الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 6

المحلى

ابن حزم ج 6


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس ابي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍. طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ احمد محمد شاكر الجزء السادس دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم زكاة البقر 673 مسألة الجواميس صنف من البقر يضم بعضها إلى بعض * ثم اختلف الناس: فقالت طائفة: لا زكاة في أقل من خمسين من البقر ذكورا أو إناثا أو ذكورا وإناثا فإذا تمت خمسون رأسا من البقر وأتمت في ملك صاحبها عاما قمريا متصلا كما قدمنا: ففيها بقرة، إلى أن تبلغ مائة من البقر، فإذا بلغتها وأتمت كذلك عاما قمريا ففيها بقرتان، وهكذا أبدا، في كل خمسين من البقر بقرة، ولا شئ زائد في الزيادة حتى تبلغ خمسين، ولا يعد فيها ما لم يتم حولا كما ذكرنا * وقالت طائفة: في خمس من البقر شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين من البقر بقرة * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا يزيد عن حبيب بن أبى حبيب عن عمر وبن هرم (1) عن محمد بن عبد الرحمن قال: في كتاب عمر بن الخطاب أن البقر يؤخذ منها ما يؤخذ من الابل، يعنى في الزكاة، قال: وقد سئل عنها غيرهم فقالوا: فيها ما في الابل * يزيد هذا هو يزيد بن هارون أو ابن زريع (2) * حدثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة كلاهما عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: في كل خمس من البقر شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، قال الزهري:


(1) هو بفتح الهاء وكسر الراء (2) الراجح أنه يزيد بن هرون فقد رواه الحاكم (ج 1 ص 394) من طريق محمد بن اسحق الصغانى والدارقطني (ص 210) من طريق محمد عبد الملك الدقيقي: كلاهما عن يزيد ابن هرون: ولم يذكر ا الفظ هنا: وانما هو كتاب واحد: كتاب عمر إلى عماله في الصدقات: *

[ 3 ]

فرائض البقر مثل فرائض الابل، غير الاسنان فيها، فإذا كانت البقر خمسا وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت على خمس وسبعين ففيها بقرتان إلى مائة وعشرين فإذا زادت على مائة وعشرين ففى كل أربعين بقرة، قال الزهري: وبلغنا أن قولهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم سلم: (في كلا ثلاثين تبيع، وفى كل أربعين بقرة) أن ذلك كان تخفيفا لاهل اليمن، ثم كان هذا بعد ذلك لا يروى * حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبد الاعلى عن داود عن عكرمة بن خالد قال: استعملت على صدقات عك (1)، فلقيت أشيا خاممن صدق (2) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم فاختلفوا على، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الابل، ومنهم من قال: في ثلاثين تبيع، ومنهم من قال: في أربعين بقرة مسنة * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب وأبى قلابة وآخر قالوا: صدقات البقر كنحو صدقات الابل، في كل خمس شاة، وفى كل عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين بقرة مسنة إلى خمس وسبعين، فان زادت فبقرتان مسنتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففى كل أربعين بقرة بقرة مسنة * ورويناه أيضا من طريق محمد بن المثنى عن محمد بن عبد الله الانصاري عن سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب، كما ذكرنا سواء سواء * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد الفهمى عن الزهري عن عمربن عبد الرحمن بن خلدة الانصاري (3)! أن صدقة البقر صدقة الابل، غير أنه لا أسنان فيها * فهؤلاء كتاب عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وجماعة أدوا الصدقات على عهد


(1) بفتح العين المهملة وتشديد الكاف (2) بالبناء للمجهول وكسر الدال المشددة: أي أخذت منه الصدقة. (3) عمر هذا لم أجد له ترجمة ولا ذكرا وقد قال المؤلف: انه من التابعين: ولكن في الاستيعاب لابن عبد البر (ج 1 ص 171) ترجمة لخلدة الانصاري الرزقى وقال انه (جد عمر بن عبد الله بن خلدة) ثم روى حديثا من طريق ابن أبى أويس عن يحيى بن يزيد بن عبد الملك عن أبيه عن عمر بن عبد الله بن خلدة الرزق عن أبيه عن جده: فلا أدرى هل هو هذا أو غيره *؟ *

[ 4 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعمر بن عبد الرحمن بن خلدة، والزهرى، وأبو قلابة وغيرهم * واحتج هؤلاء بما حدثناه أحمد بن محمد بن الجسورثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على ابن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا يزيد عن حبيب بن أبى حبيب عن عمرو ابن هرم (1) عن محمد بن عبد الرحمن قال: إن في كتاب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم، وفى كتاب عمر بن الخطاب: أن البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الابل * وبما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال: أعطاني سماك بن الفضل كتابا ممن النبي صلى الله عليه وسلم سلم إلى مالك بن كفلانس (2) المصعبين فقرأته فإذا فيه: (فيما سقت السماء ء والانهار العشر، وفيما سقى بالسنا (3) نصف العشر، وفى البقر مثل الابل) (4) * وبما ذكرنا آنفا عن الزهري: ان هذا هو آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)، وان الامر بالتبيع نسخ بهذا * واحتجوا بعموم الخبر: (مامن صاحب بقر لا يؤدى حقها إلا بطح لها يوم القيامة، قالوا: فهذا عموم لكل بقر الاما خصه نص أو اجماع، * وقالوا: من عمل مثل قولنا كان على يقين بأنه قد أدى فرضه، ومن خالفه لم يكن على يقين من ذلك، فان ما وجب بيقين لم يسقط الا بمثله * وقالوا: قد وافقنا أكثر خصومنا على ان البقرة تجزئ عن سبعة كالبدنة، وأنها تعوض من البدنة، وأنها لا يجزئ في الاضحية والهدى من هذه إلا ما يجزى من تلك، وأنها تشعر إذا كانت لها أسنمة كالبدن، فوجب قياس صدقتها على صدقتها * وقالوا: لم نجد في الاصول في شئ من الماشية نصابا مبدؤه ثلاثون، لكن إما خمسة كالابل، والاواقى، والاوساق، وإما أربعون كالغنم، فكان حمل البقر على الاكثر وهو الخمسة أولى *


(1) في النسخة رقم (16) (ويزيد بن حبيب عن عمر وبن حزم) وهو خطأ وتحريف، والصؤاب ما هنا وقد مضى هذا الاسناد قريبا (2) هكذا هذا الاسم في الاصلين: وضبط بالقلم في النسخة رقم (14) بضم الكاف واسكان الفاء وكسر النون: وقد بحث أكثر عنه في الرجال وفى كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجده؟ (3) هكذا في الاصلين: وأظنه خطأ: فان السانية هي ما يسقى عليه الزرع والحيوان من بعير وغيره، والسانى وجمعه (سناة) بضم السين، وأما السنا مقصور فانه الضوء والبرق، فلعل ما هنا محرف عن (سناة) أو يكون مصدرا لسنا سنو بعنى سقى، ويكون من المصادر السماعية التى فاتت معاجم اللغة. (4) في النسخة رقم (16) (وفى الابل مثل البق) وما هنا هو الصواب (5) في النسخة رقم (14) (ان هذا آخر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم *

[ 5 ]

وقالوا: إن احتجوا بالخبر الذى فيه: (في كل ثلاثين تبيع، وفى كل أربعين مسنة) فنعم، نحن قول: بهذا، أو ليس في ذلك الخبر اسقاط الزكاة عما دون ثلاثين من البقر، لا بنص ولا بدليل؟ * قال: وهذا قول عمربن الخطاب رضى الله عنه وحكمه، وجابر بن عبد الله الانصاري، وعمر بن عبد الرحمن بن خلدة، وسعيد بن المسيب، والزهرى، وهؤلاء فقهاء أهل المدينة، فيلزم الماكليين اتباعهم على أصلهم في عمل أهل المدينة، والا ففقد تناقضوا * وقالت طائفة: ليس فيما دون الثلاثين من البقر شئ، فإذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة، وهو الذى له سنتان، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنة، لها أربع سنين، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ ستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعتان، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ سبعين فإذا بلغتها ففيها مسنة وتبيع، ثم هكذا أبدا، لا شئ فيها حتى تبلغ عشرا زائدة، فإذا بلغتها ففى كل ثلاثين من ذلك العدد تبيع، وفى كل أربعين مسنة * وهذا قول صح عن على بن أبى طالب رضى الله عنه من طريق أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على * ورويناه من طريق نافع عن معاذ بن جبل * ومن طريق عكرمة بن خالد عن قوم صدقوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق ابن أبى ليلى عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن أبى سعيد الخدرى ليس فيما دون الثلاثين من البقر شئ * وهو قول الشعبى، وشهر بن حوشب، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، والحكم بن عتيبة، وسليمان بن موسى، والحسن البصري، وذكره الزهري عن أهل الشأم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبى سليمان ورواية غير مشهورة عن أبى حنيفة * واحتج هؤلاء بما رويناه من طريق ابراهيم وأبى وائل كلاهما عن مسروق عن معاذ: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا، من كل أربعين بقرة مسنة) وقال بعضهم: ثنية) * ومن طريق طاوس عن معاذ مثله، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم لم يأمره فيما دون ذلك بشئ * وعن ابن أبى ليلى والحكم بن عتيبة عن معاذ: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم سلم عن الاوقاص، ما بين الثلاثين إلى الاربعين، وما بين الاربعين إلى الخمسين؟ قال: (ليس فيها شئ) *

[ 6 ]

ومن طريق الشعبى قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم إلى أهل اليمن: (في كل ثلاثين بقرة تببيع جذع قد استوى قرناه، وفى كل أربعين بقرة بقرة مسنة) * ومن طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن أبى بكر أخبره أن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم لعمر بن حزم: (فرائض البقر ليس فيما دون الثلاثين من البقر صدقة، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل رائع جذع، إلى أن تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة، إلى أن تبلغ سبعين، فإذا بلغت سبعين فان فيها بقرة وعجلا جذعا فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان، ثم على هذا * الحساب وبما رويناه من طريق سليمان بن داود الجزرى عن الزهري عن أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن، بعثه مع عمرو بن حزم وهذه نسخته) وفيه (في كل ثلاثين باقورة (1) تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين باقورة بقرة) (2) وبما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكى ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الرقى ثنا أحمد ابن عمرو البزاز ثنا عبد الله بن أحمد بن شبوية المروزى ثنا حيوة بن شريح ثنا بقية عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة عن طاوس عن ابن عباس قال: (لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البيقر تبيعا أو تبيعة جذعا أو جذعة، ومن كل اربعين بقرة بقرة مسنة، قالوا: فالاوقاص؟ قال: ما أمرنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم بشئ فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم سأله، فقال: ليس فيها شئ) (3) * قال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به قد تقصيناه لهم بأكثر مما نعلم تقصوه لا نفسهم * وقالت طائفة: ليس فيما دون ثلاثين شئ فإذا بلغت البقر ثلاثين ففيها تبيع، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها بقرة، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ خمسين،


(1) الباقورة البقرة بلغة أهل اليمن (2) سيأتي هذا باسناده بعد بضع صحف (3) رواه الدارقطني (ص 202) من طريق عمرو بن عثمان، ثنا بقية حدثنى المسعودي، فذكره باسناده، وفيه في آخره، قال المسعودي: والاوقاص ما دون الثلاثين وما بين الاربعين إلى الستين، فإذا كانت ستين، ففيها تبيعان، فإذا كانت سبعين ففيها مسنة وتبيع فإذا كانت ثمانين ففيها مسنتان، فإذا كانت تسعين ففيها ثلاث تبائع، قال بقية: قال المسعودي: الالوقاص هي بالسين، أوقاس فلا تجعلها بصاد، والاوقاص جمع (وقص) بفتح الواو والقاف وبالصاد، ولم أجد ما يؤ يد كلام المسعودي انه بالسين، فلا أدرى من أين زعمه؟ وانظر الكلام على هذا الحديث في تلخيص الحبير (ص 174 173)

[ 7 ]

فإذا بلغتها ففيها بقرة وربع، ثم لا شى ء فيها حتى تبلغ سبعين، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة * وروينا هذا من طريق الحجاج من المنهال عن حماد بن سلمة (1) وعن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم فذكره كما أوردنا، وهى رواية غير مشهورة أيضا عن أبى حنيفة * ويمكن أن يموه هؤلاء بالخبر الذى أوردناه آنفا من طريق الحكم عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم سلم فيما بين الاربعين والخمسين (ليس فيها شئ) يعنى من البقر * وقالت طائفة: ليس فيما دون الثلاثين من البقر شئ، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنة، فان زادت واحدة ففيها بقرة وجزء من أربعين جزءا ممن بقرة، وهكذا في كل واحدة تزيد ففيها جزء آخر زائد من أربعين جزءا من بقرة، هكذا إلى الستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان، ثم لا شئ فيها إلا في كل عشرة زائدة كما ذكرنا قبل، وهى الرواية المشهورة عن أبى حنيفة * وقد روينا من طريق شعبة قال: سألت حمادا هو ابن أبى سليمان فقلت: إن كانت خمسين بقرة؟ فقال: بحساب ذلك * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة: ثنا ابن المبارك عن الحجاج هو ابن أرطاة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: يحاسب صاحب البقربما فوق الفريضة * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا زيد بن الحباب العكلى عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول أنه قال في صدقة البقر: ما زاد فبالحساب * قال أبو محمد: هذا عموم ابراهيم، وحماد، ومكحول، وظاهره ان كل ما زاد على الثلاثين إلى الاربعين، وعلى الاربعين إلى الستين ففى كل واحدة زائدة جزء من بقرة * وقد ذكرنا عن عكرمة بن خالد أن بعض شيوخ كانوا قد صدقوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم قالوا: في كل أربعين بقرة بقرة، مخالفين لمن جعل في أقل من الاربعين شيئا * وذهبت طائفة إلى أنه ليس فيما دون الخمسين ولا ما فوقها شئ وان صدقة البقر انما هي في كل خمسين بقرة بقرة فقط هكذا أبدا * كما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج


(1) في النسخة رقم (16) (حماد أبى سلمة) وهو خطأ *

[ 8 ]

قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: كان عمال ابن الزبير وابن عوف وعماله يأخذون من كل خمسين بقرة بقرة، ومن مائة بقرتين، فإذا كثرت ففى كل خمسين بقرة بقرة * قال أبو محمد: هذا كل ما حضرنا ذكره مما رويناه من اختلاف الناس في زكاة البقر، وكل اثر رويناه فيها ووجب النظر للمرء لنفسه فيما يدين به ربه تعالى في دينه * فأول ذلك أن الزكاة فرض واجب في البقر * كما حدثنا عن عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا وكيع ثنا الاعمش عن المعرور بن سويد عنأبى ذر قال: (انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم وهو في ظل الكعبة) (1 (فذكر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم قال له: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولاغنم لا يؤدي زكاتها الا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله قول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم يقول: مامن صاحب ابل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط، وأقعد (2) لها بقاع قرقر (3) تسير (4) عليه بقوائهما وأخفافها، ولاصاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وأقعد (5) لها بقاع قرقرتنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها، وذكر باقي الخبر * قال أبو محمد: فوجب فرضا طلب ذلك الحد الذى حده الله تعالى منها، حتى لا يتعدى قال عزوجل: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * فنظرنا القول الاول فوجدنا الآثار الواردة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم سلم منقطعة والحجة لا تجب الا بمتصل، الا أنه يلزم القائلين بالمرسل والمنقطع من الحنيفين والمالكيين أن يقولوا: بها، والا فقد تناقضوا في أصولهم وتحكموا بالباطل، لا سيما مع قول الزهري: ان هذه الاخبار بها نسخ ايجاب التبيع والمسنة في الثلاثين والاربعين


(1) قوله (وهو في ظل الكعبة) سقط من النسخة رقم (16)، والذى في صحيح مسلم (ج 1 ص 272) (وهو جالس في ظل الكعبة) (2) هذا الحديث رواه مسلم (ج 1 ص 271) من طريق عبد الرزاق، وفيه (وقعد) بفتح القاف والعين (3) بالتنوين فيها، والقاع المستوى الواسع من الارض يعلوه ماء السماء فيمسكه، والقرقر أيضا المستوى من الارض الواسع، وهو بفتح القافين. قاله النووي (4) في جميع نسخ مسلم (تستين) من الاستنان وهو عدو الفرس شوطا أو شو طين من غير راكب. (5) في مسلم (وقعد) *

[ 9 ]

فلو قبل مرسل أحد لكان الزهري أحق بذلك لعلمه بالحديث، ولاه قد أدرك طائفة الصحابة رضى الله عنهم * ولم يحك القول في الثلاثين بالتبيع وفي الاربعين بالمسنة الا عن أهل الشأم، لاعن أهل المدينة، ووافق الزهري على ذلك سعيد بن المسيب وغيره من فقهاء المدينة، فهذا كله يوجب على المالكيين القول بهذا أو فساد أصولهم، وأما نحن فلو صح وانسند ما خالفناه أصلا * وأما احتجاجهم بعموم الخبر: (ما من صاحب بقر لا يؤدى زكاتها) و (لا يفعل فيها حقها) وقولهم: ان هذا عموم لكل بقر: فان هذا لازم للحنيفيين والمالكيين المحتجين بايجاب الزكاة في العروض بعموم قول الله تعالى: (خذمن أموالهم صدقة) الآية والمحتجين بهذا في وجوب الزكاة في العسل وسائر ما احتجوا فيه بمثل هذا، لا مخلص لهم منه أصلا * وأما نحن فلا حجة علينا بهذا، لاننا وانا كنا لا يحل عندنا مفارقة العموم الا لنص آخر فانه لا يحل شرع شريعة الا بنص صحيح، ونحن نقر ونشهد أن في البقر زكاة مفروضة يعذب الله تعالى من لم يؤدها العذاب الشديد، ما لم يغفر له برجوح حسناته أو مساواتها لسيئاته، الا أنه ليس في هذا الخبر بيان المقدار الواجب في الزكاة منها، ولا بيان العدد الذى تجب فيه الزكاة منها، ولا متى تؤدى، وليس البيان للديانة موكولا إلى الآراء والاهواء بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم الذى قال له ربه وباعثة: (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم سلم ما أوجبوه في الخمس فصاعد من البقر، وقد صح الاجماع المتيقن بأنه ليس في كل عدد من البقر زكاة، فوجب العتوقف عن ايجاب فرض ذلك في عدد دون عدد بغير نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم، فسقط تعلقهم بالعموم ههنا، ولو كان عموما يمكن استعماله لما خالفناه * وأما قولهم: ان من زكى البقر كما قالوا فهو على يقين من أنه قد أدى فرضه الواجب عليه ومن لم يزكها كما قالوا فليس على يقين من أنه ادى فرضه وان ما صح بيقين وجوبه لم يسقط الا بيقين آخر: فهذا لازم لمن قال: ان من تدلك في الغسل فهو على يقين من أنه قد أدى فرضه، والغسل واجب بيقين، فلا يسقط الا بيقين مثله ولمن أوجب مسح جميع الرأس في الوضوء بهذه الحجة نفسها، ومثل هذا لهم كثير جدا *

[ 10 ]

وأما نحن فان هذا لا يلزم عندنا، لان الفرائض لا تجب الا بنص أو اجماع. ومن سلك هذه الطريق في الاستدلال فانه يريد ايجاب الفرائض وشرع الشرائع باختلاف، لانص فيه، وهذا باطل، ولم يتفق قط على وجوب ايعاب جميع الرأس في الوضوء ولا على التدلك في الغسل، ولا على ايجاب الزكاة في خمس من البقر فصاعدا إلى الخمسين * وانما كان يكون استدلالهم هذا صحيحا لو وافقناهم على وجوب كل ذلك ثم أسقطنا وجوبه بلا برهان، ونحن لم نوافقهم قط على وجوب غسل فيه تدلك، ولا على ايجاب مسح جميع الرأس، ولا على ايجاب زكاة في خمس من البقر فصاعدا، وانما وافقنا هم على ايجاب الغسل دون تدلك، وعلى ايجاب مسح بعض الرأس لاكله، وعلى وجوب الزكاة في عدد ما من البقر، لافى كل عدد منها، فزادواهم بغير نص ولا اجماع ايجاب التدلك ومسح جميع الرأس والزكاة في خمس من البقر فصاعدا وهذا شرع بلا نص ولا اجماع، وهذا لا يجوز فهذا يلزم ضبطه، لئلا يموه فيه أهل التمويه بالباطل، فيدعوا اجماعا حيث لا اجماع، ويشرعوا الشرائع ببغير برهان، ويخالفوا الاجماع المتيقن. وبالله تعالى التوفيق * وأما احتجاجهم بقياس البقر على الابل في الزكاة فلازم لاصحاب القياس لزوما لا انفكاك له، فلو صح شئ من القياس لكان هذا منه صحيحا (1)، وما نعلم في الحكم بين الابل والبقر فرقا مجمعا عليه، ولقد كان يلزم من يقيس ما يستحل به فرج المرأة المسلمة في النكاح من الصداق على ما تقطع فيه يد السارق، ومن يقيس حد الشارب على حد القاذف، ومن يقيس السقمونيا على القمح والتمر، ويقيس الحديد والرصاص والصفر على الذهب والفضة، ويقيس الجص على البر والتمر، في الربا، ويقيس الجوز على القمح في الربا، وسائر تلك المقايبس السخيفة!، وتلك العلل المفتراة الغثة!: أن يقيس البقر على الابل في الزكاة، والا فقد تحكموا بالباطل وأما نحن فالقياس كله عندنا باطل * وأما قولهم: لم نجد في الاصول ما يكون وقصه ثلاثين، فانه عندنا تخليط وهوس! لكنه لازم أصح لزوم لمن قال محتجا لباطل قوله في ايجاب الزكاة ما بين الاربعين والستين من البقر: اننا لم نجد في الاصول ما يكون وقصه تسعة عشر، ولكن القوم متحكمون *


(1) هنا بحاشية النسخة رقم (14) بخط غير جيد وهو غير خط كاتبها ما نصبه (هذه وقاحة! هيهات الابل من البقر) *

[ 11 ]

فسقط كل ما احتجوا به عنا، وظهر لزومه للحنفيين والماكيين والشافعيين، لاسيما لمن قال: بالقول المشهور عن أبى حنيفة في زكاة البفر، الذى لم يتعلق فيه بشئ اصلا * ثم نظرنا في قول من اوجب في الثلاثين تبيعا وفى الاربعين مسنة ولم يوجب بين ذلك ولا بعد الاربعين إلى الستين شيئا: فوجدنا الآثار التى احتجوا بها عن معاذ وغيره مرسلة كلها، الا حديث بقية، لان مسروقا لم يلق معاذا، وبقية ضعيف لا يحتج بنقله، اسقطه وكيع وغيره، والحجة لا تجب الا بالمسند عن نقل الثقات * فان قيل: ان مسروقا وان كان لم يلق معاذا فقد كان باليمن رجلا أيام كون معاذ هنالك وشاهد أحكامه، فهذا عنده من معاذ بنقل الكافة * قلنا: لو أن مسروقا ذكر أن الكافة أخرته بذلك عن معاذ لقامت الحجة بذلك فمسروق هو الثقة الامام غير المتهم، لكنه لم يقل قط هذا، ولا يحل أن يقول مسروق رحم الله ما لم يقل فيكذب عليه، ولكن لما أمكن في ظاهر الامر أن يكون عند مسروق هذا الخبر عن تواتر أو عن ثقة أءو عمن لا تجوز الرواية عنه: لم يز القطع في دين الله تعالى ولا على رسوله صلى الله عليه وآله سلم بالظن الذين هو أكذب الحديث، ونحن تقطع أن هذا الخبر لو كان عند مسروق عن ثقة لما كتمه ولو كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طمسه الله تعالى المتكفل بحفظ الذكر المنزل على نبيه عليه السلام المتم لدينه: لنا هذا الطمس حتى لا يأتي الا من طريق واهية (1) والحمد لله رب العالمين * وأيضا فان زموا (2) أيديهم وقالوا: هو حجة، والمرسل ههنا والمسند سواء * قلنا لهم: فلا عليكم، خذوا من هذه الطريق بعينها ما حدثناه حمام بن أحمد قال ثنا عبد الله بن محمد بن على الباجى ثنا أحمد بن خالد ثنا عبيد بن محمد الكشورى (3) ثنا محمد بن يوسف الحذافى (4) ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الاعمش عن شقيق بن سلمة هو أبو وائل عن مسروق بن الاجدع قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم


(1) سيرجع المؤلف عن هذا ارأى في آخر المسألة، ويجعل رواية مسروق عن معاذ نقلا عن الكافة عن معاذ، ويجمع به. واختلف في مسروق عن معاذ فنقل المؤلف هنا أنه لم يلق معاذا، ونقل عبد الحق عن ابن عبد البر مثله، قال ابن حجر (لكن تعقب ذلك ابن القطان على عبد الحق فانه لم يجد ذلك في كلام ابن عبد البر، بل الموجود في كلامه أن الحديث الذى من رواية مسروق عن معاذ متصل) (2) بفتح والزاى يعنى: شدوا (3) بفتح الكاف واسكان الشين المعجمة، وفتح الواو، وقيل بكسر الكاف، نسبه إلى (كشور) قرية من قرى صنعاء. (4) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبالفاء، نسبه إلى (حذافة) بطن من قضاعة *

[ 12 ]

معاذ بن جبل إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم وحالمة دينارا أو قيمته من المعافرى (1) * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة (2) ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا جرير هو ابن عبد الحميد عن منصور هو ابن المعتمر عن الحكم بن عتيبة قال: (كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم إلى معاذ وهو باليمن: أن فيما سقت السماء أو سقى غيلا العشر، وفيما سقى بالغرب (3) نصف العشر وفى الحالم والحالمة دينار أو عدله من المعافر (4)) * وبه إلى أبى عبيد: ثنا عثمان بن صالح عن أبن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة ابن الزبير قال: (كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم إلى أهل اليمن: أنه من كان على يهودية أو نصرانية فانه لا يفتن عنها، وعليه الجزية، على كل حالم ذكر أو أنثى عبد أو أمة دينار واف أو عدله من المعافر، فمن أدى ذلك إلى رسلي فان له ذمة الله وذمة رسوله، ومن مننعه منكم فانه عدو لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين) * فهذه رواية مسروق عن معاذ، وهو حديث زكاة البقر بعينه، ومرسل من طريق الحكم وآخر من طريق ابن لهيعة، فان كانت مرسلاتهم في زكاة البقر صحيحة واجبا أخذها فمرسلاتهم هذه صحيحة واجب أخذها، وان كانت مرسلاتهم هذه لا تقوم بها حجة فمرسلاتهم تلك لا تقوم بها حجة * فان قيل: فانكم تقولون بما في هذه المرسلات ولا تقولون: بتلك، فكيف هذا؟ * قلنا وبالله تعالى التوفيق: ما قلنا: بهذه ولا بتلك، ومعاذ الله من أن نقول بمرسل لكنا أوجبنا الجزية على كل كتابي بنص القرآن، ولم نخص منه امرأة ولا عبدا، وأما بهذه الآثار فلا * قال أبو محمد: لا سيما الحنفيين فانهم خالفوا مرسلات معاذ تلك في اسقاط الزكاة عن الاوقاص والعسل كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا سفيان بن عيينة عن ابراهيم بن ميسرة عن طاوس: (أن معاذ بن جبل أتى بوقص البقر والعسل (5) فلم يأخذه، فقال: كلاهما لم يأمرنى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم بشئ) فمن الباطل أن يكون حديث معاذ حجة إذا وافق هوى الحنيفيين ورأى أبى حنيفة ولا يكون حجة


(1) المعافر والمعافري بفتح الميم فيهما باليمن (2) في النسخة رقم (16) (محمد بن على بن رفاعة وهو خطأ) (3) الغرب الدلو الكبير (4) العدل بفتح العين وكسرها المثل. وانظر تخريجه في الخراج ليحيى بن آدم رقم (229) و (365) (5) في النسخة رقم (16) (بوقص العسل والبقر) وليس للعسل وقص، وانما هو كما هو هنا ومعناه أتى بالعسل وأتى بوقص البقر *

[ 13 ]

إذا لم يوافقهما، ما ندرى أي دين يبقى مع هذا العمل؟ ونعوذ بالله من الخذلان والضلال ومن أن يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا * فان احتجوا بصحيفة عمرو بن حزم قلنا: هي منقطعة أيضا لا تقوم بها حجة: وسليمان بن داود الجزرى (1) الذى رواها متفق على تركه وأنه لا يحتج به * فان أبيتم ولججتم وظننتم انكم شددتم أيديكم منها على شئ فدو نكموها * كما حدثناها حمام بن احمد قال ثنا عباس بن اصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا احمد بن زهير بن حرب ثنا الحكم بن موسى ثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود الجزرى ثنا الزهري عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم كتب إلى أهلال اليمن بكتاب (2) فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وهذه نسخته) فذكر الكتاب وفيه (وفى كل ثلاثين باقورة تبيع، جذع أو جذعة، وكل أربعين باقورة بقرة، وفيه أيضا (وفى كل خمس أواقى (3) من الورق دراهم، وفمازاد ففى كل أربعين درهما درهم وفى كل أربعين دينارا دينا ر) * حدثنا حمام قال: ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أبو عبد الله الكابلي (4) ببغداد ثنا اسماعيل بن أبى أويس حدثنى أبى عن عبد الله ومحمد بن أبى بكربن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم: أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمره على اليمن وفيه الزكاة: (ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي (5) درهم فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، وفى كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون الاربعين صدقة، فإذا بلغت الذهب قيمة مائتي درهم ففى قيمة كل أربعين درهما درهم، حتى تبلغ أربعين دينارا، فإذا بلغت أربعين دينارا ففيها دينار) قال أبو أويس: وهذا عن ابني حزم أيضا: (فرائض صدقة البقر ليس فيما دون ثلاثين صدقة فإذا بلغت الثلاثين ففيها فحل جذع، إلى أن تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة إلى أن تبلغ ستين. فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان) *


(1) هكذا نسبه المؤلف (الجزرى) والذى في كتب التراجم وفى أسانيد الحديث في كتب السنة (الخولانى) وهو من اهل دمشق، وهو ثقة، وضعفه بعضهم قليلا، فما أدرى من أين جاء لابن حزم الاتفاق على تركه؟ (2) في النخسة رقم رقم (16) كتابا وما هنا هو الموافق لرواية الحاكم (ج 1 ص 395) (3) في النسخة رقم (14) (أواق) (4) بضم الباء الموحدة اسمه، محمد بن العباس ابن الحسن، وهو ضعيف. ولكن الحديث جاء باسناد من غير طريقة كما سنذكره إن شاء الله (5) في الاصلين (مائتا) وهو خطأ

[ 14 ]

قال أبو محمد: أبو أويس ضعيف وهى منقطعة مع ذلك. ووالله لو صح شئ من هذا ماغ تردد في الاخذ به (1): * قال على: ما نرى المالكين والشافعين والحنفيين الا قد انحلت عزائمهم في الاخذ بحديث ماذ المذكور وبصحيفة ابن حزم، ولا بدلهم من ذلك أو الاخذ بأن لاصدقة في ذهب لم يبلغ أربعين دينار الا بالقيمة بالفضة وهو قول عطاء والزهرى، وسليمان ابن حرب وغيرهم، وأن يأخذ المالكيون والشافعيون بوجوب الاوقاص في الدراهم وبايجاب الجزية على النساء والعبيد من أهل الكاب، أو التحكم في الدين بالباطل فيأخذوا ما اشتهوا ويتركوا ما اشتهوا، وهذه والله أخزى في العاجلة والآجلة والزم وأندم! والحنيفيون يقولون: ان الراوى إذا ترك ما روى دل ذلك على سقوط روايته: والزهرى هو روى صحيفة ابن حزم في زكاة البقر وتركها؟ فهلا تركوها وقالوا: لم يتركها لا لفضل علم كان عنده! * ثم لو صح لهم حديث معاذ لكان ما ذكرنا قبل من الاخبار بأن في زكاة البقر كزكاة الابل مثلها في الاسناد و واردة بحكم زائد لا يجوز تركه، وكان الآخذ بتلك آخذا بهذه وكان الآخذ بهذه، دون تلك عاصيا لتلك * فبطل كل ما موهوا به من طريق الآثار جملة * فان تعلقوا بعلى ومعاذ وأبى سعيد رضى الله عنهم قلنا لهم: الخبر عن معاذ منقطع وعن أبى سعيد لم يروه الا ابن أبى ليلى محمد: وهو ضعيف: وأما عن على فهو صحيح ولا يصح هذا القول عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم سواه. وقد روينا قبل عن عمربن الخطاب، وجابر بن عبد الله خلاف ذلك ولا حجة في قول صاحب إذا خالفه صاحب آخر * ثم ان لججتم في التعلق بعلى ههنا فاسمعوا قول على من هذه الطريق نفسها * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن معمر عن


(1) ابواو يس عبد الله بن عبد الله بن اويس، ابن عم مالك بن انس وزوج اخته، وهو صالح صدوق قال ابن عبد البر: (لم يحك احد عنه جرحة في دينه وامانته، وانما عابوه بسوء حفظه وإنه يخالف في بعض حديثه) وهذا الحديث روى بعضه الحاكم في المستدرك من طريق اسماعيل بن اسحق القاضى عن إسماعيل بن ابى اويس، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ولكنا نوافق ابن جزم على انه منقطع، لانه عن محمد بن عمرو بن حزم جد عبد الله ومحمد ابني ابى بكربن محمد ابن عمرو بم حزم، وهو حزم محمول على الاتصال، إذ هو معروف عن محمد بن عمرو عن ابيه عمرو، بأسانيد اخرى صحيحة *

[ 15 ]

أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: في خمس من الابل شاة وفى عشرشاتان. وفى خمس عشرة ثلاث شياه. وفى عشرين أربع شياه. وفى خمس وعشرين خمس شياه. وفى ست وعشرين بنت مخاض، فان لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، حتى تبلغ خمسا وثلاثين، فان زادت واحدة ففيها بنت لبون، حتى تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل أو قال: الجمل حتى تبلغ ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة، حتى تبلغ خمسا وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتالبون، حتى تبلغ تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طورقتا الفحل إلى عشرين ومائة فان زادت واحدة ففى كل خمسين حقة وفى كل أربعين بنت لبون، وفى البقر في كلا ثلاثين بقرة تبيع حولي، وفى كل أربعين مسنة * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد ابن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا شعبة عن أبى اسحاق السبعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: إذا أخذ المصدق سنا فوق سن (1) رد عشرة دراهم أو شاتين * قال أبو محمد: ما نرى الحنيفيين والمالكيين والشافعيين الا قد برد نشاطهم في الاحتجاج بقول على رضى الله عنه في زكاة البقر، ولا بدلهم من الاخذ بكل ما روى عن على في هذا الخبر نفسه، مما خالفوه وأخذ به غيرهم من السلف، أو ترك الاحتجاج بما لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو التلاعب بالسنن والهزل في الدين أن يأخذوا ما احبوا ويتركوا ما احبوا لا سيما وبعضهم هو في حديث على هذا بأنه مسند. فليهنهم خلافه ان كان مسندا، وولو ان مسندا ما استحللنا خلافه وبالله تعالى التوفيق * فلم يبق لمن قال بالتبيع والمسنة فقط في البقر حجة أصلا، ولا قياس معهم في ذلك فبطل قولهم جملة بلا شك. والحمد لله رب العالمين * وأما القول المأثور (2) عن أبى حنيفة ففى غاية الفساد لا قرآن يعضده ولاسنة صحيحة تنصره ولا رواية فاسدة تؤيد ولا قول صاحب يشده، ولا قياس يموهه، ولا رأى له وجه يسدده * الا أن بعضهم قال: لم نجد في شئ من الماشية وقصا من تسعة عشر * فقيل لهم: ولاوجدتم في شئ من زكاة المواشى جزءأ من رأس واحخد * فان قالوا: أوجبه الدليل *


() في النسخة رقم (16) (سنابعد سن) (2) النسخة رقم (14) (وأما القولان المأثوران)

[ 16 ]

قيل لهم: كذبتم! ما أوجبه دليل قط، وما جعل الله تعالى رأس النخعي وحده دليلا في دينه: وقد وجدنا الاوقاص تختلف، فمرة هو في الابل أربع، ومرة عشرة، ومرة تسعة، ومرة أربعة عشر، ومرة أحد عشر، ومرة تسعة وعشرين، ومرة هو في الغنم ثمانون، ومرة تسعة وسبعون، ومرة مائة وثمانية وتسعون، ومرة تسعة وتسعون فأى نكرة في أن تكون تسعة عشراذا صح بذلك دليل؟! لولا الهوى والجهل *! فلم يبق الاما رويناه من عمل عمال ابن الزبير، وعمل طلحة بن عبد الله بن عوف هو أبن أخى عبد الرحمن بن عوف، ومن كبار التابعين جدا بالمدينة بحضرة بقية الصحابة فلم ينكروه * فنظرنا في ذلك فوجدنا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم في هذا من طريق اسناده الآحاد ولا من طريق التواتر شئ كما قدمنا، ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم شئ لا يعارضه غيره، ولا يحل أن تؤخذ شريعة الا عن الله تعالى، اما من القرآن، واما من نقل ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم من طريق الآحاد الثقات، أو من نقل التواتر، أو من نقل باجماع الامة، فلم نجد في القرآن ولا في نقل الآحاد والتواتر بيان زكاة البقر، ووجدنا الاجماع المتيقن المقطوع به، الذى لا خلاف في أن كل مسلم قديما وحديثا قال: به، وحكم به من الصحابة فمن دونهم قد صح على أن في كل خمسين بقرة بقرة، فكان هذا حقا مقطوعا به على أنه من حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم سلم، فوجب القول به، وكان ما دون ذلك مختلفا فيه، ولا نص في ايجابه، فلم يجز القول، وقد قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلم يحل أخذ مال مسلم ولا ايجاب شريعة بزكاة مفروضة بغيريقين، من نص صحيح عن الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم سلم. * ولا يغترن مغتر بدعواهم أن العمل بقولهم كان مشهورا، فهذا باطل، وما كان هذا القول الا خاملا في عصر الصحابة رضى الله عنهم، ولا يؤخذ الا عن أقل من عشرة من التابعين، باختلاف منهم أيضا، وبالله التوفيق * قال على: ثم استدركنا فوجدنا حديث مسروق انما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر، وهو بلاشك قد أدرك معاذا وشهد حكمه وعمله المشهور المشهور، فصار نقله لذلك ولانه عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم: نقلا عن الكافة عن معاذ بلاشك، فوجب القول به *

[ 17 ]

زكاة الابل 674 مسألة البخت، والاعرابية والنجب، المهارى (1) وغيرها من اصناف الابل كلها ابل، يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، وهذا لا خلاف فيه ولا زكاة في أقل من خمسة من الابل، ذكورا أو اناث. أو ذكور واناث. فإذا أتمت كذلك في ملك المسلم حولا عربيان متصلا كما قدمنا فالواجب في زكاتها شاة واحدة ضانية أو ما عزة، وكذلك أيضا فيما زاد على الخمس، إلى ان تتم عشرة كما قدمنا، فإذا بلغتها وأتمتها وأتمت حولا كما قدمنا ففيها شاتان كما ذكرنا وكذلك فيما زاد حتى تتم خمسة عشر، فإذا اتمها وأتمت كذلك حولا عربيا ففيها ثلاث شياه كما ذكرنا، وكذلك فيما زاد حتى تتم عشرين، فإذا أتمتها واتمت كذلك حولا كما ذكرنا ففيها أربع شياه كما ذكرنا، وكذلك فيما زاد على العشرين إلى أن تتم خمسة وعشرين، فإذا أتمتها وأتمت كذلك حولا قمريا ففيها بنت مخاض من الابل انثى ولابد، فان لم يجدها فابن لبون ذكر من الابل، وكذلك فيما زاد حتى تمم ستة وثلاثين. فإذا اتمتها واتمت كذلك حولا قمريا ففيها بنت لبون من الابل انثى ولابد، ثم كذلك فيما زاد حتى تتم ستة واربعين، فإذا أتمت احدى وستين وأتمت كذلك سنة قمرية (2) ففيها جذعة من الابل أنثى ولابد، ثم كذلك فيما زاد حتى تتم ستة وسبعين فإذا أتمتها وأتمت كذلك عاما قمر ياففيها ابنتا لبون، ثم كذلك فيما زاد حتى احدى وتسعين (3) فإذا أتمتها وأتمت كذلك عاما قمريا ففيها حقتان، وكذلك فيما زاد حتى تتم مائة وعشرين، فإذا أتمتها وزادت عليها ولو بعض ناقة أو جمل وأتمت كذلك عاما قمريا ففيها ثلاث بنات لبون (4) ثم كذلك حتى تتم


(1) البخت بضم الباء ولسكان الخاء المعجمة كلمة أعجمية سعربة، وهى الالبل الخراسانية تنتج من بين عربية وفالج، واحدها بختى وبختية. والفالج بالجيم هو البعير الضخم ذو السنلمين. والنجب بضم النون والجيم جمع هو القوى الخفيف السريع ووالمهارى منسوبة إلى (مهرة بن حيدان) وهو أبو قلييلة وحى عظيم، وابل مهرية بفتح الميم منسوبة إليهم، والجمع مهارى بكسر الراء وتشديد الياء ومهار بحذف الياء ومهارى بفتح الراء وتخفيف الياء ومهارى بكسرالراء والتخفيف أيضا. (2) في النسخة رقم (14) (عاما قمريا) (3) في النسخة رقم (14) (وحدا وتسعين) (4) في النسخة رقم (16) (ثلاث بنات مخاض) وهو خطأ *

[ 18 ]

مائة وثلاثين، فإذا أتمتها أو زادت وأتمت كذلك عاما قمريا ففى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين بنت لبون، ففى ثلاثين ومائة فما زاد (1) حقة وبنتالبون، وفى أربعين ومائة فما زاد حقتان وبنت لبون، وفى خمسين ومائة فماد زاد ثلاث حقاق، وفى ستين ومائة فما زاد أربع بنات لبون. وهكذا العمل فيما زاد * فان وجب على صاحب المال جذعة فلم تكن عنده وكانت عنده حقة، أو لزمته حقة فلم تكن عنده وكانت عنده بنت لبون، أو لزمته بنت لبون فلم تكن عنده وكانت عنده بنت مخاض: فان المصدق يقبل ما عنده من ذلك ويلزمه معها غرامة عشرين درهما أو شاتين، أي ذلك شاء صاحب المال فواجب على المصداق قبوله ولابد * وان وجبت على صاحب المال بنت مخاض فلم تكن عنده ولا كان عنده ابن لبون ذكر وكانت عنده بنت لبون، أو وجبت عليه بنت لبون فلم تكن عنده وكانت عنده جذعة: فان المصدق يأخذ منه ما عنده من ذلك ويرد المصدق إلى صاحب المال عشرين درهما أو شاتين، أي ذلك أعطاه المصدق فواجب على صاحب المال قبوله ولابد * وهكذا لو وجبت اثنتان أو أكثر من الانسان التى ذكرنا فلم يجدها أو وجد بعضها ولم يجد تمامها فانه يعطى ما عنده من الاسنان التى ذكرنا، فان كانت أعلى من التى وجبت عليه رد عليه المصدق لكل واحدة شاتين أو عشرين درهما وإن كانت أدنى من التى وجبت عليه أعطى معها مع كل واحدة شاتين أوء عشرين درهما * فان وجبت عليه بنت مخاض فلم يجدها ولا وجد ابن لبون ولا بنت لبون، لكن وجد حقة أو جذعة، أو وجبت عليه بنت لبون فلم تكن عنده ولاكان عنده بنت مخاض ولا حقة، وكانت عنده جذعة: لم تقبل منه، وكلف إحضارما وجب عليه ولا بد، أو إحضار السن التى تليها ولابد مع رد الدراهم أو الغنم * وإن لزمته جدعة فلم يجدها ولا وجد حقة، ووجد بنت لبون أو بنت مخاض: لم تقبل منه أصلا إلا الجذعة أو حقة معها شاتان أو عشرون درهما * وإن لزمته حقة ولم يجدها ولا وجد جذعة ولا ابنة لبون، ووجد بنت مخاض: لم تؤخذ منه وأجبر على إحضار الحقة أو بنتن لبون ويرد شاتين أو عشرين درهما * ولا تجزئ قيمة ولا بدل أصلا ولا في شئ من الزكوات كلها أصلا * برهان ذلك ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا


(1) لا هنا في النسخة رقم (14) (وفى كل ثلاثين فما زاد) الخ وما هنا أصح إذ هذا تفريع على قوله (في كل خمسين حقة وفى كل أربعين بقنت لبون) وتوضيح له *

[ 19 ]

الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن انس بن مالك ثنا ابى ثنا ثمامة بن عبد الله بن انس بن مالك ان انس بن مالك حدثه: ان ابا بكر الصديق كتب له هذا الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم على المسلمين، والتى أمر الله عزوجل بها رسول اله صلى الله عليه وآله سلم فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين من الابل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بغلت خمسا وأربعين ففيها ابنة لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت يعنى ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت احدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة ومن لم يكن معه الا أربع من الابل فليس فيها صدقة، الا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الابل ففيها شاة ومن (1) بلغت عنده من الابل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فانها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن يلغت عنده صدقة الحقة وعنده الجذعة فانها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنه لبون فانها تقبل منه ابنة لبون ويعطى شاتين وعشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة لبون وعنده حقة فانها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته أبنة لبون وليست عنده وعنده ابنة مخاض فانها تقبل منه أبنة مخاض ويعطى معها عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته ابنة مخاض ليست عنده وعنده ابنة لبون فانها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فان لم تكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فانه يقبل منه وليس معه شئ وذكر باقي الحديث * وهذا حديث حدثناه أيضا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري ثنا عبد الوارث بن سفيان بن حيرون ثنا قاسم بن أصبغ ثنا أحمد بن أبى خيثمة ثنا شريح بن النعمان، وزهير ابن حرب، وقال زهير: ثنا يونس بن محمد ثنا حماد بن سلمة قال: أخذت هذا الكتاب عن ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك بن أنس بن مالك وقال شريح بن النعمان:


(1) في النسخة رقم (14) (من) بدون الواو *

[ 20 ]

ثنا حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك ثم اتفقا أن أبا بكر الصديق كتب له: (إن هذه فرائض الصدقة التى فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله سلم على المسلمين، التى أمر الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم) ثم ذكر الحديث كما ذكرنااه نصا، لم يختلفوا في شئ منه * وحدثنا أيضا عبد الله بن ربيع قال: ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا موسى بن اسماعيل ثنا حماد بن سلمة قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس، ثم ذكره نصا كما أوردناه * وحدثناه أيضا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن عبد الله بن المبارك ثنا المظفر بن مدرك ثنا حماد بن سلمة قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس: ان أبا بكر كتب لهم: (أن هذه فرائض الصدقة التى فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم على المسلمين، التى أمر الله تعالى بها رسوله) ثم ذكره نصا كما أوردناه * وحدثناه أيضا حمام بن أحمد قال: ثنا عباس بن اصبغ (1) ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن أنا أبو قلابة واسماعيل بن اسحاق القاضى قالا جميعا: ثنا محمد بن عبد الله الانصاري ثنا أبى عبد الله بن المثنى حدثنى ثمامة هو ابن عبد الله بن أنس قال: حدثنى أنس ابن مالك: أنا ابا بكر الصديق كتب له هذا الكتاب حين وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التى فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم على المسلمين التى أمر الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم سلم) ثم ذكره نصا كما ذكرناه * فهذا الحديث هو نص ما قلنا حكما حكما وحرفا حرفا، ولا يصح في الصدقات في الماشية غيره، إلا خبر ابن عمر فقط، وليس بتمام هذا، وهذا الحديث في نهاية الصحة، وعمل أبى بكر الصديق بحضرة جميع الصحابة، ولا يعرف له منهم مخالف أصلا، وباقل من هذا يدعى مخالفونا الاجماع، ويشنعون خلافه، رواه عن أبى بكر أنس وهو صاحب (2) ورواه عن أنس ثمامة بن عبد الله بن أنس وهو ثقة، سمعه من أنس ورواه عن ثمامة حماد ابن سلمة، وعبد الله بن المثنى وكلاهما ثقة وإمام، وراه عن ابن المثنى ابنه القاضى محمد وهو مشهور ثقة ولى قضاء البصرة، ورواه عن محمد بن عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري جامع الصحيح، وابو قلابة، واسماعيل بن اسحاق القاضى، والناس، وراه عن حماد بن سلمة


(1) في النسخة رقم (16) (وحدثنا ه حام ثنا احمد بن حام ثنا بن حام ثنا قال ثنا عباس بن اصبغ) وهو خطأ وخلط (2) في النسخة رقم (16) (وهم صاحب) وهو خطأ *

[ 21 ]

يونس بن محمد، وشريح بن النعمان، وموسى بن اسماعيل التبوذكى، وأبو كامل المظفر بن مدرك، وغيرهم، وكل هؤلاء إمام ثقة مشهور * والعجب ممن يعترض في هذا الخبر بتضعيف يحيى بن معين لحديث حماد بن سلمة هذا!، وليس في كل من رواه عن حمادبن سلمة ممن ذكرنا أحد إلا وهو أجل وأوثق من يحيى بن معين وانما يؤخذ كلام يحيى بن معين وغيره إذا ضعفوا غير مشهور بالعدالة، وأما دعوى ابن معين أو غيره ضعيف حديث رواه الثقات أو ادعوا فيه أنه خطأ من غير أن يذكروا فيه تدليسا! فكلا مهم مطرح مردود، لانه دعوى بلا برهان، وقد قال الله تعالى: (قل: هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) * ولا مغمز لاحد في أحد من رواة هذا الحديث، فمن عانده فقد عاند الحق وأمر الله تعالى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم، لاسيما من يحتج في دينه بالمرسلات، وبرواية ابن لهيعة، ورواية جابر الجعفي الكذاب المتهم في دينه: (لا يؤمن أحد بعدى جالسا) ورواية حرام بن عثمان الذى لا تحل الرواية عنه في اسقاط الصلاة عن السمتحاضة بعد طهرها ثلاثة أيام، ورواية أبى زيد مولى عمرو بن حريث في إباحة الوضوء للصلاة بالخمر وبكل نطيحة أو متردية وما أهل لغير الله به: في مخالفة القرآن والسنن الثابتة، ثم يتعلل في السنن التى لم يأت ما يعارضها، بل عمل بها الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم * وبهذا الحديث يأخذ الشافعي، وأبو سليمان وأصحابهما * وقد خالفه قوم في مواضع * فمنها: إذا بلغت الابل خمسا وعشرين كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله ابن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية (1) ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: في خمس من الابل شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين خمس شياه، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض، فان لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر * وهكذا أيضا رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن أبى الاحوص عن أبى اسحاق قال على: وقد أسنده زهير بن معاوية من طريق الحارث الاعور عن على رضى الله عنه * قال أبو محمد: الحارث كذاب، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم *


(1) في النسخة رقم (16) (محمد بن معاوية) ولم أصل إلى تحقيق ايتهما بعد طول البحث،

[ 22 ]

وقال الشافعي وأبو يوسف: إذا كانت خمس من الابل ضعاف لاتساوى شاة أعطى بعيرا منها وأجزأه قالوا: لان الزكاة إنما هي فيما أبقى من المال فضلا، لا فيما أجاح المال (1)، وقد نهى عن أخذ كرائم المال فكيف عن اجتياحه * قال أبو محمد. وقال مالك وأبو سليمان وغيرهما: لا يجزئه إلا شاة * قال أبو محمد: هذا هوالحق، والقول الاول باطل وليست الزكاة كما ادعوا من حياطة (2) الاموال * وهم يقولون: من كانت عنده خمس من الابل وله عشرة من العيال ولا مال له غيرها، فانه يكلف الزكاة، أحب أم كره، وكذلك من له مائتا درهم في سنة مجاعة ومعه عشرة من العيال ولا شئ معه غيرها فانه يكلف الزكاة (3)، ورأوا فيمن معه من الجواهر، والوطأء والغطاء، والدور، والرقيق، والبساتين بقيمة ألف ألف دينار أو أكثر أنه لا زكاة عليه وقالوا فيمن له مائتا شاة وشاة: إنه يودى منها كما يؤدى من له ثلثمائة شاة وتسع وتسعون شاة * فانما نقف في النهى والامر عند ماصح به نص فقط. * وهم يقولون في عبد يساوى الف دينار ليتيم ليس له غيره سرق دينارا: أنه تقطع يده، فتتلف قيمة عظيمة في قيمة يسيرة ويجاح اليتيم الفقير فيما لا ضرر فيه على الغنى * وقال أبو حنيفة وأصحابه إلا رواية خاملة عن أبى يوسف: إن من لزمته بنت مخاض فلم تكن عنده فانه يؤدى قيمتها، ولا يؤدى ابن لبون ذكر * وقال مالك والشافعي وأبو سليمان: يؤدى ابن لبون ذكر * وهذا هوالحق، وقول أبى حنيفة خلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم سلم وأصحابه رضى الله عنهم * ومن عجائب الدنيا قولهم: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم سلم بأخذ ابن لبون مكان ابنة المخاض إنما أراد بالقيمة فيالسهولة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم جهار اعلانية! فريب الفضيحة على هؤلاء القوم وما فهم قط من يدى العربية أن قول النبي صلى الله عليه وسلم سلم: (فيها ابنة مخاض، فان لم تكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فانه يقبل منه وليس معه شئ) يمكن أن يريد به بالقيمة! وهذا أمر مفضل (4) جدا، وبعد عن الحياء والدين! *


(1) أي اهلكه بالجائحة (2) الحياطة بالحاء المهملة الحفظ والتعهد (3) قوله (فانه يكلف الزكاة) سقط من النسخة رقم (14) واثباته اصح و (4) هكذا في الاصلين *

[ 23 ]

وأما خلافهم الصححابة في ذلك فان حمام بن احمد ثنا قال ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيدالله بن عمر عن عاصم وموسى ابن عقبة كلاهما عن نافع عن أبن عمر عن أبيه عمر قال: في الابل في خمس شاة وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاثة شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين ابنة مخاض، فان لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر وقد ذكرناه آنفا عن على * فحالفوا أبا بكر وعمر وعليا وأنس بن مالك وابن عمر وكل من بحضرتهم من الصحابة رضى الله عنهم بآرائهم الفاسدة، وخالفوا عمر بن عبد العزيز أيضا * وبقولنا في هذا يقول سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، والليث، واحمد بن حنبل وأبو سليمان وجمهور الناس، إلا أبا حنيفة ومن قلده دينه وما نعلم لهم في هذا سلفا أصلا * واختلفوا أيضا فيما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعويض سن من سن دونها أو فوقها عند عدم السن الواجبة ورد عشرين درهما أو شاتين في ذلك * فقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز شئ من ذلك الا بالقيمة، واجاز إعطاء القيمة من العروض وغيرها بدل الزكاة الواجبة وإن كان المأمور بأخذه فيها ممكنا * وقال مالك: لا يعطى إلا ما عليه، ولم يجز إعطاء سن مكان سن برد شاتين أو عشرين درهما * وقال الشافعي بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم في ذلك نصا، إلا أنه قال: إن عدمت السنن الواجبة والتى تحتها والتى فوقها ووجدت الدرجة الثالثة فانه يعطيها ويرد إليه الساعي أربعين درهما أو أربع شياة، وكذلك إن لم يجد الا التى تحتها بدرجة فانه يعطيها ويعطى معها أريعين درهما أو أربع شياه فإذا كانت عليه بنت مخاض ولم يجد إلا جذعة فانه يعطيها ويرد عليه الساعي ستين درهما أو ست شياه، فان كانت عليه جذعة فلم يجد إلا بنت مخاض أعطاها وأعطى معها ستين درهما أو ست شياه * وأجازوا كلهم إعطاء أفضل مما لزمه من الاسنان، إذا تطوع بذلك * وروينا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه في ذلك ما حدثناه محمد بن سعيد بن بنات ثنا أحمد بن عبد البصير ثما قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا شعبة عن أبى إسحاق السبعى عن عصام بن ضمرة على على ابن أبى طالب قال: إذا أخذ المصدق سنا فوق سن رد عشرة دراهم أو شاتين * وروى أيضا عن عمر كما نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى * قال أبو محمد: أما قول على، وعمر فلاحجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم ولقد كان يلزم الحنيفين القائلين في مثل هذا إذا وافق أهواءهم: مثل هذا لا يقال

[ 24 ]

بالرأى ان يقولوا به * وأما قول الشافعي فانه قاس على حكم النبي صلى الله عليه وسلم سلم ما ليس فيه، والقياس بالطل، وكان يلزمه على قياسه هذا إذ رأى في العينين الدية وفى السمع الدية وفى اليدين الدية: أن يكون عنده في إتلاف النفس ديات كل ما في الجسم من الاعضاء، لانها بطلت ببطللان النفس، وكان يلزمه إذ رأى في السهو سجدتين ان يرى في سهوين في الصلاة أربع سجدات وفى ثلاثة أسماء ست سجدات أو أقرب من هذا أن يقول: إذا عدم التبيع ووجد المسنة أن يقدر في ذلك تقديرا، ولكنه لا يقول بهذا، فقد ناقض قياسه * وأما قول أبى حنيفة ومالك فخلاف مجرد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وللصحابة، وما نعلم لهم حجة، إلا أنهم قالوا: هذا بيع ما لم يقبض * قال أبو محمد: وهذا كذب ممن قاله وخطأ لوجوه * أحدها: أنه ليس بيعا أصلا ولكنه حكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم بتعويض سن معها شاتان أو عشرون درهما من سن أخرى، كما عوض تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم سلم إطعام ستين مسكينا من رقبة تعتق في الظهار وكفارة الواطئ عمدا في نهار رمضان فليقولوا ههنا: إن هذا بيع للرقبة قبل قبضها * والثانى: أنهم أجازوا بيع ما لم يقبض على الحقيقة حيث لا يحل وهو تجويز أبى حنيفة أخذ القيمة عن الزكاة (2) الواجبة، فلم ينكر أصحابه الباطل على أنفسهم وأنكروا الحق على رسول الله صلى الله عليه وسلم! ألا ذلك هو الضلال المبين * والثالث: أن النهى عن بيع ما لم يقبض لم يصح قط إلا في الطعام، لا فيما سواه وهذا مما خالفوا فيه السنن والصحابة رضى الله عنهم * فأما الصحابة فقد ذكرناه عن أبى بكر الصدق وصح أيضا عن على كما ذكرنا تعويض، وروى أيضا عن عمر كما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدببرى عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لى عمرو بن شعيب قال عمر بن الخطاب: فان لم توجد السن التى دونها اخذت التى فوقها، ورد إلى صاحب الماشية شاتين أو عشرة دراهم. ولا يعرف لمن ذكرنا من الصحابة مخالف، وهم يشنعون بأقل من هذا إذا وافقهم * وقولنا في هذا هو قول ابراهيم النخعي كما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن معمر وسفيان الثوري كليهما عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: إذا وجد المصدق سنا دون سن أو فرق سن كان فضل ما بينهما عشرين


(1) في النسخة رقم (16) (نقص) (2) في النسخة رقم (14) (على الزكاة) *

[ 25 ]

درهما أو شاتين، قال سفيان: وليس هذا إلا في الا بل * وحدثنا محمد بن سعيد بن نبات قال ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع ثنا سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم قال: إن أخذ المصدق سنا فوق سن رد شاتين أو عشرين درهما، وان أخذ سنا دون سن أخذ شاتين أو عشر ين درهما (1) * قال أبو محمد: وأما إجازتهم القيمة أو أخذ سن أفضل مما عليه فانهم أحتجوا في ذلك بخبر رويناه من طريق طاوس: أن معاذا قال لاهل اليمن: ائتونى بعرض آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فانه أهون عليكم وخير لاهل المدينة (2) * قال على: وهذا لا تقوم به حجة لوجوه * أولها: أنه مرسل، لان طاوسا لم يدرك معاذا ولا ولد إلا بعد موت معاذ * والثانى: أنه لو صح لما كانت فيه حجة، لانه ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم، ولا حجة وإلا فيما جاء عنه عليه السلام * والثالث: أنه ليس فيه أنه قال ذلك في الزكاة، فالكذب لا يجوز، وقد يمكن لو صح أن يكون قاله لاهل الجزية، وكان يأخذ منهم الذرة، والشعير، والعرض مكان الجزية (3) * والرابع: أن الدليل على بطلان هذا الخبر ما فيه من قول معاذ: (خير لاهل المدينة) وحاشا لله أن يقول معاذ هذا، فيجعل ما لم يوجبه الله تعالى خيرا مما أوجبه * وذكروا أيضا ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرت عن عبد الله ابن عبد الرحمن الانصاري: أن عمر كتب إلى بعض عماله: أن لا يأخذ من رجل لم يجد في إبله السن التى عليه إلا تلك السن من شروى (4) إبله أو قيمة عدل * قال أبو محمد: هذا في غاية ال سقوط لوجوه * أحدها: أنه منقطع، لان ابن جريج لم يسم من بينه وبين عبد الله بن عبد الرحمن * والثانى: ان عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري مجهول لا يدرى من هو * والثالث: أنه لو صح لما كانت فيه حجة، لانه ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم، ولا حجة


(1) هنا في النسخة رقم (16) زيادة (ان اخذ سنا فوق سن رد شاتين) وهى زيادة لا معنى لها. (2) رواه بن آدم في الخراج رقم (525 و 526)، وعلقه البخاري بغير اسناد (ج 2 ص 235) (3) هذا احتمال ضعيف بل باطل، فان في رواية يحيى بن آدم رقم (526) (مكان الصلدقة) (4) الشروى المثل واوه مبدلة من الياء كما قبلت في تقوى،

[ 26 ]

فيا جاء عمن دونه، وقد أتيناهم عن عمر بمثل هذا في أخذ الشاتين أو العشرة دراهم، فليقولوا به ان كان قول عمر حجة، وإلا فالتحكم لا يجوز * والرابع: أنه قد يحتمل أن يكون قول عمر لو صح عنه (أو قيمة عدل) هوما بينه في مكان آخر من تعوييض الشاتين أو الدراهم، فيحمل قوله على الموافقة لاعلى التضاد * وذكروا حديثا منقطعا من طريق أيوب السختيانى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم قال: (خذ الناب الشارف (1) والعوارى) * قال على: وهذا لاحجة فيه الوجهين * أحدهما: أنه مرسل، ولا حجة في مرسل * والثانى: أن في آخره: (ولا أعلمه إلا كانت الفرائض بعد) فلو صح لكان منسوخا بنقل راويه فيه * وذكروا ما رويناه من طريق محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عمارة بن حزم عن أبى بن كعب قال: (بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم مصدقا، فمررت برجل فجمع له ماله، فقلت له: أد ابنة مخاض، فانها صدقتك، قال: ذلك ما لا لبن فيه ولاظهر، ولكن هذا ناقة فتية عظيمة سمينة، فخذها، فقلت: ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم قريب منك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم (2) فذكر له ذلك وقال: قد عرضت على مصدقك (3) ناقة فتية عظيمة يأخذها، فأبى على، وها هي ذه، قد جئتك بها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم: ذلك الذى عليك، فأن تطوعت بخير (4) أجرك الله وقبلناه منك، وأمر عليه السلام بقبضها، ودعا له بالبركة (5) * قال أبو محمد: وهذا لاحجة فيه لوجوده * أولها: أنه لا يصح، لان يحيى بن عبد الله مجهول، وعمارة بن عمرو بن حزم غير معروف، وإنما المعروف عمارة بن حزم أخو عمرو رضى الله عنهما (6) * (1)


(1) الناب: الناقة المسنة، سميت بذلك حين طال نابها وعظم. والشارف من الابل المسن والمسنة، قال ذلك في اللسان (2) في النسخة رقم (16) بحذف قوله (قريب منك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (قد عرضت عليه) الخ (4) في النسخة رقم (16) فخير) وهو تحريف (5) رواه احمد في النسند (ج 5 ص 142) عن يعقوب بن ابراهيم عن ابيه عن ابن اسحق (حدثنى عبد الله ابن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) فذكره، ورواه الحاكم (ج 1 ص 399) من طريق احمد، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ورواه أبو داود) ج 2 ص 16) عن محمد بن منصور عن يعقوب (6) اما يحيى فانه ليس مجهولا، بل هو ثقة تابعي، واما عمارة بن عمرو بن حزم فهو معروف

[ 27 ]

والثانى: أنه لو صح لكان حجة عليهم، لان فيه أن أبى بن كعب لم يستجز أخذ ناقة فتية عظيمة مكان ابنة مخاض، ورأى ذلك خلافا لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم، ولم ير ما يراه هؤلاء من التعقب على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم بآرائهم ونظرهم، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم ذلك فلم ينكره عليه، فصح أنه الحق، وإنما كان يكون فيه أخذ ناقة عظيمة مكان ابنة مخاض فقط، وأما إجازة القيمة فلا أصلا (1) * واحتجوا بخبرين، أحدهما روايناه من طريق الحسن، والآخر من طريق عطاء كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم أنه قال للمصدق: (أعلمه الذى عليه من الحق، فان تطوع بشئ فاقبله منه) * وهذان مرسلاون، ثم لو صحا لم يكن فيهما حجة، لانه ليس فيه نص بأخذ غير الواجب ولا بأخذ قيمة، ونحن لاننكر أن يعطى أفضل ما عنده من السن الواجبة عليه * واحتجوا بخبر رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبد الملك العرزمى (2) عن عطاء بن أبى رباح: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم لما بعث عليا ساعيا قالوا: لا نخرج لله إلا خير أموالنا، فقال: ما أن ا بعادى عليكم (3) السنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم قال له: ارجع إليهم فبين لهم ما عليهم في أموالهم، فمن طابت نفسه بعد ذلك بفضل فخذه منه * قال أبو محمد وهذا لاحجة فيه لوجهين * أحدهما: أنه لا يصح لانه مرسل، ثم إن راويه عبد الملك العرزمى، وهو متروك (4) ثم إن فيه ان عليا بعث ساعيا وهذا باطل، ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم قط أحدا من بنى هاشم ساعيا، وقد طلب ذلك الفضل بن عباس فمنعه * ولو صح لما كان لهم فيه حجة أصلا، لان فيه أنهم أرادوا إعطاء أفضل أموالهم مختارين، وهذا لا لمنعه إذا طابت نفس المزكى باعطاء أكرم شاة عنده وأفضل ما عنده من تلك السن والواجبة عليه، وليس فيه إطاع سن مكان غيرها أصلا ولا دليل على قيمة البتة *


ايضا تابعي ثقة، وعمه عمارة بن حزم صحابي قديم شهد العقبة وبدرا والخندق والمشاهد كلها، وقتل في يوم اليمانية شهيدا في خلافة ابى بكر سنة 12 هذا غير ذاك (1) في النسخة رقم (14) (اصلا فلا) (2) العرزمى بفتح العين المهملة واسكان الراء وفتح الزاى، نسبة إلى (عرزم) قبيلة أو موضع، وفى النسخة رقم (16) (عبد الملك بن العرزمى) وهو عبد الملك بن ابى سليمان العرزمى (3) العادى الظالم، واصله من تجاوز الحد في شئ. واثبات الياء جائز (4) العرزمى ثقة مأمون ثبت، وهو احد الائمة، واخطأ في حديث واحد نكره عليه شعبة، ولم يتكلم فيه غيره، ودافع عنه ابن حبان دفاعا جيدا نقله في التهذيب *

[ 28 ]

واحتجوا بحديث ائل بن حجر في الذى أعطى في صدقذ ماله فصيلا مخلولا (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم: (لا بارك الله له، ولا في ابله (2)) فبلغ ذلك الرجل، فجاء بناقة فذكر من جماله أو حسنها، وقال: أتوب إلى الله والى نبيه، فقال النبي صلى الله عليه وآله سلم (اللهم بارك فيه وفى إبله) (3) * وقال أبو محمد هذا خبر صحيح ولا حجة لهم فيه، لان الفصيل لا يجزئ في شئ من الصدقة بلا شك، وناقة حسناء جميلة قد تكون جذعة وقد تكون حقة، فأعطى ما عليه بأحسن ما قدر، وليس فيه نص ولا دليل على إعطاء غير السن الواجبة عليه ولا على القيمة أصلا * واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى رافع قال: (استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم بكرا فجاءته إبل من ابل الصدقة، فأمرني أن أقضى الرجل بكره، فقلت: لم أجد في الابل إلا جملا خيارا رباعيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم سلم: أعطه إياه، فان خيار الناس أحسنهم قضاء) * قال أبو محمد: هذا خبر صحيح ولا حجة لهم فيه، لانه ليس فيه ان ذلك الجمل أخذ في زكاة واجبة بعينه، وقد يمكن أن يبتاعه المصدق ببعض ما أخذ في الصدقة، فهذا غير ممتنع * وقد جاء في هذا أثر يحتجون بدونه، وأما نحن فلسنانو روده محتجين به، لكن تذكير الهم * وهو خبر رويناه من طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن سليمان عن مجالد عن الصنابح الاحمسي: (4) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم أبصر ناقة في إبل الصدقة، فقال ما هذه؟ فقال صاحب الصدقة: إنى ارتجعتها ببغيرين من حواشى الابل، قال: فنعم إذن) *


(1) أي مهزولا، وهو الذى جعل في انفه خلال لئلا يرضع امه فتهزل، قاله السيوطي (2) الحديث رواه النسائي (ج 5 ص 30) والحاكم (ج 1 ص 400) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ولفظهما (الهم لاتبارك فيه ولا في ابله) الا ان الحاكم زاد فقال (له فيه) (3) ما هنا الذى في النسخة رقم (14) وهو الموافق للنسائي والحاكم، وفى النسخة رقم (16) (اللهم بارك له وفى ابله) (4) الصنابح بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الباء الموحدة ثم جاء حاء مهملة، ووقع في الاصابة (الصنايح) بالمثناة التحية وهو تصحيف، وهو ابن الاعسر الاحمسي، نسبه إلى (احمس) وهى طائفة من بحيلة نزلوا الكوفة. والصنابح هذا صحابي لم يذكر واله الا حديثا واحدا رواه ابن ماجه في الفتن، وهو حديث (انى فرطكم على الحوض وانى مكا ثر بكم الامم) ولم اجد اشارة عند احد إلى الحديث الذى هنا واسناده صحيح ان ثبت سماع مجالد من الصنابح، فان مجالدا يروى عن قيس بن ابى حازم وقيس يروى عن الصنابح، وقد انفرد بالرواية عنه فلم يرو عن الصنابح غيره، كما قال ابن الجوزى في تلقيح الفهوم (ص 208) وكذلك قال مسلم صاحب الصحيح في كتابه المنفردات والوحدان (ص 3) (5) هنا بحاشية النسخة رقم (14) ما نصبه: (قال في الصحاح: الحوش النعم المتوحشة، ويقال ان الابل الحواشية منسوبة إلى الحوش، وهى فحول جن تزعم العرب انها ضربت في بعضهم فنسبت إليها! *

[ 29 ]

وقد يمكن ان يكون تلك الابل من صدقة تطوع، لانه ليس في الحديث أنها الصدقة الواجبة فلما أمكن كل ذلك ونحن على يقين من أنه ليس في الصدقة جمل رباعى أصلا لم يحل ترك اليقين للظنون، وقد تكلمنا في معنى هذا الخبر في كتاب (الايصال) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم لا يمكن البتة أن يستسلف البكر لنفسه ثم يقضيه من إبل الصدقة، والصدقة حرام عليه بلا شك ولا خلاف، صح أنه عليه السلام قال: الصدقة (لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) فنحن على يقين من أنه إنما استسلفه لغيره، لا يمكن غيرذلك، فصار الذى اخذ البكر من الغارمين، لان السلف في ذمته، وهو أخذه، فإذ هو من الغارمين فقد صار حظه في الصدقة، فقضى عنه منها، لا يجوز غير ذلك. وكذلك أيضا لا نشك أن الذى كان يستقرض منه البكر كان من بعض أصناف الصدقة، ولولا ذلك ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم من حق أهل الصدقات فضلا على حقه * قال أبو محمد: وانما في هذا الخبر دليل على المنع من تقديم الصدقة قبل وقتها لانه لو كان ذلك جائزا لما استقرض عليه السلام على الصدقة وانتظر حتى يحين وقتها، بل كان يستعجل صدقة من بعض أصحابة، فلما لم يفعل ذلك عليه السلام صح أنه لا يجزى أداء صدقة قبل وقتها. وبالله تعالى نتأيد * فبطل كل ما موهوا به، وصح أن كل ما احتجوا به ليس فيه إجازة إعطاء أكثر من الواجب في الزكاة ولا غير الصفة المحدودة فيها وأما القيمة فلادليل لهم على جوازها أصلا، بل البرهان ثابت بتحريم أخذها، لانها غير ما أمر الله تعالى به، وتعدى لحدود الله، وقد قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وقال تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه فأنما إثمه على الذين يبدلونه). * فان قالوا: إن كان نظرا لاهل الصدقة فما يمنع منه؟ * قلنا: النظر كله لاهل الصدقة أن لا يعطوا ما حرمه الله تعالى عليهم، إذ يقول تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم يبنكم بالباطل) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح أنه لا يحل من مال أحد إلا ما أباحه الله تعالى منه أو أوجبه فيه فقط، وما أباح تعالى قط أخذ قيمة عن زكاة افترضها بعينها وصفتها وما ندرى في أي نظر معهود بيننا وجدوا أن تؤخذ الزكاة من صاحب خمس من الابل لا تقوم به، وعند أبى حنيفة ممن لا يملك إلا وردة واحد أخرجتها قطعة أرض له: ولا تؤخذ من صاحب جواهر ورقيق ودور بقيمة مائة ألف! ولا من صاحب تسع وعشرين بقرة وستع وثلاثين شاة وخمس أواقى غير درهم من الفضة!

[ 30 ]

فهل في هذا كله إلا إتباع ما أمر الله تعالى فقط؟! * وقد جاء قولنا عن السلف. كما روينا عن سويد بن غفلة (1) قال: (سرت أوقال: أخبرني من سار مع مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم فعمد رجل إلى ناقة كوماء (2)، فأبى أن يقبلها، فقال: إنى أحب أن تأخذ خير إيلى فأبى أن يقبلها فحطم له أخرى دونها فقبلها، وقال: إنى لآخذها واخاف أن يجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم، يقول: عمدت إلى رجل فتخيرت عليه إيله) (3) * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أنه قال لعبدالله بن طاوس: أخرت أنك تقول: قال أبو عبد الرحمن يعنى أباه إذا لم تجدوا السن فقيمتها قال: ما قلته قط قال ابن جريج: وقال لى عطاء: لا يخرج في الصدقة صغير ولا ذكرو لا ذات عوار ولاهرمة * ومن طريق أبى عبيد عن جرير عن منصور عن ابراهيم النخعي أنه قال: لا يؤخذ في الصدقة ذكر مكان أنثى إلا ابن لبون مكان ابنة مخاض * قال على: ومن ذبح أو نحر ما يجب عليه في الصدقة ثم أعطاه مذكى لم يجز عنه لان الواجب عليه إعطاؤه حيا ولا يقع على المذكى اسم شاة مطلقة ولا اسم بقرة مطلقة، ولا اسم بنت مخاض مطلقة، وقد وجب لاهل الصدقة حيا، ولا يجوز له ذبح ما وجب لغيره * فإذا قبضه أهل المصدق فقد أجزأ، وجاز للمصدق حينئذ بيعه، إن رأى ذلك حظا لاهل الصدقة، لانه ناظر لهم وليسوا قوما بأعيانهم، فيجوز حكمهم فيه، أو إبراؤهم منه قبل قبضهم له. وبالله تعالى نتأيد * واختلفوا فيما زاد على العشرين ومائة * فقالت طائفة: حقتان إلى أن تصير ثلاثين ومائة * وقالت طائفة: ثلاث بنات لبون ولا بد إلى أن تصير ثلاثين وومائة فيجب فيها حقة وبنتا لبون ثم كلما زادت عشرة كان في كل خمسين حقة، وفى كل أربعين بنت لبون، وهو قول الشافعي، وأبى سليمان، وابن القاسم صاحب مالك * وقالت طائفة: أي الصفتين أدى أجزأه وهو قول مالك إلى أن تبلغ مائة وثلاثين، فيجب


(1) في النسخة رقم (14) (من طريق سويد بن غفلة) (2) أي عظيمة السنام طويلته: (3) هذا باقى حديث سويد من لفظ بعضه في المسألة 672 وهو الذى فيه ان لا يأخذ من راضع لبن، والفظ الذى هنا قريب من لفط ابى داود (ج 2 ص 14) ولكن اختصره المؤلف، ورواه الدارقطني (ص 204) والنسائي (ج 5 ص 29 و 30) واختصراه *

[ 31 ]

فيها حقة وبنتا لبون وهكذا كلما زادت عشرا ففى كل خمسين حقة وفى كل أربعين بنت لبون * وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس فيما بعد العشرين ومائة إلا حقتان فقط، حتى تتم خمسا وعشرين ومائة فيجب فيها حقتان وشاة (1) إلى ثلاثين ومائة فإذا بغلتها ففيها حقتان وشاتان، إلى خمس وثلاثين ومائة، ففيها حقتان وثلاث شياه، إلى أربعين ومائة، ففيها حقتان وأربع شياه، إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وبنت مخاض، الخمسين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق، وهكذا أبدا، إذا زادت على الخمسين ومائة خمسا ففيها ثلاث حقاق وشاة، ثم كما ذكرنا، في كل خمس شاة مع الثلاث حقاق، إلى ان تصير خمسا وسبعين ومائة، فيجب فيها بنت مخاض وثلاث حقاق، إلى ست وثمانين ومائة، فإذا بلغتها كانت فيها ثلاث حقاق وبنت لبون، إلى ست وتسعين ومائة، فإذ بلغتها ففيها أربع حقاق، وكذلك إلى أن تكون مائتين وخمسا، فإذا بلغتها ففيها أربع حقاق وشاة وهكذا أبدا، كلما بلغت الزيادة خمسين زاد حقة، ثم استأنف تزكيتها بالغنم ثم ببنت المخاض ثم ببنت اللبون ثم بالحقة * قال أبو محمد: فاما من رأى الحقتين فيا زاد على العشرين والمائة إلى ان تصير ثلاثين ومائة فانهم احتجوا بأن ذكروا مارويناه من طريق أبى عبيد عن حبيب بن أبى حبيب (2) عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن: (إن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وفى كتاب عمر في الصدقة: أن الابل إذا زادت على عشرين ومائة فليس فيما دون العشر شئ حتى تبلغ ثلاثين ومائة) * قال على: وهذا مرسل، ولا حجة فيه، ومحمد بن عبد الرحمن مجهول (3) * ونحن نأتيهم بما هو خير من هذا، كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد بن العلاء هو أبو كريب ثنا عبد الله بن المبارك ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم الذى كتبه في الصدقة، وهى عند آل عمر بن الخطاب، قال: أقرأنى إياها سالم بن


(1) في النسخة رقم (16) (شياة) وهو تحريف (2) مضى في اول المسألة 673 بعض هذا الاثر بهذا الاسناد ولكن فيه (أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا يزيد عن حبيب بن ابى حبيب) فسقط من الاصلين هنا (ثنا يزيد)، وهو خطأ والصواب اثباته، فان ابا عبيد مات بمكة سنة 224 عن 67 سنة تقريبا، فكأنه ولد سنة 157 وقيل انه سنة 150 وقيل سنة 154 وحبيب مات سنة 162، فكان أبو عبيد طفلا عنهد وفاة حبيب: ويزيد شيخ ابى عبيد بن هرون كما في الدارقطني (ص 210) والحاكم (ج 1 ص 394) (3) محمد بن عبد الرحمن هذا ليس مجهولا، بل هو معروف، وهو أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الانصاري كما صرح بذلك في رواية الحاكم وهو تابعي ثقة *

[ 32 ]

عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهى التى انتسخ عمربن عبد العزيز عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر وذكر الحدثيث، وفيه: (في الابل إذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، إلى ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها ففيها بنتتا لبون وحقة) وذكر باقى الحديث. وهذا خير مما أتونا به وهذا هو كتاب عمر حقا، لا تلك المكذوبة * وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن مفرج ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا سحنون ثنا ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب (1) قال: نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتب في الصدقة، وهى عند آل عمربن الخطاب، أقرأنيها سالم بن عبد الله ابن عمر فوعيتها على وجهها، وهى التى نسخ عمر بن عبد العزيز من سالم وعبد الله ابني عبد الله بن عمر بن الخطاب حين أمر على المدينة، وأمر عماله بالعمل بها، ثم ذكر نحو هذا الخبر الذى أءردنا * وقالوا أيضا: قد جاء في أحاديث (في كل خمسين حقة) * قلنا: نعم، وهى أحاديث مرسلة من طريق الشعبى وغيره، وقد أوردنا عن أبى بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في كل خمسين حقة وفى كل أربعين بنت لبون) * وكذلك صح أيضا من طريق ابن عمر كما روينا بالسند المذكور إلى أبى داود ثنا عبد الله بن محمد النفيلى ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (كتب رسول الله صلى اله له عليه وسلم كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، وقرنه بسيفه فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: في خمس من الابل شاة) وذكر الحديث وفيه: (ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فان انت الابل أكثر من ذلك ففى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين بنت لبون) (2) * وهذا هو الذى لا يصح غيره، ولو صحت تلك الاخبار التى ليس فيها إلا (في كل خمسين حقة) لكان هذان الخبران الصحيحان زائدين عليها حكما بأن في كل أربعين بنت لبون، فتلك غير مخالفة لهذين الخبرين، وهذان الخبران زائدان على تلك، فلا يحل خلافهما * والحجة الثانية أنهم قالوا: لما وجب في العشرين ومائة حتقنان، ثم وجدنا الزيادة عليها لا حكم لها في نفسها إذ كل أربعين قبلها ففيها بنت لبون على قولكم، إذ تجعلون فيما زاد على عشرين ومائة ثلاث بنات لبون: فإذ لاحكم لها في نفسها فأحرى أن


(1) انطر المستدرك (ج 1 ص 393) (2) انظر المسدرك (ج 1 ص 392) *

[ 33 ]

لا يكون لها حكم في غيرها، فكل زيادة قبلها تنقل الفرض فلهها حصة من تلك الزيادة وهذه بخلاف ذلك * قال أبو محمد: هذا بكلام الممروين أو بكلام المستخفين بالدين أشبه منه بكلام من يعقل ويتكلم في العلم! لانه كلام لم يوجبه قرآن ولاسنة صحيحة، ولا رواية فاسدة، ولا أثر عن صاحب ولا تابع، ولا قياس على شئ من ذلك ولا رأى له وجه يفهم * ثم بقال له: قد كذبت في وسواسك هذا أيضا، لان كل أربعين في المائة والعشرين لا تجب فيها بنت لبون أصلا، ولا تجب فيها مجتمعة ثلاث بنات لبون، وإنما فيما حقتان فقط، حتى إذا ادت على العشرين ومائة واحدة فصاعدا إلى أن تتم ثلاثين ومائة فحينئذ وجب في كل أربعين في المائة والعشرين مع الزيادة التى زادت ثلاث بنات لبون (1) فتلك الزايادة غيرت فرض ما قبلها، وصار لها أيضا في نفسها حصة من تلك الزيادة الحادثة، وهذا ظاهر لاخفاء به وقد صح قوله عليه السلام: (في كل خمسين حقة، وفى كل أربيعن بنت لبون) فيما زاد على العشرين ومائة، فوجب في المائة حينئذ حقتان ولم يجز تعطيل النيف والعشرين الزائدة فلا تزكى، وحكمها في الزكاة منصوص عليه، وممكن إخراجها فيه فوجبت الثلاث بنات لبوان وبطل ما مواهوابه * وأما قول مالك في التخيير بين إخراج حقيتن أو ثلاث بنات لبون فخطأ لانه تضييع للنيف والعشرين الزائدة على المائدة، فلا تخرج زكاتها وهذا لا يجوز * وأيضا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين حكم العشرين ومائة فجعل فيها حقتين، بنص كلامه في حديث أنس عن أبى بكر الذى أوردنا في أول كلامنا في زكاة الابل وبين حكم ما زاد على ذلك، فلم يجز أن يسوى بين حكمين فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ولا نعلم أحدا قبل مالك قال: بهذا التخيير * وقولنا في هذا هو قول الز هرى، وآل عمر بن الخطاب، وغيرهم، وهو قول عمر ابن عبد العزيز كما أوردنا قبل * وأما قول أبى حنيفة فانه احتج أصحابه له بما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله ابن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثا الحجاج بن المنهال ثنا


(1) كذا في الاصلين، ولعل فيهما سقطا من الناسخين، وان يكون اصل الكلام (فحينئذ وجب في كل اربعين بنت لبون، وفى المائة والعسرين مع الزيادة التى زادت ثلاث بنات لبون) وهذا ظاهر *

[ 34 ]

حماد بن سلمة: أنه أخذ من قيس بن سعيد (1) كتابا عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لجده عمرو بن حزم ذكر ما يخرج من فرائض الابل، (إذا كانت خمسة وعشرين ففيها ابنة مخاض، إلى أن تبلغ خسمة وثلاثين، فان لم توجد فابن لبون ذكر فان كانت أكثر من ذلك ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمسة وأربعين، فان كانت أكثر من ذلك ففيها حقة، وإلى أن تبلغ ستين، فان كانت أكثر منها ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإذا كانت أكثر من ذلك ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فان كانت أكثر من ذلك ففيها حتقان، إلى عشرين ومائة، فان كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة، فما فضل فانه يعاد إلى أو فريضة الابل وما كان أقل من خمسة وعشرين ففيها في كل خمسة ذود شاة، (ليس فهيا ذكرولاهرمة ولاذات عوار من الغنم) ثم خرج إلى ذكر زكاة الغنم * وبما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لهم كتابا فيه: (وفى الابل إذا كانت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فان لم توجد ابنة مخاض في الابل فابن لبون ذكر) إلى ان ذكر التسعين: (فان كانت أكثر من ذلك إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، فإذا كانت أكثر من ذلك فاعدد في كل خمسين حقة، وما كان أقل من خمسة وعشرين ففي كل خمس شاة) * وذكروا ما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب في الابل قال: فإذا زادت على عشرين ومائة فبحساب الاول، وتستأنف لها الفرائض * قال أبو محمد: وبقولهم يقول ابراهيم النخعي، وسفيان الثوري * قالوا: وحديث على هذا مسند * واحتجوا بما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاغرابى ثنا الدبرى (2) ثنا عبدارزاق عن سفيان بن عيينة أخبرني محمد بن سوقة (3) قال أخبرني أبو يعلى هو منذر


(1) هو الحبشى مفتى مكة، وهو من اتباع التابعين، وروى عن عطاء وخلفه في مجلسه سنة 119، وكان ثقة قليل الحديث، وروايته هذه تؤيد ما قلنا ه مرارا من صحة كتاب عمرو بن حزم (2) سقط من الاسناد في الاصلين (ثنا الدبرى) وهو ضروري فيه فان الدبرى راوي مصنف عبد الرزاق عنه، وقد سبق الاسناد مرارا كثيرة على الصواب. (3) بضم السين المهملة وفتح القاف وبينهما واو، ومحد هذا تابعي ثقة من خيار اهل الكوفة *

[ 35 ]

الثوري عن محمد بن الحنفية قال: جاء ناس إلى أبى فشكوا سعاة عثمان بن عفان، فقال أبى: أي بنى خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان وقل له: إن ناسا من الناس شكوا سعاتك وهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفرائض، فأمرهم فليأخذوا به، قال: فانطلقت بالكتاب حتى دخلت على عثمان بن عفان رضى الله، عنه، فقلت: إن أبى أرسلني اليك، وذكر أن ناسا من الناس شكوا سعاتك، وهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفرائض، فمرهم فليأخذوا به، فقال: لا حاجة لنا في كتابك، فرجعت إلى أبى فاخبرته فقال: أبى بنى، لا عليك، اردد الكتاب من حيث أخذته، قال: فلو كان ذاكرا عثمان بشئ لذكره بسوء، قال: وإنما كان في الكتاب ما كان في حديث على (1) * قالوا: فمن الباطل أن يظن بعلى رضى الله عنه أن يخبر الناس بغير ما في كتابه عن النبي صلى الله عليه وسلم * وادعوا انه قد روى عن ابن مسعود، وابن عمر مثل قولهم * قال أبو محمد: هذا كل ما موهوا به، مما يمكن أن يموه به من لا علم له، أو من لا تقوى له، وأما الهذر والتخليط فلا نهاية له في القوة * قال أبو محمد: وكل هذا لاحجة لهم فيه أصلا * أما حديث معمر، وحماد بن سلمة فمرسلان لا تقوم بهما حجة، ثم لو صحالما كان لهم فيهما متعلق اصلا * أما طريق معمر فان الذى في آخره من قوله (وما كان أقل من خمسة وعشرين ففى كل خمس شاة) فانما هو حكم ابتداء فرائض الابل * ولم يستحيى عميد من عمدهم من أن يكذب في هذا الحديث مرتين جهارا: إحداهما أنه ادعى أن في أوله ذكر تزكية الابل بالغنم فلا يجوزأن ظن أنه كرره * قال أبو محمد: وقد كذب في هذا علانية وأعماه الهوى وأصمه ولم يستحى وما ذكر معمر في أول كلامه في فرائض الابل الا كما أوردناه من حكم الخمسة والعشرين فصاعدا، وذكر في آخر حديثه حكم تزكيتها بالغنم إذ لم يذكره أولا * والوضع الثاني أنه جاهر بالكذب! فقال معمر عن عبد الله بن أبى بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده) وهذا كذب، ما رواه معمر إلا عن عبد الله بن أبى بكر فقط، ثم لو صح له هذا لما أخرجه ذلك عن الارسال، لان محمد


(1) هذا اسناد صحيح چدا *

[ 36 ]

ابن عمرو لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم * ثم عجب آخر وهو احتجاجه بهذين الخبرين فيما ليس فيهما منه شئ، وهو يخالفهما فيما فيهما من أنه إن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر! أفلا يعوق المرء مسكة (2) من الحياء عن مثل هذا؟! * والعجب أن هم زادوا كذبا وجرأة وفحشا فقالوا: معنى قوله عليه السلام: (إن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر) إنما أردا بقيمة بن مخاض وهذا كذب بارد سمج!، ولا فرق بينهم في هذا وبين من قال: ما أراد إلا ابن لبون أصهب، أو في أرض نجد خاصة! ومن الباطل الممتنع الذى لا يمكن أصلا أن يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعوض مما عدم بالقيمة ويقتضر على ذكر ابن لبون ذكر أيضا خاصة * والعجب من هؤلاء القوم في تقويلهم النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل وإحالة كلامه إلى الهوس! والغثانة والتلبيس ولا يستجيزون إحالة لفظة من كلام أبى حنيفة عن مقتضاها والله لافعل هذا موثوق بعقده!، ولقد صدق الائمة القائلون! إنهمن يكيدون الاسلام * ويقال لهم: هلا حملتم ما أخذتم به مما لا يجوز الاخذ به مما روى عن بعض السلف من أن جعل الآبق أربعون درهما: على أنه إنما أراد قيمة تعب ذلك الذى رد ذلك الآبق فقط؟ على أن هذا كان أولى واصح من حمله على ايجاب شريعة لم يوجبها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم * كمالم يتعدوا قول أبى حنيفة فيمن تزوج على بيت وخادم أن البيت خمسون دينارا والعبد اربعون دينارا، فتوقوا مخالفة خطأ ابى حنيفة في التقويم، ولم يبالوا بمخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والكذب عليه وحملهم حده على التقويم! *


(1) أما الرمى بالكذب فانه هنا جرأة مستنكرة، وما أدرى من يرمى به ابن حزم؟ الحديث رواه هكذا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبى بكربن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، فحذف ابن حزم قوله (عن ابيه عن جده) ثم رمى شخصا يقصده لا نعرف من هو بأنه كذب فزاد هذا، وقد روى الدارمي (ص 2) قطعة من كتاب عمرو بن حزم من طريق الزهري عن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن ابيه عن جده، م روى عقبة (حدثنا بشر بن الحكم ثنا عبد الرزاق انا معمر بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن ابيه عن جده: ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا فذكر نحوه) هذا نص كلام وهو امام ثقة، وشيخه بشر بن الحكم ثقة، وباقى الاسناد لا يسأل عنه لشهرة رواته وعدالتهم، فاين الكذب؟ ومن الكاذب الله أعلم! واما انه غير متصل فنعم، لان محمد بن عمرو بن حزم جد عبد الله ليس صحابيا، ولكن هذا الاسناد يؤ يد قولنا في صحة كتاب عمرو بن حزم لتواتر الرواية عن آله واولاده، ولصحته من طرق اخرى. (2) بضم الميم واسكان السين المهملة أي بقية، وفى النسخة رقم (16) (مسيكة) بالقصر، ولم ارهذ ه الكلمة مستعملة بالتصقير *

[ 37 ]

