الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 2

المحلى

ابن حزم ج 2


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس ابي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍. طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ احمد محمد شاكر الجزء الثاني دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الاشياء الموجبة غسل الجسد كله 170 - مسألة - ايلاج الحشفة أو إيلاج مقدارها، من الذكر الذاهب الحشفة والذاهب أكثر من الحشفة في فرج المرأة الذى هو مخرج الولد منها، بحرام أو حلال، إذ كان تعمدا (1) أنزل أو لم ينزل، فان عمدت هي أيضا لذلك (2) فكذلك أنزلت أو لم تنزل، فان كان أحدهما مجنونا (3) أو سكران أو نائما أو مغمى عليه أم مكرها، فليس على من هذه صفته (4) منهما إلا الوضوء فقط إذا أفاق أو استيقظ إلا أن ينزل، فان كان أحدهما غير بالغ فلا غسل عليه ولا وضوء، فإذا بلغ لزمه الغسل فيما يحدث (5) لافيما سلف له من ذلك والوضوء * برهان ذلك ما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكى ثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن عبد الله الانصاري ثنا هشام بن حسان عن حميد بن هلال عن أبى بردة ابن أبى موسى الاشعري عن أبيه (6) عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) * وحدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن زهير بن حرب (7) ثنا مسلم بن ابراهيم ثنا شعبة وهشام الدستوائى كلاهما عن قتادة


(1) في اليمنية (بعد) (2) كلمة (لذلك) محذوفة في اليمنية (3) في المصرية (مجبوبا) وهو خطأ ظاهر (4) في المصرية (هذا صفته) (5) في اليمنية (مما يحدث) (6) في اليمنية (عن أبى بردة عن أبي موسى الاشعري عن أبيه) وهو خطأ (7) في المصرية (أحمد بن وهب بن حرب) وهو خطأ

[ 3 ]

عن الحسن البصري عن أبى رافع عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قعد بين شعبها الاربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل) * قال أحمد بن زهير: وحدثنا عفان بن مسلم ثنا همام بن يحيى وأبان بن يزيد العطار قالا جميعا ثنا قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قعد بين شعبها الاربع وأجهد نفسه فقد وجب عليه الغسل أنزل أو لم ينزل) قال أبو محمد: هذا فيه زيادة ثابتة عن الاحاديث التى فيها اسقاط الغسل، والزيادة شريعة وارده لا يجوز تركها * وانما قلنا في مخرج الولد لانه لا ختان الا هنالك، فسواء كان مختونا أو غير مختون (1)، لان لفظة (أجهد نفسه) تقتضي ذلك، ولم يخص عليه السلام حراما من حلال * وانما قلنا بذلك في العمد دون الاحوال التى ذكرنا، لان قوله عليه السلام: (إذا قعد ثم أجهد) وهذا الاطلاق ليس الا للمختار القاصد، ولا يسمى المغلوب أنه قعد ولا النائم ولا المغمى عليه (2) وأما المجنون فقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) فذكر عليه السلام (المجنون حتى يفيق والصبى حتى يبلغ) فإذا زالت (3) هذه الاحوال كلها من الجنون والاغماء والنوم والصبا فالوضوء لازم لهم فقط، لانهم يصيرون مخاطبين بالصلاة وبالوضوء لها جملة، وبالغسل (4) ان كانوا مجنبين، وهؤلاء ليسوا بمجنبين. وبالله تعالى التوفيق (5)


(1) في المصرية (مجبوبا أو غير مجبوب) وهو خطأ (2) هنا بهامش اليمنية ما نصه (قال شمس الدين الذهبي: هذا فيه نظر أن لو وكلنا إلى هذا الحديث وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا التقى الختانان. في الحديث الآخر! وهذا مما غفل عنه ابن حزم فان النبي عليه السلام أوجب الغسل بالتقاء الختانين لم يخص مكرها ولا نائما، وأظنه خرق الاجماع بهذا) (3) في اليمنية (فإذا زادت) وهو خطأ (4) في المصرية (وبالغسل وبالوضوء) (5) هنا بهامش اليمنية ما نصه: (قال الشيخ شمس الدين الذهبي: أتراه إذا أجنب المجنون يقول لا غسل عليه لكونه رفع عنه القلم؟ بل حكم

[ 4 ]

فان قيل: فهلا أوجبتم الغسل بقوله عليه السلام (إذا التقى الختانان وجب الغسل)؟ قلنا: هذا الخبر أعم من قوله عليه السلام: (إذا أقحطت أو أكسلت فلا غسل عليك) فوجب أن يستثنى الاقل (1) من الاعم ولا بد، ليوخذ بهما معا، ثم حديث أبى هريرة زائد حكما على حديث الاكسال فوجب إعماله أيضا * وأما كل موضع لا ختان فيه ولا يمكن فيه الختان فلم يأت نص ولا سنة بايجاب الغسل من الايلاج فيه، وممن رأى أن لا غسل من الايلاج في الفرج ان لم يكن أنزل: عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبى وقاص وابن مسعود ورافع بن خديج وأبو سعيد الخدرى وأبى بن كعب وأبو أيوب الانصاري وابن عباس والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت وجمهور (2) الانصار رضى الله عنهم وعطاء بن أبى رباح وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهشام بن عروة والاعمش وبعض أهل الظاهر * (3) وروى الغسل في ذلك عن عائشة أم المؤمنين وأبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر والمهاجرين رضى الله عنهم، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وبعض أصحاب الظاهر * 171 - مسألة - فلو أجنب كل من ذكرنا وجب عليهم غسل الرأس وجميع الجسد إذا أفاق المغمى عليه والمجنون وانتبه النائم وصحا السركان وأسلم الكافر، وبالاجناب يجب الغسل والبلوغ * (4) برهان ذلك قول الله تعالى: (فان كنتم جنبا فاطهروا) فلو اغتسل الكافر قبل أن يسلم والمجنون قبل أن يفيق أو غسل المغمى عليه قبل أن يفيق والسكران: لم يجزهم ذلك من غسل الجنابة وعليهم اعادة الغسل لانهم بخروج الجنابة منهم صاروا


انزاله في جنونه حكم ولوج ذكره في فرج) (1) في اليمنية (الاول) بدل (الاقل) وهو خطأ (2) في اليمنية (وجمهرة الانصار) (3) في اليمنية (وبعض أصحاب الظاهر) (4) كلمة (والبلوغ) ثابتة في الاصلين ولا نرى لها موقعا في سياق القول، ونظها من أخطاء الناسخين

[ 5 ]

جنبا ووجب الغسل به ولا يجزى الفرض المأمور به إلا بنية أدائه قصدا. إلى تأدية ما أمر الله تعالى به قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وكذلك لو توضؤا في هذه الاحوال للحدث لم يجزهم ولا بد من اعادته بعد زوالها لما ذكرنا (1) * 172 - مسألة - والجنابة هي الماء الذى يكون من نوعه الولد، وهو من الرجل أبيض غليظ رائحته رائحة الطلع وهو من المرأة رقيق أصفر، وماء العقيم والعاقر يوجب الغسل، وماء الخصى (2) لا يوجب الغسل، وأما المجبوب الذكر السالم الانثيين أو إحداهما فماؤه يوجب الغسل * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عباس بن الوليد ثنا يزيد بن ريع ثنا سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم أن أم سليم حدثت (أنها سألت نبى الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل قيل وهل يكون هذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فمن أين يكون الشبه! ان ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه) * قال أبو محمد فهذا هو الماء الذى يوجب الغسل وماء العقيم والعاقر والسالم الخصية وان كان مجبوبا فهذه صفته وقد يولد لهذا وأما ماء الخصى فانما هو أصفر فليس هو الماء الذى جاء النص بايجاب الغسل فيه فلا غسل فيه ولو ان امرأة شفرت (3) وهى بالغ أو غير بالغ فدخل المنى فرجها فحملت فالغسل عليها ولا بد لانها قد أنزلت الماء يقينا. 173 - مسألة وكيفما خرجت الجنابة المذكورة بضربة أو علة أو لغير لذة أو لم يشعر به حتى وجده أو باستنكاح فالغسل واجب في ذلك برهان ذلك قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) وأمره عليه السلام إذا فضخ (4)


(1) في المصرية (كما ذكرنا) (2) في المصرية (وماء الحيض) وهو خطأ (3) بضم الشين وكسر الفاء مبنى لما لم يسم فاعله. والشفر بضم الشين واسكان الفاء حرف الفرج وشفر المرأة بفتح الشين والفاء ضرب شفرها (4) بالضاد

[ 6 ]

الماء أن يغتسل، وهذا عموم لكل من خرجت منه الجنابة، ولم يستثن عزوجل ولا رسوله عليه السلام حالا من حال فلا يحل لاحد أن يخص النص برأيه بغير نص، وهذا هو قول الشافعي وداود. وقال ابو حنيفة ومالك من خرج منه المنى - لعلة قال أبو حنيفة: أو ضرب على استه فخرج منه المنى فعليه الوضوء ولا غسل عليه وهذا قول خلاف للقرآن وللسنن الثابتة وللقياس وما نعلمه عن أحد من السلف إلا عن سعيد بن جبير وحده فانه ذكر عنه لا غسل إلا من شهوة * قال أبو محمد: أما خلافهم للقياس فان الغائط والبول والريح موجبة للوضوء ولا يختلفون أن كيفما خرج ذلك فالوضوء فيه وكذلك الحيض موجب للغسل وكيفما خرج فالغسل فيه فكان الواجب أن يكون المنى كذلك فلا بالقرآن أخذوا ولا بالسنة عملوا ولا القياس طردوا * والعجب أن بعضهم احتج في ذلك بأن الغائط والبول ليس في خروجهما حال تحليل الجسد قال: والمنى إذا خرج لشهوة أذهب الشهوة وأحدث في الجسد أثرا فوجب أن يكون بخلافهما * قال على: وهذا تخليط بل اللذة في خروج البول والغائط والريح أشد عند الحاجة إلى خروجها منها في خروج المنى وضرر الم (1) امتناع خروجها (2) أشد من ضرر امتناع خروج المنى فقد استوى الحكم في ذلك (3) وبالله تعالى التوفيق. فان تأذى المستنكح بالغسل فليتيمم لانه غير واجد ما يقدر على الغسل به فحكمه التيمم بنص القرآن. وبالله تعالى التوفيق * 174 - مسألة ولو أن امرأة وطئت ثم اغتسلت ثم خرج ماء الرجل من فرجها فلا شئ عليها، لا غسل ولا وضوء لان الغسل انما يجب عليها من إنزالها لا من إنزال غيرها والوضوء انما يجب عليها من حدثها لا من حدث غيرها وخروج ماء


والخاء المعجمتين أي دفق وفضخ الماء دفقه (1) لفظ (ألم) ساقط من اليمنية (2) في المصرية (خروجه) (3) هذه الجملة في اليمنية غير واضحة ونصها (وضرر امتناع خروجها أشد عند الحاجة إلى خروجها فقد استويا في الحكم في ذلك) وهو تحريف

[ 7 ]

الرجل من فرجها ليس انزالا منها ولا حدثا منها (1) فلا غسل عليها ولا وضوء. وقد روى عن الحسن أنها تغتسل وعن قتادة والاوزاعي وأحمد واسحاق تتوضأ. قال على: ليس قول أحد حجة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. 175 - مسألة - فلو أن امرأة شفرها رجل فدخل ماؤه فرجها فلا غسل عليها إذا لم تنزل هي. وقد روى عن عطاء والزهرى وقتادة: عليها الغسل قال على: إيجاب الغسل لا يلزم الا بنص قرآن أو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * 176 - مسألة - ولو أن رجلا أو امرأة أجنبا وكان منهما وطئ دون إنزال (2) فاغتسلا وبالا أو لم يبولا (3) ثم خرج منهما أو من أحدهما بقية من الماء المذكور أو كله فالغسل واجب في ذلك ولا بد، فلو صليا قبل ذلك أجزأتهما صلاتهم ثم لا بد من الغسل، فلو خرج في نفس الغسل وقد بقى أقله أو أكثره لزمهما أو الذي خرج ذلك منه ابتداء الغسل ولا بد * برهان ذلك عموم قوله عزوجل: (وان كنتم جنبا فاطهروا) والجنب هو من ظهرت منه الجنابة. وقوله عليه السلام: (إذا فضخ الماء فليغتسل) ولا يجوز تخصيص هذا العمل بالرأى وقال أبو حنيفة: ان كان الذى خرج منه المنى قد بال قبل ذلك فالغسل عليه وان كان لم يبل فلا غسل عليه وقال مالك: لا غسل عليه بال أو لم يبل وقال الشافعي كقولنا. قال أبو محمد: واحتج من لم ير الغسل بأنه قد اغتسل والغسل انما هو لتزول الجنابة من الجسد وإن لم تظهر


وخطأ. والصواب ما هنا وهو الذى في المصرية (1) أما وجوب الغسل فلا دليل عليه لانه لم يحصل منها انزال، وأما الوضوء فالظاهر وجوبه لان الخارج منها وان كان منى الرجل الا انه لا يخلو من اختلاطه برطوبات خارجية منها. وهذا الاحوط (2) في المصرية (وطئ فقصد دون انزال) ولفظ (فقصد) لا معنى له ولعل صوابه (فقط) والذى هنا هو ما في اليمنية (3) في المصرية (أو لم ينزلا) وهو خطأ يأباه السياة

[ 8 ]

قال على: وهذا ليس كما قالوا بل ما الغسل إلا من ظهور الجنابة (1) لقوله عليه السلام: (إذا رأت الماء)) ولو ان امرأ التذ بالتذكر حتى أيقن أن المنى قد صار في المثانة ولم يظهر ما وجب عليه غسل لانه ليس جنبا بعد ومن ادعى عليه وجوب الغسل فعليه البرهان من القرآن أو السنة * فان قيل: قد روى نحو قول مالك عن على وابن عباس وعطاء. قلنا: لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح عن علي وابن عباس وابن الزبير ايجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة، فلم يأخذ بذلك مالك ولا أبو حنيفة، ومن الباطل أن يكون على وابن عباس رضى الله عنهما حجة في مسألة غير حجة في أخرى. وبالله تعالى التوفيق * 177 - مسألة - ومن أولج في الفرج وأجنب فعليه النية في غسله ذلك لهما معا، وعليه أيضا الوضوء ولا بد، ويجزيه في أعضاء الوضوء غسل واحد ينوى به الوضوء والغسل من الايلاج ومن الجنابة، فان نوى بعض هذه الثلاثة ولم ينو سائرها أجزأه لما نوى، وعليه الاعادة لما لم ينو، فان كان مجنبا باحتلام أو يقظة من غير إيلاج فليس عليه إلا نية واحدة للغسل من الجنابة فقط * برهان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب الغسل من الايلاج وان لم يكن انزال (2) ومن الانزال وان لم يكن إيلاج، وأوجب الوضوء من الايلاج، فهي أعمال متغايرة، وقد قال عليه السلام (انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى)، فلا بد لكل عمل مأمور به من القصد إلى تأديته كما أمره الله تعالى ويجزئ من كل ذلك عمل واحد لانه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل غسلا واحدا من كل ذلك، وفأجزأ ذلك بالنص، ووجبت النيات بالنص، ولم يأت نص بأن نية لبعض ذلك تجزئ عن نية الجميع، فلم يجز ذلك. وبالله تعالى التوفيق * 178 - مسألة - وغسل يوم الجمعة فرض لازم لكل بالغ من الرجال والنساء وكذلك الطيب والسواك


(1) في اليمنية (إلا لظهور الجنابة) (2) في المصرية (وان لم يكن أنزال)

[ 9 ]

برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن عبد الله الهمداني ثنا أبو إسحاق ابراهيم ابن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا على - هو ابن المديني - ثنا حرمى بن عمارة (1) ثنا شعبة عن أبى بكر بن المنكدر حدثنى عمرو بن سليم الانصاري قال: أشهد على أبي سعيد الخدرى قال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيبا) قال عمرو بن سليم: أما الغسل فأشهد انه واجب وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا ولكن هكذا في الحديث * وروينا إيجاب الغسل أيضا مسندا من طريق عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وأبى هريرة كلها في غاية الصحة فصار خبرا متواترا يوجب العلم (2) وممن قال بوجوب فرض الغسل يوم الجمعة عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة رضي الله عنهم لم يخالفه فيه أحد منهم، وأبو هريرة وابن عباس وأبو سعيد الخدرى وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع * أما عمر فانه قال على المنبر لعثمان يوم الجمعة وقد قال عثمان: ما هو الا أن سمعت الاذان الاول فتوضأت وخرجت فقال له عمر: والله لقد علمت ما هو بالوضوء، والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل * وروينا عن أبى هريرة انه قال: لله على كل مسلم أن يغتسل من كل سبعة أيام يوما فيغسل كل شئ منه ويمس طيبا إن كان لاهله، والغسل يوم الجمعة واجب كغسل الجنابة * فأما اللفظ الاول فمن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبى هريرة واللفظ الثاني عن مالك بن أنس عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة * وعن سعد بن أبي وقاص: ما كنت أرى مسلما يدع الغسل يوم الجمعة وقال ابن مسعود في شئ ظن به: لانا أحمق من الذي لا يغتسل يوم الجمعة * قال أبو محمد: لا يحمق من ترك ما ليس فرضا، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه:


(1) حرمي - بالحاء والراء المفتوحتين - وعمارة بالميم والراء - ووقع في المصرية (عبادة) بالباء والدال وهو خطأ (2) في اليمنية (فوجب العلم)

[ 10 ]

(أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق) والمفلح المضمون له الجنة ليس أحمق وعن عمار بن ياسر في شئ ظن به: أنا إذن كمن لا يغتسل يوم الجمعة وعن أبي سعيد الخدرى: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل يوم الجمعة على كل محتلم وعن ابن عمر - وسئل عن الغسل يوم الجمعة فقال -: أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن كعب انه قال: لله على كل حالم أن يغتسل في كل سبعة أيام مرة فيغسل رأسه جسده وهو يوم الجمعة، فقال ابن عباس: وأنا أرى أن يتطيب من طيب أهله ان كان لهم * وسئل ابن عباس عن غسل يوم الجمعة فقال: اغتسل. وروينا أمره بالطيب من طريق حماد بن سلمة عن جعفر بن أبى وحشية عن مجاهد عن ابن عباس، وأمره بالغسل عن ابن جريج عن عطاء عنه. وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري أن غسل يوم الجمعة واجب * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان بن عيينة عن ابراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: سمعت أبا هريرة يوجب الطيب يوم الجمعة وروينا من طريق يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت أبا سعيد الخدرى يقول: ثلاث هن على كل مسلم يوم الجمعة: الغسل والسواك ويمس من طيب ان وجده * قال أبو محمد: ما نعلم أنه يصح عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم إسقاط فرض الغسل يوم الجمعة وذهب جماعة من المتأخرين إلى أنه ليس بواجب واحتجوا بحديث عمر وعثمان الذي ذكرناه وبحديث رويناه من طريق عائشة رضي الله عنها: (كان الناس يأتون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسان منهم وهو عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا). وعنها أيضا: (كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاة فكان

[ 11 ]

يكون لهم تفل (1) فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة وبحديث عن الحسن: (أنبئنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يغتسل يوم الجمعة ولكن كان أصحابه يغتسلون) * وبحديث من طريق ابن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اغتسل وربما لم يغتسل يوم الجمعة). وبحديث آخر من طريق ابن عباس في الغسل يوم الجمعة: (أنه خير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل، (2) كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعرق الناس في الصفوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضا، فلما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الريح قال أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم طيبا أفضل ما يجد من دهنه وطيبه قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف. وكفوا العمل، ووسعوا مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من من العرق) * وبحديث عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ومثله من طريق أنس عنه عليه السلام نصا، وكذلك من طريق الحسن، ومن طريق جابر عنه عليه السلام، ومثله نصا (3) عن عبد الرحمن ابن سمرة وأبى هريرة، ومثله عن يزيد بن عبد الله أبي العلاء (4) * وهذا كل ما شغبوا به، وكله لا حجة لهم فيه، لان كل هذه الآثار لا خير فيها، حاشا حديث عائشة وعمر فهما صحيحان، ولا حجة لهم فيهما على ما سنبين ان شاء الله تعالى. أما حديث الحسن ويزيد بن عبد الله فمرسلان، وكم من مرسل للحسن


(1) بفتح التاء المثناة والفاء أي ريح كريهة (2) في اليمنية (كيف كان بدء الغسل (3) في اليمنية (أيضا) (4) حديث يزيد هذا لم أعرفه ولم يتكلم عليه المؤلف فيما يأتي، فان كان كما قال فهو مرسل لان يزيد من التابعين مات سنة 108 أو 111

[ 12 ]

لا يأخذون به، كمرسله في الوضوء من الضحك في الصلاة، لا يأخذ به المالكيون والشافعيون، وكمرسله (ان الارض لا تنجس) لا يأخذ به الحنفيون، وكذلك ليزيد بن عبد الله، ومما يوجب المقت من الله تعالى أن يجعلوا المرسل حجة ثم لا يأخذون به، أو أن لا يروه حجة ثم يحتجون به، فيقولون ما لا يفعلون (كبر مقتا عند الله) * وأما حديثا (1) ابن عباس فأحدهما من طريق محمد بن معاوية النيسابوري، وهو معروف بوضع الاحاديث والكذب والثانى من طريق عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة وقد روينا من طريق عمرو بن أبى عمرو - هذه نفسها - عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) فان كان خبر عمرو جحة فليأخذوا بهذا (2)، وان كان ليس بحجة فلا يحل لهم الاحتجاج به في رد السنن الثابتة وأما عمرو فضعيف لا نحتج به لنا، ولا نقبله حجة علينا، وهذا هو الحق الذى لا يحل خلافه، ولو احتججنا به في موضع واحد لاخذنا بخبره في كل موضع (3) فان قالوا: قد صح عن ابن عباس خلاف ما روى عنه عمرو في قتل البهيمة ومن أتاها، قلنا لهم: وقد صح عن ابن عباس خلاف ما روى عنه عمرو في إسقاط غسل الجمعة ولا فرق، ثم لو صح حديث عمرو هذا لما كان لهم فيه حجة، بل لكان لنا حجة عليهم (4) لانه ليس فيه من كلام (5) النبي صلى الله عليه وسلم إلا الامر بالغسل وإيجابه وأما كل ما تعلقوا به من إسقاط وجوب الغسل فليس من كلامه عليه السلام، وانما هو من كلام ابن عباس وظنه ولا حجة في أحذ دونه عليه السلام وأما حديث سمرة فانما هو من طريق الحسن عن سمرة، ولا يصح للحسن سماع من سمرة إلا حديث العقيقة وحده، فان أبوا الا الاحتجاج به، قلنا لهم: قد روينا


(1) في المصرية (حديث) بالافراد وهو خطأ (2) في المصرية (قلنا خذوا بهذا) (3) عمرو بن أبي عمرو ثقة وثقه أبو زرعة والعجلي وقال احمد وأبو حاتم: ليس به بأس، وقد أنكروا عليه حديث البهيمة. وروى له الشيخان وقال الذهبي. حديثه حسن منحط عن الرتبة العليا من الصحيح (4) في اليمنية (بل كان حجة لنا عليهم) (5) في المصرية (كلام من)

[ 13 ]

من طريق الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه) والحنفيون والمالكيون والشافعيون لا يأخذون بهذا، وروينا أيضا عنه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (عهدة الرقيق أربع) وهم لا يأخذون بهذا. ومن الباطل والعار احتجاجهم في الدين برواية ما إذا وافقت تقليدهم، ومخالفتهم لها بعينها إذا خالفت تقليدهم، ما نرى دينا يبقى (1) مع هذا، لانه اتباع الهوى في الدين وأما حديث أنس فهو من رواية يزيد الرقاشي وهو ضعيف، صح عن شعبة أنه قال: لان أقطع الطريق وأزني أحب الي من أن أروى عن يزيد الرقاشى، ورب حديث ليزيد الرقاشى تركوه لم يحتجوا فيه الا بضعفه فقط (2)، ومن رواية الضحاك ابن حمزة وهو هالك، عن الحجاج بن أزطاة وهو ساقط، عن ابراهيم بن مهاجر وهو ضعيف، ثم نظرنا في حديث جابر فوجدناه ساقطا، لانه لم يرو الا من طرق (3) في أحدها رجل مسكوت عن اسمه لا يعرف من هو، وفى ثانيهما أبو سفيان عن جابر وهو ضعيف، ومحمد بن الصلت وهو مجهول، وفى الثالث منها الحسن عن جابر ولا يصح سماع الحسن من جابر * وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة فهو من طريق سلم بن سليمان أبى هشام البصري وليس بالقوى (4) وأما حديث أبي هريرة فهو من رواية أبى بكر الهذلى وهو ضعيف جدا (5)


(1) في المصرية (ينبغي) (2) يزيد بن ابان الرقاشي رجل قاص زاهد سئ الحفظ قال ابن حبان: (كان من خيار عباد الله من البكائين بالليل لكنه غفل عن حفظ الحديث شغلا بالعبادة، لا تحل الرواية عنه الا على جهة التعجب) (3) في المصرية (طريق) بالافراد وهو خطأ (4) في المصرية (سالم بن سليمان أبى هشام) وفي اليمنية (سلم بن سليم بن هشام) وكلاهما خطأ، والصواب أن اسمه سلم بن سليمان، وكنيته أبو هاشم أو أبو هشام على اختلاف فيها قال العقيلى: (لا يقيم الحديث) وحديث سلم هذا ذكره في لسان الميزان أنه رواه سلم عن أبي حرة عن الحسن عن سمرة. ولم يذكر عبد الرحمن بن سمرة فالله أعلم بالصواب. (5) في اليمنية بحذف (جدا)

[ 14 ]

فسقطت هذه (1) الآثار كلها ثم لو صحت لم يكن فيها نص ولا دليل على أن غسل الجمعة ليس بواجب، وانما فيها أن الوضوء نعم العمل (2)، وأن الغسل أفضل وهذا لا شك فيه، وقد قال الله تعالى: (ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم) فهل دل هذا اللفظ على ان الايمان والتقوى ليس فرضا؟! حاشا لله من هذا، ثم لو كان في جميع هذه الاحاديث نص على أن غسل الجمعة ليس (3) فرضا لما كان في ذلك حجة، لان ذلك كان يكون موافقا لما كان الامر عليه قبل قوله عليه السلام (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وعلى كل مسلم) وهذا القول منه عليه السلام شرع وارد وحكم زائد ناسخ للحالة الاولى بيقين لا شك فيه، ولا يحل ترك الناسخ بيقين، والاخذ بالمنسوخ * وأما حديث عائشة رضى الله عنها: (كانوا عمال انفسهم ويأتون في العباء والغبار من العوالي فتثور لهم روائح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تطهرتم ليومكم هذا) أو (أو لا تغتسلون) فهو خبر صحيح، الا أنه لا حجة لهم فيه أصلا، لانه لا يخلو هذا من أن يكون قبل أن يخطب عليه السلام على المنبر فأمر الناس بالغسل يوم الجمعة، وقبل أن يخبر عليه السلام بان غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم وكل محتلم والطيب والسواك وقبل أن يخبر عليه السلام أنه حق لله تعالى على كل مسلم، أو يكون بعد كل ما ذكرنا ولا سبيل إلى قسم ثالث، فان كان خبر عائشة قبل ما رواه عمر بن الخطاب وابنه وأبو هريرة وابن عباس، وابو سعيد الخدرى وجابر، فلا يشك ذو حس سليم في أن الحكم للمتأخر، وان كان خبر عائشة بعد كل ما ذكرنا من ايجاب الغسل يوم الجمعة والسواك والطيب وأنه حق الله تعالى على كل مسلم، فليس فيه نص ولا دليل على نسخ الايجاب المتقدم، ولا على اسقاط حق الله تعالى المنصوص على اثباته، وانما هو تبكيت لمن ترك الغسل المأمور به الموجب فقط، وهذا تأكيد للامر المتيقن لا إسقاط له فقد نهى


(1) في اليمنية بحذف لفظ (هذه) (2) في اليمنية (يعم العمل) وهو خطأ (3) في اليمنية بحذف (ليس) وهو خطأ

[ 15 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فلم ينتهوا فواصل بهم تنكيلا لهم، أفيسوغ في عقل أحد أن ذلك نسخ للنهي عن الوصال؟! وكل ما اخبر عليه السلام أنه واجب على كل مسلم، وحق الله تعالى على كل محتلم، فلا يحل تركه ولا القول بانه منسوخ أو أنه ندب، الا بنص جلى بذلك، مقطوع على أنه وارد بعده، مبين انه ندب أو أنه نسخ، لا بالظنون الكاذبة المتروك لها اليقين * هذا لو صح أن خبر عائشة كان بعد الايجاب للغسل (1) وهذا لا يصح أبدا بل في خبر عائشة دليل بين على أنه كان قبل الايجاب، لانها ذكرت أن ذلك كان والناس عمال انفسهم، وفي ضيق من الحال وقلة من المال، وهذه صفة أول الهجرة بلا شك والراوي لايجاب الغسل أبو هريرة، وابن عباس وكلاهما متأخر الاسلام والصحبة أما أبو هريرة فاسلامه اثر فتح خيبر، حين اتسعت أحوال المسلمين، وارتفع الجهد والضيق عنهم، وأما ابن عباس فبعد فتح مكة قبل موت رسول الله صلعم بعامين ونصف فقط، فارتفع الاشكال جملة والحمد لله رب العالمين واما حديث عمر فانهم قالوا: لو كان غسل الجمعة واجبا عند عمر وعثمان ومن حضر من الصحابة رضي الله عنهم لما تركه عثمان ولا أقر عمر وسائر الصحابة عثمان على تركه وقالوا: فدل هذا على انه عندهم غير فرض قال أبو محمد: هذا قول لا ندرى كيف استطلقت (2) به ألسنتهم! لانه كله قول بما ليس في الخبر منه شئ لا نص ولا دليل، بل نصه ودليله بخلاف ما قالوه أول ذلك أن يقال لهم: من لكم بأن عثمان لم يكن اغتسل في صدر يومه ذلك؟ ومن لكم بأن عمر لم يأمره بالرجوع للغسل؟ فان قالوا: ومن لكم بأن عثمان كان اغتسل في صدر يومه؟ ومن لكم بأن عمر أمره بالرجوع إلى الغسل قلنا: هبكم أنه لا دليل عندنا بهذا، ولا دليل عندكم بخلافه


(1) في اليمنية (هذا لو صح خبر عائشة كان هذا الايجاب للغسل) وهو خطأ وتحريف (2) في اليمنية (انطلقت)

[ 16 ]

فمن جعل دعواكم في الخبر، وتكهنكم ما ليس فيه، وقفوكم مالا علم لكم به: أولى من مثل ذلك من غيركم؟ وانما الحق في هذا - إذ دعواكم ودعوانا ممكنة أن يبقى الخبر لا حجة فيه لكم ولا عليكم، ولا لنا ولا علينا، هذا ما مخلص منه، فكيف ومعنا الدليل على كل ما قلناه؟ * وأما عثمان رضى الله عنه فان عبد الله بن يوسف حدثنا قال ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب محمد بن العلاء واسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - كلاهما عن وكيع عن مسععر بن كدام عن جامع بن شداد قال سمعت حمران بن أبان قال: كنت أضع لعثمان طهوره فما أتى عليه يوم الا وهو يفيض عليه نطفة (1). فقد ثبت بأصح إسناد أن عثمان كان يغتسل كل يوم، فيوم الجمعة يوم من الايام بلا شك، ولو لم يكن هذا الخبر عندنا، لوجب أن لا يظن بمثله رضى الله عنه خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لا يقطع عليه إلا بطاعته، وان لم يعين ذلك في خبر، كما يقطع بأنه صلى الصبح في ذلك اليوم وسائر اللوازم له بلا شك وان لم يرو لنا ذلك * وأما عمر رضى الله عنه ومن معه من الصحابة رضى الله عنهم، فهذا الخبر عنهم حجة لنا ظاهرة بلا شك، لان عمر قطع الخطبة منكرا على عثمان أن لم يصل الغسل بالرواح، فلو لم يكن ذلك فرضا عنده وعندهم لما قطع له الخطبة، وعمر قد حلف: (والله ما هو بالوضوء) فلو لم يكن الغسل عنده فرضا لما كانت يمينه صادقة، والذى حصل من عمر بن الخطاب ومن الصحابة بلا شك فهو إنكار ترك الغسل، والاعلان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل يوم الجمعة، ولا يجوز أن نظن بأحد من الصحابة رضى الله عنهم أن يستجيز خلاف أمره عليه السلام، مع قول الله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) فصح ذلك الخبر


(1) في الاصل (لعيط عليه لطعه) بدون اعجام وهو خطأ. والصواب ما هنا وصححناه من صحيح مسلم. قال النووي: (النطفة بضم النون وهي الماء القليل ومراده لم يكن يمر عليه يوم الا اغتسل) انظر هامش القسطلاني (ج 2 ص 224)

[ 17 ]

حجة لنا وإجماعا من الصحابة رضى الله عنهم، إذ لم فيهم آخر يقول لعمر: ليس ذلك عليه واجبا * قال أبو محمد: وبيقين ندرى أن عثمان قد أجاب عمر في انكاره عليه وتعظيمه أمر الغسل بأحد أجوبة لابد من أحدها: إما أن يقول له: قد كنت اغتسلت قبل خروجي إلى السوق، وإما أن يقول له: بى عذر مانع من الغسل، أو يقول له: أنسيت وهأنذا راجع (1) فاغتسل، فداره كانت على باب المسجد مشهورة إلى الآن أو يقول له: سأغتسل، فان الغسل لليوم لا للصلاة. فهذه أربعة أجوبة كلها موافقة لقولنا. أو يقول له: هذا أمر ندب وليس فرضا، وهذا الجواب موافق لقول خصومنا * فليت شعرى! من الذى جعل لهم التعلق بجواب واحد من جملة خمسة أجوبة كلها ممكن، وكلها ليس في الخبر شئ آمنها أصلا؟ دون أن يحاسبوا أنفسهم بالاجوبة الاخر، التى هي أدخل في الامكان من الذى تعلقوا به، لانها كلها موافقة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما خاطبه به عمر رضى الله عنه بحضرة الصحابة رضى الله عنهم. والذى تعلقواهم به تكهنا مخالف لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أجمع عليه الصحابة * ثم لو صح لهم ما يدعونه من الباطل من أن عمر ومن بحضرته رأوا الامر بالغسل ندبا وهذا لا يصح بل الصحيح بنص الخبر، فقد أوردنا عن أبى هريرة وسعد وأبى سعيد وابن عباس القطع بايجاب الغسل يوم الجمعة بعد موت عمر بدهر -: فصح وجود خلاف ما يدعونه بالدعوى الكاذبة إجماعا، وإذا وجد التنازع فليس قول بعضهم أولى من قول بعض، بل الواجب حينئذ الرد إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنته عليه السلام قد جاءت بايجاب الغسل والسواك والطيب، إلا أن يدعوا ان أبا هريرة وسعدا وأبا سعيد وابن مسعود وابن عباس خالفوا الاجماع فحسبهم بهذا ضلالا *


(1) في اليمنية (وهأنا أرجع)

[ 18 ]

ثم لو صح لهم ان عمر وعثمان قالا بأن الغسل يوم الجمعة ندب - ومعاذ الله من. أن يصح هذا عنهما - فمن أين لهم تعظيم خلاف عمر وعثمان في هذا الباطل المتكهن؟ ولم يعظموا على أنفسهم خلاف عمر وعثمان بحضرة الصحابة رضى الله عنهم في هذا الخبر نفسه، في ترك عمر الخطبة، وأخذه في الكلام مع عثمان، ومجاوبة (1) عثمان له بعد شروع عمر في الخطبة، وهم لا يجيزون هذا * وكذلك الخبر الثابت من طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عمر قرأ السجدة على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد وسجدوا معه، ثم قرأها في الجمعة الاخرى فتهيئوا للسجود فقال لهم عمر: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقال المالكيون: ليس العمل على هذا، وقال الحنفيون: السجود واجب * قال أبو محمد: أفيكون أعجب من هذا أو أدخل في الباطل منه أن يكون كلام عمر مع عثمان في الخطبة بما لا يجدونه فيه من إسقاط فرض غسل الجمعة - حجة عندهم، ثم لا يبالون مخالفة عمر في عمله وقوله بحضرة الصحابة رضى الله عنهم - إن السجود ليس مكتوبا علينا عند قراءة السجدة وفى نزوله عن المنبر للسجود إذا قرأ السجدة؟ أفيكون في العجب أكثر من هذا؟! وأن هذا إلى التلاعب أقرب منه إلى الجد * وكم قصة خالفوا فيها عمر وعثمان تقليدا لآراء من لا يضمن له الصواب في كل أقواله، كقول عثمان وعلى وطلحة والزبير وغيرهم: أن لا غسل من الايلاج إذا لم يكن هنالك إمناء (2) وكقول عمر وابن مسعود: من أجنب ولم يجد الماء فلا يجوز له التيمم ولا الصلاة ولو بقى كذلك شهرا وكما روى عن عمر وعثمان بالقضاء بأولاد الغارة (3) رقيقا لسيدها، ومثل هذا كثير جدا * وقال بعضهم: هذا مما تعظم به البلوى، فلو كان فرضا لما خفى على العلماء، قلنا:


(1) في المصرية (ولمجاوبة) وهو خطأ (2) في المصرية (منيا) وهو خطأ ولحن. (3) بالغين المعجمة وهو التي خدع فيها زوجها ففهم أنها حرة ثم ظهر له أنها أمة. ونقله هذا يخالف ما نقله ابن الاثير في النهاية ان عمر قضى فيه بغرة أي يغرم الزوج لمولاها عبدا أو أمة ويرجع بها على من غرة ويكون ولده حرا *

[ 19 ]

نعم ما خفى، قد عرفه جميع الصحابة رضى الله عنهم وقالوا به * وهؤلاء الحنفيون قد أوجبوا الوضوء من كل دم خارج من اللثات أو الجسد أو من القلس، وهو أمر تعظم به البلوى، ولا يعرفه غيرهم، فلم يروا ذلك حجة على أنفسهم * والمالكيون يوجبون التدلك في الغسل فرضا، والفور في الوضوء فرضا، تبطل الطهارة والصلاة بتركه وهذا أمر تعظم به البلوى، ولا يعرف ذلك غيرهم، فلم يروا ذلك حجة على أنفسهم * والشافعيون يرون الوضوء من مس الدبر، ومن مس الرجل ابنته وأمه، وهو أمر تعظم به البلوى، ولا يعرف ذلك غيرهم، فلم يروا ذلك حجة على أنفسهم، ثم يرونه حجة إذا خالف (1) أهواءهم وتقليدهم: ونعوذ بالله من مثل هذا العمل في الدين ومن ان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئ: إنه واجب على كل مسلم وعلى كل محتلم، وانه حق الله تعالى على كل مسلم محتلم. ثم نقول نحن: ليس هو واجبا ولا هو حق الله تعالى. هذا أمر تقشعر منه الجلود والحمد لله رب العالمين على عظيم نعمته * 179 - مسألة - وغسل يوم الجمعة انما هو لليوم لا للصلاة، فان صلى الجمعة والعصر ولم يغتسل أجزأه (2) ذلك وأول أوقات الغسل المذكور إثر طلوع الفجر من يوم الجمعة، إلى (3) أن يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله قبل غروب آخره، وأفضله أن يكون متصلا بالرواح إلى الجمعة، وهو لازم للحائض والنفساء كلزومه لغيرهما * برهان ذلك ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا شعيب - هو ابن أبى حمزة


(1) في اليمنية " إذا خالفوا " وهو خطأ (2) هكذا في الاصلين " ولم يغتسل " ويظهر لي أنه خطأ. وان الصواب " فان صلى الجمعة والعصر ثم اغتسل أجزأه ذلك " كما يدل عليه بساط القول، لان المؤلف يذهب إلى أن الغسل لليوم فقط وأن وقت الغسل من بعد الفجر إلى قبيل الغروب، وأن هذا الغسل واجب، فلا معنى اذن لان يقول ان ترك الغسل مجزئ، وهذا ظاهر. (3) في المصرية " الا أن يبقى " وهو خطأ.

[ 20 ]

- عن الزهري قال طاوس: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اغتسلوا يوم الجمعة وان لم تكونوا جنبا وأصيبوا (1) من الطيب " قال: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدرى * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى محمد بن حاتم ثنا بهز ثنا وهيب - هو بن خالد ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يغسل رأسه وجسده " * حدثنا احمد بن محمد الطلمنكى ثنا محمد بن أحمد (2) بن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا روح بن عبادة ثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبى هريرة رفعه قال: (على كل مسلم في كل سبعة أيام غسل وهو يوم الجمعة) * وهكذا رويناه من طريق جابر والبراء مسندا، فصح بهذا أنه لليوم لا للصلاة وروينا عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة فيجتزئ به من غسل الجمعة، وعن شعبة - عن منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه، وعن الحسن: إذا اغتسل يوم الجمعة بعد طلوع الفجر أجزأه للجمعة فاذن هو لليوم ففى أي وقت من اليوم اغتسل أجزأه، وعن ابراهيم النخعي كذلك * فان قال قائل: فانكم قد رويتم من طريق شعبة عن الحكم عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل). ورويتم من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) وعن الليث عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو قائم على المنبر: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) *


(4) في المصرية (واطيبوا) وهو خطأ وتصحيف. (5) في اليمنية (أحمد بن محمد بن مفرج) وهو خطأ. وانظر هامش المسألتين 116 و 118 بالجزء الاول

[ 21 ]

قلنا: نعم، وهذه آثار صحاح، وكلها لا خلاف فيها لما قلنا * أما قوله عليه السلام: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) فهو نص قولنا، وانما فيه أمر لمن جاء الجمعة بالغسل، وليس فيه أي وقت يغتسل، لا بنص ولا بدليل، وانما فيه بعض ما في الاحاديث الاخر، لان في هذا ايجاب الغسل على كل من جاء إلى الجمعة فليس فيه إسقاط الغسل عمن لا يأتي الجمعة (1) وفى الاحاديث الاخر التى من طريق ابن عمر وأبى هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم إيجاب الغسل على كل مسلم وعلى كل محتلم، فهي زائدة حكما على ما في حديث ابن عمر، فالاخذ بها واجب * وأما قوله عليه السلام: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) فكذلك أيضا سواء سواء وقد يريد الرجل أن يأتي الجمعة من أول النهار، وليس في هذا الخبر ولا في غيره إلزامه أن يكون اتيانه الجمعة لا من أول النهار وليس في هذا الخبر ولا في غيره الزامه أن يكون أتى متصلا بارادته لاتيانها، بل جائز أن يكون بينهما ساعات، فليس في هذا اللفظ أيضا دليل ولا نص يوجب أن يكون الغسل متصلا بالرواح * وأما قوله عليه السلام: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) فظاهر هذا اللفظ أن الغسل بعد الرواح، كما قال تعالى: (فإذا اطمأننتم فاقيموا الصلاة) ومع الرواح كما قال تعالى (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) أو قبل الرواح كما قال تعالى: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة) فلما كان كل ذلك ممكنا، ولم يكن في هذا اللفظ نص ولا دليل على وجوب اتصال الغسل بالرواح أصلا صح قولنا، والحمد لله * وأيضا فاننا إذا حققنا مقتضى ألفاظ حديث ابن عمر كان ذلك دالا على قولنا لانه انما فيها: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) (أو أراد أحدكم أن يأتي إلى الجمعة (2) فليغتسل). (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) وهذه ألفاظ ليس يفهم منها الا أن من كان من أهل الرواح إلى الجمعة وممن يجئ إلى الجمعة ومن أهل


(1) في المصرية (على كل من لم يأت إلى الجمعة) (2) في اليمنية (أن يأتي الجمعة)

[ 22 ]

الارادة للاتيان إلى الجمعة فعليه الغسل، ولا مزيد، وليس في شئ منها وقت الغسل، فصارت ألفاظ خبر ابن عمر موافقة لقولنا * وعهدنا بخصومنا يقولون: ان من روى حديثا فهو أعرف بتأويله، وهذا ابن عمر راوي هذا الخبر قد روينا عنه انه كان يغتسل يوم الجمعة إثر طلوع الفجر من يومها * وقال مالك والاوزاعي: لا يجزى غسل يوم الجمعة الا متصلا بالرواح، إلا أن الاوزاعي قال: ان اغتسل قبل الفجر ونهض إلى الجمعة أجزأه، وقال مالك: ان بال أو أحدث بعد الغسل لم ينتقض غسله ويتوضأ فقط، فان أكل أو نام انتقض غسله قال أبو محمد: وهذا عجب جدا وقال أبو حنيفة والليث وسفيان وعبد العزيز بن أبى سلمة والشافعي وأحمد بن حنبل واسحق بن راهوية وداود كقولنا، وقال طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبى كثير: من اغتسل للجمعة ثم أحدث فيستحب (1) أن يعيد غسله * قال علي: ما نعلم مثل قول مالك عن أحد من الصحابة والتابعين، ولا له حجة من قرآن ولا سنة ولا قياس ولا قول صاحب، وكثيرا ما يقولون في مثل هذا بتشنيع خلاف قول الصاحب الذي لا يعرف له من الصحابة مخالف، وهذا مكان خلفوا فيه ابن عمر، وما يعلم له من الصحابة في ذلك مخالف * فان قالوا: من قال قبلكم إن الغسل لليوم؟ قلنا: كل من ذكرنا عنه في ذلك قولا من الصحابة رضي الله عنهم، فهو ظاهر قولهم، وهو قول أبى يوسف نصا وغيره، وأعجب شئ أن يكونوا مبيحين للغسل يوم الجمعة في كل وقت، ومبيحين لتركه في اليوم كله، ثم ينكرون على من قال بالغسل في وقت هم يبيحونه فيه. وبالله تعالى التوفيق * 180 - مسألة - وغسل كل ميت من المسلمين فرض ولا بد، فان دفن بغير غسل أخرج ولا بد، ما دام يمكن أن يوجد منه شئ ويغسل (2) الا الشهيد الذى


(1) في اليمنية (فليستحب) وهو تحريف (2) في الاصلين (ويغتسل) وهو خطأ.

[ 23 ]

قتله المشركون في المعركة فمات فيها، فانه لا يلزم غسله برهان ذلك ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري (1) ثنا اسماعيل بن عبد الله هو ابن أبي أويس حدثني مالك عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أم عطية الانصارية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهن حين توفيت ابنته فقال: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر (2) من ذلك ان رأيتن ذلك). فأمر عليه السلام بالغسل ثلاثا، وأمره فرض، وخير في أكثر على الوتر، وأما الشهيد فمذكور في الجنائز إن شاء الله عزوجل 181 - مسألة ومن غسل ميتا متوليا ذلك بنفسه - بصب أو عرك - فعليه أن يغتسل فرضا * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن أبى فديك حدثنى ابن أبى ذئب عن القاسم بن عباس عن عمرو بن عمير عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ). قال أبو داود: وحدثنا حامد ابن يحيى عن سفيان بن عيينة عن سهيل بن ابى صالح عن أبيه عن اسحق مولى زائدة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه * وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الاسدي ثنا احمد ابن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن محمد ابن عمرو عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتا فليغتسل ومن حملها فليتوضأ)، قال أبو محمد: يعنى من حمل الجنازة * وممن قال بهذا على بن أبي طالب وغيره، روينا ذلك من طريق عبد الرحمن ابن مهدى عن هشام الدستوائى عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي عن على قال: من غسل ميتا فليغتسل، ومن طريق وكيع عن سعيد بن عبد العزيز التنوخى


(1) في المصرية بتكرار لفظ (أو أكثر) مرتين وهو خطأ (2) سقط من المصرية لفظ (ثنا البخاري) وهو خطأ

[ 24 ]

عن مكحول أن حذيفة سأله رجل مات أبوه، فقال حذيفة: اغسله فإذا فرغت فاغتسل، وعن أبى هريرة من غسل ميتا فليغتسل، ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي قال كان أصحاب على يغتسلون منه، يعنى من غسل الميت * قال على: وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود: لا يجب الغسل من غسل الميت، واحتج أصحابنا في ذلك بالاثر الذى فيه: (انما الماء من الماء) * قال على: وهذا لا حجة فيه، لان الامر بالغسل من غسل الميت ومن الايلاج وان لم يكن إنزال - هما شرعان زائدان على خبر (الماء من الماء) والزيادة واردة من عند الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فرض الاخذ بها، * واحتج غيرهم في ذلك بأثر رويناه من طريق ابن وهب قال: اخبرني من اثق به يرفع (1) الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتنجسوا من موتاكم) وكره ذلك لهم، (2) وعن رجال من أهل العلم عن سعيد وجابر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر انه لا غسل من غسل الميت، وبحديث رويناه من طريق مالك عن عبد الله ابن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق فلما فرغت قالت لمن حضرها من المهاجرين انى صائمة وان هذا يوم شديد البرد فهل على من غسل؟ قالوا: لا، وعن ابراهيم النخعي: كان ابن مسعود وأصحابه لا يغتسلون من غسل الميت وبحديث رويناه من طريق شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية سئلت (3) عائشة رضي الله عنها: أيغتسل من غسل المتوفيين؟ قالت لا: قال أبو محمد وكل هذا لا حجة لهم فيه أما الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ففى غاية السقوط، لان ابن وهب لم يسم من أخبره، والمسافة بين ابن وهب وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيدة جدا، ثم لو صح بنقل الكافة ما كان لهم فيه متعلق، لانه ليس فيه الا أن لا نتنجس (4) من موتانا فقط، وهذا نص قولنا، ومعاذ الله أن نكون


(1) في اليمنية (ويرفع) (2) في اليمنية (وكره لهم ذلك) (3) في اليمنية (سألت عائشة) (4) في اليمنية (أن لا ننجس)

[ 25 ]

نتنجس من ميت مسلم، أو أن يكون المسلم نجسا، بل هو طاهر حيا وميتا وليس الغسل الواجب من غسل الميت لنجاسة أصلا، لكن كغسل الميت الواجب عندنا وعندهم، كما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أطهر ولد آدم حيا وميتا، وغسل أصحابه رضي الله عنهم إذ ماتوا وهم الطاهرون الطيبون أحياء وأمواتا، وكغسل الجمعة ولا نجاسة هنالك، فبطل تمويههم بهذا الخبر * وأما حديث أسماء فان عبد الله بن أبي بكر لم يكن ولد يوم مات أبو بكر الصديق، نعم ولا أبوه أيضا، ثم لو صح كل ما ذكروا (3) عن الصحابة لكان قد عارضه ما رويناه من خلاف ذلك عن على وحذيفة وأبى هريرة، وإذا وقع التنازع وجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه، من كلامه وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة قد ذكرناها بالاسناد الثابت بايجاب الغسل من غسل الميت، وكم قصة خالفوا فيها الجمهور من الصحابة لا يعرف منهم مخالف، وقد أفردنا لذلك كتابا ضخما، والعجب من احتجاجهم بقول عائشة وهم قد (4) خالفوها في إيجاب الوضوء مما مست النار! وخالفوا على بن أبى طالب وابن عباس وابن الزبير في ايجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة أو للجمع (5) بين صلاتين، وعائشة في قولها. تغتسل كل يوم عند صلاة الظهر، ولا مخالف يعرف لهؤلاء من الصحابة رضي الله عنهم: ومثل هذا كثير جدا * 182 - مسألة - ومن صب على مغتسل ونوى ذلك المغتسل الغسل أجزأه * برهان ذلك ان الغسل هو إمساس الماء البشرة بالقصد إلى تأدية ما افترض الله تعالى من ذلك، فإذا نوى ذلك المرء فقد فعل الغسل الذى أمر به، ولم يأت نص ولا إجماع بأن يتولى هو ذلك بيده. وبالله تعالى التوفيق * 183 - مسألة - وانقطاع دم الحيض في مدة الحيض - ومن جملته دم النفاس - يوجب الغسل لجميع الجسد والرأس * وهذا إجماع متيقن، من خالفه كفر عن نصوص ثابتة. وبالله تعالى نتأيد.


(1) في المصرية (ثم لو صح ما ذكرنا) وهو خطأ (2) في اليمنية (وقد) (3) في اليمنية (والجمع)

[ 26 ]

وقد ذكرنا أن الحامل لا تحيض، ودم النفاس هو الخارج إثر وضع المرأة آخر ولد في بطنها لانه المتفق عليه، وأما الخارج قبل ذلك فليست نفساء، وليس دم نفاس، ولا نص فيه ولا اجماع، وسنذكر في الكلام في الحيض مدة الحيض ومدة النفاس ان شاء الله تعالى * 184 - مسألة - والنفساء والحائض شئ واحد، فأيتهما أرادت الحج أو العمرة ففرض عليها أن تغتسل ثم تهل * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى هناد بن السرى وزهير ابن حرب وعثمان بن أبى شيبة كلهم عن عبدة بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت (1): (نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن بكر الصديق بالشجرة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن تغتسل وتهل) وجاء في الخبر الصحيح: نفست أسماء بنت عميس بالشجرة بمحمد بن أبى بكر فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاضت عائشة وأم سلمة أما المؤمنين رضى الله عنهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل واحدة منهما (أنفست؟) قالت: نعم، فصح أن الحيض يسمى نفاسا، فصح انهما شئ واحد وحكم واحد ولا فرق، وأمر عليه السلام التى ترى الدم الاسود بترك الصلاة، وحكم بأنه حيض وأنها حائض، وأن الدم الآخر ليس حيضا ولا هي به حائض، (2) وأخبر أن الحيض شئ كتبه الله تعالى على بنات آدم، فكل دم أسود ظاهر (3) من فرج المرأة من (4) مكان خروج الولد فهو حيض، إلا ما ورد النص باخراجه من هذه الجملة وهى الحامل (5) والتى لا يتميز دمها ولا ينقطع. وبالله تعالى التوفيق * 185 - مسألة - والمرأة تهل بعمرة ثم تحيض ففرض عليها أن تغتسل ثم تعمل


(1) في المصرية (قال) وهو خطأ * (2) كلمة (ولا هي به حائض) محذوفة في اليمنية (3) (ظهر) (4) لفظ (من) زدناه من اليمنية (5) في اليمنية (وهي الحايل) وهو خطأ

[ 27 ]

في حجها ما سنذكره في الحج ان شاء الله تعالى حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث - هو ابن سعد - عن أبي الزبير عن جابر قال: (اقبلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بحج مفردا وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت) ثم ذكر الحديث وفيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقالت: قد حضت وحل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان هذا كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلى بالحج ففعلت) * 186 - مسألة - والمتصلة الدم الاسود الذى لا يتميز ولا تعرف أيامها فان الغسل فرض عليها ان شاءت لكل صلاة فرض أو تطوع، وان شاءت إذا كان (1) قرب آخر وقت الظهر اغتسلت وتوضأت وصلت الظهر بقدر ما تسلم منها بعد دخول وقت العصر، ثم تتوضأ وتصلى العصر، ثخم إذا كان قبل غروب الشفق (2) اغتسلت وتوضأت وصلت المغرب بقدر ما تفرغ منها بعد غروب الشفق، ثم تتوضأ وتصلى العتمة، ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر، وان شاءت حينئذ أن تتنفل عند كل صلاة فرض وتتوضأ بعد الفريضة أو قبلها فلها ذلك، وسنذكر البرهان على ذلك في كلامنا في الحيض ان شاء الله تعالى * 187 - مسألة - ولا يوجب الغسل شئ غير ما ذكرنا أصلا لانه لم يأت في غير ذلك أثر يصح (3) البتة، وقد جاء أثر في الغسل من موارة الكافر فيه ناجية (4) ابن كعب وهو مجهول، والشرائع لا تؤخذ الا من كلام الله أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم * وممن لا يرى (5) الغسل من الايلاج في حياء البهيمة (6) ان لم يكن انزال


(1) في المصرية وان شاءت لكل صلاة إذا كان) الخ (2) في المصرية (ثم إذا كانت قبل غروب الشمس) وهو خطأ (3) في اليمنية (أثر صحيح) (4) في المصرية (بأخته) وهو خطأ (5) في اليمنية (لم ير) (6) حياء البهيمة وحياها رحمها أو فرجها يمد ويقصر كما حكاه الليث والصحيح الذى اختاره صاحب اللسان انه لا يجوز قصره الا في ضرورة الشعر لان أصله الحياء من الاستحياء *

[ 28 ]

أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك في الوطئ في الدبر: لا غسل فيه ان لم يكن انزال، فمن قاس ذلك على الوطئ في الفرج قيل له: بل هو معصية، فقياسها على سائر المعاصي من القتل وترك الصلاة أولى، ولا غسل في شئ من ذلك باجماع، فكيف والقياس كله باطل. * * (صفة الغسل الواجب في كل ما ذكرنا (1)) * 188 - مسألة - أما غسل الجنابة فيختار - دون أن يجب ذلك فرضا - أن يبدأ بغسل فرجه ان كان من جماع، وأن يمسح بيده الجدار أو الارض بعد غسله ثم يمضمض ويستنشق ويستنثر ثلاثا ثلاثا ثم يغمس يديه في الاناء (2) بعد أن يغسلها ثلاثا فرضا ولا بد، ان قام من نوم والا فلا، فيخلل أصول شعره حتى يوقن أنه قد بل الجلد ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثا بيده، وأن (3) يبدأ بميامنه وأما الفرض الذى لا بد منه فأن يغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها في الماء ان كان قام من نوم والا فلا، ويغسل فرجه ان كان من جماع، ثم يفيض الماء على رأسه ثم جسده بعد رأسه ولا بد افاضة يوقن أنه قد وصل الماء إلى بشرة رأسه وجميع شعره وجميع جسده * برهان ذلك قوله عزوجل: (وان كنتم جنبا فاطهروا) فكيفما أتى بالطهور فقد أدى ما أفترض الله تعالى عليه * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بنا خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد - هو القطان - ثنا عوف - (4) هو ابن أبى جميلة - ثنا أبو رجاء عن عمران - هو ابن حصين قال:: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر - فذكر الحديث وفيه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الذى أصابته الجنابة اناء من ماء وقال: اذهب فأفرغه عليك) *


(1) هذا العنوان لم يجعل في اليمنية عنوانا بل جعل صدر المسألة 188 وما هنا أحسن كثيرا (2) في اليمنية (ثم يغمس يده في الماء) (3) في المصرية (فان) وهو خطأ (4) في المصرية (عون) بالنون وهو خطأ صوابه بالفاء

[ 29 ]

وانما استحببنا ما ذكرنا قبل لما رويناه بالسند المذكور إلى البخاري ثنا الحميدى ثنا سفيان ثنا الاعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة (ان النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط ثم غسلها ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا على بن حجر السعدى ثنا عيسى بن يونس ثنا الاعمش عن سالم بن أبى الجعد عن كريب عن ابن عباس حدثتني خالتي ميمونة قالت أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا ثم أدخل يده في الاناء ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله ثم ضرب بشماله الارض فدلكها دلكا شديدا ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم افرغ على رأسه ثلاث حفنات مل ء كفه، ثم غسل سائر جسده ثم تنحى عن مقامه فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده) وقد ذكرنا قوله عليه السلام لام سلمة: انما يكفيك أو تحثي على رأسك ثم تفيضي الماء عليك فإذا بك قد طهرت) * (فله أن يقدم غسل فرجه واعضاء وضوئه قبل رأسه فقط ان شاء فان انغمس في ماء جار فعليه ان ينوى تقديم رأسه على جسده * ولا يلزمه ذلك في سائر الاغسال الواجبة (1) إذا لم يأت بذلك نص، الا أن يصح أن هكذا (2) علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض فنقف عنده والا فلا، ولم يأت ذلك في الحيض الا من طريق ابراهيم بن المهاجر، وهو ضعيف ورويناه (3) من طريق عبد بن حميد عند عبد الرزاق، وليس ذكر الحيض محفوظا عن عبد الرزاق أصلا، فان صح ذلك في الحيض قلنا به، ولم نستجز مخالفته * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا حفص بن عمر ثنا شعبة أخبرني أشعث بن سليم قال: سمعت أبى عن مسروق


(1) في المصرية (في سائر الاغتسال) وبحذف (الواجبة) وهو خطأ (2) في المصرية (الا أن يصح هكذا) بحذف (أن) الثانية وهو خطأ (3) في المصرية (وروينا) بحذف الضمير وهو خطأ

[ 30 ]

عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره في شأنه كله) * 189 - مسألة - وليس عليه أن يتدلك: وهو قول سفيان الثوري والاوزاعي وأحمد بن حنبل وداود وأبى حنيفة والشافعي وقال مالك بوجوب التدلك * قال أبو محمد: برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر أبى شيبة واسحاق بن ابراهيم وعمر والناقد وابن أبى عمر كلهم عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد المقبرى عن عبد الله ابن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت (قلت يا رسول الله: إنى امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة، فقال: لا انما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك فتطهرين) * وبهذا جاءت الآثار كلها في صفة غسله عليه السلام، لا ذكر للتدلك (2) في شئ من ذلك. وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال في الغسل من الجنابة: فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اغسل رأسك ثلاثا ثم أفض الماء على جلدك. وعن الشعبى والنخعي والحسن في الجنب ينغمس في الماء انه يجزيه من الغسل * واحتج من رأى التدلك فرضا بأن قال: قد صح الاجماع على أن الغسل إذا تدلك فيه فانه (3) قد تم واختلف فيه إذا لم يتدلك، فالواجب أن لا يجزئ زوال الجنابة إلا بالاجماع. وذكروا حديثا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم عائشة الغسل من الجنابة فقال لها عليه السلام: (يا عائشة اغسلي يديك) ثم قال لها: (تمضمضي ثم استنشقي وانثرى (4) ثم اغسلي وجهك) ثم قال: (اغسلي يديك إلى المرفقين) ثم قال: (أفرغي على رأسك)) ثم قال (أفرغي على جلدك) ثم أمرها تدلك وتتبع بيدها كل شئ لم يمسه الماء من جسدها، ثم قال: (يا عائشة أفرغي على رأسك الذى بقى


(1) هكذا هو في البخاري في كتاب الوضوء في باب (التيمن في الوضوء والغسل) بلفظ (في شأنه كله) بدون واو العطف (2) في اليمنية (لتدلك) (3) في المصرية (بأنه) (4) في اليمنية (واستنثرى)

[ 31 ]

ثم أدلكي جلدك وتتبعي) وبحديث آخر فيه أنه عليه السلام قال: (ان تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وانقوا البشر وبحديث آخر فيه * (خلل أصول الشعر وانق البشر) وبحديث آخر فيه: أن امرأة سألته عليه السلام عن غسل الجنابة. فقال عليه السلام (تأخذ احداكن ماءها فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ في الطهور ثم تصب الماء على رأسها فتدلك حتى يبلغ شوون رأسها ثم تفيض الماء على رأسها) وقال بعضهم: قسنا ذلك على غسل النجاسة لا يجزى إلا بعرك. وقال بعضهم: قوله تعالى: (فاطهروا) دليل على المبالغة * قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا به، وكله ايهام وباطل أما قولهم: ان الغسل إذا كان بتدلك فقد أجمع على تمامه ولم يجمع على تمامه دون تدلك -: فقول فاسد، أول ذلك أنه ليس ذلك مما يجب أن يراعي في الدين لان الله تعالى انما أمرنا باتباع الاجماع فيما صح وجوبه من طريق الاجماع أو صح تحريمه من طريق الاجماع أو صح تحليله من طريق الاجماع، فهذا هو الحق: وأما العمل الذى ذكروا فانما هو ايجاب اتباع الاختلاف لا وجوب اتباع الاجماع، وهذا باطلا، لان التدلك لم يتفق على وجوبه ولا جاء به نص، وفى العمل الذى ذكروا ايجاب القول بما لا نص فيه ولا اجماع، وهذا باطل ثم هم أول من نقض هذا الاصل، وان اتبعوه بطل عليهم أكثر من تسعة أعشار مذاهبهم، أول ذلك أنه يقال لهم ان اغتسل ولم يمضمض ولا استنشق فأبو حنيفة يقول لا غسل له ولا تحل له الصلاة بهذا الاغتسال (1) فيقال لهم: فيلزمكم ايجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل فرضا لانهما ان أتى بهما المغتسل فقد صح الاجماع على أنه قد اغتسل، وان لم يأت بهما فلم يصح الاجماع على أنه قد اغتسل فالواجب ان لا يزول حكم الجنابة الا بالاجماع، وهكذا فيمن اغتسل بماء من بئر قد بالت فيه شاة فلم يظهر فيها للبول أثر وهكذا فيمن نكس وضوءه وهذا أكثر من أن يحصر (2)، بل هو


(1) في اليمنية (ولا تحل الصلاة بهذا الغسل) (2) في اليمنية (يحصى)

[ 32 ]

داخل في أكثر مسائلهم، وما يكاد يخلص لهم ولغيرهم مسألة من هذا الالزام (1) ويكفى من هذا أنه حكم فاسد لم يوجبه قرآن ولا سنة لان الله تعالى لم يأمرنا بالرد عند التنازع الا إلى القرآن والسنة فقط، وحكم التدلك مكان تنازع (2) فلا يراعى فيه الاجماع أصلا * وأما خبر عائشة رضى الله عنها فساقط لانه من طريق عكرمة بن عمار عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن عائشة، وعكرمة ساقط (3)، وقد وجدنا عنه حديثا موضوعا في نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بعد فتح مكة، ثم هو مرسل، لان عبد الله بن عبيد بن عمير لم يدرك عائشة، وأبعد ذكره رواية ابن عمر أيام ابن الزبير، فسقط هذا الخبر، ثم لو صح لكان حجة عليهم لانه جاء فيه الامر بالتدلك كما جاء فيه بالمضمضة والاستنثار والاستنشاق (4) ولا فرق وهم لا يرون شيئا من ذلك فرضا، وأبو حنيفة يرى كل ذلك فرضا ولا يرى التدلك فرضا، فكلهم ان احتج بهذا الخبر فقد خالفوا حجتهم وأسقطوها، وعصوا ما أقروا انه لا يحل عصيانه، وليس لاحدى الطائفتين من أن تحمل ما وافقها على الفرض وما خالفها على الندب إلا مثل ما للاخرى من ذلك، وأما نحن فانه لو صح لقلنا بكل ما فيه فإذ لم يصح (5) فكله متروك * وأما الخبر (ان تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وانقوا البشر) فانه من رواية الحارس بن وجيه، وهو ضعيف، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة، لانه ليس فيه الا غسل الشعر وانقاء البشر، وهذا صحيح ولا دليل على أن ذلك لا يكون الا بالتدلك، بل هو تام دون تدلك * وأما الخبر الذى فيه (خلل أصول الشعر وأنق البشر) فهو من رواية يحيى بن عنبسة عن حميد عن أنس، ويحيى بن عنبسة مشهور برواية الكذب، فسقط، ثم لو صح لما كان فيه الا إيجاب التخليل فقط، لا التدلك، وهذا خلاف قولهم، لانهم


(1) في المصرية (من هذه الالزام) وهو تحريف (2) في المصرية (مكان التنازع) أما عكرمة فليس ساقطا ولا روي حديثا موضوعا (4) في المصرية (والاستنشاق والاستنثار) (5) في المصرية فإذا لم يصح

[ 33 ]

لا يختلفون فيمن صب الماء على رأسه ومعك (1) بيديه دون أن يخلله أن يجزيه، فسقط تعلقهم بهذا الخبر ولله الحمد. * وأما حديث (تأخذ إحداكن ماءها) فانه (2) من طريق ابراهيم بن مهاجر عن صفية عن عائشة، وابراهيم هذا ضعيف، ثم لو صح لما كان إلا عليهم لا لهم، لانه ليس فيه الا دلك شؤون رأسها فقط، وهذا خلاف قولهم، فسقط كل ما تعلقوا به من الاخبار * (3) وأما قولهم قسنا ذلك على غسل النجاسة، فالقياس كله باطل، ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل، لان حكم النجاسة يختلف، فمنها ما يزال بثلاثة أحجاز دون ماء، ومنها ما يزال بصب الماء فقط دون عرك، ومنها ما لابد من غسله وازالة عينه (4) فما الذى جعل غسل الجنابة أن يقاس علي بعض ذلك دون بعض؟! فكيف وهو فاسد على أصول أصحاب القياس، لان النجاسة عين تجب ازالتها، وليس في جلد الجنب عين تجب ازالتها، فظهر فساد قولهم جملة. وبالله تعالى التوفيق * وأيضا فان عين النجاسة إذا زال بصب الماء فانه لا يحتاج فيها إلى عرك ولا دلك، بل يجزئ الصب، فهلا قاسوا غسل الجنابة على هذا النوع من ازاله النجاسة فهو أشبه به؟! إذ كلاهما لا عين هناك تزال وبالله تعالى التوفيق * وأما قولهم: ان قوله تعالى: (فاطهروا) دليل على المبالغة، فتخليط لا يعقل، ولا ندرى في أي شريعة وجدوا هذا أو في أي لغة؟! وقد قال تعالى في التيمم: (ولكن يريد ليطهركم) وهو مسح خفيف بأجماع منا ومنهم، فسقط كل ماموهوا به، ووضح ان التدلك لا معنى له في الغسل. وبالله تعالى التوفيق. وما نعلم لهم سلفا من الصحابة رضى الله عنهم في القول بذلك * 190 - مسألة - ولا معنى لتخليل اللحية في الغسل ولا في الوضوء، وهو قول مالك وأبى حنيفة والشافعي وداود


(1) المعك الدلك (2) في المصرية (فانها) وهو خطأ (3) في اليمنية (كل ما تعلقوا به من ذلك) (4) في المصرية (وازالة عينها)

[ 34 ]

والحجة في ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع (1) ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد شعيب ثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن سفيان الثوري ثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرة مرة) * قال على: وغسل الوجه مرة لا يمكن معه بلوغ الماء إلى أصول الشعر، ولا يتم ذلك الا بترداد الغسل والعرك، وقال عزوجل: (فاغسلوا وجوهكم) والوجه هو ما واجه ما قابله (2) بظاهره، وليس الباطن وجها، * وذهب إلى ايجاب التخليل قوم، كما روينا عن مصعب بن سعد (3) أن عمر ابن الخطاب رأى قوما يتوضؤن، فقال خللوا، وعن ابنه عبد الله (4) أيضا مثل ذلك، وعن ابن جريح عن عطاء أنه قال. اغسل أصول شعر اللحية، قال ابن جريج: قلت لعطاء: أيحق على أن ابل أصل (5) كل شعرة في الوجة؟ قال نعم، قال ابن جريج: وأن أزيد (6) مع اللحية الشاربين والحاجبين؟ قال: نعم، وعن ابن سابط وعبد الرحمن ابن أبى ليلى وسعيد بن جبير أيجاب تخليل اللحية في الوضوء والغسل، وروينا عن غير هؤلاء فعل التخليل دون أن يأمروا بذلك فروينا عن عثمان بن عفان انه توضأ فخلل لحيته، وعن عمار بن ياسر مثل ذلك، وعن عبد الله بن أبى أوفى وعن أبى الدرداء وعلي بن أبي طالب مثل ذلك، والى هذا كان يذهب أحمد بن حنبل، وهو قول أبى البخترى وأبي ميسرة وابن سيرين والحسن وأبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود وعبد الرزاق وغيره * قال أبو محمد: واحتج من رأى ايجاب ذلك بحديث رويناه عن أنس: (أن


(1) في المصرية (عبد الله بن وكيع) وهو خطأ (2) في اليمنية (من قابله) (3) في اليمنية (مصعب بن سعيد) وهو خطأ. وهذا الاثر مرسل لان مصعب لم يدرك عمر بل اختلف في ادراكه عثمان (4) في اليمنية (وعن أبيه عبد الله) وهو تصحيف (5) في اليمنية (أيحق أن أبل) بحذف (على) (6) في اليمنية (وأنا أزيد) وهو خطأ ظاهر

[ 35 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فادخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال بهذا أمرنى ربى). وبحديث آخر عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اتانى جبريل) فقال: ان ربك يأمرك بغسل الفينك (والفينك الذقن) خلل لحيتك عند الطهور) - وعن ابن عباس (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطهر ويخلل لحيته، ويقول: هكذا أمرنى ربى). ومن طريق وهب: (هكذا أمرنى ربي) * قال أبو محمد: وكل هذا لا يصح، ولو صح لقلنا به: أما حديث أنس فانه من طريق الوليد بن زوران ومجهول (1) والطريق الآخر فيها عمر بن ذؤيب (2) وهو مجهول، والطريق الثالثة من طريق مقاتل بن سليمان وهو مغموز بالكذب، والطريق الرابعة فيها الهيثم بن جماز (3) وهو ضعيف، عن يزيد الرقاشى وهو لا شئ، فسقطت كلها. ثم نظرنا في حديث ابن عباس فوجدناه من طريق نافع مولى يوسف وهو ضعيف منكر الحديث، والاخرى فيها مجهولون لا يعرفون، والذى من طريق ابن وهب لم يسم فيه ممن بين ابن وهب ورسول الله صلى الله عليه وسلم أحد (4)، فسقط كل ذلك * وأما من استحب التخليل فاحتجوا بحديث من طريق عثمان بن عفان: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته) وعن عمار بن ياسر مثل ذلك، وعن عائشة مثل ذلك، وعن عبد الله بن (5) أوفى مثل ذلك، وعن الحسن مثل ذلك، وعن أبى أيوب مثل ذلك، وعن أنس مثل ذلك، وعن أم سلمة مثل ذلك، وعن جابر مثل


(1) (زوران) بتقديم الزاي على الراء. والوليد ليس مجهولا ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو داود: لا ندرى سمع من أنس أو لا. (2) في المصرية (عمرو بن ذئب) وفي اليمنية (عمرو بن ذؤيب) وكلاهما خطأ والتصحيح من لسان الميزان. قال العقيلى (عمر بن ذؤيب) عن ثابت مجهول وحديثه غير محفوظ ثم ساقه عن ثابت عن أنس في تخليل اللحية وقال بهذا أمرني ربي). (3) في المصرية (حمان) وفي اليمنية (جمان) وكلاهما خطأ، وصوابه (جماز) بالجيم والزاي (4) هو نائب فاعل لم يسم (5) في اليمنية (عبيد الله بن ابى أوفي) وهو خطأ

[ 36 ]

ذلك وعن عمرو بن الحارث (1) مثل ذلك * قال أبو محمد: وهذا كله لا يصح منه شئ: أما حديث عثمان فمن طريق اسرائيل وليس بالقوى، عن عامر بن شقيق وليس مشهورا بقوة النقل (2) وأما حديث عمار فمن طريق حسان بن بلال المزني وهو مجهول، وأيضا (3) فلا يعرف له لقاء لعمار وأما حديث عائشة فانه من طريق رجل مجهول لا يعرف من هو؟ شعبة يسميه عمرو بن أبي وهب. وأمية بن خالد يسميه عمران بن أبى وهب (4). وأما حديث ابن أبى أوفى فهو من طريق أبى الورقاء فائد بن عبد الرحمن (5) العطار وهو ضعيف أسقطه أحمد ويحيى والبخاري وغيرهم. وأما حديث أبى أيوب فمن طريق واصل بن السائب وهو ضعيف، وأبو أيوب المذكور فيه ليس هو أبا أيوب الانصاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قاله ابن معين وأما حديث أنس فهو من طريق أيوب بن عبد الله وهو مجهول (6) وأما حديث أم سلمة فهو من طريق خالد بن الياس المدينى (7) من ولد أبى الجهم بن حذيفة العدوى وهو ساقط منكر الحديث، وليس هو خالد بن الياس الذى يروى


(1) في المصرية (وعن عائشة) وفي اليمنية (وعن عمر بن الحارث) وكلاهما خطأ، لان حديث عائشة سبق ذكره، والحديث حديث عمرو بن الحارث كما سيجئ في كلام المؤلف على كل هذه الاحاديث (2) قال ابن حجر في التهذيب: (صحح الترمذي حديثه في التخليل وقال في العلل الكبير: قال محمد أصح شئ في التخليل عندي حديث عثمان، قلت انهم يتكلمون في هذا فقال هو حسن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم (3) في الاصلين (وهو مجهول أيضا) بحذف الواو، وزيادتها لازمة، لانه يعلله بجهل حال الراوى، وارسال الحديث لعدم لقائه من حدث عنه، فهما علتان لا علة واحدة. وقال ابن حجر بعد حكاية كلام ابن حزم: (قوله مجهول مردود فقد روي عنه جماعة ووثقه ابن المديني وكفى به) (4) لم أجد له ترجمة (5) فائد بالفاء وفي اليمنية بالقاف وهو خطأ (6) هو الملاح. له ترجمة في لسان الميزان (7) في الاصل (خالد بن الناس) بالنون وهو خطأ. ولخالد ترجمة في التهذيب

[ 37 ]

عنه شعبة، ذا بصرى ثقة. وأما حديث جابر فهو من طريق أصرم بن غياث وهو ساقط البتة، لا يحتج به (1) وأما حديث الحسن وعمرو بن الحارث فمرسلان فسقط كل ما في هذا الباب * ولقد كان يلزم من يحتج بحديث معاذ: (اجتهد رأيى) ويجعله أصلا في الدين وباحاديث الوضوء بالنبيذ وبالوضوء من القهقهة في الصلاة، وبحديث بيع اللحم بالحيوان، ويدعى فيها الظهور والتواتر - أن يحتج بهذه الاخبار (2) فهى أشد ظهورا وأكثر تواترا - من تلك، ولكن القوم انما همهم نصر ما هم فيه في الوقت فقط * واحتج أيضا من رأى التخليل بأن قالوا: وجدنا الوجه يلزم غسله بلا خلاف قبل نبات اللحية، فلما نبتت ادعى قوم سقوط ذلك (3) وثبت عليه آخرون، فواجب أن لا يسقط ما اتفقنا عليه الا بنص آخر أو إجماع * قال أبو محمد: وهذا حق، وقد سقط ذلك بالنص، لانه انما يلزم (4) غسله مادام يسمى وجها، فلما خفى بنبات الشعر سقط عنه اسم الوجه وانتقل هذا الاسم إلى ما ظهر على الوجه من الشعر، واذ سقط اسمه سقط حكمه وبالله تعالى التوفيق * 191 - مسألة - وليس على المرأة ان تخلل (5) شعر ناصيتها أو ضفائرها في غسل الجنابة فقط، لما ذكرناه قبل هذا ببابين في باب التدلك (6) وهو قول الحاضرين من المخالفين لنا * 192 - مسألة - ويلزم المرأة حل ضفائرها وناصيتها في غسل الحيض وغسل الجمعة والغسل من غسل الميت ومن النفاس * لما حدثناه يونس (7) بن عبد الله بن مغيث ثنا أبو عيسى بن أبى عيسى ثنا أحمد بن خالد ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن وكيع عن هشام بن


(1) له ترجمة في لسان الميزان. (2) في المصرية (فهو) وهذا خطأ (3) في اليمنية (سقوطها) وما هنا أحسن (4) في المصرية (انما الزم) (5) في المصرية (تحل) (6) في المسألة 189 (7) في المصرية (يوسف) وهو خطأ. انظر المسألة 126 وغيرها من الكتاب

[ 38 ]

عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في الحيض: (انقضي رأسك واغتسلي) * قال على: والاصل في الغسل الاستيعاب لجميع الشعر، وايصال الماء إلى البشرة بيقين، بخلاف المسح، فلا يسقط ذلك إلا حيث أسقطه النص، وليس ذلك إلا في الجنابة فقط، وقد صح الاجماع بان غسل النفاس كغسل الحيض * فان قيل: فان عبد الله بن يوسف حدثكم قال ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد المقبرى عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة أم المؤمنين قالت: (يا رسول الله انى امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: لا) * قال علي: قوله ههنا راجع على الجنابة لا غير، وأما النقض في الحيض فالنص قد ورد به، ولو كان كذلك لكان الاخذ به واجب إلا أن حديث عائشة رضي الله عنها نسخ ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لها في غسل الحيض: (انقضى رأسك واغتسلي) فوجب الاخذ بهذا الحديث (1) * قال على: قلنا: نعم، إلا أن حديث هشام بن عروه عن عائشة - الوارد بنقض ضفرها في غسل الحيضة - هو زائد حكما ومثبت شرعا على حديث أم سلمة والزيادة لا يجوز تركها * قال أبو محمد: وقد روينا حديثا ساقطا عن عبد الملك بن حبيب عن عبد الله ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في المرأة تغتسل من حيضة أو جنابة، (لا تنقض شعرها) وهذا حديث


(1) هذه القطعة من أول قوله قال على: (قوله ههنا راجع إلى الجنابة) الخ إلى قوله (فوجب الاخذ بهذا الحديث) غير موجودة في اليمنية. وحذفها في رأينا أولى من اثباتها، وما نرى لها موقعا مع ما سيجئ عقيبها في الاجابة عن حديث عائشة وان كان اجابة متكلفة

[ 39 ]

لو لم يكن فيه إلا ابن لهيعة لكفى سقوطا، فكيف وفيه عبد الملك بن حبيب وحسبك (1) به، ثم لم يقل فيه أبو الزبير (حدثنا) وهو مدلس في جابر ما لم يقله * فان قيل: قسنا غسل الحيض على غسل الجنابة، قلنا القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لان الاصل يقين ايصال الماء إلى جميع الشعر، وهم يقولون: ان ما خرج عن أصله لم يقس عليه، وأكثرهم يقول: لا يؤخذ به كما فعلوا في حديث المصراة، وخبر جعل الآبق، وغير ذلك * فان قيل: فان عائشة قد أنكرت نقض الضفائر، كما حدثكم عبد الله بن يوسف قال ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى (2) ثنا اسماعيل بن علية عن أيوب السختيانى عن أبى الزبير عن عبيد بن عمير قال: (بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو ابن العاصى يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن روسهن فقالت: يا عجبا لا بن عمرو هذا؟ يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن روسهن. أو لا يأمرهن أن يحلقن رؤسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات * قال أبو محمد: هذا لا حجة علينا فيه لوجوه: أحدها أن عائشة رضى الله عنها لم تعن بهذا إلا غسل الجنابة فقط (3) وهكذا نقول (4)، وبيان ذلك إحالتها (5) في آخر الحديث على غسلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وهذا انما هو بلا شك للجنابة لا للحيض، والثانى أن لو صح فيه أنها أرادت الحيض لما كان علينا فيه حجة لاننا لم نؤمر بقبول رأيها، انما أمرنا بقبول روايتها، فهذا هو الفرض اللازم، والثالث أنه قد خالفها عبد الله بن عمرو، وهو صاحب، وإذا وقع التنازع، وجب الرد إلى


(1) هو الاندلسي أبو مروان السلمي. له ترجمة في التهذيب وقد تحامل عليه ابن احزم (2) في اليمنية: (يحيى بن أبي يحيى) وهو خطأ (3) في اليمنية (لم تعن بهذا الغسل الا الجنابة فقط) وما هنا أحسن: (4) في المصرية (وهكذا القول) (5) في اليمنية (وبيان ذلك ان احالتها)

[ 40 ]

القرآن والسنة، لا إلى قول أحد المتنازعين دون الآخر، وفى السنة ما ذكرنا. والحمد لله رب العالمين * (1) 193 - مسألة - فلو انغمس من عليه غسل واجب - أي غسل كان - في ماء جار أجزأه إذا نوى به ذلك الغسل، وكذلك لو وقف تحت ميزاب ونوى به ذلك الغسل أجزأه، إذا عم جميع جسده. لما قد ذكرنا من أن التدلك لا معنى له وهو قد تطهر واغتسل كما أمر، وهو قول أبى حنيفة وسفيان الثوري والاوزاعي والشافعي وأحمد وداود وغيرهم * 194 - مسألة - فلو انغمس من عليه غسل واجب في ماء راكد، ونوى الغسل أجزأه من الحيض ومن النفاس ومن غسل الجمعة ومن الغسل من غسل الميت ولم يجزه للجنابة، فان كان جبنا ونوى بانغماسه في الماء الراكد غسلا من هذه الاغسال ولم ينو غسل الجنابة، أو نواه، لم يجزه أصلا، لا للجنابة ولا لسائر الاغسال، والماء في كل ذلك طاهر بحسبه، قل أو كثر، مطهر له إذا تناوله، ولغيره على كل حال، وسواء في كل ما ذكرنا كان ماء قليلا في مطهرة أوجب أو بئر، أو كان غديرا راكدا فراسخ في فراسخ، كل ذلك سواء * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو الطاهر


(1) تكلف ابن حزم تكلفا شديدا في التفصي من الحجة التي لزمته بحديث عائشة، وحاول محاولة غير مقبولة. فتأوله بما لا يرضاه منصف لنفسه. فان دعواه ان حديث عائشة في غسل الجنابة فقط دعوى لا دليل عليها. ثم قاصمة الظهر دعواه ان هذا رأي لعائشة فلا حجة فيه إذا صح أنه في غسل الحيض - وقد عارضها ابن عمرو. هذا مع انه يسلم أن اقرار الرسول صلى الله عليه وسلم عمل الصحابة حجة. ولن يكون اقرار أكثر من اقراره عمل زوجة وهي تغتسل معه من اناء واحد. فوقع فيما أكثر الطعن به على مخالفيه من نصرهم المسألة الحاضرة فقط. والله الهادي إلى سواء السبيل

[ 41 ]

وهارون بن سعيد الايلى عن ابن وهب ثنا عمرو بن الحارث (1) عن بكير بن الاشج أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم (2) وهو جنب) فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن محمد بن عجلان قال سمعت أبى يحدث عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة) * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن أبى دليم ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر ابن أبى شيبة ثنا على بن هاشم (3) عن ابن أبى ليلى عن أبى الزبير عن جابر قال: (كنا نستحب أن نأخذ من ماء الغدير ونغتسل به في ناحية) * قال أبو محمد: فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنب عن أن يغتسل في الماء الدائم - في رواية أبى السائب عن أبى هريرة - جملة، فوجب منه أن كل من اغتسل وهو جنب في ماء دائم، فقد عصى الله تعالى ان كان عالما بالنهي، ولا يجزيه لاى غسل (4) نواه، لانه خالف ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة * وهذا الحديث أعم من حديث ابن عجلان عن أبيه، لانه لو لم يكن إلا حديث ابن عجلان لاجزأ الجنب أن يغتسل في الماء الدائم لغير الجنابة، لكن العموم وزيادة العدل لا يحل خلافها * ومن رأى أن اغتسال الجنب في الماء الدائم لا يجزيه أبو حنيفة، الا أنه عم


(1) في المصرية (عمر بن الحارث) وهو خطأ (2) في المصرية (الراكد) (3) في اليمنية (على بن هشام) وهو خطأ، بل هو على بن هاشم بن البريد، وابن ابى ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى (4) في اليمنية (لا في غسل) واستظهر كاتبها بحاشيتها أن يكون (لاجل غسل) والصواب ما هنا

[ 42 ]

بذلك كل غسل وكل وضوء، وخص بذلك ما كان دون الغدير الذى إذا حرك طرفه لم يتحرك الاخر، ورأى الماء يفسد بذلك، فكان ما زاد بذلك على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - من عموم كل غسل - خطأ، ومن تنجيس الماء، وكان ما نقص بذلك من أمره عليه السلام - من تخصيصه بعض المياه الرواكد دون بعض -: خطأ، وكان ما وافق فيه أمره عليه السلام صوابا، وقاله أيضا الحسن بن حى، إلا أنه خص به ما دون الكر (1) من الماء، فكان هذا التخصيص خطأ (2) وقال به أيضا الشافعي إلا أنه خص به ما دون خمسماية رطل، فكان هذا التخصيص خطأ، وعم به كل غسل، فكان هذا الذى زاده خطأ، ورأى الماء لا يفسد، فأصاب، وكره مالك ذلك، وأجازه إذا وقع، فكان هذا منه خطأ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ومن المحال أن يجزئ غسل نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسل أمر به، أبى الله أن تنوب المعصية عن الطاعة، وان يجزئ الحرام مكان الفرض * وقولنا هو قول أبي هريرة وجابر من الصحابة رضى الله عنهم، وما نعلم لهما (3) في ذلك مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم * قال علي: فلو غسل الجنب شيئا من جسده في الماء الدائم لم يجزه، ولو أنه شعرة واحدة، لان بعض الغسل غسل، ولم ينه عليه السلام عن أن يغتسل غير الجنب في الماء الدائم، (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (وما كان ربك نسيا) فصح أن غير الجنب يجزيه أن يغتسل في الماء الدائم لكل غسل واجب أو غير واجب وبالله تعالى التوفيق * 195 - مسألة - ومن أجنب يوم الجمعة من رجل أو امرأة فلا يجزيه الاغسلان غسل ينوى به الجنابة ولا بد، وغسل أخر ينوى به الجمعة ولا بد، فلو غسل ميتا


(1) الكر بفتح الكاف وتشديد الراء مكيال لاهل العراق مختلف في مقداره (2) في اليمنية (فكان هذا تخصيص خطأ) وهو لحن (3) في الاصلين (لهم) وفي اليمنية بحذف (في ذلك)

[ 43 ]

أيضا لم يجزه إلا غسل ثالث ينوى به ولا بد، فلو حاضت أمرأة بعد أن وطئت فهى بالخيار ان شاءت عجلت الغسل للجنابة وأن شاءت أخرته حتى تطهر، فإذا طهرت لم يجزها إلا غسلان، غسل تنوى به الجنابة وغسل آخر تنوى به الحيض، فلو صادفت يوم جمعة وغسلت ميتا لم يجزها أربعة أغسال كما ذكرنا (1) فلو نوى بغسل واحد غسلين مما ذكرنا فاكثر، لم يجزه ولا لواحد منهما، وعليه أن يعيدهما، وكذلك ان نوى أكثر من غسلين، ولو أن كل من ذكرنا يغسل كل عضو من أعضائه مرتين - ان كان عليه غسلان - أو ثلاثا (2) - ان كان عليه ثلاثة أغسال (3) - أو أربعا - ان كان عليه أربعة أغسال - ونوى في كل غسلة الوجه الذى غسله له (4) أجزأه ذلك والا فلا، فلو أراد من ذكرنا، الوضوء، لم يجزه إلا المجئ بالوضوء بنية الوضوء مفردا عن كل غسل ذكرنا، حاشا غسل الجنابة وحده فقط، فانه إن نوى بغسل أعضاء الوضوء غسل الجنابة والوضوء معا أجزأه ذلك، فان لم ينو الا الغسل فقط لم يجزه للوضوء، ولو نواه للوضوء فقط لم يجزه للغسل، ولا يجزئ للوضوء ما ذكرنا إلا مرتبا على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى * برهان ذلك قول الله تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فصح يقينا أنه مأمور بكل غسل من هذه الاغسال، فإذ قد صح ذلك فمن الباطل أن يجزئ عمل واحد عن عملين أو عن أكثر، وصح يقينا أنه ان نوى أحد (ما عليه من ذلك فانما له - بشهادة) رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقة -: الذى نواه فقط وليس له ما لم ينوه، (5) فان نوى بعمله ذلك غسلين فصاعدا فقد خالف ما أمره به، لاأنه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التى ذكرنا، فلم يفعل ذلك، والغسل لا ينقسم، فبطل عمله كله، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * وأما غسل الجنابة والوضوء فأنه أجزأ فيهما عمل واحد بنية واحدة لهما جميعا للنص


(1) في المصرية (اربع اغتسالات) (2) في المصرية (أو ثلاث) وهو لحن (3) في المصرية (ثلاث اغتسالات) (4) في اليمنية (غسله به) (5) في اليمنية (الذى نوى فقط وليس له ما لم ينو)

[ 44 ]

الوارد في ذلك، كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف ثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ (1) كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله). وهكذا رواه أبو معاوية وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وغيرهم عن هشام عن أبيه عن عائشة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا على بن حجر السعدي ثنا عيسى بن يونس ثنا الاعمش عن سالم بن أبى الجعد عن كريب عن ابن عباس قال: حدثتني خالتي ميمونة قالت. (أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا، ثم أدخل يده في الاناء، ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الارض فدلكها دلكا شديدا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات مل ء كفيه، (2) ثم غسل سائر جسده، ثم تنحي عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده) فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعد غسل أعضاء الوضوء في غسله للجنابة، ونحن نشهد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ضيع نية كل عمل افترضه الله عليه، فوجب ذلك في غسل الجنابة خاصة وبقيت سائر الاغسال على حكمها * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يجزئ غسل واحد للجنابة والحيض، وقال بعض أصحاب مالك: يجزئ غسل واحد للجمعة والجنابة، وقال بعضهم. ان نوي الجنابة لم يجزه من الجمعة، وان نوى الجمعة أجزأه، من الجنابة: * قال على وهذا في غاية الفساد، لان غسل الجمعة عندهم تطوع، فكيف يجزئ تطوع عن فرض؟ أم كيف تجزى نية في فرض لم تخلص وأضيف إليها نية تطوع؟


(1) في اليمنية (يتوضأ) (2) في اليمنية (كفه) بالافراد

[ 45 ]

ان هذا لعجب! * قال على: واحتجوا في ذلك بأن قالوا: وجدنا وضوءا واحدا وتيمما واحد يجزئ عن جميع الاحداث الناقضة للوضوء، غسلا واحدا يجزئ عن جنابات كثيرة، وغسلا واحدا يجزئ عن حيض أيام، (1) وطوافا واحدا (2) يجزئ عن عمرة وحج في القران، فوجب أن يكون كذلك كل ما يوجب الغسل * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لانه لو صح القياس لم يكن القياس لان يجزئ غسل واحد (3) عن غسلين مأمور بهما على ما ذكروا في الوضوء -: بأولى من أن يقاس حكم من عليه غسلان على من عليه يومان من شهر رمضان، (4) أو رقبتان عن ظهارين، أو كفارتان (5) عن يمينين، أو هديان عن متعتين، أو صلاتا ظهر من يومين، أو درهمان من عشرة دراهم عن مالين مختلفين، فيلزمهم أن يجزئ في كل ذلك صيام يوم واحد، ورقبة واحدة، وكفارة واحدة، وهدى واحد، وصلاة واحدة ودرهم واحد، وهكذا في كل شئ من الشريعة (6) وهذا ما لا يقوله أحد، فبطل قياسهم الفاسد * ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق: أما الوضوء فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ) وسنذكره ان شاء الله تعالى باسناده في باب الحدث في الصلاة، فصح بهذا الخبر أن الوضوء من الحدث جملة، فدخل في ذلك كل حدث، وقال تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) فدخل في ذلك كل جنابة، وصح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء واحد للصلاة من كل حدث سلف، من نوم وبول وحاجة المرء وملامسة، وأنه عليه السلام كان يطوف على نسائه بغسل واحد،


(1) في المصرية (يجزئ عن غسل حيض أيام) وهو خطأ (2) في الاصلين (وطواف واحد) بالرفع وهو لحن (3) في المصرية (لان يجزئ واحد) وما هنا أصح (4) في اليمنية (من أن شهر رمضان) وزيادة (أن) خطأ (5) في المصرية (أو كفارتان) وهو خطأ فاحش (6) في المصرية (من الشرعية)

[ 46 ]

كما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا ابن أبى دليم ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر ابن أبى شيبه ثنا هشيم ثنا حميد الطويل عن أنس. (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه، في ليلة بغسل واحد) * وأما - طواف واحد وسعى واحد في القرآن عن الحج والعمرة، فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طواف واحد يكفيك لحجك وعمرتك.) وقوله عليه السلام: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) * والعجب كله من أبى حنيفة إذ يجزئ (1) عنده غسل واحد عن الحيض والجنابة والتبرد، ولا يجزئ عنده للحج والعمرة في القرآن الا طوافان وسعيان، وهذا عكس الحقائق وابطال السنن (2) * قال أبو محمد: (وممن قال بقولنا جماعة من السلف كما روينا عن عبد الرحمن ابن مهدى، قال: ثنا حبيب وسفيان الثوري و عبد الله بن المبارك وعبد الاعلى وبشر بن منصور (3) قال حبيب عن عمرو بن هرم (4) قال: سئل جابر بن زيد - هو ابو الشعثاء - عن المرأة تجامع ثم تحيض؟ قال: عليها أن تغتسل يعنى للجنابة (5) وقال سفيان عن ليث والمغيرة بن مقسم (6) وهشام بن حسان، قال ليث: عن طاوس، وقال المغيرة عن ابراهيم النخعي، وقال هشام عن الحسن، قالوا كلهم في المرأة تجنب ثم تحيض: أنها تغتسل، يعنون للجنابة، وقال ابن المبارك عن الحجاج عن ميمون بن مهران وعمرو بن شعيب في المرأة تكون جنبا ثم تحيض قالا جميعا: تغتسل، يعنيان للجنابة، قال: وسألت عنها الحكم بن عتيبة (7) قال: تصب عليها الماء، غسلة دون غسلة، وقال عبد الاعلى ثنا معمر ويونس بن عبيد وسعيد ابن أبى عمرويه (8) قال معمر عن الزهري، وقال يونس عن الحسن وقال سعيد عن


(1) في اليمنية (أن يجزئ) (2) في المصرية (عكس للحقائق وابطال للسنن) (3) في اليمنية (بشير وهو خطأ (4) في المصرية (عمر) وهو خطأ (5) في اليمنية من الجنابة (6) في اليمنية والمغيرة بن مقيم وهو خطأ (7) في اليمنية (عيينة) وهو خطأ (8) في اليمنية (وعن سعيد بن أبي عروبة) وهو خطأ

[ 47 ]

قتادة، قالوا كلهم في المرأة تجامع ثم تحيض، أنها تغتسل لجنابتها وقال بشر بن منصور عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح في المرأة تجامع ثم تحيض أنها تغتسل فان أخرت فغسلان عند طهرها. فهولاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وابراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو بن شعيب والزهرى وميمون بن مهران، وهو قول داود وأصحابنا * 196 - مسألة - ويكره للمغتسل أن يتنشف في ثوب غير ثوبه الذي يلبس فان فعل فلا حرج، ولا يكره ذلك في الوضوء * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن مفرج ثنا ابن السكن ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا موسى ثنا أبو عوانة ثنا الاعمش عن سالم بن أبى الجعد عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة بنت الحارث قالت: (وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسلا وسترته - فذكرت صفة غسله عليه السلام قالت - وغسل رأسه ثم صب على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته خرقة، فقال بيده وهكذا ولم يردها * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا هشام ثنا أبو مروان ومحمد بن المثنى قالا حدثنا الوليد بن مسلم ثنا الاوزاعي سمعت يحيى بن أبى كثير (1) يقول حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زراره عن قيس ابن سعد (2) قال (زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا - فذكر الحديث وفيه - وان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر له سعد بغسل فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد هذا لا يضاد الاول، لانه عليه السلام اشتمل فيها فصارت لباسه (3) حينئذ وقال بهذا بعض السلف، كما روينا عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أنه سئل عن المنديل المهذب: أيمسح به الرجل الماء؟ فأبى أن يرخص فيه،


(1) في المصرية (يحيى بن كثير) وهو خطأ (2) في اليمنية بحذف (عن قيس بن سعد) (3) تصحفت الكلمة على ناسخ النسخة المصرية فكتبها (لنا سنة) وهو تصحيف طريف لكنه لا معنى له *

[ 48 ]

وقال: هو شئ أحدث، قلت: أرأيت ان كنت أريد أن يذهب عنى المنديل يرد الماء! قال: فلا بأس به اذن، ولم ينه عليه السلام عن ذلك في الوضوء فهو مباح فيه (1) 197 - مسألة - وكل غسل ذكرنا فللمرء أن يبدأ به من رجليه أو من أي أعضائه شاء، حاشا غسل الجمعة والجنابة، فلا يجزئ فيهما الا البداءة بغسل الرأس أولا ثم الجسد، فان انغمس في ماء فعليه ان ينوي البداءة برأسه ثم بجسده ولا بد * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قد ذكرناه باسناده: (حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل رأسه وجسده)) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ابدؤا بما بدأ الله به) وسنذكره في ترتيب الوضوء باسناده ان شاء الله تعالى، وقد بدا عليه السلام بالرأس قبل الجسد، وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى)، فصح أن ما ابتدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في نطقه فعن وحي اتاه من عند الله تعالى، فالله تعالى هو الذى بدأ بالذى بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم * 198 - مسألة - وصفة الوضوء أنه ان كان انتبه من نوم فعليه أن يغسل يديه ثلاثا كما قد ذكرنا قبل، وأن يستنشق وأن يستنثر ثلاثا، ليطرد الشيطان عن خيشومه كما قد وصفنا، وسواء تباعد ما بين نومه ووضوئة أم لم يتباعد، فان كان قد فعل كل ذلك فليس عليه أن يعيد ذلك الوضوء من حدث غير النوم، فلو صب على يديه من اناء دون أن يدخل يده فيه لزمه غسل يده أيضا ثلاثا ان قام من نومه، ثم نختار له ان يتمضمض ثلاثا، وليست المضمضة فرضا، وان تركها فوضوؤه تام وصلاته تامة، عمدا تركها أو نسيانا، ثم ينوى وضوءه للصلاة كما قدمنا، ثم يضع الماء في انفه ويجبذه (2)


(1) لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر صحيح نهي عن المنديل بعد الغسل ولا بعد الوضوء ولا يفهم أحد من رده المنديل بعد الغسل أنه كره ذلك. ومن فهم هكذا فانما اشتبه عليه وجه الحق. وظاهر من مثل هذا أنه انما رده لعدم الحاجة إليه. لا أنه مكروه شرعا (2) في اليمنية (ويحتديه) وهو خطأ

[ 49 ]

بنفسه ولا بد، ثم ينثره بأصابعه ولا بد مرة، فان فعل الثانية والثالثة فحسن، وهما فرضان لا يجزئ الوضوء ولا الصلاة دونهما، لا عمدا ولا نسيانا، ثم يغسل وجهه من حد منابت الشعر في أعلى الجبهة إلى أصول الاذنين معا إلى منقطع الذقن، ويستحب أن يغسل ذلك ثلاثا أو اثنتين وتجزئ مرة، وليس عليه أن يمس الماء ما انحدر من لحيته تحت ذقنه، ولا أن بخلل لحيته، ثم يغسل ذراعيه من منقطع الاظفار إلى أول المرافق مما يلى الذراعين، فان غسل ذلك كله ثلاثا فحسن، ومرتين حسن، وتجزئ مرة، ولا بد ضرورة من أيصال الماء بيقين إلى ما تحت الخاتم بتحريكه عن مكانه، ثم يمسح رأسه كيفما مسحه اجزأه وأحب الينا ان يعم رأسه بالمسح، فكيفما مسحه بيديه (1) أو بيد واحدة أو باصبع واحدة أجزأه. فلو مسح بعض رأسه أجزأه وان قل، ونستحب أن يمسح رأسه ثلاثا أو مرتين وواحدة تجزئ، وليس علي المرأة والرجل مس ما انحدر (2) من الشعر عن منابت الشعر على القفا والجبهة، ثم يستحب له مسح أذنيه، ان شاء بما مسح به رأسه وان شاء بماء جديد، ويستحب تجديد الماء لكل عضو، ثم يغسل رجليه من مبتدأ منقطع الاظفار إلى آخر الكعبين مما يلى الساق، فان غسل ذلك ثلاثا فحسن، ومرتين حسن ومرة تجزئ، وتستحب تسمية الله تعالى على الوضوء، وان لم يفعل فوضوؤه تام * أما قولنا في المضمضة فلم يصح بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر، وانما هي (3) فعل فعله عليه السلام، وقد قدمنا أن أفعاله صلى الله عليه وسلم ليست فرضا، وانما فيها الايتساء به عليه السلام، لان الله تعالى انما أمرنا بطاعة أمر نبيه عليه السلام ولم يأمرنا بأن نفعل أفعاله، قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) وقال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)


(1) في المصرية (بيده) وهو خطأ (2) في المصرية (ما ينحدر) (3) في المصرية (هو)

[ 50 ]

وأما الاستنشاق والاستنثار فان عبد الله بن ربيع حدثنا قال ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن منصور ثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر)، ورويناه أيضا من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مسندا، ومن طريق سلمة بن قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال علي: قال مالك والشافعي: ليس الاستنشاق والاستنثار فرضا في الوضوء ولا في الغسل من الجنابة، وقال أبو حنيفة. هما فرض في الغسل من الجنابة وليس فرضا في الوضوء، وقال أحمد بن حنبل وداود: الاستنشاق والاستنثار فرضان في الوضوء وليسا فرضين في الغسل من الجنابة (1)، وليست المضمضة فرضا لا في الوضوء ولا في غسل الجنابة وهذا هو الحق (2) * وممن صح عنهم الامر بذلك جماعة من السلف. روينا عن على بن أبى طالب إذا توضأت فانثر فأذهب ما في المنخرين من الخبث، وعن شعبة قال حماد بن أبي سليمان فيمن نسى أن يمضمض ويستنشق قال: يستقبل (3) وعن شعبة عن الحكم ابن عتيبة فيمن صلى وقد نسى أن يمضمض ويستنشق قال: أحب إلى أن يعيد - يعنى الصلاة - وعن وكيع عن سفيان الثوري عن مجاهد: الاستنشاق شطر الوضوء، وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان وابن أبى ليلى قالا جميعا: إذا نسى المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد يعنون (4) الصلاة - وعن


(1) في اليمنية (الاستنشاق والاستنثار فرضان وليس فرضين في غسل الجنابة) وهو سقط ظاهر (2) هنا بهامش اليمنية ما نصه (وقال شيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى: احتجاجه ب‍ (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) يدل على أن أفعاله تتأكد فينا، وفي حديث رواه أبو داود في مسنده باسناد حسن: إذا توضأت فتمضمض. (3) يعني يعيد الوضوء، ووقع في الاصلين (بعمل) بدون اعجام وهو خطأ (4) كذا في الاصلين، واستظهر بحاشية اليمنية انه (يعنيان) وهو أظهر

[ 51 ]

عبد الرزاق عن معمر الزهري من نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد - يعني الصلاة - وعن ابن أبى شيبة عن أبى خالد الاحمر عن هشام عن الحسن في المضمضة والاستنشاق والاستنثار وغسل الوجه واليدين والرجلين: ثنتان تجزيان وثلاث أفضل * قال على وشغب قوم بان الاستنشاق والاستنثار ليسا مذكورين في القرآن وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله تعالى) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لان الله تعالى يقول: (من يطع الرسول فقط أطاع الله) فكل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله تعالى أمر به. * وأما قولنا في الوجه، فانه لا خلاف في أن الذي قلنا فرض غسله قبل خروج اللحية، فإذا خرجت اللحية فهى مكان ما سترت، ولا يسقط غسل شئ يقع عليه اسم الوجه بالدعوى، ولا يجوز أن يؤخذ بالرأى فرق بين ما يغسل الامرد من وجهه والكوسج والالحى (1) وأما ما انحدر عن الذقن من اللحية وما انحدر عن منابت الشعر من القفا والجبهة فانما أمرنا عزوجل لغسل الوجه ومسح الرأس (2) وبالضرورة يدرى كل أحد أن رأس الانسان ليس في قفاه، وأن الجبهة من الوجه المغسول، لا حظ فيها للرأس الممسوح، وأن الوجه ليس في العنق ولا في الصدر، فلا يلزم في كل ذلك شئ، إذ لم يوجبه قرآن ولا سنة، * وأما قولنا في غسل الذراعين وما تحت الخاتم والمرفقين، فان الله تعالى قال: (وأيديكم إلى المرافق) فمن ترك شيئا ولو قدر شعرة مما أمر الله تعالى بغسله فلم يتوضأ كما أمره الله تعالى، ومن لم يتوضأ كما أمره الله تعالى فلم يتوضأ أصلا، ولا صلاة له فوجب ايصال الماء بيقين إلى ما ستر الخاتم من الاصبع، وأما المرافق فان (إلى) في لغة العرب التى بها نزل القرآن تقع على معنيين، تكون بمعنى الغاية، وتكون بمعنى مع، قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) بمعني مع أموالكم، فلما كانت تقع (إلى) على هذين المعنيين وقوعا صحيحا مستويا، لم يجز أن يقتصر بها على أحدهما دون


(1) الكوسج هو الذى لم ينبت له لحية: قال الازهرى لا أصل له في العربية: وقيل معرب والالحى (2) في المصرية (ويمسح الرأس ويغسل الوجه)

[ 52 ]

الآخر، فيكون ذلك تخصيصا لما تقع عليه بلا برهان، فوجب أن يجزئ غسل الذراعين إلى اول المرفقين بأحد المعنيين، فيجزئ فان غسل المرافق فلا بأس أيضا. * وأما قولنا في مسح الرأس فان الناس اختلفوا. فقال مالك بعموم مسح الرأس في الوضوء، وقال أبو حنيفة يمسح من الرأس فرضا مقدار ثلاث أصابع، وذكر عنه تحديد الفرض مما يمسح من الرأس بأنه ربع الرأس وأنه ان مسح رأسه بأصبعين أو بأصبع لم يجزه ذلك، فان مسح بثلاث أصابع أجزأه، وقال سفيان الثوري: يجزئ من الرأس مسح بعضه ولو شعرة واحدة، ويجزئ مسحه باصبع وببعض أصبع، وحد أصحاب الشافعي ما يجزئ من مسح الرأس بشعرتين، ويجزئ بأصبع وببعض أصبع وأحب (1) ذلك إلى الشافعي العموم بثلاث مرات، وقال أحمد بن حنبل يجزئ المرأة أن تمسح بمقدم رأسها وقال الاوزاعي والليث: يجزئ مسح مقدم الرأس فقط ومسح بعضه كذلك، وقال داود: يجزئ من ذلك ما وقع عليه اسم مسح، وكذلك بما مسح من أصبع أو أقل أو أكثر وأحب إليه العموم ثلاثا وهذا هو الصحيح، وأما الاقتصار على بعض الرأس فان الله تعالى يقول (وامسحوا برءوسكم) والمسح في اللغة التي نزل بها القرآن هو غير الغسل بلا خلاف، والغسل يقتضى الاستيعاب، والمسح لا يقتضيه * حدثنا حمام بن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبى ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا التيمى (2) هو سليمان - عن بكر بن عبد الله المزني عن الحسن - هو البصري - عن ابن المغيرة ابن شعبة - هو حمزة - عن أبيه: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد عن المعتمر بن سليمان التيمى قال: سمعت أبى يحدث عن بكر بن عبد الله


(1) في اليمنية (واجب) وهو تصحيف (2) في المصرية (التميمي وهو خطأ

[ 53 ]

المزني عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه: (أن رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين وعلى ناصيته وعلى عمامته) قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة: وممن قال بهذا جماعة من السلف، روينا عن معمر عن أيوب السختياني عن نافع (2) عن ابن عمر: أنه كان يدخل يده في الوضوء فيمسح به مسحة واحدة، اليافوخ فقط. ورويناه أيضا (3) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. وعن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير: أنها كانت تمسح عارضها الايمن بيدها اليمنى، وعارضها الايسر بيدها اليسرى من تحت الخمار، وفاطمة هذه أدركت جدتها أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها وروت عنها. وعن وكيع عن قيس عن أبي هاشم عن النخعي قال: إن أصاب هذا يعنى مقدم رأسه وصدغيه أجزأه يعنى في الوضوء وعن وكيع عن اسماعيل الازرق عن الشعبى قال: ان مسح جانب رأسه أجزأه. وروى أيضا عن عطاء وصفية بنت أبى عبيد (4) وعكرمة والحسن وأبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم * قال أبو محمد: ولا يعرف عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلاف لما رويناه عن ابن عمر في ذلك، ولا حجة لمن خالفنا فيمن روى عنه من الصحابة وغيرهم مسح جميع رأسه، لاننا لا ننكر ذلك بل نستحبه، وانما نطالبهم بمن (5) أنكر الاقتصار على بعض الرأس في الوضوء فلا يجدونه * قال علي: ومن خالفنا في هذا فانهم يتناقضون، فيقولون في المسح على الخفين: إنه خطوط لا يعم الخفين، فما الفرق بين مسح الخفين ومسح الرأس؟ وأخرى. وهى (6) أن يقال لهم: ان كان المسح عندكم يقتضى العموم فهو والغسل سواء، وما الفرق بينه


(1) في اليمنية أن نبي الله (2) في اليمنية (عن رافع) وهو خطأ (3) في المصرية (وروينا من طريق) وهو سقط (4) في اليمنية (بنت عبيدة) وهو خطأ (5) في المصرية (فيمن) وهو خطأ (6) في الاصلين (وهم) وهو خطأ، لان المراد وحجة عليهم أخرى وهي ما سيذكره.

[ 54 ]

وبين الغسل؟ وان كان كذلك (1) فلم تنكرون مسح الرجلين في الوضوء وتأبون إلا غسلهما ان كان كلاهما يقتضى العموم؟ وأيضا فانكم لا تختلفون في أن غسل الجنابة يلزم تقصى الرأس بالماء، وأن ذلك لا يلزم في الوضوء، فقد أقررتم بأن المسح بالرأس خلاف الغسل، وليس هنا فرق إلا أن المسح لا يقتضى العموم فقط، وهذا ترك لقولكم (2). وأيضا فما تقولون فيمن ترك بعض شعرة (3) واحدة في الوضوء فلم يمسح عليها؟ فمن قولهم: إنه يجزيه، وهذا ترك منهم لقولهم. فان قالوا: انما نقول بالاغلب، قيل لهم: فترك شعرتين أو ثلاثا؟ وهكذا أبدا، فان حدوا حدا قالوا بباطل لا دليل عليه، وان تمادوا صاروا إلى قولنا، وهو الحق * فان قالوا يسن عم رأسه فقد صح أنه توضأ، ومن لم يعمه فلم يتفق (4) على أنه توضأ، قلنا لهم، فأوجبوا بهذا الدليل نفسه الاستنشاق فرضا والترتيب فرضا، وغير ذلك مما فيه ترك لجمهور مذهبهم * فان قالوا: مسحه عليه السلام مع ناصيته على عمامته يدل على العموم، قلنا: هذا أعجب شئ، لانكم لا تجيزون ذلك من فعل من فعله، فكيف تحتجون بما لا يجوز عندكم، وأيضا فمن لكم بأنه فعل واحد؟ بل هما فعلان متغايران على ظاهر الاخبار في ذلك * وأما تخصيص أبى حنيفة لربع الرأس أو لمقدار ثلاثة أصابع ففاسد، لانه قول لا دليل عليه، فان قالوا: هو مقادر الناصية، قلنا لهم: ومن لكم (5) بأن هذا هو مقدار الناصية؟ والاصابع تختلف، وتحديد ربع الرأس يحتاج إلى تكسير ومساحة، وهذا باطل، وكذلك قولهم في منع المسح بأصبع أو باصبعين. فان قالوا: انما أردنا أكثر اليد، قلنا لهم: أنتم لا توجبون المسح باليد فرضا، بل تقولون انه لو وقف (6)


(1) في المصرية (وان كان ذلك) (2) في المصرية (لقولهم) وهو خطأ لان المقام مقام خطاب (3) في اليمنية (فما تقولون ان نقص بعض شعرة) وما هنا أحسن (4) في المصرية (فلم يتيقن) وهو خطأ (5) في اليمنية (ومن أين لكم) (6) في اليمنية (انه ان وقف)

[ 55 ]

تحت ميزاب فمس الماء منه مقدار ربع رأسه أجزأه، فظهر فساد قولهم. ويسألون أيضا عن قولهم بأكثر اليد؟ فانهم (1) لا يجدون دليلا على تصحيحه، وكذلك يسألون عن اقتصارهم على مقدار الناصية؟ فان قالوا: اتباعا للخبر في ذلك، قيل لهم: فلم تعديتم الناصية إلى مؤخر الرأس؟ وما الفرق بين تعديكم الناصية إلى غيرها وبين تعدى مقدارها إلى غير مقدارها؟ * وأما قول الشافعي فان النص لم يأت بمسح الشعر فيكون ما قال من مراعاة عدد الشعر، وانما جاء القرآن بمسح الرأس، فوجب أن لا يراعى الا ما يسمى مسح الرأس فقط (2)، والخبر الذي ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك هو بعض ما جاء به القرآن، فالآية أعم من ذلك الخبر، وليس في الخبر منع من استعمال الآية، ولا دليل على الاقتصار على الناصية فقط. وبالله تعالى التوفيق * 199 - مسألة - وأما مسح الاذنين فليسا فرضا، ولا هما من الرأس لان الآثار في ذلك واهية كلها، قد ذكرنا فسادها في غير هذا المكان، ولا يختلف أحد في أن البياض الذي بين منابت الشعر من الرأس وبين الاذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء، فمن المحال أن يكون يحول بين أجزاء رأس الحى عضو ليس من الرأس، وأن يكون بعض رأس الحى مباينا لسائر رأسه، وأيضا فلو كان الاذنان من الرأس لوجب حلق شعرهما في الحج، وهم لا يقولون هذا، وقد ذكرنا البرهان على صحة الاقتصار على بعض الرأس في الوضوء، فلو كان الاذنان من الرأس لا جزأ أن يمسحا عن مسح الرأس، وهذا لا يقوله أحد، ويقال لهم: ان كانتا من الرأس فما بالكم تأخذون لهما ماء جديدا وهما بعض الرأس؟ وأين رأيتم (3) عضوا يجدد لبعضه ماء غير الماء الذي مسح به سائره. ثم لو صح الاثر أنهما من


(1) في المصرية (بأنهم) وهو خطأ (2) هنا بهامش اليمنية ما نصه (الصحيح أن قول الشافعي رحمه الله لا يتقدر بثلاث شعرات، بل الواجب عنده ما يقع عليه اسم المسح، كقول سفيان الثوري وداود ومن معهما كما اختاره ابن حزم (3) في المصرية (وأين رأيتكم)

[ 56 ]

الرأس، لما كان علينا في ذلك نقض لشئ من أقوالنا وبالله تعالى التوفيق * 200 - مسألة - وأما قولنا في الرجلين فان القرآن نزل بالمسح، قال الله تعالى (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) وسواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال (1) عطف على الرؤوس: إما على اللفظ وإما على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لانه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة. وهكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح - يعني في الرجلين في الوضوء * وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف، منهم علي بن أبى طالب وابن عباس والحسن وعكرمة والشعبي وجماعة غيرهم، وهو قول الطبري، ورويت في ذلك آثار * منها أثر من طريق همام عن اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة ثنا علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه - هو رفاعة بن رافع - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انها لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عزوجل ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين) * وعن اسحاق بن راهويه ثنا عيسى بن يونس (2) عن الاعمش عن عبد خير عن علي (كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرهما) * قال علي بن أحمد: وانما قلنا بالغسل فيهما لما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا أبو عوانة، عن أبى بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمر وبن العاص قال: (تخلف النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فادركنا وقد أرهقنا (3) العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته ويل للاعقاب من النار، مرتين أو ثلاثا) *


(1) في المصرية (هي كل حال) بحذف (على) (2) في المصرية عيسى بن يوسف وهو خطأ (3) في المصرية (راهقنا) (4) انظر ضبطه وترجمة في المسألة 149

[ 57 ]

كتب إلى سالم بن أحمد قال ثنا عبد الله بن سعيد الشنتجالى ثنا عمر (1) بن محمد السجستاني ثنا محمد بن عيسى الجلودى ثنا ابراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم ابن الحجاج ثنا إسحاق بن راهويه ثنا جرير هو ابن عبد الحميد - عن منصور - - هو ابن المعتمر - عن هلال بن أساف (2) عن أبى يحيى (3) - هو مصدع الاعرج - عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضؤا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للاعقاب من النار، أسبغوا الوضوء) فأمر عليه السلام باسباغ الوضوء في الرجلين، وتوعد بالنار على ترك الاعقاب، * فكان هذا الخبر زائدا على ما في الآية، وعلى الاخبار التى ذكرنا، وناسخا لما فيها، ولما في الآية والاخذ بالزائد واجب، ولقد كان يلزم من يقول بترك الاخبار للقرآن أن يترك هذا الخبر للآية ولقد كان يلزم من يترك الاخبار الصحاح للقياس أن يترك هذا الخبر، لاننا وجدنا الرجلين يسقط حكمهما في التيمم، كما يسقط الرأس، فكان حملهما على ما يسقطان (4) بسقوطه ويثبتان بثباته أولى من حملهما على مالا يثبتان بثباته، وأيضا فالرجلان مذكوران مع الرأس، فكان حملهما على ما ذكرا معه أولى من حملهما على ما لم يذكرا معه، وأيضا فالرأس طرف والرجلان طرف، فكان قياس الطرف على الطرف أولى من قياس الطرف على الوسط، وأيضا فانهم يقولون بالمسح على الخفين فكان تعويض المسح من المسح أولى من تعويض المسح من الغسل، وأيضا فأنه لما جاز المسح على ساتر للرجلين (5) ولم يجز على ساتر دون الوجه والذراعين دل - على أصول أصحاب القياس - أن أمر الرجلين أخف من أمر الوجه والذراعين،


(1) في المصرية (عمرو) بفتح العين وهو خطأ (2) في اليمنية (يسار) وهو خطأ (3) في المصرية (عن ابن يحيى) وهو خطأ (4) في اليمنية (يسقط) (5) في اليمنية (على ساتر الرجلين

[ 58 ]

فإذ ذلك كذلك فليس إلا المسح ولا بد، فهذا أصح قياس في الارض لو كان القياس حقا * وقد قال بعضهم: قد سقط حكم الجسد في التيمم ولم يدل ذلك على أن حكمه المسح * قال أبو محمد: فنقول: صدقت، وهذا يبطل قولكم بالقياس، ويريكم تفاسده كله، وبالله تعالى التوفيق. وهكذا كل ما رمتم الجمع بينهما بالقياس - لا جتماعهما في بعض الصفات - فانه لا بد فيهما من صفة يفترقان فيها * قال علي: وقال بعضهم: لما قال الله تعالى في الرجلين: (إلى الكعبين) كما قال في الايدي: (إلى المرافق) دل على أن حكم الرجلين حكم الذراعين، قيل له: (1) ليس ذكر المرفقين والكعبين دليلا على وجوب غسل ذلك، لانه تعالى قد ذكر الوجه ولم يذكر في مبلغه حدا، وكان حكمه الغسل، لكن لما أمر الله تعالى في الذراعين بالغسل (2) كان حكمهما الغسل، وإذا لم يذكر ذلك في الرجلين وجب أن لا يكون حكمهما ما لم يذكر فيهما الا أن يوجبه نص آخر * قال على: والحكم للنصوص لا للدعاوى والظنون. وبالله تعالى التوفيق * 201 - مسألة - وكل ما لبس على الرأس من عمامة أو خمار أو قلنسوة أو بيضة أو مغفر أو غير ذلك: - أجزأ المسح عليها، المرأه والرجل سواء في ذلك، لعلة أو غير علة (3) * برهان ذلك حديث المغيرة الذى ذكرنا آنفا، حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا احمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن احمد بن حنبل حدثني الحكم بن موسى ثنا بشر بن اسماعيل عن الاوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير (4) حدثني أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف - حدثني


(1) كلمة (له) سقطت من المصرية (2) كلمة (بالغسل) سقطت من المصرية (3) في اليمنية (المرأة والرجل سواء ذلك العلة ولغير علة) (4) في اليمنية (عن أبي يحيى بن ابي كثير) وهو خطأ

[ 59 ]

عمرو بن أمية الضمري: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والعمامة) ورويناه من طريق البخاري عن عبدان عن عبد الله بن داود الخيربي (1) عن الاوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى عن أبيه. وهذا قوة للخبر لان أبا سلمة سمعه من عمرو بن أمية الضمرى سماعا، وسمعه أيضامن جعفر ابنه عنه (2) كما فعل بكر بن عبد الله المزني الذى سمع حديث المغيرة من حمزة بن المغيرة (3) وسمعه أيضا من الحسن (4) عن حمزة * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا ابو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب محمد بن العلاء (5) واسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه قال أبو بكر وأبو كريب: ثنا معاوية وقال ابن راهويه، ثنا عيسى بن يونس، ثم اتفق أبو معاوية وعيسى كلاهما عن الاعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار) وروينا أيضا من طريق أبى ادريس الخولاني عن بلال: (انه عليه السلام مسح على العمامة والموقين) وروينا أيضا من طريق أيوب السختياني عن أبى قلابة عن سلمان (6) ومن طريق مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن حميد بن هلال عن عبد الله ابن الصامت عن أبى ذر: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الموقين والخمار) *


(1) بضم الخاء وفتح الراء، وبالباء، وفي المصرية (الخريمي) بالميم وهو خطأ (2) في الاصلين (عن جعفر أبيه عنه) وهو خطأ واضح (3) قوله (من حمزة بن المغيرة) سقط من المصرية (4) في المصرية (عن الحسن) وهو غير جيد (5) في المصرية (وأبو كريب ثنا محمد بن العلاء) وهو خطأ (6) في المصرية في الموضعين (سليمان) وهو خطأ

[ 60 ]

فهؤلاء ستة من الصحابة رضى الله عنهم: المغيرة بن شعبة وبلال وسلمان (1) وعمرو بن أمية وكعب بن عجرة (2) وأبو ذر -: كلهم يروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها * وبهذا القول يقول جمهور الصحابة والتابعين، كما روينا من طريق ابن أبى شيبة عن عبد الله بن نمير واسماعيل بن علية كلاهما عن محمد بن اسحق عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير مرثد بن عبد الله اليزنى عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابجي قال: رأيت أبا بكر الصديق يمسح على الخمار - يعنى في الوضوء - * وعن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن عمران بن مسلم عن سويد ابن غفلة قال: سأل نباتة الجعفي (3) عمر بن الخطاب عن المسح على العمامة، فقال له عمر بن الخطاب. ان شئت فامسح على العمامة وان شئت فدع * وعن عبد الرحمن بن مهدى عن أبى جعفر عبد الله بن عبد الله الرازي عن زيد بن أسلم قال قال عمر بن الخطاب: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله * وعن حماد بن سلمة عن ثابت البنانى وعبيد الله بن أبى بكر بن أنس كلاهما عن أنس بن مالك: انه كان يمسح على الجوربين والخفين والعمامة، وهذه أسانيد في غاية الصحة * وعن الحسن البصري عن أمه: أن أم سلمة أم المؤمنين كانت تمسح على الخمار وعن سلمان الفارسى: أنه قال لرجل: امسح على خفيك وعلى خمارك وامسح بناصيتك. وعن أبى موسى الاشعري: أنه خرج من حدث فمسح على خفيه وقلنسوته. وعن أبي أمامة الباهلي أنه كان يمسح على الجوربين والخفين والعمامة. وعن على بن أبي طالب: أنه سئل عن المسح على الخفين؟ فقال. نعم، وعلى النعلين والخمار. وهو قول سفيان الثوري، رويناه عن عبد الرزاق عنه قال: القلنسوة بمنزلة


(1) في المصرية سليمان وهو خطأ (2) في المصرية (عجزة) بالزاي وهو تصحيف قبيح (3) نباته بضم النون - ويقال بفتحها - ثم الباء الموحدة المفتوحة ثم تاء مثناة مفتوحة. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من المعلمين على عهد عمر.

[ 61 ]

العمامة - يعنى في جواز المسح عليها - وهو قول الاوزاعي واحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وأبي ثور وداود بن على وغيرهم. وقال الشافعي: ان صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبه أقول * قال على: والخبر - ولله الحمد - قد صح فهو قوله. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يمسح على عمامة ولا خمار ولا غير ذلك وهو قول الشافعي، قال: الا أن يصح الخبر * قال على: ما نعلم للمانعين من ذلك حجة أصلا، فان قالوا جاء القرآن بمسح الرؤوس، قلنا: نعم، وبالمسح على الرجلين، فأجزتم المسح على الخفين، وليس بأثبت من المسح على العمامة، والمانعون من المسح على الخفين من الصحابة رضي الله عنهم أكثر من المانعين من المسح على العمامة، فما روى المنع من المسح على العمامة الا عن جابر وابن عمر، وقد جاء المنع من المسح على الخفين عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس. وأبطلتم مسح الرجلين وهو نص القرآن بخبر يدعي مخالفنا ومخالفكم أننا سامحنا أنفسنا وسامحتم أنفسكم فيه، وأنه لا يدل على المنع من مسحها وقد قال بمسحها طائفة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقلتم بالمسح على الجبائر ولم يصح قط فيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا تخليط * وقال بعضهم: حديث المغيرة بن شعبة فيه: (انه مسح بناصيته وعلى عمامته) فأما من لا يرى المسح على الناصية يجزى فقد جاهر الله تعالى والناس في احتجاجه بهذا الخبر، وهو عاص لكل ما فيه * وأما من يرى المسح على بعض الرأس يجزئ فانهم قالوا: ان الذى أجزأه عليه السلام فهو مسح الناصية فقط وكان مسح العمامة فضلا * قال أبو محمد: رام هؤلاء أن يجعلوا كل ما في خبر المغيرة حكاية عن وضوء واحد، وهذا كذب وجرأة على الباطل، بل هو خبر عن عملين متغايرين، هذا ظاهر الحديث ومقتضاه، وكيف وقد رواه جماعة غير المغيرة! * وقال بعضهم: أخطأ الاوزاعي في حديث عمرو بن أمية، لان هذا خبر رواه عن يحيى بن أبي كثير - شيبان وحرب بن شداد وبكر بن مضر وأبان العطار

[ 62 ]

وعلى بن المبارك فلم يذكروا فيه المسح على العمامة * قال على: فقلنا لهم فكان ماذا؟ قد علم كل ذى علم بالحديث أن الاوزاعي أحفظ من كل واحد من هولاء، وهو حجة عليهم، وليسوا حجة عليه، والاوزاعي ثقة، وزيادة الثقة لا يحل ردها، وما الفرق بينكم وبين من قال في كل خبر احتججتم به: ان راويه أخطأ فيه، لان فلانا وفلانا لم يرو هذا الخبر؟ * وقال بعضهم لا يجوز المسح على العمامة كما لا يجوز المسح على القفازين * قال أبو محمد. وهذا قياس، والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لانهم يعارضون فيه، فيقال لهم ان كان هذا القياس عندكم صحيحا فابطلوا به المسح على الخفين؟ لان الرجلين (1) باليدين أشبه منهما بالرأس، فقولوا: كما لا يجوز المسح على القفازين كذلك لا يجوز المسح على الخفين ولا فرق * فان قالوا: قد صح المسح على الخفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل لهم (2): وقد صح المسح على العمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * ويعارضون أيضا بأن يقال لهم: ان الله تعالى قرن الرؤوس بالارجل في الوضوء وأنتم تجيزون المسح على الخفين فأجيزوا المسح على العمامة، لانهما جميعا عضوان يسقطان في التيمم، ولانه لما جاز تعويض المسح عندكم من غسل الرجلين فينبغي أن يكون يجوز تعويض المسح من المسح في العمامة على الرأس أولى، لان الرأس طرف والرجلان طرف، وأيضا فقد صح تعويض المسح من جميع أعضاء الوضوء، فعوض المسح بالتراب في الوجه والذراعين من غسل كل ذلك، وعوض المسح على الخفين من غسل الرجلين، فوجب أيضا أن يجوز (3) تعويض المسح على العمامة من المسح علي الرأس، لتتفق أحكام جيمع أعضاء الوضوء في ذلك قال علي: كل هذا انما أوردناه معارضة لقياسهم الفاسد وأنه لا شئ من الاحكام قالوا فيه بالقياس الا ولمن خالفهم


(1) في اليمنية (لان الرجل) بالافراد، وهو خطأ (2) في اليمنية (قلت لهم) (3) في اليمنية (فوجب أيضا تجوز) وهو خطأ

[ 63 ]

- من التعلق بالقياس - كالذى لهم أو أكثر، فيظهر بذلك بطلان القياس لكل من أراد الله توفيقه * وقال بعضهم: انما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمامة والخمار لمرض كان في رأسه قال على: هذا كلام من لا مؤونة عليه من الكذب، ومن يستغفر الله تعالى من مكالمة مثله، لانه متعمد للكذب والا فك بقول لم يأت به قط لا نص ولا دليل، وقد عجل الله العقوبة لمن هذه صفته، بأن تبوأ مقعده من النار، لكذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم * ثم يقال لهم: قولوا مثل هذا في المسح على الخفين، أنه كان لعلة بقدميه ولا فرق، على أن امرأ لو قال هذا لكان أعذر منهم (1)، لاننا قد روينا عن ابن عباس أنه قال في المسح على الخفين: لو قلتم ذلك في البرد الشديد أو السفر الطويل. ولم يرو قط عن أحد من الصحابة أنه قال ذلك في المسح على العمامة والخمار (2)، فبطل قول من منع المسح على العمامة والخمار، وصح خلافه للسنن الثابتة، ولابي بكر وعمر وعلى وأنس وأم سلمة وأبي موسى الاشعري (3) وأبى أمامة وغيرهم وللقياس (4) ان كان من أهل القياس * فان قال قائل: انه لم (5) يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على غير العمامة والخمار، فلا يجوز ترك ما جاء في القرآن من مسح الرأس لغير (6) ما صح النص به، والقياس باطل، وليس فعله عليه السلام عموم لفظ (7) فيحمل على عمومه *


(1) في اليمنية (لكان عذر منهم) وهو خطأ (2) كلمة (والخمار) سقطت من اليمنية (3) في المصرية بين أم سلمة وأبي موسى زيادة لفظ (فكيف) وهي زيادة مقحمة لا معنى لها. (4) في المصرية (والقياس) وما هنا أصح (5) في المصرية بحذف (انه) (6) في المصرية (بغير) (7) في المصرية (لفظه) بزيادة الضمير

[ 64 ]

قلنا: هذا خطأ، لانه عليه السلام لم يقل إنه لا يمسح إلا على عمامة أو خمار، لكن علمنا بمسحه عليها أن مباشرة الرأس بالماء ليس فرضا، فإذ ذلك كذلك، فأى شئ لبس على الرأس جاز المسح عليه * ثم نقول (1) لهم: قولو ا لنا لو أن الراوى قال مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمامة صفراء من كتان مطوية (2) ثلاث طيات، أكان يجوز عندكم المسح على حمراء من قطن ملوية (3) عشر مرات أم لا؟ وكذلك لو قال مسح (4) عليه السلام على خفين أسودين، أكان يجوز على أبيضين أم لا؟ فان لزموا قول الرواى أحدثوا دينا (5) جديدا، وإن لم يراعوه رجعوا إلى قولنا * 202 - مسألة قال أبو محمد: وسواء لبس ما ذكرنا (6) على طهارة أو غير طهارة: قال ابو ثور: لا يمسح على العمامة والخمار إلا من لبسهما على طهارة، قياسا على الخفين وقال اصحابنا كما قلنا * قال على القياس باطل، وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة والخمار والمسح على الخفين، وانما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللباس على الطهارة -: على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة (7) والخمار، قال الله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) (وما كان ربك نسيا) فلو وجب هذا في العمامة والخمار، لبينه عليه السلام، كما بين ذلك في الخفين، ومدعى المساواة في ذلك بين العمامة والخمار وبين الخفين -: مدع بلا دليل، ويكلف البرهان على صحة دعواه في ذلك؟ فيقال له: من اين وجب - إذ نص عليه السلام في المسح على الخفين انه لبسهما على طهارة: ان يجب هذا الحكم في العمامة والخمار ولا سبيل له (8) إليه اصلا بأكثر من قضية من رأيه، وهذا لا معنى له، قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) *


(1) في المصرية (مطويات) وهو خطأ (2) في اليمنية (ثم يقال لهم) (3) في المصرية ملونة وهو تصحيف (4) في اليمنية) يمسح وهو خطأ (5) في المصرية (حكما) وما هنا أحسن وأظهر (6) في المصرية (ما ذكر) (7) في المصرية (على العمامة) (8) كلمة (له) سقطت من المصرية

[ 65 ]

203 - مسألة - ويمسح على كل ذلك أمدا بلا توقيت ولا تحديد، وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه التوقيت في ذلك ثاتبا عنه (1) كالمسح على الخفين وبه قال أبو ثور، وقال أصحابنا كما قلنا * ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس باطل، وقول القائل: لما كان المسح على الخفين موقتا بوقت محدود في السفر، ووقت في الحضر وجب أن يكون المسح على العمامة كذلك: دعوى (2) بلا برهان على صحتها وقول (3) لا دليل على وجوبه، ويقال له ما دليلك على صحة ما تذكر من أن يحكم للمسح (4) على العمامة بمثل الوقتين المنصوصين في المسح على الخفين؟ وهذا لا سبيل إلى وجوده بأكثر من الدعوى، وقد مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمامة والخمار، ولم يوقت في ذلك وقتا، ووقت في المسح على الخفين فيلزمنا ان نقول ما قاله عليه السلام وان لا نقول في الدين ما لم يقله عليه السلام قال الله تعالى (تلك حدود الله فلا تعتدوها) * 204 - مسألة فلو كان تحت ما لبس على الرأس خضاب أو دواء جاز المسح عليهما كما قلنا ولا فرق، وكذلك لو تعمد لباس ذلك ليمسح عليه جاز المسح ايضا، وانما المسح المذكور في الوضوء خاصة، وأما في كل غسل واجب فلا، ولا بد من خلع كل ذلك وغسل الرأس * برهان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة وعلى الخمار، ولم يخص لنا حالا من حال، فلا يجوز أن يخص بالمسح حال دون حال وإذا كان المسح جائزا فاقصد إلى الجائز جائز، وانما مسح عليه السلام في الوضوء خاصة، فلا يجوز أن يضاف إلى ذلك ما لم يفعله عليه السلام، ولا يجوز أن يزاد في السنن ما لم يأت فيها، ولا أن ينقص منها ما اقتضاه لفظ الخبر بها. وبالله تعالى التوفيق، وهكذا يقول (5) خصومنا في


(1) كلمة (عنه) سقطت من المصرية (2) كلمة (دعوى) سقطت من اليمنية (3) في الاصلين (وقولا) بالنصب وهو لحن (4) في المصرية من أن الحكم للمسح) (5) في اليمنية (وبهذا يقول)

[ 66 ]

المسح على الخفين سواء سواء * 205 - مسألة ومن ترك مما يلزمه غسله في الوضوء أو الغسل الواجب ولو قدر شعرة عمدا أو نسيانا: لم تجزه الصلاة بذلك الغسل والوضوء حتى يوعبه كله، لانه لم يصل بالطهارة التى أمر بها، وقال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * 206 - مسألة ومن نكس وضوءه أو قدم عضوا على المذكور قبله في القرآن عمدا أو نسيانا لم تجزه الصلاة أصلا، وفرض عليه أن يبدأ بوجهه ثم ذراعيه ثم رأسه ثم رجليه، ولا بد في الذراعين والرجلين من الابتداء باليمين قبل اليسار كما جاء في السنة. فان جعل الاستنشاق والاستنثار في آخر وضوئه أو بعد عضو من الاعضاء المذكورة لم يجز ذلك فان فعل شيئا مما ذكرنا لزمه أن يعود إلى الذي بدأ به قبل الذى ذكره الله تعالى قبله فيعمله إلى أن يتم وضوءه، وليس عليه أن يبتدئ من اول الوضوء، وهو قول الشافعي وابي ثور واحمد بن حنبل واسحاق فان انغمس في ماء جار وهو جنب ونوى الغسل والوضوء معا لم يجزه ذلك من الوضوء ولا من الغسل وعليه ان يأتي به مرتبا (1) وهو قول اسحاق * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا ابراهيم بن هارون البلخي ثنا حاتم بن اسماعيل ثنا جعفر بن محمد عن ابيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت: اخبرني عن حجة برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر: (خرجنا معه - فذكر الحديث وفيه - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا إلى الصفا قال: (ان الصفا والمروة من شعائر الله ابدأوا بما بدأ الله به) * قال على: وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه شئ وانما قلنا: لا يجزئ في الاعضاء المغموسة معا لا الوضوء والا الغسل إذا نوى بذلك الغمس كلا الامرين


(1) في الاصلين (لم يجزه ذلك من الوضوء ولا من الغسل في تلك الا وعليه أن يأتي به مرتبا) فزيادة (في تلك إلا) زيادة مقحمة لم نفهم معناها ولا نراها صوابا فلذلك حذفناها

[ 67 ]

فلانه لم يأت بالوضوء كما أمر، ولم يخلص الغسل فيجزيه، لكن (1) خلطه بعمل فاسد فبطل أيضا الغسل في تلك الاعضاء لانه أتي به بخلاف ما أمره الله تعالى به، وأما الاستنشاق والاستنثار فلم يأت فيهما (2) في الوضوء ذكر بتقديم ولا تأخير فكيفما أتى بهما في وضوئه أو بعد وضوئه وقبل صلاته (3) أو قبل وضوئه -: أجزأه (4) * قال على: وقال أبو حنيفة: جائز تنكيس الوضوء والآذان والطواف والسعى والاقامة، وقال مالك: يجوز تنكيس الوضوء ولا يجوز تنكيس الطواف ولا السعي ولا الآذان ولا الاقامة * قال أبو محمد: لا يجوز تنكيس شئ من ذلك كله، ولا يجزئ شئ منه منكسا، فاما قول مالك فظاهر التناقض، لانه فرق بين ما لا فرق بينه، وأما أبو حنيفة فانه أطرد قولا، وأكثر خطأ، والقوم أصحاب قياس بزعمهم، فهلا قاسوا ذلك على ما اتفق عليه من المنع من تنكيس الصلاة؟! على أنه قد صح الاجماع في بعض الاوقات على تنكيس الصلاة وهى حال من وجد الامام جالسا أو ساجدا، فانه يبدأ بذلك وهو آخر الصلاة وهذا مما تناقضوا فيه في قياسهم * وقد روينا عن على بن أبي طالب وابن عباس جواز تنكيس الوضوء، ولكن لا حجة في أحد مع القرآن إلا في الذى أمر ببيانه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مما


(1) في المسرية (ولكن) (2) في المصرية (فلم يأت بينهما في الوضوء) وهو خطأ (3) في المصرية (أو قبل صلاته) وما هنا أحسن. (4) هذا مناقض لما قاله المؤلف في أول هذه المسألة (فان جعل الاستنشاق والاستنثار في آخر وضوئه أو بعد عضو من الاعضاء المذكورة لم يجز ذلك) وأظن أن الصواب ما هنا لانه استدل على جوازه بأنه لم يأت فيهما ذكر بتقديم ولا تأخير، واذن فيكون ما هناك خطأ من النساخ ولعل صوابه (جاز ذلك ودليل المؤلف في هذه النقطة ضعيف لان الامر جاء صريحا بهما وبين رسول الله بفعله موضعهما فهو بيان ملحق بامره يدل على الوجوب في الفعل وفي الترتيب. وكذلك المضمضة في رأينا، بل نرى أن المضمضة والاستنشاق والاستنثار انما هي جزء من غسل الوجه جاء فعل النبي فيها مبينا للواجب مرة غسله بنص القرآن الكريم

[ 68 ]

تناقض فيه الشافعيون فتركوا فيه قول صاحبين لا يعرف لهما من الصحابة مخالف. وبالله تعالى التوفيق * والعجب كله أن المالكيين أجازوا تنكيس الوضوء الذى لم يأت نص من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم فيه، ثم أتوا إلى ما أجاز الله تعالى تنكيسه فمنعوا من ذلك، وهو الرمي والحلق (1) والنحر والذبح والطواف، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز تقديم بعض ذلك على بعض، كما سنذكر ان شاء الله تعالى في كتاب الحج، فقالوا: لا يجوز تقديم الطواف على الرمى ولا تقديم الحلق على الرمى وهذا كما ترى * حدثنا أحمد بن قاسم ثنا أبى حدثنى جدى قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا أحمد بن واقد ثنا زهير بن معاوية عن الاعمش عن أبى صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأتم ولبستم فابدأوا بميامنكم) * وأما وجوب تقديم الاستنشاق والاستنثار ولا بد، فلحديث رفاعة بن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عزوجل ويغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين فصح أن ههنا اسباغا عطف عليه غسل الوجه، وليس الا الاستنشاق والاستنثار (2) * 207 - مسألة - ومن فرق وضوءه أو غسله أجزأه ذلك وان طالت المدة في خلال ذلك أو قصرت، ما لم يحدث في خلال وضوئه ما ينقض الوضوء، وما لم يحدث في خلال غسله ما ينقض الغسل * برهان ذلك ان الله عزوجل أمر بالتطهر من الجنابة والحيض، وبالوضوء من الاحداث، ولم يشترط عزوجل في ذلك متابعة فيكفما أتى به المرء أجزأه، لانه قد وقع عليه اسم الاخبار بأنه تطهر، وبأنه غسل وجهه وذراعيه ومسح رأسه وغسل رجليه * حدثنا عبد الله بن (3) ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا


(1) في المصرية (والحلاق) وهو خطأ (2) من أول (حدثنا احمد بن قاسم) إلى هنا سقط من اليمنية، وكلامه هنا يناقض ما سبق للمؤلف من عدم وجوب تقديم الاستنشاق والاستنثار، (3) في اليمنية (عبد الله بن فتح) وهو خطأ

[ 69 ]

على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبى سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثلاثا ثم يأخذ بيمينه فيصب على يساره فيغسل فرجه حتى ينقيه ثم يغسل يديه غسلا حسنا ثم يمضمض ثلاثا، ثم يستنشق ثلاثا ويغسل وجهه ثلاثا، ويغسل ذراعيه ثلاثا ثم يصب على رأسه ثلاثا، ثم يغسل جسده غسلا، فإذا خرج من مغتسله غسل رجليه * قال على: إذا جاز أن يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين وضوئه وغسله وبين تمامهما بغسل رجليه مهلة خروجه من مغتسله فالتفريق بين المدد لا نص فيه ولا برهان وهذا قول السلف كما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه بال بالسوق ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ثم دعى لجنازة (1) حين دخل المسجد ليصلى عليها فمسح (2) على خفيه ثم صلى عليها، وروينا عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم قال كان أحدهم يغسل رأسه من الجنابة بالسدر ثم يمكث ساعة ثم يغسل سائر جسده. وابراهيم تابع أدرك أكابر التابعين وصغار (3) الصحابة رضى الله عنهم، قال ابراهيم في الرجل تكون له المرأة والجارية فيرافث (4) امرأته بالغسل أنه لا بأس بأن يغسل رأسه ثم يمكث ثم يغسل سائر جسده بعد ولا يغسل رأسه. وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: إن غسل الجنب رأسه بالسدر أو بالخطمى ثم يجلس حتى يجف رأسه فحسبه ذلك * وهو قول أبى حنيفة والشافعي وسفيان الثوري والاوزاعي والحسن بن حي، وقد روى نحو هذا عن سعيد بن المسيب وطاوس، وقال مالك: ان طال الامد (5) ابتدأ الوضوء، وان لم يطل بنى على وضوئه، وقد روينا عن قتادة وابن أبى ليلي وغيرهم نحو هذا *


(1) في الاصل المصري (ثم دعا بجنازة) وهو خطأ صححناه من الموطأ ص 12 (2) من أول قوله (فغسل وجهه) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية، وهو خطأ (3) في المصرية (وصغائر) وهو خطأ (4) في اليمنية (فيراقب) وهو تصحيف (5) في المصرية (ان طال الامر) وهو خطأ

[ 70 ]

وحد بعضهم ذلك بالجفوف، وحد بعضهم ذلك بأن يكون في طلب الماء فيبنى أو يترك وضوءه ويبتدئ (1) * قال أبو محمد: أما تحديد مالك بالطول فانه يكلف المنتصر له بيان (2) ما ذلك الطول الذى تجب (3) به شريعة ابتداء الوضوء، والقصر الذى لا تجب به هذه الشريعة، فلا سبيل لهم إلى ذلك الا بالدعوى التي لا يعجز عنها أحد، وما كان من الاقوال لا برهان على صحته فهو باطل، إذ الشرائع غير واجبة على أحد حتى يوجبها الله تعالى على لسان رسوله الله صلى الله عليه وسلم * وأما من حد ذلك بجفوف الماء فخطأ ظاهر، لانه دعوى بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل لما ذكرناه، وأيضا فان (4) في الصيف في البلاد الحارة لا يتم أحد وضوءه حتى يجف وجهه، ولا يصح وضوء على هذا * وأما من حد في ذلك بمادام في طلب الماء فقول أيضا لا دليل على صحته، والدعوى لا يعجز عنها أحد، (5) والعجب أن مالكا يجيز أن يجعل المرء إذا رعف بين أجزاء صلاته (6) مدة وعملا ليس من الصلاة، ثم يمنع من ذلك في الوضوء * قال على: فان تعلق بعضهم بخبر رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق بقية عن بحير (7) عن خالد عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (8) رأى رجلا يصلى وفى قدمه لمعة لم يصبها الماء فأمره عليه السلام أن يعيد الوضوء والصلاة:)


(1) في اليمنية (فيبتدى) (2) في اليمنية (بيان ذلك) (3) في اليمنية (الذى تحد به) وهو خطأ (4) في المصرية (وأيضا فكان) وهو خطأ (5) كلمة (أحد) سقطت من المصرية (6) في المصرية (بين آخر صلاته) وهو خطأ واضح (7) بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة، وهو ابن سعد ووقع في الاصل (يحيي) وهو خطأ، وخالد هو بن معدان (8) في اليمنية (بخبر رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي) الخ. باسقاط السند وهو خطأ.

[ 71 ]

فان هذا خبر لا يصح لان رواية بقية، وليس بالقوى، وفى السند من لا يدري (1) من هو: وروينا أيضا عن خالد الجذاء عن أبى قلابه عن عمر بن الخطاب: وعن أبي سفيان (2) عن جابر عن عمر بن الخطاب: أنه رأى رجلا يصلى وقد ترك من رجله موضع ظفر فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة (3) * قال على: أما الرواية عن عمر أيضا فلا تصح، لان ابا قلابة لم يدرك عمر، وابو سفيان ضعيف وقد جاء أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أحسن من هذا، رويناه من طريق قاسم بن أصبغ ثنا بكر بن مضر عن حرملة بن يحيى (4) ثنا ابن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة عن أنس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه وقد توضأ وترك موضع الظفر لم يصبه الماء (5) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع فأحسن وضوءك) وعن ابن وهب عن ابن لهيعة


(1) الحديث رواه أبو داود في سننه (ج 1 ص 68) عن حيوة بن شريح عن بقية ثقة وانما عيب عليه التدليس فإذا صرح بالتحديث فحديثه صحيح، وقد نقل الشوكاني في نيل الاوطار (ج 1 ص 211) أن في المستدرك تصريح بقية بالحديث ولم أجد هذا الحديث في المستدرك. وأما جهالة الصحابة فانها لا تضر، قال الاثرم: (قلت لاحمد: هذا اسناد جيد؟ قال نعم، فقلت له: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث صحيح؟ قال نعم) وهذا الحديث رواه أيضا أبو داود (ج 1 ص 67) والبيهقي (ج 1 ص 70) ونسبه الشوكاني لاحمد وابن ماجه وابن خزيمة والدار قطني كلهم من حديث أنس بلفظ (ارجع فأحسن وضوءك) وهو حديث صحيح من الطريقين كل منهما شاهد للآخر يقويه. وسيروي المؤلف حديث أنس بعد أسطر من طريق قتادة (2) في المصرية (عن أبي سفيان) بحذف واو العطف وهو خطأ. (3) من أول قوله (كان هذا خبر لا يصح) إلى هنا سقط من اليمنية، وحديث عمر هذا سيأتي مرفوعا من طريق صحيحة وهو شاهد قوي للموقوف. (4) في اليمنية (ثنا حرملة) (5) في اليمنية بحذف قوله (لم يصبه الماء)

[ 72 ]

عن أبى الزبير عن جابر عن عمر مثل هذا أيضا (1) * قال على: لا يصح عن أحد من الصحابة خلاف فعل عمر (2) هذا فقد خالفوا ههنا صاحبا لا يعرف له من الصحابة مخالف، وبيقين يدرى كل ذى علم أن مرور الاوقات ليس من الاحداث الناقضة للوضوء، وقد تناقض مالك في هذا المكان، فرأى أن من نسى عضوا من اعضاء وضوئه فان غسله أجزأه، ورأى فيمن توضأ ومسح على خفيه وبقى كذلك نهارة ثم خلع خفيه فان وضوء رجليه عنده قد انتقض، وانه ليس عليه الا غسل رجليه فقط، وهذا تبعيض الوضوء الوضوء (3) الذى منع منه. وبالله تعالى التوفيق * 208 - مسألة - ويكره الاكثار (4) من الماء في الغسل والوضوء، والزيادة على الثلاث في غسل أعضاء الوضوء ومسح الرأس، لانه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك * وروينا من طريق سفيان الثوري عن أبى اسحاق عن أبى حية بن قيس: (أن عليا توضأ ثلاثا ثلاثا وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)). وعن ابن المبارك عن الاوزاعي حدثنى المطلب بن عبد الله بن حنطب: (أن عبد الله بن


(1) حديث عمر رواه مسلم (ج 1: ص 85) والبيهقي (ج 1: ص 70) من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر قال: (أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فاحسن وضوءك، فرجع ثم صلى) (2) في المصرية (ابن عمر) وهو خطأ (3) في المصرية (وهذا بنقيض الوضوء) وهو تصحيف (4) في اليمنية (ويلزم الاكثار) وهو خطأ غريب (5) حديث الثوري عن ابي اسحق رواه الترمذي (ج 1 ص 11). ورواه هو أيضا (ج 1 ص 11) وأبو داود (ج 1 ص 43) وابن ماجه (ج 1 ص 86) والنسائي (ج 1 ص 28) من طريق أبي الاحوص عن أبي اسحق عن أبي حية مفصلا وفيه الوضوء ثلاثا ثلاثا ومسح الرأس مرة واحدة وهذا الفصل يبين المجمل في رواية الثوري كما هو ظاهر. وانظر نيل الاوطار (ج 1 ص 196 - و 199)

[ 73 ]

عمر توضأ ثلاثا يسند ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) (1) وعن عثمان أيضا مثل ذلك (2) فلم يخص في هذه الآثار رأسا من غيره * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد ابن منصور ثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد الذى أرى النداء قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين ومسح برأسه مرتين) (3) * وقد روينا عن أنس مسح رأسه في الوضوء ثلاثا واثنتين، وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أكثر ما أمسح برأسي ثلاث مرات لا أزيد بكف واحدة لا أزيد ولا أنقص، وعن حماد بن سلمة ثنا جرير بن حازم: رأيت محمد بن سيرين توضأ فمسح برأسه مسحتين احداهما ببلل يديه والاخرى بماء جديد، وعن أبى عبيد ثنا هشيم ثنا العوام: أن ابراهيم التيمى (4) كان يمسح رأسه ثلاثا، وهو قول الشافعي وداود وغيرهم وأما الاكثار من الماء فمذموم من الجميع * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن نافع ثنا شبابة ثنا ليث - هو ابن سعد - عن يزيد بن أبى حبيب عن عراك بن مالك عن حفصة


(1) الحديث رواه ابن ماجه (ج 1: ص 83) من طريق الوليد بن مسلم عن الاوزاعي، والنسائي (ج 1: ص 25) من طريق ابن المبارك عن الاوزاعي (2) حديث عثمان رواه أبو داود (ج 1: ص 40) وقال: (أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مصح الرأس انه مرة، فانهم ذكروا الوضوء ثلاث وقالوا فيها: ومسح رأسه لم يذكروا عددا ذكروا في غيره) (3) في سنن النسائي (ج 1: ص 28) ورواه البيهقي (ج 1: ص 63) وقال: (وقد خالفه - يعني سفيان بن عيينه - مالك ووهيب وسليمان بن بلال وخالد الواسطي وغيرهم فرووه عن عمرو بن يحيى في مسح الرأس مرة الا انه قال اقبل وأدبر) وقد رواه الترمذي (ج 1: ص 11) من طريق ابن عيينة بدون ذكر تكرار مسح الرأس. (4) في اليمنية (ثنا العوام بن ابراهيم التيمى) وهو خطأ

[ 74 ]

بنت عبد الرحمن بن أبى بكر - وكانت تحت المنذر بن الزبير - قالت: (إن عائشة أم المؤمنين أخترتها أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن حبيب الانصاري قال سمعت عباد بن تميم عن جدتى - وهي أم عمارة -: (ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأتى باناء فيه قدر ثلثي المد) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن سلمة المرادى ثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهرى عن مخرمة بن سليمان القرشى عن كريب مولى ابن عباس أن ابن عباس أخبره: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من النوم فعمد إلى شجب (1) من ماء فتسوك وتوضأ فاسبغ الوضوء ولم يهرق من الماء الا قليلا.) وذكر الحديث * قال على: وقد جاءت آثار أنه عليه السلام توضأ بالمد واغتسل بالصاع، وأنه عليه السلام توضأ بمكوك واغتسل بخمس مكاكى (2) وأنه عليه السلام كان يتوضأ من إناء فيه مد وربع، وكل هذا صحيح لا يختلف، وانما هو ما أجزأ فقط. وبالله تعالى التوفيق * 209 - مسألة - ومن كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه (3) جبائر أو دواء ملصق لضرورة فليس عليه أن يمسح على شئ من ذلك، وقد سقط حكم ذلك المكان، فان سقط شئ من ذلك بعد تمام الوضوء فليس عليه إمساس ذلك المكان بالماء، وهو على طهارته ما لم يحدث * برهان ذلك قول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.) فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز


(1) الشجب بالسكون السقاء الذى قد خلق وبلى وصار شنا (2) في اليمنية (يغتسل بخمسة مكاكي) (3) في اليمنية (على ذراعه أو اصابعه أو رجله) وما هنا احسن

[ 75 ]

عنه المرء، وكان التعويض منه شرعا، والشرع لا يلزم الا بقرآن أو سنة، ولم يأت قرآن ولا سنة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل مالا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك * فان قيل فانه (1) قد روى من طريق زيد عن أبيه عن جده عن علي: (قلت يا رسول الله أمسح على الجبائر؟ قال: نعم امسح عليها). قلنا: هذا خبر لا تحل روايته إلا على بيان سقوطه، لانه انفرد به أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وهو مذكور بالكذب (2) * فان قيل: فقد جاء أنه عليه السلام أمرهم يمسحوا على العصائب والتساخين قلنا: هذا لا يصح من طريق الاسناد، ولو كان لما كانت فيه حجه، لان العصائب هي العمائم، قال الفرزدق: * وركب كأن الريح تطلب عندهم لهاترة من جذبها بالعصائب 03)


(1) كلمة (فانه) سقطت من المصرية (2) ابو خالد هذا وضاع قال وكيع: (كان في جوارنا يضع الحديث فلما فطن له تحول إلى واسط) وقال احمد: (يروى عن زيد بن على عن آبائه احاديث موضوعة يكذب) وقال ابن معين: (كذاب غير ثقة ولا مأمون) واحاديثه التي يرويها هي التي عرفت باسم (مسند زيد) أو (المجموع الفقهي) وطبع في ميلانو بايطاليا سنة 1919 وفى مصر سنة 1340 هجرية ومما يؤسف له ان يقرظه بعض افاضل العلماء من شيوخنا علماء الازهر غير متحرين معرفة ما فيه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ناظرين إلى عاقبة وثوق العامة - ممن لا يعرف الصحيح من السقيم - بوجود توقيعاتهم على مدائح لهذه الاكاذيب، ولله الامر من قبل ومن بعد. (3) الترة الثأر والبيت هنا كرواية الاغانى (ج 1 ص 336) طبع دار الكتب وهو الموافق لما في ديوان الفرزدق ورواه صاحب اللسان في مادة عصب وركب كأن الريح تطلب منهم لها سلبا من جذبها بالعصائب وكذلك رواه أبو علي القالى في الامالى (ج 3 ص 40) طبع دار الكتب.

[ 76 ]

والتساخين (1) هي الخفاف * وانما أوجب المسح على الجبائر قياسا على المسح على الخفين، والقياس باطل، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه باطلا، لان المسح على الخفين فيه توقيت، ولا توقيت في المسح على الجبائر، مع أن قول القائل: لما جاز المسح على الخفين وجب المسح على الجبائر -: دعوى بلا دليل، وقضية من عنده، ثم هي أيضا موضوعة وضعا فاسدا، لانه إيجاب فرض قيس على إباحة وتخيير، وهذا ليس من القياس في شئ * وقد روينا مثل قولنا عن بعض السلف، كما روينا من طريق ابن المبارك عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن أبجر (2) عن الشعبى أنه قال في الجراحة: - اغسل ما حولها * فان قيل: قد رويتم عن ابن عمر أنه ألقم أصبع رجله مرارة (3) فكان يمسح عليها، قلنا: هذا فعل منه، وليس إيجابا للمسح عليها، وقد صح عنه رضى الله عنه أنه كان يدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغسل، وأنتم لا ترون ذلك، فضلا عن أن توجبوه فرضا، وصح انه كان يجيز بيع الحامل واستثناء ما في بطنها، وهذا عندكم حرام، ومن المقت عند الله تعالى أن تحتجوا به فيما اشتهيتم وتسقطوا الحجة


وبعد هذا البيت كما في الاغاني والامالي على اختلاف في بعض الالفاظ - سروا يركبون الريح وهي تلفهم على شعب الاكوار من كل جانب إذا استوضحوا نارا يقولون ليتها وقد خصرت ايديهم نار غالب قال في اللسان (والعصابة العمامة والعمائم يقال لها العصائب) (1) في المصرية في الموضعين (والساخى) وهو خطأ لا معنى له. (2) بفتح الهمزة وإسكان الباء الموحدة وفتح الجيم وهو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر، وكان ثقة من الابرار ومن أعلم الناس بالطب ولا يأخذ عليه أجرا. ووقع في اليمنية (بحر) وهو خطأ (3) المرارة هنة لازقة بالكبد وهي التى تمرئ الطعام، تكون لكل ذى روح الا النعام والابل فانها لا مرارة لها. قاله في اللسان. وأثر ابن عمر هذا رواه البيهقي (ج 1: ص 228)

[ 77 ]

به حيث لم تشتهوا، وهذا عظيم في الدين جدا * واذ قد صح ما ذكرنا فالوضوء إذا تم وجازت به الصلاة فلا ينقضه إلا حدث أو نص جلى (1) وارد بانتقاضه، وليس سقوط اللصقة أو الجبيره أن الرباط حدثا، ولا جاء نص بايجاب الوضوء من ذلك، والشرائع لا تؤخذ (2) إلا عن الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وممن رأى المسح على الجبائر أبو حنيفة ومالك والشافعي ولم ير ذلك داود وأصحابنا. وبالله تعالى التوفيق * 210 - مسألة - ولا يجوز لاحد مس ذكراه بيمينه جملة إلا عند ضرورة لا يمكنه غير ذلك، ولا بأس بأن يمس بيمينه ثوبا على ذكره، ومس الذكر بالشمال مباح، ومسح سائر أعضمائه بيمينه وبشماله مباح، ومس الرجل ذكر صغير لمداواة أو نحو ذلك من أبواب (3) الخير كالختان ونحوه -: جائز باليمين والشمال، ومس المرأة فرجها بيمينها وشمالها جائز، وكذلك مسها ذكر زوجها أو سيدها بيمينها أو بشمالها جائز * برهان ذلك أن كل ما ذكرنا فلا نص في النهى عنه، وكل مالا نص في تحريمه فهو مباح بقول الله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته): وقوله عليه السلام: (دعوني ما تركتكم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه): أو كما قال عليه السلام فنص تعالى على أن كل محرم قد فصل لنا باسمه، وفصح أن ما لم يفصل تحريمه فلم يحرم، وكذلك بالخبرين المذكورين * وقد جاء النهى عن مس الرجل ذكره بيمينه كما حدثنا حمام وعبد الله بن يوسف قال عبد الله ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد


(1) في اليمنية (إلا حدثا ونص جلى) وفي المصرية (إلا حدث أو بنص جلى) وكلاهما غير صواب (2) في المصرية (لا توجد) وهو تصحيف (3) في المصرية) أثواب) وهو تصحيف

[ 78 ]

ابن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا ابن أبى عمر ثنا الثقفى - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن أيوب السختياني، قال حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن محمد البرتي (1) قاضى بغداد ثنا أبو نعيم - هو الفضل ابن دكين - ثنا سفيان - هو الثوري - عن معمر، ثم اتفق أيوب السختيانى ومعمر، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمس الرجل ذكره بيمينه). هذا لفظ معمر. ولفظ أيوب: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الاناء وأن يمس ذكره بيمينه وأن يستطيب بيمينه). وبهذا الخبر حرم أن يزيل أحد (2) أثر البول بيمينه بغسل أو مسح، لانه استطابة * قال علي: رواية معمر وأيوب زائدة على كل ما رواه غيرهما عن يحيى بن أبى كثير من الاقتصار بالنهي عن مسم الذكر باليمين في حال البول وعند دخول الخلاء، والزيادة مقبولة لا يجوز ردها، لاسيما وأيوب ومعمر أحفظ ممن روى بعض ما روياه، وكل ذلك حق، وأخذ كل ذلك فرض لا يحل رد شئ (3) مما رواه الثقات، فمن أخذ برواية أيوب ومعمر أخذ برواية همام وهشام الدستوائي والاوزاعي وأبي اسماعيل، ومن أخذ بروايه هؤلاء وخالف رواية أيوب ومعمر فقد عصى (4) * وقد روينا مثل قولنا هذا عن بعض السلف، كما روينا من طريق وكيع عن


(1) بكسر الباء الموحدة واسكان الراء وكسر التاء المثناة نسبة إلى (برت) بليدة في سواد بغداد وهو احمد بن محمد بن عيسى بن الازهرى الحافظ وقد سبق ذكره في المسألة رقم 137 وترددنا في صحة اسمه لعدم اتفاق النسخ ولكن تبين لنا الآن صحة انه (البرتي) لانه هو الذى ولي قضاء بغداد وروى عن أبي نعيم، وترجمته في السمعاني (ورقة 71) وتذكرة الحفاظ (ج 2: ص 157) وطبقات الحنفية (ج 1: ص 114) ومعجم البلدان (ج 2: ص 109) (2) في الاصلين (أحدا) بالنصب وهو لحن (3) في المصرية (لا يحل شئ) وهو خطأ (4) في اليمنية (فقد عصاه)

[ 79 ]

الصلت بن دينار عقبة بن صهبان (1): سمعت أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه يقول: ما مسست ذكرى بيميني مذ (2) بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه إلى وكيع عن خالد بن دينار سمعت أبا العالية يقول: ما مسست ذكرى بيميني مذ (3) ستين سنة أو سبعين سنة، وروينا عن مسلم بن يسار وكان من خيار التابعين أنه قال: لا أمس ذكرى بيميني وأنا أرجو أن آخذ بها كتابي. وبالله تعالى التوفيق * 211 - مسألة - ومن أيقن بالوضوء والغسل ثم شك هل أحدث أو كان منه ما يوجب الغسل أم لا فهو على طهارته، وليس عليه أن يجدد غسلا ولا وضوءا، فلو اغتسل وتوضأ ثم أيقن (4) أنه كان محدثا أو مجنبا أو أنه قد أتى بما يوجب الغسل لم يجزه الغسل ولا الوضوء اللذان أحدثا بالشك، وعليه أن يأتي بغسل آخر ووضوء آخر، ومن أيقن بالحدث وشك في الوضوء أو الغسل فعليه ان يأتي بما شك فيه من ذلك، فان لم يفعل وصلى بشكه ثم ايقن انه لم يكن محدثا ولا كان عليه غسل لم تجزه صلاته تلك أصلا * برهان ذلك قول الله تعالى: (ان يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فان الظن اكذب الحديث) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا موسى بن اسماعيل ثنا حماد ثنا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره احدث أو لم يحدث فأشكل (5) عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) وهذا قول


(1) الصلت - بفتح الصاد المهملة واسكان اللام - ضعيف. وعقبة بن صهبان - بضم الصاد المهملة واسكان الهاء - ثقة من التابعين (2) في اليمنية (منذ) (3) في اليمنية (منذ) (4) في المصرية (ثم تيقن) (5) في المصرية (أشكل) بدون الفاء وهو خطأ، صححناه من اليمنية ومن ابي داود (ج 1: ص 69) والحديث رواه أيضا مسلم (ج 1: ص 108) والترمذي بلفظ آخر (ج 1: ص 16)

[ 80 ]

أبى حنيفة والشافعي وداود * وقال مالك يتوضأ في كلا الوجهين، واحتج بعض مقلديه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم امر من شك فلم يدر كم صلى بأن يلغى الشك ويبني على اليقين * قال ابو محمد: وهذا خطأ من وجهين احدهما تركهم (1) للخبر الوارد في المسألة بعينها، ومخالفتهم له، وان يجعلوا هذا الامر حدثا يوجب الوضوء في غير الصلاة ولا يوجبه (2) في الصلاة، وهذا تناقض قد انكروا مثله على ابى حنيفة في الوضوء من القهقهة في الصلاة دون غيرها، واخذهم بخبر جاء في حكم آخر. والثانى انهم احتجوا بخبر هو حجة عليهم، لانه عليه السلام لم يجعل للشك حكما، وابقاه على اليقين عنده بلا شك، وان جاز (3) ان يكون الامر كما ظن - هذا - إلى تناقضهم، فانهم يقولون: من شك اطلق ام لم يطلق،، وايقن بصحة النكاح فلا يلزمه طلاق، ومن ايقن بصحة الملك فشك انه اعتق ام لم يعتق (4) فلا يلزمه عتق، ومن تيقنت حياته وشك في موته فهو على الحياة، وهكذا في كل شئ * قال على: فإذ هو كما ذكرنا فان توضأ كما ذكرنا وهو شاك في الحديث ثم ايقن بأنه كان احدث لم يجزه ذلك الوضوء، لانه لم يتوضأ الوضوء الواجب عليه، وانما توضأ وضوءا لم يؤمر به، ولا ينوب وضوء لم يأمر الله عزوجل به عن وضوء أمر الله تعالى به. وبالله تعالى التوفيق * 212 - مسألة - والمسح على كل ما لبس في الرجلين - مما يحل لباسه مما يبلغ فوق الكعبين - سنة سواء كانا خفين من جلود أو لبود (5) أو عود أو حلفاء أو جوربين من كتان أو صوف أو قطن أو وبر أو شعر - كان عليهما جلد أو لم يكن - أو جرموقين أو خفين على خفين أو جوربين على جوربين أو ما كثر من ذلك


(1) في المصرية (تركهما) وهو خطأ (2) في المصرية (ولا يوجبها) (3) في اليمنية (وانه أجاز) وهو خطأ (4) في اليمنية (فشك اعتق أو لم يعتق) (5) اللبود بضم اللام وتخفيف الباء جمع لبد ولبدة وهو كل شعر أو صوف ملتبد بعضه على بعض

[ 81 ]

أو هراكس، وكذلك إن لبست المرأة ما ذكرنا من الحرير، فكل ما ذكرنا إذا لبس على وضوء جاز المسح عليه للمقيم يوما وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ثم لا يحل له المسح، فإذا انقضى هذان الامران - يعنى أحدهما - لمن وقت له صلى بذلك المسح ما لم تنتقض طهارته، فان انتقضت لم يحل له أن يمسح، لكن يخلع ما على رجليه ويتوضأ ولا بد، فان أصابه ما يوجب الغسل خلعهما ولا بد، ثم مسح كما ذكرنا ان شاء، وهكذا أبدا كما وصفنا * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبى ثنا زكرياء بن أبى زائدة عن عامر هو الشعبي ثنا عروة (1) بن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) - فذكر وضوءه عليه السلام - قال المغيرة (ثم أهويت لانزع الخفين (2)، فقال عليه السلام: دعهما فانى أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما) * حدثنا أحمد بن محمد الطمنكى ثنا ابن مفرج ثنا ابراهيم بن أحمد بن على بن احمد بن فراس ثنا محمد بن على بن زيد الصائغ ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو الأحوص ثنا الاعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: (كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فانتهي إلى سباطة (3) ناس فبال عليها قائما ثم توضأ ومسح على خفيه) * حدثنا عبد الله بن ربيع ويحيى بن عبد الرحمن بن مسعود قال عبد الله - ثنا محمد بن معاوية القرشي الهشامى ثنا أحمد بن شعيب ثنا اسحق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - وقال يحيى ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن


(1) في الاصل (عوروة) وهو خطأ والصواب (عروة) (2) في مسلم (ج 1: ص 90) (أخبرني) وفى اليمنية (أخبرنا) (3) في اليمنية (اسباطة) وهو خطأ، والسباطة الكناسة وزنا ومعنى

[ 82 ]

ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبى، ثم اتفق أحمد واسحاق واللفظ لاحمد قالا ثنا (1) وكيع ثنا سفيان الثوري عن ابى قيس عبد الرحمن بن ثروان (2) عن هزيل (3) بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجورجين والنعلين) (4) * حدثنا يونس بن عبد الله ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب ثنا هناد بن السرى عن أبى معاوية عن الاعمش عن الحكم هو ابن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال. سألت عائشة أم المؤمنين عن المسح على الخفين فقالت. ائت على بن ابى طالب فانه اعلم بذلك منى فاتيت عليا فسألته عن المسح؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثا (5). ورويناه ايضا كذلك من طريق مسلم بن الحجاج عن اسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق وزكريا بن عدى قال عبد الرزاق انا سفيان الثوري عن عمرو بن قيس الملائى - وكان سفيان إذا ذكره اثنى عليه -، وقال زكريا عن عبيد الله بن عمرو الرقى (6) عن


(1) في المصرية (قال وكيع) وهو خطأ (2) بفتح الثاء المثلثة واسكان الراء (3) بضم الهاء وفتح الزاي (4) هذا الحديث لا يوجد في سنن النسائي المطبوعة وهي رواية أبي القاسم، وانما وجد زائدا في نسخة أخرى وطبع بالهامش وذكر المصحح أنه في رواية ابن الاحمر وانه عزاه في الاطراف إلى النسائي، (انظر النسائي ج 1: ص 32) وابن الاحمر هو محمد بن معاوية بن الاحمر الاندلسي شيخ شيخ ابن حزم في هذا الاسناد، وقد رواه أبو داود (ج 1: ص 61 - و 62) والترمذي (ج 1: ص 2) وابن ماجه (ج 1: ص 102) والبيهقي (ج 1: ص 283 - 284) وصححه الترمذي وابن حبان، وأعله النسائي وأبو داود تبعا لعبد الرحمن بن مهدي وغيره بأن المعروف من رواية المغيرة (ومسح على الخفين) وبسببه تكلم بعضهم في ابي قيس والحق أنه ثقة ثبت وأن الحديث صحيح لان حكاية المسح على الخفين لا تنافي المسح على الجوربين بل هما حديثان مختلفان يحمل كل منهما على حكاية حال غير حال الآخر وهو واضح لا يحتمل أي اشتباه (5) في النسائي (ج 1: ص 32) (6) في اليمنية (عبيد الله بن عمر) وهو خطأ

[ 83 ]

زيد بن ابي انيسة، ثم اتفق زيد وعمرو (1) عن الحكم بن عتيبة بمثل حديث الاعمش عن الحكم واسناده (2) * حدثنا هشام بن سعيد الخير ثنا عبد الجبار بن احمد المقرى ثنا الحسن بن الحسين النجيرمى ثنا جعفر بن محمد بن الحسن الاصبهاني ثنا يونس بن حبيب بن عبد القاهر ثنا أبو داود الطيالسي ثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد وهمام بن يحيى وشعبة بن الحجاج (3)، كلهم عن عاصم ابن ابى النجود عن زر بن حبيش قال. اتيت صفوان بن عسال (4) فقلت: إنه حك في نفسي من المسح على الخفين شئ (5) فهل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا؟ فقال. (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر (6) فأمرنا أن نمسح عليهما (7) ثلاثة ايام ولياليهن من غائط وبول ونوم الا من جنابة (8)) ورويناه ايضا من طريق معمر وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة كلهم عن عاصم عن زر عن صفوان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله * وهذا نقل تواتر يوجب العلم، ففى حديث المغيرة أن المسح انما هو على من أدخل الرجلين وهما طاهرتان، وفي حديث حذيفة المسح في الحضر، وفي حديث هزيل عن المغيرة المسح على الجورجين، وفي حديث على عموم المسح على كل ما لبس في الرجلين يوما وليلة للمقيم، وثلاثا للمسافر، وأن لا يخلع إلا لغسل الجنابة في حديث صفوان * وأما قولنا إنه انقضى أحد الامدين (9) المذكورين صلى الماسح بذلك المسح ما لم ينتقض وضوؤه، ولا يجوز له أن يمسح الا حتى ينزعهما ويتوضأ: - فلان


(1) في اليمنية (زيد وعمر) وهو خطأ (2) في صحيح مسلم (ج 1 ص 91) (3) في المصرية (وسعيد بن الحجاج) وهو تصحيف (4) في مسند أبي داود الطيالسي برقم 1166 (غدوت على صفوان بن عسال) (5) كلمة (شئ) زدناها من مسند الطيالسي (6) في المسند (سفرا أو مسافرين) (7) في الاصلين (عليها) وصححناه من المسند (8) في اليمنية (لامن جنابة وهو خطأ (9) في اليمنية (الامرين) وهو خطأ

[ 84 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ان يمسح ان كان مسافرا ثلاثا فقط، وان كان مقيما يوما (1) وليله فقط، وأمر عليه السلام بالصلاة بذلك المسح، ولم ينهه عن الصلاة به بعد أمده (2) المؤقت له، وانما نهاه عن المسح فقط، وهذا نص الخبر في ذلك * وممن قال بالمسح على الجوربين جماعة من السلف، كما روينا عن سفيان الثوري عن الزبرقان بن عبد الله العبدى (3) ويحيى بن أبى حية (4) والاعمش قال الزبرقان عن كعب بن عبد الله قال: رأيت على بن أبى طالب رضى الله عنه بال فمسح على جوربيه ونعليه (5)، وقال يحيى عن أبى الجلاس (6) عن ابن عمر: أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه، وقال الاعمش عن اسماعيل بن رجاء وابراهيم النخعي وسعيد ابن عبد الله بن ضرار قال اسماعيل عن أبيه قال رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه (7)، وقال ابراهيم عن همام بن الحارث عن أبى مسعود البدرى (8): أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه، وقال سعيد بن عبد الله: رأيت أنس بن مالك أتى الخلاء ثم خرج وعليه قلنسوة بيضاء مزرورة (9) فمسح على القلنسوه وعلى


(1) في المصرية (فيوما) (2) في المصرية (بعد أمره) وهو خطأ (3) الزبرقان هذا في حديثه وهم، قاله البخاري (4) يحيى هذا هو أبو جناب الكلبى وهو لا بأس به الا أنه مدلس (5) أثر على هذا رواه البيهقي باسنادين آخرين من طريق الزبرقان بن عبد الله وهو ابو الورقاء (ج 1 ص 285) (6) بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره سين مهملة وأظنه الكوفى الذى يروى عن على، وأثر ابن عمر هذا لم أجد من رواه (7) رواه البيهقي (ج 1 ص 285) من طريق الاعمش (8) في المصرية (عن ابن مسعود البدرى) وهو خطأ (9) كذا في المصرية وسنن البيهقي ولعل معناه أن لها زرا أي تشد به كأزرار القميص، وفى اليمنية (مرره) بدون نقط

[ 85 ]

جوربين له من خز عربي أسود (1) ثم صلى، ومن طريق الضحاك بن مخلد عن سفيان الثوري حدثني عاصم الاحول قال. رأيت انس بن مالك مسح على جوربيه، وعن حماد بن سلمة عن ثابت البنانى وعبيد الله بن أبى بكر بن أنس بن مالك قالا جميعا. كان أنس بن مالك يمسح على الجوربين والخفين والعمامة (2)، وعن حماد بن سلمة عن أبى غالب (3) عن أبى أمامة الباهلى أنه كان يمسح على الجوربين والخفين والعمامة، وعن وكيع عن ابن جناب (4) عن أبيه عن خلاس (5) بن عمرو عن ابن عمر قال: بال عمر بن الخطاب يوم جمعة ثم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين وصلى بالناس الجمعة. وعن وكيع عن مهدى بن ميمون عن واصل الاحدب


(1) في اليمنية (من حر عري اسود) بدون نقط، وفي المصرية (من مر عربي أسود) وفي البيهقي (وعلى حوربين أسودين مر عزين) وفي نسخة منه (مرعدين) وقد رجحنا أن صحته (من خز عربي أسود) لرواية ثانية رواها البيهقي وفيها وعليه جوربان أسفلهما جلود وأعلاهما خز فمسح عليهما) ويحتمل أن يكون الاصل هنا (وعلى جوربين له من مرعزى أسود) والمرعزي هو الصوف وهو بكسر الميم وفتحها واسكان الراء وكسر العين المهملة وتشديد الزاى المفتوحة، ويقوى هذا الاحتمال ما رواه الدولابى في الكني والاسماء (ج 1 ص 181): (أخبرني احمد بن شعيب - هو النسائي - عن عمرو بن على قال أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان قال حدثنا الازرق بن قيس قال: رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: انهما خفان ولكنهما من صوف) * (2) الاثر عن أنس من طريق الضحاك وطريق حماد اسناداهما صحيحان (3) أبو غالب صاحب أبي أمامة هذا اختلف في اسمه وهو ثقة وصحح له الترمذي أحاديث وضعفه بعضهم (4) في المصرية (ابن حبان) وفي اليمنية (أبي خباب) وكلاهما تصحيف والصواب (جناب) بفتح الجيم وتخفيف النون، وهو يحيى بن أبى حية السابق ذهره وأبوه ابو حية اسمه (حى) (5) خلاس بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام

[ 86 ]

عن ابى وائل عن ابى مسعود أنه مسح على جوربين له من شعر (1) وعن وكيع عن يحيى البكاء (2) قال سمعت ابن عمر يقول المسح على الجوربين كالمسح على الخفين: وعن قتادة عن سعيد بن المسيب الجوربان بمنزلة الخفين في المسح، وعن عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء (3) نمسح على الجوربين؟ قال نعم امسحوا عليهما (4) مثل الخفين، وعن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النحعى: أنه كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا (5) وعن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: سمعت الاعمش (6) سئل عن الجوربين أيمسح عليهما من بات فيهما؟ قال نعم، ومن قتادة عن الحسن وخلاس بن عمر أنهما كانا يريان الجوربين في المسح بمنزلة الخفين وقد روى أيضا عن عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسهل بن سعد وعمر وبن حريث، وعن سعيد بن جبير ونافع مولى بن عمر فهم عمر وعلى وعبد الله بن عمرو وأبو مسعود والبراء ابن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وابن مسعود وسعد وسهل بن سعد وعمرو بن حريث لا يعرف لهم ممن يجيز المسح على الخفين من الصحابة رضي الله عنهم مخالف: ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء وابراهيم النخعي والاعمش وخلاس بن عمرو وسعيد بن جبير ونافع مولى ابن عمر، وهو قول سفيان الثوري والحسن بن حى وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبى ثور وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وداود ابن على وغيرهم * وقال أبو حنيفة: لا يمسح على الجوربين، وقال مالك: لا يمسح عليهما الا ان يكون أسفلهما قد خرز عليه جلد، ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما، وقال الشافعي لا يمسح عليهما الا أن يكونا مجلدين قال على: اشتراط التجليد خطأ لا معنى له، لانه لم يأت به قرآن ولا سنة ولا


(1) أثر أبى مسعود الانصاري رواه البيهقي أيضا (2) يحيى بن مسلم البكاء ضعيف (3) في اليمنية (أنمسح) (4) في المصرية (امسح عليها) (5) في اليمنية (أنه كان لا يرى بالمسح على الجوربين كالمسح على الخفين باسأ) (6) في اليمنية (يسأل)

[ 87 ]

قياس ولا قول صاحب، والمنع من المسح على الجوربين خطأ لانه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف الآثار، ولم يخص عليه السلام في الاخبار التى ذكرنا خفين من غيرهم، والعجب أن الحنفيين والمالكيين والشافعيين يشنعون ويعظمون مخالفة الصاحب إذا وافق تقليدهم! وهم قد خالفوا ههنا احد عشر صاحبا، لا مخالف لهم من الصحابة ممن يجيز المسح، فيهم عمر وابنه وعلى وابن مسعود وخالفوا أيضا من لا يجيز المسح من الصحابة، فحصلوا على خلاف كل من روى عنه في هذه المسألة شئ من الصحابة رضى الله عنهم، وخالفوا السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس بلا معنى. وبالله تعالى التوفيق * وأما القائلون بالتوقيت في المسح من الصحابة رضي الله عنهم فروينا من طريق شعبة وابن المبارك عن عاصم الاحول عن أبى عثمان النهدي (1) قال: شهدت سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر اختلفا في المسح، فمسح سعد ولم يمسح ابن عمر، فسألوا عمر بن الخطاب وأنا شاهد فقال عمر: امسح يومك وليلتك إلى الغد ساعتك * وعن شعبة عن عمران بن مسلم سمعت سويد بن غفلة قال بعثنا نباتة الجعفي إلى عمر بن الخطاب يسأله عن المسح على الخفين، قال فسأله فقال عمر: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة يمسح على الخفين والعمامة، وهذان اسنادان لا نظير لهما في الصحة والجلالة * وقد روينا ذلك ايضا من طريق سعيد بن المسيب وزييد (2) بن الصلت كلاهما عن عمر * ومن طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ابراهيم التيمى عن الحارث


(1) في اليمنية (الهذلي) وهو خطأ (2) بضم الزاي وياءين مثناتين الاولى مفتوحة تصغير (زيد) وفي المصرية زبير) وهو خطأ

[ 88 ]

ابن سويد عن عبد الله بن مسعود قال ثلاثة أيام للمسافر ويوم للمقيم يعني في المسح وروينا أيضا من طريق شقيق بن سلمة (1) عن ابن مسعود، وهذا أيضا اسناد صحيح * ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة (2) عن شريح بن هانئ الحارث: سألت عليا عن المسح فقال للمسافر ثلاثا وللمقيم يوما وليلة * وعن شعبة عن قتادة عن موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس عن المسح على الخفين فقال: ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم، وهذا اسناد في غاية الصحة * وعن الشعبى عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن ابيه قال صارت سنة للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة في المسح * وعن حماد بن سلمة عن سعيد بن قطن (3) عن أبى زيد الانصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن والمقيم يوما وليلة (4) * وعن عبد الرزاق عن ابن جريج ومحمد بن راشد ويحيى بن ربيعة قال ابن جريج أخبرني أبان بن صالح أن عمر بن شريح (5) أخبره أن شريكا القاضى كان يقول للمقيم يوم إلى الليل وللمسافر ثلاث، وقال ابن أبى راشد أخبرني سليمان بن موسي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المصيصة: أن اخلعوا (6) الخفاف في كل


(1) في المصرية (سفيان بن سلمة) وهو خطأ (2) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة واسكان الياء وفتح الميم الثانية والراء وآخره هاء (3) بفتح القاف والطاء المهملة (4) في اليمنية (وللمقيم يوم وليلة) (5) كذا في المصرية وفي اليمنية (عمير بن شريح) ولم اتحقق من صحة هذا الاسم فانه ليس في الرواة من يدعى هكذا الا (عمر بن سريح) وصحة اسمه على التحقيق (عمر بن سعيد بن سريح) ولكنه غير الذى هنا فذاك يروى عن الزهري المتوفي سنة 123 أو سنة 124 والذى هنا يروى عن شريك بن عبد الله القاضى المتوفي سنة 177 أو سنة 178 وبين الطبقتين بون شاسع (6) في المصرية (أن اجعلوا) وهو خطأ

[ 89 ]

ثلاث وقال يحيى بن ربيعة: سألت عطاء بن أبى رباح عن المسح على الخفين فقال ثلاث للمسافر ويوم للمقيم، وقد روي أيضا عن الشعبي * وهو قول سفيان الثوري والاوزاعي والحسن بن حى وأبى حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل وداود بن على وجميع اصحابهم، وهو قول اسحاق بن راهويه وجملة أصحاب الحديث * وقد رواه أيضا أشهب عن مالك والرواية عن مالك مختلفة، فالاظهر عنه كراهة المسح للمقيم وقد روى عنه اجازة (1) المسح للمقيم، وانه لا يرى التوقيت لا للمقيم ولا للمسافر وانهما يمسحان أبدا ما لم يجنبا * وتعلق مقلدوه في ذلك بأخبار ساقطة لا يصح منها شئ، أرفعها من طريق خزيمة بن ثابت، رواه أبو عبد الله الجدلي صاحب راية الكافر المختار، ولا يعتمد على روايته (2)، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة، لانه ليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح المسح أكثر من ثلاث ولكن في آخر الخبر من قول الراوى: ولو تمادى السائل لزادنا. وهذا ظن وغيب لا يحل القطع به في أخبار الناس، فكيف في الدين إلا أنه صح من هذا اللفظ أن السائل لم يتماد فلم يزدهم شيئا، فصار هذا الخبر


في اليمنية (إجابة) وهو خطأ (2) الجدلي بفتح الجيم والدال المهملة. وأبو عبد الله هذا اسمه عبد بن عبد وقيل عبد الرحمن بن عبد. وهو ثقة وثقه احمد وابن معين والعجلي وضعفه ابن سعد قال ابن حجر في التهذيب: (كان ابن الزبير قد دعا محمد بن الحنفية إلى بيعته فأبى فحصره في الشعب وأخافه هو ومن معه مدة، فبلغ ذلك المختار بن أبى عبيد وهو على الكوفة، فأرسل إليه حبيشا مع أبي عبد الله الجدلي إلى مكة فأخرجوا محمد بن الحنفية من محبسه، وكفهم محمد عن القتال في الحرم، فمن هنا أخذوا على أبي عبد الله الجدلي وعلى أبي الطفيل أيضا، لانه كان في ذلك الحبيش، ولا يقدح ذلك فيهما ان شاء الله تعالى) وحديثه هذا رواه أبو داود (ج 1: ص 60) والترمذي (ج 1: ص 21) وابن ماجه *

[ 90 ]

لو صح - حجة لنا عليهم، ومبطلا لقولهم، ومبينا لتوقيت الثلاثة أيام في السفر واليوم والليلة في الحضر * وآخر من طريق أنس، رواه أسد بن موسي عن حماد بن سلمة، وأسد منكر الحديث (1)، ولم يرو هذا الخبر أحد من ثقات أصحاب حماد بن سلمة * وآخر من طريق أنس منقطع، ليس فيه إلا: (توضأ أحدكم ولبس (2) خفيه فليصل فيهما وليمسح عليهما ما لم يخلعهما إلا من جنابة (3)) ثم لو صح لكانت أحاديث التوقيت زائدة عليه، والزيادة لا يحل تركها * وآخر من طريق أبي بن عمارة (4)، فيه يحيى بن أيوب الكوفي وأخر مجهولون وآخر فيه: قال عمر بن اسحاق بن يسار - أخو محمد بن اسحاق -: قرأت في كتاب لعطاء بن يسار مع عطاء بن يسار: سألت ميمونة عن المسح على الخفين فقالت: (قلت: يا رسول الله أكل ساعة يمسح الانسان على الخفين ولا ينزعهما؟ قال نعم)


(1) كلا بل أسد ثقة وثقه النسائي والعجلي والبزار وغيرهما، قال ابن دقيق العيد في الامام - فيما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية (ج 1 ص 93 و 94): (ولعل ابن حزم وقف على قول ابن يونس في تاريخ الغرباء: أسد بن موسى حدث بأحاديث منكرة وكان ثقة وأحسب الآفة من غيره فان كان أخذ كلامه من هذا فليس بجيد لان من يقال فيه منكر الحديث ليس كمن يقال فيه روى احاديث منكرة لان منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الاخرى تقتضي انه وقع له في حين لا دائما) ثم قال: (وقد حكم ابن يونس بأنه ثقة، وكيف يكون ثقة وهو لايختج بحديثه!). والحديث رواه البيهقى (ج 1 ص 279 و 280) (2) في اليمنية (فليس) (3) رواه البيهقي (ج 1 ص 279) (4) بكسر العين وهو الاشهر، وقيل بضمها، وفى اليمنية (أبي بن أبي عمارة) وهو خطأ. وحديث أبي هذا رواه أبو داود (ج 1 ص 60 و 61) والبيهقي (ج 1 ص 278 و 279) والحاكم (ج 1 ص 170 و 171) وهو حديث ضعيف مضطرب

[ 91 ]

قال على: هذا لا حجة فيه لان عطاء بن يسار لم يذكر لعمر بن اسحاق أنه هو السائل ميمونة، ولعل السائل غيره، ولا يجوز القطع في الدين بالشك (1) ثم لو صح لم تكن فيه حجة لهم، لانه ليس فيه إلا إباحة المسح في كل ساعة، وهكذا قول، إذا أتى بشروط المسح من اتمام الوضوء ولباسهما على طهارة واتمام الوقت المحدود وخلعهما للجنابة، وهذا كله ليس مذكورا منه شئ في هذا الخبر، فبطل تعلقهم به: وذكروا آثارا عن الصحابة رضى الله عنهم لا تصح (2) منها أثر عن أسد بن موسى عن حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن زييد بن الصلت (3) سمعت عمر بن الخطاب يقول: إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما ما لم يخلعهما إلا من جنابة. وهذا مما انفرد به أسد بن موسى عن حماد، وأسد منكر الحديث لا يحتج به، وقد أحاله، والصحيح من هذا الخبر هو ما رويناه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن محمد بن زياد قال سمعت زييد (4) بن الصلت سمعت عمر بن الخطاب يقول (5) إذا توضأ أحدكم وأدخل خفيه في رجليه وهما طاهرتان فليمسح عليهما ان شاء ولا يخلعهما إلا من جنابة. وهذا ليس فيه (ما لم يخلعهما) كما روى أسد، والثابت عن عمر في التوقيت برواية، نباتة الجعفي وأبى عثمان النهدي، وهما من أوثق التابعين هو الزائد على ما في هذا الخبر *


(1) احتمال أن السائل غيره احتمال بعيد يأباه سياق الكلام: والحديث رواه الدارقطني (ص 73) من طريق احمد بن حنبل (2) في الاصلين لا يصح منها أثر) والذى نراه أن الاحسن جعل (منها اثر) استئناف لبيان الآثار التى وصفها بعدم الصحة كما يقضي بذلك السياق: (3) في اليمنية (عن محمد بن زياد بن الصلت) وهو خطأ، وزييد بياءين مثناتين كما سبق، وحديثه في البيهقي (ج 1: ص 279) (4) في الاصل المصرى (زيد) وهو خطأ (5) من اول قول عمر في الاثر (إذا توضأ) الخ الذي رواه اسد بن موسى - إلى هنا سقط من اليمنية

[ 92 ]

وآخر من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب كان لا يجعل في المسح على الخفين وقتا، وهذا منقطع، لان عبيد الله بن عمر لم يدرك أحدا أدرك عمر، فكيف عمر * وآخر من طريق كثير بن شنظير (1) عن الحسن: سافرنا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا (2) يمسحون على خفافهم من غير وقت ولا عذر، وكثير ضعيف جدا * وخبر رويناه من طريق عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن يزيد عن بن أبى حبيب (3) عن على (4) بن رباح عن عقبة بن عامر أن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بعثاه بريدا (5) إلى أبى بكر برأس سان (6) - فذكر الحديث وفيه -: ثم أقبل على عقبة وقال: مذ كم لم تنزع خفيك؟ قال: من الجمعة إلى الجمعة، قال أصبت. وقد حدث به عبد الرحمن مرة عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير (7) عن عقبة * قال على: هذا أقرب أن يغلط فيه من لا يعرف الحديث، وهذا خبر معلول، لان يزيد بن أبى حبيب لم يسمعه من على بن رباح ولا من أبي الخير، وانما سمعه من عبد الله بن الحكم البلوى عن على بن رباح، وعبد الله بن الحكم


(1) كثير بفتح الكاف وشنظير بكسر الشين المعجمة واسكان النون وكسر الظاء المعجمة، وفي اليمنية (شطير) بالطاء المهملة ووضع لها علامة الاهمال وبحذف النون وهو خطأ، وفي المصرية بدون نقط فلم تتبين في القراءة. وكثير هذا ثقة فيه بعض ضعف ويحتمل لصدقه وقد روى له البخاري ومسلم. (2) في المصرية (وكانوا) (3) في اليمنية (عن سعيد بن يزيد بن أبى حبيب) وهو خطأ وسقط (4) بضم العين وفتح اللام مصغر (5) في المصرية (بعثا يزيدا) وهو خطأ ولحن (6) كذا في الاصلين رسم بدون اعجام، وقد حاولت جهدي أن أعرف صحة هذا الاسم أو ذكر شئ عن هذه الرأس المحمولة فلم أصل إلى تحقيق صحيح في ذلك والعلم عند الله (7) في اليمنية (عن أبى الحسين) وهو خطأ وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزنى

[ 93 ]

مجهول، هكذا رويناه من طريق ابن وهب عن عمر وبن الحارث والليث بن سعد كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم أنه سمع على بن رباح اللخمي يخبر أن عقبة بن عامر الجهني قال: قدمت على عمر بفتح الشام وعلى خفان لى (1) جرموقان (2) غليظان، فقال لي عمر: كم لك مذ لم تنزعهما؟ - قلت: لبستهما يوم الجمعة واليوم الجمعة، قال: أصبت (3) قال ابن وهب: وسمعت زيد بن الحباب (4) يذكر عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو لبست الخفين ورجلاي طاهرتان وأنا على وضوء لم أبال أن لا أنزعهما حتى أبلغ العراق * قال على فهكذا هو الحديث فسقط جملة - ولله الحمد - وزيد بن الحباب لم يلق أحدا رأى عمر فكيف عمر (5) وقد روى أيضا هذا الخبر من طريق معاوية بن صالح عن عياض القرشى عن يزيد بن أبي حبيب ان عقبة (6) وهذا اسقط واخبث، لان يزيد لم يدرك عقبة، وفيه معاوية بن صالح وليس بالقوى، فبطل كل ما جاء في هذا الباب * ولا يصح خلاف التوقيت عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر فقط، فاننا روينا من طريق هشام بن حسان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يوقت في المسح على الخفين شيئا *


(1) كلمة (لي) سقطت من اليمنية (2) الجرموق - بضم الجيم واسكان الراء - خف صغير يلبس فوق الخف، وفي سنن البيهقي (جرمقانيان) وفي شرح معاني الآثار للطحاوي (مجرمقانيان) وليس لهما معنى معروف، فان الجرمقانى هو واحد الجرامقة وهم أنباط الشأم، وعلى كل فالحرف معرب لا أصل له في كلام العرب * (3) رواه البيهقي (ج 1: ص 280) من طرق والطحاوي (ج 1: ص 48) ورواه الدارقطني (72) مختصرا. (4) في اليمنية (الحبان) وهو خطأ (5) نعم لان زيد بن الحباب من الرواة عن مالك والثوري وغيرهما، مات سنة 203 (6) في المصرية (عن يزيد أبى حبيب بن عقبة) وفي اليمنية عن يزيد بن أبى حبيب أن عتبة) وكل منهما خطأ

[ 94 ]

قال أبو محمد: وهذا لا حجة فيه، لان ابن عمر لم يكن عنده المسح ولا عرفه، بل أنكره حتى اعلمه به سعد بالكوفة، ثم ابوه بالمدينة في خلافته، فلم يكن في علم المسح كغيره، وعلى ذلك فقد روى عنه التوقيت، روينا من طريق حماد بن زيد عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن نافع عن ابن عمر قال: أين السائلون عن المسح على الخفين، للمسافر ثلاثا وللمقيم يوما وليلة * ثم لو صح عن أبى بكر وعمر وعقبة (1) رضى الله عنهم ما ذكرنا وكان قد خالف ذلك على وابن مسعود وغيرهما -: لوجب عند التنازع الرد إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه عليه السلام قد صح بالتوقيت، ولم يصح عنه شئ غيره أصلا، فكيف ولم يصح قط عن عمر الا التوقيت * قال على. فإذا انقضى الامدان (2) المذكوران فان أبا حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا قالوا: يخلعهما ويغسل رجليه ولا بد، وقال: أبو حنيفة -: إذا قعد الانسان مقدار التشهد في آخر صلاته ثم أحدث عمدا أو نسيانا ببول أو ريح أو غيره ذلك أو تكلم عمدا ونسيانا فقد تمت صلاته، وليس السلام من الصلاة فرضا، قال: فان قعد مقدار التشهد في آخر صلاته وانقضى وقت المسح بعد ذلك فقد بطلت صلاته وبطلت طهارته ما لم يسلم (3) وفي هذا من التناقض والخطأ مالا يحتاج معه إلى تكليف رد عليه والحمد لله على السلامة * وقد قال الشافعي مرة: يبتدئ الوضوء، * وقال ابراهيم النخعي والحسن البصري وابن أبى ليلى وداود: يصلى ما لم تنتقض طهارته بحدث ينقض الوضوء، وهذا هو القول الذى لا يجوز غيره لانه ليس في شئ من الاخبار (4) أن الطهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء ولا عن بعضها بانقضاء وقت المسح، وانما نهي عليه السلام عن أن يمسح أحد أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم *


(1) في المصرية (وقتيبة) وهو خطأ (2) (في المصرية الامران) وهو تصحيف (3) قوله) ما لم يسلم) سقط من اليمنية (4) في المصرية (من الآثار)

[ 95 ]

فمن قال غير هذا فقد اقحم في الخبر (1) ما ليس فيه، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهما فلا شئ عليه، ومن فعل ذلك عامدا بعد قيام الحجة عليه فقد أتى كبيرة من الكبائر،، والطهارة لا ينقضها الا الحدث، وهذا قد صحت طهارته ولم يحدث فهو طاهر، والطاهر يصلى ما لم يحدث أو ما لم يأت (2) نص جلى في أن طهارته انتقضت وان لم يحدث وهذا الذي انقضى وقت مسحه لم يحدث ولا جاء نص في أن طهارته انتقضت لا عن بعض اعضائه ولا عن جميعها، فهو طاهر يصلى حتى يحدث فيخلع خفيه حينئذ وما على قدميه ويتوضا ثم يستأنف المسح توقيتا آخر وهكذا أبدا وبالله تعالى التوفيق * وأما من قال ان الطهارة تنتقض عن قدميه خاصة، فقول فاسد لا دليل عليه لا من سنة ولا من قرآن ولا من خبر واه ولا من اجماع، ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا رأى سديد أصلا، وما علم في الدين قط حدث ينقض الطهارة - بعد تمامها وبعد جواز الصلاة بها - عن بعض الاعضاء دون بعض وبالله تعالى التوفيق. وأما تقسيم أبى حنيفة فما روى قط عن أحد من الناس قبله. وبالله تعالى نتأيد * 213 - مسألة - ويبدأ بعد اليوم والليلة المقيم وبعد الثلاثة الايام بلياليها المسافر من حين يجوز له المسح أثر حدثه، سواء مسح وتوضأ أو لم يمسح ولا توضأ عامدا أو ساهيا، فان أحدث يومه بعد ما مضى أكثر هذين (3) الامدين (4) أو أقلهما كان له أن يمسح باقي الامدين فقط، ولو مسح قبل انقضاء أحد الامدين بدقيقة كان له أن يصلى به ما لم يحدث * قال على: قال أبو حنيفة والشافعي والثوري: يبتدئ بعد هذين الوقتين من حين يحدث وقال احمد بن حنبل يبدأ بعدهما من حين يمسح، وروى عن الشعبى يمسح


(1) في اليمنية (فقد أقحم بالحديث) (2) في المصرية (أو لم يأت) وهو خطأ (3) في المصرية (بعد مضى هذين) وما هنا أصح (4 و 5) في الاصلين (في الموضعين (الامرين) بالراء وهو خطأ واضح

[ 96 ]

لخمس صلوات فقط ان كان مقيما ولا يمسح لاكثر ويمسح لخمس عشرة صلاة فقط، ان كان مسافرا ولا يمسح لاكثر، وبه يقول اسحاق بن راهويه وسليمان بن داود الهاشمي وأبو ثور قال على: فلما اختلفوا وجب ان ننظر في هذه الاقوال ونردها إلى ما افترض الله عزوجل علينا أن نردها عليه من القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) ففعلنا فنظرنا في قول من قال يبدأ بعد الوقتين من حين يحدث، فوجدناه ظاهر الفساد لان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذى به تعلقوا كلهم وبه اخذوا أو وقفوا في أخذهم به - إنما جاءنا بالمسح مدة أحد الامدين (5) المذكورين، وهم يقرون بهذا، ومن المحال الباطل أن يجوز له المسح في الوضوء في حال الحدث، هذا مالا يقولون به هم ولا غيرهم، ووجدنا (3) بعض الاحداث قد تطول جدا الساعة والساعتين والاكثر كالغائط، ومنها ما يدوم أقل كألبول، فسقط هذا القول بيقين لا شك فيه، وهو أيضا مخالف لنص الخبر، ولا حجة لهم فيه أصلا * ثم نظرنا في قول من حد ذلك بالصلوات الخمس أو الخمس عشرة، فوجدناهم لا حجة لهم فيه إلا مراعاة عدد الصلوات في اليوم والليلة وفى الثلاثة الايام بلياليهن، وهذا لا معنى له، لانه إذا مسح (4) المرء بعد الزوال في آخر وقت الظهر فانه يمسح إلى صلاة الصبح ثم لا يكون له أن يصلى الضحى بالمسح، ولا صلاة بعدها إلى الظهر وكذلك من مسح لصلاة الصبح في آخر وقتها فانه يمسح إلى أن يصلى العتمة، ثم لا يكون له أن يوتر ولا أن يتهجد ولا أن يركع ركعتي الفجر بمسح وهذا خلاف لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لانه عليه السلام فسح للمقيم في مسح يوم وليلة، وهم منعوه من المسح إلا يوما وبعض ليلة، أو ليلة وأقل من نصف يوم، وهذا خطأ بين *


(1) في اليمنية (ونردها إلى ما افترض الله علينا من سنة رسول الله) الخ وما هنا أصح وأوضح (2) في اليمنية (انما جاء باباحة المسح من الامدين) (3) في المصرية (وقد وجدنا) (4) في الاصلين (إذا تيمم) وهو خطأ يأباه بساط القول، فان البحث انما هو في المسح لا في التيمم، ولذلك صححناه.

[ 97 ]

وأيضا فانه يلزمهم أن من عليه خمس صلوات نام عنهن ثم استيقظ - وكان قد توضأ ولبس خفيه على طهارة ثم نام - انه يمسح عليهما (1)، فإذا أتمهن لم يجز أن يمسح بعدهن باقى يومه وليلته، وهذا خلاف الخبر، فسقط هذا القول بمخالفته للخبر (2) وتعريه من أن يكون لصحته برهان * ثم نظرنا في قول أحمد فوجدناه يلزمه ان كان انسان فاسق قد توضأ ولبس خفيه على طهارة ثم بقى شهرا لا يصلى عامدا ثم تاب: أن له أن يمسح من حين توبته يوما وليلة أو ثلاثا ان كان مسافرا، وكذلك ان مسح يوما ثم تعمد ترك الصلاة أياما فان له ان يمسح ليلة، وهكذا في المسافر، فعلى هذا يتمادى ماسحا عاما وأكثر، وهذا خلاف نص الخبر، فسقط أيضا هذا القول ولم يبق الا قولنا * فنظرنا فيه فوجدناه موافقا لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي صح عنه، وموافقا لنص الخبر الوارد في ذلك، ولم يبق غيره فوجب القول به، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بأن يمسح يوما وليلة، فله أن يمسح ان شاء، وأن يخلع ما على رجليه، لا بد له من أحدهما، ولا يجزيه غيرهما، وهو عاص لله عزوجل، فاسق ان لم يأت بأحدهما، فان مسح فله ذلك وقد أحسن، وان لم يمسح فقد عصى الله، أو أخطأ (3) ان فعل ذلك ناسيا ولا حرج عليه، وقد مضى من الامد الذى وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، وبقى باقيها فقط، وهكذا ان تعمد أو نسى حتى ينقضى اليوم والليلة للمقيم والثلاثة الايام بلياليهن للمسافر، فقد مضى الوقت الذى وقته له الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس له أن يمسح في غير الوقت الذى أمره الله تعالى بالمسح فيه * فلو كان فرضه التيمم ولم يجد ماء فتيمم ثم لبس خفيه، فله انه يمسح إذا وجد


(1) في اليمنية (يمسح لهن) وفي اليمنية (يمسح عليهن) وكل منهما خطأ، لان المقصود المسح عليهما أي على الخفين، وهذا ظاهر بأدنى تأمل (2) في اليمنية (لمخالفته الخبر) (3) في المصرية (فقد عصى واخطأ) الخ وهو غلط

[ 98 ]

الماء لان التيمم طهارة تامة، قال الله تعالى وقد ذكر التيمم: (ولكن يريد ليطهركم) ومن جازت له الصلاة بالتيمم فهو بلا شك، وإذا كان طاهرا كله فقدماه طاهرتان بلا شك، فقد أدخل خفيه القدمين وهما طاهرتان، فجائز له المسح عليهما الامد المذكور للمسافر، فان لم يجد الماء إلا بعد تمام الثلاث بأيامها من حين أحدث بعد لباس خفيه على طهارة التيمم لم يجز له المسح، لان الامد قد تم وقد كان ممكنا له أن يمسح بنزول مطر أو وجود من معه ماء، وكذلك لو لم يجد الماء الا بعد مضى بعض الامد المذكور، فليس له أن يمسح الا باقي الامد فقط * قال على: فإذا تم حدثه (1) فحينئذ جاز له الوضوء والمسح ولا يبالى بالاستنجاء لان الاستنجاء بعد الوضوء جائز وليس فرضه أن يكون قبل الوضوء ولا بد، لانه لم يأت بذلك أمر في قرآن (2) ولا سنة، وانما هي عين أمرنا بازالتها بصفة ما للصلاة فقط، فمتى أزيلت قبل الصلاة وبعد الوضوء أو قبل الوضوء -: فقد أدى مزيلها ما عليه، وليس بقاء البول في ظاهر الخرت (3) وبقاء النجو في ظاهر المخرج حدثا انما الحدث خروجهما من المخرجين فقط، فإذا ظهرا فانهما خبثان في الجلد تجب إزالتهما للصلاة فقط، فمن حينئذ يعد، سواء كان وقت صلاة أو لم يكن، لان التطهر للصلاة قبل دخول وقتها جائز، وقد يصلى بذلك الوضوء في ذلك الوقت صلاة فائتة، أو ركعتي دخول المسجد، فان كان مقيما فالى مثل ذلك الوقت من الغد ان كان ذلك نهارا، والى مثله من الليلة القابلة ان كان ذلك ليلا، فان انقضى له الامد المذكور وقد مسح أحد خفيه ولم يمسح شيئا من الآخر بطل المسح، ولزمه خلعهما وغسلهما، لانه لم يتم له مسحه إلا في وقت قد حرم عليه فيه المسح، وان كان مسافرا فالى مثل ذلك الوقت من اليوم الرابع ان كان حدثه نهارا أو إلى مثل ذلك الوقت من الليلة الرابعة ان كان ذلك ليلا وبالله تعالى التوفيق *


(1) في اليمنية (وان أتم حدثه) (2) في المصرية (في الفر؟ (3) الخرت بفتح الخاء وضمها مع اسكان الراء فيهما: الثقب في الاذان والابرة وغير ذلك، وفي اليمنية (في ظاهر الحديث) وهو خطأ سخيف ليس له معنى.

[ 99 ]

214 - مسألة - والرجال والنساء (1) في كل ذكرنا سواء، وسفر الطاعة (2) والمعصية في كل ذلك سواء، وكذلك ما ليس طاعة ولا معصية، وقليل السفر وكثيره سواء * برهان ذلك عموم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه، ولو أراد عليه السلام تخصيص سفر من سفر، ومعصية من طاعة، لما عجز عن ذلك، وواهب الرزق والصحة وعلو اليد للعاصي والمرجو للمغفرة له يتصدق عليه من فسح الدين بما شاء، وقولنا هو قول أبى حنيفة * ولا معنى لتفريق من فرق في ذلك بين سفر الطاعة وسفر المعصية -، لا من طريق الخبر ولا من طريق النظر * أما الخبر فالله تعالى يقول: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فلو كان ههنا فرق لما أهمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كلفنا علم ما لم يخبرنا به، ولا ألزمنا العمل بما لم يعرفنا به، هذا أمر قد أمناه ولله الحمد * وأما من طريق النظر فان المقيم قد تكون اقامته اقامة معصية وظلم للمسلمين وعدوانا على الاسلام أشد من سفر المعصية، وقد يطيع المسافر في المعصية في بعض اعماله، وأولها الوضوء الذى يكون فيه المسح (3) المذكور الذي منعوه منه فمنعوه من المسح الذى هو طاعة وأمروه بالغسل الذى هو طاعة أيضا، وهذا فساد من القول جدا، وأطلقوا المسح للمقيم العاصي في اقامته * فان قالوا المسح رخصة ورحمة قلنا ما ما حجر على الله الترخيص للعاصي في بعض أعمال طاعته ولا رحمة الله تعالى له الا جاهل بالله تعالى، قائل بمالا علم له به، وكل سفر تقصر فيه الصلاة فيمسح فيه مسح سفر، وما لا قصر فيه (4) فهو حضر واقامة، لا يمسح فيه (5) الا مسح المقيم وبالله تعالى التوفيق *


(1) في اليمنية سقطت كلمة (والرجال) (2) في اليمنية (وسنن الطاعة) وهو خطأ سخيف (3) في المصرية (يكن) ولحن (4) في اليمنية (وما لا تصرف فيه) وهو خطأ (5) في المصرية (لا يمسح فيها)

[ 100 ]

215 - مسألة - ومن توضأ فلبس أحد خفيه بعد أن غسل تلك الرجل ثم أنه غسل الاخرى بعد لباسه الخف على المغسولة ثم لبس الخف الآخر ثم أحدث فالمسح له جائز كما لو ابتدأ لباسهما بعد غسل كلتي رجليه، وبه يقول أبو حنيفة وداود وأصحابهما، وهو قول يحيى بن آدم وأبي ثور والمزنى، وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: لا يمسح لكن إن خلع التي لبس أولا ثم أعادها من حينه فان له المسح * قال على كلا القولين عمدة أهله علي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعهما فانى أدخلتهما طاهرتين) فوجب النظر في أي القولين هو أسعد (1) بهذا القول، فوجدنا من طهر احدى رجليه ثم ألبسها الخف فلم يلبس الخفين، انما لبس الواحد، ولا أدخل القدمين الخفين، انما أدخل القدم الواحدة فلما طهر الثانية ثم ألبسها الخف الثاني صار حيئنذ مستحقا لان يخبر عنه أنه ادخلهما طاهرتين (2) ولم يستحق هذا الوصف قبل ذلك، فصح أن له أن يمسح، ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذهب إليه مالك والشافعي لما قال هذا اللفظ، وانما كان يقول: دعهما فانى ابتدأت أدخالهما في الخفين بعد تمام طهارتهما جميعا فإذ لم يقل عليه السلام هذا القول فكل من صدق الخبر عنه بأنه أدخل قدميه جميعا في الخفين وهما طاهرتان فجائز له أن يمسح إذا أحدث بعد الادخال، وما علمنا خلع خف وإعادته في الوقت يحدث طهارة لم تكن، ولا حكما في الشرع لم يكن، فالموجب له مدع بلا برهان. وبالله تعالى التوفيق * - 216 - مسألة فان كان في الخفين أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولا أو عرضا فظهر منه (3) شئ من القدم أقل القدم أو أكثرها أو كلاهما: - فكل ذلك سواء والمسح على كل ذلك جائز، مادام يتعلق بالرجلين منهما شئ، وهو قول سفيان الثوري وداود وأبى ثور واسحاق بن راهويه ويزيد بن هارون (4) *


(1) في المصرية (أبعد) وهو خطأ (2) في اليمنية (طاهرتان) وهو لحن (3) في اليمنية (يظهر منه) (4) هو يزيد بن هرون الواسطي أبو خالد أحد الاعلام الحفاظ المشاهير، مات سنة 206 في خلافة المأمون، ووقع في المصرية (زيد بن هرون) وهو خطأ

[ 101 ]

قال أبو حنيفة: ان كان واحد من الخفين خرق عرضا يبرز من كل خرق أصبعان فأقل أو مقدار أصبعين فأقل: جاز المسح عليهما فان ظهر من أحدهما دون الآخر ثلاثة أصابع أو مقدارها فأكثر لم يجز المسح عليهما قال: فان كان الخرق طويلا مما لو فتح ظهر أكثر من ثلاثة أصابع جاز المسح وقال مالك: ان كان الخرق يسيرا لا يظهر منه القدم جاز المسح، وان كان كبيرا فاحشا لم يجز المسح عليهما، فيهما كان أو في أحدهما * وقال الحسن بن حي والشافعي وأحمد: ان ظهر من القدم شئ من الخرق لم يجز المسح عليهما، فان لم يظهر من الخرق شئ من القدم جاز المسح عليهما * قال الحسن بن حي: فان كان من تحت الخرق قل أم كثر جورب يستر القدم جاز المسح * وقال الاوزاعي: ان انكشف من الخرق في الخف شئ من القدم مسح على الخفين وغسل ما انكشف من القدم أو القدمين وصلى، فان لم يغسل ما ظهر أعاد الصلاة * قال على: فلما اختلفوا وجب أن ننظر ما احتجت به كل طائفة لقولها، فوجدنا قول مالك لا معنى له، لانه منع من المسح في حال ما وأباحه في حال أخرى ولم يبين لمقلديه ولا لمريدي معرفة قوله ولا لمن استفتاه: ما هي الحال التى حل فيها المسح؟ ولا ما الحال الذي يحرم فيها المسح؟ فهذا إنشاب (1) للمستفتي فيما لا يعرف، وأيضا فانه (2) قول لا دليل على صحته، ودعوى لا برهان عليها، فسقط هذا القول * ثم نظرنا في قول أبى حنيفة فكان تحكما بلا دليل، وفرقا بلا برهان، لا يعجز عن مثله أحد، ولا يحل القول في الدين بمثل هذا وأيضا فالاصابع تختلف في الكبر


(1) بكسر الهمزة واسكان النون وبالشين المعجمة، من (نشب) الشئ في الشئ - من باب طرب) علق فيه وانشبته أنا فيه انشابا أي أعلقته فانتشب. والمعنى انه لم يفت السائل بفتوى قاطعة، بل جعله مترددا معلقا فيما يجهل * (2) في المصرية (فانها) وهو خطأ

[ 102 ]

والصغر تفاوتا شديدا، فليت شعري أي الاصابع أراد! وما نعلم أحدا سبقه إلى هذا القول مع فساده، فسقط أيضا هذا القول بيقين * ثم نظرنا في قول الحسن بن حي والشافعي وأحمد فوجدنا حجتهم أن فرض الرجلين الغسل إن كانتا مكشوفتين أو المسح ان كانتا مستورتين، فإذا انكشف شئ منهما وان قل فقد انكشف شئ فرضه الغسل، قالوا: ولا يجتمع غسل ومسح في رجل واحدة، وما نعلم لهم حجة غير هذا * قال على: كل ما قالوه صحيح، إلا قولهم إذا انكشف من القدم شئ فقد انكشف شئ فرضه الغسل، فانه قول غير صحيح، ولا يوافقون عليه، إذ لم يأت به قرآن ولا سنة ولا إجماع، لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين اللتين ليس عليهما شئ ملبوس يمسح عليه أن يغسلا، وحكمهما إذا كان عليهما شئ ملبوس أن يمسح على ذلك الشئ، بهذا جاءت السنة، (وما كان ربك نسيا) وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمر بالمسح على الخفين وما يلبس في (1) الرجلين ومسح على الجوربين أن من الخفاف والجوراب وغير ذلك مما يلبس على الرجلين المخرق خرقا فاحشا أو غير فاحش، وغير المخرق، والاحمر والاسود والابيض، والجديد والبالي، فما خص عليه السلام بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكم ذلك في الدين يختلف (2) لما أغفله الله تعالى أن يوحى به، ولا أهمله رسول الله صلى الله عليه وسلم المفترض عليه البيان، حاشا له من ذلك، فصح أن حكم ذلك المسح على كل حال، والمسح لا يقتضى الاستيعاب في اللغة التى بها خوطبنا، وهكذا روينا عن سفيان الثوري أنه قال: امسح مادام يسمى خفا، وهل كانت خفاف (3) المهاجرين والانصار إلا مشققة مخرقة ممزقة؟! * وأما قول الاوزاعي فنذكره إن شاء الله تعالى في المسألة التالية لهذه وبالله تعالى نتأيد *


(1) في المصرية (وما يلبس الرجلين) (2) في المصرية (مختلف) وهو خطأ (3) في اليمنية (اخفاف)) وهو جائز، وكلاهما جمع خف

[ 103 ]

217 - مسألة - فان كان الخفان (1) مقطوعين تحت الكعبين فالمسح جائز عليهما، وهو قول الاوزاعي، روى عنه انه قال: يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين، وقال غيره لا يمسح عليهما إلا أن يكونا فوق الكعبين. قال على: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الامر بالمسح على الخفين، وأنه مسح على الجوربين، ولو كان ههنا حد محدود لما) همله عليها السلام ولا اغفله، فوجب أن كل ما يقع عليه اسم خف أو جورب أو لبس على الرجلين فالمسح عليه جائز، وقد ذكرنا بطلان قول من قال، إن المسح لا يجوز إلا على ما يستر جميع الرجلين والكعبين وبذلك الدليل يبطل هذا القول الذي لهم في هذه المسألة، لا سيما قول أبى حنيفة المجيز المسح على الخفين اللذين يظهر منهما مقدار أصبعين من كل خف، فانه يلزمه ان ظهر من الكعبين من كل قدم فوق الخف مقدار أصبعين فالمسح جائز والا فلا، وكذلك يلزم المالكيين أن يقولوا ان كان الظاهر من الكعبين فوق الخف يسيرا جاز المسح، وان كان فاحشا لم يجز، وما ندري على م بنوا هذين القولين؟ فانهما لا نص ولا قياس ولا اتباع. وبالله تعالى التوفيق * قال على: وأما قول الاوزاعي في الجمع بين الغسل والمسح في رجل واحدة فقول لا دليل على صحته، لا من نص ولا من إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحكم الرجلين الملبوس عليهما شئ المسح فقط بالسنن الثابتة، فلا معنى لزيادة الغسل على ذلك * 218 - مسألة - ومن لبس خفيه أو جوربيه أو غير ذلك على طهارة ثم خلع أحدهما دون الآخر فان فرضه أن يخلع الآخر ان كان قد احدث ولا بد، ويغسل قدميه، وقد روى المعافى بن عمران (2) ومحمد بن يوسف الفريابى (3) عن سفيان الثوري أنه يغسل الرجل المكشوفة ويمسح على الاخرى المستورة، وروى


(1) في اليمنية (فان كان الخفاف) وهو خطأ (2) في اليمنية (المعافى بن عمرو) وهو خطأ (3) في المصرية (محمدان يوسف) في اليمنية (محمد بن يوسف الغرياني) بالنون وكلاهما خطأ

[ 104 ]

الفضل بن دكين عنه أن ينزع ما على الرجل الاخرى، ويغسلهما، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي * قال على: فنظرنا في ذلك فوجدنا نص حكمه عليه السلام أنه مسح عليهما لانه أدخلهما طاهرتين، وأمره عليه السلام بغسل القدمين المكشوفتين، فكان هذان النصان لا يحل الخروج عنهما، ووجدنا من غسل رجلا ومسح على الاخرى قد عمل عملا لم يأت به قرآن ولا سنة ولا دليل من لفظيهما (1)، ولا يجوز في الدين إلا ما وجد في كلام الله تعالى أو كلام نبيه عليه السلام، فوجب أن لا يجزئ غسل رجل ومسح على الاخرى، وأنه لا بد من غسلهما أو المسح عليهما، سواء في ذلك في الابتداء أو بعد المسح عليهما * وقد حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث قال: ثنا أبو عيسى بن أبى عيسى ثنا أحمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن عبد الله بن أدريس - هو الاودي - عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبى سعيد - هو المقبري - عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا لبس أحدكم فليبدأ باليمني، وإذا خلعه فليبدأ باليسرى، ولا يمشي في نعل واحدة ولا خف واحدة، ليخلعهما جميعا أو ليمش فيهما جميعا * فأوجب عليه السلام خلعهما ولا بد أو تركهما جيعا، فان خلع إحداهما دون الاخرى فقد عصى الله في إبقائه (2) الذي أبقى، وإذا كان بابقائه عاصيا فلا يحل له المسح على خف فرضه نزعه، فان كان ذلك العلة برجله لم يلزمه في تلك الرجل شئ أصلا، لا مسح ولا غسل، لان فرضه قد سقط * ووجدنا بعص الموافقين لنا قد احتج في هذا بأنه لما لم يجز عند أحد ابتداء الوضوء بغسل رجل ومسح على خف على أخرى لم يجز ذلك بعد نزع أحد الخفين * قال أبو محمد: وهذا كلام فاسد، لان ابتداء الوضوء يرد على رجلين غير طاهرتين، وليس كذلك الامر بعد صحة المسح عليهما بعد ادخالهما طاهرتين، فبين


(1) في اليمنية (لفظهما) (2) في المصرية (في القائه) وهو خطأ

[ 105 ]

الامرين أعظم فرق. وبالله تعالى التوفيق * 219 - مسألة - ومن مسح كما ذكرنا على ما في رجليه ثم خلعهما لم يضره ذلك شيئا، ولا يلزمه إعادة وضوء ولا غسل رجليه، بل هو طاهر كما كان ويصلى كذلك وكذلك لو مسح على عمامة أو خمار ثم نزعهما فليس عليه إعادة وضوء ولا مسح رأسه بل هو طاهر كما كان ويصلى كذلك، وكذلك لو مسح على خف على خف (1) ثم نزع الا على فلا يضره ذلك شيئا، ويصلي كما هو دون أن يعيد مسحا، وكذلك من توضأ أو اغتسل ثم حلق شعره أو تقصص أو قلم أظفاره فهو في كل ذلك على وضوئه وطهارته ويصلي كما هو دون أن يمسح مواضع القص * وهذا قول طائفة من السلف، كما روينا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن هشام بن حسان، وروينا عن سفيان الثوري عن الفضيل (2) بن عمرو عن ابراهيم النخعي: أنه كان يحدث ثم يمسح على جرموقين له من لبود ثم ينزعهما فإذا قام إلى الصلاة لبسهما وصلى * وأما أبو حنيفة فانه قال: من توضأ ثم مسح على خفيه ثم أخرج قدمه الواحدة من موضعها إلى موضع الساق أو أخرح كلتيهما كذلك فقد بطل مسحه، ويلزمه أن يخرج قدميه جميعا ويغسلهما، وكذلك عنده لو أخرجهما بالكل، قال أبو يوسف وكذلك إذا أخرج أكثر من نصف القدم إلى موضع الساق: قال فلو لبس جرموقين على خفين ثم مسح عليهما ثم خلع احد الجرموقين فعليه أن يمسح على الخف الذى كان تحت الجرموق ويمسح أيضا على الجرموق الثاني ولا بد لان بعض المسح إذا انتقض انتقض كله، قال: فلو توضأ ثم جز شعره وقص شاربه وأظفاره فهو على طهارته، وليس عليه أن يمس الماء شيئا من ذلك *


(1) يعنى على خف ملبوس على خف آخر (2) الفضيل بالتصغير وهو الفضيل بن عمرو الفقيمى الثقة مات سنة 110، وفى المصرية (الفضل بن عمر) وفى اليمنية (الفضل بن عمرو) وكلاهما خطأ

[ 106 ]

وأما مالك فأنه قال: من مسح على خفيه ثم خلع أحدهما فانه يلزمه أن يخلع الثاني ويغسل رجليه، وكذلك لو خلعهما جميعا وكذلك من أحرج احدى رجليه (1) أو كلتاهما من موضع القدم إلى موضع الساق فانه يخلعهما جميعا ولا بد ويغسل قدميه فان لم يغسل قدميه في فوره ذلك لزمه ابتداء الوضوء، فلو توضأ و؟؟ بعد ذلك شعره أو قص أظفاره فليس عليه أن يمس شيئا من ذلك الماء (2)، قال فلو أخرج عقيمه (3) أو إحداهما من موضع القدم إلى موضع الساق إلا ان سائر قدميه في موضع القدم فليس عليه أن يخرج رجليه لذلك وهو على طهارته * وقال الشافعي: من خلع أحد خفيه لزمه خلع الثاني وغسل قدميه، فان خلعهما جميعا فكذلك، فلو أخرج رجليه كليهما (4) عن موضعهما ولم يخرجهما ولا شيئا منهما عن موضع ساق الخف فهو على طهارته، ولا شئ عليه حتى يخرج شيئا مما يجب غسله عن جميع الخف، فيلزمه أن يخلعهما. حينئذ ويغسلهما، فان توضأ ثم جز شعره أو قص أظفاره فهو طهارته، وليس عليه أن يمس الماء شيئا من ذلك * وقال الاوزاعي إن خلع خفيه أو جز شعره أو قص اظفاره لزمه ان يبتدئ الوضوء في خلع الخفين وان يمسح على رأسه ويمس الماء موضع القطع من أظفاره في الجز والقص، وهو قول عطاء، وكذلك قال الاوزاعي فيمن مسح على عمامته ثم نزعها فانه يمسح رأسه بالماء * قال على: أما قول أبي يوسف في مراعاة اخراج أكثر من نصف القدم عن موضعها فيلزمه الغسل في رجليه معا أو اخراج نصفها فأقل فلا يلزمه غسل رجليه -: فتحكم في الدين ظاهر وشرع لم يأذن به الله تعالى، ولا أوجبه قرآن ولا سنة، ولا قياس ولا قول صاحب ولا رأى مطرد، لانهم يرون مرة الكثير أكثر من النصف، ومرة الثلث، ومرة الربع ومرة شبرا في شبر، ومرة اكثر من قدر الدرهم، وكل هذا تخليط


(1) في الاصل (أحد رجليه) وهو لحن (2) من أول قوله (وأما مالك) إلى هنا سقط من اليمنية. (3) في اليمنية (فلو أخرج قدميه) (4) في اليمنية (كلاهما) وهو لحن

[ 107 ]

وأما فرق مالك بين اخراج العقب إلى موضع الساق فلا ينتقض المسح وبين اخراج القدم كلها إلى موضع الساق فينتقض المسح -: فتحكم أيضا لا يجوز القول به، ولا يوجبه قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأي مطرد، لانه يرى أن بقاء العقب في الوضوء لا يطهر (1) أن فاعل ذلك لا وضوء له، فان كان المسح قد انتقض عن الرجل بخروجها عن موضع القدم، فلا بد من انتقاض المسح عن العقب بخروجها عن موضعها إلى موضع الساق لا يجوز غير ذلك، وان كان المسح لا ينتقض عن العقب بخروجها إلى موضع الساق فانه لا ينتقض أيضا بخروج القدم إلى موضع الساق كما قال الشافعي * وأما تفريقهم جميعهم بين المسح على الخفين ثم يخلعان فينتقض المسح ويلزم اتمام الوضوء، وبين الوضوء ثم يجز الشعر وتقص الاظفار فلا ينتقض الغسل عن مقص الاظفار ولا المسح على الرأس -: ففرق فاسد (2) ظاهر التناقض ولو عكس إنسان هذا القول فأوجب مسح الرأس على من حلق شعره ومس عجز الاظفار بالماء ولم ير المسح على من خلع خفيه -: لما كان بيهما فرق * قال على: وما وجدنا لهم في ذلك متعلقا أصلا إلا أن بعضهم قال: وجدنا مسح الرأس وغسل القدمين في الوضوء انما قصد به الرأس لا الشعر، وانما قصد به الاصابع لا الاظافر (3)، فلما جز الشعر وقطعت الاظفار بقى الوضوء بحسبه، وأما المسح فانما قصد به الخفان لا الرجلان، فلما نزعا بقت الرجلان لم توضأ فهو يصلى برجلين لا مغسولتين ولا ممسوح عليهما فهو ناقص الوضوء * قال أبو محمد: وهذا لا شئ لانه باطل وتحكم بالباطل، فلو عكس عليه قوله فقيل له: بل المسح على الرأس وغسل الاظفار انما قصد به الشعر والاظفار فقط، بدليل أنه لو كان على الشعر حناء وعلى الاظفار كذلك لم يجز الوضوء، وأما الخفان فالمقصود


(1) في المصرية (لا يظهر) بالظاء المشالة وهو تصحيف (2) في اليمنية (فقول فاسد) (3) في اليمنية لا الاظفار)

[ 108 ]

بالمسح القدمان لا الخفان، لان الخفين لولا القدمان لم يجز المسح عليهما، فصح أن حكم القدمين الغسل، ان كانتا مكشوفتين، والمسح ان كانتا في خفين لما كان: - بين القولين فرق * ثم يقال لهم: هبكم أن الامر كما قلتم، في أن المقصود بالمسح الخفان، وبالمسح في الوضوء الرأس، وبغسل اليدين الاصابع لا الاظفار -: فكان ماذا؟ أو من أين وجب من هذا أن يعاد المسح بخلع الخفين ولا يعاد بحلق الشعر؟ * قال علي: فظهر فساد هذا القول * وأما قولهم: انه يصلى بقدمين لا مغسولتين ولا ممسوح عليهما - فباطل، بل ما يصلى - إلا على قدمين ممسوح على خفين عليهما * قال علي: فبطل هذا القول كما بينا. وكذلك قولهم: يغسل رجليه فقط، فهو باطل متيقن، لانه قد كان باقرارهم قد تم وضوؤه وجازت له الصلاة به ثم أمرتموه بغسل رجليه فقط، ولا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما، إما أن يكون الوضوء الذى قد كان تم قد بطل أو يكون لم يبطل،، فان كان لم يبطل فهذا قولنا، وان كان قد بطل فعليه أن يبتدئ الوضوء، والا فمن المحال الباطل الذي لا يخيل (1): - أن يكون وضوء قد تم ثم ينقض بعضه ولا ينقض بعضه، هذا أمر لا يوجبه نص ولا قياس ولا رأي يصح، فبطلت هذه الاقوال كلها، ولم يبق إلا قولنا أو قول الاوزاعي، فنظرنا في ذلك فوجدنا البرهان قد صح بنص السنة والقرآن على أن من توضأ ومسح على عمامته وخفيه فانه قد تم وضوؤه وارتفع حدثه وجازت له الصلاة، وأجمع هؤلاء المخالفون لنا على ذلك فيمن (2) مسح رأسه وخفيه ثم إنه لما خلع خفيه وعمامته وحلق رأسه أو تقصص وقطع أظفاره: قال قوم: قد انتقض وضوؤه، وقال آخرون: لم ينتقض وضوؤه فنظرنا في ذلك، فوجدنا الحلق وقص الشعر وقص الاظفار، وخلع الخفين والعمامة ليس شئ منه حدثنا، والطهارة لا ينقضها إلا الاحداث، أو نص وارد بانتقاضها، وأنه (3) لم يكن حدث ولا نص ههنا على انتقاض طهارته ولا على انتقاض


(1) في اليمنية (الذى لا يحل) في الاصلين (فيما) وهو خطأ (3) في المصرية (فان لم يكن) وفي اليمنية (وان لم يكن) وكل منهما خطأ يأباه سياق الكلام

[ 109 ]

بعضها فبطل هذا القول، وصح القول بأنه على طهارته، وأنه يصلي ما لم يحدث، ولا يلزمه مسح رأسه ولا أظفاره ولا غسل رجليه ولا إعادة وضوئه، وكان من أوجب الوضوء من ذلك كمن أوجبه من المشى أو من الكلام أو من خلف قميصه ولا فرق. وبالله تعالى التوفيق * 220 - مسألة - ومن تعمد لباس الخفين على طهارة ليمسح عليهما أو خضب رجليه أو حمل عليهما دواء ثم لبسهما ليمسح على ذلك. أو خضب رأسه أو حمل عليه دواء ثم لبس العمامة أو الخمار ليمسح على ذلك: - فقد أحسن. وذلك لانه قد جاء النص باباحة المسح على كل ذلك مطلقا. ولم يحظر عليه شيئا من هذا كله نص: (وما كان ربك نسيا). وبلغنا عن بعض المتقدمين أنه قال: من توضأ ثم لبس خفيه ليبيت (1) فيها ليمسح عليهما، فلا يجوز له المسح. وهذا خطأ لانه دعوى بلا برهان. وتخصيص للسنة بلا دليل. وكل قول لم يصححه النص فهو باطل. وبالله تعالى التوفيق * 221 - مسألة - ومن مسح في الحضر ثم سافر - قبل انقضاء اليوم والليلة أو بعد انقضائهما - مسح أيضا حتى يتم لمسحه في كل ما مسح في حضره وسفره معا ثلاثة أيام بلياليها. ثم لا يحل له المسح فان مسح في سفر ثم أقام أو دخل موضعه ابتدأ مسح يوم وليلة ان كان قد مسح في السفر (2) يومين وليلتين فأقل. ثم لا يحل له المسح فان كان مسح في سفره (3) أقل من ثلاث أيام بلياليها وأكثر من يومين وليلتين مسح باقي اليوم الثالث وليلته فقط. ثم لا يحل له المسح. فان كان قد أتم في السفر مسح ثلاثة أيام بلياليها خلع ولا بد. ولا يحل له المسح حتى يغسل رجليه * برهان ذلك ما قد ذكرناه من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبح المسح الا ثلاثة أيام


(1) في اليمنية (ليثبت) وهو خطأ (2) في اليمنة (في الحضر) وهو خطأ (3) في اليمنية (في سفر)

[ 110 ]

المسافر بلياليها ويوما وليلة للمقيم، فصح يقينا أنه لم يبح لاحد أن يمسح أكثر من ثلاثة أيام بلياليها، لا مقيما ولا مسافرا، وانما نهى عن ابتداء المسح - لاعن الصلاة (1) بالمسح المتقدم - فوجب ما قلنا، فلو مسح في الحضر يوما وليلة ثم سافر ثم رجع قبل أن يتم يوما وليلة في السفر أو بعد أن اتمهما (2) لم يجزله المسح اصلا، لانه لو مسح لكان قد مسح وهو في الحضر اكثر من يوم وليلة، وهذا لا يحل البتة * وقال ابو حنيفة وسفيان: من مسح وهو مقيم فان كان لم يتم يوما وليلة حتى سافر مسح حتى يتم ثلاثة ايام بلياليها من حين أحدث وهو مقيم، فان كان قد أتم يوما وليلة في حضره ثم سافر لم يجز له المسح، ولا بدله من غسل رجليه، قال. فان سافر فمسح يوما وليلة فأكثر ثم قدم أو أقام لم يجز له المسح حتى يغسل رجليه، فلو مسح في سفره أقل من يوم وليلة ثم قدم أو أقام كان له أن يمسح تمام ذلك اليوم والليلة فقط، وليس له أن يستأنف مسح يوم وليلة * وقال الشافعي من مسح في الحضر ثم سافر فان كان قد أتم اليوم والليلة خلع ولا بد، وان كان لم يتم يوما وليلة مسح باقى ذلك اليوم فقط (3) ثم يخلع (4) وكذلك لو مسح في السفر ثم قدم سواء سواء، ان كان مسح في سفره يوما وليلة وقدم أو أقام (5) فانه يخلع ولا بد، وان كان مسح اقل من يوم وليلة في سفرة أثم باقي ذلك اليوم والليلة (6) بالمسح فقط * واختلف أصحابنا، فقال بعضهم كما قلنا، وقال بعضهم: إذا مسح في سفره اقل من ثلاثة ايام بلياليها أو ثلاثة ايام بلياليها لا اكثر وقدم استأنف مسح يوم


(1) في المصرية (عن الصلاة) بحذف (لا) وهو خطأ (2) في اليمنية (أو بعد أن يتمها) (3) من أول قوله (وليس له أن يستأنف) الخ إلى هنا سقط من اليمنية (4) في اليمنية (ثم خلع) (5) في اليمنية (يوما وليلة قدم إذا قام) وهو خطأ لا معنى له (6) كلمة (والليلة) سقطت من اليمنية

[ 111 ]

وليلة، فان لم يزد على ذلك حتى سافر استأنف ثلاثة ايام بلياليها، واحتج هؤلاء بظاهر لفظ الخبر في ذلك * قال على: وظاهر لفظه يوجب صحة قولنا، لان الناس قسمان: مقيم ومسافر، ولم يبح عليه السلام للمسافر الا ثلاثا، ولا أباح للمقيم الا بعض الثلاث، فلم يبح لاحد - لا مقيم ولا مسافر - أكثر من ثلاث، ومن خرج إلى سفر تقصر في مثله الصلاة مسح مسح مسافر، ثلاثا بلياليهن، ومن خرج دون ذلك مسح مسح مقيم، لان حكم هذا البروز (2) حكم الحضر وبالله تعالى التوفيق * 222 - مسألة - والمسح على الخفين وما لبس على الرجلين انما هو على ظاهرهما فقط، ولا يصح معنى لمسح باطنهما الاسفل تحت القدم، ولا لاستيعاب (3) ظاهرهما، وما مسح من ظاهرهما بأصبع أو أكثر أجزأ (4) * برهان ذلك ما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن العلاء ثنا حفص بن غياث الاعمش عن أبى اسحق (5) عن عبد خير عن على قال: (لو كان الدين بالرأى لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر الخفين (6) * وبه يقول أبو حنيفة وسفيان الثوري وداود، وهو قول على بن أبى طالب كما ذكرنا وقيس بن سعد كما روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان الثوري ثنا أبو إسحاق هو السبيعى عن يزيد بن أبي العلاء (3) قال: رأيت قيس بن سعد بال


(1) في المصرية (البزر) وهو خطأ قبيح (2) في المصرية (ولا استيعاب) (3) في المصرية (أجزأهما) وما هنا أحسن (4) في المصرية (عن ابن اسحق) وهو خطأ (5) في سنن أبى داود (ج 1: ص 63) (عن الاعمش) بدل (ثنا الاعمش) وفيه أيضا (على ظاهر خفيه) وهذا الحديث صححه ابن حجر في التلخيص وحسنه في بلوغ المرام (6) هو يزيد بن عبد الله بن الشخير وكنيته أبو العلاء. وفي اليمنية (يزيد ابن العلاء) وهو خطأ

[ 112 ]

ثم أتى رحله فتوضأ ومسح على خفيه على أعلاهما حتى رأيت أثر أصابعه على خفيه. ورويناه عن معمر بن أيوب السختياني قال: رأيت الحسن بال ثم توضأ ثم مسح على خفيه على ظاهرهما مسحة واحدة، فرأيت أثر أصابعه على الخفين. وروينا عن ابن جريج: قلت لعطاء: أمسح على بطون الخفين؟ قال لا الا بظهورهما * قال علي: والمسح لا يقتضى الاستيعاب، فما وقع عليه اسم مسح فقد أدى فرضه، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يجزئ المسح على الخفين إلا بثلاثة أصابع لا بأقل، وقال سفيان وزفر والشافعي وداود: ان مسح باصبع واحدة أجزأه، قال زفر: إذا مسح على (1) أكثر الخفين * قال أبو محمد: تحديد الثلاث أصابع وأكثر الخفين كلام فاسد، وشرع في الدين بارد (2) لم يأذن به الله تعالى * واحتج بعضهم بأنهم قد اتفقوا على أنه إن مسح (3) بثلاث أصابع أجزأه، وان مسح بأقل فقد اختلفوا * قال على: وهذا يهدم عليهم أكثر مذاهبهم، ويقال لهم مثل هذا في فور الوضوء وفى الاستنشاق والاستنثار وفى الوضوء بالنيبذ (4) وغير ذلك، فكيف ولا تحل (5) مرعاة اجماع إذا وجد النص يشهد لقول بعض العلماء (6)! وقد جاء النص بالمسح دون تحديد ثلاثة أصابع أو أقل، (وما كان ربك نسيا) بل هذا الذى قالوا هو إيجاب الفرائض بالدعوى المختلف فيها بلا نص، وهذا الباطل المجمع على أنه باطل (7) *


(1) في اليمنية بحذف (على) (2) كلمة (بارد) زيادة من اليمنية (3) في المصرية (على انه يمسح) وهو خطأ (4) قوله (وفي الوضوء بالنبيذ) سقط من اليمنية (5) في المصرية (فكيف لا تحل) بحذف الواو (6) في المصرية (لقول العلماء) (7) في اليمنية (المجمع على الباطل) وهو خطأ

[ 113 ]

ويعارضون بأن يقال لهم: قد صح اجماعهم على وجوب المسح بأصبع واحدة واختلفوا في وجوب المسح بما زاد، فلا يجب ما اختلف فيه، وانما الواجب ما اتفق عليه، وهذا أصح في الاستدلال إذا لم يوجد لفظ مروى * وقال الشافعي: يستحب مسح ظاهر الخفين وباطنهما، فان اقتصر على ظاهرهما دون الباطن أجزأه، وان اقتصر على الباطن دون الظاهر لم يجزه * قال علي: وهذا (1) لا معنى له إذا كان مسح الاسفل ليس فرضا ولا جاء ندب إليه: - فلا معنى له * وقال مالك: يمسح (2) ظاهرهما وباطنهما، وقال ابن القاسم صاحبه: (3) ان مسح الظاهر دون الباطن أعاد في الوقت، وان مسح الباطن دون الظاهر أعاد أبدا. وقد روينا مسح ظاهر الخفين وباطنهما عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمرو عن معمر عن الزهري * قال على: الاعادة في الوقت على أصول هؤلاء القوم لا معنى لها، لانه (4) ان كان أدى فرض طهارته وصلاته فلا معنى للاعادة، وان كان لم يؤدهما فيلزمه عندهم أن يصلى أبدا * واحتج من رأى مسح باطن الخفين مع ظاهرهما بحديث رويناه من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخفين وأسفلهما) وحديث آخر رويناه عن ابن وهب عن سليمان بن يزيد الكعبي (5) عن عبد الله بن عامر الاسلمي عن ابن شهاب عن المغيرة بن شعبة: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخفين


(1) كلمة (وهذا) سقطت من المصرية خطأ (2) في اليمنية (لا يمسح) وهو خطأ (3) كلمة (صاحبه) سقطت من المصرية (4) في المصرية (لانها) وهو خطأ (5) هو ابن المثنى الكعبي، وهو ضعيف، ووقع في التهذيب في الكنى (ص 12 ج 221) (الكلبى) وهو خطأ، وقد ذكر على الصواب (الكعبي) في الاسماء في التهذيب وفي الميزان وفي لسان الميزان 6: ص 812 و 848

[ 114 ]

وأسفلهما) وآخر رويناه من طريق ابن وهب: حدثني رجل عن رجل من أعين عن أشياخ لهم عن أبى أمامة الباهلى وعبادة بن الصامت: (أنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخفين وأسفلهما) * قال على: هذا كله لا شئ، أما حديث أبي أمامة وعبادة فأسقط من أن يخفى على ذى لب، لانه عمن لا يسمى عمن لا يدرى من هو عمن لا يعرف، وهذا فضيحة * وأما حديثا (1) المغيرة فأحذهما عن ابن شهاب عن المغيرة، ولم يولد ابن شهاب الا بعد موت المغيره بدهر طويل، والثاني مدلس أخطأ فيه الوليد بن مسلم في موضعين، وهذا خبر حدثناه حمام قال ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك ابن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبى قال قال عبد الرحمن بن مهدى عن عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد قال حدثت (2) عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخفين وأسفلهما) فصح أن ثورا لم يسمعه من رجاء بن حيوة، وأنه مرسل لم يذكر فيه المغيرة، وعلة ثالثة وهى أنه لم يسم فيه كاتب المغيرة، فسقط كل ما في هذا الباب. وبالله تعالى التوفيق * 223 - مسألة - ومن لبس على رجليه شيئا مما يجوز المسح عليه على غير طهارة ثم أحدث فلما أراد الوضوء وتوضأ ولم يبق له غير رجليه فجئه خوف شديد لم يدرك معه غسل رجليه بعد نزع خفيه: - فانه ينهض ولا يمسح عليهما، ويصلى كما هو، وصلاته تامة، فإذا أمكنه نزع خفيه ووجد الماء بعد تمام صلاته فقد قال قوم: يلزمه نزعهما وغسل رجليه فرضا، ولا يعيد ما صلى، فان قدر على ذلك قبل أن يسلم بطلت صلاته، ونزع ما على رجليه وغسلهما وابتدأ الصلاة، وقال آخرون قد تم وضوؤه ويصلى بذلك الوضوء ما لم ينتقض بحدث، لا بوجود الماء، وهذا أصح * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد ذكرناه باسناده فيما مضى من كتابنا هذا -: (إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم) وقول الله تعالى:


(1) في المصرية (حديث) بالافراد وهو لحن (2) في اليمنية (حدثنا) وكلاهما مبنى لما لم يسم فاعله

[ 115 ]

(لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فلما عجز هذا عن غسل رجليه سقط حكمهما، وبقى عليه ما قدر عليه من وضوء سائر أعضائه، وإذا كان كذلك فقد توضأ كما أمره الله عزوجل، ومن توضأ كما أمر الله فصلاته تامة * وأما من قال: انه إذا قدر على الماء لزمه انما وضوئه فرضا وقد تمت صلاته، فلو قدر على ذلك في صلاته فقد لزمه فرضا أن لا يتم ما بقى من صلاته الا بوضوء قام، والصلاة لا يحل أن يفرق بين أعمالها بما ليس منها: فقول غير صحيح، ودعوى بلا برهان، بل قد قام البرهان (1) من النص من القرآن والسنة (2) على أنه قد توضأ كما أمر، وقد تمت طهارته، وأن له أن يصلي، فمن الباطل أن يعود عليه حكم الحدث من غير أن يحدث، إلا أن يوجب ذلك نص فيوقف عنده، ولا نص في هذه المسألة يوجب عليه اعادة الوضوء، فلا يلزمه اعادته ولا غسل رجليه، لانه على طهارة تامة، لكن يصلى بذلك الوضوء ما لم يحدث لما ذكرناه * فان قيل: قسنا ذلك على التيمم. قلنا: القياس باطل كله، ومن أين لكم إذا وجب ذلك في التيمم أن يجب في العاجز عن بعض أعضائه؟ فليس بأيديكم غير دعواكم أن هذا وجب في العاجز كما وجب في التيمم، وهذه دعوى مفتقرة إلى برهان، ومن أراد أن يعطى بدعواه فقد أراد الباطل، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه باطلا، لانهم موافقون لنا على أن العاجز عن بعض أعضائه كمن ذهبت رجلاه أو نحو ذلك لا يجوز له التيمم، وأن حكمه انما هو غسل ما بقى من وجهه وذراعيه ومسح رأسه فقط، وعن وضوءه بذلك تام وصلاته جائزة، فلما لم يجعلوا له أن يتيمم لم يجز أن يجعل له حكم التيمم (3) وهذا أصح من قياسهم. والحمد لله رب العالمين *


(1) في المصرية (بل من قام البرهان) وفى اليمنية حذفت هذه القطعة وكل منهما خطأ (2) في المصرية (أو السنة) وهو خطأ (3) في المصرية (لم يجز أن يجعل حكم التيمم) وفى اليمنية (لم يجز أن يجز أن يجعل له التيمم) وكل مهنما خطأ

[ 116 ]

* (كتاب التيمم) * 224 مسألة: لا يتيمم من المرضى الا من لا يجد الماء، أو من عليه مشقة وحرج في الوضوء بالماء أو في الغسل به أو المسافر الذى لا يجد الماء الذى يقدر على الوضوء به أو الغسل به * برهان ذلك قول الله تعالى: (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) فهذا نص ما قلناه واسقاط الحرج، وقال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فالحرج (1) والعسر ساقطان ولله تعالى الحمد سواء زادت علته أو لم تزد وكذلك إن خشى زيادة علته فهو أيضا عسر وحرج، وقال عطاء والحسن. والمريض لا يتيمم أصلا ما دام يجد الماء (2)، ولا يجزيه الا الغسل والوضوء، المجدور وغير المجدور سواء * 225 مسألة: وسواء كان السفر قريبا أو بعيدا سفر طاعة كان أو سفر معصية أو مباحا، هذا مما لا نعلم فيه خلافا (3) الا ان بعض العلماء ذكر قولا لم ينسبه إلى أحد، وهو ان التيمم لا يجوز الا في سفر نقصر فيه الصلاة * قال على ولقد كان يلزم من حد في قصر الصلاة والفطر سفران دون سفر، في بعض المسافات دون بعض، وفى بعض الاسفار دون بعض، وفرق بين سفر الطاعة والمعصية في ذلك (4): أن يفعل ذلك في التيمم، ولكن هذا (5) مما تناقضوا فيه اقبح تناقض، فان ادعوا ههنا اجماعا لزمهم إذ هم أصحاب قياس بزعمهم أن يقيسوا ما اختلف فيهه من صفة السفر في القصر والفطر والمسح على ما اتفق عليه من صفة


(1) في المصرية (والحرج) وما هنا أحسن (2) في المصرية (يجد ماء) (3) في المصرية (مما لا يعلم فيه خلاف) (4) قوله (في ذلك) محذوف من اليمنية (5) في اليمنية (ولكان هذا) وهو خطأ

[ 117 ]

السفر في التيمم، والا فقد تركوا القياس، وخالفوا القرآن والسنن وبالله تعالى التوفيق * 226 مسألة: والمرض هو كل ما أحال الانسان عن القوة والتصرف، هذا حكم اللغة التي بها نزل القرآن وبالله تعالى التوفيق * 227 مسألة: قال على: ويتيمم من كان في الحضر صحيحا إذا كان (1) لا يقدر على الماء الا بعد خروج وقت الصلاة، ولو أنه على شفير البئر والدلو في يده أو على شفير النهر والساقية والعين، الا انه يوقن أنه لا يتم وضوءه أو غسله حتى يطلع أول قرن الشمس، وكذلك المسجون والخائف * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا محمد بن فضيل عن أبى مالك الاشجعى عن ربعى بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضلنا علي الناس بثلاث فذكر فيها: وجعلت لنا الارض مسجدا، وجعلت تربته لنا طهورا إذا لم نجد الماء) * وبه إلى مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا اسماعيل هو ابن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضلت على الانبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لى الغنائم، وجعلت لى الارض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الناس كافة، وختم بى النبيون) فهذا عموم دخل فيه الحاضر والبادى * فان قيل: فان الله تعالى قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ). فلم يبح عزوجل للجنب أن يقرب الصلاة حتى يغتسل أو يتوضأ الا مسافرا، قلنا: نعم، قال الله تعالى هذا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرتم، وقال تعالى


(1) في المصرية إذ كان وهو خطأ

[ 118 ]

(وان كنتم جنبا فاطهروا وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منك من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) فكانت هذه الآية زائدة حكما، وواردة بشرع ليس في الآية التى ذكرتم، بل فيها أباحة أن يقرب الصلاة الجنب دون أن يغتسل، وهو غير عابر سبيل، لكن إذا كان مريضا لا يجد الماء أو عليه فيه حرج وكانت هذه الآية أيضا زائدة حكما على الخبر الذى لفظه (لا تقبل صلاة (1) من أحدث حتى يتوضأ): ثم جاء الخبران اللذان ذكرنا بزيادة (2) وعموم على الآيتين والخبر المذكور، فدخل في هذين الخبرين الصحيح (3) المقيم إذا لم يجد الماء، وكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فرض جمع بعضه إلى بعض وكله من عند الله تعالى * وقولنا هذا هو قول مالك وسفيان والليث: وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتيمم الحاضر، لكن ان لم يقدر على الماء الا حتى يفوت الوقت تيمم وصلى، ثم أعاد ولا بد إذا وجد الماء، وقال زفر: لا يتيمم الصحيح في الحضر البتة وان خرج الوقت، لكن يصبر حتى يخرج الوقت ويجد الماء فيصلى حينئذ * قال على: أما قول أبى حنيفة والشافعي فظاهر الفساد، لانه لا يخلو أمرهما له بالتيمم والصلاة من أن يكونا أمراه بصلاة هي فرض الله تعالى عليه أو بصلاة لم يفرضها (4) الله تعالى عليه، ولا سبيل إلى قسم ثالث فان قال مقلدهما أمراه بصلاة: هي فرض عليه، قلنا فلم (5) يعيدها بعد الوقت ان كان قد أدى فرضه؟ وان قالوا: بل (6) امراه بصلاة ليست فرضا عليه، أقرا بأنهما ألزماه مالا يلزمه، وهذا خطأ، وأما


(1) في المصرية (على الخبر الذي فيه: لا يقبل الله صلاة الخ) (2) في المصرية (زيادة) بحذف الجار وهو خطأ (3) في اليمنية (الصحيحين) على انه وصف للخبرين، والذي هنا أحسن، لان المراد أن الخبرين دخل في عمومهما الشخص الصحيح المقيم. (4) في اليمنية (لم يفترضها) (5) في اليمنية (قلنا: نعم فلم) الخ. (6) في اليمنية بحذف (بل)

[ 119 ]

قول زفر فخطأ، لانه أسقط فرض الله تعالى في الصلاة في الوقت الذى امر الله تعالى بأدائها فيه، والزمه اياها في الوقت الذى حرم الله تعالى تأخيرها إليه * قال أبو محمد: والصلاة فرض معلق بوقت محدود، والتأكيد فيها أعظم من أن يجهله مسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). فوجدنا هذا الذي حضرته الصلاة هو مأمور بالوضوء وبالغسل إن كان جبنا وبالصلاة فإذا عجز عن الغسل والوضوء سقطا عنه، وقد نص عليه السلام على أن الارض طهور (1) إذا لم يجد (2) الماء وهو غير قادر عليه، فهو غير باق عليه (3) وهو قادر على الصلاة فهى باقية عليه، وهذا بين. والحمد لله رب العالمين * 228 مسألة والسفر الذى يتيمم فيه هو الذى يسمى عند العرب سفرا، سواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو مما لا تقصر فيه الصلاة، وما كان دون ذلك مما لا يقع عليه اسم السفر من البروز عن المنازل فهو في حكم الحاضر، فاما المسافر سفرا يقع عليه سفر والمريض الذى له التيمم فالافضل لهما أن يتيمما في أول الوقت، سواء رجوا الماء (4) أو أيقنا بوجوده قبل خروج الوقت، أو أيقنا أنه لا يوجد حتى يخرج الوقت، وكذلك رجاء الصحة ولا فرق، وأما الحاضر الصحيح ومن له حكم الحاضر فلا يحل له التيمم إلا حتى يوقن بخروج الوقت قبل إمكان الماء * برهان ذلك ان النص ورد في المسافر الذى لا يجد الماء، وفى المريض كذلك وفى المريض ذى الحرج، وكان البدار إلى الصلاة أفضل، لقول الله تعالى (سارعوا


(1) في اليمنية (طهورا) بالنصب وهو لحن (2) في المصرية (نجد) بالنون وهو خطأ (3) في المصرية (وهو قادر عليه فهو باق عليه) وفى اليمنية (وهو قادر عليه فهو غير باقي عليه) وكل منهما خطأ يأباه سياق الكلام والزام الحجة كما هو واضح (4) في المصرية (رجوا من الماء)

[ 120 ]

إلى مغفرة من ربكم) وأما الحاضر فلا خلاف من أحد في انه ما دام يرجو بوجود الماء قبل خروج الوقت فانه لا يحل له التيمم، وما أبيح له التيمم عند تيقن خروج (1) الوقت إلا باختلاف، ولولا النص ما حل له * وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يتيمم المسافر إلا في آخر وقت الصلاة، إلا انه قد روى عنه ان هذا انما هو مادام يطمع في الماء فان لم يرج به (2) فليتيمم في اول الوقت، وقال سفيان: يؤخر المسافر التيمم إلى آخر الوقت لعله يجد الماء، وهو قول احمد بن حنبل، وروى أيضا عن علي وعطاء، وقال مالك مرة: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت، وقال مرة: إن ايقن بوجود الماء قبل خروج وقت الصلاة فانه يؤخر التيمم إلى آخر الوقت، فان وجد الماء والا تيمم وصلى، وان كان طامعا في وجود (3) الماء قبل خروج الوقت أخر التيمم إلى وسط الوقت، فيتيمم في وسطه ويصلي، وان كان موقتا انه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت فيتيمم في اول الوقت ويصلي، وقال الاوزاعي: كل ذلك سواء * قال على: التعلق بتأخير التيمم لعله يجد الماء لا معنى له، لانه لا نص ولا إجماع على ان عمل المتوضئ افضل من عمل المتيمم، ولا على ان صلاة المتوضئ افضل ولا اتم من صلاة المتيمم (4) وكلا الامرين طهارة تامة، وصلاة تامة، وفرض في حالة فإذ ذلك كذلك فتأخير الصلاة رجاء وجود الماء ترك للفضل في البدار إلى افضل الاعمال بلا معنى، وقد جاء مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر وغيره * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا


(1) في اليمنية (عند خروج) بحذف (تيقن) (2) في المصرية (فان لم يرج فيه) (3) في المصرية (بوجود) (4) في اليمنية (ولا على أن صلاة المتيمم أفضل ولا أتم من صلاة المتوضى) وما هنا أحسن

[ 121 ]

البخاري ثنا يحيى بن بكير (1) (قال حدثنا الليث) (2) عن جعفر بن ربيعة عن الاعرج قال: سمعت عميرا مولى ابن عباس قال: اقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلنا على أبى جهيم بن الحارث بن الصمة الانصاري قال: (اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي (3) صلى الله عليه وسلم حتى اقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام * وروينا عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الانصاري عن نافع: ان ابن عمر تيمم ثم صلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد، وعن مالك عن نافع: انه اقبل مع ابن عمر من الجرف فلما أتى المربد لم يجد ماء فنزل فتيمم بالصعيد وصلى ثم لم يعد تلك الصلاة * قال على: وهو قول داود وأصحابنا * وقال محمد بن الحسن: أما المسافر فان كانا الماء منه على أقل من ميل طلبه وان خرج الوقت، فان كان على ميل لم يلزمه طلبه وتيمم، قال: وأما من خرج من مصره غير مسافر فان كان بحيث لا يسمع حس الناس واصواتهم تيمم * قال على: وهذه أقوال نحمد الله على السلامة منها ومن مثلها * 229 - مسألة - ومن كان الماء منه قريبا إلا انه يخاف ضياع رحله أو فوت الرفقة أو حال بينه وبين الماء عدو ظالم أو نار أو أي خوف كان في القصد إليه مشقة ففرضه التيمم. برهان ذلك قول الله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) وكل هؤلاء لا يجدون ماء يقدرون على الطهارة به * 230 - مسألة فان طلب بحق فلا عنه له في ذلك، ولا يجزيه التيمم، لان فرضا عليه أن لا يمتنع من كل حق قبله لله تعالى أو لعباده، فان امتنع فهو عاص.


(1) في المصرية (يحيى بن بكر) وهو خطأ (2) في الاصلين (يحيى بن بكير عن جعفر) باسقاط (قال حدثنا الليث) وهو خطأ، صححناه من البخاري (ج 1: ص 52) ومن كتب الرجال (3) في اليمنية (فلم يرد النبي) بحذف (عليه) وما هنا هو الصحيح الموافق للبخاري

[ 122 ]

قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى كل ذى حق حقه. وبالله تعالى التوفيق * 231 - مسألة - فلو كان على بئر يراها ويعرفها في سفر وخاف فوات أصحابه (1) أو فوت صلاة الجماعة أو خروج الوقت: تيمم واجزأه لكن يتوضأ لما يستأنف، لان كل هذا عذر مانع من استعماله الماء، فهو غير واجد الماء يمكنه (2) استعماله بلا حرج * 232 - مسألة - ومن كان الماء في رحله (3) فنسيه أو كان بقربه بئر أو عين لا يدري بها فتيمم وصلى أجزأه، لان هذين غير واجدين للماء، ومن لم يجد الماء تيمم بنص كلام الله تعالى، وهذا قول أبي حنيفة وداود، وقال مالك: يعيد في الوقت ولا يعيد ان خرج الوقت. وقال أبو يوسف والشافعي: يعيد أبدا. وقال ابو يوسف: ان كانت البئر منه على رمية سهم أو نحوها وهو لا يعلم بها أجزأه التيمم، فان كان على شفيرها أو بقربها وهو لا يعلم بها لم يجزه التيمم (4) * 233 - مسألة - وكل حدث ينقض الوضوء فانه ينقض التيمم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الاسلام 234 - مسألة - وينقض التيمم أيضا وجود الماء، وسواء وجده في صلاة أو بعد أن صلى أو قبل أن يصلى، فان صلاته التي هو فيها تنتقض لا نتقض طهارته، ويتوضأ أو يغتسل، ثم يبتدئ الصلاة، ولا قضاء عليه فيما قد صلى بالتيمم * ولو وجد الماء أثر سلامه منها، الخلاف في هذا في ثلاث مواضع * أحدها خلاف قديم في أن الماء (5) إذا وجد لم يكن على المتيمم الوضوء به ولا الغسل ما لم يحدث منه ما يوجب الغسل أو الوضوء *


(1) في اليمنية (فوت أصحابه) (2) في اليمنية (فهو غير واجد لا يمكنه) الخ (3) في المصرية (في خرجه) وهي كلمة عامية من أغلاط الناسخين (4) في اليمنية (لم يضره التيمم) وهو خطأ (5) في اليمنية (خلاف قديم فان الماء) وهو خطأ ظاهر

[ 123 ]

وروينا ذلك عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: إذا كنت جنبا في سفر فتمسح ثم إذا وجدت الماء فلا تغتسل من جنابة ان شئت، قال عبد الحميد: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: ما يدريه؟ إذا وجدت الماء فاغتسل. وباحداث الغسل والوضوء يقول جمهور المتأخرين * وكان من حجة من لا يرى تجديد الوضوء والغسل أن قال: التيمم طهارة صحيحة، فإذ ذلك كذلك فلا ينقضها الا ما ينقض الطهارات، وليس وجود الماء حدثا، فوجود الماء لا ينقض طهارة التيمم * قال على. وكان هذا قولا صحيحا لو لا (1) ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله قال ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيي بن سعيد - هو القطان - ثنا عوف - هو ابن أبي جميلة - ثنا أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر) فذكر الحديث وفيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، فلما انفتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: (عليك بالصعيد فانه يكفيك) ثم ذكر في حديثه ذلك أمر الماء الذي أحدثه الله تعالى آية لنبيه عليه السلام قال: - (وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة اناء من ماء، وقال: إذهب فأفرغه عليك) * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا ابراهيم ابن اسحق النيسابوري ببغداد ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبى ثنا اسماعيل بن مسلم (2) ثنا أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: (كنت مع رسول


(1) في اليمنية (وهذا قول صحيح لولا) الخ (2) في اليمنية (ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا اسمعيل بن مسلم) بحذف والد ابن نمير من الاسناد وهو خطأ، واسمعيل بن مسلم ضعيف من قبل حفظه وكان صدوقا يكثر الغلط، وقال ابن معين: ليس بشئ

[ 124 ]

الله صلى الله عليه وسلم وفى القوم جنب، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فتيمم وصلى، ثم وجدنا الماء بعد فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل ولا يعيد الصلاة) وقد ذكرنا حديث حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لنا الارض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء). فصح بهذه الاحاديث أن الطهور بالتراب انما هو ما لم يوجد الماء، وهذا لفظ يقتضي أن لا يجوز التطهر (1) بالتراب الا إذا لم يوجد (2) الماء ويقتضى أن لا يصح طهور بالتراب الا ان لا نجد (3) الماء الا لمن أباح له ذلك نص آخر. وإذا كان هذا فلا يجوز أن يخص بالقبول أحد المعنيين دون الآخر، بفرض العمل بهما معا، وصحح (4) هذا أيضا أمره عليه السلام المجنب بالتيمم بالصعيد والصلاة، ثم أمره عند وجود الماء بالغسل فصح ما قلناه نصا والحمد لله * والموضع الثاني: ان وجد الماء بعد الصلاة (5) أيعيدها أم لا؟ فقال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والشعبي والحسن وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إنه يعيد مادام (6) في الوقت: رويناه من طريق معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحى (7) عن أبى سلمة، وعن طريق حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن، ومن طريق الحجاج بن المنهال عن سفيان الثوري عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة (8) عن سعيد بن المسيب، ومن طريق وكيع عن زكريا بن أبى زائدة عن الشعبى، ومن طريق سفيان الثوري عن ليث بن أبى سليم عن عطاء، ومن طريق الحسن بن صالح عن العلاء بن المسيب عن طاوس *


(1) في اليمنية (التطهير) (2) في اليمنية (نجد) (3) في اليمنية (يوجد) (4) في اليمنية (وصح) وهو خطأ (5) في اليمنية (يعيد الصلاة) وهو خطأ (6) في اليمنية (يعيدها دام) وهو خطأ وتصحيف (7) بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة، وهو ضعيف، وفي اليمنية (الحشى) بالحاء المهملة والشين وهو خطأ. (8) في اليمنية (عبد الحميد بن جبير بن أبي شيبة) وهو خطأ

[ 125 ]

وقال مالك: المسافر والمريض والخائف يتيممون في وسط الوقت، فان تيمموا وصلوا ثم وجدوا الماء في الوقت فان المسافر لا يعيد، وأما المريض والخائف فيعيدان الصلاة * قال على: أما قول مالك فظاهر الخطأ في تفريقه بين المريض والخائف وبين المسافر لان المريض الذى لا يجد الماء مأمور بالتيمم والصلاة، كما أمر به المسافر في آية واحدة ولا فرق وأما المريض والخائف المباح لهما التيمم لرفع الحرج والعسر فكذلك أيضا، وكل من ذكرنا (1) فلم يأت بالفرق بين أحد منهم في ذلك قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأى له وجه، نعم، ولا نعلم أحدا قاله قبل مالك، فسقط هذا القول جملة، ولم يبق إلا قول من قال: يعيد الكل، وقول من قال: لا يعيد، فنظرنا، فوجدنا كل من ذكرنا (2) مأمورا بالتيمم بنص القرآن، فلما صلوا كانوا لا يخلون من أحد وجهين: إما ان يكونوا صلوا كما أمروا، أو لم يصلوا كما أمروا، فان قالوا: لم يصلوا كما أمروا، قلنا لهم: فهم إذا منهيون عن التيمم والصلاة ابتداء، لابد من هذه! وهذا لا يقوله أحد، ولو قاله لكان مخطئا مخالفا للقرآن والسنن والاجماع، فإذ قد سقط (3) هذا القسم بيقين فلم يبق الا القسم الثاني، وهو انهم قد صلوا كما أمروا فإذ قد صلوا كما أمروا (4) فلا تحل لهم اعادة صلاة واحدة في يوم مرتين، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا بذلك عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا أبو كامل ثنا يزيد - يعني ابن زريع - (5) ثنا حسين - هو المعلم (6) عن عمرو بن شعيب عن سليمان بن يسار مولى ميمونه قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون فقال: انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصلوا صلاة


(1) في المصرية (وكل ما ذكرنا) وما هنا أحسن (2) في اليمنية (فوجدنا لكل من ذكرنا) وهو خطأ (3) في اليمنية (فان قد سقط) وهو خطأ (4) في اليمنية (فان صلوا) وهو خطأ (5) في المصرية (زريعة) وهو خطأ (6) في اليمنية (هو العلم) وهو تصحيف

[ 126 ]

في يوم مرتين). فسقط الامر بالاعادة جملة. والحمد لله رب العالمين * والثالث من رأي الماء وهو في الصلاة، فأن مالكا والشافعي وأحمد بن حنبل وأبا ثور وداود قالوا: ان رأى الماء وهو في الصلاة فليتماد على صلاته ولا يعيدها، ولا تنتقض طهارته بذلك، وان رآه بعد الصلاة فليتوضأ وليغتسل ولا بد، لا تجزيه صلاة مستأنفة الا بذلك، وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والاوزاعي: سواء وجد الماء في الصلاة أو بعد الصلاة يقطع الصلاة ولا بد، ويتوضأ أو يغتسل ويبتديها، وأما إن رآه بعد الصلاة فقد تمت صلاته تلك، ولا بد له من الطهارة بالماء لما يستأنف لا تجزيه صلاة يستأنفها الا بذلك * قال على: فلما اختلفوا نظرنا في ذلك، فوجدنا حجة من فرق بين وجود الماء في الصلاة ووجوده بعد الصلاة ان قالوا: قد دخل في الصلاة كما أمر، فلا يجوز له ان ينقضها الا بنص أو إجماع * قال أبو محمد: لا نعلم (1) لهم حجة غير هذه، ولا متعلق لهم بها، لانه - وان كان قد دخل في الصلاة كما أمره الله تعالى - فلا يخلو وجود الماء من أن يكون (2) ينقض الطهارة ويعيده في حكم المحدث أو المجنب، أو يكون لا ينقض الطهارة ولا يعيده في حكم المجنب أو المحدث (3) فان قالوا: لا ينقض الطهارة ولا يعيده مجنبا ولا محدثا، فهذا جواب أبى سليمان وأصحابنا، قلنا: فلا (4) عليكم، أنتم مقرون بأنه مع ذلك مفترض عليه الغسل أو الوضوء متي وجد الماء بلا خلاف منكم، فمن قولهم: نعم، فقلنا لهم: فهو مأمور بذلك في حين وجوده في الصلاة وغير الصلاة بنص مذهبنا ومذهبكم في البدار إلى ما أمرنا به، فان قالوا: ليس مأمورا بذلك في الصلاة لشغله بها، قلنا: هذا فرق لا دليل عليه، ودعوى بلا برهان فإذ هو مأمور بذلك في الصلاة وغير الصلاة فقد صبح إذ هو مأمور بذلك في الصلاة ان أمركم بالتمادي على


(1) في اليمنية (ما نعلم) (2) في اليمنية (فلا يخلوا وجوده من الماء أن يكون) وهو خطأ (3) هذا الشق الثاني محذوف من اليمنية (4) في اليمنية (فلا حجة عليكم) وهو خطأ

[ 127 ]

ترك استعمال الماء خطأ، لانه على أصلكم لا تنتقض بذلك صلاته، فكان اللازم على أصولكم أن يستعمل الماء ويبني على ما مضى من صلاته كما تقولون في المحدث ولا فرق، وهم لا يقولون هذا، فسقط قولهم * وأما المالكيون والشافعيون فجوابهم أن وجود الماء ينقضى الطهارة ويعيد التيمم مجنبا ومحدثا في غير الصلاة، ولا ينقض الطهارة في الصلاة * قال على: فكان هذا قولا ظاهر الفساد ودعوي عارية عن الدليل، وما جاء قط في قرآن ولا سنة ولا في قياس ولا في رأي له وجه ان شيئا يكون حدثا في غير الصلاة ولا يكون حدثا في الصلاة والدعوى لا يعجز عنها أحد، وهى باطل ما لم يصححها برهان من قرآن أو سنة، لا سيما قولهم: أن وجود المصلى (1) الماء في حال صلاته لا ينقض صلاته، فإذا سلم انتقضت طهارته بالوجود الذي كان في الصلاة، وان لم يتماد ذلك الوجود إلى بعد الصلاة، فذا أطرف (2) ما يكون! شئ ينقض الطهارة إذا عدم ولا ينقضها إذا وجد! وهم قد انكروا هذا بعينه على أبى حنيفة في قوله: ان القهقهة تنقض الوضوء في الصلاة ولا تنقضها في غير الصلاة * قال على: فإذ قد ظهر ايضا فساد هذا القول فقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان التراب طهور ما لم يوجد الماء) فصح ان لا طهارة تصح بتراب مع وجود الماء إلا لمن اجازه له النص من المريض الذي عليه من استعماله حرج، فإذ ذلك كذلك فقد صح بطلان طهارة المتيمم إذا وجد الماء في صلاة كان أو في غير صلاة، وصح قول سفيان ومن وافقه، الا ان ابا حنيفة تناقض ههنا في موضعين احدهما انه يرى لمن احدث مغلوبا ان يتوضأ ويبنى، وهذا احدث مغلوبا، فكان الواجب على أصله أن يأمره بأن يتوضأ ويبنى والثانى: أنه يرى السلام من الصلاة ليس فرضا، وأن من قعد في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت صلاته، وانه ان احدث عامدا أو ناسيا فقد صحت صلاته


(1) في اليمنية (ان وجد المصلى) (2) بالطاء المهملة / وفي المصرية بالمعجمة وهو تصحيف.

[ 128 ]

ولا اعادة عليه، ثم رأى ههنا انه وان قعد في آخر صلاته مقدار التشهد ثم وجد الماء وان لم يسلم فان صلاته تلك قد بطلت، وكذلك طهارته وعليه أن يتطهر ويعيدها أبدا، وهذا تناقض في غاية القبح والبعد عن النصوص والقياس وسداد الرأي، وما علمنا هذه التفاريق لاحد قبل أبى حنيفة * 235 - مسألة: والمريض المباح له التيمم مع وجود الماء بخلاف ما ذكرنا، فان صحته لا تنتقض طهارته * برهان ذلك ان الخبر الذي أتبعنا انما جاء فيمن لم يجد الماء، (1) فهو الذي تنتقض طهارته بوجود الماء، وأما من أمره الله تعالى بالتيمم والصلاة مع وجود الماء فان وجود الماء قد صح يقينا انه لا ينقض طهارته بل هي صحيحة مع وجود الماء فإذ ذاك كذلك فان الصحة ليست حدثا أصلا، إذ لم يأت بأنها حدث لا قرآن ولا سنة، فان قالوا: قسنا المريض على المسافر. قلنا: القياس كله بأطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لانه قياس الشئ على ضده، وهذا باطل عند أصحاب القياس، وهو قياس واجد الماء على عادمه، وقياس مريض على صحيح، وهم لا يختلفون أن احكامهما في الصلاة وغيرها تختلف وبالله تعالى التوفيق * 236 - مسألة: والمتيمم يصلى بتيممه ما شاء من الصلوات الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيممه بحدث أو بوجود الماء، وأما المريض فلا ينقض (2) طهارته بالتيمم الا ما ينقض الطهارة من الاحداث فقط، وبهذا يقول أبو حنيفة وسفيان الثوري والليث بن سعد وداود * وروينا (3) أيضا عن حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: يصلى الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لم يحدث، وعن معمر قال سمعت الزهري يقول: التيمم بمنزلة الماء، يقول يصلى به ما لم يحدث، وعن قتادة عن سعيد ابن المسيب قال: صل بتيمم واحد الصلوات كلها ما لم تحدث، هو بمنزلة الماء. وهو


(1) في المصرية (في من لا يجد الماء) (2) في الماء (تنقض) وهو خطأ (3) في اليمنية (ورويناه)

[ 129 ]

قول يزيد بن هارون ومحمد بن على بن الحسين (1) وغيرهم * وقال مالك: لا يصلى صلاتا فرض بتيمم واحد وعليه أن يتيمم لكل صلاة، فان تيمم وتطوع بركعتي الفجر أو غيرهما (2) فلا بدله من أن يتيمم تيمما آخر للفريضة فلو تيمم ثم صلى الفريضة جاز له أن يتنفل بعدها بذلك التيمم * وقال الشافعي يتيمم لكل صلاة فرض ولا بد، وله أن يتنفل قبلها وبعدها بذلك التيمم * وقال شريك يتيمم لكل صلاة، وروى مثل قول شريك عن ابراهيم النخعي والشعبى وربيعة وقتادة ويحيى بن سعيد الانصاري، وهو قول الليث بن سعد واحمد واسحاق * وقال أبو ثور: يتيمم لكل وقت صلاة فرض الا أنه يصلى الفوائت من الفروض كلها بتيمم واحد * قال على: أما قول مالك فلا متعلق له بحجة أصلا، لا بقرآن ولا بسنة صحيحة ولا سقيمة ولا بقياس، ولا يخلو التيمم من أن يكون طهارة أولا طهارة، فان كان طهارة، فيصلى بطهارته (3) ما لم يوجب نقضها قرآن أو سنة، وان كان ليس طهارة فلا يجوز له أن يصلى بغير طهارة * وقال بعضهم: ليس طهارة تامة ولكنه استباحة للصلاة * قال على: وهذا باطل من وجوه: أحدها أنه قول بلا برهان، وما كان


(1) في اليمنية (ومحمد بن على بن الحسن) وهو خطأ، لان المراد هنا أبو جعفر الباقر محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب وكان من التابعين من فقهاء أهل المدينة. مات سنة 114 أو سنة 117 (2) في المصرية (وتطوع بركعتي الفجر وغيرهما) وفي اليمنية (وتطوع ركعتي الفجر أو غيرهما) فجمعنا بين النسختين بزيادة الباء والهمزة لتكون العبارة أصح من كل منهما (3) في المصرية (فبطل بطهارته) وهو خطأ

[ 130 ]

هكذا فهو باطل. والثانى أنه قول يكذبه القرآن، قال الله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) فنص تعالى على أن التيمم طهارة من الله تعالى. والثالث أنه تناقض منهم لانهم قالوا: ليس طهارة تامة ولكنه استباحة للصلاة، وهذا كلام ينقض أوله آخره لان الاستباحة للصلاة لا تكون الا بطهارة، فهو اذن طهارة لا طهارة. والرابع أنه هبك أنه كما قالوا استباحة للصلاة، فمن أين لهم أن لا يستبيحوا بهذه الاستباحة الصلاة الثانية كما استباحوا به الصلاة الاولى؟! ومن أين وجب ان يكون استباحة للصلاة الاولى دون ان يكون استباحة للثانية؟! * وقالوا: ان طلب الماء ينقض طهارة المتيمم وعليه ان يطلب الماء لكل صلاة قلنا لهم: هذا باطل، أول ذلك ان قولكم: ان طلب الماء ينقض طهارة المتيمم دعوى كاذبة بلا برهان، وثانية أن قولكم: ان عليه طلب الماء لكل صلاة باطل، وأى ماء (1) يطلب؟ وهو قد طلبه وأيقن أنه لا يجده؟! ثم لو كان كذلك، فأي ماء يطلبه المريض الواجد الماء؟ فظهر فساد هذا القول جملة، لا سيما قول مالك في بقاء الطهارة بعد الفريضة للنوافل وانتقاض الطهارة بعد النافلة للفريضة، وبعد الفريضة للفريضة، وطلب الماء على قولهم يلزم للنافلة ولا بد، كما يلزم للفريضة، إذا لا فرق في وجوب الطهارة (2) للنافلة كما تجب للفريضة ولا فرق، بلا خلاف به من أحد من الامة (3) وان اختلفت أحكامها في غير ذلك، لا سيما وشيخهم الذى قلدوه - مالك - يقول في الموطأ: ليس المتوضئ بأطهر من المتيمم، ومن تيمم فقد فعل ما أمره الله تعالى به (4) *


(1) في المصرية (والى ما) وهو خطأ (2) في اليمنية (إذ لا فرق لوجوب ما الطاهرة) وهو خطأ (3) في المصرية (فلا خلاف بين أحد من الامة) وما هنا أصح (4) لفظ مالك في الموطأ (ص 19): (من قام إلى الصلاة فلم يجد ماء فعمل بما أمره الله به من التيمم فقد أطاع الله عزوجل، وليس الذى وجد الماء بأطهر منه

[ 131 ]

وأما قول الشافعي فظاهر الخطأ أيضا، لانه أوجب تجديد التيمم للفريضة ولم يوجبه للنافلة، وهذا خطأ بكل ما ذكرناه * وأما قول أبى ثور فظاهر الخطأ أيضا، لانه جعل الطهارة (1) بالتيمم تصح (2) ببقاء وقت الصلاة وتنتقض بخروج الوقت، وما علمنا في الاحداث خروج وقت أصلا، لا في قرآن ولا سنة، وانما جاء الامر بالغسل في كل صلاة فرض أو في الجمع بين الصلاتين في المستحاضة، والقياس باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا، لان قياس المتيمم على المستحاضة لم يوجبه شبه (3) بينهما ولا علة جامعة، فهو باطل بكل حال، فحصلت هذه الاقوال دعوى كلها بلا برهان وبالله تعالى التوفيق * فان قالوا ان قولنا هذا هو قول ابن عباس وعلى وابن عمر وعمرو بن العاص * قلنا أما الرواية عن ابن عباس فساقطة لانها من طريق الحسن بن عمارة وهو هالك وعن رجل لم يسم * وأما الرواية عن عمرو بن العاص فانما هي عن قتادة عن عمرو بن العاص، وقتادة لم يولد الا بعد موت عمرو بن العاص * والرواية في ذلك عن على وابن عمر أيضا لا تصح، ولو صحت لما كان في ذلك حجة، إذ ليس في قول أحد حجة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * وأيضا فان تقسيم مالك والشافعي وأبى ثور لم يرو عن أحد ممن ذكرنا، فهم مخالفون الصحابة (4) المذكورين (5) في كل ذلك *


ولا أتم صلاة، لانهما أمرا جميعا، فكل عمل بما أمره الله عزوجل به وانما العمل بما امر الله تعالى به من الوضوء لمن وجد الماء والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة) (1) في المصرية (للطهارة) وهو خطأ (2) في المصرية (لا تصح) وهو خطأ تنافيه حكاية قول أبو ثور الماضية (3) في المصرية (لم توجبه سنة) وهو تصحيف (4) في المصرية (لاصحابه) وهو خطأ (5) في اليمنية (المذكورون) وهو لحن

[ 132 ]

وأيضا فقد روى نحو قولنا عن ابن عباس أيضا، فصح قولنا وبالله تعالى التوفيق * وقد قال بعضهم: لما قال الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) إلى قوله: (فتيمموا صعيدا طيبا) قال: فأوجب عزوجل الوضوء على كل قائم إلى الصلاة: فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات بوضوء واحد خرج الوضوء بذلك عن حكم الآية، وبقى التيمم على وجوبه على كل قائم للصلاة * قال على رضى الله عنه وهذا ليس كما قالوا، لا سيما المالكيين والشافعيين المبيحين للقيام إلى صلاة النافلة بعد الفريضة بغير احداث تيمم ولا احداث طلب للماء، فلا متعلق لهاتين الطائفتين (1) بشئ مما ذكرنا في هذا الباب، وانما الكلام بيننا وبين من قال بقول شريك، فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن الآية لا توجب (2) شيئا مما ذكرتم، ولو أوجبت ذلك لاوجبت غسل الجنابة على كل قائم إلى الصلاة أبدا، وانما حكم الآية في إيجاب الله تعالى الوضوء والتيمم والغسل انما هو علي المجنبين والمحدثين فقط، بنص آخر الآية المبين لاولها، لقول الله تعالى فيها (وان كنتم جنبا فاطهروا وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) ولا يختلف اثنان من الامة في أن ههنا حذفا دل عليه العطف (3) وان معنى الآية:: وان كنتم مرضى أو على سفر فأحدثتم أو جاء أحد منكم من الغائط، فبطل ما شغبوا به * بل لو قال قائل أن حكم تجديد الطهارة عند القيام إلى الصلاة انما هو بنص الآية انما هو على من حكمه الوضوء لا على من حكمه التيمم لكان أحق بظاهر الآية منهم لان الله تعالى لم يأمر قط بالتيمم في الآية الا من كان محدثا فقط، لا كل قائم إلى الصلاة أصلا، وهذا لا مخلص لهم منه البتة. فبطل تعلقهم في ايجاب تجديد


(1) في المصرية (لها بين الطائفتين) وهو تصحيف (2) في المصرية (لم توجب) (3) في اليمنية (دل على العطف) وهو خطأ

[ 133 ]

التيمم لكل صلاة بالآية (1) وصارت الآية موجبة لقولنا، ومسقطة للتيمم الا عمن كان محدثا فقط، (2) وان التيمم طهارة صحيحة بنص الآية، فإذ الآية موجبة لذلك فقد صح أنه يصلي بتيمم واحد ما شاء المصلى من صلوات الفرض في اليوم والليلة وفى أكثر من ذلك ومن النافلة، ما لم يحدث أو يجنب أو يجد الماء بنص الآية نفسها والحمد لله رب العالمين * 237 - مسألة - والتيمم جائز قبل الوقت وفى الوقت إذا أراد أن يصلى به نافلة أو فرضا كالوضوء ولا فرق، لان الله تعالى أمر بالوضوء والغسل والتيمم عند القيام إلى الصلاة، ولم يقل تعالى إلى صلاة فرض دون النافلة، فكل مريد صلاة فالفرض عليه أن يتطهر لها بالغسل ان كان جنبا، وبالوضوء أو التيمم ان كان محدثا، فإذ ذلك كذلك فلا بد لمريد الصلاة من أن يكون بين تطهره وبين صلاته مهلة من الزمان، فإذ لا يمكن غير ذلك فمن حد في قدر تلك المهلة حدا (4) فهو مبطل، لانه يقول من ذلك ما لم يأت به قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا قياس ولا قول صاحب، فإذ هذا كما ذكرنا فلا ينقض الطهارة بالوضوء ولا بالتيمم طول تلك المهلة ولا قصرها وهذا في غاية البيان. والحمد لله رب العالمين * 238 - مسألة - ومن كان في رحله ماء فنسيه فتيمم وصلى فصلاته تامة، لان الناسي غير واجد للماء. وبالله تعالى التوفيق * 239 - مسألة - ومن كان في البحر والسفينة تجري فان كان قادرا على أخذ ماء البحر والتطهر به لم يجزه غير ذلك، فان لم يقدر على أخذه تيمم وأجزأه * روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم أن ماء البحر لا يجزئ الوضوء به، وأن حكم من لم يجد غيره التيمم، وروينا عن عمر رضى الله عنه الوضوء بماء البحر، وهو الصحيح، لقول الله تعالى: (فلم يجدوا ماء فتيمموا) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت تربتها لنا (2) طهورا إذا لم


(1) في اليمنية (والآية) وهو خطأ (2) في اليمنية (فان) وما هنا أصح (3) في اليمنية (فمن حد في قدر ذلك حدا) (4) في المصرية بحذف (لنا)

[ 134 ]

نجد الماء) وماء البحر ماء مطلق، فان لم يقدر على أخد الماء منه فهو لا يجد ماء يقدر على التهطر به (1)، ففرضه التيممم * 240 - مسألة - وكذلك من كان في سفر أو حضر وهو صحيح أو مريض فلم يجد الا ماء يخاف على نفسه منه الموت أو المرض، ولا يقدر على تسخينه الا حتى يخرج الوقت: - فانه يتيمم ويصلي، لانه لا يجد ماء يقدر على التطهر به (2) * 241 - مسألة - وليس على من لا ماء معه (3) أن يشتريه للوضوء ولا للغسل لا بما قل ولا بما كثر، فان اشتراه لم يجزه الوضوء به ولا الغسل وفرضه التيمم، وله أن يشتريه للشرب ان لم يعطه بلا ثمن، وأن يطلبه للوضوء (4) فذلك له وليس ذلك عليه، فان وهب له توضأ به ولا بد، ولا يجزيه (5) غير ذلك * برهان ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الماء، وروينا من طريق مسلم: حدثنا أحمد بن عثمان النوفلي ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ثنا ابن جريج أخبرني زياد بن سعد أخبرني هلال بن أسامة (6) أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يباع فضل الماء ليباع به الكلا) (7) حدثنا حمام ثنا عيسى بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن زهير بن حرب ثنا أبى عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أخبره أبو المنهال


(1) في المصرية (بحذف (به) (2) في اليمنية (لانه لا يقدر على التطهر به) وما هنا أصح وأوضح (3) في اليمنية (من لا معه) بحذف (ماء) وهو خطأ (4) في اليمنية (وان طلبه للوضوء) (5) في المصرية (ولا يجزيه) (6) في صحيح مسلم (ج 1: ص 460 - و 461 (أن هلال بن أسامة أخبره) (7) رواه أيضا مسلم من طريق ابن شهاب عن ابن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة، ورواه مالك (ص 311) والبخاري (ج 5: ص 21 فتح) والترمذي (ج 1: ص 240) وابن ماجه (ج 2: ص 49) ويحيى بن آدم في الخراج (رقم 316) من طريق أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة. والكلا مهموز مقصور ما يرعاه الحيوان من رطب ويابس.

[ 135 ]

أن إياس بن عبد (1) قال لرجل: (لا تبع الماء، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء.) ومن طريق ابن أبى شيبة ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى المنهال عن إياس بن عبد (2) المزني - ورأى ناسا يبيعون الماء -. فقال: (لا تبيعوا الماء، فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع (3)) ومن طريق ابن أبى شيبة. ثنا يزيد بن هارون ثنا أبو إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمنع نقع البئر (4) يعنى فضل الماء -) هكذا في الحديث تفسيره، ورويناه أيضا مسندا من طريق جابر (1) فهؤلاء أربعة من الصحابة، فهو نقل تواتر لا تحل مخالفته * قال على: وقد تقصيت الكلام في هذا في مسألة المنع من بيع الماء في كتاب البيوع من ديواننا هذا. والحمد لله * قال أبو محمد: (6) فاذنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعه (7) فبيعه حرام، وإذ هو كذلك فأخذه بالبيع أخذ بالباطل، وإذ هو مأخوذ بالباطل فهو غير متملك له، وإذ هو غير متملك (8) له فلا يحل استعماله، لقول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم


(1) عبد بالتنون بدون اضافة لفظ الجلالة، وفي الاصل (عبد الله) وهو خطأ (2) في الاصل (عبد الله) وهو خطأ (3) رواه يحيى بن آدم في الخراج (رقم 338) عن سفيان بن عيينة وأنظر ما كتبناه في شرحنا عليه. (4) نقع - بفتح النون واسكان القاف - البئر هو الماء المجتمع فيها قبل أن يستقى، وفي الاصل (نفع) بالفاء وهو تصحيف. والحديث رواه أيضا يحيى بن آدم في الخراج (رقم 321) عن ابراهيم بن أبى يحيى عن صالح بن كيسان عن ابن الرجال وهو محمد بن عبد الرحمن، وابراهيم بن أبى يحيى ضعيف ورواه غيره أيضا بأسانيد فيها مقال، والاسناد الذى هنا اسناد صحيح فهو يقوى تلك الاسانيد ويؤيد صحة الحديث. وانظر ما كتبناه في شرح الخراج (5) رواه مسلم (ج 1: ص 460 * وأحمد (ج 3: ص 338) (6) من أول قوله (وروينا من طريق مسلم) إلى هنا من النسخة اليمنية (7) في اليمنية (فإذا نهي عليه السلام عن بيعه) (8) في اليمنية (فإذا هو غير مالك له)

[ 136 ]

بينكم بالباطل، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فإذا لم يجده إلا بوجه حرام - من غصب أو بيع محرم - فهو غير واجد الماء، وإذا لم يجد الماء ففرضه التيمم * وأما ابتياعه للشرب فهو مضطر إلى ذلك، والثمن حرام على البائع، لانه أخذه بغير حق، ومنع فضل الماء هو محرم عليه ذلك (1). وأما استبهابه الماء فلم يأت بذلك إيجاب ولا جاء عنه منع فهو مباح، قال عليه السلام: (دعوني ما تركتكم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه) أو كما قال عليه السلام، فإذا ملكه بهبة فقد ملكه بحق، فواجب عليه استعماله في الطهارة وبالله تعالى التوفيق * وقد اختلف الناس في هذا فقال الاوزاعي والشافعي واسحاق عليه أن يشترى الماء للوضوء بثمنه، فان طلب منه أكثر من ثمنه، تيمم (2) ولم يشتره. وقال أبو حنيفة: لا يشتريه بثمن كثير، وقال مالك: ان كان قليل الدراهم ولم يجد الماء إلا بثمن غال تيمم، وان كان كثيرا المال اشترى ما لم يشطوا عليه في الثمن، وهو قول أحمد، وقال الحسن البصري: يشتريه ولو بماله كله * قال أبو محمد: ان كان واجده بالثمن واجدا للماء (3) فالحكم ما قاله الحسن، وان كان غير واجد فالقول قولنا وأما التقسيم في ابتياعه ما لم يغل عليه، فيه، وتركه ان غولى به: - فلا دليل على صحة هذا القول، وكل ما دعت إليه ضرورة فليس غاليا بشئ أصلا (4) وبالله تعالى التوفيق * 242 - مسألة - ومن كان معه ماء يسير يكفيه لشربه فقط ففرضه التيمم، قول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) *


(1) في اليمنية بحذف (عليه ذلك) (2) في المصرية) يتيمم) بالمضارع ويأباه السياق، وفي اليمنية حذفت هذه الكلمة (3) في المصرية (واجد الماء) (4) في اليمنية بحذف قوله (وكل ما دعت إليه ضرورة فليس بشئ أصلا)

[ 137 ]

243 - مسألة - ومن كان معه ماء يسير يكفيه للوضوء وهو جنب تيمم للجنابة وتوضأ بالماء، لا يبالى أيهما قدم، لا يجزيه غير ذلك، لانهما فرضان متغايران، وإذا هما كذلك فلا ينوب أحدهما عن الآخر على ما قدمنا، وهو قادر على أن يؤدى أحدهما بكماله بالماء، فلا يجزيه الا ذلك، ويؤدى الآخر بالتيمم أيضا كما أمر * 244 - مسألة - فلو فضل له من الماء يسير فلو استعمله (1) في بعض أعضائه ذهب ولم يمكنه أن يعم به سائر أعضائه -: ففرضه غسل ما أمكنه والتيمم، وقال الشافعي: يغسل به أي أعضائه شاء ويتيمم (2) * قال على. قال أصحابنا: وهذا خطأ، لانه غير عاجز (3) عن سائر أعضائه. بمنع منها فيجزيه تطهير بعضها -: ولكنه عاجز عن تطهير ما أمر بتطهيره بالماء، ومن هذه صفته فالفرض عليه التيمم ولا بد، بتعويض الله تعالى الصعيد من الماء إذا لم يوجد. وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم) وهذا مستطيع لان يأتي ببعض وضوئه أو ببعض غسله، غير مستطيع على (4) باقيه، ففرض عليه أن يأتي من الغسل بما يستطيع في الاول فالاول من أعضاء الوضوء وأعضاء الغسل حيث (5) بلغ، فإذا نفد لزمه التيمم لباقي أعضائه ولا بد، لانه غير واجد للماء في تطهيرها، فالواجب عليه تعويض التراب كما أمره الله تعالى، فلو كان بعض أعضائه ذاهبا أو لا يقدر على مسه الماء لجرح أو كسر: سقط حكمه، قل أو كثر، وأجزأه غسل ما بقى، لانه واجد للماء عاجز عن تطهير الاعضاء، وليس من أهل


(1) في المصرية (يسيرا فلو استعمله) وفي اليمنية (يسيرا أو استعمله) وكلاهما خطأ (2) هنا بهامش اليمنية ما نصه (هذا على أحد قولى الشافعي، وقوله: انه يغسل به أي أعضائه شاء انما هو في الجنب مع أن الاولى أن يغسل به أعضاء الوضوء، وأما المحدث فانه يغسل به الوجه ثم اليدين على ما عرف من وجوب الترتيب عنده.) (3) في اليمنية (لانه ليس عاجزا) (4) كذا في الاصل، عدى (استطاع) ب‍ (على) (5) في اليمنية (من أعضاء الوضوء أو أعضائه حيث بلغ) وهو خطأ.

[ 138 ]

التيمم لوجوده الماء، وسقط عنه ما عجز عنه لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إ لا وسعها) وبالله التوفيق * 245 - مسألة - فمن أجنب ولا ماء معه فلا بدله من أن يتيمم تيممين، ينوى بأحدهما تطهير الجنابة وبالآخر الوضوء، ولا يبالى أيهما قدم * برهان ذلك أنهما عملان متغايران كما قدمنا، فلا يجزئ عمل واحد عن عملين مفترضين الا بأن يأتي (1) نص بأنه يجزئ عنهما، والنص قد جاء بأن غسل أعضاء الوضوء يجزئ عن ذلك وعن غسلها في غسل الجنابة فصرنا إلى ذلك، ولم يأت ههنا نص بأن تيمما واحدا يجزئ عن الجنابة وعن الوضوء (2). وكذلك لو أجنبت المرأة ثم حاضت ثم طهرت يوم جمعة وهى مسافرة ولا ماء معها فلا بد لما من أربع تيممات: تيمم للحيض وتيمم للجنابة وتيمم للوضوء وتيمم للجمعة لما ذكرناه، فان كانت قد غسلت ميتا فتيمم خامس، والبرهان في ذلك قد ذكرناه في الغسل واجتماع وجوهه الموجبة له. وبالله تعالى التوفيق * 246 - مسألة - ومن كان محبوسا في حضر أو سفر بحيث لا يجد ترابا ولا ماء أو كان مصلوبا وجاءت الصلاة فليصل كما هو، وصلاته تامة ولا يعيدها، سواء وجد الماء (3) في الوقت أو لم يجده الا بعد الوقت * برهان ذلك قول الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)


(1) في اليمنية (إلا أن يأتي) (2) هنا بهامش اليمنية ما نصه (قال الشيخ شمس الدين الذهبي رضى الله عنه: حديث عمار يدل على أنه يكفيه تيمم واحد للجنابة والوضوء، فانه قال: أجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: انما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الارض مرة ومسح الشمال على اليمنين ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه. أخرجه خ م، وجه الدلالة منه قوله: انما يكفيك، وانما من صيغ الحصر) (3) كلمة (الماء) سقطت من اليمنية.

[ 139 ]

وقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) فصح بهذه النصوص (1) أنه لا يلزمنا من الشرائع الا ما استطعنا، وأن ما لم نستطعه فساقط عنا، وصح أن الله تعالى حرم علينا ترك الوضوء أو التيمم للصلاة الا أن نضطر إليه، والممنوع من الماء والتراب مضطر إلى ما حرم عليه من ترك التطهر بالماء أو التراب، فسقط عنا تحريم ذلك (2) عليه، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها وبالايمان (3) فبقى عليه ما قدر عليه فإذا (4)، صلى كما ذكرنا فقد صلى كما أمره الله تعالى، ومن صلى كما أمره الله تعالى فلا شئ عليه، والمبادرة إلى الصلاة في أول الوقت أفضل لما ذكرنا قبل * وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والاوزاعي فيمن هذه صفته (5) لا يصلى حتى يجد الماء متى وجده، قال أبو حنيفة: فان قدر على التيمم تيمم وصلى، ثم إذا وجد الماء أعاد ولا بد متى وجده، وان خشى الموت من البرد تيمم وصلى وأجزأه * وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي: يصلي كما هو، فإذا وجد الماء أعاد متى وجده، فان قدر في المصر على التراب تيمم وصلى، وأعاد أيضا ولا بد إذا وجد الماء، وقال زفر في المحبوس في المصر بحيث لا يجد ماء ولا ترابا أو بحيث يجد التراب -: إنه لا يصلي أصلا حتى يجد الماء، لا بتيمم (6) ولا بلا تيمم، فإذا وجد الماء توضأ وصلى تلك الصلوات، وقال بعض أصحابنا: لا يصلي ولا يعيد، وقال أبو ثور: يصلي كما هو ولا يعيد (7) * قال علي أما قول أبى حنيفه فظاهر التناقض، لانه لا يجيز الصلاة بالتيمم في المصر لغير المريض وخائف الموت، كما لا يجيز له الصلاة بغير الوضوء والتيمم ولا فرق، ثم فرق بينهما - وكلاهما عنده لا تجزيه صلاته - فأمر أحدهما بأن يصلي صلاة لا تجزيه، وأمر الآخر بأن لا يصليها، وذا خطأ لاخفاء به، فسقط هذا القول سقوطا


(1) في المصرية (بهذا النصوص) وهو خطأ (2) من قوله (من ترك التطهر بالماء) إلى هنا سقط من اليمنية خطأ (3) في اليمنية (أو بالايمان) وهو خلط (4) كلمة (عليه) محذوفة من اليمنية (5) في اليمنية (من هذه صفته) (6) في المصرية (لا يتيمم) وهو تصحيف (7) مذهب أبى ثور لم يذكر في اليمنية.

[ 140 ]

لاخفاء به، وماله حجة أصلا يمكن أن يتعلق بها (1) * وأما قول أبى يوسف ومحمد فخطأ، لانهما أمراه بصلاة لا تجزيه ولا لها معنى، فهى باطل (2) وقد قال الله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) * وأما قول زفر فخطأ أيضا، لانه أمره بأن يصلى في الوقت الذي أمر الله تعالى بالصلاة فيه، وأمره أن يصلى في الوقت الذى نهاه الله تعالى عن تأخيره الصلاة إليه (3) وقد أمره الله تعالى بالصلاة في وقتها أوكد (4) أمر وأشده، قال الله تعالى: (فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فلم يأمر تعالى بتخليه سبيل الكافر حتى يتوب من الكفر ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة، فلا يحل ترك ما هذه صفته عن الوقت الذى لم يفسح تعالى في تأخيره عنه، فظهر فساد قول زفر وكل من أمره بتأخير الصلاة عن وقتها * وأما من قال: لا يصلى أصلا فانهم احتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) وقال عليه السلام: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) قالوا: فلا نأمره بما لم يقبله الله تعالى منه، لانه في وقتها غير متوضئ ولا متطهر، وهو بعد الوقت محرم عليه تأخير الصلاة عن وقتها * قال على: هذا كان أصح الاقوال، لو لا ما ذكرنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عنا ما لا نستطيع مما أمرنا به، وأبقى علينا ما نستطيع، وان الله تعالى أسقط عنا مالا نقدر عليه، وأبقى علينا ما نقدر عليه، بقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) فصح أن قوله عليه السلام: (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) و: (لا يقبل الله صلاة إلا بطهور) إنما كلف ذلك من يقدر على الوضوء أو الطهور (5) بوجود الماء أو التراب، لا من لا يقدر على وضوء ولا تيمم، هذا هو نص القرآن والسنن، فلما


(1) في الاصلين (به) وهو خطأ (2) يستعمل المؤلف دائما لفظ (باطل) في وصف المؤنث والاخبار عنه وهو جائز (3) في اليمنية (عن تأخير) الصلاة إليه) (4) في اليمنية (أوكد) بالمعجمة وهو تصحيف لا معنى له. (5) في المصرية (أو الطهر

[ 141 ]

صح ذلك سقط عنا تكليف ما لا نطيق من ذلك، وبقى علينا تكليف ما نطيقه، وهو الصلاة، فإذ ذلك كذلك فالمصلى كذلك مؤد ما أمر به، ومن أدى ما أمر به فلا قضاء عليه. وبالله تعالى التوفيق * فكيف وقد جاء في هذا نص كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا النفيلى ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد بن الحضير (6) وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك (7) له، فأنزلت آية التيمم * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربرى (1) ثنا البخاري ثنا زكريا بن يحيى ثنا ابن نمير - هو عبد الله - ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: (أنها استعارت من أسماء قلادة (2) فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا (3) فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى آية التيمم). فهذا أسيد وطائفة من الصحابة مع حكم الله تعالى ورضاء نبيه صلى الله عليه وسلم. وبالله تعالى التوفيق * 247 - مسألة - ومن كان في سفر ولا ماء معه أو كان مريضا يشق عليه استعمال الماء فله أن يقبل زوجته وأن يطأها، وهو قول ابن عباس وجابر بن زيد


(1) (أسيد) بالتصغير (ابن الحضير) بالحاء المهملة والضاد المعجمة وبالتصغير أيضا، وفي المصرية (أسد بن الخضر) وهو خطأ وتصحيف (2) في اليمنية بحذف (له) وهى ثابتة في أبى داود (ج 1: ص 125) (3) في المصرية (حدثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى) بزيادة (ثنا إبراهيم ابن خالد) في الاسناد وهو خطأ. وفي اليمنية لم تذكر هذه الزيادة على الصواب، ولكن فيها (ثنا ابراهيم بن احمد الفربرى) وهو خطأ، لان الفربرى شيخ إبراهيم ابن احمد كما هو ظاهر. (4) ما هنا هو الذي في اليمنية والموافق للبخاري (ج 1 ص 52) وفي المصرية (قلادة من أسماء) (5) كلمة (رجلا) سقطت من الاصلين وزدناها من البخاري

[ 142 ]

والحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وسفيان الثوري والاوزاعي وأبى حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل واسحاق وداود وجمهور أصحاب الحديث * وروي عن على وابن مسعود وابن عوف وابن عمر النهي عن ذلك، وقال عطاء: إن كان بينه وبين الماء ثلاث ليال فأقل فلا يطؤها، وإن كان بينه وبين الماء أربع ليال فله أن يطأها، وقال الزهري: إن كان مسافرا فلا يطؤها وإن كان مغربا رحالا (2) فله أن يطأها، وإن كان لا ماء معه، وقال مالك: إن كان مسافرا فلا يطؤها ولا يقبلها إن كان على وضوء، فان كان به جراح يكون حكمه معها التيمم فله أن يطأها ويقبلها، لان أمر هذا يطول، قال: فان كانت حائض فطهرت فتيممت وصلت فليس لزوجها أن يطأها. قال: وكذك لا يطؤها وإن كانت طاهرا متيممة * قال على: أما تقسيم عطاء فلا وجه له، لانه لم يوجب ذلك الحد قرآن ولا سنة، وكذلك تقسيم الزهري، وأما قول مالك فكذلك أيضا، لانه تفريق لم يوجبه قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع ولا قول صاحب لم يخالف ولا قياس ولا احتياط، لان الله تعالى سمى التيمم طهرا، والصلاة به جائزة، وقد حض الله تعالى على مباضعة (3) الرجل امرأته، وصح أنه مأجور في ذلك، وما خص الله تعالى بذلك من حكمه التيمم ممن حكمه (4) الغسل أو الوضوء * قال أبو محمد: والعجب أنه يرى أنه يجزئ للجنابة وللوضوء وللحيض (5) تيمم واحد، ثم يمنع المحدثة والمتطهرة (6) من الحيض بالتيمم والمحدث أن يطأ امرأته فقد أوجب أنهما عملان متغايران، فكيف يجزئ عنده عنهما عمل واحد! * قال على: ولا حجة للمانع من ذلك أصلا، لان الله تعالى جعل نساءنا حرثا لنا ولباسا لنا، وأمرنا بالوطئ في الزوجات وذوات الايمان، حتى أوجب تعالى على


(1) يعني كثير الغربة والارتحال لا يقر بمكان كالاعراب البادين (2) في اليمنية (مياضعة) بالياء المثناة وهو تصحيف (3) في اليمنية (من حكمة التيمم بمن حكمه) وهو خطأ (4) في المصرية (أنه يرى للجنابة وللحيض) بحذف (أنه يجزئ) وبحذف (وللوضوء) وهو خطأ (5) في اليمنية (والتطهر) وهو خطأ

[ 143 ]

الحالف أن يطأ امرأته أجلا محدودا -: إما أن يطأ وإما أن يطلق، وجعل حكم الواطئ والمحدث (1) الغسل والوضوء أن وجد الماء والتيمم ان لم يجد الماء، لا فضل لاحد العملين على الآخر، وليس أحدهما بأطهر من الآخر ولا بأتم صلاة، فصح أن لكل واحد حكمه، فلا معنى لمنع من حكمه التيمم من الوطئ، كما لا معنى لمنع من حكمه الغسل من الوطئ، وكل ذلك في النص سواء، ليس أحدهما أصلا والثانى فرعا، بل هما في القرآن سواء. وبالله تعالى التوفيق * 248 - مسألة - وجائز أن يؤم المتيمم المتوضئين والمتوضئ المتيممين والماسح الغاسلين والغاسل الماسحين، (2) لان كل واحد ممن ذكرنا قد أدى فرضه، وليس أحدهما بأطهر من الآخر، لا أحدهما أتم صلاة من الآخر وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضرت الصلاة أن يؤمهم أقرؤهم، لم يخص عليه السلام غير ذلك، ولو كان ههنا واجب غير ما ذكره عليه السلام لبينه لا أهمله، حاشا لله من ذلك، وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف وزفر وسفيان والشافعي وداود وأحمد واسحاق وأبى ثور، وروى ذلك عن ابن عباس وعمار بن ياسر وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء والزهرى وحماد بن أبى سليمان * وروى المنع في ذلك عن على على بن أبى طالب، قال: لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد المطلقين، وقال ربيعة: لا يؤم المتيمم من جنابة إلا من هو مثله، وبه يقول يحيى بن سيعد الانصاري. وقال محمد بن الحسن والحسن بن حى: لا يؤمهم، وكره مالك وعبيد الله بن الحسن (1) أن يؤمهم، فان فعل أجزأه، وقال الاوزاعي: لا يؤمهم إلا إن كان أميرا *


(1) في المصرية (حكم الواطئ المحدث) وهو خطأ (2) في المصرية (والماسح للغاسلين والغاسل للماسحين) (3) عبيد الله بالتصغير، وهو ابن الحسن العنبري القاضى الفقيه ولى قضاء البصرة وكان من سادات أهلها علما وفقها ولد سنة 105 ومات في ذى القعدة سنة 168 وفي اليمنية (وعبيد الله) وحذف اسم أبيه وهو خطأ

[ 144 ]

قال على: النهي عن ذلك أو كراهته لا دليل عليه من قرآن ولا من سنة ولا من إجماع ولا من قياس وكذلك تقسيم من قسم (1). وبالله تعالى التوفيق * 249 - مسألة - ويتيمم الجنب والحائض وكل من عليه غسل واجب كما يتيمم المحدث ولا فرق * وروينا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود رضى الله عنهما: أن الجنب لا يتيمم حتى يجد الماء، وعن الاسود وابراهيم مثل ذلك * كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن واصل الا حدب والحكم بن عتيبة قال واصل: سمعت أبا وائل قال كان عمر بن الخطاب و عبد الله بن مسعود وهما خير منى يقولان: ان لم يجد الماء لم يصل، يعنى الجنب، قال: وانا لو لم أجد الماء لتيممت وصليت، قال الحكم: سألت ابراهيم النخعي إذا لم تجد الماء وأنت جنب؟ قال: لا أصلى، قال شعبة: وقلت لابي اسحاق: أقال ابن مسعود: ان لم أجد الماء شهرا لم أصل؟ يعنى الجنب، فقال أبو إسحاق: قال: نعم والاسود (1) * وقال غيرهما من الصحابة يتيمم الجنب: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا عوف هو ابن أبى جميلة ثنا أبو رجاء هو العطاردي عن عمران ابن الحصين قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر الحديث وأنه عليه السلام صلى


(1) في اليمنية (النهى عن ذلك كله من قسم) وهو سقط أضاع فائدة الكلام (2) في المصرية (بيان) وهو خطأ (3) في المصرية (عيينة) وهو خطأ (4) يعني قال ابن مسعود: نعم وكذلك قال الاسود. وفي المصرية بحذف (قال) وفي اليمنية (أقال) بهمزة الاستفهام، وزيادة الهمزة لا معنى لها

[ 145 ]

بالناس (فلما انفتل عليه السلام من صلاته إذا هو (1) برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك أن (2) تصلى مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فانه يكفيك) واحتج من ذهب إلى قول ابن مسعود بقوله تعالى: (فان كنتم جنبا فاطهروا) قال: - فلم يجعل للجنب إلا الغسل، قلنا له: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله عزوجل قال الله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحى يوحى) وهو عليه السلام قد بين أن الجنب حكمه التيمم عند عدم الماء * فان ذكروا ما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن ابى عدي ثنا شعبة عن المخارق (3) ابن عبد الله عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله انى أجنبت فلم أصل، فقال: أحسنت، وجاءه آخر فقال: انى أجنبت فتيممت فصليت، قال: أحسنت) قلنا: هذا خبر صحيح، والمخارق ثقة: تابع، وطارق صاحب، صحيح الصحبة مشهور (4)، والخبر به نقول (5) وهذا الذى أجنب


(1) في المصرية (إذ هو عليه السلام) وما هنا هو الموافق للبخاري (ج 1 ص 53) (2) في البخاري (قال ما منعك يا فلان أن تصلى) الخ (3) بضم الميمم وبالخاء المعجمة والراء والقاف، وفي اليمنية كتب بالجيم والزاى والفاء وهو خطأ وتصحيف (4) طارق بن شهاب قال أبو داود: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا) تهذيب (ج 5 ص 4) وقد حكي هو عن نفسه انه رأى النبي وغزا في خلافة أبى بكر كما في طبقات ابن سعد (ج 6 ص 43) ومسند الطيالسي (ص 180) والاستيعاب (ص 220) باسناد صحيح، ويؤيد ما قاله ابن حزم من أنه صاحب صحيح الصحبة ما رواه الطيالسي (ص 181): (حدثنا شعبة عن مخارق قال سمعت طارق بن شهاب يقول: قدم وفد بجيلة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ابدأ بالاحمسين، ودعا لنا) وهذا انما يحكيه من شهد الحال وسمع الكلام كما هو ظاهر أو راجح، وبذلك يكون مخارق من التابعين (5) في المصرية

[ 146 ]

فلم يصل لم يكن عليه التيمم، فأصاب إذ لم يصل بمالا يدرى، وانما تلزم الشرائع بعد البلوغ، قال الله تعالى: (لانذركم به ومن بلغ) والذى تيمم علم فرض التيمم ففعله (1) لا يجوز البتة ان يكون غير هذا * فإما أن يكون التيمم فرض المجنب إذا لم يجد الماء -: فيخطئ من ترك الفرض ممن عليه، أو يكون التيمم ليس فرض المنب المذكور فيخطئ من فعله، وقد صح أنه فرضه بما ذكرنا في خبر عمران بن الحصين، فصح ما قلناه من أن أحدهما لم يعلمه والآخر علمه (2) فأتى به وبالله تعالى التوفيق * وأما الحائض وكل من عليه غسل واجب فقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جعلت لنا الارض مسجدا وتربتها طهورا إذا لم نجد الماء) وكل مأمور بالطهور إذا لم يجد الماء (3) فالتراب بنص عموم هذا الخبر. وبالله تعالى التوفيق * 250 - مسألة - وصفة التيمم للجنابة وللحيض ولكل غسل واجب وللوضوء صفة عمل واحد، انما يجب في كل ذلك أن ينوى به الوجه الذي تيمم له، من طهارة للصلاة أو جنابة أو ايلاج في الفرج أو طهارة من حيض أو من نفاس أو ليوم الجمعة أو من غسل الميت، ثم يضرب الارض بكفيه متصلا بهذه النية، ثم ينفخ فيهما ويمسح وجهه وظهر كفيه إلى الكوعين بضربة واحدة فقط، وليس عليه استيعاب الوجه ولا الكفين ولا يمسح في شئ من التيمم ذراعيه ولا رأسه ولا رجليه ولا شيئا من جسمه * أما النية فقد ذكرنا وجوبها قبل، وقال أبو حنيفة (4) يجزئ الوضوء وغسل الجنابة بلا نية، ولا يجزئ التيمم فيهما (5) الا بنية، وقال الحسن بن حى: كل ذلك يجزئ بلا نية (6) *


(مشهور الخبر به نقول) بحذف الواو وهو خطأ (1) في اليمنية (فعله) (2) قوله (والآخر علمه) سقط من اليمنية خطأ (3) في اليمنية (فكل مأمور بالطهور ان لم يجد الماء). (4) في المصرية (أبو يوسف) (5) في المصرية (فيها) وهو خطأ (6) كلمة (يجزئ) سقطت من المصرية

[ 147 ]

وأما كون (1) عمل التيمم للجنابة وللحيض وللنفاس ولسائر ما ذكرنا - كصفته لرفع الحدث -: فاجماع لا خلاف فيه من كل من يقول بشئ من هذه الاغسال وبالتيمم لها * وأما سقوط مسح الرأس والرجلين وسائر الجسد في التيمم فاجماع (2) متيقن، الاشيئا فعله عمار بن ياسر رضى الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاه عنه عليه السلام * وفى سائر ذلك (3) اختلاف، وهو أن قوما قالوا بأن التيمم ضربتان ولابد، وقالت طائفة عليه استيعاب الوجه والكفين، وقالت طائفة عليه استيعاب ذراعيه إلى الآباط، وقال آخرون إلى المرافق * فأما الذين قالوا: ان التيمم ضربتان واحدة للوجه والاخرى لليدين والذراعين (4) إلى المرافق: فانهم احتجوا بحديث من طريق أبى أمامة الباهلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: (ضربتان (5)، ضربة للوجه وأخرى (6) للذراعين) وبحديث من طريق عمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إلى المرفقين)، وبحديث من طريق ابن عمر قال:: (سلم رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك فلم يرد عليه ثم ضرب بيديه عليه السلام على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل، وقال عليه السلام (7): (انه لم يمنعنى أن أرد عليك السلام الا أنى لم أكن على طهر)، ثم بحديث الاسلع رجل من بنى الاعرج بن كعب قال: (قلت يا رسول الله أصابتني جنابة؟ فسكت عليه السلام حتى جاءه جبريل بالصعيد، فقال قم


(1) كلمة (كون) سقطت من اليمنية (2) في المصرية (باجماع) وهو خطأ (3) في اليمنية (وفي ذلك سائر ذلك) ف‍ (ذلك) الاولى (زائدة) لا موقع لها (4) في المصرية (للذراعين واليدين) وما هنا أحسن (5) في اليمنية (ضربتين) وهو لحن (6) في المصرية (والاخرى) (7) في المصرية (وقال انه السلام) وهو خطأ

[ 148 ]

يا أسلع فارحل (1)، قال ثم علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم، فضرب بكفيه الارض ثم نقضهما ثم مسح بهما وجهه حتى أمر على لحيته ثم أعادها إلى الارض فمسح كفيه الارض فدلك إحداهما بالاخرى ثم نفضهما ثم مسح ذراعيه ظاهرهما، وباطنهما.) وبحديث عن أبى ذر (2) قال: (وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه على الارض ثم نفضهما، ثم مسح وجهه ويديه إلى المرفقين.) ليس في هذا الخبر الا ضربة واحدة، وبحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم: (ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) وبحديث عن الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) * وقالوا: قد صح عن عمر بن الخطاب وعن جابر بن عبد الله وعن ابن عمر، من فتياهم وفعلهم أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للذراعين واليدين، قالوا: والتيمم بدل من الوضوء، فلما كان يجدد الماء للوجه وماء آخر للذراعين وجب كذلك في التيمم، ولما كان الوضوء إلى المرفقين وجب أن يكون التيمم الذي هو بدله كذلك * هذا كل ما شغبوا به، وكله لا حجة لهم فيه * أما الاخبار فكلها ساقطة، لا يجوز الاحتجاج بشئ منها * أما حديث أبى أمامة فاننا رويناه من طريق ابن وهب عن محمد بن عمرو اليافعي عن رجل حدثه عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن (3) عن أبى أمامة، ففيه علتان: احداهما القاسم وهو ضعيف، والثانية أن محمد بن عمرو لم يسم من أخبره به عن جعفر بن الزبير وقد دلسه بعض الناس فقال: عن محمد بن عمرو عن جعفر،


(1) في الاصلين قم يا سلع فاغتسل) وهو خطأ في موضعين، لان اسمه (أسلع) ولان الاسلع - كما جاء في هذه القصة - كان يخدم رسول الله ويرحل له راحلته، وأنظر لفظ الحديث مطولا في الاصابة لابن حجر (ج 1 ص 34، 35) (2) في اليمنية (من طريق أبى ذر) وما هنا أصح (3) في المصرية (القاسم بن عبد الله) وهو خطأ، بل هو القاسم بن عبد الرحمن. الشامي الدمشقي، وهو ثقة وانما أنكروا عليه أحاديث رواها عنه الضعفاء كحفر ابن الزبير، فاطلاق ابن حزم تضعيفه ليس بجيد

[ 149 ]

ومحمد لم يدرك جعفر بن الزبير (1) فسقط هذا الخبر * وأما حديث عمار فاننا رويناه من طريق أبان بن يزيد العطار عن قتادة قال: حدثنى محدث (2) عن الشعبى عن عبد الرحمن بن أبزي عن عمار، فلم يسم قتادة من حدثه، والاخبار الثابتة كلها عن عمار بخلاف هذا، فسقط هذا الخبر أيضا * وأما حديث ابن عمر فاننا رويناه من طريق محمد بن ابراهيم الموصلي عن محمد بن ثابت العبدي عن نافع عن ابن (3) عمر، ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف لا يحتج بحديثه، ثم لو صح لكان حجة عليهم، لان فيه التيمم في الحضر للصحيح، والتيمم لرد السلام، وترك رد السلام على غير طهارة، وهم لا يقولون بشئ من هذا كله، ومن المقت احتجاج أمرئ بمالا يراه لا هو ولا خصمه حجة، احتجاجه بشئ هو أول مخالف له، فان كان هذا الخبر حجة في التيمم (4) إلى المرفقين، فهو حجة في ترك رد السلام الا على طهر، وفى التيمم بين الحيطان في المدينة (5) لرد السلام، وان لم يكن حجة في هذا (6) فليس حجة فيما احتجوا به. فان قالوا: هو على الندب، قلنا: وكذلك قولوا في صفة التيمم فيه مرتين والى المرفقين (7) أنه على الندب ولا فرق، فسقط هذا الخبر أيضا * وأما حديث الاسلع ففى غاية السقوط، لاننا رويناه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحمانى عن عليلة (8) - هو الربيع - عن أبيه عن جده عن


(1) بل ضعف الحديث انما جاء من جعفر بن الزبير الدمشقي هذا. قال ابن حبان: (يروى عن القاسم وغيره أشياء موضوعة وروى عن القاسم عن أبى أمامة نسخة موضوعة) وقال شعبة: (وضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث كذب) (2) في المصرية (محمد) بدل (محدث) وهو خطأ ظاهر (3) رواية محمد بن ثابت العبدى رواها أبو داود (ج 1 ص 129) والبيهقي (ج 1 ص 206) وانظر الكلام عليها فيهما وفي نصب الراية (ج 1 ص 79) وقد ورد عن ابن عمر مرفوعا من طرق اصح منها (4) في المصرية (فان كان في هذا الخبر في التيمم) الخ وهو خطأ (5) كلمة (في المدينة) سقطت من اليمنية (6) قوله (وان لم يكن حجة في هذا) سقطت من اليمنية (7) كلمة (أنه) سقطت من اليمنية (8) بضم العين المهملة وفتح اللامين وبينهما ياء وهو لقب الربيع وهو ضعيف ليس بثقة

[ 150 ]

الاسلع (1)، وكل من ذكرنا فليسوا بشئ ولا يحتج بهم * وأما حديث أبي ذر فانا رويناه من طريق ابن جريج عن عطاء: حدثنى رجل أن أبا ذر، وهذا كما ترى، لا ندرى من ذلك الرجل، فسقط هذا الخبر أيضا * وأما حديث ابن عمر الثاني فرويناه من طريق شبابة بن سوار عن سليمان بن داود الحرانى (2) عن سالم ونافع عن ابن عمر، وسليمان بن داود الحرانى ضعيف لا يحتج به * وأما حديث الواقدي فأسقط من أن يشتغل به، لانه عن الواقدي وهو مذكور بالكذب ثم مرسل من عنده، فسقط كل ما موهوا به من الآثار * وأما احتجاجهم بما صح من ذلك عن عمر وابن عمر وجابر فقد صح عن عمر وابن مسعود: لا يتيمم الجنب وإن لم يجد الماء شهرا، وقد صح عن أبى بكر وعمر وابن مسعود وأم سملة وغيرهم المسح على العمامة، فلم يلتفتوا إلى ذلك، فما الذى جعلهم حجة حيث يشتهى هؤلاء ولم يجعلهم حجة حيث لا يشتهون؟! هذا موجب للنار في الآخرة وللعار في الدنيا، فكيف وقد خالف في هذه المسألة عمر وابنه وجابرا على ابن أبى طالب (3) وابن مسعود وعمار وابن عباس، على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى، فسقط تعلقهم بالصحابة رضى الله عنهم * وأما قولهم: إن التيمم بدل من الوضوء، فيقال لهم: فكان ما ذا؟ ومن أين


(1) الاسلع هذا في اثبات شخصه وصحبته نظر، لانه لم يرو عنه الا من هذا الطريق الواهي. وحديثه رواه البيهقى (ج 1: ص 208) والطبراني، نسبه إليه ابن حجر في الاصابة (ج 1: ص 34 و 35) وانظر الكلام عليه فيهما (2) الحراني بالراء، وفي المصرية - في الموضعين - الحداني بالدال وهو خطأ صححناه من المستدرك ولسان الميزان (ج 3: ص 90) والمشتبه (ص 61) وهذا الحديث رواه الحاكم (ج 1: ص 180) وقال انه ذكره في الشواهد يعنى لم يحتج به، وفيه (سليمان بن ابى داود الحراني) وكذلك في نصب الراية (ج 1: ص 79) وما هنا هو الصواب (3) عمر ومن عطفا عليه بالنصب، وعلى ومن عطفوا عليه بالرفع وفي اليمنية (وجابر وعلى بن ابى طالب) الخ بعطف الجميع وهو خطأ

[ 151 ]

وجب أن يكون البدل على صفة المبدل منه؟! وإن كان هذا فأنتم أول مخالف لهذا الحكم الذى قضيتم أنه حق، فأسقطتم في التيمم الرأس والرجلين، وهما فرضان في الوضوء، وأسقطتم جميع الجسد في التيمم للجنابة، وهو فرض في الغسل، وأوجبتم أن يجمل الماء إلى الاعضاء في الوضوء، ولم توجبوا (1) حمل شئ من التراب إلى الوجه والذراعين في التيمم، واسقط أبو حنيفة منهم النية في الوضوء والغسل وأوجبها في التيمم، ثم أين وجدتم في القرآن أو السنة أو الاجماع أن البدل لا يكون إلا على صفة المبدل منه؟ وهل هذا إلا دعوى فاسدة كاذبة؟ وقد وجدنا الرقبة واجبة في الظهار وفى كفارة اليمين (2) وكفارة قتل الخطأ وكفارة المجامع عمدا نهارا في رمضان وهو صائم: ثم عوضها تعالى وأبدل من رقبة الكفارة صيام ثلاثة أيام، ومن رقاب القتل والجماع والظهار صيام شهرين متتابعين، وعوض من ذلك إطعاما في الظهار والجماع، ولم يعوضه في القتل، وهكذا في كل شئ * فان قالوا: قسنا التيمم على الوضوء، قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، وهلا قستم ما يتيمم (3) من اليدين على ما يقطع من اليدين في السرقة! كما تركتم أن تقيسوا ما يستباح به فرج الحرة في النكاح على ما يستباح به فرج الامة في البيع، وقستموه على ما تقطع فيه يد السارق، لا سيما وقد فرقتم بالنص والاجماع بين حكم التيمم وبين الوضوء في سقوط الرأس والرجلين في التيمم دون الوضوء، وسقوط الجسد كله في التيمم دون الغسل * ويقال لهم كما جعلتم سكوت الله تعالى عن ذكر الرأس والرجلين في التيمم دليلا على سقوط ذلك فيه ولم تقيسوه على الوضوء -: فهلا جعلتم سكوته تعالى عن ذكر التحديد إلى المرافق في التيمم دليلا على سقوط ذلك، ولا تقيسوه على الوضوء؟! كما فعل أبو حنيفة وأصحابه في سكوت الله تعالى عن دين الرقبة (4) في الظهار، ولم


(1) هو في اليمنية (فلم يوجبوا) وهو خطأ (2) في اليمنية (في الطهارة وفي هذه اليمين) وهو خطأ (3) في اليمنية (ما تيمموا) وهو خطأ (4) في المصرية (عن عتق الرقبة) وهو خطأ، لان الشاهد في مسألة اشتراط الاسلام في العتق كما هو ظاهر

[ 152 ]

يقيسوها على المنصوص عليها في رقبة القتل، وإذا قستم التيمم للوضوء على الوضوء فقيسوا التيمم للجنابة على الجنابة، فعموا به الجسد! وهذا مالا مخلص منه (1) وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وقد رأى قوم أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للكفين فقط، واحتجوا بحديث رويناه من طريق حرمى بن عمارة ثنا الحريش بن الخريت (2) أخو الزبير بن الخريت ثنا عبد الله بن أبى مليكة عن عائشة أم المؤمنين: (نزلت آية التيمم فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربة ومسح بها وجهه، ثم ضرب على الارض أخرى فمسح بها كفيه) (3) وبحديث رويناه من طريق شبابة بن سوار عن سليمان بن داود الحرانى عن سالم ونافع عن ابن عمر (4) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: (ضربة للوجه وضربة للكفين) * قال على: وهذا لا شئ، لان أحدهما من طريق الحريش بن الخريت وهو ضعيف، والثانى من طريق سليمان بن داود الحرانى وهو ضعيف * وممن رأى أن التيمم ضربتان ضربة للوجه والاخرى لليدين والذراعين إلى المرفقين -: الحسن البصري وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وابن أبى ليلى والحسن ابن حى والشافعي وأبو ثور، قالوا (5): الا أن يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذلك


(1) في اليمنية (وهذا مما لاتخلص منه) (2) الحريش - بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وآخره شين معجمة - والخريت بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وكسرها وآخره تاء مثناء (3) نسبه الزيلعى في نصب الراية (ج 1: ص 79) إلى البزار في مسنده بلفظ غير هذا بمعناه وقال: (قال البزار: لا نعلمه يروى عن عائشة الا من هذا الوجه، والحريش رجل من أهل البصرة أخو الزبير بن الخريت انتهى: ورواه ابن عدى في الكامل وأسند عن البخاري أنه قال: حريش بن الخريت فيه نظر، قال: وانا لا أعرف حاله فاني لم أعتبر حديثه) ونقل في التهذيب عن البخاري أنه قال: ارجو أن يكون صالحا، وعن يحيى بن معين: ليس به بأس. (4) في المصرية (ونافع وابن عمر) وهو خطأ (5) في اليمنية (قالا) وهو الاظهر عندي أن يكون القائل بهذا القيد الشافعي وابو ثور

[ 153 ]

فنقول به، واختلف في ذلك عن الشعبى * وقال ابراهيم: أحب إلى أن يكون إلى المرفقين، ولهذا قال مالك، ولم ير علي من تيمم إلى الكوعين أن يعيد الصلاة إلا في الوقت * وقد ذهب قوم إلى أن التيمم إلى المناكب، واحتجوا بما رويناه من طريق العباس بن عبد العظيم عن عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد عن عمه جويرية بن أسماء عن مالك بن أنس عن الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار بن ياسر قال: (تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب.) ورويناه أيضا من طريق يعقوب بن ابراهيم بن سعد: ثنا أبى عن صالح بن كيسان عن الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس عن عمار بن ياسر فذكر نزول آية التيمم قال: (فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا أيديهم إلى الارض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الاباط) وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري: حدثنى عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبيه عن عمار، وبه كان يقول عمار والزهرى، روينا من طريق سليمان ابن حرب الواشحى (1): ثنا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى قال: سمعت الزهري يقول: التيمم إلى المنكبين * قال على: هذا أثر صحيح (2) الا أنه ليس فيه نص ببيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، فيكون ذلك حكم التيمم وفرضه، ولا نص بيان (3) بأنه عليه السلام علم بذلك فأقره، فيكون ذلك نديا مستحبا، ولا حجة في فعل أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان العجب ليطول ممن يرى انكار عمر على عثمان أن لم يصل الغسل بالرواح إلى الجمعة بحضرة الصحابة رضى الله عنهم -: حجة في ابطال وجوب الغسل، وهذا الخبر مؤكد لوجوبه منكر لتركه، ثم لا يرى عمل المسلمين في التيمم إلى المناكب مع


(1) بالشين المعجمة والحاء المهملة، وواشح بطن من الازد (2) في اليمنية (هذا أصح (الخ (3) كلمة (بيان) حذفت من اليمنية

[ 154 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة في وجوب ذلك! قال علي: فإذ لا حجة في شئ من هذه الآثار - وقد اختلف الناس كما ذكرنا - فالواجب الرجوع إلى ما افترض الله الرجوع إليه من القرآن والسنة عن التنازع، ففعلنا فوجدنا الله تعالى يقول: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) فلم نجد الله تعالى ذكر غير اليدين (1) ونحن على يقين من أن الله تعالى لو أراد إلى المرافق (2) والرأس والرجلين لبينه ونص عليه كما فعل في الوضوء، ولو أراد جميع الجسد لبينه كما فعل في الغسل، فإذ لم يزيد عزوجل على ذكر الوجه واليدين فلا يجوز لاحد أن يزيد في ذلك ما لم يذكره الله تعالى، من الذراعين والرأس والرجلين وسائر الجسد، ولم يلزم في التيمم إلا الوجه والكفان، وهما أقل ما يقع عليه إسم يدين، ووجدنا السنة الثابتة قد جاءت بذلك لا الاكاذيب (3) الملفقة * كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد البلخى ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد (4) بن كثير أخبرنا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ذر هو ابن عبد الله المرهبى عن ابن عبد الرحمن بن أبزى - هو سعيد - عن أبيه قال قال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: (تمعكت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يكفيك الوجه والكفان (5) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير كلهم عن أبى معاوية عن الاعمش عن شقيق ابن سلمة قال: كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود وأبى موسى الاشعري - فذكر الحديث وفيه - فقال أبو موسى لابن موسى لابن مسعود: (ألم تسمع قول عمار: بعثنى رسول


(1) في الاصلين (فلم يحد الله تعالى غير اليدين) ونحن نوقن أنه سقط منهما كلمة (ذكر) كما هو ظاهر من سياق الكلام فلذلك زدناها (2) في اليمنية (إلى المرفقين) (3) في اليمنية (المكاذيب) (4) في اليمنية (احمد بن كثير) وهو خطأ (5) في الاصلين (والكفين) وهو لحن، صححناه من البخاري (ج 1: ص 52)

[ 155 ]

الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: انما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه (1) الارض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه؟) وبه إلى مسلم ثنا عبد الله بن هاشم العبدى ثنا يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ثنا الحكم عن ذر - هو ابن عبد الله - عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال: انى أجنبت فلم أجد ماء (2)، قال عمر لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما يكفيك (4) أن تضرب الارض بيديك (5) ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك) وذكر باقي الحديث * قال على: في هذا الحديث إبطال القياس، لان عمارا قدر أن المسكوت عنه من التيممم للجنابة حكمه حكم الغسل للجنابة، إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم (6) ذلك وأعلمه أن لكل شئ حكمه المنصوص عليه فقط، وفيه أن الصاحب قد يهم وينسى، وفيه نص حكم التيمم * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن الاعرج قال سمعت عميرا مولى ابن عباس قال: أقبلت أناد عبد الله ابن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلنا على أبى جهيم (7) بن الحارث بن


(1) في الاصلين (بيده) وصححناه من مسلم (ج 1: ص 110) (2) في اليمنية (فقال عمر) وفي مسلم (ج 1: ص 110) (فقال) فقط (3) في مسلم (فصليت) (4) في مسلم (انما كان يكفيك) (5) في مسلم (بيديك الارض) (6) من قوله (حكم الغسل) إلى هنا سقط من اليمنية (7) بالتصغير، وفي اليمنية في الموضعين (جهم) وهو خطأ

[ 156 ]

الصمة الانصاري فقال أبو جهيم: (أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، (1) حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد السلام (2) * قال أبو محمد: هذا هو الثابت لاحديث محمد بن ثابت (3). وهذا فعل مستحب يعنى التيمم لرد السلام في الحضر، * وبهذا يقول جماعة من السلف، كما روينا عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى عن على بن أبى طالب قال التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين (4)، وروينا عن أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن حنبل ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا شعبة ثنا حصين بن عبد الرحمن عن أبى مالك الاشجعى قال سمعت عمار بن ياسر يقول: التيمم ضربة للوجه والكفين، وروينا عن محمد بن أبى عدي حدثنا شبعة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبى مالك أنه سمع عمار بن ياسر يقول في خطبته التيمم هكذا وضرب ضربة للوجه والكفين * قال أبو محمد: هذا بحضرة الصحابة في الخطبة، فلم يخالفه ممن حضر أحد، * وعن أحمد بن حنبل حدثني مسكين بن بكير ثنا الاوزاعي عن عطاء أن ابن عباس وابن مسعود كانا يقولان: التيمم للكفين والوجه، قال الاوزاعي وبهذا كان يقول عطاء ومكحول، وهو الثابت عن الشعبي وقتادة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وبه يقول الاوزاعي وأحمد بن حنبل واسحاق وداود * قال علي: وأما استيعاب الوجه والكفين فما نعلم في ذلك لمن أوجبه حجة الا قياس ذلك على استيعابهما بالماء * قال أبو محمد: والقياس باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا، لان حكم الرجلين عندنا وعندهم في الوضوء الغسل، فلما عوض منه المسح على الخفين سقط


(1) في البخاري (ج 1: ص 52) (فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم) (2) في البخاري (ثم رد عليه السلام) (3) يعنى حديث ابن عمر الذي مضى من رواية محمد بن ثابت العبدى (4) في اليمنية (الرصغين) بالصاد، والرضع لغة في الرسغ،

[ 157 ]

الاستيعاب عندهم، فيلزمهم - ان كانوا يدرون ما القياس - أن كذلك لما كان حكم الوجه واليدين في الوضوء الغسل ثم عوض منه المسح في التيمم -: ان يسقط الاستيعاب كما سقط في المسح على الخفين، لا سيما ومن أصول أصحاب القياس أن المشبه بالشئ لا يقوى قوة الشئ بعينه * قال أبو محمد: هذا كله لا شئ، وانما نورده لنريهم (1) تناقضهم وفساد أصولهم، وهدم بعضها لبعض، كما نحتج على كل ملة وكل نحلة وكل قولة بأقوالها الهادم بعضها لبعض، لانهم (2) يصححونها كلها، لا على أننا نصحح منها شيئا، وانما عمدتنا ههنا ان الله تعالى قال: (بلسان عربي مبين) وقال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) والمسح في اللغة لا يقتضى الاستيعاب، فوجب الوقوف عند ذلك (3) ولم يأت بالاستيعاب في التيمم قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا قول صاحب، نعم ولا قياس، فبطل القول به، وممن قال بقولنا في هذا وأنه انما هو ما وقع عليه اسم مسح فقط: - أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي (4) وغيره قال أبو محمد: والعجب أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم ومسح على الخفين والعمامة والخمار، ومسح الحجر الاسود في الطواف، ولم يختلف (5) أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الاسود لا يقتضى الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكما بلا برهان، واضطربوا في الرأس، فلم يوجب أبو حنيفة ولا الشافعي فيه


(1) في المصرية (لنوريهم) وهو خطأ من الناسخ قبيح (2) في المصرية (لانها) وهو خطأ (3) في اليمنية (عنده) (4) سليمان هذا هو ابن داود بن على بن عبد الله بن عباس، تلميذ الشافعي وشيخ البخاري واحمد بن حنبل، قال الشافعي: ما رأيت أعقل من رجلين احمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي) وقال احمد: (لو قيل لى. اختر للامة رجلا استخلف عليهم، استخلفت عليهم سليمان بن داود) (5) في اليمنية (فلم يختلف)

[ 158 ]

الاستيعاب، وهم مالك بأن يوجبه، وكاد فلم يفعل، فمن أين وقع (1) لهم تخصيص المسح في التيمم بالاستيعاب بلا حجة، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من لغة ولا من إجماع ولا من قول صاحب ولا من قياس؟! وبالله تعالى التوفيق (2) * 251 - مسألة - وان عدم الميت الماء يمم كما يتيمم الحى، لان غسله فرض، وقد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التراب طهور إذا لم نجد الماء، فهذا عموم لكل طهور واجب، ولا خلاف في أن كل غسل طهور * 252 - مسألة - ولا يجوز التيمم إلا بالارض، ثم تنقسم الارض إلى قسمين: تراب وغير تراب، فأما التراب فالتيمم به جائز، كان في موضعه من الارض، أو منزوعا مجعولا في إناء أو في ثوب أو على يد انسان أو حيوان، أو نفض غبار من كل ذلك فاجتمع منه ما يوضع عليه الكف، أو كان في بناء لبن أو طابية (3) أو غير ذلك، وأما ما عدا التراب من الحصى أو الحصباء أو الصحراء (4) أو الرضراض (5) أو الهضاب أو الصفا أو الرخام أو الرمل أو معدن كحل أو معدن زرنيخ أو جيار (6) أو جص أو معدن ذهب أو توتيا أو كبريت (7) أولا زورد أو معدن ملح أو غير


(1) في اليمنية (يقع) (2) هنا بهامش اليمنية ما نصه (قال الشيخ شمس الدين الذهبي: يلزمه على هذا التقدير أن يقول في مسح التيمم بجواز بعض الوجه وبعض اليدين كما قال في مسح اليسير من الرأس والخفين، وما أمكن يقول بهذا أحد)! وكذا بالاصل (وما أمكن) ولعل صوابها: (وما أظن) فتصحفت على الناسخ (3) كذا في الاصلين. (4) كذا فيهما. (5) كذا في المصرية والرضراض الحصى، والصفى، وفي اليمنية (الرصاص) (6) بفتح الجيم وتشديد الياء وهو النورة، وقيل الجير إذا خلط بالنورة، وفى المصرية (جبار) وفي اليمنية (حيار) وكلاهما خطأ (7) في اليمنية (كبريتا) وهو خطأ

[ 159 ]

ذلك: - فان كان في الارض غير مزال عنها (1) إلى شئ آخر فالتيمم بكل ذلك جائز، وان كان شئ من ذلك مزال إلى إناء أو إلى ثوب أو نحو ذلك لم يجز التيمم بشئ منه، ولا يجوز التيمم بالآجر فأن رض حتى يقع عليه اسم تراب جاز التيمم به، وكذلك الطين (2) لا يجوز التيمم به، فان جف حتى يسمي ترابا جاز التيمم به، ولا يجوز التيمم بملح انعقد من الماء كأن في موضعه أو لم يكن، ولا بثلج ولا بورق ولا بحشيش ولا بخشب ولا بغير ذلك مما يحول بين المتيمم وبين الارض * برهان ذلك قول الله تعالى (فتيمموا صعيد طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء) وقال عليه السلام (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) وقد ذكرنا كل ذلك باسناده قبل فأغنى عن اعادته، فصح أنه لا يجوز (3) التيمم إلا بما نص عليه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأت النص إلا بما ذكرنا من الصعيد، وهو وجه الارض في اللغة التى بها نزل القرآن وبالارض - وهي معروفة (4) - وبالتراب فقط فوجدنا التراب سواء كان منزوعا عن الارض محمولا في ثوب أو في اناء أو على وجه انسان أو عرق فرس أو لبد أو كان لبنا أو طابية أو رضاض آجر أو غير ذلك (5) فانه تراب لا يسقط عنه هذا الاسم، فكان التيمم به على كل حال جائزا، ووجدنا الآجر والطين قد سقط عنهما اسم تراب واسم أرض واسم صعيد فلم يجز التيمم به، فإذا رض أو جفف عاد عليه اسم تراب فجاز التيمم به، ووجدنا سائر ما ذكرنا من الصخر ومن الرمل ومن المعادن ما دامت في الارض فان اسم الصعيد واسم الارض يقع على كل ذلك، فكان التيمم بكل ذلك جائزا، ووجدنا كل ذلك إذا أزيل عن الارض سقط عنه اسم الارض واسم


(1) في اليمنية أو معدن ملح أو غير ذلك فان كان في الارض غير ذلك فان في الارض مزال عنها) وهو خلط (2) في المصرية (وكذلك التيمم بالطين) (3) في المصرية (لا يحل) (4) في المصرية (التى هي معروفة) (5) في اليمنية (أو رصاص لم يجز غير ذلك) وهو كلام لا معنى له

[ 160 ]

الصعيد ولم يسم ترابا، فلم يجز التيمم بشئ من ذلك، ووجدنا الملح المنعقد من الماء والثلج والحشيش والورق لا يسمى شيئا من ذلك صعيدا ولا أرضا ولا ترابا، فلم يجز التيمم به، وهذا هو الذى لا يجوز غيره * وفى هذا خلاف من ذلك ان الحسن بن زياد قال ان وضع التراب في ثوب لم يجز التيمم به، وهذا تفريق لا دليل عليه وقال مالك يتيمم على الثلج وروى أيضا ذلك عن أبى حنيفة، وهذا خطأ لانه لم يأت به نص ولا اجماع فان قيل: ما حال بينك وبين الارض فهو أرض قيل لهم فان حال بينه وبين الارض قتلى (1) أو غنم أو ثياب أو خشب أيكون ذلك من الارض (2) فيتيمم عليه؟! وهم لا يقولون بذلك، وقولهم: ان ما حال بينك وبين الارض فهو أرض أو من الارض - فقول فاسد لم يوجبه قرآن ولا سنة ولا لغة ولا اجماع ولا قول صاحب ولا قياس) * قال على: والثلج والطين والملح لا يتوضأ بشئ منها ولا يتيمم، لانه ليس شئ من ذلك يسمى ماء ولا ترابا ولا أرضا ولا صعيدا، فإذا ذاب الملح والثلج فصارا ماء جاز (1) الوضوء بهما، لانهما ماء، وإذا جف الطين جاز التيمم به لانه تراب * وقال الشافعي وابو يوسف: لا يتيمم الا بالتراب خاصة، لا بشئ غير ذلك، فادعوا أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت تربتها لنا طهورا) بيان لمراد الله تعالى بالصعيد، ولمراده عليه السلام بقوله: (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) * قال على: وهذا خطأ، لانه دعوى بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل قال عزوجل: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)، بل كل ما قال عزوجل ورسوله عليه السلام فهو حق، فقال الله عزو جل: (صعيدا طيبا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الارض مسجد وطهور) وقال عليه السلام: (الارض مسجد وتربتها طهور)


(1) في المصرية (قتلاء) وهو خطأ، ولم يذكر في اليمنية (2) من قوله (فهو أرض قيل لهم) حذف من اليمنية، وهو سقط من الناسخ (3) في المصرية (فإذا أذيب الملح والثلج فصار ماء) وما هنا أحسن

[ 161 ]

فكل ذلك حق، وكل ذلك مأخوذ به، وكل ذلك لا يحل ترك شئ منه لشئ آخر فالتراب كله طهور والارض كلها طهور والصعيد كله طهور، والآية وحديث جابر في عموم الارض زائد حكما على حديث حذيفة في الاقتصار على التربة، فالاخذ بالزائد واجب، ولا يمنع ذلك من الاخذ بحديث حذيفة، وفى الاقتصار على ما في حديث حذيفة مخالفة للقرآن ولما في حديث جابر، وهذا لا يحل. وبالله تعالى التوفيق * وقال أبو حنيفة: الصعيد كله يتيمم به، كالتراب والطين والزرنيخ والجير والكحل والمرد اسنج (1) وكل تراب نفض من وسادة أو فراش أو من حنطة أو شعير: فالتيمم به جائز وكذلك قال سفيان الثوري: ان كان في ثوبك أو سرجك أو بردعتك تراب أو على شجر فتيمم به، وهذا قولنا. وبالله تعالى التوفيق * 253 - مسألة - قال الاعمش: يقدم في التيمم اليدان قبل الوجه، وقال الشافعي يقدم الوجه على الكفين ولا بد، وأباح أبو حنيفة تقديم كل منهما على الآخر * قال على: وبهذا نقول، لاننا روينا من طريق البخاري عن محمد بن سلام عن أبى معاوية عن الاعمش عن شقيق عن أبى موسى الاشعري عن عمار بن ياسر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه التيمم فضرب ضربة بكفه على الارض ثم نفضها ثم مسح بها (2) ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه) فكان هذا حكما زائدا، وبيانا أن كل ذلك جائز، بخلاف الوضوء. وبالله تعالى التوفيق * فمن أخذ بظاهر القرآن فبدأ بالوجه فحسن، ومن أخذ بحديث عمار فبدأ باليدين قبل الوجه فحسن، ثم استدركنا قوله عليه السلام: (ابدأوا بما بدأ الله به) فوجب أن لا يجزئ الا الابتداء بالوجه ثم اليدين *


(1) كذا في المصرية، وفى اليمنية (والمراد امسح) والله اعلم (2) في المصرية (بهما) وهو خطأ. وانظر البخاري (ج 1 ص 54)

[ 162 ]

* (كتاب الحيض والاستحاضة (2)) * 254 - مسألة (3) - الحيض هو الدم الاسود الخاثر الكريه الرائحة خاصة، فمتى ظهر من فرج المرأة لم يحل لها أن تصلى ولا أن تصوم ولا أن تطوف بالبيت ولا أن يطأها زوجها ولا سيدها في الفرج، الا حتى ترى الطهر، فإذا رأت أحمر أو كغسالة اللحم أو صفرة أو كدرة أو بياضا أو جفوفا (4) فقد طهرت وفرض عليها أن تغتسل (5) جميع رأسها وجسدها بالماء فان لم تجد الماء فلتتيمم ثم تصلي وتصوم وتطوف بالبيت ويأتيها زوجها أو سيدها، وكل ما ذكرنا فهو قبل الحيض وبعده طهر ليس شئ منه حيضا أصلا * أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطئ في الفرج في حال (6) الحيض فاجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد (7) من أهل الاسلام فيه، وقد خالف في ذلك قوم من الازارقة حقهم ألا يعدوا في أهل الاسلام (8) * وأما ما هو الحيض؟ فان يونس بن عبد الله بن مغيث حدثنا قال ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ثنا أحمد بن خالد ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد ابن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا هشام بن عروة حدثني أبى عن عائشة: (ان فاطمة ابنة أبى حبيش أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنى أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، قال: ليس ذلك بالحيض، انما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا أدبرت (9) فاغتسلي وصلي). وهكذا رويناه من طريق حماد بن زيد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن جريج ومعمر وزهير بن معاوية


(1) كلمة كتاب زدناها من اليمنية (2) في اليمنية زيادة (من المحلى شرح المجلى) (3) في اليمنية (مسألة قال ابو محمد على بن احمد بن سعيد بن حزم الفقيه رضى الله عنه) (4) يقال: جف الشئ جفوفا وجفافا (5) في المصرية (ان تغتسل) وهو خطأ (6) كلمة (حال) سقطت من اليمنية (7) في اليمنية (من أحد) (8) في اليمنية (من أهل الاسلام، وأما ما هو الحيض) الخ وسقط ما في اثناء ذلك (9) في اليمنية (فإذا ادبرت)

[ 163 ]

وأبى معاوية و عبد الله بن نمير ووكيع بن الجراح وجرير وعبد العزيز بن محمد الذراوردى وأبى يوسف كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ورويناه من طريق مالك والليث وحماد بن سلمة وعمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن الجمحى كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا ذهبت فاغسلي عنك الدم ثم صلى) وفي بعضها (فتوضئ) * وحدثنا يونس بن عبد الله ثنا أبو بكر بن أحمد بن خالد ثنا أبى ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثني محمد بن كثير عن الاوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: انها ليست بالحيضة ولكنه عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا أدبرت (1) فاغتسلي وصلي * حدثنا أبو سعيد الجعفري ثنا أبو بكر الاذفونى (2) المقرئ ثنا أحمد بن محمد بن اسماعيل ثنا الحسن بن غليب (3) ثنا يحيى بن عبد الله ثنا الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن بكير بن عبد الله بن الاشج عن النذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير أن فاطمة بنت أبى حبيش أخبرته: (انها أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم، فقال: انما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر القرء فتطهري ثم صلي من القرء إلى القرء) * فأمر عليه السلام باجتناب الصلاة لاقبال الحيضة، وبالغسل لادبارها، وخاطب (4) بذلك نساء قريش والعرب العارفات بما يقع عليه اسم الحيضة، فوجب أن يطلب بيان ذلك وما هي الحيضة في الشريعة واللغة، فوجدنا ما حدثناه حمام ابن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن


(1) في اليمنية (فإذا ادبرت) (2) كذا في المصرية، وفي اليمنية (أبو بكر بن الادلولى) بدون اعجام ولم اعرف من هو ولا ما صحة هذه النسبة (3) بالغين المعجمة مصغر وفي اليمنية بالمهملة وهو تصحيف (4) في المصرية (وحاضت) وهو تصحيف

[ 164 ]

حنبل ثنا أبي ثنا محمد بن أبى عدى ثنا محمد بن عمرو هو ابن علقمة بن وقاص - عن الزهري عن عروة عن فاطمة بنت أبى حبيش: (كانت استحيضت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان دم الحيض اسود (1) يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئ وصلى، فانما هو عرق (2) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا قتيبة ثنا يزيد بن زريع (3) عن خالد الحذاء عن عكرمة عن عائشة قالت (اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه، فكانت ترى الصفرة والدم والطست تحتها (4)، وهى تصلى) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن سلمة المرادى ثنا عبد الله ابن وهب عن عمرو الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن كلاهما (5) عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (ان أم حبيبة بنت حبيش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف (6) استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلى، قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء) *


(1) في اليمنية (الحيضة) (2) الحديث بهذا الاسناد ليس في مسند احمد بن حنبل، وانما هو فيه من حديث فاطمة باسنادين آخرين انظر المسند (ج 6 ص 420 و 463 و 464) (3) في اليمنية (ثنا قتيبة بن يزيد بن زريع) وهو خطأ (4) في البخاري (ج 1 ص 284): (اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من ازواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهى تصلى) وفى اليمنية (الطشت) (5) كلمة (كلاهما) ليست في صحيح مسلم (6) في مسلم (ج 1 ص 103) (بنت حبيش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمن بن عوف)

[ 165 ]

فصح بما ذكرنا أن الحيض انما هو الدم الاسود وحده وأن الحمرة والصفرة والكدرة عرق وليس حيضا، ولا يمنع شئ من ذلك الصلاة) * فإن قيل: انما هذا للتى يتصل بها الدم أبدا، قلنا فان اتصل بها الدم بعض دهرها وانقطع بعضه فما قولكم؟ ألها هذا الحكم أم لا؟ فكلهم مجمع على أن هذا الحكم لها، فقلنا لهم: حدوا لنا المدة التى إذا اتصل (1) بها الدم والصفرة والكدرة كان لهم هذا الحكم الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمدة التى إذا اتصل بها هذا كله لم يكن لها ذلك الحكم، فكان الذى وقفوا عليه من ذلك أن قالت طائفة تلك المدة هي أيامها المعتادة لها، وقالت طائفة أخرى: بل تلك المدة هي أكثر من أيامها المعتادة (2) لها، فإذا كان ذلك (3) راعوا في أيام عادتها تكون الدم والا فلا، فقلت لهم: هاتان دعويان (4) قد سمعناهما، والدعوى مردودة ساقطة الا ببرهان، فهاتوا برهانكم ان كنتم صادقين، فقال بعضهم قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اقعدي أيام أقرائك ودعى الصلاة (5) قدر الايام التى كنت تحيضين فيها) قلنا: نعم هذا صحيح، وانما أمر عليه السلام بهذا التي لا تميز دمها والذي هو كله (6) أسود متصل، برهان ذلك قوله للتى تميز دمها: (ان دم الحيض أسود يعرف فإذا جاء الآخر فصلى وإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلى واغسلى عنك الدم وصلى) على ما نبين في باب المستحاضة ان شاء الله تعالى * قال أبو محمد: وهذا لا مخلص لهم منه، فان تعلقوا بمن روى عنه مثل قولهم،


(1) في المصرية (اتصلت) وهو خطأ (2) في اليمنية (فكان الذى وقفوا عليه من ذلك قالت طائفة تلك المدة هي اكثر) الخ وهذا خطأ (3) في المصرية (كذلك) (4) في المصرية (فقلت لهم هذا دعويان) وفي اليمنية (فقلنا لهم هذه دعويان) وكلاهما خطأ (5) في المصرية (قدر) وهو خطأ (6) في اليمنية (التى لا يتميز دمها والتي هو كله

[ 166 ]

مثل ما رويناه من طريق علقمة بن أبى علقمة (1) عن أمه كنت أري النساء يرسلن إلى عائشة بالدرحة فيها الكرسف (2) فيها الصفرة يسألنها عن الصلاة فسمعت عائشة تقول: لا تصلين حتى ترين القصة البيضاء * قال أبو محمد: ما نعلم لهم عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم متعلقا الا هذه الرواية وحدها، وقد خولف أم علقمة في ذلك عن عائشة، وخالف هذه الرواية عن أم علقمة غير أم المؤمنين من الصحابة * فأما الرواية عن عائشة رضى الله عنها فان احمد بن عمر بن أنس (3) قال ثنا عبد بن احمد الهروي أبو ذر ثنا أحمد بن عبدان الحافظ بنيسابور ثنا محمد بن سهل ابن عبد الله المقرئ البصري ثنا محمد بن اسماعيل البخاري - هو جامع الصحيح - قال: قال لنا على بن ابراهيم ثنا محمد بن أبى الشمال (4) العطاردي البصري حدثتني أم طلحة قالت: سألت عائشة أم المؤمنين فقالت: دم الحيض بحراني أسود * حدثا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن أبي بكر الهذلى عن معاذة العدوية عن عائشة قالت. ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضا * وروينا من طريق أحمد بن حنبل ثنا اسماعيل بن علية ثنا خالد الحذاء عن


(1) في اليمنية (علقمة بن علقمة) وهو خطأ (2) في المصرية (الكرفس) وهو خطأ. والكرسف بضم الكاف والسين المهملة وبينهما راء ساكنة هو القطن (3) في المصرية (احمد بن عفراء بن أنس) وهو خطأ (4) في اليمنية (السماك) وهو خطأ. وابن ابى الشمال هذا ذكره ابن حبان في الثقات فقال وقال البخاري: لا يتابع على حديثه) واثره هذا رواه العقيلى في الضعفاء من طريق محمد بن المثنى عنه، نقله في لسان الميزان (ج 5 ص 199 و 200) وفيه (ان دم الحيض احمر بحراني) قال في المصباح (يقال للدم الخالص شديد الحمرة باحر وبحراني، وقيل الدم البحراني منسوب إلى بحر الرحم وهو عمقها)

[ 167 ]

أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس فأمروني فسألت ابن عباس فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلى، فإذا رأت الطهر ولو ساعة من نهار فلتغتسل وتصلى. فلم يلتفت ابن عباس إلى اتصال الدم، بل رأي وأفتي أن ما عدا الدم البحراني فهو طهر، تصلى مع وجوده، ولو لم ترإلا ساعة من النهار، وانه لا يمنع الصلاة الا الدم البحراني، وهذا اسناد في غاية الجلالة * ومن طريق البخاري: حدثنا قتيبة ثنا اسماعيل - هو ابن علية - عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا. وأم عطية من المبايعات من نساء الانصار (1) قديمة الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم (2) وفاطمة بنت أبى حبيش (3) وأم حبيبة بنت جحش هذا نفسه، وكل هذا الثابت الصحيح بالاسانيد (4) العالية الصحيحة * وروينا عن على بن أبى طالب: إذا رأت بعد الطهر (5) مثل غسالة اللحم أو مثل قطرة الدم من الرعاف فانما تلك ركضة من ركضات الشيطان فلتنضح بالماء ولتتوضأ ولتصل فان كان عبيطا لاخفاء به فلتدع الصلاة. وعن ثوبان في المرأة ترى البرية (6) قال: تتوضأ وتصلى، قيل: أشئ تقوله أم سمعته؟ قال: ففاضت عيناه وقال: بل سمعته * قال أبو محمد: فهذا أقوى من رواية أم علقمة وأولى، وقد روى ما يوافق رواية


(1) قوله (من نساء الانصار) ليس في اليمنية (2) قوله (وقد ذكر عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم) سقط من المصريا فاختل الكلام حتى لم يفهم، وزدناه من اليمنية (3) في اليمنية (وفاطمة بنت ابى جحش وهو خطأ (4) في اليمنية (والاسانيد) وهو خطأ (5) في اليمنية (إذا رأت الطهر) بحذف (بعد) وهو خطأ (6) كذا في المصرية وفي اليمنية (الثربة) وكلاهما غير مفهوم، ولم أجد هذا الحديث في مسند احمد ولا في غيره من كتب السنة

[ 168 ]

أم علقمة عن عمرة من رأيها، وعن ربيعة ويحيى بن سعيد مثل ذلك، وقد خالف هؤلاء من التابعين من هو أجل منهم، كسعيد بن المسيب، روينا من طريق قتادة عنه في المرأة ترى الصفرة والكدرة: أنها تغتسل وتصلى وروينا عن سفيان الثوري عن القعقاع: سألنا ابراهيم النخعي عن المرأة ترى الصفرة؟ قال: تتوضأ وتصلى، وعن مكحول مثل ذلك * فان ذكروا حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذى يأتي امرأته وهي حائض قال: (ان كان الدم عبيطا فدينار، وان كان فيه صفرة فنصف دينار) قلنا: هذا حديث لو صح لكانوا قد خالفوا ما فيه، ومن الباطل أن يكون بعض الخبر حجة وبعضه ليس حجة، فكيف وهو باطل لا يصح لان روايه عبد الكريم بن أبي المخارق وليس بثقة جرحه (1) أيوب السختيانى وأحمد بن حنبل وغيرهما * فان قالوا: ان حديث ابن أبى عدى اضطرب فيه، فمرة حدث به من حفظه (2)، فقال: عن الزهري عن عروة عن عائشة، ومرة حدث به من كتابه فقال: عن الزهري عن عروة عن فاطمة بنت أبى حبيش، ولم يذكر هذا الكلام أحد غير محمد بن أبى عدى، قلنا: هذا كله قوة للخبر، وليس هذا اضطرابا، لان عروة رواه عن فاطمة وعائشة معا، وأدركهما (3) معا، فعائشة خالته أخت أمه (4)، وفاطمة بنت أبى حبيش ابن المطلب بن أسد (5) ابنة عمه، وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد ابن أسد (6)، ومحمد بن أبى عدى الثقة الحافظ المأمون، ولا يعترض بهذا الا المعتزلة الذين لا يقولون بخبر الواحد، تعللا على إبطال السنن فسقط كل ما تعلقوا به. والحمد لله رب العالمين * وقولنا هذا هو قول جمهور أصحابنا * وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والاوزاعي والشافعي وأحمد واسحاق وعبد الرحمن


(1) في اليمنية (خرجه) وهو تصحيف (2) في اليمنية (من لفظه) وهو خطأ (3) في اليمنية (فادركهما) وما هنا أصح (4) لان أمه اسماء بنت أبى بكر الصديق (5) في المصرية (أسيد) بالتصغير وهو خطأ (6) في اليمنية بحذف ابن أسد)

[ 169 ]

ابن مهدي: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيص، وليست في غير أيام الحيض حيضا، وقال الليث بن سعد: الدم والصفرة والكدرة في غير أيام الحيض ليس شئ من ذلك حيضا، وكل ذلك في أيام الحيض حيض (1) وقال مالك وعبيد الله بن الحسن (2) * الصفرة والكدرة حيض، سواء كان في أيام الحيض أو في غير أيام الحيض، وقال أبو يوسف ومحمد: الصفرة والدم فكل ذلك في أيام الحيض حيض (3) وأما الكدرة فهى في أيام الحيض قبل الحيض ليست حيضا، وأما بعد الحيض فهى حيض، وكل ذلك ليس في غير أيام الحيض حيضا (4)، على عظيم اضطرابهم في الدم في غير أيام الحيض، فان أبا حنيفة قال: إذا رأت المرأة الدم قبل أيام حيضها ثلاثة أيام فأكثر وانقطع في أيام حيضها أو اتصل أقل من ثلاثة أيام منها فليس شئ من ذلك حيضا ولا تمتنع بذلك من الصلاة والصوم والوطئ إلا أن يتكرر ذلك عليها مرتين ويتصل كذلك فهو حيض متصل (5)، قال: فان رأت الدم قبل أيام حيضها بيومين فأقل واتصل بها في أيامها ثلاثة أيام فاكثر فهو كله حيض، ما لم تجاوز عشرة أيام، قال: فان رأت الدم قبل أيام حيضها ثلاثة أيام فصاعدا وفى أيام الحيض متصلا بذلك ثلاثه ايام فصاعدا، فمرة قال: كل ذلك حيض، ومرة قال: أما ما رأت قبل أيامها فليس حيضا، وأما ما رأت في أيامها حيض، وهذه تخاليط ناهيك بها! وقال أبو ثور وبعض اصحابنا: الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض ليستا حيضا، وفى أيام الحيض قبل الدم ليستا حيضا، وأما بعد الدم متصلا به فهما حيض * قال على: واحتج هؤلاء بان قالوا: ما لم يتيقن الحيض فلا يجوز أن تترك الصلاة


(1) في الاصلين (حيضا) وهو لحن (2) هو عبيد الله بن الحسن العنبري قاضى البصرة فقيه ثقة. وهو الذي قال ان كل مجتهد مصيب، وأخذت عليه هذه الغلطة وقيل انه رجع عنها. ولد سنة 105 ومات سنة 168. وفي المصرية (عبد الله) بالتكبير وهو خطأ (3) في اليمنية (حيضا) وهو لحن (4) في اليمنية (حيض) وهو لحن (5) في اليمنية (فهو حيض ومنتقل) وهو خطأ

[ 170 ]

والصوم المتيقن وجوبهما، ولا أن تمنع من الوطئ المتيقن تحليله حتى إذا تيقن (1) الحيض وحرمت الصلاة والصوم والوطئ بيقين لم يسقط تحريم ذلك الا بيقين آخر * قال على وهذا عمل غير صحيح البيان، بل هو مموه، وذلك أن هاتين المقدمتين حق الا أن اليقين الذى ذكروا هو النص، وقد صح النص بان ما عدا الدم (2) الاسود ليس حيضا، ولا يمنع من صلاة ولا من صوم ولا من وطئ، فصارت حجتهم حجة عليهم، وأيضا فلو لم يكن ههنا هذا النص لما وجب ما قلوه، لان الصلاة والصوم فرضان قد تيقن وجوبهما والوطئ حق قد تيقنت اباحته في الزوجة والامة المباحة والحيض قد تيقن أنه محرم به كل ذلك، فلا يجوز أن يقطع على شئ بان حيض محرم للصلاة وللصوم وللوطئ الا بنص وارد أو باجماع متيقن، وأما بدعوى مختلف فيها فلا، فهذا هو الحق، ولا نص ولا إجماع ولا لغة في أن ما عدا الدم الاسود حيض أصلا، وقد صح النص والاجماع واللغة على أن الدم الاسود حيض، فلا يجوز أن يسمى حيضا الا ما صح النص والاجماع بأنه حيض، لا مالا نص فيه ولا إجماع * واحتج بعض أهل المقالة الاولى بان قال لما كان السواد حيضا وكانت الحمرة جزءا من أجزاء السواد وجب أن تكون حيضا، ولما كانت الصفرة جزءا من أجزاء الحمرة وجب أن تكون حيضا (3)، ولما كانت الكدرة جزءا من أجزاء الصفرة وجب أن تكون حيضا، ولما كان كل ذلك في بعض الاحوال حيضا وجب أن يكون في كل الاحوال حيضا * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل، لانه يعارض بان يقال له: لما كانت القصة البيضاء طهرا وليست حيضا باجماع ثم كانت الكدرة بياضا غير ناصع -: وجب أن لا تكون حيضا، ثم لما كانت


(1) في المصرية (إذا لم يتيقن) وهو خطأ (2) في المصرية (وقد صح النص فان ما عدا الدم) وفي اليمنية (بل ما عدا الدم) (3) في اليمنية (وجب ان تكون في بعض الاحوال حيضا) وهذه الزيادة لالزوم لها هنا الآن.

[ 171 ]

الصفرة كدرة مشبعة وجب ان لا تكون حيضا ثم لما كانت الحمرة صفرة مشبعة وجب ان لا تكون حيضا ولما كان ذلك في بعض الاحوال وهو ما كان بعد أكثر أيام الحيض ليس حيضا وجب أن يكون في جميع الاحوال ليس حيضا فهذا أصح من قياسهم، لاننا لم نساعدهم قط على ان الحمرة والصفره والكدرة حيض في حل من الاحوال، ولا في وقت من الاوقات، ولا جاء بذلك قط نص ولا اجماع ولا قياس غير معارض ولا قول صاحب لم يعارض، وهم كلهم قد وافقونا على أن كل ذلك ليس حيضا إذا رؤى فيما زاد في أيام الحيض، فبطل قياسهم، وكان ما جئناهم به لو صح القياس لا يصح غيره، وكذلك لا يوافقون على أن الحمرة جزء من السواد، ولا أن الصفرة جزء من الحمرة، ولا أن الكدرة جزء من الصفرة، بل هي دعوى عارضناهم بدعوى مثلها فسقط كل ما قالوه، والحمد لله رب العالمين، وثبت قولنا بشهادة النص والاجماع له. * 255 مسألة فإذا رأت الطهر (1) كما ذكرنا لم تحل لها الصلاة ولا الطواف بالكعبة حتى تغسل جميع رأسها وجسدها بالماء، أو تتيمم ان عدمت الماء أو كانت مريضة عليها في الغسل حرج، وإن أصبحت صائمة ولم تغتسل فاغتسلت أو تيممت ان كانت من أهل التيمم بمقدار ما تدخل في صلاة الصبح صح صيامها، وهذا كله إجماع متيقن، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واذأ ادبرت الحيضة فتطهري: ولقول الله تعالى: (فإذا تطهرن فأتوهن) وقد أخبر عليه السلام أن الارض طهور (2) إذا لم نجد الماء، فوجب التيمم للحائض عند عدم الماء وفي تأخيرها الغسل والتيمم عن هذا المقدار خلاف نذكره في كتاب الصيام إن شاء الله * 256 مسألة وأما وطئ زوجها أو سيدها لها إذا رأت الطهر فلا يحل إلا بأن تغسل جميع رأسها وجسدها بالماء أو بأن تتيمم (3) ان كانت من أهل التيمم فان لم تفعل فبأن تتوضأ وضوء الصلاة أو تتيمم ان كانت من أهل التيمم، فان لم تفعل فبأن تغسل فرجها بالماء ولا بد أي هذه الوجوه الاربعة فعلت حل له وطؤها *


(1) في المصرية (الكدرة) وهو خطأ (2) في المصرية (طهورا) وهو لحن (3) في المصرية (وأن تتيمم) وما هنا أحسن

[ 172 ]

برهان ذلك قول الله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتي يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) فقوله: (حتي يطهرن) معناه حتى يحصل لهن الطهر الذى هو عدم الحيض، وقوله تعالى: (فإذا تطهرن) هو صفة فعلهن وكل ما ذكرنا يسمى في الشريعة وفى اللغة تطهرا وطهورا وطهرا، فأي ذلك فعلت فقد تطهرت: قال الله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) فجاء النص والاجماع بأنه غسل الفرج والدبر بالماء. وقال عليه السلام: (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) فصح أن التيمم للجنابة وللحدث طهور. وقال تعالى. (وان كنتم جنبا فاطهروا) وقال عليه السلام: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) يعني الوضوء * ومن اقتصر بقوله تعالى: (فإذا تطهرن) على غسل الرأس والجسد كله دون الوضوء ودون التيمم ودون غسل الفرج بالماء فقد قفا مالا علم له به، وادعى أن الله تعالى أراد بعض ما يقع عليه كلامه بلا برهان من الله تعالى * ويقال لهم: هلا فعلتم هذا في الشفق (1)؟ إذ قلتم أي شئ توقع عليه اسم الشفق فبغر وبه تدخل صلاة العتمة، فمرة تحملون اللفظ على كل ما يقتضيه، ومرة على بعض ما يقتضيه بالدعوي والهوس * فان قال إذا حاضت حرمت باجماع فلا تحل الا باجماع آخر، قلنا هذا باطل، ودعوي كاذبة، لم يوجبها لا نص ولا اجماع، بل إذا حرم الشئ باجماع ثم جاء نص يبيحه فهو مباح، ما نبالي أجمع على اباحته أم اختلف فيها، ولو كانت قضيتكم هذه صحيحة لبطل بها عليكم أكثر أقوالكم، فيقال لكم: قد حرمتم الصلاة على المحدث والمجنب باجماع، فلا تحل لهما الا باجماع ولا تجيزوا للجنب (2) أن يصلى بالتيمم ولو عدم الماء شهرا فلا اجماع في ذلك، بل عمر بن الخطاب وابن مسعود وابراهيم والاسود لا يجيزون له الصلاة بالتيمم، وأبطلوا صلاة من توضأ ولم يستنشق،


(1) في اليمنية (في السقف) وهو خطأ يفسد المعنى (2) من قوله (فيقال لكم) إلى هنا سقط من اليمنية

[ 173 ]

لانه لا اجماع في صحتها (1) وأبطلوا صلاة من توضأ بفضل امرأة (2) ومن لم يتوضأ مما مست النار، وهذا كثير جدا، وكذلك القول في الصيام والزكاة والحج وجميع الشرائع، فصح أن قضيتهم (3) هذه في غاية الفساد في ذاتها، في غاية الافساد لقولهم * قال على: وممن قال بقولنا في هذه المسألة عطاء وطاوس ومجاهد، وهو قول أصحابنا * وقال أبو حنيفة وأصحابه: ان كانت أيامها عشرة أيام فبانقطاع العشرة الايام يحل له وطؤها، اغتسلت أو لم تغتسل، مضى لها وقت صلاة (4) أو لم يمض توضأت أو لم توضأ، تيممت أو لم تتيمم، غسلت فرجها أو لم تغسله فان كانت أيام حيضها أقل من عشرة أيام لم يحل له أن يطأها إلا بأن تغتسل أو يمضى لها وقت ادنى صلاة من طهرها فان مضى لها وقت صلاة واحدة طهرت فيه أو قبله ولم تغتسل فيه فله وطؤها، وان لم تغتسل ولا تيممت ولا توضأت ولا غسلت فرجها فان كانت كتابية حل له وطؤها إذا رأت الطهر على كل حال * وهذه أقوال نحمد الله على السلامة منها، ولم يرو عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة شئ، ولا نعلم أيضا (5) عن أحد من التابعين إلا عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهرى وربيعة المنع من وطئها حتى تغتسل ولا حجة في قولهم لو انفردوا، فكيف وقد عارضهم من هو مثلهم. وبالله تعالى التوفيق *


(1) قوله (وابطلو صلاة من توضأ ولم يستنشق لانه لا اجماع في صحتها) سقط من اليمنية (2) في المصرية (بفضل امرأته) وما هنا أصح (3) في المصرية (قضيتكم) وما هنا أنسب لسياق الكلام (4) في المصرية (وقت الصلاة) وما هنا أحسن (5) في المصرية (ولا يعلمه أحد أيضا) وما هنا أقرب إلى الصواب، فليس من عادة ابن حزم أن يجزم بمثل هذه الدعوى العريضة: أنه لا يوجد أحد من الناس يعلم قولا عن واحد من التابعين في هذه المسألة الا ما علمه هو فقط

[ 174 ]

وكم من مسألة خالفوا فيها أكثر عددا (1) من هؤلاء من الصحابة رضى الله عنهم لا يعرف لهم فيها مخالف، وقد ذكرنا منها كثيرا قبل، ونذكر ان شاء الله عزوجل من ذلك الرواية عن عمر وعلى وابن عباس وأنس وأبي هريرة وعبد الله بن عمر ونافع بن جبير: لا تجوز الصلاة في مقبرة ولا إلى قبر (2)، ولا يعرف لهم في ذلك مخالف من الصحابة، فخالفوهم بآرائهم، أو عن أ؟؟؟ بكر وثابت بن قيس وأنس: الفخذ ليست عورة (3) ولا يعرف لهم في ذلك مخالف من الصحابة، فخالفوهم، ومثل ذلك كثير جدا * ولو أن الله تعالى أراد بقوله: (تطهرن) بعض ما يقع عليه اللفظ دون بعض لما أغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ذلك، فلما لم يخص (4) عليه السلام ذلك وأحالنا على القرآن أيقنا قطعا بأن الله عزوجل لم يرد بعد ما يقتضيه اللفظ دون بعض فان قالوا قولنا أحوط قلنا حاشا الله، بل الاحوط أن لا يحرم عليه ما أحله الله عزوجل من الوطئ بغير يقين فان قالوا: لا حل له وطؤها إلا بما يحل لها الصلاة، قلنا هذه دعوي باطل منتقضة، أول ذلك أنها لا برهان على صحتها، والثانى أنه قد يحل له وطؤها حيث لا تحل لها الصلاة، وهو كونها مجنبة ومحدثة، والثالث أن يقال لهم: هلا قلتم لا يحل له وطؤها الا بما يحل لها به الصوم وهو يحل لها عندهم برؤية الطهر فقط فهذه دعوى بدعوى! * فان قال بعضهم: وجدنا التحريم يدخل بأدق الاشياء (5)، ولا يدخل التحليل الا بأغلظ الاشياء، كنكاح ما نكح الآباء، يحرم بالعقد، وتحليل المطلقة ثلاثا لا يحل لها الا بالعقد والوطئ قلنا ليس كما قلتم، بل قد خالفتم قضيتكم هذه على فسادها وبطلانها فتركتم أغلظ الاشياء مما قاله غيركم وهو الاجناب، فان الحسن البصري لا يرى المطلقة ثلاثا تحل الا بالعقد والوطئ والانزال ولا بد، وسعيد بن


(1) في اليمنية (الاكثر عددا) (2) في اليمنية (في حفيرة ولا لى قبر) (3) في المصرية (الفخذ ليس عورة) وهو خطأ لان الفخذ مؤنثة (4) في اليمنية (فلم يخص) بحذف (لما) وهو خطأ (5) في اليمنية (بأذف الاشياء) وهو تصحيف

[ 175 ]

المسيب يري أنها تحل بالعقد فقط وان لم يكن وطئ ولا دخول، ثم يقال لهم: قد وجدنا التحليل يدخل بأدق الاشياء (1) وهو فرج الاجنبية الذي في وطئه دخول النار، واباحة الدم بالرجم والشهرة بالسياط، فانه يحل بثلاث كلمات أو كلمتين: انكحني ابنتك، قال: قد انكحتها أو تلفظ هي بالرضا والولى بالاذن (2) وبأن يقول سيد الامة: هي لك هبة، ووجدنا التحريم لا يدخل الا بأغلظ الاشياء وهو طلاق الثلاث أو انقضاء أمد العدة، ووجدنا تحريم الربيبة (3) لا يدخل الا بالعقد والدخول والا فلا فظهر أن الذى قالوه تخليط، وقول بالباطل في الدين، والحق من هذا هو أن التحريم لا يدخل الا بما يدخل به التحليل، وهو القرآن أو السنة ولا مزيد. وبالله تعالى التوفيق * 257 مسألة - وقد تقضى الحائض إذا ظهرت شيئا من الصلاة التى مرت في أيام حيضها، وتقضى صوم الايام التى مرت لها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد * 258 مسألة - وان حاضت امرأة في أول وقت الصلاة أو في آخر الوقت ولم تكن صلت تلك الصلاة سقطت عنها (4) ولا اعادة عليها فيها، وهو قول أبى حنيفة والاوزاعي وأصحابنا، وبه قال محمد بن سيرين وحماد بن أبي سليمان، وقال النخعي والشعبى وقتادة واسحاق: عليها القضاء، وقال الشافعي إن أمكنها أن تصليها فعليها القضاء * قال على: برهان قولنا هو أن الله تعالى جعل للصلاة وقتا محدودا أوله وآخره وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصلاة في أول وقتها وفى آخر وقتها، فصح أن المؤخر لها


(1) في اليمنية (قد وجدنا التحليل بأزف الاشياء) (2) كلمة (بالاذن) محذوفة في اليمنية (3) في اليمنية (الزنيه) وهو خطأ (4) في اليمنية (وان حاضت امرأة في أول الوقت ولم تكن صلاة سقطت عنها) الخ وهو سقط ضاع به كثير من معنى الكلام، وما هنا هو الصواب

[ 176 ]

لى آخر وقتها ليس عاصيا، لانه عليه السلام لا يفعل المعصية، فإذ ليست عاصية فلم تتعين الصلاة عليهما بعد ولها تأخيرها، فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت فقد سقطت عنها، لو كان الصلاة تجب بأول الوقت لكان من صلاها بعد مضى مقدار تأديتها من أول وقتها قاضيا لها لا مصليا، وفاسقا بتأخيرها عن وقتها، ومؤخرا لها عن وقتها، وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد * 259 - مسألة فان طهرت في آخر وقت الصلاة بمقدار مالا يمكنها الغسل والوضوء حتى خرج الوقت، فلا تلزمها تلك الصلاة ولا قضاؤها، وهو قول الاوزاعي وأصحابنا، وقال الشافعي وأحمد: عليها أن تصلى. قال أبو محمد: برهان صحة قولنا أن الله عزوجل لم يبح (1) الصلاة إلا بطهور، وقد حد الله تعالى للصلوات أوقاتها، فإذا لم يمكنها الطهور وفى الوقت بقية فنحن على يقين من أنها لم تكلف تلك الصلاة التى لم يحل لها أن تؤديها في وقتها * 260 - مسألة - وللرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شئ، حاشا الايلاج في الفرج، وله أن يشفر ولا يولج وأما الدبر فحرام في كل وقت * وفي هذا خلاف فروينا عن ابن عباس أنه كان يعتزل فراش امرأته إذا حاضت وقال عمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب وعطاء - إلا أنه لا يصح عن عمر - وأبو حنيفة (2) ومالك والشافعي: له ما فوق الازار من السرة فصاعدا إلى أعلاها، وليس له ما دون ذلك * فأما من ذهب مذهب ابن عباس فانه احتج بقول الله تعالى. (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن)


(1) في المصرية (لم يحتج) وبحذف (الصلاة) وهو خطأ غريب (2) في المصرية (وقال أبو حنيفة) وهو خطأ، لانه يكون قول عمر وسعيد وعطاء محذوفا، مع أن المراد انهم هم وأبو حنيفة ومالك والشافعي قالوا: له ما فوق الازار الخ الا ان هذا لم يصح عن عمر، وهذا ظاهر من سياق كلام المؤلف

[ 177 ]

وبحديث رويناه من طريق أبى داود عن سعيد بن عبد الجبار (1) عن عبد العزيز الدراوردي (2) عن أبى اليمان عن أم ذرة (3) عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كنت إذا حضت نزلت عن المثال (4) على الحصير فلم نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منه حتى نطهر (5) * قال أبو محمد: وأما هذا الخبر فانه من طريق أبى اليمان كثير بن اليمان الرحال وليس بالمشهور، عن أم ذرة وهى مجهولة فسقط (6) وأما الآية فهى (7) موجبة لفعل بن عباس، الا أن يأتي بيان صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوقف عنده، فأرجأنا أمر الآية، * ثم نظرنا فيما احتج به من ذهب إلى ما قال به أبو حنيفة ومالك، فوجدناهم يحتجون بخبر رويناه من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن كريب مولى ابن عباس سمعت ميمونة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معى وأنا حائض وبيني وبينه ثوب)، * وبحديث آخر رويناه من طريق الليث بن سعد عن الزهري عن حبيب مولى


(1) في اليمنية (سعيد بن الحباب) وهو خطأ (2) براءين بينهما ألف وواو، وفى المصرية (الداوردى بحذف الراء الاولى وهو خطأ (3) بفتح الذال المعجمة وفي الاصلين بالدال المهملة وهو تصحيف (4) في المصرية (على المثال) وفي اليمنية (عن المنال) وكلاهما خطأ صححناه من أبى داود (ج 1 ص 110) والمثال بالثاء المثلثة الفراش. (5) في المصرية (فلم يقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدن مثنية حتى يطهر) وفي اليمنية (ولم يدن منى حتى يطهر) وكلاهما خطأ صححناه من أبى داود (6) ان جهلهما ابن حزم فقد عرفهما غيره فأبو اليمان ذكره ابن حبان في الثقات وام ذرة هي مولاة عائشة روى عنها ابن المنكدر وأبو اليمان هذا وعائشة بنت سعد فارتفعت جهالة عينها وذكرها ابن حبان في الثقات وقال العجلى (تابعية ثقة) فارتفعت جهالة وصفها. (8) في المصرية (فهو) وهو خطأ

[ 178 ]

عروة عن ندبة مولاة ميمونة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر المرأة من نسائه وهى حائض إذا كان عليها إزار يبلغ انصاف الفخذين (1) أو الركبتين وهى محتجزة (2) * وبحديث رويناه من طريق أبى خليفة عن مسدد عن أبى عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن عائشة: (انها كانت تنام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض وبينهما ثوب) * وبخبر رويناه عن أبى اسحاق عن عاصم بن عمرو العجلى أن نفرا سألوا عمر فقال (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل للرجل من أمرأته حائضا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك ما فوق الازار، لا تطلعن إلى ما تحته حتى تطهر)، وروى أيضا عن أبى اسحاق عن عمير مولى عمر مثله، وعن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن مغول عن عاصم بن عمرو: ان عمر مثله (3) وريناه أيضا عن مسدد عن أبى الاحوص عن طارق بن عبد الرحمن عن عاصم بن عمرو، * وبحديث رويناه من طريق هرون بن محمد بن بكار ثنا مروان - يعنى ابن محمد - ثنا الهيثم بن حميد ثنا العلاء بن الحارث (4) عن حرام بن حكيم (5) عن عمه: (أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحل لى من امرأتي وهى حائض؟ قال: لك ما فوق الازار) * وبخبر رويناه من طريق هشام بن عبد الملك اليزنى (6) عن بقية بن الوليد


(1) في اليمنية (الفخذ) وهو خطأ (2) في الاصل بالراء وفي اليمنية (محجزة) وكل خطأ، والحجز المنع والحاجز الحائل أي تشد الازار على وسطها وفي أبي داود (ج 1 ص 109) (أو الركبتين تحتجز به،. (3) في المصرية (عن عاصم بن عمرو ان مثله) وهو خطأ (4) العلاء بالعين المهملة. وفي اليمنية (الجلاء) بالجيم وهو خطأ (5) حرام بفتح الحاء والراء المهملتين، وعمه هو عبد الله بن سعد بن الحكم الانصاري وقد روى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. انظر مسند احمد (ج 4 ص 342 وج 5 ص 293) وطبقات ابن سعد (ج 7 ق 2 ص 193) وليس فيهما هذا الحديث (6) بفتح الياء والزاى وآخره نون ثم ياء النسبة

[ 179 ]

عن سعيد بن عبد الله الاغطش (1) عن عبد الرحمن بن عائد الازدي - هو ابن قرط أمير حمص - عن معاذ بن جبل: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امرأته وهى حائض؟ قال: ما فوق الازار، والتعفف عن ذلك أفضل) * وبحديث رويناه من طريق عبد الرحيم بن سليمان ثنا محمد بن كريب عن كريب عن ابن عباس انه سئل عما يحل من المرأة وهى حائض لزوجها؟) قال: سمعنا والله أعلم ان كان قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذلك: يحل ما فوق الازار، * وبخبر رويناه من طريق محمد بن الجهم عن محمد بن الفرج (2) عن يونس بن محمد ثنا عبد الله بن عمر عن أبي النضر عن أبى سلمة عن عائشة:) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما يحل للرجل من امرأته؟ قال: ما فوق الازار) * فنظرنا في هذه الآثار فوجدناها لا يصح منها شئ، أما حديثا ميمونة فأحدهما عن مخرمة بن بكير عن أبيه ولم يسمع من أبيه، وأيضا فقد قال فيه ابن معين: مخرمة هو ضعيف ليس حديثه (3) بشئ والآخر من طريق ندبة وهي مجهولة لا تعرف، وأبو داود يروي هذا الحديث عن الليث فقال: قال ندبة بفتح النون والدال ومعمر يرويه ويقول: ندبة بضم النون واسكان الدال، ويونس يقول بدية، بالباء المضمومة والدال المفتوحة والياء المشددة، كلهم يرويه عن الزهري كذلك، فسقط خبرا ميمونة) * وأما حديثا عائشة فأحدهما من طريق عمر بن أبى سلمة، وقد ضعفه شعبة ولم


(1) الاغطش بالغين المعجمة والطاء المهملة والشين المعجمة، وفي اليمنية بالعين المهملة وهو تصحيف، وسعيد هذا اختلف في اسمه فقيل سعد وقيل سعيد. (2) بالجيم وفي الاصلين بالحاء المهملة وهو تصحيف (3) أما أنه لم يسمع من أبيه فنعم، وقيل أنه سمع منه حديثا واحدا هو حديث الوتر، وأما أنه ضعيف فلا، فقد وثقه مالك واحمد وابن المدينى وابن سعد وغيرهم *

[ 180 ]

يوثقة أحد (1) فسقط، وأما الثاني: فمن طريق عبد الله بن عمر وهو العمرى الصغير، وهو متفق على ضعفه، انما الثقة أخوه عبيد الله، فسقط حديثا عائشة * وأما حديث عمر فان أبا اسحاق لم يسمعه من عمير مولى عمر، هكذا رويناه من طريق زهير بن حرب: ثنا عبد الله بن جعفر المخرمى (2) ثنا عبيد الله بن عمرو الجزرى (3) عن زيد بن أبى أنيسة عن أبى اسحاق عن عاصم بن عمرو عن عمير مولى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث نصا، فسقط اسناده لا ن عاصم بن عمرو لم يسمعه من عمر بل رواه كما ذكرنا منقطعا عن عمير، ورويناه أيضا عن زهير بن معاوية عن أبى اسحاق عن عاصم بن عمرو الشافعي عن أحد النفر الذين أتوا عمر فذكر هذا الحديث بنصه، ورويناه أيضا من طريق شعبة قال: سمعت عاصم بن عمرو (4) البجلى يحدث عن رجل عن القوم (5) الذين سألوا عمر فذكر الحديث نفسه فانما رواه عاصم عن رجل مجهول عن مجهولين، فسقط جملة * ثم نظرنا في حديث حرام بن حكيم عن عمه فوجدناه لا يصح، لان حرام بن


(1) كيف هذا وقد روى عن ابن معين انه صحح له حديثا، وقال ابن حنبل صالح ثقة ان شاء الله، وقال ابن عدى: حسن الحديث لا بأس به! ولعل قول ابن عدي هو اعدل ما قيل فيه (2) بفتح الميم واسكان الخاء المعجمة وتخفيف الراء المفتوحة وأظن ان ذكر (المخرمي) هنا خطأ من ابن حزم لان المخرمي هذا مات سنة 170 وعبيد الله بن عمرو الجزرى مات سنة 180 فبعيد أن يروى المخرمي عنه ولم يذكر أحد أنه روى عنه، والظاهر ان صوابه (عبد الله بن جعفر الرقي) وهو المعروف بالرواية عن عبيد الله بن عمرو، ومات الرقي سنة 220 (3) هو عبيد الله بن عمرو ابو وهب الجزرى الرقي. وفي المصرية (الجوزى) وهو خطأ (4) في المصرية (البلخى) وهو خطأ (5) في اليمنية (عن العوام) وما هنا أصح

[ 181 ]

حكيم ضعيف، وهو الذى روى غسل الانثيين من المذى (1)، وأيضا فان هذا الخبر رواه عن حرام مروان بن محمد وهو ضعيف (2) * ثم نظرنا في حديث معاذ فوجدناه لا يصح، لانه عن بقية وليس بالقوى، عن سعيد الاغطش (3) وهو مجهول، مع ما فيه من ان التعفف عن ذلك أفضل، وهم لا يقولون بهذا * ثم نظرنا في حديث ابن عباس فوجدناه لم يحقق اسناده، فسقطت هذه الاخبار كلها ولم يجز التعلق بشئ منها (4) * ثم نطرنا فيما قلناه فوجدنا الصحيح عن ميمونة وعائشة أمي المؤمنين رضى الله عنهما هو ما رويناه من طريق عبد الله بن شداد عن ميمونه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الازار وهن حيض) وما رويناه من طريق عبد الرحمن بن الاسود وابراهيم النخعي كلاهما عن الاسود عن عائشة: (أنه عليه السلام كان يأمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها، وأيكم يملك إربه (5) كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه) *


(1) في اليمنية هنا في الموضعين (حزام) بالزاى وكذلك في طبقات ابن سعد (ج 7 ق 2 ص 193) وهو تصحيف. وفي ابن سعد ايضا (حزام) بن معاوية وقد فرق البخاري بين حرام بن حكيم وحرام بن معاوية، قال الخطيب. وهم البخاري في ذلك لانه رجل واحد اختلف على معاوية بن صالح في اسم ابيه. وحرام هذا وثقه العجلى ودحيم وابن حبان، قال ابن حجر في التهذيب: (وقد ضعفه ابن حزم في المحلى بغير مستند) (2) مروان بن محمد هو الاسدي الطاطري - بفتح الطاءين المهملتين - وهو ثقة. قال ابن حجر (ضعفه أبو محمد بن حزم فأخطأ لانا لا نعلم له سلفا في تضعيفه الا ابن قانع وقول ابن قانع غير مقنع) (3) في اليمنية (الاعطش) باهمال العين وهو تصحيف (4) ثم هو ضعيف لان في اسناده محمد بن كريب، قال احمد والبخاري (منكر الحديث (5) في اليمنية (اريه) بالياء المثناة وهو تصحيف، والارب بكسر الهمزة وبالباء الموحدة هو العضو والمعنى انه يملك نفسه عن الوقوع في محظور تدعوه إليه شهوته فهو يقمعها

[ 182 ]

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا عمرو بن منصور ثنا هشام بن عبد الملك - هو الطيالسي - ثنا يحيى بن سعيد - هو القطان - حدثنى جابر بن صبح قال سمعت خلاس بن عمرو يقول سمعت عائشة أم المؤمنين تقول: (كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعار الواحد وأنا حائض فان أصابه منى شئ غسله لم يعده إلى غيره وصلى فيه ثم يعود معي (1)) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا موسى بن اسماعيل ثنا حماد - هو ابن سلمة - عن أيوب عن عكرمة عن بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا (2)) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا خماد ين سلمة (3)، ثنا ثابت - هوالبنانى - عن أنس بن مالك: (أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يواكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شئ إلا النكاح) * فكان هذا الخبر بصحته وبيان أنه كان أثر نزول الآية هو البيان عن حكم الله تعالى في الآية، وهو الذى لا يجوز تعديه، وأيضا فقد يكون المحيض في اللغة موضع الحيض وهو الفرج، وهذا فصيح معروف، فتكون الآية حينئذ موافقة للخبر


(1) هذا الحديث في النسائي (ج 1 ص 54) عن محمد بن المثنى عن يحى بن سعيد ولم أجده فيه بالاسناد الذى هنا ورواه ابو داود عن مسدد عن يحيى (ج 1 ص 110) (2) رواه ابو داود (ج 1 ص 111) ونقل شارحه عن الفتح انه قال (اسناده قوى) (3) من أول قول (ثنا عمرو بن منصور ثنا هشام بن عبد الملك) في حديث احمد بن شعيب النسائي الذي قبل هذا بحديث إلى هنا سقط من النسخة اليمنية وهو خطأ

[ 183 ]

المذكور، ويكون معناها: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض، وهذا هو الذى صح عمن جاء عنه في ذلك شئ من الصحابة رضى الله عنهم، كما روينا عن أيوب السختيانى عن أبى معشر عن ابراهيم النخعي عن مسروق قال: سألت عائشة: ما يحل لى من امرأتي وهى حائض؟ قالت كل شئ إلا الفرج، وعن علي بن أبى طلحة (1) عن ابن عباس (فاعتزلوا النساء في المحيض) (2) قال: اعزلوا نكاح فروجهن، وهو قول أم سلمة أم المؤمنين ومسروق والحسن وعطاء وابراهيم النخعي والشعبى، وهو قول سفيان الثوري ومحمد بن الحسن والصحيح من قول الشافعي، وهو قول داود وغيره من أصحاب الحديث * قال أبو محمد: وقال من لا يبالى بما أطلق به لسانه: إن حديث عمر الذى لا يصح ناسخ لحديث أنس - الذى لا يثبت غيره في معناه - قال: لان حديث أنس كان متصلا بنزول الآيه * قال علي: وهذا هو الكذب بعينه وقفو مالا علم له به، ولو صح حديث عمر فمن له أنه كان بعد نزول الاية؟ ولعله كان قبل نزولها! فإذ ذلك ممكن هكذا فلا يجوز القطع بأحدهما، ولا يجوز ترك يقين ما جاء به القرآن وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم اثر نزول الآية لظن كاذب في حديث لا يصح، مع أن الحديثين الثابتين اللذين رويناهما: أحدهما عن الاعمش عن ثابت بن عبيد (3) عن القاسم بن محمد عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: ناوليني الخمرة من المسجد، قالت فقلت: انني حائض،


(1) في التهذيب في ترجمة على بن طلحة أنه روى عن ابن عباس ولم يسمع منه (2) في اليمنية (وعن على بن أبى طالب قال) (اعتزلوا النساء في المحيض) الخ فجعله من كلام على بن أبى طالب بدلا من ابن عباس وحذف على بن أبى طلحة وأسقط الفاء من لفظ الآية، ونحن نرجح ما هنا لان هذا الاثر رواه الطبري في تفسيره (ج 2: 225) عن على عن ابن عباس. (3) هو ثابت بن عبيد الانصاري مولى زيد بن ثابت. وفي المصرية (ثابت عن عبيد) وهو خطأ

[ 184 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان حيضتك ليست في يدك) (1) وروينا الآخر من طريق يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان وأبى حازم عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد فقال: يا عائشة ناوليني الثوب فقالت: اني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك فهما دليل أن لا يجتنب إلا الموضع الذى فيه الحيضه وحده. وبالله تعالى التوفيق * 261 - مسألة - ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد، حاشا الطواف بالبيت، فان النفساء تطوف به، لان النهى ورد في الحائض ولم يرد في النفساء (وما كان ربك نسيا) ثم استدركنا فرأينا أن النفاس حيض صحيح، وحكمه حكم الحيض في كل شئ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (أنفست؟ قالت: نعم (فسمى الحيض نفاسا، وكذلك الغسل منه واجب باجماع * 262 - مسألة - وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا وأن يدخلا (2) المسجد وكذلك الجنب، لانه لم يأت نهى عن شئ من ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن لا ينجس) وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم جماعة كثيرة ولا شك (3) في أن فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك * وقال قوم: لا يدخل المسجد (4) الجنب والحائض إلا مجتازين، هذا قول الشافعي، وذكروا قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) فادعوا أن زيد بن أسلم أو غيره قال (5). معناه لا تقربوا مواضع الصلاة * قال على: ولا حجة في قول زيد ولو صح أنه قاله لكان خطأ منه لانه لا يجوز


(1) رواه أبو داود (ج 1 ص 108) ورواه مسلم والترمذي والنسائي (2) في اليمنية (والنفساء يروحا بأن يدخلا) وهو خطأ (3) كلمة (ولا شك) حذفت من المصرية (4) في اليمنية (المساجد) (5) من أول قوله (وأنتم سكارى) إلى هنا حذف من المصرية وهو خطأ

[ 185 ]

أن يظن أن الله تعالى أراد أن يقول لا تقربوا مواضع الصلاة (1) فيلبس علينا فيقول: (لا تقربوا الصلاة) وروى ان الآية في الصلاة نفسها عن على بن أبى طالب وابن عباس وجماعة، * وقال مالك: لا يمرا فيه أصلا، وقال أبو حنيفة وسفيان لا يمرا فيه، فان اضطرا إلى ذلك تيمما ثم مرا فيه، * واحتج من منع من ذلك بحديث رويناه من طريق أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة (2) عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه: وجهوا هذه البيوت عن المسجد فانى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب (3) وآخر رويناه من طريق ابن أبى غنية (4) عن أبى الخطاب الهجري عن محدوج (5) الهذلى عن جسر بنت دجاجة حدثتني أم سلمة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى بأعلى صوته: ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض الا للنبى وأزواجه وعلى وفاطمة) وخبر آخر رويناه عن عبد الوهاب عن عطاء الخفاف (6) عن ابن أبى غنية عن اسماعيل عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا المسجد حرام على كل جنب من الرجال وحائض من النساء الا محمدا وأزواجه وعليا وفاطمة) وخبر آخر رويناه من طريق محمد بن الحسن بن زبالة (7) عن سفيان بن حمزة عن كثير بن


(1) في اليمنية (اراد بقوله لنا لا تقربوا مواضع الصلاة) وهو خطأ (2) أفلت باسكان الفاء وفتح اللام وآخره تاء مثناة وجسرة بفتح الجيم واسكان السين المهملة ودجاجة بكسر الدال لا غير (3) رواه أبو داود بهذا الاسناد (ج 1: ص 92 - 93) ونسبه ابن حجر في التهذيب إلى صحيح ابن خزيمة (ج 1: ص 366) (4) بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد الياء، وهو عبد المالك بن حميد بن أبي غنية (5) بفتح الميمم واسكان الحاء المهملة وضم الدال وآخره جيم، وفي المصرية (محروج) بالراء، وفي اليمنية (مخدوج) بالخاء وكلاهما خطأ (6) في اليمنية (عبد الوهاب بن عطاء الحفاف) وهو خطأ (7) بفتح الباء والزاى

[ 186 ]

زيد عن المطلب بن عبد الله (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أذن لا حد أن يجلس في المسجد ولا يمر فيه وهو جنب الا على بن أبى طالب) * قال على: وهذا كله باطل أما أفلت فغير مشهور ولا معروف بالثقة، وأما محدوج (1) فساقط يروى المعضلات عن جسرة، وأبو الخطاب (2) الهجرى مجهول وأما عطاء الخفاف فهو عطاء بن مسلم منكر الحديث، واسماعيل مجهول، ومحمد بن الحسن مذكور بالكذب وكثير بن زيد (3) مثله، فسقط كل ما في هذا الخبر جملة * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبيد بن اسماعيل ثنا أبو أسامة هشام بن عروة عن أبيه (4) عن عائشة أم المؤمنين: (أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت فكان لها خباء في المسجد أو حفش (5)) * قال على: فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمعهود من النساء الحيض فما منعها عليه السلام من ذلك ولا نهي عنه، وكل ما لم ينه عليه السلام عنه فمباح


(1) في المصرية (محروج) وفي اليمنية (مخدوج) وكلاهما خطأ كما سبق (2) في اليمنية (ابن الخطاب) وهو خطأ (3) كثير بن زيد هو الاسلمي السهمي، ولم يجرحه أحد بالكذب، وهو مختلف فيه وثقه بعضهم وضعفه آخرون. قال ابن حجر في التهذيب وخلطه ابن حزم بكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف فقال في الصلح: روينا من طريق كثير بن عبد الله وهو كثير بن زيد عن ابيه عن جده حديث الصلح جائز بين المسلمين) الحديث. ثم: قال كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو ساقط متفق على اطراحه وان الرواية لا تحل عنه، وتعقبه الخطيب)... ثم قال ابن حجر (فظنهما ابن حزم واحدا وكثير بن زيد لم يوصف بشئ مما قال بخلاف كثير بن عبد الله) (4) كلمة (عن ابيه) سقطت من المصرية. (5) بكسر الحاء واسكان الفاء: البيت الصغر أو من الشعر والحديث مطول في البخاري (ج 1 ص 67)

[ 187 ]

وقد ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (جعلت لى الارض مسجدا)، ولا خلاف في أن الحائض والجنب مباح لهما جميع الارض، وهى مسجد، فلا يجوز أن يخص بالمنع من بعض المساجد دون بعض، ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لاخبر بذلك عليه السلام عائشة إذ حاضت فلم ينهها الا عن الطواف بالبيت فقط، ومن باطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها عليه السلام عن ذلك يقتصر على منعها من الطواف، وهذا قول المزني وداود وغيرهما. وبالله تعالى التوفيق * 263 - مسألة - ومن وطئ حائضا فقد عصى الله تعالى، وفرض عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه في ذلك * وقال ابن عباس: ان أصابها في الدم فيتصدق بدينار، وان كان في انقطاع الدم فنصف دينار، وروينا عنه أيضا قال: من وطئ حائضا فعليه عتق رقبة، وروينا عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في الذى يطأ امرأته وهى حائض: يتصدق بدينار، وروينا عن قتادة: ان كان واجدا فدينار وان لم يجد فنصف دينار، وقال الاوزاعي ومحمد بن الحسن: يتصدق بدينار، وقال أحمد بن حنبل: يتصدق بدينار وان شاء بنصف دينار، وقال الحسن البصري: يعتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا * فأما من قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار فاحتجوا بحديث رويناه من طريق مقسم عن ابن عباس: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار) وفى بعض ألفاظ هذا الخبر: (ان كان الدم عبيطا (1) فدينار، وان كان فيه صفرة فنصف دينار) وبحديث روينا من طريق شريك عن خصيف (2) عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذى يأتي أهله حائضا: (يتصدق (3)


(1) الدم العبيط: الطرى الخالص (2) بالخاء المعجمة والصاد المهملة مصغر، في المصرية (خفض) وهو خطأ فاحش (3) في اليمنية (فيتصدق) والفاء موقع لها هنا

[ 188 ]

بنصف دينار) وبحديث روى من طريق الاوزاعي عن يزيد بن أبي مالك (1) عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره (2) - يعنى الذى يعمد وطئ حائض - أن يتصدق بخمسى (3) دينار) وبحديث رويناه من طريق عبد الملك بن حبيب ثنا أصبغ بن الفرج عن السبيعى عن زيد بن عبد الحميد عن أبيه: (ان عمر بن الخطاب وطئ جاريته فإذا بها حائض (4)، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدق بنصف دينار) وآخر رويناه من طريق عبد الملك بن حبيب عن المكفوف عن أيوب بن خوط عن قتادة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (فليتصدق بدينار أو بنصف دينار (5)) وبحديث آخر رويناه من طريق موسى بن أيوب بن الوليد بن مسلم عن ابن جابر (6) عن على بن بذيمة (7) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أصاب حائضا بعتق نسمة) ورويناه أيضا من طريق محمود بن خالد عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن ابن يزيد السلمى (8) عن على بن بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي


(1) في الاصلين (زيد بن مالك وهو خطأ صححناه من أبي داود والبيهقي والتهذيب (2) في المصرية (أمر) بدون الضمير وهو خطأ (3) في المصرية (بخمس) وفى اليمنية (بخمسين) وكلاهما خطأ والصواب (بخمسى) كما في أبى داود (ج 1 ص 109) وقد رواه معلقا عن الاوزاعي ورواه البيهقي كذلك من طريق أبي داود (ج 1 ص 316) وفيهما (عن عبد الحميد بن عبد الرحمن أظنه عن عمر بن الخطاب) (4) في اليمنية (حائضا) وهو لحن (5) في المصرية (بدينار وبنصف دينار) وهو خطأ (6) في المصرية (عن جابر) ورجحنا ما في اليمنية لانا نرجح أنه عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر الازدي (7) بفتح الباء وكسر الذال المعجمة وفي اليمنية (قديمة) وهو خطأ (8) هذا غير ابن جابر فان هذا هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمى وكلاهما يروى عن على بن بذيمة

[ 189 ]

صلى الله عليه وسلم بمثله (1) نصا: واحتج من أوجب عليه العتق أو الصيام أو الاطعام بقياسه على الوطئ نهارا في رمضان * قال أبو محمد. كل لا يصح منه شئ، أما حديث مقسم فمقسم ليس بالقوي، فسقط الاحتجاج به، وأما حديث عكرمة فرواه شريك عن خصيف وكلاهما ضعيف وأما حديث الاوزاعي فمرسل، وأما حديثا عبد الملك بن حبيب فلو لم يكن غيره لكفى به سقوطا (2) فكيف وأحدهما عن السبيعى، ولا يدرى من هو؟ ومرسل مع ذلك، والآخر مع المكفوف، ولا يدرى من هو؟ عن أيوب بن خوط وهو ساقط وأما حديثا الوليد بن مسلم فمن طريق موسى بن أيوب وعبد الرحمن بن يزيد وهما ضعيفان، فسقط جميع الاثار في هذا الباب، وأما قياس الواطئ حائضا على الواطئ في رمضان فالقياس باطل * ولقد كان يلزم الآخذين بالآثار الواهية كحديث حزام في الاستظهار وأحاديث الوضوء بالنبيذ وأحاديث الجعل في الانف وحديث الوضوء من القهقهة، وأحاديث جسرة بنت دجاجة وغيرها في أن لا يدخل المسجد حائض ولا جنب وبالاخبار الواهية في أن لا يقرأ القرآن الجنب: أن يقولوا بهذه الآثار فهى أحسن على علاتها من تلك الصلع الدبرة التى أخذوا بها ههنا (3)، ولكن هذا يليح اضطرابهم وأنهم لا يتعلقون بمرسل ولا مسند ولا قوى ولا ضعيف الاما وافق تقليدهم (4)، ولقد كان


(1) في اليمنية (أيضا) (2) عبد الملك بن حبيب الاندلسي تحامل عليه ابن حزم كثيرا ونسبه إلى الكذب، وتعقبه جماعة بأنه لم يسبقه أحد إلى رميه بالكذب، واعدل ما قيل فيه انه كان يروى الحديث من كتب غيره فيغلط، وما اكثر من يفعل هذا ولم يكن سببا لجرحه، الا ان ابن حبيب ليست له معرفة بالحديث بل كان فقيها (3) في المصرية (من ذلك الضلع الدبرة الذى أخذوا بها هنالك) وفي اليمنية من من تلك الصلع الدبرة الذي أخذوا بها ههنا فاخترنا اليمنية، وصححناه (الذى) إلى (التى) ولم نعرف مراده تماما من هذه الجملة (4) في المصرية (مقلديهم)

[ 190 ]

يلزم من قاس الاكل في رمضان على الواطئ فيه في ايجاب الكفارة أن يقيس واطئ الحائض على الواطئ في رمضان، لان كليهما وطئ فرجا حلالا في الاصل حراما بصفة تدور، وهذا أصح من قياساتهم الفاسدة، فان الواطئ أشبه بالواطئ من الاكل بالواطئ نعم ومن الزيت بالسمن ومن المتغوط بالبائل ومن الخنزير بالكلب ومن فرج الزوجة المسلمة بيد السارق الملعون، وسائر تلك المقاييس الفاسدة، وبهذا يتبين كل ذي فهم أنهم لا النصوص يلتزمون، ولا القياس يتبعون، وانما هم مقلدون أو مستحسنون وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وأما نحن فلو صح شئ من هذه الآثار لاخذنا به فإذ لم يصح في ايجاب شئ على واطئ الحائض فماله حرام، فلا يجوز أن يلزم حكما أكثر مما ألزمه الله من التوبة من المعصية التى عمل، والاستغفار والتعزير، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) وقد ذكرناه باسناده، وسنذكر مقدار التعزيز في موضعه ان شاء الله عزوجل وبه نتأيد * 264 - مسألة - وكل دم رأته الحامل ما لم تضع آخر ولد في بطنها فليس حيضا (1) ولا نفاسا، ولا يمنع من شئ، وقد ذكرنا أنه ليس حيضا قبل وبرهانه، وليس أيضا نفاسا لانها لم تنفس ولا وضعت حملها بعد (2) ولا حائض، ولا إجماع بأنه حيض أو نفاس، وبالله تعالى التوفيق، فلا يسقط عنها ما قد صح وجوبه من الصلاة والصوم وإباحة الجماع الا بنص ثابت لا بالدعوى الكاذبة * 265 مسألة - وان رأت العجوز المسنة دما أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطئ * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكرناه قبل باسناده: (إن دم الحيض أسود يعرف) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأته بترك الصلاة، وقوله عليه السلام


(1) قوله (فليس حيضا) سقط من اليمنية (2) كلمة (بعد) محذوفة من اليمنية

[ 191 ]

في الحيض: (هذا شئ كتبه الله على بنات آدم) فهذا دم أسود وهي من بنات آدم، ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس حيضا كما جاء به النص في الحامل، فان ذكروا قول الله عزوجل: (واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) قلنا: انما أخبر الله تعالى عنهن بيأسهن، ولم يخبر تعالى أن يأسهن (1) حق قاطع لحيضهن، ولم ننكر (2) يأسهن من الحيض، لكن قلنا: إن يأسهن من الحيض ليس مانعا من أن يحدث الله تعالى لهن حيضا، ولا أخبر تعالى بأن ذلك لا يكون، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى (والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا) فاخبر تعالى أنهن يائسات من النكاح، ولم يكن ذلك مانعا من أن ينكحن بلا خلاف من أحد، ولا فرق بين ورود الكلامين من الله تعالى في اللائى يئسن من المحيض واللاتي لا يرجون نكاحا وكلاهما حكم وارد في اللواتى يظنن هذين الظنين وكلاهما لا يمنع مما يئسن منه، ومن المحيض والنكاح، وبقولنا في العجوز يقول الشافعي وبالله تعالى التوفيق * 266 - مسألة - وأقل الحيض دفعة، فإذا رأت المرأة الدم الاسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم وحرم وطؤها على بعلها وسيدها، فان رأت أثرة الدم الاحمر أو كغسالة اللحم أو الصفرة أو الكدرة أو البياض أو الجفوف التام - فقد طهرت، وتغتسل أو تتيمم ان كانت من أهل التيمم، وتصلي وتصوم ويأتيها بعلها أو سيدها، وهكذا أبدا متى رأت الدم الاسود فهو حيض، ومتى رأت غيره فهو طهر، وتعتد بذلك من الطلاق، فان تمادى الاسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يوما، فان زاد ما قل أو كثر فليس حيضا (3)، ونذكر حكم ذلك بعد هذا ان شاء الله عزوجل *


(1) في اليمنية (أنه حق) (2) في اليمنية (ولم نذكر) وهو خطأ (3) في اليمنية (فليس حيض) وهو لحن

[ 192 ]

برهان ذلك ما ذكرناه من ورود النص بأن دم الحيض أسود يعرف، وما عداه ليس حيضا، ولم يخص عليه السلام لذلك عدد أوقات من عدد، بل أوجب برؤيته أن لا تصلي ولا تصوم، وحرم تعالى نكاحهن فيه، وأمر عليه السلام بالصلاة عند إدبار والصوم، وأباح تعالى الوطئ عند الطهر منه، فلا يجوز تخصيص وقت دون وقت بذلك، وما دام يوجد الحيض فله حكمه الذى جعله الله تعالى له، حتى يأتي نص أو اجماع على أنه ليس حيضا، ولا نص ولا اجماع في أقل من سبعة عشر يوما، فما صح الاجماع فيه أنه ليس حيضا وقف عنده وانتقلت عن حكم الحائض (1) وما اختلف فيه فمردود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عليه السلام جعل الدم الاسود حكم الحيض، فهو حيض مانع مما ذكرنا، ولم يأت نص ولا اجماع على أن بعض الطهر المبيع للصلاة والصوم لا يكون قرءا في العدة، فالمفرق بين ذلك مخطئ متيقن الخطأ، قائل مالا قرآن جاء به ولا سنة، لا صحيحة ولا سقيمة، ولا قياس ولا اجماع، بل القرآن والسنة كلاهما يوجب ما قلنا: من امتناع الصلاة والصوم بالحيض، ووجودهما بعدم الحيض، ووجود الطهر وكون الطهر بين الحيضتين قرءا يحتسب به في العدة (2) قال الله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فمن حد في أيام القرء حدا فهو مبطل، وقاف مالا علم له به، وما لم يأت به نص ولا اجماع * وفى هذا خلاف في ثلاثة مواضع: أحدها أقل مدة الحيض، والثانى أكثر مدة الحيض، والثالث الفرق بين العدة في ذلك وبين الصلاة والصوم، فأما أقل مدة الحيض فان طائفة (3) قالت: أقل الحيض دفعة تترك لها الصلاة والصوم ويحرم الوطئ، وأما في العدة فأقله ثلاثة أيام، وهو قول مالك، وقد روى عن مالك: أقله في العدة خمسة


(1) في المصرية (وانتقلت إلى حكم الحائض) وهو خطأ (2) في اليمنية (وكون الطهر بين الطهر قد يحسب به في العدة) وهو خطأ (3) في المصرية (فاطمه) بدل (طائفة) وهو خطأ سخيف

[ 193 ]

أيام وقالت طائفة: أقل الحيض دفعة واحدة في الصلاة والصوم والوطئ والعدة، وهو قول الاوزاعي وأحد قولى الشافعي وداود وأصحابه، وقالت طائفة: أقل الحيض يوم وليلة وهو الاشهر من قولى (1) الشافعي وأحمد بن حنبل وهو قول عطاء، وقالت طائفة أقل الحيض ثلاثة أيام، فان انقطع قبل الثلاثة الايام فهو استحاضة وليس حيضا، ولا تترك له صلاة ولا صوم، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه وسفيان، وقالت طائفة: حيض النساء ست أو سبع، وهو قول لاحمد بن حنبل * قال على: أما من فرق بين الصلاة والصوم وتحريم الوطئ وبين العدة فقول (2) ظاهر الخطأ، ولا نعلم له حجة أصلا، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من اجماع ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا من احتياط ولا من رأى له وجه، فوجب تركه، * ثم نظرنا في قول من قال: حيض النساء يدور على ست أو سبع فلم نجد لهم حجة إلا أن قالوا: هذا هو المعهود في النساء، وذكروا حديثا رويناه من طريق ابن جريج عن عبد الله بن محمد عن ابراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة (3) عن أم حبيبة: (انها استحيضت (4) فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل حيضتها ستة أيام أو سبعة) ورويناه أيضا من طريق الحارث بن أبى أسامة عن زكريا بن عدى عن عبيد الله بن (5) عمرو الرقى عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابراهيم بن


(1) في الاصلين (قول) بالافراد وهو خطأ (2) في اليمنية (فهو قول) (3) في المصرية (عن عبد الله بن محمد بن طلحة عن عمه عمر بن طلحة) وفي اليمنية (عن عبد الله بن محمد عن ابراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمر بن طلحة) وهو خطأ فيهما في اسم (عمران بن طلحة) وفى المصرية في الاسناد كله. وعبد الله بن محمد هو ابن عقيل بن أبي طالب (4) في اليمنية (استحاضت) وهو لحن (5) في اليمنية (عبيد الله بن عمر) وهو خطأ

[ 194 ]

محمد بن طلحة عن عمه عمران (1) بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: تحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله عزوجل ثم اغتسلي، فإذا (2) استنقأت فصلى أربعا وعشرين أو ثلاثا وعشرين وأيامها وصومي كذلك، وافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن) (3) وقد أخذ بهذا الحديث أبو عبيد فجعل هذا حكم المبتدأة * قال على أما هذان الخبران فلا يصحان، أما أحدهما فان ابن جريج لم يسمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، كذلك حدثناه حمام عن عباس بن أصبغ (4) عن ابن ايمن عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وذكر هذا الحديث فقال - قال ابن جريج: حدثت عن ابن عقيل، ولم يسمعه، قال أحمد: وقد رواه ابن جريج عن النعمان بن راشد قال أحمد: والنعمان يعرف فيه الضعف، وقد رواه أيضا شريك وزهير بن محمد وكلاهما ضعيف، وعن عمرو بن ثابت (5) وهو ضعيف، وأيضا فعمر


(1) في المصرية (عمر) وهو خطأ (2) استنقأت بالهمزة وأصله استتقيت وقد يهمز العرب ما لا يهمز زيادة في الفصاحة (3) الحديث رواه أبو داود (ج 1: ص 116) والترمذي (ج 1: ص 27) كلاهما من طريق زهير بن محمد عن ابن عقيل ورواه ابن ماجه (ج 1: ص 112) من طريق شريك عن ابن عقيل. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح، ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران عن أمه حمنة، إلا أن ابن جريج يقول عمر ابن طلحة والصحيح عمران بن طلحة، وسألت محمدا - يعنى البخاري - عن هذا الحديث فقال هو حديث حسن صحيح وهكذا قال احمد بن حنبل هو حديث حسن صحيح) (4) في المصرية (حمام بن عباس بن أصبغ) وهو خطأ (5) في المصرية (عمير بن ثابت) وفي اليمنية (عمر بن ثابت) ورجحنا انه (جمرو بن ثابت) لانه يروى عن عبد الله بن محمد بن عقيل

[ 195 ]

ابن طلحة غير مخلوق، لا يعرف لطلحة ابن اسمه عمر * وأما الآخر فمن طريق الحارث بن أبي أسامة وقد ترك حديثه فسقط الخبر جملة (1) * وأما قولهم: ان هذا هو المعهود من حيض النساء فلا حجة في هذا، لانه لم يوجب مراعاة ذلك قرآن ولا سنة ولا اجماع، وقد يوجد في النساء من لا تحيض أصلا فلا يجعل لها حكم الحيض، فبطل حملهن على المعهود، وقد يوجد من تحيض أقل وأكثر، فسقط هذا القول * ثم نظرنا في قول من قال: أقل الحيض خمس، فوجدناه قولا بلا دليل، وما كان هكذا فهو ساقط * ثم نظرنا في قول من جعل أقل الحيض ثلاثة أيام فوجدناهم يحتجون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعي الصلاة قدر الايام التى كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلى) رويناه من طريق أبى أسامة: سمعت هشام بن عروة أخبرني أبى عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك لفاطمة بنت أبى حبيش، ورويناه أيضا من طريق سهيل بن أبى صالح عن الزهري عن عروة بن الزبير: حدثتني فاطمة بنت أبى حبيش: (أنها أمرت أسماء، أو أسماء حدثتني (2) أنها أمرتها فاطمة بنت أبى حبيش أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تقعد (3) الايام التى كانت تقعد (3) ثم تغتسل) * قال أبو محمد: وقالوا: أقل ما يقع عليه السلام أيام فثلاثة، (4) وبحديث رويناه


(1) في المصرية (كله). وهنا بهامش اليمنية ما نصه: (قال الشيخ شمس الدين الذهبي: هذا يدل على قلة معرفة المؤلف، إذ يسقط هذا الحديث برواية الحارث له، كأنه لم يروه الا الحارث، وقد رواه جماعة غيره، وقد صححه الترمذي وأخرجه هو وأبو داود) وقد بينا هذا فيما سبق (2) في المصرية (أنها أمرت أسماء حدثتني) وهو خطأ (3) في المصرية في الموضعين (تعقد) وهو تصحيف (4) في المصرية (ثلاثة) بحذف الفاء، وفي اليمنية (اسم فثلاثة) بحذف (أيام) فجمعنا بينهما ليكون التركيب أصح والمعنى أوضح

[ 196 ]

من طريق جعفر بن محمد بن بريق عن عبد الرحمن بن نافع درخت ثنا أسد بن سعيد البلخي عن محمد بن الحسن الصدفى عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حيض أقل من ثلاث ولا فوق عشر) قالوا: وهو قول أنس بن مالك، رويناه من طريق الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك، (1) وروينا أيضا عن عائشة أفتت بذلك بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عقيل عن نهية (2) وهو قول الحسن * قال على: أما الخبر الصحيح في هذا من طريق عائشة وفاطمة وأسماء فلا حجة لهم فيه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك من كانت لها أيام معهودة، هذا نص ذلك الخبر الذى لا يحل أن يحال عنه ولم يأمر عليه السلام بذلك من لا ايام لها * برهان ذلك أن الناس والجم (3) الغفير يحيى بن سعيد القطان وزهير بن معاوية وحماد زيد وسفيان (4) وأبو معاوية وجرير (5) وعبد الله بن نمير وابن جريج والدراوردى (6) ووكيع بن الجراح، كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلى) ورواه مالك والليث بن سعد وسيعد بن عبد الرحمن وحماد بن سلمة وعمرو بن الحارث كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلى) ورواه الاوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة، والمنذر بن المغيرة عن عروة كلهم: (إذا جاءت الحيضة) و (إذا جاء قرؤك) و (إذا جاء الدم الاسود) دون ذكر أيام *


(1) أنظر طرق أثر أنس هذا والكلام عليها في البيهقي (ج 1: ص 322 - و 323) (2) هكذا في الاصلين ولا أعرفها، وفي اليمنية (أبى عقيل) بدلا من (ابن عقيل) ولم أجد هذا الاثر بهذا الاسناد. (3) في اليمنية (والجماء) (4) يعنى الثوري وابن عيينة، وحذف أحدهما في المصرية (5) في المصرية (وجريج) وهو خطأ (6) في المصرية (والداوردي) وهو خطأ

[ 197 ]

وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى (1) ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رمح وقتيبة كلاهما عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك ابن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم، قالت عائشة: رأيت مركنها ملآن (2) فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثى قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلى) فهذا أمر لمن كانت حيضتها أقل من ثلاثة أيام، ومن يوم وأكثر من عشرة أيام أيضا، وهذه كلها فتاوى حق لا يحل تركها، ولا إحالة شئ منها عن ظاهرها، ولا يحل لاحد أن يقول إن مراده عليه السلام بقوله كل ما (3) ذكرنا: انما أراد ثلاثة أيام، فان أقدم على ذلك مقدم كان كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقط تعلقهم بالحديث * وأما خبر معاذ ففى غاية السقوط، لانه من طريق محمد بن الحسن الصدفى (4) وهو مجهول، فهو موضوع بلا شك، والعجب من انتصارهم (5) ههنا على أنه لا يقع اسم الايام إلا على ثلاث لا أقل، وهم يقولن: ان قول الله تعالى: (فان كان له إخوة فلامه السدس): أنه يقع على أخوين فقط! فهلا جعلوا لفظة الايام تقع ههنا على يومين؟! * وأما احتجاجهم بقول أنس وعائشة فلا يصح عنهما، لانه من طريق الجلد بن أيوب (6) وهو ضعيف، ومن طريق ابن عقيل (7) وليس بالقوى، ثم لو صح عنه


(1) في المصرية (عبد الواحد بن عيسى) وهو خطأ (2) في الاصلين ملا وصححناه من مسلم (ج 1: ص 103 - و 104) (3) في المصرية (بقوله كما ذكرنا) وهو غير صواب (4) بالفاء وفى اليمنية (الصدني) وهو تصحيف وحديثه هذا لا أصل له (5) في المصرية (اقتصارهم) وفي اليمنية (انتضارهم) وكلاهما خطأ (6) في المصرية (الجلد بن أتوب) وهو خطأ (7) في اليمنية (أبي عقيل) وينظر

[ 198 ]

وعن أم المؤمنين لما كان في ذلك حجة، لانه قد خالفهما غيرهما من الصحابة على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، فكيف وانما أفتت أم المؤمنين بذلك من لها أيام معهودة وبالله تعالى التوفيق، فسقط هذا القول وبالله تعالى التوفيق * ثم نظرنا في قول من قال: أقل الحيض يوم وليلة، فوجدناه أيضا لا حجة لهم من شئ من النصوص، فان ادعى مدع إجماعا في ذلك فهذا خطأ، لان الاوزاعي يقول: إنه يعرف امرأه تطهر عشية وتحيض غدوة، وأيضا فان مالكا والشافعي قد أوجبا برؤية دفعة من الدم ترك الصلاة وفطر الصائمة وتحريم الوطئ، وهذه أحكام الحيض، فسقط أيضا هذا القول. وبالله تعالى التوفيق * قال على: ثم نسألهم عمن رأت الدم في أيام حيضتها: بماذا تفتونها؟ فلا يختلف منهم أحد في أنها حائض ولا تصلى ولا تصوم (1)، فنسألهم: إن رأت الطهر إثرها؟ فكلهم يقول: تغتسل وتصلى، فظهر فساد قولهم، وكان يلزمهم إذا رأت الدم في أيام حيضتها ألا تفطر ولا تدع الصلاة والا يحرم وطؤها إلا حتى تتم يوما وليلة، في قول من يرى ذلك أقل الحيض، أو ثلاثة أيام بلياليها في قول من رأى ذلك أقل الحيض، فإذ لا يقولون بهذا ولا يقوله أحد من أهل الاسلام فقد ظهر فساد قولهم، وصح الاجماع على صحة قولنا. والحمد لله * وأيضا فان الآثار الصحاح كما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغتسلي وصلى) دون تحديد وقت، وهذا هو قولنا، وقد ذكرنا قبل - بأصح إسناد يكون - عن ابن عباس أنه أفتى إذا رأت الدم البحراني أن تدع الصلاة فإذا رأت الطهر ولو ساعة من نهار فلتغتسل وتصلى * وأما أكثر مدة الحيض فان مالكا والشافعي قالا: أكثره خمسة عشر يوما لا يكون أكثر، وقال سعيد بن جبير: أكثر الحيض ثلاثة عشر يوما، وقال أبو حنيفة وسفيان: أكثره عشرة أيام *


(1) في اليمنية (حائض لا تصوم ولا تصلى)

[ 199 ]

فاحتج أبو حنيفة بالاخبار التى ذكرنا، وقال: لا يقع اسم أيام (1) إلا على عشرة وادعى بعضهم أنه لم يقل أحد إن الحيض أقل من ذلك * قال على أما قولهم: إن اسم أيام لا يقع على أكثر من عشرة (2) فكذب لا توجبه لغة ولا شريعة، وقد قال عزوجل: (فعدة من أيام أخر) وهذا يقع على ثلاثين يوما بلا خلاف، وحديث معاذ قد ذكرنا بطلانه وأما قولهم: انه لم يقل أحد ان أيام الحيض أقل من عشرة فهو كذب، وقد ذكرنا قول من قال: ان أيام الحيض ستة أو سبعة، وقول مالك أقل الحيض خمسة أيام، فحصل (3) قولهم دعوى بلا برهان وهذا باطل. وأما من حد ثلاثة عشر يوما فكذلك أيضا، وأما من قال خمسة عشر يوما فانهم ادعوا الاجماع على أنه لا يكون حيض أكثر من ذلك * قال على: وهذا باطل، قد روى من طريق عبد الرحمن بن مهدي: أن الثقة أخبره أن امرأة كانت تحيض سبعة عشر يوما، ورويناه عن أحمد بن حنبل قال: أكثر ما سمعنا سبعة عشر يوما، وعن نساء آل الماجشون أنهن كن يحضن سبعة عشر يوما * قال على: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دم الحيض أسود فإذا رأته المرأة لم تصل، فوجب الانقياد لذلك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض لها حكم الحيض ما لم يأت نص أو اجماع في دم أسود أنه ليس حيضا، وقد صح النص بأنه قد يكون دم أسود وليس حيضا، ولم يوقت لنا في أكثر عدة الحيض من شئ، فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يوما، فقلنا بذلك، وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الاسود هذه المدة - لا مزيد - فأقل، وكان ما زاد على ذلك اجماعا متيقنا أنه ليس حيضا * وقالوا: إن كان الحيض أكثر من خمسة عشر يوما فانه يجب من ذلك أن يكون


(1) في المصرية (لا يقع عليه اسم أيام) وزيادة (عليه) خطأ (2) في الاصلين (لا يقع إلا على أكثر من عشرة) بزيادة (الا) وهو خطأ واضح (3) في المصرية (فجعل) وهو خطأ

[ 200 ]

الحيض أكثر من الطهر وهذا محال، فقلنا لهم: من أين لكم أنه محال؟ وما المانع إن وجدنا ذلك (1) ألا يوقف عنده؟ فما نعلم منع من هذا قرآن ولا سنة أصلا ولا اجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وبالله تعالى التوفيق * - 267 - مسألة ولا حد لاقل الطهر ولا لاكثره (2)، فقد يتصل الطهر باقي عمر المرأة فلا تحيض بلا خلاف من أحد مع المشاهدة لذلك، وقد ترى الطهر ساعة وأكثر بالمشاهدة * وقال أبو حنيفة: لا يكون طهر أقل من خمسة عشر يوما، وقال بعض المتأخرين: لا يكون طهر أقل من تسعة عشر يوما، وقال مالك: الايام الثلاثة والاربعة والخمسة بين الحيضتين ليس طهرا وكل ذلك حيض واحد، وقال الشافعي في أحد أقواله كقول أبى حنيفة، والثانى أنه لاحد (3) لاقل الطهر، وهو قول أصحابنا، وهو قول ابن عباس كما أوردنا قبل، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة رضى الله عنهم * فأما من قال لا يكون طهر أقل من خمسة عشر يوما فما نعلم لهم حجة يشتغل بها أصلا، وأما من قال: لا يكون طهر أقل من تسعة عشر يوما فانهم احتجوا فقالوا: ان الله تعالى جعل العدة ثلاثة قروء التى تحيض وجعل التى لا تحيض ثلاثة أشهر، قالوا: فصح أن بأزاء كل حيض وطهر شهرا (4)، فلا يكون حيض وطهر في أقل من شهر * قال أبو محمد: وهذا لا حجة فيه، لانه قول لم يقله الله تعالى فناسبه إلى الله تعالى كاذب، نعنى أن الله تعالى لم يقل قط انى جعلت بأزاء كل حيضة وطهر شهرا، بل لا يختلف اثنان من المسلمين في ان هذا باطل، لاننا وهم لا نختلف في امرأة تحيض في كل شهرين مرة أو في كل ثلاثة أشهر مرة -: فانها تتربص حتى تتم لها ثلاثة قروء وبلابد، فظهر كذب من قال: ان الله تعالى جعل بدل كله حيضة وطهر شهرا، بل قد وجدنا


(1) في المصرية (ان وجد ذلك) (2) في المصرية (ولا أكثره) (3) في المصرية (والثانى لاحد) بحذف (أنه) (4) في اليمنية (فصح أن كل حيض وطهر شهرا) بحذف (بأزاء) وبنصب (شهرا) وهو خطأ

[ 201 ]

العدة تنقضي في ساعة يوضع الحمل، فبطل كل هذر أتوا به وكل ظن كاذب شرعوا به الدين * وأما قول مالك فظاهر الخطأ أيضا، لانه لم يجعل خمسة أيام بين الحيضتين طهرا وهو يأمرها فيه بالصلاة وبالصوم ويبيح وطأها لزوجها، فكيف لا يكون طهرا ما هذه صفته؟ وكيف لا يعد اليوم وأقل منه حيضا وهو يأمرها فيه بالفطر في رمضان وبترك الصلاة؟ وهذه أقوال يغنى ذكرها عن تكلف فسادها، ولا يعرف لشئ منها قائل من الصحابة رضى الله عنهم * فان قالوا فانكم ترون العدة تنقضي في يوم أو في يومين على قولكم؟ قلنا نعم، فكان ماذا؟ وأين منع الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم من هذا؟ وأنتم أصحاب قياس بزعمكم وقد أريناكم العدة تنقضي في أقل من ساعة فما أنكرتم من ذلك!؟ * فان قالوا: ان هذا لا يؤمن معه أن تكون حاملا، قلنا لهم: ليست العدة للبراءة من الحمل (1)، لبراهين: أول ذلك: أنه منكم دعوى كاذبة لم يأت بها نص ولا اجماع، والثانى: أن العدة عندنا وعندكم تلزم العجوز ابنة المائة عام، ونحن على يقين من أنها لا حمل بها، والثالث: أن العدة تلزم الصغيرة التى لا تحمل، والرابع: أنها تلزم من العقيم، والخامس: أنها تلزم من الخصى ما بقى له ما يولجه، والسادس: أنها تلزم العاقر، (2)، والسابع: أنها تلزم من وطئ مرة ثم غاب إلى الهند وأقام هنالك عشرين سنة ثم طلقها، وكل هؤلاء نحن على يقين من أنها لا حمل بها، والثامن: أنه لو كانت من أجل الحمل لكانت حيضة واحدة تبرئ (3) من ذلك، والتاسع: أنها تلزم المطلقة أثر نفاسها ولا حمل بها، والعاشر: أن المكيين بالضد منهم، قالوا: لا تصدق


(1) في المصرية (ليست العدة للمرأة من الحمل) وهو خطأ (2) في المصرية (انها تلزم من العاقر) وهو خطأ، لان المراد هنا المرأة التى لا تحمل وانها تجب عليها العدة، والاصل في العقر انه استعقام الرحم فلا تحمل المرأة، وقد يقال للرجل (عاقر) و (عقير) بمعنى أنه لا يولد له، ولكنه غير مراد هنا (3) في المصرية (تبرأ) وهو خطأ

[ 202 ]

المرأة في أن عدتها انقضت في أقل من ثلاثة أشهر، وتصدق في ثلاثة أشهر، وقال أبو حنيفة: لا تصدق المرأة في أن عدتها انقضت في أقل من ستين يوما، وتصدق في الستين، وقال محمد بن الحسن: تصدق في أربعة وخمسين يوما لا في أقل، وقال مالك: تصدق في أربعين يوما لا في أقل، وقال أبو يوسف: تصدق في تسعة وثلاثين يوما لا أقل، وقال الشافعي: تصدق في ثلاثة وثلاثين يوما لا أقل * قال على: وكل هذه المدد التى بنوها خلى أصولهم لا يؤمن مع انقضاء وجود الحمل، فهم أول من أبطل علتهم، وكذب دليلهم، ولا يجوز البتة أن يؤمن الحمل إلا بعد انقضاء أزيد من أربعة أشهر، فكيف وهم المحتاطون بزعمهم للحمل وهم يصدقون قولها، ولو أنها أفسق البرية، أكذبهم في هذه المدد، أما نحن فلا نصدقها الا بينة من أربع قوابل عدول عالمات، فظهر من المحتاط للحمل، لا سيما مع قول أكثرهم: ان الحامل تحيض، فهذا يبطل قول من قال منهم: ان العدة وضعت لبراءة الرحم من الحمل، وقد روينا عن هشيم عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي: أن على بن أبى طالب أتى برجل طلق امرأته فحاضت ثلاث حيض في شهر أو خمس وثلاثين ليلة، فقال علي لشريح: اقض فيها، قال: إن جاءت بالبينة من النساء العدول من بطانة أهلها ممن يرضى صدقه وعدله: أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث الذي هو الطمث وتغتسل عند كل قرء وتصلى فقد انقضت عدتها والا فهى كاذبة، قال على بن ابى طالب: قالون، معناها أصبت (1) *


(1) هذا الاثر ذكره البخاري في الصحيح تعليقا بلفظ (ويذكر عن على وشريح ان جاءت) الخ ابن حجر (ج 1: ص 360) (وصله الدارمي ورجاله ثقات، وانما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبى من على، ولم يقل انه سمع من شريح فيكون موصولا) رواه من طريق الدارمي وكذلك فعل العينى (ج 3: ص 306) ثم نقله أيضا من المحلى كما هنا، والاثر في مسند الدارمي (ص 80): أخبرنا يعلى - هو ابن عبيد - ثنا اسماعيل - هو ابن أبى خالد - عن عامر - هو الشعبي - قال: جاءت امرأة إلى على تخاصم زوجها طلقها فقالت: قد حضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: اقض بينهما، قال: يا أمير المؤمنين وأنت ههنا! قال اقض

[ 203 ]

قال على بن أحمد: وهذا نص قولنا، وروي عنه محمد بن سيرين أنه سئل: أيكون طهرا خمسة أيام؟ قال النساء أعلم بذلك * قال على: لا يصح عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلاف قول على بن أبى طالب وابن عباس، وهو قولنا. وبالله تعالى التوفيق، والنفاس والحيض سواء في كل شئ. وبالله تعالى التوفيق (1) * 268 - مسألة - ولا حد لاقل النفاس، وأما اكثره فسبعة ايام لا مزيد قال ابو محمد: ولم يختلف احد في أن دم النفاس (2) ان كان دفعة ثم انقطع الدم ولم يعاودها فانها تصوم وتصلي ويأتيها زوجها، وقال أبو يوسف: ان عاودها دم في الاربعين يوما فهو دم نفاس، وقال محمد بن الحسن. ان عاودها بعد الخمسة عشر يوما فليس دم نفاس * قال ابو محمد: وهذه حدود لم يأذن الله تعالى بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فهى باطل * واما أكثر النفاس فان مالكا قال مرة: ستون يوما، ثم رجع عن ذلك، وهو قول الشافعي وقال مالك: النساء أعلم، وقال أبو حنيفة: أكثر النفاس اربعون يوما، فأما من حد ستين يوما فما نعلم لهم حجة، راما من قال: اربعون يوما (3) فانهم


(1) بينهما، قال أمير المؤمنين وأنت ههنا قال اقض بينهما قال ان جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته يزعم أنها حاضت ثلاث حيض عند كل قرءو وتصلي جاز لها والا فلا، فقال على: قالون، وقالون بلسان الروم: أحسنت. ملحوظة: في العيى طبع الادارة المنيرية في هذا الاثر عندما نقله الشارح عن المحلى -: غلطتان يجب تصحيحهما، أولا: أنها رأت ما يحرم عليهما الصلاة من الطهر الذي هو الطمث) فقوله (من الطهر) خطأ صحته (من الطمث). ثانيا. (وتغتسل عند كل قرء وتصلى فيه فقد انقضت عدتها فكلمة (فيه) زائدة لا موقع لها في المعنى وليست في المحلى وهو الذي نقل عنه العيني. (1) قوله (والنفاس والحيض) الخ سقط من اليمنية (2) في اليمنية (مسألة ولم يختلف في أن دم النفاس) الخ وما هنا أصح وأحسن (3) من قوله (فأما من حدستين) إلى هنا سقط من اليمنية وهو خطأ

[ 204 ]

ذكروا روايات عن أم سلمة من طريق مسة الازدية (1) وهى مجهولة، ورواية عن عمر من طريق جابر الجعفي، وهو كذاب، ورواية عن عائذ بن عمرو (2): أن امرأته رأت الطهر بعد عشرين يوما فاغتسلت ودخلت معه في لحافه فضربها برجله وقال: لا تغضي من ديني (3) حتى تمضي الاربعون، وهم لا يقولون بهذا، ولا أسوأ حالا ممن يحتج بما لا يراه حجة وهو أيضا عن الجلد بن أيوب وليس بالقوي (4)، وعن الحسن عن عثمان بن أبى العاصى مثله (5)، وعن جابر عن خيثمة عن أنس بن مالك، وعن وكيع (6)


(1) بضم الميم وفتح السين المهملة المشددة، والازدية بالزاي. وفي المصرية (الاسدية) وفي اليمنية (سد) بدون نقط ومن غير ميم وكلاهما خطأ. وحديث مسة هذا عن أم سلمة رواه أبو داود (ج 1: ص 123) والترمذي (ج 1: ص 30) وابن ماجه (ج 1: ص 115) والبيهقي (ج 1: ص 341) ولفظ الحديث في الترمذي (عن على بن عبد الاعلى عن ابى سهل عن مسة الازدية عن أم سلمة قالت. كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما) قال الترمذي. (هذا حديث لا نعرفه الا من حديث أبى سهل عن مسة عن أم سلمة، واسم ابى سهل كثير بن زياد، قال محمد بن اسمعيل. على ابن عبد الاعلى ثقة وأبو سهل ثقة ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث أبى سهل). ورواه الحاكم أيضا في المستدرك (ج 1: ص 175) وصححه هو والذهبي، ولكن قال ابن حجر في التلخيص ان مسة مجهولة الحالة مع أنه لم يتكلم عليها في التهذيب ونقل عن الدارقطني انها لا يقوم بها حجة، وعن ابن القطان: لا تعرف (2) في اليمنية (عائذ بن عمر) وهو خطأ (3) في اليمنية (لا تغريني من ديني) وفي الدارقطني (ص 82): اليك عنى فلست بالذى تغريني عن ديني حتي تمضي لك أربعون ليلة) قال الدارقطني: لم يروه عن معاوية بن قرة غير الجلد بن أيوب وهو ضعيف اه‍ (4) بل هو ضعيف جدا (5) رواه الحاكم في المستدرك مرفوعا (ج 1: ص 176) والبيهقي موقوفا (ج 1: ص 341) قال الحاكم: (مرسل صحيح فان الحسن لم يسمع من عثمان بن أبى العاص) ووافقه الذهبي، والمرسل لا يكون صحيحا ولا حجة، ومراسيل الحسن أضعف من مراسيل غيره (6) في اليمنية (عن وكيع) بحذف الواو وهو خطأ ظاهر

[ 205 ]

عن أبى عوانة عن جعفر بن إياس عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس: تنتظر النفساء نحوا من أربعين يوما (1) * قال أبو محمد: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا ونذكر ما خالفوا فيه الصاحب والصحابة لا يعرف لهم منهم مخالفون (2). وأقرب ذلك ما ذكرناه في المسألة المتصلة بهذه من حد أقل الطهر، فانهم خالفوا فيه ابن عباس ولا مخالف له من الصحابة أصلا، ولقد يلزم المالكيين والشافعيين المنشنعين بخلاف الصاحب الذى لا يعرف له من الصحابة مخالف: - أن يقولوا بما روي ههنا عمن ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم * قال على: فلما لم يأت في أكثر مدة النفاس (3) نص قرآن ولا سنة وكان الله تعالى قد فرض عليها الصلاة والصيام بيقين وأباح وطأها لزوجها لم يجزها أن تمتنع (4) من ذلك إلا حيث تمتنع بدم الحيض لانه دم حيض * وقد حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن معمر عن جابر عن الضحاك بن مزاحم (5) قال تنتظر إذا ولدت سبع ليال أو أربع عشرة ليلة ثم تغتسل (6) وتصلى، قال جابر، وقال الشعبى تنتظر أقصى ما تنتظر امرأة، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر وابن جريج، قال معمر عن قتادة، وقال ابن جريج عن عطاء ثم اتفق قتادة وعطاء: تنتظر البكر إذا ولدت كامرأة من نسائها، قال عبد الرزاق: وبهذا يقول سفيان الثوري *


(1) رواه البيهقي (ج 1: ص 341) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة وهذا أثر موقوف صحيح الاسناد (2) في اليمنية (مخالف) (3) في اليمنية (أكثر أمر النفاس) وهو خطأ (4) في اليمنية (لم يجز أن تمنع) (5) في اليمنية (عن جابر الصحابي عن مزاحم) وهو خطأ لا معني له (6) في اليمنية (تنتظر إذا ولدت) سبع عشرة ليلة ثم تغتسل وتصلى وما هنا هو الصحيح الموافق للمصرية

[ 206 ]

قال على: وقال الاوزاعي عن أهل دمشق: تنتظر النفساء من الغلام ثلاثين ليلة ومن الجارية أربعين ليلة * قال على: إن كان خلاف الطائفة من الصحابة رضى الله عنهم - لا يعرف لهم مخالف - خلافا للاجماع فقد حصل في هذه المسألة في خلاف الاجماع الشعبى وعطاء وقتادة ومالك وسفيان الثوري والشافعي، إلا أنهم حدوا حدودا (1) لا يدل على شئ منها قرآن ولا سنة ولا اجماع، واما نحن فلا نقول الا بما اجمع عليه: من انه دم يمنع مما يمنع منه الحيض، فهو حيض * وقد حدثنا حمام ثنا يحيى بن مالك بن عائذ (2) ثنا ابو الحسن عبيد الله بن ابن غسان ثنا ابويحيي زكريا بن يحيى الساجى (3) ثنا ابو سعيد الاشج ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي (4) عن سلام بن سليمان المدائني عن حميد عن انس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكثر النفاس اربعون يوما) * قال ابو محمد: سلام بن سليمان ضعيف منكر الحديث (5)


(1) في اليمنية (حدوا حدا) بالافراد وهو خطأ (2) بالهمزة والذال المعجمة وله ترجمة في تذكرة الحفاظ (ج 3 ص 197) (3) في اليمنية (أبويحى وزكريا بن الساجي) وهو خطأ، والساجي هذا هو الامام الحافظ محدث البصرة له ترجمة في التذكرة (ج 2 ص 250) (4) في الاصلين (محمد بن عبد الرحمن المحاربي) وهو خطأ بل صوابه (عبد الرحمن بن محمد) (5) هذا الحديث رواه ابن ماجه (ج 1 ص 116 و 117) من طريق المحاربي (عن سلام ابن سليم أو سلم شك أبو الحسن وأظنه هو أبو الأحوص عن حميد عن أنس) هذا لفظ ابن ماجه، وأخطأ الحافظ الهيثمي في الزوائد اعتمادا على هذا الظن فقال: (اسناد حديث أنس صحيح ورجاله ثقات) والحق انه حديث ضعيف جدا. وأما أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي فانه ثقة حافظ، ولكنه لم يرو هذا الحديث، وانما هو من رواية سلام بن سليمان المدائني الطويل ويقال ابن سليم أو ابن سلم، وهو كما قال المؤلف منكر الحديث، وقال ابن خراش، وقال ابن حبان: (روي الموضوعات عن الثقات كأنه كان المتعمد لها) والذي يؤكد أنه هو لا أبو الأحوص

[ 207 ]

وقال ابو حنيفة: اقل امد النفاس (1) خمسة وعشرون يوما، وقال ابو يوسف اقل أمد النفاس (2) أحد عشر يوما (3) * وقال أبو محمد: هذان حدان لم يأذن الله تعالى بهما، والعجب ممن يحد مثل هذا برأيه ولا ينكره على نفسه، ثم ينكر على من وقف عندما أوجبه الله تعالى في القرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه المسلمون اجماعا متيقنا! والحمد لله رب العالمين * قال أبو محمد ثم رجعنا إلى ما ذكرنا قبل من أن دم النفاس هو حيض صحيح، وأمده (4) أمد الحيض وحكمه في كل شئ حكم الحيض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها (أنفست) بمعنى حضت فهما شئ واحد، ولقوله عليه السلام في الدم الاسود ما قال من اجتناب الصلاة إذا جاء، وهم يقولون بالقياس، وقد حكموا لهما بحكم واحد في تحريم الوطئ والصلاة والصوم وغير ذلك، فيلزمهم أن يجعلوا أمدهما واحدا وبالله تعالى التوفيق * 269 مسألة - فان رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض كما


الثقة التصريح باسمه في اسناد المؤلف هنا، وقول البيهقى في السنن: (وكذلك رواه سلام الطويل عن حميد عن أنس) وقول الحافظ في التهذيب (روى له ابن عدي احاديث وقال لا يتابع عليها وأخرج له الحديث الذى أخرجه ابن ماجه وليس له عنده غيره وهو حديث أنس. وقت للنفساء) ونقل عن ابن حبان أنه قال. (هو الذى روى عن حميد عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم وقت للنفساء أربعين يوما) وكذلك أعله به الحافظ الزيلعى في نصب الراية (ج 1 ص 107). ورواه البيهقى (ج 1 ص 343) من طريق زيد العمى عن أبي أياس عن أنس وزيد العمي ضعيف جدا، قال ابن حبان: (يروى عن أنس أشياء موضوعة لا أصول لها حتى يسبق إلى القلب انه المتعمد لها) (1) في المصرية (أقل امر النفاس) وهو خطأ (2) في المصرية (أقل أمر النفاس) وهو خطأ (3) في اليمنية (وقال أبو حنيفة أقل مدة النفاس أحدى عشر يوما) وهو خطأ لانها نسبت قول أبى يوسف لابي حنيفة وحذفت قول أبى حنيفة ولتأنيث (احدى) بدون وجه (4) في اليمنية (فأمده) وما هنا أحسن

[ 208 ]

قدمنا، تدع الصلاة والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها، فان تلون أو انقطع إلى سبعة عشر يوما فأقل فهو طهر صحيح تغتسل وتصلى وتصوم ويأتيها زوجها (1) وإن تمادى أسود تمادت على انها حائض إلى سبع عشرة (2) ليلة، فان تمادى بعد ذلك أسود فانها تغتسل ثم تصلى وتصوم (3) ويأتيها زوجها (4)، وهي طاهرا أبدا لا ترجع إلى حكم (5) الحائضة إلا ان ينقطع أو يتلون كما ذكرنا، فيكون حكمها إذا كان أسود حكم الحيض وإذا تلون أو انقطع أو زاد على السبع عشرة (6) حكم الطهر، فاما التى قد حاضت وطهرت فتمادى بها الدم فكذلك (7) أيضا في كل شئ، إلا في تمادى الدم الاسود متصلا فانها (8) إذ جاءت الايام التى كانت تحيضها أو الوقت الذى كانت تحيضه إما مرارا في الشهر أو مرة في الشهر أو مرة في أشهر أو في عام -: فإذا جاء ذلك الامد أمسكت عما تمسك به الحائض، فإذا انقضى ذلك الوقت اغتسلت وصارت في حكم الطاهر في كل شئ وهكذا أبدا ما لم يتلون الدم أو ينقطع، فان كانت مختلفة الايام بنت على آخر ايامها قبل ان يتمادى بها الدم، فان لم تعرف وقت حيضها لزمها فرضا ان تغتسل لكل صلاة وتتوضأ لكل صلاة أو تغتسل وتتوضأ وتصلى الظهر في آخر وقتها، ثم تتوضأ وتصلى العصر في أول وقتها، ثم تغتسل وتتوضأ وتصلى المغرب في آخر وقتها، ثم تتوضأ وتصلى العتمة في أول وقتها (9) ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر، وأن شاءت أن تغتسل في أول وقت الظهر للظهر والعصر فذلك لها، وفى أول وقت المغرب


(1) في اليمنية (ويأتيها رجلها) (2) في اليمنية (سبعة عشرة) وهو خطأ (3) في المصرية (ثم تصوم وتصلى) (4) في اليمنية (ويأتيها رجلها) (5) لفظ (إلى حكم) سقط من اليمنية (6) في اليمنية (السبعة عشرة) (7) في اليمنية (وكذلك) وهو خطأ (8) في المصرية (فانه) (9) في اليمنية (لزمها فرضا ان تغتسل لكل صلاة وتتوضأ لكل صلاة أو تغتسل وتصلى الظهر في آخر وقتها ثم تتوضأ وتصلى العتمة في أول وقتها) وهذا خطأ وما هنا أصح

[ 209 ]

للمغرب والعتمة فذلك لها، وتصلى كل صلاة لوقتها ولا بد وتتوضأ لكل صلاة فرض ونافلة في يومها وليلتها (1)، فان عجزت عن ذلك وكان عليها فيه حرج تيممت كما ذكرنا * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذى قد ذكرنا باسناده في أول مسألة من الحيض من كتابنا هذا -: (إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وان كان الآخر فتوضئ وصلى) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا أدبرت فاغتسلي وصلى) وفي بعضها: (فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضى) وفي بعضها: (فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئ وصلى) وهكذا رويناه من طريق حماد بن زيد وحماد بن سلمة كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففى الاخبار ايجاب مراعاة تلون الدم * وما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا احمد بن أبى رجاء ثنا أبو أسامة سمعت هشام بن عروة بن الزبير قال أخبرني أبى عن عائشة: أن فاطمة ينت أبى حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت إنى أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا: ان ذلك عرق، ولكن دعى الصلاة قدر الايام التى كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلى (2)) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن حمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رمح وقتيبة كلاهما عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم، قالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دما (3)، فقال لها رسول الله


(1) من أول قوله (فان عجزت عن ذلك) إلى قوله فيما يأتي (وقال الشافعي تقعد يوما وليلة) الخ سقط من اليمنية (2) في البخاري (ج 1 ص 50) (3) في الاصل (ملا دما) وهو خطأ وصححناه من صحيح مسلم (ج 1 ص 103 و 104)

[ 210 ]

صلى الله عليه وسلم: امكثى قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلى) * قال أبو محمد: ففى هذين الخبرين ايجاب مراعاة القدر الذى كانت تحيضه قبل ان يمتد بها الدم * وأما المبتدأة التى لا يتلون دمها عن السواد ولا مقدار عندها لحيض متقدم -: فنحن على يقين من وجوب الصلاة والصيام عليها، ونحن على يقين من أن الدم الاسود منه حيض ومنه ما ليس بحيض، فإذ ذلك كذلك فلا يجوز لاحد أن يجعل برأيه بعض ذلك الدم حيضا وبعضه غير حيض، لانه يكون شارعا في الدين ما لم يأذن به الله، أو قائلا على الله تعالى ما لا علم لديه، فإذ ذلك كذلك فلا يحل لها ترك يقين ما افترض الله عليها من الصوم والصلاة لظن في بعض دمها أنه حيض، ولعله ليس حيضا، والظن أكذب الحديث * وهذا الذي قلناه هو قول مالك وداود، وقال الاوزاعي: تجعل لنفسها مقدار حيض أمها وخالتها وعمتها وتكون فيما زاد في حكم المستحاضة، فان لم تعرف جعلت حيضها سبعة أيام من كل شهر، وتكون في باقي الشهر مستحاضة تصوم، وقال (1) سفيان الثوري وعطاء: تجعل لنفسها قدر حيض نسائها (2)، وقال الشافعي: تقعد يوما وليلة من كل شهر تكون فيه حائضا، وباقى الشهر مستحاضة تصلى وتصوم، والى هذا مال أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: تقعد عشرة أيام من كل شهر حائضا وباقي الشهر مستحاضة تصلى وتصوم * قال علي: يقال لجميعهم: من أين قطعتم بأنها تحيض كل شهر ولا بد؟ وفى الممكن أن تكون ضهياء (3) لا تحيض فتركتم بالظن فرض ما أوجبه الله تعالى عليها (4) من الصلاة والصيام، ثم ليس لاحد منهم أن يقول: أقتصر بها على أقل


(1) في الاصل (قال) بحذف الواو والسياق يقضى بزيادتها (2) من أول قوله (فان عجزت عن ذلك وكان عليها فيه حرج) إلى هنا سقط من اليمنية (3) الضهيأ بوزن فعيل والضهياء بوزن فعلاء هي التى لا تحيض أو التى لا ينبت ثدياها، وكذلك الضهيأة بوزن فعلاة. (4) كلمة (عليها) محذوفة في اليمنية

[ 211 ]

ما يكون من الحيض لئلا تترك الصلاة الا بيقين: - إلا كان للآخر (1) أن يقول: بل أقتصر بها على أكثر الحيض لئلا تصلى وتصوم ويطؤها زوجها وهى حائض، وكل هذين القولين يفسد صاحبه، وهما جميعا فاسدان (2) لانهما قول بالظن، والحكم بالظن في دين الله عزوجل لا يجوز، ونحن على يقين لاشك فيه أن هذه المبتدأة لم تحض قط، وأن الصوم والصلاة فرضان عليها، وأن زوجها مأمور ومندوب إلى وطئها، ثم لا ندرى ولا نقطع أن شيئا من هذا الدم الظاهر عليها دم حيض، فلا يحل ترك اليقين والفرائض اللازمة بظن كاذب. وبالله تعالى التوفيق * وأما وضوؤها لكل صلاة فقد ذكرنا برهان ذلك في كتابنا هذا في الوضوء وما يوجبه * وأما غسلها لكل صلاتين أو لكل صلاة فلما حدثناه حمام بن احمد ثنا عباس ابن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا علان (3) ثنا محمد بن بشار ثنا وهب ابن جرير بن حازم ثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف عن أم حبيبة بنت جحش: (أنها كانت تهراق الدم وأنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تغتسل لكل صلاة * وبه إلى ابن أيمن: ثنا احمد بن محمد البرتى (4) القاضى ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث بن سعيد التنوري (5) عن الحسين (6) المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: أخبرتني زينب بنت أبى سلمة المخزومي:


(1) في اليمنية (لآخر) (2) في المصرية (وكلاهما فاسدان) (3) بفتح العين وتشديد اللام وهو لقب جماعة من المحدثين والذى في هذه الطبقة هو على بن عبد الرحمن بن المغيرة المخزومى المصرى شيخ الطحاوي مات بمصر في 10 شعبان سنة 272 فالغالب أنه هو (4) في اليمنية (البرلى) وهو خطأ وانظر حاشية المسألة رقم 210 (5) بفتح التاء المثناة وضم النون وهما مشددتان (6) في المصرية (الحسن) وهو خطأ

[ 212 ]

(أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت (1) تحت عبد الرحمن بن عوف، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلى) * قال على: زينب هذه ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نشأت في حجره عليه السلام، ولها صحبة به عليه السلام (2) * وبه إلى ابن أيمن: أخبرنا عبد الله بن احمد بن حنبل حدثني أبى حدثنى محمد ابن سلمة عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة بنت جحش (أنها استحيضت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل عند كل صلاة حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا هناد ابن السرى عن عبدة بن سليمان عن محمد بن اسحق عن الزهري عن عروة عن عائشة: (أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها بالغسل لكل صلاة (3) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك الخولانى ثنا محمد بن بكر ثنا ابو داود ثنا وهب بن بقية ثنا خالد بن اسماعيل (4) عن سهيل بن أبى صالح عن


(1) في اليمنية (كانت) بحذف الواو (2) حديث زينب هذا رواه أبو داود (ج 1 ص 118) والبيهقي (ج 1 ص 351) من طريق ابى معمر عبد الله بن عمرو بن ابي الحجاج عن عبد الوارث باسناده ولفظه، ورواه البيهقي أيضا من طريق الاوزاعي عن يحى بن أبى كثير قال (حدثني أبو سلمة وعكرمة مولى ابن عباس أن زينب بنت أم سلمة كانت تعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تهريق الدم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة) وهو اسناد صحيح ولكن لعل الاوزاعي - أو من روى عنه - أخطأ، فيه لان زينب كانت صغيرة دون البلوغ عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك اختلفوا في سماعها منه، وقيل انها ولدت بالحبشة وقيل ولدت بالمدينة، وعلى كل فهذه الرواية فيها شئ من الخطأ. (3) رواه أبى داود (ج 1 ص 118) (4) في اليمنية (خالد) وحذف اسم أبيه وهو الموافق لابي داود (ج 1 ص 119)

[ 213 ]

الزهري عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت عميس قالت: (يا رسول الله (1) ان فاطمة بنت أبى حبيش استحيضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل المغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا (2) وتتوضأ (3) فيما بين ذلك) * فهذه آثار في غاية الصحة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع صواحب: عائشة أم المؤمنين. وزينب بنت أم سلمة. وأسماء بنت عميس، وأم حبيبة بنت جحش، ورواها عن كل واحدة من عائشة وأم حبيبة عروة وأبو سلمة ورواه ابو سلمة عن زينب بنت أم سلمة، ورواه عروة عن أسماء، وهذا نقل تواتر يوجب العلم * وقال بهذا جماعة من الصحابة رضى الله عنهم، كما روينا من طريق الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: ان أم حبيبة استحيضت فكانت تغتسل لكل صلاة، فهذه أم حبيبة ترى ذلك وعائشة تذكر ذلك لا تنكره (4) ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير: أنه كان عند ابن عباس فأتاه كتاب امرأة، قال سعيد: فدفعه ابن عباس إلى، فقرأته فإذا فيه: إني امرأة مستحاضة أصابني بلاء وضر، وانى ادع الصلاة الزمان الطويل، وان ابن أبى طالب سئل عن ذلك فأفتانى أن أغتسل عند كل صلاة. فقال ابن عباس: اللهم لا أجد لها ألا ما قال على، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد والمغرب والعشاء بغسل واحد وتغتسل للفجر غسلا واحدا، فقيل لابن عباس: أن الكوفة أرض باردة وانها يشق عليها، قال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك ورويناه أيضا من طريق سفيان الثوري عن أشعث بن أبى الشعثاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ومن طريق ابن جريج ان عمرو بن دينار اخبره انه سمع سعيد بن جبير يذكر هذا عن ابن عباس ومن طريق شعبة وحماد بن سلمة كلاهما عن حماد بن أبى


(1) في سنن أبى داود (قالت: قلت يا رسول الله) (2) في سنن أبي داود (غسلا واحدا) والحديث هناك أطول فاختصره المؤلف (3) في سنن ابى داود (وتوضأ) بحذف احدى التاءين (4) في اليمنية (وعائشة تنكر ذلك لا تنكره) وهو خطأ واضح

[ 214 ]

سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس * حدثنا يونس بن عبد الله ثنا أبو بكر بن احمد بن خالد ثنا أبى ثنا على بن عبد العزيز ثنا حجاج بن المنهال عن ابن جريج (1) قال: أخبرني أبو الزبير قال أخبرني سعيد بن جبير قال: أرسلت امرأة مستحاضة إلى ابن الزبير: انى أفتيت أن أغتسل لكل صلاة، فقال ابن الزبير: ما أجد لها الا ذلك ثم أرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا جميعا: ما نجد لها الا ذلك. ومن طريق أبى مجلز عن ابن عمر في المستحاضة قال: تغتسل لكل صلاة، وقد رواه أيضا عكرمة ومجاهد عن ابن عباس، قال مجاهد عنه: تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا * وروينا عن ابن جريج (2) عن عطاء: تنتظر المستحاضة أيام اقرائها ثم تغتسل غسلا واحدا للظهر والعصر تؤخر الظهر (3) قليلا وتعجل العصر قليلا وكذلك المغرب والعشاء وتغتسل للصبح غسلا وروينا من طريق سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي مثل قول عطاء سواء سواء. وروينا من طريق معاذ بن هشام الدستوائى عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: المستحاضة تغتسل لكل صلاة وتصلي * فهؤلاء من الصحابة أم حبيبة وعلى بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضي الله عنهم، إلا رواية عن عائشة: أنها تغتسل كل يوم عند صلاة الظهر (4) ورويناه هكذا من طريق معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة هكذا مبينا: كل يوم عند صلاة الظهر. ومن التابعين عطاء وسعيد بن المسيب والنخعي وغيرهم كل ذلك بأسانيد في غاية الصحة


(1) هنا بهامش اليمنية (قال الذهبي: لم يسمع حجاج بن منهال من ابن جريج ولا أدركه) (2) في اليمنية (ورويناه من طريق ابن جريج) وما هنا أحسن كما هو واضح (3) في اليمنية (وتؤخر الظهر) بزيادة الواو (4) في اليمنية (كل يوم عند وقت صلاة الصلاة) وهو خطأ

[ 215 ]

فأين المشنعون بمخالفة الصاحب (1) إذا وافق (2) أهواءهم وتقليدهم من الحنيفيين والمالكيين والشافعيين عن هذا ومنعهم (3) السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!؟ * قال على: فجاءت السنة في التى تميز دمها أن الاسود حيض، وأن ما عداه طهر، فوضح أمر هذه، وجاءت السنة في التى لا تميز دمها وهو كله أسود لان ما عداه طهر لا حيض ولها وقت محدود مميز كانت تحيض فيه: أن تراعى أمد حيضها (4) فتكون فيه حائضا، ويكون ما عداه طهرا، فوجب الوقت عند ذلك، وكان (5) حكم التى كانت أيامها مختلفة منتقلة أن تبنى على آخر حيض حاضته قبل اتصال دمها، لانه هو الذى استقر عليه حكمها وبطل (6) ما قبله باليقين (7) والمشاهدة، فخرجت هاتان بحكمهما، ولم يبق إلا التى لا تميز دمها ولا لها أيام معهودة، لم يبق إلا المأمورة بالغسل لكل صلاة أو لكل صلاتين، فوجب ضرورة أن تكون هي، إذ ليست إلا ثلاث صفات وثلاثة أحكام فللصفتين (8) حكمان منصوصان عليهما، فوجب أن يكون الحكم الثالث للصفة الثالثة ضرورة ولا بد * قال على: وأما مالك فانه غلب حكم تلون الدم (9) ولم يراع (10) الايام وأما أبو حنيفة فغلب الايام ولم يراع حكم تلون الدم، وكلا العملين (11) خطأ، لانه ترك لسنة لا يحل تركها، وأما الشافعي وابن حنبل وأبو عبيد وداود فأخذوا بالحكمين معا، إلا أن احمد بن حنبل وأبا عبيد (12) غلبا الايام ولم يجعلا لتلون الدم حكما


(1) في اليمنية (فأين المشنعون مخالفة الصاحب) بحذف الباء. (2) في المصرية (إذا خالف) وهو خطأ ظاهر والتصحيح من اليمنية (3) في اليمنية (ومعهم) والصواب ما هنا (4) في اليمنية (امر حيضها) وهو خطأ (5) في اليمنية (أو كان) (6) في اليمنية (أو بطل) وهو خطأ (7) في المصرية (بالنفى) وهو خطأ (8) في اليمنية (وللصنفين) وهو خطأ (9) في اليمنية (تغير الدم) (10) في المصرية (ولم يراعى) وهو لحن (11) في اليمنية (وكلي العملين) وهو لحن (12) في المصرية (وأبو عبيد) وهو خطأ

[ 216 ]

إلا في التى لا تعرف (1) أيامها، وجعلا للتى تعرف أيامها حكم الايام وان تلون دمها، وأما الشافعي وداود فغلبا حكم تلون الدم، سواء عرفت أيامها أو لم تعرفها، ولم يجعلا حكم مراعاة وقت الحيض إلا للتى لا يتلون دمها (2) * قال على: فبقى النظر في أي العملين هو الحق؟ ففعلنا، فوجدنا النص قد ثبت وصح بأنه لا حيض إلا الدم الاسود، وما عداه ليس حيضا، لقوله عليه السلام: (ان دم الحيض أسود يعرف) فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة لا مدخل لها في حكم الاستحاضة (3)، وأنه لا فرق بين الدم الاحمر وبين القصة البيضاء، ووجب أن الدم إذا تلون قبل انقضاء أيامها المعهودة انه طهر صحيح، فبقى الاشكال في الدم الاسود المتصل فقط، فجاء النص بمراعاة الوقت لمن تعرف وقتها، وبالغسل المردد لكل صلاة أو لصلاتين (4) في التى نسيت وقتها. وبالله تعالى التوفيق * وما نعلم لمن ترك شيئا من هذه الاخبار (5) سببا (6) يتعلق به، لا من قياس ولا من قول صاحب ولا من قرآن ولا سنة * وقال مالك في بعض أقواله: إن (7) التي يتصل بها الدم تستظهر بثلاثة أيام ان كانت حيضتها اثنى عشر يوما فأقل، أو بيومين (8) ان كانت حيضتها ثلاثة عشر يوما، أو بيوم ان كانت حيضتها أربعة عشر يوما، ولا تستظهر بشئ ان كانت


(1) في اليمنية (تفرق) وهو تصحيف (2) في المصرية (الا التي يتلون دمها) بحذف (لا) وهو خطأ (3) في المصرية (ان دم الحيض أسود يعرف، فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهر لا مدخل لها فيه لان دم الحيض أسود يعرف فصح أن المتلونة الدم حكم المستحاضة) وهو خطأ وخلط من الناسخين، وما هنا هو الصحيح الذى في اليمنية. (4) في اليمنية (وبالغسل المردود بكل صلاة أو الصلاتين) وهو خطأ (5) في اليمنية (ترك هذه الاخبار) (6) في المصرية (شيئا) (7) في المصرية (بأن (وهو خطأ (8) في المصرية (أو يومين)

[ 217 ]

حيضها خمسة عشر يوما، وهذا قول لا يعضده قرآن ولا سنة، لا صحيحة ولا سقيمة ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأي له وجه ولا احتياط، بل فيه ايجاب ترك الصلاة المفروضة والصوم اللازم بلا معنى * واحتج له بعض مقلديه بحديث سوء رويناه من طريق ابراهيم بن حمزة عن الدراوردي عن حرام بن عثمان (1) عن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر عن أبيهما قال: (جاءت أسماء بنت مرشد الحارثية (2) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس عنده فقالت: يا رسول الله حدثت لى حيضة أنكرها، أمكث بعد الطهر ثلاثا أو أربعا (3) ثم تراجعني فتحرم علي الصلاة، فقال: إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثا ثم تطهري اليوم الرابع فصلي الا أن تري دفعة من دم قائمة (4) * قال أبو محمد: فكان هذا الاحتجاج أقبح من القول المحتج له به، لان هذا الخبر باطل إذ هو مما انفرد به حرام بن عثمان، ومالك نفسه يقول: هو غير ثقة،


(1) حرام: بفتح الحاء والراء المهملتين، وفي اليمنية (حزام) بالزاى وهو تصحيف (2) مرشد بالشين ووقع في الاصابة (مرثد) بالثاء وهو خطأ مطتعى، وليس لاسماء هذه الا هذا الحديث الواحد وهو لا يصح كما قال ابن عبد البر في الاستيعاب (ص 726) وابن الاثير في اسد الغابة (ج 5 ص 396) وابن حجر في الاصابة (ج 8 ص 11) وفى طبقات ابن سعد (ج 8 ص 245) أن اسم ابيها (مرشدة) وأنها تزوجها الضحاك بن خليفة فولدت له ثابتا وأبا جبيرة وغيرهما وأنها أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم (3) في اليمنية (أم أربعا) (4) رواه البيهقي مختصرا وذكره ابن الاثير معلقا بطوله ونسبه ابن حجر في الاصابة إلى اسمعيل بن اسحق القاضي في احكامه والى ابن منده، وهو حديث ضعيف انفرد به حرام بن عثمان: قال الشافعي وابن معين وغيرهما (الرواية عن حرام حرام) وقال ابن المدينى: سمعت (يحيى بن سعيد يقول قلت لحرام بن عثمان: عبد الرحمن بن جابر ومحمد بن جابر وأبو عتيق هم واحد؟ قال: (ان شئت جعلتهم عشرة!) وهذا يدل على انه كذاب صفيق الوجه لا يستحي من افتعال اسماء لا تعرف *

[ 218 ]

فالعجب لهؤلاء القوم وللحنيفيين وقد جرح أبو حنيفة جابرا الجعفي وقال: ما رأيت أكذب من جابر، ومالك جرح حرام بن عثمان وصالحا مولى التوأمة ثم لا مؤنة على المالكيين والحنيفيين إذا جاء هؤلاء خبر من رواية حرام وصالح يمكن (1) أن يوهموا به أنه حجة لتقليدهم الا احتجوا به واكذبوا تجريح مالك لهم ولا مؤنة على الحنيفيين إذا جاءهم خبر يمكن ان يوهموا به أنه حجة لتقليدهم من رواية جابر الا احتجوا به، ويكذبوا تجريح (2) أبى حنيفة له، ونحن ولله الحمد أحسن مجاملة لشيوخهم منهم، فلا نرد تجريح مالك فيمن لم تشتهر امامته * قال أبو محمد: ثم لو صح هذا الخبر لما كان لهم به متعلق لانه ليس فيه شئ من قول مالك، ولا من تلك التقاسيم، بل هو مخالف لقوله، وموجب للصلاة الا أن ترى دما، فظهر فساد احتجاجهم به (3) * وقال بعضهم: قسناه على حديث المصراة، على أجل الله تعالى لثمود، فكان هذا إلى الهزل والاستخفاف بالدين أقرب منه إلى العلم. ونعوذ بالله من الخذلان * قال على: وروينا عن ابراهيم النخعي: ان المستحاضة تصوم وتصلى ولا يطؤها زوجها. قال على: وهذا خطأ لانها إما حائض واما طاهر غير حائض، ولا سبيل إلى قسم ثالث في غير الفساء، فان كانت حائضا فلا تحل لها الصلاة (4) ولا الصوم، وان كانت غير نفساء ولا حائض فوطئ زوجها لها حلال ما لم يكن أحدهما صائما أو محرما أو معتكفا أو مظاهرا منها، فبطل هذا القول. وبالله تعالى التوفيق * * (الفطرة) * 270 مسألة السواك مستحب، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل، ونتف الابط والختان وحلق العانة وقص الاظفار، وأما قص الشارب ففرض ولا يحل للمرأة (5) نتف الشعر من وجهها، ويستحب للجنب إن أراد الاكل أو النوم أو الشرب أن يتوضأ، وليس فرضا عليه، وإن أراد المعاودة فيجب عليه


(1) في المصرية (يمكن) وهو خطأ (2) في اليمنية (وتركوا تجريح) (3) كلمة (به) حذفت من اليمنية (4) في اليمنية (فلا تحل لها بالصلاة) وهو خطأ (5) في اليمنية (لا يحل لامرأة)

[ 219 ]

أن يتوضأ أيضا (1)، وان وطي زوجتين له أو زوجات أو إماء وزوجات (2) فيغتسل بين كل انثتين فحسن، وان لم يغتسل الا في آخر ذلك فحسن * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيس ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الختان والاستحداد وتقليم الاظفار ونتف الابط وقص الشارب (3)) وبه إلى مسلم: ثنا قتيبة بن سعيد وعمرو الناقد ثنا سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة) (4) قال على: فإذا لم يأمرهم فليس فرضا * وبه إلى مسلم بن الحجاج: ثنا يحيي بن يحيى وقتيبة كلاهما عن جعفر بن سليمان الضبعى عن أبي عمران الجونى (5) عن أنس بن مالك قال: (وقت لنا في قص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة (6) *


(1) في اليمنية (وان أراد المعاودة فمستحب له أن يتوضأ) وهو خطأ لان المعروف عن الظاهرية القول بوجوب الوضوء إذا أراد العود قال ابن حجر في الفتح (ج 1 ص 323) واختلفوا في الوضوء بينهما - أي بين الجماعين - فقال أبو يوسف: لا يستحب، وقال الجمهور: يستحب، وقال ابن حبيب المالكي وأهل الظاهر يجب (وكذلك نقل عنهم العينى في عمدة القاري (ج 3 ص 213)، ولذلك استغرب كاتب اليمنية ما فيها فكتب على حاشيتها (تقدم في أوائل كتاب الطهارة انه يجب الوضوء بين الجماعين، وقد خالفه هنا فلينظر) (2) في الاصلين هنا زيادة (واماء) مرة أخرى ولا معنى لها (3) في صحيح مسلم (ج 1: ص 87) (4) في مسلم (ج 1: ص 86) (5) في اليمنية (الخولاني) وهو خطأ (6) (نترك) بالنون في أوله. والحديث في مسلم (ج 1: ص 87)

[ 220 ]

وأما فرض قص الشارب (1) واعفاء (2) اللحية فان عبد الله بن يوسف ثنا قال ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن علي ثنا مسلم ابن الحجاج ثنا سهل بن عثمان ثنا يزيد بن زريع عن عمر بن محمد (3) ثنا نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خالفوا المشركين، احفوا الشوارب واعفوا اللحى (4) * حدثنا يونس بن عبد الله ثنا احمد بن عبد الله (5) بن عبد الرحيم ثنا احمد ابن خالد ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا محمد ابن عجلان قال: قال لى عثمان بن عبيد الله بن رافع (6): رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيضون شواربهم شبه الحلق، قلت: من؟ قال جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدرى وأبا أسيد وسلمة بن الاكوع وأنس بن مالك ورافع بن خديج * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة *


(1) في اليمنية (وأما قص الشارب) بحذف فرض (2) بالعين المهملة وفي اليمنية بالمعجمة وهو خطأ (3) في اليمنية (عن عمرو ابن عثمان) وهو خطأ غريب. (4) (أحفوا) و (أعفوا) بالحاء والعين المهملتين، وفى اليمنية بالمعجمتين وهو خطأ والذى في صحيح مسلم (ج 1 ص 87) في هذا الاسناد (وأوفو اللحي) وأما رواية (واعفوا) فانها فيه من طريق عبيد الله عن نافع (5) كذا في الاصلين، وقد مضى مرارا (احمد بن عون الله) وكذلك تكرر في الاحكام للمؤلف فلا أدرى هل هو؟ أو هذا رجل آخر؟ (6) في المصرية (عثمان بن عبد الله بن رافع) ولم أجد له ترجمة وهذا الاثر رواه البيهقى (ج 1 ص 151) من طريق الفريابي عن سفيان عن محمد بن عجلان عن عبيد الله بن ابى رافع قال: (رايت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الانصاري وابن الاكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم حتى الحلق) ثم قال البيهقى: (كذا وجدته وقال غيره عن عثمان بن عبيد الله بن ابى رافع وقيل ابن رافع) فالخلاف في اسم الراوي موجود، وعبيد الله ثقة، وأما عثمان هذا فلا ندرى من هو.

[ 221 ]

حدثنا يونس بن عبد الله ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أنا سويد بن نصر أرنا عبد الله هو ابن المبارك عن يونس هو ابن يزيد عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة (1) قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وان أراد (2) أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم يأكل أو يشرب) * فان قيل: فقد صح أن عمر ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم) * قلنا فحدثنا محمد بن سعيد بن نبات قال ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق عن الاسود بن يزيد عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب كهيئته ولا يمس ماء) * وحدثنا يونس بن عبد الله ثنا أبو عيسى بن أبى عيسى ثنا احمد بن خالد ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا أبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنفي عن أبي اسحاق عن الاسود عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من المسجد صلى ما قضى الله له، ثم مال إلى فراشه أو إلى أهله، فان كانت له حاجة إلى أهله قضاها ثم نام كهيئته لا يمس ماء، فإذا سمع النداء وثب، فان كان جنبا أفاض عليه الماء، وان لم يكن جنبا توضأ وصلى ركعتين ثم خرج إلى المسجد) * فهذا عموم يدخل فيه الوضوء والغسل معا وغير ذلك، ومن ادعى ان سفيان أخطأ في هذا الحديث فهو امخطئ بدعواه (3) ما لا دليل له عليه * فان قيل: قد خالفه زهير بن معاوية. قلنا: سفيان أحفظ من زهير، ولو لم يكن لما كان في خلاف بعض الرواة لبعض دليل على خطأ أحدهم، بل الثقة مصدق في كل ما يروى. وبالله تعالى التوفيق *


(1) كلمة (عن عائشة) سقطت من اليمنية وهو خطأ (2) في اليمنية (فان أراد) (3) في اليمنية (لدعواه)

[ 222 ]

وقول عائشة هذا أخبار عن مداومته عليه السلام على ذلك، وممن روينا عنه اباحة النوم للمجامع قبل أن يتوضأ: - سعيد بن المسيب وربيعة ويزيد بن هارون والشافعي وأبو ثور * حدثنا احمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر ابن أبى شيبة عن يزيد بن هارون وهشيم وحفص بن غياث، قال يزيد: عن حماد ابن سلمة عن عبد الرحمن بن أبى رافع عن عمته سلمى عن أبى رافع: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة واحدة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا) (1) وقال هشيم: ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على جميع نسائه (2) في ليلة بغسل واحد (3)) وقال حفص بن غياث: عن عاصم عن أبى المتوكل عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءا) (4)


(1) حديث ابى رافع رواه احمد في مسنده عن عفان (ج 6 ص 8) وعبد الرحمن وأبى كامل (ج 6 ص 9 و 10) ويزيد بن هرون (ج 6 ص 391) كلهم عن حماد بن سلمة ورواه أبو داود (ج 1: ص 88) عن موسى بن اسمعيل عن حماد، وابن ماجه ج 1: ص 107 من طريق عبد الصمد عن حماد ونسبه المنذرى للنسائي والشوكاني للترمذي والنسائي ولم اجده فيهما ورواه البيهقي (ج 1 ص 203 و 204) (2) في اليمنية (على نسائه) (3) حديث أنس رواه مسلم (ج 1 ص 98) وابو داود (ج 1 ص 87) والترمذي ج 1 ص 30) والنسائي (ج 1 ص 51 و 52) وابن ماجه (ج 1 ص 106) والبيهقي (ج 1 ص 204) بأسانيد مختلفة ورواه البخاري (ج 1 ص 43) بلفظ (كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن أحدى عشرة قال. قلت لانس أو كان يطيقه؟ قال. كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين) وليس فيه التصريح بغسل واحد ولكنه مفهوم من سياقه (4) حديث أبي سعيد رواه أبو داود (ج 1 ص 88) عن عمرو بن عون عن حفص بن غياث، ورواه مسلم (ج 1 ص 98) والترمذي (ج 1 ص 30) والنسائي (ج 1 ص 51) وابن ماجه (ج 1 ص 106) ونسبه في المنتقى لاحمد، ونسبه الشوكاني لابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأنهم رووا فيه زيادة (فانه انشط للعود) ونسب

[ 223 ]

* (الآنية) * 271 مسألة لا يحل الوضوء ولا الغسل ولا الشر، ولا الاكل لا لرجل ولا لامرأة في أناء عمل من عظم ابن آدم. لما ذكرنا في كتابنا هذا في جلود الميتة من وجوب دفع المؤمن والكافر، وتحريم المثلة. ولا في أناء عمل من عظم خنزير. لما ذكرنا من أنه كله رجس. ولا في أناء من جلد ميتة قبل أن يدبغ، ولا في أناء فضة أو أناء ذهب * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة والوليد بن شجاع قالا: ثنا على بن مسهر (1) عن عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن زيد بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) قال: (ان الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة (3) انما يجرجر في بطنه نار جهنم) * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع ثنا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليل عن حذيفة قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وعن آنية الذهب والفضة، وقال: هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة (4) *


الشوكاني للبيهقي وابن خزيمة ان في روايتهما (فليتوضأ وضوءه للصلاة) وليست هذه اللفظة في البيهقي انظره (ج 1 ص 204) وانما هي فيه في حديث عائشة (كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة) وهذا غير ذاك (1) في اليمنية (على بن زهير) وهو خطأ (2) قوله أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم) زدناه من صحيح مسلم (ج 2: ص 149) لانه ليس في الاصلين (3) في مسلم يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب (4) رواه الجماعة بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، قال ابن منده، مجمع على صحته

[ 224 ]

ولا في اناء مأخوذ بغير حق، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) * 272 مسألة ثم كل اناء بعد هذا من صفر أو نحاس أو رصاص أو قزدير (1) أو بللور أو زمرد (3) أو ياقوت أو غير ذلك فمباح الاكل فيه والشرب والوضوء والغسل فيه الرجال والنساء، لقول الله تعالى: (هو الذى خلق لكم ما في الارض جميعا) وقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوني ما تركتكم، فانما هلك من كان من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه) * فصح ان كل مسكوت عن ذكره بتحرم أو أمر فمباح * والمذهب والمضبب بالذهب حلال للنساء دون الرجال لانه ليس اناء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (الحرير والذهب حلال لاناث أمتي حرام على ذكورها) أو كما قال عليه السلام، وليس المذهب (4) أناء ذهب والمفضض والمضبب بالفضة حلال للرجال والنساء، لانه ليس اناء وبالله تعالى نتأيد. وهو حسبنا ونعم الوكيل * 273 مسألة من عجز عن بعض أعضائه في الطهارة: من قطعت يداه أو رجلاه أو بعض ذلك سقط عنه حكمه، وبقي عليه غسل ما بقى لقوله عليه السلام: (إذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فان كان في الجسد جرح سقط حكمه (5) وبقى فرض غسل سائر الجسد أو الاعضاء لما ذكرناه، فان عمت القروح يديه أو يده (6) أو رجليه أو وجهه أو بعض جسده فان أخرجه ذلك إلى اسم المرض وكان عليه من إمساسه الماء حرج (تيمم فقط، لان هذا حكم المريض، وان


(1) المعروف القصدير بالصاد وأما بالزاى فلم أجدها، والكلمة غير عربية على كل حال (2) الزمرد بالدال المهملة وبالذال المعجمة (3) في اليمنية (وليس للمذهب) وهو خطأ (4) في اليمنية (سقط جملة) وهو خطأ (5) كلمة (أو يده) حذفت من اليمنية

[ 225 ]

كان لا مشقة عليه في الماء غمسه (1) فقط وأجزأه، أو صب عليه الماء واجزأه وان كان لم يخرجه إلى اسم المرض غسل ما أمكنه وسقط عنه ما عليه فيه حرج فقط كثر أو قل لما ذكرناه، ولا يجوز أن يجممع في وضوء (2) تيمم وغسل، ولا في طهر واحد أيضا إذ لم يأت بذلك نص ولا اجماع، الا في موضع واحد، وقد ذكرناه قبل، وهو: من معه ماء لا يعم به جميع اعضااء وضوئه أو جميع جسده فقط. وبالله تعالى التوفيق * * (من شك في الماء (3)) * مسألة 274 من كان بحضرته ماء وشك أو لغ فيه الكلب أم لا؟ أم هو فضل امرأة أم لا، فله ان يتوضأ به لغير ضرورة وأن يغتسل به كذلك لانه على يقين من طهارته في أصله، وجواز التطهير به، ثم شك هل حرم ذلك فيه أم لا، والحق اليقين لا يسقطه الظن، قال الله تعالى: (ان الظن لا يغنى من الحق شيئا)، فان شك أهو ماء أم هو معتصر من بعض النبات لم يحل له الوضوء به ولا الغسل، لانه ليس على يقين من انه جاز به التطهر يوما ما، والوضوء والغسل فرضان، فلا يرفع الفرض بالشك، فان كان بين يديه إناءآن (4) فصاعدا في أحدهما ماء طاهر بيقين، وسائرها مما ولغ فيه الكلب، أو فيها واحد ولغ فيه كلب وسائرها طاهر، ولا يميز من ذلك شيئا (5)، فله أن يتوضأ بأيها (6) شاء، ما لم يكن على يقين من أنه قد تجاوز عدد الطاهرات وتوضأ بما لا يحل (7) الوضوء به، لان كل ماء منها فعلى أصل طهارته على انفراده، فإذا حصل على يقين التطهر فيما لا يحل التطهر به فقد حصل على يقين الحرام، فعليه أن يطهر أعضاءه ان كان ذلك الماء حراما استعماله، جملة فان


(1) في اليمنية (عمه) (2) في المصرية (ولا يجوز أن يجمع وضوء) بحذف (في) وهو خطأ ظاهر (3) في اليمنية (من الشك في الماء) (4) في اليمنية اثنان (5) في اليمنية (شئ) (6) في المصرية (بأيهما) (7) في اليمنية (وتوضأ ما لا يحل) الخ وهو خطأ

[ 226 ]

كان فيها واحد معتصر لا يدرى (1)، لم يحل له الوضوء بشئ منها، لانه ليس على يقين من أنه توضأ بماء، واليقين لا يرتفع بالظن. وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا (2) ونعم الوكيل * ابتداء كتاب الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وسلم * (الصلاة) * 275 - مسألة - الصلاة قسمان: فرض وتطوع، فالفرض هو الذى من تركه عامدا كان عاصيا لله عزوجل، وهو الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخيرة (3) والفجر والقضاء لما نسى منها أو ينم عنها هو هي نفسها (4) * والفرض قسمان: فرض متعين على كل مسلم عاقل بالغ، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، وهو ما ذكرناه، وفرض على الكفاية، يلزم كل من حضر، فإذا قام به بعضهم سقط عن سائرهم، وهو الصلاة على جنائز المسلمين * والتطوع هو ما إن تركه (5) المرء عامدا لم يكن عاصيا لله عزو جل بذلك، وهو الوتر وركعتا الفجر وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والضحى وما يتنفل المرء قبل صلاة الفرض وبعدها، والاشفاع في رمضان، وتهجد الليل، وكل ما يتطوع به المرء، ويكره ترك كل ذلك (6) *


(1) في اليمنية (لم يدرى) وهو خطأ (2) هنا في المصرية ما نصه (تم كتاب الطهارة من المحلى الذى هو شرح المجلى بحمد الله تعالى وحسن عونه وصلواته على محمد وسلم. وعدد مسائل الطهارة مائة واحدى وستون مسألة. يتلوه ان شاء الله تعالى ابتداء كتاب الصلاة) (3) في اليمنية (والعشاء الاخير وهو خطأ (4) في اليمنية (هو ففي نفسها) وهو خطأ (5) في المصرية (يتركه) وهو خطأ (6) في المصرية (ويكره ترك ذلك)

[ 227 ]

برهان ذلك (1) أنه ليس في ضرورة العقل الا القسمان المذكوران: إما شئ يعصى الله تعالى تاركه، اما شئ لا يعصى الله تعالى تاركه، ولا واسطة بينهما * وقولنا: الفرض والواجب والحتم (2) واللازم ولمكتوب: - ألفاظ معناها واحد، وهو ما ذكرنا. وقولنا: التطوع والنافلة بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا وقال قوم: ههنا قسم ثالث وهو الواجب * قال أبو محمد: هذا خطأ، لانه دعوى بلا برهان، وقول لا يفهم ولا يقدر قائله على أن يبين مراده فيه * فان قالوا: ان بعض ذلك أوكد من بعض. قلنا: نعم، بعض التطوع (3) أوكد من بعض، وليس ذلك بمخرج شئ منه عن أن يكون تطوعا، لكن أخبرونا عن هذا الذى قلتم: هو واجب لا فرض ولا تطوع: أيكون تاركه عاصيا لله عزوجل؟ أم لا يكون عاصيا؟ ولا بد من أحد هذين القسمين، ولا سبيل إلى قسم ثالث، فان كان تاركه عاصيا فهو فرض، وان كان تاركه ليس عاصيا فليس فرضا (4) * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا حمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة بن سعيد عن مالك


(1) كلمة (ذلك) سقطت من اليمنية خطأ (2) في الاصلين (والحكم) وهو خطأ فانه ظاهر هنا أن المقصود (الحتم) (3) في الاصلين (بعض الفرض أوكد من بعض) وهو خطأ ظاهر، لقوله بعده (وليس ذلك بمخرج شئ منه عن أن يكون تطوعا) فهو يريد أن بعض التطوع أوكد من بعضه، ولكن هذا المؤكد لا يكون مع توكيده الا تطوعا. (4) في المصرية (وان تاركه ليس عاصيا) الخ بحذف (كان) وهو خطأ، وأما اليمنية فان الجملة كلها مضطربة فيها وسقط منها أكثرها اختل المعنى ونصها (فان كان تاركه عاصيا فليس فرضا).

[ 228 ]

ابن أنس عن أبى سهيل بن مالك (1) عن أبيه انه سمع طلحة بن عبيد الله (2) يقول: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل على غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تتطوع) وذكر باقى الحديث (فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه (3)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق) * وهذا نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم على قولنا، وأنه ليس الا واجب أو تطوع، فان ما عدا الخمس فهو تطوع، وهذا لا يسع أحدا خلافه * وأما وجوب النذر فلقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) * ولا خلاف من أحد من الامة في أن الصلوات الخمس فرض، ومن خالف ذلك فكافر * وأما كون صلاة الجنازة فرضا على الكفاية فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلوا على صاحبكم) ولا خلاف في أنه إذا قام بالصلاة عليها (4) قوم فقد سقط الفرض عن الباقين * وأما كون ما عدا ذلك تطوعا فاجماع من الحاضرين من المخالفين الا في الوتر، فان أبا حنيفة قال: انه واجب، وقد روى عن بعض المتقدمين: انه فرض * فالبرهان على من قال: انه فرض ما روينا بالسند المذكور إلى مسلم: حدثنا حرملة بن يحيى ثنا ابن وهب (5) ثنا يونس هو ابن يزيد عن ابن شهاب عن


(1) أبو سهيل اسمه نافع بن مالك بن أبى عامر الاصبحي، وهو عم الامام مالك بن أنس وفي اليمنية (عن سهيل بن مالك) وهو خطأ (2) في المصرية (طلحة بن عبد الله وهو خطأ (3) كلمة (منه) زيادة من اليمنية وصحيح مسلم (ج 1: ص 18 - و 19) (4) في المصرية (إذا قام إلى الصلاة عليها) (5) في اليمنية (حرملة بن يحيى بن وهب)

[ 229 ]

أنس بن مالك - فذكر حديث الاسراء - وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ففرض الله عزوجل على أمتى خمسين صلاة) ثم ذكر عليه السلام مراجعته لربه عزوجل في ذلك إلى أن قال: (فراجعت ربى فقال: هي خمس وهى خمسون (لا يبدل القول لدى) (1) فهذا خبر من الله عزوجل مأمون تبدله، فصح أن الصلوات لا تبدل أبدا عن خمس، وأرمنا النسخ في ذلك أبدا بهذا النص، فبطل بهذا قول من قال: ان الوتر فرض، وان تهجد الليل فرض، وهو قول رويناه عن الحسن وأيضا فان يونس بن عبد الله حدثنا قال: ثنا أبو عيسى بن أبى عيسى ثنا احمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا حسين بن على - هو الجعفي - عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله (2) أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة من جوف الليل، قال: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال شهر الله الذي يدعونه المحرم) * (3) قال أبو محمد: فصح أن تهجد الليل ليس من المكتوبة، والوتر من تهجد الليل، فبهذين الخبرين صح أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل) وقوله عليه السلام لحفصة عن أخيها عبد الله ابن عمر رضى الله عن جميعهم: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلى من الليل) وقوله عليه السلام الذى رويناه من طريق أحمد بن حنبل عن يحي بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر حدثنى نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا) وقوله عليه السلام: (بادروا الصبح بالوتر) و: (يا أهل القرآن أوتروا): أن هذه الاوامر كلها ندب، لا يجوز غير ذلك *


(1) انظر الحديث بطوله في صحيح مسلم (ج 1 ص: 59) (2) في اليمنية (فقال: رسول الله) بحذف حرف النداء (3) رواه مسلم عن أبى بكر بن أبي شيبة بهذا الاسناد ولم يذكر لفظه (ج 1 ص 323) ورواه هو (ج 1 ص 322) من طريق جرير عن عبد الملك بن عمير بهذا الاسناد أيضا

[ 230 ]

وأما الحديث: (ان الشيطان (1) يعقد على ما فيه رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد) وفى آخره: (فان صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) وقوله عليه السلام إذ ذكر له رجل لم يزل نائما حتى أصبح ما قام إلى الصلاة فقال عليه السلام: (بال الشيطان في أذنه) -: إنما هو على الفرض ونومه عنه لما ذكرنا، والبرهان لا يعارض برهان، وما كان من عند الله فلا يختلف ولا يتكاذب * وروينا عن شعبة عن أبى اسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال الوتر ليس بحتم ولكنه سنة. وروينا عن سفيان الثوري عن أبي اسحاق عن عاصم عن على قال: الوتر ليس فريضة ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عبادة بن الصامت تكذيب من قال ان الوتر واجب (3). وروينا عن الحجاج ابن المنهال ثنا جرير بن حازم قال: سألت نافعا مولى ابن عمر: أكان (3) ابن عمر يوتر على راحلته؟ قال: نعم، وهل الوتر فضيلة على سائر التطوع؟! وروينا عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير. أنه سئل عن من لم يوتر حتى أصبح؟ قال: سيوتر يوما آخر (4) وروينا عن قتادة عن سعيد المسيب: أنه سأله رجل عن الوتر؟ فقال سعيد: أوتر النبي صلى الله عليه وسلم، وان تركت فليس عليك، وصلى الضحى، وإن تركت فليس عليك، وصلى ركعتين (5) قبل الظهر وركعتين بعدها، وان تركت فليس عليك


ورواه هو وأبو داود (ج 1 ص 298) والترمذي (ج 1 ص 143) والنسائي (ج 1 ص 240) كلهم عن قتيبة عن أبى عوانة عن أبى بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة. وروى منه فضل صيام المحرم ابن ماجه (ج 1 ص 273) عن أبى بكر بن أبى شيبة بالاسناد الذى. ذكره المؤلف. وبمثل لفظه. ونسبه المنذرى في الترغيب لابن خزيمة (1) في اليمنية (وأما الحديث في أن الشيطان) الخ (2) في اليمنية (ان الوتر واحدة) وهو خطأ (3) في اليمنية (كان) بحذف همزة الاستفهام (4) في اليمنية (سيوتر اليوم الآخر) (5) في الاصلين (وصل) على الامر والسياق يقضي أن يكون إخبارا كما هو ظاهر فلذلك أصلحناه إلى الفعل الماضي

[ 231 ]

وعن ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب الوتر وركعتان أمام الصبح أو شئ من الصلاة قبل المكتوبة أو بعدها؟ قال: لا. وهو قول الشافعي وداود وجمهور المتقدمين والمتأخرين * وأما أبو حنيفة فان كان ذهب إلى أن الوتر فرض فقد ذكرنا بطلان هذا القول، وان كان ذهب إلى أن الوتر واجب لا فرض ولا تطوع، فهو قول فاسد، وقد ذكرنا ابطاله في صدر هذه المسألة * وقال مالك: ليس فرضا، ولكن من تركه أدب وكانت جرحة (1) في شهادته * قال أبو محمد: وهذا خطأ بين، لانه لا يخلو تاركه أن يكون عاصيا لله عزوجل أو غير عاص، فان كان عاصيا لله تعالى فلا يعصى أحد بترك مالا يلزمه وليس فرضا فالوتر اذن فرض وهو لا يقول بهذا، وان قال: بل هو غير عاص لله تعالى، قيل: فمن الباطل أن يؤدب من لم يعص الله تعالى، أو أن تجرح شهادة من ليس عاصيا لله عزوجل، لان من لم يعص الله عزوجل فقد أحسن والله تعالى يقول: (ما على المحسنين من سبيل). * قال ابو محمد: إلا أن الوتر أوكد التطوع، للاحاديث التى ذكرنا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أوكدها بعد الوتر صلاة الضحى وركعتان عند دخول المسجد، وصلاة من صلى في جماعة ثم وجد جماعة يصلون تلك الصلاة، وصلاة الكسوف، وأربع بعد الجمعة، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهذه (3)، وما أمر به عليه السلام فهو أوكد مما لم يأمر به * روينا من طريق مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبى قتادة السلمي (4) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) * وروينا عن عبد الوارث بن سعيد التنوري ثنا أبوالتياح حدثنى أبو عثمان


في اليمنية (حركة) وهو خطأ (2) كلمة (شهادة) زيادة من اليمنية (3) في المصرية (لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به) (4) في الموطأ (ص 57) (عن ابى قتادة الانصاري) وكلاهما صواب فانه أنصارى سلمى - بفتح السين واللام -

[ 232 ]

النهدي (1) عن أبى هريرة قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد) (2) * وروينا عن شعبة (3) عن أبى نعامة عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فصل الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمت الصلاة فصل معهم فانها زيادة خير) * وروينا عن سفيان بن عيينة حدثنا سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال (4): (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلى أربعا بعد الجمعة) * وروينا عن الحسن بن أبى بكرة: (ان الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما (5) فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) (6) * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا ابن أيمن نا ابن وضاح ثنا حامد بن يحيى البلخي ثنا سفيان بن عيينة ثنا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلى بعد الجمعة أربعا) ثم بعد هذه سائر التى ذكرنا، لانه لم يأت بها أمر، لكن جاء بها عمل من عليه السلام وترغيب، وأما كراهتنا ترك ذلك فلانه فعل خير، قال الله تعالى: (وافعلوا الخير) * 276 - مسألة - ولا صلاة على من لم يبلغ من الرجال والنساء، ويستحب لو علموها إذا عقلوها (7) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد ذكرناه قبل (رفع القلم عن ثلاثة) فذكر فيه الصبى حتى يبلغ وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس قبل بلوغه بعض حكم الصلاة وأمه فيها، ويستحب إذا بلغ سبع سنين أن يدرب عليها فإذا بلغ عشر سنين أدب عليها *


(1) ابو التياح - بفتح التاء والياء المشددتين - هو يزيد بن حميد، وابو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل، وفي اليمنية (ثنا ابو التياح وأبو عثمان الهزلى) وهو خطأ صرف (2) رواه البخاري ومسلم وابو داود وغيرهم، انظر شرح ابي داود (ج 1 ص 539) والترغيب (ج 1 ص 234) (3) في اليمنية (سعيد) وهو تصحيف (4) كلمة (قال) سقطت من المصرية (5) في اليمنية (رأيتموها) وهو خطأ وما هنا هو الصواب الموافق لما في البخاري (6) رواه البخاري بهذا اللفظ (ج 1 ص 146) ورواه النسائي بمعناه (ج 1 ص 213 و 214) (4) في اليمنية (إذ عقلوها) (7) في اليمنية (وادركوا)

[ 233 ]

لما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم (1) ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن عيسى ثنا ابراهيم بن سعد عن عبد الملك بن الربيع بن سيرة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) (2) * 277 - مسألة - ولا على مجنون ولا مغمى عليه ولا حائض ولا نفساء، ولا قضاء على واحد منهم الا ما أفاق المجنون والمغمى عليه، أو طهرت الحائض والنفساء في وقت أدركوا (3) فيه بعد الطهارة الدخول في الصلاة * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) فذكر (المجنون حتى يفيق). وأما الحائض والنفساء واسقاط القضاء عنها فاجماع متيقن * وأما المغمي عليه فاننا روينا عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وابراهيم وحماد ابن أبى سليمان وقتادة ان المغمى عليه يقضى، وقال سفيان: يقضى إن أفاق عند غروب الشمس الظهر والعصر فقط. وقال أبو حنيفة: ان أغمى عليه خمس صلوات قضاهن، فان اغمى عليه أكثر لم يقض شيئا * قال على: أما قول أبى حنيفة ففي غاية الفساد، لانه لا نص أتى بما قال، ولا قياس، لانه أسقط عن المغمي عليه ست صلوات ولم يرد عليه (4) قضاء شئ منهن وأوجب عليه أن أغمى عليه خمس صلوات أن يقضيهن، فلم يقس المغمى عليه على المغمى عليه في اسقاط القضاء، ولا قاس المغمى عليه على النائم في وجوب القضاء عليه في كل ما نام عنه *


(1) سقط من المصرية (ثنا ابن السليم) وهو خطأ (2) رواه ابو داود (ج 1 ص 185) والترمذي (ج 1 ص 83) وقال: حسن صحيح، وروى ابو داود معناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وسبرة بفتح السين المهملة واسكان الباء الموحدة هو ابن معبد الجهنى ويقال ابن عوسجة، صحابي شهد الخندق ومات في خلافة معاوية * (3) قوله (ولم ير عليه) سقط من المصرية فأضاع معنى الكلام. وزدناه من اليمنية (4) في اليمنية (وعن معمر)

[ 234 ]

وقد صح عن ابن عمر خلاف قول عمار، على ان الذى روينا عن عمار انما هو: انه اغمى عليه أربع صلوات فقضاهن، كما روينا عن عبد الرزاق بن جريج عن نافع ان ابن عمر اشتكى مرة غلب فيها على عقله حتى ترك الصلاة ثم أفاق، فلم يصل ما ترك من الصلاة وعن عبد الله بن عمر عن نافع: أغمى على ابن عمر يوما وليلة فلم يقض ما فاته. وعن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: إذا أغمى على المريض ثم عقل لم يعد الصلاة. قال معمر (1): سألت الزهري عن المغمى عليه فقال لا يقضى وعن حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين (2) أنهما قالا في المغمى عليه: لا يعيد الصلاة التى أفاق عندها. قال حماد قلت لعاصم ابن بهدلة (3): أعدت ما كان مغمى عليك؟ قال أما ذاك (4) فلا * قال على: المغمى عليه لا يعقل ولا يفهم، فالخطاب عنه مرتفع، وإذا كان كل من ذكرنا غير مخاطب بها في وقتها الذى ألزم الناس أن يؤدوها فيه -: فلا يجوز أداؤها في غير وقتها، لانه لم يأمر الله تعالى بذلك. وصلاة لم يأمر الله تعالى بها لا تجب. وبالله تعالى التوفيق * 278 - مسألة: وأما من سكر حتى وقت الصلاة أو نام عنها (4) حتى خرج وقتها أو نسيها حتى خرج وقتها: ففرض على هؤلاء خاصة أن يصلوها أبدا. قال الله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فلم يبح الله تعالى للسكران أن يصلى حتى يعلم ما يقول * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب (5) ثنا قتيبة ابن سعيد ثنا حماد بن زيد عن ثابت - هو البنانى - عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انه ليس في النوم تفريط، انما التفريط في اليقظة


(1) في اليمنية (عن الحسن البصري عن معمر ومحمد بن سيرين) وهو خطأ (2) بهدلة - بفتح الباء واسكان الهاء وفتح الدال المهملة - وفي المصرية بالذال المعجمة، وفي اليمنية (مدلة) وكلاهما خطأ (3) في اليمنية (ذلك) (4) كلمة (عنها) زيادة من اليمنية (5) في اليمنية (احمد بن سعيد) وهو خطأ

[ 235 ]

فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها). ورويناه أيضا (1) من طريق أنس مسندا: وهذا كله اجماع متيقن * 279 - مسألة: وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فهذا لا يقدر على قضائها ابدا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع، ليثقل ميزانه يوم القيامة، وليتب وليستغفر الله عزوجل * وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يقضيها بعد خروج الوقت، حتى ان مالكا وأبا حنيفة قالا: من تعمد ترك صلاة أو صلوات فانه يصليها قبل التى حضر وقتها ان كانت التى تعمد تركها خمس صلوات فأقل سواء خرج وقت الحاضرة أو لم يخرج، فان كانت أكثر من خمس صلوات بدأ بالحاضرة * برهان صحة قولنا قول الله تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وقوله تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) فلو كان العامد لترك الصلاة مدركا لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل، ولا لقى الغى (2)، كما لا ويل ولا غى لمن أخرها إلى آخر وقتها الذى يكون مدركا لها (3) * وأيضا فان الله تعالى جعل لكل صلاه فرض وقتا محدود الطرفين، يدخل في حين محدود، ويبطل في وقت محدود، فلا فرق بين من صلاها قبل وقتها وبين من صلاها بعد وقتها، لان كليهما صلى في غير الوقت، وليس هذا قياسا لاحدهما على الآخر، بل هما سواء في تعدى حدود الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * وأيضا فان القضاء ايجاب شرع، والشرع لا يجوز لغير الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم * فنسأل من أوجب على العامد قضاء ما تعمد تركه من الصلاة: أخبرنا عن هذه الصلاة التي تأمره بفعلها، أهى التى أمره الله تعالى بها؟ أم هي غيرها؟ فان قالوا: هي هي، قلنا لهم: فالعامد لتركها ليس عاصيا، لانه قد فعل ما أمره الله تعالى، ولا اثم


(1) في المصرية (وروينا أيضا) (2) في اليمنية (ولا لقى غيا) (3) في المصرية (الذى يكون فيها مدركا لها)

[ 236 ]

على قولكم ولا ملامة على من تعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها. وهذا لا يقوله مسلم. وان قالوا: ليست هي التي أمره الله تعالى بها، قلنا صدقتم، وفى هذا كفاية إذ (1) أقروا بأنهم (2) أمروه بما لم يأمره به الله تعالى * ثم نسألهم عمن تعمد ترك الصلاة بعد الوقت: أطاعة هي أم معصية؟ فان قالوا: طاعة، خالفوا اجماع أهل الاسلام كلهم المتيقن، وخالفوا القرآن والسنن الثابتة. وان قالوا (3): هو معصية، صدقوا، ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة * وأيضا فان الله تعالى قد حد أوقات الصلاة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل لكل وقت صلاة منها أولا ليس ما قبله وقتا لتأديتها، وآخرا ليس ما بعده وقتا لتأديتها، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الامة، فلو جاز أداؤها بعد الوقت لما كان لتحديده عليه السلام آخر وقتها معنى، ولكان لغوا من الكلام وحاش لله من هذا * وأيضا فان كل عمل علق بوقت محدود فانه لا يصح في غير وقته، ولو صح في غير ذلك الوقت لما كان ذلك الوقت وقتا له. وهذا بين. وبالله تعالى التوفيق * ونسألهم: لم أجزتم (4) الصلاة، بعد الوقت، ولم تجيزوها قبل الوقت؟ فان ادعوا الاجماع كذبوا، لان ابن عباس والحسن البصري يجيزان الصلاة قبل الوقت لا سيما، والحنفيون والشافعيون والمالكيون يجيزون الزكاة قبل الوقت، ويدعون أن قتال أبى بكر لاهل الردة، انما كان قياس للزكاة على الصلاة، وأنه قال: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فان الزكاة حق المال وهم قد فرقوا (5) ههنا بين حكم الزكاة والصلاة. فليعجب المتعجبون! وان ادعوا فرقا من جهة نص أو نظر لم يجدوه فان قالوا: فانكم (7) تجيزون الناسي (3) والنائم والسكران على قضائها أبدا،


(1) في اليمنية (إذا) وهو خطأ (2) في المصرية (انهم) (3) في اليمنية (فان قالوا) وهو خطأ (4) في اليمنية (لو أجزتم) وهو خطأ (5) في اليمنية (وقد فرقوا) (6) في اليمنية (انكم) (7) كذا في الاصلين (تجيزون) وله وجه، ولعل الاحسن منه أن يكون (تجيزون)

[ 237 ]

وهذا خلاف قولكم بالوقت؟ قلنا لا، بل وقت الصلاة للناسي والنائم والسكران ممتد أبدا غير منقض * وبرهان أنهم ليسوا عصاة في تأخيرها إلى أي وقت صلوها فيه * وكل أمر الله عزوجل فانه منقسم على ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما أمر غير معلق بوقت، فهذا يجزئ أبدا متى أدى، كالجهاد والعمرة وصدقة التطوع والدعاء وغير ذلك (1)، فهذا يجزئ متى أدى، والمسارعة إليه أفضل، لقول الله عزوجل: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها، وإما أمر معلق بوقت محدود الاول غير محدود الآخر كالزكاة ونحوها، فهذا لا يجزئ قبل وقته، ولا يسقط بعد وجوبه أبدا، لانه لا آخر لوقته (2)، والمبادرة إليه أفضل لما ذكرنا. وإما أمر معلق بوقت محدود أوله وآخره فهذا لا يجزئ قبل وقته ولا بعد وقته، ويجزئ في جميع وقته، في أوله وآخره ووسطه، كالصلاة الحج وصوم رمضان ونحو ذلك * ونقول لمن خالفنا: قد وافقتمونا على أن الحج لا يجزئ في غير وقته، وأن الصوم لا يجزئ في غير النهار، فمن أين أجزتم ذلك في الصلاة؟ وكل ذلك ذو وقت محدود أوله وآخره؟! وهذا مالا انفكاك منه. فان قالوا: قسنا العامد على الناسي. قلنا: القياس كل باطل، ثم لو كان القياس حقا (3) لكان هذا منه عين الباطل، لان القياس عند القائلين به إنما هو قياس الشئ على نظيره، لا على ضده، وهذا مالا خلاف فيه بين أحد من أهل القياس، وقد وافقهم من لا يقول بالقياس، على أنه لا يجوز قياس الشئ على ضده الطاعة، فصار اجماعا متيقنا وباطلا لا شك فيه. والعمد ضد النسيان، والمعصية ضد الطاعة. بل قياس ذلك على ما ذكرنا من الحج أولى، لو كان القياس حقا، لا سيما والحنفيون والمالكيون لا يقيسون الحالف عامدا للكذب


(1) في اليمنية (لغير ذلك) وهو خطأ (2) في اليمنية (لانه أخر لوقته) وفى المصرية (لانه. آخر لوقتها) وكلاهما خطأ، الا ان الخطأ في المصرية محتمل، لانه أعاد الضمير مؤنثا (3) في اليمنية (ثم لو كان حقا)

[ 238 ]

على الحالف فيحنث غير عاند للكذب في وجوب الكفارة، بل يسقطون الكفارة عن العامد، ويوجبونها على غير العامد، ولا يقيسون قاتل العمد على قاتل الخطأ في وجوب الكفارة عليه، بل يسقطونها عن قاتل العمد، ولا يرون قضاء الصلاة على المرتد فهذا تناقض لاخفاء به وتحكم بالدعوى وبالله تعالى التوفيق * ولو كان القضاء واجبا علي العامد لترك الصلاة حتى يخرج وقتها لما أغفل الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولاآ نسياه، ولا تعمدا اعناتنا بترك بيانه (وما كان ربك نسيا). وكل شريعة لم يأت بها القرآن ولا السنة فهى باطل * وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من فاتته (2) صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله). فصح ان ما فات فلا سبيل إلى ادراكه، ولو أدرك أو أمكن أن يدرك لما فات، كما لا تفوت المنسية أبدا، وهذا لا إشكال فيه. والامة أيضا كلها مجمعة على القول والحكم بأن الصلاة قد فاتت إذا خرج وقتها، فصح فوتها باجماع متيقن، ولو أمكن قضاؤها وتأديتها لكان القول بأنها فاتت كذلك وباطلا. فثبت يقينا أنه لا يمكن القضاء فيها أبدا * وممن قال بقولنا في هذا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وسعد بن أبى وقاص وسليمان، وابن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبى بكر، وبديل (3) العقيلى، ومحمد ابن سيرين، ومطرف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم * فروينا من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن حراش (4) قال


(1) في المصرية (وهذا) (2) في اليمنية (ان من فاتته) (3) بالباء الموحدة والدال المهملة مصغر وفى اليمنية (يزيد) وهو خطأ (4) كذا في الاصلين ولم أعرف من هو ولا صحة اسمه ولم أجد له ترجمة، فليس يوجد في كتب الرجال الا عبد الله بن خراش - بكسر الخاء المعجمة - وليس من هذه الطبقة بل هو متأخر من طبقة شعبة، مات بين سنة 160 و 170 وهو كذاب منكر الحديث، وليس من المعقول أبدا أن يكون هو.

[ 239 ]

رأى ابن عمر (1) رجلا يقرأ صحيفة، فقال له: يا هذا القارئ، إنه لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها، فصل ثم اقرأ ما بدا لك * وروينا (2) من طريق ابراهيم بن المنذر الحزامى (3) عن عمه الضحاك بن عثمان (4) أن عمر بن الخطاب (5) قال في خطبته بالجابية: ألا وان الصلاة لها وقت شرطه الله لا تصلح الا به * ومن طريق محمد بن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى نضرة عن سالم بن الجعد قال قال سليمان - هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة مكيال، فمن وفى وفى له، ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين * قال على: من أخر الصلاة عن وقتها فقد طفف * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن أبى النجود عن مصعب ابن سعد بن أبى وقاص عن أبيه سعد أنه قال في قول الله تعالى: (والذين هم عن


(1) في اليمنية (رأى عمر) ولا أعرف أيهما الصواب فانى لم أجد هذا الاثر الا هنا (2) في اليمنية (ورويناه) وهو خطأ (3) في اليمنية بكسر الحاء المهملة وفتح الزاى نسبة إلى أحد أجداده (حزام بن خويلد بن أسد) (4) الضحاك بم عثمان اثنان: أحدهما (الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد ابن حزام بن خويلد بن الاسد) وهذا ليس مرادا هنا فانه قديم وليس عما لابراهيم بل هو عم جده، وانما المراد هنا حفيد الاول وهو (الضحاك بن عثمان بن الضحاك) وهو من أصحاب مالك، وليس عم ابراهيم بن المنذر لحا وانما هو عمه كلالة، لان ابراهيم هو ابن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد) وهو معروف بالرواية عن الضحاك الثاني الحفيد وعلى كل فهذا الاثر منقطع لان الضحاك الاول مات سنة 153 والثاني مات سنة 180 فلم يدرك واحد منهما عمر (5) في اليمنية (الضحاك بن عثمان بن عمر بن الخطاب) وهو خطأ ظاهر

[ 240 ]

صلاتهم ساهون) قال: السهو الترك عن الوقت (1) * قال على: لو أجزأت عنده بعد الوقت لما كان له الويل عن شئ قد أداء وبه إلى وكيع (2) عن المسعودي عن القاسم (3) - هو ابن عبد الرحمن - والحسن - هو ابن سعد (4): قيل لعبد الله بن مسعود (5) (الذين هم على صلاتهم دائمون) (والذين هم على صلاتهم يحافظون) فقال: ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك الا على تركها، قال: تركها هو الكفر * وعن محمد بن المثنى: حدثنا عبد الاعلى ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا ان عبد الله بن مسعود كان يقول: ان للصلاة وقتا كوقت الحج، فصلوا الصلاة لميقاتها * وعن محمد بن المثنى حدثنا عبد الله بن مهدى ثنا حماد بن زيد عن يحيى ابن عتيق قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: ان للصلاة وقتا وحدا فان (6) الذى يصلى قبل الوقت مثل الذى يصلى بعد الوقت *


(1) رواه الطبري (ج 3. ص 201) من طريق وكيع وجعله من كلام مصعب ابن سعد ورواه من طرق أخري عن مصعب عن أبيه (2) كذا في الاصلين ولم يتقدم اسناد إلى وكيع حتى يصاح أن يقول (وبه إلى وكيع) (3) القاسم هو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، والراوي عن المسعودي - شيخ وكيع - هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله ابن مسعود، فاشتبه الامر على ناسخ النسخة المصرية - أو صاحبها - فكتب بحاشيتها (لعله أي يريد لعل الصواب عن المسعودي أي القاسم الخ، وهذا فهم خطأ والصواب ما أوضحناه وأن المسعودي شيخ وكيع روى عن المسعودي الكبير القاسم ابن عبد الرحمن، وبذلك يستقيم الاسناد (4) (سعد) باسكان العين وهو الذي في اليمنية، وفي المصرية (سعيد) وهو خطأ (5) رواية القاسم والحسن بن سعد عن ابن مسعود مرسلة، فانهما لم يدركاه، وهذا الاثر رواه الطبري في التفسير (ج 16 ص 74 عن ابن وكيع عن أبيه، وفيه (الحسن بن مسعود) وهو خطأ وصوابه (الحسن بن سعد) (6) في المصرية وان

[ 241 ]

ومن طريق سحنون عن ابن القاسم أخبرني مالك ان القاسم (1) بن محمد بن أبى بكر الصديق حين كانت بنو أمية يؤخرون الصلاة: أنه كان يصلى في بيته، ثم يأتي المسجد يصلى معهم، فكلم في ذلك. فقال: أصلى مرتين أحب إلى من أن لا أصلى شيئا * قال على فهذا يوضح ان الصلاة الاولى كانت فرضه (2) والاخرى تطوع، فهما صلاتان صحيحتان، وان الصلاة بعد الوقت ليس صلاة أصلا، ولا هي شئ (3) * وعن أسد بن موسى بن مروان بن معاوية الفزارى: ان عمر بن عبد العزيز قال: سمعت الله تعالى ذكر أقواما فعابهم فقال (أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ولم تكن اضاعتهم اياها، أن تركوها، ولو تركوها لكانوا بتركها كفارا، ولكن أخروها عن وقتها (4) * وعن عبد الرزاق عن معمر عن بديلى العقيلى (5) قال: بلغني ان العبد إذا صلى الصلاة لوقتها صعدت ولها نور ساطع في السماء، وقالت: حفظتني حفظك الله، وإذا صلاها لغير وقتها طويت كما يطوى الثوب الخلق فضرب بها وجهه * ومن العجب أن بعضهم قال: معنى قول ابن عمر: لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها أي لا صلاة كاملة، وكذلك قال آخرون في قوله عليه السلام: (لا صلاة لمن


(1) في المدونة (ج 1: ص 87) (وأخبرني مالك عن القاسم) الخ (2) في اليمنية (فريضة) (3) في المصرية (ولا هي شيئا) (4) بهذا المعنى تقريبا كلمة أخرى لعمر بن عبد العزيز في سيرته لابن الجوزى (ص 86) وفي تفسير الطبري (ج 16 ص 74) (5) بديل - مصغر - هو ابن ميسرة العقيلى، ومعمر هو ابن راشد الازدي، وفى المصرية (عن معمر بن بديل العقيلى) وفي اليمنية (عن معمر بن زيد العقيلى) وكلاهما خطأ فاحش

[ 242 ]

لا يقيم (1) صلبه في الركوع والسجود) وفى قوله عليه السلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) * قال على: فيقال لهؤلاء: ما حملكم على ما ادعيتم؟ فان قالوا: هو معهود كلام العرب، قلنا: ما هو كذلك، بل معهود كلام العرب الذي لا يجوز غيره - أن (لا) للنفي والتبرئة جملة إلا أن يأتي دليل من نص آخر أو ضرورة حس على خلاف ذلك ثم هبكم أنه كما قلتم، فان ذلك حجة لنا، وهو قولنا، لان كل صلاة لم تكمل ولم تتم فهى باطل كلها، بلا خلاف منا ومنكم. فان قالوا. انما هذا فيما نقص من فرائضها قلنا: نعم، والوقت من فرائض الصلاة بأجماع منا ومنكم ومن كل مسلم، فهى صلاة تعمد ترك فريضة من فرائضها * قال على: ما نعلم لمن ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم مخالفا منهم، وهم يشنعون بخلاف الصاحب إذا وافق أهواءهم، وقد جاء عن عمر ومعاذ وعبد الرحمن ابن عوف ومعاذ بن جبل (2) وأبى هريرة وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد. وهؤلاء الخنفيون والمالكيون لا يرون على المرتد قضاء ما خرج وقته. فهؤلاء من الصحابة رضى الله عنهم أيضا لا يرون على من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها قضاء (3) * قال على: وما جعل الله تعالى عذرا لمن خوطب بالصلاة في تأخيرها عن وقتها بوجه من الوجوه، لا في حال المطاعنة والقتال والخوف وشدة المرض والسفر. وقال


(1) في المصرية (لمن لا يقم) وفي اليمنية (لمن لم يقيم) وكلاهما خطأ والصواب (لمن لم يقيم) فقد رواه بهذا اللفظ احمد في مسنده (ج 4 ص 23) وابن ماجه (ج 1 ص 147) ونسبه اليهما ابن تيمية في المنتقى (انظر الشوكاني ج 2 ص 280) طبع ادارة الطباعة المنيرية بلفظ (لمن لم يقم) والصواب ما قلنا. وهذا الحديث قال الهيثمى في زوائد ابن ماجه: (اسناد صحيح ورجاله ثقات ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما) (2) كذا في الاصلين بتكرار اسم معاذ مرتين (3) في اليمنية (حتى خرج وقتها أيضا) وما هنا أصح وأحسن

[ 243 ]

الله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) الآية، وقال تعالى: (فان خفتم فرجالا أو ركبانا). ولم يفسح الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم في تركها عن وقتها حتى صلاها بطائفتين من احداهما وجوه (1) احدى الطائفتين إلى غير القبلة، على ما نذكر في صلاة الخوف ان شاء الله عزوجل. ولم يفسح تعالى في تأخيرها عن وقتها للمريض المدنف، بل أمر إن عجز عن الصلاة قائما أنه يصلى قاعدا (2)، فان عجز عن القعود فعلى جنب، وبالتيمم ان عجز عن الماء، وبغير تيمم ان عجز عن التراب، فمن أين أجاز من أجاز تعمد تركها حتى يخرج وقتها؟ ثم أمره بأن يصليها بعد الوقت، وأخبره بأنها تجزئه كذلك (3)، من غير قرآن ولا سنة، لا صحيحة ولا سقيمة، ولا قول لصاحب ولا قياس * وقد أقدم بعضهم فذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق الظهر والعصر بعد غروب الشمس، ثم أشار إلى أنه عليه السلام تركها متعمدا ذاكرا لها * قال على: وهذا كفر مجرد ممن أجاز ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لانهم مقرون معنا بلا خلاف من أحدهم (4) ولا من أحد من الامة في أن من تعمد ترك صلاة فرض ذاكرا لها حتى يخرج وقتها، فان فاسق مجرح الشهادة، مستحق للضرب والنكال، ومن أوجب شيئا من النكال على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وصفه وقطع عليه بالفسق أو بجرحه في شهادته: فهو كافر مشك مرتد كاليهود والنصارى، حلال الدم والمال بلا خلاف من أحد من المسلمين * وذكر بعضهم قول الله تعالى: (أقم الصلاة لذكرى) وقوله عليه السلام: (خمس صلوات كتبهن الله تعالى): وقال قد صح وجوب الصلاة، فلا يجوز سقوطها إلا ببرهان نص أو اجماع *


(1) كذا في الاصلين والمراد ظاهر والتركيب فيه شئ (2) في اليمنية (ان عجز عن الصلاة فانما أن يصلى قائما) وهو خطأ ظاهر (3) في اليمنية (وأخبره بأنه يخبره لذلك) وهو خطأ (4) في اليمنية (بلا خلاف منهم)

[ 244 ]

قال على: وهذا قول صحيح، وقد صح البرهان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب كل صلاة في وقت محدود أوله وآخره، ولم يوجبها عليه السلام لا قبل ذلك الوقت ولا بعده، فمن أخذ بعموم هذه الآية وهذا الخبر لزمه إقامة الصلاة قبل الوقت وبعد، وهذا خلاف لتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بوقتها (1) * وموه بعضهم بحديث رويناه من طريق أنس: انهم اشتدت الحرب غداة فتح تستر (2) فلم يصلوا إلا بعد طلوع الشمس، وهذا خبر لا يصح، لانه انما رواه مكحول: أن أنس بن مالك قال، ومكحول لم يدرك أنسا (3) ثم لو صح فانه ليس فيه أنهم تركوها عارفين بخروج وقتها، بل كانوا ناسين لها بلا شك، لا يجوز أن يظن بفاضل من عرض المسلمين غير هذا، فكيف بصاحب من الصحابة رضى الله عنهم، ولو كانوا ذاكرين لها لصلوها صلاة الخوف كما أمروا، أو رجالا وركبانا كما ألزمهم الله تعالى، لا يجوز غير هذا، فلاح يقينا كذب من ظن غير هذا. وبالله تعالى التوفيق * 280 - مسألة - وأما قولنا: أن يتوب من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها ويستغفر الله تعالى ويكثر من التطوع: فلقول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوق يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأؤلئك يدخلون الجنة) ولقول الله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا


(1) في اليمنية (لوقتها) (2) تستر بضم التاء الاولى وفتح الثانية وبينهما سين مهملة ساكنة: أعظم مدينة بخوزستان: تعريب (شوشتر) بالشينين المعجمتين اولاهما مضمومة، ومعناها الانزه والاطيب والاحسن قاله ياقوت وفتحت سنة 17 وقيل سنة 16. وأثر أنس هذا لم أجده (3) هكذا يقول ابن حزم، وما أظنه صحيحا فقد قال ابن ابي حاتم في المراسيل (ص 77) (حدثنا أبى قال: سألت أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما صح عندنا الا أنس بن مالك) ونقل ابن حجر في التهذيب (ج 10 ص 290) عن الترمذي قال: (سمع مكحول من واثلة وأنس وابي هند الدارى) ثم قال: ويقال أنه لم يسمع من واحد من الصحابة الا منهم *

[ 245 ]

أنفهسم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) وقال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا)، وأجمعت الامة وبه وردت النصوص كلها على أن للتطوع جزءا من الخير، الله أعلم بقدره، وللفريضة أيضا جزء من الخير، الله أعلم بقدره (1)، فلا بد ضرورة من أن يجتمع من جزء التطوع إذا كثر ما يوازى جزء الفريضة ويزيد عليه، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يضيع عمل عامل، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وأن من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن خفت موازينه فأمه هاوية * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا أبو داود ثنا يعقوب بن ابرهيم (2) ثنا اسماعيل - هو ابن علية - ثنا يونس عن الحسن عن أنس بن حكيم الضبى أنه لقى أبا هريره فقال له أبو هريرة: (أول ما يحاسب الناس به (3) يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا تبارك وتعالى للملائكة (4) وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدى أتمها أم نقصها؟ فان كانت تامة كتبت له تامة، وان كان انتقص منها شيئا قال (5): انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فان كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الاعمال على ذلكم (6)) * قال أبو داود: وحدثنا موسى بن اسماعيل ثنا حماد هو ابن سلمة عن داود ابن أبى هند (7) عن زرارة بن أوفى عن تميم الدارى عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى،


(1) قوله (وللفريضة أيضا) إلى هنا سقط من اليمنية وهو خطأ (2) في اليمنية (ثنا يعقوب ثنا ابراهيم) وهو خطأ (3) في المصرية (يحاسب به الناس) وما هنا أصح وهو الذى في اليمنية لموافقته لابي داود (ج ص 322) (4) في أبي داود (لملائكته) (5) في اليمنية (انتقص قال) الخ وفى المصرية (انتقص منها شئ قال) الخ وكلاهما خطأ صححناه من ابى داود (6) في ابى داود نسختان: (على ذاك) و (على ذاكم) (7) في اليمنية (داود بن هند) وهو خطأ

[ 246 ]

قال: (ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الاعمال علي حسب ذلك (1)) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح نى عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى زهير بن حرب ومحمد بن المثنى قالا جميعا ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع (2) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعا وعشرين درجة (3)) * وبه إلى مسلم: حدثنا اسحاق بن ابراهيم أخبرنا المغيرة بن سلمة المخزومى ثنا عبد الواحد هو ابن زياد ثنا عثمان بن حكيم أخبرنا عبد الرحمن بن أبى عمرة قال: دخل عثمان بن عفان رضى الله عنه المسجد بعد صلاة المغرب فقعد وحده (4) فقعدت إليه، فقال: يا ابن أخى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله (5)) * فهذا بيان مقدار (6) أجر التطوع وأجر الفريضة، وانما هذا لمن تاب وندم وأقلع واستدرك ما قرط *


(1) حديث أبى هريرة نسبه المنذرى لابن ماجه ونسبه ابن تيمية في المنتقي لاحمد والترمذي والنسائي أيضا، وهو في النسائي بأسانيد مختلفة (ج 1 ص 81 و 82) ، ورواه الحاكم في المستدرك (ج 1 ص 262) وصححه هو والذهبي، وأنس بن حكيم الضبى ذكره ابن حبان في الثقات وجهله ابن القطان وابن المديني، وحديث تميمم الدارى نسبه المنذري لابن ماجه، ورواه أيضا الحاكم (ج 1 ص 262 و 263) وصححه على شرط مسلم (2) في مسلم (ج 1 ص 180) (أخبرني نافع) (3) في الاصلين (سبعا وعشرين جزأ) وهو خطأ في الرواية وفي تذكير العدد، وصححناه من صحيح مسلم (4) الزيادة من صحيح مسلم (ج 1 ص 182) (5) في مسلم (صلى الليل كله) (6) في اليمنية (بيان بمقدار)

[ 247 ]

وأما من تعمد ترك المفروضات واقتصر على التطوع ليجبر بذلك ما عصى في تركه مصرا على ذلك، فهذا عاص في تطوعه، لانه وضعه في غير موضعه، لان الله تعالى لم يضعه لتترك الفريضة، بل ليكون زيادة خير ونافلة، فهذا هو الذى يجبر به الفرض المضيع. وإذا عصى في تطوعه فهو غير مقبول منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * فان ذكر ذاكر ما روى من أن التطوع لا يقبل ممن لا يؤدى الفريضة كالتاجر لا يصح له ربح حتى يخلص رأس ماله: فباطل لا يصح، لانه انما رواه موسى ابن عبيدة الربذى (1) وهو ضعيف، وعبد الملك بن حبيب الاندلسي عن المكفوف (2) عن أيوب بن خوط (3) وهذه ثلاث بلايا في نسق (4)، أحداها (5) يكفى، ومرسل أيضا، وعبد الملك بن حبيب عن مطرف عن مالك أن أبا بكر الصديق، وعبد الملك ساقط (6)، وهذا أيضا منقطع، ولو صح ذلك لكان (7) المراد به من قصد التطوع ليعوضه عن الفريضة، مصرا على ذلك غير نادم ولا تائب. وبالله تعالى التوفيق *


(1) الربذي بفتح الراء والباء ثم ذال معجمة، نسبة إلى الربذة، وفى اليمنية (الزيدى) وهو تصحيف، وموسى ثقة انما ضعف من قبل حفظه حتى قيل: لا شئ (2) ذكره ابن حجر في اللسان (ج 6 ص 471) ونقل كلام المؤلف فيه في وطئ الحائض وانه قال (لا يعرف هذا المكفوف) ثم قال (تقدم في اضل الميزان قاسم ابن عبد الله المكفوف والذي قبله وهو من طبقة من يروي عن أيوب بن خوط فالله أعلم) (3) خوط بفتح الخاء المعجمة واسكان الواو وآخره طاء مهملة، وفى المصرية بالحاء المهملة، وهو تصحيف وفى اليمنية (حوق) بالمهملة والقاف، وهو خطأ (4) في اليمنية (فسق) وهو خطأ لا معنى له (5) في المصرية (احداهما) وهو خطأ (6) سبق ان قلنا مرارا ان المؤلف يحمل على عبد الملك بن حبيب بغير وجه فهو عالم جليل الا انه يخطئ في الحديث ولم يكن صناعته. (7) في اليمنية بحذف (لكان) وهو خطأ

[ 248 ]

الصلوات المفروضات الخمس 281 مسألة المفروض من الصلاة على كل بالغ عاقل حر أو عبد ذكر أو أنثى خمس، وهى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة وهى العتمة وصلاة الفجر * فالصبح ركعتان أبدا، على كل أحد من صحيح أو مريض أو مسافر أو مقيم، خائف أو آمن. والمغرب ثلاث ركعات أبدا، كما قلنا في الصبح سواء سواء. وأما الظهر والعصر والعشاء الآخرة فكل واحدة منهن على المقيم مريضا كان أو صحيحا خائفا أو آمنا -: اربع ركعات أربع ركعات، وكل هذا اجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف فيه بين أحد من الامة قديما ولا حديثا، ولا في شئ منه، وكل واحدة منهن على المسافر الآمن ركعتان ركعتان. وأما المسافر الخائف فان شاء صلى كل واحدة منهن ركعتين وان شاء صلي كل واحدة منهن ركعة واحدة، والخلاف موجود في كل هذا فيما ذلك السفر، وفى مقدار ذلك السفر من الزمان ومن المسافة، وفى هل ذلك القصر عليه فرض أم هو فيه مخير، وفى هل تجزئ ركعة واحدة في الخوف في السفر أم لا. وسنذكر البرهان على الحق من ذلك، وبطلان الخطأ فيه، في أبوابه ان شاء الله عزوجل. ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم. وبه تعالى نستعين وبه نتأيد * (أقسام التطوع) 282 مسألة أوكد التطوع ما قد ذكرناه في أول مسألة من كتاب الصلاة من ديواننا هذا، من الاقسام التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصة بأسمائها، وبعد ذلك ما لم يرد به أمر، ولكن جاء الندب إليه * أوكد ذلك ركعتان بعد الفجر الثاني وقبل صلاة الصبح، ثم صلاة العيدين، ثم صلاة الاستسقاء، وقيام رمضان، وأربع ركعات قبل الظهر بعد الزوال، وأربع ركعات بعد الظهر واربع ركعات قبل العصر إن شاء لم يسلم الا في آخرهن (1)، وإن شاء سلم من كل ركعتين، وركعتان (2) بعد صلاة العصر، وركعتان بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب،


(1) في المصرية (آخرهما) وفى اليمنية (ان شاء ما لم يسلم الا في آخرهن) فضمير المثنى في المصرية خطأ، وزيادة (ما) في اليمنية خطأ أيضا والصواب ما اخترناه من مجموعهما كما هو واضح (2) في اليمنية (وركعتين) وهو خطأ

[ 249 ]

وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان قبل صلاة العتمة، وركعتان عند القدوم من السفر في المسجد، وما تطوع به المرء إذا توضأ (1)، ثم ما تطوع به المرء في نهاره وليله * حدثنا عبد الله بن يوسف (2) ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج: حدثنى (3) زهير بن حرب ثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج (أخبرني عطاء (4)) عن عبيد بن عمير عن عائشة أم المؤمنين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على شئ من النوافل أشد تعاهدا (5) منه على ركعتين قبل الصبح) * وبه إلى مسلم: حدثنا محمد بن عبيد الغبرى ثنا أبو عوانة (6) عن قتادة عن زرارة بن أوفى (7) عن سعد بن هشام بن عامر (8) عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) * وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الاستسقاء على ما سنذكره في بابها إن شاء الله عزوجل (9) وحض عليه السلام (10) أيضا على قيام رمضان على ما نذكره في بابه إن شاء الله عزوجل *


(1) في اليمنية (وما تطوع به المراد اتطوع) وهو خطأ لا معنى له (2) في اليمنية (عبيد الله بن يوسف) وهو خطأ (3) في اليمنية (ثنا) وما هنا هو الموافق لصحيح مسلم (ج 1 ص 201) (4) قوله (أخبرني عطاء) سقط من الاصلين وزدناه من مسلم. (5) في مسلم (أشد معاهدة) (6) في المصرية (محمد بن عبيد الغبرانا ابو عوانة) وفى اليمنية (محمد بن عبيد العبرى ابو عوانة) وكلاهما خطأ وصححناه من مسلم (ج 1 ص 201) (7) في الاصلين (عن زرارة بن أبى أوفى) وهو خطأ (8) في المصرية (سعيد بن هشام بن عامر وفي اليمنية سعد بن زرارة بن هشام بن عامر) وكلاهما خطأ (9) في اليمنية (وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الاستسقاء على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله عزوجل) وهو خطأ في قوله (سمى) غير مفهوم (10) في اليمنية (وخط عليه السلام) وهو خلط

[ 250 ]

وبه إلى مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ثنا هشيم عن خالد (1) هو الحذاء عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه؟ فقالت: (كان يصلى في بيته (2) قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلى بالناس، ثم يدخل فيصلى ركعتين، ويصلى (3) بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلى ركعتين ويصلى بالناس العشاء (4)، ويدخل بيتى فيصلى ركعتين) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا حفص بن عمر هو الحوضى ثنا شعبة عن أبي اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على ابن أبي طالب رضى الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى قبل العصر ركعتين (5)) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا اسماعيل ابن مسعود ثنا يزيد بن زريع ثنا شعبة عن أبي اسحاق عن عاصم بن ضمرة: سألنا عليا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصف قال: (كان يصلى قبل الظهر أربعا، وبعدها ثنتين، ويصلى قبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعين بتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين (6)) * وبه إلى أحمد بن شعيب: أنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن عبد الرحمن ثنا حصين بن عبد الرحمن عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: سألنا (7) عليا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصف قال: كان يصلى قبل الظهر أربع ركعات، يجعل التسليم في آخر ركعة (8)، وبعدها أربع ركعات يجعل التسليم في آخر ركعة) (9)


(1) في اليمنية (هشيم بن خالد) وهو خطأ (2) في الاصلين (في بيتى) وصححناه من مسلم (ج 1 ص 202) (3) في مسلم (وكان يصلى) (4) كلمة (العشاء) حذفت من اليمنية (5) في أبو داود (ج 1 ص 490 - 491) (6) الحديث في النسائي (ج 1 ص 139 - و 140) مطول واختصره المؤلف. (7) في النسائي (سألت) (8) في اليمنية (في آخر ركعتين) (9) الحديث بهذا الاسناد في النسائي (ج 1 ص 140) ولكن لفظه (سألت على ابن أبي طالب عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار قبل المكتوبة؟ قال: من يطيق ذلك! أخبرنا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى حين تزيغ

[ 251 ]

قال أبو محمد: لا تعارض بين شئ مما ذكرنا، بل كل ذلك حسن مباح، من رواية الثقات الاثبات * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن محمد النفيلى ثنا ابن علية هو اسماعيل عن الجريرى (1) عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن معفل (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة لمن شاء) (3) * قال على: دخل في هذا العموم ما بين (4) إذ ان العتمة واقامتها، وما بين أذان المغرب واقامتها، وما بين أذان صلاة الصبح واقامتها * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثنا الضحاك يعني أبا عاصم ثنا ابن جريج أنا ابن شهاب أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أخبره عن أبيه وعمه عبد الله وعبيد الله ابني كعب بن مالك عن أبيهما: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدم من سفر إلا نهارا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه (5) ركعتين ثم جلس فيه) * وبه إلى مسلم: ثنا عبد بن حميد أنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم


الشمس ركعتين وقبل نصف النهار أربع ركعات يجعل التسليم في آخره) والحديث عند المؤلف هنا أطول، فما أدرى من أين جاءت هذه الزيادة؟! ولعلها رواية أخرى ليست بين أيدينا (1) في اليمنية (اسمعيل بن الجريرى) وهو خطأ (2) في اليمنية (معقل) وهو تصحيف (3) في أبى داود (ج 1 ص 495) (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء). وهذا الحديث رواه الجماعة وعند بعضهم أنه قال (لمن شاء) في المرة الثالثة (4) في اليمنية (يكن) بدل (بين) وهو خطأ (5) في اليمنية (فركع فيه) وما هنا هو الصواب الذى في صحيح مسلم (ج 1 ص 199) وفى المصرية أيضا

[ 252 ]

يرغب (1) في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا ابراهيم بن أحمد البلخى (2) ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا اسحاق بن نصر ثنا أبو أسامة عن أبى حيان التيمي عن أبى زرعة عن أبي هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال، حدثنى بأرجى عمل عملته في الاسلام؟ فانى سمعت دف (3) نعليك بين يدى في الجنة قال بلال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور (4) ما كتب لى أن أصلى) * * (فصل في الركعتين قبل المغرب) * 283 مسألة قال أبو محمد: منع قوم من التطوع بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب، منهم مالك وأبو حنيفة، وما نعلم لهم حجة إلا أن أحمد بن محمد ابن عبد الله الطلمنكي قال ثنا محمد بن احمد بن مفرج (5) ثنا الصموت ثنا البزار ثنا عبد الواحد بن غياث (6) ثنا حيان بن عبيد الله عن عبد الله بن بريدة (7) عن


(1) في المصرية (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب) وما هنا هو الذى في اليمنية والموافق لمسلم (ج 1: ص 210) (2) في اليمنية (ابراهيم البحلى) وهو خطأ (3) بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء أي صوت، وقال البخاري (يعنى تحريك) والمعنى واحد (4) في اليمنية (الطهر) وهو خطأ وما هنا هو الصواب الموافق للبخاري (ج 1 ص 160 - و 161) (5) في الاصلين (احمد بن محمد بن مفرج) وهو خطأ انظر ما سبق في المسئلتين (116 - و 118) في تحقيقنا اسمه (6) غياث بكسر الغين المعجمة وآخره ثاء مثلثة، وفي المصرية (عبد الواحد ابن عمار) وهو خطأ (7) (حيان) بالخاء المهملة والياء المثناة وفى الاصلين (حبان) بالموحدة وهو خطأ وأبوه (عبيد الله) بالتصغير وفى اليمنية (عبد الله) بالتكبير وهو خطأ. وفي المصرية (حبان بن عبيد الله بن عبيد الله بن بريدة) وهو خطأ فاحش

[ 253 ]

أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة إلا المغرب) (1) قال أبو محمد: هذه اللفظة انفرد بها حيان بن عبيد الله وهو مجهول (2)، والصحيح هو ما رواه الجريري عن عبد الله بن بريدة، وقد ذكرناه آنفا، وذكروا عن ابراهيم النخعي: أن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا (3) يصلونهما


(1) في اليمنية (الا صلاة المغرب) وهذا الحديث رواه البزار كما ترى واليه نسبه الزيلعى في نصب الراية (ج 1 ص 287) ورواه الدارقطني من طريق عبد الغفار بن داود وعبد الواحد بن غياث كلاهما عن حيان (ص 98 - و 99) ورواه البيهقي من طريق عبد الله بن صالح عن حيان (ج 1 ص 474) (2) أما ان حيان مجهول فلا، بل هو معروف وذكره ابن حبان في الثقات، وهو حيان بن عبيد الله بن حيان ابو زهير، قال روح بن عبادة (كان رجل صدق) وقال البزار بعد رواية هذا الحديث كما نقل عنه الزيلعي (لا نعلم رواه عن ابن بريدة الا حيان بن عبيد الله وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به). وقال ابن حجر في اللسان: (قال ابن حزم مجهول فلم يصب) وقال أبو حاتم (صدوق). وأما أن هذا الحديث ضعيف فنعم، لان حيان أخطأ فيه جدا، ولذلك قال الدارقطني (ليس بقوى) يعني حيان لخطئه في هذا الحديث وفي غيره. قال البيهقي في السنن (ج 1 ص 474) (أنبأنا أبو عبد الله الحافظ اخبرني محمد بن اسمعيل حدثنا أبو بكر محمد بن اسحق يعني ابن خزيمة على أثر هذا الحديث قال: حيان بن عبيد الله هذا قد أخطأ في الاسناد، لان كهمس بن الحسن وسعيد ابن أياس الجريرى وعبد المؤمن العتكى رووا الخبر عن ابن بريدة عن عبد الله بن مغفل لا عن أبيه، هذا علمي من الجنس الذى كان الشافعي رحمه الله يقول: أخذ طريق المجرة. فهذا الشيخ لما رأى أخبار ابن بريدة عن أبيه توهم أن هذا الخبر هو أيضا عن أبيه، ولعله لما رأي العامة لا تصلى قبل المغرب توهم أنه لا يصلى قبل المغرب، فزاد هذه الكلمة في الخبر وزاد علما بأن هذه الرواية خطأ ان ابن المبارك قال في حديثه عن كهمس: فكان ابن بريدة يصلى قبل المغرب ركعتين، فلو كان ابن بريدة قد سمع من أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاستثناء الذي زاد حيان بن عبيد الله في الخبر: (ما خلا صلاة المغرب): لم يكن يخالف خبر النبي صلى الله عليه وسلم اه‍ (3) في المصرية (لم يكونا) وهو خطأ

[ 254 ]

وهذا لا شئ، أول ذلك أنه منقطع، لان ابراهيم لم يدرك أحدا ممن ذكرناه، (1) ولا ولد الا بعد قتل عثمان بسنين، (2) ثم لو صح لما كانت فيه حجة، لانه ليس فيه أنهم رضى الله عنهم نهوا عنهما، ولا انهم كرهوهما، ونحن لا نخالفهم في أن ترك جميع التطوع مباح، ما لم يتركه المرء رغبة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الهالك، ثم لو صح نهيهم عنهما ومعاذ الله أن يصح لما كانت في أحد منهم حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على من صلاهما من الصحابة رضى الله عنهم، وقد خالفوا أبا بكر وعمر وجماعة من الصحابة في المسح على العمامة ومعهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا عجب أعجب من إقدامهم على مخالفة الصحابة إذا اشتهوا وتعظيمهم مخالفتهم إذا اشتهوا! وهذا تلاعب بالدين لاخفاء به! نعنى هؤلاء المقلدين المتأخرين * وذكروا عن ابن عمر أنه قال: ما رأيت (3) أحدا يصليهما. وهذا لا شئ، أول ذلك أنه لا يصح، لانه عن أبى شعيب أو شعيب، ولا ندرى من هو؟ وأيضا فليس في هذا لو صح نهى عنهما، ونحن لا ننكر التطوع (4) ما لم ينه عنه (5) بغير حق، ثم لو صح عنه النهى عنهما وهو لا يصح أبدا، بل قد روى عنه جواز صلاتهما: لما كان فيه حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا على سائر الصحابة النادبين اليهما، ومن العجائب أنهم لا يرون حجة قول ابن عمر: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبى بكر وعمر وعثمان فلم يقنت أحد منهم) إذ لم يوافق تقليدهم، وقد صح هذا عنه، ثم يجعلون ما لم يصح عنه، حجة إذ وافق أهواءهم! وهذا عجب جدا!! *


(1) قوله (ممن ذكرنا) سقط من اليمنية وما هنا هو الصواب (2) في اليمنية (بسنتين) وهو خطأ، لان ابراهيم ولد فيما ذكره ابن حبان سنة 50 وأثره هذا رواه محمد بن الحسن في الآثار عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن ابراهيم. (3) في اليمنية (ما رأينا) (4) كذا في المصرية وهو خطأ، ولعل صوابه (ونحن لا ننكر ترك التطوع) كما هو ظاهر (5) من أول قوله (ولا ندى من هو) إلى هنا سقط من اليمنية

[ 255 ]

قال على: والحجة فيها هو (1) ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى (2) ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يزيد هو المقرئ ثنا سعيد بن أبي أيوب ثنا يزيد بن أبي حبيب سمعت مرثد بن عبد الله (3) اليزنى هو أبو الخير قال أتيت عقبة بن عامر الجهنى فقلت: ألا أعجبك (4) من أبى تميم، يركع ركعتين قبل صلاة المغرب! فقال عقبة: (إنا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) (5) فسألت فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل * وبه إلى البخاري: ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر غندر ثنا شعبة قال سمعت عمرو بن عارم الانصاري (6) عن أنس بن مالك قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السوارى، حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب وأبو بكر بن أبى شيبة كلاهما عن ابن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: (كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نصلى ركعتين بعد غروب الشمس (7) فسألت (8): أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما؟ (9) فقال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا) *


(1) في اليمنية بحذف (هو) (2) في اليمنية (ابرهيم بن احمد الفربرى) وهو خطأ (3) في اليمنية (سعيد بن أبي أيوب الجهنى سمعت مرثد بن عبد الله) وهو خطأ (4) (أعجبك) بضم الهمزة وإسكان العين، وضبط ايضا بفتح العين وتشديد الجيم. (5) في اليمنية فقلت وفى البخاري (ج 1 ص 164) (قلت) (6) عمرو بفتح العين، وفى الاصلين (عمر) بضمها وهو خطأ صححناه من البخاري (ج 1 ص 91) (7) في اليمنية (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ركعتين بعد غروب الشمس) وبحاشيتها (كذا وينظر في خطئه) وهو خطأ تماما لان باقى الحديث يدل على انهم الذين كانوا يصلون (8) في اليمنية (قلت) وفي مسلم (ج 1: ص 230) (فقلت له) (9) في مسلم (صلاهما)

[ 256 ]

قال على. ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقر الا على الحق الحسن، ولا يرى مكروها الا كرهه ولا خطأ الا نهى عنه، قال الله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) * قال على: وقال بهذا جمهور الناس، وروينا عن عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن سهيب (1) عن أنس بن مالك قال: (كنا بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السوارى فركعوا ركعتين، حتى ان الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب ان الصلاة قد صليت، لكثرة من يصليهما (2)) فهذا عموم للصحابة رضي الله عنهم * وروينا عن عبد الرحمن بن مهدى وعبد الرزاق كلاهما عن سفيان الثوري عن عاصم بن بهدلة (3) عن زر بن حبيش: أنه رأى عبد الرحمن بن عوف وأبى بن كعب يصليان الركعتين قبل صلاة المغرب. وقال حماد بن زيد عن عاصم عن زر عن عبد الرحمن وأبى مثل ذلك، وزاد: لا يدعانهما * وعن معمر عن الزهري عن أنس: أنه كان يصلى ركعتين قبل صلاة المغرب * وعن عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن يزيد بن خمير (4) عن خالد بن معدان عن رغبان (5) مولى حبيب بن مسلمة: رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهبون إلى


(1) صهيب بضم الصاد المهملة وفتح الهاء وآخره باء موحدة، وفى اليمنية (صميت) وهو تحريف (2) رواه بهذا اللفظ مسلم عن شيبان بن فروخ عن عبد الوارث (ج 1 ص 230) ورواه البيهقي في سننه من طريق الحسن بن سفيان عن شيبان بن فروخ به (ج 2 ص 475) وانظر الاحاديث والآثار الواردة في هاتين الركعتين في كتاب قيام الليل للمروزي الذي اختصره الحافظ احمد بن على المقريزي صاحب الخطط (ص 25 - و 28) (3) في اليمنية (عاصم بن؟؟؟ له) من غير نقط وهو خطأ (4) خمير بالخاء المعجمة مصغر (5) في سنن البيهقى (زغبان) بالزاى والغين المعجمة وفى المشتبه للذهبي (ص 227 و 228) ذكر (رغبان) بالراء والمعجمة جماعة، و (زغبان) بالزاي

[ 257 ]

الركعتين قبل صلاة المغرب كما يهبون إلى الفريضة (1) * وروينا عن وكيع عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب: ما رأيت فقيها يصلي الركعتين قبل المغرب الا سعد بن مالك، يعني سعد بن أبى وقاص * وروينا من طريق حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن داود الوراق عن جعفر بن أبى وحشية: أن جابر بن عبد الله كان يصلى قبل المغرب ركعتين * وعن عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن (2) عن راشد ابن يسار قال: أشهد على خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحاب الشجرة أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب * وعن محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم بن عتيبة: أنه صلى مع عبد الرحمن ابن أبى ليلى فكان يصلى الركعتين قبل المغرب * وعن وكيع عن يزيد بن ابراهيم (3): سمعت الحسن البصري يسأل عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: حسنتين جميلتين لمن أراد بهما (4) وجه الله تعالى. وبه يقول الشافعي وأصحابنا *


والمهملة فردا واحدا، وذكر السيد مرتضى الزبيدي في شرح القاموس (ج 1 ص 274) (ابن رعبان مولى حبيب بن مسلمة الفهرى من أهل الشأم صاحب المسجد ببغداد) في باب الراء المهملة والغين المعجمة فهو هو. ولكني لم أجد له ترجمة ولا أرجح ان كان (رغبان) أو (ابن رغبان) (1) هذا الاثر رواه البيهقى (ج 2 ص 476) من طريق النضر بن شميل عن شعبة، فان عرف رغبان أو ابن رغبان هذا ولم يكن فيه مطعن كان الاسناد حسنا أو صحيحا (2) لم أعرف من هو؟ وأظنه سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى المترجم في التهذيب (ج 4: ص 208). وأما شيخه راشد بن يسار فلا أعرفه ولم أجد له ترجمة؟ (3) في اليمنية (زيد بن ابراهيم) وهو خطأ، بل هو يزيد بن ابراهيم التسترى أبو سعيد البصري (4) في المصرية (ثم أراد بهما) ولا معنى لحرف (ثم) ههنا أصلا

[ 258 ]

284 مسألة وأما اعادة من صلى إذا وجد جماعة تصلى تلك الصلاة: - فان ذلك مستحب مكروه تركه في كل صلاة، سواء كان صلى (1) منفردا لعذر أو في جماعة، ليصلها ولو مرات كلما وجد جماعة تصليها * وقد قال قوم: لا يصليها ثانية أصلا. وقال أبو حنيفة: لا يصلى ثانية الا الظهر والعتمة فقط، سواء كان صلاهما في جماعة أو منفردا، والاولى هي صلاته، حاشا صلاة الجمعة، فانه ان صلاها في بيته منفردا أجزأته، ولم يكن عليه أن ينهض إلى الجامع، فان خرج إلى المسجد والامام لم يسلم بعد من صلاة الجمعة، فحين خروجه لذلك تبطل صلاته التى كان (2) صلى في بيته، وكانت التى تصلى مع الامام فرضه. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا تبطل صلاته التى صلى في بيته بخروجه إلى الجامع، لكن بدخوله مع الامام (3) في صلاة الجمعة تبطل التى صلى في منزله. وقال مالك: يعيد من صلى في منزله صلاة فرض مع الجماعة إذا وجدها تصلى تلك الصلاة، جميع الصلوات حاشا المغرب فلا يعيدها، قال: والامر في أي الصلاتين فرضه إلى الله (4) تعالى، قال (5): فان صلى في جماعة لم يعد في أخرى * قال أبو محمد: أما من منع من الاعادة جملة فانه احتج بما رويناه من طريق أبى داود: ثنا أبو كامل يزيد بن زريع (6) ثنا حسين هو المعلم عن عمرو بن شعيب عن سليمان بن يسار قال: أتيت ابن عمر على البلاط (7) وهم يصلون، فقلت:


(1) في المصرية (يصلى) وما هنا أحسن. (2) في اليمنية بحذف (كان) (3) في اليمنية (بخروجه إلى الجامع بخروجه مع الامام) وهو خلط لا معنى له (4) في اليمنية بحذف (إلى) وهو خطأ (5) فيها أيضا بحذف (قال) (6) بالزاي والراء وآخره مهملة مصغر وفى اليمنية (ربيع) وهو خطأ (7) في الاصلين (في البلاط) وصححناه من أبي داود (ج 1: ص 226) والبلاط موضع معروف بالمدينة

[ 259 ]

ألا تصلى معهم؟ قال: صليت، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تصلوا صلاة في يوم (1) مرتين) * قال على: وهذا خبر صحيح لا يحل خلافه، ولا حجة لهم فيه ولم نقل قط ومعاذ الله من هذا: إنه يصلى على نية أنها الصلاة التى صلى، فيجعل في يوم واحد ظهرين أو عصرين أو صبحين أو مغربين أو عتمتين، هذا كفر لا يحل القول به لاحد لكنه يصلى نافلة كما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك * وأما قول أبى حنيفة، فانه احتج بأن التطوع بعد الصبح وبعد العصر لا يجوز، واحتج بالاخبار الواردة في ذلك، وغلبها على أحاديث الامر، وغلبنا نحن أحاديث الامر، وسنذكر البرهان على الصحيح من العملين إن شاء الله تعالى، بعد تمام كلامنا في هذه المسألة وفى التى بعدها إن شاء الله * وأما قول مالك فانهم احتجوا في المنع من أن يصلى مع الجماعة التى تصلى المغرب خاصة بأن قالوا: إن المغرب وتر النهار، فلو صلاها ثانية لشفعها، فبطل كونها وترا * قال على: وهذا خطأ، لان إحداهما نافلة، والاخرى فريضة، باجماع منا ومنهم، والنافلة لا تشفع الفريضة، باجماع منا ومنهم * وقالوا: لا تطوع (2) بثلاث، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) وهذا لا حجة لهم فيه، لان الذى وجبت طاعته في إخباره بأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى: هو الذى أمر من صلى (3) ووجد جماعة تصلى أن يصلى معهم، ولم يخص صلاة بعد صلاة، وهو الذى أمر أن يتنفل في الوتر بواحدة أو بثلاث،


(1) قوله (في يوم) سقط من الاصلين وزدناه من أبي داود، والحديث نسبه المنذري للنسائي أيضا، وأعله بأن في اسناده عمرو بن شعيب. وعمرو ثقة حجة وسليمان بن يسار هو مولى ميمونة أحد الفقهاء السبعة والاسناد صحيح (2) في المصرية (لا يتطوع) (3) في المصرية أمر به من صلى) وزيادة (به) لا معنى لها

[ 260 ]

والعجب من احتجاجهم بهذا الخبر، ونسوا أنفسهم في الوقت فقالوا: يصلى الظهر والعصر والعتمة مع الجماعة، فأجازوا له التطوع بأربع ركعات لا يسلم بينها (1)، وليس ذلك مثنى مثنى، وهذا تناقض منهم. والحق في هذا هو أن جميع أوامره صلى الله عليه وسلم حق (2)، لا يضرب بعضها ببعض، بل يؤخذ بجميعها كما هي. وقالوا: إن وقت صلاة المغرب ضيق، وهذا خطأ، لان الجماعة التى وجدها تصلى، لا شك في (3) أنها تصلى في وقت تلك الصلاة بلا خلاف، فما ضاق وقتها بعد، فبطل كل ما شغبوا به في تخصيص المغرب هم والحنفيون معا، وبالله تعالى التوفيق * وأما تخصيص المالكيين (4) بأن يصلى من صلاها منفردا فخطأ لانه لم يأت بتخصيص ذلك قرآن ولا سنة ولا اجماع، ولا قول صاحب ولا قياس، ولا رأى صحيح، وان كانت الصلاة فضلا لمن صلى منفردا فانها أفضل لمن يصلى (5) في جماعة ولا فرق، وفضل صلاة الجماعة قائم (6) في كل جماعة يجدها ولا فرق * وأما قولهم: انه (7) لا يدرى أيهما صلاته فخطأ، لانهم لا يختلفون في أنه إن لم يصل مع الجماعة التى وجدها تصلى - غير راغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلا اثم عليه فإذ لا خلاف عندهم في أنه ان لم يصل فلا يلزمه أن يصلى ولا بد: - فلا شك في أنها نافلة (8) ان صلاها، لان هذه هي (9) صفة النافلة، فلا خلاف (10) في ان إن شاء صلاها وإن شاء لم يصلها وأيضا فانه لا يخلو إذا صلى مع الجماعة وقد صلى تلك الصلاة (11) قبل -:


(1) في المصرية (لا يسلم منها) وما هنا أحسن (2) في اليمنية (حتى) بدل (حق) وهو خطأ ظاهر (3) في اليمنية بحذف (في) (4) في اليمنية (فبطل كل ما شغبوا به في تخصيص المالكيين) فسقط من كلام ما أفسد المعنى (5) في اليمنية (لمن صلاها) (6) في اليمنية (فانهم) بدل (قائم) وهو خطأ لا معنى له (7) في اليمنية بحذف (انه) (8) في المصرية (في انها هي نافلة) (9) في اليمنية بحذف (هي) (10) في اليمنية (بلا خلاف) (11) في اليمنية (وقد صلى مع الجماعة تلك الصلاة) وهو خطأ

[ 261 ]

من أن يكون نوى صلاته اياها أنه فرضه ونوى ذلك أيضا في التى صلى في منزله، فان كان فعل هذا، فقد عصى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وخرق الاجماع، في ان صلى صلاة واحدة في يوم مرتين، على ان (1) كل واحدة منهما فرضه الذى أمر به، أو يكون لم ينو (2) شيئا من ذلك في كلتيهما، فهذا لم يصلى أصلا، ولا تجزيه واحدة منهن، وهو عابث عاص لله تعالى أو يكون نوى في الاولى أنها فرضه وفى الثانية أنها نافلة، أو في الاولى أنها نافلة وفى الثانية أنها فرضه، فهو كما نوى، ولا يمكن غير هذا أصلا. وقال الاوزاعي: الثانية هي فرضه * قال على: والحق في هذا: أنه إن كان ممن له عذر في التخلف عن الجماعة فصلى وحده، أو صلى في جماعة: فالاولى فرضه بلا شك، لانها هي التى أدى على أنها فرضه، ونوى ذلك فيها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات، وانما لكل (3) امرئ ما نوى)، وان كان ممن لا عذر له في التأخر عن الجماعة، فالاولى (4) إن صلاها وحده باطل، والثانية فرضه، عليه أن يصلى ولا بد، على ما نذكر في وجوب فرض الجماعة ان شاء الله تعالى. والجمعة وغيرها في كل ذلك سواء * وأما قول أبى حنيفة وأصحابه فيمن صلى الجمعة في منزله لغير عذر فباطل، لوجوه أولها تفريقه في ذلك بين الجمعة وغيرها بلا برهان، والثانى: أنه فرق (5) بين الجمعة وغيرها فقد أخطأ في قوله: إنها تجزئه إذا صلاها منفردا لغير عذر في منزله والثالث: ابطاله تلك الصلاة بعد أن جوزها، إما بخروجه إلى الجامع، وإما بدخوله مع الامام، وكل ذلك آراء فاسدة مدخولة (6)، وقول في الدين بغير علم * قال على: فإذ قد بطلت هذه الاقوال كلها فلنذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد


(1) في اليمنية (ليس على أن) وزيادة (ليس) خطأ مفسد للمعنى (2) في اليمنية (لم يبقى) هو خطأ (3) في المصرية (ولكل امرئ) (4) في اليمنية (والاولى) (5) في المصرية (أنه إن فرق) وزيادة (ان) خطأ لا معنى له (6) في اليمنية (من حوله) وهو خطأ وتصحيف

[ 262 ]

ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج: حدثنى أبو الربيع الزهراني وأبو كامل الجحدرى قالا (1) ثنا حماد بن زيد عن أبى عمران الجونى عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال (لى) (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة (3) عن وقتها؟ قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة (4) لوقتها، فان (5) أدركتها فيهم فصل فانها لك نافلة) * وبه إلى مسلم: حدثنى زهير بن حرب ثنا اسماعيل هو ابن ابراهيم بن علية عن أيوب السختيانى عن أبى العالية البراء (6) قال: أخر ابن زياد الصلاة، فجاء (7) عبد الله بن الصامت فذكرت له صنيع (8) ابن زياد فقال: سألت أبا ذر كما سألتنى فقال: (إنى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتنى فضرب فخذي وقال (9) صلى الصلاة لوقتها، فان أدركتك (الصلاة معهم (10)) فصل، ولا تقل إنى (قد (11)) صليت فلا أصلى) * فهذا عموم منه صلى الله عليه وسلم لكل صلاة، لمن صلاها في جماعة أو منفردا لا يجوز تخصيص شئ من ذلك بالدعوى بلا دليل. وبالله تعالى التوفيق * وأخذ بهذا جماعة من السلف كما روينا عن أبى ذر: أنه أفتى بذلك، وكما روينا


(1) في المصرية (قال) وهو خطأ (2) كلمة (لى) زدناها من صحيح مسلم (ج 1: ص 179) (3) في المصرية (أو يمسون الصلاة) بالسين وهو تصحيف وفي اليمنية بحذفها والتصحيح من مسلم (4) في المصرية (الصلاة) بحذف (صل) وهو خطأ (5) في المصرية (ان) بدون الفاء وهو خطأ (6) البراء بفتح الباء وتشديد الراء نسبة إلى برى الاشياء كما قال السمعاني، وأبو العالية اسمه زياد بن فيروز قيل غير ذلك، بصري تابعي ثقة مات في شوال سنة 90 (7) في مشلم (ج 1: ص 179) (فجاءني) (8) في المصرية (صنع) وما هنا هو الموافق لمسلم (9) في المصرية (فقال) وما هنا هو الموافق لمسلم، وقد اختصر المؤلف الحديث (10 و 11) الزيادة في الموضعين من صحيح مسلم

[ 263 ]

عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك أن أبا موسى الاشعري والنعمان بن مقرن اتعدا موعدا فجاء أحدهما إلى صاحبه وقد صلى، فصلى الفجر مع صاحبه. وبه إلى حماد بن سلمة عن ثابت البنانى وحميد كلاهما عن أنس بن مالك قال: قدمنا مع أبي موسى الاشعري فصلى بنا الفجر في المربد (1)، ثم جئنا إلى المسجد الجامع فإذا المغيرة بن شعبة يصلى بالناس، والرجال والنساء مختلطون، فصلينا معهم. فهذا فعل الصحابة في صلاة الفجر بخلاف (2) قول أبى حنيفة، وبعد أن صلوا جماعة بخلاف قول مالك، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف يخص صلاة المنفرد دون غيره * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جابر (3) عن سعد بن عبيد عن صلة بن زفر العبسى: خرجت مع حذيفة فمر بمسجد فصلى معهم (4) الظهر وقد كان صلى، ثم مر بمسجد فصلى معهم العصر وقد كان صلى، ثم مر بمسجد فصلى معهم المغرب وشفع بركعة وكان قد صلى * وعن قتادة قال: يعيد العصر إذا جاء الجماعة. قال سعيد بن المسيب: صل مع القوم فان صلاتك معهم تفضل صلاتك وحدك بضعا وعشرين صلاة * وعن سفيان عن جابر (5) عن الشعبى: لا بأس أن تعاد الصلاة كلها * وعن ابن جريج عن عطاء: إذا صليت المكتوبة في البيت (6) ثم أدركتها مع الناس فانى أجعل التى صليتها في بيتي نافلة، وأجعل التى (7) صليت مع الناس المكتوبة، لو لم أدرك إلا ركعة واحدة منها * قال: وسئل عطاء عن المغرب يصليها الرجل في بيته ثم يجد الناس فيها؟ قال: أشفع التى صليت في بيتى بركعة ثم أسلم ثم ألحق بالناس، فأجعل التى هم بيها المكتوبة *


(1) في اليمنية (بالمربد) (2) في اليمنية (خلاف) (3) جابر هو ابن يزيد الجعفي وقد ضعفه المؤلف جدا كما مضى مرارا (4) في اليمنية (يصلى معهم) وهو خطأ (5) جابر هو الجعفي أيضا (6) في اليمنية (في بيتى) (7) في اليمنية (الذي) وهو خطأ

[ 264 ]

وروينا عن وكيع عن عمرو بن حسان عن وبرة (1) قال: صليت أنا وابراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الاسود المغرب، ثم جئنا إلى الناس وهم في الصلاة، فدخلنا معهم، فلما سلم الامام قام ابراهيم فشفع بركعة * قال أبو محمد: لم يشفع عبد الرحمن، وكل ذلك مباح، لانه تطوع، لم يأت نهى عن شئ منه * وعن حماد بن سلمة أخبرنا عثمان البتى (2) عن أبى الضحى: أن مسروقا صلى المغرب، ثم رأى قوما يصلون فصلى المغرب معهم في جماعة، ثم شفع المغرب بركعة وعن وكيع عن الربيع بن صبيح (3) قال: تعاد الصلاة إلا الفجر والعصر، ولكن إذا أذن في المسجد فالفرار (4) أقبح من الصلاة * قال أبو محمد: فان ذكروا ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع: أن ابن عمر قال: إن كنت قد صليت في أهلك ثم ادركت الصلاة في المسجد مع الامام فصل معه، غير صلاة الصبح والمغرب، فانهما لا يصليان في يوم مرتين: فلا حجة فهم في هذا، لانهم قد خالفوه، فخالفه أبو حنيفة في زيادته العصر فيما لا يعاد وخالفه مالك في اعادة صلاة الصبح، ومن أقر على نفسه بخلاف الحق والحجة، فقد كفى خصمه مؤنته. وبالله تعالى التوفيق * 258 - مسألة - وأما الركعتان بعد العصر فان أبا حنيفة ومالكا نهيا عنهما وأما الشافعي فانه قال: من فاتته ركعتان قبل الظهر أو بعده (5) فله أن يصليهما بعد


(1) أما عمرو بن حسان فلم أعرف من هو؟: وأما وبرة فانه بفتح الواو والباء الموحدة والراء، وأظنه وبرة بن عبد الرحمن فانه من هذه الطبقة يروى عن ابن عباس وابن عمرو الشعبى وسعيد بن جبير وغيرهم، وسقط هذا الاسم من اليمنية (2) البتى بفتح الباء الموحدة وكسر التاء المثناة المشددة (3) الربيع بفتح الراء وكسر الباء وصبيح بفتح الصاد المهملة وكسر الباء وآخره حاء مهملة (4) في اليمنية (والفرار) وهو غير الصواب (5) قوله (أو بعده) سقط من المصرية

[ 265 ]

العصر، فان (1) صلاهما بعد العصر فله أن يثبتهما في ذلك الوقت فلا يدعهما أبدا. وقال أحمد بن حنبل: لا أصليهما، ولا أنكر على من صلاهما: وقال أبو سليمان: هما مستحسنتان * قال على: حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة عن اسماعيل بن جعفر أخبرني محمد هو ابن ابى حرملة (2) أنا أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد العصر؟ فقالت: (كان يصليهما قبل العصر، ثم انه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة (3) أثبتها) (4) قال على: بهذا تعلق الشافعي، ولا حجة له فيه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إنهما لا تجوزان إلا لمن نسيهما أو شغل عنهما ولو لم تكن صلاتهما حيئنذ جائزة حسنة ما أثبتهما في وقت لا تجوزان فيه * وأما أبو حنيفة ومالك فاحتج لهما (5) بما رويناه من طريق أبى داود: حدثنا عبيد الله (6) بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ثنا عمى هو يعقوب بن ابراهيم بن سعد ثنا أبى عن محمد بن اسحق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى بعد العصر يعنى ركعتين (7) وينهي عنهما (8) ويواصل وينهى عن الوصال) *


(1) في المصرية (وإذا) (2) في اليمنية (اسماعيل بن جعفر ومحمد هو ابن أبي حرملة) وهو خطأ (3) في اليمنية بحذف كلمة (صلاة) (4) في مسلم (وكان إذا صلى صلاة أثبتها) (ج 1 ص 229 و 230) (5) في اليمنية (فاحتجا) وما هنا أحسن (6) عبيد الله بالتصغير، وفي المصرية بالتكبير وهو خطأ، وقد ساق المؤلف نسبه من عنده - وهو كذلك - ولكنه ليس في أبى داود، وانما فيه (عبيد الله بن سعد) فقط (ج 1: ص 494) (7) قوله (يعني ركعتين) تفسير من المؤلف وليس في أبي داود، (8) أي عن هذه الصلاة، وفى اليمنية (عنهما) وهو

[ 266 ]

وبما رويناه من طريق البزار: ثنا يوسف بن موسى ثنا جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (إنما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر لانه جاءه مال فقسمه، شغله عن الركعتين، بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ولم يعد لهما) * وبما رويناه من طريق ابن أيمن: ثنا قاسم بن يونس ثنا أبو صالح عبد الله ابن صالح ثنا الليث ثنا خالد بن يزيد (1) عن سعيد بن أبى هلال عن عبد الله بن بابى (2) مولى عائشة أم المؤمنين (3) أن موسى بن طلحة أخبره: (أن معاوية لما حج دخلنا عليه، فسأل ابن الزبير عن الركعتين بعد العصر اللتين صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أخبرتنيه عائشة، فأرسل معاوية المسور بن مخرمة إلى عائشة: هل صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ (4) قالت: لا، ولكن أخبرتني أم سلمة أنه صلاهما عندها، فأرسل معاوية المسور إلى أم سلمة يسألها (5)، فقالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العصر فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله لقد رأيتك اليوم صليت صلاة ما رأيتك تصليها فقال: شغلنى خصم (6) فكانت ركعتين (7) وكنت (8) أصليهما (9) قبل العصر فأحببت أن أصليهما الآن، قالت: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما قبل ذلك اليوم ولا بعده) *


خطأ ويدل عليه ما سيأتي للمؤلف من احتجاجه بهذا للدلالة على انه لم ينه عن الركعتين. وكذلك هو في البيهقي (ج 2: ص 458) (1) هو الجمحى المصرى أبو عبد الرحيم ثقة مات سنة 139 وفي اليمنية (خالد بن زيد) وهو خطأ (2) ويقال (عبد الله بن باباه) ويقال (ابن بابيه) وقيل أنهم ثلاثة مختلفون والراجح أنه واحد اختلف في اسم أبيه، وهو الذي قاله ابن المديني والبخاري (3) هكذا هنا أنه مولى عائشة، والذي في التهذيب (مولى آل حجير بن أبى أهاب ويقال مولى يعلن بن أمية) فالله أعلم (4) كلمة (عندك) محذوفة من اليمنية (5) في اليمنية فسألها (6) في المصرية (شغلتني خصم) (7) في اليمنية (ركعتي) وهو خطأ (8) في اليمنية (فكنت) (9) في المصرية (أصليها)

[ 267 ]

وبما (1) رويناه من طريق عبد الرحمن بن مهدى: ثنا سفيان هو الثوري ثنا أبو إسحق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن أبى طالب قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى دبر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا العصر والصبح (2)) * وبما رواه بعض الناس عن حماد بن سلمة عن الازرق بن قيس عن ذكوان عن أم سلمة: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ثم دخل بيتى فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تصلها؟ (3) قال: قدم على مال فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن، قلت: يا رسول الله، أفنقضيهما (4) إذا فاتتا؟ قال: لا) * وبما رواه أيضا من طريق أبى أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عمر وبن عطاء عن عبد الرحمن بن أبى سفيان (5): (أن معاوية أرسل إلى عائشة يسألها (6) عن السجدتين بعد العصر؟ فقالت: ليس عندي صلاهما لكن أم سلمة حدثتني (7) أنه صلاهما عندها، فأرسل إلى أم سلمة فقالت: صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي، لم أره صلاهما قبل ولا بعد، قال: هما سجدتان كنت أصليهما بعد الظهر فقدم على قلائص من الصدقة فنسيتهما حتى صليت العصر، ثم ذكرتهما، فكرهت أن أصليهما في المسجد والناس يرونى (8) فصليتهما عندك) * وذكروا الاخبار التى وردت في النهى عن الصلاة بعد العصر، وسنذكرها


(1) في اليمنية (وربما) وهو خطأ سخيف (2) في اليمنية (إلا الصبح والعصر) والحديث رواه ابو داود عن محمد بن كثير عن الثوري (ج 1: ص 492) والبيهقي من طريق الحسين بن حفص عن الثوري (ج 2 ص 459) (3) في المصرية لم (تصليها) وفى اليمنية لم (تصلهما) وكلاهما خطأ ظاهر (4) في اليمنية (أنقضهما) وهو خطأ (5) في اليمنية (عبد الرحمن بن سفيان) ونرجح ما هنا وهو الذي في المصرية لاتفاق النسختين فيما سيأتي على (عبد الرحمن بن أبي سفيان). وعبد الرحمن هذا لم أجد له ترجمة ولا ذكرا في كتب الرجال؟ (6) في اليمنية (فسألهما) وهو خطأ (7) في اليمنية (لكن حدثتني أم سلمة) (8) في اليمنية (يرون)

[ 268 ]

ان شاء الله بعد هذه المسألة. وبه تعالى نتأيد * قال على: وكل هذا لا حجة لهم في شئ منه * أما حديث ذكوان عن عائشة، فليس فيه نهى عنهما وانما فيه نهى عنها (1)) يعنى عن الصلاة بعد العصر جملة، وهذا صحيح، وإذ ذلك كذلك فالواجب استعمال فعله ونهيه فننهى عن الصلاة بعد العصر، ونصلي ما صلى عليه السلام، ونخص الاقل من الاكثر، ونستعملهما جميعا، ولا نخالف واحدا منهما، ولا فرق بين من ترك الركعتين اللتين صح أنه عليه السلام صلاهما بعد العصر ونهى عنهما من أجل نهيه عن الصلاة بعد العصر: - وبين من ترك عليه السلام عن الصلاة بعد العصر من أجل صلاته الركعتين بعد العصر. ولو قالت: وكان ينهى عنهما، لكان ذلك يدل على أنهما له خاصة، ولكن لا يحل بالكذب ولا الزيادة في الرواية، ومن فعل ذلك فليتوأ مقعده من النار. فسقط تعلقهم بهذا الخبر جملة * وأما حديث ابن عباس فمعلول من وجوه: أولها أن جرير بن عبد الحميد لم يسمع من عطاء بن السائب إلا بعد اختلاط عطاء، وتفلت عقله، هذا معروف (2) عند أصحاب الحديث (3). وثانيها أنه لو صح وسمعنا نحن ابن عباس يقول ذلك -: لما كانت فيه حجة، لانه رضى الله عنه أخبر بما عرف، وأخبرت عائشة بما كان عندها، مما لم يكن عند ابن عباس: من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع الركعتين بعد العصر إلى أن مات. فهذا العلم الزائد الذى لا يحل تركه، ومن أيقن وقال: علمت (4)، أولى ممن قال: لا أعلم (5) وكلاهما صادق. وثالثها أنه حتى لو صح قول


(1) في اليمنية (فليس فيه ينهى عنهما وانما فيه نهى عنهما) وهو خطأ واضح (2) في المصرية (هذا المعروف) (3) في التهذيب عن أحمد في الكلام على عطاء (من سمع منه قديما فسماعه صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشئ، سمع منه قديما سفيان وشعبة، وسمع منه حديثا جرير وخالد) الخ وقال ابن معين (عطاء بن السائب اختلط، وما سمع منه جرير وذووه ليس من صحيح حديثه) (4) في اليمنية (وقد علمت) وهو خطأ ظاهر (5) في اليمنية (ولم أعلم)

[ 269 ]

ابن عباس ولم يأت عن أحد من الصحابة خلافه -: لما كانت فيه حجة، لان فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشئ مرة واحدة حجة باقية، وحق ثابت أبدا، ما لم ينه عما فعل من ذلك، ومن قال: لا يكون فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشئ حقا إلا حتى يكرر فعله (1) فهو كافر مشرك، وسخيف مع ذلك (2)، لانه يقال له مثل ذلك فيما فعل مرتين أو ثلاثا أو ألف مرة ولا فرق، وهذا لا يقوله مسلم ولا ذو عقل. والعجب أنهم يقولون: إن الصاحب إذا روى خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خالفه فذلك دليل عندهم على وهن الخبر، وقد صح عن ابن عباس الصلاة بعد العصر كما نذكر بعد هذا! فهلا عللوا هذا الخبر بمخالفة ابن عباس لما روى في ذلك! ولكنهم لا مؤونة عليهم من التناقض. فسقط هذا الخبر جملة. وبالله تعالى التوفيق * وأما خبر موسى بن طلحة فلا حجة لهم فيه، لوجوه: أولها ضعف سنده، لانه من طريق أبي صالح كاتب الليث وهو ضعيف (3)، وفيه سعيد بن أبي هلال وليس بالقوى (4)، ولم يذكر فيه موسى بن طلحة سماعا من أم سلمة ولا من عائشة رضى الله عنهما. والثانى أنه ليس فيه نهى عن صلاتهما. والثالث أنه لو صح لكان حجة لنا، لان فيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين بعد العصر) ولو كانتا لا تجوزان أو


(1) في اليمنية (الا حتى يكون فعله) وهو لا معنى له (2) قوله (مع ذلك) زيادة من اليمنية (3) عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث بن سعد ثقة أخطأ في بعض أحاديث فأخذت عليه، وانفرد عن شيخه باشياء لم يروها غيره فأنكرها بعضهم وما هي بموضع نكارة قال يحيى بن بكير (هل جئنا الليث قط الا وأبو صالح عنده! رجل كان يخرج معه إلى الاسفار والى الشريف (كذا في التهذيب) وهو كاتبه، فينكر على هذا أن يكون عنده ما ليس عند غيره!!) وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي صالح هذا كما حققه ابن حجر (4) سعيد ثقة، وثقه ابن سعد والعجلي وابن خزيمة والدار قطني والخطيب والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم وقال أحمد (ما أدري أي شئ؟ يخلط في الاحاديث!) وما هذا بكاف في تضعيفه مع قول من وثقه، قال ابن حجر (وقال ابن حزم: ليس بالقوي، ولعله اعتمد على قول الامام احمد فيه)

[ 270 ]

مكروهتين ما فعلهما عليه الصلاة والسلام، وفعله عليه السلام حق وهدى، سواء فعله مرة أو ألف مرة، ومن قال: إن فعله ضلال فهو كافر. والرابع أنه قد صح خلاف هذا عن أم سلمة رضى الله عنها كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى. والخامس أنه موضوع بلا شك، لان فيه إنكار عائشة أنه عليه السلام صلاهما عندها، ونقل التواتر عن عائشة من رواية الائمة: إنه لم يزل عليه السلام يصليهما عندها، مثل عروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير ومسروق والاسود بن يزيد وطاوس وأبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف وأيمن وغيرهم * وهذا القول سواء سواء أيضا في حديث أم سلمة الذى ذكرنا من طريق عبد الرحمن بن أبى سفيان، وعبد الرحمن هذا مجهول، ولم يذكر أيضا أنه سمعه من أم سلمة، وهو خبر موضوع لا شك فيه لان فيه كذبا (1) ظاهرا لا شك فيه، وهو ما نسب إلى عائشة من قولها: ليس عندي صلاهما: وقد ذكرنا من روى تكذيب هذا آنفا، ولان فيه أيضا لفظا لا يجوز البتة أن يقوله عليه السلام، وهو (فكرهت أن أصليهما في المسجد والناس ينظرون إلى فصليتهما عندك) إذ لا يخلو فعلهما أن يكون مكروها أو حراما أو مباحا حسنا، فان كان حراما أو مكروها، فمن نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم التستر؟ لمحرمات فهو كافر، لتفسيقه (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمر (3) عليه السلام أن يقرأ على الناس: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ومن المحال الممتنع أن يتعنى عليه السلام بتكلف صلاة مكروهة لا أجر فيها فهذا هو التكلف الذى أمره تعالى أن يقول فيه: (وما أنا من المتكلفين) وحاشى لله تعالى أن يفعل عليه السلام قاصدا إلى فعله إلا ما يقر به من ربه تعالى وقد ينسيه تعالى الشئ ليس لنا فيه (4) ما يقر بنا من ربنا عزوجل. ولا مزيد *


(1) في اليمنية (لانه كذبا) وهو خطأ أو لحن (2) في اليمنية (لتفسقه) وهو خطأ (3) في اليمنية (وما أمر) وهو خطأ غريب (4) في المصرية (وينسيه) بحذف (قد) وما هنا أحسن (5) في المصرية (الشئ لنا فيه بحذف (ليس) وهو خطأ

[ 271 ]

وأما حديث على بن أبى طالب فلا حجة فيه أصلا، لانه ليس فيه إلا إخباره رضى الله عنه بما علم، من أنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما، وهو الصادق في قوله، وليس في هذا نهى عنهما، ولا كراهة لهما، فما صام (1) عليه السلام قط شهرا كاملا غير رمضان، وليس هذا بموجب كراهية صوم شهر كامل تطوعا (2) ثم قد روى غير على أنه عليه السلام صلاهما فكل أخبر بعلمه، وكلهم صادق. ثم قد صح عن على خلاف ذلك، كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، وهم يقولون: ان الصاحب إذا روى حديثا وخالفه فهذا دليل عندهم على سقوط ذلك الخبر، فهلا قالوا هذا ههنا! * وأما حديث حماد بن سلمة عن الازرق بن قيس عن ذكوان عن أم سلمة فحديث منكر، لانه ليس هو في كتب حماد بن سلمة، وأيضا فانه منقطع، لم يسمعه ذكوان من أم سلمة. برهان ذلك: أن أبا الوليد الطيالسي روى هذا الخبر عن حماد ابن سلمة عن الارزق بن قيس عن ذكوان عن عائشة عن أم سلمة: (ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها ركعتين بعد العصر، فقلت ما هاتان الركعتان؟ قال: كنت أصليهما بعد الظهر، وجاءني مال فشغلني فصليتهما الآن) فهذه هي الرواية المتصلة، وليس فيها (أفنقضيهما نحن؟ قال: لا) (3) فصح أن هذه الزيادة لم يسمعها ذكوان من أم سلمة، ولا ندرى عمن (4) أخذها؟ فسقطت (5). ثم لو صحت هذه اللفظة لما كان لهم فيها حجة أصلا لانه ليس فيها نهى عن صلاتهما (6) أصلا، وانما فيها النهى عن قضائهما فقط، فلا يحل توثيب كلامه عليه السلام إلى ما لم يقله تلبيسا من


(1) في اليمنية (وما صام) وما هنا أحسن (2) في اليمنية وليس هذا بموجب كراهية صوم رمضان وهو خطأ سخيف (3) في اليمنية (فهذه هي الرواية المتصلة فيهما أنقضيهما نحن قال لا) وهو خطأ (4) في اليمنية (من) وهو خطأ (5) نعم أن رواية ذكوان عن عائشة التى ذكرها المؤلف هي المعروفة، وأما الاولى روايته عن ام سلمة فمنكرة. وقد روي البيهقي (ج 2 ص 457) حديث ذكوان عن عائشة من طريق عبد الملك بن ابراهيم عن حماد عن الازرق عن ذكوان، وليس فيها زيادة أفنقضيهما) الخ (6) في المصرية (فيه) وهو خطأ (7) في اليمنية (أيضا) بدل (أصلا)

[ 272 ]

فاعل ذلك (1) في الدين. فسقط كل ما تعلقوا به. ولله الحمد * وأما أحاديث النهى عن الصلاة بعد العصر، فسنذكرها إن شاء الله تعالى إثر هذه المسألة والكلام عليها، بحول الله تعالى وقوته * وأما تعلق الشافعي بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكرنا من أنه عليه السلام (كان إذا صلى صلاة أثبتها) فلا حجة له فيه، لانه ليس فيه نهى عن أن يصليهما من لم ينس الركعتين قبل العصر، وليس فيه إلا الاباحة للصلاة (2) حينئذ، إذ لو لم تكن جائزة لما صلاها عليه السلام، قاضيا ولا مثبتا، وفى اثباته عليه السلام اياها أصح بيان بأنها حينئذ جائزة حسنة، ولم يقل عليه السلام: انه لا يصليهما إلا من نسيهما. فسقط تعلقه به * قال على فإذا سقط كل ما شغبوا به فلنذكر ان شاء الله عزوجل الآثار الواردة في الركعتين بعد العصر * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله ابن نمير، قال زهير ثنا جرير، وقال ابن نمير: ثنا ابى، ثم اتفقا جميعا: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر عندي قط (3)) * وبه إلى مسلم: ثنا على بن حجر أنا على بن مسهر أنا أبو إسحق الشيباني عن عبد الرحمن بن الاسود بن يزيد عن أبيه عن عائشة قالت صلاتان ما تركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتى قط سرا ولا علانية: ركعتين قبل الفجر وركعتين بعد العصر (4)) وبه إلى مسلم: ثنا حسن (5) الحلواني ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس


(1) في اليمنية (من قائل) (2) في اليمنية (الا اباحة الصلاة) (3) هو في مسلم (ج 1 ص 230) (4) هو في مسلم (ج 1 ص 230) (5) في اليمنية (الحسن) وفى مسلم (ج 1 ص 229) (حسن بن على الحلواني)

[ 273 ]

عن أبيه عن عائشة قالت: (لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر): حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا ابراهيم بن احمد البلخى ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا ابو نعيم هو الفضل بن دكين ثنا عبد الواحد ابن أيمن حدثنى أبى انه سمع عائشة أم المؤمنين قال: (والذى ذهب به تعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركهما حتى لقي الله تعالى، تعنى الركعتين بعد العصر، قالت: وما لقى الله حتى ثقل عن الصلاة) * فهذا غاية التأكيد فيهما، وقد روتهما أيضا أم سلمة وميمونة أما المؤمنين (1)، وتميم الدارى، وعمر بن الخطاب، وزيد بن خالد الجهنى، وغيرهم، فصار نقل تواتر يوجب العلم * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا ابن ايمن؟؟؟؟؟؟ بن محمد البرتى القاضى ثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو الرقى ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا حنظلة هو ابن أبى سفيان الجمحى عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: صلى بنا معاوية العصر فرأى ناسا يصلون، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقالوا: هذه فتيا (2) عبد الله بن الزبير، فجاء عبد الله بن الزبير مع الناس، فقال له معاوية: ما هذه الفتيا التى تفتي: أن يصلوا بعد العصر؟ فقال ابن الزبير: حدثتني زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه عليه السلام صلى بعد العصر) فأرسل معاوية إلى عائشة فقالت: هذا حديث ميمونة بنت الحارث فارسل إلى ميمونة رسولين فقالت: إنما حدثت: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهز جيشا فحبسوه حتي أرهق العصر، فصلى العصر ثم رجع فصلى ما كان يصلي قبلها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى (3) صلاة أو فعل شيئا يجب أن يداوم عليه) فقال ابن الزبير: أليس قد صلى؟ والله لنصلينه! قال على: ظهرت حجة ابن الزبير، فلم يجز عليه الاعتراض


(1) في اليمنية (أم المؤمنين) وما هنا أحسن (2) في المصرية (هذا فتيا) وهو خطأ، وان كان يمكن تأويله (3) في اليمنية (وكان إذا صلى)

[ 274 ]

قال على: وقالوا: قد كان عمر يضرب الناس عليها، وابن عباس معه، قلنا: لا حجة في أحد دون رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم، لا في عمر ولا في غيره، وبل هو عليه السلام الحجة على عمر وغيره. وقد خالف عمر في ذلك طوائف من الصحابة * وقد صح عن عمر وعن ابن عباس اباحة الركوع والتطوع، والوجه الذى من أجله ضرب عمر عليها فقد خالفوا عمر رضى الله عنه في ذلك * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا عبد الله بن جعفر بن الورد (2) ثنا يحيى بن أيوب بن بادى العلاف (3) ثنا يحيى بن بكير حدثنى الليث بن سعد عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة بن الزبير (4) عن عروة: (أخبرني تميم الدارى أو أخبرت أن تميما الدارى ركع ركعتين بعد العصر،؟؟؟؟؟؟ فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم: أن اجلس فجلس عمر؟؟؟؟؟؟ تميم، فقال لعمر: لم ضربتني؟ فقال له عمر: لانك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيت عنهما، قال له تميم (5) انى قد صليتهما مع من هو خير منك: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال له عمر إنى ليس بى إياكم أيها الرهط، ولكني اخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب، حتى يمرون بالساعة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى فيها كما صلوا بين الظهر والعصر، ثم يقولون. قد رأينا فلانا وفلانا يصلون بعد العصر) * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق ثنا ابن


(1) في المصرية (لا حجن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب، حتى يمرون بالساعة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى فيها كما صلوا بين الظهر والعصر، ثم يقولون. قد رأينا فلانا وفلانا يصلون بعد العصر) * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق ثنا ابن

(1) في المصرية (لا حجة في أحد على رسول الله) وفى اليمنية (لا حجة على أحد دون رسول الله) فجمعنا منهما ما كان أصح وأحسن في المعنى، والذى هو عادة ابن حزم في كلامه، بل هي كلمة قديمة اقتبسها بهذا اللفظ (2) في اليمنية (الوراد) بزيادة الالف وهو خطأ، ولعبد الله هذا ذكر في التهذيب (ج 11 ص 185 و 429 (3) بادي بالباء الموحدة بوزن وادي، والعلاف بالفاء وفي اليمنية (العلاق) وهو تصحيف (4) سمى يتيم عروة لان أباه كان أوصى به إليه. (5) في اليمنية بحذف (له)

[ 275 ]

جريج سمعت أبا سعيد الاعمى (1) يحدث عن السائب مولى الفارسيين عن زيد بن خالد الجهنى: (أن عمر رآه يصلى بعد العصر ركعتين وعمر خليفة فضربه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية