الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 5

المحلى

ابن حزم ج 5


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍. طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ احمد محمد شاكر الجزء الخامس دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم 513 - مسألة - ومن خرج عن بيوت مدينته، أو قريته، أو موضع سكناه فمشى ميلا فصاعدا صلى ركعتين ولا بد إذا بلغ الميل، فان مشى أقل من ميل صلى أربعا * قال على: اختلف الناس في هذا، كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن أبى المهلب: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب: انه بلغني أن رجالا يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، واما الجشر (1) ثم لا يتمون الصلاة، فلا تفعلوا، فانما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو (2) * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عياش بن عبد الله ابن أبي ربيعة المخزومي. أن عثمان بن عفان كتب إلى عماله: لا يصلى (3) الركعتين جاب ولا تاجر ولاتان، انما يصلي الركعتين من كان معه (4) الزاد والمزاد (5) * قال على: التأني - هو صاحب الضيعة * قال على: هكذا في كتابي وصوابه عندي عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة *


(1) بفتح الجيم والشين المعجمة، قال في اللسان (وفى حديث عثمان رضى الله عنه انه قال: لا يغرنكم جشركم من صلاتكم فانما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو يحضره عدو، قال ابو عبيد: الجشر القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت وربما رأوه سفرا فقصروا لصلاة فناهم عن ذلك لان المقام في المرعى وان طال فليس بسفر) اهوفى النسخة رقم (16) (لجش) وهو تصحيف وخطأ (2) انظر الطحاوي (ج 1 ص 247) (3) في النسخة رقم (45) (لا يصل) (4) في النسخة رقم (16) (مع) وهو خطأ (5) انظر الطحاوي (ج 1 ص 247)

[ 3 ]

ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن على بن مسهر عن أبي اسحاق الشيباني عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود قال: لا يغرنكم سوادكم هذا من صلاتكم، فانه من مصركم * وعن عبد الرزاق عن معمر عن الاعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه قال: كنت مع حذيفة بالمدائن فاستأذنته أن آتي اهلي بالكوفة، فاذن لى وشرط على ان لا افطر ولا أصلى ركعتين حتى ارجع إليه، وبينهما نيف وستون ميلا * وهذه أسانيد في غاية الصحة * وعن حذيفة ان لا يقصر إلى السواد، وبين الكوفة والسواد سبعون ميلا (1) * وعن معاذ بن جبل وعقبة بن عامر: لا يطأ أحدكم بماشيته احداب الجبال، وبطون الاودية وتزعمون انكم سفر، لا ولا كرامة، انما التقصير في السفر البات، من الافق * ومن طريق ابى بكر بن ابى شيبة عن ابى الاحوص عن عاصم عن ابن سيرين قال. كانوا يقولون: السفر الذى تقصر فيه الصلاة الذى يحمل فيه الزاد والمزاد * وعن أبي وائل شقيق بن سلمة. انه سئل عن قصر الصلاة من الكوفة إلى واسط؟ فقال: لا تقصر الصلاة في ذلك، وبينهما مائة ميل وخمسون ميلا * فهنا قول * وروينا من طريق ابن جريج. اخبرني نافع: ان ابن عمر كان ادنى ما يقصر الصلاة إليه مال له بخيبر، وهي مسيرة ثلاث فواصل (2) لم يكن يقصر فيما دونه * ومن طريق حماد بن سلمة عن ايوب السختياني وحميد، كلاهما عن نافع عن ابن عمر. أنه كان يقصر الصلاة فيما بين المدينة وخيبر وهي كقدر الاهواز من البصرة، لا يقصر فيما دون ذلك * قال على: بين المدينة وخيبر كما بين البصرة والاهواز وهو مائة ميل واحدة غير اربعة أميال *


(1) الكلمة تقرأ في الاصلين (سبعون) وتقرأ (تسعون) لاهما لهما واشتباه رسمها (2) هكذا في النسخة رقم (16) وفى النسخة رقم (45) (قواصد) بدون نقط وكلاهما ظاهر انه خطأ والظن ان الكلمة محرفة فيحرر *

[ 4 ]

وهذا مما اختلف فيه عن ابن عمر، ثم عن نافع أيضا عن ابن عمر * وروينا عن الحسن بن حي. انه قال: لا قصر في اقل من اثنين وثمانين ميلا، كما بين الكوفة وبغداد * ومن طريق وكيع عن سعيد بن عبيد الطائى عن على بن ربيعة الوالبي (1) الاسدي قال: سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة؟ فقال: حاج أو معتمر أو غازى - قلت: لان، ولكن احدنا تكون له الضيعة بالسواد، فقال: تعرف السويداء؟ قلت. سمعت بها ولم أرها، قال. فانها ثلاث وليلتين (2) وليلة للمسرع، إذا خرجنا إليها قصرنا * قال على: من المدينة إلى السويداء اثنان وسبعون ميلا اربعة وعشرون فرسخا * فهذه رواية اخرى عن ابن عمر * ومن طريق عبد الرزاق عن اسرائيل عن ابراهيم بن عبد الاعلى يقول. سمعت سويد ابن غفلة يقول. إذا سافرت ثلاثا فاقصر الصلاة * وعن عبد الرزاق عن أبي حنيفة وسفيان الثوري، كلاهما عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي أنه قال في قصر الصلاة، قال أبو حنيفة في روايته: مسيرة ثلاث، وقال سفيان في روايته: إلى نحو المدائن يعنى من الكوفة، وهو نحو نيف وستين ميلا، لا يتجاوز ثلاثة وستين ولا ينقص عن واحد وستين * وبهذين التحديدين جميعا يأخذ أبو حنيفة، وقال في تفسير الثلاث: سير الاقدام والثقل والابل * وقال سفيان الثوري: لا قصر في أقل من مسيرة ثلاث، ولم نجد عنه تحديد الثلاث * وعن حماد بن أبى سليمان عن سعيد بن جبير في قصر الصلاة: في مسيرة ثلاث * ومن طريق الحجاج بن المنهال: ثنا يزيد بن ابراهيم قال سمعت الحسن البصري يقول: لا تقصر الصلاة في اقل من مسيرة ليلتين * ومن طريق وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن: لا تقصر الصلاة إلا في ليلتين، ولم نجد عنه (3) تحديد الليلتين *


(1) في النسخة رقم (16) (على بن ربيعة الرأى) وهو خطأ غريب (2) كذا في الاصول بنصب ليلتين (3) في النسخة رقم (16) (عنده) وهو خطأ *

[ 5 ]

وعن معمر عن قتادة عن الحسن مثله، قال: وبه يأخذ قتادة * وعن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن مثله، إلا أنه قال: مسيرة يومين * وعن معمر عن الزهري قال: تقصر الصلاة في مسيرة يومين، ولم نجد عن قتادة ولاعن الزهري تحديد اليومين * وعن وكيع عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا سافرت يوما إلى العشاء فأتم، فان زدت فقصر * وعن الحجاج بن المنهال: ثنا أبو عوانة عن منصور - هو ابن المعتمر - عن مجاهد عن ابن عباس قال: لا يقصر المسافر في مسيرة يوم إلى العتمة، إلا في أكثر من ذلك. وهذا مما اختلف (1) فيه عن ابن عباس * ومن طريق وكيع عن هشام بن الغاز ربيعة الجرشى (2) عن عطاء بن أبي رباح: قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟: قال: لا، ولكن إلى الطائف وعسفان، فذلك ثمانية وأربعون ميلا * وعن معمر أخبرني أيوب عن نافع: أن ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد * وهذا مما اختلف فيه عن ابن عمر كما ذكرنا * وبهذا يأخذ الليث ومالك في أشهر أقواله عنه، وقال: فان كانت أرض لا أميال فيها فلا قصر في أقل من يوم وليلة للثقل. قال: وهذا أحب ما تقصر فيه الصلاة إلى. وقد ذكر عنه لا قصر إلا في خمسة وأربعين ميلا فصاعدا. وروى عنه: أنه لا قصر إلا في اثنين وأربعين ميلا فصاعدا. وروي عنه: لا قصر إلا في أربعين ميلا فصاعدا * وروى عنه اسماعيل بن أبى أويس: لا قصر الا في ستة وثلاثين ميلا فصاعدا. ذكر هذه الروايات عنه اسماعيل بن اسحاق القاضي في كتابه المعروف بالمبسوط. ورأي لاهل مكة خاصة في الحج خاصة -: أن يقصروا الصلاة إلى منى فما فوقها، وهي أربعة أميال. وروى عنه ابن القاسم: أنه قال فيمن خرج ثلاثة أميال - كالرعاء وغيرهم - فتأول فأفطر في رمضان فلا شئ عليه الا القضاء فقط *


(1) في النسخة رقم (16) (اختلفوا) (2) الغاز: بالغين المعجمة والزاى وبينهما ألف، والجرشى: بضم الجيم وفتح الراء وكسر الشين المعجمة. وفى النسخة رقم (16) (هشام بن ربيعة ابو الغاز الجرشى) وفى النسخة رقم (45) (هشام بن ربيعة بن الغاز الجرشى) وكلاهما خطأ والصواب ما ذكرنا *

[ 6 ]

وروينا عن الشافعي: لاقصر في أقل من ستة وأربعين ميلا بالهاشمي * وههنا أقوال أخر أيضا: كما روينا من طريق وكيع عن شعبة عن شبيل (1) عن أبى جمرة الضبعى قال قلت لابن عباس: أقصر إلى الابلة؟ قال: تذهب وتجئ في يوم؟ قلت: نعم، قال: لا، الا يوم متاح * وعن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء. قلت لابن عباس: أقصر إلى منى أو عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف أو جدة أو عسفان، فإذا وردت على ماشية لك أو أهل فأتم الصلاة * قال على: من عسفان إلى مكة بتكسير الحلفاء (2) اثنان وثلاثون ميلا. وأخبرنا الثقات أن من جدة إلى مكة أربعين ميلا (3) * وعن وكيع عن هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر: لا تقصر الصلاة الا في يوم تام * وعن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر: أنه سافر إلى ريم فقصر الصلاة، قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلا من المدينة * وعن عكرمة: إذا خرجت فبت في غير أهلك فاقصر، فان أتيت أهلك فأتمم * وبه يقول الاوزاعي: لا قصر الا في يوم تام، ولم نجد عن هؤلاء تحديد اليوم * ومن طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه قصد إلى ذات النصب، وكنت أسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر. قال عبد الرزاق: ذات النصب من المدينة على ثمانية عشر ميلا * ومن طريق محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن خبيب (4) بن عبد الرحمن عن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: خرجت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى ذات النصب - وهى من المدينة على ثمانية عشر ميلا - فلما أتاها قصر الصلاة * ومن طريق أبى بكر بن أبي شيبة: ثنا هشيم اناجويبر عن الضحاك عن النزال بن


(1) شبيل بضم الشين المعجمه وهو ابن عزرة بن عمير الضبعى، وشيخه أبو جمرة - بالجيم والراء - اسمه نصر بن عمران الضبعى، وفى النسخة رقم (16) (شبيل بن أبى جمرة) وهو خطأ (2) كذا في الاصلين (3) ما بين جدة ومكة من سبعين إلى ثمانين الف متر تقريبا فهو أكثر من اربيعين ميلا (4) بالخاء المعجمة مصغر *

[ 7 ]

سبرة: أن على بن أبى طالب خرج إلى النخيلة فصلى بها الظهر ركعتين والعصر ركعتين ثم رجع من يومه، وقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم * ومن طريق وكيع: ثنا حماد بن زيد (1) ثنا أنس بن سيرين قال: خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذق سيرين - وهي على رأس خمسة فراسخ - فصلى بنا العصر في سفينة، وهي تجرى بنا في دجلة قاعدا على بساط ركعتين ثم سلم، ثم صلى بنا ركعتين ثم سلم * ومن طريق البزار: ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا شعبة عن يزيد ابن خمير عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير عن ابن السمط - هو شرحبيل -: أنه أتى أرضا يقال لها (دومين) - من حمص على بضعة عشر ميلا - فصلى ركعتين، فقلت له أتصلى ركعتين؟ قال: رأيت عمر يصلى بذى الحليفة ركعتين وقال: (أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل) (2) * وعن محمد بن بشار: ثنا محمد بن أبى عدى ثنا شعبة عن يزيد بن خمير عن حبيب ابن عبيد عن جبير بن نفير قال: خرج ابن السمط - هو شرحبيل - إلى أرض يقال لها: (دومين) - من حمص على ثلاثة عشر ميلا فكان يقصر الصلاة، وقال: رأيت عمر ابن الخطاب يصلى بذى الحليفة ركعتين فسألته؟ فقال: (أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل). * ورويناه من طريق مسلم أيضا باسناده إلى شرحبيل عن ابن عمر (3) * قال على: لو كان هذا في طريق الحج لم يسأله ولا أنكر ذلك * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة: ثنا اسماعيل بن علية عن الجريرى عن أبى الورد ابن ثمامة (4) عن اللجلاج قال: كنا نسافر مع عمر بن الخطاب ثلاثة أميال فيتجوز في الصلاة ويفطر (5) ويقصر. *


(1) في النسخة رقم (45) (ومن طريق حماد بن زيد) بدون نقط، وهو خطأ (2) كلمة (يفعل) سقطت من النسخة رقم (16) (3) في النسخة رقم (16) (عن ابن عمير) (4) في النسخة رقم (45) (عن أبى الورد عن ثمامة) وهو خطأ (5) في النسخة رقم (16) (فيفطر) وما هنا أحسن *

[ 8 ]

ومن طريق محمد بن بشار: ثنا أبو عامر العقدى ثنا شعبة قال: سمعت ميسر (1) ابن عمران بن عمير يحدث عن أبيه عن جده: انه خرج (2) مع عبد الله بن مسعود - وهو رديفه على بغلة له - مسيرة أربعة فراسخ، فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين قال شعبة: أخبرني بهذا ميسر بن عمران وأبوه عمران بن عمير شاهد * قال على: عمير هذا مولى عبد الله بن مسعود * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة: ثنا على بن مسهر عن أبى اسحاق الشيباني - هو سليمان ابن فيروز - عن محمد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال * قال على: محمد بن زيد هذا طائي ولاه على بن أبى طالب القضاء بالكوفة، مشهور من كبار التابعين * ومن طريق أبى بكر بن أبي شيبة: ثنا وكيع ثنا مسعر - هو ابن كدام - عن محارب بن دثار قال سمعت ابن عمر يقول: إنى لاسافر الساعة من النهار فأقصر، يعنى الصلاة * محارب هذا سدوسى قاضى الكوفة، من كبار التابعين، أحد الائمة، ومسعر أحد الائمة * ومن طريق محمد بن المثنى: ثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ثنا سفيان الثوري قال سمعت جبلة بن سحيم يقول سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلا قصرت الصلاة * جبلة بن سحيم تابع ثقة مشهور * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن بشار كلاهما عن غندر - هو محمد بن جعفر - عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائى (3) قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شك شعبة - صلى ركعتين * قال على: لا يجوز أن يجيب أنس إذا سئل الا بما يقول به *


(1) بضم الميم وفتح الياء المثناة وكسر السين المهملة المشددة وآخره راء (2) كلمة (خرج) سقطت من النسخة رقم (16) خطأ (3) بضم الهاء وفتح النون وكسر الهمزة *

[ 9 ]

ومن طريق ابى داود السجستاني: أن دحية بن خليفة الكلبى أفطر في مسير له من الفسطاط إلى قرية على ثلاثة أميال منها * ومن طريق محمد بن بشار: ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن قيس بن مسلم عن سعيد بن جبير قال: لقد كانت لى أرض على رأس فرسخين فلم أدرأ أقصر الصلاة إليها أم أتمها؟ * ومن طريق ابى بكر بن أبى شيبة: ثنا حاتم بن اسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال: سألت سعيد بن المسيب: أأقصر الصلاة وأفطر في بريد من المدينة؟ قال: نعم. وهذا اسناد كالشمس * ومن طريق ابى بكر بن ابى شيبة ثنا عبد الرحمن بن مهدى عن زمعة - هو ابن صالح - عن عمرو بن دينار عن ابى الشعثاء - هو جابر بن زيد - قال: يقصر في مسيرة ستة اميال * ومن طريق ابى بكر بن ابى شيبة: ثنا وكيع عن زكرياء بن ابى زائدة أنه سمع الشعبي يقول: لو خرجت إلى دير الثعالب لقصرت * وعن القاسم بن محمد وسالم: أنهما أمرار رجلا مكيا بالقصر من مكة إلى منى، ولم يخصا حجا من غيره، ولامكيأ من غيره * وصح عن كلثوم بن هانئ وعبد الله بن محيريز وقبيصة بن ذؤيب القصر في بضعة عشر ميلا (1) وبكل هذا نقول، وبه يقال أصحابنا في السفر إذا كان على ميل فصاعدا في حج أو عمرة أو جهاد، وفى الفطر في كل سفر * قال على: فهم من الصحابة كما أوردنا: عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، ودحية بن خليفة، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأنس، وشرحبيل بن السمط، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والشعبي، وجابر بن زيد، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وقبيصة بن ذؤيب، و عبد الله بن محيريز، وكلثوم بن هانئ، وأنس بن سيرين، وغيرهم، وتوقف في ذلك سعيد بن جبير، ويدخل فيمن قال بهذا مالك في بعض أقواله، على ما ذكرنا عنه في المفطر متأولا، وفى المكى يقصر بمنى وعرفة *


(1) البضع في العدد بكسر الباء وبعض العرب يفتحها وهو ما بين الثلاث إلى التسع، والميل بكسر اللام منتهى مد البصر، والفرسخ ثلاثة أميال اه‍ الجوهرى * (م 2 - ج 5 المحلى)

[ 10 ]

قال على: وانما تقصينا الروايات في هذه الابواب لاننا وجدنا المالكيين والشافعيين قد أخذوا يجربون أنفسهم في دعوى الاجماع على قولهم! بل قد هجم على ذلك كبير من هؤلاء وكبير من هؤلاء فقال أحدهما: لم أجد أحدا قال بأقل من القصر فيما قلنا به، فهو إجماع! وقال الآخر: قولنا هو قول ابن عباس وابن عمر، ولا مخالف لهما من الصحابة! فاحتسبنا الاجر في ازالة ظلمة كذبهما عن المغتر بهما، ولو نورد إلا رواية مشهورة ظاهرة عند العلماء بالنقل، وفي الكتب المتداولة عند صبيان المحدثين فكيف أهل العلم؟ والحمد لله رب العالمين (1) * قال على: أما من قال بتحديد ما يقصر فيه بالسفر من أفق إلى أفق، وحيث يحمل الزاد والمزاد، وفي ستة وتسعين ميلا وفى اثنين وثمانين ميلا، وفي اثنين وسبعين ميلا، وفي ثلاثة وستين ميلا، أو في أحد وستين ميلا، أو ثمانية واربعين ميلا، أو خمسة واربعين ميلا، أو اربعين ميلا، أو ستة وثلاثين ميلا -: فمالهم حجة اصلا ولا متعلق، لامن قرآن ولامن سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من اجماع ولا من قياس، ولا من رأي سديد، ولا من قول صاحب لا مخالف له منهم. وما كان هكذا فلا وجه للاشتغال به * ثم نسأل من حد ما فيه القصر والفطر بشئ من ذلك عن أي ميل هو؟ ثم نحصله


(1) هذه الكتب التى كانت متداولة عند صبيان المحدثين في عصر ابن حزم - القرن الخامس ومن أهمها مصنف ابن ابى شيبة، ومصنف عبد الرزاق، واختلاف العلماء لابن المنذر -: صارت في عصرنا هذا بل وقبله بقرون من النوادر الغالية لا يسمع اسمها الا الخواص من كبار المطلعين على كتب السنة، وعامة المشتغلين بالحديث لا يعرفونها، وأصولها فقدت تقريبا من المكاتب الاسلامية وبقيت منها قطع قليلة، وقد علمنا ان مصنف ابن أبى شيبة يوجد منه نسختان بمكاتب الاستانة ولا ندرى ماذا يفعل بهما الاتراك وبغيرهما من كتب الاسلام النادرة بعد ان اعلنوا خروجهم على الدين وابدوا صفحتهم في عداء الاسلام؟، وسمعنا أيضا ان مصنف عبد الرزاق موجود في الاقطار اليمنية حفظها الله، بل هذا المحلى نفسه نلقى كل مشقة في سبيل تصحيح اصوله بعد ان كانت نسخة تفقد من بلاد الاسلام، لولا ان قيض الله لاحيائه الاستاد الشيخ (محمد منير الدمشقي) مدير ادارة الطباعة المنيرية حفظه الله وجزاه عن المسلمين احسن الجزاء، ولعل ناشرى الكتب في العالم الاسلامي يهتمون بنشر ما يجدون من آثار لعلمائنا لو كانت في أمة من الامم الاخرى لطار وابها كل مطار. والله الهادى إلى سواء السبيل *

[ 11 ]

من الميل عقدا أوفترا أو شبرا، ولا نرال نحطه شيئا فشيئا فلا بدله من التحكم في الدين، أو ترك ما هو عليه! فسقطت هذه الاقوال جملة والحمد لله رب العالمين * ولا متعلق لهم بابن عباس وابن عمر لوجوه: أحدها: أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم * والثانى: أنه ليس التحديد بالاميال في ذلك من قولهما، وانما هو من قول من دونهما * والثالث: انه قد اختلف عنهما اشد الاختلاف كما اوردنا * فروي حماد بن سلمة عن ايوب السختياني وحميد كلاهما عن نافع، ووافقهما ابن جريج عن نافع: ان ابن عمر كان لا يقصر في اقل من ستة وتسعين ميلا * وروي معمر عن ايوب عن نافع: ان ابن عمر كان يقصر في اربعة برد، ولم يذكر انه منع من القصر في أقل * وروي هشام بن الغاز عن نافع: ان ابن عمر قال: لا تقصر الصلاة الا في اليوم التام * وروي مالك عن نافع عنه: انه كان لا يقصر في البريد، وقال مالك: ذات النصب وريم كلتاهما من المدينة على نحو اربعة برد * وروى عنه على بن ربيعة الوالبى: لا قصر في اقل من اثنين وسبعين ميلا * وروى عنه ابنه سالم بن عبد الله - وهو أجل من نافع -: انه قصر إلى ثلاثين ميلا * وروى عنه ابن أخيه حفص بن عاصم - وهو اجل من نافع واعلم به -: انه قصر إلى ثمانية عشر ميلا * وروى عنه شرحبيل بن السمط، ومحمد بن زيد بن خليدة، ومحارب بن دثار، وجبلة ابن سحيم - وكلهم ائمة -: القصر في اربعة اميال، وفى ثلاثة اميال، وفى ميل واحد وفى سفر ساعة، واقصى ما يكون سفر الساعة من ميلين إلى ثلاثة * وأما ابن عباس فروي عنه عطاء: القصر إلى عسفان، وهي اثنان وثلاثون ميلا، وإذا وردت على اهل أو ماشية فأتم، ولا تقصر إلى عرفة ولامنى * وروى عنه مجاهد: لا قصر في يوم إلى العتمة، لكن فيما زاد على ذلك، وروي عنه أبو جمرة الضبعي: لا قصر الا في يوم متاح (1) * وقد خالفه مالك في أمره عطاء أن لا يقصر إلى منى ولا إلى عرفة، وعطاء مكى، فمن


(1) بتشديد التاء المثناة من فوق أي يوم سيره من اول النهار إلى آخره ومتح النهار إذا طال وامتد *

[ 12 ]

الباطل أن يكون بعض قوله حجة وجمهور قوله ليس حجة! * وخالفه أيضا مالك والشافعي في قوله: إذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم الصلاة، * فحصل قول مالك والشافعي خارجا عن أن يقطع بانه تحديد أحد من الصحابة رضى الله عنهم، ولاوجد بينا عن أحد من التابعين أنه حد ما فيه القصر بذلك ولعل التحديد - الذى في حديث ابن عباس - إنما هو من دون عطاء، وهو هشام بن ربيعة، وليس في حديث نافع عن ابن عمر أنه منع القصر في أقل من أربعة برد. فسقطت أقوال من حد ذلك بالاميال المذكورة سقوطا متيقنا. وبالله تعالى التوفيق * ثم رجعنا إلى قول من حد ذلك بثلاثة أيام، أو يومين أو يوم وشئ زائد، أو يوم تام أو يوم وليلة -: فلم نجد لمن حد ذلك بيوم وزيادة شئ متعلقا أصلا، فسقط هذا القول * فنظرنا في الاقوال الباقية (1) فلم نجد لهم متعلقا إلا بالحديث الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ابى سعيد الخدرى، وابن هريرة، وابن عمر في نهى المرأة عن السفر، في بعضها (ثلاثة أيام إلا مع ذى محرم) وفى بعضها: (ليلتين إلا مع ذى محرم) وفى بعضها (يوما وليلة إلا مع ذى محرم) وفى بعضها: (يوما إلا مع ذى محرم) فتعلقت كل طائفة بلفظ مما ذكرنا * فأما من تعلق بليلتين أو بيوم وليلة فلا متعلق لهم أصلا، لانه قد جاء ذلك الحديث بيوم وجاء بثلاثة ايام، فلا معنى للتعلق باليومين ولا باليوم والليلة دون هذين العددين الآخرين اصلا، وإنما يمكن ان يشغب ههنا بالتعلق بالاكثر مما ذكر في ذلك الحديث أو بالاقل مما ذكر فيه. واما التعلق بعدد قد جاء النص بأقل منه أو باكثر منه فلا وجه له اصلا فسقط هذان القولان أيضا * فنظرنا في قول من تعلق بالثلاث أو باليوم فكان من شغب من تعلق باليوم ان قال: هو اقل ما ذكر في ذلك الحديث، فكان ذلك هو حد السفر الذى ما دونه بخلافه، فوجب ان يكون ذلك حدا لما يقصر فيه. قالوا: وكان من اخذ بحدنا قد استعمل حكم الليلتين واليوم والليلة والثلاث، ولم يسقط من حكم ما ذكر في ذلك الحديث شيئا، وهذا أولى ممن أسقط أكثر ما ذكر في ذلك الحديث *


(1) في النسخة رقم (45) (الثابتة) وهو خطأ

[ 13 ]

قال على: فقلنا لهم: لم تأتوا بشئ! فان كنتم انما تعلقتم باليوم لانه اقل ما ذكر في الحديث -: فليس كما قلتم، وقد جهلتم أو تعمدتم! * فان هذا الحديث رواه بشر بن المفضل عن سهيل بن ابى صالح عن ابيه عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر يوما وليلة الا ومعها ذو محرم منها) * ورواه مالك عن سعيد بن ابى سعيد المقبرى عن ابيه عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوما وليلة الا مع ذى محرم منها) * ورواه الليث بن سعد عن سعيد بن ابى سعيد المقبرى عن ابيه ان ابا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر ليلة الا ومعها رجل ذو حرمة منها) * ورواه ابن ابى ذئب عن سعيد بن ابى سعيد المقبري عن ابيه عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم الا مع ذى محرم) * ورواه جرير بن حازم عن سهيل بن ابى صالح عن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث وفيه -: (أن تسافر بريدا) وسعيد أدرك أبا هريرة وسمع منه * فاختلف الرواة عن أبي هريرة ثم عن سعيد بن أبي سعيد، وعن سهيل بن ابى صالح كما أوردنا * وروى هذا الحديث ابن عباس فلم يضطرب عليه ولا اختلف عنه * كما حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن ابى شيبة، وزهير بن حرب كلاهما عن سفيان بن عيينة ثنا عمرو بن دينار عن ابى معبد - هو مولى ابن عباس - قال سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخلون رجل بامرأة الا ومعها ذومحرم، ولا تسافر المرأة الا مع ذى محرم) * فعم ابن عباس في روايته كل سفر دون اليوم ودون البريد وأكثر منهما، وكل سفر

[ 14 ]

قل أو طال فهو عام لما في سائر الاحاديث، وكل ما في سائر الاحاديث فهو بعض ما في حديث ابن عباس هذا، فهو المحتوى على جميعها، والجامع لها كلها، ولا ينبغي أن يتعدى ما فيه إلى غيره، فسقط قول من تعلق باليوم أيضا. وبالله تعالى التوفيق * ثم نظرنا في قول من حد ذلك بالثلاث فوجدناهم يتعلقون بذكر الثلاث في هذا الحديث وبما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في المسح: (للمسافر ثلاثا بلياليهن، وللمقيم يوما وليلة) لم نجدهم موهوا بغير هذا أصلا * قال على: وقالوا: من تعلق بالثلاث كان على يقين من الصواب (1)، لانه إن كان عليه السلام ذكر نهيه عن سفرها ثلاثا قبل نهيه عن سفرها يوما أو اقل من يوم -: فالخبر الذى ذكر فيه اليوم هو الواجب ان يعمل به، ويبقى نهيه عن سفرها ثلاثا على حكمه غير منسوخ، بل ثابت كما كان، وإن كان ذكر نهيه عن سفرها ثلاثا بعد نهيه عن سفرها يوما أو أقل من يوم -: فنهيه عن السفر ثلاثا هو الناسخ لنهيه إياها عن السفر اقل من ثلاث. قالوا: فنحن على يقين من صحة حكم النهى لها عن السفر ثلاثا إلا مع ذى محرم، وعلى شك في صحة النهى لها عما دون الثلاث، فلا يجوز ان يترك اليقين للشك! * قال على: وهذا تمويه فاسد من وجوه ثلاثة * احدها: انه قد جاء النهي عن ان تسافر أكثر من ثلاث. روينا ذلك من طرق كثيرة في غاية الصحة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا ومعها ذومحرم) * ومن طريق قتادة عن قزعة عن ابى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسافر المرأة (2) فوق ثلاث ليال الا مع ذى محرم) * ومن طريق ابى معاوية ووكيع عن الاعمش عن ابى صالح السمان عن ابى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر سفرا فوق ثلاثة ايام فصاعدا الا ومعها اخوها أو ابوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها) * فان كان ذكر الثلاث في بعض الروايات مخرجا لما دون الثلاث، مما (3) قد ذكر أيضا


(1) في النسخة رقم (45) (من الصلوات) وما هنا احسن واصح (2) في النسخة رقم (45) (لا تسافر امرأة) (3) في النسخة رقم (45) (لما) وهو خطأ *

[ 15 ]

في بعض الروايات، عن حكم الثلاث -: فان ذكرما فوق الثلاث في هذه الروايات مخرج للثلاث أيضا، وان ذكرت في بعض الروايات عن حكم ما فوق الثلاث، وإلا فالقوم متلاعبون متحكمون بالباطل * ويلزمهم أن يقولوا: إنهم على يقين من صحة حكم ما فوق الثلاث وبقائه غير منسوخ وعلى شك من صحة بقاء النهى عن الثلاث، كما قالوا في الثلاث وفيما دونها سواء بسواء ولا فرق * فقالوا: لم يفرق أحد بين الثلاث وبين ما فوق الثلاث. فقيل لهم: قلتم بالباطل قد صح عن عكرمة أن حد ما تسافر المرأة فيه بأكثر من ثلاث، لا بثلاث، * فكيف؟ ولا يجوز ان يكون قول قاله رجلان من التابعين، ورجلان من فقهاء الامصار، واختلف فيه عن واحد من الصحابة قد خالفه غيره منهم، فما يعده إجماعا إلا من لادين له ولا حياء! * فكيف؟ وإذا قد جاء عن ابن عمر: انه عداثنين وسبعين ميلا إلى السو يداء مسيرة ثلاث، فان تحديده الذي روى عنه أن لا قصر فيما دونه لستة وتسعين ميلا -: موجب ان هذا اكثر من ثلاث، لان بين العددين اربعة وعشرون ميلا، ومحال كون كل واحد من هذين العددين ثلاثا مستوية! * والوجه الثاني: انه قد عارض هذا القول قول من حد باليوم الواحد، وقولهم: نحن على يقين من صحة استعمالنا نهيه عليه السلام عن سفرها يوما واحدا مع غير ذى محرم ونهيها عن اكثر من ذلك لانه ان كان النهى عن سفرها ثلاثا هو الاول أو هو الآخر، فانها منهية أيضا عن اليوم، وليس تأخير نهيها عن الثلاث بناسخ لما تقدم من نهيه عليه السلام عما دون الثلاث، وأنتم على يقين من مخالفتكم لنهيه عليه السلام لها عما دون الثلاث وخلاف امره عليه السلام - بغير يقين للنسخ لا يحل، فتعارض القولان. * والثالث: ان حديث ابن عباس الذى ذكرنا قاض على جميع هذه الاحاديث وكلها بعض ما فيه، فلا يجوز (1) ان يخالف ما فيه اصلا لان من عمل به فقد عمل بجميع الاحاديث المذكورة ومن عمل بشئ من تلك الاحاديث - دون سائرها - فقد خالف نهى رسول الله


(1) في النسخة رقم (45) (فلا يجب) وما هنا أصح *

[ 16 ]

صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يجوز * قال على: ثم لو لم تتعارض الروايات فانه ليس في الحديث الذى فيه نهى المرأة عن سفر مدة ما إلا مع ذى محرم، ولا في الحديث الذى فيه مدة مسح المسافر والميم -: ذكر أصلا - لا بنص ولا بدليل - على المدة التى يقصر فيها ويفطر، ولا يقصر ولا يفطر في أقل منها * ومن العجب أن الله تعالى ذكر القصر في الضرب في الارض مع الخوف، وذكر الفطر في السفر والمرض، وذكر التيمم عند عدم الماء في السفر والمرض -: فجعل هؤلاء حكم نهى المرأة عن السفر إلا مع ذى محرم، وحكم مسح المسافر -: دليلا على ما يقصر فيه ويفطر، دون مالا قصر فيه ولا فطر، ولم يجعلوه دليلا على السفر الذى يتيمم فيه من السفر الذى لا يتيمم فيه! * فان قالوا: قسنا ما تقصر فيه الصلاة وما لا تقصر فيه على ما تسافر فيه المرأة مع غير ذى محرم وما لا تسافره، وعلى ما يمسح فيه المقيم وما لا يمسح * قلنا لهم: ولم فعلتم هذا؟! وما العلة الجامعة بين الامرين؟! أو ما الشبه بينهما؟! وهلا قستم المدة التى إذا نوى إقامتها المسافر أتم على ذلك أيضا؟ وما يعجز أحد أن يقيس برأيه حكما على حكم آخر! وهلا قستم ما يقصر فيه على ما لا يتيمم فيه؟ فهو أولى إن كان القياس حقا، أو على ما أبحتم فيه للراكب التنفل على دابته؟ * ثم يقول لهم: أخبرونا عن قولكم: إن سافر ثلاثة أيام قصر وأفطر، وان سافر أقل لم يقصر ولم يفطر -: ما هذه الثلاثة الايام؟ أمن أيام حزيران؟ أم من أيام كانون الاول فما بينهما؟ وهذه الايام التى قلتم، أسير العساكر؟ أم سير الرفاق على الابل، أو على الحمير، أو على البغال؟ أم سير الراكب المجد؟ أم سير البريد؟ أم مشى الرجالة؟ وقد علمنا يقينا أن مشى الراجل الشيخ الضعيف في وحل وعرأوفى حر شديد -: خلاف مشى الراكب على البغل المطيق في الربيع في السهل وان هذا يمشى في يوم مالا يمشيه الآخر في عشرة أيام * وأخبرونا عن هذه الايام: كيف هي؟ أمشيا من أول النهار إلى آخره؟ أم إلى وقت العصر أو بعد ذلك قليلا، أو قبل ذلك قيللا؟ أم النهار والليل معا؟ أم كيف هذا؟! * وأخبرونا: كيف جعلتم هذه الايام ثلاثا وستين ميلا على واحد وعشرين ميلا كل يوم؟

[ 17 ]

ولم تجعلوها اثنين وسبعين ميلا على أربعة وعشرين ميلا كل يوم؟ أو اثنين وثلاثين ميلا كل يوم؟ أو عشرين ميلا كل يوم؟ أو خمسة وثلاثين ميلا كل يوم؟ فما بين ذلك! فكل هذه المسافات تمشيها الرفاق، ولا سبيل لهم إلى تحديد شئ مما ذكرنا - دون سائره - إلا برأي فاسد. وهكذا يقال لمن قدر ذلك بيوم أو بليلة أو بيوم أو بيومين ولا فرق * فان قالوا: هذا الاعتراض يلزمكم أن تدخلوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره المراة ان لا تسافر ثلاثا أو ليلتين أو يوما وليلة أو يوما إلا مع ذي محرم، وفي تحديده عليه السلام مسح المسافر ثلاثا والمقيم يوما وليلة * قلنا - ولا كرامة لقائل هذا منكم -: بل بين تحديد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحديدكم أعظم الفرق، وهو أنكم لم تكلوا الايام التى جعلتموها حدا لما يقصر فيه وما يفطر، أو اليوم والليلة كذلك، التى جعلها منكم من جعلها حدا -: إلى مشى المسافر المأمور بالقصر أو الفطر في ذلك المقدار، بل كل طائفة منكم جعلت لذلك حدا من مساحة الارض لا ينقص منها شئ، لانكم مجمعون على ان من مشى ثلاثة أيام كل يوم ثمانية عشر ميلا أو عشرين ميلا لا يقصر، فان مشى يوما وليلة ثلاثين ميلا فانه لا يقصر، واتفقتم أنه من مشى ثلاثة أيام كل يوم بريدا غير شئ أو جمع ذلك المشى في يوم واحد أنه لا يقصر، واتفقتم معشر المموهين بذكر الثلاث ليالى في الحديثين على أنه لو مشى من يومه ثلاثة وستين ميلا فانه يقصر ويفطر، ولو لم يمش إلا بعض يوم وهذا ممكن جدا كثير (في الناس، وليس كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة بأن لا تسافر ثلاثا أو يوما إلا مع ذي محرم، وأمره عليه السلام المسافر ثلاثة أيام بلياليهن بالمسح ثم يخلع، لان هذه الايام موكولة إلى حالة المسافر والمسافرة على عموم قوله عليه السلام الذى لو أراد غيره لبينة لامته، فلو أن مسافرة خرجت تريد سفر ميل فصاعدا لم يجز لها أن تخرجه إلا مع ذى محرم إلا لضرورة، لو أن مسافرا سافر سفرا يكون ثلاثة أميال يمشى في كل يوم ميلا لكان له أن يمسح، ولو سافر يوما وأقام آخر وسافر ثالثا لكان له أن يمسح الايام الثلاثة كما هي، وحتى لو لم يأت عنه عليه السلام إلا خبر الثلاث فقط لكان القول: أن المرأة ان خرجت في سفر مقدار قوتها فيه أن لا تمشى إلا ميلين من نهارها (م 3 - ج 5 المحلى)

[ 18 ]

أو ثلاثة -: لما حل لها إلا مع ذى محرم، فلو كان مقدار قوتها أن تمشى خمسين ميلا كل يوم لكان لها أن تسافر مسافة مائة ميل مع ذى محرم (1) لكن وحدها، والذى حده عليه السلام في هذه الاخبار معقول مفهوم مضبوط غير مقدر بمساحة من الارض لا تتعدى، بل بما يستحق به اسم سفر ثلاث أو سفر يوم ولا مزيد، والذى حدد تموه أنتم غير معقول ولا مفهوم ولا مضبوط اصلا بوجه من الوجوه، فظهر فرق مابين قولكم وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبين فساد هذه الاقوال كلها بيقين لا إشكال فيه، وأنها لا متعلق لها ولا لشئ (2) منها لا بقرآن ولا بسنة صحيحة ولا سقيمة، ولا باجماع ولا بقياس ولا بمعقول، ولا بقول صاحب لم يختلف عليه نفسه فكيف أن لا يخالفه غيره منهم، وما كان هكذا فهو باطل بيقين * فان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاخبار المأثورة عنه حق، كلها على ظاهرها ومقتضاها، من خالف شيئا منها خالف الحق، لا سيما تفريق مالك بين خروج المكى إلى منى والى عرفة في الحج فيقصر -: وبين سائر جميع بلاد الارض يخرجون هذا المقدار فلا يقصرون ولا يعرف هذا التفريق عن صاحب ولا تابع قبله * واحتج له بعض مقلديه بأن قال: إنما ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أهل مكة اتموا فانا قوم سفر) ولم يقل ذلك: بمنى * قال على: وهذا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا، وإنما هو محفوظ عن عمر رضى الله عنه * ثم لو صح لما كانت فيه حجة لهم، لانه كان يلزمهم إذ أخرجوا حكم أهل مكة بمنى عن حكم سائر الاسفار من أجل ما ذكروا -: أن يقصر أهل منى بمنى وبمكة لانه عليه السلام لم يقل لاهل منى: أتموا * فان قالوا: قد عرف أن الحاضر لا يقصر. قيل لهم: صدقتم، وقد عرف أن ما كان من الاسفار له حكم الاقامة فانهم لا يقصرون فيها، فان كان ما بين مكة ومنى من أحد السفرين المذكورين فتلك المسافة في جميع بلاد الله تعالى كذلك ولا فرق، إذ ليس


(1) في النسخة رقم (16) (إلا مع ذى محرم) وهو خطأ (2) في الاصلين (ولا بشئ) وهو خطأ ظاهر *

[ 19 ]

إلا سفر أو اقامة بالنص والمعقول ولا فرق * وقد حد بعض المتأخرين ذلك بما فيه المشقة * قال على: فقلنا هذا باطل لان المشقة تختلف، فنجد من يشق عليه مشى ثلاثة أميال حتى لا يبلغها إلا بشق النفس، وهذا كثير جدا، يكاد أن يكون الاغلب، ونجد من لا يشق عليه الركوب في عمارية في أيام الربيع مرفها مخدوما شهرا وأقل وأكثر، فبطل هذا التحديد * قال على: فلنقل الآن بعون الله تعالى وقوته على بيان السفر الذى يقصر فيه ويفطر فنقول وبالله تعالى التوفيق * قال الله عزوجل (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا). وقال عمر، وعائشة، وابن عباس: ان الله تعالى فرض الصلاة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في السفر ركعتين، ولم يخص الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا المسلمون بأجمعهم سفرا من سفر، فليس لاحد أن يخصه إلا بنص أو اجماع متيقن * فان قيل: بل لا يقصر ولا يفطر الا في سفر أجمع المسلمون على القصر فيه والفطر * قلنا لهم: فلا تقصروا ولا تفطروا إلا في حج، أو عمرة، أو جهاد، وليس هذا قولكم ولو قلتموه لكنتم قد خصصتم القرآن والسنة بلا برهان، وللزمكم في سائر الشرائع كلها أن لا تأخذوا في شئ منها لا بقرآن ولا بسنة إلا حتى يجمع الناس على ما أجمعوا عليه منها، وفى هذا هدم مذاهبكم كلها بل فيه الخروج عن الاسلام، واباحة مخالفة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في الدين كله، إلا حتى يجمع الناس على شئ من ذلك، وهذا نفسه خروج عن الاجماع، * وانما الحق في وجوب اتباع القرآن والسنن حتى يصح نص أو إجماع في شئ منهما أنه مخصوص أو منسوخ، فيوقف عند ما صح من ذلك، فانما بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ليطاع، قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله) ولم يبعثه الله تعالى ليعصى حتى يجمع الناس على طاعته، بل طاعته واجبة قبل ان يطيعه أحد، وقبل أن يخالفه أحد، لكن ساعة يأمر بالامر، هذا ما لا يقول مسلم خلافه، حتى نقض من نقض * والسفر هو البروز عن محلة الاقامة، وكذلك الضرب في الارض، هذا الذى لا يقول أحد من أهل اللغة - التى بها خوطبنا وبها نزل القرآن - سواه، فلا يجوز أن يخرج

[ 20 ]

عن هذا الحكم إلا ما صح النص باخراجه، ثم وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولا أفطروا، ولا أفطر ولا قصر، فخرج هذا عن ان يسمى سفرا، وعن أن يكون له حكم السفر، فلم يجز لنا أن نوقع اسم سفر وحكم سفر إلا على من سماه من هو حجة في اللغة سفرا، فلم نجد ذلك في اقل من ميل، فقد روينا عن ابن عمر أنه قال: لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة، فأوقعنا اسم السفر وحكم السفر في الفطر والقصر على الميل فصاعدا، إذا لم نجد عربيا ولا شريعيا عالما اوقع على أقل منه اسم سفر، وهذا برهان صحيح. وبالله تعالى التوفيق * فان قيل: فهلا جعلتم الثلاثة الاميال - كما بين المدينة وذي الحليفة - حدا للقصر والفطر إذ لم تجدوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قصر ولا أفطر في أقل من ذلك؟ * قلنا: ولا وجدنا عنه عليه السلام منعا من الفطر والقصر في أقل من ذلك، بل وجدناه عليه السلام اوجب عن ربه تعالى الفطر في السفر مطلقا، وجعل الصلاة في السفر ركعتين مطلقا، فصح ما قلناه. والله تعالى الحمد والميل هو ما سمى عند العرب ميلا، ولا يقع ذلك على أقل من ألفى ذراع * فان قيل: لو كان هذا ما خفى على ابن عباس ولا على عثمان ولا على من لا يعرف ذلك من التابعين والفقهاء، فهو مما تعظم به البلوي * قلنا: قد عرفه عمر، وابن عمر، وأنس وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم والتابعين * ثم نعكس عليكم قولكم، فنقول للحنيفيين: لو كان قولكم في هذه المسألة حقا ما خفى على عثمان، ولا على ابن مسعود، ولا على ابن عباس، ولا على من لا يعرف قولكم، كمالك، والليث والاوزاعي، وغيرهم، ممن لا يقول به من الصحابة والتابعين والفقهاء، وهو مما تعظم به البلوي * ونقول للمالكيين: لو كان قولكم حقا ما خفى على كل من ذكرنا من الصحابة والتابعين والفقهاء، وهو مما تظعم به البلوى * إلا أن هذا الالزام لازم للطوائف المذكورة لالنا، لانهم يرون هذا الالزام حقا، ومن حقق شيئا لزمه، وأما نحن فلا نحقق هذا الالزام الفاسد، بل هو عندنا وسواس وضلال، وانما حسبنا اتباع ما قال الله تعالى ورسوله عليه السلام، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وما من شريعة اختلف الناس فيها إلا قد علمها بعض السلف وقال بها، وجهلها بعضهم

[ 21 ]

فل يقل بها. وبالله تعالى التوفيق * قال على: وقدموه بعضهم بأن قال: إن من العجب ترك سؤال الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه العظيمة، وهي حد السفر الذى تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه في رمضان! * فقلنا: هذا أعظم برهان وأجل دليل وأوضح حجة لكل من له أدنى فهم وتمييز -: على أنه لاحد لذلك أصلا إلا ما سمى سفر في لغة العرب التى بها خاطبهم عليه السلام، إذ لو كان لمقدار السفر حد غير ما ذكرنا لما أغفل عليه السلام بيانه البتة، ولا أغفلواهم سؤاله عليه السلام عنه، ولا اتفقوا على ترك نقل تحديده في ذلك الينا، فارتفع الاشكال جملة ولله الحمد، ولاح بذلك أن الجميع منهم قنعوا بالنص الجلى، وان كل من حد في ذلك حدا فانما هو وهم أخطأ فيه * قال على: وقد اتفق الفريقان على أنه إذا فارق بيوت القرية وهو يريد اما ثلاثة أيام واما أربعة برد -: أنه يقصر الصلاة، فنسألهم: أهو في سفر تقصر فيه الصلاه؟ أم ليس في سفر تقصر فيه الصلاة بعد، لكنه يريد سفرا تقصر فيه الصلاة بعد، ولا يدرى أيبلغه أم لا؟ ولابد من أحد الامرين * فان قالوا: ليس في سفر تقصر فيه الصلاة بعد، ولكنه يريده، ولا يدرى أيبلغه أم لا، أقروا بأنهم أباحوا له القصر وهو في غير سفر تقصبر فيه الصلاة، من أجل نيته في ارادته سفرا تقصر فيه الصلاة، ولزمهم أن يبيحوا له القصر فيه منزله وخارج منزله بين بيوت قريته، من أجل نيته في ارادته سفرا تقصر فيه الصلاة ولا فرق، وقد قال بهذا القول عطاء وأنس به مالك وغيرهما، الا أن هؤلاء يقرون أنه ليس في سفر، ثم يأمرونه بالقصر، وهذا لا يحل أصلا * وان قالوا: بل هو في سفر تقصر فيه الصلاة، هدموا كل ما بنوا، أبطلوا أصلهم ومذهبهم، وأقروا بأن قليل السفر وكثيره تقصر فيه الصلاة، لانه قد ينصرف قبل أن يبلغ المقدار الذى فيه القصر عندهم * وأما نحن فان ما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر، فلا يقصر فيه ولا يفطر، فإذا بلغ الميل فحينئذ صارفى سفر تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه، فمن حينئذ

[ 22 ]

يقصر ويفطر، وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فانه يتم، لانه ليس في سفر يقصر فيه بعد * 514 - مسألة - وسواء سافر في بر، أو بحر، أو نهر، كل ذلك كما ذكرنا، لانه سفر ولا فرق * 515 - مسأله - فان سافر المرء في جهاد أو حج أو عمرة أو غير ذلك من الاسفار -: فأقام في مكان واحد عشرين يوما بلياليها قصر، وان أقام أكثر أتم ولو في صلاة واحدة * ثم ثبتنا بعون الله تعالى على أن سفر الجهاد، وسفر الحج، وسفر العمرة، وسفر الطاعة وسفر المعصية، وسفر ما ليس طاعة ولا معصية -: كل ذلك سفر، حكمه كله في القصر واحد، وان من أقام في شئ منها عشرين يوما بلياليها فأقل فانه يقصر ولابد، سواء نوى اقامتها أو لم ينو اقامتها، فان زاد على ذلك اقامة مدة صلاة واحدة فأكثر أتم ولابد، هذا في الصلاة خاصة * وأما في الصيام في رمضان فبخلاف ذلك، بل إن أقام يوما وليلة في خلال السفر لم يسافر فيهما -: ففرض عليه أن ينوى الصوم فيما يستأنف (1) وكذلك ان نزل ونوي إقامة ليلة والغد، ففرض عليه أن ينوى الصيام ويصوم * فان ورد على ضيعة له أو ما شية أو دار فنزل هنالك أتم فإذا رحل ميلا فصاعدا قصر * قال على: واختلف الناس في هذا فروينا عن ابن عمر: أنه كان إذا أجمع على اقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة، ورويناه أيضا عن سعيد بن المسيب، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه * وروينا من طريق أبى داود ثنا محمد بن العلاء ثنا حفص بن غياث ثنا عاصم عن عكرمة عن ابن عباس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة سبع عشرة يقصر الصلاة) قال ابن عباس: من أقام سبع عشرة بمكة قصر، ومن أقام فزاد أتم * وروي عن الاوزاعي: إذا اجمع اقامة ثلاث عشرة ليلة اتم فان نوي أقل قصر * وعن ابن عمر قول آخر: انه كان يقول: إذا اجمعت اقامة ثنتى عشرة ليلة فاتم الصلاة * وعن على بن ابى طالب: إذا أقمت عشرا فاتم الصلاة. وبه يأخذ سفيان الثوري


(1) في النسخة رقم (45) (لما يستأنف) *

[ 23 ]

والحسن بن حى وحميد الرؤاسى صاحبه. * وعن سعيد بن المسيب قول آخر وهو: إذا أقمت اربعا فصل أربعا. وبه يأخذ مالك، والشافعي، والليث، الا انهم يشترطون ان ينوي إقامة أربع، فان لم ينوها قصر وان بقى حولا * وعن سعيد بن المسيب قول آخر وهو: إذا أقمت ثلاثا فأتم * ومن طريق وكيع عن شعبة عن أبى بشر - هو جعفر بن أبى وحشية - عن سعيد بن جبير. إذا أراد أن يقيم أكثر من خمس عشرة أتم الصلاة * وعن سعيد بن جبير قول آخر: إذا وضعت رحلك (1) بأرض فأتم الصلاة * وعن معمر عن الاعمش عن أبي وائل قال كنا مع مسروق بالسلسلة سنتين وهو عامل عليها فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف * وعن وكيع عن شعبة عن أبى التياج الضبعي عن أبى المنهال العنزي قلت لابن عباس: إنى أقيم بالمدينة حولا لا أشد على سير؟ قال: صل ركعتين * وعن وكيع عن العمرى عن نافع عن ابن عمر: أنه أقام بأذربيجان ستة أشر أرتج عليهم الثلج، (2) فكان يصلى ركعتين * قال على: الوالى لا ينوي رحيلا قبل خمس عشرة ليلة بلا شك، وكذلك من ارتج عليه الثلج فقد أيقن أنه لا ينحل إلى أول الصف * وقد أمر ابن عباس من أخبره انه مقيم سنة لا ينوى سيرا بالقصر * وعن الحسن وقتادة: يقصر المسافر ما لم يرجع إلى منزله، إلا أن يدخل مصرا من أمصار المسلمين * قال على: احتج أصحاب أبى حنيفة بأن قولهم أكثر ما قيل، وانه مجمع عليه أنه إذا نوى المسافر إقامة ذلك المقدار أتم، ولا يخرج عن حكم القصر إلا باجماع * قال على: وهذا باطل، قد أوردنا عن سعيد بن جبير انه يقصر حين ينوى أكثر من خمسة عشر يوما، وقد اختلف عن ابن عمر نفسه، وخالفه ابن عباس كما أوردنا وغيره فبطل قولهم عن أن يكون له حجة *


(1) بفتح الراء واسكان الحاء المهملة. وفي نسخة رقم (16) (رجلك) بالجيم وهو تصحيف (2) في اللسان (ارتاج الثلج دوامه واطباقه، وارتاج الباب منه) *

[ 24 ]

واحتج لمالك، والشافعي مقلدوهما بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق العلاء بن الحضرمي أنه عليه السلام قال: (يمكث المهاجر بعد انقضاء نسكه ثلاثا) قالوا: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين الاقامة بمكة التى كانت أوطانهم فأخرجوا عنها في الله تعالى حتى يلقوا ربهم عزوجل غرباء عن أوطانهم لوجهه عزوجل ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك، قالوا: فكانت الثلاث خارجة عن الاقامة المكروهة لهم، وكان ما زاد عنها داخلا في الاقامة المكروهة * ما نعلم لهم حجة غير هذا أصلا * وهذا لاحجة لهم فيه، لانه ليس في هذا الخبر نص ولا إشارة إلى المدة التى إذا أقامها المسافر أتم، وانما هو في حكم المهاجر، فما الذى اوجب أن يقاس المسافر يقيم على المهاجر يقيم؟ هذا لو كان القياس حقا، وكيف وكله باطل؟ * وأيضا فان المسافر مباح له أن يقيم ثلاثا وأكثر من ثلاث، لاكراهية في شئ من ذلك وأما المهاجر فمكروه له أن يقيم بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث، فاي نسبة بين اقامة مكروهة واقامة مباحة لو أنصفوا أنفسهم؟ * وأيضا: فان ما زاد على الثلاثة الايام للمهاجر داخل عندهم في حكم ان يكون مسافرا لامقيما، وما زاد على الثلاثة للمسافر فاقامة صحيحة، وهذا مانع من ان يقاس أحدهما على الآخر، ولو قيس أحدهما على الآخر لوجب ان يقصر المسافر فيما زاد على الثلاث، لا أن يتم، بخلاف قولهم * وأيضا: فان اقامة قدر صلاة واحدة زائدة على الثلاثة مكروهة، فينبغي عندهم - إذا قاسوا عليه المسافر - أن يتم ولو نوى زيادة صلاة على الثلاثة الايام، وهكذا قال أبوتور * فبطل قولهم على كل حال، وعربت الاقوال كلها عن حجة، فوجب ان نبين البرهان على صحة قولنا بعون الله تعالى وقوته * قال على: أما الاقامة في الجهاد والحج والعمرة فان الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الارض ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القصر إلا مع السفر، لامع الاقامة، وبالضرورة ندرى ان حال السفر غير حال الاقامة، وان السفر إنما هو التنقل في غير دار الاقامة وان الاقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الاقامة، هذا حكم الشريعة والطبيعة معا *

[ 25 ]

فإذ ذلك كذلك فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الاقامة وحكمها في الصيام والاتمام الا بنص، وقد صح باجماع أهل النقل: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في حال سفره فأقام باقى نهاره وليلته ثم رحل في اليوم الثاني، وأنه عليه السلام قصر في باقى يومه ذلك وفى ليلته التى بين يومى نقلته، فخرجت هذه الاقامة عن حكم الاقامة في الاتمام والصيام، ولو لا ذلك لكان مقيم ساعة له حكم الاقامة * وكذلك من ورد على ضيعة له أو ماشية أو عقار فنزل هنا لك فهو مقيم، فله حكم الاقامة كما قال ابن عباس، إذ لم نجد نصا في مثل هذه الحال ينقلها عن حكم الاقامة، وهو أيضا قول الزهري، واحمد بن حنبل * ولم نجد عنه عليه السلام انه أقام يوما وليلة لم يرحل فيهما فقصر وافطر الا في الحج والعمرة، والجهاد فقط، فوجب بذلك ما ذكرنا من ان من اقام في خلال سفره يوما وليلة لم يظعن في أحدهما فانه يتم ويصوم، وكذلك من مشى ليلا وينزل نهارا فانه يقصر باقى ليلته ويومه الذى بين ليلتى حركته، وهذا قول روي عن ربيعة * ونسأل من أبى هذا عن ماش (1) في سفر تقصر فيه الصلاة عندهم نوى اقامة وهو سائر (2) لا ينزل ولا يثبت -: اضطر لشدة الخوف إلى أن يصلى فرضه راكبا ناهضا أو ينزل لصلاة فرضه ثم يرجع (3) إلى المشى: أيقصر أو يتم؟ فمن قولهم: يقصر، فصح أن السفر هو المشى. * ثم نسألهم عمن نوى اقامة وهو نازل غير ماش: أيتم أو يقصر؟ فمن قولهم: يتم، فقد صح أن الاقامة هي السكون لا المشى متنقلا. وهذا نفس قولنا. ولله تعالى الحمد * وأما الجهاد والحج فان عبد الله بن ربيع قال ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله قال: (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة) *


(1) في النسخة رقم (45) (عمن مشى) (2) في النسخة رقم (45) (وهو مسافر) (3) في النسخة رقم (16) (نزل) ماض، و (يرجع) مضارع، وفى النسخة رقم (45) عكس ذلك والانسب لسياق الكلام ان يكون كلاهما مضارعا * (م 4 - ج 5 المحلى)

[ 26 ]

قال على: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ثقة، وباقى رواة الخبر أشهر من أن يسأل عنهم. وهذا أكثر ما روي عنه عليه السلام في اقامته بتبوك، فخرج هذا المقدار من الاقامه عن سائر الاوقات بهذا الخبر * وقال أبو حنيفة، ومالك: يقصر مادام مقيما في دار الحرب * قال على: وهذا خطأ، لما ذكرنا من أن الله تعالى لم يجعل ولا رسوله عليه السلام الصلاة ركعتين إلا في السفر، وأن الاقامة خلاف السفر لما ذكرنا * وقال الشافعي، وأبو سليمان: كقولنا في الجهاد. وروينا عن ابن عباس مثل قولنا نصا إلا أنه خالف في المدة * وأما الحج، والعمرة فلما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى أنا هشيم عن يحيى بن أبى اسحاق عن أنس بن مالك قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصلي ركعتين ركعتين حتى رجع قال: (1) كم أقام بمكة؟ قال: عشرا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا موسى ثنا وهيب عن أيوب السختيانى عن أبى العالية البراء عن ابن عباس قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج) وذكر الحديث * قال على: فإذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم صبح رابعة من ذى الحجة، فبالضرورة نعلم انه أقام بمكة ذلك اليوم الرابع من ذى الحجة، والثانى وهو الخامس من ذى الحجة، والثالث وهو السادس من ذى الحجة، والرابع وهو السابع من ذى الحجة، وانه خرج عليه السلام إلى منى قبل صلاة الظهر من اليوم الثامن من ذى الحجة، هذا مالا خلاف فيه بين أحد من الامة، فتمت له بمكة أربعة أيام واربع ليال كملا، اقامها عليه السلام ناويا للاقامة هذه المدة بها بلا شك، ثم خرج إلى منى في اليوم الثامن من ذى الحجة كما ذكرنا * وهذا يبطل قول من قال: ان نوي إقامة أربعة أيام أتم لانه عليه السلام نوى بلاشك إقامة هذه المدة ولم يتم، ثم كان عليه السلام بمنى اليوم الثامن من ذى الحجة، وبات بها ليلة يوم عرفة، ثم أتى إلى عرفة بلا شك في اليوم التاسع من ذى الحجة فبقى هنالك إلى أول الليلة العاشرة، ثم نهض إلى مزدلفة فبات بها الليلة العاشرة، ثم


(1) في مسلم (ج 1 ص 193) (قلت) *

[ 27 ]

نهض في صباح اليوم العاشر الى منى، فكان بها، ونهض إلى مكة فطاف طواف الافاضة إما في اليوم العاشر وإما في الليلة الحادية عشرة، بلا شك في أحد الامرين، ثم رجع إلى منى فأقام بها ثلاثة ايام، ودفع منها في آخر اليوم الرابع بعد رمى الجمار بعد زوال الشمس، وكانت اقامته عليه السلام بمنى اربعة ايام غير نصف يوم ثم اتى إلى مكة فبات الليلة الرابع عشرة بالابطح، وطاف بها طواف الوداع، ثم نهض في آخر ليلته تلك إلى المدينة، فكمل له عليه السلام بمكة ومنى وعرفة ومزدلفة عشر ليال كملا كما قال أنس فصح قولنا، وكان معه عليه السلام متمتعون، وكان هو عليه السلام قارنا فصح ما قلناه في الحج والعمرة، ولله الحمد، فخرجت هذه الاقامة بهذا الاثر في الحج والعمرة حيث اقام عن حكم سائر الاقامات، ولله تعالى الحمد * فان قيل: أليس قد رويتم من طريق ابن عباس وعمران بن الحصين روايات مختلفة، في بعضها: (اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسع عشرة) وفى بعضها: (ثمان عشرة) وفى بعضها (سبع عشرة) وفى بعضها (خمس عشرة) يقصر الصلاة؟ * قلنا: نعم، وقد بين ابن عباس ان هذا كان في عام الفتح، وكان عليه السلام في جهاد وفي دار حرب، لان جماعة من أهل مكة كصفوان وغيره لهم مدة موادعة لم تنقض بعد، ومالك بن عوف في هوازن قد جمعت له العساكر بحنين على بضعة عشر ميلا، وخالد بن سفيان الهذلى على أقل من ذلك يجمع هذيلا لحربه، والكفار محيطون به محاربون له، فالقصر واجب بعد في أكثر من هذه الاقامة، وهو عليه السلام يتردد من مكة إلى حنين. ثم إلى مكة معتمرا، ثم إلى الطائف، وهو عليه السلام يوجه السرايا إلى من حول مكة من قبائل العرب، كبني كنانة وغيرهم، فهذا قولنا، وما دخل عليه السلام مكة قط من حين خرج عنها مهاجرا إلا في عمرة القضاء، اقام بها ثلاثة أيام فقط، ثم حين فتحها كما ذكرنا محاربا، ثم في حجة الوداع أقام بها كما وصفنا ولا مزيد * قال على: وأما قولنا: إن هذه الاقامة لا تكون إلا بعد الدخول في اول دار الحرب وبعد الاحرام -: فلان القاصد إلى الجهاد مادام في دار الاسلام فليس في حال جهاد، ولكنه مريد للجهاد وقاصد إليه، وانما هو مسافر كسائر المسافرين، إلا اجر نيته فقط، وهو ما لم يحرم فليس بعد في عمل حج ولا عمل عمرة، لكنه مريد لان يحج أو لان يعتمر، فهو كسائر من يسافر ولا فرق *

[ 28 ]

قال على: وكل هذا لاحجة لهم فيه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إذ أقام بمكة أياما: إنى انما قصرت اربعا لانى في حج ولا لانى في مكة، ولا قال إذا أقام بتبوك عشرين يوما يقصر: إنى انما قصرت لانى في جهاد، فمن قال: شيئا من هذا فقد قوله عليه السلام ما لم يقل، وهذا لا يحل، فصح يقينا أنه لو لا مقام النبي عليه السلام في تبوك عشرين يوما يقصر، وبمكة دون ذلك يقصر -: لكان لا يجوز القصر إلا في يوم يكون فيه المرء مسافرا، ولكان مقيم يوم يلزمه الاتمام، لكن لما أقام عليه السلام عشرين يوما بتبوك يقصر صح بذلك ان عشرين يوما إذا اقامها المسافر فله فيها حكم السفر، فان أقام أكثر أو نوي اقامة اكثر فلا برهان يخرج ذلك عن حكم الاقامة أصلا * ولا فرق بين من خص الاقامه في الجهاد بعشرين يوما يقصر فيها وبين من خص بذلك بتبوك دون سائر الاماكن، وهذا كله باطل لا يجوز، القول به، إذ لم يأت به نص قرآن ولاسنة، وبالله تعالى التوفيق * ووجب أن يكون الصوم بخلاف ذلك، لانه لم يأت فيه نص أصلا، والعباس لا يجوز، فمن نوى إقامة يوم في رمضان فانه يصوم. وبالله تعالى التوفيق (1) *


(1) من اول قوله (قال على: وكل هذا لاحجة لهم فيه) الخ هو في النسخة رقم (16) وهو يوافق ما في النسخة رقم (14). ولكنه محذوف في النسختين رقم (45 و 48) وبدله فيهما مانصه: (قال على: ثم تعقبنا هذا التفريق فوجدناه خطأ، برهان ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم اخط ذلك (وكذا في الاصلين ولا قال قط: انى انما أقصر لانى في جهاد، ولا. انى اقصر في حج أو عمرة، فإذ لم يقل عليه السلام فلا يجوز لنا ولا لاحد ان يقول فيشرع ما لم يأذن به الله تعالى لكن لما وجدناه عليه السلام قد حكم لاقامة عشرين يوما في حال السفر في الفضا (كذا في الاصلين) وجب علينا الانقياد له في ذلك في كل حال كل سفر (كذا فيهما) ولافرق بين من عمل ذلك في الجهاد خاصة وبين من عين فقال. ليس ذلك الا في تبوك خاصة، وكلا القولين خطأ وباطل، وتحكم في الدين بلا برهان، انما هذا في الصلاة لافى الصوم في رمضان، وهذا تخصيص منه عليه السلام انما جاء في الصلاة لافى الصوم، والقياس باطل، لاسيما عند القائلين منهم. لا يجوز أن يقاس أصل على أصل. وبالله تعالى التوفيق) وهذه عبارة قلقة غير محررة وما في النسختين رقم (14 و 16) أوضح وأصح *

[ 29 ]

قال على: (1) وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أقام في مكان ينوي خروجا غدا أو اليوم فانه يقصر ويفطر ولو أقام كذلك أعواما، قال أبو حنيفة: وكذلك لو نوي خروجا ما بينه وبين خمسة عشر يوما ونوي إقامة أربعة عشر يوما فانه يفطر ويقصر، وقال مالك: يقصر ويفطر وإن نوى اقامة ثلاثة أيام فانه يفطر ويقصر، وإن نوى أخرج اليوم أخرج غدا قصر ولو بقي كذلك أعواما * قال على: ومن العجب العجيب اسقاط أبى حنيفة النية حيث افترضها الله تعالى من الوضوء للصلاة، وغسل الجنابة، والحيض وبقائه في رمضان ينوى الفطر إلى قبل زوال الشمس، ويجيز كل ذلك بلانية -: ثم يوجب النية فرضا في الاقامة، حيث لم يوجبها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أوجبها برهان نظرى * قال على: وبرهان صحة قولنا: أن الحكم لاقامة المدد (2) التى ذكرنا - كانت هنالك نية لاقامة أولم تكن - فهو ان النيات إنما تجب فرضا في الاعمال التى أمر الله تعالى بها (3) فلا يجوز أن تؤدى بلانية (4)، وأما عمل لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فلا معنى للنية فيه، إذ لم يوجبها هنالك قرآن، ولاسنة، ولانظر، ولا اجماع، والاقامة ليست عملا مأمورا به، وكذلك السفر، وإنما هما حالان أوجب الله تعالى فيهما العمل الذى أمر الله تعالى به فيهما، فذلك العمل هو المحتاج إلى النية، لا الحال، وهم موافقون لنا ان السفر لا يحتاج إلى نية، ولو ان امرءا خرج لا يريد سفرا فدفعته ضررورات لم يقصد لها حتى صار من منزله على ثلاث ليال، أو سيربه (5) مأسورا أو مكرها محمولا مجبرا فانه يقصر ويفطر، وكذلك يقولون فيمن أقيم به كرها فطالت به مدته فانه يتم ويصوم، وكذلك يقولون فيمن اضطر للخوف إلى الصلاة راكبا أو ماشيا، فذلك الخوف وتلك الضرورة لا يحتاج فيها إلى نية، وكذلك النوم لا يحتاج إلى نية، وله حكم في اسقاط الوضوء وايجاب تجديده وغير ذلك، وكذلك الا جناب لا يحتاج إلى نية، وهو يوجب الغسل، وكذلك الحدث لا يحتاج إلى نية، وهو يوجب حكم الوضوء والاستنجاء فكل عمل لم يؤمر به لكن أمر فيه بأعمال موصوفة فهو لا يحتاج إلى نية، ومن جملة هذه الاعمال هي الاقامة


(1) هنا في النسخة رقم (45) (مسألة قال على) الخ ولا نرى داعيا لفصل هذا عما قبله بعنوان جديد، بل هو باقى البحث (2) في النسخة رقم (45) (للاقامة للمدد) الخ وما هنا هو الصحيح (3) في النسخة رقم (16) (التى فرض الله تعالى بها) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (45) (فلا يجوز أن تؤدى الابنية) في النسخة رقم (16) (على ثلاث وصير به) الخ وهو خطأ *

[ 30 ]

والسفر، فلا يحتاج فيهما إلى نية أصلا، لكن متى وجدا وجب لكل واحد منهما الحكم الذى أمر الله تعالى به فيه ولا مزيد. وبالله تعالى التوفيق. وهذا قول الشافعي وأصحابنا * 516 - مسألة - ومن ابتدأ صلاة وهو مقيم ثم نوى فيها السفر، أو ابتدأها وهو مسافر ثم نوى فيها أن يقيم -: أتم في كلا الحالين * برهان ذلك ما ذكرناه من أن الاقامة غير السفر، وانه لا يخرج عن حكم الاقامة مما هو إقامة الا ما أخرجه نص، فهو إذا نوى في الصلاة سفرا فلم يسافر بعد، بل هو مقيم، فله حكم الاقامة، وإذا افتتحها وهو مسافر فنوى فيها الاقامة فهو مقيم بعد لا مسافر، فله أيضا حكم الاقامة، إذ انما كان له حكم السفر بالنص المخرج لتلك الحال عن الحكم الاقامة، فإذا بطلت تلك الحال ببطلان نيته صار في حال الاقامة. وبالله تعالى التوفيق * 517 - مسألة - ومن ذكر وهو في سفر صلاة نسيها أو نام عنها في اقامته صلاها ركعتين ولابد، فان ذكر في الحضر صلاة نسيها في سفر صلاها اربعا ولابد * وقال الشافعي: يصليها في كلتا الحالتين أربعا * وقال مالك: يصليها إذا نسيها في السفر فذكرها في الحضر ركعتين، وإذا نسيها في الحضر فذكرها في السفر صلاها اربعا * حجة الشافعي: ان الاصل الاتمام، وانما القصر رخصة * قال على: وهذا خطأ، ودعوى بلا برهان، ولو أردنا معارضته لقلنا: بل الاصل القصر، كما قالت عائشة رضى الله عنها: (فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على الحالة الاولى) ولكنا لا نرضى بالشغب، بل نقول: ان صلاة السفر أصل، وصلاة الاقامة أصل، ليست احداهما فرعا للاخرى، فبطل هذا القول * واحتج مالك بأن الصلاة انما تؤدى كما لزمت إذا فاتت * قال على: وهذا أيضا دعوى بلا برهان، وما كان هكذا فهو خطأ، وهو أول من يخالف هذا الاصل ويهدمه في كل موضع، الاهنا فانه تناقض، وذلك أنه يقول: من فاتته صلاة الجمعة فانه لا يصليها الا أربع ركعات، ومن فاتته في حال مرضه صلوات كان حكمها لو صلاها أن يصليها قاعدا أو مضطجعا أو مومئا فذكرها في صحته -: فانه لا يصليها الا قائما ومن ذكر في حال المرض المذكور صلاة فاتته في صحته كان حكمها أن يصليها قائما فانه لا يصليها الا قاعدا أو مضطجعا، ومن صلى في حال خوف راكبا أو ماشيا صلاة نسيها في حال الامن فانه يؤديها راكبا أو ماشيا، ومن

[ 31 ]

ذكر في حال الامن صلاة نسيها في حال الخوف حيث لو صلاها راكبا أو ماشيا فانه لا يصليها الا نازلا قائما، ومن نسى صلاة لو صلاها في وقتها لم يصلها الا متوضئا فذكرها في حال تيمم صلاها متيمما، ولو نسى صلاة لو صلاها في وقتها لم يصلها الا متيمما فذكرها والماء معه فانه لا يصليها إلا متوضئا، والقوم أصحاب قياس بزعمهم، وهذا مقدار قياسهم! * وأما نحن فان حجتنا في هذا انما هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسى صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) فانما جعل عليه السلام وقتها وقت ادائها لا الوقت الذى نسيها فيه أو نام عنها، فكل صلاة تؤدى في سفر فهى صلاة سفر، وكل صلاة تؤدى في حضر فهى صلاة حضر ولابد * فان قيل: فان في هذا الخبر: (كما كان يصليها لوقتها) * قلنا: هذا باطل، وهذه لفظة موضوعة لم تأت قط من طريق فيها خير * قال على: واما قولنا: أن نسى صلاة في سفر فذكرها في حضر فانه لا يصليها إلا اربعا -: فهو قول الاوزاعي، والشافعي، وغيرهما، وأما قولنا: ان نسيها في حضر فذكرها في سفر فانه يصليها سفرية -: فهو قول روى عن الحسن. وبالله تعالى التوفيق * وقال الشافعي: لا يقصر إلا من نوى القصر في تكبيرة الاحرام * قال على: وهذا خطأ، لان الشافعي قد تناقض، فلم ير النية للاتمام، وهذا على أصله الذى قد بينا خطأه فيه، من ان الاصل عنده الاتمام، والقصر دخيل، وقد بينا أن صلاة السفر ركعتان، فلا يلزمه الا ان ينوى الظهر، أو العصر، أو العتمة فقط، ثم ان كان مقيما فهى اربع، وان كان مسافرا فهى ركعتان ولابد، ومن الباطل الزامه النية في أحد الوجهين دون الآخر. وبالله تعالى التوفيق * 518 - مسألة - فان صلى مسافر بصلاة إمام مقيم قصر ولابد، وان صلى مقيم بصلاة مسافر أتم ولابد، وكل أحد يصلى لنفسه، وإمامة كل واحد منهما للآخر جائزة ولا فرق * روينا من طريق عبد الرزاق عن سعيد بن السائب عن داود بن أبي عاصم قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر؟ فقال: ركعتان قلت: كيف ترى ونحن ههنا بمنى؟ قال: ويحك! سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به؟ قلت: نعم قال: (فانه كان يصلى ركعتين) فصل ركعتين إن شئت أودع. وهذا بيان جلى بأمرابن عمر المسافر (1) أن يصلى خلف المقيم ركعتين فقط *


(1) في النسخة رقم (45) (بيان جلى من ابن عمر للمسافر) الخ *

[ 32 ]

ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن عبد الرحمن بن تميم بن حذلم (1) قال: كان أبي إذا أدرك من صلاة المقيم ركعة وهو مسافر صلى إليها أخرى، وإذا أدرك ركعتين اجتزأ بهما * قال على: تميم بن حذلم من كبار أصحاب ابن مسعود رضى الله عنه * وعن شعبة عن مطربن فيل (2) عن الشعبى قال: إذا كان مسافرا فأدرك من صلاة المقيم ركعتين اعتد بهما * وعن شعبة عن سليمان التيمى قال: سمعت طاوسا وسألته عن مسافر أدرك من صلاة المقيمين ركعتين؟ قال: تجز يآنه * قال على: برهان صحة قولنا ما قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى فرض على لسانه صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا عبدة بن عبد الرحيم عن محمد ابن شعيب أنا الاوزاعي عن يحيى - هو ابن أبي كثير - عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثنى عمرو بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (إن الله قد وضع عن المسافر الصيام * (3) ونصف الصلاة) ولم يخص عليه السلام، مأموما من امام من منفرد (وما كان ربك نسيا) وقال تعالى (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) * قال على: والعجب من المالكيين والشافعيين والحنيفيين القائلين بأن المقيم خلف المسافر يتم ولا ينتقل إلى حكم امامه في التقصير، وان المسافر خلف المقيم ينتقل إلى حكم امامه في الاتمام، وهم يدعون انهم اصحاب قياس بزعمهم ولو صح قياس في العالم لكان هذا أصح قياس يوجد ولكن هذا مما تركوا فيه القرآن والسنن والقياس * وما وجدت لهم حجة الا ان بعضهم قال: ان المسافر إذا نوى في صلاته الاقامة لزمه اتمامها، والمقيم إذا نوى في صلاته السفر لم يقصرها، قال: فإذا خرج بنيته إلى الاتمام فأحرى ان يخرج إلى الاتمام بحكم امامه * قال على: وهذا قياس في غاية الفساد، لانه لا نسبة ولا شبه بين صرف النية من سفر إلى اقامة وبين الائتمام بامام مقيم، بل التشبيه بينهما هوس ظاهر *


(1) بفتح الحاء واسكان الذال المعجمة وفتح اللام (2) كذا في جميع الاصول، وضبط في النسخة رقم (14) بالقلم بكر الافاء ولم أجد له ترجمة ولا ذكرا في شئ من الكتب (3) في النسخة رقم (16) (الصوم) وما هنا هو الموافق للنسختين رقم (14 و 45) وللنسائي (ج 1 ص 315) *

[ 33 ]

واحتج بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انما جعل الامام ليؤتم به) فقلنا لهم: فقولوا للمقيم خلف المسافر: أن يأتم به إذن فقال قائلهم: قد جاء: (أتموا صلاتكم فانا قوم سفر) فقلنا: لو صح هذا لكان عليكم، لان فيه أن المسافر لايتم، ولم يفرق بين مأموم ولا امام، فالواجب على هذا ان المسافر جملة يقصر، والمقيم جملة يتم، ولا يراعي أحد منهما حال إمامه. وبالله تعالى التوفيق * (صلاة الخوف) 519 - مسألة - من حضره خوف من عدو ظالم كافر، أو باغ من المسلمين، أو من سيل، أو من نار، أو من حنش، أو سبع، أو غير ذلك وهم في ثلاثة فصاعدا -: فأميرهم مخير بين أربعة عشر وجها، كلها صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد بيناها غاية البيان والتقصى في غير هذا الكتاب، والحمد لله رب العالمين * وانما كتبنا كتابنا هذا اللعامى والمبتدئ وتذكرة للعالم، فنذكر ههنا بعض تلك الوجوه، مما يقرب حفظه ويسهل فهمه، ولا يضعف فعله، وبالله تعالى التوفيق * فان كان في سفر، فان شاء صلى بطائفة ركعتين ثم سلم وسلموا، ثم تأتى طائفة أخرى فيصلى بهم ركعتين ثم يسلم ويسلمون، وان كان في حضر صلى بكل طائفة أربع ركعات، وإن كانت الصبح صلى بكل طائفة ركعتين، وان كانت المغرب صلى بكل طائفة ثلاث ركعات الاولى فرض الامام، والثانية تطوع له. * وان شاء في السفر أيضا صلى بكل طائفة ركعة ثم تسلم تلك الطائفة ويجزئهما، وإن شاء هو سلم، وإن شاء لم يسلم، ويصلى بالاخرى ركعة ويسلم ويسلمون ويجزئهم، وإن شاءت الطائفة أن تقضى الركعة والامام واقف فعلت، ثم تفعل الثانية أيضا كذلك * فان كانت الصبح صلى بالطائفة الاولى ركعة ثم وقف ولابد وقضوا ركعة ثم سلموا، ثم تأتى الثانية فيصلى بهم الركعة الثانية، فإذا جلس قاموا فقضوا ركعة ثم سلم ويسلمون * فان كانت المغرب صلى بالطائفة الاولى ركعتين، فإذا جلس قاموا فقضوا ركعة وسلموا وتأتى الاخرى فيصل بهم الركعة الباقية، فإذا قعد صلوا ركعة ثم جلسوا وتشهدوا، ثم صلوا الثالثة ثم يسلم ويسلمون * فان كان وحده فهو مخير بين ركعتين في السفر أو ركعة واحدة وتجزئه، وأما الصبح (م 5 - ج 5 المحلى)

[ 34 ]

فائنتان ولابد والمغرب ثلاث ولابد، وفى الحضر أربع ولابد * سواء ههنا الخائف من طلب (1) بحق أو بغير حق * قال الله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا. وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فيكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم واسلحتهم) فهذه الآية تقتضي بعمومها الصفات التى قلنا نصا * ثم كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحل لاحد أن يرغب عن شئ منه قال الله تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم ان يقول: (قل اننى هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين). وقال تعالى: (ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه) وكل شئ فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من ملته، وملته هي ملة ابراهيم عليه السلام * وقد ذكرنا قبل هذا بيسير في باب من نسى صلاة فوجد جماعة يصلون يصلى صلاة أخرى في حديث أبى بكرة وجابر: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة ركعتين في الخوف ثم سلم، وبطائفة أخرى ركعتين ثم سلم) وذكرنا من قال ذلك من السلف، فأغنى عن اعادته، وهذا آخر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان أبا بكرة شهده معه ولم يسلم إلا يوم الطائف، ولم يغز عليه السلام بعد الطائف غير تبوك فقط، فهذه أفضل صفات صلاة الخوف لما ذكرنا، وقال بهذا الشافعي وأحمد بن حنبل * وقد ذكرنا أيضا حديث ابن عباس: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا أحمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب انا عمرو بن على ثنا يحيى ابن سعيد القطان ثنا سفيان الثوري حدثنى أشعث بن سليم - هو ابن ابى الشعشاء - عن الاسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم قال. (كنا مع سعيد بن العاصى بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقام حذيفة وصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه وصفا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، وانصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة ولم يقضوا) قال سفيان: وحدثني الركين


(1) في النسخة رقم (45) (من طالب)

[ 35 ]