وأيضا فاننا قد أوجدناهم ما حدثناه حمام قال ثنا عباس بن أصبغ عبد الملك ابن أيمن أنا أبو عبد الله الكابلي ثنا اسماعيل بن أبى أويس ثنا أبي عن عبد الله ومحمد ابني أبى بكربن محمد بن عمر وبن حزم أبهما عن جدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كتب هذا الكتاب لعمروبن حزم حين أمره على اليمن، وفيه الزكاة، فذكره، وفيه: (فإذا بلغت الذهب (1) قيمة مائتي درهم ففى قيمة كل أربعين درهما درهم حين تبلغ أربعين دينارا) * فمن المحال أن تكنصحيفة ابن حزم بعضها حجة وبعضها ليس بحجة، وهذه صفة الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: (نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض) * وأما طريق حماد بن سلمة فمرسلة أيضا، والقول فيها كالقول في طريق معمر * ثم لو صحا جميعا لما كان لهم فيهما حجة، لانه ليس في شئ منهما ما قالوا به أصلا، لان نص رواية حماد (إلى عشرين ومائة، فان كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة، فما فضل فانه يعاد إلى أول فريضة الابل) هذا نصه فقط، ولا يدل هذا على أن تعاد فيه الزكاة بالغنم كما ادعوا، ويحتمل هذا اللفظ أن يكون أراد أن يرد الحكم إلى أول فريضة الابل (2) في أن في كل أربيعن بنت لبون، لان في أول فريضة الابل أن في أربعين بنت لبون وفى ثمانين بنتى لبون، فهذا أولى من تأويلهم الكاذب الفاسد المستحيل * وأما حملهم ما روينا عن على في ذلك على أنه مسند واحتجاجهم في ذلك بوجوب حسن الظن بعلى رضى الله عنه، وأنه لا يجوز أن يظن به أنه يحدث بغير ما عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقول لعمري صحيح، الا أنه ليس على بأولى بحسن الظن منا من عثمان رضى الله عنهما معا، والفرض علينا حسن الظن بهما، وإلا فقد سلكوا سبيل إخوانهم من الروافض * ونحن نقول: كما لا يجوز أن يساء الظن بعلى رضى الله عنه في أن يظن أنه يحدث بغير ما عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو يتعمد خلاف روايته عنه عليه السلام: فكذلك لا يجوز أن يساء الظن بعثمان رضى الله عنه، فيظن به أنه استخف بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لا حاجة لنا به، لكن نقول: لو لا أن عثمان علم ان ما في كتاب على منسوخ ما رده، ولا أعرض عنه، لكن كان ذلك الكتاب عند على ولم يعلم بنسخه، وكان عند عثمان نسخه * فنحسن الظن بهما جميعا كما يلزمنا، وليس احسان الظن بعلى واساءته بعثمان بأبعد


(1) الراجح ان الذهب يذكر ويؤ نث، وقيل: ان تأنيثه لغة أهل الحجاز. وهذه القطعة من كتاب عمرو ليست في الرواية التى رواها الحاكم وصححها وأشرنا إليها مرارا (2) في النسخة رقم (16) (هو) بدل (في) *

[ 38 ]

من الضلال من احسان الظن بعثمان واساءته بعلى، فتقول: لو كان ذلك الكتاب عن النبي صلى الله عليه وسلم مارده عثمان، ولا إحدى السيئتين بأسهل من الاخرى! وأما نحن فنسحن الظن بهما رضى الله عنهما، ولا نستسهل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن ننسب إليه القول بالظن الكاذب فنتبوأ مقاعدانا من النار كما تبوأه (1) من فعل ذلك، بل نقر (2) قول عثمان وعلى مقرهما، فليسا حجة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهما إمامان من أهل الجنة، مغفور لهما، وغير مبعدين من الوهم، ونرجع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فنأخذ بالثابت عنه ونطرح ما لم يثبت عنه * ثم نقول لهم: هبكم أن كتاب على مسند، وأنه لم ينسخ فانه ليس فيه ما تقولون بل تموهون بالكذب: وانما فيه (في الابل إذا زادت على عشرين ومائة فبحساب الاول وتستأنف لها الفرائض) وليس في هذا بيان أن زكاة الغنم تعود فيها، ويحتمل قوله هذا أن تعود إلى حسباها الاول وتستأنف لها الفرائض، فترجع إلى أن يكون في كل أربعين بنت لبون، كما في أولها: في أربعين بن تلبون، وفى ثمانين بنتا لبون، فهذا أولى من تأوليكم الكاذب * ثم نقول: هبكم أنه مسند ومعاذ الله من ذلك وأن فيه نص ما قلتم ومعاذ الله من ذلك فاسمعوه بكماله * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن معمر عن أبى إسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: في خمس من الابل شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين خمس شياه، وفى ست وعشرين بنت مخاض فان لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، وحتى تبلغ خمسا وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون، حتى تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل أو قال: الجمل حتى تبلغ ستين، فإذا زادت واحدة فيها جذعة، حتى تبلغ خمسا وسبعين، فإذا زادت واحدة ف فيها بنتا لبون، حتى تبلغ تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين بنت لبون، وفى الورق إذا حال عليها الحول في كل مائتي درهم، خمسة دراهم، وليس فيما دون مائتين شئ فان زادت فبحساب ذلك، وقد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق *


(1) في النسخة رقم (16) (يتبوا) (2) كلمة سقطت من النسخة رقم (16) *

[ 39 ]

حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا احمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا شعبة عن أبى إسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: إذا أخذ المصدق سنا فوق سن رد عشرة دراهم أو شاتين * قال عبد الرحمن بن مهدى: وحدثنا سفيان الثوري عن أبى إسحاق السبيعى عن عاصم ابن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: وإذا زادت الابل على خمس وعشرين ففيها بنت مخاض، فان لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر، إذا أخذ المصدق بنت لبون مكان ابن لبون رد عشرة دراهم أو شاتين، ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول، فإذا حال عليه الحول ففى كل مائتين خمسة، فما زاد فبالحساب، في أربعين دينارا دينار، فما نقص فبالحساب، فإذا بلغت عشرين دينار ففيها نصف دينار * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن أبى اسحق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: في خمس من الابل شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين اربع شياه، وفى خمس وعشرين خمس، فان زادت واحدة ففيها ابنة مخاض فان لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ان اخذ المصدق سنا فوق سن رد عشرة دراهم أو شاتين، أو أخذ سنا دون سن أخذ شاتين أو عشرة دراهم * قال على: فهذه هي الروايات الثابتة عن على رضى الله عنه، معمر، وسفيان، وشبعة متفقون كلهم، رواه عن سفيان وكيع، ورواه عن شعبة عبد الرحمن بن مهدى، ورواه عن معمر عبد الرزاق * والذى موهوا بطرف مما في رواية يحيى بن سعيد عن سفيان خاصة: ليس أيضا موافقا لقولهم كما أوردنا، فادعوا في خبر على ما ليس فيه عنه أثر، ولا جاء قط عنه * وخالفوا ذلك الخبر نفسه في اثنى عشر موضعا مما فيه نصا، وهى * قوله: (في خمس وعشرين من الابل خمس شياه) * وقوله: بتعويض ابن لبون مكان ابنة مخاض فقط * وقوله فيما زاد على عشرين ومائة: (في كل اربعين بنت لبون) * واسقاطه ذكر عودة فرائض الغنم، فلم يذكره * وقوله فيمن نأخذ سنا فوق سن: (رد شاتين أو عشرة دراهم) وبين ذلك فيمن اخذ بنت لبون مكان ابنة مخاض ان لم يوجد ابن لبون *

[ 40 ]

وقوله فيمن أخذ سنادون سن: (اخذ معها شاتين أو عشرة دراهم) * وقوله: (ليس في المال المصتفاد زكاة حتى يحول عليه الحول) ولم يخص كان عنده نصاب من جنسها أو لم يكن * وقوله (في مائتين من الورق خمسة دراهم، فما زاد فبالحساب) ولم يجعل في ذلك وقصا، كما يزعمون برأيهم * وقوله: (ليس فيما دون مائتين من الورق زكاة) وهم يزكون ما دون المائتين إذا كان مع مالكها ذهب إذا جمع إلى الورق ساويا جميعا مائتي درهم أو عشرين دينارا * ومنها عفوه عن صدقة ا لخيل * ومنها عفوه عن صدقة الرقيق، ولم يستثن لتجارة أو غيرها * ومنها قوله: (في أربعين دينارا دينار، فما نقص فبالحساب) ولم يجعل في ذلك وقصا أفيكون أعجب ممن يحتج برواية عن على لابيان فيها لقولهم، لكن بظن كاذب، ويتحيلون (1) في أنها مسندة بالقطع بالظن الكاذب المفترى: وهم قد خالفوا تلك الرواية نفسها بتلك الطريق، ومعها ما هو أقوى منها، في اثنى عشر موضعا منها، كلها نصوص في غاية البيان؟! هذا أمر ما ندرى في أي دين أم في أي عقل وجدوا ما يسهله عليهم؟! * والعجب كل العجب من احتجاجهم بصحيفة معمر عن عبد الله بن أبى بكر، وبصحيفة حماد عن قيس بن عباد عن أبى بكر بن حزم، وهما مرسلتان، وحديث موقوف على على وليس في كل ذلك نص بمثل قولهم، ولا دليل ظاهر: ثم لا يستحيون من أن يعيبوا في هذه المسألة نفسها بالارسال الحديثين الصحيحين المسندين * من طريق حماد وعبد الله بن المثنى كليهما عن عبد الله بن المثنى، سمعاه منه، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، سمعه منه، عن أنس بن مالك، سمعه منه، عن أبى بكر الصديق، سمععه منه، عن النبي صلى الله عليه وآله عن الله تعالى هكذا نصا! * ومن طريق الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه * حدثنا عبد الله بن ربيع قال: ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود السجستاني عن عبد الله بن محمد النفيلى ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (كتب رسول الله صلى اله له عليه وسلم كتاب الصدقة، فلم يحرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفة، فعمل به أبوبكى حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، وفكان فيه: في خمس من الابل شاة، وفى عشر شاتان وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين ابنة مخاض، إلى خمس


(1) هو الحاء المهملة ومعناه ظاهر *

[ 41 ]

وثلاثين فإذا وادت واحدة ففيها بنت لبون، إلى خمس وأربعين، فإذا ادت واحدة ففيها حقة، إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة، إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون، إلى تعسين، فإذا زادت واحدة فيها حقتان، إلى عشرين ومائة فان كانت الابل أكثر ممن ذلك ففى كل خمسين حقة وفى كل أربعين بنت لبون * فقالوا: إن أصل هذين الحديثين الارسال، وكذبوا في ذلك ثم لا يبالون بأن يحتجوا بهذين الحديثين ويصححونهما، إذا وجدوا فيهما ما يوافق رأى أبى حنيفة، فيحلونه طورا ويحرمونه طورا! * واعترضوا فيهما بأن ابن معين ضعفهما * وليست شعرى! ما قول ابن معين في صحيفة ابن حزم وحديث على ما نراه استجاز الكلام بذكرهما، فضلا عن أن يشتغل بتضعيفهما * وأعجب من هذا كله أن بعض مقدميهم المتأخرين عند الله تعالى. قال: لو كان هذا الحكم حقا لاخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عماله! * قال أبو محمد: هذا قول الروافض في الطعن على أبى بكر، وعمر وسائر الصحابة في العمل به، نعم، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نسبت إليه أنه كتب الباطل وقرنه بسيفه ثم كتمه، وعمل به أصحابه بعده. فبطل كل مامو هوا به * والعجب أنهم يدعون أنهم أصحاب قياس، وقد خالفوا في هذا المكان النصوص والقياس! * فهل وجدوا فريضة تعود بعد سقوطها؟ وهل وجدوا في أوقاص الابل وقصامن ثلاثة وثلاثين من الابل؟ إذ لم يجعلوا بعد الاحدى والتسعين حما زائدا إلى خمسة وعشرين ومائة، وهل وجدوا في شئ من الابل حكمين مختلفين في ابل واحدة، بعضها يزكى بالابل وبعضها يزكى بالغنم؟ * وهم ينكرون أخذ زكاة عما أصيب في أرض خراجية، وحجتهم في ذلك أنه لا يجوز أن يأخذوا حقين الله تعالى في مال واحد، وهم قد جعلوا ههنا برأيهم الفاسد في مال واحد حقين: أحدهما ابل، والثانى غنم * وهلا إذ ردوا الغنم وبنت المخاض بعد اسقاطهما ردوا ايضا في ست وثلاثين زائدة على العشرين والمائلة بنت اللبون؟! * فان قالوا: منعنا من ذلك قوله عليه السلام: (في كل خمسين حقة) *

[ 42 ]

قيل لهم: فهلا منعكم من رد الغنم قوله عليه السلام: (وفى كل أربعين بنت لبون)؟! * فظهر أنهم لم يتعلقوا بشئ، ونعوذ بالله من الضلال! * وقالوا في الخبر الذى ذكرنا من طريق محمد بن عبد الرحمن: (ليس فيما بعد العشرين والمائة شئ إلى ثلاثين ومائة): انه يعارض سائر الاخبار * قال أبو محمد: ان كان هذا فأول ما يعارض فصحيفة عمرو بن حزم، وحديث على فيما يظنونه فيهما. فسقط تمويههم كله. وبالله تعالى التوفيق * وأما دعواهم ان قولهم روى عن عمربن الخطاب، وعلى، وابن معسود فقد كذبوا جهارا * فأما على فقد ذكرنا الرواية الثابتة عنه، وأنه ليس فيما تعلقوا به من قوله دليل ولا نص بما ادعوه عليه بالتمويه الكاذب * واما ابن مسعود فلا يجدونه عنه أصلا، أما ثابت فنقطع بذلك قطعا، واما رواية ساقطة فبعيد علهم وجودها أيضا، واما موضوعة من عمل الوقت فيسهل عليهم! الا انها لا تنفق في سوق العلم * وأم عمر رضى الله عنه فالثابت عنه كالشمس خلاف قولهم، وموافق لقولنا، ولا سبيل إلى وجود خلاف ذلك عنه، إلا ان صاغوه للوقت (1) * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن موسى بن عقبة وعبيدالله بن عمر كلاهما عن نافع عن ابن عمر عن أبيه عمر أنه قال: في الابل في خمس شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين بنت مخاض، فان لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، اإلى خمس وثلاثين، فان زادت واحدة ففيها بنت لبون، إلى خمس وأربعين فان زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل، إلى ستين، فان زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فان زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فان زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل، إلى عشرين ومائة، فان زادت ففى كل أربعين بنت (2) لبون وفى كل خمسين حقة * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد بن العلاء هو أبن كريب ثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن


(1) ما هنا هو في النسخة رقم (16) وهو نسخة بحاشية رقم (14) والذى في أصلها (الا ان يضعوه للوقت) والمعنى واحد (2) في النسخة رقم (16) في هذا الاثر (ابنة) مسكان (بنت) حثيما وقعت *

[ 43 ]

ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتبه في الصدقة، وهى عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب، أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهى التى انتسخ عمرر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر قال: (إذا كانت (1) احدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة، ففيها ابنتا لبون وحقة، حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وابنة لبون، حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق، حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة، فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون، حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة، حتى تبلغ تسعا وسعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون، حتى تبلغ تسعا وتعسين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت أخذت وفى سائمة الغنم) فذكر نحو حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه * قال أبو محمد: فهذا قول عمر، هو قولنا نفسه، مخالف لقولهم * والعجب كله تعللهم في هذا الخبر بأنه انفرد به يونس بن يزيد * قال على: * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ثم لا يستحيون من تصحيحه والاحتجاج به موهمين (2) أنه موافق لرأيهم في ان لا زكاة الا في السائمة * فظهر فساد قولهم، وخلافهم لله تعالى، وللسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولابي بكر وعمر، وعلى، وأنس، وابن عمر، وسائر الصحابة رضى الله عنهم، دون ان يتعلقوا برواية صحيحة عن احد منهم بمثل قولهم، الا عن ابراهيم وحده. وبالله تعالى التوفيق * 675 مسألة قال أبو محمد: ويعطى المصدق الشاتين أو العشرين درهما مما أخذ من صدقة الغنم، أو يبيع من الابل، لانه للمسلمين من أهل الصدقات يأخذ ذلك فمن مالهم يؤديه * ولا يجوز له التقاص، وهو: ان يجب على المسلم بنتا لبون فلا يجد هما عنده، ويجد عنده حقة وبنت مخاض، فانه يأخذهما ويعطيه شاتين أو عشرين درهما ويأخذ منه شاتين


(1) في أبى داود (ج 2 ص 9) (فإذا كانت) (2) في النسخة رقم (14) (مموهين)

[ 44 ]

أو عشرين درهما ولابد، وجائز له أن يأخذ ذلك ثم يرده بعينه، أو يعطيه ثم يرده بعينه لانه قد أوفى واستوفى! واما التقاص بأن يترك كل واحد منهما لصاحبه ما عليه من ذلك فهو ترك لحق الله تعالى قد وجب لم يقبض، وهذا لا يجوز، ولايجوز ابراء المصدق من حق اهل الصدقة، ولانه مال غيره. وبالله تعالى التوفيق (1) * 676 مسألة والزكاة تتكرر في كل سنة، في الابل، والبقر، والغنم، والذهب والفضة، بخلاف البر، والشعير، والتمر، فان هذه الاصناف إذا زكيت فلا زكاة فيها بعد ذلك أبدا، وانما تزكى عند تصفيتها، وكيلها ويبس التمر، وكيله، وهذا لا خلاف فيه من أحد، الا في الحلى والعوامل، وسنذكره ان شاء الله تعالى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج المصدقين كل سنة * 677 مسألة والزكاة واجبة، في الابل، والبقر، والغنم بانقضاءا لحول، ولا حكم في ذلك لمجئ الساعي وهو المصدق وهو قول أبى حنيفة والشافعي وأصحابنا * وقال مالك، وابو ثور: لا تجب الزكاة الا بمجئ المصدق * ثم تناقضوا فقالوا: ان أبطأ المصدق عاما أو عامين لم تسقط الزكاة بذلك، ووجب أخذها لكل عام خلا * وهذا إبطال قولهم في ان الزكاة لا تجب الا بمجئ الساعي، وانما الساعي وكيل مأمور بقبض ما وجب، لا بقبض ما لم يجب، ولا باسقاط ما وجب * ولا خلاف بين أحمد من الامة وهم في الجملة في ان المصدق لوجاء قبل تمام الحول لما جاز أن يعطى منها شيئا، فبطل ان يكون الحكم لمجئ الساعي * ولا يخلو الساعي من أن يكون بعثه الامام الواجبة طاعته، أو أميره، أو بعثه من لا تجب طاعته، فان بعثه من لا تجب طاعته فليس هو المأمور من الله تعالى أو رسوله عليه السلام بقبض الزكاة، فإذ ليس هو ذلك فلا يجزء ما قبض، والزكاة باقية (2) وعلى صاحب المال أداؤها ولابد، لان الذى أخذ منه مظلمة لاصدقة واجبة، وإن كان بعثه من تجب طاعته، فلا يخلو من أن يكون باعثه يضعها مواضعها، وأو لا يضععها مواضعها، فان كان يضعها مواضعها فلا يحل لاحد دفع زكاته إلا إليه لانه هو المأمور بقبضها من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن دفعها إلى غير المأمور بدفعها إليه فقد تعدى، والتعدى


(1) تمسك المؤلف تمسكا شديدا بالظاهر هنا، فانتهى إلى العبث أو إلى التكليف، فإذا أعطى المصدق عشرين درهما أو شاتين ثم أخذ ذلك من صاحب المال بعينه أو اخذ مثله فقد عاد الامر إلى التقابض، وكان الاخذ والاعطاء عملا عبثا (2) في النسخة رقم (16) والزكاة واجبة *

[ 45 ]

مردود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) * زكاة السائمة وغير السائمة من الماشية 678 مسألة قال مالك، والليث، وبعض أصحابنا: تزكى السوائم، والمعلوفة، والمتخذة للركوب وللحرث وغير ذلك، من الابل والبقر والغنم * وقال بعض أصحابنا: أما الاببل فنعم، وأما الغنم والبقر فلا زكاة الا في سائمتها. وهو قول أبى الحسن بن المغلس (2): * وقال بعضهم: أما الابل والغنم فتزكى سائمتها وغير سائمتها، وأما البقر فلا تزكى إلا سائمتها. وهو قول أبى بكر بن داود رحمه الله * ولم يختلف أحد من أصحابنا في أن سائمة الابل وغير السائمة منها تزكى سواء سواء، وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا زكاة الا في السائمة من كل ذلك. * وقال بعضهم: تزكى غير السائمة من كل ذلك مرة واحدة في الدهر، ثم لاتعود الزكاة فيها * فاحتج أصحاب أبى حنيفة، والشافعي بأن قالوا: قولنا هو قول جمهور السلف من الصحابة رضى الله عنهم وغيرهم * كما روينا من طريق سفيان، ومعمر عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على: ليس على عوامل البقر صدقة * وقد ذكرنا آنفا قول عمر رضى الله عنه. في أربعين من الغنم سائمة شاة إلى عشرين ومائة * وعن ليث عن طاوس عن معاذ بن جبل: ليس على عوامل البقر صدقة * وعن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر: لا صدقة في المثيرة * ولا يعرف عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلاف في ذلك * وعن ابن جريج عن عطاء: لا صدقة في الحمولة والمثيرة * وهو قول عمرو بن دينار، وعبد الكريم * والحمولة هي الابل الحمالة، والمثيرة بقر الحرث، قال تعالى: (لا ذلول تثير الارض) *


(1) نسى المؤلف ان يذكر حكم الصورة الاخرى، وهى ما إذا كان الامام الواجبة طاعته لا يضعها مواضعها، أو لعله تعمد ترك ذكره، خشية استبداد الملوك والامراء وهيهات منهم من يضع الحقوق مواضعها؟! (2) في النسخة رقم (16) (ابى الحسن المغلس) وسيأتى في المسألة 681 قول المؤلف (وابى الحسن بن المغلس من اصحابنا) *

[ 46 ]

وعن سعيد بن جبير: ليس على ثور عامل (1) ولا على جمل ظعينة صدقة * وعن ابراهيم النخعي: ليس في عوامل البقر صدقة وعن مجاهد: من له أربعون شاة في مصر يحلبها فلا زكاة عليه فيها، ولا صدقة في البقر العوامل * وعن الزهري: ليس في السوانى من البقر وبقر الحرث صدقة، وفيما عداهما من البر الصدقة كصدقة الابل، وأوجب الزكاة في عامل الابل * وعن عمربن عبد العزيز: ليس في الابل والبقر العوامل صدقة * وعن الحسن البصري: ليس في البقر العوامل والابل العوامل صدقة * وعن موسى بن طلحة بن عبيدالله: ليس في البقر العوامل صدقة * وعن سعيد بن عبد العزيز (2) ليس في البقر الحرث صدقة * وعن الحكم بن عتيبة ليس في البقر العوامل صدقة * وعن طاوس: ليس في عوامل البقر، والابل صدقة، الا في السواثم خاصة * وعن الشعبى: ليس في البقر العوامل صدقة * وهو أيضا قول شهر من حوشب والضحاك * وعن ابن شبرمة: ليس في الابل العامل صدقة * وقال الاوزاعي: لا زكاة في البقر العوامل، وأوجبها في الابل العوامل وقال سفيان: لا زكاة في غير السائمة من الابل والبقر والغنم، ولا زكاة في الغنم المتخذة للذبح، وذكر له قول مالك في ايجاب الزكاة في ذلك، فعجب، وقال: ما ظنت أن أحدا يقول هذا * وهنو قول أبى عبيد وغيره * ورءيناعن عمربن عبد العزيز، وقتادة، وحماد بن أبى سليمان ايجاب الزكاة في الابل العوامل * وعن يحيى بن سعيد الانصاري ايجاب الزكاة في كل غنم وبقر وابل، سائمة أو غير سائمة * واحتجوا بأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (في سائمة الغنم) قالوا: ولا يجوز أن يقول عليه السلام كلاما لا فائدة فيه، فدل ان غير السائمة بخلاف السائمة * وقد جاء في بعض الآثار (في سائمة الابل) قالوا فقسنا سائمة البقر على ذلك *


(1) عامل صفة لثور لامضاف إليه (2) هو التنوخى الدمشقي تلميذ عطاء والزهرى وربيعة ومكحول وغيرهم، وروى عنه الثوري وشعبة، وهما من اقرانه، قال الحاكم (هو لاهل الشأم كما لاهل المدينة في التقدم والفضل والفقه والامانة) ولد سنة 90 ومات سنة 167 *

[ 47 ]

وقالوا: انما جعلت الزكاة فيما فيه النماء، وأما فيما فيه الكلفة فلا، ما نعلم لهم شيئا شغبوا به غير ما ذكرنا * واحتج أصحابنا في تخصيص عوامل البقر خاصة بأن الاخبار في البقر لم تصح، فالواجب أن لا تجب الزكاة فيها الا حيث اجتمع على وجوب الزكاة فيها، ولم يجمع على وجوب الزكاة فيها في غير السائمة * واحتج من رأى الزكاة في غير السائمة مرة في الدهر بأن قال: قد صحت الزكاة فيها بالنص المجمل، ولم يأت نص بأن تكرر الزكاة فيها في كل عام، فوجب تكرر الزكاة في السائمة بالاجماع المتيقن، ولم يجب التكرار في غير السائمة، لا بنص ولا باجاع * قال أبو محمد: أما حجة من احتج بكثرة القائلين بذلك، وبأنه قول أربعة من الصحابة رضى الله عنهم لا يعرف لهم منهم مخالف: فلا حجة في قول أحمد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * ثم نقول للحنيفيين والشافعيين في احتجاجهم بهذه القضية، فان الحنيفيين نسوا أنفسهم في هذه القصة، إذا قالوا بزكاة خمسين بقرة ببقرة وربع، وولا يعرف ذلك عن أحد عن الصحابة ولا من غيرهم الا عن ابراهيم، وتقسيمهم في الميتات تقع في البئر فتموت فيه، فلا يعرف أن أحدا قسمه قبلهم، وتقديرهم المسح في الرأس بثلاث أصابع مرة وبربع الرأس مرة ولا يعرف هذا الهوس عن أحد قبلهم، ولو ددنا أن نعرف بأى الاصابع هي؟! أم بأى خيط يقدر ربع الرأس؟! واجازتهم الاستنجاء بالروث، ولا يعرف أن أحدا أجازه قبلهم، وتقسيمهم فيما ينقض الوضوء مما يخرج من الجوف والا يعرف عن أحد قبلهم، وقولهم في صفة صدقة الخيل، ولا يعرف عن أحد قبلهم، ومثل هذا كثير جدا وخلافهم لكل رواية جاءت عن أبى هريرة في غسل الاناء من ولوغ الكلب، ولا مخالف له يعرف من الصحابة، وخلافهم عمر بن الخطاب وأبا حثمة وابنه سهل بن أبى حنثمة في ترك ما يألكه المخروص عليه من التمر، ومعهم جميع الصحابة بيقين، ولا مخالف لهم في ذلك منهم. ومثل هذا كثير جدا * وكذلك نسى الشافعيون (1) انفسهم في تقسيمهم ما تؤخذ منه الزكاة مما يخرج من الارض (2) ولا يعرف عن احد قبل الشافعي، وتحديدهم ما ينجس من الماء مما لا ينجس بخمسمائة رطل بغدادية وما يعرف عن أحد قبلهم، وخلافهم جابر بن عبد الله فيما سقى بالنصخ وبالعين أنه يزكى على الاغلب، ولا يعرف له مخالف من الصحابة ومثل هذا كثير جدا لهم * وأما احتجاجهم بما جاء في بعض الاخبار من ذكر السائمة فنعم، صح هذا اللفظ في حديث أنس عن أبى بكر رضى الله عنه في الغنم خاصة. فلولم يأت غير هذا الخبر لوجب


(1) في النسخة رقم (16) (الشافعيين) وهو لحن (2) في النسخة رقم (16) ومما يخرج من ثمرة الارض *

[ 48 ]

أن لا يزكي غير السائمة، لكن جاء في حديث ابن عمر كما أوردنا قبل ايجاب الزكاة في الغنم جملة، فكان هذا زائدا على مافى حديث أبى بكر، والزيادة لا يجوز تركها (1) * وأما الخبر في سائمة الابل فلا يصح، لانه لم يرد الا في خبربهزبن حكيم فقط (2) * ثم لو صح لكان مافى حديث أبى بكر وأبن عمر زيادة حكم عليه والزيادة لا يحل خلافها * ولافرق بين هذا وبين قول الله تعالى: (قل لاأجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفخوحا) مع قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم) فكان هذا زائدا على ما في تلك الآية وقوله تعالى: (لا تقتلوا أولادكم خشية املاق) مع قوله تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم) فكان هذا زائدا على ما في تلك الآية * وهلا استعمل الحنيفيون والشافعيون هذا العمل حيث كان يلزمهم استعماله من قوله تعالى: (فمن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) فقالوا: وكذلك من قتله مخطئا؟! ولعمري ان قياس غير السائمة على السائمة لاشبه من قياس قاتل الخطأ على قاتل العمد! وحيث قال الله تعالى: (وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتى دختلم بهن) فقالوا: نعم، وان لم يكن في حجورنا * ومثل هذا كثير جدا، لا يتثقفون فيه ألى أصل (3) فمرة يمنعون من تعدى مافى النص حيث جاء نص آخر بزيادة عليه، ومرة يتعدون النص حيث لم يأت نص آخر بزيادة عليه!، فهم أبدا يعكسون الحقائق، ولو أنهم أخذوا بجميع النصوص، ولم يتركوا بعضها لبعض، ولم يتعدوها إلى ما لا نص فيه: لكان أسلم لهم من النار والعار * واما قولهم: ان الزكاة انما جعلت على ما فيه النماء، فباطل، والزكاة واجبة في الدراهم الدنانير، ولا تنمى (4) أصلا وليست في الحمير، وهى تمنى، ولافى الخضر عند أكثرهم، وهى تنمى * وأيضا فان العوامل من البقر والابل تنمى أعمالها وكراؤها، وتمنى بالولادة أيضا * فان قالوا: لها مؤنة في العلف * قلنا: وللساعة مونة الراعى، وانتم لا تلفتون إلى عظيم المؤنة والنفقة في الحرث، وان استوعبته كله، بل ترون الزكاة (5) فيه، ولا تراعون الخسارة في التجارة، بل ترون


(1) في النسخة رقم (16) (لا يحل تركها). (2) انظر الكلام عليه في نيت الاوطار (ج 4 ص 179) (3) هذا تعبير مبتكر غير معروف، واظنه اخذه من قولهم (ثقفت الشئ) بمعنى حذقته ومن (ثقفته) إذا ظهرت به (4) يقال (نمى يمنى) بكسر الميم في المضارع (ويقال ايضا نمى ينمو) والاول اكثر (5) في النسخة رقم (14) (فيها) *

[ 49 ]

الزكاة فيها فسقط هذا القول جملة. وبالله تعالى التوفيق * وأما من خص من أصحابنا البقربأن لا تزكى الا سائمتها فقط فانهم قالوا: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الابل والغنم عموما، وحد زكاتها، ومن كم تؤخذ الزكاة منها، فلم يجز ان يخص أمره صلى الله عليه وسلم برأى ولا بقياس، واما البقر فلم يصح نص في صفة زكاتها، فوجب ان لا تجب الزكاة الا في بقرصح الاجماع على وجوب الزكاة فيها، ولا إجماع الا في السائمة، فوجبت الزكاة فيها، دون غيرها التى لاإجماع فيها * قال أبو محمد: وهذا خطأ، بل قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ايجاب الزكاة في البقر، بقوله عليه السلام الذى قد ارودناه قبل باسناده: (ما من صاحب ابل ولا بقر لا يؤدي زكاتها الا فعل به كذا) فصح بالنص وجوب الزكاة في البقر جملته، الا أنه لم يأت نص في العدد الذى تجب فيه الزكاة منها، ولا كم يؤخذ منها، ففى هذين الامرين يراعى الاجماع، أما تخصيص بقردون بقر فهو تخصيص للثابت عنه عليه السلام من ايجابه الزكاة في البقر بغير نص، وهذا لا يجوز * ولا فرق بين من أسقط الزكاة عن غير السائمة بهذا الدليل وبين من أسقطها عن الذكور بهذا الدليل نفسه، فقد صح الخلاف في زكاتها * كما حدثنا حمام قال ثنا عبد الله بن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا جرير هو ابن عبد الحميد عن المغيرة هو ابن مقسم (1) الضبى عن ابراهيم النخعي قال: ليس في شئ من السوائم صدقة إلا إناث الابل، واناث البقر، والغنم * قال أبو محمد: ولا يقول بهذا أحد من اصحابنا، ولا الحنيفيون ولا المالكيون ولا الشافعيون ولا الحنبليون، ولا يجوز القول به أصلا، لانه تحكم بلا برهان * فوجبت بالنص الزكاة في كل بقر، أي صفة من صفات البقر كانت، سائمة أو غير سائمة الابقرا خصها نص أو اجماع * وأما العدد والوقت وما يؤخذ منها فلا يجوز القول به إلا باجماع متيقن أو بنص صحيح وبالله تعالى التوفيق * وأما من قال في السائمة بعودة الزكاة فيها كل عام، ورأى الزكاة في غير السائمة مرة من الدهر فانه احتج بان الزكاة واجبة في البقر بالنص الذى أوردنا، ولم يأت بتكرار الزكاة في كل عام نص، فلا تجوز عودة الزكاة في مال قد، كى إلا بالاجماع، وقد صح الاجماع بعودة


(1) بكسر الميم واسكان القاف وفتح السين المهملة *

[ 50 ]

الزكاة في البقر والابل والغنم السائمة (1) كل عام، فوجب القول بذلك، ولا نص ولا اجماع في عودتها في غير السائمة منها كلها، فلا يجب القول بذلك * قال أبو محمد: كان هذا قولا صحيحا لو لا أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث المصدقين في كل عام لزكاة الابل والبقر والغنم، وهذا أمر منقول نقل الكافة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أرضوا مصدقيكم) فإذ قد صح هذا بيقين، فخروج المصدقين في كل عام موجب أخذ الزكاة في كل عام بيقين، فإذ لا شك في ذلك، فتخصيص بعض ما وجبت فيه لا زكاة عاما بان لا يأخذ منه المصدق الزكاة عاما ثانيا تخصيص للنص، وقول بلا برهان، وانما يراعى مثل هذا فيما لا نص فيه وبالله تعالى التوفيق * 679 مسألة وفرض على كل ذى ابل وبقر وغنم أن يحلبها يوم وردها على الماء، ويتصدق من لبنها بما طابت به نفسه * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا الحكم ابن نافع هو ابن اليمان ثنا شعيب هو ابن أبى حمزة ثنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تأتى الابل على صاحبها على خير ما كانت، إذ هو لم يعط فيها حقها، تطؤه باخفافها، وتأتى الغنم على صاحبها على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه باظلافها وتنطحه بقرونها، قال: ومن حقها أن تحلب على الماء) (2) * قال أبو محمد: ومن قال: إنه لا حق في المال غير الزكاة فقد قال: الباطل، ولا برهان على صحة قوله، لامن نص ولا اجماع، وكل ما أوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاموال فهو واجب * ونسأل من قال هذا: هل تجب في الاموال كفارة الظهار والا يمان ودوين الناس أم لا؟ فمنم قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم. * وأما إعارة الدلو واطراق الفحل فداخل تحت قول الله تعالى: (ويمنعون الماعون) * 680 مسألة الاسنان المذكورات في الابل * بنت المخاض هي التى أتمنت سنة ودخلت في سنتين، سميت بذلك لان أمهاما خض، أي قد حلمت، فإذا أتمت سنتين ودخلت في الثالثة فهى بنت لبون وابن لبون، لا ن أمها قد وضعت فلها لبن، فإذا أتمنت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة فهى حقة، لانها قد استحقت أن يحمل عليها الفحل والحمل، فإذا أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة فهى جذعة، فإذا أتمت


(1) في النسخة رقم (14) و (السائمة)) وزيادة الواو خطأ مفسد للمعنى (2) هو في البخاري (ج 2 ص 217) *

[ 51 ]

خمس سنين ودخلت في السادسة فهى ثنية. ولا يجوز في الصدقة وهو ما لم يتم سنة وهو فصل لا يجوز في الصدقة (1) * حدثناه بهذه الاسماء وتفسيرها عبد الله بن ربيع قال: ثنا عمربن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود بذلك كله، عن أبى حاتم السجستاني، والعباس بن الفرج الرياشى، وعن أبى داود المصاحفى (2) عن أبى عبيدة معمر بن المثنى (3) 681 مسألة والخلطة في الماشية أو غيرها لا تحيل حكم الزكاة، ولكل أحد حكمه في ماله، خالط أو لم يخالط لا فرق بين شئ من ذلك * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا عبيدالله بن فضالة أنا سريج (4) بن النعمان ثنا حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك عن أنس بن مالك: أن أبا بكر الصديق كتب له: (أن هذه فرائض الصدقة التى فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، التى أمر الله بها رسول الله (5) صلى الله عليه وسلم) فذكر الحديث وفى آخره: (ولايجمع بين مفترق (6) ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خطيطين فانهما بينهما بالسوية) * قال أبو محمد: فاختلف الناس في تأويل هذا الخبر * فقالت طائفلة: إذا تخالط اثنان فأكثر في ابل أو في بقر أو في غنم فانهم تؤخذ من ماشيتهم الزكاة كما كانت تؤخذ لو كانت لواحد، والخلطة عندهم أن تجتمع الماشية في الراعى والمراح والمسرح والمسقى ومواضع الحلب عاما كاملا متصلا وإلا فليست خلطة، وسواء كانت ماشيتهم مشاعة لا تتميز أو متمميزة، وزاد بعضهم الدلو والفحل * قال أبو محمد: وهذا القول مملوء من الخطأ * أول ذلك ان ذكرهم الراعى كان يغنى عن ذكر المسرح والمسقى، ولانه لا يمكن البتة أن يكون الراعى واحدا وتخلف مسارحها ومساقيها، وفصار ذكر المسرح والمسقى فضولا *


(1) كذا في النسخة رقم (16)، وفى النسخة رقم (14) (ولايجوز في الصدقة وهو ما لم يتم سنة فصيل ولايجوز في الصدقة) والمراد منها واضح والتركيب في كليهما قلق، ولا توجد هذه العبارة في أبى داود،، وقد نقل المؤلف تفسير الاسنان عنه كما قال ولكن قدم وأخر واختصر، وانظره هناك (ج 2 ص 19) (2) نسبه إلى المصاحف، وهو سليمان بن سلم بفتح السين واسكان اللام بن سابق ولم اجد ذكره في ابى داود، ولكن قال ابن حجر: ان له ذكرا في الزكاة عند ابى داود، (3) لم أجد ه أيضا في هذا الموضع في ابى داود، ولكن عبارته (قال أبو داود: سمعته من الرياشى وابى حاتم وغيرهما، ومن كتاب النصر بن شميل، ومن كتاب ابى عبيد) وابو عبيد هو القاسم بن سلام (4) بضم السين المهملة وآخره جيم. ووقع في سنن النسائي في الطبعتين (ج 1 ص 340 وج 5 ص 27) (شريح) وهو خطأ وتصحيف (5) في النسائي (رسوله) بالضمير بدل الاسم الظاهر (6) في النسائي (متفرق) *

[ 52 ]

وأيضا فان ذكر الفحل خطأ، لانه قد يكون لانسان واحد فحلان واكثر، لكثرة ماشيته، وراعيان واكثر، لكثرة ماشيته، فينبغي على قولهم إذا أوجب اختلاطهما في الراعى والعمل أن يزكيها زكاة المنفرد وان لاتجمع ماشية انسان واحد إذا كان له فيها راعيان فحلان، وهذا لا تخلص منه * ونسألهم إذا اختلطا في بعض هذه الوجوه: ألهما حكم الخلطة أم لا؟ فأى ذلك قالوا؟ فلا سبيل ان يكون قولهم إلا تحكما فاسدا بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل بلاشك وبالله تعالى التوفيق * ثم زادوا في التحكم فرأوا في جماعة لهم خمسة من الابل أو أربعون من الغنم أو ثلاثون من البقر بينهم كلهم: ان الزكاة مأخوذة منها، وان ثلاثة لو ملك كل واحد منهم أربعين شاة وهم خلطاء فيها: فليس عليهم إلا شاة واحدة فقط، كما لو كانت لواحد، وقالوا: ان خمسة لكل واحد منهم خمسة من الابل تخاخلطوا بها عاما فليس فيها إلا بنت مخاض وهكذا في جميع صدقات المواشى، * وهذا قول الليث بن سعد، واحمد بن حنبل، والشافعي وأبى بكر بن داود فيمن وافقه من اصحابنا * حتى ان الشافعي رأى حكم الخلطة جاريا كذلك في الثمار، والزرع، والدراهم، والدنانير، فرأى في جماعة بينهم خمسة أوسق فقط ان الزكاة فيها، وان جماعة يملكون مائتي درهم فقط أو عشرين دينارا فقط وهم خلطاء فيها ان الزكاة واجبة في ذلك، ولو أنهم ألف أو أكثر أو أقل * وقالت طائفة: ان كان يقع لكل واحد من الخلطاء ما فيه الزكاة زكوا حينئذ زكاة المنفرد، وان كان لا يقع لكل واحد منهم ما فيه الزكاة فلا زكاة عليهم، ومن كان منهم يقع له ما فيه الزكاة فعليه الزكاة، ومن كان غيره (1) منهم لا يقع له ما فيه الزكاة فلا زكاة عليه * فرأى هؤلاء في اثنين فصاعدا يملكان أربعين شاة أو ستين أو ما دون الثمانين، أو ثلاثين من البقر أو ما دون الستين، وكذلك في الابل: فلا زكاة عليهم فان كان ثلاثة يملكون مائة وعشرين شاة، لكل واحد منهم ثلثها، فليس عليهم الاشاة واحدة فقط، وهكذا في سائر المواشى * ولم ير هؤلاء حكم الخلطة الا في المواشى فقط * وهو قول الاوزاعي، ومالك، وأبى ثور، وأبى عبيد، ابى الحسن بن المغلس من أصحابنا * وقال تطائفة: لاتحيل الخلطة حكم الزكاة أصلا، لا في الماشية ولا في غيرها، وكل خليط


(1) في النسخة رقم (14) (عنده) بدل (غيره) *

[ 53 ]

ليزكى ما معه كما لو لم يكن خليطا، ولا فرق، فان كان ثلاثة خلطاء لكل واحد أربعون شاة فعليهم ثلاث شياه، على كل واحد منهم شاة، وإن كان خمسة لكل واحد منهم خمس من الابل وهم خلطاء فعلى كل واحد شاة، وهكذا القول في كل شئ، وهو قول سفيان الثوري، وأبى حنيفة، وشريك بن عبد الله، والحسن بن حى * قال أبو محمد: لم نجد في هذه المسألة قولة لاحد من الصحابة، ووجدنا أقوالا عن عطاء وطاوس، وابن هرمز، ويحيى بن سعيد الانصاري، والزهرى فقط * روينا عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس أنه كان يقول: إذا كان الخليطان يعلمان أموالهما فلا تجمع أموالهما في الصدقة، قال ابن جريج: فذكرت هذا لعطاء من قول طاوس فقال: ما أراه الا حقا * وروينا عن معمر عن الزهري قال: إذا كان راعيهما واحدا، وكانت ترد جميعا وتروح جميعا صدقت جميعا * ومن طريق ابن وهب عن الليث عن يحيى بن سعيد الانصاري أنه قال: ان الابل إذا جمعها الراعى والفحل والحوض تصدق جميعا ثم يتحاص أصحابها على عدة الابل في قيمة الفريضة التى أخذت من الابل، فان كان استودعه اياها لا يريد مخالطته ولا وضعها عنده يريد نتاجها فان تلك تصدق وحدها * وعن ابن هرمز مثل قول مالك * قال أبو محمد: احتجت كل طائفة لقولها بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى صدرنا به * فقال من رأى أن الخلطة تحيل الصدقة وتجعل مال الاثنين فصاعدا بمنزلة كما (1) لو أنه لواحد: أن معنى قوله عليه السلام: (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة) ان معنى ذلك: هوأن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة، لكل واحد منهم ثلثها، وهم خلطاء، فلا يجب عليهم كلهم الا شاة واحدة، فنهى المصدق أن يفرقها ليأخذ من كل واحد شاة فيأخذ ثلاث شياه، والرجلان يكون لهما مائتا شاة وشاتان، لكل واحد نصفها، فيجب عليهما ثلاث شياه فيفرقانها خشية الصدقة، فيلزم كل واحد منهما شاة، فلا يأخذ المصدق الا شاتين * وقالوا: معنى قوله عليه السلام (كل خليطين يتراجعان بينهما بالسوية، هو أن يعرفا فاما أخذ الساعي فيقع على كل واحد حصته على حسب عدد ماشيته كاثنين لاحدهما أربعون شاة وللآخر ثمانون وهما خليطان، فعليهما شاة واحدة، على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى صاحب الاربعين ثلثها *


كلمة (كما) سقطت من النسخة رقم (14) *

[ 54 ]

وقال من رأى ان الخلطة لا تحيل حكم الصدقة: معنى قوله صلى الله عليه وسلم (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة) هو أن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة، لكل واحد ثلها، فيجب على كل واحد شاة، فنهوا عن جمعها وهى متفرقة (1) في ملكهم تلبيسا على الساعي أنها لواحد فلا يأخذ الا واحدة، والمسلم يكون له مائتا شاة وشاتان فيجب عليه ثلاث شياه، فيفرقها قسمين ويلبس على الساعي أنها لاثنين، لئلا يعطى منها الاشاتين، وكذلك نهى المصدق أيضا عن أن يجمعأ على الاثنين فصاعدا مالهم ليكثر ما يأخذ، وعن أن يفرق مال الواحد في الصدقة، وان وجده في مكانين متباعدين (2) ليكثر ما يأخذ * وقالوا: ومعنى قوله عليه السلام: (كل خليطين يتراد ان بينهما بالسوية) هو أن الخليطين في اللغة التى بها خاطبنا عليه السلام هما ما اختلط معا غيره فلم يتميز، ولذلك سمى الخليطان من النبيذ بهذا الاسم، وأما ما لم يختلط مع غيره فليسا خليطين، هذا مالا شك فيه، قالوا: فليس الخليطان في المال الا الشريكين فيه اللذين لا يتميز مال أحدهما من الآخر، فان تميز فليسا خليطين، قالوا: فإذا كان خليطان كما ذكرنا وجاء المصدق ففرض عليه أن يأخذ من جملة المال الزكاة الواجبة على كل واحد منهما في ماله، وليس عليه أن ينتظر قسمتهما لمالهما، ولعلهمها لا يريد ان القسمة، وان كان حاضرين فليس له ان يجبرهما على القسمة، فإذا أخذ زكاتيهما فانهما يترادان بالسوية، كاثنين لاحدهما ثمانون شاة وللآخر أربعون، وهما شريكان في جمعيها، فيأخذ المصدق شاتين، وقد كان لاحدهما ثلثا كل شاة منهما وللآخر ثلثها، فيترادان بالسوية، فيبقى لصاحب الاربعين تسع وثلاثيون، ولصاحب الثمانمين تسع وسبعون * قال أبو محمد: فاستوت دعوى الطائفتين في ظاهر الخبر، ولم تكن لاحداهما مزية على الاخرى في الخبر (3) المذكور * فنظرنا في ذلك فوجدنا تأويل الطائفة التى رأت أن الخلطة لا تحيل حكم الزكاة أصح، لان كثيرا من تفسيرهم المذكور متفق من جميع أهل العلم على صحته، وليس شى من تفسير الطائفة الاخرى مجمعا عليه، فبطل تأويلهم لتعريه من البرهان، وصح تأويل الاخرى (4) لانه لا شك في صحة ما اتفق عليه، ولا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قول لا يدل على صحته نص ولا إجماع، فهذه حجة صحيحة * ووجدنا أيضا الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (ليس فيما دون خمسة ذود صدقة) وأن من لم يكن له الا أربع من الابل فلا صدقة عليه،) وليس فيما دون أربعين شاة شى)


(1) في النسخة رقم (16) (مفترقة) (2) في النسخة رقم (16) (الحديث (4) في النسخة رقم (16) (الآخرين) *

[ 55 ]

وسائر ما نصه عليه السلام في صدقة الغنم والابل، من ان في اربعين شاة شاة، وفى خمس وعشرين من الابل (1) بنت مخاض، وغير ذلك، ووجدنا من لم يحل بالخلطة حكم الزكاة قد أخذ بجميع هذه النصوص ولم يخالف شيئا منها، ووجدنا من أحال بالخلطة حكم الزكاة يرى في خمسة لكل واحد منهم خمس من الابل ان على كل واحخد منهم خمس بنت مخاض، وان ثلاثة لهم مائة وعشرون شاة على السواء بينهم ان على كل امرئ منهم ثلث شاة، وان عشرة رجال لهم خمس من الابل بينهم فان بعضهم يوجب على كل واحد منهم عشر شاة، وهذه زكاة ما أوجبها الله تعالى قط، وخلاف لحكمه تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم * وسألنا هم عن انسان له خمس من الابل، خالط بها صاحب خمس من الابل في بلد، وله أربع من الابل، خالط بها صاحب أربع وعشرين في بلد آخر، وله ثلاث من الابل، خالط بها صاحب خمس وثلاثين في بلد ثالث؟ فما علمنا هم أتوافى ذلك بحكم يعقل أو يفهم! وسؤالنا أياهم في هذا الباب يتسع جدا، فلا سبيل لهم إلى جواب يفهمه أحد البتة، فنبهنا بهذا السؤال على ما زاد عليه (2) * وقال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) * ومن رأى حكم الخلطة يحيل الزكاة فقد جعل زيدا (3) كاسبا على عمرو، وجعل لمال أحدهما حكما في مال الآخر، وهذا باطل وخلاف للقرآن والسنن * وما عجز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط وهو المفترض عليه البيان لنا عن أن يقول: المختلطان في وجه كذا ووجه كذا يزكيان (4) زكاة المنفرد، فإذ لم يقله فلا يجوز القول به * وأيضا فان قولهم بهذا الحكم انما هو فيما اختلط (5) في الدلو والراعي والمراح والمحتلب: تحكم بلا دليل أصلا، لامن سنة ولا من قرآن ولا قول صاحب ولا من قياس، ولا من وجه يعقل، وبعضهم اقتصر على بعض الوجوه بلا دليل، وليت شعرى أمن قوله عليه السلام مقصورا على الخلطة في هذه الوجوه دون (6) ان يريد به الخلطة في المنزل أو في الصناعة أو في الشركة في الغنم كما قال طاوس وعطاء؟ وفى هذا كفاية * فان ذكروا ما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا ابولاسود هو النضر بن عبد الجبار مصرى (7) ثنا


(1) قوله (من الابل) محذوف في النسخة رقم (16) خطأ (2) في النسخة رقم (16) (عما زاد عليه) وهو خطأ (3) في النسخة (زائدان) وهو تصحيف (4) كلمة (يزكيان) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (5) في النسخة رقم (16) (انما هوما اختلطا) وهو خطأ (6) في النسخة رقم (16) حذفت كلمة (دون) وجعل بدلها واو العطف وهو خطأ (7) هو ثقة ولد سنة 145 ومات سنة 219 في اواخر ذى الحجة *

[ 56 ]

ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد أنه كتب إليه: أنه سمع السائب بن يزيد يقول: انه سمع سعد بن أبى وقاص يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الخليطان ما اجتمع على الفحل، والمرعى، والحوض) * قلنا: هذا لا يصح، لانه عن ابن لهيعة (1) * ثم لو صح فما خالفناكم (2) قط في أن ما اجتمع على فحل ومرعى وحوض أنهما خليطان في ذلك، وهذا حق لاشك فيه، ولكن ليس فيه احالة حكم الزكاة المفترضة بذلك ولو وجب بالاختلاط في المرعى احالة حكم الزكاة لوجب ذلك في كل ماشية في الارض لان المراعى متصلة في أكثر الدنيا، الا أن يقطع بينهما بحر، أو نهر، أو عمارة * وأيضا فليس في هذا الخبر ذكر لتخالطهما بالراعى، وهو الذى عول عليه مالك والشافعي، والا فقد يختلط في المسقى والمرعى والفحل أهل الحلة (3) كلهم، وهما لا يريان ذلك خلطة تحيل حكم الصدقة * وزاد ابن حنبل: والمحتلب * وقال بعضهم: ان اختلطا أكثر الحول كان لهما حكم الخلطة * وهذا تحكم بارد! ونسألهم عمن خالط آخر ستة أشره؟ فبأى شئ أجابوا فقد زادوا في التحكم بلا دليل! ولم يكونوا بأحق بالدعوى من غيرهم؟! * وأما قول مالك فظاهر الحوالة جدا، لانه خص بالخلطة المواشى فقط، دون الخلطة في الثمار والزرع (4) والناض، وليس هذا التخصيص موجودا في الخبر * فان قال: ان النبي صلى الله عليه وسلم انما قال ذلك بعب ذكره حكم الماشية * قلنا: فكان ماذا؟! فان كان هذا حجة لكم فاقتصروا بحكم الخلطة على الغنم فقط، لانه عليه السلام لم يقل ذلك الا بعقب ذكره زكاة الغنم، وهذا مالا مخلص منه * فان قالوا: قسنا الابل والبقر على الغنم * قيل لهم: فهلا قستم الخلطة في الزرع والثمرة على الخلطة في الغنم؟! * وأيضا فان مالكا استعمل احالة الزكاة بالخلطة فيا لنصاب فزائدا (5) ولم يستعمله في عموم الخلطة كما فعل الشافعي، وهذا تحكم ودعوى بلا برهان، وان كان فرعن احالة النص في


(1) الحديث رواه ايضا الدارقطني (ص 304) وفيه (الراعى) بدل (المرعى)، وهو حديث ضعيف احظأ فيه ابن لهيعة وانفرد به، وانظر الكلام عليه في التلخيص (ص 175) (2) في النسخة رقم (14) (خالفناهم) (3) الحلة بكسر الحاء جماعة بيوت الناس لانها تحل، والجمع حلال، بالكسر أيضا (4) في النسخة رقم (16) (والزرع) (5) كلمة (فزائدا) محذوفة في النسخة رقم (16) *

[ 57 ]

أن لا زكاة فيما دون النصاب: فقد وقع فيه فيما فوق النصاب، ولافرق بين الا حالتين. وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وأما أبو حنيفة واصحابه فانهم يشنعون بخلاف المجهور إذا وافق تقليدهم، وهم ههنا قد خالفوا خمسة من التابعين، لا يعلم لهم من طبقتهم ولامن قبلهم مخالف (1) وهذا عندنا غير منكر، لكن أوردناه لنريهم تناقضهم، واحتجاجهم بشئ لا يرونه حجة إذا خالف أهواءهم! * وموهوا أيضا بما حدثناه أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن ابى شيبة ثنا يزيد بن هرون عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه حكيم عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون، لا تفرق ابل عن حسابها، من اعطاها مؤتجرا فله أجرها، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منهما شئ، ومن منعها فانا آخدوها وشطرابله) (3) * قالوا: فمن أخذ الغنم من أربعين ناقة لثمانية شركاء، لكل واحد منهم خمس، فقد فرقها عن حسابها، ولم يخص عليه السلام ملك واحد من ملك جماعة * قال أبو محمد: فنقول لهم وبالله تعالى نتأيد: ان كان هذا الخبر عندكم حجة فخذوا بما فيه، من ان مانع الزكاة تؤخذ منه وشطرا بله زيادة * فان قلتم: هذا منسوخ * قلنا لكم: هذه دعوى بلا حجة، لا يعجز عن مثلها خصومكم، فيقولوالكم: (3): والذى تعلقتم به منه منسوخ * وان كان المشغب به مالكيا قلنا لهم: فان كان شريكه مكاتبا أو نصرانيا * فان قالوا: هذا قد خصته أخبار أخر * قلنا: وهذا نص قد خصته أخبار أخر، وهى: ان لا زكاة في أربع من الابل فأقل، وان في كل خمس شاة إلى اربع وعشرين * ثم نقول: هذا خبر لا يصح، لان بهزبن حكيم غير مشهور العدالة، ووالده حكيم كذلك (4) *


(1) في النسخة رقم (16) (لا نعلم لهم من طبقتهم ولا ممن قبلهم مخالفا) (2) رواه أبو داود (ج 3 ص 12) والنسائي (ج 5 ص 15 و 17) واحمد (ج 5 ص 2 و 4) والحاكم (ج 1 ص 397 و 398) وصححه (3) في النسخة رقم (14) (فنقول لكم) (4) بل بهز وابوه ثقتان وقد صحح الحاكم والذهبي صحيفة بهز عن ابيه عن جده. وانظر الشوكاني (ج 4 ص 179) *

[ 58 ]

فكيف ولو صح هذا الخبر لما كان (1) لهم فيه حجة؟ لانه ليس فيه ان حكم المختلطين حكم الواحد، ولا يجوز ان يجمع مال انسان إلى مال غيره في الزكاة، ولا أن يزكى مال زيد بحكم مال عمر، لقول الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فلو صح لكان معناه بلا شك فيما جاوز العشرين ومائة من الابل، لمخالفة جميع الاخبار أولها عن آخرها، لما خالف هذا العمل لاجماعهم واجماع الاخبار على ان في ست وأربعين من الابل حقة لابنت لبون، ولسائر ذلك في الحكام التى ذكرنا * وايضا فانه ليس في هذا الخبر الا الابل فقط، فنقلهم حكم الخلطة إلى الغنم والبقر قياس، والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لانه ليس نقل هذا الحكم عن الابل إلى البقر، والغنم بأولى من نقله إلى الثمار والحبوب والعين، وكل ذلك دعوى في غاية الفساد، وبالله تعالى التوفيق * ولابي حنيفة ههنا تناقض طريف (2)، هو أنه قال في شريكين في ثمانين شاة لكل واحد منهما نصفها: ان عليهما شاتين بينهما، وأصاب في هذا، ثم قال في ثمانين شاة لرجل واحد نصفها ونصفها الثاني لاربعين رجلا: انه لا زكاة فيها أصلا لا على الذى يملك نصفها، ولا على الآخرين، واحتج في اسقاطه الزكاة عن صاحب الاربعين بأن تلك التى بين اثنين يمكن قسمتها، وهذه لا يمكن قسمتها * فجمع (3) كلامه هذا أربعة أصناف من فاحش الخطأ! * أحدها اسقاطه الزكاة عن مالك أربعين شاة ههنا * والثانى ايجابه الزكاة على مالك أربعين في المسألة الاخرى، ففرق بلا دليل * والثالث احتجاجه في اسقاطه الزكاة هنا بأن القسمة تمكن هنالك، ولا تمكن ههنا، فكان هذا عجبا وما ندرى للقسمة وامكانها أو تعذر امكانها مدخلا في شئ من أحكام الزكاة؟! * والرابع أنه قد قال الباطل، بل ان كانت القسمة هنالك ممكنة فهى ههنا ممكنة وان كانت ههنا متعذرة فهى هنالك متعذرة، فاعجبوا لقوم هذا مقدار فقههم:: * قال أبو محمد: فان قال قائل: فانتم توجبون الزكاة على الشريك في الماشية إذا ملك ما فيه الزكاة في حصته، وتوجبونها على الشريكين في الرقيق في زكاة الفطر، وتقولون فيمن له نصف عبد مع آخر ونصف عبد آخر مع آخر، فاعتق النصفين: أنه لا يجزئانه عن


(1) في النسخة رقم (14) (كانت) (2) هو بالطاء المهملة (3) في النسخة رقم (16) (فجميع) هو خطأ (4 (في النسخة رقم (14) (أو تعذرها) *

[ 59 ]

رقبة واجبة، ومن له نصف شاة مع انسان، ونصف شاة أخرى مع آخر فذبحهما (1): انه لا يجزئه ذلك عن هدى واجب فكيف هذا! * قلنا: نعم لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المسلم في فرسه وعبده صدقة الا صدقة الفطر في الرقيق) فقلنا بعموم هذه اللفظة، وقال عليه السلام: (كل خليطين فانهما يترادان بينهما بالسوية) فقلنا بذلك وأوجب رقبة وهدى شاة ولا يسمى نصفا عبدين رقبة، ولا نصفا شاة شاة وبالله تعالى التوفيق * زكاة الفضة (2) 682 مسألة لا زكاة في الفضة مضروبة كانت أو مصوغة أو نقارا أو غير ذلك حتى تبلغ خمس أواقى فضة محضة، لا يعد في هذا الوزون شئ يخالطها من غيرها فإذا أتمت كذلك سنة قمرية متصلة فيها خمسة دراهم بوزن مكنة، والخمس أواقى هي مائتي درهم بوزن مكة الذى قد ذكرنا قبل في زكاة ا لبر والتمر والشعير، فإذا زادت على ما ذكرنا وأتمت بزيادتها سنة قمرية ففيما زاد قل أو كثر ربع عشرها، وهكذا كل سنة، فان نقص من وزن الاواقى المذكورة ولو فلس فلا زكاة فيها * وان كان فيها خلط، فان غير الخلط شيئا من لون الفضة أو محكها أو رزانتها أسقط ذلك الخلط فلم يعد، فان بقى في الفضة المحضة خمس أواقى زكيت، والا فلا، وإن كان الخلط لم يغير شيئا من صفات الفضة زكيت بوزنها * وهذا كله مجمع عليه الا ثلاثة مواضع، نذكرها إن شاء الله تعالى * قال مالك: إن نقصت المائتا درهم نقصانا تجوز به جواز الوزنة (3) ففيها الزكاة * وقال بعض التابعين: ان نقصت نصف درهم ففيها الزكاة * وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه كما روينا من طريق سفيان الثوري عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على قال: إذا بغلت مائتي درهم ففيها (4) خمسة دراهم، وان نقص المائتين فليس فيه شئ. * وهو قول عمر بن الخطاب، وهو قول الحسن البصري، والشعبى، وسفيان الثوري وأبى سليمان، والشافعي *


(1) في النسخة رقم (14) (فذبحهاء)، وفى النسخة رقم (16) (فذبحوها) وكلاهما خطأ (2) هذا العنوان لا يوجد في النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (الموزنة). كذا كانت في النسخة رقم (14) ولكن صححها كاتبها (4) في النسخة رقم (16) (إذا بلغ مائتي درهم ففيه *

[ 60 ]

وقال أبو حنيفة في نقصان الوزون كقول أصحابنا، واضطرب في الخلط يكون فيها * وقال مالك: ان كان في الدراهم خلط زكيت بوزنها كلها * وقال الشافعي، وأبو سليمان كما قلنا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا مالك ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة (1) عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة، ولا في أقل من خمس من الا بل الذود صدقة، ولا في أقل من خمس أواق (2)، من الورق صدقة) * ورويناه أيضا عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم كما حدثنا حمام ثنا أبو محمد الباجى ثنا عبد الله ابن يونس ثنا بقى ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبد الله بن نمير عن أبى اسحاق عن عاصم ابن ضمرة عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في أقل من مائتي درهم شئ) * قال أبو محمد: فمنع عليه السلام من أن يجب في أقل من خمس أواق من الورق صدقة، فإذا نقصت ما قل أو كثر فهو أقل من خمس أواقى، فصح يقينا أنه لا شئ فيها، وسواء كان معها خلط يبلغ أزيد من خمس أواقى أو لم يكن، وسقط كل قول مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مما خالف فيه المالكيون صاحبا لا يعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف * وأما إذا لم يغير الخلط شيئا من حدود الفضة وصفاتها فهو فضة، كالخلط يكون في الماء لا يغير شيئا من صفاته، وهكذا في كل شئ لم يغير حد ما صار فيه. وبالله تعالى التوفيق * واختلفوا فيما زاد على المائتين * فروينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن سليمان عن عاصم الاحول عن الحسن البصري قال: كتب عمر إلى أبى موسى: فيما زاد على المائتين ففى كل أربعين درهما درهم. * وهو قول الحسن، ومكحول، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار والزهرى وبه يقول أبو حنيفة، والاوزاعي *


(1) هو في البخاري (ج 2 ص 240) (محمد بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة المازنى) وهو هو قال ابن حجر في التهذيب: (ومنهم نسبه إلى جده يعنى عبد الرحمن ومنهم من نسب عبد الله يعنى أباه إلى جده، والجمع واحد) (2) ما هنا هو الذى في النسخة رقم (14) وهو الموافق للبخاري: وفى النسخة رقم (16) (اواقى)

[ 61 ]

وحدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمر عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: في مائتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك * وبه إلى معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ما زاد على المائتين فبالحساب * وهو هو إبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بنى سيرين، وسفيان الثوري والحسن بن حى، ووكيع، وأبى يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبن أبى ليلى، ومالك * قال أبو محمد: احتج أهل هذه المقالة بحديث من طريق المنهال بن الجراح وهو كذاب عن حبيب بن نجيج وهو مجهول عن عبادة بن نسى عن ماذ بن جبل: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسور شيئا، إذا بلغ الورق مائتي درهم خمسة دراهم، ولا يأخذ مما زاد حتى يبلغ أربعين درهما) (1) * وبما رويناه من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود الجزرى وهو ساقط مطرح باجماع (2) عن الزهري عن أبى بكربن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (في كل خمس أواق خمسة دراهم، فما زاد ففى كل أربعين درهما درهم) (3) * وبما رويناه من طريق الحسن بن عمارة وهو ساقط مطرح باجماع عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طاللب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال له: (يا على، أما علمت أنى عفوت (4) عن صدقة الخيل، والرقيق، فأما البقر، والابل، والشاء فلا، ولكن هاتواربع العشر (5)، من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين دينارا نصف دينار، وليس في مائتي درهم شئ حتى يحول عليها الحول، فإذا حال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، فما زاد ففى كل أربعين درهما درهم (6) * وبما حدثناه حمام قال: ثنا عباس ثنا ابن أيمن أنا مطلب بن شعيب المصرى (7) ثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث قال: حدثنى يونس عن ابن شهاب في الصدقة (8) نسخة كتاب


(1) رواه الدارقطني من طريق اسحق عن المنهال (ص 200) ثم قال: (المنهال ابن الجراح متروك الحديث)، وهو العطوف، اسمه الجراح بن المنهال، وكان ابن اسحق يقلب اسمه إذا روى عنه، وعبادة بن نسى لم يسمع من معاذ). واما حبيب بن نجيح فقد ذكره ابن حبان في الثقات (2) سبق الكلام عليه في المسألة 673 (3) هذا قطعة من كتاب عمرو بن حزم، وقد بينا مرارا انه صحيح (4) في بعض النسخ (قد عفوت) (5) في النسخة رقم (16) (العشور (6) انظر لفظا قريبا من هذا الحديث ابى داود (ج 2 ص 10 و 11) من طريق جرير وآخر عن ابى اسحق، ولعل هذا الآخر هو الحسن بن عمارة (7) هو مروزى ولد بمصر وسكن فيها، وكان ثقة في الحديث، مات يوم الاحد النصف من المحرم سنة 283 (8) في النسخة رقم (16) (في الصدقات)!

[ 62 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة، وهى عند آل عمر بن الخطاب أقر أنيهاسالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، فذكر صدقة الابل، فقال: (فإذا كانت احدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة (1)) ثم قال: (ليس فيا لورق صدقة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، ثم في كل أربعين زادت على مائتي درهم (2) درهم) * حدثناه أيضا عبد الله بن ربيع قال ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا عبد الله بن عمر النميري (3) ثنا يونس بن يزيد سمعت الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة، وهى عند آل عمر ابن الخطاب، أقرأنيها سالم بن عبد الله، فوعيتها على وجهها، وهى التى نسخ عمر بن عبد العزيز حين أمر على المدينة، فأمر عماله بالعمل بها، فذكر فيها صدقة الابل، وفيها: (فإذا كانت احدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل، حتى تبلغ عشرين ومائة، وفاذا كانت ثلاثين ومائة ففيها حقة وابنتا لبون، حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة، ففيها حقتان وابنة لبون، حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق، حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة، فإذا بغلت ستيت ومائة ففيها أربع بنات لبون، حتى تبلغ تسعا وستين ومائة، فإذا بلغت سبعين ومائة ففيها حقة وثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا بغلت ثمانين ومائة ففيها حتقان وابنتا لبون، حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون، حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت فيها أخذت) وذكر صدقة الغنم، قال الزهري: (وليس في الرقة صدقة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بغلت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم) ثم قال: (في كل أربعين درهما زاد على المائتي درهم درهم، وليس في الذهب صدقة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم، فإذا بلغ صرفها مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، ثم في كل شئ منها يبلغ صرفه أربعين درهما درهم، حتى تبلغ أربعين دينارا ففيها دينار، ثم ما زاد على ذلك من الذهب ففى كل صرف أربعين درهما درهم، وفى كل أربعين دينارا دينار (4)) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا عمرو بن عون


(1) كلمة (ومائة) سقطت من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (16) (مائتين درهم) وهو خطأ (3) بضم النون وفتح الميم، وهو ثقة (4) انظر المستدرك (ج 1 ص 393 و 394) والدار قطني (ص 209 و 210) *

[ 63 ]

أخبرنا أبو عوانة عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة، من كل أربعين درهما درهم، وليس في تسعين ومائة شئ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم) * هذا كل ما موهوا به من الآثار، قد تقصيناه (1) لهم أكثر مما يتقصونه لانفسهم * واحتجوا بأن قالوا: قد صحت الزكاة في الاربعين الزائدة على المائتين باجماع، واختلفوا فيما بين المائتين وبين الاربعين، فلا تجب فيها زكاة باختلاف * وقالوا من جهة القياس: لما كانت الدراهم لها نصاب لا تؤخذ الزكاة من أقل منه، وكانت الزكاة تتكرر فيها كل عام أشبهت المواشى، فوجب أن يكون فيها أوقاص كما في المواشى ولم يجز أن تقاس على الثمار والزرع، لان الزكاة هنا لك مرة في الدهر لا تتكرر، بخلاف العين والماشية * هذا كل ما شغبوا به من نظر وقياس * وكل ما احتجوا به من ذلك لا حجة لهم في شئ منه، بل هو حجة عليهم، على ما نبين ان شاء الله تعالى * أما حديث معاذ فساقط مطرح، لانه عن كذاب واضح للاحاديث، عن مجهول * وأما حديث أبى بكر بن عمر وبن حزم فصحيفة مرسلة، ولا حجة في مرسل، وأيضا فانها عن سليمان بن داود الجزرى، وهو ساقط مطرح * ثم لو صح كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في الرقة ربع العشر) زائدا على هذا الخبر، والزيادة لا يحل تركها، لانه ليس في هذا الخبر الا أن في كل أربعين درهما درهم فقط، وليس فيه أن لا زكاة فيما بين المائتين وبين الاربعين * وأما حديث الحسن بن عمارة فساقط، للاتفاق على سقوط الحسن بن عمارة * ولو صح لكانوا قد خالفوه، فانهم يرون الزكاة في الخيل السائمة وفى الخيل والرقيق المتخذين للتجارة، وفى هذا الخبر سقوط الزكاة عن كل ذلك جملة، فمن أقبح سيرة ممن يحتج بخبر ليس فيه بيان ما يدعى، وهو يخالفه في نص ما فيه؟! * ولو صح هذا الخبر لكان قوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر، زائدا، والزيادة لا يجوز تركها * وأما حديث الزهري فمرسل أيضا، ولا حجة في مرسل، والذى فيه من حكم زكاة الورق والذهب (2) فانما هو كلام الزهري، كما أوردناه آنفا من رواية الحجاج بن المنهال *


(1) في النسخة رقم (14) (تقصيناها) (2) في النسخة رقم (14) (من حكم الزكاة، الورق والذهب) *

[ 64 ]

والعجب كل العجب تركهم مافى الصحيفة التى رواها الزهري نصا من صفة زكاة الابل، واحتجاجهم بما ليس منها!، وخالفوا الزهري أيضا فيما ذكر من زكاة الذهب بالقيمة وهذا تلاعب بالديانة وبالحقائق وبالعقول! * وأما حديث على الذى ختمنا به فصحيح مسند، ولا حجة لهم فيه، بل هو حجة عليهم، لان فيه: (قد عفوت عن الخيل والرقيق) وهم يرون الزكاة في الخيل السائمة والتى للتجارة وفي الرقيق الذى للتجارة، ومن الشناعة احتجاجهم بحديث هم أول مخالف له في نص ما فيه (1)! * ولا دليل فيه على ما يقولون لوجهين: * أحدهما أن نصه: (هاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهم، وليس في تسعين ومائة شئ فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم) ونعم، هكذا هو، لان في المائتين أربعين مكررة خمس مرات، ففيها خمسة دراهم، ونحن لا ننكر أن في أربعين درهما زائدا درهم (2)، وليس في هذا الخبر إسقاط الزكاة عن أقل من أربعين زائدة على المائتين، فلا حجة لهم فيه * وايضا فهم يقولون: ان الصاحب إذا روى خبرا ثم خالفه فهو دليل على ضعف ذلك الخبر، كما ادعوا في حديث (3) أبى هريرة في غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا وقد صح عن على كما ذكرنا في صدر هذه المسألة أن ما زاد على مائتي درهم فالزكاة فيه بحساب المائتين، فلو كان في رواية على ما يدعونه من إسقاط الزكاة عما بين المائتين والاربعين الزائدة لكان قول على بايجاب الزكاة في ذلك على أصلهم مسقطا لما روى من ذلك (4) والقوم متلاعبون! * قال أبو محمد: فسقط كل ما موهوابه من الآثار، وعادت حجة علهيم كما أوردنا * وأما قولهم: قد صحت الزكاة في الاربعين الزائدة على المائتين باجماع، واختلفوا فيما دون الاربعين، فلا تجب الزكاة فيها باختلاف: فان هذا كان يكون احتجاجا صحيحا لو لم يأت نص بايجاب الزكاة في ذلك، ولكن هذا الاستدلال يعود عليهم في قولهم في زكاة الخيل وزكاة البقر وما دون خمسة أوسق مما أخرجت الارض والحلى وغير ذلك، ويهدم عليهم أكثر مذاهبهم *


(1) في النسخة رقم (14) (وهم اول مخالف لنص ما فيه) (2) في النسخة رقم (14) (درهما) وهو لحن وكلمة (زالدا) سقطت رقم (16) ومقتضى السياق اثباتها (3) في النسخة رقم (14) (في رواية حديث) (4) هنا في النسخة رقم (14) زيادة (على اصلهم) وهو تكرار *

[ 65 ]

وأما قياسهم زكاة العين على زكاة المواشى بعلة تكرر الصدقة في كل ذلك كل عام بخلاف زكاة الزرع: فقياس فاسد، بل لو كان القياس حقا لكان قياس العين على الزرع أولى لان المواشى حيوان، والعين، والزرع، والتمر ليس شئ من ذلك حيوانا، فقياس زكاة ما ليس حيا (1) على زكاة ما ليس حيا أولى من قياس ما ليس حيا على حكم الحى * وأيضا فان الزرع، والتمر، والعين كلها خارج من الارض، وليس الماشية كذلك، فقياس ما خرج من الارض على ما خرج من الارض أولى من قياسه على ما لم يخرج من الارض * وأيضا فانهم جعلوا وقص الورق تسعة وثلاثين درهما، وليس في شئ من الماشية وقص من تسعة وثلاثين، فظهر فساد قياسهم، وبالله تعالى التوفيق. فسقط كل ما موهوا به * ثم وجدنا الرواية عن عمر رضى الله عنه بمثل قولهم لا تصح، لانها عن الحسن عن عمر والحسن لم يولد الا لسنتين باقيتين من خلافة عمر، فبقيت الرواية عن على، وابن عمر رضى الله عنهما بمثل قولنا، ولا يصح عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلاف لذلك * قال أبو محمد: فإذا لم يبق لاهل هذا القول متعلق نظرنا في القول الثاني * فوجدنا ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد بن عبد الله الانصاري قال حدثنى أبى هو عبد الله بن المثنى ثنا ثمامة بن أنس بن مالك ان أنسا (2) حدثه: ان أبا بكر الصديق كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر الحديث وفيه: (وفى الرقة ربع عشرها (3)، فان لم تك الا تسعين ومائة فليس فيها شئ الا أن يشاء ربها) * فاوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم الصدقة في الرقة، وهى الورق، ربع العشر عموما، لم يخص من ذلك شيئا الا ما كان أقل من خمس أواقى، وفبقى ما زاد على ذلك على وجوب الزكاة فيه، فلا يجوز تخصيص شئ منه (4) أصلا وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم (16) (حيوانا) (2) في النسخة رقم (14) (ان اباه) وما هنا هو الموافق للبخاري (ج 2 ص 238) (3) في البخاري (ربع العشر) (4) في النسخة رقم (16) (منها) *

[ 66 ]

زكاة الذهب (1) 683 مسألة قالت طائفة: لا زكاة في أقل من أربعين مثقالا من الذهب الصرف الذى لا يخالطه شئ بوزن مكة، سواء مسكوكه وحليه ونقاره (2) ومصوغه، فإذا بلغ أربعين مثقالا كما ذكرنا وأتم في ملك المسلم الواحد عاما قمريا متصلا ففيه ربع عشره، وهو مثقالا، وهكذا في كل عام، وفى الزيادة على ذلك إذا أتم اربعين مثقالا أخرى وبقيت عاما كاملا دينار آخر وهكذا أبدا في كل أربعين دينارا زائدة دينار، وليس في الزيادة شى زائد حتى تتم أربعين دينارا * فان كان في الذهب خلط لم يغير لونه أو رزانته أو حده (3)، سقط حكم الخلط فان كان فيما بقى العدد المذكور زكى، وإلا فلا، فان نقص من العدد المذكور ماقل أو كثر فلا زكاة فيه، وفى كثير مما ذكرنا اختلاف نذكره ان شاء الله تعالى * قال جمهور الناس: بايجاب الزكاة في عشرين دينارا لا أقل * وروينا عن عمر بن عبد العزيز ما حدثناه أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى ثنا على ابن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القسام بن سلام ثنا سعيد بن عفير (4) عن مالك بن أنس عن يحيى ابن سعيد الانصاري عن رزيق بن حيان (5) قال: كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أنظر من مربك من المسلمين فحذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون في التجارات من كل أربعين دينارا دينارا، وما نقص فبسحاب ذلك، حتى تبلغ عشرين دينارا، فان نقصت ثلث دينار فدعها * قال أبو محمد: فهذا عمر بن عبد العزيز يرى في الذهب أن فيها الزكاة (6) وان نقصت، فان نقصت ثلث دينار فلا صدقة فيها * وقال مالك: ان نقصت نقصانا تجوز به جواز الموازنة زكيت، وإلا فلا، وقال: ان كان في الدنانير الذهب وحل يالذهب خلط زكى الدنيانير بوزنها *


(1) هذا العنوان من النسخة رقم (16) ولا يوجد في النسخة رقم (14) (2) النقرة بضم النون وإسكان القاف من الذهب والفضة: القطعة المذابة، وجمعها (نقار) بكسر النون. (3) في النسخة رقم (14) (لم يغير لونه ولا رزانته ولاحده) (4) عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء: وسعيد هو ابن كثيربن عفير المصرى، ولد سنة 146 ومات سنة 226 وقال الحاكم: (يقال ان مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه) وفى النسخة رقم (16) (سعيد بن عبيد) وهو خطأ (5) رزيق بضم الراء وفتح الزاى، وحيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة: وقد اختلف في ضبط اسم رزيق هذا فضبطه البخاري وغيرهما بتقديم الراء كما قلنا، وضبطه أبو زرعة الدمشقي بتقدم الزاى على الراء: وهو الموافق للنسخة (16)، والاول أرجح (6) الذهب يذكر ويؤ نث *

[ 67 ]

وقال الشافعي: لا يزكى إلاما فضل عن الخلط من الذهب المحض، ولا يزكى ما نقص عن عشرين دينارا، لا بما قولا بما كثر * وقال أبو حنيفة وغيره: الزكاة في عشرين دينارا نصف دينار، فان زادت فلا صدقة فيها حتى تبلغ الزيادة أربعة دنانير، فإذا زادت أربعة دنانير ففيها ربع عشرها، وهكذا أبدا وقال مالك، والشافعي: ما زاد قل أو كثر ففيه ربع عشره * وروينا عن بعض التابعين: أنه لا زكاة فيما زاد حتى تبلغ الزيادة عشرين دينارا (1) وهكذا أبدا * وروينا عن الزهري وعطاء: أن الزكاة إنما تجب في الذهب بالقيمة، كما حدثنا عبد الله ابن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا عبد الله بن عمر النميري ثنا يونس بن يزيد الايلى قال سمعت الزهري يقول: ليس في الذهب (2) صدقة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم، فإذا بلغ صرفها مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، ثم في كل شئ منها يبلغ صرفه أربعين درهما درهم، حتى تبلغ أربعين دينارا، ففيها دينار، ثم ما زادت على ذلك من الذهب ففى صرف كل أربعين درهما درهم، وفى كل أربعين دينارا دينار (3) * حدثنا احمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال عطاء وعمرو بن دينار: لا يكون في مال زكاة حتى يبلغ عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا ففيها نصف دينار، ثم في كل أربعة دنانير يزيدها المال درهم، حتى يبلغ المال أربعين دينارا، ففى كل أربعين دينارا دينار. قال ابن جريج: فلما كان بعد ذلك بحين قلت لعطاء: لو كان لرجل تسعة عشر دينارا ليس له غيرها والصرف اثنا عشر أو ثلاثة عشر بدينار، فيها صدقة..؟ قال: نعم، إذا كانت لو صرفت بلغت ما ئتى درهم، انما كانت إذ ذلك الورق (4) ولم يكن ذهب * وممن قال بأن لا زكاة في الذهب إلا بقيمة ما يبلغ مائتي درهم فصاعدا من الورق سليمان بن حرب الواشحى (5) * قال أبو محمد: أما من قال: لم يكن يومئذ ذهب فحطأ، كيف هذا؟! والله عزوجل يقول: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) والاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كون الذهب عندهم كثيرة جدا، كقوله عليه السلام


(1) في النسخة رقم (16) (مثقالا) (2) كلمة (صدقة) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (3) انظر حديث الزهري بطوله في المسألة السابقة 682 (2) في النسخة رقم (16) (الوزن) وهو تحريف المعجمة والحاء المهملة، نسبه إلى واشح) حى من الازد. وفى الاصلين بالجيم وهو تصحف *

[ 68 ]

(الذهب حرام على ذكور أمتى حل لا ناثها) واتخاذه عليه السلام خاتما من ذهب ثم رمى به، وغير ذلك كثير * وايجاب الزكاة في الذهب بقيمة الفضة قول لا دليل على صحته من نص ولا إجماع ولا نظر، فسقط هذا القول وبالله تعالى التوفيق * ثم نظرنا هل صح في ايجاب الزكاة في الذهب شئ أم لا؟ * فوجدنا ما حدثناه حمام قال ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وفيه (من كانت له ذهب أو فضة لم يؤد ما فيها جعلت له يوم القيامة صفائح من نار فوضعت على جنبه (1) وظهره وجبهته، حتى يقضى بين الناس، ثم يرى سبيله) * فوجبت الزكاة في الذهب بهذا الوعيد الشديد، فوجب طلب الواجب في الذهب الذى من لم يؤده عذب هذا العذاب الفظيع، نعوذ بالله منه، بعد الاجماع المتيقن المقطوع به على أنه عليه السلام لم يرد كل عدد من الذهب، ولا كل وقت من الزمان، وأن الزكاة انما تجب في عدد معدود، وفى وقت محدود، فوجب فرضا طلب ذلك العدد وذلك الوقت * فوجدنا من حد في ذلك عشرين دينارا احتج بما رويناه من طريق ابن وهب: أخبرني جرير بن حازم وآخر عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الاعور عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر كلاما، وفيه (وليس عليه شئ حتى يكون يعنى في الذهب لك عشرون دينارا (2) فإذا كان لك عشرون دينارا (3) وحال عليها الحول فيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك) قال: لا أدرى، أعلى يقول (بحساب ذلك) أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ * ومن طريق عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن أبى إسحق عن عاصم بن ضمرة عن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن كل عشرين دينارا نصف دينار) *


(1) في النسخة رقم (16) (جبينه) وهو تصحيف وانظر الحديث في مسلم (ج 1 ص 270) والشوكانى (ج 4 ص 172) وجمع الفوائد (ج 1 ص 141) (2) في النسخة رقم (14) (حتى يكون يعنى في الذهب ذلك عشرون دينارا) وفى النسخة رقم (16) (في ذلك) بزيادة (في) وكلاهما خطأ وما هنا الصواب المقارب لما في ابى داود (ج 2 ص 10 و 11)) من طريق ابن وهب (3) في النسخة رقم (16) (فإذا كان ذلك عشرون دينارا) وهو خطأ ولجن والذى في أبى داود (حتى تكون) (فإذا كانت) *

[ 69 ]

ومن طريق ابن أبى ليلى عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولافى أقل من مائتي درهم صدقة) * ومن طريق أبى عبيد عن يزيد (1) عن حبيب بن أبى حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن (2) الانصاري إن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى كتاب (3) عمر في الصدقة: (أن الذهب لا يؤخذ منها شئ حتى تبلغ عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار) * وذكر فيه قوم من طريق عبد الله بن واقد عن ابن عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن في عشرين دينارا الزكاة) * قال على: هذا كل ما ذكروا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * وأما عمن دونه عليه السلام فروينا من طريق الليث بن سعد عن يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس (4) قال: ولانى عمر الصدقات، فأمرني أن آخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار، فما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم * ومن طريق وكيع: ثنا سفيان الثوري عن أبى إسحق عن عاصم بن ضمرة عن على قال: ليس في أقل من عشرين دينارا شئ، وفى عشرين دينارا نصف دينار، وفى أربعين دينارا دينار * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم النخعي قال: كان لامرأة عبد الله بن مسعود طوق فيه عشرون مثقالا فأمرها أن تخرج عنه خمسة دراهم * ومن طريق وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن الشعبى قال: في عشرين مثقالا نصف مثقال، وفى أربعين (5) مثقالا مثقال * ومن طريق عبد الله بن احمد بن حنبل عن أبيه: ثنا هشيم والمعتمر بن سليمان قال هشيم: أنا منصور، ومغيرة، قال منصور: عن ابن سيرين، وقال مغيرة، عن ابراهيم وقال المعتمر: عن هشام عن الحسن، ثم اتفق الحسن، وابن سيرين، وإبراهيم، قالوا


(1) في النسخة رقم (16) (زيد) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (محمد بن عبد الله) وهو خطأ، وقد سبق هذا الاسناد (3) في النسخة رقم (16) (في كتاب) بحذف الواو، وهو خطأ (4) في النسخة رقم (14) (عن حميد بن أنس) وهو خطأ، فانه حميد بن ابى الطويل التابعي المعروف بروايته عن انس (5) في النسخة رقم (14) (وفى كل أربعين) *

[ 70 ]

كلهم: في عشرين دينارا نصف دينار، وفى أربعين دينارا دينار * وقد ذكرناه في أول الباب عن عمر بن عبد العزيز * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة: ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبى غنية (1) عن أبيه عن الحكم هو ابن عتيبة أنه كان لا يرى في عشرين دينارا زكاة حتى تكون عشرين مثقالا، فيكون فيها نصف مثقال * وقد ذكرناه قبل عن عطاء، وعمروبن دينار، وذكرنا رجوع عطاء عن ذلك * قال أبو محمد: ما نعلم عن أحد ممن التابعين غير ما ذكرنا * فأما كل ما ذكروا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يصح منه شئ ولو صح لما استحللنا خلافه، وأعوذ بالله من ذلك * أما حديث على الذى صدرنا به فان ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبى اسحاق قرن فيه بين عاصم بن ضمرة وبين الحارث الاعور، والحارث كذاب، وكثير من الشيوخ يجوز عليهم مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير، وأدخل حديث أحدهما في الآخر، وقد رواه عن أبى اسحاق عن عاصم عن على شعبة، وسفيان، ومعمر، فأوقفوه على على، وهكذا كل ثقة رواه عن عاصم (2) * وقد روى حديث الحارث وعاصم زهير بن معاوية (3) فشك فيه، كما حدثنا عبد الله ابن ربيع ثنا عمربن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن محمد النفيلى ثنا زهير ابن معاوية ثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة، وعن الحارث عن على، قال زهير: أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر صدقة الورق،: (إذا كانت (4) مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك) وقال في البقر: (في كل ثلاثين تبيع، وفى كل أربعين مسنة، وليس على العوامل شئ) وقال في الابل: (في خمس وعشرين خمس (5) من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض، فان لم تكن فابن لبون ذكر) قال زهير: وفى حديث عاصم: (إذا لم يكن في الابل بنت مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان) * قال على: قد ذكرنا أنه حديث هالك، ولو أن جريرا أسنده عن عاصم وحده لاخذنا به، لكن لم يسنده إلا عن الحارث معه، ولم يصح لنا إسناده من طريق عاصم، ثم لما شك


(1) بفتح الغين المهجمة وكسر النون وتشديد الياء المفتوحة (2) سيرجع المؤلف عن هذا الرأى في آخر المسألة ويرجح ان الحديث مسند صحيح وأن ما قاله هنا (هو الظن الباطل الذى لا يجوز) (3) في النسخة رقم (16) (وقد روى الحارث وعاصم وزهير بن معاوية) وهو خطأ خلط (4) في النسخة رقم (14) (كان) وهو خطأ وما هنا الموافق لابي داود (ج 2 ص 10) في سنن ابى داود (خمسة) *

[ 71 ]

زهير فيه بطل إسناده * ثم يلزم من صححه أن يقول بكل ما ذكرنا فيه، وليس من المخالفين لنا طائفة إلا وهى تخالف ما فيه، ومن الباطل أن يكون بعض ما في الخبر حجة وبعضه غير حجة، فبطل تعلقهم بهذا الخبر * وأما خبر الحسن بن عمارة فالحسن مطرح * وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فصحيفة مرسلة، ورواه أيضا ابن أبى ليلى وهو سئ الحفظ * فان لجواعلى عادتهم وصححوا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا وافقهم فليستمعوا! * روينا من طريق داود بن أبى هند عن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها) * ومن طريق حسين (1) المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجوز لامررأة عطية إلا باذن زوجها) * ومن طريق العلاء بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عند جده عن النبي عليه السلام (أنه قضى في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية) * وعن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثما نمائة دينار ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم، وكانت كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفى شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية) * وعن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الابل، ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكر، وعشرون حقة، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البقر مائتي بقرة يعنى في الدية ومن كانت ديته في الشاء فألفا شاة * وكل هذا فجيمع الحنفية والمالكية والشافعية مخالفون لاكثره، ولو أردنا أن نزيد من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لامكن ذلك، وفي هذا كفاية


(1) في النسخة رقم (16) (حسن) وهو خطأ *

[ 72 ]

ولا أرق دينار ممن يوثق رواية إذا وافقت هواه، ويوهنها إذا خالفت هواه! فما يتمسك فاعل هذا من الدين الا بالتلاعب! * وحديث محمد بن عبد الرحمن مرسل وعن مجهول أيضا * وأما حديث ابن عمر فعبدالله بن واقد مجهول (1) * فسقط كل ما في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصح منه شئ * وأما ما روى في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم فلا يصح عن عمر لان راويه يحيى ابن أيوب وهو ضعيف، وقد روينا عن عمر ما هو أصح من هذا، وكلهم يخالفونه * كما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن هشام بن حسان وسفيان الثوري، ومعمر قال هشام: عن أنس بن سيرين، وقال سفيان، ومعمر: عن أيوب السختيانى عن أنس بن سيرين، ثم اتفقوا كلهم عن أنس بن سيرين قال: بعثنى أنس ابن مالك عن الابلة فأخرج إلى كتابا من عمر بن الخطاب: (خذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهما (2) ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما (3) وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهما)) * فهذا أنس، وعمر بأصح إسناد يمكن فان تأولوا فيه تأويلا لا يقتضيه ظاهره فماهم بأقوى على ذلك من غيرهم فيما يحتجون به. وما يعجز أحد عن أن يقول: إنما أمرعم في العشرين دينارا بنصف دينار كما أمر في الرقيق والخيل بعشرة دراهم من كل رأس: إذا طابت نفس مالك كل ذلك به، والا فلا! * وأما الخبر في ذلك عن ابن مسعود فمرسل، ولا يأخذ به المالكيون ولا الشافعيون، ومن الباطل أن يكون قول ابن مسعود حجة في بعض حكمه ذلك ولا يكون حجة في بعضه، والمسامحة في الدين هلاك * وأما قول على فهو صحيح، وقد روينا عن على من هذه الطريق نفسها أشياء كثيرة قد ذكرناها، منها: في كل خمس وعشرين من الابل خمسا من الغنم، وكلهم مخالف لهذا، ومن الباطل أن يكون قول على حجة في مكان غير حجة في آخر * فبطل كل ما تعلقوا به من آثار الصحابة رضى الله تعالى عنهم *


(1) كيف يكون مجهولا وهو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر؟! فابن عمر جده لابيه، وهو ثقة روى عن جده عبد الله، مات سنة 119 وحديثه هذا الدارقطني (ص 199) من طريق ابراهيم بن اسمعيل بن مجمع عن عبد الله بن عمر عن ابن عمر وعائشة، فجعله، من حديثهما معا لا من حديث ابن عمر عن عائشة كما نقل ابن حزم (2) في النسخة رقم (14) (درهما درهم) وهو لحن (3) في النسخة رقم (14) (درهم)) وهو لحن *

[ 73 ]

ثم حتى لو صحت هذه الآثار كلها عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الصحابة رضى الله عنهم: لكانوا مخالفين لها، لان الحنيفيين والمالكيين يقولون: إن كانت عشرة دنانير ومائة درهم ففيها الصدقة، وكل هذه الآثار تبطل الزكاة عن أقل من عشرين دينارا، وهم يوجبونها في أقل من عشرين دينارا، فصارت كلها حجة عليهم، وعاد ما صححوا من ذلك قاطعا بهم أقبح قطع! ونعوذ بالله من الخذلان * والمالكيون يوجبونها في عشرين دينارا ناقصة إذا جازت جواز الموازنة، وهذا خلاف ما في هذه الاخبار كلها * وأما التابعون فقد اختلفوا كما ذكرنا، وصح عن الزهري وعطاء: أنه لا يزكي من الذهب بالذهب إلا أربعين دينارا، لا أقل، ثم كذلك إذا زادت أربعين دينارا، ورأوا الزكاة فيما دون ذلك وما بين كل أربعين وأربعين بعدها بالقيمة وكانت القيمة قولا لا يوجبه قرآن ولاسنة ولا اجماع ولا قول صاحب وولا دليل أصلا، فسقط هذا القول * وقد حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا حماد بن مسعدة عن أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني عن الحسن البصري قال: ليس في أقل من اربعين دينارا شئ * قال أبو محمد: فصحت الزكاة في أربعين من الذهب ثم في كل أربعين زائدة بالاجماع المتيقن المقطوع به فوجب القول به ولم يكن في إيجاب الزكاة في أقل من ذلك ولا فيما بين النصابين قرآن ولاسنة صحيحة ولا إجماع، ولا يجوز أن تؤخذ الشرائع في دين الاسلام إلا بأحذ هذه الثلاثة. وبالله تعالى التوفيق * قال على: فليس إلا هذا القول أو قول من قال: قد صح أن في الذهب زكاة بالنص الثابت، فالواجب أن يزكى كل ذهب، إلا ذهبا صح الاجماع على اسقاط زكاتها فمن قال هذا فواجب عليه أن يزكى كل ما دون العشرين بالقيمة، وأن يزكى حلى الذهب، وأن يزكى كل ذهب حين يملكه مالكه. فكل هذا قد قال به جماعة من الائمة الذين هم أجل من أبى حنيفة ومالك، والشافعي * قال أبو محمد: ولم نقل بهذا لما قدمناه من أنه لا يحل أن ينسب إلى الله تعالى ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم قول الا بيقين نقل صحيح من رواية الاثبات أو بنقل تواتر أو مجمع عليه، وليس شئ من هذه الاحوال موجودا في شئ من هذه الاقوال، وقد قلنا: ان الاجماع قد صح على أنه عليه السلام لم يوجب الزكاة في كل عدد من الذهب، ولا في كل

[ 74 ]

وقت من الدهر وبالله التوفيق * قال أبو محمد: وأما قول أبى حنيفة فما تعلق بما روى في ذلك عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، لان الرواية عن عمر رضى الله عنه بأن ما زاد على عشرين دينارا فانه يزكى بالدراهم، وعن ابن مسعود تزكية الذهب بالدراهم، وهذا يخرج على قول الزهري، وعطاء وما وجدنا عن أحد من الصحابة ولامن التابعين أن الوقص في الذهب يزكى بالذهب، فخرج قوله عن أن يكون له سلف * ونسألهم أيضا من أين جعلتم الوقص في الذهب أربعة دنانير؟ وليس هذا في شئ من الآثار التى احتججتم بها، بل الاثر الذى روى عن على في ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله بأن ما زاد على عشرين دينارا فانه يزكى بالحساب، وانما جاء عن عمر في ذلك قول لا يصح ومع ذلك فقد خالفتموه، ورأيتم تزكيته بالذهب ورآه هو بالورق (1) بالقيمة، وقد خالفه على، وابن عمر برواية أصح من الرواية عن عمر (2) * فلا ملجأ لهم الا أن يقولوا: قسناه على الفضة * قال على: وهذا قياس، والقياس كله باطل، ثم لو صح القياس لكان هذا منه قياسا للخطأ على الخطأ وعلى أصل غير صحيح لم يأت به قط قرآن ولاسنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولا إجماع من أن كل عشرة دراهم بازاء دينار، وانما هو شئ قالوه في الزكاة، والقطع في السرقة والدية، والصداق، وكل ذلك خطأ منهم، وليس شئ منه صحيحا، على ما بيناه ونبين ان شاء الله تعالى، إذ ليس في شئ من ذلك قرآن ولا سنة صحيحة ولا إجماع وبالله تعالى التوفيق * وبالدليل الذى ذكرنا وجب أن لا يزكي الذهب إلا حتى يتم عند مالكه حولا كما قدمنا * ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا اسحاق أو جريرا خلط اسناده الحارث بارسال عاصم: هو الظن الباطل الذى لا يجوز، وما علينا من مشاركة الحارث لعاصم، ولا لارسال من أرسله، ولا لشك زهير في شئ وجرير ثقة، فالاخذ بما أسنده لازم وبالله تعالى التوفيق (3) *


(1) في النسخة رقم (16) (الوزن) وهو تصحيف (2) في النسخة رقم (16) (عن على) وهو خطأ * (3) لله درأبى محمد بن حزم، رأى خطأه فسارع إلى تداركه، وحكم بانه الظن الباطل الذى لا يجوز وهذا شأن المنصفين من اتباع السنة الكريمة وانصار الحق وهم الهداة القادة، وقليل ما هم رحمهم الله جميعا وهنا بحاشية النسخة رقم (14) ما نصبه: (هذا لازم لابي محمد في حديث قتيبة الذى رواه مع خالد المدائني في (صلاة الجمع بتبوك (اه‍ وانظر قول المؤ لف في ذلك واعترضنا عليه في المسألة 335 (ج 3 ص 174 و 175) ثم ان هذه المسألة هي ختام الجزء الثاني من النسخة رقم (16) بدار الكتب وفى آخره ما نصبه: (كمل

[ 75 ]

684 مسألة والزكاة واجبة في حلى الفضة والذهب إذا بلغ كل واحد منهما المقدار الذى ذكرنا وأتم عند مالكه عاما قمريا، ولا يجوز أن يجمع بين الذهب والفضة في الزكاة ولا أن يخرج أحدهما عن الآخر ولا قيمتهما في عرض أصلا، وسواء كان حلى امرأة أو حلى رجل، وكذلك حلية السيف والمصحف والخاتم وكل مصوغ منهما حل اتخاذه أو لم يحل * وقال أبو حنيفة: بوجوب الزكاة في حلى الذهب والفضة * وقال مالك: إن كان الحلى لامرأة تلبسه أو تكريه أو كان لرجل يعده لنسائه فلا زكاة في شئ منه، فان كان لرجل يعده لنفسه عدة (1) ففيه الزكاة، ولا زكاة على الرجل في حليقة السيف، والمنطقة، والمصحف، والخاتم * وقال الشافعي: لا زكاة في حلى ذهب، أو فضة * وجاء في ذلك عن السلف ما قد ذكرناه في الباب الذى قبل هذا عن ابن مسعود من ايجابه الزكاة في حلى امرأته، هو عنه في غاية الصحة * وروينا من طريق محمد بن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي عن علقمة قال قالت امرأة لعبدالله بن مسعود: لى حلى؟ فقال لها: إذا بلغ مائتين ففيه الزكاة * وعن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبى موسى: مر نساء المسلمين يزكين حليهن * ومن طريق جرير بن حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن عمرو بن العاصى يأمر بالزكاة في حلى بناته ونسائه * ومن طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن سالم عن عبد الله بن عمر (2) أنه كان يأمره بذلك كل عام * وعن عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت (3): لا بأبس بلبس الحلى إذا أعطيت زكاته *


الجز الثاني يوم لتسع بقين من ربيع الاول سنة خمس وسبيعن وسبعمائة على يد الفقير إلى الله تعالى احمد بن سعد الصفطى الشافعي نفعه الله بالعلم انه على كل شئ قدير، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما ويتلوه ان شاء الله تعالى في الجزء الثالث: مسألة والزكاة واجبة في حلى الفضة والذهب) (1) العدة بضم العين وتشديد الدال المهملتين ما أعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح، قاله في اللسان. وعبارة المدونة (ج 2 ص 6) (وما ورث الرجل من أمه أو من بعض أهله فحبسه للبيع أو لحاجة ان احتاج إليه يرصده لعله يحتاج إليه في المستقبل ليس يحسبه للبس) وهو صريح في تفسير من هنا (2) في النسخة رقم (45) (عبد الله بن عمرو) وهو خطأ (3) في النسخة رقم 45 (قال)) وهو خطأ

[ 76 ]

وهو قول مجاهد، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وعبد الله ابن شداد، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وذر الهمداني (1) وابن سيرين، واستحبه الحسن * قال الزهري: مضت السنة أن في الحلى الزكاة * وهو قول ابن شبرمة، والاوزاعي، والحسن بن حى * وقال الليث: ماكان من حلى يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وما كان من حلى اتخذ ليحرز من الزكاة ففيه الزكاة * وقال (2) جابر بن عبد الله، وابن عمر: لا زكاة في الحلى * وهو قول أسماء بنت ابى بكر الصديق، وروى أيضا عن عائشة، وهو عنها صحيح، وهو قول الشعبى، وعمرة بنت عبد لرحمن، وابى جعفر محمد بن على، وروى أيضا عن طاوس، والحسن، وسعيد بن المسيب * واختلف فيه قول سفيان الثوري، فمرة رأى فيه الزكاة، ومرة لم يرها * قال أبو محمد: وهنا قول ثالث، وهو قول أنس: ان الزكاة فيه مرة واحدة، ثم لا تعود فيه الزكاة * وروينا عن أبى أمامة الباهلى وخالد بن معدان: ان حلية السيف من الكنوز * وعن ابراهيم النخعي وعطاء (3): لا زكاة في قدح مفضض ولا في منطقة محلاة ولافى سيف محلى * قال على: أما قول مالك فتقسيم غير صحيح، وما علمنا ذلك التقسيم عن أحد قبله، ولا تقوم على صحته حجة من قرآن ولاسنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأى له وجه * والعجب أنهم احتجوا في ذلك بأن الزكاة إنما سقطت عن الحلى المتخذ للنساء لانه مباح لهن، وكذلك عن المنطقة، والسيف، وحلية المصحف، والخاتم للرجال * قال أبو محمد: فكان هذا الاحتجاج عجبا!، ولقد علم كل مسلم ان الدنانير والدراهم ونقار الذهب والفضة: مباح اتخاذ كل ذلك للرجال والنساء فينبغي على هذا ان تسقط الزكاة عن كل ذلك، ان كانت هذه العلة صحيحة!، ويلزم على هذه العلة ان من


(1) ذر بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء (2) من أول المسألة إلى هنا ضاع بتقطيع الوارق من النسخة رقم (16)، ونقلناه من النسخة رقم (45)، ثم عدنا إلى النسخة رقم (16) مع المقابلة في الكل على النسخة رقم (14) (3) سقط اسم (عطاء) من النسخة رقم (16) *

[ 77 ]

اتخذ (1) مالا زكاة فيه مما لم يبح له اتخاذه ان تكون فيه الزكاة عقوبة له، كما أسقط الزكاة عما فيه الزكاة من الذهب والفضة إذا اتخذ منه حلى مباح اتخاذه! * فان قالوا: انه يشبه متاع البيت الذى لا زكاة فيه من الثياب ونحوها * قلنا لهم: فأسقطوا بهذا لعلة نفسها إن صححتموها الزكاة عن الابل المتخذة للركوب والسنى (2) والحمل والطحن، وعن البقر المتخذة للحرث * وقبل كل شئ وبعد، فمع فساد هذه العلة وتناقضها، ومن أين قلتم بها؟ ومن أين صح لكم ان ما ابيح اتخاذه من الحلى تسقط عنه الزكاة؟ وما هو إلا قولكم جعلتموه حجة لقولكم ولا مزيد! * ثم أين وجدتم إباحة اتخاذ المنطقة المحلاة بالفضة والمصحف المحلى بالفضة للرجال دون السرج واللجام، والمهاميز (3) المحلاة بالفضة؟! * فان ادعوا في ذلك رواية عن السلف ادعوا ما لا يجدونه * وأوجدناهم عن السلف بأصح طريق من طريق البخاري محمد بن اسماعيل في تاريخه عن عبد الله بن محمد المسندى عن سفيان عن اسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبى وقاص عن عمه مصعب ابن سعد قال: رأيت على سعد بن أبى وقاص، وطلحة بن عبيدالله وصهيب خواتيم ذهب * وصح أيضا عن البراء بن عازب * فاسقطوا لهذا الزكاة عن خواتميم الذهب الرجال، أو قيسوا حلية السرج واللجام، والدرع والبيضة على المنطقة والسيف، والا فلا النصوص اتبعتم، ولا القياس استعملتم! فسقط هذا القول بيقين * وأما قول الليث ففاسد أيضا، لانه لا يخلو حلى النساء من أن تكون فيه الزكاة أو لا تكون فيه الزكاة، فان كانت فيه الزكاة ففى كل حال فيه الزكاة، وان كان لا زكاة فيه فما علمنا على من اتخذ مالا زكاة فيه ليحرزه من الزكاة زكاة! ولو كان هذا لوجب على من اشترى بدراهمه دارا أو ضيعة ليحرزها من الزكاة أن يزكيها، وهو لا يقول بهذا * وأما الشافعي فانه علل ذلك بالنماء، فأسقط الزكاة عن الحلى (4) وعن الابل، والبقر والغنم غير السوائم *


(1) في النسخة رقم (16) (ان متى اتخذ) الخ (2) هنا بحاشية النسخة رقم (14) (يعنى السانية) وهو ظاهر انه المراد يشكل ان فعل (سنا) بمعنى سقى واوى، وان مصادره هي (النسو) بضم السين والنون وتشديد الواو (والسناية والسناوة) بكسر السين فيهما (3) المهمز والمهماز حديدة في مؤ خر خف الرائض، جمعه مهامز ومهاميز، قاله القاموس، هو معروف (14) في النسخة رقم (16) (وأسقط ذلك عن الحلى) *

[ 78 ]

قال أبو محمد: وهذا تعليل فاسد، لانه لم يأت به قرآن ولاسنة ولا اجماع ولانظر صحيح، وقد علمنا أن الثمار والخضر تنمى، وهو لا يرى الزكاة فيها، وكراء الابل وعمل البقر ينمى، وهو لا يرى الزكاة فيها، والدراهم لا تمنى إذا بقيت عند مالكها، وهو يرى الزكاة فيها، والحلى ينمى كراؤه وقيمته، وهو لا يرى الزكاة فيه * وأما أبو حنيفة فأوجب الزكاة في الحلى، وأسقط الزكاة عن المستعملة من الالابل والبقر والغنم، وهذا تناقض * واحتج له بعض مقلديه بأن الذهب والفضة قبل أن يتخذ حليا كانت فيهما (1) الزكاة، ثم قالت طائفة: قد سقط عنهما (2) حق الزكاة وقال آخرون: لم يسقط، فوجب أن لا يسقط ما أجمعوا عليه باختلاف * فقلنا: هذه حجة صحيحة، إلا أنها لازمة لكم في غير السوائم، لاتفاق الكل على وجوب الزكاة فيها قبل أن تعلف، فلما علفت اختلفوا في سقوط الزكاة أو تماديها، فوجب أن لا يسقط ما أجمعوا عليه باختلاف * وقال هذا القائل: وجدنا المعلوفة ننفق عليها ونأخذ منها، ووجدنا السوائم نأخذ منها ولا ننفق عليها، والحلى يؤخذ منه كراؤه (3) وينتفع به ولا ينفق عليه، فكان أشبه بالسوائم منه بالمعلوفة * فقيل له: والسائمة أيضا ينفق عليها أجر الراعى، وهذه كلها أهواس وتحكم في الدين بالضلال! * قال أبو محمد: واحتج من رأى إيجاب الزكاة في الحلى بآثار واهية، لاوجه للاشتغال بها، الا اننا ننبه عليها تبكيتا للمالكيين المحتجين بمثلها وبما هو دونها إذا وافق تقليدهم! وهى * خبر رويناه من طريق خالد بن الحارث عن الحسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن امرأة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يدها مسكتان (4) غليظتان من ذهب فقال لها: أتودين زكاة هذا؟ قالت: لا قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فألقتهما، وقالت: هما لله ولرسوله) (5)


(1) في النسخة رقم (16) (فيه) وفى النسخة رقم (14) (فيها) وصححناه هكذا لقوله بعد: (عنهما) (2) في النسخة رقم (16) (عنها) (3) في النسخة رقم (16) (يأخذ منه كراه) (4) بالميم والسين المهملة المفتوحتين، الواحدة مسكة والجمع مسك، بفتح السين فيهما وهى الاسوارة والخلاخيل (5) رواه من هذا اللفظ أبو داود (ج 2 ص 4) ورواه أيضا النسائي (ج 5 ص 38) كلاهما من طريق حسين المعلم عن عمرو: وعندهما ان المسكين كانتا في يد ابنة للمرأذة: ورواه الترمذي (ج 1 ص 81 هند) من طريق ابن لهيعة عن عمرو، وفيه (ان امرأتين أتتا) الخ *

[ 79 ]

والمالكيون يحتجون برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا وافق أهواءهم، ولم يروه ههنا حجة * وخبر من طريق عتاب عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة أم المؤمنين قالت: (كننت ألبس أوضاحا (1) لى من ذهب، فقلت: يارسول الله أكنزهو؟ قال: ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز (2)) * وعتاب مجهول، الا أن المالكيين يحتجون بمثل حرام بن عثمان، وسواربن مصعب، وهذا خير منه * ومن طريق يحيى بن أيوب عن عبيدالله بن أبى جعفر أن محمد بن عمرو هو ابن عطاء أخبره عن (3) عبد الله بن شداد بن الهاد قال: دخلنا على عائشة أم المؤمنين فقالت: (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدى سخابا من ورق، فقال: أتؤدين زكاته؟ قلت: لا، أو ما شاء الله تعالى، فقال: هو حسبك (4) من النار * قال أبو محمد: يحيى بن أيوب ضعيف، كالمالكيون يحتجون بروايته، وإذا وافق أهواءهم، ونقول للحنيفيين: أنتم قد تركتم رواية أبى هريرة في غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا من أجل أنكم رويتم من طريق لاخير فيها أنه خالف ما روى من ذلك لا حجة لكم في ترك ذلك الخبر الثابت الا بهذا، ثم أخذتم برواية عائشة هذه التى لا تصح، وهى قد خالفته من أصح طريق، فما هذا التلاعب بالدين؟! * فان قالوا: قد روى عنها الاخذ بما روت من هذا * قلنا لهم: وقد صح عن أبى هريرة الاخذ بما روى في غسل الاناء من ولوغ الكلب * فان قالوا: قد روى زكاة الحلى كما أوردتم غير عائشة، وهو عبد الله بن عمرو (5) *


(1) هو بلضاد المعجمة والحاء المهحملة: نوع من الحلى (2) رواه أبو داود (ج 2 ص 4) من طريق عتاب بن بشير والدار قطني (ص 204 و 205) والحاكم (ج 1 ص 390) كلاهما من طريق محمد بم مهاجر عن ثابت بن عجلانم: فلم يتفرد به عتاب بن بشير كما يوهم صنيع المؤلف وعماب ليس مجهولا كما زعم ابن زعم ابن حزم، بل هو ثقة معروف روى له البخاري: وانما أنكروا عليه أحاديث رواها عن خصيف، ورجع أحمد ان نكارمها انما هي من قبل خصيف، والحديث صححه الحاكم والذهبي على شرط البخاري (3) كلمة (عن) زيادة منم النسخة رقم (14) (4) رواه أبو داود (ج ص 5 4) والدار قطني ص (205) والحاكم (ج 1 ص 389) وعند ابى داود والدار قطني (فتخاب) بدل سخابا) والسخاب بكسر السين وبالخاء المعجمة كل قلادة كانت ذات جوهر أو لم تكن: والفتخة والفتخة بفتح التاء وباسكانها وبالخاء المعجمة فيهما خاتم يكون في اليد والرجل بفص وغير فحص: وقيل هي الخاتم ايا كان، والجمع فتخ وفتخات بفتح التاء فيهما وفتوخ ايضا والحديث صححه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين * (5) في النسخة رقم (16) (وهو عبد الله بن عمر) وهو خطأ، فانه يشير إلى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: فهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص *

[ 80 ]

قلنا لهم: وقد روى غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا غير أبى هريرة، وهو عبد الله بن مغفل، وهذا ما لا انفكاك لهم منه * قال أبو محمد: لو لم يكن الا هذه الآثار لما قلنا (1) بوجوب الزكاة في الحلى، لكن لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (في الرقة ربع العشر) (وليس فيما دون خمس أواقى (2) من الورق صدقة فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم) وكان المحلى ورقا وجب (3) فيه حق الزكاة، لعموم هذين الاثرين الصحيحين * وأما الذهب فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مامن صاحب ذهب لا يؤدى ما فيها الا جعل له يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها (فوجبت الزكاة في كل ذهب بهذا النص، وانما تسقط الزكاة من الذهب عمن لابيان في هذا النص بايجابها فيه، وهو لعدد والوقت، لاجماع الامة كلها بلا خلاف منها أصلا على أنه عليه الصلاة والسلام لم يوجب الزكاة في كل عدد من الذهب، ولافى كل وقت من الزمان، فلما صح ذلك ولم يأت نص في العدد والوقت وجب أن لا يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ما صح عنه بنقل آحاد أو بنقل اجماع، ولم يأت اجماع قط بأنه عليه الصلاة والسلام لم يرد الا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شئ من ذلك بغير نص ولا اجماع * فان قيل: فهلا أخذتم بقول أنس في الحلى بهذا الدليل نفسه، فلم توجبوا فيه الزكاة الامرة واحدة في الدهر؟! * قلنا لهم: لانه قذ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ايجاب الزكاة في الذهب عموما، ولم يخص الحلى منه بسقوط الزكاة فيه، لا بنص ولا باجماع، فوجبت الزكاة بالنص في كل ذهب وفضة، وخص الاجماع المتيقن بعض الاعداد منهما وبعض الازمان، فلم تجب الزكاة فيهما الا في عدد أوجبه نص أو إجماع، وفى زمان أو جبه نص أو إجماع، ولم يجز تخصيص شئ منهما، وإذ قد عمهما النص، فوجب ان لا يفرق بين أحوال الذهب بغير نص ولا اجماع، وصح يقينا بلا خلاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوجب الزكاة في الذهب والفضة كل عام، والحلى فضة أو ذهب، فلا يجوز ان يقال: (إلا الحلى) بغير نص في ذلك ولا اجماع، وبالله تعالى التوفيق * وأما الجمع بين الفضة والذهب في الزكاة فان مالكا وأبا يوسف ومحمد بن الحسن قالوا: من كان معه من الدراهم والدنانير ما إذا حسبهما على ان كل دينار بازاء عشرة


(1) في النسخة رقم 14 (ما قلنا) (2) في النسخة رقم 14 (أوراق) (3) في النسخة رقم 14 (فأوجب) *

[ 81 ]

دراهم فاجتمع من ذلك عشرون دينارا أو مائتا (1) درهم: زكى الجميع زكاة واحدة، مثل ان يكون له دينار ومائة وتسعون درهما، أو عشرة دراهم وتسعة عشر دينارا، (2) أو عشرة دنانير ومائة درهم،، وعلى هذا الحكم أبدا. فان كان له أقل من ذلك فلا زكاة عليه، ولم يلتفتوا إلى غلاء قيمة الدنانير، أو الدراهم أو رخصها، وهو قول أبى حنيفة الاول * ثم رجع فقال: يجمع بينهما بالقيمة، فإذا بلغ قيمة ما عنده منهما جميعا عشرين دينارا أو مائتي درهم فعليه الزكاة، وإلا فلا، فيرى على من عنده دينار واحد يساوى لغلاء الذهب مائتي درهم غير درهم وعنده درهم واحد: أن الزكاة واجبة عليه، ولم ير على من عنده تسعة عشر دينارا ومائتي درهم (3) غير درهم لاتساوى دينارا: زكاة * وقال ابن أبى ليلى، وشريك، والحسن بن حى، والشافعي، وأبو سليمان: لا يضم ذهب إلى ورق أصلا، لا بقيمة ولا على الاجزاء، فمن عنده مائتا درهم غير حبة وعشرون دينارا غير حبة: فلا زكاة عليه فيهما، فان كمل أحدهما نصابا زكاه ولم يزك الآخر * قال أبو محمد: واحتج من رأى الجمع بينهما بأنهما أثمان الاشياء * قال على: فيقال له: والفلوس قد تكون أثمانا أيضا، فزكها على هذا الرأى الفاسد، والاشياء كلها قد يباع بعضها ببعض، فتكون أثمانا، فزك العروض بهذه العلة * وأيضا: فمن لكم بأنهما لما كانا أثمانا للاشياء (4) وجب ضمهما في الزكاة؟! فهذه علة لم يصححها قرآن، ولا سنة، ولا رواية فاسدة، ولا اجماع، ولاقول صاحب، ولا قياس يعقل، ولا رأى سديد، وانما هي دعوى في غاية الفساد * وأيضا: فإذ (5) صححتموها فاجمعوا بين الابل والبقر في الزكاة، لانهما يؤكلان وتشرب ألبانهما، ويجزئ كل واحد منهما عن سبعة في الهدى نعم، واجمعوا بينهما وبين الغنم في الزكاة، لانها كلها تجوز في الاضاحي وتجب فيها الزكاة! * فان قيل: النص فرق بينهما * قلنا: والنص فرق بين الذهب، والفضة في الزكاة، ولا يخلو الذهب، والفضة من أن يكونا جنسا واحدا (6) أو جنسين، فان كانا جنسا واحدا فحرموا بيع أحدهما بالآخر


(1) في النسخة رقم (16) (مائتي درهم) وهو لحن (2) في النسخة رقم (16) (أو تسعة عشر دينارا) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (أو مائتي درهم) وهو خطأ (4) كلمة (لاشياء) ليست في النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (14) (فان) (6) في النسخة رقم (16) (وحدو هو لحن) *

[ 82 ]

متفاضلا، وان كانا جنسين فالجمع بين الجنسين لا يجوز، إلا بنص وارد في ذلك * ويلزمهم الجمع بين التمر، والزبيب في الزكاة، وهم لا يقولون: هذ ا لانهما قوتان حلوان فظهرر فساد هذا القول بيقين * وأيضا: فيلزم من رأى الجمع بينهما بالقيمة أن يزكى في بعض الاوقات دينارا أو درهما فقد شاهدنا الدينار (1) يبلغ بالاندلس أزيد من مائتي درهم، وهذا باطل شنيع جدا! * ويلزم من رأى الجمع بينهما بتكامل الاجزاء أنه إن كان الذهب رخيصا أو غاليا فانه يخرج الذهب عن الذهب، والفضة بالقيمة، أو تخرج الفضة عن الذهب والفضة بالقيمة وهذا ضد ما جمع به بينهما، فمرة راعى القيمة لا الاجزاء، ومرة راعى الاجزاء لا القيمة، في زكاة واحدة وهذا خطأ بيقين * ولا فرق بين هذا القول وبين من قال: بل أجمع الذهب مع الفضة بالقيمة وأخرج عنهما أحدهما بمراعاة الاجزاء، وكلاهما تحكم بالباطل * وايضا فيلزمه إذا اجتمع له ذهب وفضة تجب فيهما عنده الزكاة وكان الدينار قيمته أكثر من عشرة دراهم فانه ان أخرج ذهبا عن كليهما فانه يخرج ربع دينار وأقل عن زكاة عشرين دينارا، وهذا باطل عندهم، وإن أخرج دراهم عن كليهما وكان الدينار لا يساوي إلا أقل من عشرة دراهم وجب أن يخرج أكثر من عشرة دراهم عن مائتي درهم، وهذا باطل باجماع * فان قالوا: إنكم تجمعون بين الضأن، والماعز في الزكاة، وهما نوعان مختلفان * قلنا: نعم لان الزكاة جاءت فيهما (2) باسم يجمعهما، وهو لفظ (الغنم) و (الشاء) ولم تأت الزكاة في الذهب، والفضة بلفظ يجمعهما، ولو لم تأت الزكاة في الضأن الا باسم (الضأن) ولا في الماعز الا باسم (الماعز) لما جمعنا بينهما، كما لم نجمع بين البقر والابل (3)، ولو جاءت الزكاة في الذهب والفضة بلفظ واسم جامع بينهما لجمعنا بينهما * قال أبو محمد: وهم مجمعون على أن الذهب غير الفضة، وأنه يجوز بيع درهم من أحدهما بمائة من الآخر، وأن أحدثهما حلال للنساء والرجال، والآخر حلال للنساء حرام على الرجال، وهم مقرون أن الزكاة خ لا تجب في أقل (4) من مائتي درهم، ولا


(1) في النسخة رقم (16) (الدنانير)) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (14) (لان الزكاة فيهما جاءت) * (3) في النسخة رقم (14) (الابل والبقر) (4) في النسخة رقم (16) (وهم مقرون ان لا تجوز في أقل) الخ وهو خطأ ظاهر *

[ 83 ]

في أقل من عشرين دينارا، ثم يوجبونها في عشرة دنانير ومائة درهم! وهذا تناقض لاخفاء به * قال أبو محمد: وحجتنا في أنلا يحل الجمع بينهما في الزكاة هو قول رسول الله صلى الله عليه وزسلم: (ليس فيما دون خمس أواق (1) من الورق صدقة) فكان من جمع بين الذهب، والفضة قد أوجب الزكاة في أقل من خمس أواق (2) وهذا خلاف مجرد لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) وشرع لم يأذن الله تعالى به وهم يصححون الخبر في اسقاط الزكاة في أقل من عشرين دينارا ثم يوجبونها في أقل، وهذا عظيم جدا! وقد صح عن على، وعمر، وابن عمر اسقاط الزكاة في أقل من مائتي درهم، ولا مخالف لهم من الصحابة رضى الله عنهم وبالله تعالى التوفيق * وأما اخراج الذهب عن الورق والورق عن الذهب فان مالكا وأبا حنيفا أجازاه (4) ومنع منه الشافعي، وأبو سليمان، وبه نأخذ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (في الرقة ربع العشر، وفى مائتي درهم خمسة دراهم) فمن أخرج غير ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باخراجه فقد تعدى حدود الله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ولم يأت بما أمر، ومن لم يأت بما أمر فلم يزك * وأما الامة كلها فمجمعة على أنه ان أخرج في زكاته الذهب (5) فقد أدى ما عليه، ووافق ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم * واختلفوا فيمن أخرج فضة عن ذهب، أو عرضا عن أحدهما، أو غير ما جاء به النص (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) (6) فيما عداهما فلا يجوز أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكما بغير نص ولا إجماع. وبالله تعالى التوفيق * المال المستفاد 685 مسألة قال أبو محمد: صح عن ابن عباس إيجاب الزكاة في كل مال يزكى حين يملكه المسلم * وصح عن ابن عمر: لا زكاة فيه حتى يتم حولا *


(1) في النسخة رقم (16) (أواقى) (2) في النسخة رقم (16) (اواقى) (3) في النسخة رقم (14) (لرسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) في النسخة رقم (16) (أجازه) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (14) (وأما الذهب فالامة كلها مجمعة على انه ان أخرج في زكاتها الذهب) الخ، وما هنا اصح وأقوم (6) قوله (عن رسو لالله صلى الله عليه وسلم) ليس في النسخة رقم (14) بل هو من النسخة رقم (16) *

[ 84 ]

وقال أبو حنيفة: لا يزكي المال المستفاد إلا حتى يتم حولا إلا إن كان عنده مال يجب في عدد ما عنده منه الزكاة في أول الحول: فانه إن اكتسب بعد ذلك ولو قبل تمام الحول بساعة شيئا قل أو كثر من جنس ما عنده: فانه يزكى المكتسب مع الاصل، سواء عنده الذهب، والفضة، والماشية، والاولاد وغيرها * وقال مالك: لا يزكى المال المستفاد إلا حتى يتم حولا، وسواء كان عنده ما فيه الزكاة من جنسه أو لم يكن، إلا الماشية، فان ما استفاد منها شيئا بغير ولادة منها، فان كان الذى عنده منها نصابا: زكى الجميع عند تمام الحول وإلا فلا، وإن كانت من ولادة زكى الجميع بحنول الامهات (1)، سواء كانت الامهات نصابا أولم تكن * وقال الشافعي: لا يزكى مال مستفاد مع نصاب كان عند الذى استفاده من جنسه البتة، إلا أولاد الماشية مع أمهاتها فقط إذا كانت الامهات نصابا والافلا * قال أبو محمد: وقد ذكرنا قبل فساد هذه الاقوال كلها، ويكفى من فسادها أنها كلها مختلفة! وكلها دعا ومجردة، وتقاسيم فاسدة متناقضة، لا دليل على صحة شئ منها، لامن قرآن ولامن سنة صحيحة، ولامن رواية سقيمة، ولا من إجماع ولا من قياس، ولا من رأى له وجه * وقال أبو حنيفة: من كان عنده مائتا درهم في أول الحول فلما كان بعد ذلك بيوم تلفت كلها أو انفقها إلا درهما واحدا فانه بقى عنده، فلما كان قبل تمام الحول بساعة اكتسب مائة درهم وتسعة وتسعين درهما: فالزكاة عليه في الجميع (2) لحول التى تلفت، فلو لم يبق منها ولا درهم فلا زكاة عليه فيا اكتسب ولو أنها مائة الف درهم حتى يتم لها حول * فياليت شعرى! ما شأن هذا الدرهم؟! وما قوله لو (3) لم يبق إلا فلس؟! وكذلك قوله فيمن عنده نصاب من ذهب، أو من بقر، أو من إبل، أو من غنم ثم تلفت كلها إلا واحدة ثم اكتسب مكن جنسها قبل الحول ما يتم بما بقى عنده النصاب؟! وهذا قول يغنى ذكره عن تكلف الرد عليه * ولئن كانت الزكاة باقية في الدرهم الباقي فان الزكاة واجبة فيه وان لم يكتسب غيره نعم، وفيما اكتسب إليه ولو أنه درهم آخر! ولئن كانت الزكاة غير باقية فيه فان الواجب عليه استئناف الحول بما اكتسب معه * وممن روى عنه تعجيل من الفائدة ابن مسعود، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز * (هامشض) * (1) في النسخة رقم (14) (لحلول الامهات) (2) في النسخة رقم (4) (للجميع) (3) في النسخة رقم (16 (ولم وهو خطأ

[ 85 ]

والحسن، والزهرى * وممن صح عنه: لا زكاة في مال حتى يتم له حول (1): على، وأبو بكر الصديق، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر، وقد ذكرناها في باب ذكرنا أولاد الماشية * وأما تقسيم أبى حنيفة، ومالك، والشافعي فلا يحفظ عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، نعم، ولاعن أحد من التابعين * قال أبو محمد: كل فائدة فانما تزكى لحولها، لا لحول ما عنده من جنسها وان اختلطت عليه الاحوال * تفسير ذلك (3): لوان امرءا ملك نصابا وذلك مائتا درهم من الورق، أو أربعين دينارا من الذهب، أو خمسا من الابل، أو خمسين من البقر ثم ملك بعد ذلك بمدة قريبة أو بعيدة، إلا أنها قبل تمام الحول من جنس ما عنده أقل مما ذكرنا، أو ملك أربعين شاة ثم ملك في الحول تمام مائة وعشرين: فان كان ما اكتسب لا يغير ما كان عليه من الزكاة فانه يضم التى ملك إلى ما كان عنده، لانها لا تغير حكم ما كان عليه من الزكاة، فيزكى ذلك لحول التى كانت عنده (4) ثم يستأنف الجميع حولا، فان استفاد في داخل الحول ما يغير الفريضة فيما عنده، إلا أن تلك الفائدة لو انفردت لم تجب فيها الزكاة وليس ذلك إلا في الورق خاصة على كل حال، وفى سائر ذلك في بعض الاحوال: فانه يزكى الذى عنده وحده لتمام حوله، وضم (5) حينئذ الذى استفاده إليه لا قبل ذلك واستأنف بالجميع حولا * مثل: من كان (6) عنده مائة شاة وعشرون شاة ثم استفاد شاة فأكثر، أو كان عنده تسع وتسعون بقرة فأفاد بقرة فأكثر، أو كان عنده تسع من الابل فأفاد واحدة فأكثر أو تسع وسبعون دينارا فأفاد دينارا فأكثر، لان الذى يبقى بعد الذى زكى لا زكاة فيه، ولا يجوز أن يزكى مال (7) مرتين في عام واحد * فلو ملك نصابا كما ذكرنا. ثم ملك في داخل الحول نصابا أيضا من الورق أو الذهب أو الماشية فانه يزكى كل مال لحوله، فانه رجع الاول منهما إلى مالازكاة فيه فإذا حال حول الفائدة زكاها ثم ضم الاول حينئذ إلى الآخر، لان الاول قد صار لا زكاة فيه،


(1) في النسخة رقم (16) (حتى يحول عليه الحول) (2) في النسخة رقم (16) (فانها) (3) في النسخة رقم (16) (من جنسها فان اختلطت عليه الاحوال فتفسير ذلك) وما هنا أصح (4) في النسخة رقم (16) فيزكى ذلك الحول كانت عنده) وهو خطأ صرف (5) في النسخة رقم (14) (ضم) بدون الواو، وهو خطأ (6) في النسخة رقم (16) (ثم من كان)) الخ وهو خطأ (7) في النسخة رقم (16) (مالا) *

[ 86 ]

ولا يجوز أن يزكيه مع ما قد زكاه من المال الثاني، فيكون يزكى الثاني مرتين في عام، ويستأنف بالجميع حولا * فان رجع المال الثاني مالا زكاة فيه وبقى الاول نصابا فانه يزكيه إذا حال حوله، ثم يضم الثاني إلى الاول من حينئذ لما قد ذكرنا فيستأنف بهما حولا * فلو خلطهما فلم يتميزا فانه يزكى كل عدد منهما لحوله، ويجعل ما أخرج من ذلك كله نقصانا (1) من المال الثاني، لانه لا يوقن بالنقص إلا بعد إخراج الزكاة من الثاني، وأما قبل ذلك فلا يقين عنده بأن أحدهما نقص، فلا يزال كذلك حتى يرجع كلاهما إلى ما يوقن أن أحدهما قد نقص ولابد عما فيه الزكاة * وذلك مثل أن يرجع الغنمان إلى أقل من عشرين ومائة، لانه لا يجوز أن يزكى عن هذا العدد بشاتين، أو أنه قد رجع البقران إلى أقل من مائة، والذهبان إلى أقل من ثمانين دينارا، والابلان إلى أقل من عشرة، والفضتان إلى أقل من أربعمائة درهم * فإذا رجع المالان إلى ما ذكرنا فقد يمكن أن النقص دخل في كليهما، ويمكن أن يكون دخل في أحدهما، إلا أنه بلا شك قد كان عنده مال تجب فيه الزكاة، فلا تسقط عنه بالشك فإذا كان هذا ضم المال الثاني إلى الاول فزكى الجميع لحول الاول أبدا، حتى يرجع الكل إلى ما لا زكاة فيه * فلو اقتنى خمسا من الابل أو أكثر إلا أنه عدد يزكى بالغنم ثم اقتنى في داخل الحول عددا يزكى وحده لو انفرد إما بالغنم وإما بالابل فانه يزكى ما كان عنده عند تمام حوله بالغنم، ثم ضمه إثر ذلك إلى ما استفاد، إذ لا يجوز أن يكون إنسان واحد عنده ابل له قد تم لجميعها حول فيزكى بعضها بالغنم وبعضها بالابل، لانه خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في زكاة الابل * فلو ملك خمسا وعشرين من الابل ثم ملك في الحول احدى عشرة زكى الاول لحولها بنت مخاض، ثم ضمها إلى الفائدة من حينئذ على كل حال فزكى الجميع لحول من حينئذ مستأنف ببنت لبون، لما ذكرنا من أنه لا تختلف زكاة ابل واحدة لمالك واحد. وهكذا في كل شئ * فان قيل: فانكم تؤخرون زكاة بعضها عن حوله شهورا (2) * قلنما: نعم، لاننا لا نقدر على غير ذلك البتة، الا باحداث زكاتين في مال واحد، وهذا خلاف النص، وتأخير الزكاة إذا لم يمكن (3) التعجيل مباح لا حرج فيه.


(1) في النسخة رقم (16) (نقصا) (2) في النسخة رقم (16) شهرا) (3) في النسخة رقم (16) (يكن) وهو خطأ

[ 87 ]

وبالله تعالى التوفيق * 686 مسألة (1) من اجتمع في ماله زكاتان فصاعدا وهو حى؟ * قال أبو محمد: تؤدى كلها لكل سنة على عدد ما وجب عليه في كل عام، وسواء كان ذلك لهروبه بماله، أو لتأخير (2) الساعي، أو لجهله، أو لغير ذلك، وسواء في ذلك العين والحرث، والماشية، وسواء أتت الزكاة على جميع ماله أو لم تأت وسواء رجع ماله بعد أخذ الزكاة منه إلى مالا زكاة فيه أو لم يرجع، ولا يأخذ الغرماء شيئا حتى تستوفى الزكاة * وقال مالك: إن كان ذلك عينا ذهبا، أو فضة فانه تؤخذ منه زكاة كل سنة (3) حتى يرجع الوزن إلى مائتي درهم، والذهب إلى عشرين دينارا، فتؤخذ الزكاة لسنة واحدة، ثم لا شئ عليه لما بعد ذلك من السنين * وان كانت زكاة زرع فرط فيها سنين أخذت كلها وان اصطلمت جميع ماله * وان كانت ماشية، فان كان هو هرب إمام الساعي فان الزكاة تؤخذ منه على حسب ما كان عنده في كل عام، فإذا رجع ماله باخراج الزكاة إلى ما لا زكاة فيه لم يؤخذ منه شئ لسائر ما بقى من الاعوام، وان كان الساعي هو الذى تأخر عنه فانه تؤخذ منه زكاة ما وجد بيده لكل عام خلا، سواء كان بيده فيما خلا أكثر أو أقل، ما لم يخرج إلى مالازكاة فيه (4)، فإذا رجع إلى ما لا زكاة فيه لم يؤخذ مه شئ * وقال أبو حنيفة فيمن كان له عشر من الابل عامين لم يؤد زكاتها (5): إنه يزكى للعام الاول شاتين، وللعام الثاني شاة واحدة * وقال هو ومحمد بن الحسن فيمن كان عنده مائتا درهم لا مال له غيرها فلم يزكها سنتين فصاعدا: انه لا زكاة عليه، لان الزكاة صارت عليه دينار فيها! هذا نص كلامه * وقال أبو يوسف: عليه زكاتها لعام واحد فقط * وقال زفر: عليه زكاتها لكل عام أبدا، وبه يقول أبو سليمان وأصحابنا * قال أبو محمد: أما قول مالك فظاهر التناقض، وتقسيم فاسد، لا برهان على صحته لانه دعوى بلا دليل. وما العجب الامن رفقهم بالهارب أمام المصدق! وتحريهم العدل فيه! وشدة حملهم على من تأخر عنه الساعي، فيوجبون عليه زكاة الف


(1) لفظ (مسألة) زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) (لتأخر) * (3) في النسخة رقم (16) (الزكاة كل سنة) وما هنا أصح (4) في النسخة رقم (14) (ما لم يخرج الا مالا زكاة فيه) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) (زكاتها) (6) في النسخة رقم (16) (وتحريم العدل) وهو خطأ فاحش *

[ 88 ]

ناقة لعشر سنين، ولم يملكها الا سنة واحدة، وانما ملك في سائر الاعوام خمسا من الابل فقط! واحتجوا في هذا بأن هكذا زكى الناس إذ أجمعوا على معاوية * قال أبو محمد: وهم قد خالفوا معاوية في أخذ الزكاة من الاعطية ومعه ابن مسعود، وقلدوا ههنا سعاة من لا يعتد به، كمروان، وسعيد بن العاصى وما هنالك: ومعاذ الله أن تؤخذ الزكاة (1) من إبل لم يملكها المسلم وتعطل (2) زكاة قد أوجبها الله تعالى * وأما قول ابى يوسف فانه محمول على أن الزكاة في العين وغيرها في المال نفسه، لا في الذمة، وهذا أمرقد بينا فساده قبل، وأوضحنا أنها في الذمة لا في العين ولو كانت في العين لما اجزأه أن يعطى الزكاة من غير ذلك المال نفسه، وهذا أمر مجمع على خلافه، وعلى أن له أن يعطيها من حيث شاء، فإذ صح أنها في الذمة فلا يسقطها عنه ذهاب ماله، ولا رجوعه إلى مالا زكاة فيه * واحتج بعضهم بأن امرءا لو باع (3) ماشيته بعد حلول الزكاة فيها ان للساعي أخذ الزكاة من تلك الماشية المبيعة * قال أبو محمد: وهذا باطل، وماله ذلك، لانها قد صارت مالا من مال المشترى، ولا يحل أن تؤخذ زكاة من عمرو لم تجب عليه وانما وجبت على زيد، لكن يتبع البائع بها دينا في ذمته، وبالله تعالى التوفيق * 687 مسألة فلو مات الذى وجبت عليه الزكاة سنة، أو سنتين فانها من رأس ماله، أقربها أو قامت عليه بينة، ورثه ولده أو كلالة، لا حق للغرماء، ولا للوصية ولا للورثة حتى تستوفى كلها، سواء في ذلك العين والماشية والزرع. وهو قول الشافعي، وأبى سليمان وأصحابهما * وقال أبو حنيفة: من مات بعد وجوب الزكاة في ذهبه وفضته فانها تسقط بموته، لا تؤخذ (4) أصلا، سواء مات (5) اثر الحول بيسير أو كثير، أو كانت كذلك لسنين * وأما زكاة الماشية فانه روى عنه ابن المبارك: أنه يأخذها المصدق منها، وان وجدها بأيدى ورثته * وروى عنه أبو يوسف: انها تسقط بموته * واختلف قوله في زكاة المثار والزرع: فروى عنه عبد الله بن المبارك: انها تسقط بموته، وروى عنه محمد بن الحسن عن أبى يوسف عن أبى حنيفة: انها تؤخذ بعد موته،


(1) في النسخة رقم (16) (زكاة) (2) في النسخة رقم (16) (أو تعطل) (3) في النسخة رقم (14) (واحتج بعضهم: لو أن امرء ا باع) الخ. (4) في النسخة رقم (14) (ولا تؤخذ) (5) في النسخة رقم (14) (باثر)

[ 89 ]

ويرى ان قوله المذكور في الماشية، والزرع انما هو في زكاة تلك السنة فقط، فأما زكاة فرط فيها حتى مات فانه يقول: بأنها تسقط عنه * وقال مالك فيمن مات بعد حلول الزكاة في ماله أي مال كان، حاشا المواشى: فانها تؤخذ من رأس ماله، فان كان فرط فيها أكثر من عام فلا تخرج عنه الا أن يوصى بها، فتكون من ثلثه مبداة على سائر وصاياه كلها، حاشا التدبير في الصحة، وهى مبداة على التدبير في المرض * قال: وأما المواشى فانه ان حال الحول عليها ثم مات قبل مجئ الساعي ثم جاء الساعي فلا سبيل للساعي عليها، وقد بطلت، إلا أن يوصى بها، فتكون في الثلث غير مبداة على سائر الوصايا * واختلف قول الاوزاعي في ذلك: فمرة رآها من الثلث، ومرة رآها من رأس المال * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة، ومالك ففى غاية الخطأ، لانهما أسقطا بموت المرء دينا لله تعالى وجب عليه في حياته، بلا برهان أكثر من أن قالوا: لو كان ذلك لما شاء انسان ان لا يورث ورثته شيئا إلا أمكنه! * فقلنا: فما تقولون في انسان أكثر من إتلاف أموال الناس ليكون ذلك دينا عليه ولا يرث ورثته شيئا، ولو أنها ديون يهودى أو نصراني في خمور أهرقها لهم؟! * فمن قولهم: إنها كلها من رأس ماله، سواء ورث ورثته أو لم يرثوا، فنقضوا علتهم بأوحش نقض! أسقطوا حق الله تعالى الذى جعله للفقراء، والمساكين من المسلمين، والغارمين منهم، وفى الرقاب منهم، وفى سبيله تعالى، وابن السبيل فريضة من الله تعالى: وأوجبوا ديون (1) الآدميين وأطعموا الورثة الحرام! * والعجب كله من إيجابهم الصلاة بعد خروج وقتها على العامد لتركها، وإسقاطهم الزكاة ووقتها قائم عن المتعمد لتركها! * ثم تقسيم مالك بين المواشى وغير المواشى، وبين زكاة عامه ذلك وسائر الاعوام، فرأى زكاة عامه من رأس المال، وان لم يبق للورثة شئ يعيشون منه، ولم ير زكاة سائر الاعوام إلا ساقطة! * ثم تفريقه بين الزكاة الناض يوصى بها فتكون في الثلث وتبدى على الوصايا الا على التدبير (2) في الصحة وتبدى على التدبير في المرض: وبين زكاة الماشية يوصى بها


(1) في النسخة رقم (16) (ديون الناس) (2) في النسخة رقم (16) (لا على التدبير) وهو خطأ)

[ 90 ]

فتكون في الثلث ولا تبدى على الوصايا، وهذه أشياء غلط فيها من غلط وقد الخير، وإنما العجب ممن انشرج صدره لتقليد قائلها! ثم استعمل نفسه في إبطال السنن الثابتة نصرالها! قال أبو محمد: ويبين صحة قولنا وبطلان قول المخالفين قول الله عزوجل في الموارثث (1) (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فعم عزوجل الديون كلها، والزكاة دين قائم لله تعالى، وللمساكين، والفقراء، والغارمين وسائر من فرضها تعالى لهم في نص القرآن * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا احمد بن عمر الوكيعى، وأبو سعيد الاشج، قال الوكيعى: ثنا حسين بن على عن زائدة، قال أبو سعيد ثنا أبو خالد الاحمر (2) ثم اتفق زائدة، وأبو خالد الاحمر كلاهما عن الاعمش عن مسلم البطين، والحكم بن عتيبة وسلمة ابن كهيل، قال مسلم البطين: عن سعيد بن جبير، وقال الحكم وسلمة: سمعنا مجاهدا ثم اتفق سعيد بن جبير، ومجاهد عن ابن عباس قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟! قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى) قال أبو خالد: في روايته عن الاعمش عن مسلم البطين، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير، ومجاهد وعطاء عن ابن عباس، وذكر زائدة في حديثه أن الاعمش سمعه من الحكم، وسلمة، ومسلم (3) * ورويناه أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن أبى بشر جعفر بن أبى وحشية قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) * فهؤلاء عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد يروونه عن ابن عباس، فقال: هؤلاء بآرائهم بل دين الله تعالى ساقط! ودين الناس أحق أن يقضى! والناس أحق بالوفاء! * قال أبو محمد: ويسألون عن الزكاة أفى الذمة هي أم في عين المال؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث * فان قالوا: في عين المال، فقد صح أن أهل الصدقات شركاء في ذلك المال، فمن أين وجبت أن يبطل حقهم وتبقى دين اليهود والنصارى؟ وان قالوا: في الذمه فمن أين أسقطوها بموته؟! ولا يختلفون ان اقرار الصحيح لازم في رأس المال (4)، فمن


(1) قوله (في المواريث) سقط من النسخة رقم (16) (خالد الاحمر) وهو خطأ (3) هو في صحيح (ج 1 ص 315) (4) في النسخة رقم (16) (ماله) *

[ 91 ]

أين وقع لهم إبطال إقرار المريض؟! * فان قالوا: لانه وصية، كذبوا وتناقضوا! لان الاقرار ان كان وصية فهو من الصحيح أيضا من الثلث، وإلا فهاتوا فرقا بين المريض والصحيح! * وان قالوا: لاننا نتهمه، قلنا: فهلا اتهمتم الصحيح فهو أحق بالتهمة؟! لا سيما المالكيين الذين يصدقون قول المريض في دعواه أن فلانا قتله، ويبطلون اقراره في ماله، وهذه أمور كما ترى! ونسأل الله العافية * روينا من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري في الرجل يموت ولم يؤد زكاة ماله: أنها تؤخذ من ماله إذا علم بذلك، وقال ربيعة: لا تؤخذ (1) وعليه ما تحمل * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا جرير عن سليمان التيمى عن الحسن، وطاوس: انهما قال في حجة الاسلام والزكاة: هما (2) بممنزلة الدين * قال على: وللشافعي قول آخر: ان كل ذلك يتحاص مع ديون الناس * قال على: وهذا خطأ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دين الله أحق أن يقضى) * قال على: وهذا مما خالفوا فيه القرآن والسنن الثابتة التى لا معارض لها والقياس، ولم يتعلقوا بقول صاحب نعلمه * 688 مسألة ولا يجزئ أداء الزكاة إذا أخرجها المسلم عن نفسه أو وكيله بأمره إلابنية أنها الزكاة المفروضة عليه، فان أخذها الامام، أو ساعيه، أو أميره، أو ساعيه فبنية كذلك، لقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات) * فلو أن امرءا أخرج زكاة مال له غائب فقال: هذه زكاة مالى إن كان سالما، وإلا فهى صدقة تطوع: لم يجزه ذلك عن زكاة ماله ان كان سالما، ولم يكن تطوعا لانه لم يخلص النية للزكاة محضة كما أمر، وانما يجزئه إن أخرجها على أنها زكاة ماله فقط، فان (3) كان المال سالما أجزأه، لانه أداها كما أمر مخلصا لها، وان كان المال قد تلف، فان قامت له بينة فله أن يسترد ما أعطى، وان فاتت (4) أدى الامام إليه ذلك من سهم الغارمين لانهم أخذوها وليس لهم أخذها، فهم غارمون بذلك، وهذا كمن شك: عليه


(1) في النسخة رقم (16) (تؤ خذ) بحذف لا وهو خطأ (2) كلمة (هما) سقطت من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (16) (وان) (4) في النسخة رقم (16) (فاتوا) وهو خطأ *

[ 92 ]

يوم من رمضان أم لا؟ وهل عليه صلاة فرض أم لا؟ فصلى عدد ركعات تلك الصلاة وقال: ان كنت أنسيتها فهى هذه، والا فهى تطوع، وصام يوم فقال: ان كان على يوم فهو هذا، والا فهو تطوع فان هذا لا يخرجه عن تلك الصلاة ولا عن ذلك اليوم ان ذكر بعد ذلك أنهما عليه * 689 مسألة من خرج المال عن ملكه في داخل الحول قبل تمامه بأى وجه خرج عن ملكه ثم رجع إليه بأى وجه رجع إليه، ولو إثر خروجه بطرفة عين أو أكثر: فانه يستأنف به الحول من حين رجوعه، لامن حين الحول الاول، لان ذلك الحول قد بطل ببطلان الملك ومن الباطل ان يعد عليه وقت كان فيه المال لغيره * وكذلك من باع إبلا بابل، أو بقراببقر، وأو غنما بغنم، أو فضة بفضة، أو ذهبا بذهب: فان حول الذى خرج عن ملكه من ذلك قد بطل، ويستأنف الحول بالذى صار في ملكه من ذلك، لما ذكرنا (1) * وسواء في كل ذلك فعل ذلك فرارا من الزكاة أو لغير فرار، فهو عاص بنيته السوء في فراره من الزكاة (2) * وقال بعض الناس: إن كان فعل ذلك فرارا من الزكاة فعليه الزكاة، ثم ناقض من قرب فقال: من اشترى بدراهمه أو بدنانيره عقارا أو متاعا فرارا من الزكاة فلا زكاة عليه فيما اشترى * قال أبو محمد: ومن المحال الذى لم يأمر الله تعالى به أن يزكى الانسان مالام هو في يد غيره لم يحل حوله عنده (3). قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الاعليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) (4) * وقلونافى هذا كله هو قول أبى حنيفة، والشافعي، وأبى سليمان * وقال مالك: ان بادل ببقر أو بغنم أو بقرا بغنم فكذلك، سواء فعله فرارا من الزكاة أو لغير فرار، وان بادل ابلا بابل، أو بقرا ببقر، أو غنما بغنم، أو ذهبا بذهب، أو فضة (5) بفضة: فعليه الزكاة عند انقضاء حول (6) الذى خرج عن يده * قال أبو محمد: وهذا خطأ ظاهر، ودعوى لادليل على صحتها، لامن قرآن، ولاسنة


(1) كلمة (ذكرنا) سقطت من النسخة رقم (16) (2) قوله (من الزكاة) سقط من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (14) (ما لم يحل حوله عنده) وما هنا احسن جدا (4) قوله (قال تعالى) إلى آخر الآية ليس في النسخة رقم (16) (5) كلمة (فضة) محذوفة من النسخة رقم (16) (6) في النسخة رقم (14) (الحول) وما هنا أصح، بل هو الصواب *

[ 93 ]

صحيحة (1)، ولا رواية سقيمة، ولا اجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا رأى يصح * ونسأل من قال بهذا: أهذه التى صارت إليه (2) هي التى خرجت عنه؟ ام هي غيرها؟ فان قال: هي غيرها، قيل: فكيف يزكى عن مال لا يملكه؟ ولعلها أموات أو عند كافر (3) * وان: قال بل هي تلك، كابر العيان! صار في مسلاخ من يستسهل الكذب جهارا * فان قال: ليست هي، ولكنها من نوعها، قلنا: نعم، فكان ماذا؟ ومن أين لكم زكاة غير المال الذى ابتداء الحول في ملكه إذا كان من نوعه؟! * ثم يسألون إن كانت الاعداد مختلفة: أي العددين يزكى؟ العدد الذى خرج عن ملكه؟ أم العدد الذى اكتسب؟ ولعل أحدهما ليس نصابا * وهذا كله خطأ لاخفاء به، وبالله تعالى التوفيق وأى شئ قالوا (4) في ذلك كان تحكما وباطلا بلا برهان * فان قالوا: إنه لم يزل مالكا لمائة شاة أو لعشر (5) من الابل أو لمائتي درهم (6) حولا كاملا متصلا * قلنا: إنما الزكاة تجب في ذمة المسلم عن مال ملكه بعينه حنولا كاملا من كل ما ذكرنا بلا خلاف، فعليكم البرهان في وجوب الزكاة عن عدد بغير عينه لكن في أعيان مختلفة، وهذا ما لا سبيل إلى وجدوه، إلا بالدعوى. وبالله تعالى التوفيق * 690 مسألة ومن تلف ماله أو غصبه غاصب أو حيل بينه وبينه فلا زكاة عليه فيه (7) أي نوع كان من أنواع المال، فان رجع إليه يوما ما استأنف به (8) حولامن حينئذ، ولا زكاة عليه (9) لما خلا، فلو زكاه الغاصب ضمنه كله، وضمن ما أخرج منه (10) في الزكاة * لانه لا خلاف (11) بين الامة كلها في أن صاحب المال إن أحب أن يودى الزكاة من نفس المال الذى وجبت فيه الزكاة لامن غيره كان ذلك له، ولم يكلف الزكاة من سواه (12) ما لم يبعه هو أو يخرجه عن ملكه باختياره، فانه حينئذ يكلف أداء الزكاة من عند نفسه، فسقط بهذا الاجماع تكليفه اداء زكاة من عند نفسه، ثم لما صح ذلك، وكان غير قادر على اداء الزكاة من نفس المال المغصوب، وأو المتلف، أو الممنوع منه:


(1) كلمة (صححية) زيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (16) (غلبه) وهو خطأ (3) كذا في الاصلين (4) في النسخة رقم (16) (قال) وهو خطأ أو لعشرين) (6) في النسخة رقم (16) (والمائتي درهم) وهو خطأ (7) في النسخة رقم (16) (في) وهو خطأ (8) گلمة (به) زيادة (خرج) النسخة رقم (16) (9) كلمة (عليه) زيادة من النسخة رقم (14) (10) في النسخة رقم (16) (خرج) (11) في النسخة رقم (16) (ولا خلاف) (12) (من سواه) زيادة من النسخة رقم (14) *

[ 94 ]

سقط عنه ما عجز عنه من ذلك بخلاف ما هو قادر على إحضاره واستخراجه من مدفنه هو أو وكيله وما سقط ببرهان لم يعد إلا بنض أو إجماع * وقد كانت الكفار يغيرون على سرح المسلمين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما كلف قط أحدا زكاة ما أخذه الكافر من ماله * وقد سيرق المال ويغصب فيفرق ولا يدرى أحد مكانه، فكان تكليف أداء الزكاة عنه (1) من الحرج الذى قد أسقطه الله تعالى، إذ يقول: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وكذلك تغلب الكفار على بلد نخل، فمن المحال تكليف ربها أداء زكاة ما أخرجت * وأما الغاصب فانه عليه التصرف في مال غيره، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (2): (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فاعطاؤه الزكاة (3) من مال غيره تعدى منه، فهو ضامن لما تعدى فيه. قال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقال أبو حنيفة: بمثل هذا كله، الا أنه قال: ان كان المال المدفون بتلف مكانه (4) في منزله أدى زكاته، وان كان خارج منزله فلا زكاة عليه فيه. وهذا تقسيم فاسد ما نعلم أحدا قاله قبله * وقال مالك: لا زكاة عليه فيه، فان رجع إليه (5) زكاة لسنة واحدة فقط وان غاب عنه سنين. وهذا قول ظاهر الخطأ، وما نعلم لهم حجة، إلا انهم قلدوا في ذلك عمر ابن عبد العزيز في قوله له رجع إليه، وكان قال قبل ذلك، بأخذ الزكاة منه لكل سنة خلت * والعجب أنهم قلدوا عمر ههنا، ولم يقلدوه في رجوعه إلى القول بالزكاة في العسل وإنما قال عمر بالقول الذى قلدوه فيه لانه كان يرى الزكاة في المال المستفاد حين يفاد فحالفوه ههنا وهذا كله تخليط! * وقال سفيان: في أحد قوليه وأبو سليمان: عليه الزكاة لكل سنة خلت * وقد جاء عن عثمان، وابن عمر إيجاب الزكاة في المقدور عليه، فدل ذلك (6) على أنهما لا يريان الزكاة في غير المقدور عليه، ولا مخالف لهما من الصحابة رضى الله عنهم * وقولنا في هذا هو قول قتادة، والليث وأحد قولى سفيان، وروى أيضا عن عمر بن عبد العزيز *


(1) في النسخة رقم (14) (فكان تكيف الزكاة منه) (2) في النسخة رقم (16) (لقوله صلى الله عليه وسلم) (3) في النسخة رقم (16) (فاعطاء الزكاة) (4) في النسخة (فكأنه) وهو تصحيف (5) في النسخة رقم (16) (عليه) (6) كلمة (ذلك) زيادة من النسخة رقم (16) *

[ 95 ]

كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال عن همام بن يحيى ثنا أبو عثمان عامل عمر ابن عبد العزيز قال: كتب إلى عمر بن عبد العزيز في مال رده على رجل كان ظلمه: أن خذ منه الزكاة لما أتت عليه، ثم صبحني بريد عمر: لا تأخذ منه زكاة، فانه كان ضمارا أو غورا (1) * 691 مسألة ومن رهن ماشية أو ذهبا أو فضة أو أرضا فزرعها أو نخلا فأثمرت، وحال الحول على الماشية والعين: فالزكاة على كل ذلك، ولا يكلف الراهن عوضا عما خرج من ذلك من زكاته * أما وجوب الزكاة فلانه مال من ماله، عليه فيه الزكاة المفروضة، ولم ينتقل ملكه عنه، ولم يأت نص ولا إجماع بتكليفه أداء الزكاة من غيره ولابد * وأما المنع من تكليفه العوض فانه لم يخرج ما أخرج منه بباطل وعدوان، فيقضى عليه برده وإنما أخرجه بحق مفترض إخراجه، فتكليفه حكما في ماله باطل، لا يجوز الا بنض أو إجماع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) * 692 مسألة وليس على من وجب (2) عليه الزكاة إيصالها إلى السلطان لكن عليه أن يجمع ماله للمصدق ويدفع إليه الحق، ثم مؤنة نقل ذلك من نفس الزكاة وهذا ما لا خلاف فيه من أحد، وبالله تعالى التوفيق، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث المصدقين (3) وهم السعاة فيقبضون الواجب ويبرأ أصحاب الاموال من ذلك * فان (4) لم يكن مصدق فعلى من عليه الزكاة إيصالها إلى من يحضره من أهل الصدقات ولا مزيد، لان تكليف النقل مؤنة وغرامة لم يأت بها نص ولا إجمع وبالله تعالى التوفيق، ولا فرق بين من كلفه ذلك ميلا أو من (5) كلفه إلى خراسان أو أبعد * 693 مسألة ولايجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول، ولا بطرفة عين


(1) أما أبو عثمان عامل عمر بن عبد العزيز فانى لم أجده، واما قوله (ضمارا) فان في النسخة رقم (14) (صمار) بدون نقط وهو خطأ، والضمار بكسر الضاد المعجمة، قال أبو عبيد: (هو الغائب الذى لا يرجى، فإذا رجى فيس بضمار، من اضمرت الشئ إذا غيبه)، واما قوله (غورا فانه بفتح الغين المعجمة واسكان الواو واظنه بمعنى أنه كان بعيدا عنه لا تناله يده، من الغورى وهو القعر أو من قولهم (غار الماء) بمعنى ذهب في الارض وسفل فيها. وقد نقل هذا الاثر في اللسان (ج 6 ص 164) فقال (ومنه قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله في كتابه إلى ميمون بن مهران في الاموال التى كانت في بيت المظالم ان يردها ولا يأخذ زكاتها فانه كان مالا ضمارا لا يرجى) ولم يذكر قوله (غورا) (2) في النسخة رقم (14) (وجبت) (3) في النتسخة رقم (16) (مصدقين) (4) في النسخة رقم (16) (وان) (5) كلمة (من) زيادة من النسخة رقم (16) *

[ 96 ]

فان فعل لم يجزه، وعليه إعادتها، ويرد إليه ما أخرج قبل وقته، لانه أعطاه بغير حق * وصح تعجيل الزكاة قبل وقتها عن سعيد بن جبير، وعطاء، وابراهيم، والضحاك والحكم، والزهرى * وأجازه الحسن لثلاث سنين * وقال ابن سيرين: في تعجيل الزكاة قبل أن تحل. لا أدرى ما هذا! * وقال أبو حنيفة: واصحابه بجواز (1) تعجيل الزكاة قبل وقتها * ثم لهم في ذلك تخليط كثير مثل قول محمد بن الحسن: لا يجوز ذلك في مال عنده، ولا في زرع قد زرعه، ولا في نخل (2) قد أطلعت * وقال أبو يوسف: يجوز ذلك كله (3) قبل اطلاع النخل وقبل زرع الارض، ولو عجل زكاة ثلاث سنين أجزأه * وأكثر من هذا سنذكره ان شاء الله تعالى في ذكر تخاليط اقوالهم في كتاب (الاعراب) والله المتسعان * وقال الشافعي: بتعجيل الزكاة عن مال (4) عنده، لاعن مال لم يكتسبه (5) بعد، وقال: ان استغنى المسكين مما أخذ مما عجله صاحب المال قبل الحول أجزأ صاحب المال، فان استغنى من غير ذلك لم يجزئ عن صاحب المال * وقال مالك: يجزئ تعجيل الزكاة بشهرين أو نحو ذلك، لا أكثر، في رواية ابن القاسم عنه، وأما رواية ابن وهب عنه فكما قلنا نحن * وهذه كلها (6) تقاسيم في غاية الفساد، لا دليل على صحتها من قرآن، ولاسنة، ولا إجماع، ولاقول صاحب يصح، ولاقياس. وقول الليث: وابى سليمان كقولنا * واحتج من أجاز تعجيلها بحجج * منها الخبر الذى ذكرناه (7) في زكاة المواشى، في هل تجزئ قيمة أم لا؟ من أن النبي صلى الله عليه وآله استسلف بكرا فقضاه من إبل الصدقة جملا رباعيا * وهذ لا دليل فيه على تعجيل الصدقة، لانه استسلاف كما ترى، لا استعجال صدقة بل فيه دليل على أن تعجيلها لا يجوز، إذ لو جاز لما احتاج عليه الصلاة والسلام إلى الا سقتراض بل كان يستعجل زكاة لحاجته إلى البكر *


(1) في النسخة رقم (14) " يجوز " (2) في النسخة رقم (16) بحذف (لا) في الموضيعين (3) كلمة (كله) زيادة من النسخة رقم (14 (4) في النسخة رقم (16) (عند مال) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) (مال يكتبه) وهو خطأ (6) كلمة (كلها) زيادة من النسخة رقم (14) (7) في النسخة رقم (16) (الذى ذكره) *

[ 97 ]

وذكروا ما رويناه من طريق أبى داود: ثنا سعيد بن منصور ثنا اسماعيل بن زكرياء عن الحجاج بن دينار عن الحكم بن عتيبة عن حجية عن على بن أبى طالب: (أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) في تعجيل صدقته قبل أن تحل فأذن له) * قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم عن منصور عن زاذان عن الحكم عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) * ومن طريق وكيع عن اسرائيل عن الحكم: (أن (3) النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر مصدقا وقال له عن العباس: إنا قد استسلفنا زكاته لعام عام الاول) * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يزيد أبو خالد قال: (قال عمر للعباس: أد زكاة مالك فقال العباس: قد أديتها قبل ذلك، فذكر عمر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق (4)) * هذا كل ما شغبوا به من الآثار * وقالوا: حقوق الاموال كلها جائز تعجيلها قبل أجلها، قياسا على ديون الناس المؤجلة، وحقوقهم، كالنفقات وغيرها * وقالوا: إنما اخرت الزكاة إلى الحول فسحة على الناس فقط * وهذا كل ما موهوا به من النظر والقياس * وهذا كله لا حجة لهم في شئ منه * أما حديث حجية: فحجية غير معروف بالعدالة، ولا تقوم الحجة إلا برواية العدول المعروفين (5) وأما حديث هشيم فلم يذكر أبو داود من بينه وبين هشيم، ولو كان فيه لبند (6) به


(1) في النسخة رقم (14) (سأل النبي عليه السلام) (2) هكذا عند المؤلف كما في الاصلين، وتكلم عليه فيما يأتي بما يؤيد أنه من حديث أنس، ولكن هدا حخطأ، ويظهر ان الغلط كان في نسخة أبى داود التنى لدى ابن حزم، فان الذى في ابى داود (ج 2 ص 33) (عن منصور بن زاذان عن الحكم عمن الحسن بن مسبلم عن النبي صلى الله عليه وسلم) والحسن بن مسلم من أتباع التابعين، فالحديث منقطع على رواية هشيم، وقد رجحها أبو داود، ويؤيد صحة نسخة ابى داود التى في ادينا وخطأ ما نقله المؤلف من جعله من حديث أنس قول ابن حجر في التلخيص (ص 187): (وذكر الدار قطني الاختلاف فيه على الحكم ورجح رواية منصور عن الحكم عن الحسن بن مسلم بن يناق عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وكذا رجحه ابو داود) (3) رقم (16) (عن) وما هنا صح (4) في الانسخة رقم (14) (فذكر عمر للنبى عليه السلام فقال عليه السلام: صدق) (5) اما حجية بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وتشديد الياء المفتوحة فهو ابن عدى الكندى، وهو تابعي ثقة العجلى وابن وحبان، واما حديثه فرواه ايضا في احمد (ح 1 ص 104) واترمذى (ج 1 ص 86 طبع الهند) والحاكم وصححه هو والذهبي (ج 3 ص 332 (6) كذا في الاصلين بلباء والندن الدال، وما ادرى ما هو؟ والبند باسكان النون العلم الكبر وهو معرب فهل: اشتق منه المؤلف فعلا؟، كأنه يريد الاعن به؟ والله اعلم

[ 98 ]

فصار منقطعا، ثم لم يذكر أيضا (1) لفظ أنس، ولاكيف رواه، فلم يجز القطع به على الجهالة * وأما سائر الاخبار فمرسلة * وهذا مما ترك فيه المالكيون المرسل، وهم يقولون إذا وافق تقليدهم: (2) انه كالمسند، وردوا فيه رواية المجهول، وهم يأخذون بها إذا وافقتهم (3) فبطل كل مامواهوا به من الآثار * وأما قياسهم الزكاة على ديون الناس المؤجلة فالقياس كله باطل، ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل! لان تعجيل ديون الناس المؤجلة قد وجب بعد ثم اتفقا على تأجيلها (4) والزكاة لم تجب بعد، فقياس ما لم يجب على ما قد وجب في الاداء باطل * وأيضا: فتعجيل ديون الناس المؤجلة لا يجوز الا برضا من الذى له الدين، وليست الزكاة كذلك، لانها ليست لانسان بعينه، ولا لقوم بأعينانهم دون غيرهم، فيجوز الرضا منهم بالتعجيل، وانما هي لاهل صفات تحدث فيمن لم يكن من أهلها، وتبطل عمن كان من أهلها * ولا خلاف في أن القابضين لها الآن عند من أجاز تعجيلها لو أبرؤا منها دون قبض لم يز ذلك ولا برئ منها من تلزمه الزكاة بابرائهم، وبخلاف إبراء من له دين مؤجل * وكذلك ان دفعها إلى الساعي، فقد يأتي وقت الزكاة والساعى ميت أو معزول، والذى بعثه كذلك، فبطل قياسهم ذلك على ديون الناس * وكذلك قياسهم على النفقات الواجبة، ولو أن امرءا عجل نفقة لامرأته أو من تلزمه نفقته، ثم جاء الوقت الواجبة فيه النفقة، والذى تجب له مضطر: لم يجزئه تعجيل ما عجل، وألزم الآن النفقة، أمر باتباعه بما عجل له دينا، لاستهلاكه ما لم يجب له بعد * بل لو كان القياس حقا لكان قياس تعجيل الزكاة قبل وقتها على تعجيل الصلاة قبل وقتها والصوم قبل وقته أصح، لانها كلها عبادات محدودة بأوقات لا يجوز تعديها وهذا مما تركوا فيه القياس * فان ادعوا اجماعا على المنع من تعجيل الصلاة أكذبهم الاثر الصحيح عن ابن عباس والحسن وهبك لو صح لهم الاجماع لكان هذا حجة عليهم، لان من أصلهم أن


(1) قوبه (لفظ أنس) سقط من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (14) (إذا وافقهم المرسل) (3) في النسخة رقم (14) (وهم يأخذون بهذا إذا وافقهم (4) كدا في الاصلين وفى التركيب تكلف *

[ 99 ]

قياس ما اختلف فيه على ما أجمع عليه هو القياس الصحيح * وأما قولهم: إن الزكاة وجبت قبل، ثم فسخ للناس في تأخيرها: فكذب وباطل ودعوى بلا برهان، وما وجبت الزكاة قط إلا عند انقضاء الحول، لاقبل ذلك، لصحة النص باخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدقين عند الحول، لاقبل ذلك، وما كان عليه السلام ليضيع قبض حق قد وجب، ولا جماع الامة على وجوبها عند الحول، ولم يجمعوا على وجوببها قبله، ولا تجب الفرائض إلا بنص أو اجماع * فبطل كل ما موهوا به من أثر ونظر * ثم نسألهم: أوجبت الزكاة قبل الحول أم لم تجب (1)؟ فان قالوا: لم تجب قلنا: فكيف تجيزون أداء ما لم يجب؟ وما لم يجب فعله تطوع، ومن تطوع فلم يؤد الواجب (2) وان قالوا: قد وجبت قلنا (3): فالواجب إجبار من وجب عليه حق على أدائه. وهذا برهان لا محيد عنه أصلا * ونسألهم: كيف الحال ان مات الذى عجل الصدقة قبل الحول؟ أو تلف المال قبل الحول؟ أو مات الذين أعطوها قبل الحول؟ أو خرجوا عن الصفات التى بها تستحق الزكوات (4)؟ فصح أن تعجيلها باطل وإعطاء لمن لا يستحقها، ومنع لمن (5) يستحقها، وإبطال الزكاة الواجبة وكل هذا لا يجوز * والعجب من إجازة الحنيفيين تعجيل الزكاة ومنعهم من تعجيل الكفارة قبل الحنث! وكلاهما مال معجل، إلا أن النص قد صح بتعجيل ما منعوا تعجيله، ولم يأت بتعجيل ما أباحوا تعجيله! فتناقضوا في القياس، وصححوا الآثار الفاسدة، وأبطلوا الاثر الصحيح! * وأما المالكيون فانهم مع ما تناقضوا خالفوا في هذه الجمهور من العلماء، وهم يعظمون هذا إذا وافقهم، وخالف الشافعيون فيه القياس، وقبلوا المرسل الذى يردونه. وبالله تعالى التوفيق * 694 مسألة ومن عليه دين دراهم، أو دنانير، أو ماشية تجب الزكاة في مقدار ذلك (6) لو كان حاضرا فان كان حاضرا عنده لم يتلف وأتم عنده حولا منه مافى مقداره الزكاة (7): زكاة، والا فزكاة عليه فيه أصلا، ولو أقام عليه سنين *


في النسخة رقم (14) (أو لم يجب) (2) في النسخة رقم (16) (الواجبة) وما هنا اصح (3) في النسخة رقم (16) (علينا) بدل (قلنا) وهو خطأ شنيع (4) في النسخة رقم (14) (الزكاة) (5) في النسخة رقم (16) (من) بحذف اللام (6) في النسخة رقم (16) (في مقداره ذلك) (7) في النسخة رقم (14) (ما فيه مقدر الزكاة) *

[ 100 ]

وقال قوم: يزكيه * روينا من طريق ابن أبى شيبة عن محمد بن بكر عن ابن جريج عن يزيد بن يزيد ابن جابر أن عبدالمك بن أبى بكر (1) أخبره أن عمر قال: إذا حلت يعنى الزكاة فاحسب دينك وما عندك واجمع ذلك جميعا ثم زكه * وبينه عبد الرزاق (2) عن ابن جريج أخبرني يزيد بن جابر عن عبد الملك ابن أبى بكر (2) عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام هوجد عبد الملك أبو أبيه قال: قال رجل لعمر: يجئ إبان صدقتي فأبادر الصدقة فأنفق على أهلى وأقضى دينى؟ قال عمر: لا تبادر بها، واحسب دينك وما عليك، وزك ذلك أجمع (4) * وهو قول الحسن بن حى * وروينا من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي في الدين يكون للرجل على الرجل فيبمطله، قال: زكاته على الذين يأكل مهنأه (5) * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء أو غيره نحوه * ومن قال بقولنا في أسقاط الزكاة عن الذى عليه الدين فيما عليه منه ابن عمر وغيره * كما روينا من طريق عبد الوهاب (6) بن عبد المجيد الثقفى، وسفيان الثوري قالا: ثنا عبيدالله بن عمر رعن نافع عن ابن عمر: أنه ولى (7) مال يتيم فكان يستسلف منه، يرى أن ذلك أحرز له، يؤدى زكاته من مال اليتيم * فهذا ابن عمر عليه الدين لا يزكيه عن نفسه * وعن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: إذا كان للرجل على الرجل الذين فالزكاة على الذى له الدين * وعن الحجاج بن المنهال عن يزيد بن ابراهيم عن مجاهد: إذا كان عليك دين فلا زكاة عليك، انما زكاته على الذى هوله *


(1) في النسخة رقم (14) (عبد الملك بن ابى بكرة) وهو خطأ، فانه عبد الملك بن ابى بكربن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام بن المغيرة المخزومى (2) في النسخة رقم (14) (وبه إلى عبد الرزاق) وما هنا واصح (3) في النسخة رقم (16) (يزيد بن جابر بن عبد الملك بن ابى بكر) وفى النسخة رقم (14) (يزيد بن جابد عن عبد الملك ابن ابى بكرة)) وكل منها خطأ في موضع، والصواب ما هنا كما هو ظاهر (4) انظر نحو هذا عن سفيان بن سعيد في خراج يحيى بن آدام رقم 593 و 594 (5) بفح الميم والنون وبينهما الهاء ساكنة، هومااتى بلا مشتقة وأكل هنيئا (6) في النسخة رقم (16) (عبد الوارث)) وهو خطأ (7) في النسخة رقم (7) في النسخة رقم (16) (اولى) وهو صحيح على ان يكون بضم الهمزة مبينا لما لم يسم فاعله، يقال (اوليته الشئ) بمعنى وليته *

[ 101 ]

وعن وكيع عن سفيان عن المغيرة عن الفضيل عن ابراهيم النخعي قال: زك ما في تديك من مالك، ومالك على الملئ، ولا تزك ما للناس عليك * وهو قول سفيان، ومالك، وأبى حنيفة، وأصحابه ووكيع * قال أبو محمد: إنما وافقنا قول (1) هؤلاء في سقوط الزكاة عن الذى عليه الدين فقط * ومن طريق عبيدالله بن عمر (2) عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين: ليس في الدين زكاة * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى الزناد عن عكرمة قال: ليس في الدين زكاة (3) * ومن طريق وكيع عن مسعر عن الحكم بن عتبة قال: خالفني ابراهيم في الدين، كنت أقول: لا يزكى، ثم رجع إلى قولى * وروينا عن أبى بكربن أبى شيبة: ثنا أبو معاوية عن حجاج عن عطاء قال: ليس على صاحب الدين الذى هوله ولا على الذى هو عليه زكاة (4) * وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن عطاء قال: ليس في الدين زكاة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: السلف يسلفه (5) الرجل؟ قال: ليس على سيد المال ولا على الذى استسلفه (6) زكاة * ومن طريق أبى عبيد عن أزائدة (7) عن عبد الملك عن عطاء بن أبى رباح: لا يزكي الذى عليه الدين الدين، ولا يزكيه الذى هوله حتى يقبضه * وهو قول أبى سليمان وأصحابنا * قال أبو محمد: إذا خرج الدين عن ملك الذى استقرضه فهو معدوم عنده، ومن الباطل المتيقن أن يزكى عن لا شئ، وعما لا يملك وعن شئ لو سرقه قطعت يده، لانه في ملك غيره * 695 مسألة ومن عليه دين كما ذكرنا وعنده مال تجب في مثله الزكاة سواء (8) كان أكثر من الدين الذى عليه أو مثله أو أقل منه، من جنسه كان


(1) كلمة (قول) زيادة من النسخة رقم (16) (2) هكذا في النسخة رقم (14) واظنه اصح، وفى النسخة رقم (16) (عبد الله بن عمر) (3) سقط من النسخة رقم (16) لفظ (زكاة في آخر اثر عاشية وسقط عكرمة كله باسناده ولفظه)) وهو خطأ (4) كلة (زكاة سقطت خطأ من الخسة رقم رقم (16) (5) منى لما لم يسم فاعله (6) فاعله (6) في النسخة (16) (اسلفته) وهو خطأ (7) كذا في الاصلين، ولم اعرف من هو (8) في النسخة رقم (16) (فسواء) وما هنا اصح *

[ 102 ]

أو من غير جنسه: فانه يزكى ما عنده، ولا يسقط من أجل الدين الذى عليه شئ من زكاة ما بيده. وهو قول الشافعي، وأبى سليمان وغيرهما * وقال مالك: يعجل الدين في العروض التى عنده التى لا زكاة فيها، ويزكى ما عنده فان لم يكن عنده عروض جعل دينه فيما بيده مما فيه الزكاة، وأسقط بذلك الزكاة، فان فضل عن دينه شئ يجب في مقداره الزكاة زكاه، والا فلا وانما هذا عنده في الذهب والفضة فقط، وأما المواشى والزرع والثمار فلا، ولكن يزكى كل ذلك، سواء كان عليه دين مثل ما معه من ذلك أو أكثر أو أقل * وقال آخرون: يسقط الدين زكاة العين والمواشى، ولا يسقط زكاة الزرع والثمار * وقال أبو يوسف ومحمد: يجعل ما عليه من الدين في كل مال تجب فيه الزكاة، سواء في ذلك الذهب، والفضة، والمواشى، والحرث، والثمار، وعروض التجارة، يسقط به زكاة كل ذلك، ولا يجعل دينه في عروض القنية مادام عنده مال تجب فيه الزكاة، أو مادام عنده عروض للتجارة. هو قول الليث بن سعد، وسفيان الثوري * وقال زفر: لا يجعل دين الزرع الا في الزرع، ولا يجعل دين الماشية الا في الماشية، ولا يجعل دين العين إلا في العين، فيسقط (1) بذلك ما عنده مما عليه دين مثله * ومن طريق ابن جريج: قلت لعطاء: حرث لرجل دينه أكثر ما ماله، أيؤدى حقه؟ قال: ما نرى على رجل دينه أكثر ما ماله صدقة، لا في ماشية ولا في أصل * قال ابن جريج: سمعت أبا الزبير سمعت طاوسا يقول: ليس عليه صدقة * قال أبو محمد: إسقاط الدين زكاة ما بيد المدين لم يأت به قرآن ولاسنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع، بل قد جاءت السنن الصحاح بايجاب الزكاة في المواشى، والحب، والتمر، والذهب، والفضة، بغير تخصيص من عليه دين ممن لادين عليه * وأما من طريق النظر فان ما بيده له أن يصدقه (2) ويبتاع منه جارية يطؤها ويأكل منه وينفق منه، ولو لم يكن له لم يحل له التصرف فيه (3) بشئ من هذا، فإذ هوله ولم يخرجه (4) عن ملكه ويده ما عليه من الدين فزكاة ماله عليه (5) بلاشك * وأما تقسيم مالك ففى غاية التناقض، وما نعلمه عن أحد قبله، وكذلك قول أصحاب أبى حنيفة أيضا. وبالله التوفيق * والمالكيون ينكرون على ابى حنيفة هذا بعينه في إيجابه الزكاة في زرع اليتيم


(1) في النسخة رقم (14) (فسقط) (2) مضارع (اصدق)) أي صدقا (3) في النسخة رقم (16) (منه) (4) في النسخة رقم (14) (ولم يخرج) وما هنا اصح (5) كلمة عليه) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) *

[ 103 ]

وثماره دون ماشية وذهبه وفضته * فان احتجوا بأن قبض زكاة المواشى والزرع إلى المصدق * قيل: فكان ماذا؟ وكذلك أيضا قبض زكاة العين إلى السلطان إذا طلبها ولافرق * 696 مسألة ومن كان له على غيره دين فسواء كان حالا أو مؤجلا عند ملئ مقريمكنه قبضه أو منكر، أو عند (1) عديم مقرأو منكر، كل ذلك سواء، ولا زكاة فيه على صاحبه، ولو أقام عنه سنين حتى يقبضه، فإذا قبضه استأنف به حولا كسائر الفوائد ولافرق. فان قبض منه مالا تجب فيه الزكاة فلا كاة فيه، لا حينئذ ولا بعد ذلك، والماشية، والذهب، والفضة في ذلك سواء، وأما النخل (2)، الزرع فلا زكاة فيه أصلا، لانه لم يخرج من زرعه ولا من ثماره * وقالت طائفة: يزكيه * كما روينا من طريق ابن أبى شيبة عن جرير عن الحكم بن عتيبة قال: سئل على عن الرجل يكون له الدين على آخر؟ فقال: يزكيه صاحب المال، فان خشى أن لا يقضيه (3) فانه يمهل، فإذا خرج الدين زكاه لما مضى * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا يزيد بن هرون أنا هشام هو ابن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلمانى: سئل على عن الدين الظنون: أيزكيه؟ قال: ان كان صادقا فليزكه (4) لما مضى. وهذا في غاية الصحة، والظنون هو الذى لا يرجى * ومن طريق طاوس: إذا كان لك دين فزكه * ومن طريق أشبعث عن ابى الزبير عن جابر قال: يزكيه، يعنى ماله من الدين على غيره * ومن طريق عمر بن الخطاب كما ذكرنا قبل: احسب دينك وما عليك وزك ذلك أجمع * ومن طريق ابن جريج قال: كان سعيد بن المسيب يقول: إذا كان الدين على ملئ فعلى صاحبه أداء زكاته، فان كان على معدم فلا زكاة فيه حتى يخرج، فيكون عليه زكاة السنين التى مضت ومن طريق معمر عن الزهري مثل قول سعيد بن المسيب سواء سواء * وعن مجاهد: إذا كان لك الدين فعليك زكاته، وإذا كان عليك فلا زكاة عليك فيه *


في النسخة رقم (16) (غير) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (الحب) بدل (النخل) (3) في النسخة رقم (16) (يقبضه) وكذلك كان في النسخة رقم (14) ولكن صححه ناسخها إلى ما هنا (4) في النسخة (16) (فلزكيه) *

[ 104 ]

وهو قول سفيان الثوري، والحسن بن الحى * وقالت طائفة: لا زكاة فيه حتى يقبضه، فإذا قبضه أو قبض منه مقدار ما فيه الزكاة زكاة لسنة واحدة، وان بقى سنين وهو قول مالك * وقالت طائفة: إن كان على ثقة زكاه، وان كان على غير ثقة فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضه. وهو قول الشافعي * وروينا من طريق عبد الله بن عمر أنه قال: زكوا أموالكم من حول إلى حول، فما كان في دين في ثقة (1) فاجعلوه بمنزلة ما كان في أيديكم، وما كان من دين ظنون فلا زكاة فيه حتى يقبضه صاحبه * وعن طاوس من طريق ثابتة: إذا كان لك دين تعلم أنه يخرج فزكه * وعن ابراهيم من طريق صحيحة، زك ما في يديك ومالك على الملئ، ولا تزك ما للناس عليك. ثم رجع عن هذا * وعن ميمون بن مهران: ما كان من دين في ملئ (2) ترجوه فاحسبه، ثم أخرج ما عليك وزك ما بقى * وعن مجاهد: إن كنت تعلم أنه خارج فزكه * وعن محمد بن على بن الحسين ليس في الدين زكاة حتى يقبضه * وأما قولنا فقد روينا قبل عن عائشة أم المؤمنين مثله، وعن عطاء * وروينا أيضا عن ابن عمر: ليس في الدين زكاة * قال أبو محمد: أما قول الحسن بن حى فظاهر الخطأ، لانه جعل زكاة الدين على الذى هوله وعلى الذى هو عليه، فأوجب زكاتين في مال واحد في عام واحد، فحصل في العين نصف العشر، وفى خمس من الابل شاتان، وكذلك ما زاد * وأما تقسيم مالك فمانعلمه عن أحد إلا عن عمر بن عبد العزيز، وقد صح عنه خلاف ذلك ومثل قولنا * وأما أبو حنيفة قانه قسم ذلك تقاسيم (3) في غاية الفساد، وهى: انه جعل كل دين ليس عن بدل أو كان عن بدل مالا يملك كالميراث والمهر والجعل ودية الخطأ والعمد إذا صالح عليها والخلع: أنه لا زكاة على مالكه أصلا حتى يقبضه، فإذا قبضه استأنف به حولا، وجعل كل دين يكون عن بدل لو بقى في ملكه لوجبت فيه الزكاة


(1) كذا في الاصلين وهو صوب، وبحاشية النسخة رقم (14) ان في نسخة (فما كان من دين) الخ (2) في النسخة رقم (16) (في ملك) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (تقاسمها)) وهو لحن *

[ 105 ]

كقرض الدراهم وفيما وجب (1) في ذمة الغاصب والمتعدي وثمن عبد التجارة فانه لا زكاة فيه، كان على ثقة أو غير ثقة، حتى يقبض أربعين درهما، فإذا فقبضها زكاها لعام (2) خال ثم يزكى كل أربعين يقبض، وجعل كل دين يكون عن بدل لو بقى في يده لم تجب فيه الزكاة كالعروض لغير التجارة يبيعها: قسما آخر، فاضطرب فيه قوله، فمرة جعل ذلك بمنزلة قوله في الميراث، والمهر، ومرة قال: لا زكاة عليه حتى يقبض مائتي درهم، فإذا قبضها زكاها لعام خال، وسواء عنده ما كان عند عديم أو ملئ إذا كان مقرين * وأما قول أبى حنيفة فتخليط لاخفاء به * قال أبو ممد: إنما لصاحب الدين عند غريمه عدد في الذمة وصفة فقط، وليس له عنده عين (3) مال اصلا، ولعل الفضة أو الذهب اللذين له عنده في المعدن بعد، والفضة تراب بعد، ولعل المواشى التى له عليه لم تخلق بعد، فكيف تلزمه زكاة ما هذه صفته؟! فصح أنه لا زكاة عليه في ذلك. وبالله تعالى التوفيق * واعلم أن تقسيم أبى حنيفة ومالك لا يعرف عن أحد قبلهما، لان الرواية عن عمر ابن عبد العزيز إنما هي في الغصب لا في الدين، وبالله تعالى التوفيق * 697 مسألة وأما المهور (4) والخلع، والديات فبمنزلة ما قلنا، ما لم يتعين المهر، لان كل ذلك دين، فان كان المهر فضة معينة دراهم أو غير ذلك أو ذهبا بعينه دنانير أو غيرذلك أو ماشية بعينها، أو نخلا بعينها، أو كان كل ذلك ميراثا: فالزكاة واجبة على من كل ذلك له، لانها أموال صحيحة ظاهرة موجودة، فالزكاة فيها، ولا (5) معنى للقبض في ذلك ما لم يمنع صاحبه (6) شئ من ذلك، فان منع صار مغصوبا وسقطت الزكاة كما قدمنا. وبالله تعالى التوفيق * 698 مسألة ومن كان له دين على بعض أهل الصدقات وكان ذلك الدين برا، أو شعيرا، أو ذهبا، أو فضة أو ماشية فتصدق عليه بدينه قبله، ونوى بذلك أنه من زكاته أجزأه ذلك، (7) وكذلك لو تصدق بذلك الدين على من يستحقه وأحاله به على من هو له عنده ونوى بذلك الزكاة فانه يجزئه *


(1) في النسخة رقم (16) (وما وجب) (2) كلمة (لعام) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) وقوله (خال) بالخاء المعجمة وفى النسخة رقم (16) بالهملة وهو تصحيف * (3) كلمة (عين) سقطت من النسخة رقم (16) (4) (4) في النسخة رقم (14) (المهر) (5) في النسخة رقم (16) (لا) بدون الواو وهو خطأ (6) في النسخة رقم (16) (صاحب) وهو خطأ (7) قوله (ذلك) زيادة من النسخة رقم (16) *

[ 106 ]

برهان ذلك: أنه مأمور بالصدقة الواجبة، وبان يتصدق على أهل الصدقات من زكاته الواجبة بما عليه منها، فإذا كان ابرأوه من الدين يسمى صدقة فقد أجزأه * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث هو ابن سعد عن بكير هو ابن الاشج عن عياض بن عبد الله عن أبى سعيد الخدرى قال: (أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه) وذكر الحديث. هو قول عطاء بن أبى رباح وغيره * 699 مسألة ومن أعطى زكاة ماله من وجبت له من أهلها، أو دفعها إلى المصدق المأمور بقبضها فباعها من قبض حقه فيها أو من له قبضها نظر لاهلها: فجائز للذى أعطاها أن يشتريها، وكذلك لو رجعت إليه بهبة أو هدية أو ميراث أو صداق أو إجارة أو سائر الوجوه المباحة ولا يجوز له شئ من ذلك التبة قبل ان يدفعها، لانه ابتاع شيئا غير معين، وهذا لا يجوز، لانه لا يدرى ما الذى ابتاع، ولم يعط الزكاة التى افترض الله تعالى عليه (1)، أن يؤديها إلى أهلها، وبهذا نفسه يحرم عليه أن يعطى غير ما لزمه بنية القيمة، وأما بعد أن يؤديها إلى أهلها فان الله تعالى قال (2): (وأحل الله البيع) فهو قد أدى صدقة ماله كما أمر، وباعها الآخذ لها كما أبيح له * ولم يجز ذلك أبو حنيفة وكرهه مالك، وأجازه الليث بن سعد * واحتج من منع من ذلك بالحديث الذى رويناه من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن ابيه قال: سمعت عمر يقول: (حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذى كان عنده فأردت أن أشتريه، وطننت أنه بائعه برخص، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشتره، ولا تعد في صدقتك وإن أعطا كه بدرهم، فان العائد في صدقته كالعائد في قيئه) * ومن طريق حماد بن سلمة عن عاصم الاحول عن سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدي: (أن الزبير حمل على فرس في سبيل الله تعالى، فوجد فرسا من ضئضئها (4) يعنى من نسلها فأراد أن يشتريه، فنهى) ونحو هذا أيضا عن أسامة بن زيد، ولا يصح * قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم فيه، لان فرس عمر كان بنص الحديث حمل (


(1) كلمة (عليه) زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) (يقول) (3) انظر ألفاظه في صحيح مسلم (ج 2 ص 4) (4) بكسر الضادين المعجمتين وبينهما همزة ساكنة، ويقال ايضا (ضئضئ) بوزن قنديل ويقال (ضؤضؤ) بضمهما *

[ 107 ]

عليه في سبيل الله، فصار حبسا في هذا الوجه، فبيعه اخراج له عما سبل فيه، ولا يحل هذا أصلا فابتياعه حرام على كل أحد * وكذلك القول في الخبرين الآخرين، لو صحا، لا سيما، وفى حديث أبى عثمان النهدي أنه نهى نتاجها، وهذه صفة الحبس * وأما ما لم يحرم بيعه وكان صدقة مطلقة يملكها المتصدق بها عليه ويبيعها ان شاء فليس ابتياع المتصدق بها عودا في صدقته، لا في اللغة ولا في الديانة، لان العود في الصدقة هو انتزاعها وردها إلى نفسه بغير حق، وابطال صدقته بها فقط، والحاضرون من المخالفين يجيزون أن يملكها المتصدق بها بالميراث، وقد عادت إلى ملكه كما عادت بالشراء ولا فرق، فصح أن العود هو ما ذكرنا فقط * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا آدم ثنا شعبة ثنا الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: (اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فقلت: هذا مما تصدق به على بريرة فقال: هو لها صدقة ولنا هدية) * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن اسمعيل الترمذي ثنا الحميدى ثنا سفيان ثنا الزهري أنه سمع عبيد بن السباق (1) أنه سمع جويرية أم المؤمنين تقول (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل من طعام؟ فقلت: لا، الاعظما أعطيته مولاة لنا من الصدقة فقال: قربيه فقد بلغت محلها) (2) * ولا خلاف في أن الصدقة حرام عليه صلى الله عليه وسلم، فقد استباحها بعد بلوغها محلها، إذ رجعت إليه بالهدية * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبدالمك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا الحسن ابن على ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغنى الا لخمسة لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين. فتصدق على المسكين فاهداها المسكين للغنى) * (


(1) عبيد - بالتصغير - والسباق - بفتح السين المهملة وتشديد الباء الموحدة - وهو تابعي ثقة (2) رواه ايضا مسلم (ج 1 ص 296) من طريق الليث، وسفيان عن الزهري (3) في النسخة رقم (14) (فأهدى) وما هنا هو الموافق لابي داود (ج 2 ص 38) وقد رواه مالك وغيره عن عطاء مرسلا، لكن رواية معمر اياه بزيادة (ابى سعيد) اسنادها صحيح جدا والزيادة من الثقة مقبولة *

[ 108 ]

فهذا نص من النبي صلى الله عليه وسلم (1) بجواز ابتياع الصدقة، ولم يخص المتصدق بها من غيره * وروينا عن أبى هريرة قال: لا تشتر (2) الصدقة حتى تعقل، يعنى حتى تؤديها. وهذا نص قولنا * وعن ابن عباس في الصدقة قال: ان اشتريتها أوردت عليك أو ورثتها حلت لك * وعن عمر بن الخطاب قال: من تصدق بصدقة فلا يبتاعها (3) حتى تصير إلى غير الذى تصدق بها عليه * قال أبو محمد: فهذا عمر يجيز للمتصدق بالصدقة ابتياعها. إذا انتقلت عن الذى تصدق بها عليه إلى غيره، ولافرق عندنا بين الامرين * وقولنا هذا (4) هو قول عكرمة، ومكحول، وبه يقول أبو حنيفة: والاوزاعي، وأجازه الشافعي ولم يستحبه، ومنع منه مالك وأجاز رجوعها إليه (5) بالميراث * وروينا عن ابن عمر: أنه كان إذا تصدق بشئ فرجع إليه بالميراث تصدق به، ويفتى بذلك * فخرج قول مالك عن ان يكون له من الصحابة رضى الله تعالى عنهم موافق * 700 مسألة قال أبو محمد: ولا شئ في المعادن كلها، وهى فائدة، لا خمس فيها ولا زكاة معجلة، فان بقى الذهب والفضة عند مستخرجها حولا قمريا، وكان ذلك مقدار ما تجب فيه الزكاة: زكاه، وإلا فلا * وقال أبو حنيفة: عليه في معادن الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، والقزدير والحديد: الخمس، سواء كان في أرض عشر أو في أرض خراج، سواء أصابه مسلم أو كافر، عبد، أو حر قال: فان كان في داره فلا خمس فيه، ولا زكاة، ولا شئ فيما عدا ذلك من المعادن. واختلف قوله في الزئبق: فمرة رأى فيه الخمس، ومرة لم ير فيه شيئا * وقال مالك: في معادن الذهب والفضة الزكاة (6) معجلة في الوقت، ان كان مقدار ما فيه الزكاة (7)، ولا شئ في غيرها، ولا يسقط الزكاة في ذلك دين يكون عليه، فان كان الذى أصاب في معدن الذهب أو الفضة ندرة (8) بغير كبير عمل، ففى ذلك الخمس * قال أبو محمد: احتج من رأى فيه الخمس بالحديث الثابت: (وفى الركاز الخمس) * (


(1) في النسخة رقم (14) (نص رسول الله صلى الله عليه وسلم) (2) في النسخة رقم (16) (لا تشتري) وما هنا اصح (3) كذا في الاصلين على النفى (4) كلمة (هذا) زيادة من النسخة رقم (14) (5) كلمة (إليه) زيادة من النسخة رقم (14) (6) كلمة (الزكاة) سقطت خطا من النسخة رقم (16) (7) في النسخة رقم (16) (ان كان ما تجب فيه الزكاة) (8) الندرة - بفتح النون واسكان الدال المهملة - القطعة من الذهب والفضة توجد في المعدن *

[ 109 ]

وذكروا حديثا من طريق عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن جده عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الركاز؟ فقال: هو الذهب الذى خلقه الله في الارض يوم خلق السماوات والارض) * قال أبو محمد: هذا حديث ساقط، لان عبد الله بن سعيد متفق على اطراح روايته (1) ثم لو صح لكان في الذهب خاصة * فان قالوا: قسنا سائر المعادن المذكورة على الذهب * قلنا لهم: فقيسوا عليه أيضا معادن الكبريت، والكحل، والزرنيخ وغير ذلك * فان قالوا: هذه حجارة * قلنا (2): فكان ماذا؟ ومعدن الفضة والنحاس أيضا حجارة ولا فرق * واما الركاز فهو دفن (3) الجاهلية فقط، لا المعادن، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك (4) * والعجب كله احتجاج بعضهم في هذا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله في اللقطة: (ما كان منها في الخراب والارض الميتاء (5) ففيه وفى الركاز الخمس) وهم لا يقولون بهذا، وهذا كما ترى! * ولو كان المعدن ركاز لكان الخمس في كل شئ من المعادن، كما ان الخمس في كل دفن للجاهلية، أي شئ كان، فظهر فساد قولهم (7) وتناقضهم * لا سيما في اسقاطهم الزكاة المفروضة بالخراج، ولم يسقطوا الخمس في المعادن بالخراج وأوجبوا فيها خمسا في أرض العشر، وعلى الكافر، والعبد، وفرقوا بين المعدن في الدار وبينه خارج الدار، ولا يعرف كل هذا عن احد قبلهم (8)، وهم يقولون: برد الاخبار الصحاح إذا خالفت الاصول وحكمهم ههنا مخالف للاصول * (


(1) الحديث نسبه ابن حجر في التلخيص (ص 185) إلى البيهقى من طريق عبد الله بن سعيد. وعبد الله هذا ضعيف جدا بل رماه بعضهم بالكذب (2) في النسخة رقم (16) (فقلنا) (3) في النسخة رقم (16) (دفين) (4) الخلاف بين أهل اللغة في هذا ثابت، قال أبو عبيد (اختلف أهل احجاز والعراق: فقال أهل العراق في الركاز المعادن كلها، وكذلك المال العادى يوجد مدفونا، هو مثل المعدن سواء، قالوا: وانما اصل الركاز المعدن، والمال العادى اللذى قد ملكه الناس مشبه بالمعدن. وقال اهل الحجاز: انما الركاز كنوز الجاهلية؟ فأما المعادن فليست بركاز، وهذان القولان تحتملهما اللغة، لان كلا منهما مركوز في الارض أي ثابت، يقال: ركزه يركزه ركزا - من باب قتل - إذا دفنه، والحديث انما جاء على رأى اهل الحجاز) وروى الازهرى عن الشافعي انه قال: (الذى لا اشك فيه ان الركاز دفين الجاهلية، والذى انا واقف فيه الركاز في المعدن والتبر المخلوق في الارض) نقلهما في اللسان (5) الميتا. - بكسر الميم والمد - الطريق المسلوك، ماخوذ من الاتيان، وانظر تخريج هذا الحديث في التلخيص (ص 185) (6) في النسخة رقم (14) (كالخمس في كل دفن للجاهلية) (7) كلمة (قولهم) سقطت خطا من النسخة رقم (16) (8) في النسخة رقم 16 (قبله) *

[ 110 ]

فان قالوا: قد روى عن على: ان فيه الخمس * قلنا: أنتم أول مخالف لهذا الحكم إن كان حجة، لان الخبر انما هو في رجل استخرج معدنا فباعه بمائة شاة واخرج المشترى منه ثمن ألف شاة، فرأى على الخمس (1) على المشترى، لا على المستخرج له * وأما من رأى فيه الزكاة فاحتجوا بحديث مالك عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع لبلال بن الحارث معادن القبلية وهى في ناحية الفرع) (2) قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها الا الزكاة إلى اليوم * قال أبو محمد: وليس هذا بشئ (3) لانه مرسل، وليس فيه مع ارساله الا اقطاعه عليه السلام تلك المعادن فقط، وليس فيه أنه عليه السلام أخذ منها الزكاة * ثم لو صح لكان المالكيون أول مخالف له، لانهم رأوا في الندرة تصاب فيه بغير كبير (4) عمل الخمس، وهذا خلاف ما في هذا الخبر * ويسألون أيضا عن مقدار ذلك العمل الكبير (5) وحد الندرة؟ ولا سبيل إليه الا بدعوى لا يجوز الاشتغال بها. فظهر أيضا فساد هذا القول وتناقضه * وقالوا أيضا: المعدن كالرزع (6)، يخرج شئ بعد شئ * قال على: قياس المعدن على الزرع كقياسه على الركاز، وكل ذلك باطل، ولو كان القياس حقا لتعارض هذان القياسان، وكلاهما فاسد، أما قياسه على الركاز فيلزمهم ذلك في كل معدن، والا فقد تناقضوا، واما قياسه على الزرع فيلزمهم أن يراعوا فيه خمسة أوسق (7)، والافقد تناقضوا، ويلزمهم أيضا ان يقيسوا كل معدن من حديد أو نحاس على الزرع * واحتج كلتا الطائفتين بالخبر الثابت من طريق مسلم عن قتيبة: ثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع ثنا عبد الرحمن بن أبى نعم (8) قال: سمعت أبا سعيد الخدرى يقول: (بعث على بن أبى طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، (


(1) في النسخة رقم (16) (فرأى الخمس) والزيادة من النسخة رقم (14) (2) القبيلة - بفتح القاف والباء الموحدة - ناحية من ساحل البحر بينهما وبين المدينة خمسة ايام، والفرع - بضم الفاء واسكان الراء - قرية على ثمانية برد من المدينة، وضبط في النسخة رقم (14) بضم الراء وهو خطا وانظر الكلام على هذا الحديث وطرقه في كتاب الخراج ليحيى ابن آدم رقم 294 ومسند احمد (ج 1 ص 306) وطبقات ابن سعد (ج 1 ق 2 ص 25) (3) في النسخة رقم (14) (وهذا ليس بشئ) (4) في النسخة رقم (14) (كثير) (5) في النسخة رقم (16) (كالمعدن كالزرع) وهو خطا (7) في النسخة رقم (16) (قيمة خمسة اوسق) (8) نعم - بظم النون واسكان العين المهملة، وفي النسخة رقم (16) (نعيم) وهو تصحيف *

[ 111 ]

فقسمها بين أربعة نفر: عيينة بن يدر، والاقرع بن حابس، وزيد الخيل، وذكر رابعا. وهو علقمة بن علاثة (1)) فقال: من رأى في المعدن الزكاة: هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، وحقهم في الزكاة لا في الخمس، وقال الآخرون: على من بنى هاشم، ولا يحل له النظر في الصدقة، وانما النظر في الاخماس (2) * قال على: كلا القولين دعوى فاسدة، ولو كانت تلك الذهب من خمس واجب أو من زكاة لما جاز البتة أخذها الا بوزن وتحقيق، لا يظلم معه المعطى ولا أهل الاربعة الاخماس، فلما كانت (3) لم تحصل من ترابها صح يقينا أنها ليست من شئ من ذلك وانما كانت هدية من الذى أصابها، أو من وجه غير هذين الوجهين، فأعطاها عليه السلام من شاء، وقد قدمنا أنه لا زكاة في مال غير الزرع الا بعد الحول، والمعدن من جملة الذهب والفضة، فلا شئ فيها الا بعد الحول * وهذا قول الليث بن سعيد وأحد أقوال الشافعي وقول أبى سليمان * ورأى مالك أن من ظهر في أرضه معدن فانه يسقط ملكه عنه، ويصير للسلطان، وهذا قول في غاية الفساد، بلا برهان من قرآن، ولا سنة صحيحة، ولا رواية سقيمة، ولا اجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا رأى له وجه * وعلى هذا ان ظهر في مسجد أن يصير ملكه للسلطان ويبطل حكمه ولو أنه الكعبة! وهذا في غاية الفساد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح ان من ظهر في أرضه معدن فهو له، يورث عنه ويعمل فيه ما شاء * 701 مسألة ولا تؤخذ زكاة من كافر، لا مضاعفة ولا غير مضاعفة، لا من بنى تغلب ولامن غيرهم. وهو قول مالك * وقال أبو حنيفة، والشافعي كذلك الا في بنى تغلب خاصة، فانهم قالوا: تؤخذ منهم الزكاة مضاعفة * واحتجوا بخبر واهى مضطرب في غاية الاضطراب، رويناه من طريق أبى اسحاق الشيباني عن السفاح بن مطر (4) عن داود بن كردوس التغلبي قال: صالحت عمر بن الخطاب عن بنى تغلب (5) بعد أن قطعوا الفرات وأرادوا اللحوق بالروم على أن (


(1) اختصر المؤلف الحديث جدا، وهو في مسلم (ح 1 ص 291 و 292) ولكن فيه (بذهبة) بالتكبير لا التصغير (2) ان صح انه من الصدقة فليس ارسال على اياه من باب النظر في الصدقة، وانما هو وال من قبل النبي صلى الله عليه وسلم تجبى إليه الصدقة، والمحرم هو العمل فيها بان يكون مصدقا يأخذ جزءا منها (3) في النسخة رقم (16) (فلو كانت) وهو خطا (4) في الاصلين (السفاح ابن مطرف) وهو خطا وصححناه من كتب الرجال ومن خراج يحيى بن آدم رقم 206 و 207 و 208 والتلخيص (ص 308) (5) هكذا هنا يخبر داود انه هو الذى صالح عن بنى تغلب، ويظهر لى أنه خطأ، فقد روى يحيى بن آدم في الخراج رقم

[ 112 ]

لا يصبغوا (1) صبيا ولا يكرهوا على غير دينهم، (2) على أن عليهم العشر مضاعفا في كل عشرين درهما درهم، قال داود بن كردوس: ليس لبنى تغلب ذمة، قد صبغوا (3) في دينهم * ومن طريق هشيم عن المغيرة بن مقسم عن السفاح بن المثنى عن زرعة بن النعمان أو النعمان (3) بن زعرة: أنه كلم عمر في بنى تغلب، وقال له: انهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عدوك بهم، فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة، فاشترط عليهم: أن لا ينصروا أولادهم قال مغيرة: فحدثت أن على بن أبى طالب قال: لئت تفرغت لبنى تغلب لاقتلن مقاتلتهم ولاسبين ذراريهم، فقد نقضوا، وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم (5) * وروى أيضا من طريق عبد السلام بن حرب فقال: فيه عن داود بن كردوس عن عمارة بن النعمان، وذكر مثله سواء سواء، وذكر أنهم لا ذمة لهم اليوم (6) * وروينا أيضا (7) من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث عن يونس ابن يزيد عن الزهري: لا نعلم في مواشي أهل الكتاب صدقة الا الجزية غير أن نصارى بنى تغلب الذين جل أموالهم المواشى تضعف عليهم حتى تكون مثلى الصدقة (8) * هذا كل ما موهوا به. ولو كان هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حل الاخذ به لانقطاعه وضعف رواته، فكيف وليس هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (9)! * (


(1) 206 و 208 وعن داود اخباره بان عمر صالح بنى تغلب، وكذلك نقله ابن حجر في التلخيص (ص 380) عن ابن ابى شيبة وكذلك شارح ابن ابى داود (ج 3 ص 132)، وروى يحيى بن آدم ايضا رقم (207) عن داود عن عبادة بن النعمان (انه قال لعمر) الخ وكذلك نقله الجصاص في احكام القران (ج 3 ص 94) عن يحيى بن آدم انه قال (عمارة بن النعمان) كما سيذكر المؤلف في طريق عبد السلام بن حرب، وكذلك رواه أبو يوسف في الخراج (ص 143 طبع السلفية) فقال (عن داود بن كردوس عن عبادة بن النعمان التغلبي)، فيظهر في هذان هنا خطأ بحذف عبادة بن النعمان. وانظر نصب الراية (ج 1 ص 395 و 396) (1) بالصاد المهملة والباء والغين المعجمة، وفى النسخة رقم (16) (يضيعوا) وهو تصحيف. قال الازهرى (وسمت النصارى غمسهم اولادهم في الماء صبغا لغمسهم اياهم فيه، والصبغ الغمس). (2) في بعض الروايات للاثر (على دين غيرهم) (3) في النسخة رقم (16) (ضيعوا) وهو تصحيف كما سبق (4) في النسخة رقم 16 (والنعمان) وهو خطأ، وزرعة ابن النعمان أو النعمان بن زرعة هذا لم أجد له ترجمة، والاثر رواه أبو عبيد في الاموال عن سعيد بن سليمان عن هشيم كما نقله الزيلعى في نصب الراية (5) قول على هذا رواه أبو داود بلفظ: (لئن بقيت لنصارى بنى تغلب لاقتلن المقاتلة ولاسبين الذرية فانى كتبت الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم على ان لا ينصروا ابناءهم) ثم قال أبو داود: هذا حديث منكر، وبلغني عن احمد انه كان ينكر هذا الحديث انكارا شديدا) ويريد ان رفعه منكر فان المعروف ان الذى عاهدهم هو عمر بن الخطاب (6) طريق عبد السلام بن حرب رواه عنه يحيى بن آدم في الخراج رقم 207 ولكن قال (عبادة بن النعمان) (7) كلمة (ايضا) زيادة من النسخة رقم (16) (8) رواه يحيى بن آدم مختصرا عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري رقم 201 (9) خبر بنى تغلب هذا روى من طرق كثيرة تطمئن النفس إلى ان له أصلا صحيحا، ويؤيده خبر زياد بن حدير الآتى الذى صححه ابن حزم

[ 113 ]

فكيف وقد خالفوا هذا الخبر نفسه وهدموا به أكثر أصولهم؟! لانهم يقولون: لا يقبل خبر الآحاد الثقات (1) التى لم يجمع عليها فيما (2) إذا كثرت به البلوى، وهذا أمر تكثر به البلوى، ولا يعرفه أهل المدينة وغيرهم! فقبلوا فيه خبرا لا خير فيه * وهم قد ردوا بأقل من هذا خبر الوضوء من مس الذكر، ويقولون: لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا كان زائدا على ما في القرآن أو مخالفا له، وردوا بهذا حديث اليمين مع الشاهد، وكذبوا ما هو مخالف لما في القرآن * ولا خلاف للقرآن أكثر من قول الله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) فقالوا هم: إلا بنى تغلب فلا يؤدون الجزية ولا صغار عليهم، بل يؤدون الصدقة مضاعفة، فحالفوا القرآن، والسنن المنقولة نقل الكافة (3) بخبر لاخير فيه! * وقالوا: لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا خالف الاصول، وردوا بذلك خبر القرعة في الاعبد الستة، وخبر المصراة، وكذبوا، ماهما مخالفين للاصول! بل هما أصلان من كبار الاصول * وخالفوا ههنا جميع الاصول في الصدقات، وفى الجزية بخبر لا يساوي بعرة! * وتعللوا بالاضطراب في أخبار الثقات، وردوا بذلك خبر (لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان) وخبر (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا) وأخذوا ههنا بأسقط خبر وأشده اضطرابا، لانه يقول راويه مرة: عن السفاح بن مطرف، ومرة: عن السفاح ابن المثنى، ومرة: عن داود بن كردوس أنه صالح عمر بنى تغب، ومرة: عن داود ابن كردوس عن عبادة بن النعمان أو زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة أنه صالح عمر * ومع شدة هذا الاضطراب المفرط فان جميع هؤلاء لا يدرى أحد من هم من خلق الله تعالى؟ * وكم من قضية (4) خالفوا فيها عمر، ككلامه مع عثمان في الخطبة، نفيه في الزنا، وإغرامه في السرقة بعد القطع، وغير ذلك * (


(1)، ولذلك قال الجصاص في احكام القرآن (ج 3 ص 94) بعد ذكر رواية داود بن كردوس: (هذا خبر مستفيض عند اهل الكوفة)، قد وردت به الرواية والنقل الشائع عملا وعقد بابا خاصا لهم يراجع هناك، وكذلك أبو يوسف في الخراج (ص 143) وكذلك البلاذرى في فتوح البلدان (ص 189) طبع مصر سنة 1319 (1) كلمة (الثقات) زيادة من النسخة رقم (14) (2) كلمة (فيما) زيادة من النسخة رقم (16) (3) من قوله (ولا صغار عليهم بل يؤدون) إلى هنا سقط خطأ من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (16) (قصة) *

[ 114 ]

وقد صح عن عمر بأصح طريق من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة (1) عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي عن زياد بن حدير (2) قال: مرنى عمر بن الخطاب أن آخذ من نصارى بنى تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر (3) * قال أبو محمد: فكما لم يسقط أخذ نصف العشر من أهل الكتاب الجزية عنهم فكذلك لا يسقط أخذ العشر من بنى تغلب أيضا الجزية عنهم، وهذا أصح قياس، لو كان شئ من القياس صحيحا، فقد خالفوا القياس أيضا * ثم لو صح وثبت لكانوا (4) قد خالفوه، لان جميع ممن رووه عنه أولهم عن آخرهم يقولون كلهم: ان بنى تغلب قد نقضوا تلك الذمة، فبطل ذلك الحكم * ورووا ذلك أيضا عن على، فحالفوا عمر. وعليا والخبر الذى به احتجوا والقرآن والسنن: في أخذ الجزية من كل كتابي في أرض العرب وغيرها، كهجر واليمن وغيرهما وفعل الصحابة رضى الله عنهم والقياس، ونعوذ بالله من الخذلان * 702 مسألة ولا يجوز أخذ زكاة ولا تعشير مما يتجر به تجار المسلمين، ولا من كافر أصلا، تجر في بلاده (5) أو في غير بلاده، إلا ان يكونوا صولحوا على ذلك مع الجزية في أصل عقدهم، فتؤخذ حينئذ منهم والا فلا * أما المسلمون فقد ذكرنا قبل أنه لا زكاة عليهم في الغروض لتجارة كانت أو لغير تجارة (6) وأما الكفار فانما اؤجب الله تعالى عليهم الجزية فقط، فان كان ذلك صلحا مع الجزية فهو حق وعهد صحيح، وإلا فلا يحل أخذ شئ من أموالهم بعد صحة عقد الذمة بالجزية والصغار، ما لم ينقضوا العهد. وبالله تعالى التوفيق * وقال أبو حنيفة: يؤخذ من أهل الذمة إذا سافروا نصف العشر في الحول مرة فقط ولا يؤخذ منهم من أقل من مائتي درهم شئ، وكذلك يؤخذ من الحربى العشر إذا بلغ مائتي درهم، وإلا فلا، إلا ان كانوا لا يأخذون من تجار ناشيئا، فلا نأخذ من تجارهم شيئا * وقال مالك: يؤخذ من أهل الذمة العشر إذا تجروا إلى غير بلادهم، مما قل أو كثر إذا باعوا، ويؤخذ منهم في كل سفرة كذلك ولو مرارا في السنة، فان تجروا في بلادهم (


(1) في النسخة رقم (16) (شعيب) وهو خطأ (2) حدير - بضم الحاء وفتح الدال المهملتين، وفى النسخة رقم (16) (جابر) وفي نصب الراية (ج 1 ص 396) (جرير) وكل خطأ (3) نقل الزيلعى في نصب الراية انه رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن كثير عن شعبة، وروى يحيى في الخراج عن شريك وعن اسرائيل كلاهما عن ابراهيم بن مهاجر عن زياد ابن حدير نحوه ولكن فيه انه ياخذ من بنى تغلب نصف العشر، رقم (202 و 203)، وروى أبو يوسف في الخراج (ص 144) عن اسماعيل بن ابراهيم بن مهاجر عن ابيه عن زياد التغليظ على بنى تغلب، واسمعيل وابوه ضعيفان من قبل حفظهما (4) في النسخة رقم (14) (لكان) وما هنا اصوب (5) في النسخة رقم (16) (بلده) (6) في النسخة رقم (14) (أو لغيرها) *

[ 115 ]

لم يؤخذ منهم شئ، ويؤخذ من الحربيين كذلك إلا فيما حملوا (1) إلى المدينة خاصة من الحنطة، والزبيب (3) خاصة، فانه لا يؤخذ منهم إلا نصف العشر فقط * قال أبو محمد: احتجوا في ذلك بما روى من طريق معمر عن الزهري عن السائب ابن يزيد: كنت أعشر مع عبد الله بن عتبة زمن عمر بن الخطاب، فكان يأخذ من أهل الذمة أنصاف عشر أموالهم فيما تجروا به * وبحديث أنس بن سيرين عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب: خذ (3) من المسلمين من كل أربعين درهما درهما، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهما (4) * ومن طريق زياد بن حدير: أمرنى عمر بأن آخذ من بنى تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر * ومن طريق مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كنت غلاما مع عبد الله ابن عتبة على سوق المدينة زمان عمر بن الخطاب، (5) فكان يأخذ من النبط العشر * قال أبو محمد: هذا كله لا حجه فيه، لانه ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * وأيضا فرب قضية خالفوا فيها عمر قد ذكرناها آنفا، وليس يجوز أن يكون بعض حكم عمر حجة وبعضه ليس بحجة * وأيضا فان هذه الآثار (6) مختلفة عن عمر، في بعضها العشر من اهل الكتاب، وفى بعضها نصف العشر، فما الذى جعل بعضها أولى من بعض؟! * وقد خالف المالكيون هذه الآثار تفريقهم بين تجارتهم في أقطار بلادهم أو غيرها * وخالفها (7) الحنيفيون في وضعهم ذلك مرة في العام فقط، وليس ذلك في هذه الآثار وذكروا في ذلك خبرا فساد من طريق ابن أبى ذئب (8) عن عبد الرحمن بن مهران: أن عمر كتب (9) إلى أيوب بن شرحبيل: خذ من المسلمين من كل أربعين دينارا دينارا، ومن أهل الكتاب من كل عشرين دينارا دينارا، إذا كانوا يديرونها، ثم لا تأخذ منهم شيئا حتى رأس الحول، فانى سمعت ذلك ممن سمعه ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: وهذا عن مجهولين، وليس أيضا فيه بيان أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم (10) (


(1) في النسخة رقم (16) (الا ما حملوا) (2) في النسخة رقم (16) (والزيت) بدل (والزبيب) (3) كلمة (خذ) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (16) في المواضع الثلاثة (درهم) وهو لحن (5) في النسخة رقم (16) (زمن عمر) (6) في النسخة رقم (16) (آثار) (7) في النسخة رقم (16) (وخالف) (8) كلمة (ذئب) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (9) في النسخة رقم (16) (عن عبد الرحمن بن مهران عمن كتب) الخ وهو خطأ (10) قوله (قال أبو محمد: وهذا عن مجهولين) إلى هنا سقط من النسخة رقم (16)

[ 116 ]

قال أبو محمد: فكيف وقد روينا عنر عمر رضى الله عنه بيان هذا كله؟ كما حدثنا أحمد ابن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا الانصاري هو القاضى محمد بن عبد الله بن المثنى عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلز قال: بعث عمر عمارا، وابن مسعود، وعثمان بن حنيف إلى الكوفة فذكر الحديث وفيه: أن عثمان بن حنيف مسح الارض فوضع عليها كذا وكذا، وجعل في أموال أهل الذمة الذين يختلفون بها من كل عشرين درهما درهما (1) وجعل على رؤوسهم وعطل من ذلك النساء والصبيان: أربعة وعشرين، ثم كتب بذلك إلى عمر فأجازه (2) * فصح أن هذا كان في أصل العهد والعقد وذمتهم * وبه إلى أبى عبيد: ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن خالد العبسى قال: سألت زياد بن حدير: من كنتم تعشرون (3) قال (4) ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا كنا نعشر تجار أهل الحرب كما يعشروننا إذا أتيناهم (5) * فصح أنه لم يكن يؤخذ ذلك ممن لم يعاقد على ذلك * وبه إلى أبى عبيد: ثنا أبو معاوية عن الاعمش عن شقيق بن سلمة عن مسروق قال: والله ما عملت عملا أخوف عندي أن يدخلنى النار من عملكم هذا، وما بى أن أكون ظلمت فيه مسلما أو معاهدا دينارا ولا درهما، ولكن لا أدرى ماهذا الحبل (6) الذى لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر؟ قالوا: فما حملك على أن دخلت فيه؟ قال: لم يدعنى زياد، وشريح، ولا الشيطان حتى دخلت فيه (7) * (


(1) كلمة (درهما) الثانية سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (2) انظر خراج ابى يوسف (ص 29 و 31) في مسح ارض السواد، وقد روى هذا الاثر مطولا عن سعيد بن ابى عروبة (ص 42) وانظر ايضا في (ص 43 و 44 و 45 و 153 و) (3) في النسخة رقم (16) (تعشر) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (16) (قالوا) وهو خطأ (5) رواه يحيى بن آدم رقم (640) عن سفيان بن سعيد - هو الثوري - عن عبد الله بن خالد العبسي عن عبد الله بن مغفل عن زياد بن حدير قال: (ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا، قال قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار اهل الحرب كما يعشرونا إذ أتيناهم) وأظن ان اصل المحلى سقط منه (عن عبد الله بن مغفل) في الاسناد، وعبد الله بن خالد العبسى لم اجد له ترجمة ولا ذكرا (6) لا ادرى ما المراد بالحبل هنا. وفي النسخة رقم (14) (الحمل) بالميم وهو مشكل ايضا، وانما رجحت الذى بالنسخة رقم (16) لموافقته ما في طبقات ابن سعد كما سنذكره ان شاء الله (7) قال ابن سعد في الطبقات (ج 5 ص 55) (اخبرنا عبد الله ابن نمير ثنا الاعمش عن شقيق قال: كان مسروق على السلسلة سنتين فكان يصلى ركعتين ركعتين يبتغى بذلك السنة. انا أبو معاوية ثنا الاعمش عن شقيق قال: قلت لمسروق ما حملك على هذا العمل؟ قال لم يدعني ثلاثة: زياد وشريح والشيطان حتى اوقعوني فيه! انا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن سليمان هو الاعمش - عن شقيق قال كنت مع مسروق بالسلسلة سنتين يصلى ركعتين يريد بذلك السنة، قال فسمعته يقول: ما عملت عملا قط اخوف علي من ان يدخلنى النار من عملي هذا، وما بى ان اكون اصبت درهما ولا دينارا ولا ظلمت مسلما ولا معاهدا، ولكن لا ادرى ما هذا الحبل (؟) الذى لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر؟ قال قلت: فما ردك عليه وقد كنت تركته؟ قال: اكتنفني

[ 117 ]

قال أبو محمد: فصح أنه عمل محدث، ولا يجوزأن يظن بعمر رضى الله عنه أنه تعدى ما كان في عقدهم، كما لا يظن به في أمره أن يوخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهم أنه فيما هو أقل من مائتي درهم. وبالله تعالى التوفيق * 70 3 مسألة وليس في شئ مما أصيب من العنبر والجواهر (1) والياقوت والزمرد بحرية وبريه.: شئ أصلا، وهو كله لمن وجده * وقد روى من طريق الحسن بن عمارة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن عمربن الخطاب: أن في العنبر، وفى كل (2) ما استخرج من حلية البحر الخمس (3)، وبه يقول أبو يوسف * قال أبو محمد: الحسن بن عمارة مطرح * وقد صح عن أبن عباس أنه قال في العنبر: إن كان فيه شئ ففيه الخمس، من طريق سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، وروى أيضا عن ابن عباس: لاشى فيه (4) * قال أبو محمد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح انه لا يحل اغرام مسلم شيئا بغير نص صحيح، وكان (5) بلا خلاف كل مالارب له فهو لمن وجده. وبالله تعالى التوفيق * (


(1) زياد وشريح والشيطان فلم يزالوا يزينونه لى حتى اوقعوني فيه! اخبرنا هشام بن الوليد الطيالسي ثنا أبو عوانة عن حصين عن ابى وائل: ان مسروقا حين حضره الموت قال: اللهم لا اموت على امر لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر، والله ما تركت صفراء ولا بيضاء عند احد من الناس غير ما في سيفى هذا فكفنوني به، وقد قال ابن سعد قبل هذا ان مسروقا كان قاضيا وانه كان لا ياخذ على القضاء رزقا، وقال اخيرا ان مسروقا مات ودفن بالسلسة بواسط. فعلمنا من هذا ان السلسة مكان بواسط وان مسروقا كان متوليا شأنا من شؤونه وانه كان قاضيا، وانه تمنى الخروج من عمله بل خرج منه ثم عاد إليه ثم ندم وتمنى ان يتركه. فما هذا العمل؟ هل هو القضاء أو عمل آخر؟ اما القضاء فقد سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعمر، وعمل ابن حزم في الاتيان بالاثر هنا يدل على ان مسروقا كان عاملا على شئ مما يتعلق بالمال من خراج أو جزية أو غيرهما وهو الذي سماه (الحبل)؟! ولعلنا نوفق إلى معرفته ان شاء الله تعالى * (1) في النسخة رقم (14) (أو الجوهر) (2) في النسخة رقم (16) (وكل) (3) استغربه الزيلعى في نصب الراية عن عمر بن الخطاب لما نقله صاحب الهداية بدون اسناد ولكن ما هنا يدل على انه ورد ولم يطلع عليه الزيلعى وان كان الاسناد ضعيفا (4) نقله الزيلعى في نصب الراية (ج 1 ص 407) عن عبد الرزاق (اخبرنا الثوري عن ابن طاوس عن ابيه عن ابن عباس ان ابراهيم بن سعد وكان عاملا بعدن سأل ابن عباس عن العنبر؟ فقال: ان كان فيه شئ فالخمس) ثم قال (ورواه الشافعي أنبأنا سفيان الثوري به) (5) في النسخة رقم (16) (وجاز) بدل (وكان) وهو خطأ *

[ 118 ]

زكاة الفطر 704 مسألة (1) زكاة الفطر من رمضان فرض واجب على كل مسلم، كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، وان كان من ذكرنا جنينا في بطن أمه (2) عن كل واحد صاع من تمر أو صاع من شعير، وقد قدمنا أن الصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقد فسرناه قبل، ولا يجزئ شئ غير ما ذكرنا، لاقمح ولا دقيق قمح أو شعير، ولاخبز (3) ولا قيمة، ولا شئ غير ما ذكرنا * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتحخ ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رافع ثنا ابن أبى فديك أنا الضحاك ابن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل نفس من المسلمين حر أو عبد، رجل أو امرأة، صغير أو كبير: صاعا من تمر أو صاعا من شعير) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا أبو إسحاق البلخى ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا أحمد بن يونس ثنا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير) * وقال مالك: ليست فرضا، واحتج له من قلده بان قال: معنى (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي قدر مقدارها * قال أبو محمد: وهذا خطأ، لانه دعوى بلا برهان واحالة اللفظة عن موضوعها (4) بلا دليل، وقد أوردنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها (5) وأمره فرض، قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) * وذكروا خبر رويناه من طريق قيس بن سعد: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله) * وعنه أيضا: (كنا نصوم عاشورا ونعطى زكاة الفطر ما لم ينزل علينا صوم رمضان (


(1) كلمة (مسألة زيادة من النسخة رقم (14) (2) سيناقض ابن حزم نفسه. فانه قال فيما يأتي في المسألة 718 (ومن ولد حين ابيضاض الشمس من يوم الفطر فما بعد ذلك أو اسلم كذلك فليس عليه زكاة الفطر)) (3) في النسخة رقم (14) (لا قمح ولا دقيق ولا خبز) (4) في النسخة رقم (16) واحالة (اللفظ عن موضوعه) (5) قوله (امر بها) سقط خطأ من النسخة رقم (16) *

[ 119 ]

والزكاة، فلما نزلا لم نؤمر ولن ننه عنه، ونحن نفعله) (1) * قال أبو محمد: وهذا الخبر حجة لنا عليهم، لان فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر، فصار أمرا مفترضا ثم لم ينه عنه، فبقى فرضا كما كان، وأما يوم عاشواء فلو لا أنه عليه السلام صح أنه قال بعد ذلك: (من شاء صامه ومن شاء تركه) لكان فرضه باقيا، ولم يأت مثل هذا القول في زكاة الفطر، فبطل تعلقهم بهذا الخبر، وقد قال تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر زكاة، فهى داخلة في أمر الله تعالى بها، والدلائل (2) على هذا تكثر جدا * وروينا عن وكيع عن سفيان الثوري عن عصام بن سليمان عن عصام بن سليمان الاحول عن محمد بن سيرين وأبى قلابة قالا جميعا: زكاة الفطر فريضة: وهو قول الشافعي وأبى سليمان وغيرهما * وأجاز قوم أشياء (3) غير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم: يجزئ فيها القمح وقال آخرون: والزبيب والاقط (4) * واحتجوا بأشياء منها: أنهم قالوا: انما يخرج كل أحد مما يأكل ومن قوت أهل بلده، فقلنا: هذه دعوى باطل بلا برهان، ثم قد نقضتموها لانه إنما يأكل الخبز لا الحب، فأوجبوا أن يعطى خبزا لانه هو أكله، هو قوت أهل بلده، فان قالوا: هو غير ما جاء به الخبر، قلنا: صدقتم وكذلك ما عدا التمر والشعير * وقالوا: انما خص عليه السلام بالذكر التمر والشعير لانهما كانا قوت أهل المدينة * قال أبو محمد: وهذا قول فاحش جدا، أول ذلك أنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكشوف! لان هذا القائل قوله عليه السلام ما لم يقل، وهذا عظيم جدا * (


(1) هذا الحديث بلفظيه رواه النسائي (ج 5 ص 49) باسنادين: احدهما من طريق الحكم بن عتيبة عن القاسم عن عمر ابن شرحبيل عن قيس. والآخر من طريق سلمة بن كهيل عن القاسم عن ابى عمار الهمداني عن قيس، وهما اسنادان صحيحان رواتهما ثقات، والعجب ان ابن حجر قال في الفتح (ج 3 ص 291): (وتعقب بأن في اسناده راويا مجهولا) وتبعه في هذا السيوطي في شرح النائى والشوكانى في نيل الاوطار (ج 4 ص 250)! وهو خطأ، فليس فيه مجهول قط، والحق انه لا دليل فيه على النسخ كما قال ابن حجر: لاحتمال الاكتفاء بالامر الاول، لان نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر) وكما قال المؤلف هنا، واما حكاية ابن حزم عن مالك القول بأنها ليست فرضا فهو وهم منه أو ممن نقل عنه، قال مالك في الموطأ (ص 124): (تجب زكاة الفطر على اهل البادية كما تجب على اهل القرى، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، على كل حر أو عبد ذكر أو انثى من المسلمين) وانما حكاه السيوطي في شرح النسائي عن ابراهيم بن علية وابا بكر الاصم وأشهب من المالكية وابن اللبان من الشافعية، وحكاه ابن رشد في بداية المجتهد (ج 1 ص 253) عن بعض المتأخرين من اصحاب مالك. (2) في النسخة رقم (16) (والدليل) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (شيئا) وهو خطأ (4) بفتح الهمزة مع كسر القاف أو ضمها أو فتحها أو اسكانها، وبكسر الهمزة مع كسر القاف. أو اسكانها، وبضم الهمزة مع اسكان القاف فقط، وهو شئ يتخذوا من اللبن المخيض، كأنه نوع من الجبن الجاف *

[ 120 ]

ويقال له: من أين لك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يذكر القمح، والزبيب فسكت عنهما وقصد إلى التمر والشعير لانهما قوت أهل المدينة؟ وهذا لا يعلمه الا من أخبره عليه السلام بذلك عن نفسه أو من نزل عليه وحى بذلك * وأيضا: فول صح لهم ذلك لكان الفرض في ذلك لا يلزمم إلا أهل المدينة فقط * وأيضا: فان الله تعالى قد علم وأنذر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سيفتح لهم الشأم، والعراق، ومصر، وما وراء البحار، فكيف يجوز أن يلبس على أهل هذه البلاد دينهم؟ فيريد منهم أمرا ولا يذكره لهم؟ ويلزمهم بكلامه مالا يلزمهم من التمر والشعير؟ ونعوذ بالله من مثل هذا الظن الفاسد المختلط * واحتجوا بأخبار فاسدة لا تصح * منها خبر رويناه من طريق اسمعيل بن أمية عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب عن عياض بن عبد الله عن أبى سعيد الخدرى (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط) (1) * والحارث ضعيف، ثم لو صح لما كان فيه الا الاقط لا سائر ما يجيزون * ومن طريق ابن وهب عن كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر (صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير) * وكثير بن عبد الله ساقط، لا تجوز الرواية عنه، (2) ثم لو صح لم يكن فيه إلا الاقط، والزبيب * (


(1) هو في النسائي (ج 5 ص 51) (2) هكذا جاء هذا الاسناد هنا. (ربيح بن عبد الرحمن عن ابى سعيد الخدرى) المعروف ان ربيحا يروى عن ابيه عبد الرحمن عن جده ابى سعيد. فانه (ربيح بن عبد الرحمن بن ابى سعيد الخدرى). وقد رواه ابن سعد في الطبقات (ج 1 ق 2 ص 8) ونصه (اخبرنا محمد بن عمر نا عبد الله بن عبد الرحمن الجمحى عن الزهري عن عروة عن عائشة، قال: واخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: واخبرنا عبد العزيز بن محمد عن ربيح ابن عبد الرحمن ابن ابى سعيد الخدرى عن ابيه عن جده قالوا: نزل فرض شهر رمضان بعدما صرفت القبيلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان، على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل ان تفرض الزكاة في الاموال، وان تخرج عن الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والانثى، صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، أو مدان من بر، وكان يخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفطر بيومين، فيأمر باخراجها قبل ان يغدو إلى المصلى، وقال: اغنوهم - يعنى المساكين - عن طواف هذا اليوم، وكان يقسمها إذا رجع) الخ ونقله ابن حجر في التلخيص (ص 186) عن ابن سعد ببعض اختلاف، ولولا ضعف محمد بن عمر الواقدي لكان طريق الزهري وطريق عبيد الله بن عمر صحيحين، ولكنه يصلح للمتابعات ويدل على ان للحديث اصلا مع اختلاف طرقه رغما عما يريد ابن حرم، وتبين من هذا أن كثير بن عبد الله لم ينفرد بهذا عن ربيح، * فائدة: ربيح بالتصغير

[ 121 ]

ومن طريق نصر بن حماد عن أبى معشر المدنى عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر: (صاعا من تمر أو من شعير أو من زبيب أو من قمح، ويقول: أغنوهم عن تطواف هذا اليوم) (1) * وأبو معشر المدنى هذا نجيح مطرح يحدث بالموضوعات عن نافع وغيره * ومن طريق يعلى عن حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن ثعلبة بن أبى صعير (2) عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (صاعا من بر عن كل ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غنى أو فقير، حر أو مملوك) * والنعمان بن راشد ضعيف كثير الغلط، ثم لو صح لكان أبو حنيفة قد خالفه، لانه لا يوجب إلا نصف صاع من بر * ومن طريق همام بن يحيى: ثنا بكر بن وائل بن داود ثنا الزهري عن عبد الله ابن ثعلبة بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه أمر في صدقة الفطر صاع تمر أو صاع شعيرعلى كل واحد، أو صاع قمح بين اثنين) * وعن ابن جريج عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم * وهذان مرسلان * ومن طريق مسدد عن حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن ثعلبة ابن أبى صعير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) في صدقة الفطر: (صاع من قمح على كل اثنين) * ومن طريق سليمان بن داود العتكى (4) عن حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبى صعير (5) عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (6) في صدقة الفطر: (صاع من بر على كل اثنين) * فحصل هذا الحديث راجعا إلى رجل مجهول الحال، مضطرب عنه، مختلف في اسمه، مرة عبد الله بن ثعلبة، مرة ثعلبة بن عبد الله، ولا خلاف في أن الزهري لم يلق ثعلبة ابن أبى صغير، وليس لعبدالله بن ثعلبة صحبة * (


(1) وفيه ضعف (1) رواه الدار قطني بمعناه (ص 225) من طريق وكيع عن ابى معشر، ونسبه ابن حجر في التلخيص (ص 186) إلى البيهقى ايضا. وقد ظهر مما رواه ابن سعدان له اصلا (2) صعير - بضم الصاد وفتح العين المهملتين، وانظر ألفاظ هذا الحديث وطرقه إلى ابى داود (ج 2 ص 3130) والدار قطني (ص 223 و 224) (3) كلمة (في) زيادة من النسخة رقم (14) (4) بفتح العين المهملة والتاء المثناة وبالكاف، وهو أبو الربيع الزهراني الحافظ، وفى النسخة رقم (16) (العتبى) وهو خطأ فاحش (5) في النسخة رقم (16) (عن النعمان بن راشد عن ثعلبة أو ثعلبة بن ابى صعير، وهو خطأ (6) كلمة (في) زيادة من النسخة رقم (14) *

[ 122 ]

وأحسن حديث في هذا الباب ما حدثناه حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك ابن أيمن ثنا احمد بن زهير بن حرب (1) ثنا موسى بن اسماعيل ثنا همام بن يحيى عن بكر بن وائل، أن الزهري حدثه عن عبد الله بن ثعلبة بن أبى صعير (2) عن أبيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فامر بصدقة الفطر، صاع تمر أو صاع شعير عن كل واحد) * ولم يذكر البر ولا شيئا غير التمر والشعير، ولكننا لا نحتج به. لان عبد الله بن ثعلبة مجهول، ثم هذا كله مخالف لقول مالك والشافعي * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبى يزيد المدنى (3): (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمظاهر شعيرا وقال: أطعم هذا فان مدين من شعير يقضيان مدا من قمح) * وهذا مرسل * ومن طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج بعث صارخا في بطن مكة: ألا أن زكاة الفطر حق واجب على كل مسلم، مدان من حنطة أو صاع مما سوى ذلك من الطعام) * وهذا مرسل * وعن جابر الجعفي عن الشعبى: (كانوا يخرجون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر (4) صاع من تمر أو صاع من شعير (5) أو نصف صاع من بر) * وهذا مرسل * ومن طريق الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وعقيل بن خالد وعمرو بن الحارث (6) قال عبد الرحمن وعقيل: عن الزهري وقال عمرو: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، (7) ثم اتفق يزيد والزهرى عن سعيد بن المسيب، (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر مدين من حنطة (8) * (


(1) في النسخة رقم (16) (ثنا زهير بن حرب) وهو خطأ فاحش، فان ابن ايمن ولد سنة 252 وزهيرا مات سنة 234، وانما عرف ابن ايمن بالرواية عن احمد بن زهير بن حرب (2) في النسخة رقم (16) (بن صعير) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (أبى زيد المدني) وهو خطأ، وأبو يزيد هذا تابعي ثقة (4) (قوله زكاة الفطر) سقط من النسخة رقم (16) (5) رسم في الاصلين (صاع) منصوبا بغير ألف في الموضعين، ووضع عليها في النسخة رقم (14) كلمة (كذا) اشارة إلى احتمال الخطأ، والحق انه صواب، ففي البخاري في ابواب العمرة في حديث ابن عمر: (كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: اربع (فانه في رواية ابى ذر بالنصب، وفي حاشية النسخة اليونينية منه مانصه (على رواية ابى ذر رسم بعين واحدة على لغة ربيعة من الوقف على المنصوب بصورة المرفوع والمجرور)) وانظر (شرح ابن يعيش على المفصل) طبع الادارة المنيرية (ج 9 ص 69 و 70) (6) في النسخة رقم (16) (عمرو بن خالد) وهو خطأ (7) بضم القاف وفتح السين المهملة وآخره طاء مهملة ايضا (8) في النسخة رقم (16) (من كل حنطة) وهو خطأ *

[ 123 ]

وهذا مرسل * ومثله أيضا عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن محمد بن أبى بكر، وسالم ابن عبد الله بن عمر، وأبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى مراسيل * ومن طريق حميد عن الحسن عن ابن عباس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها يعنى زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر * ولا يصح للحسن سماع من ابن عباس (1) * وروى أيضا من طريق أبى هريرة، وأوس بن الحارث، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وكل ذلك لا يصح، ولا يشتغل به، ولا يعمل به الا جاهل (2) * قال أبو محمد: وهذا مما نقضت كل طائفة منهم (3) فيه أصلها * فأما الشافعيون فانهم يقولون عن الشافعي: بأن مرسل سعيد بن المسيب حجة، وقد تركوا ههنا مرسل سعيد بن المسيب * وقال الشافعي: في أشهر قوليه لا تجزئ زكاة الفطر الا من حب تخرج منه الزكاة، وتوقف في الاقط، وأجازه مرة أخرى * وأما المالكيون فأجازوا المرسل وجعلوه كالمسند، وخالفوا ههنا من المراسيل مالو جاز قبول شئ منها لجاز ههنا، لكثرتها وشهرتها ومجيئها من طريق (4) فقهاء المدينة * وأما الحنيفيون فانهم في أشهر رواياتهم عنه جعل الزبيب كالبر في أنه يجزئ منه نصف صاع، ولم يجز الاقط إلا بالقيمة ولا أجاز غير البر والشعير ودقيقهما وسويقهما والتمر والزبيب (5) فقط إلا بالقيمة، وهذا خلاف لبعض هذه الآثار (6) وخلاف لجميعها في إجازة القيمة، والعجب كله من إطباقهم (7) على أن راوي الخبر إذا تركه (


(1) حديث الحسن عن ابن عباس رواه أبو داود (ج 2 ص 31 و 32) والنسائي (ج 5 ص 50) والدار قطني (ص 222) وروى نحو الدار قطني ص 222 عن ابن سيرين عن ابن عباس ورجاله ثقات الا انه منقطع لان ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئا وروى الحاكم نحوه (ج 1 ص 410) والدار قطني (ص 221) من طريق يحيى بن عباد عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس صحيحه الحاكم وضعفه الذهبي بيحيى بن عباد السعدى ونقل عن العقيلى انه قال (حديثه يدل على الكذب) (2) حديث ابى هريرة رواه الحاكم (ج 1 ص 410) والدار قطني (ص 221) وصححه الحاكم، وضعفه الذهبي ببكر بن الاسود وهو كما قال. وروى نحوه الدار قطني موقوفا باسناد صحيح (ص 224). وحديث أوس بن الحارث لم أجده. وحديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده رواه الترمذي (ج 1 ص 85 طبع الهند) والدار قطني (ص 220) وقال الترمذي: (حديث غريب حسن) (3) كلمة (منهم) زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (طرق) (5) في النسخة رقم (14) (والشعير) بدل (والزبيب) وهو خطأ (6) في النسخة رقم (14) (الاخبار) (7) في النسخة رقم (16) (اطنابهم) وهو خطأ لا معنى له *

[ 124 ]

كان ذلك دليلا على سقوط الخبر، كما فعلوا في خبر غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا * وقد حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا على بن ميمون الرقى عن مخلد هو ابن الحسين عن هشام هو ابن حسان عن ابن سيرين عن ابن عباس قال: ذكر في صدقة الفطر فقال: (صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من سلت (1) * فهذا ابن عباس قد خالف ما روى باصح إسناد يكون عنه (2)، فواجب عليهم رد تلك الرواية، والا فقد نقضوا أصلهم * وذكروا في ذلك حديثا صحيحا رويناه من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن عياض ابن عبد الله أنه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: (كنا نخرج زكاة الفطر، صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب (3)) * قال أبو محمد: وهذا غير مسند، وهو أيضا مضطرب فيه على أبى سعيد * فرويناه من طريق البخاري: ثنا معاذ بن فضالة (حدثنا أبو عمر) (4) عن زيد هو ابن أسلم عن عياض بن عبد الله عن أبى سعيد الخدرى قال: (كنا نخرج على عهد (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والاقط (6) والتمر) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن اسماعيل بن أمية أخبرني عياض بن عبد الله أنه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: (كنا نخرج زكاة الفطر ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا عن كل صغير وكبير حر ومملوك: من ثلاثة أصناف: صاعا من تمر، صاعا من أقط، صاعا من شعير، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك (7)) * ومن طريق سفيان بن عيينة: ثنا ابن عجلان سمعت عياض بن عبد الله يخبر عن أبى سعيد الخدرى قال: (لم نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط أو صاعا من دقيق أو صاعا من سلت) ثم شك سفيان (


(1) رواه النسائي (ج 5 ص 50) ولكن فيه (صاعا) بالنصب في المواضع الاربعة (2) في النسخة رقم (16) (يكون فيه) وهو خطأ. واثر ابن عباس هذا موقوف كما ترى) وقد اشرنا فيما سبق إلى المرفوع الذى عند الدار قطني، وقد جعل ابن حزم هذا اسنادا صحيحا وليس كما قال، فانه منقطع، قال احمد وابن المدينى وابن معين والبيهقي (محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئا) نقله شارح الدار قطني، وفي المراسيل لابن ابى حاتم نحوه عن احمد وابن المدينى (ص 68) (3) في الموطأ (ص 124) والبخاري (ج 2 ص 260) ومسلم (ج 1 ص 269) (4) قوله (حدثنا أبو عمر) سقط خطأ من الاصلين، وزدناه من البخاري (ج 2 ص 261) وابو عمر هو حفص بن ميسرة (ه) في البخاري (في عهد) (6) قوله (والزبيب والاقط) سقط خطأ من النسخة رقم (16) (7) هو في مسلم (ج 1 ص 269) *

[ 125 ]

فقال: (دقيق أو سلت (1)) *) ومن طريق الليث عن يزيد هو ابن أبى حبيب عن عبد الله (2) بن عبد الله ابن عثمان أن عياض بن عبد الله حدثه أن أبا سعيد الخدرى قال: (كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط، لا نخرج غيره) يعنى في زكاة الفطر * قال أبو محمد: ففى بعض هذه الاخبار إبطال إخراج البر جملة، وفى بعضها إثبات الزبيب، وفى بعضها نفيه، واثبات الاقط جملة، وليس فيها شئ غيرذلك، وهم يعيبون الاخبار المسندة التى لا مغمز فيها بأقل من هذا الا ضطراب، كحديث ابطال تحريم الرضعة والرضعتين وغير ذلك (3) * ثم انه ليس من هذا كله خبر مسند، لانه ليس في شئ منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره * ولا عجب أكثر ممن يقول في خبر جابر الثابت: (كنا نبيع أمهات الاولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) وحديث أسماء بنت أبى بكر الثابت: (ذبحنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه): ان هذان (4) ليسا مسندين)، لانه ليس فيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره، ثم يجعل حديث أبى سعيد هذا مسدنا على اضطرابه وتعارض رواته فيه! * فليقل كل ذى عقل: أيما أولى (5) أن يكون لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بيع رجل من أصحابه أم ولده. أو ذبح فرس في بيت أبى بكر الصديق أو بيت الزبير وبيتاهما مطنبان (6) ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنته عنده، على عزة الخيل عندهم وقلتها وحاجتهم إليها، أم صدقة رجل من المسلمين في بنى خدرة في عوالي المدينة بصاع أقط أو صاع زبيب (


(1) طريق سفيان عند ابى داود (ج 2 ص 29 و 30) والنسائي (ج 5 ص 52) والدار قطني (ص 223) قال أبو داود (زاد سفيان: أو صاعا من دقيق * قال حامد فانكروا عليه فتركه سفيان، قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة) وقال الدار قطني: (قال أبو الفضل: فقال له على بن المدينى - يعنى لسفيان - وهو معنا: يا ابا محمد لا يذكر في هذا الدقيق، قال: بلى هو فيه) وهو يدل على ان سفيان شك فيه، ومرة تركه، ومرة استوثق منه، وايقن ان الزيادة عن تثبت منه (2) كذا في الاصلين بالتكبير، وفي النسائي (ج 5 ص 53) (عبيد الله) بالتصغير، وهو على الاختلاف في اسمه، والذى في ابى داود (ج 2 ص 29) بالتكبير، واظنه الراجح (3) ليس هذا من الاضطراب في شئ، بل ان بعض الرواة يطيل وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شئ ويسهو عن غيره، وزيادة الثقة مقبولة، فالواجب جمع كل ما ورد في الروايات الصحيحة، إذ لا تعارض بينها أصلا (4) هكذا في النسخة رقم (16) وهو صحيح عربية، وفي النسخة رقم (14) (هذين) (5) في النسخة رقم (16) (إنما الاولى) وما هنا هو الصحيح (6) تشديد النون المفتوحة، يعنى إلى جانبه، واصله المشدود بالاطناب وهى حبال الاخبية *

[ 126 ]

؟! ولو ذبح فرس للاكل في جانب من جوانب بغداد ما كان يمكن أن يخفى في الجانب الآخر، ولو تصدقت امرأة أحدنا أو جاره الملاصق بصاع أقط أو صاع زبيب وصاع قمح ما كاد هو يعلمه في الاغلب، فأجعبوا لعكس هؤلاء القوم الحقائق! (1) ثم ان هذه الطوائف الثلاثة مخالفة لما في هذا الخبر * أما أبو حنيفة فأشهر أقواله أن نصف صاع زبيب يجزئ وأن الاقط لا يجزئ إلا بالقيمة * وأما الشافعي فأشهر أقواله أن الاقط لا يجزئ، واجاز إخراج ما منعت هذه الاخبار من إخراجه، مما لم يذكر فيها من الذرة وغير ذلك * وأما المالكيون، والشافعيون فحالفوها جملة، لانهم لا يجيزون إخراج شئ من هذه المذكورات في هذا الخبر إلا لمن كانت قوته، وخبر أبى سعيد لا يختلف فيه أنه على التخيير، وكلهم يجيز إخراج من منعت هذه الاخبار من إخراجه * فمن أضل ممن يحتج بما هو أول مخالفه له؟! ما هذا من التقوى، ولا من البر: ولا من النصح لمن اغتر بهم من المسلمين! * وأما نحن فوالله لو انسند (3) صحيحا شئ من كل ما ذكرنا من الاخبار لبادرنا إلى الاخذ به، وما توقفنا عند ذلك، لكنه ليس منها مسند صحيح ولا واحد، فلا يحل الاخذ بها في دين الله تعالى * وقال بعضهم: انما قلنا بجواز القمح لكثرة القائلين به وجمح فرس بعضهم فادعى الاجماع في ذلك جرأة وجهلا! (4) * فذكروا ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الذكر، والانثى، والحر، والعبد، صاع من تمر أو صاع (5) من شعير، قال ابن عمر: فعدله الناس بعد مدين (6) من قمح) * (


(1) أخطأ المؤلف وشذ جدا في زعمه ان حديث ابى سعيد ليس مسندا، والفاظه تدل على ان ذلك كان معلوما معروفا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخطأ من زعم ان بيع امهات الاولاد وخبر ذبح الفرس موقوفان. (2) في النسخة رقم (14) (به) (3) في النسخة رقم (16) (وأما نحن فلو اسند) (4) في النسخة رقم (16) (في ذلك جهلا) (5) رسم (صاع) هنا في الموضعين بدون الالف في الاصلين، انظر ما كتبناه قريبا، ويحتمل ايضا ان يكون هنا مرفوعا (6) في النسخة رقم (14) (بعده بمدين) *

[ 127 ]

ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر: (فعدل الناس بعد (1) نصف صاع من بر، وكان ابن عمر يعطى التمر، فأعوز أهل المدينة التمر عاما فأعطى الشعير) * قال أبو محمد: لو كان فعل الناس حجة عند ابن عمر ما استجاز خلافه، وقد قال الله تعالى: (ان الناس قد جمعوا لكم). ولا حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، لكنه حجة على الناس وعلى الجن معهم، ونحن نتقرب إلى الله تعالى بخلاف الناس الذين تقرب ابن عمر إليه بخلافهم * وذكروا ما رويناه من طريق حسين عن زائدة ثنا عبد العزيز بن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر: (كان الناس يخرجون صدقة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير، أو تمر، أو زبيب، أو سلت (2)) * قال أبو محمد: هذا لا يسند، لانه ليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك وأقره، ثم خلافهم له لو انسند وصح كخلافهم لحديث أبى سعيد الذى ذكرنا، وإبطال تهويلهم بما فيه من (كان الناس يخرجون) بخلاف ابن عمر المخبر عنهم كما في خبر أبى سعيد سواء سواء * وأيضا فان راوي هذا الخبر عبد العزيز بن أبى رواد، وهو ضعيف منكر الحديث * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا أبن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن عمران بن حدير عن أبى مجلز قال قلت لابن عمر: ان الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر؟ يعنى في صدقة الفطر، فقال له ابن عمر: ان أصحابي (3) سلكوا طريقا فأنا أحب أن أسلكه * قال أبو محمد: فهذا ابن عمر قد ذكرنا أنه كان لا يخرج الا التمر، أو الشعير، ولا يخرج البر، وقيل له في ذلك، فأخبر (4) أنه في عمله ذلك على طريق (5) أصحابه، فهؤلاء هم الناس الذين يستوحش من خلافهم (6) وهم الصحابة رضى الله عنهم، بأصح طريق (


(1) كلمة (بعد) سقطت من النسخة رقم (16)، والذى في البخاري (ج 2 ص 261) (فعدل الناس به نصف صاع) الخ وكذلك في مسلم (ج 1 ص 269) من طريق يزيد بن زريع عن ايوب. والذى هنا يوافق ما في ابى داود (ج 2 ص 28) (2) رواه أبو داود (ج 3 ص 27 و 28) والنسائي (ج 5 ص 53) والحاكم (ج 1 ص 409) وصححه هو والذهبي. وعبد العزيز ابن ابى رواد ثقة عابد، وثقة ابن معين وابو حاتم وغيرهما، وتغالى المؤلف في تضعيفه وتبع ابن حبان إذ زعم أنه روى عن نافع عن ابن عمر نسخة موضوعة، قال الذهبي في الميزان: (هكذا قال ابن حبان بغير بينة) (3) في النسخة رقم (16) (اصحابي) بحذف (ان) (4) في النسخة رقم (16) (فأخبره) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) (طريقة) وهو خطأ (6) في النسخة رقم (16) من خالفهم) وهو خطأ *

[ 128 ]

وانهم ليدعون الاجماع بأقل من هذا إذا وجدوه * وعن افلح بن حميد: كان القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق يخرج زكاة الفطر صاعا من تمر * ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان إذا كان يوم الفطر أرسل صدقة كل انسان من أهله صاعا من تمر * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا حماد بن مسعدة (1) عن خالد بن أبى بكر قال: كان سالم بن عبد الله لا يخرج الا تمرا، يعنى في صدقة الفطر * فهؤلاء ابن عمر، والقاسم، وسالم، وعروة لا يخرجون في صدقة الفطر إلا التمر، وهم يقتاتون البر بلا خلاف، وان اموالهم لتسع إلى اخراج (2) صاع دراهم عن أنفسهم، ولا يؤثر ذلك في اموالهم رضى الله عنهم * فان قيل: هم من أهل المدينة * قلنا: ما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم صدقة الفطر أهل المدينة من اهل الصين، ولا بعث إلى أهل (3) المدينة دون غيرهم * والعجب كل العجب من إجازة مالك إخراج الذرة، الدخن، والارز لمن كان ذلك قوته، وليس شئ من ذلك مذكورا في شئ من الاخبار أصلا، ومنع من إخراج الدقيق لانه لم يذكر في الاخبار! ومنع من اخراج القطانى وان كانت قوت المخرج! ومنع من التين، والزيتون، وان كانا قوت المخرج! وهذا كله تناقض، وخلاف للاخبار، وتخاذل في القياس! وابطالهم لتعليلهم بأن البر أفضل من الشعير! ولاشك في ان الدقيق والخبز من البر والسكر أفضل من البر وأقل مؤنة وأعجل نفعا! فمرة يجيزون ما ليس في الخبر، ومرة يمنعون مما ليس في الخبر! وبالله تعالى التوفيق * وهكذا القول في الشافعيين ولافرق * قال أبو محمد: وشغب الحنيفيون بأخبار نذكر منها طرفا إن شاء الله تعالى: * منها خبر رويناه من طريق سفيان وشعبة كلاهما عن عاصم بن سليمان الاحول سمع أبا قلابة قال: حدثنى من أدى إلى أبى بكر الصديق نصف صاع بر في صدقة الفطر (4) * ومن طريق الحسين (5) بن على الجعفي عن زائدة عن عبد العزيز بن أبى راود عن (


(1) في النسخة رقم (16) (حماد بن ميسرة) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (لا خراج) (3) في النسخة رقم (16) (لاهل) (4) رواه الدار قطني من طريق عبد الرزاق عن الثوري وعن معمر كلاهما عن عاصم (ص 225) (5) في النسخة رقم (14) (الحسن) وهو خطأ *

[ 129 ]

نافع عن ابن عمر قال: (كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير، أو تمر، أو سلت، أو زبيب، قال ابن عمر: فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الاشياء) (1) * ومن طريق حماد بن زيد عن خالد الحذاء عن ابى قلابة عن أبى الاشعث (2): أنه سمع عثمان بن عفان رضى الله عنه وهو يخطب فقال في صدقة الفطر: صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو نصف صاع من بر * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عبد الاعلى عن ابين عبد الرحمن السلمى عن على بن أبى طالب قال: صاع من تمر أو صاع من شعير أو نصف صاع من بر (3) * ومن طريق جرير عن منصور عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين قالت: (4) (كان الناس يعطون زكاة رمضان نصف صاع، فأما إذ أوسع الله تعالى على الناس فانى أرى ان يتصدق بصاع) * ومن طريق وكيع عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر: كان اسماء بنت ابى بكر الصديق تعطى زكاة الفطر عمن تمون صاعا من تمر، صاعا من شعير، أو نصف ساع من بر * ومن طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: صدقة الفطر على كل مسلم مدان من قمح، أو صاع من تمر، أو شعير (5) * ومن طريق معمر عن الزهري عن عبد الرحمن عن ابى هريرة قال: زكاة الفطر على كل فقير وغنى (6) صاع من تمر أو نصف صاع من قمح * وعن ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع ابن الزبير يقول على المنبر: زكاة الفطر مدان من قمح أو صاع من شعير أو تمر، قال عمرو بن دينار: وبلغني هذا أيضا عن ابن عباس * ومن طريق عبد الكريم أبى امية عن ابراهيم النخعي عن علقمة والاسود عن عبد الله (


(1) مضى الحديث قريبا وانه رواه أبو داود والنسائي والحاكم، ولكن الزيادة التى في آخره هنا انما هي عند ابى داود فقط، ووقع في نسخة ابى داود المطبوعة مع عون المعبود (جعل عمر نصف صاع حنطة من تلك الاشياء) وعليها شرح الشارح، وهى خطأ، والصواب ما هنا، وهو الموافق لابي داود المطبوع بالمطبعة الكستلية بمصر سنة 1280 (ج 1 ص 162) (2) في النسخة رقم (16) (عن الاشعث) وهو خطأ. وابو الاشعث هو شراحيل الصغانى تابعي قديم شهد فتح دمشق ومات زمن معاوية (3) رواه الدار قطني (ص 235) من طريق عبد الرزاق عن الثوري (4) كلمة (قالت) زيادة في بعض النسخ (5) رواه الدار قطني من طريق عبد الرزاق عن ابن جريح (ص 335) (6) في النسخة رقم 16) (فقير أو غنى)

[ 130 ]

ابن مسعود قال: مدان من قمح أو صاع من تمر أو شعير، يعنى في صدقة الفطر (1) * ومن طريق مسلم بن الحجاج: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ثنا داود يعنى ابن قيس عن عياض بن عبد الله عن ابى سعيد الخدرى قال: (كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) زكاة الفطر صاعا من أقط أو صاعا من طعام أو صاعا من زبيب، فلم نزل نخرج ذلك (3) حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا، فكلم الناس على المنبر فقال: انى أرى أن مدين من سمراء الشأم تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فاما انا فلا ازال أخرجه أبدا ما عشت كما كنت أخرجه) * ومن طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن: ان مروان بعث إلى ابى سعيد: ان ابعث إلى بزكاة رقيقك، فقال أبو سعيد: ان مروان لا يعلم، انما علينا (5) ان نطعم عن كل رأس عند كل فطر صاع تمر أو نصف صاع بر * وروينا من طريق محمد بن اسحاق ثنا عبد الله (6) بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض بن سعد (7) قال: (ذكرت لابي سعيد الخدرى صدقة الفطر، فقال لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاع زبيب (8) أو صاع أقط، فقيل له: أو مدين من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها) * فهذا أبو سعيد يمنع من البر جملة ومما عدا ما ذكر (9) * وصح عن عمربن عبد العزيز إيجاب نصف صاع من بر على الانسان في صدقة الفطر، أو قيمته على أهل الديوان نصف درهم * من طريق (10) وكيع عن قرة بن خالد قال: كتب عمر بن عبد العزيز الينا بذلك * وصح أيضا عن طاوس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبى سلمة (


(1) رواه الدار قطني من طريق عبد الرزلق عن ابن جريح عن عبد الكريم (ص 325) (2) في مسلم (ج 1 ص 269) زيادة (عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك) (3) في مسلم (صاعا من طعام أو صاعا من اقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب فلم نزل نخرجه) (4) يعنى الحنطة (5) في النسخة رقم (16) (ان ما علينا) وهو خطأ في الرسم يوهم في المعنى (6) في النسخة رقم (16) (ان عبد الله) الخ وهو خطأ (7) في النسخة رقم (16) (عياض بن سعيد) وهو خطأ، فانه عياض بن عبد الله بن سعيد بن ابى سرح (8) في النسخة رقم (16) (أو صاعا من زبيب) (9) وقع الحديث للمؤلف مختصرا أو ناقصا، فظن انه كما وقع له، واستنبط منه هذا، ولكن الحديث رواه الدار قطني (ص 222) والحاكم (ج 1 ص 411) كلاهما من طريق محمد بن اسحاق باسناده هنا بلفظ: (لا أخرج الا ما كنت أخرجه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاعا من تمر أو صاعا من حنطة أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط) فزاد الحنطة ونقص الزبيب، وهذا مما يختلف فيه الرواة، يذكر بعضهم نوعا ويذكر الآخر غيره، وكل صحيح، وزيادة الثقة حجة (10) في النسخة رقم (16) (ومن طريق) وهو خطأ *

[ 131 ]

ابن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن جبير، وهو قول الاوزاعي، والليث سفيان الثوري * قال أبو محمد: تناقض ههنا المالكيون المهولون بعمل أهل المدينة فحالفوا أبا بكر، وعمر، وعثمان (1)، وعلى بن أبى طالب، وعائشة، وأسماء بنت أبى بكر، وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا سعيد الخدرى، وهو عنهم كلهم صحيح إلا عن أبى بكر، وابن عباس، وابن مسعود، إلا ان المالكيين يحتجون بأضعف من هذه الطرق إذا وافقتهم! ثم فقهاء المدينة: ابن المسيب، وعروة، وأبا سلمة بن عبد الرحمن (2)، وغيرهم أفلا يتقى الله من يزيد في الشرائع ما لم يصح قط، من جلد الشارب للخمر ثمانين، برواية لم تصح قط عن عمر، ثم قد صح خلافها عنه وعن أبى بكر قبله، وعن عثمان وعلى بعده، والحسن وعبد الله بن جعفر بحضرة الصحابة رضى الله عنهم لا يخالفهم منهم أحدة، ومعهم السنة الثابتة: ثم لا يلتفت ههنا إلى هؤلاء كلهم! * وأما الحنيفيون المتزينون في هذا المكان باتباعهم! فقد خالفوا أبا بكر، وعمر، وعلى بن أبى طالب، وابن مسعود وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، وأم سلمة أم المؤمنين في المسح على العمامة وخالفوا على بن أبى طالب وأبا مسعود وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب وبلالا، وأبا أمامة الباهلى، وأنس بن مالك وابن عمر، وسهل بن سعد في جواز المسح على الجوربين، ولا يعرف لهم في ذلك مخالف من الصحابة من كل من يجيز المسح على الخفين! ومثل هذا لهم كثير جدا، وبالله تعالى نتأيد، ولا حجة إلا فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناه * قال أبو محمد: وروينا عن عطاء: ليس على الاعراب وأهل البادية زكاة الفطر وعن الحسن: أنها عليهم، وانهم يخرجون في ذلك اللبن * قال أبو محمد: لم يخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيا، لا بدوينا من غيرهم، فلم يجز (3) تخصيص أحد من المسلمين، ولا يجزئ لبن ولا غيره، الا الشعير أو التمر فقط (4) * (


(1) حذف اسم (عثمان) من النسخة رقم (16) واثباته هو الصواب فقد تقدمت الرواية عنه في ذلك رضى الله عنه. (2) في النسخة رقم (16) وابو سلمة وغيرهم) (3) في النسخة رقم (16) (فلا يجوز) (4) من تأمل في طريق الاحاديث الواردة في زكاة الفطر وفقه معناها مع اختلاف الفاظها عن الصحابة رضى الله عنهم: علم ان ابن حزم لا حجة له في الاقتصار على التمر والشعير، وهذا معاوية بحضرة الصحابة رضى الله عنهم رأى مدين من سمراء الشأم بدل صاع من شعير أو غيره، ولم ينكر عليه ذلك احد أي اخراج القمح موضع الشعير وانما انكر أبو سعيد المقدار فرأى اخراج صاع من قمح، وابن عمر انما كان يخرج في خاصة نفسه ما كان يخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر على من اخرج غير ذلك، ولو رأى عمل الناس باطلا وهم الصحابة والتابعون لا نكره اشد انكار، وقد كان رضى الله عنه يتشدد في اشياء، لا على سبيل التشريع بل على سبيل الحرص على

[ 132 ]

وأما الحمل فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجبها على كل صغيرا أو كبير، والجنين يقع عليه اسم صغير، فإذا أكمل مائة وعشرين يوما في بطن أمه قبل انصداع الفجر من ليلة الفطر * وجب أن تؤدى عنه صدقة الفطر * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا حفص ابن عمر النمري، ومحمد بن كثير، قال حفص: ثنا شعبة وقال ابن كثر: ثنا سفيان الثوري، ثم اتفق سفيان وشعبة كلاهما عن الاعمش: ثنا زيد بن وهب ثنا عبد الله ابن مسعود ثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات: رزقه، وعمله، وأجله، ثم يكتب شقى أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح) * قال أبو محمد: هو قبل ما ذكرنا موات، فلا حكم على ميت، فأما إذا كان حيا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل حكم وجب على الصغير فهو واجب عليه * روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل: ثنا أبى ثنا المعتمر بن سليمان التيمى عن حميد عن بكر بن عبد الله المزني (1) وقتادة: أن عثمان بن عفان كان يعطى صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحمل * وعن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبى قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمه. وأبو قلابة أدرك الصحابة وصحبهم وروى عنهم * ومن طريق عبد الرزاق عن مالك عن رجل عن سليمان بن يسار: أنه سئل عن الحمل أيزكى عنه؟ قال: نعم * ولا يعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة، وهم يعظمون بمثل هذا إذا وافقهم (2) * 705 مسألة ويؤديها المسلم عن رقيقه، مؤمنهم وكافرهم، من كان منهم لتجارة (3) أو لغير تجارة كما ذكرنا، وهو قول أبى حنيفة، وسفيان الثوري في الكفار * وقال مالك، والشافعي، أبو سليمان: لا تؤدى الا عن المسلمين منهم * (


(1) الاتباع فقط، كما كان ينزل في مواضع نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ير احد من المسلمين ذلك واجبا، والزكاة انما جعلت لاغناء الفقراء عن الطواف يوم العيد والاغنياء يتمتعون بما لهم وعيالهم، ولينظر امرؤ لنفسه، هل يرى انه يغنى الفقير عن الطواف إذا اعطاه صاع تمر أو صاع شعير في بلد مثل القاهرة في هذه الايام؟! وماذا يفعل بهما الفقير إلا ان يطوف ليجد من يشتريهما ببخس من القيمة ليبتاع لنفسه أو لاولاده ما يتقوتون به؟ والله الهادى إلى سواء السبيل (1) في النسخة رقم (14) (حميد بن بكر بن عبد الله المزني) وهو خطأ، بل حميد هو حميد الطويل (2) ولكن هل في شئ مما أتى به المؤلف حجة على وجوب زكاة الفطر عن الحمل؟! (3) في النسخة رقم (16) (للتجارة) *

[ 133 ]

وقال أبو حنيفة: لا تؤدى زكاة الفطر عن رقيق التجارة * وقال مالك، والشافعي، وسليمان: تؤدى عنهم زكاة الفطر * وقالوا كلهم حاشا أبو سليمان: يخرجها السيد عنهم، وبه نقول * وقال أبو سليمان: يخرجها الرقيق عن أنفسهم * واحتج من لم ير اخراجها عن الرقيق الكفار بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى، صغير أو كبير من المسلمين) * قال أبو محمد: وهذا صحيح، وبه نأخذ، إلا انه ليس فيه إسقاطها عن المسلم في الكفار من رقيقه ولا إيجابها، فلو لم يكن إلا هذا الخبر وحده لما وجبت علينا زكاة الفطر الا عن المسلمين من رقيقنا فقط * ولكن وجدنا ما حدثناه يوسف بن عبد الله النمري قال ثنا عبد الله بن محمد ابن يوسف الازدي القاضى ثنا يحيى بن مالك بن عائذ ثنا محمد بن سليمان بن أبى الشريف ثنا محمد بن مكى الخولانى وابراهيم بن اسمعيل الغافقي قالا جميعا: ثنا محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم ثنا سعيد بن أبى مريم أخبرني نافع بن يزيد (1) عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في فرسه وعبده صدقة، إلا صدقة الفطر في الرقيق) وقد رويناه من غير هذه الطريق (2) * قال أبو محمد: فأوجب عليه الصلاة والسلام صدقة الفطر على المسلم في رقيقه عموما، فكان هذا زئدا على حديث أبى سعيد الخدرى، وكان ما في حديث أبى سعيد (3) بعض ما في هذا الحديث، لا معارضا له أصلا، فلم يجز خلاف هذا الخبر (4) * وبهذا الخبر تجب تأدية زكاة الفطر على السيد عن رقيقه، لا على الرقيق * (


(1) في الاصلين (نافع بن زيد) وهو خطأ، وليس في الرواة فيما نعرف من اسمه هكذا، وانما هو نافع ابن يزيد الكلاعى المصرى الثقة، وكان من خيار امة محمد صلى الله عليه وسلم كما قال ابن ابى مريم تلميذه. مات سنة 168 (2) في صحيح مسلم (ج 1 ص 268) من حديث ابى هريرة مرفوعا (ليس في العبد صدقة الا صدقة الفطر)، وروى أبو داود (ج 2 ص 21) باسناد فيه مجهول من طريق عراك عن ابى هريرة نحو ما رواه المؤلف ورواه الدار قطني (ص 214) من طريق ابن ابى مريم كما هنا، ومن طريق يحيى بن زكريا بن ابى زائدة عن عبيد الله بن عمر عن ابى الزناد عن الاعرج عن ابى هريرة، ومن طريق ابى اسامة عن اسامة بن زيد عن مكحول عن عراك عن ابى هريرة عن اسامة عن سعيد بن ابى سعيد عن ابى هريرة كلهم رواه مرفوعا كما هنا. واسناد المؤلف واسناد الدار قطني من طريق يحيى بن زكريا بن ابى زائدة اسنادان صحيحان جدا (3) في النسخة رقم (14) (وكان باقى حديث ابى سعيد) وما هنا اصح واحسن (4) غالط المؤلف وغلط كعادته في فهم قبول الزيادة من الثقة *

[ 134 ]

وبه أيضا يسقط ما ادعوه من زكاة التجارة في الرقيق، لانه عليه السلام أبطل كل زكاة في الرقيق إلا زكاة الفطر * والعجب كل العجب من أن أبا حنيفة واصحابه أتوا إلى زكاتين مفروضتين، إحداهما في المواشى، والاخرى زكاة الفطر في الرقيق: فأسقطوا باحداهما زكاة التجارة في المواشى المتخذة للتجارة، وأسقطوا الاخرى بزكاة التجارة في الرقيق! وحسبك بهذا تلاعبا! * والعجب انهم غلبوا ما روى في بعض الاخبار (في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة) ولم يغلبوا ما جاء في بعض الاخبار في أن (صدقة الفطر على كل حر، أو عبد صغير، أو كبير، أو أنثى من المسلمين) على ما جاء في سائر الاخبار (الا صدقة الفطر في الرقيق) وهذا تحكم فاسد وتناقض! ولابد من تغليب الاعم على الاخص في كل موضع، إلا أن يأتي بيان نص في الاخص بنفى ذلك الحكم في الاعم، وبالله تعالى التوفيق * 706 مسألة فان كان عبد أو أمة بين اثنين فصاعدا فعلى سيديهما إخراج زكاة الفطر، يخرج عن كل واحد من مالكيه بقد ر حصته فيه، وكذلك ان كان الرقيق كثيرا بن سيدين فصاعدا * وقال أبو حنيفة، والحسن بن حى، وسفيان الثوري: ليس على سيديه ولا عليه أداء (1) زكاة الفطر، وكذلك لو كثر الرقيق المشترك * وقال مالك، والشافعي: يخرج عنه سيداه بقدر ما يملك كل واحد منهما، وكذلك لو كثر الرقيق * قال أبو محمد: ما نعلم لمن أسقط عنه صدقة الفطر وعن سيده حجة أصلا، إلا أنهم قالوا: ليس أحد من سيديه يملك عبدا، ولا أمة. وقال بعضهم: من ملك بعد الصاع لم يكن عليه أداؤه، فكذلك من ملك بعض عبد، أو بعض كل عبد، أو أمة من رقيق كثير * قال أبو محمد: أما قولهم: لا يملكن عبدا، ولا أمة فصدقوا، ولا حجة لهم فيه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: يخرجها كل أحد عن عبده وأمته، وانما قال: (2) (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر في الرقيق) فهؤلاء رقيق، والعبد المشترك رقيق، فالصدقة فيه واجبة بنص الخبر المذكور على المسلم وهذا اسم يعم النوع كله وبعضه، ويقع على الواحد والجميع، وبهذا النص لم يجز في الرقبة الواجبة نصفا رقبتين، لانه لا يقع عليهما (3) اسم (رقبة) والنص جاء بعتق رقبة * (


(1) في النسخة رقم (16) (إذا) وهو خطأ (2) كلمة (قال) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (16) (عليها) وهو خطأ *

[ 135 ]

وقال الحنيفون: من أعطى نصفى شاتين في الزكاة أجزأته، ولو أعتق نصفى رقبتين في رقبة واحدة لم يجزه * وقال محمد بن الحسن: من كان من مملوك بين اثنين فصاعدا فعلى ساداته فيه زكاة الفطر، فان كان عبدان فصاعدا بين اثنين فلا صدقة فطر على الرقيق ولا على من يملكهم * وأما قولهم: إنه قياس على من لم يجد إلا بعض الصاع فالقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لانه قياس للخطأ على الخطأ، بل من قدر على بعض صاع لزمه أداؤه، على ما نبين بعد هذا ان شاء الله تعالى (1) * وقد روينا من طريق وكيع عن سفيان عن أبى الحويرث عن محمد بن عمار عن أبى هريرة قال: ليس زكاة الفطر الا عن مملوك تملكه، قال وكيع: يعنى في المملوك بين الرجلين، وهذا مما خالف فيه المالكيون صاحبا لا يعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إيجابه صدقة الفطر على كل حر، عبد صغير، أو كبير ذكر أو أنثى، وخالفا فيه القياس، لانهم أوجبوا الزكاة في الغنم المشتركة وأسقطوا زكاة الفطر عن الرقيق المشترك * 707 مسألة وأما المكاتب الذى لم يؤد شيئا من كتابته فهو عبد، يؤدى سيده عنه زكاة الفطر (2) * فان أدى من كتابه ما قل أو كثر، أو كان عبد بعضه حر وبعضه رقيق، أو أمة كذلك: فان الشافعي قال فيمن بعضه حر وبعضه مملوك: على مالك بعضه إخراج صدقة الفطر عنه بمقدار ما يملك منه، وعليه أن يخرج عن نفسه بمقدار ما فيه من الحرية، ولم ير على سيد المكاتب أن يعطى زكاة الفطر عن مكاتبه * وقال مالك: يؤدى السيد زكاة الفط عن مكاتبه وعن مقدار ما يملك عن الذى بعضه حر وبعضه رقيق (3)، وليس على الذى بعضه رقيق وبعضه حر أن يخرج باقى الصاع عن بعضه الحر * وقال أبو حنيفة: لا تجب زكاة الفطر في شئ من ذلك، لاعلى المكاتب (4) ولا على سيده * واحتج من لم ير على السيد أداء الزكاة عن مكاتبه برواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يؤدى زكاة الفطر عن رقيقه ورقيق امرأته، وكان له مكاتب فكان لا يؤدى عنه، وكان لا يرى على المكاتب زكاة قالوا: وهذا صاحب لا مخالف له (


(1) بينه المؤلف في المسألة 713 (2) قوله (زكاة الفطر) محذوف في النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (14) (عبد) (4) قوله، لا على المكاتب، سقط خطأ من النسخة رقم (16)

[ 136 ]

يعرف من الصحابة * قال أبو محمد: لا حجة فيمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعجب كل العجب أن الحنيفيين المحتجين بهذا الاثر أو مخالف له! فلم يوجبوا على المرء (1) إخراج صدقة الفطر عن رقيق امرأته، ومن العجب أن يكون فعل ابن عمر بعضه حجة وبعضه ليس بحجة! * فان قالوا: لعله كان يتطوع باخراجها عن رقيق المرأة * قيل: ولعل ذلك المكاتب كلفه اخراجها من كسبه، كما للمرء أن يكلف ذلك عبده، كما يكلفه الضريبة، ولعله كان يرى أن يخرجها المكاتب (2) عن نفسه، ولعله قد رجع عن قوله في ذلك، فكل هذا يدخل فيه لعل! * وأما قول مالك فظاهر الخطأ، لانه جعل زكاة الفطر نصف صاع، أو عشر صاع، أو تسعة أعشار صاع فقط، وهذا خلاف ما أوجبه الله تعالى بها، وأوجبها على بعض إنسان دون سائره، وهذا خلاف ما أوجبه الله تعالى فيها * وأما قول الشافعي فخطأ، لانه أوجب الزكاة في الفطر فيمن لا يقع عليه اسم رقيق ممن بعضه حر وبعضه عبد، وهذا ما لم يأت به نص ولا إجماع * قال أبو محمد: والحق من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجبها على الحر، والعبد، والذكر والانثى، والصغير، والكبير من المسلمين، فمن بعضه حر وبعضه عبد فليس حرا، ولاهو أيضا عبد، ولا هو رقيق، فسقط بذلك عن أن يجب على مالك بعضه عنه شئ، ولكنه ذكر، أو أنثى، صغير، أو كبير فوجبت عليه صدقة الفطر عن نفسه ولابد بهذا النص، وهو قول أبى سليمان. وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا في المكاتب يؤدى بعض كتابته إنه يؤديها عن نفسه: فهو لان بعضه حر وبعضه مملوك كما ذكرنا، فإذ هو كذلك كما ذكرنا فعليه إخراجها عن نفسه لما ذكرنا * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن عيسى الدمشقي (3) ثنا يزيد هو ابن هرون أنا حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى وقتادة، قال قتادة: عن خلاس (4) عن على بن أبى طالب، وقال أيوب: عن عكرمة عن ابن عباس، ثم اتفق على، وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (المكاتب يعتق منه بمقدار ما أدى، (5) (


(1) رسمت في النسخة رقم (16) (المرى) بالياء (2) في النسخة رقم (16) (الكاتب) وهو خطأ (3) في الاصلين (احمد بن عيسى الدمشقي) وهو خطأ صححناه من النسائي (ج 8 ص 46) إذ فيه (اخبرنا محمد بن عيسى النقاش) وليس في رواة الكتب الستة من اسمه (احمد بن عيسى) الا احمد بن عيسى بن حسان العسكري، وهو مصرى لا دمشقي، واما محمد بن عيسى النقاش فانه بغدادي نزل دمشق (4) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وآخره سين مهملة (5) في النسخة رقم (16) (يعتق عليه بمقدار ما أدى) وفي النسائي (يعتق بقدر ما ادى) *

[ 137 ]

ويقام عليه الحد بمقدار ما عتق منه) وهذا اسناد في غاية الصحة * وهو قول علي بن ابى طالب وغيره * وروينا عن الحسن: ان على المكاتب صدقة الفطر * وعن ميمون بن مهران، وعطاء: يؤديها عنه سيده * 708 مسألة ولا يجزئ إخراج بعض الصاع شعيرا وبعضه تمرا، ولا تجزئ قيمة أصلا، لان كل ذلك غير ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيمة في حقوق الناس لا يتجوز الا بتراض منها، وليس للزكاة مالك بعينه فيجوز رضاه أو ابراؤه (1) * 709 مسألة وليس على الانسان أن يخرجها عن أبيه. ولاعن أمه. ولاعن زوجته. ولاعن ولده. ولاعن أحد ممن تلزمه نفقته، ولا تلزمه (2) الا عن نفسه ورقيقه فقط، ويدخل في الرقيق أمهات الاولاد والمدبرون، غائبهم وحاضرهم، وهو قول أبى حنيفة، وأبى سليمان، وسفيان الثوري، وغيرهم * وقال مالك، والشافعي: يخرجها عن زوجته وعن خادمها التى لابدلها منها (3)، ولا يخرجها عن أجيره * وقال الليث: يخرجها عن زوجته وعن أجيره الذى ليست أجرته معلومة، فان كانت أجرته معلوم فلا يلزمه إخراجها عنه، ولا عن رقيق امرأته * قال أبو محمد: ما نعلم لمن أوجبها على الزوج عن زوجته وخادمها الا خبرا رواه ابراهيم بن أبى يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر على كل حر، أو عبد، ذكر أو أنثى ممن تمونون) * قال أبو محمد: وفى هذا المكان عجب عجيب! وهو أن الشافعي لا يقول بالمرسل، ثم أخذ ههنا بأنتن مرسل في العالم! من رواية ابن أبى يحيى! وحسبنا الله ونعم الوكيل * وأبو حنيفة، وأصحابه يقولون: المرسل كالمسند، ويحتجون برواية كل كذاب، وساقط ثم تركوا هذا الخبر وعابوه بالارسال وبضعف راويه! وتناقضوا فقالوا: لا يزكى زكاة الفطر عن زوجته، وعليه فرض أن يضحى عنها! فحسبكم بهذا تخليطا! * وأما تقسيم الليث فظاهر الخطأ * وأما المالكيون فاحتجوا بهذا الخبر ثم خالفوه، فلم يروا أن يؤدى زكاة الفطر عن (


(1) في النسخة رقم (16) (وإبراؤه) (2) في النسخة رقم (14) (أو لا تلزمه) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (لها منهاه) وهو خطأ *

[ 138 ]

الاجير، وهو ممن يمون * قال أبو محمد: إيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الصغير، والكبير، والحر، والعبد (1)، والذكر، والانثى هو إيجاب لها عليهم، فلا تجب على غيرهم فيه إلا من أوجبه النص وهو الرقيق فقط، قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) * قال أبو محمد: وواجب (2) على ذات الزوج اخراج زكاة الفطر عن نفسها وعن رقيقها، بالنص الذى أوردنا. وبالله تعالى التوفيق * 710 مسألة ومن كان من العبيد رقيق فعليه إخراجها عنهم (3) لا على سيده، لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في فرسه، ولا عبده صدقة إلا صدقة الفطر في الرقيق) فالعبد مسلم، وهو رقيق لغيره، وله رقيق، فعلى من هو له رقيق أن يخرجها عنه، وعليه أن يخرجها عن رقيقه بالنص المذكور. وبالله تعالى التوفيق * فان قيل: كيف (4) لا تلزمه عن نفسه وتلزمه عن غيره؟ * قلنا: كما حكم في ذلك رب العالمين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم * ثم نقول للمالكيين والشافعيين: أنتم تقولون: بهذا حديث تخطئون، فتقولون: ان الزوجة لا تخرجها عن نفسها، وعليها أن تخرجها عن رقيقها حاشا من لابد لها منه (5) لخدمتها * ولوددنا أن نعرف (6) ما يقول الحنيفيون في نصراني أسلمت أم ولده أو عبده فحبس ليباع فجاء الفطر، على من صدقه الفطر عنهما؟! وهاتان المسألتان لا تعقان (7) في قولنا أبدا، لانه ساعة تسلم أم ولده أو عبده عتقا في الوقت * 711 مسألة ومن له عبدان فأكثر فله أن يخرج عن أحدهما تمرا وعن الآخر شعيرا، صاعا صاعا، وان شاء التمر عن الجميع، وان شاء الشعير عن الجميع، لانه نص الخبر المذكور * 712 مسألة وأما الصغار فعليهم أن يخرجها الاب والولى عنهم (8) من مال ان كان لهم، وان لم يكن لهم مال فلا زكاة فطر عليهم حينئذ ولا بعد ذلك * (


(1) في النسخة رقم (16) (والعبد والحر) (2) في النسخة رقم (16) (واوجب) وهو خطأ (3) كلمة (عنهم) سقطت من النسخة رقم (16) (4) كلمة (كيف) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (5) في النسخة رقم (16) (منها) وهو خطأ (6) قوله (ان نعرف) سقط خطأ من النسخة رقم (16) (7) في النسخة رقم (16) (تقعان) بحذف (لا) وهو خطأ فاحش (8) في النسخة رقم (16) (ان يخرجها الولى عنهم أو الاب عنهم) *

[ 139 ]

وقال أبو حنيفة: يؤديها الاب عن ولده الصغار الذين لا مال لهم، فان كان لهم مال، فان أداها من مالهم كرهت له ذلك وأجزأه، قال: ويؤديها عن اليتيم وصيه من مال اليتيم، وعن رقيق اليتيم أيضا * وقال زفر، ومحمد بن الحسن: ليس على اليتيم زكاة الفطر، وكان له مال، أولم يكن فان أداها وصيه ضمنها * وقال مالك: على الاب أن يؤدى زكاة الفطر عن ولده الصغار ان لم يكن لهم مال فان كان لهم مال فهى في أموالهم، وهى على اليتيم في ماله. وهو قول الشافعي * ولم يختلفوا في أن الاب لا يؤديها عن ولده الكبار، كان لهم مال، أو لم يكن * قال أبو محمد: ما نعلم لهم حجة أصلا، إلا الدعوى في أن القصد بذكر الصغار إنما هو إلى آبائهم لا إليهم * قال أبو محمد: وهذه دعوى في غاية الفساد، لانه إذا لم يقصد بالخطاب إليهم في إيجاب زكاة الفطر، وانما قصد إلى غيرهم: فمن جعل الآباء مخصوصين دون سائر الاولياء، والارقاب، والجيران، والسلطان؟! * فان قالوا: لان االاب ينفق عليه رجع الحنيفيون إلى ما أنكروا من ذلك * ويلزم المالكيين، والشافعيين في هذا أن يؤديها الاب أحب أم كره عنهم، كان لهم مال، أو لم يكن، لانه هو المخاطب بذلك دونهم، فوضح (1) فساد هذا القول بيقين * والحق في هذا أن الله تعالى فرضها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم على الكبير، والصغير، فمن فرق بين حكميهما (2) فقد قال الباطل، وادعى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، ولا دل عليه، ثم وجدنا الله تعالى يقول: (3) (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فوجدنا من لا مال له من كبير أو صغير ليس في وسعه أداء زكاة الفطر، فقد صح أنهلم يكلفها قط، ولما كان لا يستطيعها لم يكن مأمورا بها، بنص كلامه عليه الصلاة والسلام، وهى لازمة لليتيم إذا كان له مال وانما قلنا: إنها لا تلزمه بعد ذلك فلان زكاة الفطر محدودة بوقت محدود الطرفين، بخلاف سائر الزكوات، فلما خرج وقتها لم يجز أن تجب بعد خروج وقتها وفى غير وقتها، لانه لم يأت بايجابها بعد ذلك نص ولا إجماع. وبالله تعالى التوفيق * 713 مسألة والذى لا يجد من أي يؤدى زكاة الفطر فليست عليه، لما ذكرنا في المسألة التى قبل هذه، ولا تلزمهم وان أيسر بعد ذلك ولما ذكرنا أيضا * (


(1) في النسخة رقم (16) (فصح) (2) في النسخة رقم (16) (حكمهما) (3) في النسخة (14) (قد قال) *

[ 140 ]

فمن قدر على التمر ولم يقدر على الشعير لغلائه، أو قدر على الشعير ولم يقدر على التمر لغلائه: أخرج صاعا ولابد من الذى يقدر عليه، لما ذكرنا أيضا * فان لم يقدر إلا على بعض صاع أداه ولابد، لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها). ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهو واسع لبعض الصاع، فهو مكلف إياه، وليس واسعا لبعضه، فلم يكلفه * وهذا مثل الصلاة، يعجز عن بعضها ويقدر على بعضها، ومثل الدين، يقدر على بعضه ولا يقدر على سائره * وليس هذا مثل الصوم، يعجز فيه عن تمام اليوم، أو تمام الشهرين المتتابعين، ولا مثل الرقبة الواجبة. والاطعام الواجب في الكفارات. والهدى الواجب، يقدر على البعض من كل ذلك ولا يقدر على سائره، فلا يجزئه شئ منه (1) * لان من افترض عليه صاع من زكاة الفطر فلا خلاف في أنه جائز له أن يخرج بعضه ثم بعضه ثم بعضه (2) * ولايجوز تفريق اليوم، ولا يسمى من لم يتم صوم اليوم صائم يوم، إلا حيث جاء به النص (3) فيجزئه حينئذ * وأما بعض الرقبة فان الله تعالى نص بتعويض (4) الصيام من الرقبة إذا لم توجد فلم يجز تعدى النص، وكان معتق بعض رقبة مخالفا لما أمر به وافترض عليه من الرقبة التامة، أو من الاطعام المعوض منها، أو الصيام المعوض منها * وأما بعض الشهرين فمن بعضهما، أو فرقهما فلم يأت بما أمر به متتابعا، فهو عليه أو عوضه حيث جاء النص بالتعويض منه * وأما الهدى فان بعض الهدى مع بعض هدى آخر لا يسمى هديا، فلم يأت بما أمر به، فهو دين عليه حتى يقدر عليه * وأما الاطعام فيجزئه ما وجد منه حتى يجد باقيه، لانه لم يأت مرتبطا بوقت محدود الآخر. وبالله تعالى التوفيق * 714 مسالة وتجب زكاة الفطر على السيد عن عبده المرهون، والآبق، والغائب، والمغصوب، لانهم رقيقه، ولم يأت نص بتخصيص هؤلاء * وللسيد ان كان للعبد مال أو كسب أن يكلفه إخراج زكاة الفطر من كسبه أو ماله (


(1) في النسخة رقم (16) (من ذلك) (2) في النسخة رقم (16) زيادة (ثم بعضه) مرة أخرى (3) في النسخة رقم (16) (نص) (4) في النسخة رقم (16) (لتعويض) *

[ 141 ]

لان له انتزاع ماله متى شاء، وله أن يكلفه الخراج بالنص والاجماع، فإذا كان له ذلك فله أن يأمره بان يصرف ما كله من ذلك فيما شاء * 715 مسألة والزكاة للفطر واجبة على المجنون ان كان له مال، لانه ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير * 716 مسألة ومن كان فقيرا فأخذ من زكاة الفطر أو غيرها مقدار ما يقوم يقوت يومه وفضل له منه ما يعطى في زكاة الفطر: لزمه أن يعطيه وهو قول عطاء، وأبى سليمان، الشافعي * وقال أبو حنيفة: من له أقل من مائتي درهم فليس عليه زكاة الفطر، وله أخذها، ومن كان له مائتا درهم فعليه أن يؤديها * وقال سفيان: من له خمسون درهما فهو غنى، ومن لم يكن له خمسون درهما فهو فقير * وقال غيرهما: من له أربعون درهما فهو غنى، فان كان له أقل فهو فقير * وقال آخرون: منه له قوت يومه فهو غنى * قال أبو محمد: سنتكلم بعد هذا ان شاء الله تعالى في هذه الاقوال، وأما ههنا فان تخصيص الفقير باسقاط صدقة الفطر عنه إذا كان واجدا لمقدارها أو لبعضه قول لا يجوز، لانه لم يأت به نص، نعنى باسقاطها عن الفقير، (1) وانما جاء النص باسقاط تكليف ما ليس في الوسع فقط، فإذا (2) كانت في وسع الفقير فهو مكلف إياها، بعموم قوله عليه السلام: (على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير)، وقد روينا عن عطاء في الفقير: أنه يأخذ الزكاة ويعطيها * 717 مسألة ومن أراد إخراج زكاة الفطر عن ولده الصغار أو الكبار أو عن غيرهم: لم يجز له ذلك إلا بأن يهبها لهم، ثم يخرجها عن الصغير والمجنون، ولا يخرجها عمن يعقل من البالغين إلا بتوكيل منهم له على ذلك * برهان ذلك ما قدمنا من أن الله تعالى إنما فرضها على من فرضها عليه فيما يجد مما هو قادر على اخراجها منه، أو يكون وليه قادرا على اخراجها منه، لا يكون مال غيره مكانا لاداء الفرض عنه، إذ لم يأت بذلك نص ولا اجماع فإذا وهبها له فقد صار مالكا لمقدارها، فعليه إخراجها، فاما من لم يبلغ، ولا يعقل. فلقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى). وأما البالغ فلقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها). وبالله تعالى التوفيق (3) * (


(1) في النسخة رقم (16) (الفقراء) (2) في النسخة رقم (16) (وإذا) (3) اكثر ماقاله ابن حزم في فروع زكاة الفطر وبه نظر، والنظر هنا انه اوجب على مخرج الزكاة هبة لاولاده لم يأت بوجوبها نص ولا اجماع! *

[ 142 ]

718 مسألة ووقت زكاة الفطر الذى لا تجب قبله، وانما تجب بدخوله، ثم لا تجب بخروجه: فهو أثر طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، ممتدا الى أن تبيض الشمس وتحل الصلاة من ذلك اليوم نفسه، فمن مات قبل طلوع الفجر من اليوم المذكور فليس عليه زكاة الفطر، ومن ولد حين أبيضاض الشمس من يوم الفطر فما بعد ذلك، أو أسلم كذلك: فليس عليه زكاة الفطر، (1). ومن مات بين هذين الوقتين أو ولد أو أسلم أو تمادت حياته وهو مسلم: فعليه زكاة الفطر، فان لم يؤدها وله من أين يؤديها (2) فهى دين عليه ابدا حتى يؤديها متى أداها * وقال الشافعي: وقتها مغيب الشمس من آخر يوم من رمضان، فمن ولد ليلة الفطر أو أسلم فلا زكاة فطر عليه، ومن مات فيها فهى عليه * وقال أبو حنيفة: وقتها انشقاق الفجر من يوم الفطر، فمن مات قبل ذلك أو ولد بعد ذلك أو أسلم بعد ذلك فلا زكاة فطر عليه * وقال مالك مرة كقول (3) الشافعي في رواية أشبه عنه، ومرة قال: ان ولد يوم الفطر فعليه زكاة الفطر * قال أبو محمد: اما من رأى وقتها غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فانه قال: هي زكاة الفطر، وذلك هو الفطر من صوم رمضان والخروج عنه جملة * وقال الآخرون الذين رأوا وقتها طلوع الفجر من يوم الفطر: ان هذا هو وقت الفطر، لا ما قبله لانه في كل ليلة كان يفطر كذلك ثم يصبح صائما، فانما أفطر من صومه صبيحة يوم الفطر، لاقبله، وحيئنذ دخل وقتها باتفاق منا ومنكم * قال أبو محمد: قال الله عزوجل: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * فوجدنا ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا. أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رافع ثنا أبن أبى فديك أخبرنا الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باخراج زكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى المصلى) * (


(1) بحاشية النسخة رقم (14) مانصه (هنا نظر، فقد قال قبل هذا: يؤدى عن الحمل) ووضعت هذه الحاشية امام المسألة السابقة خطأ، والنقد فيها صحيح فقد قال الكؤلف فيما سبق في المسألة 704 (وان كان من ذكرنا جنينا في بطن أمه) فهذا تهافت من ابن حزم! والحق انها لا تجب على الحمل، إذ هو لا تتعلق به الاحكام حتى يولد حيا (2) هكذا رسم حرف (ابن) في الاصلين بدون نقط، فيحتمل ان يكون (اين) وان يكون (ابن) والتركيب غير واضح على الحالين، والمراد ان له ما يفي بادائها (3) في النسخة رقم (16) (بقول) وهو خطأ ظاهر *

[ 143 ]

قال أبو محمد: فهذا وقت أدائها بالنص، وخروجهم إليها إنما هو لا دراكها، ووقت صلاة الفطر هو (1) جواز الصلاة بابيضاض الشمس يومئذ، فإذا تم الخروج إلى صلاة الفطر بدخول وقت دخولهم في الصلاة فقد خرج وقتها * وبقى القول في أول وقتها: فوجدنا الفطر المتيقن إنما هو بطلوع الفجر من يوم الفطر، وبطل قول من جعل وقتها غروب الشمس من أول ليلة الفطر، لانه خلاف الوقت الذى أمر عليه السلام بأدائها فيه * قال أبو محمد: فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها فقد وجبت في ذمته وماله لمن هي له، فهى دين لهم، وحق من حقوقهم، قد وجب إخراجها من ماله، وحرم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبدا (2)، وبالله تعالى التوفيق، ويسقط بذلك حقهم، ويبقى حق الله في تضييعه الوقت، لا يقدر على جبره الا بالاستغفار والندامة. وبالله تعالى نتأيد * ولا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلا * فان ذكروا خبر أبى هريرة إذا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالميت على صدقة الفطر فاتاه الشيطان ليلة، وثانية، وثالثة فلاحجة لهم فيه، لانه (3) لا تخلو تلك الليالى أن تكون من رمضان أو من شوال، ولا يجوز أن تكون من رمضان، لانه ليس ذلك في الخبر، ولا يظن (4) برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حبس صدقة وجب أداؤها عن أهلها، وان كانت من شوال فلا يمنع من ذلك، إذ لم يكمل وجود أهلها، وفى تأخيره عليه الصلاة والسلام إعطاءها برهان على أن وقت إخراجها لم يحن بعد، فان كان ذلك في ليالى رمضان فلم يخرجها عليه السلام، فصح أنه لم يجز تقديمها قبل وقتها ولا يجزئ، وان كانت من ليالى شوال فبلا شك أن أهلها لم يوجدوا، فتربض عليه الصلاة والسلام وجودهم (5). فبطل تعلقهم بهذالخبر * قسم الصدقة (6) 719 مسألة ومن تولى تفريق زكاة ماله أو زكاة فطره أو تولاها الامام أو أميره: فان الامام أو أميره يفرقانها ثمانية أجزاء مستوية: للمساكين سهم، (


(1) في النسخة رقم (16) (هي) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (فد وجب اخراجه من ماله وحرم عليه امساكه فوجب عليه اداؤه ابدا) (3) في النسخة رقم (16) (فلا حجة لهم لانهم) الخ وهو خطأ (4) في النسخة رقم (16) (فلا يظن) (5) كلمة (وجودهم) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (6) هذا العنوان ليس في النسخة رقم (14) وزدناه من

[ 144 ]

وللفقراء سهم، وفى المكاتبين (1)، وفى عتق الرقاب سهم، وفى أصحاب الديون سهم، وفى سبيل الله تعالى سهم، ولابناء السبيل سهم، وللعمال الذين يقبضونها سهم، وللمؤلفة قلوبهم سهم * وأما من فرق زكاة ماله ففى ستة أسهم كما ذكرنا، ويسقط سهم العمال وسهم المؤلفة قلوبهم * ولا يجوز أن يعطى من أهل سهم أقل من ثلاثة أنفس، إلا أن لا يجد، فيعطى من وجد * ولا يجوز أن يعطى بعض أهل السهام دون بعض، إلا أن لا يجد، فيعطى من وجد * ولا يجوز أن يعطى منها كافرا، ولا أحدا من بنى هشام والمطلب ابني عبد مناف، ولا أحدا من مواليهم * فان أعطى من ليس من أهلها عامدا أو جاهلا لم يجزه، ولا جاز للآخذ، وعلى الآخذ أن يرد ما أخذ، وعلى المعطى أن يوفى ذلك الذى أعطى في أهله * برهان ذلك قول الله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) * وقال بعضهم: يجزئ أن يعطى المرء صدقته (2) في صنف واحد منها * واحتجوا بأنه لا يقدر على عموم جميع الفقراء وجميع المساكين، فصح أنها في البعض * قال أبو محمد: وهذا لاحجة لهم فيه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ولقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فصح أن ما عجز عنه المرء فهو ساقط عنه، وبقى عليه ما استطاع، للابد له من ايفائه، فسقط عموم كل فقير وكل مسكين، وبقى ما قدر عليه من جميع الاصناف، فان عجز عن بعضها سقط عنه أيضا، ومن الباطل أن يسقط ما يقدر (3) عليه من أجل أن سقط عنه ما لا يقدر عليه * وذكروا حديث الذهيبة التى قسمها عليه الصلاة والسلام بن الاربعة * قال أبو محمد: وقد ذكرنا هذا الخبر، وانه لم تكن تلك الذهيبة (4) من الصدقة أصلا، لانه ليس ذلك في الحديث أصلا، ولا يمتنع أن يعطى عليه الصلاة والسلام المؤلفة قلوبهم من غير الصدقة، بل قد أعطاهم من غنائم حنين * وذكروا حديث (5) سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (


(1) النسخة رقم (16) (1) كذا في الاصلين بحذف (سهم) على تقدير اثباته (2) في النسخة رقم (16) (يجزئ المرء ان يعطى صدقته) (3) في النسخة رقم (16) (ما قدر) (4) في النسخة رقم (16) (تلك الذهب) والحديث مضى في المسألة رقم (700) * (5) في النسخة رقم (16) (وحديث) بحذف كلمة ذكروا) *

[ 145 ]

أعطاه صدة بنى زريق (1) * قال أبو محمد: وهذا مرسل، ولو صح لم يكن لهم (2) فيه حجة، لانه ليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم سائر الاصناف من سائر الصدقات * وادعى قوم أن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط * قال أبو محمد: وهذا باطل، بل هم اليوم (3) أكثر ما كانوا، وانما يسقطون هم والعاملون (4) إذا تولى المرء قسمة صدقة نفسه، لانه ليس هنالك عاملون عليها، وأمر المؤلفة إلى الامام لا إلى غيره * قال أبو محمد: ولا يختلفون في أن من أمر (5) لقوم بمال وسماهم أنه لا يحل أن يخص به بعضهم دون بعض، فمن المصيبة قول من قال: إن أمر الناس أوكد من امر الله تعالى! * حدثنا أحمد بن عمر بن أنس ثنا عبد الله بن الحسين بن عقال ثنا ابراهيم بن محمد الدينورى ثنا محمد بن الجهم ثنا محمد بن مسلمة ثنا يعقوب بن محمد ثنا رفاعة عن جده: ان بعض الامراء استعمل رافع بن خديج على صدقة الماشية، فاتاه لا شئ معه (6) فسأله، فقال رافع: (إن عهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث وإنى جزيتها (7) ثمانية أجزاء فقسمتها، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع (8)) * وصح عن ابن عباس أنه قال في الزكاة: ضعوها مواضعها * وعن ابراهيم النخعي، والحسن مثل ذلك * وعن أبى وائل مثل ذلك، وقال في نصيب المؤلفة قلوبهم: رده على الآخرين * وعن سعيد بن جبير: ضعها حيث أمرك الله * وهو قول الشافعي، وأبى سليمان، وقول ابن عمر، ورافع كما أوردنا، وروينا القول الثاني عن حذيفة، وعطاء، وغيرهما * (


(1) هو حديث الظهار، وقد رواه مطولا احمد في المسند (ج 4 ص 37) وابو داود (ج 2 ص 233) وابن ماجه (ج 1 ص 324) والحاكم (ج 2 ص 203) ورواه مختصرا احمد (ج 5 ص 436) والترمذي (ج 1 ص 144) طبع الهند وصححه الحاكم والذهبي على شرط مسلم، واعله الترمذي نقلا عن البخاري بالارسال، لان سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر، هكذا نقله ابن حجر في التلخيص (ص 322) عن الترمذي وكذلك فقله شارح ابى داود (2) كلمة (لهم) سقطت من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (16) (بل هو اليوم) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (14) (والعامل) (5) في النسخة رقم (14) فيمن أمر) (6) في النسخة رقم (16) (عليه) وما هنا اصح (7) بتسهيل همزة (جزأتها) (8) هذا الحديث لم اجده بشئ من الدواوين *

[ 146 ]

وأما قولنا: لا يجزئ أقل من ثلاثة من كل صنف الا أن لا يجد: فلان اسم الجمع لا يقع الا على ثلاثة فصاعدا، ويقع على واحد، وللتثنية بنية في اللغة، تقول: مسكين للواحد، ومسكينان للاثنين، ومساكين للثلاثة، فصاعدا، وكذلك اسم الفقراء وسائر الاسماء المذكورة في الآية. وهو قول الشافعي وغيره (1) * وأما أن (2) لا يعطى كافرا فلما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم ابن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن زكرياء بن اسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبى معبد عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن وقال له في حديث): (فأعلمهم أن الله افترض (3) عليه صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) * فانما جعلها عليه الصلاة والسلام لفقراء المسلمين فقط * وأما بنو هاشم وبنو المطلب فلما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج ثنا هرون ابن معروف ثنا ابن وهب أخبرني يونس بن زيد عن أبن شهاب عن عبد الله بن الحارث ابن نوفل عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وللفضل بن عباس بن عبد المطلب: (إن هذه الصدقات إنما هي أوماخ القوم، وانها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) * قال أبو محمد: فاختلف الناس في: من هم آل محمد؟ * فقال قوم: هم بنو عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فقط، لانه لا عقب لهاشم من غير عبد المطلب، واحتجوا بأنهم آل محمد بيقين، لانه لا عقب لعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق له عليه الصلاة والسلام أهل إلا ولد (4) العباس، وأبى طالب، والحارث، وأبى لهب بنى عبد المطلب (5) فقط * وقال آخرون: بل بنو عبد المطلب بن هاشم وبنو المطلب بن عبد مناف فقط ومواليهم * (


(1) اغرب ابن حزم في اكثر ما قال، وما تدل الآية والاحاديث إلا على حصر الصدقات في الاصناف الثمانية، ولا دليل فيها ولا في غيرها على وجوب ان يعطى صاحب المال ستة اصناف من الثمانية، ولا على وجوب ان يستوعب الامام أو نائبه كل الاصناف، ولا على وجوب ان يعطى ثلاثة من كل صنف، الا ان الامام يجب عليه ان يضعها حيث يرى المصلحة للمسلمين عامتهم وخاصتهم، بالادلة العامة فيما يجب على من ولى شيئا من امور الناس. (2) كلمة (ان) زيادة من النسخة رقم (14) (3) في البخاري (ج 3 ص 315) (ان الله قد افترض) وفي النسخة رقم (14) (ان الله فرض) (4) في النسخة رقم (16) (والد) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (14) (وابو طالب والحارث، وابو لهب بنو عبد المطلب) *

[ 147 ]

وقال أصبغ بن الفرج المالكى: آل محمد جميع قريش، وليس الموالى منهم * قال أبو محمد: فوجب النظر في ذلك * فوجدنا ما حدثنا عبد الله بن ربيع قال ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا عمرو ابن على ثنا يحيى وهو ابن سعيد القطان ثنا شعيبة ثنا الحكم هو ابن عتيبة عن عبيدالله بن أبى رافع عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بنى مخزوم على الصدقة، فاراد أبو رافع أن يتبعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الصدقة لا تحل لنا، وان مولى القوم منهم (1))) * فبطل قول من أخرج الموالى من حكمهم في تحريم الصدقة * ووجدنا ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا عبيدالله بن عمر بن ميسرة ثنا عبد الرحمن بن مهدى عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد (2) عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب أخبرني جبير بن مطعم: (أنه جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قسم من الخمس بين بنى هاشم وبنى المطلب، فقلت: يا رسول الله، قسمت لاخواننا (3) بنى المطلب ولم تعطنا شيئا، وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد) * فصح أنه لا يجوز أن يفرق بين حكمهم في شئ أصلا لانهم شئ واحد بنص كلامه عليه الصلاة والسلام، فصح أنهم آل محمد، واذهم آل محمد فالصدقة عليهم حرام، وخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل ابني عبد مناف وسائر قريش عن هذين البطنين وبالله تعالى التوفيق * ولا يحل لهذين البطنين صدقة فرض ولا تطوع أصلا، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد) فسوى بين نفسه وبينهم * وأما مالا يقع عليه اسم صدقة مطلقة فهو حلال لهم، كالهبة والعطية والهدية والنحل (4)، والحبس والصلة والبر وغير ذلك، لانه لم يأت نص بتحريم شئ من ذلك عليهم * وأما قولنا: لا تجزئ إن وضعت في يد من لا تجوز له (5): فلان الله تعالى سماها لقوم خصهم بها، فصار حقهم فيها، فمن أعطى منها غيرهم فقد خالف ما أمر الله (


(1) هو في النسائي (ج 5 ص 107) (2) في النسخة رقم (14) (عن يونس عن يزيد) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (لاخوتنا) وما هنا هو الموافق لابي داود (ج 3 ص 106) (4) بضم النون واسكان الحاء المهملة وهو العطاء من غير عوض ولا استحقاق (5) في النسخة رقم (16) (ان وضعت فيمن لا تجوز)) *

[ 148 ]

تعالى به وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فوجب (1) على المعطى ايصال ما عليه إلى من هو له، ووجب على الآخذ رد من ما أخذ بغير حق، قال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * 720 مسألة الفقراء هم الذين لا شئ لهم أصلا، والمساكين هم الذين لهم شئ لا يقوم بهم * برهان ذلك: أنه ليس الا موسر، أو غنى، أو فقير، أو مسكين، في الاسماء ومن له فضل عن قوته، ومن لا يحتاج إلى أحد وان لم يفضل عنه شئ، ومن له مالا يقوم بنفسه منه، ومن لا شئ له (2)، فهذه مراتب أربع معلومة بالحس، فالموسر بلا خلاف هو الذى يفضل ماله عن قوته وقوت عياله على السعة والغنى هو الذى لا يحتاج إلى أحد وان كان لا يفضل عنه شئ، لانه في غنى عن غيره، وكل موسر غنى وليس كل غنى موسرا * فان قيل: لم فرقتم بين المسكين والفقير؟ (3) * قلنا: لان الله تعالى فرق بينهما، ولا يجوز أن يقال في شيئين فرق الله تعالى بينهما: إننما شئ واحد، إلا بنص أو إجماع أو ضرورة حس، فإذ ذلك كذلك فان الله تعالى يقول: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فسماهم تعالى مساكين ولهم سفينة، ولو كانت تقوم بهم لكانوا أغنياء بلا خلاف، فصح اسم المسكين بالنص لمن هذه صفته، وبقى القسم الرابع، وهو (4) من لا شئ له، اصلا ولم يبق له من الاسماء الا الفقير، فوجب ضرورة أنه ذلك (5) * وروينا ما حدثناه عبد الله بن ربعى ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا نصر بن على أخبرنا عبد الاعلى ثنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس المسكين الذى ترده الاكلة والاكلتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يارسول الله: قال: المسكين الذى لا يجد غنى، ولا يفطن لحاجته فيتصدق عليه) * قال أبو محمد: فصح أن المسكين هو الذى لا يجد غنى إلا أن له شيئا لا يقوم به، فهو يصبر وينطوى، وهو محتاج ولا يسأل * وقال تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) فصح أن (


(1) في النسخة رقم (16) (ووجب) (2) في النسخة رقم (16) (ومن له شئ) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (14) (بين الفقير والمسكين) (4) في النسخة رقم (16) (وهى) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (14) (ذلك) *

[ 149 ]

الفقير الذى لا مال له أصلا، لان الله تعالى أخبر أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم (1) ولايجوز أن يحمل ذلك على بعض أموالهم * فان قيل: قد قال الله تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) * قلنا: صدق الله تعالى، وقد يلبس المرء في تلك البلاد إزارا ورداءا خلقين غسيلين لا يساويان درهما، فمن رآه كذلك ظنه غنيا، ولا يعد مالا مالا بدمنه، ومما يستر العورة، إذا لم تكن له قيمة. وذكروا قول الشاعر: أما الفقير الذى كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك لم سبد (2) وهذا حجة عليهم، لان من كانت حلوبته وفق عياله فهو غنى، وإنما صار فقيرا إذا لم يترك له سبد، وهو قولنا * والعاملون عليها: هم العمال الخارجون من عند الامام الواجبة طاعته، وهم المصدقون، وهم السعاة * قال أبو محمد: وقد اتفقت الامة على أنه ليس كل من قال: أنا عامل عاملا، وقد قال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فكل من عمل من غير أن يوليه الامام الواجبة طاعته فليس من العاملين عليها، ولا يجزئ دفع الصدقة إليه، وهى مظلمة، وإلا أن يكون يضعها مواضعها، فتجزى حينئذ، لانها قد وصلت إلى أهلها * وأما عامل الامام الواجبة طاعته فنحن مأمورون بدفعها إليه، وليس علينا ما يفعل فيها، لانه وكيل، كوصي اليتيم ولا فرق، وكوكيل الموكيل سواء سواء * والمؤلفة قلوبهم: هم قوم لهم قوة لا يوثق بنصيحتهم للمسلمين، فيتألفون بأن يعطوا من الصدقات ومن خمس الخمس * والرقاب: هم الكاتبون والعتقاء، فجائز أن يعطوا من الزكاة * وقال مالك: لا يعطى منها المكاتب * وقال غيره: يعطى منها ما يتم به كتابته * (


(1) في النسخة رقم (14) (واخرجوا من ديارهم) (2) نسبه صاحب اللسان للراعي يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو له سعاته (ج 6 ص 367 وج 12 ص 262) وقال: (يقال حلوبة فلان وفق عياله، أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضلى فيه، وقيل قدر ما يقوتهم). والسبد بفتح السين المهملة والباء الوبر، وقيل الشعر، وهو كناية عن المال، يقال ماله سبد ولا لبد، أي ماله قليل ولا كثير *

[ 150 ]

قال أبو محمد: وهذان (1) قولان لادليل على صحتهما * وبأن المكاتب يعطى من الزكاة يقول أبو حنيفة، والشافعي * وجائز أن يعطى منها مكاتب الهاشمي والمطلبى، لانه ليس منهما ولا مولى لهما ما لم يعتق كله * وأن أعتق الامام من الزكاة رقابا فولاؤها للمسلمين، لانه لم يعتقها من مال نفسه، ولا من مال باق في ملك المعطى الزكاة (2) * فان أعتق المرء من زكاة نفسه فولاؤها له، لانه أعتق من ماله وعبد نفسه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (انما الولاء لمن اعتق) وهو قول أبى ثور * وروينا عن ابن عباس: أعتق من زكاتك * فان قيل: إنه إن مات (3) رجع ميراثه إلى سيده؟ * قلنا: نعم هذا حسن، إذا بلغت الزكاة محلها فرجوعها بالوجوه المباحة حسن، وهم يقولون فيمن تصدق من زكاته على قريب له ثم مات فوجب ميراثه للمعطى: إنه له حلال، وإن كان فيه عين زكاته * والغارمون: هم الذين عليهم ديون لا تفى أموالهم بها، أو من تحمل بحمالة وان كان في ماله وفاء بها، فاما من له وفاء بدينه فلا يسمى في اللغة غارما * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن النضر ابن مساور (4) ثنا حماد بن سلمة عن هرون بن رئاب (5) حدثنى كنانة بن نعيم (6) عن قبيصة بن المخارق (7) قال: (تحملت بحمالة (8)، فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسألة فيها، فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها (9)، يا قبيصة، إن الصدقة لا تحل إلا لاحذ ثلاثة (10): رجل تحمل بحمالة (11) فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش (12)) وذكر الحديث (13) * (


(1) في النسخة رقم (14) (وهذان فرقان) وما هنا اصح (2) في النسخة رقم (16) (في ملك معطى الزكاة) (3) في النسخة رقم (16) (إنه من مات) وهو خطأ (4) بضم الميم وتخفيف السين المهملة (5) بكسر الواو وتخفيف الهمزة (6) بضم النون وفتح العين المهملة (7) قبيصة بفتح القاف، والمخارق بضم الميم (8) في النسائي (ج 5 ص 89) (تحملت حمالة) بدون الباء، والحمالة بفتح الحاء المهملة ما يتحمله الانسان عن غيره من دية وغرامة، قال الخطابى: (هي ان يقع بين القوم التشاجر في الدماء والاموال ويخاف من ذلك الفتن العظيمة فيتوسط الرجل فيما بينهم يسعى في ذات البين ويضمن لهم، ما يترضاهم بذلك حتى تسكن الفتنة) (9) كلمة (بها) ليست في النسائي * (10) في النسخة رقم (14) (لاحدى ثلاث) وفى النسخة رقم (16) (لاحد ثلاث) وما هنا هو الذى في النسائي. (11) في النسائي (حمالة) (12) القوام بكسر القاف ما يقوم بحاجته الضرورية، والسداد بالكسر أيضا ما يكفى حاجته، وهو كل شئ سددت به خللا. (13) رواه احمد (ج 3 ص 377 وج 5 ص 60) ومسلم (ج 1 ص 284).

[ 151 ]

وأما سبيل الله: فهو الجهاد بحق * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا الحسن ابن على ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة: لغاز (1) في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها (2) المسكين للغنى) * وقد روى هذا الحديث عن غير معمر (3) فأوقفه بعضهم، ونقص بعضهم مما ذكر فيه معمر، وزيادة العدل لا يحل تركها * فان قيل قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الحج من سبيل الله. وصح عن ابن عباس أن يعطى منها في الحج * قلنا: نعم، وكل فعل خير فهو من سبيل الله تعالى، إلا أنه لا خلاف في أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضع إلا حيث بين النص، وهو الذى ذكرنا. وبالله تعالى التوفيق * وابن السبيل: هو من خرج في غير معصية فاحتاج * وقد روينا من طريق ابن أبى شيبة: ثنا أبو جعفر عن الاعمش عن حسان عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل زكاته في الحج وأن يعتق منها النسمة * وهذا مما خالف فيه الشافعيون والمالكيون والحنيفيون صاحبا لا يعرف منهم له مخالف (4) * 721 مسألة وجائز أن يعطى المرء منها مكاتبه ومكاتب غيره، لانهما من البر، والعبد المحتاج الذى يظلمه سيده ولا يعطيه حقه، لانه مسكين. * وقد روينا عن اسماعيل بن علية انه أجاز ذلك * ومن كان أبوه، أو أمه، أو اخواته، أو أمراته من الغارمين، أو غزوا في سبيل الله، أو كانوا مكاتبين جاز له أن يعطيهم من صدقته الفرض، لانه ليس عليه أداء ديونهم ولا عونهم في الكتابة والغزو، كما تلزمه نفقتهم إن كانوا فقراء، ولم يأت نص (


وابو داود (ج 3 ص 39 و 40) والطيالسي (ص 188 رقم 1327) وابن جارود (ص 188) والدار قطني (ص 211) (1) في النسخة رقم (16) (لغازى) وما هنا موافق لابي داود (ج 3 ص 38) (2) في النسخة رقم (14) (فأهدى) وما هنا هو الموافق لابي داود، والحديث رواه ايضا الدار قطني (ص 211 و 312) من طريق عبد الرزاق عن معمر الثوري كلاهما عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابى سعيد مرفوعا، فلم ينفرد معمر بذكر ابى سعيد فيه (3) في النسخة رقم (16) (وقد روى هذا الخبر عن معمر) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (16) (لا نعرف منهم له في ذلك مخالفا)

[ 152 ]

بالمنع (1) مما ذكرنا * روينا عن أبى بكر: أنه أوصى عمر فقال: من أدى الزكاة إلى غير أهلها لم تقبل (2) منه زكاة، ولو تصدق بالدنيا جميعها * وعن الحسن: لا تجزئ حتى يضعها مواضعها (3) وبالله تعالى التوفيق * 722 مسألة وتعطى المرأة زوجها من زكاتها، إن كان من أهل السهام، صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أفتى زينب امرأة ابن مسعود إذ أمر بالصدقة فسألته أيسعها أن تضع صدقتها في زوجها، وفى بنى أخ لها يتامى؟ فأخبرها عليه الصلاة والسلام أن لها أجرين: أجر الصدقة، وأجر القرابة * 723 مسألة قال أبو محمد (4): من كان له مال مما تجب فيه الصدقة، كمائتي درهم أو أربعين مثقالا أو خمس من الابل أو أربعين شاة أو خمسين بقرة، أو أصاب خمسة أو سق من بر أو شعير أو تمر (5) وهو لا يقوم ما معه بعولته لكثرة عياله أو لغلاء السعر: فهو مسكين، يعطى من الصدقة المفروضة، وتؤخذ منه فيما وجبت فيه من ماله * وقد ذكرنا أقوال من حد الغنى بقوت اليوم، أو بأربعين درهما أو بخمسين درهما، أو بمائتي درهم * واحتج من رأى الغنى بقوت اليوم بحديث رويناه من طريق أبى كبشة السلولى عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من سأل وعنده ما يغنيه فانما يتسكثر من النار، فقيل: وما حد الغنى يارسول الله؟ قال: شبع يوم وليلة (6)) * وفى بعض طرقه: (إن يكن عند أهلك (7) ما يغديهم أو ما يعشيهم) * ومن طريق ابى لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن رجل عن أبى كليب العامري (8) عن أبى سلام الحبشى عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من سأل مسألة يتكثر بها عن غنى فقد استكثر من النار، فقيل: ما الغنى؟ قال: غداء أو عشاء) * قال أبو محمد: وهذا لا شئ، لان أبا كبشة السلولى مجهول وابن لهيعة ساقط * واحتج من حد الغنى بأربعين درهما بما رويناه من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن (


(1) في النسخة رقم (14) (نص مانع) (2) في النسخة رقم (16) (لاتقبل) (3) في النسخة رقم (16) (موضعها) * (4) قوله (قال أبو محمد) زيادة من النسخة رقم (16) (5) من هنا إلى اول كتاب الصيام نقل من النسخة رقم 45 (6) رواه احمد مطولا (ج 4 ص 180 و 181) وفى آخره قال: (ما يغديه أو يعشيه) رواه أبو داود (ج 2 ص 35) واسنادهما صحيح (7) في النسخة رقم (16) (ان عند اهلك) بحذف (يكن) وهو خطأ (8) أبو كليب هذا لم اجد له ترجمة ولا ذكرا (9) الحبشى بالحاء المهملة والباء والشين المعجمة، وفى النسخة رقم (16) (الخشنى (وهو تصحيف وابو سلام هذا اسمه ممطور (10)، ليس مجهولا، بل هو تابعي ثقة، وثقة العجلى وغيره

[ 153 ]

عطاء بن يسار عن رجل من بنى أسد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا (1)) ومن طريق هشام بن عمار عن عبد الرحمن بن أبى الرجال عن عمارة بن غزية عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سأل وله قيمة أو قية فقد ألحف، قال: وكانت الاوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهما (2)) * ومن طريق ميمون بن مهران: ان امرأة اتت عمر بن الخطاب تسأله من الصدقة، فقال لها: ان كانت لك أوقية فلا تحل لك (3) الصدقة، قال ميمون: والاوقية حينئذ اربعون درهما * قال أبو محمد: الاول عمن لم يسم، ولا يدرى صحة صحبته، والثانى عن عمارة بن غزية هو ضعيف (4) * وقد كان لزم المالكيين المقلدين عمر رضى الله عنه في تحريم المنكوحة في العدة على ذلك الناكح في الابد، وقد رجع عمر عن ذلك، وفى سائر ما يدعون ان خلافه فيه لا يحل، كحد الخمر ثمانين، وتأجيل العنين سنة: ان يقلدوه ههنا، وكذلك الحنيفون، ولكن لا يبالون بالتناقض! * واحتج من حد الغنى بخمسين درهما بخبر رويناه من طريق سفيان الثوري عن حكيم ابن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابيه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سأل وله ما يغنيه جاءت خموشا أو كدوحا (5) في وجهه يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه: قال: خمسون درهما أو حسابها من الذهب) قال سفيان: وسمعت زبيدا يحدث (6) عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه (7) * روينا من طريق هشيم عن الحجاج بن أرطاة عمن حدثه، وعن الحسن بن عطية، وعن الحكم بن عتيبة، قال من حدثه: عن ابراهيم النخعي عن ابن مسعود، وقال الحسن (


(1) رواه أبو داود (ج 2 ص 33 و 34) (2) هو في ابى داود (ج 3 ص 34 و 35) (3) كلمة (لك) سقطت من النسخة رقم 45 (4) جهالة الصحابي لا تضر، كما هو الراجح عند أكثر أهل العلم، وان خالف في ذلك ابن حزم، وعمارة بن غزية ثقة تابعي، وقد سبق الكلام عليه في المسألة 641 (ج 5 ص 213) (5) الخموش الخدوش وكذلك الكدوح وهما بضم اولهما وكل اثر من خدش أو عض فهو كدح (6) في النسخة رقم (14) (يحدثه) وما هنا هو الموافق للنسائي (7) هذا لفظ النسائي (ج 5 ص 97) ورواه ايضا أبو داود (ج 2 ص 33) والترمذي (ج ص 83 طبع الهند) وابن ماجه (ج 1 ص 289) والحاكم (جزء 1 ص 407)

[ 154 ]

ابن عطية: عن سعد بن ابى وقاص، وقال الحكم: عن على بن أبى طالب، قالوا كلهم: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما، قال على بن أبى طالب: أو عدلها من الذهب * وهو قول النخعي، وبه يقول سفيان الثوري، والحسن بن حى * قال أبو محمد: حكيم بن جبير ساقط، ولم يسنده زبيد، (1) ولا حجة في مرسل، ولقد كان يلزم الحنيفيين والمالكيين القائلين بان المرسل كالمسند، والمعظمين خلاف الصاحب، والمحتجين بشيخ من بنى كنانة عن عمر في رد السنة الثابتة من ان المتبايعين لابيبع بينهما حتى يفترقا: ان لا يخرجوا عن هذين القولين: لانه لا يحفظ عن احد من الصحابة في هذا الباب خلاف لما ذكر فيه عن عمر، وابن مسعود، وسعد، وعلى رضى الله عنهم، مع ما فيه من المرسل * وأمامن حد الغنى بمائتي درهم، وهو قول ابى حنيفة، وهو أسقط الاقوال كلها! لانه حجه لهم إلا أن قالوا: إن الصدقة تؤخذ من الاغنياء وترد على الفقراء، فهذا غنى، فبطل أن يكون فقيرا * قال أبو محمد: ولا حجة لهم في هذه الوجوه (2) * أولها: أن هم يقولون بالزكاة على من أصاب سنبلة فما قوقها، أو من له خمس من الابل، أو أربعون شاة، فمن أين وقع لهم أن يجعلوا حد الغنى مائتي درهم، دون السنبلة، أو دون خمس من الابل، أو دون أربعين شاة، وكل ذلك تجب فيه الزكاة؟! وهذا هوس مفرط! * وهكذا روينا (3) عن حماد بن أبى سليمان قال: من لم يكن عنده مال تبلغ فيه الزكاة (


(1) أما حكيم بن جبير فليس ساقطا إلى هذه الدرجة، ولكنهم ضعفوه من أجل رأى له في التشيع يغلو له، ولانكارهم عليه بعض احاديث منها هذا الحديث الذى هنا، فقد تركه شعبة من اجله، ولكنه ينفرد به، فقد رواه زبيد بن الحارث اليامى عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد كما رواه حكيم بن جبير، وزبيد ثقة ثبت حجة، وقد اخطأ المؤلف في زعمه ان زبيدا لم يسنده، فان سياق الرواية يدل على ان الثوري يحكى متابعة زبيد الحكيم، وقد جاء في بعض الروايات اصرح من هذا، ففى ابى داود بعد ان روى الحديث من طريق يحيى بن آدم عن الثوري: (قال يحيى فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظى ان شعبة لا يروى عن حكيم بن جبير؟ فقال سفيان: حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد) وفى الترمذي بعد ان رواه عن قتيبة وعلى بن حجر عن شريك عن حكيم بن جبير باسناده قال (حدثنا محمود بن غيلان ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن حكيم ابن جبير بهذا الحديث، فقال له عبد الله بن عثمان صاحب شعبة: لو غير حكيم حدث بهذا؟! فقال له سفيان: وما الحكيم؟ لا يحدث عنه شعبة؟! قال: نعم، قال سفيان: سمعت زبيدا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد) وهذا صريح جدا في ان زبيدا حدث به عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد كما حدث به حكيم أي باسناده، وانه ليس مرسلا كما زعم المؤلف رحمه الله، والحديث صحيح من رواية زبيد (2) كذا في الاصلين، ولعل الاصح ان يكون صوابه (في هذا لوجوه) كما هو واضح ظاهر (3) كلمة (روينا) سقطت من النسخة رقم 45 *

[ 155 ]

أخذ من الزكاة * والثانى: أنهم يلزمهم أن من له الدور العظيمة، والجوهر ولا يملك مائتي درهم أن يكون فقيرا يحل له أخد الصدقة! * والثالث: أنه ليس في قوله عليه السلام: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) دليل ولا نص بأن الزكاة لا تؤخذ الا من غنى ولا ترد إلا على فقير، وانما فيه أنها تؤخذ من الاغنياء وترد على الفقراء فقط، وهذا حق، وتؤخذ أيضا بنصوص أخر من المساكين الذين ليسوا أغنياء، وترد بتلك النصوص على أغنياء كثير، كالعاملين، والغارمين، المؤلفة قلوبهم، وابن السبيل وان كان غنيا في بلده، فهذه خمس طبقات أغنياء، لهم حق في الصدقة * وقد بين الله تعالى ذلك في الصدقة في تفريقه بينهم (1) إذ يقول: (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) إلى آخر الآية، فذكر الله تعالى الفقراء، والمساكين ثم أضاف إليهم من ليس فقيرا، ولا مسكينا * وتؤخذ الصدقة من المسكين الذى ليس له (2) الا خمس من الابل وله عشرة من العيال، ومن ليس له الا مائتا درهم وله عشرة من العيال، وممن لم يصف الا خمسة أوسق لعلها لا تساوى خمسين درهما وله عشرة من العيال في عام سنة (3) * فبطل تعلقهم بالخبر المذكور، وظهر فساد هذا القول الذى لا يعلم أن أحدا من الصحابة رضى الله عنهم قاله * وقد روينا من طريق ابن أبى شيبة عن حفص هو ابن غياث عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال قال عمر بن الخطاب: إذا أعطيتم (4) فاغنوا. يعنى من الصدقة ولا نعلم لهذا القول خلافا (5) من أحد من الصحابة * وروينا عن الحسن: أنه يعطى من الصدقة الواجبة من له الدار والخادم، إذا كان محتاجا * وعن ابراهيم نحو ذلك * وعن سعيد بن جبير: يعطى منها من له الفرس، والدار، والخادم * وعن مقاتل بن حيان: يعطى من له العطاء من الديوان وله فرس * (


(1) في النسخة رقم 45 (في الصدقة بقرينة بينهم) وهو خطأ بل غلط (2) في النسخة رقم 45 (من المساكين الذين ليس لهم) الخ وما هنا انسب لسياق الكلام (3) السنة معروفة، وهي العام، ولكنهم يستعملونها في معنى السنة المجدبة، فيقولون: اصابتهم السنة، وارض سنة، اي مجدبة على التشبيه بالسنة من الزمان، ويقولون: اسنتوا، ولا يستعمل ذلك الا في الجدب ضد الخصب (4) في النسخة رقم 45 (اعطيتهم) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (14) (ولا يعلم لهذا القول خلاف) *

[ 156 ]

قال أبو محمد: ويعطى من الزكاة الكثير جدا والقليل، لاحد في ذلك، إذ لم يوجب الحد في ذلك قرآن ولاسنة * 724 مسألة قال أبو محمد: إظهار الصدقة الفرض والتطوع من غير أن ينوى بذلك رياء حسن، وإخفاء كل ذلك أفضل. وهو قول اصحابنا * وقال مالك: إعلان الفرض أفضل * قال أبو محمد: وهذا فرق لا برهان على صحته، قال الله عزوجل: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) * فان قالوا: نقيس ذلك على صلاة الفرض. قلنا: القياس كله باطل، فان قلتم: هو حق، فأذنوا للزكاة كما يؤذن للصلاة!! ومن الصلاة غير الفرض ما يعلن بها كالعدين، والكسوف، وركعتي دخول المسجد، فقيسوا صدقة التطوع على ذلك * 725 مسألة قال أبو محمد (1): وفرض على الاغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، وإن لم تقم الزكوات بهم، ولافى سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذى لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف (2)، والشمس وعيون المارة (3) * برهان ذلك قول الله تعالى (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل). وقال تعالى: (وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) * فأوجب تعالى حق المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين (4) مع حق ذى القربى وافترض الاحسان إلى الابوين، وذى القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والاحسان يقتضى كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك * (


(1) قوله (قال أبو محمد) زيادة من النسخة رقم (14) (2) كلمة (الصيف) زيادة من النسخة رقم (14) (3) من هذا ومن امثاله في الشريعة الاسلامية يرى المنصف ان التشريع الاسلامي في الذروة العليا من الحكمة والعدل، وليت اخواننا الذين غرتهم القوانين الوضعية واشربتها نفوسهم يطلعون على هذه الحقائق ويتفقهونها ليروا ان دينهم جائهم بأعلى انواع التشريع في الارض، تشريع يشبع القلب والروح، ويطبق في كل مكان وكل زمان و، ان هو الا وحى يوحى، ولوفقه المسلمون احكام دينهم ورجعوا إلى استنباطها من المنبع الصافى والمورد العذب - الكتاب والسنة - وعملوا بما يأمرهم به ربهم في خاصة نفسهم وفي امورهم العامة وفي احوال اجتماعهم -: لو عملوا هذا لكانوا سادة الامم، وهل قامت الثورات المخربة الهادمة، والفتن المهلكة الا من ظلم الغنى للفقير ومن استئثاره بخير الدنيا وبجواره اخوه يموت جوعا وعريا، والمثل كثيرة، ولو فقه الاغنياء لعلموا ان أول ما يحفظ عليهم اموالهم اسداء المعروف للفقراء، بل القيام نحوهم بما اوجبه الله على الاغنياء، فليفقهوا وليعلموا ويعملوا، فقد جاءتهم النذر، هدانا الله جميعا. (4) قوله (وما ملكت اليمين) زيادة من النسخة رقم 45 *

[ 157 ]

وقال تعالى: (ما سلككم في سقر؟! قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) * فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة * وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) * قال أبو محمد: ومن كان على فضلة ورأى المسلم أخاه جائعا عريان (1) ضائعا فلم يغثه: فما رحمه بلا شك * وهذا خبر رواه نافع بن جبير بن مطعم وقيس بن ابى حازم وابى ظبيان (2) وزيد ابن وهب، كلهم عن جرير بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) * روى أيضا معناه الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) وحدثناه (5) عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا موسى بن اسماعيل هو التبوذكى ثنا المعتمر هو ابن سليمان عن ابيه نثا أبو عثمان النهدي ان عبد الرحمن بن ابى بكر الصديق حدثه: (ان أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام اربعة فليذهب بخامس أو سادس) (6) أو كما قال * فهذا (7) هو نفس قولنا * ومن طريق الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري: ان سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم اخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه) * قال أبو محمد: من تركه يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا شيبان بن فروخ ثنا أبو الاشهب عن أبى نضرة عن ابى سعيد الخدرى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان معه فضل ظهر فليعد (


(1) في النسخة رقم 45 (عريانا) وهو لحن (2) في الاصلين (وابن ظبيان) وهو خطأ، وابو ظبيان هو حصين ابن جندب الجنبى - بفتح الجيم واسكان النون - التابعي الثقة (3) حديث جرير من هذه الطرق رواه مسلم (ج 2 ص 213 - 214) ورواه البخاري مختصرا من طريق زيد بن وهب (ج 8 ص 17) (4) حديث ابى هريرة من هذا الطريق رواه البخاري (ج 8 ص 12) بلفظ (من لا يرحم لا يرحم) (5) في النسخة رقم 45 (حدثناه) وهو خطأ، إذ ليس هذا هو حديث الزهري الذى ذكره (6) في النسخة رقم (14) (أو بسادس) وما هنا هو الموافق للبخاري (ج 5 ص 38 - 39) ورواه البخاري ايضا عن ابى النعمان عن معتمر (ج 1 ص 247 - 248) (7) في النسخة رقم (14) (وهذا) *

[ 158 ]

به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، قال: فذكر من اصناف المال ما ذكر، حتى رأينا انه لا حق لاحد منا في فضل) * قال أبو محمد: وهذا إجماع الصحابة رضى الله عنهم يخبر بذلك أبو سعيد وبكل ما في هذا الخبر نقول * ومن طريق أبى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أطعموا الجائع وفكوا العانى) (1) * والنصوص من القرآن، والاحاديث الصحاح في هذا تكثر جدا. * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى (2) عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن ابى وائل شقيق بن سلمة قال قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لو استقبلت من امرى ما استدبرت لاخذت فضول اموال الاغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين * وهذا إسناد في غاية الصحة والجلالة * ومن طريق سعيد بن منصور عن أبى شهاب (3) عن أبى عبد الله الثقفى عن محمد ابن على بن الحسين عن محمد بن على بن أبى طالب أنه سمع على بن أبى طالب يقول: إن الله تعالى فرض على الاغنياء في أموالهم بقدر ما يكفى فقراءهم، فان جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع (4) الاغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه * وعن ابن عمر أنه قال: في مالك حق سوى الزكاة (6) * وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن على، وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع (7) أو فقر مدقع (8): فقد وجب حقك * وصح عن أبى عبيدة بن الجراح وثلثمائة من الصحابة رضى الله عنهم أن زادهم فنى فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا (9) أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء * فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضى الله عنهم، لا مخالف لهم منهم * وصح عن الشعبى، ومجاهد، وطاوس وغيرهم، كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة * قال أبو محمد: وما نعلم عن أحد منهم خلاف هذا، الا عن الضحاك بن مزاحم، فانه قال: نسخت الزكاة كل حق في المال * (


(1) العانى هو الاسير، والحديث رواه البخاري (ج 7 ص 130 و 310) بلفظ (اطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العانى) (2) (بن مهدى) زيادة من النسخة رقم (14) (3) هو أبو شهاب الاصغر، واسمه عبد ربه ابن نافع الحناط الكنانى، وشيخه الثقفى لم اعرفه (4) هذه الكلمة رسمت في النسخة رقم 45 بدون اعجام، وفي النسخة رقم (14) (فيمنع) وهو خطأ ظاهر (5) في النسخة رقم 45 (حق)) بدون الواو (6) في النسخة رقم 45 (حق في مالك سوا الزكاة) (7) بالظاء المعجمة، والمقطع الشديد الشنيع وفي النسخة رقم (14) بالضاد المعجمة وهو خطأ (8) بالقاف والدقعاء التراب، أي فقر شديد ملصق بالدقعاء يفضى بصاحبه إلى الدقعاء. قاله في اللسان (9) في النسخة رقم 45 (يجمعوا)

[ 159 ]

قال أبو محمد: وما رواية الضحاك حجة (1) فكيف رأيه! * والعجب أن المحتج بهذا أول مخالف له! فيرى في المال حقوقا سوى الزكاة، منها النفقات على الابوين المحتاجين، وعلى الزوجة، وعلى الرقيق، وعلى الحيوان، والديون والاروش (2) فظهر تناقضهم! * فان قيل: فقد (3) رويتم من طريق ابن أبى شيبة: ثنا أبو الأحوص عن عكرمة عن ابن عباس قال: من أدى زكاة ماله فليس عليه جناح أن لا يتصدق * ومن طريق الحكم عن مقسم (4) عن ابن عباس في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) نسختها العشر ونصف العشر * فان رواية مقسم ساقطة لضعفه، وليس فيها لو صحت (5) خلاف لقولنا * وأما رواية عكرمة فانما هي أن لا يتصدق تطوعا، وهذا صحيح * وأما القيام بالمجهود (6) ففرض ودين، وليس صدقة تطوع * ويقولون: من عطش فخاف الموت ففرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده، وأن يقاتل عليه * قال أبو محمد: فأى فرق بين ما أباحوا له من القتال على ما يدفع به عن نفسه الموت من العطش، وبين ما منعوه منه من القتال عن نفسه فيما يدفع به عنها الموت من الجوع والعرى؟! وهذا خلاف للاجماع، وللقرآن، وللسنن، وللقياس * قال أبو محمد: ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة، أو لحم خنزير وهو يجد طعاما فيه فضل عن صاحبه، لمسلم أو لذمى، لان فرضا على صاحب الطعام اطعام الجائع (7) فإذا كان ذلك كذلك (8) فليس بمضطر إلى الميتة ولا إلى لحم الخنزير، وبالله تعالى التوفيق * وله أن يقاتل عن ذلك، وفان قتل فعلى قاتله القود، وان (9) قتل المانع فالى لعنة الله، لانه منع حقا، وهو طائفة باغية، قال تعالى: (فان بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى تفئ إلى أمر الله) ومانع الحق باغ عن أخيه الذى له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر الصديق رضى الله عنه مانع الزكاة. وبالله تعالى التوفيق * تم كتاب الزكاة بحمد الله تعالى وحسن عونه (10) * (


(1) في النسخة رقم 45 (بحجة) (2) في النسخة رقم 45 (والارش) بالافراد (3) في النسخة رقم (14) (قد) (4) في النسخة رقم 45 (هشيم) وهو خطأ ظاهر (5) في النسخة رقم 45 (ولو صحت) (6) يقال: (جهد الناس - بالبناء للمفعول فهم مجهودون) إذا اجدبوا، فالقيام بالمجهود اعانته واغاثته (7) في النسخة رقم 45 (طعام الجائع كذلك) ولم نجد لزيادة كلمة (كذلك) موقعا (8) كلمة (كذلك) زيادة من النسخة رقم 45 (9) في النسخة رقم 45 (فان) (10) قوله (تم كتاب الزكاة) الخ ي يادة من النسخة رقم (16) *

[ 160 ]

كتاب الصيام بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وسلم (1) * 726 مسألة الصيام قسمان (2) فرض وتطوع، وهذا إجماع حق متيقن، ولا سبيل في بنية العقل إلى قسم ثالث * 727 مسألة فمن الفرض صيام شهر رمضان، الذى بين شعبان، شوال، فهو فرض على كل مسلم عاقل بالغ صحيح مقيم، حرا كان أو عبدا، ذكرا أو أنثى، إلا الحائض والنفساء، فلا يصومان أيام حيضهما البتة، ولا أيام نفاسهما، ويقضيان صيام تلك الايام وهذا كله فرض متيقن من جميع أهل الاسلام * 728 مسألة ولا يجزئ صيام أصلا رمضان كان أو غيره الا بنية مجددة في كل ليلة لصوم اليوم المقبل، فمن تعمد ترك النية بطل صومه * برهان ذلك قول الله تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فصح أنهم لم يؤمروا بشئ في الدين الا بعبادة الله تعالى والاخلاص له فيها بانها دينه (3) الذى أمر به * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى) فصح أنه لا عمل الا بنية له، وأنه ليس لاحد الا ما نوى، فصح أن من نوى الصوم فله صوم، ومن لم ينوه فليس له صوم * ومن طريق النظر: أن الصوم امساك عن الاكل والشرب وتعمد القئ، وعن الجمع وعن المعاصي، فكل ما أمسك عن هذه الوجوه لو أجزأه الصوم بلا نية للصوم لكان في كل وقت صائما، وهذا مالا بقوله أحد * ومن طريق الاجماع: أنه قد صح الاجماع على أن من صام ونواه من الليل فقد أدى ما عليه، ولا نص ولا إجماع على أن الصوم يجزئ من لم ينوه من الليل * واختلف الناس في هذا


(1) التسمية والصلاة زيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (1) قال أبو محمد: الصوم قسمان) (3) في النسخة رقم (14) (بأنه دينه)

[ 161 ]

فقال زفر بن الهذيل: من صام رمضان. وهو لا ينوى صوما أصلا، بل نوى أنه مفطر في كل يوم منه، الا أنه لم يأكل. ولم يشرب. ولا جامع: فانه صائم ويجزئه، ولا بد له في صوم التطوع من نية * وقال أبو حنيفة: النية فرض للصوم في كل يوم من رمضان، أو التطوع، أو النذر إلا أن يجزئه أن يحدثها في النهار، ما لم تزل الشمس، وما لم يكن أكل قبل ذلك، ولا شرب، ولا جامع، فان لم يحدثها لامن الليل (1) ولا من النهار ما لم تزل الشمس لم ينتفع باحداث النية بعد زوال الشمس، ولاصوم له، وعليه قضاء ذلك اليوم، وأما قضاء رمضان والكفارات فلا بد فيها من النية من الليل (2) لكل يوم، وإلا فلا صوم له، ولا يجزئه أن يحدث النية في ذلك بعد طلوع الفجر * وقال مالك: لابد من نية في الصوم (3)، وأما في رمضان فتجزئه نيته (4) لصومه كله من أول ليلة منه، ثم ليس عليه أن يجدد نية كل ليلة، إلا أن يمرض فيفطر أو يسافر فيفطر، فلا بد له (5) من نية حينئذ مجددة قال (6): وأما التطوع فلابد له من نية لكل ليلة (7) * وقال الشافعي وداود (8): مثل قولنا، الا أن الشافعي رأى في التطوع خاصة إحداث النية له ما لم تزل الشمس، وما لم يكن أكل قبل ذلك. أو شرب. أو جامع * وروينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال: لا يصوم الا من أجمع الصيام قبل الفجر * وعن مالك عن الزهري: أن عائشة أم المؤمنين قالت: لا يصوم الامن أجمع الصيام قبل الفجر * ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب: أخبرني حمزة بن عبد الله ابن عمر عن أبيه قال: قالت حفصة أم المؤمنين: لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر * فهؤلاء ثلاثة من الصحابة رضى الله عنهم لايعرف لهم منهم مخالف أصلا، والحنيفيون والمالكيون يعظمون مثل هذا إذا خالف أهواءهم (9)، وقد خالفهوهم ههنا، وما نعلم أحدا قبل أبى حنيفة، ومالك قال بقولهما في هذه المسألة، وهم يشنعون أيضا بمثل هذا على من قاله متبعا للقرآن، والسنة الصحيحة، وهم ههنا خالفوا القرآن والسنن (10) الثابتة برأى فاسد لم يحفظ عن أحد قبلهم * (


(1) في النسخة رقم (16) (من الليل) بحذف (لا) (2) في النسخة رقم (16) (فلابد فيها من الليل) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (14) (للصوم) (4) في النسخة رقم (16) (نية) (5) في النسخة رقم (14) (ولا بد له) (6) كلمة (قال) زيادة من النسخة رقم (14) (7) في النسخة رقم (14) (كل ليلة) (8) في النسخة رقم 14 (الشافعي وابو سليمان)) (9) كذا في الاصلين، ومقتضى الكلام ان يكون (إذا وافق اهوائهم) (10) في النسخة رقم (16) (والسنة) *

[ 162 ]

قال أبو محمد: برهان صحة قولنا ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد ابن شعيب أنا أحمد بن الازهر ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه (1) عن حفصة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) * وهذا اسناد صحيح، ولا يضر (2) اسناد ابن جريج له أن أوقفه معمر، ومالك وعبيدالله ويونس وابن عيينة، فابن جريج (3) لا يتأخر عن أحد من هولاء في الثقة والحفظ، والزهرى واسع الرواية، فمرة يرويه عن سالم عن أبيه، ومرة عن حمزة عن أبيه، وكلاهما ثقة، وابن عمر كذلك، مرة رواه مسندا ومرة روى أن حفصة أفتت به، ومرة أفتى هو به وكل هذا قوة للخبر * والعجب أن المعترضين بهذا من مذهبهم أن المرسل كالمسند! * قال أبو محمد: وهذا عموم لا حل تخصيصه ولا تبديله ولا الزيادة فيه ولا النقض منه إلا بنص آخر صحيح * فان قيل: فهلا أوجبتم النية متصلة بتبين الفجر، كما تقولون: في الوضوء والصلاة والزكاة والحج. وسائر الفرائض؟! * قلنا: لوجهين اثنين (4)، أحدهما هذا النص الوارد الذى لا يحل خلافه ولسنا والحمد لله ممن يضرب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض فيؤمن ببعضه، ويكفر ببعضه، ولا ممن يعارض أوامر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بنظره الفاسد، بل نأخذ جميع السنن كما وردت، ونسمع ونطيع لجميعها كما أتت * والثانى: قول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ولم يكلفنا عزوجل السهر (5) مراعاة لتبين الفجر، وانما ألزمنا النية من الليل، ثم نحن عليها إلى أن يتبين الفجر (6) وان نمنا وان غفلنا، ما لم نتعمد ابطالها * فان قيل: فانتم تجيزون لمن نسى النية من الليل احداثها في اليوم الثاني * قلنا: نعم بنص صحيح ورد في ذلك ولولا ذلك ما فعلناه * قال أبو محمد: وما نعلم لزفر حجة (7) الا أنه قال: رمضان موضع للصيام (8)، (


(1) في النسخة رقم (16) (عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) وحذف قوله (عن ابيه) وهو خطأ، والحديث في النسائي (ج 4 ص 197) (2) في النسخة رقم (16) (ولا يصح) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (وابن جريح) (4) كلمة (اثنين) زيادة من النسخة رقم (14) (5) (الشهر) بالمعجمة وهو تصحيف لا معنى له (6) في النسخة رقم (16) (إلى تبين الفجر) وما هنا اصح واحسن (7) كلمة (حجة) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (8) في النسخة رقم (14) (للصوم) *

[ 163 ]

وليس موضعا للفطر أصلا، فلا معنى لنية الصوم فيه إذ لابد منه * قال على: وهذه حجة عليه، مبطلة لقوله، لانه لما كان موضعا للصوم لا للفطر أصلا وجب أن ينوى ما افترض الله تعالى عليه (1) من العبادة بذلك الصوم، وأن يخلص النية لله تعالى فيها (2)، ولا يخرجها مخرج الهزل واللعب * ووجه آخر: وهو أن شهر رمضان أمرنا بأن نجعله وقتا للصوم، ونهينا فيه عن الفطر، الا حيث جاءنا النص بالفطر فيه، فهو وقت للطاعة ممن (3) أطاع بأداء ما أمر به، ووقت والله للمعصية العظيمة (4) فمن عصى الله تعالى فيه وخالف أمره عزوجل فلم يصمه كما أمر، فإذ هو كذلك يقينا بالحس والمشاهدة فلابد ضرورة من قصد إلى الطاعة (6) المفروضة، وترك المعصية المحرمة، وهذا لا يكون الا بنية لذلك. (7) وهذا في غاية البيان والحمد لله * ووجه ثالث: وهو أنه يلزم على هذا القول أن من لم يبق له من وقت صلاة الصبح الا مقدار (8) ركعتين فصلى ركعتين تطوعا أو عابثا أن يجزئه ذلك من صلاة الصبح، لان ذلك الوقت وقت لها، لا لغيرها أصلا، وهذا هو القياس: ان كان القياس حقا! * وما علمنا لابي حنيفة حجة أصلا في تلك التقاسيم الفاسدة السخيفة! الا أن بعض من ابتلاه الله بتقليده موه في ذلك بحديث نذكره في المسألة التالية، لانه موضعه، (9) وليس في هذا الخبر متعلق لابي حنيفة أصلا، بل قد نقض أصله، (10) فأوجب فيه نية، بخلاف قوله في الطهارة، ثم أوجبها في النهار بلا دليل! * وما نعرف لمالك حجة أصلا، الا أنهم قالوا: رمضان كصلاة واحدة * قال أبو محمد: وهذه (11) مكابرة بالباطل، لان الصلاة الواحدة لا يحول بين أعمالها بعمد ما ليس منها أصلا، وصيام رمضان يحول بين كل يومين منه ليل يبطل فيه الصوم جملة ويحل فيه الاكل والشرب والجماع، فكل يوم له حكم غير حكم اليوم (12) (


(1) كلمة (عليه) زيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (16) (منها) وهو خطأ * (3) في النسخة رقم (16) (فمن) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (16) (وهو - والله - وقت المعصية العظيمة) (5) في النسخة رقم (14) (والمشاهد) (6) في النسخة رقم (16) (من قصد الطاعة) (7) كلمة (لذلك) زيادة من النسخة رقم (14) (8) كلمة (مقدار) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (9) سيأتي في المسألة التالية حديث الربيع بنت معوذ وحديث سلمة بنت الاكوع في صوم عاشوراء، وهما اللذان يشير اليهما المؤلف هنا (10) في النسخة رقم (16) (اصلا) وهو خطأ (11) في النسخة رقم (16) (وهذا) (12) كلمة (اليوم) زيادة من النسخة رقم (14) *

[ 164 ]

الذى قبله واليوم الذى بعده، وقد يمرض (1) فيه أو يسافر أو تحيض، فيبطل (2) الصوم، وكان بالامس صائما ويكون غدا صائما، * وانما شهر رمضان كصلوات اليوم والليلة، يحول بين كل صلاتين ما ليس صلاة، فلابد لكل صلاة من نية، فكذلك لا بد لكل يوم في صومه من نية * وهم أول من أبطل هذا القياس، فرأوا من أفطر عامدا في يوم من رمضان أن عليه قضاءة، (3) وأن سائر صيامه كسائر أيام الشهر صحيح، فقد أقروا بأن حكم الشهر كصلاة ليلة (4) واحدة ويوم واحد * وانما يخرج هذا على قول سعيد بن المسيب الذى يرى من أفطر يوما من رمضان عامدا (5) أو افطره كله سواء وان عليه في اليوم قضاء شهر، كما عليه في الشهر كله، ولافرق * وهذا مما أخطؤا فيه القياس لو كان القياس حقا فلا النص اتبعوا، ولا الصحابة قلدوا، ولا قياس صحبوا، ولا الاحتياط التزموا! وبالله تعالى التوفيق * 729 مسألة ومن نسى ان ينوى من الليل في رمضان فأى وقت ذكر من النهار التالى لتلك الليلة سواء أكل وشرب ووطئ (6) أولم يفعل شيئا من ذلك فانه ينوى للصوم من وقته إذا ذكر، ويمسك عما يمسك عنه الصائم، ويجزئه صومه ذلك تاما، ولا قضا عليه، ولو لم يبق عليه من النهار الا مقدار النية فقط، فان لم ينو كذلك فلا صوم له، وهو عاص لله تعالى متعمد لابطال صومه ولا يقدر على القضاء * وكذلك من جاءه الخبر بأن هلال رمضان رؤى البارحة فسواء أكل وشرب ووطئ (7) أولم يفعل شيئا من ذلك في أي وقت جاء الخبر من ذلك اليوم ولو في آخره كما ذكرنا: فانه ينوى الصوم ساعة صح الخبر (8) عنده، ويمسك عما يمسك عنه الصائم، ويجزئه صومه ولاقضاء عليه، فان لم يفعل فصومه باطل، كما قلنا في التى قبلها سواء سواء * وكذلك ايضا من عليه صوم نذر معين في يوم بعينه فنسى النية وذكر بالنهار فكما قلنا ولا فرق * وكذلك من نسى النية في ليلة من ليالى الشهرين المتتابعين الواجبين ثم ذكر بالنهار، ولافرق * وكذلك من نام قبل غروب الشمس في رمضان، أو في الشهرين المتتابعين، أو في نذر (


(1) كلمة (فيه) زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) (فبطل) وما هنا احسن (3) في النسخة رقم (16) (في يوم رمضان عليه قضاؤه) وهو خطأ وسقط (4) كلمة (ليلة) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (5) في النسخة رقم (14) (عمدا) (6) في النسخة رقم (16) (سواء اكل أو شرب أو وطئ) (7) في النسخة رقم (16) (فسواء اكل أو شرب أو وطئ)) (8) في النسخة رقم (14) (ساعة صحة الخبر) *

[ 165 ]

معين فلم ينتبه إلا بعد طلوع (1) الفجر أو في شئ من نهار ذلك اليوم، ولو في آخره، كما قلنا فكما قلنا أيضا آنفا سواء سواء، ولا فرق في شئ اصلا * فلو لم يذكر فشئ من الوجوه التى ذكرنا، ولا استيقظ حتى غابت الشمس: فلا اثم عليه، ولن يصم ذلك اليوم، ولا قضاء عليه * برهان قولنا: قول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم). وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وكل من ذكرنا ناس أو مخطئ غير عامد، فلا جناح عليه * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى أبو بكر بن نافع العبدى ثنا بشر بن المفضل ثنا خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ بن عفراء (3) قالت: (ارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الانصار التى حول المدينة: من كان اصبح صائما فليتم صومه، ومن كان اصبح مفطرا فليتم بقية يومه) * وبه إلى مسلم بن الحجاج: ثنا قتيبة بن سعيد ثنا حاتم بن اسماعيل عن يزيد بن ابى عبيد عن سلمة بن الاكوع قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ممن أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل) (4) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد البلخى ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا المكى بن ابراهيم ثنا يزيد بن ابى عبيد عن سلمة بن الاكوع قال: (امر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم: ان اذن في الناس: ان من اكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن اكل فليصم، فان اليوم يوم عاشوراء) (5) * ورويناه ايضا من طريق معاوية وغيره مسندا (6) * قال أبو محمد: ويوم عاشوراء هو كان الفرض حينئذ صيامه * كما روينا بالسند المذكور إلى البخاري: ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث هو ابن سعيد التنورى ثنا ايوب السختيانى ثنا عبد الله (7) بن سعيد بن جبير عن ابيه عن (


(1) في النسخة رقم (14) (بعد طلوع الشمس) (2) قوله (فكما قلنا) سقط من النسخة رقم (16) (3) الربيع بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء التحية المكسورة (ومعوذ بتشديد الواو المكسورة (4) هذا والذى قبله في مسلم (ج 1 ص 313) (5) هذا من ثلاثيات البخاري وهو فيه (ج 3 ص 96 و 97) (6) حديث معاوية في البخاري (ج 3 ص 96) ومسلم (ج 1 ص 312) (7) في النسخة رقم (16) (عبيد الله) بالتصغير وهو خطأ *

[ 166 ]

ابن عباس فذكر الحديث في يوم عاشوراء وفيه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه) (1) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمدثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبيدالله بن موسى أخبرنا شيبان عن أشعث بن ابى الشعثاء عن جعفر بن ابى ثور عن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر (2) بصوم عاشوراء (3) ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده) * وروينا من طريق الزهري، وهشام بن عروة، وعراك بن مالك كلهم عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بصيام عاشوراء، حتى فرض رمضان) قال عراك: فقال عليه السلام: (من شاء فليصمه ومن شاء فليفطره) (4) * قال أبو محمد: فكان هذا حكم صوم الفرض، وما نبالي بنسخ فرض صوم عاشوراء، فقد أحيل صيام رمضان احوالا، فقد كان مرة من شاء صامه ومن شاء أفطره واطعم عن كل يوم مسكينا، إلا ان حكم ما كان فرضا حكم واحد، وانما نزل هذا الحكم فيمن لم يعلم بوجوب الصوم عليه، وكل من ذكرنا من ناس، أو جاهل، أو نائم فلم يعلموا اوجوب الصوم عليهم، فحكمهم كلهم هو الحكم الذى جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ستدراك النية في اليوم المذكور متى ما علموا بوجوب صومه عليهم (5)، وسمى عليه السلام من فعل ذلك صائما، وجعل فعله صوما. وبالله تعالى التوفيق * وبه قال جماعة من السلف * كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عبد الكريم الجزرى: ان قوما شهدوا على الهلال بعد ما أصبحوا، فقال عمر بن عبد العزيز: من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه * وعن عطاء: إذا صبح رجل مفطرا ولم يذق شيئا ثم علم برؤية الهلال أو النهار أو آخره فليصم ما بقى ولا يبدله * ومن طريق وكيع عن ابى ميمونة عن أبى بشير عن على بن ابى طالب انه قال يوم عاشوراء: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليتم بقية يومه * (


(1) هو في البخاري (ج 3 ص 96) (2) في النسخة رقم (16) (يأمرنا) وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 312) (3) في مسلم (بصيام يوم عاشوراء (4) انظر روايات حديث عائشة هذا في مسلم (ج 1 ص 310 و 311) بنحو ما هنا، وفى البخاري لفظ آخر (ج 3 ص 95) (5) في النسخة رقم (14) (عليه) وهو خطأ (6) في النسخة رقم (16) (اصبح) وهو خطأ *

[ 167 ]

وروينا من طريق وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين: ان ابن مسعود قال: من أكل اول النهار فليأكل آخره * قال على: اختلف الناس فيمن اصبح مفطرا في أول يوم من رمضان ثم علم ان الهلال رؤى البارحة على اقوال * منهم من قال: ينوى صوم يومه ويجزئه، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه نأخذ، وبه جاء النص الذى قدمنا * ومنهم من قال: لا يصوم، لانه لم ينو الصيام من الليل، ولم يروا فيه قضاء، وهو قول ابن مسعود كما ذكرنا، وبه يقول داود (1) * واصحابنا * ومنهم من قال: يأكل بقيته ويقضيه، وهو قول رويناه عن عطاء * ومنهم من قال: يمسك فيه عما يمسك الصائم، ولا يجزئه، وعليه قضاؤه، وهو قول مالك، والشافعي * وقال به (2) أبو حنيفة فيمن أكل خاصة، دون من لم يأكل، وفيمن علم الخبر بعد الزوال فقط، اكل ولم يأكل * وهذا أسقط الاقوال! لانه لا نص فيه ولا قياس، ولا نعلمه من قول صاحب، ولا يخلو هذا الامساك الذى امروه به من ان يكون صوما يجزئه (3)، وهم لا يقولون بهذا، اولا يكون صوما ولا يجزئه، فمن اين وقع لهم ان يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه ولا يجزئه؟! * وأيضا فانه لا يخلو من ان يكون مفطرا أو صائما: فان كان صائما فلم يقضيه (4) اذن؟! فيصوم يومين وليس عليه الا واحد؟! وان كان مفطرا فلم امروه (5) بعمل الصوم؟! وهذا عجب (6) جدا! وحسبنا الله ونعم الوكيل * قال أبو محمد: احتج أبو حنيفة في تصحيح تخليطه الذى ذكرناه قبل في نية الصوم بخبر الربيع، وسلمة بن الاكوع الذى ذكرنا، وهذا عجب جدا! أن يكونوا قد خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس ما جاء به الخبر، فقالوا: من أكل لم يجزه صيام باقى يومه، وفى تخصيصهم بالنية قبل الزوال، وليس هذا في الخبر، ثم احتجوا به فيما ليس منه شئ! (7) ومن عادتهم هذا الخلق الذميم! وهذا قبيح جدا، وتمويه لا يستجيزه محقق ناصح لنفسه! * (


(1) في النسخة رقم (14) (أبو سليمان) وهو هو (2) كلمة (به) سقطت خطأ من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (فلا يجزئه) (4) في النسخة رقم (16) (فلم يقضه) كأنه نفى مع انه استفهام، وهذا خطأ (5) في النسخة رقم (16) (فلم يأمروه) وهو خطأ كالذى قبله (6) في النسخة رقم (16) (عجيب) (7) كلمة (شئ) زيادة من النسخة رقم 14 *

[ 168 ]

وقال بعضهم: قد روى هذا الخبر عبد الباقي بن قانع عن أحمد بن على بن مسلم عن محمد ابن المنهال عن يزيد بن زريع عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يعنى في عاشوراء فقال صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فاتموا يومكم هذا واقضوا) * قال أبو محمد: لفظة (واقتضوا) موضوعة بلا شك، وعبد الباقي بن قانع مولى بنى أبى الشوارب يكنى أبا الحسين، مات سنة احدى وخمسين وثلاثمائة، وقد اختلط عقله قبل موته بسنة، وهو بالجملة منكر الحديث، وتركه أصحاب الحديث جملة (1). وأحمد بن على بن مسلم مجهول (2) * (


(1) أساء ابن حرم القول في ابن قانع جدا، وسيأتى قوله في المسألة التالية: روى عن ابن قانع راوي كل بلية) ونقل ابن حجر في لسان الميزان عن ابن حزم أنه قال (ابن سفيان في المالكيين نظير ابن قانع في الحنيفيين، وجد في حديثهما الكذب البحت، والبلاء المبين! والوضع اللائح، فاما تغيير، واما حمل عمن لاخير فيه من كذاب ومغفل يقبل التلقين، وإما الثالثة وهى ان يكون البلاء من قبلهما! وهى ثالثة الاثافي! نسأل الله السلامة) ونقل عن الخطيب أنه قال: (لاأدرى لماذا ضعفه البرقانى؟ فقد كان ابن قانع من أهل العلم والدراية ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه، وقد تغير في آخر عمره) ونقل الذهبي في تذكرة الحفاظ (ج 3 ص 93) عن الدار قطني أنه قال في ابن قانع: (كان يحفظ، ولكنه كان يخطى ويصر) وهذه خلة سوء والعياذ بالله. وعبد الباقي هذا شيخ الجصاص مؤلف (أحكام القرآن) أكثر من الرواية عنه جدا، وكنية عبد الباقي (أبو الحسين) وفى الاصلين هنا، أبو الحسن (وهو خطأ. ونقل ابن حجر أيضا كلام المؤلف فيه هنا ثم قال: (ما أعلم أحدا تركه، وإنما صح أنه أختلط فتجنبوه!) وهل الترك إلا هذا؟! (2) أحمد بن على بن مسلم هو الامام الحافظ أبو العباس الابار، محدث بغداد، مات يوم نصف شعبان سنة 390، قال ابن حجر في لسان الميزان بعد أن نقل كلام المؤلف هنا (هذه عادة ابن حزم، إذا لم يعرف الراوى يجهله، ولو عبر بقوله: لاأعرفه، لكان انصف! لكن التوفيق عزيز!) ملحوضة: وقع اسمه في لسان الميزان (أحمد بن على بن اسلم) وهو خطأ اما من الناسخ وإما من الطبع والصواب (بن مسلم) وقد نسب ابن حزم الخطأ في زيادة قوله (واقضوا) إلى ابن قانع بل سماه واضعا لها، واخطأ في هذا جدا، فالحديث رواه أبو داود (ج 2 ص 303) عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن سعيد هو ابن ابى عروبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه: (ان اسلم اتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا * قال: فأتموا بقية يومكم وأقضوه) قال أبو داود: (يعنى يوم عاشوراء) وسكت عنه هو والمنذري ونسبه المنذرى للنسائي وسيرويه المؤلف بدون الزيادة ولكني لم اجده فيه. فظهر ان عبد الباقي بن قانع واحمد بن على بن مسلم بريئان من عهدة هذه اللفظة، وانهما لم ينفردا بزيادتها، إذا رواه أبو داود عن محمد بن المنهال شيخ الابار كما رواها عنه الابار، وظهر ايضا في الاسناد الذى هنا خطأ، لانه سقط منه (سعيد بن ابى عروبة) بين يزيد بن زريع وبين قتادة، ولعل هذا من اغلاط ابن قانع؟! وإنما العلة في ضعف الحديث جهالة حال عبد الرحمن بن مسلمة، وان ذكره ابن حبان في الثقات، فقد اختلف في اسم ابيه وجده، فقيل (عبد الرحمن بن سلمة وقيل (ابن مسلمة) وقيل (ابن المنهال بن سلمة الخزاعى) وقيل (ابن المنهال ابن مسلمة) وقيل (ابن المنهال عبد الرحمن بن سلمة بن المنهال) ولذلك قال ابن القطان (حاله مجهول) وصدق، وعمه هذا من هو؟ الله اعلم، ذكره ابن سعد في الطبقات (ج 7 ق 1 ص 57) باسم (عم عبد الرحمن بن سلمة الخزاعى)

[ 169 ]

وقد روينا هذا الحديث من طريق شعبة عن قتادة، ومن طريق ابن أبى عروبة عن قتادة، وليست فيه هذه اللفظة * كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن قاسم بن محمد ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى محمد بن جعفر غندر ثنا شعبة ثنا قتادة عن عبد الرحمن بن المنهال بن سلمة الخزاعى (1) عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاسلم: (صوموا اليوم، قالوا: إنا قد أكلنا، قال: صوموا بقية يومكم، يعنى عاشوراء) * حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي ثنا محمد بن معاوية القرشى ثنا أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه ثنا محمد بن بكر هو البرسانى ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعى عن عمه قال: (غدونا على رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عاشوراء، فقال لنا: أصبحتم صياما؟ قلنا: قد تغدينا يارسول الله، قال: فصوموا بقية يومكم) * قال أبو محمد: ومن الغرائب تمويه الحنيفين بهذه اللفظة الموضوعة في حديث ابن قانع من قوله (واقضوا) ثم خالفوها فلم يروا القضاء إلا على من أكل دون من لم يأكل، وعلى من نوى بعد الزوال! وهذا كله خلاف الكذبة التى استحقوا بها المقت من الله تعالى! فحيث ما توجهوا عثروا، وبكل ما احتجوا فقد خالفوه! وهكذا فليكن الخذلان! نعوذ بالله منه * وأما من لم يعلم بوجوب صوم ذلك اليوم عليه الا بعد غروب الشمس فانه لم يصمه كما أمر، ولانه لم ينو في شئ منه صوما، ولم يتعمد ترك النية، فلا إثم عليه فيما لم يتعمد، ولا قضاء عليه، لانه لم يأت بايجاب القضاء عليه نص ولا إجماع، ولا يجب في الدين حكم (


ثم روى الحديث الذى هنا عن عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعى عن عمه، وليس فيه كلمة (واقضوه) وذكره ابن حجر في التهذيب في المبهمات وقال (سمى ابن قانع عمه مسلمة) وذكره في الاصابة (ج 6 ص 98) ووعد ببيانه في المبهمات، وليس في الاصابة باب لهم، ولعله سقط بحاله من نسخها فلم يطبع وحديث هذه حال اسناده لا يكون حجة ولا يصححه احد، وقال الزيلعى في نصب الراية (ج 1 ص 436) نقلا عن صاحب التنقيح أنه قال (على انه قد روى الامر بالقضاء في حديث غريب اخرجه أبو داود في سننه) فذكر الحديث، ثم قال: (وهذا حديث مختلف في اسناده ومتنه، وفى صحته نظر). فائدة: حديث عبد الباقي بن قانع رواه عنه أبو بكر الجصاص في احكام القرآن (ج 1 ص 190) وفيه خطأ مطبعى (يزيد بن ربيع) وصوابه (يزيد بن ربيع) وفيه (شعبة عن قتادة) وصوابه (سعيد بن ابى عروبة عن قتادة) كما هو في ابى داود (1) هكذا في النسخة رقم (16) وفى النسخة رقم (14) (عن عبد الرحمن ابن المنهال بن مسلمة الخزاعى) وفى معاني الآثار للطحاوي (ج 1 ص 336) من طريق روح (ثنا شعبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعى هو ابن المنهال) ومن طريق عبد الرحمن بن زياد (ثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت ابا المنهال) *

[ 170 ]

إلا بأحدهما، وانما أمر بصيام ذلك اليوم، لا بصوم غيره مكانه، فلا يجزئ ما لم يؤمر به مكان ما أمر به * 730 مسألة ولا يجزئ صوم التطوع إلا بنية من الليل، ولا صوم قضاء رمضان أو الكفارات إلا كذلك، لان االنص ورد بأن لاصوم لمن لم يبيته من الليل كما قدمنا، ولم يخص النص من ذلك إلا ما كان فرضا متعينا في وقت بعينه، وبقى سائر ذلك على النص العام * وقولنا بهذا في التطوع، وقضاء رمضان. والكفارات هو قول مالك، وأبى سليمان وغيرهما * فان قال قائل: فكيف استجزتم خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! الذى رويتموه من طريق طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله عن مجاهد، وعائشة بنت طلحة كلاهما عن أم المؤمنين عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: هل عندكم من شئ؟ وقال مرة: من غداء؟ قلنا: لا قال: فانى إذن صائم) وقال لها مرة أخرى: (هل عندكم من شئ؟ قلنا: نعم، أهدى لنا حيس (1)، قال: أما انى أصبحت أريد الصوم، فأكل (2)) * وقال بهذا جمهور السلف: * كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى. وعبد الله بن أبى عتبة، قال ثابت: عن أنس بن مالك: أن أبا طلحة كان يأتي أهله من الضحى، فيقول: هل عندكم من غداء؟ فان قالوا: لا، قال: فأنا صائم، وقال ابن أبى عتبة: عن أبى أيوب الانصاري بمثل فعل أبى طلحة سواء سواء * ومن طريق حماد بن سلمة: حدثتني أم شبيب عن عائشة أم المؤمنين قالت: انى لاصبح يوم طهري حائضا وأنا أريد الصوم، فأستبين طهري فيما بينى وبين نصف النهار فأغتسل ثم أصوم * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، وقال معمر: عن الزهري، وأيوب السختيانى، قال الزهري عن أبى إدريس الخولانى، وقال أيوب: عن أبى قلابة، ثم اتفق عطاء. وأبو إدريس، وأبو قلابة كلهم عن الدرداء أن أبا الدرداء كان إذا أصبح سأل أهله الغداء، فان لم يكن، قال: إنا صائمون، وقال (


(1) بفتح الحاء وإسكان الياء وآخره سين مهملة، وهو طعام يتخذ من التمر والاقط والسمن، وقد يجعل عوض الاقط الدقيق والفتيت، قاله في النهاية (2) انظر مسلم (ج 1 ص 317) والشوكانى (ج 4 ص 217) *

[ 171 ]

عطاء في حديثه: ان أبا الدرداء كان يأتي أهله حين ينتصف النهار، فيقول: هل من غداء؟ فيجده أو لا يجده، فيقول لا أتمن صوم هذا اليوم، قال عطاء: وأنا أفعله * ومن طريق قتادة: أن معاذ بن جبل كان يسأل الغداء، فان لم يجده صام يومه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: أخربنى عبيدالله بن عمر قال: ان ابا هريرة كان يصبح مفطرا، فيقول: هل من طعام؟ فيجده أو لا يجده، فيتم ذلك اليوم * ومن طريق الحارث عن على بن أبى طالب قال: إذا أصبحت وأنت تريد الصوم فأنت بالخيار، ان شئت صمت وان شئت أفطرت، إلا أن تفرض على نفسك الصوم من الليل * ومن طريق ابن جريج: حدثنى جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجلا سأل على بن أبى طالب، فقال: أصبحت ولا أريد الصوم؟ فقال له على: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار، فان انتصف النهار فليس لك أن تفطر * ومن طريق طاوس عن ابن عباس، ومن طريق سعد بن عبيدة (1) عن ابن عمر، قالا جميعا: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصفه النهار، قال ابن عمر: ما لم يطعم، فان بدا له أن يطعم طعم، وان بدا له أن يجعله صوما كان صوما * ومن طريق ابن أبى شيبة عن المعتمر بن سليمان التيمى عن حميد عن أنس بن مالك قال: من حدث نفسه بالصيام فهو بالخيار ما لم يتكلم، حتى يمتد النهار * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن الاعمش عن عمارة عن أبى الاحوص قال قال ابن مسعود: ان أحدكم بأحد (2) النظرين ما لم يأكل أو يشرب * ومن طريق ابن أبى شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن الاعمش عن طلحة عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن هو السلمى عن حذيفة: أنه بدا له في الصوم بعد أن زالت الشمس فصام * وعن حذيفة ايضا أنه قال: من بداله في الصيام (3) بعد أن تزول الشمس فليصم * ومن طريق معمر عن عطاء الخراساني: كنت في سفر وكان يوم فطر، فلما كان بعد نصف النهار قلت: لاصومن هذا اليوم، فصمت، فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: أصبت. قال عطاء: وكنت عند سعيد بن المسيب فجاءه أعرابي عند العصر فقال: (


(1) في النسخة رقم (16) (سعد بن عبادة) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (بآخر) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (من بدا له الصيام) *

[ 172 ]

إنى لم آكل اليوم شيئا أفأصوم؟ قال: نعم، قال: فان على يوما من رمضان، أفأجعله مكانه؟ قال: نعم. * ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: إذا عزم على الصوم من الضحى فله النهار أجمع، فان عزم من نصف النهار فله ما بقى من النهار، وإن أصبح ولم يعزم فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار * ومن طريق ابن جريج: سألت عطاء عن رجل كان عليه أيام من رمضان، فاصبح وليس في نفسه أن يصوم، ثم بداله بعد ما أصبح أن يصوم وأن جعله من قضاء (1) رمضان؟ فقال عطاء: له ذلك (2) * ومن طريق مجاهد: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار، فإذ جاوز ذلك فانما له بقدر ما بقى من النهار * ومن طريق أبى اسحاق الشيباني عن الشعبى: من أراد الصوم فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار * ومن طريق هشام عن الحسن البصري قال: إذا تسحر الرجل فقد وجب عليه الصوم، فان أفطر فعليه القضاء، وان هم بالصوم فهو بالخيار، إن شاء صام وان شاء أفطر، فان سأله انسان فقال: أصائم أنت؟ فقال: نعم، فقد وجب عليه الصوم إلا أن يقول: إن شاء الله، فان قالها فهو بالخيار، إن شاء صام وان شاء أفطر * فهؤلآء من الصحابة: عائشة أم المؤمنين، وعلى بن أبى طالب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو طلحة، وأبو أيوب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وابن مسعود، وحذيفة، ومن التابعين: ابن المسيب، وعطاء الخراساني، وعطاء بن أبى رباح، ومجاهد، والنخعي، والشعبى، والحسن * وقال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل: من أصبح وهو ينوى الفطر الا أنه لم يأكل ولا شرب ولا وطئ: فله أن ينوى الصوم ما لم تغب الشمس، ويصح صومه بذلك * قال أبو محمد: فنقول: معاذ الله أن نخالف شيئا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن نصرفه عن ظاهره بغير نص آخر، وهذا الخبر صحيح (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ليس فيه أنه عليه السلام لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنه عليه السلام أصبح مفطرا ثم نوى الصوم بعد ذلك، ولو كان هذا في ذلك الخبر لقلنا به، لكن فيه (


كلمة (قضاء) زيادة من النسخة رقم (14) (2) كلمة (له) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (16) (وهذا خبر صح) الخ *

[ 173 ]

أنه عليه السلام كان يصبح متطوعا صائما ثم يفطر، وهذا مباح عندنا لا نكرهه، كما في الخبر، فلما ليكن في الخبر ما ذكرنا، وكان قد صح عنه عليه السلام: (لا صيام لمن لم يبيته من الليل) لم يجز أن نترك هذا اليقين لظن كاذب، ولو أنه عليه الصلاة والسلام أصبح مفطرا ثم نوى الصوم نهارا لبينه، كما بين ذلك في صيام عاشوراء إذ كان فرضا، والتسمح (1) في الدين لا يحل * فان قيل: قد رويتم من طريق ليث بن أبى سليم عن مجاهد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجئ فيدعو بالطعام فلا يجده فيفرض الصوم) * وروى عن ابن قانع راوي كل بلية! عن موسى بن عبد الرحمن السلمى البلخى عن عمر بن هارون عن يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع الصوم (2)، ثم يبدو له فيصوم) * قلنا: ليث ضعيف، ويعقوب بن عطاء هالك، ومن دونه ظلمات بعضها فوق بعض (3)! ووالله لو صح لقلنا به * قال أبو محمد: أما المالكيون فيشنعون بخلاف الجمهور، وخالفوا ههنا الجمهور بلا رقبة (4) * وأما الحنيفيون فما نعلم أحدا قبلهم أجاز أن يصبح في رمضان عامدا لارادة الفطر ثم يبقى كذلك إلى قبل زوال الشمس ثم ينوى الصيام حينئذ ويجزئه! وادعوا الاجماع على أنه لا تجزئ النية بعد الزواى الشمس في ذلك! وقد كذبوا (5)! ولا مؤنة عليهم من الكذب! * وقد صح هذا عن حذيفة نصا، وعن ابن مسعود باطلاق، وعن أبى الدرداء، نصا، وعن سيعد بن المسيب نصا، وعن عطاء الخراساني كذلك، وعن الحسن، وعن سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (6) * (


في النسخة رقم (16) (والتسامح) وكلاهما صحيح، يقال (تسامح) أي تساهل، وتسمح فعل شيئا فسهل فيه (2) في النسخة رقم (16) (الصيام) (3) الحديث ضعيف جدا بكل حال، ولكن الاسناد فيه كلام، فقد ضعفه المؤلف لوجود ليث فيه وهو ابن ابى سليم ولكن لاذكر له فيه اصلا، ثم ان اسناده في احكام القرآن للجصاص (ج 1 ص 199) هكذا (حدثنا عبد الباقي ابن قانع حدثنا اسمعيل بن الفضل بن موسى حدثنا مسلم بن عبد الرحمن السلمى البلخى حدثنا عمر بن هارون عن يعقوب بن عطاء عن ابيه عن ابن عباس) وما هنا من ذكر (موسى بن عبد الرحمن) خطأ في الاصلين صوابه (مسلم بن عبد الرحمن) وهو أبو صالح مستملى عمر بن هرون، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: (ربما اخطا) وشيخه عمر بن هرون ضعيف جدا، (4) بكسر الراء واسكان القاف، وهى التحفظ والفرق (5) في النسخة رقم (14) (فقد كذبوا) (6) في النسخة رقم (14) (وعن الحسن، وسفيان، واحمد بن حنبل) *

[ 174 ]

قال أبو محمد: ولا حجه في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله تعالى التوفيق * 731 مسألة ومن مزج نية صوم فرض بفرض آخر أو بتطوع، أو فعل ذلك في صلاة، أو زكاة، أو حج، أو عمرة، أو عتق: لم يجزه لشئ من كل ذلك (1)، وبطل ذلك العمل كله، (2) صوما كان أو صلاة، أو زكاة، أو حجا، أو عمرة، أو عتقا، الا مزج العمرة بالحج لمن أحرم ومعه الهدى فقط، فهو حكمه اللازم له * برهان ذلك: قول الله تعالى. (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والاخلاص هو أن يخلص العمل المأمور به للوجه الذى أمره الله تعالى به فيه فقط، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فمن مزج عملا بآخرفقد عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو باطل مردود. وبالله تعالى التوفيق * وهو قول مالك والشافعي، وأبى سليمان، وأصحابهم * وقال أبو يوسف: من صلى، وهو مسافر ركعتين نوى بهما الظهر والتطوع معا، أو صام يوما من قضاء رمضان ينوى به قضاء ما عليه والتطوع معا، أو أعطى ما يجب عليه في زكاة ماله ونوى به الزكاة والتطوع معا، أو أحرم بحجة الاسلام ونوى بها الفريضة والتطوع معا: فان كل ذلك يجزئه من صلاة الفرض، وصوم الفرض، وزكاة الفرض، وحجة الفرض، ويبطل التطوع في كل ذلك * وقال محمد بن الحسن: أما الصلاة فتبطل ولا تجزئه، لاعن فرض ولا عن تطوع، وأما الزكاة، والصوم فيكون فعله ذلك تطوع فيهما جميعا، ويبطل الفرض، وأما الحج فيجزئه عن الفرض ويبطل التطوع * فهل سمع بأسقط من هذه الاقوال؟! وما ندرى ممن العجب! أممن أطلق لسانه بمثلها في دين الله تعالى؟! يمحو ما يشاء ويثبت بالاهذار ويخص ما يشاء؟! ويبطل بالتخاليط! أو ممن قلد قائلها، وأفنى عمره في درسها ونصرها متدينا بها؟! ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأله إدامة السلامة والعصمة، ونحمده على نعمه بذلك علينا كثيرا * وقد روينا عن مجاهد: أنه قال فيمن جعل عليه صوم شهرين متتابعين: إن شاء صام شعبان ورمضان واجزأ عنه، يعنى من فرضه ونذره، قال مجاهد: ومن كان عليه قضاء رمضان فصام تطوعا فهو قضاؤه وان لم يرده * 732 مسألة ومن نوى وهو صائم إبطال صومه بطل، إذا تعمد ذلك (


(1) في النسخة رقم (14) (لم يجزه لكل شئ من ذلك) وما هنا أوضح وأصرح (2) في النسخة في النسخة رقم (16) (وبطل كل ذلك العمل كله) وزيادة (كل) خطا لا معنى لها *

[ 175 ]

ذاكرا لانه في صوم (1) وان لم يأكل ولا شرب ولا وطئ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الاعمال بالنيات ولكل (2) امرئ ما نوى) فصح يقينا أن من نوى إبطال (3) ما هو فيه من الصوم فله ما نوى، بقوله (4) عليه الصلاة والسلام الذى لا تحل معارضته، وهو قد نوى بطلان الصوم، فله بطلانه، فلو لم يكن ذاكرا لانه في صوم لم يضره شيئا، لقول الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * وهكذا (5) القول فيمن نوى ابطال صلاة هو فيها، أو حج هو فيه، وسائر الاعمال كلها كذلك، فلو نوى ذلك بعد تمام صومه أو أعماله المذكورة كان آثما، ولم يبطل بذلك شيئا (6) منها، لانها كلها قد صحت وتمنت كما أمر (7). وما صح فلا يجوز أن يبطل بغير نص في بطلانه، والمسألة الاولى لم يتم عمله فيها كما أمر. وبالله تعالى التوفيق * 33 مسألة ويبطل الصوم تعمد الاكل، أو تعمد الشرب، أو تعمد الوطئ في الفرج، أو تعمد القئ، وهو في كل ذلك ذلك لصومه، سواء قل ما أكل أو كثر، أخرجه (8) من بين أسنانه أو أخذه من خارج فمه فأكله، وهذا كله مجمع عليه إجماعا متيقنا، الا فيما نذكره، مع قول الله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) * وما حدثناه حمام ثنا عبد الله بن محمد الباجى ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا حبيب ابن خلف البخاري ثنا أبو ثور ابراهيم بن خالد (9) ثنا معلى ثنا عيسى بن يونس ثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ذرعه القئ وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض) (10) * (


(1) يعنى إذا تعمد نية الابطال وهو يذكر انه صائم. (2) في النسخة رقم (16) (وانما لكل) (3) في النسخة رقم (14) (بطلان) (4) في النسخة رقم (16) (لقوله) وما هنا اوضح (5) في النسخة رقم (14) (وكذلك) * (6) في النسخة رقم (16) (شئ) (7) في النسخة رقم (14) (لم تتم عمله كما امر) (8) في النسخة رقم (16) (اخراجه) وهو خطأ (9) هو الامام الفقيه صاحب الشافعي مات سنة 240 عن 70 سنة (10) رواه الدارمي (ص 218) وابو داود (ج 2 ص 383) والترمذي (ج 1 ص 90 هند) والطحاوى بلفظ الرواية التى هنا (ج 1 ص 348) كلهم من طريق عيسى ابن يونس عن هشام، قال الترمذي: (حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد يعنى البخاري: لااراه محفوظا، وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح اسناده) وقد غلط الترمذي في دعوى انفراد عيسى به، فقد رواه ابن ماجه (ج 1 ص 264) من طريق الحكم بن موسى عن عيسى بن يونس ومن طريق ابى الشعثاء عن حفص بن غياث كلاهما عن هشام بن حسان به، وكذلك رواه الحاكم (ج 1 ص 426 و 427) من طريق على بن حجر عن عيسى ومن طريق يحيى بن سلمان الجعفي عن حفص، وقال أبو داود بعد حديث عيسى: (رواه

[ 176 ]

وروينا هذا أيضا عن ابن عمر، وعلى، وعلقمة * قال على: عيسى بن يونس ثقة * وقال الحنيفيون من تعمد أن يتقيأ أقل من مل ء فيه لم يبطل بذلك صومه، فان كان (1) مل ء فيه فاكثر بطل صومه، وهذا خلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع سخافة التحديد! * وقال الحنيفيون والمالكيون من خرج وهو صائم من بين اسنانه شئ (من بقية سحوره كالجذيذة (2) وشئ من اللحم ونحو ذلك فبلعه عامدا لبلعه ذاكرا لصومه فصومه تام وما نعلم هذا القول لاحد قبلهما! * واحتج بعضهم لهذا القول بانه شئ قد أكل بعد، وانما حرم ما لم يؤكل! * فكان الاحتجاج أسقط وأوحش من القول المحتج له! وما علمنا شيئا أكل فيمكن وجوده بعد الاكل، الا أن يكون قيئا أو عذرة! ونعوذ بالله من البلاء * وحد بعض الحنيفين المقدار (3) الذى لا يضر تعمدا أكله في الصوم من ذلك بان يكون دون (4) مقدار الحمصة * فكان هذا التحديد طريفا جدا! ثم بعد ذلك، فاى الحمص هو؟ الامليسى (5) الفاخر؟ أم الصغير؟! * فان قالوا: قسناه على الريق * قلنا لهم: فمن أين فرقتم بين قليل ذلك وكثيره بخلاف الريق؟! * ونسألهم عمن له مطحنة (6) كبيرة مثقوبة فدخلت فيها من سحوره زبيبة أو باقلاة فاخرجها يوما (7) آخر بلسانه وهو صائم: أله تعمد بلعها أم لا؟ فان منعوا من ذلك تناقضوا، وان أباحوا (8) سألناهم عن جميع طواحينه وهى ثنتا عشرة مطحنة مثقوبة كلها، فامتلات سمسما أو زبيبا أو حمصا أو باقلا أو خبزا أو زريعة كتان؟ فان أباحوا تعمد أكل ذلك كله حصلوا أعجوبة!! وان منعوا منه تناقضوا وتحكموا في الدين بالباطل * (


ايضا حفص بن غياث عن هشام مثله) فسقطت دعوى تفرد عيسى بروايته، بل نقل الدارمي عن عيسى انه قال: (زعم اهل البصرة ان هشاما اوهم فيه فموضع الخلاف ههنا) وهشام ثقة حجة، قال ابن ابى عروبة (ما رايت احفظ عن محمد بن سيرين من هشام) وقال أبو داود: (انما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لانه كان يرسل) والذى هنا من رواية ابن سيرين. وليس الحكم بالوهم على الراوى الثقة بالهين، ولذلك صححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو الحق (1) في النسخة رقم (16) (فان اكل) وهو خطأ فاحش (2) بفتح الجيم وبالذالين المعجمين، وهى جشيشة تعمل من السويق الغليظ، لانها تجاذى تقطع قطعا وتجش، قاله في اللسان (3) في النسخة رقم (16) (في المقدار) (4) كلمة دون سقطت من النسخة رقم (16) (5) كذا في الاصلين ويظهر انه نوع من الحمص (6) في اللسان (الطواحن الاضراس كلها من الانسان وغيره على التشبيه، واحدتها طاحنة) فمن هذا يجوز ايضا مطحنة على التشبيه (7) كلمة (يوما) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (8) في النسخة رقم (16) (اباحوه) *

[ 177 ]

وانما الحق الواضح فان كل ما سمى أكلا أي شئ كان فتعمده يبطل الصوم، وأما الريق فقل أو كثر فلا خلاف في أن تعمد ابتلاعه لا ينقض الصوم وبالله تعالى التوفيق * والعجب كله ممن قلد أبا حنيفة، ومالكا في هذا، ولم يقلد من ساعة من ساعاته خير من دهرهما كله، وهو أبو طلحة، الذى روينا بأصح طريق عن شعبة وعمر ان القطان (1) كلاهما عن قتادة عن أنس: أن أبا طلحة كان يأكل البرد وهو صائم، قال عمران في حديثه: ويقول: ليس طعاما ولا شرابا! وقد سمعه شعبة من قتادة، وسمعه قتادة من أنس، ولكنهم قوم لا يحصلون! * 734 مسألة ويبطل الصوم أيضا تعمد كل معصية أي معصية كانت، لا تحاش شيئا إذا فعلها عامدا ذاكرا لصومه، كمباشرة من لا يحل له من أنثى أو ذكر، أو تقبيل غير امرأته وأمته المباحتين له من أنثى أو ذكر، أو اتيان في دبر امرأته أو أمته أو غيرهما، أو كذب، أو غيبة، أو نميمة، أو تعمد ترك صلاة، أو ظلم، أو غير ذلك من كل ما حرم على المرء فعله * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى (2) محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني عطاء عن أبى صالح الزيات هو السمان أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والصيام (3) جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ، ولا يسخب (4) فان سابه أحد أو قاتله فليقل: إنى صائم (5)) * وروينا من طريق مالك عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فان أمرؤ قاتله أو شاتمه فليقل، إنى صائم) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا آدم بن أبى إياس ثنا ابن أبى ذئب ثنا سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة (


(1) هو عمر بن داور بفتح الواو بعدها الراء العمى بفتح العين وتشديد الميم (2) في النسخة رقم (14) (ثنا) وما ههنا الموافق لمسلم (ج 1 ص 316) (3) في النسخة رقم (16) (الصيام) بدون الواو، وما هنا الموافق لمسلم لانه بعض حديث (4) هكذا هو في نسخة بحاشية النسخة رقم (14) وهو الموافق لمسلم، وفى الاصلين رقم 14 و 16 (ولا يسخر) بالراء، ونسبها النووي للطبراني ثم قال: (وهذه الرواية تصحيف وان كان كلها معنى) والسخب بالسين ويقال بالصاد ايضا هو الصياح * (5) في مسلم (انى امرؤ صائم) *

[ 178 ]

في أن يدع طعامه وشرابه) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمى عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1): (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأتين صائمتين تغتابان الناس، فقال لهما: قيئا، فقاءتا قيحا ودما ولحما عبيطا، ثم قال عليه السلام: ها إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا على الحرام) * قال أبو محمد: فنهى عليه السلام عن الرفث والجهل في الصوم، فكان من فعل شيئا من ذلك عامدا ذاكرا لصومه لم يصم كما أمر، ومن لم يصم كما أمر فلم يصم، لانه لم يأت بالصيام الذى أمره الله تعالى به، وهو السالم من الرفث والجهل، وهما اسمان يعمان كل معصية، وأخبر عليه السلام أن من لم يدع القول بالباطل وهو الزور ولم يدع العمل به فلا حاجة لله تعالى في ترك طعامه وشرابه، فصح أن الله تعالى لا يرضى صومه ذلك ولا يتقبله، وإذا لم يرضه ولا قبله فهو باطل ساقط، وأخبر عليه السلام أن المغتابة مفطرة وهذا ما لا يسع أحدا خلافه * وقد كابر بعضهم فقال: إنما يبطل أجره لاصومه * قال أبو محمد: فكان هذا في غاية السخافة! وبالضرورة يدرى كل ذى حس أن كل عمل أحبط الله تعالى أجر عامله فانه تعالى لم يحتسب له بذلك العمل ولا قبله، وهذا هو البطلان بعينه بلا مرية * وبهذا يقول السلف الطيب، * روينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة: ثنا حفص بن غياث، وهشيم كلاهما عن مجالد عن الشعبى، قال هشيم: عن مسروق عن عمر بن الخطاب ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب، والباطل، واللغو * وعن حفص بن غياث عن مجالد عن الشعبى عن على بن أبى طالب مثله نصا * (


(1) هكذا في هذه الرواية، (سليمان التيمى عن عبيد) بدون واسطة، وهو يوافق رواية ابن أبى خيثمة وأبى يعلى من طريق حماد عن سليمان، كما نقله ابن حجر في الاصاية (ج 4 ص 208) وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (ص 430) في ترجمة عبيد: (روى عن سليمان التيمى ولم يسمع منه، بينهما رجل) وهذا هو الصواب، فقد رواه احمد (ج 5 ص 431) من حديث يزيد بن هرون وابن أبى عدى كلاهما عن سليمان (عن رجل حدثهم في مجلس أبى عثمان النهدي عن عبيد) فذكره مطولا، ونسبه ابن حجر كذلك لابن السكن، ونسبه المنذرى في الترغيب والترهيب (ج 2 ص 98) إلى ابن أبى الدينا وأبى يعلى أيضا، فالحديث ضعيف. وروى نحو أبو داود الطيالسي (282 رقم 3107) عن الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان الرقاشى عن أنس، والربيع ويزيد ضعيفان من قبل حفظهما ولهما أوهام. ونسبه المنذرى (ج 3 ص 298) إلى ابن أبى الدينا في ذم الغيبة والبهيقى *

[ 179 ]

ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج عن سليمان بن موسى قال قال جابر هو ابن عبد الله: إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الخادم (1)، وليكن عليك وقار، وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن وكيع عن أبى العميس هو عتبة بن عبد الله ابن عتبة بن عبد الله بن مسعود عن عمرو بن مرة عن أبى صالح الحنفي عن أخيه طليق ابن قيس (2) قال قال أبو ذر: إذا صمت فتحفظ ما استطعت، فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل فلم يخرج الا إلى صلاة (3) * ومن طريق وكيع عن حماد البكاء (4) عن ثابت البنانى عن أنس بن مالك قال: إذا اغتاب الصائم أفطر * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن مسلم العبدى عن أبى المتو الناجى قال: كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد وقالوا: نطهر صيامنا * فهؤلاء من الصحابة رضى الله عنهم عمر، وأبو ذر وابو هريرة، وأنس، وجابر، وعلى يرون بطلان الصوم بالمعاصى، لانهم خصوا الصوم باجتنابها وان كانت حراما على المفطر، فلو كان الصيام تاما بها ما كان لتخصيصهم الصوم بالنهي عنها معنى. ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * ومن التابعين منصور عن مجاهد قال: ما أصاب الصائم شوى الا الغيبة، والكذب (5) * وعن حفصة بنت سيرين: الصيام جنة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة * وعن ميمون بن مهران: أن أهون الصوم ترك الطعام والشراب * وعن ابراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: الكذب يفطر الصائم * (


(1) في النسخة رقم 16 (الجار) بدل (الخادم) (2) طليق بفتح الطاء المهملة (3) في النسخة رقم 16 (الصلاة) (4) كذا في الاصلين وهو خطأ فاحش، إذ ليس في الرواية من اسمه (حماد البكاء) بل هو (الهيثم بن جماز البكاء) وجماز بالجيم والزاى والبكاء بتشديد الكاف لانه عرف بكثرة البكاء، والهيثم هذا معروف بالرواية عن ثابت البنانى، وروى عنه وكيع، وله ترجمة في لسان الميزان (ج 6 ص 204) والانساب (ورقة 87) وهو ضعيف جدا (5) في النسخة رقم 16 (شئ) بدل (شوى) وهو خطأ، والشوى بالقصر الهين من الامر، قال في اللسان: (وفى حديث مجاهد: كل ما اصاب الصائم شوى إلا الغيبة والكذب فهى له كالمقتل. قال يحيى بن سعيد: الشوى هو الشئ اليسير الهين، قال وهذا وجهه، واياه اراد مجاهد، ولكن الاصل في الشوى الاطراف. واراد ان الشوى ليس بمقتل وان كل شئ اصابه الصائم لا يبطل صومه فيكون كالمقتل له الا الغيبة والكذب فانهما يبطلان الصوم فيهما كالمقتل له)

[ 180 ]

قال أبو محمد: ونسال من خالف هذا عن الاكل للحم الخنزير، والشرب للخمر عمدا أيفطر الصائم أم لا؟ فمن قولهم: نعم * فنقول لهم: ولم ذلك؟ * فان قالوا: لانه منهى (1) عنهما فيه * قلنا لهم: وكذلك المعاصي، لانه منهى عنها في الصوم أيضا بالنص الذى ذكرنا (2) * فان قالوا: وغير الصائم أيضا منهى عن المعاصي * قلنا لهم: وغير الصائم أيضا منهى عن الخمر، والخنزير، ولا فرق * فان قالوا: انما نهى عن الاكل والشرب (3)، ولا نبالي أي شئ أكل أو شرب * قلنا: وانما نهى عن المعاصي في صومه ولا نبالي بما عصى، أبأكل وشرب، أم بغير ذلك؟ * فان قالوا: انما أفطر بالاكل والشرب للاجماع على أنه مفطر بهما * قلنا فلا تبطلوا الصوم إلا بما أجمع على بطلانه به! وهذا يوجب عليكم أن لا تبطلوه باكل البرد ولا بكثير مما أبطلتموه به (4)، كالسعوط والحقنة وغير ذلك * فان قالوا: قسنا ذلك على الاكل، والشرب * قلنا: القياس كله باطل، ثم لو صح لكان هذا فاسدا من القياس، وكان أصح على أصولكم أن تقيسوا بطلان الصوم بجميع المعاصي على بطلانه بالمعصية بالاكل، والشرب وهذا مالا مخلص منه * فان قالوا: ليس اجتناب المعاصي من شروط الصوم * قلنا: كذبتم! لان النص قد صح بأنه من شروط الصوم كما أوردنا * فان قالوا: تلك الاخبار زائدة على ما في القرآن * قلنا: وإبطالكم الصوم بالسعوط، والحقنة، والامناء مع التقبيل زيادة فاسدة باطلة على ما في القرآن! فتركتم زيادة الحق، وأثبتم زيادة الباطل! وبالله تعالى التوفيق * 735 مسألة فمن تعمد ذاكرا لصومه شيئا مما ذكرنا فقد بطل صومه، ولا يقدر على قضائه ان كان في رمضان أو في نذر معين، إلا في تعمد القئ خاصة فعليه القضاء * برهان ذلك: أو وجوب القضاء في تعمد القئ قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكرنا قبل هذه المسألة بمسألتين، ولم يأت في فساد الصوم بالتعمد للاكل أو الشرب (


(1) كلمة (لانه) سقطت خطأ من النسخة رقم 16 (2) قوله (الذى ذكرنا) زيادة من النسخة رقم 14 (3) كلمة (والشرب) سقطت خطأ من النسخة رقم 16 (4) في النسخة رقم 16 (ابطلتم به) *

[ 181 ]

أو الوطئ نص بايجاب القضاء، وانما افترض تعالى رمضان لا غيره على الصحيح المقيم العاقل البالغ، فايجاب صيام غيره بدلا منه إيجاب شرع لم يأذن الله تعالى به، فهو باطل، ولا فرق بين أن يوجب الله تعالى صوم شهر مسمى فيقول قائل: ان صوم غيره ينوب عنه، بغير نص وارد في ذلك: وبين من قال: ان الحج إلى غير مكة ينوب عن الحج إلى مكة، والصلاة إلى غير الكعبة توب عن الصلاة إلى الكعبة، وهكذا في كل شئ قال الله تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * فان قالوا: قسنا كل مفطر بعمد في إيجاب القضاء على المتقئ عمدا (1) * قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانهم أول من نقض هذا القياس، فأكثرهم لم يقس المفطر عمدا بأكل أو شرب على المفطر بالقئ (2) عمدا في إسقاط الكفارة عنهم كسقوطها عن المتقئ عمدا، وهم الحنيفيون والمالكيون، والشافعيون قاسوهم على المفطر بالقئ عمدا، ولم يقيسوهم كلهم على المجامع عمدا في وجوب الكفارة عليهم كلهم، فقد تركوا القياس الذى يدعون! فان وجد من يسوى بين الكل في إيجاب القضاء والكفارة كلم في إبطال القياس فقط * فان ذكروا أخبارا وردت في إيجاب القضاء على المتعمد للوطئ في نهار رمضان * قيل: تلك آثار لا يصح فيها شئ * لان أحدها من طريق أبى أويس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الذى أفطر في رمضان بالكفارة وأن يصوم يوما) وأبو أويس ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره (3) * والثانى رويناه من طريق هشام بن سعد عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بأن يصوم يوما) وهشام بن سعد ضعفه أحمد بن حنبل، وابن معين وغيرهما، ولم يستجز الرواية عنه يحيى بن سعيد القطان (4) * (


(1) في النسخة رقم 14 (عامدا) (2) كلمة (بالقئ) سقطت خطأ من النسخة رقم 16 * (3) أبو اويس هو عبد الله بن عبد الله بن اويس، وهو صدوق وضعفه من قبل حفظه، وحديثه رواه الدار قطني (ص 251) ونسبه ابن حجر في الفتح (ج 4 ص 134) إلى البيهقى (4) هشام ضعفه من قبل حفظه ايضا، وقد نقل ابن حجر عن الخليلى انه قال ((انكر الحفاظ حديثه في المواقع في رمضان من حديث الزهري عن ابى سلمة قالوا: وانما رواه الزهري عن حميد، قال: ورواه وكيع عن هشام بن سعد عن الزهري عن ابى هريرة منقطعا، قال أبو زرعة الرازي: اراد وكيع الستر على هشام باسقاط ابى سلمة) وحديثه في ابى داود (ج 2 ص 387) والدار قطني (ص 243 و 352) ونسبه في الفتح للبيهقي، ومثل هذا الذى اختلط فيه الامر على الراوى لا يكون حجة

[ 182 ]

والثالث رويناه من طريق عبد الجبار بن عمر عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للواطئ في رمضان: (اقض يوما مكانه) وعبد الجبار بن عمر ضعيف، ضعفه البخاري، وقال ابن معين: ليس بشئ، وقال أبو داود السجستاني: هو منكر الحديث (1) * والرابع رويناه من طريق الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنه أمر الواطئ في نهار رمضان أن يصوم يوما مكانه). وهذا أسقطها كلها! لان الحجاج لا شئ، ثم هو صحيفة (2) * ورويناه مرسلا من طريق مالك عن عطاء بن السائب عن سعيد بن المسيب * ومن طريق ابن جريج عن نافع بن جبير بن مطعم * ومن طريق أبى معشر المدنى عن محمد بن كعب القرظى، كلهم: (ان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بقضاء يوم). وهذا كله مرسل، ولا تقوم بالمرسل حجة * وتالله لو صح منها ولو خبر واحد مسند من طريق الثقات لسارعنا إلى القول به * فان لجوا وقالوا: المرسل حجة، ولا نضعف المحدثين! * قلنا لهم: فلا عليكم! حدثنا يوسف بن عبد الله النمري (3) ثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا قاسم بن اصبغ ثنا مطرف بن قيس ثنا يحيى بن بكر ثنا مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب نحره وينتف شعره ويقول: هلك الابعد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قال: أصبت أهلى في رمضان وأنا صائم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: تستطيع أن تهدى بدنة؟ قال: لا، قال: فاجلس (4) فأتى بعرق تمر) وذكر باقى الخبر، وهكذا رويناه من طريق ابن جريج، ومعمر عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب: فليأخذوا بالبدنة في الكفارة فيذلك، وإلا فالقوم متلاعبون! * وقلنا لهم: لو أردنا التعلق بمالا يصح لوجدنا خيرا من كل خبر تعلقتم به ههنا، كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أنا محمد بن بشار ثنا يحيى هو ابن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى قالا جميعا: ثنا سفيان هو الثوري (


(1) عبد الجبار ضعيف جدا، وحديثه اشار إليه الدار قطني (ص 351) ونسبه في الفتح للبيهقي (2) في النسخة رقم 14 (هي صحيفة) (3) في النسخة رقم 16 (النمر) وهو خطأ، ويوسف هذا هو الامام ابن عبد البر الاندلسي المالكى وهو عصرى المؤلف وتأخرت وفاته عنه ولكنه اكبر منه سنا، ولد ابن حزم سنة 348 ومات سنة 456، وولد ابن عبد البر سنة 368 ومات سنة 463 عن 95 سنة رحمهما الله (4) زيادة (قال فاجلس) من الموطأ *

[ 183 ]

عن حبيب بن أبى ثابت حدثنى أبو المطوس عن أبيه عن أبى هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولامرض لم يقض عنه صيام الدهر وان صامه) * قال احمد بن شعيب: وأنبأنا مؤمل بن هشام ثنا اسماعيل عن شعبة عن حبيب ابن أبى ثابت عن عمارة بن عمير عن أبى المطوس عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة رخصها الله (1) لم يقض عنه صوم الدهر) * قال احمد بن شعيب: أنبأنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة قال أخبرني (2) حبيب بن أبى ثابت قال سمعت عمارة بن عمير يحدث عن أبى المطوس، قال حبيب، وقد رأيت أبا المطوس، فصح لقاؤه إياه (3) * فهذا أحسن من كل ما تعلقوا به * وأما نحن فلا نعتمد عليه، لان أبا المطوس غير مشهور بالعدالة، ويعيذنا الله من أن نحتج بضعيف إذا وافقنا، ونرده إذا خالفنا * وقال بمثل قولنا أفاضل السلف * روينا من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام الدستوائى عن يحيى بن أبى كثير عن عبد الرحمن بن البيلمانى أن أبا بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنهما فيما أوصاه به (4). من صام شهر رمضان في غيره لم يقبل منه ولو صام الدهر أجمع (5) * ومن طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن سنان عن عبد الله بن أبى الهذيل (6) (


(1) في النسخة رقم 14 (رخصها الله له) بزيادة (له) وهى ثابتة عند الدارمي وابى داود (2) في النسخة رقم 14 (ثنا) (3) هذه الاسانيد الثلاثة لحديث ابى المطوس لم اجدها في النسائي، ولعلها في السنن الكبرى، ورواية الطيالسي موجودة في مسنده (ص 331 رقم 2540)، والحديث رواه ايضا الدارمي (ص 216) وابو داود (ج 2 ص 288) والترمذي (ج 1 ص 90) هند والدار قطني (ص 252)، وفي بعض الروايات (عن ابن المطوس عن ابيه) وكل صحيح (فهو أبو المطوس وابوه اسمه المطوس ايضا، نقل ابن حجر عن يزيد بن ابى انيسة (عن حبيب ابى المطوس عن المطوس) وقال الترمذي (حديث لا نعرفه الا من هذا الوجه، وسمعت محمدا - يعنى البخاري - يقول: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس، ولا، اعرف له غير هذا الحديث) وزاد ابن حجر عن البخاري (ولا ادرى سمع ابوه من ابى هريرة ام لا) وعن احمد (لا اعرفه ولا اعرف حديثه عن غيره) ومثل هذا لا يكفي للاحتجاج به، وقد نقل ابن حجر في الفتح عن ابن خزيمة تصحيحه (ج 4 ص 114) ثم قال: (واختلف فيه على حبيب بن ابى ثابت اختلافا كثيرا، فحصلت فيه ثلاث علل: الاضطراب والجهل بحال ابى المطوس، والشك في سماع ابيه من ابى هريرة) (4) في النسخة رقم (16) (فيما اوصى به) (5) نقله ابن حجر في الفتح عن ابن حزم ولم ينسبه إلى غيره وقال ان في الاسناد انقطاعا (ج 4 ص 115) (6) في الاصلين عبد الله بن الهذيل) وهو خطأ؟ صححناه من الفتح والتهذيب *

[ 184 ]

عن عمر بن الخطاب. أنه أتى بشيخ شرب الخمر في رمضان، فقال للمنخرين! للمنخرين ولداننا صيام! ثم ضربه ثمانين وصيره إلى الشام (1) * قال أبو محمد: ولم يذكر قضاء ولا كفارة * ومن طريق سفيان عن عطاء بن أبى مروان عن أبيه: أن على بن أبى طالب أتى بالنجاشى (2) قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين ثم ضربه من الغد عشرين، وقال: ضربناك العشرين لجرأتك على الله وإفطارك في رمضان * قال على: ولم يذكر قضاء ولا كفارة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى معاوية عن عمر بن يعلى الثقفى (3) عن عرفجة (4) عن على بن أبى طالب قال: من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يقضه أبدا طول الدهر * وعن ابن مسعود: من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر وان صامه * وبأصح طريق عن على بن الحسين عن أبى هريرة: أن رجلا أفطر في رمضان، فقال أبو هريرة: لا يقبل منه صوم سنة * ومن طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه. عن أبى هريرة: من أفطر يوما من أيام رمضان لم يقضه يوم من أيام الدنيا (6) * قال أبو محمد: من أصل الحنيفيين الذين يجاحشون عنه (7) ويتركون له السنن: أن الخبر إذا خالفه راويه من الصحابة كان ذلك عندهم دليلا على ضعف ذلك الخبر أو نسخه، قالوا ذلك في حديث ابن مغفل، وأبى هريرة في غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا إحداهن بالتراب، فتركوه، لانهم ادعوا ان أبا هريرة خالفه وقد كذبوا في ذلك بل قد صح عنه القول به، وهذا مكان قد خالف فيه أبو هريرة ما روى من هذا القضاء، وخالفه أيضا سعيد بن المسيب على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، فرأى على من (


(1) هذا الاثر نقله البخاري مختصرا متعلقا (ج 3 ص 82) بلفظ (صبياننا) بدل (ولداننا) ونسبه ابن حجر لسعيد بن منصور والبغوى في الجعديات (ج 4 ص 144) (2) النجاشي هذا شاعر اسمه قيس بن عمر والحارئى، وفد إلى عمر. ولازم عليا وكان معه في صفين، وكان يمدحه فلما جلده في الخمر فر إلى معاوية، وهذا الاثر رواه الطحاوي (ج 2 ص 88) باسنادين صحيحين، واشار إليه المؤلف في الاحكام (ج 7 ص 166 و 167) وللنجاشي ترجمة في الاصابة (ج 6 و 363 و 364) (3) عمر هذا هو ابن عبد الله بن يعلى، وهو ضعيف متروك. (4) هو ابن عبد الله الثقفى، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان (مجهول) (5) اثر على وابن مسعود هما كلاهما من رواية عرفجة، ونسبهما ابن حجر في الفتح للبهيقى (ج 4 ص 115) (6) نقله ابن حجر في الفتح (ج 4 ص 114) عن المؤلف، ولم ينسبه إلى غيره (7) بالجيم والحاء المهملة والشين المعجمة، قال في اللسان: (الجحاش والمجاحشة المزاولة في الامر، وجاحش القوم جحاشا زحمهم، وجاحش عن نفسه وغيرها جحاشا دافع) ثم حكى انه يكون بالشين المعجمة وبالسين المهملة، وكله بمعنى الدفاع والقتال *

[ 185 ]

أفطر يوما من رمضان صوم شهر، فينبغي لهم إسقاط القضاء المذكور في الخبر بهاتين الروايتين * فان قالوا: قد رواه غير أبي هريرة وغير سعيد * قلنا: وغسل الاناء من ولوغ الكب سبعا قد رواه غير أبى هريرة * فان قالوا: محال أن يكون عند أبى هريرة هذا الخبر ويفتى بخلافه * قلنا: فقولوا هذا في خبر غسل الاناء: محال أن يكون عنده ذلك الخبر ويخالفه! وهذا ما لا مخلص لهم منه * 736 مسألة ولا قضاء إلا على خمسة فقط: وهم الحائض والنفساء، فانهما يقضيان أيام الحيض والنفاس، لا خلاف في ذلك من أحد، والمريض، والمسافر سفرا تقصر فيه الصلاة، لقول الله تعالى (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والمتقئ عمدا، بالخبر الذى ذكرنا قبل، وهذا كله أيضا مجمع عليه في المريض والمسافر إذا أفطرا، وكلهم مطيع لله تعالى، لا إثم عليهم، إلا المتقئ وهو ذاكر، فانه آثم ولا كفارة عليه * 737 مسألة ولا كفارة على من تعمد فطرا في رمضان بما لم يبح له، إلا من وطئ في الفرج من امرأته أو أمته المباح له وطوهما إذا لم يكن صائما فقط فان هذا عليه الكفارة، على ما نصف بعد هذا ان شاء الله تعالى، ولا يقدر على القضاء، لما ذكرنا * برهان ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوجب الكفارة إلا على واطئ (1) امرأته عامدا، واسم امرأته يقع على الامة المباح وطؤها، كما يقع على الزوجة ولا جمع للمرأة من لفظها، لكن جمع المرأة على نساء، ولا واحد للنساء من لفظه، قال تعالى: (نساؤكم حرث لكم) فدخل في ذلك بلا خلاف الامة المباحة، والزوجة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبى شيبة، وزهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، كلهم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: (


(1) في النسخة رقم (16) (الا عن وطئ) (2) في مسلم (ج 1 ص 306) (إلى النبي صلى الله عليه وسلم) *

[ 186 ]

هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا، ثم جلس، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق (1) فيه تمر، فقال: تصدق بهذا، فقال: أفقر منا؟! فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) * قال أبو محمد: هكذا رواه منصور بن المعتمر، وشعيب بن أبى حمزة، والليث بن سعد، والاوزاعي، ومعمر، ومسدد، وعراك بن مالك كلهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف أشهب في هذا اللفظ سائر أصحاب الليث * فلم يوجب عليه السلام الكفارة على غير من ذكرنا، وقد قال عليه السلام: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل مال أحد بغير نص أو إجماع (3) متيقن، ولا يحل لاحد إيجاب غرامة لم يوجبها القرآن ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتعدى بذلك حدود الله، ويبيح المال المحرم، ويشرع ما لم يأذن به الله تعالى * فان قيل: فلم لم توجبوا الكفارة على كل من أفطر في رمضان فطرا لم يبح له، باى شئ أفطر؟ بما رويتموه من طريق مالك وابن جريج ويحيى بن سعيد الانصاري، كلهم عن الزهري، ومن طريق أشهب عن الليث عن الزهري، ثم اتفقوا، عن حميد ابن عبد الرحمن عن أبى هريرة: (أن رجلا أفطر في نهار رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكفر بعتق رقبة. أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، فقال: لا أجد، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: يا رسول الله لا أجد أحوج إليه منى! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، وقال: كله) * قلنا: لانه خبر واحد، عن رجل واحد، في قصة واحدة، بلا شك، فرواه من ذكرنا عن الزهري مجملا مختصرا، وراه الآخرون الذى ذكرنا قبل، أوتوا بلفظ الخبر كما وقع، وكما سئل عليه السلام، وكما أفتى، وبينوا فيه أن تلك القضية (4) إنما كانت وطأ لامرأته، ورتبوا الكفارة كما أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحال مالك، وابن جريج، يحيى صفة الترتيب، وأجملوا الامر، وأوتوا بغير لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فلم (


(1) بفتح العين المهملة وفتح الراء، ويقال باسكان الراء ايضا * وهو المكتل، وهو منسوج من نسائج الخوص (2) عراك - بكسر العين المهملة، وروايته عن الزهري من رواية الاكابر عن الاصاغر، وكلاهما تابعي، الا ان الزهري أصغر منه، وقد نقل ابن حجر في التهذيب انه روى عن الزهري مع انه يروى ايضا عن ابى هريرة بغير واسطة (3) في النسخة رقم (16) (ولا اجماع) (4) في النسخة رقم (16) (القصة) *

[ 187 ]

يجز الاخذ بما رووه من ذلك، مما هو لفظ (1) من دون النبي عليه السلام، ممن اختصر الخبر وأجمله، وكان الفرض أخذ فتيا النبي عليه السلام كما أفتى بها، بنص كلامه فيما أفتى به * فان قيل: فانا نقيس كل مفطر على المفطر بالوطئ، لانه كله فطر محرم * قلنا: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان ههنا هذا القياس باطلا، لانه قد جاء خبر المتقئ عمدا، وفيه القضاء، ولم يذكر فيه كفارة، فما الذى جعل قياس سائر المفطرين على حكم الواطئ أولى من قياسهم على حكم المتعمد للقئ؟! والآكل، والشارب أشبه بالمتعمد للقئ منهما بالواطئ، لان فطرهم كلهم من حلوقهم لامن فروجهم، بخلاف الواطئ، ولان فطرهم كلهم لا يجوب الغسل، بخلاف فطر الواطئ، فهذا اصح في القياس، لو كان القياس حقا * وقد أجمعوا على أنه لا كفارة على المتعمد لقطع صلاته، والصلاة أعظم حرمة وآكد من الصيام، فصارت الكفارة خارجة عن الاصل، فلم يجز أن يقاس على خبرها * فان قال: إنى أوجب الكفارة على المعتمد للقئ، لانى أدخله في جملة من أفطر فأمر بالكفارة، وأجعل هذا الخبر الذى رواه مالك وابن جريج، ويحيى عن الزهري: زائدا على ما في خبر المتعمد للقئ * قلنا: هذا لازم لكل من استعمل (2) لفط خبر مالك وابن جريج عن الزهري لازم له، والا فهو متناقض، وقد قال بهذا بعض الفقهاء، وروى عن أبى ثور، وابن الماجشون، إلا أن من ذهب إلى هذا لم يكلم الا في تغليب رواية سائر أصحاب الزهري التى قدمنا (3) على ما اختصره هؤلاء فقط * وليس إلا قولنا أو قول من أوجب الكفارة والقضاء على كل مفطر، بأى وجه أفطر، بعموم رواية مالك، وابن جريج، ويحيى، وبالقياس جملة على المفطر بالوطئ وبالقئ * وأما الحنيفيون والمالكيون والشافعيون فلم يتعلقوا بشئ من هذا الخبر أصلا، ولا بالقياس، ولا بقول أحد من السلف! لانهم أوجبوا الكفارة على بعض من أفطر بغير الوطئ فتعدوا (4) ما رواه جمهور أصحاب الزهري، وأسقطوا الكفارة عن بعض من أفطر بغير الوطئ، مما قد أوجبها فيه غيرهم، فحالفوا ما رواه مالك، ويحيى، وابن جريج (


(1) في النسخة رقم (16) (مما هو من لفظ) (2) في النسخة رقم (16) (هذا لان كل من استعمل) الخ والتركيب قلق غير واضح في النسختين (3) في النسخة رقم (16) (رواية اصحاب الزهري الذى قدمنا) (4) في النسخة رقم (4) (فتعمدوا) وهو خطأ *

[ 188 ]

فحالفوا كل لفظ خبر ورد في ذلك جملة! وخالفوا القياس، إذ لم يوجبوا الكفارة على بعض من أفطر بغير الوطئ وبالوطئ، ولم يتبعوا ظاهر الآثار، إذ أوجبوها على بعض من أفطر بغير الوطئ! على ما نذكر من أقوالهم بعد هذا، فلا يجوز ايهامهم بأنهم تعلقوا في هذا الموضع بشئ من الآثار، أو بشئ من القياس: على من نبهناه (1) على تخاذل أقوالهم في ذلك! وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وقد اختلف السلف في هذا، فنذكر ان شاء الله تعالى ما يسر الله عزوجل لذكره من أقوالهم، ثم نعقب بأقوال الحنيفين والمالكيون والشافعيين، التى لا متعلق لها بالقرآن ولا بشئ من الروايات، والسنن، ولا صحيحها ولا سقيمها، ولا باجماع، ولا بقول صاحب، ولا بقياس، ولا برأى له وجه، ولا باحتياط. وبالله تعالى نتأيد * فقالت طائفة: لا كفارة على مفطر في رمضان بوطئ ولا بغيره * روينا باصح إسناد عن الحجاج بن المنهال: ثنا أبو عوانة عن المغيرة هو ابن مقسم عن ابراهيم النخعي، في رجل أفطر يوما من رمضان، قال: يستغفر الله ويصوم يوما مكانه * وعن الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان، وأيوب السختيانى، وحبيب بن الشهيد، وهشام بن حسان، قال حماد: عن ابراهيم النخعي، وقال أيوب، وحبيب، وهشام كلهم: عن محمد بن سيرين، ثم اتفق ابراهيم، وابن سيرين، فيمن وطئ عمدا في رمضان: أنه يتوب إلى الله تعالى، ويتقرب إليه ما استطاع، ويصوم يوما مكانه (2) * ورويناه أيضا من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين، فيمن أكل يوما من رمضان عامدا، قال: يقضى يوما ويستغفر الله * ومن طريق الحجاج بن المنهال: ثنا جرير بن حازم حدثنى يعلى بن حكيم قال: سألت سعيد بن جبير عن رجل وقع بامرأته في رمضان: ما يكفره؟ فقال: ما ندرى ما يكفره! ذنب أو خطيئة يصنع (3) الله تعالى به فيه ما يشاء، ويصوم يوما مكانه * ومن طريق حجاج بن المنهال: ثنا أبو عوانة عن اسماعيل بن أبى خالد عن عامر الشعبى أنه قال فيمن أفطر يوما من رمضان: لو كنت أنا لصمت يوما مكانه * (


(1) في النسخة رقم (16) (على ما نبهناه) وهو خطأ (2) سيأتي قريبا عن النخعي ما يخالف هذا وانه قال: يصوم ثلاثة آلاف يوم! (3) في النسخة رقم (16) (حتى يصنع) وزيادة (حتى) لا معنى لها *

[ 189 ]

فهؤلاء ابن سيرين، والنخعي، والشعبى، وسعيد بن جبير لا يرون على الواطئ في نهار رمضان عامدا كفارة * وقالت طائفة بالكفارة، ثم اختلفوا * فروينا من طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج (1) الكلابي عن عوف بن مالك الاشجعى قال قال عمربن الخطاب: صوم يوم من غير رمضان واطعام مسكين يعدل يوما من رمضان، وجمع بين أصبعيه * قال أبو محمد: وعهدناهم يقلدون عمر في أجل العنين، وفى حد الخمر ثمانين، ولا يصح في ذلك شئ عن عمر، فليقلوده ههنا، فهو أثبت عنه مما قلدوه ولكنهم متحكمون بالباطل في الدين! * وقالت طائفة كما روينا عن المعتمر بن سليمان: قرأت على فضيل عن أبى حريز (3) قال حدثنى أيفع (4) قال: سألت سعيد بن جبير عمن أفطر في رمضان؟ فقال: كان ابن عباس يقول: من أفطر في رمضان فعليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو اطعام ثلاثين مسكينا، ومن وقع على امرأته وهى حائض، وسمع أذان الجمعة ولم يجمع، وليس له عذر: كذلك عتق رقبة * قال على: وهذا قول لا نص ففيه، وعهدنا بالحنيفيين يقولون في مثل هذا إذا وافق أهواءهم (5): مثل هذا لا يقال بالرأى، فلم يبق الا انه توقيف، فيلزمهم أن يقولوه ههنا، والا فهم متلاعبون بالدين! * وقالت طائفة كما روينا عن وكيع عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي، في رجل أفطر يوما من رمضان: يصوم ثلاثة آلاف يوم! (6) * وقالت طائفة كما روينا من طريق حماد بن سلمة: أنا حميد أنه سأل الحسن البصري عن رجل أفطر في رمضان (7) أربعة أيام يأكل ويشرب وينكح؟ فقال الحسن: يعتق (


(1) هو من التابعين وغزا القسطنطينية مع عوف بن مالك (2) في النسخة رقم (16) (قلدوا) (3) حريز - بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وآخره زاى، وأبوحر يزهو عبد الله بن حسين الازدي قاضى سجستان، وهو ضعيف، وفي النسخة رقم 14 (عن ابن جرير) وهو تصحيف (4) بالياء التحتية والفاء، بوزن أحمد، ولم يعرف اسم ابيه، وقال النسائي: (أبو حريز ضعيف وايفع لا أعرفه) وقال البخاري: (ايفع عن ابن عمر في الطهور منكر واثر ايفع هذا عن سعيد عن ابن عباس يظهر من كلام ابن حجر في التهذيب انه ر. اه النسائي: ولكني لم اجده فيه، فلعله في السنن الكبرى (5) في النسخة رقم (16) (آراءهم) (6) سبق قريبا عن النخعي ما يخالف هذا وانه قال يستغفر الله ويصوم يوما مكانه. (7) في النسخة رقم (16) (افطر من رمضان) *

[ 190 ]

أربعة رقاب، فان لم يجد فأربع (1) من البدن، فان لم يجد فعشرين صاعا من تمر لكل يوم، فان لم يجد صام لكل يوم يومين * وقد ذكرنا مثل (2) هذا مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله من طريق سعيد بن المسيب * وروينا أيضا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذى وطئ امرأته في رمضان: رقبة، ثم بدنة) ثم ذكر نحو حديث الزهري في العرق من التمر * ومن طريق وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن: (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد واقع أهله في رمضان، فقال له عليه السلام: أعتق رقبة، قال: لا أجد، قال: أهد بدنة، قال: لا أجد، قال: صم شهرين، قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكينا، قال: لا أجد، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل فيه تمر، فقال: تصدق بهدا، فقال: يارسول الله، ما بينهما أهل بيت أحوج منا، قال: كله أنت وعيالك * ومن طريق حماد بن سلمة: أنا عمارة بن ميمون عن عطاء بن أبى رباح: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الذى وقع بامرأته (3) في رمضان أن يعتق رقبة، قال: لاأجد، قال: أهد هديا، فقال: لا أجده) وذكر باقى الحديث * فان تعللوا في مرسل سعيد (4) بأنه ذكر له ما رواه عطاء الخراساني عنه من ذلك فقال سعيد: كذب، إنما قلت له: تصدق تصدق: فان الحسن، وقتادة، وعطاء قد رووه أيضا مرسلا وفيه الهدى بالبدنة (5) * قال أبو محمد: عهدنا بالحنيفيين والمالكيين يقولون: المرسل كالمسند، وهذا مرسل من طرق، فيلزمهم القول به، لانه زاد على سائر الاحاديث ذكر الهدى * وأيضا من طريق القياس: فان البدنة والهدى يجبر بهما نقص الحج، ولم نجد شيئا من الاعمال يجبر نقصه بكفارة إلا الحج، والصوم فيجب أن يكون للهدى في الصوم مدخل كما له في الحج، ولكن القوم لا يثبتون على شئ! * وأما نحن فلا حجة في مرسل عندنا أصلا (6) * وقالت طائفة (7) كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب عن رجل أكل في رمضان عامدا؟ فقال: عليه صيام شهر، قلت: (


(1) كذا رسم بدون الالف في الاصلين منصوبا، وهو صحيح على ما قدمنا قريبا (2) في النسخة رقم (14) (بمثل) (3) في النسخة رقم (16) (وقع على امرأته) (4) قوله (سعيد) سقط خطأ من النسخة رقم (16) (5) في النسخة رقم (16) (للبدنة) (6) في النسخة رقم (16) (فلا حجة عندنا في مرسل) (7) في النسخة رقم (16) (ما) *

[ 191 ]

يومين؟ قال: صيام شهر، قال: فعددت أياما فقال: صيام شهر * ومن طريق وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن سعيد بن المسيب في الذى يفطر يوما من رمضان متعمدا: عليه صوم شهر * ومن طريق الحجاج بن المنهال: ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: عليه لكل يوم أفطر شهر * قال على: يحتمل هذا القول أنه أردا شهرا شهرا عن كل يوم، ويحتمل ما رواه معمر من أن عليه لكل يوم أفطر شهر واحد وهذا أظهر وأولى، لتيقن (1) الروايات عنه * وحجة ممن قال بهذاما رويناه من طريق أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار قال. ثنا أحمد بن يحيى الصوفى الكوفى ثنا أبو غسان ثنا مندل (2) عن عبد الوارث (3) عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أفطر يوما من رمضان فعليه صوم شهر) * قال على: مندل ضعيف، وعبد الوارث مجهول، ولو صح لقلنا به، ويلزم القول به من لم يبال بالضعفاء، لانه زائد على سائر الاخبار، ويلزم ايضا المالكيين القائلين بأن نية واحدة في اول الشهر تجزئ لجميعه، لانه كله كصلاة واحدة، وكيوم واحد * وقالت طائفة كما روينا من طريق الشافعي: ان ربيعة قال: من أفطر يوما من رمضان عامدا فعليه صيام اثنى عشر يوما، لان الله عزوجل تخيره من اثنى عشر شهرا! قال الشافعي: يجب على هذا ان من ترك صلاة من ليلة القدر ان يقضى ثلاثين ألف صلاة! لان الله تعالى يقول: (ليلة القدر خير من ألف شهر)! * وقال الحنيفيون والمالكيون ما نذكره ان شاء الله تعالى، وهى اقوال لا تؤثر كما هي عن احمد من السلف * فاما الشافعيون فهم أقل الثلاث الطباق تناقضا، وذلك انهم قالوا: لا تجب الكفارة على مفطر عمدا في رمضان الا على من جامع انسانا أو بهيمة في فرج أو دبر، فان من فعل (4) هذا تجب عليه الكفارة بالايلاج، امني أم لم يمن، والكفارة عنده كما ذكرنا قبل من رواية الجمهور عن الزهري عن حميد عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ير على (


(1) في النسخة رقم (16) (لتتفق) (2) مندل بالميم المثلثة واسكان النون وفتح الدال المهملة! وهو ابن على العنزي وهو ضعيف كما قال المؤلف (3) عبد الوارث هذا مجهول كما قال المؤلف، ونقل الترمذي عن البخاري انه منكر الحديث، وله ترجمة في لسان الميزان (ج 4 ص 85) وحديثه هذا رواه الدار قطني (ص 252) من طريق ابى نعيم الفضل بن دكين عن مندل عن ابى هاشم عن عبد الوارث عن انس، فزاد في الاسناد (عن ابى هاشم) كما ترى، وكذلك نقله في لسان الميزان، فلعله سقط من كتاب البزار ومن كتاب المؤلف، وقال الدار قطني عقبه: (هذا اسناد غير ثابت: مندل ضعيف ومن دون أنس ضعيف أيضا) (4) في النسخة رقم (16) (فان فعل) *

[ 192 ]

المرأة الموطؤة كفارة، في اشهر الاقوال عنه، ولا على من تعمد الاكل والشرب أو غير ذلك، ولم يجعل في كل ذلك الا القضاء فقط (1) فقاس الواطئ لامرأة محرمة عليه على واطئ امرأته، وقاس منأتى ذكرا على من أتى امرأته، وقاس من أتى بهيمة على من أتى أهله، وليس شئ من ذلك في الخبر، ولم يقس الآكل، والشارب، والمجامع دون الفرج فيمنى والمرأة الموطوءة: على الواطئ امرأته وهذا تناقض * فان قال أصحابه: قسنا الجماع على الجماع، والاكل والشرب على المتعمد للقئ * قلنا: فهلا قستم مجامع البهيمة على مجامع المرأة في ايجاب الحد؟ كما قستموه عليه في ايجاب الكفارة؟ وهلا قستم المرأة الموطوءة على الرجل الواطئ في ايجاب الكفارة؟ فهو وطئ واحد، هما فيه معا؟ وهلا قستم المجامع دون الفرج عامدا فيمنى على المجامع في ايجاب الكفارة عليه؟ فهذا أقرب (2) إليه منه إلى الاكل؟ وهذا تناقض قبيح في القياس جدا * وأما المالكيون فتناقضهم أشد، وهو انهم اوجبوا الكفارة والقضاء على المفطر بالاكل أو الشرب، وعلى من قبل فأمنى، أو باشر فأمنى، أو تابع النطر فأمنى، وعلى من أكل أو شرب أو جامع شاكا في غروب الشمس فإذا بها لم تغرب، وعلى من نوى الفطر من نهار رمضان وإن لم يأكل ولا شرب ولا جامع، إذا نوى ذلك أكثر النهار، وعلى المرأة تمس فرجها عامدة (3) فتنزل * ورأى على المرأة (4) المكرهة على الجماع في نهار رمضان القضاء، وأوجب على الواطئ لها الكفارة عن نفسه وكفارة أخرى عنها، وهذا عجب جدا! ولم ير عليها إن اكرهها على الاكل والشرب كفارة، ولا على الذى اكرهها ان يكفر عنها! ولا على التى جومعت نائمة، لا عليها ولا عليه عنها: وهذا تناقض ناهيك به! ولئن كانت الكفارة عليها فما يجزئ أو توجب الكفارة على غيرها؟! ولئن لم تكن الكفارة عليها فأبعد من ذلك أن تجب على غيرها عنها؟! * وأبطلوا صيام من قبل فأنعظ، أو أمذى ولم يمن (5)، أو باشر أو لمس فأمذى ولم يمن، ومن نطر إلى المرأة غير عامد لذلك وتابع النظر فامذى ولم يمن، أو نظر نظرة، لم يتابع النظر فأمنى، ومن تمضمض في صيام نهار رمضان فدخل الماء حلقه عن (


(1) كلمة (فقط) زيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (16) (فهو اقرب) (3) كلمة (عامدة) زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) (وعلى المرأة) بحذف (رأى) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) (أو امني ولم يمذ وهو خطأ غريب *

[ 193 ]

غير تعمد، ومن أكل ناسيا، أو شرب ناسيا، أو وطئ (1) ناسيا، أو كان ذلك وهو لا يوقن بطلوع الفجر فإذا بالفجر قد طلع، أو كان ذلك وهو يرى ان الشمس قد غربت فإذا بها لم تغرب، ومن أكل شاكا في طلوع الفجر ثم لم يوقن بانه طلع ولا أنه لم يطلع، ومن اقام مجنونا يوما من رمضان (2)، أو اياما، أو رمضان كله، أو عدة شهور رمضان من عدن سنين، ومن أغمى عليه اكثر النهار، ومن أغمى عليه اياما من رمضان، والمرضع تخالف على رضيعها، والمرأة تجامع نائمة، والمكره على الاكل والشرب، ومن صب في حلقه ماء وهو نائم، ومن احتقن، ومن اكتحل بكحل فيه عقاقير، ومن بلع حصاة * وأوجبوا على كل من ذكرنا القضاء، ولم يروا في شئ من ذلك كفارة * وهذا تناقض لا وجه له أصلا، لامن قرآن، ولا من سنة، ولامن رواية فاسدة ولامن إجماع، ولا من قول صاحب، أو تابع، ولا من قياس، ولا من رأى له وجه، ولا يعرف هذا التقسيم عن احد قبله * وقد رأينا بعض مقلديه يوجبون على طحاني الدقيق والحناء ومغربلي الكتان والحبوب: القضاء، ويبطلون صومهم، ولا يوجبون عليهم في تعمد ذلك كفارة! ويدعون أن هذا قياس (3) قول مالك! وهذا تخليط لا نظير له! ويلزمه إبطال صوم كل من سافر فمشى في غبرة على هذا * ولم يبطل صوم من قبل أو باشر فلم ينعظ ولا أمذى ولا أمنى، ولا صوم من أمنى من غير نظر ولا لمس، ولا صوم تطوع بدخول الماء في حلق فاعله من المضمضة، ولا صوم متطوع صب الماء في حلقه وهو نائم! وهذا عجب جدا! أن يكون أمر واحد (4) يبطل صوم الفرض ولا يبطل صوم التطوع! * ولم يبطل صوم من جن، أو أغمى عليه أقل النهار، وهذا عجب آخر! * ولم يبطل صوم من نام النهار كله، وهذا عجب زائد! * ولا ندرى قوله فيمن نوى الفطر أقل النهار: أرى عليه القضاء ويبطل صومه بذلك؟ أم يرى صومه تاما؟! الا أنه لا يرى فيه كفارة بلا شك * ولم يبطل الصوم بالفتائل تستدخل لدواء، ولا نقف الآن على قوله في السعوط (


(1) في النسخة رقم (16) (صلى) بدل (وطئ) وهو خطأ غريب (2) في النسخة رقم (16) (في رمضان) (3) في النسخة رقم (14) (قياد) (4) في النسخة رقم (16) (امرؤ واحد) وهو خطأ *

[ 194 ]

والتقطير في الاذن * ولم يبطل الصوم بكحل في العين لا عقاقير فيه، ولا بمن تعمد بلع ما يخرج من بين أضراسه من الحذيذة ونحوها، ولا بمضغ العلك، وان استدعى الريق، وكرهه * قال أبو محمد: ان كان لا يبطل الصوم فلم كرهه؟! * وهذه اقوال لانحتاج من ابطالها إلى أكثر من ايرادها! * وأما الحنيفيون فأفسد الطباق أقوالا، وأسمجها تناقضا (1) وأبعدها عن المعقول! * وهو أن أبا حنيفة أوجب الكفارة والقضاء على من وطئ في الفرج خاصة امرأة، حلالا له أو حراما، وعلى المرأة عن نفسها، وعلى من أكل ما يتغذى به، أو شرب ما يتغذى به، أو بلع لوزة خضراء، أو اكل طينا إرمينيا خاصة (2) * وأبطل صوم من لاط بانسان في دبره فأمنى، أو ببهيمة في قبل أو دبر فامنى، ومن بقى إلى بعد الزوال لا ينوى صوما، ومن قبل ذاكرا لصومه فامنى، ومن لمس كذلك فامنى، أو جامع كذلك دون الفرج فامنى، ومن تمضمض فدخل الماء في حلقه وهو ذاكر لصومه، ومن أكل، أو شرب، أو جامع (3) بعد طلوع الفجر وهو غير عالم بطلوعه ثم علم، ومن فعل شيئا من ذلك وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا بها لم تغرب، ومن جن في يوم من رمضان، أو أياما، أو الشهر كله الا ساعة واحدة منه، ومن أغمى عليه الشهر كله، ومن أغمى عليه بعد ما دخل رمضان، حاشا يوم الليلة التى أغمى عليه فيها، والمرضع تخاف على رضيعها، ومن أصبح صائما في السفر ثم جامع أو أكل أو شرب عامدا ذاكرا، ومن جامع أو أكل. أو شرب عمدا ثم مرض من نهاره ذلك، أو حاضت إن كانت امرأة، ومن أصبح في رمضان لا ينوى صوما ثم أكل. أو شرب. أو جامع في صدر النهار. أو في آخره، والمرأة تجامع وهى نائمة. أو مجنونة. أو مكرهة (4)، ومن احتقن أو استعط أو قطر في أذنه قطورا * واختلف قوليه فيمن قطر في إحليله قطورا، فمرة أبطل صومه، ومرة لم يبطله * وأبطل صوم من داوى جائفة به أو مأمومة بداوء رطب، والا فلا * وأبطل صوم من بلع حصاة عامدا، أو بلع جوزة رطبة أو يابسة، أو لوزة يابسة ومن رفع رأسه إلى السماء فوقع نقط من المطر في حلقه * (


(1) في النسخة رقم (16) (وافحشها تناقضا) (2) هكذا مذهب الحنفية، قال في فتح القدير (ج 2 ص 68 و 69) (وفي ابتلاع اللوزة الرطبة الكفارة لانها تؤكل كما هي بخلاف الجوزة فلذا افترقا) وقال ايضا: وتجب بالطين الارمني وبغيره على من يعتاد اكله كالمسمى بالطفل لا على من لم يعتده) (3) قوله (أو جامع) زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) (أو مدخلة) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (14) (نقطة) *

[ 195 ]

وأوجبوا في كل ذلك القضاء ولم يروا في شئ من ذلك كفارة * ولم يبطلوا صوم من لاط بذكر فأولج إلا أنه لم ينزل! ولا صوم من أتى بهيمة في قبل أو دبر الا أنه لم ينزل! ولا صوم من أولج في دبر امرأة الا أنه لم ينزل! ورأوا صومه في كل ذلك تاما صحيحا لا قضاء فيه ولا كفارة!! (1) * ولم يبطلوا صوم من اكتحل بعقاقير أو بغيرها، وصل إلى الحلق أو لم يصل، ولا صوم من تابع النظر إلى فرج امرأة فأمنى، ولا صوم من قبل أو باشر فامذى ولم يمن، ولا صوم من أكل ناسيا، أو جامع ناسيا، أو شرب ناسيا، ولا صوم من جامع أو شرب، أو أكل شاكا في الفجر ما لم يتبين أنه أكل بعد الفجر، أو جامع بعده، أو شرب بعده * ومنع للقادم من سفر فوجد امرأته قد طهرت من حيضها أو يجامعها، فليت شعرى! إن كانا صائمين، فهلا أوجب عليهما الكفارة؟! وإن كانا غير صائمين، فلم منعهما؟! * ولا أبطل صوم من أخرج من بين أسنانه طعاما أقل من حمصة فبلعه عامدا ذاكرا لصومه * قال أبو محمد فمن أعجب شأنا، أو أقبح قولا ممن يرى اللياطة (2) وإتيان البهيمة عمدا في نهار رمضان لا ينقض الصوم؟! * ويرى أن من قبل امرأته التى أباح الله تعالى له تقبيلها وهو صائم فأمنى فقد بطل صومه! * أو ممن فرق بين أكل ما يغذى وما لا يغذى؟! ولا ندرى من أين وقع لهم هذا؟! * وممن رأى أن من قبل زانية أو ذاكرا أو باشرهما في نهار رمضان فلم ينعظ ولا أمذى أن صومه صحيح (3) تام لا داخلة فيه؟! * ومن قبل امرأته التى أباح الله تعالى له تقبيلها وهو صائم فأنعظ أن صومه قد بطل ومن يرى على من أكل ناسيا القضاء ويبطل صومه * ويرى أن من أكل متعمدا ما يخرج من بين أضراسه من طعامه أن صومه تام * فهل في العجب أكثر من هذا! * (


(1) اما اتيان الذكر أو المرأة في الدبر فان مذهب الحنفية ابطال الصوم به ووجوب القضاء والكفارة سواء مع الانزال أو بدونه، الا انه روى عن ابى حنيفة (انه لا تجب الكفارة بالجماع في الموضع المكروه اعتبارا بالحد عنده والاصح انها تجب لان الجناية متكاملة لقضاء الشهوة) هذه عبارة الهداية بالحرف. واما اتيان البهيمة فقال في الهداية: (ولو جامع ميتة أو بهيمة فلا كفارة انزل أو لم ينزل) وقال صاحب العناية (فان انزل فعليه القضاء) فتح القدير (ج 2 ص 70) وانظر المبسوط للسرخسي (ج 3 ص 79) (2) كذا في الاصلين والمعروف بالواو ولم اجده بالياء (3) كلمة (صحيح) زيادة من النسخة رقم (16) *

[ 196 ]

والعجب كله في إيجابهم (1) الكفارة على بعض من أفطر من غير المجامع قياسا على المجامع، ثم إسقاطهم الكفارة عن بعض من أفطر من غير المجامع وكلاهما مفطر، وتركوا القياس في ذلك ولم يلتزموا النص! * وأوجبوا الكفارة على المكرهة على الوطئ، وهى غير عاصية بذلك، وأسقطوها عن المتعمد للقبل (2) فيمذى، وهو عاص! * فان قالوا: ليس عاصيا * قلنا: فالذي قبل فأمنى إذن ليس عاصيا، فلم أوجبتموها عليه؟! * وهذه تخاليط لا نظير لها! ولا متعلق لهم أصلا بشئ من الاخبار، لانهم فرقوا بين المفطرين في الحكم، فلم يأخذوا برواية من روى: (أن رجلا أفطر فأمره النبي عليه السلام بالكفارة) ولا برواية من روى (أن رجلا وقع على امرأته وهو صائم فأمره النبي عليه السلام بالكفارة) فيقتصروا عليه، ولا قاسوا عليه كل مفطر * وأسقطوا الكفارة عمن تعمد الفطر في قضاء رمضان، وفى صوم نذر، وفى شهرى الكفارة، وقد صح عن قتادة إيجاب الكفارة في قضاء رمضان إذا أفطر فيه عامدا، وتركوا ههنا القياس، لانه صوم فرض، وصوم فرض، وتعمد فطر، وتعمد فطر * فان قيل: فمن أين أسقطتم الكفارة عمن وطئ امرأة محرمة عليه في الفرج؟ وعن المرأة الموطوءة باكراه أو بمطاوعة؟ قلنا: لان النص لم يرد إلا فيمن وطئ امرأته، ولا يطلق على من وطئها في غير الفرج اسم واطئ، ولا اسم مواقع، ولا اسم مجامع، ولا أنه وطئها، ولا أنه وقع عليه، ولا أنه جامعها، إلا حتى يضاف إلى ذلك صلة البيان، فايجاب الكفارة على غير من ذكرنا مخالف للسنة وتعدى لحدود الله تعالى في ذلك، وإيجاب ما لم يوجبه * وأما المرأة فموطوءة، والموطوءة غير الواطئ فالامر في سقوط الكفارة عنها على كل حال أوضح من كل واضح * وأيضا: فان واطئ الحرام لا يصل إلى الوطئ الا بعد قصد إلى ذلك بكلام أو بطش ولابد، وكلا الامرين معصية تبطل الصوم، فلم يجامع إلا وصومه قط بطل. وبالله تعالى التوفيق * فان قيل: فانكم توجبونها على من وطئ امرأته أو أمته وهما حائضان * قلنا: لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجبها على من وطئ امرأته جملته، ولم يسأله: أحائضا (


(1) في النسخة رقم (16) (من ايجابهم) (2) جمع قبلة، وفي النسخة رقم (16) (للتقبيل) *

[ 197 ]

هي أم غير حائض؟ * 738 مسألة ومن وطئ عمدا (1) في نهار رمضان ثم سافر في يومه ذلك أوجن، أو مرض لا تسقط عنه الكفارة، لان ما أوجبه الله تعالى فلا يسقط بعد وجوبه الا بنص، ولا نص في سقوطها، لما ذكرنا. وقال أبوجنيفة وأصحابه: تسقط بالمرض ولا تسقط بالسفر * 739 مسألة وصفة الكفارة الواجبة هي كما ذكرنا في رواية جمهور أصحاب الزهري: من عتق رقبة (2) لا يجزئه غيرها مادام يقدر عليها، فان لم يقدر عليها (3) لزمه صوم شهرين متتابعين، فان لم يقدر عليها لزمه حينئذ اطعام ستين مسكينا * فان قيل: هلا (4) قلتم بما رواه يحيى الانصاري، وابن جريج، ومالك عن الزهري من تخييره بين كل ذلك (5)؟ * قلنا: لما قد بينا من أن هؤلاء اختصروا الحديث، وأتوا بالفاظهم أو بلفظ من دون النبي صلى الله عليه وسلم وأما سائر أصحاب الزهري فاتوا بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذى لا يحل تعديه أصلا، وبزيادة حكم الترتيب، ولا يحل ترك الزيادة * وبقولنا يقول أبو حنيفة، والشافعي، وأبو سليمان، وأحمد وجمهور الناس * وأما مالك فقال بما روى، الا أنه استحب الاطعام، وليس لهذا الاستحباب وجه أصلا * وأما أبو حنيفة فانه أجاز في الاطعام المذكور أن تطعم مسكينا واحدا ستين يوما، وهذا خلاف مجرد لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقع اسم ستين مسكينا على مسكين واحد أصلا * 740 مسألة ويجزئ في ذلك رقبة مؤمنة أو كافرة، صغيرة أو كبيرة، ذكر أو أنثى، معيب أو سليم، لعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعتق رقبة) فلو كان شئ من الرقاب التى تعتق لا يجزئ في ذلك لبينه عليه السلام، ولما أهمله حتى يبينه له غيره * ويجزئ في ذلك أم الولد، والمدبر، والمعتق بصفة، والى أجل، والمكاتب الذى لم يؤد شيئا من كتابته، ولا يجزئ في ذلك نصفان من رقبتين، ولامن بعضه حر * وقال أبو حنيفة بقولنا في الكافر والصغير * وقال مالك، والشافعي: لا يجزئ إلا مؤمنة، قالوا: قسنا ذلك على الرقبة في قتل الخطأ (


(1) كلمة (عمدا) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (2) كلمة (رقبة) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (16) (عليه) (4) في النسخة رقم (14) (فهلا) (5) في النسخة رقم (16) (بين ذاك) *

[ 198 ]

قال أبو محمد: والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا، لان مالكا لا يقيس حكم قاتل العمد على حكم (1)، قاتل الخطأ في الكفارة، فإذا لم يقس قاتلا على قاتل فقياس الواطئ على القاتل أولى بالبطلان، ان كان القياس حقا * والشافعي لا يقيس المفطر بالاكل على المفطر بالوطئ في الكفارة، فإذا لم يقس مفطرا (2) على مفطر فقياس المفطر على القاتل أولى بالبطلان، ان كان القياس حقا * وأيضا: فانه لا خلاف في ان كفارة الواطئ في رمضان يعوض فيها الاطعام من الصيام، ولا يعوض الاطعام من الصيام في كفارة قتل الخطأ (3) * فقد صح اجماعهم على ان حكم كفارة الواطئ مخالف لحكم كفارة القاتل، فبطل بهذا قياس احداهما على الاخرى * فان قالوا: ان النص لم يرد بالتعويض في كفارة القتل، وورد به في كفارة الوطئ (4) * قلنا: والنص لم يرد باشتراط مؤمنة في كفارة الوطئ وورد به في كفارة القتل، وهذا هو الحق * فان (5) قالوا: المؤمنة أفضل * قلنا: نعم، والعالم الفاضل (6) افضل من الجاهل الفاسق (7) قال تعالى: (قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون). وقال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) وانتم تجيزون فيها الجاهل الفاسق (8) * وأما المعيب فكلهم متفق على إجازة العيب الخفيف فيها، ولم يأت نص، ولا اجماع، ولا قياس بالفرق بين العيوب في ذلك * وأيضا فلا سبيل لهم إلى تحديد الخفيف الذى أجازوه من الكثير الذى لا يجيزونه فصح انه رأى فاسد من آرائهم * وقال أبو حنيفة: يجزئ الاعور، والمقطوع اليد أو الرجل أو كليهما من خلاف، والمقطوع (9) اصبعين من كل يد، سوى الابهامين، ولا يجزئ الاعمى، ولا المقعد، ولا المقطوع يدا ورجلا من جانب واحد، ولا مقطوع الابهامين فقط من كلتى (10) يديه (


(1) كلمة (حكم) زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) (مفطر) (3) في النسخة رقم (14) (في كفارة القتل في الخطأ) (4) في النسخة رقم (16) (الواطئ) (5) كلمة (فان) حذفت خطأ من النسخة رقم (16) (6) كلمة (الفاضل) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (7) كلمة (الفاسق) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (8) في النسخة رقم (16) (الجاهل والفاسق) بزيادة الواو، وما هنا احسن (9) في النسخة رقم (16) (والمقطوعين) وهو خطأ (10) كذا في النسخة رقم (16) على طريقة المؤلف في استعمال كلا وكلتا على لغة من يجعلهما كالمثنى مطلقا، وفي النسخة رقم (14) (كلتا) على الجادة، واظنه من اصلاح ناسخها *

[ 199 ]

ولا مقطوع ثلاث (1) اصابع من كل يد! * قال أبو محمد: وهذه تخاليط قوية بمرة! ولو كان شئ (2) من هذا لا يجزئ لبينه عليه السلام * وأما أم الولد والمدبر فلا خلاف في ان العتق جائز فيهما، وحكمه واقع عليهما إذا عتقا (3)، فمعتق كل واحد منهما يسمى معتق رقبة، وعتق كل واحد منهما عتق رقبة بلا خلاف، فوجب ان من اعتق احدهما في ذلك فقد فعل ما أمره الله تعالى به * وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجزئان * وقال الشافعي: لا تجزئ أم الولد، لانها لا تباع * قال أبو محمد: فكان ماذا؟! وهل اشترط عليه السلام إذ امر في الكفارة بعتق رقبة أن تكون ممن يجوز بيعها؟! حاش لله من هذا، فإذ لم يشترط عليه السلام هذه الصفة فاشتراطها باطل، وشرع في الدين لم يأذن به الله تعالى: (وما كان ربك نسيا) * وأجاز الشافعي في ذلك عتق المدبر * وممن أجاز عتق أم الولد، والمدبر في ذلك عثمان البتى، وأبو سليمان * وأما المكاتب الذى لم يؤد شيئا فقد ذكرنا أنه عبد، وممن أجازه في الكفارة دون من أدى شيئا من كتابته أبو حنيفة، واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه * وأما المكاتب الذى أدى شيئا من كتابته ومن بعضه حر فقد ذكرنا في كتاب الزكاة شروع الحرية فيه بقدر ما أدى، فمن أعتق باقيهما (4) فانما أعتق بعض رقبة، لا رقبة، فلم يؤد ما أمر به، وممن قال بقولنا في أنهما لا يجزئان أبو حنيفة، واحمد، واسحق * وأما من أعتق نصفى رقبتين فلا يسمى معتق رقبة كما ذكرنا، ولانه يعتق عليه سائرهما (5) بحكم آخر ولابد، فإذا لم يكن معتق رقبة في ذلك فلم يؤد ما أمر به * وأما المعتق إلى أجل وان قرب أو بصفة فعتقهما وبيعهما جائز، أما المعتق فلا خلاف منهم نعلمه فيه. وممن أجازهما في الكفارة الشافعي وغيره، ومعتقهما يسمى معتق رقبة * 741 مسألة وكل ما قلنا: انه لا يجزئ فانه عتق مردود باطل لا ينفذ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). ولانه لم يعتقه إلا بصفة لم تصح، فلم يصح عتقه. وبالله تعالى التوفيق * (


(1) في النسخة رقم (14) (الثلاث) (2) في النسخة رقم (14) (شيئا) وهو لحن (3) في النسخة رقم (16) (اعتقا) (4) في النسخة رقم (16) (باقيها) (5) في النسخة رقم (16) (سائرها) وهو خطأ *

[ 200 ]

742 مسألة ومن كان فرضه الصوم فقطع صومه عليه رمضان، أو أيام الاضحى، أو مالا يحل صيامه فليسا متتابعين، وانما أمر بهما متتابعين * وقال قائل: يجزئه * قال على: وهذا خلاف أمره صلى الله عليه وسلم، وليس كونه معذورا في إفطاره غير آثم ولا ملوم بمجيز له ما لم يجوزه الله تعالى من عدم التتابع (1) * وروينا من طريق الحجاج بن المنهال عن أبى عوانة عن المغيرة عن ابراهيم: من لزمه شهران متتابعان فمرض فأفطر فانه يبتدئ صومهما * 743 مسألة فان اعترضه فيهما يوم نذر نذره بطل النذر وسقط عنه، وتمادى في صوم الكفارة، وكذلك في رمضان سواء سواء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كتاب الله أحق وشرط الله أوثق) فصح أنه ليس لاحد أن يلتزم غير ما ألزمه الله تعالى، ومن نذر ما يبطل به فرض الله تعالى فنذره باطل. لانه تعدى لحدود الله عزوجل * 744 مسألة فان بدأ بصومهما في أول يوم من الشهر صام إلى أن يرى الهلال الثالث ولابد، كاملين كانا أو ناقصين، أو كاملا وناقصا لقول الله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله). فمن لزمه صوم شهرين لزمه أن يأتي بهما من جملة الاثنى عشر شهرا المذكورة * 745 مسألة فان (2) بدأ بهما في بعض الشهر ولو لم يمض منه إلا يوم، أو لم يبق منه الا يوم فما بين ذلك: لزمه صوم ثمانية وخمسين يوما لا أكثر * لما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبد العزيز بن عبد الله ثنا سليمان بن بلال عن حميد عن أنس بن مالك قال: (آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه فأقام في مشربة (3) تسعا وعشرين ليلة ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرا؟ فقال: إن الشهر يكون تسعا وعشرين) * ورويناه من طريق متواترة جدا كذلك من طريق ابن جريج عن ابى الزبير: انه سمع جابرا، ومن طريق عكرمة بن عبد الرحمن عن امة سلمة، ومن طريق سعد بن عمرو، (5) (


(1) في النسخة رقم (14) (من عدم تتابع) (2) في النسخة رقم (14) (وان) (3) بضم الراء وفتحها وهى الغرفة، وقيل هي كالصفة بين يدى الغرفة، والجمع مشربات ومشارب، واما المشربة بفتح الراء من غير ضم فانها الموضع الذى يشرب منه كالمشرعة. ويقال (طعام مشربة) بفتح الراء إذا كان يشرب عليه الماء كثيرا، وكل هذا بفتح الميم، واما بكسرها مع فتح الراء فانه إناء يشرب فيه (4) هو عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشى المخزومى مات سنة 103 وحديثه عند البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (5) هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وفى النسخة رقم (14) (سعيد بن عمر) وهو خطأ *

[ 201 ]

وجبلة بن سحيم، وعمرو بن دينار، وعقبة بن حريث، وسعد بن عبيدة، كلهم عن ابن عمر، ومن طريق اسماعيل بن أبى خالد عن محمد بن سعد بن أبى وقاص عن ابيه، ومن طريق الزهري عن عروة عن عائشة كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأسانيد في غاية الصحة. فإذ الشهر (1) يكون تسعا وعشرين ويكون ثلاثين، فلا يلزمه الا اليقين، وهو الاقل * وقال قائلون: عليه أن يوفى ستين يوما ليكون على يقين من اتمام الشهرين * قال أبو محمد: وهذا خطأ، لان الله تعالى انما ألزمه شهرين، ولم يقل كاملين كل شهر من ثلاثين يوما، فانما عليه ما يقع عليه اسم شهرين، واسم شهرين (2) يقع بنص كلامه عليه السلام على تسع وعشرين وتسع وعشرين، والفرائض لا تلزم الا بنص، أو اجماع * ويلزم من قال هذا من الحنيفيين أن يقول: لا تجزئ الرقبة الا مؤمنة، ليكون على يقين من أنه قد أدى الفرض في الرقبة * ويلزم من قال بهذا من المالكيين والشافعيين أن يقول: لا تجزئ إلا غداء وعشاء، أو غداء وغداء، أو عشاء وعشاء، كما يقول الحنيفيون، ولا يجزئ الا صاع من شعير لكل مسكين، أو نصف صاع بر: ليكون على يقين من أداء فرض الاطعام * 746 مسألة ومن كان فرضه الاطعام فانه لابد له من أن يطعمهم شبعهم، من أي شئ أطعمهم، وان اختلف، مثل أن يطعم بعضهم خبزا، وبعضهم تمرا، وبعضهم ثريدا، وبعضهم زبيبا، ونحو ذلك، ويجزئ في ذلك مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، إن أعطاهم حبا أو دقيقا أو تمرا أو زبيبا أو غير ذلك مما يؤكل ويكال، فان أطعمهم طعاما معمولا فيجزئه ما أشبعهم أكلة واحدة، أقل أو أكثر * حدثنا أحمد بن عمر ثنا عبد الله بن حسين بن عقال ثنا بكار بن قتيبة ثنا مؤمل هو ابن اسمعيل الحميرى ثنا سفيان هو الثوري عن منصور هو ابن المعتمر عن الزهري عن حميد هو ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر خبر الواطئ في رمضان، قال: (فأتى النبي صلى الله عليه وآله بمكتل فيه خمسة عشر يعنى صاعا: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خذه فأطعمه عنك) * قال على: فأجزأ هذا في الاطعام * وكان اشباعهم من أي شئ أشبعهم مما يأكل الناس: يسمى اطعاما، والبر (


(1) في النسخة رقم (14) (فاذن الشهر) (2) في النسخة رقم (16) (واسم الشهر) بالافراد وهو خطأ *

[ 202 ]

يؤكل مقلوا فكل ذلك اطعام، ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نص ولا إجماع، ولم يختلف فيما دون الشبع في الاكل وفيما دون المد في الاعطاء أنه لا يجزئ * وقال أبو حنيفة: لا يجزئ إلا نصف صاع بر، أو مثله من سويقه أو دقيقه، أو صاع من شعير، أو زبيب، أو تمر، لكل مسكين، ولابد من غداء وعشاء، أو غداء، وغداء، أو عشاء وعشاء، أو سحورا وغداء، أو سحور وعشاء! * قال أبو محمد: وهذا تحكم وشرع لم يوجبه نص ولا إجماع لا قياس ولا قول صاحب! * 747 مسألة ولا يجزئ (1) إطعام رضيع لا يأكل الطعام، ولا إعطاؤه من ذلك، لانه لا يسمى إطعاما، فان كان يأكل كما تأكل الصبيان أجزأ إطعامه وإشباعه، وإن أكل قليلا، لانه أطعم (2) كما أمر، وبالله تعالى التوفيق * 748 مسألة ولا يجزئ اطعام أقل من ستين، ولا صيام أقل من شهرين، لانه خلاف ما أمر به * 749 ومن كان قادرا حين وطئه على الرقبة لم يجزه غيرها، افتقر بعد ذلك أو لم يفتقر، ومن كان عاجزا حينئذ قادرا على صيام شهرين متتابعين لم يجزه شئ غير الصيام، أيسر بعد ذلك ووجد رقبة أو لم يوسر، ومن كان عاجزا حين ذلك عن الرقبة وعن الصيام قادرا على الاطعام لم يجزه غير الاطعام، قدر على الرقبة أو الصوم بعد ذلك أو لم يقدر، لان كل ما ذكرنا هو فرضه بالنص والاجماع، فلا يجوز سقوط فرضه وإيجاب فرض آخر عليه بغير نص ولا إجماع (3) * وقال قائلون: ان دخل في الصوم فأيسر انتقل حكمه إلى الرقبة * وهذا خطأ، وقول بلا برهان * 750 مسألة فمن لم يجد الا رقبة لاغنى به عنها، لانه يضيع بعدها أو يخاف على نفسه من حبها: لم يلزمه عتقها، لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر (


(1) في النسخة رقم (14) (ولا يجوز) (2) في النسخة رقم (16) (لانه اطعام) (3) نعم هو فرضه حين وطئ، ولكن عجزه حين الكفارة أو يساره له حكمه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الواطئ عن حاله في وقت الاستفتاء ولم يسأله عنه وقت الوطئ ولعله تغير، ثم من لم يجد رقبة بعد ان كانت ماذا يفعل و (لا يكلف الله نفسا الا وسعها). (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ولا حرج اكثر من الزامه ان يعتق أو يصوم وهو غير قادر، والعبرة بالقدرة حين الفعل لا حين الوجوب كما هو الظاهر، وعجيب من المؤلف ان يجيز لمن يجد رقبة يخاف على نفسه من حبها! ان اعتقها: ان يدع العتق طوعا للحب ولا يجيز لمن وجبت عليه رقبة ثم عجز عنها ان يدع العتق! وهذا أشد عجزا من ذلك *

[ 203 ]

ولا يريد بكم العسر) وكل ما ذكرنا حرج وعسر لم يجعله تعالى علينا، ولا أراده منا، وفرضه حينئذ الصيام، فان كان في غنى عنها وهو قائم بنفسه ولا مال له فعليه عتقها، لانه واجد رقبة لا حرج عليه في عتقها * 751 مسألة ومن كان عاجزا عن ذلك كله (1) ففرضه الاطعام، وهو باق عليه، فان وجد طعاما وهو إليه محتاج أكله هو وأهله وبقى الاطعام دينا عليه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالاطعام فأخبره أنه لا يقدر عليه، فأتاه التمر فأعطاه إياه وأمره بأن يطعمه عن كفارته، فصح أن الاطعام باق عليه وان كان لا يقدر عليه، وأمره عليه السلام بأكله إذ أخبره أنه محتاج إلى أكله، ولم يسقط عنه ما قد ألزمه إياه من الاطعام، لا يجوز سقوط ما افترضه عليه السلام، إلا باخبار منه عليه السلام بأنه قد أسقطه وبالله تعالى التوفيق * 752 مسألة والحر والعبد في كل ما ذكرنا سواء ويطعم من ذلك الحر والعبد، لان حكم رسول الله صلى الله عليه وآله جاء عموما، لم يخص منه حر من عبد، وإذا كان العبد مسكينا فهو مممن أمر باطعامه ولا تجوز معارضة (2) أمره عليه السلام بالدعاوي الكاذبة وبالله تعالى نتأيد * 753 مسألة ولا ينقض الصوم حجامة، ولا احتلام ولا استمناء، ولا مباشرة الرجل امرأته أو أمته المباحة له فيما دون الفرج، تعمد الامناء أم لم يمن، أمذى أم لم يمذ (3)، ولا قبلة كذلك فيهما ولا قئ غالب، ولا قلس خارج من الحلق، ما لم يتعمد رده بعد حصوله في فمه وقدرته على رميه، ولا دم خارج من الاسنان أو الجوف، ما لم يتعمد بلعه، ولا حقنة، ولا سعوط ولا تقطير في أذن، أو في إحليل، أو في أنف، ولا استنشاق وان بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد، ولا كحل (4) أو ان بلغ إلى الحلق نهارا أو ليلا بعقاقير أو بغيرها، ولا غبار (5) طحن، أنو غربلة دقيق، أو حناء، أو غيرذلك، أو عطر، أو حنظل، أو أي شئ كان، ولا ذباب دخل الحلق بغلبة، ولامن رفع رأسه فوقع في حلقه نقطة (6) ماء بغير تعمد لذلك منه، ولا مضغ زفت أو مصطكى، أو علك، ولا من تعمد أن يصبح جنبا، (


(1) في النسخة رقم (16) (عن كل ذلك) (2) في النسخة رقم (16) (ولا تحل معارضة) (3) في الاصلين هكذا، لا ان في النسخة رقم (14) (أو) بدل (ام) في الموضعين، ولعل في الكلام حذفا، وكان السياق ان يقول (تعمد الامناء ام لم يتعمد، امني ام لم يمن، امذى ام لم يمذ) (4) في النسخة رقم (16) (ولا بكحل) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (14) (ولا بغبار) وهو خطأ (6) في النسخة رقم (16) (نقط) *

[ 204 ]

ما لم يترك الصلاة، ولا من (1) تسحر أو وطئ وهو يظن أنه ليل فإذا بالفجر كان قد طلع (2)، ولا من أفطر بأكل أو وطئ، ويظن أن الشمس قد غربت فإذا بها لم تغرب، ولامن أكل أو شرب أو وطئ ناسيا لانه صائم، وكذلك من عصى ناسيا لصومه، ولاسواك برطب أو يابس، ولا مضغ طعام أو ذوقه، ما لم يتعمد بلعه، ولا مداواة جائفة أو مأمومة بما يؤكل أو يشرب أو بغير ذلك، ولا طعام وجد بين الاسنان أي وقت من النهار وجد، إذ رمى، ولا من أكره على ما ينقض الصوم، ولا دخول حمام، ولا تغطيس في ماء، لا دهن شارب * أما الحجامة. قال أبو محمد: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ثوبان، وشداد ابن أوس، ومعقل بن سنان، وأبى هريرة، ورافع بن خديج وغيرهم: أنه قال: (افطر الحاجم والمحجوم) فوجب الاخذ به، الا أن يصح نسخه (3) * وقد ظن قوم أن الرواية عن ابن عباس: (احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم) ناسخة (4) للخبر المذكور، وظنهم في ذلك باطل، لانه قد يحتجم عليه السلام وهو مسافر فيفطر، وذلك مباح، أو في صيام تطوع فيفطر، وذلك مباح * والعجب كله ممن يقول في الخبر الثابت أنه عليه السلام (مسح على العمامة): لعله كان مريضا! ثم لا يقول ههنا: لعله كان مريضا! * وأيضا فليس في خبر ابن عباس أن ذلك كان بعد إخباره عليه السلام أنه أفطر الحاجم والمحجوم، ولا يترك حكم متيقن لظن كاذب * وأيضا: فلو صح أن خبر ابن عباس بعد خبر من ذكرنا لما كان فيه إلا نسخ إفطار المحجوم لا الحاجم، لانه قد يحجمه عليه السلام غلام لم يحتلم * قال أبو محمد: لكن وجدنا ما حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي وأحمد بن عمر العذري قال التميمي: ثنا محمد بن معاوية القرشى المروانى ثنا أحمد بن شعيب انا ابراهيم بن سعيد ثنا إسحاق بن يوسف الازرق عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء، وقال العذري ثنا عبد الله ابن الحسين بن عقال الاسدي القرشى ثنا ابراهيم بن محمد الدينورى ثنا محمد بن احمد بن الجهم (5) ثنا موسى بن هرون ثنا إسحاق بن راهويه أنا المعتمر بن سليمان عن حميد، ثم اتفق خالد الحذاء وحميد كلاهما عن أبى المتوكل الناجى عن أبى سعيد الخدرى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في الحجامة للصائم) زاد حميد في روايته: (والقبلة) * (


(1) في النسخة رقم (16) (ومن) بحذف (لا) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (قد كان طلع) (3) حديث (افطر الحاجم والمحجوم) ورد من طرق كثيرة، وانظر التلخيص - لابن حجر (ص 190) (4) في النسخة رقم (14) (ناسخا) (5) في النسخة رقم (16) (محمد بن الجهم) *

[ 205 ]

قال على: ان أبا نضرة، وقتادة أوقفاه عن أبى المتوكل (1) على أبى سعيد، وان ابن المبارك أوقفه عن خالد الحذاء (2) عن أبى المتوكل على أبى سعيد، ولكن هذا لا معنى له إذا أسنده الثقة، والمسند ان له عن خالد وحميد ثقتان، فقامت به الحجة، ولفظة (أرخص) لا تكون إلا بعد نهى، فصح بهذا لخبر نسخ الخبر الاول * وممن قال بأن الحجامة تفطر على بن أبى طالب، وأبو موسى الاشعري، وعبد الله ابن عمر، وغيرهم * ولم يرها تفطر ابن عباس، وزيد بن أرقم وغيرهما * وعهدنا بالحنيفيين يقولون: ان خبر الواحد لا يقبل فيما تعظم به البلوى، وهذا مما تكثر به البلوى، وقد قبلوا فيه خبر الواحد (3) مضطربا * وأما الاحتلام فلا خلاف في أنه لا ينقض الصوم، إلا ممن لا يعتد به * وأما الاستمناء فانه لم يأت (4) نص بأنه ينقض الصوم * والعجب كله ممن لا ينقض الصوم فعل قوم لوط، واتيان البهائم وقتل الانفس، والسعى في الارض بالفساد، وترك الصلاة، وتقبيل نساء المسلمين عمدا إذا لم يمن ولا أمذى: ثم ينقضه بمس الذكر إذا كان معه امناء! وهم لا يختلفون أن مس الذكر لا يبطل الصوم، وأن خروج المنى دون عمل لا ينقض الصوم، ثم ينقض الصوم باجتماعهما، وهذا خطأ ظاهر لا خفاء به (5)! * والعجب كله ممن ينقض الصوم بالانزال للمنى إذا تعمد اللذة، ولم يأت بذلك نص، ولا اجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس: ثم لا يوجب به الغسل إذا خرج بغير لذة، والنص جاء بايجاب الغسل منه جملة! * وأما القبلة والمباشرة للرجل مع امرأته وأمته المباحة له فهما سنة حسنة، نستحبها للصائم، شابا كان أو كهلا أو شيخا، ولا نبال أكان معها إنزال مقصود إليه أو لم يكن * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا الحسن بن موسى ثنا شيبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن عبد العزيز اخبره ان عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم) * (


(1) في النسخة رقم (16) (على بن المتوكل) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (14) (على خالد الحذاء) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (خبرا واحدا) (4) في النسخة رقم (16) (فلم يأت) (5) بل هذه مغالطة مدهشة لا معنى لها *

[ 206 ]

وبه إلى مسلم: ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر غندر ثنا شعبة عن منصور عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن عائشة أم المؤمنين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر وهو صائم (1)) * وقال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) لا سيما من كابر على أن فعاله صلى الله عليه وسلم فرض * وقد روينا ذلك من طريق القاسم بن محمد بن أبى بكر، وعلى بن الحسين، وعمرو ابن ميمون، ومسروق، والاسود، وأبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، كلهم عن عائشة بأسانيد كالذهب * ورويناه بأسانيد في غاية الصحة عن امهات المؤمنين أم سلمة، وأم حبيبة، وحفصة (2) وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعمر بن أبى سلمة وغيرهم كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم * فادعى قوم أن القبلة تبطل الصوم * وقال قوم: هي مكروهة (3) * وقال قوم: هي مباحة للشيخ، مكروهة للشاب * وقال قوم: هي خصوص للنبى صلى الله عليه وسلم * فأما من أدعى انها خصوص له عليه السلام فقد قال الباطل، وما يعجز عن الدعوى من لا تقوى له * فان احتج في ذلك بما روى من قول عائشة رضى الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لاربه) * قلنا: لا حجة لك في قول عائشة هذا، لان عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا قال ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا اسماعيل بن الخليل ثنا على بن مسهر ثنا أبو إسحاق هو الشيباني عن عبد الرحمن بن الاسود بن يزيد عن أبيه عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كانت إحدانا إذا كانت حائضا فاراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك اربه كما كان رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم يملك اربه؟!) فان كان قولها ذلك في قبلة الصائم يوجب أنه له خصوص فقولها هذا في مباشرة الحائض يوجب أنها له أيضا خصوص، أو أنها مكروهة، أو أنها (5) للشيخ دون الشاب ولا يمكنهم ههنا دعوى الاجماع، لان ابن عباس وغيره كرهوا مباشرة الحائض جملة، (


(1) هذا والذى قبله في مسلم (ج 1 ص 305) (2) في النسخة رقم (16) (وام حفصة) وهو خطأ واضح (3) في النسخة رقم (16) (مطروحة) (4) في النسخة رقم (14) (كما كان النبي) (5) في النسخة رقم (16) (وانها) *

[ 207 ]

ولعمري ان مباشرة الحائض لاشد غررا لانه يبقى عن جماعها أياما وليالي فتشتد حاجته، وأما الصائم فالبارحة وطئها، والليلة يطؤها، فهو بشم من الوطئ! * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: أخبرني رجل من الانصار: (أنه قبل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ان رسول الله يفعل ذلك فأخبرته امرأته، فقال لها: ان النبي صلى الله عليه وآله رخص له في أشياء، فارجعي إليه، فرجعت إليه، فذكرت له ذلك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أتقاكم وأعلمكم بحدود الله) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى هرون بن سعيد الايلى ثنا ابن وهب أخبرني عمرو هو ابن الحارث عن عبد ربه بن سعيد عن عبد الله بن كعب الحميرى (1) عن عمر بن أبى سلمة المخزومى: (أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل هذه، يعنى أم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) يصنع ذلك، فقال: يارسول الله، قد غفر لك (4) ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إنى لاتقاكم لله وأخشاكم (6)) * فهذان الخبران يكذبان قول من ادعى في ذلك الخصوص له عليه السلام، لانه أفتى بذلك عليه السلام من استفتاه، ويكذب قول من ادعى أنها مكروهة للشاب مباحة للشيخ لان عمر بن أبى سلمة كان شابا جدا في قوة شبابه، إذ مات عليه السلام وهو ابن أم سلمة أم المؤمنين (7)، وزوجه النبي صلى الله عليه وسلم بنت حمزة عمه رضى الله عنه (8) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أخبرنا قتيبة بن سعيد ثنا أبو عوانة عن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن طلحة بن عبد الله بن عثمان (


(1) في النسخة رقم (16) (عن عبد ربه بن سعيد بن عبد الله بن كعب الحميرى) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (14) (فقال له عليه السلام) وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 305) (3) في النسخة رقم (14) (انه عليه السلام). ما هنا هو الموافق لمسلم (4) في مسلم (قد غفر الله لك) (5) في مسلم (فقال له) (6) في مسلم (واخشاكم له) (7) كلمة (ام المؤمنين) زيادة من النسخة رقم (14) (8) الكلام ناقص لم يذكر سن عمر حين موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في هذا كثيرا فزعم بعضهم انه ولد في السنة الثامنة للهجرة، وقال عبد الله بن الزبير ان عمر اكبر منه بسنتين، وابن الزبير ولد في السنة الاولى، وهذا الحديث يدل على انه كان اكبر سنا من ذلك، وقد ورد من طريق صحيح انه هو الذى تولى زواج امه أم سلمة رضى الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل ان الذى زوجها هو اخوه سلمة، وان سلمة ايضا هو الذى تزوج امامة بنت حمزة رضى الله عنهم، فليحرر هذا الموضع فانه دقيق جدا ويحتاج إلى تحقيق *

[ 208 ]

القرشى عن عائشة أم المومنين قالت: (أهوى النبي صلى الله عليه وسلم ليقبلني، فقلت: إنى صائمة فقال: وأنا صائم، فقبلني) * وكانت عائشة إذ مات عليه السلام بنت ثمان عشرة سنة * فظهر بطلان قول من فرق في ذلك بين الشيخ والشاب، وبطلان قول من قال: انها مكروهة، وصح أنها حسنة مستحبة، سنة من السنن، وقربة من القرب إلى الله تعالى اقتداءا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ووقوفا عند فتياه بذلك * وأما ما تعلق (1) به من كرها للشاب فانما هما حديثا سوء روينا أحدهما من طريق فيها ابن لهيعة، وهو لا شئ، وفيها قيس مولى تجيب، وهو مجهول لا يدرى من هو؟ والآخر من طريق اسرائيل، وهو ضعيف، عن أبى العنبس، ولا يدرى من هو؟ عن الاغر عن أبى هريرة، في كليهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في قبلة الصائم للشيخ ونهى عنها الشاب) فسقطا جميعا * وأما من أبطل الصوم بها فانهم احتجوا بقول الله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) ففى هذه الآية المنع من المباشرة * قلنا: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إباحة المباشرة، وهو المبين عن الله تعالى مراده منا، فصح أن المباشرة المحرمة في الصوم إنما هي الجماع فقط * ولا حجة في هذه الآية لحنيفي ولا لمالكي، فانهم (2) يبيحون المباشرة، ولا يبطلون الصوم بها أصلا (3)، وانما يبطلونه بشئ يكون معها، من المنى أو المذى فقط، وإنما هي حجة لمن منع المباشرة وأبطل الصوم بها * وهؤلاء أيضا قد احتجوا بخبرين: روينا أحدهما من طريق أبى أسامة حماد بن أسامة عن عمر بن حمزة أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه قال قال عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فرأيته لا ينظرني، فقلت: يارسول الله، ما شأني؟ فقال: ألست الذى تقبل وأنت صائم؟! قلت: فوالذي بعثك بالحق (4) لا أقبل بعدها وأنا صائم * قال أبو محمد: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات! لا سيما وقد أفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر في اليقظة حيا باباحة القبلة للصائم، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام ميتا! نعوذ بالله من هذا * (


(1) في النسخة رقم (16) (يتعلق) (2) في النسخة رقم (14) (لانهم) (3) كلمة (أصلا) زيادة من النسخة رقم (14) (4) كلمة (بالحق) زيادة من النسخة رقم (14) *

[ 209 ]

ويكفى من هذا كله ان عمربن حمزة لا شئ (1) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك (2) ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا عيسى بن حماد هو زغبة (3) عن الليث بن سعد عن بكير بن عبد الله بن الاشج عن عبد الملك بن سعد الساعدي الانصاري عن جابر بن عبد الله قال قال عمر بن الخطاب: (هششت فقبلت وانا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وانا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فمه؟!) * والخبر الثاني الذى (5) رويناه من طريق اسرائيل وهو ضعيف عن زيد ابن جبير عن أبى يزيد الضبى وهو مجهول عن ميمونة بنت عتبة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عمن قبل امرأته وهما صائمان؟ فقال: قد أفطرا (6)) * قال أبو محمد: حتى لو صح هذا لكان حديث أبى سعيد الخدرى الذى ذكرنا في باب الحجامة للصائم انه عليه السلام أرخص في القبلة للصائم نا سخاله * وممن روى عنه ابطال الصيام بالقبلة من طريق سعيد بن المسيب (7): ان عمر كان ينهى عن القبلة للصائم، فقيل له: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم) فقال: ومن ذاله من الحفط والعصمة ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ * ومن طريق عمران بن مسلم عن زاذان عن ابن عمر قال في الذى يقبل وهو صائم، فقال (8): ألا يقبل جمرة؟! * وعن مورق (9) عنه: أنه كان ينهى عنها * ومن طريق على بن أبى طالب قال (10): ما تريد إلى خلوف فيها؟! دعها حتى تفطر * (


(1) عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر ضعفه احمد، وابن معين، والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم: احاديثه كلها مستقيمة (2) في النسخة رقم (16) (عمر بن عبد الله) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (14) عيسى هو ابن حماد هو زغبة)، و زغبة بظم الزاى واسكان الغين المعجمة وبعدها باء موحدة (4) كلمة (أرأيت) زيادة من النسخة رقم (14) (5) كلمة (الذى) زيادة من النسخة رقم (14) (6) في النسخة رقم (14) (عن ميمونة بنت عتبة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن قبل امرأته وهما صائمان فقال: قد افطر) وهو خطأ ظاهر (7) كذا في الاصلين والمراد ظاهر، ولعل في الكلام نقصا (8) قوله (قال) وقوله (فقال) محذوفان في النسخة رقم (14) (9) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة، وهو مورق بن مشمرج - بضم الميم وفتح الشين المعجمة واسكان الميم وكسر الراء أو فتحها - أو ابن عبد الله العجلى الكوفى التابعي، وفي الاصلين (مواق) وهو خطأ وليس في رجال الحديث من يسمى هكذا الا ابن المواق وهو مغربي متأخر (10) كلمة (قال) زيادة من النسخة رقم (16) *

[ 210 ]

وعن الهزهاز (1): أن ابن مسعود سئل عمن قبل وهو صائم؟ فقال: أفطر، ويقضى يوما مكانه * وعن حذيفة قال: من تأمل خلق (2) امرأته وهو صائم بطل صومه * وعن الزهري عن ثعلبة بن عبد الله بن أبى صعير: رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهون عن القبلة للصائم * ومن طريق شريح: أنه سئل عن قبلة الصائم؟ فقال: يتقى الله ولا يعد (3) * وعن أبى قلابة: انه نهى عنها * وعن محمد بن الحنيفة: انما الصوم من الشهوة، والقبلة من الشهوة * وعن أبى رافع قال: لا يقبل الصائم * وعن مسروق: أنه سئل عنها؟ فقال: الليل قريب! * وقال (4) ابن شبرمة: إن قبل الصائم أفطر وقضى (5) يوما مكانه * ومن كرهها: روينا عن سعيد بن المسيب: القبلة تنقص (6) الصوم ولا تفطر * وعن ابراهيم النخعي: أنه كرهها * وعن عبد الله بن مغفل: أنه كرهها * وعن سعيد بن جبير: انه قال: لا بأس بها، وانها لبريد سوء! * وعن عروة بن الزبير قال: لم أر القبلة تدعوا إلى خير، يعنى للصائم * وصح عن ابن عباس: أنه قال: هي دليل إلى غيرها، والاعتزال أكيس * وكرهها مالك * ومن فرق بين الشيخ والشاب: روينا من طريق ابن المسيب عن عمر بن الخطاب، ومن طريق أبى مجلز (7) عن ابن عباس، ومن طريق ابن أبى مليكة عن أبى هريرة، ومن طريق نافع عن ابن عمر، ومن طريق هشام بن الغاز (8) عن مكحول، ومن طريق حريث عن الشعبى: أنهم كلهم رخصوا في قبلة الصائم للشيخ وكرهوها للشاب * ومن كره المباشرة للصائم: روينا من طريق عطاء عن ابن عباس: أنه سئل عن (


(1) كذا في الاصلين ولم اجد له ترجمة، الا في تاريخ الطبري (ج 4 ص 130) ذكر الهزهاز بن عمرو العجلى في القواد في سنة 14 وذكره ابن حجر في الاصابة (ج 6 ص 284) على انه صحابي، وفى ابن سعد (ج 7 ق 2 ص 6) ترجمة (نصر بن زياد أبو الهزهاز العجلى) وقال انه قليل الحديث، وانا اظن ان الاول ارجح وانه غير الثاني (2) بالخاء المعجمة، وفى النسخة رقم (16) بالمهملة وهو تصحيف (3) بضم العين نهى عن العود (4) في النسخة رقم (16) (وعن) (5) في النسخة رقم (16) (ويقضى) (6) في الاصلين بالضاد المعجمة، والسياق يقضى أن تكون بالمهملة (7) في النسخة رقم (16) (ابن ابى مجلز) وهو خطأ (8) في النسخة رقم (14) (الغازى) *

[ 211 ]

القبلة للصائم؟ فقال: لا بأس بها، وسئل: أيقبض على ساقها؟ قال: لا يقبض على ساقها، أعفوا (1) الصيام * ومن طريق مالك عن ابن عمر: أنه كان ينهى عن المباشرة للصائم * وعن الزهري: أنه نهى عن لمس الصائم وتجريده * وعن سعيد بن المسيب في الصائم يباشر قال: يتوب عشر مرار، إنه ينقص من صومه الذى يجرد أو يلمس، لك أن تأخذ بيدها وبأدنى جسدها وتدع أقصاه * وعن عطاء بن أبى رباح في الصائم يباشر النهار قال: لم يبطل صومه، ولكن يبدل يوما مكانه * وعن أبى رافع: لا يباشر الصائم * وكرهها مالك * ومن أباح المباشرة للشيخ ونهى عنها للشاب: روينا هذا عن ابن عمر، وعن ابن عباس، والشعبى * وأما من أباح كل ذلك: روينا من طريق عبد الرزاق عن مالك عن أبى النضر مولى عمر بن عبيدالله أن عائشة بنت طلحة بن عبيدالله أخبرته: أنها كانت عند عائشة أم المؤمنين فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق وهو صائم في رمضان، فقالت له عائشة أم المؤمنين: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها؟! فقال: أقبلها وأنا صائم؟! قالت: نعم * ومن طريق معمر عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن مسروق قال: سألت عائشة أم المؤمنين: ما يحل للرجل من أمرأته صائما؟ فقالت: كل شئ إلا الجماع * قال أبو محمد: عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها، وكانت أيام عائشة، هي وزوجها فتيين في عنفوان (2) الحداثة * وهذان الخبران يكذبان قول من لا يبالى بالكذب أنها أرادت بقولها: (وأيكم أملك لاربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم)؟ النهى عن اقبلة والمباشرة للصائم * ومن طريق عبد الله، وعبيدالله ابني عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن عمربن الخطاب كانت تقبله امرأته عاتكة بنت زيد بن عمر وهو صائم، فلا ينهاها * ومن طريق داود بن أبى هند عن سعيد بن جبير: أن رجلا قال لابن عباس: انى (


(1) في النسخة رقم (14) (عفوا) بدون همز وهو خطأ، لان (عف) فعل لازم (2) في الصحاح: (عنفوان الشئ أوله، يقال هو في عنفوان شبابه) اهم من حاشية النسخة رقم (14) *

[ 212 ]

تزوجت ابنة عم لى جميلة، فبنى بى في رمضان، فهل لى بأبى أنت وأمى إلى قبلتها من سبيل؟! فقال له ابن عباس: هل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: قبل، قال: فبابى أنت وأمى هل إلى مباشرتها من سبيل؟! قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: فباشرها، قال فهل لى إلى أن أضرب بيدى على فرجها من سبيل؟! قال: وهل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال اضرب. وهذه أصح طريق عن ابن عباس * وعن يحيى بن سعيد القطان عن حبيب بن شهاب (1) عن أبيه قال: سألت أبا هريرة عن دنوا الرجل من أمرأته وهو صائم؟ فقال: إنى لارف (2) شفتيها وأنا صائم * وعن زيد بن أسلم قال: قيل لابي هريرة: أتقبل وأنت صائم؟ قال: نعم وأكفحها معناه: أنه يفتح فاه إلى فيها (3) وسئل عن تقبيل غير امرأته؟! فاعرض بوجهه * ومن طريق صحاح عن سعد بن أبى وقاص: انه سئل: أتقبل وأنت صائم؟ قال: نعم، وأقبض على متاعها * وعن أبى المتوكل عن أبى سعيد الخدرى: أنه كان لا يرى: بالقبلة للصائم باسا * وعن سفيان بن عيينة عن زكريا هو ابن ابى زائدة عن الشعبى عن عمرو بن شرحبيل أن ابن مسعود كان يباشر امرأته نصف النهار وهو صائم. وهذه أصح طريق عن ابن مسعود * ومن طريق حنظلة بن سبرة بن المسيب بن نجبة الفزارى (4) عن عمته وكانت تحت حذيفة بن اليمان قالت: كان حذيفة إذا صلى الفجر في رمضان جاء فدخل معى في لحافى ثم يباشرني * وعن أبى ظبيان عن على بن أبى طالب: لا بأس بالقبلة للصائم * وعن مسعر عن سعيد بن مردان به (5) عن أبى كثير أن أم سلمة أم المؤمنين قالت (


(1) حبيب بن شهاب هذا بصرى وهو العنبري وهو ثقة وله ترجمة في تعجيل المنفعة (ص 84) (2) بضم الراء، والرف المص والترشف، والرفة المصة (3) هكذا فسر المؤلف الكلمة، وفسرها في اللسان بأنه (قبلها غفلة) وبمعنى (أتمكن من تقبيلها وأستوفيه من غير اختلاس من من المكافحة وهى مصادفة الوجه) وحكى عن أبى عبيد ان بعضهم رواها (وأقحفها) بالقاف وتقديم الحاء وفسرها بأنه (اراد شرب الريق من قحف الرجل ما في الاناء إذا شرب ما فيه) (4) نجبة بالنون والجيم والباء المفتوحات، ثم هكذا هو في الاصلين بهذا النسب ولم اجد في الرواة من يسمى حنظلة بن سبرة بن المسيب، واظن ان في النسخ خطأ وان صوابه (حنظلة بن سبرة عن المسيب بن نجبة) والمسيب هذا تابعي معروف بالرواية عن على وعن حذيفة وقتل في طلب دم الحسين سنة 65 وله ترجمة في الاصابة (ج 6 ص 174 و 175) وفى غيرها (5) كذا هو في الاصلين، وضبط في النسخة رقم (14) بفتح الميم والدال بينهما راء ساكنة، وبعد الالف نون ساكنة، وبعد ذلك باء موحدة مفتوحة ثم هاء ساكنة. ولم أجد له ذكرا ولا ترجمة *

[ 213 ]

له وقد تزوج في رمضان: لو دنوت، لو قبلت * ومن التابعين من طريق عكرمة: لا بأس بالقبلة والمباشرة للصائم، إنما هي كالكسرة يشتمها (1) * وعن الحسن البصري قال: يقبل الصائم ويباشر * وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه كان يقبل في رمضان نهارا ويفتى بذلك * وعن سعيد بن جبير إباحة القبلة للصائم * وعن الشعبى: لا بأس بالقبلة والمباشرة للصائم * وعن مسروق: أنه سئل عن تقبيل الصائم امرأته؟ فقال: ما أبالى أقبلتها أو قبلت يدى * فهؤلاء من الصحابة رضى الله عنهم عائشة وأم سلمة أما المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وعلى، وعاتكة بنت زيد، وابن عباس، وأبو هريرة، وسعد بن أبى وقاص، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدرى، وحذيفة، وما نعلم منهم أحدا روى عنه كراهتها الا وقد جاء عنه إباحتها باصح من طريق الكراهة، إلا ابن عمر وحده، ورويت الاباحة جملة عن سعد، وأبى سعيد، وعائشة، وأم سلمة، وعاتكة * قال أبو محمد: ولقد كان يجب لمن غلب القياس على الاثر أن يجعلها في الصيام بمنزلتها في الحج، ويجعل فيها صدقة كما جعل فيها هنالك، ولكن هذا مما تركوا فيه القياس. وبالله تعالى نتأيد * واذ قد صح (2) ان القبلة والمباشرة مستحبتان في الصوم وانه لم ينه الصائم في امرأته عن شئ الا الجماع: فسواء تعمد الامناء في المباشرة أو لم يتعمد! كل ذلك مباح لاكراهة في شئ من ذلك إذ لم يأت بكراهيته نص ولا إجماع، فكيف ابطال الصوم به! فكيف ان تشرع فيه كفارة؟ * وقد بينا مع ذلك من انه خلاف للسنة فساد قول من رأى الصوم ينتقض بذلك، لانهم، يقولون: خروج المنى بغير مباشرة لا ينقض الصوم، وان المباشرة إذا لم يخرج معها مذى ولا منى لا تنقض الصوم، وان الانعاظ دون مباشرة لا ينقض الصوم، فكل واحد من هذه على انفراد لا يكدح في الصوم اصلا، فمن أين لهم إذا اجتمعت ان تنقض (3) الصوم؟! هذا باطل لاخفاء به، الا ان يأتي بذلك نص، ولا سبيل إلى وجوده ابدا، لا من رواية صحيحة ولا سقيمة، واما توليد الكذب والدعاوى (


(1) في النسخة رقم (16) (يشمها) وشم واشتم بمعنى (2) في النسخة رقم (16) (وإذا صح) (3) في النسخة رقم (14) (ينتقضوا) *

[ 214 ]

بالمكابرة فما يعجز عنها من لا دين له (1) * وما رؤى قط حلال وحلال يجتمعان فيحرمان الا ان يأتي بذلك نص، وبهذا الدليل نفسه خالف الحنيفيون السنة الثابتة في تحريم نبيذ التمر، والزبيب يجمعان، ثم حكموا (2) به ههنا حيث لا يحل الحكم به، وبالله تعالى التوفيق * وهم يقولون: ان الجماع دون الفرج حتى يمنى لا يوجب حدا ولا يلحق به الولد، وكان يجب ان يفرقوا بينه وبين الجمع في ابطال الصوم به، مع ان نقض الصوم بتعمد الامناء خاصة لا نعلمه عن احد من خلق الله تعالى قبل ابى حنيفة، ثم اتبعه مالك، والشافعي * وأما القئ الذى لا يتعمد فقد جاء الاثر بذلك على ما ذكرنا قبل، ولا نعلم في القلس والدم الخارجين (3) من الاسنان لا يرجعان إلى الحق، خلافا في ان الصوم لا يبطل بهما، وحتى لوجاء في ذلك خلاف لما التفت إليه، إذ لم يوجب بطلان الصوم بذلك نص * وأما الحقنة والتقطير في الاحليل والتقطير في الاذن والسعوط والكحل ومداواة الجائفة والمأمومة: فانهم قالوا: ان ما وصل إلى الجوف والى باطن الرأس لانه جوف فانه ينقض الصوم، قياسا على الاكل * ثم تناقضوا، فلم ير الحينفيون والشافعيون في الكحل قضاء وان وصل إلى حلقه ولم ير مالك بالفتائل تستدخل لداواء بأسا للصائم، (4) ولم ير الكحل يفطر، إلا ان يكون فيه عقاقير * وقال الحسن بن حى: لا تفطر الحقنة ان كانت لدواء * وعن ابراهيم النخعي لا بأس بالسعوط للصائم * ومن طريق عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمى: ان أباه، ومنصور بن المعتمر، وابن أبى ليلى، وابن شبرمة كانوا يقولون: ان اكتحل الصائم فعليه ان يقضى يوما مكانه * قال أبو محمد: إنما نهانا (5) الله تعالى في الصوم عن الاكل والشرب والجماع وتعمد القئ والمعاصي، وما علمنا أكلا ولا شربا يكون على دبر، أو إحليل، أو أذن، أو عين، أو أنف أو من جرح في البطن أو الرأس! وما نهينا قط عن ان نوصل إلى الجوف بغير الاكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله! * والعجب ان من رأى منهم الفطر بكل ذلك لا يرى على من احتقن بالخمر أو صبها (


(1) كلمة (له) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (16) (ثم حكما) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (الخارجان) (4) في النسخة رقم (16) (في الصائم) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (14) (نهى) *

[ 215 ]

في اذنه حدا! فصح انه ليس شربا ولا أكلا * ثم تناقضهم في الكحل عجب جدا! وهو أشد وصولا إلى الحلق، ومجرى الطعام من الفطور في الاذن * واحتج بعضهم بانه كغبار الطريق، والطحين * فقيل له: ليس مثله، لان غبار الطريق والطحين لم يتعمد إيصاله إلى الحلق، والكحل تعمد إيصاله * وايضا: فان قياس السعوط على غبار الطريق والطحين أولى، لان كل ذلك مسلكه الانف، ولكنهم لا يحسنون قياسا، ولا يلتزمون نصا، ولا يطردون أصلا! (1) * أما المضمضة والاستنشاق فيغلبه الماء فيدخل حلقه عن غير تعمد * فان ابا حنيفة قال: إن كان ذاكرا لصومه فقد افطر وعليه القضاء، وان كان ناسيا فلا شئ عليه، وهو قول ابراهيم * وقال مالك: عليه القضاء في كل ذلك * وقال ابن أبى ليلى: لاقضاء عليه، ذاكرا كان أو غير ذاكر * وروينا عن بعض التابعين وهو الشعبى، وحماد وعن الحسن بن حى: إن كان ذلك في وضوء لصلاة فلا شئ عليه، وإن كان لغير وضوء فعليه القضاء * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيا أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وروينا قولنا في هذه المسألة عن عطاء بن أبى رباح * واحتج من أفطر بذلك بالاثر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإذا استنشقت فبالغ، الا أن تكون صائما) * قال أبو محمد: ولا حجة لهم فيه، لانه ليس فيه أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق، وانما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم وسقوط وجوب ذلك عن الصائم فقط، لانهيه عن المبالغة، فالصائم مخير بين أن يبالغ في الاستنشاق وبين أن لا يبالغ فيه، (2) وأما غير الصائم فالمبالغة في الاستشاق فرض عليه، والا كان مخالفا لامره عليه السلام بالمبالغة، ولو أن امرءا يقول: إن المبالغة في الاستنشاق تفطر الصائم لكان أدخل في التمويه منهم، لانه (3) ليس في هذا الخبر من وصول الماء (


(1) من أول قوله (ولا يلتزمون نصا) إلى هنا سقط من النسخة رقم (16) (2) هذا خلاف الظاهر من سياق الحديث (3) في النسخة رقم (16) (لانهم) وهو خطأ *

[ 216 ]

إلى الحلق أثر ولا عثير والاشارة (1) ولا دليل، ولكنهم لا يزالون يتكهنون في السنن ما يوافق آراءهم بالدعواوى الكاذبة! وبالله تعالى التوفيق * وأما الذباب يدخل في الحلق غلبة ومن رفع رأسه إلى السماء فتثاءب فوقع في حلقه نقطة (2) من المطر: فان مالكا قال: يفطر، وقال أبو حنيفة: لا يفطر بالذباب * وقد روينا من طريق وكيع عن أبى مالك عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في الذباب يدخل حلق الصائم قال: لا يفطر * وعن وكيع عن الربيع عن الحسن في الذباب يدخل حلق الصائم قال: لا يفطر * وعن الشعبى مثله * وما نعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم إلا تلك الرواية الضعيفة عنه * وعن ابن مسعود: الفطر مما دخل وليس مما خرج، والوضوء مما خرج وليس مما دخل * وكلهم قد خالف هذه الرواية لانهم يرون الفطر بتعمد خروج المنى، وهو (3) خارج لا داخل، ويبطلون الوضوء بالايلاج، وهو (4) داخل لا خارج * قال أبو محمد: قد قلنا: إن ما ليس أكلا ولا شربا ولاجماعا ولا معصية فلا يفطر لانه لم يأمر الله تعالى بذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم * وأما السواك بالرطب، واليابس، ومضغ الطعام، وذوقه ما لم يصل منه إلى الحلق شئ بتعمد: فكلهم لا يرون الصيام بذلك منتقضا، وإن كان الشافعي كره السواك في آخر النهار ولم يبطل بذلك الصوم (5)، * وكره بعضهم مضغ الطعام وذوقه، وهذا لا شئ، لان كراهة ما لم يأت قرآن ولا سنة بكراهته (6) خطأ، وهم لا يكروهون المضمضة، ولا فرق بينهما وبين مضغ الطعام، بل الماء أخفى ولوجا وأشد امتزاجا بالريق من الطعام، وهذا مما خالفوا فيه القياس * واحتج الشافعي بالخبر الثابت (ان خلوف فم الصائم أطيب عند الله (7) من ريح المسك) * قال أبو محمد: الخلوف خارج من الحلق، وليس في الاسنان، والمضمضة تعمل (


(1) بفتح العين المهملة وبكسرها مع اسكان الثاء المثلثة وفتح الياء ويقال بتقديم الياء على الثاء مع فتح العين فقط، وكلاهما بمعنى الاثر الخفى (2) في النسخة رقم (16) (نقط) (3) في النسخة رقم (14) (وهذا) (4) في النسخة رقم (14) (وهذا) (5) في النسخة رقم (16) (به الصوم) (6) في النسخة رقم (16) (بكراهيته) (7) في النسخة رقم (16) (عند الله اطيب). ما هنا اقرب لالفاظ الحديث *

[ 217 ]

في ذلك عمل السواك، وهو لا يكرهها، وقول الشافعي في هذا هو قول مجاهد، ووكيع وغيرهما * وقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على السواك لكل صلاة، ولم يخص صائما من غيره فالسواك سنة للعصر، وللمغرب، وسائر الصلوات * وقد كره أبو ميسرة الرطب من السواك للصائم، ولم يكرهه الحسن وغيره * وروينا من طريق الحسن، وحماد، وإبراهيم: أنهم كانوا لا يكرهون للصائم أن يمضغ الطعام للصبى، وكان الحسن يفعله * وأما مضغ العلك، والزفت، والمصطكى: فروينا من طريق لا يصح عن أم حبيبة أم المؤمنين: أنها كرهت العلك للصائم * وروينا عن الشعبى: أنه لم ير به بأسا * وقد قلنا: ان ما لم يكن أكلا ولا شربا، ولا جماعا ولا معصية فهو مباح في الصوم، ولم يأت به نص بنهي الصائم عن شئ مما ذكرنا، وليس أكلا ولا شربا، ولا ينقص منه شئ بطول المضغ لو وزون. وبالله تعالى التوفيق * وأما غبار ما يغربل فقد ذكرنا عن أبى حنيفة: أنه لا يفطر، ورويناه أيضا من طريق ابن وضاح عن سحنون وهو لا يسمى أكلا ولا شربا، فلا يفطر الصائم * وأما طعام يخرج من بين الاسنان في أي وقت من النهار خرج فرمى به: فهذا لم يأكل ولا شرب، فلا حرج، ولا يبطل الصوم وبالله تعالى التوفيق، وهو قولهم كلهم * وأما من أصبح جنبا عامدا أو ناسيا ما لم يتعمد التمادي ضحى كذلك حتى يترك الصلاة عامدا ذاكرا لها. فان السلف اختلفوا في هذا * فرأى بعضهم أنه يبطل صومه بترك الغسل قبل الفجر * وقال الحنيفيون، والمالكيون، والشافعيون: صومه تام وان تعمد أن لا يغتسل من الجنابة شهر رمضان كله * قال أبو محمد: أما هذا القول فظاهر الفساد، لما ذكرنا قبل من أن تعمد المعصية يبطل الصوم، ولا معصية أعظم من تعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها * وذهبت طائفة من السلف إلى ما ذكرنا قبل * كما روينا من طريق شعيب بن أبى حمزة عن الزهري اخبرني عبد الله (1) بن عبد الله (


(1) في النسخة رقم (14) (عبيد الله) بالتصغير، وهو خطأ، ففي فتح الباري (ج 4 ص 104) (اما رواية ابن عبد الله بن عمر فوصلها عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن ابن عبد الله بن عمر عن ابى هريره به، وقد اختلف

[ 218 ]

ابن عمر: (أنه احتلم ليلة في رمضان، ثم نام فلم ينتبه حتى أصبح، قال: فلقيت أبا هريرة فاستفتيته؟ فقال: أفطر، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا قال: فجئت إلى أبى فأخبرته بما أفتانى به أبو هريرة، فقال: أقسم بالله لئن أفطرت لاوجعن متنك، صم، فان بدا لك أن تصوم يوما آخر فافعل) * وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة سمعت عبد الله بن عمرو القارى قال: سمعت أبا هريرة يقول: (لا ورب هذا البيت، ما أنا قلت: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله) * قال أبو محمد: وقد عاب من لا دين له ولا علم له هذا الخبر بأن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام روى عن أبى هريرة أنه قال له في هذا الخبر: إن أسامة بن زيد حدثه به، وإن الفضل بن عباس حدثه به * قال أبو محمد: وهذه قوة زائدة للخبر، أن يكون أسامة والفضل روياه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما ندرى إلى ما أشار به هذا الجاهل؟! وما يخرج من هذا الاعتتراض إلا نسبة أبى هريرة للكذب، والمعترض بذلك (1) أحق بالكذب منه * وكذلك عارض قوم لا يحصلون ما يقولن هذا الخبر بأن أمي المؤمنين روتا: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك النهار) * قال أبو محمد: وليس يعارض هذا الخبر ما رواه أبو هريرة لان رواية أبى هريرة هي الزائدة * والعجب ممن يرد روايتهما رضى الله عنهما في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم برأيه: ثم يجعل روايتهما ههنا حجة على السنة الثابتة! لا سيما مع صحة الرواية عن عائشة رضى الله عنها: أنها قالت (ما أدرك الفجر قط رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو نائم (2)) فهلا حملوا هذا على غلبة النوم، لا على تعمد ترك الغسل؟! * واحتج أيضا قوم بما رويناه من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن هشام الدستوائى (


على الزهري في اسمه فقال شعيب عنه: اخبرني عبد الله بن عبد الله بن عمر قال لى أبو هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالفطر إذا اصبح الرجل جنبا، اخرجه النسائي والطبراني في مسند الشاميين، وقال عقيل عنه: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر به، فاختلف على الزهري هل هو عبد الله مكبرا أو عبيد الله مصغرا) والذى هنا هو رواية شعيب فيتعين انه المكبر، وهذا الحديث الذى نسبه ابن حجر للنسائي لم أجده في السنن وأظن أن نسخة السنن المطبوعة تنقصها احاديث كثيرة من كتاب الصوم بل ومن غيره (1) في النسخة رقم (16) (والمعرض له بذلك) الحديث في مسلم (ج 1 ص 205) بلفظ (ما ألفى رسول الله صلى الله عليه وسلم السحر الاعلى في بيتى أو عندي إلا نائما) *

[ 219 ]

عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: رجع أبو هريرة عن فتياه في الرجل يصبح جنبا * قال على: ولا حجة في رجوعه، لانه رأى منه، إنما الحجة في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد افترض علينا اتباع روايتهم ولم نؤمر باتباع الرأى ممن رآه منهم * والعجب ممن يحتج بهذا من المالكيين! وهم قد ثبتوا على ما روى عن عمر رضى الله عنه من تحريم المتزوجة في العدة على الذى دخل بها في الابد، وقد صح رجوع عمر عن ذلك إلى أنه مباح له ابتداء زواجها! * وممن قال بهذا من السلف كما روينا من طريق ابن جريج عن عطاء: أنما لما اختلف عليه أبو هريرة، وعائشة في هذا قال عطاء: يبدل يوما ويتم يومه ذلك * ومن طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه أنه قال: من أدركه الصبح جنبا وهو متعمد أبدل الصيام، ومن أتاه غير متعمد فلا يبدله * فهذا عروة ابن أخت عائشة رضى الله عنها قد ترك قولها لرواية أبى هريرة * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر قال: سألت ابراهيم النخعي عن الرجل يصبح جنبا؟ فقال: أما رمضان فيتم صومه ويصوم يوما مكانه، وأما التطوع فلا * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى ثنا ابن اسحاق هو عبد الله (1) قال: سألت سالما عن رجل أصبح جنبا في رمضان؟ قال: يتم يومه (2) ويقضى يوما مكانه * ومن طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: من أصبح جنبا في شهر رمضان فاستيقظ ولم يغتسل حتى يصبح فانه يتم ذلك اليوم ويصوم يوما مكانه، فانه لم يستيقظ فلا بدل عليه * ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن البصري فيمن أصبح جنبافى رمضان: يقضيه في الفرض * ومن طريق ابن أبى شيبة عن عائذ بن حبيب عن هشام بن عروة في الذى يصبح جنبا في رمضان قال: عليه القضاء * قال أبو محمد: لو لم يكن الا ما ذكرنا لكان الواجب القول بخبر أبى هريرة، لكن منع من ذلك صحة نسخه * وبرهان ذلك قول الله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس (


(1) لم أجد في الرواة من طبقة اتباع التابعين من اسمه (عبد الله بن اسحق) (2) في النسخة رقم (16) (يتم صومه) *

[ 220 ]

لكم وانتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) * حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن دحيم ثنا ابراهيم بن حماد ثنا اسماعيل ابن اسحاق ثنا عبد الواحد ثنا حماد بن سلمة ثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) كان أحدهم إذا نام لم تحل له النساء، ولم يحل له أن يأكل شيئا إلى القابلة، ورخص الله لكم * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني هلال بن العلاء ابن هلال الرقى ثنا حسين بن عياش ثقة من أهل باجدا (1) ثنا زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق السبيعى عن البراء بن عازب: ان احدهم كان إذا نام قبل ان يتعشى لم يحل له ان يأكل شيئا ولا يشرب ليلته ويومه من الغد حتى تغرب الشمس، حتى نزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) * قال أبو محمد: فصح ان هذه الآية ناسخة لكل حال تقدمت في الصوم، وخبر ابى هريرة موافق لبعض الاحوال المنسوخة، واذ صح ان هذه الآية ناسخة لما تقدم فحكمها باق لا يجوز نسخه (2) وفيها إباحة الوطئ إلى تبين الفجر، فإذ هو مباح بيقين، فلا شك في أن الغسل لا يكون إلا بعد الفجر، ولاشك في ان الفجر يدركه وهو جنب، فبهذا وجب ترك حديث أبى هريرة، لا بما سواه. وبالله تعالى التوفيق * وأما من نسى أنه صائم في رمضان أو في صوم فرض، أو تطوع فأكل وشرب ووطئ وعصى، ومن ظن انه ليل ففعل شيئا من ذلك فإذا به قد أصبح، أو ظن انه قد غابت الشمس ففعل شيئا من ذلك فإذا بها لم تغرب: فان صوم كل من ذكرنا تام. لقول الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم). ولقول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) * حدثنا بذلك أحمد بن عمر بن أنس العذري قال ثنا الحسين (3) بنت عبد الله الجرجاني قال ثنا عبد الرزاق بن أحمد بن عبد الحميد الشيرازي أخبرتنا فاطمة بنت الحسن (4) الريان (


(1) بفتح الباء الموحدة والجيم وتشديد الدال المهملة المفتوحة بالقصر، وهى قرية بين رس عين والرقة، وباسمها قرية اخرى من قرى بغداد، والحسين بن عياش من الاولى لانه رقى. وفى النسخة رقم (16) (يا جد) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (ولايجوز رفعه) (3) في النسخة رقم (14) (الحسن) (4) في الاصلين (فاطمة بنت الحسين) ولكنه مضى في المسألة 380 من المحلى (ج 5 ص 149) (ج 4 ص 4) وفى الاحكام (ج 5 ص 149) بهذا الاسناد وفيه (فاطمة بنت الحسين) *

[ 221 ]

المخزومى وراق أبى بكر بن قتيبة ثنا الربيع بن سليمان المؤذن المرادى ثنا بشر بن بكر عن الاوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله تجاوز لى عن امتى الخطأ النسيان وما استكرهوا عليه) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبدان أنا يزيد بن زريع ثنا هشام هو ابن حسان ثنا ابن سيرين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نسى أحدكم فأكل، أو شرب فليتم صومه، فانما أطعمه الله وسقاه) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا موسى بن اسماعيل ثنا حماد بن سلمة ثنا أيوب هو السختيانى وحبيب بن الشهيد كلاهما عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنى أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم؟ فقال: الله أطعمك وسقاك) * ورويناه أيضا عن أبى رافع، وخلاس عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم صائما، وأمره باتمام صومه ذلك، فصح أنه صحيح الصوم. وبه يقول جمهور السلف * روينا من طريق وكيع عن شعبة عن عبد الله بن دينار قال: استسقى ابن عمر وهو صائم، فقتل: ألست صائما؟ فقال: أراد الله أن يسقينى فمنعتني * ومن طريق أبى هريرة: من شرب ناسيا أو أكل ناسيا فليس عليه بأس، ان الله أطعمه وسقاه * وعن على بن أبى طالب، وزيد بن ثابت مثل هذا * ورويناه أيضا عن عطاء، وقتادة ومجاهد، والحسن، وسويا (1) في ذلك بين المجامع والآكل، وعن الحكم بن عتيبة مثله، وعن أبى الاحوص، وعلقمة، وابراهيم النخعي، والحسن البصري، وهو قول أبى حنيفة. وسفيان وأحمد بن حنبل. والشافعي. وأبى سليمان وغيرهم، إلا أن بعض ما ذكرنا رأى الجماع بخلاف الاكل والشرب، ورأى فيه القضاء، وهو قول عطاء، وسفيان * قال أبو محمد: وقال مالك: القضاء واجب على الناسي * قال على: وما نعلم لهم حجة أصلا، إلا أنهم قالوا: الاكل، والجماع والشرب ينافى الصوم * (


(1) في النسخة رقم (14) (وسووا) وهو محتمل ان يكون المراد قتادة ومجاهد والحسن، وأما عطاء فقد نقل عنه المؤلف التفرقة بين المجامع والآكل ناسيا. وكذلك نقله عنه ابن حجر في الفتح (ج 4 ص 111) *

[ 222 ]

فقيل لهم: وعلى هذا فالاكل والشرب ينافى الصلاة وأنتم تقولون: ان ذلك لا يبطل الصلاة إذا كان بنسيان! فظهر تناقضهم! فكيف وقولهم هذا خطأ؟! * وانما الصواب أن تعمد الاكل والشرب والجماع والقئ ينافى الصوم، لا الاكل كيف كان، ولا الشرب كيف كان، ولا الجماع كيف كان، ولا القئ كيف كان، فهذا هو الحق المتفق عليه، والذى جاءت به النصوص من القرآن والسنن * وأما دعواهم فباطل، عارية من الدليل جملة، لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولامن رواية فاسدة، ولامن قياس، ولا من قول أحد من الصحابة رضى الله عنهم، بل هذا مما نقضوا فيه وتناقضوا فيه، لانهم يعظمون خلاف قول الصاحب إذا وافقهم وخالفوا ههنا طائفة من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف، وقالوا: الكلام، أو الاكل، أو الشرب في الصلاة بنسيان لا يبطلها، وأبطلوا الصوم بكل ذلك بالنسيان! وهذا تناقض لاخفاء به * وأما أبو حنيفة فتناقض أيضا، لانه رأى أنه الكلام ناسيا. أو الاكل ناسيا. أو الشرب ناسيا تبطل الصلاة بكل ذلك ويبتدئها، وخالف السنة الواردة في ذلك، ورأى الجماع يبطل الحج ناسيا كان، أو عامدا (1) ورأى أن كل ذلك لا يبطل الصوم، واتبع الخبر في ذلك، ورأى الجماع ناسيا لا يبطل الصوم، قياسا على الاكل، ولم يقس الآكل نائما على الآكل ناسيا، بل رأى (2) الاكل نائما يبطل الصوم، وهو ناس بلا شك، وهذا تخليط لا نظير له! * وادعى مقلدوه الاجماع على أن الجماع والاكل ناسيا سواء، وكذبوا في ذلك، لاننا روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: رجل أصاب امرأته ناسيا في رمضان؟ فقال عطاء: لا ينسى هذا كله! عليه القضاء، لم يجعل الله له عذرا، وان طعم ناسيا فليتم صومه ولا يقضيه، الله أطعمه وسقاه (3) وبه يقول سفيان الثوري * ورأى ابن الماجشون على من أكل ناسيا. أو شرب ناسيا القضاء، وعلى من جامع ناسيا القضاء والكفارة! وهذه أقوال فاسدة، وتفاريق لا تصح. وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: ومن أكل وهو يظن أنه ليل أو جامع كذلك أو شرب كذلك فإذا به نهار إما بطلوع الفجر وأما بأن الشمس لم تغرب: فكلاهما لم يتعمد إبطال صومه، وكلاهما ظن أنه في غير صيام، والناسى ظن أنه في غير صيام ولا فرق، فهما (


(1) في النسخة رقم (14) (ورأى الجماع في الحج أو عمدا يبطله) (2) في النسخة رقم (16) (ورأى) (3) نقل ابن حجر في الفتح اوله عن عطاء (ج 4 ص 111) *

[ 223 ]

والناسى سواء ولا فرق * وليس هذا قياسا ومعاذ الله من ذلك وانما يكون قياسا لو جعلنا الناسي أصلا ثم شبهنا به من أكل وشرب وجامع وهو يظن أنه في ليل فإذا به في نهار، ولم نفعل هذا بل كلهم سواء في قول الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وفى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لامتي (1) الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (2)) * وهذا قول جمهور السلف * روينا من طريق عبد الرزاق: ثنا معمر عن الاعمش عن زيد بن وهب قال: أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب فرأيت عساسا (3) أخرجت من بيت حفصة فشربوا، ثم طلعت الشمس من سحاب، فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضى هذا اليوم فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا لاثم (4) * وروينا أيضا من طريق الاعمش عن المسيب (5) عن زيد بن وهب، ومن طريق ابن أسلم عن أخيه عن أبيه ولم يذكر قضاء * وقد روى عن عمر أيضا القضاء، وهذا تخالف من قوله، فوجب الرجوع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه عند التنازع، من القرآن والسنة، فوجدنا ما ذكرنا قبل، مع أن هذه الرواية عن عمر أولى لان زيد بن وهب له صحبة، وانما روى عنه القضاء من طريق على بن حنظلة عن أبيه (6) * وروينا من طريق شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عمن تسحر نهارا وهو يرى أن عليه ليلا؟ يقال: يتم صومه * ومن طريق سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد قال: من أكل (


(1) في النسخة رقم (14) (عن امتى) وبحاشيتها نسخة اخرى كما هنا (2) سواء رضى المؤلف ان يكون هذا قياسا أو لم يرض فانه قياس في الحقيقة على الناسي، لان النص لم يدل على عدم بطلان صوم من أفطر ظانا انه في ليل، والقياس على الناسي الذى ذكره المؤلف قياس صحيح، وان تحاشى هو ان يسميه قياسا (3) هو بكير العين وتخفيف السين المهملتين، جمع (عس) بضم العين وهو القدح الضخم، قيل نحو ثمانية ارطال أو تسعة، ويجمع ايضا على (اعساس) و (عسسة) بكسر العين وفتح السينين (4) تجانف لاثم: مال إليه، أي لم نمل فيه لارتكاب اثم، وفى الاصلين (تجنفنا) وهو خطأ وقد نقله ابن حجر في الفتح (ج 4 ص 143) بلفظ (ما يجانفنا الاثم) وهو خطأ صرف (5) هو المسيب بن رافع الاسدي (6) على ابن حنظلة لم اجد له ترجمة، وفى رواة تاريخ الطبري (على بن حنظلة بن اسعد الشامي) (ج 6 ص 243) فلا ادرى هو أو لا، وفى الرواة عن عمر (حنظلة بن قيس الزرقى) وليس في اولاده من يسمى عليا، وهذا الاثر نقله في الفتح من طريق عبد الرزاق (ج 4 ص 143) *

[ 224 ]

بعد طلوع الفجر وهو يظن أنه لم يطلع فليس عليه القضاء، لان الله تعالى يقول: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن البصري فيمن تسحر وهو يرى أنه ليل، قال: يتم صومه * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا أبو داود هو الطيالسي عن حبيب عن عمرو ابن هرم عن جابر بن زيد فيمن أكل يرى أنه ليل فإذا به نهار، قال: يتم صومه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، معمر، قال ابن جريج: عن عطاء، وقال معمر: عن هشام بن عروة عن أبيه، ثم اتفق عروة وعطاء فيمن أكل في الصبح وهو يرى أنه ليل: لم يقضه * فهؤلاء عمر بن الخطاب، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، والحسن، وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وعطاء بن أبى رباح، وعورة بن الزبير، وهو قول أبى سليمان * وروينا عن معاية. وسعيد بن جبير. وابن سيرين. وهشام بن عروة. وعطاء وزياد ابن النصر (1) وانما قال هؤلاء: بالقضاء في الذى يفطر، وهو يرى أنه ليل ثم تطلع الشمس وأما في الفجر فلا، مثل قول أبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وما نعلم لهم حجة أصلا * فان ذكروا ما رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن أبى أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبى بكر قالت: (أفطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس) قال أبو أسامة: قلت لهشام: فأمروا بالقضاء؟ فقال: ومن ذلك به (2)؟! * فان هذا ليس إلا من كلام هشام، وليس من الحديث، فلا حجة فيه، وقد قال معمر: سمعت هشام بن عروة في هذا الخبر نفسه يقول: لاأدرى أقضوا أم لا؟! فصح ما قلنا * وأما من أكره على الفطر، أو وطئت امرأة نائمة، أو مكرهة أو مجنونة أو مغمى عليها، أو صب في حلقه ماء وهو نائم: فصوم النائم والنائمة والمكره والمكرهة تام صحيح لا داخلة فيه، ولا شئ عليهم، ولا شئ على المجنونة، والمغمى عليها، ولا على (3) المجنون والمغمى عليه، لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله تجاوز لامته (4) (


(1) كذا بالاصلين بحذف المروى عنهم، وهو مفهوم من السياق انهم قالوا بالقضاء (2) هو في البخاري (فتح ج 4 ص 143) بلفظ (بد من قضاء؟) وهو لفظ محتمل، ولكن ابن حجر نقل عن رواية ابى ذر (لابد من القضاء) (3) في النسخة رقم (14) (وعلى) بحذف (لا) (4) كذا في الاصلين ولعله حكاية قوله عليه السلام من الراوى فيصح *

[ 225 ]

عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والنائم والنائمة مكرهان بلا شك غير مختارين لما فعل بهما * وقال زفر: لا شئ على النائم، والنائمة ولا قضاء كما قلنا، سواء سواء، وصومهما تام وهو قول الحسن بن زياد، وقد روى أيضا عن أبى حنيفة في النائم مثل قول زفر * وقال سفيان الثوري: إذا جومعت المرأة مكرهة في نهار رمضان فصومها تام ولا قضاء عليها (1)، وهو قول عبيدالله بن الحسن وبه يقول أبو سليمان وجميع أصحابنا * والمجنون، والمغمى عليه غير مخاطبين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبى حتى يحتلم) * والمشهور عن أبى حنيفة أن القضاء على النائم والنائمة، والمكره والمكرهة، والمجنون والمجنونة، والمغمى عليهما (2) وهو قول مالك * قال أبو محمد: وهو قول ظاهر الفساد، وما نعلم لهم حجة من قرآن، ولاسنة صحيحة ولا رواية فاسدة ولاقول صاحب، ولاقياس، إلا أن بعضهم قاس ذلك على المكره على الحديث أنه تنتقض طهارته * قال على: وهذا قياس في غاية الفساد لو كان القياس حقا فكيف والقياس كله باطل؟! لان الطهارة تنتقض من الاحداث بقسمين: أحدهما بنقضها كيف ماكان، بنسيان أو عمد أو إكراه، والآخر لا ينقضها الا بالعمد على حسب النصوص الواردة في ذلك، وهم متفقون على أن الريح والبول والغائط ينقض الطهارة بنسيان كان أو بعمد فيلزمهم إذا قاسوا الاكراه في الصوم على الاكراه في الطهارة: ان يقيسوا الناسي في الصوم (3) على الناسي في الطهارة، والمغلوب بالقئ على المغلوب بالحدث وكلهم لا يقولون بهذا أصلا، فبطل قياسهم الفاسد! * وكان أدخل في القياس لو قاسوا المكره والمغلوب في الصوم على المكره والمغلوب في الصلاة على ترك القيام أو ترك السجود أو الركوع، فهؤلاء صلاتهم تامة باجماع منهم، فكذلك يجب أن يكون صوم المكره (4) والمغلوب ولافرق ولكنهم لا يحسنون القياس! ولا يتبعون النصوص! ولا يطردون أصولهم! وبالله تعالى التوفيق * وأما دخول الحمام، والتغطيس في الماء، ودهن الشارب فقد روينا عن على بن أبى طالب (


(1) في النسخة رقم (16) (عليه) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) ((عليها) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (16) (في الصائم) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (16) (ان يكون المكره) *

[ 226 ]

رضى الله عنه: لايدخل الصائم الحمام. وعن ابراهيم النخعي (1) الافطار بدهن الشارب، وعن بعض السلف مثل ذلك في التغطيس في الماء، ولا حجة الا فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأت عنه نهى للصائم عن شئ من ذلك، فكل ذلك مباح لا يكدح (2) في الصوم. وبالله تعالى التوفيق * 754 مسألة قال على: اختلف الناس في المجنون، والمغمى عليه * فقال أبو حنيفة: من جن شهر رمضان كله فلا قضاء عليه، فان أفاق في شئ منه (3) قضى الشهر كله، قال: ومن أغمى عليه الشهر كله فعليه قضاؤه كله، فان أعمى عليه بعد ليلة من الشهر قضى الشهر كله إلا يوم تلك الليلة التى أغمى عليه فيها، لانه قد نوى صيامه من الليل * وقال مالك: من بلغ وهو مجنون مطبق فاقام وهو كذلك سنين ثم أفاق: فانه يقضى كل رمضان كان في تلك السنين، ولا يقضى شيئا من الصلوات، قال: فان أغمى عليه أكثر النهار فعليه قضاؤه، فان أغمى عليه أقل النهار فلى عليه قضاؤه. وقد روى عنه إيجاب القضاء عليه جملة دون تقسيم * وقال عبيدالله بن الحسن: لا قضاء على المجنون إلا على الذى يجن ويفيق، ولاقضاء على المغمى عليه * وقال الشافعي: لا يقضى المجنون، ويقضى المغمى عليه * وقال أبو سليمان: لاقضاء عليهم * قال أبو محمد: كنا نذهب إلى ان المجنون: والمغمى عليه يبطل صومهما ولاقضاء عليهما، وكذلك الصلاة، ونقول: ان الحجة في ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا عمر ابن عبد الملك الخولانى ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا موسى بن اسماعيل ثنا وهيب هو ابن خالد عن خالد هو الحذاء عن أبى الصحى عن على بن أبى طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) وكنا نقول: إذا رفع القلم عنه فهو غير مخاطب بصوم ولا بصلاة * ثم تأملنا هذا الخبر بتوفيق الله تعالى فوجدناه ليس فيه الاما ذكرنا من أنه غير مخاطب في حال جنونه حتى يعقل، وليس في ذلك بطلان صومه الذى لزمه قبل (


(1) في النسخة رقم (14) (وعن النخعي) (2) الكدح بالكاف الخدش (3) في النسخة رقم (16) (منها) وهو خطأ *

[ 227 ]

جنونه، ولا عودته عليه بعد افاقته، وكذلك المغمى، فوجب أن من جن بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مفطرا بجنونه، لكنه فيه غير (1) مخاطب، وقد كان مخاطبا به، فان أفاق في ذلك اليوم أو في يوم بعده من أيام رمضان فانه ينوى الصوم من حينه ويكون صائما، لانه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه، وهكذا من جاءه الخبر برؤية الهلال، أو من علم بأنه يوم نذره أو فرضه على ما قدمنا قبل، وكذلك من أغمى عليه كما ذكرنا، وكذلك من جن أو أغمى عليه قبل غروب الشمس، أو من نام أو سكر قبل غروب الشمس فلم يستيقظ ولا صحا الا من الغد وقد مضى أكثر النهار، أو أقله * ووجدنا المجنون لا يبطل جنونه إيمانه ولا أيمانه (2) ولا نكاحه ولاطلاقه ولا ظهاره ولا إيلاءه ولا حجة ولا احرامه ولا بيعه ولا هبته، ولا شيئا من أحكامه اللازمة له قبل جنونه، ولا خلافته ان كان خليفة، ولا إمارته ان كان أميا، ولا ولايته (3)، ولا وكالته، ولا توكيله، ولا كفره، ولا فسقه، ولا عدالته، ولا وصاياه، ولا اعتكافه، ولا سفره، ولا اقامته، ولاملكه، ولا نذره، ولا حنثه، ولا حكم العام في الزكاة عليه (4) * ووجدنا ذهوله عن كل ذلك لا يوجب بطلان شئ من ذلك، فقد يذهل الانسان عن الصوم والصلاة حتى يظن (5) أنه ليس مصليا ولا صائما فيأكل ويشرب، ولا يبطل بذلك صومه ولا صلاته، بهذا جاءت السنن على ما ذكرنا في الصلاة وغيرها، وكذلك المغمى عليه ولافرق في كل ذلك، ولا يبطل الجنون والاغماء إلا ما يبطل النوم من الطهارة بالوضوء وحده فقط * وأيضا: فان المغلوب المكره على الفطر لا يبطل صومه بذلك على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، والمجنون، والمكره مغلوبان مكرهان مضطران بقدر (6) غالب من عند الله تعالى على ما أصابهما، فلا يبطل ذلك صومهما * وأيضا: فان من نوى الصوم كما أمره الله عزوجل ثم جن، أو أغمى عليه فقد صح صومه بيقين من نص واجماع، فلا يجوز بطلانه بعد صحته إلا بنص أو إجماع، ولا إجماع في ذلك أصلا. وبالله تعالى التوفيق * وأما من بلغ مجنونا مطبقا فهذا لم يكن قط مخاطبا، ولا لزمته الشرائع، ولا الاحكام (


(1) كلمة (غير) سقطت خطأ من النسخة رقم (16) (2) قوله (ولا أيمانه) زيادة من النسخة رقم (16) (3) قوله (ان كان اميرا ولا ولايته) زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (4) (ولا حكمه لعام في الزكاة عليه) (5) في النسخة رقم (14) (حتى يفطن) وما هنا اصح وأوضح (6) في النسخة رقم (16) (بعذر) *

[ 228 ]

ولم يزل مرفوعا عنه القلم، فلا يجب عليه قضاء صوم أصلا، بخلاف قول مالك: فإذا عقل فحينئذ (1) ابتدأ الخطاب بلزومه إياه لا قبل ذلك * وأما من شرب حتى سكر في ليلة رمضان وكان نوى الصوم فصحا بعد صدر من النهار أقله أو أكثره أو بعد غروب الشمس: فصومه تام، وليس السكر معصية، إنما المعصية شرب ما يسكر سواء سكر أم لم يسكر، ولا خلاف في أن من فتح فمه (2) أو أمسكت يده وجسده وصب الخمر في حلقه حتى سكر أنه ليس عاصيا بسكره، لانه لم يشرب ما يسكره باختياره، والسكر ليس هو فعله، إنما هو فعل الله تعالى فيه، وإنما ينهى المرء عن فعله، لا عن فعل الله تعالى فيه الذى لا اختيار له فيه * وكذلك من نام ولم يستيقظ الا في النهار ولا فرق، أو من نوى الصوم ثم لم يستيقظ الا بعد غروب الشمس، فصومه تام * وبقى حكم من جن، أو أغمى عليه، أو سكر، أو نام قبل غروب الشمس فلم يفق ولا صحا ولا انتبه ليلته كلها والغد كله إلى (3) بعد غروب الشمس: أيقضيه أم لا؟ فوجدنا القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجب الا بنص، فلم نجد (4) إيجاب القضاء في النص إلا على أربعة: المسافر، والمريض بالقرآن والحائض، والنفساء، والمتعمد للقئ (5) بالسنة ولا مزيد، ووجدنا النائم، والسكران، والمجنون المطبق عليه (6) ليسوا مسافرين ولا متعمدين للقئ ولا حيضا ولامن ذوات النفاس ولا مرضى، فلم يجب عليهم القضاء (7) أصلا، ولا خوطبوا بوجوب الصوم عليهم في تلك الاحوال، بل القلم مرفوع عنهم بالسنة، ووجدنا المصروع، والمغمى عليه مريضين بلا شك، لان المرض هي حال مخرجة للمرء عن حال الاعتدال، وصحة الجوارح والقوة إلى الاضطراب وضعف الجوارح واعتلالها، وهذه صفة المصروع، والمغمى عليه بلا شك، ويبقى وهن ذلك وضعفه عليهما بعد الافاقة مدة، فاذهما مريضان فالقضاء عليهما بنص القرآن وبالله تعالى التوفيق * وليس قولنا بسقوط الصلاة عن المغمى عليه إلا ما أفاق في وقته (8) منها وبقضاء النائم للصلاة مخالفا لقولنا ههنا، بل هو موافق، لان ما خرج وقته للمغمى عليه فلم يكن (


(1) في النسخة رقم (16) (حينئذ) بدون الفاء (2) في النسخة رقم (14) (فيمن فتح فمه) (3) في النسخة رقم (16) (إلا) بدل (إلى) (4) في النسخة رقم (16) (فلم يجز) وما هنا اصح (5) هؤلاء خمسة، وكأنه عد الحائض والنفساء من نوع واحد (6) كلمة (عليه) ليست في النسخة رقم (14) (7) في النسخة رقم (16) (قضاء) (8) في النسخة رقم (16) (في الوقت نفسه) *

[ 229 ]

مخاطبا بالصلاة فيه، ولا كان أيضا مخاطبا بالصوم، ولكن الله تعالى أوجب على المريض عدة من أيام أخر، ولم يوجب تعالى على المريض قضاء صلاة، وأوجب قضاء الصلاة على النائم والناسى، ولم يوجب قضاء صيام على النائم والناسى (1) بل أسقطه تعالى عن الناسي والنائم، إذ لم يوجبه عليه، فصح قولنا. والحمد لله رب العالمين * وأما قول أبى حنيفة ففى غاية الفساد، لانه دعوى بلا برهان، ولم يتبع نصا ولا قياسا لانه رأى على من أفاق في شئ من رمضان من جنونه قضاء الشهر كله، وهو لا يراه على من بلغ، أو أسلم حينئذ * وقال بعض المالكيين: المجنون بمنزلة الحائض! وهذا كلام يغنى ذكره عن تكلف إبطاله، وما ندرى فيما يشبه المجنون الحائض؟! * 755 مسألة ومن جهده الجوع أو العطش حتى غلبه الامر ففرض عليه أن يفطر، لقول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) ولقول الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقول الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * فان كان خرج بذلك إلى حد المرض فعليه القضاء، وان كان لم يخرج إلى حد المرض فصومه صحيح (2) ولاقضاء عليه، لانه مغلوب مكره مضطر، قال الله عزوجل: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) ولم يأت القرآن ولا السنة بايجاب قضاء على مكره، أو مغلوب، بل قد أسقط الله تعالى القضاء عمن ذرعه القئ (3) وأوجبه على من تعمده * 756 مسألة ولا يلزم صوم في رمضان ولا في غيره الا بتبين (4) طلوع الفجر الثاني، وأما ما لم يتبين فالاكل والشرب والجماع مباح كل ذلك، كان على شك من طلوع الفجر أو على يقين من أنه لم يطلع * فمن رأى الفجر وهو يأكل فليقذف ما في فمه من طعام وشراب، وليصم، ولا قضاء عليه، ومن رأى الفجر وهو يجامع فليترك (5) من وقته، وليصم، ولاقضاء عليه، سواء في كل ذلك كان طلوع الفجر (6) بعد مدة طويلة أو قريبة، فلو توقف باهتا فلا شئ عليه، وصومه تام، ولو أقام عامدا فعليه الكفارة * (


(1) في النسخة رقم (16) (على الناسي) بحذف النائم (2) في النسخة رقم (16) (فصومه تام) (3) في النسخة رقم (14) (على من ذرعه القئ) (4) في النسخة رقم (16) (الا في تبيين) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) (فليزل) (6) في النسخة رقم (16) (كان الطلوع للفجر) *

[ 230 ]

ومن أكل شاكا في غروب الشمس أو شرب فهو عاص لله تعالى، مفسد لصومه، ولا يقدر على القضاء، فان جامع شاكا في غروب الشمس فعليه الكفارة * برهان ذلك قول الله عزوجل: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم. وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) وهذا نص ما قلنا، لان الله تعالى أباح الوطئ والاكل والشرب إلى أن يتبين لنا (1) الفجر، ولم يقل تعالى: حتى يطلع الفجر، ولا قال: حتى تشكوا في الفجر، فلا يحل لاحد أن يقوله، ولا أن يوجب صوما بطلوعه ما لم يتبين للمرء، ثم أوجب الله تعالى التزام الصوم إلى الليل * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبيد بن اسماعيل عن أبى أسامة عن عبيدالله هو ابن عمر عن نافع والقاسم بن محمد أبن أبى بكر؟ قال القاسم: عن عائشة، وقال نافع: عن ابن عمر، قالت عائشة وابن عمر كان (بلا يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان بلا لا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فانه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) * وبه إلى البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة هو القعنبى عن مالك عن ابن شهاب عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قال: وكان رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا شيبان بن فروخ ثنا عبد الوارث (2) عن عبد الله ابن سوادة بن حنظلة القشيرى حدثنى أبى أنه سمع سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله عليه السلام: (3) (لا يغرن أحدكم نداء بلال من السحور، ولا هذا البياض حتى يستطير) * وكذلك حديث عدى بن حاتم، وسهل بن سعد في الخيطين (4) الاسود، والابيض، فقال عليه السلام: (انما ذلك سواد الليل وبياض النهار) * قال أبو محمد: فنص عليه السلام على أن ابن أم مكتوم يؤذن حتى يطلع (5) (


(1) كلمة (لنا) زيادة من النسخة رقم (16) (2) قوله (ثنا عبد الوارث) سقط من الاصلين، وهو خطأ، وصححناه من مسلم (ج 1 ص 302) (3) قوله (قال رسول الله عليه السلام) حذف من الاصلين، وكتب بحاشية النسخة رقم (14). عليه ما نصه (نسخة صحيحة)، وهو ضروري لان الحديث مرفوع، وفي مسلم (سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول) الخ (كلمة (الخيطين) سقطت من النسخة رقم (16) (5) في النسخة رقم (16) (الا حتى) *

[ 231 ]

الفجر، وأباح الاكل إلى أذانه، فقد صح أن الاكل مباح بعد طلوع الفجر ما لم يتبين لمريد الصوم طلوعه * وقد ادعى قوم أن قوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حتى يطلع الفجر): و: (حتى يقال له: أصبحت أصبحت) أن ذلك على المقاربة، مثل قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) انما معناه فإذا قاربنا بلوغ أجلهن * قال أبو محمد: وقائل هذا مستسهل للكذب على القرآن وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم * أو ذلك أنه دعوى بلا برهان، وإحالة لكلام الله تعالى عن مواضعه، ولكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول عليه بما لم يقل، ولو كان ما قالوا لكان بلال وابن أم مكتوم معا لا يؤذنان الا قبل الفجر، وهذا باطل، لا يقوله أحد، لاهم ولا غيرهم * وأما قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن). فاقحامهم فيه أنه تعالى أراد فإذا قاربن بلوغ أجلهن: باطل وكذب، ودعوى بلا برهان، ولو كان (1) ما قالوه لكان لا يجوز له الرجعة الا عند مقاربة انتهاء العدة، ولا يقول هذا أحد، لاهم ولا غيرهم، وهو تحريف للكلم عن مواضعه، بل الآية على ظاهرها، وبلوغ أجلهن هو بلوغهن أجل العدة، وليس هو انقضاءها، وهذا هو الحق لانهن إذا كن أجل العدة كله فللزوج الرجعة، وله الطلاق، فبطل ما قالواه بيقين لا إشكال فيه * وقال بعضهم: قول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: (اكلا لنا الفجر) موجب لصحة قولهم * قال أبو محمد: وهذا باطل لوجيهن * أحدهما: أنه عليه السلام لم يأمره بذلك إلا للصلاة، لا للصوم * والثانى: أنه حتى لو أمره بذلك للصوم لكان حجة لنا لا لهم، لان الاكل والجماع مباحان إلى أن ينذرهم بلال بطلوع الفجر، وإنذاره إياهم بطلوع الفجر لا يكون إلا بعد طلوع الفجر بلا شك، فالاكل، والشرب، والجماع مباح كل ذلك ولو طلع الفجر، وانما يحرم كل ذلك بانذار بلال بعد طلوع الفجر، هذا مالا حيلة لهم فيه، وقولهم هنا خلاف للقرآن ولجميع السنن * حدثنا حمام بن احمد ثنا عبد الله بن محمد الباجى ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا حبيب ابن خلف البخاري ثنا أبو ثور ابراهيم بن خالد ثنا روح بن عبادة ثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبى النجود عن زربن حبيش قال: (تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد، فدخلت (


(1) في النسخة رقم (16) (ولو قال) وهو خطأ *

[ 232 ]

على حذيفة، فأمر بلقحة فحلبت، ثم أمر بقد فسخنت، ثم قال: كل، قلت: إنى أريد الصوم، قال: وأنا أريد الصوم، فأكلنا ثم شربنا ثم أتينا المسجد، (1) وقد أقيمت الصلاة، فقال حذيفة: هكذا فعل بى (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: بعد الصبح؟! قال: بعد الصبح إلا أن الشمس لم تطلع) * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن عصام بن أبى النجود عن زر ابن حبيش: (قلت لحذيفة: أي وقت تسحرتم مع النبي صلى الله عليه وسلم؟! قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع) * ومن طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمع أحدكم النداء والاناء على يده فلا يضعه حتى يقضى حاجته منه) (3) قال عمار: وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر، قال حماد عن هشام بن عروة: كان أبى يفتى بهذا * وحدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن قتادة عن أنس: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تسحر هو وزيد بن ثابت، وهو عليه السلام يريد الصوم، ثم صلى الركعتين ثم خرج إلى المسجد فأقيمت الصلاة) قال أبو محمد: هذا كله على أنه لم يكن يتبين لهم الفجر بعد، فبهذا تنفق السنن مع القرآن * وروينا من طريق معمر عن أبان عن أنس عن أبى بكر الصديق أنه قال: إذا نظر الرجلان إلى الفجر فشك أحدهما فليأكلا (4) حتى يتبين لهما * ومن طريق أبى احمد الزبيري عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن هلال ابن يساف عن سالم بن عبيد قال: كان أبو بكر الصديق يقول لى: قم بينى وبين الفجر حتى أتسحر! * ومن طريق ابن أبى شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن هلال ابن يساف عن سالم بن عبيد الاشجعى قال: قم فاسترني من الفجر، ثم أكل * سالم بن عبيد هذا أشجعي كوفى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه أصح طريق يمكن أن تكون * (


(1) من أول قوله (ثم امر بقدر فسخنت) إلى هنا سقط خطأ من النسخة رقم (16) (2) كلمة (بى) زيادة من النسخة رقم (14) (3) الحديث رواه أبو داود (ج 2 ص 276) عن عبد الاعلى بن حماد عن حماد عن محمد بن عمر عن ابى سلمة عن ابى هريرة مرفوعا، وسكت عنه هو والمنذري، وكلا السنادين صحيح، وكذلك رواه الحاكم (ج 1 ص 426) من طريق عبد الاعلى بن حماد النرسى عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمر. كرواية ابى داود، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (4) في النسخة رقم (16) (فليأكل) وهو خطأ *

[ 233 ]

وقد روينا من طريق وكيع وعبد الرزاق، قال وكيع، عن يونس بن أبى إسحق عن أبى السفر، وقال عبدالزراق: عن معمر عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة، قالا جميعا: كان أبو بكر الصديق يقول: أجيفوا الباب حتى نتسحر!! إلايجاف: الغلق * ومن طريق الحسن: أن عمر بن الخطاب كان يقول: إذا شك الرجلان في الفجر فليأكلا حتى يستيقنا * ومن طريق حماد بن سلمة: ثنا حميد عن أبى رافع أو غيره عن أبى هريرة: أنه سمع النداء والاناء على يده فقال: أحرزتها ورب الكعبة! * ومن طريق ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال: أحل الله الشراب ما شككت، يعنى في الفجر * وعن عكرمة قال قال ابن عباس: اسقنى يا غلام، قال له: أصبحت، فقلت: كلا، فقال ابن عباس: شك لعمر الله، اسقنى، فشرب * وعن، وكيع عن عمارة بن زاذان عن مكحول الازدي قال: رأيت ابن عمر أخذ دلوا من زمزم وقال لرجلين: أطلع الفجر؟ قال أحدهما: قد طلع، وقال الآخر: لا، فشرب ابن عمر * وعن سعد بن أبى وقاص: أنه تسحر في رمضان بالكوفة ثم خرج إلى المسجد فأقيمت الصلاة * وعن سفيان بن عينة عن شبيب بن غرقدة عن حبان بن الحارث: أنه تسحر مع على بن أبى طالب وهما يريدان الصيام، فلما فرغ قال للمؤذن: أقم الصلاة * ومن طريق ابن أبى شيبة ثنا جرير هو ابن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن شبيب بن غرقدة عن أبى عقيل قال: تسحرت مع على بن أبى طالب ثم أمر المؤذن أن يقيم الصلاة * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا أبو معاوية عن الشيباني هو أبو إسحاق عن جبلة بن سحيم عن عامر بن مطر قال: أتيت عبد الله بن مسعود في داره، فأخرج لنا فضل سحور، فتسحرنا معه، فأقيمت الصلاة، فخرجنا فصلينا معه * ومن طريق حذيفة نحو هذا * ومن طريق ابن ابى شيبة: ثنا عفان بن مسلم ثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن

[ 234 ]

قال: سمعت عمتى وكانت قد حجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ابن أم مكتوم ينادى بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادى بلال، وان بلالا يؤذن (2) بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قالت: وكان يصعد هذا وينزل هذا، قالت فكنا نتعلق به فنقول: كما أنت حتى نتسحر!) * فحصل لنا من هذا الخبر أنهما كانا مؤذنين: أحدهما قبل الفجر بيسير، أيهما كانا، حينا هذا، وحينا هذا والآخر ولا بد بعد الفجر * وعن محمد بن على بن الحسين: كل حتى يتبين لك الفجر * وعن الحسن: كل ما امتريت * وعن أبى مجلز: الساطع ذلك الصبح الكاذب، ولكن إذا انفضح الصبح في الافق * وعن ابراهيم النخعي: المعترض الاحمر يحل الصلاة ويحرم الطعام * وعن ابن جريج: قلت لعطاء: أتكره أن أشرب وأنا في البيت لا أدرى لعلى قد أصبحت؟ قال: لا بأس بذلك، هو شك * ومن طريق ابن أبى شيبة: ثنا أبو معاوية عن الاعمش عن مسلم قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، انما كانوا يعدون الفجر الذى يملا البيوت والطرق * وعن أبى وائل: أنه تسحر وخرج إلى المسجد فأقيمت الصلاة * وعن معمر: أنه كان يؤخر السحور جدا، حتى يقول الجاهل: لا صوم له * قال على وقد ذكرنا في باب (من تسحر فإذا به نهار وهو يظن أنه ليل (3)) من لم ير في ذلك قضاء * فهؤلاء أبو بكر، وعمر، وعلى، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وابن مسعود، وحذيفة، وعمة خبيب، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبى وقاص، فهم أحد عشر من الصحابة، لا يعرف لهم مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * إلا رواية ضعيفة من طريق مكحول عن أبى سعيد الخدرى ولم يدركه، ومن طريق يحيى الجزار عن ابن مسعود لم يدركه * ومن التابعين: محمد بن على، وأبو مجلز، وابراهيم، ومسلم، وأصحاب ابن مسعود، وعطاء والحسن، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وجابربن زيد * ومن الفقهاء: معمر، والاعمش * (


(1) خبيب - بظم الخاء المعجمة، وعمته هي انيسة بنت خبيب - بالظم ايضا - بن يساف الانصارية انظر الاصابة (ج 8 ص 22) (2) في النسخة رقم (14) (ينادى) (3) يعنى في المسألة 753 *

[ 235 ]

فان ذكروا رواية سعد بن قطن عن أبيه عن معاوية فيمن أفطر وهو يرى أنه ليل فطلعت الشمس: أنه عليه القضاء وبالرواية عن عمر بمثل ذلك: فانما هذا (1) في الافطار عند الليل، لا في الاكل شاكا في الفجر، وبين الامرين فرق، ولا يحل الاكل الا بعد يقين غروب الشمس، لان الله تعالى قال (إلى الليل) فمن أكل شاكا في مجئ الليل فقد عصى الله تعالى، وصيامه باطل، فان جامع فعليه الكفارة، لانه في فرض الصيام، ما لم يوقن الليل، بخلاف قوله: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) لان هذا في فرض الافطار حتى يوقن بالنهار. وبالله تعالى التوفيق * 757 مسألة ومن صح عنده بخبر من يصدقه من رجل واحد، أو امرأة واحدة عبد، أو حر، أو أمة أو حرة، فصاعدا أن الهلال قد رؤى البارحة في آخر شعبان ففرض عليه الصوم، صام الناس أو لم يصوموا، وكذلك لو رآه هو وحده، ولو صح عنده بخبر واحد أيضا كما ذكرنا فصاعدا أن هلال شوال قد رؤى فليفطر، أفطر الناس أو صاموا، وكذلك لو رآه هو وحده، فان خشى في ذلك أذى، فليستتر بذلك * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنه ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فان غم عليكم (2) فاقدروا له) * وبه إلى مسلم: ثنا ابن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا البخترى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فان غم عليكم فأكملوا العدة) * واختلف الناس في قبول خبر الواحد في ذلك * فقال أبو حنيفة، والشافعي بمثل قولنا في هلال رمضان، ولم يجيزا في هلال شوال إلا رجلين عدلين * قال أبو محمد: وهذا تناقض ظاهر * وقال مالك: لا أقبل في كليهما إلا رجلين عدلين * قال أبو محمد: أما من فرق بين الهلالين (3) فما نعلم لهم حجة، وأما قول مالك فانهم قاسوه على سائر الاحكام * قال أبو محمد: والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا، لان (


(1) في النسخة رقم (16) (فانما هو) (2) في النسخة رقم (16) (وان غم عليكم) وفي صحيح مسلم (ج 1 ص 298) (فان اغمى عليكم) (3) في النسخة رقم (16) (الهلال) بالافراد وهو خطأ *

[ 236 ]

الحقوق تختلف، فمنها عند المالكيين ما يقبل فيها شاهد ويمين، ومنها يقبل فيه إلا رجلان، أو رجل وامرأتان، ومنها مالا يقبل فيه إلا رجلان فقط، ومنها ما لا يقبل فيه إلا أربعة، ومنها ما يسمح فيه حتى يجيزوا فيه (1) النصراني والفاسق، كالعيوب في الطب، فمن اين لهم ان يخصوا بعض هذه الحقوق دون بعض بقياس الشهادة في الهلال عليه؟ ونسألهم عن قرية ليس فيها الافساق، أو نصارى أو نساء (2) وفيهم عدل يضعف بصره عن رؤية الهلال؟ * قال أبو محمد: فاما نحن فخبر الكافة مقبول في ذلك وإن كانوا كفارا أو فساقا، لانه يوجب العلم ضرورة * فان قالوا: قد أجمع الناس على قبول عدلين في ذلك * قلنا: لا بل أبو يوسف القاضى يقول: إذا كان الجو صافيا لم أقبل في رؤية الهلال أقل من خمسين * فان قالوا: كلامه ساقط * قلنا: نعم وقياسكم أسقط! (3) * فان قالوا: فمن أين أجزتم فيهما (4) خبر الواحد؟ * قلنا: لانه من الدين، وقد صح في الدين قبول خبر الواحد، فهو مقبول في كل مكان، إلا حيث أمر الله تعالى بان لا يقبل إلا عدد سماه لنا * وأيضا: فقد ذكرنا (5) قبل هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذان بلال: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فأمر عليه السلام بالتزام الصيام بأذان ابن أم مكتوم بالصبح، وهو خبر واحد بان الفجر قد تبين * وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمربن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندى ثنا مروان بن محمد عن عبد الله بن وهب عن يحيى ابن عبد الله بن سالم عن ابى بكر بن نافع عن ابيه نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: (تراءى الناس الهلال، فاخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم: انى رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه) * وهذا (6) خبر صحيح * (


(1) في النسخة رقم (14) (فيها) (2) قوله (أو نساء) زيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (وقياسكم ساقط) (4) في النسخة رقم (16) (فيها) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) (فان ذكرنا) وهو خطأ (6) في النسخة رقم (14) (فهذا) *

[ 237 ]

وقد روينا من طريق أبى داود: ثنا الحسن بن على ثنا حسين هو الجعفي زائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: (جاء اعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انى رأيت الهلال، يعنى رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال، أتشهد ان محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا غدا) * قال أبو محمد: رواية سماك لا نحتج بها ولا نقبلها منهم، وهم قد احتجوا بها في أخذ الدنانير من الدراهم، فيلزمهم أن يأخذوها (1) ههنا، والا فهم متلاعبون في الدين * فان تعلق من فرق بين هلال رمضان وهلال شوال بهذين الخبرين، وقال: لم يرد الا في هلال رمضان * قلنا: ولا جاء نص قط بالمنع من ذلك في هلال شوال، وأنتم أصحاب قياس، فهلا قستم هلال شوال على هلال رمضان؟ * فان قالوا: إن الشاهد في هلال رمضان لا يجر إلى نفسه، الشاهد في هلال شوال يجر إلى نفسه * قلنا فردوا بهذا الظن بعينه شهادة الشاهدين في شوال أيضا، لانهما يجران إلى أنفسهما، كما تفعلون في سائر الحقوق * وأيضا: فان من يكذب في مثل هذا لا يبالي قبل أورد * ونقول لهم: إذا صممتم بشهادة واحد فغم الهلال بعد الثلاثين، أتصومون أحدا وثلاثين (2)؟! فهذه طامة، وشريعة ليست من دين الله تعالى! أم تفطرون عند (3) تمام الثلاثين وان لم تروا الهلال؟! فقد أفطرتم بشهادة واحد وتناقضم! وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: فان شغبوا بما روينا من طريق عباد ابن العوام: ثنا أبو مالك الاشجعى ثنا حسين بن الحارث الجدلي جديلة قيس: أن أمير مكة وهو الحارث بن حاطب خطب فقال: (عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤيته، فان لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما) * وبما روينا من من طريق أبى عثمان النهدي قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسلمان أنتما؟ قالا: نعم (فأمر الناس فأفطروا أو صاموا) * وعن الحارث عن على: إذا شهد رجلان على رؤية الهلال أفطروا * (


(1) في النسخة رقم (16) (ان يأخذوا بها) (2) في النسخة رقم (16) (احدى وثلاثين) وهو خطأ (3) في النسخة رقم (14) (عنده) وهو خطأ *

[ 238 ]

وعن عمرو بن دينار قال: أبى عثمان أن يجيز شهادة هاشم بن عتبة أو غيره على رؤية الهلال * وعن عبد الرزاق عن معمر عن الاعمش عن أبى وائل قال: كتب الينا عمر. ونحن بخانقين (1): إذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان لرأياه بالامس * قلنا: أما حديث الحارث بن الحارت بن حاطب فان راويه حسين بن الحارث وهو مجهول، (2) ثم لو صح لم يكن فيه حجة، لانه ليس فيه الا قبوله اثنين، ونحن لاننكر هذا، وليس فيه أن لا يقبل واحد * وكذلك حديث أبى عثمان، على أنه مرسل * وكذلك القول في فعل على سواء سواء * وقد يمكن أن يكون عثمان رضى الله عنه إنما رد شهادة هاشم بن عتبة لانه لم يرضه، لا لانه واحد، ولقد كان هاشم أحد المجلبين على عثمان رضى الله عنه * وأما خبر عمر فقد صح عن عمر في هذا خلاف ذلك، كما روينا من طريق محمد ابن جعفر عن شعبة عن ابن عبد الاعلى الثعلبي (3) عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء بن عازب: ان عمر بن الخطاب كان ينظر إلى الهلال، فرآه رجل، فقال عمر: يكفى المسلمين أحدهم، فأمرهم فأفطروا أو صاموا. فهذا عمر بحضرة الصحابة * وقد روينا أيضا عن على بن ابى طالب رضى الله عنه مثل هذا، وبه يقول أبو ثور * واما قولنا: انه يبنى على رؤيته فقد روينا عن عمر خلاف ذلك، وهو أن من رآه وحده في إستهلال رمضان فلا يصم ومن رآه وحده في استهلال شوال فلا يفطر، وبه يقول الحسن * روينا ذلك (4) من طريق معمر عن أبى قلابة: أن رجلين رأيا الهلال في سفر، فقدما المدينة ضحى الغد، فأخبرا عمر، فقال لاحدهما: أصائم أنت؟ قال: نعم، كرهت أن يكون الناس صياما وانا مفطر، كرهت الخلاف عليهم، وقال للآخر: فانت؟ قال: أصبحت مفطرا، لانى رأيت الهلال، فقال له عمر: لو لا هذا يعنى الذى صام لاوجعنا رأسك ورددنا شهادتك، ثم أمر الناس فأفطروا * (


(1) هو بالخاء المعجمة وبالنون والقاف المكسورتين، وهى بلدة من نواحى السواد في طريق همذان من بغداد قاله ياقوت (2) كلا ليس مجهولا، قال ابن المدينى (معروف) وذكره ابن حبان في الثقات، وحديثه هذا رواه أبو داود مطولا (ج 2 ص 273) ورواه الدار قطني (ص 232) وقال، (هذا اسناد متصل صحيح) (3) عبد الاعلى بن عامر الثعلبي مختلف فيه وله اوهام وحسن له الترمذي وصحح له الطبراني والحاكم، وابنه على عبد الاعلى ثقة (4) في النسخة رقم (14) (وروينا ذلك) *

[ 239 ]

ومن طريق ابن جريج: أخرت عن معاذ بن عبد الرحمن التيمى: ان رجلا قال لعمر: إنى رأيت هلال رمضان، قال: أرآه معك أحد؟ قال: لا، قال: فكيف صنعت (1)؟ قال: صمت بصيام الناس، فقال: عمر يالك فيها! وهو قول عطاء * قال: أبو محمد: ينبغى لمن قلد عمر فيما يدعونه من مخالفة: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) وتحريم المنكوحة في العدة: أن يقلده (2) ههنا * قال (3) أبو حنيفة، ومالك: يصوم ان رآه وحده، ولا يفطر ان رآه وحده! وهذا تناقض! وقال الشافعي كما قلنا * وخصومنا لا يقولون بهذا ولا نقول به، لان الله تعالى قال: (لا تكلف إلا نفسك) وقال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها). وقال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). فمن رآه فقد شهده، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (4)) * 758 مسألة وإذا رؤى الهلال قبل الزوال فهو من البارحة ويصوم الناس من حينئذ باقى يومهم ان كان أول رمضان ويفطرون ان كان آخره، فان رؤى بعد الزوال فهو لليلة المقبلة * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فخرج من هذا الظاهر إذا رؤى بعد الزوال بالاجماع المتيقن، ولم يجب الصوم إلا من الغد، وبقى حكم لفط الحديث إذا رؤى قبل الزوال، للاختلاف في ذلك، فوجب الرجوع إلى النص، وايضا فان الهلال إذا رؤى قبل الزوال فانما يراه الناظر إليه والشمس بينه وبينه ولاشك في انه لم يمكن رؤيته مع حوالة الشمس دونه الا وقد أهل من البارحة وبعد عنها بعدا كثيرا * روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل نا ابى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن سماك عن ابراهيم النخعي ان عمر بن الخطاب كتب إلى الناس إذا رأيتموه قبل زوال الشمس فأفطروا وإذا رأيتموه بعد زوالها فلا تفطروا * ورويناه ايضا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري بمثله، وبه يقول سفيان * وروينا من طريق يحيى بن الجزار عن على بن ابى طالب قال رضى الله عنه (5): (


(1) في النسخة رقم (16) (أرآه معك آخر؟ قال: فكيف صنعت؟) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (14) (ان يقلدوه) (3) في النسخة رقم (14) (فقال) (4) هنا اعتذر الاستاذ المحقق والمصحح لاصول هذا الكتاب لادارة الطباعة المنيرية فقبلت عذره واناطت العمل بغيره ونرجو الله تعالى ان نوفق إلى اتمامه على ما يجب، وينبغى (5) لفظ رضى الله عنه في النسخة رقم (16) *

[ 240 ]

إذا رأيتم الهلال من أول النهار فأفطروا وإذا رأيتموه في آخر النهار فلا تفطروا فان الشمس تزيغ عنه أو تميل عنه * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن الركين ابن الربيع عن أبيه (1) قال: نا مع سلمان بن ربيعة الباهلى ببلنجر (2) فرأيت الهلال ضحى فاتيت سلمان فاخبرته فقام تحت شجرة فلما رآه أمر الناس (3) فافطروا: وبه يقول عبد الملك بن حبيب الاندلسي، وابو بكر بن داود، وغيره (فان قيل) قد روى عن عمر خلاف هذا، قلنا: نعم وإذا صح التنازع وجب الرد إلى القرآن، والسنة، وقد ذكرنا الآن وجه ذلك وبالله تعالى التوفيق * 759 مسألة ومن السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور وانما هو مغيب الشمس عن أفق الصائم ولا مزيد * روينا من طريق مسلم عن قتيبة عن أبى عوانة عن قتادة عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تسحروا فان في السحور بركة) * ومن طريق قتيبة عن الليث بن سعد عن موسى بن على بن رباح عن ابيه عن ابى قيس مولى عمرو بن العاصى عن عمرو بن العاصى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) قال (فصل ما بين صيامنا وصيام اهل الكتاب أكلة السحور (5)) * قال أبو محمد: لا يضر الصوم تعمد ترك السحور لانه من حكم الليل والصيام من حكم النهار، ولا يبطل عمل بترك عمل غيره الا بان يوجب ذلك نص فيوقف عنده * ومن طريق ابن مسعود انه كان يؤخر السحور ويعجل الافطار فقالت عائشة: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع (6) * ومن طريق مسلم عن ابى بكر بن أبى شيبة عن وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) * ومن طريق البخاري عن مسدد عن عبد الواحد عن ابى اسحاق الشيباني عن عبد الله ابن أبى أوفى سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فلما غربت الشمس قال: (انزل فاجدح (7) (


(1) لفظ (عن ابيه) زيادة من النسخة رقم (14) وهو الصحيح لانه يروى عن ابيه (2) بفتحتين وسكون النون وجيم مفتوحة وآخره راء مدينة ببلاد الخزر خلف باب الابواب (3) في النسخة رقم (16) (فأمر الناس) بزيادة الفاء (4) في النسخة رقم (14) (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال) (5) كذا في النسختين، وفى صحيح مسلم (ج 1 ص 302) (أكلة السحر) (6) زيادة (يصنع) من صحيح مسلم (ج 1 ص 303) (7) الجدح ان يحرق السويق بالماء ويخوض حتى يستوى، وكذلك اللبن ونحوه *

[ 241 ]

لنا قال (1): يا رسول الله لو أمسيت قال: انزل فاجدح لنا قال: يارسول الله ان عليك نهارا قال: انزل فاجدح لنا فنزل فجدح فقال (2) رسول الله عليه وسلم: إذا رأيتم الليل قد (3) أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم وأشار باصبعه قبل المشرق) * وروينا عن أبى موسى تأخير الفطر حتى تبدو الكواكب ولا نقول: بهذا لما ذكرنا، وتعجييل الفطر قبل الصلاة والاذان أفضل، كذلك روينا عن عمر بن الخطاب، وأبى هريرة، وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم * 760 مسالة ومن أسلم بعدما (4) تبين الفجر له أو بلغ كذلك، أو رأت الطهر (5) من الحيض كذلك، أو من النفاس كذلك، أو أفاق من مرضه كذلك، أو قدم من سفره كذلك فانهم يأكلون باقى نهارهم ويطئون من نسائهم من لم تبلغ أو من طهرت في يومها ذلك، ويستأنفون الصوم من غد، ولا قضاء على من أسلم، أو بلغ، وتقضى الحائض، والمفيق، والقادم، والنفساء * وقد اختلف الناس في بعض هذا فروينا عن ابراهيم النخعي انه قال في الحائض تطهر بعد طلوع الفجر: لا تأكل إلى الليل كراهة التشبه بالمشركين وبه يقول أبو حنيفة، والاوزاعي، والحسن بن حى، وعبيدالله بن الحسن، وعن عطاء ان طهرت أول النهار فلتتم يومها وان طهرت في آخره أكلت وشربت، وبمثل قولنا يقول سفيان الثوري ومالك، والشافعي، وأبو سليمان * وأما الكافر يسلم فروينا عن عطاء ان أسلم الكافر في يوم من رمضان صام ما مضى من الشهر وان أسلم في آخر النهار صام ذلك اليوم * وعن عكرمة مثل ذلك، وقال: هو بمنزلة المسافر يدخل في صلاة المقيمين * وعن الحسن مثل ذلك * وقال أبو حنيفة في الصبى يبلغ بعد الفجر: ان عليه صوم ما بقى من يومه، وكذلك قال في المسافر يقدم بعد الفجر * قال أبو محمد: واحتج من أوجب صوم باقى اليوم بان قال: قد كان الصبى قبل بلوغه مأمورا بالصيام (6) فكيف بعد بلوغه، وقالوا: هلا جعلتم هؤلاء بمنزلة (


(1) في النسخة رقم (14) (فقال) وما هنا هو الموافق للبخاري (ج 3 ص 81) (2) في البخاري (جزء 3 ص 81) (ثم قال إذا رأيتم) الخ (3) لفظ غير موجود في البخاري (4) في النسخة رقم (16) حذف (ما) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) زيادة (كذلك) وسقط منها لفظ من الحيض (6) في النسخة رقم (16) (بالصوم) *

[ 242 ]

من بلغه الخبر ان الهلال رؤى البارحة قلنا: هذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه باطلا لان الذى جاءه خبر الهلال كان مأمورا بصوم ذلك اليوم لو علم أنه من رمضان أو انه فرضه، وكل من ذكرنا فهم عالمون بوجوب الصوم على غيرهم وبدخول رمضان الا أن فيهم (1) من هو منهى عن الصوم جملة، ولو صام كان عاصيا كالحائض، والنفساء، والمسافر، والمريض الذى يؤذيه الصوم، وفيهم من هو غير مخاطب بالصوم ولو صامه لم يجزه وهو الصبى، وانما يصوم ان صام تطوعا لا فرضا، وفيهم من هو مخاطب بالصوم بشرط أن يقدم الاسلام قبله وهو الكافر، وفيهم من هو مفسوخ له في الصوم ان قدر عليه وفى الفطران شاء وهو المريض الذى لا (2) يشق عليه الصوم فكلهم غير ملزم ابتداء صوم ذلك اليوم بحال بخلاف من جاءه الخبر برؤية الهلال، والذى جاءه الخبر برؤية الهلال يجزئه صيام باقى يومه ولاقضاء عليه ويعصى ان أكل، وانما اتبعنا فيممن بلغه ان اليوم من (3) رمضان الخبر الوارد في ذلك فقط، وايضا فان من (4) ذكرنا لا يختلف الحاضرون المخالفون لنا في ان التى طهرت من الحيض، والنفاس، والقادم من السفر، والمفيق من المرض لا يجزئهم صيام ذلك اليوم وعليهم قضاؤه، ولا يختلفون في ان الذى بلغ والذى أسلم ان أكلا (5) فليس عليهما قضاؤه فصح أنهم في هذا اليوم غير صائمين أصلا، وإذا كانوا غير صائمين فلا معنى لصيامهم ولا أن يؤمروا بصوم ليس صوما ولاهم مؤدون به فرضا لله تعالى، ولا هم عاصون له بتركه وبالله تعالى التوفيق * وأما من رأى القضاء في ذلك اليوم (6) على من أسلم فقول لا دليل على صحته، ولقد كان يلزم من رأى نية واحدة تجزئ للشهر كله في الصوم أن يقول: بهذا القول وإلا فهم متناقضون: وروينا عن ابن مسعود انه قال: من أكل أول النهار فليأكل آخره وبالله تعالى التوفيق * 761 مسألة ومن تعمد الفطر في يوم من رمضان عاصيا لله تعالى لم يحل له ان يأكل في باقية (7) ولا أن يشرب ولا أن يجامع وهو عاص لله تعالى ان فعل وهو مع ذلك غير صائم بخلاف من ذكرنا قبل هذا، لان كل من ذكرنا قبل هذا إما منهى عن الصوم، واما مباح له ترك الصوم فهم في افطارهم مطيعون لله تعالى غير عاصين (


(1) في النسخة رقم (16) (ومنهم) في الجميع (2) في النسخة رقم (16) يشق بحذف لا خطأ (3) في النسخة رقم (14) حذف من (4) في النسخة رقم (16) فكل (5) في النسخة رقم (16) ان اكلوا وهو غلط (6) في النسخة رقم (16) حذف لفظ اليوم (7) في النسخة رقم (14) (باقيه) بحذف (في) وما هنا اصح *

[ 243 ]

له بذلك وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا صيام لمن لم يبيته من الليل) ولم يخرج من هذه الجملة الا من جهل انه يوم فرضه فقط بالنص الوارد فيهم، فلم يجز ان يصوموا لانهم لم ينووه من الليل ولم يكونوا عصاة بالفطر فهم مفطرون لا صائمون، وأما من تعمد الفطر عاصيا فهو مفترض عليه بلا خلاف صوم ذلك اليوم ومحرم عليه فيه كل ما يحرم على الصائم، ولم يأت نص، ولا اجماع باباحة الفطر له إذا عصى بتعمد (1) الفطر فهو باق على ماكان حراما عليه، وهو متزيد من المعصية متى ما تزيد فطرا ولا صوم له مع ذلك، وروينا عن عمرو بن دينار نحو هذا، وعن الحسن، وعطاء ان له ان يفطر * 762 مسألة ومن سافر في رمضان سفر طاعة أو سفر (2) معصية، أو لا طاعة ولا معصية ففرض عليه الفطر إذا تجاوز ميلا أو بلغه أو ازاءه، وقد بطل صومه حينئذ لاقبل ذلك، ويقضى بعد ذلك في أيام أخر، وله ان يصومه تطوعا، أو عن واجب لزمه، أو قضاء عن رمضان خال لزمه، وان وافق فيه يوم نذره صامه لنذره * وقد فرق قوم بين سفر الطاعة، وسفر المعصية فلم يروا له الفطر في سفر المعصية، وهو قول مالك، والشافعي * قال على: والتسوية بين كل ذلك هو (3) قول أبى حنيفة، وابى سليمان، وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) فعم تعالى الاسفار كلها ولم يخص سفرا من سفر (ومن كان ربك نسيا) وأيضا فقد أتينا بالبراهين على بطلان الصوم بالمعصية تتعمد، والسفر في المعصية معصية وفسوق فقد بطل صومه بهما، والقوم اصحاب قياس بزعمهم ولا يختلفون ان من قطع الطريق أو ضارب قوما ظالما لهم مريدا قتلهم وأخذ اموالهم فدفعوه عن انفسهم واثخنوه ضربا في تلك المدافعة حتى أوهنوه فمرض من ذلك مرضا لا يقدر معه على الصوم، ولا على الصلاة قائما فانه يفطر ويصلى قاعدا ويقصر (4)، فأى فرق بين مرض المعصية وسفر المعصية، وأما المقدار الذى يفطر فيه فقد ذكرناه في كتاب الصلاة مقتصى والحمد لله رب العالمين، ونذكر ههنا ان شاء الله تعالى منه طرفا * وهو ان أبا حنيفة حد السفر الذى يفطر فيه (5) من الزمان بمسير ثلاثة ايام، ومن المسافات بمقدار ما بين الكوفة والمدائن، ذكر ذلك ذلك محمد بن الحسن في الجامع الصغير * (


(1) في النسخة رقم (16) فتعمد وهو خطأ (2) في النسخة رقم (14) حذف لفظ السفر الثاني (3) لفظ هو زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) ويقضى وهو غلط (5) في النسخة رقم (16) حذف قوله (الذى يفطر فيه) خطأ *

[ 244 ]

وحد الشافعي ذلك بستة وأربعين ميلا * وحد مالك في ذلك، مرة يوما وليلة، ومرة ثمانية واربعين ميلا، ومرة خمسة وأربعين ميلا، ومرة اثنين واربعين ميلا، ومرة أربعين ميلا، ومرة ستة وثلاثين ميلا، ذكر ذلك اسماعيل بن اسحاق في كتابه المعروف بالمبسوط * قال أبو محمد: وكل هذه حدود فاسدة لا دليل على صحة شئ منها لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا من رواية فاسدة، ولا اجماع، وقد (1) جاءت في ذلك روايات مختلفة عن الصحابة رضى الله عنهم ليس بعضها أولى من بعض، فروى عن ابن عمر أنه كان لا يقصر في اقل مما بين خيبر والمدينة وهو ستة وتسعون ميلا * وروى عنه ان لا يقصر في أقل مما بين المدينة إلى السويداء وهو اثنان وسبعون ميلا * وروى عنه لا يكون الفطر الا في ثلاثة ايام * وروى عنه لا يكون القصر الا في اليوم التام (2) * وروى عنه القصر في ثلاثين ميلا * وروى عنه القصر في ثمانية عشر ميلا، وكل ذلك صحيح عنه * وروى عنه القصر في سفر ساعة، وفى ميل، وفى (3) سفر ثلاث أميال باسناد في غاية الصحة، وهو جبلة بن سحيم عنه، ومحارب بن دثار ومحمد بن زيد بن خليدة عنه * وروى عنه ابن عباس أربعة برد * وروى عنه يوم تام * وروى عنه لا قصر في يوم إلى العتمة فان زدت فاقصر، ولا متعلق لهم باحد من الصحابة رضى الله عنهم غير من ذكرنا، وقد اختلف عنهم وعن الزهري، والحسن أنهما حدا ذلك بيومين * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا مسعر هو ابن كدم عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: انى لاسافر الساعة من النهار فاقصر * ومن طريق ابن ابى شيبة نا على بن ابى اسحاق الشيباني عن محمد بن زيد ابن خليدة عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري قال: سمعت جبلة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة * وعن شرحبيل بن السمط عن ابن عمر أنه قصر في اربعة أميال * وعن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن ابن عمر أنه خرج معه إلى مكان على ثمانية عشر ميلا فقصر ابن عمر الصلاة. وهذه أسانيد عنه كالشمس * وعن عمر بن الخطاب القصر في ثلاثة أميال * وعن أنس في خمسة عشر ميلا * وعن ابن مسعود في اثنى عشر ميلا * ومن طريق ابن ابى شيبة عن (


(1) في النسخة رقم (14) حذف لفظ (قد) (2) في النسخة رقم (16) (اليوم اليوم) بتكرر اليوم وفى النسخة رقم (14) (اليوم) بدون تكرار وصححناه من سنن البيهقى جزء (3 ص 137) لفظ (في) زيادة من النسخة رقم (14) *

[ 245 ]

حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال (1) سألت سعيد بن المسيب أأقصر وأفطر في بريدين من المدينة؟ قال: نعم * حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود نا عبيدالله (2) ابن عمر نا عبد الله بن يزيد هو المقرى عن سعيد بن أبى أيوب نا يزيد بن أبى حبيب ان كليب بن ذهل الحضرمي أخبره ان عبيد بن جبر قال: كنت مع أبى بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع ثم قرب غداءه قال: اقترب فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأكل، والروايات في هذا كثيرة جدا * فأما تحديد أبى حنيفة، ومالك، والشافعي فلا معنى لها أصلا وانما هي دعاوى بلا برهان، وموه بعضهم في ذلك بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما منع من أن تسافر المرأة إلا مع ذى محرم * قال أبو محمد: وذلك خبر صحيح لاحجة لهم فيه لانه ليس فيه من حكم القصر والفطر أثر ولا دليل، وأيضا فانه جاء بألفاظ مختلفة في بعضها (لا تسافر أكثر من ثلاث) وفى بعضها (لا تسافر ثلاثا) وفى بعضها (لا تسافر ليلتين) وفى بعضها (لا تسافر يوما وليلة) وفى بعضها (لا تسافر يوما) وفى بعضها (لا تسافر بريدا) وهذه ألفاظ اختلف فيها عن أبى سعيد، وأبى هريرة، وابن عمر. وصح من طريق ابن عباس هذا الخبر (لا تسافر المرأة) دوت تحديد أصلا ولم يختلف عنه (3) في ذلك أصلا، فان عزموا على ترك من اختلف عنه والاخذ برواية من لم يختلف عنه فابن عباس لم يختلف عنه فهو أولى على هذا الاصل، وان أخذوا بالزيادة، فرواية ابن عباس هي الزائدة على سائر الروايات لانها تعم كل سفر، وان أخذوا بالمتفق عليه فأكثر من ثلاث هو (4) المتفق عليه لا الثلاث كما رواه عبد الله بن نمير عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا ومعها ذو محرم، وهكذا رواه هشام الدستوائى، وسعيد بن أبى عروبة كلاهما عن قتادة عن قزعة عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم (5)، وهكذا رواه أبو معاوية ووكيع عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم (6) فبطل أن يكون لابي حنيفة، ومالك، والشافعي متعلق بهذا الخبر (


(1) لفظ قال زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) عبد الله وهو غلط لانه عبيد الله بن عمر ابن ميسرة الجشمى ابو شعيب البصري القواريرى شيخ ابى داود، ووقع في تهذيب التهذيب (عبيد الله بن عمرو) بزيادة الواو في ابيه وهو غلط ايضا (3) لفظ عنه زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) (وهو) بزيادة الواو ولا معنى لها (5) رواه مسلم في صحيحه (6) رواه ايضا مسلم في صحيحه *

[ 246 ]

أصلا الا كتعلق الزهري، والحسن بذكر الليلتين فيه ولا فرق، ومالهم بعد (1) هذا حيلة، على انهم قد كفونا المؤونة، فذكر مالك في المدونة ان من تأول من الرعاة وغيرهم فافطر في مخرج ثلاثة أميال فليس عليه إلا القضاء، ورأى القصر في منى من مكة وهذا قولنا، وكذلك رأى أبو حنيفة، والشافعي في المتأول ولا فرق، وأيضا فانهم كلهم رأوا لمن سافر ثلاثة أيام ان يفطر إذا فارق بيوت القرية فان رجع لشئ أوجب عليه ترك السفر فلا شئ عليه الا القضاء، فقد أوجبوا الفطر في اقل من ميل، ويغنى من هذا كله قول الله تعالى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). فلم يخص تعالى سفرا من سفر، ووجدنا ما دون الميل ليس له حكم السفر لانه قد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعد للغائط والبول فلا يقصر ولا يفطر، ولم نجد في أقل من الميل قولا عن أحد من أهل العلم بالدين واللغة * قال على: ويلزم من تعلق من الحنيفيين بحديث (لا تسافر المرأة) ان لا يرى القصر والفطر في سفر معصية لانه عليه السلام لم يبح لها بلا خلاف سفر المعصية أصلا وانما أباح لها بلا شك اسفار الطاعات، وهذا مما أوهموا فيه من الاخبار انهم اخذوا به (2) وهم مخالفون له * قال على: فأما ما دون الميل فقد قال قوم: ليس له حكم السفر فلا يجوز الفطر ولا القصر فيه أصلا وان أراد ميلا فصاعدا لان نية السفر هي غير السفر، وقد ينوى السفر من لا يسافر، وقد يسافر من لا ينوى السفر، وقد روى عن أنس الفطر في رمضان في منزله إذا أراد السفر، وروى عن على أذ يفارق (3) بيوت القرية، وروى عن ابن عمر ترك القصر حتى يبلغ ما يقصر في مثله، وبالله تعالى التوفيق * وكان هذا هو النظر لو لا حديث أنس (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فلم يزل يصلى ركعتين ركعتين (4) حتى رجعنا (5) إلى المدينة (6) فهذا على عمومه لا يجوز أن يخص منه شئ بغير نص * وأما قولنا: يقضى بعد ذلك في أيام أخر فهو نص القرآن، وجائز أن يقضيه (


(1) في النسخة رقم (16) (وما لهم بغير هذا حيلة) (2) في النسخة رقم (14) (آخذون بها) (3) في النسخة (14) إذا فارق (4) زيادة لفظ ركعتين من البخاري ومسلم (5) في النسخة رقم (14) حتى رجع وكتب عليها مصححها صح وما هنا هو الموافق لما في سنن البيهقى الكبرى (ج 3 ص 136)، (6) زاد البيهقى في سننه الكبرى (قال: قلنا فاقمتم في مكة شيئا؟ قال: اقمنا عشرا) وقال بعد ما أورد الحديث: رواه البخاري في الصحيح. عن ابى معمر، واخرجه مسلم من اوجه أخر عن يحيى *

[ 247 ]

في سفر، وفى حضر لان الله تعالى لم يخص بأيام أخر حضرا من سفر * وأما قولنا: لا يجوز الصوم في السفر فان الناس اختلفوا * فقالت طائفة: من سافر بعد دخول رمضان فعليه ان يصومه كله، وقالت طائفة: بل هو مخير ان شاء صام وان شاء أفطر، وقالت طائفة: لابد له من الفطر ولا يجزئه صومه، ثم افترق القائلون بتخييره فقالت طائفة: الصوم أفضل، وقالت طائفة: الفطر أفضل، وقالت طائفة: هما سواء، وقالت طائفة: لا يجزئه الصوم ولابد له من الفطر * فروينا القول الاول عن على من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلمانى عن على بن أبى طالب قال: من ادركه رمضان وهو مقيم ثم سافر بعد لزمه الصوم لان الله تعالى قال: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * وعن عبيدة مثله * ومن طريق ابن عباس مثله * وعن عائشة أم المؤمنين انها نهت عن السفر في رمضان * وعن خيثمة كانوا يقولون إذا حضر رمضان: فلا تسافر حتى تصوم (1) * وعن أبى مجلز مثله قال: فان أبى ان لا يسافر فليصم * وعن ابراهيم النخعي مثل قول أبى مجلز * وعن عروة بن الزبير انه سئل عن المسافر أيصوم أم يفطر؟ فقال: يصوم * وأما الطائفة المجوزة للصوم والفطر أو المختارة (2) للصوم فهو قول أبى حنيفة، ومالك والشافعي فشغبوا بقول الله تعالى (وان تصوموا خير لكم) واحتجوا باحاديث منها حديث سلمة بن المحبق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من كانت له حمولة (3) يأوى إلى شبع فليصم رمضان حيث ادركه) * ومن طريق ابى سعيد، وأبى الدراداء، وجابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه في السفر بالفطر وهو صائم فترددوا فافطر هو عليه السلام، وذكروا عن أم المؤمنين انها كانت تصوم في السفر وتتم الصلاة وعن أبى موسى انه كان يصوم رمضان في السفر * وعن أنس بن مالك (4) أن أفطرت فرخصة الله تعالى وان صمت فالصوم أفضل * وعن عثمان بن أبى العاصى، وابن عباس الصوم أفضل * وعن المسور ابن خرمة، وعبد الرحمن بن الاسود بن عبد يغوث مثله * وعن على انه صام في سفر لانه كان راكبا، وأفطر سعد مولاه لانه كان ماشيا * وعن عمر بن عبد العزيز صمه في اليسر وأفطره في العسر * وعن طاوس الصوم أفضل * وعن الاسود بن يزيد مثله * واحتج من رأى الامرين سواء بحديث حمزة بن عمرو الاسلمي انه قال: يا رسول الله (


(1) في النسخة رقم (14) حتى تصم (2) في النسخة رقم (16) المخيرة للصوم والفطر المجيزة للصوم (3) هو بالضم الاحمال، يعنى انه يكون صاحب احمال يسافر بها، واما الحمول بلا هاء فهى الابل التى عليها الهوادج كان فيها نساء أو لم يكن لها نهاية والحديث رواه أبو داود (ج 2 ص 292) (4) في النسخة رقم (16) وعن ابى موسى *

[ 248 ]

اجد بى قوة على الصيام في السفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي ذلك شئت يا حمزة) وبحديث مرسل عن الغطريف أبى هارون: (ان رجلين سافرا فصام احدهما وأفطر الآخر فذكرا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كلاكما أصاب * وبحديث مرسل عن أبى عياض (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر أن ينادى في الناس من شاء صام ومن شاء أفطر) * ومن طريق أبى سعيد، وجابر (كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) وعن علقمة، والاسود، ويزيد بن معاوية النخعي انهم سافروا في رمضان فصام بعضهم، وأفطر بعضهم فلم يعب بعضهم على بعض * وعن عطاء ان شئت فصم وان شئت فافطر * وأما من رأى الفطر فاحتجوا بحديث حمزة بن عمرو إذ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له عليه السلام: (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه) * وممن روينا عنه اختيار الفطر على الصوم سعد بن أبى وقاص روينا أنه سافر هو، وعبد الرحمن ابن الاسود، والمسور بن مخرمة فصاما وأفطر سعد فقيل له في ذلك فقال: أنا افقه منهما * وصح عن ابن عمر انه كان لا يصوم في السفر وكان معه رقيق فكان يقول: يا نافع ضع له سحوره قال نافع: وكان ابن عمر إذا سافر احب إليه أن يفطر يقول: رخصة ربى أحب إلى وان آجر لك ان تفطر في السفر ويحتج اهل هذا القول (1) بحديث حمزة ابن عمرو الذى روينا (2) آنفا عن النبي صلى الله عليه وسلم هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه * فحسن الفطر ولم يزد في الصوم على اسقاط الجناح * قال على: هذا ما احتجت به كل طائفة ممن رأت الصوم في السفر لم ندع منه شيئا ولسنا نقول: بشئ من هذه الاقوال فنحتاج إلى ترجيح بعضها على بعض الا انها كلها متفقة على جواز الصوم لرمضان في السفر، وهو خلاف قولنا فانما يلزمنا دفعها كلها من أجل ذلك فنقول وبالله تعالى نتأيد ونستعين (3) * أما قول الله تعالى: (وان تصوموا خير لكم) فقد أتى كبيرة من الكبائر وكذب كذبا فاحشا من احتج بها في اباحة الصوم في السفر لانه حرف كلام الله تعالى عن موضعه نعوذ بالله تعالى من مثل هذا، وهذا عار لا يرضى به محقق لان نص الآية (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن (


(1) في النسخة رقم (14) اهل هذه المقالة (2) في النسخة رقم (14) الذى ذكرنا (3) في النسخة رقم (16) وبالله تعالى التوفيق (بدل نتأيد ونستعين) *

[ 249 ]

كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وان تصوموا خير لكم) الآية (1) وانما نزلت هذه الآية في حال الصوم المنسوخة، وذلك انه كان الحكم في أول نزول صوم رمضان ان من شاء صامه ومن شاء أفطره وأطعم مكان كل يوم مسكينا، وكان الصوم أفضل هذا نص الآية، وليس للسفر فيها مدخل أصلا ولا للاطعام مدخل في الفطر في السفر أصلا، فكيف استجازوا هذه الطامة؟ وبهذا جاءت السنن * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج حدثنى عمرو بن سواد انا عبد الله بن وهب انا عمرو ابن الحارث عن بكير بن الاشح عن يزيد مولى سلمة بن الاكوع عن سلمة بن الاكوع قال كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى نزلت هذه الآية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وبه إلى مسلم * نا قتيبة بن سعيد نا بكر يعنى ابن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الآشج عن يزيد مولى سلمة بن الاكوع عن سلمة بن الاكوع قال: لما نزلت هذه الآية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدى حتى نزلت الآية التى بعدها فنسختها * قال أبو محمد: فحينئذ كان الصوم أفضل فظهرت فضيحة من احتج بهذ الآية في الصوم في السفر * وأما حديث ابن المحبق (من كان يأوى إلى حمولة أو شبع فليصم) فحديث ساقط لان راويه عبد الصمد بن حبيب وهو بصرى لين الحديث عن سنان بن سلمة بن المحبق وهو مجهول (2) ثم لو صح هذا الخبر لما كان فيه حجة لاحد من الطوائف المذكورة الا للقول المروى عن عمر بن عبد العزيز (صمه في اليسر وأفطره في العسر) لانه ليس فيه الا ايجاب الصوم ولا بد على ذى الحموله والشبع، وهذا خلاف جميع الطوائف المذكورة * وأما حديث الغطريف، وأبى عياض فمرسلان * ولا حجة في مرسل * وأما حديث حمزة بن عمرو الذى ذكرنا ههنا الذى فيه اباحة الصوم في رمضان في السفر فانما هو من (


(1) في النسخة رقم (16) سقط من لفظ (الآية) خطأ (2) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج 4 ص 342) في آخر كلامه عليه: وذكره ابن سعد في الطبقة الاولى من تابعي اهل البصرة، وذكره في موضع آخر فقال: كان معروفا قليل الحديث اه *

[ 250 ]

رواية بن حمزة ابنه محمد بن حمزة وهو ضعيف (1)، وابوه كذلك، وأما الثابت من حديث حمزة هو ما نذكره (2) ان شاء الله تعالى * وأما حديث ابى سعيد، وابى الدرداء، وجابر فلا حجة لهم في شئ منها لوجهين، أحدهما ليس في شئ منها انه عليه الصلاة والسلام كان صائما لرمضان واذ ليس ذلك فيها فلا يجوز القطع بذلك، ولا الاحتجاج باختراع ما ليس في الخبر على القرآن، وقد يمكن ان يكون صائما تطوع، والثانى انه حتى لو كان ذلك فيها نصا لما كان لهم فيها حجة لان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ايجاب الفطر في رمضان في السفر فلو كان صوم رمضان في السفر قبل ذلك مباحا لكان منسوخا بآخر أمره عليه الصلاة والسلام كما نذكره (3) ان شاء الله تعالى * وأما احتجاج من أوجب الصوم في السفر لمن أهل عليه الشهر في الحضر بقول الله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). فلا حجة لهم في هذه الآية لان الله تعالى لم يقل فمن شهد بعض الشهر فليصمه، وانما اوجب تعالى صيامه على من شهد الشهر لا على من شهد بعضه، ثم يبطل قولهم ايضا قول الله تعالى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). فجعل السفر والمرض ناقلين عن الصوم فيه إلى الفطر. وأيضا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم صح عنه انه سافر في رمضان عام الفتح فافطر وهو أعلم بمراد ربه تعالى، والبلاغ منه نأخذه وعنه لامن غيره، فلما بطل كل ما احتجوا به وجب ان نأتى بالبرهان على صحة قولنا بحول الله تعالى وقوته * قال على نذكر الآن حديث ابى سعيد، وابى الدرداء، وجابر، وحمزة بن عمرو من الوجوه الصحاح ان شاء الله تعالى، ونرى انها لاحجة لهم فيها ثم نعقب بالبرهان على صحة قولنا ان شاء الله وبه نتأيد * روينا من طريق ابى داود نا مؤمل بن الفضل نا الوليد هو ابن مسلم نا سعيد بن عبد العزيز حدثنى اسماعيل بن عبيدالله حدثتني ام الدرداء عن ابى الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته في حر شديد حتى ان احدنا ليضع يده على رأسه (أو كفه على رأسه) (4) من شدة الحر ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله ابن رواحة) * ومن طريق حماد بن سلمة عن الجريرى عن أبى نضرة عن جابر بن (


(1) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج 9 ص 127): ضعفه ابن حزم وعاب ذلك عليه القطب الحلبي وقال: لم يضعفه قبله احد وقال ابن القطان: لا يعرف حاله (2) في النسخة رقم (14) (هو كما نذكره) (3) في النسخة رقم (14) (كما نذكر) (4) الزيادة من سنن ابى داود (ج 2 ص 292) ورواه ايضا مسلم (ج 1 ص 310)

[ 251 ]

عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم (كان في سفر فأتى على غدير فقال للقوم: اشربوا فقالوا: يا رسول الله أنشرب ولا تشرب؟ فقال: إنى ايسركم انى راكب وانتم مشاة (1) فشرب وشربوا) * ومن طريق حماد بن زيد عن الجريرى عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمر بماء فقال: انزلوا فاشربوا فتلكأ القوم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) فشرب وشربنا معه) * وقد روينا هذا الخبر من طريق لا يحتج نهها كما رويناه من طريق معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد حدثنى قزعة أنه سأل ابا سعيد عن الصوم في السفر فقال: (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انكم (3) قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم تتصبحوا (4) عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا فكانت عزمة فافطرنا، ثم قال (5): لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ايوب السختيانى عن عكرمة عن ابن عباس قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان فصام حتى مر بغدير في الطريق وذلك فينحر الظهيرة (6) فعطش الناس فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فأمسكه على يده حتى رآه الناس ثم شرب فشرب الناس) * ومن طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف عن مالك عن هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ان حمزة بن عمرو الاسلمي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أأصوم (7) في السفر؟ وكان كثير الصيام فقال: ان شئت فصم وان شئت فأفطر) * ومن طريق مسلم نا أبو الربيع الزهراني ويحى بن يحيى قال أبو الربيع نا حماد هو ابن زيد، وقال يحيى نا أبو معاوية ثن اتفق أبو معاوية وحماد كلاهما عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة أم المؤمنين ان حمزة بن عمرو الاسلمي قال: (يا رسول الله إنى رجل اسرد الصوم أفأصوم (8) في السفر؟ قال: صم ان شئت) * قال على: كل هذا لا حجة لهم فيه، أما حديث أبى الدرداء فليس فيه ان ذلك كان في رمضان أصلا، وإقحام ما ليس في الخبر كذب، وقد يمكن أن يكون تطوعا فلا ننكره فلا متعلق لهم ولا لنا فيه * وأما حديث أبى سعيد فطريق معاوية بن صالح لا يحتج بها (


(1) من قوله (فقال للقوم اشربوا) إلى قوله (وانتم مشاة) سقط من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (14) (فنزل عليه السلام) الخ (3) لفظ (انكم) زيادة من النسخة رقم (14) (4) كذا في النسختين بتاءين وفي سنن ابى داود (ج 2 ص 291) (تصبحون) وفي صحيح مسلم (ج 1 ص 309) (مصبحوا عدوكم) (5) زيادة (قال) من صحيح مسلم وسنن ابى داود (6) هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع (7) زيادة الهمزة من صحيح البخاري (ج 3 ص 76) (8) في النسخة رقم (16) حذف احدى الهمزتين *

[ 252 ]

ثم هبك أنها صحيحة فهو حجة لنا عليهم لان فيه ان آخر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الفطر هذا ان صح انه كان في رمضان، وفى حديث حماد بن سلمة المذكور، وحديث ابن عباس بيان انه كان في رمضان، وفيهما على أبى حنيفة، ومالك والشافعي أمر عظيم لانهم لا يجيزون لمن صام وهو مسافر في رمضان أن يفطر في ذلك اليوم الذى ابتدأ صيامه، واتفقوا على أنه مخطئ وما يبعد عنهم إطلاق اسم المعصية عليه، ومالك يرى عليه الكفارة فلينظر ناصر أقوالهم (1) فيماذا يدخل في احتجاجه بهذين الخبرين من إطلاق اسم الخطأ والمعصية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وايجاب الكفارة عليه في إفطاره، وهذا خروج عن الاسلام ممن أقدم عليه. وأما نحن فنقول: لو صح أنه (2) عليه السلام كان صائما ينويه من رمضان لكان ذلك منسوخا بآخر أمره وآخر فعله وإذ لم يأت ذلك في شئ من الاخبار فيمكن أن يكون صام تطوعا والفطر للصائم تطوعا مباح مطلق لاكراهة فيه كما فعل عليه السلام * والعجب كل العجب ممن يقول في الخبر الثابت (ان امرأة كانت تستعير الحلى وتجحده فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع يدها)): لعله انما قطع يدها لغير ذلك، ويقول في الخبر الثابت (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلى خلف الصف وحده فأمره باعادة الصلاة): لعله انما أمره بالاعادة لغير ذلك ويقول في الخبر (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلى ركعتي الفجر والصلاة تقام فقال له: باى صلاتيك تعتد)): لعله انما أنكر عليه أنه صلاهما بين الناس مكابرة للباطل: وفى الخبر منصوص أنه كان يصليهما ناحية، ثم لا يقول ههنا: لعله كان يصوم تطوعا، وههنا يجب أن يقال: هذا لانه ليس في الاخبار دليل على غير ذلك وأما تلك الاخبار فليس منها شئ يحتمل ما تأولوه لان نصها يمنع من ذلك * والعجب (3) ممن يحتج بقول أبى سعيد: (ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) في إجازة ما ليس في الخبر منه أثر ولا عيثر (4) من إجازة الصوم لرمضان في السفر، وليس في الخبر أنه عليه السلام علم بذلك فأقره، وهم لا يرون قول أسماء: ذبحنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه حجة، ولا يرون قول ابن عباس: (ان طلاق الثلاث كانت تجعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة) حجة (5) (


(1) في النسخة رقم (16) (ناصر لقولهم) (2) في النسخة رقم (16) (انه كان) بزيادة لفظ (كان) ولا معنى له (3) في النسخة رقم (14) سقط لفظ (والعجب) خطأ (4) قال الجوهرى في الصحاح في مادة ع ث ر: (يقال ما رأيت لهم اثرا ولا عيثرا ولا عثيرا)، والعثير بتسكين الثاء الغبار (5) في النسخة رقم (16) سقط لفظ (حجة) خطأ *

[ 253 ]

وهذا عجب عجيب وانما في حديث أبى سعيد اباحة الصوم في السفر ونحن لا ننكره تطوعا أو فرضا غير رمضان، ومما يبين هذا أنه لا يعلم أنه عليه السلام سافر في رمضان بعد عام الفتح * وأما خبر حمزة فبيان جلى في أنه انما سأله عليه السلام عن التطوع لقوله في الخبر (انى امرؤ أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام (1)) فبطل كل ما تأولوه وبطل أن يكون لهم في شئ من هذه الاخبار حجة وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: فإذ لم يبق لهم حجة لامن قرآن ولا من سنة فلنذكر الآن (2) البراهين على صحة قولنا بحول الله تعالى وقوته * قال الله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وهذه آية محكمة باجماع من (3) أهل الاسلام لا منسوخة ولا مخصوصة، فصح أن الله تعالى لم يفرض صوم الشهر الا على من شهده، ولا فرض على المريض، والمسافر الا أياما أخر غير رمضان، وهذا نص جلى لا حيلة فيه، ولا يجوز لمن قال: انما معنى ذلك أن أفطرا فيه لانها دعوى موضوعة بلا برهان، قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا احمد بن محمد نا أحمد ابن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفى نا جعفر ابن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم (4) فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب (5) فقيل له بعد ذلك: ان بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة (أولئك العصاة)) (6) * قال أبو محمد: ان كان صيامه عليه السلام لرمضان فقد نسخه بقوله: (أولئك العصاة) وصار الفطر فرضا والصوم معصية، ولا سبيل إلى خبر ناسخ لهذا أبدا، وان كان صيامه عليه السلام تطوعا فهذا أحرى للمنع من صيام رمضان لرمضان في السفر، ومن طريق البخاري ومسلم * (


(1) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص 194): لكن ينتقض عليه بان عند ابى داود في رواية صحيحة من طريق حمزة بن محمد بن حمرة عن ابيه عن جده ما يقتضى انه سأله عن الفرض وصححها الحاكم اه‍ وانظر عون المعبود شرح سنن ابى داود (ج 2 ص 290) (2) زيادة لفظ (الآن) من النسخة رقم (14) (3) زيادة لفظ (من) من النسخة رقم (14) (4) هو اسم موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة، وهو وادى امام عسفان بثمانية اميال (5) في النسخة رقم (14) (فشرب) وما هنا موافق لصحيح مسلم (ج 1 ص 308) (6) زيادة لفظ (اولئك العصاة) الثانية من مسلم (ج 1 ص 308) بولاق وهى توافق النسخة رقم (14) *

[ 254 ]

قال البخاري نا آدم وقال مسلم: نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن جعفر ثما اتفق آدم ومحمد كلاهما عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الانصاري عن محمد ابن عمرو بن الحسن بن على بن أبى طالب عن جابر بن عبد الله قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلا (1) قد ظلل عليه فسأل عنه فقيل: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر) هذا لفظ آدم، ولفظ غندر (ليس من البر أن تصوموا في السفر) * قال أبو محمد: وهذا مكشوف واضح، فان قيل: انما منع عليه السلام في مثل حال ذلك الرجل قلنا: هذا باطل لا يجوز لان تلك الحال محرم البلوغ إليها باختيار المرء للصوم في الحضر كما هو في السفر فتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالمنع من الصيام (2) في السفر إبطال لهذه الدعوى المفتراة عليه صلى الله عليه وسلم، وواجب أخذ كلامه عليه السلام على عمومه * ومن طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحى عن أم الدرداء عن كعب بن عاصم الاشقري قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من البر الصيام في السفر (3))، صفوان ثقة مشهور مكى كان متزوجا بالدراء بنت أبى الدرداء، وكعب بن عاصم مشهور الصحبة هاجر مع أبى موسى وهو من الاشاقر حى من الازد * ومن طريق شعيب بن إسحاق عن الاوزاعي حدثنى يحيى هو ابن أبى كثر حدثنى أبو قلابة الجرمى ان أبا أمية عمرو بن أمية الضمرى أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وقد دعاه إلى الغداء: أخبرك عن المسافر ان الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة * ومن طريق أبى زرعة عبيدالله بن عبد الكريم نا سهل بن بكار نا أبو عوانة عن أبى بشر عن هانئ بن عبد الله بن الشخير عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ودعاه إلى الغداء: أتدرى ما وضع الله عن المسافر؟ قلت: ما وضع الله عن المسافر؟ قال: الصوم وشطر الصلاة) * ومن طريق يحيى بن أبى كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثنى جابر بن عبد الله (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل يرش عليه الماء فسأل عنه فأخبر أنه صائم فقال: ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التى رخص لكم فاقبلوها) (


(1) في صحيح مسلم (ج 1 ص 308) (فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه فقال: ماله؟ قالوا: رجل صائم فقال) الخ، وفي صحيح البخاري جزء (3 ص 77) (فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا صائم فقال) الخ (2) في النسخة رقم (14) (للصيام) (3) هو في مسند الامام احمد بن حنبل (ج 5 ص 434) *

[ 255 ]

فهذا أمر بقبولها وأمره عليه الصلاة والسلام فرض (1) فهى رخصة مفترضه، وصح بهذه الاخبار أن الله تعالى أسقط عن المسافر الصوم ونصف الصلاة وهذه آثار متواترة متظاهرة لم يأت شئ يعارضها فلا يجوز الخروج عنها، فان قيل: فان هذه الاخبار مانعة كلها بعمومها من كل صوم في السفر وأنتم تبيحون فيه كل صوم الا رمضان وحده قلنا: نعم لان النصوص جاءت بمثل ما قلنا لان الله تعالى قال: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) فافترض تعالى صوم الثلاثة الايام في السفر ولابد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحوض على صوم عرفة ما سنذكره ان شاء الله تعالى وهو في السفر لمن كان حاجا، وقال عليه الصلاة والسلام: (ان أفضل الصيام صيام داود يصوم يوما ويفطر يوما (2)) فعم عليه الصلاة والسلام ولم يخص، وقال عليه الصلاة والسلام: (من صام يوما في سبيل الله باعد الله النار عن وجهه) (3) فحض على الصوم في السفر فوجب الاخذ بجميع النصوص فخرج صوم رمضان في السفر بالمنع وحده وبقى سائر الصوم واجبه وتطوعه على جوازه في السفر ولا يجوز ترك نص لآخر * وقال بعض أهل الجهل والجرأة على القول بالباطل في الدين: معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس من البر الصيام في السفر)) مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس المسكين بهذا الطواف) * قال أبو محمد: هذا تحريف للكم عن مواضعه، وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقويل له ما لم يقل، وفاعل هذا يتبوأ مقعده من النار بنص قوله عليه السلام، وليس إذا وجد نص قد جاء آخر أو إجماع باخراجه عن ظاهره وجب أن تبطل جميع النصوص وتخرج عن ظواهرها فيحصل من فعل هذا على مذهب القرامطة في احالة القرآن عن مفهومه وظاهره، ومن بلغ إلى ههنا فقد كفى خصمه مؤنته، ويقال له: إذا قلت هذا في قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس من البر الصيام في السفر) فقله أيضا في قوله تعالى: (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) ولا فرق * قال أبو محمد: ومن سلك هذا السبيل فقد أبطل الدين والعقل والتفاهم جملة، فان قيل: فكيف تقولون في صومه عليه الصلاة والسلام مع قول الله تعالى (5) (فمن شهد منكم (


(1) في النسخة رقم (14) سقط لفظ (فرض) خطأ (2) رواه النسائي والترمذي، وقد تقدم قريبا (3) رواه البخاري في صحيحه، ورواه غير البخاري أيضا (4) لفظ (وحده) سقط من النسخة رقم (16) خطأ (5) في النسخة رقم (14) (مع قوله تعالى) وما هنا اظهر *

[ 256 ]

الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفرفعدة من أيام أخر)؟ قلنا: هذا في غاية البيان لا تخلو هذه الآية من أن يكون نزولها تأخر إلى وقت فتح مكة أو بعده، وتقدم فرض رمضان بوحى آخر كما كان نزول آية الوضوء في المائدة متأخرا عن نزول (1) فرضه، فان كان تأخر نزولها فسؤالكم ساقط ولله الحمد رب العالمين (2)، وان كان تقدم نزولها فلا يخلو عليه الصلاة السلام في صومه ذلك من أن يكون صامه لرمضان أو تطوعا، فان كان صامه تطوعا فسؤالكم ساقط ولله الحمد، وان كان صامه عليه الصلاة والسلام لرمضان فلا ننكر أن يكون عليه الصلاة والسلام نسخ بفعله حكم الآية ثم نسخ ذلك الفعل وعاد حكم الآية، فهذا كله حسن فكيف ولا دليل أصلا على تقدم نزول الآية قبل غزوة الفتح؟ وما نزل بعضها الا بعد إلاسلام عدى بن حاتم بعد الفتح بمدة، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: ولم يبق علينا الا أن نذكر من قال: بمثل قولنا لئلا يدعوا علينا خلاف الاجماع، فالدعوى لذلك منهم سهلة، وهم أكثر الناس خلافا للاجماع على ما قد بينا في كتابنا هذا وفى غيره * روينا من طريق سليمان بن حرب نا حماد بن سلمة عن كلثوم بن جبر عن رجل من بنى قيس أنه صام في السفر فأمره عمر بن الخطاب أن يعيد * ومن طريق سفيان ابن عيينة عن عاصم بن عبيدالله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عمر بن الخطاب أنه أمر رجلا أن يعيد صيامه في السفر * قال أبو محمد: إن من احتج في رد السنن الثابتة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل بيعين فلابيع بينهما حتى يتفرقا) برواية شيخ من بنى كنانة عن عمر أنه قال: البيع على (3) صفقة أو تخاير، ثم رد هذه الرواية عن عمر ومعه القرآن والسنن لا عجوبة وأخلوقة * ومن طريق سليمان بن حرب عن أبى عوانة عن عمر بن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه قال: نهتني عائشة أم المؤمنين (4) عن أن أصوم رمضان في السفر * وعن أبى هريرة ليس من البر الصيام في السفر * ومن طريق شعبة عن أبى حمزة نصر ابن عمران الضبعى قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: يسر وعسر (5) خذ (6) بيسر الله تعالى * (


(1) لفظ (نزول) زيادة من النسخة رقم (14) (2) لفظ (رب العالمين) زيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (14) (عن) (4) لفظ (ام المؤمنين) زيادة من النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (16) (عسر ويسر) (6) في النسخة رقم (14) (خذوا بيسر الله تعالى) *

[ 257 ]

قال أبو محمد: اخباره بان صوم رمضان في السفر عسر ايجاب من لفطره * وعنه أيضا الافطار في رمضان في السفر عزمة * روينا هذا من طريق عبد بن حميد وابن أبى شيبة كلاهما عن محمد بن بشر عن سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد أبى الشعثاء عن ابن عباس * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى داود الطيالسي عن عمران القطان عن عمار (1) مولى بنى هاشم هو ابن أبى عمار عن ابن عباس انه سئل عمن صام رمضان في السفر فقال ابن عباس: لا يجزئه يعنى لا يجزئه صيامه * وعن ابن عمرانه سئل عن الصوم في السفر فقال: (من كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * ومن طريق شعبة عن يعلى بن عطاء عن يوسف بن الحكم الثقفى ان ابن عمر سئل عن الصوم في السفر؟ فقال: إنما هي صدقة تصدق الله بها عليك أرأيت لو تصدقت بصدقة فردت عليك؟ ألم تغضب؟ * قال أبو محمد: هذا يبين أنه كان يرى الصوم في رمضان في السفر مغضبا لله تعالى، ولا يقال هذا في شئ مباح أصلا * ومن طريق حماد بن سلمة عن كلثوم بن جبر ان امرأة صحبت ابن عمر في سفر فوضع الطعام فقال لها: كلى قالت: إنى صائمة قال: لا تصحبينا * ومن طريق معن بن عيسى القزاز عن أبن أبى ذئب عن الزهري عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: يقال: الصيام في السفر كالافطار في الحضر * قال أبو محمد: هذا إسناد صحيح، وقد صح سماع أبى سلمة من أبيه، ولا يقول عبد الرحمن بن عوف: في الدين يقال (3) كذا الا عن الصحابة أصحابه رضى الله عنهم، وأما خصومنا فلو وجدوا مثل هذا لكان أسهل شئ عليهم أن يقولوا: لا يقول ذلك الا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق أبى معاوية نا ابن أبى ذئب عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وهذا سند في غاية الصحة * ومن طريق عطاء عن المحرر (4) ابن أبى هريرة قال: صمت رمضان في السفر فأمرني أبو هريرة ان أعيده في أهلى وان اقضيه فقضيته * ومن طريق الدراوردى عن عبد الرحمن بن (


(1) في النسخة رقم (16) (عن عمران) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (ج 7 ص 404) (2) من قوله (قال أبو محمد هذا يبين انه) إلى قوله (في الحضر) سقط من النسخة رقم (16) (3) لفظ (يقال) زيادة من النسخة رقم (14) (4) هو بالراء في آخره وفى النسخة رقم (16) بالزاى وهو غلط *

[ 258 ]

حرملة ان رجلا سأل سعيد بن المسيب أتم الصلاة في السفر وأصوم؟ قال: لا فقال: انى (1) أقوى على ذلك قال سعيد: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقوى منك قد كان يقصر ويفطر * وعن عطاء انه سئل عن الصوم في السفر فقال: أما المفروض فلا وأما التطوع فلا بأس به * ومن طريق شعبة عن عاصم مولى قريبة عن عروة بن الزبير انه قال في رجل صام في السفر: انه يقضيه في الحضر، قال شعبة: لو صمت رمضان في السفر لكان في نفسي منه شئ * ومن طريق معمر عن الزهري قال: كان الفطر آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانما يؤخذ من امر رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) بالآخر فالآخر * ومن طريق اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: لا تصوموا في السفر * وعن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ان أباه كان ينهى عن صيام رمضان في السفر، وكان محمد بن على ينهى عن ذلك أيضا * وعن القاسم بن محمد بن أبى بكر قال: لا يصوم المسافر أفطر أفطر * وعن يونس بن عبيد وأصحابه انهم انكروا صيام رمضان في السفر * قال أبو محمد: وقد جاء خبر لو وجدوا مثله لعظم الخطب معهم كما روينا من طريق (3) محمد بن أحمد بن الجهم نا موسى بن هارون نا ابراهيم بن المنذر نا عبد الله بن موسى التيمى عن أسامة بن زيد الليثى عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصائم في السفر في رمضان كالمفطر في الحضر) * قال أبو محمد: وأما نحن فلا نحتج باسامة بن زيد الليثى ولا نراه حجة لنا ولا علينا (4) وفى القرآن وصحيح السنن كفاية ولله الحمد * قال على: ومن العجب ان أبا حنيفة لا يجزئ عنده اتمام الصلاة في السفر ومالك يرى في ذلك الاعادة (5) في الوقت ثم يختارون الصوم في السفر على الفطر تناقضا لا معنى له وخلافا لنص القرآن، وللقياس الذى يدعون له السنن * قال على: فإذ قد (6) صح هذا فمن سافر في رمضان فله أن يصوم تطوعا وله ان يصوم فيه قضاء رمضان أفطره قبل أو سائر ما يلزمه من الصوم نذار أو غيره لان الله تعالى قال: (فعدة من أيام أخر) ولم يخص رمضان آخر من غيره ولم يمنع النص من صيامه الا لعينه فقط، وأما المريض فان كان يؤذيه الصوم فتكلفه لم يجزه وعليه ان يقضيه لانه منهى (


(1) في النسخة رقم (14) (قال فانى) (2) في النسخة رقم (14) (وانما يؤخذ من امره) الخ (3) في النسخة رقم (14) (كما روينا عن محمد) الخ (4) قوله (ولا علينا) زيادة من النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (14) (يرى الاعادة في ذلك) (6) لفظ (قد) زيادة من النسخة رقم (14) *

[ 259 ]

عن الحرج والتكلف وعن أذى نفسه وان كان لا يشق عليه اجزأه لانه لا خلاف في ذلك وما نعلم (1) مريضا لا حرج عليه في الصوم قال الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) فالحرج لم يجعله الله تعالى في الدين * 763 مسألة ومن أقام من قبل الفجر ولم يسافر إلى بعد غروب الشمس في سفره فعليه إذا نوى الاقامة المذكورة ان ينوى الصوم ولابد، وسواء كان في جهاد أو عمرة أو غير ذلك لانه انما الزم الفطر إذا كان على سفر وهذا مقيم، فان افطر عامدا فقد اخطأ ان كان جاهلا متأولا، وعصى ان كان عالما ولاقضاء عليه لانه مقيم صحيح ظن أنه مسافر، فان نوى من الليل وهو في سفره ان يرحل (2) غدا فلم ينو الصوم فلما كان من الغد حدثت له اقامة فهو مفطر لانه مأمور بما فعل، وهو على سفر ما لم ينو الاقامة المذكورة، وهذا بخلاف الصلاة لان النص ورد في الصلاة بقصر عشرين يوما يقيمها في الجهاد، وبقصر أربعة أيام يقيمها في الحج، وبقصر ما يكون فيه من الصلوات مقيما ما بين نزله إلى رحيله من غد، ولم يأت نص بأن يفطر في غير يوم لا يكون فيه مسافرا * (فان قيل) قال الله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) فهذا على سفر قلنا: لو كانت على في هذه الآية معناها ما ظننتم من ارادة السفر لا الدخول في السفر لوجب على من اراد السفر وهو في منزله ان يفطر وان نوى السفر بعد أيام لانه على سفر وهذا مالا يشك (3) في انه لا يقوله احد، ويبطله ايضا اول الآية إذ يقول تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فوجب على الشاهد صيامه وعلى المسافر افطاره لقول (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (ان الله وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة) فصح انه ليس الا مسافر أو شاهد، فالشاهد يصوم والمسافر يفطر وليس المسافر الا المنتقل لا المقيم فلا يفطر الا من انتقل بخلاف من لم ينتقل، ومن كان مقيما صائما فحدث له سفر فانه إذا برز عن موضعه فقد سافر فقد بطل صومه وعليه قضاؤه، وبالله تعالى التوفيق * (فان قيل): بل نقيس الصوم على الصلاة قلنا: القياس باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا لانهم متفقون على ان قصر بعض الصلوات لا يقاس عليه قصر سائرها، فإذا لم يجز عندهم قياس قصر (5) صلاة على قصر صلاة أخرى فابطل وأبعد أن يقاس فطر على فطر، وأيضا فقد ينوى في الصلاة المسافر اقامة فينتقل إلى حكم المقيم ولا يمكن (


(1) في النسخة رقم (14) (ولا نعلم) (2) في النسخة رقم (16) (ان يدخل) وهو تصحيف (3) في النسخة رقم (16) (وهذا مالاشك) (4) في النسخة رقم (16) (بقول) (5) زيادة لفظ (قصر) من النسخة رقم (14) *

[ 260 ]

ذلك في الصوم فبطل على كل حال قياس أحدهما على الآخر، وبالله تعالى التوفيق * 764 مسألة والحيض الذى يبطل الصوم هو الاسود لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ان دم الحيض اسود يعرف) وقول عليه الصلاة والسلام: فإذا جاء الآخر فاغتسلي وصلى) وقد ذكرناه في كتاب الحيض من الطهارة من ديواننا هذا فأغنى عن اعادته * وعن أم عطية وغيرها كنا لانعد الصفرة والكدرة شيئا * 765 مسألة وإذا رأت الحائض الطهر قبل الفجر أو رأته النفساء وأتمتا عدة أيام الحيض والنفاس قبل (1) الفجر فاخرتا الغسل عمدا إلى طلوع الفجر ثم اغتسلتا وأدركتا الدخول في صلاة الصبح قبل طلوع الشمس لم يضرهما شيئا وصومهما تام لانهما فعلتا ما هو مباح لهما، فان تعمدتا ترك الغسل حتى تفوتهما الصلاة بطل صومهما لانها عاصيتان (2) بترك الصلاة عمدا، فلو نسيتا ذلك أو جهلتا فوصمهما تام لانهما لم يتعمدا معصية، وبالله تعالى التوفيق * 766 مسألة وتصوم المستحاضة كما تصلى على ما ذكرنا (3) في كتاب الحيض من ديواننا هذا فأغنى عن اعادته، وبالله تعالى التوفيق * 767 مسألة ومن كانت عليه ايام من رمضان فاخر قضاءها عمدا، أو لعذر، أو لنسيان حتى جاء رمضان آخر فانه يصوم رمضان الذى ورد عليه كما امره الله تعالى فإذا أفطر في اول شوال (4) قضى الايام التى كانت عليه ولا مزيد ولا اطعام عليه في ذلك، وكذلك لو أخرها عدة سنين ولافرق الا أنه قد اساء في تأخيرها عمدا سواء أخرها إلى رمضان أو مقدار ما كان يمكنه قضاؤها من الايام لقول الله تعالى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم) فالمسارعة إلى الطاعة المفترضة واجبة، وقال الله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المتعمد للقئ، والحائض، والنفساء بالقضاء ولم يحد الله تعالى ولارسوله صلى الله عليه وآله في ذلك وقتا بعينه، فالقضاء واجب عليهم ابدا حتى يؤدى ابدا، ولم يأت نص قرآن ولا سنة بايجاب اطعام في ذلك فلا يجوز الزام ذلك احدا لانه شرع والشرع لا يوجبه في الدين الا الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وسلم فقط، وهذا قول أبى حنيفة، وأبى سليمان، وقال مالك: يطعم مع القضاء عن كل يوم من الرمضان الاول (5) مدا مدا عددها مساكين ان تعمد (


(1) في النسخة رقم (16) (من قبل) بزيادة من ولا معنى لها (2) في النسخة رقم (16) (عاصيان) (3) في النسخة رقم (16) (كما ذكرنا) (4) في النسخة رقم (16) (فادا افطر في آخر رمضان) وهو غلط (5) في النسخة رقم (16) (الآتى) وما هنا اصح واظهر *

[ 261 ]

ترك القضاء، فان كان تمادى مرضه قضى ولا إطعام عليه وهو قول الشافعي * قال أبو محمد: وروينا في ذلك عن السلف رضى الله عنهم أقوالا، فروينا عن ابن عباس، وأبى هريرة مثل قول مالك، والشافعي، ورويناه أيضا عن عمر، وابن عمر من طريق منقطعة وبه يقول الحسن، وعطاء * وروينا عن ابن عمر من طريق صحيحة انه يصوم رمضان الآخر ولا يقضى الاول (1) بصيام لكن يطعم عنه مكان كل يوم مسكينا مسكينا مدا مدا وبه يقول أبو قتادة، وعكرمة * ورينا عنه أيضا يهدى مكان كل رمضان فرط في قضائه بدنة مقلدة * وروينا من طريق ابن مسعود يصوم هذا ويقضى الاول ولم يذكر طعاما وهو قول ابراهيم النخعي، والحسن، وطاوس، وحماد بن أبى سليمان * قال على: عهدنا بهم يقولون فيما وافقهم من قول الصحاب: مثل هذا لا يقال بالرأى فهلا قالوه في قول ابن عمر في البدنتين؟ * 768 مسألة والمتابعة في قضاء رمضان واجبة لقول الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) فان لم يفعل فيقضيها متفرقة وتجزئه لقول الله تعالى: (فعدة من أيام أخر) * ولم يحد تعالى في ذلك وقتا يبطل القضاء بخروجه وهو قول أبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبى سليمان نعنى انهم اتفقوا على جواز قضائها متفرقة، واحتج من قال: بأنها لا تجزئ الا متتابعة بان في مصحف أبى (فعدة من أيام أخر متتابعات) * قال على روينا من طريق عبد الرزاق (2) عن معمر عن الزهري قال عروة: قالت عائشة أم المؤمنين: نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطتت متتابعات * قال أبو محمد: سقوطها مسقط لحكمها لانه لا يسقط القرآن بعد نزوله الا باسقاط الله تعالى إياه قال الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)، وقال تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخيرر منها أو مثلها) وقال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) فان قيل: قد يسقط لفظ الآية ويبقى حكمها كما كان في آية الرجم قلنا: لولا إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء حكم (3) الرجم لما جاز العمل به بعد إسقاط الآية النازلة به (4) لان ما رفع الله تعالى فلا يجوز لنا إبقاء لفظه ولا حكمه إلا بنص آخر * 769 مسألة والاسير في دار الحرب ان عرف رمضان لزمه صيامه ان كان مقيما لانه مخاطب بصومه في القرآن، فان سوفر به أفطر (5) ولا بد لانه على سفر (


(1) في النسخة رقم (14) (للاول) (2) في النسخة رقم (14) (عبد الرزاق) وهو غلط محض فان عبد الرزاق هو الامام صاحب الجامع والمصنف (3) لفظ (حكم) زيادة من النسخة رقم (14) (4) لفظ (به) زيادة من النسخة رقم (16) (5) في النسخة رقم (16) (افطره) *

[ 262 ]

وعليه قضاءه لما ذكرنا قبل، فان لم يعرف الشهر وأشكل عليه سقط عنه (1) صيامه ولزمته أيام أخر ان كان مسافرا والا فلا * وقال قوم: يتحرى شهرا ويجزئه * وقال آخرون: ان وافق شهرا قبل رمضان لم يجزه، وان وافق شهرا بعد رمضان أجزأه لانه يكون قضاء عن رمضان * قال على: أما تحرى شهر فيجزئه أو يجعله قضاء فحكم لم يأت به قرآن، ولاسنة صحيحة، ولا رواية سقيمة، ولا إجماع، ولا قول صاحب وما كان هكذا فهو دعوى فاسدة لا برهان على صحتها، فان قالوا: قسناه على من جهل القبلة قلنا: هذا باطل لان الله تعالى لم يوجب التحرى على من جهل القبلة بل من جهلها فقد سقط عنه فرضها، فيصلى كيف شاء؟ فان قالوا: قسناه على من خفى عليه وقت الصلاة قلنا: وهذا باطل أيضا لانه لا تجزئه صلاة الا حتى يوقن بدخول وقتها (2) * قال أبو محمد: وبرهان صحة قولنا: قول الله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * فلم يوجب الله تعالى صيامه إلا على من شهده، وبالضرورة ندرى أن من جهل وقته فلم يشهده قال الله عزوجل (3): (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، وقال تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * فمن لم يكن في وسعه معرفة دخول رمضان فلم يكلفه الله تعالى صيامه بنص القرآن، ومن سقط عنه صوم الشهر فلا قضاء عليه لانه صوم غير ما أمر الله تعالى به، * فان صح عنده بعد ذلك انه كان فيه مريضا أو مسافر فعليه ما افترض الله تعالى على المريض فيه والمسافر فيه (4) وهو عدة من أيام أخر، فيقضى الايام التى سافر، والتى مرض فقط ولابد، وان لم يوقن بأنه مرض فيه أو سافر فلا شئ عليه وبالله تعالى التوفيق * 770 مسألة والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير كلهم مخاطبون بالصوم فصوم رمضان فرض عليهم، فان خافت المرضع على المرضع قلة اللبن وضيعته لذلك ولم (5) يكن له غيرها، أو لم يقبل ثدى غيرها، أو خافت الحامل على الجنين، أو عجز الشيخ عن الصوم لكبره أفطروا (6) ولاقضاء عليهم ولا إطعام، فان أفطروا لمرض بهم عارض فعليهم القضاء، أما قضاؤهم لمرض فلقول الله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، وأما وجوب الفطر عليهما في الخوف على الجنين (


(1) لفظ (عنه) زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) (بدخول الوقت) (3) في النسخة رقم (16) (قال تعالى) (4) لفظ (فيه) زيادة من النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (16) (ولو لم) (6) في النسخة رقم (16) (افطر) وهو غلط *

[ 263 ]

والرضيع فلقول الله تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله (من لا يرحم لا يرحم) * فإذ رحمة الجنين والرضيع فرض، ولا وصول إليها إلا بالفطر فالفطر فرض، وإذ هو فرض فقد سقط عنهما الصوم، وإذا سقط الصوم فايجاب القضاء عليهما (1) شرع لم يأذن الله تعالى به ولم يوجب الله تعالى القضاء الا على المريض، والمسافر، والحائض، والنفساء، ومتعمد القئ فقط، (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)، وأما الشيخ الذى لا يطيق الصوم لكبره فالله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، فإذا لم يكن الصوم في وسعه فلم يكلفه، وأما تكليفهم إطعاما فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يجوز لاحد إيجاب غرامة لم يأت بها نص ولا إجماع * قال أبو محمد: روينا عن ابراهيم ان علقمة جاءته امرأه فقالت له: انى (2) حبلى وأنا أطيق الصوم (3) وزوجي يأمرنى أن أفطر فقال لها علقمة: أطيعي ربك واعصى زوجك * وممن أسقط عنها القضاء روينا عن حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى، وعبيدالله بن عمر كلاهما عن نافع ان امرأة من قريش سألت ابن عمر وهى حبلى فقال لها: أفطرى وأطعمي كل يوم مسكينا ولا تقضى * ومن طريق حماد بن سلمة عن ايوب السختيانى، وقتادة كلاهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لامة له مرضع: أنت بمنزلة (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكني) أفطرى وأطعمي كل يوم مسيكنا ولا تقضى * روينا كليهما من طريق اسمعيل بن اسحاق عن الحجاج بن المنهال عن حماد، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التى في شهرها والمرضع التى تخالف على ولدها وتطعم كل واحدة منهما كل يوم مسكينا ولاقضاء عليهما وبه يقول قتادة، وهو ظاهر قول سعيد بن المسيب:، وممن أسقط الاطعام كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: تفطر الحامل، والمرضع في رمضان ويقضيانه صياما ولا اطعام عليهما، ومثله عن عكرمة، وعن ابراهيم النخعي وهو قول أبى حنيفة، وسفيان، وممن رأى عليهما الامرين جميعا عطاء بن ابى رباح فانه قال: إذا خافت المرضع والحامل على ولدهها (4) فلتفطر ولتعطم مكان كل يوم نصف صاع ولتقض بعد ذلك وهو قول الشافعي * (


(1) في النسخة رقم (16) (عليها) وهو غلط (2) في النسخة رقم (16) (انا حبلى) (3) في النسخة رقم (14) (الصيام) (4) في النسخة رقم (16) (ولديهما) *

[ 264 ]

قال أبو محمد: فلم يتفقوا على ايجاب القضاء ولا على ايجاب الاطعام فلا يجب شئ من ذلك إذ لا نص في وجوبه ولا اجماع، وعهدنا بهم يقولون في قول الصاحب إذا وافقهم: مثل هذا لا يقال بالرأى فهلا قالوا ههنا في قول ابن عمر في اسقاط القضاء، وقد روينا عن ابن عباس مثل قولنا كما روينا عن اسماعيل بن اسحاق نا ابرهيم بن حمزة الزبيري نا عبد العزيز بن محمد هو الدراوردى عن حميد عن بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس انه سئل عن مرضع في رمضان خشيت على ولدها فرخص لها ابن عباس في الفطر * قال على: ولم يذكر قضاء ولا طعاما، وقال مالك: أما المرضع فتفطر وتطعم عن كل يوم مسكنا وتقضى مع ذلك، وأما الحامل فتقضى ولا اطعام عليها ولا يحفط هذا التقسيم عن احد من الصححابة والتابعين * قال أبو محمد: احتج من رأى الاطعام في ذلك بقول الله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * وذكروا ما رويناه من طريق حماد بن سلمة نا قتادة عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في الحبلى، والمرضع، والشيخ، والعجوز * واحتج من رأى القضاء بما رويناه (1) من طريق يزيد بن هارون عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرخص للحبلى، والمرضع ان يفطروا في رمضان فإذا أفطمت المرضع ووضعت الحبلى جددتا صومهما * قال على: حديث عكرمة مرسل، وحديث الضحاك فيه ثلاث بلايا، جويبر وهو ساقط (2)، والضحاك مثله، (3) وارسلا مع ذلك، لكن الحق في ذلك ما رويناه قبل في حكم الصوم في السفر من طريق سلمة بن الاكوع، ان (4) هذه الآية منسوحة، ومن طريق حماد ابن زيد عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية (فدية طعام مسكين) فقال: هي منسوخة، فهذا هو المسند الصحيح الذى لا يجوز خلافه، والعجب كل العجب من هؤلاء القوم فانهم يصفرن هذه الآية تصريف الافعال في غير ما أنزلت فيه، فمرة يحتجون بها في ان الصوم في السفر أفضل، ومرة يصرفونها في الحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، وكل هذا احالة لكلام الله تعالى، وتحريف للكلم عن مواضعه وما ندرى كيف يستجيز من يعلم ان وعد الله حق مثل هذا في القرآن وفى دين الله تعالى؟ ونعوذ بالله من الضلال * (


(1) في النسخة رقم (16) (بما روينا) (2) هو كما قال المصنف انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (ج 2 ص 123) (3) اختلف اهل الحديث فيه فبعظهم وثقه كاحمد بن حنبل وابى زرعة وابن معين وبعظهم ضعفه كيحيى بن سعيد، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (ج 4 ص 453) (4) في النسخة رقم (16) (وان) بزيادة الواو وهو خطأ *

[ 265 ]

وأما الشيخ الكبير فان أبا حنيفة أوجب عليه اطعام مسكين مكان كل يوم، ولم ير مالك الاطعام عليه واجبا، وقال الشافعي مرة (1) كقول أبى حنيفة، ومرة كقول مالك * قال أبو محمد: روينا من طريق اسماعيل عن على (2) بن عبد الله عن سفيان، وجرير قال سفيان قال عمرو بن دينار: أخبرني عطاء انه سمع ابن عباس يقرؤها (وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين) يكلفونه ولا يطيقونه، قال: هذا الشيخ الكبير الهم والمرأة الكبيرة الهمة (3) لايستطيع الصوم يفطر ويطعم كل يوم مسكينا، وقال جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس: مثله * قال على: هذا صحيح عن ابن عباس، وروينا عن على بن أبى طالب انه قال في الشيخ الكبير الذى لايستطيع الصوم: انه يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينا، وصح عن أنس أنه ضعف عن الصوم إذ كبر فكان يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينا، قال قتادة: الواحد كفارة والثلاثة تطوع * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن حرملة قال سمعت سعيد ابن المسيب: يقول في قول الله تعالى: (على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين): هو الكبير الذى عجز عن الصوم والحبلى يشق عليها الصوم، فعلى كل واحد منهما اطعام مسكين عن كل يوم * وعن الحسن، وقتادة في الشيخ الكبير والعجوز انهما يطعمان مكان كل يوم مسكينا * وعن عطاء والحسن، وسعيد بن جبير مثل ذلك، وروى عن قيس بن السائب وهو من الصحابة مثل ذلك (4) * وعن أبى هريرة أنه يتصدق عن كل يوم بدرهم * وعن مكحول، وطاوس، ويحيى بن أبى كثير فيمن منعه العطاش (5) من الصوم انه يفطر ويطعم عن كل يوم مدا * قال أبو محمد: فرأى أبو حنيفة على الشيخ الذى لا يطيق الصوم لهرمه اطعام مسكين مكان كل يوم ولم يره على الحامل والمرضع، وأوجبه مالك على المرضع خاصة ولم يوجبه على الحامل ولا الشيخ الكبير، وهذا تناقض ظاهر * واحتج بعض الحنيفيين بان الحامل (


(1) سقط لفظ مرة من النسخة رقم (16) خطأ (2) في النسخة رقم (16) (اسماعيل بن على) وهو غلط فان اسماعيل هو ابن اسحاق القاضى روى عن على بن عبد الله وهو من اقرانه، وعلى بن عبد الله هذا هو على بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدى مولاهم ابو الحسن بن المدينى صاحب التصانيف * انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (ج 7 ص 349) (3) قال الجوهرى في صحاحه: (الهم بالكسر الشيخ الفاني، والمرأة همة، ووقع في النسخة رقم (16) (المرأة الكبيرة الهم) (4) في النسخة رقم (16) (مثل هذا) (5) قال الجوهرى في الصحاح (العطاش داء يصيب الانسان فيشرب الماء فلا يروى) *

[ 266 ]

والمرضع بمنزلة المريض والمسافر لانهم كلهم أبيح لهم الفطر دون اطعام * قال على: والشيخ كذلك وهو أشبه بالمريض والمسافر لانه ابيح له الفطر من أجل نفسه كما أبيح لهما من أجل انفسهما، وأما الحامل والمرضع فانما أبيح لهما الفطر من أجل غيرهما * قال على: وأما الماليكون فيشنعون بخلاف الصحاب إذا وافق تقليدهم وقد خالفوا ههنا عليا، وابن عباس، وقيس بن السائب، وأبا هريرة، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وخالفوا عكرمة وسعيد بن المسب، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير وهم يشنعون بمثل هذا * قال أبو محمد: وأما نحن فلا حجة عندنا في غير النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الرواية عن ابن عباس أنه كان يقرؤها (وعلى الذين يطوقونه) فقراءة لا يحل لاحد ان يقرأ بها لان القرآن لا يؤخذ الا عن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن احتج بهذه الرواية فليقرأ بهذه القراءة وحاش لله ان يطوق الشيخ ما لا يطيقه، وقد صح عن سلمة بن الاكوع وعن ابن عباس نسخ هذه الآية كما ذكرنا في هذا الباب، وفى باب صوم المسافر وانها لم تنزل قط في الشيخ، ولا في الحامل، ولا في المرض، وإنما نزلت في حال وقد نسخت وبطلت، والشيخ والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم فالصوم لا يلزمهما قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) واذ لم يلزمهما الصوم فالكفارة لا تلزمهما لان الله تعالى لم يلزمهما ولا رسوله صلى الله عليه وسلم والاموال محرمة الا بنص أو اجماع * والعجب كله من ان أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي يسقطون الكفارة عمن أفطر في نهار رمضان عمدا وقصد ابطال صومه عاصيا لله تعالى بفعل قوم لوط، وبالاكل وشرب الخمر عمدا، وبتعمد القئ، نعم وبعضهم يسقط القضاء والكفارة عنه فيمن أخرج من بين أسنانه شيئا من طعامه فتعمد أكله ذاكرا لصومه، ثم يوجبون الكفارة على من أفطر ممن أمره الله تعالى بالافطار واباحه له من مرضع خائفة على رضيعها التلف، وشيخ كبير لا يطيق الصوم ضعفا، وحامل تخالف على مافى (1) بطنها، وحسبك بهذا تخليطا، ولا يحل قبول مثل هذا الا من الذى لا يسأل عما يفعل وهو الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم * 771 مسألة ومن وطئ مرارا في اليوم عامدا فكفارة واحدة فقط، ومن وطئ في يومين عامدا فصاعدا فعليه لكل يوم كفارة، سواء كفر قبل أن يطأ (


(1) في النسخة رقم (16) (على ذى بطنها)

[ 267 ]

الثانية أو لم يكفر * قال أبو حنيفة: عليه لكل ذلك ولو انه أفطر في كل يوم من رمضان عامدا كفارة واحدة فقط إلا أن يكون قد كفر ثم أفطر نهارا آخر فعليه كفارة أخرى * وقد روى عنه انه سواء كفر أو لم يكفر ليس عليه الا كفارة واحدة إذا كانت الايام من شهر واحد، فان كان اليومان اللذان أفطر فيهما من شهر رمضان اثنين فلكل يوم منهما كفارة غير اليوم الآخر، فلم يختلف قوله فيمن تعمد الفطر أيام رمضان كلها أو بعضها أو يوما واحدا منها في انه ليس عليه الا كفارة واحدة فقط، إذا لم يكفر في خلال ذلك، ولم يختلف قوله فيمن أفطر يومين من رمضانين ان عليه كفارتين كفر بينهما أو لم يكفر، واختلف قوله فيمن أفطر يومين فصاعدا من رمضان واحد وكفر في خلال ذلك، فمرة قال: عليه كفارة أخرى، ومرة قال: ليس عليه الكفارة التى كفر بعد وقال مالك، والليث، والحسن بن حى، والشافعي: مثل قولنا، وهو قول عطاء، واحد قول الشافعي * قال أبو محمد: وهذا ما تناقض فيه أبو حنيفة وخالف فيه (1) جمهور العلماء * برهان (2) صحة قولنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى وطئ امرأته في رمضان بالكفارة فصح أن لذلك اليوم الكفارة المأمور بها، وكل يوم فلا فرق بينه وبين ذلك اليوم لان الخطاب بالكفارة واقع عليه فيه كما وقع في اليوم الاول ولا فرق، فان قيل هلا قستم هذا على الحدود، قلنا: القياس باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لان الحدود التى يقيمها الامام والحاكم على المرء كرها ولا يحل للمرء أن يقيمها على نفسه بخلاف الكفارة التى انما يقيمها المرء على نفسه وهو مخاطب بها على نفسه وليس مخاطبا بالحدود على نفسه، وفروق أخر نذكرها ان شاء الله تعالى في الحدود * وأيضا فان أبا حنيفة رأى ان كان اليومان من رمضانين فكفارتان ولا بد، ولا خلاف منه في أنه لو زنى بامرأتين من بلدين مختلفتين في عامين مختلفين فحد واحد، ولو شرب خمرا من عصير عام واحد وخمرا من عصير عام آخر فحد واحد، ولو سرق في عامين مختلفين فقطع واحد وبالله تعالى التوفيق * ومن أعجب الاشياء ان أبا حنيفة قال: ما ذكرنا، ورأى فيمن ظاهر (3) من امرأتيه بلفظ واحد ان عليه لكل امرأة كفارة أخرى، وقال فيمن قال في مجلس: (


(1) في النسخة رقم (16) سقط لفظ (فيه) خطأ (2) في النسخة رقم (14) (وبرهان) بزيادة الواو وما هنا أحسن (3) في النسخة رقم (14) (من ظاهر) *

[ 268 ]

والله لا كلمت زيدا، ثم قال في مجلس آخر: والله لا كلمت زيدا انهما يمينان يجب عليه كفارتان، ومن قال: والله والرحمن كلمت زيدا فعليه، كفارتان الا ان ينوى أنهما يمين واحدة * قال على: وأما إذا كرر الوطئ في يوم واحد مرارا فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره الا بكفارة واحدة ولم يسأله أعاد أم لا؟ وأيضا فانه إذا وطئ فقد أفطر فالوطئ الثاني وقع في غير صيام فلا كفارة فيه، وأيضا فان الواطئ (1) بأول ايلاجه متعمدا ذاكرا وجبت عليه الكفارة (2) عاود أو لم يعاود، ولا كفارة في ايلاجه ثانية بالنص، والاجماع * 772 مسألة ومن أفطر رمضان كله بسفر (3) أو مرض فانما عليه عدد الايام التى أفطر ولا يجزئه شهر ناقص مكان تام، ولا يلزمه شهر تام مكان ناقص لقول الله تعالى (فعدة من أيام أخر)، وقال الحسن بن حى: يجزئ شهر مكان شهر إذا صام ما بين الهلالين ولا برهان على صحة هذا القول * 773 مسألة وللمرء ان يفطر في صوم (4) التطوع ان شاء لا نكره له ذلك الا أن عليه أن أفطر عامدا قضاء يوم مكانه * برهان ذلك ان الشريعة كلها فرض وتطوع هذا معلوم بنصوص القرآن والسنن، والاجماع: وضرورة العقل إذ لا يمكن قسم ثالث أصلا، فالفرض هو الذى يعصى من تركه، والتطوع هو الذي لا يعصى من تركه ولو عصى لكان فرضا، والمفرط في التطوع تارك ما لا يجب عليه فرض فلا حرج عليه في ذلك، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاعرابي الذى سأله عن الصوم فأخبره عليه السلام برمضان (فقال: هل على غيره؟ قال: لا إلا ان تطوع شيئا فقال الاعرابي: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه، فقال عليه السلام: أفلح ان صدق دخل الجنة ان صدق) فلم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم في ترك التطوع كراهة أصلا، وهكذا نقول فيمن قطع صلاة تطوع، أو بدا له في صدقة تطوع أو فسخ عمدا حج تطوع، أو اعتكاف تطوع، ولافرق لما ذكرنا وما عدا ذلك فدعوى لا برهان عليها وايجاب ما لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لاقضاء عليه في شئ مما ذكرنا الا في فطر التطوع فقط لما نذكر إن شاء الله تعالى * (فان قيل): انكم توجبون فرضا في الصوم غير رمضان كالنذر وصيام الكفارات قلنا: (


(1) في النسخة رقم (14) (فان الوطئ) (2) في النسخة رقم (14) (أوجب عليه كفارة) (3) في النسخة رقم (16) (لسفر) (4) في النسخة رقم (14) (في صيام) *

[ 269 ]

نوجب ما أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم ونضيفه إلى فرض رمضان، ولا نوجب ما لم يوجب ولانتعدى حدوده ولا نعارضه بآرائنا وقد جاءت في ذلك سنة * كما حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أخبرني عبد الله بن الهيثم ثنا أبو بكر الحنفي (1) نا سفيان عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله عن مجاهد عن عائشة أم المؤمنين (2) قالت: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتانا يوما فقال: هل عندكم من شئ؟ قلنا: نعم أهدى لنا حيس فقال: أما (3) إنى اصبحت أريد الصوم فاكل، وقد رويناه من طريق عائشة بنت طلحة عن أم المؤمنين * قال على: وهذه سنة ثابتة، وحدثنا (4) عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم ابن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا محمد بن بشار نا جعفر بن عون نا أبو العميس هو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان، وأبى الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجه في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل قال: (5) فانى صائم قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل وذكر باقى الحديث وفيه أن سلمان قال له: ان لربك عليك حقا وان لنفسك عليك حقا ولا هلك عليك حقا فأعط كلى ذى حق حقه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: (صدق سلمان) * فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد صوب قول سلمان (6) في افطار الصائم المتطوع ولم ينكره * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى داود عمر بن سعد الحفرى عن سفيان الثوري عن الاوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بطعام وهو بمر الظهران فقال لابي بكر وعمر: (ادنوا فكلا قالا: انا صائمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارحلوا لصاحبكم اعملوا لصاحبكم ادنوا (


(1) في النسخة رقم (16) (نا) أبو بكر بن الحنفي بزيادة ابن وهو غلط، ووقع في النسائي (ج 1 ص 320) المطبوع سنة 1312 بمصر (الخيفى) بالخاء المعجمة وبالباء آخر الحروف بدل النون وهو تصحيف وكذلك النسخة المطبوعة سنة 1349 ه‍ (ج 4 ص 194) وهذا مما يدلك على انها لم تراجع على نسخ كما ادعى مصححها لان النسخة المطبوعة بالهند سنة 1316 ه‍ جائت صحيحة انظر (ج 1 ص 320) وهذا تقدم في المسألة 730 من هذا الجزء (وهذه الدعاوى كثرت في زمننا هذا نسأل الله اخلاص العمل وصدق القول (2) لفظ (ام المؤمنين) زيادة من النسخة رقم (16) (3) لفظ (اما) زيادة من النسخة رقم (14) وهى موافقة لسنن النسائي (4) في النسخة رقم (16) (نا) بدل (وحدثنا) وما هنا أوضح (5) زيادة لفظ (قال) من البخاري (ج 3 ص 85) (6) لفظ (قول سلمان في) سقط من النسخة رقم (14) خطأ *

[ 270 ]

فكلا) وهذه كلها آثار صحاح وبهذا يقول جمهور السلف * روينا من طريق وكيع عن سيف بن سليمان المكى عن قيس بن سعد عن داود بن أبى عاصم عن سعيد بن المسيب قال: خرج عمر بن الخطاب يوما على أصحابه فقال: إنى اصبحت صائا فمرت بى جارية لى وفقعت عليها فما ترون؟ قال: فلم يألوا ماشكوا عليه، وقال له على: أصبت حلالا وتقضى (1) يوما مكانه، قال له عمر: أنت احسنهم فتيا * ومن طريق وكيع عن مسعر بن كدام عن عمران بن عمير عن سعيد بن جبير عن ابن عمر في الذى يأكل بعد ان أصبح صائما قال ابن عمر: لا جناح عليه ما لم يكن نذرا أو قضاء * ومن طريق وكيع عن الربيع بن صبيح عن قيس بن سعد عن ابن عباس قال: الصيام تطوعا والطواف والصلاة والصدقة ان شاء مضى وان شاء قطع * وروينا انه كان يصبح متطوعا ثم يفطر ولا يبالى ويأمر بقضاء يوم مكانه * وعن ابن جريج عن ابى الزبير عن جابر بن عبد الله انه كان لا يرى بافطار التطوع بأسا وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، وسليمان بن موسى، والشافعي، وأبى سليمان ألا أنهم لم يريا في ذلك قضاء * وقال مالك: ان أفطر فيه (2) ناسيا يتم (3) صومه ولا شئ عليه وان أفطر فيه عمدا فقد اساء ويقضى * قال على: ولا برهان على صحة هذا القول مع خلافه لمن ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم أبى بكر، وعمر، وعلى، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأم المؤمنين، وغيرهم * وأما ايجابنا القضاء فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة قالت: اصبحت صائمة انا وحفصة اهدى لنا طعام فاعجبنا فافطرنا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فبدرتني حفصة فسألته فقال: (صوما يوما مكانه) * قال على: لم يخف علينا قول من قال: ان جرير بن حازم اخطأ في هذا الخبر الا ان هذا ليس بشئ لان جريرا ثقة، ودعوى الخطأ باطل الا ان يقيم المدعى له برهان على صحة دعواه، وليس انفراد جرير باسناده علة لانه ثقة * قال أبو محمد: لا خلاف بين احمد في ان حكم ما أفطر به من جماع أو غيره حكم (


(1) لفظ (حلالا وتقضى)) سقط من النسخة رقم (16) خطأ (2) لفظ (فيه) زيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (فيتم) بزيادة الفاء ولا معنى لها *

[ 271 ]

واحد فمن موجب للقضاء في كل ذلك ومن مسقط له في كل ذلك، وقد صح النص بالقضاء في الافطار فما نبالي بأى شئ أفطر، وبالله تعالى التوفيق * وأما تفريق مالك بين الافطار ناسيا في صوم تطوع أو فرض فحطأ لا وجه له، وليس إلا صائم أو مفطر، فان كان مفطرا فالحكم واحد في القضاء أو تركه، وان كان صائما فلا قضاء على صائم * على صحة دعواه، وليس انفراد جرير باسناده علة لانه ثقة * قال أبو محمد: لا خلاف بين احمد في ان حكم ما أفطر به من جماع أو غيره حكم (


(1) لفظ (حلالا وتقضى)) سقط من النسخة رقم (16) خطأ (2) لفظ (فيه) زيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (فيتم) بزيادة الفاء ولا معنى لها *

[ 271 ]

واحد فمن موجب للقضاء في كل ذلك ومن مسقط له في كل ذلك، وقد صح النص بالقضاء في الافطار فما نبالي بأى شئ أفطر، وبالله تعالى التوفيق * وأما تفريق مالك بين الافطار ناسيا في صوم تطوع أو فرض فحطأ لا وجه له، وليس إلا صائم أو مفطر، فان كان مفطرا فالحكم واحد في القضاء أو تركه، وان كان صائما فلا قضاء على صائم * 774 مسألة ومن أفطر عامدا في قضاء رمضان فليس عليه إلا قضاء يوم واحد فقط لان إيجاب القضاء إيجاب شرع لم يأذن به الله تعالى، وقد صح انه عليه السلام قضى ذلك اليوم من رمضان (1) فلا يجوز ان يزاد عليه غيره بغير نص ولا إجماع * وروينا عن قتادة ان عليه الكفارة كمن فعل ذلك في رمضان لانه بدل منه * قال أبو محمد: هذا أصح ما يكون من القياس (2) ان كان القياس حقا، وعن بعض السلف عليه قضاء يومين، ويوم رمضان، ويوم القضاء * (تم) تم الجزء السادس من كتاب المحلى لابن حزم والحمد لله رب العالمين ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء السابع مفتتحا ب‍ (مسألة ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان) الخ ونسأل الله المعونة على اتمامه (


لك في رمضان لانه بدل منه * قال أبو محمد: هذا أصح ما يكون من القياس (2) ان كان القياس حقا، وعن بعض السلف عليه قضاء يومين، ويوم رمضان، ويوم القضاء * (تم) تم الجزء السادس من كتاب المحلى لابن حزم والحمد لله رب العالمين ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء السابع مفتتحا ب‍ (مسألة ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان) الخ ونسأل الله المعونة على اتمامه (

(1) في النسخة رقم (16) (وقد صح ان عليه قضاء ذلك اليوم من رمضان) وما هنا أظهر (2) لفظ (القياس) زيادة من النسخة رقم (14)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية