناسيا ولم يبطله الله تعالى قط بذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يبطلوه (1) بقتل الصيد المحرم، وأبطلواهم والشافعيون الحج بالاكراه على الوطئ ولم يبطله الله تعالى قط به ولا رسوله عليه السلام ولم يبطلوه بقتل الصيد عمدا، وبالله تعالى التوفيق * 877 - مسألة - فلو ان كتابيا قتل صيدا في الحرم لم يحل أكله لقول الله تعالى: (وان احكم بينهم بما أنزل الله) فوجب ان يحكم الله تعالى على المسلمين، وبالله تعالى التوفيق، 878 - مسألة - وأما المتعمد لقتل الصيد وهو محرم (2) فهو مخير بين ثلاثة اشياء أيها شاء فعله؟ وقد أدى ما عليه اما ان يهدى مثل الصيد الذى قتل من النعم وهى الابل. والبقر. والغنم ضأنها. وماعزها. وعليه من ذلك ما يشبه الصيد الذى قتل مما قد حكم به عدلان من الصحابة رضى الله عنهم أو من التابعين رحمهم الله، وليس عليه ان يستأنف تحكيم حكمين الآن وان شاء أطعم مساكين، وأقل ذلك ثلاثة وان شاء نظر إلى ما يشبع ذلك الصيد من الناس فصام بدل كل إنسان يوما * برهان ذلك قول الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) فأوجب الله تعالى التخيير في ذلك بلفظة أو، وأوجب من المثل ماحكم. به ذوا عدل منا، فصح ان الصاحبين إذا حكما بمثل في ذلك فقد صار فرضا لازما لا يحل تعديه، وكذلك الصاحب والتابع ان لم يوجد قيه حكم صاحبين، وكذلك حكم التابعين ان لم يوجد فيه حكم صاحب، وأوجب تعالى طعام مساكين، وهذا بناء لا يقع على أقل من ثلاثة في اللغة التى بها نزل القرآن ويقع على ثلاثة فصاعدا إلى مالا يقدر على احصائه الا الله عزوجل، فكان إيجاب عدد أكثر من ثلاثة قولا على الله تعالى بلا برهان، وهذا لا يجوز ووجب اطعام الثلاثة بنص القرآن لاأقل، فان زاد فهو تطوع خير، ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل ونقطع بأنه تعالى لو أراد ان يلزم في هذا عددا محدودا من المساكين لا يوجبه ظاهر الآية أو صفة من الاطعام لا يقتضيه ظاهر الآية لما أغفله عمدا ولانسيه ولبينه لنا في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كما بين عدد المساكين في كفارة قتل الخطأ. وكفارة العود للظهار. وكفارة الايمان. وكفارة الوطئ في رمضان. وكفارة حلق الرأس للاذى في الاحرام، فإذ لم ينص تعالى هنا على عدد بعينه ولا على صفة بعينها فنحن نشهد بشهادة الله الصادقة أنه لم يلزم في ذلك غير ما افتضاه ظاهر الآية بيقين لا مجال للشك


(1) في النسخة رقم (14) (ولم يبطلوا) وهو غلط (2) في النسخة اليمنية وفى رقم (16) (وهو حرم) وهو بوزن زمن الحرام، ولا يصح ان يكون بضم الحاء الراء المهملتين لانه جمع ولا يصح هنا *

[ 220 ]

فيه ولا يمكن سواه والحمد لله رب العالمين (1) * وقال بعض الناس: كقولنا إلا أنه قال: ما أطعمهم وأى مقدرا أطعمهم اجزأه * قال أبو محمد: وهذا باطل لان الله تعالى قال: (اطعام مساكين) فلو حمل على ظاهر اللفظ لاجزأ اطعام حبة برة (2) لمسكين أو حبة خردلة أو وزن (3) حبة صبر أو شحم حنظل، وهذا باطل لان الله تعالى قال: (الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وذكر تعالى عن ابراهيم أنه ذكر عن ربه عزوجل في حمده اياه هو (يطعمنمى ويسقيني) فانما أراد عزوجل بذلك بلاشك (4) ما أمسك الحياة وطرد الجوع مما يحل أكله لامما يحرم ولا مما هو وعدمه سواء، فصح يقينا أنه يشبع ثلاث مساكين مما يحل أكله، وهكذا نقول (5) في الاطعام في كفارة قتل الخطأ، وأما سائر ما فيه الاطعام فقد جاء مقدار ما يطعم فيه منصوصا وهى أربعة مواضع فقط، الا طعام في وطئ الاهل في نهار رمضان عمدا، والاطعام في الظهار، والاطعام في كفارة الايمان، والا طعام في حلق الرأس للمريض المحرم قبل محله، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا في الصيام: فان الاشارة بلفظة ذلك انما تقع في اللسان العربي الذى به نزل القرآن على أبعد مذكور، وكان الصيد في هذه اذية أبعد مذكور فلزم بذلك عدله صياما ولايكون عدله أصلا الا كما ذكرنا، وأما من قومه قيمة، ثم قوم القيمة طعاما، ثم رأى عدل ذلك صياما فلم يوجب عدل الصيد وانما أوجب عدل قيمته وليس هذا في الآية فبطل القول به (جملة) (6)، ثم نسأل من قال: بتقويم الهدى دراهم، أو طعاما أي الهدى تقوم؟ وقد يختلف قيم النوق. والبقر. والغنم فاى ناقة تقوم؟ أم أي بقرة تقوم؟ أم أي شاة؟ وهذا الزام مضمحل بلا برهان، ثم نقول لمن قال بتقويم الصيد: متى تقومه؟ أحيا أم مقتولا؟ فان قالوا: مقتولا قلنا: هو عندكم جيفة ميتة ولا قيمة للميتة، ثم هو أيضا منكم قول بلا برهان، وان قالوا بل يقوم (7) حيا قلنا: وما برهانكم على ذلك وقيمته حيا تختلف فيكون حمار وحش يرغب فيه الملوك فيغالون به فإذا ذكى لم يكن له كبير قيمة، ثم في أي المواضع يقوم؟ (فان قالوا): حيث أصيب قلنا: فان أصيب بفلاة لاقيمة له (8) فيها أصلا، وكل ما قالوه فبلا دليل * قال أبو محمد: واختلف الناس ههنا في مواضع، أحدها التخيير فقال قوم: هذا على


(1) سقطت هذه الجملة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (14) واليمنية (حبة بر) وهو جمع برة من القمع وما هنا انص على الوحدة (2) في النسخة رقم (16) (اورق) وهو تصحيف (4) سقط لفظ بلاشك من النسخة رقم (14) خطأ (5) في النسخة رقم (16) (فكذلك القول) وما هنا اتم (6) الزيادة من النسخة رقم (16) * (7) سقط من النسخة رقم (16) جملة (بل يقوم) ومن النسخة اليمنية لفظ (بل) (8) في النسخة رقم (16) (لها) وهو غلط *

[ 221 ]

الترتيب ولا يجزئه الا الهدى فان لم يجد فالاطعام فان لم يجد فالصيام * روينا هذا من طريق سعيد بن منصور نا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم الصيد فان كان عنده جزاء ذبحه فان لم يكن عنده جزاء قوم جزاؤه دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما فصام مكان كل نصف صاع يوما، وانما جعل الطعام للصائم لانه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه * وروينا أيضا عن ابراهيم النخعي. وعطاء. ومجاهد. وميمون بن مهران وهو قول زفر. وسفيان الثوري * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس كل شئ في القرآن (أو) فهو مخير (1)، وكل شئ (فمن لم يجد) فهو الاول فالاول * وروينا التخيير أيضا عن عطاء. ومجاهد. وابراهيم. والزهرى. وقتادة. وهو قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأحمد. وأبى سليمان، وإذا تنازع الناس فالمرجع إلى القرآن، وحكم القرآن التخيير، ولقد كان يلزم من قاس قاتل الصيد خطأ على العامد في ايجاب الكفارة أو على قاتل الخطأ ان يقيس حكم كفارة الصيد على كفارة القتل فيجعلها على الترتيب كما كفارة القتل على الترتيب والا فقد تناقضوا * (ومنها) (2) استئناف التحكيم فان الرواية جاءت عن طاوس انه يستأنف الحكم ويحكمان بحكم يومهما ولا ينظران إلى حكم من مضى، فان مالكا. وابن أبى ليلى. والحسن ابن حى. والثوري قالوا: لابد له (3) من استئناف تحكيم حكمين، ثم اختلفوا فقال مالك: الخيار إلى المحكوم عليه لا إلى الحكمين، ويقول لهما: لا تحكما على الا بالاطعام إن شاء أو بالصيام ان شاء أو بالجزاء ان شاء، وقال ابن أبى ليلى. وسفيان الثوري. والحسن وابن حى: الخيار في ذلك إلى الحكمين لا إلى المحكوم عليه * وقال مالك: لا يجوز للحكمين ان يحكما بغير حكم من مضى، وقال ابن حى: ان كان حكم اليوم أكثر من حكم من مضى حكم بحكم اليوم وان كان حكم اليوم أقل من حكم من مضى حكم بحكم من مضى * وقال أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان: لا يستأنف الحكم اليوم، قال الشافعي. وأبو سليمان: انما هو ماحكم به السلف لا يجوز تجاوزه * قال أبو محمد: والله تعالى أوجب ماحكم به في ذلك ذوا عدل منافاذا حكم اثنان من السلف فقد أوجب الله تعالى الطاعة لما حكما به فاستئناف تحكيم آخرين لا معنى له لانه لم يوجبه قرآن. ولاسنة. ولا إجماع فهو عمل فارغ فاسد لا فائدة فيه أصلا، ثم قول


(1) في النسخة رقم (16) (فهو محرم مخير) (2) في النسخة رقم (16) (ومنه) وهو غلط لان مرجع الضمير إلى مواضع وهو جمع وليكون على نسق ما بعده (3) لفظ (له) سقط من النسخة رقم (14) خطأ *

[ 222 ]

مالك: ا ن الخيار إلى المحكوم عليه خطأ مكرر إذ لو وجب تحكيم حكمين لا تجب طاعتهما فيما حكما به مما جعل الله تعالى اليهما الحكم به لكان ذلك عملا فاسدا، فان موهوا بالحكمين بين الزوجين فلم يجعل الله تعالى قط اليهما فرقة (1) ولا إيجاب غرامة وانما جعل تعالى اليهما الاصلاح ليوفق الله تعالى بينهما فقط * (ومنها) ان بعض من ذكرنا رأى التحيكم في الاطعام. والصيام، وهذا خطأ لان الله تعالى لم يوجب التحكيم في ذلك الا في الجزاء بالهدى فقط هذا هو نص الآية، ثم القائل: بهذا قد خالف ما جاء عن ابن عباس. وغيره من الحكم في الاطعام والصيام فتناقض * ومنها مقدار الاطعام، والصيام فعن ابن عباس كما ذكرنا آنفا ان يقوم الجزاء من النعم دراهم، ثم تقوم الدراهم طعاما فيصوم بدل كل نصف صاع يوما * وعن ابن عمر أيضا كذلك، وكلاهما لا يصح عنهما، فدل هذا على أن الاطعام يكون لكل مسكين نصف صاع * وعن ابن عباس أيضا قول آخر وهو ان قتل نعامة. أو حمار وحش فبدنة من الابل فان لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد صام ثلاثين يوما، والاطعام مد مد فقط، فان قتل ايلا (2) أو نحوه فبقرة، فان لم يجد أطعام عشرين مسكينا، فان لم يجد صام عشرين يوما، فان قتل ظبيا (3) فشاة، فان لم يجد فاطعام ستة مساكين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام * قال أبو محمد: ما نعلم عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم قولة غير هذه التى ذكرنا (4) * وروينا عن مجاهد أن يحكم في ذلك بهدى فان لم يجده قوم الهدى طعاما، ثم قوم الطعام صياما لكل مسكين مدان ومكان كل مسكين صوم يوم * وعن ابراهيم نحو هذا * وعن الحسن مثله أيضا * وعن عطاء يقوم الجزاء طعاما، ثم يصوم بدل كل مد يوما، فان وجد الطعام قبل أن يفرغ من الصوم أطعم * وروينا عنه أيضا بدل كل نصف صاع صيام يوم * وعن ميمون بن مهران ان صيام يوم بدل كل (5) مسكين يوما * وعن أبى عياض وهو تابعي روى عن معاوية قال: أكثر الصوم في ذلك واحد وعشرون يوما، وصح عن سعيد بن جبير أنه قال: الصوم في فدية الصيد من ثلاثة أيام إلى عشرة


(1) في النسخة رقم (16) (وفدية) وهو تصحيف (2) بضم الهمزة وفتحها مع فتح الياء وتشديدها فيهما، وقيل: ايل بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة كسيد الذكر من الاوعال شبيه ببقر الوحش، وهو إذا خاف من الصياد يرسى نفسه من رأس الجبل ولا يتضرره (3) هو الغزال نقل ابن خلكان ان جعفرا الصادق رضى الله عنه سال ابا حنيفة النعمان ما تقول في محرم كسر رباعية ظبى فقال يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاأعلم ما فيه فقال: ان الظبى لا يكون رباعيا وهو ثنى ابدا (4) في النسخة اليمنية (قولا غير هذه التى ذكرنا) وفى النسخة رقم (16) (قولا غير هذا الذى ذكرنا) (5) في النسخة رقم (14) (صيام بدل كل) الخ وفى النسخة اليمنية (ان صيام بدل كل) الخ، وما هنا اجمعها واظهرها *

[ 223 ]

أيام ما نعلم عن تابع في هذا غير ما ذكرنا، وقال الليث: لا يتجاور في ذلك بالصوم ستين يوما، وقال أبو حنيفة: يقوم الصيد دراهم فيبتاع بها طعاما فيطعم كل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع شعير أو زبيب، أو يصوم بدل كل مسكين يوما، وهو قول الثوري، وبه قال مالك إلا انه قال: يطعم (لكل مسكين) (1) مدامدا أو يصوم بدل كل مد يوما، وقولهم: بتقويم الصيد لا نعلمه قبلهم عن أحد وانما قال من ذكرنا قبل: بتقويم الهدى وهو الجزاء، وقال الشافعي: يقوم الجزاء لا الصيد دراهم، ثم تقوم الدراهم طعام فيطم مدا مدا أو يصوم بدل كل مديوما، وقال أبو ثور: الاطعام ثلاثة آصع ستة مساكين لكل مسكن نصف صاع، و الصيام ثلاثة أيام فقط * قال أبو محمد: أما ابن عباس فقد اختلفت أقواله في ذلك وليس بعضها أولى من بعض، وكلها قد خالفها (2) أبو حنيفة. ومالك. والشافعي وهم يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم لان في أحد قوليه الترتيب وهم لا يقولون به، وفيه ان يقوم الجزاء ولا يقول أبو حنيفة ولا مالك به. وفيه عنه وعن ابن عمر مكان كل نصف صاع يوما ولا يقول مالك. ولا الشافعي به، وأما قوله الثاني فكلهم مخالفون له جملة ولا يعرف فيما ذكرنا لابن عباس وابن عمر مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * قال على: لم نجد لشئ من هذه الاقوال برهانا من قرآن. ولا سنة، ولا حجة الا فيهما، ولا أفحش قولا ممن استسهل خلاف ابن عباس برأى نفسه (3) أو برأى تابع قد خالفه غيره من التابعين، ثم ينكر على من خالفه التزاما للقرآن، ونحن راضون مسرورون بهذه القسمة من الله تعالى لنا و لهم، لاأعدمنا الله تعالى ذلك بمنه (وفضله) (4) آمين، والتابعون مختلفون كما ذكرنا فمن تعلق ببعض قولة لواحد (5) منهم بلا نص في ذلك ذلك فقد خالفه نفسه وغيره من التابعين المذكورين في قولة أخرى في المسألة بعينها وانما هم سبعة فقط مختلفون متنازعون، ومجاهد وعطاء. وابراهيم. والحسن. وأبو عياض. وسعيد ابن جبير. وميمون بن مهران * وأما قول أبى حنيفة. وسفيان. ومالك. والشافعي فمع اختلافهم وتنازعهم فلا برهان (6) لواحد منهم على صحة دعواه لامن قرآن. ولامن سنة. ولامن رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولاقياس. ولا من تابع موافق للواحد منهم في قوله كله في ذلك * وأما اليث فانه قاس الصيام في ذلك على الصيام في قتل النفس، ولقد كان يلزم من قاس ايجاب الكفارة في قتل الصيد خطأ على وجوبها في قتل المؤمن خطأ ان يقيس الصيام في


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية (قد خالفه) (3) في النسخة رقم (16) (برأى أبى حنيفة) وهو غلط (4) الزيادة من النسخة اليمنية (5) في النسخة رقم (16) (واحد) (6) في النسخة رقم (16) فبلا برهان *

[ 224 ]

هذه على الصيام في ذلك كما فعل الليث، ولا سيما من لم يبلغ دية العبدو الامة إلى دية الحر والحرة، ومن جعل للفرس سهما وقال: لاأفضل بهيمة على انسان، ثم فضل البهائم ههنا على الناس في الصيام عن نفوسها * قال أبو محمد: والقياس كله باطل، ولو كان حقا لكان ههنا باطل لان الله تعالى أوجب في جزاء الصيد مثلا من النعم أو اطعاما ولم يوجب شيئا من ذلك في قتل المؤمن خطأ بل أوجب هنالك دية. وعتق رقبة لم يوجبها ههنا، فكيف يستجيز أحد قياس شئ على شئ قد فرق الله تعالى بين حكميهما؟ * وأما أبو ثور فانه قاس الاطعام. والصيام في جزاء الصيد على الاطعام. والصيام في فدية حلق المحرم رأسه للاذى يكون به والمرض * قال على: وهذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لان قاتل الصيد عاص لله تعالى فاسق آثم، ثم متوعد أشد (1) الوعيد، وحالق رأسه لمرض به مطيع محسن مأجور فكيف يجوز قياس أحدهما على الآخر وليس مثله؟ ثم ان الله تعالى قد فرق بينهما فجعل في جزاء الصيد تحكيم حكمين ولم يجعل ذلك في حالق رأسه، وهذا بين، وبالله تعالى التوفيق * وقد روينا عن اسحاق بن راهويه أنه ذكر له قول أحمد في مسألة فقال: أحسن ما كنت اظن ان أحدا يوافقني عليها، فلم ينكر أبو يعقوب رحمه الله القول بما لا يعلم به قائل إذا وافق القرآن، أو السنة لاكمن ينكر هذا، ثم يأتي باقوال من رأية مخالفة (2) للقرآن والسنن لايعرف (3) ان أحدا قال بها (4) قبله، وفى قولكل من ذكرنا من أبى حنيفة. ومالك. والليث. والشافعي. ما لايعرف ان احدا قال به قبل كل واحد منهم من التقسيم الذى قسموه، فمتبع القرآن، والسنة أولى بالحق * (ومنها) ما هو المثل الذى يجزى به الصيد من النعم فان الرواية جاءت كما روينا من طرق أبى شيبة نا عائذ (5) بن حبيب عن عطاء. ومجاهد. وابراهيم قالوا جميعا: إذا أصاب المحرم صيدا حكم عليه بثمنه فاشترى به هديا فان لم يجد قوم طعاما فتصدق به على كل مسكين نصف صاع * فان لم يجد صام لكل صاع يومين، وقد صح عن عطاء. ومجاهد. وابراهيم غير هذا، وهو أنهم قالوا: الجزاء بالمثل من النعم لا بالقيمة، وهكذا روينا عن عثمان. وعمر. وعلى. وعبد الرحمن بن عوف. وسعد بن أبى وقاص. وجابر


(1) في النسخة رقم (16) (شر) وهو تصحيف (2) في النسخة رقم (16) بأقوال من رواية مخالفة) وفى النسخة اليمنية (ثم يأتي باقوال مخالفة، والصحيح ماهنا (3) في النسخة رقم (14) (لا يعلم) (4) في النسخة رقم (16) (قال به) وهو غلط (5) في النسخة رقم (16) (غائد) بالدال المهملة وهو غلط *

[ 225 ]

ابن عبد الله. وابن عباس. ومعاوية. وابن مسعود. وطارق بن شهاب. وعبد الله بن عمر. وعبد الله بن عمرو بن العاصى رضى الله عنهم، ولا مخالف لهم من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك، وكذلك أيضا عمن ذكرنا من التابعين، وعن شريح. وسعيد بن جبير. وغيرهم وهو قول مالك. وسفيان الثوري. والشافعي. وابن حى. وابن أبى ليلى. وأحمد. وإسحاق. وأبى ثور. وأبى سليمان وغيرهم * فاتى أبو حنيفة بقول لم يسمع بأوحش منه في هذا الباب وهو أنه قال: من قتل صيدا وهو محرم فانه يقوم الصيد دراهم، ثم يبتاع بتلك الدراهم ما بلغت من الهدى ولا يجزى في ذلك إلا الجذع من الضأن فصاعدا، والثنى من الابل، والبقر، والماعز فصاعدا، فان وجد بتلك القيمة هديين أو ثلاثة أو أربعة لزمه ان يهدى كل ذلك هكذا يفعل في الظبى والنعامة. وحمار الحوش. والايل. والبقرة الوحشية. والضب، واليربوع. (1) والحمامة وغير ذلك، فان لم يبلغ قيمة ذلك هديا ابتاع به طعاما فأطعم كما ذكرنا عنه قبل، فان قتل فيلا لم يتجاوز بالهدى في جزائه شاة واحدة، وكذلك ان قتل قردا، ويجزى الخنزير البرى ان قتله، فليث شعرى كيف يقوم الخنزير؟ * وقال صاحبه زفر: يقوم الصيد فان بلغت قيمة النعامة أكثر من بدنة لم يتجاوز بها بدنة واحدة فان بلغت قيمة حمار الوحش. وثور الوحش. والايل. والاروى (2) أكثر من بقرة لم يتجاوز بها بقرة واحدة، فان بلغت قيمة الثيتل (3) والغزال. والضبي. والارنب. والوبر. (4) واليربوع. والضب والحمامة. والحجلة. والقطاة (5). والدبسى (6). والحبارى (7). والكروان (8). والكركي (9). والدجاجة الحبشية أكثر من شاة واحدة لم يتجاوز بها شاة واحدة، فان لم يبلغ شئ من ذلك ثمن هدى ابتاع به طعاما كما قال أبو حنيفة * وخالفهما أبو يوسف ومحمد بن الحسن فرأيا الجزاء بالمثل كما قال سائر الناس *


(1) الضب بفتح الضاد المعجمة حيوان برى، ومن خصوصياته انه لايرد الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال: انه پبول في كل اربعين يوما قطرة ولا تسقط له سن واليربوع بفتح الياء المثناة حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جد الونه كلون الغزال (2) هو جمع كثرة للاروية وتجمع على أراوى وهى غنم الجبل (3) هو بالثاء المثلثة وبعدها ياء مثناة من تحت الذكر المسن من الاوعال (4) بفتح الواو وتسكين الباء الموحدة دويبة أصغر من السنور (5) طائر معروف واحده ويجمع أيضا على قطاة قطوات وقطيات (6)، فتح الدال المهملة وكسر السين المهملة، ويقال له ايضا الدبسي بضم الدال طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب لانهم يغيرون في النسب كالدهرى والسهلى، والادبس من الطير والخيل الذى في لونه غبرة بين السواد والحمرة (7) هو بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة طائر معروف وهو اسم جنس يقع على الذكر والانثى واحده وجمعه سواء (8) هو بفتح الكاف والراء المهملة طائر يشبه البط لاينام الليل سمى بضده من الكراو الانثى كراونة (9) هو بضم الكاف وسكون الراء المهملة طائر كبير معروف والجمع الكراكى *

[ 226 ]

قال أبو محمد: قول أبى حنيفة. وزفر في غاية الفساد، ومخالف للقرآن (1) والسنة لان الله تعالى قال: (فجزاء مثل ما قتل من النعم). ولم يقل تعالى: فجزاء قيمة مثل ما قتل من النعم، ولا تدل الآية على ذلك أصلا ولا تحتمله بوجه من الوجوه، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع كبش ولم يجعل فيها قيمة، وقد وجدنا قيمة الحمامة الهادية، والمقلين المغرد يبلغ عشرات الدنانير، فعلى قول أبى حنيفة يكون جزاء كل كل واحد منهما من الهدى أكثر من جزاء الحمار الوحشى. والنعامة من الهدى، فهذا مع خلاف القرآن تخليط فاحش ثم سائر تقسيمه المذكور فهو شئ لم يحفظ عن أحد من أهل الاسلام قبله، وقد وقف أبو يوسف أبا حنيفة على ان هذا الباب قد رويت فيه آثار مؤقتة فلم يلتفت إلى ذلك وقال: انما نتبع القرآن * قال أبو محمد: فوالله ما وفق في هذا لاتباع القرآن ولا لاتباع أحد من السلف، وقد أطلقوا القول بانه قد بلغهم ذلك عن ابن عباس. وابراهيم * قال أبو محمد: وهذا اطلاق فاسد (2) إنما جاء عن ابراهيم. وعطاء. ومجاهد أن يقوم الصيد فقط جاء عنهم خلافه، وأما ابن عباس فلم يأت عنه إلا ما ذكرنا قبل فقط ما قد خالفوه كله، ولقد أقدم بعضهم فقال: القيمة أعدل * قال على: كذب الآفك الآثم ولا كرامة أن تكون القيمة أعدل من المثل من النعم الذى أمر الله تعالى به بل القيمة في ذلك جور وظلم، وانما هو أصل بنوه على أصل آخر لهم فاسد وهو أن يحكم فيما أتلف من أموال النسا مما لا يكال ولا يوزن بالقيمة لا بالمثل وهذا رد منهم للخطأ على الخطأ، وما الواجب في كل ذلك الا المثل بنص القرآن والسنن * قال أبو محمد: فإذ قد بطلت هذه التخاليط فالواجب الرجوع إلى القرآن وما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حكم به العدول من الصحابة. والتابعين رضى الله عنهم كما أمر تعالى باتباعهم ههنا، وبالله تعالى التوفيق * 879 - مسألة - وفي النعامة بدنة من الابل، وفى حمار الوحش. وثور الوحش والاروية العظيمة. والايل بقرة، وفي الغزال. والوعل. (3) والظبى عنز، وفى الضب واليربوع. والارنب وأم حبين (4) جدى، وفى الوبر شاة، كذلك في الورل (5)


(1) في النسخة رقم (14) (ومخالفة للقرآن) وفى النسخة رقم (16) (ومخالة القرآن) (2) في النسخة رقم (16) (قال أبو محمد: وهذه اطلاقة فاسدة) وفى النسخة رقم (14) سقط جملة (قال أبو محمد) (3) هو بفتح الواو وكسر العين المهملة، الاروى وهو التيس الجبلى والانثى تسمى الاروية وهى شاة الوحش، والجمع أوعال ووعول (4) هي بحاء مهملة مضمومة وباء موحدة مفتوحة مخففة دويبة مثل ابن عرس وابن آوى، سميت بذلك من الحبن تقول فلان به حبن فهو احبن أي مستسقى فشبهة بذلك لكبر بطنها وهى على خلقت الحرباء غير الصدر (5) هو بفتح الواو والراء المهملة وبالام في آخره دابة على خلقت الضب إلا انه عظم منه، والجمع اورال وورلان والانثى ورلة

[ 227 ]

والضبع. وفى الحمامة وكل ماعب وهدر من الطير شاة، وكذلك الحبارى والكركي والبلدج. والاوز البرى. والبرك (1) البحري، والدجاج الحبشى. والكروان * برهان ذلك قول الله عزوجل: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فلا يخلوا المثل من أن يكون من جميع الوجوه، أو من وجه واحد، أو من أغلب الوجوه، فوجدنا المماثلة من جميع الوجوه معدومة من العالم جملة لان كل غيرين فليسا مثلين في تغاير هما فبطل هذا القسم، ثم نظرنا في المماثلة من أقل الوجوه وهو وجه واحد فوجدنا كل ما في العالم لاتحاش شيئا فهو يماثل كل مافى العالم من وجه ولابد وهو الخلق، لان كل ما في العالم - وهو ما دون الله تعالى - فهو مخلوق فبطل هذا القسم أيضا، ولو استعمل لاجزأت العنز بدل الحمار (2) الوحشى والنعامة لانهما حيان مخلوقان معا، وهذا ما لا يقوله أحد فلم يبق الا القسم الثالث وهو المماثلة من أغلب الوجوه وأظهرها وإذا لم يكن في المسألة الا أقوال محصورة فبطلت كلها الا واحدا فهو الحق بلا شك، فهذا موجب القرآن، ووجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم في الضبع بكبش فعلمنا يقينا انه عليه السلام انما بين لنا ان المماثلة انما هي في القد (3) وهيئة الجسم لان الكبش أشبه النعم بالضبع، وبهذا جاء حكم السلف الطيب رضى الله عنهم * روينا من طريق جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن ابن أبى عمار عن جابر بن عبد الله (قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: هو صيد وجعل فيه كبشا إذا صاده المحرم) * ومن طريق سفيان بن عيينة انا أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: حكم عمر بن الخطاب في الضبع كبشا * ومن طريق حماد ابن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن رباح ان عبد الله بن عمر حكم في الضبع كبشا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء انه سمع ابن عباس يقول: في الضبع كبش * وعن على بن أبى طالب. وجابر بن عبد الله قالا جميعا: في الضبع كبش، فهم عمر. وعلى. وجابر. وابن عمر. وابن عباس وقد بلغ ابن الزبير قول عمر هذا فلم يخالفه، وهو قول عكرمة. والشافعي. وأبى سليمان * ومن طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس ان عمر بن الخطاب. وعثمان. وعلى بن أبى طالب. وزيد بن ثابت قالوا في النعامة: بدنة من الابل * ومن طريق ابن جريج عن عطاء ان ابن عباس. ومعاوية قالا: في النعامة بدنة يعنى من الابل وهو قول طاوس. وعطاء. ومجاهد. وعروة بن الزبير. وابراهيم النخعي، وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان، ولا شئ أشبه بالنعامة


(1) البركة بالضم طائر من طيور الماء ابيض والجمع برك وابراك وباقى ما ذكر تقدم تفسيره ص 226 (2) في النسخة رقم (16) (عن الحمار) (3) في النسخة رقم (16) (في القدر)

[ 228 ]

من الناقة في طول النعنق والهئية، والصورة، * وروينا عن ابن مسعود في حمار الوحش بدنة أو بقرة، وعن ابن عباس فيه بدنة، وعن ابراهيم فيه بدنة، وعن عطاء فيه بدنة، وقد روى عن عطاء أيضا فيه بقرة، والرواية في ذلك عن ابن عباس لا تصح ولا عن ابن مسعود لانه مرسل عنه، وروى ابن أبى نجيح عن مجاهد: وروى ابن جريج عن عطاء قالا جميعا: في حمار الوحش بقرة، وفي بقرة الوحش بقرة، قال عطاء: وفي الاروى بقرة، وقال مجاهد: (1) في القادر العظيم (3) من الاروى بقرة، وهذا صحيح عنهما وهما ذوا عدل منا، فوجدنا حمار الوحش أشبه بالبقرة منه بالناقة لان البقر. وحمار الوحش ذو اشعر وذنب سابغ وليس لهما سنام، والناقد ذات وبر وذنب قصير وسنام فوجب الحكم بالبقرة لقوة المماثلة، وروى عن ابن عباس في الايل بقرة وبه يقول الشافعي، وفى الثيتل بقرة وهو قول جماعة من السلف، وفي الوبر شاة وهو قول عطاء. والشافعي، وعن عمر ابن الخطاب. وعطاء في الغزال شاة * قال أبو محمد: الشاة تقع على الماعزة كما تقع على الضانية، وعن سعد. وعبد الرحمن ابن عوف في الظبى تيس، وعن عمر بن الخطاب. وزيد بن جابر في الضب جدى راع، وعن زيد بن عبد الله. وطارق بن شهاب مثله أيضا * فقال (3) مالك. وأبو حنيفة لا يجوز هذا، وروى عن عطاء في الضب شاة، وعن مجاهد في الضب حفنة من طعام، وهذا كله لا شئ لان خلاف حكم عمر. وطارق ومن معهما لا يجوز خلافه لانهم ذوو عدل منا مع موافقتهم القرآن في المماثلة، وقول عطاء حادث بعدهم، وقول مجاهد كذلك مع خلاف قولهما، وقول مالك للقرآن، وبقول عمر يقول الشافعي. وأبو سليمان. وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. وأحمد وغيرهم، وعن عمر في الارنب عناق وهى الجدى، وعن عبد الله بن عمرو بن العاصى. وعمرو بن حبشي. وابن عباس مثله، وهو قول الشافعي. وأحمد. وأبى يوسف. ومحمد بن الحسن. وأبى سليمان وغيرهم، قال أبو حنيفة (4). ومالك لا يجوز فخالفوا كل من ذكرنا، والمماثلة المأمور بها في القرآن، وعن عمر. وابن مسعود. ومجاهد في اليربوع سخلة أو جفرة وهما سواء وهو قول الشافعي. وأحمد. وأبى يوسف. ومحمد بن الحسن وأبى سليمان وغيرهم، وروينا عن عطاء لم أسمع فيه بشئ، وعن الزهري فيه حكومة، وعن ابراهيم فيه قيمته، وهذا كله ليس بشئ، وقال مالك في الارنب. والضب. واليربوع قيمته يبتاع به طعام، وهذا خطأ لم يوجبه القرآن، ولا السنة، ولاقول صاحب، ولا إجماع، ولاقياس *


(1) في النسخة رقم (16) (عطاء) وهو غلط بدليل قوله بعد وهذا صحيح عنهما أي عن عطاء ومجاهد (2) في النسخة اليمنية (في النادر العظيم) (3) في النسخة رقم (16) (وقال) بالواو لا بالفاء (4) في النسخة رقم (16) (وقال) *

[ 229 ]

(فان قالوا): قسنا على الاضاحي لا يجوز فيه الجذع من غير الضأن ولا ما دون الجذع من الضأن قلنا: القياس باطل، ثم لو كان حقا لكنتم أول مخالف لهذا القياس لانكم تقولون: ان الكبش. والتيس أفضل في الاضاحي من الابل والبقر وان الذكر فيها من الانثى، وتقولون في الهدى كله: ان الابل، والبقر أفضل من الضأن والماعز، وان الاناث أفضل فيها من الذكور، فمرة تقيسون حكم بعض ذلك على بعض، ومرة تفرقون بين احكامها بلانص ولا دليل، (فان قالوا): قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لاتجزى جذعة عن أحد بعد أبى بردة قلنا: نعم، والذى أخبر بهذا هو الذي أخبرنا عن ربه تعالى بايجاب مثل الصيد المقتول من النعم، وليس بعض كلامه أولى بالطاعة من بعض بل كله فرض استعماله ولايجوز ترك شئ منه لشئ، وبالله تعالى التوفيق، ولم ينه قط عليه السلام عن ما دون الجذع باسمه لكن لما كان بعض ما دون الجذع لا يقع عليه اسم شاة لم يجز فيما جاء فيه النص بايجاب شاة فقط، وأما الجذعة فلا تجزئ في جزاء الصيد أيضا لان النهى عنها عموم الا حيث أوحبت باسمها وليس ذلك الا في زكاة الابل، والبقر فقط مع ان الجذع من الضأن. والماعز. والابل. والبقر لا معنى لمراعاته في جزاء الصيد انما يراعى المثل في القد والصورة لاما لايعرف الا بعد فر (1) الاسنان، فصح ان الجذعة لاتجزى في جزاء الصيد، وبالله تعالى التوفيق، وروينا عن عطاء في الورل شاة * قال أبو محمد: ان كان عظيما في مقدار الشاة فكذلك والا ففيه وفى القنفذ جدى صغير، وعن عمر. وعثمان. وابن عباس. وابن في عمر الحمامة شاة، وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان. وأحمد، وقال الشافعي. وأبو سليمان: كل ما يعيب كما تعب كما تعب الشاة ففيه شاة بهذه المماثلة، وروينا عن ابن عباس الدبسي، والمقرى، والحبارى، والقطاة، والحجلة شاة شاة، وروينا عن عطاء في كل ذلك مثل هذا أيضا، وكذلك في الكروان، وابن الماء، وروينا عن القاسم. وسالم ثلث مدخير من حجلة * قال أبو محمد: لا يجوز ههنا خلاف ما حكم به ابن عباس. وعطاء * قال على: وعن عطاء في الهدهد درهم، وفي الوطواط ثلثا درهم، في العصفور نصف درهم، وعن عمر في الجرادة تمرة، وعن سعيد بن جبير مثل ذلك، وقال آخرون: لا شئ فيها لانها (2) من صيد البحر، وهذا خطأ لانها ان غمست في البحر ماتت، وعن كعب في الجرادة درهم * قال أبو محمد: انما أمر الله تعالى بتحكيم في الجزاء من النعم لافى الاطعام ولافى الصيام،


(1) يقال فررت الفرس أفره - بالضم - فرا إذا نظرت إلى اسنانه (2) في النسخة رقم (16) (وهى) وما هنا أتم *

[ 230 ]

فلا يجوز التحكيم في هذين العملين، انما هو ما أمر الله تعالى به في ذلك وهو ما ذكرنا قبل، فكل ما كان له مثل من صغار النعم جزى به وما لم يكن له مثل من كبار النعم ولا صغاره فانما فيه فدية طعام مساكين كما قال عزوجل: (أو عدل ذلك صياما) لان من المحال ان يوجب الله تعالى جزاء صيد بمثله من النعم وهو لا مثل له منها لان هذا تكليف ما ليس في الوسع والله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، فإذ لاشك في هذا فلا شك أيضا في أن الله تعالى قد علم أن من جزاء الصيد الذى خلق صغيرا جدا كصغار العصافير والجراد فلم يجعل في كبير الصيد وصغيرة إلا فدية طعام مساكين أو عدله صياما، فوجب في الجرادة فما فوقها إلى النعامة، وفي ولد أصغر الطير إلى حما الوحش اطعام ثلاثة مساكين فقط، وأما الصيام فلا صيام في الاسلام أقل من صوم يوم، ففى كل صغير منها صوم يوم فقط، فان كان يشبع بكبر جسمه انسانين أو ثلاثة فأكثر فلكل آكل صوم يوم كما نص الله تعالى، (فان قيل): ان هذا قول لا يحفظ عن أحد ممن سلف قلنا: نحن لاندعى الاحاطة باقوال الصحابة جميعهم والتابعين كلهم فمن بعدهم من العلماء بل نقول ونقطع: ان من ادعى الاحاطة باقوالهم فقد كذب كذبا متيقنا لاخفاء به ولا ننكر القول بما أوجبه القرآن أو السنة وان لم تعرف رواية عن انسان بعينه بمثل ذلك لان الله تعالى لم يقل لناقط ولارسوله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا بما في القرآن والسنة حتى تعلموا ان انسانا قال بما فيهما، بل هذا القول عندنا ضلال وبدعة وكبيرة من أكبر الكبائر وانما قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) * والناس قد اختلفوا في الجراد فروينا من طريق حماد بن سلمة عن أبى المهزم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجراد من صيد البحر) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن عيسى عن حماد عن ميمون بن جابان عن أبى رافع عن أبى هريرة مسندا مثله (1) * وعن كعب انه قال لعمر: يا أمير المؤمنين ان الجراد نثر حوت ينثره في كل عام مرتين، وأباح أكله للمحرم وصيده، فهذا قول * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا أبو بشر عن يوسف بن ماهك قال كعب: ذكر لعمراني أصبت جرادتين وانا محرم فقال لى عمر: ما نويت في نفسك؟ قلت: درهمين فقال عمر: تمرتان خير من جرادتين امض لما نويت في نفسك، فهذا عمر. وكعب جعلا في الجرادة درهما فهذا قول آخر، ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عمر بن الخطاب أنه قال في محرم أصاب جرادة: تمرة خير من جرادة * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله الطحان عن محمد بن عمرو


(1) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 109، وقال الحافظ المذرى: ميمون بن جابان لا يحتج به وسيضعفه المصنف قريبا *

[ 231 ]

ابن علقمة عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو بن العاصى أنه حكم في الجرادة تمرة، فهذا قول ثالث * ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج عن القاسم بن محمد قال: أفتى ابن عباس في جرادة يصيبها المحرم بأن يتصدق بقبضة من طعام * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب الثقفى عن شعيب عن على بن عبد الله عن ابن عمر قال في الجرادة إذا صادها المحرم: قبضة من طعام * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حماد بن خالد عن ابن أبى ذدب عن الزهري عن سعيد ابن المسيب قال في الجرادة: قبضة من طعام فهذا قول رابع * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن ابن جريج عن عطاء قال في الجرادة: قبضة أو لقمة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن اسرائيل عن جابر عن محمد بن على. وعطاء. وطاوس. ومجاهد. قالوا كلهم: في الجرادة ليس فيها في الخطأ شئ فان قتلها عمدا أطعم شيئا * ومن طريق وكيع عن عمران بن حدير عن عكرمة في الجرادة قال: يطعم كسرة فهذا قول خامس * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال في محرم أصاب صيدا ليس له ندمن النعم: إنه يهدى ثمنه إلى مكة * وروينا أيضا عن عكرمة فيه ثمنه، فهذا قول سادس * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا منصور عن الحسن قال: الجراد من صيد البر والبحر فهذا قول سابع * ومن طريق سعيد بن منصور نا حفص بن ميسرة الصنعانى نا زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن كعب الاحبار ان عمر كره أكل الجراد للمحرم ولم يجعل فيه جزاء * ومن طريق سعيد عن هشيم انا أبو بشر عن يوسف بن ماهك قال: نهى ابن عباس عن أخذ الجراد في الحرم قال: لو علموا ما فيه ما أخدوه، فهى ثمانية أقوال كما أوردنا، فما الذى جعل بعضها أولى من بعض؟ * وأما الخبر في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فموضوع بلاشك لان في احد طريقيه أبا المهزم (1) وهو هالك، وفي الاخرى ميمون بن جابان وهو مجهول، وبالعيان يرى الناس الجراد يبيض في البر وفى البر يفقس عنه البيض وفى البر يبقى حتى يموت، وانه لو غمس في ماء عذب أو ملح لمات في مقدار ما يموت فيه سائر حيوان البر إذا غمس في الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول: الكذب، فسقط هذا القول (2) بيقين، وصح انه من صيد البر المحرم على المحرم وفى الحرم بلا شك، والاقوال الباقية عن عمر بن الخطاب. وكعب في الجرادة


(1) هو بتشديد الزاى المكسورة ووقع في حاشية تهذيب التهذيب ج 2 ص 249 (بتشديد الراء وهو غلط اظنه نشامن الطبع) (2) في النسخة رقم (16) (فسقط ذلك القول) *

[ 232 ]

درهم * وعن عبد الله بن عمرو بن العاصى في الجرادة تمرة * وقال عمر: تمرة خير من جرادة، * وعن ابن عباس. وابن عمر. وابن المسيب في الجرادة قبضة من طعام * وعن عطاء قبضة أو لقمة * وعن عكرمة كسرة * وعن محمد بن على. وعطاء وطاوس. ومجاهد. ويطعم شيئا ان أصابها عمدا والا فلا * وعن ابن عباس فيما لاندله (1) من النعم ثمنه يهديه إلى مكة * وعن عكرمة ثمنه، والجرادة مما لاندلها من النعم * وعن الحسن هي من صيد البر والبحر * وعن عمر. وابن عباس المنع من صيدها ولم يجعلا فيها شيئا، فالمرجوع إليه عند التنازع هن ما افترض الله تعالى علينا الرجوع اله إذ يقول تعالى: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) والقرآن يوجب ما قلنا، وبالله تعالى التوفيق * وقد خالف أبو حنيفة. ومالك في بيض الصيد كل ماروى فيه عن أحد من المتقدمين فأنى لهم انكار ذلك على غيرهم؟ وفى صغار الصيدما كان منه من ذوات الاربع أو الطير صغارها في صغاره، وكبارها في كباره ففى رأل النعام فصيل من الابل، وفى ولد كل ما فيه بقرة عجيل مثل ذلك الصغير، وفيما فيه شاة حمل أوجدى على ما ذكرنا قبل * وقال مالك: في صغارها مافى كبارها، وهذا خطأ لان الكبير ليس مثلا للصغير * وروينا عن ابن عمر أنه حكم في فرخى حمامة وأمهما بثلاثة من الغنم وقد خالفوا ابن عمر وغيره في كثير مما ذكرنا قبل، ويفدى المعيب بمعيب مثله، والسالم بسالم، والذكر بالذكر، والانثى بالانثى لقوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * روينا من طريق حماد بن سلمة عن حبيب عن عطاء قال: في الظبية الوالد شاة والد، وفى الحمارة الوحش النتوج بقرة نتوج * ومن طريق يحى بن سعيد القطان عن ابن جريج قلت لعطاء ابن ابى رباح: أرأيت لو أصبت صيدا فيه نقص أو عور أغرم مثله؟ قال: نعم قلت: الوفى أحب إليك قال: نعم وفي ولد الضبع ولد الكبش (2) لان الصغير من الضباع لا يسمى ضبعا انما يسمى الفرغل، والسلحفاة هي من صيد البرلان عيشها الدائم في البر ففيها الجزاء بصغير من الغنم، وما كان ساكنا في الماء أبدا لا يفارفه فهو مباح للمحرم، وقد روينا عن عطاء فيما عاش في البر والبحر فيه نصف الجزاء * قال على: وليس هذا بشئ لان الله تعالى أباح للمحرم صيد البحر وحرم عليه صيد البر فليس إلا حرام أو حلال، ولايجوز أن يكون حلال حرام معا ولا لاحلال ولاحرام، وبالله تعالى التوفيق *


(1) أي لامثل له ولا نظير (2) في النسخة رقم (16) (ولد كبش) وما هنا أنسب *

[ 233 ]

880 - مسألة - وبيض النعام وسائر الصيد حلال للمحرم وفى الحرم، وهو قول أبى حنيفة. وأبى سليمان وأصحابهما لان البيض ليس صيدا ولا يسمى صيدا ولا يقتل، وانما حرم الله تعالى على المحرم قتل صيد البر فقط، فان وجد فيها فرخ ميت فلا جزاء له لانه ليس صيدا ولم يقتله، فان وجد فيها فرخ حى فمات فجزاؤه بجنين من مثله لانه صيد قتله، وقال مالك: في بيضة النعامة عشر البدنة، وفي بيضة الحمامة عشر الشاة قال: ولا يحل أكله للمحرم ولا للحلال إذا شواه المحرم أو كسره * وقال الشافعي: فيه قيمته فقط * قال أبو محمد: أما قول الشافعي فخطأ لما ذكرنا من أنه ليس صيدا، وأخطأ خطأ آخر أيضا وهو أنه جزاؤه بثمنه، والجزاء بالثمن لا يوجد في قرآن ولاسنة * وأما قول مالك فجمع فيه من الخطأ وجوها * أو لها أنه قول (1) لايعرف ان أحدا قال به قبله: وهم ينكرون مثل هذا أشد الانكار كما ذكرنا آنفا في قولنا في الجراد، وثانيها أنه قول لا يوجد في القرآن، ولا في السنة، وثالثها أنهم لا يجيزون الاشتراك في الهدى حيث صح إجماع الصحابة، والسنة على جوازه، ثم أجازوه (3) ههنا حيث لم يقل به أحد يعرف قبلهم * (فان قالوا): انما نقوم البدنة، أو الشاة، ثم نأخذ عشر تلك القيمة فنطعم به قلنا: هذا خطأ رابع فاحش لانكم تلزمونه وتأمرونه بما تنهوهه عنه من وقتكم فتوجبون عليه عشر بدنة، وعشر شاة ولايجوز له اهداؤه وانما يلزمه طعام بقيمة ذلك العشر، وهذا تخلط ناهيك به، وتناقض ظاهر * وخامسها احتجاجهم بأنهم قالوا: ذلك قياسا على جنين الحرة الذى فيه عشر دية أمه فقلنا: هذا ياس للخطأ على الخطأ وتشبيه للباطل بالباطل المشبه بالباطل، وما جعل الله تعالى قط في جنين الحرة ولافى جنين الامة عشر دية أمه ولاعشر قيمة أمه، وانما جعل على لسان رسوله عليه السلام غرة عبدا، أو أمة فقط ولاجعل في الدية قيمة بل جعلها مائة من الابل * قال أبو محمد: وأما اختلاف الناس في هذا فاننا روينا من طريق حماد بن سلمة انا عمار بن أبى عمار عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (أن أعرابيا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيضا وتتمير (3) وحش فقال له: أطعمه أهلك فانا حرم * ومن طريق حما بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن على بن أبى طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله حرفا *


(1) في النسخة رقم (14) (انه قال قولا) في النسخة رقم (16) (ثم يجيزوه) وهو غلط لان فيه حذف النون بدون مقتض (3) التتمير تقطيع اللحم صغارا وتجفيفه وتشيفه وفى النسخة رقم (16) بعد قوله وحش (قديد) وهو زائد من الناسخ *

[ 234 ]

قال أبو محمد: الاول مرسل، وفي الثاني على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ثم لو صحا لما كان فيهما نهى عن أكلها وانما هو ترك منه عليه السلام، وقد يترك ما ليس حراما كما ترك الضب * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث. وأبو خالد الاحمر كلاهما عن ابن جريج عن عبد الله بن ذكوان - هو أبو الزناد - عن عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن بيض نعام أصابها محرم؟ فقال عليه السلام: في كل بيضة صيام يوم أو اطعام مسكين) * قال على: أبو الزناد لم يدرك عائشة رضى الله عنها فهو منقطع، ولو صح لقلنا به، وقال بهذا بعض السلف: كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن أبى المليح عن أبى عبيدة ابن عبد الله بن مسعود قال في بيضة النعامة (1) يصيبها المحرم: صوم يوم. أو اطعام مسكين * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبدة عن سعيد عن قتادة عن أبى مجلز عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود في بيض النعام يصيبها المحرم قال أبو عبيدة: كان ابن مسعود يقول فيه: صوم يوم، أو اطعام مسكين * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة أن أبا موسى الاشعري قال: في كل بيضة من بيض النعام صيام يوم، أو اطعام مسكين، وهو قول عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود أيضا، وهو قول ابن سيرين أفتى بذلك على محرم أشار لحلال إلى بيض نعام (2) فهذا قول، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير أخبرني عكرمة عن ابن عباس قال: قضى على بن أبى طالب في بيض النعامة يصيبها المحرم ترسل الفحل على ابلك فاذتبين لقاحها سميت عدد ما أصبت من البيض فقلت: هذا هدى ثم ليس عليك ضمان ما فسد، قال ابن عباس: فعجب معاوية من قضاء على، قال ابن عباس: لم يعجب معاوية من عجب ما هو إلا ما يباع به البيض في السوق يتصدق به، قال ابن جريج: وقال عطاء: من كانت له ابل فان فيه ما قال على ومن لم يكن له ابل ففى كل بيضة درهمان فهذا قول آخر، وثالث، ورابع * ومن طريق وكيع نا الأعمش عن ابراهيم النخعي ان عمر بن الخطاب قال في بيض النعام: قيمته. أو ثمنه * ومن طريق وكيع عن خصيف عن أبى عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه قال في بيض النعام: قيمته، أو ثمنه، وهو قول ابراهيم النخعي. والشعبى. والزهرى. والشافعي * وأما بيض الحمام فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن مجاهد عن أبيه وعطاء كلاهما قال: ان على بن أبى طالب قال: في كل بيضتين درهم * ومن طريق عبد الرزاق عن محمد بن عبيدالله


(1) في النسخة رقم (14) (في بيض النعامة) في النسخة رقم (14) (إلى بيض النعام) *

[ 235 ]

عن عطاء عن ابن عباس قال: في كل بيضة من بيض حمام مكة نصف درهم، وهو قول عطاء، وقال: فان كان فيها فرخ فدرهم، وقال عبيد بن عمير: بنصف درهم طعام ويتصدق به * وعن عبد الرزاق عن معمر، وعن قتادة قال في بيضة من بيض حمام مكة: درهم وفي بيضة من بيض حمام الحل: مد، قال معمر: وقال الزهري: فيه ثمنه، وهو قول الشافعي * ومن طريق سعيد بن منصور نا عتاب بن بشير عن خصيف عن ابن عباس قال في البيضة: درهم فهى أقوال كما ترى، أحدها ان في بيضة النعامة صوم يوم، أو اطعام مسكين فيه خبر مسند، وهو قول أبى موسى الاشعري. وابن مسعود. وابنيه أبى عبيدة. و عبد الرحمن. وابن سيرين، وثانيها ان في كل بيضة منها لقاح ناقة وهو قول على. ومعاوية. وعطاء * وثالثها ان في بيضة النعامة ثمنها وهو قول عمر. وابن مسعود. وابن عباس. وابراهيم. والشعبى. والزهرى. والشافعي تت، ورابعها ان من له ابل ففى كل بيضة لقاح ناقة ومن لاابل له ففى كل بيضة درهمان. وهو قول عطاء. * وفي بيض الحمام اقوال، أحدها في البيضة درهم وهو قول ابن عباس. * وثانيها في البيضة نصف درهم وهو قول ابن عباس. وعبيد بن عمير * وثالثها فيها نصف درهم فان كان فيها فرخ فدرهم وهو قول عطاء، ورابعها في بيضة من حمام مكة درهم وفي بيضة من حمام الحل مد وهو قول قتادة، وخامسها فيها ثمنها وهو قول الزهري. والشافعي، فخرج قولا مالك. وأبى حنيفة عن ان يعرف لهما قائل من السلف وهم يعظمون هذا إذا خالف تقليدهم (1)، وبالله تعالى التوفيق * 881 - مسألة - ولا يجزى الهدى في ذلك الا موفقا عند المسجد الحرام، ثم ينحر بمكة أو بمنى لقول الله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) * 882 - مسألة - وأما الاطعام والصيام فحيث شاء لان الله تعالى لم يحد لهما موضعا (2) * 883 - مسألة - وصيد كل ما سكن الماء من البرك. أو الانهار. أو البحر. أو العيون. أو الآبار حلال للمحرم صيده وأكله لقول الله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما). وقال تعالى: (وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج، ومن كل تأكلون لحما طريا) فسمى تعالى كل ماء عذب أو ملح بحرا، وحتى لو لم تأت هذه الآية لكان صيد البر والبحر والنهر (3)، وكل ما ذكرنا حلالا بلا خلاف بنص القرآن، ثم حرم بالاحرام وفي الحرم


(1) كذا في كل النسخ وينبغى ان يكون هكذا (إذا وافقة تقليدهم) (2) سقطت هذه المسألة برمتها من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (16) (والبثر) *

[ 236 ]

صيد البر ولم يحرم صيد البحر فكان ما عدا صيد البر حلالا كما كان إذ لم يأت ما يحرمه، وبالله تعالى التوفيق * 884 - مسألة - والجزاء واجب كما ذكرنا سواء سواء فيما أصيب في حرم مكة، أو في حرم المدينة أصابه حلال، أو محرم لقول الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) الآية، فمن كان في حرم مكة، أو في حرم المدينة فاسم حرم يقع عليه * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن الحسن بن خى قال: سألت ابن أبى ليلى عمن أصاب صيدا بالمدينة؟ فقال: يحكم عليه، وهو قول ابن أبى ذئب. ومحمد بن ابراهيم النيسابوري. وبعض كبار أصحاب مالك، وقد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ما بين لابتى المدينة وهما حرتان بها معروفتان، وحرم المدينة معروف كحرم مكة * وقال أبو حنيفة. ومالك: لاجزاء فيه وهو خطأ لما ذكرنا، واحتج بعض من امتحن بتقليد هما بخبرين في أحدهما ان عمرو بن أمية كان بتصيد بالعقيق وهذا لاحجة لهم فيه لانه خبر لا يصح، ولو صح لكان ذلك ممكنا (ان يكون) (1) قبل تحريم الحرم بالمدينة والنهى عن صيدها، والثانى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له وحش فكان يلعب فإذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبع (2) وهو خبر لا يصح، ثم لو صح لما كانت فيه حجة لان الصيد إذا صيد في الحل، ثم أدخل في الحرم حل ملكه على ما نبين بعد هذا ان شاء الله تعالى * 885 - مسألة - ومن تعمد قتل صيد في الحل وهو في الحرم فعليه الجزاء لانه قتل الصيد وهو حرم، فان كان الصيد في الحرم والقاتل في الحل فهو عاص لله عزوجل ولا يؤكل ذلك الصيد ولاجزاء فيه. اما سقوط الجزاء فلانه ليس حرما (3)، وأما عصيانه والمنع من أكل الصيد فلانه من صيد الحرم ولم يأت فيه جزاء انما (4) جاء تحريمه فقط وانما جاء الجزاء على القاتل إذا كان حرما * روينا من طريق البخاري نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس (رضى الله عنهما) (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم افتتح مكة فذكر كلاما فيه (هذا بلد حرمه الله عزوجل يوم خلق المسوات والارض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده) وذكر الحديث * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير نا أبى نا عثمان بن حكيم


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) قال الجوهرى في صحاحه: قبع القنفذ. إذا ادخل راسه في جلده وكذلك الرجل إذا ادخل رأسه في قميصه (3) في النسخة رقم (16) حراما وهما بمعنى وهو على وزن زمن وزمان (4) في النسخة رقم (16) (وانما) بزيادة واو (5) الزيادة في صحيح البخاري ج 3 ص 39 *

[ 237 ]

نا عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه قال: انى (1) احرم ما بين لابتى المدينة ان يقطع عضاهها أو يقتل صيدها) (2) * ومن طريق مسلم نا قتيبة (بن سعيد) (3) نا عبد العزيز - هو ابن محمد الدراوردى - عن عمرو بن يحيى المازنى عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان ابراهيم حرم مكة ودعا لاهلها وانى حرمت المدينة كما حرم ابراهيم مكة (4)) * قال أبو محمد: فصح تحريم قتل صيد المدينة وان ذلك كحكم حرم مكة سواء سواء، فصح ان كل صيد قتل في حرم المدينة، أو مكة فهو غير ذكى، وبالله تعالى التوفيق (5) * روينا عن عطاء. وقتادة من رمى صيدا في الحل والرامي في الحرم فعليه الجزاء، وبالله تعالى التوفيق * 886 - مسألة - والقارن. والمعتمر. والمتمتع سواء في الجزاء فيما ذكرنا سواء في حل أصابوه، أو في حرم انما في كل ذلك جزاء واحد وهو قول مالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة: على القارن جزاء ان فان قتله في الحرم وهو محرم فجزاء واحد وهذا تناقض شديد، ثم قال: ان قتل المحل صيدا في الحرم فانما فيه الهدى، أو الصدقة فقط ولا يجزئه صيام، وهذا تخليط آخر وقول لايعرف أحد قال به قبله، وانما أوجب الله تعالى على قاتل الصيد وهو حرم جزاء مثل ما قتل لاجزاء مثلى ما قتل، فخالف القرآن في كلا الموضعين، وبالله تعالى التوفيق، وقد جاءت آثار عن الصحابة رضى الله عنهم أنهم سئلوا عن الصيد يصيبه المحرم؟ فما سألوا في شئ من ذلك أقارن هو. أم مفرد. أم معتمر؟ فبطل ما قالوه جملة، وبالله تعالى التوفيق * 887 - مسألة - فان اشترك جماعة في قتل صيد عامدين لذلك كلهم فليس عليهم كلهم الاجزاء واحد لقول الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم): فليس في الصيد الا مثله لا أمثاله * روينا من طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار ان موالى لابن الزبير قتلوا ضبعا وهم محرمون فسألوا ابن عمر؟ فقال: اذبحوا كبشا فقالوا: عن كل إنسان منا فقال: بل كبش واحد عن جميعكم، وهذا في أول دولة ابن الزبير، ولا يعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف وهو قول عطاء. والزهرى. ومجاهد. والنخعي. ومحمد بن على. والحارث العكلى. وحماد بن أبى سليمان. والاوزاعي. والشافعي. وأبى سليمان، وروى عن الحسن البصري. وسعيد بن جبير. والشعبى على كل واحد منهم جزاء، وروى هذا أيضا عن النخعي. والحارث العكلى، وهو قول مالك *


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 385 (قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى) الخ (2) الحديث اختصره المصنف (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 385 (4) الحديث مختصر (5) سقطت هذه الجملة من النسخة رقم (16) *

[ 238 ]

وقال أبو حنيفة: اما المحرمون فسواء أصابوه في الحرم، أو الحل على كل واحد منهم جزاء كامل، وأما الحلالان فصاعدا يصيبون الصيد في الحرم فعليهم كلهم جزاء واحد، فكان هذا الفرق طريقا جدا لا يحفظ عن أحد قبله * واحتجوا في ذلك بأن إحرام كل واحد من المحرمين غير إحرام صاحبه، والحرم شئ واحد فقيل لهم: بل موضع كل واحد منهم من الحرم غير موضع الآخر، وكل مكان من الحرم فهو حرم آخر غير المكان الثاني والاحرام حكم واحد لازم لجميع المحرمين * واحتج بعض من رأى على كل واحد جزاء بأن قال: هي كفارة فكما على كل قاتل خطأ إذا اشتركوا في دم المؤمن كفارة، وعلى كا حانث إذا اشتركوا في فعل واحد كفارة فهذا مثله، فعارضهم الآخرون بأنه لما كان عليهم كلهم دية واحدة فكذلك عليهم جزاء واحد واطعام واحد * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل، والصحيح ان أموال الناس محظورة فلا يجوز الزامهم غرامة بغير نص ولا إجماع فالجزاء بينهم والا طعام كذلك، وأما الصيام فان اختاروه فعلى كل واحد منهم الصيام كله لان الصوم لا يشترك فيه ولا يمكن ذلك بخلاف الاموال، فان اختلفوا فمن اختار منهم الجزاء لم يجزه الا بمثل كامل لا ببعض مثل ومن اختار الاطعام لم يجزه أقل من ثلاثة مساكين لانه كان يكون خلاف النص، وبالله تعالى التوفيق * 888 - مسألة ومن قتل الصيد مرة بعد مرة فعليه لكل مرة جزاء وليس قول الله تعالى (ومن عاد فينتقم الله منه) بمسقط للجزاء عنه لان الله تعالى لم يقل: لاجزاء عليه بل قد أوجب الجزاء على القاتل للصيد عمدا، فهو على كل قاتل مع النقمة على العائد، وبالله تعالى التوفيق * 889 - مسألة - وحلال للمحرم ذبح ما عدا الصيد مما يأكله الناس من الدجاج والاوز المتملك، والبرك (1) المتملك، والحمام المتملك، والابل، والبقر، والغنم، والخيل، وكل ما ليس صيدا. الحل والحرم سواء، وهذا لا خلاف فيه من أحد مع ان النص لم يحرمه، وكذلك يذبح كل ما ذكرنا الحلال في الحرم بلا خلاف أيضا مع ان النص لم يمنع من ذلك * 890 - مسألة - وجائز للمحرم في الحل والحرم وللمحل في الحرم والحل (2) قتل كل ما ليس بصيد من الخنازير. والاسد. السباع. والقمل. والبراغيث. وقردان


(1) البرك بالضم جمع بركة طائر من طيور الماء (2) في النسخة اليمنية (في الحل والحرم) *

[ 239 ]

بعيره أو غيره بعيره. والحلم (1) كذلك، ونستحب لهم قتل الحيات. والفيران. والحدأ (2) والغربان. والعقارب. والكلاب العقورة، صغار كل ذلك وكباره سواء، وكذلك الوزغ (3) وسائر الهوام، ولاجزاء في شئ من كل ما ذكرنا ولا في القمل، فان قتل ما نهى عن قتله من هدهد. أو صرد. أو ضفدع. أو نمل فقد عصى ولا جزاء في ذلك * برهان ما ذكرنا ان الله تعالى أباح قتل ما ذكرنا، ثم لم ينه المحرم إذ عن قتل الصيد فقط، ولا نهى الاعن صيد الحرم فقط، ولاجعل الجزاء الا في الصيد فقط، فمن حرم ما لم يأت النص بتحريمه أو جعل جزاء فيما لم يأت النص بالجزاء فيه فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله * وقال أبو حنيفة: لا يقتل المحرم شيئا من الحيوان الا الكلب العقور. والحية. والعقرب. والحدأة. والغراب. والذئب فقط، ولاجزاء عليه فيها فأما الاسد. والنمر. والسبع. والدب. والخنزير وسائر سباع ذوات الاربع، وجميع سباع الطير ففيها الجزاء الا ان تكون ابتدأته فلا جزاء عليه فيها، وجزاؤها عنده الاقل من قيمته كل ذلك أو شاة، ولا يتجاوز بجزاء شئ من ذلك شاة واحدة ويقتل القردان عن بعيره ولا شئ عليه ولا يقتل القمل فان قتلها أطعم شيئا، وله قتل البرغوث. والذر. والبعوض ولاجزاء في ذلك، وقال زفر: سواء ابتدأت المحرم السباع أو لم تبتدئه عليه الجزاء فيما قتل منها، وقال الطحاوي: لا يقتل المحرم الحية. ولا الوزغ. ولا شيئا غير الحدأة. والغراب. والكلب العقور. وا لفأرة (4) والعقرب، وقال مالك: يقتل المحرم الفأرة. والعقرب. والحدأة. والغراب. والكلب العقور. والحية. وجميع سباع ذوات الاربع إلا أنه كره قتل الغراب. والحدأة إلا أن يؤذياه، ولايجوز له قتل الثعلب، ولا الهر الوحشى وفيهما الجزاء على من قتلهما إلا ان ابتدآه بالاذى، ولايجوز له قتل صغار السباع أصلا ولاقتل الوزغ، ولاقتل البعوض، ولاقردان بعيره خاصة فان قتله أطعم شيئا، ولا يقتل شيئا من سباع الطير فان فعل ففيها الجزاء وله قتل القراد إذا وجده على نفسه ولايجوز له قتل صغار الغربان ولاصغار الحدأة، واختلف عنه في صغار الفيران أيقتلها أم لا؟ قال: ولا يقتل القمل فان قتلها أطعم شيئا * وقول الشفعى: كقولنا الا في الثعلب فانه رأى فيه الجزاء، وروينا عن محاهد اقتل الحدأة وارم الغراب ولا تقتله * ومن طريق وكيع عن سفيان عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم قال: لا يقتل (5) المحرم الفأرة *


(1) بفتح الحاء المهملة واللام وهو القراد العظيم، قال الجوهرى: هو مثل القمل (2) هو بوزن عنب واحده حداة بوزن عنبة طائر معروف من الجوارح وهو اخس الطير وهى لاتصيد وانما تخطف، ومن محاسنها انها لو ماتت جوعا لا تعدو على فراخ جارها، وهذا خلق المؤمن الكامل حقا في ايمانه لو وجد الآن (3) بفتح الواو والزاى وفى آخره غين معجمة دويبة وهى جمع وزغة، وقد جاء الترغيب في قتلها لانها من الفواسق في غير حديث (4) هي بالهمز وجمعها بالهمز وقد تسهل (5) في النسخة رقم (16) (يقتل) باسقاط حرف لا وهو خطأ

[ 240 ]

قال أبو محمد: كل ما ذكرنا آراء فاسدة متناقضة ولئن كانت السباع محرمة على المحرم وفي الحرم فان تفريق أبى حنيفة بين جزاء الصيد فرأى فيه قيمته يبتاع ما بلغت من الاهداء ولو ثلاثة. أو أربعة وبين جزاء السباع فلم ير فيها الا الاقل من قيمتها أو شاة فقط لا يزيد على واحدة عجب لا نظير له؟، ودين جديد نبرأ إلى الله تعالى عزوجل منه، وقول بلا برهان لامن قرآن. ولاسنة. ولا رواية سقيمة. ولاقول أحد يعرف قبله. ولاقياس. ولا رأى له نميب من السداد، وكذلك تفريق مالك بين صغار الغربان، والحديا وبين صغار العقارب، والحيات، وبين سباع الطير، وبين سباع ذوات الاربع * (فان قالوا): قسنا سباع ذوات الاربع على الكلب العقور قلنا: فهلا قستم سباع الطير على الحدأة؟ أو هلا قستم سباع ذوات الاربع على الضبع وعلى الثعلب عندكم؟ واحتجوا في القردان بأنها من البعير * قال على: هذا كلام فاحش الفساد لو جهين، أحدهما أنه باطل وما كانت القردان قط متولدة من الابل، والثانى أنه ما علم في دين ا لله تعالى إحرام على بعير ولو ان محرما أنزى بعيره على ناقة أو أنزى بعيرا على ناقته ما كان عليه في ذلك شئ، فكيف ان (1) يعذب بأكل القردان له (2)؟ ان هذا لعجب! واحتجوا في القملة بأنها من الانسان فقلنا فكان ماذا؟ وهم لا يختلفون ان الصفار (3) من الانسان ولو قتلها المحرم لم يكن فيها عندهم شئ، وقالوا: هو اماطة الاذى (4) عن نفسه فقنا: نعم فكان ماذا؟ وما أمر الله تعالى قط في اماطة الاذى بغير حلق الرأس بشئ وأنتم لا تختلفون في ان تعصير الدمل وحك الجلد وغسل القذى عن العين وقتل البراغيث إماطة أذى ولا شئ عليه في ذلك عندكم، واذ (5) قستم إماطة الاذى حيث اشتهيتم على اماطة الاذى بحلق الرأس فاجعلوا فيها ما في اماطة الاذى بحلق الرأس والافقد خلطتم وتناقضتم وأبطلتم قياسكم * قال على: وهذا الباب كله مرجعه إلى شيئين، أحدهما قول الله تعالى (لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) الاية * وإلى ما رويناه من طريق نافع عن ابن عمر قيل: (يا رسول الله ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟ قال: خمس لا جناح على من قتلهن الحدأة، والغراب، والعقرب، والفأرة والكلب العقور) * ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (خمس لا جناح على من (6) قتلهن في الحرم والاحرام الفأرة. والغراب. والحدأة. والعقرب، والكلب العقور) *


(1) في النسخة اليمنية سقط لفظ (ان) (2) سقط لفظ (له) من النسخة رقم (14) (3) قال في المجمد: الصفد دابة تكون فيه البطن تصيب الناس والدواب (4) في النسخة رقم (16) (اماطة للاذى) (5) في النسخة رقم (16) (وإذا قستم) (6) في النسخة رقم (16) (لا جناح فيه) *

[ 241 ]

قال على: فقال قائلون: قد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالبيان وسئل ماذا يقتل المحرم؟ فأجابهم عليه السلام بهذه الخمس وأخبر أنه لا جناح في قتلهن في الحرم والاحرام، فلو كان هنا لك سادس لبينه عليه السلام وحاشا له من أن يغفل شيئا من الدين (1) سئل عنه، فصح ان ما عدا هذه الخمسة لا يجوز قتلهن * قال أبو محمد: وهذا الاحتجاج لا يمكن المقلدين لابي حنيفة أن يحتجوا به لانهم كلهم قد زادوا إلى هذه الخمس ما لم يذكر فيهن، فأضاف أبو حنيفة اليهن الذئب. والحيات. والجعلان (2) والوزغ. والنمل. والقراد (3). والبعوض، (فان قالوا): (4) انما زدنا الذئب للخبر الذى رويناه من طريق وكيع عن سفيان عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقتل المحرم الذئب) والمرسل والمسند سواء، قلنا: فقولوا: بما روينا من طريق أبى داود عن أحمد بن حنبل عن هشيم قال: انا يزيد بن أبى زياد نا عبد الرحمن ابن أبى نعم البجلى (5) عن أبى سعيد الخدرى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: الحية. والعقرب والفويسقة ويرمى الغراب ولا يقتله. والكلب العقور والحدأة، والسبع العادى) (6) فاقتلوا كل سبع عاد، (7) ولم يقل عليه السلام: السبع العادى عليه (8) بل أطلقه إطلاقا، وأما نحن فلم نأخذ بما في هذا الخبر من النهى عن قتل الغراب لان روايه يزيد بن أبى زياد، وقد قال فيه ابن المبارك: ارم به، على جمود لسان ابن المبارك وشدة توقيه، وتكلم فيه شعبة. وأحمد، وقال فيه يحيى: لا يحتج بحديثه، وكذبه أبو اسامة وقال: لو حلف خمسين يمينا ما صدقته، (فان قالوا): قد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع الجزاء - وهى سبع ذو ناب - قلنا: نعم وهى حلال من بين السباع فهى صيد فما الذى أوجب ان تقيسوا سائر السباع المحرمة على الضبع الحلال أكلها؟ ولم تقيسوها على الذئب الذى هو حرام عندكم، وقد صح عن أبى هريرة ان الاسد هو الكلب العقور: وأبو هريرة حجة في اللغة ولا مخالف له من الصحابة يعرف في ذلك *


(1) في النسخة رقم (14) (من الذى) وهو تصحيف (2) هو - بكسر الجيم وسكون العين المهملة - جمع جمل كصردهى دويبة تعظ البهائم في فروجها وهى اكبر من الخنفساء شديدة السواد في بطنها لون حمرة، ومن عجيب امرها انها من تموت من ريح الورد وريح الطيب فإذا أعيدت إلى الروث عاشت (3) في النسخة رقم (16) (القردان وهو جمع لقراد (4) في النسخة رقم (16) (فان قال) وهو غلط لان السياق يأبى (5) في النسخة رقم (16) والنسخة اليمنية (بن ابى نعيم البجلى) وهو غلط، وجاء صحيحا في سنن ابى داود ج 2 ص 108 وهو بضم النون وسكون العين المهملة (6) قال الحافظ المنذرى واحرجه الترمذي: وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن اه‍ اقول وفيه يزيد ابن ابى زياد متكلم فيه كما قال المصنف رحمه الله (7) في النسخة رقم (16) والنسخة اليمنية (كل سبع عادى) باثبات الياء على خلاف القاعدة (8) في النسخة رقم (16) (عليك) وما هنا انسب بالسياق *

[ 242 ]

قال أبو محمد: أما هذه الاقوال فظاهرة الفساد، ولم يبق الكلام الافى تخصيص الخبر المذكور من (هذه) (1) الآية وإلحاق ما عدا ما ذكر في هذا الخبر بالتحريم، أو تخصيص الآية وإلحاق ما عدا ما ذكر فيها بالخبر المذكور، أو ان نحكم بما في الآية وبما في الخبر ونطلب حكم ما لم يذكر فيهما من غير هذين النصين * قال على: فكان الوحهان الاولان متعارضين ليس أحدهما أولى من الآخر، وأيضا فان إلحاق ما لم يذكر (2) في الآية بما ذكر فيها أو الحاق ما لم يذكر في الخبر بما ذكر فيه قياس (3)، والقياس كله باطل، وتعد لحدود الله (ومن يتعد حدود الله قد ظلم نفسه)، وشرع في الدين بما لم يأذن به الله تعالى وهذا لا يحل، فلم يبق الا الوجه الثالث فكان هو الحق لانه هو الائتمار لله تعالى ولرسوله عليه السلام وترك تعد لحدودهما * فنظرنا في ذلك فوجدنا الله تعالى انما حرم في الاحرام والحرم قتل الصيد وجعل على من قتله وهو حرم بالعمد الجزاء فوجب القول بذلك، ووجدنا رسول الله عليه السلام قد أخبر بأن المحرم يقتل الخمس المذكورات وأنه لا جناح في قتلهن في حرم، أو إحرام فوحب القول بذلك، ثم نظرنا فيما عدا الخمس المذكورات مما ليس صيدا فوجدنا الكلام فيهما في موضعين، أحدهما قتلها، والثانى هل في قتلها جزاء أم لا؟ فنظرنا في إيجاب الجزاء في ذلك فوجدناه باطلا لاإشكال قيه لانه ليس في هذا الخبر دليل على إيجاب جزاء في ذلك أصلا ولا شئ من النصوص كلها، فكان القول بذلك شرعا في الدين لم يأذن به الله تعالى، فبطل جملة والحمد لله رب العالمين * (4) ثم نظرنا في قتلها فوجدنا من منع منه يقول: اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على جواب السائل عما يقتل المحرم على هذه الخمس دليل على أن ما عداها بخلافها؟، ولولا ذلك لكان كلامه عليه السلام غير مسوعب لجواب السائل ولا مبين له حكم ما سأل عنه، وحاشا له من هذا، ووجدنا من أباح قتلها يقول: اقتصار الله تعالى على المنع من قتل الصيد خاصة بقوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما) دليل على ان ما عدا الصيد بخلاف الصيد في ذلك ولولا ذلك لكان كلامه تعالى غير مستوعب لما يحرم عليا ولا مبين لناحكم ما ألزمنا آياه وحاشا له من ذلك، فكان هذان الاستدلالان متقابلين فلا بد (5) من النظر فيهما * فأول ما نقول: ان اليقين من كل مسلم قد صح بأن الله تعالى قد بين لنا ما ألزمنا وأن


(1) الزيادة في النسخة اليمنية (2) في النسخة رقم (14) (فان الحاق الخبر ما لم يذكر) بزيادة لفظ (الخبر وزيادبه حشو (3) من قوله (ليس احدهما اولى من الآخر) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية خطأ (4) إلى هنا انتهى المجلد الثالث من النسخة رقم (16) (5) في النسخة رقم (16) (ولابد) *

[ 243 ]

رسول الله عليه السلام قد بين لنا ما ألزمنا الله تعالى ولم يجز لنا تعدى ما نصه علينا ربنا تعالى ونبينا عليه السلام، فوجدنا الآية فيها حكم الصيد وليس فيها حكم غيره لا بتحريم، ولا باباحة، ووجدنا الخبر الذى فيه ذكر الخمس المحضوض على قتلها في الحرم والاحرام والحل ليس فيه حكم غيرها لا بتحريم، ولا باباحة فلم يجز أن يضاف إلى هذه الآية ولا إلى هذا الحديث ما ليس فيهما، فوجب النظر فيما لم يذكر فيهما وطلب حكمه من غيرهما فوجدنا الحيوان قسمين سوى ما ذكر في الآية والخبر، فقسم مباح قتله كجميع سباع الطير وذوات الاربع. والخنازير. والهوام. والقمل. والقردان. والحيات. والوزغ. وغير ذلك مما لا يختلف أنه لاحرج في قتله، وقسم محرم قتله بنصوص واردة فيه كالهدهد. والصرد. والضفادع. والنحل. والنمل، فوجب ان يحمل كل ذلك على حكمه كما كان وان لا ينقل بظن قد عارضه ظن آخر وبغير نص جلى، فهذا هو الحق الذى لا يجوز تعديه * (فان قيل): فان مالا يحل أكله قد يصيده المرء ليطعمه جوارحه قلنا: هذا باطل لان الله تعالى قد نص علينا حكم الصيد بقوله تعالى: (ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم و رماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). و بقوله تعالى: (فإذا حللتم فاصطادوا) فصح أن المحلل لنا إذا حللنا هو المحرم علينا إذا أحرمنا وانه تصيدما علمنا الله عزوجل حكمه الذي بالتزامه يتبين من يخاف ربه تعالى فيلتزم ما أمر به في صيده ويجتنب ما نهى عنه فيه ممن لا يخاف ربه فيعتدى ما أمره به تعالى، وليس هذا بيقين الا فيما تصيد للاكل وما علمنا قط في لغة ولا شريعة أن الجرى خلف الخنازير والاسد وقتلها يطلق عليه اسم صيد * (فان قيل): فما وجه اقتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الخمس؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق: ظاهر الخبر يدل على انها محضوض على قتلهن مندوب إليه ويكون غيرهن مباحا قتله أيضا وليس هذا الخبر مما يمنع أن يكون غير الخمس مأمورا بقتله أيضا كالوزغ. والافاعي. والحيات. والرتيلا (1). والثعابين، وقد يكون عليه السلام تقدم بيانه في هذه فاكتفى عن اعادتها عند ذكره الخمس الفواسق، ولم يكن تقدم ذكره لهن، فلولا هذا الخبر ما علمنا الحض على قتل الغراب. ولا تحريم أكله وأكل الفأرة. والعقرب فله أعظم الفائدة ولله تعالى الحمد * وقد قلنا: إن هذا الحجاج كله لامدخل في شئ لابي حنيفة ولا لمالك لانهم زادوا على الخمس دواب كثيرة، ومنعوا من قتل دواب كثيرة بالرأى الفاسد المجرد، فلا بالاية تعلقوا ولا بالحديث *


(1) قال في اللسان (والرتيلا بالراء المهملة المضمومة وبعدها تاء مثناة من فوق مقصور وممدود عن السيرافى جنس من الهوام اه‍ الدميري في حياة الحيوان: الرثيلا بضم الراء المهملة وفتح الثاء المثلثة جنس من الهوام ويمد ايضا اه‍، وهى هنا في جميع النسخ بالتاء المثناة من فوق *

[ 244 ]

وأما الشافعي فانه تناقض في الثعلب لانه ذو ناب من السباع فهو حرام لم يأت تحليله في نص قط وليس صيدا، والعجب كله ممن احتج من أصحاب أبى حنيفة بحديث الخمس الفواسق وأوهم انه متعلق به غير متعد له، وقد كذبوا في ذلك كما ذكرنا، ثم لم يبالوا بأن يزيدوا على حديث الاصناف الستة في الربا ألف صنف لا يذكر لافى ذلك الخبر ولا في غيره * روينا من طريق وكيع نا سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: اقتل من السباع ما عدا عليك وما لم يعد (عليك) (1) وأنت محرم قال: ولا بأس بأن يقتل المحرم الذئب والسنور البرى والنسر * قال أبو محمد: أما النسر ففيه الجزاء لانه صيد حلال أكله إذ لم ينص على تحريمه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمر وبن دينار قال: ما سمعنا ان الثعلب يفدى، وعن معمر عن ابن أبى نجيح أن الثعلب سبع وأنكر أن يكون فيه جزاء أو أن يكون صيدا * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن ابراهيم بن عبد الاعلى عن سويد ابن غفلة قال: أمرنا عمر بن الخطاب بقتل الحية. والعقرب. والفأر. والزنبور ونحن محرمون * ومن طريق حماد بن سلمة عن حبيب المعلم (2) عن عطاء بن أبى رباح قال: ليس في الزنبور جزاء * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى عمرة عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: من قتل وزغا فله به صدقة، وعن ابن عمر اقتلوا الوزغ فانه شيطان * ومن طريق وكيع عن حنظلة بن أبى سفيان الجمحى عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقتل الوزغ في بيت الله تعالى * ومن طريق وكيع قال ابراهيم ابن نافع: سألت عطاء أيقتل الوزغ في الحرم؟ قال: لا بأس، ولا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن ابراهيم التيمى عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير قال: رأيت عمر بن الخطاب يقر دبعيره (3) وهو محرم * ومن طريق وكيع نا عبد الحميد بن جعفر عن عيسى بن على الانصاري أن على ابن أبى طالب رخص في المحرم ان يقر دبعيره * ومن طريق محمد بن المثنى نا محمد بن فضيل نا العلاء - هو ابن المسيب - قال: سئل عطاء أيقرد المحرم بعيره؟ قال: نعم قد كان ابن عمر يقرد بعيره وهو محرم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا روح بن عبادة عن زكريا بن اسحاق نا أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: لا بأس أن يقرد المحرم بعيره * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عكرمة أن ابن عباس أمره أن يقرد بعيرا وهو محرم فكره عكرمة فقال له ابن عباس: فقم فانحره فنحره فقال له ابن عباس: لا


(1) الزيادة من النسخة اليمنية (2) هو حبيب ابن ابى قريبة (3) أي يقتل قرادة وقد تقدم قريبا تفسيره ايضا بأوسع من هذا *

[ 245 ]

أم لك كم قتلت من قراد وحلمة وحمنانة (1)؟ لايعرف لهم من الصحابة مخالف الا رواية عن ابن عمر قد أوردنا عنه خلافها * وعن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد قال: يقرد المحرم بعيره ويطليه بالقطران لا بأس بذلك، وهو قول مجاهد: وقد روينا خلاف ذلك عن بعض التابعين * وأما النمل فلا يحل قتله ولا قتل الهدهد. ولا الصرد. ولا النحلة. ولا الضفدع لما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب، النملة. والنخلة. والهدهد. والصرد * ومن طريق أبى داود نا محمد بن كثير نا سفيان عن ابن أبى ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان (أن طبيبا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) عن ضفدع يجعلها في دواء؟ فنهاه النبي عليه السلام عن قتلها) (3) * قال أبو محمد: فلا يحل قتل شئ من هذه لالمحل ولا لمحرم فان قتل شيئا منها عامدا وهو محرم عالما بالنهي فهو فاسق عاص لله عزوجل ولاجزاء عليه لانها ليست صيدا * روينا من طريق حماد ابن سلمة عن أبى المهزم سمع ابن الزبير وسأله محرم عن قتله نملا؟ فقال له ابن الزبير: ليس عليك شئ * وأما البعوض. والذباب فزوينا عن سعيد بن جبير قال: ما أبالى لو قتلت عشرين ذبابة وأنا محرم وأنه لا بأس بقتل البق للمحرم يعنى البعوض * وعن عطاء لا بأس بقتل الذباب للمحرم، وعن مجاهد لا شئ في الرخم (4). والعقاب. والصقر. والحدأ يصيبها المحرم * وأما القمل فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن التيمي عن ابيه - هو المعتمر بن سليمان - عن أبى مجلز قال: شهدت امرأة سألت ابن عمر عن قملة قتلتها وهى محرمة،؟ فقال: ما نعلم القملة من الصيد وذكر باقى الخبر * ومن طريق وكيع نا عيسى بن حفص عن أبيه قال: رأني ابن عمر وأنا أنقر رأسي وأنا محرم فقال: هكذا حكا شديدا * ومن طريق وكيع نا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: كنت عند ابن عباس فسأله رجل أحك رأسي وأنا محرم؟ فحك ابن عباس رأسه حكا شديدا، فقال الرجل: أفرايت ان قتلت قملة، قال: بعدت ما القملة ما نعتي


(1) الحمنانة واحدة الحمنان بفتح الحاء المهملة قال في الصحاح الحمنانة قراد قال الاصمعي: اوله قمقامة صغير جدا ثم حمنانة ثم قراد ثم حلمة، وقد تقدم تفسير الحلمة قريبا * (2) في سنن ابى داود ج 4 ص 6 (سأل النبي صلى الله عليه وسلم) (3) قال الخطابى في شرح هذا الحديث: في هذا دليل على ان الضفدع محرم الاكل غير داخل فيما ابيح من دواب الماء وكل منهى عن قتله من الحيوان فانما هو لاحد أمرين اما الحرمة في نفسة كالآدمي واما لتحريم لحمه كالصرد والهدهد ونحوها، وإذا كان الضفدع ليس بمحرم كالآدمي كان النهى فيه منصرف إلى الوجه الآخر، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان الالمأكله * (4) هو جمع رخمة بالتحريك والهاء فيها للجنس طائرا بقع يشبه النسر في الخلقة *

[ 246 ]

أن أحك رأسي وإياها أردت، وما نهيتم الاعن الصيد، وعن ابن جريج عن عطاء كل مالا يؤكل فان قتلته وأنت محرم فلا غرم عليك فيه مع أنه ينهى عن قتله الا أن يكون عدوا أو يؤذيك * وعن حماد بن سلمة عن حبيب المعلم المعلم عن عطاء بن أبى رباح أنه كان لا يرى بأسا بقتل المحرم القملة * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم سمعت أبا بشر وقد سألته عن القملة يقتلها المحرم، فقال: قال سعيد بن جبير: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) ليس للقملة جزاء، وروينا من طريق سفيان الثوري عن جابر عن عطاء عن عائشة أم المؤمنين قالت: يقتل المحرم الهوام كلها إلا القملة فانها منه * قال أبو محمد: لم يجعل فيها شيئا، وقال أبو حنيفة: إن قتل قملة أطعم شيئا، وأباح للمحرم غسل ثيابه وغسل رأسه وهذا تناقض، وسئل مالك عن البعوض والبراغيث يقتلها المحرم أعليه كفارة؟ فقال: انى لاأحب ذلك، هذه رواية ابن وهب عنه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال في محرم لدغته دبرة (1) فقتلها وهو لايشعر فقال: يطعم شيئا وكذلك من قتل قملة * وقال الشافعي: إن أخذها من رأسه فقتلها فليطعم لقمة * قال على: فان احتجوا بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة إذ رآه يتناثر القمل على وجهه فأمره بحلق رأسه وأن يفتدى قلنا: نعم هذا حق ولسنا معكم في حلق الرأس انما نحن في قتل القمل ولم يقل عليه السلام: ان هذه الفدية إنما هي لقتل، ومن قوله هذا فقد كذب عليه، ولئن كانت القملة ليست من الصيد فمالها جزاء، ولئن كانت من الصيد فما مثلها لقمة ولاقبضة طعام وانما مثلها حبة سمسمة، فما ندرى بماذا تعلقوا؟ وبالله تعالى التوفيق * 891 - مسألة - وجائز للمحرم دخول الحمام والتدلك وغسل رأسه بالطين. والخطمى. والا كتحال. والتسويك. والنظر في المرآة. وشم الريحان. وغسل ثيابه. وقص أظفاره وشاربه ونتف إبطه والتنور، ولاحرج في شئ من ذلك ولا شئ عليه فيه لانه لم يأت في منعه من كل ما ذكرنا قرآن. ولاسنة، ومدعى الاجماع في شئ من ذلك كاذب على جميع الامة قائل مالا علم به، ومن أوجب في ذلك غرامة فقد أوجب شرعا في الدين لم يأذن به الله تعالى * وقد اختلف السلف في هذا * روينا من طريق أيوب السختيانى عن عكرمة ان ابن عباس دخل حمام الجحفة وهو محرم وقال: ان الله تعالى لا يصنع بوسخ المحرم شيئا وأنه قال: المحرم يدخل الحمام وينزع ضرسه وان انكسر ظفره طرحه، أميطوا عنكم الاذى (2) ان الله لا يصنع بأذاكم شيئا، وأنه كان لا يرى بشم الريحان للمحرم بأسا، وان يقطع ظفره إذا انكسر، ويقلع ضرسه إذا آذاه * ومن طريق معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال:


(1) أي زنبور (2) أي نحوا عنكم الاذى *

[ 247 ]

رأى عمر بن الخطاب بعض بنيه أحسبه قال عاصم بن عمر. وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو جالس على ضفة (1) البحر وهما يتماقلان وهم محرمون يغيب هذا رأس هذا ويغيب هذا رأس هذا فلم يعب عليهما * وعن عكرمة عن ابن عباس قال: كنت أطاول عمر بن الخطاب النفس ونحن محرمان في الحياض * ومن طريق حماد بن زيد نا أيوب - هو السختيانى - عن عكرمة عن ابن عباس قال: لقد رأيتنى أماقل عمر بن الخطاب بالجحفة ونحن محرمان، المماقلة التغطيس في الماء * ومن طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان هو وابن عمر باخاذ بالجحفة يترامسان وهما محرمان * قال أبو محمد: الاخاذ الغدير، والترامس التغاطس، ورأى مالك على من غيب رأسه في الماء الفدية، وخالف كل من ذكرنا، واختلف عن ابن عباس. والمسور بن مخرمة في غسل المحرم رأسه فاحتكما إلى أبى أيوب الانصاري ووجها إليه عبد الله بن حنين فوجده يغسل رأسه وهو محرم وأخبره أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم، وقد ذكرنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة أم المؤمنين بأن تنقض رأسها وتمتشط وهى محرمة * ومن طريق وكيع نا العمرى عن نافع عن ابن عمر قال: لا بأس ان يغسل المحرم ثيابه * ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن منصور عن سالم بن أبى الجعد قال: سئل ابن عمر عن ذلك؟ - يعنى عن غسل المحرم ثيابه - فقال: لا بأس به إن الله لا يصنع بدرنك شيئا * ومن طريق عمرو بن دينار عن عكرمة قال: لا بأس أن تمشط المرأة الحرام المرأة الحرام وتقتل قمل غيرها * وعن عطاء. وابراهيم النخعي قالا: لا بأس بدخول المحرم الحمام، وهو قول أبى حنيفة. وسفيان الثوري. والشافعي. وأبى سليمان * فان ذكروا قول الله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم) قلنا: روينا عن ابن عمر قال: التفث ما عليهم من الحج، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفطرة: قص الاظفار. ونتف الابط. وحلق العانة. وقص الشارب، والفطرة سنة لا يجوز تعديها، ولم يخص عليه السلام محرما من غيره (وما كان ربك نسيا) والعجب كله ممن يجعل فيمن فعل ما أمر به من ذلك أو أبيح له ولم ينه عنه كفارة أو غرامة، ثم لا يجعل على المحرم في فسوقه ومعاصيه. وارتكابه الكبائر شيئا لافدية، ولاغرامة بل يرى حجه ذلك تاما مبرورا؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينظر في المرآة وهو محرم * ومن طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا بأس أن ينظر المحرم في المرآة، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وهو قول الحسن. وابن سيرين.


(1) هو بكسر الضاد المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة جانب البحر أو النهر وفى النسخ كلها (صفة) بالصاد المهملة وهو تصحيف *

[ 248 ]

وعطاء. وطاوس. وعكرمة، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال مالك: يكره ذلك، وقد رويت كراهة ذلك عن ابن عباس، والاباحة عنه أصح * وقال أبو حنيفة: ان قلم المحرم اظفار أربع أصابع أربع أصابع من كل يدمن يديه، ومن كل رجل من رجليه فعليه اطعام ما شاء، فان قلم أظفار كف واحدة فقط أو رجل واحدة فقط فعليه دم * وقال محمد بن الحسن: إن قلم خمسة أظفار من يد واحدة أو من رجل واحدة أو من يدين أو من رجلين أو من يديه ورجليه معا فعليه دم، فان قلم أربعة أظفار كذلك فعليه إطعام، وقال أبو يوسف: كقول أبى حنيفة إلا أنه قال: يطعم عن كل ظفر نصف صاع، وقال زفر. والحسن بن زياد: ان قلم ثلاثة أظفار من يد واحدة أو من رجل واحدة أو من يدين ورجل أو من رجلين ويد فعليه دم، فان قلم أقل فعليه أن يطعم عن كل أصبع نصف صاع، وقال الطحاوي: لا شئ عليه حتى يقلم جميع أظفار يديه ورجليه فتجب عليه الفدية، وقال مالك: من قلم أظفاره ما يميط به عن نفسه أذى فالفدية المذكورة في حلق الرأس عليه، وقال الشافعي: من قلم ظفرا واحدا فليطعم مدا فان قلم ظفرين فمدين فان قلم ثلاثة أظفار فعليه دم، فاعجبوا لهذه الاقوال الشنيعة التى لا حظ لها في شئ من وجوه الصواب ولا نعلم أحدا قالها قبلهم:. وقد ذكرنا عن ابن عباس آنفا لا بأس على المحرم إذا انكسر ظفره أن يطرحه عنه وأن يميط عن نفسه الاذى وهو قول عكرمة. وابراهيم النخعي. ومجاهد. وسعيد بن جبير. وسعيد بن المسسيب. وحماد بن أبى سليمان ليس منهم أحد جعل في ذلك شيئا * وعن عطاء ان قص أظفاره لاذى به فلا شئ عليه فان قصها لغير أذى فعليه دم وعنه وعن الحسن ان قلم ظفره المنكسر فلا شئ عليه فان قلمه من غير أن ينكسر فعليه دم، وعن الشعبى ان نزع المحرم ضرسه فعليه دم * قال أبو محمد: ولا مخالف لابن عباس في هذا يعرف من الصحابة رضى الله عنهم، ويلزم من رأى في إماطة الاذى الدم أن يقول بقول اشعب في إيجاب إماطة الاذى بقلع الضرس نعم. وفى البول. وفى الغائط لان كل ذلك إماطة أذى، وعن ابن عباس يغسل المحرم ثيابه * ومن طريق وكيع عن سفيان عن منصور عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال في غسل المحرم ثيابه: ان الله لا يصنع بدرنك شيئا، وبه إلى سفيان عن أبى الزبير عن جابر قال: لا بأس بغسل المحرم ثيابه ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وبه يقول أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان: * 892 - مسألة - وكل ما صاده المحل في الحل فأدخله الحرم، أو وهبه لمحرم، أو اشتراه محرم فحلال للمحرم ولمن في الحرم ملكه، وذبحه، وأكله، وكذلك

[ 249 ]

من أحرم وفى يده صيد قد ملكه قبل ذلك، أو في منزله قريبا، أو بعيدا، أو في قفص معه فهو حلال له - كما كان - أكله. وذبحه. وملكه. وبيعه، وإنما يحرم عليه ابتداء التصيد للصيد وتملكه وذبحه حينئذ فقط فلو ذبحه لكان ميتة ولو انتزعه حلال من يده لكان للذى انتزعه ولا يملكه المحرم وان أحل الا بأن يحدث له تملكا بعد إحلاله * برهان ذلك أن الله تعالى قال: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقال: (ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) فقالت طائفة: هاتان الآيتان على عمومهما والشئ المتصيد هو المحرم ملكه وذبكه وأكله كيف كان؟ فحرموا على المحرم أكل كل شئ من لحم الصيد جملة وان صاده لنفسه حلال وان ذبحه الحلال، وحرموا عليه ذبح شئ منه وان كان قد ملكه قبل إحرامه. وأوجبو على من أحرم وفي داره صيد أو في يده. أو معه في قفص أن يطلقه وأسقطوا عنه ملكه البتة ولم يبيحوا لاحد من سكان مكة والمدينة أكل شئ من لحم الصيد. أو تملكه. أو ذبحه * وقالت طائفة: قول الله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) انما أراد الله تعالى الفعل الذى هو التصيد لا الشئ المتصيد وهو مصدر صاد يصيد صيدا فانما حرم عليه صيده لما يتصيد فقط، وقالوا: قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) هو التصيد أيضا نفسه المحرم في الآية الاخرى * واستدلت هذه الطائفة على ما قالته بقول الله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) قالوا: فالذي أباحه الله تعالى لنا بالاحلال هو بلا شك المحرم علينا بالاحرام لاغيره، وقالوا: لا يطلق في اللغة اسم الصيد الاعلى ماكان في البرية وحشيا غير متملك فإذا تملك لم يقع عليه اسم صيد بعد * قال أبو محمد: فهذان القولان هما اللذان لا يجوز أن يفهم من الآية غيرهما وكل ما عداهما فقول فاسد متناقض لا يدل على صحته دليل أصلا، فوجب ان ننظر في أي القولين يقوم على صحته البرهان. فوجدنا أهل المقالة الاولى يحتجون بحديث ابن عباس عن الصعب ابن جثامة الليثى أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش فرده عليه، وقال: (انا حرم لا نأكل الصيد)، وروى هذا الحديث أيضا بلفظ (أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش فرده عليه وقال: لولا أنا محرمون لقبلناه منك) * روينا اللفظ الاول من طريق حماد بن زيد عن صالح بن كيسان عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة، واللفظ الثاني من طريق الاعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أهدى الصعب بن جثامة * ومن طريق مسلم حدثنى زهير بن حرب نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن ابن جريج أخبرني الحسن بن مسلم عن

[ 250 ]

طاوس عن ابن عباس ان زيد بن أرقم أخبره (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى له (عضو من) (1) لحم صيد فرده وقال: انا لا نأكله انا حرم) وهذان خبران رويناهما من طرق كلها صحاح، وهذا قول روى عن على. ومعاذ. وابن عمر وبه يقول أبو بكر بن داود * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال: أهدى إلى ابن عمر ظبيا مذبوحة بمكة فلم يقبلها، وكان ابن عمر يكره للمحرم ان يأكل من لحم الصيد على كل حال * فنظرنا فيما احتجت به الطائفة الاخرى فوجدناهم يحتجون بما رويناه من طريق مسلم نا ابن أبى عمر نا سفيان - هو ابن عيينة - نا صالح بن كيسان قال: سمعت أبا محمد مولى أبى قتادة يقول: سمعت أبا قتادة يقول: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة (2) فمنا المحرم ومنا غير المحرم إذ بصرت بأصحابى يتراؤن شيئا (فنظرت) (3) فإذا حمار وحش (فأسرجت فرسى) (4) وأخذت رمحي ثم ركبت (فسقط منى سوطي) (5) فقلت لاصحابي: ناولونى سوطي وكانوا محرمين فقالوا: لا (6) والله لانعينك عليه بشئ فنزلت فتناولته، ثم ركبت فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء اكملة (7) فطعنته برمح فعقرته فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوه وقال: بعضهم: لا تأكلوه، وكان النبي عليه السلام أما منا فحركت فرسى فأدركته فقال: هو حلال فكلوه)، أبو محمد مولى أبى قتادة ثقة اسمه نافع روى عنه أبو النضر وغيره * ومن طريق مسلم نا أحمد بن عبدة الضبى نا فضيل بن سليمان النميري نا أبو حازم عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه (أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محرمون وأبو قتادة محل) فذكر الحديث وفيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل معكم منه (8) شئ؟ قالوا: معنا رجله فأخذها رسول الله عليه السلام فأكلها) * ومن طريق مسلم حدثنى زهير بن حرب نا يحيى - هو ابن سعيد ابن سعيد القطان - عن ابن جريج أخبرني محمد بن المنكدر عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمى عن أبيه قال: (كنا مع طلحة بن عبيدالله. ونحن حرم فأهدى لنا طير وطلحة راقد فمنا من تورع. ومنا من أكل فلما (9) استيقظ طلحة وفق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) * ومن طريق الليث بن سعد عن ابن الهاد عن محمد بن ابراهيم التيمى عن عيسى بن طلحة ابن عبيدالله عن عمير بن سلمة الضمرى قال: (بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروحاء وهم حرم إذا حمار معقور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه فيوشك صاحبه ان


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 233، والحديث مختصر من اوله (2) على ثلاث مراحل من المدينة قبل السقيا بنحو ميل اه‍ معجم (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 333 (4) الزيادة من صحيح مسلم (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) سقط لفظ (لا) من صحيح مسلم (7) الزيادة من صحيح مسلم (8) سقط لفظ (منه) من النسخة رقم (16) (9) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 334 مع تقديم وتأخير *

[ 251 ]

يأتي فجاء رجل من بهز هو الذى عقر الحمار فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر عليه السلام أبا بكر فقسمه بين الناس)، وهو قول عمر بن الخطاب. وطلحة كما ذكرنا وأبى هريرة كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله ابن عمر أنه سمع أبا هريرة يحدث أباه عبد الله بن عمر قال: سألني قوم محرمون عن محلين أهدوا لهم صيدا؟ قال: فأمرتهم بأكله، ثم لقيت عمر فأخبرته فقال عمر: لو أفتيتهم بغير هذا لاوجعتك * ومن طريق يحى بن سعيد القطان عن ابن جريج حدثنى يوسف بن ماهك أنه سمع عبد الله بن أبى عمار قال: أقبلنا مع معاذ بن جبل محرمين بعمرة من بيت المقدس وأميرنا معاذ بن جبل فأتى رجل بحمار وحش قد عقره فابتاعه كعب بن مسلم فجاء معاذ والقدور تغلى به فقال معاذ: لا يطيعني أحد الا أكفأ قدره فأكفأ القوم قورهم فلما وافوا عمر قص عليه كعب قصة الحمار فقال عمر: ما بأس ذلك؟ ومن نهى عن ذلك؟ لعلك أفتيت بذلك يا معاذ قال: نعم فلامه عمر * وهو أيضا قول ابن عمر. وابن مسعود. وأبى ذر. ومجاهد. وا لليث. وأبى حنيفة، وغيرهم * قال أبو محمد: فكانت هذه الاخبار والتى قبلها صحاحا كلها، فالواجب في ذلك الاخذ بجميعها واستعمالها كما هي دون أن يزاد في شئ منها ما ليس فيه فيقع فاعل ذلك في الكذب، فنظرنا في هذه الاخبار فوجدنا فيها إباحة أكل ما صاده الحلال للمحرم، ثم نظرنا في في التى قبلها فوجدناها ليس فيها نهى المحرم عن أكل ما صاده المحل أصلا وانما فيها قوله عليه السلام (انا لا نأكله انا حرم، ولولا أننا محرمون لقبلناه) فانما فيه رد الصيد على مهديه لانهم حرم وترك أكله لانهم حرم، وهذا فعل منه عليه السلام وليس أمرا وانما الواجب أمره وانما في فعله الايتساء به فقط، وهذا مثل قوله عليه السلام (أما انا فلا آكل متكئا) وتركه أكل الضب فلم يحرم بذلك الاكل متكئا لكن هو الافضل ولم يحرم أيضا أكل المحرم الصيد يصيده المحل بقوله عليه السلام (انا لا نأكله انا حرم) لكن كان ترك أكله أضل، وهكذا روى عن عائشة ولا حرج في أكله أصلا ولا كراهة لانه عليه السلام قد أباحه واكله أيضا فمرة أكله ومرة لم يأكله ومرة قبله ومرة لم يقبله، فكل ذلك حسن مباح، وهكذا القول في الحديث الذى فيه (أهدى لرسول الله عليه السلام بيض نعام وتتمير وحش فقال: أطعمه أهلك فانا حرم) لو صح فكيف ولا يصح؟ فإذ لاشك في هذا فقد صح ان قول الله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما) انما أراد به التصيد في البر فقط، وصح ان قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) نهي عن قتله في حال كون المرء حرما، والذكاة ليست قتلا بلا خلاف في الشريعة والقتل

[ 252 ]

ليس ذكاة فصح أنه لم ينه عن تذكيته، وإذا ثبت هذا فلم يأت النص بنهي عن تملك الصيد بغير التصيد فهو حلال * وبرهان قاطع وهو أن النبي عليه السلام سكن المدينة إلى أن مات، وهى حرم كمكة سواء سواء وأصحابه بعده، ولم يزل عليه السلام يهدى له الصيد ولاصحابه ويدخل به المدينة حيا فيبتاع ويذبح ويؤكل ويتملك، ومذكى فيباع ويؤكل، هذا أمر لا يقدر على إنكاره أحد جيلا بعد جيل، وكذلك بمكة وهى حرم * حدثنا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري نا عبد الوارث بن سفيان نا قلسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير بن حرب - هو ابن أبى خيثمة نا عبيدالله بن عمر نا حماد بن زيد قال: سمعت داود بن أبى هند يحدث هشام به عروة أن عطاء يكره ما أدخل من الصيد من الحل ان يذبح في الحرم، فقال هشام: وما علم عطاء، ومن يأخذ عن ابن أبى رباح كان أمير المؤمنين بمكة - يعنى عمه ابن الزبير - تسع سنين يراها في الاقفاص وأصحاب رسول الله عليه السلام يقدمون بها القمارى (1) واليعاقيب (2) لا ينهون عن ذلك * قال أبو محمد: ما لم يمنع منه الحرم لم يمنع منه الاحرام إذ لم يفرق بين ذلك النص أصلا فارتفع الاشكال، وبالله تعالى التوفيق، إلا أن أبا حنيفة قال: من أحرم وفي منزله صيد أو معه في قفص لم يلزمه إرساله فان كان في يده لزمه إرساله فان وجده بعد إحلاله في يد إنسان قد أخذه كان له ارتجاعه وانتزاعه من الذى هو بيده، وهذا تخليط ناهيك به، ولئن كان يسقط ملكه عنه باحرامه فما له ان يأخذه ممن ملكه ولا سبيل إلى عودة ملكه عليه بعد سقوطه الا ببرهان، وان كان ملكه لم يسقط عنه باحرامه فلا يلزمه إرساله، وقال أيضا: ان صاد محل صيدا فأدخله حرم مكة حيا فعليه أن يرسله فان باعه فسخ بيعه فان باعه ممن يذبحه أو ذبحه فعليه الجزاء، وهذا تخليط وتناقض لما ذكرنا قبل * وروينا عن مجاهد لا بأس أن يدخل الصيد في الحرم حيا، ثم يذبح * وعن عطاء. وعمرو بن دينار. وسعيد بن جبير ايضا مثل هذا * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن صابح به كيسان قال: رأيت الصيد يباع بمكة حيا في إمارة ابن الزبير * قال أبو محمد: ولافرق بين من كان في الحرم. وبين المحرم في الحل والحرم لان كليهما يقع عليه إسم حرم، وبالله تعالى التوفيق، فإذ قد صح هذا فالواجب فيمن قتل صيدا متملكا وهو محرم أو في الحرم أن يؤدى لصاحبه صيدا مثله يبتاعه له أو قيمته ان لم يوجد مثله ولا جزاء فيه ولا يؤكل الذى قتل لانه ميتة إذ قتله بغير إذن صاحبه *


(1) هو جمع القمرى والانثى قمرية طائر مشهور (2) هو جمع يعقوب ذكر الحجل، ويوصف بكثرة العدو وشدته *

[ 253 ]

قال أبو محمد: وههنا قولان آخران، أحدهما قوم قالوا: لحم الصيد حلال للمحرم ما لم يصده هو أو يصد له، واحتجوا بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال: (خرجت مع رسول الله عليه السلام زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فرأيت حمار وحش فحملت عليه فاصطدته فذكرت شأنه للنبى عليه السلام وذكرت أنى لم أكن أحرمت فأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته انى اصطدته له * وبما رويناه من طريق عمرو بن أبى عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام: (صيد البر لكم حلال وأنتم حرم الا ما اصطدتم وصيد لكم) فروينا هذا عن عثمان وأنه أتى بصيد وهو وأصحابه محرمون فأمرهم بأكله ولم يأكله هو فقال له عمرو بن العاصى: يا عجبا لك تأمرنا ان نأكل مما لست آكلا فقال عثمان: ان أظن انما صيد من أجلى فأكلوا ولم يأكل، وهو قول مالك * قال أبو محمد: أما خبر جابر فساقط لانه عن عمرو بن أبى عمرو وهو ضعيف، وأما خبر أبى قتادة قان معمرا رواه كما ذكرنا، ورواه عن يحيى بن أبى كثير معاوية بن سلام، وهشام الدستوائى كلاهما يقول فيه. عن يحيى حدثنى عبد الله بن أبى قتادة ولا يذكران ما ذكر معمر، ولم يذكر فيه معمر سماع يحيى له من عبد الله بن أبى قتادة، ورواه أيضا شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهوب عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبى قتادة على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى فلم يذكر فيه ما ذكر معمر، ورواه أيضا أبو محمد مولى أبى قتادة عن أبى قتادة فلم يذكر فيه ما ذكر معمر، ورواه أبو حازم عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبى قتادة فذكر أن رسول الله عليه السلام أكل منه * فلا يخلو العمل في هذا من ثلاثة أوجه. اما ان تغلب رواية الجماعة على رواية معمر لاسيما وفيهم من يذكر سماع يحيى من ابن أبى قتادة ولم يذكر معمرا، أو تسقط رواية يحيى بن أبى كثير جملة لانه اظطرب عليه ويؤخذ برواية أبى حازم. وأبى محمد. وابن موهب الذين لم يضطرب عليهم لانه لا يشك ذو حس ان إحدى الروايتين وهم، إذ لا يجوز أن تصح الرواية في أنه عليه السلام أكل منه وتصح الرواية في أنه عليه السلام لم يأكل منه وهى قصة واحدة في وقت واحد في مكان واحد في صيد واحد ويؤخذ بالزائد وهو الحق الذى لا يجوز تعديه * فنظرنا في ذلك فوجدنا من روى عن عبد الله بن أبى قتادة (أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أكل منه) قد أثبت خبرا وزاد علما على من روى عنه انه عليه السلام لم يأكل منه فوجب الاخذ بالزائد ولابد وترك رواية من لم يثبت ما أثبته غيره، و بالله تعالى التوفيق * وأما فعل عثمان فاننا روينا من طريق سعيد بن منصور انا ابن وهب انا عمرو بن الحارث

[ 254 ]

ان أبا النضر مولى عمر بن عبيدالله (1) حدثه أن بسر (2) بن سعيد أخبره أن عثمان بن عفان كان يصاد له الوحش على المنازل، ثم يذبح فيأكله وهو محرم سنتين من خلافته، ثم أن الزبير كلمه فقال: ما أدرى ما هذا يصاد لنا ومن أجلنا؟ لو تركناه فتركه، فصح انه رأى من عثمان. والزبير واستحسان لامنع ولاعن أثر عندهما، ومثل هذا لا تقوم به حجة، ولا يشك أحد في أن أبا قتادة لم يصد الحمار الالنفسه وأصحابه وهم محرمون فلم يمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكله فسقط هذا القول * وقول آخر: وهو انه حلال للمحرم ما صاده الحلال ما لم يشر له إليه أو يأمره بصيده واحتج هؤلاء بما رويناه من طريق سعبة انا عثمان بن عبد الله بن موهب قال: سمعت عبد الله بن أبى قتادة يحدث عن أبيه (انهم كانوا في مسير لهم بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم فرأيت حمار وحش فركبت فرسى وأخذت رمحي فاستعنتهم فأبوا أن يعينونى فاختلست سوطا من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته فأكلوا فأشفقوا منه فسئل عن ذلك رسول الله عليه السلام؟ فقال. هل أشرتم أو أعنتم؟ قالوا: لاقال: فكلوه) * ومن طريق أبى عوانة عن عبد الله بن عثمان بن موهب عن ابن أبى قتادة عن أبيه بمثله الا انه قال: هل منكم احد أمره أو أشار إليه بشئ؟ قالوا: لا * قال أبو محمد: وهذا لاحجة لهم فيه لاننا لا ندري ماذا كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قال له: نعم؟ إلا أن اليقين عندنا أن كل ما لم يقله عليه السلام ولاحكم به فانه غير لازم ولا تؤخذ الديانة بالتكهن، ونحن على يقين من أنه لو لزم باشارتهم إليه أو أمرهم اياه أو عونهم له حكم تحريم لبينه عليه السلام، فإذ لم يفعل فلا حكم لذلك * وقد روينا عن عطاء في محرم كان بمكة فاشترى حجلة فأمر محلا بذبحها انه لا شئ عليه، وبالله تعالى التوفيق * 893 - مسألة فلو أمر محرم حلالا بالتصيد فان كان ممن يطيعه ويأتمر له فالمحرم هو القاتل للصيد فهو حرام، وان كان ممن لا يأتمر له ولا يطيعه فليس المحرم ههنا قاتلا بل أمر بمباح حلال للمأمور ولو اشترك حلال ومحرم في قتل صيد كان ميتة لا يحل أكله لانه لم تصح فيه الذكاة خالصة، وعلى المحرم جزاؤه كله لانه قاتل ولاجزاء على المحل، وبالله تعالى التوفيق * 894 - مسألة - ومباح للمحرم ان يقبل امرأته ويباشرها ما لم يولج لان الله تعالى لم ينه الا عن الرفث والرفث الجماع فقط، ولاعجب أعجب ممن ينهى عن ذلك! ولم


(1) وقع في تهذيب التهذيب (عبد الله) وفى النسخ كلها (عبيد الله) بالتصغير وهو موافق لما في تقريب التهذيب (2) وقع في تهذيب التهذيب (بشر) ج 1 ص 431 بشين معجمة وهو غلط والصواب ماهنا بالسين المهملة *

[ 255 ]

ينه الله تعالى ولا رسوله عليه السلام قط عن ذلك، ويبطل الحج بالامناء في مباشرتها التى لم ينهه قط قرآن ولاسنة عنها، ثم لا يبطل حجه بالفسوق الذى صح نهى الله تعالى في القرآن عنه في الحج من ترك الصلاة، وقتل النفس التى حرم الله تعالى بغير الحق وسائر الفسوق ان هذا لعجب * روينا من طريق الحذافى عن عبد الرزاق نا محمد بن راشد عن شيخ يقال له: أبو هرم قال: سمعت أبا هريرة يقول: يحل للمحرم من امرأته كل شئ إلا هذا وأشار باصبعه السبابة بين أصبعين من أصابع يده يعنى الجماع * وعن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عثمان بن عبد الرحمن انه قبل امرأته وهو محرم فسألت سعيد بن جبير؟ فقال: ما نعلم فيها شيئا فليستغفر الله عزوجل، قال ابن جريج: وسمعت عطاء يقول: مثل قول سعيد بن جبير، ومن طريق ابن جريج أيضا عن عطاء لا يفسد الحج الا التفاء الختانين فإذا التقى الختانان فسد الحج ووجب الغرم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن غيلان بن جرير قال: سألني وعلى بن عبد الله، وحليم بن الدريم محرم؟ فقال: وضعت يدى من امرأتي موضعا فلم أرفعها حتى أجنبت فقلنا: كلنا مالنا بهذا علم؟ فمضى إلى أبى الشعثاء جابر بن زيد فسأله، ثم رجع الينا يعرف البشر في وجهه؟ فسألناه ماذا أفتاك؟ فقال: انه استكتمني، فهؤلاء كلهم لم يروا في ذلك شيئا * فان ذكروا الرواية عن عائشة يحرم على المحرم من امرأته كل شئ الا الكلام وعن ابن عباس انما الرفث ما تكلم به عند النساء، فهم أول مخالف لهذا لانهم يبيحون له النظر، ئم انها وابن عباس لم يجعلا في ذلك شيئا، وقال أبو حنيفة. والشافعي: من جامع دون الفرج فأنزل فليس عليه الا دم وتجزئه شاة وحجه تام * وروينا عن ابن عباس ولم يصح فيمن نظر فأمذى. أو أمنى عليه دم * وعن على ولا يصح من قبل فعليه دم، أما رواية ابن عباس فعن شريك عن ابراهيم بن مهاجر، وأما رواية على فعن شريك عن جابر الجعفي وكلهم لا شئ * قال أبو محمد: إيجاب الدم في ذلك قول لم يوجبه قرآن. ولاقياس. ولاقول مجمع عليه، وبالله تعالى التوفيق * 895 - مسألة - ومن تطيب ناسيا أو تداوى بطيب أو مسه طيب الكعبة، أومس طيبا لبيع، أو شراء، أو لبس ما يحرم على المحرم لباسه ناسيا، أو الضرورة طال كل ذلك منه، أو قصر فلا شئ عليه ولا يكدح ذلك في حجه وعليه أن يزيل عن نفسه كل ذلك ساعة يذكره أو ساعة يستغنى عنه، وكذلك من حلق رأسه ناسيا فلا شئ عليه، وله ان يحتجم ويحلق مواضع المحاجم، ولا شئ عليه، وله ان يدهن بما شاء، فلو تعمد لباس ما حرم عليه، أو فعل ما حرم لغير ضرورة بطل حجه وإحرامه *

[ 256 ]

برهان ذلك قول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فميا أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عفى لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فالمستكره على كل ما ذكرنا والمرأة المكرهة على الجماع لا شئ عليها، ولا على من أكره على ما ذكرنا، وحجهم تام، واحرامهم تام * وقال أبو حنيفة: من غطى رأسه، أو وجهه، أو لبس ما نهى عامدا، أو ناسيا، أو مكرها يوما إلى الليل فعليه دم، فان فعل ذلك أقل من يوم فعليه صدقة، فان حلق قفاه للحجامة فعليه دم، فان حلق بعض عضو فعليه صدقة، وقال مالك: من فعل شيئا من ذلك فأماط به عن نفسه أذى فعليه الفدية التى على من حلق رأسه ولايحتجم الا من ضرورة، فان حلق مواضع المحاجم فعليه الفدية، وقال الشافعي: لا شئ في النسيان في كل ذلك الا في حلق الرأس فقط ففيه الفدية قال: ولا يحلق موضع المحاجم ولم يذكر في ذلك فدية * قال أبو محمد: أما أقوال أبى حنيفة فظاهرة الفساد والتناقض ولا نعلمها عن أحد قبله، ولا دليل على صحة شئ منها لا من قرآن، ولامن سنة، ولا رواية سقيمة، ولاقول صاحب، ولاقياس لان تفريقه بين ذلك يوما أو أقل من يوم دعوى فاسدة، وقال بعضهم: هذا هو المعهود من لباس الناس * قال على: كذب في ذلك بل قد قال الله تعالى: (وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء) فأخبر تعالى ان اللباس لا يقل (1) في النهار بل قد يوضع للقائلة، وأخبر أن اللباس يقل (2) إلى بعد صلاة العشاء وقد يكون إلى نصف الليل، فان ذكروا ماروى عن ابن عباس. والنخعي ان من ترك من نسكه شيئا فليرق دما قلنا: أنتم أول من خالف ذلك لانكم تجعلون في أكثر ذلك صدقة لادما، ولاعجب أعجب ممن يحتج بشئ يراه حقا، ثم هو أول مخالف له: وأما قول مالك فانه قياس والقياس كله باطل، ولو كانت اماطته (3) الاذى بغير حلق الرأس توجب الفدية لاوجب الفدية البول. والغائط. والاكل. والشرب. والغسل للحر، والتروح والتدفؤ للبرد، وقلع الضرس للوجع، فكل هذا اماطة أذى، (فان قالوا): قد أجمع الناس على اسقاط الفدية في أكثر


(1) يقال أقل الشئ يقله واستقله يستقله إذا رفعه وحمله، والمعنى هنا والله أعلم (وحين تضعون ثيابكم) - أي تنرعونها عن ابدانكم وقت الظهيرة من شدة حرها، وكذلك بعد صلاة العشاء لانه وقت نوم وخلوة بالاهل (2) أي يحمل ويلبس بعد صلاة العشاء وبعد هذا الوقت ينزع لانه، وقت نوم ففى الاية دليل على ان اللباس لا يتصل لبسه من اول النهار إلى آخره بل ينزع في اوقات مخصوصة فسقط ماقاله البعض من ان المعهود من لباس الناس يوما إلى الليل كما يقوله أبو حنيفة، ووقع في بعض النسخ (ان اللباس يتصل) بدل (يقل) والمعنى قريب من هذا ولايحتاج إلى تكلف وجرينا على ماهنا على بيان المعنى بخلاف تلك النسخ (3) في النسخة اليمنية (اماطة) *

[ 257 ]

من ذلك قلنا: حسبنا واياكم اقراركم بصحة الاجماع على الطال علتكم، وعلى أنه ليس كل اماطة أذى تجب فيه فدية، والزام الصيام والصدقة والهدى شرع لا يجوز الزامه أحد حيث لم يلزمه الله تعالى ولارسوله عليه السلام، فان ادعوا اجماعا كذبوا لانهم لا يقدرون على ان يوردوا في ذلك قول عشرة من صاحب، وتابع في ذلك مع اختلافهم في أقوالهم، * واما الشافعي فانه احتج له مقلده بأن كل من ذكرنا يقدر الناس على إزالته عن نفسه الا حلق الشعر فلا يقدر على انباته فقلنا: فكان ماذا؟ وأى شئ في هذا مما يوجب الفدية؟ وهل زدتم إلا دعوى لا برهان لها * وروينا من طريق ابن عمر كان يأكل الخبيص الاصفر (1) وهو محرم يعنى المزعفر * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: يكتحل المحرم بأى كحل شاء ما لم يكن فيه طيب * ومن طريق شعبة عن شمسية الازدية أن عائشة أم المؤمنين قالت لها: اكتحلي بأى كحل شئت غير الاثمد أما انه ليس بحرام ولكنه زينة، ونحن نكرهه * ومن الخلاف في ذلك ما رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن مهدى نا يزيد ابن ابراهيم عن قتادة أن عبد الرحمن بن أبى بكر أمر امرأة محرمة اكتحلت باثمد أن تهرق دما * ومن طريق سعيد بن منمور نا مروان - هو ابن معاوية الفزارى - نا صالح بن حى قال: رايت أنس بن مالك أصاب ثوبه خلوق الكعبة فلم يغسله - وكان محرما - وعن عطاء. وسعيد بن جبير مثله سواء سواء * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن أبى الزبير عن جابر ان شم المحرم ريحانا. أو مس طيبا أهرق دما (2) * وقد روينا من طريق عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم) * ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وطاوس عن ابن عباس (أن النبي عليه السلام احتجم وهو محرم) * ومن طريق مسلم عن أبى بكر ابن أبى شيبة نا المعلى بن منمصور نا سليمان بن بلال عن علقمة بن أبى علقمة عن عبد الرحمن الاعرج عن ابن بحينة قال: (احتجم رسول الله عليه السلام بطريق مكة (3) وهو محرم وسط رأسه) * قال أبو محمد: لم يخبر عليه السلام ان في ذلك غرامة ولا فدية ولو وجبت لما أغفل ذلك وكان عليه السلام كثير الشعر أفرع، (4) وانما نهينا عن حلق الرأس في الاحرام، والقفا ليس رأسا ولاهو من الرأس، فان ذكروا ما روينا عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر


(1) هو طعام معروف (2) في النسخة رقم (14) (أو اهرق دما) وهو غلط (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 337 (ان النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بطريق مكة) الخ (4) قال في الصحاح الا فرع التام الشعر وقال في النهاية وافى الشعر، وقيل الذى له جمة *

[ 258 ]

أنه أمر محرما احتجم ان يفتدى بصيام. أو صدقة. أو نسك، فان اضطر إلى ذلك فلا شئ عليه، * فهذا عليهم لانهم خالفوه في موضعين، أحدهما أنه أوجب الدم ولم يشترط ان حلق لها شعرا، والثانى أنه لم ويوجب شيئا على من اضطر إليها وهم لا يقولون بهذا * وروينا عن مسروق أنه قال: يحتجم المحرم ولايحتجم الصائم ولم يشترط ترك حلق القفا * وعن طاوس يحتجم المحرم إذا كان وجعا وما نعلم من أوجب في ذلك حكما من التابعين إلا الحسن فانه فال: من احتجم وهو محرم اراق دما * وعن ابراهيم. وعطاء ان حلق مواضع المحاجم فعليه كفارة * وأما الادهان فروينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن أشعث بن سليم - هو ابن أبى الشعثاء - (1) عن مرة بن خالد قال: را نا أبو ذر ونحن محرمون فقال: ادهنوا ايديكم، وصح عن ابن عمر أنه كره ان يعالج المحرم يديه بالدسم وان يدهن بالسمن رأسه لصداع أصابه ولم يجعل في ذلك شيئا * وروينا عن عطاء من تداوى بدواء فيه طيب فعليه الكفارة ولا بأس بالادهان الفارسية * وعن ابراهيم في الطيب الفدية * وعن مجاهد إذا تداوى المحرم بالسمن، أو الزيت، أو البنفسج فعليه الكفارة * وعن الحجاج بن أرطاة كان الحكم وأصحابنا يقولون في المحرم يداوى قروحا برأسه وجسده: ان عليه كفارتين * وأما اللباس ناسيا فعن عطاء في المحرم يغطى رأسه ناسيا لا شئ عليه فان لبس قميصا ناسيا فلا شئ عليه وليستغفر الله تعالى، فان تعمد ذلك فالكفارة * وعن حماد ابن أبى سليمان بمثله لا شئ في ذلك على الناسي * وعن مجاهد. وسعيد بن جبير انهما اجاز اللمحرم أكل الطعام، وفيه الزعفران، وكرهه عطاء واخبر أنه لايأثر قوله عن أحد * وعن طاوس. وعطاء إباحة الخبيص المزعفر للمحرم، ومثله عن الحسن. وابراهيم النخعي. وجابر بن زيد. ومحمد بن على * وعن ابراهيم. وعطاء. والحسن. في لباس القميص. والقلنسوة. والخفين للمحرم أنه يهرق دما، وهذه كلها أقوال مخالفة لاقوال أبى حنيفة، ومالك * قال أبو محمد: وأما من تعمد ما حرم عليه فقد فسق والفسوق يبطل الحج كما قدمنا، وبالله تعالى التوفيق * 896 - مسألة - وللمحرم ان يشد المنطقة على ازاره ان شاء أو على جلده ويحتزم بما شاء ويحمل خرجه على رأسه ويعقد ازاره عليه ورداءه ان شاء، ويحمل ما شاء من الحمولة على رأسه ويعصب على رأسه لصداع، أو لجرح ويجبر كسر ذراعه أو ساقه ويعصب على جراحه وخراجه وقرحه ولا شئ عليه في كل شئ من ذلك، ويحرم في أي لون شاء حاشا


(1) في النسخة رقم (14) (هو أبو الشعثاء) ونبه مصححها على انها غلط وصوابه كما هنا وهو كما قال *

[ 259 ]

ما صبغ بورس، أو زعفران لانه لم ينهه عن شئ مما ذكرنا قرآن، ولاسنة (وما كان ربك نسيا). إذ اننا روينا من طريق وكيع عن ابن أبى حسان (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى محرما محتزما بحبل فقال: يا صاحب الحبل ألقه) وبه إلى ابن أبى ذئب عن مسلم بن جندب سمعت ابن عمر يقول: تعقد عليك شيئا وانت محرم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أنه كره الهميان (1) للمحرم، فأما الاثر فمرسل لاحجة فيه، وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن الاسلمي عمن سمع صالحا مولى التوأمة انه سمع ابن عباس يقول: رخص رسول الله عليه السلام في الهميان للمحرم * قال أبو محمد: كلاهما وتمرة، واما ابن عمر فقد روى عنه وعن غيره من الصحابة رضى الله عنهم خلاف هذا * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا ابن فضيل عن ليث عن عطاء. وطاوس قالا جميعا: رأينا ابن عمر قد شد حقويه (2) بعمامة وهو محرم * ومن طريق سعيد بن منصور عن هشيم ارنا يحيى بن سعيد الانصاري عن القاسم ابن محمد عن عائشة أم المؤمنين انها كانت ترخص في الهميان يشده المحرم على حقويه وفي المنطقة أيضا * ومن طريق وكيع عن سفيان عن حميد الاعرج عن عطاء عن ابن عباس قال في الهميان للمحرم: لا بأس به * ومن طريق شعبة عن ممنصور عن مجاهد قال: رأيت ابن الزبير جاء حاجا فرمل حتى رأيت منطقته قد انقطعت على بطنه * قال أبو محمد: لاشك ان ابن الزبير لم يكن مضطرا إلى احراز نفقته وابن عمر لم يجعل في ذلك شيئا، ورأى مالك على من عصب رأسه فدية، ومن طريق ابن عمر لا يعصب المحرم رأسه بسير ولا بخرقة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابى داود الطيالسي عن أبى معشر عن عبد الرحمن بن يسار قال: رأيت ابن عباس قد شد شعره بسير وهو محرم وكلاهما لم يجعل فيه شيئا * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار قلت لجابر بن زيد أبى الشعثاء: ينحل ازارى يوم عرفة قال: اعقده * ومن طريق سعيد بن ممنصور نا خالد بن عبد الله عن العلاء بن المسيب عن الحكم بن عتيبة أنه كان لا يرى بأسا ان يتوشح المحرم بثوبه وعقده على قفاه * ومن طريق سعيد بن منصور ناهشيم عن يونس عن الحسن البصري أنه لم ير بأسا ان يعقد المحرم ثوبه على نفسه، وأباح لباس الهميان للمحرم محمد بن كعب. وعطاء. وطاوس. ومحمد بن على. وابراهيم. وسعيد بن جبير. ومجاهد. والقاسم بن محمد، وكرهه آخرون * وعن سعيد بن جبير أنه أباح للمحرم ينكسر


(1) هو كيس يجعل فيه النفقة ويشد على الوسط وجمعه همايين (2) تثنية حقو هو الخاصرة *

[ 260 ]

ظفره ان يجعل عله مرارة ولم يأمر في ذلك بشئ * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص نا منمصور عن ابراهيم ومجاهد قالا جميعا: يجبر المحرم عظمه إذا انكسر قالا: وليس عليه في ذلك كفارة * ومن طريق سعيد بن منصور ثنا جرير بن عبد الحميد عن ممنصورعن مجاهد قال: إذا انكسرت يد المحخرم أوشج عصب على الشج والكسر وعقد عليه ولم يجعل في ذلك شيئا * وعن محمد بن على. وسعيد بن المسيب لا بأس ان يعقد المحرم قال محمد: على القرحة، وقال ابن المسيب: على الجرح، وأباح أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان للمحرم الهميان والمنطقة، وان يحمل الخرج على رأسه ونحو ذلك ولم يروا فيه بأسا، وأباح مالك لباس المنطقة للمحرم إذا كانت فيها نمفقته، ومنعه لباسها إذا كانت فيها نفقة غيره، وجعل ابن القاسم صاحبه في ذلك الفدية، ومنع مالك من شد المنطقة على العضد للمحرم وأباح شدها على جلده ومنع من شدها فوق الازار، وجعل ابن القاسم صاحبه في ذلك فدية فأقوال متناقضة لادليل على صحة شئ منها، ولا نعلم أحدا قال بها قبلهما، ومنع مالك المحرم من حمل خرج لغيره على رأسه ورأى عليه في ذلك فدية وأباح له حمله على رأسه إذا كان له، وهذا فرق فاسد لا نعلمه أيضا عن أحد قبله، وقد روى عن عطاء إباحة حمل المحرم المكتل على رأسه، ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن على بن الحسين قال: رأى عمر على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين (1) وهو محرم فقال: ما هذا؟ فقال على بن أبى طالب: ما أخال أحدا يعلمنا السنة فسكت عمر * وعن سالم ابن عبد الله بن عمر أنه لبس ثوبا موردا وهو محرم، (فان قيل): قد روى عن عمر أنه أنكر على طلحة لباس ثوب مصبوغ للمحرم قلنا: أنتم أول من خالف عمر في ذلك فلم تنكروه؟ ولا رأيتم فيه شيئا، وهذا مما تركوا فيه القياس فأباحوا المصبغات ولم يقيسوها على الورس والمعصفر كما قاسوا كل من أماط به أذى على حالق رأسه، وكما قاسوا جارح الصيد على قاتله، وكما أوجبوها على من لبس قميصا أو عمامة * 897 - مسألة - ولا يحل لاحد قطع شئ من شجر الحرم بمكة. والمدينة، ولا شوكة فما فوقها، ولامن حشيشه حاشا الاذخر (2) فان جمعه مباح في الحرم ومباح له ان يرعى إبله أو بعيره أو مواشيه في الحرم، فان وجد غصنا قد قطعه غيره أو وقع ففارق جذمه (3) فله أخذه حينئذ، فان احتطب في حرم المدينة خاصة فان سلبه حلال لمن وجده * روينا من طريق مسلم لن الحجاج نا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - انا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه


(1) قال في الصحاح: ضرجت الثوب تضريجا إذا صبغته بالحمرة وهو دون المشبع وفوق المورد أه‍ (2) هو - بكسر الهمزة - حشيش طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب (3) قال الجوهرى في صحاحه الجذم بالكسر اصل الشئ وقد يفتح *

[ 261 ]

الله تعالى يوم خلق السموات والارض فهو حرام بحرمة الله تعالى (إلى يوم القيامة) (1) وانه لم يحل القتال فيه لاحد قبلى ولم يحل لى الا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجره (2) ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها (3) قال العباس: يا رسول الله إلا الاذخر فانه لقينهم ولبيوتهم فقال: الا الاذخر) * ومن طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا ليث - هو ابن سعد - عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى شريح العدوى (أنه سمع رسول الله عليه السلام يقول: ان مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله ويوم الآخر أن يسفك بهادما ولا يعضد بها شجرة فان أحد ترخص بقتال رسول الله عليه السلام فيها فقولوا له: ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما أذن لى فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس وليبلغ الشاهد الغائب (4)) * قال أبو محمد: هذا ما نهى الله تعالى عنه على لسان رسوله عليه السلام ولم ينه عن ارعاء المواشى (وما كان ربك نسيا) * وقال أبو حنيفة: بكراهية الرعى في حرم مكة وهذا تعد لحدود الله تعالى، وأباح مالك أخذ السنى (5) وسائر حشيش الحرم، وهذا أيضا خلاف أمر رسول الله عليه السلام، ولافرق بين السنى وبين سائر حشيش الحرم * وقال أبو حنيفة. الشافعي. وسفيان: بايجاب الجزاء على قاطع شجر الحرام، قال أبو حنيفة في الغصن فما فوقه إلى الدوحة: (6) قيمة ذلك، فان بلغ هديا أهداه، فان لم يبلغ هديا فقيمته طعاما يتصدق به لكل مسكين نصف صاع حنطة. أو صاع تمر. أو شعير، ولا يجزى في ذلك صيام * وقال زفر: يتصدق بالقيمة ولا يجزى في ذلك هدى ولا صيام * قال أبو محمد. روينا عن بعض السلف في الدوحة بدنة، وعن عطاء فيها بقرة، وفي التود مد * وعن عبد الله بن عامر في الدوحة بقرة * وعن ابن أبى نجيج في الدوحة ستة دنابير. أو خمسة. أو سبعة يتصدق بها بمكة، وما نعلم لابي حنيفة وزفر في قولهما سلفا * وقال مالك. وابو سليمان: لا شئ في ذلك وهو الحق لانه لو كان في ذلك شئ لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولايجوز شرع هدى. ولا إيجاب صيام. ولا إلزام غرامة إطعام ولا صدقة إلا بقرآن أو سنة، وهذا مما تركت فيه الطوائف المذكورة القياس، فان أبا حنيفة والشافعي قاسا ايجاب الجزاء في شجر الحرم على ايجاب الجزاء في صيده ولم بقيسا ايجاب الجزاء في حرم المدينة على ايجابه في حرم مكة وكلاهما حرم محرم صيده، وقاس مالك ابجاب الفدية على اللابس


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 383، والحديث اختصره المصنف من اوله (2) في صحيح مسلم (لا يعضد شوكه) بدل (شجره) (3) قال في الصحاح الخلى مقصور هو الرطب من الحشيش الواحدة خلاة (4) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 384 وقد اختصره المؤلف من اوله وآخر ه واقتصر على محل الشاهد منه (5) هو بالقصر نبات معروف من الادوية له حمل، الواحدة سناة، وبعضهم يرويه بالمد (6) أي الشجرة *

[ 262 ]

والمتطيب على وجوبها على حالق رأسه ولم يقس ايجاب الجزاء في شجر حرم مكة حرم مكمة وفي صيد حرم المدينة على وجوبه في صيد حرم مكة، وكل ذلك تناقض لاوجه له وبالله تعالى التوفيق * 898 - مسألة (1) - ولا يحل ان يسفك في حرم مكة دم بقصاص أصلا ولا ان يقام فيها حد، ولا يسجن فيها أحد، فمن وجب عليه شئ من ذلك أخرج عن الحرم وأقيم عليه الحد لما ذكرنا من نهى رسول الله عليه السلام ان يسفك بها دم، ولقول الله تعالى: (مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنا). وهذا عموم لا يجوز أن بخص منه شئ، وأما إخراج العاصى منه (2) فلقول الله تعالى: (أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود). فتطهيره من العصاة واجب، وليس هذا في حرم المدينة لانه لم يأت بذلك نص ولا يسمى ذبح الحيوان المتملك، ولا الحجامة، ولافتح العرق سفك دم * روينا من طريق ابن عيينة ارنا ابراهيم بن ميسرة وكان ثقة مأمونا - قال: سمعت طاوسا يقول: سمعت ابن عباس يقول: من أصاب حدا، ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع - وذكر كلاما - وفيه فإذا خرج أقيم عليه الحد، وهو قول سعيد بن جبير. والحكم ابن عتيبة، وهو قول عمر بن الخطاب * ومن طريق ابن جريج قال أبو الزبير: قال ابن عمر: لو وجدت فيه قاتل عمر ماندهته (3) يعنى حرم مكة، وقال ابن عباس: لو وحدت قاتل أبى في الحرم ما عرضت له * قال أبو محمد: فلم يخصوا من أصاب حدا في الحرم ممن أصابه خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم، وفرق عطاء. ومجاهد بينهما * وروينا من طريق ابن الزبير أنه أخرج قوما من الحرم إلى الحل فصلبهم * ومن طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان فيمن قتل، ثم لجأ إلى الحرم قال: يخرج منه فيقتل * وقال أبو حنيفة: تقام الحدود في الحرم إلا القتل وحده فانه لايقام فيه حد قتل ولاقود حتى يخرج باختياره، وقال أبو يوسف: يخرج فيقام عليه حد القتل * قال على: تقسيم أبى حنيفة فاسد وما نعلم لمن أباح القتل في الحرم حجة أصلا ولا سلفا الا الحصين بن نمير ومن بعثه والحجاج ومن بعثه * قال أبو محمد: وأما من تعدى عليه في الحرم فليدفع عن نفسه قال تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم)، وبالله تعالى التوفيق * 899 - مسألة - ولا يخرج شئ من تراب الحرم ولا حجارته إلى الحل * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم ان حجاج عن عطاء قال يكره أن يخرج من


(1) لفظ (مسألة) زيادة من النسخة اليمنية (2) من قوله (ولقول الله تعالى مقام ابراهيم) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية خطأ قال الجوهرى في الصحاح: النده الزجر تقول: ندهت البعير إذا زجرته عن الحوض وغيره *

[ 263 ]

تراب الحرم إلى الحل أو يدخل تراب الحل إلى الحرم وهو قول ابن أبى ليلى وغيره، ولا بأس باخراج ماء زمزم لان حرمة الحرام انما هي للارض وترابها وحجارتها، فلا يجوز له إزالة حرمتها (1) ولم يأت في الماء تحريم * 900 - مسألة - وملك دور مكة وبيعها واجارتها جائز، وقد روينا عن عبد الله ابن عمر وبن العاصى أنه قال: لا يحل بيع دورها ولا إجارتها، ومنع عمر بن عبد العزيز من كرائها، وروينا عن عمر المع من التبويب على دورها، وروينا في ذلك خبرين مرسلين لا يصحان، وهو قول اسحاق بن راهويه * قال على: قد ملك الصحابة بها دورهم بعلم رسول الله عليه السلام فلم يمنع من ذلك وكل من ملك ربعا فقد قال الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وأمر بالمؤاجرة رسوله عليه السلام فكل ذلك مباح فيها * 901 - مسألة - وأما من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه كل ما معه في حاله تلك وتجريده الا ما يستر عورته فقط، فلما روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - عن ابى عامر العقدى نا عبد الله بن جعفر عن اسماعيل بن محمد بن سعد ابن أبى وقاص عن عمه عامر بن سعد قال: ان سعدا أباه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه (فلما رجع سعد) (2) جاءه أهل العبد فسألوه (3) ان يرد على غلامهم (أو عليهم ما أخذ من غلامهم) (4) فقال: معاذ الله ان أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى ان يرد عليهم * وعن عمر بن الخطاب انه قال لمولى لعثمان بن مظعون: انى استعملتك على ماههنا فمن رأيته يخبط (5) شجرا أو يعضده فخذ حبله وفاسه قلت: آخذ رداءه قال: لا * وعن ابن عمر نحو هذا * قال أبو محمد: ولا مخالف لهم من الصحابة يعرف وليس هذا في الحشيش لان الاثر انما جاء في الاحتطاب، وستر العورة فرض بكل حال * 902 - مسألة - ومن نذر ان يمشى إلى مكة أو إلى عرفة أو إلى منى أو إلى مكان ذكره من الحرم على سبيل التقرب إلى الله عزوجل أو الشكر له تعالى لا على سبيل اليمين ففرض عليه المشى إلى حيث نذر للصلاة هنالك. أو الطواف بالبيت فقط ولا يلزمه ان يحج ولا أن يعتمر إلا أن ينذر ذلك وإلا فلا، فان شق عليه المشى إلى حيث نذر من ذلك فليركب ولا شئ عليه، فان ركب الطريق كله لغير مشقة في طريقه فعليه هدى ولا يعوض منه صياما ولا اطعاما،


(1) في النسخة اليمنية (فلا يجوز له ازالة له جزء منها) وما هنا اتم وأوضح (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 386 (3) في صحيح مسلم (فكلموه) (4) الزيادة من صحيح مسلم (5) خبط الشجر ضربه بالعصا ليتناثر الورق واسم الورق الساقط خبط بالتحريك *

[ 264 ]

فان نذر ان يحج ماشيا فليمش من الميقات حتى يتم حجه، ومن نذر أن يركب في ذلك فعليه أن يركب ولابد لقول الله تعالى: (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر بأتين من كل فج عميق) فالمشي والركوب إلى كل ما ذكرنا طاعة لله عزوجل * روينا من طريق مالك عن طلحة بن عبد الملك (الايلى) (1) عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت قال رسول الله عليه السلام: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصى الله فلا يعصه)، (2) وقال تعالى: (يوفون بالنذر) وقال تعالى: (أوفوا بالعقود) فانما أمر تعالى بالوفاء بعقود الطاعة لا بعقود المعاصي، وقال قوم: لا يمشى الا في حج، أو عمرة * قال أبو محمد: وهذا خطأ لانه الزام ما لم ينذره عل نفسه بغير قرآن. ولاسنة، وقال مالك: ان نذر المشى إلى المسجد، أو إلى الكعبة، أو إلى الحرم لزمه فان نذر إلى عرفة، أو إلى مزدلفة، أو منى، أو الصفا والمروة لم يلزمه، وهذا تقسيم بلا برهان * روينا من طريق البخاري نا محمد بن سلام نا الفزارى عن حميد الطويل أخبرني ثابت - هو البنانى - عن أنس عن النبي عليه السلام (أنه رأى شيخا يهادى بين بنيه فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر ان يمشى قال: ان الله لغنى عن تعذيب هذا نفسه وأمره ان يركب) (3) فلم يوجب عليه النبي عليه السلام شيئا لركوبه، وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فمن ليس المشى في وسعه فلم يكلفه الله تعالى المشى، وكان نذره لما ليس في وسعه معصية لا يجوز له الوفاء بها * قال على: الفزارى هذا - هو أبو إسحاق - أو مروان بن معاوية وكلاهما ثقة امام * ومن طريق البخاري نا ابراهيم بن موسى نا هشام بن يوسف انا ابن جريج اخبرهم قال: أخبرني سعيد بن أبى أيوب أن يزيد بن ابى حبيب اخبره ان أبا الخير حدثه عن عقبة بن عامر الجهنى قال: (نذرت اختى ان تمشى إلى بيت الله تعالى (وأمرتني ان استفتى لها النبي صلى الله عليه وسلم) (4) فاستفتيت النبي عليه السلام فقال: لتمش ولتركب) فاممرها بكلا الامرين ولم يوجب عليها في ذلك شيئا، وقد علمنا ضرورة أن رسول الله عليه السلام لم يأمرها بالمشى إلا وهى قادرة عليه


(1) الزيادة من موطأمالك ج 2 ص 30 ورواه البخاري ج 8 ص 254 (2) قال مالك في موطأه بعد ما أورد الحديث: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من نذران يعصى الله فلا يعصه) ان ينذر ان يمشى إلى الشام أو إلى مصر أو إلى الربذة أو ما اشبه ذلك مما ليس لله بطاعة أو ان كلم فلانا أو ما اشبه ذلك فليس عليه في شئ من ذلك ان هو كلمه أو حنث بما حلف عليه لانه ليس لله في هذه الاشياء طاعة وانما يوفى لله بماله فيه طاعه اه‍ والله أعلم (3) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 48 وقوله (يهادى) من المهاداة وهى ان يمشى الشخص بين اثنين معتمدا عليهما، ورواه أبو داود ايضا في سننه ج 3 ص 233 (4) الزيادة من صحيح البخاري ج (3) ص 48 وهى موجودة ايضا في سنن ابى داود ج 3 ص 231 *

[ 265 ]

لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن المثنى نا أبو الوليد - هو الطيالسي - نا هشام (1) - هو الدستوائى - نا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس (أن أخت عقبة ابن عامر نذرت أن تمشى إلى البيت فأمرها النبي عليه السلام أن تركب وتهدى هديا) فهذان أمران من رسول الله عليه السلام، أحدهما ان تركب وتمشى دون الزام شئ في ذلك، والآخر أن تركب وتهدى هديا دون مشى في ذلك وهذا هو قولنا * قال أبو محمد: وروينا من طريق فيها عبيدالله بن زحر - وهو ضعيف - (2) عن أبى سعيد الرعينى وهو مجهول (3) (أنه عليه السلام أمرها ان تصوم ثلاثة أيام) وروى أيضا مثل هذا من طريق فيها حى بن عبد الله - وهو مجهول -، ومثله من طريق فيها شريك - وهو ضعيف - نبهنا عليها لئلا يغتر بها. * وقد اعترض قوم في الحديثين اللذين أوردنا بأن قالوا: قد رواه مطر الوراق عن عكرمة عن عقبة وعكرمة لم يلق عقبة، وأوقفه بعض الناس على ابن عباس، وقد روى عن ابن عباس خلافه * قال على: وهذا مما يمقت الله تعالى لان المفترض بهذا من قوله: ان المرسل والمنقطع كالمسند ثم يعيب هنا مسندا صحيحا برواية من رواه منقطعا أو موقوفا إن خالف تقليده، وهذا فعل من لا ورع له ولا صدق. ولا يعترض على المسند الذى تقوم به الحجة بمثل هذا الا جاهل لانه اعتراض لا دليل على صحته ودعوى فاسدة لان المسند تقوم به الحجة، والمرسل مطرح، وأى نقيصة على الحق من رواية آخر مما لا حجة فيه * وأما قولهم: انه قد روى عن ابن عباس خلاف ما روى من ذلك فان الرواية عن ابن عباس اختلفت فروينا عنه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس قال: امش ما استطعت واركب واذبح، أو تصدق، وهذا موافق لما روى الا ذكر الصدقة فقط * وروينا عنه من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن بكر - هو ابن عبد الله المزني - ان ابن عباس أمر امرأة نذرت ان تحج ماشية بأن تشترى رقبة ولتمشى فإذا عجزت فلتركب ولتمش الرقبة فإذا أعيت الرقبة فلتركب ولتمش الناذرة فإذا قضت حجها فلتعتقها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبى اسحاق السبيعى عن أم محبة انها نذرت ان تمشى إلى الكعبة فمشت حتى أعيت فركبت، ثم أتت ابن عباس فسألته؟ فقال: أتستطيعين ان تحجى قابلا وتركبي حتى تنتهى إلى المكان الذى ركبت فيه فتمثى ما ركبت؟ قالت: لا قال: ألك ابنة تمشى عنك؟ قالت: لى ابنتان هما في أنفسهما أعظم من ذلك، قال فاستغفري الله وتوبى إليه *


(1) وقع في سنن ابى داود ج 3 ص 232 (نا همام) بدل هشام، وكلاهما يروى عن قتادة ويروى عنهما أبو الوليد الطيالسي، ولا ادرى الوهم ممن؟. الا انما اهنا منوص عليه ومبين، ورواه أبو داود من طرق في سننه * (2) هو كما قال المصنف (3) هو كما قال المصنف *

[ 266 ]

قال أبو محمد: هذه أم محبة التى عولوا على روايتها في بيع العبد من زيد بن أرقم إلى أجل بثمانمائة وابتياعها إياه منه بستمائة درهم، فمرة يقلدون روايتها حيث اشتهوا ومرة يطرحونها، والحجة انما هي في رواية ابن عباس لا في رأيه وقد يهم وينسى، وقد ذكرنا ما أخذوا به مما رواه الصاحب وخالفه كرواية عائشة تحريم الرضاع بلبن الفحل، ثم كانت لا تدخل عليها من أرضعه نساء اخوتها * وروينا عن على من نذران يمشى إلى بيت الله فليركب وليهد هديا * وروينا عنه أيضا يهدى بدنة، وعن ابن الزبير. وابن عمر يمشى فإذا أعيى يركب ويعود من قابل فيركب ما مشى ويمشى ما ركب، وقال أبو حنيفة: يمشى فان ركب فليهدشاة فما فوقها، وقال مالك في رواية ابن وهب عنه: يمشى فان عجز ركب وأهدى شاة فما فوقها، وروى عنه ابن القاسم أنه يمشى فإذا أعيى ركب ويعرف الموضع الذى ركب منه فإذا كان من قابل رجع فمشى ما ركب وركب ما مشى، فان كان ركوبه يوما فأقل لم يرجع لذلك ولكن عليه الهدى، فان ركب من مكة إلى منى إلى عرفة إلى مزدلفة إلى منى إلى مكة رجع من قابل فمشى كل ذلك بخلاف الركوب يوما في الطريق وعليه مع ذلك هدى، فان كان شيخا كبيرا مشى ولو نصف ميل، ثم ركب ويهدى ولا يرجع ثانية، وقال الشافعي: يمشى فان أعي ركب وعليه هدى غير واجب ولكن احتياطا، وقال ابن شبرمة: كقولنا ان عجز ركب ولا شئ عليه * فأما قول مالك فتقسيم لا يعرف عن أحد من المتقدمين قبله وخلاف لكل ما روى في ذلك عن الصحابة، وقول لا دليل على صحته * وروينا عن حماد بن سلمة عن حبيب عن عطاء فيمن جعل على نفسه المشى إلى البيت قال: يمشى من حيث نوى فان لم ينو شيئا فليركب فإذا دخل الحرم مشى إلى البيت * 903 - مسألة - فان نذران يحج ماشيا، أو يعتمر ماشيا فكما ذكرنا ولا يلزمه المشى الا مذيحرم إلى أن يتم مناسك عمله لان هذا هو الحج فان نذر المشى إلى مكة فكما قال عطاء: من حيث نوى فان لم ينو فليمش ما يقع عليه اسم مشى وليركب غير ذلك ولا شى عليه لانه قد أوفى بما نذر، وبالله تعالى التوفيق * 904 - مسألة - ودخول مكة بلا إحرام جائز لان النبي عليه السلام انما جعل المواقيت لمن مر بهن يريد حجا، أو عمرة ولم يجعلها لمن لم يرد حجا ولا عمرة فلم يأمر الله تعالى قط. ولا رسوله عليه السلام بأن لا يدخل مكة الا باحرام فهو إلزام ما لم يأت في الشرع إلزامه * وروينا عن ابن عباس لا يدخل أحد مكة الا محرما * وعن ابن عمر أنه رجع من بعض الطريق فدخل مكة غير محرم * وعن ابن شهاب لا بأس بدخول مكة بغير إحرام، وقال أبو حنيفة. أما من كان منزلة بحيث يكون الميقات بينه وبينها فلا يدخلها الا باحرام بعمرة

[ 267 ]

أو حجة، وأما من كان منزله بين الميقات ومكة أو كان من أهل الميقات فان دخول مكة ولا إحرام، وقال مالك: لا يدخل أحد مكة الا باحرام إلا من اختلف من الطائف. وعسفان بالحطب والفاكهة فله دخولها بلا احرام، وإلا العبيد فلهم دخولها بلا احرام، وإلا من خرج منها، ثم رجع من قرب فله دخولها بلا احرام، وقال الشافعي: لا يدخلها أحد الا باحرام، * فأما قول أبى حنيفة ففى غاية الفساد لانه تقسيم لا يعقل ولاله وجه، وفيه إيجاب حج وعمرة لم يوجبها الله تعالى ولارسوله عليه السلام، وإنما يجب في الدين مرة في الدهر إلا من نذر ذلك فيجب أن يفى بنذره بالنص. وقول مالك أيضا: كذلك سواء سواء، وما نعرف لهما في هذين القولين سلفا أصلا، والعجب من احتياج من احتج في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة: (أنها حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لم تحل لاحد قبلى ولا تحل لاحد بعدى وانما أحلت لى ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالامس) فليت شعرى بأى شئ استحلوا أن يوهموا في هذا الخبر ما ليس فيه أثر ولا دليل؟ وانما أخبر عليه السلام أن سفك الدماء والقتال حرام لم يحل لاحد قبله كما ذكرنا قبل هذا، وليس في هذا الحديث للاحرام معنى، وقد صح أنه عليه السلام دخلها وعلى رأسه المغفر أو عمامة سوداء، وهو غير محرم وحتى لو لم يأت هذا لكان في أنه لم يأت بايجاب الاحرام على من قصدها لغير حج، أو عمرة كفاية، وبالله تعالى التوفيق * 905 - مسألة - ومن نذر أن يحج، أو يعتمر ولم يكن حج ولا اعتمر قط فليبدا بحجة الاسلام وعمرته لا يجزيه إلا ذلك ولا يجزيه أن يحج نا ويا للفرض ولنذره ولا لحجة فرض وعمرة نذر، ولا لحجة نذر وعمرة فرض لان عقد الله ثابت عليه قبل نذره، فان أخر مما قدمه الله تعالى فهو عاص والمعصية لا تنوب عن الطاعة ولا يجزى عمل واحد عن عملين مفترضين إلا حيث أجازه النص وقد قد منا أن من ساق الهدى ففرض عليه ان يقرن، فالعمرة الموجبة عليه لسوق الهدى هي غير التى نذر فلا يجزئه غير ما أمر به ولا يجزئه عمل عن عملين الا حيث أجازه النص، والقياس باطل، وقد أجمعوا أنه لاتجزى صلاة عن صلاتين ووافقونا - نعنى الحاضرين من خصومنا - على أنه لا يجزى صوم يو عن يومين، ولا رقبة عن رقبتين، ولا زكاة عن زكاتين فتناقضوا، وبالله تعالى التوفيق * وروينا عن ابن عمر انه سألته امرأة عمن نذر أن يحج ولم يكن حج بعد؟ فقال: هذه حجة الاسلام وفي بنذرك * وعن أنس قال: يبدأ بالفريضة فيمن نذر ولم يكن حج بعد، وفي هذا خلاف * روينا عن مجاهد. وسعيد بن جبير فيمن نذر أن يحج ولم يكن حج حجة الاسلام

[ 268 ]

قالا جميعا: تجزئه حجة الاسلام عنها جميعا، وقال محمد بن الحسن. وأبو يوسف: من حج حجة الاسلام فنوى بعمله فرضه والتطوع معا انه يجزئه عن حجة الاسلام وتبطل نية التطوع، فلو نذر أن يحج فحج ينوى نذره والتطوع معا، قال أبو يوسف: يجزئه عن نذره فقط، وقال محمد: هي تطوع ولا تجزى عن النذر * قال أبو محمد: العمل كله باطل لانه لم يخلص النية لما لذمه كما أمر * 906 - مسألة - من أهدى هدى تطوع فعطب من الطريق قبل بلوغه مكة. أو منى فلينحره وليلق قلائده في دمه وليخل بين الناس وبينه، وان قسمه بين الناس ضمن مثل ما قسم فلو قال: شأنكم به أو نحو هذا فلا بأس، ولا يحل له أن يأكل هو ولا رفقاؤه منه شيئا فمن أكل منهم منه أدى إلى المساكين لحما مثل ما أكل فقط، الغنم، والبقر، والابل في كل ذلك سواء، فان بلغ محله ففرض عليه أن يأكل منه ولا بد ويتصدق منه ولا بد، وهكذا روينا عن طائفة من السلف * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان. ومعمر كليهما عن عبد الكريم الجزرى عن عكرمة عن ابن عباس انه قال في هدى التطوع يعطب: لينحره، ثم ليغمس نعله في دمه، ثم ليضرب بالنعل صفحته فان أكل منه أو أمر بأكله غرم، فان كان واجبا فعطب فلينحره، ثم ليغمس نعله في دمه، ثم ليضرب بالنعل صفحته فان شاء أكل وان شاء أهدى وان شاء تقوى به في ثمن أخرى * وعن عطاء مثل هذا كله، وعن ابن المسيب في التطوع مثله * وروينا خلاف هذا من طريق حماد بن سلمة أخبرني حماد - هو ابن أبى سليمان - عن ابراهيم النخعي عن الاسود بن يزيد أن عائشة أم المؤمنين قالت في الهدى يعطب في الطريق: كلوه ولا تدعوه للكلاب. والسباع فان كان واجبا فاهدو امكانه هديا وان كان تطوعا فان شئتم فلا تهدوا وان شئتم فاهدوا * ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر أنه عطبت له بدنة تطوع فنحرها ابن عمرو أكلها ولم يهد مكانها * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبد الكريم الجزرى عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أهديت هديا - وهو تطوع - فعطب فانحره، ثم اغمس النعل في دمه، ثم اضرب به صفحته، ثم كله ان شئت واهده ان شئت وتقوبه في هدى آخر * وعن ابن مسعود إذا ساق الهدى تطوعا فعطب كل وأطعم وليس عليك البدل وهو قول نافع أيضا * وعن سعيد بن جبير إذا عطب الهدى قبل محله فكل من التطوع ولا تأكل من الواجب * وروينا قولا آخر عن سعيد بن المسيب قال: يدعها تموت * فرجعنا إلى السنة فوجدنا ماروينا من طريق أبى داود نا مسددنا حماد عن أبى التياح عن

[ 269 ]

موسى بن سلمة (1) عن ابن عباس قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فلان الاسلمي ثمان عشرة بدنة فقال: أرأيت ان أزحف (2) على منها شئ فقال رسول الله عليه السلام: تنحرها ثم تصبغ نعلها في دمها، ثم اضرب بها (3) على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك) * ومن طريق أبى داودنا محمد بن كثير نا سفيان - هو الثوري - عن هشام ابن عروة عن أبيه عن ناجية الاسلمي (ان رسول الله عليه السلام بعث معه بهدى فقال: ان عطب (منها شئ) (4) فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس)، فهذا عموم لكل هدى * قال أبو محمد: قال أبو حنيفة: له ان يتصدق بها وهذا خلاف أمر رسول الله عليه السلام لانه إذا تولى توزيعها فلم يخل بين الناس وبينها، وقال مالك: ان أكل منها شيئا ضمن الهدى كله وهذا خطأ لان الله تعالى قال: (وجزاء سيئة سيئة ثملها) ومن الباطل المحال (5) ان يأكل لقمة فيغرم عنها ناقة من أصلها، وهذا عدوان لاشك فيه، وقال أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان: لا يغرم إلا مثل ما أكل، وهذا مما يتناقض فيه أبو حنيفة. ومالك فأخذا فيه برواية ابن عباس وتركا رأيه الذى خالف فيه ما روى، وبالله تعالى التوفيق * 907 - مسألة - فان كان الهدى عن واجب وهى ستة أهداء فقط لا سابع لها، إما جزاء صيد. وإما هدى المتمتع. وإما هدى الاحصار. وإما نسك فدية الاذى. وإما هدى من نذر مشيا إلى الكعبة فركب، وإما نذر هدى، وهذا الهدى ينقسم قسمين قسم بغير عينه وقسم منذور بعينه، فان عطب الواجب قبل بلوغه محله فعل به صاحبه ما شاء من بيع أو أكل أو هدية أو صدقة ويهدى ما وجب عليه ولا بد حاشا المنذور بعينه فانه ينحره ويتركه ولا يبدله لانه انما عليه في كل ما ذكرنا هدى واجب في ماله وذمته فعليه أن يأتي به أبدا وما لم يؤده عما عليه فهو مال من ماله يفعل فيه ما شاء عطب أو لم يعطب، وأما المنذور بعينه فهو خارج عن ماله لا حق له فيه وليس عليه أن يبدله إلا أن يتعدى عليه فيهلكه فيضمنه بالوجه الذى نذره له لانه اعتدى على حق غيره فعليه مثله، وأما من منع من تحكم المرء في هديه ما لم يبلغه محله فمبطل بلا دليل وانما خرج من ذلك التطوع يعطب قبل محله بالنص الذى أوردنا، والتطوع ثلاثة اهداء لا رابع لها، من ساق هديا في قران


(1) في النسخة رقم (16) (عن ابن موسى ابن سلمة) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب ج 10 ص 346 (2) هو بضم الهمزة مبنى للمجهول هكذا ضبطه الخطابى وفى صحيح مسلم (فاز حفت عليه) بفتح الهمزة وإسكان الزاى، قال العلامة النووي: كلاهما صحيح، معناه اعي وكل يقال: زحف البعير إذا خر على استه على الارض من الاعياء وازحفه السيل إذا جهد وبلغ به هذا الحال، والله اعلم (3) في سنن ابى داود ج 2 ص 82 (ثم اضربها) (4) الزيادة من سنن ابى داود، قال الحافظ المنذرى: واخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث ناجية حديث حسن صحيح (5) في النسخة رقم (14) ومن المحال الباطل *

[ 270 ]

أو في عمرة وهو لا يريد ان يحج من عامه، أو اهدى وهو لا يريد حجا ولاعمرة * 908 - مسألة - ويأكل من هدى التطوع إذا بلغ محله ولابد كما قلنا ولا يحل له أن يأكل من شئ من الاهداء الواجبة إذا بلغت محلها فان أكل ضممن ثمل ما أكل فقط ولا يعطى في جزارة الهدى شئ منه أصلا ويتصدق بجلاله وجلوده ولابد * أما التطوع فلقول الله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) الآية، وأمر الله تعالى فرض * ومن طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله فذكر حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر: (ثم انصرف رسول الله عليه السلام إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها (1))، فهذا أمر منه عليه السلام بأخذ البضعة وطبخها ولم يقتصر على الاكل من بعض الهدى دون بعض * ومن طريق محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا عمران بن يزيد (2) نا شعيب ابن اسحاق انا ابن جريج انا الحسن بن مسلم (3) ان مجاهدا أخبره أن عبد الرحمن ابن أبى ليلى أخبره أن على بن أبى طالب أخبره (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ان يقسم بدنه كلها لحومها وجلودها وجلالها في المساكين ولا يعطى في جزارتها منها شيئا) * قال أبو محمد: من جعل بعض أوامره عليه السلام في كل ما ذكرنا فرضا وبعضها ندبا فقد تحكم في دين الله تعالى بالباطل وبما لا يحل من القول * وروينا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود انه بعث بهدى وقال: كل أنت وأصحابك ثلثا وتصديق بثلث وابعث إلى آل عتبة ثلثا * ومن طريق وكيع عن ابن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر قال:


(1) تقدم للحديث ذكر غير مرة وهو في صحيح مسلم مطول جدا جمع فيه احكام حج النبي عليه السلام انظر ج 1 ص 348 (2) في النسخة رقم (16) (عمران بن مزيد) وكذلك في النسخة رقم (14)، وفى النسخة اليمنية (مرثد) وهو غلط فيها كلها، والصواب ماهنا لانه عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم القرشى الطائى، ويقال عمران بن يزيد بن خالد) انظر تهذيب التهذيب ج 8 ص 129، والحديث رواه النسائي في سننه الكبرى لافى المجتبى المطبوع لانه غير موجود هذا الحديث فيه، ورواه مسلم في صحيحه ج 1 ص 371 عن محمد بن حاتم بن ميمون ومحمد بن مرزوق وعبد بن حميد قال عبد انا وقال الآخران نا محمد بن بكر انا ابن جريج الخ، وهو ايضا فى صحيح البخاري ج 2 ص 331 (1) في النسخ كلها (حسين بن مسلم) وهو غلط وهو الحسن بن مسلم بن يناق - بفتح التحتانية وتشديد النون آخره قاف، وجاء في صحيحي البخاري ومسلم صحيحا كما هنا تنبه فان التقليد في التصحيح جهل وضعف عقل فلا يغرنك اتفاق النسخ كلها على شئ هو في الواقع غلط وتصحيف *

[ 271 ]

الضحايا والهدايا ثلث لا هلك وثلث لك وثلث للمساكين * وعن معمر عن عاصم عن أبى مجلز ان ابن عمر أمر ان يدفع له من أضحيته بضعة ويتصدق بسائرها * واختلف الناس فيما يؤكل من الهدى فروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: يؤكل من كل شئ الا من جزاء صيد ونذر * وعن على لا يؤكل من جزاء الصيد ولا من النذر ولا مما جعل للمساكين * وعن معمر عن قتادة عن الحسن يؤكل من الهدى كله إلا من جزاء الصيد، وقال الاوزاعي يؤكل من الهدى خمسة. النذر. المتعة. والتطوع. والوصية. والمحصر الا الكفارات كلها، وقال أبو حنيفة، لا يؤكل من شئ من الهدى الا المتعة. والقران. والتطوع إذا بلغ محله، وقال مالك: يؤكل من كل شئ من الهدى الا التطوع إذا لم يبلغ محله، وجزاء الصيد. وفدية الاذى. ونذر المساكين * قال أبو محمد: هذه آراء مجردة لا دليل على شئ منها، واحتج بعضهم بأنه يؤكل من كل هدى الا ما جعل للمساكين فقلنا: واين وجدتم ان جزاء الصيد للمساكين وان هدى المتعة والاحصار ليس للمساكين؟، وقال بعضهم: قسنا هدى المتعة على هدى القران فقلنا: أين وجدتم ان على القارن هديا يلزمه بعد قرانه؟ وقد مضى الكلام في هذا وبالله تعالى التوفيق * قال على: كل هدى أوجبه الله تعالى فرضا فقد ألزم صاحبه اخراجه من ماله وقطعه منه فاذهو كذلك فلا يحل له ما قد سقط ملكه عنه الا بنص لكن يأكل منه أهله وولده ان شاؤا لانهم غيره الا ما سمى للمساكين فلا يأكلوا منه ان لم يكونوا مساكين، وبالله تعالى التوفيق * 909 - مسألة - والاضحية للحاج مستحبة كما هي لغير الحاج، وقال قوم: لا يضحى الحاج * روينا من طريق مسلم نا عمرو الناقد نا سفين بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ولا نرى إلا الحج فذكرت الحديث وفيه (فضحى رسول الله عليه السلام عن نسائه بالبقر) * ومن طريق البخاري نا مسدد نا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنها) (2) (أن النبي عليه السلام دخل عليها وقد (3) حاضت بسرف قبل ان تدخل مكة فاخبرته أنها حاضت فقال لها عليه السلام: فاقضى ما يقضى الحاج غير ان لا تطوفي بالبيت قالت: فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر كثير فقلت: ما هذا؟ فقالوا: ضحى رسول الله عليه السلام عن


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 341 (مع النبي صلى الله عليه وسلم) (2) الزيادة من البخاري ج 7 ص 181 (3) لفظ (قد) غير موجود في صحيح البخاري *

[ 272 ]

نسائه (1) بالبقر) * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: الهدى ما قلدو أشعر ووقف به بعرفة والا فانما هي ضحايا * ومن طريق اسماعيل ابن اسحاق نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد حدثنى عبد الله بن الحسن بن أبى الحسن البصري أن الحسن أباه تمتع فذبح شاتين شاة لمتعته وشاة لا ضحيته، وقد حض رسول الله عليه السلام على الاضحية فلا يجوز ان يمنع الحاج من الفضل القربة إلى الله تعالى بغير نص في ذلك * 910 - مسألة - وان وافق الامام يوم عرفة يوم جمعة جهر وهى صلاة جمعة ويصلى الجمعة أيضا بمنى وبمكة لان النص لم يأت بالنهي عن ذلك، وقال تعالى: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فلم يخص الله تعالى بذلك غير يوم عرفة ومنى من عرفة ومنى * وروينا من طريق محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا مسلم بن ابرهيم نا بشر ابن منصور عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح قال: إذا وافق يوم جمعة يوم عرفة جهر الامام بالقراءة * وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء مثله وهو قول أبى سليمان * فان ذكروا خبرا رويناه من طريق ابراهيم بن أبى يحيى عن عبد العزيز بن عمر عن الحسن ابن مسلم قال: وافق يوم التروية يوم الجمعة وحجة النبي عليه السلام فقال: (من استطاع منكم ان يصلى الظهر بمنى فليفعل فصلى الظهر بمنى ولم يخطب) قال عبد العزيز: وفعل عمر بن الخطاب مثل ذلك * وبه إلى ابراهيم بن أبى يحيى عن الحجاج بن أرطاة عن وبرة قال: وافق يوم عرفة يوم جمعة فصلى ابن الزبير الظهر ولم يجهر بالقراءة فهذا خبر موضوع فيه كل بلية، ابراهيم بن أبى يحيى مذكور بالكذب متروك من الكل، ثم هو مرسل، وفيه عن ابن الزبير مع ابن أبى يحيى الحجاج بن أرطاة وهو ساقط، ثم الكذب فيه ظاهر لان يوم التروية في حجة النبي عليه السلام انما كان يوم الخميس وكان يوم عرفة يوم الجمعة * روينا ذلك من طريق البخاري نا الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عوف نا أبو العميس ارنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب (ان هذه الآية (اليوم أكملت لكم دينكم) نزلت على رسول الله عليه السلام وهو قائم بعرفة يوم جمعة)، (2) (فان قيل): ان الآثار كلها انما فيها جميع رسول الله عليه السلام بعرفة بين الظهر والعصر قلنا: نععم وصلاة الجمعة هي صلاة الظهر نفسها وليس في شئ من الآثار أنه عليه


(1) في صحيح البخاري (عن ازاوجه) والحديث اختصره المصنف رحمه الله تعالى وسبق للحديث ذكر قبل هذا (2) هو في صحيح البخاري مطول اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهر منه انظره في ج 1 ص 31 من صحيح البخاري طبع ادارتا *

[ 273 ]

السلام لم يجهر فيها، والجهر أيضا ليس فرضا وانما يفترق الحكم في ان ظهر يوم الجمعة في الحضر والسفر للجماعة ركعتان * 911 - مسألة - ولايجوز تأخير الحج والعمرة عن أول أوقات الاستطاعة لهما فمن فعل ذلك فقد عصى وعليه ان يعتمر ويحج وهو قول مالك. وأبى سلمان، وقال الشافعي: هو في سعة إلى آخر عمره * برهان صحة قولنا قول الله عزوجل: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)، وقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، ولا خلاف في ان هذا متوجه إلى كل مستطيع فلا يخلو المستطيع من ان يكون مفترضا عليه الحج أولا يكون مفترضا عليه الحج، فان كان مفترضا فهو مأمور به في عامه وهو قولنا. وهو ان لم يحج معطل فرض وان كان ليس مفترضا عليه الحج فهذا خلاف القرآن، وأيضا فان كان مفسوحا له إلى آخر عمره فانما تلحقه الملامة بعد الموت، والملامة لا تلح تلحق أحدا بعد الموت فصح أنه ملوم في حياته، فان احتجوا بأن النبي عليه السلام اقام بالمدينة عشر سنين لم يحج الافى آخرها قلنا: لابيان عندكم متى افترض الله تعالى الحج، وممكن ان لا يكون افترض الا عام حج عليه السلام ومالانص بينا فيه فلا حجة فيه الا اننا موقنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع الافضل الا لعذر مانع، ولا يختلفون معنا في ان التعجيل أفضل، فان ذكروا تأخير الصلاة إلى آخر وقتها قلنا: هذا جاء به النص فأوجدونا نصا بينا في جواز تأخير الحج وهو قولكم حينئذ، ولا سبيل إلى هذا، وبالله تعالى التوفيق * 912 مسألة - وانما تراعى الاستطاعة بحيث لو خرج من المكان الذى حدثت له فيه الاستطاعة فيدرك الحج في وقته والعمرة، فان استطاع قبل ذلك العام كله وبطلت استطاعته في الوقت المذكور لم يكن مستطيعا ولالزمه الحج لانه لم يكلف العمرة والحج الا في وقت الحج فيكون قارنا، أو متمتعا * 913 - مسألة - فمن استطاع كما ذكرنا، ثم بطلت استطاعته أو لم تبطل فالحج والعمرة عليه ويلزم أداؤهما عنه من رأس ماله قبل ديون الناس على ما ذكرنا في أول كتاب الحج الذى نحن فيه: فان لم يوجد من يحج عنه إلا بأجرة استؤجر عنه لقول النبي عليه السلام: (دين الله أحق بالقضاء) (1) من (2) يحج عنه ويعتمر من ميقات من المواقيت لا يلزم غير هذا إلا أن يوصى بأن يحج عنه من بلده فتكون الاجارة الزائدة على الحج


(1) في النسخة اليمنية (دين الله أحق ان يقضى) وهما روايتان كما في صحيح مسلم ج 1 ص 315 (2) هو نائب فاعل قوله استؤجر

[ 274 ]

من ميقات ما من الثلث لانه عمل لا يلزم، ولو خرج المرء من منزله لحاجة نفسه لا ينوى حجا، ولاعمرة فأتى الميقات فحينئذ لزمه الاحرام والدخول في عمل الحج لاقبل ذلك، وجائز ان تحج المرأة عن الرجل والمرأة، والرجل عن المرأة والرجل لامر النبي عليه السلام الخثعمية أن تحج عن أبيها، وأمره عليه السلام الرجل أن يحج عن أمه، والرجل أن يحج عن أبيه، ولم يأت نص ينهى عن شئ من ذلك، وقال تعالى: (وافعلوا الخير) وهذا خير فجائز ان يفعله كل أحد عن كل أحد، وقولنا (1) هو قول أبى سليمان. والشافعي. وغيرهما:، وقال أبو حنيفة: لا تجوز الاجارة على الحج وانما يجوز أن يعطى ما لاليحج عن المحجوج عنه به فقط، واحتج في منع الاجارة في ذلك بأن قال قائلهم: لا تجوز الاجارة على الطاعة ولا على المعصية * قال أبو محمد: اما الاجارة على المعصية فنعم وأما على الطاعة فقولهم فيه باطل بل الاجارة جائزة على الطاعة، وقد أمر عليه السلام بالمؤاجرة وأباحها وحض على اعطاء الاجير أجره فكان هذا جائزا على كل شئ الا ما منع منه نص فقط، وهم مجمعون معنا على جواز الاجارة في في بنيان المساجد، وعلى جواز الاجارة للابل للحج عليها، وعلى جلاء سلاح المجاهدين، وكل ذلك طاعة لله تعالى، فظهر تناقضهم، وتعقد الاجارة في كل ذلك بأن تعطى دراهم في هدى المتعة، أوفى هدى يسوقه قبل الاحرام ليكون قارنا، ثم يوصف له عمل الحج الذى استؤجر عليه كله من تحديد الميقات وعدد التلبية، ووقت الميقات بعرفة، وصفة الركعتين عند المقام والتعجيل في يومين أو التأخير، فان حد العام فحسن فان لم يحج فيه لم يكن له من الاجارة شئ وبطل العقد، وان لم يحد العام فحسن وعليه أن يحج في أول أوقات امكان الحج له ويجزى متى حج عنه كسائر الاعمال الموصوفة من الخياطة وغيرها، وكل ما أصاب الاجير من فدية الاذى فهو عليه لاعلى المحجوج عنه قان تعمد ابطال الحج، أو عمرته فلا شئ له من الاجرة لانه لم يعمل شيئا مما أمر به فلو عمل بعض عمل الحج، أو العمرة، ثم مرض أو مات، أو صد كان له بمقدار ما عمل ولا يكون له الباقي لانه قد عمل بعض ما أمر به كما أمر ولم يتعمد ترك الباقي ويكون هدى الاحصار في ما المحصر لانه ليس مما يعمل عن الميت فيستأجر عنه من يرمى الجمار، أو يطوف عنه ويسعى ممن قد رمى عن نفسه وطاف عن نفسه وممن يحرم عنه ويقف بعرفة والمزدلفة ويوفى عنه باقى عمل الحج ان كان لم يعمل من ذلك شيئا، ولايجوز اعطاء مال ليحج به عن الميت بغير أجرة لان المال قد يضيع فلا يلزم المدفوع إليه ضمان مال ولا عمل


(1) سقط لفظ (قولنا) من النسخة رقم (16) خطأ *

[ 275 ]

حج فهو تضييع لمال الميت وهذا لا يجوز، فلو أعطاه حى ليحج به عنه كان عقدا غير لازم حتى يتم الحج فإذا تم حينئذ استحق ما أعطى وأجزأ عن المعطى، بالله تعالى التوفيق * ولا يجزى أن يستأجر من لم يحج ولا اعتمر إلا أن لا يكون مستطيعا حين استؤجر يجوز حينئذ لانه غير مستطيع للحج عن نفسه فلا يلزمه وهو مستطيع للحج عن غيره بما يأخذ من الاجرة فاستئجاره لما يستطيع عليه جائز، بالله تعالى التوفيق * 914 - مسألة - والايام المعدودات والمعلومات واحدة، وهى يوم النحر، وثلاثة أيام بعده لقول الله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه)، والتعجيل المذكور والتأخير المذكور انما هو بلا خلاف من أحد في أيام رمى الجمار - وأيام رمى الجمار بلا خلاف هو يوم النحر وثلاثة أيام بعده -، وقال تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات عل ما رزقهم من بهيمة الانعام) فهذه بلا شك أيام النحر التى تنحر فيها بهيمة الانعام وهى يوم النحر وثلاثة أيام بعده * روينا من طريق محمد بن المثنى نا عبيداله بن موسى نا ابن أبى ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال: الايام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده أيام التشريق * ومن طريق ابن أبى شيبة نا على بن هاشم عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس في قوله تعالى: (في أيام معدودات) قال: يوم النحر وثلاثة أيام بعده أيام التشريق، وهذا قولنا، وقد روى غير هذا وقبل وبعد فذكر الله تعالى واجب في كل يوم فلا يجوز تخصيص ذلك الا بنص، وأما بالدعوى وقول قائل قد خولف فلا، صح عن ابن عباس. وسعيد بن جبير. وابراهيم النخعي. ومجاهد. وعطاء. والحسن البصري أن الايام المعلومات عشر ذى الحجة آخرها يوم النحر وأن المعدودات ثلاثة أيام بعد يوم النحر * روينا ذلك من طريق يحيى بن سعيد القطان عن هشم نا أبو بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس، وعن أبى عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير، وعن يحيى ابن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم، وعن سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد، وعن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء، وعن حماد بن سلمة عن جميد عن الحسن وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان * وروينا من طريق اسماعيل بن اسحاق نا على بن عبد الله نا عبيدالله بن موسى عن ابن أبى ليلى عن زر. ونافع قال زر: عن على بن أبى طالب، وقال نافع: عن ابن عمر، ثم اتفق على. وابن عمر قالا جميعا: الايام المعدودات يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها * وروينا من طريق محمد بن المثنى نا حماد بن عيسى الجهنى نا جعفر

[ 276 ]

ابن محمد عن أبيه عن على بن أبى طالب قال في أيام معدودات: أيام التشريق * وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان نا ابن عجلان نا نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: الايام المعلومات يوم النحر ويومان بعده والمعدودات ثلاثة أيام بعد النحر فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه وبه يقول مالك: * قال أبو محمد: ما نعلم له حجة الا تعلقه بابن عمر، وقد روينا عن ابن عمر خلاف هذا وخالفه ابن عباس. وعلى فليس التعلق ببعضهم أولى من بعض، واحتج الآخرون بأن قالوا: قد فرق الله تعالى بين اسميهما قلنا: نعم وجمع بين حكميهما في أنه أمر بذكره عزوجل فقط وذكر الله تعالى لا يجوز ان يخص به يوم دون يوم، وكذلك لا يجوز ان يخص بالنحر لله تعالى يوم دون يوم لانه فعل خير وبر إلا بنص، ولانص في تخصيص ذلك، بالله تعالى التوفيق * 915 - مسألة - ونستحب الحج بالصبى وإن كان صغيرا جدا أو كبيرا وله حج وأجر وهو تطوع وللذى يحج به أجر ويجتنب ما يجتنب المحرم ولا شئ عليه ان واقع من ذلك مالا يحل له ويطاف به ويرمى عنه الجمار ان لم يطق ذلك ويجزى الطائف به طوافه ذلك عن نفسه، وكذلك ينبغى ان يدربوا ويعلموا الشرائع من الصلاة والصوم إذا أطاقوا ذلك ويجنبوا الحرام كله والله تعالى يتفضل بأن يأجرهم ولا يكتب عليهم إثما حتى يبلغوا * روينا من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا سفيان عن ابراهيم بن عقبة عن كريب (مولى ابن عباس) (1) عن ابن عباس (ان أمرأة رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نم ولك أجر) * قال أبو محمد: والحج عمل حسن وقال الله تعالى: (انا لا نضيع أجر من أحسن عملا) * (فان قيل): لانية للصبى قلنا: نعم ولا تلزمه انما تلزم النية المخاطب المأمور المكلف والصبى ليس مخاطبا ولا مكلفا ولا مأمورا وإنما أجره تفضل من الله تعالى مجرد عله كما يتفضل على الميت بعد موته ولانية له ولاعمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعده وبما يعمله غيره عنه من حج، أو صيام، أو صدقة ولافرق يفعل الله ما يشاء، وإذا الصبى قد رفع عنه القلم فلا جزاء عليه في صيد ان قتله في الحرم، أو في إحرامه، ولافى حلق رأسه لاذى به، ولاعن تمتعه ولا لاحصاره لانه غير مخاطب بشئ من ذلك، ولو لزمه هدى للزمه ان يعوض منه الصيام وهو في المتعة وحلق الرأس وجزاء الصيد وهم لا يقولون: هذا


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 379 والمصنف رحمه الله اختصر هذا الحديث

[ 277 ]

ولا يفسد حجه بشئ مما ذكرنا انما هو ما عمل، أو عمل به أجر وما لم يعمل فلا إثم عليه، وقد كان الصبيان يحضرون الصلاة مع رسول الله عليه السلام صحت بذلك آثار كثيرة كصلاته بأمامة بنت أبى العاص، وحضور ابن عباس معه الصلاة، وسماعه بكاء الصبى في الصلاة وغير ذلك، ويجزى الطائف به طوافه عن نفسه لانه طائف وحامل فهما عملان متغايران لكل واحد منهما حكم كما هو طائف وراكب، ولافرق * 916 - مسألة - فان بلغ الصبى في حال إحرامه لزمه ان يجدد إحراما ويشرع في عمل الحج، فان فاتته عرفة أو مزدلفة فقد فاته الحج ولاهدى عليه ولا شئ، أما تجديده الاحرام فلانه قد صار مأمورا بالحج وهو قادر عليه فلزمه ان يبتدئه لان إحرمه الاول كان تطوعا والفرض أولى من التطوع * 917 - مسألة - من حج واعتمر، ثم ارتد، ثم هداه الله تعالى واستنقذه من النار فأسلم فليس عليه ان يعيد الحج ولا العمرة وهو قول الشافعي وأحد قولى الليث: * وقال أبو حنيفة. ومالك. وأبو سليمان: يعيد الحج والعمرة، واحتجوا بقول الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) ما نعلم لهم حجة غيرها، ولا حجة لهم فيها لان الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت ليحبطن عملك الذى عملت قبل أن تشرك، وهذه زيادة على الله تعالى لا تجوز وانما أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه لا إذا أسلم وهذا حق بلا شك، ولو حج مشرك أو اعتمر، أو صلى، أو صام، أو زكى لم يجزه شئ من ذلك عن الواجب، وأيضا فان قوله تعالى فيها: (ولتكونن من الخاسرين) بيان ان المرتد إذا رجع إلى الاسلام (1) لم يحبط ما عمل قبل في اسلامه أصلا بل هو مكتوب له ومجازي عليه بالجنة لانه لا خلاف بين أحد من الامة لاهم ولانحن في ان المرتد إذا راجع الاسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين، فصح ان الذى يحبط عمله هو الميت على كفره مرتدا أو غير مرتد، وهذا هو من الخاسرين بلا شك لامن أسلم بعد كفره أو راجع الاسلام بعد ردته، وقال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمث وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) فصح نص قولنا: من أنه لا يحبط عمله ان أرتد الا بأن يموت وهو كافر، ووجدنا الله تعالى يقول: (إنى لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى). وقال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره). وهذا عموم لا يجوز تخصيصه، فصح ان حجه وعمرته إذا راجع الاسلام سيراهما ولا يضيعان له *


(1) في النسخة رقم (14) (إذا راجع الاسلام) وكذلك في النسخة اليمنية *

[ 278 ]

وروينا من طرق كالشمس عن صالح بن كيسان. ويونس. ومعمر كلهم عن الزهري * وروينا أيضا عن هشام بن عروة المعنى، ثم اتفق الزهري. وهشام كلاهما عن عروة واللفظ للزهري قال: انا عروة بن الزبير ان حكيم بن حزام أخبره (أنه قال لرسول الله عليه السلام: أي رسول الله أرأيت امورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله عليه السلام: أسلمت على ما اسلفت من خير) * قال أبو محمد: فصح ان المرتد إذا أسلم والكافر الذى لم يكن أسلم قط إذا أسلما فقد أسلما على ما أسلفا من الخير، وقد كان المرتد إذا حج وهو مسلم قد أدى ما أمر به وما كلف كما أمر به فقد أسلم الآن عليه فهو له كما كان، وأما الكافر يحج كالصابئين الذين يرون الحج إلى مكة في دينهم، فان أسلم بعد ذلك لم يجزه لانه لم يؤده كما أمر الله تعالى به لان من فرض الحج وسائر الشرائع كلها أن لا تؤدى إلا كما أمر بها رسول الله محمد ابن عبد الله عليه السلام في الدين الذى جاء به الذى لا يقبل الله تعالى دينا غيره، وقال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). والصابئ انما حج كما أمره يوراسف، أو هرمس فلا يجزئه، وبالله تعالى التوفيق، ويلزم من أسقط حجه بردته أن يسقط احصانه وطلاقة الثلاث وبيعه وابتياعه وعطاياه التى كانت في الاسلام وهم لا يقولون بهذا، فظهر فساد قولهم، بالله تعالى نتأيد * 918 - مسألة - ولا تحل لقطة في حرم مكة ولا لقطة من أحرم بحج، أو عمرة مذ يحرم إلى أن يتم جميع عمل حجه الا لمن ينشدها ابدا لا يحد تعريفها بعام ولا بأكثر ولا بأقل فان يئس من معرفة صاحبها قطعا متيقنا حلت حينئذ لواجدها بخلاف سائر اللقطات التى تحل له بعد العام * روينا من طريق مسلم نا زهير بن حرب نا الوليد بن مسلم نا الاوزاعي نا يحيى ابن أبى كثير حدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثنى أبو هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وأنها لم تحل لاحد قبلى وانما (1) أحلت لى ساعة من نهار وأنها لن تحل لاحد بعدى فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها الا لمنشد) وذكر باقى الحديث * قال أبو محمد: ليست هذه إلا صفة الحرم لا الحل * ومن طريق البخاري نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس (رضى الله عنهما) (2) (أن رسول الله عليه السلام قال يوم فتح مكة: هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 384 (لن تحل لاحد كان قبلى وإنها) الخ (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 39

[ 279 ]

هو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)، ثم ذكر كلاما وفيه (فلا يلتقط لقطته الا من عرفها) وذكر الحديث. فأحلها عليه السلام للمنشد وأوجب تعريفها بغير تحديد، وقال عليه السلام: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) واللقطة هي غير مال الملتقط فهى عليه حرام، والتعريف انما هو ليوجد من يعرفها أو صاحبها فهذا الحكم لازم، فإذا يئس بيقين عن معرفة صاحبها سقط التعريف إذ من الباطل تعريف ما يوقن أنه لايعرف، وإذا سقط التعريف حلت حينئذ بالنص لمنشدها * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن صالح نا ابن وهب انا عمرو بن الحارث عن بكير - هو ابن عبد الله بن الاشج - عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الرحمن بن عثمان التيمى (أن رسول الله عليه السلام نهى عن لقطة الحاج) (1) * قال أبو محمد: الحاج هو من هو في عمل الحج وأما قبل ان يشرع في العمل فهو مريد للحج وليس حاجا بعد، وأما بعد إتمامه عمل الحج فقد حج وليس حاجا الآن وانما سمى حاجا مجازا كما ان الصائم، أو المصلى، أو المجاهد انما هو صائم، ومصل، ومجاهد مادام في عمل ذلك، وكذلك كل ذلك. ونهيه عليه السلام عن لقطته لا يخلوا من أحد وجهين لا ثالث لهما، إما ان يكون نهى عليه السلام عن أخذها أو نهى عن تملكها فأما أخذها فقد قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى). ونهى عليه السلام عن إضاعة المال، وتركها إضاعة لها بلا شك، وحفظها تعاون على البر والتقوى، فصح أنه انما نهى عليه السلام عن تملكها (2)، وأيضا فانه عليه السلام لم ينه عن حفظها ولاعن تعريفها وانما نهى عنها بعينها هذا نص الحديث، فصح أنه انما نهى عن تملكها فإذا يئس عن معرفة صاحبها بيقين فكل مال لايعرف صاحبه فهو لله تعالى، ثم في مصالح عباده، والملتقط أحدهم وهى في يده فهو أحق بها ولا يتعدى به إلى غيره الا ببرهان، وحكم المعتمر كحكم الحاج لقوله عليه السلام: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)، بالله تعالى التوفيق * 919 - مسألة - ومكة أفضل بلاة الله تعالى نعنى الحرم وحده وما وقع عليه اسم عرفات فقط، وبعدها مدينة النبي عليه السلام نعنى حرمها وحده، ثم بيت المقدس نعنى المسجد وحده، هذا قول جمهور العلماء، وقال مالك: المدينة أفضل من مكة، واحتج


(1) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 69 (2) وهذا مذهب الجمهور، قالوا: وانما إختصت لقطة الحاج بذلك لامكان ايصالها إلى اربابها ان كانت لمكى فظاهر، وان كانت لآفاقي فلا يخلو في الغالب من وارد منه إليها فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها قال ابن بطال: وقال جماعة هي كغيرها من البلاد وانما تختص مكة بالمبالغة بالتعريف لان الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط إلى المبالغة في التعريف بها والظاهر القول الاول وان حديث ابى داود بحديث ابى هريرة بأنه لا يحل لقطتها الا لمنشد فالذي اختصت به لقطة مكة انها لا تلتقط الا للتعريف بها ابدا فلا يجوز للتملك والله اعلم *

[ 280 ]

مقلدوه بأخبار ثابتة * منها قوله عليه السلام (ان ابراهيم حرم مكة ودعا لها وانى حرمت المدينة كما حرم ابراهيم مكة وانى دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به ابراهيم لاهل مكة) * قال أبو محمد: هذا لاحجة لهم فيه لانه لادليل فيه على فضل المدينة على مكة أصلا وانما فيه أنه عليه السلام حرمها كما حرم ابراهيم مكة ودعا لها كما دعا ابراهيم لمكة فقط، وهذا حق وقد دعا عليه السلام للمسلمين كلهم كما دعا لابي بكر. وعمر. ولاصحابه رضى الله عنهم فهل في ذلك دليل على فضلنا عليهم أو على مساواتنا لهم في الفضل؟ هذا مالا يقوله ذو عقل، وقد حرم عليه السلام الدماء والاعراض والاموال وليس في ذلك دليل على فضل، واحتجوا بخبر آخر صحيح أنه عليه السلام كان يقول: (اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا ومدنا اللهم ان ابراهيم عبدك وخليلك ونبيك وأنه دعاك لمكة وانى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه) وبخبر صحيح فيه (اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة) وهذا لاحجة فيه في فضل المدينة على مكة وانما فيه الدعاء للمدينة بالبركة، ونعم هي والله مباركة، وانما دعا ابراهيم لمكة بما أخبر به تعالى إذ يقول: (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات)، ولاشك في أن الثمار بالمدينة أكثر مما بمكة، ولاشك في أن النبي عليه السلام لم يدع للمدينة بأن تهوى أفئدة الناس إليها أكثر من هويها إلى مكة لان الحج إلى مكة لاإلى المدينة، فصح أن دعاءه عليه السلام للمدينة بمثل ما دعا به ابراهيم لمكة ومثله معه انما هو في الرزق من الثمرات وليس هذا من باب الفضل في شئ * ومنها قوله عليه السلام (المدينة كالكير تنفى خبثها وينصع (1) طيبها، وانما تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد) ولا حجة فيه في فضلها على مكة لان هذا الخبر انما هو في وقت دون وقت، وفي قوم دون قوم، وفي خاص لافى عام * برهان ذلك أنه عليه السلام لا يقول: إلا الحق، ومن أجاز على النبي عليه السلام الكذب فهو كافر، وقال الله تعالى: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم)، وقال تعالى: (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار)، فصح أن المنافقين أخبث الخلق بلا خلاف من أحد من المسلمين وكانوا بالمدينة، وكذلك قد خرج على. وطلحة. والزبير. وأبو عبيدة بن الجراح. معاذ. وابن مسعود عن المدينة وهم من أطيب الخلق رضى الله عنهم بلا خلاف من مسلم حاشا الخوارج في بغضهم، فصح يقينا


(1) قال الجوهرى في الصحاح: الناصع الخالص من كل شئ: ابيض ناصع واصفر ناصع وقال ابن الاثير في النهاية (وتنصع طيبها) أي تخلصه، ويروى (ينصع) أي يظهر *

[ 281 ]

لا يمترى فيه الا مستخف بالنبي عليه السلام أنه عليه السلام لم يعن بالمدينة تنفى الخبث إلا في خاص من الناس، وفي خاص من الزمان لا عام * وقد جاء كلامنا هذا نصا كما روينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا عبد العزيز يعنى الدراوردى عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث: (ألا ان المدينة كالكير يخرج الخبث (1) لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد) * ومن طريق أحمد بن شعيب نا اسحاق ابن ابراهيم هو ابن راهويه - نا عمر بن عبد الواحد عن الاوزاعي عن إسحاق بن عبد الله ابن أبى طلحة عن أنس بن مالك (أن رسول الله عليه السلام قال: ليس بلد الا سيطؤه الدجال الا المدينة ومكة على كل نقب من انقاب المدينة الملائكة صافين يحر سونها فينزل السبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل منافق وكافر) (2) وهذا نفس قولنا وليس في هذا كله انها أفضل من مكة لا بنص. ولا بدليل * ومعنى قوله عليه السلام (ما من بلد إلا سيطؤه الدجال الا مكة والمدينة) انما هو سيطؤه أمره وبعوثه لا يمكن غير هذا، وسكان المدينة اليوم أخبث الخبث وإنا لله وإنا إليه راجعون على مصيبتنا في ذلك، فبطل تمويههم بهذا الخبر * ومنها قوله عليه السلام (يفتح اليمن فيأتى قوم يبسون (3) بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) وذكر مثل هذا حرفا حرفا في فتح الشام، وفتح العراق، وقوله عليه السلام (يأتي على الناس زمان يدعوا الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون والذى نفسي بيده لا يخرج أحر منهم رغبة عنها الا أخلف الله فيها خيرا منه) * قال أبو محمد: انما أخبر عليه السلام بأن المدينة خير لهم من اليمن. والشام. والعراق. وبلاد الرخاء وهذا لاشك فيه وليس فيه فضلها على مكة ولا ذكر لمكة أصلا * وأما اخباره عليه السلام أيضا بأن المدينة خير من هذه البلاد لهم فانما هو أيضا في خاص لاعام وهو من خرج عنها طلب رخاء، أو لعرض دنيا، وأما من خرج عنها لجهاد. أو لحكم بالعدل، أو لتعليم الناس دينهم فلا، بل الذى خرجوا له أفضل من مقامهم بالمدينة *


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 389 (يخرج الخبيث) (2) لم أجده في سنن النسائي وهو في صحيح البخاري ج 3 ص 53 (3) قال الجوهرى في الصحاح البس السوق اللين وفد بسست الابل ابسها بالضم وقال في الغريبين يقال في زجر الدابة إذا سقتها بس بس وهو زجر السوق في كلام اهل اليمن وفيه لغتان بسست وابسست وقال في النهاية: يقال: بسست الناقة وابسستها إذا سقتها وزجرتها و قلت لها: بس بس بكسر الباء وفتحها

[ 282 ]

برهان ذلك خروجه عليه السلام عنها للجهاد وأمره الناس بالخروج معه والوعيد على من تخلف بالمدينة لغير عذر هذا مالا شك فيه، وكذلك بعثته عيه السلام أصحابه إلى اليمن. والبحرين. وعمان للدعاء إلى الاسلام. وتعليم القرآن. والسنن وهو عليه السلام يقول: (الدين النصيحة) فبلا شك أنه قد نصحهم في اخراجهم لذلك، فصح قولنا: وبطل أن يكون لهم متعلق في هذا في دعواهم فضل المدنية على مكة * وأما قوله عليه السلام (لا يخرج أحد منهم رغبة عنها) فهذا الحق وعلى من يرغب؟؟ المدينة لعنة الله فما هو بمسلم، وكذلك بلا شك من رغب عن مكة وليس في هذا فضل لها على مكة ومنها قوله عليه السلام: (أمرت بقرية تأكل القرى) وهذا انما فيه ان من المدينة تفتح الدينا وليس في هذا فضل لها على مكة وقد فتحت خراسان. وسجستان. وفارس. وكرمان من البصرة وليس ذلك دليلا على فضل البصرة على مكة * ومنها قوله عليه السلام (إن الايمان يأرز (1) إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها) وهذا ليس فيه فضلها على مكة وانما هو خبر عن وقت دون وقت بلا شك * وبرهان ذلك أنه عليه السلام لا يقول: الا الحق وهو اليوم بخلاف ذلك فواحزناه ووا أسفاه وما الاسلام ظاهرا الا في غيرها ونسأل الله اعادتها إلى أفضل ما كانت عليه بعده عليه السلام، وقد جاء هذا الخبر بزيادة كما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا شبابة بن سوار نا عاصم - هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الاسلام بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدا وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها (2)) ففى هذا أن الايمان يأرز بين مسجد مكة ومسجد المدينة * ومنها حديث أنس (أن رسول الله عليه السلام كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات (3) المدينة أو ضع راحلته من حبها)، وهذا ليس فيه إلا أنه عليه السلام كان يحبها ونعم هذا حق وليس فيه أنه كان يحبها أكثر من حبه مكة ولا أنها أفضل من مكمة * ومنها قوله عليه السلام: (لا يكيد أحد أهل المدينة إلا انماع (4) كما ينماع الملح في الماء) * ومنها قوله عليه السلام (لا يريد أحد أهل المدينة بسوء الا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء ومن أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة


(1) قال في الغريبين أي ينضم إليها ويجتمع بعضها إلى بعض فيها يقال ارزت الحية تأرز اروزا، وكذلك قال صاحب النهاية (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 52 في جحرها (3) هو بضمتين جمع جدر جمع جدار افاده صاحب مجمع البحار، وقوله بعد (أوضع راحلته) أي حملها على سرعة السير (4) قال في النهاية: ماع الشئ يميع وان ماع إذا ذاب وسال *

[ 283 ]

والناس أجمعين لا يقبل كالله منه صرفا ولا عدلا) (1)، وقوله عليه السلام مثل هذا فيمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا وهذا صحيح، وانما فيه الوعيد على من كاد أهلها ولا يحل كيد مسلم فليس فيه أنها أفضل من مكة، وقد قال تعالى عن مكة: (ومن يدر فيه بالحاد بظلم نذفة من عذاب أليم) فصح الوعيد على من ظلم بمكة كالوعيد على من كاد أهل المدينة * ومنها قوله عليه السلام: (لا يثبت أحد على لاوائها (2) وشدتها الا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة) فانما في هذا الحض على الثبات على شدتها وأنه يكون لهم شفيعا وليس في هذا دليل على فضلها على مكة، وقد صح أنه عليه السلام يشفع لجميع أمته، وقد قال عليه السلام (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة)، وهذا لا يكون الا بمكة فهذا أفضل من الشفاعة التى يدخل فيها كل بر وفاجر من المسلمين * ومنها قوله عليه السلام: (اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد) فليس في هذا دليل على فضلها على مكة وانما دعا عليه السلام بهذا كما ترى في أحد الامرين. اما ان يحببها إليهم كحبهم مكة. وإما أشد من حبهم مكة. والله أعلم أي الامرين أجيب به عاؤه عليه السلام، وحب البلد يكون للموافقة والالفة وليس في هذا فضل على مكة * ومنها قوله عليه السلام: (لقاب قوس (3) أحدكم من الجنة أو موضع قيد - يعنى سوطه - خير منم الدينا وما فيها)، وقوله عليه السلام: (بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة ومنبرى على حوضى) وأرادوا أن يثبتوا من هذا ان مكة من الدنيا فموضع قاب قوس من تلك الروضد خير من مكة فليس هذا كما ظنوه، ولو كان كذلك لكانت مصر والكوفة وهيت خيرا من مكة. والمدينة * وروينا عن مسلم نا محمد بن عبد الله بن نمير نا محمد بن بشر نا عبيدالله - هو ابن عمر - عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: (سيحان. وجيحان. والفرات. والنيل كل من أنهار الجنة) (4) وهذا مالا يقوله مسلم: ان هذه البلاد من أجل ما فيها من أنهار الجنة خير من مكة والمدينة * قال أبو محمد: وهذان الحديثان ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة منقطعة من الجنة وأن هذه الانهار مهبطة من الجنة هذا باطل وكذب لان الله تعالى يقول في الجنة: (إن لك ان لا تجوع فيها ولاتعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) فهذه صفة الجنة بلا شك وليست هذه صفة الانهار المذكورة ولا تلك الروضة، ورسول الله عليه السلام لا يقول الا الحق، فصح أن كون تلك الروضة من الجنة انما


(1) قال في الغريبين روى عن مكحول انه قال: الصرف التوبة والعدل الفدية وقال غيره: الصرف النافلة والعدل الفريضة * (2) اللاواء الشدة وضيق المعيشة * (3) قال في الصحاح قاب قوى وقيب قوس وقاد قوس وقيد قوس أي قدر قوس والقاب مابين المقبض والسنة ولكل قوس قابان اه‍ (4) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 351 *

[ 284 ]

هو افضلها، وان الصلاة فيها تؤدى إلى الجنة وإن تلك الانهار لبركتها أضيفت إلى الجنة كما تقول في اليوم الطيب هذا من أيام الجنة، وكما قيل في الضأن أنها من دواب الجنة، وكما قال عليه السلام (إن الجنة تحت ظلال السيوف) فهذا في أرض الكفر بلا شك وليس في هذا فضل لها على مكة، ثم لو صح ما أدعوه وظنوه لما كان الفضل الا لتلك الروضة خاصة لا لسائر المدينة وهذا خلاف قولهم، (فان قالوا): ما قرب منها أفضل مما بعد قلنا: يلزمكم على هذا ان الجحفة وخيبر ووادى القرى أفضل من مكة لانها أقرب إلى تلك الروضة من مكة، وهذا لا يقولونه ولا يقوله ذو عقل، فبطل تظننهم ولله الحمد، * وسبحان من جعل هؤلاء القوم يتأولون الاخبار الصحاح بلا برهان! مثل (البيعان باخيار حتى يتفرقا) ومثل (لاصلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود) وغير ذلك، ثم يأتون إلى الاخبار التى قد صح البرهان من القرآن ومن ضرورة الحس على أنها ليست على ظاهرها فيريدون حملها على ظاهرها ان هذا لعجب لا نظير له، فبطل تعلقهم بهذا الخبر ولله الحمد * وقد روينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني ابراهيم بن يعقوب الجوزجانى نا موسى ابن داود عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أن رسول الله عليه السلام (1) قال: الحجر الاسود من الجنة) فهذا بمكة فالذي بمكة من هذا كالذى للمدينة إذ في كل واحدة منهما شئ من الجنة * ومنها قوله عليه السلام: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) * قال أبو محمد: تأولوا هم ان الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بدون الالف، وقلنا نحن: بل هذا الاستثناء لان الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة * قال على: فكلا التأويلين محتمل نعم وتأويل ثالث وهو الا المسجد الحرام فان الصلاة في كليهما سواء ولايجوز المصير إلى أحد هذه التأويلات دون الاخر الا بنص آخر، وبطل ان يكون في هذا الخبر بيان في فضل المدينة على مكة، بالله تعالى التوفيق * ومنها قوله عليه السلام (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) وهذا ليس فيه فضلها على مكة لانه عليه السلام قد أخبر ان مكة لا يدخلها الدجال أيضا


(1) في سنن النسائي ج 5 ص 226 (ان النبي صلى الله عليه وسلم) *

[ 285 ]

والله تعالى يصرفه عنها كما تصرفه؟ عن المدينة والملائكة تنزل على المصلين في كل بلد كما أخبر عليه السلام (أنه يتعاقب فينا ملائكة بالليل والنهار) * ومنها قوله عليه السلام (هي طيبة) ونعم هي والله طيبة وليس في هذا فضل لها على مكة أصلا * فهذا كل ما احتجوا به من الاخبار الصحاح ما لهم خبر صحيح سوى هذه، وكلها لاحجة في شئ منها على فضل المدينة على مكة أصلا على مابينا، والحمد لله رب العالمين * واحتجوا عمن دون رسول الله عليه السلام بالخبر الصحيح ان عمر قال لعبدالله ابن عياش بن أبى ربيعة: أنت القائل لمكة خير من المدينة فقال له عبد الله: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته فقال له عمر: لاأقول في حرم الله وأمنه شيئا انت القائل: لمكه خير من المدينة فقال عبد الله: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته فقال له عمر: لاأقول في حرم الله وأمنه شيئا، ثم انصرف * قال أبو محمد: هذا حجة عليهم لالهم لان عبد الله بن عياش لم ينكر لعمر أنه قال ما قرره عليه بل احتج لقوله ذلك بما لم يعترض فيه عمر، فصح ان عبد الله بن عياش - وهو صاحب - كان يقول: مكة أفضل من المدينة وليس في هذا الخبر اعن عمر لاأن مكة أفضل ولا أن المدينة أفضل: وانما فيه تقريره لعبدالله على هذا القول فقط، ونحن نوجدهم عن عمر تصريحا بأن مكة من المدينة * حدثنا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري نا سعيد بن نصر نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن وضاح نا حامد بن يحيى البلخى نا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد أرنا سليمان ابن عتيق قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد النبي عليه السلام) وهذا سند كالشمس في الصحة، فهذان صاحبان لايعرف لهما من الصحابة مخالف ومثل هذا حجة عندهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد بن المسيب قال: من نذر ان يعتكف في مسجد ايليا فاعتكف في مسجد النبي عليه السلام بالمدينة أجزأ عنه ومن نذر ان يعتكف في مسجد النبي عليه السلام فاعتكف في المسجد الحرام اجزأ عنه، فهذا سعيد فقيه أهل المدينة يصرح بفضل مكة على المدينة * قال أبو محمد: واحتجوا باخبار موضوعة يجب التنبيه عليها والتحذير منها * منها خبر رويناه أن النبي عليه السلام قال في ميت رآه: دفن في التربة التى خلق منها، قالوا: والنبى عليه السلام دفن بالمدينة فمن تربتها خلق وهو أفضل الخلق فهى أفضل البقاع، وهذا خبر

[ 286 ]

موضوع لان في أحد طريقيه محمد بن الحسن بن زبالة وهو ساقط بالجملة قال فيه يحيى ابن معين: ليس بثقة وهو بالجملة متفق عن اطراحه، ثم هو أيضا عن أنيس بن يحيى مرسل ولا يدرى من أنيس بن يحيى، والطريق الاخرى من رواية أبى خالد وهو مجهول عن يحيى البكاء وهو ضعيف، ثم لو صح لما كانت فيه حجة لانه انما كان يكون الفضل لقبره عليه السلام فقط والا فقد دفن فيها المنافقون وقد دفن الانبياء عليهم السلام من ابراهيم. واسحاق. ويعقوب. وموسى. وهارون. وسليمان. وداود عليهم السلام وغيرهم بالشام ولا يقول مسلم: إنها بذلك أفضل من مكة * ومنها (افتتحت المدائن بالسيف وفتحت المدينة بالقرآن). وهذا أيضا من رواية محمد الحسن بن زبالة المذكور بوضع الحديث، وهذا منم وضعه بلا شك لانه رواه عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي عليه السلام، ومثل هذا الشارع العجيب لا يجوز ان يسلك إليه إلا مثل هذه المزبلة، وهذا إسناد لا ينفرد بمثله الا ابن زبالة دون سائر من روى عن مالك من الثقات، ثم لو صح لما كانت فيه حجة في فضلها على مكة لان البحرين وأكثر مدائن اليمن كصنعاء والجند (1) وغيرها لم تفتح بسيف الا بالقرآن فقط وليس ذلك بموجب فضلها على مكة عند أحد من المسلمين * ومنها (ما على الارض بقعة أحب إلى أن يكون قبري فيها منها) وهذا من رواية الكذاب محمد بن الحسن بن زبالة عن مالك عن يحيى بن سعيد مرسل، ثم لو صح لما كنت فيه حجة في فضلها على مكة لان رسول الله عليه السلام كره للمهاجرين وهو سيدهم ان يرجعوا إلى مكة ليحشروا غرباء مطرودين عن وطنهم في الله تعالى حتى انه عليه السلام رثى لسعد بن خولة ان مات بمكة ولم يجعل للمهاجرين بعد تمام نسكه أن يبقى بمكة الا ثلاث ليال فقط، فإذ خرجت مكة بهذه العلة عن أن يدفن فيها النبي عليه السلام فالمدينة أفضل البقاع بعدها بلا شك * روينا من طريق البزار نا محمد بن عمر بن هياج نا الفضل بن دكين أبو نعيم نا محمد بن قيس عن أبى بردة بن أبى موسى الاشعري عن أبيه أبى موسى قال: مرض سعد بمكة فأتاه النبي عليه السلام يعوده فقال له: (يا رسول الله أليس (2) تكره أن يموت الرجل في الارض التى هاجر منها؟ قال: بلى) وذكر باقى الخبر، فهذا نص ما قلنا، * والحمد لله رب العالمين * ومنها (اللهم انك أخرجتني من أحب بلادك إلى فأسكني أحب البلاد اليك) وهذا موضوع من رواية محمد بن الحسن بن زبالة المذكور عن محمد بن اسمعيل عن سليمان بن بريدة وغيره مرسل *


(1) هو بفتحات من مدن اليمن العظيمة (2) في النسخة رقم (16) (الست) *

[ 287 ]

ومنها المدينة خير من مكة، هكذا تصريح رويناه من طرق، احدها من رواية محمد بن الحسن بن زبالة صاحب هذه الفضائح كلها المنفرد بوضعها عن يحيى بن عبد الرحمن عن عمرة بنت عبد الرحمن عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: * والثانى من طريق محمد ابن عبد الرحمن بن الرداد بن عبد الله بن شريح بن مالك القرشى عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن رافع بن خديج عن النبي عليه السلام، ومحمد بن عبد الرحمن هذا مجهول لا يدريه أحد * والثالث من طريق عبد الله بن نافع الصايغ صاحب مالك عن محمد ابن عبد الرحمن بن الرداد المذكور عن يحيى بن سعيد عن عمرة قال رافع: قال رسول الله عليه السلام، وعبد الله بن نافع هذا ضعيف بلا خلاف، وابن الرداد مجهول، ومثل هذا الشارع العجيب لا يجوز أن يسلك عليه الا على هذه الزوايغ الوحشة * وهذا الخبر رويناه من طريق مسلم باسناد في غاية الصحة قال مسلم (نا عبد الله بن مسلمة القعنبى نا سليمان بن بلال عن عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير بن مطعم قال: خطب مروان فذكر مكة وأهلها وحرمتها (ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها) (1) فناداه رافع بن خديج (فقال) (2) أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها.، وقد حرم رسول الله عليه السلام مابين لابتيها (3) وذلك عندنا في أديم خولانى (4) ان شئتم أقرأتكم (5) فقال مروان: قد سمعت بعض ذلك) * قال أبو محمد: فهكذا كان الحديث فبد له أهل الزيغ عصبية عجل الله تعالى لهم بها الفضيحة في الكذب على رسول الله عليه السلام وصفة الحماقة، ونعوذ بالله من كل ذلك * قال على: هذا كل مامو هوا به قد أو ضحناه. بالله تعالى التوفيق، ثم نورد الآثار الصحيحة والبراهين الواضحة في فضل مكة على المدينة وغيرها، أول ذلك حبس الله تعالى الفيل عنها وإهلا كه جيش راكبه إذ أراد غزو مكة، ثم قول رسول الله عليه السلام في غزوة الحديبية إذ بركت ناقته فقال الناس: خلات (6) فقال النبي عليه السلام: (ماخلات ولاهولها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل) وقال تعالى: (ومن دخله كان آمنا) وقال تعالى: (ان أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين) وقال تعالى: (ان الصفا والمروة من شعائر


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 385 (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) هي تثنية لابة وهى الارض الملبسة حجارة سوداء وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهى بينهما، ويقال: لابة ولوبة ونوبة بالنون ثلاث لغات مشهورات، افاده النووي في شرح مسلم (4) الاديم الجلد المدبوغ، والخولانى نسبة إلى خولان وهو مخلاف من مخاليف اليمن، وايضا اسم قرية كانت بقرب دمشق: يريد رافع ان حديث تحريم المدينة محفوظ عندنا بالكتابة في جلد مدبوغ منسوب إلى خولان، ولعل اديم تلك النواحى في ذلك الزمان كان من انعم واحسن الجلود التى يكتبون فيها والله اعلم (5) كذا في جميع النسخ بصيغة الجمع، وفى صحيح مسلم (ان شئت اقرأ تكه) وهو ظاهر السياق (6) أي حرنتولم تمش *

[ 288 ]

الله) وقال تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق) وقال تعالى: (أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود) ثم جعل الله تعالى فيها تمام الصلاة. والحج. والعمرة، فهى القبلة التى لاتقبل صلاة الا بالقصد نحوها، واليها الحج المفترض. والمعرة المفترضة، وانما فرضت الهجرة إلى المدينة ما لم تفتح مكة فلما فتحت بطلت الهجرة، فهذه الفضيلة لمكة ثم للمدينة، وأمر عليه السلام أن لا يسفك فيها دم، وأخبر أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والارض ولم يحرمها الناس، ونهى عليه السلام، ونهى عليه السلام أن يستقبلها أحد أو يستدبرها ببول أو غائط * روينا من طريق البخاري نا محمد بن عبد الله نا عاصم بن على نا عاصم بن محمد - هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - عن واقد بن محمد - هو أخوه - قال: سمعت أبى - هو محمد بن زيد - قال: قال عبد الله بن عمر: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهر ناهذا؟ قال: (الا) (1) أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: الا بلدنا هذا قال: (الا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا قال) (2) فان الله تعالى حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم الا بحلقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا من شهركم هذا ألا هل بلغت، ثلاثا كل ذلك يجيبونه الأنعم) (3) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية - هو محمد بن حازم الضرير - عن الاعمش عن أبى صالح السمان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام في حجته: (أتدرون أي يوم أعظم حرمة؟ فقلنا: يومنا هذا قال: فأى بلد أعظم حرمة؟ فقلنا: بلدنا هذا) ثم ذكر مثل حديث ابن عمر، فهذان جابر. وابن عمر يشهدان أن رسول الله عليه السلام قرر الناس على أي بلد أعظم حرمة فأجابوه بأنه مكة وصدقهم في ذلك، وهذا إجماع من جميع الصحابة في اجابتهم إياه عليه اسلام بأنه بلدهم ذلك وهم بمكة فمن خالف هذا فقد خالف الاجماع، فصح بالنص والاجماع ان مكة أعظم حرمة من المدينة، وإذا كانت أعظم حرمة من المدينة فهى أفضل بلا شك لان أعظم الحرمة لا يكون الا للافضل ولابد لا للاقل فضلا * روينا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة (ان رسول الله عليه السلام كان بالحجون (4) فقال: والله انك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى ولو لم أخرج منك ما خرجت لم تحل لاحد قبلى ولا تحل لاحد بعدى) وذكر باقى الحديث * ومن طريق سعيد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن محمد بن عمرو بن علقمة


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 8 ص 285 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 8 ص 286 (3) في صحيح البخاري زيادة في آخر الحديث تركها المصنف واقتصر على محل الشاهد منه (4) وبفتح الحاء المهملة الجبل المشرف مما يلي شعب الجزارين بمة اه‍ النهاية، وقال في المعجم جبل بأعلى مكة عند، مدافن اهلها *

[ 289 ]

ابن وقاص عن أبى سلمة - هو ابن عبد الرحمن بن عوف - عن أي هريرة (أن رسول الله عليه السلام وقف بالحجون فقال: انك خير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولو تركت فيك ما خرجت منك) وذكر باقى الحديث * ومن طريق أحمد بن شعيب انا سلمة بن شبيب. وقتيبة بن سعيد. واسحاق بن منصور قال سلمة: عن ابراهيم بن خالد قال: سمعت معمرا عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام وهو في سوق الجزورة بمكة: والله إنك لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت، وقال قتيبة: نا الليث - هو ابن سعد - عن عقيل بن خالد، وقال اسحاق: نا يعقوب - هو ابن ابراهيم - بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن عوف نا أبى عن صالح بن كيسان، ثم اتفق عقيل. وصالح كلاهما عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الله بن عدى بن الحمراء أخبره انه سمع رسول الله عليه السلام وهو واقف على راحلته بالجزوره من مكة يقول لمكة: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت) لم يختلف عقيل. وصالح في شئ من لفظه عليه السلام إلا أن عقيلا قال عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عدى بن الحمراء، وعبد الله هذا مشهور من الصحابة زهرى النسب * نا أحمد بن عمر بن أنس نا أبو ذر الهروي نا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن حميرويه أنا على بن محمد بن عيسى نا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - أخبرني شعيب - هو ابن أبى حمزة - عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ان عبد الله بن عدى بن الحمراء أخبره أنه سمع رسول الله عليه السلام يقول وهو واقف بالجزورة في سوق مكة: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت) فارتفع الاشكال جملة ولله الحمد * وهذا خبرني غاية الصحة رواه عن النبي عليه السلام أبو هريرة. وعبد الله بن عدى، ورواه عنهما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. ورواه عن أبى سلمة الزهري. ومحمد بن عمرو بن علقمة، ورواه عن محمد بن عمرو حماد بن سلمة والدراوردى، ورواه عن الزهري أصحابه الثقات معمر. وشعيب بن أبى حمزة. وعقيل. وصالح بن كيسان، ورواه أيضا عنه يونس بن يزيد. وعبد الرحمن بن خالد، ورواه عن هؤلاء الجماء الغفير، ولا مقال لاحد بعد هذا *

[ 290 ]

حدثنا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري نا عبد الوارث بن سفيان بن جبرون نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير. وأبو يحيى بن أبى مرة قالا جميعا: انا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن حبيب المعلم نا عطاء بن أبى رباح عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله عليه السلام: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) قال أحمد بن زهير: سألت يحيى بن معين عن حبيب المعلم فقال: ثقة، وقال أحمد بن حنبل: حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثه هذا لفظ أحمد بن زهير، وقال ابن أبى مرة في روايته: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فما سواه الا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي) * ورويناه أيضا من طريق محمد بن عبيد بن حساب عن حماد بن زيد بلفظه وإسناده * ورويناه أيضا من طريق أبى معاوية عن موسى الجهنى عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام، حديث ابن الزبير صحيح فارتفع الاشكال جملة والحمد لله * فروى القطع بفضل مكة على المدينة كما أوردنا عن النبي عليه السلام جابر. وأبو هريرة. وابن عمر. وابن الزبير. وعبد الله به عدى خمسة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم منهم ثلاثة مدنيون بأسانيد في غاية الصحة، ورواها عن هؤلاء أبو صالح السمان. ومحمد بن زيد بن عبد الله بن عمر. وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وعطاء بن أبى رباح منهم ثلاثة مدنيون، ورواه عن هؤلاء عاصم بن محمد. والاعمش. ومحمد بن عمرو بن علقمة. والزهرى. وحبيب المعلم منهم ثلاثة مدنيون، ورواه عن هؤلاء واقد بن محمد. وأبو معاوية محمد بن حازم الضرير وحماد بن سلمة. وحماد بن زيد. وعبد العزيز بن محمد الدراوردى. ومعمر. وشعيب بن أبى حمزة. وعقيل بن خالد. وصالح بن كيسان. وعبد الرحمن بن خالد. ويونس بن يزيد منهم ثلاثة مدنيون، ورواه عن هؤلاء من لا يحصى كثرة والحمد لله رب العالمين * وقد ذكرنا انه قول جميع الصحابة وقول عمر بن الخطاب مرويا عنه، وروينا من طريق يحيى ابن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أسلم المنقرى قلت لعطاء آتى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأصلى فيه؟ قال: فقال لى عطاء: طواف واحد أحب إلى من سفرك إلى المدينة وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وسفيان. وأحمد. وأبى سليمان. وغيرهم، وبالله تعالى التوفيق *

[ 291 ]

بسم الله الرحمن الرحيم بك اللهم أستعين (1) كتاب الجهاد 920 - مسألة - والجهاد فرض على المسلمين فإذا اقام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم (2) ويحمى ثغور المسلمين سقط فرضه عن الباقين وإلا فلا، قال الله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * روينا من طريق اسماعيل بن إسحاق نا محمود بن خداش نا اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - نا أيوب - هو السختيانى - عن محمد بن سيرين قال: كان أبو أيوب الانصاري يقول: قال الله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) فلا أحد من الناس إلا خفيف أو ثقيل * ومن طريق مسلم نا محمد بن عبد الرحمن بن سهم الانطاكي أخبرنا عبد الله بن المبارك عن وهيب المكى عن عمر بن محمد بن المنكدر (3) عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث (به) (4) نفسه مات على شعبة من نفاق) (5) قال أبو محمد: هذا وعيد شديد نعوذ بالله منه * ومن طريق مسلم نا اسماعيل بن علية عن على بن المبارك نا يحيى بن أبى كثير نا أبو سعيد مولى المهرى عن أبى سعيد الخدرى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث (بعثا) (6) إلى بنى لحيان من هذيل فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما والاجر بينهما) * 921 مسألة - ومن أمره الامير بالجهاد إلى دار الحرب ففرض عليه أن يطيعه في ذلك الا من له عذر قاطع * روينا من طريق البخاري نا على بن عبد الله نا يحيى بن سعيد القطان نا سفيان - هو الثوري - حدثنى منصور - هو ابن المعتمر - عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس (رضى الله عنهما) (7) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذ استنفرتم فانفروا) *


(1) البسملة وما بعدها سقطت من النسخة رقم (14) (2) قال الجوهرى في صحاحه: قال الاصمعي: عقر الدار أصلها هو محلة القوم، وأهل المدينة يقولون: عقر الدار بالضم (3) في النسخة اليمنية (عن محمد بن محمد بن المنكدر) بزيادة (محمد بن) وهو غلط (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 104 (5) في صحيح مسلم بعد أن ذكر الحديث قال ابين سهم قال عبد الله بن المبارك فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (6) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 100 (7) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 66 *

[ 292 ]

922 - مسألة - ولايجوز الجهاد الا باذن الابوين إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين ففرض على كل من يمكنه اعانتهم أن يقصدهم مغيثا لهم (1) أذن الابوان أم لم يأذنا الا أن يضيعا أو أحدهما بعده فلا يحل له ترك من يضيع منهما * روينا من طريق البخاري نا آدم نا شعبة نا حبيب بن أبى ثابت قال: سمعت ابا العباس الشاعر وكان لايتهم في الحديث (2) قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) فاستأذنه في الجهاد فقال له عليه السلام: أحى والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد) * ومن طريق البخاري نا مسدد نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر (رضى الله عنهما) (4) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية (5) فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) * وروينا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال (إنما الطالعة في المعروف). وعن علقمة عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال (لاطاعة لاحد في معصية الله تعالى) * 923 - مسألة - ولا يحل لمسلم أن يفر عن مشرك ولاعن مشركين ولو كثر عددهم أصلا لكن ينوى في رجوعه التحيز إلى جماعة المسلمين ان رجا البلوغ، إليهم أو ينوى الكر إلى القتال فان لمن ينو الا تولية دبره هاربا فهو فاسق ما لم يتب، قال الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ومن يولهم يومئذ دبره الا متحر فالقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم)، وقال قوم، ان الفرار له مباح من ثلاثة فصاعدا، وهذا خطأ * واحتجوا في ذلك بقول الله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين باذن الله) * وروينا عن اتبن عباس أنه قال: (ان فر رجل من رجلين فقد فر وان فرمن ثلاثة فلم يفر) * قال أبو محمد: أما ابن عباس فقد خالفوه في مئين من القضايا منها قراءة أم القرآن جهرا في صلاة الجنازة واخباره أنه لاصلاة الا بها وغير ذلك كثير ولا حجة الا في كذم الله تعالى، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الآية فلا متعلق لهم فيها لانه ليس فيها لانص ولا دليل باباحة الفرار عن العدد المذكور، وإنما فيها أن الله تعالى علم أن فينا ضعفا، وهذا حق ان فينا لضعفا ولاقوى إلا وفيه ضعف بالاضافة إلى ما هو أقوى منه الا الله تعالى وحده


(1) في النسخة اليمنية (معينا لهم) (2) هو في صحيح البخاري ج 4 ص 142 (3) في صحيح البخاري ج 4 ص 143 (إلى النبي صلى الله عليه وسلم) (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 127 (5) في صحيح البخاري (بالمعصة) *

[ 293 ]

فهو القوى الذى يضعف ولا يغلب، وفيها أن الله تعالى خفف عنا فله الحمد ومازال ربنا تعالى رحيما بنا يخفف عنا في جميع الاعمال التى ألزمنا، وفيها انه كان منا مائة صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منا ألف يغلبوا ألفين باذن الله وهذا حق، وليس فيه أن المائة لا تغلب أكثر من مائتين ولا أقل أصلا بل قد تغلب ثلثمائة نعم وألفين وثلاثة آلاف ولا أن الالف (1) لا يغلبون الا ألفين فقط لا أكثر ولا أقل، ومن ادعى هذا في الآية فقد أبطل وادعى ما ليس فيها منه (2) أثر. ولا اشارة. ولانص. ولا دليل، بل قد قال عزوجل (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين) فظهر أن (3) قولهم لا دليل عليه أصلا. ونسألهم عن فارس بطل شاكى السلاح قوى لقى ثلاثة من شيوخ اليهود الحربيين هرمى مرضى رجالة عزلا (4) أو على حمير أله ان يفر عنهم؟ لئن قالوا نعم: ليأتن بطامة يأباها الله والمؤمنين وكل ذى عقل، وإن قالوا: لا ليتركن قولهم (5)، وكذلك نسألهم عن ألف فارس نخبة أبطال أمجاد مسلحين ذوى بصائر لقوا ثلاثة آلاف من محشودة بادية النصاررى رجالة مسخرين؟ ألهم ان يفروا عنهم؟ * وروينا وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال: ليس الفرار من الزحف من الكبائر إنما كان ذلك يوم بدر خاصة * قال أبو محمد: وهذا تخصيص للآية بلا دليل. روينا من طريق البزار نا عمرو بن على ومحمد بن مثنى قالا جميعا: نا يحيى بن سعيد القطان نا عوف الاعرابي عن يزيد الفارسى نا ابن عباس ان عثمان قال له: كانت الانفال من أول ما أنزل بالمدينة * وروينا من طريق مسلم نا هارون بن سعيد (الايلى) (6) نا ابن وهب أخبر نا سليمان (7) بن بلال عن ثور بن زيد عن أبى الغيث عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (8): (اجتنبوا السبع الموبقات (قيل تا رسول الله وما هن؟ قال:) (9) الشرك بالله. والسحر. وقتل النفس التى حرم الله الا بالحق. وأكل مال اليتيم. وأكل الربا. والتولى يوم الزحف. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) فعم عليه السلام ولم يخص * ومن طريق البخاري نا عبد الله بن محمد نا معاوية بن عمرو نا أبو إسحاق - هو الفزارى - عن موسى بن عقبة عن سالم أبى النضر مولى عمر بن عبيدالله قال: كتب إليه عبد الله بن أبى أوفى (10) فقرأته ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية؟ فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال


(1) في النسخة رقم (14) (ولان الالف) وهو غلط (2) في النسخة رقم (14) (منها) (3) في النسخة اليمنية سقط لفظ (ان) خطأ (4) جمع أعزل الذى لا سلاح معه (5) في النسخة رقم (14) (اقوالهم) (6) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 37 (7) في النسخة اليمنية (سليم) وهو غلط (8) في صحيح مسلم (عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) (9) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 37 (10) في النسخة اليمنية (عبد الله بن ابى النضر) وهو غلط *

[ 294 ]

السيوف) (1) فعم عليه السلام ولم يخص، واسلام أبى هريرة وابن أبى أوفى بلا شك بعد نزول سورة الانفال التى فيها الآية التى احتجوا بها فيما ليس فيها منه شئ، وقد خالف ابن عباس غيره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المروانى أخبرنا أبو خليفة الفضل ابن الحباب (الجمحى) (2) نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبى نا خالد بن الحارث الهجيمى (3) نا شعبة عن أبي اسحاق السبيعى قال. سمعت رجلا سأل البراء عن عازب ارأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال البراء: لا ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقى بيده ويقول: لا توبة لى * وعن عمر بن الخطاب إذا لقيتم فلا تفروا * وعن على. وابن عمر الفرار من الزحف من الكبائر * ولم يخصوا عددا من عدد، ولم ينكر أبو أيوب الانصاري. ولا أبو موسى الاشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل، وقد ذكروا حديثا مرسلا من طريق الحسن (أن المسلمين لقوا المشركين فقال رجل: يا رسول الله أشد عليهم، أو أحمل عليهم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتراك قاتل هؤلاء كلهم اجلس فإذا نهض أصابك فانهض وإذا شدوا فشد،) وهذا مرسل لا حجة فيه بل قد صح عند عليه السلام أن رجلا من أصحابه سأله ما يضحك الله من عبده، قال غمسه يده في العدو حاسر افتزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل رضى الله عنه * 924 - مسألة - وجائز تحريق أشجار المشركين. وأطعمتهم. وزرعهم. ودورهم وهدمها قال الله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله وليخزى الفاسقين)، وقال تعالى: (ولا يطئون موطئا يغبظا الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح)، وقد أحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بنى النضير وهى في طرف دور المدينة - وقد علم أنها تصير للمسلمين في يومه أو غده، وقد روينا عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه لا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ينهى أبو بكر عن ذلك اختيارا لان ترك ذلك أيضا مباح كما في الآية المذكورة، ولم يقطع صلى الله عليه وسلم وسلم أيضا نخل خيبر، فكل ذلك حسن. وبالله تعالى التوفيق * 925 - مسألة - ولا يحل عقر شئ من حيوانهم البتة لا إبل. ولا بقر: ولا غنم. ولاخيل. ولا دجاج. ولا حمام، ولا اوز، ولا برك، ولاغير ذلك الا للاكل فقط حاشا الخنازير جملة فتعقر وحاشا الخيل في حال المقاتلة فقط. وسواء أخذها المسلمون. أو لم يأخذوها أدركها العدو ولم يقدر المسلمون على منعها. أو لم يدركوها (4)، ويخلى كل ذلك


(1) ذكر هذا الحديث البخاري في مواضع من صحيحه مقطعا وهو موجود في ج 4 ص 129 بأطول من هذا (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) هو بهاء مضمومة وفتح الجيم نسبة إلى الهجيم بن عمرو اه‍ من المغنى (4) كذا في النسخ وهو صحيح الا ان الانسب اولم يدركها) *

[ 295 ]

ولا بد ان لم يقدر على منعه. ولا على سوقه. ولا يعقر شئ من نحلهم، ولا يغرق، ولا تحرق خلاياه، وكذلك من وقعت دابته في دار الحرب فلا يحل له عقرها لكن يدعها كما هي وهى له أبدا مال من ماله كما كانت لا يزيل ملكه عنها حكم بلا نص، وهو قول مالك، وأبى سليمان: وقال الحنيفيون. والمالكيون: يعقر كل ذلك فاما الابل. والبقر. والعنم فتعقر ثم تحرق، وأما الخيل. والبغال. والحمير فتعقر فقط * وقال المالكيون: أما البغال. والحمير فتذبح وأما الخيل فلا تذبح ولا تعقر لكن تعرقب، أو تشق أجوافها * قال أبو محمد: في هذا الكلام من التخليط مالا خفاء به على ذى فهم، أول ذلك انه دعوى بلا برهان وتفريق لا يعرف عن أحد قبلهم، وكانت حجتهم في ذلك انهم ربما أكلوا الابل. والبقر. والغنم. والخيل إذا وجدوها منحورة فكان هذا الاحتياج أدخل في التخليط من القولة المحتج لها، وليت شعرى متى كانت النصارى. أو المجوس. أو عباد الاوثان (1) يتجنبون أكل حمار، أو بغل ويقتصرون على أكل الانعام، والخيل، وكل هؤلاء يأكلون الميتة ولا يحرمون حيوانا أصلا، وأما اليهود. والصابئون فلا يأكلون شيئا ذكاه غيرهم أصلا، وهذا عجب جدا! واحتجوا في اباحتهم قتل كل ذلك بقول الله تعالى: (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح) * قال أبو محمد: فقلنا لهم: فاقتلوا أولادهم وصغارهم ونساءهم بهذا الاستدلال فهو بلا شك أغيظ لهم من قتل حيوانهم فقالوا: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان فقلنا لهم: وهو عليه السلام نهى عن قتل الحيوان الالمأكلة ولافرق، وانما أمرنا الله تعالى أن نغيظهم فيما لم ينه عنه لا بما حرم علينا فعله * روينا من طريق احمد بن شعيب أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى نا سفيان بن عيينة عن عمرو - هو ابن دينار - عن صهيب مولى ابن عامر (2) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مامن إنسان يقتل عصفورا (3) فما فوقها بغير حقها الا سأله الله (عزوجل) (4) عنها قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمى به) (5) * ومن طريق مسلم بن الحجاج نا محمد بن حاتم نا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج حدثنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم (6) (عن) (7) أن يقتل شئ من الدواب صبرا * ومن طريق أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن زنبور المكى نا ابن أبى حازم عن يزيد بن الهاد عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: قال


(1) في النسخة اليمنية أو عبادا وثان) (2) في النسخة اليمنية (ابن عاصم) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (3) في النسائي ج 7 ص 207 (قتل عصفورا) (4) الزيادة من النسائي (5) في النسائي (يرمى بها) والضمير عائد إلى الرأس وهو هذكر (6) في صحيح مسلم ج 2 ص 116 (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم) (7) الزيادة من النسخة رقم (14) *

[ 296 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمثلوا بالبهائم) (1) * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال لامير جيش بعثه إلى الشام: لا تعقرن شاة ولا بعيرا الا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه، (2) ولا يعرف له في ذلك من الصحابة مخالف * وأما الخنازير فروينا من طريق البخاري نا اسحق - هو ابن راهويه - نا يعقوب بن ابراهيم ابن سعد نا أبى عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذى نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا (فيكسر الصليب) (3) ويقتل الخنزير) * فأخبر عليه السلام أن قتل الخنزير من العدل الثابت في ملته التى يحييها عيسى أخوه عليهما السلام، وذكر بعض الناس خبرا لا يصح فيه ان جعفر بن أبى طالب عرقب فرسه يوم قتل، وهذا خبر رواه عباد بن عبد الله بن الزبير عن رجل من بنى مرة لم يسمه، ولو صح لما كان فيه حجة لانه ليس فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم عرف ذلك (4) فأقره * وأما الفرس في المدافعة فان للمسلم أن يدفع عنه من أراد قتله أو أسره بأى شئ أمكنه * 926 - مسألة - ولا يحل قتل نسائهم ولا قتل من لم يبلغ منهم الا أن يقاتل أحد ممن ذكرنا فلا يكون للمسلم منجا منه الا بقتله فله قتله حينئذ * روينا من طريق البخاري نا أحمد بن يونس نا الليث - هو ابن سعيد - عن نافع ان ابن عمر أخبره (ان (امرأة وجدت في بعض مغازى النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر) (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان) * 927 - مسألة - فان أصيبوا في البيات أو في اختلاط الملحمة عن غير قصد فلا حرج في ذلك * روينا من طريق البخاري نا على بن عبد الله نا سفيان بن الزهري عن عبيدالله ابن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من ذراريهم ونسائهم؟ فقال: هم من آبائهم) (6) * 928 - مسألة - وجائز قتل كل من عدا من ذكرنا من المشركين من مقاتل، أو غير مقاتل، أو تاجر، أو أجير - وهو العسيف - أو شيخ كبير كان ذار أي. أو لم يكن، أو فلاح، أو أسقف، أو قسيس، أو راهب، أو أعمى، أو مقعد لا تحاش أحدا، وجائز استبقاؤهم أيضا قال الله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم


(1) الحديث اختصره المصنف انظر ج 7 ص 238 من سنن النسائي (2) هو في موطأ مالك ج 2 ص 6 بأطول من هذا اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه ووقع في الموطأ المطبوع مع تعليق السيوطي (ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه) وهو غلط وجاء صحيحا في الزرقاني على الموطأ كما هنا تنبه فان التصحيح ليس بالسهل (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (عرف بذلك) (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 147 (6) هو في البخاري ج 4 ص 146 بأطول من هذا *

[ 297 ]

كل مرصد فان وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فعم عزوجل كل مشرك بالقتل الا أن يسلم، وقال قوم قوم: لا يقتل أحد ممن ذكرنا، واحتجوا بخبر رويناه من طريق أحمد بن شعيب أخبرنا قتيبة نا المغيرة عن أبى الزناد عن المرقع عن جده رباح (1) ابن الربيع قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل: (أدرك خالدا وقل له: لا تقتلن ذرية ولا عسيفا) * ومن طريق سفيان عن عبد الله بن ذكوان عن المرقع بن صيفي عن عمه حنظلة الكاتب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقتلوا الذرية ولا عسيفا) * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا يحيى بن آدم نا الحسن بن صالح بن حيى عن خالد ابن الفرز (2) عن أنس بن مالك (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: انطلقوا باسم الله وفى سبيل الله تقاتلون عدو (3) الله لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا امرأة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حميد عن شيخ من أهل المدينة مولى لبنى عبد الاشهل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال: لا تقتلوا أصحاب الصوامع) * ومن طريق القعنبى نا ابراهيم بن اسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقتلوا أصحاب الصوامع) * ومن طريق حماد بن سلمة أخبرنا عبيدالله بن عمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض امرائه (أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تقتلوا صغيرا ولا امرأة ولا شيخا كبيرا) * وعن حماد بن سلمة عن شيخ بمنى عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل العسفاء والوصفاء (4)) * ومن طريق قيس ابن الربيع عن عمر مولى عنبسة عن زيد بن على بن الحسين عن أبيه عن على بن أبى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه نهى ان يقتل شيخ كبير أو يعقر شجر الاشجر يضربهم) * ومن طريق ابن أبى شيبة عن عيسى بن يونس عن الاحوص عن راشد بن سعد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الشيخ الذى لاحراك به * وذكروا عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال لامير له: لا تقتلن امرأة. ولا صبيا. ولا كبيرا هرما إنك ستمر على قوم قد حبسوا أنفسهم في الصوامع زعموالله فدعهم وما حبسوا أنفسهم له، وستمر على قوم قد فحصوا من أوساط رؤسهم وتركوا فيها من شعورهم أمثال العصائب فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف * وعن جابر بن عبد الله قال: كانوا لا يقتلوا تجار المشركين وقالوا: إنما نقتل من قاتل وهؤلاء لا يقاتلون *


(1) هو بياء موحدة مخففة (2) هو بكسر الفاء وفتحها وسكون الراء بعدها زاى اه‍ تقريب * (3) في نسخة (اعداء الله) (4) العسفاء الاجراء، والوصفاء العبيد *

[ 298 ]

هذا كل ما شغبوا به وكل ذلك لا يصح، أما حديث المرقع فالمرقع مجهول (1)، وأما حديث ابن عباس فعن شيخ مدنى لم يسم وقد سماه بعضهم فذكر ابراهيم بن اسماعيل بن أبى حبيبة (2) وهو ضعيف،. والخبران الآخران، مرسلان، وكذلك حديث راشد مرسل ولا حجة في مرسل، وأما حديث أنس فعن خالد بن الفرز وهو مجهول، وحديث حماد بن سلمة عن شيخ بمنى عن أبيه وهذا عجب جدا! وأعجب منه أن يترك له القرآن! وأما حديث قيس بن الربيع فليس قيس بالقوى ولا عمر مولى عنبسة معروفا، وعلى بن الحسين لم يولد إلا بعد موت جده رضى الله عنهم، فسقط كل ما موهوا به، وأما الرواية عن أبى بكر فمن عجائبهم هذا الخبر نفسه: عن أبى بكر رضى الله عنه فيه جاء نهى أبى بكر رضى الله عنه عن عقر شئ من الابل. أو الشاء الالمأكلة، وفيه جاء ان لا يقطع الشجر ولا يغرق النحل فخالفوه كما اشتهوا حيث لا يحل خلافه لان السنة معه وحيث لا يعرف له مخالف من الصحابة، ثم احتجوا به حيث خالفه غيره من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا عجب جدا في خبر واحد!، وأما قول جابر لم يكونوا يقتلون تجار المشركين فلا حجة لهم فيه لانه لم يقل: ان تركهم قتلهم كان في دار الحرب وإنما أخبر عن جملة أمرهم، ثم لو صح مبينا عنه لما كان لهم فيه متعلق لانه ليس فيه نهى عن قتلهم وانما فيه اختيارهم لتركهم فقط * وروينا عن الحسن. ومجاهد. والضحاك النهى عن قتل الشيخ الكبير ولا يصح عن مجاهد. و الضحاك لانه من طريق جويبر. وليث بن أبى سليم، وكذلك أيضا هذا الخبر عن أبى بكر لا يصح لانه عن يحيى بن سعيد. وعطاء وثابت بن الحاج وكلهم لم يولد إلا بعد موت أبى بكر رضى الله عنه بدهر * ومن طريق فيها الحجاج بن أرطاة وهو هالك ولو شئنا أن تحتج بخبرا الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبخبر الحجاج مسندا (اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم) (3) لكنا أدخل منهم في الايهام ولكن يعيدنا الله عزوجل من أن نحتج بما لا نراه صحيحا، وفى القرآن وصحيح السنن كفاية * وأما قولهم: ان نقتل (4) من قاتل فباطل بل نقتل كل من يدعى إلى الاسلام منهم حتى يؤمن أو يؤدى الجزية ان كان كتابيا كما أمر الله تعالى في القرآن لا كما أمر أبو حنيفة إذ يقول ان ارتدت المرأة لم تقتل فان قتلت قتلت، وان سب المشركون أهل الذمة النبي صلى الله عليه وسلم تركوا


(1) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 10 ص 88 عقب ما ساق كلام ابن حزم هنا: وهو من اطلاقاته المردودة اه‍ (2) هو بفتح المهملة كسر الموحدة وفى النسخة رقم (14) (بن ابى لبيبة) وكذلك في النسخة اليمنية وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب ميزان الاعتدال حاشية تقريب التهذيب (3) قال العلامة مجد الدين أبو السعادات في النهاية اراد بالشيوخ الرجال المسان أهل الجلد والقوة على القتال ولم يرد الهرمى، والشرح الصغار الذين لم يدركوا، وقيل باراد بالشيوخ الهرمى الذين إذا سبوالم ينتفع بهم في الخدمة وأراد بالشرخ الشباب أهل الجلد الذين ينتفع بهم في الخدمة، وشرخ الشباب أوله، وقيل: نصارته وقوته وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع وقيل: هو جمع مثل شارب وشرب (4) في النسخة اليمنية (انما نقاتل) وما هنا أنسب *

[ 299 ]

وسبهم له حتى يشفوا صدورهم ويخزى المسلمون بذلك تبا لهذا القول وقائله * وروينا من طريق وكيع نا سفيان نا عبد الملك بن عمير الفرظى نا عطية القرظى قال: (عرضت يوم قريظة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله فكنت فيمن لم ينبت)، فهذا عموم من النبي صلى الله عليه وآله لم يستبق منهم عسيفا، ولا تاجرا، ولافلاحا، ولا شيخا كبيرا، وهذا إجماع صحيح منهم رضى الله عنهم متيقن لانهم في عرض من أعراض المدينة لم يخف (1) ذلك على أحد من أهلها * ومن طريق حماد بن سلمة أخبرنا أيوب السختيانى. وعبيدالله بن عمر كلاهما عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الاجناد أن لا يجلبوا الينا من العلوج (2) أحدا اقتلوهم ولا تقتلوا من جرت عليهم المواسى (3) ولا تقتلوا صبيا، ولا امرأة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن نمير نا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كتب عمر إلى الاجناد لا تقتلوا امرأة، ولاصبيا وأن يقتلوا كل من جرت عليه المواسى * فهذا عمر رضى الله عنه لم يستثن شيخا، ولا راهبا، ولا عسيفا، ولا أحدا الا النساء، والصبيان فقط، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه، وقد قتل دريد بن الصمة وهو شيخ هرم قد أهتر عقله (4) فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لانه كان ذا رأى فقلنا لهم: ومن ذا الذى قسم لكم ذا الرأى من غيره فلا سمعا له ولا طاعة، ومثل هذه التقاسيم لا تؤخذ إلا من القرآن، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبالله تعالى نتأيد * 921 - مسألة - ويغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الامراء وغير فاسق ومع المتغلب والمحارب كما يغزى مع الامام ويغزوهم المرء وحده إن قدر أيضا قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)، وقد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول باب من كتاب الجهاد ههنا السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية، وقال تعالى: (انفروا خفافا وثقالا)، وقد علم الله تعالى أنه ستكون أمراء فساق فلم يخصهم من غيرهم، وكل من دعا إلى طاعة الله في الصلاة المؤداة كما أمر الله تعالى والصدقة الموضوعة مواضعها المأخوذة في حقها، والصيام كذلك، والحج كذلك، والجهاد كذلك، وسائر الطاعات كلها ففرض إجابته للنصوص المذكورة. وكل من دعا من امام حق، أو غيره إلى معصية فلا سمع ولا طاعة كتاب الله أحق وشرط الله اوثق، وقال عليه السلام: (لكل امرئ ما نوى) * وروينا من طريق البخاري نا أبو اليمان أخبرنا شعيب - هو ابن أبى حمزة - عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا لا فنادى في الناس


(1) في النسخة اليمنية (لم يخنف) (2) جمع علج وهو الرجل من كفار العجم وغيرهم (3) قال ابن الاثير: أي من نبتت بما نته لان المواسى انما تجرى على من أنبت اراد من بلغ الحلم من الكفار (4) قال الجوهرى في الصحاح: اهتر الرجل فهو مهتراى صاير خرفا من الكبر *

[ 300 ]

أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (1) * 930 - مسألة - فنم غزا مع فاسق فليقتل الكفار وليفسد زروعهم ودورهم وثمارهم وليجلب النساء والصبيان ولابد، فان اخراجهم من ظلمات الكفر (2) إلى نور الاسلام فرض يعصى الله من تركه قادرا عليه وإثمهم على من غلهم، وكل معصية فهى أقل من تركهم في الكفر وعونهم على البقاء فيه، ولا إثم بعد الكفر أعظم (3) من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمر باسلام حريم المسلمين (إليهم) (4) من أجل فسق رجل مسلم لا يحاسب غيره بفسقه * 931 - مسألة - ولا يملك أهل الكفر الحربيون مال مسلم ولامال ذمى أبدا إلا بالابتياع الصحيح أو الهبة الصحيحة، أو بميراث من ذمى كافر، أو بمعاملة صحيحة في دين الاسلام فكل ما غنموه من مال ذمى أو مسلم. أو آبق إليهم فهو باق على ملك صاحبه فمتى قدر عليه رد على صاحبه (5) قبل القسمة وبعدها دخلوا به أرض الحرب، أو لم يدخلوا (6) ولا يكلف مالكه عوضا ولاثمنا لكن يعوض الامير من كان صار في سهمه من كل مال لجماعة المسلمين، ولا ينفذ فيه عتق من وقع في سهمه. ولا صدقته ولا هبته. ولا بيعه، ولا تكون له الامة أم ولد، وحكمه حكم الشئ الذى يغصبه المسلم من المسلم، ولا فرق وهو قول الشافعي. وأبى سليمان ولمن سلف أقوال ثلاثة سوى هذا، أحدها أنه لا يرد شئ من ذلك إلى صاحبه لاقبل القسمة. ولا بعدها، لا بثمن. ولا بغير ثمن، وهو لمن صار في سهمه * روينا من طريق ابن أبى شيبة عن معتمر بن سليمان التيمى عن أبيه ان على بن أبى طالب قال: ما أحرزه العدو من أموال المسلمين فهو بمنزلة أموالهم * وكان الحسن البصري يقضى بذلك * وعن قتادة ان مكاتبا أسره العدو فاشتراه رجل فسأل بكر بن قرواش (7) عنه على بن ابى طالب فقال له على: إن افتكه سيده فهو على كتابته وان أبى ان يفتكه فهو للذى اشتراه * وعن قتادة عن خلاس (8) عن على ما أحرزه العدو فهو جائز * وعن قتادة عن على هو فئ المسلمين لا يرد * وعن معمر عن الزهري ما أحرزه المشركون ثم أصابه المسلمون فهو لهم ما لم يكن حرا أو معاهدا * وعن معمر عن رجل عن الحسن مثل هذا، والقول الثاني انه ان ادرك قبل القسمة رد إلى صاحبه فان لم يدرك حتى قسم فهو للذى وقع في سهمه لا يرد إلى صاحبه لا بثمن، ولا بغيره هكذا رويناه


(1) اختصره المصنف انظر صحيح اليخارى ج 4 ص 166 (2) في النسخة رقم (14) (ظلة الكفر) وما هنا أبلغ وأنسب (3) في النسخة رقم (14) (ولا اثم اعظم بعد الكفر) (4) الزيادة من النسخة اليمنية (5) في النسخة رقم (14) (إلى صاحبه) (6) في النسخة اليمنية (ام لم يدخلوا) (7) في النسخة اليمنية (قرواس) بسين مهملة وهو غلط (8) هو بخاء معجمة مكسورة بعدها لام مخففة وفى آخره سين مهملة، وفى النسخة اليمنية (حلاس) بحاء مهملة وهو غلط *

[ 301 ]

عن عمر نصا من طريق سعيد بن أبى عروبة عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب ان عمر بن الخطاب قال: ما احرز المشركون من أموال المسلمين فوجد رجل ماله بعينه قبل ان تقسم السهام فهو أحق به وان كان قسم فلا شئ له * ومن طريق ابن أبى شيبة عن عيسى بن يونس عن ثور عن أبى عون عن زهرة بن يزيد المرادى ان أمة لرجل مسلم أبقت إلى العدو فغنمها المسلمون فعرفها أهلها فكتب فيها أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر فكتب إليه عمران كانت لم تخمس ولم تقسم (1) فهى رد على أهلها وان كانت قد خمست وقسمت فامضها لسبيلها * وروى نحوه أيضا عن زيد بن ثابت * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن أبى اسحاق عن سليمان بن ربيعة فيما أحرز العدو قال: صاحبه أحق به ما لم يقسم * ومن طريق هشيم عن المغيرة ويونس قال المغيرة عن ابراهيم، وقال يونس عن الحسن قالا جميعا: ما غنمه العدو من مال المسلمين فغنمه المسلمون فصاحبه أحق به فان قسم فقد مضى * وذكر ابن أبى الزناد عن أبيه هذا القول عن القاسم بن محمد. وعروة بن الزبير. وخارجة بن. زيد بن ثابت. وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. وأبى بكر بن عبد الرحمن. وسليمان بن يسار في مشيخة من نظرائهم قالوا: ما غنم العدو من المسلمين ثم غنمه المسلمون فصاحبه أحق به ما لم يقع فيه السهمان فإذا قسم فلا سبيل (له) (2) إليه، وصح عن عطاء أيضا وأخبر عطاء أنه رأى منه، وهو قول الليث. وأحمد بن حنبل، والقول الثالث انه ان أدرك قبل القسمة رد إلى صاحبه بغير ثمن وان لم يدرك الا بعد القسمة فصاحبه أحق به بقيمته * رويناه من طريق عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن مكحول عن عمر بن الخطاب * ومن طريق سفيان عن المغيرة عن ابراهيم النخعي * ومن طريق ابن سيرين عن شريح * ومن طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عن مجاهد * فالقول الاول لايرد ما أخذه المشركون من أموالنا إلى أربابها لا قبل أن تقسم ولا بعد أن تقسم لا بثمن ولا بغيره روى عن على، وصح عن الحسن. والزهرى. وعمرو ابن دينار ولم يصح عن على لانه من طريق سليمان التيمى. وقتادة عن على ولم يدركاه، ورواية خلاس عن على صحيحة إلا أنه لا بيان فيها انما هي ما أحرزه العدو فهو جائز ولا نذرى ما معنى فهو جائز ولعله أراد انه جائز لاصحابه إذا ظفر به * والقول الثاني أن يرد إلى أصحابه قبل القسمة ولا يرد بعد القسمة روى عن عمر. وأبى عبيدة. وزيد بن ثابت، ولا يصح عن أحد منهم لانه عن قبيصة بن ذؤيب ولم يدرك عمر، ومن طريق أبى عون أو ابن عون ولم يدكا أبا عبيدة. ولا عمر، ولا ندرى من رواه عن زيد بن ثابت، وروى عن فقهاء


(1) في النسخة رقم (14) (ولا قسمت) وما هنا انسب (2) الزيادة من النسخة رقم (14)

[ 302 ]

المدينة السبعة ولا يصح عنهم لانه من طريق ابن أبى الزناد وهو ضعيف، وعن سليمان ابن ربيعة ولم يصح عنه (1) لانه من طريق الحجاج بن أرطارة، وصح عن ابراهيم (وشريح) (2) والحسن. وعطاء * والقول الثالث انه ان أدرك قبل القسمة رد إلى صاحبه بغير ثمن وان لم يدرك الا بعد القسمة فصاحبه أحق به بقيمته، (3) روى عن عمر ولم يصح عنه لانه من رواية مكحول ولم يدرك عمر، وصح عن ابراهيم. وشريح ومجاهد وهو قول مالك. والاوزاعي، ومن قول مالك ان الآبق والمغنوم سواء في ذلك وان المدبر. والمكاتب. وأم الولد سواء في ذلك الا أن سيد أم الولد يجبر على أن يفكها، وههنا قول خامس لا يعرف عن أحد من السلف وهو قول أبى حنيفة، ولا يحفظ ان أحد اقاله قبله وهو أن ما أبق إلى المشركين من عبد لمسلم فانه مردود إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها بلا ثمن، وكذلك ما غنموه من مدبر. ومكاتب. وأم ولد ولافرق، ووافقه في هذا سفيان قال أبو حنيفة: وأما ما غنموه من الاماء. والعبيد. والحيوان. والمتاع فان أدرك قبل ان يدخلوا به دار الحرب ثم غنمناه رد إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها بلا ثمن، وان دخلوا به دار الحرب ثم غنمناه رد إلى صاحبه قبل القسمة، (4) وأما بعد القسمة فصاحبه أحق به بالقيمة ان شاء والافلا يرد إليه * قال أبو محمد: وهذا قول في غاية التخليط والفساد في التقسيم لادليل على صحة تقسيمه لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا تابع. ولا قياس. ولا رأى سديد، وقال بعضهم. انما يملكون علينا ما يملكه بعضنا على بعض * قال أبو محمد: وصدق هذا القائل ولا يملك بعضنا على بعض مالا بالباطل ولا بالغصب أصلا. ولا باطل. ولا غصب أحرم ولا أبطل من أخذ حربى مال مسلم، فسقط هذا القول الفاسد جملة، ثم نطرنا في سائر الاقوال فنظرنا في قول مالك فوجدنا هم ان تعلقوا بما روى عن عمر فقد عارضته رواية أخرى عن عمر هي عنه أمثل من التى تعلقوا بها، وأخرى عن على هي مثل التى تعلقوا بها فما الذى جعل بعض هذه الروايات أحق من بعض؟، وقال بعضهم: معنى قول عمر في الرواية الاخرى فلا شئ له وامضها لسبيلها أي الا بالثمن فقلنا: ما يعجز من لا دين له عن الكذب، ويقال لكم: معنى قول عمر إنه أحق بها بالقيمة أي ان تراضيا جميعا على ذلك والا فلا فما الفرق بين كذب وكذب؟، ثم وجدنا هم يحتجون بخبر رويناه من طريق حماد بن سلمة وغيره عن سماك بن حرب عن تميم بن طرقة أن عثمان اشترى بعيرا من العدو


(1) من قوله (لانه من طريق ابن ابى الزناد) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية خطا (2) الزيادة من النسخة اليمنية (3) من قوله (انه ان ادر القسمة) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية) (4) من قوله (وبعدها بلا ثمن) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية خطا *

[ 303 ]

فعرفه صاحبه فخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ان شئت أعطيته الثمن الذى اشتراه به وهو لك والا فهو له)، وهذا منقطع لا حجة فيه، وسماك ضعيف يقبل التلقين شهد به عليه شعبة وغيره، وأسنده يس الزيات عن سماك عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، ويس لا تحل الرواية عنه، وسماك قد ذكرناه، ورواه بعض الناص عن ابراهيم ابن محمد الهمذانى (1) أو الانباري عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة مسنا، وابراهيم ابن محمد الانباري. أو الهمذانى لا يدرى أحد من هو في الخلق، وأسنده أيضا الحسن بن عمارة واسماعيل بن عياش كلا هما عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بعير أحرزه العدو ثم غلب عليه المسلمون: (ان وجدته قبل القسمة فأنت أحق به بغير شئ وان وجدته بعد القسمة فانت أحق به بالثمن ان شئت)، والحسن بن عمارة هالك واسماعيل بن عياش ضعيف، ورواه بعض الناس من طريق على بن المدينى. وأحمد بن حنبل، قال على: نا يحيى بن سعيد الفطان، وقال أحمد: عن إسحاق الازرق ثم اتفق يحيى واسحاق عن مسعر عن عبد الملك بن ميسرة، وهذا منقطع غير مسند على أن الطريق إلى على وأحمد تالفة، ولا يعرف هذا الخبر في حديث يحيى بن سعيد القطان الصحيح عنه أصلا فان لجوا وقالوا: المرسل حجة ورواية الحسن بن عمارة. واسماعيل بن عياش حجة قلنا. لا عليكم * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أخبرني عكرمة بن خالد قال: أخبرني أسيد بن ظهير الانصاري وكان والى اليمامة أيام معاوية (ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السرقة ان كان الذى ابتاعها من الذى سرقها غير متهم يخير سيدها ان شاء أخذ الذى سرق مه بثمنه وان شاء اتبع سارقه (2))، ثم قضى بذلك بعده أبو بكر. وعر. وعثمان، وقضى به أسيد بن ظهير * قال أبو محمد: وقد قضى به أيضا عميرة بن يثرى قاضى البصرة، لعمر، وبه يقول اسحاق بن راهويه فهذا خبر أحسن من خبركم واقوم وهو في معناه فخذوا به والا فأنتم متلاعبون، وأما نحن فتركناه لان عكرمة بن خالد ليس بالقوى، وعلى كل حال فهو والله بلا خلاف من أحد أشبه من ياسين. والحسن بن عمارة واسماعيل بن عياش وما هو بدون سماك أصلا، والعجب كل العجب ان أصحاب أبى حنيفة رذوا حديث (من وجد سلعته بعينها عند مفلس فهو أحق بها من الغرماء) وهذا حديث ثابت صحيح، (فان (3) قالوا): هذا خلاف الاصول ولا يخلو المفلس من ان يكون (كان) (4) قد ملكها أولم يكن ملكها، فان كان لم يملكها فانتم لا تقولون بهذا وان كان قد ملكها فلا حق لبائعها فيما قد ملكه منه المشترى باختياره وتركوا هذا


(1) في النسخة اليمنية (الهمداني) بالدال المهملة (2) في النسخة اليمنية (ابتاع سارقه) وهو غلط (3) في النسخة اليمنية (بان قالوا) (4) الزيادة من النسخة اليمنية *

[ 304 ]

الاعتراض بعينه هنا وأخذوا بخبر مكذوب مخالف للاصول وللقرآن وللسنن (1) لانه لا يخلو الحربيون من ان يكونوا ملكوا ما أخذوا منا أولم يملكوه، فان كانوا لم يملكوه فهذا قولنا وهو خلاف قولهم، والواجب ان يرد إلى مالكه لكل حال قبل القسمة وبعدها بلا ثمن يكلفه، وان كانوا قد ملكوه فلا سبيل للذى أخذ منه عليه لا بثمن ولا بغير ثمن لا قبل القسمة ولا بعد القسمة لانه كسائر الغنيمة ولا فرق، فاى عجب أعجب من هذا! وأيضا فانه لا يخلو الذى وقع في سهمه من أن يكون ملكه أو لم يملكه، فان كان لم يملكه فهو قولنا والواجب رده إلى مالكه وان قالوا: بل ملكه قلنا فما يحل اخراج ملكه عن يده بغير طيب نفس منه لا بثمن ولا بغير ثمن، فهل سمع بأبين فساد من هذه الاقوال الفاسدة والتناقض الفاحش والتحكم في دين الله تعالى وفي أموال الناس بالباطل الذى لا خفاء به؟ فسقط هذا القول جملة إذ لم يصح فيه أثر ولا صححه نظر * وأما قول من قال: يرد قبل القسمة ولا يرد بعدها بقول أيضا لا يقوم على صحته دليل أصل لا من نص. ولا من رواية ضعيفة. ولا من نظر. ولا من وجه من الوجوه * وأما قول من قال: لا يرد قبل القسمة ولا بعدها فهو أقلها تناقضا، وعمدتهم ان أهل الحرب قد ملكوا ما أخذوا منا، ولو صح لهم هذا الاصل لكان قولهم هو الحق لكن نقول لهم: قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، وقال عليه السلام (ليس لعرق ظالم حق)، وقال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، فأخبر ونا عما أخذه منا أهل الحرب أبحق أخذوه أم بباطل؟ وهل أموالنا مما أحله الله تعالى لهم أو مما حرمه عليهم، وهل هم ظالمون في ذلك أو غير ظالمين؟ وهل عملوا من ذلك عملا موافقا لامر الله تعالى وأمر نبيه عليه السلام أو عملا مخالفا لامره تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يلزمهم دين الاسلام ويخلدون لى النار لخلافهم له؟ أم لا؟ ولابد من أحدها * فالقول بأنهم أخذوه بحق وانه مما أحله الله تعالى لهم وأنهم غير ظالمين في ذلك وأنهم لم يعملوا بذلك عملا مخالفا لامر الله تعالى وأمر رسوله عليه السلام، وانه لا يلزمهم دين الاسلام كفر صراح براح لامرية فيه، فسقط هذا القول، وإذا قد سقط فلم يبق الا الآخر وهو الحق اليقين من أنهم انما أخذوه بالباطل وأخذوا حراما عليهم وهم في ذلك أظلم الظالمين وانهم علوا بذلك عملا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وان التزام دين الاسلام فرض عليهم، فإذ لا شك في هذا فأخذهم لما أخذوا باطل مردود، وظلم مفسوخ ولاحق لهم ولا لاحد يشبههم فيه، فهو على ملك مالكه


(1) في النسخة اليمنية (والقرآن والسنن) *

[ 305 ]

أبدا، وهذا أمر ما ندرى كيف يخفى على أحد، وقد أجمع الحاضرين من المخالفين على أنهم لا يملكون أحرارنا أصلا وأنهم مسرحون قبل القسمة وبعدها بلا تكليف ثمن، فأن فرق بين تلك الحر وبين تملك المال بالظلم والباطل لو أنصفوا أنفسهم؟ وقد اتفقوا على أن المسلم لا يملك على المسلم بالغصب فكيف وقعت لهم هذه العناية بالكفار في ذلك مع عظيم تناقضهم في أنهم يملكون علينا لا يملكون علينا؟، وقد قال بعضهم: عظيمة دلت على فساد دينه وهو أنه قال: هو جور ينفذ ونظره بمفضل بعض ولده على بعض، فحصل هذا الجاهل على الكذب والكفر وهو أنه نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم انه انفذ تفضيل بشير لبعض ولده على بعض وقد كذب في ذلك بل أمره عليه السلام برده نصا (1) ثم نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أنفذ الجور وأمضاه وهذا كفر من قائله، ونعوذ بالله من الخذلان * قال أبو محمد: فسقطت هذه الاقوال (2) كلها، وقد قلنا: إنه ليس منها قول يصح عن أحد من الصحابة وانما صحت عن بعض التابعين فقط والخطأ لم يعصم منه أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذ سقطت كلها. فلم يبق الا قولنا وهو الحق الذى لا يحل خلافه بما ذكرنا آنفا من أنهم لا يحل لهم شئ من أموالنا إلا بما أحله الله تعالى فيما يشاء (3) من بعضنا لبعض قال تعالى (4). (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله). ثم هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق أبى داود نا صالح بن سهيل نا يحيى - يعنى ابن أبى زائدة - عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: (ان غلاما (5) أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر ولم يقسم) * قال أبو محمد: منع النبي صلى الله عليه وسلم من قسمته برهان بأنه لا يجوز قسمته وأنه لاحق فيه للغانمين، ولو كان لهم فيه حق لقسمه عليه السلام فيهم * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت نافعا مولى ابن عمر يزعم ان عبد الله بن عمر ذهب العدو بفرسه فلما هزم العدو وجد خالد بن الوليد فرسه فرده إلى عبد الله بن عمر * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: أبق لى غلام يوم اليرموك * ثم ظهر عليه المسلمون فردوه إلى * ومن طريق ابن أبى شيبة نا شريك عن الركين عن أبيه أو عمه قال: حبس لى فرس فاخذه العدو فظهر عليه المسلمون فوجدته في مربط سعد فقلت: فرسى فقالت: بينتك فقلت:


(1) قال ابن الاثير في اسد الغابة في ترجة بشير ابى النعمان: انه اتى النبي صلى الله عليه وسلم يابن له يحمله فقال: يارسول الله انى نحلت ابني هذا غلاما وانا احب ان تشهد قال: لك ابن غيره؟ قال: فكلهم نحلت مثل مانحلته قال: لاقال: لااشهد على هذا) (2) في النسخة اليمنية (هذه الاقاويل) (3) في النسخة اليمنية (فيما بيننا) وكذلك في نسخة اخرى (4) في النسخة رقم (14) (وقال تعالى) بزيادة واو (5) في سنن ابى داود ج 3 ص 17 (ان غلاما لابن عمر) *

[ 306 ]

انا أدعوه فيحمحم فقال سعد: إن أجابك فانا لا نريد (1) منك بينة فهذا ليس الا بعد القسمة، فهذا فعل المسلمين، وخالد بن الوليد، وابن عمر لم يفرقوا بين حال القسمة وما قبل القسمة * وروينا هذا القول عن الحكم بن عتيبة، وبالله تعالى التوفيق * 932 - مسألة - وكذلك لو نزل أهل الحرب عندنا تجارا بأمان، أو رسلا، أو مستأمنين مستجيرين، أو ملتزمين لان يكونوا ذمة لنا فوجد نا بأيديهم أسرى مسلمين، أو أهل ذمة، أو عبيد أو إماء للمسلمين، أو مالا لمسلم، أو لذمى فانه ينتزع كل ذلك منهم بلا عوض أحبوا أم كرهوا؟ ويرد المال إلى أصحابه، ولا يحل لنا الوفاء بكل عهد أعطوء على خلاف هذا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) * ونسأل من خالفا ما يقول لو عاهدناهم على ان لا نصلى، أولا نصوم (3)، وكذلك لو أسلموا أو تذمموا فانه يؤخذ كل ما في ايديهم من حر مسلم، أو ذمى أو لمسلم، أو لذمى، ويريد إلى اصحابه بلا عوض ولا شئ عليهم فيما استهلكوا في حال كونهم حربيين، ولو أن تاجرا، أو رسولا دخل إلى دار الحرب فافتدى أسيرا، أو أعطوه إياه، أو ابتاع متاعا لمسلم، أو لذمى (4)، أو وهبوه له فخرج إلى دار الاسلام انتزع منه كل ذلك، ورد إلى صاحبه، وهو من خسارة المشترى وأطلق الاسير (5) بلا غرامة لما ذكرنا في الباب الذى قبل هذا من أن أبطل الباطل وأظلم الظلم أخذ المشرك للمسلم، أو لماله، أو لذمى. أو لماله. والظلم لا يجوز امضاؤه بل يرد ويفسخ * فلو أن الاسير قال لمسلم، أو لذمى دخل دار الحرب: أفدني منهم وما تعطيهم دين لك على فهو كما قال، وهو دين عليه لانه استقرضه فأقرضه وهذا حق، وقال مالك. وابن القاسم: لو نزل حربيون بأمان وعندهم مسلمات مأسورات لم ينتزعن منهم ولا يمنعون من الوطئ لهن، وقال ابن القاسم: لو تذمم حربيون وبأيديهم أسرى مسلمون أحرار فهم باقون في أيدى أهل الذمة عبيد لهم كما كانوا * وهذان القولان لا نعلم قولا أعظم فسادا منهما، ونعوذ بالله منهما، وليت شعرى ما القول لو كان بايديهم شيوخ مسلمون وهم يستحلون فعل قوم لوط أيتركون وذلك؟ أو لو أن بأيديهم مصاحف أيتركون يمسحون بها العذر عن أستاههم؟ نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول أتم البراءة ونعوذ بالله من الخذلان *


(1) في النسخة رقم (14) (فلا اريد منك) (2) قال مصحح النسخة رقم (14) مانصه: ومن هذا الباب ايضا اخذ النبي عليه السلام ناقته العضباء من المرأة التى خرجت بها من المشركين هاربة والقصة مشهور في كتاب مسلم، وهذا نص جلى على ان ما غنم المشركون من اموال المسلمين فهو لاربابه المسلمين وان كانوا قد وصلوا به إلى بلادهم، وقد قال عليه السلام للمرأة ما قال، ولا يأخذ عليه السلام الاماله (وما ينطق عن الهوى) (3) في النسخة رقم (14) (ولا نصوم) * (4) في النسخة اليمنية (أو ذمى) (5) في النسخة اليمنية (الاسرى) *

[ 307 ]

933 - مسألة - (1) فان ذكروا حديث أبى جندل، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم رده على المشركين فلا حجة لهم فيه لوجوه، اولها انه عليه السلام رده ولم يكن العهد ثم بينهم وهم لا يقولون بهذا، والثانى انه عليه السلام لم يرده حتى أجاره لم مكرزبن حفص (2) من أن يؤذى، والثالث انه عليه السلام قد كان الله تعالى أعلمه أنه سيجعل الله له فرجا ومخرجا ونحن لا نعلم ذلك، والرابع انه خبر منسوخ نسخه قول الله تعالى بعد قصة أبى جندل (يا أيها الذين آمنوا إذا جاء كم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولاهم يحلون لهن) فأبطل الله تبارك وتعالى بهذه الآية عهدهم في رد النساء ثم أنزل الله تعالى براءة بعض ذلك فأبطل العهد كله ونسخه بقوله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر) وبقوله تعالى في براءة أيضا. (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله الا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام؟) الآية فأبطل تعالى كل عهد للمشركين (3) حاشا الذين عاهدوا (4) عند المسجد الحرام. وبقوله تعالى: (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، وقال تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) * فأبطل الله تعالى كل عهد ولم يقره ولم يجعل للمشركين إلا القتل، أو الاسلام، ولاهل الكتاب خاصة اعطاء الجزية وهم صاغرون (5) وأمن المستجير والرسول حتى يؤدى رسالته ويسمع المستجير كلام الله (6) ثم يردان إلى بلادهما ولا زيد، فكل عهد غير هذا فهو باطل مفسوخ لا يحل الوفاء به لانه خلاف شرط الله عزوجل وخلاف أمره * روينا من طريق البخاري نا عبد الله بن محمد نا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن السور بن مخرمة وغيره فذكر حديث الحديبية، وفيه (فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينماهم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف في قيوده (وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين) (7) فقال سهيل: هذا أول ما اقاضيك عليه ان


(1) سقط لفظ (مسألة) من النسخة (اليمنية) (2) في النسخة اليمنية (كرز بن جابر) وصححناه من تاريخ الكامل لابن الاثير طبع ادارتنا ج 2 ص 138 نسأل الله اتمامه، وهو في البخاري أيضا ج 4 ص 39 (3) في النسخة اليمنية (كل عهد لمشرك (4) في النسخة اليمنية (عاهدهم) (5) في النسخة رقم (14) (اعطاء الجزء صاغرين) (6) في النسخة اليمنية (كتاب الله) وما هنا انسب بالتلاوة (7) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 40 والحديث مطول جدا فيه فوائد عظيمة، ومعنى (يرسف) يمشى مشيا بطيئا بسب القيود

[ 308 ]

ترده إلى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذا لا أصالحك على شئ أبدا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لى قال: ما أنا بمجيزه لك (1) قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل قال مكرز: - هو ابن حفض بن الاحنف - بل قد أجزناه لك)، فهذا خلاف قولهم كلهم (2)، وحديث أبى جندل حجة عليهم كما أوردنا. * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا عفان - هو ابن مسلم - نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ان قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم: (ان من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاء منا رددتموه علينا فقالوا: يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال: نعم انه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا)، وهذا خبر منه عليه السلام مقطوع بصدقه * ومن طريق البخاري نا يحيى بن بكير نا الليث - هو ابن سعد - عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع المسور بن مخرمة وآخر يخبران عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا حديث الحديبية وفيه (فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال الا رده في تلك المدة وان كان مسلما وجاءت المؤمنات مهاجرات وجاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهى عاتق (3) فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ان يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله تعالى. فيهن (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن) (4) الآية * 934 - مسألة - ومن كان أسيرا عند الكفار فعاهدوه على الفداء وأطلقوه فلا يحل له أن يرجع إليهم ولا ان يعطيهم شيئا ولا يحل للامام ان يجبره على ان يعطيهم شيئا فان لم يقدر على الانطلاق إلا بالفداء ففرض على المسلمين ان يفدوه ان لم يكن له مال يفى بفدائه، قال الله عزوجل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وإسار المسلم أبطل الباطل، وأخذ الكافر أو الظالم ماله فداء من أبطل الباطل، فلا يحل اعطاء الباطل. ولا العون عليه، وتلك العهود والايمان التى أعطاهم لا شئ عليه فيها لانه مكره عليها إذا لا سبيل له إلى الخلاص الا بها ولا يحل له البقاء في أرض الكفر وهو قادر على الخروج وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وهكذا كل عهد أعطيناهم حتى نتمكن من استنقاذ المسلمين وأموالهم من أيديهم فان عجزنا عن استنقاذه الا بالفداء ففرض علينا فداؤه لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رويناه من طريق أبى موسى الاشعري


(1) في النسخة رقم (14) (ما انا بمجيز ذلك) وما هنا موافق لصحيح البخاري (2) في النسخة رقم (14) (قولهم كله) (3) هي الجارية الشابة اول ما ادركت (4) الحديث في البخاري ج 4 ص 28 *

[ 309 ]

(أطعموا الجائع وفكوا العانى) وهو قول أبى سليمان، والشافعي * 935 - مسألة - ولا يحل فداء الاسير المسلم الا اما بمال، واما باسير كافر، ولا يحل ان يرد صغير سى من أرض الحرب إليهم لا بفداء ولا بغير فداء لانه قد لزمه حكم الاسلام بملك المسلمين له فهو وأولاد المسلمين سواء ولافرق، وهو قول المزني * 936 - مسألة - وما وهب أهل الحرب للمسلم الرسول إليهم، أو التاجر عندهم فهو حلال. وهبة صحيحة ما لم يكن مال مسلم، أو ذمى، وكذلك ما ابتاعه المسلم منهم فهو ابتياع صحيح ما لم يكن لمسلم، أو ذمى لانهم مالكون لاموالهم ما لم ينتزعها المسلم منهم بقول الله تعالى: (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) فجعلها الله تعالى لهم إلى ان أورثنا اياها. والتوريث لا يكون الا بالاخذ والتملك والا فلم يورث بعد ما لم تقدر ايدينا عليه، وانما جعل الله تعالى أموالهم للغانم لها لا لكل من لم يغنمها * 937 - مسألة - وإذا أسلم الكافر الحربى فسواء أسلم في دار الحرب، ثم خرج إلى دار الاسلام. أو لم يخرج، أو خرج إلى دار الاسلام، ثم أسلم كل ذلك سواء وجميع ماله الذى معه في أرض الاسلام. أو في دار الحرب. أو الذى ترك وراءه في دار الحرب من عقار، أو دار، أو أرض، أو حيوان، أو ناض، أو متاع في منزله، أو مودعا، أو كان دينا هو كله له لاحق لاحد فيه ولا يملكه المسلمون ان غنموه، أو افتتحوا تلك الارض، ومن غصبه منها شيئا من حربى، أو مسلم، أو ذمى رد إلى صاحبه ويرثه ورثته ان مات وأولاده الصغار مسلمون أحرار، وكذلك الذى في بطن امرأته، وأما امرأته وأولاده الكبار ففئ ان سبوا وهو باق على نكاحه معها وهى رقيق لمن وقعت له في سهمه * برهان ذلك أنه إذا أسلم فهو بلا شك، وبلا خلاف وبنص القرآن والسنة مسلم وإذا هو مسلم فهو كسائر المسلمين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فصح أن دمه وبشرته وعرضه وماله حرام على كل أحد سواه، ونكاح أهل الكفر صحيح لان النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على نكاحهم ولو كان فاسدا لما أقره ومنه خلق عليه السلام ولم يخلق الا من نكاح صحيح فهما باقيان على نكاحهما لا يفسده شئ، ولا غيره إلا ما جاء فيه النص بفساده، والعجب أن الحاضرين من المخالفين لا ينازعوننا في أن دمه. وعرضه. وبشرته. حرام، ثم يضطربون في أمر ماله، وهذا عجب جدا! وقولنا هذا كله هو قول الاوزاعي والشافعي، وأبى سليمان، وقال أبو حنيفة: ان أسلم في دار الحرب وأقام هناك حتى تغلب المسلمون عليها فانه حر وأمواله كلها له لا يغنم منها شئ. ولا مما كان لرديعة عند مسلم، أو ذمى،

[ 310 ]

وأولاده الصغار مسلمون أحرار حاشا أرضه وحمل امرأته فكل ذلك غنيمة وفئ ويكون الجنين مع ذلك مسلما، وأما امرأته وأولاده الكبار ففئ، وقال أبو يوسف: وأرضه له ايضا، وقال أبو حنيفة. فان أسلم في دار الحرب ثم خرج إلى دار الاسلام فاولاده الصغار أحرار مسلمون لا يغنمون وكل ما أودع عند مسلم، أو ذمى فله، ولا يغنم، وأما سائر ما ترك في أرض الحرب، أو عقار، أو أثاث، أو حيوان ففئ مغنوم، وكذلك حمل امرأته وهو مع ذلك مسلم فان خرج إلى دار الاسلام كافرا، ثم أسلم فيها فهو حر مسلم. وأما كل ما ترك من ارض: أو عقار، أو متاع، أو حيوان، أو أولاده الصغار ففئ مغنوم ولا يكونون مسلمين باسلامه * قال أبو محمد: لو قيل لانسان اسخف (1) واجتهد ما قدر على أكثر من هذا ولاتعرف هذه التقاسيم لاحد من أهل الاسلام قبله وما تعلق (2) فيها لا بقرآن، ولا بسنة، ولا برواية فاسدة، ولا بقول صاحب، ولا تابع، ولا بقياس، ولا برأى يعقل، ونعوذ بالله من الخذلان، بل هو خلاف القرآن والسنن في إباحته مال المسلم وولده الصغار للغنيمة بالباطل وخلاف المعقول إذا صار عنده فراره إلى أرض الاسلام بنفسه واسلامه فيها ذنبا عظيما يستحق به منه إباحة صغار أولاده للاسار والكفر وإباحة جميع ماله للغنيمة هذا جزاؤه عند أبى حنيفة وجعل بقاءه في دار الكفر (3) خصلة (4) حرم بها أمواله كلها حاشا أرضه وحرم بها صغار أولاده حاشا الجنين، هذا مع إباحته للكفار والحربيين تملك أموال المسلمين كما قدمنا قبل، وتحريمه ضربهم وقتلهم ان أعلنوا بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم باقزع (5) السب وتكذيبه في الاسواق، فان قتل مسلم منهم قتيلا قتل به فكيف ترون؟ وهو أيضا خلاف الاجماع المتيقن لانه لا يشك مؤمن. ولا كافر. ولا جاهل. ولا عالم في ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا اطوارا فطائفة أسلموا بمكة، ثم فروا عنها بأديانهم كأبى بكر. وعمر. وعثمان وغيرهم رضى الله عنهم، وطائفة خرجوا كفارا، ثم أسلموا كعمرو بن العاصى أسلم عند النجاشي، وأبى سفيان أسلم في عسكر النبي صلى الله عليه وسلم، وطائفة أسلموا وبقوا بمكة كجميع المستضعفين من النساء وغيرهم قال الله تعالى: (وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ان أظفركم عليهم) إلى قوله (ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ان تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما)، وكل هؤلاء إذ فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة رجع الخارج إلى داره،


(1) قال في اللسان: السخف بالفتح رقة العيش وبالضم رقة العقل، وقيل: هي الخفة التى تعترى الانسان إذا جاء من السخف اه‍ (2) في النسخة اليمنية (ولا تعلق) (3 في النسخة رقم (14) (في ارض الكفر) (4) في نسخة (خطة) (5) يقال: أنواع له في المنطق واقذع (بالزاى والذال) إذا تعدى في القول *

[ 311 ]

وعقاره، وضياعهم بالطائف وغيرها، وبقى المستضعف في داره وعقاره وأثاثه كذلك، فأين يذهب بهؤلاء القوم لو نصحوا انفسم؟ وأتى بعضهم ههنا بآبدة (1) وهى أنه قال: قال الله عزوجل: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) وذكر ما روينه من طريق أبى عبيد عن أبى الاسود المصرى عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب (2) أن عمر كتب إلى سعد بن أبى وقاص من أسلم قبل القتال فهو من المسلمين له ما للمسلمين وله سهم في الاسلام، ومن أسلم بعد القتال، أو الهزيمة فماله فئ للمسلمين لانهم قد أحرزوه قبل إسلامه قال: فسماهم تعالى فقراء فصح أن أموالهم قد ملكا الكفار عليهم * قال أبو محمد: لقد كان ينبغى ان يردعه الحياء عن هذه المجاهرة القبيحة، وأى اشارة في هذه الآية إلى ما قال؟ بل هي دالة على كذبه في قوله لانه تعالى أبقى أموالهم وديارهم في ملكهم بأن نسبها إليهم وجعلها لهم وعظم بالانكار اخراجهم ظلما منها ونعم هم فقراء بلا شك إذ لا يجدون غنى وهم مجمعون معنا على أن رجلا من أهل الغرب أو المشرق لو حج ففرغ ما في يده بمكة، أو بالمدينة وله في بلاده ضياع بألف الف دينار وأثاث بثل ذلك وهو حيث لا يقدر على قرض، ولا على ابتياع، ولا بيع فانه فقير تحل له الزكاة المفروضة وماله في بلاده منطلقة عليه يده، وكذلك من حال بينه وبين ماله فتنة، أو غصب، ولا فرق، ولقد عظمت مصيبة ضعفاء المسلمين المغترين بهم منهم، ونحمد الله تعالى على ما هدانا له من الحق * واما الرواية عن عمر رضى الله عنه فساقطة لانها منقطعة لم يولد يزيد بن أبى حبيب الا بعد موت عمر رضى الله عنه بدهر طويل، وفيها ابن لهيعة وهو لا شئ، ثم لو صحت لما كان لهم فيها متعلق بل هي موافقة لقولنا وخلاف لقولهم، (3) لان نصها من أسلم قبل القتال فهو من المسلين له ما للمسلمين، فصح بهذا ان ماله كله حيث كان له كما كان لكل مسلم، ثم فيها ان أسلم بعد القتال، أو الهزيمة فماله للمسلمين فئ لانه قد أحرزه المسلمون قبل إسلامه فهذا قولنا لانه قد صار ماله للمسلمين قبل أن يسلم فأعجبوا لتمويههم وتدليسهم بما هو عليهم ليضلوا به من اغتر بهم! * 938 - مسألة - فان كان الجنين لم ينفخ فيه الروح بعد فامرأته حرة لا تسترق لان الجنين حينئذ بعضها، ولا يسترق لانه جنين مسلم، ومن كان بعضها حرا فهى كلها حرة لما نذكر في كتاب العتق ان شاء الله تعالى بخلاف حكمها إذا نفخ فيه الروح قبل إسلام أبيه لانه حينئذ غيرها، وهو ربما كان ذكرا وهى أنثى، وبالله تعالى التوفيق *


(1) قال الجواهري في صحاحه: وجاء فلان بآيد قاى بداهية يبقى ذكرها الابد (2) في النسخة رقم (14) (زيد ابن ابى حبيب) وهو غلط انظر تهذيب التهذيب ج 11 ص 318 (3) في النسخة اليمنية (موافقة لنا وخلاف لهم) *

[ 312 ]

939 - مسألة - وايما امرأة أسلمت ولها زوج كافر ذمى، أو حربى فحين إسلامها انفسخ نكاحها منه سواء أسلم بعدها بطرفة عين، أو أكثر، أو لم يسلم لا سبيل له عليها الا بابتداء نكاح برضاها وإلا فلا، فلو أسلما معا بقيا على نكاحهما فان أسلم هو قبلها، فان كانت كتابية بقيا على نكاحهما أسلمت هي، أو لم تسلم، وان كانت غير كتابية فساعة إسلامه قد انفسخ نكاحها منه أسلمت بعده بطرفة عين فاكثر لا سبيل له عليها الا بابتداء نكاح برضاها ان أسلمت والا فلا سواء حربيين أو ذميين كانا، وهو قول عمر بن الخطاب، وجابربن عبد الله. وابن عباس رضى الله عنهم وبه يقول حماد بن زيد. والحكم بن عتيبة. وسعيد ابن جبير. وعمر بن عبد العزيز. وعدى بن عدى الكندى. والحسن البصري. وقتادة، والشعبى، وغيرهم، وقال أبو حنيفة: أيهما أسلم قبل الآخر في دار الاسلام فانه يعرض الاسلام على الذى لم يسلم منهما، فان أسلم بقيا على نكاحهما وان أبى فحينئذ تقع الفرقة ولا معنى لمراعاة العدة في ذلك، قال: فان أسلمت في دار الحرب فخرجت مسلمة أو ذمية فساعة حصولها في دار الاسلام يقع الفسخ بينهما لا قبل ذلك، فان لم تخرج من دار الحرب فان حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم هو وقعت الفرقة حينئذ وعليها أن تبتدئ ثلاث حيض أخر عدة منه، وان أسلم هو قبل ذلك فهو على نكاحه معها قال: فلو ارتد أحدهما انفسخ النكاح من وقته، وقال مالك: ان أسلمت المرأة ولم يسلم زوجها فان أسلم في عدتها فهما على نكاحهما وان لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه، قال: فلو أسلم هو، وهى غير كتابية عرض الاسلام عليها، فان أسلمت بقيا على نكاحهما وان ابت انفسخ النكاح ساعة إبائها، فلو ارتد أحدهما انفسخ النكاح ساعتئذ، وقال ابن شبرمة: عكس قول مالك إن أسلم هو وهى وثنية فان أسلمت قبل تمام العدة فهى امرأته وإلا فبتمامها تقع الفرقة وان أسلمت هي وقعت الفرقة في الحين، وقال الاوزاعي، والليث، والشافعي: كل ذلك سواء، وتراعى العدة، فان أسلم الكافر منهما قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما وان لم يسلم حتى تمت العدة وقعت الفرقة وهو قول الزهري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأحد قولى الحسن بن حيى * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة فظاهر الفساد لانه لا حجة لا من قرآن، ولاسنة، ولا إجماع، وينبغى لهم أن يحدوا وقعت عرض الاسلام، ولا سبيل إلى ذلك الا برأى فاسد وهو أيضا قول لايعرف مثل تقسيمه لاحد من أهل الاسلام قبله، وكذلك قول مالك سواء سواء، وقد موه بعضهم بما كان السكوت أولى به لو نصح نفسه مما سنذكره ان شاء الله تعالى *

[ 313 ]

(وروينا) (1) من طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن فضيل عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن على بن أبى طالب قال: إذا أسلمت امرأة اليهودي أو النصراني كان أحق ببضعها لان له عهدا * وروينا من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة ان هانئ بن هانئ بن قبيصة الشيباني، وكان نصرانيا عنده أربع نسوة فأسلمن فقدم المدينة ونزل على عبد الرحمن بن عوف فأقرهن عمر عنده قال شعبة: قلت للحكم: عمن هذا؟ قال: هذا شئ معروف * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى. ومحمد بن جعفر غندر قال عبد الرحمن: عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر. والمغيرة بن مقسم، وقال غندر: نا شعبة نا حماد بن أبى سليمان، ثم اتفق المغيرة. ومنصور. وحماد كلهم عن ابراهيم النخعي في ذمية أسلمت تحت ذمى قال: تقر عنده، وبه أفتى حماد بن أبى سليمان وهو قول أبى سليمان الا أنه قال: يمنع من وطئها فهذا قول * وعن عمر أيضا قول آخر: صح عنه رويناه من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى. وقتادة عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمى ان نصرانيا أسلمت امرأته فخيرها عمر بن الخطاب ان شاءت فارقته وان شاءت أقامت عليه * ورويناه أيضا من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمى عن عمر بمثله وعبد الله بن يزيد هذا له صحبة، وعن عر أيضا قول ثالث رويناه من طريق حماد بن سلمة عن داود الطائى عن زياد بن عبد الرحمن ان حنظلة بن بشر زوج ابنته وهى مسلمة من ابن أخ له نصراني فركب عوف بن القعقاع إلى عمر بن الخطاب فأخبره بذلك فكتب عمر في ذلك إن أسلم فهى أمرأته وان لم يسلم فرق بينهما فلم يسلم ففرق بينهما فتزوجها عوف بن القعقاع، وهم لا يقولون بهذا لانهم لا يجيزون البتة ابتداء عقد نكاح مسلمة من كافر أسلم إثر ذلك أو لم يسلم * وعن عمر أيضا قول رابع لا يصح عنه رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني قال: أنبأني ابن المرأة التى فرق بينهما عمر عرض عليه السلام فأبى * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عباد بن العوام عن أبى إسحق الشيباني (2) عن يزيد بن علقمة أن عبادة بن النعمان التغلبي كان نا كحا بامرأة من بنى تميم فأسلمت فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تسلم واما أن ننتزعها منك فأبى فنزعها عمر منه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا على بن مسهر عن أبى إسحق الشيباني عن السفاح بن ضر التغلبي عن داود بن كردوس ان عبادة بن النعمان بن زرعة أسلمت امرأته التميمية وأبى أن يسل ففرق عمر بينهما *


(1) الزيادة من النسخة اليمنية (2) من قوله (قال: انبأني ابن المرأة) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية

[ 314 ]

أبو إسحاق لم يدرك عمر، والسفاح، وداود بن فردوس مجهولان، وكذلك يزيد بن علقمة، وعن على بن أبى طالب قول آخر من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن على بن أبى طالب قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها مادامت في دار هجرتها * وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن على هو أحق بها ما لم يخرج من مصرها، وقول آخر رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا معتمر بن سليمان عن معمر عن الزهري إن أسلمت ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما الا أن يفرق (1) بينهما سلطان * وأما من راعى عرض الاسلام فكما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبدة ابن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن السن قال: إذا أسلمت وأبى أن يسلم فانها تبين منه بواحدة وقاله عكرمة * قال أبو محمد: ليس في هذا بيان ان إبايته بعد اسلامها وقد يريد أن يسلم معها، (2) وأما من راعى العدة فصح عن عطاء. ومجاهد. وعمر بن عبد العزيز * وأما قولنا فمروى عن طائفة من الصحابة رضى الله عنهم كما روينا من طريق شعبة أخبرني أبو إسحاق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة أن جده وجدته كانا نصرانيين فأسلمت جدته ففرق عمر بن الخطاب بينهما * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن عكرمة عن ابن عباس في اليهودية، أو النصرانية تسلم تحت اليهودي، أو النصراني قال: يفرق بينهما * الاسلام يعلوا ولا يعلى عليه، وبه يفتى حماد بن زيد * ومن طريق عبد الرزاق عن أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نساء أهل الكتاب لناحل ونساؤنا عليهم حرام (3) * وصح عن الحكم بن عتيبة أنه قال في المجوسيين يسلم أجدهما قال: قد انقطع ما بينهما * وصح عن سعيد بن جبير في نصرانية أسلمت تحت نصراني قال: قد فرق الاسلام بينهما (4) * وصح عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحكم بن عتيبة في كافرة تسلم تحت كافر قالوا: قد فرق الاسلام بينهما، وصح عن عمر بن عبد العزيز، وعدى بن عدى هذا بعينه ايضا، وعن الحسن ثابت ايضا أيهما اسلم فرق الاسلام بينهما، وروى أيضا عن الشعبى * قال أبو محمد: أما جميع هذه الاقوال التى قدمنا فما نعلم لشئ منها حجة أصلا إلا من قال: بأنها تقر عنده ويمنع من وطئها فانهم احتجوا بأن قالوا. نكاح الكفر صحيح فلا يجوز إبطال نكاح صحيح بغير يقين * واحتجوا أيضا بما روينا من طريق أبى داود السجستاني قال: نا عبد الله بن محمد النفيلى. ومحمد


(1) في النسخة اليمنية (ما لم يفرق) وما هنا موافق لمافى زاد المعاد ج 4 ص 14 (2) في النسخة رقم (14) (وقد يريد ابى ان يسلم معها بزيادة (ابى) وكتب عليها مصححها، صح (ولا ادرى هنا لزيادتها معنى) (3) من قوله (ومن طريق عبد الرزاق) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية) (4) في النسخة رقم (14) (قال فرق فرق)،

[ 315 ]

ابن عمرو الرازي، والحسن بن على - هو الحلواني - قال النفيلى: نا محمد بن سلمة، وقال الرازي: نا سلمة بن الفضل، وقال الحلواني: نا يزيد - هو ابن زريع - أو ابن هارون أحدهما بلاشك، ثم اتفق سلمة وابن سلمة ويزيد كلهم عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرة عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبى العاصب النكاح الاول. زاد محمد ابن سلمة لم يحدث شيئا (1) وزاد سلمة بعد ست سنين وزاد يزيد بعد سنتين، (2) وقالوا: قد أقر النبي صلى الله عليه وسلم جميع كفار العرب على نسائهم وفيهم من أسلمت قبله، وفيهم من أسلم قبلها * قال أبو محمد: لا حجة لهم غير ما ذكرنا، فأما قولهم: ان نكاح أهل الكفر صحيح فلا يجوز فسخه بغير يقين فصدقوا، واليقين قد جاء كما نذكر بعد هذا ان شاء الله عزوجل * وأما الخبر فصحيح يعنى حديث زينب مع أبى العاص رضى الله عنهما ولا حجة لهم فيه لان اسلام أبى العاص كان قبل الحديبية ولم يكن نزلبعد تحريم المسلمة على المشرك، وأما احتجاجهم باسلام العرب فلا سبيل لهم إلى خبر صحيح بان اسلام رجل تقدم اسلام امرأته، أو تقدم اسلامها فاقرهما عليه السلام على النكاح الاول، فإذ لا سبيل إلى هذا فلا يجوز أن يطلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه اطلاق الكذب والقول بغير علم، (فان قيل): قد روى أن أبا سفيان أسلم قبل هند، وامرأة صفوان أسلمت قبل صفوان قلنا: ومن أين لكم أنهما بقيا على نكاحهما ولم يجددا عقدا؟ وهل جاء ذلك قط باسناد صحيح متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه عرف ذلك فأقره؟ حاشا لله من هذا (3) * قال أبو محمد: وهنا شغب المالكيون، والشافعيون فاما الشافعيون فاحتجوا بهذا كله وبحديث أبى العاص وجعلوا المراعى في ذلك العدة فيقال لهم: هبكم أنه قد صح كل ما ذكرنا من أين لكم ان المراعى في أمر أبى العاص. وأمر هند. وامرأة صفوان وسائر من أسلم انما هو العدة؟ ومن أخبركم بهذا؟ وليس في شئ نم هذه الاخبار كلها ذكر عدة ولا دليل عليها أصلا، ولا عدة في دين الله تعالى الا من طلاق، أو وفاة، والمعتقة تختار نفسها وليست المسلمة تحت كافر ولا الباقية على الكفر تحت المسلم، ولا المرتدة واحدة منهن، فمن أين جئتمونا بهذه العدة؟ ولا سبيل لهم إلى وجود ذلك أبدا الا بالدعوى الكاذبة فكيف وقد أسلمت زينب في أول بعث أبيها عليه السلام؟ لا خلاف في ذلك، ثم هاجرت إلى المدينة وزوجها كافر وكان بين اسلامها واسلامه أزيد من ثمان


(1) وفى رواية لاحمد (ولم يحدث شهادة ولا صداقا) (2) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 239، قال محشيه: ووقع رواية بعد ثلاث سنين، وأشار الحافظ في الفتح إلى الجمع فقال: أرادبلست مابين هجرة زينب واسلامه، وبالسنتين أو الثلاث مابين (3) انظر زاد المعاد في هدى خير العباد لابن القيم الجوزية ج 4 - ص 14 تجد ما يسرك *

[ 316 ]

عشرة سنة وقد ولدت في خلال هذا ابنها على بن أبى العاص (1) فاين العدة لو عقلتم؟ * وأما المالكيون فان موهوا بامرأة صفوان عو رضوا بهذا، وأبى سفيان، وان احتجوا بقول الله: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) ذكروا بقول الله تعالى: (لاهن حل لهم ولاهم يحلون لهن) فظهر فساد هذه الاقوال كلها، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية إلى قوله: (ذلكم حكم الله يحكم بينكم) فهذا حكم الله الذى لا يحل لاحد ان يخرج عنه، فقد حرم الله تعالى رجوع أو منة إلى الكافر * وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فكل من أسلم فقد هجر الكفر الذى قد نهى عنه فهو مهاجر، ونص تعالى على ان نكاحها مباح لنا فصح انقطاع العصمة باسلامها، وصح ان الذى يسلم مأمور بأن لا يمسك عصمة كافرة فصح ان ساعة يقع الاسلام، أو الردة فقد انقطعت عصمة المسلمة من الكافر، وعصمة الكافرة من المسلم سواء أسلم أحدهمما وكانا كافرين، أو ارتد احدهما وكانا مسلمين، والفرق بين ذلك تخليط، وقول في الدين بلا برهان، وبالله تعالى التوفيق * 940 - مسألة - ومن قال من أهل الكفر مما سوى اليهود، والنصارى، أو المجوس: لا اله الا الله أو قال: محمد رسول الله كان بذلك مسلما تلزمه شرائع الاسلام فان أبى الاسلام قتل، وأما من اليهود، والنصارى، والمجوس فلا يكون مسلما بقول لا اله الا الله محمد رسول الله إلا حتى (2) يقول: وانا مسلم، أو قد أسلمت، أو انا برئ من كل دين حاشا الاسلام * روينا من طريق مسلم نا حرملة بن يحيى انا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (3): يا عم قل: لا إله الا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) وذكر الحديث * ومن طريق مسلم نا يعقوب الدورقى نا هشيم نا حصين - هو ابن عبد الرحمن - أخبرنا أبو ظبيان سمعت أسامة بن زيد (بن حارثة يحدث) (4) قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فهزمنا هم ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم فلما غشيناه قال: لا اله الا الله فكف عنه الانصاري وطعنته فقتلته (5)، فبلغ ذلك


(1) سقط لفظ (ابى) في النسخة رقم (14) سقط لفظ (الا) من النسخة اليمنية، والكلام بدونه صحيح (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 23 (جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده ابا جهل وعبد الله بن ابى امية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) الخ، ورواه البخاري في صحيحه ج 2 ص 199 (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 39 (5) في صحيح مسلم (فطعنته برمحى حتى قتلته) *. والحرقات بضمتين وقاف اسم موضع

[ 317 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فقال لى: يا اسامة أقتلته بعد ما قال: لا اله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله انما كان متعوذا فقال: أقتلته بعد ما قال: لا إله الا الله؟ فما زال يكررها على حتى تمنيت انى لم اكن أسلمت قبل ذلك اليوم) * قال أبو محمد: فهذا في آخر اسلام، وحديث أبى طالب في معظم الاسلام بعد اعوام منه، وقد كف الانصاري كما ترى عن قتله إذ قال: لا اله الا الله ولم يلزم أسامة قود لانه قتله وهو يظنه كافرا فليس قاتل عمد * ومن طريق مسلم نا الحسن بن على الحلواني نا أبو توبة - هو الربيع بن نافع - نا معاوية (1) - يعنى ابن سلام - عن زيد يعنى أخاه أنه سمع أبا سلام قال. انا أبو أسماء الرحبى (2) أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه (قال: كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال: لم تدفعني؟ قلت: ألا تقول: يارسول الله؟ فقال اليهودي: انما ندعوه باسمه الذى سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان اسمى محمد (3) الذى سمانى به أهلى)، ثم ذكر الحديث، وفي آخره (ان اليهودي قال له: (لقد) (4) صدقت وأنك لنبى، ثم انصرف) * ففى هذا الخبر ضرب ثوبان رضى الله عنه اليهودي إذ لم يقل: رسول الله، ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصح أنه حق واجب إذ لو كان غير جائز لا نكره عليه، وفيه ان اليهودي قال له: إنك لنبى ولم يلزمه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ترك دينه * ومن طريق البخاري نا عبد الله بن محمد نا أبو روح حرمى بن عمارة نا شعبة عن واقد - هو ابن محمد - بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: (سمعت أبى يحدث عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (5): (أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذ فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام وحسابهم على الله) وهذا كله قول الشافعي. وأبى سليمان: * 941 - مسألة - ولا يقبل نم يهودى، ولا نصراني، ولا مجوسي جزية الا بأن يقروا بأن محمدا رسول الله الينا وأن لا يطعنوا فيه ولا في شئ من دين الاسلام لحديث ثوبان


(1) وقع في صحيح مسلم ج 1 ص 99 (أبو معاوية) وكذلك في شرح مسلم للنووي طبع بولاق السادسة ج 2 ص 360 وهو غلط فيهما ووقع صحيحا في صحيح مسلم طبع الاستانة ج 1 ص 173 (2) هو بفتح الراء والحاء المهملتين واسمه عمرو بن مرثد الشامي الدمشقي وهو من رحبة دمشق قرية من قراها بينها وبين دمشق ميل (3) في النسخة اليمنية وفى النسخة رقم (14) (ان اسمى محمدا) وهو غلط (4) الزيادة من النسخة رقم (14) وهى موجودة في صحيح مسلم (5) في صحيح البخاري ج 1 ص 22 (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) الخ

[ 318 ]

الذى ذكرنا آنفا، ولقول الله تعالى: (وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا أيمان لهم) وهو قول مالك، قال في المستخرجة: من قال من أهل الذمة: انما أرسل محمد إليكم لا إلينا فلا شئ عليه، قال: فان قال لم يكن نبيا قتل * 942 - مسألة - ومن قال: ان في شئ من الاسلام باطنا غير الظاهر الذى يعرفه الاسود والاحمر فهو كافر يقتل ولا بد لقول الله تعالى: (انما على رسولنا البلاغ المبين). وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فمن خالف هذا فقد كذب بالقرآن * 943 - مسألة - وكل عبد، أو أمة كانا لكافرين، أو أحدهما أسلم في دار الحرب، أو في غير دار الحرب فهما حران، فلو كانا كذلك لذمى فأسلما فهما حران ساعة اسلامهما، وكذلك مدبر الذمي، أو الحربى، أو مكاتبهما، أو أم ولدهما أيهم أسلم فهو حر ساعة إسلامه وتبطل الكتابة، أو ما بقى منها ولا يرجع الذى أسلم بشئ مما كان أعطى منها قبل إسلامه ويرجع بما أعطى منها بعد إسلامه فيأخذه لقول الله عزوجل: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا). وإنما عنى تعالى بهذا احكام الدين بلا شك، وأما تسلط الدنيا بالظلم فلا، والرق أعظم السبيل، وقد أسقطه الله تعالى بالاسلام، ونسأل من باعهما عليه لم تبيعهما؟ أهما مملوكان له أم غير مملوكين؟ ولا بد من أحدهما * (فان قال): ليسا مملوكين له صدق وهو قولنا، واذ لم يكونا مملوكين له فهما حران، وإن قال: هما مملوكان له قلنا: فلم تبطل ملكه الذى أنت تصححه بلا نص ولا إجماع؟ وأى فرق بين اقرارك لهما في ملكه ساعة، أو ساعتين، أو يوما، أو يومين، أو جمعة، أو جمعتين، أو شهرا، أو شهرين، أو عاما، أو عامين، أو باقى عمرها، أو عمره، وكيف صح اقرارك لهما في ملكه مدة تعريضهما للبيع؟ ولم يصح، ابقاؤهما في ملكه أكثر ولعلهما لا يستبيعان في شهر، أو أكثر، وهلا اقرر تموهما في ملكه وحلتم بينه وبينهما كما فعلتم في المدبر. وأم الولد. والمكاتب إذا اسلموا؟ ولئن كان يجوز ابقاؤهم في ملكه ان ذلك لجائز في العبد، ولئن حرم ابقاء العبد في ملكه ليحرم ذلك في أم الولد. والمدبر. والمكاتب ولا فرق، وهذا تناقض ظاهر لا خفاء به وقول فاسد لامرية فيه، ونسالهم أيضا عن كافر اشترى عبدا مسلما، أو أمة مسلمة، فمن قولهم: أنهم يفسخون ذلك الشراء فنقول لهم: ولم فسختموه؟ وهلا بعتموهما عليه كما تفعلون إذا أسلم في ملكه؟ وما الفرق؟ (فان قالوا): لان هذا ابتداء تملك قلنا نعم: فكان ماذا؟ ولا يخلو ابتياعه لهما من أن يكون ابتداء تملك لما يحل تملكه أو لما لا يحل تملكه، ولا سبيل إلى ثالث * (فان قالوا): بل لما لا يحل تملكه قلنا: صدقتم فكيف أحللتم تملكه لهما مدة تعريضكم

[ 319 ]

إياهما للبيع أذا أسلما في ملكه؟ (وان قالوا): بل لما يحل تملكه قلنا: فلم فسختم ابتياعه لما يحل له تملكه؟ بل لم تبيعون عليه ما يحل له تملكه؟ (فان قالوا): انهما كانا في ملكه قبل أن يسلما فلم يبطل ملكه باسلامهما، قلنا: نعم فلم بعتموهما عليه وهذا تناقض فاحش لا إشكال فيه، وقول باطل بلا برهان، والعجب كل العجب! انهم ينكرون مثل هذا على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيقولون في تزوجه عليه السلام صفية أم المؤمنين وجعل عتقها صداقها: لا يخلوا أن يكون تزوجها قبل عتقها، أو بعد عتقها، فان كان تزوجها قبل عتقها فزواج الرجل أمته لا يحل، وان كان تزوجها بعد عتقها فقد مضى عتقها فأين الصداق؟ وقالوا: مثل هذا في العتق بالقرعة. وفي وجود المرء سلعته عند مفلس، وكل هذا لا يدخل فيه ما أدخلوه فيه من هذه الاعتراضات الفاسدة، ثم لا ينكرون هذا على أنفسهم وهو موضع الانكار حقا لانهم انما يتكلمون ويقضون برأيهم الفاسد وهو عليه السلام انما يتكلم ويقضى عن الله تعالى الذى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (فان قالوا): نبيعه على الكافر كما تبيعون أنتم عبد المسلم وأمته إذا شكوا الضرر وفي التفليس قلنا لهم، وبالله تعالى التوفيق: لا نبيع عبدالمسلم ولا أمته أصلا الا في حق واجب لازم لا يمكننا التوصل إليه البتة بوجه من الوجوه إلا ببيعهما والا فلا. أول ذلك اننا لا نبيعهما عليه الافى دين لزمه أو في نفقة لزمته لنفسه أو للمملوك والمملوكة، أو لمن تلزمه نفقته، أو لضرر ثابت، فاما الحق الواجب فما دمنا نجد له دراهم أو دنانير لم نبعهما عليه فان لم نجد له غيرهما ولم يكن سبيل إلى أداء ذلك الحق الا ببيعهما فهما مال من ماله يباع عند ذلك لقول الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) ومن القيام بالقسط إعطاء كل ذى حق حقه، وصوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا القول إذ قاله سلمان لابي الدرداء رضى الله عنهما، وأما الضرر الثابت فان أمكننا منع الضرر بأن نحول بينه وبين الامة، والعبد بأن يؤاجرا، أو يجعلا عند ثقة يمنع من الاضرار بهما لم نبعهما فإذا لم يقدر على ذلك البتة بعناهما لاننا لا نقدر على المنع من الظلم والعدوان والاثم الا بذلك، وقال تعالى: (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (فان قالوا): كذلك تحكم الكافر على المسلم من عبيدهم ضرر قلنا: فان صح أنه لا ضرر على الامة والعبد من سيدهما الكافر، أو سيدتهما الكافرة بل هما معترفان بالاحسان والرفق جملة أليس قد بطل تعلقكم بالضرر؟، هذا ما لا شك فيه * (فان قالوا): نخاف أن يفسداد ينهما بطول الصحبة قلنا: ففرقوا بينهما وبين ابنيهما إذا أسلم خوف أن يفسدا دينه وبيعوا عبدالمسلم الفاسق وامته بهذا الاعتلال لانه مضمون منه تدريبهما على شرب الخمر. واضاعة الصلاة. والظلم ولا فرق، وهذا ما لا مخلص منه أصلا، والحمد لله رب العالمين، وقوله تعالى: (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم

[ 320 ]

بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) برهان قاطع في جوب عتق أمة الذمي، أو الحربى إذا أسلمت لانه تعالى أمر أن لا نرجعها إلى الكفار وأنهن لا يحللن لهم (1) وأباح لنا نكاحهن، وهذا عموم يوجب الحرية ضرورة * (فان قيل): قوله تعالى في هذه الآية: (وآتوهم ما أنفقوا) دليل على أنه تعالى أراد الزوجات قلنا: الآية كلها عامة لكل مؤمنة هاجرت بالايمان لتدخل في جملة المسلمين وهذا الحكم في إيتاء ما أنفقوا خاص في الزوجات ولا يوجب أن يكون سائر عموم الآية خصوصا إذ لم يوجب ذلك لغة ولا شريعة، وبالله تعالى التوفيق، وقد صح أن أبا بكرة خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما فعتق، (فان قالوا): هذا حكم من خرج من دار الحرب إلى دار الاسلام قلنا: ما الفرق بينكم وبين ما قال: بل هذا حكم من خرج من الطائف خاصة؟ وهل بين الحكمين فرق؟ ثم نقول لهم: وما دليلكم على هذا؟ وانما جاء مسلما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عبد لكافر فأعتقه ولم يقل عليه السلام انى انما اعتقته لانه خرج من دار الحرب فمن نسب هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب عليه، وقال عليه بلا برهان، وأنتم تقيسون الجص على التمر والسقمونيا على البر والكمون عليهما بلا برهان، وفرج المسلمة المتزوجة على يد السارق، ثم تفرقون بين عبد مسلم وعبد مسلم كلاهما أسلم في ملك كافران هذا لعوج ما شئتم، فان ذكروا أمر بلال، وسلمان رضى الله عنهما وان كليهما أسلم وهما مملوكان لو ثنى ويهودى فابتاع بلالا أبو بكر، وكاتب سلمان سيده فلو كان حرين بنفس اسلامهما لما كان أبو بكر مالك ولاء بلال، ولا صحيح العتق فيه قلنا وبالله تعالى التوفيق: * أما أمر بلال فكان في أول الاسلام بلا خلاف من أحد وقبل نزول الاية التى ذكرنا ببضع عشرة سنة لان الآية مدنية في سورة النساء ولم تكن الصلاة يومئذ لازمة. ولا الزكاة، ولا الصيام، ولا الحج، ولا المواريث، ولا كان حراما نكاح الوثني المسلمة، ولا نكاح المسلم الوثنية، ولا ملك الوثني للمسلم فلا حجة في أمر بلال * وأما أمر سلمان فكان بالمدينة وكان مملوكا لرجل من بنى قريظة وهم ممتنعون لا يجرى عليهم حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هم في حصونهم مالكون لانفسهم، وكان اسلام سلمان رضى الله عنه بلا خلاف قبل الخندق وهو أول مشاهده، وهلاك بنى قريظة وقتلهم، وحصارهم بعد الخندق بلا خلاف من أحد * ومن البرهان القاطع على أن ملك سيده له بطل عنه باسلامه أنه كان مكاتبا له بلا شك


(1) في النسخة رقم (14) (لهن) وما هنا أنسب بالآية *

[ 321 ]

وما انتمى قط إلى ولاء ذلك القرظى بل انتمى مولى الله تعالى ورسوله، وهذا كله متفق عليه من المؤالف. والمخالف، والصالح. والطالح، فلو كان ملكه له صحيحا وكتابته له صحيحة بحق الملك لكان ولاؤه له ولو كان ولاؤه له لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم ينتفى عن ولائه، وفي هذا حجة لمن نصح نفسه وكفاية، وكيف ولو لم يقم هذا البرهان لما كان لهم فيه حجة؟ لانهم لا دليل لهم على أنه كان أمره بعد نزول الآية المذكورة، وبالله تعالى التوفيق * وبهذا القول يقول بعض أصحاب مالك ذكر ذلك ابن شعبان عنهم أن عبد الذمي ساعة يسلم فهو حر، وقال أشهب: ساعة يسلم عبدالحربى فهو حر خرج أو لم يخرج، وقال مالك: إذا أسلمت أم ولد الذمي فهى حرة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ان أسلم عبدالحربى في دار الحرب فهو باق على ملكه فان باعه أو وهبه من مسلم. أو كافر. أو لمسلم. أو كافر (1) فهو حر ساعة بيعه، أو هبته وبطل البيع والهبة قال: فان اشترى الحربى عبدا مسلما فهو على ملكه فإذا حمله إلى أرض الحرب فساعة دخوله إلى أرض الحرب فهو حر، فهل سمع بأوحش أو أفحش من هذا التخليط؟ وهى أقوال لا يعرف أن أحدا قالها قبله، وأما مالك فإذا عتق أم ولده باسلامها وهى أمة له فقد ناقض إذ لم يعتق العبد الامة باسلامهما ولا فرق بين ذلك * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنا أنه سمع سليمان بن موسى يقول: لا يسترق الكافر المسلم، وهذا نفس قولنا لانه أبطل استرقاقه اياه جملة، قال ابن جريج: وسئل ابن شهاب عن أم ولد النصراني (2) أسلمت؟ فقال ابن شهاب يفرق الاسلام بينهما وتعتق، قال ابن جريج: لا تعتق حتى يدعى هو إلى الاسلام فان أبى عتقت * قال أبو محمد: كلاهما قد أوجب عتقها ولا معنى لتأنى عرض الاسلام عليه، ومن طريق ابن أبى شيبة نا معن بن عيسى عن ابن أبى ذئب عن الزهري قال: مضت السنة ان لا يسترق كافر مسلما * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن ميمون قال: كتب عمر بن عبد العزيز فيمن أسلم من رقيق أهل الذمة أن يباعوا ولا يتركون يسترقونهم ويدفع أثمانهم إليهم فمن قدرت عليه بعد تقدمك إليه استرق شيئا من سبى المسلمين ممن قد أسلم وصلى فاعتقه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني بعض أهل أرضنا أن نصرانيا اعتق مسلما فقال عمر بن عبد العزيز: أعطوه قيمته من بيت المال وولاؤه للمسلمين * قال أبو محمد: قد رأى عتقه له غير نافذ ورأى ولاءه للمسلمين (3) وهذا هو نص قولنا، وأما اعطاؤه قيمته من بيت المال فلا نقول بهذا: فانه لا حق للكافر في بيت مال المسلمين *


(1) في النسخة اليمنية (أو لكافر) (2) في النسخة اليمنية (أم ولد لنصراني) (3) في النسخة رقم (14) (لاهل الاسلام) *

[ 322 ]

944 - مسألة - ومن سبى من أهل الحرب من الرجال وله زوجة، أو من النساء ولها زوج فسواء سبى معها، أو لم يسب معها، ولا سبيت معه فهما على زوجيتهما فان أسلمت انفسخ نكاحها حين تسلم لما قدمنا، وأما بقاء الزوجية فلان نكاح أهل الشرك صحيح قد أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، ولم يأت نص بأن سباءهما، أو سباء أحدهما يفسخ نكاحهما، * (فان قيل): فقد قال الله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) قلنا: نعم إذا أسلمت حلت لسيدها المسلم، ولو كانت هذه الآية على عمومها لكان من له أمة ناكح تحل له لانها ملك يمينه، وهذا ما لا يقوله الحاضرون من خصومنا، وقد قال به ابن عباس وغيره: من ابتاع أمة ذات زوج فبيعها طلاقها ولا نقول بهذا: لما سنذكره في كتاب النكاح ان شاء الله عزوجل * 945 - مسألة - وأى الابوين الكافرين أسلم؟ فكل من لم يبلغ من أولادهما مسلم باسلام من اسلم منهما الام أسلمت أو الاب وهو قول عثمان البتى. والاوزاعي. والليث بن سعد. والحسن بن حي. وأبى حنيفة. والشافعي وأصحابهم كلهم، وقال مالك. وأبو سليمان: لا يكونون مسلمين الا باسلام الاب، لا باسلام الام، وقال بعض فقهاء المدينة: لا يكونون مسلمين إلا باسلام الام وأما باسلام الاب فلا لانهم تبع للام في الحرية، والرق لاب * قال أبو محمد: ما نعلم لمن جعلهم باسلام الاب خاصة مسلمين حجة أصلا، ونسألهم عن قولهم في ابن المسلمة من زنا، أو استكراه (1) فمن قولهم: إنه مسلم باسلامها وهذا ترك منهم لقولهم، ووافقونا أنه ان أسلم الابوان أو احدهما ولهما بنون وبنات قد بلغوا مبلغ الرجال والنساء فانهم على دينهم لا يجبرون على الاسلام، وبه نقول لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها)، والبالغ مخاطب قد لزمه حكم الكفر أو الذمة، وليس غير البالغ مخاطبا كما قدمنا قال مالك: نعم ولو كان الولد حزورا (2) قد قارب البلوغ ولم يبلغ فهو على دينه * قال أبو محمد: وهذا خطأ فاحش لانه ليس بالغا وما لم يكن بالغا فحكمه حكم من لم يبلغ لا من بلغ، وبالله تعالى التوفيق، واما من قاس الدين على الحرية والرق فالقياس كله باطل قال الله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق


(1) في النسخة رقم (14) (أو اكرم) (2) قال في الصحاح: الحزور الغلام إذا اشتد وقوى وخدم، قال يعقوب: هو الذى قد كاد يدرك ولم يفعل اه‍

[ 323 ]

الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فصح انه لا يجوز تبديل دين الاسلام لاحد ولا يترك أحد يبدله الا من أمر الله تعالى بتركه على تبديله فقط، وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه)، فصح انه لا يجوز أن يقبل في الدنيا ولا في الآخرة دين من أحد غير دين الاسلام الا من أمر الله تعالى بأن يقبل منه ويقر عليه * ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا أبو معاوية عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مامن مولود يولد إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه (1)) فصح انه لا يكون أحد الا على الاسلام حتى يعبر عن نفسه فمن أذن الله تعالى في اقراره على مفارقة الاسلام الذى ولد عليه أقررناه ومن لا لم نقره على غير الاسلام * ومن طريق مسلم نا حاجب بن الوليد نا محمد بن حرب عن الزبيدى عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: قال (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على (3) الفطرة أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة (بهيمة) (4) جمعاء هل تحس فيها من جدعاء؟) * قال أبو محمد: فصح انه لا يترك أحد على مخالفة الاسلام الا من اتفق أبواه على تهويده، أو تنصيره، أو تمجيسه فقط، فإذا أسلم أحدهما فلم يمجسه أبواه، ولانصراه، ولا هوداه فهو باق على ما ولد عليه من الاسلام ولا بد بنص القرآن والسنة، وقد وهل (5) قوم في هذه الآية وهذه الاخبار وهى بينة وهى العهد الذى أخذه تعالى على الانفس حين خلقها كما قال تعالى: (واذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين) * وقد اختلف قول عطاء في هذا فمرة قال: كقولنا: انه مسلم باسلام أي أبويه أسلم ومرة قال هم مسلمون باسلام أمهم لا باسلام أبيهم، ومرة قال: أيهما اسلم ورثا جميعا ممن مات من صغار ولدهما وورثهما صغار ولدهما، روينا هذه الاقوال كلها عن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وروينا عن شعبة عن الحكم بن عتيبة وحماد بن أبى سليمان انهما قالا جميعا في الصغير يكون أحد أبويه مسلما فيموت: انه يرثه المسلم ويصلى عليه * ومن طريق معمر عن عمرو والمغيرة قال عمرو: عن الحسن، وقال المغيرة: عن ابراهيم النخعي قالا جميعا في نصرانيين بينهما ولد صغار فأسلم أحدهما: ان أولاهما بهم المسلم يرثهم ويرثونه، وقال الاوزاعي: ان أسلم جد الصغير، أو عمه فهو مسلم أيهما أسلم، وقال سليمان بن موسى: الامر


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 302، وفى رواية (حتى يعبر عنه لسانه) (2) في صحيح مسلم ج 2 ص 301 (عن أبى هريرة انه كان يقول: قال) الخ (3) في النسخة اليمنية (مامن مولود يولد إلا) وما هنا موافق لصحيح مسلم (4) الزيادة من) صحيح مسلم ومعنى جمعاء سليمة من العيوب مجتمعة الاعضاء كاملتها فلا جدع فيها ولاكى (5) أي غلط فيه وفى النسخة اليمنية (دهل)

[ 324 ]

فيما مضى في أولينا الذى يعمل به ولا يشك فيه ونحن عليه الآن ان النصرانيين بينهما ولد صغار فأسلمت الام ورثته كتاب الله تعالى وما بقى فللمسلمين فان كان أبواه نصرانيين وهو صغير وله أخ من أم مسلم، أو أخت مسلمة ورثه أخوه، أو أخته كتاب الله، ثم كان ما بقى للمسلمين، روينا هذا عنه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج انه سمع سليمان بن موسى يقول هذا لعطاء، وسليمان فقيه أهل الشام أدرك التابعين الاكابر ولسنا نراه مسلما باسلام جد، ولا عم، ولا أخ، ولا أخت إذا اجتمع أبواه على تهويده، أو تنصيره، أو تمجيسه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم * 946 - مسألة - وولد الكافرة الذمية، أو الحربية من زنا. أو إكراه مسلم ولا بد لانه ولد على ملة الاسلام كما ذكرنا ولا ابوين له يخرجانه من الاسلام فهو مسلم وبالله تعالى التوفيق * 947 - مسألة - ومن سبى من صغار أهل الحرب فسواء سبى مع أبويه، أو مع أحدهما، أو دونهما هو مسلم، ولا بد لان حكم أبويه قد زال عن النظر له وصار سيده أملك به فبطل اخراجهما له عن الاسلام الذى ولد عليه * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنا خلاد قال: أخبرني عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب كان لا يدع يهوديا، ولا نصرانيا يهود ولده، ولا ينصره في ملك العرب، وهذا نص قولنا ولا نعلم له مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك، وهو قول سفيان الثوري. والاوزاعي. والمزنى، وبالله تعالى التوفيق * 948 - مسألة - ومن وجد كنزا من دفن كافر غير ذمى جاهليا كان الدافن، أو غير جاهلي فأربعة أخماسه له حلال، ويقسم الخمس حيث يقسم خمس الغنيمة، ولا يعطى للسلطان من كل ذلك شيئا الا إن كان إمام عدل فيعطيه الخمس فقط وسواء وجده في فلاة في أرض العرب، أو في أرض خراج، أو أرض عنوة، أو أرض صلح، أو في داره، أو في دار مسلم، أو في دار ذمى، أو حيث ما وجده حكمه سواء كما ذكرنا، وسواء وجده حر، أو عبد، أو امرأة قال الله عزوجل: (واعلموا أنما غنتم من شئ فان لله خمسه وللرسول) الآية، وقال تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا)، ومال الكافر غير الذمي غنيمة لمن وجده * وروينا من طريق مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وفى الركاز الخمس) (1) ومن حديث رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان نا شعبة حدثنى ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها (أن رجلا قال لها: أصبت كنزا فرفعته إلى السلطان فقالت له عائشة: بفيك الكثكث)، الكثكث التراب (2)،


(1) هو في الموطأ ج 1 ص 224 (في الركاز الخمس) (2) قال ابن الاثير في النهاية: الكثكث بالكسر والفتح دقاق الحصى والتراب

[ 325 ]

وقولنا هذا: هو قول أبى سليمان: ولا يكون وجوده في أرض متملكة لمسلم، أو ذمى موجبا لملك صاحب الارض له لانه غير الارض فلا يكون ملك الارض ملكا لما فيها من غيرها من صيد، أو لقطة، أو دفينة، أو غير ذلك، وقال الشافعي: كقولنا الا انه قال: إن ادعى صاحب الارض التى وجد فيها انه قد كان وجده ثم أقره فهو له، وهذا ليس بشئ لانها دعوى لا بينة له عليها فهو لمن وجده لانه في يده وهو غانمه إلا أن يوجد إثر استخراجه، ثم رده فيكون حينئذ قول صاحب الارض حقا، وأما إذا وجد كما وضع اول مرة فكذب مدعيه ظاهر بلا شك، وقال مالك: لا يكون لواجده إلا ان يجده في صحارى أرض العرب فهو له بعد الخمس فان وجده في أرض عنوة فهو كله لبقايا مفتتحى تلك البلاد، وفيه الخمس، فان وجده في ارض صلح فهو كله لاهل الصلح ولا خمس فيه * وهذا خطأ ظاهر من وجوه * أولها انه أسقط الخمس عما وجد من ذلك في أرض صلح وهذا خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وفي الركاز الخمس) فعم عليه السلام ولم يخص أرض صلح من غيرها * وثانيها انهم انما صالحوا على ما يملكونه مما بأيديهم لا على مالا يملكونه ولا هو بأيديهم ولا يعرفونه * وثالثها انهم لو ملكوا كل ركاز في الارض التى صالحوا عليها لوجب أن تملكه أيضا العرب الذين أسلموا على بلادهم فيكون ما وجد فيها من ركاز للذين أسلموا على تلك الارض، وهذا خلاف قولهم * وأما قوله فيما وجد في أرض العنوة أنه لورثة المفتتحين فخطأ لان المفتتحين للارض انما يملكون ما غنموا لا ما لم يغنموا، والركاز مما لم يغنموا، ولا حصلوا عليه ولا أخذوه فلا حق لهم فيه * والعجب كله انهم لا يجعلون الارض حقا للمفتتحين أرض العنوة وهم غنموها ثم يجعلون الركاز الذى فيها حقا لهم وهم لم يغنموه، وقال الحنيفيون: هو لواجده وعليه فيه الخمس وله أن يأخذ الخمس ان كان محتاجا الا أن يجده في دار اختطها مسلم أو في دار الحرب فانه ان وجده في دار اختطها مسلم فهو لصاحب الخطة وفيه الخمس، وان وجده في دار حربى وقد دخلها بأمان فهو كله للحربى، وان وجده في صحراء في دار الحرب فهو كله لواجده ولا خمس عليه فيه، وهذا تقسيم في غاية الفساد وخلاف لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان في الركاز الخمس فعم عليه السلام ولم يخص، ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد قبل أبى حنيفة، وهو مع ذلك قول بلا برهان، وفيه عن السلف آثار، منها ما رويناه من طريق ابن عيينة عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى ان عليا (1) أتاه رجل بألف وخمسمائة (درهم) (2) وجدها في خربة بالسواد فقال على: ان كنت وجدتها في قرية خربة تحمل خراجها قرية عامرة فهى لهم، وان كانت لا تحمل خراجها فلك أربعة أخماسه ولنا خمسه وسأ طيبه لك جميعا *


(1) في النسخة اليمنية (عن على) (2) الزيادة من النسخة رقم (14)

[ 326 ]

وهذا خلاف قول الحنيفيين والمالكيين لان السواد أخذ عنوة لا صلحا وكان في أيام على دار اسلام وقبل ذلك بدهر وشئ رويناه من طريق قتادة أن أبا موسى وجد دانيال بالسوس إذ فتحها ومعه مال إلى جنبه كانوا يستقرضون منه ما احتاجوا إلى أجل مسمى فإذا جاء ذلك الاجل ولم يرده المستقرض برص (1) فكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر كفنه وحنطه وصل عليه وادفنه كما دفنت الانبياء واجعل المال في بيت مال المسلمين، وهذا صحيح لانه لم يكن ركازا انما كان معلوما ظاهرا ولم يكن من أموال الكفار فيخمس ويغنم بل كان مال نبى فهو للمسلمين في مصالحهم * ومنها خبر عن عمر من طريق سماك بن حرب عن جرير بن رياح (2) عن أبيه أنهم أصابوا قبرا بالمدائن وفيه ميت عليه ثياب منسوجة بالذهب ومعه مال فكتب فيه عمار بن ياسر إلى عمر فكتب إليه عمر أعطهم إياه ولا تنزعه منهم، وهذا قولنا لا قولهم إلا أنه ليس فيه ذكر خمس، ولا بد من الخمس عندنا وعندهم * وخبر من طريق هشيم عن مجالد عن الشعبى أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارج المدينة فأتى بها عمر فاخذ خممسها مائتي دينار ودفع إليه الباقي، ثم جعل عمر يقسم المائتين بين من حضر من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة فدفعها إلى واجدها، وهذا قولنا الا في صفة قسمته الخمس * ومن طريق ابن جريج ان عمرو بن شعيب أخبره ان عبدا وجد ركزة على عهد عمر فأعتقه منها وأعطاه منها وجعل سائرها في بيت المال وهم لا يقولون بهذا، وسواء عندنا وجد الركاز حر، أو عبد، الحكم (عندنا) (3) واحد على ما قدمنا * وروينا خبرين أحدهما من طريق الزمعى (4) عن عمته قريبة بنت عبد الله بن وهب عن أمها كريمة بنت المقداد بن الاسود عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ان المقداد خرج إلى حاجته ببقيع الخبجبة (5) فإذا جرذ (6) يخرج من جحر دينارا بعد دينار ثم أخرج خرقة حمراء (7) فكانت ثمانية عشر دينارا فاخذها وحملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل أهويت (بيدك إلى) (8) الجحر؟ قال: لا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذها) (9) بارك الله لك فيها) وهذا خبر ليس موافقا لقول أحد ممن ذكرنا وإسناده مظلم، الزمعى عن عمته قريبة (10) وهى مجهولة، ولعل تلك الدنانير


(1) في النسخة اليمنية (رض) (2) في النسخة رقم (14) (رباح) بالباء المومحدة ولم اجد جرير بن رباح أو رياح في كتب الرجال المطبوعة، ووجدت ترجمة الرياح أبيه في تهذيب التهذيب ج 3 ص 299 (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة اليمنية (الدمعى) وهو غلط، واسمه موسى ين يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الاسود بن المطلب أبو محمد المدنى (5) هو بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة وفتح الجيم وباء أخرى انظر معجم البلدان لياقوت وقال الدميري في حياة الحيوان في (الجرذ) وذكر هذا الحديث: هو بفتح الخاءين وسكون الباؤ الاولى موضع ينواحى المدينة، وذكر صاحب القاموس انه يجميمين، ولذلك تجد نسخ المحلى مختلفة فيه (6) هو بضم الجيم وفتح الراء المهملة وبالذال المعجمة - ذكر الفيران، والحديث رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما على ماقاله الدميري والحديث ذكره المصنف مختصرا (7) في حياة الحيوان (خضراء) بدل حمراء (8) الزيادة من حياة الحيوان (9) الزيادة من حياة الحيوان (10) هي بصيغة التصغير - بنت عبد الله بن وهب بن زمعة

[ 327 ]

من دفن مسلم مجهول ميئوس عن معرفته فهى لمن وجدها عندنا كلها * وخبر آخر من طريق يحيى بن معين عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن أبى بجير عن عبد الله بن عمرو بن العاص (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجه إلى الطائف فمروا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا قبر أبى رغال وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب ان أنتم نبشتم عنه وجدتموه فابتدره الناس فوجدوا الغصن) وهذا لا يصح لانه عن يحيى ابن أبى بحير وهو مجهول، ثم لا حجة فيه لقول أحد ممن ذكرنا وانما فيه نبش قبور المشركين فقط، وبالله تعالى التوفيق * 949 - مسألة - ويقسم خمس الركاز وخمس الغنيمة على خمسة أسهم فسهم يضعه الامام حيث يرى من كل ما فيه صلاح وبر للمسلمين، وسهم ثانى لبنى هاشم: والمطلب بنى عبد مناف غنيهم وفقيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم، وصالحهم وطالحهم فيه سواء، ولا حظ فيه لمواليهم ولا لحلفائهم ولا لبنى بناتهم (من غيرهم) (1) ولا لاحد من خلق الله تعالى سواهم ولا لكافر منهم * وسهم ثالث لليتامى من المسلمين كذلك أيضا، وسهم رابع للمساكين من المسلمين * وسهم خامس لابن السبيل من المسلمين، وقد فسرنا المساكين. وابن السبيل في كتاب الزكاة فأغنى عن إعادة ذلك، واليتامى هم الذين قد مات آباؤهم فقط فإذ بلغوا فقد سقط عنهم اسم اليتم وخرجوا من السهم * برهان ذلك قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه ولرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) ولقوله تعالى: (كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم) فلا يسع أحدا الخروج عن قسمة الله تعالى التى نص عليها * ومن طريق أبى داود نا مسدد نا هشيم عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني جبير ابن مطعم قال: (لما كان يوم خيبر وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذى القربى في بنى هاشم، وبنى المطلب وترك، بنى نوفل، وبنى عبد شمس قال: فانطلقت انما وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) فقلنا. يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذى وضعك الله به منهم فما بال اخواننا بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وانما نحن وهم شئ واحد وشبك بين أصابعه (صلى الله عليه وسلم) (3)) * وهذا بيان جلى واسناد في غاية الصحة *


ابن الاسود بن المطلب الاسدية روت عن أبيها وأمها كريمة بنت المقداد بن الاسود، وليست بمجهولة كما قال المصنف * (1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) في سنن ابى داود ح 3 ص 107 (حتى اتينا النبي صلى الله عليه وسلم) (3) الزيادة من سنن ابى داود) *

[ 328 ]

نا أحمد بن محمد الطلمنكى نا محمد بن أحمد بن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس العبقسى المكى نا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري نا اسحاق بن راهويه نا وهب بن جرير ابن حازم نا أبى قال: سمعت محمد بن اسحاق يقول: حدثنى الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم عن النبي عليه السلام مثل الحديث الذى ذكرنا، وفيه ((قال: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم خمس الخمس من القمح والتمر والنوى) وهذا أيضا اسناد في غاية الصحة والبيان وهو يبين ان سهم الله تعالى وسهم رسوله واحد وهو خمس الخمس * نا يوسف بن عبد الله النمري نا عبد الوارث بن سفيان بن جبرون نا قاسم بن اصبغ نا أحمد بن زهير ابن حرب نا أبي نا روح بن عبادة نا على بن سويد بن منجوف (1) نا عبد الله بن بريدة الاسلمي عن أبيه (2) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى خالد ليقسم الخمس فاصطفى على منها سبية فأصبح يقطر رأسه فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا الرجل؟ قال بريدة: وكنت أبغض عليا فأتيت نبى الله صلى الله عليه وسلم وسلم فلما أخبرته قال: أتبغض عليا؟ لت: نعم قال: فأحبه فان له في الخمس أكثر من ذلك) وهذا اسناد في غاية الصحة وفي غاية البيان في ان نصيب كل امرئ من ذوى القربى محدود معروف القدر * ومن طريق أبى داود نا عبيدالله بن عمر (3) بن ميسرة نا عبد الرحمن ابن مهدى عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري (قال) (4) اخبرني سعيد بن المسيب اخبرني جبير بن مطعم أنه جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قسم من الخمس بين بنى هاشم، وبنى المطلب فقلت: (يا رسول الله قسمت لا خواننا بنى المطلب ولم تعطنا شيئا وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة (5) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انمام بنو هاشم، وبنو المطلب شئ واحد، قال جبير ولم يقسم لبنى عبد شمس، ولا لبنى نوفل من ذلك الخمس (كما قسم لبنى هاشم وبنى المطلب قال:) (6)، وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم غير أنه لم يكن يعطى قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه وعثمان بعده) * فهذا اسناد في غاية الصحة والبيان وانما كان الذى لم يعطهم أبو بكر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم فهو ما كان عليه السلام يعود به عليهم من سهمه وكانت حاجة المسلمين أيام أبى بكر أشد، وأما أن يمنعهم الحق المفروض الذى سماه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهم فيعيذ الله تعالى أبا بكر رضى الله عنه من ذلك *


(1) هو بنون وجيم وفى آخره فاء، وزاد في المغنى بمفتوحة وسكون نون (2) سقط لفظ (عن ابيه) من النسخة رقم (14) خطأ (3) في النسخة اليمنية (عبد الله بن عمرو) وهو غلط، ووقع في تهذيب التهذيب ج 7 ص 40 (بن عمرو) بزيادة واو وهو غلط ايضا وجاء صحيحا فيهما في سنن ابى داود ج 3 ص 106 (4) الزيادة من سنن ابى داود (5) لان رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى هاشم، وعثمان رضى الله عنه من بنى عبد شمس، وجبير بن مطعم من بنى نوفل، وعبد شمس ونوفل وهاشم ومطلب سواء الجميع بنو عبد مناف وعبد مناف هو الجد الرابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم (6) من سنن ابى داود *

[ 329 ]

ومن طريق أبى داود نا عباس بن عبد العظيم العنبري نا يحيى بن أبى بكير نا أبو جعفر - هو عبد الله - بن عبد الله الرازي قاضى الرى عن مطرف - هو ابن طريف - عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: (سمعت عليا يقول: ولانى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أبى بكر، وحياة عمر فأتى بمال فدعاني فقال: خذه فقلت: لا أريده قال: خذه فأنتم أحق به قلت: قد استغنينا عنه فجعله في بيت المال) (1)، أبو جعفر الرازي ثقة روى عنه عبد الرحمن بن مهدى وغيره * ومن طريق مسلم نا ابن أبى عمر نا سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاصى عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن يزيد بن هرمز قال: ان ابن عباس أمره ان يكتب إلى نجدة وكتبت تسألني عن ذوى القربى من هم وانا زعمنا اناهم فابى ذلك علينا قومنا (2) * فهذه الاخبار الصحاح البينة ولا يعارضها مالا يصح أو ماموه به فيما ليس فيه منه شئ * وقولنا في هذا هو قول أبى العالية، وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أيضا، * وروينا من طريق عبدبن حميد أنا أبو نعيم عن زهير عن الحسن بن الحر نا الحكم عن عمرو (3) بن شعيب عن أبيه قال. خمس الخمس سهم الله تعالى وسهم رسوله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق عبد بن حميد أيضا اخبرنا عمرو بن عون عن هشيم عن المغيرة عن ابراهيم النخعي (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين) كل شئ لله تعالى وخمس الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واحد، ويقسم ما سوى ذلك على اربعة أسهم * ومن طريق عبد بن حميد اخبرنا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - عن سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة قال: تقسم الغنائم خمسة أخماس فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ثم يقسم الباقي على خمسة أخماس. فخمس منها لله تعالى وللرسول. وخمس لقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم. وخمس لليتامى. وخمس لابن السبيل. وخمس للمساكين * قال أبو محمد: وهو قول الاوزاعي. وسفيان الثوري. والشافعي وأبى ثور. واسحاق. وأبى سليمان. والنسائي. وجمهور اصحاب الحديث. وآخر قولى أبى يوسف القاضى الذى رجع إليه إلا أن الشافعي قال: للذكر من ذوى القربى مثل حظ الانثيين وهذا خطأ لانه لم يأت به نص أصلا وليس ميراثا فيقسم كذلك وانما هي عطية من الله تعالى فهم فيها سواء وقال مالك: يجعل الخمس كله في بيت المال ويعطى أقرباء


(1) هو في سنن ابى داود ج 3 ص 107 (2) هو في صحيح مسلم مطولا ج 2 ص 77 وذكره الطبري في تفسيره ج 10 ص 5 من طريق آخر عن ابن عباس (2) في النسخة اليمنية (نا الحكم بن عمرو) وهو غلط، والحكم هذا هو ابن عتيبة الكندى يروى عن عمرو ابن شعيب وغيره، وروى عنه الحسن بن الحر وغيه *

[ 330 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله على ما يرى الامام ليس في ذلك حد محدود، قال أصبغ بن فرج: أقرباؤه عليه السلام هم جميع قريش، وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم، الفقراء. والمساكين. وابن السبيل * قال على هذه أقوال في غاية الفساد لانها خلاف القرآن نصا، وحلاف السنن الثابتة، ولا يعرف قول أبى حنيفة عن أحد من أهل الاسلام قبله، وقد تقصينا كل ما شغبوا به في كتاب الايصال، وجماع كل ذلك لكل من تأمله أنهم إنما احتجوا بأحاديث موضوعة من رواية الزبيري ونظرائه أو مرسلة، أو صحاح ليس فيها دليل على ما ادعوه أصلا، أو قول عن صاحب قد خالفه غيره منهم ولا مزيد، وبالله تعالى التوفيق * 950 - مسألة - وتقسم الاربعة الاخماس الباقية بعد الخمس على من حضر الوقعة أو الغنيمة لصاحب الفرس ثلاثة أسهم له سهم * ولفرسه سهمان، وللراجل وراكب البغل. والحمار. والجمل سهم واحد فقط، وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان، * وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان له سهم ولفرسه سهم ولسائر من ذكرنا سهم، - وهو قول أبى موسى الاشعري -، وقال أحمد: للفارس ثلاثة أسهم ولراكب البعير سهمان ولغيرهما سهم * قال أبو محمد: أما قول أحمد فما نعلم له حجة، وأما قول أبى حنيفة فانهم احتجوا له بآثار ضعيفة، منها من طريق مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية (1) الانصاري عن أبيه عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن عمه مجمع بن جارية (2) الانصاري، وكان أحد القراء (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى للفارس سهمين، والراجل سهما (3)) مجمع مجهول وأبوه كذلك * ومن طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين وللراجل سهما) عبد الله بن عمر الذى يروى عن نافع في غاية الضعف، وعن شيخ من أهل الشام عن مكحول مثل ذلك، وهذه فضيحة مجهول، ومرسل، واحتج أبو حنيفة بأن قال: لا أفضل بهيمة على إنسان فيقال له: وتساوى بينهما ان هذا لعجب، فإذا جازت المساواة فما منع من التفضيل؟ ثم هو يسهم للفرس وان لم يقاتل عليه ولا يسهم للمسلم التاجر، ولا الاجير إلا أن يقاتلا، فقد فضل بهيمة على انسان، ثم هو يقول في انسان قتل كلبا لمسلم، وعبدا مسلما فاضلا، وخنزيرا لذمى، قيمة كل واحد منهم عشرون ألف درهم فانه يؤدى في الكلب عشرين ألف درهم وفى الخنزير


(1) في النسخة اليمنية (بن حارثة) وهو غلط صححناه من اسد الغبة وتهذيب التهذيب ولم يذكر تجهيلهما فانظره هنالك (2) في النسخة اليمنية (بن حارثة) وهو غلط (3) في النسخة اليمنية (اعطى للفارس سهمين وللراجل سهما)

[ 331 ]

ذلك، ولا يعطى في العبد المسلم إلا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم، فاعجبوا لهذا الرأى الساقط! واحمدوا الله تعالى على السلامة، فقد فضل البهيمة على الانسان * وقالوا: قد صح الاجماع على السهمين فقلنا لهم: ان كنتم لا تقولون بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كلمناكم في ذلك فكيف ودعواكم الاجماع ههنا كذب؟ وما ندرى لعل فيمن أخطأ كخطئكم ثم من يقول: لا يفضل فارس على راجل كما لا يفضل راكب البغل على الراجل، وكما لا يفضل الشجاع البطل المبلى على الجبان الضعيف المريض، ثم لو طردتم أصلكم هذا لوجب ان تسقطوا الزكاة عن كل ما أوجبتموها فيه من العسل وغير ذلك، ولبطل قولكم في دية الكافر لانه لم يجمع على شئ من ذلك، وهذا يهدم عليكم أكثر مذاهبكم * وروا ان أول من جعل للفرس سهمين عمر بن الخطاب من طريق ليث عن الحكم وهذا منقطع وهم يرون حكم عمر في حد الخمر ثمانين سنة، فهذا ينبغى ان يجعلوه سنة أيضا * وروينا من طريق البخاري نا عبيد بن اسماعيل عن أبى أسامة (1) عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر (رضى الله عنهما) (2) قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) للفرس سهمين، ولصاحبه سهما * ومن طريق البخاري نا الحسن بن اسحاق نا محمد بن سابق نا زائدة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر (رضى الله عنهما) (4) قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم للفرس سهمين وللراجل سهما يوم خيبر)، فهذا هو الذى لا يجوز خلافه لصحته ولانه لو صحت تلك الاخبار لكان هذا زائدا عليها، وزيادة العدل لا يجوز ردها وهو قول سعد بن أبى وقاص. والحسن. وابن سيرين ذكر ذلك عن الصحابة، وبه يقول عمر بن عبد العزيز، (وبالله تعالى التوفيق) (5) * 951 - مسألة - ومن حضر بخيل لم يسهم له إلا ثلاثة أسهم فقط، وقد قال قوم: يسهم لفرسين فقط، وقال آخرون: يسهم لكل فرس منها، وهذا لا يقوم به برهان * (فان قيل) قد روى: ان النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للزبير لفرسين قلنا: هذا مرسل لا يصح، وأصح حديث فيه هو الذى (6) رويناه من طريق ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده قال: (ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر للزبير بأربعة أسهم، سهم للزبير، وسهم القربى لصفية بنت عبد المطلب، وسهمين للفرس) *


(1) في النسخة اليمنية (ابى امامة) وهو غلط (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 93 (3) في صحيح البخاري (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل) (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 5 ص 283، والحديث مختصر (5) الزيادة من النسخة رقم (14) (6) في النسخة رقم (14) (فهو الذى) بزيادة فاء وليس بشئ (7) في النسخة اليمنية (وسهم للقرباء) وهو تحريف

[ 332 ]

952 - مسألة - ويسهم للاجير. وللتاجر. وللعبد. وللحر. والمريض والصحيح سواء سواء كلهم لقول الله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) وللاثر الذى أوردنا آنفا من أنه عليه السلام قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما، ولم يخص عليه السلام حرا من عبد، ولا أجيرا من غيره، ولا تاجرا من سواه، فلا يجوز تخصيص شئ من ذلك بالظن الكاذب * فان احتجوا بقول ابن عباس في كتابه إلى نجدة تسألني عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟ أو أنه (1) ليس لهما شئ إلا أن يحذيا (2)، فهذا قول ابن عباس * وقد روينا أيضا من طريق عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر ليس للعبد من الغنيمة شئ، ولا حجة فيمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم قصة خالفوا فيها ابن عباس؟ كقوله في بيع أمهات الاولاد، والصرف، وسهم ذى القربى وغير ذلك * فان ذكروا ما روينا من طريق أحمد بن حنبل نا بشر بن المفضل عن محمد بن زيد (3) بن المهاجر حدثنى عمير مولى آبى اللحم قال: (شهدت خيبر مع ساداتي فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم (فأمر بي) (4) فقلدت السيف فإذا أنا أجره فأخبر أنى مملوك فأمر لي بشئ من خرثى المتاع (5))، فهذا لاحجة فيه لان محمد بن زيد (6) غير مشهور، وقد روينا من طريق حفص بن غياث فقال محمد بن زيد (7) وأيضا فانه ذكر انه كان يجر السيف، وهذا صفة من لم يبلغ، وهكذا نقول: ان من لم يبلغ لا يسهم له * فان ذكروا ما روينا من طريق الثوري عن ابن أبى ليلى عن فضالة بن عبيد (انهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة وفينا مملوكون فلم يقسم لهم) وهذا منقطع لانه ان كان ابن أبى ليلى - هو محمد - فلم يدرك فضالة ولا ولد إلا بعد موته بدهر طويل، وان كان - هو عبد الرحمن - فالثوري لم يدركه ولا ولد الا بعد موته بسنين * روينا من طريق أبى داود نا ابراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى أخبرنا ابن أبى ذئب عن القاسم بن عباس اللهبى (8) عن عبد الله بن دينار عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان أبى يقسم للحر وللعبد *، ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا ابن أبى ذئب عن خاله الحرث بن عبد الرحمن عن أبى قرة قال: قسم لى أبو بكر الصدق كما قسم لسيدي * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث عن الحكم بن عتيبة والحسن البصري. ومحمد بن سيرين وقالوا: من شهد البأس من حر، أو عبد، أو أجير فله سهم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير


(1) في النسخة اليمنية (وانه) (2) أي يعطيا بدون سهم وقد تقدم الحديث من طريق مسلم ص 329 من هذا الجزء (3) في النسخ (محمد بن يزيد) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (4) الزيادة من سنن أبى داود ج 3 ص 27 (5) هو - ضم الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر المثلثة وتشديد الياء آخر الحروف اثاث البيت (6) في النسخ (بن يزيد) ولعله التبس على المصنف ولذلك وصفه بعد بأنه غير مشهور وليس كذلك بلى هو مشهور، وجاء في سنن ابى داود صحيحا كما هنا (7) في النسخة اليمنية (محمد بن زياد) (8) في النسخة اليمنية (البتى) وهو غلط راجع ميزان الاعتدال *

[ 333 ]

عن المغيرة عن حماد بن ابراهيم النخعي في الغنائم يسبيها الجيش (1) قال: ان أعانهم التاجر، والعبد ضرب له بسهمامهم مع الجيش، قال أبو بكر: وحدثناه محمد بن فضيل عن المغيرة عن حماد عن ابراهيم النخعي قال: إذا شهد التاجر والعبد قسم له وقسم للعبد * ومن طريق ابن أبى شيبة نا غندر عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: يسهم للعبد، وهو قول أبى سليمان * قال أبو محمد: وهم موافقون لنا على أن يسهم للفرس وهم أصحاب قياس بزعمهم فهلا أسهموا للعبد قياسا على ذلك، فان ذكروا في الاجير خبرين - فيها أن أجيرا استؤجر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بثلاثة دنانير فلم يجعل له عليه السلام سهما غيرها - فلا يصحان، لان أحدهما من طريق عبد العزيز بن أبى رواد (2) عن أبى سلم الحمصى (3) (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وأبو سلم مجهول وهو منقطع أيضا * والثانى من طريق ابن وهب عن عاصم ابن حكيم عن يحيى بن أبى عمرو الشيباني عن عبد الله بن الديلمى أن يعلى بن منية، وعاصم بن حكيم. وعبد الله بن الديلمى مجهولان (4) * وقال الحسن. وابن سيرين. والاوزاعي. والليث: لا يسهم للاجير. وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يسهم لهما إلا أن يقاتلا * وقال سفيان الثوري: يسهم للتاجر، وقال الحسن بن حي: يسهم للاجير * 953 - مسألة - ولا يسهم لامرأة، ولا لمن لم يبلغ. قاتلا، أو لم يقاتلا، وينفلان دون سهم راجل ولا يحضر مغازى المسلمين كافر فان حضر لم يسهم له أصلا، ولا ينفل قاتل أو لم يقاتل * روينا من طريق مسلم نا ابن قعنب نا سليمان - هو ابن بلال - عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن يزيد بن هرمز عن ابن عباس (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة (5) واما يسهم لهن فلم يضرب لهن (6)) * قال أبو محمد: لو بلغ بالنفل لها سهم راجل لكان قد أسهم لهن وهو قول سعيد بن المسيب وأبى حنيفة. والشافعي. وسفيان الثوري. والليث. وأبى سليمان: وقال مالك: لا يرضخ لهن، وهذا خطأ وخلاف الاثر المذكور * قال أبو محمد: وقد روى من طريق أبى داود نا ابراهيم بن سعيد أخبرني زيد بن الحباب (7) نا رفيع بن سلمة بن زياد (قال) (8) حدثنى حشرج بن زياد (9) عن جدته أم أبيه أنها غزت (10) مع


(1) في النسخة اليمنية (يصيبها الجيش) * (2) في النسخة اليمنية (بن أبى وراد) وهو غلط (3) كذا في النسخ والذى ظهر لى بعد المراجعة انه سلمة بالهاء في آخره يروى عنه عبد العزيز بن ابى رواد راجع تهذيب التهذيب ج 6 ص 338 و ج 12 ص 118 (4) ليس كما قال المؤلف انظر تهذيب التهذيب (5) أي يعطين منها (6) الحديث اختصره المصنف وهو في صحيح مسلم مطولا ج 2 ص 77 (7) في النسخة اليمنية (يزيد بن الحباب) هوه غلط (8) الزيادة من سنن ابى داود ج 3 ص 22 (9) في النسخة اليمنية (بن ريانة) وهو غلط (10) في سنن ابى داود (خرجت) بدل (غزت) *

[ 334 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في ست نسوة (1) قالت: فاسهم لنا عليه السلام كما أسهم للرجال (2) وهذا إسناد مظلم. رافع. وحشرج مجهولان * ومن طريق وكيع نا محمد بن عبد الله الشعيثى (3) عن خالد ابن معدان قال: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء وللصبيان والخيل، وهذا مرسل * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا محمد بن راشد عن مجهول قال: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء والصبيان، والخيل وهذا أيضا مرسل * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو خالد الاحمر عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد ابن أبى حبيب عن سفيان بن وهب الخولانى قال: قسم عمر بن الخطاب بين الناس غنائمهم فأعطى كل انسان دينارا وجعل سهم الرجل والمرأة سواء * ومن طريق وكيع نا شعبة عن العوام بن مزاحم عن خالد بن سيحان قال: شهد مع أبى موسى أربع نسوة منهن أم مجزأة بن ثور فاسهم لهن ابو موسى الاشعري، وهو قول الاوزاعي وقد كان يلزم أهل القياس ان يقولوا بهذا لانه إذا اسهم للفرس وهو بهيمة فالمرأة أحق بالسهم إن كان القياس حقا * قال أبو محمد: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القاضى على ما سواه، وأما الصبيان فغير مخاطبين، وأما النفل للصبيان أيضا من خمس الخمس فلا بأس لانه في جميع مصالح المسلمين، واما الكافر فروينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن ابن جريج عن الزهري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يغزو باليهود فيسهم لهم كسهام المسلمين، ورويناه عن الزهري من طرق كلها صحاح عنه * ومن طريق وكيع نا الحسن بن حيى عن الشيباني - هو أبو إسحاق - ان سعد بن مالك - هو ابن أبى وقاص - غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم (4) * ومن طريق وكيع نا سفيان عن جابر قال: سألت الشعبى عن المسلمين يغزون بأهل الكتاب؟ فقال الشعبى: أدركت الائمة الفقيه منهم وغير الفقيه يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم ويضعون عنهم من جزيتهم فذلك لهم نفل حسن، والشعبى ولد في أول أيام على وأدرك من بعده من الصحابة رضى الله عنهم، وهو قول الاوزاعي. وسفيان الثوري أنه يقسم للمشرك إذا حضر كسهم المسلم * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر سمعت قتادة سئل عن أهل العهد يغزون مع المسلمين؟ قال: لهم ما صالحوا عليه ما جعل لهم فهو لهم، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبو سليمان: لا يسهم لهم، قال أبو سليمان: ولا يرضخ لهم، ولا يستعان بهم * قال أبو محمد: حديث الزهري مرسل ولا حجة في مرسل، ولقد كان يلزم الحنيفيين. والمالكيين القائلين بالمرسل إن يقولوا: بهذا لانه من أحسن المراسيل لا سيما مع قول الشعبى: إنه أدرك الناس على هذا، ولا نعلم لسعد مخالفا في ذلك من الصحابة، وكان سلمان بن ربيعة يستعين بالمشركين على المشركين؟ لكن الحجة في هذا هو ما رويناه


(1) في سنن ابى داود (في غزوة خيبر سادس ست نسوة) (2) الحديث اختصره المصنف (3) هو بمعجمة مضمومة ثم عين مهملة وآخره ثاء مثلثة (4) الرضخ بضم الراء وبمعجمتين اعطاء القليل من الغنيمة *

[ 335 ]

من طريق مالك عن الفضيل بن أبى عبد الله عن عبد الله بن دينار عن عروة عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انا لا نستعين بمشرك * ومن طريق مسلم نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه نا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنه قال: (فلم تحل الغنائم (1) لاحد من قبلنا) فصح أنه لا حق في الغنائم لغير المسلمين * 954 - مسألة - فان اضطررنا إلى المشرك في الدلالة في الطريق استؤجر لذلك بمال مسمى من غير الغنيمة لما روينا من طريق البخاري نا ابراهيم بن موسى نا هشام - هو ابن يوسف - نا معمر عن الزهري عن عروة (بن الزبير) (2) عن عائشة (رضى الله عنها) (3) قالت. (واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بنى الديل (وهو) (4) على دين كفار قريش هاديا يعنى بالطريق) * 955 - مسألة - وكل من قتل قتيلا من المشركين فله سلبه قال ذلك الامام، أو لم يقله كيف ما قتله صبرا، أو في القتال؟ ولا يخمس السلب قل، أو كثر، ولا يصدق إلا ببينة في الحكم، فان لم تكن له بينة، أو خشى أن ينتزع منه، أو ان يخمس فله أن يغيبه ويخفى أمره، والسلب فرس المقتول، وسرجه، ولجامه، وكل ما عليه من لباس، وحلية، ومهاميز (5) وكل ما معه من سلاح، وكل ما معه من مال في نطاقه أو في يده أو كيف ما كان معه * روينا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري عن ابن أفلح - هو عمر بن كثير بن أفلح - عن أبى محمد مولى أبى قتادة عن أبى قتادة (ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال بعد انقضاء القتال يوم حنين: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) في حديث * ومن طريق البخاري نا أبو نعيم نا أبو العميس - هو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود - عن إياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر (فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل) (6) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اطلبوه واقتلوه قال سلمة: فقتلته فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه) * ومن طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا حماد - هو ابن زيد - عن اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين (7): من قتل كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم) (8) *


(1) في النسخة اليمنية (فلم تجعل الغنائم) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 2 ص 49 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 181 * (3) الزيادة من صحيح البخاري (4) الزيادة من صحيح البخاري والحديث اختصره المصنف (5) جمع مهمز أو مهما زوهى عصافى راسها حديدة ينخس بها الحمار (6) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 161 (7) في سنن ابى داود ج 3 ص 23 (قال يومئذ يعنى يوم حنين) (8) في آخر الحديث في سنن ابى داود قصة تركها المؤلف

[ 336 ]

فهذه الاحاديث توجب ما قلناه وهى منقولة نقل التواتر كما ترى * روينا من طريق وكيع عن سفيان عن الاسود بن قيس العبدى ان بشر بن علقمة قتل يوم القادسية عظيما من الفرس مبارزة وأخذ سلبه فأتى به إلى سعد ابن ابى وقاص فقومه اثنى عشر ألفا فنفله إياه سعد * ومن طريق واثلة بن الاسقع انه ركب وحده حتى أتى باب دمشق فخرجت إليه. خيل منها فقتل منهم ثلاثة وأخذ خيلهم فاتى بها خالد بن الوليد وعنده عظيم الروم فابتاع منه سرج أحدها بعشرة آلاف ونفله خالد بن الوليد كل ما أخذ من ذلك، فهذا واثلة وخالد. وسعيد بحضرة الصحابة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الرحيم (1) بن سليمان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: كان السلب لا يخمس وكان أول سلب خمس في الاسلام سلب البراء بن مالك، وكان قتل مر زبان الزأرة (2) وقطع منطقته وسواريه فلما قدمنا المدينة صلى عمر الصبح، ثم أتانا فقال: السلام عليكم أثم أبو طلحة؟ فقالوا: نعم فخرج إليه فقال عمر: انا كنا لا نخمس السلب وان سلب البراء مال وانى خامسه فدعا المقومين فقوموا ثلاثين ألفا فأخذ منها ستة آلاف * ومن طريق ابن جريج سمعت نافعا يقول: لم نزل نسمع منذ قط إذا التقى المسلمون والكفار فقتل مسلم مشر كافله سلبه إلا أن يكون في معمعة القتال فانه لا يدرى أحد قتل أحدا، فهذا عمر يخبر عما سلف فصح أنه فعل أبى بكر ومن بعده وجميع أمرائهم، وهذا نافع يخبر أنه لم يزل يسمع ذلك وهو قد أدرك الصحابة، فصح أنه قول جميعهم بالمدينة، ولا يجوز أن يظن بعمر تعمد خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصح أنه استطاب نفس البراء، وهذا صحيح حسن لا ننكره، وهو قول الاوزاعي. وسعيد بن عبد العزيز. والليث بن سعد. والشافعي. وأحمد. وأبى ثور. وأبى عبيد. وأبى سليمان. وجميع أصحاب الحديث إلا أن الشافعي. وأحمد قالا: ان قتله غير ممتنع فلا يكون له سلبه، وهذا خطأ لحديث سلمة ابن الاكوع الذى ذكرنا فانه قتله غير ممتنع وفي غير قتال وأخذ سلبه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم * (فان قيل): فان أخذتم بعموم حديثه عليه السلام في ذلك فأعطوا من قتل مسلما بحق في قود، أو رجم، أو محاربة، أو بغى سلبه قلنا: لو لا ان الله تعالى حرم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: وفي القرآن مال المسلم لفعلنا ما قلتم، فخرج سلب المسلم بهذا عن جملة هذا الخبر وبقى سلب الكافر على حكم الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم *


(1) في النسخة رقم (14) (عبد الرحمن) وهو غلط (2) المرزبان بضم الميم والزاى هو الفارس الشجاع المقدم على القوم وهو معرب معناه حافظ الثغور، والزأرة هي الاجمة سمى بها الزئير الاسد فيها اه‍ نهاية وشفاء الغليل وكان البراء بن مالك شجاعا مقداما ذاقوة وحزم، وهو اخوانس بن مالك لابيه وامه، وله مواقع شهيرة وانتصارات غريبة راجع ترجمته تجد ما يدهش العقول ويحيرها من شجاعة وفروسيته وقوة إيمانه *

[ 337 ]

وروينا من طريق ابن ابى شيبة نا الضحاك بن مخلد - هو أبو عاصم النبيل - عن الاوزاعي عن الزهري عن القاسم بن محمد قال: سئل ابن عباس عن السلب؟ فقال: لا سلب الا من النفل وفي النفل الخمس، فهذا ابن عباس يمنع ان يكون السلب الا نفلا فقوله: كقول من ذكرنا الا أنه رأى فيه الخمس وهو قول إسحاق بن راهويه، وذهب أبو حنيفة. وسفيان. ومالك إلى أنه لا يكون السلب للقاتل إلا ان يقول الامير قبل القتال: من قتل قتيلا فله سلبه فإذا قال ذلك فهو كما قال: ولا يخمس * قال أبو محمد: وهذا قول فاسد لانهم أوهموا أنهم اتبعوا الحديث ولم يفعلوا بل خالفوه لان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما قال: ذلك بعد القتال، فهذا خلاف قولهم صراحا، وقال بعضهم: لم يقل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يوم حنين * قال أبو محمد: فكان هذا عجبا نعم فهبك انه لم يقله عليه السلام قط الا يومئذ، أو قاله قيل وبعد أترى يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به مرة، أو يرونه باطلا حتى يكرر القضاء به؟ حاشا لله من هذا الضلال، ولا فرق بين ما قاله مرة، أو الف ألف مرة، كله دين وكله حق، وكله حكم الله تعالى، وكله لا يحل لاحد خلافه * وموهوا بفعل عمر وهم مخالفون له لان عمر قضى بالسلب للقاتل دون أن يقول ذلك قبل القتال إلا أنه خمسه ولم يمانعه البراء فصح انه طابت به نفسه وهذا حسن لا ننكره، وشغبوا أيضا بأشياء نذكرها ان شاء الله تعالى، فموه بعض المخالفين في نصر تقليدهم بقول الله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول) * قال أبو محمد: وهذا عليهم لا لهم لان الذى أمرنا بهذا هو الذى أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بأن السلب للقاتل، ثم يقال لهم: فأبطلوا بهذا الدليلى قولكم: ان الامام إذا قال: السلب للقاتل كان له فقد جعلتم قول امام لعله لا تجب طاعته حجة على الآية: ولم تجعلوا قول الامام الذى لا امامة لاحد الا بطاعته بيانا للآية، وهذا عجب جدا! ثم أعجب شئ أنهم لا يحتجون بهذه الآية على أنفسهم في قولهم: ان الارض المغنومة لا خمس فيها، وهذا موضع الاحتياج بالآية حقا، وذكروا خبرا رويناه من طريق عوف بن مالك الاشجعى في أن رجلا قتل فارسا من الروم يوم مؤتة (1) وأخذ سلاحه، وفرسه فبعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب قال عوف: فأتيت خالدا فقلت له: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟


(1) في سنن ابى داود ج 3 ص 23 (في غزوة مؤتة) وهى بضم الميم وهمزة ساكنة ويجوز تركها قرية معروفة في طرف الشام عند الكرك قاله النووي والحديث في سنن ابى داود مطولا وهو ايضا في صحيح مسلم *

[ 338 ]

قال: بلى ولكني استكثرته قلت: لتردنه أولا عرفنكها (1) عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى ان يرد عليه قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا خالد ما حملك على ما صنعت؟ فقال: (يا رسول الله) (2) استكثرته فقال عليه السلام: يا خالد رد عليه ما أخذت منه قال عوف: فقلت له: دونك (3) يا خالد ألم أف لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذلك؟ قال: فأخبرته فغضب (رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) وقال: يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركو لى أمرائى؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره) * قال أبو محمد: لا حجة لهم في هذا بل هو حجة عليهم لوجوه، أولها أن فيه نصا جليا ان النبي صلى الله عليه وسلم فضى بالسلب للقاتل، وهذا قولنا * وثانيها انه عليه السلام أمر خالدا بالرد عليه * وثالثها أن في نصه أن النبي صلى الله عليه وسلم انما أمره بأن لا يرد عليه لانه علم أن القاتل صاحب السلب أعطاه بطيب نفس ولم يطلب خالدا به وان عوفا يتكلم فيما لا حق له فيه وهذا هو نص الخبر * ورابعها أنه لو كان كما يوهمون لما كان لهم فيه حجة لان يوم حنين الذى قال فيه عليه السلام: (من قتل كافرا فله سلبه) كان بعد يوم مؤتة بلا خلاف ويوم حنين كان بعد فتح مكة، وقد كان قتل جعفر. وزيد بن حارثة. وابن رواحة رضى الله عنهم قبل فتح مكة يوم مؤتة فيوم حنين حكمه ناسخ لما تقدم لو كان خلافه (5)، وموهوا أيضا بخبر قتل أبى جهل يوم بدر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهو أحد قاتليه، والثانى معاذ ابن عفراء وأن ابن مسعود قتله أيضا فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه * قال أبو محمد: ولا حجة لهم في هذا كله واين يوم بدر من يوم حنين وبينهما أعوام؟ وما نزل حكم الغنائم إلا بعد يوم بدر فكيف يكون السلب للقاتل؟ * وموهوا بخبر ساقط روينا من طريق حماد بن سلمة عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين قلت: يا رسول الله هل أحد أحق بشئ من المغنم من احد؟ قال: لا حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس أحق من أخيه به * قال أبو محمد: هذا عن رجل مجهول لا يدرى أصدق في ادعائه الصحبة أم لا؟، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لان الخمس من جملة الغنيمة يستحقه دون أهل الغنيمة من لم يشهد الغنيمة بلا خلاف فالسلب مضموم إلى ذلك بالنص، ثم يقال لهم: هلا احتججتم بهذا الخبر على أنفسكم في قولكم: ان القاتل أحق بالسلب من غيره إذا قال الامام: من قتل قتيلا فله سلبه؟ فكان هذا الخبر عندكم مخصوصا بقول من لا وزن له عند الله


(1) من التعرف أي لاجازينك بها حتى تعرف سوء صنيعك، وهى كلمة تقال عند التهديد (2) الزيادة من سنن ابى داود (3) أي خذ ما وعدتك (4) الزيادة من سنن ابى داود ج 3 ص 24 (5) في النسخة رقم (14) (لو كان خلافا له) *

[ 339 ]

تعالى ولم تخصوه (1) بقول من لا إيمان ان تسلموا لامره وقضائه تبا لهذه العقول المكيدة * وموهوا بما روى من طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبى أمية أن حبيب بن مسلمة قتل قتيلا فاراد أبو عبيدة ان يخمس سلبه فقال له حبيب: (ان رسول الله صلى الله عليه آله وسلم قضى بالسلب للقاتل فقال له معاذ: مهلا يا حبيب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انما للمرء ما طابت به نفس امامه) * قال أبو محمد: وهذا خبر سوء مكذوب بلا شك لانه من رواية عمرو بن واقد، وهو منكر الحديث قاله البخاري وغيره: عن موسى بن يسار، وقد تركه يحيى القطان، وقد روينا عن موسى هذا أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابا حفاة فجئنا نحن أبناء فارس فلخصنا هذا الدين فانظروا بمن يحتجون على السنن الثابتة عن مكحول عن جنادة ومكحول لم يدرك جنادة، ثم لو صح لكان حجة عليهم لانه مبطل لقولهم: ان الذى وجد الركازله ان ينفرد بجميعه دون طيب نفس إمامه، ثم نقول للمحتج بهذا الخبر: أرأيت ان لم تطب نفس الامام لبعض الجيش بسهمهم من الغنيمة؟ أيبطل بذلك حقهم؟ ان هذا لعجب! وهم لا يقولون بهذا فصاروا أول مخالف لما حققوه واحتجوا به، وهذا فعل من لاورع له * وقالوا: قد روى من طريق غالب بن حجرة عن أم عبد الله بنت الملقام ابن التلب عن أبيها (عن أبيه) (2) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أتى بمولى (3) فله سلبه قالوا: فقولوا بهذا أيضا * قال أبو محمد: فقلنا انما يلزم القول بهذا من يقول بحديث مبشر بن عبيد الحمصى (4) لاصداق اقل من عشرة دراهم، ومن يقول بحديث أبى زيد مولى عمرو بن حريث في اباحة الوضوء بالخمر وتلك النطائح والمترديات فهذا الخبر مضاف إلى تلك، وأما من لا يأخذ الا بما روى الثقة عن الثقة فليس يلزمه ان يأخذ بما رواه غالب بن حجرة (5) المجهول عن ام عبد الله بنت الملقام التى لا يدرى من هي عن ابيها الذى لايعرف، والقوم في عمى نعوذ بالله مما ابتلاهم به، وتالله لو صح لقلنا به ولم نجد في أنفسنا حرجا منه * فان ذكروا ما رويناه من طريق سعيد عن قتادة وقد قيل ان عمرو بن شعيب رواه عن ابيه عن جده في سبب نزول سورة الانفال (ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل الرجل من المسلمين سلب الكافر إذا قلته فامرهم ان يرد بعضهم على بعض قال: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم أي ليردن بعضكم على بعض *


(1) في النسخة رقم (14) (ولم تخصه) (2) الزيادة من النسخة اليمنية وقول المصنف بعد (عن ابيها الذى لايعرف) واقتصاره عليه يدل على زيادتها (3) في النسخة اليمنية (من اتانى) (4) في النسخة اليمنية (بحديث المبشرين عبيد الحلى)، وفى النسخة رقم (14) (يحدث ميسر بن عبيد الحلبي) وكلاهما غير صحيح وما هنا موافق لمافى ميزان الاعتدال ج 3 ص 6، وتهذيب التهذيب ج 10 ص 32 (5) في النسخ (غالب بن حجيرة) بالتصغير وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب والخلاصة وهو بفتح الحاء المهملة وامكان الجيم *

[ 340 ]

قال أبو محمد: وهذا لا شئ لانها صحيفة ومرسل، ولو صح لكان في امر بدر وقد قلنا: ان القضاء بالسلب للقاتل كان في حنين بعد ذلك بأعوام ستة أو نحوها، ثم موهوا بقياسات سخيفة كلها لازم لهم وغير لازم لنا * منها أن قالوا: لما كان الغانم ليس احق بما غنم كان القاتل في السلب كذلك، ولو كان السلب حقا للقاتل لكانت الاسلاب إذا لم يعرف قاتلو أهلها - موقفة كاللقطة * قال أبو محمد: القياس باطل وانما يلزم القياس من صححه، وهم يصححونه فهو لهم لازم فليبطلوا بهاتين الاحموقتين قولهم: (ان السلب) (1) للقاتل إذا قال الامام (قبل القتال) (2): من قتل قتيلا فله سلبه فهذا يلزمهم إذ عدلوا هذا الالزام على أنفسهم، وأما نحن فنقول: ان كل مال لايعرف صاحبه فهو في مصالح المسلمين، وكل سلب لا تقوم لقاتله بينة فهو في جملة الغنيمة بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونص قوله لانتعداه (3) والحمد لله رب العالمين * قال أبو محمد: ويكفى من هذا ان الله تعالى قال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السلب للقاتل إذا قامت له بينة فان كانت طاعته عليه السلام واجبة فالسلب حق للقاتل متى قامت له به بينة (4) ولاخيرة لاحد لاإمام ولا غيره في خلاف ذلك لنص كلام الله تعالى، وان كانت طاعته عليه السلام ليست واجبة فهذا كفر من قائله، وإذا لم يكن السلب من حق القاتل بقوله عليه الصلاة والسلام: انه له إذا قامت له به بينة، فمن أين خرج لهم؟ وأين وجدوا ما يوجب قولهم الفاسد؟: في أن الامام إذا قال: من قتل قتيلا فله سلبه كان السلب حينئذ للقاتل، ولا نعمى عين للامام أن يكون قوله تحريما أو إيجابا، فظهر فساد قولهم جملة و تعريه من الدليل، وهو قول لم يحفظ قط قبلهم لاعن صاحب، ولاعن صاحب، ولا عن تابع، بالله تعالى التوفيق * 956 - مسألة - وان نفل الامام من رأس الغنيمة بعد الخمس وقبل القسمة من رأى أن ينفله ممن أغنى عن المسلمين وممن معه من النساء اللواتى ينتفع بهن أهل الجيش ومن قاتل ممن لم يبلغ فحسن، وان رأى أن ينفل من أتى بمغنم في الدخول ربع ما ساق بعد الخمس فأقل، أو ثلث ما ساق بعد الخمس فأقل لاأكثر أصلا فحسن لما رويناه من طريق مسلم نا عبد الملك ابن شعيب بن الليث حدثنى أبى عن جدى حدثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل (5) بعض من يبعث من السرايا لانفسهم خاصة سوى قسمة (6) عامة الجيش والخمس في ذلك واجب كله) *


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة اليمنية (لا يتعدى) (4) من قوله: (فان كانت) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية خطأ * (5) في صحيح مسلم ج 2 ص 55 (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان ينقل) الخ (6) في صحيح مسلم (قسم) *

[ 341 ]

ومن طريق أبى داود نا محمود بن خالد نا مروان بن محمد نا يحيى بن حمزة قال: (سمعت أبا وهب يقول): (1) سمعت مكحولا قال: سمعت زياد بن جارية (2) سمعت حبيب بن مسلمة (3) يقول: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل (4) الربع في البداءة والثلث في الرجعة) * ومن طريق محمد بن عبد السلام الخشنى (5) نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبى سلام ممطور الحبشى (8) عن أبى أمامة الباهلى عن عبادة بن الصامت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع وفي القفول الثلث) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عفان بن مسلم عن أبى عوانة عن عاصم بن كليب عن ابى الجويرية قال لى معن بن يزيد السلمى: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لانفل الا من بعد الخمس) وقال بهذا طائفة من السلف * روينا من طريق حماد بن سلمة نا داود بن أبى هند عن الشعبى أن جرير بن عبد الله البجلى قدم على عمر بن الخطاب في قومه يريد الشام فقال له عمر: هل لك أن تأتى الكوفة وأنفلك الثلث من بعد الخمس من كل أرض وشئ؟ * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن ابن جريج أخبرني سليمان بن موسى قال: كان الناس ينفلون اكثر من الثلث حتى إذا كان عمر بن عبد العزيز كتب انه لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل بأكثر من الثلث، وهو قول الاوزاعي وأبى سليمان * قال أبو محمد: الخمس قد جعله الله تعالى لاهله الذين سمى فالنفل منه من سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسلم خاصة وهو خمس الخمس وسائر الغنيمة للغانمين فلا يحل أن يخرج منه شئ الا ما أباح الله تعالى إخراجه، أو أوجب إخراجه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس الا السلب جملة للقاتل وتنفيل ما ذكرنا من الربع فأقل أو الثلث في القفول فأقل، وكذلك كما روينا عن أنس. وسعيد بن المسيب لانفل الا بعد الخمس، وبالله تعالى التوفيق * 957 - مسألة - وتقسم الغنائم كما هي بالقيمة (7) ولاتباع لانه لم يأت نص بيعها وتعجل القسمة في دار الحرب وتقسم الارض وتخمس كسائر الغنائم، ولا فرق:


(1) الزيادة من سنن ابى داود ج 3 ص 33 وهى مذكورة في تهذيب التهذيب ج 10 ص 292 ووقع فيه (ابى وهيب) بالتصغير وهو غلط (2) في النسخة اليمنية (خارجة) وهو غلط (3) في النسخة رقم (14) (حبيب بن سلمة) وهو غلط (4) في النسخة رقم (14) (يقول) بدل (نفل) وما هنا موافق لمافى سنن ابى داود، والحديث اختصره المصنف (5) كذا في النسخة اليمنية، وفى النسخة رقم (14) (عبد السلام الخشنى) باسقاط لفظ (محمد بن) وكلاهما لم اجده في كتب الرجال المطبوعة ورأيت في كتاب الانساب للسمعاني مانصه: واحمد بن خلف ابنه محمد بن عبد السلام الخشنى مات سنة 286 ولا ادرى هو هذا ما ذكر هنا ام غيره؟ والله اعلم (6) في النسخة اليمنية (الخشنى) وهو غلط (7) كذا في النسخ ولعله (بالقسمة) كما هو ظاهر كلام المصنف قبل وبعد *

[ 342 ]

فان طابت نفوس جميع أهل العسكر على تركها أوقفها الامام حينئذ للمسلمين وإلا فلا، ومن أسلم نصيبه كان من لم يسلم عل حقه لا يجوز غير ذلك، وهو قول الشافعي، وأبى سليمان، وقال مالك: تباع الغنيمة وتقسم أثمانها وتوقف الارض ولا تقسم ولا تكون ملكا لاحد، وقال أبو حنيفة: الامام مخير ان شاء قسمها وان شاء أوقفها، فان أوقفها فهى ملك للكفار الذين كانت لهم ولا تقسم الغنائم الا بعد الخروج من دار الحرب * قال أبو محمد: يبين ما قلنا قول الله تعالى: (فكلوا غنمتم حلالا طيبا) ولم يقل من أثمان ما غنمتم * ومن طريق البخاري نا مسدد نا أبو الأحوص نا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع عن أبيه عن جده رافع بن خديج (أنهم أصابوا غنائم فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فعدل بعيرا بعشر شياه (1)) فصح انه عليه السلام انما قسم أعيان الغنيمة وأيضا فان حقهم انما هو فيما غنموا فبيع حقوقهم وأموالهم بغير رضا من جميعهم أو لهم عن آخر هم لا يحل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فان رضى الجيش كلهم بالبيع الا واحدا فله ذلك ويعطى حقه من عين الغنيمة ويباع ان أراد البيع قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) وبهذا جاءت الآثار في حنين وبدر وغيرهما كقول على: أنه وقع لى شارف من المغنم. وكوقوع جويرية أم المؤمنين في سهم ثابت بن قيس بن الشماس وغير ذلك كثير، وكذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كقول ابن عمر: وقعت في سهمي يوم جلولاء جارية، - وهو قول سعيد بن المسيب - وغيره * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج اخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أكره بيع الخمس حتى يقسم، ولا نعرف لهم مخالفا (2) من الصحابة أصلا * وأما تعجيل القمسة فان مطل ذى الحق لحقه (3) ظلم وتعجيل اعطاء كل ذى حق حقه فرض، والحنيفيون يقولون: من مات من أهل الجيش قبل الخروج إلى دار الاسلام، أو قتل في الحرب فلا سهم له قال: فلو خرجوا عن دار الحرب فلحق بهم مدد قبل خروجهم إلى دار الاسلام فحقهم معهم في الغنيمة وهذا ظلم لاخفاء به وقول في غاية الفساد بغير برهان بل كل من شهد شيئا من القتال الذى كن سبب الغنيمة، أو شهد شيئا من جمع الغنيمة فحقه فيها يورث عنه ومن لم يشهد من ذلك شيئا فلا حق له فيها، فهل سمع بظلم أقبح من منع من قاتل وغنم واعطاء من لم يقاتل ولاغنم؟، وأما الارض فان الصحابة اختلفوا فروينا ان ابن الزبير. وبلالا وغيرهم دعوا إلى قسمة الارض وان عمر. وعليا. ومعاذا. وأبا عبيدة رأوا ابقاءها (4) رأيا منهم واذ تنازعوا فالمردود إليه هو ما افترض


(1) الحديث ذكره البخاري في صحيحه في غير من موضع مطولا أو اختصر المصنف هذه الرواية واقتصر على محل الشاهد منها، انظره في ج 2 ص 178 * (2) في النسخة رقم (14) (لايعرف لهم مخالف) (2) في النسخة رقم (14) (بحقه) (4) في النسخة. رقم (14) (رأوا ايقافها) *

[ 343 ]

الله تعالى الرد إليه إذ يقول: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)، فوجدنا من قلد عمر في ذلك يذكر ما رويناه من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر: لفولا آخر المسلمين ما افتتحت قرية الا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، * قال أبو محمد: وهذا أعظم حجة عليهم لوجوه، أولها اقرار عمر رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر، والثانى أنه قد أخبر رضى الله عنه أنه انما فعل ذلك نظرا لآخر المسلمين والذى لاشك فيه (فهو) (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أنظر لاول المسلمين ولآخرهم من عمر فما رأى هذا الرأى بل أبقى لآخر المسلمين ما أبقى لاولهم الجهاد في سبيل الله، فاما الغنيمة وإما الشهادة، وأبقى لهم مواريث موتاهم. والتجارة. والماشية. والحرث، والثالث أنه قد خالف عمر الزبير. وبلال وليس بعضهم أحق بالاتباع من بعض، فحتى لو صح عن عمر رضى الله عنه ما ظنوه به لما كان لهم فيه حجة ولكان رأيا منه غيره خير منه وهو ما أخبر به عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف وعمر قوله كقولنا في هذه المسألة؟ كما نبين بعد هذا ان شاء الله تعالى * وهذا الخبر من عمر يكذب كل ماموهوا به من أحاديث مكذوبة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم خيبر كلها فهم دأبا يسعون في تكذيب قول عمر نصرا لرأيهم الفاسد وظنهم الكاذب * وقد روينا عن عمر أنه قال: ان عشت إلى قابل لا تفتح قرية الا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فهذا رجوع من عمر إلى القسمة * واحتجوا بخبر صحيح روينا من طريق أبى هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر ارد بها ودينارها وعدتم كما بدأتم) قالوا: فهذا هو الخراج المضروب على الارض وهو يوجب إيقافها * قال أبو محمد: وهذا تحريف منهم للخبر بالباطل وادعاء ما ليس في الخبر بلانص ولا دليل (2)، ولا يخلو هذا الخبر من احد وجهين فقط، أو قد يجمعهما جميعا بظاهر لفظه، أحدهما أنه اخبر صلى الله عليه وسلم عن الجزية المضروبة على أهل هذه البلاد إذا فتحت وهو قولنا لان الجزية بلا شك واجبة بنص القرآن، ولانص يوجب الخراج الذى يدعون، والثانى أنه انذار منه عليه السلام بسوء العاقبة في آخر الامر وان المسلمين سيمنعون حقوقهم في هذه البلاد ويعودون كما بدؤا، وهذا أيضا حق قد ظهر، وانا لله وإنا إليه راجعون، فعاد هذا الخبر حجة عليهم *


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) (لا بنص ولا بدليل *

[ 344 ]

قال أبو محمد: فإذ لادليل على صحة قولهم فلنذكر الآن البراهين على صحة قولنا قال الله تعالى: (وأورثكم ارضهم وديارهم وأموالهم). فسوى تعالى بين كل ذلك ولم يفرق فلا يجوز ان يفرق بين حكم ما صار الينا من أهل الحرب من مال، أو أرض بنص القرآن وقال تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى) الآية * وروينا من طريق البخاري نا عبد الله بن محمد - هو المسندى - نا معاوية بن عمرو نا أبو إسحاق هو الفزاري - عن مالك بن أنس حدثنى ثور عن سالم مولى ابن مطيع أنه سمع أبا هريرة (رضى الله عنه) (1) يقول: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا، ولافضة انما غنمنا الابل، والبقر، والمتاع، والحوائط)، فصح ان الحوائط وهى الضياع والبساتين مغنومة كسائر المتاع فهى مخمسة بنص القرآن، والمخمس مقسوم بلا خلاف، روينا من طريق أحمد ابن حنبل، واسحاق بن راهويه كلاهما عن عبد الرزاق نامعمر عن همام بن منبه نا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ايما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها وأيما قرية عصمت الله ورسوله فان خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم) وهذا نص جلى لا محيص (2) عنه، وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم قسم أرض بنى قريظة وخيبر، ثم العجب كله ان مالكا قلد ههنا عمر، ثم فيما ذكرتم وقف فلم يخبر كيف يعمل في خراجها؟ وأقر أنه لا يدرى فعل عمر في ذلك؟ فهل في الارض أعجب من جهالة تجعل حجة! * وأما أبو حنيفة فأخذ في ذلك برواية غير قوية جاءت عن عمر وترك سائر مات روى عنه وتحكموا في الخطأ (3) بلا برهان، وقد تقصينا ذلك في كتاب الايصال والله المستعان (ولله تعالى الحمد) فكيف والرواية عن عمر الصحيحة هي قولنا؟ كما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور نا محمد بن عيسى بن رفاعة نا على بن عبد العزيز نا أبو عبيد نا هشيم نا اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد فأخذوا سنتين، أو ثلاثا فوفد عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب ومعه جرير بن عبد الله فقال: عمر يا جرير لولا انى قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم وأرى الناس قد كثروا فأرى ان ترده عليهم ففعل جرير ذلك، فقالت أم كرز البجلية: يا أمير المؤمنين ان أبى هلك وسهمه ثابت في السواد وانى لم أسلم فقال لها عمر: يا أم كرز قومك قد صنعوا ما قد علمت فقالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فانى لست أسلم حتى تحملني ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملا كفى ذهبا ففعل عمر ذلك فكانت الذهب نحو ثمانين دينارا، فهذا أصح ما جاء عن عمر في ذلك وهو قولنا فانه لم يوقف حتى استطاب نفوس الغانمين وورثة من مات منهم، وهذا الذى لا يجوز أن


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 5 ص 286 (2) في النسخة رقم (14) (لامحيد) (3) في النسخة رقم (14) (بالخطأ) *

[ 345 ]

يظن بعمر غيره، ورب قضية خالفوا قضية خالفوا فيها عمر مما قد ذكرناه قبل من تخميسه السلب وإمضائه سائره للقاتل وغير ذلك، ومن عجائبهم اسقاطهم الجزيد عن أهل الخراج! * وقد روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن عن محمد بن قيس عن أبى عون محمد بن عبيدالله الثقفى عن عمر، وعلى انهما قالا: إذا أسلم وله أرض وضعنا عنه الجزية وأخذنا منه خراجها * حدثنا ابن أبى شيبة عن هشيم عن حصين أن رجلين من أهل أليس (1) أسلما فكتب عمر إلى عثمان بن حنيف أن يرفع الجزية عن رؤوسهما وان يأخذ الطسق (2) من أرضيهما * حدثنا ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب (3) ان دهقانة من نهر الملك (4) اسلمت فقال عمر: ادفعوا إليها أرضها تؤدى عنها الخراج * نا ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان عن جابر عن الشعبى ان الرقيل دهقان النهرين أسلم ففرض له عمر في الفين ووضع عن رأسه الجزية وألزمه خراج ارضه، (فان قيل): (5) حديث ابن عون مرسل قلنا: سبحان الله! وإذ روى المرسل عن معاذ في اجتهاد الرأى كان حجة والآن ليس بحجة، ولا يعرف لمن ذكرنا مخالف من الصحابة * 958 - مسألة - ولا يقبل من كافر إلا الاسلام، أو السيف، الرجال والنساء في ذلك سواء، حاشا أهل الكتاب خاصة، وهم اليهود. والنصارى، والمجوس فقط فانهم ان أعطوا الجزية أقروا على ذلك مع الصغار، وقال أبو حنيفة، ومالك: أما من لم يكن كتابيا من العرب خاصة فالاسلام (6)، أو السيف، وأما الاعاجم فالكتابي وغيره سواء ويقر جميعهم على الجزية * قال أبو محمد: هذا باطل لقول اله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابواو أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، وقال تعالى: (قانلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) فلم يخص تعالى عربيا من عجمى في كلا الحكمين،


(1) قال ياقوت معجمه: اليس مصغر بوزن ليس والسين مهملة الموضع الذى كانت فيه الوقعة بين المسلمين والفرس في أول أرض العراق من ناحية البادية (2) قال في النهاية: الطسق الوظيفة من خراج الارض المقرر عليها وهو فارسي معرب (3) في نسخة (طارق بن شريك) وهو غلط (4) قال ياقوت في معجمه: كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى (5) في النسخة اليمنية، (فان قالوا) (6) في النسخة اليمنية (فالقتل) وهو غلط *

[ 346 ]

وصح أنه عليه السلام أخذ الجزية من مجوس هجر فصح انهم من اهل الكتاب، ولولا ذلك ما خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ربه تعالى * فان ذكروا ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (انما أريدهم على كلمة تدين لهم بها العرب ثم تؤدى إليهم العجم الجزية) فلا حجة لهم في هذا لانهم لا يختلفون في أن أهل الكتاب من العرب يؤدون الجزية وأن من أسلم من العجم لا يؤدون الجزية، فصح ان هذا الخبر ليس على عمومه وانه عليه السلام انما عنى بأداء الجزية بعض العجم لاكلهم، وبن تعالى من هم وانهم أهل الكتاب فقط،: والعجب كله! انهم جعلوا قول الله تعالى (فاما منا بعدو إما فداء) منسوخ بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، ولم يجعلوا ذلك مبينا لقوله عليه السلام (تؤدى اليكم العجم الجزية)، ولو قلبوا لاصابوا وهذا تحكم بالباطل، وقالوا: قال الله تعالى: (لاإكراه في الدين)، فقلنا: أنتم أول من يقول: ان العرب الوثنيين يكرهون على الاسلام، وان المرتد يكره على الاسلام، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكره مشركي العرب على الاسلام، فصح أن (هذه) (1) الآية ليست على ظاهرها وانما هي فيمن نهانا الله تعالى أن نكرهه. وهم أهل الكتاب خاصة، وقولنا هذا هو قول الشافعي. وأبى سليمان، وبالله تعالى التوفيق * 959 - مسألة - والصغار هو أن يجرى حكم الاسلام عليهم وأن لا يظهروا شيئا من كفرهم ولامما يحرم في دين الاسلام، قال عزوجل: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، وبنو تغلب وغيرهم سواء لان الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يفرقا (2) بين أحد منهم، ويجمع الصغار شروط عمر رضى الله عنه عليهم * نا محمد بن الحسن بن الوارث نا عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن النحاس (3) نا أبو العباس محمد بن اسحق بن أبى اسحق الصفار نا أبو الفضل الربيع بن تغلب نا يحيى بن عقبة عن أبى العيزار عن سفيان الثوري عن طلحة بن مصرف عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدينتهم ولاما حولها دايرا، ولا كنيسة، ولاقلية (4)، ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب منها ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولايؤوا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركا، ولا يمنعوا ذوى قراباتهم من الاسلام ان أرادوه، وان يوقروا المسلمين، ويقوموا لهم


(1) الزيادة من النسخة اليمنية (2) في النسخة رقم (14) (لم يفرق) بالافراد لان الرسول عليه السلام مبين ومنفذ لما امره الله تعلى (3) في النسخة اليمنية (ابن النجاش) (4) قال ابن الاثير في النهاية: القلية كالصومعة كذا وردت، واسمها عنا النصارى القلايه وهو تعريب كلاده وهى من بيوت عباداتهم *

[ 347 ]

من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شئ من لباسهم في قلنسوة، ولاعمامة، ولا نعلين، ولافرق شعر، ولا يتكلموا بكلام المسلمين، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجا، ولا يتقلد واسيفا، ولا يتخذوا شيئا من السلاح، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور، وان يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموازيهم حيث ما كانوا، وان يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شئ من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا ناقوسا الاضربا خفيفا، ولايرعفوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شئ من حضرة المسلمين ولا يخرجوا سعانين (1)، ولا يرفعوا مع موتاهم اصواتهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين فان خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق، * وعن عمر أيضا ان لا يجاورونا بخنزير * قال أبو محمد: ومن الصغار أن لا يؤذوا مسما ولا يستخدموه ولا يتولى أحد منهم شيئا من أمور اسلطان يجرى لهم (2) فيه أمر على مسلم * 960 - مسألة - والجزية لازمة للحر منهم والعبد. والذكر. والانثى، والفقير البات، والغنى الراهب، وغير الراهب سواء من الباغين خاصة لقول الله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون)، ولا خلاف في أن الدين لازم للنساء كلزومه للرجال ولم يأت نص بالفرق بينهم في الجزية صح عن عمر بن عبد العزيز أنه فرض الجزية على رهبان الديارات على كل راهب دينارين * ومن طريق سفيان الثوري أن اعمر بن عبد العزيز أخذ الجزية من عتقاء المسلمين من اليهود والنصارى، وقال مالك: لا تؤخذ الجزية ممن أعتقه مسلم، أو كافر، وقال أبو حنيفة، والشافعي. وأبو سليمان: تؤخذ الجزية منهم وما نعلم لقول مالك حجة أصلا (فان قيل): قد صح عن عمر رضى الله عنه أن تؤخذ الجزية من كل من جرت عليه المواسى الا النساء قلنا: أنتم اول من خالفتم هذا الحكم فاسقطتموها عن المعتقين والرهبان وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد غير (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت في هذا آثار مرسلة وهى كما روينا من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الاعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن مسروق قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم وحالمة من أهل الذمة دينارا أو قيمته من المعافر * قال أبو محمد: على هذا الاسناد عولوا في أخذ التبيع من الثلاثين من البقر والمسنة (1) بالسين المهملة بعدها عين مهملة، هو عيد لهم معروف قبل عيدهم الكبير بأسبوع وهو سرياني معرب، وقيل هو جمع واحة سعنون اه‍ نهاية. وفى النسخة رقم 14 (شعاتين) وهو عحريف، وفى النسخة اليمنية كذلك * (2) في النسخة اليمنية (له) (3) في النسخة رقم 14 (دون) بدل (غير) *

[ 348 ]

من الاربعين، ومن المحال ان يكون خبر حجة في شئ غير حجة في غيره * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: من كره الاسلام من يهودى، أو نصراني فانه لا يحول عن دينه وعليه الجزية على كل حالم ذكرا، أو أنثى، حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافر (1). أو عرضه * ومن طريق أبى عبيد نا جرير بن عبد الحميد عن منصور - هو ابن المعتمر - عن الحكم بن عتيبة قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ وهو باليمن في الحالم، أو الحالمة دينار، أو عدله من المعافر * قال أبو محمد: الحنيفيون. والمالكيون يقولون: ان المرسل أقوى من المسند ويأخذون به إذا وافقهم فالفرض عليهم أن يأخذوا ههنا بها فلا مرسل أحسن من هذه المراسيل، وأما نحن فانما (2) معولنا على عموم الآية فقط، (فان قالوا): انما تؤخذ الجزية ممن يقاتل قلنا: فلا تأخذوها من المرضى ولامن أهل بلدة من بلاد الكفر لزموا بيوتهم وأسواقهم ولم يقاتلوا مسلما، (فان قالوا): أول الآية (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله وولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) قلنا: نعم أمرنا بقتالهم ان قاتلونا حتى يعطى جميعهم الجزية عن يد كما في نص الآية لان الضمير راجع إلى أقرب مذكور، والعجب ان الحنيفيين يقيمون اضعاف الصدقة على بنى تغلب مقام الجزية، ثم يضعونها (3) على النساء ثم يأبون من أخذ الجزية من النساء، (فان قالوا): قد نهى عمر عن أخذها من النساء قلنا: قد صح عن عمر الامر بالتفريق بين كل ذى محرم من المجوس وأنتم تخالفونه وفي ألف قضية قد ذكرنا مها كثيرا فلا ندرى متى هو عمر حجة ولامتى هو ليس حجة؟، فان ادعوا إجماعا كذبوا ولا سبيل إلى ان يجدوا نهيا عن ذلك عن غير عمر، ومسروق أدرك معاذا وشاهد حكمه باليمن وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه بأخذ الجزية من النساء، ومن المحال ان يخالف معاذما كتب إليه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالله تعالى التوفيق * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا الفضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد قال: يقاتل أهل الاوثان على الاسلام ويقاتل أهل الكتاب على الجزية، وهذا عموم للرجال والنساء، وهو قولنا، وقال الشافعي. وأبو سليمان: لاتقبل اجزية الا من كتابي وأما غيرهم فالاسلام، أو القتل. والرجال والنساء سواء، وهو نص القرآن


(1) هي برود بالميمن منسوبة إلى معافر قبيلة باليمن، والميم زائدة اه‍ نهاية (2) في النسخة رقم 14 (فان) (3) في النسخة اليمنية ثم (يضعفونها) *

[ 349 ]

فالتفريق بين (كل) (1) ذلك لا يجوز ولا يحل البتة ان يبقى مخاطب مكلف لا يسلم ولا يؤدى الجزية ولا يقتل لانه خلاف القرآن والسنن، ولا خلاف بين أحد من الامة في ان النساء مكلفات من دين الاسلام ومفارقة الكفر ما يلزم الرجال سواء سواء، فلا يحل ابقاؤهن على الكفر بغير قتل ولا جزية، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما (قد) (2) ذكرناه قبل باسناده (أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله وانى رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بما أرسلت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله) ولا يختلفون في ان هذه اللوازم كلها هي على النساء كما هي على الرجال، وان أموالهن وفى الكفر مغنومة كأموال الرجال فثبت يقينا انهن لا يعصمن دماءهن وأموالهن الا بما يعصم الرجال به أموالهم ودماءهم من الاسلام أو الجزية ان كن كتابيات ولابد، وبالله تعالى التوفيق * 961 - مسألة - ولا يحل السفر بالمصحف إلى أرض الحرب لافى عسكر ولا في غير عسكر * روينا من طريق معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخالفة ان يناله العدو) (3) وقال مالك: ان كان عسكر مأمون فلا بأس به * قال أبو محمد: وهذا خطأ وقد يهزم العسكر المأمون ولايجوز ان يعترض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخص بلا نص * 962 - مسألة - ولا تحل التجارة إلى أرض الحرب إذا كانت احكامهم تجرى على التجار، ولا يحل ان يحمل إليهم سلاح، ولا خيل، ولا شئ يتقوون به على المسلمين، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وعطاء. وعمرو بن دينار وغيرهم * روينا من طريق أبى داود نا هناد بن السرى نا أبو معاوية عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير ابن عبداله البجلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) (4) * قال أبو محمد: من دخل إليهم لغير جهاد، أو رسالة من الامير فاقامة ساعة اقامة،


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) الزيادة من النسخة اليمنية (3) هو في صحيح مسلم من غير طريق ج 2 ص 94، وفى سنن ابى داود ج 2 ص 240 وهو موجود ايضا في سنن ابن ماجه، وظاهر سياق المصنف الحديث بسنده ان قوله (مخافة ان يناله العدو) من كلام صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وكذلك هو في صحيح مسلم وسنن ابن ماجه، وفى سنن ابى داود انه تفسير من كلام مالك رضى الله عنه حيث قال في سنن ابى داود قال مالك اراه (محافة ان يناله) العدو واجاب الحافظ ابن حجر بقوله: ولعل مالكا كان يجزم به. ثم سار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه اه‍ والله اعلم (4) الحديث اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه انظر سنن ابى داود ج 2 ص 348 *

[ 350 ]

قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)، وقال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوالله وعدوكم) ففرض علينا ارهابهم ومن أعانهم بما يحمل إليهم فلم يرهبهم بل أعانهم على الاثم والعدوان * 963 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يأخذ مما غنم جيش، أو سرية شيئا خيطا فما فوقه، وأما الطعام فكل ما امكن حمله فحرام على المسلمين الا ما اضطروا إلى أكله ولم يجدوا شيئا غيره، وأما مالا يقدر على حمله فجائز افساده واكله وان لم يضطروا إليه وانما هذا فيما ملكوه وأما ما لم يملكوه من صيد، أو حجر، أو عود شعر، أو ثمار، أو غير ذلك فهو كله مباح كما هو في أرض الاسلام ولافرق، قال عزوجل: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)، * روينا (1) من طريق مالك عن ثور بن زيد الديلى عن أبى الغيث مولى ابن مطيع عن أبى هريرة أنه قال: (أهدى إلى رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم عبد أسود يقال له: مدعم حتى إذا كانوا بوادي القرى فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم (عائر فأصابه) (3) فقتله فقال الناس: هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والذى نفسي بيده ان الشملة التى أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصلها المقاسم لتشتعل عليه نارا، فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك، أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام: شراك، أو شراكان من نار)، والطعام من جملة اموالهم * فان ذكر ذاكر مارويناه من طريق ابن عمر) غنم جيش في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما وعسلا فلم يؤخذ منهم الخمس) فهذا عليهم لانهم يقولون: ان كثر ذلك وأمكن حمله خمس ولابد، وأما نحن فان الآية زائدة على مافى هذا الخبر وهى قوله تعالى: (واعملوا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى) الآية، وحديث الغلول زائد عليه فيخرج هذا الخبر على أنه كان قبل نزول الخمس لا يجوز (4) الا هذا لان الاخذ بالزائد فرض لا يحل تركه، ونحن على يقين من ان الآية. وحديث الغلول غير منسوخين مذ نزلا * فان ذكروا أيضا حديث ابن عمر (كنا نصيب في مغازينا العنب والعسل فنأكله ولا نرفعه) فهذا بين وهو أ نه كان لا يمكن حمله إذ لم يرفعوه فأكله خير من افساده، أو تركه، وهكذا نقول * فان ذكروا حديث ابن مغفل في جراب الشحم فلا حجة لهم فيه لانهم أول مخالف له فيقولون: لا يحل أخذ الجراب وانما يحل عند بعضهم الشحم فقط، وهذا خبر قد رويناه بزيادة بيان كما روينا من طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أحمد بن زهير بن حرب


(1) في النسخة اليمنية (وروينا) (2) في الموطأ ج 2 ص 16 (لرسول الله) والحديث اختصره المصنف واقتصره على محل الشاهد منه (3) الزيادة من الموطأ والسهم العاثر هو الذى لا يدرى من رماه (4) في النسخة اليمنية (ولايجوز) بزيادة واو *

[ 351 ]

نا عفان بن مسلم. ومسلم بن ابراهيم قالا: نا شعبة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل قال: كنا محاصري خيبر فدلى الينا جراب فيه شحم فأردت أن آخذه ونوينا ان لا نعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله خلفي بيتسم فاستحييت ان آخذه (1))، ثم لو صح أنه أخذه لكان على ما ذكرنا من الحاجة إليه، يبين ذلك ما رويناه من طريق البخاري نا على بن الحكم الانصاري نا أبو عوانة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع ابن خديج عن جده قال: (كنا مع رسول اله صلى الله عليه وسلم بذى الحليفة فاصاب الناس جوع فأصابوا إبلا وغنما والنبى صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس فعجلوا فذبحوا ونصبوا القدور فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير (2)) فلم يبح لهم أكل شئ إذ قد كانت القسمة قد حضرت فيصل كل ذى حق إلى حقه (3)، بالله تعالى التوفيق * 964 - مسألة - وكل من دخل من المسلمين فغنم في أرض الحرب سواء كان وحده أو في أكثر من واحد باذن الامام وبغى أذنه فكل ذلك سواء، والخمس فيما أصيب والباقى لمن غنمه لقول الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه) الآية، وقوله تعالى: (فكلوا مما غنمتم)، وقال أبو حنيفة: لا خمس إلا فيما أصابته جماعة، قال أبو يوسف: تسعة فاكثر، وهذه أقوال في غاية الفساد لمخالفتها القرآن. والسنن. والمعقول، وقد قال تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)، فلم يخص بأمر الامام ولا بغير أمره، ولو أن اماما نهى عن قتال أهل الحرب لوجبت معصيته في ذلك لانه أمر بمعصية فلا سمع ولاطاعة له، وقال تعالى: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك)، وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم فكل أحد مأمور بالجهاد وان لم يكن معه أحد، وقال تعالى: (فانفروا خفافا وثقالا) وقال تعالى: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) * 965 - مسألة - ونستحب الخروج للسفر يوم الخميس * روينا من طريق البخاري نا عبد الله بن محمد نا هشام بن يوسف اخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب ان يخرج يوم الخميس) (4) * 966 - مسألة - ومن قدم من سفر نهارا فلا يدخل إلا ليلا ومن قدم ليلا فلا يدخل إلا نهارا إلا لعذر * روينا من طريق شعبة عن يسار عن الشعبى عن جابر بن عبد الله


(1) هو ايضا في صحيح البخاري بسند آخر جزء 7 ص 168 (2) رواه البخاري في غير موضع وبالفاظ مختلفة وقد تقدم قريبا ص 342 (3) في النسخة اليمنية (كل احد إلى حقه) (4) الحديث اختصره المصنف انظر ج 4 ص 125 في صحيح البخاري *

[ 352 ]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قدم أحدكم ليلا فلا يأتين أهله طروقا (1) حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة (2)) * ومن طريق هشيم عن يسار عن الشعبى عن جابر (قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فذهبنا لندخل فقال عليه السلام: امهلوا حتى ندخل ليلا كى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة) (3) * 967 - مسألة - ولايجوز ان تقلد الابل في اعناقها شيئا ولا ان يستعمل الجرس في الرفاق * روينا من طريق مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم أن أبا بشير (4) الانصاري أخبره أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر (5) فأرسل عليه السلام رسولا لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة الا قطعت) (6) * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن يونس نا زهير - هو ابن معاوية - نا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب. أو جرس) (7) وصح النهى عن الجرس عن عائشة. وأم سلمة أمي المؤمنين. وأبى هريرة ولا يعرف لهم في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم ولم يصح في النهى عن تقليد أعناق الخيل وغيرها أثر * 968 - مسألة - وجائز تحلية السيوف. والواة والرمح. والمهاميز. والسرج. واللجام وغير ذلك بالفضة والجوهر ولا شئ من الذهب في شئ من ذلك قال عزوجل: (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها) فأباح لنا لباس اللؤلؤ، وقال تعالى: (خلق لكم ما في الارض جميعا.) وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)، فكل شئ فهو حلال الا ما فصل لنا تحريمه ولم يفصل تحريم الفضة أصلا إلا في الآنية فقط * روينا من طريق أبى داود نا مسلم بن ابراهيم نا جرير بن حازم نا قتادة عن أنس قال (كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة) (8) * قال أبو محمد: فقاس قوم على السيف والخاتم المصحف والمنطقة ومنعوا من سائر ذلك، فلا القياس طردوا ولا النصوص اتبعوا، والعجب كل العجب من تحريمهم التحلى بالفضة في السرج واللجام ولا نهى في ذلك واباحتهم لباس الحرير في الحرب وقد صح تحريمه جملة! *


(1) بضم اوله وثانيه اتى ليلى وكل آت بالليل طارق (2) الحديث في صحيح مسلم ج 2 ص 107، ومعنى تستحد المغيبة)، أي تزيل شعر عانتها، والمغيبة هي التى غاب زوجها و، الشعثة مغبرة الراس (3) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 107 (4) في النسخة اليمنية (ان ابا بشر) وهو غلط (5) في موطأمالك ج 2 ص 118 (في بعض اسفاره قال) وكذلك في صحيح البخاري ج 4 ص 143 وفى صحيح مسلم ج 2 ص 164 (5) الحديث اختصره المصنف، والقلادة ما يعلق في العنق وجمعها قلائد والوتر القوس (7) هو في سنن ابى داود ج 2 ص 230 (6) هو في سنن ابى داود ج 2 ص 235 قال في القاموس: قبيعة السيف ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد فقال المنذرى واخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب

[ 353 ]

969 - مسألة - والرباط في الثغور حسن ولا يحل الرباط إلى ما ليس ثغرا كان فيما مضى ثغرا أو لم يكن وهو بدعة عظيمة * روينا من طريق مسلم نا عبد الله ابن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي نا أبو الوليد الطيالسي نا ليث - هو ابن سعد - عن أيوب ابن موسى عن مكحول عن شرحبيل بن المسط عن سلمان الفارسى (قال) (1) سمعت: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وان من مات جرى عليه عمله الذى كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان) * قال أبو محمد: وكل موضع سوى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان ثغرا. ودار حرب. ومغزى جهاد فتخصيص مكان من الارض كلها بالقصد لان العدو ضرب فيه دون سائر الارض كلها ضلال. وحمق. وإثم. وفتنة. وبدعة، فان كان لمسجد فيه (2) فهذا أشد في الضلال لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى شئ من المساجد حاشا مسجد مكة. ومسجده بالمدينة. ومسجد بيت المقدس، فان كان ساحل بحر فساحل البحر كله من شرق الارض إلى غربها سواء، ولافرق بين ساحل بحر وساحل نهر في الدين ولافضل لشئ من ذلك، فان كان أثر نبى من الانبياء فالقصد إليه حسن قد تبرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بموضع مصلاه واستدعوه ليصلى في بيوتهم في موضع يتخذونه مصلى فأجاب إلى ذلك عليه السلام * 970 - مسألة - وتعليم الرمى عن القوس والاكثار منه فضل حسن سواء العربية والعجمية * روينا من طريق مسلم نا هارون بن معروف نا ابن وهب نا عمرو ابن الحارث عن (أبى على) (3) ثمامة بن شفى عن عقبة بن عامر (يقول) (3): سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ألا إن القوة الرمى. ألا إن القوة الرمى (5) ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم ان يلهو بسهمه) (6) * ومن طريق الليث عن الحارث بن يعقوب عن عبد الرحمن بن شماسة قال عقبة بن عامر: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من علم الرمى، ثم تركه فليس منا (أو قد عصى) (7)) * 971 - مسألة - والمسابقة بالخيل. والبغال. والحمير وعلى الاقدام حسن والمناضلة


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 105 (2) في النسخة رقم (14) (المسجد فيه) وهو غلط (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 105 (4) الزيادة من صحيح مسلم (5) الذى في صحيح مسلم اعادة هذا اللفظ ثلاث مرات وبه ينتهى الحديث وكذلك في سنن ابى داود ج 2 ص 321، وقوله (ستفتح عليكم) الخ حديث آخر من الطريق المذكور قبل (6) في النسخة رقم (14) (باسهم) وما هنا موافق لصحيح مسلم (7) الزيادة من صحيح مسلم والحديث فيه مطول اختصره المصنف *

[ 354 ]

بالرماح. والنبل. والسيوف حسن * روينا من طريق أبى داود نا أبى أبو صالح محبوب بن موسى الانطاكي اخبرنا أبو إسحاق الفزارى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين (أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر) (1) قالت: (سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته على رجل فلما حملت اللحم (2) سابقته فسبقني فقال: هذه بتلك السبقة) * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن يونس نا ابن أبى ذئب عن نافع بن أبى نافع - هو مولى أبى أحمد - عن أبى هريرة (3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لاسبق الا في حافر. أو خف. أو نصل) (4) * قال أبو محمد: الخف اسم يقع على الابل في اللغة العربية، والحافر في الغة لا يقع الاعلى الخيل. والبغال. والحمير، والنصل لا يقع الا على السيف، والرمح، والنبل، والسبق هو ما يعطاه السابق * 972 - مسألة - والسبق هو ان يخرج الامير، أو غيره مالا يجعله لمن سبق في أحد هذه الوجوه فهذا حسن، أو يخرج أحد المتسابقين فيما ذكرنا مالا فيقول لصاحبه: ان سبقتني فهو لك وان سبقتك فلا شئ لك على ولا شئ لى عليك، فهذا حسن، فهذان الوجهان يجوزان في كل ما ذكرنا، ولايجوز اعطاء مال في سبق غير هذا أصلا للخبر الذى ذكرنا آنفا، فان أراد ان يخرج كل واحد منهما مالا يكون للسابق منهما لم يحل ذلك أصلا إذ في الخيل فقط، ثم لا يجوز ذلك في الخيل أيضا الا بأن يدخلا معهما فارسا على فرس يمكن ان يسبقهما ويمكن ان لا يسبقهما ولا يخرج هذا الفارس ما لا أصلا، فاى المخرجين للمال سبق أمسك ماله نفسه وأخذ ما أخرج صاحبه حلالا وان سبقهما الفارس الذى أدخلا وهو يسمى المحلل أخذ المالين جميعا فان سبق فلا شئ عليه، وما عدا هذا فحرام، ولايجوز ان يشترط على السابق اطعام من حضر * روينا من طريق أبى داود نا مسدد نا الحصين بن نمير نا سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدخل فرسا بين فرسين يعنى وهو لا يؤمن ان يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن ان يسبق فهو قمار) (5) * قال أبو محمد: ما عدا هذا فهو أكل مال بالباطل بالله تعالى التوفيق * (تم كتاب الجهاد بحمد الله وحسن عونه وحسبنا الله ونعم الوكيل)


(1) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 334 (2) يعنى سمنت وكثر لحمى (3) سقط لفظ (عن ابى هريرة) من النسخة اليمنية خطا (4) هو في سنن ابى داود ج 2 ص 334 (5) هو في سنن ابى داود ج 2 ص 334، وقوله (لا يؤمن ان يسبق) وقوله (أمن ان يسبق) على صيغة المجهول أي لا يعلم ولا يعرف منه يقينا *

[ 355 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاضاحي 973 - مسألة - الاضحية سنة حسنة وليست فرضا ومن تركها غير راغب عنها فلا حرج عله في ذلك، ومن ضحى عن امرأته. أو ولده. أو أمته فحسن ومن لافلا حرج في ذلك، ومن أراد ان يضحى ففرض عليه إذا أهل هلال ذى الحجة ان لا يأخذ من شعره ولامن أظافره شيئا حتى يضحى، لا بحلق، ولا بقص ولا بنورة ولا بغير ذلك، ومن لم يرد ان يضحى لم يلزمه ذلك * روينا من طريق أبى داود نا عبيدالله بن معاذ بن معاذ العنبري نا أبى نا محمد بن عمرو نا عمر بن مسلم (1) سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت أم سلمة أم المؤمنين تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان له ذبح يذبحه فأهل (2) هلال ذى الحجة فلا يأخذن من شعره، ولامن اظفاره شيئا حتى يضحى) * ومن طريق أحمد بن شعيب انا سليمان بن سلم البلخى ثقة انا النضر بن شميل انا شعبة عن مالك بن أنس عن ابن مسلم (3) عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى هلال ذى الحجة فأراد ان يضحى فلا يأخذن من شعره، ولامن أظفاره حتى يضحى) فقوله عليه السلام (فاراد ان يضحى) برهان بان الاضحية مردودة إلى إرادة المسلم وما كان هكذا فليس فرضا *، وقال أبو حنيفة: الاضحية فرض وعلى المرء أن يضحى عن زوجته فجمع وجوها من الخطأ، أولها إيجابها عليه، ثم إيجابها عليه، ثم إيجابها على امرأته وإذ هي فرض فهى كالزكاة وما يلزم أحد أن يزكى عن امرأته ولا ان يهدى عنها هدى متعة ولاجزاء صيد، ولا فدية حلق الرأس من الاذى (4)، ثم خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن يضحى ان لا يمس من شعره، ولامن ظفره شيئا كما ذكرنا، *


(1) كذا في نسخ المحلى كلها، وفى سنن ابى داود ج 2 ص 51 (عمرو) بالواو، وهو عمرو بن مسلم بن عمارة بن اكيمة الليثى، والذى في تهذيب التهذيب ج 8 ص 104 انه عمرو وقيل: عمر، قال أبو داود بعدما اورد الحديث اختلفوا على مالك وعلى محمد بن عمرو في عمرو بن مسلم فقال بعضهم عمر وقال اكثرهم عمروا قال أبو داود وهو عمرو بن مسلم بن اكيمة الليثى الجندعى اه‍ (2) في سنن ابى داود (فإذا اهل (3) في سنن النسائي ج 7 ص 211 (عن ابى مسلم) وهو غلط وهو عمرو بن مسلم المتقدم في سنن ابى داود، وقد صرح به في سنن النسائي في الباب نفسه (4) في النسخة رقم 14 (لاذى) *

[ 356 ]

(فان قيل): كيف لا تكون فرضا؟ وأنتم ترون فرضا على من أراد أن يضحى ان لا يمس من شعره، ولامن ظفره إذا أهل هلال ذى الحجة حتى يضحى قلنا: نعم لانه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك من أراد أن يضحى ولم يأمر بالاضحية فلم نتعدما حد، وكل سنة ليست فرضا فان لها حدودا مفروضحة لا تكون الا بها كمن أراد ان يتطوع بصلاة ففرض عليه ألا يصيلها الا بوضوء وإلى القبلة إلا أن يكون راكبا وأن يقرأ فيها ويركع. ويسجد. ويجلس ولابد، وكمن أراد أن يصوم ففرض عليه ان يجتنب ما يجتنبه الصائم والا فليس صوما، وهكذا كل (1) تطوع في الديانة، والاضحية كذلك إن أداها كما أمر وإلا فهى شاة لحم وليست أضحية، (فان قيل): فقد جاء (ما حق امرئ له شئ يريد أن يوصى فيه) إلى آخر الحديث ولم يكن هذا اللفظ منه عليه السلام دليلا عندكم على ان الوصية ليست فرضا بل هي عندكم فرض قلنا: نعم لانه قد جاء نص آخر بايجاب الوصية في القرآن والسنة قال تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) الآية فأخذنا بهذا ولم يأت نص بايجاب الاضحية، ولو جاء لاخذنا به * واحتجوا باشياء منها خبر من طريق أحمد بن زهير بن حرب عن يحيى بن أيوب عن معاذ بن معاذ عن ابن عون عن أبى رملة (2) عن مخنف بن سليم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعرفة: اتن على كل أهل بيت في كل عام أضحى وعتيرة أتدرون ما العتيرة هي التى يسميها الناس الرجبية) * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم عن حبيب بن مخنف عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعرفة: (على كل أهل بيت ان يذبحوا في كل رجب شاة وفي كل رجب شاة) ومن طريق محمد بن جرير الطبري نا ابن سنان القزاز نا أبو عاصم عن يحيى بن زرارة بن كريم بن الحارث حدثنى أبى عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحجة الوداع: (من شاء فرع. ومن شاء لم يفرع. ومن شاء عتر. ومن شاء لم يعتر وفي الغنم أضحيتها) * ومن طريق الطبري أيضا حدثنى أبو عاصم مروان بن محمد الانصاري نا يحيى بن سعيد القطان حدنى محمد بن أبى يحيى حدثنى أمي عن أم بلال الاسلمية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضحوا بالجذع من الضأن) * ومن طريق وكيع عن اسرائيل عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت بالاضحى ولم تكتب) * ومن طريق ابن لهيعة عن ابن أنعم عن عتبة بن حميد الضبى عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم الاشعري عن معاذ بن جبل قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن نضحى ويأمر أن نطعم منها


(1) في النسخة رقم 16 (في كل) (2) في النسخة رقم 16 (عن ابيه ابى رملة) وهو غلط *

[ 357 ]

الجار والسائل) * ومن طريق وكيع نا الربيع عن الحسن (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاضحى) * ومن طريق ابن أخى ابن وهب عن عمه عن عبد الله بن عياش بن عباس القتبانى (1) عن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري عن ابن المسيب عن أبى هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من وجد سعة فليضح) * ومن طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أبويحيى بن أبى مسرة نا عبد الله بن يزيد المقرى نا عبد الله بن عياش بن عباس القتبانى حدثنى عبد الرحمن بن هرمز الاعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وجد سعة فلم يضح فلا يقرب مصلانا) وكل هذا ليس بشئ * أما حديث مخنف فعن أبى رملة الغامدى. وحبيب بن مخنف وكلاهما مجهول لا يدرى، وأما حديث الحارث فهو عن يحيى بن زرارة عن أبيه، وكلاهما مجهول لا يدرى، وأما حديث أم بلال ففيه أم محمد بن أبى يحيى وهى مجهولة، وأما حديث ابن عياش ففيه جابر الجعفي وهو كذاب، وأما حديث معاذ ففيه ابن لهيعة وابن أنعم وكلاهما في غاية السقوط، وأما حديث الحسن فمرسل، وأما حديث أبى هريرة فكلا طريقيه من رواية عبد الله بن عياش ابن عباس القتبانى فليس معروفا بالثقة فسقط كل ماموهوا به في ذلك * وذكروا قول الله تعالى: (فصل لربك وانحر) فقالوا: هو الاضحية * قال أبو محمد: وهذا قول على الله تعاى بغير علم، وقال تعالى: (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون)، وقد روينا عن على. وابن عباس. وغيرهما أنه وضع اليد عند النحر في الصلاة ولعله نحر البدن فيما وجبت فيه كما روينا عن مجاهد. واسماعيل بن أبى خالد وما نعلم أحدا قبلهم قال: إنها الاضاحي * وذكروا أيضا قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكا) وهذا لادليل فيه على الفرض وإنما فيه ان النسك لنا فهو فضل لافرض * وذكروا الخبر الصحيح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن ذبح قبل الصلاة فليعد ذبحا ومن لم يذبح فليذبح على اسم الله) * قال على: أما أمره عليه السلام باعادة الذبح من ذبح قبل الصلاة ففرض عليه لانه أمر منه عليه السلام ولا نكرة في وجود أمر في الدين ليس فرضا ويكون العوض (2) منه فرضا فهم موافقون لنا فيمن تطوع بيوم ليس فرضا فأنفطر عمدا ان قضاءه عليه فرض، ويقولون فيمن حج تطوعا فأفسده: ان قضاءه فرض وانما يراعى أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فما وجد فيه فرض وما لم يوجد فيه فليس فرضا، وأما قوله عليه السلام: (ومن لم يذبح فليذبح على اسم الله) فالدليل على أنه ليس أمر فرض صحة الاجماع على ان من ضحى


(1) في النسخة رقم (14) (الفتيانى) بالفاء وهو غلط (2) في النسخة رقم (16) (ويكون الغرض) وهو تصحيف *

[ 358 ]

ببعير فنحره فليس عليه فرضا ان يذبح فصح أنه أمر ندب، بالله تعالى التوفيق * وممن روينا عنه إيجاب الاضحية مجاهد. ومكحول، وعن الشعبى لم يكونوا يرخصون في ترك الاضحية إلا لحاج، أو مسافر، وروى عن أبى هريرة ولا يصح * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن أبى سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لقد رأيت أبا بكر، وعمر وما يضحيان كراهية أن يقتدى بهما * ومن طريق سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن أبى وائل - هو شقيق بن سلمة - عن أبى مسعود عقبة بن عمرو البدرى أنه قال: لقد هممت أن أدع الاضحية وانى لمن ايسركم مخافة أن يحسب الناس أنها حتم واجب * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص انا عمران بن مسلم - هو الجعفي - عن سويد بن غفلة قال: قال لى بلال: ما كنت أبالى لو ضحيت بديك ولان آخذ ثمن الاضحية فاتصدق به على مسكن مقتر فهو أحب إلى من أن أضحى، ومن طريق جماد بن سلمة عن عقيل بن طلحة عن زياد بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: الاضحية سنة * ومن طريق شعبة عن تميم بن حويص الازدي قال: ضلت أضحيت قبل ان أذبحها فسألت ابن عباس؟ فقال: لا يضرك هذا كله صحيح * ومن طريق وكيع نا أبو معشر المدينى عن عبد الله بن عمير مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه أعطى مولى له درهمين وقال: اشتر بهما لحما ومن لقيك فقل: هذه أضحية ابن عباس * قال أبو محمد: لا يصح عن أحد من الصحابة أن الاضحية واجبة، وصح أن الاضحية ليست واجبة عن سعيد بن المسيب والشعبى وأنه قال: لان أتصدق بثلاثة دراهم أحب إلى من أن أضحى * وعن سعيد بن جبير، وعن عطاء. وعن الحسن. وعن طاوس، وعن أبى الشعثاء جابر بن زيد، وروى أيضا عن علقمة. ومحمد بن على الحسين، وهو قول سفيان. وعبيدالله بن الحسن. والشافعي. وأحمد بن حنبل. واسحق وأبى سليمان: وهذا مما خالف فيه الحنيفيون جمهور العلماء * 974 - مسألة - ولا تجزى في الاضحية العرجاء البين عرجها بلغت المنسك، أو لم تبلغ، مشت أو لم تمش، ولا المريضة البين مرضها - والجرب مرض - فان كان كل ما ذكرنا لا يبين اجزأ، ولا تجزى العجفاء التى لا تنفي (1)، ولا تجزى التى في أذنها شئ من النقص، أو القطع، أو الثقب النافذ، ولا التى في عينها شئ من العيب، أو في عينيها كذلك، ولا البتراء في ذنبها، ثم كل عيب سوى ما ذكرنا فانها تجزى به الاضحية كالخصى وكسر القرن دمى، أو لم يدم،


(1) أي التى لامخ لها لضعفها وهزالها، وسيفسرها المصنف بعد بأنها التى لا شئ من الشحم لها *

[ 359 ]

والهتماء (1) والمقطوعة الالية، وغير ذلك لا تحاش شيئا غير ما ذكرنا * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى. ويحيى القطان وغيرهما من أصحاب شعبة كلهم نا شعبة سمعت سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعت عبيد بن فيروز أن البراء بن عازب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع لاتجزى في الاضاحي العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التى لا تنقى) قال البراء: فما كرهت منه فدعه ولا تحرمه على أحد: (2) * قال على: التى لا تنقى هي التى لا شئ من الشحم لها فان كان لها منه شئ وان قل اجزأت عنه وان كانت عجفاء * روينا من طريق أحمد بن شعيب انا محمد بن آدم عن عبد الرحيم (3) - هو ابن سليمان - عن زكريا بن أبى زائدة عن أبى اسحاق السبيعى عن شريح بن النعمان عن على بن أبى طالب (رضى الله عنه) (4) قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لان نستشرف العين والاذن (5) وان لا نضحى بمقابلة. ولا بمدابرة. ولا بتراء. ولا خرقاء) * ومن طريق أبى داود نا عبد الله بن محمد النفيلى نا زهير - هو ابن معاوية - نا أبو إسحاق - هو السبيعى - عن شريح بن النعمان - وكان رجل صدق - عن على بن أبى طالب (قال: (6) أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نستشرف العين، والاذن، ولا نضحى بعوراء، ولا مقابلة: ولا مدابرة. ولا خرقاء. ولاشرقاء) قال زهير: قلت لابي اسحاق: ما المقابلة؟ قال: تقطع طرف الاذن، قلت: فما المدابرة؟ قال تقطع مؤخر الاذن، قلت فما الشرقاء؟: قال: تشق الاذن، قلت: فما الخرقاء؟: قال: تخرق أذنها (7) السمة * نا أحمد بن عمر بن أنس نا أبو ذر الهروي نا على بن عمر الدارقطني نا يحيى بن محمد ابن صاعد نا محمد بن عبد الله المخرمى نا أبو كامل مظفر بن مدرك نا قيس بن الربيع عن أبى اسحاق السبيعى عن شريح بن النعمان عن على بن أبى طالب في الاضاحي قال قيس: قلت لابي اسحاق: سمعته من شريح قال: حدثنى عنه سعيد بن أشوع قال الدار قطني: نا على بن ابراهيم عن ابن فارس عن محمد بن اسماعيل البخاري مؤلف الصحيح قال. شريح بن النعمان الصايدى سمع على بن أبى طالب أبو نعيم: ووكيع عن سفيان الثوري عن سعيد بن أشوع عن شريح بن النعمان سمعت على بن أبى طالب يقول: سليمة


(1) هي التى انكسرت ثناياها من اصلها وانقلعت (2) الحديث رواه النسائي بأطول من هذا ج 7 ص 215 (3) في النسخ كلها (عبد الكريم) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب ج 6 ص 306 (4) الزيادة من النسائي ج 7 ص 216 (5) أي تتأمل سلامتهما من آفة تكون بهما، وقيل هو من الشرفة وهى خيار المال أي امرنا ان تتخيرها (6) الزيادة من سنن ابى داود ج 3 ص 55 (7) أي العلامة *

[ 360 ]

العين والاذن، وسعيد بن أشوع ثقة مشهور، فصح هذا الخبر، وبه يقول طائفة من السلف * روينا من طريق على بن أبى طالب أنه أفتى بهذا وقال في الاضحية: لا مقابلة. ولا مدابرة. ولاشرقاء. سليمة العين والاذن * ومن طريق عمرو بن مرة (1) عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود قال: سليم العين والاذن ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا ابن علية عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في الاضحية أنه كره ناقص الخلق والسن * ومن طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان (2) أنه كره أن يضحى بالابتر * وعن شعبة عن المغيرة عن ابراهيم أنه كره أن يضحى بالابتر، وعن ابن سيرين أنه كره أن يضحى بالابتر، وأجاز قوم ان يضحى بالابتر واحتجوا باثرين رديئين، أحدهما من طريق جابر الجعفي عن محمد بن قرظة عن سعيد قال: اشتريت كبشا لاضحى به فعدا الذئب على ذنبه فقطعه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ضح به، والآخر من طريق الحجاج بن أرطاة عن بعض شيوخه ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل أيضحى بالبتراء؟ قال: لا بأس بها، جابر كذاب، وحجاج ساقط * وعن بعض شيوخه ريح، وروى عن ابن عمر. وسعيد بن المسيب وعطاء. وسعيد بن جبير، والحسن، والحكم اجازة البتراء في الاضحية، وعن الحسن أنه حد القطع في الاذن بالنصف فأكثر، ولابي حنيفة قولان، احدهما ان ذهب من العين أو الاذن، أو الذنب، أو الالية أقل من الثلث أجزأت في الاضحية فان ذهب الثلث فصاعدا لم تجز، والآخر أنه حد ذلك بالنصف مكان الثلث قال: فان خلقت بلا أذن أجزأت، وروى عنه لا تجزى، وقال مالك: ان كان القرن ذاهبا لا يدمى أجزأت فان كان يدمى لم تجز، وقال أبو حنيفة. ومالك في العرجاء إذا بلغت المنسك: اجزأت * قال على: هذه أقوال لا دليل على صحة شئ منها، ولا يعرف التحديد المذكور بالثلث، أو النصف في كل ذلك عن أحد قبل أبى حنيفة، وروى عن على من طريق لا تصح في العرجاء إذا بلغت المنسك، وروى عن عمر المنع من العرجاء جملة، ويقال لمن صحح هذا: ان المنسك قد يكون على ذراع وأقل ويكون على فرسخ فأى ذلك تراعون، وروى في الاعضب (3) اثر أنه لا يجزى ولا يصح لانه من طريق جرى بن كليب وليس مشهورا عمن لم يسم عن على، وجاء خبر في أنه لا تجزى المستأصلة قرنها ولا يصح لانه من طريق أبى حميد الرعينى عن أبى مضروهما مجهولان، وحديث آخر في أنه تجزى الجدعاء ولا يصح لانه من طريق جابر الجعفي *


(1) في النسخة رقم (16) (عمربن مرة) وهو غلط (2) في النسخة رقم (16) (حماد بن سليمان وهو غلط * (2) هو مشقوق الاذن وفى نسخة (الاغضب) بالغين المعجمة وهو غلط *

[ 361 ]

975 - مسألة - ولا تجزى في الاضاحي جذعة ولا جذع أصلا من الضأن ولا من غير الضأن ويجزى ما فوق الجذع. وما دون الجذع والجذع من الضمان، والماعز والظباء والبقر. هو ما أتم عاما كاملا ودخل في الثاني من أعوامه فلا يزال جذعا حتى يتم عامين ويدخل في الثالث فيكون ثنيا حينئذ هكذا قال في الضأن والماعز الكسائي. والاصمعى. وأبو عبيد وهؤلاء عدول أهل العلم في اللغة: وقاله ابن قتيبة وهو ثقة في دينه وعلمه، وقاله العد بس الكلابي، وأبوفقعس الاسدي وهما ثقتان في اللغة، وقال ذلك في البقر والظباء أبو فقعس ولا نعلم له مخالفا من أهل العلم باللغة، والجذع من الابل ما أكمل أربع سنين ودخل في الخامسة فهو جذع إلى أن يدخل السادسة فيكون ثنيا هذا مالا خلاف فيه (1) * روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن أبى إسحق السبيعى عن هبيرة بن يريم (2) عن على بن أبى طالب قال: إذا اشتريت اضحية فاستسمن فان أكلت أكلت طيبا وإن أطعمت اطعمت طيبا واشتر ثنيا فصاعدا * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن ابى اسحاق السبيعى نا هبيرة بن يريم قال: قال على بن ابى طالب: ضحوا بثنى فصاعدا وسليم العين والاذن * ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول: ضحوا بثنى فصاعدا ولا تضحوا بأعور * ومن طريق عبد الرزاق نا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: لا تجزى إلا الثنية فصاعدا * ومن طريق سعيد بن منصور انا هشيم انا حصين - هو ابن عبد الرحمن - قال: رأيت هلال بن يساف يضحى بجذع من الضأن فقلت: أتفعل هذا؟ فقال: رأيت أبا هريرة


(1) في هامش النسة رقم 14 حاشية نقلها ناسخها والمصحح لهامن كتاب الايصال مختصرة للامام ابن حزم واتما ما للفائدة انقلها بتمامها، وكذلك يتبين لك قيمة هذا الكتاب واسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقني إلى تحصيله ونشره بين طبقات محيى العلم وهاكها * اما ولد البقرة فهو في اول سنة تبيع فإذا اتمها فهو جذع في الثانية، وفى الصالثة ثنى فإذا دخل في الرابعة فهو رباع، وفى الخامسة سديس. وفى السادسة سالغ - أو سالغ - يقال صالغ سنة وصالغ سنة وصالغ سنتين وصالغ ثلاث. وكذلك ما زاد، واما ولد الغنم فحين تلده امه سخلة ذكرا كان أو انثى والجمع سخال ثم هو بهمة، والجمع بهم فإذا بلغت اربعة اشهر وفطمت عن امها فالانثى من الماعز جفرة والذكر جفر فإذا رعى فهو عريض والجمع عرضات وعتود والجمع عتدان والذكر منه في كل ذلك جدى والانثى عناق فإذا اتم حولا فهو تيس والانثى عنز فإذا دخل في السنة الثانية فهو جذع والانثى جذعة وفى الثالثة الذكر ثنى والانثى ثنية وفى الرابعة الذكر رباع والانثى رباعة وفى الخامسة الذكر والانثى سديس وفى السادسة سالغ الذكر والانثى سواء وليس اسم بعد هذا، واما الابل فهو في ابتدائه في السنة الثانية ابن مخاض وبنت مخاض وفى الثالثة ابن لبون وبنت لبون، وفى الرابعة حق وحقة وفى الخامسة جذع وجذعة وفى السادسة ثنى وثنية اه‍ والله اعلم (2) هو على وزن عظيم *

[ 362 ]

يضحى بجذع من الضأن، فهذا حصين قد انكر الجذع من الضأن في الاضحية * ومن طريق ابن ابى شيبة نا ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري قال: يجزى ما دون الجذع ما الابل عن واحد في الاضحية * ومن طريق ابى بكر بن ابى شيبة نا وكيع عن سفيان الثوري عن ابى معاذ عن الحسن قال. يجزى الحوار عن واحد يعنى الاضحية. والحوار هو ولد الناقة ساعة تلده * وبرهان صحة قولنا هذا ما رويناه من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى أنا هشيم عن داود ابن أبى هند عن الشعبى عن البراء بن عازب فذكر الحديث وفيه (ان خاله أبا بردة. قال: يارسول الله ان عندي عناق لبن وهى خير من شاتى لحم قال (1): هي خير نسيكتيك (2) ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك) * ومن طريق شعبة عن زبيد بن الحارث اليامى عن الشعبى عن البراء أن أبا بردة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (عندي جذعة خيرمن مسنتين (3) قال: اذبحها ولن تجزى عن أحد بعدك) * وهكذا رويناه من طريق عاصم الاحول عن الشعبى ان البراء حدثه بذلك * ومن طريق أبى عوانة عن فراس عن الشعبى عن البراء أيضا * ومن طريق شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبى جحيفة عن البراء بن عازب، فقطع عليه السلام ان لا تجزى جذعه عن أحد بعد أبى بردة فلا يحل لاحد تخصيص نوع دون نوع بذلك، ولو ان ما دون الجذعة لا يجزى لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان من ربه تعالى: (وما كان ربك نسيا)، وبالله تعالى التوفيق * فان اعترض بعض المتعسفين فقال: ان حدث أبى بردة هذا قد رواه منصور بن المعتمر عن الشعبى عن البراء فقال فيه: (ان عندي عناقا جذعة فهل تجزى عنى؟ قال: نعم ولن تجزى عن أحد بعدك) قلنا. نعم والعناق اسم يقع على الضانية كما يقع على الماعزة ولا فرق، وقال العد بس الكلابي. وأبوفقعس الاسدي وكلاهما مما نقل الائمة عنهما اللغة: الجفر. والعناق. والجدى من أولاد الماعز إذا بلغ أربعة أشهر وكذلك من أولاد الضأن * (فان قالوا): فان مطرف بن طريف رواه عن الشعبى عن البراء فذكر فيه (ان أبا بردة قال: يا رسول الله ان عندي داجنا جذعة من المعز قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك)، قلنا: نعم ولا خلاف في ان هذا كله خبر واحد عن قصة واحدة في موطن واحد فرواية من روى عن البراء قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تجزى جذعة عن أحد بعدك) هي الزائدة ما لم يروه من لم يرو هذه اللفظة، وزيادة العدل خبر قائم بنفسه وحكم وارد لا يسع أحدا


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 117 (فقال) (2) في النسخة رقم (16) ورقم (14) (خير نسيكتك) بصيغة الافراد وما هنا موافق لصحيح مسلم (3) في صحيح مسلم ج 2 ص 117 (من مسنة) بالافراد *

[ 363 ]

تركه، وانما يحتج برواية مطرف هذا من لم يمنع من الجذع إلا من الماعز فقط، وأما من منع من الجذاع كلها مما عدا الضأن فلا حجة له في شئ من هذا الخبر بل هو حجة عليه، وبالله تعالى التوفيق كما ان هذا الخبر نفسه قد رواه زكريا عن فراس عن الشعبى عن البراء أن أبا بردة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان عندي شاة خير ما شاتين قال: ضح بها فانها خير نسيكة) ولم يذكر أنها لا تجزى عن أحد بعدك، وكذلك روايتنا من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك فذكر هذا الخبر نفسه وان ذلك القائل قال: (يا رسول الله عندي جذعة هي أحب إلى من شاتى لحم أفأذبحها؟) فرخص له قال أنس: فلا أذرى ابلغت رخصة من سواه أم لا؟ فلم يجعل المخالفون سكوت زكريا عما زاده غيره من بيان أنه خصوص ولا سكوت أنس عن ذلك أيضا، ومغيب ذلك عنه حجة في رد الزيادة التى ذكرها (1) غيرهما فما الذى جعل هذه الزيادة واجبا اخذها وزيادة من زاد لفظة الجذعة لا يجب أخذها؟ ان هذا لتحكم في الدين بالباطل، ونعوذ بالله من هذا * قال أبو محمد: وقد جاء خبر يمكن ان يشغب به وهو ما رويناه من طريق مسلم نا نصر ابن على الجهضمى نا يزيد بن زريع نا عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن ابن أبى بكرة عن أبيه قال: (لما كان ذلك اليوم قعد النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره وقال: أتدرون أي يوم هذا؟) (2) وذكر الحديث وفيه (أنه عليه السلام قال: أليس بيوم النحر؟ قالوا: بلى) (3)، ثم ذكر الحديث وفيه (ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما والى جذيعة (4) من الغنم فقسمها بيننا) * قال على: ليس فيه أنه اعطاهم اياها ليضحوا بها ولا أنهم ضحوا بها وانما فيه أنه عليه السلام قسمها بينهم والكذب لا يحل، وأيضا فاسم الغنم يقع على الماعز كما يقع على الضأن فان كان حجة لهم في إباحة التضحية بالجذاع من الضأن فهو حجة في إباحة التضحية بالجذاع من المعز، وان لم يكن حجة في اباحة التضحية بالجذاع من الماعز فليس حجة في إباحة التضحية بجذاع الضأن، والنهى قد صح عاما في ان لا تجزئ جذعة بعد أبى بردة * وخبر آخر نذكره أيضا (5) وهو ما ريناه من طريق مسلم نا أحمد بن يونس نا زهير ابن معاوية نا أبو الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تذبحوا الا مسنة إلا أن تعسر (6) عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) * قال أبو محمد: هذا حجة على الحاضرين من المخالفين لانهم يجيزون الجذع من الضأن


(1) في النسخة رقم (14) (التى رواها) (3) هو في صحيح مسلم مطولا ج 2 ص 29 (2) في صحيح مسلم (قلنا: بلى) * (4) هي قطعة من الغنم (5) لفظ (أيضا) سقط من النسخة رقم (16) (6) في صحيح مسلم ج 2 ص 118 يعسر) *

[ 364 ]

مع وجود المسنات فقد خالفوه وهم يصححونه وأما نحن فلا نصححه لان أبا الزبير مدلس ما لم يقل في الخبر أنه سمعه من جابر هو أقر بذلك على نفسه روينا ذلك عنه من طريق الليث بن سعد، ثم لو صح لكان خبر البراء ناسخا له لان قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجزى جذعة عن أحد بعدك) خبر قاطع ثابت ما دامت الدنيا ناسخ لكل ما تقدم لا يجوز نسخه لانه كان يكون كذبا ولا ينسب الكذب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الا كافر * واحتج من أجاز الجذاع من الضأن بخبر رويناه من طريق ابن وهب عن عمرو ابن الحارث عن بكير بن الاشج عن معاذ بن عبد الله بن حبيب عن عقبة بن عامر قال: ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجذاع من الضأن * ومن طريق وكيع عن أسامة ابن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن سعيد بن المسيب عن عقبة بن عامر (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجذع من الضان؟ فقال: ضح به) * وبخبر رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن أبى يحيى عن امه عن أم بلال الاسلمية شهد أبوها الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضحوا بالجذع من الضأن فانه جائز) * ومن طريق الحجاج بن ارطاة عن ابن النعيمان (1) عن بلال بن أبى الدرداء عن أبيه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين جذعين) * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن أبى جعفر (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين جذعين) * ومن طريق وكيع عن عثمان ابن واقد عن كدام بن عبد الرحمن عن أبى كباش ان أبا هريرة قال له: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم أو نعمت الاضحية الجذع من الضأن) * ومن طريق هشام بن سعد (2) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة ان جبريل قال للنبى صلى الله عليه وسلم: (يا محمدان الجذع من الضأن خير من السيد من المعز)، وذكر باقى الخبر * ومن طريق سعيد بن منصور عن عيسى بن يونس عن اسمعيل بن رافع عن شيخ من أهل حمص (ان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم قال: (قال لى جبريل: يا محمد ان الجذع من الضأن خير من المسن من المعز) وذكر باقى الخبر * ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن مسهر عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن عبادة ابن أبى الدرداء عن أبيه (ان النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين جذعين) * ومن طريق سليمان بن موسى عن مكحول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضحوا بالجذعة من الضأن والثنية من المعز) * قال أبو محمد: لا يحتج بهذه الاثار الا قليل العلم بوهيها فيعذر، أو قليل الدين يحتج بالاباطيل التى لا يحل أخذ الدين بها * أما حديث عقبة بن عامر الذى صدرنا به فمن طريق معاذ بن عبد الله ابن خبيب وهو مجهول، ورواية ابن وهب له غير مسندة لانه ليس فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم عرف ذلك،


(1) في النسخة رقم (16) (عن النعمان) ولم اجد، (2) في النسخة رقم (16) (هشام بن سعيد) وهو غلط *

[ 365 ]

وهم لا يجعلون قول اسماء بنت الصدق نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسافأ كلناه مسندا، ولا قول جابر: كنا نبيع أمهات الاولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسندا، ولا قول ابن عباس: ان طلاق الثلاث كان يرد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الواحدة مسندا، وكلها في غاية الصحة، ويقولون: ليس فيها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرف ذلك، ثم يجعلون هذا الخبر الساقط الواهي مسندا، وهذا قلة حياء واستخفاف بالكلام في الدين، وهو من طريق وكيع من رواية أسامة ابن زيد وهو ضعيف جدا عن مجهول * وأما حديث أم بلال فو عن أم محمد بن أبى يحيى ولا يدرى من هي عن أم بلال وهى مجهولة ولا ندرى لها صحبة أم لا؟ * وحديث أبى الدرداء وأبى جعفر كلاهما من طريق الحجاج بن ارطاة وهو هالك، وطريق أبى هريرة الاولى اسقطها كلها وفضيحة الدهر لانه عن عثمان بن واقد وهو مجهول عن كدام بن عبد الرحمن ولا ندرى من هو؟ عن أبى كباش الذى جلب الكباش الجذعة إلى المدينة فبارت عليه هكذا نص حديثه، وهنا جاء ما جاء أبو كباش وما أدراك ما أبو كباش ما شاء الله كان، وكذلك خبر الشيخ من أهل حمص وكفاك به * ومن طريق أبى هريرة الاخرى من طريق هشام بن سعد وهو ضعيف * وحديث مكحول مرسل * وحديث أبى الدرداء من طريق ابن أبى ليلى وهو سئ الحفظ، ثم لو صحت كلها بالاسانيد التى لا مغمز فيها لما كان لهم في شئ منها حجة لان الاضحية كانت مباحة في كل ما كان من الانعام بلا شك، وقد كان نزل حكمها بلا شك من أحد قبل قصة أبى بردة، وضحى أبو بردة وقوم معه بيقين قبل ان يقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تجزى جذعة عن أحد بعدك فلو صحت هذه الاخبار كلها لكان قوله عليه السلام لا تجزى جذعة عن أحد بعدك ناسخا لها بلا شك، ومن ادعى عودة حكم المنسوج فقد كذب إلا أن يأتي على ذلك ببرهان فكيف وكلها باطل لا خير في شئ منها؟ * وذكروا عن بعض السلف اجازة الاضحية بالجذع من الضأن فذكروا عن جعفر بن محمد عن أبيه ان على بن أبى طالب قال: يجزى من الضأن الجذع، وعن حبة العرنى عن على مثله مع رواية جعفر بن محمد عن أبيه ان عليا قال: يجزى من البدن والبقر ومن المعز الثنى فصاعدا * وعن ابن عمر لان أضحى بجذعة سمينة أحب إلى من ان أضحى بجداء (1) * ومن طريق سعيد ابن منصور نا خالد بن عبد الله - هو الطحان - عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لان أضحى بجذعة سمينة عظيمة تجزى في الصدقة أحب إلى من ان أضحى بجذع المعز مع قوله: لا تجزى الا الثنية من الابل. والبقر * وعن أم سلمة لان أضحى بجذع من الضأن احب إلى من ان


(1) قال الجوهرى في الصحاح: الجداء التى ذهب لبنها من عيب اه‍ (وقال ناسخ نسخة رقم (14) بهامشها الجداء اليابسة الضرع: من الايصال *

[ 366 ]

اضحى بمسن من المعز * وعن أبى هريرة لا بأس بالجذع من الضأن في الاضحية * وعن عمران ابن الحصين انى لا ضحى بالجذع من الضأن وانها لتروج على ألف شاة * وعن ابن عباس لا بأس بالجذع من الضأن، فهم ستة من الصحابة * وروينا إجازة الجذع من الضأن في الاضحية عن هلال ابن يساف وعن كعب. وعطاء وطاوس وابراهيم. وأبى رزين. وسويد بن غفلة فهم سبعة من التابعين، وقال ابراهيم: لا يجزى من الماعز الا الثنى فصاعدا، وهو قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي * قال أبو محمد: كل هذا لا حجة لهم فيه، أما الرواية عن على فمنقطعة، والاخرى واهية، ثم ليس فيها المنع من التضحية بالجذع من الماعز ولامن الابل. والبقر، ثم لو صحت لكنا قد روينا عنه خلافها كما قدمنا قبل، وإذا وجد خلاف من الصحابة فالواجب الرد إلى القرآن والسنة * وأما ابن عمر فلا حجة لهم فيه بل هو عليهم لانه ليس في هذه الرواية عنه إلا اختيار الضأن على الماعز فقط والمنع مما دون الثنى من الابل والبقر فقط لا من الماعز، وقد روينا عنه قبل خلاف هذا كما أوردنا فهو اختلاف من قوله وإذا جاء الاختلاف عن الصحابة رضى الله عنهم فقد وجب الرد إلى القرآن والسنة كما أمر الله عزوجل، وأما الرواية عن أم سلمة أم المؤمنين فانما فيها إختيار الجذع من الضأن وليس فيها المنع من الجذع من غير الضأن وكذلك عن سائر من ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم فكيف ولا حجة في قول احد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكم قصة خالفوا فيها جمهور العلماء؟ كما ذكرنا في غير ما مسألة، ومن العجب ان الرواية صحت عن ابن عباس. وجابر. وابن مسعود. وزيد بن ثابت بان العمرة فرض كالحج! ولم يصح عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلاف لهم فجعلوا قول ابن عمر (بنى الاسلام على خمس) فذكر فيهن الحج ولم يذكر العمرة خلافا في ذلك، ثم لا يجعلون تصريحه بان ما دون الجذع لا يجزى خلافا في ذلك، وقد اشار قوم من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم ان يضحى بالجذع من الماعز وبالجذع من الابل والبقر كما نورد إن شاء الله تعالى، وجاءت بذلك آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم نوردها ان شاء الله تعالى لنرى من نصح نفسه أنه لا حجة للحنيفيين. والمالكيين. والشافعيين أصلا في إجازتهم الجذع من الضأن ومنعهم من الجذع من الابل. والبقر. والماعز * روينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن محمد بن اسحاق عن عمارة - هو ابن عبد الله بن طعمة - عن سعيد بن المسيب عن زيد بن خالد الجهنى قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ضحايا فاعطاني عتودا من المعز. فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إنه جذع فقال: ضح به) * ومن طريق البخاري ومسلم جميعا قال البخاري نا عمرو بن خالد، وقال مسلم: نا محمد بن رمح، ثم اتفق عمرو. وابن رمح على ان الليث بن سعد أخبرهما عن يزيد - هو ابن أبى حبيب - عن أبى

[ 367 ]

الخير عن عقبة بن عامر قال: ان النبي صلى الله عليه وسلم اعطاه غنما يقسمها بين أصحابه فبقى عتود (1) فذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: له ضح أنت به) هذا لفظ عمرو ولفظ ابن رمح (ضح به أنت) * قال أبو محمد: العتود هو الجذع من المعزبلا خلاف وهذان خبران في غاية الصحة، وقد اجاز التضحية بالجذع من المعز فيهما أثنان من الصحابة عقبة بن عامر. وزيدبن خالد، وقد ذكرنا قبل عن أم سلمة أم المؤمنين. وابن عمر جواز الجذع من المعزفى الا ضحية وان كان غيره خير امنه، * (فان قالوا): هذا منسوخ بخبر البراء قلنا: خبر البراء لا دليل فيه على تخصيص الجذع من المعز دون الجذع من الضأن. والابل. والبقر بالمنع الا بدعوى كاذبة (2) * وأما الآثار التى فيها إباحة التضحية بالجذع جملة من كل شئ فروينا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا مع رجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسلم يقال له: مجاشع من بنى سليم فأمر مناديا ينادى (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: الجذع توفى مما توفى منه الثنية) * ومن طريق أبى الجهم نا يوسف - هو ابن يعقوب القاضى - نا أبو الربيع - هو الزهراني - نا حبان بن على عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا يؤمر علينا في المغازى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر علينا رجل من الانصار فقال: ان شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اليوم يعنى يوم النحر فطلبنا المسن فغلت علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الجذع يفى مما يفى منه المسن) * قال أبو محمد: الحديث الاول في غاية الصحة. ومجاشع السلمى - هو مجاشع بن مسعود - مشهور من فضلاء الصحابة ممن أسلم، وانفق، وقاتل قبل فتح مكة، وهو فتح كرمان، ورواته كلهم ثقات مشاهير، والآخر جيد صحيح (3) لان أمير العسكر لاتخفى صحة صحبته من بطلانها * وقد روينا من طريق معمر عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين عن عمران بن الحصين قال: لان اضحى بجذع أحب إلى من ان اضحى بهرم الله احق بالغنى، والكرام وأحبهن إلى ان اضحى به أحبهن إلى بأن اقتنيه * وقد ذكرنا قبل عن ابن عمر لان اضحى بجذعة عظيمة تجوز في الصدقة أحب إلى من أن أضحى بجداء فهذا عموم في الجذع * ومن طريق وكيع. ويحيى بن سعيد القطان قالا جميعا: نا على بن المبارك عن أبى السوية


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 118 (يقسمها على اصحابه ضحايا فبقى عتودا) وفى صحيح البخاري ج 7 ص 183 يقسمها على صحابته ضحايا فبقى عتود، (2) في النسخة رقم (16) (الا بالدعوى الكاذبة) (3) قال في هامش نسخة رقم (14): كيف يكون صحيحا وهو من رواية حبان من على المعرس اقول انظره في ميزان الاعتدال ج 1 ص 208 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 173 الا انه لم زكر فيهما بهذا الوصف بالغزى *

[ 368 ]

التميمي قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال على بدنة أتجزى عنى جذعة قال: نعم، وفي رواية وكيع جذعة من الابل قال: نعم * ومن طريق وكيع نا عمر بن ذر الهمداني قلت لطاوس: يا أبا عبد الرحمن انا ندخل السوق فنجد الجذع من البقر السمين العظيم فنختار الثنى لسنه فقال طاوس: أحبهما إلى اسنهما واعظمهما (1) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: يجزى الثنى من المعز والجذع من الضأن، والجذع من الابل، والبقر يعنى في الاضاحي * ومن طريق وكيع نا سفيان عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح قال: يجزى الجذع عن سبعة * ومن طريق عبد الرزاق ابن جريج عن عطاء قال: يجزى من الابل الجذع فصاعدا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن يونس بن عبيد (2) عن الحسن البصري أنه قال كان يقول: يضحى بالجذع من الابل، والبقر عن ثلاثة وما دون الجذع من الابل عن واحد، فهذه أسانيد في غاية الصحة * وعن طاوس. وعطاء. والحسن في جواز الجذع من الابل، والبقر في الاضاحي * وعن ابن عباس جواز الجذع من الابل في البدن، (فان قيل): قد روى عن عطاء كراهة ذلك قلنا: رواه الحجاج بن أرطاة وهو ساقط، ولا يعارض به ابن جريج الا جاهل * قال أبو محمد: والناسخ لهذا كله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجزى جذعة عن أحد بعدك)، ومن الباطل البحت ان يجعل هذا القول ناسخا لاباحة بعض الجذاع دون بعض، والعجب أنهم لم يجدوا في النهى عن الجذاع من الابل والبقر خبرا أصلا الا هذا اللفظ فمن أين خصوا به جذاع الابل والبقر دون جذاع الضأن (فان قالوا): قسنا جذاع الابل والبقر على جذاع الماعز قلنا: وهلا قستموها على جذاع الضأن الجائزة عندكم وما الذى جعل قياس الابل والبقر على الماعز أولى من قياسها على الضأن؟ لا سيما والجذع عندكم من الابل والبقر يجزيان في الزكاة فهلا قستم جوازها في الاضحية على جوازها في الزكاة فلاح أنهم لا النص اتبعوا، ولا القياس عرفوا وبالله تعالى التوفيق * ويقولون أيضا: ان ولدت الاضحية الشاة، أو الماعز، أو البقرة أو الناقة ضحى بولدها معها فتناقضوا وأجازوا في الاضيحة الصغير جدا، (فان قالوا): انما هو تبع قلنا: هذا كلام فاسد لا معنى له، وعرفونا ما معنى تبع اهو بعضها فهذا كذب بالعيان بل هو غيرها وهو ذكرو هي أنثى وان كان غيرها فهو قولنا ولا فضل في ذلك * 976 - مسألة - قال على: ذكرنا في أول كلامنا ههنا في الاضاحي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد أن يضحى أن لا يمس من شعره ولا من أظافره شيئأ، ولم نذكر اعتراض المخالفين في ذلك بالنسيان فاستدر كنا ههنا ماروى عن أم سلمة أم المؤمنين


(1) في النسخة رقم (16) (احبها إلى اسمنها واعظمها) وفى نسخة رقم (14) (احبهما إلى اسمنها واعظمها) وما هنا اتم واو لى (2) في النسخة رقم (14) وكذلك في النسخة اليمنية يونس بن عيينة) وهو تصحيف *

[ 369 ]

أنها أفتت بذلك * ونا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا بكربن حماد نا مسدد نا يزيد بن زريع نا سعيد بن أبى عروبة نا ابن أبى كثير - هو يحيى - أن يحيى بن يعمر كان يفتى بخراسان ان الرجل إذا اشترى أضحية، ودخل العشر ان يكف عن شعره، واظفاره حتى يضحى، قال سعيد: قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: نعم فقلت: عمن يا أبا محمد؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال مسدد: ونا المعتمر بن سليمان التيمى سمعت أبى يقول: كان ابن سيرين يكره إذا دخل العشر أن يأخذ الرجل من شعره حتى يكره ان يحلق الصبيان في العشر، وهو قول الشافعي. وأبى ثور. وأحمد. واسحاق. وأبى سليمان، وهو قول الأوزاعي:، وخالف ذلك أبو حنيفة. ومالك وما نعلم لهما (1) حجة أصلا الا ان بعضهم ذكر ما روينا من طريق مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب انه كان لا يرى بأسا بالاطلاء في العشر قالوا: وهو راوي هذا الخبر * وما روينا من طريق عكرمة انه ذكر له هذا الخبر فقال. فهلا اجتنب النساء، والطيب وما نعلم لهم غير هذا أصلا، وهذا كله لا شئ، أما الرواية عن سعيد انه كان لا يرى بأسا بالاطلاء في العشر فالاحتجاج به باطل لوجوه، أو لها انه لا حجة في قول سعيد وانما الحجة التى ألزمناها الله تعالى فهى روايته ورواية غيره من الثقات، وثانيها انه قد صح عن سعيد خلاف ذلك مما ذكرنا قبل وهو أولى بسعيد، وثالثها انه قد يتأول سعيد في الاطلاء انه بخلاف حكم سائر الشعر وان النهى انما هو شعر الرأس فقط، ورابعها ان يقال لهم: كما قلتم لما روى عن سعيد خلاف هذا الحديث الذى روى دل على ضعف ذلك الحديث لانه لا يدع ما روى الا لما هو أقوى عنده منه، فالاولى بكم أن تقولوا لما روى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضى الله عنهم خلاف ما روى عن سعيد: دل ذلك على ضعف تلك الرواية عن سعيد إذ لا يجوز ان يفتى بخلاف ما روى، فهذا اعتراض أولى من اعتراضكم، وخامسها انه قد يكون المراد بقول سعيد في الاطلاء في العشر انما أراد عشر المحرم لا عشر ذى الحجة وإلا فمن أين لكم انه أراد عشر ذى الحجة؟ واسم العشر يطلق على عشر المحرم كما يطلق على عشر ذى الحجة * وسادسها ان نقول: لعل سعيدا رأى ذلك لمن لا يريد أن يضحى فهذا صحيح، وأما قول عكرمة ففاسد لان الدين لا يؤخذ بقول عكرمة ورأية انما هذا منه قياس والقياس


(1) في النسخة رقم (16) (وما علمنا لهم) وفى النسخة اليمنية (وما نعلم لهم) والذى خالف في ذلك أبو حنيفة ومالك فارجاع الضمير اليهما بصيغة التثنية اولى ولذلك رجحنا ماهنا *

[ 370 ]

كله باطل، ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل لانه ليس إذا وجب ان لا يمس الشعر والظفر بالنص الوارد في ذلك يجب ان يجتنب النساء، والطيب كما انه إذا وجب اجتناب الجماع والطيب لم يجب بذلك اجتناب مس الشعر والظفر، فهذا الصائم فرض عليه اجتناب النساء ولا يلزمه اجتناب الطيب ولا مس الشعر والظفر وكذلك المعتكف، وهذه المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والاظفار، فظهر حماقة قياسهم وقولهم في الدين بالباطل، وهذه فتيا صحت عن الصحابة رضى الله عنهم ولا يعرف فيها مخالف منهم لهم فخالفوا ذلك برأيهم، ورواه مالك مرسلا فخالفوا المرسل والمسند، وبالله تعالى التوفيق * 977 - مسألة - والاضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذى أربع أو طائر كالفرس والابل. وبقر الوحش. والديك. وسائر الطير والحيوان الحلال أكله. والافضل في كل ذلك ما طاب لحمه وكثر وغلا ثمنه، وقد ذكرنا في أول كلا منا في الاضاحي قول بلال: ما أبالى لو ضحيت بديك، وعن ابن عباس في ابتياعه لحكا بدر همين وقال: هذه أضحية ابن عباس، وروينا أيضا من طريق وكيع عن كثير بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس، وكثير بن زيد هذا هو الذى عولوا عليه في احتجاجهم بالاثر الذى لا يصح (المسلمون عند شروطهم) وثقوه هنالك ولم يروه غيره، والحسن بن حى يجيز الاضحية ببقرة وحشية عن سبعة، وبالظبي أو الغزال عن واحد، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه التضحية بما حملت به البقرة الانسية من الثور الوحشى، وبما حملت به العنز من الوعل، وقال مالك: لا تجزى الا من الابل والبقر. والغنم. ورأى مالك النعجة. والعنز. والتيس أفضل من الابل. والبقر في الاضحية وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي فرأيا الابل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم الماعز وما نعلم لهذا القول حجة فنوردها أصلا إلا أن يدعوا إجماعا في جوازها من هذه الانعام والخلاف في غيرها فهذا ليس بشئ ويعارضون بما صح في ذلك عن بلال ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا عندهم حجة إذا وافقهم، وأما مراعاة الاجماع فيؤخذ به ويترك ما اختلف فيه فهذا يهدم عليهم جميع مذاهبهم الا يسيرا جدا منها ويلزمهم ان لا يوجبوا في الصلاة. أو الصوم. والحج. والزكاة. والبيوع إلا ما أجمع عليه وفى هذا هدم مذهبهم كله * قال أبو محمد: وأما (1) المردود إليه عند التنازع فهو ما افترض الله تعالى الرد إليه فوجدنا النصوص تشهد لقولنا، وذلك ان الاضحية قربة إلى الله تعالى فالتقرب إلى الله تعالى - بكل ما لم يمنع منه قرآن ولا نص سنة - حسن، وقال تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) والتقرب إليه عزوجل بما لم يمنع من التقرب إليه به فعل خير *


(1) في النسخة رقم (16) ورقم (14) (وانما) ولا يناسب قوله بعد (فهو ما افترض) *

[ 371 ]

نا يونس بن عبد الله بن مغيث نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار بندار (1) نا صفوان بن عيس نا ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المهجر إلى الجمعة كمثل من يهدى بدنة، ثم كمن يهدى بقرة ثم كمن يهدى شاة، ثم مثل من يهدى دجاجة، ثم كمثل من يهدى عصفورا، ثم كمثل من يهدى بيضة) * وروينا من طريق مالك عن سمى مولى أبى بكر عن أبى صالح السمان عن أبى هريرة (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) * ففى هذين الخبرين جواز هدى دجاجة وعصفور وتقريبهما وتقريب بيضة، والاضحية تقريب بلا شك وفيهما أيضا فضل الاكبر فالاكبر جسما فيه ومنفعة للمساكين ولا معترض على هذين النصين أصلا * قال أبو محمد: ومن البرهان على ان الابل والبقر أفضل من الغنم الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روينا من طريق البخاري، والخبر الذى أوردنا في المسألة التالية لهذه ففيها أمره عليه السلام في الاضاحي بالنحر، ولا يخلو هذا من ان يكون عليه السلام أمر بالنحر في الابل والبقر، أو في الغنم فان كان أمر بذلك في الغنم فهذا مبطل لقول مالك: ان النحر في الغنم لا يحل ولا يكون ذكاة فيها وان كان أمر بذلك عليه السلام في الابل والبقر والغنم لحسن المحال الباطل الممتنع بيقين لا شك فيه أن يكون عليه السلام يحض أمته وأصحابه على التضحية بالابل والبقر مع عظيم الكلفة فيها وغلو اثمانها ويتركون الارخص والاقل ثمنا وهو أفضل، وهذه اضاعة المال التى حرمها الله تعالى وانما التضحية بالغنم ضأنها وما عزها رفق بالناس لقلة اثمانها وتفاهة أمرها وتخفيف لهم بذلك عن الافضل الذى هو أشتى في النفقة لله عزوجل، هذا مما لاشك فيه * واحتج من رأى ان الضان أفضل بخبر رويناه من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة (ان جبريل قال للنبى صلى الله عليه وسلم يوم الاضحى: يا محمد ان الجذع من الضأن خير من السيد (2) من المعز وان الجذع من الضأن خير من السيد من البقر وان الجذع من الضأن خبر من السيد من الابل ولو علم الله ذبحا هو أفضل منه لفدى به ابراهيم عليه السلام) *


(1) قال في هامش الخلاصة في الاصل من في بيده القانون وهو اصل ديون الخراج وانما قيل له بندار لانه كان بندارا في الحديث جمع حديث بلده اه‍ (2) هو المسن، وقيل: الجليل وان لم نكن: مسنا اه‍ نهاية *

[ 372 ]

وبخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان قال: (مر النعمان بن أبى فطيمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش أقرن أعين فقال عليه السلام: ما أشبه هذا الكبش بالكبش الذى ذبح ابراهيم عليه السلام) * وروى نحوه من طريق زيادة بن ميمون عن أنس * وبخبر رويناه من طريق وكيع عن هشام بن سعد عن حاتم بن أبى نصر عن عبادة بن نسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الاضحية الكبش) * قال أبو محمد: هذه أخبار مكذوبة، أما خبر أبى هريرة. وعبادة بن نسى فعن هشام بن سعد وهو ضعيف جدا ضعفه جدا واطرحه أحمد وأساء القول فيه جدا ولم بحز الرواية به عنه يحيى بن سعيد، وزياد بن ميمون مذكور بالكذب * وخبر عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وهو ضعيف ومرسل مع ذلك، وأيضا ففى الخبر المنسوب إلى أبى هريرة كذب ظاهر وهو قوله: انه فدى الله به ابراهيم (1) ولم يفد ابراهيم بلا شك وانما فدى ابنه، وأما الاحتجاج بأنه فدى الذبيح بكبش فباطل ماصح ذلك قط، وقد قيل: انه كان أروية (2)، وهبك لو صح فليس فيه فضل سائر الكباش على سائر الحيوان، ولاكان أمر ابراهيم عليه السلام أضحية فلا مدخل للاضاحي فيه، وقد قال تعالى: (أن الله يأمركم ان تذبحوا بقرة) إلى قوله تعالى: (فقلنا: اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته) فينبغي على هذا أن يكون البقر أفضل من الضأن بهذه الآية البينة الواضحة لا بالظن الكاذب في كبش الذبيح، وقد قال الله تعالى: (ناقة الله وسيقاها) في ناقة صالح فينبغي ان تكون الابل أفضل من الضأن بهذه الآية البينة الواضحة لا بالظن الكاذب في كبش ابراهيم عليه السلام * وموه بعضهم بذكر الاثر الذى فيه الصلاة في مبارك الغنم والنهى عن الصلاة في معاطن الابل لانها جن خلقت من جن فقلنا: فليكن هذا عندكم دليلا في فضل الغنم عليها في الهدى وانتم لا تقولون بهذا * فان ذكروا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين قلنا: نعم وقد صح ان عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم يترك العمل وهو يحب ان يعمل به مخافة ان يعمل به الناس فيكتب عليهم، وأيضا فقد أهدى غنما مقلدة كما ذكرنا في كتاب الحج فلم يكن ذلك عندكم دليلا على ان الغنم أفضل في الهدى من البقر، فمن أين وقع لكم هذا الاستدلال في الاضاحي؟. وأيضا فقد ضحى عليه السلام بالبقر *


(1) في النسخة رقم (14) (وهو قوله للذى فدى الله به ابراهيم) وفى النسخة اليمنية (وهو قوله الذى فدى الله به ابراهيم (2) هو بضم الهمزة وإسكان الراء وكسر الواو وتشديد الياء الانثى من الوعول، والجمع اراوى *

[ 373 ]

روينا من طريق البخاري عن مسدد نا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنهما) (1) قالت في حديث: (لما كنا بمنى أتيت بلحم بقر كثير فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر)، وهذا في حجة الوداع وهو آخر عمله عليه السلام ولم يضح بعدها * وروينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن زبيد اليامى (3) عن الشعبى عن البراء بن عازب قال: قال رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا ان نصلى (4)، ثم نرجع فننحر) * ومن طريق البخاري عن يحيى بن بكير نا الليث ابن سعد عن كثير بن فرقد عن نافع ان ابن عمر (رضى الله عنهما) (5) أخبره قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى)، والنحر عند مالك - وهو الذى يخالفنا في هذه المسألة - لا يجوز البتة في الغنم وانما هو عنده في الابل وعلى تكره في البقر، وقد صح (6) أنه عليه السلام كان يضحى بالابل والبقرأ ويترك قوله فيجيز النحر في الغنم ولابد من أحدهما ولايجوز ان يحتج بفعل فعله عليه السلام مباح ذلك الفعل أو غيره باقرار المحتج على نص قوله عليه السلام في تفضيل الابل، ثم البقر، ثم الضأن * روينا عن مسلم بن يسار أنه كان يضحى بجزور من الابل * وعن سعيد بن المسيب أنه كان يضحى مرة بناقة. ومرة ببقرة. ومرة بشاة. ومرة لا يضحى * فأما قول مالك في فضل الماعز على البقر. والابل وفضل البقر على الابل فلا نعلم له متعلقا أصلا ولا أحدا قال به قبله، بالله تعالى التوفيق * 978 - مسألة - ووقت ذبح الاضحية أو نحرها هوان يهل حتى تطلع الشمس من يوم النحر، ثم تبيض وترتفع ويمهل حتى يمضى مقدار ما يصلى ركعتين يقرأ في الاولى بعد ثمان تكبيرات أم القرآن وسورة (ق) وفى الثانية بعد ست تكبيرات أم القرآن وسورة (اقتربت الساعة وانشق القمر) بترتيل ويتم فيهما الركوع، والسجود، ويجلس، ويتشهد، ويسلم، ثم يذبح أضحيته أو ينحرها البادى. والحاضر. وأهل القرى. والصحارى. والمدن سواء في كل ذلك، فمن ذبح، أو نحر قبل ما ذكرنا ففرض عليه ان يضحى ولابد بعد دخول الوقت المذكور، ولا معنى لمراعاة صلاة الامام ولا لمراعاة تضحيته * برهان ذلك ما ذكرنا في أول الباب الذى قبل هذا من قوله عليه السلام: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا ان نصلى، ثم نرجع فننحر) * ومن طريق شعبة عن سلمة - هو


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 181 (2) في صحيح البخاري (عن ازواجه) (3) في صحيح مسلم ج 2 ص 117 الايأمى، وهما واحد (4) في صحيح مسلم (هذا نصلى) باسقاط (ان) والحديث له بقية (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 183 (6) في النسخة رقم (16) فقد صح، ولا محل للفاء هنا *

[ 374 ]

ابن كهيل - عن أبى جحيفة عن البراء بن عازب قال: ذبح أبو بردة قبل الصلاة فقال له (1) النبي صلى الله عليه وسلم: (أبدلها) * ومن طريق حماد بن زيد نا أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى: ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة ان يعيد ذبحا) (2) * ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن الاسود بن قيس قال: سمعت جند بايقول: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر على قوم قد نحروا وذبحوا فقال: من نحر وذبح قبل صلاتنا فليعد ومن لم يذبح أو ينحر فليذبح ولينحر باسم الله) * ومن طريق مسلم نا محمد بن حاتم نا محمد بن بكر نا ابن جريج انا أبو الزبير أنه سيمع (3) جابر بن عبد الله يقول (امر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله ان يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم) فالوقت الذى حددناه ووقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول الشافعي. وأبى سليمان إلا أن الشافعي لم يجز التضحية قبل تمام الخطبة ولا معنى لهذا الان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد وقت الاضحية بذلك، وقال سفيان: ان ضحى قبل الخطبة اجزأه، * وقال أبو حنيفة: أما أهل المدن والامصار فمن ضحى منهم قبل تمام صلاة الامام فعليه ان يعيد ولم يضح وأما أهل القرى والبوادى فان ضحوا بعد طلوع الفجر من يوم الاضحى أجزأهم، وقال مالك: من ضحى قبل ان يضحى (4) الامام فلم يضح، ثم اختلف أصحابه فطائفة قالت: الامام هو أمير المؤمنين، وطائفة قالت: بل هو أمير البلدة، وطائفة قالت: بل هو الذى يصلى بالناس صلاة العيد * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة فخلاف مجرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوردنا بلا برهان: وأما قول مالك فلا حجة له أصلا وخلاف للخبر أيضا إذ لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم تط بمراعاة تضحية غيره، ونقول للطائفيتن معا: أرأيتم ان ضيع الامام صلاة الاضحى ولم يضح أتبطل سنة الله تعالى في الاضاحي على الناس؟ حاشا لله من هذا بل هوالحق ان الامام ان صلى في الوقت الذى كان يصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أحسن وهو أحد المسلمين في وقت تضحيته وان أغفل ذلك فقد أخطأ وليس ذلك بكادح في عدالته لانه لم يعطل فرضا وليس ذلك بمحيل شيئا من حكم الناس في أضاحيهم، ونقول للمالكيين أيضا: أرأيتم إن ضحى الامام قبل وقت صلاة الاضحى أيكون ذلك علما لاضاحي الناس؟ * (فان قالوا): نعم أتوا بعظيمة (5) وإن قالوا: لاصدقوا وتركوا قولهم في مراعاة تضحية الامام، بالله تعالى التوفيق * وقد روينا مثل قول أبى حنيفة في الفرق بين


(1) لفظ (له) سقط من النسخة رقم (14) وكذلك في صحيح مسلم ج 2 ص 118 وللحديث بقية (2) الحديث في صحيح مسلم ج 2 ص 118 (3) في النسخة رقم (14) (قال سمعت) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 2 ص 118 والحديث اختصره المصنف (4) في النسخة رقم (16) (قبل ان يصلى) وهو غلط * (5) في النسخة رقم (16) (أتوا بنطيحه) *

[ 375 ]

أهل القرى، وأهل المدن عن عطاء. وابراهيم وما نعرف قول مالك في مراعاة تضحية الامام عن أحد قبله، بالله تعالى التوفيق * 979 - مسألة - والاضحية مستحبة للحاج بمكة وللمسافر كما هي للمقيم ولا فرق، وكذلك العبد والمرأة لقول الله تعالى: (وافعلوا الخير) والاضحية فعل خير، وكل من ذكرنا محتاج إلى فعل الخير مندوب إليه ولما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في التضحية والتقريب ولم يخص عليه السلام باديا من حاضر، ولا مسافرا من مقيم، ولا ذكرامن أنثى، ولاحرا من عبد، ولا حاجا من غيره، فتخصيص شئ من ذلك باطل لا يجوز، وقد ذكرنا قبل ان النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بالبقر عن نسائه بمكة وهن حواج معه * وروينا من طريق النخعي ان عمر كان يحج فلا يضحى وهذا مرسل * ومن طريق الحارث عن على ليس على المسافر أضحية، والحارث كذاب * وعن أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا لا يضحون في الحج وليس في شئ من هذا كله منع للحاج ولا للمسافر من التضحية وإنما فيه تركها فقط، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * وروينا من طريق أبى الجهم نا أحمد بن فرج نا الهروي نا ابن فضيل عن عطاء عن ابراهيم النخعي سافر معى تميم بن سلمة فلما ذبحنا أضحيته أخذ منها بضعة فقال: آكلها؟ * ومن طريق سعيد ابن منصور نا أبو عوانة عن منصور عن ابراهيم قال: كان عمر يحج ولا يضحى وكان أصحابنا يحجون معهم الورق والذهب فلا يضحون ما يمنعهم من ذلك الا ليتفرغوا لنسكهم * ومن طريق سعيد بن منصور نا مهدى بن ميمون عن واصل الاحدب عن ابراهيم قال: حججت فهلكت نفقتى فقال أصحابي: ألا نقرضك فتضحى؟ فقلت: لا، فهذا بيان أنهم لم يمنعوا منها والنهى عن فعل الخير لا يجوز إذ بنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين أنه ليس خيرا * 980 - مسألة - ولا يلزم من نوى أن يضحى بحيوان مما ذكرنا ان يضحى به ولابد بل له ان لا يضحى به ان شاء إلا أن ينذر ذلك فيه فيلزمه الوفاء به * برهان ذلك ان الاضحية كما قدمنا ليست فرضا فإذ ليست فرضا فلا يلزمه التضحية إلا ان يوجبها نص ولا نص الا فيمن ضحى قبل وقت التضحية في ان يعيد وفيمن نذر ان يفى بالنذر * وروينا من طريق مجاهد لا بأس بان يبيع الرجل أضحته ممن يضحى بها ويشترى خيرا منها، وعن عطاء فيمن اشترى أضحيتة، ثم بدا له قال: لا بأس بأن يبيعها، وروينا عن على. والشعبى. والحسن. وعطاء كراهة ذلك * قال على: ما نعلم لمن كره ذلك حجة *

[ 376 ]

981 - مسألة - ولا تكون الاضحية أضحية إلا بذبحها، أو نحرها بنية التضحية لاقبل ذلك أصلا وله ما لم يذبحها، أو ينحرها كذلك ان لا يضحى بها وان يبيعها وان يجز، صوفها ويفعل فيه (1) ما شاء ويأكل لبنها ويبيعه، وان ولدت فله ان يبيع ولدها أو يمسكه أو يذبحه، فان ضلت فاشترى غيرها، ثم وجد التى ضلت لم يلزمه ذبحها ولاذبح واحدة منهما، فان ضحى بهما. أو بأحدهما. أو بغيرهما فقد أحسن وان لم يضح أصلا فلا حرج، وان اشتراها وبها عيب لاتجزى به في الاضاحي كعور. أو عجف: أو عرج. أو مرض، ثم ذهب العيب وصحت جاز له ان يضحى بها ولو أنه ملكها سليمة من كل ذلك. ثم اصابها عيب لاتجزى به في الاضحية قبل تمام ذكاتها ولو في حال التذكية لم تجزه * برهان ذلك ما ذكرناه من أنها ليست فرضا فإذ هي كذلك فلا تكون أضحية الا حتى يضحى بها ولا يضحى بها الا حتى تتم ذكاتها بنية التضحية فهى ما لم يضح بها مال من ماله يفعل فيه ما أحب كسائر ماله ومن خالف هذا فاجاز ان يضحى بالتى يصيبها عنده العيب فقد خالف نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا ولزمه ان اشترى (2) أضحية معيبة فصحت عنده ان لاتجزئه ان يضحى بها وهم لا يقولون هذا * روينا عن على بن ابى طالب من طريق أبى اسحاق عن هبيرة بن يريم قال: قال على: إذا اشتريت الاضحية سليمة فأصابها عندك عوار. أو عرج فبلغت المنسك فضح بها * ومن طريق الحارث عن على أنه سئل عن رجل اشترى أضحيتة سلميد فاعورت عنده؟ قال: يضحى بها، وهو قول حماد بن أبى سليمان * رويناه عنه من طريق شعبة، وهو قول الحسن. وابراهيم، وروينا من طريق ابن عباس فيمن اشترى أضحيته فضلت قال: لا يضرك * وعن الحسن. والحكم بن عتيبة فيمن ضلت أضحيته فاشترى أخرى فوجد الاولى أنه يذبحهما جميعا، قال حماد: يذبح الاولى، وقال أبو حنيفة: ان اشتراها صحيحة، ثم عجفت عنده حتى لاتنقى اجزأته ان يضحى بها فلوا عورت عنده لم تجزه فلوا أنه إذ ذبحها أصاب السكين عينها. أو انكسر (3) رجلها اجزأته. وهذه اقوال فاسدة متناقضة، ولا نعلم هذه التقاسيم عن أحد قبله * وقال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي: لا يجز صوفها ولا يشرب لبنها، قال الشافعي: الاما فضل عن ولدها، وروينا عن عطاء فيمن اشترى أضحية ان له يجز صوفها وأمره الحسن ان فعل ان يتصدق به، وقال أبو حنيفة. والشافعي: ان ولدت ذبح ولدها معها وقال مالك: ليس عليه ذلك * روينا عن على أنه سأله رجل معه بقرة قد ولدت؟ فقال:


(1) أي في الصوف، وفى النسخة رقم (16) (فيها) أي في الاضحية وهو بعيد (2) في النسخة رقم (16) (ان يشترى) وهو تحريف (3) كذا في جميع النسخ وصوابه ما أو كسر رجلها أو انكسرت رجلها لان الرجل مؤنثة *

[ 377 ]

كنت اشتريتها لاضحى بها؟ فقال له على: لا تحلبها الافضلا عن ولدها فإذا كان يوم الاضحى فاذبحها وولودها عن سبعة * 982 - مسألة - والتضحية جائزة من الوقت الذى ذكرنا يوم النحر إلى ان يهل هلال المحرم، والتضحية ليلا ونهارا جائز، واختلف الناس في هذا فروينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين قال: النحر يوم واحد إلى ان تغيب الشمس * وعن حميد بن عبد الرحمن أنه كان لا يرى الذبح الا يوم النحر وهو قول أبى سليمان، وقول آخر رويناه من طريق وكيع عن محمد بن عبد العزيز عن جابر بن زيد قال: النحر في الامصار يوم، وبمنى ثلاثة أيام، وقول ثالث ان التضحية يوم النحر ويومان بعده روينا من طريق ابن أبى ليلى عن المنهال بن عمرو عن زر عن على قال: النحر ثلاثة أيام أفضلها أولها، ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن منصور عن مجاهد عن مالك بن ماعز أو ماعز بن مالك الثقفى ان اباه سمع عمر يقول: انما النحر في هذه الثلاثة الايام * ومن طريق ابن ابى شيبة نا هشيم عن أبى حمزة عن حرب ابن ناجية عن ابن عباس قال: ايام النحر ثلاثة أيام * ومن طريق وكيع عن ابن أبى ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس النحر ثلاثة أيام * ومن طريق ابن أبى شيبة عن اسماعيل بن عياش عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: الاضحى يوم النحر ويومان بعده * ومن طريق وكيع عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: ما ذبحت يوم النحر، والثانى، والثالث فهى الضحايا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح حدثنى أبو مريم سمعت ابا هريرة يقول: الاضحى ثلاثة أيام * ومن طريق وكيع عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: الاضحى يوم النحر ويومان بعده وبه يقول أبو حنيفة. ومالك، ولا يصح شئ من هذا كله الاعن أنس وحده لانه عن عمر من طريق مجهول عن أبيه مجهول أيضا، وعن على من طريق ابن أبى ليلى وهو سئ الحفظ عن المنهال وهو متكلم فيه، وعن ابن عباس من طريق ابن أبى ليلى وهو سئ الحفظ وأبى حمزة وهو ضعيف * ومن طريق ابن عمر عن اسماعيل بن عياش وعبد الله بن نافع وكلاهما ضعيف * ومن طريق أبى هريرة عن معاوية بن صالحو ليس بالقوى عن أبى مريم وهو مجهول، وقول رابع (1) وهو ان التضحية يوم النحر وثلاثة أيام بعده روينا من طريق محمد بن المثنى نا عبيدالله (2) ابن موسى نا ابن أبى ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال: الايام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده هكذا في كتابي ولا أدري لعله وهم والله أعلم *


(1) في النسخة رقم (16) (وقول آخر) وفى النسخة اليمنية (وقول ثالث) (2) في النسخة رقم (16) (عبد الله) وهو غلط *

[ 378 ]

ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن هشام عن عطاء قال: النحر أربعة أيام إلى آخر أيام التشريق * ومن طريق وكيع ناهمام بن يحيى سمعت عطاء يقول: النحر أربعة أيام إلى آخر أيام التشريق * ومن طريق وكيع نا همام بن يحيى سمعت عطاء يقول: النحر مادامت الفساطيط بمنى * ومن طريق وكيع عن شعبة عن قتادة عن الحسن قال: النحر يوم النحر وثلاثة ايام بعده * ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري فيمن نسى ان يضحى يوم النحر قال: لا بأس ان يضحى ايام التشريق * ومن طريق ابن ابى شيبة عن اسماعيل بن عياش عن عمرو ابن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز قال: الاضحى أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده وهو قول الشافعي * وقول خامس كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو داود الطيالسي عن حرب ابن شداد عن يحيى بن ابى كثير عن محمد بن ابراهيم - هو التيمى - عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف. وسليمان بن يسار قالا جميعا: الاضحى إلى هلال المحرم لمن استأنى بذلك * قال أبو محمد: أما من قال النحر يوم الاضحى وحده فقال: انه مجمع عليه وما عداه فمختلف فيه فلا توجد شريعة باختلاف لانص فيه * قال على: صدقوا، والنص يجيز قولنا على ما نأتى به بعد هذا ان شاء الله تعالى * وأما من قال: بقول أبى حنيفة. ومالك: فانهم احتجوا بأنه قول روى عن عمر. وعلى. وابن عمر. وابن عباس. وأبى هريرة. وأنس ولا يعرف لهم من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، ومثل هذا لا يقال بالرأى * قال على: قد ذكرنا قضايا عظيمة خالفوا فيها جماعة من الصحابة رضى الله عنهم لايعرف لهم منهم مخالف فكيف ولا يصح شئ مما ذكرنا الا عن أنس وحده على ما بينا قبل؟ وان كان هذا إجماعا فقد خالف عطاء. وعمر بن عبد العزيز. والحسن والزهرى. وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وسليمان بن يسار الاجماع، وأف لكل إجماع يخرج عنه هؤلاء، وقد روينا عن ابن عباس ما يدل على خلافه لهذا القول ولا نعلم لمن قال: أربعة أيام حجة أيضا إلا أن أيام منى ثلاثة أيام يوم النحر فقط وليس هذا حجة * قال أبو محمد: الاضحية فعل خير وقربة إلى الله تعالى وفعل الخير حسن في كل وقت قال الله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير) فلم يخص تعالى وقتا من وقت ولارسوله عليه السلام فلا يجوز تخصيص وقت بغير نص فالتقرب إلى الله تعالى بالتضحية حسن ما لم يمنع منه نص أو إجماع ولانص في ذلك ولا إجماع إلى آخر ذى الحجة، وقد روينا خبر ايلزمهم الاخذ به، وأما نحن فلا نحتج به ويعيذنا الله تعالى من ان نحتج بمرسل، وهو ما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى (1) نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أحمد بن الهيثم


(1) في النسخة رقم (14) (ابراهيم بن أحمد الدينورى) *

[ 379 ]

نا مسلم (1) نا يحيى - هو ابن أبى كثير - عن محمد بن ابراهيم التيمى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسليمان بن يسار قالا جميعا: بلغنا (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الاضحى إلى هلال المحرم لمن اراد أن يستأنى بذلك) وهذا من أحسن المراسيل وأصحها فيلزم الحنيفيين والمالكيين القول به والا فقد تناقضوا * قال على: وأجاز أبو حنيفة. والشافعي ان يضحى بالليل وهو قول عطاء، وقال مالك: لا يجوز أن يضحى ليلا وما نعلم لهذا القول حجة اصلا الا أنهم قال قائلهم: قال الله تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام) قالوا: فلم يذكر الليل * قال على: وهذا منهم ايهام يمقت الله تعالى عليه لان الله تعالى لم يذكر في هذه الآية ذبحا، ولا تضحية، ولانحرا لا في نهار، ولافى ليل وانما أمر الله تعالى بذكره في تلك الايام المعلومات أفترى يحرم ذكره في لياليهن؟ ان هذا لعجب! ومعاذ الله من هذا، وليس هذا النص بمانع من ذكره تعالى وحمده على ما رزقنا من بهيمة الانعام في ليل، أو نهار في العام كله، وهذا مما حرفوا فيه الكلم عن مواضعه ولا يختلفون فيمن حلف ان لا يكلم زيد اثلاثة أيام ان الليل يدخل في ذلك مع النهار، وذكروا حديثا لا يصح رويناه من طريق يقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالليل) (2) * قال أبو محمد: هذه فضيحة الابد، وبقية ليس بالقوى، ومبشر بن عبيد مذكور بوضع الحديث عمدا، ثم هو مرسل، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لانهم يجيزون الذبح بالليل فيخالفونه فيما فيه ويحتجون به فيما ليس فيه، وهذا عظيم جدا، وقال قائل منهم: لما كانت ليلة النحر لا يجوز التضحية فيها وكان يومه تجوز التضحية فيه كانت ليالى سائر أيام التضحية كذلك * قال على: وهذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا كان هذا منه عين الباطل لان يوم النحر هو مبدأ دخول وقت التضحية وما قبله ليس وقتا للتضحية، ولا يختلفون معنا في ان من طلوع الشمس إلى ان يمضى بعد ابيضاضها وارتفاعها وقت واسع من يوم النحر لا تجوز فيه التضحية فيلزمهم ان يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من أيام التضحية فلا يجيز والتضحية فيها الا بعد مضى مثل ذلك الوقت والا فقد تناقضوا وظهر فساد قولهم، وما نعلم أحدا من السلف قبل مالك (3) منع من التضحية ليلا *


(1) قال في هامش نسخة رقم (14) (سقط رجل اظنه هشاما لدستوائى) اه‍ والحديث ليس في صحيح مسلم واظن ان مسلما هذا ليس صاحب الصحيح لان عادة الؤلف رحمه الله، روى حديثا من طريق مسلم يقول وروينا من طريق مسلم وهنا لم يقل والله اعلم (2) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: حديث انه صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح ليلا رواه الطبراني من حديث ابن عباس وفيه سلمان بن سلمة الخبائرى وهو متروك، وذكره عبد الحق من حيث عطاء بن يسار مرسلا وفيه مبشر بن عبيد وهو متروك اه‍ * اقول هنا وصف بالحلبى وفى التهذيب بالحمصي (3) في النسخة رقم (16) (قبل ذلك) وما هنا أنص *

[ 380 ]

983 - مسألة - ونستحب للمضحى رجلا كان أو امرأة ان يذبح أضحيته أو ينحرها بيده فان ذبحها أو نحرها له بأمره مسلم غيره، أو كتابي اجزأه ولاحرج في ذلك * روينا من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى نا وكيع عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ورأيته (1) يذبحهما بيده واضعا قدمه على صفاحهما وسمى الله وكبر (2)) * قال مسلم نا يحيى بن حبيب نا خالد بن الحارث نا شعبة انا قتادة قال: سمعت أنسا فذكر مثل هذا الحديث. فنحن نستحب الاقتداء به عليه السلام في هذا قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، وقال تعالى: (وطعام الذين أوتو الكتاب حل لكم)، وانما عنى عزوجل بيقين ما يذكونه لاما يأكلونه لانهم يأكلون الميتة. والدم. والخنزير. وما عمل بالخمر وظهرت فيه، فإذ ذبائحهم ونحائرهم حلال فالتفريق بين الاضحية وغيرها لا وجه له، وقولنا هذا هو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان: * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن منصور قلت لابراهيم: صبى له ظئر (3) يهودى أيذبح أضحيته؟ قال: نعم * ومن طريق عبد الرزاق انا ابن جريج. ومعمر قال ابن جريج: قال عطاء، وقال معمر: قال الزهري ثم اتفق عطاء والزهرى قالا جميعا: يذبح نسكك اليهودي والنصراني ان شئت قال الزهري: والمرأة ان شئت، وقال مالك: لا يذبحها الا مسلم فان ذبحها كتابي قال ابن القاسم: يضمنها * روينا من طريق جعفر بن محمد عن أبيه ان على بن أبى طالى قال: لا يذبح أضاحيكم اليهود ولا النصارى لا يذبحها الا مسلم * وعن جرير عن قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس لا يذبح أضحيتك الا مسلم * وعن أبى سفيان عن جابر لا يذبح النسك الا مسلم * وعن سعيد ابن جبير. والحسن. وعطاء الخراساني. والشعبى. ومجاهد. وعطاء بن أبى رباح أيضا لا يذبح النسك الا مسلم * وعن ابراهيم كانوا يقولون: لا يذبح النسك الا مسلم، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون والشافعيون جماعة من الصحابة (4) وجمهور العلماء لا مخالف لهم يعرف من الصحابة ولا يصح عن أحد من الصحابة ما ذكرنا (5) لانه عن على منقطع، وقابوس. وأبو سفيان ضعيفان إلا أنه عن الحسن. وابراهيم. والشعبى. وسعيد بن جبير صحيح ولا يصح عن غيرهم، وما نعلم لهذا القول حجة أصلا لامن قرآن. ولامن سنة. ولامن أثر سقيم. ولامن قياس *


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 119 (قال: فرأيته) (2) في صحيح مسلم (قال وسمى وكبر) (3) يقال للمرأة الاجنبية تحضن ولد غيرها ظئر وللرجل الحاضن ظئر ايضا والجمع اظآر مثل حمل واحمال * (4) في النسخة رقم (16) (طائفة من الصحابة) (لفظ ما ذكرنا) سقط من النسخة رقم (16)

[ 381 ]

984 - مسألة - وجائز ان يشترك في الاضحية الواحدة أي شئ كانت الجماعة من أهل البيت وغيرهم، وجائزان يضحى الواحد بعدد من الاضاجى، ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين كما ذكرنا آنفاو لم ينه عن أكثر من ذلك والاضحية فعل خير فالاستكثار من الخير حسن * وقال أبو حنيفة. وسفيان الثوري. والاوزاعي. والشافعي. وأحمد. واسحاق. وأبو ثور. وأبو سليمان: تجزى البقرة، أو الناقة عن سبعة فأقل أجنبيين وغير اجنبيين يشتركون فيها ولا تجزى عن أكثر ولا تجزى الشاة الاعن واحد، وقال مالك: يجزى الرأس الواحد من الابل، أو البقر، أو الغنم عن واحد وعن أهل البيت وان كثر عددهم وكانوا أكثر من سبعة إذا أشركهم فيها تطوعا ولا تجزى إذا اشتروها بينهم بالشراكة ولاعن اجنبيين فصاعدا * قال أبو محمد: الاضحية فعل خير وتطوع بالبر فالاشتراك في التطوع جائز ما لم يمنع من ذلك نص قال تعالى: (وافعلوا الخير) فالمشتركون فهيا فاعلون للخير فلا معنى لتخصيص الاجنبيين بالمنع ولا معنى لمنع ذلك بالشراء لانه كله قول بلا برهان أصلا لامن قرآن، وسنة، ولا رواية سقيمة، ولا قياس، وقد أباح الليث الاشتراك في الاضحية في السفر وهذا تخصيص لا معنى له أيضا (1) * روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة أم المؤمنين أو أبى هريرة (2) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه كان إذا أراد ان يضحى اشترى كبشين عظيمين، سمينين، أقرنين أملحين موجوءين فيذبح أحدهما عن أمته من شهد لله بالتوحيد وله بالبلاغ ويذبح الآخر عن محمد وآل محمد) (3)، فهذا أثر صحيح عندهم، وعلى رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عول المالكيون في خبر الصلاة (تحريهما التكبير وتحليلها التسليم)، وروينا من طريق عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر البدنة عن واحد، والبقرة عن واحد، والشاة عن واحد لاأعلم شركا، وصح عن محمد بن سيرين لاأعلم دما واحدا يراق عن أكثر من واحد * وصح من طريق ابن أبى شيية عن أبى معاوية عن مسعر بن كدام عن حماد بن أبى سليمان لا تكون ذكاة نفس عن نفسين. وكرهه الحكم * وقول آخر رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن حاتم ابن اسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن أبى طالب قال: الجزور، والبقرة عن سبعة


(1) سقط لفظ (ايضا)) من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) وكذلك اليمنية (وابى هريرة) بالواو فقط وما هنا موافق لما ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص ص 385 (3) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص رواه احمد وابن ماجه والبيهقي والحاكم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن عائشة أو ابى هريرة هذه رواية الثوري، ورواه زهير بن محمد عن ابن عقيل عن ابى رافع اخرجه الحاكم الخ، والموجوءين المنزوعى الانثين *

[ 382 ]

من أهل البيت لايدخل معهم من غيرهم، كل هذا مخالف لقول مالك لان ابن عمر لم يجز الرأس الواحد الاعن واحد وكذلك ابن سيرين. وحماد، وعلى أجاز الناقة أو البقرة عن سبعة من أهل البيت لاأكثر * ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن علية عن سعيد عن قتادة عن سليمان بن يسار عن عائشة أم المؤمنين قالت: البقرة والجزور عن سبعة * وعن ابن أبى شيبة عن على بن مسهر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس ابن مالك. وسعيد بن المسيب، والحسن قالوا كلهم: البقرة عن سبعة والجزور عن سعبة يشتركون فيها وان كانوا من غير أهل دار واحدة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا محمد ابن فضيل عن داود بن أبى هند عن الشعبى قال: أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون كانوا يذبحون البقرة والبعير عن سبعة * ومن طريق وكيع عن سفيان عن حماد عن ابراهيم قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: البقرة والجزور عن سبعة * قال على: هذا حماد قد روى ما ذكرنا عن الصحابة، ثم خالف ماروى ولم ير ذلك إجماعا كما يزعم هؤلاء * وعن ابن أبى شيبة عنابن فضيل عن مسلم عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود البقرة والجزور عن سبعة، وعن وكيع عن سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن خالد بن سعد عن أبى مسعود قال: البقرة عن سبعة. ورويناه أيضا عن حذيفة. وجابر. وعلى. وصح عن سعيد بن المسيب البدنة عن عشرة * وروينا ذلك ايضا عن ابن عباس عن الصحابة رضى الله عنهم * وممن أجاز الاشتراك في الاضاحي بين اللاجنبيين البقرة عن سبعة والناقة عن سبعة طاوس. وأبو عثمان النهدي. وعطاء. وجمهور التابعين، فاما ابن عمر فاننا روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نير نامجالد عن الشعبى قال: سألت ابن عمر عن البقرة والبعير تجزى عن سعبة؟ فقال: كيف أولها سبعة آنفس؟ قلت: ان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين بالكوفة أفتوني فقالوا: نعم قاله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فقال ابن عمر: ما شعرت، فهذا توقف من ابن عمر * ومن طريق وكيع عن عريف بن درهم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: البقرة عن سبعة، فهذا يدل على رجوعه وهذا مما خالف فيه مالك كل رواية رويت فيه عن صاحب الا رواية عن ابن عمر رجع عنها وخالف جمهور التابعين في ذلك * قال أبو محمد: الحجة انما هي في فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يمنع عليه السلام من الاشتراك في التطوع أكثر من عشرة وسبعة بل قد أشرك عليه السلام في أضحيته جميع أمته، وبالله تعالى التوفيق *

[ 383 ]

985 - مسألة - وفرض على كل مضح ان يأكل من أضحيته ولابد ولو لقمة فصاعدا، وفرض عليه ان يتصدق أيضا منها بما شاء قل أو كثر ولابد، ومباح له أن يطعم منها الغنى والكافر، وان يهدى منها ان شاء ذلك، فان نزل باهل بلد المضحي جهد أو نزل به طائفة من المسلمين في جهد جاز للمضحى أن يأكل من أضحيته من حين يضحى بها إلى انقضاء ثلاث ليال كاملة مستانفة يبتدئها بالعدد من بعد تمام التضحية ثم لا يحل له أن يصبح في منزله منها بعد تمام الثلاث ليال شئ أصلا لا ما قل ولا ما كثر، فان ضحى ليلا لم يعد تلك الليلة في الثلاث لانه تقدم منها شئ فان لم يكن شئ من هذا فليدخر منها ما شاء * روينا من طريق البخاري نا أبو عاصم - هو الضحاك بن مخلد - عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الاكوع قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شئ فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي قال: كلوا، وأطعموا، وادخروا فان ذلك العام كان بالناس جهد فاردت ان تعينوا فيها) (1) * ومن طريق مالك عن عبد الله بن أبى كبر بن عمرو بن حزم (ان عمرة بنت عبد الرحمن قالت له: سمعت عائشة أم المؤمنين تقول إنهم قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الاسقية من ضحاياهم ويحملون فيها الودك (2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وماذاك؟ قالوا. نهيت ان تؤكل لحوم الضحيا بعد ثلاث قال عليه السلام بعد: كلوا، وادخروا، وتصدقوا) فهذه أوامر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل خلافها قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم)، ومن ادعى أنه ندب فقد كذب وقفا مالاعلم به ويكفيه ان جميع الصحابة رضى عنهم لم يحملوا نهيه عليه السلام عن ان يصبح في بيوتهم بعد ثلاث منها شئ الا على الفرض ولم يقدموا على مخالفته الا بعد اذنه، ولافرق بين الامر والنهى قال عليه السلام: (إذا نهيتكم عن شئ فاتر كوه وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم)، وعم عليه السلام بالاطعام فجائز ان يطعم منه كل آكل إذ لو حرم من ذلك شئ لبينه عليه السلام (وما كان ربك نسيا) * (وما ينطق عن الهوى ان هو الاوحى يوحى) وادخار ساعة فصاعدا يسمى ادخارا، والعجب كله ممن يستخرج بعقله القاصر ورأيه الفاسد عللا لاوامر الله تعالى وأوامر رسوله عليه السلام لا برهان له بها الادعواه الكاذبة، ثم يأتي إلى حكم جعله عليه السلام موجبا لحكم آخر فلا يلتفت إليه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهد الحال بالناس


(1) هو في صحيح البخاري ج 7 ص 187 (2) أي يحملون الشحم في الاسقية بعدما يذيبونه من الاضحية، والمصنف اختصر الحديث وذكره بمعناه، وفى الموطأ ج 2 ص 36 (ويحملون منها الودك ويتخذون منها الاسقية) ومعنى يحملون يذيبون *

[ 384 ]

موجبا لئلا يبقى (1) عند أحد من أضحيته شئ بعد ثالثة فلم يلتفتوا (2) إلى ذلك ونعوذ بالله من هذا. * فان ذكروا ما روينا من طريق ابراهيم الحربى عن الحكم بن موسى عن الوليد عن طلحة بن عمرو وعن عطاء عن ابن مسعود (أمرنما رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نأكل منها ثلثا ونتصدق بثلثها ونطعم الجيران ثلثها) فطلحة مشهور بالكذب الفاضح، وعطاء لم يدرك ابن مسعود ولا ولد إلا بعد موته ولو صح لقلنا به مسارعين إليه لكن روينا من طريق عبد الرزاق عن عمر عن عاصم عن أبى مجلز قال: أمر ابن عمر ان يرفع له من أضحيته بضعة ويتصدق بسائرها * ومن طريق أبى الجهم نا أحمد بن فرج نا الهروي نا ابن فضيل عن عطاء (3) عن ابراهيم النخعي قال: سافر معى تميم بن سلمة فلما ذبحنا أضحيته فاخذ منها بضعة فقال: آكلها؟ فقلت له: وما عليك ان لا تأكل منها؟ فقال تميم: يقول الله تعالى: (فكلوا منها) فتقول أنت: وما عليك ان لا تأكل. * قال أبو محمد: حمل هذا الامر تميم عل بالوجوب وهذا الحق الذى لا يسع أحدا سواه، وتميم من أكابر أصحاب ابن مسعود * ومن طريق ابن أبى شيبة عن محمد بن فضيل عن عبد الملك عن مولى لابي سعيد عن أبى سعيد أنه كان يقول لبنيه: إذا ذبحتم أضاحيكم فأطعموا، وكلوا، وتصدقوا * ون ابن مسعود أيضا نحو هذا * وعن عطاء نحوه، وصح عن سعيد بن المسيب. وعروة بن الزبير ليس لصاحب الاضحية إذ ربعها (فان ذكروا) ما رويناه من طريق البخاري نا اسماعيل بن أبى أويس حدثنى أخى أبو بكر عن سليمان - هو ابن بلال - عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة (بنت عبد الرحمن) (4) عن عائشة (رضى الله عنها) (5) قالت في الضحية (6) كنا نملح منه فنقدم به (7) إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال (: لا تأكلوا الا ثلاثة أيام) وليست بعزيمة ولكن أراد ان يطعم منه، والله أعلم * فهذا خبر لاحجة فيه لان قول القائل: ليست بعزيمة ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم انما هو من ظن بعض رواة الخبر، يبين ذلك قوله في آخر هذا الخبر، أراد ان يطعم منه والله أعلم، وأيضا فان أبا بكر بن أبى أويس مذكور عنه في روايته امر عظيم، وقد حمل على ابن أبى طالب هذا القول منه عليه السلام على الوجوب وابن عمر كما ذكرنا *


(1) في النسخة رقم (14) (بان لا يبقى) (2) في النسخة رقم (16) (فلا يلتفتوا) وفى النسخة اليمنية (فلم يلتفتون) (3) عطى * هو ابن السائب وسيأتى قريبا عن المصنف ان ابن فضيل انما سمع منه بعد اختلاطه، وهكذا في كتب الرجال كتهذيب التهذيب وهنا لا يضر لان ما رواه عنه اثر لاحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 188 (5) الزيادة من صحيح البخاري (6) في صحيح البخاري (قالت الضحية) (7) في النسخة رقم (14) وكذلك النسخة اليمنية (وتقدم به) وما هنا موافق لصحيح البخاري ج 7 ص 188 *

[ 385 ]

وروينا من طريق مسلم حدثنى حرملة بن يحيى عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب قال: ثم صليت مع على بن أبى طالب فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدنها كم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا بأكلوا) (1) * ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن أبى حصين عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على بن أبى طالب قال: لا يأكل أحد من لحم أضحيته فوق ثلاث * قال على: حديث أبى عبيد مولى ابن أزهر كان عام حصر عثمان رضى الله عنه وكان أهل البوادى قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة وأصابهم جهد فأمر لذلك بمثل ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهد الناس ودفت الدافة (2) وبالله تعالى التوفيق * 985 - مسألة - ولا يحل للمضحى أن يبيع من أضحيته بعد أن يضحى بها شيئا لاجلدا ولاصوفا ولاشعرا ولاوبرا ولا ريشا ولاشحما ولالحما لاعظما ولا غضروفا (2) ولا رأسا ولاطرفا ولاحشوة ولا أن يصدقه ولا أن يؤاجر به ولا أن يبتاع به شيئا أصلا لامن متاع البيت ولاغر بالا ولا منخلا ولا تابلا (4) ولا شيئا أصلا، وله أن ينتفع بكل ذلك ويتوطأه وينسخ في الجلد ويلبسه ويهبه ويهديه، فمن ملك شيئا من ذلك بهبة أو صدقة أو ميراث فه بيعه حينئذ إن شاء، ولا يحل له أن يعطى الجزار على ذبحها أو سلخها شيئا منها، وله أن يعطيه من غيرها، وكل ما وقع من هذا فسخ أبدا * وقد اختلف السلف في هذا فروينا من طريق شعبة عن قتادة عن عقبة بن صهبان قلت لابن عمر: أبيع جلد بقر ضحيت بها؟ فرخص لى * وروينا من طريق عطاء أنه قال: إذا كان الهدى واجبا يتصدق باهابه وإن كان تطوعا باعه إن شاء، وقال ايضا: لا بأس ببيع جلد الاضحية إذا كان عليك دين، وسئل الشعبى عن جلود الاضاحي؟ فقال: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) إن شئت فبع وإن شئت فأمسك، وصح عن أبى العالية أنه قال: لا بأس ببيع جلود الاضاحي نعم الغنيمة تأكل اللحم وتقضى النسك ويرجع اليك بعض الثمن، وذهب آخرون إلى مثل هذا إلا أنهم اجازوا أن يباع به شئ دون شئ، وصح عن ابراهيم النخعي أنه كره بيع جلد الاضحية


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 120 (2) الدافة القوم يسيرون جماعة سيراليس بالشديد (3) هو مالان من العظم في أي موضع كان، وقيل العظم الذى على طرف المحالة (4) جمعه توابل وسيفسره المصنف قريبا بالكمون والسكر أو با *

[ 386 ]

وقال: لا بأس بأن يبدل بجلد الاضحية بعض متاع البيت وأنه قال: تصدق به وأرخص أن يشترى به الغربان والمنخل، وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يجوز بيعه ولكن يبتاع به بعض متاع البيت كالغربال. والمنخل. والتابل، قال هشام بن عبيدالله الرازي: أيبتاع به الخل؟ قال: لاقال: فقلت له: فما الفرق بين الخل والغربال؟ قال: فقال: لاتشتر به الخل ولم يزده على ذلك * قال أبو محمد: أما هذا القول فطريف جدا، وليت شعرى ما الفرق بين التوابل الكمون والفلفل والكسبره والكراويا والغربال والمنخل وبين الخل والزيت واللحم والفأس والمسحاة والثوب والبر والنبيذ الذى لا يسكر؟ وهل يجوز عندهم في ابتياع التوابل والغربال والمناخل من الربا والبيوع الفاسدة ما لا يجوز في غير ذلك؟. إن هذا لعجب لا نظير له! وهذا أيضا قول خلاف كل ماروى في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن أبى ظبيان فقلت لابن عباس: كيف نصنع باهاب البدن؟ قال: يتصدق به وينتفع به * وعن عائشة أم المؤمنين أن يجعل من جلد الاضحية سقاء ينبذ فيه * وعن مسروق أنه كان يجعل من جلد أضحيته مصلى يصلى فيه * وصح عن الحسن البصري انتفعوا بمسوك الاضاحي ولا تبيعوها * وعن طاوس أنه عمل من جلد عنق بدنته نعلين لغلامه * وعن معمر عن الزهري لا يعطى الجزار جلد البدنة ولا يباع * وعن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح أن مجاهدا وسعيد بن جبير كرها ان يباع جلد البدنة تطوعا كانت أو واجبة * قال أبو محمد: ليس إلا قول من منع جملة أو من أباح جملة فاحتج من أباح جملة بقول الله تعالى: (وأحل الله البيع) * قال على: هذا حق إذ لم يأت ما يخصه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاضاحي ما أوردناه من قوله عليه السلام: (كلوا وأطعموا وتصدقوا وادخروا) فلا يحل تعدى هذه الوجوه فيتعدى حدود الله تعالى، والادخار اسم يقع على الحبس فأبيح لنا احتباسها والصدقة بها فليس لنا غير ذلك، وأيضا فان الاضحية إذا قربت إلى الله تعالى فقد أخرجها المضحي من ملكه إلى الله تعالى فلا يحل له منها شئ إلا ما أحله له النص فلولا الامر الوارد بالاكل

[ 387 ]

والادخار ماحل لنا شئ من ذلك، فخرج هذان عن الحظر بالنص وبقى ما عدا ذلك كله على الحظر، وهم يقولون ونحن في أم الولد كذلك أن له استخدامها ووطأها وعتقها، ولا يحل له بيعها ولا اصداقها ولا الاجارة بها ولا تمليكها غيره وبالله تعالى التوفيق * وما وقع مما لا يجوز فيفسخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وأمامن تملك من ذلك شيئا (1) بميراث أو هبة أو صدقة فهو مال من ماله لم يخرجه عن يده إلى الله تعالى بعد فله فيه ماله في سائر ماله ولافرق * 986 - مسألة - ومن وجد بالاضحية عيبا بعد أن ضحى بها ولم يكن اشترط السلامة فله الرجوع بما بين قيمتها حية صحيحة وبين قيمتها معيبة وذلك لانه كان له الرد أو الامساك فلما بطل الرد بخروجها بالتضحية إلى الله تعالى لم يجز للبائع أكل مال أخيه بالخديعة والباطل فعليه رد ما استزاد على حقها الذى يساويه لانه أخذه بغير حق إلا أن يحل له ذلك المبتاع فله ذلك لانه حقه تركه لله تعالى وهذا متقصى في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى، قال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقال تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم)، فالخديعة أكل مال بالباطل 987 - مسألة - فان كان اشترط السلامة فهى ميتة ويضمن مثلها للبائع ويسترد الثمن ولا تؤكل لان السالمة (2) بيقين لاشك فيه هي غير المعصية، فمن اشترى سالمة وأعطى معيبة فانما أعطى غير ما اشترى وإذا أعطى غير ما اشترى فقد أخذ ما ليس له وممن أخذ ما ليس له فهو حرام عليه قال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والتراضي لا يكون إلا بالمعرفة بقد ما يتراضيان به لا بالجهل به فمن لم يعرف العيب فلم يرض به والرضا لا يكون إلا في عقد الصفقة لابعده، ومن ذبح مال غيره بغير إذن مالكه فقد تعدى والتعدى معصية لله وظلم وقد أمر الله تعالى بالذكاة فهى طاعة له تعالى، ولاشك في أن طاعة الله تعالى غير معصية فالذبح الذى هو طاعة وذكاة هو غير الذبح الذى هو معصية وعدوان، ولا يحل اكل شئ من الحيوان ان إلا بالذكاة التى أمر الله تعالى بها لامما نهى عنه من العدوان فليست ذكبة فهى ميتة ومن تعدى باتلاف مال اخيه فهو؟؟؟ والصفقة فاسدة فالثمن مردود، ومن خالفنا في هذا فقد تناقض إذ حرم اكل ما ذبح من صيد


(1) في النسخة رقم (14) (شيئا من ذلك) وكذلك في النسخة اليمنية (2) في النسخة رقم (14) (لان السلمة) *

[ 388 ]

الحرام أو ما يصيده المحرم ولافرق بين الامرين، وقد اباح أبو ثور وغيره اكل الصيد الذى يقتله المحرم بالعلة التى بها اباح (1) هؤلاء أكل ما ذبح بغير حق * 988 - مسألة - ومن أخطأ فذبح أضحية غيره بغير أمره فهى ميتة لاتؤكل وعليه ضمانها لما ذكرنا، وللغائب ان يأمر بان يضحى عنه وهو حسن لانه أمر بمعروف فان ضحى عنه من ماله بغير أمره فهى متية لما ذكرنا فلو ضحى عن الصغير أو المجنون وليهما من مالهما فهو حسن وليست ميتة لانه الناظر لهما وليس كذلك مالك أمر نفسه، بالله تعالى التوفيق (2) * بسم الله الرحمن الرحيم كتاب ما يحل أكله وما يحرم أكله قال أبو محمد: لا يحل أكل شئ من الخنزير. لالحمه. ولاشحمه. ولاجلده. ولاعصبه. ولاغضروفه. ولاحشوته. ولامخه. ولاعظمه. ولا رأسه. ولا أطرافه. ولا لبنه. ولاشعره: الذكر والانثى والصغير والكبير سواء، ولا يحل الانتفاع بشعره لافى خرز ولافى غيره، ولا يحل اكل شئ من الدم ولا استعماله مسفوحا كان أو غير مسفوح الا المسك وحده ولا يحل اكل شئ مما مات حتف أنفه من حيوان البر ولا ما قتل منه بغير الذكاة المأمور بها الا الجراد وحده فان خنق شئ من حيوان البر حتى يموت أو ضرب بشئ حتى يموت، أو سقط من علو فمات، أو نطحه حيوان آخر فمات من ذلك فلا يحل أكل شئ منه ولا ما قتله السبع أو حيوان آخر حاشا الصيد على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، فان أدرك كل ما ذكرنا حيا فذكى فهو حلال أكله ان كان مما لم يحرم اكله، ولا يحل أكل حيوان ذبح أو نحر لغير الله تعالى قال الله تعالى: (حرمت عليم


(1) في النسخة رقم (14) (التى اباح بها) (2) سبق للمصنف ان قال في ص 358 من هذا الجزء ان الاضحية تجزى بالخصى ولم يذكر دليلا بخصوصه بذلك وقد نقل مصحح النسخة رقم (14) عن المصنف كتابه الايصال دليل ذلك صافا حببت نقله بنصه اتماما للفائدة قال: وأما الخصى فالتضحية به جائزة مستحبة ولعله أفضل من غيره أو مثله لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: (ذبح عليه السلام يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين) وذكر باقى الخر * ولما روى عبد الرزاق عن عائشة أو أبى هريرة (انه كان عليه السلام إذا أراد ان يضحى اشترى كبشين عظيمين سمينين اقرنين أملحين موجوءين فذبحهما) وذكر الحديث، قال أبو محمد: هذا حديث جيد لاعلة فيه فالحجة به قائمة قال أبو محمد: الوحبى الخمى ومنه الحديث (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء باى خصى اه‍ * اقول الحديث الاول رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 52 بتمامه، والحديث الثاني رواه الصنف في هذا الجزء ص 381 بتمامه وقال بعد ان ذكره: فهذا اثر صحيح عندهم *

[ 389 ]

الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما اكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب) فحرم تعالى كل ما ذكرنا واستثنى منه بالاباحة كل ما ذكينا ولا تقتضى الآية غير هذا (1) صلا، وههنا قولان لبعض من تقدم أحدهما قول مالك وهو أنه إذا بلغ بالحيوان شئ مما ذكرنا مبلغا يوقن انه يموت منه فانه لا يحل اكله، وان ذكى والقول الثاني قاله المزني وهو انه قال: إذا عرف انه يموت مما اصابه قبل موته من الذكاة حرم اكله وان عرف انه يموت من الذكاة قبل موته مما اصابه حل اكله * قال أبو محمد: اما قول مالك فخلاف للآية ظاهر، وكذلك تقسيم المزني ايضا وسنستقصي هذا في كتاب الذكاة ان شاء الله تعالى، واما الدم فان قوما حرموا المسفوح وحده، وهو الجارى، واحتجوا بقول الله تعالى: (قل: لااجد فيما اوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل لغير الله به) قالوا: فانما حرم المسفوح فقط * قال أبو محمد: وهذا استدلال منهم موضوع في غير موضعه لان الآية التى احتجوا بها في سورة الانعام وهى مكية والآية التى تلونا نحن في سورة المائدة وهى مدنية من آخر ما انزل فحرم في اول الاسلام بمكة الدم المسفوح ثم حرم بالمدينة الدم كله جملة عموما فمن لم يحرم الا المسفوح وحده فقد احل ما حرم الله تعالى في الآية الاخرى ومن حرم الدم جملة فقد اخذ بالآيتين جميعا وقد حرم بعد تلك الآية اشياء ليست فيها كالخمر وغير ذلك فوجب تحريم كل ما جاء نص بتحريمه بعد تلك الآية والدم جملة مما نزل تحريمه بعد تلك الآية * نا أبو سعيد الفتى نا محمد بن على المقرى نا احمد بن محمد بن اسماعيل النحاس حدثنى يموت بن المزرع نا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني نا أبو عبيدة معمر بن المثنى نا يونس بن حبيب قال: سمعت ابا عمر والعلاء قال: سألت مجاهدا عن تلخيص آى القرآن المدنى من المكى؟ فقال: سألت ابن عباس عن ذلك؟ فقال: سورة الانعام نزلت بمكة جملة واحدة الا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة (قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) إلى تمام الثلاث الآيات * قال أبو محمد: هي قول الله تعالى (قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ان لا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا ولا تقتلوا أولادكم من املاق نحن نرزقكم واياهم ولا تقربوا


(1) في النسخة رقم (16) (غير ذلك) *

[ 390 ]

الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن حتى يبلغ أشده واوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا الا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله اوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) * فهذه الثلاث الآيات هي التى أنزلت منها في المدينة وسائرها بمكة، وسورة المائدة أنزلت بالمدينة لا خلاف في ذلك، (فان ذكروا) ما روى عن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن الدم يكون في أعلى القدر؟ فلم تربه بأسا وقرأت (قل: لاأجد فيما اوحى إلى محرما على طاعم يطعمه) حتى بلغت (مسفوحا) فان هذا قد عارضه ما رويناه عنها من طريق ابن وهب عن معاوية بن صالح عن جرى بن كليب عن جبير بن نفير قال: قالت لى عائشة أم المؤمنين: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم قالت: أما أنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها حراما فحرموه * قال أبو محمد: وأيضا فان الدم الذى في أعلى القدر ان كان أحمر ظاهرا فهو بلا شك مسفوح ولا خلاف في تحريمه وان كان انما هو صفرة فليس دما لان الدم أحمر أو أسود لااصفر فان بطلت صفاته التى منها يقوم حده فقط سقط عنه اسم الدم واذ لم يكن دما فهو حلال، وكذلك مافى العروق وخلال اللحم فانه ليس ظاهرا (1) وإذا لم يكن ظاهرا فليس هنالك دم يحرم. وانما نسأل خصومنا عن دم أحمر ظاهر إلا أنه جامد ليس جاريا أيحل أكله أم لا؟ فهذا مكان الاختلاف بيننا وبينهم، بالله تعالى التوفيق * وأما المسك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يتطيب به في حجة الوداع وبعدها وقبلها وأقره الله تعالى على ذلك واباحه له ولنا وقد علم الله تعالى أنه في أصله دم قرحة متولدة في حيوان (وما كان ربك نسيا) * وأما الخنزير فان الله تعالى قال: (أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا). والضمير في لغة العرب التى نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور إليه فصح بالقرآن ان الخنزير بعينه رجس فهو كله رجس وبعض الرجس رجس، والرجس حرام واجب اجتنابه فالخنزير كله حرام لا يخرج من ذلك شعره ولاغيره حاشا ما أخرجه النص من الجلد إذا دبغ فحل استعماله *


(1) في النسخة رقم (14) (ليس طاهرا) وكذلك ما بعده وهو تصحيف *

[ 391 ]

وروينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا ليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذى نفسي بيده) (1) ليوسكن ان ينزل فيكم ابن مريم صلى الله عليه وسلم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضح الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) * ومن طريق مسلم نا هارون بن عبد الله نا حجاج - هو ابن محمد - (عن ابن جريج) (2) نا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول: أميرهم تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم علي بعض امراء تكرمة الله هذه الامة)، فصح ان النبي صلى الله عليه وسلم صوب قتل عيسى عليه السلام للخنازير واخبر أنه بحكم الاسلام ينزل وبه يحكم، وقد صح أنه عليه السلام نهى عن اضاعة المال فلو كانت الذكاة تعمل في شئ من الخنزير لما اباح عليه السلام قتله فيضيع، فصح أنه كله ميتة محرم على كل حال، وقد ادعى بعض من لا يبالي ما اطلق به لسانه من أصحاب القياس ان شحم الخنزير انما حرم قياسا على لحمه وان الاجماع علي تحريمه انما هو من قبل القياس المذكور * قال أبو محمد: فيقال لمن قال هذا التخليط الظاهر فساده: أول بطلان قولك أنه دعوى بلا برهان، وثانيه أنه كذب على الامة كلها إذ قلت أنها انما اجمعت على الباطل من القياس، والثالث أنه لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه لا علة تجمع بين الشحم واللحم، (فان قالوا): لان الشحم بعض اللحم ومن اللحم لانه من اللحم تولد قلنا لهم: أمما قولكم: ان الشحم بعض اللحم فباطل لانه لو كان ذلك لكان الشحم لحما وهذا لم تأت به لغة قط ولا شريعة، وأما قولكم لانه من اللحم تولد فنحن تولدنا من التراب ولسنا ترابا، والدجاجة تولدت من البيضة وليست بيضة، والتمر تولد من النخل وليس نخلا، واللحم تولد من الدم واللبن تولد من الدم وليس اللحم دما ولا اللبن دما بل هما حلالان، والدم حرام وكل ما تولد من شئ فلم يقع عليه اسم ما تولد منه فهو نوع آخر ولايجوز أن يحكم له بحكمه لا في اللغة ولا في الديانة، وقد حرم الله تعالى الشحم على بنى اسرائيل فلم يحرم اللحم بتحريم الشحم. نعم ولا حرم شحم الظهر ولا شحم الصدر ولاشحم الحوايا لتحريم شحم البطن، ولا يدرى ذو عقل من أين وجب إذا حرم اللحم ان يحرم الشحم؟ وقد بينا فرق ما بينهما آنفا * والرابع ان يقال لهم أترون سف عظمه


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 54 (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 55

[ 392 ]

وأكل غضروفه وشرب لبنه حرم قياسا على لحمه؟ ان هذا لعجب جدا! وكل هذه عندهم انواع غير اللحم بلا خلاف منهم، ويقال لهم ايضا اخبرونا أحرم الله تعالى شحم النخزير. وغضروفه وعظمه وشعره ولبنه؟ أم لم يحرم شيئا من ذلك؟ ولابد من احدهما، (فان قالوا): حرم الله تعالى كل ذلك قلنا لهم: ومن أين يعرف تحريم الله تعالى ما حرم الا بتفصيله تحريمه وبوحيه بذلك إلى رسوله عليه السلام، وهل يكون من ادعى ان الله تعالى حرم امر كذا بغير وحى من الله تعالى بذلك الا مفتريا على الله تعالى كاذبا عليه جهارا؟ إذ أخبر عنه تعالى بما لم ينزل به وحيا ولا اخبر به عن نفسه، وقد قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) * (فان قالوا): حرم كل ذلك بتحريمه اللحم قلنا: وهذه دعوى مكررة كاذبة مفتراة بلا دليل على صحتها، وعن هذه الدعوة الكاذبة سألناكم؟ فلم نجد عندكم زيادة على تكريرها فقط، وما كان هكذا فهو باطل بيقين * (فان قالوا) لم يحرمها الله تعال بوحى من عنده ولاحرمها رسوله عليه السلام بنص لكن أجمع المسلمون على تحريم كل ذلك، قيل لهم: هذه أطعم وأفحش أن يكون شئ يقرون أنه لم يحرمه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وإذا لم يحرمه الله تعالى ولارسوله صلى الله عليه وسلم فقد أحله الله تعالى بلا شك فأجمع المسلمون (1) على مخالفة الله تعالى ومخالفة رسوله عليه السلام إذ حرموا ما لم يحرمه الله تعالى ولارسوله عليه السلام وقد أعاذ الله تعالى المسلمين من هذه الكفرة الصلعاء، * (فان قالوا) * لما أجمع المسلمون على تحريمه حرمه الله تعالى حينئذ قلنا لهم: متى حرمه الله تعالى؟ أقبل اجماعهم أم مع أجماعهم أم بعد أجماعهم، ولا سبيل إلى قسم رابع * (فان قالوا) *: بعد أجماعهم جعلوا حكمه تعالى تبعا لحكم عباده وهذا كفر محض، وان قالوا: بل مع اجماعهم كانوا قد أوجبوا أنهم ابتدءوا مخالفة الله تعالى في تحريم ما لم يحرمه وقد بينا فحش هذا آنفا، * (وان قالوا) *: بل قبل اجماعهم قلنا: فقد صح أنه تعالى حرمه ولا يعرف تحريمه اياه الا بتفصيل منه تعالى بتحريمه والتفصيل لا يكون البتة الا بنص وهذا قولنا والا فهو دعوى كذب على الله تعالى. وتكهن. وقول في الدين بالظن فظهر يقين ما قلناه وفساد قولهم وصح ان المسلمين انما أجمعوا على تحريم كل ذلك اتباعا للنص الوارد في تحريمه كمالم يجمعوا على تحريم لحمه الا بعد ورود النص بتحريمه ولا فرق وبالله تعالى التوفيق، وسنذكر حكم الجراد بعد هذا ان شاء الله تعالى *


(1) في النسخة رقم (14) (واجمع المسلمون) *

[ 393 ]

989 - مسألة - وأما ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلا فيه فهو حلال كله كيفما وجد، سواء أخذ حيا ثم مات أو مات في الماء، طفا أو لم يطف، أو قتله حيوان بحرى أو برى هو كله حلال أكله، وسواء خنزير الماء، أو انسان الماء، أو كلب الماء وغير ذلك كل ذلك حلال أكله: قتل كل ذلك وثنى أو مسلم أو كتابي أو لم يقتله أحدا * برهان ذلك قول الله تعالى: (وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا، وقال تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) فعم تعالى ولم يخص شيئا من شئ (وما كان ربك نسيا) فخالف أصحاب أبى حنيفة هذا كله وقالوا: يحل اكل ما مات من السمك وما جزر عنه الماء (1) ما لم يطف على الماء ممامات في الماء حتف أنفه خاصة، ولا يحل أكل ماطفا منه على الماء ولا يحل أكل شئ مما في الماء السمك وحده، ولا يحل أكل خنزير الماء ولا انسان الماء، واحتجوا في ذلك بان قالوا: قد حرم الله أكل الخنزير جملة والانسان وهذا خنزير وانسان، قالوا: فان ضربه حوت فقتله. أو ضربه طائر فقتله. أو ضربته صخرة فقتلة. أو صاده وثنى فقتله فطفا بعد كل هذا فهو حلال أكله، وقال محمد بن الحسن (2) في سمكة ميتة بعضها في البر وبعضها في الماء (3): ان كان الرأس وحده خارج الماء اكلت وان كان الرأس في الماء نظر فان كان الذى في البر من مؤخرها النصف فأقل لم يحل أكلها وان كان الذى في البر من مؤخرها اكثر من النصف حل أكلها * قال أبو محمد: هذه أقوال لاتعلم عن أحد من أهل الاسلام قبلهم وهى مخالفة للقرآن وللسنن ولاقوال العلماء وللقياس وللمعقول لانها تكليف ما لا يطاق مما لاسبيل إلى علمه هل ماتت وهى طافية فيه أو ماتت قبل ان تطفو أو ماتت من ضربة حوت. أو من صخرة منهدمة. أو حتف أنفها؟ ولا يعلم هذا الا الله أو ملك موكل بذلك الحوت، وما ندري لعل الجن لاسبيل لها إلى معرفة ذلك أم يمكنها علم ذلك لان فيهم غواصين بلا شك؟ قال تعالى: (ومن الشياطين من يغصون له) (4) ثم لابد للسمكة التى شرع فيها محمد ابن الحسن هذه الشريعة السخيفة من مذرع يذرع ما منها خارج الماء وما منها داخل الماء ثم ما يدريه البائس لعله كان أكثرها في الماء، ثم أدارتها الامواج فيالله ويا للمسلمين


(1) قال الجوهرى في صحاحه: وجزر الماء يجزر ويجزر جزرا أي نضب والجزر خلاف المد وهو رجوع الماء إلى خلف (2) في النسخة اليمنية (محمد بن الحسين) وهو غلط (3) في النسخة رقم (16) (في البحر) وهو اخص (4) في النسخة رقم 14 وكذلك في النسخة اليمنية (والشياطين كل بناء وخواص) وهما آياتان في صورتين *

[ 394 ]

لهذه الحماقات التى لاتشبه الاما يتطايب به المجان لاضحاك سخفاء الملوك، والعجب كل العجب من قولهم في الاخبار الثابتة في أنه لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان!: هذا زيادة على ما في القرآن فلا نأخذ بها الامن طريق التواثر، ثم لا يستحيون ان يزيدوا بمثل هذه العقول مثل هذه الزيادة (1) على مافى القرآن، نحمد الله على السلامة في الدين والعقل كثيرا * وأما قولهم: إنه قد حرم الخنزير والانسان وهذا خنزير وانسان، وقد قال الليث ابن سعد بهذا أيضا خاصة: فليس خنزير اولا انسانا لانها انما هي تسمية من ليس حجة في اللغة وليست التسمية الا لله تعالى، ولو كان ذلك إلى الناس لكان من شاء ان يحل الحرام أحله بان يسميه باسم شئ حلال ومن شاء ان يحرم الحلال حرمه بان يسميه باسم شئ حرام، فسقط قول هذه الطائفة سقوطا لامرية فيه وبقى قول لبعض السلف في تحريم الطافى من من السمك * روينا من طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن أبى الزبير عن جابر قال: ما طفا فلا تأكلوه وما كان على حافتيه أو حسر عنه فكلوه * ومن طريق سعيد بن منصور نا ابراهيم - هو ابن علية - نا ايوب عن ابى الزبير عن جابر قال: ما حسر الماء عن ضفتى البحر فكل وما مات فيه طافيا فلا تأكل * ومن طريق ابن فضيل انا عطاء بن السائب عن مسيرة عن على بن أبى طالب قال: ما طفا من صيد البحر فلا تأكلوه * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاجلح عن عبد الله بن أبى الهذيل أنه سمع ابن عباس وقد قال له رجل: انى اجد البحر وقد جعل سمكا قال: لا تأكل منه طافيا * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما طفا من السمك فلا تأكله * وصح عن الحسن. وابن سيرين. وجابر بن زيد. وابراهيم النخعي أنهم (2) كرهوا الطافى من السمك، وبتحريمه يقول الحسن بن حى، ووى عن سفيان الثوري فيما في البحر مما عدا السمك قولان، احدهما أنه يؤكل، والآخر لا يؤكل حتى يذبح وههنا قول آخر رويناه من طريق وكيع قال: نا جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم عن على بن أبى طالب أنه كره صيد المجوس للسمك * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني أبو بكر بن حفص عن ابن مسعود قال: ذكاة الحوت فك لحييه *


(1) في النسخة اليمنية (الزيادات) * (2) في النسخة رقم 16 (أنه) ولا يناسب *

[ 395 ]

قال أبو محمد: أما هذا القول وتقسيم احد قولى الثوري فيبطلها كلها ما رويناه من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى نا أبو خيثمة - هو زهير بن معاوية - عن أبى الزبير المكى حدثنى جابر قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا ابا عبيدة نتلقى عيرا (1) لقريش وزودنأ جرا بامن تمرلم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال أبو الزبير: فقلت لجابر: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها (كما يمص الصبى) (2)، ثم نشرب عليها من الماء (فتكفينا يومنا إلى الليل) (3) وكنا نضرب بعصينا الخبط فنبله (4) بالماء فنأكله (قال: وانطلقنا على ساحل البحر) (5) فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب (6) الضخم فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لابل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله تعالى وقد اضطررتم فكلوا فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من وقب (7) عينيه بالقلال (8) الدهن ونقتطع منه الفدر (9) كالثور أو كقدر الثور ولقد (10) أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فاقامها، ثم رحل اعظم بعير معنا فمر من تحتها (11) وتزورنا من لحمه وشائق (12)، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم (13) فقال هو رزق أخرجه الله تعالى لكم فهل معكم من لحمه شئ فتطعمونا؟ فارسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله) * قال أبو محمد: فهذا ليس من السمك بل هو مما حرمه من ذكرنا وليس مما فكت لحياه بل هو ميتة وهذا هو الصحيح عن جابر لسماع أبى الزبير اياه منه، وهذا بين فيه لقوله لجابر في التمرة كيف كنتم تصنعون بها؟، واذ ميتة البحر حلال فصيد الوثني وغيره له سواء لانه لا يحتاج إلى ذكاة انما ذكاته موته فقط، وأما من حرم الطافى جملة فالرواية في ذلك عن جابر لا تصح لان أبا الزبير لم يذكر فيه سماعا من جابر وهو ما لم يذكر ذلك فمد لس عنه كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، وهى عن على لا تصح لان ابن


(1) هو الابل بأحمالها (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 110 (3) الزيادة من صحيح مسلم (4) في صحيح مسلم (ثم نيله) (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) هو - بالثاء المثلثة - الرمل المستطيل المحدودب (7) بفتح الواو وسكون القاف وبالباء الموحدة هو داخل عينه ونقرتها (8) القلال بكسر القاف جمع قل بضمها هي الجرة الكبيرة (9) هو - بالفاء والدال المهملة - جمع فدرة القطعة من كل شئ (10) في صحيح مسلم (فلقد) (11) أي من تحت الضلع وفى الاصول (من تحته) والمشهور في الضلع التأنيث، وقيل فيها الوجهان (12) هو بالشين المعجمة جمع وشيقة وهى ان ياخذ اللحم فيغلى قليلا ولا ينضج ويحمل في الاسفار وقيل هي القديد (13) في صحيح مسلم ج 2 ص 110 (فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له) الخ *

[ 396 ]

فضيل لم يسمع من عطاء بن السائب الا بعد اختلاطه، وهى عن ابن عباس من طريق أجلح وليس بالقوى لكنه صحيح عن الحسن. وابن سيرين. وجابر بن زيد * واحتجوا بما رويناه من طريق أبى داود نا أحمد بن عبدة نا يحيى بن سليم الطائفي نا اسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما القى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا (1) فلا تأكلوه) * ومن طريق سعيد بن منصرونا اسماعيل ابن عياش حدثنى عبد العزيز بن عبيدالله عن وهب بن كيسان ونعيم بن المجمر - هو ابن عبد الله - عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقى وما وجدتموه طافيا من السمك فلا تأكلوه) * قال أبو محمد: ما نعلم لهم حجة غير هذا وليس بحجة لانه لا يصح ولو صح لما ترددنا طرفة عين في القول به إلا أن قبل كل شئ فهو لو صح حجة (2) على أصحاب ابى حنيفة لانهم مخالفون لما فيه ولكل ما روينا في ذلك عن صاحب أو تابع لانهم يبيحون بعض الطافى إذا مات من عارض عرض له لاحتف أنفه ويحرمون كثيرا مما ألقى البحر أو حسر عنه (3) فخالفوا الخبر في موضعين، وكذلك من روى عنه في هذا شئ، وأما ضعف هذين الخبر، فأحدهما من طريق اسماعيل بن عياش وهو ضعيف، والآخر من رواية أبى الزبير عن جابر ولم يذكر فيه سماعا * نا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري نا عبد الله بن محمد بن يوسف الازدي القاضى نا اسحاق بن احمد الدخيل نا أبو جعفر العقيلى نا محمد بن اسماعيل. وزكريا بن يحى الحلواني قال زكريا: نا أحمد بن سعيد ابن أبى مريم، وقال محمد بن اسماعيل: نا الحسن بن على، ثم اتفق أحمد والحسن قالا جميعا: نا سعيد بن أبى مريم نا الليث بن سعد قال: جئت أبا الزبير فدفع (4) إلى كتابين فقلت له: هذا كله سمعته من جابر فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حدثت عنه فقلت: أعلم لى على ما سمعت فاعلم لى على هذا الذى عندي * قال أبو محمد: فما لم يكن من رواية الليث عن أبى الزبير ولا قال فيه أبو الزبير أنه اخبره به جابر فلم يسمعه من جابر باقراره ولا ندرى عمن أخذه فلا يجوز الاحتجاج


(1) في سنن ابى داود ج 3 ص 421 (وطفا) وقوله (أو جزر) بجيم ثم زاى أي انكشف عنه الماء وذهب والجزر رجوع الماء خلفه وهو ضد المد كما تقدم عن الصحاح ومنه الجزيرة ومعنى (طفا) ارتفع فوق الماء بعد ان مات (2) كذا هذه الجملة في جميع النسخ وهو تركيب فيه ركاكة، وحقه ان يكون هكذا (الا أن قبل كل شئ انه لو صح لكان حجة) الخ والله اعلم (3) أي انكشف وهو بمعنى (جزر) المذكور في الحديث قريبا (4) في النسخة رقم 16 (فرفع) بالراء *

[ 397 ]

به، وهذا من ذلك الخبر فسقط ونحمد الله تعالى على بيانه لنا * وقد روى مثل قولنا عن طائفة من السلف * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الملك ابن أبى بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: اشهد على أبى بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال لمن أراد اكلها (1) * نا حمام نا الباجى نا ابن أيمن نا أحمد بن مسلم نا أبو ثور نا معلى نا أبو عوانة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ان أبا بكر الصديق قال: السمك كله ذكى (2) * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمر وبن دينار عن عكرمة قال قال أبو بكر الصديق: طعام البحر كل ما فيه * ومن طريق وكيع نا همام - هو ابن يحيى - عن قتادة عن جابر بن أبى الشعثاء قال قال عمر بن الخطاب: الحيتان والجراد ذكى (3) * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (فالتقمه الحوت وهو مليم) فسمى ما يلتقم الانسان في بلعة واحدة حوتا. وليس هذا من الصفة التى احل أبو حنيفة، وقد قال أبو بكر. وعمر باباحته ولا يعلم لهما في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق سعيد ابن منصور نا صالح بن موسى الطلحى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على ابن أبى طالب أنه سئل عن الحيتان والجراد؟ فقال: الحيتان والجراد ذكى ذكاتهما صيدهما * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا منصور عن معاوية بن قرة أن أبا أيوب أكل سمكة طافية * ومن طريق أبى ثور نا معلى نا عبد الوارث بن سعيد التنورى نا أبو التياح عن ثمامة بن أنس بن مالك ان أبا أيوب الانصاري سئل عن سمكة طافية؟ فقال: كل وأطعمني (4) * ومن طريق سعيد بن منصور عن اسماعيل بن عياش عن عبيد الله (5) ابن عبيد الكلاعى عن سليمان بن موسى عن الحسن قال: ادركت سبعين (6) رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكلون صيد المجوس من الحيتان لا يختلج (7) منه شئ في صدورهم ولم يكونوا يرون صيده ذكاته، وبأكل الطافى من السمك يقول ابن أبى


(1) ذكره البخاري في صحيحه ج 7 ص 161 معلقا، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ج 9 ص 529: وصله أبو بكر بن ابى شيبة والطحاوى والدار قطني من رواية عبد الملك بن ابى بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: اشهد على ابى بكر انه قال: السمكة الطافية حلال) زاد الطحاوي لمن اراد اكله واخرجه الدارقطني وكذا عبد بن حميد والطبري منها وفى بعضها اشهد على ابى بكر انه اكل السمك الطافى على الماء اه‍ (2) هو في سنن الدارقطني ص 539 (3) هو في سنن الدارقطني ص 539 (4) هو في سنن الدارقطني ص 539 (5) في النسخة اليمنية (عبد الله) وهو غلط (6) في النسخة رقم 16 (90 (7) أي لا يدخلهم الشك في ذلك منه، قال في الصحاح: وتخالج في صدري منه شئ وذلك إذا شككت اه‍ وفى النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (لا يحتلج) وفى النسخة رقم 16 (لايتجلح) *

[ 398 ]

ليلى. والاوزاعي. وسفيان الثوري. ومالك. والليث. والشافعي. وأبو سليمان * قال على: لا يطفو الحوت أصلا الا حتى يموت أو يقارب الموت فإذا مات طفا ضرورة ولابد، فتخصيصهم الطافى بالمنع واباحتهم ما مات في الماء تناقض * 990 - مسألة - وأماما يعيش في الماء وفي البر فلا يحل أكله الا بذكاة كالسلحفاة والباليمرين (1) وكلب الماء والسمور ونحو ذلك لانه من صيد البر ودوابه وان قتله المحرم جزاه، وأما الضفدع فلا يحل اكله أصلا لما ذكرنا في كتاب الحج من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبحها فأغنى عن اعادته * 991 - مسألة - ولا يحل اكل حيوان مما يحل اكله مادام حيا لقول الله تعالى: (إلا ما ذكيتم) فحرم علينا اكل ما لم نذك والحى لم يذك بعد، وكذلك لو ذبح حيوان أو نحر فانه لا يحل اكل شئ منه حتى يموت لقول الله تعالى: (فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها) ولا خلاف في ان حكم البدن وغيرها في هذا سواء فلا يحل بلع جرادة حية ولابلع سمكة حية مع انه تعذيب، وقد نهى عن تعذيب الحيوان * روينا من طريق عبد الرزاق نامعمر عن يحيى بن أبى كثير عن رجل عن ابن الفرافصة عن أبيه ان عمر بن الخطاب قال: ان الذكاة الحلق واللبة لمن قدر وذروا الا نفس حتى تزهق وبالله تعالى التوفيق * 992 - مسألة - ولا يحل أكل شئ من حيوان البر بفتل عنق ولا بشدخ ولابغم لقول الله تعالى: (الا ما ذكيتم) وليس هذا ذكاة * 993 - مسألة - ولا يحل أكل العذرة ولا الرجيع ولا شئ من أبوال الخيول ولا القى، ولالحوم الناس ولو ذبحوا ولا أكل شئ يؤخذ من الانسان الا اللبن وحده، ولا شئ من السباع ذوات الانياب ولا أكل الكلب ولا الهر الانسى والبرى سواء ولا الثعلب حاشا الضبع وحدها فهى حلال أكلها، ولو أمكنت ذكاة الفيل لحل أكله * أما العذرة والبول فلما ذكرنا في كتاب الصلاة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهى عن الصلاة وهو يدافع الا خبثين البول والغائط، ولقول الله تعالى: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فكل خبيث فهو محرم بالنص ولا خبيث الا ما سماه الله تعالى ورسوله خبيثا وذكرنا هنا لك قوله عليه السلام: (أكثر عذاب القبر


(1) كذا في النسخة رقم 14 وفى النسخة رقم 16 (والبالية) وفى النسخة اليمنية (والبالية مرين) ولم اجد هذا الاسم في حياة الحيوان ولاغيره، ولعله من تسمية تلك البلاد غير المألوفة لبلادنا *

[ 399 ]

في البول) فعم عليه السلام كل بول، وبينا هنالك ان سقى النبي صلي الله عليه وسلم العرنيين أبوال الابل انما كان على سبيل التداوى للعل التى كانت أصابتهم وأوردنا الاسانيد الثابتة بكل هذا وبينا فساد الرواية من طريق سوار بن مصعب وهو ساقط لا بأس ببول ما أكل لحمه (1)، وهذا مما تركوا فيه القياس إذ قاسوا بول الحيوان ورجيعه على لحمه فهلا قاسوه على دمه فهو أولى بالقياس أو على بول الآدميين ورجيعهم * وأما القئ فلما روينا من طريق البخاري نا مسلم بن ابراهيم نا هشام - هو الدستوائى - وشعبة قالا جميعا: نا قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس (رضى الله عنهما) (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) والقئ هوما تغير فان خرج الطعام ولم يتغير فليس قيئافليس حراما * وأما لحوم الناس فان الله تعالى قال: (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) ولامر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قد ذكرناه في كتاب الجنائز بان يوارى كل ميت من مؤمن أو كافر فمن أكله فلم يواره ومن لم يواره فقد عصى الله تعالى، ولقول الله تعالى: (إلا ما ذكيتم) فحرم تعالى أكل الميتة وأكل ما لم يذك، والانسان قسمان. قسم حرام قتله. وقسم مباح قتله، فالحرام قتله ان مات أو قتل فلم يذك فهو حرام، وأما الحلال قتله فلا يحل قتله الا لاحد ثلاثة أوجه، إما لكفره ما لم يسلم، وإما قودا، وإما لحد أوجب قتله، واى هذه الوجوه كان فليس مذكى؟ لانه لم يحل قتله إلا بوجه مخصوص فلا يحل قتله بغير ذلك الوجه، والتذكية غير تلك الوجوه بلا شك فالقصد إليها معصية والمعصية ليست ذكاة فهو غير مذكى فحرام أكله بكل وجه، واذ هو كله حرام (3) فاكل بعضه حرام لان بعض الحرام حرام بالضرورة، ويدخل في هذا المخاط. والنخاعة. والدمع. والعرق. والمذى. والمنى. والظفر. والجلد. والشعر. والقيح. والسنن الا اللبن المباح بالقرآن، والسنة، والاجماع، وقد أباح عليه السلام لسالم - وهو رجل - الرضاع من لبن سهلة بنت سهيل، والريق لان رسول الله صلى الله عليه وسلم حنك الصبيان بتمر مضغه فريقه في ذلك الممضوغ فالريق حلال بانص فقط، بالله تعالى التوفيق * وأما السباع فلما روينا من طريق مالك بن أنس عن اسمعيل بن أبى حكيم عن عبيدة ابن سفيان عن أبى هريرة عن (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل ذى ناب من السباع


(1) في النسخة رقم 16 (ما يؤكل لحمه) (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 225 (3) في النسخة رقم 16 (واذ هو اكله حرام) وفى النسخة اليمنية (إذ هو حرام اكله) وما هنا أظهر (4) في موطأ مالك ج 2 ص 42 (ان) بدل عن *

[ 400 ]

فأكله حرام) (1) وجاء أيضا من غير هذه الطريق تركناها اختصار (2)، والكلب ذو ناب من السباع وكذلك الهر والثعلب فكل ذلك حرام، وقد أمر عليه السلام بقتل الكلب ونهي عن اضاعة المال فلو جاز أكلها ما حل قتلها كما لا يحل قتل كل ما يؤكل من الانعام وغيرها * روينا من طريق وكيع نا مبارك هو ابن فضالة - عن الحسن البصري عن عثمان رضى الله عنه قال: اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام، ففرق بينهما فأمر بذبح ما يؤكل وقتل ما لا يؤكل * ومن طريق ابن وهب عن ابن أبى ذئب انه سمع ابن شهاب يسأل عن مرارة السبع وألبان الاتن؟ فقال الزهري: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذى ناب من السباع، ولاخير فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اكل لحوم الحمر الانسية فلا نرى البانها التى تخرج من بين لحمها ودمها الا بمنزلة لحمها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: الثعلب سبع لا يؤكل * ومن طريق عبد الرزاق عن عمر بن زيد أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (نهى (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اكل الهر وثمنه) أقل ما في هذا الاثر أن يكون موقوفا على جابر، وبتحريم السباع وبكل ما ذكرنا يقول أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان إلا ان الشافعي اباح الثعلب. وانكر المالكيون تحريم السباع وموهوا بان قالوا: قد صح عن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن أكل (لحوم) (4) السباع؟ فقرأت (قل: لااجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) الآية، وروى من طريق جويبر عن الضحاك قال: تلا ابن عباس هذه الآية (قل: لاأجد فيما اوحى إلى محرما) قال: ماخلا هذا فهو حلال، وقالوا: روى الزهري خبر النهى عن كل ذى ناب من السباع، ثم قال: لم اسمع هذا من علمائنا بالحجاز حتى حدثنى أبو إدريس وكان من فقهاء الشام (5)، وقال بعضهم: انما نهى عنها من اجل ضرر لحمها * قال أبو محمد: هذا كل ما موهوا به وكله لا شئ، أما الآية فانها مكمية كما قدمنا ولا يجوز ان تبطل بها احكام نزلت بالمدينة، وهم يحرمون الحمر الاهلية وليست في الآية ويحرمون الخمر وليست في الآية، والخليطين وان لم يسكراو لم يذكرا في الآية،


(1) في موطأ مالك (قال: اكل كل ذى ناب من السباع حرام) (2) رواه مسلم أيضامن طرق ج 2 ص 109 (3) في النسخة رقم 16 (نهانا) (4) الزيادة من النسخة رقم 16 (5) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 109

[ 401 ]

وهذا تناقض عظيم، وأما قول عائشة رضى الله عنها فلا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن عائشة رضى الله عنها بلغها نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لما خالفته كما فعلت في تحريم الغراب إذ بلغها وليس مذكورا في الآية على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى * واما الرواية عن ابن عباس ففى غاية الفساد لانها عن جويبر وهو هالك عن الضحاك وهو ضعيف، ولا حجة في أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم * وأما قول الزهري: انه لم يسمعه من علمائه بالحجاز فكان ماذا؟ وهبك ان الزهري لم يسمعه قط أترى السنن لا يؤخذ منها شئ حتى يعرفها الزهري؟ ان هذا لعجب ما سمع بمثله! فكيف والزهرى لم يلفت إلى أنه لم يسمعه من علمائه بالحجاز بل أفتى به كما ذكرنا آنفا؟ وكم قصة خالفوا فيها عائشة والزهرى إذا خالفهما مالك (إذ) (1) لامؤنة عليهم في ذلك كما ذكرنا كثيرا منه ونذكر ان شاء الله تعالى، وهذه المسألة نفسها مما خالفوا فيه فيتا عائشة في الغراب وفتيا الزهري كما أوردنا وانما هم كالغريق يتعلق بما يجد وان كان فيه هلاكه، وأما قولهم: انما نهى عنها لضرر لحمها فكلام جمع الغثاثة والكذب، أما الكذب فما عليهم بذلك ومن أخبرهم بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كذب عليه صلى الله عليه وسلم إذ قولوه ما لم يقل واذ أخبروا عنه بما لم يخبر به قط عن نفسه، وهذه قصة مهلكة مؤدية إلى النار نعوذ بالله منها * وأما الغثاثة فان علمهم بالطب في هذه المسألة ضعيف جدا وما يشك من له اقل بصر بالاغذية في ان لحم الجمل الشارف والتيس الهرم أشد (3) ضررا من لحم الكلب والهر والفهد، ثم هبك انه كما قالوا فهل في ذلك ما يبطل النهى عنها؟ ما هو الا تأكيد في المنع منها، ثم قد شهدوا على أنفسهم باضاعة المال والمعصية (4) في ذلك إذ تركوا الكلاب والسنانير تموت على المزابل وفي الدور ولا يذبحونها فيأكلونها إذ هي حلال ولو ان امرء افعل هذا بغنمه وبقره لكان عاصيا لله تعالى باضاعة ماله * وأما الضباع فان الشافعي وأبا سليمان اباحا اكلها، والحجة لذلك ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: اخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير (5) ان عبد الرحمن بن أبى عمار أخبره قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أآكلها؟ قال: نعم قلت: أصيد هي؟ قال


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 14 (أو قولوه) وفى النسخة اليمنية (إذا قوله) والصواب ماهنا (3) في النسخة رقم 16 (أعظم) (4) في النسخة رقم 16 (وبالمعصية) (5) في النسخة رقم 16 وكذلك اليمنية (عبد الله بن عبيد الله بن عمير) باضافة عبيد وفى تهذيب التهذيب بحذف الاضافة كما هنا وكذلك في تقريب التهذيب *

[ 402 ]

نعم قلت: أسمعت ذلك من نبى الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم قال ابن جريج: نا نافع مولى ابن عمر قال: أخبر رجل ابن عمر أن سعد بن أن سعد بن أبى وقاص يأكل الضباع قال نافع: فلم ينكر ابن عمر ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: كان على بن أبى طالب لا يرى بأكل الضباع بأسا، وقال معمر عن عمرو بن مسلم: سمعت عكرمة عن ابن عباس وسئل عن الضبع؟ فقال: رأيتها على مائدة ابن عباس * ومن طريق وكيع عن أبى المنهال الطائى عن عبد الله بن زيد عمه قال: سألت أبا هريرة عن الضبع؟ فقال: نعجة من الغنم * وعن عطاء قال: ضبع أحب إلى من كبش * قال أبو محمد: فواجب ان تستثنى الضباع من جملة السباع كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخالف شئ (1) من أقواله عليه السلام، وقال أبو حنيفة: بتحريم الضباع وما نعلم له حجة الا تعلقه بعموم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل السباع قالوا: وهى سبع، وذكروا خبرا فاسدا رويناه من طريق محمد بن جرير الطبري انا ابن حميدنا أبو زهير نا محمد بن اسحاق عن اسماعيل بن مسلم المكى عن عبد الكريم بن أبى المخارق عن حبان بن حزء (2) عن أخيه خزمية بن جزء قال: (قلت يارسول الله: ما تقول في الضبع؟ فقال لى: ومن يأكل الضبع (؟ * وذكروا ما رويناه من طريق مؤمل بن اسماعيل عن سفيان الثوري نا سهيل بن ابى صالح عن عبد الله بن يزيد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الضبع؟ فكرهه فقلت له: ان قومك يأكلونه فقال: ان قومي لا يعلمون * قال أبو محمد: ما نعلم لهم حجة غير هذا فأما احتجاجهم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السباع فانه حق ولكن الذى نهى عن السباع هو الذى أحل الضباع فلا فرق بين اباحة ما حرم من السباع وبين تحريم ما حلل من الضباع وكلاهما لا تحل مخالفته * وأما الخبر المذكور فلا شئ لان اسماعيل بن مسلم ضعيف وابن ابى المخارق ساقط، وحبان بن جزء (3) مجهول، ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه ليس فيه تحريم أصلا وانما فيه التعجب ممن يأكلها فقط، وقد علمنا ان عظام الضأن حلال ثم لو رأينا أحدا يأكلها أو يأكل جلودها لعجبنا من ذلك أشد العجب * وأما قول سعيد بن المسيب فلاحجة في قول


(1) في النسخة رقم 16 (ولا نخالف شيئا) (2) حبان بن جزء هو بالحاء المهملة بعدها ياء موحدة، وفى النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (حيان) بالياء المثناة من احت وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب، وقال الحافظ ابن حجر في آخر ترجمته: ذكره ابن حبان في الثقات أخرج له حديثا واحدا في السؤال عن الضب والارنب والضبع والذئب وضعف اسناده الترمذي (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (وحيان بن جزء) بالياء المثناة من تحت وهو غلط *

[ 403 ]

أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أحل الله البيع جملة ثم حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيوعا كثيرة فلم يغلبوا عموم الاباحة على تخصيص النهى وهذا خلاف فعلهم ههنا، وهذا مما خالفوا فيه جماعة من الصحابة لايعرف لهم منهم مخالف وبالله تعالى التوفيق * وأما الفيل فليس سبعا ولا جاء في تحريمه نص، وقال تعالى: (خلق لكم ما في الارض جميعا) وقال تعالى: (قل لاأجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه) وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فكل شئ حلال الا ما جاء نص بتحريمه بهذا جاء نص القرآن والسنن ولم يأت في الفيل نص تحريم فهو حلال * 994 - مسألة - ولا يحل أكل شئ من الحيات ولا أكل شئ من ذوات المخالب من الطير وهى التى تصيد الصيد بمخالبها (1) ولا العقارب. ولا الفيران. ولا الحداء. والغراب * روينا من طريق مسلم نا شيبان بن فروخ نا أبو عوانة عن زيد بن جبير قال: (قال ابن عمر: حدثنى احدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم انه كان عليه السلام يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة والعقرب والحديا والغراب والحية قال: وفي الصلاة أيضا) (2) * ومن طريق مسلم حدثنى اسحاق بن منصور نا محمد بن جهضم نا اسماعيل (وهو عندنا ابن جعفر) (3) عن عمر بن نافع عن أبيه قال كان (عبد الله) بن عمر يوما (عند هدم له) (5) رأى وبيص فقال: اقتلوه فقال أبو لبابة الانصاري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الجنان التى (تكون) (6) في البيوت الا الابتر وذ الطفيتين (7) فانهما اللذان يخطفان البصر ويتبعان مافى بطون النساء) * ومن طريق مالك عن صيفي - هو ابن افلح - أخبرني أبو السائب مولى هشام بن زهرة ان أبا سعيد الخدرى أخبره (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان بالمدينة جنا قد اسلموا فإذا رأيتم منها (8) شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فان بدالكم بعد ذلك فاقتلوه) (9) فكل ما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فلا ذكاة له لانه عليه السلام نهى عن اضاعة المال ولا يحل قتل شئ يؤكل، وقد ذكرنا في كتاب الحج قوله عليه السلام: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم) فذكر العقرب والفأرة والحدأة. والغراب. والكلب العقور، فصح ان فيها فسقا والفسق محرم قال تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به) فلو ذبح ما فيه فسق لكان مما أهل لغير الله به لان ذبح ما لا يحل أكله


(1) في النسخة رقم 16 وكذلك اليمنية (تصيد الطير) (2) الحديث اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه انظر صحيح مسلم ج 1 ص 335 (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 393 (4) الزيادة من صحيح مسلم (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) الزيادة من صحيح مسلم، والمصنف في روايته هنا أسقط الفاظا كثيرة هي في صحيح مسلم المطبوع (7) الابتر هو صنف ازرق مقطوع الذنب لا ينظر إلى حامل الا ألقت مافى بطنها وانما لستثنيا لان مؤمنى الجن لا يتصورون في صورهما وذو الطفيتين هو ماكان على ظهره خطان مثل الطفيتين وهما الخصوتان (8) في الموطأ (منهم) (9) الحديث في الموطأ ج 3 ص 142 مطولا اختصره المصنف *

[ 404 ]

معصية والمعصية قصد إلى غير الله تعالى به * روينا عن عمر بن الخطاب اقتلوا الجيات كلها * وعن ابن مسعود من قتل حية أو عقربا قتل كافرا، ومن طريق أحمد بن زهير بن أبى خيثمة نا ابن أبى أويس نا أبى نا يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت: ان لاعجب ممن يأكل الغراب، وقد اذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله وسماه فاسقاو الله ما هو من الطيبات * ومن طريق شريك عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا، والله ما هو من الطيبات * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: كره رجال من أهل العلم أكل الحداء والغراب حيث سماهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من فواسق الدواب التى تقتل في الحرم، (فان قيل): قد روى (وترمى الغراب ولا تقتله) قلنا: رواه من لا يجوز الاخذ بروايته يزيد بن أبى زياد وقد ذكرنا تضعيفه في كتاب الحج، وقولنا هو قول الشافعي. وأبى سليمان، وحرم أبو حنيفة الغراب الابقع ولم يحرم الاسود واحتج بان في بعض الاخبار ذكر الغراب الابقع * قال أبو محمد: الاخبار التى فيها عموم ذكر الغراب هو الزائد حكما ليس في الذى فيه تخصيص الابقع ومن قال انما عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الغراب. الغراب الابقع خاصة لانه قد ذكر الغراب الابقع في خبر آخر فقد كذب اذقفا ما لاعلم له به، ونحن على يقين من أنه قد أمر عليه السلام بقتل الابقع في خبر وبقتل الغراب جملة في خبر آخر وكلاهما حق لا يحل خذفه، وتردد المالكيون في هذه الدواب التى ذكرنا، وأما العقارب والحيات فما يمترى ذوفهم في انهن من أخبث الخبائث وقد قال تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث)، وأما الفيران فمازال جميع أهل الاسلام يتخذون لها القطاط والمصايد القتالة ويرمونها مقتولة على المزابل، فلو كان أكلها حلالا لكان ذلك من المعاصي ومن اضاعة المال، بالله تعالى التوفيق * وأباحوا أكل الحيات المذكاة وهم يحرمون أكل ما ذكى من قفاه، ولا سبيل إلى تذكية الحيات الا من أقفائها * قال أبو محمد: وهى والخمر تقع في الترياق فلا يحل أكله الا عند الضرورة على سبيل التداوى لان المتداوى مضطر وقد قال تعالى: (الا ما اضطررتم إليه) * وأما ذوات المخالب من الطير فلما رويناه من طريق مسلم نا أحمد بن حنبل. وعبيدالله بن معاذ ابن معاذ قال احمد: نا هشيم أن أبا بشر جعفر بن أبى وحشية أخبره وقال عبيدالله: نا ابى نا شعبة عن الحكم بن عتيبة ثم اتفق الحكم وأبو بشر كلاهما عن ميمون بن مهران عن ابن عباس (ان رسول الله

[ 405 ]

صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذى ناب من السباع وعن كل ذى مخلب من الطير) (1) قال الله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهوا) ولايجوز ان ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلال، وبهذا يقول أبو حنيفة. والشافعي. وأحمد. وأبو سليمان، وأباح المالكيون أكل سباع الطير، واحتج بعض من ابتلاه الله تعالى بتقليده بان هذا الخبر لم يسمعه ميمون بن مهران من ابن عباس وانما سمعه من سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأشار إلى خبر رويناه من طريق أحمد بن شعيب انا اسماعيل بن مسعود الجحدرى عن بشر بن المفضل عن سعيد بن أبى عروبة عن على بن الحكم عن ميمون بن مهران عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (ان رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن كل ذى مخلب من الطير وعن كل ذى ناب من السباع) * قال أبو محمد: اراد هذا الناقض (3) ان يحتج لنفسه فدفنها واراد ان يوهن الخبر فزادة قوة لان سعيد بن جبير هوالنجم الطالع ثقة وامامة وأمانة فكيف وشعبة. وهشيم. والحكم. وأبو بشر كل واحد منهم لا يعدل به على بن الحكم؟ وأسلم الوجوه لعلى بن الحكم ان لم يوصف بانه أخطأ في هذا الخبر ان يقال: ان ميمون بن مهران سمعه من ابن عباس وسمعه أيضا من سعيد بن جبير عن ابن عباس * قال على: لا يسمى ذا مخلب عند العرب الا الصائد بمخلبه وحده وأما الديك. والعصافير. والزرزور. والحمام وما لم يصد فلا يسمى شئ منها ذا مخلب في اللغة، بالله تعالى التوفيق * 995 - مسألة - ولا يحل أكل الحلزون البرى ولا شئ من الحشرات كلها كالوزغ، والخنافس. والنمل. والنحل. والذباب. والدبر. والدبر. والدود كله. طيارة وغير طيارة، والقمل. والبار غيث. والبق. والبعوض وكل ما كان من أنواعها لقول الله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وقوله تعالى: (الا ما ذكيتم) وقد صح البرهان على ان الذكاة في المقدور عليه لا تكون الا في الحلق أو الصدر، فما لم يقدر فيه على ذكاة فلا سبيل إلى أكله فهو حرام لامتناع أكلهالا ميتة غير مذكى * وبرهان آخر في كل ما ذكرنا انهما قسمان، قسم مباح قتله كالوزغ. والخنافس. والبراغيث. والبق والدبر، وقسم محرم قتله كالنمل. والنحل فالمباح قتله لا ذكاة فيه لان قتل ما تجوز فيه الذكاة اضاعة للمال وما لا يحل قتله لا تجوز فيه الذكاة * روينا من طريق الشعبى كل ما ليس له دم سائل فلا ذكاة فيه *. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن ابيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا) مع أنه من أنه من أخبث الخبائث عند كل ذى نفس * ومن طريق البخاري نا قتيبة نا اسماعيل بن جعفر نا عتبة بن مسلم مولى بنى تميم عن عبيد بن حنين مولى بنى


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 110 (2) في سنن النسائي ج 7 ص 206 (ان نبى الله) (3) في النسخة رقم 16 وكذلك اليمنية (الناقص) وما هنا أنسب

[ 406 ]

زريق هريرة (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقع الذباب في اناء احدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه) (1) وذكر الحديث، فأمر عليه السلام بطرحه ولو كان حلالا أكله ما أمر بطرحه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب النحلة. والنملة. والهدهد. والصرد) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن كثير انا سفيان عن ابن ابى ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان (ان طبيبا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء؟ فنهاه رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم عن قتلها (3) * قال أبو محمد: هذا يقضى على حديث النبي الذى كان قديما فاحرق قرية النمل لان شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم نا سخة لكل دين سلف، وقد ذكرنا قتل عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة رضى الله عنهم للقردان وهم محرمون، وصح عن ابن عباس. وابن عمر. وعائشة أم المؤمنين قتل الاوزاع * ومن طريق معمر عن قتادة نهى عن قتل الضفدع وامر بقتل الوزغ * وعن عمر بن الخطاب أخيفوا الهوام قبل ان تخيفكم، (فان ذكر) ذاكر حديث غالب ابن حجرة عن الملقام بن التلب عن أبيه صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع للحشرات تحريما، فغالب ابن حجرة والملقام مجهولان، ثم لو صح لما كان فيه حجة لانه ليس من لم يسمع حجة على ما قام به برهان النص * 996 - مسألة - ولا يحل أكل شئ من الحمر الانسية توحشت أو لم تتوحش، وحلال أكل حمر الوحش تأنست أو لم تتأنس، وحلال أكل اخيل والبغال * روينا من طريق البخاري نا محمد بن سلام نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى انا أيوب - هو السختيانى - عن محمد - هو ابن سيرين - عن أنس بن مالك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مناديا فنادى (4) ان الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الاهلية فانها رجس فاكفئت القدور انها لتفور (باللحم) (5)) فصح أنها كلها رجس، واهراق الصحابة رضى الله عنهم القدور بها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بيان ان ودكها وشحمها وعظمها وكل شئ منها حرام * ومن طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن على بن الحسين بن على عن جابر بن عبد الله (أن رسول الله (6) صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر


(1) الحديث في صحيح البخاري ج 7 ص 257 له بقية وهى (فان في احد جناحيه شفاء وفى الآخر داء) (2) في سنن ابى داود ج 4 ص 6 (فنهاه النبي) (3) قال الخطابى: في هذا دليل على أن الضفدع محرم الاكل وانه غير داخل فيما أبيح من دواب الماء وكل منهى عن قتله من الحيوان لاحد أمرين، اما لحرمة لنفسه كالآدمي واما لتحريم لحمه كالصرد. والهدهد ونحوهما وإذا كان الضفدع ليس بمحرم كالآدمي كان النهى فيه منصرفا إلى الوجه الآخر، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ص ذبح الحيوان الا لمأكلة اه‍. ورواه أيضا النسائي ج 7 ص 210 عن قتيبة * (4) في النسخة رقم 16 (ينادى) وما هنا موافق لصحيح البخاري ج 7 ص 174 (5) الزيادة من صحيح البخاري (6) في صحيح البخاري ج 7 ص 172 (قال نهى النبي) الخ *

[ 407 ]

عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في لحوم الخيل) * ومن طريق مسلم حدثنى محمد بن حاتم نا محمد ابن بكر انا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أكلناز من خيبر الخيل وحمر الوحش فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) عن الحمار الاهلى * وروينا تحريم الحمر الاهلية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء بن عازب. وعبد الله بن أبى في. وعلى بن أبى طالب. وأبى ثعلبة الخثنى. والحكم بن عمر والغفاري. وسلمة بن الاكوع. وابن عمر بأسانيد كالشمس. (2) وعن أنس. وجابر كما ذكرنا فهو نقل تواتر لا يسع أحد اخلافه * وروينا من طريق عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله انه كان ينهى عن لحوم الحمر ويأمر بلحوم الخيل، وقدر وينا النهى عنها عن مجزأة ابن زاهر (عن أبيه) (3) أحد المبايعة. تحت الشجرة، وعن سعيد بن جبير في لحوم الحمر قال: هي حرام البتة، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبي سليمان، ونحا نحوه مالك (فان ذكر ذاكر) أن ابن عباس أباحها قلنا: لاحجة في احد مع رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم فكيف وابن عباس قد أخبر بأنه متوقف فيها؟ كما روينا من طريق البخاري نا محمد بن أبى الحسين ناعمر بن حفص بن غياث نا أبى نا عاصم بن أبى النجود عن عامر الشعبى عن ابن عباس انه قال: لاأدرى أنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حملوتهم أو حرمه في يوم خيبر لحم الحمر الاهلية، فهذا ظن منه ووهلة (5) لانه لو لم يحرمها عليه السلام جملة لبين وجه نهيه عنها ولم يدع الناس إلى الحيرة فكيف وقوله عليه السلام (فانها رجس) يبطل كل ظن؟ ولقد كانوا إلى الخيل بلاشك احوج منهم إلى الحمر فما حمله ذلك على نهى عنها بل أباح أكلها وذكاتها إذ كانت حلالا، وبذلك أيضا يبطل قول من قال: انما نهى عنها لانها لم تخمس، وأما قول من قال: انما حرمت لانها كانت تأكل العذرة فظن كاذن أيضا بلا برهان، والدجاج آكل منها للعذرة وهي حلال (فان ذكروا) ان عائشة أم المؤمنين احتجت بقوله تعالى (قل لاأجد فيما أوحى إلى محرما) الآية قلنا: لم يبلغها التحريم ولو بلغها لقالت به كما فعلت في الغراب وليس مذكور في هذه الآية (فان ذكروا) ماروى من قوله عليه السلام في لحوم الحمر: (أطعم أهلك من سمين مالك فانما كرهت لكم جوال القرية أليس تأكل الشجر وترعى الفلاة؟ فأصد منها) (6) فهذا كله بطال لانها من طريق عبد الرحمن بن بشر (7) وهو مجهول، والآخر من طريق عبد الله بن عمرو بن لويم وهو مجهول أو من طريق شريك وهو ضعيف، ثم عن ابى الحسن ولا يدرى من هو عن غالب


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 112 (ونهانها النبي صلى الله عليه وسلم) (2) أسانيد هذه الاحاديث موجودة في صحيح مسلم ج 2 ص 111 الا حديث الحكم بن عمرو وكذلك موجودة في صحيح البخاري ج 7 ص 172 (3) الزيادة من اسد الغابة وتهذيب التهذيب لان مجزأة ليس صحابيا وهو يروى عن أبيه زاهر وهو صحابي أحد المبايعين تحت الشجرة (4) في النسخة رقم 16 (دون رسول الله) (5) الوهل الغلط والسهو والحديث في البخاري ج 5 ص 283 (6) الحديث في سنن أبى داود ج 2 ص 420 وفيه الكلام عليه جر حلو تعديلا للخطابي وغيره راجعه (7) في النسخة رقم 16 (بن بشير) وهو غلط *

[ 408 ]

ابن ديج (1) ولا يدرى من هو، ومن طريق سلمى بنت النضر الخضرية (2) ولا يدرى من هي * وأما حر الوحش فكما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم تحليلها، وقال مالك: ابن دجن لو يؤكل وهذا خطأ لانه لم يأت به نص فهو قول (3) بلا برهان، ولا يصير الوحشى من جنس الاهلى حراما بالدجون ولا يصير الاهلى من جنس الوحشى حلالا بالتوحش * وأما البغال. والخيل فقدر وينا من طريق صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد (ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل. والبغال. والحمير وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير) * ومن طريق عكرمة بن عمار عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الاهلية والخيل والبغال وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وحرم المجثمة) (4) * وخبر رويناه من طريق حماد بن سلمة عن أبى الزبير عن جابر نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل)، وذكروا قول الله تعالى: (والانعام خلقها لكم فيها دف ومنافع ومنها تأكلون) وقال تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) قالوا: فذكر في الانعام الاكل ولم يذكره في الخيل والبغال والحمير، وقالوا: البغل ولدا الحمار فهو متولد منه والمتولد من الحرام حرام * قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا به فأما الاخبار فلا يحتج بشئ منها، أما حديث صالح بن يحيى ابن المقدام بن معد يكرب فهالك لانهلم مجهولون كلهم، ثم فيه دليل الوضع لان فيه عن خالد ابن الوليد قال: عزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وهذا باطل لانه لم يسلم خالد الابعد خيبر بلا خلاف، وأما حديث عكرمة بن عمار فعكرمة ضعيف، وقد روينا من طريقه خبرا موضوعا ليس فيه أحد يتهم غيره، فاما أدخل عليه فلم يأبه له واما البلية من قبله، وقد ذكرناه مبينا في كتاب الايصال، وأما حديث حماد بن سلمة فانه لم يذكر فيه أبو الزبير سماعا من جابر، وقد ذكرنا قبل الرواية الصحيحة ان ما لم يكن عند الليث بن سعد من حديثه عن جابر ولاذكر فيه سماعا من جابر فلم يسمعه من جابر فصح منقطعا، وقد روينا هذا الخبر من طريق أبى الزبير أنه سمع من جابر فلم يذكر فيه البغال، وقد صح قبل عن جابر اباحة الخيل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الآية فلا ذكر فيها للاكل لا باباحة ولا بتحريم فلا حجة لهم فيها ولاذكر فيها أيضا البيغ فينبغي ان يحرموه لانه لم يذكر في الآية واباحة النبي صلى الله عليه وسلم لهاحا كم على كل شئ، وقد صح من طريق أسماء بنت


(1) في النسخة رقم 16 وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب (غالب بن أبجر ويقال: ابن ديج، ويقال بن ذريح المزني عداده في اهل الكوفة (2) كذا بالضاد فيهما بالنسخة رقم 14 واليمنية (بنت النصر) بالصاد المهملة وفى الاستيعاب واسد الغابة والاصابة (سلمى بنت نصر المحاربية) والله أعلم (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية فهذا قول) (4) قال العلامة مجد الدين في النهاية: هي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل الا انها تكثر في الطير والارانب وأشباه ذلك مما يجثم في الارض أي يلزمها ويلتصق بها اه‍

[ 409 ]

أبى بكر الصديق نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه (1) * رويناه من طريق البخاري عن الحميدى عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير عن اسماء، ورويناه أيضا من طريق وكيع. حفص بن غياث. وسفيان الثوري. وعبد الله بن نمير. ومعمر. وأبي معاوية. وأبي أسامة كلهم عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن اسماء بنت أبى بكر الصديق * ومن طريق ابن سعيد القطان عن ابن جريج سألت عطاء بن أبى رياح عن لحم الفرس؟ فقال: لم يزل سلفك يأكلونه قلت: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال، نعم، وقد أدرك عطاء جمهور الصحابة من عائشة أم المؤمنين فمن دونها * ومن طريق عبد الرحمن ابن مهدى. وعبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتر عن ابراهيم النخعي قال: ذبح أصحاب ابن مسعود فرسا، قال ابن مهدى: فاقتسموه بينهم، وقال عبد الرزاق: فأكلوه * ومن طريق سعيد بن منصور ناهشيم انا مغيرة عن ابراهيم قال: اهدى للاسود بن يزيد لحم فرس فأكل منه، وبه إلى هشيم عن القاسم بن أبى أيوب عن سعيد بن جبير قال: ما أكلت لحما أطيب من معرفة برذون (2) * ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد انه سأل ابن شهاب عن لحم الفرس. والبغل. والبرذون؟ فقال: لااعلمه حراما ولا يفتى احد من العلماء بأكله * قال أبو محمد: لم يحرم الزهري البغل، وأما فتيا العلماء بأكل الفرس فتكاد أن تكون اجماعا على ما ذكرنا قبل، وما نعلم عن أحد من السلف كراهة أكل لحوم الخيل الا رواية عن ابن عباس لا تصح لانها عن مولى نافع بن علقمة وهو مجهول لم يذكر اسمه فلا يدرى من هو ولو صح عندنا في البغل نهى (3) لقلنا به، وأما قولهم: ان البغل ولد الحمار ومتولد منه فان البغل مذ ينفخ فيه الروح فهو غير الحمار ولا يسمى حمارا فلا يجوز ان يحكم له بحكم الحمار لان النص انما جاء بتحريم الحمار، والبغل ليس حمارا ولا جزءا من الحمار، وقال بعض الجهال: الحمار حرام بالنص والفرس والبغل مثله لانهما ذواحافر مثله فكان هذا من أسخف قياس في الارض لانه يقال له: ما الفرق بينك وبين من عارضك؟ فقال قد صح تحليل الفرس بالنص الثابت والبغل والحمار ذوا حافر مثله فهما حلال فهل أنتما في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فرسا رهان؟ أو من قال لك: حمار وحش حلال باجماع وهو ذو حافر فالفرس والبغل مثله، وهذا كله تخليط بل حمار الوحش. والفرس منصوص على تحليلهما، والحمار الاهلى منصوص على تحريمه فلا يجوز مخالفة النصوص * وأما البغل فقد قال الله تعالى: (يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا): وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليك الا ما اضطرر تم إليه) فالبغل حلال بنص القرآن لانه لم يفصل


(1) هو في صحيح البخاري ج 7 ص 172 (2) أي منبت عرفه من رقبته اه‍ (3) في النسخة رقم 14 (في البغل شئ) *

[ 410 ]

تحريمه ولا يحل من الحمار الا ما أحله النص من ملكه. وبيعه. وابتياعه. وركوبه فقط، وبالله تعالى نتأيد * 997 - مسألة - وكل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه لانه بعضه ومنسوب إليه وبالله تعالى التوفيق إلا ألبان النساء فهى حلال كما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق، ويقال لبن الاتان ولبن الخنزير. وبيض الغراب. وبيض الحية. وبيض الحدأة كما يقال: يد الخنزير. ورأس الحمار. وجناح الغراب. وزمكى الحدأة (1) ولافرق * 998 - مسألة - ولا يحل أكل الهدهد ولا الصرد ولا الضفدع لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها كما ذكرنا قبل * 999 - مسألة - والسلحفاة البرية والبحرية حلال اكلها وأكل بيضها لقول الله تعالى: (كلوا مما في الارض حلالا طيبا) مع قوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم). ولم يفصل لنا تحريم السلحفاة فهى حلال كلها وماتولد منها، وكذلك النسور. والرخم. والبلزج. والقنافذ. واليربوع. وأم حبين. والوبر. والسرطان. والجراذين. والورل. والطير كله، وكل ما أمكن ان يذكى مما لم يفصل تحريمه، وكذلك الخفاش. والوطواط. والخطاف. وبالله تعالى التوفيق * روينا عن عطاء اباحة أكل السلحفاة، والسرطان، وعن طاوس. والحسن. ومحمد بن على وفقهاء المدينة اباحة أكل السلحفاة، وعن ابن عباس أنه نهى المحرم عن قتل الرخمة وجعل فيها الجزاء، فان ذكر الخبر الذى فيه القنفذ خبيث (2) من الخبائث فهو عن شيخ مجهول لم يسم (3) ولو صح لقلنا به وما خالفناه * 1000 - مسألة - ولا يحل أكل لحوم الجلالة ولاشرب ألبانها ولاما تصرف منها لانه منها وبعضها ولا يحل ركوبها، وهى التى تأكل العذرة من الابل وغير الابل من ذوات الاربع خاصة، ولا يسمى الدجاج. ولا الطير جلالة وان كانت تأكل العذرة فإذا قطع عنها أكلها فانقطع عنها الاسم حل أكلها والبانها وركوبها لما روينا من طريق أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا عبدة عن محمد بن اسحاق عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) قال الجوهرى في الصحاح: الزمكى مثل الزمجى وهو منبت ذنب الطائر، وفى النسخة رقم 16 (رمى) وهو غلط (2) في النسخة رقم 14 (القنفذ خبيثة) بالتأنيث وهى موافقة لسنن أبى داود ج 3 ص 417، وما هنا موافق لحياة الحيوان، وفى كتب اللغة قال في الصحاح، القنفذ والقنفذ - أي بضم الفاء وفتحها واحد القنافذ والانثى قنفذة اه‍. (3) قال الخطابى: ليس اسناده بذاك وقال البيهقى لم يرو إلا من وجه واحد ضعيف لا يجوز الاحتجاج به، قال الدميري في حياة الحيوان: قيل اراد انه خبيث الفعل دون اللحم لما فيه من اخفاء رأسه عن التعرض لذبحه وابداء شوكه عند أخذه وسأل مالك عنه فقال: لاأدرى، وقال الشافعي: يحل أكل القنفذ لان العرب تستطيبه، وقد أفتى ابن عمر باباحته، وقال أبو حنيفة والامام أحمد لا يحل للخبر المذكور، والله أعلم (4) في النسخة رقم 16 (القذر) *

[ 411 ]

عن أكل الجلالة وألبانها) (1): ومن طريق قاسم بن أصبغ نا أحمد بن يزيدنا يزيد بن محمدنا يزيد بن زريغ عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبن الجلالة ولحومها وعن أكل المجثمة (2)، وهذا عموم لكل ما طعامه الجلة، وهى العذرة هكذا روينا عن الاصمعي. وأبى عبيد * ومن طريق أبى داودنا أحمد بن أبى سريج (3) الرازي أنا عبد الله بن جهم نا عمرو - يعنى ابن أبى قيس - عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة في الابل ان يركب عليها أو يشرب (من) (4) البانها) ففى هذا بعض مافى ذلك، وفيه أيضا زيادة الركوب وتحريمه * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عبيدالله بن أبى يزيد عن أبيه ان عمر قال لرجل له ابل جلالة: لا تحج عليها ولا تعتمر * ومن طريق ابن وهب عن ابن جريج كان عطاء ينهى عن جلالة الابل والغنم ان تؤكل فان حبستهما وعلفتهما عن تطيب بطونهما فلا بأس حينئذ بأكلها، قال ابن جريج: وأخبرني عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمرانه قال: لا أصاحب أحدا ركب جلالة * 1001 - مسألة - ولا يحل اكل ما ذبح أو نحر لغير الله تعالى ولا ما سمى عليه غير الله تعالى متقر با بتلك الذكاة إليه سواء ذكر الله تعالى معه أو لم يذكره، وكذلك ما ذكى من الصيد لغيره تعالى فلو قال باسم الله وصلى الله عليه وسلم المسيح أو قال على محمد أو ذكر سائر الانبياء فهو حلال لانه لم يهل به لهم، قال الله تعالى: (أو فسقا اهل لغير الله به) فسو إذكر الله تعالى عليه أو لم يذكر هو مما اهل لغير الله تعالى به فهو حرام سواء ذبحه مسلم أو كتابي، وقال بعض القائلين: قد اباح الله تعالى لنا أكل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون وهذا ليس حجة (5) في اباحة ما حرم الله تعالى لان الذى أباح لنا ذبائحهم وعلى ما يقولون هو الله عزوجل المحرم علينا ما أهل لغير الله به فلا يحل ترك شئ من امره تعالى لامر آخر ولابد من استعمالهما جميعا وليس ذلك الا باستثناء الاقل من الاعم * ورويت في هذا روايات عن عبادة بن الصامت. وأبى الدرداء. والعرباض بن سارية: وعلى. وابن عباس. وابى امامة كلها عن مجاهيل. أو عن كذاب أو عن ضعيف ولكنه صحيح عن بعض التابعين، وروينا عن عائشة أم المؤمنين ان امرأة سألتها عما ذبح لعيد النصارى، فقالت عائشة: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه * ومن طريق ابن عمر ما ذبح للكنيسة فلا تأكله * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن قيس عن عطاء بن السائب عن زاذان عن على بن أبى طالب قال: إذا سمعت النصراني يقول: باسم المسيح فلا تأكل وإذا لم تسمع فكل (6)، وصح عن ابراهيم النخعي في ذبيحة


(1) هو في سنن أبى داود ج 3 ص 412 (2) تقدم تفسيرها ص 408 (3) في النسخة رقم 14 (شريح) بالشين المعجمة وهو غلط (4) الزيادة من سنن أبى داود ج 2 ص 413 (5) في النسخة رقم 14 (وهذا لاحجة) (6) في النسخة رقم 16 (فلا تأكل) وهو غلط *

[ 412 ]

النصراني إذا توارى عنك فكل، وعن حماد بن أبى سليمان في ذبائح أهل الكتاب قال: كل ما لم تسمعه أهل به لغير الله تعالى، وعن الحسن. وطاوس. ومجاهدانهم كرهوا ما ذبح للآلهة، وعن عمر ابن عبد العزيز انه وكل بهم من يمنعهم ان يشركوا على ذبائحهم ويأمرهم ان يسموا الله تعالى، * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري قال: إذا سمعت في الذبيحة غير اسم الله تعالى فلا تأكل، * ومن طريق وكيع عن على بن صالح عن محمد بن جحادة (1) عن ابراهيم النخعي قال: إذا سمعته يهل بالمسيح فلا تأكل وهو قول الحارث العكلى. ومحمد بن سيرين * قال على: ويقال لمن خالف هذا: قد أحل الله تعالى ذبائحهم وهو تعالى لعم انهم يذبحون الخنزير أفيأكله؟ فمن قولهم لا لان الله تعالى حرم الخنزير فيقال لهم: والله تعالى حرم ما أهل به لغيره كما حرم الخنزير سواء سواء ولافرق * 1002 - مسألة - ولا يحل اكل ما يصيده المحرم فقتله حيث كان من البلاد أو يصيده المحل في حرم مكة أو المدينة فقط فقتله لقول الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) فكل قتل نهى الله تعالى عنه فحرام أكل ما أميت به لانه غير الذكاة المأمور بها، وقال أبو ثور: أكله حلال كذبيحة الغاصب والسارق ولافرق * 1003 - مسألة - ولا يحل أكل ما لم يسم الله تعالى عليه بعمد أو نسيان * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق) فعم تعالى ولم يخص، وقال أبو حنيفة. ومالك: ان ترك عمدا لم يحل أكله، وان ترك نسيانا حل أكله، وقال الشافعي: هو حلال ترك عمدا أو نسيانا * روينا عن ابن عباس من طريق فيها ابن لهيعة انه قال: إذا خرجت قانصا لا تريد الا ذلك فذكرت اسم الله حين تخرج فان ذلك يكفيك، وصح عن أبى هريرة فيمن ذبح وهو مغضب فلم يذكر الله تعالى انه يؤكل وليسم الله تعالى إذا أكل، وعن عطاء إذا قال المسلم: باسم الشيطان فكل، وروينا عن جماعة من التابعين اباحة أكل ما نسى ذكر الله تعالى عليه ولم يذكر عنهم تحريمه في تعمد ترك الذكر * قال أبو محمد: احتج أهل الاباحة لذلك بما رويناه من طريق عمران بن عيينة اخى سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (جاءت اليهود إلى رسو الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله عزوجل؟ فأنزل الله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) إلى آخر الآية * قال على: هذا من التموية القبيح، وليت شعرى أي ذكر في هذا الخبر لاباحة أكل مما لم يسم الله


(1) في النسخة رقم 14 وكذلك اليمنية (محمد بن حجادة) بتقديم الحاء على الجيم المعجمة وهو غلط انظ ر تهذيب التهذيب ج 9 ص 92 *

[ 413 ]

تعالى عليه بل حجة عليهم كافية، فأما قول الشافعي فما نعلم له حجة أصلا، وأما الحنيفيون. والمالكيون فانهم ذكروا خبرا رويناه من طريق سعيد بن منصورنا عيسى بن يونس نا الاحوص بن حكيم عن راشد بن سعد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ذبيحة المسلم حلال وان لم يسم إذا لم يتعمد)، فهذا مرسل، والاحوص بن حكيم ليس بشئ، وراشد بن سعد ضعيف: (1) وخبر آخر من طريق وكيع ناثور الشامي عن الصلت مولى سويد (2) قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ذبيحة المسلم حلال وان نسى أن يذكر اسم الله لانه إذا ذكر لم يذكر الا الله تعالى). وهذا مرسل لاحجة فيه، والصلت أيضا مجهول لا يدرى من هو، * وقال بعضهم: انما ذبحت بدينك * قال على: ما نذبح الا بأدياننا وبما ينهر الدم، ومن الذبح بالدين ان يسمى الله تعالى فمن لم يسمه عزوجل فلم يذبح بدينه ولا كما أمر، واحتجوا أيضا بان قالوا: قال الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وأنتم تجيزون صلاة من تكلم فيها ناسيا وصوم من أكل فيه ناسيا فما الفرق؟ قالوا: وقول الله تعالى: (وانه لفسق) اخراج للناسي من هذه الجملة لان النسيان ليس فسقا، هذا كل ما احتجوا به ولا حجة لهم في شئ منه، أما سقوط الجناح في الخطأ وسقوط المؤاخذة بالنسيان والخطأ ورفعهما عنا فنعم وهو قولنا، وهكذا نقول: انه ههنا مرفوع عنه الاثم والحرج إذا نسى التسمية لكنا قلنا: انه (3) لم يذك لكن ظن انه ذكى ولم يذك كمن نسى الصلاة وظن انه صلى وهو لم يصل فلما لم يذك كان ميتة لا يحل أكله لان الله تعالى نهانا أن نأكل ما لم يذكر اسم الله عليه فكانت هذه الصفة متى وجدت في مذبوح أو منحور أو تصيد لم يحل أكله، والفرق بين ما جهلوا الفرق بينه من ذلك هو أن العمل المأمور به من نسى ان يعمله أو تعمدان لا يعمله فلم يعمله إلا أن الناسي (4) غير حرج في نسيانه والعامد في حرج، وكل عمل عمله المرء مما أمر به فزاد فيه ما لم يؤمر به ناسيا فلا حرج عليه فيما عمل ناسيا وعمله لما عمل مما أمر به صحيح جائز جاز، فهذا هو حكم القرآن والسنن الا ما جاء نص باخراجه عن هذا الحكم فيوقف عنده * وأما قوله تعالى: (وانه لفسق) فلم نقل قط ان نسيان الناسي لتسمية الله تعالى على ذبيحة ونحيرته وصيده فسق، ولا قلنا: ان الله تعالى سمى نسيانه لذلك فسقا لكن الله تعالى سمى ذلك العقير الذى لم يذكر اسم الله عليه فسقا، هذا نص الآية الذى لا يجوز احالتها عنه ان ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه فانه فسق والفسق محرم، وما لم يذكر اسم الله عليه فهو مما اهل لغير الله به فهو حرام بنص الآية التى لا تحتمل تأويلا سواه وبالله تعالى التوفيق *


(1) قال العلامة الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة راشد بن سعد: وشذى بن حزم فقال: ضعيف (2) هو الدوسى (3) في بعض النسخ (ان) بدل انه (4) في النسخة رقم 14 (الا لان الناسي) *

[ 414 ]

نا حمام بن أحمد نا أبو محمد الباجى نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا أحمد بن مسلم نا أبو ثور نا معلى نا هشيم. عن يونس - هو ابن عبيد - عن محمد بن زياد قال: ان رجلا نسى أن يسمى الله تعالى على شاة ذبحها فأمر ابن عمر غلامه فقال: إذا أراد أن يبيع منها لاحد فقل له: ان عمر يقول: ان هذا لم يذكر اسم الله عليها حين ذبحها، وهذا اسناد في غاية الصحة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا معتمر بن سليمان عن خالد - هو الحذاء - عن ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد قال: لا تأكل الامما ذكر اسم الله عليه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يزيد بن هرون عن أشعث - هو الحمراني - عن ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد سأله رجل عمن ذبح ونسى أن يسمى الله؟ فتلا عبد الله قول الله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق) وعبد الله هذا هو صحيح الصحبة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو خالد الاحمر سليمان بن حيان عن داود بن ابى عند عن الشعبى انه كره ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه بنسيان * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة قال: إذا وجدت سهما في صيد وقد مات فلا تأكله انك لا تدري من رماه ولا تدري اسمى أو لم يسم * ومن طريق وكيع نا عبد الله بن راشد المنقرى عن ابى سيرين فيما نسى ان يذكر اسم الله عليه أرأيت لو قلت: كل وقال الله: لا تأكل أكنت تأكل؟ * ومن طريق ابن ابى شيبة نا ابن علية عن أيوب السختيانى عن نافع مولى ابن عمر انه كره أكل ما نسى ذابحه ان يسمى الله تعالى عليه * ومن طريق حماد بن زيد عن ايوب عن ابن سرين انه كره اكل مانسى ذابحه ان يسمى الله تعالى عليه، وهو قول ابى ثور. وأبى سليمان وأصحابه، وبهذا جاءت السنن * روينا من طريق أبى داود الطيالسي نا زائدة عن سعيد بن مسروق نا عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع ابن خديج قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله تعالى عليه فكل) وذكر باقى الحديث * ومن طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة نا الشعبى سمعت عدى بن حاتم يقول: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرسل كلبى فاجدمع كلبى كلبا قد أخذ لاأدرى أيهما أخذ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تأكل انما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) * فجعل عليه السلام المانع من الاكل لانه لم يسم على الذى لا يدرى أهو قتله أم غيره * 1004 - مسألة - ومن سمى بالعجمية فقد سمى كما أمر لان الله تعالى لم يشترط لغة من لغة ولا تسمية من تسمية فكيفما سمى فقد أدى ما عليه، وبالله تعالى التوفيق * 1005 - مسألة - ومن ذبح مال غيره بأمره فنسى أن يسمى الله تعالى أو تعمد فهو ضامن مثل الحيوان الذى أفسد لانه ميتة كما قدمنا فقد أفسد مال أخيه، وأموال الناس تضمن بالعمد والنسيان وبالله تعالى التوفيق *

[ 415 ]

1006 - مسألة - ولا يحل أكل ما نحره أو ذبحه (1) انسان من مال غيره بغير أمر مالكه بغصب أو سرقة أو تعد بغير حق - وهو ميتة - لا يحل لصاحبه ولا لغيره ويضمنه قاتله الا أن يكون نظرا صحيحا كخوف أن يموت فبادر بذكاته أو نظرا لصغير أو مجنون أو غائب. أو في حق واجب * برهان ذلك قول الله تعالى: (إلا ما ذكيتم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وقال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) فنسأل من خالف قولنا أبحق ذبح هذا الحيوان أو نحر أم بباطل ولابد من أحدهما؟ ولا يقول مسلم: انه ذبح بحق ولا أنه نحر بحق فإذ لاشك في انه نحر وذبح بباطل فهو محرم أكله بنص القرآن، وأيضا فان الحيوان حرام أكله الا ما ذكينا فالذكاة حق مأمور به طاعة لله تعالى لا يحل أكل ما حرم من الحيوان الا به وذبح المتعدى باطل محرم عليه معصية لله تعالى بلا خلاف وبنص القرآن والسنة، ومن الباطل المتيقن أن تنوب المعصية عن الطاعة، والعجب انهم متفقون معنا على أن الفروج المحرمة لا تحل الا بالعقد المأمور به لا بالعقد المحرم، فمن أين وقع لهم أن يبيحوا الحيوان المحرم بالفعل المحرم؟ وما الفرق بين تصيد المحرم للصيد المحرم عليه وبين ذبح المتعدى لما حرم عليه ذبحه؟ وبهذا جاءت السنن الثابتة * روينا من طريق مسلم بن الحجاج نا اسحق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا وكيع نا سفيان: الثوري عن ابيه عن عباية بن رافعة (بن رافع بن خديج) (2) عن رافع بن خديج قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى الحليفة من تهامة فأصبنا غنما وابلا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكفئت ثم عدل عشرا من الغنم بجزور)، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بهرق القدور التى فيها اللحم المذبوح من الغنيمة قبل القسمة، ولا شك في أنه لو كان حلالا أكله ما أمر بهرقه لانه عليه السلام نهى عن إضاعة المال فصح يقينا انه حرام محض وان ذبحه ونحره تعد يوجب الضمان ولا يبيح الاكل، وما نعلم للمخالف حجة أصلا لامن قرآن ولامن سنة ولا من قول صاحب ولا من قياس إلا أن بعضهم موه بخبر رويناه من طريق عاصم بن كليب عن ابيه عن رجل من الانصار قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة. فاستقبله داعى امرأة فجاء وجئ بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم أيديهم فأكلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير اذن أهلها فأرسلت المرأة يا رسول الله انى ارسلت إلى البقيع


(1) في النسخة رقم 14 (ولا يحل أكل ما ذبحه أو نحره) (2) الزيادة من النسخة رقم 14 وهى موافقة لما في صحيح مسلم ج 2 ص 119 *

[ 416 ]

يشترى لى شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لى قد اشترى شاة ان أرسل بها إلى بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلى بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطعميه الاسارى) * قال أبو محمد: وهذا لاحجة لهم فيه بل هو لو صح حجة عليهم أول ذلك انه عن رجل لم يسم ولا يدرى أصحت صحبته أم لا؟ والثانى انه لو صح لكان حجة لنا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستحل أكله ولا أباح لاحد من المسلمين أكل شئ منه بل أمر بان يطعم الكفار المستحلين للميتة، ولعل أولئك الاسارى كانوا مرضى يل لهم التداوى بالميتة مع انها لم تكن غصبا ولا مسروقة وانما أخذتها بشراء صحيح عند نفسها لكن لما لم يكن باذن مالكها لم يحل أكلها لمسلم فبطل تمويههم بهذا الخبر، ولاشك في ان تلك الشاة مضمونة على المرأة وذلك منصوص في الخبر من قول المراة ابعثها إلى بثمنها ونحو نأتيهم من هذه الطريق بعينها بما هو حجة مبنية عليهم لنا في هذه المسألة * روينا من طريق أبى داود السجستاني نا هناد بن السرى نا أبو الأحوص هو سلام بن سليم - عن عاصم بن كليب عن أبيه عن عن رجل من الانصار قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فاصاب الناس حاجة شديدة وجهد فأصابوا غنما فانتهبوها فان قدور نا لتغلى إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى على قوسه فاكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: ان النهبة ليست باحل من الميتة أو ان الميتة ليست باحل من النهبة، شك أبو الأحوص في ايتهاما قال عليه السلام) (1) فهذا ذلك الاسناد نفسه ببيان لاإشكال فيه من افساده صلى الله عليه وسلم اللحم المذبوح منتهبا غير مقسوم وخلطه بالتراب، فصح يقينا انه حرام بحت لا يحل أصلا إذ لو حل لما أفسده عليه السلام، فمن العجائب أن تكون طريق واحدة حجة فيما لابيان فيها منه، ولا تكون حجة فيما فيها البيان الجلى منه * وروينا من طريق طاوس. وعكرمة النهى عن أكل ذبيحة السارق وهو قول اسحق بن راهويه. وأبى سليمان. وأصحابه، ولا نعلم خلاف قولنا في هذه المسألة عن أحد من الصحابة ولاعن تابع الاعن الزهري. وربيعة. ويحيى بن سعيد فقط وبالله تعالى التوفيق * 1007 - مسألة - ولا يحل أكل ما ذبح أو نحر فخرا أو مباهاة لقول الله تعالى: (أو فسقا أهل لغير الله به) وهذا مما أهل لغير الله به * روينا من طريق أحمد بن شعيب انا قتيبة


(1) قال أبو داود في سننه ج 3 ص 19 بعد ما ذكر الحديث (الشك من هناد) وقوله في الحديث (انتهبوها) أي أخذوها بلا قسمة، وقوله (فأكفأ قدورنا) يقال: كفأه كبه وقبله كاكفاه، وقوله (يرمل اللحم) أي يلطخه، وقوله (ان النهبة ليست مما حل من الميتة) النهبة بضم النون المال المنهوب، والمعنى ان النهبة والميتة كلاهما عنه المنذرى والله أعلم *

[ 417 ]

نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - (1) عن منصور بن حيان (2) عن عامر بن واثلة على بن أبى طالب قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لعن الله من لعن والده ولعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من آوى محدثا ولعن الله من غير منار الارض) * ومن طريق سعيد بن منصور نا ربعى بن عبد الله ابن الجار ودقال: سمعت الجار ودبن أبى سبرة يقول: كان رجل من بنى رياح يفال له: ابن وثيل - هو سحيم - قال: وكان شاعر انا فر غالبا أبا الفرزدق الشاعر بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من ابله وهذا مائة من ابله إذا وردت، فلما وردت الابل الماء قاما إليها بالسيوف فجعلا يكسعان عراقيبها فخرج الناس على الحمرات يريدون اللحم وعلى بالكوفة فخرج على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو. ينادى أيها الناس لا تأكلوا من لحومها فانها مما أهل بها لغير الله * وعن عكرمة لاتؤكل ذبيحة (3) ذبحها الشعراء فخرا ورياء ولا ما ذبحه الاعراب على قبورهم، ولا يعلم لعلى رضى الله في هذا مخالف (4) من الصحابة رضى الله عنهم، وكل ما في هذا الباب فهو برهان على صحة قولنا في الباب الذى قبله من تحريم ذبيحة السارق. والغاصب. والمتعدي لان هؤلاء بلا شك ممن ذبح لغير الله عزوجل، وذبائحهم ونحائرهم ممن أهل لغير الله تعالى به بيقين إذ لا يجوز البتة ان يعصى أحد يريد بدلك وجه الله تعالى، وهؤلاء عصاة لله تعالى بلاشك مخالفون لامره في ذلك الذبح نفسه وفي ذلك العقر نفسه * 1008 - مسألة - وأما جواز ما كان من ذلك نظرا ومصلحة فلقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال، فحفظ مال المسلم والذمى واجب وبر وتقوى، واضاعته اثم وعدوان وحرام * رويناه من طريق البخاري نا محمد بن أبى بكر - هو المقدمى - نا المعتمر بن سليمان التيمى عن عبيدالله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر انه سمع ابن كعب بن مالك يخبر ابن عمر بان أباه كعب ابن مالك أخبره (ان جارية لهم كانت ترعى (غنما) (5) بسلع (6) فابصرت شاة من غنمها موتها (7) فكسرت حجرا فذبحتها فقال لاهله: لا تأكلوا حتى آتى رسول (8) الله صلى الله عليه وسلم فاسأله أو (حتى) (9) أرسل إليه من يسأله فسئل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها) * 1009 - مسألة - فلو خرجت بيضة من دجاجة ميتة أو طائر ميت مما يؤكل لحمه


(1) في سنن النسائي ج 7 ص 232 (حدثنا يحيى وهو ابن زكريا بن ابى زائدة) وارجح مافى النسائي بدليل ما ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب ج 11 ص 216 (2) في النسائي ج 7 ص 222 (بن حبان) بالباء الموحدة وهو غلط، ووقع صحيحا في سنن النسائي طبع الهندي، والحديث اختصره المصنف (3) في النسخة رقم 14 (لا تحل ذبيحة) (4) في النسخة رقم 14 (ولا نعلم لعلى في هذا مخالفا) (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 166 (6) هو جبل بقرب مكة (7) هذه رواية السرخسى والمستملي وفى رواية غيرهما (موتا) (8) في صحيح البخاري حتى (آتى النبي) (9) الزيادة من صحيح مسلم *

[ 418 ]

لو ذكى فان كانت ذات قشر فأكلها حلال وان لم تكن ذات قشر بعد فهى حرام لانها إذا صارت ذات قشر فقد باينت الميتة وصارت منحازة عنها وإذا لم تكن ذات قشر فهى حينئذ بعض حشوتها ومتصلة بها فهي حرام * 1010 مسألة - ولو طبخ (1) بيض فوجد في جملتها بيضة فاسدة قد صارت دما أو فيها فرخ رميت الفاسدة وأكل سائر البيض لقول الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزرا أخرى) فاحلال حلال لا يفسده مجاورة الحرام له. والحرام حرم لا يصلحه مجاورة الحلال له. وبالله تعالى التوفيق * 1011 - مسألة - وكل خبز أو طعام أو لحم أو غير ذلك طبخ أو شوى بعذرة أو بميتة فهو حلال كله لانه ليس ميتة ولاعذرة. والعذرة والميتة حرام، وما أحل فهو حلال فإذا لم يظهر في شئ منه عين العذرة أو الميتة فهو حلال، وكذلك لو وقع طعام في خمر أو في عذرة فغسل حتى لا يكون للحرام فيه عين فهو حلال إذ لم يوجب تحريم شئ من ذلك قرآن. ولاسنة * 1012 مسألة - فلو مات حيوان مما يحل أكله لو ذكى فحلب منه لبن فاللبن حلال لان اللبن حلال بالنص فلا يحرمه كونه في ضرع ميتة لانه قد باينها بعد، وهو وما حلب منها في حياتها ثم ماتت سواء، وانما هو لبن حلال في وعاء حارم فقط، فهو والذى في وعاء ذهب أو فضة سواء، وبالله تعالى التوفيق * 1013 - مسألة - ولا يحل أكل السم القاتل ببطء أو تعجيل (2) ولا ما يؤذى من الاطعمة ولا الاكثار من طعام يمرض الاكثار منه لقول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) * روينا من طريق سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة قال: سمعت أسامة بن شريك قال: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تداووا عباد الله فان الله لم ينزل داء الا أنزل به دواء الا الهرم) (3) * قال على: زياد ثقة مأمون روى عنه شعبة. وسفيان. وسفيان. (4) ومسعر. وابو عوانة. وأبو إسحاق الشيباني. وغيرهم، وليس في الخبر الثابت (هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) حمد لترك الدواء أصلا ولاذكر للمنع منه وأمره عليه السلام بالتداوي نهى عن تركه وأكل المضر ترك للتداوي فهو منهى عنه وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 (طبخت) (2) في النسخة رقم 16 (أو بتعجيل) (3) الحديث رواه أبو داود في سننه ج 4 ص 1 من طريق حفص بن عمر النمري عن شعبة عن زياد بن علاقة الخ بالفاظ قريبة مما هنا، (والهرم) بفتح الهاء والراء الكبر، قال المنذرى: اخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، واخرجه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 399 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد فقد رواه عشرة من أئمة المسلمين وثقاتهم عن زياد بن علاقة، وأقره الذهبي على ذلك (4) أي سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وسقط لفظ سفيان الثاني من النسخة اليمنية خطأ *

[ 419 ]

1014 - مسألة - وكل حيوان ذكى فوجد في بطنه جنين ميت، وقد كان نفخ فيه الروح بعد فهو ميتة لا يحل أكله فلو أدرك حيا فذكى حل أكله فلو كان لم ينفخ فيه الروح بعد فهو حلال الا ان كن بعد دما لالحم فيه، ولا معنى لاشعاره ولا لعدم اشعاره وقول أبى حنيفة * برهان ذلك قول الله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم) وقال تعالى: (الا ما ذكيتم) وبالعيان ندرى ان ذكاة الام ليست ذكاة للجنين الحى لانه غيرها وقد يكون ذكرا وهى أنثى فاما إذا كان لحما لم ينفخ فيه الروح بعد فهو بعضها ولم يكن قط حيا فيحتاج إلى ذكاة، وقد احتج المخالفون (1) باخبار واهية * منها من طريق وكيع عن ابن أبى ليلى عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، وابن ابى ليلى سئ الحفظ، وعطية هالك * ومن طريق اسماعيل بن مسلم المكى عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، اسماعيل بن مسلم ضعيف * ومن طريق ابن المبارك عن مجالد بن سعيد عن أبى الوداك عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين (كلوه ان شئتم (2))، مجالد ضعيف. وأبو الوداك ضعيف * ومن طريق أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم (ذكاة الجنين ذكاة أمه) (حديث أبى الزبير) (3) ما لم يكن عند الليث عنه أو لم يقل فيه أبو الزبير انه سمعه من جابر فلم يسمعه من جابر، فلم يسمعه من جابر، وهذا من هذا النمط لا يدرى ممن أخذه عن جابر فهو عن مجهول على ما أوردنا قبل، ثم لم يأت عن أبى الزبير الا من طريق حماد بن شعيب. والحسن بن بشر. وعتاب بن بشير (4) عن عبيدالله بن أبى زياد القداح، وكلهم ضعفاء * ومن طريق أبى حذيفة نا محمد بن مسلم الطائفي عن أيوب بن موسى قال: ذكر لى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين إذا أشعر فذكاته ذكاة أمه، أبو حذيفة ضعيف، ومحمد ابن مسلم أسقط منه ثم هو منقطع * ومن طريق ابن أبى ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر) ابن أبى ليلى سئ الحفظ ثم هو منقطع، وقالوا: هو قول جمهور العلماء كما روينا من طريق سفيان عن الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن أيوب السختيانى عن ابن عمر قال في جنين الناقة إذا تم وأشعر: فذكاته ذكاة أمه وينحر * ومن طريق الحارث عن على إذا أشعر جنين الناقة فكله فان ذكاته ذكاة أمه * وعن قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس أنه أشار إلى جنين (5) ناقة واخذ بذنيه


(1) في النسخة رقم 16 (بعض المخالفين) ويؤيد ماهنا ما سيأتي بعد في قول المصنف (وقالوا: هو قول جمهور العلماء) (2) هو في سنن الدارقطني ص 540 (3) الزيادة من النسخة رقم 16 وسقطت خطأ من النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (4) في النسخة رقم 16 (عباد بن بشير) وهو غلط، وجاء صيحا في مستدرك الحاكم ج 4 ص 114 (5) في النسخة رقم 16 (أنه قال في جنين) وليس بشئ *

[ 420 ]

وقال: هذا من بهيمة الانعام * وعن أبى الزبير عن جابر نحر جنين الناقة نحر أمه * وعن ابراهيم عن ابن مسعود ذكاة الجنين ذكاة أمه وهو قول ابراهيم. والشعبى. والقاسم بن محمد. وطاوس. وأبى ظبيان. وأبى اسحاق السبيعى. والحسن. وسعيد بن المسيب. ونافع. وعكرمة. ومجاهد. وعطاء. ويحيى بن سعيد الانصاري. وعبد الرحمن بن أبى ليلى. والزهرى. ومالك. والاوزاعي. والليث بن سعد. وسفيان الثوري. والحسن بن حى. وأبى يوسف ومحمد بن الحسن. والشافعي * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن مسعر ابن كدام عن حماد بن أبى سليمان في جنين المذبوحة قال: لا تكون ذكاة نفس عن نفسين، وهو قول أبى حنيفة. وزفر * نا أحمد بن عمر بن أنس نا محمد بن عيسى غندر نا خلف بن القاسم نا أبو الميمون نا عبد الرحمن بن عبيدالله بن عمر بن راشد البجلى نا أبو زرعة - هو عبد الرحمن بن عمرو النصرى (1) - نا عبد الله بن حيان قلت لمالك بن انس: يا أبا عبد الله الناقة تذبح وفى بطنها جنين يرتكض فيشق بطنها فيخرج جنينها أيؤكل؟ قال: نعم، قلت: ان الاوزاعي قال: لا يؤكل قال: أصاب الاوزاعي، فهذا قول لمالك (2) أيضا * واختلف الاقئلون في اباحة أكله فروينا عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق. قال: إذا علم ان موت الجنين قبل موت أمه أكل والالم يؤكل، قيل له: من اين يعلم ذلك؟ قال: إذا خرج لم ينتفخ ولم يتغير فهو موتها (3)، وقال بعضهم: لا يؤكل الا ان يكون قد أشعر وتم وهو قول ابن عمر: وعبد الرحمن بن أبى ليلى. والزهرى. والشعبى. ونافع. وعكرمة. ومجاهد. وعطاء ويحيى بن سعيد، قال يحيى: فان خرج حيا لم يحل أكله الا أن يذكى، وبه قال مالك الا أنه قال: ان خرج حيا كره أكله وليس حراما، وقال آخرون: أشعر أو لم يشعر هو حلال وهو قول ابن عباس. وابراهيم. وسعيد بنت المسيب. والاوزاعي. والليث. وسفيان. والحسن بن حى. وأبى يوسف. ومحمد بن الحسن. الشافعي * قال أبو محمد: لو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لقلنا به مسارعين (4) وإذا لم يصح عنه فلا يحل ترك القرآن لقول قائل أو قائلين، فأما أبو حنيفة فانه يشنع بخلاف الصاحب لايعرف له مخالف وخلاف جمهور العلماء ويرى ذلك خلافا للاجماع، وهذا مكان خالف فيه الصحابة وجمهور العلماء من التابعين والآثار التى يحتج هو بأسقط منها، وهذا تناقض فاحش * وأما مالك فانه لم يحرم الجنين إذا خرج بعد ذبح أمه حيا وما نعلم هذا عن أحد من خلق الله تعالى قبله ويلزم على هذا أنه ان


(1) هو بالنون والصاد المهملة، وفى النسخة اليمنية (البصري) بالباء الموحدة وهو غلط (2) في النسخة رقم 16 (فهذا لقول مالك (3) في النسخة رقم 16 (فهو قبل موتها) ولعلها الاظهر (4) قال مصحح النسخة 16: قد صح من حديث جابر اه‍ أقول يشير إلى ما ذكره المصنف قبل قريب ثم بين ما فيه فسقط ماقاله المصحح *

[ 421 ]

كان عنده ذكيا بذكاة أمه أنه إن عاش وكبر وألقح ونتج انه حلال متى مات لانه ذكى بعد بذكاة أمه وحاش لله من هذا فكلاهما خالف الاجماع أو ما يراه اجماعا في هذه المسألة (بالله تعالى التوفيق (1)) * 1015 - مسألة - ولا يحل الاكل ولا الشرب في آنية الذهب أو الفضة لا لرجل ولا لامرأة فان كان مضببا بالفضة جاز الاكل والشرب فيه للرجال والنساء لانه ليس اناء فضة، فان كان مضببا بالذهب أو مزينا به حرم على الرجال لان فيه استعمال ذهب وحل للنساء لانه ليس اناء ذهب * روينا من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى سيبة نا على بن مسهر عن عبيدالله بن عمر عن نافع - هو مولى ابن عمر - عن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق عن أم سلمة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الذى يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم) (2) فهذا عموم يدخل فيه الرجال والنساء، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم (ان الذهب حرام على ذكور أمته حل لاناثها) * وروينا عن على رضى الله عنه انه أتى بفالو ذبح في اناء فضة فاخرجه وجعله على رغيف وأكله، الا أن يصح ما حدثنا به محمد بن اسماعليل العذري قاضى سرقسطة (4) نا محمد بن على المطوعى نا الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري انا الحسين بن الحسن الطوسى بنيسابور، و عبد الله بن محمد الخزاعى بمكة قالا جميعا: نا أبويحيى بن أبى ميسرة نا يحيى بن محمد الجارى (5) نا زكريا بن ابراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شرب في اناء ذهب أو فضة أو واناء فيه شئ من ذلك فانما يجر جر في بطنه نار جهنم) فان صح هذا الخبر قلنا به على نصه ولم يحل الشرب في اناء فيه شئ من ذهب أو فضة لرجل ولا لامرأة وانما توقفنا عنه لان زكريا بن ابراهيم لا نعرفه بعدل ولا جراحة. وبالله تعالى التوفيق * وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن مروان بن معاوية عن العلاء عن يعلى بن النعمان قال قال عمرو: من شرب في قدح مفضض سقاه الله جمرا يوم القيامة * وصح عن ابن عمر انه كان لا يشرب بقدح فيه ضبة فضة ولا حلقة فضة، وعن جماعة مثل هذا، وعن آخرين اباحته *


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 149 (3) قال الحافظ بن حجر في بلوغ المرام: رواه احمد والنسائي والترمذي وصححه، وقال في التلخيص: ومشى ابن حزم على ظاهر الاسناد فصححه وهو معلول بالانقطاع (4) بفتح أوله وثانيه ثم قاف مضمومة وسين مهملة ساكنة وطاء مهملة - هكذا ضبطه ياقوت - بلدة مشهورة بالاندلس (5) هو بجيم في أوله هكذا ضبطه الحافظ ابن حجر في التقريب وكذلك ذكره الذهبي في ميزانه وتبعه على ذلك الحافظ في لسان الميزان، وفى النسخة رقم 14 وفى النسخة اليمنية (الحارثى) بحاء مهملة وقبل آخره تاء مثلثة وهو تصحيف، وذكر الحديث الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال ج 3 ص 302 وقال: هذا حديث منكر اخرجه الدارقطني، وزكريا ليس بالمش

[ 422 ]

1016 - مسألة - ولا يحل القران في الاكل الا باذن المؤاكل، وهو أن تأخذ أنت شيئين شيئين (1) ويأخذ هو واحدا واحدا كتمرتين وتمرة أو تينتين وتينة ونحو ذلك الا أن يكون الشئ كله لك فافعل فيه ما شئت * روينا من طريق البخاري نا آدم نا شعبة نا جبلة بن سحيم (انه سمع ابن عمر يقول - وهو يمر بهم وهم يأكلون -: لا تقارنوا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القران (الا أن يستأذن الرجل أخاه) قال شعبة: الاذن من قول ابن عمر) (2) * قال على: هذا اعم مما رواه سفيان عن جبلة بن سحيم فإذا أذن المؤاكل فهو حقه تركه * 1017 - مسألة - ولا يحل أكل ما عجن بالخمر أو بما لا يحل أكله أو شربه ولاقدر طبخت بشئ من ذلك الا أن يكون مما عجن به الدقيق وطبخ به الطعام شيئا حلال وكان ما رمى فيه من الحرام قليلا لاريح له فيه ولاطعم ولالون، ولا يظهر للحرام في ذلك اثر أصلا فهو حلال حينئذ، وقد عصى الله تعالى من رمى فيه شيئا منه لان الحرام إذا بطلت صفاته التى بها سمى بذلك الاسم الذى به نص على تحريمه فقد بطل ذلك الاسم عنه وإذا بطل ذلك الاسم سقط التحريم لانه انما حرم ما يسمى بذلك الاسم كالخمر. والدم. والدم. والميتة، فإذا استحال الدم لحما أو الخمر خلا أو الميتة بالتغذي اجزأ في الحيوان الآكل لها من الدجاج وغيره فقد سقط التحريم وبالله تعالى التوفيق * ومن خالف هذا لزمه أن يحرم اللبن لانه دم استحال لبنا وان يحرم التمر والزرع المسقى بالعذرة والبول، ولزمه أن يبيح العذرة والبول لانهما طعام وما حلالان استحالا إلى اسم منصوص على تحريم المسمى به * وأما تحريم ما عجن أو طبح به فلظهرو أثره في جميع الشئ المعجون والمطبوخ، وأما إذا كان الاثر لشئ حلال وكان الحرام لا اثر له فقد قلنا الآن ما يكفى * روينا من طريق ابن أبى شيبة عن محمد بن يزيد عن داود بن عمر وعن مكحول عن أبى الرداء: في المرى (3) يجعل فيه الخمر قال: لا بأس به ذبحته النار والملح * 1018 - مسألة - ولا يحل أكل جبن عقد بأنفحة (4) ميتة لان أثرها ظاهر فيه وهو عقدها له لما ذكر آنفا، وهكذا كل ما مزج بحرام، بالله تعالى التوفيق * 1019 - مسألة - ولا يحل أكل ما ولغ فيه الكلب لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهرقه، فان أكل منه ولم يلغ فيه فهر كله حلال، وقد تقصينا هذه المسألة في كتاب الطهارة فأغنى عن اعادتها، وبالله تعالى التوفيق * 1020 - مسألة - ولا يحل الاكل من وسط الطعام ولا ان تأكل مما لايليك سواء كان


(1) في النسخة رقم 16 (ثنتين ثنتين) وهو غلط بدليل ما بعده (2) الزيادة من النسخة رقم 14، والحديث اختصره المؤلف انظر صحيح البخاري ج 7 ص 145 (3) قال الجوهرى في صحاحه: المرى في الضم وتشديد الراء الذى يؤتدم به كأنه منسوب إلى المرارة والعامة تخففه (4) في النسخة اليمنية (قد عجن بانفحة) *

[ 423 ]

صنفا واحدا أو أصنافا شتى، فلو أن المرء أخذ شيئا مما يلى غيره ثم جعله أمام نفسه وتركه ثم أخذه فأكله فلا حرج عليه في ذلك * روينا من طريق سفيان بن عيينة قال: نا عطاء بن السائب قال: قال لنا سعيد بن جبير: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من نواحيه ولا تأكلوا من وسطه) سماع سفيان. وشعبة. وحماد بن زيد من عطاء بن السائب كان قبل اختلاطه (1) * ومن طريق البخاري نا عبد العزيز بن عبد الله الاويسى نا محمد ابن جعفر عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلى عن وهب بن كيسان (أبى نعيم) (2) عن عمر بن أبى سلمة المخزومى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: كل مما يليك) * ومن طريق أحمد بن شعيب انا عبد الله بن الصباح العطار نا عبد الاعلى نا معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبى سلمة (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ادنه يا بنى فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) فلم يخص عليه السلام صنفا من أصناف، وذكر المفرقون بين ذلك خبرا رويناه من طريق محمد بن جرير الطبري نا محمد ابن المثنى نا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبى سوية المنقرى نا أبو الهذيل حدثنى عبيدالله ابن عكراش بن ذئيب عن أبيه (انه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا بجفنة من ثريد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عكراش كل من موضع واحد فانه طعام واحد ثم أتينا بطبق فيه ألوان من رطب أو تمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عكراش كل من حيث شئت فانه غير طعام واحد قال: وجالت يد النبي صلى الله عليه وسلم في الطبق) فعبيد الله بن العكراش بن ذؤيب (3) ضعيف جدا لا يحتج به، ومثل هذا لا يجوز أن يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه لا يكاد يوجد طعام لا يكون أصنافا الا في الندرة فالثريد فيه لحم وخبز وربما بصل وحمص والمرق كذلك، ويكون في اللحم كبد وشحم ولحم وصدرة وظهر، وهكذا في أكثر الاشياء * فان ذكروا حديث أنس (دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فانطلقت منه فجئ بمرقة فيها دباء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل من ذلك الدباء تعجبه قال أنس: فجعلت القية إليه ولا أطعمه) وفيه ايضا في رواية بعض الثقات (فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حول الصحفة) فان هذا خبر صحيح، وقد قال بعض أهل الظاهر: انما هذا في الدباء خاصة * قال أبو محمد: وليس هذا عندنا كذلك لانه فعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل: انه خاص بالدباء فلا ينبغى لنا أن نقوله لكن نقول: ان هذا الخبر موافق لمعهود الاصل، وقد كان


(1) قال مصحح النسخة رقم 16 انما ذلك في سفيان الثوري أما ابن عيينة فلا اه‍ أقول: وقد ثبت ايضا ان سفيان بن عيينة سمع من عطاء بن السائب قبل اختلاطه، قال الحافظ في كتابه تهذيب التهذيب ج 7 ص 355: وقال الحميدى عن ابن عيينة كنت سمعت من عطاء بن السائب قد يمائم قدم علينا قدمة فسمعته يحدث ببعض ماكنت سمعت فخلط فيه فاتقيته واعتزلته اه‍ (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 122، والحديث اختصره المصنف (3) عكراش بكسر اوله وسكون ثانيه، وذؤيب تسغير ذئب، وهو كما قال المصنف *

[ 424 ]

ذلك بلاشك مباحا قبل أن يقول عليه السلام: (كل ما يليك) فهو منسوخ بيقين بامره عليه السلام بالاكل مما يلى الآكل، ومن أدعى أن المنسوخ عاد مباحا لم يصدق الا ببرهان لانه دعوى بلا دليل، وأيضا فان هذا الخبر لما تدبرناه وجدناه ليس فيه البتة لانص ولا دليل على أنه عليه السلام أخذ الدباء مما لايليه ومن ادعى هذا فقد ادعى الباطل وقال: ما ليس في الحديث، وقد يكون الدباء في نواحى الضحفة مما يلى النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه ويساره فيتتبعه مما يليه في كل ذلك، وهذا الذى لا يجوز ان يحمل الخبر على ما سواه إذ ليس فيه ما يظن المخالف أصلا فبطل تعلقهم به ولله الحمد * فإذا أخذ المرء الشئ مما لايليه ثم جعله امامه فانما نهى عن أن يأكل مما لايليه، وهذا لم يأكل مما لايليه فإذا صار أمامه فله أكله حينئذ لانه مما يليه، وقد اجتر خالد بن الوليد الضب من يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكله ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وسنذكره ان شاء الله تعالى في باب الضب (1) وبالله تعالى التوفيق * 1021 - مسألة - ومن أكل وحده فلا يأكل الامما يليه لما ذكرنا آنفا فان أدار الصحفة فله ذلك لانه لم ينه عن ذلك فان كان الطعام لغيره لم يجز له يدير الصحفة لان واضعها أملك بوضعها، ولم يجعل له ادارتها انما جعل له الاكل مما يليه فقط، فان كانت القصعة والطعام له فله ان يديرها كما يشاء وان يرفعها إذا شاء لانه ماله وليس له أن يأكل الا مما يليه لان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عموم، وقال الله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) * 1022 - مسألة - وتسمية الله تعالى فرض على كل آكل عند ابتداء أكله ولا يحل لاحد ان يأكل بشماله الا أن لا يقدر فيأكل بشماله لامر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن أبى سلمة الذى ذكرنا آنفا بالتسمية والاكل باليمين * ومن طريق الليث عن أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تأكلوا بالشمال فان الشيطان يأكل بالشمال)، وهذا عموم في النهى عن شماله وشمال غيره فان عجز فالله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * ومن تحكم فجعل بعض الاوامر فرضا وبعضها ندبا فقد قال على الله ورسوله: ما لا علم له به، وقال تعالى: (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) * 1023 - مسألة - ولا يحل الاكل في آنية أهل الكتاب حتى تغسل بالماء إذا لم يجد


(1) في النسخة رقم 16 (في كتاب الصيد) وهو غلط لان كتاب الصيد لم يذكر فيه الصنف شيئا من هذا كما ياتي، وفى النسخة اليمنية، في باب الطيب وهو غلط أيضا لانه لا معنى لذكره في باب الطيب، وسياتى قريبا ذكر المسالة التى تتعلق بالضب ويذكر المصنف حديث خالد بن الوليد الذى أشار الله هنا والله أعلم

[ 425 ]

غيرها أيضا لما رويناه من طريق مسلم نا هناد بن سرى نا عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح قال: سمعت ربيعة بن يزيد الدمشقي يقول: أنا أبو ادريس عائذ الله الخولانى قال: سمعت أبا ثعلبة الخشنى يقول: قلت: (يا رسول الله انا بأرض قوم أهل كتاب (1) نأكل في آنيتهم فقال عليه السلام: (اما ما ذكرت انكم (2) بأرض قوم أهل كتاب (3) تأكلون في آنيتهم (فان وجدتم غير آنيتهم) (4) فلا تأكلوا فيها، وان لم تجدوا فاغسلوها وكلوا (5) فيها) * نا حمام نا عباس ابن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن ايمن نا أبو يحيى بن أبى مسرة نا النعمان بن محمد المنقرى أنا حماد عن قتادة وأيوب السختيانى عن أبى قلابة عن أبى اسماء الرحبى عن أبى ثعلبة الخشنى قلت: (يا رسول الله انا بأرض أهل كتاب افنطبخ في قدورهم ونشرب في آنيتهم؟ قال: ان لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء ثم اطبخوا فيها واشربوا) * نا يونس بن عبد الله نا أبو عيسى ابن أبى عيسى نا أحمد بن خالد نا ابن وضاح نا أبو بكر بن ابى شيبة عن محمد بن بشر نا سعيد ابن أبى عروبة عن أيوب هو السختيانى عن أبى قلابة عن أبى ثعلبة الخشنى انه قال: (يا رسول الله اكتب لى بأرض قال: كيف اكتب لك وهى بارض الحرب؟ قال: والذى بعثك بالحق لتملكن ما تحت أقدامهم فاعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم!) وذكر الحديث وفيه (أنه قال: يا رسول الله انا بأرض اهلها أهل كتاب نحتاج منها إلى قدورهم وآنيتهم فقال: لا تقربوها ما وجدتم منها بدا فإذا لم تجدوا بدا فاغسلوها بالماء واطبخوا واشربوا) * قال أبو محمد: وتعلق قوم قد خالفوا هذا الخبر الثابت بخبر رويناه من طريق أبى داود السجستاني نا نصر بن عاصم الانطاكي نا محمد بن شعيب نا عبد الله بن العلاء بن زبر عن أبى عبد الله مسلم بن مشكم عن أبى ثعلبة الخشنى (انه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: انا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا وان لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا) * قال أبو محمد: هذا خبر لا يصح لان فيه عبد الله بن العلاء بن زبر وليس بمشهور (7)


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 109 (من أهل الكتاب) (2) في النسخة رقم 16 (من انكم) وفى النسخة رقم 14 (بانكم) وما هنا موافق لصحيح مسلم (3) في صحيح مسلم ج 2 ص 109 (من اهل الكتاب) (4) الزيادة من صحيح مسلم، والحديث اختصره المصنف (5) في صحيح مسلم (ثم كلوا) (6) هو في سنن أبى داود ج 3 ص 428 * (7) قال الحافظ ابن حجر في التهذيب: ونقل الذهبي في الميزان ان ابن حزم نقل عن ابن معين انه ضعه، قال شيخنا في شرح الترمذي. لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث، ووقع في المحلى لابن حزم في الكلام على حديث ابى ثعلية في آنية أهل الكتاب. عبد الله بن العلاء ليس بالمشهور وهو متعقب بما تقدم اه‍ *

[ 426 ]

ومسلم بن مشكم هو مجهول (1) * 1024 - مسالة - ولا يحل أكل السيكران (2) لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر، والسيكران مسكر فان موه قوم باللبن والزوان (3) فليس كما ظنوا لان اللبن والزوان مخدران مبطلان للحركة لا يسكران، والسيكران والخمر مسكران لا يخدران ولا يبطلان الحركة، وبالله تعالى التوفيق * 1025 - مسألة - وكل ما حرم الله عزوجل من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام. أو ميتة. أو دم، أو لحم سبع طائر. أو ذى أربع. أو خمر. أو غير ذلك فهو كله عند الضرورة حلال حاشا لحوم بنى آدم وما يقتل من تناوله فلا يحل من ذلك شئ أصلا لا بضرورة لا بغيرها، فمن اضطر إلى شئ مما ذكرنا قبل ولم يجد مال مسلم أو ذمى فله أن يأكل حتى يشبع ويتزود حتى يجد حلالا فإذا وجده عاد الحلال من ذلك حراما كما كان عند ارتفاع الضرورة، وحد الضرورة أن يبقى يوما وليلة لا يجد فيها ما يأكل أو ما يشرب فان خشى الضعف المؤذى الذى ان تمادى أدى إلى الموت أو قطع به عن طريقه وشغله حل له الاكل والشرب فيما يدفع به عن نفسه الموت بالجوع أو العطش، وكل ما ذكرنا سواء لافضل لبعضها على بعض ان وجد منها نوعين أو أنواعا فيأكل ما شاء منها فلا معنى للتذكية فيها * أما تحليل كل ذلك للضرورة فلقول الله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) فاسقط تعالى تحريم ما فصل تحرميه عند الضرورة فعم ولم يخص فلا يجوز تخصيص شئ من ذلك، وأما قولنا إذا لم يجد (4) مال مسلم فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رويناه من طريق أبى موسى: (اطعموا الجائع) فهو إذا وجد مال المسلم أو الذمي فقد وجد مالا قد أمر الله تعالى باطعامه منه فحقه فيه فهو غير مضطر إلى المتية وسائر المحرمات فان منع ذلك ظلما فهو مضطر حينئذ، وخصص قوم الخمر بالمنع وهذا خطأ لانه تخصيص للقرآن بلا برهان، وهو قول مالك، وخالفه أبو حنيفة وغيره، واحتج المالكيون بانها لا تروى، وهذا خطأ مدرك بالعيان قد صح عندنا ان كثيرا من المدمنين عليها من الكفار والخلاع لا يشربون الماء أصلا مع شربهم الخمر، وقد اضطربوا فروى عن مالك الاستغاثة بالخمر لمن اختنق بلقمة وأمره بذلك، ولافرق بين


(1) قال الحافظ في التهذيب وغفل ابن حزم فقال في المحلى انه مجهول وهو رد عليه (2) هو نبت له حب أخضر اه‍ لسان (3) قال في الصحاح. حب يخالط البر (4) في النسخة رقم 14 وكذلك اليمنية (مادام يجد) وما هنا انسب بكلام المصنف المتقدم قريبا *

[ 427 ]

الاستغاثة إليها في ضرورة الاختناق أو في ضرورة العطش لامن قرآن. ولا من سنة. ولا رواية صحية. ولاقياس، فصح انهم آمرون له بقتل نفسه وانه لم يشرب الخمر فمات فهو قاتل النفس التى حرم الله * واما استثناء لحوم بنى آدم فلما ذكرنا قبل من الامر بمواراتها فلا يحل غير ذلك * وأما ما يقتل فانما ابيحت المحرمات خوف الموت أو الضرر فاستعجال الموت لا يحل لقول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) وبهذه الآية أيضا حلت المحرمات خوف أن يكون الممتنع منها قاتل نفسه فيعصى الله تعال بذلك ويكون قاتل نفس محرمة وهذا اكبر الكبائر بعد الشرك * وأما تحديدنا ذلك ببقاء يوم وليلة بلا أكل فلتحريم النبي صلى الله عليه وسلم الوصال يوما وليلة * وأما قولنا: ان خاف الموت قبل ذلك أو الضعف فلانه مضطر حينئذ * وأما قولنا: لافضل لبعض ذلك على بعض فلقول الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى ان هو الاوحى يوحى) فصح أن كل شئ حرمه النبي صلى الله عليه وسلم فان الله تعالى حرمه وبلغه هو عليه السلام الينا وكل ما حرمه الله تعالى في القرآن فانبى عليه السلام بلغ القرآن الينا ولولاه ما عرفنا ما هو القرآن فصح يقينا أن كل حرام أو كل مفترض أو كل حلال فهو عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عزوجل ولافرق، وليس قولنا: إنه لا يحل للمحرم قتل الصيد ولا للمحل في الحرم مادام يجد شيئا من هذه المحرمات ناقضا لهذه الجملة بل هو طرد لها لان واجد الخنزير والميتة والدم وغير ذلك غير مضطر معها بل هو واجد حلال فليس مضطرا إلى الصيد الا حتى لا يجد غيره فيحل له حينئذ * وأما قولنا: لا معنى للتذكية فلان الذكاة اخراج لحكم الحيوان على التحريم بكونه ميتة إلى التحليل بكونه مذكى، وكل ما حرمه الله تعالى من الحيوان فهو ميتة فالتذكية لامدخل لها في الميتة وبالله تعالى التوفيق * 1026 - مسألة - ولا يحل شئ مما ذكرنا لمن كان في طريق بغى على المسلين أو ممتنعا من حق بل كل ذلك حرام عليه فان لم يجد ما يأكل فليتب مما هو فيه وليمسك عن البغى وليأكل حينئذ وليشرب مما اضطر إليه حلالا له فان لم يفعل فهو عاص لله تعالى فاسق آكل حرام * برهان ذلك قول الله تعالى: (فمن اضطر في مخمصة غير متجا؟؟ لاثم فان الله غفور رحيم) وقوله: (فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا اثم عليه) فانما أباح تعالى ما حرمه بالضرورة من لم يتجانف لاثم ومن لم يكن باغيا ولا عاديا وهذا قول كل من نعلمه من العلماء إلا المالكيين فانهم قالوا فيمن قطع الطريق على المسلمين وانتظر رفاقهم من المحاربين وحاصر قراهم ومدنهم من الباغين لسفك دماء المسلمين ويستبيح أموالهم وفروج المسلمات ظلما وعدوانا فلم يجد

[ 428 ]

مأكلا الا الخنازير والميتات: انه مباح له أكله فاعانوه على أعظم الظلم وأشد البغى والعدوان والعجب أنهم موهوا ههنا بقول الله تعالى: (ولا تقتلوا انفسكم) * قال أبو محمد وهذا من أقبح ما يكون من الايهام وما أمرناه بقتل نفسه بل بما افترض الله تعالى عليه من التوبة فلينوها بقبله وليمسك عن البغى والامتناع من الحق بيديه ثم يأكل ما اضطر إليه حلالا له وما سمعنا بقول أقبح من قولهم هذا أن لا يأمروه بالتوبة من البغى ويبيحوا له التقوى على الافساد في الارض بأكل الميتة والخنزير نبرأ إلى الله من هذا القول * روينا عن مجاهد (غير باغ ولاعاد) غير باغ على المسلمين ولاعاد عليهم، قال مجاهد: ومن يخرج لقطع الطريق أو في معصية الله تعالى فاضطر إلى الميتة لم تحل له إنما تحل لمن خرج في سبيل الله تعالى فان اضطر إليها فليأكل * وعن سعيد بن جبير (فمن اضطر عير باغ ولاعاد) قال: إذا خرج في سبيل من سبل الله تعالى فاضطر إلى الميتة اكل وان خرج إلى قطع الطريق فلا رخصة له * وموهوا مما رويناه من طريق سلمة بن سابور (1) عن عطية عن ابن عباس ان معنى الباغى والعادي انما هو في الاكل * قال أبو محمد: وهذا لاحجة لهم فيه لوجوه ثلاثة، أولها أنه لاحجة في قول أحد في تخصيص القرآن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى انه اسناد فاسد لا يصح لان سلمة بن سابور ضعيف، وعطية مجهول، والثالث انه لو صح لكان موافقا لقولنا لا لقولهم لان الباغى في الاكل والعادي فيه هو من أكله فيما لم يبح له وأكله في البغى على المسلمين باغ في الاكل وعاد فيه، وهكذا نقول وما قال قط أحد نعلمه قبلهم: ان من خرج مفسدا في الارض فاضطر إلى الميتة فله أكلها مصرا على افساده متقويا على ظلم المسلمين ونعوذ بالله من الخذلان، وقال قائلون: لا يحل له ان يأكل من ذلك الا ما يمسك رمقة * قال على: وهذا خطأ لان الله تعالى استثنى المضطر من التحريم فهو بلاشك غير داخل في التحريم واذ هو غير داخل فيه فكل ذلك مباح له جملة * 1027 - مسألة - والسرف حرام وهو النفقة فيما حرم الله تعالى قلت أو كثرت ولو انها جزء من قدر جناح بعوضة، أو التبذير (2) فيما لا يحتاج إليه ضرورة مما لا يبقى للمنفق بعده غنى، أو اضاعة المال وان قل برميه عبثا فما عدا هذه الوجوه فليس سرفا وهو حلال وان كثرت النفقة فيه، وقولنا هذا رويناه عن سعيد بن جبير وغيره قال الله تعالى: (ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين)، ومن طريق ابن وهب انا يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك فذكر الحديث وفيه (فقلت:


(1) هو بالسين المهملة، وفى بعض النسخ بالشين المعجمة وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 14 (والتبذير) *

[ 429 ]

يا رسول الله ان من توبتي ان انخطع من مالى صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك (1)) وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه قال: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) * روينا (2) من طريق أبى مالك الاشجعى عن حذيفة) ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل معروف صدقة) (3)، فصح انه لا يحل نفقة شئ من المعروف ولا المباح الا ما أبقى غنى الا من اضطر إلى قوت نفسه ومن معه فلا يحل له قتل نفسه ولا تضييع من معه، ثم الله تعالى هو الرزاق، وأما ما دون هذا فان الله تعالى يقول: (كلوا من الطيبات) وقال تعالى: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا) وقال تعالى: (قل: من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟)، (وأحل الله البيع) فمن حرم شيئا من ذلك بغير نص فقد قال على الله تعالى الباطل * فان ذكروا قول الله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا). فانما هذه الآية في الكفار خاصة بنص الآية قال تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) * قال أبو محمد: التمويه با يراد بعض آية والسكوت عن أولها أو آخرها عادة سوء لمن أراد الله تعالى خزيه في الدينا والآخرة لانه تحريف للكلم عن مواضعه وكذب على الله تعالى * 1028 - مسألة - وكل ما تغذى من الحيوان المباح أكله بالمحرمات فهو حلال كالدجاج المطلق والبط والنسر وغير ذلك ولو أن جديا أرضع لبن خنزيرة لكان اكله حلالا حاشا ما ذكرنا قبل من الجلالة لان الله تعالى قال: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم فلم يفصل لنا تحريم شئ من اجل ما يؤكل الا الجلالة (وما كان ربك نسيا) وقد صح عن أبى موسى تحليل الدجاج وان كان يأكل القذر، وروينا عن ابن عمر أنه كان إذا اراد أكلها حبسها ثلاثا حتى يطيب بطنها * قال أبو محمد: هذا الايلزم لانه ان كان حبسها من اجل ما في قانصتها مما أكلت فالذي في القانصة لا يحل أكله جملة لانه رجيع وان كان من أحل استحالة المحرمات التى أكلت فلا يستحيل لحمها في ثلاثة أيام ولافى ثلاثة اشهر بل قد صار ما تغذت به من ذلك لحما من لحمها ولو حرم من ذلك لحرم من الثمار والزرع ما ينبت على الزبل وهذا خطأ، وقد قدمنا ان الحرام إذا استحالت صفاته واسمه بطل حكمه الذى علق على ذلك الاسم وبالله تعالى التوفيق * 1029 - مسألة - والقرد حرام أكله لان الله تعالى مسخ ناسا عصاة عقوبة لهم


(1) هو في صحيح البخاري وغيره مطولا (2) في النسخة رقم 16 (وروينا) (3) هو في صحيح البخاري وغيره *

[ 430 ]

على صورة الخنازير. والقردة، والضرورة يدرى كل ذى حس سليم انه تعالى لا يمسخ عقوبة في صورة الطيبات من الحيوان، فصح أنه ليس منها وإذ ليس هو منها فهو من الخبائث لانه ليس الاطيب أو خبيث فما لم يكن من الطيبات طيبا فهو من الخبائث خبيث فإذا القرد خبيث لا والخنزير خبيث فهما محرمان، وهذا من البراهين أيضا على تحريم الخنزير جملة وكل شئ منه، وكل ما جاء في المسوخ (1) في غير القرد والخنزير فباطل وكذب موضوع، وبالله تعالى التوفيق * 1030 مسألة - وأكل الطين لمن لا يستضر به حلال، وأما كل ما يستضر به من طين أو اكثار من الماء أو الخبز فحرام لانه ليس مما فصل تحرميه لنا فهو حلال، وأما كل ما أضر فهو حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله كتب الاحسان على ما كل شئ * روينا من طريق شعبة. وسفيان وهشيم. ومنصور بن المعتمر. وابن علية. وعبد الوهاب بن عبد المجيد كلهم عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أبى الاشعث الصنعانى عن شداد بن أوس أنه حفظ عن رسول اله صلى الله عليه وسلم أنه قال (ان الله كتب الاحسان على كل شئ) (2) وذكر باقى الحديث، فمن أضر بنفسه أو بغيره فلم يحسن ومن لم يحسن فقد خالف كتاب الله تعالى الاحسان على كل شئ، وقد روى في تحريم الطين آثار كاذبة * منها من طريق سويد بن سعيد الحدثانى (3) وهو مذكور بالكذب، ومرسلات، واحتج بعضهم بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) قال: والطين ليس مما أخرج لنا من الارض * قال أبو محمد: وهذا من التمويه الذى جروا على عادتهم فيه في ايهامهم أنهم يحتجون وانما يأتون بما لاحجة لهم فيه، وهذه الآية حق ولكن ليس فيها تحريم أكل ما لم يخرج لنا من الارض وانما فيها اباحة ما اخرج لنامن الارض وليس فيها ذكر ما عدا ذلك لا بتحليل ولا بتحريم، فحكم ما لم يخرج من الارض مطلوب من غيرها، ولو كانت هذه الآية مانعة من أكل ما لم يخرج من الارض لحرم أكل الحيوان كله بريه وبحريه، ولحرم أكل العسل. والطنجبين. والبرد. والثلج. لانه ليس شئ من ذلك مما أخرج الله تعالى لنا من الارض، فالطين واحد من هذه فكيف وهو مما في الارض ومما أخرج الله تعالى من الارض؟ لانه معادن في الارض مستخرجة من الارض، ولقد كان ينبغى لمن له دين ان لا يحتج بمثل هذا


(1) في النسخة رقم 16 (في الممسوخ) (2) رواه مسلم وغيره مطولا واشار إلى ذلك المصنف بقوله. وذكر باقى الحديث (3) هو بالحاء والدال المهملتين بعدهما ثاء مثلثة نسبة إلى الحديثة بلد على الفرات انظر معجم البلدان لياقوت، ووقع في النسخة رقم 16 والنسخة رقم 14 (الحر ثانى) بالراء وهو تصحيف *

[ 431 ]

مما يفتضح فيه من قرب، بالله تعالى التوفيق، وقد علمنا ان القليل من الفطر (1). والكمأة. ولحم التيس الهرم أضر من قليل الطين، وأتى بعضهم بطريفة فقال: خلقنا من التراب فمن أكل التراب فقد أكل ما خلق منه فقلنا: فكان ماذا؟ وعلى هذا الاستدلال السخيف يحرم شرب الماء لاننا من الماء خلفنا بنص القرآن * 1031 - مسألة - والضب حلال ولم ير أبو حنيفة أكله، وروينا من طريق الحارث عن على بن أبى طالب انه كره الضب، وعن أبى الزبير قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضب فقال: لا تطعموه * واحتج أهل هذه القالة بأحاديث منها صحيح كالذى روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان. وأبى معاوية الضرير عن الاعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فأصابتنا مجاعة فوجدنا ضبابا فبينا القدور تغلى بالضباب خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان أمة من بنى اسرائيل فقدت وانى أخاف أن تكون هذه هي فاكفئوها فألفينا بها) (2) هذا لفظ أبى معاوية ولفظ يحيى نحوه، ومنها غير صحيح من طريق اسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبى راشد الحبرانى (3) عن عبد الرحمن بن شبل (4) (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضب) * وجاءت أخبار فيها التوقف فيه كالذى روينا من طريق مسلم حدثنى محمد بن المثنى نا ابن أبى عدى عن داود عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه سئل عن الضب؟ فقال عليه السلام: ان أمة من بنى اسرائيل مسخت فلم يأمر ولم ينه (5)) ومثل هذا أيضا بمعناه صحيح من طريق جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق زيد بن وهب عن ثابت بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن زيد بن وهب عن البراء بن عازب عن ثابن بن وديعة عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الضب: لامر آمر به ولا انهى عنه، ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين (ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى بضب فلم يأكله فقالت: يا رسول الله الانطعمه المساكين قال: لا تطعموهم ما لم تأكلوا) * قال أبو محمد: أما هذه فلا حجة فيها، وأما حديث عبد الرحمن بن شبل ففيه ضعفاء ومجهولون


(1) قال في الصحاح: وفطرت المرأة العجين حتى استبان فيه الفطر، والفطر أيضا ضرب من الكمأة ابيض عظام الواحدة فطرة اه‍ (2) هو في شرح معاني الآثار للطحاوي ج 2 ص 314 (3) هو بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة واسمه اخضر، وقيل: النعمان (4) في النسخة رقم (16) (عن عبد الله بن شبل) وهو غلط (5) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 115 مطولا اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه *

[ 432 ]

فسقط، وأما حديث (1) عبد الرحمن بن حسنة فهو حجة الا أنه منسوخ بلاشك لان فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم انما أمر باكفاء القدور بالضباب خوف ان تكون من بقايا مسخ الامة السالفة هذا نص الحديث، فان وجدنا عنه عليه السلام ما يؤمن من هذا الظن بيقين فقد ارتفعت الكراهة أو المنع في الضب فنظرنا في ذلك فوجدنا مارويناه من طريق مسلم نا اسحاق ابن ابراهيم - هو ابن راهويه -، وحجاج بن الشاعر واللفظ له كلاهما عن عبد الرزاق قال: أنا سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن المغيرة بن عبد الله اليشكرى عن المعرور بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال: (قال رجل: يا رسول الله القردة والخنازير (هي) (2) مما مسخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله (عزوجل) (3) لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وان القردة والخنازير كانوا قبل ذلك) * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن مسعر بن كدام عن علقمة بن مرثد عن المغيرة بن عبد الله اليشكرى عن المعرور بن سويد عن ابن مسعود (4) ان القردة ذكرت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: (ان الله لم يجعل لمسخ نسلا ولاعقبا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك)، فصح يقينا ان تلك المخافة منه عليه السلام في الضباب ان تكون مما مسخ قد ارتفعت، وصح ان الضباب ليست مما مسخ ولامما مسخ شئ في صورها فحلت، ثم وجدنا مارويناه من طريق مالك عن ابن شهاب عن ابى امامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة (5) (فأتى بضب محنوذ (6) فرقع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بارض قومي فاجدنى أعافه قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر)، فهذا نص جلى على تحليله وهذا هو الآخر الناسخ لان ابن عباس بلاشك لم يجتمع قط مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الا بعد انقضاء غزوة الفتح وحنين والطائف ولم يغز عليه السلام بعدها الا تبوك ولم تصبهم في تبوك مجاعة اصلا، وصح يقينا ان خبر عبد الرحمن بن حسنة كان قبل هذا الخبر بلا مرية فارتفع الاشكال جملة وصحت اباحته عن عمر بن الخطاب وغيره وبالله تعالى التوفيق * 1032 - مسألة - والارنب (7) حلال لانه لم يفصل لنا تحريمها، وقد اختلف السلف فيها


(1) في النسخة رقم (16) (واما خبر) (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 303 (3) الزيادة من صحيح مسلم، والحديث اختصره المصنف (4) في صحيح مسلم ج 2 ص 303 (عن عبد الله)، والحديث اختصره المصنف (5) في نسخة الموطأ ج 3 ص 137 (عن عبد الله بن عباس عن خالد بن الوليد بن المغيرة انه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميومنة زوج النبي صلى الله عليه وسلم) الخ، والحديث مختصر أي مشوى (7) هو اسم جنس يطلق على الذكر والانثى، وقال الجاحظ فإذا قلت أرنب فليس الا الانثى كما ان العقاب لا يكون الا للانثى *

[ 433 ]

روينا من طريق وكيع عن همام بن يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر أو ابن عمر انه كره الارنب * ومن طريق قتادة عن ابن المسيب أيضا أن عبد الله بن عمرو بن العاصى وأباه كرها الارنب، وأكلها سعد بن أبى وقاص * وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى أنه كره الارنب، واحتج من كرهها بخبر من طريق وكيع نا أبو مكين عن عكرمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بارنب فقيل له: انها تحيض فكرهها)، ومن طريق عبد الرزاق عن ابراهيم بن عمر عن عبد الكريم أبى أمية قال: (سأل جرير بن أنس الاسلمي النبي صلى الله عليه وسلم عن الارنب؟ فقال: لا آكلها أنبئت انها تحيض) * قال أبو محمد: عبد الكريم أبو أمية هالك، وحديث عكرمة مرسل، وقد صح من طريق شعبة عن هشام بن زيد عن انس بن مالك (أنه صاد أرنبا فاتى بها ابا طلحة فذبحها وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذيها فأتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم فقبلها (1)) * ومن طريق أبى هريرة (ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى بارنب مشوية فلم يأكل عليه السلام منها وامر عليه السلام القوم فاكلوا) فهذا نص صحيح في تحليلها وقد يكرهها عليه السلام خلقة لا لاثم فيها، ونحن لعمر الله نكرهها جملة ولانقدر على أكلها اصلا وليس هذا من التحريم في شئ * 1033 - مسألة - والخل المستحيل عن الخمر حلال تعمد تخليلها (2) أو لم يتعمد الا ان الممسك للخمر لايريقها حتى يخللها أو تتخل من ذاتها عاص لله عزوجل مجرح الشهادة * برهان ذلك ان الخمر مفصل تحريمها والخل حلال لم يحرم، * روينا من طريق مسلم نا عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي أنا يحيى بن حسان نا سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم الادام الخل) (3) فإذا الخل حلال فهو بيقين غير الخمر المحرمة، وإذا سقطت عن العصير الحلال صفات العصير وحلت فيه صفات الخمر فليست تلك العين عصيرا حلالا بل تهى خمر محمرة، وإذا سقطت عن تلك العين صفات الخمر المحرمة وحلت فيها صفات الحل الحلال فليست خمرا محمرمة بل هي خل حلال، وهكذا كل مافى العالم إنما الاحكام على الاسماء فإذا بطلت تلك الاسماء بطلت تلك الاحكام المنصوصة عليها وحدثت لها احكام الاسماء التى انتقلت إليها فللصغير حكمه، وللبالغ حكمه، وللميت حكمه، وللدم حكمه، وللغداء الذى استحال منه حكمه، وللبن. واللحم المستحيلين عن الدم حكمهما، وهكذا كل شئ، ولا معنى لتعمد تخليلها أو لتخليلها من ذاتها لانه لم يأت بالفرق بين


(1) الحديث اختصره المصنف انظر صحيح مسلم ج 2 ص 115 (2) اما تعمد تخليلها ففيه نظر فقد جاء فيه صحيح مسلم ج 2 ص 125 عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن الخمر تتخذ خلا): ولم يتعرض المصنف لذكره هنا (3) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 144 بتغيير في بعض ألفاظه *

[ 434 ]

شئ من ذلك قرآن ولاسنة صحيحة. ولا رواية سقيمة. ولاقول صاحب. ولاقياس، وانما الحرام امساك الخمر فقط، ولافرق بين تخليلها أو ترك تخليلها بل المريد لبقائها خمرا أعظم اثما واكثر جرما من المتعمد لافسادها والقاصد لتغييرها، وقولنا هذا هو قول أبى حنيفة. ومالك. وقال الشافعي. وابو سلميان: إذا تخللت حلت وان خللت لم تحل وهذا قول فاسد (1)، وروينا عن بعض المالكيين ان كل خل تولد من خمر بقصد أو بغير قصد فهو حرام، وهذا خطأ لما ذكرنا، وأما عصيان ممسك الخمر فلما روينا من طريق مسلم نا محمد بن أحمد (2) بن أبى خلف قال: نا زكريا - هو ابن أبى زائدة - نا عبيدالله - هو ابن عمرو - عن زيد - هو ابن أبى أنيسة - عن يحيى النخعي قال: سئل ابن عباس عن النبيذ؟ فذكر الحديث، وفيه (ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسقاء فجعل فيه زبيب وماء حعل من الليل (فأصبح) (2) فشرب منه يومه والليلة المستقبلة ومن الغد حتى أمسى فشرب وسقى فلما أصبح أمر بما بقى منه فأهرق) فلا يحل امساك الخمر أصلا (فان قيل): فكيف السبيل إلى خل لا يأثم معانيه؟ قلنا: نعم بأن يكون العنب كما هو يلقى في الظرف صحيحا فإذا كان في استقبال الصيف الذى يأتي عصر فانه لا ينعصر الا الخل الصرف ولا يسمى خمرا ما لم يبرز من العنب، وأيضا فان من عصر العنب أو نبذ الزبيب أو التمر ثم صب على العصير الحلو أو النبيذ الحلو قبل ان يبدأ بهما الغليان مثل كليهما خلا حاذقا فانه يتخلل ولا يصير خمرا أصلا، بالله تعالى التوفيق * 1034 - مسألة - والسمن الذائب يقع فيه الفأر مات فيه أو لم يمت فهو حرام لا يحل امساكه أصلا بل يهراق فان كان جامدا أخذ ما حول الفأر فرمى وكان الباقي حلالا كما كان، وأما كل ما عدا السمن يقع فيه الفأر أو غير الفأر فيموت أولا يموت فهو كله حلال كما كان ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه فان ظهر فيه الحرام فهو حرام، وكذلك السمن يقع فيه غير الفأر (4) فيموت أولا يموت (5) فهو حلال كله ما لم يظهر فيه تغيير الحرام له كما قدمنا، وقد بينا هذه القصة كلها في كتاب الطهارة من ديواننا هذا فاغنى عن اعادتها، وعمدته انا النهى انما جاء في السمن الذائب يقع فيه الفأر ولم ينص على ما عداه (وما كان ربك نسيا). بالله تعالى التوفيق * 1035 - مسألة - وما سقط من الطعام ففرض أكله ولعق الاصابع بعد تمام


(1) اقول فساد فيه بل هو الصواب بما قدمنا من ان النص يشهد لهذا (2) سقط لفظ (احمد) من صحيح مسلم ج 2 ص 113 (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 122 (4) في النسخة رقم 14 (يقع فيه الفأر أو غير الفأر) وهى ريادة من الكاتب على ما يظهر سهوا والله أعلم (5) سقط من النسخة رقم 14 قوله (أولا يموت) ووجودها لا يفيد معنى جديدا *

[ 435 ]

الاكل فرض، ولعق الصحفة إذا تم ما فيها فرض لما روينا من طريق البخاري نا على ابن عبد الله - هو ابن المدينى - نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس (ان رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم قال: إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها) ومن طريق حماد بن سلمة نا ثابت - هو البنانى - عن أنس بن مالك (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الاذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان) وأمرنا ان نسلت القصعة قال: (فانكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) (2) * 1036 - مسألة - ويكره الاكل متكئا ولانكرهه منبطحا على بطنه وليس شئ من ذلك حراما لانه لم يأت نهى عن شئ من ذلك، وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال * وروينا من طريق البخاري نا أبو نعيم نا مسعر - هو ابن كدام - عن على بن الاقمر قال: سمعت أبا جحيفة يقول: قال النبي (3) صلى الله عليه وسلم: ((انى) (4) لا أكل متكئا) فليس هذا نهيا أصلا لكنه آثر الافضل فقط، (فان ذكروا) ماروينا من طريق أبى داود عن عثمان بن ابى شيبة عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه نهى عن أن يأكل الرجل منبطحا (5) على بطنه) قلنا: هذا خبر لم يسمعه جعفر من الزهري، قال أبو داود: نا هارون بن زيد بن أبى الزرقاء نا أبى نا جعفر بن برقان انه بلغه عن الزهري هذا الحديث نفسه فسقط (6)، بالله تعالى التوفيق * 1037 - مسألة - وغسل اليد قبل الطعام وبعده حسن * روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن يونس نا زهير - هو ابن معاوية - نا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نام وفى يده غمر (7) ولم يغسله فأصابه شئ فلا ياو من الا نفسه) * قال أبو محمد: فهذا ندب لاأمر، والجرذ (8) ربما عض أصابع المرة إذا شم فيها رائحة الطعام ولم يأت نهى عن غسل اليد قبل الطعام، وقد قال قوم: هو من فعل الاعاجم، وهذا عجب جدا! وان أكل الخبز لمن فعل الاعاجم ولو اراد الله تعالى تحريمه أو كراهيته لنا لبينه (فان قيل): فقد صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه قرب إليه الطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟


(1) في صحيح البخاري ج 2 ص 148 (ان النبي)، والحديث في صحيح مسلم ايضا ج 2 ص 138 (2) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 148 باطول من هذا (3) في صحيح البخاري ج 7 ص 129 (قال رسول الله) (4) الزيادة من صحيح البخاري، وهو في سنن ابى داود ايضا ج 2 ص 408 بحذف (انى) (5) في سنن ابى داود ج 3 ص 410 (وهو منبطح) (6) رواه ايضا النسائي وذكر ما يدل على أن جعفر بن برقان لم يسمعه من الزهري (7) هو بفتحتين الدسم والوسق وزهومة اللحم وهو في سنن ابى داود ج 2 ص 432، قال المنذرى وأخرجه ابن ماجه، واخرجه الترذى معلقا (8) هو بضم الجيم وفتح الراء المهملة وبالذال المعجمة ذكر الفيران، وفى جميع النسخ (الجرد) بالدال المهملة *

[ 436 ]

قال: لم أصل فأتوضأ) فليس في هذا ذكر لغسل اليد قبل الطعام أصلا وانما فيه الوضوء وهو كما قال عليه السلام: (لا وضوء واجبا الا للصلاة) * 1038 - مسألة - وحمد الله تعالى عند الفراغ من الاكل حسن ولو بعد كل لقمة لانه فعل خير وبر، وفي كل حال * 1039 - مسألة - وقطع اللحم بالسكين للاكل حسن ولانكره قطع الخبز بالسكين للاكل أيضا، ونستحب المضمضة من الطعام * روينا من طريق البخاري نا على بن عبد الله سفيان سمعت يحيى بن سعيد الانصاري يقول عن بشير بن يسار (1) عن سويد بن النعمان (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل سويقا ثم دعا بماة فتمضمض) (2) * ومن طريق الليث عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا ثم تمضمض بالماء وقال ان له دسما) (3)، وصح أنه عليه السلام شرب لبنا ولم يتمضمض فلم يأت بها أمر ولانهى فهى فعل حسن ومباح * ومن طريق البخاري نا أبو اليمان انا شعيب بن أبى حمزة عن الزهري (قال) (4): أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية (أن أباه أخبره انه رأى رسول الله (5) صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة فدعى إلى الصلاة فالقاها والسكين التى يتحتز بها (ثم قام) (6) فصلى ولم يتوضأ) ولم يأت نهى عن قطع الخبر وغيره بالسكين فهو مباح، وجاء خبر فيه لا تقطعوا اللحم بالسكين فانه من فعل الاعاجم وهو لا يصح لانه من رواية أبى معشر المدينى وهو ضعيف، بالله تعالى التوفيق * 1040 - مسألة - والاكل في أناء مفضض بالجوهر. والياقوت. وفي البلور. والجزع (7) مباح وليس من السرف لانه لو كان حراما لفصل تحريمه وما لم يفصل تحريمه فهو حلال، وقد حرم الله تعالى آنية الذهب والفضة فهى حرام، وأمسك عما عدا ذلك كله فهو حلال * روينا من طريق ابن الجهم نا أحمد بن الهيثم نا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أيشاء تقذر افبعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينارانه سمع عيد بن عمير يقول: أحل الله حلاله وحرم حرامه فما أحل


(1) في النسخة رقم 16 (بشر بن يسار) وهو غلط (2) الحديث اختصره المصنف انظر صحيح البخاري ج 7 ص 147 (3) ورواه البخاري عن أبى عاصم عن الاوزاعي عن ابن شهاب الخ ج 7 ص 168 (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 133 (5) في صحيح البخاري (النبي) (6) الزيادة من صحيح البخاري (7) هو بفتح الجيم وسكون الزاى الخرز اليماني الواحدة جزعة *

[ 437 ]

فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو * ومن ادعى أن شيئا من هذا سرف أو ادعى ذلك في المأكل كلف أن يأتي بحد ما يحرم من ذلك مما يحل ولا سبيل له إليه فصح (يقينا) (1) ان قوله باطل وبالله تعالى التوفيق * 1041 - مسألة - والثوم. والبصل. والكراث حلال (2) الا أن من أكل منها شيئا فحرام عليه أن يدخل المسجد حتى تذهب الرائحة وقد ذكرناه في كتاب الصلاة فاغنى عن اعادته، وله الجلوس في اللاسواق. والجماعات. والاعراس وحيث شاء الا المساجد لان النص لم يأت الا فيها * 1042 - مسألة - والجراد حلال إذا أخذ ميتا أو حيا سواء بعد ذلك مات في الظروف أو لم يمت * روينا من طريق البخاري نا أبو الوليد الطيالسي نا شعبة عن أبى يعفور (قال) (3) سمعت عبد الله بن أبى أوفى قال: غزو نا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أو ستا نأكل معه الجراد * وروينا عن عمر لا بأس بالجراد، وعن ابن عمر الجراد ذكاة كله * وعن ابن عباس في الجراد لا بأس بأكله، وهو قول جابر ابن زيد وغيره، فلم يستثنوا فيه حالا من حال: وهو قول أبى حنيفة. والشافعي * وقالت طائفة: لا يحل وان أخذ حيا الا حتى يقتل وهو قول مالك ولا نعلم له حجة لان الذكاة لاتمكن فيه * وذهب قوم إلى أنه لا يحل ان وجد ميتا فان أخذ حيا حل كيف مات بعد ذلك * روينا من طريق ابن وهب عن ابن أبى ذئب عن عبيد بن سلمان انه سمع سعيد بن المسيب يقول في الجراد: ما أخذ وهو حى ثم مات فلا بأس بأكله * ومن طريق عطاء أخذ الجراد ذكاته وهو قول الليث * قال أبو محمد: احتج هؤلاء بقول الله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) فما وجد ميتا فهو حرام، وقال تعالى: (ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) وصح أكل الجراد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح بالحس ان الذكاة لاتمكن فيه فسقطت، فصح ان أخذه ذكاته لانه صيد نالته أيدينا * قال على: ولا حجة لهم في هذه الآية لانه ليس فيها اباحة ما نالته أيدينا حيادون ما نالته ميتا، وصح في كل مقدور على تذكيته انه لا يحل الا بالذكاة، والذكاة الشق وهى غى مقدور عليها في الجراد فارتفع حكمها عنه لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقد صح


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) اقول ورد في البخاري ج 5 ص 281 (نهى يوم خيبر عن اكل الثوم وعن لحوم الحمر الاهلية)، وفى سنن ابى داود ج 3 ص 424 (نهى عن اكل الثوم الا مطبوخا) وعلى هذا يتعين تحريمة على مذهب المصنف نيئا لانه زائد على مافى الاحاديث والله أعلم (3) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 162 *

[ 438 ]

تحليله بالنص فهو حلال كيفما وجد حيا أو ميتا بنص القرآن والنسة وبالله تعالى التوفيق * 1043 - مسألة - واكثار المرق حسن، وتعاهد الجيران منه ولو مرة فرض، وذم ما قدم إلى المرء من الطعام مكروه لكن ان اشتهاه فليأكله وان كرهه فليدعه وليسكت، والاكل معتمدا على يسراه مباح، روينا من طريق شعبة عن أبى عمران الجونى عن عبد الله ابن الصامت عن أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا طبختم اللحم فأكثروا المرق وأطعموا الجيران (1))، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (فان كان الطعام مشفوها (2) فلينا وله منه أكلة أو أكلتين) يعنى صانعه، فصح ان التعليل من المرق مباح * ومن طريق أبى داود نا محمد ابن كثير نا سفيان عن الاعمش عن أبى حازم هو الاشجعى - عن أبى هريرة قال: (ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط ان اشتهاه أكله وان كرهه تركه (3)) ولم يصح في النهى عن الاعتماد على اليسار شئ وروى فيه أثر مرسل لا يصح من طريق معمر عن يحيى بن أبى كثير (زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الاكل)، ولا حجة في مرسل وباليله تعالى التوفيق * (كتاب الذكية) 1044 - مسألة - لا يحل أكل شئ مما يحل أكله من حيوان البرطائره و دارجه الا بذكاة كما قدمنا حاشا الجراد وقد بينا أمره، والتذكية قسمان، قسم في مقدور عليه متمكن منه، وقسم في غير مقدور عليه أو غير متمكن منه، وهذا معلوم بالمشاهدة فتذكية المقدور عليه المتمكن منه ينقسم قسمين لا ثالث لهما، إما شق في الحلق وقطع يكون الموت في أثره. وإما نحر في الصدر يكون الموت في أثره، وسواء في ذلك كله ما قدر عليه من الصيد الشارد أو من غير الصيد وهذا حكم ورد به النص بقول الله تعالى: (الا ما ذكيتم) والذكاة في اللغة الشق وهو أيضا أمر متفق على جملته الا أن الناس اختلفوا في تقسيمه على ما نبين ان شاء الله تعالى * 1045 - مسألة - واكمال الذبح (4) هو أن يقطع الودجان (5). والحلقوم. والمرئ (6) وهذا مالا خلاف فيه من أحد * 1046 - مسألة - فان قطع البعض من هذه الآراب المذكورة فأسرع الموت كما


(1) في صحيح مسلم ايضا ج 2 ص 293 بالفاظ قريبة من هذه (2) أي قليلا * وقيل: اراد فان كان مكثورا عليه أي كثرت أكلته وهذا قطعة من حديث رواه أبو داود في سننه ج 2 ص 431، وقال الحافظ المنذرى: وأخرجه مسلم (3) هو في سنن ابى داود ج 3 ص 406، وقال الحافظ المنذرى واخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه (4) في النسخة رقم 16 (واكمل الذبح) (5) هما عرقان في جانبى ثغرة النحر (6) هو مجرى الطعام والشراب من الحلق *

[ 439 ]

يسرع من قطع جميعها فأكلها حلال فان لم يسرع الموت فليعد القطع ولا يضره ذلك شيئا. وأكله حلال. وسواء (1) ذبح من الحلق في أعلاه أو أسفله رميت العقدة إلى فوق أو إلى أسفل أو قطع كل ذلك من القفا، أبين الرأس أو لم يبن كل ذلك حلال أكله، وهذا مكان اختلف الناس فيه فقالت طائفة: ما قطع من القفا لم يحل أكله. وقالت طائفة: ان لم يقطع الحلقوم والمرئ لم يحل أكله ولا نبالى بترك قطع الودجين وهو قول الشافعي، وقالت طائفة: لا نعرف المرئ لكن ان لم يقطع الودجين جميعا والحلقوم لم يحل أكله وان رفع يده (2) قبل تمام قطعها كلها لم يحل أكله وإن ذبح من القفا لم يحل أكله. فان ذبح من الخلق فابان الرأس غير عامد فهو حلال أكله فان تعمد ذلك لم يحل أكله، وهو قول مالك، وقال ابن القاسم صاحب مالك: ان ألقى العقدة إلى أسفل لم يحل أكله، وقالت طائفة: هي أربعة آراب. الحلقوم. والمرئ. والودجان، فان قطع منها ثلاثة وترك الرابع لا نبالي أي الاربعة ترك الحلقوم. أو والمرئ. أو أحد الودجين فهو حلال أكله، وان قطع اثنين من الاربعة فقط لا نبالي أيهما قطع لم يحل أكله، فان قطع أكثر من النصف من كل واحد من هذه الاربعة حل أكله، فان قطع أقل لم يحل أكله، وهو قول أبى حنيفة. واصحابه، وقالت طائفة: إذا قطع الحلقوم والمرئ والنصف من الودجين حل أكله فان قطع أقل مما ذكرنا لم يحل أكله، وهو قول أبى ثور، وقال سفيان الثوري: ان قطع الودجين فقط حل أكله وان لم يقطع الحلقوم ولا المرئ، وقال بعض اصحاب الظاهر: ان قطع هذه الاربعة من جهة الحلق حل أكله والا فلا، وأجاز أبو حنيفة. والشافعي أكل ما ذبح من القفا * قال أبو محمد: احتج الشافعي في ترك الودجين بأنهما عرقان قد يعيش من قطعا له * قال أبو محمد: ولسنا نحتاج إلى مناظرة فهل يعيش أم لا يعيش؟ لكن انما نكمله في منعه أكل ما لم يقطع مريه فقط فانه لا يقدر في ذلك على نص ولا على قياس أصلا. ولا على قول صاحب، وبالمشاهدة نعلم انه يموت من قطع الحلقوم والودجين وان لم يقطع المرئ كما يموت من قطع المرئ والودجين ولافرق في سرعة الموت فتعرى هذا القول من الدليل فسقط، إذ كل قول لا برهان على صحته فهو باطل * وأما قول أبى حنيفة فانه راعى الاكثر في القطع، وهو أيضا قول بلا برهان أصلا لامن قرآن. ولا من رواية سقيمة. ولا من قياس. ولا من قول صاحب، (فان قالوا): قسناه على نقصان أذن الذبيحة وذنبها قلنا: قستم الخطأ على الخطأ ومالا يصح على ما لا يصح، ولا تخلو هذه الآراب من أن يكون قطعها كلها فرضا ولايكون


(1) في النسخة رقم 14 (سواء) (2) في النسخة رقم 16 (يد يد)

[ 440 ]

قطعها كلها فرضا، فان لم يكن قطعها كلها فرضا فعليه البرهان في ايجاب قطع ثلاثة منها، ولا سبيل له إلى ذلك، وان كان قطعها كلها قد وجب فرضا فلا يجزى عن الفرض بعضه ويلزمه على هذا أن من صلى ثلاث ركعات من الظهر انه يجزيه من الظهر لانه قد صلى الاكثر، وان من صام أكثر النهار انه يجزيه، وهذا لا يقولونه فلاح فساد قوله جملة، وكذلك قول أبى ثور سواء سواء، وأما قول مالك فان ايجابه الحلقوم واسقاطه المرئ قول بلا برهان لامن قرآن. ولامن سنة. ولا رواية سقيمة. ولاقول صاحب. ولا اجماع. ولاقياس، وأما قول سفيان فانهم ذكروا ماروينا من طريق ابى عبيد نا ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس كل ما أفرى الاوداج غير مترد * وعن النخعي، والشعبى. وجابر بن زيد. ويحيى بن يعمر كذلك، واحتجوا في ايجابه الودجين بما حدثناه حمام نا عباس بن أصبغ نا ابن أيمن نا مطلب نا ابن أبى مريم نا يحيى بن أيوب حدثنى عبيدالله بن زحر عن على بن يزيد (1) عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى امامة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته امرأة ذبحت شاة؟ فقال لها: أفريت الاوداج؟ قالت: نعم قال: كل ما أفرى الاوداج ما لم يكنق رض سن أو حز ظفر) * قال أبو محمد: وهذا خبر في نهاية السقوط (2) لانه من رواية يحيى بن أيوب وقد شهد عليه مالك بن أنس بالكذب وأخبر أنه روى عنه الكذب وضعفه أحمد بن حنبل وغيره، وهو ساقط ألبتة ثم عن عبيدالله بن زحر، وهو ضعيف ضعفه يحيى وغيره، ثم عن على بن يزيد وهو - أبو عبد الملك الالهانى - دمشقي متروك الحديث، ثم عن القاسم أبى عبد الرحمن وهو ضعيف جدا فبطل كله، وليس في قول ابن عباس منع من أكل ما عدا ذلك ولا متعلق للمالكيين في هذا الخبر لانه لو صح لكان حجة عليهم لانه ليس فيه ايجاب الحلقوم وقد أوجبوه ولا فيه ايجاب الذبح من الحلق وقد أوجبوه، فهذا مخالف لقولهم، وأما قول مالك: ان رفع يده قبل تمام الذكاة لم يحل أكله فقول فاسد جدا، وحجتهم له انه قد حصل في حال لا يعيش منها فانما يعيد في ميتة ولابد فقلنا: نعم فكان ما ذا؟ وأين وجدتم تحريم ما هذا صفته؟ * قال أبو محمد: وهذا عجب جدا: وهل بعد بلوغه إلى قطع ما قطع رجاء في حياة المذبوح؟ هذا مالا رجا فيه فتماديه في القطع بغير رفع يد أو بعد رفع يد انما هو فيما لا ترجى حياته، فعلى قوله هذا لا يحل أكل مذبوح أبدا لانه قبل تمام الذبح ولابد قد حصل في حال لا يعيش منها مع انه شرط فاسد، ودعوى أيضا بلا برهان فسقط هذا القول وبالله تعالى التوفيق، وهو


(1) في النسخة رقم 16 (على بن زيد) وهو غلط (2) في النسخة رقم 16 (في غاية السقوط) *

[ 441 ]

أيضا قول لا يعلم ان أحدا قاله قبله، وأما قوله: ان أبان الرأس غير عامد حل أكله فان أبانه عامدا لم يحل أكله فقول فاسد لانه تفريق بلا برهان أصلا، وإذا تمت ذكاته على اقراره وعلى تمام شروطه فما الذى يضر تعمد قطع الرأس حينئذ؟ (فان قالوا): انه تعذيب للمذبوح قلنا: فتعذيبه عندكم بعد تمام ذكاته مانع من أكله فمن قولهم: لا فيقال لهم: فمن أين وقع لهم تحريمه بهذا النوع من التعذيب خاصة؟ وقد روى مثل قول مالك فيما أبين رأسه عن عطاء، وكره نافع. والحكم. وحماد بن أبى سليمان. وسعيد بن جبير. وعبد الرحمن بن أبى ليلى. وابن سيرين ما أبين رأسه، وورى عن على فيما أبين رأسه أثر لا يصح لانه من رواية الحسن بن عمارة وهو هالك وقد صح خلافه عن غيره من الصحابة، وروى عنه نفسه أيضا خلاف ذلك، واختلف فيه عن الحسن رضى الله عنه وعنهم، وأما منعهم أيضا مما ذبح من القفا فقول أيضا لا برهان على صحته لا من قرآن. ولامن سنة صحيحة، (فان قالوا): هو تعذيب قلنا: ما التعذيب فيه الا كالتعذيب في الذبح من امام ولافرق، وهذا أمر مشاهد، (فان قالوا): قد روى عن بعض الصحابة الذكاة في الحلق واللبة قلنا: نعم ولا حجة لكم فيه لوجهين، أحدهما انكم قد خالفتموه في منعكم من الذكاة في اللبة في بعض الحيوان ومنعكم الذكاة في الحلق في بعضه وليس عنهم في ذلك تفريق، والثانى انه ليس في كون الذكاة في الحلق ما يوجب ان لا يكون قطع الحلق ذكاة من ورائه دونه امامه أو من امامه دون ورائه فبطل تعلقهم بهذا اللفظ أيضا، وقد روى عن سعيد بن المسيب المنع مما ذبح من القفا وبه يقول أحمد. واسحق، وأما اشتراط ابن القاسم القاء العقدة إلى أسفل فان اصحاب مالك خالفوه في ذلك، واحتج له مقلدوه بأنه انما ذبح في الرأس لافى الحلق وانه بمنزلة المخنوق فكانت الحجة أشد بطلانا ومكابرة للعيان من القول المحتج له بها وقد كذب من قال ذلك وما ذبح بالمشاهدة الا في أول الحلق وأول الحلق بعض الحلق كوسطه وكآخره ولافرق، ولا نعلم لابن القاسم أحدا قبله قال بهذا القول، فسقط لتعريه عن الدليل جملة، وبالله تعالى التوفيق * وأما من ذهب من أصحابنا وغيرهم إلى انه لا تكون ذكاة الاما قطع الودجين. والحلقوم. والمرئ فانهم احتجوا بأن قالوا: قد صح تحريم الحيوان حيا حتى يذكى وقطع هذه الاربعة ذكاة صحيحة مجتمع على تحليل ما ذكى كذلك وكان ما دون ذلك مختلفا فيه فلا يخرج من تحريم إلى تحليل الا باجماع * قال أبو محمد: وهذه قضية صحيحة المبدأ ناقصة الآخر، وانما الواجب ان يقولوا: ما صح تحريمه لم يجز أن يخرج عن التحريم إلى التحليل الا بنص صحيح ثم لا نبالي أجمع عليه أم اختلف فيه، ولو ان امرء الا يأخذ من النصوص الا بما أجمع عليه لخالف جمهور

[ 442 ]

أحكام الله تعالى في القرآن. وجهور سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يحل لاحد، وهو خلاف أمر الله تعالى بالرد عند التنازع إلى القرآن. والسنة، ولم يقل تعالى: فردوه إلى ما أجمعتم عليه مع اننا لا نعلم ان أحدا النزم هذا الاصل ولا أحدا قال به وصححه، فالواجب إذ قد اختلفوا كما ذكرنا ان يرد ما تنازعوا فيه إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه عند التنازع إذ يقول تعالى: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ففعلنا فوجدنا الله تعالى قال: (الا ما ذكيتم) والذكاة الشق وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذبح والنحر فيما تمكن منه فوجب أن لا يتعدى حده عليه السلام، وأمر عليه السلام بالاراحة فصح ان كل ذبح وكل شق قال به أحد من العلماء فهو ذكاة واذ هو ذكاة فان المذكى به خارج من التحريم إلى التحليل، ولو ان الذكاة لا تكون الا بقطع بعض الآراب المختلف فيها دون بعض أو بقطع جميعها أو بصفة من الصفات التى اختلف الناس فيها كما ذكرنا لما نسى الله تعالى بيانها ولا اغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلا منا بها حتى نحتاج في ذلك إلى رأى من لم يجعل الله تعالى رأيته حجة في تبنة فما فوقها، وحاش لله من ان يضيع اعلامنا بما افترضه علينا حتى يشرعه لنا من دونه (1) بالاقوال الفاسدة تالله ان في مغيب (2) هذا عمن غاب عنه لعجبا ولكن ما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله * روينا من طريق البخاري نا موسى بن اسماعيل نا أبو عوانة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج فذكر حديثا وفيه (أنه قال: يارسول الله ليس معنا مدى (3) أفنذبح بالقصب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر) (4) * ومن طريق أحمد ابن شعيب انا عمرو بن على نا يحيى بن سعيد القطان نا سفيان - هو الثوري - حدثنى أبى عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج (قال) (5) (قلت: يا رسول الله انا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فقال: ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك. أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة) ورويناه من طريق شعبة. وزائدة. وأبى الاحوص. عمر بن سعيد كلهم عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رافع ابن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم فارتفع الاشكال، * فكل ما أنهر الدم في المتمكن منه وذكر اسم الله عليه من ذبح أو نحر فهو ذكاة يحل


(1) في النسخة رقم (14) (يشرعه لنا غيره) (2) هو بالغين المعجمة وفى النسخة رقم (14) (معيب) بالعين المهملة (3) جمع مدية وهى السكين (4) هو في صحيح البخاري ج 7 ص 164 مطولا فما قال المصنف (5) الزيادة من سنن النسائي ج 7 ص 228 والحديث اختصره المصنف *

[ 443 ]

بها الاكل، ولو كان ههنا صفة لازمة لبينها عليه السلام كما بين وجوب ان لا يؤكل الا ما أنهر الدم وما ذكر اسم الله عليه وان لا يكون ذلك بسن ولا ظفر، ومن أعجب العجائب من أسقط (1) في الذكاة ما اشترطه الله تعالى على لسان رسوله عليه السلام فيها فيبيح أكل ما لم يسم الله تعالى عليه بنسيان أو تعمد ويبيح أكل ما ذبح بعظم أو ظفر ثم يزيد ما لم يذكره الله تعالى ولارسوله صلى الله عليه وسلم برأيه الزايف من ان لا يكون ذلك الا من امام (2) وبأن يعم الوجدين. والحلقوم. دون المرئ. والذبح في بعض ذلك دون بعض والنحر في بعض دون بعض وبأن لا يرفع يدا، وأن لا يتعمد إبانة الرأس، وان لا يلقى العقدة إلى أسفل، أو بان يقطع الثلاث الآراب أو الاكثر من النصف من كل واحد من الاربعة أو بان يبين الحلقوم والمرئ فقط ان في هذا لعجبا شنيعا لمن تأمله، وأشنع من هذا تهالك من تهالك على التداين (3) بهذه الآراء ونصرها بما أمكنه ونعوذ بالله من الخذلان * روينا من طريق محمد بن المثنى نا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن علقمة بن قيس ان حمار وحش ضرب رجل عنقه في دار عبد الله بن مسعود فسألوا ابن مسعود عنه؟ فقال: صيد فكلوه * قال أبو محمد: هذا حمار وحش متمكن منه في الدار (4)، ولا يخالفنا خصومنا في أن المقدور عليه من الصيد ذكاته كذكاة الابل. والبقر. والغنم ولافرق، * ومن طريق مروان بن معاوية الفزارى، ويحيى بن سعيد القطان (5) نا أبو غفار - هو الطائى - قال: حدثنى أبو مجاز قال: سألت ابن عمر عن ذبيحة قطع رأسها؟ فأمر ابن عمر باكلها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن على بن أبى طالب قال في الدجاجة إذا قطع رأسها: ذكاة سريعة أي كلها * ومن طريق وكيع ناحماد بن سلمة عن يوسف بن سعد قال: ضرب رجل بسيفه عنق بطة فأبان رأسها فسأل عمران بن الحصين؟ فأمره بأكلها، ورويناه أيضا من طريق هشيم عن يونس بن عبيد. ومنصور بن المعتمر كلاهما عن يوسف ابن سعد عن عمران بن الحصين وقد أدرك يوسف عمران، ومن طريق ابن ابى شيبة نا المعتمر بن سليمان التيمى عن عوف - هو ابن أبى جميلة - عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملى (6) أن على بن أبى طالب سئل عن رجل ضرب عنق بعير بالسيف وذكر اسم الله فقطعه فقال على: ذكاة وحية * ومن طريق وكيع نا مبارك بن فضالة عن عبيدالله بن ابى بكر بن انس


(1) في النسخة رقم (16) (من يسقط) (2) في النسخة رقم (14) (من ان لا يكون الا امام) (2) في النسخة رقم (16) وكذلك اليمنية (على التدين) (4) في النسخة رقم (16) (وفى الدار) بزيادة الواو (5) في النسخة رقم (14) (الانصاري) (6) هو بفتح الجيم والميم اه‍ تقريب *

[ 444 ]

ابن مالك ان خباز الانس ذبح دجاجة فاضطربت فذبحها من قفاها فأبان الرأس فأرادوا طرحها فأمرهم أنس باكلها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة ان ابن عباس سئل عمن ذبح دجاجة فطن (1) رأسها؟ فقال ابن عباس: ذكاة وحية * ومن طريق وكيع نا هشام الدستوائى عن يحيح بن ابى كثير عن المعرور عن أبى الفرافصة عن أبيه انه شهد عمر بن الخطاب أمر مناديا فنادى ألا ان الذكاة في الحلق والبة وأقروا الانفس حتى تزهق * ومن طريق وكيع نا سفيان - هو الثوري - عن خالد الحذر عن عكرمة عن ابن عباس قال: الذكاة في الحلق واللبة * وعن ابن عباس ابلاغ الذبح أن تبلغ العظم، وصح عنه من طريق سعيد بن منصور نا اسماعيل بن زكريا عن سليمان التيمى عن أبى مجلز عن ابن عباس قال: إذا اهريق الدم وقطع الودج فكله * فهؤلاء عمر بن الخطاب. وابن عباس أجملا ولم يفصلا. وعلى بن أبى طالب. وعمران بن الحصين. وأنس. وابن مسعود. لا يصح عن أحد من الصحابة خلافهم * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال عطاء: الذبح قطع الاوداج فقلت لعطاء: ذبح ذابح فلم يقطع الاوداج قال: ما أراه الا قد ذكاها فيأكلها * فهذا عطاء يرى الذكاة كيف كانت * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى. وعبد الله بن أبى السفر كلاهما عن الشعبى انه سئل عن ديك ذبح من قفاه؟ فقال: إذا سميت فكل * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي انه سئل عن الذبيحة تذبح فتمر السكين فتقطع العنق كله؟ قال: لا بأس به ذكاة سريعة * ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم قال: سألت ابراهيم النخعي عن رجل ضرب عنق حمار وحش؟ فأمرني بأكله وسألته عن دجاجة ذبحت من قفاها؟ فقال ابراهيم: تلك القفية (2) لا بأس بها * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري انه سئل عن رجل ذبح بسيفه فقطع الرأس؟ فقال الزهري: بئس ما فعل فقال له رجل: أفنأ كلها؟ قال: نعم * قال أبو محمد: لو كان مغلوبا لم يقل الزهري: بئس ما فعل، فصح انه انما قاله في متعمده * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: لو أن رجلا ذبح جديا فقطع رأسه لم يكن بأكله بأس * ومن طريق وكيع عن شعبة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري في بطة ضرب رجل عنقها بالسيف فقال الحسن: لا بأس بأكلها * ومن طريق وكيع نا الربيع بن صبيح عن الحسن. وعطاء قالا جميعا


(1) أي قطع، وفى النسخة رقم (16) (طير رأسها) ولعله تصحيف (2) القفينة الشاة تذبح من قفاها، ويقال فيها: القفية بلانون اه‍ صحاح *

[ 445 ]

فيمن ذبح فأبان الرأس: فلا بأس بأكله * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث عن ليث عن مجاهد فيمن ذبح فأبان الرأس قال: كل، وروى أيضا عن الضحاك * ومن طريق سعيد بن منصور عن اسماعيل بن عياش حدثنى عبد العزيز بن عبيدالله عن الشعبى أنه قال في الذبح لا يقطع الرأس فان قطع الرأس فليأكل، فهؤلاء عطاء وطاوس. ومجاهد. والحسن. والنخعي. والشعبى. والزهرى. والضحاك يجيزون أكل ما قطع رأسه في الذكاة، وبعضهم أكل ما لم يقطع أوداجه. وما ذبح من ففاه وما ضربت عنقه * 1047 - مسألة - وكل ما جاز ذبحه جاز نحره وكل ما جاز نحره جاز ذبحه الابل. والبقر. والغنم. والخيل. والدجاج. والعصافير. والحمام وسائر كل ما يؤكل لحمه فان شئت فاذبح وان شئت فانحر، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وسفيان الثوري. والليث بن سعد. وأبى ثور. وأحمد بن حنبل. واسحق بن راهويه وبعض أصحابنا، وقال مالك: الغنم والطير تذبح ولا تنحر فان نحر شئ منها لم يؤكل، وأما الابل فتنحر فان ذبح منها شئ لم يؤكل، وأما البقر فتذبح وتنحر ولا نعلم له في هذا القول سلفا من العلماء أصلا الا رواية عن عطاء في البعير خاصة قد روى عنه خلافها، واحتج بعضهم في ذلك بأن ذبح الجمل تعذيب له لطول عنقه وغلظ جلده * قال على: وهذه مكابرة للعيان وما تعذيبه بالذبح الا كتعذيبه بالنحر ولافرق، وما جلده بأغلظ من جلد الثور، وما عنقه بأصول من عنق الابل، وهو يرى الذبح في كل ذلك، وما تعذيب العصفور. والحمامة. والدجاجة بالنحر الا كتعذيبها بالذبح ولافرق، وأطرف شئ احتجاجهم في ذلك بقول الله تعالى: (ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة) وهم أول مخالف لذلك فيجيزون فيها النحر، وأما نحن فلا يلزمنا ما أمر الله به بنى اسرائيل فان احتج بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر الابل بمنى وذبح الكبشين إذ ضحى بهما قلنا: نعم وهذا فعل لا أمر وليس ذلك بمانع من غير هذا الفعل، وقد صح عنه عليه السلام ما ذكرنا قبل من قوله: (ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) وهذا هو الفتيا (1) المبينة التى لا يحل تعديها لا العمل الذى لم ينه عما سواه، وقد ذكرنا في المسألة التى قبل هذه عن عمر بن الخطاب. وابن عباس الذكاة في الحلق واللبة ولم يخصا باحدهما حيوانا من حيوان بل هتف عمر بذلك مجملا، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة أصلا بل قد ذكرنا الرواية عن على في اباحة اكل يعير ضرب عنقه بالسيف ورأى ذلك ذكاة وحية * ومن طريق عبد الرزاق نا وهب بن نافع أنه سمع


(1) في النسخة رقم (16) (وهذه الفتيا) *

[ 446 ]

عكرمة يحدث ان ابن عباس امره يذبح جزورا وهو محرم، والجزور البعير بلا خلاف، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: ذكر الله تعالى الذبح في القرآن. فان ذبحت شيئا ينحر أجزى عنك * ومن طريق محمد بن المثنى نا مؤمل بن اسماعيل. نا سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء قال: الذبح من النحر، والنحر من الذبح * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وقتادة قالا جميعا: الابل والبقر ان شئت ذبحت وان شئت نحرت * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد عن مجاهد قال: كان الذبح فيهم والنحر فيكم فذبحوها وما كادوا يفعلون فصل لربك وانحر * قال أبو محمد: قد ذكرنا قول الله تعالى: (الا ما ذكيتم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا) ولم يخص الله تعالى ذبحا من نحر ولانحرا من ذبح (وما كان ربك نسيا) * ومن طريق مسلم نا يحيى بن يحيى انا أبو خيثمة - هو زهير بن معاوية - عن الاسود ابن قيس حدثنى جندب بن سفيان قال: (شهدت الاضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلى أو نصلى (1) فليذبح مكانها أخرى ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) * ومن طريق شعبة عن زبيد الايامى عن الشعبى عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ان أول ما نبدأ به في يومنا هذا ان نصلى (2) ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك (3) فانما هو لحم قدمه لاهله) وذكر الخبر * ومن طريق مسلم نا محمد بن حاتم نا محمد بن بكر انا ابن جريج اخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا ان النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر رسول (4) الله صلى الله عليه وسلم) * وصح من طريق ابن عمر كما أوردنا في كتاب الاضاحي (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذبح وينحر بالمصلى) فأطلق عليه السلام في الاضاحي الذبح والنحر عموما وفيها الابل. والبقر. والغنم ولم يخص عليه السلام شيئا من ذلك بنحر دون ذبح ولا بذبح دون نحر، ولو كان أحد الامرين لا يحوز أو يكره لبينه عليه السلام * روينا من طريق اسماء بنت أبى بكر الصديق نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا (5)، وروينا عنها أيضا ذبحنا فرصا، بالله تعالى التوفيق * 1048 - مسألة - وأما غير المتمكن منه فذكاته أن يمات بذبح أو بنحر حيث


(1) سقط لفظ (أو نصلى من النسخة رقم (14) خطأ، وهو موجود في صحيح مسلم ج 7 ص 107 والحديث اختصره المصنف (2) في صحيح مسلم ج 2 ص 117 سقط لفظ (ان) (3) سقط من صحيح مسلم لفظ (قبل ذلك) (4) في صحيح مسلم ج 2 ص 118 (النبي) بدل (رسول الله) (5) هو في الصحيحين *

[ 447 ]

أمكن منه من خاصرة. أو من عجز. أو فخذ. أو ظهر. أو بطن. أو رأس. كبعير. أو شاة. أو بقرة. أو دجاجة. أو طائر. أو غير ذلك سقط في غور فلم يتمكن من حلقه ولا من لبته فانه يطعن حيث امكن بما يعجل به موته ثم هو حلال أكله، وكذلك كل ما استعصى من كل ما ذكرنا فلم يقدر على أخذه فان ذكاته كذكاة الصيد، ثم يؤكل على ما نصف في كتاب الصيد إن شاء الله تعالى، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه. وسفيان الثوري. والشافعي. وأبى ثور. وأحمد. واسحاق. وأصحابهم، وهو قول أبى سفيان وأصحابنا، وقال مالك: لا يجوز ان يذكى أصلا إلا في الحلق واللبة وهو قول الليث * قال أبو محمد: وقولنا هو قول السلف كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا سفيان ابن عيينة عن عبد الكريم الجزرى عن زياد بن أبى مريم أن حمارا وحشيا استعصى على أهله فضربوا عنقه فسئل ابن مسعود فقال: تلك أسرع الذكاة * ومن طريق عبد الرحمن ابن مهدى نا سفيان. وشعبة كلاهما عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع ابن خديج ان بعيرا تردى في بئر فذكى من قبل شاكلته فأخذ ابن عمر منه عشيرا (1) بدرهمين * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان حدثنى أبو حيان يحيى بن سعيد التيمى حدثنى عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج قال: تردى بعير في بئر فكان أعلاه أسفله فنزل عليه رجل فلم يستطع ان ينحره فقال ابن عمر: أجز عليه واذكر اسم الله عزوجل فاجاز عليه من شاكلته فأخرج قطعا قطعا فأخذ منه ابن عمر عشيرا بدرهمين * ومن طريق سفيان بن عيينة عن عبد العزيز بن سياه سمع أبا راشد السلمانى قال: كنت في منايح (2) لاهلي بظهر الكوفة ارعاها فتردى بعير منها فنحرته من قبل شاكلته فأتيت عليا فأخبرته فقال: اهدلى عجزه، الشاكلة الخاصرة * ومن طريق وكيع نا عبد العزيز به سياه عن حبيب بن أبى ثابت عن مسروق ان بعيرا تردى في بئر فصار اسفله اعلاه قال: فسألنا على بن أبى طالب؟ فقال: قطعوه أعضاء وكلوه * ومن طريق وكيع نا سفيان - هو الثوري - عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما أعجزك من البهائم فهو بمنزلة الصيد * وهو أيضا قول عائشة أم المؤمنين، ولا يعرف لهم من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، ابن مسعود. وعلى. وابن عباس. وابن عمر. وأم المؤمنين * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن أبى الضحى عن مسروق انه سئل عن قالح (3) تردى في بئر فذكى من قبل خاصرته فقال مسروق: كلوه (4) *


(1) هو الجزء من اجزاء العشرة، يقال عشر وعشير (2) جمع منيحة وهى منحة اللبن كالناقة والشاة تعطيها غيرك بحلبها ثم يردها عليك اه‍ صحاح (3) الفالح بالحاء المهملة الجمل الضخم ذو السنامين (4) في النسخة رقم 16 (كله) *

[ 448 ]

ومن طريق وكيع نا حريث عن الشعبى قال: إذا خشيت ان يفوتك ذكاتها فاضرب حيث أدركت منها * ومن طريق وكيع نا هشام الدستوائى عن قتادة عن سعيد بن المسيب في البعير يتردى في البئر قال: يطعن حيث قدروا ذكر اسم الله عزوجل * ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم قال: تردى بعير في بئر فلم يجدوا له مقتلا فسئل الاسود بن يزيد عن ذلك؟ فقال: ذكوه من أدنى مقتله ففعلوا فأخذ الاسود منه بدرهمين * ومن طريق وكيع نا قرة بن خالد قال: سمعت الضحاك يقول في بقرة شردت: هي بمنزلة الصيد، وهو قول عطاء. وطاوس والحسن. والحكم بن عتيبة. وابراهيم النخعي. وحماد بن أبى سليمان، ولا نعلم لمالك في هذا سلفا الا قولا عن ربيعة * قال أبو محمد: وقال قائلهم: ان كانت بمنزلة الصيد فأبيحوا قتلها بالكلاب والجوارح فقلنا: نعم إذا لم يقدر عليها الا بذلك فهى في ذلك كالصيد ولا فرق * قال على: وهم أصحاب قياس بزعمهم وقد أجمعوا على أن الصيد إذا قدر عليه فهو بمنزلة النعم والانسيات في الذكاة فهلا قالوا: ان النعم والانسيات إذا لم يقدر عليها فمنزلتها كمنزلة الصيد؟ ولو صح قياس يوما ما لكان هذا أصح قياس في العالم، والعجب من قول مالك: إنى لاراه عظيما ان يعمد إلى رزق من رزق الله فيهرق من أجل كلب ولغ فيه ولم يقل ههنا: انى لاراه عظيما ان يعمد إلى رزق من رزق الله فيضيع ويفسد لاجل ان لم يقدر على لبته ولا على حلقه: فلو عكس كلامه لاصاب بل العظيم كل العظيم هو أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليرقه) فيقول قائل برأيه: لا يراق، وان ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال فيضيع البعير. والبقرة. والشاة. والدجاجة ونحن قادرون على تذكيتها من أحل عجزنا عن تكون التذكية في الحلق واللبة فهذا هو العظيم حقا * قال أبو محمد: قال الله عزوجل: (الا ما ذكيتم) وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فصح ان التذكية كيفما قدرنا لا نكلف منها ما ليس في وسعنا * روينا من طريق البخاري ناموسى بن اسماعيل نا أبو عوانة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة ابن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج (قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم) فذكر الخبر وفيه (فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة (فطلبوه) (1) فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله عزوجل فقال رسول (2) الله صلى الله عليه وسلم: (ان لهذه البهائم أو ابد كأوابد الوحش


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 165 (2) في صحيح البخاري (النبي) بدل (رسول الله)

[ 449 ]

فماند عليكم (منها) (1) فاصنعوا به هكذا) * ومن طريق مسلم نا ابن أبى عمر نا سفيان بن عيينة حدثنى عمر سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع ابن خديج (انهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فند علينا بعير فرميناه بالنبل حتى وهصناه) (2) وذكر الحديث * قال على: الوهص الكسر والاسقاط إلى الارض ولا يبلغ البعير هذا الامر الا وهو منفذ المقاتل، وقد أذن عليه السلام في رميه بالنبل، والمعهود منها الموت باصبتها وهذا اذن منه عليه السلام في ذكاتها بالرمي * قال على: وههنا خبر لو ظفروا بمثله لطغوا كما روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن أبى العشراء عن أبيه قلت: (يا رسول الله أما تكون الذكاة الا في الحلق واللبة؟ قال: لو طعنت في فخذها لاجزأك) (3) * قال أبو محمد: أبو العشراء قيل: اسمه أسامة بن مالك قهطم، وقيل: عطارد، برز (4)، وفى الصحيح الذى قدمنا كفاية، وهذا مما تركوا فيه ظاهر القرآن. والسنن. والصحابة. وجمهور العلماء. والقياس، وبالله تعالى التوفيق * 1049 - مسألة - وما قطع من البهيمة - وهى حية - أو قبل تمام تذكيتها فبان عنها فهو ميتة لا يحل أكله، فان تمت الذكاة بعد قطع ذلك الشئ أكلت البهيمة. ولم تؤكل تلك القطعة وهذا مالا خلاف فيه لانها زايلت البهيمة وهى حرام أكلها فلا تقع عليها ذكاة كانت بعد مفارقها لما قطعت منه * 1050 - مسألة - وما قطع منها بعد تمام التذكية وقبل موتها لم يحل أكله مادامت البهيمة حية فإذا ماتت حلت هي وحلت القطعة أيضا لقول اله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها) فلم يبح الله تعالى أكل شئ منها الا بعد وجوب الجنب وهو في اللغة الموت - فإذا ماتت فالذكاة واقعة على جميعها إذ ذكيت، فالذي قطع منها مذكى فإذا حلت هي حلت أجزاؤها * بالله تعالى التوفيق، ولا خلاف بين أحد في ان حكم البدن في ذلك حكم سائر ما يذكى، وقد ذكرنا قول عمر: أقروا الأنفس حتى تزهق، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة *


(1) الزيادة من صحيح البخاري، والاوابد جمع آبدة وهى التى توحشت ونفرت (2) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 119 مطولا كما قال المصنف (3) الحديث في سنن أبى داود عن أحمد بن يونس عن حماد بن سلمة الخ ج 3 ص 63 قال أبو داود: لا يصلح هذا الافى المتردية والمتوحش اه‍، وقال الخطابى: ضعفوا هذا الحديث لان روايه مجهول وأبو العشراء لا يدرى من أبوه، ولم يروعنه غير حماد بن سلمة اه‍، قال المنذرى: واخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه الامن حديث حماد بن سلمة اه‍ والله أعلم (4) كذا في جميع النسخ، وفى التقريب (برز أو بلز) ووقع في ميزان الاعتدال وتهذيب التهذيب (بن بكر) ولعله تحريف من النساخ والمصحيحين *

[ 450 ]

1051 - مسألة - والتذكية من الذبح. والنحر. والطعن. والضرب جائزة بكل شئ إذا قطع قطعة السكين أو نفذ نفاذ الرمح سواء في ذلك كله. العود المحدد. والحجر الحاد. والقصب الحاد. وكل شئ حاشا آلة أخذت بغير حق وحاشا السن. والظفر. وما عمل من سن. أو من ظفر منزوعين أو غير منزوعين، وإلا عظم خنزير أو عظم حمار أهلى. أو عظم سبع من ذوات الاربع. أو الطير حاشا الضباع. أو عظم انسان فلا يكون حلالا ما ذبح أو نحر بشئ مما ذكرنا بل هو ميتة حرام * والتذكية جائزة بعظم الميتة وبكل عطم حاشا ما ذكرنا وهى جائزة بمدى الحبشة وما ذكاه الزنجي. والحبشى. وكل مسلم فهو حلال، فلو عمل من ضرس الفيل سهم. أو رمح. أو سكين لم يحل أكل ما ذبح أو نحر به لانه سن، فلو عملت من سائر عظامه هذه الآلات حل الذبح. والنحر. والرمى بها، وقال أبو حنيفة. ومالك: التذكية بكل ذلك حلال حاشا السن قبل ان ينزع من الفم. وحاشا الظفر قبل ان ينزع من اليد فانه لا يؤكل ما ذبح بهما لانه خنق لابح، وقال الشافعي: كل ما ذكى بكل ما ذكرنا فحلال أكله حاشا ما ذكى بشئ. من الاظفار كلها، والعظام كلها منزوع كل ذلك أو غير منزوع فلا يؤكل، وهو قول الليث بن سعد، وقا أبو سليمان: كقول الشافعي سواء سواء الا أنه قال: لا يؤكل ما ذبح أو نحر أو رمى بألة مأخوذة بغير حق، فأما قول أبى حنيفة. ومالك فلا نعلمه عن أحد قبلهما ولا نعلم لهما فيه سلفا من أهل العلم. ولا حجة أصلا لامن قرآن. ولامن سنة. ولامن رواية سقيمة. ولامن قياس بل هو خلاف السنة على ما نورد بعد هذا ان شاء الله تعالى، فسقط هذا القول جملة وبقى قولنا. وقول الشافعي. والليث. وأبى سليمان * فوجدنا ما روينا من طريق سفيان الثوري حدثنى أبى عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج قلت: (يا رسول الله انا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة) وقد ذكرناه في أول كلامنا في التذكية باسناده (1) فأما نحن فتعلقنا بنهيه عليه السلام ولم نتعده ولم نحرم الا ما ذبح أو رمى بسن أو ظفر فقط ولم نجعل العظيمة سببا للمنع من الذكاة الا حيث جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم سببا لذلك، وهو السن. والظفر فقط، وانما منعنا من التذكية بعظام الخنزير. والحمار الاهلى. أو سباع ذوات الاربع. أو الطير لقوله تعالى في الخنزير: (فانه رجس) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحمر الاهلية (فانها رجس) فهى كلها رجس، والرجس واجب اجتنابه، ولا يحل امساكها الا حيث أباحها نص، وليس ذلك الا ملكها وركوبها


(1) سبق ذكره في ص 442 عن النسائي *

[ 451 ]

واستخدامها وبيعها وابتياعها يعنى الحمر فقط، ومنعنا من التذكية بعظام سباع ذوات الاربع. والطير لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها جملة على ما ذكرنا قبل فلم نحل منها الا ما أحله النص من تملكها للصيد بها وابتياعها لذلك فقط والا فهي حرام وبعض الحرام حرام * وأما عظم الانسان فلان مواراته فرض كافرا كان أو مؤمنا، وأبحنا التذكية بعظام الميتة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (انما حرم من الميتة أكلها) وحرم عليه السلام بيعها والدهن بشحمها فلا يحرم من الميتة شئ الا ذلك ولا مزيد * واحتج الشافعي وأصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فانه عظم) فجعل العظيمة علة للمنع من التذكية حيث كان العظم أو أي عظم كان * قال أبو محمد: وهذا خطأ لانه تعد لحدود الله تعالى وحدود رسوله عليه السلام لان النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد ذلك لما عجز عن أن يقول: ليس العظم والظفر، وهو عليه السلام قد أوتى جوامع الكلم وأمر عليه السلام بالبيان، فلو أنه عليه السلام أراد تحريم الذكاة بالعظم لما ترك ان يقوله ولا استعمل التحليق والاكثار بلا معنى في الاقتصار على ذكر السن فهذا هو التلبيس والاشكال لا البيان، ونحن وهم على يقين من أنه عليه السلام حكم بأن المنع من التذكية بالسن انما هو من أحل كونه عظما ونحن موقنون بأنه عليه السلام لو أراد كل عظم لما سكت عن ذلك فقد زادوا في حكمه عليه السلام ما لم يحكم به، وأيضا فقد تناقضوا في هذا الخبر نفسه لانه عليه السلام جعل السب في منع التذكية بالظفر انما هو كونه مدى الحبشة فيلزمهم ان يطردوا أصلهم فيمنعوا التذكية بمدى الحبشة من أي شئ كانت والا فقد تناقضوا فان ادعوا ههنا اجماعا كانوا كاذبين قائلين ما لاعلم لهم به * وقد روينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه انه كره ذبيحة الزنجي، وأما نحن فلا نجعل كونما يذكى به من مدى الحبشة سببا لتحريم أكله الافى الظفر وحده حيث جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نجعل العظيمة سببا لتحريم أكل ما ذكى بما هي فيه الافى السن وحده حيث جعله رسول الله عليه السلام، وهذا في غاية البيان والوضوع. بالله تعالى التوفيق * وقد روى نحو قولهم عن بعض السلف كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم قال: يذبح بكل شئ غير أربعة السن. والظفر. والعظم. والقرن * ومن طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن الحسن قال: كل ما فرى الاوداج واهراق الدم الا الظفر. والناب. والعظم * وروى نحو قولنا عن بعض السلف أيضا كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا الاعمش عن ابراهيم قال: مافرى الاوداج فكل الا السن. والظفر * ومن طريق

[ 452 ]

سعيد بن منصور نا خديج بن معاوية عن أبى اسحاق السبيعى قال: كان يكره الناب. والظفر * قال أبو محمد: وخالف الحنيفيون والمالكيون هذه السنة بأرائهم وليس في العجب أعجب من اخراجهم العلل الكاذبة الفاسدة المفتراة! من مثل تعليل الربا بالادخار والاكل، وتعليل مقدار الصداق بأنه عوض ما يستباح به العضو وسائر تلك العلل السخيفة الباردة المكذوبة، ثم يأتون إلى ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم سببا لتحريم أكل ما ذكى به بقوله فانه عظم وانه مدى الحبشة ولا يعللون بهما بل يجعلونه لغوا من الكلام ويخرجون من أنفسهم علة كاذبة سخيفة وهى الخنق، ونسألهم عمن أطال ظفره جدا وشحذه ورققه حتى ذبح به عصفورا صغيرا فبرى كما تبرى السكين أيؤكل أم لا؟ (فان قالوا): لاتركوا علتهم في الخنق، وان قالوا: يؤكل تركوا قولهم في الظفر المنزوع * (فان ذكروا) مارويناه عن شعبة عن سماك (1) بن حرب عن مرى بن قطرى عن عدى بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم (قال: انهر الدم بما شئت واذكر اسم الله) قلنا: هذا خبر ساقط لانه عن سماك بن حرب وهو يقبل التلقين عن مرى بن قطرى وهو مجهول، ثم لو صح لكان خبر رافع بن خديج زائدا عليه تخصيصا يلزم اضافته إليه ولابد ليستعمل الخبران معا، (فان ذكروا) ماروينا من طريق معمر عن عوف عن أبى رجاء العطاردي قال: سألت ابن عباس عن أرنب ذبحتها بظفرى؟ فقال: لا تأكلها فانها المخنقة، وفى بعض الروايات انما قتلتها خنقا فلا حجة لهم فيه لوجهين، احدهما ان لاحجة فيمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى أنه حجة عليهم وخلاف قولهم لان ابن عباس لم يشترطه منزوعا من غير منزوع * وأما منعنا من أكل ما ذبح أو نحر أو رمى بآلة مأخوذه بغير حق فلقول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) ولاشك في ان ما ذبح أو نحر بألة مأخوذة بغير حق فبالباطل تولى ذلك منه وإذ هو كذلك بيقين فبالباطل يؤكل، وهذا حرام بالنص، وأيضا فان الذكاة (2) فعل مفترض مأمور به طاعة لله عزوجل واستعمال المأخوذة بغير حق في الذبح. والنحر. والرمى فعل محرم معصية لله تعالى هذان قولان متيقنان بلا خلاف، فاذهو كذلك فمن الباطل البحت والكذب الظاهران تنوب المعصية عن الطاعة وان يكون من عصى الله تعالى ولم يفعل ما امر به مؤديا لما أمر به، بالله تعالى التوفيق * 1052 - مسألة - وما ثرد وخزق (3) ولم ينفذ نفاذ السكين والسهم لم يحل أكل


(1) في النسخة رقم (14) (فان ذكروا رواية شعبة عن سماك) (2) في النسخة رقم (16) (وايضا فالذكاة) (3) الثرد بالثاء المثلثة الكسر، والتثريد في الذبح هو الكسر قبل ان يبرد والخزق بالخاء المعجمة الطعن *

[ 453 ]

ما قتل به، وكذلك ما ذبح بمنشار، أو بمنجل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) فالمثرد والذابح بشئ مضرس لم يذبح كما أمر ولاذكى كما أمر فهى ميتة، والعجب من منعهم الاكل ههنا لانه لم يذك كما أمر ولم يذبح بل بآلة نهى عنها ثم يجيزون أكل ما نحر أو ذبح بآلة منهى عنها مأخوذة بغير حق ولافرق بين ذلك أصلا، بالله تعالى التوفيق * 1053 - مسألة - ولايجوز التذكية بألة ذهب أو مذهبة أصلا للرجال، فان فعل الرجل فهو حرام الرجال والنساء، فان ذكت بها امرأة فهو حلال (1) للرجال وللنساء لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم الذهب على ذكور أمته (2) واباحته اياه لاناثها، فمن ذكى من الرجال بآلة ذهب أو مذهبة (2) فقد استعمل آلة محرمة عليه استعمالها فلم يذك كما أمر، والمرأة بخلاف ذلك * 1054 - مسألة - التذكية بآلة فضة حلال لانه لم ينه الا عن آنيتها فقط وليس السكين. ولا الرمح. والسهم ولا السيف آنية * 1055 - مسألة - فمن لم يجد الاسنا. أو ظفرا. أو عظم سبع. أو طائر. أو ذى أربع أو خنزير. أو حمار. أو انسان. أو ذهب وخشى موت الحيوان لم يحل له أن يأكل ما ذكى بشئ من ذلك لانه لا يكون ذكاة بشئ من هذا كله أصلا فهو عادم ما يذكى به وليس مضيعا له لانه لم يجد ما يجوزان يذكيه به فذلك الحيوان غير مذكى أصلا * 1056 - مسألة - فمن لم يجد (4) الا آلة مغصوبة أو مأخوذة بغير حق وخشى الموت على حيوانه ذكاه بها وحل له أكله لقول اله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) فحرام على صاحب الآلة منعه منها إذا خشى ضياع ماله بموته جيفة، فإذ هو حرام على صاحبها منعه منها ففرض على صاحب الحيوان أخذها والتذكية بها فهو مطيع بذلك أحب صاحب الآلة أو كره وبالله تعالى التوفيق * 1057 - مسألة - وتذكية المرأة الحائض وغير الحائض. والزنجى. والاقلف والاخرص. والفاسق. والجنب. والآبق وما ذبح أو نحر لغير القبلة عمدا. أو غير عمد جائز أكلها إذا ذكوا وسموا على حسب طاقتهم بالاشارة من الاخرس ويسمى الاعجمي بلغته لقول الله تعالى: (الا ما ذكيتم) فخاطب كل مسلم ومسلمة، وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا


(1) في النسخة رقم (14) فان ذكت بها لمرأة حل) وما هنا انسب بسابق كلام المصنف (2) في النسخة رقم (14) (على ذكران امته) وما هنا انسب بلفظ الحديث (2) في النسخة رقم (14) (أو بمذهبة) (4) في النسخة رقم (14) (فان لم بحد) *

[ 454 ]

وسعها) فلم يكلفوا منم التسمية الا ما قدروا عليه، وهو (1) قول أبى حنيفة ومالك. والشافعي. وأبى سليمان، وفي كل ما ذكرنا خلاف، وقد ذكرنا منع طاوس من اكل ذبيحته الزنجي * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة عن حيان عن جابر - هو ابن زيد - عن ابن عباس قال: الاقلف لاتؤكل له ذبيحة ولاتقبل له صلاة ولا تجوز له شهادة، وأجاز ذبيحته الحسن. وحماد بن أبى سليمان * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبيدالله بن موسى عن صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر انه كره أكلها يعنى ذبيحة الآبق - وأجازها سعيد بن المسيب * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر انه كان يكره ان يأكل ذبيحة لغير القبلة، وصح عن ابن سيرين. وجابر بن زيد مثل هذا، وصحت اباحة ذلك عن النخعي. والشعبى. والقاسم ابن محمد. والحسن البصري اباحة أكلها * قال أبو محمد: لايعرف لابن عباس في ذبيحة الاقلف مخالف من الصحابة، ولا لابن عمر في ذبيحة الآبق، وما ذبح لغير القبلة مخالف من الصحابة رضى الله عنهم وقد خالفوهما * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب بن عبدالمحيد الثقفى عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين انه كان إذا سئل عن ذبيحة المرأة. والصبى؟ لا يقول فيهما شيئا * وعن عكرمة. وقتادة يذبح الجنب إذا توضأ * وعن الحسن يغسل وجهه وذراعيه ويذبح، وأجازها ابراهيم. وعطاء. والحكم بغير شرط * قال أبو محمد: لو كان استقبال القبلة من شروط التذكية (2) لما أغفل الله تعالى بيانه وكذلك سائر ما ذكرنا قبل، وبالله تعالى التوفيق * 1058 - مسألة - وكل ما ذبحه. أو نحره يهودى. أو نصراني. أو مجوسي نساؤهم. أو رجالهم فهو حلال لنا، وشحومها حلال لنا إذا ذكروا اسم الله تعالى عليه * ولو نحر اليهودي بعيرا أو أرنبا حل أكله ولا نبالى ما حرم عليهم في التواراة وما لم يحرم، وقال مالك: لا يحل أكل شحوم ما ذبحه اليهودي ولا ما ذبجوه مما لا يستحلونه، وهذا قول في غاية الفساد لانه خلاف القرآن. والسنن. والمعقول، أما القرآن فان الله تعالى يقول: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) وقد اتفقنا على أن المراد بذلك ما ذكوه لا ما أكلواه لانهم يأكلون الخنزير والميتة والدم ولا يحل لنا شئ من ذلك باجماع منهم ومنا فإذ ذلك كذلك فلم يشترط الله تعالى ما أكلوه مما لم يأكلوه (وما كان


(1) في النسخة رقم (16) (وهذا) (2) في النسخة رقم (16) (لو كان استقبال القبلة شرطا في التذكية) (3) في النسخة رقم (16) (ولا ما ذكوه) *

[ 455 ]

ربك نسيا) وأما القرآن. والاجماع فقد جاء القرآن وصح الاجماع بأن دين الاسلام نسخ كل دين كان قبله، وان من التزم ما جاءت به التوارة أو الانجيل ولم يتبع القرآن فانه كافر مشرك غير مقبول منه فإذ ذلك كذلك فقد أبطل الله تعالى كل شريعة كانت في التوارة. والانجيل. وسائر الملل. وافترض على الجن، والانس شرائع الاسلام، فلا حرام الا ما حرم فيه ولاحلال الا ما حلل فيه ولافرض الا ما فرض فيه ومن قال في شئ من الدين خلاف هذا فهو كافر بلا خلاف من أحد من الائمة * وأما السنة فقد ذكرنا في كتاب الجهاد من كتابنا هذا من حديث جراب الشحم المأخوذ في خيبر فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكله بل أبقاه لمن وقع له من المسلمين * وروينا من طريق أبى داود الطيالسي نا سليمان بن المغيرة عن حميد ابن هلال العدوى سمعت عبد الله بن مغفل يقول: (دلى جراب من شحم يوم خيبر فاخذته والتزمته فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك) * والخبر المشهور من طريق شعبة عن هشام ابن زيد عن أنس بن مالك (أن يهودية أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فأكل منها) ولم يحرم عليه السلام شيئا منها لاشحم بطنها ولاغيره * وأما المعقول فمن المحال الباطل ان تقع الذكاة على بعض شحم الشاة دون بعض وما نعلم لقولهم ههنا حجة أصلا لامن قرآن. ولا من سنة صحيحة. ولا رواية سقيمة. ولاقياس، والعجب انهم يسمعون الله تعالى يقول: (وطعامكم حل لهم)! ومن طعامنا الشحم والجمل وسائر ما يحرمونه أو حرمه الله تعالى عليهم على لسان موسى ثم نسخه وأبطله وأحله على لسان عيسى ومحمد عليهما السلام بقوله تعالى عن عيسى: (ولاحل لكم بعض الذى حرم عليكم) وبقوله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم (النبي الامي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وبقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) ثم يصرون على تحريم ما يحرمونه مما هم مقرون بانه حلال لهم ويسألون عن الشحم والجمل أحلال هما اليوم لليهودام هما حرام عليهم إلى اليوم؟ (فان قالوا) بل هو حرام عليهم إلى اليوم كفروا بلا مرية إذ قالوا: ان ذلك لم ينسخه الله تعالى، وان قالوا: بل هما حلال لهم صدقوا ولزمهم ترك قولهم الفاسد في ذلك، ونسألهم عن يهودى مستخف بدينه يأكل الشحم فذبح شاة أيحل لنا أكل شحمها لاستحلال ذابحها له أم يحرم علينا تحقيقا في اتباع دين اليهود دين الكفر ودين الضلال؟ ولابد من أحدهما، وكلاهما خطة خسف، ويلزمهم ان لا يستحلوا أكل ما ذبحه يهودى يوم سبت ولا أكل حيتان صادها يهودى يوم سبت، وهذا مما تناتقصوا فيه * وقد روينا عن عمر بن الخطاب. وعلى. وابن مسعود. وعائشة أم المؤمنين. وأبى الدرداء. وعبد الله ابن يزيد. وابن عباس. والعرباض بن سارية. وأبى أمامة. وعبادة بن الصامت. وابن

[ 456 ]

عمر اباحة ما ذبحه أهل اكتاب دون اشتراط لما يستحلونه مما لا يستحلونه، وكذلك عن جمهور التابعين كابراهيم النخعي. وجبير بن نفير. وأبى مسلم الخولانى. وضمرة بن حبيب. والقاسم بن مخيمرة. ومكحول. وسعيد بن المسيب. ومجاهد. وعبد الرحمن بن أبى ليلى. والحسن. وابن سيرين. والحارث العكلى. وعطاء. والشعبى. ومحمد بن على بن الحسين. وطاوس. وعمرو بن الاسود. وحماد بن أبى سليمان. وغيرهم لم نجد عن أحد منهم هذا القول الاعن قتادة ثم عن مالك. وعبيدالله بن الحسن، وهذا مما خالفوا فيه طائفة من الصحابة لا مخالف لهم منهم وخالفوا فيه جمهور العلماء، وقولنا هو قول سفيان الثوري. والاوزاعي. والليث بن سعد. وأبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان. وأحمد. واسحق. وأصحابهم * وأما المجوس فقد ذكرنا في كتاب الجها انهم أهل كتاب فحكمهم كحكم أهل الكتاب في كل ذلك، (فان ذكروا) ما رويناه من طريق وكيع عن سفيان عن قيس بن مسلم الجدلي عن الحسن بن محمد (كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس من أهل هجر يدعوهم إلى الاسلام فمن أسلم قبل منه ومن لم يسلم ضربت عليه الجزية ولا توكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة) فهذا مرسل ولا حجة في مرسل * نا حمام نا عبد الله بن محمد الباجى نا أحمد ابن مسلم نا أبو ثور ابراهيم بن خالد نا عبد الوهاب عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب انه سئل عن رجل مريض أمر مجوسيا ان يربح ويسمى ففعل ذلك؟ فقال سعيد بن المسيب: لا بأس بذلك، وهو قول قتادة وأبى ثور * قال أبو محمد: لم يفسح الله تعالى في أخذ الجزية من غير كتابي وأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من المجوس وما كان ليخالف امر ربه تعالى * فان ذكروا قول الله تعالى: (ان تقولوا: انما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين) قلنا: انما قال الله تعالى: هذا بنص الآية نهيا عن هذا القول لا تصحيحا له، وقد قال تعالى: (ورسلا لم نقصصهم عليك) * 1059 - مسألة - ولا يحل أكل ما ذكاه غير اليهودي. والنصراني. والمجوسي، ولاما ذكاه مرتد إلى دين كتابي أو غير كتابي، ولاما ذكاه من انتقل من دين كتابي إلى دين كتابي، ولا ما ذكاه من دخل في دين كتابي بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لان الله تعالى لم يبح لنا الا ما ذكيناه أو ذكاه الكتابى كما قدمنا، وكل من ذكر نا ليس كتابيا لان كل من كان على ظهر الارض من غير أهل الكتاب ففرض عليهم ان يرجعوا إلى الاسلام إذ بعث الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم به، أو القتل فدخوله في دين كتابي غير مقبول منه ولاهو من الذين أمر الله تعالى بأكل ذبائحهم، والمرتد منا إليهم كذلك، والخارج من دين كتابي إلى دين كتابي

[ 457 ]

كذلك لانه انما تذمم وحرم قتله بالدين الذى كان آباؤه عليه فخروجه إلى غيره نقض للذمة لايقر على ذلك، وهذا كله قول الشافعي. وأبى سليمان، بالله تعالى التوفيق * 1060 - مسألة - ومن ذبح وهو سكران أو في جنونه لم يحل أكله لانهما غير مخاطبين في حال ذهاب عقولهما بقول الله تعالى: (الا ما ذكيتم) فان ذكيا بعد الصحو والافاقة حل أكله لانهما مخاطبان كسائر المسلمين، وبالله تعالى التوفيق * 1061 - مسألة - وما ذبحه أو نحره من لم يبلغ لم يحل أكله لانه غير مخاطب بقول الله تعالى: (الا ما ذكيتم) وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الصبى مرفوع عنه القلم حتى يبلغ * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين انه كان إذا سئل عن ذبيحة المرأة والصبى؟ لا يقول فيهما شيئا، وبالمنع منهما يقول أبو سلميان. وأصحابنا، * وأباحها النخعي. والشعبى. والحسن. وعطاء. وطاوس. ومجاهد * قال أبو محمد: قد وافقونا على ان انكاحه لو ليته ونكاحه وبيعه وابتياعه وتوكيله لا يجوز وانه لا تلزمه صلاة ولاصوم ولا حج لانه غير مخاطب بذلك ولا يجزى حجه عن غيره فمن أين اجازوا اذبيحته؟ * 1062 - مسألة - وكل حيوان بين اثنين فصاعدا فذكاه أحدهما بغير اذن الآخر فهو ميتة لا يحل أكله ويضمن لشريكه مثل حصته مشاعا في حيوان مثله فان لم يوجد أصلا فقيمته الا أن يرى به موتا أو تعظم مؤنته فيضيع فله تذكيته حينئذ، وهو حلال لما ذكرنا من تحريم الله تعالى أكل أموالنا بالباطل، وقوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فهو معتمد في ذبحه متاع غيره، فان كان ذلك صلاحا جاز كما قلنا لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ولنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال وهو قول أبى سليمان. وأصحابنا * 1063 - مسألة - ومن أمر أهله أو وكيله أو خادمه بتذكية ما شاؤا من حيوانه أو ما احتاجوا إليه في حضرته أو مغيبه جاز ذلك، وهى ذكاة صحيحة لانه باذنه كان ذلك ولم يتعد المذكى حينئذ وله ذلك في مال نفسه وبالله تعالى التوفيق * 1064 - مسألة - ولا يحل كسر قفا الذبيحة حتى تموت فان فعل بعد تمام الذكاة فقد عصا ولم يحرم أكلها بذلك لانه لم يرح ذبيحته إذ كسر عنقها ولم يحرم أكلها لانه إذا تمت ذكاتها فقد حل أكلها بذلك إذا ماتت * 1065 - مسألة - وكل ما غاب عنامما ذكاه مسلم فاسق، أو جاهل، أو كتابي فحلال أكله لما روينا من طريق البخاري نا محمد بن عبيدالله - هو أبو ثابت المدينى - نا أسامة بن حفص عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين (ان قوما قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: ان قوما يأتوننا

[ 458 ]

باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال عليه السلام: سمواالله أنتم وكلوا قالت عائشة: وكانوا حديثى عهد بكفر) فان قالوا: وقد رويتم هذا الخبر من طريق سفيان بن عيينة، وفيه انه عليه السلام قال: (اجتهدوا ايمانهم وكلوا) قلنا: نعم رويناه من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) فهذا مرسل والمرسل لا تقوم به حجة، بالله تعالى التوفيق * 1066 - مسألة - وكل ما تردى أو أصابه سبع أو نطحه ناطح، أو انخنق فانتثر دماغه، أو انقرض مصرانه، أو انقطع نخاعه، أو انتشرت حشوته فأدرك وفيه شئ من الحياة فذبح أو نحر حل أكله وانما حرم تعالى ما مات من كل ذلك * برهانه قوله تعالى: (إلا ما ذكيتم) فاستثنى من ذلك كله ما أدركت ذكاته ولانبال من أيهما مات قبل لان الله تعالى لم يشترط ذلك بل أباح ما ذكينا قبل الموت فلو قطع السبع حلقها نحرت وحل أكلها ولو بقى في الحلق موضع يذبح فيه ذبحت وحل أكلها * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى ذؤيب عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبى مرة مولى عقيل بن أبى طالب انه وحد شاة لهم تموت فذبحها فتحركت فسألت زيد بن ثابت؟ ققال: إن الميتة تتحرك فسألت أبا هريرة، فقال: كلها إذا طرفت عينها أو تحركت قائمة من قوائهما * ومن طريق ابن جريج عن جعفر بن محمد أبيه أن على ابن أبى طالب قال: إذا ضربت برجلها أو ذنبها أو طرفت بعينها فهى ذكى * ومن طريق سفيان ابن عيينة عن الركين بن الربيع عن أبى طلحة الاسدي قال: عدى الذئب على شاة ففرى بطنها فسقط منه (1) شئ إلى الارض فسألت ابن عباس؟ فقال: انظر ما سقط منها إلى الارض فلا تأكله وأمره ان يذكيها فيأكلها * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الله بن داود الخريبى عن أبى شهاب - هو موسى بن نافع - عن النعمان بن على قال: رأى سعيد بنن جبير في دارنا نعامة تركض برجلها فقال: ما هذه؟ قلنا: وقيذ وقعت في بئر فقال: ذكوها فان الوقيذ ما مات في وقذه * ومن طريق اسماعيل بن اسحق القاضى نا محمد بن عبيد نا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة في قول الله تعالى: (والمنخنقة)