ابن الربيع عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل صلاة حذيفة * قال على: الاسود بن هلال ثقة مشهور، وثعلبة بن زهدم احد الصحابة حنظلى وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه وروى عنه * وصح هذا ايضا مسندا من طريق يزيد بن زريع وأبى داود الطياليسى كلاهما عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن يزيد الفقير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر جابر أن القصر المذكور في الآية عند الخوف هو هذا، لا كون الصلاة ركعتين في السفر * وصح أيضا من طريق الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أيضا عن ابن عمر، فهذه آثار متظاهرة متواترة، وقال بهذا جمهور من السلف، كما روى عن حذيفة أيام عثمان رضى الله عنه، ومن معه من الصحابة، لا ينكر ذلك أحد منهم، وعن جابر وغيره * وروينا عن أبى هريرة: انه صلى بمن معه صلاة الخوف، فصلاها بكل طائفة ركعة إلا انه لم يقض ولا أمر بالقضاء * وعن ابن عباس: يومئ بركعة عند القتال * وعن الحسن: أن ابا موسى الاشعري صلى في الخوف ركعة * وعن معمر عن عبد الله بن طاوس عن ابيه قال: إذا كانت المسايفة فانما هي ركعة يومئ إيماء حيث كان وجهه، راكبا كان أو ماشيا * وعن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن قال في صلاة المطاردة: ركعة * ومن طريق سعيد بن عبد العزيز عن مكحول في صلاة الخوف: إذا لم يقدر القوم على أن يصلوا (1) على الارض صلوا على ظهور الدواب ركعتين، فاذالم يقدر وافركعة وسجدتان، فان لم يقدروا آخر واحيث يأمنوا * قال على: أما تأخيرها عن وقتها فلا يحل البتة، لانه لم يسمح الله تعالى في تأخيرها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) * وقال سفيان الثوري: حدثنى سالم بن عجلان الافطس سمعت سعيد بن جبير يقول: كيف يكون قصر وهم يصلون ركعتين؟ وانما هو ركعة ركعة، يومئ بها حيث كان وجهه *


(1) في النسخة رقم (16) (على ان لا يصلوا) وهو خطأ *

[ 36 ]

وعن شعبة عن ابى مسلمة (1) - هو سعيد بن يزيد عن ابى نضرة عن جابر بن غراب (2) كنا مصا في العدو (3) بفارس، ووجوهنا إلى المشرق، فقال هرم بن حيان: ليركع كل انسان منكم ركعة تحت جنته حيث كان وجهه * وعن عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة وحماد بن ابى سليمان وقتادة عن صلاة المسايفة؟ فقالوا: ركعة حيث كان وجهه * وعن وكيع عن شعبة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم مثل قول الحكم، وحماد، وقتادة * وعن أبى عوانة عن ابى بشر عن مجاهد في قول الله تعالى (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) قال: في العدو يصلى راكبا وراجلا يومئ حيث كان وجهه، والركعة الواحدة تجزئه. وبه يقول سفيان الثوري، واسحاق بن راهويه * قال على: وهذان العملان احب العمل الينا، من غيران نرغب عن سائر ماصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ومعاذ الله من هذا، لكن ملنا إلى هذين لسهولة العمل فيهما على كل جاهل، وعالم، ولكثرة من رواهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكثرة من قال بهما من الصحابة والتابعين، ولتواتر الخبر بهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولموافقتهما القرآن * وقد قال بعض من لا يبالى بالكذب، عصبية لتقليده المهلك له: الامر عندنا على أنهم قضوا * قال على: هذا انسلاخ من الحياء جملة، وقصد إلى الكذب جهارا! ولا فرق بين من قال هذا القول وبين من قال: الامر عندنا على أنهم اتموا أربعا! * وقال: لم نجد في الاصول صلاة من ركعة * وقلنا لهم: ولا وجدتم في الاصول صلاة الامام بطائفتين، ولا صلاة إلى غير القبلة، ولا صلاة يقضى فيها المأموم ما فاته قبل تمام صلاة إمامه، ولا صلاة يقف المأموم فيها لا هو يصلى مع امامه ولا هو يقضى ما بقى عليه من صلاته، وهذا كله عندكم جائز في الخوف، ولا وجدتم شيئا


(1) بفتح الميم واسكان السين وفى النسخة رقم (16) (عن ابى سلمة) وهو خطأ (2) كذا في اكثر الاصول، ولم أجد له ترجمة وضبط في النسخة رقم (14) (غزاب) بالغين والزاى المعجمتين ووضع عليه علامة التصحيح وما أظنه سحيحا فان الذهبي لم يذكر في المشتبه (غزاب ولم يذكر شرح القاموس مادة (غ زب) (3) أي نصف وجاه العدو، وهذا هو الصواب الذى في النسخة رقم (14) وفى باقى الاصول (نصلى في العدو) وهو خطأ ظاهر *

[ 37 ]

من الديانة حتى جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، والاصول ليست شيئا غير القرآن والسنن * فان قيل: قد روى من طريق حذيفة: انه أمر بقضاء ركعة * قلنا: هذا انفرد به الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط لا تحل الرواية عنه، ثم لو صح لما منع من رواية الثقات أنهم لم يقضوا، بل كان يكون كل ذلك جائزا * وقال بعضهم: قد روى عن حذيفة صلاة الخوف ركعتين (1) وأربع سجدات * قلنا: هذا من رواية يحيى الحمانى وهو ضعيف، عن شريك، وهو مدلس، وخديج، وهو مجهول، ثم لو صح ذلك لكان مقصودا به صلاة إمامهم بهم * وكذلك القول في رواية سليم بن صليع (2) السلولى - وهو مجهول - عن حذيفة: أنه قال لسعيد: مر طائفة من أصحابك فيصلون معك وطائفة خلفكم، فتصلى بهم ركعتين وأربع سجدات وهكذا نقول: في صلاة الامام بهم * وقال بعضهم: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) * قلنا: نعم، الا ما جاء نص فيه أنه اقل من مثنى، كالوتر وصلاة الخوف، أو أكثر من مثنى كالظهر والعصر والعشاء * وقال بعضهم: قد نهى عن البتيراء * قال على: وهذه كذبة وخبر موضوع وما ندرى البتيراء في شئ من الدين والله الحمد * وقال بعضهم: انتم تجيزون للامام أن يصلى بهم ان شاء ركعة ويسلم وان شاء وصلها بأخرى بالطائفة الثانية، وبيقين ندرى أن ما كان للمرء فعله وتركه فهو تطوع لا فرض، واذ ذلك كذلك فمحال أن يصل فرضه بتطوع لا يفصل بينهما سلام * قال على: انما يكون ما ذكروا فيما لم يأت به نص، وأما إذا جاء النص فالنظر كله باطل، لا يحل به معارضة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * ثم نقول لهم: أليس مصلى الفرض من امام أو منفرد - عندكم وعندنا - مخيرا بين ان يقرأ مع أم القرآن سورة ان شاء طويلة وان شاء قصيرة وان شاء اقتصر على أم القرآن فقط وان شاء سبح في ركوعه وسجوده تسبيحة تسبيحة وان شاء طولهما؟ فمن قولهم: نعم، فقلنا لهم: فقد ابحتم ههنا ما قد حكمتم بانه باطل ومحال من صلته (3)


(1) كذا في الاصلين (2) سليم بالسين وصليع بالصاد المهملتين وبالتصغير فيهما * (3) أي من وصله الفرض بالتطوع، ردا على من أنكر صلاة الامام ركعة فريضة بالطائع

[ 38 ]

فريضة بما هو عندكم تطوع ان شاء فعله وان شاء تركه. * قال على: وليس كما قالوا، بل كل هذا خير فيه البر، فان طول ففرض اداه، وان لم يطول ففرض أداه، وان كان صلى ركعة في الخوف فهي فرضه، وان صلى ركعتين فهما فرضه، كما فعل عليه السلام وكما امر (وما ينطق عن الهوى ان هو الاوحى يوحى) * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * قال على: وسائر الوجوه الصحاح التى لم تذكر أخذ ببعضها على بن أبى طالب رضى الله عنه، وأبو موسى الاشعري، وابن عمرو جماعة من التابعين والفقهاء رضى الله عنهم * وههنا أقوال لم تصح قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترو عنه أصلا لكن رويت عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الصحابة رضى الله عنهم عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، والحكم بن عمرو الغفاري، ومن التابعين مسروق، ومن الفقهاء الحسن بن حيى، وحميد الرؤاسى صاحبه، ومن جملتها قول رويناه عن سهل بن أبى حثمة، رجع مالك إلى القول به، بعد أن كان يقول ببعض الوجوه التى صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: أن يصف الامام أصحابه طائفتين، احداهما خلفه والثانية مواجهة العدو، فيصلى الامام بالطائفة التى معه ركعة بسجدتيها، فإذا قام إلى الركعة الثانية ثبت واقفا وأتمت هذه الطائفة لانفسها الركعة التى بقيت عليها، ثم سلمت ونهضت فوقفت بازاء العدو، والامام في كل ذلك واقف في الركعة الثانية، وتأتى الطائفة الثانية التى لم تصل فتصف خلف الامام وتكبر، فيصلى بهم الركعة الثانية بسجدتيها، هي لهم أولى، وهى للامام ثانية، ثم يجلس الامام ويتشهد ويسلم، فإذا سلم قامت هذه الطائفة الثانية فقضت الركعة التى لها * قال على: وهذا العمل المذكور - قضاء الطائفة الاولى والامام واقف، وقضاء الطائفة الثانية بعد أن يسلم الامام - لم يأت قط جمع هذين القضاءين على هذه الصفة في شئ مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا، وهو خلاف ظاهر القرآن، لانه تعالى قال: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) ولان الطائفة لم تصل بعض صلاتها معه، وما كان خلافا لظاهر القرآن دون نص من بيان النبي صلى الله عليه وسلم -: فلا يجوز القول به، وليس يوجب هذا القول قياس ولا


الاولى ثم صلاته اخرى تطوعا بالطائفة الثانية موصولة بالاولى من غير فصل بالسلام وهكذا رسم في الاصلين (صلته) على هذا المعنى على الصواب، وظن ناسخا الاصلين أن صوابه (صلاته) وهو ظن خطأ بل الصواب ما ذكرنا. *

[ 39 ]

نظر، وليس تقليد سهل بن ابى حثمة رضى الله عنه باولى من تقليد من خالفه من الصحابة، ممن قد ذكرنا، كعمرو، وابن عمرو، وابى موسى، وجابر، وابن عباس، والحكم ابن عمرو، وحذيفة وثعلبة بن زهدم، وأنس، وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم. * فان قيل: إن سهل بن أبي حثمة روي بعض تلك الاعمال وخالفه، ولا يجوز أن يظن به أنه خالف ما حضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لامر علمه هو ناسخ لما رواه * قلنا: هذا باطل، وحكم بالظن، وترك لليقين، وإضافة إلى الصاحب رضى الله عنه ما لا يحل أن يظن به، من أنه روى لنا المنسوخ وكتم الناسخ، ولا فرق بين قولكم هذا وبين من قال: لا يصح عنه أنه يخالف ما روى، فالداخلة انما هي فيما روى منه مما أضيف إليه، لافيما رواه هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل على ذلك بأنه لا يجوز أن يخالف حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال على: ولسنا نقول: بشئ من هذين القولين، بل نقول: إن الحق أخذ رواية الراوي، لاأخذ رأيه، إذ قد يتأول فيهم، وقد يسنى، ولا يجوز البتة أن يكتم الناسخ ويروي المنسوخ * ولا يجوز لهم أن يوهموا ههنا بعمل أهل المدينة، لان ابن عمر، وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة والزهرى مخالفون لاختيار مالك، وما وجدنا ما اختاره مالك عن احد قبله إلا عن سهل بن أبى حثمة وحده. وبالله تعالى التوفيق * ومنها قول رويناه عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وابراهيم النخعي، أخذ به أبو حنيفة وأصحابه إلا أن أبا يوسف رجع عنه، وهو أن يصفهم الامام صفين: طائفة خلفه، وطائفة بازاء العدو، فيصلى بالتى خلفه ركعة بسجدتيها، فإذا اقام إلى الركعة الثانية وقف، ونهضت الطائفة التى صلت معه فوقفوا بازاء العدو، وهم في صلاتهم بعد، ثم تأتى الطائفة التى كانت بازاء العدو فتكبر خلف الامام، ويصلى بهم الامام الركعة الثانية له. وهى لهم الاولى، فإذا جلس وتشهد سلم، وتنهض الطائفة الثانية التى صلت معه الركعة الثانية، وهم في صلاتهم. فتقف بازاء العدو، وتأتى الطائفة التى كانت صلت مع الامام الركعة الاولى فترجع إلى المكان الذى صلت فيه مع الامام، فتقضى فيه الركعة التى بقيت لها، وتسلم، ثم تأتى فتقف بازاء العدو، وترجع الطائفة الثانية إلى المكان الذى صلت فيه مع الامام، فتقضي فيه الركعة التى بقيت لها إلا أن أبا حنيفة زاد من قبل رأيه زيادة لا تعرف من أحد من الامة قبله، وهى أنه قال: تقضى الطائفة الاولى

[ 40 ]

الركعة التى بقيت عليها بلا قراءة شئ من القرآن فيها، وتقضى الطائفة الثانية الركعة التى بقيت عليها بقراءة القرآن فيها ولابد! * قال على: وهذا عمل لم يأت قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، وذلك أن فيه مما قد يخالف كل أثر جاء في صلاة الخوف تأخير الطائفتين معا إتمام الركعة الباقية لهما إلى أن يسلم الامام، فتبتدئ أولاهما بالقضاء، ثم لا تقضى الثانية إلا حتى تسلم الاولى، وفيه أيضا مما يخالف كل أثر روى في صلاة الخوف مجئ كل طائفة للقضاء خاصة إلى الموضع الذى * صلت فيه مع الامام بعد أن زالت عنه إلى مواجهة العدو * فان قيل: قد روى نحو هذا عن ابن مسعود * قلنا: قلتم الباطل والكذب، إنما جاء عن ابن مسعود - من طريق واهية - خبر فيه ابتداء الطائفتين معا بالصلاة معا مع الامام، وأن الطائفة التى صلت آخرا هي بدأت بالقضاء قبل الثانية، وليس هذا في قول أبى حنيفة، وانتم تعظمون خلاف الصاحب، لا سيما إذا لم يروعن أحد من الصحابة خلافه * فان قالوا: إنما تخيرنا ابتداء طائفة بعد طائفة اتباعا للآية * قلنا: فقد خالفتم الآية في ايجابكم صلاة كل طائفة ما بقى عليها بعد تمام صلاة الامام، وانما قال تعالى: (فليصوا معك) فخالفتم القرآن وجميع الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيحها وسقيمها وجميع الصحابة رضى الله عنهم بلا نظر ولا قياس * واحتج بعضهم بنادرة، وهى: أنه قال: يلزم الامام العدل بينهم، فكما صلت الطائفة الواحدة أولا فكذلك تقضى أولا! * قال على: وهذا باطل، بل هو الجور والمحاباة، بل العدل والتسوية هو أنه إذا صلت الواحدة أولى ان تقضى الثانية أولا، فتأخذ كل طائفة بحظها من التقدم وبحظها من التأخر * وقال بعضهم: لم نر قط مأموما بدأ بالقضاء قبل تمام صلاة إمامه * فقيل لهم: ولا رأيتم قط مأموما يترك صلاة امامه ويمضى إلى شغله ويقف برهة طويلة بعد تمام صلاة امامه لا يقضى ما فاته منها، وانتم تقولون: بهذا بغير نص ولا قياس، ثم تعييون من اتبع القرآن والسنن! ألا ذلك هو الضلال المبين لا سيما تقسيم أبى حنيفة في قضاء الطائفتين، احداهما بقراءة والاخرى بغير قراءة، فما عرف هذا عن احد قبله، ولا يؤيده رأى سديد ولا قياس *

[ 41 ]

ومنها قول ذهب إليه أبو يوسف في آخر قوليه، وهو قول الحسن اللؤلؤي، وهو: أن لا تصلى صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال على: وهذا خلاف قول الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * قال على: إلا أن من قال: إن النكاح بسورة من القرآن خاص للنبى صلى الله عليه وسلم، والصلاة جالسا كذلك -: لا يقدر أن ينكر على أبى يوسف قوله ههنا * ومنها قول رويناه عن الضحاك من مزاحم، ومجاهد، والحكم بن عتيبة، واسحاق بن راهويه، وهو: أن تكبيرتين فقط تجزئان في صلاة الخوف * وروينا أيضا عن الحكم، ومجاهد: تكبيرة واحدة تجزئ في صلاة الخوف * وهذا خطأ، لانه لم يأت به نص. وبالله تعالى التوفيق * فان قال قائل: كيف تقولون بصلاة الخوف على جميع هذه الوجوه، وقد رويتم عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف مرة، لم يصل بنا قبلها ولا بعدها؟! * قلنا: هذا لو صح لكان أشد عليكم، لانه يقال لكم: من أين كان لكم بأن الوجه الذى اخترتموه هو العمل الذى عمله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلاها؟ لا سيما إن كان المعترض بهذا حنيفيا أو مالكيا؟ لان اختيار هاتين الفرقتين لم يأت قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف وهذا حديث ساقط؟ لم يروه إلا يحيى الحمانى، وهو ضعيف، عن شريك القاضى وهو مدلس لا يحتج بحديثه، فكيف يستحل ذودين ان يعارض بهذه السوءة أحاديث الكواف من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين؟ أنهم شهدوا صلاة الخوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات مرة بذى قرد، ومرة بذات الرقاع، ومرة بنجد، ومرة بين ضجنان وعسفان، ومرة بأرض جهينة ومرة بنخل، ومرة بعسفان، ومرة يوم محارب وثعلبة، ومرة إما بالطائف واما بتبوك، وقد يمكن أن يصليها في يوم مرتين للظهر والعصر، وروي ذلك عن الصحابة أكابر التابعين والثقات الاثبات؟ ونعوذ بالله من الخذلان * قال على: وانما قلنا: بالصلاة ركعة واحدة في كل خوف لعموم حديث ابن عباس (فرضت الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة) ولايجوز تخصيص حكمه عليه السلام بالظنون الكاذبة. وبالله تعالى التوفيق * 520 - مسألة - ولايجوز أن يصلى صلاة الخوف بطائفتين من خاف من طالب (م 6 - ج 5 المحلى)

[ 42 ]

له بحق، ولا أن يصلى أصلا بثلاث طوائف فصاعدا، * لان في صلاتها بطائفتين عملا لكل طائفة في صلاتها هي منهية عنه ان كانت باغية، ومن عمل في صلاته ما لم يؤمر به فلا صلاة له، إذ لم يصل كما أمر * وكذلك من صلى راكبا أو ماشيا أو محاربا أو لغير القبلة أو قاعدا خوف طالب له بحق، لانه في كل ذلك عمل عملا قد نهى عنه في صلاته، وهو في كونه مطلوبا بباطل عامل من كل ذلك عملا أبيح له في صلاته تلك * ولم يصل عليه السلام قط بثلاث طوائف، ولو لا صلاته عليه السلام بطائفتين لما جاز ذلك، لانه عمل في الصلاة، ولا يجوز عمل في الصلاة الا ما أباحه النص، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان في الصلاة لشغلا) * والواحد مع الامام طائفة وصلاة جماعة * ومن صلى كما ذكرنا هاربا عن كافر أو عن باغ بطلت صلاته أيضا، الا ان ينوى في مشيه ذلك تحرفا لقتال أو تحيزا إلى فئة فتجزئه صلاته حينئذ، لان الله تعالى قال: (إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) فمن ولى الكفار ظهره والبغاة المفترض قتالهم لا ينوى تحيزا ولا تحرفا -: فقد عمل في صلاته عملا محرما عليه، فلم يصل كما أمر. وبالله تعالى التوفيق * وأما الفار عن السباع، والنار، والحنش، والمجنون والحيوان العادى، والسيل، وخوف عطش وخوف فوت الرفقة أو فوت متاعه، أو ضلال الطريق -: فصلاته تامة، لانه لم يفعل في ذلك إلا ما أمر به. وبالله تعالى التوفيق * (صلاة الجمعة) 521 - مسألة - الجمعة، هي ظهر يوم الجمعة، ولا يجوز أن تصلى إلا بعد الزوال وآخر وقتها آخر وقت الظهر في سائر الايام * وروينا عن عبد الله بن سيلان (1) قال: شهدت الجمعة مع أبى بكر الصديق فقضى صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدت الجمعة مع عمر بن الخطاب فقضى صلاته وخطبته مع زوال الشمس *


(1) بكسر السين المهملة واسكان الياء المثناة التحتية *

[ 43 ]

وعن وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا ابن مسعود الجمعة ضحى، وقال: إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم * ومن طريق مالك بن أنس في موطئه عن عمه أبى سهيل بن مالك عن أبيه قال: كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبى طالب تطرح إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشى الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلى، ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحى * قال على: هذا يوجب أن صلاة عمر رضى الله عنه الجمعة كانت قبل الزوال، لان ظل الجدار مادام في الغرب منه شئ فهو قبل الزوال، فإذا زالت الشمس صار الظل في الجانب الشرقي ولابد. * وعن مالك عن عمرو بن يحيى المازنى عن ابن أبى سليط: أن عثمان بن عفان صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل (1) قال ابن أبى سليط: وكنا نصلى الجمعة مع عثمان وننصرف وما للجدار ظل. * قال على: بين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلا، ولا يجوز البتة أن تزول الشمس ثم يخطب ويصلى الجمعة ثم يمشى هذه المسافة قبل اصفرار الشمس، إلا من طرق طرق السرايا (2) أو ركض ركض البريد المؤجل، (3) وبالحرى أن يكون هذا * وقد روينا أيضا هذا عن ابن الزبير * وعن ابن جريج عن عطاء قال: كل عيد حين يمتد الضحى، الجمعة والاضحى والفطر كذلك بلغنا * وعن وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد قال: كل عيد فهو نصف النهار قال على: أين المموهون أنهم متبعون عمل الصحابة رضى الله عنهم أجمعين؟! المشنعون بخلاف الصاحب إذا خالف تقليدهم؟! وهذا عمل أبى بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود وابن الزبير وطائفة من التابعين ولكن القوم لا يبالون ما قالوا: في نصر تقليدهم * وأما نحن فالحجة عندنا فيما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب


(1) بفتح الميم واللام وآخره لام ثانية - بلفظ الملل من الملال - وهو منزل على طريق المدينة إلى مكة عن ثمانية وعشرين ميلا من المدينة، قاله ياقوت (2) الطرق - باسكان الراء - هو المشى (3) ضبط هذا الحرف في النسخة رقم (14) بكسر الجيم المشددة، وما أدرى وجه ذلك ولعل الكلمة مصحفة أو محرفة *

[ 44 ]

ابن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى أنا وكيع عن يعلى بن الحارث المحاربي عن اياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال: (كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفئ) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا هرون بن عبد الله ثنا يحيى بن آدم ثنا حسن بن عياش (1) ثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا، قلت: أي ساعة؟ قال: زوال الشمس) * وبه إلى أحمد بن شعيب: ثنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) * حدثنا يونس بن عبد الله ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ثنا أحمد بن خالد ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن بشار ثنا صفوان بن عيسى ثنا محمد بن عجلان عن ابيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المهجر إلى الجمعة كمثل من يهدى بدنة، ثم كمن يهدى بقرة، ثم مثل من يهدى شاة، ثم مثل من يهدى دجاجة، ثم كمثل من يهدى عصفورا، ثم كمثل من يهدى بيضة، فإذا خرج الامام فجلس طويت الصحف) * وروينا نحوه من طريق الليث بن سعيد عن سمى عن ابى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * قال على: ففى هذين الحديثين فضل التبكير في أول النهار إلى المسجد لانتظار الجمعة، وبطلان قول من منع من ذلك، وقال: ان هذه الفضائل كلها انما هي لساعة واحدة، وهذا باطل، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها ساعات متغايرات، (2) ثانية، وثالثة، ورابعة، وخامسة، فلا يحل لاحد أن يقول: انها ساعة واحدة * وأيضا فان درج الفضل ينقطع بخروج الامام، وخروجه إنما هو قبل النداء وهم يقولون: إن تلك الساعة مع النداء، فظهر فساد قولهم *


(1) هو أخو أبى بكر بن عياش، وهو ثقة حجة، مات سنة 172 ه‍ (2) في النسخة رقم (14) (متغايرة) *

[ 45 ]

وفيهما أن الجمعة بعد الزوال، لان مالكا عن سمى ذكر خمس ساعات، وزاد مجمد بن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة والليث عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة: ساعة سادسة، وقد ذكر أن بخروج الامام تطوى الصحف، فصح أن خروجه بعد الساعة السادسة وهو أول الزوال ووقت الظهر * فان قيل: قد رويتم عن سلمة بن الاكوع: (كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنرجع ومانجد للحيطان ظلا نستظل به) * قلنا: نعم، ولم ينف سلمة الظل جملة، وإنما نفى ظلا يستظلون به، وهذا إنما يدل على قصر الخطبة وتعجيل الصلاة في أول الزوال * وكذلك قول سهل بن سعد: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد صلاة الجمعة) ليس فيه بيان أن ذلك كان قبل الزوال * وقد روينا عن ابن عباس: خرج علينا عمر حين زالت الشمس فخطب، يعنى للجمعة * وعن أبى اسحاق السبيعى: شهدت على بن أبى طالب يصلى الجمعة إذا زالت الشمس * وفرق مالك بين آخر وقت الجمعة وبين آخر وقت الظهر، على أنه موافق لنا في أن أول وقتها هو اول وقت الظهر، وهذا قول لا دليل على صحته، واذ هي ظهر اليوم فلا يجوز التفريق بين آخر وقتها من أجل اختلاف الايام. وبالله تعالى التوفيق * 522 - مسألة - والجمعة إذا صلاها اثنان فصاعدا ركعتان يجهر فيهما بالقراءة. ومن صلاهما وحده صلاهما أربع ركعات يسر فيها كلها، لانها الظهر، وقد ذكرنا في باب وجوب قصر الصلاة من كتابنا حديث عمر: (صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم) (1) * قال أبو محمد: وذهب بعض الناس إلى أنها ركعتان للفذ وللجماعة بهذا الخبر * قال على: وهذا خطأ، لان الجمعة اسم اسلامي لليوم، لم يكن في الجاهلية، انما كان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية (العروبة)، فسمى في الاسلام (يوم الجمعة)، لانه يجتمع فيه للصلاة اسما مأخوذا من الجمع، فلا تكون صلاة الجمعة الا في جماعة والا فليست صلاة جمعة، انما هي ظهر، والظهر أربع كما قدمنا (2) *


(1) ذكرها المصنف في المسألة 512 (ج 4 ص 265) (2) هنا بحاشية النسخة رقم (14) مانصه (حكى أبو عمر بن عبد البر أن داود بن على يرى ان الجمعة على واحد، يعنى يصلى ركعتين فقط، وحكى

[ 46 ]

وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر فيها، وهو عمل أهل الاسلام، نقل كواف من عهده عليه السلام إلى اليوم في شرق الارض وغربها * وأما العدد الذى يصليه الامام فيه جمعة ركعتين كما ذكرنا -: فقد اختلف فيه * فروينا عن عمر بن عبد العزيز: الجمعة تكون بخمسين رجلا فصاعدا * وقال الشافعي: لاجمعة إلا بأربعين رجلا أحرارا مقيمين عقلاء بالغين فصاعدا * وروينا عن بعض الناس: ثلاثين رجلا * وعن غيره: عشرين رجلا * وعن عكرمة: سبعة رجال لا أقل * وعن أبى حنيفة، والليث بن سعد، وزفر، ومحمد بن الحسن: إذا كان ثلاثة رجال والامام رابعهم صلوا الجمعة بخطبة ركعتين، ولا تكون بأقل * وعن الحسن البصري: إذا كان رجلان والامام ثالثهما صلوا الجمعة بخطبة ركعتين، وهو أحد قولى سفيان الثوري، وقول أبى يوسف وأبى ثور * وعن ابراهيم النخعي: إذا كان واحد مع الامام صليا الجمعة بخطبة ركعتين. وهو قول الحسن بن حى، وأبى سليمان وجميع أصحابنا، وبه نقول * قال على: فأما من حد خمسين فانهم ذكروا حديثا فيه: (على الخمسين جمعة إذا كان عليهم امام) وهذا خبر لا يصح، لانه عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى امامة، والقاسم هذا ضعيف (1) *


عنه أبو محمد خلاف هذا) اه‍، وأقول: لم يحك ابن حزم شيئا عن داود، ويظهر لى ان نقل ابن عبد البر صواب، ولذلك لم يذكر ابن حزم رأى داود وانما رد على من قال ان المنفرد يصليها ركعتين كما ترى، وأقول أيضا: إن ما رد به ابن حزم ليس قويا وليس حجة، وانما هو جدال، والحق ان صلاة يوم الجمعة ركعتان للجماعة وللمنفرد على اطلاق حديث عمر، وتسمية (اليوم الجمعة) لاجتماع الناس فيه لايمنع من ان فرض الصلاة فيه ركعتان، إذ من شأنها الاجتماع عليها، وليس المراد في تسميتها (صلاة الجمعة) انها لا تكون جمعة إلا في جماعة، انما المراد أنها صلاة يوم الجمعة) كما قال تعالى. (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة) وهذا معنى دقيق يحتاج إلى تأمل وفقه * (1) هو القاسم بن عبد الرحمن الشامي الدمشقي وهو تابعي ثقة، وانما جاء المصنف في

[ 47 ]

وأما من حد بثلاثين فانهم ذكروا خبرا مرسلا من طريق أبى محمد الازدي - وهو مجهول - (إذا اجتمع ثلاثون رجلا (1) فليؤمروا رجلا يصلى بهم الجمعة) * وأما من قال: بقول أبى حنيفة والليث فذكروا حديثا من طريق معاوية بن يحيى عن معاوية بن سعيد عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية وقد أدركت النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الجمعة واجبة في كل قرية وان لم يكن فيهم إلا أربعة) * وهذا لا يجوز الاحتجاج به، لان معاوية بن يحيى، ومعاوية بن سعيد مجهولان * وأيضا فان أبا حنيفة اول من يخالف هذا الخبر، لانه لا يرى الجمعة في القرى، لكن في الامصار فقط * فكل هذه آثار لا تصح، ثم لو صحت لما كان في شئ منها حجة، لانه ليس في شئ منها اسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور * وقد روى حديث ساقط عن روح بن غطيف -. وهو مجهول (2) - (لما بلغوا مائتين جمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم) فان أخذوا بالاكثر فهذا الخبر هو الاكثر، وإن أخذوا بالاقل فسنذكر إن شاء الله تعالى حديثا فيه أقل * وأما الشافعي فانه احتج بخبر صحيح رويناه من طريق الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه: انه كان إذا سمع نداء الجمعة ترحم على أبى أمامة اسعد بن زرارة، فسأله ابنه عن ذلك؟ فقال: إنه اول من جمع بنافى هزم (3) حرة بنى بياضة، في نقيع يعرف بنقيع الخضمات، (4) ونحن يومئذ أربعون رجلا (5) *


بعض أحاديثه من قبل الذين رووا عنه، وفأما إذا روى عنه ثقة فحديثه يحتج به. وهذا الحديث رواه الدارقطني (ص 164) من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبى امامة باسنادين، وجعفر هو الحنفي الدمشقي وهو متروك باتفاق، ويروى عن القاسم أشياء موضوعة. (1) ما هنا الذى في النسخة رقم (14) وفى النسخة رقم (16) (ثلاثون بيتا) (2) بل هو معروف، ولكنه ضعيف جدا منكر الحديث، وذكر البخاري له حديثا في التاريخ الكبير وقال (هذا باطل) (3) بفتح الهاء واسكان الزاى، وهو مما اطمأن من الارض (4) النقيع بالنون المفتوحة وكسر القاف، وهو في اللغة الموضع الذى يستنقع فيه الماء، والخضمات بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، وانظر تحقيق هذا الموضع في ياقوت (ج 8 ص 312 و 314 و 362 و 464) (5) هذا الحديث رواه ابن اسحق في السيرة

[ 48 ]

قال على: ولا حجة له في هذا، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد، نعم والجمعة واجبة بأربعين رجلا وبأكثر من أربعين وبأقل من أربعين * واحتج من قال: بقول أبى يوسف بما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد ابن شعيب أنا عبيدالله بن سعيد عن يحيى - هو القطان - عن هشام - هو الدستوائى - ثنا قتادة عن أبى نضرة عن ابى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم احدهم، واحقهم بالامامة أقرؤهم) * وهذا خبر صحيح، إلا انه لا حجة لهم فيه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: إنه لا تكون جماعة ولا جمعة بأقل من ثلاثة * وما حجتنا فهى ما قد ذكرناه قبل من حديث مالك بن الحويرث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما اكبر كما) فجعل عليه السلام للاثنين حكم الجماعة في الصلاة * فان قال قائل: إن الاثنين إذا لم يكن لهما ثالث فان حكم الامام أن يقف المأموم على يمين الامام، فإذا كانوا ثلاثة فقد قيل: يقفان عن يمين الامام ويساره، وقد قيل: بل خلف الامام، ولم يختلفوا في الاربعة ان الثلاثة يقفون خلف الامام، فوجدنا حكم الاربعة غير حكم الاثنين * قلنا: فكان ماذا؟ نعم، هو كما تقولون: في مواضع الوقوف، إلا أن حكم الجماعة واجب لهما باقراركم، وليس في حكم اختلاف موقف المأموم دليل على حكم الجمعة أصلا، وقد حكم الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بأن صلاة الجمعة ركعتان. وقال عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فلا يجوز أن يخرج عن هذا الامر وعن هذا الحكم أحد إلا من جاء نص جلى أو اجماع متيقن على خروجه عنه، وليس ذلك إلا الفذ وحده. وبالله تعالى التوفيق * فان ابتدأها انسان ولا أحد معه ثم اتاه آخر أو أكثر، فسواء اتوه إثر تكبيره فما بين


التى هذبها ابن هشام (ص 290) ورواه أبو داود (ج 1 ص 413 و 414) والحاكم (ج 1 ص 281) كلاهما من طريق ابن اسحق، ونقله ياقوت (ج 8: ص 462) عن معجم الطبراني، وكتاب الصحابة لابي نعيم، وكتاب معرفة الصحابة لابن منده، والآثار للبيهقي، ونسبه ابن حجر في التلخيص (ص 133) إلى ابن حبان *

[ 49 ]

ذلك إلى أن يركع من الركعة الاولى -: يجعلها جمعة ويصليها ركعتين، لانها قد صارت صلاة جمعة، فحقها أن تكون ركعتين، وهو قادر على أن يجعلها ركعتين بنية الجمعة، وهى ظهر يومه، فان جاءه بعد أن ركع فما بين ذلك إلى أن يسلم -: فيقط الصلاة ويبتدئها صلاة جمعة، لابد من ذلك، لانه قد لزمته الجمعة ركعتين، ولا سبيل له إلى أداء ما لزمه من ذلك إلا بقطع صلاته التى قد بطل حكمها. وبالله تعالى التوفيق * 523 - مسألة - وسواء فيما ذكرنا - من وجوب الجمعة - المسافر في سفره، والعبد، والحر، والمقيم، وكل من ذكرنا يكون اماما فيها، راتبا وغير راتب، ويصليها المسجونون، والمختفون ركعتين في جماعة بخطبة كسائر الناس، وتصلى في كل قرية صغرت أم كبرت، كان هنالك سلطان أو لم يكن، وان صليت الجمعة في مسجدين في القرية فصاعدا جاز ذلك * ورأى أبو حنيفة ومالك والشافعي أن لاجمعة على عبدو لا مسافر. * واحتج لهم من قلدهم في ذلك بآثار واهية لا تصح: أحدها مرسل، والثانى فيه هريم وهو مجهول (1) والثالث فيه الحكم بن عمرو، وضرار بن عمرو، وهما مجهولان (2) ولا يحل الاحتجاج بمثل هذا *


(1) هريم بضم الهاء وفتح الراء وآخره ميم وهو هريم بن سفيان البجلى الكوفى وليس مجهولا كما زعم ابن حزم بل هو ثقة، وحديثه رواه أبو داود (ج 1 ص 412) من حديث طارق بن شهاب، وهو مرسل لان طارقا رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، ولكن رواه الحاكم (ج 1 ص 288) عن طارق عن أبى موسى وصححه على شرط الشيخين، ونقل شارح ابى داود عن البيهقى في المعرفة نحوه بزيادة أبى موسى أيضا فالحديث صحيح، وانظر تفصيل الكلام عليه في شرح أبى داود، وفى نصب الراية (ج 1 ص 314 و 315) (2) في النسخة رقم (14) (الحكم أبو عمرو وضرار أبو عمرو و) وهو صواب في الاول خطأ في الثاني، لان الحكم بن عمرو هو الجزرى وكنيته أبو عمرو. وحديثه نسبه الزيلعى (ج 1 ص 315) إلى البيهقى ونسبه الشوكاني (ج 3 ص 279) إلى العقيلى والحاكم أبى أحمد، ونقل ابن حجر في لسان الميزان عن البخاري أنه في الحكم في هذا الحديث (لا يتابع على حديثة) وعن الازدي أنه قال (كذاب ساقط) * (م 7 - ج 5 المحلى)

[ 50 ]

ولو شئنا لعارضناهم بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: (بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بأصحابه في سفر، وخطبهم يتوكأ على عصا) ولكننا والله الحمد في غنى بالصحيح عما لا يصح * واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهر في صلاة الظهر بعرفة، وكان يوم جمعة * قال على: وهذه جرأة عظيمة! وما روى قط أحد أنه عليه السلام لم يجهر فيها، والقاطع بذلك كاذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، قد قفا مالا علم به * وقد قال عطاء وغيره: إن وافق يوم عرفة يوم جمعة جهر الامام * قال على: ولا خلاف في أنه عليه السلام خطب وصلى ركعتين وهذه صفة صلاة الجمعة، وحتى لو صح لهم أنه عليه السلام لم يجهر لما كان لهم في ذلك حجة أصلا، لان الجهر ليس فرضا، ومن أسر في صلاة جهر أو جهر في صلاة سر فصلاته تامة، لما قد ذكرنا قبل * ولجأ بعضهم إلى دعوى الاجماع على ذلك وهذا مكان هان فيه الكذب على مدعيه * وروينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: من ادعى الاجماع كذب * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا احمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ومحمد بن عبد السلام الخشنى، قال ابن وضاح: ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع، وقال محمد بن عبد السلام الخشنى: ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى، ثم اتفق وكيع، وعبد الرحمن كلاهما عن شعبة عن عطاء بن أبى ميمونة عن أبى رافع عن أبى هريرة: أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن الجمعة وهم بالبحرين؟ فكتب إليهم: أن جمعوا حيثما كنتم، وقال وكيع: انه كتب * وعن أبى بكر بن ابى شيبة: ثنا أبو خالد الاحمر عن عبد الله بن يزيد قال: سألت سعيد ابن المسيب: على من تجب الجمعة؟ قال: على من سمع النداء * وعن القعنبى عن داود بن قيس سمعت عمرو بن شعيب وقيل له: يا أبا ابراهيم، على من تجب الجمعة؟ قال: على من سمع النداء * فعم سعيد وعمر وكل من سمع النداء ولم يخصا عبدا ولا مسافرا من غيرهما * وعن عبد الرزاق عن سعيد بن السائب بن يسار ثنا صالح بن سعد المكى: أنه كان مع عمر بن عبد العزيز وهو متبدى بالسويداء (1) في امارته على الحجاز، فحضرت الجمعة، فهيؤا


(1) تصغير سوداء، وهو موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام. قاله ياقوت *

[ 51 ]

له مجلسا من البطحاء، ثم أذن المؤذن بالصلاة، فخرج إليهم عمر بن عبد العزيز، فجلس على ذلك المجلس، ثم أذنوا أذانا آخر، ثم خطبهم، ثم أقيمت الصلاة، فصلى بهم ركعتين وأعلن فيهما بالقراءة، ثم قال لهم: إن الامام يجمع حيثما كان * وعن الزهري مثل ذلك، وقال: إذ سئل عن المسافر يدخل قرية يوم الجمعة فينزل فيها؟ قال: إذا سمع الاذان فليشهد الجمعة * ومن طريق حماد بن سلمة عن أبى مكين عن عكرمة قال: إذا كانوا سبعة في سفر فجمعوا، يحمد الله ويثنى عليه ويخطب في الجمعة والاضحى والفطر * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أيما عبد كان يؤدى الخراج فعليه ان يشهد الجمعة، فان لم يكن عليه خراج أو شغله عمل سيده. فلا جمعة عليه * قال على: الفرق بين عبد عليه الخراج وبين عبد لاخراج عليه دعوى بلا برهان، فقد ظهر كذبهم في دعوى الاجماع * فلجؤا إلى ان قالوا: روى عن على بن أبى طالب: لاجمعة على مسافر * وعن أنس: أنه كان بنيسابور سنة أؤ سنتين فكان لا يجمع * وعن عبد الرحمن بن سمرة: انه كان بكابل شتوة أو شتوتين فكان لا يجمع * قال على: حصلنا من دعوى الاجماع على ثلاثة قد خالفتموهم أيضا، لان عبد الرحمن، وأنسا رضى الله عنهما كانا لا يجمعان، وهؤلاء يقولون: يجمع المسافر مع الناس ويجزئه، ورأى على أن يستخلف بالناس من يصلى بضعفائهم صلاة العيد في المسجد أربع ركعات، وهم لا يقولون: بهذا، وهذا عمربن الخطاب يرى الجمعة عموما * قال على: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسمعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) * قال على: فهذا خطاب لا يجوز أن يخرج منه مسافر ولا عبد بغير نص من رسول الله صلى اله عليه وسلم. وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه وفعله أن صلاة الخوف ركعة * وأما امامة المسافر، والعبد في الجمعة فان أبا حنيفة، والشافعي، وأبا سليمان وأصحابهم قالوا: يجوز ذلك، ومنع مالك من ذلك: وهو خطأ، أول ذلك قوله: إن المسافر، والعبد إذا حضر الجمعة كانت لهما جمعة، فما الفرق بين هذا وبين جواز إمامتهما فيها مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وليؤمكم أكبركم) و (يؤم القوم أقرؤهم)؟ فلم يخص عليه السلام جمعة

[ 52 ]

من غيرها، ولا مسافرا، ولا عبدا من حر مقيم، ولا جاء قط عن أحد من الصحابة منع العبد من الامامة فيهما، بل قد صح أنه كان عبد لعثمان رضى الله عنه أسود مملوك أميرا له على الربذة يصلى خلفه أبو ذر رضي الله عنه وغيره من الصحابة الجمعة وغيرها، لان الربذة بها جمعة * وأما قولنا: كان هنالك سلطان أو لم يكن -: فالحاضرون من مخالفينا موافقون لنا في ذلك الا أبا حنيفة، وفى هذا خلاف قديم، وقد قلنا: لا يجوز تخصيص عموم أمر الله تعالى بالتجميع بغير نص جلى، ولا فرق بين الامام (1) في الجمعة والجماعة فيها وبين الامام (2) في سائر الصلوات والجماعة فيها، فمن أين وقع لهم رد الجمعة خاصة إلى السلطان دون غيرها؟ * وأما قولنا: تصلى الجمعة في أي قرية صغرت أم كبرت: فقد صح عن على رضى الله عنه: لا جمعلة ولا تشريق الا في مصر جامع، وقد ذكرنا خلاف عمر لذلك وخلافهم لعلى في غير ما قصة * وقال مالك: لا تكون الجمعة إلا في قرية متصلة البنيان * قال على: هذا تحديد لا دليل عليه، وهو أيضا فاسد، لان ثلاثة دور قرية متصلة البنيان، والا فلا بدله من تحديد العدد الذى لا يقع اسم قربة على أقل منه، وهذا ما لا سبيل إليه * وقال بعض الحنيفيين: لو كان ذلك لكان النقل به متصلا * فيقال له: نعم قد كان ذلك، حتى قطعه المقلدون بضلالهم عن الحق، وقد شاهدنا جزيرة (ميورقة) (3) يجمعون في قراها، حتى قطع ذلك بعض المقلدين لمالك، وباء باثم النهى عن صلاة الجمعة. * وروينا أن ابن عمر كان يمر على المياه وهم يجمعون فلا ينهاهم عن ذلك * وعن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يأمر أهل المياه أن يجمعوا، ويأمر أهل كل قرية لا ينتقلون بأن يؤمر عليهم أمير يجمع بهم *


(1) في النسخة رقم (16) (بين الامامة) (2) في النسخة رقم (16) (وبين الامامة) (3) قال ياقوت: (بالفتح ثم الضم وسكون الواو والراء يلتقى فيه ساكنان وقاف جزيرة في شرقي الاندلس بالقرب منها جزيرة يقال لها منوقة بالنون) *

[ 53 ]

ويقال لهم: لو كان قولكم حقا وصوابا لجاء به النقل المتواتر، ولما جاز أن يجعله ابن عمر، وقبله أبوه عمر، والزهرى وغيره، ولا حجة في قول قائل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * وأما قولنا: إن الجمعة جائزة في مسجدين فصاعدا في القرية -: فان أصحاب أبى حنيفة حكوا عن أبى يوسف: أنها لا تجزئ الجمعة إلا في موضع واحد من المصر، إلا أن يكون جانبان بينهما نهر، فيجزئ أن يجمع في كل جانب منهما * ورووا عن أبى حنيفة ومحمد بن الحسن وأبى يوسف ايضا: أن الجمعة تجزئ في موضعين في المصر، ولا تجزئ في ثلاثة مواضع * وكلا هذين المذهبين من السخف بحيث لا نهاية له لانه لا يعضدهما قرآن، ولا سنة، ولا قول صاحب، ولا إجماع، ولاقياس * وقد رووا عن محمد بن الحسن: أنها تجزئ في ثلاثة مواضع من المصر * فان قالوا: صلى على العيد في المصلى واستخلف من صلى بالضعفاء في المسجد، فهما موضعان وهذا لا يقال: رأيا * قلنا لهم: فقولوا: انه لا تجزئ الجمعة الا في المصلى، وفى الجامع فقط، والا فقد خالفتموه، كما خالفتموه في هذا الخبر نفسه، إذ أمر رضى الله عنه الذى استخلف أن يصلى بهم العيد أربعا * فقلتم: هذا شاذ فيقال لكم: بل الشاذ هو الذى أجزتم، والمعروف هو الذى أنكرتم وما جعل الله تعالى آراء كم قياسا على الامة، ولا عيارا في دينه! وهلا قلتم: في هذا الخبر كما تقولون في خبر المصراة وغيره: هذا اعتراض على الآية لان الله تعالى عم الذين آمنوا بافتراض السعي إلى الجمعة، فصار تخصيصه اعتراضا على القرآن بخبر شاذ غير قوى النقل في أن ذلك لا يجب الا في مصر جامع؟! * ومنع مالك والشافعي من التجميع في موضعين في المصر * وراينا المنتسبين إلى مالك يحدون في أن لا بكون بين الجامعين أقل من ثلاثة أميال! وهذا عجب عجيب! ولا ندرى من أين جاء هذا التحديد؟ ولا كيف دخل في عقل ذى عقل حتى يجعله دينا؟ نعوذ بالله من الخذلان. قال الله تعالى: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم) فلم يقل عزوجل: في موضع ولا موضعين ولا أقل، ولا أكثر (وما كان ربك نسيا) *

[ 54 ]

فان قالوا: قد كان أهل العوالي يشهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة * قلنا: نعم وقد كان اهل ذى الحليفة يجمعون معه أيضا عليه السلام، روينا ذلك من طريق الزهري. ولا يلزم هذا عندكم، وقد كانوا يشهدون معه عليه السلام سائر الصلوات، ولم يكن ذلك دليلا على أن سائر قومهم لا يصلون الجماعات في مساجدهم، ولم يأت قط نص بأنهم كانوا لا يجمعون سائر قومهم في مساجدهم، ولا يحدون هذا أبدا * ومن البرهان القاطع على صحة قولنا: أن الله تعالى انما افترض في القرآن السمى إلى صلاة الجمعة إذا نودى لها، لاقبل ذلك وبالضرورة أن من كان على نحو نصف ميل أو ثلثى ميل لا يدرك الصلاة أصلا إذا راح إليها في الوقت الذى أمره الله تعالى بالرواح إليها، فصح ضرورة أنه لابد لكل طائفة من مسجد يجمعون فيه إذا راحوا إليه في الوقت الذى أمروا بالرواح إليه فيه أدركوا الخطبة والصلاة، ومن قال: غير هذا فقد أوجب الرواح حين ليس بواجب، وهذا تناقص وايجاب ما ليس عندهم واجبا * ومن أعظم البرهان عليهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المدينة وانما هي قرى صغار مفرقة، بنو مالك بن النجار في قريتهم حوالى دورهم اموالهم ونخلهم، وبنو عدى بن النجار في دارهم كذلك، وبنو مازن بن النجار كذلك، وبنو سالم كذلك، وبنو ساعدة كذلك، وبنو الحارث بن الخزرج كذلك وبنو عمرو بن عوف كذلك، وبنو عبد الاشهل كذلك، وسائر بطون الانصار كذلك، فبنى مسجده في بنى مالك بن النجار، وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة، ولا مصر هنا لك، فبطل قول من ادعى أن لاجمعة إلا في مصر، وهذا امر لا يجهله أحد لا مؤمن ولا كافر، بل هو نقل الكواف من شرق الارض إلى غربها. وبالله تعالى التوفيق * وقول عمربن الخطاب: (حيثما كنتم) اباحة للتجميع في جميع المساجد * وروينا عن عمرو بن دينار أنه قال: إذا كان المسجد تجمع فيه للصلاة فلتصل فيه الجمعة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء بن ابى رباح: ارأيت اهل البصرة لا يسعهم المسجد الاكبر؟، كيف يصنعون؟ قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه ثم يجزئ ذلك عنهم. وهو قول أبى سليمان، وبه نأخذ * 524 - مسألة - وليس للسيد منع عبده من حضور الجمعة، لانه إذ قد ثبت انه مدعو إليها فسعيه إليها فرض كما ان الصلاة فرض ولا فرق، ولا يحل له منعه من شئ من فرائضه،

[ 55 ]

قال تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاطاعة في معصية انما الطاعة في الطاعة) * 525 - مسألة - ولا جمعة على معذور بمرض، أو خوف، أو غير ذلك من الاعذار، ولا على النساء، فان حضر هؤلاء صلوها ركعتين * لان الجمعة كسائر الصلوات تجب على من وجبت عليه سائر الصلوات في الجماعات ويسقط الاجابة من الاعذار ما يسقط الاجابة إلى غيرها ولا فرق * فان حضرها المعذور فقد سقط العذر فصار من أهلها وهى ركعتان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو صلاها الرجل المعذور بامرأته صلاها ركعتين، وكذلك لو صلاها النساء في جماعة * 526 - مسألة - ويلزم المجئ إلى الجمعة من كان منها بحيث إذا زالت الشمس وقد توضأ قبل ذلك دخل الطريق اثر اول الزوال ومشى مترسلا ويدرك منها ولو السلام سواء سمع النداء أو لم يسمع فمن كان بحيث ان فعل ما ذكرنا لم يدرك منها ولا السلام لم يلزمه المجئ إليها، سمع النداء أو لم يسمع، وهو قول ربيعة * والعذر في التخلف عنها كالعذر في التخلف عن سائر صلوات الفرض، كما ذكرنا قبل * واختلف الناس في هذا * فروينا عن ابن جريج عن سليمان بن موسى: أن معاوية كان يأمر على المنبر في خطبته أهل فاءين (1) فمن دونها بحضور الجمعة، وهم على أربعة وعشرين ميلا من دمشق * وعن معاذ بن جبل: أنه كان يأمر من كان على خمسة عشر ميلا بحضور الجمعة معه * وعن الزهري وقتادة: تجب الجمعة على من كان من الجامع بمقدار ذى الحليفة من المدينة وقال ابراهيم النخعي: تؤتى الجمعة من فرسخين * وعن أبى هريرة، أنس وابن عمر، ونافع، وعكرمة، والحكم، وعطاء، وعن الحسن، وقتادة وابى ثور: تؤتى الجمعة من حيث إذا صلاها ثم خرج أدركه الليل في منزله، وهو قول الاوزاعي * وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاصى، وعن سعيد بن المسيب، وعمرو بن شعيب: تجب الجمعة على من سمع النداء وان عبد الله بن عمر وكان يكون من الطائف على ثلاثة أميال فلا


(1) هكذا في النسخة رقم (16) وفى النسخة رقم (14) (فائن) ولم اجد هذا الحرف في شئ من كتب البلدان ولا كتب اللغة، ولا في الفهارس الموضوعة على الطريقة الحديثة لكثير من الكتب الكبرى وغيرها.

[ 56 ]

يأتي الجمعة، وبه يقول أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه * وعن ابن المنكدر: تؤتى الجمعة على اربعة اميال * وقال مالك والليث: تجب الجمعة على من كان من المصر على ثلاثة أميال، ولا تجب على من كان على أكثر من ذلك * وقال الشافعي: تجب على أهل المصر وإن عظم، وأما من كان خارج المصر، فمن كان بحيث يسمع النداء فعليه أن يجيب ومن كان بحيث لا يسمع النداء لم تلزمه الجمعة * وقال أبو حنيفة وأصحابه: تلزم الجمعة جميع أهل المصر، سمعوا النداء أو لم يسمعوا، ولا تلزم من كان خارج المصر، سمع النداء أو لم يسمع * قال على: كل هذه الاقوال لاحجة لقائلها، لامن قرآن، ولاستة صحيحة ولا سقيمة، ولاقول صاحب لا مخالف له، ولا اجماع، ولا قياس، لاسيما قول أبى حنيفة واصحابه * فان تعلق من يحد ذلك بثلاثة أميال بأن اهل العوالي كانوا يجمعون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * قلنا: وقد روى ان اهل ذى الحليفة كانوا يجمعون معه عليه السلام، وهي على أكثر من ثلاثة أميال، وليس في ذلك دليل على انه عليه السلام أوجب ذلك عليهم فرضا بل قدر روى أنه عليه السلام اذن لهم في ان لا يصلوها معه، وقد صح ذلك عن عثمان رضى الله عنه، كما روينا من طريق مالك عن الزهري عن أبى عبيد (1) مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان فصلى ثم خطب فقال: انه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع، فقد أذنت له * قال على: لو كان ذلك عنده فرضا عليهم لما أذن لهم في تركها * وأما من قال: تجب على من سمع النداء -: فان النداء قد لا يسمعه لخفاء صوت المؤذن، أو لحمل الريح له إلى جهة اخري، أو لحواله (2) رابية من الارض دونه من كان قريبا جدا، وقد يسمع على أميال كثيرة إذا كان المؤذن في المنار والقرية في جبل والمؤذن صيتا والريح تحمل صوته *


(1) اسمه (سعد بن عبيد) بالتصغير في اسم ابيه وفى كنيته، وحديثه هذا في الموطأ (ص 63) (2) كذا في الاصلين باثبات الهاء في آخر الكلمة، ومصدر (حال) بين اثنين (الحول باسكان الواو والحؤول والمحالة) واما (الحول) بكسر الحاء فهو كل شئ حال بين اثنين وكذلك (الحول) بفتح الحاء والواو. *

[ 57 ]

وبالضرورة ندرى أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: اجب) انه إنما أمره بالاجابة لحضور الصلاة المدعو إليها، لامن يوقن انه لا يدرك منها شيئا، هذا معلوم يقينا ويبين ذلك اخباره عليه السلام بأنه يهم باحراق منازل المتخلفين عن الصلاة في الجماعة لغير عذر، * فإذ قد اختلفوا هذا الاختلاف فالمرجوع إليه ما افترض الله الرجوع إليه من القرآن والسنة * فوجدنا الله تعالى قد قال: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع) فافترض الله تعالى السعي إليها إذا نودى لها، لاقبل ذلك، ولم يشترط تعالى من سمع النداء ممن لم يسمعه، والنداء لها انما هو إذا زالت الشمس، فمن أمر بالرواح قبل ذلك فرضا فقد افترض ما لم يفترضه الله تعالى في الآية ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، فصح يقينا انه تعالى امر بالرواح إليها اثر زوال الشمس، لا قبل ذلك، فصح انه قبل ذلك فضيلة لا فريضة، كمن قرب بدنة، أو بقرة، أو كبشا، أو ما ذكر معها * وقد صح امر النبي صلى الله عليه وسلم من مشى إلى الصلاة بالسكينة والوقار، والسعى المذكور في القرآن انما هو المشى لا الجرى، وقد صح ان السعي المأمور به انما هو لادراك الصلاة لا للعناء دون ادراكها، وقد قال عليه السلام: (فما ادركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فصح قولنا بيقين لامرية فيه. وبالله تعالى التوفيق * 527 - مسألة - ويبتدئ الامام بعد الاذان وتمامه بالخطبة فيخطب واقفا خطبتين يجلس بينهما جلسة * وليست الخطبة فرضا، فلو صلاها امام دون خطبة صلاها ركعتين جهرا ولابد * ونستحب له أن يخطبهما على أعلى المنبر مقبلا على الناس بوجهه، يحمد الله تعالى، ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ويذكر الناس بالآخرة، ويأمرهم بما يلزمهم في دينهم * وما خطب به مما يقع عليه اسم خطبة أجزأه، ولو خطب بسورة يقرؤها فحسن * فان كان لم يسلم على الناس إذ دخل فليسلم عليهم إذا قام على المنبر * روينا عن أبى بكر، وعمر: انهما كانا يسلمان إذا قعدا على المنبر * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل الجحدرى ثنا خالد بن الحارث ثنا عبيدالله - (م 8 - ج 5 المحلى)

[ 58 ]

هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم، كما يفعلون اليوم) * وقد روينا عن عثمان، ومعاوية. أنهما كانا يخطبان جالسين * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) فانما لنا الائتساء بفعله صلى الله عليه وسلم، وليس فعله فرضا * فأما أبو حنيفة، ومالك فقالا: الخطبة فرض لا تجزئ صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تناقضا فقالا: إن خطب جالسا أجزأه، وان خطب خطبة واحدة أجزأه، وان لم يخطب لم يجزه، وقد صح عن جابر انه قال: (من أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب جالسا فقد كذب) * قال أبو محمد: من الباطل ان يكون بعض فعله عليه السلام فرضا وبعضه غير فرض * وقال الشافعي: ان خطب خطبة واحدة لم تجزه الصلاة، ثم تناقض فأجاز الجمعة لمن خطب قاعدا، والقول عليه في ذلك كالقول على ابى حنيفة، ومالك في اجازتهما الجمعة بخطبة واحدة ولا فرق * وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد: من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة لم يصلها الا اربعا، لان الخطبة أقيمت مقام الركعتين * روينا من طريق الخشنى: ثنا محمد بن المثنى ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن حنظلة بن أبى سفيان الجمحى المكى قال: سمعت طاوسا وعطاء يقولان: من لم يدرك الخطبة صلى أربعا * ومن طريق محمد بن المثنى: ثنا يحيى بن سعيد القطان عن أبى يونس الحسن بن يزيد سمعت مجاهدا يقول: إذا لم تدرك الخطبة يوم الجمعة فصل أربعا * وروينا من طريق عبد الرزاق عن الاوزاعي عن عمرو بن شعيب: أن عمر بن الخطاب قال: الخطبة موضع الركعتين، فمن فاتته الخطبة صلى أربعا * قال أبو محمد: الحنيفيون والمالكيون يقولون: المرسل كالمسند وأقوى، فيلزمهم الاخذ بقول عمر ههنا، وإلا فقد تناقضوا. * قال أبو محمد: من احتج في ايجاب فرض الخطبة بأنها جعلت بدلا عن الركعتين لزمه أن يقول بقول هؤلاء، والا فقد تناقض *

[ 59 ]

واحتج بعضهم في إيجاب الخطبة بقول الله تعالى: (واذ رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) * قال أبو محمد: وهذا الاحتجاج لا منفعة لهم فيه في تصويب قولهم، وانما فيه أنهم تركوه قائما، وهكذا نقول، وانما هو رد على من قال: إنهم تركوه عليه السلام قاعدا، وهذا لا يقوله أحد، وليس في انكار الله تعالى لتركهم لنبيه عليه السلام قائما -: إيجاب لفرض القيام في الخطبة، ولا لفرض الخطبة * فان كان ذلك عندهم كما يقولون فيلزمهم أن من خطب قاعدا فلا جمعة له ولا لهم، وهذا لا يقوله أحد منهم، فظهر أن احتجاجهم بالآية عليهم، وأنها مبطلة لاقوالهم في ذلك لو كانت على إيجاب القيام، وليس فيها أثر بوجه من الوجوه على إيجاب الخطبة، إنما فيها أن الخطبة تكون قياما فقط * فان ادعوا اجماعا أكذبهم ما رويناه عن سعيد بن ابى عروبة عن قتادة عن الحسن البصري: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كل حال. وقد قاله أيضا ابن سيرين * وقد أقدم بعضهم - بجارى عادتهم في الكذب على الله تعالى - فقال: إن قول الله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) إنما مراده إلى الخطبة، وجعل هذا حجة في إيجاب فرضها * قال أبو محمد: ومن لهذا المقدم ان الله تعالى أراد بالذكر المذكور فيها الخطبة؟ بل أول الآية وآخرها يكذبان ظنه الفاسد، لان الله تعالى انما قال: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) ثم قال عزوجل: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا) فصح ان الله انما افترض السعي إلى الصلاة إذا نودى لها، وأمر إذا قضيت بالانتشار وذكره كثيرا، فصح يقينا ان الذكرا لمأمور بالسعي له هو الصلاة وذكر الله تعالى فيها بالتكبير، والتسبيح، والتمجيد، والقراءة، والتشهد لا غير ذلك * ولو كان ما قاله هذا الجاهل لكان من لم يدرك الخطبة ولا شيئا منها وادرك الصلاة غير مؤد لما افترض الله تعالى عليه من السعي، وهم لا يقولون: هذا، وقد قاله من هو خير منهم، فلا يكذبون ثانية في دعوى الاجماع مموهين على الضعفاء، وبالله تعالى التوفيق * فان قالوا: لم يصلها عليه السلام قط إلا بخطبة * قلنا: ولا صلاها عليه السلام قط إلا بخطبتين قائما يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضا لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى عليه السلام قط إلا رفع يديه في التكبيرة الاولى،

[ 60 ]

فأبطلوا الصلاة بترك ذلك * وأما قولنا: ما وقع عليه اسم خطبة فاقتداء بظاهر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال أبو حنيفة: تجزئ تكبيرة، وهذا نقض منه لا يجابه الخطبة فرضا، لان التكبيرة لا تسمى خطبة، ويقال لهم: إذا جاز هذا عندكم فلم لا أجزأت عن الخطبة تكبيرة الاحرام فهى ذكر؟ * وقال مالك: الخطبة كل كلام ذى بال * قال أبو محمد: ليس هذا حد للخطبة، وهو يراها فرضا، ومن أوجب فرضا فواجب عليه تحديده، حتى يعلمه متبعوه علما لا إشكال فيه، وإلا فقد جهلوا فرضهم * واما خطبتها على أعلى المنبر فهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحت بذلك الآثار المتواترة وكان يلزمهم أن يجعلوا هذا أيضا فرضا، لانه مذ عمل المنبر يخطب النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة إلا عليه * وأما قولنا: ان خطب بسورة يقرؤها فحسن (1) * روينا من طريق مسلم حدثنى محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن خبيب ابن عبد الرحمن عن عبد الله بن محمد بن معاوية عن ابنة لحارثة بن النعمان قالت: (ما حفظت (ق) (2) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها كل جمعة، وكان تنوريا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا) * 528 - مسألة - ولا تجوز اطالة الخطبة، فان قرأ فيها بسورة فيها سجدة أو آية فيها سجدة فنستحب له أن ينزل فيسجد والناس، فان لم يفعل فلا حرج * روينا من طريق مسلم بن الحجاج حدثنى شريح بن يونس حدثنى عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر عن أبيه عن واصل بن حيان قال قال أبو وائل: خطبنا عمار بن ياسر فأوجزو أبلغ، لما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست؟ فقال: انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة (3) من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، فان من البيان سحرا) * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال قال ابن مسعود: أحسنوا هذه الصلاة واقصروا هذه الخطب * قال أبو محمد: شهدت ابن معدان في جامع قرطبة قد أطال الخطبة، حتى أخبرني بعض


(1) جواب أما محذوف دل عليه ما بعده وتقديره فنذكره بسندي (2) أي سورة (ق والقرآن المجيد) (3) في الصحاح (مئنة) أي علامة *

[ 61 ]

وجوه الناس أنه بال في ثيابه وكان قد نشب في المقصورة * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم القاضى ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن وهب اخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن ابى هلال عن عياض بن عبد الله ابن سعد بن أبى سرح عن ابى سعيد الخدرى قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه) * ومن طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد عن صفوان بن محرز: ان أبا موسى الاشعري قرأ سورة الحج على المنبر بالبصرة فسجد بالناس سجدتين. * ومن طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: ان عمر بن الخطاب قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، ثم نزل فسجد فسجدوا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الاخرى فتهيؤا للسجود، فقال عمر: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا اإلا أن نشاء * ومن طريق البخاري: ثنا ابراهيم بن موسى انا هشام بن يوسف ان ابن جريج اخبرهم قال اخبرني أبو بكر بن ابى مليكة عن عثمان بن عبد الرحمن التيمى عن ربيعة بن عبد الله ابن الهدير (1) - وكان من خيار الناس - انه شهد عمر بن الخطاب قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجدوا سجد الناس معه، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، انما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا حرج عليه (2) فلم يسجد عمر. * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عاصم بن أبى النجود عن زربن حبيش أن عمار بن ياسر قرأ يوم الجمعة على المنبر (إذا السماء انشقت) ثم نزل فسجد * ومن طريق شعبة عن أبى إسحاق السبيعى: أن الضحاك بن قيس كان يخطب فقرأ صلى الله عليه وسلم، وذلك بحضرة الصحابة، لا ينكر ذلك احد بالمدينة، والبصرة، والكوفة، ولا يعرف لهم من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، وقد سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سجدات القرآن المشهورة، فاين دعواهم اتباع عمل الصحابة *؟ 529 - مسألة - وفرض على كل من حضر الجمعة - سمع الخطبة أو لم يسمع - أن لا يتكلم مدة خطبة الامام بشئ البتة، إلا التسليم إن دخل حينئذ، ورد السلام على


(1) بضم الهاء وفتح الدال المهملة واسكان الياء التحتية وآخره راء، (2) كذلك في النسخة رقم (14) وفى البخاري (ج 2 ص 101) (فلا إثم عليه) *

[ 62 ]

من سلم ممن دخل حينئذ، وحمد الله تعالى ان عطس، وتشميت العاطس ان حمدالله، والرد على المشمت، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر الخطيب بالصلاة عليه، والتأمين على دعائه، وابتداء مخاطبة الامام في الحاجة تعن، ومجاوبة الامام ممن ابتدأه الامام بالكلام في أمر ما فقط * ولا يحل أن يقول أحد حينئذ لمن يتكلم -: أنصت، ولكن يشير إليه أن يغمزه أو يحصبه * ومن تكلم بغير ما ذكرنا ذا كرا عالما بالنهي فلا جمعة له * فان ادخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى ولا من الدعاء المأمور به فالكلام مباح حينئذ، وكذلك إذا جلس الامام بين الخطبتين فالكلام حينئذ مباح، وبين الخطبة وابتداء الصلاة أيضا، ولا يجوز المس للحصى مدة الخطبة * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب انا اسحاق بن راهويه انا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن منصور بن المعتمر عن ابى معشر زياد بن كليب عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن القرثع الضبى - (1) وكان من القراء الاولين - عن سلمان الفارسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر ثم يخرج إلى الجمعة فينصت حتى يقضى صلاته -: إلا كان كفارة لما كان قبله (2) من الجمعة) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن الاعمش عن ابى صالح عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت -: غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا


(1) القرثع بفتح القاف واسكان الراء وفتح الثاء المثلثة وآخره عين مهملة، والقرثع هذا كان مخضر ما ادرك الجاهلية والاسلام، وكان من زهاد التابعين، وقتل في خلافة عثمان شهيدا، رحمه الله وفى النسخة رقم (16) (عن علقمة بن القرثع الضبى) وهو خطأ بل علقمة روى عن القرثع وليس ابنه (2) في سنن النسائي (ج 3 ص 104) (لما قبله) بحذف (كان) واعلم اننا اعتمدنا الآن نسخة النسائي المطبوعة حديثا بالمطبعة المصرية واسناد هذا الحديث اسناد صحيح *

[ 63 ]

يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والامام يخطب (1) فقد لغوت) * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراما) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا احمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة على المنبر، فقال أبو ذر لابي بن كعب: متى نزلت هذه السورة؟ فأعرض عنه أبى، فلما قضى صلاته قال أبى بن كعب لابي ذر: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، فدخل أبو ذر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فقال: صدق أبى بن كعب): * وبه إلى حماد عن حميد عن بكر بن عبد الله المزني: ان علقمة بن عبد الله المزني كان بمكة فجاء كريه (2) والامام يخطب يوم الجمعة، فقال له: حبست القوم، قدار تحلوا (3)، فقال له: لا تعجل حتى ننصرف، فلما قضى صلاته قال له ابن عمر: أما صاحبك فحمار، وأما أنت فلا جمعة لك * ومن طريق وكيع عن أبيه عن ابراهيم بن مهاجر عن ابراهيم النخعي. ان رجلا استفتح عبد الله بن مسعود آية والامام يخطب، فلما صلى قال: هذا حظك من صلاتك * قال أبو محمد: فهولاء ثلاثة من الصحابة لا يعرف لهم من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، كلهم يبطل صلاة من تكلم عامدا في الخطبة، وبه نقول، وعليه اعادتها في الوقت، لانه لم يصلها * والعجب ممن قال: معنى هذا أنه بطل أجره! * قال أبو محمد: وإذا بطل أجره فقد بطل عمله بلا شك * ومن طريق معمر عن أيوب السختيانى عن نافع: أن ابن عمر حصب رجلين كانا يتكلمان


(1) قوله (والامام يخطب) زيادة من النسخة رقم (14) وهو الموافق للبخاري (ج 2 ص 48) (2) بوزن فعيل من الكراء، والكرى هو الذى يكريك دابته فعيل - بكسر العين - يقال: اكرى دابته فهو مكرو كرى، وقد يقع على المكترى فعيل بمعنى مفعل - بفتح العين - قاله في اللسان (3) أي جعلوا الرحال على الابل، يقال: رحل البعير وارتحله جعل عليه الرحل - باسكان الحاء المهملة - والمعنى انهم تهيؤا للذهاب *

[ 64 ]

يوم الجمعة، وأنه رأى سائلا يسأل يوم الجمعة فحصبه، وأنه كان يومئ إلى الرجل يوم الجمعة: أن اسكت * وأما إذا أدخل الامام في خطبته (1) مدح من لا حاجة بالمسلمين إلى مدحه، أو دعاء فيه بغى وفضول من القول، أو ذم من لا يستحق -: فليس هذا من الخطبة، فلا يجوز الانصات لذلك، بل تغييره واجب إن أمكن * روينا من طريق سفيان الثوري عن مجالد قال: رأيت الشعبى وأبا بردة بن أبى موسى الاشعري يتكلمان والحجاج يخطب حين قال: لعن الله ولعن الله، فقلت: أتتكلمان في الخطبة؟ فقالا: لم نؤمر بأن ننصت لهذا * وعن المعتمر بن سليمان التيمى عن اسمعيل بن أبى خالد قال: رأيت ابراهيم النخعي يتكلم والامام يخطب زمن الحجاج * قال أبو محمد: كان الحجاج وخطباؤه يلعنون عليا وابن الزبير رضى الله عنهم ولعن لاعنهم * قال أبو محمد: وقد روينا خلافا عن بعض السلف لا نقول به * رويناه من طريق وكيع عن ابن نائل (2) عن اسماعيل بن أمية عن عروة بن الزبير: أنه كان لا يرى بأسا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة * وأما ابتداء السلام ورده فان عبد الله بن ربيع حدثنا قال ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد ابن بكر ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا بشر - هو ابن المفضل - عن محمد بن عجلان عن المقبرى - هو سعيد بن أبى سعيد - عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الاولى بأحق من الآخرة) (3) وقال عزوجل: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها) * وأما حمد العاطس وتشميته فان عبد الله بن ربيع حدثنا قال ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سالم بن عبيد قال: انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عطس أحدكم فليحمد الله، وليقل له من عنده: يرحمك الله، وليرد عليهم: يغفر الله لنا ولكم) (4) *


(1) في النسخة رقم (14) (في الخطبة) (2) كذا في النسخة رقم (14) وفى النسخة رقم (16) (ابن أبى نابل) ويحرر رأيتهما أصح، فانى لم أعرف من هو؟ (3) رواه أبو داود (ج 4 ص 520) (4) اختصره المؤلف، وهو في أبى داود (ج 4 ص 466 و 467) وكذلك بالاسناد الذى فيه زيادة خالد بن عرفجة *

[ 65 ]

وقد قيل: إن بين هلال بن يساف وبين سالم بن عبيد خالد بن عرفجة * وبه إلى أبى داود: ثنا موسى بن اسمعيل قال عبد العزيز - هو ابن عبد الله بن أبى سلمة - عن عبد الله بن دينار عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمدلله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم) * قال أبو محمد: فان قيل: قد صح النهي عن الكلام والامر بالانصات في الخطبة، وصح الامر بالسلام ورده، وبحمد الله تعالى عند العطاس وتشميته عند ذلك ورده، فقال قوم: إلا في الخطبة، وقلتم أنتم: بالانصات في الخطبة إلا عن السلام ورده والحمد والتشميت والرد، فمن لكم بترجيح استثنائكم وتغليب استعمالكم للاخبار على استثناء غيركم واستماله للاخبار لاسيما وقد أجمعتم معنا على أن كل ذلك لا يجوز في الصلاة؟! * قلنا وبالله تعالى التوفيق: قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة أنه (لا يصلح فيها شئ من كلام الناس) والقياس للخطبة على الصلاة باطل، إذ لم يوجبه قرآن، ولاسنة، ولا اجماع، فنظرنا في ذلك فوجدنا الخطبة يجوز فيها ابتداء الخطيب بالكلام ومجاوبته، وابتداء ذى الحاجة له بالمكالمة وجواب الخطيب له، على ما نذكر بعد هذا، وكل هذا ليس هو فرضا، بل هو مباح، ويجوز فيها ابتداء الداخل بالصلاة تطوعا، فصح أن الكلام المأمور به مغلب على الانصات فيها، لانه من المحال الممتنع الذى لا يمكن البتة جوازه -: أن يكون الكلام المباح جائزا فيها، ويكون الكلام الفرض المأمور به الذى لا يحل تركه محرما فيها. وبالله تعالى نتأيد * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفر برى ثنا البخاري ثنا ابراهيم بن المنذر ثنا الوليد بن مسلم ثنا أبو عمرو - هو الاوزاعي - حدثنى اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال. (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وما نرى في السماء قزعة) (1) وذكر باقى الحديث * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد


(1) القزعة بفتح القاف والزاى والعين المهملة: القطعة من السحاب * (م 9 - ج 5 المحلى)

[ 66 ]

ابن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا شيبان بن فروخ ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حميد بن هلال قال قال أبو رفاعة: (انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدرى ما دينه، فأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلى، وأتى (1) بكرسى حسبت قوائمه حديدا، فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلمنى مما علمه الله عزوجل، ثم أتى خطبته (2) فأتم آخرها) * قال أبو محمد: أبو رفاعة هذا تميم العدوى (3) له صحبة، * وقد ذكرنا قبل هذا الباب في الباب المتصل به كلام عمر مع الناس على المنبر في أن السجود ليس فرضا، وذكرنا قبل كلام عمر مع عثمان بحضرة الصحابة رضى الله عنهم وكلام عثمان معه وعمر يخطب في أمر غسل الجمعة وانكار تركه، لا ينكر الكلام في كل ذلك أحد من الصحابة، حتى نشأ من لا يعتد به مع من ذكرنا * والعجب أن بعضهم - ممن ينتسب إلى العلم بزعمهم - قال: لعل هذا قبل نسخ الكلام في الصلاة أو قال: في الخطبة! * فليت شعرى أين وجد نسخ الكلام الذى ذكرنا في الخطبة وما الذى أدخل الصلاة في الخطبة؟ وليس لها شئ من أحكامها ولو خطب الخطيب على غير وضوء لما ضر ذلك خطبته، وهو يخطبها إلى غير القبلة، فأين الصلاة من الخطبة لو عقلوا؟ ونعوذ بالله من الضلال. والدين لا يؤخذ بلعل * ومن طريق وكيع عن الفضل بن دلهم (4) عن الحسن قال: يسلم ويرد السلام ويشمت العاطس والامام يخطب * وعن وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي مثله * وعن الشعبى وسالم بن عبد الله بن عمر قالا: رد السلام يوم الجمعة واسمع * وقال القاسم بن محمد ومحمد بن على: يرد في نفسه * ومن طريق شعبة قال: سألت حماد بن ابى سليمان والحكم بن عتيبة عن رجل جاء


(1) في صحيح مسلم (ج 1 ص 239) (فأتى) (2) في النسخة رقم (14) (ثم أتى إلى خطبته) وما هنا هو الموافق لصحيح مسلم (3) اختلف في اسمه فقيل (تميم بن أسد) وقيل (تميم ابن أسيد) وقيل (عبد الله بن الحارث بن أسد) وهو صحابي معروف بكنيته وبها اشتهر. (4) بفتح الدال المهملة والهاء وبينهما لام ساكنة، والفضل هذا وثقة وكيع وضعفه غيره *

[ 67 ]

يوم الجمعة، وقد خرج الامام؟ فقالا جميعا: يسلم ويردون عليه، وإن عطس شمتوه ويرد عليهم * وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: إذا عطس الرجل يوم الجمعة والامام يخطب فحمد الله تعالى، أو سلم وأنت تسمعه وتسمع الخطبة فشمته في نفسك، ورد عليه في نفسك، فان كنت لا تسمع الخطبة فشمته واسمعه ورد عليه وأسمعه * وعن معمر عن الحسن البصري وقتادة قالا جميعا في الرجل يسلم وهو يسمع الخطبة: انه يرد ويسمعه * وعن حماد بن سلمة عن زياد الاعلم عن الحسن: أنه كان لا يرى بأسا أن يسلم الرجل ويرد السلام والامام يخطب * وهو قول الشافعي، وعبد الرزاق، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، وأبى سليمان وأصحابهم * 530 - مسألة - والاحتباء جائز يوم الجمعة والامام يخطب، وكذلك شرب الماء، وإعطاء الصدقة، ومناولة المرء أخاه حاجته، لان كل هذا أفعال خير لم يأت عن شئ منها نهى، وقال تعالى: (وافعلوا الخير) ولو كرهت أو حرمت لبين ذلك تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم (وما كان ربك نسيا) * وقد جاء النهى عن الاحتباء والامام يخطب من طريق أبى مرحوم عبد الرحيم ابن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنى * وأبو مرحوم هذا مجهول (1)، لم يرو عنه أحد نعلمه إلا سعيد بن أبى أيوب * روينا عن ابن عمر: أنه كان يحتبى يوم الجمعة والامام يخطب، وكذلك أنس بن مالك وشريح، وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب، وابراهيم النخعي، ومكحول واسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص، ونعيم بن سلامة، ولم يبلغنا عن أحد من التابعين أنه كرهه، إلا عبادة بن نسى وحده، ولم ترو كراهة ذلك عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم *


(1) أما أبو مرحوم فانه ليس مجهولا، وقد روى عنه أيضا نافع بن يزيد ويحيى ابن أيوب وابن لهيعة وغيرهم، وهو لا بأس به، وفيه ضعف، وشيخه سهل بن معاذ فيه ضعف أيضا *

[ 68 ]

وروينا عن طاوس اباحة شرب الماء يوم الجمعة والامام يخطب * وهو قول مجاهد والشافعي وأبى سليمان * وقال الاوزاعي إن شرب الماء فسدت جمعته، وبالله تعالى التوفيق * 531 - مسألة - ومن دخل يوم الجمعة والامام يخطب فليصل ركعتين قبل أن يجلس * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا آدم ثنا شعبة ثنا عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا جاء أحدكم والامام يخطب أو قد خرج فليصل ركعتين) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الامام فليصل ركعتين) * قال أبو محمد: هذا أمر لا حيلة لمموه فيه، والله تعالى الحمد * وبه إلى مسلم: ثنا قتيبة واسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - كلاهما عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: (دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصل الركعتين) هذا لفظ اسحاق، وقال قتيبة في حديثه: (ركعتين) وهكذا رويناه من طريق حماد بن زيد وأيوب السختيانى وابن جريج كلهم عن عمرو عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن طريق الليث عن أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن محبوب واسماعيل بن ابراهيم قالا ثنا حفص بن غياث عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: (جاء سليك الغطفانى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له عليه السلام: أصليت شيئا؟ قال: لا، قال: صل الركعتين تجوز فيهما) * وحدثنا احمد بن محمد الطلمنكى ثنا ابن مفرج ثنا ابراهيم بن أحمد بن فراس العبقسى (1)


(1) نسبة إلى (عبد القيس) وينسب إليه (العبدى) أيضا والعبقسى أشهر، قاله السمعاني *

[ 69 ]

ثنا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري ثنا اسحاق بن راهويه أنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبى سرح عن أبى سعيد الخدرى (انه جاء ومروان يخطب يوم الجمعة، فقام فصلى الركعتين، فأجلسوه، فأبى، وقال: أبعد ما صليتموها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) * فهذه آثار متظاهرة متواترة عن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم بأصح اسانيد توجب العلم بأمره صلى الله عليه وسلم من جاء يوم الجمعة والامام يخطب بأن يصلى ركعتين، وصلاهما أبو سعيد مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده بحضرة الصحابة، ولا يعرف له منهم مخالف، ولا عليه منكر، إلا شرط مروان الذين تكلموا بالباطل وعملوا الباطل في الخطبة، فأظهروا بدعة وراموا إماتة سنة وإطفاء حق، فمن أعجب شأنا ممن يقتدى بهم ويدع الصحابة؟ * وقد روى الناس من طريق مالك وغيره عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو ابن سليم الزرقى عن ابن قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل الن يجلس) فعم عليه السلام ولم يخص فلا يحل لاحد ان يخص إلا ما خصه النبي صلى الله عليه وسلم، ممن يجد الامام يقيم لصلاة الفرض، أو قد دخل فيها، وسبحان من يسر هؤلاء لعكس الحقائق فقالوا: من جاء والامام يخطب فلا يركع، ومن جاء والامام يصلى الفرض ولم يكن أوتر ولا ركع ركعتي الفجر فليترك الفريضة وليشتغل بالنافلة فعكسوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عكسا، * ولولا البرهان الذى قد ذكرنا قبل بأن لا فرض الا الخمس لكانت هاتان الركعتان فرضا، ولكنهما في غاية التأكيد، لا شئ من السنن أو كد منهما، لتردد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى: ثنا سفيان الثوري عن أبى نهيك (1) عن سماك بن سلمة قال: سأل رجل ابن عباس عن الصلاة والامام يخطب؟ فقال: لو أن الناس فعلوه كان حسنا * وعن أبى نعيم الفضل بن دكين: ثنا بريد بن عبد الله بن ابى بردة بن ابى موسى الاشعري قال: رأيت الحسن البصري دخل يوم الجمعة وابن هبيرة يخطب، فصلى ركعتين في مؤخر


(1) بفتح النون، وأظن انه القاسم بن محمد الاسدي أو الضبى، وله ترجمة في التهذيب (ج 12 ص 259) وله فيه أيضا ذكر في ترجمة سماك (ج 4 ص 235)

[ 70 ]

المسجد ثم جلس * وعن وكيع عن عمران بن حدير عن أبى مجلز قال: إذا جئت يوم الجمعة وقد خرج الامام فان شئت صليت ركعتين * وهو قول سفيان بن عيينة، ومكحول، وعبد الله بن يزيد المقرئ، والحميدي، وأبى ثور، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول الشافعي وأبى سليمان واصحابهما * وقال الاوزاعي: ان كان صلاهما في بيته جلس، وان كان لم يصلهما في بيته ركعهما في المسجد والامام يخطب * وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصل، قال مالك: فان شرع فيهما فليتمهما * قال أبو محمد: ان كانتا حقا فلم لا يبتدئ بهما؟ فالخير ينبغى البدار إليه، وان كانتا خطأ وغير جائزتين فما يجوز التمادي على الخطاء. وفى هذا كفاية * واحتج من منع (1) منهما بخبر ضعيف رويناه من طريق معاوية بن صالح عن أبى الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت) (2) قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لوجوه أربعة * أحدها: أنه لا يصح، لانه من طريق معاوية بن صالح، لم يروه غيره، وهو ضعيف * والثانى: أنه ليس في الحديث - لو صح - أنه لم يكن ركعهما، وقد يمكن أن يكون ركعهما ثم تخطى، ويمكن أن لا يكون ركعهما، فإذ ليس في الخبر لا أنه ركع ولا أنه لم يركع -: فلا حجة لهم فيه ولا عليهم، ولايجوز أن يقيم في الخبر ما ليس فيه فيكون من فعل ذلك أحد الكذابين * والثالث: أنه حتى لو صح الخبر، وكان فيه أنه لم يكن ركع -: لكان ممكنا أن يكون قبل أمر النبي صلى الله عليه وسلم من جاء والامام يخطب بالركوع، وممكنا أن يكون بعده، فإذ ليس فيه بيان بأحد الوجهين فلا حجة فيه لهم ولا عليهم *


(1) في الاصلين (واحتج من سمع) الخ وهو خطأ ظاهر واتفاق الاصلين عليه غريب (2) رواه أبو داود (ج 1 ص 435 و 436) والنسائي (ج 3 ص 103) واحمد في المسند (ج 4 ص 190) وهو حديث صحيح ومعاوية بن صالح ثقة خلافا لما زعم ابن حزم *

[ 71 ]

والرابع: أنه لو صح الخبر وصح فيه أنه لم يكن ركع، وصح ان ذلك كان بعد أمره عليه السلام من جاء والامام يخطب بأن يركع، وكل ذلك لا يصح منه شئ -: لما كانت لهم فيه حجة، لاننا لم نقل إنهما فرض، وانما قلنا: إنهما سنة يكره تركها، وليس فيه نهى عن صلاتهما فبطل تعلقهم بهذا الخبر الفاسد جملة. وبالله تعالى التوفيق، وبقى أمره عليه السلام بصلاتهما لا معارض له * وتعلل بعضهم بخبر رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبى سرح عن أبى سعيد الخدرى: (ان رجلا دخل المسجد) - فذكر الحديث وفيه - (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امره ان يصلى ركعتين، ثم قال: إن هذا دخل المسجد في هيئة بذة فأمرته ان يصلى ركعتين وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه) قالوا: فانما امره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالركعتين ليفطن فيتصدق عليه * قال أبو محمد: وهذا الحديث من أعظم الحجج عليهم، لان فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاتهما، وعلى كل حال فليس اعتراض على حديث جابر الذى ذكرنا، وفيه قوله عليه السلام: (من جاء يوم الجمعة والامام يخطب أو قد خرج فليركع ركعتين) * ثم نقول لهم: قولوا لنا: هل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك بحق ام بباطل؟ فان قالوا بباطل، كفروا، وإن قالوا: بحق أبطلوا مذهبهم، ولزمهم الامر بالحق الذى امر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح انهما حق على كل حال، إذ لا يأمر عليه السلام بوجه من الوجوه إلا بحق * ثم نقول لهم: إذ قلتم هذا فتقولون أنتم به فتأمرون من دخل بهيئة بذة والامام يخطب يوم الجمعه بأن يركع ركعتين ليفطن له فيتصدق عليه؟ ام لا ترون ذلك؟ فان قالوا: نأمره بذلك تركوا مذهبهم، وإن قالوا: لسنا نأمره بذلك، قيل لهم: فاي راحة لكم في توجيهكم (1) للخبر الثابت وجوها أنتم مخالفون لها، وعاصون للخبر على كل حال؟ وهل ههنا إلا ايهام الضعفاء المغترين المحرومين أنكم أبطلتم حكم الخبر وصححتم بذلك قولكم؟ والامر في ذلك بالضد، بل هو عليكم. وحسبنا الله ونعم الوكيل * وقال بعضهم: لما لم يجز ابتداء التطوع لمن كان في المسجد لم يجز لمن دخل المسجد


(1) في النسخة رقم (14) (توجهكم) وما هنا أصح *

[ 72 ]

قال أبو محمد: وهذه دعوى فاسدة لم يأذن الله تعالى بها، ولا قضاها رسوله عليه السلام، بل قد فرق عليه السلام بينهما، بأن أمر من حضر بالانصات والاستماع، وأمر الداخل بالصلاة، فالمعترض على هذا مخالف لله ولرسوله عليه السلام، فالتطوع جائز لمن في المسجد ما لم يبدأ الامام بالخطبة ولمن دخل ما لم تقم الاقامة للصلاة * 522 - مسألة - والكلام مباح لكل احد مادام المؤذن يؤذن يوم الجمعة ما لم يبدأ الخطيب بالخطبة، والكلام جائز بعد الخطبة إلى أن يكبر الامام، والكلام جائز في جلسة الامام بين الخطبتين، لان الكلام بالمباح مباح إلا حيث منع منه النص، ولم يمنع النص إلا من الكلام في خطبة الامام كما أوردنا قبل * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن جرير بن حازم عن ثابت بن أسلم البنانى عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل من المنبر يوم الجمعة فيكمله الرجل في الحاجة، فيكلمه ثم يتقدم إلى المصلى فيصلى) * ومن طريق حماد بن سلمة أنا على بن زيد عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر الصديق لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر، قال: لبيك، قال: أعتقتني لله أم لنفسك؟ قال أبو بكر: بل لله تعالى، قال: فاذن لى أجاهد في سبيل الله تعالى، فأذن له، فذهب إلى الشأم فمات بها رضى الله عنه * ومن طريق حماد بن سلمة عن برد ابى العلاء عن الزهري: أن عمر بن الخطاب قال: كلام الامام يقطع الكلام. فلم ير عمر الكلام يقطعه إلا كلام الامام * وعن سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن عمران بن موسى عن ابى الصعبة قال قال عمر بن الخطاب لرجل يوم الجمعة وعمر على المنبر: هل اشتريت لنا؟ أو هل اتيتنا بهذا؟ يعنى الحب * وعن هشيم بن بشير أخبرني محمد بن قيس أنه سمع موسى بن طلحة بن عبيدالله يقول: رأيت عثمان بن عفان جالسا يوم الجمعة على المنبر والمؤذن يؤذن وعثمان يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم * ومن طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب: كلام الامام يقطع الكلام *

[ 73 ]

وعن عبد الله بن عون: قال لى حماد بن أبى سليمان في المسجد بعد أن خرج الامام يوم الجمعة: كيف أصبحت؟ وعن عطاء وابراهيم النخعي: لا بأس بالكلام يوم الجمعة قبل أن يخطب الامام وهو على المنبر وبعد أن يفرغ * وعن قتادة عن بكر بن عبد الله المزني مثله * وعن حماد بن سلمة عن إياس بن معاوية مثله * وعن الحسن: لا بأس بالكلام في جلوس الامام بين الخطبتين * 533 - مسألة - ومن رعف والامام يخطب واحتاج إلى الخروج فليخرج، وكذلك من عرض له ما يدعوه إلى الخروج، * ولا معنى لاستئذان الامام، قال الله عزوجل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). ولم يأت نص بايجاب استئذان الاماء في ذلك * ويقال لمن اوجب ذلك: فان لم يأذن له الامام، أتراه يبقى بلا وضوء؟ اوهو يلوث المسجد بالدم؟ أو يضيع ما لا يجوز لا تضييعه من نفسه أو ماله أو أهله؟ أو معاذ الله من هذا * 534 - مسألة - ومن ذكر في الخطبة صلاة فرض نسيها أو نام عنها فليقم وليصلها، سواء كان فقيها أو غير فقيه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) وقد ذكرناه باسناده قبل * وقد فرق قوم في ذلك بين الفقيه وغيره. وهذا خطأ لم يوجبه قرآن، ولاسنة، ولانظر ولا معقول، بل الحجة ألزم للفقيه في أن لا يضيع دينه منها لغيره * فان قيل: يراه الجاهل فيظن الصلاة تطوعا جائزة حينئذ * قلنا: لا أعجب ممن يستعمل لنفسه مخالفة امر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتضييع فرضه خوف ان يخطئ غيره، ولعل غيره لا يظن ذلك أو يظن، فقد قال تعالى. (لا تكلف إلا نفسك) وقال تعالى: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) * 535 - مسألة - ومن لم يدرك مع الامام من صلاة الجمعة إلا ركعة واحدة أو الجلوس فقط فليدخل معه وليقض إذ أدرك ركعة ركعة واحدة (1) وان لم يدرك إلا الجلوس


(1) في النسخة رقم (16) (وليقض إذا أدرك ركعة واحدة) وهو خطأ والصواب تكرار كلمة (ركعة) مرتين كما هو ظاهر وكما هو في النسخة الصحيحة رقم (14) * (م 10 - ج 5 المحلى)

[ 74 ]

صلى ركعتين فقط. وبه قال أبو حنيفة وأبو سليمان * وقال مالك والشافعي: إن ادرك ركعة قضى إليها أخرى، فان لم يدرك إلا رفع الرأس من الركعة فما بعده صلى أربعا * وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد - ورويناه أيضا عن عمربن الخطاب -: من لم يدرك (1) شيئا من الخطبة صلى أربعا * واحتج من ذهب إلى هذا بأن الخطبة جعلت بازاء الركعتين، فيلزم من قال بهذا أن من فاتته الخطبة الاولى وأدرك الثانية أن يقضى ركعة واحدة مع أن هذا القول لم يأت به نص قرآن ولا سنة * واحتج مالك والشافعي بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أدرك مع الامام ركعة فقد أدرك الصلاة) * قال أبو محمد: وهذا خبر صحيح، وليس فيه أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة * بل قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات ثنا اسحاق بن اسماعيل النضرى ثنا عيسى بن حبيب ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ثنا جدى محمد بن عبد الله ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد البلخى ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا أبو نعيم ثنا شيبان عن يحيى - هو ابن أبى كثير - عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال: (بينما نحن نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال (2)، فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) * فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصلى مع الامام ما أدرك، وعم عليه السلام ولم يخص، وسماه مدركا لما أدرك من الصلاة، فمن وجد الامام جالسا أو ساجدا فان عليه أن يصير معه في تلك الحال، ويلتزم إمامته، ويكون بذلك بلا شك داخلا في صلاة الجماعة فانما يقضى ما فاته ويتم تلك الصلاة، ولم تفته إلا ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان فلا


(1) في النسخة رقم (14) (لمن لم يدرك) وما هنا أصح وأحسن (2) أي صوتهم *

[ 75 ]

يصلى إلا ركعتين * وهذان الخبران زائدان على الذى فيه (من أدرك ركعة) والزيادة لا يجوز تركها وبالله تعالى التوفيق * روينا من طريق شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عن الرجل يدرك الامام يوم الجمعة وهم جلوس؟ قال: يصلى ركعتين، قال شعبة: فقلنا له: ما قال هذا عن ابراهيم إلا حماد؟ قال الحكم: ومن مثل حماد؟ وعن معمر عن حماد بن أبى سليمان قال: ان ادركهم جلوسا في آخر الصلاة يوم الجمعة صلى ركعتين * قال أبو محمد: إلا أن الحنيفيين قد تناقضوا ههنا، لان من اصولهم - التى جعلوها دينا - ان قول الصاحب الذى لا يعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف فانه لا يحل خلافه * وقد روينا عن معمر عن ايوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: إذا ادرك الرجل ركعة يوم الجمعة صلى إليها أخرى، وإن وجد القوم جلوسا صلى أربعا * وعن سفيان الثوري عن ابى اسحق عن أبى الاحوص (1) عن ابن مسعود: من أدرك الركعة فقد ادرك الجمعة، ومن لم يدرك الركعة فليصل أربعا * ولا يعرف لهما (2) من الصحابة رضى الله عنهم مخالف، نعم، وقد رويت فيه آثار - ليست بأضعف من حديث الوضوء بالنبيذ، والوضوء من القهقهة في الصلاة، والوضوء والبناء من الرعاف والقئ، فخالفوها إذ خالفها أبو حنيفة - من طريق الحجاج بن أرطاة من طريق ابن عمر، ومن طريق غيره عن الزهري عن أبى سلمة عن ابى هريرة مسندين، وهذا مما تناقضوا فيه * قال أبو محمد: وأما نحن فلا حجة عندنا في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو صح في هذا اثر عن النبي صلى الله عليه وسلم لقلنا به ولم نتعده * 536 - مسألة - والغسل واجب يوم الجمعة لليوم لا للصلاة (3)، وحكذلك الطيب،


(1) في النسخة رقم (14) (عن الاحوص) وهو خطأ، أبو الأحوص هذا اسمه (عوف ابن مالك بن نضلة الجشمى الكوفى) وهو شيخ ابى اسحق السبيعى، واما أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي فهو تلميذ أبى اسحق (2) في النسخة رقم (14) (ولا يعرف له) وهو خطأ (3) هنا بحاشية النسخة رقم (14) مانصه: (قال ابن كوثر: أما من اتى الجمعة فليزمه الغسل قبلها، لقوله عليه السلام: (إذا جاء أحدكم الجمعة)، (فإذا اراد أحدكم ان يأتي

[ 76 ]

والسواك، وقد ذكرنا كل ذلك فأغنى عن ترداده، إذ قد تقصيناه في كتاب الطهارة من ديواننا هذا ولله الحمد، ولا يتطيب لها المحرم ولا المرأة، لما ذكرنا في كتابنا هذا في النساء يحضرن صلاة الجماعة ولان المحرم منهى عن إحداث التطيب، على ما نذكر في كتاب الحج ان شاء الله تعالى، * ويلزم الغسل والسواك المحرم والمرأة كما يلزم الرجل، فمن عجز عن الماء تيمم، لما قد ذكرناه في التيمم من ديواننا هذا. والله تعالى الحمد * 537 - مسألة - فان ضاق المسجد أو امتلات الرحاب واتصلت الصفوف صليت الجمعة وغيرها في الدور، والبيوت، والدكاكين المتصلة بالصفوف، وعلى ظهر المسجد بحيث يكون مسامتا لما خلف الامام، لا للامام، لا لما أمام الامام أصلا. ومن حال بينه وبين الامام والصفوف نهر عظيم أو صغير أو خندق أو حائط لم يضره شيئا، وصلى الجمعة بصلاة الامام * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد - هو ابن سلام - ثنا عبدة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فقام أناس يصلون بصلاته) وذكر باقى الحديث * قال أبو محمد: حكم الامامة سواء في الجمعة وغيرها، والنافلة والفريضة، لانه لم يأت قرآن ولا سنة بالفرق بين أحوال الامامة في ذلك، ولا جاء نص بالمنع من الائتمام بالامام إذا اتصلت الصفوف، فلا يجوز المنع من ذلك بالرأى الفاسد، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا، فحيثما أدركتك الصلاة فصل) فلا يحل أن يمنع احد من الصلاة في موضع إلا موضعا جاء النص بالمنع من الصلاة فيه، فيكون مستثنى من هذه الجملة * روينا عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها: أنها كانت تصلى في بيتها بصلاة الامام وهو في المسجد * وقد جاء ذلك مبينا في صلاة الكسوف، إذ صلت في بيتها بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس *


الجمعة) و (من جاء منكم الجمعة) في هذه التصريح بارادة الاتيان، وهذا يوجب الغسل قبل الصلاة، فأما من لم يأت الجمعة فله الغسل في أي وقت شاء قبل الجمعة وبعدها)

[ 77 ]

ومن طريق حماد بن سلمة أخبرني جبلة بن أبى سليمان الشقرى (1) قال: رأيت أنس ابن مالك يصلى في دار أبى عبد الله في الباب الصغير الذى يشرف على المسجد يرى ركوعهم وسجودهم * وعن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن ابى مجلز قال: تصلى المرأة بصلاة الامام وإن كان بينهما طريق اوجدار (2)، بعد أن تسمع التكبير * وعن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه: انه جاء يوم الجمعة إلى المسجد وقد امتلاء، فدخل دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، والطريق بينه وبين المسجد، فصلى معهم وهو يرى ركوعهم وسجودهم وعن النضر بن أنس أنه صلى في بيت الخياط يوم الجمعة في الرحبة التى تباع فيها القباب * وعن حماد بن سلمة عن ثابت البنانى قال: جئت أنا والحسن البصري يوم الجمعة والناس على الجدر والكنف، فقلت له: أبا سعيد، أترجو لهؤلاء؟ قال: أرجو أن يكونوا في الاجر سواء وقال مالك: لا تصلى الجمعة خاصة في مكان محجور بصلاة الامام في المجسد، وأما سائر صلوات الفرض فلا بأس بذلك فيها وهذا لا نعلمه عن أحد من الصحابة ولا يعضد هذا القول قرآن، ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا قياس، ولا رأى سديد * وقال أبو حنيفة: إن كان بين الامام والمأموم نهر صغير أجزأته صلاته، فان كان كبيرا لم تجزه * وهذا كلام ساقط، لا يعضده قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا قول صاحب، ولا رأى سديد * وحد النهر الكبير بما يمكن أن تجرى فيه السفن * قال أبو محمد: ليت شعرى أي السفن؟ وفى السفن ما يحمل الف وسق، وفيها زويرق صغير يحمل ثلاثة أو أربعة فقط *


(1) جبلة: بفتح الجيم والباء الموحدة. والشقرى: بفتح الشين المعجمة والقاف وكسر الراء، نسبة إلى بنى شقرة - بكسر القاف - على غير قياس. وله ترجمة في الانساب (ورقة 336) (2) في النسخة رقم (14) (أو جدر) بالجيم والدال المضمومتين جمع جدار *

[ 78 ]

وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: من صلى بصلاة الامام وبينهما طريق أو جدر أو نهر فلا يأتم به. فلم يفرق بين نهر صغير وكبير وروينا من طريق شعبة: ثنا قتادة قال قال لى زرارة بن أو في سمعت أبا هريرة يقول: لا جمعة لمن صلى في الرحبة. وبه يقول زرارة * قال أبو محمد: لو كان تقليد لكان هذا - لصحة اسناده - أولى من تقليد مالك وأبى حنيفة * وعن عقبة بن صهبان (1) عن أبى بكرة: أنه رأى قوما يصلون في رحبة المسجد يوم الجمعة، فقال: لاجمعة لهم، قلت: لم؟ قال: لانهم يقدرون على أن يدخلوا فلا يفعلون * قال أبو محمد: هذا كما قال لمن قدر على أن يصل الصف فلم يفعل * وان العجب كله ممن يجيز الصلاة حيث صح نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه كالمقبرة، ومعطن الابل، والحمام، ثم يمنع منها حيث لا نص في المنع منها، كالموضع المحجور أو بينها نهر كبير وكل هذا كما ترى وبالله تعالى التوفيق * 538 - مسألة - ومن زوحم يوم الجمعة أو غيره فان قدر على السجود كيف أمكنه ولو ايماء وعلى الركوع كذلك -: أجزأه، فان لم يقدر أصلا وقف كما هو، فإذا خف الامر صلى ركعتين وأجزأه. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ولقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ولا فرق بين العجز عن الركوع والسجود بمرض أو بخوف أو بمنع زحام، وقد صلى السلف الجمعة إيماء في المسجد، إذ كان بنو أمية يؤخرون الصلاة إلى قرب غروب الشمس * 539 - مسألة - وان جاء اثنان فصاعدا وقد فاتت الجمعة صلوها جمعة، لما ذكرنا من أنها ركعتان في الجماعة * 540 - مسألة - ومن كان بالمصر فراح إلى الجمعة من أول النهار فحسن، لما ذكرنا قبل، وكذلك من كان خارج المصر أو القرية على أقل من ميل، فان كان على ميل فصاعدا صلى في موضعه، ولم يجز له المجئ إلى المجسد، إلا مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس خاصة فالمجئ إليها على بعد فضيلة * لما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكى ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا احمد بن عمرو ابن عبد الخالق البزار ثنا محمد بن معمر ثنا روح - هو ابن عبادة - ثنا محمد بن أبى حفصة


(1) بضم الصاد المهملة واسكان الهاء. وعقبة هذا تابعي ثقة مات سنة 82 *

[ 79 ]

عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انما الرحلة إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد إيلياء) * قال أبو محمد: الرحلة هي السفر، وقد بينا قبل ان السفر ميل فصاعدا وبالله تعالى التوفيق * 541 - مسألة - والصلاة في المقصورة جائزة، والاثم على المانع لا على المطلق له دخولها، بل الفرض على من أمكنه دخولها أن يصل الصفوف فيها، لان اكمال الصفوف فرض كما قدمنا فمن أطلق على ذلك فحقه أطلق له، وحق عليه لم يمنع منه، ومن منع منه فحقه منع منه، والمانع من الحق ظالم، ولا اثم على الممنوع، لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) (1) * 542 - مسألة - ولا يحل البيع من أثر استواء الشمس ومن أول أخذها في الزوال والميل إلى ان تقضى صلاة الجمعة، فان كانت قرية قد منع اهلها الجمعة أو كان ساكنا بين الكفار ولا مسلم معه فالى ان يصلى ظهر يومه، أو يصلوا ذلك كلهم أو بعضهم، فان لم يصل فالى ان يدخل اول وقت العصر * ويفسخ البيع حينئذ أبدا إن وقع، ولا يصححه خروج الوقت، سواء كان التبايع من مسلمين أو من مسلم وكافر، أو من كافرين، ولا يحرم حينئذ نكاح، ولا اجارة، ولا سلم ولا ما ليس بيعا * وقال مالك كذلك في البيع الذى فيه مسلم، وفى النكاح، وعقد الاجارة، والسلم واباح الهبة، والقرض، والصدقة * وقال أبو حنيفة والشافعي: البيع والنكاح والاجارة والسلم جائز كل ذلك في الوقت المذكور * قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض


(1) المقصورة المكان الذى كان خاصا بالملوك المسلمين يصلون فيه الجمعة وغيرها - حين كانوا يصلون - وكانت لا يدخلها عليهم الا المقربون منهم ويمنعها عامة المسلمين وهى بدعة ابتدعوها لا توافق قواعد الاسلام، وقد جاء بالتسوية بين بنى آدم، لا كراهة لاحد إلا بالفتوى. ثم ما زالوا يتدرجون في ترك الدين خطوة خطوة حتى تركوا الصلاة في الجمعات والجماعات، والله أعلم بحالهم هل يصلونها فرادى؟ إلا من هدى الله، فانا لله وانا إليه راجعون *

[ 80 ]

وابتغوا من فضل الله) ووقت النداء هو أول الزوال فحرم الله تعالى البيع إلى انقضاء الصلاة، وأباحه بعدها، فهو كما قال عزوجل، ولم يحرم تعالى نكاحا، ولا اجارة، ولاسلما، ولا ما ليس بيعا (وما كان ربك نسيا) و (تلك حدود الله فلا تعتدوها) * وكل ما ذكرنا فجائز أن يكون وهو ناهض إلى الصلاة غير متشاغل بها، فجاز كل ذلك، لانه ليس مانعا من السعي إلى الصلاة، فظهر تناقض قول مالك وفساده * فان كان جعل علة كل ذلك التشاغل، سألنا هم عمن لم يتشاغل، بل باع، أو انكح أو اجر وهو ناهض إلى الجمعة، أو وهو في المسجد ينتظر الصلاة؟ فمن قولهم: يفسخ فبطل تعليلهم بالتشاغل، فان لم يعللوا بالتشاغل فقد قاسوا على غير علة، وهو باطل عند من يقول: بالقياس، فكيف عند من لا يقول به * فان قال: النكاح بيع قلنا: هذا باطل ما سماه الله تعالى قط بيعا ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ونسألهم عمن حلف ان لا يبيع فنكح أو اجر؟ فمن قولهم: لا يحنث * واعتل أبو حنيفة والشافعي بأن النهى عن ذلك انما هو للتشاغل عن الجمعة فقط * قال أبو محمد: وهذه دعوى كاذبة، وقول على الله تعالى بغير علم، وهذا لا يحل لاحد ان يخبر عن مراد الله تعالى بغير ان يخبر بذلك الله تعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو اراد الله تعالى ذلك لبينه ولم يكلنا إلى خطأ رأى ابى حنيفة وظنه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إياكم والظن، فان الظن اكذب الحديث) وقال تعالى (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون) * فان قالوا: قد علمنا ذلك * قلنا: ومن أين علمتموه؟ فان ادعيتم ضرورة كذبتم، لاننا غير مضطرين إلى علم ذلك، والطبيعة واحدة، وإن ادعوا دليلا سئلوه، ولا سبيل لهم إليه، فلم يبق إلا الظن * وقالوا: نحن منهيون عن البيع في الصلاة، ولو باع امرؤ في صلاته نفذ البيع * فقلنا لهم: إن البيع لا يجوز أن يكون في الصلاة اصلا، لانه إذا وقع عمدا أبطلها، فليس حينئذ في صلاة، وإذا لم يكن في صلاة فبيعه جائز، وان ظن أنه ليس في صلاة فباع أو نكح، أو أنكح، أو عمل مالا يجوز في الصلاة فهو كله باطل، لان الحال التى هو فيها مانعة من ذلك، وهى حال ثابتة، فما ضادها فباطل، وكذلك من باع أو نكح أو طلق أو أعتق ولم يبق عليه من الوقت الا مقدار احرامه بالتكبير - وهو ذاكر لذلك - فهو كله باطل،

[ 81 ]

لانه منهى عن كل ذلك، وقال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فكل من عمل أمرا بخلاف ما أمر به فهو مردود بنص حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق عكرمة عن ابن عباس: (لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع) (1) * وعن القاسم بن محمد: أنه فسخ بيعا وقت في الوقت المذكور * قال أبو محمد: وهذا مما تناقض فيه الشافعيون والحنيفيون، لانهم لا يجيزون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له من الصحابة مخالف، وهذا مكان لا يعرف لابن عباس فيه مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * وتناقض المالكيون أيضا، لانهم حملوا قوله تعالى: (وذروا البيع) على التحريم، ولم يحملوا امره تعالى بتمتيع المطلقة على الايجاب، وقالوا: لفظة (ذر) لا تكون الا للتحريم، فقلنا: هذا باطل، وقد قال تعالى (ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) فهذه للوعيد لا للتحريم * وأما منعنا اهل الكفر من البيع حينئذ فلقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) فوجب الحكم بين اهل الكفر بحكم اهل الاسلام ولابد، وقال تعالى (وان احكم بينهم بما أنزل الله) * (صلاة العيدين) 543 - مسألة - هما عيد الفطر من رمضان، وهو اول يوم من شوال، ويوم الاضحى، وهو اليوم العاشر من ذى الحجة، ليس للمسلمين عيد غيرهما، الا يوم الجمعة وثلاثة أيام بعد يوم الاضحى لان الله تعالى لم يجعل لهم عيدا غير ما ذكرنا ولارسوله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف بين اهل الاسلام في ذلك، ولا يحرم العمل ولا البيع في شئ من هذه الايام لان الله تعالى لم يمنع من ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف أيضا بين أهل الاسلام في هذا * وسنة صلاة العيدين أن يبرز أهل كل قرية أو مدينة إلى فضاء واسع بحضرة منازلهم ضحوة إثر ابيضاض الشمس، وحين ابتداء جواز التطوع، يأتي الامام فيتقدم بلا أذان ولا اقامة، فيصلى بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، في كل ركعة أم القرآن وسورة، ونستحب أن تكون السورة في الاولى (ق) وفى الثانية (اقتربت الساعة) أو


(1) في النسخة رقم (14) (فانتشر وبع) ولا بأس بها وما هنا أحسن (م 11 - ج 5 المحلى)

[ 82 ]

(سبح اسم ربك الاعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية) وما قرأ من القرآن مع أم القرآن أجزأه، ويكبر في الركعة الاولى اثر تكبيرة الاحرام سبع تكبيرات متصلة قبل قراءة أم القرآن، ويكبر في أول الثانية اثر تكبيرة القيام خمس تكبيرات، ويجهر بجميعهن قبل قراءته أم القرآن، ولا يرفع يديه في شئ منها الا حيث يرفع في سائر الصلوات فقط، ولا يكبر بعد القراءة الا تكبيرة الركوع فقط، فإذا سلم الامام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما جلسة، فإذا أتمهما افترق الناس، فان خطب قبل الصلاة فليست خطبة، ولا يجب الانصات له، كل هذا لا خلاف فيه الا في مواضع نذكرها ان شاء الله تعالى * منها ما يقرأ مع أم القرآن، وفى صفة التكبير، واحدث بنو أمية تأخير الخروج إلى العيد وتقديم الخطبة قبل الصلاة والاذان والاقامة * فأما الذى يقرأ مع أم القرآن فان ابا حنيفة قال: اكره ان يقتصر على سورة بعينها، وشاهدنا المالكيين لا يقرؤن مع أم القرآن الا (والشمس وضحاها) و (سبح اسم ربك الاعلى) وهذان الاختياران فاسدان، ان كانت الصلاة كذلك جائزة، وانما ننكر اختيار ذلك لانهما خلاف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى قرأت على مالك عن ضمرة بن سعيد المازنى عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثى: (ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفطر والاضحى؟ فقال: كان يقرأ فيهما بق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة) * قال أبو محمد عبيدالله ادرك ابا واقد الليثى وسمع منه، واسمه الحارث بن عوف، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ غير هذا * وما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمود بن غيلان ثنا وكيع ثنا مسعر بن كدام وسفيان - هو الثوري - كلاهما عن معبد بن خالد عن زيد ابن عقبة عن سمرة بن جندب: (أنه عليه السلام كان يقرأ في العيد سبح اسم ربك الاعلى وهل أتاك حديث الغاشية) * واختيارنا هو اختيار الشافعي وأبى سليمان وقد روى عن أبى حنيفة أنه ذكر بعض ذلك *

[ 83 ]

ومنها التكبير، فان أبا حنيفة قال: يكبر للاحرام ثم يتعوذ ثم يكبر ثلاث تكبيرات يجهر بها، ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ثم يقرأ ثم يركع، فإذا قام بعد السجود إلى الركعة الثانية كبر للاحرام ثم قرأ، فإذا أتم السورة مع أم القرآن كبر ثلاث تكبيرات جهرا، يرفع مع كل تكبيرة يديه، ثم يكبر للركوع * وقال مالك: سبعا في الاولى بتكبيرة الاحرام، وخمسا في الثانية سوى تكبيرة القيام * واختلف في ذلك عن السلف رضى الله عنهم * فروينا عن على رضى الله عنه: أنه كان يكبر في الفطر والاضحي، والاستسقاء سبعا في الاولى، وخمسا في الآخرة ويصلى قبل الخطبة ويجهر بالقراءة. وأن أبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يفعلون ذلك، إلا ان في الطريق ابراهيم بن أبى يحيى، وهو أيضا منقطع، عن محمد بن على بن الحسين (1): أن عليا * وروينا من طريق مالك وأيوب السختيانى كلاهما عن نافع قال: شهدت العيد مع ابى هريرة، فكبر في الاولى سبعا، وفى الاخرى خمسا قبل القراءة. وهذا سند كالشمس * وروينا من طريق معمر عن أبى اسحاق السبيعى عن الاسود بن يزيد قال: كان ابن مسعود جالسا وعنده حذيفة، وابو موسى الاشعري، فسألهم سعيد بن العاصى عن التكبير في الصلاة يوم الفطر والاضحى؟ فقال ابن مسعود: يكبر أربعا ثم يقرأ، ثم يكبر فيركع، ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعا بعد القراءة * ومن طريق شعبة عن خالد الحذاء وقتادة كلاهما عن عبد الله بن الحارث - هو ابن نوفل - قال: كبر ابن عباس يوم العيد في الركعة الاولى اربع تكبيرات، ثم قرأ ثم ركع، ثم قام فقرأ ثم كبر ثلاث تكبيرات سوى تكبيرة الصلاة * وهذان اسنادان في غاية الصحة، وبهذا تعلق أبو حنيفة * قال أبو محمد: أين وجد لهؤلاء رضى الله عنهم أو لغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم ماقاله من أن يتعوذ إثر الاولى ثم يكبر ثلاثا، وأنه يرفع يديه معهن؟ فبطل عن أن يكون له متعلق بصاحب * وأطرف (2) ذلك أمره برفع الايدى في التكبير، الذى لم يصح قط أن رسول الله


(1) في النسخة رقم (14) (محمد بن على بن الحسن) وهو خطأ، فانه أبو جعفر الباقر أبوه على زين العابدين بن الحسين، وامه بنت الحسن بن على بن أبى طالب (2) بالطاء المهملة *

[ 84 ]

صلى الله عليه وسلم رفع فيه يديه، ونهيه عن رفع الايدى في التكبير في الصلاة حيث صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع فيه يديه وهكذا فليكن عكس الحقائق وخلاف السنن! * وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في التكبير في العيدين قال: يكبر تسعا أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة. وهذا سند في غاية الصحة * وعن جابر بن عبد الله قال: التكبير في يوم العيد في الركعة الاولى أربعا، وفى الآخرة ثلاثا والتكبير سبع سوى تكبير الصلاة. إلا أن في الطريق ابراهيم بن يزيد (1)، وليس بشئ * قال أبو محمد: وفى هذا آثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصح شئ منها * منها من طريق ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والاضحى في الاولى سبع تكبيرات وفى الثانية خمس تكبيرات) * ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاصى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (التكبير في الفطر سبع في الاولى وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتاهما) وهذا كله لا يصح، ومعاذ الله ان نحتج بما لا يصح كمن يحتج بابن لهيعة وعمرو بن شعيب إذا وافقا هواه، كفعله في زكاة الابل وغير ذلك، ويرد روايتهما إذا خالفا هواه هذا فعل من لا دين له، ولا يبالى بأن يضل في دين الله تعالى ويضل * ومنها خبر من طريق زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن مكحول أخبرني أبو عائشة جليس ابى هريرة أنه حضر سعيد بن العاصى سأل ابا موسى الاشعري وحذيفة بن اليمان: (كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الاضحى والفطر؟ فقال أبو موسى كان يكبر أربعا، تكبيرة على الجنائز، قال حذيفة: صدق، قال أبو موسى: كذلك كنت أكبر بالبصرة حيث كنت عليهم * قال أبو محمد: عبد الرحمن بن ثوبان ضعيف (2) وأبو عائشة مجهول، لا يدرى من هو ولا يعرفه احد (3) ولا تصح رواية عنه لاحد، ولو صح لما كان فيه للحنيفيين حجة،


(1) ابراهيم بن يزيد في الرواة شائع، فما ادرى ايهم المؤلف ومنهم الثقة ومنهم غير الثقة؟ (2) هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسى - بالنون - نسب إلى جده: وهو لا بأس به على ضعف في روايته (3) وكذلك قال ابن القطان فيما نقل عنه في التهذيب *

[ 85 ]

لانه ليس فيه ما يقولون من أربع تكبيرات في الاولى بتكبيرة الاحرام، واربع في الثانية بتكبيرة الركوع، ولا أن الاولى يكبر فيها قيل القراءة وفى الثانية بعد القراءة، بل ظاهره اربع في كلتا الركعتين في الصلاة كلها، كما في صلاة الجنازة، - وهذا قياس عليهم لالهم، لان تكبير الجنازة أربع فقط، وهم يقولون: بست في كلتا الركعتين دون تكبيرتي الاحرام والركوع والقيام، أو بعشر تكبيرات إن عدوا فيها تكبيرة الاحرام والقيام والركوع، وليس فيه رفع الايدى كما زعموا، فظهر تمويههم جملة. ولله تعالى الحمد * قال على: وأما مالك فانه جعل في الاولى سبعا بتكبيرة الاحرام، وخمسا في الثانية دون تكبيرة القيام، وهذا غير محفوظ عن أحد من السلف * وانما اخترنا ما اخترنا لانه أكثر ما قيل، والتكبير خير، ولكل تكبيرة عشر حسنات، فلا يحقرها إلا محروم، ولو وجدنا من يقول: بأكثر لقلنا به، لقول الله تعالى (وافعلوا الخير) والتكبير خير بلا شك، واختيارنا هو اختيار الشافعي وأبى سليمان * ومنها: من أحدث بنو امية من تأخير الصلاة، وإحداث الاذان والاقامة، وتقديم الخطبة قبل الصلاة * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري عن ابى عاصم ويعقوب بن ابراهيم، قال أبو عاصم: أنما ابن جريج أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس، وقال يعقوب: ثنا أبو أسامة - هو حماد بن أسامة - ثنا عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر، ثم اتفق ابن عباس وابن عمر كلاهما يقول: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة) قال ابن عباس: (وعثمان) (1) * ومن طريق مالك عن ابن شهاب عن ابى عبيد مولى ابن ازهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن ابى طالب، كلهم يصلى ثم يخطب * وبالسند المذكور إلى البخاري: ثنا ابراهيم بن موسى ثنا هشام ان ابن جريج أخبرهم قال: اخبرني عطاء عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا جميعا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الاضحى * قال على: لاأذان ولا إقامة (2) لغير الفريضة، والاذان والاقامة فيهما الدعاء إلى


(1) روى المؤلف الحديثين بالمعنى وضمهما فجعلها حديثا واحدا، وهما في البخاري (ج 2 ص 59) (2) في النسخة رقم (16) (الاذان والاقامة) الخ وهو خطأ. *

[ 86 ]

الصلاة، فلو أمر عليه السلام بذلك لصارت تلك الصلاة فريضة بدعائه إليها * واعتلوا بأن الناس كانوا إذا صلوا تركوهم ولم يشهد والخطبة، وذلك لانهم كانوا يلعنون على بن أبى طالب رضى الله عنه، فكان المسلمون يفرون، وحق لهم، فكيف وليس الجلوس للخطبة واجبا * حدثنا حمام بن احمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن ايمن ثنا أحمد بن زهير ابن حرب ثنا عبد الله بن أحمد الكرماني ثنا الفضل بن موسى السينانى (1) عن ابن جريج عن عطاء - هو ابن أبى رباح - عن عبد الله بن السائب قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد فصلى، ثم قال عليه السلام: قد قضينا الصلاة فمن أحب ان يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب ان يذهب فليذهب) * قال أبو محمد: إن قيل: إن محمد بن الصباح أرسله عن الفضل بن موسى * قلنا: نعم، فكان ماذا؟ المسند زائد علما لم يكن عند المرسل، فكيف وخصومنا اكثرهم يقول: ان المرسل والمسند سواء؟ * وروينا من طريق ابن جريج عن عطاء قال: ليس حقا على الناس حضور الخطبة، يعنى في العيدين، والآثار في هذا كثيرة جدا * 544 - مسألة - ويصليهما، العبد والحر، والحاضر، والمسافر، والمنفرد، والمرأة والنساء، وفى كل قرية، صغرت أم كبرت، كما ذكرنا، إلا أن المنفرد لا يخطب * وان كان عليه مشقة في البروز إلى المصلى صلوا جماعة في الجامع * لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرنا عنه في كلامنا في القصر في صلاة السفر وصلاة الجمعة: أن صلاة العيد ركعتان، فكان هذا عموما، لا يجوز تخصيصه بغير نص، وقال تعالى: (وافعلوا الخير) والصلاة خير * ولا نعلم في هذا خلافا، الا قول أبى حنيفة: إن صلاة العيدين لا تصلى الا في مصر جامع، ولا حجة لهم إلا شيئا رويناه من طريق على لاجمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع وقد قدمنا أنه لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * فان كان قول على رضى الله عنه حجة في هذا فقد روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة ثنا محمد بن النعمان عن أبى قيس عن هزيل بن شرحبيل (2): أن على بن أبى طالب


(1) بكسر السين المهملة ثم ياء تحتانية ثم نون. نسبة إلى (سينان) قرية من خراسان (2) هزيل: بضم الهاء وفتح الزاى. وشرحبيل: بضم الشين وفتح الراء واسكان الحاء المهملة.

[ 87 ]

أمر رجلا ان يصلى بضعفة الناس أربع ركعات في المسجد يوم العيد * فان ضعفوا هذه الرواية قيل لهم: هي أقوى من التى تعلقتم بها عنه أو مثلها، ولافرق وكلهم مجمع على أن صلاة العيدين تصلى حيث تصلى الجمعة، وقد ذكرنا حكم الجمعة، ولافرق بين صلاة العيدين وصلاتها في المواطن * وقد روينا عن عمر، وعثمان رضى الله عنهما: أنهما صليا العيد بالناس في المجسد لمطر وقع يوم العيد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرز إلى المصلى لصلاة العيدين. فهذا أفضل، وغيره يجزئ، لانه فعل لا أمر. وبالله تعالى التوفيق * 545 - مسألة - ويخرج إلى المصلى النساء حتى الابكار، والحيض وغير الحيض، ويعتزل الحيض المصلى، وأما الطواهر فيصلين مع الناس، ومن لاجلباب لها فلتستعر جلبابا ولتخرج، فإذا اتم الامام الخطبة فنختار له أن يأتيهن يعظهن ويأمرهن بالصدقة، ونستحب لهن الصدقة يومئذ بما تيسر * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا أبو معمر - هو عبد الله بن عمر والرقى - ثنا عبد الوارث - هو ابن سعيد التنورى - ثنا أيوب السختيانى عن حفصة بنت سيرين قالت: كنا نمنع جوارينا ان يخرجن يوم العيد، فلما قدمت ام عطية اتيتها فسألتها؟ فقالت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (لتخرج العواتق ذوات الخدور، أو قال: وذوات الخذور - شك ايوب والحيض، فيعتزل الحيض المصلى، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عمرو الناقد ثنا عيسى بن يونس ثنا هشام - هو ابن حسان - عن حفصة بنت سيرين عن ام عطية قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والاضحى، العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها اختها من جلبابها) * وبالسند المذكور إلى البخاري: ثنا اسحاق - هو ابن ابراهيم بن نصر - ثنا عبد الرزاق


وفى النسخة رقم (16) (شريح) وكذلك ذكر بحاشية النسخة رقم (14) على أنه نسخة أخرى، وهو خطأ فيها.

[ 88 ]

أنا ابن جريج اخبرني عطاء قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: (قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه، تلقى فيه النساء صدقة) وقلت لعطاء: أترى حقا على الامام ذلك، يأتيهن ويذكرهن؟ قال: إنه لحق عليهم، ومالهم لا يفعلونه * وبالسند المذكور إلى مسلم حدثنى محمد بن رافع وعبدبن حميد كلاهما عن عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس قال: شهدت صلاة الفطر مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب، فنزل نبى الله صلى الله عليه وسلم كأنى انظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم اقبل يشقهم، حتى جاء النساء ومعه بلال (1)، فقال: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا) فتلا هذه الآية، ثم قال: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة واحدة منهن - لم يجبه غيرها منهن (2) -: نعم يا نبى الله، قال: فتصدقن، فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلم فدا لكن ابى وأمى، فجعلن يلقين الفتخ والخواتم في ثوب بلال) * فهذه آثار متواترة عنه صلى الله عليه وسلم من طريق جابر، وابن عباس وغيرهما بأنه عليه السلام رأى حضور النساء المصلى، وأمر به، فلا وجه لقول غيره إذا خالفه * ولا متعلق للمخالف إلا رواية عن ابن عمر أنه منعهن، وقد جاء عن ابن عمر خلافها، ولا يجوزان يظن بابن عمر إلا انه إذ منعهن لم يكن بلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذ بلغه رجع إلى الحق كما فعل إذ سب ابنه اشد السب إذ سمعه يقول: نمنع النساء المساجد ليلا * ولا حجة في احد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ادعى امرؤ الاجماع على صحة خروج النساء إلى العيدين وأنه لا يحل منعهن -: لصدق، لاننا لا نشك في ان كل من حضر ذلك من الصحابة رضى الله عنهم أو بلغه ممن لم يحضر -: فقد سلم ورضى واطاع، والمانع من هذا مخالف للاجماع وللسنة * 546 - مسألة - ونستحب السير إلى العيد على طريق والرجوع على آخر، فان لم يكن ذلك فلا حرج، لانه قد روى ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست الرواية فيه بالقوية *


(1) في النسخة رقم (16) (ومعه اذن بلال) وهو خطأ. (2) في النسخة رقم (14) (لم يجبه منهن غيرها) وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 240 و 241).

[ 89 ]

547 - مسألة - وإذا اجتمع عيد في يوم جمعة صلى للعيد ثم للجمعة ولابد، ولا يصح أثر بخلاف ذلك * لان في رواته اسرائيل، وعبد الحميد بن جعفر، وليسا بالقويين، ولا مؤنة على خصومنا من الاحتجاج بهما إذا وافق ما روياه تقليدهما، وهنا خالفا روايتهما * فأما رواية اسرائيل، فانه روى عن عثمان بن المغيرة عن اياس بن أبى رملة: سمعت معاوية سأل زيد بن أرقم: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين؟ قال: (نعم صلى العيد أول النهار، ثم رخص في الجمعة) (1) وروى عبد الحميد بن جعفر: حدثنى وهب بن كيسان قال: (اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال، ثم نزل فصلى ركعتين، ولم يصل للناس يومئذ الجمعة، فقال ابن عباس: أصاب السنة) (2) * قال أبو محمد: الجمعة فرض والعيد تطوع، والتطوع لا يسقط الفرض (3) * 548 - مسألة - والتكبير ليلة عيد الفطر فرض، وهو في ليلة عيد الاضحى حسن، قال تعالى وقد ذكر صوم رمضان: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) فباكمال عدة صوم رمضان وجب التكبير، ويجزئ من ذلك تكبيرة، وأما ليلة الأضحى ويومه ويوم الفطر فلم يأت به أمر، لكن التكبير فعل خير وأجر * 549 - مسألة - ويستحب الاكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، فان لم يفعل فلا حرج، ما لم يرغب عن السنة في ذلك، وإن أكل يوم الاضحى قبل غدوه إلى المصلى فلا بأس، وإن لم يأكل حتى يأكل من أضحيته فحسن، ولا يحل صيامهما أصلا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد


(1) كلا بل هو حديث صحيح واعله بعضهم بأن اياس بن ابى رملة مجهول، واما اسرائيل فانه ثقة حجة. والحديث رواه الحاكم (ج 1 ص 288) وصححه هو والذهبي ورواه أيضا احمد وابو داود وابن ماجه والنسائي وصححه ابن المدينى. انظر الشوكاني (ج 3 ص: 347) وعند الحاكم شاهد له من حديث ابى هريرة وصححه هو والذهبي (2) رواه النسائي (ج 3 ص 194) وعبد الحميد بن جعفر ثقة اخرج له مسلم (3) زعم المؤلف مانعاه على غيره كثيرا من رد السنة بالآراء والقياس. (م 12 - ج 5 المحلى)

[ 90 ]

ابن عبد الرحيم أنا سعيد بن سليمان أخبرنا هشيم انا عبيدالله بن ابى بكر بن انس عن انس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات) * قال أبو محمد: يلزم من أوجب ذلك ان يوجب التمر دون غيره * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن نافع قال: كان ابن عمر يغدو يوم الفطر من المسجد، ولا اعلمه أكل شيئا. * وعن ابراهيم النخعي عن علقمة، والاسود: ان ابن مسعود قال: لا تأكلوا قبل ان تخرجوا يوم الفطر إن شئتم * وعن سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: إن شاء طعم يوم الفطر والاضحى وان شاء لم يطعم * 550 - مسألة - والتنفل قبلهما في المصلى حسن، فان لم يفعل فلا حرج، لان التنفل فعل خير * فان قيل: قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل قبلهما، ولا بعدهما * قلنا: نعم، لانه عليه السلام كان الامام، وكان مجيئه إلى التكبير لصلاة العيد بلا فصل، ولم ينه عليه السلام قط - لا بايجاب ولا بكراهة - عن التنفل في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها، ولو كانت مكروهة لبينها عليه السلام، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزد قط في ليلة على ثلاث عشرة ركعة، أفتكرهون الزيادة أو تمنعون منها؟ فمن قولهم: لا، فيقال لهم: فرقوا ولا سبيل إلى فرق * وروينا عن قتادة: كان أبو هريرة، وانس بن مالك، والحسن، واخوه سعيد، وجابربن زيد يصلون قبل خروج الامام وبعده، يعنى في العيدين * وعم معمر عن ايوب السختيانى قال: رأيت انس بن مالك والحسن يصليان قبل صلاة العيد * وعن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: رأيت انس بن مالك والحسن واخاه سعيدا وابا الشعثاء جابر بن زيد يصلون يوم العيد قبل خروج الامام * وعن على بن ابى طالب: انه اتى المصلى فرأى الناس يصلون، فقيل له في ذلك، فقال: لا أكون الذى ينهى عبدا إذا صلى *

[ 91 ]

551 - مسألة - والتكبير اثر كل صلاة، وفى (1) الاضحى، وفى ايام التشريق ويوم عرفة -: حسن كله، لان التكبير فعل خير، وليس ههنا اثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيص الايام المذكورة دون غيرها * وروينا عن الزهري، وابى وائل، وابى يوسف، ومحمد استحباب التكبير غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق عند العصر * وعن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى كلاهما عن سفيان الثوري عن ابى اسحاق السبيعى عن الاسود وأصحاب ابن مسعود قال (2): كان ابن مسعود يكبر صلاة الصبح (3) يوم عرفة إلى صلاة العصر يوم النحر، قال عبد الرحمن في روايته: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله، الله اكبر الله اكبر، الحمدلله (4) * وعن علقمة مثل هذا، وهو قول أبى حنيفة * وعن ابن عمر: من يوم النحر إلى صلاة الصبح آخر ايام التشريق * قال أبو محمد: من قاس ذلك على تكبير ايام منى فقد اخطأ، لانه قاس من ليس بحاج على الحاج ولم يختلفوا انهم لا يقيسونهم عليهم في التلبية، فيلزمهم مثل ذلك في التكبير * ولا معنى لمن قال: إنما ذلك في الايام المعلومات، لقول الله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات وقال: إن يوم النحر مجمع عليه أنه من المعلومات، وما بعده مختلف فيه، لانه دعوى فاسدة وما حجر الله تعالى قط ذكره في شئ من الايام * ولا معنى لمن اقتصر بالمعلومات على يوم النحر لان النص يمنع من ذلك، بقوله تعالى (على ما رزقهم من بهيمة الانعام) وقد صح ان يوم عرفة ليس من أيام وان ما بعد يوم النحر هو من أيام النحر، فبطل هذا القول. وبالله تعالى التوفيق * 552 - مسألة - ومن لم يخرج يوم الفطر ولا يوم الاضحى لصلاة العيدين خرج لصلاتهما في اليوم الثاني، وان لم يخرج غدوة خرج ما لم تزل الشمس، لانه فعل خير،


(1) باثبات الواو في الاصلين وهو صواب (2) كذا في الاصلين (قال) بالافراد، وهو صحيح فالقائل أبو إسحق نقلا عن الاسود وغيره (3) كذا في الاصلين وهو صحيح (4) في النسخة رقم (16) (ولله الحمد) وكانت هكذا في النسخة رقم (14) ولكن ناسخها صححها إلى (الحمد لله) وهى نسخة صحيحة عنى بها كاتبها واجتهد في أن تكون من أصح النسخ فلذلك اعتمدناها في التصحيح.

[ 92 ]

وقال تعالى: (وافعلوا الخير) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا حفص ابن عمر - هو الحوضى - ثنا شعبة عن جعفر بن ابى وحشية عن ابى عمير بن انس بن مالك عن عمومة له من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أن ركبا جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون انهم رأوا الهلال بالامس، فأمرهم ان يفطروا (1) وإذا اصبحوا يغدوا إلى مصلاهم) * قال أبو محمد: هذا مسند صحيح، وابو عمير مقطوع على انه لا يخفى عليه من أعمامه من صحت صحبته ممن لم تصح صحبته وإنما يكون هذا علة ممن يمكن أن يخفى عليه هذا، والصحابة كلهم عدول رضى الله عنهم، لثناء الله تعالى عليهم * وهذا قول ابى حنيفة والشافعي * فلو لم يخرج في الثاني من الاضحى وخرج في الثالث فقد قال به أبو حنيفة، وهو فعل خير لم يأت عنه نهى * 553 - مسألة - والغناء واللعب والزفن (2) في ايام العيدين حسن في المسجد وغيره حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا احمد ابن صالح ثنا ابن وهب انا عمرو - هو ابن الحارث - ان محمد بن عبد الرحمن - هو يتيم عروة - حدثه عن عروة عن عائشة قالت: (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث (3) فاضطجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعها (4)، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدرق والحراب، فاما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فاقامنى وراءه، خدى على خده، وهو يقول: دونكم يا بنى أرفدة (5) حتى إذا مللت قال: حسبك؟


(1) في النسخة رقم (16) (فأمرهم النى صلى الله عليه وسلم ان يفطروا) وما هنا هو الموافق لابي داود (ج 1 ص 450 449) (2) بفتح الزاى واسكان الفاء، وانظر المسألة 500 (ج 4 ص 246) (3) بضم الباء وفتح العين المهملة المخففة. موضع في نواحى المدينة على ليلتين منها. كانت به وقائع بين الاوس والخزرج في الجاهلية (4) هكذا في الاصلين بالافراد، وفى البخاري (ج 2 ص 54 و 55) (دعهما وكل صحيح) (5) بفتح الهمزة واسكان الراء وكسر الفاء وفتح الدال المهملة، لقب للحبشة *

[ 93 ]

قلت: نعم، قال: فاذهبي) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى هرون بن سعيد الايلى حدثنى ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن ابن شهاب حدثه عن عروة عن عائشة: (أن ابا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه، فانتهرها أبو بكر، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقال: دعهما يا أبا بكر فانها أيام عيد) * وبه إلى مسلم: ثنا زهير بن حرب ثنا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن هشام - هو ابن عروة - عن ابيه عن عائشة قالت: (جاء جيش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التى انصرفت) * وبه إلى مسلم: حدثنى محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: (بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرابهم إذ دخل عمر بن الخطاب، فأهوى إليهم ليحصبهم بالحصباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهم يا عمر) قال أبو محمد: أين يقع انكار من انكر من انكار سيدى هذه الامة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم - ابى بكر، وعمر رضى الله عنهما -؟! وقد انكر عليه السلام عليهما انكارهما، فرجعا عن رأيهما إلى قوله عليه السلام * (صلاة الاستسقاء) 544 - مسألة - قال أبو محمد: ان قحط الناس أو اشتد المطر حتى يؤذى فليدع المسلمون في ادبار صلواتهم وسجودهم وعلى كل حال، ويدعو الامام في خطبة الجمعة، قال عزوجل: (ادعوني استجب لكم) وقال تعالى: (فلو لا إذ جاء هم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم) * فان اراد الامام البروز في الاستسقاء خاصة - لا فيما سواه - فليخرج متبذلا متواضعا إلى موضع المصلى والناس معه، فيبدأ فيخطب بهم خطبة يكثر فيها من الاستغفار، ويدعو الله عزوجل، ثم يحول وجهه إلى القبلة وظهره إلى الناس، فيدعو الله تعالى رافعا يديه، ظهورهما إلى السماء، ثم يقلب رداءه أو ثوبه الذى يتغطاه، فيجعل باطنه ظاهره، وأعلاه أسفله، ما على منكب من منكبيه على المنكب الآخر، ويفعل الناس كذلك، ثم يصلى بهم ركعتين، كما قلنا في صلاة العيد سواء سواء، بلا أذان ولا اقامة، الا أن

[ 94 ]

صلاة الاستسقاء يخرج فيها المنبر إلى المصلى، ولا يخرج في العيدين، فإذا سلم انصرف وانصرف الناس * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا آدم ثنا ابن أبى ذئب عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه - هو عبد الله بن زيد الانصاري - قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقى فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أنا محمد بن عبيد ثنا حاتم بن اسماعيل عن هشام بن اسحاق بن عبد الله بن أبى كنانة عن أبيه قال: (سألت ابن عباس عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء؟ فقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلا متواضعا متضرعا، فجلس على المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه، لكن لم يزل في التضرع، والدعاء، والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلى في العيد) * قال أبو محمد: أما الاستغفار فلقول الله تعالى (واستغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا). وتحويل الرداء يقتضى ما قلناه. وهذا كله قول أصحابنا * وقال مالك: بتقديم الخطبة * وقال الشافعي: صلاة الاستسقاء كصلاة العيد * وقد روينا عن السلف خلاف هذا، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى: أن ابن الزبير بعث إلى عبد الله بن يزيد - هو الخطمى - أن يستسقى بالناس، فخرج فاستسقى بالناس، وفيهم البراء بن عازب وزيد بن أرقم، فصلى ثم خطب * قال أبو محمد: لعبدالله بن يزيد هذا صحبة بالنبي صلى الله عليه وسلم * وعن أبى بكر وعمر، وعثمان، وعلى: أنهم كانوا يكبرون في الاستسقاء والفطر، والاضحى سبعا في الاولى وخمسا في الثانية، ويصلون قبل الخطبة، ويجهرون بالقراءة، ولكن في * الطريق ابراهيم بن أبى يحيى، وهو أيضا منقطع * وروينا: أن عمر خرج إلى المصلى فدعا في الاستسقاء، ثم انصرف ولم يصل * قال أبو محمد: ولا يمنع اليهود ولا المجوس ولا النصارى من الخروج إلى الاستسقاء للدعاء فقط، ولا يباح لهم إخراج ناقوس ولا شئ يخالف دين الاسلام. وبالله تعالى التوفيق *

[ 95 ]

555 - مسألة - صلاة الكسوف على وجوه * أحدها أن تصلى ركعتين كسائر التطوع، وهذا في كسوف الشمس وفى كسوف القمر أيضا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفريرى ثنا البخاري ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث - هو ابن سعيد التنورى - ثنا يونس - هو ابن عبيد - عن الحسن عن أبى بكرة قال: (خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج يجر رداءه، حتى انتهى إلى المسجد، فثاب الناس (1) فصلى بهم ركعتين، فانجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وانهما لا يخسفان (2) لموت أحد، وإذا كان ذلك فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم، وذلك أن ابنا للنبى صلى الله عليه وسلم مات، يقال له: ابراهيم، فقال ناس في ذلك) (3) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب انا عمرو بن على ثنا يزيد - هو ابن زريع (4) ثنا يونس - هو ابن عبيد - عن الحسن عن ابى بكرة: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس، فقام إلى المسجد يجر رداءة من العجلة، فقام إليه الناس، فصلى ركعتين كما يصلون، فلما انجلت خطبنا، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما (5) عباده وانهما لا ينكسفان (6) لموت أحد ولا لحياته (7) فإذا رأيتم كسوف أحدهما فصلوا حتى ينجلى (8) * وروينا نحو هذا أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاصى يوم مات ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن فيه تطويل الركوع والسجود والقيام * فأخذا بهذا طائفة من السلف، منهم عبد الله بن الزبير، صلى في الكسوف ركعتين


(1) في البخاري (ج 2 ص 96 و 97) (وثاب الناس إليه) (2) في النسخة رقم (16) (ولا يخسفان) وما هنا هو الموافق للبخاري. (3) في البخاري (فقال الناس في ذلك) (4) بضم الزاى وفتح الراء وآخره عين مهملة وفى الاصلين (بزيع) وهو خطأ صرف، وليس في رجال الكتب الستة من يسمى (يزيد بن بزيع) وهو في النسائي (ج 3 ص 152 و 153) (حدثنا يزيد وهو ابن زريع) على الصواب (5) في النسخة رقم (16) (به) وهو خطأ (6) في النسخة رقم (16) (لا يكسفان) وما هنا هو الموافق للنسائي (7) كلمة (ولا لحياته) ثابتة في الاصلين ولا توجد في النسائي (8) الذى في النسائي (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) *

[ 96 ]

كسائر الصلوات * فان قيل: قد خطأه أخوه عروة * قلنا: عروة أحق بالخطأ، لان عبد الله صاحب، وعروة ليس بصاحب، وعبد الله عمل بعلم، وأنكر عروة ما لم يعلم * وبهذا يقول أبو حنيفة * قال أبو محمد: وهذا الوجه يصلى لكسوف الشمس ولكسوف القمر في جماعة، ولو صلى ذلك عند كل آية تظهر - من زلزلة أو نحوها - لكان حسنا، لانه فعل خير * وإن شاء صلى ركعتين ويسلم، ثم ركعتين ويسلم، هكذا حتى ينجلى الكسوف في الشمس والقمر، والآيات كما ذكرنا * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا أحمد بن أبى شعيب الحرانى ثنا الحارث بن عمير البصري عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن النعمان بن بشير قال: (كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يصلى ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت) * وروينا أيضا قوله عليه السلام: (فصلوا حتى تنجلي) عن أبى بكرة، كما ذكرنا آنفا، وعن المغيرة بن شعبة، وعن ابن عمر، وأبى مسعود، بأسانيد في غاية الصحة، وهذا اللفظ يقتضى ما ذكرنا * وهذا قول طائفة من السلف روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري والربيع بن صبيح (1) وقال سفيان: عن المغيرة عن ابراهيم النخعي وقال الربيع: عن الحسن (2) ثم اتفق الحسن وابراهيم قالا


(1) الربيع بفتح الراء، وصبيع بفتح الصاد، كلاهما بوزن أمير (2) قوله (وقال الربيع عن الحسن) سقط من النسخة رقم (16) وفى النسخة رقم (14) (روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري والربيع بن صبيح، وقال سفيان عن المغيرة، وقال الربيع عن الحسن عن ابراهيم النخعي ثم اتفق الحسن وابراهيم) الخ وهو خطأ في الاولى وخلط في الثانية، والصواب ما استخرجناه من مجهوعهما هنا، فان الثوري يروى عن المغيرة - وهو ابن مقسم الضبى - والمغيرة يروى عن ابراهيم ووكيع يروى عن الربيع والربيع عن الحسن، وقول المؤلف عقبة (ثم اتفق الحسن وابراهيم) دليل على أن قوليهما متماثلان، لا أن أحدحما يرويه عن الآخر، وهذا واضح جدا *

[ 97 ]

جميعا في الكسوف: صلى ركعتين ركعتين، وان شاء ذكر الله تعالى ودعا بعد أن يكبر قائما، فإذا انجلى الكسوف قرأ وركع ركعتين، هذا في الشمس والقمر والآيات أيضا * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن ابى شيبة ثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى عن الجريرى عن حيان بن عمير (1) أبى العلاء عن عبد الرحمن بن سمرة - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: (كنت أرمى (2) بأسهم لى في المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كسفت الشمس، فنبذتها وقلت: والله لانظرن إلى ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس، قال: فأتيته وهو قائم في الصلاة رافع (3) (يديه، فجعل يسبح، ويحمد ويهلل ويكبر، يدعو حتى حسر عنها، فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين) * وإن شاء لكسوف الشمس خاصة إن كسفت من طلوع الشمس إلى أن يصلى الظهر - صلى ركعتين كما قدمنا، وان كسفت من بعد صلاة الظهر إلى أخذها في الغروب صلى أربع ركعات كصلاة الظهر أو العصر * وفى كسوف القمر خاصة إن كسفت بعد صلاة المغرب إلى أن تصلى العشاء الآخرة صلى ثلاث ركعات كصلاة المغرب وان كسف بعد صلاة العتمة إلى الصبح صلى أربعا كصلاة العتمة * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - ثنا خالد - هو الحذاء عن أبى قلابة عن النعمان بن بشير قال: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج يجر ثوبه فزعا، حتى اتى المسجد، فلم يزل يصلى - بنا (4) حتى انجلت، فلما انجلت (5) قال: إن ناسا يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك، إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت احد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله تعالى، وان


(1) حيان: بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة التحتية، وعمير: بالتصغير (2) في الاصلين (أرتمى) وصححناه من مسلم (ج 1 ص 250 و 251) (3) في النسخة رقم (16) (رافعا) وما هنا هو الموافق لمسلم (4) كلمة (بنا) محذوفة من الاصلين، وزدناها من النسائي (ج 3 ص 141) (5) قوله (فلما انجلت) زدناه من النسائي * (م 13 - ج 5 المحلى)

[ 98 ]

الله (1) إذا تجلى لشئ من خلقه خشع له (2) فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة) * فان قيل: ان أبا قلابة قد روى هذا الحديث عن رجل عن قبيصة العامري. قلنا: نعم، فكان ماذا؟ وأبو قلابة قد ادرك النعمان فروى هذا الخبر عنه، ورواه أيضا عن آخر فحدث بكلتا روايتيه، ولاوجه للتعلل بمثل هذا أصلا ولا معنى له * وإن شاء في كسوف الشمس خاصة صلى ركعتين، في كل ركعة ركعتان، يقرأ ثم يركع ثم يرفع فيقرأ ثم يركع ثم يرفع فيقول: (سمع الله لمن حمده) ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم فيركع اخرى، في كل ركعة ركعتان، كما وصفنا، ثم يسجد سجدتين، ثم يجلس ويتشهد ويسلم، وهو قول مالك والشافعي واحمد وأبى وثور * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبد الله ابن مسلمة عن مالك بن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس قال: (انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام قياما طويلا نحوا من قرأءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الاول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول، ثم سجد، ثم قام قايما طويلا وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول، ثم سجد (3) ثم انصرف وذكر باقى الخبر * وروينا أيضا مثله عن عائشة رضى الله عنها * وان شاء صلى في كسوف الشمس خاصة ركعتين في كل ركعة ثلاث ركعات، يقرأ ثم يركع ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقول: (سمع الله لمن حمده) ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم فيركع أيضا ركعة فيها ثلاث ركعات كما ذكرنا، ثم يرفع (4) ثم يسجد ثم يجلس ويتشهد ويسلم *


(1) في النسائي (ان الله) بحذف الواو (2) كلمة (له) محذوفة في النسخة رقم (16) وانظر بحثا نفيسا جيدا في قوله (ان الله إذا تجلى لشئ من خلقه خشع له) في شرحي السيوطي والسندى على سنن النسائي وفى تهافت الفلاسفة للغزالي (ص 4 و 5) * (3) قوله (ثم سجد) سقط من النسخة رقم (16) خطأ، وما هنا هو الصواب الموافق للبخاري) ج 2 ص 92) (4) في الاصلين (ثم يركع) وهو خطأ واضح.

[ 99 ]

وقد روينا ما يظن فيه هذا الفعل عن ابن عباس * روينا من طريق حماد بن سلمة أنا قتادة عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس: أنه صلى في زلزلة بالبصرة قام بالناس فكبر أربعا ثم قرأ ثم كبر وركع، ثم رفع رأسه فكبر اربعا، ثم قرأما شاء الله ان يقرأ، ثم كبر فركع (1) ومن طريق معمر عن قتادة وعاصم الاحول كلاهما عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس: انه صلى بالبصرة في الزلزلة فأطال القنوت، ثم ركع ثمك رفع رأسه فأطال القنوت ثم ركع ثم رفع رأسه فأطال القنوت، ثم ركع، ثم سجد، ثم صلى الثانية كذلك، فصار ثلاث ركعات في أربع سجدات، وقال هكذا صلاة الآيات، قال قتادة: صلى حذيفة بالمدائن باصحابه مثل صلاة ابن عباس في الآيات، ثلاث ركعات ثم سجد سجدتين وفعل في الاخرى مثل ذلك * ومن طريق وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة أم المؤمنين قالت: صلاة الآيات ست ركعات في أربع سجدات * وإن شاء صلى في كسوف الشمس خاصة ركعتين في كل ركعة أربع ركعات، يقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقول: (سمع الله لمن حمده) ثم يسجد سجدتين، ثم يفعل في الثانية كذلك ايضا سواء سواء، ثم يجلس ويتشهد ويسلم * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا اسماعيل بن علية عن سفيان الثوري عن حبيب - هو ابن أبى ثابت - عن طاوس عن ابن عباس قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كسفت الشمس ثمانى ركعات في أربع سجدات) * وعن على رضى الله عنه مثل ذلك * وبه إلى مسلم: ثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري ثنا حبيب - هو ابن أبى ثابت - عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى في كسوف: قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد، قال: والاخرى مثلها) * وهو قول على كما ذكرنا * وقد فعله أيضا ابن عباس وحبيب بن أبى ثابت *


(1) هذان ركوعان فقط! *

[ 100 ]

روينا (1) من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أن سليمان الاحول أخبره أن طاوسا أخبره: أن ابن عباس صلى إذ كشف الشمس على ظهر صفة زمزم ركعتين في كل ركعة اربع ركعات * وعن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت: انه صلى في كسوف الشمس ركعتين، في كل ركعة اربع ركعات، كما روى * وإن شاء صلى في كسوف الشمس خاصة ركعتين، في كل ركعة خمس ركعات، يقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع ثم يسجد سجدتين ثم الثانية كذلك أيضا ثم يجلس ويتشهد ويسلم * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب انا إسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - ثنا معاذ بن هشام الدستوائى حدثنى أبى عن قتادة في صلاة الآيات عن عطاء (2) بن أبى رباح عن عبيد بن عمير عن عائشة أم المؤمنين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ست ركعات في أربع سجدات (3) * ورويناه أيضا مبينا في كسوف الشمس بصفة العمل كذلك من طريق أبى بن كعب * ومن طريق وكيع عن المبارك بن فضالة عن الحسن البصري: أن على بن أبى طالب صلى في كسوف عشر ركعات في أربع سجدات * قال أبو محمد: كل هذا في غاية الصحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن عمل به من صاحب أو تابع * وروى عن العلاء بن زياد العدوى - وهو من كبار التابعين أن صفة صلاة الكسوف أن يقرأ ثم يركع، فان لم تنجل ركع ثم رفع، فقرأ هكذا أبدا حتى تنجلي، فإذا انجلت سجد ثم ركع الثانية، وعن اسحق بن راهويه نحو هذا * (1) في نسخة (كما روينا) (2) في النسخة رقم (14) (وعن عطاء) وزيادة الواو خطأ، وما هنا هو الموافق للنسائي (ج 3 ص 130) (3) في الاصلين (عشر ركعات في اربع سجدات) وهو خطأ، والذى هنا هو الذى في النسائي بهذا الاسناد، وقد رواه ايضا مسلم (ج 1 ص 247) من طريق معاذ بن هشام عن ابيه بالاسناد الذى هنا وفيه ايضا (ست ركعات) ورواه ايضا النسائي ومسلم بمعناه من طريق ابن جريج عن عطاء، وهو مبين صريحا ان في كل ركعة ثلاث ركوعات *

[ 101 ]

قال أبو محمد: لا يحل الاقتصار على بعض هذه الآثار دون بعض لانها كلها سنن، ولا يحل النهى عن شئ من السنن * فأما مالك فانه في اختياره بعض ماروى من طريق ابن عباس، وعائشة رضى الله عنهما وتقليد أصحابه له في ذلك -: هادمون أصلا لهم كبيرا، وهو أن الثابت عن عائشة، وابن عباس خلاف ما رويا (1) مما اختاره مالك كما أوردنا آنفا، ومن أصلهم أن الصاحب إذا صح عنه خلاف ما روى كان ذلك دليلا على نسخه، لانه لا يترك ما روى إلا لان عنده علما بسنة هي أولى من التى ترك، وهذا مما تناقضوا فيه * واما أبو حنيفة ومن قلده فانهم عارضوا سائر ما روى بأن قالوا: لم نجد في الاصول صفة شئ من هذه الاعمال * قال أبو محمد: وهذا ضلال يؤدى إلى الانسلاخ من الاسلام لانهم مصرحون بأن لا يؤخذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة، ولا يطاع له أمر: إلا حتى يوجد في سائر الديانة حكم آخر مثل هذا الذى خالفوا، ومع هذا فهو حمق من القول * وليت شعرى من أين وجب أن لا تؤخذ لله شريعة الا حتى توجد أخرى مثلها والا فلا؟ وما ندرى هذا يجب، لابدين ولا بعقل، ولا برأى سديد، ولا بقول متقدم، وما هم بأولى من آخر قال: بل لا آخذ بها حتى اجد لها نظيرين أو من ثالث قال: لا حتى اجد لها ثلاث نظائر والزيادة ممكنة لمن لا دين له ولا عقل ولا حياء! * ثم نقضوا هذا فجوزوا صلاة الخوف كما جوزوها، ولم يجدوا لها في الاصول نظيرا، في ان يقف المأموم في الصلاة بعد دخوله فيها مختارا للوقوف، لا يصلى بصلاة * امامه، ولا يتم ما بقى عليه وجوزوا البناء في الحدث، ولم يجدوا في الاصول لها نظيرا، ان يكون في صلاته بلا طهارة، ثم لا يعمل عمل صلاته، ولا هو خارج عنها، والقوم لا يبالون بما قالوا * وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجهر في صلاة الكسوف. وقال من احتج لهم: لو جهر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعرف بما قرأ * قال أبو محمد: هذا احتجاج فاسد، وقد عرف ما قرأ * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد (1) في النسخة رقم (14) (ما روينا) وهو خطأ ظاهر *

[ 102 ]

ابن مهران - هو الرازي - ثنا الوليد بن مسلم ثنا ابن نمر - هو عبد الرحمن - سمع ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: (جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف بقراءته) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبى ثنا الاوزاعي أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قراءة طويلة فجهر بها) في صفتها لصلاة الكسوف قال أبو محمد: قطع عائشة وعروة والزهرى والاوزاعي بأنه عليه السلام جهر فيها -: أولى من ظنون هؤلاء الكاذبة! * وقد روينا من طريق ابى بن كعب: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في اول ركعة من صلاة الكسوف سورة من الطول) * فان قيل: ان سمرة روى فقال: (انه عليه السلام صلى في الكسوف لا نسمع له صوتا) * قلنا هذا لا يصح، لانه لم يروه الا ثعلبة بن عباد العبدى،، وهو مجهول * ثم لو صح لم تكن لهم فيه حجة، لانه ليس فيه انه عليه السلام لم يجهر وانما فيه (لا نسمع له صوتا) وصدق سمرة في انه لم يسمعه ولو كان بحيث يسمعه لسمعه كما سمعته عائشة رضى الله عنها اليت كانت قريبا من القبلة في حجرتها، وكلاهما صادق * ثم لو كان فيه (لم يجهر) لكان خبر عائشة زائدا على ما في خبر سمرة، والزائد أولى أو لكان كلا الامرين جائزا لا يبطل أحدهما الآخر فكيف وليس فيه شئ من هذا؟ * قال أبو محمد: ولا نعلم اختيار المالكيين روى عمله عن احد من الصحابة رضى الله عنهم ببيان اقتصاره على ذلك العمل * فان قيل: كيف تكون هذه الاعمال صحاحا كلها وانما صلاها عليه السلام مرة واحدة إذ مات ابراهيم؟ * قلنا: هذا هو الكذب والقول بالجهل * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب انا عبدة بن عبد الرحيم أنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة: (ان رسول الله

[ 103 ]

صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف في صفة زمزم اربع ركعات وأربع سجدات) (1) * فهذه صلاة كسوف كانت بمكة سوى التى كانت بالمدينة، وما رووا قط عن احد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة. وكسوف الشمس يكون متواترا، بين كل كسوفين خمسة اشهر قمرية، فأى نكرة في ان يصلى عليه السلام فيه عشرات من المرات في نبوته؟ (2)! *


(1) قال السيوطي في شرح النسائي (ج 3 ص 135) (قال الحافظ عماد الدين بن كثير: تفرد النسائي عن عبدة بقوله (في صفة زمزم) وهو وهم بلاشك، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة بالمدينة في المسجد، هذا هو الذى ذكره الشافعي، واحمد، والبخاري، والبيهقي، وابن عبد البر، وأما هذا الحديث بهذه الزيادة فيخشى ان يكون الوهم من عبدة بن عبد الرحيم هذا، فانه مروزى نزل دمشق ثم صار إلى مصر فاحتمل أن النسائي سمعه منه بمصر، فدخل عليه الوهم، لانه لم يكن معه كتاب وقد اخرجه البخاري ومسلم والنسائي ايضا بطريق آخر من غير هذه الزيادة. وعرض هذا على الحافظ جمال الدين المزى فاستحسنه وقال: (قد أجادوا احسن الانتقاد) وقال ابن حجر في التلخيص (ص 147): (فيه نظر، لان الحافظ رووه عن يحيى بن سعيد بدون قوله: في صفة زمزم كذا هو عند مسلم والنسائي أيضا فهذه الزيادة شاذة) (2) حقيقة إن الاحاديث التى وردت في وصف صلاة الكسوف مختلفة جدا، وكثير منها صحيح الاسناد وللعلماء فيها مسلكان: مسلك الجمع بينها بحملها على تعدد حصول الكسوف وصلاته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذى ذهب إليه اسحق ورجحه ابن رشد الفيلسوف في بداية المجتهد (ج 1 ص 167) والمؤلف في هذا الكتاب وغيرهم. والمسلك الثاني الترجيح، قال ابن حجر في الفتح (ج 2 ص 362): (نقل صاحب الهدى عن الشافعي واحمد والبخاري أنهم كانو يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فان اكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها ان ذلك كان يوم مات ابراهيم عليه السلام وإذا انحدث القصة تعين الاخذ بالراجح) والراجح قطعا هو حديث عائشة الذى فيه ركوعان في كل ركعة. ومثل هذا الامر لا يكفي فيه الاحتمال فقط بل يجب تحقيقه، ولئن زعم بعض علمائنا رحمهم الله ان حساب المنجمين لا يقبل ولا يعتمد، فانما ذلك كان ظنا منهم أنه من باب (التنجيم) ولم يعلموا انه حساب دقيق قاطع في اللالة على مواقيت مثل هذه

[ 104 ]

الاشياء، وليس هو من علم الغيب كما يفهم بعض الناس. وكسوف الشمس هو مرور القمر بينها وبين الارض، وخسوف القمر يكون بوقوع ظل الارض عليه، لان نوره مستمد من الشمس فإذا حجب عنه أظلم ولقد كان المتقدمون من علماء الفلك يعرفون الكسوفين بالاستقراء، فانه في كل 6585 يوما وثلث يوم - أي نحو ثمانية عشر عاما واحد عشر يوما - يحدث سبعون كسوفا منها 29 للقمر و 41 للشمس، ويكون أقله مرتان، وإذا كان قاصرا عليهما كان للشمس وحدها، وقد يصل إلى سبع مرار، منها اثنان أو ثلاثة للقمر، واربعة أو خمسة للشمس، وأما المتأخرون فصاروا يحسبون لذلك حسابا دقيقا جدا، حتى يمكن معرفة ما يحدث منها في المستقبل وما حصل في الماضي، وكسوف القمر يرى في نصف الارض كله، وكسوف الشمس لا يرى إلا في جهات معينة، بل قد يمر بدون ان يرى، والكسوف الكلى - وهو الذى يغطى فيه القمر وجه الشمس كله - لا يرى إلا في أماكن ضيقة قد لا تزيد على 165 ميلا، ولا يزيد وقت بقائه على خمس دقائق أوست. (وهذه المعلومات اقتبستها من كتاب بسائط علم الفلك للدكتور صروف ص 27 و 31 ومن دائرة المعارف الفرنسوية الكبرى ج 15 ص 356 ومن دائرة معارف لاروس ج 4 ص 34 وتفضل بترجمتهما صديقى الاستاذ احمد بك وجدى المحامي بالزقازيق) فإذا علمنا هذا تبين لنا ان قول المؤلف: (بين كل كسوفين خمسة اشهر قمرية) قول قريب من الحقيقة، ويظهر لى انه كان ذا اطلاع على بعض علم الهيئة والفلك، وقد مدح هو ذلك في الملل والنحل (ج 5 ص 37) وقال: ان العلم بهذا (ينتج منه معرفة رؤية الاهلة لفرض الصوم والفطر ومعرفة الكسوفين). ولقد حاولت كثيرا ان اجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التى حصلت في مدة اقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وتكون رؤيتها بها ممكنة، وطلبت ذلك من بعضهم مرارا -: فلم أوفق إلى ذلك، إلا انى وجدت للمرحوم محمود باشا الفلكي جزءا صغيرا سماه (نتائج الافهام في تقويم العرب قبل الاسلام) ألفه باللغة الفرنسوية وترجمه إلى العربية الاستاذ العلامة احمد ذكى باشا وطبع في بولاق سنة 1305، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذى حصل في السنة العاشرة وهو اليوم الذى مات فيه ابراهيم عليه السلام، ومنه اتضح ان الشمس كسفت في المدينة المنورة في يوم الاثنين 29 شوال سنة 10 الموافق ليوم 27 يناير سنة 632 ميلادية في الساعة 8 والدقيقة 30 صباحا. وهو يرد اكثر الاقوال التى نقلت في تحديد يوم موت ابراهيم عليه السلام. وعسى ان يكون هذا البحث والتحقيق

[ 105 ]

وأما اقتصارنا على ما وصفنا في صلاة كسوف القمر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) فلا يجوز ان تكون صلاة إلا مثنى مثنى، إلا صلاة جاء نص جلى صحيح بأنها أقل من مثنى أو اكثر من مثنى، كما جاء في كسوف الشمس، فيوقف عند ذلك ولا تضرب الشرائع بعضها ببعض، بل كلها حق * وانما قلنا بصلاة الكسوف القمرى والآيات في جماعة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين) ويصليها النساء، والمنفرد، والمسافرون كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * (سجود القرآن) في القرآن أربع عشرة سجدة، أولها في آخر ختمه سورة الاعراف، ثم في الرعد، ثم في النحل، ثم في سبحان، ثم في كهيعص، ثم في الحج في الاولى وليس قرب آخرها سجدة، ثم في الفرقان، ثم في النمل، ثم في آلم تنزيل، ثم في ص، ثم في حم فصلت، ثم في


حافزا لبعض النبهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات التى حصلت بالمدينة في السنين العشر الاولى من الهجرة النبوية أي إلى وقت وفاته صلى الله عليه وسلم في يوم الاحد 12 ربيع الاول سنة 11 أو الاثنين 13 منه الموافقان ليومى 7 يونيه سنة 632 و 8 منه، فإذا عرف بالحساب عدد الكسوفات في هذه المدة أمكن التحقيق من صحة احد المسلكين: إما حمل الروايات على تعدد الوقائع وإما ترجيح الرواية التى فيها ركوعان في كل ركعة وأنا اميل جدا إلى الظن بأن صلاة الكسوف لم تكن إلا مرة واحدة، فقد علمنا من رسالة محمود باشا الفلكي انه حصل خسوف للقمر في المدينة في يوم الاربعاء 14 جمادى الثانية من السنة الرابعة للهجرة الموافق 20 نوفمبر سنة 625 ولم يرد ما يدل على ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس فيه لصلاة الخسوف ويؤيد هذا ان الاحاديث الواردة في صلاة الكسوف دالة بسياقها على ان هذه الصلاة كانت لاول مرة، وان الصحابة لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها، وانهم ظنوا انها كسفت لموت ابراهيم، وان المدة بين موت ابراهيم عليه السلام وبين موت ابيه صلى الله عليه وسلم لن تزد على اربعة اشهر ونصف، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحا في النقل لتوافر الدواعى إلى نقله كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة، والله أعلم بالصواب * (م 14 - ج 5 المحلى)

[ 106 ]

والنجم في آخرها، ثم في إذا السماء انشقت عند قوله تعالى: (لا يسجدون) ثم في اقرأ باسم ربك في آخرها * وليس السجود فرضا لكنه فضل، ويسجد لها في الصلاة الفريضة والتطوع وفى غير الصلاة في كل وقت، وعند طلوع الشمس وغروبها واستوائها، إلى القبلة والى غير القبلة، وعلى طهارة وعلى غير طهارة * فأما السجدات المتصلة إلى (الم تنزيل) فلا خلاف فيها، ولا في مواضع السجود منها إلا في سورة النمل، فان كثيرا من الناس قالوا: موضع السجدة فيها عند تمام قراءتك (رب العرش العظيم) وقال بعض الفقهاء: بل في تمام قراءتك (وما يعلنون) وبهذا نقول لانه أقرب إلى موضع ذكر السجود والامر به، والمبادرة إلى فعل الخير أولى، قال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) * وقالت طائفة: في الحج سجدة ثانية قرب آخرها، عند قوله تعالى (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)، ولا نقول: بهذا في الصلاة البتة، لانه لا يجوز ان يزاد في الصلاة سجود لم يصح به نص، والصلاة تبطل بذلك، وأما في غير الصلاة فهو حسن، لانه فعل خير * وانما لم نجزه في الصلاة لانه لم يصح فيها سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمع عليها، وانما جاء فيها أثر مرسل، وصح عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابى الدرداء السجود فيها، وروى أيضا عن أبى موسى الاشعري * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى: ثنا شعبة عن سعد (1) بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول: صليت خلف عمر بن الخطاب نسجد في الحج سجدتين * وعن مالك عن عبد الله بن دينار: رأيت عبد الله بن عمر سجد في الحج سجدتين * وعن معمر عن ايوب عن نافع عن ابن عمر: انه وأباه عمر كانا يسجدان في الحج سجدتين وقال ابن عمر: لو سجدت فيها واحدة لكانت السجدة في الآخرة أحب إلى * وقال عمر: انها فضلت بسجدتين * وعن عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن يزيد بن خمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه. ان ابا الدرداء سجد في الحج سجدتين *


(1) في الاصلين (سعيد) وهو خطأ

[ 107 ]

وروى ايضا عن على بن ابى طالب، وأبى موسى، وعبد الله بن عمرو بن العاصى * قال أبو محمد: أين المهولون (1) من أصحاب مالك وأبى حنيفة بتعظيم خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف من الصحابة؟ وقد خالفوا ههنا فعل عمر بحضرة الصحابة، لا يعرف له منهم مخالف، ومعه طوائف ممن ذكرنا، ومعهم حديث مرسل بمثل ذلك، وطوائف من التابعين ومن بعدهم؟! وبه يقول الشافعي * وأما نحن فلا حجة عندنا إلا فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * فان قالوا: قد جاء عن ابن عباس في هذا خلاف * قلنا: ليس كما تقولون، انما جاء عن ابن عباس: السجود عشر، وقد جاء عنه: ليس في ص سجدة، فبطل ان يصح عنه خلاف في هذا، بل قد صح عنه السجود في الحج سجدتين، كما روينا من طريق شعبة عن عاصم الاحول عن أبى العالية عن ابن عباس قال: فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين * واختلف أفى ص سجدة أم لا؟ * وإنما قلنا: بالسجود فيها لانه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود فيها، وقد ذكرناه قبل هذا في سجود الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة * واختلف في السجود في حم، فقالت طائفة: السجدة عند تمام قوله تعالى (ان كنتم اياه تعبدون) وبه نأخذ، وقالت طائفة: بل عند قوله (وهم لا يسأمون)، وانما اخترنا ما اخترنا لوجهين: أحدهما ان الآية التى يسجد عندها قبل الاخرى، والمسارعة إلى الطاعة افضل، والثانى أنه أمر بالسجود، واتباع الامر أولى * وقال بعض من لم يوفق للصواب: وجدنا السجود في القرآن انما هو في موضع الخبر، لا في موضع الامر * قال أبو محمد: وهذا هو أول من خالفه لانه وسائر المسلمين يسجدون في الفرقان في قوله تعالى (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وزادهم نفورا) وهذا أمر لاخبر، وفى قراءة الكسائي وهى إحدى القراءات الثابتة: (ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخب ء في السموات والارض) إلى آخر الآية بتخفيف: (ألا) بمعنى: ألا يا قوم اسجدوا، وهذا أمر، وفى النحل عند قوله تعالى: (ويفعلون ما يؤمرون) *


(1) في النسخة رقم (16) (اين المموهون).

[ 108 ]

وقد وجدنا ذكر السجود بالخبر لا سجود فيه عند أحد، وهو قوله تعالى في آل عمران (ليسوا سواء من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون). وفى قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) فصح ان القوم في تخليط لا يحصلون ما يقولون * وروينا عن وكيع عن ابيه عن ابى اسحاق السبيعى عن عبد الرحمن بن الاسود قال: كان اصحاب ابن مسعود يسجدون بالاولى من الآيتين. وكذلك عن ابى عبد الرحمن السلمى. وهو قول مالك وابى سليمان * وصح عن ابن مسعود وعلى: انهما كانا لا يريان عرائم السجود من هذه المذكورات (1) الا آلم وحم، وكانا يريانهما أوكد من سواهما * وقال مالك: لا سجود في شئ من المفصل، وروى ذلك عن ابن عباس، وزيد ابن ثابت * وخالفهما آخرون من الصحابة، كما نذكر إن شاء الله تعالى، بعد أن نقول: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود فيها، ولا حجة في أحد دونه ولا معه * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد ابن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبى اسحاق السبيعى قال سمعت الاسود بن يزيد عن ابن مسعود: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم فسجد فيها) حدثنا حمام بن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا احمد ابن محمد البرتى القاضى ثنا مسدد ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن سفيان الثوري عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن ابى هريرة قال: (سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في والنجم، واقرأ باسم ربك) * وبه يأخذ جمهور السلف * وروينا من طريق مالك عن عبد الرحمن الاعرج عن أبى هريرة: ان عمر بن الخطاب قرأ لهم والنجم إذا هوى فسجد فيها، ثم قام فقرأ بسورة أخرى، وانه فعل ذلك في الصلاة بالمسلمين * وعن ابى عثمان النهدي: ان عثمان بن عفان قرأ في صلاة العشاء بالنجم فسجد في


(1) في النسخة رقم (14) (المذكورة).

[ 109 ]

آخرها، ثم قام فقرأ بالتين والزيتون فركع وسجد، فقرأ سورتين في ركعة * ومن طريق سفيان الثوري عن عاصم بن ابى النجود عن زربن حبيش عن على بن ابى طالب قال: العزائم أربع، آلم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك * وعن شعبة عن عاصم بن ابى النجود عن زربن حبيش عن ابن مسعود قال: عزائم السجود أربع، آلم تنزيل، وحم، والنجم، واقرأ باسم ربك * وعن سليمان بن موسى وايوب السختيانى كلاهما عن نافع مولى ابن عمر قال: إن ابن عمر كانم إذا قرأ بالنجم سجد * وعن المطب بن ابى وداعة قال: (سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجم ولم أسجد - وكان مشركا حينئذ - قال: فلن ادع السجود فيها أبدا). اسلم المطلب يوم الفتح * فهذا عمر، وعثمان، وعلى بحضرة الصحابة رضى الله عنهم، وهم يشنعون اقل من هذا * وبالسجود فيها يقول عبد الرحمن بن ابى ليلى، وسفيان، وابو حنيفة، والشافعي، وأحمد وداود، وغيرهم * قال أبو محمد: واحتج المقلدون لمالك بخبر رويناه من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال: (قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد فيها) قال أبو محمد: لا حجة لهم في هذا، فانه (1) لم يقل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا سجود فيها، وانما في هذا الخبر حجة على من قال: إن السجود فرض فقط، وهكذا نقول: إن السجود ليس فرضا، لكن إن سجد فهو أفضل، وان ترك فلا حرج، ما لم يرغب عن السنة * وأيضا: فان راوي هذا الخبر قد صح عن مالك أنه لا يعتمد على روايته - وهو ابن قسيط - (2) فالآن صارت روايته حجة في ابطال السنن؟! على أنه ليس فيها شئ مما يدعونه * وموهوا أيضا بخبر رويناه من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن بكر - هو ابن عبد الله المزني - أن ابا سعيد الخدرى قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد بمكة بالنجم،


(1) في النسخة رقم (14) (لانه) (2) بضم القاف وفتح السين المهملة وآخره طاء مهملة ويزيد هذا ثقة، وقد احتج به مالك والشيخان وغيرهم وانما طعن مالك في الذى حدثه عن يزيد وهو رجل لم يسم، وذلك في حديث آخر.

[ 110 ]

فلما قدم المدينة رأى أبو سعيد فيما يرى النائم كأنه يكتب سورة ص، فلما أتى على السجدة سجدت الدواة والقلم والشجر وما حوله من شئ، قال: فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد فيها وترك النجم) * فهذا خبر لا يصح، لان بكرا لم يسمعه من أبى سعيد، والله اعلم ممن سمعه، إلا أنه قد صح (1) بطلان هذا الخبر بلا شك، لما رويناه آنفا من قول أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بهم في النجم) وأبو هريرة متأخر الاسلام، إنما أسلم بعد فتح خيبر، وفى هذا الخبر أن ترك السجود فيها كان اثر قدومه عليه السلام المدينة، وهذا باطل * وموهوا بخبر رويناه من طريق مطر الوراق يذكره عن ابن عباس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل مذ قدم المدينة) * وهذا باطل بحت، لما ذكرنا من حديث أبى هريرة، ولما نذكره اثر هذا إن شاء الله تعالى، وعلة هذا الخبر هو أن مطرا سبئ الحفط، ثم لو صح لكان المثبت أولى من النافي، ولا عمل أقوى من عمل عمر، وعثمان بحضرة الصحابة بالمدينة وبالله تعالى التوفيق * وذكروا أحاديث مرسلة ساقطة، لا وجه للاشتغال بها لما ذكرنا * وأما إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك فان عبد الرحمن بن عبد الله حدثنا قال ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا مسلم بن ابراهيم، ومعاذ بن فضالة قالا ثنا هشام الدستوائى عن يحيى - هو ابن أبى كثير - عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: (رأيت أبا هريرة سجد في إذا السماء انشقت، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم سجد لم أسجد بها) * ومن طريق مالك أيضا عن عبد الله بن يزيد عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة بمثله * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد ثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبى هريرة قال: (سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك) *


(1) في الاصلين (قد صح عنه) وكتب في النسخة رقم (14) على كلمة (عنه) بالحمرة حرف زاى، اشارة إلى انها زائدة، وهى حقا زائدة قد تفسد المعنى.

[ 111 ]

قال أبو محمد: هذا يكذب رواية مطر التى احتجوا بها * ومن طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن صفوان بن سليم عن عبد الرحمن الاعرج عن أبى هريرة: (سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك) * ورويناه من طرق كثيرة متواترة كالشمس، اكتفينا منها بهذا * وبهذا يأخذ عامة السلف * روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدى، والمعتمر بن سليمان كلهم قال ثنا قرة - هو ابن خالد - عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: (سجد أبو بكر وعمر في إذا السماء انشقت ومن هو خير منهما) زاد عبد الرحمن والمعتمر: (واقرأ باسم ربك) وهذا أثر كالشمس صحة * وقد ذكرنا عن على، وابن مسعود آنفا: عزائم السجود آلم وحم والنجم واقرأ باسم ربك * ومن طريق شعبة عن عاصم بن أبى النجود عن أبى رزين: قرأ عمار بن ياسر إذا السماء انشقت وهو يخطب، فنزل فسجد * وعن الثقات أيوب، وعبيدالله بن عمر، وسليمان بن موسى عن نافع: أن ابن عمر كان يسجد في إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك * وهو قول أصحاب ابن مسعود، وشريح، والشعبى، وعمر بن عبد العزيز أمر الناس بذلك، الشعبى (1) وأبى حنيفة والاوزاعي وسفيان الثوري والشافعي واحمد واسحاق وداود وأصحابهم وأصحاب الحديث * وأما سجودها على غير وضوء والى غير القبلة كيف ما يمكن فلانها ليست صلاة، وقد قال عليه السلام: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) فما كان أقل من ركعتين فليس صلاة إلا أن يأتي نص بأنه صلاة، كركعة الخوف، والوتر، وصلاة الجنازة ولا نص في ان سجدة التلاوة صلاة * وقد روى عن عثمان رضى الله تعالى عنه، وسعيد بن المسيب: تومئ الحائض بالسجود قال سعيد: وتقول: رب لك سجدت. وعن الشعبى جوازها إلى غير القبلة * (سجود الشكر)


(1) كذا في الاصلين بتكرار اسم (الشعبى)

[ 112 ]

557 - مسألة - سجود الشكر حسن، إذا وردت لله تعالى على المرء نعمة فيستحب له السجود، لان السجود فعل خير، وقد قال الله تعالى (وافعلوا الخير) ولم يأت عنه نهى عن النبي صلى الله عليه وسلم * بل قد حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا الوليد بن مسلم سمعت الاوزاعي قال ثنا الوليد بن هشام المعيطى ثنا معدان بن أبى طلحة اليعمرى قال: (لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له (1): أخبرني بعمل يدخلنى الله به الجنة، أو قلت: ما أحب الاعمال (2) إلى الله تعالى؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتنى فقال: (3) عليك بكثرة السجود لله تعالى، فانك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله عزوجل بها درجة، وحط عنك بها خطيئة، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته، فقال: مثل ما قال لى (4) ثوبان) قال أبو محمد: الوليد بن هشام من كبار أصحاب عمر بن عبد العزيز لفضله وعمله، وباقى الاسناد اشهر من أن يسأل عنهم * وليس لاحد أن يقول: إن هذا السجود إنما هو سجود الصلاة خاصة، ومن اقدام على هذا فقد قال على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لم يقله، بل كذب عليه، إذ أخبر عن مراده بالغيب والظن الكاذب * وقد روينا عن أبى بكر الصديق: أنه لما جاءه فتح اليمامة سجد * وعن على بن أبى طالب: انه لما وجد ذوالثدية في القتلى سجد، إذ عرف أنه في الحزب المبطل، وانه هو المحق * وصح عن كعب بن مالك في حديث تخلفه عن تبوك: أنه لما تيب عليه سجد * ولا مخالف لهؤلاء من الصحابة أصلا، ولا مغمز في خبر كعب البتة


(1) كلمة (له) ليست في صحيح مسلم (ج 1 ص 140) (2) في مسلم (أو قلت بأحب الاعمال) (3) في مسلم (سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال) الخ (4) كلمة (لى) ليست في مسلم *

[ 113 ]

(كتاب الجنائز) صلاة الجنائز وحكم الموتي 558 - مسألة - غسل المسلم الذكر والانثى وتكفينهما فرض، ولا يجوز أن يكون الكفن إلا حسنا على قدر الطاقة، وكذلك الصلاة عليه حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا اسماعيل - هو ابن أبى أويس - ثنا مالك عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أم عطية الانصارية قالت: (دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك) وذكر الحديث * فأمر عليه السلام بغسلها، وأمره فرض، ما لم يخرجه عن الفرض نص آخر، ولا خلاف في أن حكم الرجل والمرأة في ذلك سواء * وإيجاب الغسل هو قول الشافعي، وداود * والعجب ممن لا يرى غسل الميت فرضا، وهو عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، وعمل أهل الاسلام مذ أوله إلى الآن * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا هرون بن عبد الله ثنا حجاج بن محمد الاعور قال قال ابن جريج أنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث: (ان النبي صلى الله عليه وسلم خطب (1) يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، فقال: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) * وروينا عن ابن مسعود: أنه أوصى أنه يكفن في حلة بمائتي درهم * وعن ابن سيرين: كان يقال: من ولى أخاه فليحسن كفنه، فانهم يتزاورون في أكفانهم * وعن حذيفة: لا تغالوا في الكفن، اشتروا لي ثوبين نقيين *


(1) في النسخة رقم (16) (يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب) الخ وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 258) (م 15 - ج 5 المحلى)

[ 114 ]

قال أبو محمد: هذا تحسين للكفن، وانما كره المغالاة فقط * وعن أبى سعيد الخدرى: أنه قال لانس وابن عمر ولغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: احملوني على قطيفة قيصرانية وأجمروا على أوقية مجمر (1) وكفنوني في ثيابي التى أصلى فيها وفى قبطية (2) في البيت معها * والذى روى عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه في أن يغسل الثوب الذى عليه ويكفن فيه وفى ثوبين آخرين -: تحسين للكفن، وحتى لو كان خلاف لوجب الرد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم * 559 - مسألة - ومن لم يغسل ولا كفن حتى دفن وجب اخراجه حتى يغسل ويكفن ولابد * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا على بن عبد الله ثنا سفيان - هو ابن عيينة - قال عمرو بن دينار سمعت جابر بن عبد الله قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبى بعد ما ادخل في حفرته، فأمر به فاخرج، فوضعه على ركبته، ونفث عليه من ريقه، والبسه قميصا) * قال أبو محمد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل والكفن ليس محدودا بوقت، فهو فرض أبدا، وإن تقطع الميت، ولا فرق بين تقطعه بالبلى وبين تقطعه بالجراح، والجدري، لا يمنع شئ من ذلك من غسله وتكفينه * 560 - مسألة - ولا يجوز أن يدفن أحد ليلا الا عن ضرورة، ولا عند طلوع الشمس حتى ترتفع، ولا حين استواء الشمس حتى تأخذ في الزوال، ولا حين ابتداء أخذها في الغروب، ويتصل ذلك بالليل إلى طلوع الفجر الثاني، والصلاة جائزة عليه (3) في هذه الاوقات كلها * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا يوسف بن سعيد ثنا حجاج بن محمد الاعور عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجر أن يقبر انسان ليلا إلا أن يضطر إلى ذلك * قال أبو محمد: كل من دفن ليلا منه عليه السلام ومن أزواجه ومن أصحابه رضى الله عنهم -: فانما ذلك لضرورة أوجبت ذلك، من خوف زحام، أو خوف الحر على من


(1) المجمر شئ يتبخر به (2) بضم القاف: هي الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وكأنه منسوب إلى القبط بكسر القاف على غير قياس (3) في النسخة رقم (16) (عليها) *

[ 115 ]

حضر وحر المدينة شديد، أو خوف تغير، أوغير ذلك مما يبيح الدفن ليلا، لا يحل لاحد أن يظن بهم رضى الله عنهم خلاف ذلك * روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان ثنا هشام الدستوائى عن قتادة عن سعيد ابن المسيب: أنه كره الدفن ليلا * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى ثنا عبد الله بن وهب عن موسى ابن على بن رباح (1) عن أبيه سمعت عقبة بن عامر يقول: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن نصلى فيها أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب) قال أبو محمد: قد بينا قبل أن الصلاة المنهى عنها في هذه الاوقات إنما هي التطوع المتعمد ابتداؤه قصد إليه، وكذلك كل صلاة فرض مقضية تعمد تركها إلى ذلك الوقت وهو يذكرها فقط، لا كل صلاة مأمور بها أو مندوب إليها. وبالله تعالى التوفيق * 561 - مسألة - والصلاة على موتى المسلمين فرض * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمود بن غيلان أنا أبو داود - هو الطيالسي - ثنا شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهب سمعت عبد الله ابن أبى قتادة عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل من الانصار ليصلى عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: صلوا على صاحبكم، فان عليه دينا) وذكر الحديث * فهذا امر بالصلاة عليه عموما. وروى مثل ذلك أيضا في الغال * 562 - مسألة - حاشا المقتول بأيدى المشركين خاصة في سبيل الله عزوجل في المعركة خاصة، فانه لا يغسل ولا يكفن، لكن يدفن بدمه وثيابه، إلا انه ينزع عنه السلاح فقط، وإن صلى عليه فحسن، وان لم يصل عليه فحسن، فان حمل عن المعركة وهو حى فمات غسل وكفن وصلى عليه * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث - هو ابن سعد - حدثنى ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله: أنه ذكر قتلى احد وقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) *


(1) (على) بضم العين مصغر، و (رباح) بفتح الراء وتحفيف الباء الموحدة وآخره حاء مهملة

[ 116 ]

وبه أيضا إلى الليث بن سعد: حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة ابن عامر الجهنى: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل احد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر) وذكر الحديث * قال أبو محمد: فخرج هؤلاء عن امر النبي صلى الله عليه وسلم بالكفن، والغسل والصلاة - وبقى سائر من قتله مسلم، أو باغ، أو محارب أو رفع عن المعركة حيا - على حكم سائر الموتى * وذهب أبو حنيفة إلى ان يصلى عليهم * قال أبو محمد: ليس يجوزأن يترك أحد الاثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ، لان استعمالهما معا ممكن في أحوال مختلفة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان المبطون والمطعون والغريق والحريق وصاحب ذات الجنب وصاحب الهدم والمرأة تموت بجمع (1) -: شهداء كلهم، ولا خلاف في انه عليه السلام كفن في حياته، وغسل من مات فيهم من هؤلاء. وبالله تعالى التوفيق. وقد كان عمر، وعثمان، وعلى رضى الله عنهم شهداء، فغسلوا وكفنوا وصلى عليهم * ولا يصح في ترك المجلود اثر، لان راويه على بن عاصم، وليس بشئ * 563 - مسألة - وإعماق (2) حفير القبر فرض، ودفن المسلم فرض، وجائز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، ويقدم أكثرهم قرآنا * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب انا محمد بن معمر ثنا وهب بن جرير بن حازم ثنا أبى قال سمعت حميدا -: هو ابن هلال - عن سعد بن هشام بن عامر عن ابيه قال: (لما كان يوم احد اصيب من أصيب من المسلمين، فأصاب الناس جراحات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احفروا وأوسعوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآنا) * وبه إلى أحمد بن شعيب: أنا محمد بن بشار ثنا اسحاق بن يوسف ثنا سفيان - هو الثوري - عن ايوب السختيانى عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احد، فقلنا: يا رسول الله، الحفر علينا لكل انسان شديد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احفروا واعمقوا واحسنوا (3)، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر


(1) بجمع - بفتح الجيم واسكان الميم - أي ولادة (2) بالعين المهملة (3) قوله (واحسنوا) زيادة من النسائي (ج 4 ص 80 و 81) *

[ 117 ]

واحد، قدموا (1) أكثرهم قرآنا) فلم يعذرهم عليه السلام في الاعماق في الحفر * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبد الله ابن يوسف ثنا الليث - هو ابن سعد حدثنى ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى احد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا اشير له إلى احدهما قدمه في اللحد) * 564 - مسألة - ودفن الكافر الحربى وغيره فرض * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبد الله ابن محمد سمع روح بن عبادة ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أنس بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى (2) من أطواء بدر خبيث مخبث) * وقد صح نهيه عليه السلام عن المثلة، وترك الانسان لا يدفن مثلة. وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر إذ قتل بنى قريظة بأن تحفر خنادق ويلقوا فيها * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أنا عبيدالله بن سعيد ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن ناجية ابن كعب عن على بن أبى طالب قال: (قلت للنبى صلى الله عليه وسلم: إن عمك الضال قد مات فمن يواريه؟ قال: اذهب فوار أباك) وذكر باقى الحديث * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى سنان عبد الله بن سنان عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس: رجل فينا مات نصرانيا وترك ابنه؟ قال: ينبغى أن يمشى معه ويدفنه * قال سفيان: وسمعت حماد بن أبى سليمان يحدث عن الشعبى: أن أم الحارث بن أبى ربيعة ماتت وهى نصرانية، فشيعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم * 565 - مسألة - وأفضل الكفن للمسلم ثلاثة أثواب بيض للرجل، يلف فيها،


(1) في النسخة رقم (14) (وقدموا) بزيادة الواو وليست في النسائي (2) بفتح الطاء المهملة وكسر الواو وتشديد الياء، صفة، فعيل بمعنى مفعول في الاصل وانتقل إلى الاسماء. وهو البئر المطوية بالحجارة، وهو مذكر فان أنت فعلى معنى البئر.

[ 118 ]

لا يكون فيها قميص، ولاعمامة، ولا سراويل ولاقطن، والمرأة كذلك وثوبان زائدان، فان لم يقدر له على أكثر من ثوب واحد أجزأه، فان لم يوجد للاثنين إلا ثوب واحد أدرجا فيه جميعا، وان كفن الرجل والمرأة بأقل أو أكثر فلا حرج * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا اسماعيل ابن أبى أويس عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، (1) ليس فيها قميص، ولا عمامة) * قال أبو محمد: ما تخير الله تعالى لنبيه إلا أفضل الاحوال * وبه إلى البخاري: ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله - هو ابن عمر - حدثنى نافع عن ابن عمر قال: (ان عبد الله بن أبى (2) لما توفى جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اعطني قميصك أكفنه فيه، وصلى عليه واستغفر له، فأعطاه قميصه، وقال له: آذنى اصل عليه) وذكر الحديث * (3) وبه إلى البخاري: ثنا عمر بن حفص بن غياث ثنا ابى عن الاعمش ثنا شقيق ثنا حباب قال: (هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا، ومنهم مصعب بن عمير، قتل يوم احد، فلم نجد ما نكفنه إلا بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطى رأسه، وان نجعل على رجليه من الاذخر) (4) * قال أبو محمد: هكذا يجب ان يكفن من لم يوجد له إلا ثوب واحد لا يعمه كله * قال أبو محمد: وههنا حديث وهم فيه راويه: رويناه من طريق احمد بن حنبل عن الحسن بن موسى الاشيب عن حماد بن سلمة عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابى طالب عن محمد بن على بن ابى طالب - هو ابن الحنفية - عن ابيه: (ان النبي صلى الله عليه وسلم


(1) في اللسان: (يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، لانه يسحلها أي يغسلها، أو إلى سحول، قرية باليمن، وأما الضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الابيض النقى، ولايكون إلا من قطن، وفيه شذوذ، لانه نسب إلى الجمع، وقيل: ان اسم القرية بالضم أيضا) (2) كان رئيس المنافقين (3) في البخاري (ج 2 ص 166 و 167) (4) هو حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها فوق الخشب

[ 119 ]

كفن في سبعة اثواب) (1) والوهم فيه من الحسن بن موسى، أو من عبد الله بن محمد بن عقيل * فان ذكر ذاكر الخبر الذى رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان قال سمعت سعيد بن ابى عروبة يحدث عن ايوب عن ابى قلابة عن ابى المهلب عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا من ثيابكم البياض، فانها اطهر وأطيب، وكفنوا فيه موتاكم) * قلنا: هذا ليس فرضا، لانه قد صح انه عليه السلام لبس حلة حمراء (2) وشملة سوداء * وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا القعنبى عن عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردى - عن زيد - هو ابن أسلم - ان ابن عمر قيل له: (لم تصبغ بالصفرة؟ قال: إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، ولم يكن شئ احب إليه منها، وكان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عمرو ابن عاصم ثنا همام بن يحيى عن قتادة قال قلت لانس به مالك: (أي الثياب كان احب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الحبرة) (3) * قال أبو محمد: لا يحل ان يترك حديث لحديث، بل كلها حق. فصح ان الامر بالبياض ندب * وباختيارنا هذا يقول جمهور السلف * كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ان أبا بكر الصديق قال لها في حديث: (فيم كفنتموه؟ - يعنى النبي صلى الله عليه وسلم - قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحول (4) ليس فيها قميص ولاعمامة، فقال أبو بكر: انظر واثوبي


(1) هو في المسند (ج 1 ص 94) ورواه احمد أيضا (ج 1 ص 102) عن عفان وحسن بن موسى كلاهما عن حماد باسناده فالوهم فيه اذن من عبد الله بن محمد بن عقيل (2) في النسخة رقم (14) (قد صح عنه عليه السلام لبس حلة حمراء) الخ (3) بكسر الحاء المهملة وفتحها مع فتح الباء الموحدة فيهما: ضرب من برود اليمن منمر، والجمع حبر وحبرات، بكسر الحاء (4) يروى بفتح السين وبضمها.

[ 120 ]

هذا فاغسلوه، وبه ردع (1) من زعفران أو مشق (2) واجعلوا معه ثوبين آخرين) (3) * ومن طريق ابن عمر قال: كفن عمر بن الخطاب في ثلاثة اثواب، ثوبين سحوليين، وثوب كان يلبسه * وعن أبى هريرة انه قال لاهله عند موته: (لا تقمصونى ولا تعممونى فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقمص ولم يعمم (4) * وعن ابن جريج عن عطاء: لا يعمم الميت ولا يؤزر ولا يردى (5)، لكن يلف فيها لفا * قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن ابيه أنه كان يكفن الرجل من أهله في ثلاثة أثواب ليس فيها عمامة * وهو اختيار الشافعي، وأبى سليمان، واحمد بن حنبل وأصحابهم. وهكذا كفن بقى ابن مخلد، وقاسم بن محمد أفتى بذلك الخشنى وغيره ممن حضر * وأما كفن المرأة فان عبد الرحمن بن عبد الله حدثنا قال ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا حامد بن عمر ثنا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: (توفيت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم فخرج فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك أن رأيتن بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذننى، فلما فرغن آذناه، فالقى الينا حقوه (6)، وقال: أشعرنها إياه) * وروينا عن الحسن قال: تكفن المرأة في خمسة اثواب: درع وخمار وثلاث لفائف * وعن النخعي: تكفن المرأة في خمسة اثواب: درع، وخمار، ولفافة، ومنطقة، ورداء * وعن ابن سيرين: تكفن المرأة في خمسة اثواب: درع وخمار ولفافتين وخرقة * وعن الشعبى: تكفن المرأة في خمسة اثواب، والرجل في ثلاثة *


(1) بفتح الراء واسكان الدال وآخره عين وهما مهملتان وهو اثر الخلوق والطيب في الجسد والثواب، أي لطخ لم يعمه كله، يقال: ردعه بالشئ ردعا فارتدع، لطخه به فتلطخ. قاله في اللسان. (2) بكسر الميم واسكان الشين المجمة، هو المغرة، وهو صبغ أحمر. (3) انظره مطولا في مسند احمد (ج 6 ص 132) وفى الطبقات لابن سعد (ج 3 ق 1 ص 143) كلاهما عن عفان عن حماد ياسناده. (4) في النسخة رقم (16) (لم يقمص ولاعمم) (5) بالراء من الرداء (6) أي ازاره *

[ 121 ]

566 - مسألة - ومن مات وعليه دين يستغرق كل ما ترك فكل ما ترك للغرماء، ولا يلزمهم كفنه دون سائر من حضر من المسلمين * لان الله تعالى لم يجعل ميراثا ولا وصية الا فيما يخلفه المرء بعد دينه، فصح أن الدين مقدم، وانه لا حق له في مقدار دينه مما يتخلفه، فإذ هو كذلك فحق تكفينه - إذا لم يترك شيئا - واجب على كل من حضر من غريم أو غير غريم لقول الله. تعالى: (إنما المؤمنون أخوة) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ولى أخاه فليحسن كفنه) وقد ذكرناه قبل باسناده، فكل من وليه فهو مأمور باحسان كفنه، ولا يحل أن يخص بذلك الغرماء دون غيرهم، هو قول أبى سليمان وأصحابه * فان فضل عن الدين شئ فالكفن مقدم فيه قبل الوصية والميراث، لما ذكرنا قبل من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن مصعب بن عمير رضى الله عنه في بردة له لم يترك شيئا غيرها، فلم يجعلها لوارثه * 567 - مسألة - وكل ما ذكرنا أنه فرض على الكفاية فمن قام به سقط عن سائر الناس، كغسل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه، وهذا لا خلاف فيه، ولان تكليف ما عدا هذا داخل في الحرج والممتنع قال تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * 568 - مسألة - وصفة الغسل أن يغسل جميع جسد الميت ورأسه بماء قد رمى فيه شئ من سدر ولابد، إن وجد، فان لم يوجد فبالماء وحده -: ثلاث مرات ولابد، يبتدأ بالميا من ويوضأ، فان أحبوا الزيادة فعلى الوتر أبدا، وإما ثلاث مرات وإما خمس مرات وإما سبع مرات، ويجعل في آخر غسلاته - إن غسل أكثر من مرة - شيئا من كافور ولابد فرضا، فان لم يوجد فلا حرج، لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كله * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى (1) أنا يزيد بن زريع عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: (دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته (2) فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك،


(1) في النسخة رقم (16) (محمد بن يحيى) وهو خطأ، وانظر مسلم (ج 1 ص 257) (2) كلمة (ابنته) سقطت من النسخة رقم (16) خطأ وما هنا هو الموافق لمسلم (م 16 - ج 5 المحلى)

[ 122 ]

بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا يحيى بن موسى ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: (لما غسلنا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ابد أن (1) بميا منها وبمواضع الوضوء) * وقال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) فصح ان من لم يؤته الله تعالى سدرا ولا كافورا فلم يكلفه إياهما * روينا عن ابن جريج عن عطاء: يغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو سبعا، كلهن بماء وسدر، في كلهن يغسل رأسه وجسده، قال ابن جريج: فقلت له: فان لم يوجد سدر فخطمى؟ قال: لا، سيوجد السدر، ورأى الواحدة تجزئ، وهذا رأى منه * وعن سليمان بن موسى وابراهيم: غسل الميت ثلاث مرات * وعن محمد بن سيرين وابراهيم: يغسل الميت وترا * وعن ابن سيرين: يغسل مرتين بماء وسدر، والثالثة بماء فيه كافور، والمرأة أيضا كذلك * وعن قتادة عن سعيد بن المسيب: الميت يغسل بماء، ثم بماء وسدر، ثم بماء وكافور * وعن ابن سيرين: الميت يوضأ كما يوضأ الحى يبدأ بميامنه * وعن قتادة يبدأ بميا من الميت، يعنى في الغسل * 569 - مسألة - فان عدم الماء يمم الميت ولابد، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا إذا لم نجد الماء) 570 - مسألة - ولا يحل تكفين الرجل فيما لا يحل لباسه، من حرير، أو مذهب، أو معصفر وجائز تكفين المرأة في كل ذلك، لما قد ذكرناه في كتاب الصلاة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرير والذهب: (إنهما حرام على ذكور أمتى حل لاناثها) وكذلك قال في المعصفر: إذ نهى عليه السلام الرجال عنه * 571 - مسألة - وكفن المرأة وحفر قبرها من رأس مالها، ولا يلزم ذلك زوجها لان أموال المسلمين محظورة إلا بنص قرآن أو سنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن دماءكم * (هامش) (1) في النسخة رقم (16) (ابدؤا) وهو موافق لبعض نسخ البخاري (ج 2 ص 162)

[ 123 ]

وأموالكم عليكم حرام) وإنما أوجب تعالى على الزوج النفقة والكسوة، والاسكان، ولا يسمى في اللغة التى خاطبنا الله تعالى بها الكفن كسوة ولا القبر إسكانا * 572 - مسألة - ويصلى على الميت بامام يقف ويستقبل القبلة، والناس وراءه صفوف، ويقف من الرجل عند رأسه، ومن المرأة عند وسطها (1) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا مسدد عن أبى عوانة عن قتادة عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث) * ولا خلاف في أنها صلاة قيام، لا ركوع فيها ولا سجود، ولا قعود ولا تشهد * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى انا عبد الوارث بن سعيد عن حسين ابن ذكوان حدثنى عبد الله بن بريدة عن سمرة بن جندب قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى على أم كعب، ماتت في نفاسها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليها وسطها) * ورويناه أيضا من طريق البخاري عن مسدد ثنا يزيد بن زريع عن الحسين بن ذكوان باسناده، ورواه أيضا يزيد بن هرون، والفضل بن موسى، وعبد الله بن المبارك كلهم عن الحسين بن ذكوان باسناده * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا داود ابن معاذ ثنا عبد الوارث بن سعيد عن نافع أبى غالب أنه قال: (صليت على جنازة عبد الله ابن عمير، وصلى عليه بنا أنس بن مالك وانا خلفه، فقام عند رأسه، فكبر أربع تكبيرات، لم يطل ولم يسرع، ثم ذهب يقعد فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الانصارية، فقربوها وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى على الجنازة كصلاتك، يكبر عليها أربعا، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا همام بن يحيى عن أبى غالب، فذكر حديث أنس


(1) في النسخة رقم (14) (في وسطها).

[ 124 ]

هذا، وفى آخره أن العلاء بن زياد أقبل على الناس بوجهه فقال: احفظوا * فدل هذا على موافقة كل من حضر له، وهم تابعون كلهم * وبهذا يأخذ الشافعي، وأحمد، وداود وأصحابهم وأصحاب الحديث * وقال أبو حنيفة، ومالك بخلاف هذا، وما نعلم لهم حجة إلا دعوى فاسدة، وان ذلك كان إذ لم تكن النعوش! وهذا كذب ممن قاله لان أنسا صلى كذلك والمرأة في نعش أخضر * وقال بعضهم: كما يقوم الامام موارى وسط الصف خلفه كذلك يقوم موازي وسط الجنازة فيقال له: هذا باطل، وقياس فاسد، لانه امام الصف وليس إماما للجنازة ولا مأموما لها، والذى اقتدينا به في وقوفه ازاء وسط الصف هو الذى اقتدينا به ازاء وسط المرأة وازاء رأس الرجل، وهو النبي عليه السلام، الذى لا يحل خلاف حكمه. وبالله تعالى التوفيق * 573 - مسألة - ويكبر الامام والمأمومون بتكبير الامام على الجنازة خمس تكبيرات لا أكثر، فان كبروا أربعا فحسن، ولا أقل، ولا ترفع الايدى إلا في أول تكبيرة فقط، فإذا انقضى التكبير المذكور سلم تسليمتين، وسلموا كذلك، فان كبر سبعا كرهناه وابتعناه، وكذلك إن كبر ثلاثا، فان كبر أكثر لم نتبعه، وإن كبر أقل من ثلاث لم نسلم بسلامه، بل أكملنا التكبير * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن المثنى قالا ثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: (كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وانه كبر على جنازة خمسا، فسألته؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها) * وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر أيضا اربعا، كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى * قال أبو محمد: واحتج من منع من أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عامر بن شقيق عن أبى وائل قال: (جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم في الكتبير على الجنازة، فقالوا: كبر النبي صلى الله عليه وسلم سبعا وخمسا وأربعا، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات كأطول الصلاة (1)) *


(1) رواه الطحاوي في معاني الآثار (ج 1 ص 288) من طريق مؤمل عن سفيان عن عامر ابن شقيق باسناده، وفى آخره زيادة (صلاة الظهر) *

[ 125 ]

وروينا أيضا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمر بن شقيق عن أبى وائل فذكره * قالوا: فهذا اجماع، فلا يجوز خلافه * قال أبو محمد: وهذا في غاية الفساد، أول ذلك ان الخبر لا يصح لانه عن عامر بن شقيق، وهو ضعيف، واما عمر بن شقيق فلا يدرى في العالم من هو! (1) ومعاذ الله أن يستشير عمر رضى الله عنه في إحداث فريضة بخلاف ما فعل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو للمنع من بعض ما فعله عليه السلام ومات وهو مباح وفيحرم بعده، لا يظن هذا بعمر إلا جاهل بمحل عمر بن الدين والاسلام، طاعن على السلف رضى الله عنهم * وذكروا ايضا ما حدثناه حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا ابن أيمن ثنا احمد بن زهير ثنا على بن الجعد ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عمر قال: كل ذلك قد كان، اربعا وخمسا، فاجتمعنا على اربع، يعنى التكبير على الجنازة * وبه إلى شعبة عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: جاء رجل من اصحاب معاذ بن جبل، فصلى على جنازة، فكبر عليها خمسا، فضحكوا منه، فقال ابن مسعود: قد كنا نكبر أربعا، وخمسا، وستا، وسبعا، فاجتمعنا على اربع * ورويناه ايضا من طريق الحجاج بن المنهال عن أبى عوانة عن المغيرة عن ابراهيم النخعي نحوه * ومن طريق غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب قال قال عمر بن


(1) أما عامر بن شقيق فانه لا بأس به وقد حسن البخاري له حديثا وصحح له ابن حزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم. وأما عمر بن شقيق فالظاهر أنه هو عامر وان بعض الرواة أخطأ في تسميته أو تصحف عليه، فقد يكون مكتوبا في خطوطهم القديمة بحذف الالف كما يحذفونها في (ملك) و (الحرث) وغيرهما فظنه الراوى كما كتب. وعندهم في الرواة (عمر بن شقيق الجرمى) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهلى (ما رأيت أحدا ضعفه) ولكنه متأخر عن هذا، فانه يروى عن أتباع التابعين، وأما عامر بن شقيق فانه يروى عن أبى وائل وهو من كبار التابعين، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره. فهو متقدم عن عمر بن شقيق الجرمى. ونقل ابن حجر كلام ابن حزم الذى هنا وظن أنه في عمر ابن شقيق المتأخر وهو وهم منه رحمه الله *

[ 126 ]

الخطاب: كل ذلك قد كان اربع، وخمس يعنى الكتبير على الجنازة، قال سعيد: فأمر عمر الناس بأربع * قالوا: فهذا إجماع * قال أبو محمد: هذا الكذب؟ لان ابراهيم لم يدرك ابن مسعود، وعلى بن الجعد ليس بالقوى (1)، وسعيد لم يحفط من عمر إلا نعيه النعمان بن مقرن على المنبر فقط، فكل ذلك منقطع أو ضعيف * ولو صح لكان ما رووه من ذلك مكذبا لدعواهم في الاجماع، لان صاحب معاذ المذكور كبر خمسا، ولم ينكر ذلك عليه ابن مسعود، وقد ذكرنا عن زيد بن أرقم أنه كبر بعد عمر خمسا * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج (2) ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن سفيان ابن عيينة عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى حدثنى عبد الله بن مغفل: أن على بن ابى طالب صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستا، ثم التفت الينا فقال: إنه بدرى. قال الشعبى: وقدم علقمة من الشأم فقال لابن مسعود: إن إخوانك بالشأم يكبرون على جنائزهم خمسا، فلو وقتم لنا وقتا نتابعكم عليه؟ فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: انظروا جنائزكم، فكبروا عليها ما كبر أئمتكم، لا وقت ولا عدد * قال أبو محمد: ابن مسعود مات في حياة عثمان رضى الله عنهما، فانما ذكر له علقمة ما ذكر عن الصحابة رضى الله عنهم الذين بالشأم، وهذا اسناد في غاية الصحة، لان الشعبى أدرك علقمة وأخذ عنه وسمع منه * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن المنهال بن عمرو عن


(1) كلا بل هو ثقة مأمون كما قال الدار قطني، وقال ابن معين: (ثقة صدوق أثبت البغداديين في شعبة) (2) ذكرنا في المسألة 116 (ج 1 ص 82) أننا نرجح انه بالجيم، ثم ذكرنا في المسألة 118 (ج 1 ص 87) أنه في اليمنية بالحاء. ولكن قد تأكدنا الآن أنه بالجيم فقد كتب بها مرارا في النسخة رقم (14) وهى نسخة صحيحة حجة كما قلنا مرارا. وهو بالجيم أيضا في ترجمة في تذكرة الحفاظ (ج 3 ص 201).

[ 127 ]

زربن حبيش قال رأيت ابن مسعود صلى على رجل من بلعدان (1) - فخذ من بنى أسد - فكبر عليه خمسا * وبالسند المذكور إلى عبد الرزاق عن معمر عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي ان عليا كبر على جنازة خمسا * وبه إلى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابى معبد عن ابن عباس: انه كان يكبر على الجنازة ثلاثا * ورويناه أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن دينار قال سمعت أبا معبد يقول: كان ابن عباس يكبر على الجنازة ثلاثا. وهذا اسناد في غاية الصحة * ومن طريق حماد بن سلمة أخبرني شيبة بن أيمن: (2) ان انس بن مالك صلى على جنازة فكبر ثلاثا * وبه إلى حماد عن يحيى بن ابى اسحاق: انه قيل لانس: ان فلانا كبر ثلاثا، يعنى على جنازة؟ فقال انس: وهل التكبير إلا ثلاثا؟ * وقال محمد بن سيرين: انما كان التكبير ثلاثا فزادوا واحدة يعنى على الجنازة * ومن طريق مسلم بن ابراهيم عن شعبة عن زرارة بن أبى الحلال (3) العتكى: ان جابر بن زيد أبا الشعثاء أمر يزيد بن المهلب ان يكبر على الجنازة ثلاثا * قال أبو محمد: أف لكل اجماع يخرج عنه على بن ابى طالب، وعبد الله بن مسعود، وانس بن مالك وابن عباس والصحابة بالشأم رضى الله عنهم ثم التابعون بالشام، وابن سيرين، وجابر بن زيد وغيرهم بأسانيد في غاية الصحة، ويدعى الاجماع بخلاف هؤلاء بأسانيد واهية فمن اجهل ممن هذه سبيله؟ فمن أخسر صفقة ممن يدخل في عقله أن


(1) بفتح الباء واسكان اللام وفتح العين والدال المهملتين، وأصلها (بنو العدان) وهم قبيلة من أسد كما هنا وفى اللسان أيضا (2) لم أجد له ترجمة ولا ذكرا (3) بفتح الحاء المهملة وتخفيف اللام، وفى النسخة رقم (16) (زرارة بن الخلال) بالمعجمة وفى النسخة رقم (14) (زرارة بن الحلال) بالمهملة وهو خطأ فيهما بل هو (زرارة بن ربيعة ابن زرارة الازدي العتكى) وأبوه كنيته (أبو الحلال) ولزرارة هذا ترجمة في تعجيل المنفعة لابن حجر، ولكن تكرر فيه (أبى الخلال) بالخاء المعجمة وهو خطأ أيضا، وقد ضبطنا صحته من المشتبه للذهبي ص (192) *

[ 128 ]

اجماعا عرفه أبو حنيفة ومالك والشافعي وخفى علمه على على، وابن مسعود، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وابن عباس، حتى خالفوا الاجماع؟ حاشا لله من هذا * ولا متعلق لهم بما رويناه من أن عمر كبر أربعا، وعليا كبر على ابن المكفف (1) أربعا، وزيد بن ثابت كبر على أمه أربعا، وعبد الله بن أبى اوفى كبر على ابنته أربعا، وزيد ابن أرقم كبر أربعا، وأنسا كبر أربعا: - فكل هذا حق وصواب، وليس من هؤلاء أحد صح عنه انكار تكبير خمس أصلا، وحتى لو وجد لكان معارضا له قول من اجازها، ووجب الرجوع حينئذ إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه عند التنازع، من القرآن والسنة، وقد صح انه عليه السلام كبر خمسا وأربعا، وفلا يجوز ترك أحد عمليه للآخر * ولم نجد عن أحد من الائمة تكبيرا أكثر من سبع، ولا أقل من ثلاث، فمن زاد على خمس وبلغ ستا أو سبعا فقد عمل عملا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قط، فكرهناه لذلك ولم ينه عليه السلام عنه فلم نقل: بتحريمه لذلك، وكذلك القول: فيمن كبر ثلاثا * واما ما دون الثلاث وفوق السبع فلم يفلعه النبي صلى الله عليه وسلم ولا علمنا احدا قال به، فهو تكلف وقد نهينا ان نكون من المتكلفين، إلا حديثا ساقطا وجب أن ننبه عليه لئلا يغتر به، وهو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة رضى الله عنه يوم أحد سبعين صلاة وهذا باطل بلاشك. (2) وبالله تعالى التوفيق. * وأما رفع الايدى فانه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع في شئ من تكبير الجنازة الا في أول تكبيرة فقط، فلا يجوز فعل ذلك لانه عمل في الصلاة لم يأت به نص، وانما جاء عنه عليه السلام أنه كبر ورفع يديه في كل خفض ورفع، وليس فيها رفع ولا خفض * والعجب من قول أبى حنيفة: برفع الايدى في كل تكيرة في صلاة الجنازة ولم يأت قط عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنعه من رفع الايدى في كل خفض ورفع في سائر الصلوات، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم! * وأما التسليمتان فهى صلاة، وتحليل الصلاة التسليم والتسليمة الثانية ذكر وفعل خير وبالله تعالى التوفيق * * (هامش) (1) بفاء ين والاولى مفتوحة مشددة، واسمه (يزيد بن المكفف) كما في معاني الآثار (ج 1 ص 288) (2) بل هو ثابت، وانظر سيرة ابن هشام (ص 585) وطبقات ابن سعد (ج 3 ق 1 ص 9) والتلخيص (ص 158 و 159) وبعضها صحيح الاسناد

[ 129 ]

574 - مسألة - فإذا كبر الاولى قرأ أم القرآن ولابد، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان دعا للمسلمين فحسن، ثم يدعو للميت في باقى الصلاة * أما قراءة أم القرآن فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها صلاة بقوله: (صلوا على صاحبكم) وقال عليه السلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ (1) بأم القرآن) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد ابن كثير ثنا سفيان - هو الثوري - عن سعد - هو ابن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - عن طلحة - بن عبد الله بن عوف قال: (صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: لتعلموا أنها سنة) * ورويناه أيضا من طريق شعبة وابراهيم بن سعد كلاهما عن سعد بن ابراهيم عن طلحة بن عبد الله عن ابن عباس * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا قتيبة بن سعيد أنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن أبى امامة بن سهل بن حنيف ومحمد بن سويد الدمشقي (2) عن الضحاك بن قيس، قال الضحاك وأبو امامة: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة مخافتة، ثم يكبر، والتسليم عند الآخرة * وعن ابن مسعود: انه كان يقرأ على الجنازة بأم الكتاب * ومن طريق وكيع عن سلمة بن نبيط (3) عن الضحاك بن قيس قال: يقرأ مابين التكبيرتين الاولتين فاتحة الكتاب * وعن حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن ابراهيم التيمى عن محمد بن عمرو ابن عطاء: ان المسور بن مخرمة صلى على الجنازة فقرأ في التكبيرة الاولى فاتحة الكتاب وسورة قصيرة، رفع بهما صوته، فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء، ولكني أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة *


(1) في النسخة رقم (14) (لمن لم يقترئ) (2) معطوف على أبى امامة، ان الزهري روى عن ابى امامة وروى عن محمد بن سويد عن الضحاك. ومحمد بن سويد بن كلثوم بن قيس الفهرى امير دمشق، تابعي ثقة والضحاك بن قيس عم ابيه مختلف في صحبته، وابو امامة تابعي ولكنه سمع هذا من رجال من الصحابة كما في المستدرك (ج 1 ص 360) وان كان اللفظ مختلفا وفيه زيادة ونقص (3) بالنون والباء والطاء المهملة مصغر (م 17 - ج 5 المحلى)

[ 130 ]

قال أبو محمد: فرأى ابن عباس والمسور المخافتة ليست فرضا * وعن أبى هريرة، وأبى الدرداء وابن مسعود، وانس بن مالك: انهم كانوا يقرؤن بأم القرآن ويدعون ويستغفرون بعد كل تكبيرة من الثلاث في الجنازة، ثم يكبرون وينصرفون ولا يقرؤن * وعن معمر عن الزهري سمعت أبا امامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب (1) قال: السنة في الصلاة على الجنائز ان تكبر، ثم تقرأ بأم القرآن ثم تصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تخلص الدعاء للميت، ولا تقرأ إلا في التكبيرة الاولى، ثم يسلم في نفسه عن يمينه * وعن ابن جريج: قال لى ابن شهاب: القراءة على الميت في الصلاة في التكبيرة الاولى * وعن ابن جريج عن مجاهد في الصلاة على الجنازة: يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر دعاء * وعن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن: (2) أنه كان يقرأ بفاتحة الكتاب في كل تكبيرة في صلاة الجنازة * وهو قول الشافعي وابى سليمان وأصحابهما * قال أبو محمد: واحتج من منع من قراءة القرآن فيها بأن قالوا: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اخلصوا له الدعاء) * قال أبو محمد: هذا حديث ساقط، ما روى قط من طريق يشتغل بها (3)، ثم لو صح لما منع من القراءة، لانه ليس في اخلاص الدعاء للميت نهى عن القراءة ونحن نخلص له الدعاء ونقرأ كما أمرنا *


(1) في النسخة رقم (16) (يحدث سمعت سعيد المسيب) فكأنه من رواية ابى امامة عن ابن المسيب، وهو خطأ والصواب ان الزهري سمعه من ابى امامة وسعيد بن المسيب حاضر يسمع، فالصواب ما هنا وهو الذى في النسخة رقم (14) وهو الموافق أيضا لما في ابن الجارود (ص 265) وانظر المستدرك (ج 1 ص 360) (2) في النسخة رقم (14) (عن الحسين) وهو خطأ، فان المراد الحسن البصري (3) بل هو صحيح، ورواه أبو داود (ج 3 ص 188) وابن ماجه (ج 1 ص 235) من حديث ابى هريرة، وفى اسناده محمد بن اسحق والحق انه ثقة حجة، وقد رمى بالتدليس، ولكن نقل ابن حجر في التلخيص ان في بعض طرقه عند ابن حبان تصريح ابن اسحق بالسماع (ص 161)

[ 131 ]

وقالوا: قد روى عن ابى هريرة: انه سئل عن الصلاة على الجنازة؟ فذكر دعاء ولم يذكر قراءة * وعن فضالة بن عبيد: انه سئل: أيقرأ في الجنازة بشئ من القرآن؟ قال: لا * وعن ابن عمر: انه كان لا يقرأ في صلاة الجنازة * قال أبو محمد: فقلنا: ليس عن واحد من هؤلاء انه قال: لا يقرأ فيها بأم القرآن، ونعم، نحن نقول: لا يقرأ فيها بشئ من القرآن إلا أم القرآن، فلا يصح خلاف بين هؤلاء وبين من صرح بقراءة القرآن من الصحابة رضى الله عنهم، كابن عباس، والمسور، والضحاك بن قيس، وابى هريرة، وابى الدرداء و، وابن مسعود، وانس، لا سيما وابو هريرة لم يذكر تكبيرا ولا تسليما، فبطل ان يكون لهم به متعلق. وقد روى عنه قراءة القرآن في الجنازة، فكيف ولو صح عنهم في ذلك خلاف؟ لوجب الرد عند تنازعهم إلى ما أمر الله تعالى بالرد إليه من القرآن والسنة، وقد قال عليه السلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ (1) بأم القرآن) * وقالوا: لعل هؤلاء قرؤها على أنها دعاء! * فقلنا: هذا باطل، لانهم ثبت عنهم الامر بقراءتها، وانها سنتها، فقول من قال: لعلهم قرؤها على انها دعاء -: كذب بحت * ثم لا ندرى ما الذى حملهم على المنع من قراءتها حتى يتقحموا في الكذب بمثل هذه الوجوه الضعيفة * والعجب أنهم اصحاب قياس، وهم يرون انها صلاة، ويوجبون فيها التكبير، واستقبال القبلة، والامامة للرجال، والطهارة، والسلام ثم يسقطون القراءة فان قالوا: لما سقط الركوع والسجود والجلوس سقطت القراءة * قلنا: ومن أين يوجب هذا القياس دون قياس القراءة على التكبير والتسليم؟ بل لو صح القياس لكان قياس القراءة على التكبير والتسليم - لان كل ذلك ذكر باللسان - أولى من قياس القراءة على عمل الجسد ولكن هذا علمهم بالقياس والسنن * وهم يعظمون خلاف العمل بالمدينة وههنا أرينا هم عمل الصحابة، وسعيد بن المسيب، وأبى أمامة والزهرى، علماء اهل المدينة، وخالفوهم. وبالله تعالى التوفيق * 575 - مسألة - وأحب الدعاء الينا على الجنازة هو ما حدثناه عبد الله بن يوسف


(1) في النسخة رقم (14) (يقترئ) *

[ 132 ]

ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى أبو الطاهر ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن ابى حمزة بن سليم عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الاشجعى قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى (1) على جنازة يقول: اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء، وثلج، وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، وأبد له دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وقه فتنة القبر، وعذاب القبر (2) وعذاب النار) * وما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا عمربن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا موسى بن هرون الرقى ثنا شعيب - يعنى ابن اسحاق - عن الاوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن ابى هريرة قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فقال: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا، اللهم من أحييته منافا حيه على الايمان، ومن توفيته منافتوفه على الاسلام، اللهم لا تحرمنا اجره، ولا تضلنا بعده) * فان كان صغيرا فليقل: (الهم الحقه بابراهيم خليلك) للاثر الذى صح ان الصغار مع ابراهيم صلى الله عليه وسلم في روضة خضراء. وما دعا به فحسن * 576 - مسألة - ونستحب اللحد، وهو الشق في احد جانبى القبر، وهو احب الينا من الضريح، وهو الشق في وسط القبر * ونستحب اللبن ان توضع على فتح اللحد، ونكره الخشب والقصب والحجارة. وكل ذلك جائز * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى أنا عبد الله بن جعفر المسورى عن اسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص عن عمه عامر بن سعد: أن أباه سعد بن أبى وقاص قال في مرضه الذى هلك فيه: (الحد والى لحدا، وانصبوا على اللبن نصبا، كما صنع


(1) في النسخة رقم (16) (صلى) بحذف الواو، واثباتها هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 264) وللنسخة رقم (14) (2) كذا في الاصلين باثبات قوله (وعذاب القبر) وهى زيادة لسيت في أي نسخة من نسخ صحيح مسلم *

[ 133 ]

برسول الله صلى الله عليه وسلم) * 577 - مسألة - ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شئ، ويهدم كل ذلك، فان بنى عليه بيت أو قائم لم يكره ذلك، وكذلك لو نقش اسمه في حجر لم نكره ذلك * روينا بالسند المذكور إلى مسلم: حدثنى هرون بن سعيد الايلى ثنا ابن وهب حدثنى عمرو بن الحارث أن ثمامة بن شفى (1) حدثه قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفى صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوى، وقال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها) * وبه إلى مسلم: ثنا يحيى بن يحيى أنا وكيع عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى وائل عن أبى الهياج الاسدي قال قال لى على بن أبى طالب: (ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته) * وبه إلى مسلم: حدثنى محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق (2) عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ان تجصص القبور، وأن يقعد عليها، وان يبنى عليها (3)) * قال أبو محمد: قد انذر عليه السلام بموضع قبره بقوله: (ما بين قبري (4) ومنبرى روضة من رياض الجنة) وأعلم انه في بيته بذلك ولم ينكر عليه السلام كون القبر في بيت، ولا نهى عن بناء قائم، وانما نهى عن بناء على القبر، قبة فقط * وعن وكيع عن الربيع عن الحسن: كان يكره أن تجصص القبور أو تطين أو يزاد عليها من غير حفيرها * وعن وكيع عن عمران بن حدير عن أبى مجلز قال: تسوية القبور من السنة * وعن عثمان أمير المؤمنين رضى الله عنه أنه أمر بتسوية القبور وان ترفع من الارض شبرا *


(1) ثمامة: بضم الثاء المثلثة، وشفى: بضم الشين المعجمة وفتح الفاء وتشديد الياء (2) قوله (ثنا عبد الرزاق) سقط من الاصلين خطأ، وصححناه من مسلم (ج 1 ص 265) (3) في النسخة رقم (16) (وان يقعد عليه وان يبنى عليه) والذى في مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة باسناده إلى جابر (نهى رسول الله صلى اللله عليه وسلم ان يجصص القبر وان يقعد عليه وان يبنى عليه) ثم أتى مسلم بالاسناد الذى هنا وقال (بمثله) (4) في النسخة رقم (16) (بين قبري) بحذف (ما) واعلم ان هذا الحديث رواه البخاري في مواضع، ومسلم، واحمد بن حنبل وابن سعد وغير

[ 134 ]

وعن عبد الرزاق أنا معمر عن ايوب السختيانى عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد قال: سقط الحائط الذى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فستر، ثم بنى، فقلت للذى ستره: ارفع ناحية الستر حتى أنظر إليه، فنظرت إليه، فإذا عليه جبوب (1) ورمل كأنه من رمل العرصة * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن وضاح ثنا يعقوب بن كعب ثنا ابن أبى فديك أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، أكشفى لى عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاجبيه فكشفت لى عن ثلاثة قبور، لا لاطئة (2) ولا مشرفة، مبطوحة (3) ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما، وأبو بكر عند رأسه، ورجلا ه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، ورأيت عمر عند رجلى أبى بكر رضى الله عنهما (4) * 578 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يجلس على قبر، فان لم يجد أين يجلس فليقف


كلهم من حديث أبى هريرة بلفظ (ما بين بيتى إلى منبرى) وكذلك من حديث عبد الله بن يزيد المازنى بهذا اللفظ، ورواه احمد عن أبى هريرة وأبى سعيد معابه، وفى لفظ لاحمد عن ابى هريرة (ما بين منبرى إلى حجرتي) (ج 2 ص 412) وفى آخره عنده (ج 2 ص 534) بلفظ (ما بين حجرتي ومنبرى) وفى لفظ لاحمد عن عبد الله بن زيد (ج 4 ص 41) (ما بين هذه البيوت يعنى بيوته إلى منبرى) وفى لفظ له عن جابر (ج 3 ص 389) بلفظ (ان ما بين منبرى إلى حجرتي) وأما اللفظ الذى هنا فقد جاء في رواية ابن عساكر للبخاري في أواخر الحج (ج 3 ص 55) وقال ابن حجر في الفتح (وهو خطأ) ثم نسب هذا اللفظ للبزار بسند رجاله ثقات من حديث سعد بن ابى وقاص وللطبراني من حديث ابن عمر. وانظر الفتح (ج 3 ص 57 وج 4 ص 70) والعيني (ج 7 ص 261 و 263) وطبقات ابن سعد (ج 1 ق 2 ص 12) ومسند أحمد (ج 2 ص 236 و 276 و 397 و 401 و 438 و 465 و 466 و 528 و 533) و (ج 3 ص 4) و (ج 4 ص 39 و 40 و 41) ووفاء الوفا للسمهودي (ج 1 ص 302 وما بعدها) * (1) الجبوب بفتح الجيم له معان منها: المدر المفتت، وكأنه المراد هنا (2) بالهمزة والياء، أي مستوية على وجه الارض، يقال لطأ بالارض، أي، لصق بها (3) أي ملقى فيها البطحاء وهو الحصى الصغار (4) اما الذى هنا فهو خطأ، ولعله من الناسخين وان اتفقت عليه اصول المحلى. والحديث في ابى داود (ج 3 ص 208 و 209) إلى قوله (العرصة الحمراء) ثم قال اللؤلؤي أبو على راوي السنن. (يقال ان رسو ل الله صلى الله عليه وسلم مقدم، وابو بكر عند

[ 135 ]

حتى يقضى حاجته، ولو استوفز ولم يقعد لم يبن أنه يحرج (1) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى زهير بن حرب ثنا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن سهيل بن ابى صالح عن ابيه عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق (2) ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) * وهكذا رويناه من طريق سفيان الثوري وعبد العزيز الدراوردى كلاهما عن سهيل عن ابيه عن ابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * وروينا أيضا من طريق جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم النهى عن القعود على القبر، وقد ذكرناه قبل هذا بيسير * ورويناه أيضا من طريق واثلة بن الاسقع عن أبى مرثد الغنوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) * فهذه آثار متواترة في غاية الصحة، وهو قول جماعة من السلف رضى الله عنهم، منهم أبو هريرة * ومن طريق وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد عن سالم البراد عن ابن عمر قال: لان أطأ على رضف (3) أحب إلى من أن أطأ على قبر * وعن ابن مسعود: لان أطأ على جمرة حتى تبرد أحب إلى من أن أتعمد وطئ قبر لى عنه مندوحة *


رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه الحاكم مطولا (ج 1 ص 369) وفيه بعد قوله (العرصة الحمراء): (فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر عند رجلى النبي صلى الله عليه وسلم) وصححه الحاكم والذهبي، والظاهر أن هذا هو الذى نقله المؤلف فأخطأ فيه أو أخطأ الناسخون وقد اختلف كثيرا في صفة القبور الثلاثة، وانظر تفصيل ذلك في وفاء الوفا (ج 1 ص 390 وما بعدها). (1) من الحرج بالحاء المهملة أي لم يظهر لنا انه عليه حرج (2) بحاشية النسخة رقم (14) ان في نسخة من المحلى (فتحترق) وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 265) (3) بفتح الراء واسكان الضاد المعجمة: الحجارة التى حميت بالشمس أو بالنار *

[ 136 ]

وعن سعيد بن جبير: لان أطأ على جمرة حتى تبرد أحب إلى من ان اطأ على قبر. وهو قول ابى سليمان * فقال قائلون باباحة ذلك، وحملوا الجلوس المتوعد عليه إنما هو للغائط خاصة * وهذا باطل بحت لوجوه * أولها أنه دعوى بلا برهان، وصرف لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهه، وهذا عظيم جدا وثانيها ان لفظ الخبر مانع من ذلك قطعا، بقوله عليه السلام: (لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من ان يجلس على قبر) وبالضرورة يدرى كل ذى حس سليم ان القعود للغائط لا يكون هكذا البتة، وما عهدنا قط أحدا يقعد على ثيابه للغائط إلا من لا صحة لدماغه * وثالثها ان الرواة لهذا الخبر لم يتعدوا به وجهه من الجلوس المعهود، وما علمنا قط في اللغة (جلس فلان) بمعنى تغوط، فظهر فساد هذا القول. ولله تعالى الحمد * وقد ذكرنا تحريم الصلاة إلى القبر وعليه في كتاب الصلاة. (1) والله تعالى محمود * 579 - مسألة - ولا يحل لاحد ان يمشى بين القبور بنعلين سبتيتين (2) وهما اللتان لا شعر فيهما، فان كان فيهما شعر جاز ذلك، فان كانت احداهما بشعر والاخرى بلا شعر جاز المشى فيهما * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن عبد الله ابن المبارك ثنا وكيع عن الاسود بن شعبان - وكان ثقة - عن خالد بن سمير عن بشير بن نهيك (3) عن بشير رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ابن الخصاصية - (4) قال: (كنت أمشى مع رسول الله * (هامش) (1) في المسألة رقم (393) (ج 4 ص 27 و 32) (2) بكسر السين المهملة واسكان الباء الموحدة، والسبت الجلد المدبوغ بالقرظ، قال الازهرى (كأنها سميت سبتية لان شعرها قد سبت عنها أي حلق وازيل بعلاج من الدباغ معلوم عند دباغيها) (3) بشير بفتح الباء وكسر الشين المعجمة، ونهيك بفتح النون وكسر الهاء. (4) بشير بفتح الموحدة أيضا، والخصاصية بفح الخاء المعجمة وتخفيف الصاد المهملة الاولى وكسر الثانية وتخفيف الياء، وهى احدى جداته، وهو بشير بن معبد وحديثه في النسائي (ج 4 ص 96) وأبى داود (ج 3 ص 210) وابن ماجه (ج 1 ص 244). وقد ذكر بشير هنا وفى المسألة 582 باسم (بشير رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفى أبى داود (بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولم أر شيئا يؤ يد هما في هذه النسبة *

[ 137 ]

صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا يمشى بين القبور في نعليه، فقال: يا صاحب السبتيتين، ألقهما) * وحدثناه حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن سليمان البصري ثنا سليمان بن حرب ثنا الاسود بن شيبان حدثنى خالد بن سمير أخبرني بشير بن نهيك أخبرني بشير بن الخصاصية - وكان اسمه في الجاهلية زحم، (1) فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرا - قال: (بينا أنا أمشى بين المقابر وعلى نعلان، إذ نادانى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا صاحب السبتيتين، يا صاحب السبتيتين، إذا كنت في مثل هذا المكان فاخلع نعليك، قال: فخلعتهما * قال أبو محمد: فان قيل: فهلا منعتم من كل نعل، لعموم قوله عليه السلام: (فاخلع نعليك) * قلنا: منع من ذلك وجهان: أحدهما انه عليه السلام إنما دعا صاحب سبتيتين، بنص كلامه، ثم أمره بخلع نعليه * والثانى ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا ابراهيم ابن يعقوب بن اسحاق الجوزجانى ثنا يونس بن محمد ثنا شيبان (2) عن قتادة ثنا انس ابن مالك قال قال نبى الله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه اصحابه، انه ليسمع قرع نعالهم) وذكر الحديث * قال أبو محمد: فهذا إخبار منه عليه السلام بما يكون بعده، وان الناس من المسلمين سيلبسون النعال في مدافن الموتى إلى يوم القيامة، على عموم إنذاره عليه السلام بذلك، ولم ينه عنه، والاخبار لا تنسخ أصلا، فصح إباحة لباس النعال (3) في المقابر، ووجب استثناء السبتية منها، لنصه عليه السلام عليها * قال أبو محمد: وقال بعض من لا يبالي بما أطلق به لسانه فقال: لعل تينك النعلين كان فيهما قذر * قال أبو محمد: من قطع بهذا فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قوله ما لم يقل، ومن لم يقطع بذلك فقد حكم بالظن، وقفا مالا علم له به، وكلاهما خطتا خسف نعوذ بالله منهما *


(1) بفتح الزاى واسكان الحاء المهملة (2) في النسخة رقم (16) (شيبا) وسقطت النون الاخيرة من الكاتب خطأ (3) في النسخة رقم (16) (فصح لباس النعال) وما هنا أحسن * (م 18 - ج 5 المحلى)

[ 138 ]

ثم يقال له: فهبك ذلك كذلك؟ أتقولون: بهذا أنتم؟ فتمنعون من المشى بين القبور بنعلين فيهما قذر؟ فمن قولهم: لا، فيقال لهم: فأى راحة لكم في دعوى كاذبة؟ ثم لو صحت لم تقولوا بها، ولبقيتم مخالفين للخبر بكل حال؟ * ويقال له أيضا: ولعل البناء في الرعاف إنما هو في الدم الاسود لشبهه بدم الحيض، ولعل فساد صلاة الرجل إلى جنب المرأة إنما هو إذا كانت شابة خوف الفتنة، ومثل هذا كثير * 580 - مسألة - ويصلى على ما وجد من الميت المسلم، ولو انه ظفر أو شعر فما فوق ذلك ويغسل، ويكفن، إلا ان يكون من شهيد فلا يغسل، لكن يلف ويدفن * ويصلى على الميت المسلم وان كان غائبا لا يوجد منه شئ، فان وجد من الميت عضو آخر بعد ذلك أيضا غسل أيضا، وكفن، ودفن، ولا بأس بالصلاة عليه ثانية وهكذا ابدا * برهان ذلك أننا قد ذكرنا قبل وجوب غسل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه، فصح بذلك غسل جميع أعضائه، قليلها وكثيرها، وستر جميعها بالكفن والدفن، فذلك بلا شك واجب في كل جزء منه (1)، فإذ هو كذلك فواجب عمله فيما أمكن عمله فيه، بالوجود متى وجد، ولا يجوز أن يسقط ذلك في الاعضاء المفرقة بلا برهان * وينوى بالصلاة على ما وجد منه الصلاة على جميعه، جسده وروحه * وقال أبو حنيفة واصحابه: إن وجد نصف الميت الذى فيه الرأس أو أكثر من نصفه وان لم يكن فيه الرأس -: غسل وكفن وصلى عليه، وان وجد النصف الذى ليس فيه الرأس أو أقل من النصف الذى فيه الرأس -: لم يغسل ولا كفن ولا صلى عليه! * قال أبو محمد: وهذا تخليط ناهيك به! * وقيل لهم: من أين لكم أن الصلاة على أكثره واجبة، وعلى نصفه غير واجبة؟ وأنتم قد جعلتم الربع - فيما انكشف من بطن الحرة وشعرها - كثيرا في حكم الكل؟ وجعلتم العشر - (2) في بعض مسائلكم أيضا - في حكم الكل؟ وهو من حلق عشر رأسه أو عشر لحيته من المحرمين في قول محمد بن الحسن، فمن أين هذه الاحكام في الدين بغير إذن من الله تعالى بها؟ * وقد روينا عن أبى أيوب الانصاري وأبى موسى الاشعري رضى الله عنهما: أنهما


(1) في النسخة رقم (16) (منها) (2) في النسخة رقم (14) (وجعلتم الشعر) وهو خطأ ظاهر

[ 139 ]

صليا على رجل انسان. وهو قول أبى سليمان وأصحابنا * وروى عن عمر: أنه صلى على عظام * وعن أبى عبيدة: أنه صلى على رأس * وأما الصلاة على الغائب فقد جاء به نص قاطع، أغنى عن النظر، وإن كان النظر تجب به الصلاة عليه، لان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا على صاحبكم) عموم يدخل فيه الغائب والحاضر، ولايجوز أن يخص به أحدهما، بل فرض في كل مسلم دفن بغير صلاة أن يصلى عليه من بلغه ذلك من المسلمين، لانها فرض على الكفاية، وهى فيمن صلى عليه ندب (1) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا اسماعيل ابن أبى اويس حدثنى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذى مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا) * وبه إلى البخاري: ثنا ابراهيم بن موسى ثنا هشام بن يوسف ان ابن جريج أخبرهم قال أخبرني عطاء انه سمع جابر بن عبد الله يقول: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد توفى اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه، فصففنا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن) * وبه إلى البخاري: ثنا مسدد عن ابى عوانة عن قتادة عن عطاء عن جابر بن عبد الله: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي، قال جابر،: فكنت في الصف الثاني أو الثالث) * ورويناه أيضا من طريق قوية عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم * فهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمله وعمل جميع أصحابه، فلا اجماع أصح من هذا، وآثار متواترة عن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم كما أوردنا * ومنع من هذا مالك، وأبو حنيفة، ادعى أصحابهما الخصوص للنجاشي وهذه دعوى كاذبة بلا برهان. وبالله تعالى التوفيق * فان قالوا: هل فعل هذا احد من الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ * قلنا لهم: وهل جاء قط عن احد من الصحابة انه زجر عن هذا أو أنكره؟ * ثم يقال لهم: لا حجة في احد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * 581 - مسألة - والصلاة جائزة على القبر، وان كان قد صلى على المدفون فيه *


(1) في النسخة رقم (16) (وهى من صلى عليه ندب) وهو خطأ *

[ 140 ]

وقال أبو حنيفة: إن دفن بلا صلاة صلى على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام، ولا يصلى عليه بعد ذلك وإن دفن بعد ان صلى عليه لم يصل أحد على قبره * وقال مالك: لا يصلى على قبر، وروى ذلك عن ابراهيم النخعي وقال الشافعي، والاوزاعي، وأبو سليمان: يصلى على القبر وان كان قد صلى على المدفون فيه، وقد روى هذا عن ابن سيرين * وقال أحمد بن حنبل: يصلى عليه إلى شهر، ولا يصلى عليه بعد ذلك * وقال اسحق: يصلى الغائب (1) على القبر إلى شهر، ويصلى عليه الحاضر إلى ثلاث * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدرى ثنا حماد بن زيد عن ثابت البنانى عن أبى رافع عن أبى هريرة: (ان امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا، ففقدها (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، فقال: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم) * فادعى قوم ان هذا الكلام منه عليه السلام دليل على انه خصوص له * قال أبو محمد: وليس كما قالوا، وانما في هذا الكلام بركة صلاته عليه السلام، وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهى غيره عن الصلاة على القبر اصلا، بل قد قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة *) ومما يدل على بطلان دعوى الخصوص ههنا ما رويناه بالسند المذكور إلى مسلم: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا محمد بن ادريس عن الشيباني - هو أبو إسحاق - عن الشعبى عمن حدثه قال: (انتهينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعا) قال الشيباني: قلت لعامر الشعبى: من حدثك؟ قال: الثقة،


(1) في النسخة رقم (14) (يصلى على الغائب) وهو خطأ قطعا، فان المراد ان الغائب يصلى على القبر إلى شهر وان الحاضر يصلى عليه إلى ثلاث فقط. وهذه الجملة سقطت من النسخة رقم (16) (2) في الاصلين (شاب فقدها) وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 262) *

[ 141 ]

من شهده، ابن عباس. فهذا أبطل (1) الخصوص، لان أصحابه عليه السلام وعليهم رضوان الله صلوا معه على القبر، فبطلت دعوى الخصوص * وبه إلى مسلم حدثنى ابراهيم بن محمد بن عرعرة السامى (2) ثنا غندر ثنا شعبة عن حبيب ابن الشهيد عن ثابت (3) عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر *) قال أبو محمد: فهذه آثار متواترة لا يسع الخروج عنها * واحتج بعضهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل المسلمون على قبره * قال أبو محمد: ما علمنا أحدا من الصحابة رضى الله عنهم نهى عن الصلاة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نهى الله تعالى عنه، ولا رسوله عليه السلام، فالمنع من ذلك باطل، والصلاة عليه فعل خير، والدعوى باطل إلا ببرهان * وقال بعضهم: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبر وعلى القبر مانع من هذا! * قال أبو محمد: وهذا عجب ما مثله عجب، وهو أن المحتج بهذا عكس الحق عكسا، لانه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهى عن الصلاة على القبر، أو إليه أو في المقبرة، وعن الجلوس على القبر، فقال هذا القائل: كل هذا مباح! وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر صلاته على الميت، فقال هذا القائل: لا يجوز ذلك! واحتج بالنهي عن الصلاة مطلقا في منعه من صلاة الجنازة على القبر واحتج بخبر الصلاة (4) على القبر في إباحته الحرام من الصلوات في المقبرة، والى القبر، وعليه وحسبنا الله ونعم الوكيل * وقال بعضهم: كان ابن عمر لا يصلى على القبر. قلنا: نعم، كان لا يصلى سائر الصلوات على القبر، ويصلى صلاة الجنازة على القبر أبدا * قال أبو محمد: وهذا لو صح لكان قد صح ما يعارضه، وهو أنه رضى الله عنه صلى صلاة الجنازة على القبر، ثم لو لم يأت هذا عنه لكان قد عارضه ماصح عن الصحابة في ذلك، فكيف ولا حجة في احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولا يصح عن ابن عمر إلا ما ذكرناه *


(1) في النسخة رقم (14) (ابطال) (2) في النسخة رقم (16) (ابراهيم بن محمد عن عزة الشامي) وهو خطأ، وعرعرة بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وآخره راء مفتوحة ثم هاء، والسامى بالسين المهملة نسبة إلى جده الاعلى (سامة بن لؤى) (3) قوله (عن ثابت) سقط من الاصلين خطأ، وصححناه من مسلم. (4) في النسخة رقم (16) (واحتج بالنهي عن الصلاة) الخ وهو خطأ واضح *

[ 142 ]

وروينا عن معمر عن أيوب السختيانى عن ابن ابى مليكة: مات عبد الرحمن بن ابى بكر على ستة أميال من مكة، فحملناه فجئنا به مكة فدفناه، فقدمت علينا عائشة أم المؤمنين فقالت: أين قبر أخى؟ فد للناها عليه، فوضعت في هودجها عند قبره فصلت عليه * وعن حماد بن سلمة عن ايوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر: انه قدم وقد مات اخوه عاصم، فقال: أين قبر اخى؟ فدل عليه، فصلى عليه ودعا له * قال أبو محمد. هذا يبين أنها صلاة الجنازة، لا الدعاء فقط * وعن على بن أبى طالب: أنه أمر قرظة (1) بن كعب الانصاري أن يصلى على قبر سهل بن حنيف بقوم جاء وابعد ما دفن وصلى عليه * وعن على بن أبى طالب أيضا: أنه صلى على جنازة بعد ما صلى عليها * وعن يحيى بن سعيد القطان ثنا أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبى كثير: أن أنس بن مالك صلى على جنازة بعد ما صلى عليها * وعن ابن مسعود نحو ذلك * وعن سعيد بن المسيب إباحة ذلك * وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: أنه صلى على جنازة بعد ما صلى عليها * وعن قتادة: أنه كان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى عليها * فهذه طوائف من الصحابة لايعرف لهم منهم مخالف * وأما أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام فخطأ لا يشكل، لانه تحديد بلا دليل، ولا فرق بين من حد بهذا أو من حد بغير ذلك * 582 - مسألة - ومن تزوج كافرة فحملت منه وهو مسلم وماتت حاملا -: فان كانت قبل أربعة أشهر ولم ينفخ فيه الروح بعد دفنت مع اهل دينها، وان كان بعد اربعة اشهر والروح قد نفخ فيه دفنت في طرف مقبرة المسلمين، لان عمل اهل الاسلام من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا يدفن مسلم مع مشرك * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن عبد الله بن المبارك ثنا وكيع عن الاسود بن شيبان - وكان ثقة - عن خالد بن سمير عن بشير بن نهيك عن بشير رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ابن الخصاصية (2) قال: كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على


(1) بالقاف والراء والظاء المعجمة المفتوحات. (2) انظر الكلام عليه في المسألة 579

[ 143 ]

قبور المسلمين، فقال: لقد سبق هؤلاء شرا كثيرا، (1) ثم مر على قبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا) * فصح بهذا تفريق قبور المسلمين عن قبور المشركين * والحمل ما لم ينفخ فيه الروح فانما هو بعض جسم أمه، ومن حشوة (2) بطنها، وهى مدفونة مع المشركين، فإذا نفخ فيه الروح فهو خلق، آخر، كما قال تعالى: (فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر) فهو حينئذ (3) إنسان حى غير أمه، بل قد يكون ذكرا وهى أنثى، وهو ابن مسلم فله حكم الاسلام، فلا يجوز أن يدفن في مقابر المشركين، وهى كافرة، فلا تدفن في مقابر المسلمين، فوجب أن تدفن بناحية لاجل ذلك * روينا عن سليمان بن موسى: أن واثلة بن الاسقع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن امرأة نصرانية ماتت حبلى من مسلم -: في مقبرة ليست بمقبرة النصارى، ولا بمقبرة المسلمين بين ذلك وروينا عن عمربن الخطاب: انها تدفن مع المسلمين من أجل ولدها 583 - مسألة - والصغير يسبى مع أبويه أو أحدهما أو دونهما فيموت -: فانه يدفن مع المسلمين ويصلى عليه، قال تعالى: (فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) فصح أن كل مولود فهو مسلم، إلا من أقره الله تعالى على الكفر، وليس إلا من ولديين ذميين كافرين، أو حربيين كافرين، ولم يسب حتى بلغ، وما عدا هذين فمسلم * 584 - مسألة - وأحق الناس بالصلاة على الميت والميتة الاولياء، وهم الاب وآباؤه، والابن وأبناؤة، ثم الاخوة الاشقاء، ثم الذين للاب، ثم بنوهم، ثمو الاعمام للاب والام، ثم للاب (4)، ثم بنوهم، ثم كل ذى رحم محرمة، إلا أن يوصى الميت أن يصلى عليه إنسان، فهو أولى، ثم الزوج، ثم الامير أو القاضي، فان صلى غير من ذكرنا أجزأ * برهان ذلك قول الله تعالى (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وهذا


(1) هكذا رواية النسائي ورواية أبى داود وابن ماجه (أدرك هؤلاء خيرا كثيرا). (2) بكسر الحاء المهملة وبضمها مع اسكان الشين المعجمة وفتح الواو، وهى ما انضمت عليه الضلوع، أوهى الامعاء، والمراد ظاهر، وفى النسخة رقم (14) بالسين المهملة وهو خطأ. (3) في النسخة رقم (16) (يؤمئذ) (4) قوله (ثم للاب) سقط من النسخة رقم (14)

[ 144 ]

عموم لا يجوز تخصيصه، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن الرجل في أهله) يدخل فيه ذوالرحم والزوج، فإذا اجتمعا فهما سواء في الحديث، فلا يجوز تقديم أحدهما على الآخر (1) وذو الرحم أولى بالآية، ثم الزوج أولى من غيره بالحديث * رويناه عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أنه قال في الصلاة على المرأة: أب أو ابن أو أخ أحق بالصلاة عليها من الزوج * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ليث عن زيد بن أبى سليمان: أن عمر ابن الخطاب قال: في الصلاة على المرأة إذا ماتت -: الولى دون الزوج * وعن شعبة عن الحكم بن عتيبة في الصلاة على المرأة إذا ماتت الاخ أحق من الزوج * ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن: كانوا يقدمون الائمة على جنائزهم، فان تدارؤا (2) فالولى ثم الزوج * فان قيل: قد قدم الحسين بن على سعيد بن العاصى على ولى له وقال: لولا أنها سنة ما قدمتك. وقال أبو بكرة (3) لاخوة زوجته: أنا أحق منكم * قلنا: لم ندع لكم إجماعا فتعارضوانا بهذا، ولكن إذا تنازع الائمة وجب الرد إلى القرآن والسنة، وفى القرآن والسنة ما أوردنا، ولم يبح الله تعالى الرد في التنازع إلى غير كلامه وحكم نبيه صلى الله عليه وسلم * وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والاوزاعي في أحد قوليه: الاولياء أحق بالصلاة عليها من الزوج، إلا أن أبا حنيفة قال: إن كان ولدها ابن زوجها الحاضر فالزوج أبو الولد أحق. وهذا لا معنى له، لانه دعوى بلا برهان * 585 - مسألة - وأحق الناس بانزال المرأة في قبرها من لم يطأ تلك الليلة، وإن كان أجنبيا، حضر زوجها أو أولياؤها أو لم يحضروا، وأحقهم بانزال الرجل أولياؤه * أما الرجل فلقول الله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) وهذا عموم، لا يجوز تخصيصه الا بنص * وأما المرأة فان عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا قال ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى


(1) في النسخة رقم (16) (على الآخر به) وزيادة كلمة (به) خطأ قطعا (2) أي تدافعوا في الخصومة وغيرها (3) في النسخة رقم (16) (أبو بكر) وهو خطأ، فانه ليس في أزواج أبى بكر من ماتت في خلافته *

[ 145 ]

ثنا البخاري ثنا عبد الله بن محمد - هو المسندى - ثنا أبو عامر - هو العقدى - ثنا فليح بن سليمان عن هلال بن على عن أنس بن مالك قال: (شهدنا بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: انا، قال: فانزل، فنزل في قبرها (1)) * حدثنا احمد بن محمد الطلمنكى ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا احمد بن عمرو البزار ثنا محمد بن معمر ثنا روح بن أسلم انا حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن انس (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما ماتت رقية ابنته رضى الله عنها: لا يدخل القبر رجل قارف الليلة، فلم يدخل عثمان) * قال أبو محمد: المقارفة الوطئ، لا مقارفة الذنب. (2) ومعاذ الله أن يتزكى أبو طلحة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يقارف ذنبا، فصح أن من لم يطأ تلك الليلة أولى من الاب والزوج وغيرهما * 586 - بقية من المسألة - التى قبل هذه * قال أبو محمد: واستدركنا الوصية بأن يصلى على الموصى غير الولى وغير الزوج، وهو أن الله تعالى - وقد ذكر وصية المحتضر - قال: (فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه) * وروينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن محارب بن دثار: أن أم سلمة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها أوصت أن يصلى عليها سعيد بن زيد، وهو غير أمير ولا ولى (3) من ذوى محارمها ولا من قومها، وذلك بحضرة الصحابة رضى الله تعالى عنهم * وبه إلى سفيان عن أبى اسحاق السبيعى: أن أبا ميسرة أوصى ان يصلى عليه شريح وليس من قومه * ومن طريق وكيع عن مسعر بن كدام عن أبى حصين: أن عبيدة السلمانى أوصى أن يصلى عليه الاسود بن يزيد النخعي * 587 - مسألة - وتقبيل الميت جائز * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري


(1) هو في البخاري (ج 2 ص 172) (2) هذا هو الصواب، وأخطأ جدا من فسرها بمقارفة الذنب في هذا الحديث (3) في النسخة رقم (16) (وهو غير الامير ولاوليا) وهذا خطأ * (م 19 - ج 5 المحلى)

[ 146 ]

أنا بشر بن محمد (1) أنا عبد الله بن المبارك أخبرني معمر ويونس عن الزهري أخبرني أبو سلمة - هو ابن عبد الرحمن بن عوف - ان عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: (أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرة - تعنى إذ مات عليه السلام - قالت: فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى وقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله) وذكر الحديث (2) * 588 - مسألة - ويسجى الميت بثوب ويجعل على بطنه ما يمنع انتفاخه * أما التسجية فلما ذكرناه في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ما فعل فيه صلى الله عليه وسلم فهو حق، لقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) وهذا عموم، لا يجوز تخصيصه إلا بنص * وأما قولنا: يوضع (3) على بطنه فلقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى). وكل ما فيه رفق بالمسلم ودفع للمثلة عنه فهو بر وتقوى * 589 - مسألة - والصبر واجب، والبكاء مباح، ما لم يكن نوح، فان النوح حرام والصياح، وخمش الوجوه وضربها، وضرب الصدور، ونتف الشعر وحلقه للميت -: كل ذلك حرام، وكذلك الكلام المكروه الذى هو تسخط لاقدار الله تعالى، وشق الثياب * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا آدم ثنا شعبة ثنا ثابت البنانى عن أنس بن مالك قال: (مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكى عند قبر، فقال: اتقى الله واصبري) * وبه إلى البخاري: نا محمد بن بشار نا غندر عن شعبة عن ثابت البنانى قال سمعت أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الصبر عند الصدمة الاولى) * وبه إلى البخاري: نا الحسن بن عبد العزيز نا يحيى بن حسان حدثنى قريش - هو ابن حيان (4) - عن ثابت البنانى عن أنس قال: (دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابراهيم - هو ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وانت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف، إنها رحمة، العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول الا ما يرضى ربنا، وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون)


(1) في النسخة رقم (14) (بشير بن محمد) بزيادة الياء وهو خطأ (2) هو في البخاري (ج 2 ص 157 و 158 (3) في النسخة رقم (14) (وأما ما يوضع) (4) بفتح الحاء وتشديد الياء المثناة التحتية

[ 147 ]

فهذا اباحة الحزن الذى لا يقدر أحد على دفعه، و (لا يكلف الله نفسا اولا وسعها وفيه إباحة البكاء، وتحريم الكلام بما لا يرضى الله تعالى * وبه إلى البخاري: نا محمد بن بشار نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان عن الاعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) * حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج ثنا اسحاق بن منصور أنا حبان بن هلال (1) نا أبان - هو ابن يزيد العطار - نا يحيى - هو ابن أبى كثير - أن زيدا حدثه ان اباسلام حدثه ان ابا مالك الاشعري حدثه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع في امتى من امر الجاهلية لا يتركونهن: (2) الفخر في الاحساب، والطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، النائحة إذا ماتت ولم تتب قبل موتها (3) تقام يوم القيامة وعليها سر بال من قطران ودرع من جرب) * وبه إلى مسلم: نا عبد الله بن حميد، واسحاق بن منصور قالا أرنا جعفر بن عون أنا ابو عميس (4) قال: سمعت أبا صخرة يذكر عن عبد الرحمن بن يزيد وأبى بردة بن ابى موسى الاشعري قالا جميعا (5): أغمى على ابى موسى فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، فأفاق قال: ألم تعلمي - وكان يحدثها (2) - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا برئ ممن حلق وسلق (7) وخرق)؟ *


(1) بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، كنيته أبو حبيب وهو بصرى. ويشتبه اسمه باسم (حيان - بالمثناة التحتية - ابن هلال ابى عبد الله) وهو بصرى ايضا روى عن سيف ابن سليمان، ولكن ليس له شئ في الكتب الستة. (2) في النسخة رقم (16) (لا يتركوهن) بحذف النون وهو خطأ، والتصحيح من مسلم (ج 1 ص 256) (3) الذى في نسخ مسلم (النائحة إذا لم تتب قبل موتها) فليس فيه قوله (ماتت) ولعل ما هنا رواية للمؤلف. (4) بضم العين المهملة مصغر وآخره سين وفى النسخة رقم (16) (بن عميس) وهو خطأ. (5) لفظ (جميعا) ليس في صحيح مسلم (ج 1 ص 40) (6) في النسخة رقم (16) (يحدثنا) وهو خطأ صححناه من مسلم (7) في النسخة رقم (16) (وصلق) بالصاد، وما هنا هو الموافق لمسلم، وكلاهما صحيح في المعنى، السلق رفع الصوت عند المصيبة

[ 148 ]

ومن طريق البخاري: نا أصبغ نا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد ابن الحارث الانصاري عن عبد الله بن عمر قال: (اشتكى سعد بن عبادة فعاده النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن ابى وقاص، وابن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غاشيته (1)، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: ألا تسمعون؟! إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم وان الميت يعذب ببكاء أهله عليه) * قال أبو محمد: هذا الخبر بتمامه يبين معنى ما وهل (2) فيه كثير من الناس من قوله عليه السلام: (ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه) ولاح بهذا ان هذا البكاء الذى يعذب به الميت ليس هو الذى لا يعذب به من دمع العين، وحزن القلب، فصح انه البكاء باللسان إذ يعذبونه برياسته التى جار فيها فعذب عليها، وشجاعته التى يعذب عليها إذ صرفها في غير طاعة الله تعالى، وبجوده الذى أخذ ما جاد به من غير حله، ووضعه في غير حقه فأهله يبكونه بهذه المفاخر، وهو يعذب بها بعينها، وهو ظاهر الحديث لمن لم يتكلف في ظاهر الخبر ما ليس فيه. وبالله تعالى التوفيق * وقد روينا عن ابن عباس: أنه أنكر على من أنكر البكاء على الميت، وقال؟ الله أضحك وأبكى * 590 - مسألة - وإذا مات المحرم ما بين أن يحرم إلى أن تطلع الشمس من يوم النحر إن كان حاجا، أو أن يتم (3) طوافه وسعيه، إن كان معتمرا -: فان الفرض ان يغسل بماء وسدر فقط، إن وجد السدر، ولا يمس بكافور ولا بطيب، ولا يغطى وجهه ولا رأسه ولا يكفن الا في ثياب احرامه فقط، أو في ثوبين غير ثياب إحرامه، وان كانت امرأة فكذلك، إلا ان رأسها تغطى ويكشف وجهها، ولو أسدل عليه من فوق رأسها فلا بأس من غير أن تقنع * فمن مات من محرم أو محرمة بعد طلوع الشمس من يوم النحر فكسائر الموتى، رمى الجمار أو لم يرمها * * (هامش) (1) في اكثر روايات البخاري (في غاشية اهله) وهو الموافق للنسخة رقم (14) وانظر الحديث في البخاري (ج 2 ص 179 - 180) (2) أي غلط فيه (3) النسخة رقم (14) (أو ان يتم به) وزيادة هذا الحرف لا معنى لها، بل هي خطأ *

[ 149 ]

وقال أبو حنيفة، ومالك: هما كسائر الموتى في كل ذلك * برهان قولنا: ما رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة سمعت أبا بشر - هو جعفر بن أبى وحشية - عن سعيد بن جبير عن أبن عباس: (أن رجلا وقع عن راحلته فأقصعته (1)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، ويكفن في ثوبين، وخارج رأسه ووجهه، فانه يبعث يوم القيامة ملبدا) * ومن طريق احمد بن شعيب انا عبدة بن عبد الله البصري انا أبو داود - هو الحفرى (2) عن سفيان - هو الثوري - عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (مات رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غسلوه (3) بماء وسدر، وكفنوه في ثيابه، ولا تخمروا وجهه ولا رأسه، فانه يبعث يوم القيامة يلبى) * ومن طريق البخاري نا قتيبة نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، إذ وقع من راحلته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فانه يبعث يوم القيامة ملبيا) * ومن طريق البخاري نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل عارم (4) - نا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. (ان رجلا وقصه بعيره ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، فان الله يبعثه يوم القيامة ملبدا) * ومن طريق أبى داود السجستاني نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن منصور - هو ابن المعتمر - عن الحكم - هو ابن عيينة - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (وقصت (5) برجل محرم ناقته فقتلته، فأتى فيه (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اغسلوه وكفنوه، ولا تغطوا رأسه ولا تقربوه طيبا، فانه يبعث يهل)


(1) بتقديم الصاد على العين أي دفعته فقتلته (2) بفتح الحاء المهملة والفاء، نسبة إلى الحفر وهو موضع بالكوفة. وأبو داود هذا اسمه عمر بن سعد وهو من طبقة ابى داود الطيالسي (3) في النسخة رقم (14) (اغسلوه) (4) بالعين وهو لقب محمد بن الفضل (5) بالبناء للفاعل. والوقص كسر العنق أو الكسر مطلقا، ويقال (وقصته ووقصت به وأوقصته) وكلها روايات في هذا الحديث ومعناها واحد (6) في ابى داود (ج 3 ص 213) (فأتى به) وفى النسخة رقم (14) (فأفتى فيه) *

[ 150 ]

فهذا لا يسع أحدا خلافه، لانه كالشمس صحة، رواه شعبة، وسفيان، وابو عوانة، ومنصور وحماد بن زيد، ورواه قبلهم أبو بشر، وعمرو بن دينار، والحكم، وأيوب، ائمة المسلمين كلهم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه شهد القصة في حجة الوداع، آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحت ألفاظ هذا الخبر كلها، فلا يحل ترك شئ منها، وأمر عليه السلام بذلك في محرم سئل عنه، والمحرم يعم الرجل والمرأة، والبعث والتلبية يجمعهما، وبهما جاء الاثر، والسسبب المنصوص عليه في الحكم (1) * فان قيل: إنكم تجيزون للمحرم الحى أن يغطى وجهه، وتمنعون ذلك الميت * قلنا: نعم، للنصوص الواردة في ذلك، ولا يحل الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يأمر المحرم الحى بكشف وجهه وامر بذلك في الميت، فوقفنا عند امره عليه السلام، (وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحى يوحى) * وما ندرى من أين وقع لهم ان لا يفرق الله تعالى بين حكم المحزم الحى والمحرم الميت؟ أم في أي سنة وجدوا ذلك أم في أي دليل عقل؟ ثم هم اول قائلين بهذا نفسه، فيفرقون بين حكم المحرم الحى والمحرم الميت بآرائهم الفاسدة، وينكرون ذلك على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم هذا: خصوص لذلك المحرم * فقلنا: هذا الكذب منكم، لان النبي صلى الله عليه وسلم إنما أفتى بذلك في المحرم يموت إذ سئل عنه كما أفتى في المستحاضة، وكما أفتى أم سلمة في ان لا تحل ضفر رأسها في غسل الجنابة


(1) هنا بحاشية النسخة رقم (14) ما نصه: (قوله والمحرم يعم الرجل والمرأة انما يصح لو كان في الاحاديث محرم مطلق، وليس فيها ذلك، انما فيها رجل محرم، والرجل لا يتناول المرأة، فان ادعى ان حكم انساء حكم الرجال في كل شئ فعليه الدليل، فان أقامة صحت دعواه والا فلا، والله اعلم) ويظهر ان هذا الاعتراض من نفس كاتب النسخة وهو (احمد ابن محمد بن منصور الاشمومى الحنفي) الذى كتبها في شوال سنة 779 وهو اعتراض غلظ، والاشمومى بضم الهمزة واسكان الشين المعجمة وميمين نسبة إلى (أشموم) بالميم احدى قريتين بالديار المصرية إحداهما (أشموم طناح) - بفتح الطاء المهملة وتشديد النون - وهى قرب دمياط، والاخرى (أشموم الجريسات) - بضم الجيم وفتح الراء واسكان الياء وبالسين المهملة والتاء المثناة - وهى بالمنوفية، هكذا قال ياقوت في معجم البلدان ولم اجد لهذا الاشمومى ترجمة.

[ 151 ]

وسائر ما استفتى فيه عليه السلام فأفتى فيه فكان عموما * ومن عجائب الدنيا انهم اتوا إلى قوله عليه السلام: (فانه يبعث ملبدا) و (يلبى) و (يهل) فلم يستعملوه، وأوقفوه على إنسان بعينه وأتوا إلى ما خصه عليه السلام من البر، والشعير والتمر، والملح، والذهب، والفضة -: فتعدوا بحكمها إلى ما لم يحكم عليه السلام قط بهذا الحكم فيه فانما اولعوا بمخالفة الاوامر المنصوص عليها * وقال بعضهم: قد صح عن عائشة أم المؤمنين وابن عمر تحنيط المحرم إذا مات، وتطيبه وتخمير رأسه * قلنا: وقد صح عن عثمان وغيره خلاف ذلك * كما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري قال: خرج عبد الله بن الوليد معتمرا مع عثمان بن عفان، فمات بالسقيا (1) وهو محرم، فلم يغيب عثمان رأسه، ولم يمسسه طيبا، فأخذ الناس بذلك * ومن طريق عبد الرزاق نا أبي (2) قال: توفى عبيد بن يزيد بالمزدلفة وهو محرم، فلم يغيب المغيرة بن حكيم رأسه في النعش * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن أبى اسحاق السبيعى عن الحارث عن على بن أبى طالب قال في المحرم: يغسل رأسه بالماء والسدر، ولا يغطى رأسه، ولا يمس طيبا * وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأبى سليمان وغيرهم * والعجب أن الزهري يقول: فأخذ الناس بذلك وهم يدعون الاجماع في أقل من هذا كد عواهم في الحد في الخمر ثمانين، وغير ذلك * فان قيل: قد خالف ابن عمر عثمان بعد ذلك، فبطل ان يكون اجماعا * قلنا: وقد خالف عثمان وعلى والحسن وعبد الله بن جعفر في حد الخمر بعد عمر، فبطل أن يكون اجماعا * وإذا تنازع السلف فالفرض علينا رد ما تنازعوا فيه إلى القرآن والسنة، لا إلى قول أحد دونهما *


(1) بالقصر وضم السين المهملة واسكان القاف. موضع قريب من مكة (2) والد عبد الرزاق هو همام بن نافع الصنعانى وهو ثقة.

[ 152 ]

ومن طرائف الدنيا احتجاجهم في هذا بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خمروا وجوههم، ولا تشبهوا باليهود) * وهذا باطل لوجوه: * أولها أنه مرسل، ولا حجة في مرسل * والثانى أنه ليس فيه نص ولا دليل - لو صح - على أنه في المحرم (1) أصلا، بل كان يكون في سائر الموتى * وثالثها أنه لا يجوز أن يقوله عليه السلام أصلا، لانه عليه السلام لا يقول الا الحق واليهود لا تكشف وجوه موتاها، فصح أنه باطل، سمعه عطاء ممن لاخير فيه، أو ممن وهم * والرابع انه لو صح مسندا في المحرمين لما كانت فيه حجة، لان خبر ابن عباس هو الآخر بلا شك، وممن المحال أن يقول عليه السلام في أمر أمر به انه تشبه باليهود، وجائز ان ينهى عن التشبه باليهود قبل أن ينزل عليه الوحى، ثم يأمر بمثل ذلك الفعل، لا تشبها بهم، كما قال عليه السلام في قول اليهودية في عذاب القبر، ثم أتاه الوحى بصحة عذاب القبر * واحتج بعضهم في هذا بالخبر الثابت: (إذا مات الميت انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم علمه، وولد صالح يدعو له) * وهذا لاحجة لهم فيه أصلا، لانه انما فيه انه انقطع عمله وهكذا نقول، وليس فيه انه ينقطع عمل غيره فيه، بل غيره مأمور فيه بأعمال مفترضة، من غسل، وصلاة، ودفن وغير ذلك وهذا العمل ليس هو عمل المحرم الميت، إنما هو عمل الاحياء. فظهر تخليطهم وتمويههم * واحتج بعضهم بقول الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) * وهذه إحالة منهم للكلم عن مواضعه، ولم نقل قط: إن هذا من سعى الميت، لكنه من سعى الاحياء المأمور به في الميت كما أمرنا بأن لا نغسل الشهيد ولا نكفنه، أن ندفنه في ثيابه، وليس هو عمل الشهيد ولاسعيه، لكنه عملنا فيه وسعينا لانفسنا الذى أمرنا به فيه ولا فرق * والقوم متحكمون بالآراء الفاسدة والا مزيد إلا ان كانو يحومون حول ان يعترضوا


(1) في النسخة رقم (16) (انه ليس في المحرم) وهو خطأ *

[ 153 ]

بهذا كله على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فانه يبعث ملبدا) (يلبى) و (يهل) فهذا ردة، ولا فرق بين قوله عليه السلام: (ان المحرم يبعث يوم القيامة يلبى) و (يهل) و (ملبدا) وبين قوله عليه السلام. (إن من يكلم في سبيل الله يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب (1) دما اللون لون الدم والريح ريح المسك) وكل هذه فضائل لا تنسخ ولا ترد، والقوم أصحاب قياس بزعمهم، فهلا قالوا. المقتول في سبيل الله والميت محرما كلاهما مات في سبيل الله تعالى، وحكم أحدهما خلاف حكم الموتى، فكذلك الآخر؟! ولكنهم لا النصوص (2) يتبعون، ولا القياس يحسنون، ولاشك في ان الشبه بين الجهاد والحج أقرب من الشبه بين السرقة والنكاح 591 - مسألة - ونستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء، وإن كانت جنازة كافر، حتى توضع أو تخلفه، فان لم يقم فلا حرج لما روينا من طريق البخاري نا قتيبة نا الليث - هو ابن سعد - عن نافع عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. (إذ رأى احدكم الجنازة فان لم يكن ماشيا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه أو توضع من قبل ان تخلفه) * ورويناه أيضا من طريق ايوب، وابن جريج، وعبيدالله بن عمر، وعبد الله بن عون، كلهم عن نافع عن ابن عمر مسندا، ومن طريق الزهري عن سالم عن ابيه مسندا * ومن طريق البخاري نا مسلم - هو ابن ابراهيم - نا هشام - هو الدستوائي - نا يحيى ابن ابى كثير عن ابى سلمة عبن عبد الرحمن عن ابى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع) * ومن طريق البخاري نا معاذ بن فضالة نا هشام - هو الدستوائى - عن يحيى - هو ابن ابى كثير - عن عبيدالله بن مقسم عن جابر قال (مربنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودى؟ قال: فإذا (3) رأيتم الجنازة فقوموا) * وبه يأخذ أبو سعيد - ويراه واجبا - وابن عمر، وسهل بن حنيف، وقيس بن سعد،


(1) بالثاء المثلثة والعين المهملة المفتوحتين ثعب الماء والدم ونحوهما يثعبه ثعبا فجره فانثعب كما ينثعب الدم من الانف قاله في اللسان (2) في النسخة رقم (14) (النص) بالافراد. (3) في البخاري (ج 2 ص 182) (إذا). (م 20 - ج 5 المحلى)

[ 154 ]

وأبو موسى الاشعري، وأبو مسعود البدرى، والحسن بن على، والمسور بن مخرمة، وقتادة وابن سيرين، والنخعي، والشعبى، وسالم بن عبد الله * ومن طريق مسلم نا محمد بن رمح بن المهاجر نا الليث - هو ابن سعد - عن يحيى بن سعيد - هو الانصاري - عن واقد بن عمر وبن سعيد بن معاذ أن نافع بن جبير بن مطعم أخبره أن مسعود بن الحكم حدثه عن على بن أبى طالب أنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد) يعنى للجنازة * فكان قعوده صلى الله عليه وسلم بعد أمره بالقيام مبينا أنه أمر ندب، وليس يجوز أن يكون هذا نسخا لانه لا يجوز ترك سنة متيقنة إلا بيقين نسخ، والنسخ لا يكون إلا بالنهي أو بترك معه نهى * فان قيل: فقد رويتم من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن واقد بن عمرو ابن سعد بن معاذ قال: قمت إلى جنب نافع بن جبير في جنازة، فقال لى: حدثنى مسعود ابن الحكم عن على بن أبى طالب قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام، ثم أمرنا بالجلوس) فهلا قطعتم بالنسخ بهذا الخبر * قلنا: كنا نفعل ذلك لو لا ما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا يوسف بن سعيد نا حجاج بن محمد - هو الاعور عن ابن جريج عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة، وأبى سعيد الخدرى قالا جميعا: ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع) فهذا عمله عليه السلام المداوم، وأبو هريرة، وأبو سعيد ما فارقاه عليه السلام حتى مات، فصح أن أمره بالجلوس إباحة وتخفيف، وأمره بالقيام وقيامه ندب * وممن كان يجلس ابن عباس، وأبو هريرة، وسعيد بن المسيب * - 592 - مسألة ويجب الاسراع بالجنازة، ونستحب أن لا يزول عنها من صلى عليها حتى تدفن، فان انصرف قبل الدفن فلا حرج، ولا معنى لانتظار إذن ولى الجنازة * أما وجوب الاسراع فلما رويناه من طريق مسلم نا أبو الطاهر نا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثنى ابو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبى هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أسرعوا بالجنازة، فان كانت صالحة قربتموها (1) إلى الخير،


(1) كذا في الاصلين ومسلم (ج 1 ص 259) وبحاشية النسخة رقم (14) أن في نسخة من المحلى (قد متموها) *

[ 155 ]

وان كانت غير ذلك كان شرا تضعونه عن رقابكم) * وهو عمل الصحابة، كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا على بن حجر عن إسماعيل ابن علية وهشيم كلاهما عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى بكرة قال: (لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا) * ومن طريق مسلم نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا شعبة حدثنى قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن معدان بن أبى طلحة اليعمرى عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى على جنازة فله قيراط، فان شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أحد) * ورويناه أيضا من طريق ابن مغفل وأبى هريرة مسندا صحيحا * قال أبو محمد: الاسراع بها أمر، وهذا الآخر ندب، وفى إباحته عليه السلام لمن صلى على الجنازة أن لا يشهد دفنها وجعل له مع ذلك قيراط أجر مثل جبل أحد -: بيان جلى بأنه لا معنى لاذن صاحب الجنازة * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبى إسحاق السبيعى أن ابن مسعود قال: إذا صليت على الجنازة فقد قضيت الذى عليك، فخلها وأهلها، وكان ينصرف ولا يستأذنهم * وبه إلى معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن زيد بن ثابت: أنه كان ينصرف ولا ينتظر إذنهم، يعنى في الجنازة وبه يأخذ معمر، قال معمر: وهو قول الحسن، وقتادة، وصح عن القاسم، وسالم، وروى عن عمر بن عبد العزيز * 593 - مسألة - ويقف الامام - إذا صلى على الجنازة - من الرجل قبالة رأسه * ومن المرأة قبالة وسطها * قال مالك، وأبو حنيفة يقف من الرجل قبالة وسطه، ومن المرأة عند منكبها، وروى عن أبى حنيفة أيضا: يقف قبالة الصدر من كليهما * برهان صحة قولنا ما رويناه من طريق ابى داود: نا داود بن معاذ نا عبد الوارث عن ابى غالب نافع (1) قال: (شهدت جنازة عبد الله بن عمير، فصلى عليها أنس بن مالك وانا خلفه، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات، ثم قالوا: يا أبا حمزة، المرأة الانصارية


(1) هو ابو غالب الباهلى الخياط البصري، ثقة، اسمه نافع، قيل رافع.

[ 156 ]

فقربوها وعليها نعش أخضر، فقام عليها عند عجيزتها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل (1) فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعا، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم) * ورويناه من طريق الحجاج بن المنهال نا همام بن يحيى عن نافع أبى غالب، فذكر حديث أنس هذا، وفى آخره: فأقبل العلاء بن زياد على الناس فقال: احفظوا * قال أبو محمد: هذا مكان خالف فيه الحنيفيون والمالكيون أصولهم، لانهم يشنعون بخلاف الصاحب الذى لايعرف له مخالف وهذا صاحب لايعرف له من الصحابة مخالف وقد خالفوه وقولنا هذا هو قول الشافعي، وأحمد، أبى سليمان، واليه رجع أبو يوسف * ولا نعلم لمن قال: يقف في كليهما عند الوسط -: حجة، الا أنهم قالوا: قسنا ذلك على وقوف الامام مقابل وسط الصف خلفه وهذا أسخف قياس في العالم، لان الميت ليس مأموما للامام فيقف وسطه * وحجة من قال: يقف عند الصدر أنهم قالوا: كان ذلك قبل اتخاذ النعوش، فيستر المرأة من الناس وهذا باطل، ودعوى كاذبة بلا برهان وهذا عظيم جدا نعوذ بالله منه. ثم مع كذبه بارد باطل لانه وان ستر عجيزتها عن الناس لم يسترها عن نفسه هو والناس سواء في ذلك * 594 - مسألة - ولا يحل سب الاموات على القصد بالاذى، واما تحذير من كفراو بدعة اومن عمل فاسد فمباح، ولعن الكفار مباح * لما روينا من طريق البخاري: نا آدم نا شعبة عن الاعمش عن مجاهد عن عائشة ام المؤمنين قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الاموات (2) فانهم قد أفضوا إلى ما قدموا) * وقد سب الله تعالى أبا لهب، وفرعون تحذيرا من كفرهما، وقال تعالى: (لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل) وقال تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) واخبر عليه السلام


(1) قوله (فصلى عليها نحو صلاته على الرجل) وضع عليه علامة تدل أنه في بعض النسخ فقط وهو ثابت في أبى داود (ج 3 ص 184 و 186) و الحديث هناك مطول واختصره المؤ لف وقد حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود والمنذري وابن القيم (2) في النسخة رقم (14) (الموتى) وما هنا هو الموافق للبخاري (ج 2 ص 214)

[ 157 ]

ان الشملة التى غلها مدعم (1) تشتعل عليه نارا، وذلك بعد موته * 595 - مسألة - ويجب تلقين الميت الذى يموت في ذهنه - (2) ولسانه منطلق - أو غير منطلق - شهادة الاسلام، وهى (لا إله الا الله محمد رسول الله) * لما روينا من طريق مسلم نا عمرو الناقد نا أبو خالد الاحمر عن يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله الا الله) وصح هذا أيضا عن أم المؤمنين، وروى عن عمر بن الخطاب * وعن ابراهيم عن علقمة قال: لقنوني لا إله الا الله وأسرعوا بي إلى حفرتي * وأما من ليس في ذهنه فلا يمكن تلقينه، لانه لا يتلقن * واما من منع الكلام فيقولها في نفسه، نسأل الله خير ذلك المقام * 596 - مسألة - ويستحب تغميض عينى الميت إذا قضى * لما روينا من طريق مسلم: حدثنى زهير بن حرب نا معاوية بن عمرو نا أبو إسحق الفزارى عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن قبيصة بن ذؤيب عن أم سلمة أم المؤمنين قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى سلمة وقد شق بصره (3) فأغمضه) وروينا عن عمر بن الخطاب: انه امر بتغميض أعين الموتى * 597 - مسألة - ويستحب أن يقول المصاب. (انا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي (4) وأخلف لى خيرا منها *) لما روينا من طريق مسلم: نا أبو بكر بن أبى شيبة نا ابو اسامة عن سعد بن سعيد اخبرني عمر بن كثير بن افلح سمعت ابن سفينة (5) يحدث انه سمع ام سلمة تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إن لله وانا إليه راجعون،


(1) بكسر الميم واسكان الدال وفتح العين المهملتين وآخره ميم. وهو عبد أسود اهداه رفاعة بن زيد الجذامي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل في الرجوع من خيبر، وقصته في البخاري (ج 8 ص 257 و 258) ومسلم (ج 1 ص 43 و 44) وانظر العينى (ج 23 ص 215) طبع المنيرية (2) يعنى حاضر العقل (3) شق بفتح الشين المعجمة وبصره فاعل، وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضا، وانكره ابن السكيت. ومعناه شخص بصره. (4) قال النووي في شرح مسلم (ج 6 ص 220) قال القاضى: أجرني بالقصر والمد، حكاهما صاحب الافعال، وقال الاصمعي وأكثر أهل اللغة: هو مقصور لا يمد) (5) سفينة هو مولى أم سلمة وشرطت عليه ان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وابنه هذا يقال: انه عمر *

[ 158 ]

اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لى خيرا منها -: الا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها) * 598 - مسألة - ونستحب الصلاة على المولود يولد حيا ثم يموت، استهل أولم يستهل، وليس الصلاة عليه فرضا ما لم يبلغ * أما الصلاة عليه فانها فعل خير لم يأت عنه نهى * وأما ترك الصلاة عليه فلما روينا من طريق ابى داود: نا محمد بن يحيى بن فارس نا يعقوب بن ابراهيم بن سعد حدثنى ابى عن محمد بن اسحاق حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ام المؤمنين قالت: (مات ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) * هذا خبر صحيح ولكن انما فيه ترك الصلاة، وليس فيه نهى عنها، وقد جاء أثران مرسلان بأنه عليه السلام صلى عليه، والمرسل لاحجة فيه * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب أنا اسماعيل بن مسعود أنا خالد بن الحارث نا سعيد بن عبيدالله الثقفى سمعت زياد بن جبير بن حية يحدث عن أبيه عن المغيرة بن شعبة (1) أنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه) * وبهذا يأخذ جمهور الصحابة * روينا من طريق الحجاج بن المنهال عن أبى عوانة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر الصديق قال: أحق من صلينا عليه أطفالنا * ومن طريق حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن ابن المسيب عن أبى هريرة أنه صلى على منفوس إن عمل خطيئة قط (2) قال: اللهم أعذه من عذاب القبر * ومن طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله قال: إذا استهل الصبى صلى عليه وورث * ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا


(1) في النسخة رقم (16) (زياد بن جبير بن حية عن ابيه يحدث عن المغيرة بن شعبة (وما هنا هو الموافق للنسائي) (ج 4 ص 58) إلا أنه ليس فيه (ابن حية) (2) (إن) نافية وفى النسخة رقم (14) (انه صلى على منفوس له لم يعمل خطيئة قط) *

[ 159 ]

تم خلقه فصاح صلى عليه وورث * ومن طريق شعبة: ناعمرو بن مرة قال قال لى عبد الرحمن بن أبى ليلى: ادركت بقايا الانصار يصلون على الصبى إذا مات * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان وعبد الرزاق قال يحيى: نا عبيدالله - هو ابن عمر - وقال عبد الرزاق: نا معمر عن أيوب، ثم اتفق عبيدالله وايوب كلاهما عن نافع قال: صلى عبد الله بن عمر على سقط له لا ادرى استهل ام لا؟ هذا لفظ ايوب، وقال عبيدالله: مولود مكان سقط * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير (1) عن أبيه عن المغيرة بن شعبة قال: السقط يصلى عليه ويدعى لابويه (2) بالعافية والرحمة * ومن طريق حماد بن سلمة عن ايوب عن محمد بن سيرين: أنه كان يعجبه إذا تم خلقه ان يصلى عليه. ومن طريق حماد بن زيد عن ايوب السختيانى عن ابن سيرين انه كان يدعو على (3) الصغير كما يدعو على (4) الكبير، فقيل له: هذا ليس له ذنب؟ فقال: والنبى صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وامرنا أن نصلى عليه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وايوب، قال قتادة عن سعيد بن المسيب وقال ايوب عن محمد بن سيرين قالا جميعا: إذا تم خلقه ونفخ فيه الروح صلى عليه وان لم يستهل * وروينا عن قتادة عن سعيد بن المسيب في السقط لاربعة أشهر يصلى عليه، قال قتادة: ويسمى، فانه يبعث أو يدعى يوم القيامة باسمه. * ومن طريق البخاري نا أبو اليمان أنا شعيب - هو ابن أبى حمزة - قال ابن شهاب: يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لغية (5) من أجل أنه ولد على فطرة الاسلام. ثم ذكر حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (مامن مولود إلا يولد على الفطرة) (6) * وقال الحسن وابراهيم: يصلى عليه إذا استهل *


(1) في النسخة رقم (16) (زياد بن يزيد) وفى النسخة رقن (14) (زياد بن جرير) وكلاهما خطأ بل هو زياد بن جبير بن حية الذى مضى في حديث المغيرة مرفوعا قريبا. (2) في النسخة رقم (16) (لوالدية) (3 و 4) كذا في الموضعين (على) وله وجه (5) بفتح الغين المعجمة وتشديد الياء المثناة المفتوحة من الغى، أي ولد لزنا، يقال لغية نقيض قولك لرشدة بفتح الراء وكسرها (6) هو في البخاري (ج 2 ص 198) *

[ 160 ]

قال أبو محمد: لا معنى للاستهلال، لانه لم يوجبه نص ولا اجماع وقال حماد إذا مات الصبى من السبى ليس بين أبويه صلى عليه * وروى عن الزبير بن العوام: أنه مات له ابن قد لعب مع الصبيان واشتد ولم يبلغ الحلم، اسمه عمر (1)، فلم يصل عليه * ومن طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال: لا يصلى على الصبى * ورويناه أيضا عن سويد بن غفلة 599 - مسألة - ولا نكره اتباع النساء الجنازة، ولا يمنعهن من ذلك * جاءت في النهى عن ذلك آثار ليس منها شئ يصح، لانها إما مرسلة، وإما عن مجهول وإما عمن لا يحتج به * وأشبه ما فيه ما روينا من طريق مسلم: نا اسحاق بن راهويه نا عيسى بن يونس عن هشام عن حفصة عن أم عطية قالت (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) * وهذا غير مسند لاننا لا ندري من هذا الناهي؟ ولعله بعض الصحابة (2)، ثم لو صح مسندا لم يكن فيه حجة، بل كان يكون كراهة فقط * بل قد صح خلافه كما روينا من طريق ابن ابى شيبة: نا وكيع عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فرأى عمر امرأة، فصاح بها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها يا عمر فان العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب) (3) * وقد صح ابن عباس أنه لم يكره ذلك * 600 - مسألة - ونستحب زيارة القبور، وهو فرض ولو مرة ولا بأس بان يزور المسلم قبر حميمه المشرك، الرجال والنساء سواء * لما روينا من طريق مسلم: نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن فضيل عن أبى سنان - هو ضرار (4) بن مرة - عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن ابيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) هكذا في الاصول والذى في طبقات ابن سعد (ج 3 ق 1 ص 70 و 71) أن اسم ابنه (عمرا) وأنه سماه على اسم (عمرو بن سعيد بن العاص) (2) هذا احتمال بعيد، والظاهر لقريب أنه مسند، ولكنه لا يدل إلا على الكراهة فقط كما قال المؤلف (3) اسناد هذا الحديث صحيح جدا (4) بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الراء *

[ 161 ]

(نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) * ومن طريق مسلم: نا أبو بكر بن أبى شيبة نا محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة قال: (زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربى في أن أستغفر لها فلم يؤذن لى، واستأذنته في أن أزور قبرها وأذن لى، فزوروا القبور فانها تذكر الموت) * وقد صح عن أم المؤمنين، وابن عمر وغيرهما زيارة القبور. وروى عن عمر النهى عن ذلك ولم يصح * 601 - مسألة - ونستحب لمن حضر على القبور أن يقول ما رويناه من طريق مسلم: نا زهير بن حرب نا محمد بن عبد الله الاسدي عن سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وانا إن شاء الله بكم لا حقون (1)، أسأل الله لنا ولكم العافية) * 602 - مسألة - ونستحب أن يصلى على الميت مائة من المسلمين فصاعدا * لما روينا من طريق مسلم: نا الحسن بن عيسى نا ابن المبارك أنا سلام بن ابى مطيع عن ايوب السختيانى عن ابى قلابة عن عبد الله بن يزيد رضيع عائشة أم المؤمنين عن عائشة أم المؤمنين (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له: إلا شفعوا فيه) قال (3): فحدثت به شعيب بن الحبحاب (4) فقال: حدثنى به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو محمد: الخبر الذى فيه (يصلى عليه أربعون) رواه شريك بن عبد الله بن ابى نمر، وهو ضعيف * قال أبو محمد: الشفيع يكون بعد العقاب، إلا انه مخفف ما قد قضى الله تعالى انه لو لا الشفاعة


(1) في مسلم (ج 1 ص 266) (وإنا إن شاء الله للاحقون) واما الذى هنا فهو لفظ حديث عائشة عند مسلم ايضا (2) قوله (عن عائشة ام المؤمنين) سقط من النسخة رقم (16) وهو خطأ (3) القائل هو سلام بن ابى مطيع الذى روى عن ايوب كما بينه النسائي في روايته (ج 4 ص 75) (4) بفتح الحاءين المهملتين وبينهما باء موحدة ساكتة * (م 21 - ج 5 المحلى)

[ 162 ]

لم يخفف، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى هي أكبر الشفاعات تكون قبل دخول النار وبعد دخول النار كما جاءت الآثار نعوذ بالله من النار * 603 - مسألة - وإدخال الموتى في المساجد والصلاة عليهم فيها حسن كله، وأفضل مكان صلى فيه على الموتى في داخل المساجد، وهو قول الشافعي وأبى سليمان، ولم ير ذلك مالك * برهان صحة قولنا ماروينا من طريق مسلم بن الحجاج: نا محمد بن حاتم نا بهز - هو ابن أسد نا وهيب - هو ابن خالد نا موسى بن عقبة عن عبد الواحد - هو ابن حمزة - عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين: (انها لما توفى سعد بن ابى وقاص، ارسل ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ان يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين (1) عليه، ثم خرج به (2) من باب الجنائز الذى كان على المقاعد، (3)، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة: ما أسرع الناس إلى أن يعييوا ما لا علم لهم به؟ عابوا علينا ان يمر بالجنازة (4) في المسجد، وما صلى (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في جوف (6) المسجد؟ ومن طريق مسلم: نا محمد بن رافع نا ابن ابى فديك انا الضحاك بن عثمان عن ابى النضر مولى عمر بن عبيدالله عن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ان عائشة ام المؤمنين قالت: (والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء - سهيل وأخيه في المسجد) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، وسفيان الثوري كلاهما عن هشام بن عروة عن ابيه: انه رأى الناس يخرجون من المسجد ليصلوا على جنازة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ ما صلى على ابن بكر الصديق الا في المسجد * ومن طريق ابن أبى شيبة: نا الفضل بن دكين عن مالك بن انس عن نافع عن ابن عمر: ان عمر صلى عليه في المسجد *


(1) هكذا في النسخة رقم (16) وفى جميع نسخ صحيح مسلم (ج 1 ص 265) وفى النسخة رقم (14) (فصلين) (2) في كل نسخ مسلم (اخرج به) بزيادة الهمزة وحذف (ثم) (3) هكذا في الاصلين، وفى صحيح مسلم (إلى المقاعد) (4) في مسلم (بجنازة) (5) كذا في الاصلين، وهو الموافق للنسخة المخطوطة من مسلم، وفى طبع بولاق (ما) بحذف الواو (6) كلمة (جوف) محذوفة من النسخة رقم (16) خطأ *

[ 163 ]

فهذه أسانيد في غاية الصحة، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه، لا يصح عن أحد من الصحابة خلاف هذا اصلا * قال على: وقد شهد الصلاة عليها خيار الامة، فلم ينكروا ذلك، فاين المشنع بعمل أهل المدينة؟: واحتج من قلد مالكا في ذلك بما رويناه من طريق ابن ابى شيبة: نا حفص بن غياث عن ابن ابى ذئب عن صالح مولى التوأمة عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى على جنازة في المسجد فلا صلاة له) قال: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تضايق بهم المكان رجعوا ولم يصلوا * ومن طريق وكيع عن ابن ابى ذئب عن سعيد بن ايمن عن كثير بن عباس (1) قال: لاعرفن ما صليت على جنازة في المسجد * وقال بعضهم: الميت جيفة، وينبغى تجنيب الجيف المساجد * ما نعلم لهم شيئا موهوا به غير هذا، وهو كله لا شئ * اما الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يروه احد الا صالح مولى التوأمة، وهو ساقط * ومن عجائب الدنيا تقليد المالكيين مالكا دينهم، فإذا جاءت شهادته التى لا يحل ردها - لثقته - اطرحوها ولم يلتفتوا إليها فواخلافاه! * روينا من طريق مسلم بن الحجاج قال: نا ابو جعفر الدارمي - هو أحمد بن سعيد ابن صخر - نا بشر بن عمر - هو الزهراني (2) قال: سألت مالك بن أنس عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: ليس بثقة (3) * فكذبوا مالكا في تجريحه صالحا واحتجوا برواية صالح في رد السنن الثابتة واجماع الصحابة * وأما المنكرون ادخال سعد في المسجد فليس في الخبر إلا تجهيلهم، وانهم انكروا مالا علم لهم به، فصح أنهم عامة جهال أو أعراب كذلك بلا شك * ولا يصح لكثير بن عباس صحبة * وأما قول من قال: الميت جيفة فقوله مرغوب عنه، بل لعله إن تمادى عليه ولم يتناقض


(1) (كثير) بفتح الكاف، وهو أخو عبد الله بن عباس رضى الله عنهم جميعا، وهو تابعي ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تصح له عنه رواية ولا صحبة، كما قال المؤلف (2) بفتح الزاى واسكان الهاء، وفى الاصلين (الزاهرانى وهو خطأ (3) هو في صحيح مسلم (ج 1 ص 12) *

[ 164 ]

خرج إلى الكفر، لانه يلزمه ذلك في الانبياء عليهم السلام، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن لا ينجس) فبطل قول هذا الجاهل، وصح أن المؤمن طاهر طيب حيا وميتا والحمد لله رب العالمين * 604 - مسألة - ولا بأس بان يبسط في القبر تحت الميت ثوب * لما روينا من طريق مسلم: نا محمد بن المثنى نا يحيى بن سعيد القطان نا شعبة نا ابو جمرة عن ابن عباس قال: (بسط في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء) * ورواه أيضا كذلك وكيع، ومحمد بن جعفر، ويزيد بن زريع، وكلهم عن شعبة باسناده * وهذا من جملة ما يكساه الميت في كفنه، وقد ترك الله تعالى هذا العمل في دفن رسوله المعصوم من الناس، ولم يمنع منه، وفعله خيرة أهل الارض في ذلك الوقت باجماع منهم، لم ينكره أحد منهم. ولم يرد ذلك المالكيون، وهم يدعون في أقل من هذا عمل اهل المدينة! وقد تركوا عملهم هنا، وفى الصلاة على الميت في المسجد وفى حديث صخر أنه عملهم! وحسبنا الله ونعم الوكيل * 605 - مسألة - وحكم تشييع الجنازة ان يكون الركبان خلفها، وأن يكون الماشي حيث شاء، عن يمينها أو شمالها أو أمامها أو خلفها، وأحب ذلك الينا خلفها * برهان ذلك ما رويناه آنفا في باب الصلاة على الطفل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها) (1) * وما رويناه من طريق البخاري: نا ابو الوليد - هو الطيالسي - نا شعبة عن الاشعث ابن ابى الشعثاء قال سمعت معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز) (2) * قال أبو محمد: فلفظ الاتباع لا يقع الا على التالى، ولا يسمى المتقدم تابعا، بل هو متبوع، فلو لا الخبر الذى ذكرنا آنفا والخبر الذى روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى نا أبى ناهمام - هو ابن يحيى - نا سفيان ومنصور


(1) تقدم الكلام عليه في المسألة رقم 598 فارجع إليه (2) هو في البخاري (ج 2 ص 156) وقد اختصره المؤلف، وفى النسائي (ج 1 ص 275 طبعة أولى وج 4 ص 54 طبعة ثانية) وفيهما كليهما (عن معاوية بن سعد) وهو خطأ، فانه ليس في رواية الكتب الستة من اسمه (معاوية بن سعد) والصواب (معاوية بن سويد) كما هنا *

[ 165 ]

وزياد كلهم ذكر أنه سمع الزهري يحدث أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه أخبره: (أنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان (1) يمشون بين يدى الجنازة) -: لوجب أن يكون المشى خلفها فرضا لا يجزئ غيره، للامر الوارد باتباعها، ولكن هذان الخبران بينا أن المشى خلفها ندب، * ولا يجوز أن يقطع في شئ من هذا بنسخ، لان استعمال كل ذلك ممكن، * ولم يخف علينا قول جمهور أصحاب الحديث أن خبر همام هذا خطأ، ولكنا لا نلتفت إلى دعوى الخطأ في رواية الثقة الا ببيان لا يشك فيه * وقد روينا من طريق ابن أبى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه قال: كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون أما الجنازة * وقد جاءت آثار فيها ايجاب المشى خلفها، لا يصح شئ منها، لان فيها أبا ما جدا الحنفي، (2) والمطرح (3)، وعبيدالله بن زحر، (4) وكلهم ضعفاء. * وفى الصحيح الذى أوردنا كفاية، وبكل ذلك قال السلف. * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عروة بن الحارث عن زائدة بن أوس الكندى (5) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: كنت مع على ابن أبى طالب في جنازة، وعلى آخذ بيدى، ونحن خلفها، وابو بكر وعمر أمامها، فقال على: ان فضل الماشي خلفها على الذى يمشى أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وانهما ليعلمان من ذلك ما أعلم، ولكنهما يسهلان على الناس *


(1) قوله (وعثمان يمشون) سقط من النسخة رقم (16) خطأ والصواب ما في النسخة رقم (14) وهو الموافق للنسائي (ج 4 ص 56) (2) اسمه عائذ بن نضلة وهو ضعيف جدا (3) بضم الميم وتشديد الطاء المهملة وكسر الراء وآخره حاء مهملة، وهو ابن يزيد الاسدي (4) عبيدالله بالتصغير، وزحر بفتح الزاى واسكان الحاء المهملة، وهو وتلميذه المطرح ضعيفان أيضا، وحديثهما عند عبد الرزاق، نقله الزيلمى في نصب الراية (5) زائدة هذا لم أجد له ذكرا في كتب الرواة، وهذا الاثر ذكره الزيلمى في نصب الراية (ج 1 ص 359) من طريق عبد الرزاق كما هنا ثم قال (ورواه ابن أبى شيبة: حدثنا محمد ابن فضل عن زيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن ابن أبزى قال: كنت في جنازة الحديث) ولم أعرف محمد بن فضل ولاشيخه زيد بن ابى زياد *

[ 166 ]

وبهذا يقول سفيان وأبو حنيفة * ومن طريق عبد الرزاق عن أبى جعفر الرازي عن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك وقد سئل عن المشى أمام الجنازة فقال: انما أنت مشيع، فامش ان شئت امامها، وان شئت خلفها، وان شئت عن يمينها وان شئت عن يسارها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: المشى وراء الجنازة خير أم أمامها؟ قال لا أدرى، قال أبو محمد. قال مالك: المشى أمام افضل، واحتج أصحابه بفعل ابى بكر، وعمر، وعلى قد اخبر عنهما بغير ذلك فجعلوا ظن مالك أصدق من خبر على * 606 - مسألة - ومن بلع درهما أو دينارا أو لؤلؤة شق بطنه عنها، لصحة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. ولا يجوز أن يجبر صاحب المال عن أخذ غير عين ماله، مادام عين ماله ممكنا، لان كل ذى حق أولى بحقه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام). فلو بلعه وهو حى حبس حتى يرميه، فان رماه ناقصا ضمن ما نقص، فان لم يرمه ضمن ما بلع، ولا يجوز شق بطن الحى لان فيه قتله، ولا ضرر في ذلك على الميت. ولا يحل شق بطن الميت بلا معنى، لانه تعدى، وقد قال تعالى: (ولا تعتدوا) * فان قيل: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسره حيا) * قلنا: نعم، ولم نكسر له عظما، والقياس باطل، ومن المحال أن يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم النهى عن غير كسر العظم (1)، فلا يذكر ذلك ويذكر كسر العظم، ولو أن امرءا شهد على من شق بطن آخر بأنه كسر عظمه لكان شاهد زور، وهم أول مخالف لهذا الاحتجاج ولهذا القياس، فلا يرون القود ولا الارش على كاسر عظم الميت، بخلاف قولهم في عظم الحى (2) وبالله تعالى التوفيق * 607 - مسألة - ولو ماتت امرأة حامل والولد حى يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فانه يشق بطنها طولا ويخرج الولد، لقول الله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). ومن تركه عمدا حتى يموت فهو قاتل نفس، ولا معنى لقول أحمد رحمه الله: تدخل


(1) في النسخة رقم (14) (عن كسر غير العظم) (2) النهى عن كسر عظم الميت انما هو نص باشارته على النهى عن ايذائه، وان ذلك كايذاء الحى وشق البطن للضرورة جائز كما لو كانت ضرورة لكسر العظم *

[ 167 ]

القابلة يدها فتخرجه، لوجهين: أحدهما انه محال لا يمكن ولو فعل ذلك لمات الجنين بيقين قبل أن يخرج، ولو لا دفع الطبيعة المخلوقة المقدرة له وجر ليخرج لهلك بلاشك، والثانى أن مس فرجها لغير ضرورة حرام (1) * 608 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يتمنى الموت لضر نزل به * روينا من طريق احمد بن شعيب: أنا قتيبة بن سعيد أنا يزيد بن زريع عن حميد عن أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنين أحد كم الموت لضر نزل به في الدنيا لكن ليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى * ورويناه أيضا بأسانيد صحاح من طريق أبى هريرة وخباب * فان ذكروا قول الله تعالى عن يوسف عليه السلام: (توفنى مسلما وألحقني بالصالحين) فليس هذا على استعجال الموت المنهى عنه، لكن على الدعاء بأن لا يتوفاه الله تعالى إذا توفاه إلا مسلما، هذا ظاهر الآية الذى لا تزيد فيه * 609 - مسألة - ويحمل النعش كما يشاء الحامل، ان شاء من أحد قوائمه، وان شاء بين العمودين. وهو قول مالك والشافعي، وابن سليمان * وقال أبو حنيفة: يحمله من قوائمه الاربع * واحتج بما روينا من طريق ابن أبى شيبة: نا هشيم عن يعلى بن عطاء عن على الازدي (2) قال: رأيت ابن عمر في جنازة فحمل (3) بجوانب السرير الاربع، ثم تنحى * ومن طريق ابن أبى شيبة: نا حميد (4) عن مندل (5) عن جعفر بن أبى المغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ان استطعت فابدأ بالقائمة التى تلى يده اليمنى، ثم أطف بالسرير، وإلا فكن قريبا منها * ومن طريق سعيد بن منصور: نا حماد بن زيد عن منصور عن عبيد بن نسطاس (6) عن أبى عبيدة - هو ابن عبد الله بن مسعود - قال قال عبد الله - يعنى أباه -: من تبع


(1) أما اخراج الولد الحى من بطن الحامل إذا ماتت فانه واجب، وأما كيف يخرج؟ فهذا من شأن أهل هذه الصناعة من الاطباء والقوابل (2) هو على بن عبد الله الازدي البارقى (3) في النسخة رقم (16) (يحمل) (4) هو ابن عبد الرحمن الرؤاسى (5) بتثليث الميم واسكان النون وفتح الدال المهملة، وهو ابن على العنزي، وهو ضعيف من قبل حفظه. (6) بكسر النون واسكان السين المهملة *

[ 168 ]

جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فانه من السنة ثم يتطوع بعد إن شاء أو ليدع (1) * ومن طريق سعيد بن منصور: ناحبان بن على (2) حدثنى حمزة الزيات عن بعض أصحابه: كان عبد الله بن معسود يبدأ بميا من السرير على عاتقه اليمين من مقدمه، ثم الرجل اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى * ومن طريق ابن أبى شيبة عن يحيى بن سعيد - هو القطان - عن ثور عن عامر ابن جشيب (3) وغيره من أهل الشأم قالوا: قال أبو الدرداء من تمام أجر الجنازة ان يشيعها من أهلها، وأن يحملها بأركانها الاربع، وان يحثوا في القبر * وروينا أيضا ذلك عن الحسن * قالوا: فقال ابن معسود وأبو الدرداء: إنه من السنة ولايقال: هذا إلا عن توقيف قال أبو محمد: اما هذا القول ففاسد، لان من عجائب الدينا أن يأتوا إلى قول لم يصح عن ابن مسعود وأبى الدرداء فلا يستحيون من القطع بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله ثم لا يلتفتون إلى قول ابن عباس الثابت عنه في قراءة أم القرآن في صلاة الجنازة إنها السنة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تصديق قول ابن عباس هذا، بقوله عليه السلام: (لا صلاة لمن يقرأ (4) بأم القرآن) ولا يحل لاحد أن يضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا بالظن فيتبوأ مقعده من النار * وكل هذه الروايات لا يصح منها شئ إلا عن ابن عمر * وأما رواية ابن عباس فعن مندل وهو ضعيف * وأما خبر ابن مسعود فمنقطعان، لان أبا عبيدة لا يذكر من أبيه شيئا، وعامر بن جشيب غير مشهور * وقد صح عن ابن عمر وغيره خلاف هذا * كما روينا من طريق سعيد بن منصور: نا أبو عوانة عن أبى بشر عن يوسف بن مالك


(1) رواه ابن ماجه (ج 1 ص 232) عن حميد بن مسعدة عن حماد بن زيد باسناده، واسناده إلا أنه ثقات إلا أنه منقطع، لان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا (2) بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، وهو أخو مندل بن على العنزي، وهو ضعيف كأخيه. (3) بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة وآخره باء موحدة، وعامر هذا وثقة ابن حبان وغيره، فدعوى المؤ لف أنه مشهور لاأثر لها عند التحقيق (4) في النسخة رقم (14) (يقترئ).

[ 169 ]

(1) قال: خرجت مع جنازة عبد الرحمن بن أبى بكر فرأيت ابن عمر جاء فقام بين الرجلين في مقدم السرير، فوضع السرير على كاهله، فلما وضع ليصلى عليه خلى عنه * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن عباد بن منصور عن أبى المهزم عن (2) أبى هريرة قال: من حمل الجنازة ثلاثا فقد قضى ما عليه * فإذ ليس في حملها نص ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختيار في ذلك، وكيفما حملها الحامل أجزأه (3) * 610 - مسألة - ويصلى على الميت الغائب بامام وجماعة، قد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي رضى الله عنه - ومات بأرض الحبشة - وصلى معه أصحابه عليه صفوفا، وهذا إجماع منهم لا يجوز تعديه 611 - مسألة - ويصلى على كل مسلم، بر، أو فاجر، مقتول في حد، أو في حرابة، أو في بغى، ويصلى عليهم الامام وغير ه، وكذلك على المبتدع ما لم يبلغ الكفر، وعلى من قتل نفسه، وعلى من قتل غيره، ولو أنه شر من على ظهر الارض، إذا مات مسلما * لعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (صلوا على صاحبكم) والمسلم صاحب لنا، قال تعالى: (انما المؤمنون اخوة) وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) فمن منع من الصلاة على مسلم فقد قال قولا عظيما، وإن الفاسق لاحوج إلى دعاء إخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم * وقد قال بعض المخالفين: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على ما عز * قلنا: نعم، ولم نقل ان فرضا على الامام أن يصلى على من رجم، انما قلنا: له ان يصلى عليه كسائر الموتى، وله أن يترك كسائر الموتى، ولا فرق. وقد أمرهم عليه السلام بالصلاة عليه ولم يخص بذلك من لم يرجمه ممن رجمه * وقد روينا من طريق أحمد بن شعيب: أنا عبيدالله بن سعيد نا يحيى - هو ابن سعيد القطان -


(1) بفتح الهاء لاغير، كلمة اعجمية، ومن ضبطه بكسر الهاء فقد أخطأ جدا وقد تقدم لفظه ما هك في آخر صحيفة 168 سهوا (2) بفتح الهاء وتشديد الزاى المفتوحة، وضبطه في التقريب بتشديد الزاى المكسورة، وضبطه في المعنى بتشديد الراء المفتوحة، وكلاهما خطأ، والصواب ما ذكرنا كما ضبطه في المشتبه والقاموس، واسمه يزيد بن سفيان، وهو ضعيف جدا. (3) في النسخة رقم (16) (أجر) بدل (أجزأه) (م 22 - ج 5 المحلى)

[ 170 ]

عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن يحيى بن حبان (1) عن أبى عمرة (2) عن زيد بن خالد الجهنى، قال: (مات رجل بخيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا على صاحبكم، إنه قد غل في سبيل الله، قال ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزامن خرز يهود، لا يساوي (3) درهمين) * قال أبو محمد: وهؤلاء الحنيفيون والمالكيون - المخالفون لنا في هذا المكان - لا يرون امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال حجة في المنع من أن يصلى الامام على الغال فمن أين وجب عندهم أن يكون تركه عليه السلام أن يصلى على ما عز حجة في المنع من ان يصلى على المرجوم الامام؟ وكلاهما ترك وترك إن هذا لعجب فكيف وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على من رجم * كما روينا من طريق أحمد بن شعيب: أنا اسماعيل بن مسعود (4) نا خالد - هو ابن الحارث - نا هشام - هو الدستوائي - عن يحيى - هو ابن أبى كثير - عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران بن الحصين: (ان امرأة من جهينة أتت إلى (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنى زنيت - وهى حبلى - فدفعها إلى وليها، وقال له: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، فلما وضعت جاء بها، فأمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم رجمها، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلى (6) عليها وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة ولوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها) (7) * فقد صلى عليه السلام عن من رجم * فان قيل: تابت قلنا: وما عز تاب ايضا ولا فرق * والعجب كله من منعهم الامام من الصلاة على من أمر برجمه ولا يمنعون المتولين للرجم من الصلاة عليه: فاين القياس لودروا ما القياس؟ *


(1) بفتح الحاء المهملة، وضبطه في النسخة رقم (14) بكسرها وهو تصحيف (2) هو مولى زيد بن. خالد (3) في النسائي (ج 4 ص 64) (ما يساوى) (4) في النسخة رقم (16) (اسمعيل بن محمود) وهو خطأ، والتصحيح من النسخة رقم (14) ومن النسائي (ج 4 ص 63) (5) في النسائي بحذف (إلى) (6) في النسائي (أتصلى) (7) في النسخة رقم (16) (أأفضل) من ان جاءت بنفسها) وما هنا هو الموافق لنسخة رقم (14) وللنسائي، إلا ان فيه زيادة في آخره (لله عزوجل)

[ 171 ]

وروينا عن على بن ابى طالب: انه إذ رجم شراحة (1) الهموانية قال لاوليائها اصنعوا بها كما تصنعون بموتاكم * وصح عن عطاء أنه يصلى على ولد الزنا، وعلى أمه، وعلى المتلاعنين، وعلى الذى يقاد منه، وعلى المرجوم، والذى يفر من الزحف فيقتل، قال عطاء: لا أدع الصلاة على من قال (2) لا إله إلا الله قال تعالى: (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) قال عطاء: فمن يعلم أن هؤلاء من اصحاب الجحيم؟ قال ابن جريج: فسألت عمرو بن دينار فقال: مثل قول عطاء * وصح عن ابراهيم النخعي انه قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة، والذى قتل نفسه يصلى عليه، وأنه قال: السنة أن يصلى على المرجوم فلم يخص إماما من غيره * وصح عن قتادة: صلى على من قال إله إلا الله، فان كان رجل سوء جدا فقل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. ما أعلم أحدا من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال: لا إله إلا الله * وصح عن ابن سيرين: ما أدركت أحدا يتأثم من الصلاة على أحد من أهل القبلة * وصح عن الحسن أنه قال: يصلى على من قال لا إله الا الله وصلى إلى القبلة، انما هي شفاعة * ومن طريق وكيع عن أبى هلال عن أبى غالب قلت لابي أمامة الباهلى: الرجل يشرب الخمر، أيصلى عليه؟ قال: نعم، لعله اضطجع مرة على فراشه فقال: لا إله الا الله، فغفر له * وعن ابن مسعود: أنه سئل عن رجل قتل نفسه: أيصلى عليه؟ فقال: لو كان يعقل ما قتل نفسه * وصح عن الشعبى: أنه قال في رجل قتل نفسه: ما مات فيكم مذ كذا وكذا أحوج إلى استغفاركم منه * وقد روينا في هذا خلافا من طريق عبد الرزاق عن أبى معشر عن محمد بن كعب عن ميمون بن مهران: انه شهد ابن عمر صلى على ولد زنا، فقيل له: إن أبا هريرة لم يصل عليه، وقال: هو شر الثلاثة. فقال ابن عمر: هو خير الثلاثة *


(1) بالشين المعجمة والراء والحاء المهملة المفتوحات وهى التى اعترفت فجلدها على ثم رجمها، وقصتها مشهورة (2) في النسخة رقم (14) (يقول) *

[ 172 ]

وقد روينا من طريق وكيع عن الفضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر: انه كان لا يصلى على ولد زنا، صغير ولا كبير * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه قال له: لا يصلى على المرجوم، ويصلى على الذى يقاد منه، إلا من أقيد منه في رجم. فلم يخص الزهري إماما من غيره * وأما الصلاة على أهل المعاصي فما نعلم لمن منع من ذلك سلفا من صاحب أو تابع في هذا القول * وقولنا هذا هو قول سفيان، وابن أبى ليلى، وأبى حنيفة، والشافعي، وأبى سليمان * قال أبو محمد: لقد رجانا الله تعالى في العفو والجنة حتى نقول: قد فزنا، ولقد خوفنا عزوجل حتى نقول: قد هلكنا، إلا اننا على يقين من أن لا خلود على مسلم في النار، وإن لم يفعل خيرا قط غير شهادة الاسلام بقلبه ولسانه، ولا امتنع من شرقط غير الكفر، ولعله قد تاب من هذه صفته قبل موته، فسبق المجتهدين، أو لعل له حسنات لا نعلمها، تغمر سيئاته فمن صلى على من هذه صفته، أو على ظالم للمسلمين متبلغ فيهم، أو على من له قبله مظالم لا يريد أن يغفرها له -: فليدع له كما يدعو، لغيره، وهو يريد بالمغفرة والرحمة ما يؤل إليه أمره بعد القصاص، وليقل: اللهم خذ لى بحقى منه 612 - مسألة - وعيادة مرضى المسلمين فرض - ولو مرة - على الجار الذى لا يشق عليه عيادته، ولا نخص مرضا من مرض * روينا من طريق البخاري: نا محمد هو ابن يحيى الذهلى - نا عمرو بن أبى سلمة عن الاوزاعي أخبرني ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) * ومن طريق أبى داود: نا عبد الله بن محمد النفيلى نا حجاج بن محمد عن يونس بن أبى اسحاق السبيعى عن أبيه عن زيد بن أرقم قال: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعينى) * وقد عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب (1) * ومن طريق أبى داود: نا سليمان بن حرب نا حماد - هو ابن سلمة - عن ثابت البنانى


(1) وذلك إذ عرض عليه الاسلام، وقصته مشهورة، انظرها في صحيح مسلم (ج 1 ص 23 و 24) وغيره من الكتب المؤلفة في السير وغيره

[ 173 ]

عن أنس: (أن غلاما من اليهود مرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذى انقذه من النار) * فعيادة الكافر فعل حسن * 613 - مسألة - ولا يحل ان يهرب أحد عن الطاعون إذا وقع في بلد هو فيه، ومباح له الخروج لسفره الذى كان يخرج فيه لو لم يكن الطاعون، ولا يحل الدخول إلى بلد فيه الطاعون لمن كان خارجا عنه حتى يزول * والطاعون هو الموت الذى يكثر في بعض الاوقات كثرة خارجة عن المعهود * لما روينا من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد الخطاب عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس (1) قال قال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع في أرض وأنتم فيها (2) فلا تخرجوا (3) فرارا منه) قال أبو محمد: فلم ينه عليه السلام عن الخروج الا بنية الفرار منه فقط * وقد روينا عن عائشة رضى الله عنها اباحة الفرار عنه، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * 614 - مسألة - ونستحب تأخير الدفن ولو يوما وليلة، ما لم يخف على الميت التغيير، لاسيما من توقع أن يغمى عليه، وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ضحوة، ودفن في جوف الليل من ليلة الاربعاء * وروينا من طريق وكيع عن سفيان عن سالم الخياط عن الحسن قال: ينتظر بالمصعوق ثلاثا * 615 - مسألة - ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها، على هذا جرى عمل أهل الاسلام من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الارض * 616 - مسألة - وتوجيه الميت إلى القبلة حسن، فان لم يوجه فلا حرج. قال الله تعالى


(1) في الموطأ (ص 361) (عبد الله بن عياش) وهو خطأ. (2) هو في الموطأ وصحيح مسلم عن مالك (ج 2 ص 188) (وإذا وقع بأرض وأنتم بها) (3) في النسخة رقم (16) (فلا تخرجوا عنها) وزيادة (عنها) ليست في النسخة رقم (14) ولا في الموطأ ولا في مسلم *

[ 174 ]

(فأينما تولوا فثم وجه الله) ولم يأت نص بتوجيهه إلى القبلة * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جابر قال: سألت الشعبى عن الميت يوجه إلى القبلة؟ فقال: إن شئت فوجهه، وان شئت فلا توجهه، ولكن اجعل القبر إلى القبلة، قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبر أبى بكر وقبر عمر إلى القبلة * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري وابن جريج عن اسماعيل بن أمية أن رجلا دخل على سعيد بن المسيب قال ابن جريج: حين حضره الموت وهو مستلق - فقال: وجهوه إلى القبلة، فغضب سعيد وقال: ألست إلى القبلة؟ * 617 - مسألة - وجائز أن تغسل المرأة زوجها، وأم الولد سيدها، وإن انقضت العدة بالولادة، ما لم تنكحا، فان نكحتا لم يحل لهما غسله إلا كالاجنبيات * وجائز للرجل أن يغسل امرأته وأم ولده وأمته، وما لم يتزوج حريمتها أو يستحل حريمتها بالملك، فان فعل لم يحل له غسلها * وليس للامة ان تغسل سيدها أصلا، لان ملكها بموته انتقل إلى غيره * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) فسماها زوجة بعد موتها، وهى - إن كانا مسلمين - امرأته في الجنة، وكذلك أم ولده وأمته، وكان حلالا له رؤية أبدانهن في الحياة وتقبيلهن ومسهن، فكل ذلك باق على التحليل، فمن ادعى تحريم ذلك بالموت فقوله باطل إلا بنص، ولا سبيل له إليه * وأما إذا تزوج حريمتها أو تملكها أو تزوجت هي -: فحرام عليه الاطلاع على بدنيهما معا، لانه جمع بينهما، وكذلك حرام على المرأة التلذذ برؤية بدن رجلين معا * وقولنا هو قول مالك، والشافعي، وأبى سليمان * وقال أبو حنيفة: تغسل المرأة زوجها، لانها في عدة منه، ولا يغسلها هو * روينا من طريق ابن أبى شيبة عن معمر (1) بن سليمان الرقى عن حجاج عن داود ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: الرجل أحق بغسل امرأته * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن عبد الرحمن بن الاسود قال: انى لاغسل نسائى، وأحول بينهن وبين امهاتهن وبناتهن واخواتهن *


(1) معمر. بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الميم المفتوحة وآخره راء، وفى النسخة رقم (16) (معتمر) وهو خطأ *

[ 175 ]

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري سمعت حماد بن أبى سليمان يقول: إذا ماتت المرأة مع القوم فالمرأة تغسل زوجها والرجل امرأته * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء - هو جابر بن زيد - قال: الرجل أحق أن يغسل امرأته من أخيها * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عبد الكريم عن عطاء بن أبى رباح قال: يغسلها زوجها إذا لم يجد من يغسلها * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري قال: يغسل كل واحد صاحبه - يعنى الزوج والزوجة - بعد الموت * ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن قال: لا بأس ان يغسل الرجل أم ولده * ومن طريق ابن أبى شيبة: نا أبو أسامة عن عوف - هو ابن أبى جميلة -: أنه شهد قسامة بن زهير (1) وأشياخا أ دركوا عمربن الخطاب وقد أتاهم رجل فاخبرهم أن امرأته ماتت فأمرته أن لا يغسلها غيره، فغسلها، فما منهم أحد أنكر ذلك * وروينا أيضا من طريق سليمان بن موسى أنه قال: يغسل الرجل امرأته * وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: إذا ماتت المرأة مع رجال ليس فيهم امرأة فان زوجها يغسلها * والحنيفيون يعظمون خلاف الصاحب الذى لايعرف له منهم مخالف، وهذه رواية عن ابن عباس لا يعرف له من الصحابة مخالف، وقد خالفوه * وقد روى ايضا عن على: أنه غسل فاطمة مع أسماء بنت عميس * فاعترضوا على ذلك برواية لا تصح: انها رضى الله عنها اغتسلت قبل موتها وأوصت ان لا تحرك، فدفنت بذلك الغسل (2) * وهذا عليهم لا لهم، لانهم قد خالفوا في هذا أيضا عليا وفاطمة بحضرة الصحابة * فان ذكروا ما روينا من طريق ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث عن ليث عن يزيد


(1) بفتح القاف وتخفيف السين المهملة، وهو تابعي قديم أدرك عمر بن الخطاب، وقيل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وليست له صحبة، وأخطأ صاحب القاموس فزعم أنه صحابي. وفى النسخة رقم (16) (مسلمة بن زهير) وهو خطأ (2) لم أر هذه الرواية، ولعلها من مفتريات الشيعة، وغسل الميت انما يجب بعد موته، فالغسل قبله لا يسقطه، ومعاذ الله أن تأمر فاطمة رضى الله عنها بهذا.

[ 176 ]

ابن أبى سليمان (1) عن مسروق قال: ماتت امرأة لعمر، فقال: أنا كنت أولى بها إذ كانت حية، فأما الآن فأنتم أو بها * فلا حجة لهم فيه، لانه إنما خاطب بذلك أولياءها في إدخالها القبر والصلاة عليها، ولا خلاف في أن الاولياء لا يجوز لهم غسلها، ودليل ذلك أنه بلفظ خطاب المذكر، ولو خاطب النساء لقال أنتن أولى بها، وعمر لاياحن * 618 - مسألة - فلو مات رجل بين نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم -: غسل النساء الرجل وغسل الرجال المرأة على ثوب كثيف، يصب الماء على جميع الجسد دون مباشرة اليد، لان الغسل فرض كما قدمنا، وهو ممكن كما ذكرنا بلا مباشرة، فلا يحل تركه، ولا كراهة في صب الماء أصلا. وبالله تعالى التوفيق * ولايجوز أن يعوض التيمم من الغسل إلا عند عدم الماء فقط. وبالله تعالى التوفيق * وروينا أثرا فيه أبو بكر بن عياش عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ييممان) وهذا مرسل، وأبو بكر بن عياش ضعيف فهو ساقط * وممن قال بقولنا هذا طائفة من العلماء * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة قالا جميعا: تغسل وعليها الثياب، يعنيان في المرأة تموت بين رجال لا امرأة معهم * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد وزياد الاعلم والحجاج، قال حميد وزياد عن الحسن، وقال الحجاج عن الحكم بن عتيبة، قالا جميعا - في المرأة تموت مع رجال ليس معهم امرأة -: انها يصب عليها الماء من وراء الثياب * والعجب أن القائلين انها تيمم فروا من المباشرة خلف ثوب وأباحوها على البشرة وهذا جهل شديد. وبالله تعالى التوفيق * 619 - مسألة - ولا ترفع اليدان في الصلاة على الجنازة الا في أول تكبيرة فقط، لانه لم يأت برفع الايدى فيما عدا ذلك نص. وروى مثل قولنا هذا عن ابن مسعود وابن عباس. وهو قول أبى حنيفة، وسفيان. وصح عن ابن عمر رفع الايدى لكل تكبيرة. ولقد كان يلزم من قال بالقياس أن يرفعها في كل تكبيرة، قياسا على التكبيرة الاولى (2)


(1) في النسخة رقم (14) (زيد بن أبى سليمان) وهو خطأ (2) هنا بحاشية النسخة رقم (14) ما نصه: (وقد ثبت النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يرفع يديه هي صلاة الجنازة الا في أول تكبيرة. قال الدار قطني: نا محمد بن مخلد وعثمان بن أحمد الدقاق قالا نا محمد بن

[ 177 ]

620 - مسألة - وإن كانت أظفار الميت وافرة أو شار به وافيا أو عانته أخذ كل ذلك، لان النص قد ورد وصح بأن كل ذلك من الفطرة، فلا يجوز أن يجهز إلى ربه تعالى الا على الفطرة التى مات عليها * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبى قلابة: ان سعد بن أبى وقاص حلق عانة ميت * وهم يعظمون مخالفة الصحاب الذى لا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا صاحب لا يعرف له منهم مخالف * وعن عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في شعر عانة الميت إن كان وافرا، قال: يؤخذ منه * واحتج بعضهم بأن قال: فان كان أقلف أيختن؟ * قلنا: نعم، فكان ماذا؟ والختان من الفطرة * فان قيل: فأنتم لا ترون أن يطهر للجنابة ان مات مجنبا، ولا للحيض إن ماتت حائضا، ولا ليوم الجمعة ان مات يوم الجمعة، فما الفرق؟ * قلنا. الفرق ان هذه الاغسال مأمور بها كل أحد في نفسه، ولا تلزم من لا يخاطب، كالمجنون، والمغمى عليه، والصغير، وقد سقط الخطاب عن الميت * وأما قص الشارب، وحلق العانة، والابط، والختان فالنص جاءنا بأنها من الفطرة، ولم يؤمر بها المرء في نفسه، بل الكل مأمورون بها، فيعمل ذلك كله بالمجنون، والمغمى عليه، والصغير * 621 - مسألة - ويدخل الميت القبر كيف أمكن، إما من القبلة أو من دبر القبلة


سليمان بن الحارث نا اسمعيل بن أبان الوراق نا ابن يعلى عن يزيد بن سنان عن زيد ابن أبى انيسة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابى هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة رفع يديه في أول تكبيرة، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى) وهذا الحديث في سنن الدارقطني (ص 192)، وروى الترمذي نحوه عن القاسم بن دينار عن اسمعيل بن ابان الوراق باسناده (ج 1 ص 127 طبع الهند) وقال: (هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه). وهذا الحديث ضعيف، في اسناده يحيى بن يعلى الاسلمي، وهو ضعيف مضطرب الحديث، ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوى، وهو اضعف من ابن يعلى، بل هو منكر الحديث، فلا أدري كيف يجزم كاتب هذه الحاشية بثبوت هذا الاثر؟ * (م 23 - ج 5 المحلى)

[ 178 ]

أو من قبل رأسه أو من قبل رجليه، إذ لانص في شئ من ذلك * وقد صح عن على انه أدخل يزيد بن المكفف (1) من قبله القبلة * وعن ابن الحنفية: انه أدخل ابن عباس من قبل القبلة * وصح عن عبد الله بن زيد الانصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: انه أدخل الحارث الخارفى (2) من قبل رجلى القبر * وروى قوم مرسلات لا تصح في ادخال النبي صلى الله عليه وسلم * فعن ابراهيم النخعي: انه عليه السلام أدخل من قبل القبلة * وعن ربيعة ويحيى بن سعيد وأبى الزناد وموسى بن عقبة: انه عليه السلام ادخل من قبل الرجلين * وكل هذا لو صح لم تقم به حجة في الوجوب، فكيف وهو لا يصح؟ لانه ليس فيه منع مما سواه * 622 - مسألة - ولا يجوز التزاحم على النعش، لانه بدعة لم تكن قبل، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق * روينا من طريق مسلم: نا محمد بن المثنى نا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري نا منصور بن المعتمر عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يحرم الرفق يحرم الخير) * ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن: أنه كره الزحام على السرير، وكان إذا رآهم يزدحمون قال: أولئك الشياطين * ومن طريق وكيع عن همام عن قتادة: انه قال: شهدت جنازة فيها أبو السوار - هو حريث بن حسان العدوى (3) - فازدحموا على السرير، فقال أبو السوار: أترون هؤلاء أفضل أو أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟! كان الرجل منهم إذا رأى محملا حمل، والا اعتزل ولم يؤذ أحدا *


(1) سبق بيانه في المسألة 573 (2) هو الحارث بن عبد الله الاعور الهمداني، وخارف - بالخاء المعجمة والراء والفاء - بطن من همدان (3) ابو السوار - بفتح السين المهملة وتشديد الواو - وحريث: بالتصغير، وجزم ابن سعد بان اسمه (حسان بن حريث العدوى) وهو الصواب، واما حريث بن حسان فانه شيباني صحابي *

[ 179 ]

623 - مسألة - ومن فاته بعض التكبيرات على الجنازة كبر ساعة يأتي، ولا ينتظر تكبير الامام، فإذا سلم الامام أتم هو ما بقى من التكبير، يدعو بين تكبيرة وتكبيرة كما كان يفعل مع الامام، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن اتى إلى الصلاة ان يصلى ما أدرك ويتم ما فاته، وهذه صلاته، وما عدا هذا فقول فاسد لا دليل على صحته، لامن نص ولا قياس ولا قول صاحب. وبالله تعالى التوفيق (تم كتاب الجنائز من كتاب المحلى والحمد لله رب العالمين) (كتاب الاعتكاف) الاعتكاف هو الاقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله عزوجل ساعة فما فوقها، ليلا أو نهارا * 624 - مسألة - ويجوز اعتكاف يوم دون ليلة، وليلة دون يوم، وما أحب الرجل أو المرأة * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تباشر وهن وأنتم عاكفون في المساجد) * وروينا من طريق مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى سعيد الخدرى: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الاوسط من رمضان، وانه عليه السلام قال: من كان اعتكف معى فليعتكف العشر الاواخر) فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، وبالعربية خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاعتكاف في لغة العرف الاقامة، قال تعالى: (ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون) بمعنى مقيمون متعبدون لها، فإذا لا شك في هذا فكل اقامة في مسجد الله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف وعكوف، فإذ لا شك في هذا، فالاعتكاف يقع على ما ذكرنا مما قل من الازمان أو كثر إذ لم يخص القرآن والسنة عددا من عدد، ولا وقتا من وقت، ومدعى ذلك مخطئ، لانه قائل بلا برهان * والاعتكاف فعل حسن، قد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه رضى الله عنهم بعده والتابعون * وممن قال بمثل هذا طائفة من السلف * كما أنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبدالبصيرى نا قاسم بن أصبع نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن زائدة عن عمران بن أبى مسلم عن سويد بن غفلة قال: من جلس في المسجد وهو طاهر فهو عاكف فيه، ما لم يحدث * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال سمعت عطاء بن أبى رباح يخبر عن يعلى

[ 180 ]

ابن أمية قال: إنى لامكث في المسجد ساعة، وما أمكث إلا لاعتكف، قال عطاء: حسبت أن صفوان بن يعلى أخبرنيه، قال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف، وإلا فلا * قال أبو محمد: يعلى صاحب، وسويد من كبار التابعين، أفتى أيام عمر بن الخطاب، ولا يعرف ليلعى في هذا مخالف من الصحابة * فان قيل: قد جاء عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر: لا اعتكاف إلا بصوم، وهذا خلاف لقول يعلى * قلنا: ليس كما تقول: لانه لم يأت قط عمن ذكرت لااعتكاف أقل من يوم كامل، إنما جاء عنهم ان الصوم واجب في حال الاعتكاف فقط، ولا يمتنع أن يعتكف المرء على هذا ساعة في يوم هو فيه صائم وهو قول محمد بن الحسن، فبطل ما أو همتم به * وقوله تعالى (وأنتم عاكفون في المساجد) فلم يخص تعالى مدة من مدة، وما كان ربك نسيا * ومن طريق مسلم: نا زهير بن حرب نا يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله - هو ابن عمر - قال اخبرني نافع عن ابن عمر قال: (قال عمر: يا رسول الله، إنى نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوف بنذرك) * فهذا عموم منه عليه السلام بالامر بالوفاء بالنذر في الاعتكاف، ولم يخص عليه السلام مدة من مدة، فبطل قول من خالف قولنا. والحمد لله رب العالمين * وقولنا هذا هو قول الشافعي وأبى سليمان * وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاعتكاف أقل من يوم * وقال مالك: لا اعتكاف أقل من يوم وليلة، ثم رجل وقال: لا اعتكاف أقل من عشر ليال، وله قول: لا اعتكاف أقل من سبع ليال، من الجمعة إلى الجمعة وكل هذا قول بلا دليل * فان قيل: لم يعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل من عشر ليال * قلنا: نعم، ولم يمنع من أقل من ذلك، وكذلك أيضا لم يعتكف قط في غير مسجد المدينة، فلا تجيزوا الاعتكاف في غير مسجده عليه السلام، ولا اعتكف قط إلا في رمضان وشوال، فلا تجيزوا الاعتكاف في غير هذين الشهرين * والاعتكاف في فعل خير، فلا يجوز المنع منه إلا بنص وارد بالمنع: وبالله تعالى التوفيق فان قالوا: قسنا على مسجده عليه السلام سائر المساجد *

[ 181 ]

قيل لهم: فقيسوا على اعتكافه عشرا أو عشرين ما دون العشر وما فوق العشرين، إذ ليس منها ساعة ولا يوم إلا وهو فيه معتكف * 625 - مسألة - وليس الصوم من شروط الاعتكاف، لكن إن شاء المعتكف صام وإن شاء لم يصم * واعتكاف يوم الفطر ويوم الاضحى وأيام التشريق حسن. وكذلك اعتكاف ليلة بلا يوم يوم بلا ليلة * وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبى سليمان، وهو قول طائفة من السلف * روينا من طريق سعيد بن منصور: نا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردى - عن أبى سهيل بن مالك قال: كان على امرأة من أهلى اعتكاف، فسألت عمر بن عبد العزيز فقال: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها، فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم، فقال له عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قال. فعن أبى بكر؟ قال. لا، قال. فعن عمر؟ قال. لا، قال: فأظنه قال: فعن عثمان؟ قال: لا قال أبو سهيل: لقيت طاوسا وعطاء فسألتهما، فقال طاوس: كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها، وقال عطاء: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها * وبه إلى سعيد: نا حبان بن على نا ليث عن الحكم عن مقسم أن عليا وابن مسعود قالا جميعا المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشترط ذلك على نفسه * واختلف في ذلك عن ابن عباس، كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن محمد القلعى نا محمد بن أحمد الصواف نا بشر بن موسى بن صالح بن عميرة نا أبو بكر الحميدى (1) نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى نا أبو سهيل بن مالك قال اجتمعت أنا وابن شهاب عند عمر بن عبد العزيز، وكان على امرأتي اعتكاف ثلاث في المسجد الحرام، فقال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بصوم، فقال له عمر بن عبد العزيز: أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قال: فمن أبى بكر: قال: لا، قال: فمن عمر؟ قال: لا، قال: فمن عثمان؟ قال: لا، قال ابو سهيل: فانصرفت فلقيت طاوسا، وعطاء فسألتهما عن ذلك، فقال طاوس: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صياما إلا أن يجعله على نفسه، قال عطاء: ذلك رأيى *


(1) هو أبو بكر عبد الله بن الزبير القرشى الاسدي الحميدى الحافظ الفقيه

[ 182 ]

ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي قال: المعتكف ان شاء لم يصم * ومن طريق ابن أبى شيبة: نا عبدة عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن قال: ليس على المعتكف صوم الا ان يوجب ذلك على نفسه * وقال أبو حنيفة، وسفيان، والحسن بن حى، ومالك، والليث. لا اعتكاف إلا بصوم. وصح عن عروة بن الزبير والزهرى * وقد اختلف فيه عن طاوس وعن ابن عباس، وصح عنهما كلا الامرين * كتب إلى داود بن بابشاذ بن داود المصرى قال نا عبدالغنى بن سعيد الحافظ نا هشام بن محمد بن قرة الرعينى نا أبو جعفر الطحاوي نا الربيع بن سليمان المؤذن نا ابن وهب عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وابن عمر قالا جميعا. لا اعتكاف الا بصوم * وروى عن عائشة. لااعتكاف إلا بصوم * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حبيب بن ابى ثابت عن عطاء عن عائشة ام المؤمنين قالت: من اعتكف فعليه الصوم * قال أبو محمد. شغب من قلد القائلين بأنه لا اعتكاف الا بصوم بأن قالوا. قال الله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) قالوا: فذكر الله تعالى الاعتكاف اثر ذكره للصوم، فوجب ان لا يكون الاعتكاف الا بصوم * قال أبو محمد: ما سمع بأقبح من هذا التحريف لكلام الله تعالى والاقحام فيه ما ليس فيه! وما علم قط ذو تمييز أن ذكر الله تعالى شريعة إثر ذكره أخرى موجبه عقد إحداهما بالاخرى * ولا فرق بين هذا القول وبين ما قال: بل لما ذكر الصوم ثم الاعتكاف وجب أن لا يجزئ صوم إلا باعتكاف * فان قالوا: لم يقل هذا أحد * قلنا. فقد أقررتم بصحة الاجماع على بطلان حجتكم وعلى ان ذكر شريعة مع ذكر أخرى لا يوجب ان لا تصح احداهما الا بالاخرى * وايضا. فان خصومنا مجمعون على أن المعتكف هو بالليل معتكف كما هو بالنهار، وهو بالليل غير صائم، فلو صح لهم هذا الاستدلال لوجب ان لا يجزئ الاعتكاف الا

[ 183 ]

بالنهار الذى لا يكون الصوم الا فيه فبطل تمويههم بايراد هذه الآية، حيث ليس فيها شئ مما موهوا به، لا بنص ولا بدليل * وذكروا ما روينا من طريق أبى داود قال: نا أحمد بن ابراهيم نا أبو داود - هو الطيالسي - نا عبد الله بن بديل (1) عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: (ان عمر جعل عليه في الجاهلية ان يعتكف ليلة أو يوما عند الكعبة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اعتكف وصم) * قال أبو محمد. هذا خبر لا يصح، لان عبد الله بن بديل مجهول (2)، ولا يعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار أصلا، وما نعرف لعمروبن دينار عن ابن عمر حديثا مسندا الا ثلاثة ليس هذا منها، احدها في العمرة (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) والثانى في صفة الحج والثالث. (لا تمنعوا اماء الله مساجد الله) فسقط عنا هذا الخبر لبطلان سنده * ثم الطامة الكبرى احتجاجهم به في ايجاب الصوم في الاعتكاف ومخالفتهم اياه في ايجاب الوفاء بما نذره المرء في الجاهلية فهذه عظيمة لا يرضى بها ذو دين * فان قالوا معنى قوله (في الجاهلية) أي أيام ظهور الجاهلية بعد اسلامه * قلنا لمن قال هذا. ان كنت تقول هذا قاطعا به فأنت أحد الكذابين، لقطعك بما لا دليل لك عليه، ولا وجدت قط في شئ من الاخبار، وان كنت تقوله ظنا فان الحقائق لا تترك بالظنون، وقد قال الله تعالى. (ان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) * فكيف وقد صح كذب هذا القول، كما روينا من طريق ابن أبى شيبة : نا حفص بن غياث عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: (نذرت نذرا في الجاهلية فسألت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت، فأمرني أن أو في بنذري) * وهذا في غاية الصحة، لا كحديث عبد الله بن بديل الذاهب في الرياح *


(1) بضم الباء وفتح الدال المحملة (2) ليس مجهولا بل هو معروف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن معين (صالح) وقال ابن عدى (له ما ينكر عليه الزيادة في متن أو اسناد) وذكر ابن عدى والدار قطني أنه تفرد بهذه الرواية عن عمر وبن دينار، وهى رواية شاذة تخالف ما في البخاري من أنه أمره باعتكاف ليلة، وليس فيه ذكر للصوم.

[ 184 ]

فهل سمع بأعجب من هؤلاء القوم لا يزالون يأتون بالخبر يحتجون به على من لا يصححه فيما وافق تقليدهم، وهم أول مخالفين لذلك الخبر نفسه فيما خالف تقليدهم. فكيف يصعد مع هذا عمل ونعوذ بالله من الضلال، فعاد خبرهم حجة عليهم لا علينا، ولو صح ورأيناه حجة لقلنا: به * وموهوا بأن هذا روى عن أم المؤمنين، وابن عباس، وابن عمر، قالوا: ومثل هذا لا يقال بالرأى * فقلنا: أما ابن عباس فقد اختلف عنه في ذلك، فصح عنه مثل قولنا، وقد روينا عنه من طريق: عبد الرزاق أنا ابن عيينة عن عبد الكريم بن أبى أمية (1) سمعت عبيدالله بن عبد الله بن عتبة يقول: إن أمنا ماتت وعليها اعتكاف، فسألت ابن عباس فقال: اعتكف عنها وصم * فمن أين صار ابن عباس حجة في إيجاب الصوم على المعتكف - وقد صح عنه خلاف ذلك - ولم يصر حجة في ايجابه على الولى قضاء الاعتكاف عن الميت؟ وهلا قلتم هاهنا: مثل هذا لا يقال: بالرأى وعهدناهم يقولون: لو كان هذا عند فلان صحيحا ما تركه، أو يقولون: لم يترك ما عنده من ذلك إلا لما هو أصح عنده * وقد ذكرنا عن عطاء آنفا أنه لم ير الصوم على المعتكف، وسمع طاوسا يذكر ذلك عن ابن عباس فلم ينكر ذلك عليه فهلا قالوا. لم يترك عطاء ما روى عن ابن عباس وابن عمر إلا لما هو عنده أقوى منه. ولكن القوم متلاعبون * وأما أم المؤمنين فقد روينا عنها من طريق أبى داود. نا وهب بن بقية انا خالد عن عبد الرحمن - يعنى ابن اسحق - عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين انها. (قالت (2) السنة على المعتكف ان لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة الا لما لابد منه (3)، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف


(1) كذا في النسخة رقم (16)، وفى النسخة رقم (14) (عن عبد الكريم بن امية) وانا ارجح ان كليهما خطأ وان الصواب (عن عبد الكريم أبى امية) وهو عبد الكريم بن ابى المخارق البصري وكنيته أبو أمية. (2) في النسخة رقم (16) (قالت) بحذف (انها) واثباتها هو الموافق لابي داود (ج 2 ص 310) (3) هذا هو الموافق لابي داود، وفى النسخة رقم (16) (لما لا بدله منه)، وفى النسخة رقم (14) (لحاجة الانسان إلا ما لابد منه)

[ 185 ]

الا في مسجد جامع) * فمن أين صار قولها في ايجاب الاعتكاف حجة ولم يصر قولها: (لا اعتكاف الا في مسجد جامع) حجة * وروينا عنها من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، ومعمر، قال ابن جريج: أخبرني عطاء: ان عائشة نذرت جوارا (1) في جوف ثبير (2) مما يلى منى، وقال معمر عن أيوب السختيانى عن ابن ابى مليكة قال: اعتكفت عائشة أم المؤمنين بين حراء وثبير فكنا نأتيها هنالك * فخالفوا عائشة في هذا أيضا، وهذا عجب * وأما ابن عمر فحدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد ابن خالدنا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا عبد الملك ابن ابى سليمان عن عطاء بن أبى رباح: ان ابن عمر كان إذا اعتكف ضرب فسطاطا أو خباء يقضى فيه حاجته، ولا يظله سقف بيت * فكان ابن عمر حجة فيما روى عنه أنه لا اعتكاف الا بصوم، ولم يكن حجة في انه كان إذا اعتكف لا يظله سقف بيت * فصح ان القوم إنما يموهون بذكر من يحتج به من الصحابة ايهاما، لانهم لا مؤنة عليهم من خلافهم فيما لم يوافق من أقوالهم رأى ابى حنيفة ومالك وأنهم لا يرون أقوال الصحابة حجة إلا إذا وافقت رأى ابى حنيفة ومالك فقط، وفى هذا ما فيه. فبطل قولهم لتعريه من البرهان * ومن عجائب الدنيا ومن الهوس قولهم: لما كان الاعتكاف لبثا في موضع اشبه الوقوف بعرفة، والوقوف بعرفة لا يصح إلا محرما، فوجب ان لا يصح الاعتكاف الا بمعنى آخر، وهو الصوم *


(1) بضم الجيم وكسرها (2) كذا في حاشية النسخة رقم (14) على انه نسخة، وقد اخترناه لوضوح معناه، وفى الاصلين (في جور ثبير) ولم يتضح معنى كلمة (جور) هنا، الا ان كان المراد بجانبه وعلى ناحية منه، وكأنه من قولهم (هو جور عن طريقنا) أي مائل عنه ليس على جادته * (م 24 - ج 5 المحلى)

[ 186 ]

فقيل لهم: لما كان اللبث بعرفة لا يقتضى وجوب الصوم وجب ان يكون الاعتكاف لا يقتضى وجوب الصوم * قال أبو محمد: من البرهان على صحة قولنا اعتكاف النبي صلى الله عليه ووسلم في رمضان، فلا يخلو صومه من ان يكون لرمضان خالصا - وكذلك هو - فحصل الاعتكاف مجردا عن صوم يكون من شرطه وإذا لم يحتج الاعتكاف إلى صوم ينوى به الاعتكاف فقد بطل ان يكون الصوم من شروط الاعتكاف وصح انه جائز بلا صوم، وهذا برهان ما قدروا على اعتراضه الابوساوس لا تعقل. ولو قالوا: إنه عليه السلام صام للاعتكاف لا لرمضان أو لرمضان والاعتكاف لم يبعدوا عن الانسلاخ من الاسلام * وايضا فان الاعتكاف هو بالليل كهو بالنهار، ولاصوم بالليل، فصح ان الاعتكاف لا يحتاج إلى صوم * فقال مهلكوهم ههنا: إنما كان الاعتكاف بالليل تبعا للنهار * فقلنا: كذبتم ولا فرق بين هذا القول وبين من قال: بل انما كان بالنهار تبعا لليل، وكلا القولين فاسد * فقالوا: إنما قلنا: انا الاعتكاف يقتضى (1) ان يكون في حال صوم * فقلنا: كذبتم لان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فلما كان الاعتكاف عندنا وعندكم لا يقتضى ان يكون معه صوم ينوى به الاعتكاف -: صح ضرورة أن الاعتكاف ليس من شروطه ولا من صفاته ولا من حكم أن يكون معه صوم، وقد جاء نص صحيح بقولنا * كما روينا من طريق ابى داود: نا عثمان بن أبى شيبة نا ابؤ معاوية ويعلى بن عبيد كلاهما عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد ان يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، قالت: وانه اراد مرة ان يعتكف في العشر الاواخر من رمضان، قالت: فأمر ببنائه فضرب فلما رأيت ذلك امرت بينائى فضرب، وأمر غيرى من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائهن (2) فضرب، فلما صلى الفجر نظر إلى الابنية، فقال: ما هذه؟ البر تردن؟ فأمر ببنائه فقوض،


(1) في النسخة رقم (16) (ان الاعتكاف انما يقتضى) الخ (2) في ابى داود (ج 2 ص 307 و 308) نسختان (ببنائه) و (ببنائها) وما هنا أحسن *

[ 187 ]

وأمر ازواجه بأبنيتهن فقوضن، (1) ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الاول، يعنى من شوال) قال أبو محمد. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتكف العشر الاول من شوال، وفيها يوم الفطر، ولا صوم فيه * ومالك يقول. لا يخرج المعتكف في العشر الاواخر من رمضان عن اعتكافه الا حتى ينهض إلى المصلى، فنسألهم: أمعتكف هو ما لم ينهض إلى المصلى أم غير معتكف؟ فان قالوا هو معتكف، تناقضوا، وأجازوا الاعتكاف بلا صوم برهة من يوم الفطر، وان قالوا: ليس معتكفا، قلنا. فلم منعتموه الخروج اذن؟ * 626 - مسألة - ولا يحل للرجل مباشرة المرأة ولا للمرأة مباشرة الرجل في حال الاعتكاف بشئ من الجسم، الا في ترجيل المرأة للمعتكف خاصة، فهو مباح، وله اخراج رأسه من المسجد للترجيل * لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فصح أن من تعمد ما نهى عنه من عموم المباشرة - ذا كرا لاعتكافه - فلم يعتكف كما أمر، فلا اعتكاف له، فان كان نذرا قضاه، وإلا فلاشئ عليه، وقوله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد) خطاب للجميع من الرجال والنساء، فحرمت المباشرة بين الصنفين * ومن طريق البخاري: نا محمد بن يوسف نا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف، فأرجله وأنا حائض) * فخرج هذا النوع من المباشرة من عموم نهى الله عزوجل. وبالله التوفيق * 627 - مسألة - وجائز للمعتكف أن يشترط ما شاء من المباح والخروج له، لانه بذلك إنما التزم الاعتكاف في خلال (2) ما استثناه، وهذا مباح له، أن يعتكف إذا شاء، ويترك إذا شاء، لان الاعتكاف طاعة، وتركه مباح، فان أطاع أجر، وان ترك لم يقض * وإن العجب ليكثر ممن لا يجيز هذا الشرط والنصوص كلها من القرآن والسنة موجبة لما ذكرنا، ثم يقول: بلزوم الشروط (3) التى أبطلها القرآن والسنن، من اشتراط الرجل للمرأة إن تزوج عليها أو تسرى فأمرها بيدها، والداخلة بنكاح


(1) في أبى داود (فقوضت) (2) في النسخة رقم (16) (في حال) (3) في النسخة رقم (16) (ثم يقولون يلزم الشروط) وما هنا اصح *

[ 188 ]

طالق، والسرية حرة، وهذه شروط الشيطان، وتحريم ما أحل الله عزوجل، وقد أنكر الله تعالى ذلك في القرآن * 628 - مسألة - وكل فرض على المسلم فان الاعتكاف لا يمنع منه، وعليه أن يخرج إليه، ولا يضر ذلك باعتكافه، وكذلك يخرج لحاجة الانسان، ومن البول والغائط وغسل النجاسة وغسل الاحتلام، وغسل الجمعة ومن الحيض، إن شاء في حمام أوفى غير حمام. ولا يتردد على أكثر من تمام غسله، وقضاء حاجته، فان فعل بطل اعتكافه * وكذلك يخرج لابتياع ما لابدله ولاهله منه، من الاكل واللباس، ولا يتردد على غير ذلك وفان تردد بلا ضرورة بطل اعتكافه. وله ان يشيع أهله إلى منزلها * وانما يبطل الاعتكاف خروجه لما ليس فرضا عليه * وقد افترض الله تعالى على المسلم ما رويناه من طريق البخاري: ثنا محمد ثنا عمرو بن أبى سلمة (1) عن الاوزاعي أنا ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حق المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض وابتاع الجنائز واجابة الدعوة، وتشميت العاطس) * وأمر عليه السلام من دعى إن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل، (2) بمعنى أن يدعو لهم * وقال تعالى: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وقال تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) وقال تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) فهذه فرائض لا يحل تركها للاعتكاف، وبلا شك عند كل مسلم أن كل من أدى ما افترض الله تعالى عليه فهو محسن، قال الله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) * ففرض على المعتكف أن يخرج لعيادة المريض مرة واحدة، يسأل عن حاله واقفا وينصرف، لان ما زاد على هذا فليس من الفرض، وانما هو تطويل، فهو يبطل الاعتكاف * وكذلك يخرج لشهود الجنازة، فإذا صلى عليها انصرف، لانه قد أدى الفرض، وما زاد فليس فرضا، وهو به خارج عن الاعتكاف *


(1) في النسخة رقم (16) (ثنا محمد بن عمرو بن أبى سلمة) وهو خطأ، صححناه من البخاري (ج 2 ص 157) ومن النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) (أن يأكل) و (أن يصلى)

[ 189 ]

وفرض عليه أن يخرج إذا دعى، فان كان صائما بلغ إلى دار الداعي ودعا وانصرف، ولا يزد على ذلك * وفرض عليه أن يخرج إلى الجمعة بمقدر ما يدرك أول الخطبة، فإذا سلم رجع، فان زاد على ذلك خرج من الاعتكاف، فان خرج كما ذكرنا ثم رأى أن في الوقت فسحة فان علم أنه ان رجع إلى معتكفه ثم خرج أدرك الخطبة فعليه أن يرجع، والا فليتماد، وكذلك ان كان عليه في الرجوع حرج، لقول الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * وكذلك يخرج للشهادة إذا دعى سواء، قبل أو لم يقبل، لان الله تعالى أمر الشهداء بان لا يأبوا إذا دعوا، ولم يشترط من يقبل ممن لا يقبل، وما كان ربك نسيا، فإذا أداها رجع إلى معتكفه ولا يتردد، وفان تردد بطل اعتكافه، فان نزل عدو كافر أو ظالم بساحة موضعه، فان اضطر إلى النفار نفر وقاتل، وفاذا استغنى عنه رجع إلى معتكفه، فان تردد لغيير ضرورة بطل اعتكافه * وهو كله قول أبى سليمان وأصحابنا * وروينا من طريق سعيد بن منصور: أنا أبو الأحوص أنا أبو إسحاق - هو السبيعى - عن عاصم بن ضمرة قال قال على بن أبى طالب: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليحضر الجنازة وليعد المريض وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم * وبه إلى سعيد: نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمار بن عبد الله بن يسار (1) عن أبيه: أن على بن أبى طالب أعان ابن أخته (2) جعدة بن هبيرة بسبعمائة درهم من عطائه أن يشترى بها خادما، فقال: إني كنت معتكفا، فقال له على: وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت؟ * وبه إلى سفيان: ناهشيم عن الزهري عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين: أنها كانت


(1) عمار هذا لم أجد له ترجمة، ولكن ذكره في التهذيب راويا عن أبيه عبد الله ابن يسار الجهنى، ووقع في التهذيب (ج 6 ص 85) بلفظ (وعنه ابن عمار) وهو خطأ مطبعى، والصواب (وعنه ابنه عمار) وله رواية عن أبيه في تاريخ الطبري (ج 6 ص 233) (2) في النسخة رقم (14) (ابن أخيه) وهو تصحيف، والصواب ما هنا، فان جعدة بن هبيرة أمه أم هانئ بنت أبى طالب أخت على رضى الله عنه *

[ 190 ]

لاتعود المريض من أهلها إذا كانت معتكفة إلا وهى مارة وبه إلى سعيد: نا هشيم أنا مغيرة عن ابراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال - وهن له وان لم يشترط -: عيادة المريض ولا يدخل سقفا ويأتى الجمعة، ويشهد الجنازة، ويخرج إلى الحاجة. قال ابراهيم: ولا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة * وبه إلى هشيم: أنا أبو إسحق الشيباني عن سعيد بن جبير قال: المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة ويجيب الامام * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: المعتكف يدخل الباب فيسلم ولا يقعد، يعود المريض، وكان لا يرى بأسا إذا خرج المعتكف لحاجته فلقيه رجل فسأله أن يقف عليه فيسائله * قال أبو محمد: إن اضطر إلى ذلك، أو سأله عن سنة من الدين، ووإلا فلا * ومن طريق شعبة عن أبى اسحاق الشيباني عن سعيد بن جبير قال: للمعتكف أن يعود المريض ويتبع الجنازة ويأتى الجمعة ويجيب الداعي * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: إن نذر جوارا أينوى (1) في نفسه أنه لا يصوم، وأنه يبيع ويبتاع، ويأنى الاسواق، ويعود المريض، ويتبع الجنازة وإن كان مطر (فانى أستكن في البيت، وأتي أجاور جوارا منقطعا، أو أن يعتكف النهار ويأتى البيت بالليل؟ قال عطاء: ذلك على نيته ما كانت، ذلك له، هو قول قتادة ايضا * وروينا عن سفيان الثوري انه قال: المعتكف يعود المرضى (2) ويخرج إلى الجمعة ويشهد الجنائز. هو قول الحسن بن حى * وروينا عن مجاهد وعطاء وعروة والزهرى: لا يعود المعتكف مريضا ولا يشهد الجنازة، هو قول مالك والليث * قال مالك: لا يخرج إلى الجمعة *


(1) في النسخة رقم (16) (ينوى) بدون الهمزة (2) في النسخة رقم (16) (للمعتكف أن يعود المريض) *

[ 191 ]

قال أبو محمد: هذا مكان صح فيه عن على وعائشة ما أوردنا، ولا مخالف لهما يعرف من الصحابة، وهم يعظمون مثل هذا إذا خالف (1) تقليدهم * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن على بن الحسين عن صفية أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معى ليقلبني، وكان مسكنها (2) في دار أسامة) وذكر باقى الخبر * قال أبو محمد: في هذا كفاية، وما نعلم لمن منع من كل ما ذكر نا حجة، لامن قرآن ولا من سنة ولا من قول صاحب، ولا قياس * ونسألهم: ما الفرق بين ما أبا حواله من الخروج لقضاء الحاجة وابتياع ما لابد منه وبين خروجه لما افترضه الله عزوجل عليه * وقال أبو حنيفة. ليس له ان يعود المريض، ولا ان يشهد الجنازة، وعليه أن يخرج إلى الجمعة بمقدار (3) ما يصلى ست ركعات قبل الخطبة وله أن يبقى في الجامع بعد صلاة الجمعة مقدار ما يصلى ست ركعات، فان بقى أكثر أو خرج لاكثر لم يضره شيئا، فان خرج لجنازة أو ليعادة مريض بطل اعتكافه * وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: له أن يخرج لكل ذلك، فان كان مقدار لبثه في خروجه لذلك نصف يوم فأقل لم يضر اعتكافه ذلك، فان كان أكثر من نصف يوم بطل اعتكافه * قال أبو محمد: ان في هذه التحديدات لعجبا وما ندرى كيف يسمح ذو عقل أن يشرع في دين الله هذه الشرائع الفاسدة فيصير محرما محللا موجبا دون الله تعالى وما هو الا ما جاء النص باباحته فهو مباح، قل أمده أو كثر، أو ما جاء النص بتحريمه فهو حرام قل أمده أو كثر، أو ما جاء النص بايجابه فهو واجب الا أن يأتي نص بتحديد في شئ من ذلك، فسمعا وطاعة *


(1) كذا في الاصلين (خالف) والكلام يقتضى ان يكون (وافق) (2) في النسخة رقم (16) (مسكنه) وهو خطأ، والصواب ما هنا، وهو الموافق لابي داود (ج 2 ص 309 و 310) وقد روى الحديث عن ابن شبويه المروزى عن عبد الرازق، ونسبه المنذرى للبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. ومعنى (ليقلبني) أي يردنى إلى بيتى (3) في النسخة رقم (16) (وعلى ان يخرج إلى الجمعة الا بمقدار) الخ وهو خطأ وخلط *

[ 192 ]

629 - مسألة - ويعمل المعتكف في المسجد كل ما ابيح له، من محادثة فيما لا يحرم، ومن طلب العلم أي علم كان، ومن خياطة وخصام في حق ونسخ وبيع وشراء، وتزوج وغير ذلك لا تحاش شيئا لان الاعتكاف هو الاقامه كما ذكرنا، فهو إذا فعل ذلك في المسجد فلم يترك الاعتكاف * وهو قول أبى حنيفة، والشافعي، وأبى سليمان * ولم ير ذلك مالك. وما نعلم له حجة في ذلك، لامن قرآن ولا من سنة لا صحيحة ولا سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قول متقدم من التابعين، ولا قياس، ولا رأى له وجه * وأعجب ذلك (1) منعه من طلب العلم في المسجد وقد ذكرنا قبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عائشة رضى الله عنها ترجل شعره المقدس وهو في المسجد، وكل ما أباحه الله تعالى فليس معصية لكنه إما طاعة واما سلامة * 630 - مسألة - ولا يبطل الاعتكاف شئ الا خروجه عن المسجد لغير حاجة عامدا ذاكرا، لانه قد فارق العكوف وتركه، ومباشرة المرأة في غير الترجيل، لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) وتعمد معصية الله تعالى - أي معصية كانت، لان العكوف الذى ندب الله تعالى إليه هو الذى لا يكون على معصية، ولا شك عند أحد من أهل الاسلام في أن الله تعالى حرم العكوف على المعصية فمن عكف في المسجد على معصية فقد ترك العكوف على الطاعة فبطل عكوفه * وهذا كله قول أبى سليمان، وأحد قولى الشافعي * وقال مالك: القبلة تبطل الاعتكاف * وقال أبو حنيفة: لا يبطل الاعتكاف مباشرة ولا قبلة إلا أن ينزل، وهذا تحديد فاسد، وقياس للباطل على الباطل، وقول بلا برهان * 631 - مسألة - ومن عصى ناسيا أو خرج ناسيا أو مكرها أو باشر أو جامع ناسيا أو مكرها -: فالاعتكاف تام لا يكدح (2) كل ذلك فيه شيئا، لانه لم يعمد ابطال (3) اعتكافه


(1) في النسخة رقم (14) (وأعجب من ذلك) وما هنا أحسن (2) كذا في الاصلين بالكاف، وهو صحيح، يقال كدح وجه أمره إذا أفسده (3) كذا في الاصلين وهو صحيح، (عمد) يتعدى بنفسه وباللام وبالى *

[ 193 ]

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) * 632 - مسألة - ويؤذن في المئذنة إن كان بابها في المسجد أو في صحنه، ويصعد على ظهر المسجد، لان كل ذلك من المسجد، فان كان باب المئذنة خارج المسجد بطل اعتكافه إن تعمد ذلك * وهو قول مالك والشافعي وأبى سليمان * وقال أبو حنيفة: لا يبطل * وهذا خطأ، لان الخروج عن المسجد - قل أو كثر - مفارقة للعكوف وترك له، والتحديد في ذلك بغير نص باطل، ولا فرق بين خطوة وخطوتين إلى مائة ألف خطوة وبالله تعالى التوفيق * 633 - مسألة - والاعتكاف جائز في كل مسجد جمعت فيه الجمعة أو لم تجمع، سواء كان مسقفا أو مكشوفا، فان كان لا يصلى فيه جماعة ولا له إمام لزمه فرض الخروج لكل صلاة إلى المسجد تصلى فيه جماعة (1)، الا ان يبعد منه بعدا يكون عليه فيه حرج فلا يلزمه، وأما المرأة التى لا يلزمها فرض الجماعة فتعتكف فيه، ولا يجوز الاعتكاف في رحبة المسجد الا ان تكون منه، ولا يجوز للمرأة ولا للرجل ان يعتكفا أو أحدهما في مسجد داره * برهان ذلك قول الله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد) فعم تعالى ولم يخص * فان قيل: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) * قلنا نعم، بمعنى انه تجوز الصلاة فيه، وإلا فقد جاء النص والاجماع بأن البول والغائط جائز فيما عدا المسجد، فصح انه ليس لما عدا المسجد حكم المسجد، فصح ان لا طاعة في إقامة في غير المسجد، فصح ان لا اعتكاف إلا في مسجد، وهذا يوجب ما قلنا * وقد اختلف الناس في هذا * فقالت طائفة: لا اعتكاف الا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم *


(1) كذا في النسخة رقم (16) وهو صحيح، وفى النسخة رقم (14) (إلى مسجد تصلى فيه جماعة) (م 25 - ج 5 المحلى)

[ 194 ]

كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة احسبه عن سعيد بن المسيب قال: لا اعتكاف الا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: ان لم يكن قول سعيد فهو قول قتادة، لاشك في احدهما * وقالت طائفة: لا اعتكاف الا في مسجد مكة ومسجد المدينة فقط * كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: لا جوار الا في مسجد مكة ومسجد المدينة، قلت له: فمسجد ايليا؟ قال: لا تجاور الا مسجد مكة ومسجد المدينة. وقد صح عن عطاء ان الجوار هو الاعتكاف * وقالت طائفة: لا اعتكاف الا في مسجد مكة أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس * كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن واصل الاحدب عن ابراهيم النخعي قال: جاء حذيفة إلى عبد الله بن مسعود فقال له: ألا أعجبك (1) من ناس عكوف بين دارك ودار الاشعري؟ فقال له عبد الله: فلعلهم أصابوا أو أخطات فقال له حذيفة: ما أبالى، أفيه اعتكف أوفى سوقكم هذه، إنما الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الاقصى، قال ابراهيم: وكان الذين اعتكفوا فعاب عليهم حذيفة -: في مسجد الكوفة الاكبر * ورويناه أيضا ممن طريق عبد الرزاق عن أبن عيينة عن جامع بن ابى راشد قال سمعت أبا وائل يقول: قال حذيفة لعبدالله بن مسعود: قوم عكوف بين دارك ودار ابن موسى، ألا تنهاهم؟ فقال له عبد الله: فلعلهم اصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت فقال حذيفة: لا اعتكاف الا في هذه المساجد الثلاثة: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد ايليا * وقالت طائفة: لا اعتكاف الا في مسجد جامع * روينا هذا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، وهو أول قوليه * وقالت طائفة: لا اعتكاف الا في مصر جامع * كما روينا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابى اسحاق عن الحارث عن على قال: لا اعتكاف الا في مصر جامع * وقالت طائفة: لااعتكاف الا في مسجد نبى *


(1) بكسر الجيم المشددة، يقال: عجبه بالشئ تعجبيا نبهه على التعجب منه

[ 195 ]

كما روينا من طريق ابن الجهم: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا عبيدالله بن عمر - هو القواريرى - ثنا معاذ بن هشام الدستوائى ثنا ابى عن قتادة عن سعيد بن المسيب انه قال: لا اعتكاف الا في مسجد نبى * وقالت طائفة: لا اعتكاف الا في مسجد جماعة * كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري، ومعمر، قال سفيان: عن جابر الجعفي عن سعد بن عبيدة (1) عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على بن أبى طالب، وقال معمر: عن هشام بن عروة ويحيى بن أبى كثير ورجل، قال هشام: عن ابيه، وقال يحيى. عن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقال الرجل: عن الحسن، قالوا كلهم: لا اعتكاف الا في مسجد جماعة * وصح عن ابراهيم وسعيد بن جبير وأبى قلابة اباحة الاعتكاف في المساجد التى لا تصلى فيها الجمعة، وهو قولنا، لان كل مسجد بنى للصلاة فاقامة الصلاة فيه جائزة فهو مسجد جماعة * وقالت طائفة: الاعتكاف جائز في كل مسجد، ويعتكف الرجل في مسجد بيته * روينا ذلك عن عبد الرزاق عن اسرائيل عن رجل عن الشعبى قال: لا بأس ان يعتكف الرجل في مسجد بيته * وقال ابراهيم، وأبو حنيفة: تعتكف المرأة في مسجد بيتها * قال أبو محمد: أما من حد مسجد المدينة وحده أو مسجد مكة ومسجد المدينة، أو المساجد الثلاثة أو المسجد الجامع (2): فأقوال لادليل على صحتها فلا (3) معنى لها وهو تخصيص لقول الله تعالى (وأنتم عاكفون في المساجد) * فان قيل: فأين أنتم عما زويتموه من طريق سعيد بن منصور: نا سفيان - هو ابن عيينة - عن جامع بن أبى راشد عن شقيق بن سلمة قال: قال حذيفة لعبدالله بن مسعود: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) أو قال: (مسجد جماعة)؟ * قلنا: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشك، ولو أنه عليه السلام قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا،


(1) في الاصلين (سعيد بن عبيدة) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (الحرام) بدل (الجامع) وهو خطأ ظاهر (3) في النسخة رقم (16) (ولا) *

[ 196 ]

ولم يدخل فيه شكا، فصح يقينا انه عليه السلام لم يقله قط * فان قيل: فقد رويتم من طريق سعيد بن منصور: نا هشيم أنا جويبر عن الضحاك عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسجد فيه إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح (1)) * قلنا: هذه سوأة لا يشتغل بها ذوفهم، جويبر هالك، والضحاك ضعيف ولم يدرك حذيفة (2) * وأما قول ابراهيم وأبى حنيفة فخطأ، لان مسجد البيت لا يطلق عليه اسم مسجد، ولا خلاف في جواز بيعه وفى أن يجعل كنيفا * وقد صح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في المسجد، وهم يعظمون خلاف الصاحب، ولا مخالف لهن من الصحابة * فقال بعضهم: إنما كان ذلك لانهن كن معه عليه السلام * فقلنا: كذب من قال هذا وافترى بغير علم وأثم * واحتج أيضا بقول عائشة: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع النساء لمنعهن المساجد * وقد ذكرنا في كتاب الصلاة بطلان التعلق بهذا الخبر (3)، وأقرب ذلك بأنه لا يحل ترك ما لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا المنع مما لم يمنع منه عليه السلام -: لظن أنه لو عاش لتركه ومنع منه، وهذا إحداث شريعة في الدين، أم المؤمنين القائلة هذا لم تر قط منع النساء من المساجد، فظهر فساد قولهم. وبالله تعالى التوفيق * 634 - مسألة - وإذا حاضت المعتكفة أقامت في المسجد كما هي تذكر الله تعالى، وكذلك إذا ولدت، فانها إن اضطرت إلى الخروج خرجت ثم رجعت إذا قدرت * لما قد بينا قبل من أن الحائض تدخل المسجد، ولا يجوز منعها منه (4)، إذ لم يأت بالمنع لها منه نص ولا إجماع. وهو قول أبى سليمان *


(1) رواه أيضا الدار قطني (ص 247) من طريق اسحق الازرق عن جويبر (2) الضحاك هو ابن مزاحم، وهو لم يدرك أحدا من الصحابة، وفى سماعه من ابن عباس خلاف، والراجح أنه لم يسمع منه، ووافق الدار قطني المؤلف في أنه لم يسمع من حذيفة (3) وقد تقدم ذلك في المسألة 321 (ج 3 ص 132 - 136) وفى المسألة 485 (ج 4 ص 200 - 201) (4) تقدم في المسألة 262 (ج 2 ص 184 - 187)

[ 197 ]

روينا من طريق البخاري: نا قتيبة نا يزيد بن زريع عن خالد الحذاء عن عكرمة عن عائشة أم المؤمنين قالت: (اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعت الطست تحتها وهى تصلى) (1) * 635 - مسألة - ومن مات وعليه نذر اعتكاف قضاه عنه وليه أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه، لابد من ذلك * لقول الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟! (2) فدين الله أحق أن يقضى) * ولما روينا من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس: (أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقضه عنها) وهذا عموم لكل نذر طاعة، فلا يحل لاحد خلافه. * وقد ذكرنا في باب هل على المعتكف صيام أم لا قبل فتيا ابن عباس بقضاء نذر الاعتكاف (3) * وروينا من طريق سعيد بن منصور: نا أبو الأحوص نا ابراهيم بن مهاجر عن عامر بن مصعب قال: اعتكفت عائشة أم المؤمنين عن أخيها بعد ما مات * وقال الحسن بن حى: من مات وعليه اعتكاف اعتكف عنه وليه * وقال الاوزاعي: يعتكف عنه وليه إذا لم يجد ما يطعم (4) قال: ومن نذر صلاة فمات صلاها عنه وليه * قال اسحاق بن راهويه: يعتكف عنه وليه ويصلى عنه وليه إذا نذر صلاة أو اعتكافا ثم مات قبل أن يقضى ذلك * وقال سفيان الثوري: الا طعام عنه أحب إلى من أن يعتكف عنه *


(1) في النسخة رقم (21) (وتصلى) وما هنا هو الموافق للبخاري (ج 3 ص 107) (2) (قاضيه) بالهاء خطاب للمذكر، إذا السائل رجل، كما في صحيح مسلم (ج 1 ص 135) وفى النسخة رقم (16) (قاضية) بالتاء، وهو تصحيف (3) تقدم في المسألة 625 هذا الجزء (4) في النسخة رقم (16) (وإذا لم يجده فليطعم) وهو كلام لا معنى له هنا

[ 198 ]

قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يطعم عنه لكل يوم مسكين * قال أبو محمد: هذا قول ظاهر الفساد، وما للاطعام مدخل في الاعتكاف * وهم يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم، وقد خالفوا ههنا عائشة وابن عباس، ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله تعالى عنهم * وقولهم في هذا قول لم يأت به قرآن ولاسنة صحيحة ولا سقيمة، ولاقول صاحب ولا قياس، بل هو مخالف لكل ذلك. وبالله تعالى التوفيق * ومن عجائب الدنيا قول أبى حنيفة: من نذر اعتكاف شهر وهو مريض فلم يصح فلا شئ عليه، فلو نذر اعتكاف شهر وهو صحيح فلم يعش إثر نذره إلا عشرة أيام ومات فانه يطعم عنه ثلاثون مسكينا، وقد لزمه اعتكاف شهر قال: فان نذر اعتكافا لزمه يوم بلا ليلة، فان قال على اعتكاف يومين لزمه يومان ومعهما ليلتان! (1) وقال أبو يوسف: إن نذر اعتكاف ليلتين (2) فليس عليه إلا يومان وليلة واحدة، كما لو نذر اعتكاف يومين ولافرق * فهل في التخليط أكثر من هذا؟ ونسأل الله العافية * 636 - مسألة - ومن نذر اعتكاف يوم أو أيام مسماة أو اراد ذلك تطوعا -: فانه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبين له طلوع الفجر، ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس، سواء كان ذلك في رمضان أو غيره * ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسماة أو أراد ذلك تطوعا -: فانه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا تبين له طلوع الفجر * لان مبدأ الليل إثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر. ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، وتمامه بغروب الشمس كلها، وليس على أحد إلا ما التزم أو ما نوى * فان نذر اعتكاف شهر أو أراده تطوعا -: فمبدأ الشهر من أول ليلة منه فيدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا غابت الشمس كلها من آخر الشهر، سواء رمضان وغيره * لان الليلة المستأنفة ليست من ذلك الشهر الذى نذر اعتكافه أو نوى اعتكافه *


(1) في النسخة رقم (16) (الليلتان) وما هنا أحسن (2) في النسخة رقم (16) (إن اعتكف ليلتين) وهو خطأ *

[ 199 ]

فان نذر اعتكاف العشر الاواخر من رمضان دخل قبل غروب الشمس من اليوم التاسع عشر لان الشهر قد يكون من تسع وعشرين ليلة، فلا يصح له اعتكاف العشر الاواخر إلا كما قلنا، وإلا فانما اعتكف تسع ليال فقط، فان كان الشهر ثلاثين علم أنه اعتكف ليلة زائدة، وعليه أن يتم اعتكاف الليلة الآخرة ليفى بنذره، وإلا من علم بانتقال القمر، فيدخل بقدر ما يدرى أنه يفى بنذره * والذى قلنا - من وقت الدخول والخروج - هو قول الشافعي وأبى سليمان * وروينا من طريق البخاري: نا عبد الله بن منير سمع هرون بن اسمعيل ثنا على بن المبارك ثنا يحيى بن أبى كثير سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنا أبا سعيد الخدرى قال له: (اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الاوسط من رمضان، فخرجنا صبيحة عشرين) (1) * وهذا نص قولنا * ومن طريق البخاري: نا ابراهيم بن حمزة (2) - هو الزبيدى - حدثنى ابن أبى حازم والدراوردى كلاهما عن يزيد - هو ابن عبد الله بن الهاد - عن محمد بن ابراهيم عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف عن ابى سعيد الخدرى قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في رمضان الشعر التى (3) في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسى من عشرين ليلة ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه) * وهذا نص قولنا، إلا أن فيه أنه عليه السلام كان يبقى يومه إلى أن يمسى، وهذا يخرج على أحد وجهين: إما أنه تنفل منه عليه السلام، وإما أنه عليه السلام نوى أن يعتكف العشر الليالى بعشرة أيامها * وهذا حديث رواه مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم، فوقع في لفظه تخليط وإشكال لم يقعا في رواية عبد العزيز بن أبى حازم وعبد العزيز بن محمد الدراوردى الا أنه موافق لهما في المعنى * وهو أننا روينا هذا الخبر نفسه عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى سعيد الخدرى:


(1) هو في البخاري (ج 3 ص 106 - 107) (2) هو بالحاء والزاى، وفى النسخة رقم (16) (جمرة) وهو تصحيف (3) في الاصلين (الذى) وما هنا هو ما في البخاري (ج 3 ص 101) والحديث اختصره المؤلف *

[ 200 ]

(ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف الشعر الاوسط (1) من رمضان، فاعتكف عاما (2) حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها (3) من اعتكافه - قال: من كان (4) اعتكف معى فليعتكف العشر الاواخر، فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتنى أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الاواخر، والتمسوها في كل وتر، فمطرت السماء (6) تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فبصرت (7) عيناى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين) * قال أبو محمد: من المحال الممتنع أن يكون عليه السلام يقول هذا القول بعد انقضاء ليلة إحدى وعشرين، وينذر بسجوده في ماء وطين فيما يستأنف، ويكون ذلك ليلة إحدى وعشرين التى مضت، فصح ان معنى قول الراوى: (حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين) أراد استقبال ليلة إحدى وعشرين، وبهذا تتفق رواية يحيى بن أبى كثير مع رواية محمد بن ابراهيم، كلاهما عن أبى سلمة ورواية الدراوردى وابن أبى حازم ومالك، كلهم عن يزيد ابن عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم التيمى * وروينا من طريق البخاري: نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل - نا حمادبن زيد نا يحيى - هو ابن سعيد الانصاري - عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الاواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلى الصبح ثم يدخله) * قال أبو محمد: هذا تطوع منه عليه السلام، وليس أمرا منه ومن زاد في البر زاد خيرا * ويستحب للمعتكف والمعتكفة أن يكون لكل أحد خباء في صحن المسجد، ائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك واجبا وبالله تعالى التوفيق * (تم كتاب الاعتكاف وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والحمد لله رب العالمين)


(1) في الموطأ (ص 98) (العشر الوسط) وفى البخاري (ج 3 ص 103) من طريق مالك (يعتكف في العشر الاوسط) (2) قوله (عاما) محذوف من الاصلين، وزدناه من الموطأ والبخاري (3) هذا ما في البخاري، وفى الموطأ (يخرج فيها من صبحها) (4) في الاصلين بحذف (كان) وهو خطأ (5) هكذا في النسخة رقم (16) والموطأ، وفى النسخة رقم (14) والبخاري (أريت) (6) في النسخة رقم (16) (فنظرت السماء) وهو خطأ (7) في النسخة رقم (16) (فنظرت) وهو خطأ، وما هنا هو الموافق للبخاري وفى الموطأ (فأبصرت).

[ 201 ]

(كتاب الزكاة) 637 - مسألة - الزكاة فرض كالصلاة، هذا اجماع متيقن * وقال الله تعالى: (فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فلم يبح الله تعالى سبيل أحد حتى يؤمن بالله تعالى ويتوب عن الكفر ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعى (1) ثنا عبد الملك بن الصباح عن شعبة عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوه عصموا منى دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله) (2) * قال أبو محمد: وبين الله تعالى على لسانه رسوله صلى الله عليه وسلم مقدار الزكاة، ومن أي الاموال تؤخذ؟ وفى أي وقت تؤخذ، ومن يأخذها؟ وأين توضع؟ * 638 - مسألة - والزكاة فرض على الرجال والنساء الاحرار منهم والحرائر والعبيد، والاماء، والكبار، والصغار، والعقلاء والمجانين من المسلمين. ولا تؤخذ من كافر * قال الله عزوجل: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فهذا خطاب منه تعالى لكل بالغ عاقل، من حر، أو عبد، ذكر، أو أنثى، لانهم كلهم من الذين آمنوا * وقال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فهذا عموم لكل صغير وكبير، وعاقل ومجنون وحر وعبد، لانهم كلهم محتاجون إلى طهرة الله تعالى لهم وتزكيته إياهم، وكلهم من الذين آمنوا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري


(1) بكسر الميم الاولى وفتح الثانية وبينهما سين مهملة ساكنة، نسبة إلى المسامعة، وهى محلة بالبصرة نزلها بنو مسمع بن شهاب بن عمرو بن عباد بن ربيعة، و (مسمع) بفتح الميم الاولى وكسر الثانية، والنسبة إليه بكسر الاولى وفتح الثانية، قال السمعاني في الانساب (هكذا سمعنا مشايخنا يقولون) (2) هو في صحيح مسلم (ج 1 ص 23) * (م 26 - ج 5 المحلى)

[ 202 ]

ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن زكرياء بن اسحق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي (1) عن أبى معبد عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا اله الا الله وأنى رسول الله، فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض (2) عليهم خمس صلوات في يوم وليلة (3)، فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض (4) عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم) (5) فهذا عموم لكل غنى من المسلمين، وهذا يدخل فيه الصغير والكبير، والمجنون، والعبد، والامة، إذا كانوا أغنياء وقد اختلف الناس في هذا * فأما أبو حنيفة والشافعي فقالا: زكاة مال العبد على سيده، لان مال العبد لسيده ولا يملكه العبد * قال أبو محمد: أما هذان فقد وافقا أهل الحق في وجوب الزكاة في مال العبد، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في هل يملك العبد ماله أم لا؟ وليس هذا مكان الكلام في هذه المسألة، وحسبنا أنهما متفقان معنا في أن الزكاة واجبة في مال العبد * وقال مالك: لا تجب الزكاة في مال العبد، لا عليه ولا على سيده * وهذا قول فاسد جدا، لخلافه القرآن والسنن، وما نعلم لهم حجة أصلا، إلا أن بعضهم قال: العبد ليس بتام الملك، فقلنا: أما تام الملك فكلام لا يعقل! * لكن مال العبد لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة لا رابع لها * إما أن يكون للعبد وهذا قولنا، وإذا كان له فهو مالكه، وهو مسلم، فالزكاة عليه كسائر المسلمين ولا فرق: * وإما أن يكون لسيده كما قال أبو حنيفة والشافعي، فيزكيه سيده، لانه مسلم، وكذلك ان كان لهما معا * وإما أن يكون لا للعبد ولا للسيد، فان كان ذلك فهو حرام على العبد وعلى السيد،


(1) بفتح الصاد المهملة واسكان الياء، وفى النسخة رقم (16) بالضاد المعجمة وهو تصحيف (2) في البخاري (ج 1 ص 215) (قد افترض) (3) كذا في الاصلين، وفى البخاري (في كل يوم وليلة) (4) في النسخة رقم (16) (فرض) وما هنا هو الموافق للبخاري (5) كذا في الاصلين، وفى البخاري (وترد على فقرائهم) *

[ 203 ]

وينبغى أن يأخذه الامام، فيضعه حيث يضع كل مال لايعرف له رب وهذا لا يقولون به، لا سيما مع تناقضهم في إباحتهم للعبد أن يتسرى باذن سيده، فلو لا أنه عندهم مالك لما له لما حل له وطئ فرج لا يملكه أصلا، ولكان زانيا، قال الله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاؤلئك هم العادون) فلو لم يكن العبد مالكا ملك يمينه لكان عاديا إذا تسرى، وهم يرون الزكاة على السفيه والمجنون، ولا ينفذ أمرهما في أموالهما، فما الفرق بين هذا وبين مال العبد؟ * وموه بعضهم بأنه صح الاجماع على أنه لا زكاة في مال المكاتب * فقلنا: هذا الباطل، وما روى إسقاط الزكاة عن مال المكاتب إلا عن أقل من عشرة من بين صاحب وتابع، وقد صح عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم: أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، وصح إيجاب الزكاة في مال العبد عن بعض الصحابة، فالزكاة على هذا القول واجبة في مال المكاتب * وهذا مكان تناقض فيه أبو حنيفة والشافعي، فقالا: لا زكاة في مال المكاتب * واحتجا بأنه لم يستقر عليه ملك بعد * قال أبو محمد: وهذا باطل، لانهما مجمعان مع سائر المسلمين على أنه لا يحل لاحد أن يأخذ من مال المكاتب فلسا بغير إذنه أو بغير حق واجب، وأن ماله بيده يتصرف فيه بالمعروف، من نفقة على نفسه وكسوة وبيع وابتياع، تصرف ذى الملك في ملكه، فلو لا أنه ماله، وملكه ما حل له شئ من هذا كله فيه * وهم كثيرا يعارضون السنن بأنها خلاف الاصول! كقولهم في حديث المصراة، وحديث العتق في الستة الا عبد بالقرعة، وحديث اليمين مع الشاهد، وغير ذلك فليت شعرى؟ في أي الاصول وجدوا ما لا محكوما به لانسان ممنوعا منه كل أحد سواه مطلقة عليه يده في بيع وابتياع ونفقة وكسوة وسكنى -: وهو ليس له؟ أم في أي سنة وجدوا هذا؟ أم في أي القرآن؟ أم في غير قياس؟ * وممن رأى الزكاة في مال المكاتب أبو ثور وغيره * والعجب أن أبا حنيفة والشافعي مجمعان على أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، فمن أين أسقطا الزكاة عن ماله دون مال غيره من العبيد؟ * وأيضا فمن أين وقع لهم أن يفرقوا بين مال المكاتب ومال العبد؟ *

[ 204 ]

ولابد من أحد أمرين: إما أن يعتق المكاتب، فماله له، فزكاته عليه، وإما أن برق، فماله - قبل وبعد - كان عندهما لسيده، فزكاته على السيد * وشغب بعضهم بروايات رويت عن عمر بن الخطاب، وابنه، وجابر بن عبد الله رضى الله عنهم: لا زكاة في مال العبد والمكاتب * قال أبو محمد: أما الحنيفيون والشافعيون فقد خالفوا هذه الروايات، فرأوا الزكاة في مال العبد. ومن الباطل أن يكون قول من ذكرنا بعضه حجة وبعضه خطأ، فهذا هو التحكم في دين الله تعالى بالباطل * وأما المالكيون فيقال لهم: قد خالف من ذكرنا ما هو أصح من تلك الروايات حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا يزيد بن ابراهيم - هو التسترى (1) - ثنا محمد بن سيرين حدثنى جابر الحذاء قال: سألت ابن عمر قلت: على المملوك زكاة؟ قال: أليس مسلما؟! قلت: بلى، قال: فان عليه في كل مائتين خمسة (2) فما زاد فبحساب ذلك * حدثنا يوسف بن عبد الله ثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا قاسم بن أصبغ ثنا مطرف ابن قيس ثنا يحيى بن بكير ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر: انه كان يقول: المكاتب عبد ما بقى عليه درهم (3) * فالزكاة في قول ابن عمر على المكاتب * وقد صح عن أبى بكر الصديق أنه قال: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فان الزكاة حق المال * قال أبو محمد: وهم مجمعون على أن الصلاة واجبة على العبد والمكاتب، والنص قد جاء بالجمع بينهما على كل مؤمن على ما أوجبهما النص * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا على ابن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري: انه قال في مال العبد، قال: يزكيه العبد *


(1) نسبة إلى (تستر) بلد، بضم التاء الاولى وفتح الثانية وبينهما سين مهملة ساكنة (2) في نسخة (خمسة دراهم) (3) هو في الموطأ (ص 231) بلفظ (المكاتب عبد ما بقى عليه من كتابته شئ) *

[ 205 ]

وبه إلى حماد بن سلمة عن قيس - هو ابن سعد - عن عطاء بن أبى رباح: انه قال في زكاة مال العبد، قال يزكيه المملوك * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن حجير: أن طاوسا كان يقول: في مال العبد زكاة * حدثنا حمام ثنا عبيدالله بن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس المرادى ثنا بقى ابن مخلد ثنا أبو بمكر بن أبى شيبة ثنا عبد الرحمن بن مهدى عن زمعة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: في مال العبد زكاة * وبه إلى ابى بكر بن أبى شيبة: ثنا غندر عن عثمان بن غياث عن عكرمة: أنه سئل عن العبد هل عليه زكاة؟ قال: هل عليه صلاة؟ * وقد روينا نحو هذا عن سالم بن عبد الله بن عمربن الخطاب وابن ابى ذئب. وهو قول أبى سليمان وأصحابنا * قال أبو محمد: وكم قصة خالفوا فيها عمربن الخطاب وجابر بن عبد الله، كقولهما جميعا في صدقة الفطر: مدان من قمح أو صاع من شعير، وغير ذلك كثير * وأما مال الصغير والمجنون فان مالكا والشافعي قالا بقولنا، وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأم المؤمنين عائشة وجابر وابن مسعود وعطاء وغيره * وقال أبو حنيفة: لا زكاة في اموالهما من الناض (1) والماشية خاصة، والزكاة واجبة في ثمارهما وزر وعهما * ولا نعلم أحدا تقدمه إلى هذا التقسيم * وقال الحسن البصري وابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه وفضته خاصة وأما الثمار والزروع والمواشى ففيها الزكاة * وأما ابراهيم النخعي وشريح فقالا: لا زكاة في ماله جملة * قال أبو محمد: وقول أبى حنيفة اسقط كلام وأغثه؟ ليت شعرى؟ ما الفرق بين زكاة الزرع والثمار وبين زكاة الماشية والذهب والفضة؟ فلو أن عاكسا عكس قولهم، فأوجب الزكاة في ذهبهما وفضتهما وماشيتهما، واسقطها عن زرعهما وثمرتهما، أكان يكون بين


(1) الاصمعي: (اسم الدراهم والدنانير عن أهل الحجاز الناض والنض، وانما يسمونه ناضا إذا تحول عينا بعد ما كان متاعا، لانه يقال: ما نض بيدى منه شئ) نقله في اللسان

[ 206 ]

التحكمين فرق في الفساد؟! * قال أبو محمد إن موه مموه منهم بأنه لا صلاة عليهما * قيل له: قد تسقط الزكاة عمن لا مال له ولا تسقط عنه الصلاة، وانما تجب الصلاة والزكاة على العاقل البالغ ذى المال الذى فيه الزكاة، فان سقط المال سقطت الزكاة، ولم تسقط الصلاة وان سقط العقل، أو البلوغ سقطت الصلاة ولم تسقط الزكاة، لانه لا يسقط فرض أوجبه الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم إلا حيث أسقطه الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يسقط فرض من اجل سقوط فرض آخر بالرأى الفاسد بلانص قرآن ولاسنة (1) * وأيضا فان أسقطوا الزكاة عن مال الصغير والمجنون لسقوط الصلاة عنهما ولانهما لا يحتاجان إلى طهارة فليسقطاها بهذه العلة نفسها عن زرعهما وثمارهما ولا فرق، وليسقطا أيضا عنهما زكاة الفطر بهذه الحجة * فان قالوا: النص جاء بزكاة الفطر على الصغير * قلنا: والنص جاء بها على العبد فأسقطتموها عن رقيق التجارة بآرائكم، وهذا مما تركوا فيه القياس، إذ لم يقيسوا زكاة الماشية والناض على زكاة الزرع والفطر، أو فليوجبوها على المكاتب، لوجوب الصلاة عليه ولا فرق * وقد قال بعضهم: زكاة الزرع والثمرة حق واجب في الارض، يجب بأول خروجهما * قال أبو محمد: وقد كذب هذا القائل، ولا فرق بين وجوب حق الله تعالى في الزكاة في الذهب والفضة والمواشى من حين اكتسابها إلى تمام الحول -: وبين وجوبه في الزرع والثمار من حين ظهورها إلى حلول وقت الزكاة فيها، والزكاة ساقطة بخروج كل كذلك عن يد مالكه قبل الحول وقبل حلول وقت الزكاة في الزرع والثمار. وانما


(1) نعم لا يسقط فرض أوجبه الله أو رسوله الا حيث أسقطه الله أو رسوله، ونعم لا يسقط فرض من أجل سقوط فرض آخر، ولكن إذا كانت الزكاة تجب على العاقل البالغ ذى المال فانها تسقط حيث سقط واحد من هذه الشروط - شروط الوجوب - إن صح جعلها شروطا لوجوبها، والظاهر ان المؤلف أساء العبارة إذا أوهم انها شروط للوجوب، وكان الاصح ان الزكاة تجب في المال كما تجب الدية وكما يجب العوض وكما يجب الثمن مثلا، وان ولى الصبى أو المجنون مكلف باخراجها من مال محجوره، وان ولى الامر يجب عليه استيفاؤها من المال، وهذا هو التحقيق، وهو الذى لجأ إليه المؤلف اخير فيما سيأتي، وان حاورود أو رفى التعبير.

[ 207 ]

الحق على صاحب الارض، لا على الارض، ولا شريعة على أرض أصلا، إنما هي على صاحب الارض، قال الله تعالى: (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأيين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) فظهر كذب هذا القائل وفساد قوله * وأيضا: فلو كانت الزكاة على الارض لا على صاحب الارض لوجب أخذها في مال الكافر من زرعه وثماره، فظهر فساد قولهم. وبالله تعالى التوفيق * ولا خلاف في وجوب الزكاة على النساء كهى على الرجال * وهم مقرون بأنها قد تكون أرضون كثيرة لا حق فيها من زكاة ولا من خراج، كأرض مسلم جعلها قصبا وهى تغل المال الكثير، أو تركها لم يجعل فيها شيئا، وكأرض ذمى صالح على جزية رأسه فقط * وقد قال سفيان الثوري والحسن البصري وأشهب والشافعي إن الخراجى الكافر إذا ابتاع أرض عشر من مسلم فلا خراج فيها ولا عشر * وقد صح ان اليهود والنصارى والمجوس بالحجاز واليمن والبحرين كانت لهم ارضون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف بين أحد من الامة في انه لم يجعل عليه السلام فهيا عشرا ولا خراجا * فان ذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) فذكر (الصبى حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق) * قلنا: فأسقطوا عنهما بهذه الحجة زكاة الزرع والثمار، وأروش الجنايات، التى هي ساقطة بها بلا شك وليس في سقوط القلم سقوط حقوق الاموال. وإنما فيه سقوط الملامة، وسقوط فرائض الابدان فقط. وبالله تعالى التوفيق * فان قالوا: لانية لمجنون ولا لمن لم يبلغ، والفرائض لا تجزئ إلا بنية * قلنا: نعم، وإنما أمر بأخذها الامام والمسلمون، بقوله تعالى: (خذمن أموالهم صدقة) فإذا أخذها من أمر بأخذها بنية انها الصدقة أجزأت عن الغائب والمغمى عليه والمجنون والصغير ومن لا نية له * والعجب ان المحفوظ عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم إيجاب (1) الزكاة في مال اليتيم * روينا من طريق أحمد بن حنبل: ثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبد الرحمن بن


(1) في النسخة رقم (16) (فايجاب) بزيادة الفاء

[ 208 ]

القاسم بن محمد بن ابى بكر الصديق وايوب السختيانى ويحيى بن سعيد الانصاري أنهم كلهم سمعوا القاسم بن محمد بن ابى بكر الصديق يقول: كانت عائشة تزكى اموالنا ونحن أيتام في حجرها، زاد يحيى: وإنه ليتجر بها في البحر * ومن طريق أحمد بن حنبل: ثنا وكيع ثنا القاسم بن الفضل - هو الحدانى (1) عن معاوية بن قرة عن الحكم بن ابى العاصى الثقفى قال قال لى عمر بن الخطاب: ان عندي مال يتيم قد كادت الصدقة ان تأتى عليه * ومن طريق عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا: اخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول في الرجل يلى مال اليتيم، قال: يعطى زكاته * ومن طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن عبيدالله بن ابى رافع قال: باع على بن ابى طالب أرضا لنا بثمانين الفا، وكنا يتامى في حجره، فلما قبضنا اموالنا نقصت، فقال: إنى كنت ازكيه * وعن ابن مسعود قال: أحص ما في مال اليتيم من زكاة، فإذا بلغ، فان آنست منه رشدا فأخبره، فان شاء زكى وان شاء ترك * وهو قول عطاء وجابر بن زيد وطاوس ومجاهد والزهرى وغيرهم، وما نعلم لمن ذكرنا مخالفا من الصحابة، الا رواية ضعيفة عن ابن عباس، فيها ابن لهيعة * وقد حدثنا حمام عن ابن مفرج عن ابن الاعرابي عن الدبرى عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال يوسف بن ماهك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابتغوا في مال اليتيم لا تأكله الزكاة) (2) * والحنيفيون يقولون: المرسل كالمسند، وقد خالفوا ههنا المرسل وجمهور الصحابة رضى الله عنهم * 639 - مسألة - ولايجوز أخذ الزكاة من كافر * قال أبو محمد: هي واجبة عليه وهو معذب على منعها، إلا أنها لا تجزئ عنه الا أن


(1) بضم الحاء وتشد الدال المهملتين، نسبة إلى حدان بن شمس - بضم الشين المعجمة واسكان الميم - ابن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان. ولم يكن القاسم بن الفضل من بنى حدان بل هو أزدى، وانما كان نازلا بجنب بنى حدان فنسب إليهم، وكنيته أبو المغيرة (2) ورواه الشافعي من طريق ابن جريج عن يوسف نحوه مرسلا. أيضا انظر التلخيص (ص 176)

[ 209 ]

يسلم، وكذلك الصلاة ولا فرق، فإذا اسلم فقد تفضل عزوجل باسقاط ما سلف عنه من كل ذلك، قال الله تعالى: (الاأصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين) وقال عزوجل: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون) وقال تعالى: (قل: للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * قال أبو محمد: ولا خلاف في كل هذا، الا في وجوب الشرائع على الكفار، فان طائفة عندت عن القرآن والسنن، خالفوا في ذلك * 640 - مسألة - ولا تجب الزكاة إلا في ثمانية أصناف من الأموال فقط وهى: الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والابل والبقر والغنم ضأنها وما عزها فقط * قال أبو محمد: لا خلاف بين احد من أهل الاسلام في وجوب الزكاة في هذه الانواع، وفيها جاءت السنة، على ما نذكر عبد هذا ان شاء الله تعالى، واختلفوا في اشيأء مما عداها * 641 - مسألة - ولا زكاة في شئ من الثمار، ولامن الزرع، ولا في شئ من المعادن، غير ما ذكرنا، ولا في الخيل، ولا في الرقيق، ولافى العسل، ولا في عروض التجارة، لا على مدير (1) ولا غيره * قال أبو محمد: اختلف السلف في كثير مما ذكرنا، فأوجب بعضهم الزكاة فيها، ولم يوجبها بعضهم (2)، واتفقوا في أصناف سوى هذه أنه لا زكاة فيها * فمما اتفقوا على انه لا زكاة فيه كل ما اكتسب للقنية لا للتجارة، من جوهر، وياقوت، ووطاء، وعطاء، وثياب، وآنية نحاس أو حديد أو رصاص أو قزدير، وسلاح، وخشب، ودور (3) وضياع، وبغال، وصوف، وحرير وغير ذلك كله لا تحاش شيئا * وقالت طائفة: كل ما عمل منه خبز أو عصيدة ففيه الزكاة، وما لم يؤكل الا تفكها فلا زكاة فيه، وهو قول الشافعي *


(1) في النسخة رقم (16) (ولا على مدير) والسياق يأبى زيادة الواو. وبحاشية النسخة رقم (14) ما نصه: (المدير الذى يدير النصاب قبل حلول الحول) (2) في النسخة رقم (16) (فأوجب بعضهم الزكاة فيما لم يوجبها بعضهم) (3) في النسخة رقم (14) (ودروع) بدل الدور وما هنا أحسن، فالدور أنسب لذكرها مع الضياع. (م 27 - ج 5 المحلى)

[ 210 ]

وقال المالك: الزكاة واجبة في القمح والشعير والسلت (1)، وهى كلها صنف واحد، قال: وفى العلس (2)، وهو صنف منفرد، وقال مرة اخرى: انه يضم إلى القمح والشعير والسلت، قال: وفى الدخن، وهو صنف منفرد، وفى السمسم، والارز، والذرة، وكل صنف منها منفرد لا يضم إلى غيره، وفى الفول، والحمص (3) واللوبيا والعدس والجلبان (4) والبسيل (5) والترمس وسائر القطنية (6)، وكل ما ذكرنا فهو صنف واحد يضم بعضه إلى بعض في الزكاة * قال: وأما في البيوع فكل صنف منها على حياله، إلا الحمص واللوبيا فانهما صنف واحد * ومرة رأى الزكاة في حب العصفر، ومرة لم يرها فيه، وأوجب الزكاة في زيت الفجل (7)، ولم ير الزكاة في زريعة الكتان، (8) ولا في زيتها، ولا في الكتان ولا في الكر سنة (9)، ولا في الخضر كلها (10)، ولافى اللفت * ورأى الزكاة في الزبيب وفى زيت الزيتون لا في حبه، ولم يرها في شئ من الثمار، لافى تين ولا بلوط ولا قسطل ولا رمان ولا جوز الهند ولا جوز ولالوز، ولا غيرذلك أصلا *


(1) سيأتي الكلام عليه بعد قليل (2) بالعين المهملة واللام المفتوحتين وبعدها سين مهملة: هو نوع جيد من القمح، وقيل: هو ضرب من القمح يكون في الكمام منه حبتان يكون بناحية وهو طعام أهل صنعاء، وقال ابن الاعرابي: العدس يقال له العلس قاله في اللسان. (3) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم المفتوحة وكسرها أيضا ففيه لغتان (4) بضم الجيم وضم اللام وتشديد الباء الموحدة، وباسكان اللام وتخفيف الباء، وهو حب أغبرأ كدر على لون الماش إلا أنه أشد كدرة منه وأعظم جرما، وهو يطبخ. قاله في اللسان ووصفه داود في التذكرة وصفا مفصلا (5) هكذا في الاصلين، والذى في اللسان أن البسيلة الترمس. (6) بكسر القاف اسكان الطاء المهملة وتخفيف الياء المثناة، ويجوز تشديدها، وبضم القاف مع تشديد الياء فقط، هي واحدة القطانى، وهى الحبوب التى تدخر كالحمص والعدس والترمس والارز وغيرها وهى ما كان سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر (7) بضم الفاء والجيم وباسكان الجيم أيضا (8) الزريعة الشئ المزروع فالمراد نفس نبات الكتان لابزره (9) بسكر الكاف واسكان الراء وكسر السين المهملة وفتحها مع تشديد النون المفتوحة: نبات له حب في غلف تعلفه الداوب، وصفته مفصلة عند داود (10) في النسخة رقم (14) تقديم وتأخير في هذه الاصناف وزيادة (ولا في القطن)

[ 211 ]

وقال أبو حنيفة: الزكاة في كل ما أنبتت الارض من حبوب أو ثمار أو نوار (1) لا تحاش شيئا، حتى الورد، السوسن، والنرجس وغير ذلك، حاشا ثلاثة أشياء فقط، وهى: الحطب، والقصب، الحشيش فلا زكاة فيها، واختلف قوله في قصب الذريرة، (2)، فمرة رأى فيها الزكاة ومرة لم يرها فيها * وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا زكاة في الخضر كلها، ولا في الفواكه، وأوجبا الزكاة في الجوز، واللوز، والتين، وحب الزيتون، والجلوز (3) والصنوبر والفستق والكمون والكرويا (4) والخردل والعناب وحب البسباس (5) وفى الكتان، وفى زريعته أيضا، وفى حب العصفر وفى نواره، وفى حب القنب (6) لا في كتانه، وفى الفوه (7)، إذا بلغ كل صنف مما ذكرنا خمسة أوسق، والا فلا، واوجبا الزكاة في الزعفران وفى القطن والورس * ثم اختلفا * فقال ابو يوسف: إذا بلغ ما يصاب من احد هذه الثلاثة ما يساوى خمسة اوسق من قمح أو شعير أو من ذرة أو من تمر أو من زبيب - احد هذه الخمسة فقط، لامن شئ غيرها -: ففيه الزكاة وان نقص عن قيمة خمسة أوسق من احد ما ذكرنا فلا زكاة فيه * وقال محمد بن الحسن: ان بلغ ما يرفع (8) من الزعفران خمسة أمنان - وهى عشرة أرطال - ففيه الزكاة وإلا فلا، وكذلك الورس، وإن بلغ القطن خمسة أحمال - وهى ثلاثة


(1) بضم النون وتشديد الواو المفتوحة: هو الزهر (2) بفتح الذال المعجمة وكسر الراء وبعد الياء راء ثانية وهى: فتات من قصب الطيب الذى يجاء به من الهند يشبه قصب النشاب. قاله في اللسان (3) بكسر الجيم وتشديد اللام المفتوحة واسكان الواو وآخره زاى، وهو: البندق، وهو عربي حكاه سيبويه. (4) الكرويا والكروياء معروفة، بفتح الراء واسكان الواو وليس بينهما شئ، وحكاها بعضهم بوزن زكريا مقصورا (5) البسباس والبسبساسة بفتح الباء بقل طيب الريح يشبه طعمه طعم الجزر (6) بفتح القاف وكسرها مع تشديد النون المفتوحة: نبات يفتل من لحائه حبال وخيطان (7) الفوه والفوة، بضم الفاء وفتح الواو المشددة وبالهاء أو التاء: عروق دقاق: طوال حمر يصبغ ويداوى بها (8) يعنى ما تغله الا رض، يقال: جاء زمن الرفاع - بكسر الراء وفتحها - وهو اكتاز الزرع ورفعه بعد الحصاد *

[ 212 ]

آلاف رطل فلفلية (1) ففيه الزكاة، وإلا فلا * واتفقا على أن حب العصفر إن بلغ خمسة أوسق زكى هو ونواره، وإن نقص عن ذلك لم يزك لاحبه ولا نواره * واختلفا في الاجاص (2) والبصل والثوم والحناء، فمرة اوجبا فيها الزكاة، ومرة أسقطاها. وأسقطا الزكاة عن خيوط القنب وعن حب القطن، وعن البلوط والقسطل والنبق (3) والتفاح والكمثرى والمشمش والهليلج (4) والبطيخ والقثاء واللفت والتوت والخروب والحرف (5) والحلبة والشونيز (6) والكراث * وقال أبو سليمان داود بن على وجمهور أصحابنا: الزكاة في كل ما أنبتت الارض، وفى كل ثمرة، وفى الحشيش وغير ذلك، لاتحاش شيئا، قالوا: فما كان من ذلك يحتمل الكيل لم تجب فيه زكاة حتى يبلغ الصنف الواحد منه خمسة اوسق فصاعدا، وما كان لا يحتمل ففى قليله وكثيره الزكاة * وروينا أيضا عن السلف الاول أقوالا * فروى عن ابن عباس: انه كان يأخذ الزكاة من الكراث * وعن ابن عمر: انه رأى الزكاة في السلت * وعن مجاهد وحماد بن ابى سليمان وعمر بن عبد العزيز وابراهيم النخعي إيجاب الزكاة في كل ما اخرجت الارض، قل أو كثر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وابراهيم وحماد بن ابى سليمان في غاية الصحة *


(1) بحاشية النسخة رقم (14) في (ص 251 منها) - بعد نيف وثلاثين صفحة عند الكلام على تفسير المد - ما نصه: (الرطل الفلفلى هو الرطل البغدادي، قال أبو عبيد: وزنته عندهم ثمانية وعشرون درهما ومائة درهم كيلا) (2) بكسر الهمزة وتشديد الجيم، ويفهم من كلام داود أنه فاكهة من أنواعها الخوخ والبرقوق وغيرهما (3) في النسخة رقم (16) (والتين) وهو خطأ (4) بفتح الهاء وكسر اللامين بينهما ياء، ويقال إهليلج وإهليلجة بزيادة همزة مكسورة في أولهما وفتح اللام الثانية فيهما ولايجوز كسرها فيهما، قال في اللسان (عقير من الادوية معروف وهو معرب؟) ولم يفسره داود بأكسر من هذا (5) بضم الحاء المهملة واسكان الراء، وهو حب الرشاد (6) بضم الشين وكسر النون، ويقال (الشينيز) بكسر الشين، وهو الحبة السوداء *

[ 213 ]

رواه عن عمر بن عبد العزيز معمر عن سماك بن الفضل عنه * ورواه عن ابراهيم وكيع عن سفيان الثوري عن منصور عنه، وأنه قال: في عشر دستجات بقل دستجة (1) * ورواه عن حماد بن ابى سليمان شعبة * وروينا عن الزهري وعمر بن عبد العزيز إيجاب الزكاة في الثمار عموما، دون تخصيص * بعضها من بعض * وعن الزهري إيجاب الزكاة في التوابل والزعفران عشر ما يصاب منها * وعن ابى بردة بن ابى موسى إيجاب الزكاة في البقول * قال أبو محمد: أما ما روى عن ابن عمر رضى الله عنه من ايجاب الزكاة في السلت فانه قدر انه نوع من القمح، وليس كذلك، وان كان القمح يستحيل في بعض الارضين سلتا، فان اسمهما (2) عند العرب مختلف، وحدهما في المشاهدة مختلف، فهما صنفان بلا شك (3) وقد يستحيل العصير خمرا ويستحيل الخمر خلا وهى أصناف مختلفة بلا خلاف، ولم يأت قط برهان من نص ولا من اجماع ولامن معقول على أن ما استحال إلى شئ آخر فهما نوع واحد، ولكن إذا اختلف الاسماء لم يجز أن يوقع حكم ورد في اسم صنف ما على ما لا يقع عليه ذلك الاسم، لقول الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) ولو كان ذلك لوجب ان يوقع على غير السارق حكم السارق، وعلى غير الغنم حكم الغنم وهكذا (4) في كل شئ (5) * وروينا في ذلك أثرا لا يصح، من طريق ابن لهيعة، وهو ساقط، عن عمارة بن غزية وهو ضعيف (6)، عن عبد الله بن أبى بكر بن عمر وبن حزم: (إن هذا كتاب رسول الله


(1) بفتح الدال واسكان السين المهملتين وفتح التاء والجيم، وهى الحزمة، فارسي معرب (2) في الاصلين (اسمها) وهو خطأ ظاهر (3) السلت بضم السين المهملة واسكان اللام - نوع من الشعير لاقشر له يكون بالغور والحجاز يتبردون بسويقه في الصيف، هكذا في اللسان، ورجحه على قول من زعم أنه نوع من الحنطة، وكذلك قال داود: انه نوع من الشعير وانه ينبت بالعراق واليمن وينزع من قشره كالحنطة وانه أجود ما يؤكل مطبوخا باللبن ويسمن تسمينا عظيما (4) في النسخة رقم (14) (وهذا) (5) هذه مغالطة غريبة (6) غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاى وتشديد الياء المفتوحة، وعمارة هذا تابعي ثقة، قال الذهنى في الميزان (ما علمت أحدا ضعفه سوى ابن حزم)

[ 214 ]

صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: في النخل، والزرع قمحه وسلته وشعيره فيما سقى من ذلك بالرشاء (1) نصف العشر) وذكر الحديث (2) * وهذه صحيفة لا تسند، وقد خالف خصومنا أكثر ما في هذه الصحيفة * وأما قول الشافعي فانه حد حدا فاسدا لا برهان على صحته، لامن قرآن ولا من سنة ولا من إجماع ولامن قول صاحب ولا من قياس، وما نعلم أحدا قاله قبله، وما كان هكذا فهو ساقط لا يحل القول به * والعجب انه قاس على البر والشعير كل ما يعمل منه خبز أو عصيدة، ولن يقس على التمر والزبيب كل ما يتقوت من الثمار!، فان البلوط والتين والقسطل وجوز الهند أقوى وأشهر في القوت من الزبيب بلا شك فما علمنا بلدا يكون قوت أهله الزبيب صرفا ونعلم بلادا ليس قوتها إلا القسطل وجوز الهند والتين صرفا، وكذلك البلوط، وقد يعمل منه الخبز والعصيدة، فظهر فساد هذا القول * وأما قول مالك فأشد وأبين في الفساد، لانه إن كانت علته التقوت، فان القسطل والبلوط والتين وجوز الهند واللفت بلاشك أقوى في التقوت من الزيت ومن الزيتون ومن الحمص ومن العدس ومن اللوبياء * والعجب كله إيجابه الزكاة في زيت الفجل وهو لا يؤكل، وانما هو للوقيد (3) خاصة ولا يعرف إلا بأرض مصر فقط، أخبرني ثقة في نقله وتمييزه أن المسمى بمصر فجلا * (هامش) (1) الرشاء بكسر الراء بالمدحبل الدلو. والمراد هنا ما سقى بآلة من آلات السقى (2) كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم سبق أن ذكرنا في المسألة (116) (ج 1 ص 81 و 82) أنه كتاب صحيح وذكرنا اسناده من المستدرك للحاكم، وهذه القطعة التى هنا ليست في المستدرك بهذا اللفظ، ولكن فيه (وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار ما سقت السماء أو كان سحا أو بعلا ففيه العشر إذا بلغت خمسة أوسق، وما سقى بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق) وقد ورد هذا المعنى باسناد صحيح جدا عند الدار قطني (ص 215) من طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: (كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن) الخ وأرجو أن أوفق إلى جمع كل أسانيد هذا الاثر الجليل وكل ألفاظه وأحققها تحقيقا شافيا باذن الله. (3) الوقيد بالياء أحد مصادر (وقد) *

[ 215 ]

يعمل منه الزيت الذى رأى مالك فيه الزكاة -: هو النبات المسمى عندنا بالاندلس (اللبشتر) (1) وهو نبات صحراوي لا يغترس أصلا * ولم ير الزكاة في زيت زريعة الكتان، ولا في زيت السمسم، وزيت الجوز، وزيت الهركان وزيت الزنبوج (2) وزيت الضرو، (3) وهذه تؤكل ويوقدبها، وهى زيوت خراسان والعراق وأرض المصامدة وصقلية * ولا متعلق لقوله في قرآن ولافى سنة صحيحة ولا في رواية سقيمة، ولا من دليل إجماع ولا من قول صاحب ولامن قياس، ولا من عمل أهل المدينة، لان اكثر ما رأى فيه الزكاة ليس يعرف بالمدينة، وما نعرف هذا القول عن أحد قبله، فظهر فساد هذا القول جملة، وبالله تعالى التوفيق * والعجب كل العجب أن مالكا والشافعي قالا نصا عنهما: إن قول الله تعالى (وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) إنما أراد به الزكاة الواجبة! * قال أبو محمد: فكيف تكون هذه الآية انزلها الله تعالى في الزكاة عندهما، ثم يسقطان الزكاة عن أكثر ما ذكر الله تعالى فيها باسمه، من الرمان وسائر ما يكون في الجنات؟ وهذا عجب لا نظير له؟ * واحتج بعضهم بأنه انما أوجب الله تعالى الزكاة فيها فيما يحصد * فقيل للمالكيين: فمن أين اوجبتم الزكاة في الزيتون وهو عندكم لا يحصد؟ * ويقال للشافعيين: من لكم بأن الحصاد لا يطلق على غير الزرع؟ والله تعالى ذكر منازل الكفار فقال: (منها قائم وحصيد) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: (احصدوهم حصدا * واما قول ابى يوسف ومحمد فأسقط هذه الاقول (4) كلها وأشدها تناقضا، لانهما


(1) ضبطت هذه الكلمة بالقلم في النسخة رقم (14) بفتح اللام وكسر الباء الموحدة واسكان الشين المعجمة وفتح التاء المثناة، ولم أصل إلى تحقيقها، ولعلها كلمة اسبانية مما عرب بعد فتح الاندلس (2) الهر كان والزنبوج لن اعرفها (3) بكسر الضاد واسكان الراء وآخره واو، هو من شجر الجبال كالبلوط العظيم، حقق داود ان صمغه هو المعروف بالحصى لبان الجاوى انظر اللسان والتذكرة (4) في بعض النسخ (فأسقط من هذه الاقوال) وما هنا اصح وأنسب للسياق *

[ 216 ]

لم يلتزما التحديد با يتقوت، ولا بمال يكال، ولا بما يؤكل ولا بما يبس، ولا بما يدخر، وأتيا بأقوال في غاية الفساد، فأوجبا الزكاة في الجوز واللوز والجلوز والصنوبر، واسقطاها عن البلوط والقسطل واللفت واوجباها في البسباس، وأسقطاها عن الشونيز، وهما اخوان وأوجباها - في بعض الاقول - في الثوم، والبصل وأسقطاها عن الكراث، وأوجباها في خيوط الكتان وحبه، وأوجباها (1) في حب العصفر ونواره، وأوجباها في خيوط القطن دون حبه، وأوحباها في حب القنب وأسقطاها عن خيوطه، وأوجباها في الخردل وأسقطاها عن الحرف، وأوجباها في العناب، وأسقطاها عن النبق، وهما أخوان، وأوجباها في الرمان، وأسقطاها عن التفاح والسفرجل وهى (2) سواء * فان قيل: الرمان مذكور في الآية. قيل: والزرع مذكور في الآية * وقد أسقطا الزكاة عن أكثر ما يزرع * وهذه وساوس تشبه ما يأتي به الممرور (3) ومالهما متعلق لامن قرآن ولا من سنة ولامن رواية ضعيفة، ولا من قول صاحب، ولا قياس، ولا رأى سديد، وما نعلم أحدا قال بذلك قبلهما، فسقط هذا القول الفاسد أيضا جملة * أما قول أبى حنيفة فلا متعلق له بالقرآن، ولا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر) لانه قد اخرج من جملة ذلك القصب والحشيش وورق الثمار كلها، وهذا تخصيص لما احتج به، بلا برهان من نص ولامن اجماع، ولا من قياس ولا من رأى له وجه يعقل، مع خلافه للسنة، فخرج أيضا هذا القول عن الجواز (4). وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: فلم يبق إلا قول اصحابنا وقولنا: فنظرنا في ذلك، فوجدنا اصحابنا يحتجون بالآية المذكورة وبالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (فيما سقت السماء العشر)، لاحجة لهم غير هذين النصين، * فوجدنا الآية لا متعلق لهم بها لوجوه * احدها: ان السورة مكية، والزكاة مدنية بلا خلاف من احد من العلماء فبطل ان تكون أنزلت في الزكاة *


(1) في النسخة رقم (14) (واختلفا) وهو خطأ، فقد سبق ان نقل المؤلف عنهما إيجابها في حب العصفر ونواه (2) في النسخة رقم (16) (وهما وهو خطأ، إذا المراد ان الرمان والتفاح والسفرجل سواء (3) هو الذى غلبت عليه المرة (4) في النسخة رقم (14) (على الجواز)

[ 217 ]

وقال بعض المخالفين: نعم هي مكية، إلا هذه الآية وحدها، فانها مدنية * قال أبو محمد: هذه دعوى بلا برهان على صحتها، وتخصيص بلا دليل، ثم لو صح لما كانت لهم في ذلك حجة، لان قائل هذا القول زعم انها انزلت في شأن ثابت بن قيس ابن الشماس رضى الله عنه، إذ جد ثمرته فتصدق منها حتى لم يبق له منها شئ (1)، فبطل ان يكون اريد بها الزكاة * والثانى: قوله تعالى فيها: (وآتوا حقه يوم حصاده) ولا خلاف بين أحد من الامة في ان الزكاة لا يجوز إيتاؤها يوم الحصاد، لكن في الزرع بعد الحصاد، والدرس والذرو، والكيل، وفى الثمار بعد اليبس والتصفية والكيل، فبطل ان يكون ذلك الحق المأمور به هو الزكاة التى لا تجب إلا بعد ما ذكرنا * والثالث: قوله تعالى في الآية نفسها: (ولا تسرفوا) ولا سرف في الزكاة، لانها محدودة، لا يحل أن ينقص منها حبة ولا تزاد أخرى (2) * فان قيل: فما هذا الحق المفترض في الآية؟ * قلنا: نعم، هو حق غير الزكاة، وهو ان يطعى الحاصد حين الحصد ما طابت به نفسه ولابد، لاحد في ذلك، هذا ظاهر الآية، وهو قول طائفة من السلف * كما حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن دحيم ثنا ابراهيم بن حماد ثنا اسماعيل ابن اسحاق القاضى ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن اشعث - هو ابن عبد الملك - عن محمد بن سيرين وعن نافع عن ابن عمر في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: كانوا يعطون من اعتربهم (3) شيئا سوى الصدقة * وبه إلى اسماعيل بن اسحاق قال: ثنا محمد بن ابى بكر - هو المقدمى - ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن سفيان الثوري عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي في


(1) هذا رواه الطبري في التفسير (ج 8 ص 45) عن ابن جريج مرسلا، وكذلك نسبه السيوطي في الدر المنثور (ج 3 ص 49) إليه والى ابن أبى حاتم، ولا حجة في مثل هذا (2) أي على انها من المفروض، وإلا فالتطوع بالزيادة لا خلاف في جوازه (3) يقال (اعتره واعتربه) إذا أتاه فطلب معروفه. وهذا الاثر رواه يحيى بن آدم في الخراج رقم (412) عن حفص وعبد الرحيم عن أشعث بهذا الاسناد. ورواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (م 28 - ج 5 المحلى)

[ 218 ]

قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاه) قال: يعطى نحوا من الضغث * ومن طريق جرير عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال إذا حصدت وحضرك المساكين طرحت لهم منه وإذا طيبت طرحت لهم منه، وإذا نقيته وأخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته، وإذا أخذت في جداد النخل (1) طرحت لهم من الثفاريق (2) والتمر، وإذا اخدت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته * وعن مجاهد ايضا: هذا واجب حين يصرم * وعن أبى العالية في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاه) قال: كانوا يعطون شيئا غير الصدقة * وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: يمر به الضعيف والمسكين فيعطيه حتى يعلم ما يكون * وعن جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جده: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: بعد الذى يجب عليه من الصدقة يعطى الضغث (3) والشئ * وعن الربيع بن أنس: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: لقاط السنبل * وعن عطاء في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: شئ يسير سوى الزكاة المفروضة *


(ص 139) من طريق حفص وفيه (أنبأنا شعيب عن نافع عن ابن عمر) والظاهر أن قوله (شعيب) خطأ صوابه (أشعث) وروى الطبري (ج 8 ص 42) معناه باسنادين. ووقع في الخراج (من اعتراهم) وقد ظهر لنا الآن أنه خطأ وان صوابه (من اعتربهم) كما في الدر المنثور أيضا (ج 3 ص 49) وكما في بعض الفاظ الطبري عن ابن عمر (يطعم المعتر) (1) الجداد بفتح الجيم وكسرها وبالدالين المهملتين، كما في النسخة رقم (14) وفى النسخة رقم (16) بالمعجمتين وكذلك في كثير من كتب السنة، وهو تصحيف، ولم تذكر هذه الكلمة في كتب اللغة الا في مادة (ج د د) وليس لها في مادة (ج ذذ) (2) بالثاء المثلثة جمع ثفروق وهو قمح البسرة والتمرة، والمراد هنا العناقيد يخرط ما عليها فتبقى عليها التمرة والتمرتان والثلاث يخطئها المخلب فتلقى للمساكين قاله في اللسان، والاثر رواه يحيى بن آدم رقم (403) والطبري (ج 8 ص 41) ووقع في الاصلين (التفاريق) بالمثناة وهو تصحيف (3) أي الحزمة *

[ 219 ]

ولا يصح عن ابن عباس انها نزلت في الزكاة، لانه من رواية الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، ومن طريق مقسم، وهو ضعيف * ومن ادعى أنه نسخ لم يصدق الا بنص متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فما يعجز أحد عن ان يدعى في أي آية شاء وفى أي حديث شاء أنه منسوخ، ودعوى النسخ إسقاط لطاعة الله تعالى فيما أمر به من ذلك النص، وهذا لا يجوز الا بنص مسند صحيح * وأما قول (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية (2) نصف العشر) فهو خبر صحيح، لو لم يأت ما يخصه لم يجز خلافه لاحد * لكن وجدنا ما حدثناه عبد الله بن يوسف وأحمد بن محمد الطلمنكى، قال عبد الله: ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، وعمر والناقد، وزهير بن حرب، قالوا كلهم: ثنا وكيع، وقال الطلمنكى: ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الرقى ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا احمد بن الوليد العدنى ثنا يحيى بن آدم، ثم اتفق وكيع ويحيى، كلاهما عن سفيان الثوري عن اسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أو ساق (3) تمر ولا حب صدقة) قال وكيع في روايته: (من تمر) واتفقا فيما عدا ذلك (4) * قال أبو محمد: وهذا إسناده في غاية الصحة، فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة عن كل ما دون خمسة أو ساق (5) من حب أو تمر * ولفظة (دون) في اللغة العربية تقع على معنيين، وقوعا مستويا، ليس أحدهما اولى من الآخر وهما بمعنى: أقل، وبمعنى: غير، قال عزوجل: (ألا تتخذوا من دوني وكيلا) أي من غيرى، وقال عزوجل: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم) أي من غيرهم، وحيثما وقعت لفظة (دون) في القرآن فهى بمعنى غير، فلا يجوز لاحد ان يقتصر بلفظة (دون)


(1) في النسخة رقم (14) (فأما) (2) هي شئ يتخذ من خوص وخشب يستقى به بحبال تشد في رأس حذع طويل. قاله في اللسان (3) في النسخة رقم (14) (أوسق وكلاهما جمع صحيح، وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1 ص 267) (4) هو في الخراج ليحيى برقم 440 بهذا الاسناد ولكن لفظه: (لاصدقة في حب ولا تمر دون خمسة أوسق) (5) في النسخة رقم (14) (أوسق)

[ 220 ]

في هذا الخبر على معنى: أقل دون معنى: غير، ونحن إذا حملنا (دون) ههنا على معنى غير دخل فيه أقل، وتخصيص اللفظ بلا برهان من نص لا يحل، * فصح يقينا أنه لا زكاة غير خمسة أوسق من حب أو تمر، ووجبت الزكاة فيما زاد على خمسة اوسق بنص قول (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالاجماع المتيقن على ذلك، وكذلك في الابل والبقر والغنم والذهب والفضة بالاجماع المتيقن والنص أيضا، وسقطت الزكاة عما عدا ذلك مما اختلف فيه ولا نص فيه، بنفى النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة عن كل ما هو غير خمسة اوسق من حب أو تمر، (2) * ثم وجب ان ننظر ما يقع عليه اسم (حب) في اللغة التى بها خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم * فوجدنا ما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات ثنا احمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمى (3) عن عطاء بن السائب عن أبيه عن سعيد بن جبير عن أبن عباس في قول الله تعالى: (حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا) قال ابن عباس: الحب البر، والقضب الفصفصة (4)، فاقتصر ابن عباس - وهو الحجة في اللغة - بالحب على البر * وذكر أبو حنيفة أحمد بن داود الدينورى اللغوى في كتابه في النبات، وفى باب ترجمته (باب الزرع والحرث وأسماء الحب والقطاني وأوصافها) فقال: قال أبو عمرو - هو الشيباني -: جميع بزور النبات يقال لها (الحبة) بكسر الحاء * قال أبو محمد: كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل) * قال أبو حنيفة الدينورى في الباب المذكور: وقال الكسائي: واحد الحبة حبة بفتح


(1) في النسخة رقم (16) (فعل) وهو خطأ (2) كل هذا تكلف من ابن حزم ولا معنى له ولا دليل عليه. وزعمه ان (دون) في الحديث بمعنى غير زعم ليس صحيحا، بل سياق ألفاظ الحديث على اختلاف رواياته يدل على ان المراد به (أقل) بل جاء في بعض ألفاظه الموقوفة على الصحابة الذين رووه (3) بفتح العين المهملة وتشديد الميم المكسورة، نسبه إلى (العم) وهو بطن من تميم (4) بفاءين مكسورتين بينهما صاد مهملة ساكنة وبعدهما صاد مهملة مفتوحة، وهى الرطبة وقيل القت، جمعها فصافص يفتح الفاء الاولى.

[ 221 ]

الحاء، فأما الحب فليس إلا الحنطة والشعير وأحدها حبة، بفتح الحاء، وإنما افترقتا في الجمع. ثم ذكر أبو حنيفة بعد هذا الفصل - إثر كلام ذكره لانى نصر صاحب الاصمعي -: كلاما نصه: وكذلك غيره من الحبوب كالارز، والدخن * قال على: فهذه ثلاثة جموع: الحب للحنطة والشعير خاصة، والحبة - بكسر الحاء وزيادة الهاء في آخرها - لكل ما عداهما من البزور خاصة، والحبوب للحنطة والشعير وسائر البزور. والكسائي امام في اللغة وفى الدين والعدالة * فإذ قد صح ان الحب لا يقع الا على الحنطة والشعير في لغة العرب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا بنفى الزكاة عن غيرهما وغير التمر -: فلا زكاة في شئ من النبات غيرهما وغير التمر * وقد روى من لا يوثق به عمن لا يوثق به ولا يدرى من هو عمن لا يوثق به -: ايجاب الزكاة في الحبوب، وهو عبد الملك بن حبيب الاندلسي عن الطلحى (1) عن عبد الرحمن ابن زيد بن اسلم وهو أيضا منقطع * قال أبو محمد: وقال قوم من السلف بمثل هذا، وزادوا إلى هذه الثلاثة الزبيب * كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن عمرو بن عثمان وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله، قال عمرو: عن موسى بن طلحة بن عبيدالله: أن معاذا لما قدم اليمن لم يأخذ الصدقة إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وقال طلحة بن يحيى: عن أبى بردة بن أبى موسى الاشعري عن أبيه: أنه لم يأخذها إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا حجاج - هو ابن محمد الاعور - عن ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر في صدقة الثمار والزرع، قال: ما كان من نخل أو عنب أو حنطة أو شعير * وبه إلى أبى عبيد: ثنا يزيد عن هشام (2) - هو ابن حسان - عن الحسن البصري:


(1) بفتح الطاء المهملة واسكان اللام، نسبه إلى طلحة بن عبيدالله، والطلحى هذا هو عبد الرحمن بن صالح بن ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله، هو من اهل الصدق (2) في النسخة رقم (14) (يزيد بن هشام) الخ وهو خطأ والصواب ما هنا، فان يزيد هو ابن هارون، وهو يروى عن هشام بن حسان، وعنه أبو عبيد القاسم بن سلام.

[ 222 ]

أنه كان لا يرى العشر إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب * قال أبو عبيد: وقال يحيى بن سعيد - هو القطان - عن أشعث - هو ابن عبد الملك الحمراني - عن الحسن ومحمد بن سيرين انهما قالا: الصدقة في تسعة أشياء: الذهب والورق والابل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال أبو عبيد: وهو قول ابن أبى ليلى وسفيان الثوري * حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا حميد بن عبد الرحمن عن الحسن - هو ابن حى - عن مطرف - هو ابن طريف - قال قال لى الحكم بن عتيبة وقد سألته عن الاقطان والسماسم: أفيها صدقة؟ قال: ما حفظنا عن أصحابنا انهم (1) كانوا يقولون: ليس في شئ من هذا شئ إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب * قال أبو محمد: الحكم أدرك كبار التابعين وبعض الصحابة * وبه إلى أبى بكربن أبى شيبة ثنا وكيع عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله قال سأل عبد الحميد موسى بن طلحة بن عبيدالله عن الصدقة؟ فقال موسى: انما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب * وبه إلى أبى بكر بن أبى شيبة: ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج قال قال لى عطاء وعمروبن دينار: لا صدقة إلا في نخل أو عنب أو حب * وقد روى نحو هذا عن على بن أبى طالب * قال أبو محمد: وهو قول الحسن بن حى وعبد الله بن المبارك وابى عبيد وغيرهم * قال أبو محمد: وادعى من ذهب إلى هذا أن إيجاب الزكاة في الزبيب اجماع، وذكر آثارا ليس منها شئ يصح * أحدها من طريق موسى بن طلحة: عندنا كتاب معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه انما اخذ الصدقة من التمر والزبيب والحنطة والشعير * قال أبو محمد: هذا منقطع، لان موسى بن طلحة لم يدرك معاذا بعقله *


(1) في النسخة رقم (14) (قال: فيما حفظنا عن الصحابة انهم) الخ: ويظهر ان ما هنا أحسن لقول المؤلف بعد ان الحكم أدرك كبار التابعين وبعض الصحابة، فكأنه يدل على تفسير مراده بقوله (اصحابنا)

[ 223 ]

وآخر من طريق محمد بن ابى لبلى وهو سئ الحفظ، عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، هي صحيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (العشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير) * وخصومنا يخالفون كثيرا من صحيفة عمرو بن شعيب، ولا يرونه حجة * وآخر من طريق عبد الرحمن بن اسحاق، وعبد الله بن نافع، وكلاهما في غاية الضعف، ومن طريق محمد بن مسلم الطائفي، وهو في غاية الضعف، ومن طريق عبد الملك بن حبيب الاندلسي عن أسد بن موسى وهو منكر الحديث، عن نصربن طريف وهو أبو جزء، وهو ساقط البتة، كلهم يذكر عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد (1): أنه أمر بخرص العنب * وسعيد لم يولد الا بعد موت عتاب بسنتين وعتاب لم يوله النبي صلى الله عليه وسلم الا مكة ولا زرع بها ولاعنب * فسقط كل ما شغبوا به، ولو صح شئ من هذه الآثار لاخذنا به، ولما حل لنا خلافه، كما لا يحل الاخذ في دين الله تعالى بخبر لا يصح * وأما دعوى الاجماع فباطل * كما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم بن عتيبة عن شريح قال: تؤخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر، وكان لا يرى في العنب صدقة * وبه إلى ابى عبيد: ثنا هشيم عن الاجلح (2) عن الشعبى قال الصدقة في البر والشعير والتمر * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن بشار بندار ثنا غندر ثنا شعبة عن الحكم بن عتيبة قال: ليس في الخيل زكاة ولا في الابل العوامل زكاة، وليس في الزبيب شئ * فهؤلاء شريح، والشعبى، والحكم بن عتيبة، ولا يرون في الزبيب زكاة * قال أبو محمد: وليس إلا قول من قال بايجاب الزكاة في كل ما أنبتته الارض، على * (هامش) (1) عتاب بفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة، وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة (2) بفتح المهزة واسكان الجيم وفتح اللام وآخره حاء مهملة، وهو ابن عبد الله الكندى وانظر خراج يحيى بن آدم رقم 516 و 517 *

[ 224 ]

عموم الخبر الثابت: (فيما سقت السماء العشر) أو قولنا، وهو: لا زكاة إلا فيما أوجبها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه على ما صح عنه عليه السلام من أنه قال: (ليس فيما دون خمسة اوسق من حب ولا تمر صدقة) * وأما من أسقط من ذلك الخبر ما يقتضيه عمومه، وزاد في هذا الخبر ما ليس فيه -: فلم يتعلقوا بقرآن ولا بسنة صحيحة ولا برواية ضعيفة، ولا يقول صاحب لا مخالف له منهم، ولا بقياس ولا بتعليل مطرد، بل خالفوا ذلك، لانهم إن راعوا القوت فقد أسقطوا الزكاة عن كثير من الاقوات، وكالتين والقسطل اللبن وغير ذلك، وأوجبوه فيما ليس قوتا، كالزيت والحمص وغير ذلك مما لا يتقوت إلا لضرورة مجاعة، وان راعوا الاكل فقد أسقطوها عن كثير مما يؤكل، وأوجبها بعضهم فيما لا يؤكل، كزيت الفجل والقطن وغير ذلك، وان راعوا ما يوسق فقد أسقطوها عن كثير مما يوسق * ثم أيضا لو راعوا شيئا من هذه المعاني وطردوا أصلهم لكانوا قائلين بلا برهان، لكن بدعوى فاسدة وظن كاذب، والله تعالى يقول: (إن الظن لا يغنى من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) * فإذ لم يبق الا احد هذين القولين المذكورين فان قول من أوجب الزكاة في كل ما أنبتت الارض -: حرج شديد، وشق الانفس، وعسر لا يطاق، والاخذ بذلك الخبر تكليف ما ليس في الوسع، وممتنع لا يمكن البتة، لانه يوجب أن لا ينبت في دار أحد أو في قطعة أرض له عشب ولو أنه ورقة واحدة أو نرجسة أو فول أو غصن حرف أو بهارة (1) أو تينة واحدة -: إلا وجب عليه عشر كل ذلك أو نصف عشره وكذلك ورق الشجر والتبن حتى تبن الفول وقصب الكتان، نعم، وأصول الشجر نفسها، لان كل ذلك مما يسقيه الماء وهذا مما لا يمكن البتة، وقد قال تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وامتن تعالى علينا إذ أجابنا في دعائنا الذى أمرنا تعالى ان ندعو به فنقول: (ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يسر واولا تعسروا) * فان قيل: يفعل في ذلك ما يفعل الشريكان فيه *


(1) بفتح الباء الموحدة هو نبت طيب الريح يقال له عين البقر ينبت أيام الربيع *

[ 225 ]

قلنا: هذا لا يجوز، لان بيع أحد الشريكين من صاحبه مباح وتحليله له جائز، ولايجوز بيع الصدقة قبل قبضها، ولا التحليل منها أصلا، * فصح يقينا أن ذلك الخبر ليس على عمومه، ذا ذلك كذلك فلا ندرى ما يخرج منه إلا ببيان نص آخر فصح أن لا زكاة إلا فيما أوجبه بيان نص غيرذلك النص، أو اجماع متيقن، ولا نص ولا اجماع إلا في البر والشعير والتمر فقط. ومن تعدى هذا فانما يشرع برأيه، ويخصص الاثر بظنه الكاذب. وهذا حرام وبالله تعالى التوفيق * (وأما المعادن) فان الامة مجمعة بلا خلاف من أحد منها على أن الصفر والحديد والرصاص والقزدير لا زكاة في أعيانها، وإن كثرت، * ثم اختلفوا إذا مزج شئ منها في الدنانير والدراهم والحلى * فقالت طائفة. تزكى تلك الدنانير والدراهم بوزنها * قال أبو محمد: وهذا خطأ فاحش، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط الزكاة نصا فيما دون خمس اواقى من الورق وفيما دون مقدار مامن الذهب ولم يوجب - بلا خلاف - زكاة في شئ من أعيان المعادن المذكورة فمن أوجب الزكاة في الدنانير والدراهم الممزوجة بالنحاس أو الحديد أو الرصاص أو القزدير فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: احداهما في ايجابه الزكاة في أقل من خمس أواقى من الرقة (1) والثانية في ايجابه الزكاة في اعيان المعادن المذكورة * وأيضا: فانهم تناقضوا إذ أوجبوا الزكاة في الصفر والرصاص والقزدير والحديد إذا مزج شئ منها بفضة أو ذهب وأسقطوا الزكاة عنها إذا كانت صرفا وهذا تحكم لا يحل * وأيضا: فنسألهم عن شئ من هذه المعادن مزج بفضة أو ذهب فكان الممزوج منها اكثر من الذهب ومن الفضة؟ ثم لانزال نزيدهم إلى ان نسألهم عن مائتي درهم في كل درهم فلس فضة فقط وسائرها نحاس؟ فان جعلوا فيها الزكاة أفحشوا جدا، وان اسقطوها سألناهم عن الحد الذى يوجبون فيه الزكاة والذى يسقطونها فيه؟ فان حدوا في ذلك حدا زادوا في التحكم بالباطل، وان لم يحدوا واحدا كانوا قد خلطوا ما يحرمون بما يحلون، ولم يبينوا الا نفسهم ولا لمن اتبعهم الحرام فيجتنبوه، من الحلال فيأتوه! * قال أبو محمد: والحق من هذا هو أن الاسماء في اللغة والديانة واقعة على المسميات بصفات محمولة فيها، وفللفضة صفاتها التى إذا وجدت في شئ سمى ذلك الشئ فضة،


(1) الرقة بالتخفيف الدراهم * (م 29 - ج 5 المحلى)

[ 226 ]

وكذلك القول في اسم الذهب، واسم النحاس واسم كل مسمى في العالم. وأحكام الديانة إنما جاءت على الاسماء، فللفضة حكمها، وللذهب حكمه، وللنحاس حكمه، وكذلك كل اسم في العالم. فإذا سقط الاسم الذى عليه جاء النص بالحكم سقط ذلك الحكم وانتقل المسمى إلى الحكم الذى جاء في النص على الاسم الذى وقع عليه، كالعصير والخمر والخل والماء والدم واللبن واللحم والآنية والدنانير، وكل ما في العالم. * فان كان المزج في الفضة أو الذهب لا يغير صفاتهما - التى ما دامت فيها سميا فضة وذهبا - فهى فضة وذهب، فالزكاة فيهما. * وإن كان المزج في الفضة أو الذهب قد غير صفاتهما - وسقط عن الدنانير والدراهم اسم فضة واسم ذهب لظهور المزج فيهما - فهو حينئذ فضة مع ذهب، أو فضة مع نحاس فالواجب أن في مقدار الفضة التى في تلك الدراهم تجب الزكاة فيها خاصة، ولا زكاة في النحاس الظاهر فيها أثره. وكذلك القول في الذهب مع ما مزج به * فان كان في الدنانير ذهب تجب في مقداره الزكاة وفضة لا تجب فيها الزكاة، فالزكاة فيما فيها من الذهب دون ما فيها من الفضة * وإن كان ما فيها من الفضة تجب فيه الزكاة وما فيها من الذهب لا تجب فيه الزكاة فالزكاة فيما فيها من الفضة دون ما فيها من الذهب * وإن كان فيها من الفضة ومن الذهب ما تجب في كل واحد منهما الزكاة زكى كل واحد منهما كحكمه لو كان منفردا * وان كان ما فيهما من الذهب ومن الفضة لا تجب فيه الزكاة لو انفرد فلا زكاة هناك أصلا * فان زاد المزج حتى لا يكون للفضة ولا للذهب هناك صفة فليس في تلك الاعيان فضة أصلا، ولا ذهب، فلا زكاة فيها أصلا، اتباعا للنص. وبالله التوفيق * وأما الخيل والرقيق فقد حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد ابن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس بن مالك: أن عمربن الخطاب كان يأخذ من الرأس عشرة (1) ومن الفرس (2) عشرة، ومن البراذين خمسة. يعنى رأس الرقيق، وعشرة دراهم، وخمسة دراهم *


(1) في النسخة رقم (16) (عشرة دراهم) وذكر الدراهم خطأ في لفظ الاثر، إذ صنيع المؤلف في تفسير العشرة يدل على انها لم تميز في الرواية (2) في النسخة رقم (16) (ومن البقر) هو خطأ صرف

[ 227 ]

حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو - هو ابن دينار - قال: إن حيى بن يعلى أخبره انه سمع يعلى بن أمية يقول: ابتاع عبد الرحمن بن أمية - اخو يعلى بن أمية - فرسا أنثى بمائة قلوص، فندم البائع، فلحق بعمر، فقال: غصبني يعلى واخوه فرسا لى فكتب عمر إلى يعلى: ان الحق بى فأتاه فأخبره الخبر، فقال عمر: إن الخيل لتبلغ عندكم هذا! فقال يعلى: ما علمت فرسا بلغ هذا قبل هذا، فقال عمر: فنأخذ من أربعين شاة شاة ولا نأخذ من الخيل شيئا؟! اخذ من كل فرس دينارا قال: فضرب على الخيل دينارا دينارا * حدثنان حمام ثنا عبد الله بن محمد الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن ابى شيبة ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن ابى حسين ان ابن شهاب أخبره أن السائب ابن اخت نمر (1) أخبره: أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقات الخيل، قال ابن شهاب: وكان عثمان بن عفان يصدق الخيل * ومن طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري: ان مروان بعث إلى أبى سعيد الخدرى: ان ابعث إلى بزكاة رقيقك فقال للرسول: إن مروان لا يعلم إنما علينا ان نطعم عن كل رأس عند كل فطر صاع تمر أن نصف صاع بر * ومن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن حمادبن ابى سليمان قال: وفى الخيل الزكاة * فذهب أبو حنيفة ومن قلده إلى ان في الخيل الزكاة. واحتجوا بهذه الآثار، وبقول الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) قالوا: والخيل أموال، فالصدقة فيها بنص القرآن، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبى صالح السمان عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الخيل لرجل أجر ولرجل ستر) فذكر الحديث، وفيه: (ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهى له ستر) * قال أبو محمد: هذا ماموه به الحنيفيون من الاحتجاج بالقرآن والسنة وفعل الصحابة وهم مخالفون لكل ذلك * أما الآية فليس فيها أن في كل صنف من أصناف الاموال صدقة وانما فيها: (خذ من أموالهم) فلو لم يرد إلا هذا النص وحده لاجزأ فلس واحد عن جميع اموال المسلم، لانه صدقة أخذت من أمواله (2) * * (هامش) (1) هو السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة، وهو صحابي، والنمر هو ابن جبل، وهو خال ابيه فعرفوا به (2) في النسخة رقم (16) (عن جميع أموال المسلمين، لانه صدقة أخذت من أموالهم) وما هنا أحسن *

[ 228 ]

ثم لو كان في الآية أن في كل صنف من أصناف الاموال صدقة - وليس ذلك فيها لا بنص ولا بدليل -: لما كانت لهم فيها حجة، لانه ليس فيها مقدار المال المأخوذ، ولا مقدار المال المأخوذ منه ولامتى تؤخذ تلك الصدقة. ومثل هذا لا يجوز العمل فيه بقول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان، قال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) * وأما الحديث فليس فيه إلا أن الله تعالى حقا في رقابها وظهورها، غير معين ولا مبين المقدار ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل باجماع منا ومنهم، فصح أن هذا الحق إنما هو على ظاهر الحديث، وهو حمل على ما طابت نفسه منها في سبيل الله تعالى، وعارية ظهورها للمضطر * وأما فعل عمرو عثمان رضى الله عنهما فقد خالفوهما، وذلك أن قول أبى حنيفة: إنه لا زكاة في الخيل الذكور ولو كثرت وبلغت ألف فرس (1) فان كات إناثا أو إناثا وذكورا سائمة غير معلوفة - فحينئذ تجب فيها الزكاة، وصفة تلك الزكاة ان صاحب الخيل مخير، ان شاء أعطى عن كل فرس منها دينارا أو عشرة دراهم، وإن شاء قومها فأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم (2) * قال أبو محمد: وهذا خلاف فعل عمر * وأيضا فقد خالفوا فعل عمر في أخذه الزكاة من الرقيق عشرة دراهم من كل رأس، فكيف يجوز لذى عقل ودين أن يجعل بعض فعل عمر حجة وبعضه ليس بحجة؟! * وخالفوا عليا في إسقاط زكاة الخيل جملة، وأتوا بقول في صفة زكاتها لا نعلم احدا قاله قبلهم. فظهر فساد قولهم جملة * وذهب جمهور الناس إلى ان لا زكاة في الخيل أصلا * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج عن ابن الاعرابي عن الدبرى عن عبد الرزاق عن معمر عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على قال: قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق * وقد صح ان عمر إنما أخذها على انها صدقة تطوع منهم لا واجبة * حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن ابن ابى خالد عن شبيل بن عوف (3) وكان قد ادرك الجاهلية - قال: أمر عمر بن الخطاب الناس بالصدقة، فقال الناس:


(1) الفرس يطلق على الذكر وعلى الانثى سواء (2) في النسخة رقم (16) (عشرة دراهم) وهو خطأ ظاهر (3) ابن ابى خالد هو اسمعيل، وشبيل بضم الشين المعجمة *

[ 229 ]

يا أمير المؤمنين، خيل لنا ورقيق، افرض علينا عشرة عشرة، فقال عمر: اما انا فلا أفرض ذلك عليكم * حدثنا حمام ثنا عباس بن اصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قرأت على أبى عن يحيى بن سعيد القطان عن زهير - هو ابن معاوية (1) ثنا أبو إسحاق - هو السبيعى - عن حارثة - هو ابن مضرب - قال: (حججت مع عمر ابن الخطاب فأتاه اشراف أهل الشأم فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا اصبنا رقيقا ودواب فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا وتكون لنا زكاة، فقال: هذا شئ لم يفعله اللذان كانا قبلى) (2) * قال أبو محمد: هذه اسانيد في غاية الصحة، والاسناد فيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من الخيل صدقة، ولا أبو بكر بعده، وان عمر لم يفرض ذلك * وان عليا بعده لم يأخذها * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب انا محمود بن غيلان ثنا أبو أسامة - هو حماد بن أسامة - ثنا سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم ابن ضمرة عن على بن ابى طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد عفوت عن الخيل، فأدوا صدقة أموالكم، من كل مائتين خمسة) * وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة إلا صدقة الفطر في الرقيق) * والفرس والعبد اسم للجنس كله، ولو كان في شئ من ذلك صدقة لما اغفل عليه السلام بيان مقدارها ومقدارما تؤخذ منه. وبالله تعالى التوفيق * وهو قول عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب و، وعطاء، ومكحول، والشعبى، والحسن، والحكم بن عتيبة، وهو فعل أبى بكر، وعمر، وعلى كما ذكرنا، وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا * وأما الحمير فما نعلم أحدا أوجب فيها الزكاة، إلا شيئا حدثناه حمام قال ثنا عبد الله


(1) في النسخة رقم (16) (عن زهير بن حرب هو ابن معاوية) وهذا خلط (2) الحديث في مسند احمد (ج 1 ص 32) وهناك خطأ في اسناده فان فيه (قرأت على يحيى بن سعيد بن زهير) والصواب (عن زهير) كما هنا. وعنده في آخره (ولكن انتظروا حتى اسأل المسلمين) ورواه أيضا عن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن ابى اسحق بنحوه (ج 1 ص 14) وروى أيضا باسناد آخر عن عمر وحذيفة (ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من الخيل والرقيق صدقة) (ج 1 ص 18) *

[ 230 ]

ابن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنابقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا جرير عن منصور عن ابراهيم النخعي، قال منصور: سألته عن الحمير أفيها زكاة؟ فقال ابراهيم: أما أنا فاشبهها بالبقر، ولا نعلم فيها شيئا * قال أبو محمد: كل ما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بزكاة محدودة موصوفة فلا زكاة فيه. ولقد كان يجب على من رأى الزكاة في الخيل بعموم قول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) أن يأخذها من الحمير، لانها أموال، وكان يلزم من قاس الصداق على ما تقطع فيه اليد أن يقيسها على الابل، والبقر، لانها ذات أربع مثلها، وان افترقت في غير ذلك، فكذلك الصداق يخالف السرقة في أكثر من ذلك * وأما العسل فان مالكا والشافعي وأبا سليمان وأصحابهم لم يروا فيه زكاة * وقال أبو حنيفة: إن كان النحل في أرض العشر ففيه الزكاة، وهو عشر ما أصيب منه، قل أو كثر، وان كان في أرض خراج فلا زكاة فيه قل أو كثر، ورأى في المواشى الزكاة، سواء كانت في أرض عشر أو في أرض خراج * وقال أبو يوسف: إذا بلغ العسل عشرة أرطال ففيه رطل واحد، وهكذا ما زاد ففيه العشر، والرطل هو الفلفلى * وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ العسل خمسة أفراق ففيه العشر، والا فلا. والفرق ستة وثلاثون رطلا فلفلية والخمسة الا فراق مائة رطل وثمانون رطلا فلفلية، قال: والسكر كذلك * قال أبو محمد أما مناقضة أبى حنيفة وايجابه الزكاة في العسل ولو أنه قطرة إذا لم يكن في أرض الخراج -: فظاهرة لاخفاء بها * وأما تحديد صاحبيه ففى غاية الفساد والخبط والتخليط، هو إلى الهزل أقرب منه إلى الجد * لكن في العسل خلاف قديم * كما روينا من طريق عطاء الخراساني: ان عمر بن الخطاب قال لاهل اليمن في العسل ان عليكم في كل عشرة افراق فرقا * ومن طريق الحارث بن عبد الرحمن (1) عن منير بن عبد الله عن ابيه عن سعد بن أبى ذباب (2)


(1) هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد - وقيل المغيرة - بن ابى ذباب، مات سنة 146 وهو ثقة (2) ذباب، بضم الذال المعجمة وبالموحدتين. وفى الاصلين (عن منير ابن عبد الله عن سعيد بن أبى ذباب) وهو خطأ، فان صوابه (سعد) وكذلك هو في كل كتب الصحابة، ثم ان منير بن عبد الله انما يروى هذا عن ابيه عن سعد بن ابى ذباب

[ 231 ]

وكانت له صحبة -: انه أخذ عشر العسل من قومه واتى به عمر، فجعله عمر في صدقات المسلمين، قال: (وقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت واستعملني على قومي، واستعملني أبو بكر بعده، ثم استعملني عمر من بعده، فقلت لقومي: في العسل زكاة، فانه لا خير في مال لا يزكى فقالوا: كم ترى؟ فقلت: العشر، فأخذته وأتيت به عمر) (1) * ومن طريق نعيم بن حماد عن بقية عن محمد بن الوليد الزبيدى عن عمرو بن شعيب عن هلال بن مرة: ان عمر بن الخطاب قال في عشور العسل: ما كان منه في السهل ففيه العشر، وما كان منه في الجبل ففيه نصف العشر * وصح عن مكحول والزهرى: ان في كل عشرة ازقاق (2) من العسل زقا. رويناه من طريق ثابتة عن الاوزاعي عن الزهري * وعن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: في كل عشرة ازق من عسل زق قال: والزق يسع رطلين * وروى أيضا من طريق لا تصح عن عمر بن عبد العزيز. وهو قول ربيعة ويحيى ابن سعيد الانصاري وابن وهب * واحتج أهل هذه المقالة بما رويناه من طريق عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال: (جاء هلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له، وسأله ان يحمى له واديا يقال له: سلبة فحماه له) (3) *


كذلك رواه عبد الله بن احمد في مسند أبيه (ج 4 ص 79) ومن طريقه ابن الاثير في اسد الغابة (ج 2 ص 276) ورواه كذلك ابن عبد البر في الاستيعاب (ص 568 و 569) ونقله ابن حجر في الاصابة ولسان الميزان وتعجيل المنفعة. ورواه ابن سعد في الطبقات مطولا (ج 4 ق 2 ص 64) عن انس بن عياض وصفوان بن عيسى كلاهما عن الحارث بن عبد الرحمن ابن ابى ذباب الدوسى عن أبيه عن سعد بن ابى ذباب، وانا اظن انه سقط عند ابن سعد ذكر (منير بن عبد الله) في الاسناد لاتفاقهم كلهم على ذكره فيه، ويؤيد وجوب زيادة (عن ابيه هنا ما سيذكره المؤلف في الكلام على هذا الاسناد * (1) في الطبقات زيادة (واخبرته بما كان فقبضه عمر فباعه، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين) (2) في النسخة رقم (16) (ارق) وهو جمع صحيح بفتح الهمزة وضم الزاى وتشديد القاف. (3) سلبة بالسين المهملة واللام والباء الموحدة المفتوحات، وهو وادلبنى متعان (بضم الميم واسكان التاء المثناة) والحديث رواه أبو داود (ج 2 ص 22) والنسائي (ج 5 ص 46)

[ 232 ]

وبما رويناه من طريق عبد الله بن محرر عن الزهري عن أبى سلمة عن ابى هريرة (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: ان يؤخذ من العسل العشور) * ومن طريق سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: (ان أبا سيارة المتعى قال للنبى صلى الله عليه وسلم: ان لى نحلا، قال. فأدمنه العشر) (1) * ومن طريق ابن جريج قال كتبت إلى ابراهيم بن ميسرة أسأله عن زكاة العسل؟ فذكر جوابه، وفيه. انه قال: ذكر لى من لا اتهم من اهلي: ان عروة بن محمد السعدى (2) قال له. انه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن صدقة العسل؟ فرد إليه عمر. قد وجدنا بيان صدقة العسل بأرض الطائف، فخذ منه العشور * قال أبو محمد: هذا كله لا حجة لهم فيه * اما حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده فصحيفة لا تصح وقد تركوها حيث لا توافق تقليدهم مما قد ذكرناه في غير ما موضع * وأما حديث أبى هريرة فمن رواية عبد الله بن محرر (3) وهو اسقط من كل ساقط متفق على اطراحه * وأما حديث ابى سيارة المتعى فمنقطع لان سليمان بن موسى لايعرف له لقاء احد من الصحابة رضى الله عنهم * وأما حديث عمربن عبد العزيز فمنقطع، لانه عمن لم يسم * وأما خبر عمربن الخطاب فلا يصح، لانه عن عطاء الخراساني عنه، ولم يدركه عطاء، وعن منير بن عبد الله عن أبيه، وكلاهما مجهول، وبعض رواته يقول: متين (4) بن عبد الله ولا يدرى من هو، وعن بقية، وهو ضعيف، ثم عن هلال بن مرة، ولا يدرى من هو * فبطل أن يصح في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ أو عن عمر، أو عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم * * (همش) (1) رواه احمد (ج 4 ص 236) وابن ماجه (ج 1 ص 287) وابن سعد (ج 7 ق 2 ص 136) والمتعى بضم الميم وفتح التاء، وقال السمعاني. (هذه النسبة إلى متع وهو بطن من فهم فيما اظن) وانا اظن انه نسبه إلى (بنى متعان) الذين منهم هلال الماضي في الحديث السابق (2) كان من عمال سليمان بن عبد الملك على اليمن واقره عمر بن عبد العزيز عليها حتى مات وكذا يزيد بن عبد الملك، ووليها عشرين سنة. (3) محرر اسم مفعول بوزن معظم (4) ضبط بالقلم في النسخة رقم (14) بضم الميم وفتح التاء المثناة واسكان الياء وآخره نون، ولا أدرى ما صحته *

[ 233 ]

قال أبو محمد: وقد عارض ذلك كله خبر مرسل أيضا * كما حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن على الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا وكيع عن سفيان عن ابراهيم بن ميسرة عن طاوس: ان معاذ بن جبل لما أتى اليمن أتى بالعسل وأوقاص (1) الغنم، فقال: لم أؤمر فيها بشئ * ولكنا لا نستحل الحجاج (2) بمرسل، لانه لا حجة فيه (3) * وبه إلى وكيع عن سفيان الثوري عن عبيدالله بن عمر (4) عن نافع قال: بعثنى عمر بن عبد العزيز إلى اليمن، فأردت ان آخذ من العسل العشر، فقال المغيرة بن حكيم الصنعانى: ليس فيه شئ، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: صدق، هو عدل رضى * قال أبو محمد: وبأن لا زكاة في العسل يقول مالك وسفيان الثوري، والحسن بن حى، والشافعي، وأبو سليمان وأصحابهم * قال على: قد قلنا: إن الله تعالى قال: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يجوز ايجاب فرض زكاة في مال لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ايجابها * فان احتجوا بعموم قول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) * قيل لهم: فأوجبوها فيما خرج من معادن الذهب والفضة، وفى القصب، وفى ذكور الخيل، فكل ذلك أموال للمسلمين، بل أوجبوها حيث لم يوجبها الله تعالى، وأسقطوها (5) مما خرج من النخل (6) والبر، والشعير، في أرض الخراج وفى الارض المستأجرة! ولكنهم قوم يجهلون! * وأما عروض التجارة فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد قوليه: بايجاب الزكاة * (هامش) (1) جمع وقص - بفتح الواو وفتح القاف - وهو ما بين الفريضتين من الابل والغنم نحو ما زاد على خمس من الابل إلى تسع وما زاد على عشر إلى أربع عشرة، فليس في هذه الزيادة صدقة (2) في النسخة رقم (16) (الاحتجاج) (3) لان رواية طاوس عن معاذ مرسلة (4) نقل نحو هذا الاثر في التهذيب (ج 10 ص 258) ولكن فيه (عبيد بن عمير) وانا ارجح انه خطأ وان الصواب ماهنا، إذ ليس في الذين يسمون (عبيد بن عمير) من روى عن نافع ولا من روى عنه الثوري (5) في النسخة رقم (16) (واسقطتموها) وهو خطأ (6) بالخاء المعجمة، وفى النسخة رقم (14) بالمهملة وهو تصحيف (م 30 - ج 5 المحلى)

[ 234 ]

في العروض المتخذ للتجارة * واحتجوا في ذلك بخبر رويناه من طريق سليمان بن موسى عن جعفر بن سعد بن سمرة ابن جندب عن خبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب (1) عن أبيه عن جده سمرة: (أما بعد، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا ان نخرج الصدقة من الذى نعد للبيع) * وبخبر صحيح عن عبد الرحمن بن عبد القارى قال: كنت على بيت المال زمان (2) عمر ابن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار ثم حسبها، غائبها وشاهدها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد * وبخبر رويناه من طريق أبى قلابة: ان عمال عمر قالوا: يا أمير المؤمنين، ان التجار شكوا شدة التقويم، فقال عمر: هاه! هاه؟ خففوا * وبخبر رويناه من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبى سلمة عن ابى عمر وبن حماس (3) عن ابيه قال: مربى عمر بن الخطاب فقال: يا حماس، أد زكاة مالك، فقلت: مالى مال الاجعاب (4) وادم (5)، فقال: قومها قيمة ثم أد زكاتها (6) * وبخبر صحيح رويناه عن ابن عباس أنه كان يقول: لا بأس بالتربص حتى يبيع، والزكاة واجبة فيه * وبخبر صحيح عن ابن عمر: ليس في العروض زكاة إلا أن تكون لتجارة * وقال بعضهم: الزكاة موضوع فيما ينمى من الاموال * ما نعلم لهم متعلقا غير هذا، وكل هذا لاحجة لهم فيه * أما حديث سمرة فساقط، لان جميع رواته - مابين سليمان بن موسى وسمرة رضى الله عنه - مجهولون لا يعرف من هم، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة، لانه ليس فيه ان تلك الصدقة هي الزكاة المفروضة، بل لو أراد عليه السلام بها الزكاة المفروضة لبين وقتها ومقدارها


(1) خبيب بضم الخاء المعجمة، وفى الاصلين بالحاء المهملة، وهو خطأ، وهذا الحديث رواه أبو داود (ج 2 ص 3) والدار قطني (ص 214) مطولا، وسكت عنه أبو داود والمنذري وحسنه ابن عبد البر، وجعفر بن سعد، وخبيب بن سليمان بن سمرة وابوه سليمان؟؟ ذكره ابن حبان في الثقات (2) في النسخة رقم (16) (زمن) (3) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم وآخره سين مهملة (4) بكسر الجيم جمع جعبة بفتحها، وهو كنانة النشاب (5) بالهمزة والدال المهملة المضمومتين ويجوز اسكان الدال، جمع (اديم) وهو الجلد (6) هذا الاثر رواه الشافعي في الام (ج 2 ص 39) ونسبه بعضهم لمالك ولاحمد ولم أجده عندهما *

[ 235 ]

وكيف تخرج، أمن أعيانها، أم بتقويم، وبماذا تقويم؟ ومن المحال ان يكون عليه السلام يوجب علينا زكاة لا يبين كم هي؟ ولا كيف تؤخذ؟ وهذه الصدقة لو صحت لكانت موكولة إلى أصحاب تلك السلع * كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمربن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا أبو معاوية عن الاعمش عن ابى وائل عن قيس بن أبى غرزة (1) قال: (مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة) * فهذه صدقة مفروضة غير محدودة، لكن ما طابت به انفسهم، وتكون كفارة لما يشوب البيع مما لا يصح، من لغو، وحلف * وأما حديث عمر فلا يصح، لانه عن ابى عمرو بن حماس عن أبيه، وهما مجهولان (2) * روينا من طريق عبد الله بن احمد بن حنبل قال: ثنا عازم بن الفضل قال سمعت أبا الأسود - هو حميد بن الاسود يقول: ذكرت لمالك بن أنس حديث ابن حماس في المتاع يزكى، عن يحيى بن سعيد؟ فقال مالك: يحيى قماش * قال أبو محمد: معناه انه يجمع القماش، وهو الكناسة أي يروى عمن لا قدر له ولا يستحق * وأما حديث أبى قلابة فمرسل، لانه لم يدرك عمر بعقله ولا بسنه * وأما حديث عبد الرحمن بن عبدالقارى فلاحجة لهم فيه، لانه ليس فيه أن تلك الاموال كانت عروضا للتجارة، وقد كانت للتجار أموال تجب فيها الزكاة، من فضة وذهب وغير ذلك ولا يحل أن يزاد في الخبر ما ليس فيه، فيحصل من فعل ذلك على الكذب * وأما حديث ابن عباس فكذلك أيضا، ولا دليل فيه على ايجاب الزكاة في عروض التجارة، وهو خارج على مذهب ابن عباس المشهور عنه في أنه كان يرى الزكاة واجبة في فائدة الذهب والفضة والماشية حين تستفاد، فرأى الزكاة في الثمن إذا باعوه * حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك ابن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبى عن عبد الصمد التنورى ثنا حماد ثنا قتادة عن جابر بن زيد أبى الشعثاء (3) عن ابن عباس: أنه قال في المال المستفاد: يزكيه حين يستفيده، وقال ابن عمر: حتى يحول عليه الحول. وقد بين هذا عطاء، وهو أكبر أصحابه،


(1) بغين معجمة ثم راء ثم زاى مفتوحات (2) كلابل هما معروفان ثقتان (3) في النسخة رقم (16) (عن جابر بن زيد بن ابى الشعثاء) وهو خطأ، بل ابو الشعثاء هو جابر بن زيد وهى كنيته *

[ 236 ]

على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى * وأما خبر ابن عمر فصحيح، إلا انه لا حجة في قول احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكم قضية خالفوا فيها عمر وابنه؟ منها للمالكيين الرواية في زكاة العسل، وللحنيفيين حكمه في زكاة الرقيق، وغير ذلك كثير جدا. ومن المحال أن يكون عمر وابنه حجة في موضع غير حجة في موضع آخر! * وأيضا: فان الحنيفيين والمالكيين والشافعيين خالفوا ما روى عن عمر وابن عمر في هذه المسألة نفسها، فمالك فرق بين المدير وغير المدير، وأسقط الزكاة عمن باع عرضا بعرض، ما لم ينض له درهم، وليس هذا فيما روى عن عمر وابنه * والشافعي يرى أن لا يزكى الربح مع رأس المال إلا الصيارفة خاصة، وليس هذا عن عمرو لا عن ابن عمر * وكلهم يرى فيمن ورث عروضا أو ابتاعها للقنية ثم نوى بها التجارة انها لا زكاة فيها ولو بقيت عنده سنين، ولا في ثمنها إذا باعها، لكن يستأنف حولا، وهذا خلاف عمر وابن عمر، فبطل احتجاجهم بهما رضى الله عنهما * وقد جاء خلاف ما روى عن عمر وابن عمر عن غيرهما (1) من الصحابة رضى الله عنهم * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى عن عبد الرزاق عن ابن جريج اخبرني نافع بن الخوزى (2) قال: كنت جالسا عند عبد الرحمن بن نافع إذ جاءه زياد البواب فقال له: إن أمير المؤمنين - يعنى ابن الزبير - يقول: أرسل زكاة (3) مالك، فقام فأخرج مائة درهم، وقال له: اقرأ عليه السلام، وقل له: انما الزكاة في الناض، قال نافع: فلقيت زيادا فقلت له: أبلغته؟ قال: نعم قلت: فماذا قال ابن الزبير؟ فقال: قال: صدق. قال ابن جريج: وقال لى عمرو بن دينار: ما أرى الزكاة الا في العين * حدثنا احمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا اسماعيل بن ابراهيم عن قطن (4) قال: مررت بواسط زمن عمر بن عبد العزيز، فقالوا: قرئ علينا كتاب أمير المؤمنين: أن لا تأخذوا من أرباح التجار شيئا حتى يحول عليها الحول (5) *


(1) في النسخة رقم (14) (وعن غيرهما) وزيادة الواو خطأ (2) هكذا هو في الاصلين بالخاء المعجمة والزاى ولم اعرفه ولم اجد له ترجمة (3) في النسخة رقم (14) (بزكاة) (4) بفتح القاف والطاء المهملة (5) في النسخة رقم (16) (بالحول) وهو خطأ.

[ 237 ]

قال أبو عبيد: وثنا معاذ عن عبد الله بن عون قال: أتيت المسجد وقد قرئ الكتاب، فقال صاحب لى: لو شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز في أرباح التجار ان لا يعرض لها حتى يحول عليها الحول * فهذا ابن الزبير، وعبد الرحمن بن نافع (1)، وعمروبن دينار، وعمر بن عبد العزيز، وقد روى أيضا عن عائشة، وذكره الشافعي عن ابن عباس، وهو احد قولى الشافعي * قال أبو محمد: وحتى لو لم يأت خلاف في ذلك لما وجبت شريعة بغير نص قرآن أو سنة ثابتة أو اجماع متيقن لا يشك في انه قال به جميع الصحابة رضى الله عنهم * وقد أسقط الحنيفيون الزكاة عن الابل المعلوفة والبقر المعلوفة وأموال الصغار كلها الا ما أخرجت ارضهم * واسقط المالكيون الزكاة عن أموال العبيد والحلى * واسقطها الشافعيون عن الحلى وعن المواشى المستعملة * وكل هذا خلاف للسنن الثابتة بلا برهان * وذكروا الخبر الذى من طريق ابى هريرة: ان عمر بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، فقال: منع العباس، وخالد بن الوليد، وابن جميل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انكم تظلمون خالدا، ان خالدا قد احتبس ادراعه وأعبده (2) في سبيل الله) * قالوا: فدل هذا على ان الزكاة طلبت منه في دروعه وأعبده، ولا زكاة فيها الا ان تكون لتجارة * قال أبو محمد: وليس في الخبر لا نص ولا دليل ولا اشارة على شئ مما ادعوه وانما فيه انهم ظلموا خالدا إذ نسبوا إليه منع الزكاة وهو قد احتبس ادراعه وأعبده في سبيل الله


(1) في النسخة رقم (16) (وعبد الله بن نافع) وهو خطأ (2) كذا في الاصلين بالباء الموحدة المضمومة جمع عبد، وهو رواية حكاها القاضى عياض في نسخ البخاري، والمشهور في رواية البخاري (واعتده) بضم التاء المثناة الفوقية، وهى جمع قلة للعتاد وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلة الحرب للجهاد، يجمع على (اعتد) بضم التاء، وعلى (أ عتدة) بكسرها مع زيادة هاء في آخره، وفى رواية مسلم من طريق على بن حفص (واعتاده) قال الدار قطني (قال احمد بن حنبل قال على بن حفص واعتاده واخطأ فيه وصحف، وانما هو اعتده) نقله في اللسان، وانظر البخاري (ج 2 ص 245) ومسلم (ج 1 ص 268) وفتح الباري (ج 3 ص 263) والعيني (ج 9 ص 47) *

[ 238 ]

فقط، وصدق عليه السلام، إذا من المحال ان يكون رجل عاقل ذودين ينفق النفقة العظيمة في التطوع ثم يمنع اليسير في الزكاة المفروضة، هذا حكم الحديث، واما إعمال الظن الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فباطل * وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ان لا زكاة في عروض التجارة، وهو أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، ولا فيما دون خمس ذودمن الابل صدقة) وانه اسقط الزكاة عما دون الاربعين من الغنم، وعما دون خمسة أوسق من التمر والحب، فمن اوجب زكاة في عروض التجارة فانه يوجبها في كل ما نفى عنه عليه السلام الزكاة مما ذكرنا * وصح عنه عليه السلام: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر) وانه عليه السلام قال: (قد عفوت عن صدقة الخيل) وأنه عليه السلام ذكر حق الله تعالى في الابل والبقر والغنم والكنز (1) فسئل عن الخيل فقال: (الخيل ثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر) فسئل عن الحمير فقال: (ما انزل على فيها شئ إلا هذه الآية الفاذة (2) الجامعة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * فمن أوجب الزكاة عن عروض التجارة فانه يوجبها في الخيل والحمير والعبيد، وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا زكاة في شئ منها إلا صدقة الفطر في الرقيق، فلو كانت في عروض التجارة أو في شئ مما ذكر عليه السلام زكاة إذا كان لتجارة -: لبين ذلك بلا شك، فإذ لم يبينه عليه السلام فلا زكاة فيها أصلا * وقد صح الاجماع المتيقن على ان حكم كل عرض كحكم الخيل والحمير والرقيق وما دون النصاب من الماشية والعين * ثم اختلف الناس، فمن موجب الزكاة في كل ذلك إذا كان للتجارة، ومن مسقط الزكاة في كل ذلك لتجارة كانت أو لغير تجارة * وصح بالنص ان لا زكاة في الخيل ولا في الرقيق ولا في الحمير ولا فيما دون النصاب من الماشية والعين، وصح الاجماع من كل احد على ان حكم كل عرض في التجارة كحكم هذه، فصح من ذلك ان لا زكاة في عروض التجارة بالاجماع المذكور، وقد صح الاجماع أيضا على انه لا زكاة في العروض * ثم ادعى قوم أنها إذا كانت للتجارة ففيها زكاة، وهذه دعوى بلا برهان *


(1) في النسخة رقم (16) بحذف الابل وبتقديم وتأخير (2) أي المنفردة في معناها *

[ 239 ]

واجمع الحنيفيون والمالكيون والشافعيون على ان من اشترى سلعا للقنية ثم نوى بها التجارة فلا زكاة فيها. وهذا تحكم في ايجابهم الزكاة في أثمانها إذا بيعت ثم تجربها بلا برهان (1) * واما قولهم: إن الزكاة فيما ينمى، فدعوى كاذبة متناقضة، لان عروض القنية تنمى قيمتها كعروض التجارة ولافرق * فان قالوا: العروض للتجارة فيها النماء * قلنا: وفيها أيضا الخسارة، وكذلك الحمير تنمى، ولا زكاة فيها عندهم، والخيل تنمى، ولا زكاة فيها عند الشافعيين والمالكيين، والابل العوامل تنمى ولا زكاة فيها عند الحنيفيين والشافعيين، وما أصيب في أرض الخراج ينمى، ولا زكاة فيها عند الحنيفيين وأموال العبيد تنمى، ولا زكاة فيها عند المالكيين * قال أبو محمد: وأقوالهم واضطرابهم في هذه المسألة نفسها برهان قاطع على انها ليست * من عند الله تعالى * فان طائفة منهم قالت: تزكى عروض التجارة من أعيانها. وهو قول المزني * وطائفة قالت: بل نقومها، ثم اختلفوا * فقال أبو حنيفة: نقومها بالاحوط للمساكين * وقال الشافعي: بل بما اشتراها به، فان كان اشترى عرضا بعرض قومه بما هو الاغلب من نقد البلد * وقال مالك: من باع عرضا بعرض أبدا فلا زكاة عليه إلا حتى يبيع ولو بدرهم، فإذا نض له ولو درهم قوم حينئذ عروضه وزكاها * فليت شعرى! ما شأن الدرهم ههنا إن هذا لعجب؟ فكيف إن لم ينض له إلا نصف درهم أو حبة فضة أو فلس، كيف يصنع؟! * وقال أبو حنيفة والشافعي: يقوم ويزكى وإن لم ينض له درهم * وقال مالك: المدير الذى يبيع ويشترى يقوم كل سنة ويزكى، وأما المحتكر فلا زكاة عليه - ولو حبس عروضه سنين - الا حتى يبيع، فإذا باع زكى حينئذ لسنة واحدة وهذا عجب جدا! * وقال أبو حنيفة والشافعي: كلاهما سواء، يقومان كل سنة ويزكيان *


(1) تجر من باب نصر وكتب *

[ 240 ]

حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن على ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى ين مخلد ثنا أبو بكر ابن أبى شيبة ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج قال قال لى عطاء: لاصدقة في لؤلؤ ولا في زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص، ولا عرض ولا شئ لا يدار، فان كان شئ من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع. وهذا خلاف قول من ذكرنا * وقال الشافعي: لا يضيف الربح إلى رأس المال إلا الصيارفة، وهذا عجب جدا! * وقال أبو حنيفة ومالك: بل يضيف الربح إلى رأس المال ولو لم يربحه إلا في تلك الساعة فكان هذا أيضا عجبا! * وأقوالهم في هذه المسألة طريقة جدا لا يدل على صحة شئ منها قرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية فاسدة، ولا قول صاحب أصلا، وأكثر ذلك لا يعرف له قائل قبل من قاله منهم، والله تعالى يقول (فان تنازعتم في شئ فروده إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) فليت شعرى هل رد هؤلاء هذا الاختلاف إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل وجدوا في القرآن والسنن نصا أو دليلا على شئ من هذه الاقوال الفاسدة؟ * وكلهم يقول: ممن اشترى سلمة للقنية فنوى بها التجارة فلا زكاة فيها، فان اشتراها للتجارة فنوى بها القنية سقطت الزكاة عنها، فاحتاطوا لاسقاط الزكاة التى أوجبوها بجهلهم * وقالوا كلهم: من اشترى ماشية للتجارة أو زرع للتجارة فان زكاة التجارة تسقط وتلزمه الزكاة المفروضة، وكان في هذا كفاية لو أنصفوا انفسهم ولو كانت زكاة التجارة حقا من عند الله تعالى ما أسقطتها الزكاة المفروضة، لكن الحق يغلب الباطل * فان قالوا: لا تجتمع زكاتان في مال واحد * قلنا: فما المانع من ذلك، ليت شعرى، إذا كان الله تعالى قد اوجبهما جميعا أو رسوله صلى الله عليه وسلم! * 642 - مسألة - ولا زكاة في تمر ولا بر ولا شعير حتى يبلغ ما يصيبه المرء الواحد من الصنف الواحد منها خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، والمد من رطل ونصف إلى رطل وربع على قدر رزانة المد وخفته، وسواء زرعه في ارض له أو في ارض لغيره بغصب أو بمعاملة جائزة أو غير جائزة، إذا كان البذر غير مغصوب، سواء أرض خراج كانت أو ارض عشر * وهذا قول جمهور الناس، وبه يقول مالك، والشافعي، واحمد، وابو سليمان * وقال أبو حنيفة: يزكى ما قل من ذلك وما كثر، فان كان في ارض خراج فلا زكاة

[ 241 ]

فيما أصيب فيها، فان كانت الارض مستأجرة فالزكاة على رب الارض لا على الزارع، فان كان في أرض مغصوبة، فان قضى لصاحب الارض بما نقصها الزرع فالزكاة على صاحب الارض، وان لم يقض له بشئ فالزكاة على الزارع. قال: والمد رطلان * فهذه خمسة مواضع خالف فيها الحق في هذه المسألة، وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة اوسق من حب أو تمر صدقة) * وتعلق أبو حنيفة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء للعشر) * وأخطأ في هذا، لانه استعمل هذا الخبر وعصى الآخر، (1) وهذا لا يحل * ونحن أطعناما في الخبرين جميعا، وهو قد خالف هذا الخبر أيضا، إذ خص مما سقت السماء كثيرا برأيه، كالقصب، والحطب والحشيش، وورق الشجر وما أصيب في ارض الخراج ولم ير أن يخصه بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم * وأيضا فانه كلف من ذلك مالا يطاق، كما قدمنا، وخص من ذلك برأيه ما اصيب في عرصات الدور، وهذه تخاليط لا نظير لها * واما أبو سليمان فقال: ما كان يحتمل التوسيق فلا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، وما كان لا يحتمل التوسيق فالزكاة في قليله وكثيره، وقد ذكرنا فساد هذا القول قبل * والعجب أن أبا حنيفة يزعم أنه صاحب قياس، وهو لم ير فيما يزكى شيئا قليله وكثيره (2) فهلا قاس الزرع على الماشية والعين؟ فلا النص اتبع، ولا القياس طرد * وأما المد فان أبا حنيفة وأصحابه احتجوا في ذلك بما رويناه من طريق شريك بن عبد الله القاضى عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجزئ في الوضوء رطلان) مع الاثر الصحيح في أنه عليه السلام كان يتوضأ بالمد * وهذا لاحجة فيه، لان شريكا مطرح، مشهور بتدليس المنكرات إلى الثقات، وقد أسقط حديثه الامامان عبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان وتالله لا أفلح من شهدا عليه بالجرحة * ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة، لانه لا يدل ذلك على ان المد رطلان، وقد صح


(1) في النسخة رقم (16) (وعصى الآية) وهو خطأ ظاهر (2) في الاصلين (يزكى قليله ولا كثيره) وزيادة حرف (لا) خطأ صرف يفسد المعنى معها، كما هو واضح عند التأمل * (م 31 - ج 5 المحلى)

[ 242 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي المد، ولا خلاف في أنه عليه السلام لم يكن يعير (1) له الماء للوضوء بكيل ككيل الزيت لا يزيد ولا ينقص * وأيضا فلو صح لما كان في قوله عليه السلام (يجزئ في الوضوء رطلان) مانع من أن يجزئ أقل، وهم أول موافق لنا في هذا، فمن توضأ عندهم بنصف رطل أجزأة، فبطل تعلقهم بهذا الاثر * واحتجوا بخبر رويناه من طريق موسى الجهنى: كنت عند مجاهد فأنى باناء يسع ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال، فقال: قالت عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بمثل هذا) مع الاثر الثابت أنه عليه السلام كان يغتسل بالصاع * قال أبو محمد: وهذا لاحجة فيه، لان موسى قد شك في ذلك الاناء من ثمانية أرطال إلى عشرة، وهم لا يقولون: ان الصاع يزيد على ثمانية أرطال ولافلسا * وأيضا فقد صح انه عليه السلام اغتسل هو وعائشة رضى الله عنها جميعا من إناء يسع ثلاثة أمداد، وأيضا من اناء هو الفرق، والفرق اثنا عشر مدا، وايضا بخمسة امداد، وايضا بخمسة مكا كى (2) وكل هذه الآثار في غاية الصحة والاسناد الوثيق الثابت المتصل، والخسمة مكاكى خمسون مدا، ولا خلاف في انه عليه السلام لم يعير له الماء للغسل بكيل ككيل الزيت، ولا توضأ واغتسل باناءين مخصوصين، بل قد توضأ في الحضر والسفربلا مراعاة لمقدار الماء، وهم أول مخالف لهذا التحديد، فلا يختلفون في ان امرء الواغتسل بنصف صاع لاجزأه. فبطل تعلقهم بهذه الآثار الواهية * واحتجوا بروايتين واهيتين * إحداهما من طريق أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن ابى اسحاق عن رجل عن موسى بن طلحة: ان القفيز الحجاجى قفيز عمر أو صاع عمر (3) *


(1) بفتح العين المهملة وتشديد الياء المثناة المفتوحة، يقال: (عير الميزان والمكيال وعاورهما وعايرهما وعاير بينهما معايرة وعيارا قدرهما ونظر ما بينهما) نقله في اللسان (2) المكوك - بفتح الميم وضم الكاف المشددة - مكيال لاهل العراق سعته صاع ونصف، وجمعه مكاكيك ومكاكى بتشديد الياء في آخره على البدل كراهية التضعيف، وذكر في اللسان - في مادة (م ك ك) مقداره ومقدار غيره من المكاييل بتفصيل واف ثم قال (ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد) (3) رواه يحيى بن آدم في الخراج رقم 476 عن زهير بن معاوية بمعناه *

[ 243 ]

والآخري من طريق مجالد عن الشعبى قال: القفيز الحجاجى صاع عمر * وبرواية عن ابراهيم عيرنا صاع عمر فوجدناه حجاجيا (1) * وبرواية عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن ابراهيم: (كان صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أرطال، ومده رطلين) * قال أبو محمد هذا كله سواء وجوده وعدمه * أما حديث موسى بن طلحة فبين أبى اسحاق وبينه من لا يدرى من هو، ومجالد ضعيف، اول من ضعفه أبو حنيفة، وابراهيم لم يدرك عمر * ثم لو صح كل ذلك لما انتفعوا به، لاننا لم ننازعهم في صاع عمر رضى الله عنه ولا في قفيزه، انما نازعنا هم في صاع النبي صلى الله عليه وسلم، ولسنا ندفع ان يكون لعمر صاع وقفيز ومد رتبة لاهل العراق لفقاتهم وأرزاقهم، كما بمصر الويبة والاردب، وبالشأم المدى (2) وكما كان لمروان بالمدينة مد اخترعه، ولهشام بن اسماعيل مد اخترعه، ولا حجة في شئ من ذلك * وأما قول ابراهيم في صاع النبي صلى الله عليه وسلم ومده فقول ابراهيم وقول أبى حنيفة سواء في الرغبة عنهما إذا خالفا الصواب * وقد روينا من طريق البخاري: ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا القاسم بن مالك المزني ثنا الجعيد ابن عبد الرحمن عن (3) السائب بن يزيد قال: (كان الصاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدا وثلثا بمدكم اليوم، فزيد فيه في زمن (4) عمر بن عبد العزيز) * وروينا عن مالك انه قال في مكيلة زكاة الفطر بالمد الاصغر مد رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) وعنه أيضا في زكاة الحبوب والزيتون بالصاع الاول صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم (6) *


(1) رواه الطحاوي (ج 1 ص 324) من طريق مغيرة عن ابراهيم، وزاد في آخره: (والحجاجى عندهم ثمانية ارطال بالبغدادي) (2) في النسخة رقم (16) (وبالشأم المد والدينار) وهو خطأ في موضعين، فليس لذكر الدينار هنا موضع، والمدى - بضم الميم واسكان الدال وآخره ياء بوزن قفل مكيال لاهل الشأم، وهو غير المد بتشديد الدال (3) الجعيد بالتصغير والذى رجحه ابن حجر ان اسمه (الجعد) بالتكبير (4) في النسخة رقم (14) (زمان) وما هنا هو الموافق للبخاري (ج 8 ص 260) ورواه البخاري أيضا بمعناه عن عمرو بن زرارة عن القاسم (ج 9 ص 188) وكذلك النسائي (ج 5 ص 54) (5) هو في المؤطأ (ص 124) (6) هو في المؤطأ (ص 188).

[ 244 ]

ومن طريق مالك عن نافع قال: كان ابن عمر يعطى زكاة الفطر من رمضان بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم المد الاول * فصح ان بالمدينة صاعا ومدا غير مد النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان صاع عمربن الخطاب هو صاع النبي صلى الله عليه وسلم لما نسب إلى عمر اصلا دون ان ينسب إلى ابى بكر، ولا الى ابى بكر أيضا دون ان يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصح بلاشك أن مد هشام إنما رتبة هشام، وأن صاع عمرانما رتبه عمر. وهذا إن صح أنه كان هنالك صاع يقال له (صاع عمر) فان صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومده منسوبان إليه لا إلى غيره، باقيان بحسبهما * وأما حقيقة الصاع الحجاجى الذى عولوا عليه فاننا روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق عن مسدد عن المعتمر بن سليمان عن الحجاج بن أرطاة قال حدثنى من سمع الحجاج أبن يوسف يقول: صاعي هذا صاع عمر (1) أعطتنيه عجوز بالمدينة * فان احتجوا برواية الحجاج بن ارطاة عن ابراهيم فروايته هذه حجة عليهم، وهذا أصل صاع الحجاج، فلا كثر ولا طيب، ولا بورك في الحجاج ولا في صاعه * وروينا من طريق أبى بكر بن ابى شيبة: ثنا جرير - هو ابن عبد الحميد عن يزيد (2) - هو ابن أبى زياد - عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: الصاع يزيد على الحجاجى مكيالا * فبطل مامو هوابه من الباطل، ووجب الرجوع إلى ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم * كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا اسحاق - هو ابن راهوية - ومحمد بن اسماعيل بن علية، قال اسحق عن الملائى (3) وقال ابن علية: ثنا أبو نعيم - هو الفضل بن دكين - كلاهما عن سفيان الثوري عن حنظلة ابن ابى سفيان الجمحى عن طاوس عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المكيال


(1) في النسخة رقم (16) (صاع ابن عمر) وهو خطأ، ففى خراج يحيى بن آدم (رقم 477) (قال لى اسرائيل عن ابى اسحق قال: قدم علينا الحجاج من المدينة فقال: انى قد اتخذت لكم مختوما على صاع عمر بن الخطاب) وهو اسناد صحيح متصل إلى الحجاج (2) في النسخة رقم (16) (زيد) وهو خطأ (3) بضم الميم وتخفيف اللام، وأنا أرجح انه ابو نعيم الفضل بن دكين - بضم الدال المهملة - وليس شخصا آخر كما يوهم كلام المؤلف. وهذا الاثر بهذا الاسناد لم أجد في النسائي، ولكن وجدته فيه عن ابى سليمان عن ابى نعيم (ج 5 ص 54) *

[ 245 ]

على مكيال أهل المدينة، والوزن على وزن أهل مكة) * فلم يسع أحدا الخروج عن مكيال أهل المدينة ومقداره عندهم، ولا عن موازين (1) أهل مكة، ووجدنا أهل المدينة (لا يختلف منم اثنان في ان مد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى به تؤدى الصدقات ليس أكثر من رطل ونصف، ولا أقل من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث. وليس هذا اختلافا، لكنه على حسب رزانة المكيل من البر والتمر والشعير * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن عروة: (ان مد النبي صلى الله عليه وسلم الذى كان يأخذ به الصدقات رطل ونصف) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود عن احمد بن حنبل قال: صاع ابن أبى ذئب خمسة أرطال وثلث. قال أبو داود: وهو صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: ذكر أبى أنه عير مد النبي صلى الله عليه وسلم بالحنطة فوجدها رطلا وثلثا (2) في البر، (3) قال: ولا يبلغ من التمر هذا المقدار * حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن دحيم ثنا ابراهيم بن حماد ثنا اسماعيل بن اسحاق قال: دفع الينا اسماعيل بن ابى أويس (4) المد، وقال: هذا مد مالك وهو على مثال مد النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت به إلى السوق، وخرط لى عليه مد وحملته معى إلى البصرة، فوجدته نصف كيلجة (5) بكيلجة البصرة، يزيد على كيلجة البصرة شيئا يسيرا خفيفا، وإنما هو شبيه بالرجحان الذى لا يقع عليه جزء من الاجزاء، ونصف كيلجة البصرة هو زبع كيلجة بغداد، فالمد ربع الصاع، والصاع مقدار كيلجة بغدادية يزيد الصاع عليها شيئا يسيرا * قال أبو محمد: وخرط لى مد على تحقيق المد المتوارث عند آل عبد الله بن على الباجى،


(1) في النسخة رقم (14) (موازن) وهو خطأ (2) في النسخة رقم (16) (رطل وثلث) وهو لحن (3) في النسخة رقم (16) (في المد) بدل قوله (في البر)، وكانت أيضا هكذا في النسخة رقم (14) ولكن ناسخها صححها إلى (في البر) وهو الصواب، ويدل عليه قوله بعده (ولا يبلغ من التمر هذا المقدار) (4) هو اسماعيل بن عبد الله، وهو ابن اخت مالك ونسييه (5) بفتح الكاف واللام والجيم، وهو مكيال *

[ 246 ]

وهو عند أكبرهم (1) لا يفارق داره، أخرجه إلى ثقتى (2) الذى كلفته ذلك، على ابن عبد الله بن احمد بن عبد الله بن على المذكور وذكر أنه مد ابيه وجده وأبى جده أخذه وخرطه على مد أحمد بن خالد، وأخبره أحمد بن خالد أنه خرطه على مد يحيى ابن يحيى، الذى أعطاه إياه ابنه عبيدالله بن يحيى بن يحيى، وخرطه يحيى على مد مالك، ولا أشك ان أحمد بن خالد صححه أيضا على مد محمد بن وضاح الذى صححه ابن وضاح بالمدينة * قال أبو محمد: ثم كلته بالقمح الطيب، ثم وزنته، فوجدته رطلا واحدها ونصف رطل بالفلفلي (3)، لا يزيد حبة، وكلته بالشعير، الا أنه لم يكن بالطيب، فوجدته رطلا واحدا ونصف أوقية * قال أبو محمد: وهذا امر مشهور بالمدينة، منقول نقل الكافة، صغيرهم وكبيرهم، وصالحهم وطالحهم، وعالمهم وجاهلهم، وحرائرهم وامائهم، كما نقل أهل مكة موضع الصفا، والمروة، والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة ولا فرق، وكمن يعترض على اهل المدينة في القبر والمنبر والبقيع، وهذا خروج عن الديانة والمعقول * قال أبو محمد: وبحثت انا غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق لى على ان دينار الذهب بمكة وزنه اثنان وثمانون حبة وثلاثة اعشار حبة بالحب من الشغير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكى سبع وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة، فالرطل مائة درهم واحدة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور * وقد رجع أبو يوسف إلى الحق في هذه المسألة إذ دخل المدينة ووقف على أمداد أهلها * وقد موه بعضهم بأنه إنما سمى الوسق لانه من وسق البعير * قال أبو محمد: وهذا طريف في الهوج جدا! وليت شعرى من له بذلك؟! وهلا قال: لانه وسق الحمار؟! * ثم أيضا فان الوسق الذى أشار إليه هو عندهم ستة عشر ربعا بالقرطبى، وحمل البعير أكثر من هذا المقدار بنحو نصفه * وأما اسقاطهم الزكاة عما أصيب في أرض الخراج من بر وتمر وشعير ففاحش جدا، وعظيم من القول واسقاط للزكاة المفترضة *


(1) في النسخة رقم (16) (أكثر هم) وهو تصحيف (2) في النسخة رقم (16) (تقى) وهو خطأ (3) هنا بحاشية النسخة رقم (14) كلمة في تفسير الرطل الفلفلى نقلناها فيما مضى *

[ 247 ]

وموهوا في هذا بطوام، منها: أن قال قائلهم: إن عمر لم يأخذ الزكاة من ارض الخراج * قال أبو محمد: وهذا تمويه بارد! لان عمر رضى الله عنه إنما ضرب الخراج على اهل الكفر، ولا زكاة تؤخذ منهم، فان ادعى أن عمر لم يأخذ الزكاة ممن أسلم من أصحاب أرض الخراج فقد كذب جدا ولا يجد هذا أبدا، ومن ادعى ان عمر أسقط الزكاة عنهم كمن ادعى انه اسقط الصلاة عنهم ولا فرق * وموه بعضهم بأن ذكر ما قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشأم مديها (1) ودينارها، ومنعت مصر إرد بها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم) (2) شهد على ذلك لحم أبى هريرة ودمه، قالوا: فأخبر عليه السلام بما يجب في هذه الارضين، ولم يخبر ان فيها زكاة، ولو كان فيها زكاة لاخبر بها * قال أبو محمد: مثل هذا ليس لا يراده وجه إلا ليحمد الله تعالى من سمعه على خلاصه من عظيم ما ابتلوا به من المجاهرة بالباطل ومعارضة الحق بأغث ما يكون من الكلام؟! وليت شعرى في أي معقول وجدوا أن كل شريعة لم تذكر في هذا الحديث فهى ساقطة؟ وهل يقول هذا من له نصيب من التمييز؟ وهل بين من أسقط الزكاة - لانها لم تذكر في هذا الخبر - فرق وبين من اسقط الصيام لانه لم يذكر في هذا الخبر، ومن اسقط الصلاة والحج لانهما لم يذكرا في هذا الخبر؟ * وحتى لو صح لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد بهذا الخبر ذكر ما يجب في هذه الارضين - ومعاذ الله من أن يصح هذا فهو الكذب البحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم -: لما كان في ذلك اسقاط سائر حقوق الله تعالى عن أهلها، وليس في الدنيا حديث انتظم ذكر جميع الشرائع أولها عن آخرها، ونعم، ولا سورة أيضا * وإنما قصد عليه السلام في هذا الحديث الانذار بخلاء أيدى المفتتحين لهذه البلاد من أخذ طعامها ودراهمها ودنانيرها فقط، وقد ظهر ما أنذر من عليه السلام * ومن الباطل الممتنع أن يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زعموا، لانه لو كان ذلك، وكان ارباب اراضى (3) الشأم، ومصر، والعراق مسلمين، فمن هم المخاطبون بأنهم يعودون كما


(1) بضم الميم واسكان الدال وبالياء كما سبق، وفى الاصلين (مدها) وهو تحريف (2) في النسخة رقم (16) (ابداتم) وهو خطا، والحديث رواه يحيى بن آدم في الخراج (رقم 227) ومسلم (ج 2 ص 365) وأبو داود (ج 3 ص 129) وابن الجارود (ص 499) (3) في النسخة رقم (14) (ارض) بالافراد *

[ 248 ]

بدؤا (1)؟ ومن المانع ما ذكر منعه؟ هذا تخصيص منهم بالباطل وبما ليس في الخبر منه نص ولا دليل، ولو قيل لهم: بل في قوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) دليل على سقوط الخراج وبطلانه، إذ لو كان فيها خراج لذكره عليه السلام * والعجب أيضا إسقاطهم الجزية بهذا الخبر عن أهل الخراج فأسقطوا فرضين من فرائض الاسلام برأى صاحب! - وهذا عجب جدا! وخالفوا ذلك الصاحب في هذه القضية نفسها، لانه قد صح عنه إيجاب الجزية مع الخراج، فمرة يكون فعله حجة يخالف بها القرآن، وهم مع ذلك كاذبون عليه، فما روى عنه قط اسقاط الزكاة عما أصيب في أرض الخراج، ومرة لا يرونه حجة أصلا ومعه الحق * فان قالوا: إن الصحابة أجمعوا على أخذ الخراج * قيل لهم: والصحابة أجمعوا على أخذ الزكاة قبل إجماعهم على الخراج ومعه وبعده بلا شك، ولا عجب أعجب من إيجاب محمد بن الحسن الخراج عن المسلم في أرض الخراج إذا ملكها، وإسقاط الزكاة عنه وإيجابه الزكاة على اليهودي والنصراني إذا ملكا أرض العشر، واسقاط الخراج عنهما، وفاعل هذا متهم على الاسلام وأهله (2) * وقالوا: لا يجتمع حقان في مال واحد * قال أبو محمد: كذبوا وافكوا؟ بل تجتمع حقوق لله تعالى في مال واحد، ولو أنها ألف حق، وما ندرى من أين وقع لهم انه لا يجتمع حقان في مال واحد، وهم يوجبون الخمس في معادن الذهب والفضة والزكاة ايضا، إما عند الحول وإما في ذلك الوقت ان كان بلغ حول ما عنده من الذهب والفضة، ويوجبون ايضا الخراج في ارض المعدن ان كانت ارض خراج؟! * ومن عجائب الدنيا تغلييهم الخراج على الزكاة، فأسقطواها به، تم غلبوا زكاة البر والشعير، والتمر، والماشية على زكاة التجارة، فأسقطوها بها، ثم غلبوا زكاة التجارة في الرقيق على زكاة الفطر، فأسقطوها بها، فمرة رأوا زكاة التجارة أوكد من الزكاة المفروضة،


(1) في النسخة رقم (16) (ابدؤا) وهو خطأ (2) هذه زلة قلم من ابن حزم، أو لعلها من أثر ما كان عنده من الربو الذى يضيق به الصدر أعاذنا الله منه، وما كان محمد بن الحسن رحمه الله متهما على الاسلام، بل هو عالم كبير، ثقة في الحديث وبخاصة في الرواية عن مالك، وان لينه بعض اهل الحديث فانما ذلك من قبل حفظه، ومن قبل انه اشتغل بالفقه اكثر من الرواية، ورحمه الله الجميع *

[ 249 ]

ومرة رأوا الزكاة المفروضة اولى من زكاة التجارة؟ والحسن بن حى يرى أن يزكى ما زرع للتجارة زكاة التجارة لا الزكاة المفروضة، وذكرنا هذا لئلا يدعوا في ذلك إجماعا، فهذا أخف شئ عليهم * وإن تناقض المالكيين والشافعيين لظاهر في إسقاطهم الزكاة عن عروض التجارة للزكاة المفروضة وإبقائهم إياها مع زكاة الفطر في الرقيق * وكذلك أيضا تناقض الحنيفيون إذ اثبتوا الاجارة والزكاة في أرض واحدة * وممن صح عنه ايجاب الزكاة في الخارج من أرض الخراج عمر بن عبد العزيز وابن أبى ليلى وابن شبرمة وشريك والحسن بن حى * وقال سفيان وأحمد: ان فضل بعد الخراج خمسة أو سق فصاعدا ففيه الزكاة * ولا يحفظ عن أحد من السلف مثل قول أبى حنيفة في ذلك * والعجب كله من تمويههم بالثابت عن عمر رضى الله عنه من قوله - إذ أسلمت دهقانة نهر الملك (1) -: ان اختارت أرضها وأدت (2) ما على ارضها فخلوا بينها وبين ارضها، وإلا فخلوا بين المسلمين وارضهم. وعن على نحو هذا. وعن ابن عمر انكار الدخول في ارض الخراج للمسلم (3) * وليت شعرى هل عقل ذو عقل قط ان في شئ من هذا اسقاط الزكاة عما اخرجت الارض؟ وهذا مكان لا يقابل الا بالتعجب وحسبنا الله ونعم الوكيل * ويكفى من هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر) فعم ولم يخص * وأيضا فان البرهان على ان الزكاة على الرافع (4) لاعلى الارض اجماع الامة على انه ان اراد ان يعطى العشر من غير الذى أصاب في تلك الارض لكان ذلك له، ولم * (هامش) (1) في الاصلين (بهز الملك) وهو تصحيف، ونهر الملك كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى، والدهقان - بكسر الدال وضمها - له معان منها: رئيس الاقليم، وهو معرب عن الفارسية، ولعله المراد هنا: وفى خراج يحيى بن آدم (رقم 181) (عن طارق بن شهاب قال: أسلمت امرأة من أهل نهر الملك) (2) في الاصلين (أو أدت) والصواب بواو العطف كما في خراج يحيى (3) انظر الخراج (رقم 150) إلى 171) (4) الرافع بالراء وفى النسخة رقم (16) بدال، وهو خطأ في ظنى، بل هو من رفع الزرع بمعنى نقله من الموضع الذى يحصد فيه إلى البيادر، فالرافع هو صاحب الزرع الذى له نتاج الارض * (م 32 - ج 5 المحلى)

[ 250 ]

يجز اجباره على ان يعطى من عين ما اخرجت الارض. فصح ان الزكاة في ذمة المسلم الرافع، لا في الارض * 643 - مسألة - وكذلك ما اصيب في الارض المغصوبة إذا كان البذر للغاصب لان غصبه الارض لا يبطل ملكه عن بذره، فالبذر إذا كان له فما تولد عنه فله، وانما عليه حق الارض فقط، ففى حصته منه الزكاة، وهى له حلال وملك صحيح * وكذلك الارض المستأجرة بعقد فاسد، لاو المأخوذة ببعض ما يخرج منها، أو الممنوحة، لعموم قوله عليه السلام (فيما سقطت السماء العشر) * وإما إن كان البذر مغصوبا فلاحق له، ولا حكم في شئ مما انبت الله تعالى منه، سواء كان في أرضه نفسه أم في غيرها، وهو كله (1) لصاحب البذر، لقول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ولا يختلف اثنان في ان غاصب البذر إنما أخذه بالباطل، وكذلك كل بذر أخذ بغير حق فمحرم عليه بنص القرآن أكله، وكل ما تولد من شئ فهو لصاحب ما تولد منه بلا خلاف، وليس وجوب الضمان بمبيح له ما حرم الله تعالى عليه * فان موهوا بما روى من ان (الخراج بالضمان) * فلا حجة لهم فيه لوجوه: اولها: أنه خبر لا يصح، لان راويه مخلد بن خفاف، وهو مجهول (2) * والثانى: انه لو صح لكان إنما ورد في عبد بيع بيعا صحيحا ثم وجد فيه عيب، ومن الباطل ان يقاس الحرام على الحلال، لو كان القياس حقا، فكيف والقياس كله باطل * والثالث: انهم (3) يلزمهم ان يجعلوا أولاد المغصوبة من الاماء والحيوان للغاصب بهذا الخبر، وهم لا يقولون بذلك * 644 - مسألة - فإذا بلغ الصنف الواحد - من البر، أو التمر، أو الشعير - خمسة


(1) في النسخة رقم (16) (وهذا كله) (2) مخلد بفتح الميم واسكان الخاء المعجمة وفتح اللام، وخفاف بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء. وحديثه هذا رواه الطيالسي (ص 206 رقم 1464) عن ابن ابى ذئب عن مخلد عن عروة عن عائشة مرفوعا، ونسبه ابن حجر في التلخيص (ص 241) إلى الشافعي والحاكم والترمذي، ونقل في التهذيب ما قيل في المخلد بن خفاف وان ابن حبان ذكره في الثقات ثم قال: (وتابعه على هذا الحديث مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه به، وقال ابن وضاح: مخلد مدنى ثقة) (3) في النسخة رقم (14) (أنه)

[ 251 ]

أوسق كا ذكرنا فصاعدا، فان كان مما يسقى بساقية (1) من نهر أو عين أو كان بعلا (2) ففيه العشر، وان كان يسقى بسانية أو ناعورة أو دلو ففيه نصف العشر، فان نقص عن الخمسة الاوسق - ما قل أو كثر - فلا زكاة فيه. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحابنا * وقال أبو حنيفة: في قليله وكثيره العشر أو نصف العشر * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا سعيد بن أبى مريم ثنا عبد الله بن وهب اخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ابيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا (3) العشر، وما سقى بالنضح نصف العشر) * وقد ذكرنا قبل قوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق من حب ولا تمر صدقة) فصح ان ما نقص عن الخمسة الاوسق نقصانا - قل أو كثر - فلا زكاة فيه * والعجب من تغليب ابى حنيفة الخبر: (فيما سقت السماء العشر) على حديث الاوسق الخمسة وغلب قوله عليه السلام (ليس فيما دون خمس أواقى من الورق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود من الابل صدقة) على قوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر) وعلى قوله عليه السلام: (ما من صاحب إبل لا يؤدى حقها) وهذا تناقض ظاهر وبالله تعالى التوفيق * 645 - مسألة - ولا يضم قمح إلى شعير، ولا تمر اليهما. وهو قول سفيان الثوري، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأبى سليمان وأصحابنا * وقال الليث بن سعد وابو يوسف: يضم كل ما أخرجت الارض من القمح والشعير والارز والذرة والدخن وجميع القطانى، بعض ذلك إلى بعض، فإذا اجتمع من كل ذلك خمسة أوسق ففيه الزكاة كما ذكرنا، وإلا فلا * وقال مالك: القمح، والشعير، والسلت صنف واحد، يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق ففيها الزكاة، والا فلا، ويجمع الحمص والقول واللوبيا، والعدس، والجلبان، والبسيلة بعضها إلى بعض، ولا يضم إلى القمح ولا إلى الشعير


(1) الساقية من سواقى الزرع نهير صغير، قاله في اللسان (2) بفتح الباء واسكان العين المهملة، وهو ما شرب من النخيل بعروقه من الارض من غير سقى سماء ولاغيرها، والسانية بمعنى الناضحة، وهى ما يسقى عيه من بعير وغيره وانظر خراج يحيى (رقم 364 إلى 395) (3) العثرى: بفتح العين المهملة والثاء المثلثة المخففة. وقال ابن الاعرابي بتشديد الثاء وهو خطأ، وهو الذى يسقى بماء السماء من مطر وسيل *

[ 252 ]

ولا إلى السلت، قال: واما الارز، والذرة، والسمسم فهى أصناف مختلفة، لا يضم كل واحد منها إلى شئ أصلا * واختلف قوله في العلس، فمرة قال: يضم إلى القمح، والشعير، ومرة قال: لا يضم إلى شئ أصلا * ورأى القطانى في البيوع أصنافا مختلفة، حاشا اللوبيا والحمص، فانه رآهما في البيوع صنفا واحدا * قال أبو محمد: أما قول مالك فظاهر الخطأ جملة، لا يحتاج من ابطاله إلى أكثر من ايراده؟ وما نعلم أحدا على ظهر الارض قسم هذا التقسيم، ولا جمع هذا الجمع، ولا فرق هذا التفريق قبله ولا معه ولابعده، إلا من قلده، وماله متعلق، لامن قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولامن رواية فاسدة، ولامن قول صاحب ولا تابع، ولامن قياس، ولا من رأى يعرف له وجه، ولامن احتياط أصلا * واما من رأى جمع البر وغيره في الزكاة فيمكن أن يتعلقوا بعموم قوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) * قال أبو محمد: ولو لم يأت إلا هذا الخبر لكان هذا هو القول الذى لا يجوز غيره * لكن قد خصه ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أنا اسماعيل بن مسعود - هو الجحدرى - ثنا يزيد بن زريع ثنا روح بن القاسم حدثنى عمرو ابن يحيى بن عمارة عن ابيه عن ابى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل في البر والتمر زكاة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا يحل في الورق زكاة حتى يبلغ خمس أواقى (1) ولا يحل في الابل زكاة حتى تبلغ خمس ذود) (2) * فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة عمالم يبلغ خمسة اوسق من البر، فبطل بهذا إيجاب الزكاة فيه على كل حال، مجموعا إلى شعير أو غير مجموع * قال أبو محمد: وكلهم متفق على ان لا يجمع التمر إلى الزبيب، وما نسبة احدهما من الآخر الا كنسبة البر من الشعير، فلا النص اتبعوا، ولا القياس طردوا، ولا خلاف


(1) في النسخة رقم (14) (خمس اواق) وفى النسائي (ج 5 ص 40) (خمسة أواق) (2) لفظ هذا الحديث يرد على زعم المؤلف فيما مضى ان كلمة (دون) في حديث (ليس فيما دون خمسة اوسق) الخ بمعنى غير وانكاره ان تكون فيه بمعنى أقل، وقد بينا هناك خطأه، وقد ايد لفظ هذا الحديث ما قلنا فالحمد لله *

[ 253 ]

بين كل من يرى الزكاة في الخمسة الاوسق فصاعدا - لا في أقل - في انه لا يجمع التمرالى البر ولا إلى الشعير * 646 - مسألة - وأما أصناف القمح فيضم بعضها إلى بعض، وكذلك تضم أصناف الشعير بعضها إلى بعض، وكذلك أصناف التمر بعضها إلى بعض، العجوة والبرنى والصيحانى (1) وسائر أصنافه، وهذا لا خلاف فيه من احد، لان اسم (بر) يجمع اصناف البر، واسم (تمر) يجمع أصناف التمر، واسم (شعير) يجمع أصناف الشعير. وبالله تعالى التوفيق * 647 - مسألة - ومن كانت له أرضون شتى في قرية واحدة أو في قرى شتى في عمل مدينة واحدة أو في أعمال شتى - ولو أن إحدى ارضيه في أقصى الصين والاخرى في أقصى الاندلس - فانه يضم كل قمح أصاب في جميعها بعضها إلى بعض، وكل شعير اصابه في جميعها بعضه إلى بعض، وكل تمر اصابه في جميعها بعضه إلى بعض، فيزكيه، لانه مخاطب بالزكاة في ذاته، مرتبة بنص القرآن والسنن في ذمته وماله، دون ان يخص الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك ما كان في طسوج (2) واحد، أو رستاق (3) واحد -: مما في طسوجين، أو رستاقين، وتخصيص القرآن والسنة بالآراء الفاسدة باطل مقطوع به وبالله تعالى التوفيق * 648 - مسألة - ومن لقط السنبل فاجتمع له من البر خمسة أوسق فصاعدا، ومن الشعير كذلك -: فعليه الزكاة فيها، العشر فيما سقى بالسماء أو بالنهر أو بالعين أو بالساقية، ونصف العشر فيما سقى بالنضح. ولا زكاة على من التقط من التمر خمسة أوسق. وبايجاب الزكاة في ذلك يقول أبو حنيفة *


(1) البرنى - بفتح الباء واسكان الراء - ضرب من التمر احمر مشرب بصفرة مدور كثير اللحاء عذب الحلاوة وهو أجود التمر، واحدته برنية، واصل الكلمة فارسي. عن اللسان، والصيحانى - بفتح الصاد المهملة - ضرب من تمر المدينة أسود صلب الممضغة، وسمى صيحانيا لان صيحان اسم كبش كان ربط إلى نخلة بالمدينة فأثمرت تمرا فنسب إلى صيحان. عن اللسان (2) بفتح الطاء المهملة وضم السين المهملة المشددة وفى آخره جيم، كلمة معربة، ومعناها الناحية، ومن ذلك طساسيج السواد. (3) كلمة معربة أيضا، وهى السواد، وكأنها كانت تطلق على بعض التقسيمات الادارية في القرون الالى وعربت بألفاظ كثيرة، رزداق، رسداق، رزتاق، رستاق، وانكر بعضهم (رستاق) وكلها بضم الراء واسكان ما بعدها. عن اللسان *

[ 254 ]

برهان ذلك: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اوجبها على مالكها الذى يخرج في ملكه الحب من سنبله إلى إمكان كيله، ولم يخص عليه السلام من اصابه من حرثه أو من غير حرثه، ولا شئ في ذلك على صاحب الزرع الذى التقط هذا منه، لانه خرج عن ملكه قبل إمكان الكيل فيه الذى به تجب الزكاة. وليس كذلك ما التقط من التمر، لان الزكاة فيه واجبة على من ازهى التمر في ملكه، بخلاف البر والشعير وبالله تعالى نتأيد * 649 - مسألة - والزكاة واجبة على من ازهى التمر في ملكه - والازهاء هو احمراره في ثماره - وعلى من ملك البر والشعير قبل دراسهما وإمكان تصفيتهما من التبن وكيلهما، بأى وجه ملك ذلك، من ميراث، أو هبة، أو ابتياع، أو صدقة، أو إصداق أو غير ذلك، ولا زكاة على من انتقل ملكه عن التمر (1) قبل الازهاء، ولا على من ملكها بعد الازهاء، ولا على من انتقل ملكه عن البر والشعير قبل دراسهما (2) وامكان تصفيتهما وكيلهما، ولا على من ملكهما بعد إمكان تصفيتهما وكيلهما * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من حب ولا تمر صدقة) فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم في الحب صدقة إلابعد امكان توسيقه، فان صاحبه حينئذ مأمور بكيله وإخراج صدقته، فليس تأخيره الكيل - وهو له ممكن - بمسقط حق الله تعالى فيه، ولا سبيل إلى التوسيق الذى به تجب الزكاة قبل الدراس أصلا، فلا زكاة فيه قبل الدراس، لان الله تعالى لم يوجبها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن سقط ملكه عنه قبل الدراس - ببيع أو هبة أو إصداق أو موت أو جائحة أو نار أو غرق أو غصب - فلم يمكنه إخراج زكاته في وقت وجوبها، ولا وجبت الزكاة عليه وهو في ملكه. ومن امكنه الكيل وهو في ملكه فهو الذى خوطب بزكاته، فمن ملكه بعد ذلك فانما ملكه بعد وجوب الزكاة على غيره * وليس التمر كذلك، لان النص جاء بايجاب الزكاة فيه إذا بدا طيبه، كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى *


(1) في النسخة رقم (16) (الثمرة) وهو خطأ ظاهر (2) هنا بحاشية النسخة رقم (14) ما نصه: (صوابه بعد دراسهما. هكذا مذهبه رحمه الله) وهذا خطأ من كاتب الحاشية، لان مذهب المؤلف واضح هنا في ان وجوب الزكاة انما يكون على من ملك البر أو الشعير قبل الدراس والكيل وبقيا في ملكه إلى حين امكان ذلك فمن انتقلا عن ملكه قبل الدراس فلا زكاة عليه وانما هي على من انتقلا إليه، وكذلك لا زكاة على من انتقلا إليه بعد الدراس، اذ هي على المالك الاول. وهذا ظاهر

[ 255 ]

ومن خالفنا في هذا ورأى الزكاة في البر والشعير إذا يبسا واستغنيا عن الماء سألناه عن الدليل على دعواه هذه؟ ولا سبيل له إلى ذلك وعارضناه بقول ابى حنيفة الذى يرى على من باع زرعا اخضر قصيلا (1) فقصله المشترى واطعمه دابته قبل ان يظهر فيه شئ من الحب -: ان الزكاة على البائع، عشر الثمن أو نصف عشره، ولا سبيل لاحدهما إلى ترجيح قوله على الآخر، ولو صح قول من رأى الزكاة واجبة فيه قبل دراسه -: لكان واجبا إذا ادى العشر منه كما هو في سنبله ان يجزئه، وهذا ما لا يقولونه * 650 - مسألة - واما النخل فانه إذا ازهى خرص (2) والزم الزكاة كما ذكرنا، واطلقت يده عليه يفعل به ما شاء، والزكاة في ذمته * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب انا محمد بن بشار ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - ومحمد بن جعفر غندر ثنا شعبة قال سمعت خبيب بن عبد الرحمن (3) يحدث عن عبد الرحمن بن مسعود بن نيار (4) قال: اتانا سهل بن أبى حثمة فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خرصتم فخذوا أودعوا (5) الثلث، فان (6) لم تأخذوا فدعوا الربع) شك شعبة في لفظة (تأخذوا) و (تدعوا) * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة وهى تذكر شأن خيبر قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة إلى اليهود فيخرص النخل حين يطيب أول الثمر قبل أن


(1) القصل - بالقاف والصاد المهملة - القطع، أو قطع الشئ من وسطه أو اسفل من ذلك قطعا وحيا، أي سريعا، والقصيل ما اقتصل من الزرع اخضر والجمع قصلان بضم القاف واسكان الصاد (2) خرص النخل والكرم - من باب نصر - إذا حرز ما عليها من الرطب تمرا ومن العنب زبيبا، وهو من الظن لان الحرز انما هو تقدير بظن. عن اللسان (3) خبيب بالخاء المعجمة مصغر (4) نيار بكسر النون وتخفيف الياء المثناة التحتية، وفى الاصلين (دينار) وهو تحريف، وفى النسخة رقم (16) (خبيب بن عبد الرحمن يحدث عبد الرحمن) الخ بحذف (عن) وهو خطأ، والتصحيح من النسائي (ج 5 ص 43) والتهذيب وغيرهما (5) في النسائي (ج 5 ص 43) وابى داود (ج 2 ص 24) والترمذي (ج 1 ص 82) طبع الهند) (فخذوا ودعوا) بالواو، وانا ارجح ان ماهنا بحرف (أو) اصح وانسب للسياق (6) في النسخة رقم (16) (وان) بالواو، وما هنا هو الموافق للنسائي وغيره وكذلك هو في المستدرك (ج 1 ص 402) *

[ 256 ]

يؤكل، ثم يخيرون اليهود بين أن يأخذوها بذلك الخرص أو يدفعوها إليهم بذلك) وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكى تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفترق (1) * 651 - مسألة - فإذا خرص كما ذكرنا فسواء باع الثمرة صاحبها أو وهبها أو تصدق بها أو أطعمها أو اجيح فيها -: كل ذلك لا يسقط الزكاة عنه، لانها قد وجبت، واطلق على الثمرة وأمكنه التصرف فيها بالبيع وغيره، كما لوجدها، ولا فرق * 652 - مسألة - فإذا غلط الخارص أو ظلم - فزاد أو نقص رد الواجب إلى الحق، فأعطى ما زيد عليه وأخذ منه ما نقص * لقول الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط) والزيادة من الخارص ظلم لصاحب الثمرة بلا شك، وقد قال تعالى: (ولا تعتدوا) فلم يوجب الله تعالى على صاحب الثمرة إلا العشر، لا أقل ولا أكثر، أو نصف العشر، لا أقل ولا أكثر، ونقصان الخارص ظلم لاهل الصدقات واسقاط لحقهم، وكل ذلك إثم وعدوان * 653 - مسألة - فان ادعى ان الخارص ظلمه أو اخطأ لم يصدق إلا ببينة إن كان الخارص عدلا عالما فان كان جاهلا أو جائزا فحكمه مردود * لانه ان كان جائزا فهو فاسق، فخبره مردود (2) * لقول الله تعالى: (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * وان كان جاهلا فتعرض الجاهل للحكم في اموال الناس بما لا يدرى جرحة، واقل ذلك انه لا يحل توليته، فإذ هو كذلك فتوليته باطل مردود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * 654 - مسألة - ولا يجوز خرص الزرع اصلا، لكن إذا حصدودرس، فان جاء الذى يقبض الزكاة حينئذ فقعد على الدرس والتصفية والكيل فله ذلك، ولا نفقة له على صاحب الزرع * * (هامش) (1) في النسخة رقم (16) (وتفتقر) وهو خطأ لا معنى له. ثم لاادرى ما دخل خرص نخل يهود في الزكاة؟ - ولا زكاة عليهم - وانما ذلك الخرص كان لصلح رسول الله معهم على شطر ما يخرج من خيبر من زرع أو ثمر، انظر خراج يحيى بن آدم (رقم 97 و 98) والبخاري (ج 3 ص 191 و 211 و 212 و 281 وج 4 ص 31 و 35 و 205 وج 5 ص 290) ونيل الاوطار (ج 8 ص 206 و 207) (2) في النسخة رقم (16) (فجوره مردود) وما هنا أصح *

[ 257 ]

لانه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه خرص الزرع، فلا يجوز خرصه، لانه إحداث حكم لم يأت به نص. وبالله تعالى التوفيق * وأما النفقة فان الله تعالى يقول: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * 655 - مسألة - وفرض على كل من له زرع عند حصاده أن يعطى منه من حضر من المساكين ما طابت به نفسه، وقد ذكرنا ذلك قبل في (باب ما تجب فيه الزكاة) عند ذكرنا قول الله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاه) وبالله تعالى التوفيق * 656 - مسألة - ومن ساقى حائط نخل أو زارع أرضه بجزء مما يخرج منها فأيهما وقع في سهمه خمسة أوسق فصاعدا من تمر أو خمسة أوسق كذلك من بر أو شعير فعليه الزكاة، والا فلا، وكذلك من كان له شريك فصاعدا في زرع أو في ثمرة نخل بحبس أو ابتياع أو بغير ذلك من الوجوه كلها ولا فرق * فان كانت على المساكين أو العميان أو المجذومين أو في السبيل أو ما أشبه ذلك - مما لا يتعين أهله - أو على مسجد أو نحو ذلك فلا زكاة في شئ من ذلك كله * لان الله تعالى لم يوجب الزكاة في اقل من خمسة أوسق مما ذكرنا، ولم يوجبها على شريك من أجل ضم زرعه إلى زرع شريكه، قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) * وأما من لا يتعين فليس يصح أنه يقع لاحدهم خمسة أوسق، ولا زكاة إلا على مسلم يقع له مما يصيب خمسة اوسق * وقال أبو حنيفة ة في كل ذلك الزكاة * وهذا خطأ، لما قد ذكرنا من أنه لا شريعة على ارض، وانما الشريعة على الناس والجن، ولو كان ما قالوا (1) لوجبت الزكاة في اراضى (2) الكفار * فان قالوا (3): الخراج ناب عنها * قلنا: قد كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لاخراج عليهم فكان يجب على قولكم ان تكون الزكاة فيما أخرجت ارضهم، وهذا باطل باجماع من أهل النقل، وباجماعهم مع سائر المسلمين * وقال الشافعي: إذا اجتمع للشركاء كلهم خمسة اوسق فعليهم الزكاة. وسنذكر * (هامش) (1) في النسخة رقم (16) (قال) (2) في النسخة رقم (14) (ارضين) (3) في النسخة رقم (16) (قال) * (م 33 - ج المحلى)

[ 258 ]

بطلان هذا القول - إن شاء الله تعالى - في زكاة الخلطاء (1) في الماشية، وجملة الرد عليه أنه إيجاب شرع بلا برهان أصلا. وبالله تعالى التوفيق * 657 - مسألة - ولا يجوز أن يعد الذى له الزرع أو الثمر ما انفق في حرث (2) أو حصاد أو جمع، أو درس، أو تزبيل (3) أوجداد (4) أو حفر أو غيرذلك -: فيسقطه من الزكاة وسواء تداين في ذلك أو لم يتداين، اتت النفقة على جميع قيمة الزرع أو الثمر أولم تأت. وهذا مكان قد اختلف السلف فيه * حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن على ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا وكيع عن أبى عوانة عن ابى بشر - هو جعفر بن ابى وحشية (5) - عن عمرو ابن هرم (6) عن جابر بن زيد عن ابن عباس، وابن عمر، في الرجل ينفق على ثمرته، قال أحدهما: يزكيها، وقال الآخر: يرفع النفقة ويزكى ما بقى (7) * وعن عطاء: أنه يسقط مما أصاب النفقة، فان بقى مقدار ما فيه الزكاة زكئ وإلا فلا * قال أبو محمد: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التمر والبر والشعير الزكاة جملة إذا بلغ الصنف منها خمسة أوسق فصاعدا، ولم يسقط الزكاة عن ذلك بنفقة الزارع (8) وصاحب النحل، فلا يجوز إسقاط حق أوجبه الله تعالى بغير نص قرآن ولا سنة ثابتة * وهذا قول مالك، والشافعي، وأبى حنيفة، وأصحابنا، إلا ان مالكا، وأبا حنيفة، والشافعي في احد قوليه تناقضوا وأسقطوا الزكاة عن الاموال التى أوجبها الله تعالى فيها إذا


(1) في النسخة رقم (16) (الخلطة (2) في النسخة رقم (16) (من حرث) وهو خطأ (3) الزبل - بفتح الزاى واسكان الباء - تسميد الارض والزرع بالزبل - بكسر الزاى - فالتزبيل مشتق من ذلك (4) في الاصلين (جذاذ) بالذالين المعجمتين وهو خطأ * (5) هو جعفر بن اياس. (6) بفتح الهاء وكسر الراء. (7) هكذا روى المؤلف الاثر، وأظنه اختصره، فقد رواه يحيى بن آدم في الخراج (رقم 589) عن ابى عوانة عن جعفر عن عمرو عن حابر بن زيد (عن ابن عباس وابن عمر في الرجل يستقرض فينفق على ثمرته وعلى اهله، قال قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه ويزكى ما بقى، قال وقال ابن عباس: يقضى ما أنفق على الثمرة ثم يزكى ما بقى) فقد اتفق ابن عباس وابن عمر على قضاء ما أنفق على الثمرة وزكاة الباقي فقط واختلفا في قضاء ما انفق على اهله، وهذا غير ما يوهمه اللفظ المختصر الذى هنا، فرواية يحيى اوضح جدا. (8) في النسخة رقم (14) الزرع وما هنا أصح

[ 259 ]

كان على صاحبها دين يستغرقها أو يستغرق بعضها، فأسقطوها عن مقدار ما استغرق الدين منها * 658 - مسألة - ولا يجوز ان يعد على صاحب الزرع في الزكاة ما أكل هو وأهله فريكا أو سويقا، قل أو كثر، ولا السنبل الذى يسقط فيأكله الطير أو الماشية أو يأخذه الضعفاء، ولا ما تصدق به حين الحصاد، لكن ما صفى فزكاته عليه * برهان ذلك ما ذكرنا قبل من ان الزكاة لا تجب إلا حين امكان الكيل، فما خرج عن يده قبل ذلك فقد خرج قبل وجوب الصدقة فيه. وقال الشافعي، والليث كذلك * وقال مالك، وأبو حنيفة: يعد عليه كل ذلك * قال أبو محمد: هذا تكليف مالا يطاق، وقد يسقط من السنبل مالو بقى لاتم خمسة أوسق، وهذا لا يمكن ضبطه، ولا المنع منه اصلا، والله تعالى يقول: (لا يكاف الله نفسا إلا وسعها) * 659 - مسألة - واما التمر ففرض على الخارص ان يترك له ما يأكل هو واهله رطبا على السعة، ولا يكلف عنه زكاة، وهو قول الشافعي، والليث بن سعد * وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يترك له شيئا * برهان صحة قولنا (1) حديث سهل ابن ابى حثمة الذى ذكرنا قبل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خرصتم فخذوا اودعوا الثلث أو الربع) ولا يختلف القائلون بهذا الخبر - وهم أهل الحق الذين اجماعهم الاجماع المتبع - في ان هذا على قدر حاجتهم إلى الاكل رطبا * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا هشيم ويزيد كلاهما عن يحيى بن سعيد الانصاري عن بشير بن يسار (2) قال: بعث عمر بن الخطاب أبا حثمة الانصاري (3) على خرص أموال المسلمين، فقال: إذا وجدت القوم في نخلهم قد خرفوا (4) فدع لهم ما يأكلون، لا تخرصه عليهم *


(1) في النسخة رقم (14) (برهان ذلك) (2) بشير بالتصغير، وفى النسخة رقم (16) (بشر) وهو تحريف (3) هو والد سهل بن أبى حثمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثه خارصا أيضا. وهذا الاثر رواه الحاكم مختصرا (ج 1 ص 402 و 403) (4) بفتح الخاء والراء، وفى اللسان: (وفى حديث عمر رضى الله عنه: إذا رأيت قوما خرفوا في حائطهم، أي اقاموا فيه وقت اختراف الثمار: وهو الخريف، كقولك: صافوا وشتوا: إذا أقاموا في الصيف والشتاء، وأما أحرف وأصاف وأشتى فمعناه انه دخل في هذه الاوقات)

[ 260 ]

وبه إلى أبى عبيد عن يزيد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن يحيى بن حبان أن أبا ميمونة أخبره عن سهل بن أبى حثمة: ان مروان بعثه خارصا للنخل، فخرص مال سعد ابن ابى وقاص (1) سبعمائة وسق، وقال: لولا انى وجدت فيه أربعين عريشا لخرصته تسعمائة وسق، ولكني تركت لهم قدر ما يأكلون * قال أبو محمد: هذا فعل عمر بن الخطاب، أبى حثمة، وسهل، ثلاثة من الصحابة، بحضرة الصحابة رضى الله عنهم، لا مخالف لهم يعرف منهم، ووهم يشنعون بمثل ذلك إذا وافقهم وبالله تعالى التوفيق * وقال أبو يوسف ومحمد: يزكى ما بقى بعد ما يأكل وهذا تخليط ومخالفة للنصوص كلها * 660 - مسألة - وان كان زرع أو نخل يسقى بعض العام بعين أو ساقية من نهر (2) أو بماء السماء، وبعض العام بنضح أو سانية أوخطارة أو دلو، فان كان النضح زاد في ذلك زيادة ظاهرة وأصلحه فزكاته نصف العشر فقط، وان كان لم يزد فيه شيئا ولا أصلح فزكاته العشر * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة واصحابه: يزكى على الاغلب من ذلك وهو قول رويناه عن بعض السلف * حدثنا حمام ثنا أبو محمد الباجى ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقى ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا محمد ابن بكر عن ابن جريج قال قلت لعطاء: في المال يكون على العين أو بعلا عامة الزمان ثم يحتاج إلى البئر يسقى بها؟ فقال إن كان يسقى بالعين أو البعل أكثر مما يسقى بالدلو ففيه العشر، وان كان يسقى بالدلو أكثر مما يسقى بالبعل ففيه نصف العشر قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله وعبيد بن عمير يقولان هذا القول * وقال مالك مرة: ان زكاته بالذى غذاه به وتم به، لا أبالى بأى ذلك كان أكثر سقيه فزكاته عليه. وقال مرة أخرى: يعطى نصف زكاته العشر ونصفها نصف العشر، وهكذا قال الشافعي * قال أبو محمد: قد حكم النبي صلى الله عليه وسلم فيما سقى بالنضح بنصف العشر، وبلا شك أن السماء تسقيه ويصلحه ماء السماء، بل قد شاهدنا جمهور السقاء (3) بالعين والنضح ان لم


(1) كذا في النسخة رقم (16) وفى النسخة رقم (14) (سعد بن ابى سعد) فيحر رأيتها أصح فانى لم اجد هذا الاثر (2) في النسخة رقم (16) (أو ساقية أو نهر) (3) بضم السين المهملة وفتح القاف المشددة، جمع ساق، ويجمع أيضا على (سقى) بضم السين وتشديد القاف

[ 261 ]

يقع عليه ماء السماء تغير ولابد، فلم يجعل عليه السلام لذلك حكما، فصح ان النضح إذا كان مصلحا للزرع أو النخل فزكاته نصف العشر فقط. وهذا مما ترك الشافعيون فيه صاحبا لا يعرف له مخالف منهم 661 - مسألة - ومن زرع قمحا أو شعيرا مرتين في العام أو أكثر أو حملت نخله بطنين في السنة فانه لا يضم البر الثاني ولا الشعير الثاني ولا التمر الثاني إلى الاول، وان كان احدهما ليس فيه خمسة أوسق لم يزكه، وان كان كل واحد منهما ليس فيه خمسة اوسق بانفراده لم يزكهما قال على: وذلك انه لو جمعا (1) لوجب ان يجمع بين الزرعين والتمرتين ولو كان بينهما عامان أو اكثر، وهذا باطل بلا خلاف، وإذ صح نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة عمادون خمسة اوسق فقد صح أنه راعى المجتمع، لا زرعا مستأنفا لا يدرى أيكون أم لا. وبالله تعالى التوفيق 662 - مسألة - وإن كان قمح بكير أو شعير بكير اوتمر بكير وآخر من جنس كل واحد منهما (2) مؤخر، فان يبس المؤخر أو ازهى قبل تمام وقت حصاد البكير وجداده (3) فهو كله زرع واحد وتمر واحد، يضم بعضه إلى بعض، وتزكى معا، وان لم ييبس المؤخر ولا ازهى إلا بعد انقضاء وقت حصاد البكير فهما زرعان وتمران، لا يضم أحدهما إلى الآخر، ولكل واحد منهما حكمه برهان ذلك ان كل زرع وكل تمر فان بعضه يتقدم بعضا في اليبس والازهاء، وان ما زرع في تشرين الاول يبدأ يبسه قبل ان ييبس ما زرع في شباط، الا أنه لا ينقضى وقت حصاد الاول حتى يستحصد الثاني، لانها صيفة (4) واحدة، وكذلك التمر، واما إذا كان لا يجتمع وقت حصادهما ولا يتصل وقت ازهائهما فهما زمنان اثنان كما قدمنا. وبالله تعالى التوفيق وأبكر ما صح عندنا يقينا انه يبدأ بان يرزع فبلادمن شنت برية (5)، وهى من


المفتوحة المنونة، والسقاء - بفتح السين والقاف المشددة، هو الساقى على التكثير، وجمعه (سقاؤن) * (1) في النسخة رقم (14) (لو جمع) (2) في الاصلين (منهما) وهو خطأ ظاهر (3) في الاصلين بالذالين المعجمتين وهو تصحيف (4) في النسخة رقم (16) صيغة وهو خطأ واضح (5) في النسخة رقم (16) (يزرع قبلا

[ 262 ]

عمل مدينة (سالم) بالاندلس، فانهم يزرعون الشعير في آخر (أيلول) وهو (شتنبر) (1) لغلبة الثلج على بلادم، حتى يمنعهم من زرعها ان لم يبكروا به كما ذكرنا، ويتصل الزرع بعد ذلك مدة ستة أشهر وزيادة أيام، فقد شاهدنا في بعض الاعوام زريعة القمح والشعير في صدر (أذار) وهو (مرس) (2) وابكرما صح عندنا حصاده (فألش) (3) من عمل (تدمير) (4) فانهم يبدؤن بالحصاد في ايام باقية من (نيسان) وهو (ابريل) ويتصل الحصاد اربعة اشهر إلى صدر زمن (أيلول) وهو (اغشت) (5) وهى كلها صيفة واحدة، واستحصاد واحد متصل 663 - مسألة - فلو حصد قمح أو شعير ثم أخلف في اصوله زرع فهو زرع آخر، لا يضم إلى الاول، لما ذكرنا قبل. وبالله تعالى التوفيق 664 - مسألة - والزكاة واجبة في ذمة صاحب المال لا في عين المال قال أبو محمد: وقد اضطربت أقوال المخالفين في هذا، وبرهان صحة قولنا هو ان لا خلاف بين احد من الامة - من زمنا إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم - في ان من وجبت عليه زكاة بر أو شعير أو تمر أو فضة أو ذهب أو ابل أو بقر أو غنم فأعطى زكاته الواجبة عليه من غير ذلك الزرع ومن غيرذلك التمر ومن غيرذلك الذهب ومن غير تلك الفضة ومن غير تلك الابل ومن غير تلك البقرومن غير تلك الغنم -: فانه لا يمنع من ذلك، ولايكره ذلك له، بل سواء أعطى من تلك العين، أو مما عنده من غيرها، أو مما يشترى، اومما يوهب، أو مما يتقرض، فصح يقينا ان الزكاة في الذمة لا في العين إذ لو كانت في العين لم يحل له


شنت برية). واما (شنت) فانها بفتح الشين المعجمة واسكان النون، قال ياقوت (واظنها لفظة يعنى بها البلدة أو الناحية لانها تضاف إلى عدة اسماء وهو خطأ بل هي تعريب كلمة (سانت) بمعنى قديس في لغات الافرنج، واما (برية) فقد ضبطت في النسخة رقم (14) بفتح الباء وإسكان الراء وفتح الياء، وضبطها ياقوت بفتح الباء وكسر الراء وتشديد الياء المفتوحة، وهى (مدينة متصلة بحوز مدينة سالم بالاندلس، وهى شرقي قرطبة، وهى مدينة كثيرة الخيرات، لها حصون كثيرة) (1) هو المعرب الآن باسم (سبتمبر) (2) هو المسمى الآن (مارس) (3) (ألش) بفتح الهمزة واسكان اللام وآخره شين معجمة، مدينة بالاندلس (4) بضم التاء واسكان الدال المهملة وياء ساكنة وراء كورة بالاندلس شرقي قرطبة بينهما سبعة ايام (5) هو المعرب الآن باسم (اغسطس) وذلك ان (ايلول) العبرى يبدأ في الثلث الاخير من اغسطن وينتهى في الثلث الاخير من سبتمبر

[ 263 ]

البتة ان يعطى من غيرها، ولوجب منعه من ذلك، كما يمنع من له شريك في شئ من كل ذلك أن يطعى شريكه من غير العين التى هم فيها شركاء إلا بتراضيهما وعلى حكم البيع وأيضا فلو كانت الزكاة في عين المال لكانت لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما ان تكون في كل جزء من اجزاء ذلك المال، أو تكون في شئ منه بغير عينه. فلو كانت في كل جزء منه لحرم عليه ان يبيع منه رأسا أو حبة فما فوقها، لان لاهل الصدقات في ذلك الجزء شركا، ولحرم عليه ان يأكل منها شيئا لما ذكرنا، وهذا باطل بلا خلاف وللزمه أيضا ان لا يخرج الشاة إلا بقيمة مصححة مما بقى، كما يفعل في الشركات ولابد، وان كانت الزكاة في شئ منه بغير عينه، فهذا باطل، وكان يلزم أيضا مثل ذلك سواء سواء لانه كان لا يدرى لعله يبيع أو يأكل الذى هو حق اهل الصدقة. فصح ما قلنا يقينا. وبالله تعالى التوفيق 665 - مسألة - فكل مال وجبت فيه زكاة من الاموال التى ذكرنا، فسواء تلف ذلك أو بعضه - اكثره أو اقله - إثر امكان إخراج الزكاة منه، إثر وجوب الزكاة بما قل من الزمن أو كثر، بتفريط تلف أو بغير تفريط -: فالزكاة كلها واجبة في ذمة صاحبه كما كانت لو لم يتلف، ولا فرق، لما ذكرنا من ان الزكاة في الذمة لا في عين المال وإنما قلنا: إثر إمكان إخراج الزكاة منه لانه إن اراد إخراج الزكاة من غير عين المال الواجبة فيه لم يجبر على غير ذلك، والابل وغيرها في ذلك سواء، إلا ان تكون مما يزكى بالغنم وله غنم حاضرة فهذا تلزمه الزكاة من الغنم الحاضرة، وليس له ان يمطل بالزكاة حتى يبيع من تلك الابل، لقول الله تعالى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم) 666 - مسألة - وكذلك لو اخرج الزكاة وعزلها ليدفعها إلى المصدق أو إلى أهل الصدقات فضاعت الزكاة كلها أو بعضها فعليه اعادتها كلها ولابد، لما ذكرنا، ولانه في ذمته حتى يوصلها إلى من أمره الله تعالى بايصالها إليه. وبالله تعالى التوفيق. وهو قول الاوزاعي، وظاهر قول الشافعي في بعض اقواله وقال أبو حنيفة: ان هلك المال بعد الحول - ولم يحد لذلك مدة - فلا زكاة عليه بأى وجه هلك، فلو هلك بعضه فعليه زكاة ما بقى فقط، قل أو كثر، ولا زكاة عليه فيما تلف، فان كان هو استهلكه فعليه زكاته

[ 264 ]

قال أبو محمد: وهذا خطأ، لما ذكرنا قبل، فان لجأ إلى ان الزكاة في عين المال، قلنا له: هذا باطل بما قدمنا آنفا، ثم هبك لو كان ذلك كما تقول لما وجب عليه زكاة ما بقى من المال إذا كان الباقي ليس مما يجب في مقداره الزكاة لو لم يكن معه غيره، لان التالف عندكم لا زكاة فيه لتلفه، والباقى ليس نصابا، فان كان الباقي فيه الزكاة واجبة فالتالف فيه الزكاة واجبة ولا فرق، وقد قدمنا ان الزكاة ليست مشاعة في المال في كل جزء منه كالشركة، إذ لو كان ذلك لما جاز اخراجها الا بقيمة محققة منسوبة مما بقى. وقد قال الشافعي بهذا في زكاة الابل، وقال به اصحاب ابى حنيفة في الطعام يخرج عن الطعام من صنفه أو من غير صنفه، فظهر تناقضهم وقال مالك: ان تلف الناض بعد الحول ولم يفرط في اداء زكاته فرجع إلى ما لا زكاة فيه فلا زكاة عليه فيه، وكذلك لو عزل زكاة الطعام فتلفت فلاشئ عليه غيرها، لاعن الكل ولا عما بقى، فلو لم يفعل وادخله بيته فتلف فعليه ضمان زكاته قال أبو محمد: وهذا خطأ، لان الزكاة الواجبة لاهل الصدقات ليست عينا معينة، بلا خلاف من احد من الامة ولا جزءا مشاعا في كل جزء من المال، وهذان الوجهان هما اللذان يكون من كانا عنده بحق مؤتمنا عليه فلا ضمان عليه فيما تلف من غير تعديه، فإذ الزكاة كما ذكرنا وانما هي حق مفترض عليه في ذمته حتى يؤديه إلى المصدق أو إلى من جعلها الله تعالى له: فهى دين عليه لاأمانة عنده والدين مؤدى على كل حال، وبالله تعالى التوفيق وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث وجربر والمعتمر بن سليمان التيمى، وزيد بن الحباب، وعبد الوهاب بن عطاء، قال حفص عن هشام بن حسان عن الحسن البصري، وقال جرير عن المغيرة عن أصحابه، وقال المعتمر عن معمر عن حماد، وقال زيد عن شعبة عن الحكم، وقال عبد الوهاب عن ابن أبى عروبة عن حماد عن ابراهيم النخعي، ثم اتفقوا كلهم: فيمن أخرج زكاة ماله فضاعت: انها لا تجزئ عنه وعليه إخراجها ثانية وروينا عن عطاء: أنها تجزئ عنه 667 - مسألة - واى برأعطى أو أي شعير في زكاته كان ادنى مما اصاب أو أعلى -: أجزأه، ما لم يكن فاسدا بعفن أو تأكل، فلا يجزئ عن صحيح، أو ما كان رديئا برهان ذلك: انه انما عليه بالنص عشر مكيلة ما أصاب أو نصف عشرها إذا كانت

[ 265 ]

خمسة أوسق فصاعدا ولو كان لا يجزئه أدنى من صفة ما اصاب لكن لا يجزئه أعلى من تلك الصفة، وهذا لا يقولونه، فإذا لم يلزمه بالنص من العين التى اصاب فمن ادعى ان لا يجزئه الا مثل صفة التى اصاب لم يقبل قوله الا ببرهان وأما قولنا ألا ان يكون الذى اعطى فاسدا عن صحيح فلان المكيلة عليه بالنص وبالاجماع، وبالعيان ندرى ان العفن والمتأكل (1) قد نقصا من المكيلة مالا يقدر على ايفائه اصلا، ولا يجزئه الا المكيلة تامة. وبالله تعالى التوفيق 668 - مسألة - وكذلك القول في زكاة التمر، أي تمرا خرج اجزأه، سواء من جنس تمره أو من غير جنسه، أدنى من تمره أو اعلى، ما لم يكن رديا كما ذكرنا، أو معفونا (2) أو متأكلا، أو الجعرور أولون الحبيق (3) فلا يجزئ اخراج شئ من ذلك اصلا، وسواء كان تمره كله من هذين النوعين أو من غيرهما، وعليه أن يأتي بتمر سالم غير ردئ ولامن هذين اللونين برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه الا ان تغمضوا فيه) حدثنا حمام ثنا عباس بن اصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن ايمن ثنا اسماعيل بن اسحاق القاضى ثنا ابو الوليد الطيالسي ثنا سليمان بن كثير ثنا الزهري عن ابى امامة بن سهل ابن حنيف عن ابيه: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لونين من التمر: الجعرور ولون الحبيق، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم فيخرجونها في الصدقة، فنهوا عن ذلك، ونزلت (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (4) حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن


(1) في النسخة رقم (14) (والتأكل) (2) كذا في الاصلين، والمعروف في اللغة ان يقال (عفن) بفتح العين وكسر الفاء (3) الجعرور - بضم الجيم واسكان العين المهملة - ضرب من التمر ردئ صغار لا ينتفع به، ولون الحبيق - بضم الحاء - تمر ردئ أيضا، وهو أغبر صغير فيه طول منسوب إلى ابن حبيق ويسمى أيضا: لون حبيق ولون ابن حبيق (4) رواه يحيى بن آدم (رقم 435) عن ابن المبارك عن محمد بن ابى حفصة عن الزهري عن ابى امامة، وليس فيه زيادة ابيه والصحيح زيادته كما في كثير من طرق الحديث ومنها ماهنا وانظر طرقه في ابى داود (ج 2 ص 25) والنسائي (ج 5 ص 43) والدار قطني (ص 216) والحاكم وصححه (ج 1 ص 402 وج 2 ص 284) (م 34 - ج 5 المحلى)

[ 266 ]

عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا مؤمل بن اسماعيل الحميرى ثنا سفيان الثوري ثنا اسماعيل السدى عن أبى مالك عن البراء بن عازب قال: (كانوا يجيئون في الصدقة بأدنى طعامهم وادنى تمرهم، فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) (1) فان قال قائل: الخبيث لا يكون إلا حراما قلنا: نعم، وهذا المنهى عن إخراجه في الصدقة هو حرام فيها فهو خبيث فيها لا في غيرها، ولا ينكر كون الشئ طاعة في وجه معصية في وجه آخر، كالاكل للصائم عند غروب الشمس،، هو طاعة الله تعالى طيب حلال، ولو أكله في صلاة المغرب لاكل حراما عليه خبيثا في تلك الحال، وكذلك الميتة ولحم الخنزير، هما حرامان خبيثان لغير المضطر، وهما للمضطر غير المتجانف لاثم حلالان طيبان غير خبيثين، وهكذا أكثر الاشياء في الشرائع (2) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك (3) ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد ابن يحيى بن فارس ثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد عن (4) سفيان بن حسين عن الزهري عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون

[ 267 ]

ابن حبيق (1) أن يؤخذا في الصدقة) قال الزهري: لونين من تمر المدينة (زكاة الغنم) 669 - مسألة - الغنم في اللغة التى بها خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم يقع على الضأن والماعز، فهى مجموع بعضها إلى بعض في الزكاة، وكذلك أصناف الماعز والضأن، كضأن بلاد السودان وما عز البصرة والنقد (2) وبنات حذف (3) وغيرها، وكذلك المقرون، الذى نصفه خلقة ما عزو نصفه ضأن، لان كل ذلك من الغنم، والذكور والاناث سواء، واسم الشاء أيضا واقع على المعز والضأن كما ذكرنا في اللغة، ولا واحد للغنم من لفظه، انما يقال للواحد: شاة أو ما عزة أو ضانية أو كبش أو تيس، هذا مالا خلاف فيه بين أهل اللغة، وبالله تعالى التوفيق 670 - مسألة - ولا زكاة في الغنم حتى يملكن المسلم الواحد منها أربعين رأسا حولا كاملا متصلا عربيا قمريا وقد اختلف السلف في هذا، وسنذكره في زكاة الفوائد، إن شاء الله تعالى ويكفى من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب الزكاة في الماشية، ولم يحدوقتا، ولا ندرى من هذا العموم متى تجب الزكاة، إلا أنه لم يوجبها عليه السلام في كل يوم، ولا في كل شهر، ولا مرتين في العام فصاعدا، هذا منقول باجماع إليه صلى الله عليه وسلم، فإذ لا شك في انها مرة في الحول، فلا يجب فرض الا بنقل صحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدنا من أوجب الزكاة في أول الحول أو قبل تمام الحول لم ينقل ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بنقل آحاد ولا بنقل تواتر ولا بنقل اجماع، ووجدنا من اوجبها بانقضاء الحول قد صح وجوبها بنقل الاجماع عن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ بلا شك، فالآن وجبت، لاقبل ذلك

[ 268 ]

فان احتج بقول الله تعالى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم) قلنا: إنما تجب المسارعة إلى الفرض بعد وجوبه، لا قبل وجوبه، وكلامنا في هذه المسألة وفى أخواتها إنما هو في وقت الوجوب، فإذا صح وجوب الفرض فحينئذ تجب المسارعة إلى ادائه، لا قبل ذلك، بلا خلاف وأما قولنا: أن يكون الحول عربيا فلا خلاف بين أحد من الامة في ان الحول اثنا عشر شهرا، وقال الله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم) والاشهر الحرم لا تكون إلا في الشهور العربية، وقال تعالى: (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال تعالى: (ولتعلموا عدد السنين والحساب) ولا يعد بالاهلة إلا العام العربي، فصح أنه لا تجب شريعة مؤقتة بالشهور أو بالحول إلا بشهور العرب والحول العربي. وبالله تعالى التوفيق 671 - مسألة - فإذا تمت في ملكه عاما كما ذكرنا، سواء كانت كلها ضأنا، أو كلها ما عزا، أو بعضها - أكثرها أو أقلها - ضأنا، وسائرها كذلك معزى: ففيها شاة واحدة لا تبالي ضانية كانت أو ماعزة، كبشا ذكرا أو انثى من كليهما، كل رأس تجزئ منهما عن الضأن وعن الماعز، وهكذا ما زادت حتى تتم مائة وعشرين كما ذكرنا فأذا أتمتها وزادت ولو بعض شاة كذلك عاما كاملا كما ذكرنا: ففيها شاتان كما قلنا، إلى أن تتم مائتي شاة فإذا أتمتها وزادت ولو بعض شاة كذلك عاما كاملا كما وصفنا ففيها ثلاث شياه كما حددنا، وهكذا إلى أن تتم أربعمائة شاة كما وصفنا فإذا أتمتها كذلك عاما كاملا كما ذكرنا ففى كل مائة شاة شاة وأى شاة أعطى صاحب الغنم فليس للمصدق ولا لاهل الصدقات ردها، من غنمه كانت أو من غير غنمه، ما لم تكن هرمة أو معيبة، فان أعطاه هرمة أو معيبة فالمصدق مخير، إن شاء أخذها وأجزأت عنه، وإن شاء ردها وكلفه فتية سليمة، ولا نبالى كانت تجزئ في الاضاحي أولا تجزئ والمصدق (1) هو الذى يبعثه الامام - الواجبة طاعته - أو أميره في قبض الصدقات

[ 269 ]

ولايجوز للمصدق ان يأخذ تيسا ذكرا إلا أن يرضى صاحب الغنم، فيجوز له حينئذ، ولايجوز للمصدق ان يأخذ أفضل الغنم، فان كانت التى تربى أو السمينة ليست من أفضل الغنم جاز أخذها، فان كانت كلها فاضلة أخذ منها إن أعطاه صاحبها، وسواء فيما ذكرنا كان صاحبها حاضرا أو غائبا إذا أخذ المصدق ما ذكرنا أجزأ برهان ذلك ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الانصاري ثنا أبى ثنا ثمامة بن عبد الله بن أنس ابن مالك ان انس بن مالك (1) حدثه: ان ابا بكر الصديق كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعط) - ثم ذكر الحديث وفيه -: (في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت اربعين إلى عشرين ومائة شاة)، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين فشاتان فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففى كل مائة شاة (فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من اربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا ان يشاء ربها، ولا يخرج في الصدقة هرمة ولاذات عوار، ولا تيس إلا ما شاء المصدق) (2) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن محمد النفيلى ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن ابيه قال: (كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض عليه السلام، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه - ذكر الفرائض: (وفى الغنم في كل أربعين شاة شاة) إلى عشرين ومائة، فان زادت واحدة فشاتان إلى مائتين، فان (3) زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلثمائة، فان

[ 270 ]

كانت الغنم أكثر من ذلك ففى كل مائة شاة شأة، وليس فيها شئ حتى تبلغ المائة) (1) حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد - هو ابن مقاتل - أنا عبد الله بن المبارك ثنا زكرياء بن اسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبى معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن - فذكر الحديث وفيه -: (فأخبرهم ان الله تعالى قد (2) فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فان هم أطاعوا بذلك (3) فاياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم، فانه ليس بينها وبين الله حجاب) ففى هذه الاخبار نص كل ما ذكرنا. وفى بعض ذلك خلاف فمن ذلك ان قوما قالوا: لا يؤخذ من الضأن إلا ضانية، ومن المعز إلا ماعزة (4)، فان كان خليطين أخذ من الاكثر قال أبو محمد: وهذا قول بلا برهان، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا رواية سقيمة، ولاقول صاحب ولا قياس، بل الذى ذكروا خلاف للسنن المذكورة، وقد اتفقوا على جمع المعزى مع الضأن، وعلى ان اسم غنم يعمها، وان اسم الشاة يقع على الواحد من الماعز ومن الضأن، ولو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم علم في حكمها فرقا لبينه، كما خص التيس، وان وجد في اللغة اسم التيس يقع على الكبش وجب ان لا يؤخذ في الصدقة الا برضا المصدق والعجب ان المانع من أخذ الماعزة عن الضأن أجاز اخذ الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب وهما عنده صنفان يجوز بيع بعضهما ببعض متفاضلا والخلاف أيضا في مكان آخر: وهو ان قوما قالوا: إن ملك مائة شاة وعشرين شاة وبعض شاة فليس عليه إلا شاة واحدة حتى يتم في ملكه مائة واحدى وعشرون، (5) ومن ملك مائتي شاة وبعض شاة فليس عليه الا شاتان حتى يتم في ملكه مائتا شاة وشاة. واحتجوا بما في حديث ابن عمر: (فان زادت واحدة) كما أوردناه

[ 271 ]

قال أبو محمد: في حديث ابن عمر كما ذكروا، وفى حديث ابى بكر الذى أوردنا (فان زادت) ولم يقل (واحدة) فوجدنا الخبرين جميعا متفقين على انها ان زادت واحدة على مائة وعشرين شاة أو على مائتي شاة فقد انتقلت الفريضة، ووجدنا حديث ابى بكر يوجب انتقال الفريضة بالزيادة على المائة وعشرين وعلى المائتين، فكان هذا عموما لكل زيادة، وليس في حديث ابن عمر المنع من ذلك أصلا، فصار من قال بقولنا قد أخذ بالحديثين، فلم يخالف واحدا منهما، وصار من قال بخلاف ذلك مخالفا لحديث ابى بكر، مخصصا له بلا برهان (1). وبالله تعالى التوفيق وههنا أيضا خلاف آخر: وهو ما رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري، ومن طريق محمد بن جعفر عن شعبة، ثم اتفق شعبة وسفيان كلاهما عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي انه قال: إذا زادت الغنم واحدة على ثلثمائة ففيها أربع شياه إلى اربعمائة، فكل ما زادت واحدة فهو كذلك قال أبو محمد: ولا حجة في احد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد يلزم القائلين بالقياس - لا سيما المالكيين القائلين بان القياس أقوى من خبر الواحد، والحنيفيين القائلين بأن ما عظمت به البلوى لا يقبل فيه خبر الواحد -: ان يقولوا بقول ابراهيم، لانهم قد أجمعوا على ان المائتي شاة إذا زادت واحدة فان الفريضة تنتقل ويجب فيها ثلاث شياه، فكذلك إذا زادت على الثلثمائة واحدة أيضا، فيجب ان تنتقل الفريضة، ولا سيما والحنيفيون قد قلدوا ابراهيم في أخذ الزكاة من البقرة الواحدة تزيد على اربعين بقرة، واحتجوا بأنهم لم يجدوا في البقر وقصا من تسعة عشر ان يقلدوه (2) ههنا ويقولوا: لم نجد في الغنم وقصا من مائة وثمان وتسعين شاة، لا سيما ومعهم ههنا في الغنم قياس مطرد، وليس معهم في البقر قياس أصلا، وكل ما موهوا به في البقر فهو لازم لهم فيما زاد على الثلثمائة من الغنم من قوله (3) تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) ونحو ذلك. وهلا قالوا: هذا مما تعظم به البلوى فلو كان ذلك ما جهله ابراهيم؟

[ 272 ]

فان قالوا: إن خلاف قول ابراهيم قد جاء في حديث ابى بكر وخبر ابن عمر، وعن على، وفى صحيفة ابن حزم قلنا: ليس شئ من هذه الاخبار الا وقد خالفتموها، فلم تكن حجة فيما خالفتموه فيه، وكان حجة عندكم فيما اشتهيتم، وهذا عجب جدا قال أبو محمد: وهذا كله خبط لا معنى له وانما نريهم تناقضهم وتحكمهم في الدين بترك القياس للسنن إذا وافقت تقليدهم، وبترك السنن للقياس كذلك، وبتركهما جميعا كذلك واما من راعى في الشاة المأخوذة ما تجزئ في الاضحية - وهو أبو حنيفة - فقد أخطأ، لانه لم يأت بما قال نص، ولا اجماع، فكيف وقد اجمعوا على اخذ الجذعة فما دونها في زكاة (1) الابل، ولا تجزئ في الاضحية واجازوا اخذ التبيع في زكاة البقر، ولا تجزئ في الاضحية وإنما قال عليه السلام لابي بردة: (ولن تجزئ جذعة لاحد بعدك)، يعنى في الاضحية، لانه عنها سأله، وقد صح النص (2) بايجاب الجذعة في زكاة الابل، فصح يقينا أنه عليه السلام لم يعن إلا الاضحية. وبالله تعالى التوفيق وأما قولنا: إن كانت الغنم كلها كرائم أخذ منها برضا صاحبها، فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كرائم الغنم، وهذا في لغة العرب يقتضى أن يكون في الغنم - ولابد - ما ليس بكرائم، وأما إذا كانت كلها كرائم فلا يجوز أن يقال في شئ منها: هذه كرائم هذه الغنم، لكن يقال هذه كريمة من هذه الغنم الكرائم وقد روينا عن ابراهيم النخعي أنه قال: يؤمر المصدق أن يصدع الغنم صدعين (3) فيختار صاحب الغنم خير الصدعين ويأخذ المصدق من الآخر وعن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق أنه قال: يفرق الغنم أثلاثا، ثلث خيار، وثلث رذال، وثلث وسط، ثم تكون الصدقة في الوسط (4) قال أبو محمد: هذا الانص فيه، ولكن روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: لا يأخذ المصدق هرمة ولا ذات عوار ولا تيسا

[ 273 ]

ومن طريق البخاري عن شعيب ن أبى حمزة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله (1) بان عتبة بن مسعود أن أبا هريرة قال قال أبو بكر الصديق: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها ومن طريق عبد الرزاق: أخبرني (2) بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله أن أباه حدثه أن سفيان أباه حدثه أن عمر بن الخطاب قال (3) له: قل لهم: إنى لا آخذ الشاة الاكولة (4) ولا فخل الغنم ولا الربى (5) ولا الماخض (6)، ولكني آخذ العناق (7) والجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء (8) المال وخياره ومن طريق الاوزاعي عن سالم بن عبد الله المحاربي (9): أن عمر بعثه مصدقا وأمره أن يأخذه الجذعة والثانية

[ 274 ]

672 - مسألة - وما صغر عن أن يسمى شاة لكن يسمى خروفا أو جديا أو سخلة لم يجزأن يؤخذ في الصدقة الواجبة، ولا أن يعد فيما تؤخذ منه الصدقة، إلا أن يتم سنة، فإذا أتمها عد، وأخذت الزكاة منه قال أبو محمد: هذا مكان اختلف الناس فيه فقال أبو حنيفة: تضم الفوائد كلها من الذهب والفضة والمواشى إلى ما عند صاحب المال فتزكى مع ما كان عنده، ولو لم يفدها إلا قبل تمام الحول بساعة، وهذا إذا كان الذى عنده تجب في مقدار ما معه الزكاة، وإلا فلا، وإنما يراعى في ذلك أن يكون عنده نصاب في أول الحول وآخره، ولا يبالى أنقص في داخل الحول عن النصاب أم لا؟ قال: فان ماتت التى كانت عنده كلها وبقى من عدد الخرفان أكثر من أربعين فلا زكاة فيها، وكذلك لو ملك ثلاثين عجلا فصاعدا، أو خمسا من الفصلان فصاعدا، عاما كاملا دون أن يكون فيها مسنة واحدة فما فوقها -: فلا زكاة عليه فيها وقال مالك: لا تضم فوائد الذهب والفضة إلى ما عند المسلم منها، بل يزكى كل مال بحوله، حاشا ربح المال وفوائد المواشى كلها، فانها تضم إلى ما عنده ويزكى الجميع بحول ما كان عنده، ولو لم يفدها الا قبل الحول بساعة، الا انه فرق بين فائدة الذهب والفضة والماشية من غير الولادة، فلم ير أن يضم إلى ما عند المرء من ذلك كله الا إذا كان الذى عنده منها مقدارا تجب في مثله الزكاة والا فلا، ورأى أن تضم ولادة الماشية خاصة إلى ما عنده منها، سواء كان الذى عنده منها تجب في مقداره الزكاة أو لا تجب في مقداره الزكاة وقال الشافعي: لا تضم فائدة أصلا إلى ما عنده، الا اولاد الماشية فقط، فانها تعد مع امهاتها، ولو لم يتم العدد المأخوذ منه الزكاة بها (1) الاقبل الحول بساعة، هذا إذا كانت الامهات نصابا تجب فيه الزكاة والا فلا، فان نقصت في بعض الحول عن النصاب فلا زكاة فيها قال أبو محمد: أما تناقض مالك والشافعي وتقسيمهما فلا خفاء به، لانهما قسما تقسيما لا برهان على صحته وأما أبو حنيفة فله ههنا أيضا تناقض أشنع (2) من تناقض مالك والشافعي، وهو

[ 275 ]

أنه رأى ان يراعى أول الحول وآخره دون وسطه، ورأى ان تعد اولاد الماشية مع امهاتها ولو لم تضعها الا قبل مجئ الساعي بساعة، ثم رأى في اربعين خروفا صغارا ومعها شاة واحدة مسنة ان فيها الزكاة، وهى تلك المسنة فقط، فان لم يكن معها مسنة فلا زكاة فيها، فان كانت (1) معه مائة خروف وعشرون خروفا صغارا كلها ومعها مسنة واحدة، قال: ان كان فيها مسنتان فصدقتها تانك المسنتان معا، وان كان ليس معهما الا مسنة واحدة فليس فيها الا تلك المسنة وحدها فقط، فان لم يكن معها مسنة فليس فيها شئ أصلا، وهكذا قال في العجاجيل والفصلان أيضا، ولو ملكها سنة فأكثر قال أبو محمد: وهذه شريعة ابليس لا شريعة الله تعالى ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، نعنى قوله: ان كان مع المائة خروف والعشرين خروفا مسنتان زائدتان أخدتا عن زكاة الخرفان كلتاهما فان لم يكن معها إلا مسنة واحدة أخدت وحدها عن زكاة الخرفان والا مزيد وما جاء بهذا قط قرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة، ولا قول أحد من الصحابة ولا من التابعين، ولا أحد نعلمه قبل أبى حنيفة، ولا قياس ولا رأى سديد وقد روى عنه أنه قال مرة في أربعين خروفا: يؤخذ عن زكاتها شاة مسنة، وبه يأخذ زفر، ثم رجع إلى ان قال: بل يؤخذ عن زكاتها خروف منها، وبه يأخذ أبو يوسف، ثم رجع إلى ان قال: لا زكاة فيها وبه يأخذ الحسن بن زياد وقال مالك كقول زفر، وقال الاوزاعي والشافعي كقول ابى يوسف، وقال الشعبى وسفيان الثوري وابو سليمان كقول الحسن بن زياد قال أبو محمد: احتج من رأى ان تعد الخرفان مع امهاتها بما رويناه من طريق عبد الرزاق (2) عن بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفى عن ابيه عن جده: انه كان مصدقا في مخاليف (3) الطائف، فشكا إليه أهل الماشية تصديق الغذاء، وقالوا: ان

[ 276 ]

كنت معتدا بالغذاء فخذ منه صدقته، قال عمر: فقل لهم (1): إنا نعتد بالغذاء كلها (2) حتى السخلة يروح بها الراعى على يده، وقل لهم: إنى لا آخذ الشاة الاكولة ولا فحل الغنم ولا الربى ولا الماخض، ولكني آخذ العناق والجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره (3) * وروينا هذا أيضا من طريق مالك عن ثور بن زيد عن ابن عبد الله بن سفيان (4) ومن طريق ايوب عن عكرمة بن خالد عن سفيان ما نعلم لهم حجة غير هذا * قال أبو محمد: وهذا لاحجة لهم فيه لوجوه * أولها انه ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حجة في قول أحد دونه * والثانى أنه قد خالف عمر رضى الله عنه في هذا غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) كما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى عن عبد الرزاق عن مالك عن محمد بن عقبة عن القاسم بن محمد بن ابى بكر الصديق: ان أبا بكر الصديق كان لا يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن حارثة بن ابى الرجال عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت: لا يزكي حتى يحول عليه الحول. تعنى المال المستفاد * وبه إلى سفيان عن ابى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن ابى طالب قال: من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول * وبه إلى سفيان عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: من استفاد مالافلا زكاة فيه (6) حتى يحول عليه الحول * فهذا عموم من أبى بكر وعائشة وعلى وابن عمر رضى الله عنهم، لم يخصوا فائدة ماشية بولادة من سائر ما يستفاد، وليس لاحذ أن يقول: إنهم لم يريدوا بذلك أولاد الماشية إلا كان كاذبا عليهم، وقائلا بالباطل الذى لم يقولوه قط * وأيضا فان الذين حكى عنهم سفيان بن عبد الله أنهم أنكروا أن يعد عليهم أولاد


(1) في الاصلين (فقيل لهم) وهو خطأ واضح مما مضى ومما سيجئ. (2) في النسخة رقم (14) (كله). (3) رواه الشافعي بنحوه في الام (ج 2 ص 13) عن سفيان بن عيينة عن بشر بن عاصم (4) هو في الموطأ (ص 113) (5) في النسخة رقم (14) (غيره من الصحابة رضى الله عنهم) (6) في النسخة رقم (16) (فلا زكاة عليه).

[ 277 ]

الماشية مع أمهاتها -: قد كان فيهم بلا شك جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان سفيان ذكر أن ذلك كان أيام عمر رضى الله عنه وعمر رضى الله عنه ولى الامر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين ونصف، وبقى عشر سنين، ومات بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة وكانوا بالطائف، وأهل الطائف أسلموا قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو عام ونصف ورأوه عليه السلام. فقد صح الخلاف في هذا من الصحابة رضى الله عنهم بلا شك، وإذا كان ذلك فليس قول بعضهم أولى من قول بعض، والواجب في ذلك ما افترضه الله تعالى إذ يقول (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسل ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * والثالث أنه لم يرو هذا عن عمر من طريق متصلة إلا من طريقين: إحداهما من طريق بشر بن عاصم بن سفيان عن أبيه، وكلاهما غير معروف (1)، أو من طريق ابن لعبدالله ابن سفيان لم يسم. والثانية من طريق عكرمة بن خالد، وهو ضعيف (2) * والرابع أن الحنيفيين والشافعيين خالفوا قول عمر في هذه المسألة نفسها، فقالوا: لا يعتد بما ولدت الماشية إلا أن تكون الامهات - دون الاولاد - عددا تجب فيه الزكاة، وإلا في تعد عليهم الاولاد، وليس هذا في حديث عمر * والخامس أنهم لا يلتفتون (3) ما قد صح عن عمر رضى الله عنه بأصح من هذا الاسناد، أشياء لايعرف له فيها مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، إذا خالف رأى مالك وأبى حنيفة والشافعي، كترك الحنيفيين والشافعيين قول عمر: الماء لا ينجسه شئ، وترك الحنيفيين والمالكيين والشافعيين أخذ عمر الزكاة من الرقيق لغير التجارة، وصفة أخذه الزكاة من الخيل، وترك الحنيفيين إيجاب عمر الزكاة في مال اليتيم، ولا يصح خلافه عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، وترك الحنيفيين والمالكيين امر عمر الخارص بأن يترك لاصحاب النخل ما يأكلونه لا يخرصه عليه، وغير هذا كثير جدا، فقد وضح ان احتجاجهم


(1) أما بشر بن عاصم فانه معروف وثفه ابن معين والنسائي وغيرهما، وأما أبوه عاصم فانى لم أجد له ترجمة في شئ من الكتب وانما ذكر في ترجمة ابيه سفيان ممن رووا عنه (2) عكرمة هذاا - هو ابن خالد بن العاص ابن هشام الثقة الثبت - وفى الرواة آخر قريبه اسمه عكرمة بن خالد بن سلمة بن العاص بن هشام، وهو ضعيف منكر الحديث، ولكنه ليس الراوى لهذا الحديث، وقد نص ابن حجرفى التلخيص (ص 174 و 175) والتهذيب (ج 7 ص 260) على ان ابن حزم أخطأ في هذا واشتبه عليه الامر (3) يستعمل المؤلف (التفت) متعديا بنفسه هنا وفي الاحكام * (م 36 - ج 5 المحلى)

[ 278 ]

بعمر إنما هو حيث وافق شهواتهم! لا حيث صح عن عمر من قول أو عمل وهذا عظيم في الدين جدا * قال أبو محمد: المرجوع إليه عند التنازع هو القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرنا في ذلك فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الزكاة في اربعين شاة فصاعدا كما وصفنا، وأوجب فيها شاة أو شاتين أو في كل مائة شاة شاة، واسقطها عما عدا ذلك، ووجدنا الخرفان والجديان لا يقع عليها اسم شاة ولا اسم شاء في اللغة التى اوجب الله تعالى علينا بها دينه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرجت الخرفان والجديان عن ان تجب فيها زكاة (1) * وأيضا فقد اجمعوا على أن لا يؤخذ خروف ولا جدى في الواجب في الزكاة عن الشاء (2) فأقروا بأنه لا يسمى شاة ولا له حكم الشاء، فمن المحال ان يؤخذ منها زكاة، فلا تجوز هي في الزكاة بغير نص في ذلك * وايضا فان زكاة ماشية لم يحل عليها حول لم يأت به قرآن، ولاسنة، ولا اجماع * وأما من ملك خرفانا أو عجولا أو فصلانا سنة كاملة فالزكاة فيها واجبة عند تمام العام، لان كل ذلك يسمى غنما وبقرا وابلا * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب ثنا هناد بن السرى عن هشيم عن هلال بن خباب عن ميسرة ابى صالح عن سويد بن غفلة قال: (أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست إليه، فسمعته يقول: ان في عهدي أن لا نأخذ من راضع لبن (3)) * قال أبو محمد: لو أراد أن لا يؤخذ هو في الزكاة لقال: (ان لا نأخذ راضع لبن) لكن لما منع من أخذ الزكاة من راضع لبن - وراضع لبن اسم للجنس - صح بذلك


(1) الخروف ولد الحمل، وقيل: هو دون الجذع من الضأن خاصة، واشتقاقه أنه يخرف - بضم الراء - من ههنا وههنا أي يرتع. قاله في اللسان (2) في النسخة رقم (14) (عن الشاة) (3) في النسخة رقم (14) (ان لا تأخذ راضع لبن) بحذف (من) وهو خطأ، كما يظهر واضحا من شرح المؤلف للحديث وبيانه، ووقع في النسائي كذلك بحذفها (ج 5 ص 29 و 30) وهو خطأ أيضا من الناسخين، فان السيوطي قال في شرحه عليه متأولا للحديث (ومن زائدة) فهى اذن ثابتة في نسخته وان سقطت من نسخة السندي. ويؤيد اثباتها انها ثابتة فيه في رواية أبى داود (ج 2 ص 14) والشوكانى (ج 4 ص 193) والدار قطني (ص 204) بل لفظه (ان لا آخذ من راضع شيئا) وهو تركيب لا يحتمل فيه حذفها، ثم ان الحديث في اللسان والنهاية باثباتها أيضا وحاول صاحب النهاية تأويله بتأويلات

[ 279 ]

أن لاتعد الرواضع (1) فيما تؤخذ منه الزكاة * وما نعلم احدا عاب هلال بن خباب، الا ان يحيى بن سعيد القطان قال: لقيته وقد تغير، وهذا ليس جرحة، لان هشيما أسن من يحيى بنحو عشرين سنة، فكان لقاء هشيم لهلال قبل تغيره بلاشك (2) * وأما سويد فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وأتى إلى المدينة بعد وفاته عليه السلام بنحو خمس ليال، وأفتى أيام عمر رضى الله عنه * قال أبو محمد: وأما الشافعي، وابو يوسف فطردا قولهما، إذ أوجبا أخذ خروف صغير في الزكاة عن أربعين خروفا فصاعدا، ولدت قبل الحول أو ماتت أمهاتها وأخذ مثل هذا في الزكاة عجب جدا! * وأما إذا أتمت سنة فاسم شاة يقع عليها، فهى معدودة ومأخوذة. وبالله تعالى التوفيق * وحصلوا كلهم على أن ادعوا أنهم قلدوا عمر رضى الله عنه، وهم قد خالفوه في هذه المسألة نفسها، فلم ير أبو حنيفة والشافعي أن تعد الاولاد مع الامهات إلا إذا كانت الامهات نصابا، ولم يقل عمر كذلك * وحصل مالك على قياس فاسد متناقض، لانه قاس فائدة الماشية خاصة - دون سائر الفوائد - على ما في حديث عمر من عد أولادها معها، ثم نقض قياسه فرأى أن لا تضم فائدة الماشية بهبة، أو ميراث، أو شراء إلى ما عنده منها إلا ان كان ما عنده نصابا تجب في مثله الزكاة وإلا فلا. ورأى ان تضم أولادها إليها وإن لم تكن الامهات نصابا تجب فيه الزكاة * وهذه تقاسيم لا يعرف أحد قال بها قبلهم، ولاهم اتبعوا عمر، ولا طردوا القياس، وأما سويد فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وأتى إلى المدينة بعد وفاته عليه السلام بنحو خمس ليال، وأفتى أيام عمر رضى الله عنه * قال أبو محمد: وأما الشافعي، وابو يوسف فطردا قولهما، إذ أوجبا أخذ خروف صغير في الزكاة عن أربعين خروفا فصاعدا، ولدت قبل الحول أو ماتت أمهاتها وأخذ مثل هذا في الزكاة عجب جدا! * وأما إذا أتمت سنة فاسم شاة يقع عليها، فهى معدودة ومأخوذة. وبالله تعالى التوفيق * وحصلوا كلهم على أن ادعوا أنهم قلدوا عمر رضى الله عنه، وهم قد خالفوه في هذه المسألة نفسها، فلم ير أبو حنيفة والشافعي أن تعد الاولاد مع الامهات إلا إذا كانت الامهات نصابا، ولم يقل عمر كذلك * وحصل مالك على قياس فاسد متناقض، لانه قاس فائدة الماشية خاصة - دون سائر الفوائد - على ما في حديث عمر من عد أولادها معها، ثم نقض قياسه فرأى أن لا تضم فائدة الماشية بهبة، أو ميراث، أو شراء إلى ما عنده منها إلا ان كان ما عنده نصابا تجب في مثللة نفسها، فلم ير أبو حنيفة والشافعي أن تعد الاولاد مع الامهات إلا إذا كانت الامهات نصابا، ولم يقل عمر كذلك * وحصل مالك على قياس فاسد متناقض، لانه قاس فائدة الماشية خاصة - دون سائر الفوائد - على ما في حديث عمر من عد أولادها معها، ثم نقض قياسه فرأى أن لا تضم فائدة الماشية بهبة، أو ميراث، أو شراء إلى ما عنده منها إلا ان كان ما عنده نصابا تجب في مثله الزكاة وإلا فلا. ورأى ان تضم أولادها إليها وإن لم تكن الامهات نصابا تجب فيه الزكاة * وهذه تقاسيم لا يعرف أحد قال بها قبلهم، ولاهم اتبعوا عمر، ولا طردوا القياس، ولا اتبعوا نص السنة في ذلك * (تم الجزء الخامس من كتاب المحلى للامام العلامة ابى محمد على المشهور بابن حزم والله الحمد ويتلوه ان شاء الله تعالى الجزء السادس مفتتحا (بزكاة البقر) فنسأل الله التوفيق لاتمامه انه على ما يشاء قدير وبالاجابة جدير)


منها ان من زائدة. وهذا قطعة من حديث وسيأتى باقيه في المسألة 674 (1) في النسخة رقم (16) (الراضع) (2) خباب: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة وآخره موحدة ايضا. هلال هذا ثقة، ولم يثبت ما قاله القطان، فقد قال ابراهيم بن الجنيد: (سألت ابن معين عن هلال بن خباب وقلت: ان يحيى القطان يزعم انه تغير قبل ان يموت واختلط؟ فقال يحيى: لا، ما اختلط ولاتغير، قلت ليحيى: فثقة هو؟ قال: ثقة مأمون)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية