الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 1

المحلى

ابن حزم ج 1


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس ابي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍. طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ احمد محمد شاكر الجزء الاول دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله قال على بن أحمد بن سعيد بن حزم رضى الله عنه: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين والمرسلين وسلم تسليما ونسأل الله تعالى أن يصحبنا العصمة من كل خطأ وزلل ويوفقنا للصواب في كل قول وعمل. آمين آمين * (أما بعد) * وفقنا الله وإياكم لطاعته فانكم رغبتم أن نعمل للمسائل المختصرة التى جمعناها في كتابنا المرسوم بالمجلى شرحا مختصرا أيضا نقتصر فيه على قواعد البراهين بغير اكثار ليكون مأخذه سهلا على الطالب والمبتدئ ودرجا له إلى التبحر في الحجاج ومعرفة الاختلاف وتصحيح الدلائل المؤدية إلى معرفة الحق مما تنازع الناس فيه والاشراف على أحكام القرآن والوقوف على جمهرة السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمييزها مما لم يصح والوقوف على الثقات من رواة الاخبار وتمييزهم من غيرهم والتنبيه على فساد القياس وتناقضه وتناقض القائلين به. فاستخرت الله عزوجل على عمل ذلك واستعنته تعالى على الهداية إلى نصر الحق وسألته التأييد على بيان ذلك وتقريبه وأن يجعله لوجهه خالصا وفيه محضا. آمين. آمين. رب العالمين وليعلم من قرأ كتابنا هذا أننا لم نحتج إلا بخبر صحيح من رواية الثقات مسند ولا خالفنا إلا خبرا ضعيفا فبينا ضعفه أو منسوخا فأوضحنا نسخه. وما توفيقنا إلا بالله تعالى * (التوحيد) * 1 - مسألة - قال أبو محمد رضى الله عنه: أول ما يلزم كل أحد ولا يصح الاسلام إلا به أن يعلم المرء بقلبه علم يقين وإخلاص لا يكون لشئ من الشك فيه أثر وينطق

[ 3 ]

بلسانه ولا بد بأن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله. برهان ذلك: ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا احمد ابن على نا مسلم بن الحجاج نا أمية بن بسطام نا يزيد بن زريع نا روح عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) وقد روى معنى هذا مسندا معاذ وابن عباس وغيرهم. قال الله تعالى: (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وهو قول جميع الصحابة وجميع أهل الاسلام. وأما وجوب عقد ذلك بالقلب فلقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدو الله مخلصين له الدين). والاخلاص فعل النفس. وأما وجوب النطق باللسان فان الشهادة بذلك المخرجة للدم والمال من التحليل إلى التحريم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا باللسان ضرورة. 2 - مسألة - قال أبو محمد: وتفسير هذه الجملة هو أن الله تعالى إله كل شئ دونه وخالق كل شئ دونه. برهان ذلك: أن العالم بكل ما فيه ذو زمان لم ينفك عنه قط ولا يتوهم ولا يمكن أن يخلو العالم عن زمان. ومعنى الزمان هو مدة بقاء الجسم متحركا أو ساكنا ومدة وجود العرض في الجسم واذ الزمان مدة كما ذ كرنا فهو عدد معدود ويزيد بمروره ودوامه والزيادة لا تكون البتة الا في ذي مبدأ ونهاية من أوله إلى ما زاد فيه. والعدد أيضا ذو مبدأ ولابد والزمان بلا شك من أجزائه وكل جزء من أجزاء الزمان فهو بيقين ذو نهاية من أوله ومنتهاه والكل ليس هو شيئا غير أجزائه وأجزاؤه كلها ذات مبدأ فهو كله ذو مبدأ ضرورة. فلما كان الزمان لابد له من مبدأ ضرورة وكان العالم كله لا ينفك عن زمان والزمان ذو مبدأ فما لم يتقدم ذا المبدإ فهو ذو مبدأ ولا بد فالعالم كله جوهره وعرضه ذو مبدأ واذ هو ذو مبدأ فهو محدث والمحدث يقتضى محدثا ضرورة إذ لا يتوهم أصلا ولا يمكن محدث إلا وله محدث فالعالم كله مخلوق وله خالق لم يزل وهو ملك كل ما خلق فهو إله كل ما خلق ومخترعه لا إله الا هو. 3 - مسألة - قال أبو محمد: هو الله لا إله الا هو وانه تعالى واحد لم يزل ولا يزال

[ 4 ]

برهان ذلك: أنه لما صح ضرورة أن العالم كله مخلوق وأن له خالقا وجب أن لو كان الخالق أكثر من واحد أن يكون قد حصرهما العدد وكل معدود فذو نهاية كما ذكرنا وكل ذى نهاية فمحدث. وأيضا فكل اثنين فهما غيران وكل غيرين ففيهما أو في أحدهما معنى ما صار به غير الآخر فعلى هذا كان يكون أحدهما ولا بد مركبا من ذاته ومما غاير به الآخر وإذا كان مركبا فهو مخلوق مدبر فبطل كل ذلك وعاد الامر إلى وجوب أنه واحد ولابد وأنه بخلاف خلقه من جميع الوجوه والخلق كثير محدث فصح أنه تعالى بخلاف ذلك وأنه واحد لم يزل إذ لو لم يكن كذلك لكان من جملة العالم تعالى الله عن ذلك. (ليس كمثله شئ). وقال تعالى (ولم يكن له كفوا احد). 4 - مسألة - وأنه خلق كل شئ لغير علة أوجبت عليه أن يخلق. برهان ذلك: أنه لو فعل شيئا مما فعل لعلة لكانت تلك العلة إما لم تزل معه وإما مخلوقة محدثة ولا سبيل إلى قسم ثالث فلو كانت لم تزل معه لوجب من ذلك شيئان ممتنعان: أحدهما أن معه تعالى غيره لم يزل فكان يبطل التوحيد الذى قد أبقا برهانه آنفا والثانى أنه كان يجب إذ كانت علة الخلق لم تزل أن يكون الخلق لم يزل لان العلة لا تفارق المعلول ولو فارقته لم تكن علة له وقد أوضحنا آنفا برهان وجوب حدوث العالم كله. وأيضا فلو كانت ههنا علة موجبة عليه تعالى أن يفعل ما فعل لكان مضطرا مطبوعا أو مدبرا مقهورا لتلك العلة وهذا خروج عن الالهية ولو كانت العلة محدثة لكانت ولا بد إما مخلوقة له تعالى وإما غير مخلوقة فان كانت غير مخلوقة فقد أوضحنا آنفا وجوب كون كل شئ محدث مخلوقا فبطل هذا القسم وان كانت غير مخلوقه وجب ولا بد أن تكون مخلوقه لعلة أخرى أو لغير علة فان وجب أن تكون مخلوقة لعلة أخرى وجب مثل ذلك في العلة الثانية وهكذا أبدا وهذا يوجب وجوب محدثين لا نهاية لعددهم وهذا باطل لما ذكرنا آنفا وبأن كل ما خرج إلى الفعل فقد حصره العدد ضرورة بمساحته أو بزمانه ولا بد وكل ما حصره العدد فهو متناه. فبطل هذا القسم أيضا وصح ما قلناه ولله تعالى الحمد. وان قالوا: بل خلقت العلة لا لعلة سئلوا: من أين وجب أن يخلق الا شياء لعلة لا لعلة؟ ولا سبيل إلى دليل

[ 5 ]

5 - مسألة - وأن النفس مخلوقة. برهان هذا: أننا نجد الجسم في بعض أحواله لا يحسن شيئا وان المرء إذا فكر في شئ ما فانه كلما تخلى عن الجسد كان أصح لفهمه وأقوى لادراكه فعلمنا أن الحساس العالم الذاكر (1) هو شئ غير الجسد ونجد الجسد إذا تخلى منه ذلك الشئ موجودا بكل أعضائه ولا حس له ولا فهم إما بموت وإما باغماء وإما بنوم فصح أن الحساس الذكر هو غير الجسد وهو المسمى في اللغة نفسا وروحا وقال الله تعالى ذكره: (الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت في منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى) فكانت النفوس كما نص تعالى كثيرة وكذلك وجدناها نفسا خبيثة وأخرى طيبة ونفسا ذات شجاعة وأخرى ذات جبن وأخرى عالمة وأخرى جاهلة فصح يقينا أن لكل حى نفسا غير نفس غيره فإذا تيقن ذلك وكانت النفوس كثيرة مركبة من جوهرها وصفاتها فهي من جملة العالم وهي ما لم ينفك قط من زمان وعدد فهي محدثة مركبة وكل محدث مركب مخلوق. ومن جعل شيئا مما دون الله تعالى غير مخلوق فقد خالف الله تعالى في قوله: (خلق كل شئ) وخالف ما جاءت به النبوة وما أجمع عليه المسلون وما قام به البرهان العقلي (2) * 6 - مسألة - وهى الروح نفسه برهان ذلك: أنه قد قام البرهان كما ذكرنا بأن ههنا شيئا مدبرا للجسد هي الحى االحساس المخاطب ولم يقم برهان قط بأنهما شيئان فكان من زعم بأن الروح غير النفس قد زعم بأنهما شيئان وقال مالا برهان له فليس له بصحته وهذا باطل قال تعالى (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) فمن لا برهان له فليس صادقا فصح أن النفس والروح اسمان لمسمى واحد. حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود السجستاني نا أحمد بن صالح نا عبد الله بن وهب أخبرني يونس هو ابن يزيد عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبى هريرة في حديث ذكره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلان (إكلا


(1) في النسخة اليمنية (الدال) وما هنا أصح (2) في النسخة اليمنية (برهان العقل)

[ 6 ]

لنا الليل فغلبت بلالا عيناه فلم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا فقال: يا بلال (فقال) (1) أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك بأبى أنت وأمى يا رسول الله) وذكر الحديث. وقال الله تعالى: (الله يتوفى الانفس حين موتها) إلى قوله (أجل مسمى) وحدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود نا على بن نصر هو الجهضمي نا الاسود بن شيبان نا خالد بن سمير (2) نا عبد الله بن رباح حدثني أبو قتادة الانصاري في حديث ذكر فيه نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلعت الشمس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ألا إنا نحمد الله (أنا) (3) لم نكن في شئ من أمر (4) الدنيا يشغلنا عن صلاتنا ولكن أرواحنا كانت بيد الله عزوجل فأرسلها أنى شاء) فعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالانفس وبالارواح عن شئ واحد (5) ولا يثبت عنه عليه السلام في هذا الباب خلاف لهذا أصلا. وبالله تعالى نتأيذ.


(1) لفظ (فقال) سقط من الاصل وزدناه من أبى داود فيكون قوله (أخذ بنفسى) من كلام بلال لا من المرفوع وهو الصواب قال شارح أبي داود: (فقال يا بلال) والعتاب محذوف أو مقدر أي لم نمت حتى فاتتنا الصلاة (فقال) أي بلال معتذرا (أخذ بنفسى) اه‍ وفي صحيح مسلم في هذا الحديث: (ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي بلال فقال بلال أخذ بنفسى) الخ وهو صريح في أنه كلام بلال (2) بضم السين المهملة مصغرا كما ضبطه الذهبي في المشتبه (3) الزيادة من أبي داود (4) في أبي داود: (من أمور الدنيا) (5) ظهر لك أن التعبير الاول هو من بلال وليس مرفوعا فلا؟؟؟ فيه لما أراده المؤلف. والامر أهون من هذا فان العرب يعبرون كثيرا عن النفس بالروح، قال الراغب الاصفهانى في المفردات: (وجعل الروح اسما للنفس قال الشاعر في صفة النار فقلت له ارفعها اليك وأحيها بروحك واجعلها لها فيئة قدرا

[ 7 ]

7 - مسألة - والعرش مخلوق برهان ذلك قول الله تعالى: (رب العرش العظيم) وكل ماكان مربوبا فهو مخلوق 8 - مسألة - وانه تعالى ليس كمثله شئ ولا يتمثل في صورة شئ مما خلق. قد مضى الكلام في هذا ولو تمثل تعالي في صورة شئ لكانت تلك الصورة مثلا له وهو تعالى يقول: (ليس كمثله شئ) 9 - مسألة - وان النبوة حق برهان ذلك: أن ما غاب عنا أو كان قبلنا فلا يعرف الا با لخبر عنه. وخبر التواتر يوجب العلم الضروري ولا بد ولو دخلت في نقل التواتر داخلة أو شك لوجب أن يدخل الشك هل كان قبلنا خلق أم لا إذا لم نعرف كون الخلق موجودا قبلنا إلا بالخبر ومن بلغ ههنا فقد فارق المعقول وبنقل التواتر المذكور صح أن قوما من الناس أتوا أهل زمانهم يذكرون أن الله تعالى خالق الخلق أوحى إليهم يأمرهم بانذار قومهم بأوامر ألزمهم الله تعالى إياها فسئلوا برهانا على صحة ما قالوا فأتوا بأعمال هي خلاف لطبائع ما في العالم لا يمكن البتة في العقل أن يقدر عليها مخلوق حاشا خالقها الذى ابتدعها كما شاء كقلب عصا حية تسعى وشق البحر لعسكر جازوافيه وغرق من اتبعهم وكا حياء ميت قد صح موته وكابراء أكمه ولد أعمى وكناقة خرجت من صخرة وكانسان رمى في النار فلم يحترق وكاشباع عشرات من الناس من صاع شعير وكنبعان الماء من بين أصابع إنسان حتى روى العسكر كله. فصح ضرورة ان الله تعالى شهد لهم بما اظهر على ايديهم بصحة ما أتوا به عنه وانه تعالى صدقهم فيما قالوه


وذلك لكون النفس بعض الروح كتسمية النوع باسم الجنس نحو تسمية الانسان بالحيوان. وجعل اسما للجزء الذى تحصل به الحياة والتحرك واستجلاب المنافع واندفاع المضار وهو المذكور في قوله: (ويسئلونك عن الروح) وقال ابن الانباري: (الروح والنفس واحد غير أن الروح مذكر والنفس مؤنثة عند العرب) وقال في اللسان: (النفس الروح. قال ابن سيده: وبينهما فرق ليس من غرض هذا الكتاب) ثم ذكر شواهد على استعمال النفس بمعنى الروح واستعمالها بمعاني أخر لم نرالاطالة بذكرها

[ 8 ]

10 - مسألة - وان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله إلى جميع الانس والجن كافرهم ومؤمنهم برهان ذلك: انه عليه السلام أتى بهذا القرآن المنقول الينا بأتم ما يكون من نقل التواتر وأنه دعا من خالفه إلى أن يأتوا بمثله فعجزوا كلهم عن ذلك وأنه شق له القمر قال الله عزوجل: (اقتربت الساعة وانشق القمر وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواء هم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الا نباء ما فيه مزدجر حكمة با لغة فما تغنى النذر). وحن الجذع إذ فقده حنينا سمعه كل من حضره وهم جموع كثيرة ودعا اليهود إلى تمني الموت ان كانوا صادقين وأخبرهم أنهم لا يتمنونه فعجزوا كلهم عن تمنيه جهارا ودعا النصارى إلى مباهلته فأبوا كلهم. وهذان البرهانان مذكوران جميعا في نص القرآن كما ذكر فيه تعجيزه جميع العرب عن أن يأتوا بمثاه أولهم عن آخرهم. ونبع لهم الماء من بين أصابعه وأطعم مئين من الناس من صاع شعير وجدى وأذعن ملوك اليمن والبحرين وعمان لامره للايات التى صحت عندهم عنه فنزلوا عن ملكهم كلهم طوعا دون رهبة أصلا ولا خوقا من أن يغزوهم ولا برغبة رغبهم بها بل كان فقيرا يتنما. وهناك قوم يدعون النبوة كصاحب صنعاء وكصاحب اليمامة كلاهما أقوى جيشا وأوسع منه بلادا فما التفت لهم أحد غير قومها وكان هو أضعفهم جندا وأضعفهم بلدا وأبعدهم من بلاد الملوك دارا فدعا الملوك والفرسان الذين قد ملؤوا جزيرة العرب وهى نهو شهرين في نهو ذلك إلى اقامة الصلاة وأداء الزكاة واسقاط الفخر والتجبر والتزام التواضع والصبر للقصاص في النفس فما دونها من كل حقير أو رفيع دون أن يكون معه مال ولا عشيرة تنصره بل اتبعه كل من اتبعه مذعنا لما بهرهم من آياته ولم يأخذ قط بلدة عنوة وغلبة الا خيبر ومكه فقط. وفي القرآن العظيم (يا أيها الناس إنى رسول الله اليكم جميعا) وقال تعالى (يا معشر الجن والانس). وقال تعالى (قل أوحى الي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فاآمنابه) إلى قوله (وأنا منا المسلمون ومنا القسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) وقال تعالى (ومن يبتغ غير الا سلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * 11 - مسألة - نسخ عزوجل بملته كل ملة وألزم أهل الارض جنهم وانسهم اتباع

[ 9 ]

شريعته التى بعثه بها ولا يقبل من أحد سواها وانه عليه السلام خاتم النبيين لا نبى بعده برهان ذلك: قول الله تعالى (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين). حدثنا احمد بن محمد بن الجسور نا وهب بن مسرة (1) ثنا محمد ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبد الله بن ادريس عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان النبوة والرسالة قد انقطعت فجزع الناس فقال: قد بقيت مبشرات وهن جزء من النبوة 12 - مسألة - إلا أن عيسى بن مريم عليه السلام سينزل وقد كان قبله عليه السلام أنبياء كثيرة ممن سمى الله تعالى ومنهم من لم يسم والا يمان بجميعهم فرض برهان ذلك: ما حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا الوليد بن شجاع وهارون بن عبد الله وحجاج بن الشاعر قالوا حدثنا حجاج وهو ابن محمد عن ابن جريج قال أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا إن بعضكم (2) على بعض أمراء تكرمة الله هذه الامة). وذكر الله تعالى في القرآن آدم ونوحا وإدريس وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود


(1) مسرة بفتح الميم والسين وتشديد الراء وفى نسخة (ميسرة) وهو خطأ ووهب هذا هو أبو الحزم التميمي كان حافظا للفقه والحديث والعلل فاضلا ورعا. أخذوا عليه هفوة في الكلام في القدر. حدث بمسند أبي بكر بن أبى شيبة مات في شعبان سنة 346 وأما تلميذه احمد بن محمد بن الجسور فان في نسخة من الاصل (الحصور) وفي سائر الاصول (الجسور) وفى تذكرة الحفاظ (أبو عمر أحمد ابن الجسور) قال في الرواة عن وهب وهو الصواب وسيأتي كذلك صحيحا (2) في الاصل (بعضهم) وصححناه من صحيح مسلم

[ 10 ]

وسليمان ويونس واليسع وإلياس وزكريا ويحيى وأيوب وعيسى وهودا وصالحا وشعيبا ولوطا. وقال تعالى: (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك) وقال تعالى: (يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا) 13 - مسألة - وأن جميع النبيين وعيسى ومحمدا عليهم السلام عبيدالله تعالى مخلوقون ناس كسائر الناس مولودون من ذكر وأنثى إلا آدم وعيسى فان آدم خلقه االله تعالى من تراب بيده لا من ذكر ولا من أنثى وعيسى خلق في بطن أمه من غير ذكر. قال الله عزوجل عن الرسل عليهم السلام أنهم قالوا: (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) وقال تعالى (أنا خلقناكم من ذكر وأنثى). وقال تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب). وقال تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى) وقال تعالى عن جبريل عليه السلام أنه قال لمريم عليها السلام: (انما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسني بشر و لم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو على هين). وقال تعالى: (ومريم ابنت عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) 14 - مسألة - وأن الجنة حق دار مخلوقة للمؤمنين ولا يدخلها كافرأبدا قال تعالى: (وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين). وقال تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أومما رزقكم الله قالوا ان الله حرمهما على الكافرين) 15 - مسألة - وان الجنة حق دار مخلوقة لا يخلد فيها مؤمن. قال تعالى: (لا يصلاها إلا الاشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الاتقى) 16 - مسألة - يدخل النار من شاء الله تعالى من المسلمين الذين رجحت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم ثم يخرجون منها بالشفاعة ويدخلون الجنة. قال عزوجل: (ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين). وقال تعالى: (فأما من

[ 11 ]

ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ماهيه نار حامية). حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثني صل الله عليه واله وسلم قال (يخرج من النا ر من قال لا إله الا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله الا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ثم يخرج من النار من قال لا إله الا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة) 17 - مسألة - لا تفنى الجنة ولا النار ولا أحد ممن فيهما أبدا. برهان ذلك: قول الله عزوجل مخبرا عن كل واحدة من هاتين الدارين ومن فيهما: (خالدين فيها أبدا) و (خالدين فيها مادامت السموات والارض الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودى ثنا ابراهيم بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب قالا ثنا أبو معاوية عن الاعمش عن أبى صالح عن أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يجاء بالموت (1) يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون فيقولون نعم هذا الموت. فيؤمر به فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) وأشار بيده إلى أهل الدنيا) (2) زاد أبو كريب في روايته بعد كبش أملح: (فيوقف بين الجنة والنار) وقال عزوجل في أهل الجنة (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى) وقال في أهل النار (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها). وبالله تعالى التوفيق.


(1) في الاصل (يجئ الموت) وهو خطأ (2) في مسلم (إلى الدنيا) وفى النسخة اليمنية (إلى أهل النار)

[ 12 ]

18 - مسألة - وأن أهل الجنة يأكلون ويشربون ويطؤن ويلبسون ويتلذذون ولا يرون بؤسا أبدا وكل ذلك. بخلاف ما في الدنيا لكن ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وحور العين حق نساء مطهرات خلقهن الله عزوجل للمؤمنين. قال تعالى (يطوف عليهم والدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون). وقال تعالى (ولباسهم فيها حرير). وقال تعالى (وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا). حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا محمد بن عيسى ثنا ابراهيم بن محمد ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا سفيان عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عزوجل: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله تعالى (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون)) (وبه إلى مسلم) حدثنى الحسن الحلواني ثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس) وهذا نص على أنه خلاف ما في الدنيا. 19 - مسألة - وأهل النار يعذبون بالسلاسل والاغلال والقطران وأطباق النيران أكلهم الزقوم وشرابهم ماء كالمهل والحميم، نعوذ بالله من ذلك. وقال تعالى (سرابيلهم من قطران) وقال تعالى (وانا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا) وقال تعالى (يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها) وقال تعالى (ان شجرة الزقوم طعام الاثيم) وقال تعالى (في سموم وحميم) وقال تعالى (وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه). 20 - مسألة - وكل من كفر بما بلغه وصح عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أجمع عليه المؤمنون مما جاء به النبي عليه السلام فهو كافر كما قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم).

[ 13 ]

21 - مسألة - وان القرآن الذى في المصاحف بأيدى المسلمين شرقا وغربا فما بين ذلك من أول أم القرآن إلى آخر المعوذتين كلام الله عزوجل ووحيه أنزله على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من كفر بحرف منه فهو كافر. قال تعالى (فأجره حتى يسمع كلام الله) وقال تعالى (نزل به الروح الامين على قلبك) وقال تعالى (وكذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا). وكل ما روى عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرءان لم تكن في مصحفه فكذب موضوع لا يصح وانما صحت عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود وفيها أم القرءان والمعوذتان. 22 - مسألة - وكل ما فيه من خبر عن نبى من الانبياء أو مسخ أو عذاب أو نعيم أو غير ذلك فهو حق على ظاهره لا رمز في شئ منه. قال تعالى: (قرآنا عربيا) وقال تعالى (تبيانا لكل شئ) وأنكر تعالى على قوم خالفوا هذا فقال تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه). 23 - مسألة - ولا سر في الدين عند أحد. قال الله عزوجل: (ان الذين يكتمون ما أنزلنا منن البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) وقال تعالى: (لتبيتنه للناس ولا تكتمونه). 24 - مسألة - وان الملائكة حق، وهم خلق من خلق الله عزوجل مكرمون كلهم رسل الله. قال الله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب). وقال تعالى: (بل عباد مكرمون) وقال تعالى: (جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة). 25 - مسألة - خلقوا كلهم من نور وخلق آدم من ماء وتراب وخلق الجن من نار. حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا محمد بن عيسى ثنا ابراهيم بن محمد ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبد بن حميد ثنا عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم). وقال تعالى: (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين). 26 - مسألة - والملائكة أفضل خلق الله تعالى، لا يعصى أحد منهم في صغيرة

[ 14 ]

ولا كبيرة وهم سكان السماوات. قال الله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) وقال تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون). فهذا تفضيل لهم على المسيح عليه السلام وقال تعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). ولم يقل تعالى على كل من خلقنا. ولا خلاف في أن بنى آدم أفضل من كل خلق سوى الملائكة فلم يبق إلا الملائكة، وإسجاده تعالى الملائكة لآدم على جميعهم السلام سجود تحية فلو لم يكونوا أفضل منه لم يكن له فضيلة في أن يكرم بأن يحيوه. وقد تقصينا هذا الباب في كتاب (الفصل) غاية التقصى والحمد الله رب العالمين. وقال تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش). 27 - مسألة - وأن الجن حق وهم خلق من خلق الله عزوجل فيهم الكافر والمؤمن يروننا ولا نراهم يأكلون وينسلون ويموتون. قال الله تعالى: (يا معشر الجن والانس). وقال تعالى: (والجان خلقناه من قبل من نار السموم). وقال تعالى حاكيا عنهم أنهما قالوا: (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا). وقال تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم). وقال تعالى: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) وقال تعالى: (كل من عليها فان). وقال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت). حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور و عبد الله بن ربيع قال أحمد أخبرنا وهب بن مسرة نا محمد بن وضاح نا أبو بكر بن أبى شيبة، وقال عبد الله: نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا هناد بن السرى، ثم اتفق ابن أبى شيبة وهناد قالا: نا حفص بن غياث عن داود الطائى عن الشعبى عن علقمة عن عبد الله بن سمعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستنجوا بالعظام ولا بالروث فانهما زاد اخوانكم من الجن). 28 - مسألة - وأن البعث حق وهو وقت ينقضى فيه بقاء الخلق في الدنيا فيموت كل من فيها ثم يجيى الموتى يجيى عظامهم التى في القبور وهى رميم ويعيد الاجسام كما كانت ويرد إليها الارواح كما كانت ويجمع الاولين والآخرين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة يحاسب فيه الجن والانس فيوفى كل أحد قدر عمله. قال

[ 15 ]

الله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شئ قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور). وقال تعالى: (قال من يحيي العظام وهى رميم قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم). وقال تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). وقال تعالى: (قل إن الاولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم). وقال تعالى: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة). وقال تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب). 29 - مسألة - وأن الوحوش تحشر. قال الله تعالى: (وإذا الوحوش حشرت). وقال تعالى: (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون). حدثنا عبد الله بن يوسف. نا أحمد ابن فتح. نا عبد الوهاب بن عيسى. نا أحمد بن محمد. نا أحمد بن على. نا مسلم ابن الحجاج. نا قتيبة بن سعيد. نا اسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء). 30 - مسألة - وأن الصراط حق وهو طريق يوضع بين ظهرانى جهنم فينجو من شاء الله تعالى ويهلك من شاء. حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا يعقوب بن ابرهيم بن سعد ثنا أبي عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث: (ويضرب الصراط بنى ظهرى جهنم) وقال عليه السلام في هذا الحديث أيضا: (وفى جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ فانها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر (1) عظمها الا الله عزوجل تخطف الناس بأعمالهم فمنهم يعنى الموبق


(1) في صحيح مسلم طبع بولاق ج 1: ص 65 (لا يعلم ما قدر) وما هنا نسخة بهامش طبعة الاستانة ج 1: ص 113

[ 16 ]

بعمله (1) ومنهما المخردل (2) حتى ينجى). وذكر باقي الخبر * 31 - مسألة - وأن الموازين حق توزن فيها أعمال العباد نؤمن بها ولا ندرى كيف هي. قال الله عزوجل: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين). وقال تعالى: (والوزن يومئذ الحق). وقال تعالى: (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ماهيه نار حامية) * 32 - مسألة - وأن الحوض حق من شرب منه لم يظمأ أبدا. ثنا عبد الله ابن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد ابن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمى عن أبي عمران الجونى عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: (قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذى نفسي بيده (3) لآنيته أكثر من عدد نجوم المساء وكواكبها (ألا) (4) في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل) * 33 - مسألة - وان شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته حق فيخرجون من النار ويدخلون الجنة. قال الله عزوجل: (ومن ذا الذى يشفع عنده إلا باذنه)


(1) في مسلم طبع بولاق (فمنهم المؤمن يقى بعمله) وفي طبعة الاستانة نسخ مختلفة منها ما ذكره المؤلف هنا وقد انتقده العلامة الامير الصنعانى وذكر في هامش النسخة اليمنية لفظ مسلم كما في طبعة بولاق، وقد ظهر لك أن النسخ مختلفة وسيأتي بهذا اللفظ في المسألة 83 (2) المحردل المصروع المرمي وقيل المقطع تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار قاله في اللسان. والذي في مسلم في الطبعتين بدل ذلك (المجازى) وهو واضح (3) في صحيح مسلم ج 2: ص 209 بولاق (والذي نفس محمد بيده) (4) زيادة من صحيح مسلم

[ 17 ]

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو غسان المسمعى ثنا معاذ - يعني ابن هشام الدستوائى - ثنا أبى عن قتادة ثنا أنس بن مالك أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبى دعوة دعاها لامته واني اختبات دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة) * وبه إلى مسلم: ثنا نصر بن على ثنا بشر - يعنى ابن المفضل - عن أبي مسلمة - هو سعيد بن يزيد - عن أبى نضرة عن أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما (1) أهل النار الذين هم أهلها فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله اماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجئ (2) بهم ضبائر ضبائر (3) فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) * 34 - مسألة - وان الصحف التي تكتب فيها أعمال العباد الملائكة حق نؤمن بها ولا ندرى كيف هي. قال الله عزوجل (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) وقال عزوجل (انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) وقال تعالى (وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك) * 35 - مسألة - وان الناس يعطون كتبهم يوم القيامة، فالمؤمنون الفائزون الذين لا يعذبون يعطونها. بأيمانهم والكفار بأشملهم (4) والمؤمنون أهل الكبائر وراء ظهورهم قال الله عزوجل: (فاما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا


(1) زيادة عن صحيح مسلم ج 1: ص 68 بولاق (2) في الاصل (فيجئ) وهو خطأ (3) يعنى جماعات (4) جمع شمال كشمائل وشمل قال أبو النجم: يأتي لها من أيمن وأشمل

[ 18 ]

ويصلى سعيرا انه كان في أهله مسرورا انه ظن أن لن يحور). وقال تعالى: (وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول يا ليتنى لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغني عني ماليه، هلك عنى سلطانيه، خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، انه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين) * 36 - مسألة - وان على كل انسان حافظين من الملائكة يحصيان أقواله وأعماله قال عزوجل: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) * 37 - مسألة - ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشرا. ومن هم بسيئة فان تركها لله تعالى كتبت له حسنة، فان تركها بغلبة أو نحو ذلك لم تكتب عليه. فان عملها كتبت له سيئة واحدة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد ابن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق اخبرنا معمر عن همام بن منبه هذا ما حدثنا ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فذكر أحاديث منها (1)) قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)) (قال الله عزوجل إذا تحدث عبدى بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل فإذا عملها فانا أكتبها بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فانا أكتبها له بمثلها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال ارقبوه فان عملها فاكتبوها له بمثلها وان تكرها فاكتبوها له حسنة انما تركها من جراى (3)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أحسن أحدكم اسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة تكتب (له) (4) بمثلها حتى يلقى الله عزوجل) *


(1) و (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1: ص 47 - 48 بولاق (3) أي من أجلى (4) الزيادة من صحيح مسلم

[ 19 ]

38 - مسألة - ومن عمل في كفره عملا سيئا ثم أسلم، فان تمادى على تلك الاساءة حوسب وجوزي في الآخرة بما عمل من ذلك في شركه واسلامه، وان تاب عن ذلك سقط عنه ما عمل في شركه. ومن عمل في كفره أعمالا صالحة ثم أسلم جوزي في الجنة بما عمل من ذلك في شركه واسلامه، فان لم يسلم جوزي بذلك في الدنيا ولم ينتفع بذلك في الآخرة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن حاتم بن ميمون وابراهيم ابن دينار واللفظ له قالا ثنا حجاج - هو ابن محمد - عن ابن جريج قال اخبرني يعلى بن مسلم أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس ((ان ناسا من أهل الشرك قتلوافأ كثروا وزنوافأ كثروا، ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم (1) فقالوا ان الذى تقول وتدعو (إليه) (2) لحسن (3) ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت: (والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (4) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا). فلم يسقط الله عزوجل تلك الاعمال السيئة الا بالايمان مع التوبة مع العمل الصالح * وبه إلى مسلم حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن منصور عن أبى وائل عن ابن مسعود قال (قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال: أما من أحسن منكم في الاسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والاسلام) * وبه إلى مسلم حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا وكيع عن الاعمش عن أبى وائل عن ابن مسعود (قال قلنا يا رسول الله) أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟


(1) هذا لفظ مسلم وفي الاصل (وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم) (2) زيادة من صحيح مسلم (3) في الاصل (لو) بحذف الواو (4) في مسلم إلى هنا ولم يذكر باقي الآيات (5) الزيادة من صحيح مسلم

[ 20 ]

فقال (من أحسن في الاسلام لم يؤاخذ (1) بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الاسلام أخذ بالاول والآخر) * وبه إلى مسلم حدثنا حسن الحلواني ثنا يعقوب - هو ابن ابراهيم بن سعد - ثنا أبى عن صالح - هو ابن كيسان - عن ابن شهاب أخبرنا عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره (2) أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير) فان ذكروا قول الله عزوجل (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وقوله عليه السلام لعمر وبن العاص (ان الاسلام يهدم ما كان قبله، وان الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله) قلنا: ان كلامه عليه السلام لا يعارض كلامه ولا كلام ربه. ولو كان ذلك - وقد أعاذ الله من هذا - لما كان بعضه أولى من بعض ولبطلت حجة كل أحد بما يتعلق به منه، وكذلك القرآن لا يعارض القرآن ولا السنة قال عزوجل (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) فاما قوله تعالى (ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) فنعم هذا هو نفس قولنا: ان من انتهى غفر له، وأما من لم ينته عنه فلم يقل الله تعالى انه يغفره له فبطل تعلقهم بالآية. وأما قوله عليه السلام (ان الاسلام يهدم ما كان قبله) فحق وهو قولنا لان الاسلام اسم واقع على جميع الطاعات، والتوبة من عمل السوء من الطاعات، وكذلك قوله عليه السلام في الهجرة انما هي التوبة من كل ذنب، كما صح عنه عليه السلام: (المهاجر من هجر ما نهى عنه) حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد بنا محمد بن يوسف الفربرى ثنا البخاري ثنا آدم (بن أبي اياس) (3) ثنا شعبة عن عبد الله بن أبى السفر واسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن عبد لله بن عمرو بن العاصى عن النبي


(1) في الاصل (من أحسن منكم في الاسلام ولم يؤاخذ) وهو خطأ صححناه عن مسلم (2) في الاصل (أخبر) (3) زيادة من البخاري

[ 21 ]

صلى الله عليه وسلم قال (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن ممد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن داود (1) عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أم المؤمنين قالت (قلت يا رسول الله ان (2) ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك (3) نافعه؟ قال: لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين) * حدثنا عبد الله يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا محمد بن عيسى ثنا ابراهيم بن محمد ثنا مسلم ثنا زهير بن حرب ثنا يزيد بن هرون ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله لا يظلم مؤما حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيعطى (4) بحساب ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) * 39 - مسألة - وان عذاب القبر حق ومسألة الارواح بعد الموت حق ولا يحيا أحد بعد موته إلى يوم القيامة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا محمد بن عيسى ثنا ابراهيم بن محمد ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن بشار بن عثمان العبدى ثنا محمد بن جعفر - هو غندر - ثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) قال نزلت في عذاب القبر يقال (5) من ربك فيقول ربي الله ونبي محمد) * وبه إلى مسلم ثنا عبيد الله بن عمر القواريرى ثنا حماد بن زيد ثنا بديل عن عبد الله بن شقيق عن أبى هريرة قال: (إذا خرجت روح المؤمن


(1) هو ابن أبى هند. من هامش الاصل (2) في مسلم بحذف (ان) (3)؟؟؟ مسلم (ذاك) (4) في مسلم ج 2: ص 345 (فيطعم) (5) في مسلم ج 2: ص 358 (فيقال)

[ 22 ]

تلقاها (1) ملكان يصعدانها ويقول أهل السماء روح طيبة جاءت من قبل الارض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلقوا به إلى ربه ثم يقول انطلقوا به إلى آخر الاجل. قال وان الكافر إذا خرجت روحه يقول أهل السماء روح خبيثة جاءت من قبل الارض فيقال انطلقوا به الي آخر الاجل. قال أبو هريرة: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة (2) كانت عليه على أنفه) وقال الله تعالى (كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) فصح أنهما حياتان وموتان فقط، ولا ترد الروح الا لمن كان ذلك آية، كمن أحياه عيسى عليه السلام وكل من جاء فيه بذلك نص وهو قول من روى عنه في ذلك قول من الصحابة رضي الله عنهم * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا اسماعيل ابن اسحاق ثنا عيسى بن حبيب ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن يزيد المقرئ ثنا جدي محمد بن عبد الله ثنا سفيان بن عيينة عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة قالت (دخل ابن عمر المسجد فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يصلب، فقيل له هذه أسماء فمال إليها وعزاها، وقال ان هذه الجثث ليست بشئ وان الارواح عند الله عزوجل، فقالت له أسماء وما يمنعنى وقد أهدى رأس زكريا (3) الي بغى من بقايا بني اسرائيل) ولم يرو أحد أن في عذاب القبر رد الروح إلى الجسد الا المنهال بن عمرو وليس بالقوى * 40 - مسألة - والحسنات تذهب السيئات بالموازنة، والتوبة تسقط السيئات والقصاص من الحسنات. قال الله عزوجل (وانى لغفار لمن تاب) وقال تعالى (ان الحسنات يذهبن السيئات) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة بن سعيد


(1) في الاصل (إذا أخرجت روح المؤمن تلقاه) وصححناه من مسلم ج 2 ص 358 (2) الريطة - بالياء المثناة التحتية - الملاءة أو الثوب الرقيق. قال الازهري: لا تكون الريطة الا بيضاء (3) هنا بهامش الاصل ما نصه (المعروف في كتب التفسير والآثار أن يحيى هو الذي أهدى رأسه إلى البغي وأما زكريا فانه نشر بالمنشار في باطن الشجرة فكأنه سقط لفظ (يحيى) وان الاصل يحيى بن زكريا)

[ 23 ]

ثنا اسماعيل عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أتدرون ما المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال ان المفلس من أمتى من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا (وضرب هذا) (1) فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) وقال عزوجل (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) * 41 - مسألة - وأن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ولكن توفاه الله عزوجل ثم رفعه إليه. وقال عزوجل (وما قتلوه وما صلبوه) وقال تعالى (انى متوفيك ورافعك إلى) وقال تعالى عنه أنه قال (وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد) وقال تعالى (الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت في منامها) فالوفاة قسمان: نوم وموت فقط، ولم يرد عيسي عليه السلام بقوله (فلما توفيتنى) وفاة النوم فصح أنه انما عنى وفاة الموت، ومن قال انه عليه السلام قتل أو صلب فهو كافر مرتد حلال دمه وماله لتكذيبه القرآن وخلافه الاجماع. 42 - مسألة - وأنه لا يرجع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من من أصحابه رضي الله عنهم الا يوم القيامة إذا رجع (الله) المؤمنين والكافرين للحساب والجزاء. وهذا اجماع جميع أهل الاسلام المتيقن قبل حدوث الروافض المخالفين لاجماع أهل الاسلام المبدلين للقرآن المكذبين بصحيح سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم المجاهرين بتوليد الكذب المتناقضين في كذبهم أيضا، وقال عزوجل. (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) وقال تعالى (ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) فادعوا من رجوع على رضى الله عنه مالا يعجز أحد عن أن يدعى مثله لعمر أو لعثمان أو لمعاوية رضى الله عنهما أو لغير هؤلاء: إذا لم يبال بالكذب


(1) الزيادة من مسلم ج 2: ص 283

[ 24 ]

والدعوى بلا برهان لا من قرآن ولا من سنة ولا من اجماع ولا من معقول وبالله تعالى التوفيق * 43 - مسألة - وان الانفس حيث رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به أرواح أهل السعادة عن يمين آدم عليه السلام وأرواح أهل الشقاء عن شماله عند سماء أهل الدنيا (1) لا تفنى ولا تنتقل إلى أجسام أخر لكنها باقية حية حساسة عاقلة في نعيم أو نكد إلى يوم القيامة فترد إلى أجسادها للحسنات وللجزاء بالجنة أو النار حاشى أرواح الانبياء عليهم السلام وأراح الشهداء فانها الآن ترزق وتنعم. ومن قال بانتقال الانفس إلى أجسام أخر بعد مفارقتها هذه الاجساد فقد كفر. برهان هذا * ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ابن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا حرملة بن يحيى ثنا ابن وهب انا يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (فرج سقف بيتى وأنا بمكة فنزل جبريل (عليه السلام) (2) ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست (3) من ذهب ممتلئ حكمة وايمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء الدنيا فلما جئنا السماء الدنيا (4) قال جبريل (صلى الله عليه وسلم) (5) لخازن السماء الدنيا افتح قال من هذا قال جبريل قال هل معك أحد قال نعم معي محمد (صلى الله عليه وسلم) (6) قال فأرسل إليه قال نعم ففتح (7) فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن


(1) كذا بالاصل بزيادة لفظ (أهل) (2) زيادة من مسلم ج 1: ص 59 (3) بالسين المهملة وفي الاصل بالمعجمة وهو تصحيف (4) هذا لفظ صحيح مسلم وفي الاصل (فعرج بنا إلى السماء فلما جئنا إلى السماء الدنيا) (5 و 6) الصلاة في الموضعين ليست مذكورة في صحيح مسلم ولكنها في الاصل (7) في الاصل (فافتح) وهو خطأ

[ 25 ]

يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى قال فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح فقلت (1) يا جبريل من هذا قال هذا آدم (صلى الله عليه وسلم) (2) وهذه الاسودة (التى) (3) عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل (4) اليمين أهل الجنة والاسودة التى عن شماله أهل النار فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى (قال) (5) ثم عرج (6) بى جبريل (صلى الله عليه وسلم) حتى أتى السماء الثانية) قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وادريس وعيسى وموسى وابراهيم (صلوات الله عليهم) ولم يثبت كيف منازلهم (7) غير أنه (ذكر أنه) (8) قد وجد آدم في السماء الدنيا وابراهيم في السماء السادسة. وذكر الحديث ففى هذا الخبر مكان الارواح وأن أرواح الانبياء في الجنة * وأما الشهداء فان الله عزوجل يقول (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) وقال تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) ولا خلاف بين مسلمين (9) في أن الانبياء عليهم السلام أرفع قدرا ودرجة وأتم فضيلة عند الله عزوجل وأعلى كرامة من كل من دونهم، ومن خالف في هذا فليس مسلما * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا محمد بن عيسى ثنا ابراهيم بن محمد ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبد بن حميد اخبرنا عبد الرزاق


(1) في مسلم (قال قلت) (2) الصلاة في المواضع الثلاثة ليست في صحيح مسلم ولكنها في الاصل (3) زيادة من مسلم (4) في الاصل (وأهل) (5) زيادة من مسلم (6) في الاصل (خرج) وهو خطأ (7) في الاصل (فلم يثبت منازلهم) (8) زيادة من مسلم (9) كذا في الاصل

[ 26 ]

ثنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الرجل عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ان كان من أهل الجنة فالجنة (1) وان كان من أهل النار فالنار ثم يقال له هذا مقعدك الذى تبعث إليه يوم القيامة) ففى هذا الحديث ان الارواح حساسة عالمة مميزة بعد فراقها الاجساد. وأما من زعم أن الارواح تنقل إلى أجساد أخر فهو قول أصحاب التناسخ، وهو كفر عند جميع أهل الاسلام. وبالله تعالي التوفيق * 44 - مسألة - وان الوحي قد انقطع مذ مات النبي صلى الله عليه وسلم. برهان ذلك أن الوحي لا يكون الا إلى نبى وقد قال عزوجل: (وما كان محمد أبا أحد من رجالكم لكن رسول الله وخاتم النبيين) * 45 - مسألة - والدين قد تم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل. قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) وقال تعالى: (لا تبديل لكلمات الله) والنقص والزيادة تبديل * 46 - مسألة - قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين كله وبين جميعه كما أمره الله تعالى: قال تعالى: (وانك لتهدى الي صراط مستقيم صراط الله) وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) * 47 - مسألة - وحجة الله تعالى قد قامت واستبانت لكل من بلغته النذارة من مؤمن وكافر وبر وفاجر. قال الله عزوجل: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وقال تعالى: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) * 48 - مسألة - والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان على كل أحد - على قدر طاقته - باليد فمن لم يقدر فبلسانه فمن لم يقدر فبقلبه وذلك أضعف الايمان ليس وراء ذلك من الايمان شئ. قال عزوجل: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف


(1) في الاصل (فمن أهل الجنة) وهو خطأ صححناه من صحيح مسلم ج 2: ص 357

[ 27 ]

وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) وقال تعالى: (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد ابن المثنى قال ابن أبى شيبة ثنا وكيع عن سفيان الثوري وقال ابن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة ثم اتفق سفيان وشعبة كلاهما عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال قال أبو سعيد الخدرى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان) * وبه إلى مسلم حدثنا عبد بن حميد ثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد ثنا أبى عن صالح ابن كيسان عن الحارث - هو ابن الفضيل الخطمى - عن جعفر بن عبد الله بن عبد الحكم عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبى رافع هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبى بعثه الله في أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم انها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه (فهو مؤمن) (1) ومن جاهد هم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل). قال على: لم يختلف أحد من المسلمين في أن الآيتين المذكورتين محكمتان غير منسوختين، فصح أن ما عارضهما أو عارض الاحاديث التى في معناهما هو المنسوخ بلا شك * 49 - مسألة - فمن عجز لجهله أو عتمته (2) عن معرفة كل هذا فلا بد له أن يعتقد بقلبه ويقول بلسانه - حسب طاقته بعد أن يفسر له -: لا اله الا الله محمد رسول الله


(1) سقط من الاصل واكملناه من صحيح مسلم ج 1: ص 29 (2) كذا في النسخة اليمنية وفي المصرية (وعميته) وكلاهما لا معنى له والصواب فيما يبدو لى (أو عجمته) كما هو ظاهر من سياق الكلام

[ 28 ]

كل ما جاء به حق وكل دين سواه باطل * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع ثنا روح عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهما على الله). وقال عزوجل (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * 50 - مسألة - وبعد هذا فان أفضل الانس والجن الرسل ثم الانبياء على جميعهم من الله تعالى ثم منا أفضل الصلاة والسلام ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصالحون. قال تعالى (جاعل الملائكة رسلا). وقال تعالى: (الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس) وهذا لا خلاف فيه من أحد، وقال عزوجل (لا يستوى من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا مسدد ثنا أبو معاوية - هو محمد بن خازم (1) الضرير - ثنا الاعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي فو الذى نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود السجستاني ثنا عمر وبن عون ومسدد قالا ثنا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن الحصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير أمتى القرن الذين (2) بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يظهر قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ويحربون ولا يؤتمنون ويفشو فيهم السمن). هكذا


(1) بالخاء والزاى المعجمتين (2) في أبي داود المطبوع في الهند مع شرحه عون المعبود ج 4 ص 346 (الذى)

[ 29 ]

حدثنا عبد الله بن ربيع (يحربون) بحاء غير منقوطة وراء مرفوعة وباء منقوطة واحدة من أسفل (1) ورويناه من طرق كثيرة (يخونون) بالخاء المنقوطة من فوق وواو بعدها نون، ومن حان فقد حرب (2) * 51 - مسألة - وان الله تعالى خالق كل شئ سواه لا خالق سواه. قال الله عز وجل: (خالق كل شئ) وقال تعالى: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) وقال تعالى: (خلق السماوات والارض وما بينهما) * 52 - مسألة - ولا يشبهه عزوجل شئ من خلقه في شئ من الاشياء قال عزوجل: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) وقال تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) * 53 - مسألة - وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان بل هو تعالى خالق الازمنة والامكنة. قال تعالى (خلق كل شئ فقدره تقديرا) وقال تعالى: (خلق السماوات والارض وما بينهما) والزمان والمكان فهما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان انما هو للاجسام، والزمان انما هو مدة كل ساكن أو متحرك أو محمول في ساكن أو متحرك، وكل هذا مبعد عن الله عزوجل * 54 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يسمى الله عزوجل بغير ما سمى به نفسه ولا أن يصفه بغير ما أخبر به تعالى عن نفسه. قال عزوجل: (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) فمنع تعالى أن يسمى الا بأسمائه الحسني وأخبر أن من سماه بغيرها فقد ألحد، والاسماء الحسنى بالالف واللام لا تكون الا معهودة ولا معروف في ذلك الا ما نص الله تعالى عليه، ومن ادعى زيادة على ذلك كلف البرهان على ما ادعى ولا سبيل له إليه، ومن لا برهان له فهو كاذب في قوله ودعواه.


(1) هكذا في النسخة المصرية وهو ظاهر وفى اليمنية (وراء غير مرفوعة وباء غير منقوطة واحدة من أسفل) بزيادة (غير) مرتين وهو خطأ و (يحربون) من حربه يحربه حربا كطلبه يطلبه طلبا إذا سلب ماله (2) رواية أبي داود في النسخ التي بأيدينا (يخونون) بالخاء والنون

[ 30 ]

قال عزوجل: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) * 55 - مسألة - وان له عزوجل تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد، وهى اسماؤه الحسنى، من زاد شيئا من عند نفسه فقد ألحد في اسمائه، وهى الاسماء المذكورة في القرآن والسنة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب وهمام بن منبه قال أيوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة وقال همام عن أبى هريرة - ثم اتفقا - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ان لله تسعة وتسعين اسما مائة الا واحدا من أحصاها دخل الجنة) زاد همام في حديثه ((انه وتريحب الوتر). وقد صح انها تسعة وتسعون اسما فقط ولا يحل لاحد أن يجيز أن يكون له اسم زائد لانه عليه السلام قال (مائة غير واحد) فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله عليه السلام (مائة غير واحد) كذبا ومن أجاز هذا فهو كافر. وقال تعالى (هو الله الذى لا إله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصو ر له الاسماء الحسنى) وقد تقصينا كثيرا منها بالاسانيد الصحاح في كتاب (الايصال) والحمد لله رب العالمين * 56 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يشتق لله تعالى اسما لم يسم به نفسه. برهان ذلك أنه تعالى قال (والسماء وآما بناها) وقال (وأكيد كيدا) وقال تعالى: (خير الما كرين) (ومكروا ومكر الله). ولا يحل لاحد أن يسميه البناء ولا الكياد ولا الماكر ولا المتجبر ولا المستكبر، لا على أنه المجازى بذلك ولا على وجه أصلا، ومن ادعي غير هذا فقد ألحد في أسمائه تعالى وتناقض وقال على الله تعالى الكذب وما لا برهان له به. وبالله تعالي التوفيق * 57 - مسألة - وان الله تعالى يتنزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وهو فعل يفعله عز وجل ليس حركة ولا نقله. برهان ذلك * ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج

[ 31 ]

ثنا يحيى بن يحيى قرأت على مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أبى عبد الله (1) الاغر و (عن) (2) أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يتنزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا (3) حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني (4) فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له " قال مسلم وحدثناه قتيبة بن سعيد ثنا يعقوب هو ابن عبد الرحمن القارى عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ينزل الله إلى سماء (5) الدنيا كل ليلة حين (6) يمضي ثلث الليل (الاول) (7) فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذى يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألنى فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يضئ الفجر " قال مسلم وحدثناه اسحاق بن منصور ثنا أبو المغيرة ثنا الاوزاعي ثنا يحيى - هو ابن ابى كثير - ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن ثنا أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله (تبارك وتعالى) (8) إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل يعطى هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له حتى ينفجر الصبح). قال على: فالرواية عن أبى سلمة عن أبى هريرة من طريق الزهري " إذا بقى ثلث الليل الآخر " ومن طريق يحيى بن أبى كثير " إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه " ومن طريق أبى صالح عن أبى هريرة " إذا مضى ثلث الليل الاول إلى أن يضئ الفجر " وهكذا رواه ابنا أبى شيبة وابن راهويه عن جرير عن منصور عن ابى اسحاق السبيعي عن الاغر عن أبى


(1) في الاصل (عبيد الله) وهو خطأ صححناه من صحيح مسلم 1: 210 (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) في مسلم " يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا " (4) في الاصل " يدعيني " وهو خطأ (5) في مسلم " السماء " (6) في الاصل " حتى " وهو خطأ (7 و 8) الزيادة من مسلم

[ 32 ]

هريرة وأبى سعيد الخدري، واوقات الليل مختلفة باختلاف تقدم غروب الشمس عن أهل المشرق وأهل المغرب، فصح أنه فعل يفعله الباري عزوجل من قبول الدعاء في هذه الاوقات، لا حركة، والحركة والنقلة من صفات المخلوقين حاشى لله تعالى منها * 58 - مسألة - والقرآن كلام الله وعلمه غير مخلوق. قال عزوجل (ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم) فأخبر عزوجل أن كلامه هو علمه وعلمه تعالى لم يزل غير مخلوق. 59 - مسألة - وهو المكتوب في المصاحف والمسموع من القارئ والمحفوظ في الصدور والذى نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم -: كل ذلك كتاب الله تعالى وكلامه القرآن حقيقة لا مجازا، من قال في شئ من هذا انه ليس هو القرآن ولا هو كلام الله تعالى فقد كفر، لخلافه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واجماع أهل الاسلام. قال عزوجل (فأجره حتى يسمع كلام الله) وقال تعالى (وقد كان فريق منهما يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون) وقال تعالى (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) وقال تعالى (في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون تنزيل من رب العالمين) وقال تعالى (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) وقال تعالى (نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى ارض العدو) ولا يحل لا حد أن يصرف كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المجاز عن الحقيقة بدعواه الكاذبة. وبالله تعالي التوفيق. 60 - مسألة - وعلم الله تعالى حق لم يزل عزوجل عليما بكل ما كان أو يكون مما دق أو جل لا يخفى عليه شئ. قال عزوجل (وهو بكل شئ عليم) وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه شئ، وقال تعالى (يعلم السر وأخفى) والاخفى من السر هو مما لم يكن بعده (1)


(1) كذا بالاصل

[ 33 ]

61 - مسألة - وقدرته عزوجل وقوته حق لا يعجز عن شئ، ولا عن كل ما يسأل عنه السائل من محال أو غيره مما لا يكون أبدا. عزوجل (أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد البلخى ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا ابراهيم بن المنذر الحزامى ثنا معن بن عيسى ثنا عبد الرحمن بن أبى الموال سمعت محمد بن المنكدر يحدث عبد الله بن الحسن قال حدثني جابر بن عبد الله قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة - فذكر الحديث وفيه - اللهم انى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك. وقال عزوجل (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين) وقال تعالى (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء) وقد أخبر عزوجل أنه قادر على مالا يكون أبدا. قال عزوجل (عسى ربه ان طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) وقال تعالى (والله على كل شئ قدير) وقال تعالى (انما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ولو لم يكن تعالى كذلك لكان متناهى القدرة، ولو كان متناهى القدرة لكان محدثنا، تعالى الله عن ذلك، وهو تعالى مرتب كل ما خلق، وهو الذي أوجب الواجب وأمكن الممكن وأحل المحال، ولو شاء أن يفعل كل ذلك على خلاف ما فعله، لما أعجزه ذلك، ولكان قادرا عليه، ولو لم يكن كذلك لكان مضطرا لا مختارا. وهذا كفر ممن قاله (1). قال عزوجل (وربك يخلق ما يشاء ويختار) 62 - مسألة - وان لله عزوجل عزا وعزة وجلالا واكراما ويدا ويدين وأيديا ووجها وعينا وأعينا وكبرياء، وكل ذلك حق لا يرجع منه ولا من علمه تعالى وقدره وقوته الا إلى الله تعالى، لا إلى شئ غير الله عزوجل أصلا، مقر من ذلك مما في القرآن وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يحل أن يزاد في ذلك ما لم يأت به نص من قرآن أو سنة صحيحة. قال عزوجل (ذو الجلال والاكرام) وقال تعالى (يد الله فوق أيديهم)


(1) هذه المسألة كلها مغالطات من المؤلف، ظاهر ذلك بأدنى نظر (م ه ج 1 المحلى)

[ 34 ]

و (لما خلقت بيدى) و (مما عملت أيدينا أنعاما) (انما نطعمكم لوجه الله) (ولتصنع على عيني) (إنك بأعيننا). ولا يحل أن يقال (عينين) لانه لم يأت بذلك نص ولا أن يقال " سمع وبصر ولا حياة " لانه لم يأت بذلك نص، لكنه تعالى سميع بصير حي قيوم * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى احمد بن يوسف الازدي ثنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبى ثنا الاعمش ثنا أبو إسحاق - هو السبيعي - عن أبى مسلم الاغر أنه حدثه عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة قالا (جميعا) (1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العزازاره والكبرياء رداؤه " يعنى الله تعالى - * حدثنا عبد الله بن زبيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب أنا اسحق بن ابراهيم أنا الفضل بن موسى ثنا محمد بن عمرو ثنا أبو سلمة - هو ابن عبد الرحمن ابن عوف - عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث خلق الله تعالى الجنة والنار - " أن جبريل قال لله تعالى: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد " ولو كان شئ من ذلك غير الله تعالى لكان إما لم يزل واما محدثنا، فلو كان لم يزل لكان مع الله تعالى أشياء غيره لم تزل، وهذا شرك مجرد، ولو كان محدثا لكان تعالى بلا علم ولا قوة ولا قدرة ولا عز ولا كبرياء قبل أن يخلق كل ذلك، وهذا كفر وقال تعالى (انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) وقال تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) وقال تعالى (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) وقال تعالى (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) فصح أنه لا يحل أن يضاف إليه تعالى شئ، ولا أن يخبر عنه بشئ، ولا أن يسمى بشئ الا ما جاء به النص. ونقول: إن لله تعالى مكرا وكيدا. قال تعالي (أفأمنوا مكر الله) وقال تعالى (وأكيد كيدا) وكل ذلك خلق له تعالى. وبالله تعالى التوفيق * 63 - مسألة - وأن الله تعالى يراه المسلمون يوم القيامة بقوة غير هذه القوة. قال


(1) لفظ (جميعا) ليس في صحيح مسلم 2: 292

[ 35 ]

عزوجل (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا ابن أبى شيبة هو أبو بكر ثنا جرير ووكيع وأبو أسامة كلهم عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ونظر إلى القمر " انكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته " ولو كانت هذه القوة لكانت لا تقع الا على الالوان، تعالى الله عن ذلك وأما الكفار فان الله عزوجل قال (انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) 64 مسألة وان الله تعالى كلم موسى عليه السلام ومن شاء من رسله. قال تعالى (وكلم الله موسى تكليما) (انى اصطفيتك على الناس برسالتى (1) وبكلامي) (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله) 65 مسألة وان الله تعالى اتخذ ابراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم خليلين. قال عزوجل (واتخذ الله ابراهيم خليلا) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج (حدثنا محمد بن بشار العبدى) (2) ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن اسماعيل بن رجاء (3) قال: سمعت عبد الله بن أبى الهذيل يحدث عن أبى الاحوص قال (4) سمعت عبد الله بن مسعود (يحدث) (5) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخى وصاحبى، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " *


(1) بالافراد والمراد به المصدر أي بارسالى إياك وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي جعفر وابن محيصن وقرأ باقى الاربعة عشر " برسالاتي " بالجمع (2) هذا نقلناه من مسلم 2: 230 وفى الاصل بدله " ثنا محمد بن المثنى " وهو خطأ، فان ابن المثنى روى هذا الحديث عن محمد بن جعفر عن شعبة باسناد آخر ولفظ آخر، وأما هذا الاسناد وهذا اللفظ اللذان هنا فهما رواية محمد بن بشار وحده، وانظر الاسانيد في صحيح مسلم (3) في الاصل " اسماعيل بن أبى رجاء " وهو خطأ (4) ليست في صحيح مسلم (5) في الاصل " يقول " وصححناه من مسلم

[ 36 ]

66 مسألة وان محمدا صلى الله عليه وسلم أسرى به ربه بجسده وروحه، وطاف في السماوات سماء سماء، ورأى أرواح الانبياء عليهم السلام هنالك. قال عزوجل (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى) ولو كان ذلك رؤيا منام ما كذبه في ذلك أحد كما لا نكذب نحن كافرا في رؤيا يذكرها. وقد ذكرنا رؤيته عليه السلام للانبياء عليهم السلام قبل فأغنى عن اعادته 67 مسألة وان المعجزات لا يأتي بها أحد إلا الانبياء عليهم السلام. قال عزوجل (ما كان لرسول أن يأتي باية الا باذن الله) وقال تعالى (وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) وقال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام انه قال (أولو جئتك بشئ مبين قال فأت به ان كنت من الصادقين فألقى عصاه) وقال تعالى (فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه) فصح أنه لو أمكن أن يأتي أحد ساحر أو غيره بما يحيل طبيعة أو يقلب نوعا، لما سمى الله تعالى ما يأتي به الانبياء عليهم السلام برهانا لهم ولا آية لهم، ولا أنكر على من سمى ذلك سحرا، ولا يكون ذلك آية لهم عليهم السلام. ومن ادعى أن احالة الطبيعة لا تكون آية الا حتى يتحدى فيها النبي صلى الله عليه وسلم الناس فقد كذب وادعى ما لا دليل عليه أصلا، لا من عقل ولا من نص قرآن ولا سنة، وما كان هكذا فهو باطل، ويجب من هذا أن حنين الجذع واطعام النفر الكثير من الطعام اليسير حتى شبعوا وهم مئون من صاع شعير ونبعان (1) الماء من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم وارواء الف وأربعمائة من قدح صغير تضيق سعته عن شبر ليس شئ من ذلك آية له عليه السلام، لانه عليه السلام لم يتحد (2) بشئ من ذلك أحدا * 68 مسألة والسحر حيل وتخييل لا يحيل طبيعة أصلا. قال عزوجل (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) فصح أنها تخييلات لا حقيقة لها، ولو أحال


(1) هذا مصدر لم يذكره الا صاحب مختار الصحاح ونقله شارح القاموس عن شيخه، واستعمله المؤلف ايضا في الاحكام في الاصول (ج 2 ص 19) (2) بالحاء والدال المهملتين من التحدي، وفى الاصل (لم يتخذ) بالمعجمتين وهو خطأ

[ 37 ]

الساحر طبيعة لكان لا فرق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ممن أجازه * 69 مسألة وأن القدر حق، ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. قال الله عزوجل (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم الا في كتاب من قبل أن نبرأها) * 70 مسألة ولا يموت أحد قبل أجله، مقتولا أو غير مقتول، قال الله عزوجل (وما كان لنفس أن تموت الا باذن الله كتابا مؤجلا) وقال تعالى (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وقال تعالى (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) 71 مسألة وحتى يستوفى رزقه ويعمل بما يسر له، السعيد من سعد في علم الله تعالى، والشقي (1) من شقى في علمه تعالى: حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على (2) ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبى وأبو معاوية ووكيع قالوا ثنا الاعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود (قال) (3) حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " ان أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون (في ذلك) (4) علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل (الله تعالى) (5) الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " 72 مسألة وجميع أعمال العباد خيرها وشرها كل ذلك مخلوق


(1) في النسخة اليمنية " والشر " وهو خطأ (2) في اليمنية " احمد بن مسلم " وهو خطأ (3 و 4 و 5) الزيادة في المواضع الثلاثة من مسلم 297 2

[ 38 ]

خلقه الله عزوجل، وهو تعالى خالق الاختيار والارادة والمعرفة في نفوس عباده. قال عزوجل (خلقكم وما تعملون) وقال تعالى (انا كل شئ خلقناه بقدر) وقال تعالى (خلق السماوات والارض وما بينهما) * 73 مسألة لا حجة على الله تعالى، ولله الحجة القائمة على كل أحد. قال تعالى (لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون) وقال تعالى (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) * 74 مسألة ولا عذر لاحد بما قدره الله عزوجل من ذلك، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكل أفعاله تعالى عدل وحكمة. ولان الله تعالى واضع كل موجود في موضعه، وهو الحاكم الذى لا حاكم عليه ولا معقب لحكه. قال تعالى (فعال لما يريد) * 75 مسألة الايمان والاسلام شئ واحد. قال عزوجل (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) وقال تعالى (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان ان كنتم صادقين) * 76 مسألة كل ذلك عقد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقال عزوجل (فاما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا) حدثنا عبد الله ابن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد ابن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ثنا أبي ثنا كهمس التميمي (1) عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال قال لى (2) عبد الله بن عمر: حدثني أبى عمر بن الخطاب قال " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا محمد اخبرني عن الاسلام


(1) في الاصلين " النميري " وهو خطأ (2) في النسخة اليمنية " عبيد الله " وهو خطأ

[ 39 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الاسلام) (1) أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا قال: صدقت فأخبرني عن الايمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صدقت وذكر باقى الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عمر أتدرى من السائل، قلت الله ورسوله أعلم قال: فانه جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم " * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو عامر العقدى ثنا سليمان بن بلال عن عبد الله ابن دينار عن أبى صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الايمان بضع وستون (2) شعبة والحياء شعبة من الايمان " * وبه إلى البخاري: ثنا قتيبة ثنا الليث عن يزيد ين أبي حبيب عن أبى الخير عن عبد الله بن عمرو " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الاسلام خير، قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رمح ثنا الليث عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء " ما رأيت من ناقصات دين وعقل (3) أغلب لذى لب منكن: قالت (امرأة) (4)


(1) زيادة من مسلم (1: 17) (2) في الاصلين " بضعة وسبعون " وهو خطأ في موضعين، لان الصحيح من روايات البخاري " بضع " بدون التاء. قال ابن حجر: ووقع في بعض الروايات بضعة بتاء التأنيث ويحتاج إلى تأويل اه‍، ثم إن رواية البخاري " وستون " لا " وسبعون " ولم تختلف الطرق عن أبى عامر العقدى في ذلك، وتابعه يحيى الحماني ورواه مسلم من طريق سهيل عن ابن دينار " بضع وستون أو بضع وسبعون " (3) كذا في الاصلين وفي صحيح مسلم (ج 1 ص 35) " عقل ودين " (4) ليست لفظة " امرأة " في صحيح مسلم وانما زادها المؤلف لانه اختصر الحديث

[ 40 ]

يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالى ما تصلى وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين. (قال على) قال الله عزوجل (ان الدين عند الله الاسلام) فصح أن الدين هو الاسلام، وقد صح أن الاسلام هو الايمان، فالدين هو الايمان، والدين ينقص بنقص الايمان ويزيد. وبالله تعالى التوفيق * 77 مسألة من اعتقد الايمان بقلبه ولم ينطق به بلسانه دون تقيه فهو كافر عند الله تعالى وعند المسلمين. ومن نطق به دون أن يعتقده بقلبه فهو كافر عند الله وعند المسلمين. قال الله تعالى عن اليهود والنصارى انهم يعلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلمون أبناءهم (1)، وقال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) وقال تعالى (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسوا الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون) * 78 مسألة ومن اعتقد الايمان بقلبه ونطق به بلسانه فقد وفق، سواء استدل أو لم يستدل، فهو مؤمن عند الله تعالى وعند المسلمين. قال الله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) ولم يشترط عزوجل في ذلك استدلالا، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ بعثه الله عزوجل إلى أن قبضه يقاتل الناس حتى يقروا بالاسلام ويلتزموه ولم يكلفهم قط استدلالا، ولا سألهم هل استدلوا أم لا، وعلى هذا جرى جميع الاسلام إلى اليوم. وبالله تعالى التوفيق * 79 مسألة ومن ضيع الاعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الايمان لا يكفر * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا يعقوب بن ابراهيم


(1) لم يرد المؤلف لفظ التلاوة بل أراد معنى الآية

[ 41 ]

ابن سعد ثنا أبى عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثى ان أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل " حتى إذا فرغ الله من قضائه (1) بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله عزوجل أن يرحمه ممن يقول لا إله الا الله " * 80 مسألة واليقين لا يتفاضل، لكن إن دخل فيه شئ من شك أو جحد بطل كله. برهان ذلك أن اليقين هو اثبات الشئ، ولا يمكن أن يكون اثبات أكثر من اثبات، فان لم يحقق الاثبات صار شكا * 81 مسألة والمعاصي كبائر فواحش (2) وسيئات صغائر ولمم، واللمم مغفور جملة، فالكبائر الفواحش هو ما توعد الله تعالى عليه بالنار في القرآن أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن اجتنبها غفرت له جميع سيئاته الصغائر. برهان ذلك قول الله عزوجل (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم ان ربك واسع المغفرة) واللمم هو الهم بالشئ وقد تقدم ذكرنا الاثر في أن من هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شئ * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله تجاوز لامتي (3) عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به " وقال الله عزوجل (ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). وبالضرورة نعرف أنه لا يكون كبيرا الا بالاضافة إلى ما هو أصغر منه، لا يمكن غير هذا أصلا، فإذا كان العقاب بالغا أشد ما يتخوف فالموجب له هو كبير بلا شك، وما لا توعد فيه بالنار فلا يلحق في العظم ما توعد فيه بالنار فهو الصغير بلا شك إذ لا سبيل إلى قسم ثالث *


(1) في مسلم " من القضاء بين العباد " (2) كذا بالنسخة المصرية وفي اليمنية (مسألة والمعاصي كبائر فواحش هي) الخ. والذى هنا أحسن (3) في صحيح مسلم 1: 47 " ما حدثت " بحذف " عن "

[ 42 ]

82 مسألة ومن لم يحتنب الكبائر حوسب على كل ما عمل، ووازن الله عزوجل بين أعماله من الحسنات وبين جميع معاصيه التى لم يتب منها ولا أقيم عليه حدها: فمن رجحت حسناته فهو في الجنة، وكذلك من ساوت حسناته سيئاته. قال الله عزوجل (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) وقال تعالى (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) ومن تساوت فهم أهل الاعراف. قال الله عزوجل (ان الحسنات يذهبن السيئات) ولا خلاف في أن التوبة تسقط الذنوب * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثنى اسماعيل بن سالم أخبرني هشيم ثنا خالد عن أبى قلابة عن أبى الاشعث الصنعانى عن عبادة بن الصامت قال " أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء: أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يعضه (1) بعضنا بعضا فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارة له (2) ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله ان شاء عذبه وان شاء غفر له " * 83 مسألة ومن رجحت سيئاته بحسناته فهم الخارجون من النار بالشفاعة على قدر أعمالهم. قال الله عزوجل (وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ماهيه نار حامية) وقال عزوجل (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال تعالى (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد ثنا أبى عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في


(1) أي لا يرميه بالعضيهة وهي البهتان والكذب. وقد عضهه يعضهه بفتح الضاء فيهما عضها باسكانها قاله ابن الاثير، فبابه اذن (منع) وفي القاموس واللسان أنه يأتي أيضا من باب (فرح). والعضه والعضيهة القالة القبيحة والنميمة (2) في مسلم 2: 39 " فهو كفارته "

[ 43 ]

حديث طويل (1) " ويضرب الصراط بين ظهرى جهنم، فأكون أنا وأمتى أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ الا الرسل، ودعوي الرسل يومئذ اللهم سلم سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها الا الله عزوجل، تخطف الناس بأعمالهم فمنهم (يعنى) الموبق بعمله ومنهم المخردل حتى ينجى (2) " وبه إلى مسلم ثنا أبو غسان المسمعى ومحمد بن المثنى قالا ثنا معاذ - وهو ابن هشام الدستوائى أخبرنا أبى عن قتادة ثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ثم يخرج من النار من قال لا إله الا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة) (قال على) وليس قول الله عزوجل (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة الذى ذكرناه آنفا " ان شاء غفر له وان شاء عذبه " بمعارض لما ذكرنا، لانه ليس في هذين النصين الا أنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، وهذا صحيح لا شك فيه كما أن قوله تعالى (ان الله يغفر الذنوب جميعا) وقوله تعالى في النصارى حاكيا عن عيسى عليه السلام انه قال (ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) ليس بمعارض لهذين النصين، وليس في شئ من هذا انه قد يغفر ولا يعذب من رجحت سيئاته على حسناته، والمبين لاحكان هؤلاء مما ذكرنا هو الحاكم على سائر النصوص المجملة، وكذلك تقضى هذه النصوص على كل نص فيه: من فعل كذا حرم الله عليه الجنة، ومن قال لا اله الا الله مخلصا حرم الله عليه النار، وعلى قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) ومعنى كل هذا أن الله يحرم الجنة عليه حتى يقتص منه، ويحرم النار عليه أن يخلد فيها أبدا، وخالدا فيها مدة حتى تخرجه الشفاعة، إذ لا بد من جمع النصوص كلها. وبالله التوفيق *


(1) مضي بعضه في المسئلتين 30 و 79 ورواه مسلم بطوله ج 1 ص 6564 طبع بولاق (2) انظر هامش المسألة 30

[ 44 ]

84 مسألة والناس في الجنة على قدر فضلهم عند الله تعالى، فافضل الناس أعلاهم في الجنة درجة. برهان ذلك قوله تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم) ولو جاز أن يكون الافضل انقص درجة لبطل الفضل ولم يكن له معنى ولا رغب فيه راغب، وليس للفضل معنى الا أمر الله تعالى بتعظيم الا رفع (1) في الدنيا وترفيع منزلة في الجنة * 85 مسألة وهم الانبياء ثم أزواجهم ثم سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميعهم في الجنة. وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم انه لو كان لاحدنا مثل أحد ذهبا فأنفقه ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقد ذكرنا أن أفضل الناس أعلاهم درجة في الجنة، ولا منزلة أعلى من درجة الانبياء عليهم السلام فمن كان معهم في درجتهم فهو أفضل ممن دونهم وليس ذلك الا لنسائهم فقط. وقال تعالى (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) وقال عزوجل (ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الاكبر) فجاء النص ان من صحب (2) النبي صلى الله عليه وسلم فقد وعده الله تعالى الحسنى. وقد نص الله تعالى (ان الله لا يخلف الميعاد) وصح بالنص كل من سبقت له من الله تعالى الحسنى فانه مبعد عن النار لا يسمع حسيسها وهو فيما اشتهي خالد لا يحزنه الفزع الاكبر. وهذا نص ما قلنا، وليس المنافقون ولا سائر الكفار: من أصحابه عليه السلام ولا من المضافين إليه عليه السلام * 86 مسألة ولا تجوز الخلافة الا في قريش، وهم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة الذين يرجعون بأنساب آبائهم إليه * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا احمد بن (عبد الله بن) (3) يونس ثنا عاصم بن محمد


(1) في اليمنية " الافضل " (2) في اليمنية " بأن كل من صحب " (3) الزيادة من صحيح مسلم 2: 79

[ 45 ]

ابن زيد (1) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يزال هذا الامر في قريش ما بقى من الناس اثنان " (قال على) هذه اللفظة لفظة الخبر، فان كان معناه الامر فحرام أن يكون الامر في غيرهم أبدا، وان كان معناه معنى الخبر كلفظه فلا شك في أن من لم يكن من قريش فلا أمر له وان ادعاه فعلى كل حال فهذا خبر يوجب منع الامر عمن سواهم * 87 مسألة ولا يجوز الامر لغير بالغ ولا مجنون ولا امرأة، ولا يجوز أن يكون في الدنيا الا امام فقط، ومن بات ليلة وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يجوز التردد بعد موت الامام في اختيار الامام اكثر من ثلاث. برهان ذلك * ما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن أبى ظبيان عن على بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يبلغ وعن المبتلى حتى يعقل " (2) (قال على) الامام انما جعل ليقيم للناس الصلاة ويأخذ صدقاتهم ويقيم حدودهم


(1) وقع في صحيح مسلم طبع بولاق بمصر " يزيد " وهو خطأ (2) هذا الحديث رواه أبو داود في باب " المجنون يسرق أو يصيب حدا " ولفظه من هذا الطريق: " عن ابي ظبيان قال اتي عمر بأمرأة قد فجرت فأمر برجمها، فمر على رضى الله عنه فاخذها فخلى سبيلها، فأخبر عمر قال ادعوا لي عليا فجاء على رضى الله عنه فقال يا أمير المؤمنين لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المعتوه حتى يبرأ. وإن هذه معتوهة بنى فلان لعل الذى أتاها أتاها وهى في بلائها. قال: فقال عمر لا أدرى. فقال على عليه السلام وأنا لا أدرى " ورواه أيضا عن ابى ظبيان عن ابن عباس بألفاظ أخر ليس فيها " وعن المبتلى حتى يعقل " كما هنا ورواه من حديث الاسود عن عائشة مختصرا ولفظه: " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر " فلعل المؤلف رواه من حفظه بالمعنى

[ 46 ]

ويمضى أحكامهم ويجاهد عدوهم، وهذه كلها عقود ولا يخاطب بها من لم يبلغ أو من لا يعقل * حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة ثنا الليث هو ابن سعد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فان أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " * وبه إلى مسلم ثنا وهب بن بقية الواسطي ثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن الجريرى عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " * وبه إلى مسلم ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري ثنا أبى ثنا عاصم هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر (عن زيد ابن محمد) (1) عن نافع عن عبد الله بن عمر قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " * حدثنا احمد بن محمد الجسورى ثنا وهب بن مسرة ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى داود الطيالسي عن عيينة (2) بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة " * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبى قلابة عن أبى أسماء الرحبى (3) عن ثوبان


(1) حذف من الاصل وزدناه من صحيح مسلم. وزيد وهذا هو أخو عاصم بن محمد الراوى عنه (2) في أحد الاصلين " عتبة " وفي الآخر " عتيبة " وكلاهما خطأ، وعيينة هذا هو ابن عبد الرحمن بن جوشن الغطفانى الجوشنى أبو مالك وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي وابن حبان. وأبوه ثقة وثقه ابن سعد وابو زرعة والعجلي وكان صهر أبى بكرة على ابنته. وهذا الحديث موجود في مسند الطيالسي بصحيفة 118 رقم 878. ورواه أيضا البخاري في الصحيح في كتاب " الفتن " عن عثمان بن الهيثم عن عوف عن الحسن عن أبى بكرة بمعناه (3) بفتح الحاء المهملة واسمه عمرو بن مرثد

[ 47 ]

ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك (1) " فصح أن أهل كل عصر لا يجوز أن يخلوا من أن يكون فيهم قائل بالحق، فإذا صح اجماعهم على شئ فهو حق مقطوع بذلك، إذا تيقن أنه لا مخالف في ذلك وقطع به، وقد صح يقينا أن جميع أهل الاسلام رضوا بقاء الستة إذ مات عمر رضى الله عن جميعهم ثلاثة أيام يرتؤون في امام، فصح هذا وبطل ما زاد عليه، إذ لم تبحه سنة ولا إجماع. وبالله تعالى التوفيق. ثم تدبرنا هذه القصة فوجدنا عمر رضى الله عنه قد ولى الامر أحد الستة المعينين أيهم اختاروا لانفسهم فصح يقينا أن عثمان كان الامام ساعة موت عمر في علم الله تعالى، باسناد عمر الامر إليه بالصفة التي ظهرت فيه من اختيارهم اياه، فارتفع الاشكال وصح أنهم لم يبقوا ساعة فكيف ليلة دون امام، بل كان لهم امام معين محدود موصوف معهود إليه بعينه وان لم تعرفه الناس بعينه مدة ثلاثة أيام (2)


(1) رواه مسلم في كتاب الامارة (2: 106105) عن سعيد بن منصور وأبى الربيع العتكى وقتيبة بهذا اللفظ وقال في آخره " وليس في حديث قتيبة: وهم كذلك " فكان اذن على ابن حزم اما أن يحذفها وقد رواه من طريق قتيبة واما أن يرويه من أحد الطريقين الآخرين (2) هذه مغالطة ظاهرة من أبى محمد فان حصر عمر استخلافه في ستة ترك لهم اختيار واحد منهم لا يكون تعيينا له مطلقا ولو وصفه بأوصاف تنطبق عليه. ثم إن الواقع أن عمر لم يصف خليفته بأوصاف ترشدهم إليه، بل جعل الشورى للستة الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم من أهل الجنة. ونصحهم وحذرهم الفتنة ثم قال " وما أظن أن يلى الا أحد رجلين على أو عثمان فان ولى عثمان فرجل فيه لين وان ولى على ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على طريق الحق " ثم وصف الباقين بما فيهم من فضل. وأجلهم ثلاثا للشورى ولم يخالفه الصحابة رضوان الله عليهم، لانه أميرهم أمر بمصلحة للمسلمين وطاعته في أعناقهم، فليس هذا اجماعا ولا تشريعا. بل هو من المصالح المرسلة التي يجوز لاولى الامر الفصل فيها وتحديدها بما يرونه خيرا للمسلمين. ولو أن عمر جعل أمد الشورى أكثر من

[ 48 ]

88 مسألة والتوبة من الكفر والزنى وفعل قوم لوط والخمر وأكل الاشياء المحرمة كالخنزير والدم والميتة وغير ذلك: تكون بالندم والاقلاع والعزيمة على أن لا عودة أبدا واستغفار الله تعالى. هذا أجماع لا خلاف فيه. والتوبة من ظلم الناس في أعراضهم وأبشارهم وأموالهم لا تكون الا برد أموالهم إليهم ورد كل ما تولد منها معها أو مثل ذلك ان فات فان جهلوا ففى المساكين ووجوه البر مع الندم والاقلاع والاستغفار وتحللهم من أعراضهم وأبشارهم، فان لم يمكن ذلك فالامر إلى الله تعالى. ولا بد للمظلوم من الانتصاف يوم القيامة يوم يقتص للشاة الجماء من القرناء. والتوبة من القتل أعظم من هذا كله، ولا تكون الا بالقصاص، فان لم يمكن فليكثر من فعل الخير ليرجح ميزان الحسنات * حدثنا عبد الله ابن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد ابن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدرامى ثنا مروان يعني ابن محمد الدمشقي ثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبى ادريس الخولانى عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تعالى أنه قال " يا عبادي انما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم اياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه " * وبه إلى مسلم ثنا قتيبة بن سعيد ثنا اسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال عليه السلام: ان المفلس من أمتى من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة


ثلاث لم اعترضه واحد منهم. ولو رأى ذلك أولو الرأى من المسلمين ما كان عليهم من بأس. وأخيرا نعجب لابن حزم كيف رضى لنفسه أن يداور ويحاول اثبات انهم كانوا في ثلاثة الايام لهم امام معين محدود موصوف بعينه وكيف يكون اماما قبل أن يختاروه وأن يكلوا إليه أمورهم، ولا بيعة له في أعناقهم!

[ 49 ]

حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء (1) * (قال على): هذا كله خبر مفسر مخصص لا يجوز نسخه ولا تخصيصه بعموم خبر آخر * 89 - مسألة - وأن الدجال سيأتي وهو كافر أعور ممخرق (2) ذو حيل * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا محمد بن عيسى ثنا ابراهيم بن محمد (3) ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبى الا وقد أنذر أمته الاعور الكذاب ألا إنه أعور وان ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه ك‍ ف ر) وبه الي مسلم ثنا سريج بن يونس ثنا هشيم عن اسماعيل ابن أبى خالد عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قال: (ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر ما سألته عنه (4) قال وما سؤالك عنه قال (قلت) انهم يقولون معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء قال: هو أهون على الله من ذلك) * ثنا


(1) من قوله (لتؤدن) حديث آخر في صحيح مسلم رواه بهذا الاسناد وكان على المؤلف أن يبين هذا أو يشير إليه. وأصل الجلح انحسار الشعر عن جانبى الرأس ثم استعمل بمعنى ما لا قرن له. قال الازهرى. (وهذا يبين أن الجلحاء من الشاء والبقر بمنزلة الجماء التى لا قرن لها) وقال ابن سيده: (وعنز جلحاء جماء على التشبيه بجلح الشعر) (2) كتب في الاصل المصرى (محرق) بدون ضبط والصواب كما في النسخة اليمنية (ممخرق) بضم الاولى وفتح الثانية واسكان الخاء وكسر الراء. قال في اللسان: (الممخرق المموه وهى المخرقة مأخوذة من مخاريق الصبيان) وقد ورد وصف الدجال بالمخرفة بمعنى التمويه (3) في اليمنية: (عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج) وللمؤلف إسنادان إلى مسلم من طريق عبد الوهاب بن عيسى هما هذان (4) لفظ (عنه) ليس في صحيح مسلم ج 2 ص 378

[ 50 ]

عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا موسى بن اسماعيل نا جرير نا حميد بن هلال عن أبى الدهماء قال: سمعت عمران بن حصين يحدث قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال فلينأ عنه فو الله ان الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات قال هكذا قال نعم) * 90 - مسألة - والنبوة هي الوحي من الله تعالى بأن يعلم الموحى إليه بأمرما يعلمه لم يكن يعلمه قبل. والرسالة هي النبوة وزيادة وهى بعثته إلى خلق ما بأمرما - هذا ما لا خلاف فيه - والخضر عليه السلام نبى قد مات ومحمد صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده قال الله عزوجل حاكيا عن الخضر (وما فعلته عن أمرى) فصحت نبوته وقال تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) * 91 - مسألة - وان ابليس باق حى قد خاطب الله عزوجل معترفا بذنبه مصرا عليه موقنا بأن الله عزوجل خلقه من نار وأنه تعالى خلق آدم من تراب وأنه تعالى أمره بالسجود لآدم فامتنع واستخف بآدم فكفر. قال تعالى حاكيا عنه أنه قال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) وأنه قال (أنظرني إلى يوم يبعثون) وأنه قال: (فيما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم). وقال تعالى: (وكان من الكافرين) * مسائل من الاصول. 92 - مسألة - دين الاسلام اللازم لكل أحد لا يؤخذ الا من القرآن أومما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اما برواية جميع علماء الامة عنه عليه الصلاة والسلام وهو الاجماع واما بنقل جماعة عنه عليه الصلاة والسلام وهو نقل الكافة. واما برواية الثقات واحدا عن واحد حتى يبلغ إليه عليه الصلاة والسلام ولا مزيد * قال تعالى (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى) وقال تعالى: (اتبعوا

[ 51 ]

ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) وقال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) فان تعارض فيما يرى المرء آيتان أو حديثان صحيحان أو حديث صحيح وآية فالواجب استعمالهما جميعا لان طاعتهما سواء في الوجوب فلا يحل ترك أحدهما للآخر ما دمنا نقدر على ذلك. وليس هذا الا بأن يستثنى الاقل معاني من الاكثر فان لم نقدر على ذلك وجب الاخذ بالزائد حكما لانه متيقن وجوبه ولا يحل ترك اليقين بالظنون، ولا اشكال في الدين قد بين الله تعالى دينه، قال تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) وقال تعالى (تبيانا لكل شئ) * 93 - مسألة - الموقوف والمرسل لا تقوم بهما حجة، وكذلك ما لم يروه إلا من لا يوثق بدينه وبحفظه، ولا يحل ترك ما جاء في القرآن أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول صاحب أو غيره سواء كان هو راوي الحديث أو لم يكن، والمرسل هو ما كان بين أخذ رواته أو بين الراوى وبين النبي صلى الله عليه وسلم وسلم من لا يعرف، والموقوف هو ما لم يبلغ به إلى النبي صلى الله عليه وسلم * برهان بطلان الموقوف - قول الله عزوجل (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فلا حجة في أجد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يحل لا حد أن يضيف ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لانه ظن وقد قال تعالى (وان الظن لا يغني من الحق شيئا) وقال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) * وأما المرسل ومن في رواته من لا يوثق بدينه وحفظه فلقول الله تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) فأوجب عزوجل قبول نذارة النافر للتفقه في الدين وقال (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق ينبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وليس في العالم إلا عدل أو فاسق فحرم تعالى علينا قبول خبر الفاسق فلم يبق الا العدل وصخ أنه هو المأمور وبقبول نذارته * وأما المجهول فلسنا على ثقة من أنه على الصفة التي أمر الله تعالى معها بقبول نذارته وهي التفقه في الدين فلا يحل لنا قبول نذارته حتى يصح عندنا فقهه في الدين وحفظه لما ضبط عن ذلك وبراءته من الفسق. وبالله تعالى التوفيق *

[ 52 ]

ولم يختلف أحد من الامم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الملوك رسولا - رسولا واحدا - إلى كل مملكة يدعوهم إلى الاسلام واحدا واحدا، إلى كل مدينة والى كل قبيلة كصنعاء والجند (1) وحضرموت وتيماء ونجران والبحرين وعمان وغيرها، يعلمهم احكام الدين كلها، وافترض على كل جهة قبول رواية اميرهم ومعلمهم، فصح قبول خبر الواحد الثقة عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن ترك القرآن أو ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول صاحب أو غيره سواء كان راوي ذلك الخبر أو غيره فقد ترك ما أمره الله تعالى باتباعه لقول من لم يأمره الله تعالى قط بطاعته ولا باتباعه، وهذا خلاف لامر الله تعالى * وليس فضل الصاحب عند الله بموجب تقليد قوله وتأويله لان الله تعالى لم يأمر بذلك، لكن موجب تعظيمه ومحبته وقبول روايته فقط لان هذا هو الذي أوجب الله تعالى * 94 - مسألة - والقرآن ينسخ القرآن والسنة تنسخ السنة والقرآن (2) * قال عزوجل (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقال تعالى (لتبين للناس ما نرل إليهم) وقال تعالى (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى


(1) بفتحتين بلد باليمن (2) ما ذهب إليه من نسخ القرآن بالسنة حكى قولا للشافعي وحكى كثيرون عنه انه لا ينسخ الكتاب بالسنة جزما كما في المحلي على جمع الجوامع وقال ابن تيمية -: يتوجه الاحتجاج بآية (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) على انمه لا ينسخ القرآن إلا قرآن كما هو مذهب الشافعي وهو أشهر الروايتين عن الامام احمد وعليها عامة أصحابه اه‍ ودليله جلي وهو ان الظني الدلالة لا يساوي قطعيها فلا يقوى على نسخه وقد نقل الرازي وغيره عن أبي مسلم الاصفهاني ان النسخ غير واقع في التنزيل ورد كل آية قيل بنسخها إلى انها محكمة كما تراه مبسوطا في مواضع من تفسيره والمسألة مبسوطة في مواضع أخر

[ 53 ]

يوحى) وأمره تعالى أن يقول (ان اتبع الا ما يوحى إلى) وقال تعالى (ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) وصح ان كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله تعالى قالة، والنسخ بعض من أبعاض البيان وكل ذلك من عند الله تعالى * 95 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يقول في آية أو في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت: هذا منسوخ وهذا مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه، ولا أن لهذا النص تأويلا غير مقتضى ظاهر لفظه، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده الا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر أو باجماع متيقن بأنه كما ذكر أو بضرورة حس موجبة انه كما ذكر والا فهو كاذب * برهان ذلك قول الله عزوجل (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله) وقال تعالى (وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم) وقال تعالى (بلسان عربي مبين) وقال تعالى (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) وقال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) فقوله تعالى (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع) موجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به، وقوله تعالى (أطيعوا الله) موجب طاعة القرآن، ومن ادعى في آية أو خبر نسخا فقد أسقط وجوب طاعتهما فهو مخالف لامر الله في ذلك. وقوله تعالى (وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم) موجب أخذ كل نص في القرآن والاخبار على ظاهره ومقتضاه، ومن حمله على غير مقتضاه في اللغة العربية فقد خالف قول الله تعالى وحكمه، وقال عليه عزوجل الباطل وخلاف قوله عزوجل، ومن ادعى ان المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة العربية لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص وأسقط وجوب الطاعة له بدعواه الكاذبة وهذا قول على الله تعالى بالباطل، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه من سائر ما يقتضيه، وقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) موجب للوعيد على من قال: لا تجب على موافقة أمره، وموجب أن جميع النصوص على الوجوب، ومن ادعى تأخير الوجوب مدة ما فقد أسقط وجوب طاعة الله ووجوب ما أوجب

[ 54 ]

عزوجل من طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك المدة، وهذا خلاف لامر الله عزوجل، فإذا شهد لدعوى من ادعى بعض ما ذكرنا قرآن أو سنة ثابتة اما باجماع أو نقل صحيح فقد صح قوله ووجب طاعة الله تعالى في ذلك، وكذلك من شهدت له ضرورة الحس، لانها فعل الله تعالى في النفوس، والا فهي أقوال مؤدية إلى ابطال السلام وابطال جميع العلوم وابطال جميع اللغات كلها وكفى بهذا فسادا وبالله تعالى التوفيق * 96 - مسألة - والاجماع هو ما تيقن ان جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوه وقالوا به ولم يختلف منهم أحد كتيقننا انهم كلهم رضى الله عنهم صلوا معه عليه السلام الصلوات الخمس كما هي في عدد ركوعها وسجودها أو علموا انه صلاها مع الناس كذلك وانهم كلهم صاموا معه أو علموا انه صام مع الناس رمضان في الحضر وكذلك سائر الشرائع التى تيقنت مثل هذا اليقين والتى من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين. وهذا ما لا يختلف أحد في انه اجماع وهم كانوا حينئذ جميع المؤمنين لا مؤمن في الارض غيرهم ومن ادعى ان غير هذا هو اجماع كلف البرهان على ما يدعى ولا سبيل إليه * 97 - مسألة - وما صح فيه خلاف من واحد منهما أو لم يتيقن ان كل واحد منهم رضى الله عنهم عرفه ودان به فليس اجماعا، لان من ادعى الاجماع ههنا فقد كذب وقفا ما لا علم له به، والله تعالى يقول (ولا تقف ما ليس لك به علم) * 98 - مسألة - ولو جاز أن يتيقن اجماع أهل عصر بعدهم أولهم عن آخرهم على حكم نص لا يقطع فيه باجماع الصحابة رضى الله عنهم لوجب القطع بأنه حق وحجة وليس كان يكون اجماعا * أما القطع بأنه حق وحجة فلما ذكرناه قبل باسناده من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تزال طائفة من أمتى ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله). فصح من هذا انه لا يجوز البتة أن يجمع أهل عصر ولو طرفة عين على خطأ، ولا بد من قائل بالحق فيهم. وأما انه ليس اجماعا فلان أهل كل عصر بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم ليس جميع المؤمنين وانما هم بعض المؤمنين، والاجماع انما هو اجماع جميع المؤمنين لا اجماع بعضهم، ولو جاز أن يسمى اجماعا ما خرج عن

[ 55 ]

الجملة واحد لا يعرف أيوافق سائرهم أم يخالفهم لجاز أن يسمى اجماعا ما خرج عنهم فيه اثنان وثلاثة وأربعة وهكذا أبدا إلى أن يرجع الامر إلى أن يسمى اجماعا ما قاله واحد وهذا باطل ولكن لا سبيل إلى تيقن اجماع جميع أهل عصر بعد الصحابة رضى الله عنهم كذلك بل كانوا عددا ممكنا حصره وضبطه وضبط أقوالهم في المسألة وبالله تعالى التوفيق. وقال بعض الناس يعلم ذلك من. حيث يعلم رضا أصحاب مالك وأصحاب أبى حنيفة وأصحاب الشافعي بأقوال هؤلاء (قال على) وهذا خطأ لانه لا سبيل أن يكون مسألة قال بها أحد من هؤلاء الفقهاء الا وفي أصحابه من يمكن أن يخالفه فيها وان وافقه في سائر أقواله * 99 - مسألة - والواجب إذا اختلف الناس أو نازع واحد في مسألة ما أن يرجع إلى القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إلى شئ غيرهما ولا يجوز الرجوع إلى عمل أهل المدينة ولا غيرهم * برهان ذلك قول الله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) فصح انه لا يحل الرد عند التنازع إلى شئ غير كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفى هذا تحريم الرجوع إلى قول أحد دون رسول الله صلي الله عليه وسلم لان من رجع إلى قول انسان دونه عليه السلام فقد خالف أمر الله تعالى بالرد إليه والى رسوله لاسيما مع تعليقه تعالى ذلك بقوله (ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ولم يأمر الله تعالى بالرجوع الي قول بعض المؤمنين دون جميعهم، وقد كان الخلفاء رضى الله عنهم كأبى بكر وعمر وعثمان بالمدينة وعمالهم باليمن ومكة وسائر البلاد وعمال عمر بالبصرة والكوفة ومصر والشام. ومن الباطل المتيقن الممتنع الذى لا يمكن أن يكونوا رضى الله عنهم طووا علم الواجب والحلال والحرام عن سائر الامصار واختصوا به أهل المدينة فهذه صفة سوء قد أعاذهم الله تعالى منها وقد عمل ملوك بنى أمية باسقاط بعض التكبير من الصلاة وبتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين حتى فشا ذلك في الارض فصح انه لا حجة في عمل أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم *

[ 56 ]

100 - مسألة - ولا يحل القول بالقياس في الدين ولا بارأى (1) لان أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى كتابه والى رسوله صلى الله عليه وسلم قد صح فمن رد إلى قياس والى تعليل يدعيه أو إلى رأى فقد خالف أمر الله تعالى المعلق بالايمان ورد إلى غير من أمر الله تعالى بالرد إليه وفي هذا ما فيه (قال على) وقول الله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وقوله تعالى (تبيانا لكل شئ) وقوله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) وقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) ابطال للقياس وللرأى لانه لا يختلف أهل القياس والرأى انه لا يجوز استعمالهما ما دام يوجد نص وقد شهد الله تعالى بان النص لم يفرط فيه شيئا وان رسوله عليه الصلاة والسلام قد بين للناس كل ما نزل إليهم وان الدين قد كمل فصح ان النص قد استوفى جميع الدين فإذا كان ذلك كذلك فلا حاجة بأحد إلى قياس ولا إلى رأيه ولا إلى رأى غيره * ونسأل من قال بالقياس هل كل قياس قاسه قائس حق أم منه حق ومنه باطل فان قال كل قياس حق أحال لان المقاييس تتعارض ويبطل بعضها بعضا ومن المحال أن يكون الشئ وضده من التحريم والتحليل حقا معا وليس هذا مكان نسخ ولا تخصيص كالاخبار المتعارضة التي ينسخ بعضها بعضا ويخصص بعضها بعضا، وان قال منها حق ومنها باطل قيل له فعرفنا بماذا تعرف القياس والصحيح من الفاسد ولا سبيل لهم إلى وجود ذلك أبدا وإذا لم يوجد دليل على تصحيح الصحيح من القياس من الباطل منه فقد بطل كله وصار دعوى بلا برهان فان ادعوا أن القياس قد أمر الله تعالى به سئلوا أين وجدوا ذلك فان قالوا: قال الله عزوجل (فاعتبروا يا أولى الابصار) قيل لهم ان الاعتبار ليس هو في كلام العرب الذي به نزل القرآن الا التعجب قال الله تعالى عزوجل (وان لكم في الانعام لعبرة) أي لعجبا وقال تعالى (لقد كان


(1) فسر المصنف الرأى في بعض رسائله بانه الحكم في الدين بغير نص بل بما يراه المفتي احوط واعدل في التحليل والتحريم والايجاب (قال) ومن وقف على هذا الحد وعرف ما معنى الرأي اكتفى في ايجاب المنع منه بغير برهان إذ هو قول بلا برهان اه‍ وكان حدوث الرأي في القرن الاول قرن الصحابة والقياس في القرن الثاني اه‍ من حاشية الاصل منسوبا للسيد محمد بن اسمعيل الامير علامة اليمن

[ 57 ]

في قصصهم عبرة) أي عجب ومن العجيب أن يكون معنى الاعتبار القياس ويقول الله تعالى لنا قيسوا ثم لا يبين لنا ماذا نقيس ولا كيف نقيس ولا على ماذا نقيس. هذا ما لا سبيل إليه لانه ليس في وسع أحد أن يعلم شيئا من الدين الا بتعليم الله تعالى له اياه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فان ذكروا أحاديث وآيات فيها تشبيه شئ بشئ وأن الله قضى وحكم بأمر كذا من أجل أمر كذا قلنا لهم كل ما قاله الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك فهو حق لا يحل لاحد خلافه وهو نص به نقول، وكل ما تريدون أن تشبهوه في الدين وأن تعللوه مما لم ينص عليه الله تعالى ولا رسوله عليه الصلاة والسلام فهو باطل ولابد وشرع لم يأذن الله تعالى به وهذا يبطل عليهم تهويلهم بذكر آية جزاء الصيد و (أرأيت لو مضمضت) و (من أجل ذلك كتبنا على بنى اسرائيل). وكل آية وحديث موهوا بايراده هو مع ذلك حجة عليهم على ما قد بيناه في كتاب (الاحكام لاصول الاحكام) وفى كتاب (النكت) وفى كتاب (الدرة) وفي كتاب (النبذة)) (1) * (قال على) وقد عارضناهم في كل قياس قاسوه بقياس مثله وأوضح منه على أصولهم لنريهم فساد القياس جملة فموه منهم مموهون بأن قالوا أنتم دأبا تبطلون القياس بالقياس وهذا منكم رجوع إلى القياس واحتجاج به وأنتم في ذلك بمنزلة المحتج على غيره بحجة العقل ليبطل حجة العقل وبدليل من النظر ليبطل به النظر * (قال علي) فقلنا هذا شعب سهل افساده ولله الحمد ونحن لم نحتج بالقياس في إبطال القياس ومعاذ الله من هذا لكن أريناكم أن أصلكم الذى أثبتموه من تصحيح القياس يشهد بفساد جميع قياساتكم ولا قول أظهر باطلا من قول أكذب نفسه وقد نص تعالى على هذا فقال تعالى (وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم) فليس هذا تصحيحا لقولهم انهم أبناء الله وأحباؤه ولكن الزام لهم ما يفسد به قولهم ولسنا في ذلك كمن ذكرتم ممن يحتج في ابطال حجة العقل


(1) في اليمنية (النبذ)

[ 58 ]

بحجة العقل لكن فاعل ذلك مصحح لقضيته العقلية التى يحتج بها فظهر تناقضه من قريب ولا حجة له غيرها فقد ظهر بطلان قوله، وأما نحن فلم نحتج قط في ابطال القياس بقياس نصححه، لكن نبطل القياس بالنصوص وببراهين العقل ثم نزيد بيانا في فساده منه نفسه بأن نرى تناقضه جملة فقط، والقياس الذي نعارض به قياسكم نحن نقر بفساده وفساد قياسكم الذى هو مثله أو اضعف منه، وكما نحتج على أهل كل مقالة من معتزلة ورافضة ومرجئة وخوارج ويهود ونصارى ودهرية من أقوالهم التي يشهدون بصحتها فنريهم تفاسدها وتناقضها، وأنتم تحتجون عليهم معنا بذلك ولسنا نحن ولا أنتم ممن يقر بتلك الاقوال التي نحتج عليهم بها، بل هي عندنا في غاية البطلان والفساد، وكاحتجاجنا علي اليهود والنصارى من كتبهم التي بأيديهم. ونحن لا نصححها بل نقول انها لمحرفة مبدلة، لكن لنريهم تناقض أصولهم وفروعهم لاسيما وجميع أصحاب القياس مختلفون في قياساتهم، لا تكاد توجد مسألة الا وكل طائفة منهم تأتي بقياس تدعى صحته تعارض به قياس الاخرى وهم كلهم مقرون مجمعون، على أنه ليس كل قياس صحيحا ولا كل رأى حقا، فقلنا لهم، فهاتوا حد القياس الصحيح والرأى الصحيح الذى يتميزان به من القياس الفساد والرأى الفاسد وهاتوا حد العلة الصحيحة التى لا تقيسون إلا عليها من العلة الفاسدة فلجلجوا (1) * (قال على) وهذا مكان إن زم (2) عليهم فيه ظهر فساد قولهم جملة، ولم يكن لهم إلى جواب يفهم سبيل أبدا وبالله تعالى التوفيق، فان اتوا في ذلك بنص قلنا النص حق والذى تريدون أنتم اضافته إلى النص بآرائكم باطل وفي هذا خولفتم، وهكذا أبدا فان ادعوا أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على القول بالقياس قيل لهم، وكذبتم بل الحق أنهم كلهم


(1) العلة الصحيحة هي ما دل عليها التعليل للحكم بها في نص الكتاب أو السنة باي حروف التعليل المعروفة في اللغة أو بتعليق الحكم على الوصف المناسب للتعليل. والعلة الفاسدة ما لم يأت تعليل الحكم بها في كتاب ولا سنة كالشبه والدوران ونحوهما من مسالكها الباطلة اه‍ عن الامير الصنعاني (2) معنى زم شد قال في اللسان " زم الشئ يزمه زما فانزم شده "

[ 59 ]

أجمعوا على ابطاله، برهان كذبهم أنه لا سبيل لهم وجود حديث عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم انه أطلق الامر بالقول بالقياس أبدا الا في الرسالة المكذوبة الموضوعة على عمر رضى الله عنه فان فيها: واعرف الاشباه والامثال وقس الامور. وهذه رسالة لم يروها الا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وهو ساقط بلا خلاف (1) وأبوه أسقط منه أو من هو مثله في السقوط فكيف وفى هذه الرسالة


(1) في الميزان عبد الملك بن الوليد بن معدان عن عاصم بن أبي النجود قال يحيي بن معين صالح وقال أبو حاتم ضعيف وقال ابن حبان يقلب الاسانيد لا يحل الاحتجاج به وقال البخاري فيه نظر اه‍ من حاشية الاصل وكتب فيها ايضا: تأمل القول بان كتاب عمر إلى أبي موسى كتاب مكذوب وقد شرحه ابن القيم في كتابه اعلام الموقعين اه‍ ولا يلزم من شرحه صحته فان المدار في الصحة على الرجال لا على الشروح * قال أبو الأشبال عفا الله عنه: أما عبد الملك فقد اختلف في شأنه كما ترى وانفرد ابن حزم بتضعيفه إلى النهاية وانما هو متوسط، وأما أبوه فقال ابن حبان في الثقات: (الوليد بن معدان الصيفي يروى عن ابن عمر روى عنه ابنه عبد الملك يعتبر بحديثه من غير رواية ابنه) نقله ابن حجر في اللسان وقال: (انفرد بحديث عمر في كتابه الي أبي موسى) واسناد رسالة عمر ذكره ابن القيم في اعلام الموقعين ج 1 ص 98 هكذا: (قال أبو عبيد ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان وقال أبو نعيم عن جعفر بن برقان عن معمر البصري عن ابي العوام. وقال سفيان بن عيينة ثنا ادريس أبو عبد الله بن ادريس قال أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب إلى ابي موسى الاشعري وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إليه كتبا فرأيت في كتاب منها) وذكر الرسالة بنصها ثم قال: (قال أبو عبيد قلت لكثير هل اسنده جعفر قال لا. وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة والحاكم والمفتى أحوج شئ إليه والى تأمله والتفقه فيه) وذكرها المبرد في أول كتابه الكامل بدون إسناد وشرحها. ورواها الدارقطني في سننه ص 512 واسناده: (حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد النعماني ثنا عبد الله بن

[ 60 ]

نفسها اشياء خالفوا فيها عمر رضى الله عنه منها قوله فيها: والمسلمون عدول بعضهم على بعض الا مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو نسب، وهم لا يقولون بهذا يعني جميع الحاضرين من أصحاب القياس حنفيهم وشافعيهم ومالكيهم وان كان قول عمر لو صح في تلك الرسالة في القياس حجة فقوله في ان المسلمين عدول كلهم الا مجلودا في حد حجة وان لم يكن قوله في ذلك حجة فليس قوله في القياس حجة لو صح فكيف ولم يصح * واما برهان صحة قولنا في اجماع الصحابة رضى الله عنهم على ابطال القياس فانه لا يختلف اثنان في ان جميع الصحابة مصدقون بالقرآن وفيه (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وفيه (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) فمن الباطل المحال ان يكون الصحابة رضى الله


عبد الصمد بن ابى خداش نا عيسى بن يونس نا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلى قال كتب عمر بن الخطاب) الخ قال شارحه (في اسناده عبيد الله ابن أبي حميد وهو ضعيف وأخرجه البيهقى في المعرفة أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن اسحاق الصغاني ثنا محمد بن عبد الله ابن كناسة ثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري قال كتب عمر فذكره). وخير هذه الاسانيد فيما نرى اسناد سفيان بن عيينة عن ادريس وهو ادريس بن يزيد بن عبد الرحمن الاودى وهو ثقة أن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى أراه الكتاب وقرأه لديه وهذه وجادة جيدة في قوة الاسناد الصحيح ان لم تكن اقوى منه فالقراءة من الكتاب اوثق من التلقى عن الحفظ. وقد نقلها ايضا ابن الجوزي في سيرة عمر بن الخطاب ص 135 (عن ابي عبد الله بن ادريس - وهو ادريس بن يزيد - قال اتيت سعيد بن ابي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى وكان أبو موسى قد اوصى إلى ابي بردة قال فاخرج إلى كتبا فرأيت في كتاب منها) الخ

[ 61 ]

عنهم يعلمون هدا ويؤمنون به ثم يردون عند التنازع إلى قياس أو رأي (1) هذا ما لا يظنه بهم ذو عقل فكيف وقد ثبت عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: أي أرض تقلني أو أي سماء تظلنى ان قلت في آية من كتاب الله برأي أو بما لا أعلم (2) وصح عن الفاروق رضى الله عنه أنه قال: اتهموا الرأي على الدين وان الرأي منا هو الظن والتكلف. وعن عثمان رضي الله عنه في فتيا أفتى بها انما كان رأيا رأيته فمن شاء أخذ ومن شاء تركه، وعن علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه (3) * وعن سهل بن حنيف رضى الله عنه: ايها الناس اتهموا رأيكم على دينكم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: سأقول فيها بجهد رأيى فان كان صوابا فمن الله وحده وان كان خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله برئ، وعن معاذ بن جبل في حديث يبتدع كلا ما ليس من كتاب الله


(1) يقال عليه هم إذا ردوه إلى قياس له علة منصوصة في كتاب أو سنة فقد ردوا إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أن عمل الصحابة بالقياس والرأى متواتر تواترا معنويا في عدة قضايا ذكر منها شطرا واسعا اه‍. عن الامير الصنعانى (بحاشية الاصل) (2) هذا أثر خاص بتفسير القرآن والنزاع في الاحكام أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد عن ابراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر عن الاب ما هو فقال أي سماء تظلنى وأى أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم فكلامه في تفسير لفظه لغوية جهل معناها فليس من محل النزاع في ورد ولا اصدار إذ النزاع الحاق فرع بأصل في حكمه لمشاركته في علة منصوصة لا في تفسير لفظة لغوية وقد اتفق لعمر كما اتفق لابي بكر في الآية فاخرج عبد بن حميد وابن الانباري في المصاحف عن أنس قال قرأ عمر (وفاكهة وأبا) قال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الاب قال قد نهينا عن التكلف اه‍. عن الامير الصنعانى (3) تمامه " لكنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على أعلاه " فكأنه قال: لو لا النص لمسحنا برأينا أسفل الخف ففيه اثبات للرأى لولا النص اه‍ أمير

[ 62 ]

عزوجل ولا من سنة رسول الله صلى عليه وسلم فاياكم واياه فانه بدعة وضلالة. وعلى هذا النحو كل رأى روي عن بعض الصحابة رضى الله عنهم لا على أنه إلزام ولا أنه حق لكنه إشارة بعفو أو صلح أو تورع فقط لا على سبيل الايجاب (1) وحديث معاذ الذي فيه أجتهد رأيي ولا آلو لا يصح لانه لم يروه أحد الا الحارث بن عمرو وهو مجهول لا ندري من هو عن رجال من أهل حمص لم يسمهم عن معاذ وقد (2) تقصينا أسانيد هذه الاحاديث كلها في كتابنا المذكور ولله تعالى الحمد * حدثنا احمد بن قاسم حدثنا أبي قاسم بن محمد حدثنا جدي قاسم بن اصبغ أخبرنا محمد بن اسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا عيسى بن يونس بن أبى اسحق السبيعى عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الاشجعى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة أعظمهم فتنة على أمتى قوم يقيسون الامور بآرائهم (3) فيحلون الحرام ويحرمون الحلال (4) (قال على) والشريعة كلها إما


(1) يقال: وقع للصحابة الخلاف في ميراث الجد والحكم بالرأي لانهم لم يجدوا فيه نصا وغير ذلك من الآراء التى حكموا بها اه‍. أمير (2) حديث معاذ رواه أبو داود والترمذي وقال (لا نعرفه الا من هذا الوجه وليس اسناده عندي بمتصل). انظر شرح أبي داود ج 3 ص 330 وجامع بيان العلم لابن عبد البر النمري ج 2 ص 55 (3) هذا في قوم يخالفون صرائح النصوص بقياساتهم فان قوله فيحلون الحرام ويحرمون الحلال دال على انهم يفعلون ذلك فيما ثبت النص فيهما على خلاف ما قالوه لانه كان حلالا وحراما ولا يتصف بذلك الا عن نص وكون الاصل الحل هو عن نص وهو ما ذكره المصنف من قوله تعالى (خلق لكم في الارض جميعا) اه‍ امير وأقول المصنف حكم في الفصل بوضع هذا الحديث (4) هذا الحديث رواه أيضا ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 76: (حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنى عيسى بن

[ 63 ]

فرض يعصى من تركه، واما حرام يعصى من فعله، وإما مباح لا يعصى من فعله ولا من تركه، وهذا المباح ينقسم ثلاثة أقسام اما مندوب إليه يؤجر من فعله ولا يعصى من تركه، واما مكروه يؤجر من تركه ولا يعصى من فعله، واما مطلق لا يؤجر من فعله ولا من تركه ولا يعصى من فعله ولا من تكره. وقال عزوجل (خلق لكم ما في الارض جميعا) وقال تعالى (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فصح ان كل شئ حلال الا ما فصل تحريمه في القرآن أو السنة * حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا احمد بن فتح حدثنا عبد الوهاب بن عيسى


يونس عن حريز بن عثمان) الخ وليس فيه ذكر لعبد الله بن المبارك بين نعيم وعيسى وهو الصواب لان الحديث معروف أنه من رواية نعيم عن عيسى. ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد إلى الطبراني في الكبير والبزار. ورجال اسناد الحديث ثقات كلهم الا أنه حديث ضعيف جدا أخطأ فيه نعيم واليك ما قاله أئمة الحديث. قال ابن حجر في التهذيب (قال أبو زرعة الدمشقي قلت لدحيم حدثنا نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تفترق امتي على بضع وسبعين فرقة. الحديث. فقال. هذا الحديث صفوان بن عمرو وحديث معاوية يعنى ان اسناده مقلوب. قال أبو زرعة وقلت لابن معين في هذا الحديث فأنكره. قلت فمن أين يؤتى قال شبه لهم. وقال محمد بن على المروزى سألت يحى ابن معين عنه فقال ليس له اصل قلت فنعيم قال ثقة قلت كيف يحدث ثقة بباطل قال شبه له وقال ابن عدي بعد ان اورد هذا الحديث من رواية سويد ابن سعيد عن عيسى هذا انما يعرف بنعيم بن حماد رواه عن عيسى بن يونس فتكلم الناس فيه ثم رواه رجل من اهل خراسان يقال له الحكم بن المبارك ثم سرقه ضعفاء ممن يعرفون بسرقة الحديث. وقال عبد الغني بن سعيد المصرى كل من حدث به عن عيسى بن يونس غير نعيم بن حماد فانما اخذه من نعيم وبهذا الحديث سقط نعيم عند كثير من اهل العلم بالحديث الا ان يحيى بن معين لم يكن ينسبه إلى الكذب بل كان ينسبه إلى الوهم)

[ 64 ]

حدثنا احمد بن محمد حدثنا احمد بن على حدثنا مسلم بن الحجاج أخبرني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هرون حدثنا الربيع بن مسلم القرشى عن محمد بن زياد عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال (أيها الناس ان الله قد فرض عليكم (1) الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى أعادها ثلاثا (2) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ذروني ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على إنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه) * (قال على) فجمع هذا الحديث جميع أحكام الدين أولها عن آخرها ففيه ان ما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح وليس حراما ولا فرضا وان ما أمر به فهو فرض وما نهى عنه فهو حرام وان ما أمرنا به فانما يلزمنا منه ما نستطيع فقط وأن نفعل مرة واحدة تؤدى ما ألزمنا ولا يلزمنا تكراره فأى حاجة باحد إلى قياس أو رأى مع هذا البيان الواضح (3) ونحمد الله على عظم نعمه * (فان قال قائل) لا يجوز ابطال القول بالقياس إلا حتى توجدونا تحريم القول به


(1) في صحيح مسلم قد فرض الله عليكم الخ (2) في صحيح مسلم حتى قالها ثلاثا (3) قلت أما مع النص على الحكم فلا قائل بالقياس ولكنه من المعلوم يقينا أنه لم يأت في كل حادثة نص بحكمها فانه من المعلوم يقينا أنها اتفقت قضايا اختلف فيها الصحابة لعدم النص وهم أعرف الناس بالنصوص فانهم اختلفوا في مسائل من المواريث كميراث الجد ومسائل العول ومسألة بيع أمهات الاولاد وهذه مسائل لا تنحصر في التنوع من الطلاق والعدد وحكموا فيها تحليلا وتحريما بالآراء وقد صرح المصنف رحمه الله أنه وقع الرأي في القرن الاول وهو قرن الصحابة فكيف يقول فأى حاجة للقياس على أننا حققنا لك أن القياس على العلة المنصوصة هو من النص فالرجوع إليه عند التنازع رجوع إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس هذا القياس من ضرب الامثال في الدين بل هو من الدين اه‍ السيد محمد الامير

[ 65 ]

نصا في القرآن. قلنا لهم: قد أوجدنا لكم البرهان نصا بذلك وبأن لا يرد التنازع الا إلى القرآن والسنة فقط، وقال تعالى (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) وقال تعالى (فلا تضربوا لله الامثال ان الله يعلم وأنتم لا تعلمون) والقياس ضرب أمثال في الدين لله تعالى. ثم يقال لهم: ان عارضكم الروافض بمثل هذا فقالوا لكم لا يجوز القول بابطال الالهام ولا بابطال اتباع الامام الا حتى توجدوا لنا تحريم ذلك نصا، أو قال لكم ذلك أهل كل مقالة في تقليد كل انسان بعينه. بماذا تنفصلون؟ بل الحق انه لا يحل أن يقال على الله تعالى انه حرم أو حلل أو أوجب الا بنص فقط. وبالله تعالى التوفيق * 101 - مسألة - وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم ليست فرضا الا ما كان منها بيانا لامر فهو حينئذ أمر، لكن الائتساء به عليه الصلاة والسلام فيها حسن * برهان ذلك هذا الخبر الذى ذكرنا آنفا من أنه لا يلزمنا شئ الا ما أمرنا به أو نهانا عنه وان ما سكت عنه فعفو ساقط عنا، وقال عزوجل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * 102 - مسألة - ولا يحل لنا اتباع شريعة نبى قبل نبينا صلى الله عليه وسلم قال عزوجل (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * حدثنا احمد بن محمد بن الجسور حدثنا وهب بن مسرة حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا هشيم أخبرنا سيار عن يزيد الفقير أخبرنا جابر ابن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى، نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لاحد قبلى، واعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (1)) فإذا صح أن الانبياء عليهم السلام لم يبعث أحد منهم الا إلى قومه خاصة فقد صح أن شرائعهم


(1) الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي

[ 66 ]

لم تلزم الا من بعثوا إليه فقط، وإذا لم يبعثوا الينا فلم يخاطبونا قط بشئ ولا أمرونا ولا نهونا، ولو أمرونا ونهونا وخاطبونا لما كان لنبينا صلى الله عليه وسلم فضيلة عليهم في هذا الباب. ومن قال بهذا فقد كذب هذا الحديث وأبطل هذه الفضيلة التى خصه الله تعالى بها، فإذا قد صح أنهم عليهم السلام لم يخاطبونا بشئ فقد صح يقينا أن شرائعهم لا تلزمنا أصلا. وبالله تعالى التوفيق * 103 - مسألة - ولا يحل لا حد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا وعلى كل أحد من الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه فانما يريد معرفة ما ألزمه الله عزوجل في هذا الدين، ففرض عليه إن كان أجهل البرية أن يسأل عن أعلم أهل موضعه بالدين الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دل عليه سأله، فإذا أفتاه قال له: هكذا قال الله عزوجل ورسوله؟ فان قال له نعم أخذ بذلك وعمل به أبدا، وان قال له هذا رأيى أو هذا قياس أو هذا قول فلان وذكر له صاحبا أو تابعا أو فقيها قديما أو حديثا أو سكت أو انتهره أو قال له لا أدرى، فلا يحل له أن يأخذ بقوله ولكنه يسأل غيره. برهان ذلك قول الله عزوجل (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم) فلم يأمرنا عزوجل قط بطاعة بعض أولي الامر، فمن قلد عالما أو جماعة علماء فلم يطع الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أولى الامر، وإذا لم يرد إلى من ذكرنا فقد خالف أمر الله عزوجل ولم يأمر الله عزوجل قط بطاعة بعض اولي الامر دون بعض (1) *


(1) كلام المصنف رحمه الله مبنى على ان المراد باولى الامر العلماء وهو احد اقوال السلف في تفسير الآية، ولكنه اخراج ابن ابى شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن ابي حاتم عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من اطاعني فقد اطاع الله ومن أطاع أميرى فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى اميرى فقد عصاني) وفي الآية احاديث مرفوعة بنحوه وآثار عن السلف مختلفة منهم من فسرهم بالعلماء على كلام المصنف المراد استرووا العلماء عن احكام الكتاب والسنة وان الفتيا

[ 67 ]

فان قيل: فان الله عزوجل قال (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) وقال تعالى: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم). قلنا: نعم ولم يأمر الله عزوجل أن يقبل من النافر للتفقه في الدين رأيه، ولا أن يطاع أهل الذكر في رأيهم ولا في دين يشرعونه لم يأذن به الله عزوجل وانما أمر تعالى بأن يسأل أهل الذكر عما يعلمونه في الذكر الوارد من عند الله تعالى فقط لا عمن قاله من لا سمع له ولا طاعة، وانما أمر الله تعالى بقبول نذارة النافر للتفقه في الدين فيما تفقه فيه من دين الله تعالى الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في دين لم يشرعه الله عزوجل، ومن ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به قط نص قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لانه قول بلا دليل، بل البرهان قد جاء بابطاله، قال تعالى ذاما لقوم قالوا (انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) والاجتهاد انما معناه بلوغ الجهد في طلب دين الله عزوجل الذى أوجبه على عباده، وبالضرورة يدرى كل ذى حس سليم أن المسلم لا يكون مسلما إلا حتى يقر بأن الله تعالى الهه لا إله غيره وأن محمدا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بهذا الدين إليه والى غيره، فإذ لا شك في هذا فكل سائل في الارض عن نازلة في دينه فانما يسأل عما حكم الله تعالى به في هذه النازلة، فإذ لا شك في هذا ففرض عليه أن يسأل إذا سمع فتيا: أهذا حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا لا يعجز عنه من يدرى ما الاسلام ولو أنه كما جلب من قوقوا (1) وبالله تعالى التوفيق * 104 - مسألة - وإذا قيل له إذا سأل عن أعلم أهل بلده بالدين: هذا صاحب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا صاحب رأى وقياس فليسأل صاحب


(1) معناها رواية الكتاب والسنة، وقبول رواية العالم ليس تقليدا له بل من العمل بخبر الآحاد الذي تعبد الله بالعمل به العباد وهو العمل بالظن المستفاد من اخبار الآحاد، وفي قوله لم يأمر الله بطاعة بعض اولى الامر دون بعض ايهام انه لا يقبل فتوى العالم الواحد حتى تكون اجماعا وهو خلاف ما قرره كما لا يخفى اه‍ السيد محمد الامير رضى الله عنه وانظر ما كتبناه تعليقا على الاحكام للمؤلف (ج 4 ص 135) (1) هكذا في الاصل ولعله من قاف وهو على ما يزعمون الجبل المحيط بالدنيا والمراد المبالغة في بعدما بينهما

[ 68 ]

الحديث ولا يحل له أن يسأل صاحب الرأى أصلا * برهان ذلك قول الله عزوجل (اليوم أكملت لكم دينكم) وقوله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) فهذا هو الدين، لا دين سوى ذلك، والرأى والقياس ظن والظن باطل * حدثنا احمد بن محمد بن الجسور حدثنا احمد بن سعيد حدثنا ابن وضاح حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا مالك عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) (حدثنا) يونس بن عبد الله حدثنا يحيى بن مالك بن عائذ اخبرنا أبو عبد الله بن ابى حنيفة اخبرنا أبو جعفر احمد بن محمد بن سلامة الطحاوي حدثنا يوسف بن يزيد القراطيسى اخبرنا سعيد بن منصور اخبرنا جرير بن عبد المجيد عن المغيرة ابن مقسم عن الشعبي قال: السنة لم توضع بالمقاييس. (حدثنا) محمد بن سعيد ابن نبات أخبرنا اسماعيل بن اسحق البصري اخبرنا احمد بن سعيد بن حزم اخبرنا محمد بن ابراهيم بن حيون الحجازى اخبرنا عبد الله بن احمد بن حنبل قال سمعت ابى يقول: الحديث الضعيف احب الينا من الرأى (حدثنا حمام بن احمد اخبرنا عباس بن اصغ حدثنا محمد بن عبد الملك بن ايمن حدثنا عبد الله ابن احمد بن حنبل قال: سألت ابى عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه الا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه واصحاب رأى، فتنزل به النازلة من يسأل؟ فقال ابى: يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأى، ضعيف الحديث اقوى من رأى ابى حنيفة * 105 - مسألة - ولا حكم للخطأ ولا النسيان الا حيث جاء في القرآن أو السنة لهما حكم * قال تعالى (ليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقال تعالى (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو اخطأنا) * 106 - مسألة - وكل فرض كلفه الله تعالى الانسان فان قدر عليه لزمه، وان عجز عن جميعه سقط عنه، وان قوي على بعضه وعجز عن بعضه سقط عنه ما عجز عنه

[ 69 ]

ولزمه ما قدر عليه منه سواء اقله أو اكثره برهان ذلك قول الله عزوجل: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وقد ذكرناه قبل باسناده. وبالله تعالى التوفيق * 107 - مسألة - ولا يجوز ان يعمل أحد شيئا من الدين مؤقتا بوقت قبل وقته، فان كان الاول من وقته والآخر من وقته لم يجز أن يعمل قبل وقته ولا بعد وقته * لقول الله تعالى (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وقال تعالى (تلك حدود الله فلا تعتدوها) والاوقات حدود فمن تعدى بالعمل وقته الذى حده الله تعالى له فقد تعدى حدود الله * حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا احمد بن فتح حدثنا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا احمد بن محمد اخبرنا احمد بن على اخبرنا مسلم بن الحجاج اخبرنا اسحق بن ابراهيم هو ابن راهوية عن ابي عامر العقدى حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن قال: سألت القاسم بن محمد بن ابى بكر الصديق فقال اخبرتني عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد) * قال على: ومن امره الله تعالى ان يعمل عملا في وقت سماه له فعمله في غير ذلك الوقت - اما قبل الوقت واما بعد الوقت - فقد عمل عملا ليس عليه امر الله تعالى ولا امر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو مردود باطل غير مقبول، وهو غير العمل الذي امر به، فان جاء نص بأنه يجزئ في وقت آخر فهو وقته ايضا حينئذ، وانما الذى لا يكون وقتا للعمل فهو ما لا نص فيه. وبالله تعالى التوفيق * 108 - مسألة - والمجتهد المخطئ افضل عند الله تعالى من المقلد المصيب. هذا في أهل الاسلام خاصة، واما غير اهل الاسلام فلا عذر للمجتهد المستدل ولا للمقلد، وكلاهما هالك * برهان هذا ما ذكرناه آنفا باسناده من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله اجر) وذم الله التقليد جملة، فالمقلد عاص والمجتهد مأجور

[ 70 ]

وليس من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقلدا لانه فعل ما امره الله تعالى به، وانما المقلد من اتبع من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه فعل ما لم يأمره الله تعالى به، وأما غير أهل الاسلام فان الله تعالى يقول (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * 109 - مسألة - والحق من الاقوال في واحد منها وسائرها خطأ. وبالله تعالى التوفيق * قال الله تعالى (فماذا بعد الحق الا الضلال)، وقال تعالى (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) وذم الله الاختلاف فقال (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) وقال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا) وقال تعالى (تبيانا لكل شئ) فصح أن الحق في الاقوال ما حكم الله تعالى به فيه، وهو واحد لا يختلف، وأن الخطأ ما لم يكن من عند الله عزوجل. ومن ادعى أن الاقوال كلها حق وأن كل مجتهد مصيب فقد قال قولا لم يأت به قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا معقول، وما كان هكذا فهو باطل، ويبطله أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) فنص عليه الصلاة والسلام أن المجتهد قد يخطئ، ومن قال: ان الناس لم يكلفوا الا اجتهادهم فقد أخطأ، بل ما كلفوا الا اصابة ما أمر الله به قال الله عزوجل (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) فافترض عزوجل اتباع ما أنزل الينا وأن لا نتبع غيره وأن لا نتعدى حدوده، وانما أجر المجتهد المخطئ أجرا واحدا على نيته في طلب الحق فقط، ولم يأثم إذا حرم الاصابة، فلو أصاب الحق اجر أجرا آخر كما قال عليه السلام (إنه إذا أصاب أجر أجرا ثانيا) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد اخبرنا ابراهيم بن احمد الفربري حدثنا البخاري حدثنا عبد الله بن المقرئ حدثنا حيوة بن شريح حدثنا يزيد ابن عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم بن الحرث عن بسر بن سعيد عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) *

[ 71 ]

ولا يحل الحكم بالظن أصلا (1) لقول الله تعالى (ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) وبالله تعالى التوفيق *


(1) اقول هذا النفي في انه لا يحل الحكم بالظن مشكل غاية الاشكال وقد آن أن نحقق البحث للناظرين دفعا للاغترار بكلام هذا المحقق رحمه الله فنقول: الظن لفظ مشترك بين معان يطلق على الشك كما صرح ائمة اللغة ففى القاموس: الظن التردد والراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم انتهى فهذان اطلاقان. ويطلق على اليقين كما في قوله تعالى (الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم إليه راجعون) مع قوله في صفة المؤمنين (وهم بالآخرة هم يوقنون) لانه لا بد من اليقين في الايمان بالآخرة ويطلق على التهمة كما في قوله تعالى (وما هو علي الغيب بظنين) فيمن قرأه بالظاء المشالة اي بمتهم كما قال ائمة التفسير. وإذا عرفت هذا عرفت ان المذموم من الظن هو ما كان بمعنى الشك وهو التردد بين طرفي الامر، فطرفاه مستويان لازاجح فيهما، فهذا يحرم العمل به اتفاقا وهو الذى هو اكذب الحديث، وهو الذى لا يغني من الحق شيئا، وهو بعض الاثم الذى اراد تعالى (ان بعض الظن اثم) وذلك لما تقرر في الفطرة وقررته الشريعة ان لا عمل الا براجح يستفاد من علم أو ظن. واما الظن الذي بمعنى الطرف الراجح فهو متعبد به فطعا بل اكثر الاحكام الشرعية دائرة عليه: وهو البعض الذى ليس فيه اثم، المفهوم من قوله تعالى (ان بعض الظن اثم) فان خبر الآحاد معمول به في الاحكام وهو لا يفيد بنفسه الا الظن. والمصنف (ابن حزم) تقدم له ان الجاهل يسال العالم عن الحكم فيما يعرض له فإذا افتاه وقال هذا حكم الله ورسوله عمل به أبدا، ومعلوم ان هذه رواية آحادية من العالم بالمعنى ولا تفيد الا الظن وقد أوجب قبولها، وكذلك امر الله باشهاد ذوى عدل فان شهدا وجب على الحاكم الحكم بما شهدا به، وشهادتهما لا تفيد الا الظن، بل كونهما ذوي عدل لا يكون الا بالظن، بل قال صلى الله عليه وسلم (انكم تختصمون الي) إلى قوله (فانما اقطع له قطعة من نار) وهذا صريح انه صلى الله عليه وسلم حكم بالظن الحاصل عن البينة، إذ لو كان بالعلم لما كان المحكوم به قطعة من نار، لانه يجوز ان البينة التى حكم بها باطلة في

[ 72 ]

كتاب الطهارة بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم 110 - مسألة - الوضوء للصلاة فرض لا تجزئ الصلاة الا به لمن وجد الماء. هذا اجماع لا خلاف فيه من أحد، وأصله قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنو إذا


نفس الامر، وفى حديث ابن مسعود في سجود السهو (إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع واكثر ظنك على اربع) الحديث، فاعتبر الظن في اشرف العبادات وحديث الطبراني والحاكم (قال الله: انا عند ظن عبدي بي فليظن بى ما شاء) وحديث (لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن الظن بالله) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه. فهذا كله عمل بالظن الراجح الصادر عن امارة صحيحة، وأما ما صدر لا عن امارة صحيحة نحو ظن الكفار أنه (لن ينقلب الرسول والمؤمنون) الآية (وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا) فهذا ظن باطل مستند إلى أن الله تعالى لا ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ومصل ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون الذي حكاه الله تعالى عنهم بقوله (ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين) فظنهم هذا مستند إلى الجهل بعلم الله وإحاطته، ومنه في قصة الاحزاب في ظن المنافقين (واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) فانهم ظنوا غلبة الاحزاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولذا قالوا (ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا) وعكسهم أهل الايمان فانهم قالوا (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا ايمانا وتسليما) فهذا البحث بحمد الله تعالى لا تجده في كتاب. وانما هو من فتح الكريم الوهاب وبه يزول الاشكال والاضطراب، وتعلم أن المصنف أوجز في محل الاطناب، فأخل بما يذكره هو في هذا الكتاب، فانه لا يزال يستدل فيه باخبار الآحاد وبعموم ألفاظها وألفاظ القرآن، والكل لا يخرج عن الادلة الظنية، فاعرف قدر هذه الفائدة السنية اه‍ من افادة خاتمة المحققين السيد محمد بن اسماعيل الامير جزاه الله عن الاسلام خيرا

[ 73 ]

قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * 111 - مسألة - ولا يجزئ الوضوء الا بنية الطهارة للصلاة فرضا وتطوعا لا يجزئ أحدهما دون الآخر ولا صلاة دون صلاة * برهان ذلك الآية المذكورة. لان الله تعالى لم يأمر فيها بالوضوء الا للصلاة على عمومها، لم يخص تعالى صلاة من صلاة فلا يجوز تخصيصها، ولا يجزئ لغير ما أمر الله تعالي به. وقال أبو حنيفة: يجزئ الوضوء والغسل بلا نية وبنية التبرد والتنظف. كان حجتهم أن قالوا: انما أمر بغسل جسمه أو هذه الاعضاء فقد فعل ما أمر به وقالوا: قسنا ذلك على ازالة النجاسة فانها تجزئ بلا نية، ومن قولهم: ان التيمم لا يجزئ الا بنية. وقال الحسن بن حي: الوضوء والغسل والتيمم يجزئ كل ذلك بلا نية وقال أبو يوسف: ان انغمس جنب في بئر ليخرج دلوا منها لم يجزه ذلك من غسل الجنابة وقال محمد بن الحسن: يجزية من غسل الجنابة قال علي: أما احتجاجهم بأنه انما أمر بغسل جسمه أو هذه الاعضاء وقد فعل ما أمر، فكذب بل ما أمر الا بغسلها بنية القصد إلى العمل الذي أمره الله تعالى به في ذلك الوجه، قال الله تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فنفى عزوجل أن يكون أمرنا بشئ الا بعبادته مفردين له نياتنا بدينه الذى أمرنا به فعم بهذا جميع أعمال الشريعة كلها * حدثنا حمام بن احمد ثنا عبد الله بن ابراهيم ثنا ابو زيد المروي ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا الحميدى ثنا سفيان بن عيينة ثنا يحيى بن سعيد الانصاري أخبرني محمد بن ابراهيم التيمي انه سمع علقمة بن وقاص الليثى يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى) فهذا أيضا عموم لكل عمل، ولا يجوز أن يخص به بعض الاعمال دون بعض بالدعوى

[ 74 ]

وأما قياسهم ذلك على ازالة النجاسة فباطل لانه قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل، لوجوه: منها أن يقال لهم: ليس قياسكم الوضوء والغسل على ازالة النجاسة بأولى من قياسكم ذلك على التيمم الذى هو وضوء في بعض الاحوال ايضا، وكما قستم التيمم على الوضوء في بعض الاحوال وهو بلوغ المسح إلى المرفقين، فهلا قستم الوضوء على التيمم في أنه لا يجزئ كل واحد منهما الا بنية لان كليهما طهر للصلاة * فان قالوا: ان الله تعالى قال (فتيمموا صعيدا طيبا) ولم يقل ذلك في الوضوء، قلنا نعم فكان ماذا؟ وكذلك قال تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) فصح انه لا يجزئ ذلك الغسل الا للصلاة بنص الآية * والوجه الثاني أن دعواهم أن غسل النجاسة يجزئ بلا نية باطل ليس كما قالوا، بل كل تطهير لنجاسة امر الله تعالى به على صفة ما فانه لا يجزئ الا بنية وعلى تلك الصفة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد ذكرناه باسناده قبل، وكل نجاسة ليس فيها أمر بصفة ما فانما على الناس أن يصلوا بغير نجاسة في أجسامهم ولا في ثيابهم ولا في موضع صلاتهم، فإذا صلوا كذلك فقد فعلوا ما أمروا به، فظهر فساد احتجاجهم وعظم تناقضهم في الفرق بين الوضوء والغسل وبين التيمم والصلاة وغير ذلك من الاعمال بلا برهان، واختلافهم في الجنب ينغمس في البئر كما ذكرنا بلا دليل وقال بعضهم: لو احتاج الوضوء إلى نية لاحتاجت النية إلى نية وهكذا أبدا، قلنا لهم: هذا لازم لكم فيما أوجبتم من النية للتيمم وللصلاة وهذا محال، لان النية المأمور بها هي مأمور بها لنفسها لانها القصد إلى ما أمر به فقط. وأما الحسن بن حي فانه ينقض قوله بالآية التى ذكرنا والحديث الذي أوردنا * وقولنا في هذا قول مالك والشافعي واحمد بن حنبل واسحاق وداود وغيرهم وبالله تعالى التوفيق * 112 - مسألة - ويجزئ الوضوء قبل الوقت وبعده، وقال بعض الناس لا يجزئ الوضوء ولا التيمم الا بعد دخول وقت الصلاة وقال آخرون: يجزئ الوضوء

[ 75 ]

قبل الوقت ولا يجزئ التيمم الا بعد الوقت، وقال آخرون: الوضوء والتيمم يجزيان قبل الوقت * واحتج من رأى كل ذلك لا يجزئ الا بعد دخول الوقت بقول الله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أولا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * قال على وهذا لا حجة لهم فيه بل هو حجة عليهم كافية، لان الله تعلى لم يقل: إذا قمتم إلى صلاة فرض، ولا إذا دخل وقت صلاة فرض فقمتم إليها، بل قال عزوجل (إذا قمتم إلى الصلاة) فعم تعالى ولم يخص، والصلاة تكون فرضا وتكون تطوعا بلا خلاف، وقد أجمع أهل الارض قاطبة من المسلمين على أن صلاة التطوع لا تجزئ الا بطهارة من وضوء أو تيمم أو غسل ولا بد، فوجب بنص الآية ضرورة أن المرء إذا أراد صلاة فرض أو تطوع وقام إليها أن يتوضأ أو يغتسل ان كان حنبا أو يتيمم ان كان من أهل التيمم ثم ليصل، فإذ ذلك نص الآية بيقين فإذا أتم المرء غسله أو وضوءه أو تيممه فقد طهر بلا شك، واذ قد صحت طهارته فجائز له أن يجعل بين طهارته وبين الصلاة التى قام إليها مهلة من مشى أو حديث أو عمل، لان الآية لم توجب اتصال الصلاة بالطهارة لا بنصها ولا بدليل فيها، وإذا جاز أن يكون بين طهارته وبين صلاته مهلة فجائز أن تمتد المهلة ما لم يمنع من تماديها قرآن أو سنة، وذلك يمتد إلى آخر اوقات الفرض، وأما في التطوع فما شاء * فصح بنص الآية جواز التطهر بالغسل وبالوضوء وبالتيمم قبل وقت صلاة الفرض، وانما وجب بنص الآية أن لا يكون شئ من ذلك الا بنية التطهر للصلاة فقط ولا مزيد * ودليل آخر: وهو أن الصلاة جائزة بلا خلاف في أول وقتها، فإذ ذلك كذلك فلا يكون ذلك البتة الا وقد صحت الطهارة لها قبل ذلك، وهذا ينتج ولا بد جواز التطهر بكل ذلك قبل أول الوقت *

[ 76 ]

برهان آخر وهو ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد ابن شعيب (1) ثنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح (2) فكأنما قدم (3) بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكانما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر). فهذا نص جلي على جواز الوضوء للصلاة والتيمم لها قبل دخول وقتها، لان الامام يوم الجمعة لابد ضرورة من أن يخرج قبل الوقت أو بعد دخول الوقت، وأي الامرين كان فتطهر هذا الرائح من أول النهار كان قبل وقت الجمعة بلا شك، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في الرائحين إلى الجمعة المتيمم في السفر والمتوضئ * واما من فرق بين جواز الوضوء قبل الوقت وجواز التيمم قبل الوقت فمنع منه: فانهم ادعوا أن حكم الآية يوجب أن يكون كل ذلك بعد الوقت، وادعوا أن الوضوء خرج بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح الصلوات كلها بوضوء واحد، وهذا لا حجة لهم فيه، لانه ليس في هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ قبل دخول وقت الصلاة، ولعله توضأ بعد دخول الوقت ثم بقى يصلى بطهارته ما لم تنتقض، فإذ هذا ممكن فلا دليل في هذا الخبر على جواز الوضوء قبل دخول الوقت. وبالله تعالى التوفيق * 113 - مسألة - فان خلط بنية الطهارة للصلاة نية لتبرد أو لغير ذلك لم تجزه الصلاة بذلك الوضوء * برهان ذلك قول الله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) فمن مزج بالنية التى أمر بها نية لم يؤمر بها فلم يخلص لله تعالى العبادة بدينه ذلك، وإذا لم يخلص فلم يأت بالوضوء الذى أمره الله تعالى به، فلو نوى مع وضوئه للصلاة أن


(1) هو النسائي (2) في النسائي (ج 1: ص 206) (ثم راح) (3) في النسائي (قرب)

[ 77 ]

يعلم الوضوء من بحضرته أجزأته الصلاة به لان تعليم الناس الدين مأمور به. وبالله تعالى التوفيق * 114 - مسألة - ولا تجزئ النية في ذلك ولافي غيره من الاعمال إلا قبل الابتداء بالوضوء أو بأى عمل كان متصلة بالابتداء به لا يحول بينهما وقت قل أم كثر * برهان ذلك أن النية لما صح أنها فرض في العمل وجب أن تكون لا يخلو منها شئ من العمل، وإذا لم تكن كما ذكرنا فهى إما أن يحول بينها وبين العمل زمان فيصير العمل بلا نية، وأيضا فانه لو جاز أن يحول بين النية وبين العمل دقيقة لجاز أن يحول بينهما دقيقتان وثلاث وأربع وما زاد إلى أن يلغ الامر إلى عشرات أعوام، وإما أن يكون مقارنا للنية فيكون أول العمل خاليا من نية دخل فيه بها، لان النية هي القصد بالعمل والارادة به ما افترض الله تعالى في ذلك العمل، وهذا لا يكون إلا معتقدا قبل العمل ومعه كما ذكرنا. وبالله تعالى التوفيق * 115 - مسألة - ومن غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو وقف تحت ميزاب حتى عمها الماء ونوى بذلك الوضوء للصلاة أو صب الماء على أعضاء الوضوء للصلاة أو صب الماء على أعضاء الوضوء غيره ونوى هو بذلك الوضوء للصلاة أجزأه * برهان ذلك ان اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التى بها نزل القرآن، ومن ادعى ان اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد (1) فقد ادعى مالا برهان له به. وقولنا هذا قول أبى حنيفة والشافعي وداود. وبالله تعالى التوفيق * 116 - مسألة - وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء وبغير وضوء وللجنب والحائض * برهان ذلك ان قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى افعال


(1) قال الامير الصنعاني: يقال غسل لغة تقتضي مباشرة الغاسل فلا يجزئ وقوفه تحت ميزاب ولا صب غيره على أعضائه، فتأمل فان المصنف أهمل المباشرة وتكلم على الدلك اه‍.

[ 78 ]

خير مندوب إليها مأجور فاعلها، فمن ادعى المنع فيها في بعض الاحوال كلف أن يأتي بالبرهان فأما قراءة القرآن فان الحاضرين من المخالفين موافقون لنا في هذا لمن كان على غير وضوء، واختلفوا في الجنب والحائض، فقالت طائفة: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن، وهو قول روى عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما وعن غيرهما روى أيضا كالحسن البصري وقتادة والنخعي وغيرهم، وقالت طائفة: اما الحائض فتقرأ ما شاءت من القرآن، وأما الجنب فيقرأ الآيتين ونحوهما، وهو قول مالك، وقال بعضهم: لا يتم الآية وهو قول أبى حنيفة * فاما من منع الجنب من قراءة شئ من القرآن فاحتجوا بما رواه عبد الله بن سلمة عن على بن أبي طالب رضى الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يحجزه عن القرآن شئ ليس الجنابة) وهذا لا حجة لهم فيه، لانه ليس فيه نهى عن أن يقرأ الجنب القرآن، وانما هو فعل منه عليه السلام لا يلزم، ولا بين عليه السلام أنه انما يمتنع من قراءة القرآن من أجل الجنابة، وقد يتفق له عليه السلام ترك القراءة في تلك الحال ليس من أجل الجنابة، وهو عليه السلام لم يصم قط شهرا كاملا غير رمضان ولم يزد قط في قيامه على ثلاث عشرة ركعة، ولا أكل قط على خوان، ولا أكل متكئا. أفيحرم أن يصام شهر كامل غير رمضان، أو ان يتهجد المرء بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، أو أن يأكل على خوان أو أن يأكل متكئا؟ هذا لا يقولونه، ومثل هذا كثير جدا وقد جاءت آثار في نهى الجنب ومن ليس على طهر عن أن يقرأ شيئا من القرآن، ولا يصح منها شئ، وقد بينا ضعف أسانيدها في غير موضع، ولو صحت لكانت حجة على من يبيح له قراءة الآية التامة أو بعض الآية، لانها كلها نهي عن قراءة القرآن للجنب جملة. وأما من قال يقرأ الجنب الآية أو نحوها، أو قال لا يتم الآية، أو أباح للحائض ومنع الجنب فأقوال فاسدة، لانها دعاوى لا يعضدها دليل لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من اجماع ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا من رأى سديد، لان بعض الآية والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى، وأهل هذه الاقوال

[ 79 ]

يشنعون مخالفة الصاحب الذى لا يعرف له مخالف، وهم قد خالفوا ههنا عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وسلمان الفارسي، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * وأيضا فان من الآيات ما هو كلمة واحدة مثل (والضحى) و (مدهامتان) و (والعصر) و (والفجر) ومنها كلمات كثيرة كآية الدين، فإذ لا شك في هذا فان في اباحتهم له قراءة آية الدين والتي بعدها أو آية الكرسي أو بعضها ولا يتمها ومنعهم اياه من قراءة (والفجر وليال عشر والشفع والوتر) أو منعهم له من اتمام (مدهامتان) لعجبا وكذلك تفريقهم بين الحائض والجنب بأن أمر الحائض يطول، فهو محال، لانه ان كانت قراءتها للقرآن حراما فلا يبيحة لها طول أمرها، وان كان ذلك لها حلالا فلا معنى للاحتجاج بطول أمرها، حدثنا محمد بن سعيد بن نبات (1) ثنا عبد الله بن نصر عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن وضاح عن موسى بن معاوية ثنا ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة قال: لا بأس أن يقرأ الجنب القرآن. وبه إلى موسى ابن معاوية ثنا يوسف بن خالد السمتى (2) ثنا ادريس عن حماد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ فقال: وكيف لا يقرؤه وهو في جوفه. وبه إلى يوسف السمتي عن نصر الباهلى قال: كان ابن عباس يقرأ البقرة وهو جنب * أخبرني محمد بن سعيد بن نبات ثنا احمد بن عون الله (3) ثنا


(1) بالنون والباء والتاء كما في الاحكام للمؤلف والمشتبه للذهبي وشرح القاموس. ومحمد بن سعيد هذا هو أبو عبد الله النباتي بفتح النون نسبة إلى جده مات بعد سنة 400 قاله السمعاني * (2) بفتح السين المهملة واسكان الميم وبعدها تاء. قيل له ذلك لهيئته وسمته. قال ابن سعد: كان له بصر بالرأي والفتوى والشروط. وقال ابن معين: كذاب زنديق لا يكتب حديثه. وكذلك كذبه الفلاس وأبو داود وضعفه الشافعي وابن قانع والساجى. وقال ابن حبان: كان يضع الاحاديث على الشيوخ. مات سنة 189 * (3) في الاحكام للمؤلف: (أحمد بن عون) فيحرر *

[ 80 ]

قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن حماد بن أبى سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ فلم ير به بأسا، وقال: أليس في جوفه القرآن؟ وهو قول داود وجميع أصحابنا. وأما سجود القرآن فانه ليس صلاة أصلا. لما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد ابن معاوية ثنا احمد بن شعيب ثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن بن مهدى ومحمد ابن جعفر قالا ثنا شعبة عن يعلى بن عطاء انه سمع عليا الازدي (1) وهو على بن عبد الله البارقي ثقة انه سمع ابن عمر يقول (2) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) وقد صح عليه السلام انه قال (الوتر ركعة من آخر الليل) فصح ان ما لم يكن ركعة تامة أو ركعتين فصاعدا فليس صلاة، والسجود في قراءة القرآن ليس ركعة ولا ركعتين فليس صلاة، وإذ ليس هو صلاة فهو جائز بلا وضوء وللجنب وللحائض والى غير القبلة كسائر الذكر ولا فرق، إذ لا يلزم الوضوء الا للصلاة فقط، إذ لم يأت بايجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا قياس * فان قيل. ان السجود من الصلاة، وبعض الصلاة صلاة. قلنا وبالله تعالى التوفيق: هذا باطل، لانه لا يكون بعض الصلاة صلاة الا إذا تمت كما أمر بها المصلى، ولو ان امرأ كبر وقرأ وركع ثم قطع عمدا لما قال أحد من أهل الاسلام إنه صلى شيئا، بل يقولون كلهم انه لم يصل، فلو أتمها ركعة في الوتر أو ركعتين في الجمعة والصبح والسفر والتطوع لكان قد صلى بلا خلاف * ثم نقول لهم: ان القيام بعض الصلاة والتكبير بعض الصلاة وقراءة أم القرآن بعض الصلاة والجلوس بعض الصلاة والسلام بعض الصلاة: فيلزمكم على هذا أن لا تجيزوا لاحد أن يقوم ولا أن يكبر ولا أن يقرأ أم القرآن ولا يجلس ولا يسلم الا على وضوء، فهذا ما لا يقولونه فبطل احتجاجهم. وبالله تعالى التوفيق *


(1) في أحد الاصلين (الاسدي) وهو خطأ صححناه من النسخة اليمنية والنسائي والتهذيث * (2) في النسائي: (يحدث) *

[ 81 ]

فان قالوا: هذا اجماع، قلنا لهم: قد أقررتم (1) بصحة الاجماع على بطلان حجتكم وافساد علتكم وبالله تعالى التوفيق (2) وأما مس المصحف فان الآثار التى احتج بها من لم يجز للجنب مسه فانه لا يصح منها شئ، لانها اما مرسلة واما صحيفة لا تسند (3) وإما عن مجهول وإما عن


(1) في النسخة اليمنية (قيل فقد أقررتم) * (2) قال البخاري في الصحيح: (باب سجود المسلمين مع المشركين. والمشرك نجس ليس له وضوء. وكان ابن عمر رضى الله عنهما يسجد على غير وضوء) ثم روى الحديث ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس) قال ابن حجر: (وأما ما رواه البيهقى باسناد صحيح عن الليث عن نافع عن ابن عمر قال لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر. فيجمع بينهما بأنه أراد بقوله طاهر الطهارة الكبرى أو الثاني على حالة الاختيار والاول على الضرورة) ثم قال بعد كلام: (ويحتمل أن يجمع بين الترجمة وأثر ابن عمر بأنه يبعد في العادة أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء لانهم لم يتأهبوا لذلك، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود خوف الفوات بلا وضوء وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك استدل بذلك على جواز السجود بلا وضوء عند وجود المشقة بالوضوء، ويؤيده أن لفظ المتن: وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس، فسوى ابن عباس في نسخة السجود بين الجميع وفيهم من لا يصح منه الوضوء، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء وممن لم يكن بوضوء والله أعلم) ثم قال (لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبى أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح وأخرجه أيضا بسند حسن عن أبى عبد الرحمن السلمى أنه كان يقرأ السجدة ثم يسلم وهو على غير وضوء إلى غير القبلة وهو يمشى يومئ ايماء) * (3) يشير إلى حديث مالك في الموطأ: (عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: ان في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: ان لا يمس القرآن إلا طاهر). وهذا مرسل وهو قطعة من كتاب كتبه رسول الله

[ 82 ]

ضعيف، وقد تقصيناها في غير هذا المكان. وانما الصحيح ما حدثناه عبد الله بن ربيع قال ثنا محمد بن أحمد بن مفرج (4) نا سعيد بن السكن ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا الحكم بن نافع ثنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أنه كان عند هرقل فدعا هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الدي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا


صلى الله عليه وسلم إلى أقيال اليمن وبعث به عمرو بن حزم وبقى بعده عند آله. وروى الدارقطني في السنن والحاكم في المستدرك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثه الانصاري التابعي الثقة (أن عمر بن عبد العزيز حين استخلف أرسل إلى المدينة يلتمس عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات فوجد عند آل عمرو بن حزم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم في الصدقات ووجد عند آل عمر بن الخطاب كتاب عمر إلى عماله في الصدقات بمثل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم، فأمر عمر بن عبد العزيز عماله على الصدقات أن يأخذوا بما في دينك الكتلبين). وكتاب عمرو بن حزم هذا بحث عن لفظه كله حتى وفقني الله للاهتداء إليه، فوحدت الحاكم رواه بطوله في المستدرك (ج 1 ص 395 طبع الهند) من طريق الحاكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده. وروى بعضه بهذا الاسناد النسائي وابن حبان والدار قطني والبيهقي، وهو اسناد صحيح بينت صحته بيانا شافيا والحمد لله في شرحي على التحقيق لابن الجوزي ج 1 ص 97 في المسألة رقم 42 (4) هكذا في النسخة المصرية وهو الصواب، وفي اليمنية (احمد بن محمد ابن مفرج) وهو خطأ وهو محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج، انظر تذكرة الحفاظ (ج 3 ص 140) في ترجمة ابن السكن ولسان الميزان (ج 5 ص 387). وأما (مفرج) هل هو بالجيم أو بالحاء فهذا موضع نظر ووقع في جميع ما ذكرنا بالحاء الا في النسخة المصرية وفى تذكرة الحفاظ في ترجمة ابن الاعرابي (ج 3 ص 66) فانه بالجيم. وأنا أميل إلى ترجيح أنه بالجيم فان شارح القاموس لم يذكر في الاعلام من اسمه (مفرح) بالحاء المهملة، وانظر ما سيأتي بهامش المسألة رقم 118

[ 83 ]

فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله (1) إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى (أما بعد) فاني أدعوك بدعاية الاسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك اثم الاريسيين و (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)) فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث كتابا وفيه هذه الآية إلى النصارى وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب * فان ذكروا ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث عن نافع عن ابن عمر قال: (كان ينهى النبي صلعم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو يخاف أن يناله العدو (2)) فهذا حق يلزم اتباعه وليس فيه أن لا يمس المصحف جنب ولا كافر، وانما فيه أن لا ينال أهل أرض الحرب القرآن فقط * فان قالوا: انما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل آية واحدة، قيل لهم: ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرها وأنتم أهل قياس فان لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها * فان ذكروا قول الله تعالى: (في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون) فهذا لا حجة لهم فيه لانه ليس أمرا وانما هو خبر، والله تعالى لا يقول الا حقا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الامر إلا بنص جلى أو اجماع متيقن، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه عزوجل لم يعن المصحف وانما عنى كتابا آخر، كما أخبرنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم ابن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا سفيان الثوري عن جامع بن أبى راشد عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى (لا يمسه الا المطهرون) قال: الملائكة الذين في السماء * حدثنا حمام بن أحمد ثنا


(1) في المصرية (عبد الله رسول الله) وفي اليمنية (من محمد رسول الله) وصححناه من البخاري (انظر الفتح 1: 42 30) (2) رواه أيضا مالك والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه

[ 84 ]

ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى (1) ثنا عبد الرزاق ثنا يحيى بن العلاء (2) عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن علقمة قال: أتينا سليمان الفارسى فخرج علينا من كنيف له فقلنا له: لو توضأت يا أبا عبد الله ثم قرأت علينا سورة كذا، فقال سلمان: انما قال الله عزوجل (في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون) وهو الذكر الذى في السماء لا يمسه الا الملائكة (3) * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا احمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة ثنا منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن علقمة بن قيس: انه كان إذا أراد أن يتخذ مصحفا أمر نصرانيا فنسخه له * وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته ولا يحمله بغير علاقة، وغير المتوضئ عندهم كذلك، وقال مالك: لا يحمل الجنب ولا غير المتوضئ المصحف لا بعلاقة ولا على وسادة، فان كان في خرج أو تابوت فلا بأس أن يحمله اليهودي والنصراني والجنب وغير الطاهر * قال على: هذه تفاريق لا دليل على صحتها لا من قرآن ولا من سنة لا صحيحة ولا سقيمة ولا من اجماع ولا من قياس ولا من قول صاحب، ولئن كان الخرج حاجزا بين الحامل وبين القرآن فان اللوح وظهر الورقة حاجز أيضا ببن الماس وبين القرآن ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق *


(1) بفتح الدال والباء ونسبة إلى دبر وهى قرية من قرى صنعاء اليمن وهو أبو يعقوب اسحق بن ابراهيم بن عباد راوي كتب عبد الرزاق بن همام عنه مات سنة 285 (2) يحيى بن العلاء البجلى أبو سلمة. قال احمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال وكيع: كان يكذب (3) في الموطأ: (قال مالك أحسن ما سمعت في هذه الآية (لا يمسه الا المطهرون) أنها بمنزلة هذه الآية التى في عبس وتولى قول الله تعالى (كلا انها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة))

[ 85 ]

177 مسألة وكذلك الا ذان والاقامه يجزئان أيضا بلا طهارة وفي حال الجنابة * وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه وقول أبى سليمان وأصحابنا، وقال الشافعي: يكره ذلك ويجزئ ان وقع، وقال عطاء: لا يؤذن المؤذن الا متوضئا، وقال مالك: يؤذن من ليس على وضوء ولا يقيم الا متوضئ * قال على: هذا فرق لا دليل على صحته لا من قرآن ولا من سنة ولا اجماع ولا قول صاحب ولا قياس، فان قالوا: ان الاقامة متصلة بالصلاة، قيل لهم: وقد لا تتصل ويكون بينهما مهلة من حديث بدأ فيه الامام مع انسان يمكن فيه الغسل والوضوء، وقد يكون الاذان متصلا بالاقامة والصلاة كصلاة المغرب وغيرها ولا فرق وإذا لم يأت نص بايجاب أن لا يكون الاذان والاقامة الا بطهارة من الجنابة وغيرها فقول من أوجب (1) ذلك خطأ، لانه احداث شرع من غير قرآن ولا سنة ولا اجماع وهذا باطل، فان قيل: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر (2))، قيل لهم: هذه كراهة لا منع، وهو عليكم لا لكم لانكم تجيزون الاذان وقراءة القرآن وذكر الله تعالى على غير طهر وهذا هو الذي نص على كراهته في الخبر، وأنتم لا تكرهونه أصلا، فهذا الخبر أعظم حجة عليكم، وأما نحن فهو قولنا وكل ما ذكرنا فهو عندنا على طهارة أفضل، ولا نكرهه على غير طهارة، لان هذه الكراهة منسوخة على ما نذكره بعد ان شاء الله تعالى * 118 مسألة ويستحب الوضوء للجنب إذا أراد الاكل أو النوم ولرد السلام ولذكر الله تعالى وليس ذلك بواجب. فان قيل: فهلا أوجبتم ذلك كله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اني كرهت أن أذكر الله


(1) في اليمنية (أحب) (2) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ولفظ أبي داود: (عن المهاجر ابن قنفذ قال: انه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال انى كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر أو قال على طهارة) واسناده صحيح

[ 86 ]

إلا على طهر) ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ ذكر له أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ((توضأ واغسل ذكرك ثم نم) (1) ولما روته عائشة رضى الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة) (1) قلنا وبالله تعالى التوفيق: أما الحديث في كراهة ذكر الله تعالى إلا على طهر فانه منسوخ بما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا صدقة ثنا الوليد بن مسلم ثنا الاوزاعي حدثنى عمير بن هانئ حدثنى جنادة بن أبى أمية ثنا عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعار (3) من الليل فقال: لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير الحمد الله وسبحان الله (ولا اله الا الله) (4) والله أكبر ولا حول ولا قوة الا بالله (ثم قال) اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فان توضأ ووصلى قبلت صلاته)) * قال علي: فهذه اباحة لذكر الله تعالى بعد الانتباه من النوم في الليل وقبل الوضوء نصا، وهى فضيلة، والفضائل لا تنسخ لانها من نعم الله علينا، قال الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وهذا أمر باق غير منسوخ بلا خلاف من أحد. وقال تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فهذا عموم ضمان لا يخيس (5)، قال الله تعالى (ان الله لا يخلف الميعاد)، وقد أيقنا بما ذكرنا قبل من إخباره عليه السلام انه قال (لا تزال طائفة من أمتى على الحق). ان جميع


(1) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن (2) رواه مسلم وغيره (3) بفتح التاء المثناة والعين المهملة والراء المشددة أي هب من نومه واستيقظ (4) الزيادة في الموضعين من البخاري. (5) بالخاء المعجمة والسين المهملة، يقال. خاس فلان بوعده يخيس إذا أخلف، وخاس بعهده إذا غدر ونكث

[ 87 ]

الامة لا تغير أصلا، وإذا صح ان الامة كلها لا تغير أبدا، فقد أيقنا ان الله تعالى لا يغير نعمه عند الامة أبدا. وبالله تعالى التوفيق. وأما أمره عليه السلام بالوضوء فهو ندب، لما حدثناه حمام قال ثنا عمر بن مفرج (1) قال ثنا ابن الاعرابي قال ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي اسحاق عن الاسود بن يزيد عن عائشة أم المومنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام جنبا ولا يمس ماء) (2). وهذا لفظ يدل على مداومته صلى الله عليه وسلم لذلك وهى رضى الله عنها أحدث الناس عهدا بمبيته ونومه جنبا وطاهرا * فان قيل: ان هذا الحديث أخطأ فيه سفيان، لان زهير بن معاوية خالفه فيه. قلنا بل أخطأ بلا شك (3) من خطأ سفيان بالدعوى بلا دليل، وسفيان أحفظ من زهير بلا شك. وبالله تعالى التوفيق * قال على: وكان اللازم للقائلين بالقياس أن يقولوا: لما كانت الصلاة وهى ذكر لا تجزئ إلا بوضوء أن يكون سائر الذكر كله كذلك، ولكن هذا مما تناقضوا فيه. ولا يمكنهم ههنا دعوى الاجماع، لما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله محمد بن


(1) هنا رسم في النسخة اليمنية (مفرح) بالحاء المهملة ووضع الناسخ نقطة تحت الحاء خارج دائراتها وهذه علامة التأكيد بأنها مهملة، فليراجع هذا فانه موضع نظر مع ما قلناه في هامش المسألة رقم 116 (2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (3) القول ما قال المؤلف والحديث صحيح، والمحدثون انما عللوه بتخطئة أبى اسحق لا سفيان في ذكر (ولا يمس ماء) قال البيهقي (وذلك لان الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الاسود، وأن أبا اسحق ربما دلس فرأوها من تدليساته، واحتجوا على ذلك برواية ابراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الاسود عن الاسود بخلاف رواية أبي اسحق). ثم ذكر الروايات الاخرى التي فيها انه كان يسوضأ قبل الاكل أو النوم، ولا منافاة بين هذه الروايات، فان الوضوء مستحب للجنب قبل الاكل أو النوم، والترك ابيان الجواز.

[ 88 ]

عثمان ثنا احمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد ابن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: انه كان لا يقرأ القرآن ولا يرد السلام ولا يذكر الله الا وهو طاهر * إلا معاودة الجنب للجماع فالوضوء عليه فرض بينهما * للخبر الذي رويناه من طريق حفص بن غياث وابن عيينة كلاهما عن عاصم الاحول عن أبى المتوكل عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءا)، هذا لفظ حفص بن غياث ولفظ ابن عيينة (إذا أراد أن يعود فلا يعود حتى يتوضأ (1))، ولم نجد لهذا الخبر ما يخصصه ولا ما يخرجه إلى الندب إلا خبرا ضعيفا من رواية يحيى بن أيوب، وبايجاب الوضوء في ذلك يقول عمر بن الخطاب وعطاء وعكرمة وابراهيم والحسن وابن سيرين * 119 مسألة والشرائع لا تلزم الا بالاحتلام أو بالانبات للرجل والمرأة أو بانزال الماء الذى يكون منه الولد وان لم يكن احتلام أو بتمام تسعة عشر عاما كل ذلك للرجل والمرأة أو بالحيض للمرأة * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب ثنا احمد بن عمر وبن السرح عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان هو الاعمش عن أبى ظبيان عن عبد الله بن عباس، ان على بن أبى طالب قال لعمر بن الخطاب: أو ما تذكر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رفع القلم عن ثلاث، عن المجنون المغلوب على عقله وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم) والصبى لفظ يعم الصنف كله الذكر والانثى في اللغة التى بها خوطبنا. حدثنا حمام


(1) اللفظ الاول لفظ مسلم في الصحيح (ج 1 ص 98) وفيه (ثم أراد أن يعود) والحديث رواه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي رواية ابن حبان وابن خزيمة والحاكم والبيهقي زيادة (فانه أنشط للعود) وهذه الزيادة قرينة على صرف الامر إلى الندب

[ 89 ]

ابن احمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن (1) ثنا عبد الله ابن روح ثنا يزيد بن هارون ثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن عطية القرظى قال: (لما كان يوم قريظة جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنبت ضرب عنقه فكنت فيمن لم ينبت فعرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلى عنى (2)) * قال علي لا معنى لمن فرق بين أحكام الانبات، فأباح سفك الدم به في الاسراء (3) خاصة، جعله هنالك بلوغا ولم يجعله بلوغا في غير ذلك، لان من المحال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحل دم من لم يبلغ مبلغ الرجال ويخرج عن الصبيان الذين قد صح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم. ومن الممتنع المحال أن يكون انسان واحد رجلا بالغا غير رجل ولا بالغ معا في وقت واحد * وأما ظهور الماء في اليقظة الذى يكون منه المحل فيصير به الذكر أبا والانثى أما قبلوغ لا خلاف فيه من أحد. وأما استكمال التسعة عشر عاما فاجماع متيقن، وأصله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد المدينة وفيها صبيان وشبان وكهول، فألزم الاحكام من خرج عن الصبا إلى الرجولة، ولم يلزمها الصبيان، ولم يكشف أحدا من كل من حواليه من الرجال: هل احتلمت يا فلان؟ وهل أشعرت؟ وهل أنزلت؟ وهل حضت يا فلانة؟ هذا أمر متيقن لا شك فيه، فصح يقينا أن ههنا سنا إذا بلغها الرجل أو المرأة فهما ممن ينزل أو ينبت أو يحيض، إلا أن يكون فيهما آفة تمنع من ذلك،


(1) في اليمنية (ثنا محمد بن عبد الملك بن عمير عن أيمن) وهو خطأ فاحش واضح والصواب ما هنا، ومحمد هذا هو الحافظ الكبير الامام أبو عبد الله القرطبى (330 252) وترجمة في تذكرة الحفاظ (ج 3 ص 53) (2) الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطيالسي وقال الترمذي (حسن صحيح). (3) في اللسان (الاسير المسجون والجمع أسراء وأسارى وأسارى وأسرى)

[ 90 ]

كما بالاطلس (1) آفة منعته من اللحية، لولاها لكان من أهل اللحى (2) بلا شك، هذا أمر يعرف بما ذكرنا من التوقف وبضرورة الطبيعة الجارية في جميع أهل الارض ولا شك في أن من أكمل تسع عشرة سنة ودخل في عشرين سنة فقد فارق الصبا ولحق بالرجال لا يختلف اثنان من أهل كل ملة وبلدة في ذلك وان كانت به آفة منعته من إنزال المنى في أو نوم يقظة ومن إنبات الشعر ومن الحيض * وأما الحيض فحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا أبو سعيد بن الاعرابي ثنا محمد بن الجارود القطان ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد ابن زيد ثنا قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة حائض الا بخمار (3)) فأخبر عليه السلام أن الحائض تلزمها الاحكام، وأن صلاتها تقبل على صفة ما ولا تقبل على غيرها * وقال الشافعي: من استكمل خمس عشرة سنة فهو بالغ، واحتج بأن رسول الله


(1) الاطلس من الذئاب الذي تساقط شعره وهو أخبث ما يكون (2) لحى بكسر اللام وضمها وفتح الحاء مقصور، جمع لحية (3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم. قال أبو داود: (رواه سعيد يعنى ابن أبى عروبه عن قتادة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم). وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأظن انه لخلاف فيه عن قتادة) ثم رواه من طريق ابن أبي عروبة. وكأنهما يشيران إلى تعليل الموصول بالمرسل. وهو تعليل ضعيف فان الطريقين مختلفان وحماد بن سلمة الذي رواه عن قتادة موصولا ثقة امام حجة وقد أخطأ أبو محمد بن حزم هنا في ذكر حماد بن زيد عن قتادة، فان الحديث حديث حماد بن سلمة كما هو مصرح به في سنن الترمذي وابن ماجه وعلل الدارقطني، وكما يفهم من تصحيح الحاكم له على شرط مسلم لان حماد بن سلمة روى له مسلم ولم يرو له البخاري، وأما ابن زيد فانه روى له الشيخان ولو كان هو لكان الحديث على شرطهما في اصطلاح الحاكم *

[ 91 ]

صلى الله عليه وسلم عرض عليه ابن عمر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق هو ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة فأجازهما قال على: وهذا لا حجة له فيه لوجهين: أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إنى أجزتهما من أجل أنهما ابنا خمس عشرة سنة، فذ ذلك كذلك فلا يجوز لاحد أن يضيف إليه عليه السلام ما لم يخبر به عن نفسه (1)، وقد يمكن أن يجيزهما يوم الخندق لانه كان يوم حصار في المدينة نفسها، ينتفع فيه بالصبيان في رمى الحجارة وغير ذلك، ولم يجزه يوم أحد لانه كان يوم قتال بعدوا فيه عن المدينة فلا يحضره إلا اهل القوة والجلد. والوجه الثاني أنه ليس في هذا الخبر أنهما في تلك الساعة أكملا معا خمسة عشر عاما لا بنص ولا بدليل كما قال الشافعي، ولا خلاف في أنه يقال في اللغة لمن بقى عليه من ستة عشر عاما الشهر والشهران: هذا ابن خمسة عشر عاما، فبطل التعلق بهذا الخبر جملة. وبالله تعالى التوفيق * 120 مسألة وازالة النجاسة وكل ما أمر الله تعالى بازالته فهو فرض


(1) الذي في كتب السير وتراجم الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم رد ابن عمر غزوة أحد وأجازه في الخندق كما هنا. وأما رافع فقد رده يوم بدر وأجازه يوم أحد فشهدها، انظر الاصابة (ج 2 ص 186) وغيرها وقال ابن هشام في السيرة (560): (وأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن حندب الفزاري ورافع بن خديج أخا بنى حارثة وهما ابنا خمس عشرة سنة وكان قد ردهما فقيل له يا رسول الله ان رافعا رام فأجازه فلما أجاز رافعا قيل له يا رسول الله فان سمرة يصرع رافعا فأجازه) وفي تاريخ الطبري (ج 3 ص 13) أنه أمرهما بالمصارعة فتصارعا فصرع سمرة رافعا فاجاز. وفيه أيضا (ج 3 ص 12): (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استصغر رافعا فقام على خفين له فيهما رقاع وتطاول على أطراف أصابعه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجازه). وكل هذا يؤيد أن سبب الاجازة ليس البلوغ أو السن وإنما هو القوة والقدرة على مخاطر الحروب *

[ 92 ]

هذه المسألة تنقسم أقساما كثيرة يجمعها أن كل شئ أمر الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتنابه أو جاء نص بتحريمه أو أمر كذلك بغسله أو مسحه، فكل ذلك فرض يعصى من خالفه، لما ذكرنا قبل من أن طاعته تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض. وبالله تعالى التوفيق (1) * 121 مسألة فما كان في الخف أو النعل من دم أو خمر أو عذرة أو بول أو غير ذلك فتطهيرهما بأن يمسحا بالتراب حتى يزول الاثر ثم يصلى فيهما، فان غسلهما أجزأه إذا مسهما بالتراب قبل ذلك * برهان ذلك أن كل ما ذكرنا من الدم والخمر والعذرة والبول حرام، والحرام فرض اجتنابه لا خلاف في ذلك، حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن اسماعيل الصائغ ثنا سليمان بن حرب الواشحي (2) ثنا حماد بن سلمة عن أبي نعامة عن أبي نضرة عن أبى سعيد الخدرى قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى باصحابه فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع القوم نعالهم، فلما سلم قال: لم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: ان جبريل أتانى


(1) يحتاج هنا إلى البحث في حكم الصلاة مع وجود النجاسة الحقيقية في الجسد أو الثوب أصحيحة هي أم باطلة. أما الآيات والاحاديث فالحق أنها تدل على وجوب التطهر من النجاسات خلافا لمذهب مالك في أنه سنة. ولكن هل هو شرط في صحة الصلاة والفرق واضح بين الفرض والواجب وبين الشرط يظهر لنا أن المؤلف رحمه الله يميل إلى القول بأنه شرط وهو ظاهر القول في المذاهب المعروفة ولكن أين الدليل على الشرطية؟ لم نر إلا أوامر فقط، والامر للوجوب، لا نخالف فيه، وأنما الشرطية لا تثبت إلا بدليل يدل على أن من صلى وثوبه أو بدنه نجس فصلاته باطل. وهذا ما لم نجده قط بعد التتبع. بل وجدنا الادلة متضافرة على صحة هذه الصلاة. وانظر تحقيق ذلك فيما كتبناه على التحقيق لابن الجوزي في المسألة رقم 118 * (2) بالشين المعجمة والحاء المهملة، ونسبة إلى واشح وهم بطن من الازد من قبائل الغطاريف نزلوا البصرة

[ 93 ]

فأخبرني أن فيهما قذرا. قال عليه السلام إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فلينظر إلى نعليه فان كان فهيما قذر أو أذى فليمسحه وليصل فيهما (1)) أبو نعامة هو عبد ربه السعدى، وأبو نضرة هو المنذر بن مالك العبدى (2) كلاهما ثقة * حدثنا عبد الله بن الربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم. ثنا ابن الاعرابي ثنا ابو داود ثنا احمد بن ابراهيم حدثنى محمد بن كثير عن الاوزاعي عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فمنن وطئ الا ذي بخفيه فطهورهما التراب) (3)


(1) الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة ورواه الدارمي عن حجاج بن منهال وأبي النعمان عن حماد بن سلمة. ورواه الحاكم في المستدرك من طريق يزيد بن هرون عن حماد بن سلمة، وكذلك رواه البيهقي من طريق حماد بن سلمة. ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن اسمعيل المنقري التبوذكى عن حماد بن يزيد عن أبي نعامة. وهذا في رأينا خطأ لاتفاق كل كل هؤلاء على أنه حماد بن سلمة، ولانه لم يذكر في التراجم رواية لحماد ابن زيد عن أبي نعامة بل الراوي عنه حماد بن سلمة وكذلك لم تذكر رواية لموسى بن اسمعيل عن حماد بن زيد بل هو يروى عن حماد بن سلمة. ولعل الخطأ من أبي داود أو من رواة كتابه، وقد صحح الحاكم الحديث على شرط مسلم ووافقه الذهبي * (2) أبو نضرة بفتح النون واسكان الضاد المعجمة. والعبدي بالعين والباء والدال. وفى هامش النسخة اليمنية هنا ما نصه: (في التقريب العوقى بفتح المهملة والواو ثم قاف انتهى وكأنه تصحف هنا على النساخ إلا أن الذي في الجامع لابن الاثير العبدي كما هنا فينظر). وكلاهما صحيح فانه أبو نضرة العبدي ثم العوقى كما في تهذيب التهذيب، والعوقى بالعين المهملة والواو المفتوحتين وآخره قاف نسبة إلى العوقة بطن من عبد القيس ومحله من محال البصرة قال ابن السمعاني في (النسب) (يشبه أن تكون هذه القبيلة نزلت ذلك الموضع فنسب إليهم) وكذلك قال ياقوت * (3) في الاصلين بحذف (وطئ) وهو خطأ ولفظ ابي داود (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وطئ الاذى بخفيه فطهورهما التراب). والحديث

[ 94 ]

قال على: وروينا عن عروة بن الزبير فيمن أصاب نعليه الروث، قال يمسحهما ولا يصلي فيهما، وعن الحسن البصري انه كان يمسح نعليه مسحا شديدا ويصلي فيهما، وهو قول الاوزاعي وأبى ثور وأبى سليمان (1) وأصحابنا قال علي: الغسل بالماء وغيره يقع عليه اسم مسح، تقول مسحت الشئ بالماء وبالدهن، فكل غسل مسح وليس كل مسح غسلا، ولكن الخبر الذى رويناه من طريق أبى داود ثنا احمد بن ابراهيم ثنا محمد بن كثير عن الاوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا وطئ أحدكم الاذى بخفه أو نعلم فليمسهما التراب) (2) وهذا زائدا على حديث أبى سعيد الخدرى في المسح بيانا وحكما، فواجب أن يضاف الزائد إلى الانقص حكما، فيكون ذلك استعمالا لجميع الآثار، لان من استعمل حديث أبى هريرة لم يخالف خبر أبى سعيد، ومن استعمل خبر أبى سعيد خالف خبر أبي هريرة وقال مالك والشافعي لا تجرئ ازالة النجاسة حيث كانت الا بالماء حاشا العذرة في المقعدة خاصة والبول في الاحليل خاصة فيزالان بغير الماء، وهذا مكان تركوا في أكثره النصوص كما ذكرنا في هذا الباب وغيره، ولم يقيسوا سائر النجاسات على النجاسة في المقعدة والاحليل وهما أصل النجاسات. قال على: وهذا خلاف لهذه النصوص المذكورة وللقياس * وقال أبو حنيفة: إذا أصاب الخف أو النعل روث فرس أو حمار أو أي روث كان فان كان أكثر من قدر الدرهم البغلى لم يجز أن يصلي به، وكذلك ان أصابهما عذرة انسان أو دم أو مني فان كان قدر الدرهم البغلى فأقل أجزأت الصلاة به، فان كان كل ما ذكرنا يابسا أجزأه أن يحكه فقط ثم يصلى به، وان كان شئ من ذلك رطبا لم تجزه


رواه أيضا ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال (صحيح على شرط مسلم) وصححه النووي أيضا (1) في اليمنية (وأبي موسى) (2) لم أجد هذا اللفظ في سنن أبى داود

[ 95 ]

الصلاة به الا أن يغسله بالماء، فان أصاب الخف بول انسان أو حمار أو مالا يؤكل لحمه فان كان أكثر من قدر الدرهم البغلى لم تجزه الصلاة به، ولم يجوزه فيه مسح أصلا، ولا بد من الغسل بالماء كان يابسا أو رطبا، فان كان قدر الدرهم البغلي فأقل جاز أن يصلي به وان لم يغسله ولا مسحه، قال: وأما بول افرس فالصلاة به جائزة ما لم يكن كثيرا فاحشا، وكذلك بول ما يؤكل لحمه، ولم يحد في الكثير الفاحش من ذلك حدا فان كان فيهما خرؤ مالا يؤكل لحمه من الطير أو ما يوكل لحمه منها وكان أكثر من قدر الدرهم فالصلاة به جائزة ما لم يكن كثيرا فاحشا، فان كان كل ذلك في الجسد لم تجز ازالته الا بالماء، وأما ما كان من ذلك في الثوب فتجزئ ازالته بالماء وغيره من المائعات كلها! وهذه أقوال ينبغى حمد الله تعالى على السلامة عند سماعها. وبالله تعالى التوفيق * وأعجب من ذلك انهم لم يتعلقوا بالنصوص الواردة في ذلك البتة، ولا قاسوا على شئ من النصوص في ذلك، ولا قاسوا النجاسة في الجسد على النجاسة في الجسد وهي العذرة في المخرج والبول في الاحليل، ولا قاسوا النجاسة في الثياب على الجسد، ولا تعلقوا في أقوالهم في ذلك بقول أحد من الامة قبلهم، ويسألون قبل كل شئ: أين وجدوا تغليظ بعض النجاسات وتخفيف بعضها؟ أفي قرآن أو سنة أو قياس! اللهم إلا أن الذى قد جاء في ازالته التغليظ قد خالفوه كالاناء يلغ فيه الكلب وكالعذرة فيما يستنجى فيه فقط * 122 مسألة وتطهير القبل والدبر من البول والغائط والدم من الرجل والمرأة لا يكون الا بالماء حتى يزول الاثر، أو بثلاثة أحجار متغايرة فان لم ينق فعلى الوتر أبدا يزيد كذلك حتى ينقى، لاأقل من ذلك، ولا يكون في شئ منها غائط أو بالتراب أو الرمل بلا عدد، ولكن ما أزال الاثر فقط على الوتر ولا بد، ولا يجزئ أحدا أن يستنجى بيمينه ولا وهو مستقبل القبلة، فان بدأ بمخرج البول أجزأت تلك الاحجار بأعيانها لمخرج الغائط، وان بدأ بمخرج الغائط لم يجزه من تلك الاحجار لمخرج البول إلا ما كان لا رجيع عليه فقط * حدثنثا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد

[ 96 ]

ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثن محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا سفيان الثوري عن الاعمش ومنصور بن المعتمر كلاهما عن ابراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان الفارسى قال: (قال لنا المشركون: انى أرى صاحبكم يعلمكم كل شئ حتى (يعلمكم) (1) الخراءة فقال سلمان أجل، انه نهانا أن يستنجى أحدنا بيمينه أو يستقبل (2) القبلة ونهانا عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجي (3) أحدكم بدون ثلاثة أحجار) * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد ابن وضاح ثنا موسي بن معاوية ثنا وكيع بن الجراح عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان الفارسي (ان بعض المشركين قال له: انى لارى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة قال أجل، أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع ولا عظم) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب ثنا اسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه ثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان الفارسى قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو نستنجي بأيماننا أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار) * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا احمد بن سعيد ثنا عبيد (4) الله بن يحيي بن يحيي ثنا أبى ثنا مالك عن ابن شهاب عن أبي ادريس الخولانى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا استجمرت فأوتر) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عطاء بن أبى ميمونة


(1) لفظ (يعلمكم) زدناه من صحيح مسلم ج 1 ص 88 (2) في الاصل (مستقبل) بالميم وصححناه من مسلم * (3) هكذا هو في الاصول وفى صحيح مسلم في جميع نسخه، وله وجه في العربية * (4) بالتصغير وفى النسخة المصرية بالتكبير وهو خطأ *

[ 97 ]

سمع أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء (1) فأحمل أنا وغلام (2) إدواة من ماء وعنزة يستنجى بالماء) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة بن سعيد ثنا اسماعيل هو ابن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وجعلت لى الارض طهورا ومسجدا) ورويناه أيضا من طريق جابر مسندا * وقال أبو حنيفة ومالك بأي شئ استنجي دون عدد فأنقى أجزأه، وهذا خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه نهى أن يكتفى أحد بدون ثلاثة أحجار وأمر بالوتر في الاستجمار وما نعلم لهم متعلقا الا أنهم ذكروا اثرا فيه: ان عمر رضى الله عنه كان له عظم أو حجر يستنحي به ثم يتوضأ ويصلى، وهذا لا حجة فيه، لانه شك: اما حجر واما عظم، وقد خالفوا عمر في المسح على العمامة وغير ذلك، ولو صح لكان لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاسيما وقد خالفه سلمان وغيره من الصحابة رضى الله عنهم، فأخبروا ان حكم الاستنجاء هو ما علمهم اياه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألا يكتفى بدون ثلاثة احجار) * فان قيل: امره عليه السلام بثلاثة احجار هو للغائط والبول معا، فوقع لكل واحد منهما اقل من ثلاثة احجار. قلنا: هذا باطل لان النص قد ورد بأن لا نستنجي بأقل من ثلاثقة احجار ومسح البول لا يسمى استنجاء، فحصل النص في الاستنجاء والخراءة أن لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار، وحصل النص مجملا في أن لا يجزئ


(1) في النسخة المصرية (إذا دخل الخلاء) وما هنا هو الموافق لليمنية ولصحيح البخاري (ج 1 ص 28) * (2) في النسخة اليمنية (وأنا غلام) بتقديم الواو، وما هنا هو الموافق للمصرية وللبخاري

[ 98 ]

أقل من ثلاثة أحجار على البول نفسه وعلى النجو (1) فصح ما قلناه * ومسح البول باليمين جائز، وكذلك مستقب القبلة، لانه لم ينه عن ذلك في البول، وانما نهى في الاستنجاء فقط * وقال الشافعي ثلاث مسحات بحجر واحد، وأجاز الاستنجاء بكل شئ حاشا العظم والروث والحممة (2) والقصب والجلود التى لم تدبغ، وهذا أيضا خلاف لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يكتفى بأقل من ثلاثة أحجار * فان قالوا: قسنا على الاحجار، قلنا لهم: فقيسوا على التراب في التيمم ولا فرق. * فان ذكروا حديثا رواه ابن أخى الزهري مسندا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات) * قيل: ابن أخي الزهري ضعيف والذي رواه عنه محمد بن يحيى الكنانى وهو مجهول (3) ولو صح لما كانت فيه حجة لانه ليس فيها أن تلك المسحات تكون بحجر واحد، فزيادة هذا لا تحل * وأما من قال: ان حديث (من استجمر فليوتر) معارض لحديث الثلاثة الاحجار. قلنا هذا خطأ، بل كل حديث منها قائم بنفسه، فلا يجزئ من الاحجار


(1) بفتح النون واسكان الجيم وهو العذرة * (2) بضم الحاء وبالميمين. قال في اللسان. (الحمم الفحم واحدته حممة. والحمم الرماد والفحم وكل ما احترق من النار) وهو المراد هنا (3) هو أبو غسان محمد بن يحيى بن على بن عبد الحميد. روى عنه كثير وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له البخاري. قال ابن حجر: (قال الحافظ أبو بكر بن مفوز الشاطى كان أحد الثقات المشاهير يحمل الحديث والادب والتفسير ومن بيت علم ونباهة. قلت: هذا الكلام راد على ابن حزم في دعواه أن أبا غسان مجهول. ولفظ ابن حزم: محمد بن يحيى الكنانى مجهول. فلعله ظنه آخر) اه‍ كلام ابن حجر وأما ابن أخى الزهري فهو محمد بن عبد الله ابن مسلم. وهو ثقة روى له البخاري حديثين. ومسلم استشهادا وكان في حفظه شئ وأنكروا عليه بعض أحاديث انفرد بها ليس هذا منها *

[ 99 ]

الا ثلاثة لا رجيع فيها، ويجزئ من التراب الوتر، ولا يجزئ غير ذلك من كل ما لا يسمى أرضا الا الماء * فان كان على حجر نجاسة غير الرجيع أجزأ ما لم يأت عنه نهى (1). وممن جاء عنه ألا يجزئ الا ثلاثة احجار سعيد بن المسيب والحسن وغيرهما * فان ذكر ذاكر حديثا رويناه من طريق ابن الحصين الحبراني عن ابى سعيد أو ابى سعد عن ابى هريرة مسندا: (من استجمر فليوتر من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج) فان ابن الحصين مجهول وابو سعيد أو ابو سعد الخير كذلك (2) *


(1) هذا خلط من المؤلف أن لا يرى جواز الاستجمار بغير جنس الارض إذا كان طاهرا وهو يجيزه بحجر عليه نجاسة، فان المقصود للشارع التطهير والنظافة لا النجاسة والقذر. رواه أبو داود في سننه عن ابراهيم بن موسى الرازي عن عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين الحبرانى عن أبي سعيد عن أبي هريرة. ورواه ابن ماجه عن محمد بن بشار وعبد الرحمن بن عمر عن عبد الملك بن الصباح عن ثور ابن يزيد عن حصين الحميري عن أبي سعيد الخير عن أبي هريرة. وقال أبو داود بعد روايته: (رواه أبو عاصم عن ثور قال حصين الحميري. ورواه عبد الملك ابن الصباح عن ثور فقال أبو سعيد الخير، قال أبو داود، أبو سعيد الخير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم). والحبراني بضم الحاء المهملة واسكان الباء الموحدة. وحبران بطن من حمير. وحصين هذا ذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي لا يعرف. وقد أخطأ المؤلف هنا في تسميته (ابن الحصين). وأما أبو سعيد أو أبو سعد فقد اختلف فيه فظن بعضهم أنهما واحد والصحيح أن راوي هذا الحديث هو أبو سعيد الحبراني الحميري الحمصي وهو مجهول كما قال أبو زرعة. قال حجر في التهذيب (الصواب التفريق بينهما فقد نص على كون أبى سعد الخير صحابيا البخاري وأبو حاتم وابن حبان والبغوي وابن قانع وجماعة. وأما أبو سعيد الحبرانى فتابعي قطعا، وانما وهم بعض الرواة فقال في حديثه عن أبي سعد الخير ولعله تصحيف وحذف)

[ 100 ]

فان ذكروا حديث ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ابغني احجارا فأتيته بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: انها ركس) فهذا لا حجة فيه لانه ليس في الحديث أنه عليه السلام اكتفى بالحجرين، وقد صح أمره عليه السلام له بأن يأتيه بأحجار، فالامر باق لازم لابد من إبقائه، وعلى أن هذا الحديث قد قيل فيه: ان أبا اسحاق دلسه، وقد رويناه من طريق أبى اسحاق عن علقمة وفيه: (ابغنى ثالثا (1)) * فان قيل: انما نهى عن العظم والروث لانهما زاد اخواننا من الجن. قلنا: نعم فكان ماذا؟ بل هذا موجب أن المستنجي بأحدهما عاص مرتين: إحداهما خلافه نص الخبر، والثانى تقديره زاد من نهي عن تقذير زاده، والمعصية لا تجزئ بدل الطاعة، وممن قال لا يجزئ بالعظم ولا باليمين الشافعي وأبو سليمان وغيرهما * 123 مسألة وتطهير بول الذكر أي ذكر كان في اي شئ كان فبأن يرش الماء عليه رشا يزيل اثره، وبول الانثى يغسل، فان كان البول في الارض أي بول كان فبأن يصب الماء عليه صبا يزيل اثره فقط * حدثنا احمد بن محمد بن الجسور ثنا احمد بن الفضل الدينوري (2) ثنا محمد ابن جرير ثنا عمرو بن على ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا يحيى بن الوليد عن محل (3)


(1) رواية علقمة هذه رواها أحمد في المسند من طريق معمر عن أبي اسحق عن علقمة عن ابن مسعود في هذا الحديث وفيه: (فألقى الروثة وقال: انها ركس ائتني بحجر) ورجاله ثقات أثبات. وانظر كلامنا تفصيلا على هذا الحديث في شرحنا للتحقيق لابن الجوزي في المسألة رقم 28 * (2) قال ابن الفرضي: (قدم الاندلس سنة 341 وكان يكتب كتابا ضعيفا لزم محمد بن جرير يعني الطبري وخدمه وتحقق به وسمع منه. وكان عنده مناكير). وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى (لقد كان بمصر يلعب به الاحداث ويسرقون كتبه وما كان ممن يكتب عنه توفي في المحرم سنة 349) نقل ذلك ابن حجر في اللسان (3) بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام

[ 101 ]

بن خليفة الطائي ثنا ابو السمح قال: (كنت اخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره فدعا بماء فرشه عليه ثم قال عليه السلام: هكذا يصنع يرش من الذكر ويغسل من الانثى) (1) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف ثنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن ام قيس بنت محصن: (انها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجره فبال على ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليه السلام بماء فنضحه ولم يغسله) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا موسي بن اسماعيل ثنا همام هو ابن يحيى ثنا اسحاق هو ابن عبد الله بن أبى طلحة عن انس بن مالك: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى اعرابيا يبول في المسجد فدعا بماء فصبه عليه). قال علي: ليس تحديد ذلك بأكل الصبي الطعام من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، وممن فرق بين بول الغلام وبول الجارية ام سلمة ام المؤمنين وعلى بن


(1) رواه أبو داود بلفظ (أتى بحسن أو حسين فبال على صدره فجئت أغسله فقال يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام) ورواه الحاكم في المستدرك بلفظ: (فأرادوا أن يغسلوه فقال رشوه رشا فانه يغسل بول الجارية ويرش بول الغلام) وصححه ووافقه الذهبي، ورواه أيضا البزار والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وقال البخاري (حديث حسن) وأبو السمح هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه. قال أبو زرعة (لا أعرف اسمه ولا أعرف له غير هذا الحديث) (2) ولكنهم فقهوا ذلك من لفظه واشارته، فقد قال في حديث أبى السمح (الغلام) والرواية التى ذكرها المؤلف بلفظ (الذكر) فيها ضعف من قبل أحمد بن الفضل الدينورى، وقد روى أحمد والترمذي من حديث على بن ابى طالب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية

[ 102 ]

ابى طالب، ولا مخالف لهما من الصحابة رضي الله عنهم، وبه يقول قتادة والزهري، وقال: مضت السنة بذلك، وعطاء بن ابى رباح والحسن البصري وابراهيم النخعي وسفيان الثوري والاوزاعي والشافعي واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وابو ثور وداود بن على وابن وهب وغيرهم. الا انه قد روى عن الحسن وسفيان التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعا. وقال ابو حنيفة ومالك والحسن بن حي: يسغل بول الصبى كبول الصبية، وما نعلم لهم متعلقا لا من قرآن ولا من سنة ولا من قول صاحب، نعم ولا عن احد من التابعين، الا ان بعض المتأخرين ذكر ذلك عن النخعي، والمشهور عنه خلاف ذلك، وقوله عن سعيد بن المسيب: الرش من الرش والصب من الصب من الابوال كلها، وهذا نصا (1) خلاف قولهم. وبالله تعالى التوفيق * 124 مسألة وتطهير دم الحيض أو أي دم كان سواء دم سمك كان أو غيره إذا كان في الثوب أو الجسد فلا يكون الا بالماء، حاشا دم البراغيث ودم الجسد، فلا يلزم تطهيرهما إلا ما لا حرج في غسله على الانسان، فيطهر المرء ذلك حسب ما لا مشقة عليه فيه * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شبية وأبو كريب قالا جميعا ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت (جاءت فاطمة بنت أبى حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله اني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال لا انما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) وهذا عموم منه صلى الله عليه


يغسل) وحسنه الترمذي. والمطلق يحمل على المقيد، وبخاصة للتشديد من الشارع في الاحتراز من البول والتوعد من أجله، فيجب أن نقتصر على ما ورد ولا نتوسع فيه (1) كذا في المصرية وفي اليمنية (أيضا)

[ 103 ]

وسلم لنوع الدم (1) ولا نبالي بالسؤال إذا كان جوابه عليه السلام قائما بنفسه غير مردود بضمير إلى السؤال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى هو ابن سعيد القطان عن هشام بن عروة حدثتني فاطمة هي بنت المنذر بن الزبير عن أسماء هي ابنة أبى بكر الصديق قالت (أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت احدانا تحيض في الثوب كيف تصنع قال: تحته ثم تقرصه (2) بالماء وتنضحه وتصلى فيه). ويستحب أن تستعمل في غسل المحيض شيئا من مسك، حدثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا. يحيى ثنا ابن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه عن عائشة: (ان امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل قال: خذي فرصة من مسك (3) فتطهري


(1) هنا بهامش اليمنية ما نصه (بل الاظهر أنه يريد دم الحيض. واللام للعهد الذكرى الدال عليه ذكر الحيضة والسياق فهو كعود الضمير سواء فلا يتم قوله: وهذا عموم الخ) وهو استدراك واضح صحيح (2) قال ابن حجر في الفتح. (بالفتح واسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين كذا في روايتنا. وحكى القاضي عياض وغيره فيه الضم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما تشربه الثوب منه) (3) الفرصة بكسر الفاء ويجوز تثليثها قطعة من صوف أو قطن. والمسك بكسر الميم معروف، وفي بعض نسخ البخاري بفتحها وتأوله الشراح كثيرا وكله تكلف والصواب الكسر، ويدل عليه ترجمة البخاري على الحديث بقوله (وتأخذ فرصة ممسكة) ثم رواه من طريق وهيب عن منصور بلفظ (خذي فرصة ممسكة) وهي الرواية التي أتى بها المؤلف هنا من صحيح مسلم. والروايات يفسر بعضها بعضا

[ 104 ]

بها قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله تطهري، فاجتبذتها إلى فقلت تتبعي بها أثر الدم (1) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد بن احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا احمد بن سعيد الدرامى ثنا حبان هو ابن هلال ثنا وهيب ثنا منصور هو ابن صفية عن أمه عن عائشة (ان امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أغتسل عند الطهر؟ فقال: خذي فرصة ممسكة فتوضئى بها) ثم ذكر نحو حديث سفيان * قال علي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتطهر بالفرصة المذكورة وهي القطعة وأن تتوضأ بها، وانما بعثه الله تعالى مبينا ومعلما، فلو كان ذلك فرضا لعلمها عليه السلام كيف تتوضأ بها أو كيف تتطهر، فلما لم يفعل كان ذلك غير واجب مع صحة الاجماع جيلا بعد جيل على ان ذلك ليس واجبا، فلم تزل النساء في كل بيت ودار على عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يتطهرن من الحيض، فما قال أحد إن هذا فرض. ويكفى من هذا كله أنه لم تسند هذه اللفظة الا من طريق ابراهيم بن مهاجر وهو ضعيف، ومن طريق منصور بن صفية وقد ضعف (2) وليس ممن بحتج بروايته (3) فسقط هذا الحكم جملة والحمد لله رب العالمين * وكل ما أمرنا الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فيه بالتطهير أو الغسل فلا يكون الا بالماء أو بالتراب ان عدم الماء، الا أن يأتي نص بأنه بغير الماء فنقف عنده، لما حدثناه عبد


(1) الرواية في الاصلين. (خذي فرصة من مسك فتطهري بها قلت كيف أتطهر قال تطهري بها قلت كيف أتطهر قال سبحان الله تطهري) الخ والذي أخذناه هنا هو رواية البخاري في الصحيح فلعل المؤلف رواه من حفظه فأخطأ فيه (2) في اليمنية (وهو ضعيف ليس) الخ (3) أما ابراهيم بن المهاجر فروايته في صحيح مسلم وهو ثقة لا بأس به وثقة ابن سعد وقال ابن حبان هو كثير الخطأ. واما منصور بن صفية فأبوه عبد الرحمن بن طلحة الحجبي وأمه صفية بنت شيبة وهو ثقة روى له الشيخان كما ترى، ولم أجد أحدا ضعفه قبل ابن حزم ولا أرى له حجة في هذا

[ 105 ]

الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب قال أبو بكر ثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الاشجعي، وقال أبو كريب ثنا ابن أبى زائدة هو يحيى بن زكريا عن أبى مالك هو سعد بن طارق عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فضلنا على الناس بثلاث) فذكر فيها (وجعلت لن الارض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء) ولا شك في أن كل غسل مأمور به في الدين فهو تطهر وليس كل تطهر غسلا. فصح انه لا طهر الا بالماء أو بالتراب عند عدم الماء * وقال أبو حنيفة: دم السمك كثر أو قل لا ينجس الثوب ولا الجسد ولا الماء، ودم البرغبث والبق كذلك، وأما سائر الدماء كلها فان قليلها وكثيرها يفسد الماء، وأما في الثوب والجسد: فان كان في أحدهما منه مقدار الدرهم البغلي فأقل فلا ينجس ويصلي به وما كان منه أكثر من قدر الدرهم البغلي فانه ينجس وتبطل به الصلاة، فان كان في الجسد فلا يزال الا بالماء، وإذا كان في الثوب فانه يزال بالماء وبأى شئ أزاله من غير الماء، فان كان في خف أو نعل فان كان يابسا أجزأ فيه الحك فقط، وان كان رطبا لم يجزئ الا الغسل بأى شئ غسل * وقال مالك: ازالة ذلك كله ليس فرضا، ولا يزال الا بالماء. وقال الشافعي: ازالته فرض ولا يزال الا بالماء * قال على: قال الله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وبالضرورة ندري انه لا يمكن الانفكاك من دم البراغيث ولا من دم الجسد، فإذ ذلك كذلك فلا يلزم من غسله الا مالا حرج فيه ولا عسر مما هو في الوسع * وفرق بعضهم بين دم ماله نفس سائلة ودم ما ليس له نفس سائلة، وهذا خطأ لانه قول لم يأت به قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا قول صاحب ولا قياس * وفرق بعضهم بين الدم المسفوح وغير المسفوح، وتعلقوا بقوله تعالى (أو دما مسفوحا)

[ 106 ]

وقد قال تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) فعم تعالى كل دم وكل يمتة، فكان هذا شرعا زائدا على الآية الاخرى، ولم يخص تعالى من تحريم الميتة ما لها نفس سائلة مما لا نفس سائلة لها * وتعلق بعضهم في الدرهم البغلي بحديث ساقط، ثم لو صح لكان عليهم، لان فيه الاعادة من قدر الدرهم، بخلاف قولهم. وقال بعضهم: قيس على الدبر، فقيل لهم: فهلا قستموه على حرف الاحليل ومخرج البول وحكمهما في الاستنجاء سواء، وقد تركوا قياسهم هذا إذ لم يروا ازالة ذلك من الجسد بما يزال به من الدبر. وأما من لم ير غسل ذلك فرضا فالسنن التي أوردناها مخالفة لقوله. وبالله تعالى التوفيق. 125 مسألة والمذى تطهيره بالماء يغسل مخرجه من الذكر وينضح بالماء ما مس منه الثوب. قال مالك يغسل الذكر كله * حدثنا احمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عبد الله بن أبى دليم ثنا ابن وضاح ثنا يحيى بن يحيى ثنا مالك عن أبى النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الاسود (ان على بن أبى طالب أمره أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من امرأته فخرج منه المذى (1)، قال فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه (بالماء) (2) وليتوضأ وضوءه للصلاة حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن مفرج ثنا ابن السكن ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو الوليد هو الطيالسي ثنا زائدة عن أبى حصين عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على بن أبى طالب قال: (كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فسأل فقال: توضأ واغسل ذكرك) * حدثنا حمام بن احمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا


(1) في الموطأ ص (14): (إذا دنا من أهله فخرج منه المذى ماذا عليه؟ قال على: فان عندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد: فسألت) الخ (2) الزيادة من الموطأ، وفي اليمنية (فليغسل ذكره) وما هنا هو الموافق للموطأ

[ 107 ]

بكر بن حماد ومحمد بن وضاح قال بكر ثنا مسدد ثنا حماد بن زيد، وقال ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا اسماعيل بن علية ويزيد بن هرون، ثم اتفق حماد واسماعيل ويزيد كلهم عن محمد بن اسحاق ثنا سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال حماد في حديثه (كنت ألقى من المذى شدة فكنت أكثر الغسل منه) ثم اتفقوا كلهم قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال: يكفيك منه الوضوء، قلت: أرأيت ما يصيب ثوبي منه؟ قال: يأخذ كفا من ماء فتنضح ثوبك حيث ترى أنه أصابه) (1) قال على: غسل مخرج المذى من الذكر يقع عليه اسم غسل الذكر، كما يقول القائل إذا غسله: غسلت ذكري من البول، فزيادة ايجاب غسل كله شرع لا دليل عليه، وقال بعضهم: في ذلك تقليص (2) فيقال له: فعانوا ذلك بالقوابض من العقاقير اذن فهو أبلغ * وهذا الخبر يرد على أبى حنيفة قوله: ان النجاسات لا تزال من الجسد الا بالماء وتزال من الثياب بغير الماء. فان تعلقوا بأن عائشة رضى الله عنها كانت تجيز إزالة دم الحيض من الثوب بالريق، قيل لهم فان ابن عمر كان يجيز مسح الدم من المحاجم بالحصاة دون غسل، ولا حجة إلا فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم * 126 مسألة وتطهير الاناء إذا كان لكتابي من كل ما يجب تطهيره منه بالماء وعلى كل حال إذا لم يجد غيرها سواء علمنا فيه نجاسة أو لم نعلم بالماء، فان كان اناء مسلم فهو طاهر، فان تيقن فيه ما يلزم اجتنابه فبأي شئ أزاله كائنا ما كان من


(1) رواه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة. قال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه الا من حديث محمد بن اسحاق في المذى مثل هذا. وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب. فقال بعضهم لا يجزئ الا الغسل، وهو قول الشافعي واسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح، وقال احمد أرجو أن يجزئه النضح بالماء) ج 1 ص 24. وفي اسناد الحديث محمد بن اسحاق وهو قد يدلس ولكنه صرح بالتحديث فهو اذن حجة (2) هذا القائل هو الطحاوي

[ 108 ]

الطاهرات الا أن يكون لحم حمار أهلى أو ودكه أو شحمه أو شيئا منه فلا يجوز أن يطهر الا بالماء ولا بد * حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث ثنا أبو عيسى بن أبي عيسى ثنا احمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن محمد بن بشر ثنا سعيد بن أبى عروبة عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن أبي ثعلبة الخشنى أنه قال: (يا نبى الله انا بأرض أهلها اهل كتاب تحتاج فيه إلى قدورهم وآنيتهم، فقال عليه السلام: لا تقربوها ما وجدتم بدا، فإذا لم تجدوا بدا فاغسلوها بالماء واطبخوا واشربوا (1) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن عباد وقتيبة قالا ثنا حاتم هو ابن اسماعيل عن يزيد بن ابي عبيد عن سلمة بن الا كوع قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر (ثم ان الله تعالى فتحها عليهم) (2) فلما أمسى الناس (مساء) (3) اليوم الذى فتحت عليهم أو قدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذه النيران على أي شئ توقدون؟ قالوا: على لحم قال: (على) (4) أي لحم؟ قالوا (على) (4) لحم الحمر الانسية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهريقوها واكسروها فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها قال: أو ذاك)) *


(1) رواه أيضا البخاري ومسلم وغيرهما بمعناه (2) هذه الجملة ليست من لفظ الحديث في صحيح مسلم وانما هي من المؤلف اختصارا لقصة الفتح (3) زيادة من مسلم (4) لفظ (على) في الموضعين لم يوجد في صحيح مسلم (5) الذي في مسلم (فقال رجل أو يهريقوها ويغسلوها) وفى شرحه المطبوع بهامشه في الاستانة: هكذا رواية مسلم بالجزم أي وليهريقوها ويغسلوها، فالفعل مجزوم بلام الامر المحذوفة عند القائلين بجواز حذفها مطردا في نحو قولك: قل له يفعل، وقول الشاعر محمد تفد نفسك كل نفس أي لتفد

[ 109 ]

قال علي: قد قدمنا أن كل غسل أمر به في الدين فهو تطهير، وكل تطهير فلا يكون إلا بالماء. وبالله تعالى التوفيق * ولا يجوز أن يقاس تطهير الاناء من غير ما ذكرنا من الحمر الاهلية على تطهيره من لحوم الحمر لان النصوص اختلفت في تطهير الآنية من الكلب ومن لحم الحمار فليس القياس على بعضها أولى من القياس على بعض، لو كان القياس حثا، ولا يجوز أن يضاف إلى ما حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يحكم، لانه يكون قولا عليه ما لم يقل، أو شرعا في الدين ما لم يأذن به الله تعالى. والوقوف عند اوامره عليه السلام اولى من الوقوف عند الدرهم البغلي، وتلك الفروق الفاسدة وبالله تعالى التوفيق * 127 مسألة فان ولغ في الاناء كلب أي اناء كان واى كلب كان كلب صيده أو غيره صغيرا أو كبيرا فلفرض اهراق ما في ذلك الاناء كائنا ما كان ثم يغسل بالماء سبع مرات ولا بد اولاهن بالتراب مع الماء ولا بد، وذلك الماء الذى يطهر به الاناء طاهر حلال، فان اكل الكلب في الاناء ولم يلغ فيه أو أدخل رجله أو ذنبه أو وقع بكله فيه لم يلزم غسل الاناء ولا هرق ما فيه البتة وهو حلال طاهر كله كما كان، وكذلك لو ولغ الكب في بقعة في الارض أو في يد انسان أو في مالا يسمى اناء فلا يلزم غسل شئ من ذلك ولا هرق ما فيه والولوغ هو الشرب فقط (1) فلو مس


حتى جعلوا منه قوله تعالى (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا) أي ليقيموا وينفقوا. أو هو مجزوم لوقوعه في جواب أمر محذوف تقديره أو قل لهم أهريقوها واغسلوها يهريقوها ويغسلوها اه‍ (1) كل هذا تغال ومبالغة في التمسك بالظاهر بدون نظر إلى معاني الشريعة وما يتفق مع المعقول. فما حرم الله شيئا الا وهو قذر مؤذ، ولا حكم بنجاسة شئ الا وكان مما تتجنبه الطباع النقية. وازالة النجاسات واجب معقول المعنى فمن العجيب اذن أن يفرق ابن حزم بين أكل الكلب من الاناء وبين شربه! بل الاعجب أن يفرق بين الشرب وبين وقوع الكلب كله في الاناء! والكلب قذر بكل حال، وقد ثبت من الطب الحديث أنه يحمل كثيرا من الامراض

[ 110 ]

لعاب الكلب أو عرقه الجسد أو الثوب أو الاناء أو متاعا ما أو الصيد ففرض ازالة ذلك بما أزاله ماء كان أو غيره، ولا بد من كل ما ذكرنا الا من الثوب فلا يزال الا بالماء * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا على بن حجر السعدى ثنا على بن مسهر أنا الاعمش عن ابى رزين وابى صالح عن ابى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في اناء احدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار) * وبه إلى مسلم ثنا زهير بن حرب ثنا اسماعيل بن ابراهيم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن ابى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (طهور إناء احدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسله مرات اولاهن بالتراب)) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا شعبة ثنا أبوالتياح عن مطرف ابن عبد الله بن الشخير عن ابن مغفل قال: (أمر (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال: ما لهم ولها؟ فرخص في كلب الصيد و (في) (2) كلب الغنم وقال عليه السلام: إذا ولغ الكلب في الاناء فاغسلوه سبع مرات والثامنة عفروه بالتراب) (3) قال على: فأمر عليه السلام بهرق ما في الاناء إذا ولغ فيه الكلب، ولم يخص شيئا من شئ: ولم يأمر عليه السلام باجتناب ما ولغ فيه في غير الاناء، بلا نهى عن اضاعة المال، وقد جاء هذا الخبر بروايات شتى، في بعضها: (والسابعة بالتراب) وفى بعضها: (احداهن بالتراب)) وكل ذلك لا يختلف معناه، لان الاولى هي بلا


الخبيثة ينقلها للانسان، والتوقي منه ضروري، وهذا مصدق لما نفهم من معاني الشريعة في هذا الباب. والنظافة من الايمان (1) الذي في أبي داود (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر) الخ (2) زيادة من أبي داود (3) رواه أيضا مسلم والنسائي وابن ماجه

[ 111 ]

شك احدى الغسلات، وفي لفظة (الاولى) بيان أيتهن هي، فمن جعل التراب في أولاهن فقد جعله في احداهن بلا شك واستعمل اللفظتين معا، ومن جعله في غير اولاهن فقد خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يكون ذلك في أولاهن وهذا لا يحل، ولا شك ندري أن تعفيره بالتراب في أولاهن تطهير ثامن إلى السبع غسلات، وان تلك الغسلة سابقة لسائرهن إذا جمعن، وبهذا تصح الطاعة لجميع ألفاظه عليه السلام المأثورة في هذا الخبر، ولا يجزئ بدل التراب غيره، لانه تعد لحد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) والماء الذى يسغل به الاناء طاهر، لانه لم يأت نص باجتنابه، ولا شريعة الا ما أخبرنا بها عليه السلام، وما عدا ذلك فهو مما لم يأذن الله تعالى به، والماء حلال شربه طاهر فلا يحرم الا بأمر منه عليه السلام (2) وأما ما أكل فيه الكلب أو وقع فيه أو دخل فيه بعض أعضائه فلا غسل في ذلك ولا هرق لانه حلال طاهر قبل ذلك بيقين ان كان مما أباحه الله تعالى من المطاعم والمشارب وسائر المباحات فلا ينتقل إلى التحريم والتنجيس الا بنص لا بدعوى * وأما وجوب ازالة لعاب الكلب وعرقه في أي شئ كان فلان الله تعالى حرم كل ذى ناب من السباع، والكلب ذو ناب من السباع، فهو حرام، وبعض الحرام حرام بلا شك، ولعابه وعرقه بعضه فهما حرام، والحرام فرض ازالته واجتنابه (3)


(1) ثبت في الطب ان بعض ما في لعاب الكلب من الامراض لا علاج له الا الدلك بالتراب (2) معاذ الله ان يكون هذا الماء طاهرا وهو مما دل قوله صلى الله عليه وسلم (طهور اناء أحدكم) على نجاسته بمعناه الظاهر الذى لا يحتاج إلى تأويل وهو ماء قذر مستنكر (3) اذن أفليس ما أكل منه الكلب من طعام أو وقع فيه من شراب أو دخل فيه بعض أعضائه بقى فيه شئ من لعابه أو عرقه أو نتنه ويحرم تناوله وتجب اراقته لذلك؟ اللهم غفرا

[ 112 ]

ولم يجز أن يزال من الثوب الا بالماء لقول الله تعالى (وثيابك فطهر) وقد قلنا ان التطهير لا يكون الا بالماء وبالتراب عند عدم الماء * وممن قال بقولنا في غسل ما ولغ فيه الكلب سبعا أبو هريرة، كما حدثنا بونس ابن عبد الله ثنا أبو بكر بن احمد بن خالد ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا اسماعيل هو ابن علية عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: إذا ولغ الكلب في الاناء غسل سبع مرات أولاهن أو احداهن بالتراب والهرمرة، وروينا عن الحسن البصري: إذا ولغ الكلب في الاناء أهرقه واغلسه سبع مرات، وبه يقول ابن عباس وعروة بن الزبير وطاوس وعمرو ابن دينار، وقال الاوزاعي: ان ولغ الكب في اناء فيه عشرة أقساط (1) لبن يهرق كله ويغسل الاناء سبع مرات احداهن بالتراب، فان ولغ في ماء في بقعة صغيرة مقدار ما يتوضأ به انسان فهو طاهر، ويتوضأ بذلك الماء ويغسل لعاب الكلب من الثوب ومن الصيد * قال على ك قول الاوزاعي هو نفس قولنا، وبهذا يقول يعنى غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا احداهن بالتراب احمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور وداود وجملة أصحاب الحديث * وقال الشافعي كذلك إلا انه قال: ان كان الماء في الاناء خمسمائة رطل لم يهرق لولوغ الكلب فيه، ورأى هرق ما عدا الماء وان كثر، ورأى أن يغسل من ولوغ الخنزير في الاناء سبعا كما يغسل من الكلب، ولم ير ذلك في ولوغ شئ من السباع ولا غير الخنزير أصلا * قال على: وهذا خطأ لان عموم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الامر بهرقه أولى أن يتبع، واما قياس الخنزير على الكلب فخطأ ظاهر لو كان القياس حقا لان الكلب بعض السباع


(1) في اللسان (كل مقدار فهو قسط في الماء وغيره) وفيه أيضا (والقسط الكوز عند أهل الامصار والقسط مكيال وهو نصف صاع، والفرق ستة أقساط. والمبرد: القسط أربعمائة واحد وثمانون درهما)

[ 113 ]

لم يحرم إلا بعموم تحريم لحوم السباع فقط، فكان قياس السباع وما ولغت فيه على الكلب الذى هو بعضها والتى يجوز أكل صيدها إذا علمت: أولى من قياس الخنزير على الكلب، وكما لم يجز أن يقاس الخنزير على الكلب في جواز اتخاذه وأكل صيده، فكذلك لا يجوز أن يقاس الخنزير على الكلب في عدد غسل الاناء من ولوغه، فكيف والقياس كله باطل * وقال مالك في بعض أقواله: يتوضأ بذلك الماء وتردد (1) في غسل الاناء سبع مرات، فمرة لم يره ومرة رآه، وقال في قول له آخر: يهرق الماء ويغسل الاناء سبع مرات، فان كان لبنا لم يهرق ولكن يغسل الاناء سبع مرات ويؤكل ما فيه، ومرة قال: يهرق كل ذلك ويغسل الاناء سبع مرات * قال على: هذه تفاريق ظاهرة الخطأ. لا النص اتبع في بعضها، ولا القياس اطرد فيها، ولا قول أحد من الصحابة أو التابعين رضى الله عنهم قلد فيها * وروى عنه أنه قال: اني لاراه عظيما أن يعمد إلى رزق من رزق الله فيهرق من أجل كلب ولغ فيه * قال على فيقال لمن احتج بهذا القول: أعظم من ذلك أن تخالف أمر الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بهرقه. وأعظم مما استعظمتموه أن يعمد إلى رزق من رزق الله فيهرق من أجل عصفور مات فيه بغير أمر من الله بهرقه. فان قالوا: العصفور الميت حرام، قلنا: نعم لم نخالفكم في هذا، ولكن المائع الذى مات فيه حلال، فتحريمكم الحلال من أجل مماسته الحرام هو الباطل، إلا أن يأمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطاع أمره، ولا يتعدى حده، ولا يضاف إليه ما لم يقل * وقال أبو حنيفة: يهرق كل ملولغ فيه الكلب أي شئ كان كثر أم قل، ومن توضأ بذلك الماء أعاد الوضوء والصلوات أبدا، ولا يغسل الاناء منه إلا مرة *


(1) في اليمنية (وترجح) وفي المصرية (ويرجح) وكلاهما فيما نظن خطأ نرجح ان صوابه (وتردد) كما يقضى السياق

[ 114 ]

قال على: وهذا قول لا يحفظ عن أحد من الصحابة ولا من التابعين، إلا أننا روينا عن ابراهيم أنه قال فيما ولغ فيه الكلب: اغسله، وقال مرة: اغسله حتى تنقيه، ولم يذكر تحديدا. وهو قول مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى أوردنا، وكفى بهذا خطأ * واحتج له بعض مقلديه بأن قال: إن أبا هريرة وهو أحد من روى هذا الخبر قد روى عنه أنه خالفه * قال على: فيقال له: هذا باطل من وجوه، أحدها: انه انما روى ذلك الخبر الساقط عبد السلام بن حرب وهو ضعيف، ولا مجاهرة أقبح من الاعتراض على ما رواه عن أبى هريرة ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين النجوم الثواقب بمثل رواية عبد السلام بن حرب (1)، وثانيها: أن رواية عبد السلام على


(1) أثر أبي هريرة رواه الطحاوي في معاني الآثار (ج 1 ص 13) من طريق عبد السلام بن حرب عن عبد الملك هو ابن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة، ورواه الدارقطني في سننه (ص 24 و 25) منطريق اسحق الازرق وابن فضيل عن عبد الملك، فبرأ عبد السلام بن حرب من التفرد به، وعبد السلام ثقة روى له الشيخان، وانما حكم حفاظ الحديث بالخطأ فيه على عبد الملك بن أبي سليمان، قال الدارقطني: (لم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء) وقال البيهقى في سننه الكبرى (1: 242) (وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فتواه بالسبع كما رواه، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات) وقال ابن حجر في الفتح: (ثبت انه يعني أبا هريرة أفتى بالغسل سبعا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرصح من رواية من روى عنه مخالفتها، من حيث الاسناد ومن حيث النظر، أما النظر فظاهر، وأما الاسناد فالموافقة وردت من رواية خماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الاسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء

[ 115 ]

نحسها (1) انما فيها أنه يغسل الاناء ثلاث مرات، فايحصلوا إلا على خلاف السنة وخلاف ما اعترضوا به عن أبى هريرة، فلا النبي صلى الله عليه وسلم اتبعوا، ولا أبا هريرة الذى احتجوا به قلدوا. وثالثا: أنه لو صح ذلك عن أبى هريرة لما حل أن يعترض بذلك على ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لان الحجة إنما هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في قول أحد سواه (2)، لان الصاحب قد ينسى ما روى وقد يتأول فيه، والواجب إذا وجد مثل هذا ان يضعف ما روى عن الصاحب من قوله، وأن يغلب عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا أن نضعف ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ونغلب عليه ما روى عن الصاحب، فهذا هو الباطل الذى لا يحل، ورابعها: أنه حتى لو صح عن أبي هريرة خلاف ما روى ومعاذ الله من ذلك فقد رواه من الصحابة غير أبى هريرة وهو ابن مغفل ولم يخالف ما روى وقال بعضهم: انما كان هذا إذ أمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ ذلك قال على: وهذا كذب بحث لوجهين، أحدهما: لانه دعوى فاضحة بلا دليل، وقفو ما لا علم لقائله به، وهذا حرام. والثانى: أن ابن مغفل روى النهي عن قتل الكلاب والامر بغسل الاناء منها سبعا في خبر واحد معا، وقد ذكرناه قبل. وأيضا: فان الامر بقتل الكلاب كان في أول الهجرة، وإنما روى غسل الاناء منها سبعا أبو هريرة وابن مغفل، وإسلامهما متأخر * وقال بعضهم: كان الامر بغسل الاناء سبعا على وجه التغليظ. قال على: يقال لهم: أبحق أمر النبي عليه السلام في ذلك وبما تلزم طاعته فيه أم أمر بباطل وبما لا مؤونة في معصيته في ذلك؟ فان قالوا: بحق وبما تلزم طاعته فيه، فقد أسقطوا شغبهم بذكر التغليظ. وأما القول الآخر فالقول به كفر مجرد لا يقوله مسلم *


عنه، وهو دون الاول في القوة بكثير)، وعبد الملك ثقة ثبت حجة أخرج له مسلم، وانما أنكروا عليه تفرده عن عطاء بخبر الشفعة للجار، وما هذا بقادح في صحة روايته، ولعله أخطأ أو نسى أبو هريرة حين أفتى بالثلاث. (1) في اليمنية (تحسينها) (2) في اليمنية (غيره)

[ 116 ]

وقال بعضهم: قد جاء أثر بأنه إنما أمر بقتلها لانها كانت تروع المؤمنين. قيل له: لسنا في قتلها! إنما نحن في غسل الاناء من ولوغها، مع أن ذلك الاثر ليس فيه إلا ذكر قتلها فقط، وهو أيضا موضوع لانه من رواية الحسين بن عبيد الله العجلى (1) وهو ساقط * وشغب بعضهم فذكر الحديث الذى فيه المغفرة للبغي التى سقت الكلب بخفها قال على: وهذا عجب جدا، لان ذلك الخبر كان في غيرنا، ولا تلزمنا شريعة من قبلنا. وأيضا: فمن لهم ان ذلك الخف شرب فيه ما بعد ذلك، وانه لم يغسل، وأن تلك البغى عرفت سنة غسل الاناء من ولوغ الكلب؟ ولم تكن تلك البغي نبية فيحتج بفعلها، وهذا كله دفع باراح، وخبط يجب أن يستحى منه * ويجزئ غسل من غسله وان كان غير صاحبه، لقوله عليه السلام: (فاغسلوه) فهو أمر عام * قال على: فان أنكروا علينا التفريق بين ما ولغ الكلب فيه وبين ما أكل فيه أو وقع فيه أو أدخل فيه عضوا من أعضائه غير لسانه قلنا لهم: لا نكرة على من قال ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل ما لم يقل عليه السلام ولم يخالف ما أمره به نبيه عليه السلام، ولا شرع ما لم يشرعه لعيه السلام في الدين، وانما النكرة على من أبطل الصلاة بما زاد على الدرهم البغلى في الثوب من دم الدجاج فأبطل به الصلاة، ولم يبطل الصلاة بثوب غمس في دم السمك، ومن أبطل الصلاة بقدر الدرهم البغلى في الثوب من خرء الدجاج وروث الخيل، ولم يبطلها بأقل من ربع الثوب من بول الخيل وخرء الغراب، وعلى من أراق الماء يلغ فيه الكلب، ولم يرق اللبن إذا ولغ فيه الكلب، وعلى من أمر بهرق خمسمائة رطل غير أوقية من ماء وقع فيه درهم من لعاب كلب، فان وقع فيه رطل من لعاب الكلب كان طاهرا لا يراق منه شئ (2) فهذه


(1) الحسين هذا قال الدارقطني: كان يضع الحديث. (2) الكلام هنا ناقص سقط منه شئ ويظهر ان صوابه: فان كان خمسمائة رطل ووقع فيه رطل من لعاب الكلب. الخ لانه يريد بهذا الرد على الشافعية الذين يذهبون إلى أن الماء لا ينجس إذا كان قلتين، وفسروهما بخمسمائة رطل.

[ 117 ]

هي النكرات حقا لا ما قلنا. وبالله تعالى نتأيد * 128 مسألة فان ولغ في الاناء الهر لم يهرق ما فيه، لكن يؤكل أو يشرب أو يستعمل ثم يغسل الاناء بالماء مرة واحدة فقط، ولا يلزم إزالة لعابه مما عدا الاناع والثوب بالماء لكن بما أزاله ومن الثوب بالماء فقط * حدثنا احمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكى ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو البزار ثنا عمرو بن على الصيرفي ثنا أبو عاصم الضحاك ابن مخلد ثنا قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ولغ الكلب في الاناء فاغسله سبع مرات والهرمرة (1)) حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب ثنا مالك بن أنس أخبرني اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة الانصاري عن حميدة بنت عبيد بن رافع (2) عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ولد أبى قتادة: (أنها صبت لابي قتادة ماء يتوضأ به، فجاءت هرة تشرت فأصغى لها الاناء فجعلت أنظر، فقال: أتعجبين يا ابنة أخى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انها ليست بنجس انما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (3)) قال على: فوجب غسل الاناء ولم يجب اهراق ما فيه، لانه لم ينجس، ووجب


(1) هذا الحديث رواه أيضا الترمذي والدار قطني والحاكم وغيرهم، وقد رجح حفاظ الحديث أن قوله (والهرمرة) موقوف من كلام أبي هريرة، وأوضحنا ذلك فيما علقناه على التحقيق في المسألة رقم 16 (2) حميدة بضم الحاء بنت عبيد بضم العين بن رفاعة بن رافع بن مالك الانصاري. وأخطأ يحيى الليثي في روايته الموطأ عن مالك فقال (حميدة بفتح الحاء بنت أبي عبيدة بن فروة) (3) رواه أيضا الشافعي واحمد والدارمى وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني وصححه البخاري والعقيلي والدار قطني والبيهقي والحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي (حديث حسن صحيح).

[ 118 ]

غسل لعابه من الثوب، لان الهر ذوناب من السباع فهو حرام، وبعض الحرام حرام، وليس كل حرام نجسا، ولا نجس الا ما سماه الله تعالى أو رسوله نجسا، والحرير والذهب حرام على الرجال وليسا بنجسين، وقال الله تعالى: (وثيابكم فطهر). وقال أبو حنيفة: يهرق ما ولغ فيه الهر ولا يجزئ الوضوء به، ويغسل الاناء مرة (1)، وهذا خلاف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبى قتادة. وقال مالك والشافعي: يتوضأ بما ولغ فيه الهر ولا يغسل منه الاناء. وهذا خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة. وممن أمر بغسل الاناء من ولوغ الهر أبو هريرة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وطاوس وعطاء، الا أن طاوسا وعطاء جعلاه بمنزلة ما ولغ فيه الكلب. وممن أباح أن يستعمل ما ولغ فيه الهر أبو قتادة وابن عباس وأبو هريرة وأم سلمة وعلى وابن عمر باختلاف عنه، فصح قول أبى هريرة كقولنا نصا. والحمد لله رب العالمين 129 مسألة وتطهير جلد الميتة أي ميتة كانت ولو أنها جلد خنزير أو كلب أو سبع أو غير ذلك: فانه بالدباغ بأى شئ دبغ طاهر، فإذا دبغ حل بيعه والصلاة عليه، وكان كجلد ما ذكى مما يحل أكله، إلا أن جلد الميتة المذكور لا يحل أكله بحال، حاشا جلد الانسان، فانه لا يحل أن يدبغ ولا أن يسلخ، ولا بد من دفنه وإن كان كافرا. وصوف الميتة وشعرها وريشها وويرها حرام قبل الدباغ حلال بعده، وعظمها وقرنها مباح كله لا يحل أكله، (2) ولا يحل بيع الميتة ولا الانتفاع بعصبها ولا شحمها * حدثنى أحمد بن قاسم ثنا أبى قاسم بن محمد بن قاسم ثنا جدى قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن اسماعيل الترمذي ثنا الحميدى ثنا سفيان هو ابن عيينة ثنا زيد بن أسلم أنه سمع عبد الرحمن بن وعلة المصرى يقول: سمعت ابن عباس يثول: سمعت


(1) هذا النقل خطأ. قال في الهداية: (وسؤر الهرة طاهر مكروه، وعن أبي يوسف انه غير مكروه) (2) في المصرية (حرام كله ولا يحل بيعه)

[ 119 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أيما أهاب دبغ فقد طهر (1)) حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على شاة لمولاة لميمونة ميتة فقال: أفلا انتفعتم باهابها! قالوا: وكيف وهى ميتة يا رسول الله؟ قال: انما حرم لحمها (2).) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا قتيبة ين سعيد ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة (3): (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على شاة ملقاة، فقال: لمن هذه؟ قالوا: لميمونة، قال: ما عليها لو انتفعت باهابها! قالوا انها ميتة، قال: انما حرم الله أكلها). حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد وابن أبي عمر كلهم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: (تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: انها ميتة، فقال: انما حرم أكلها) حدثنا حمام ثنا بن مفرج ثنا بن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق أرنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: (أخبرتني ميمونة أن شاة ماتت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا دبغتم إهابها!) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب ثنا عبيد الله


(1) رواه أيضا مسلم واحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وابن حبان في صحيحه والدار قطني وغيرهم. (2) رواه أيضا البخاري ومسلم وأصحاب السنن. (3) سقط من اليمنية ذكر ميمونة وصار فيها من حديث ابن عباس وهو خطأ، وما هنا هو الصواب الموافق للمصرية ولسنن النسائي (ج 2 ص 191 190

[ 120 ]

ابن سعيد ثنا معاذ بن هشام الدستوائي حدثني أبى عن قتادة (1) عن الحسن عن الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك دعا بماء من عند امرأة فقالت: ما عندي الا في قربة لى ميتة، قال: أليس قد دبغتها؟ قالت بلى. قال: فان دباغها ذكاتها.) حدثنا أحمد بن محمد الجسوري ثنا أحمد بن الفضل الدينورى ثنا محمد بن جرير الطبري ثنا محمد بن حاتم ثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن الحسن ثنا جون بن قتادة التميمي (2) قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في حديث ذكره: فان دباغ الميتة طهورها) قال على: جون وسلمة لهما صحبة (3)


(1) في المصرية (معاذ بن هشام الدستوائى ثنا قتادة) والصواب ما في اليمنية وهو الموافق لسنن النسائي (2: 191) (2) في اليمنية (التيمى) وهو خطأ. انظر التهذيب والاصابة (3) حديث سلمة بن المحبق رواه أيضا أبو داود والبيهقي وابن حبان والحاكم، وقال ابن حجر اسناد صحيح، ورواه البغوي وابن منده وابن قافع من حديث الحسن عن جون قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم. الخ قال البغوي: (هكذا حدث به هشيم لم يجاوز به جون بن قتادة وليست لجون صحبة) واتفق حفاظ الحديث على أن هشيما أخطأ في هذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر: (واغتر أبو محمد بن حزم بظاهر اسناد هشيم فروى من طريق الطبري عن محمد بن حاتم عن هشيم فذكره. وقال: هذا حديث صحيح وجون قد صحت صحبته. وتعقبه أبو بكر بن مفوز فقال: هذا خطأ فجون رجل تابعي مجهول، لا يعرف من روى عنه الا الحسن، وروايته لهذا الحديث انما هي عن سلمة بن المحبق، أخطأ فيه محمد بن حاتم. قلت ولم يصب في نسبته للخطأ فيه إلى محمد بن حاتم. وأما قوله ان جونا مجهول فقد قاله أبو طالب والاثرم عن احمد ابن حنبل. وقال أبو الحسن بن البراء عن على بن المدينى: جون معروف وان كان لم يرو عنه الا الحسن، وعده في موضع آخر في شيوخ الحسن المجهولين. وقد روى جون بن قتادة أيضا عن الزبير بن العوام وشهد معه الجمل) اه‍ من الاصابة (ج 1 ص 284) باختصار

[ 121 ]

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا احمد بن شعيب ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن عطاء بن أبى رباح عن جابر ابن عبد الله انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: (ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة (1) والخنزير والاصنام، فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة فانه يطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ قال لا: هو حرام (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك) (2): قاتل الله اليهود، ان الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه (3) ثم باعوه فأكلوا تمنه). قال على: ذهب أحمد بن حنبل إلى انه لا يحل استعمال جلد الميتة وان دبغ، وذكر ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا محمد ابن قدامة ثنا جرير عن منصور عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عبد الله بن حكيم قال: (كتب الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تستنفعوا (4) من الميتة باهاب ولا عصب). قال علي: هذا خبر صحيح (5) ولا يخالف ما قبله، بل هو حق، لا يحل أن ينتفع من الميتة باهاب الا حتى يدبغ، كما جاء في الاحاديث الاخر، إذ ضم أقواله عليه السلام بعضها لبعض فرض، ولا يحل ضرب بعضها ببعض، لانها كلها حق


(1) هنا في اليمنية زيادة (والدم) ولا توجد في سنن النسائي (2: 192) (2) الزيادة التي بين القوسين من النسائي (3) في النسائي (الشحوم جملوه) وأجمل الشحم وجمله أذابه واستخرج دهنه، وجمل أغصح من أجمل. قاله في اللسان (4) كذا في المصرية وفي اليمنية (تنتفعوا) وفي النسائي (2: 192) (تستمتعوا) (5) كلا، بل هو حديث مضطرب أو مرسل، لان عبد الله بن عكيم بضم العين وفتح الكاف ليس صحابيا. ولم يسمعه ابن أبى ليلى منه، وقد أو فينا الكلام عليه في حواشيها على التحقيق في المسألة 17

[ 122 ]

من عند الله عزوجل، قال الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى) وقال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). وروى عن عائشة أم المؤمنين باسناد في غاية الصحة: (دباغ الاديم ذكاته) (1) وهذا عموم لكل أديم، وعن ابن عباس عن أم المؤمنين ميمونة: انها دبغت جلد شاة ميتة فلم تزل تنبذ فيه حتى بلى، وعن عمر بن الخطاب: دباغ الاديم ذكاته وقال ابراهيم النخعي في جلود البقر والغنم تموت فتدبغ: إنها تباع وتلبس، وعن الاوزاعي اباحة بيعها، وعن سفيان الثوري اباحة الصلاة فيها، وعن الليث بن سعد اباحة بيعها، وعن سعيد بن جبير في الميتة: دباغها ذكاتها، وأباح الزهري جلود النمور، واحتج بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في جلد الميتة، وعن عمر بن عبد العزيز وعروة ابن الزبير وابن سيرين مثل ذلك * وقال أبو حنيفة: جلد الميتة إذا دبغ وعظامها وعصبها وعقبها وصوفها وشعرها ووبرها وقرنها لا بأس بالانتفاع بكل ذلك، وبيعه جائز، والصلاة في جلدها إذا دبغ جائز، أي جلد كان حاشا جلد الخنزير وقال مالك: لا خير في عظام الميتة، وهى ميتة، ولا يصلى في شئ من جلود الميتة وإن دبغت، ولا يحل بيعها أي جلد كان، ولا يستقى فهيا، لكن جلود ما يؤكل لحمه إذا دبغت جائز القعود عليها وأن يغربل عليها، وكره الاستقاء فيها بآخرة لنفسه، ولم يمنع عن ذلك غيره، ورأى جلود السباع إذا دبغت مباحة للجلوس والغربلة، ولم ير جلد الحمار وان دبغ يجوز استعماله، ولم ير (2) استعمال قرن (3) الميتة ولا سنها ولا ظلفها ولا ريشها، وأباح صوف الميتة وشعرها ووبرها، وكذلك ان أخذت من حى * وقال الشافعي: يتوضأ جلود الميتة إذا دبغت أي جلد كان، إلا جلد كلب


(1) رواه الدارقطني مرفوعا بلفظ: (طهور كل أديم دباغه) وقال (اسناد حسن كلهم ثقات) ورواه النسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي. (2) في اليمنية (ولم يجز) (3) في اليمنية (جلد) وما هنا أظهر.

[ 123 ]

أو خنزير، ولا يطهر بالدباغ لا صوف ولا شعر ولا وبر ولا عظم ولا قرن ولا سن ولا ريش، إلا الجلد وحده فقط * قال على: أما اباحة أبي حنيفة العظم والعقب من الميتة فخطأ، لانه خلاف الاثر الصحيح الذى أوردنا: (ألا ننتفع من الميتة باهاب ولا عصب) وجاء الخبر باباحة الاهاب إذا دبغ، فبقى العصب على التحريم، والعقب عصب بلا شك، وكذلك تفريقه بين جلود السباع والميتات وجلد الخنزير خطأ، لان كل ذلك ميتة محرم، ولا نعلم هذا التفاريق ولا هذا القول عن أحد قبله. وأما تفريق مالك بين جلد ما يؤكل لحمه وبين جلد ما لا يؤكل لحمه فخطأ، لان الله تعالى حرم الميتة كما حرم الخنزير ولا فرق، قال الله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ولا فرق بين كبش ميت وبين خنزير ميت عنده ولا عندنا ولا عند مسلم في التحريم وكذلك فرقه بين جلد الحمار وجلد السباع خطأ لان التحريم جاء في السباع كما جاء في الحمير ولا فرق والعجب أن أصحابه لا يجيزون الانتفاع بجلد الفرس إذا دبغ ولحمه إذا ذكى حلال بالنص، ويجيزون الانتفاع بجلد السبع إذا دبغ، وهو حرام لا تعمل فيه الذكاة بالنص، وكذلك منعه من الصلاة عليها إذا دبغت خطأ، لانه تفريق بين وجوه الانتفاع بلا نص قرآن ولا سنة ولا قول صاحب ولا تابع ولا قياس، ولا نعلم هذا التفريق عن أحد قبله وأما تفريق الشافعي بين جلود السباع وجلد الكلب والخنزير فحطأ لان كل ذلك ميتة حرام سواء، ودعواه أن معنى قوله عليه السلام: (إذا دبغ الاهاب فقد طهر): ان معناه عاد إلى طهارته خطأ وقول بلا برهان، بل هو على ظاهره أنه حينئذ طهر، ولا نعلم هذا التفريق عن أحد قبله * قال على: أما كل ما كان على الجلد من صوف أو شعر أو وبر فهو بعد الدباغ طاهر كله لا قبل الدباغ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن على جلود الميتة الشعر والريش والوبر والصوف فلم يأمر بازالة ذلك ولا أباح استعمال شئ من ذلك قبل الدباغ، وكل ذلك قبل الدباغ بعض الميتة حرام، وكل ذلك بعد الدباغ طاهر ليس ميتة، فهو حلال حاشا أكله، واذ هو حلال فلباسه في الصلاة وغيرها وبيع كل ذلك داخل في الانتفاع

[ 124 ]

الذى أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان أزيل ذلك عن الجلد قبل الدباغ لم يجز الانتفاع بشئ منه، وهو حرام، إذ لا يدخل الدباغ فيه، وان أزيل بعد الدباغ فقد طهر، فهو حلال بعد كسائر المباحات حاشا أكله فقط * وأما العظم والريش والقرن فكل ذلك من الحى بعض الحى، والحى مباح ملكه (1) وبيعه إلا ما منع من ذلك نص، وكل ذلك من الميتة ميتة، وقد صح تحريم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الميتة، وبعض الميتة ميتة، فلا يحل بيع شئ من ذلك، والانتفاع بكل ذلك جائز، لقوله عليه السلام: (إنما حرم أكلها) فأباح ما عدا ذلك إلا ما حرم باسمه من بيعها والادهان بشحومها، ومن عصبها ولحمها * وأما شعر الخنزيز وعظمه فحرام كله، لا يحل أن يتملك ولا أن ينتفع بشئ منه، لان الله تعالى قال: (أو لحم خنزير فانه رجس) والضمير راجع إلى أقرب مذكور، فالخنزير كله رجس، والرجس واجب اجتنابه، بقوله تعالى: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) حاشا الجلد فانه بالدباغ طاهر، بعموم قوله عليه السلام: (وأيما أهاب دبغ فقد طهر) * قال على: وأما جلد الانسان فقد صح نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة، والسلخ أعظم المثلة، فلا يحل التمثيل بكافر ولا مؤمن، وصح أمره عليه السلام بالقاء قتلى كفار بدر في القليب، فوجب دفن كل ميت كافر ومؤمن. وبالله تعالى التوفيق * 130 مسألة وإناء الخمر إن تخللت الخمر فيه فقد صار طاهرا يتوضأ فيه ويشرب وإن لم يغسل، فان أهرقت ازيل أثر الخمر ولا بد بأى شئ من الطاهرات أزيل، ويطهر الاناء حينئذ سواء كان فخارا أو عودا أو خشبا أو نحاسا أو حجرا أو غير ذلك أما الخمر فمحرمة بالنص والاجماع المتقين، فواجب اجتنابها، قال تعالى: (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فإذا تخللت الخمر أو خللت فالخل حلال بالنص طاهر * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا


(1) في اليمنية (لا مباح أكله وبيعه)

[ 125 ]

عثمان بن أبى شيبة ثنا معاوية بن هشام ثنا سفيان هو الثوري عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم الادام الخل (1)) فعم عليه السلام ولم يخص والخل ليس خمرا لان الحلال الطاهر غير الحرام الرجس بلا شك فاذن لا خمر هنالك أصلا، ولا أثر لها في الاناء، فليس هنالك شئ يجب اجتنابه وإزالته، وأما إذا ظهر أثر الخمر في الاناء فهى هنالك بلا شك، وإزالتها واجتنابها فرض، ولا نص ولا إجماع في شئ ما بعينه تزال به، فصح أن كل شئ أزيلت به فقد أدينا ما علينا من واجب إرالتها. والحمد لله رب العالمين. وإذا أزيلت فالاناء طاهر، لانه ليس هنالك شئ يجب اجتنابه من أجله * 131 مسألة والمني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب ولا تجب ازالته والبصاق مثله ولا فرق. حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري وسفيان بن عيينة كلاهما عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن همام بن الحارث قال: (أرسلت عائشة أم المؤمنين إلى ضيف لها تدعوه فقالوا: هو يغسل جنابة في ثوبه، قالت ولم يغسله؟ لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم). فأنكرت رضى الله عنها غسل المنى. حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا احمد بن جواس (2) الحنفي أبو عاصم ثنا ابو الاحوص عن شبيب بن غرقدة (3) عن عبد الله بن شهاب الخولانى قال: (كنت نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبي فغمستهما في الماء فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها، فبعثت إلى عائشة: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه، قالت: هل رأيت فيهما شيئا؟ قلت: لا، قالت: فلو رايت شيئا غسلته! لقد رأيتنى وانى لاحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفري)


(1) رواه أيضا الترمذي وابن ماجه، ورواه الترمذي من حديث عائشة (2) بالجيم المفتوحة وتشديد الواو وآخره سين مهملة. (3) بفتح الغين المعجمة واسكان الراء.

[ 126 ]

فهذه الرواية تبين كذب من تخرص بلا علم، وقال: كانت تفركه بالماء حدثنا حمام ثنا عباس بن اصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا احمد بن زهير بن حرب ثنا موسى بن اسماعيل ثنا حماد بن سلمة ثنا حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم عن الاسود بن يزيد ان عائشة قالت: (كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلى فيه) وقد رواه أيضا علقمة بن قيس والحارث بن نوفل عن عائشة مسندا، وهذا تواتر، وصح عن سعد بن أبى وقاص انه كان يفرك المنى من ثوبه، وصح عن ابن عباس في المني يصيب الثوب: هو بمنزلة النخام والبزاق امسحه باذخرة أو بخرقة، ولا تغسله ان شئت الا أن تقذره أو تكره أن يرى في ثوبك، وهو قول سقيان الثوري والشافعي وأبى ثور وأحمد بن حنبل وأبى سليمان وجميع أصحابهم وقال مالك: هو نجس ولا يجزئ الا غسله بالماء، وروينا غسله عن عمر بن الخطاب وأبى هريرة وأنس وسعيد بن المسيب وقال أبو حنيفة: هو نجس، فان كان في الجسد منه أكثر من قدر الدرهم البغلى لم يجزئ في ازالته غير الماء، فان كان قدر الدرهم البغلى فأقل أجزأت ازالته بغير الماء، فان كان في الثوب أو النعل أو الخف منه أكثر من قدر الدرهم البغلى، فان كان رطبا لم يجز الا غسله بأى مائع كان، فان كان يابسا أو كان قدر الدرهم البغلى فأقل (1) وان كان رطبا أجزأ مسحه فقط، وروينا عن ابن عمر انه قال: ان كان رطبا فاغسله وان كان يابسا فحته. قال على: واحتج من رأى نجاسة المنى بحديث رويناه من طريق سليمان بن يسار عن عائشة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل المنى وكنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقالوا: هو خارج من مخرج البول فينجس لذلك، وذكروا حديثا رويناه من طريق أبى حذيفة عن سفيان الثوري، مرة قال عن الاعمش، ومرة قال: عن منصور، دثم استمر، عن ابراهيم عن همام بن الحارث


(1) أين جواب الشرط؟ لعله سقط من النساخ

[ 127 ]

عن عائشة في المني: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بحته) قال على: وهذا لا حجة لهم فيه. أما الصحابة رضى الله عنهم فقد روينا عن عائشة وسعد وابن عباس مثل قولنا، وإذا تنازع الصحابة رضى الله عنهم فليس بعضهم أولى من بعض، بل الرد حينئذ واجب إلى القرآن والسنة. وأما حديث سليمان بن يسار فليس فيه أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسله ولا بازالته ولا بأنه نجس، وانما فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يغسله، وأن عائشة كانت تغسله، وأفعاله صلى الله عليه وسلم ليست على الوجوب، وقد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن احمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مالك بن اسماعيل ثنا زهير هو ابن معاوية ثنا حميد ثنا عن أنس بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة فحكها (1) بيده ورئى كراهيته لذلك (2)) فلم يكن هذا دليلا عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه مما ليس نجا. وأما حديث سفيان فانما انفرد به أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، بصرى ضعيف مصحف كثير الخطأ، روى عن سفيان البواطل، قال أحمد بن حنبل فيه: هو شبه لا شئ، كأن سفيان الذى يحدث عنه أبو حذيفة ليس سفيان الذى يحدث عنه الناس (3)


(1) في الاصلين (فحكه) وصححناه من البخاري (ج 1 ص 64) (2) في البخاري (فرئي منه كراهية أو رئى كراهيته لذلك وشدته عليه) (3) حديث عائشة الذي رواه أبو حذيفة أخرجه ابن الجارود في المنتقى (ج 71 ص 72) ونصه: (حدثنا محمد بن يحيى واحمد بن يوسف قالا ثنا أبو حذيفة قال ثنا سفيان عن منصور عن ابراهيم هم همام بن الحارث قال: كان ضعيف عند عائشة رضى الله عنها فأجنب فجعل يغسل ما أصابه، فقالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بحته) وهو اسناد صحيح كما قال ابن حجر في التلخيص (ج 1 ص 191) وقال: (وهذا الحديث قد رواه مسلم من هذا الوجه بلفظ: لقد رأيتنى أحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفرى. ولم يذكر الامر) فالحديث له أصل صحيح، وأبو حذيفة ثقة أخرج له البخاري، وقال أبو حاتم (صدوق معروف بالثوري ولكن كان يصحف)

[ 128 ]

وأما قولهم: إنه يخرج من مخرج البول، فلا حجة في هذا، لانه لا حكم للبول ما لم يظهر، وقد قال الله تعالى: (من بين فرث ودم لبنا خالصا) فلم يكن خروج اللبن من بين الفرث والدم منجسا له، فسقط كل ما تعلقوا به. وبالله تعالى التوفيق * وقال بعضهم: يغسله رطبا على حديث سليمان بن يسار، ويحكه يابسا على سائر الاحاديث قال على: وهذا باطل، لانه ليس في حديث سليمان أنه كان رطبا، ولا في سائر الاحاديث أنه كان يابسا، الا في حديث الخولانى وحده، فحصل هذا القائل على الكذب والتحكم، إذ زاد في الاخبار ما ليس فيها قال على: وقد قال بعضهم: معنى (كنت افركه) أي بالماء قال على وهذا كذب آخر وزيادة في الخبر، فكيف وفي بعض الاخبار كما اوردنا (يابسا بظفرى). قال علي: ولو كان نجسا لما ترك الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي به، ولا خبره كما أخبره إذ صلى بنعليه وفيهما قذر فخلعهما، وقذ ذكرناه قبل هذا باسناده. وبالله تعالى التوفيق * 123 مسألة وإذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا، فكل ذلك طاهر. ويتيمم بذلك التراب. برهان ذلك ان الاحكام انما هي على ما حكم الله تعالى بها فيه مما يقع عليه ذلك الاسم الذي به خاطبنا الله عزوجل فإذا سقط ذلك الحكم وانه غير الذى حكم الله تعالى فيه والعذرة غير التراب وغير الرماد. وكذلك الخمر غير الخل. والانسان غير الدم الذى منه خلق. والميتة غير التراب


وقال ابن سعد في الطبقات (ج 7 ق 2 ص 55) (كان كثير الحديث ثقة ان شاء الله تعالى، وكان حسن الرواية عن عكرمة بن عمار وزهير بن محمد وسفيان الثوري، ويذكرون أن سفيان كان تزوج أمه حين قدم البصرة) مات في جمادى الآخرة سنة 220. وكلمة أحمد فيه لعلها لما جاء به من أحاديث عن سفيان لا يعرفها غيره، وليس هذا قدحا فيه، وقد قال احمد حين سئل عنه أما من أهل الصدق فنعم.)

[ 129 ]

133 مسألة ولعاب المؤمنين من الرجال والنساء. الجنب منهم والحائض وغيرهما ولعاب الخيل وكل ما يؤكل لحمه، وعرق كل ذلك ودمعه، وسؤر كل ما يؤكل لحمه: طاهر مباح الصلاة به * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا على بن عبد الله ثنا يحيى هو ابن سعيد القطان ثنا حميد ثنا بكر عن أبى رافع عن أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وأبو هريرة جنب (1) قال فأنخنست منه (2) فذهبت فاغتسلت ثم جئت (3) فقال: أين كنت يا أبا هريرة.؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة قال: سبحان الله! ان المؤمن لا ينجس) * قال على: وكل ما يؤكل لحمه فلا خلاف في انه طاهر، قال الله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فكل حلال هو طيب، والطيب لا يكون نجسا بل هو طاهر، وبعض الطاهر طاهر بلا شك، لان الكل ليس هو شيئا غير أبعاضه الا أن يأتي نص بتحريم بعض الطاهر فيوقف عنده، كالدم والبول والرجيع، ويكون مستثنى من جملة الطاهر، ويبقى سائرها على الطهارة. وبالله تعالى التوفيق * 134 مسألة ولعاب الكفار من الرجال والنساء الكتابيين وغيرهم نجس كله، وكذلك العرق منهم والدمع، وكل ما كان منهم، ولعاب كل ما لا يحل أكل لحمه من طائر أو غيره، من خنزير أو كلب أو هر أو سبع أو فأر، حاشا الضبع فقط، وعرق كل ما ذكرنا ودمعه: حرام واجب اجتنابه * برهان ذلك قول الله تعالى (انما المشركون نجس) وبيقين يجب أن بعض النجس نجس، لان الكل ليس هو شيئا غير ابعاضه، فان قيل: ان معناه نجس


(1) في البخاري (ج 1 ص 45): (وهو جنب) (2) في الاصلين (عنه) وصححناه من البخاري (3) في البخاري: (فذهب فاغتسل ثم جاء). وانخنس أي مضى مستخفيا من الخنوس وهو الانقباض والاستخفاء

[ 130 ]

الدين قيل: هبكم أن ذلك كذلك، أيجب من ذلك ان المشركين طاهرون؟ حاش لله من هذا، وما فهم قط من قول الله تعالى (انما المشركون نجس) مع قول نبيه صلى الله عليه وسلم (ان المؤمن لا ينجس) ان المشركين طاهرون، ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص الله تعالى: أنهم نجس: إنهم طاهرون، ثم يقول في المنى الذى لم يأت قط بنجاسته نص: انه نجس، ويكفى من هذا القول سماعه. ونحمد الله على السلامة * فان قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن، قلنا: نعم فأي دليل في هذا على أن لعلبها وعرقها ودمعها طاهر؟ فان قيل: انه لا يقدر على التحفظ من ذلك، قلنا: هذا خطأ، بل يفعل فيما مسه من لعلبها وعرقها مثل الذى يفعل إذا مسه بولها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق، ولا حرج في ذلك، ثم هبك أنه لو صح لهم ذلك في نساء أهل الكتاب، من أين لهم طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من غير أهل الكتاب؟ فان قالوا: قلنا ذلك قياسا على أهل الكتاب، قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لان أول بطلانه أن علتهم في طهارة الكتابيات جواز نكاحهن، وهذه العلة معدومة باقرارهم في غير الكتابيات، والقياس عندهم لا يجوز إلا بعلة جامعة بين الحكمين، وهذه علة مفرقة لا جامعة وبالله تعالى التوفيق (1) *


(1) القول بنجاسة بدن الكافر وعرقه وريقه الخ قول شاذ لم أعرفه روى عن أحد من العلماء إلا ما نقله ابن كثير في تفسيره (ج 4 ص 372) عن بعض أهل الظاهر ولعله يريد المؤلف، وإلا ما نقله الطبري في تفسيره (ج 10 ص 74) عن الحسن (لا تصافحوهم فمن صافحهم فليتوضأ) ومن العجب العجاب أن ينسب أبو حيان في النهر بهامش البحر (ج 5 ص 27) للطبري القول بنجاسة أعيانهم! والطبري انما ذكره قولا عن أناس، وحكى أنه منسوب لابن عباس من غير وجه حميد فكره ذكره، والمؤلف انما اتى بمغالطات زعمها أدلة، وقد أباح الله للمؤمنين طعام أهل الكتاب ومؤاكلتهم، ولن يخلو هذا من آثارهم، وزواج الكتابيات يدعو إلى مخالطتهن أتم مخالطة، مما لا يمكن معه الاحتراز عن ريقهن وعرقهن في بدن

[ 131 ]

واما كل ما لا يحل أكله فهو حرام بالنص، والحرام واجب اجتنابه، وبعض الحرام حرام، وبعض الواجب اجتنابه واجب اجتنابه، وروينا من طريق شعبة عن قتادة عن أبى الطفيل قال سمعت حذيفة بن أسيد (1) يقول عن الدجال: (ولا يسخر له من المطايا الا الحمار فهو رجس على رجس) (2) وقد قال احمد بن حنبل عرق الحمار نجس * وأما استثناء الضبع فلما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع


لمؤمن وثوبه وفراشه، والآية ظاهرة في أن المراد نجاستهم المعنوية من جهة لاعتقاد الباطل، وعدم الحرص على الطهارات وانهم، لا يتحرزون من النجاسات. قال السيد الامير الصنعاني فما علقه على هامش المحلى: (وقوله تعالى: (انما المشركون نجس) ليس المراد به المعنى الشرعي بل الاستقذار وعدم أهليتهم قربان المسجد الحرام، ولفظ (نجس) في اللغة مشترك بين معان، والقرائن هنا تدل أنه أريد به أن المشركين مستقذرون مبعدون عن بيوت الله لها معهم من نجاسة الاعتقاد والهية الاوثان، فيقصون عن أشرف مكان، ويبعدون عن أفضل متعبدات أهل الايمان) (1) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة (2) لم اجد هذا اللفظ، ولكني وجدت حديث حذيفة بن أسيد مرفوعا في خروج الدجال، رواه مسلم (ج 2 ص 367) من طريق شعبة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل، ورواه أبو داود (ج 4 ص 192) من طريق أبي الاحوص وهناد عن فرات عن أبي الطفيل، ورواه الطيالسي (ص 143) عن المسعودي عن فرات عن أبى الطفيل، فاتفاق هذه الطرق يرجح عندي أن ذكر قتادة هنا خطأ من الناسخين في الاصلين وأن صوابه (فرات القزاز) وان كان قتادة يروي أيضا عن أبى الطفيل ويروي عنه شعبة.

[ 132 ]

وعن كل ذى مخلب من الطير) (1) * وبه إلى أبي داود ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي ثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر بن عبد الله قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال: هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم) (2) * 135 مسألة وسؤر كل كافر أو كافرة وسؤر كل ما يؤكل لحمه أو يؤكل لحمه من خنزير أو سبع أو حمار أهلى أو دجاج مخلى أو غير مخلي إذا لم يظهر هنالك للعاب مالا يؤكل لحمه أثر فهو طاهر حلال حاشا ما ولغ فيه الكلب فقط، ولا يجب غسل الاناء من شئ منه حاشا ما ولغ فيه الكلب والهر فقط * برهان ذلك: ان الله تعالى حكم بطهارة الطاهر وتنجس النجس وتحريم الحرام وتحليل الحلال، وذم (3) أن تتعدى حدوده. فكل ما حكم الله تعالى انه طاهر فهو طاهر، ولا يجوز أن يتنجس بملاقاة النجس له، لان الله تعالى لم يوجب ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. وكل ما حكم الله تعالى أنه نجس فانه لا يطهر بملاقاة الطاهر له، لان الله تعالى لم يوجب ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. وكل ما أحله الله تعالى فانه لا يحرم بملاقاة الحرام له، لان الله تعالى لم يوجب ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وكل ما حرمه الله تعالى فانه لا يحل بملاقاة الحلال له، لان الله تعالى لم يوجب ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا فرق بين من ادعى أن الطاهر يتنجس بملاقاة النجس. وان الحلال يحرم بملاقاة الحرام، وبين من عكس الامر فقال: بل النجس يطهر بملاقاة الطاهر، والحرام يحل بملاقاة الحلال، وكلا القولين باطل. بل كل ذلك باق على حكم الله عز وجل فيه، الا أن يأتي نص بخلاف هذا في شئ ما فيوقف عنده، ولا يتعدى إلى غيره. فإذا شرب كل ما ذكرنا في اناء أو أكل أو أدخل فيه عضوا منه أو وقع فيه فسؤره حلال طاهر ولا يتنجس بشئ مما ماسه من الحرام أو النجس، إلا ان


(1) رواه مسلم (ج 2 ص 110) وابن ماجه (ج 2 ص 153) ونسبه المنتقى أيضا للنسائي ولم أجده فيه (2) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح (3) في اليمنية (وحرم)

[ 133 ]

يظهر بعض الحرام في ذلك الشئ وبعض الحرام حرام كما قدمنا. حاشى الكلب والهر، فقد ذكرنا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين * وقال أبو حنيفة: إن شرب في الاناء شئ من الحيوان الدى يؤكل لحمه فهو طاهر، والوضؤ بذلك الماء جائز، الفرس والبقر والضأن وغير ذلك سواء، وكذلك اسآر جميع الطير، وما أكل لحمه وما لم يؤكل لحمه منها، والدجاج المخلى وغيره، فان الوضوء بذلك الماء جائز وأكرهه، وأكل أسآرها حلال. قال: فان شرب في الاناء ما لا يؤكل لحمه من بغل أو حمار أو كلب أو هر أو سبع أو خنزير فهو نجس، ولا يجزئ الوضوء به، ومن توضأ به أعاد أبدا، وكذلك ان وقع شئ من لعابها في ماء أو غيره، قال: وهذا ومالا يؤكل لحمه من الطير سوأ في القياس، ولكني أدع القياس وأستحسن * قال على: هذا فرق فاسد، ولا نعلم أحدا قبله فرق هذا الفرق، ولئن كان القياس حقا، فلقد أخطأ في تركه الحق، وفي استحسان خلاف الحق، ولئن كان القياس باطلا، فلقد أخطأ في استعمال الباطل حيث استعمله ودان به * وقال بعض القائلين: حكم المائع حكم اللحم المماس له قال على: هذه دعوى بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل، وأيضا فان كان أراد أن الحكم لهما واحد في التحريم، فقد كذب، لان لحم ابن آدم حرام، وهم لا يحرمون ما شرب فيه أو أدخل فيه لسانه، وان كان أراد في النجاسة والطهارة، فمن له بنجاسة الحيوان الذى لا يؤكل لحمه مادام حيا؟ ولا دليل له على ذلك، ولا يكون نجسا الا ما جاء النص بأنه نجس، والا فلو كان كل حرام نجسا لكان ابن آدم نجسا * وقال مالك: سؤر الحمار والبغل وكل مالا يؤ كل لحمه طاهر كسؤر غيره ولا فرق، قال: وأما ما أكل الجيف من الطير والسباع فان شرب من ماء لم يتوضأ به وكذلك الدجاج التى تأكل النتن، فان توضأ به لم يعد إلا في الوقت، فان شرب شئ من ذلك في لبن فان تبين في منقاره قذر لم يؤكل، وأما ما لم ير في منقاره فلا بأس. قال ابن القاسم صاحبه: يتوضأ به ان لم يجد غيره ويتيمم، إذا علم أنها تأكل النتن، وقال مالك: لا بأس بلعاب الكلب * قال على ايجابه الاعادة في الوقت خطأ على أصله، لانه لا يخلو من أن يكون

[ 134 ]

أدى الطهارة والصلاة كما أمر، أو لم يؤدهما كما أمر، فان كان أدى الصلاة والطهارة كما أمر فلا يحل له أن يصلى ظهرين ليوم واحد في وقت واحد، وكذلك سائر الصلوات، وان كان لم يؤدهما كما أمر فالصلاة عليه أبدا، وهي تؤدي عنده بعد الوقت * وقد قال بعض المتعصبين له إذ سئل بهذا السؤال فقال: صلى ولم يصل، فلما أنكر عليه هذا ذكر قول الله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) قال ابو محمد على: وهذا الاحتجاج بالآية في غير موضعها أقبح من القول المموه له بذلك، لان الله تعالى أخبر أن رسوله صلى الله عليه وسلم لم يرم إذ رمى، ولكنه تعالى هو رماها، فهذا البائس الذى صلى ولم يصل، من صلاها عنه؟! فلا بد للصلاة ان كانت موجودة منه من أن يكون لها فاعل، كما كان للرمية رام، وهو الخلاق عزوجل، إذ وجود فعل لا فاعل له محال وضلال، وليس من أقوال أهل التوحيد، وان كانت الصلاة التى أمر بها غير موجودة منه فليصلها على اصلهم أبدا * وأما قول ابن القاسم: انه ان لم يجد غيره يتوضأ به ويتيمم إذا علم أنها تأكل النتن: فمتناقض لانه إما ماء وإما ليس ماء، فان كان ماء فانه لئن كان يجزئ الوضوء به إذا لم يجد غيره، فانه يجزئ وان وجد غيره، لانه ماء، وان كان لا يجزئ إذا وجد غيره، فانه لا يجزئ إذا لم يجد غيره ان كن ليس ماء، لانه لا يعوض من الماء الا التراب، وادخال التيمم في ذلك خطأ ظاهر، لان التيمم لا يحل مادام يوجد ماء يجزئ به الوضوء * وقال الشافعي: سو ركل شئ من الحيوان الحلال أكله والحرام أكله طاهر، وكذلك لعابه حاشى الكلب والخنزير، واحتج لقوله هذا بعض أصحابه بأنه قاس ذلك على أسآر بنى آدم ولعابهم، فان لحومهم حرام ولعابهم وأسارهم كل ذلك طاهر * قال علي: القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لان قياس سائر السباع على الكلب الذي لم يحرم إلا أنه من جملتها، وبعموم تحريم الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم كل ذي ناب من السسباع فقط فدخل الكلب في جملتها بهذا النص: ولو لاه لكان حلالا أولى من قياسها على ابن

[ 135 ]

آدم الذي لا علة تجمع بينه وبينها. لان بنى آدم متعنبدون، والسباع وسائر الحيوان غير متعبدة، وإناث بنى آدم حلال لذكورهم بالتزويج المباح وبملك اليمين المبيح للوطئ، وليس كذلك اناث سائر الحيوان والبان نساء بني آدم حلال وليس كذلك البان اناث السباع والاتن. فظهر خطأ هذا القياس بيقين * فان قالوا: قسناها على الهر، قيل لهم: وما الذي أوجب أن تقيسوها على الهر دون أن تقيسوها على الكلب؟ لا سيما وقد قستم الخنزير على الكلب ولم تقيسوه على الهر، كما قستم السباع على الهر، هذا لو سلم لكم أمر الهر. فكيف والنص الثابت الذي هو أثبت من حديث حميدة عن كبشة قد ورد مبينا لوجوب غسل الاناء من ولوغ الهر. فهذه مقاييس أصحاب القياس كما ترى. والحمد لله رب العالمين على عظيم نعمه * 136 مسألة وكل شئ مائع من ماء أو زيت أو سمن أو بان (1) أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك، أي شئ كان: إذا وقعت فيه نجاسة أو شئ حرام يجب اجتنابه أو ميتة، فان غير ذلك لون ما وقع فيه أو طعمه أو ريحه، فقد فسد كله، وحرم أكله، ولم يجز استعماله ولا بيعه. فان لم يغير شيئا من لون ما وقع فيه ولا من طعمه ولا من ريحه، فذلك المائع حلال أكله وشربه واستعماله ان كان قبل ذلك كذلك والوضوء حلال بذلك الماء، والتطهر به في الغسل أيضا كذلك، وبيع ما كان جائزا بيعه قبل ذلك حلال. ولا معنى لتبين أمره، وهو بمنزلة ما وقع فيه مخاط أو بصاق، الا أن البائل في الماء الراكد الذي لا يجرى: حرام عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسال به لفرض أو لغيره، وحكمه التيمم ان لم يجد غيره. وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغيره، وان لم يغير البول شيئا من أوصافه وحلال الوضوء به والغسل به لغيره (2) فلو أحدث في الماء أو بال


(1) كذا في الاصلين، والبان شجر له دهن، والاظهر والانسب أن يكون صوابه (أو لبن) (2) هنا بهامش اليمنية ما نصه (هذه المسألة استوفى المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح الالمام البحث فيها مع المصنف وتتبع كلامه فيها) والالمام هو كتاب ألفه ابن دقيق العيد في أحاديث الاحكام وشرحه شرحا وافيا سماه

[ 136 ]

خارجا منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر، يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، الا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلا لا له ولا لغيره، وحاشى ما ولغ فيه الكلب، فانه يهرق ولا بد، كما قدمنا في بابه، وحاشى السمن يقع فيه الفأر ميتا أو يموت فيه أو يخرج منه حيا ذكرا كان الفأر أو أنثى، صغيرا أو كبيرا فانه إن كان ذائبا حين موت الفأر فيه، أو حين وقوعه فيه ميتا أو خرج منه حيا أهرق كله ولو أنه الف الف قنطار، أو أقل أو أكثر ولم يحل الانتفاع به، جمد بعد ذلك أو لم يجميد، وان كان حين موت الفأر فيه أو وقوعه فيه ميتا جامدا واتصل جموده فان الفأر يؤخذ منه وما حوله ويرمى، والباقى حلال أكله وبيعه والادهان به، قل أو كثر. وحاشى الماء فلا يحل بيعه لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك عن على ما نذكر في البيوع ان شاء الله تعالى * برهان ذلك: ما ذكرنا قبل من أن كل ما أحل الله تعالى وحكم تفيه بأنه طاهر فهو كذلك أبدا ما لم يأت نص آخر بتحريمه أو نجاسته (1) وكل ما حرم الله تعالى أو نجسه فهو كذلك ابدا ما لم يأت نص آخر باباحته أو تطهيره، وما عدا هذا فهو تعد لحدود الله تعالى. وقال تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها). وقال تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام). وقال تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) وصح بهذا يقينا أن الطاهر لا ينجس بملاقاة النجس، وأن


(الامام) قال الادفوي في الطالع السعيد (لو كملت نسخته في الوجود لاغنت عن كل مصنف في ذلك). ويظهر من كثرة النقول عنه أنه أتمه وهو عزيز الوجود لم نسمع بوجوده في عصرنا، الا أن هذه التعليقة تدل على وجوده بالاقطار اليمنية السعيدة، ونرجو ممن يطلع على كلمتنا هذه من أهل اليمن بعد طبع الجزء الاول إذا وحد لديهم هذا الكتاب أو شئ منه أن ينقل ما كتبه ابن دقيق على هذه المسألة وأن يرسله الينا حبا في خدمة العلم، لنطبعه في رسالة خاصة نلحقها بالجزء الثاني من المحلى. والتوفيق من الله سبحانه وتعالى. (1) في اليمنية (أو نجاسة)

[ 137 ]

النجس لا يطهر بملاقاة الطاهر، وأن الحلال لا يحرم بملاقاة الحرام، والحرام لا يحل بملاقاة الحلال، بل الحلال حلال كما كان، والحرام حرام كما كان، والطاهر طاهر كما كان والنجس نجس كما كان، إلا أن يرد نص باحاله حكم من ذلك، فسمعا وطاعة، وإلا فلا * ولو تنجس الماء بما يلاقيه من النجاسات ما طهر شئ أبدا، لانه كان إذا صب على النجاسة لغسلها ينجس على قولهم ولا بد، وإذا تنجس وجب تطهيره، وهكذا أبدا، ولو كان كذلك لتنجس البحر والانهار الجارية كلها، لانه إذا تنجس الماء الذى خالطته النجاسة وجب أن يتنجس الماء الذى يماسه أيضا، ثم يجب ان يتنجس ما مسه ايضا كذلك أبدا، وهذا لا مخلص منه * فان قالوا في شئ من ذلك: لا يتنجس. تركوا قولهم ورجعوا إلى الحخق، وتناقضوا، وفي اجماعهم معنا على بطلان ذلك وعلى تطهير المخرج والدم في الفم والثوب والجسم: اقرار بأنه لا نجاسة إلا ما ظهرت فيه عين النجاسة، ولا يحرم إلا ما ظهر فيه عين المنصوص على تحريمه فقط، وسائر قولهم فاسد * فان فرقوا بين الماء الوارد وبين الذى ترده النجاسة. زادوا في التخليط بلا دليل * وأما إذا تغير لون الحلال الطاهر بما مازجه من نجس أو حرام أو تغير طعمه بذلك، أو تغير ريحه بذلك، فاننا جينئذ لا نقدر على استعمال الحلال إلا باستعمال الحرام، واستعمال الحرام في الاكل والشرب وفي الصلاة حرام كما قلنا، ولذلك وجب الامتناع منه، لا لان الحلال الطاهر حرم ولا تنجست عينه، ولو قدرنا على تخليص الحلال الطاهر من الحرام والنجس، لكان حلالا بحسبه * وكذلك إذا كانت النجاسة أو الحرام على جرم طاهر فأزلناها، فان النجس لم يطهر والحرام لم يحل، لكنه زايل الحلال الطاهر، فقدرنا على أن نستعمله حينئذ حلالا طاهرا كما كان (1) *


(1) في المصرية: (كأن كذا كان)

[ 138 ]

وكذلك إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم فيه، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر: فليس هو ذلك النجس ولا الحرام، بل قد صار شيئا آخر، ذا حكم آخر * وكذلك إذا استحالت صفات عين الحلال الطاهر، فبطل عنه الاسم افذى به ورد ذلك الحكم فيه، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حرام أو نجس: فليس هو ذلك الحلال الطاهر، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر، وكالعصير يصير خمرا، أو الخمر يصير خلا، أو لحم النزير تأكله دجاجة يستحيل فيها لحم دجاج حلالا، وكالماء يصير بولا، والطعام يصير عذرة، والعذرة والبول تدهن بهما الارض فيعودان ثمرة حلالا، ومثل هذا كثير، وكنقطة ماء تقع في خمر أو نقطة خمر تقع في ماء، فلا يظهر لشئ من ذلك أثر، وهكذا كل شئ. والاحكام للاسماء، والاسماء تابعة للصفات التى هي حد ما هي فيه (1) المفرق بين أنواعه * وأما اباحة بيعه والاستصباح به، فانما بيع الجرم الحلال، لا ما مازجه من الحرام، وبيع الحلال حلال كما كان قبل، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل * وممن أجاز بيع المائعات تقع فيها النجاسة والانتفاع بها: على وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو موسى الاشعري وأبو سعيد الخدرى والقاسم وسالم وعطاء والليث وأبو حنيفة وسفيان واسحق وغيرهم * فان قيل: فان في الناس من يحرم ذلك، ولا يستجيز أن يأخذه ولو أعطيه بلا ثمن، فكتمانه ذلك غش، والغش حرام، والدين النصيحة. قلنا: نعم، كما أن أكثر الناس لا يستسهل أن يأخذ مائعا وقعت فيه مخطة مجذوم، أو ادخل فيه يده، ولو أعطية باطلا (2)، وهذا عند الجامدين (3) من خصومنا لا معنى له، وليس شئ


(1) في المصرية (التي هي حدود ما هيته) (2) كذا في الاصلين، ولعله يقصد به انه بلا ثمن (3) في اليمنية (عند الحاضر)

[ 139 ]

من هذا غشا، انما الغش ما كان في الدين، والنصيحة كذلك، لا في الظنون الكاذبة المخالفة لا مر الله تعالى * على أن في القائلين من يقول بأن البصاق نجس ممن هو أفضل من الارض مملوءة (1) من مثل من قلده هؤلاء المتأخرون، كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثننا أبو عامر العقدى ثنا سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ربعى بن حراش عن سلمان هو الفارسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا بصقت (2) على جلدك وأنت متوضئ فان البصاق (2) ليس بطاهر فلا تصلى حتى تغسله، قال ابن المثنى: وحدثنا مخلد بن يزيد الحرانى عن التيمى عن المغيرة بن مقسم عن ابرهيم النخعي قال: البصاق بمنزلة العذرة. ولكن لا حجة في أحد من الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * فأما حكم البائل فلما حدثنا أحمد بن القاسم حدثنى أبى قاسم بن محمد بن قاسم ثنا جدى قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا حامد بن يحيى البلخى ثنا سفيان بن عيينة عن أيوب هو السختيانى عن محمد هو ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذى لا يجرى ثم يغتسل منه) * حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن احمد بن حنبل ثنا أبى ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذى لا يجري ثم يغتسل منه) * حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه (3)) *


(1) كذا في الاصلين، ولعل الصواب: ممن هو أفضل من مل ء الارض من مثل من قلده الخ (2) في اليمنية (بزقت) و (البزاق) (3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه

[ 140 ]

فلو أراد عليه السلام أن ينهى عن ذلك غير البائل لما سكت عن ذلك عجزا ولا نسيانا ولا تعنيتا لنا بأن يكلفنا علم ما لم يبده لنا من الغيب (1) فأما أمر الكلب فقد مضى الكلام فيه * وأما السمن فان حمام بن احمد ثنا قال ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمور عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة


(1) تغالى أبو محمد رحمه الله في التمسك بالظاهر حتي أغرب جدا، وذهب في هذه المسألة مذهبا لا يؤيده عقل ولا يوافقه النقل، وقد رد عليه النووي في المجموع أبلغ رد فقال (ج 1 ص 119 118): (نقل أصحابنا عن داود بن على الظاهرى الاصبهاني رحمه الله مذهبا عجيبا، فقالوا: انفرد داود بأن قال: لو بال رجل في ماء راكد لم يجز أن يتوضأ هو منه لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم صم يتوضأ منه) وهو حديث صحيح، قال ويجوز لغيره لانه ليس بنجس عنده، ولو بال في إناء ثم صبه في ماء أو بال في شط نهر ثم جرى البول إلى النهر، قال يجوز أن يتوضأ هو منه، لانه ما بال فيه بل في غيره، قال ولو تغوط في ماء جاز جاز أن يتوضأ منه، لانه تغوط ولم يبل، وهذا مذهب عجيب وفى غاية الفساد، فهو أشنع ما نقل عنه ان صح عنه رحمه الله. وفساده مغن عن الاحتجاج عليه، ولهذا أعرض جماعة من أصحابنا المعتنين بذكر الخلاف عن الرد عليه بعد حكايتهم مذهبه، وقالوا: فساده مغن عن افساده. وقد خرق الاجماع في قوله في الغائط، إذ لم يفرق أحد بينه وبين البول، ثم فرقه بين البول في نفس الماء والبول في إناء يصب في الماء من أعجب الاشياء! ومن أخصر ما يرد به عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم؟؟ بالبول على ما في معناه من التغوط وبول غيره، كما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تموت في السمن: (ان كان جامدا فألقوها وما حولها) وأجمعوا أن السنور كالفأرة في ذلك، وغير السمن من الدهن كالسمن، وفي الصحيح: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله) فلو أمر غيره فغسله، ان قال داود لا يطهر لكونه ما غسله هو، خرق الاجماع، وان قال يطهر * فقد نظر إلى المعنى وناقض قوله. والله أعلم)

[ 141 ]

قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع في السمن قال: إذا كان جامدا فألقوها وما حولها وان كان مائعا فلا تقربوه (1)) قال عبد الرزاق: وقد كان معمر يذكره أيضا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن ميمونة. قال: وكذلك حدثناه ابن عيينة * قال على: الفأرة والحية والدجاجة والحمامة والعرس أسماء كل واحد منها يقع على الذكر في لغة العرب وقوعه على الانثى، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: (ألقوها وما حولها) برهان بأنها لا تكون الا مينة، إذ لا يمكن ذلك من الحية * فان قيل: فان عبد الواحد بن زياد روى عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة هذا الخبر فقال: (وان كان ذائبا أو مائعا فاستصبحوا به أو قال: انتفعوا (2) به). قلنا وبالله تعالى التوفيق: عبد الواحد قد شك في لفظة الحديث، فصح انه لم يضبطه. ولا شك في أن عبد الرزاق أحفظ لحديث معمر. وأيضا فلم يختلف عن معمر عن الزهري عن عبيد الله أن ابن عباس عن ميمونة. ومن لم يختلف عليه أحق بالضبط ممن اختلف عليه. وأما الذي نعتمد عليه في هذا فهو أن كلا الروايتين حق، فأما رواية عبد الواحد فموافقة لما كنا نكون عليه لو لم يرد شئ من هذه الرواية، لان الاصل اباحة الانتفاع بالسمن وغيره، لقول الله تعالى: (خلق لكم ما في الارض جميعا). وأما رواية عبد الرزاق فشرع وارد وحكم زائد ناسخ للاباحة المتقدمة بيقين لا شك فيه. ونحن على يقين من أن الله تعالى لو أعاد حكم المنسوخ وأبطل حكم الناسخ لبين ذلك بيانا يرفع به الاشكال، قال الله تعالى:


(1) رواه أبو داود (ج 3 ص 429) من طريق عبد الرزاق، وذكره الترمذي معلقا (ج 1 ص 332) ونقل عن البخاري انه قال: (هذا خطأ أخطأ فيه معمر قال والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة) وحديث ابن عباس عن ميمونة الذى ذكره المؤلف عقب هذا وأشار إليه البخاري رواه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه. (2) في اليمنية (فاستنفعوا به)

[ 142 ]

(لتبين للناس ما نزل إليهم). فبطل حكم رواية عبد الواحد بيقين لا شك فيه. وبالله تعالى التوفيق * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن فضيل ثنا عطاء بن السائب عن ميسرة النهدي (1) عن على بن أبى طالب رضى الله عنه في الفأرة إذا وقعت في السمن فماتت فيه قال: ان كان جامدا فاطرحها وما حولها وكل بقيته، وان كان دائبا فاهرقه. قال على: والمأخوذ مما حولها هو أقل ما يمكن أن يؤخذ وأرقه غلظا، لان هذا هو الذى يقع عليه اسم ما حولها، وأما ما زاد على ذلك فمن المأمور بأكله والمنهي عن تضييعه * فان قيل: فقد روى: خذوا مما حولها قدر الكف. قيل: هذا انما جاء مرسلا من رواية أبى جابر البياضى (2) وهو كذاب عن ابن المسيب فقط، ومن رواية شريك بن أبى نمر وهو ضعيف عن عطاء بن يسار، وشريك ضعيف (3)، ولا حجة في مرسل ولو رواه الثقات، فكيف من روايه الضعفاء * ولا يجوز أن يحكم لغير الفأر في غير السمن، ولا للفأر في غير السمن ولا لغير الفأرة في السمن: بحكم الفأر في السمن، لانه لا نص في غير الفأر في السمن. ومن المحال أن يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم حكما في غير الفأر في غير السمن ثم يسكت عنه ولا يخبرنا به ويكلنا إلى علم الغيب والقول بما لا نعلم على الله تعالى، وما يعجز (4) عليه السلام قط عن أن يقول لو أراد: إذا وقع النجس أو الحرام في المائع فافعلوا كذا، حاش لله من أبن يدع عليه السلام بيان ما أمره ربه تعالى بتبليغه، هذا هو الباطل المقطوع على بطلانه بلا شك *


(1) هذا منقطع لان ميسرة بن حبيب النهدي متأخر لم يدرك عليا. (2) نقل بهامش اليمنية عن التقريب. (صدوق يخطئ) وهو خطأ فليس لابي جابر ذكر في التقريب بل هو في لسان الميزان واسمه محمد بن عبد الرحمن ج 5 ص 244) وهو كذاب كما قال ابن معين وغيره. (3) كلا بل شريك ثقة روى له الشيخان وموثقه ابن سعد وأبو داود وغيرهما. (4) في اليمنية (وما عجز)

[ 143 ]

فان قيل: فانه قد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في ودك فقال عليه السلام: (اطرحوها وما حولها إن كان جامدا، قيل: وإن كان مائعا؟ قال: فانتفعوا به ولا تأكلوه (1)) قلنا: هذا لم يروه أحد إلا عبد الجبار بن عمر (2)، وهو لا شئ، ضعفه ابن معين والبخاري وأبو داود والساجى (3) وغيرهم، وأيضا فليس فيه الا الفأر في الودك فقط، وقد قيل: ان الودك في اللغة للسمن والمرق خاصة والدسم للشحم * وقال أبو حنيفة: ان وقعت خمر أو ميتة أو بول أو عذرة أو نجاسة في ماء راكد نجس كله قلت النجاسة أو كثرت، ووجب هرقه كله ولم تجز صلاة من توضأ منه أو اغتسل منه ولم يحل شربه كثر ذلك الماء أو قل، الا أن يكون إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر، فانه طاهر حينئذ، وجائز التطهر به وشربه. فانه وقعت كذلك في مائع غير الماء حرم أكله وشربه، وجاز الاستصباح به والانتفاع به وبيعه. فان وقعت النجاسة أو الحرام في بئر، فان كان ذلك عصفورا فمات أو فأرة فماتت فأخرجا فان البئر قد تنجست وطهورها ان يستقى منها عشرون دلوا والباقى طاهر. فان كانت دجاجة أو سنورا فاخرجا حين ماتا فطهورها أربعون دلوا والباقى طاهر. فان كانت شاة فأخرجت حين ماتت أو بعد ما انتفخت أو تفسخت أو لم تخرج الفأرة ولا العصفور ولا الدجاجة أو السنور إلا بعد الانتفاخ أو الانفساخ، فطهور البئر أن تنزح. وحد النزح عند أبى حنيفة وأبى يوسف أن يغلبه الماء، وعند محمد بن الحسن مائتا دلو. فلو وقع في البئر سنور أو فأر أو حنش فأخرج ذلك وهى أحياء، فالماء طاهر يتوضأ به، ويستحب أن ينزح منها عشرون دلوا. فلو وقع فيها كلب أو حمار فأخرجا حيين فلا بد من نزح البئر حتى يغلبهم الماء. فلو بالت شاة في البئر وجب نزحها حتى يغلبهم قل البول أو كثر.


(1) الحديث نقله الدهبى في الميزان (ج 2 ص 92) عن العقبلى باسناده. (2) هو الايلى (بفتح الهمزة واسكان الياء المثناة) قال أبو حاتم، (منكر الحديث ضعيف ليس محله الكذب). (3) كذا في الاصلين، وبهامش المصرية ما يدل على أن في نسخة اصلاح ذلك وجعله (والنسائي) وهو الصواب، فان النسائي ضعف عبد الجبار هذا.

[ 144 ]

وكذلك لو بال فيها بعير عندهم. فلو وقع فيها بعرتان من بعر الابل أو بعر الغنم لم يضرها ذلك. وكذلك لو وقع في الماء خرء حمام أو خرء عصفور لم يضره. قال أبو حنيفة: من توضأ من بئر ثم أخرج منها ميتة: فأرة أو دجاجة أو نحو ذلك فان كانت لم تتفسخ أعاد صلاة يوم وليلة وان كانت قد انفسخت أعاد صلاة ثلاثة أيام بلياليها. فان كان طائرا رأوه وقع في البئر، فان أخرج ولم يتفسخ لم يعيدوا شيئا وان أخرج متفسخا أعادوا صلاة ثلاثة أيام بلياليها. فان رمي شئ من خمر أو دم في بئر نزحت كلها. فلو رمي في بئي عطم ميتة، فان كان عليه لحم أو دم تنجست البئر كلها، ووجب نزحها، فان لم يكن عليه دم أو لحم (1) لم تتنجس البئر، إلا أن يكون عظم خنزير أو شعرة واحدة من خنزير، فان البئر كلها تتنجس ويجب نزحها، كان عليهما لحم أو دسم أو لم يكن * وقال أبو يوسف ومحمد: لو ماتت فأرة في ماء في طست وصب ذلك الماء في بئر، فانه ينزح منها عشرون دلوا فقط، فلو توضأ رجل مسلم طاهر في طست طاهره بماء طاهر وصب ذلك الماء في البئر، قال أبوبوسف: قد تنجست البئر وتنزح كلها، وقال محمد بن الحسن: ينزح منها عشرون دلوا كما ينزح من الفأرة الميتة، فلو وقعت فأرة في خابية ماء فماتت فصب ذلك الماء في بئر، فان أبا يوسف قال: ينزح منها مثل الماء الذى رمى فيها فقط. وقال محمد بن الحسن: ينزح الاكثر من ذلك الماء أو من عشرين دلوا. وقال أبو يوسف: لو ماتت فأرة في خابية فرميت الفأرة في بئر ورمي الماء في بئر أخرى فان الفأرة تخرج ويخرج معها عشرون دلوا فقط. ويخرج من الماء من البئر الاخرى مثل الماء الذى رمى فيها وعشرون دلوا زيادة فقط. فلو أن فأرة وقعت في بئر فأخرجت وأخرج معها عشرون دلوا ثم رميت الفأرة وتلك العشرون دلوا معها في بئر أخرى فانه يخرج الفأرة وعشرون دلوا فقط. قالوا: فلو مات في الماء ضفدع أو ذباب أو زنبور أو عقرب أو خنفساء أو جراد أو نمل أو صرار أو سمك فطفا أو كل ما لا دم له: فان الماء طاهر جائز الوضوء به والغسل، والسمك الطافى عندهم لا يحل أكله. وكذلك


(1) في اليمنية (فان لم يكن عليه لحم ولا دسم).

[ 145 ]

إن مات كل ذلك في مائع غير الماء فهو طاهر حلال أكله، قالوا: فان مانت في الماء أو في مائع غيره حية فدقد تنجس ذلك الماء وذلك المائع، لان لها دما. فان ذبح كلب أو حمار أو سبع ثم رمى كل ذلك في راكد لم يتنجس ذلك الماء، وان ذلك اللحم حرام لا يحل أكله، وهكذا كل شئ الا الخنزير وابن آدم، فانهما وان ذبحا ينجسان الماء * قال على: فمن يقول هذه الاقوال التى كثير مما يأتي به المبرسم أشبه منها ألا يستحيى من أن ينكر على من اتبع أو امر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموجبات العقول في فهم ما أمر الله تعالى به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يتعد حدود ما أمر الله تعالى به! ولكن ما رأينا سنة مضاعة، إلا ومعها بدعة مذاعة. وهذه أقوال لو تتبع ما فيها من التخليط لقام في بيان ذلك سفر ضخم، إذ كل فصل منها مصيبة في التحكم والفساد والتناقض، وانها أقوال لم يقلها قط أحد قبلهم، ولا لها حظ من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من قياس يعقل، ولا من رأى سديد، ولا من باطل مطرد، ولكن من باطل متخاذل في غاية السخافة. والعجب أنهم موهوا برواية عن ابن عباس وابن الزبير: انهما نزحا زمزم من زنجبي مات فنيها، وعن علي بن أبي طالب رضى الله عنه وعن ابراهيم النخعي وعطاء والشعبى والحسن وحماد بن أبي سليمان وسلمة ابن كهيل * قال علي بن أحمد: وكل ما روى عن هؤلاء الصحابة وهؤلاء التابعين رضى الله عنهم فمخالف لاقوال أبى حنيفة وأصحابه * أما على فاننا روينا عنه أنه قال في فأرة وقعت في بئر فماتت: انه ينزح ماؤها، وأنه قال في فأرة وقعت في بئر فتقطعت: يخرج (1) منها سبع دلاء، فان كانت الفأرة كهيأتها لم تتقطع: ينزح (2) منها دلو أو دلوان، فان كانت منتنة: ينزح (2) من البئر


(1) في اليمنية (ينزح) (2) في اليمنية (نزح)

[ 146 ]

ما يذهب الريح، وهاتان الروايتان ليست واحدة منهما قول أبى حنيفة أصلا * وأما الرواية عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما فلو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجب بذلك فرض نزح البئر مما يقع فيها من النجاسات، فكيف عمن دونه عليه السلام، لانه ليس فيه أنهما أوجبا نزحها ولا أمرا به، وانما هو فعل منهما قد يفعلانه عن طيب النفس، لا على أن ذلك واجب. فبطل تعلقهم بفعل ابن عباس وابن الزبير، وأيضا فان في الخبر نفسه: أنه قيل لابن عباس: قد غلبتنا عين من جهة الحجر، فأعطاهم كساء خز فحشوه فيها حتى نزحوها، وليس هذا قول أبي حنيفة وأصحابه، لان حد النزح عند أبى حنيفة أن يغلبهم الماء فقط، وعند محمد مائتا دلو فقط، وعند أبي يوسف كقول أبى حنيفة، فمن أضل ممن يحتج بخبر يقضى بأنه حجة على من لا يراه حجة ثم يكون المحتج به أول مخالف لما احتج! فكيف ولو صح انهما رضى الله عنهما أمرا بنزحها لما كان للحنفيين في ذلك حجة، لانه لا يجوز أن يظن بهم إلا أن زمزم تغيرت بموت الزنجي، وهذا قولنا. ويؤيد هذا صحة الخبر عن ابن عباس الذى رويناه من طريق وكيع عن زكرياء بن أبى زائدة عن الشعبي عن ابن عباس: أربع لا تنجس، الماء والثوب والانسان والارض. وقد روينا عن عمر بن الخطاب: ان الله جعل الماء طهورا * وأما التابعون المذكورون، فان ابراهيم النخعي قال: في الفأرة أربعون دلوا، وفى السنور أربعون دلوا، وقال الشعبى: في الدجاجة سبعون دلوا، وقال حماد بن أبي سليمان: في السنور ثلاثة دلوا، وفى الدجاجة ثلاثون دلوا، وقال سلمة بن كهيل: في الدجاجة أربعون دلوا، وقال الحسن: في الفأرة أربعون دلوا، وقال عطاء: في الفأرة عشرون دلوا، وفى الشاة تموت في البئر أربعون دلوا، فان تفسخت فمائة دلو أو تنزح، وفي الكلب يقع في البئر ان أخرج منها حيا عشرون دلوا، فان مات فأخرج حين موته فستون دلوا، فان تفسخ فمائة دلو أو تنزح. فهل من هذه الاقوال قول يوافق أقوال أبى حنيفة وأصحابه إلا قول عطاء في الفأرة؟ دون أن يقسم تقسيم أبى حنيفة، وقول ابراهيم في السنور دون أن يقسم أيضا تقسيم أبي حنيفة، فلم يحصلوا إلا على خلاف الصحابة والتابعين كلهم فلا تعلق بشئ من السنن أو المقاييس

[ 147 ]

ومن عجيب ما أوردنا عنهم قولهم في بعض أقوالهم: ان ماء وضوء المسلم الطاهر النظيف أنجس من الفأرة الميتة، ولو أوردنا التشنيع عليهم بالحق لالزمناهم ذلك في وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاما أن يتركوا قولهم، واما أن يخرجوا عن الاسلام، أو في وضوء أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم وقولهم: إن حرم طرفه لم يتحرك الطرف الآخر، فليت شعرى هذه الحركة بماذا تكون: أباصبع طفل، أم بتبنة، أو بعود مغزل، أو بعوم عائم، أو بوقوع فيل، أو بحصاة صغيرة، أو بحجر منجنيق، أو بانهدام جرف؟ نحمد الله على السلامة من هذه التخاليط، لا سيما فرقهم في ذلك بين الماء وسائر المائعات، فان ادعوا فيه اجماعا، قلنا لهم: كذبتم، هذا ابن الماجشون يقول: ان كل ماء أصابته نجاسة فقد تنجس، إلا أن يكون غديرا إذا حرك وسطه تتحرك أطرافه * وقال مالك في البئر تقع فيها (1) الدجاجة فتموت فيها: انه ينزف الا أن تغلبهم كثرة الماء، ولا يؤكل طعام عجن به، ويغسل من الثياب ما غسل به، ويعيد كل من توضأ بذلك الماء أو اغتسل به كل صلاة صلاها ما كان في الوقت. قال: فان وقعت في البئرر الوزغة أو الفأرة فماتتا: انه يستقى منها حتى تطيب، ينزفون منها ما استطاعوا، فلو وقع خمر في ماء فان من يتوضأ منه يعيد في الوقت فقط، فلو وقع شئ من ذلك في مائع غير الماء لم يحل أكله تغير أو لم يتغير، فان بل في الماء خبز لم يجز الوضوء منه، وأعاد من توضأ به أبدا، فلو تغير الماء من النجاسة المذكورة أو من شئ طاهر أعاد من توضأ به وصلى أبدا، فلو مات شئ من خشاش الارض في ماء أو في طعام أو شراب أو غير ذلك لم يضره، ويوكل كل ذلك ويشرب، وذلك نحو الزنبور والعقرب والصرار والخنفساء والسرطان والضفدع وما أشبه ذلك * وقال ابن القاسم صاحبة: قليل الماء يفسده قليل النجاسة ويتيمم من لم يجد سواه (2)، فان توضأ وصلى به لم يعد إلا في الوقت *


(1) في الاصلين (فيه) وهو خطأ لان البئر مؤنثة. (2) في اليمنية (غيره)

[ 148 ]

قال على: إن كان فرق بهذا القول بين ما ماتت فيه الوزغة والفأرة وبين ما ماتت فيه الدجاجة فهو خطأ، لانه قول بلا برهان، وان ساوى بين كل ذلك فقد تناقض قوله، إذ منع من أكل الطعام المعمول بذلك الماء، واذ أمر بغسل ما مسه من الثياب، ثم لم يأمر باعادة الصلاة الا في الوقت، وهذا عنده اختيار لا ايجاب. فان كانت الصلاة التى يأمرة بأن يأتي بها في الوقت تطوعا عنده، فأى معنى للتطوع في اصلاح ما فسد من صلاة الفريضة؟ فان قال: ان لذلك معنى، قيل له: فما الذى يفسد ذلك المعنى إذا خرج الوقت؟ وما الوجة الذى رغبتموه من أجله في أن يتطوع في الوقت، ولم ترغبوه في التطوع بعد الوقت؟ وان كانت الصلاة التي يأمره أن يأتي بها في الوقت فرضا، فكيف يجوز أن يصلى ظهرين ليوم واحد في وقت واحد؟ وما الذى أسقطها عنه إذا خرج الوقت؟ وهو يرى أن الصلاة الفرض يؤديها التارك لها فرضا ولا بد وان خرج الوقت * ثم العجب من تفريق أبى حنيفة ومالك بين مالا دم له يموت في الماء وفى المائعات وبين ماله دم يموت فيها، وهذا فرق لم يأت به قط قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا قول صاحب ولا قياس ولا معقول، والعجب من تحديدهم ذلك بما له دم! وبالعيان ندرى أن البرغوث له دم والذباب له دم * فان قالوا: أردنا ماله دم سائل، قيل: وهذا زائد في العجب! ومن أين لكم هذا التقسيم بين الدماء في الميتات؟ وأنتم مجمعون معنا ومع جميع أهل الاسلام على أن كل ميتة فهى حرام، وبذلك جاء القرآن، والبرغوث الميت والذباب الميت والعقرب الميت والخنفساء الميت: حرام بلا خلاف من أحد، فمن أين وقع لكم هذا التفريق بين أصناف الميتات المحرمات؟ فقال بعضهم: قد أجمع المسلمون على أكل الباقلاء المطبوخ وفيه الدقش (1) الميت، وعلى أكل العسل وفيه


(1) بفتح الدال المهملة واسكان القاف وآخره شين معجمة، ورسم في الاصل المصرى بدون نقط، وفي النميي هكذا (الرقيس) ولم أصل إلى نحقيق الصواب الا أن ما ذكرناه أقرب إلى الصحة، قال في اللسان: (الدقشة دويبة رقشاء وقيل رقطاء أصغر من العظاءة) والله أعلم

[ 149 ]

النحل الميت، وعلى أكل الخل وفيه الدود الميت، وعلى أكل الجبن والتين كذلك، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقل (1) الذباب في الطعام. قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إن كان الاجماع صح بذلك كما ادعيتم، وكان في الحديث المذكور دليل على جواز أكل الطعام يموت فيه الذباب كما زعمتم: فان وجه العمل في ذلك أحد وجهين: إما ان تقتصروا على ما صح به الاجماع من ذلك وجاء به الخبر خاصة، ويكون ما عدا ذلك بخلافه، إذ أصلكم أن ما لاقى الطاهرات من الانجاس فانه ينجسها، وما خرج عن أصله عندكم فانكم لا ترون القياس عليه سائغا أو تقيسوا على الذباب كل طائر، وعلى الدقش كل حيوان ذى أرجل، وعلى الدود كل منساب. ومن أين وقع لكم أن تقيسوا على ذلك مالا دم له؟ فأخطأتم مرتين احداهما أن الذباب له دم، والثانية اقتصاركم بالقياس على مالا دم له، دون أن تقيسوا على الذباب كل ذى جناحين أو كل ذى روح * فان قالوا: قسنا ما عدا ذلك على حديث الفأر في السمن. قيل لهم: ومن أين لكم عموم القياس على ذلك الخبر؟ فهلا قستم على الفأر كل ذى ذنب طويل، أو كل حشرة من غير السباع! وهذا مالا انفصال لهم منه أصلا. والعجب كله من حكمهم ان ما كان له دم سائل فهو النجس، فيقال لهم: فأى فرق بين تحريم الله تعالى الميتة وبين تحريم الله تعالى الدم؟ فمن أين جعلتم النجاسة للدم دون الميتة؟ وأغرب ذلك ان الميتة لا دم لها بعد الموت؟ فظهر فساد قولهم بكل وجه * وأما قول ابن القاسم فظاهر الخطأ، لانه رأى التيمم أولى من الماء النجس، فوجب أن المستعمل له ليس متوضئا، ثم لم ير الاعادة على من صلى كذلك الا في الوقت، وهو عنده مصل (2) بغير وضوء *


(1) مقل النسئ في الشئ يمقله مقلا من باب قتل غمسه وغطسه قاله في اللسان. (2) في الاصلين (مصلى) وهو غلط

[ 150 ]

وقال الشافعي: إذا كان الماء غير جار فسواء البئر والاناء والبقعة وغير ذلك إذا كان أقل من خمسمائة رطل بالبغدادي، بما قل أو كثر: فانه ينجسه كل نجس وقع فيه وكل ميتة، سواء ماله دم سائل وما ليس له دم سائل، وكل ذلك ميتة نجس يفسد ما وقع فيه، فان كان خمسمائة رطل لم ينجسه شئ مما وقع فيه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه. فان كان ذلك في مائع غير الماء نجس كله وحرم استعماله، كثيرا كان أو قليلا * وقال أبو ثور صاحبه: جميع المائعات بمنزلة الماء، إذا كان المائع خمسمائة رطل لم ينجسه شئ مما وقع فيه الا ان يغير لونه أو طعمه أو ريحه، فان كان أقل من خمسمائة رطل ينجس * ولم يختلف أصحاب الشافعي - وهو الواجب ولا بد على أصله - في أن (1) اناء فيه خمسمائة رطل من ماء غير أوقية فوقع فيه نقطة بول أو خمر أو نجاسة ما فانه كله نجس حرام ولا يجوز (2) الوضوء فيه وان يظهر لذلك فيه أثر، فلو وقع فيه (3) رطل بول أو خمر أو نجاسة ما فلم يظهر لها فيه أثر فالماء طاهر يجزئ الوضوء به ويجوز شربه. واحتج أصحاب الشافعي لقولهم هذا بالحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل الاناء من ولوغ الكلب وهرقه، وبأمره صلى الله عليه وسلم من استيقظ من نومه بغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في وضوئه فانه لا يدرى أين باتت يده، وبأمره صلى الله عليه وسلم البائل في الماء ألا يتوضأ منه ولا يغتسل، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شئ


(1) في الاصلين (فهو أن) وهو خطأ (2) في اليمنية (لا يجزئ) (3) بهامش اليمنية (لعله يريد ماء هو خمسمائة رطل وأوقية) وهو غير صحيح، بل مراد المؤلف أن يرد على الشافعية بالقياس على أصلهم، لان الماء إذا كان خمسمائة رطل إلا أوقية ثم وقع فيه رطل مما ذكر صار كثيرا أكثر من القلتين فلم ينجس إذا لم يظهر للنجاسة أثر، وأياما كان ففي هذا من المغالطة الظاهرة ما فيه.

[ 151 ]

ولم يقبل الخبث) قالوا: فدلت هذه الاحاديث على أن الماء يقبل النجاسة ما لم يبلغ حدا ما، قالوا: فكانت القلتان حدا منصوصا عليه فيما لا يقبل النجاسة منه، واحتج بهذا أيضا أصحاب أبي حنيفة في قولهم * ثم اختلفوا في تحديد القلتين، فقال بعض أصحاب أبى حنيفة: القلة أعلى الشئ، فمعنى القلتين ههنا القامتان، وقال الشافعي بما روى عن ابن جريج: ان القلتين من قلال هجر، وان قلال هجر القلة الواحدة قربتان أو قربتان وشئ، قال الشافعي: القربة مائة رطل، وقال أحمد بن حنبل بذلك، ولم يحد في القلتين حدا أكثر من انه قال مرة: القلتان أربع قرب، ومرة قال: خمس قرب، ولم يحدها بأرطال. وقال اسحاق: القلتان ست قرب، وقال وكيع ويحيى بن آدم: القلة الجرة وهو قول الحسن البصري، أي جرة كانت فهي قلة، وهو قول مجاهد وأبى عبيد، قال مجاهد: القلة الجرة، ولم يحد أبو عبيد في القلة حدا * وأظرف شئ تفريقهم بين الماء الجارى وغير الجارى، فان احتجوا في ذلك بان الماء الجارى إذا خالطته النجاسة مضى وخلفه طاهر: فقد علموا يقينا ان الذى خالطته النجاسة إذا انحدر فانما ينحدر كما هو، وهم يبيحون لمن تناوله في انحداره فتطهر به أن يتوضأ منه ويغتسل ويشرب، والنجاسة قد خالطته بلا شك، فوقعوا في نفس ما شنعوا وأنكروا. فان قالوا: لم نحتج في الفرق بين الماء الجارى وغير الجاري إلا بأن النهى إنما ورد عن الماء الراكد الذى يبال (1) فيه. قلنا: صدقتم، وهذا هو الحق، وبذلك الامر نفسه في ذلك الخبر نفسه فرقنا نحن بين من ورد عليه النهى وهو البائل، وبين من لم يرد عليه النهى وهو غير البائل، ولا سبيل إلى دليل يفرق بين ما أخذوا به من ذلك الخبر وبين ما تركوا منه. وبالله تعالى التوفيق * واحتجوا بحديث الفأرة في السمن فيما ادعوه من قبول ما عدا الماء للنجاسة * قال على: هذا كل ما احتجوا به، ما لهم حجة أصلا غير ما ذكرنا، وكل هذه الاحاديث صحاح ثابتة لا مغمز فيها، وكلها لا حجة لهم في شئ منها، وكلها حجة


(1) كتب في الاصلين (يبل)

[ 152 ]

عليهم لنا، على ما نبين ان شاء الله عزوجل وبه تعالى نستعين * فأول ذلك أنهم كلهم أقوالهم مخالفة لما في هذه الاخبار، ونحن نقول بها كلها والحمد لله على ذلك * أما حديث ولوغ الكلب في الاناء، فان أبا حنيفة وأصحابه خالفوه جهارا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسله سبع مرات أولاهن بالتراب، فقالوا هم: لا بل مرة واحدة فقط، فسقط تعلقهم بقول هم أول من عصاه وخالفه، فتركوا ما فيه وادعوا فيه ما ليس فيه وأخطؤا مرتين * وأما مالك فقال: لا يهرق إلا أن يكون ماء، فخالف الحديث أيضا علانية، وهو وأصحابه موافقون لنا على أن هذا الخبر لا يتعدى به إلى سواه، وأنه لا يقاس شئ من النجاسات بولوغ الكلب. وصدقوا في ذلك، إذ من ادعى خلاف هذا فقد زاد في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله عليه السلام قط * وأما الشافعي فانه قال: ان كان ما في الاناء من الماء خمسمائة رطل فلا يهرق ولا يغسل الاناء، وان كان فيه غير الماء أهرق بالغا ما بلغ، وهذا ليس في الحديث أصلا لا بنص ولا بدليل. فقد خالف هذا الخبر وزاد فيه ما ليس فيه من أنه ان أدخل فيه يده أو رجله أو ذنبه أهرق وغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وهذه زيادة ليست في كلامه عليه السلام أصلا، وقال: إن ولغ في الاناء خنزير كان حكمه حكم ما ولغ فيه الكلب: يغسل سبعا احداهن بالتراب، قال: فان ولغ فيه سبع لم يغسل أصلا ولا أهرق. فقاس الخنزير على الكلب، ولم يقس السباع على الكلب - وهو بعضها - وإنما حرم الكلب بعموم النهي عن أكل كل ذى ناب من السباع. فقد ظهر خلاف أقوالهم لهذا الخبر وموافقتنا نحن لما فيه، فهو حجة لنا عليهم. والحمد لله رب العالمين كثيرا، وظهر فساد قياسهم وبطلانه، وأنه دعاوى لا دليل على شئ منها * وأما الخبر فيمن استيقظ من نومه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في وضوئه فان أحدكم لا يدرى اين باتت يده -: فانهم كلهم مخالفون له، وقائلون: إن هذا لا يجب على المستيقظ من نومه، وقلنا نحن: بل هو واجب عليه. وقالوا كلهم: إن النجاسات التى احتجوا بهذه الاخبار في قبول الماء لها، وفرقوا بها بين ورود النجاسة

[ 153 ]

على الماء وبين ورود الماء على النجاسة: فانها تزال بغسلة واحدة وهذا خلاف ما في هذين الخبرين جهارا، لان في أحدهما تطهير الاناء بسبع غسلات أولاهن بالتراب، وفى الآخر تطهير اليد بثلاث غسلات. وهم لا يقولون بهذا في النجاسات، ولو كان هذان الخبران دليلين على قبول الماء للنجاسة لوجب أن يكون حكمهما مستعملا في إزالة النجاسات. فبطل احتجاجهم بهذين الخبرين جملة. والحمد لله * ومن الباطل المتيقن أن يكون ما ظنت به النجاسة من اليد لا يطهر إلا بثلاث غسلات، وإذا تيقنت النجاسة فيها اكتفى في ازالتها بغسلة واحدة. فهذا قولهم الذى لا شنعة أشنع منه، وهم يدعون إنفاذ حكم العقول في قياساتهم، ولا حكم أشد منافرة للعقل من هذا الحكم، ولو قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعنا وأطعنا، وقلنا: هو الحق، لكن لما لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب اطراحه والرغبة عنه، وأن نوقن بأنه الباطل. ومن المحال أيضا أن يكون الامر للمتنبه بغسل اليد ثلاثا خوف أن تقع على نجاسة، إذ لو كان كذلك لكانت رجله في ذلك كيده، ولكان باطن فخذيه وباطن إليتيه أحق بذلك من يده * وأما مالك فموافق لنا في الخبر أنه ليس دليلا على قبول الماء للنجاسة، فبطل تعلقهم أيضا بهذا الخبر جملة، وصح أنه حجة لنا عليهم، والحمد لله رب العالمين، فصح اتفاق جميعهم على أن هذين الخبرين لا يجعلان أصلا لسائر النجاسات، وألا يقاس سائر النجاسات على حكمهما، فبطل تعلقهم بهما * وأما حديث نهي البائل في الماء الراكد عن أن يتوضأ منه أو يغتسل، فانهم كلهم مخالفون له أيضا. أما أبو حنيفة فانه قال: ان كان الماء بركة إذا حرك طرفها الواحد لم يتحرك طرفها الآخر فانه لو بال فيها ما شاء أن يبول فله أن يتوضأ منها ويغتسل، فان كانت أقل من ذلك لم يكن له ولا لغيره أن يتوضأ منها ولا أن يغتسل، فزاد في الحديث ما ليس فيه من تحريم ذلك على غير البائل، وخالف الحديث فيما فيه باباحته في بعض أحوال كثرة الماء وقلته للبائل فيه أن يتوضأ منه ويغتسل. وكذلك قول الشافعي في الماء إذا كان خمسمائة رطل أو أقل من خمسمائة رطل، فخالف

[ 154 ]

الحديث كما خالفه أبو حنيفة، وزاد فيه كما زاد أبو حنيفة. وأما مالك فخالفه كله، قال: إذا لم يتغير الماء ببوله فله أن يتوضأ منه ويغتسل، وقال في بعض أقواله: إذا كان كثيرا. فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة لمخالفتهم له. وأما نحن فأخذنا به كما ورد، ولله الحمد كثيرا * وأما حديث الفأر في السمن فانهم كلهم خالفوه، لان أبا حنيفة ومالكا والشافعي أباحوا الاستصباح به، وفى الحديث: (لا تقربوه) وأباح أبو حنيفة بيعه، فبطل تعلقهم بجميع هذه الآثار وصح خلافهم لها، وأنها حجة لنا عليهم * فان قيل: فما معنى هذه الآثار ان كانت لا تدل على قبول الماء النجاسة وما فائدتها قلنا: معناها ما اقتضاه لفظها، لا يحل لاحد أن يقول إنسانا من الناس مالا يقتضيه كلامه، فكيف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى جاء الوعيد الشديد على من قوله ما لم يقل * وأما فائدتها فهى أعظم فائدة، وهى دخول الجنة بالطاعة لها، وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه * وأما حديث القلتين فلا حجة لهم فيه أصلا: أول ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحد مقدار القلتين، ولا شك في أنه عليه السلام لو أراد أن يجعلهما حدا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها لما أهمل أن يحدها لنا بحد ظاهر لا يحيل، وليس هذا مما يوجب على المرء ويوكل فيه إلى اختياره، ولو كان ذلك لكانت كل قلتين صغرتا أو كبرتا - حدا في ذلك. فاما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: القلة القامة، ومع ذلك فقد خالفوا هذا الخبر - على أن نسلم لهم تأويلهم الفاسد لان البئر وان كان فيها قامتان أو ثلاث فانها عندهم تنجس. وأما الشافعي فليس حده في القلتين بأولى من حد غيره ممن فسر القلتين بغير تفسيره، وكل قول لا برهان له فهو باطل. وأما نحن فنقول بهذا الخبر حقا، ونقول: ان الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس ولم يقبل الخبث. والقلتان ما وقع عليه في اللغة اسم قلتين، صغرتا أو كبرتا، ولا خلاف في أن القلة التى تسع عشرة أرطال ماء تسمى عند العرب قلة، وليس في هذا الخبر ذكر لقلال هجر أصلا، ولا شك في أن بهجر قلالا صغارا وكبارا *

[ 155 ]

فان قيل: إنه صلى الله عليه وسلم قد ذكر قلال هجر في حديث الاسراء (1). قلنا: نعم، وليس ذلك يوجب أنه صلى الله عليه وسلم متى ما ذكر قلة فانما أراد من قلال هجر، وليس تفسير ابن جريج للقلتين بأولى من تفسير مجاهد الذى قال: هما جرتان، وتفسير الحسن كذلك: إنها أي جرة كانت * وليس في قوله صلى الله عليه وسلم هذا دليل ولا نص على أن ما دون القلتين ينجس ويحمل الخبث (2) ومن زاد هذا في الخبر فقد قوله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، فوجب طلب حكم ما دون القلتين من غير هذا الخبر، فنظرنا فوجدنا ما حدثنا حمام قال: ثنا عباس ابن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو على عبد الصمد ابن أبى سكينة - وهو ثقة - ثنا عبد العزيز بن أبى حازم أبو تمام عن أبيه عن سهل ابن سعد الساعدي قال: (قالوا يا رسول الله: انا نتوضأ (3) من بئر بضاعة وفيها ما ينجي (4) الناس والحائض والجيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء لا ينجسه شئ (5)) * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور أخبرنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ثنا محمد بن فضيل عن أبى مالك الاشجعى عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضلنا على الناس بثلاث وذكر صلى الله عليه وسلم فيها وجعلت لنا الارض


(1) بهامش اليمنية (يعني في ثمر سدرة المنتهى) (2) بهامش اليمنية (هذا مبنى على عدم القول بالمفهوم وهو مذهب المصنف) (3) في المصرية (انك تتوضأ) وهو الموافق لها في التلخيص. (4) بضم الياء واسكان النون، والنجو ما يخرج من البطن، وأنجى أحدث أو ألقى نجوه. (5) حديث بئر بضاعة معروف من حديث ابي سعيد الخدرى، وأما من حديث سهل بن سعد فانا لم نره الا في هذه الرواية وهي رواية محمد بن وضاح، فقد رواه عنه قاسم بن أصبغ في مصنفه، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن في مستخرجه على سنن أبى داود، ذكر هذا ابن حجر في التلخيص (ج 1 ص 91) وقال: (قال ابن وضاح لقيت ابن أبى سكينة بحلب فذكره. وقال قاسم بن أصبغ: هذا

[ 156 ]

كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء (1)) ثم عليه السلام كل ماء ولم يخص ماء من ماء * فقالوا: فانكم تقولون إن الماء إذا طهرت فيه النجاسة فغيرت لونه وطعمه وريحه فانه ينجس، فقد خالفتم هذين الخبرين. قلنا: معاذ الله من هذا أن نقوله، بل الماء لا بنجس أصلا، ولكنه طاهر بحسبه (2)، لو أمكننا تخليصه من جملة المحرم علينا لاستعملناه، ولكنا لما لم نقدر على الوصول إلى استعماله كما أمرنا سقط عنا حكمه، وهكذا كل شئ، كثوب طاهر صب عليه خمر أو دم أو بول، فالثوب طاهر كما كان إن أمكننا إزالة النجس عنه صلينا فيه، وإن لم يمكنا الصلاة فيه الا باستعمال النجس المحرم سقط عنا حكمه، ولم تبطل الصلاة للباس ذلك الثوب، لكن لاستعمال النجاسة التى فيه، وكذلك خبز دهن بودك خنزير، وهكذا كل شئ، حاشى ما جاء


من أحسن شئ في بئر بضاعة، وقال ابن حزم: عبد الصمد ثقة مشهور، قال قاسم ويروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها، قلت: ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم انه مشهور قال ابن عبد البر وغير واحد: انه مجهول ولم نجد عنه راويا اؤ محمد بن وضاح) وهذا الحديث رواه الدارقطني (ص؟ 1) من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم عن سهل مختصرا بدون ذكر قصة بئر بضاعة ونقله عنه ابن الجوزى في التحقيق رقم 2 وله شاهد قوى رواه البيهقي في سننه (ج 1 ص 259) عن محمد بن أبي يحى عن أبيه قال: (دخلت على سهل بن سعد الساعدي في نسوة فقال لو أني أسقيكم من بضاعة لكرهتم ذلك، وقد والله سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى منها) قال البيهقي: (وهذا اسناد حسن موصول) ورواه الدارقطني (ص 12) من هذا الطريق مختصرا، فدلت هذه الاسانيد على أن للحديث عن سهل أصلا صحيحا، ولئن جهل ابن عبد البر حال عبد الصمد فلقد عرفه غيره: قاسم بن أصبغ وابن حزم ومن عرف حجة على من لم يعرف. (1) رواه مسلم وغيره (2) بهامش اليمنية (يقال عاد الخلاف لفظيا يتعلق بالتسمية لا بالحكم فانه متفق عليه) وهذا صحيح.

[ 157 ]

النص بتحريمه بعينه فتجب الطاعة له كالمائع يلغ فيه الكلب في الاناء وكالماء الراكد للبائل وكالسمن الذائب يقع فيه الفأر الميت ولا مزيد وقد روينا من طريق قتادة أن ابن مسعود قال: لو اختلط الماء بالدم لكان الماء طهورا وبالله تعالى التوقيق * ولو كان الماء ينجس بملاقاة النجاسة للزم إذا بال انسان في ساقية ما الا يحل لاحد أن يتوضا بما هو أسفل من موضع البائل، لان ذلك الماء الذى فيه البول أو العذرة منه يتوضأ بلا شك ولما تطهر فم أحد من دم أوقي فيه لان الماء إذا دخل في الفم النجس تنجس وهكذا أبدا والمفرق بين الماء وسائر المائعات في ذلك مبطل متحكم قائل بلا برهان وهذا باطل * قال أبو محمد على: وأما تشنيعهم علينا بالفرق بين البائل المذكور في الحديث وغير البائل الذى لم يذكر فيه، وبين الفأر يقع في السمن المذكور في الحديث وبين وقوعه في الزيت أو وقوع حرام ما في السمن إذ (1) لم يذكر شئ من ذلك في الحديث -: فتشنيع فاسد عائد عليهم، ولو تدبروا كلامهم لعلموا أنهم مخطئون في التسوية بين البائل الذى ورد فيه النص وغير البائل الذي لا نص فيه، وهل فرقنا بين البائل وغير البائل إلا كفرقهم معنا بين الماء الراكد المذكور في الحديث وغير الراكد الذى لم يذكر فيه؟ والا فليقولوا لنا: ما الذى أوجب الفرق بين الماء الراكد وغير الراكد ولم يوجب الفرق بين البائل وغير البائل؟! إلا أن ما ذكر في الحديث لا يتعدى بحكمه إلى ما لم يذكر فيه بغير نص، وكفرقهم بين الغاصب للماء فيحرم عليه شربه واستعماله، وهو حلال لغير الغاصب له، وهل البائل وغير البائل إلا كالزاني وغير الزاني والسارق وغير السارق، والمصلى وغير المصلى؟ لكل ذى اسم منها حكمه، وهل الشنعة والخطأ الظاهر الا أن يرد نص في البائل فيحمل ذلك الحكم على غير البائل! وهل هذا إلا كمن حمل حكم السارق على غير السارق، وحكم الزاني على


(1) في الاصلين (إذا) وما هنا أصح

[ 158 ]

غير الزانى وحكم المصلى على غير المصلى، وهكذا في جميع الشريعة! ونعوذ بالله من هذا. ولو أنصفوا أنفسهم لانكر المالكيون والشافعيون على أنفسهم تفريقهم بين مس الذكر بباطن الكف فينقض الوضؤ، وبين مسه بظاهر الكف فلا ينقض الوضؤ. ولانكر المالكيون على أنفسهم تفريقهم بين حكم الشريفة وحكم الدنية في النكاح، وما فرق الله تعالى بين فرجيهما في التحليل والتحريم والصداق والحد. ولانكر المالكيون والشافعيون تفريقهم بين حكم التمر وحكم البسر في العرايا. وهؤلاء المالكيون يفرقون معنا بين ما أدخل فيه الكلب لسانه وبين ما أدخل فيه ذنبه المبلول من الماء ويفرقون بين بول البقرة وبول الفرس، ولا نص في ذلك. بل أشنع من ذلك تفريقهم بين خرء الدجاجة المخلاة وخرئها إذا كانت مقصورة وبين بول الشاة إذا شربت ماءا نجسا وبين بولها إذا شربت ماءا طاهرا، وفرقوا بين الفول وبين نفسه، فجعلوه في الزكاة مع الجلبان صنفا واحدا، وجعلوهما في البيوع صنفين، وكل ذى عقل يدرى ان الفرق بين البائل والمتغوط بنص جاء في احدهما دون الآخر اوضح من الفرق بين الفول أمس والفول اليوم، وبين الفول ونفسه بغير نص ولا دليل اصلا. وهؤلاء الشافعيون فرقوا بين البول في مخرجه من الاحليل فجعلوه يطهر بالحجارة وبين ذلك البول نفسه من ذلك الانسان نفسه إذا بلغ أعلى الحشفة: فجعلوه لا يطهر الا بالماء، وفرقوا بين بول الرضيع وبين غائطه في الصب والغسل، وهذا هو الذى أنكروا علينا ههنا بعينه. وهؤلاء الحنفيون فرقوا بين بول الشاة في البئر فيفسدهما، وبين ذلك المقدار نفسه من يولها بعينها في الثوب فلا يفسده، وفرقوا بين بول البعير في البئر فيفسده، ولو أنه، نقطة فان وقعت بعرتان من بعر ذلك الجمل في ماء البئر لم يفسد الماء. وهذا نفس ما أنكروه علينا. وفرقوا بين روث الفرس يكون في الثوب منه أكثر من قدر الدرهم البغلى فيفسد الصلاة، وبين بول ذلك الفرس نفسه يكون في الثوب فلا

[ 159 ]

يفسد الصلاة إلا أن يكون ربع الثوب عند أبى حنيفة، وشبرا في شبر عند أبى يوسف، فيفسدها حينئذ، وزفر منهم يقول: بول ما يؤكل لحمه طاهر كله ورجيعه نجس، وهذا هو الذى انكروا علينا. وفرقوا بين ما يملا الفم من القلس وبين ما لا يملا الفم منه، وفرقوا بين البول في الجسد، فلا يزيله الا الماء، وبين البول في الثوب فيزيله غير الماء ولو تتبعنا سقطاتهم لقام منها ديوان فان قالوا: من قال بقولكم هذا في الفرق بين البائل والمتغوط في الماء الراكد قبلكم؟ قلنا: قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - إذ بين لنا حكم البائل وسكت عن المتغوط والمتنخم والمتمخط، ولكن اخبرونا: من قال من ولد آدم بفروقكم هذه قبلكم؟ من الفرق بين بول الشاة في البئر وبولها في الثوب، وبين بولها في الجسد وبولها في الثوب؟ وبين بول الشاة تشرب ماءا نجسا وبولها إذا شربت ماءا: طاهرا؟ وبين البول في رأس الحشفة وبينه فوق ذلك؟ فهذا هو الذى لم يقله احد قط قبلهم! وليتهم إذ قالوه مبتدئين قالوه بوجه يفهم أو يعقل، وكذلك سائر فروقهم المذكورة والحمد لله رب العالمين. ونحن لا ننكر القول بما جاء به القرآن والسنة، وان لم نعرف قائلا مسمى به، وهم ينكرون ذلك ويفعلونه، فاللوائم لهم لازمة لا لنا، وانما ننكر غاية الانكار القول في دين الله تعالى وعلى الله ما لم يقله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا والله هو المنكر حقا ولو قاله أهل الارض. وكذلك ان قالوا لنا: من فرق قبلكم بين السمن يقع فيه الفأر وبين غير السمن فجوابنا هو الذى ذكرنا. بعينه، فكيف وقد روينا الفرق بينهما عن ابن عمر، كما حدثنا احمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا على بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا هشيم عن معمر عن أبان عن راشد مولى قريش (1)


(1) الاسناد فيه خطأ في الاصلين، فهو في النسخة المصرية (هشيم عن معمر ابن أبان عن راشد مولى قريش) وفى اليمنية (هشيم بن معمر بن أبان عن راشد مولى قريش) والصواب ما ذكرنا، فهشيم هو ابن بشير، ومعمر هو ابن

[ 160 ]

عن ابن عمر أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: ان كان مائعا فألقه كله وان كان جامدا فألق الفأرة وما حولها وكل ما بقي * حدثنا حملم ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن معمر وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب السختياني عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر انه سئل عن فأرة وقعت في عشرين فرقا من زيت، فقال ابن عمر: استسرجوا به وادهنوا به الادم. وبه إلى عبد الرازق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الفأرة تقع في السمن الذائب فتموت فيه أو في الدهن فتؤخذ قد تسلخت أو قد ماتت وهى شديدة لم تتسلخ؟ فقال: سواء إذا ماتت فيه، فأما الدهن فينش فيدهن به ان لم تقذره، قلت: قالسمن أينش فيؤكل؟ قال: لا ليس ما يؤكل كهيئة شئ في الرأس يدهن به (1). (قال أبو محمد): والزيت دهن بنص القرآن قال الله تعالي: (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين) وقد رأى مالك غسل الزيت تقع فيه النجاسة ثم يؤكل، وقد روى ابن القاسم عن مالك في النقطة من الخمر تقع في الماء والطعام: أنه لا يفسد شئ من ذلك، وأن ذلك الماء يشرب وذلك الطعام يؤكل. قال على: ويقال للحنفيين: انتم تخالفون بين أحكام النجاسات في الشدة والخفة بآرائكم بغير نص من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من اجماع ولا قياس،


راشد الازدي، وأبان هو بن أبي عياش البصري. وأما راشد مولى قريش فاني لم أجد له ترجمة ولم أعرف من هو. (1) العبارة محرفة في الاصلين، فكتب في احداهما (ينبش) وفي الآخر (يلش) وصححناها من لسان العرب مادة (ن ش ش) ونص عبارته (النش الخلط.. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: الفأرة تموت في السمن الذائب أو الدهن، قال: أما الدهن فينش ويدهن به ان لم تقذره نفسك، قلت: ليس في نفسك من أن يأتم إذا نش؟ قال: لا، قلت: فالسمن ينش ثم يؤكل؟ قال: ليس ما يؤكل به كهيئة شئ في الرأس يدهن به. وقوله: ينش ويدهن به ان لم تقذره نفسك. أي يخلط ويذاف) و (يدهن) بضم الياء وفتح الدال المشددة.

[ 161 ]

فبعضها عندكم لا ينجس الثوب والبدن والخف والنعل منه الا مقدار اكبر من الدرهم البغلي وربما قل، وبعضها لا ينجس هذه الاشياء الا ما كان ربع الثوب، ولا ندرى ما قولكم في الجسد والنعل والخف والارض، وبعضها تفرقون بين حكمها في نفسها في الثوب والجسد وبين حكمها في نفسها في البئر، فتقولون: ان قطرة خمر أو بول تنجس البئر ولا تنجس الثوب ولا الجسد حتى يكون ذلك أكثر من الدرهم البغلى، فأخبرونا عن غدير إذا حرك طرفه الواحد لم يتحرك الآخر وقعت فيه نقطة بول كلب أو نقطة بول شاة أو حلمة (1) ميتة أو فيل ميت متفسخ، هل كل هذا سواء أم لا؟ فان ساووا بين ذلك كله نقضوا أصلهم في تغليظ بعض النجاسات دون بعض، وتركوا قولهم إن بعرتين من بعر الابل أو بعرتين من بعر الغنم لا تنجس البئر، وإن فرقوا بين كل ذلك سألناهم تفصيل ذلك، ليكون ذلك زيادة في السخرياء (2) والتخليط * قال على: وقالوا لنا: ما قولكم في خمر أو دم أو بول وقع ذلك في الماء فلم يظهر لشئ من ذلك في الماء طعم ولا لون ولا ريح، هل صار الخمر والبول والدم ماء أم بقى كل ذلك بحسبه؟ فان كان صار كل ذلك ماء فكيف هذا. وان كان بقى كل ذلك بحسبه فقد أبحتم الخمر والبول والدم وهذا عظيم وخلاف للاسلام؟ (قال أبو محمد) جوابنا وبالله تعالى التوفيق: إن العالم كله جوهرة واحدة تختلف ابعاضها بأعراضها وبصفاتها فقط، وبحسب اختلاف صفات كل جزء من العالم تختلف أسماء تلك الاجزاء التي عليها تقع أحكام الله عزوجل في الديانة، وعليها يقع التخاطب والتفاهم من جميع الناس بجميع اللغات، فالعنب عنب وليس زبيبا، والزبيب ليس عنبا، وعصير العنب ليس عنبا ولا خمرا، والخمر ليس عصيرا، والخل ليس خمرا، وأحكام كل ذلك في الديانة تختلف، والعين الحاملة واحدة، وكل ذلك له صفات منها يقوم


(1) الحلمة بفتح الحاء واللام القرادة الكبيرة وهي دويبة تعض الابل معروفة وقيل هي الصغيرة، وفى النسخة اليمنية (حلمة منتنة) (2) كذا في الاصلين بالمد ولم أجده في شئ من كتب اللغة، بل المصدر السخرية بضم السين، والاسم السخري بضم السين وكسرها مع تشديد الياء

[ 162 ]

حده فما دامت تلك الصفات في تلك العين فهى ماء وله حكم الماء فإذا زالت تلك الصفات عن تلك العين لم تكن ماء ولم يكن لها حكم الماء، وكذلك الدم والخمر والبول وكل ما في العالم، لكل نوع منه صفات مادامت فيه فهو خمر له حكم الخمر، أو دم له حكم الدم، أو بول له حكم البول أو غير ذلك، فإذا زالت عنه لم تكن تلك العين خمرا ولا ماء ولا دما ولا بولا ولا الشئ الذي كان ذلك الاسم واقعا من أجل تلك الصفات عليه، فإذا سقط ما ذكرتم من الخمر أو البول أو الدم في الماء أو في الخل أو في اللبن أو في غير ذلك -: فان بطلت الصفات التى من أجلها سمى الدم دما والخمر خمرا والبول بولا، وبقيت صفات الشئ الذي وقع فيه ما ذكرنا بحسبها، فليس ذلك الجرم الواقع بعد خمرا ولا دما ولا بولا، بل هو ماء على الحقيقة أو لبن على الحقيقة، وهكذا في كل شئ * قان غلب الواقع مما ذكرنا وبقيت صفاته بحسبها وبطلت صفات الماء أو اللبن أو الخل فليس هو ماء بعد ولا خلا ولا لبنا، بل هو بول على الحقيقة أو خمر على الحقيقة أو دم على الحقيقة. فان بقيت صفات الواقع ولم تبطل صفات ما وقع فيه فهو ماء وخمر أو ماء وبول أو ماء ودم، أو لبن وبول أو دم وخل وهكذا في كل شئ * ولم يحرم علينا استعمال الحلال من ذلك لو أمكننا تخليصه من الحرام، لكنا لا نقدر على استعماله الا باستعمال الحرام فعجزنا عنه فقط، والا فهو طاهر مطهر حلال بحسبه كما كان، وهكذا كل شئ في العالم، فالدم يستحيل لحما فهو حينئذ لحم وليس دما، والعين واحدة، واللحم يستحيل شحما فليس لحما بعد بل هو شحم والعين واحدة، والزبل والبراز والبول والماء والتراب يستحيل كل ذلك في النخلة ورقا ورطبا، فليس شئ من ذلك حينئذ زبلا ولا ترابا ولا ماء، بل هو رطب حلال طيب، والعين واحدة، وهكذا في سائر النبات كله، والماء يستحيل هواء متصعدا وملحا جامدا فليس هو ماء بل ولا يجوز الوضوء به والعين واحدة، ثم يعود ذلك الهواء وذلك الملح ماء، فليس حينئذ هواء ولا ملحا، بل هو ماء حلال يجوز الوضوء به والغسل * فان أنكرتم هذا وقلتم: انه وان ذهبت صفاته فهو الذي كان نفسه، لزمكم ولا بد اباحة الوضوء بالبول لانه ماء مستحيل بلا شك، وبالعرق لانه ماء مستحيل، ولزمكم

[ 163 ]

تحريم الثمار المغذاة بالزبل وبالعذرة، وتحريم لحوم الدجاج لانها مستحيلة عن المحرمات * فان قالوا: فنحن نجد الدم يلقى في الماء أو الخمر أو البول فلا يظهر له لون ولا ريح ولا طعم فيواتر طرحه فتظهر صفاته فيه، فهلا صار الثاني ماء كما صار الاول؟ قلنا لهم: هذا السؤال لسنا نحن المسئولين به، لكن جريتم فيه على عادتكم الذميمة في التعقب على الله تعالى والاستدراك عليه في أحكامه تعالى وأفعاله، وإياه تعالى تسألون عن هذا لا نحن، لانه هو الذى أحل الاول ولم يحل الثاني كما شاء لا نحن، وجوابه عزوجل لكم على هذا السؤال يأتيكم يوم القيامة بما تطول عليه ندامة السائل، لان الله تعالى حرم هذا السؤال إذ يقول تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * ثم نحن نجيبكم قائمين لله تعالى كما افترض عزوجل علينا إذ يقول: (كونوا قوامين لله) فنقول لكم: هذا خلق الله تعالى ما خلق كله من ذلك كله كما شاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل، ونحن نجد الماء يصعده الهواء بالتجفيف فيصير الماء هواء مصعدا وليس ماء أصلا، حتى إذا كثر الماء المستحيل هواء في الجو عاد ماء كما كان، وأنزله الله تعالى من السحاب ماء، وهذا نفس ما احتججتم به علينا من أن الدم يخفى في الماء والفضة تخفى في النحاس، فإذا توبع بهما ظهرا * ولا فرق بين هذا السؤال الاحمق وبين من سأل: لم خلق الله الماء يتوضأ به ولم يجعل ماء الورد يتوضأ به؟ ولم جعل الصلاة إلى الكعبة والحج ولم يجعلها إلى كسكر أو إلى الفرما (1) أو الطور؟ ولم جعل المغرب ثلاثا والصبح ركعتين بكل حال، والظهر في الحضر أربعا؟ ولم جعل الحمار طويل الاذنين، والجمل صغيرهما، والفأر طويل الذنب،


(1) كسكر بفتح الكافين وبينهما سين مهملة ساكنة وآخره راء، قال ياقوت: (كورة واسعة... وقصبتها اليوم واسط القصبة التى بين الكوفة والبصرة) و (الفرما) بفتح الفاء والراء والميم مقصور: مدينة قديمة بين العريش والفسطاط شرقي تنيس على ساحل البحر. قاله ياقوت، وموقعها يكون الآن شرقي (بورفؤاد) بين بحيرة (البردويل) وبين بحيرة تنيس المعروفة ببحيرة (المنزلة)

[ 164 ]

والثعلب كذلك والمعزى قصيرة الذنب والارنب كذلك؟ ولم صار الانسان يحدث من أسفل ريحا فيلزمه غسل وجهه وذراعيه ومسح رأسه وغسل رجليه، ولا يغسل مخرج تلك الريح؟ وهذا كله ليس من سؤال العقلاء المسلمين، ولا يشبه اعتراضات العلماء المؤمنين، بل هو سؤال نوكى الملحدين وحمقى الدهريين المتحيرين الجهال * وإذا أحلناكم وسائر خصومنا على العيان ومشاهدة الحواس في انتقال الاسماء بانتقال الصفات التى فيها تقوم الحدود، ثم أريناكم بطلان الصفات التى لا تجب تلك الاسماء - عندكم وعندنا وعند كل من على أديم الارض قديما وحديثا - على تلك الاعيان الا بوجودها، هم أحلناكم على البراهين الضرورية العقلية على أن الله تعالى خالق كل ذلك على ما هو عليه كما شاء، فاعتراضكم كله هوس وباطل يؤدى إلى الالحاد * فقالوا: فما تقولون في فضة خالطها نحاس فلم يظهر له فيها أثر ولا غيرها، أتزكى بوزنها وتباع بوزنها فضة محضة أم لا؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق: القول في هذا كالقول في الماء سواء سواء ولا فرق، إن بقيت صفات الفضة بحسبها ولم يظهر للنحاس فيها أثر، فانها تزكى بوزنها وتباع بوزنها من الفضة، لا بأقل ولا بأكثر ولا نسيئة، وان غلبت صفات النحاس حتى لا يبقى للفضة أثر، فهو كله نحاس محض لا زكاة فيه أصلا، سواء كثرت تلك الفضة التى استحالت فيه أو لم تكثر، وجائز بيعه بالفضة نقدا ونسيئة بأقل مما خالطه من الفضة وبمثل ذلك وبأكثر، وان ظهرت صفات النحاس وصفات الفضة معا فهو نحاس وفضة، تجب الزكاة فيما فيه من الفضة خاصة ان بلغت خمس أواقى وإلا فلا، كما لو انفردت، ولا يحل بيع تلك الجملة بفضة محضة أصلا لا بمقدار ما فيها من الفضة ولا بأقل ولا بأكثر لا نقدا ولا نسيئة، لاننا لا نقدر فيها على المماثلة بالوزن، وتباع تلك الجملة بالذهب نقدا لا نسيئة * فسألوا عن قدر طبخت بالخمر أو طرح فيها بول أو دم أو عذرة ولم يظهر من ذلك كله هنالك أثر أصلا، فقلنا: من طرح في القدر شيئا من ذلك عمدا فهو فاسق عاص لله عزوجل، لانه استعمل الحرام المفترض اجتنابه، وأما إذا بطل (1) كل


(1) بهامش اليمنية: (يعنى استحالت صفاته كلها)

[ 165 ]

ذلك (1) فما في القدر حلال أكله، لانه ليس فيه شئ من المحرمات أصلا، وقد أبطل الله تعالى تلك المحرمات وأحالها إلى الحلال. ثم نقلب عليهم هذا السؤال في دن خل رمى فيه خمر فلم يظهر للخمر أثر، فقولهم إن ذلك الذي في الدن كله حلال، فهذا تناقض منهم، وقول منهم بالذى شنعوا به فلزمهم التشنيع، لانهم عظموه ورأوه حجة، ولم يلزمنا لاننا لم نعظمه ولا رأيناه حجة. ولله الحمد * قال على: وأما متأخروهم فانهم لما رأوا أنهم لا يقدرون على ضبط هذا المذهب لفساده وسخافته فروا إلى أن قالوا: إننا لا نفرق بين غدير كبير ولا بحر ولا غير ذلك، لكن الحكم لغلبة الظن والرأى في الماء الذي يتوضأ منه ويغتسل منه، فان تيقنا أو غلب في ظنوننا أو النجاسة خالطته حرم استعماله ولو أنه ماء البحر، وان لم نتيقن ولاغلب في ظنوننا أنه خالطته نجاسة توضأنا به * قال على: وهذا المذهب أشد فسادا من الذى رغبوا عنه لوجوه: أولها، أنهم مقرون بأنه حكم بالظن، وهذا لا يحل، لان الله تعالى يقول: (ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث). ولا أسوأ حالا ممن يحكم في دين الله تعالى الذى هو الحق المحض بالظن الذى هو مقر بأنه لا يحققه. والثانى، أن يقال لهم: كما تظنون أن النجاسة لم تخالطه فظنوا أنها خالطته فاجتنبوه، لان الحكم بالظن أصل من أصولكم، فما الذى جعل إحدى جنبتى الظن أولى من الاخرى؟. والثالث، أن قولكم هذا تحكم منكم بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل. والرابع، أن نقول لهم: عرفونا ما معنى هذه المخالطة من النجاسة للماء؟ فلسنا نفهمها ولا أنتم ولا أحد في العالم - ولله الحمد - فان كنتم تريدون أن كل جزء من أجزاء الماء قد جاور جزءا من أجزاء النجاسة فهذه مجاورة لا مخالطة، وهذا لا يمكن البتة الا بأن يكون مقدار النجاسة كمقدار الماء سواء سواء، وإلا فقد فضلت أجزاء من الماء لم يجاورها شئ من النجاسة * فان قالوا: فقد تنجس كل ذلك وان كان لم يجاوره من النجاسة شئ، قلنا


(1) بهامش اليمنية. (أي لون ما طرح وريحه وطعمه)

[ 166 ]

لهم: هذا لازم لكم في البحر بنقطة بول تقع فيه ولا فرق فان أبوا (1) من هذا قلنا لهم: فعرفونا بالمقدار من النجاسة الذى إذا جاور مقدارا محدودا أيضا من الماء ولا بد نجسه، فان أقدموا على تحديد ذلك زادوا في الضلال والهوس، وان لم يقدموا على ذلك تركوا قولهم، كالميتة فسادا ومجهولا لا يحل القول به في الدين * وأيضا فان كان الحكم عندكم لغالب الظن فانه يلزمكم أن تقولوا في قدح فيه أوقيتان من ماء فوقعت فيه مقدار الصآبة (2) من بول كلب: إنه لم ينجس من الماء إلا مقدار ما يمكن أن تخالطه تلك النجاسة، وليس ذلك الا لمقدارها من الماء فقط، ويبقى سائر ماء القدح طاهرا حلالا شربه والوضوء به. وهكذا في جب فيه كرماء (3) وقعت فيه أوقية بول فانه على أصلكم لا ينجس الا مقدار ما مازجته تلك الاوقيه وبقى سائر ذلك طاهرا مطهرا حلالا، ونحن موقنون وأنتم أنها لم تمازج عشر الكر ولا عشر عشره، فان التزمتم هذا فارقتم جميع مذاهبكم القديمة والحديثة، التى هي أفكار سوء مفسدة للدماغ، فان رجعتم إلى أن ما قرب من النجاسة ينجس، لزمكم ذلك كما قد الزمناكم في النيل والجيحون، وفى كل ماء جار، لانه يتصل بعضه ببعض فينجس جميعه لملاقاته الذي قد تنجس ولا بد - نعم - وفى البحر من نقطة بول تقع في كل ذلك، فاختاروا ما شئتم:. فان قالوا: لسنا على يقين من أن النهر الكبير أو البحر تنجس، ولا من أن المتوضئ به توضأ بماء خالطته النجاسة منه. قلنا لهم: هذا نفسه موجود في الجب والبئر وفى القلة وفي قدح فيه عشرة أرطال ماء إذا لم يظهر أثر النجاسة في شئ من ذلك ولا فرق،


(1) (أبى) فعل يتعدى بنفسه، وقد استعمله المؤلف كثيرا متعديا بمن كما في الاحكام له (ج 2 ص 27) وقد رد هذا نقلا عن الفارسى. واستعمله مرة في الاحكام متعديا بعن (ج 4 ص 237) ولم أجد له سندا (2) بضم الصاد المهملة وفتح الهمزة وبعدها ألف وباء. هي بيض البرغوث والقمل وجمعها (صئبان) وفي اليمنية (الصوانة) بالنون وهو خطأ (3) (الكر) بفتح الكاف وبالراء المشددة مكيال لاهل العراق وهو ستون قفيزا وقيل ستة أوقار حمار، قاله في اللسان

[ 167 ]

ولا يقين في أن كل ماء فيما ذكرنا تنجس، ولا في أن المتوضئ من ذلك والشارب توضأ بنجس أو شرب نجسا، ثم حتى لو كان كما ذكروا لما وجب أن يتنجس الماء الطاهر الحلال أو المائع لذلك لمجاورة النجس أو الحرام له، ما لم يحمل صفات الحرام أو النجس. وبالله تعالى التوفيق * قال على: رأيت بعض من تكلم في الفقه ويميل إلى النظر يقول: ان كل ماء وقعت فيه نجاسة فلم يظهر لها فيه أثر فسواء كان قليلا أو كثيرا، الحكم واحد، وهو أن من توضأ بذلك الماء كله أو شربه حاشى مقدار ما وقع فيه من النجاسة، فوضوءه جائز وصلاته تامة وشربه حلال، وكذلك غسله منه، إذ ليس على يقين من أنه استعمل نجاسة ولا أنه شرب حراما، فان استوعب ذلك الماء كله فلا وضوء له ولا طهر وهو عاص في شربه، لاننا على يقيين من أنه استعمل نجاسة وشرب حراما، قال: وهكذا القول في البحر فما دونه ولا فرق، قال: فان توضأ بذلك الماء اثنان فصاعدا فاستوعباه أو استوعبوه كله بالغسل أو الوضوء أو الشرب فكل واحد منهما أو منهم وضوءه جائز في الظاهر، وكذلك غسله أو شربه، الا أن فيهما أو فيهم من لا وضوء له ولا غسل، ولا أعرفه بعينه، فلا ألزم أحدا منهم اعادة وضوء ولا اعادة صلاة بالظن * قال علي: وقد ناظرت صاحب هذا القول رحمه الله في هذه المسألة، وألزمته على اصل آخر له كان يذهب إليه: أن يكون يأمر جميعهم باعادة الوضوء والصلاة، لان كل واحد منهم ليس على يقين من الطهارة، وشك في الحدث، بل على أصلنا وأصل كل مسلم من أن كل واحد منهم على يقين من الحدث وعلى شك من الطهارة، فالواجب عليه أن يأتي بيقين الطهارة، وأريته أيضا بطلان القول الاول بما قدمنا من استحالة الاحكام باستحالة الاسماء، وان استحالة الاسماء باستحالة الصفات التى منها تقوم الحدود، وقلت له: فرق بين ما أجزت من هذا وبين اناءين في أحدهما ماء وفى الآخر عصير بعض الشجر، وبين بضعتي لحكم إحداهما من خنزير والثانية من كبش، وبين شاتين إحداهما مذكاة والاخرى عقيرة سبع ميتة، ولا يقدر على الفرق بين شئ من ذلك أصلا *

[ 168 ]

قال على: وممن روى عنه هذا القول بمثل قولنا ان الماء لا ينجس شئ -: عائشة أم المؤمنين وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس والحسين بن على بن أبى طالب وميمونة أم المؤمنين وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان رضى الله عن جميعهم، والاسود بن يزيد وعبد الرحمن اخوه وعبد الرحمن بن أبى ليلى وسعيد بن جبير ومجاهد وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق والحسن البصري وعكرمة وجابر بن زيد وعثمان البتى وغيرهم. فان كان التقليد جائزا فتقليد من ذكرنا من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أولى من تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي * 137 - مسألة - والبول كله من كل حيوان - إنسان أو غير إنسان، مما يؤكل لحمه أو لا يوكل لحمه نحو ما ذكرنا كذلك، أو من طائر يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه -: فكل ذلك حرام اكله وشربه إلا لضرورة تداو أو إكراه أو جوع أو عطش فقط، وفرض اجتنابه في الطهارة والصلاة الا ما لا يمكن التحفظ منه الا بحرج فهو معفو عنه كونيم (1) الذباب ونجو البراغيث * وقال ابو حنيفة: أما البول فكله نجس سواء كان مما يؤكل لحكه أو مما لا يؤكل لحمه، إلا أن بعضه أغلظ نجاسة من بعض، فبول كل ما يؤكل لحمه من فرس أو شاة أو بعير أو بقرة أو غير ذلك - لا ينجس الثوب ولا تعاد منه الصلاة، الا أن يكون كثيرا فاحشا فينجس حينئذ وتعاد منه الصلاة أبدا. ولم يحد أبو حنيفة في المشهور عنه في الكثير حدا، وحده أبو يوسف بأن يكون شبرا في شبر، قال: فلو بالت شاة في بئر فقد تنجست وتنزح كلها، قالوا: وأما بول الانسان وما لا يؤكل لحمه فلا تعاد منه الصلاة ولا ينجس الثوب الا أن يكون أكثر من قدر الدرهم البغلى، فان كان كذلك نجس الثوب واعيدت منه الصلاة أبدا، فان كان قدر الدرهم البغلى فأقل لم ينجس الثوب ولم تعد منه الصلاة، وكل ما ذكرنا قبل وبعد فالعمد عندهم والنسيان سواء في كل ذلك. قال: وأما الروث فانه سواء كله كان مما يؤكل لحمه أو مما لا


(1) الونيم خرء الذباب

[ 169 ]

يؤكل لحمه من بقر كان أو من فرس أو من حمار أو غير ذلك -، إن كان في الثوب منه أو النعل أو الخف أو الجسد أكثر من قدر الدرهم البغلى -: بطلت الصلاة وأعادها أبدا، وان كان قدر الدرهم البغلى فأقل لم يضر شيئا، فان وقع في البئر بعرتان فأقل من أبعار الابل أو الغنم لم يضر شيئا، فان كان من الروث المذكور في الخف والنعل أكثر من قدر الدرهم: فان كان يابسا أجزأ فيه الحك، وان كان رطبا لم يجز فيه إلا الغسل، فان كان مكان الروث بول لم يجز فيه الا الغسل يبس أو لم ييبس. قال: فان صلى وفى ثوبه من خرء الطير الذي يؤكل لحمه أولا يؤكل لحمه أكثر من قدر الدرهم لم يضر شيئا ولا أعيدت منه الصلاة، الا أن يكون كثيرا فاحشا فتعاد منه الصلاة، الا أن يكون خرء دجاج فانه من صلى وفى ثوبه اكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة أبدا، فلو وقع في الماء خرء حمام أو عصفور لم يضره شيئا. وقال زفر: بول كل ما يؤكل لحمه طاهر كثر أم قل، وأما بول مالا يؤكل لحمه ونجوه ونجو ما يؤكل لحمه فكل ذلك نجس * وقال مالك: بول مالا يؤكل لحمه ونجوه نجس، وبول ما يوكل لحمه ونجوه طاهران إلا أن يشرب ماء نجسا فبوله حينئذ نجس، وكذلك ما يأكل الدجاج من نجاسات فخرؤها نجس وقال داود: بول كل حيوان ونجوه - أكل لحمه أو لم يؤكل - فهو طاهر، حاشى بول الانسان ونجوه فقط فهما نجسان وقال الشافعي مثل قولنا الذى صدرنا به قال على: أما قول أبى حنيفة ففى غاية التخليط والتناقض والفساد، لا تعلق له بسنة لا صحيحة ولا سقيمة، ولا بقرآن ولا بقياس ولا بدليل إجماع ولا بقول صاحب ولا برأى سديد، وما نعلم أحدا قسم النجاسات قبل ابى حنيفة هذا التقسيم، بل نقطع على انه لم يقل بهذا الترتيب فيها أحد قبله، فوجب اطراح هذا القول بيقين. وأما قول أصحابنا (1) فانهم قالوا: الاشياء على الطهارة حتى يأتي نص بتحريم شئ أو تنجيسه فيوقف عنده، قالوا: ولا نص ولا اجماع في تنجيس


(1) يعنى الظاهرية

[ 170 ]

بول شئ من الحيوان ونجوه حاشى بول الانسان ونجوه، فوجب أن لا يقال بتنجيس شئ من ذلك، وذكروا ما رويناه من طريق أنس: (أن قوما من عكل وعرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالاسلام، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها) وذكر الحديث. وبحديث رويناه أيضا من طريق أنس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في المدينة حيث أدركته الصلاة وفي مرابض الغنم)). وبحديث رويناه من طريق ابن مسعود: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى عند البيت وملا من قريش جلوس وقد نحروا جزورا لهم، فقال بعضهم أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه ثم يمهله حتي يضع وجهه ساجدا فيضعه على ظهره، قال عبد الله: فانبعث أشقاها (1) فأخذ الفرث، فامهله، فلما خر ساجدا وضعه على ظهره، فاخبرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى جارية فجاءت تسعى فأخذته من ظهره، فلما فرغ من صلاته قال: الله عليك بقريش) وذكر الحديث. وبحديث رويناه من طريق ابن عمر: (كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت شابا عزبا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك). وذكروا في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم ما رويناه من طريق شعبة وسفيان كلاهما عن الاعمش عن مالك بن الحارث (2) عن أبيه قال: (صلى بنا أبو موسى الاشعري على مكان فيه سرقين)، هذا لفظ سفيان، وقال شعبة: (روث الدواب) ورويناه من طريق غيرهما (والصحراء أمام، وقال: هنا وهناك سواء) وعن أنس: (لا بأس ببول كل ذات كرش) وعن ابراهيم النخعي، قال منصور: سألته عن السرقين يصيب خف الانسان أو نعله أو قدمه؟ قال: لا بأس. وعن ابراهيم أنه رأى رجلا قد تنحى عن بغل يبول، فقال له ابراهيم: ما عليك لو أصابك. وقد صح عنه أنه كان لا يجيز أكل البغل. وعن الحسن البصري: لا بأس بابوال الغنم. وعن محمد بن على بن الحسين ونافع مولى ابن عمر فيمن أصاب عمامته بول بعير، قالا جميعا: لا يغسله. وعن عبد الله بن مغفل أنه كان يصلى وعن رجليه أثر


(1) هو عقبة بن أبى معيط (2) هو المسلمي مات سنة 94

[ 171 ]

السرقين. وعن عبيد بن عمير قال: إن لى عنيقا (1) تبعر في مسجدي قال أبو محمد: أما الآثار التى ذكرنا فكلها صحيح، الا أنها لا حجة لهم في شئ منها * أما حديث ابن عمر فغير مسند لانه ليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف ببول الكلاب في المسجد فاقره، واذ ليس هذا في الخبر فلا حجة فيه، إذ لا حجة الا في قوله عليه السلام أو في عمله أو فيما صح أنه عرفه فاقره، فسقط هذا الاحتجاج بهذا الخبر، لكن يلزم من احتج بحديث أبى سعيد: (كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام) أن يحتج بهذا الخبر، لانه أقرب إلى أن يعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه إلى أن يعرف عمل بنى خدرة في جهة من جهات المدينة، ويلزم من شنع لعمل الصحابة رضى الله عنهم أن يأخذ بحديث ابن عمر هذا، فلا ير أبوال الكلاب ولا غيرها نجسا، ولكن هذا مما تناقضوا فيه * وأما حديث ابن مسعود فلا حجة لهم فيه، لان فيه ان الفرث كان معه دم، وليس هذا دليلا عندهم، على طهارة الدم، فمن الباطل أن يكون دليلا على طهارة الفرث دون طهارة الدم، وكلاهما مذكوران معا. وأيضا فان شعبة وسفيان وزكريا بن أبى زائدة رووا كلهم هذا الخبر عن الذى رواه عنه على بن صالح، وهو أبو إسحاق عن عمر وبن ميمون عن ابن مسعود، فذكروا أن ذلك كان سلى (2) جزور، وهم أوثق واحفظ من على بن صالح وروايتهم زائدة على روايته (3) وإذا كان الفرث والدم في السلى فهما غير طاهرين، فلا


(1) تصغير عناق، وهى الانثى من ولد المعز (2) السلى هو الجلدة الرقيقة التى يكون فيها الولد من الدواب والابل، وهو من الناس المشيمة، قال ابن السكيت: يكتب بالياء. قاله في اللسان (3) أما رواية على بن صالح فقد رواها النسائي (ج‍ 1 ص 58) باللفظ الذى ذكره المؤلف، وأما الروايات الاخرى فقد روى الحديث البخاري (ج‍ 1 ص 39، 78 و 2: 43، 83، 182) ومسلم (ج‍ 2 ص 67، 68) واحمد (ج‍ 1 ص 417) والطيالسي برقم (325) وفيها كلها (سلى جزور) الا رواية البخاري (ج‍ 1 ص 78) - في الباب الاخير من كتاب الصلاة قبل كتاب المواقيت - من طريق اسرائيل عن أبى اسحق ولفظه: (أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها)

[ 172 ]

حكم لهما، والقاطع ههنا أن هذا الخبر كان بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النجو والدم، فصار منسوخا بلا شك وبطل الاحتجاج به بكل حال * وأما حديث أنس في الصلاة في مرابض الغنم فانهم قالوا: ان مرابض الغنم لا تخلو من أبوالها ولا من أبعارها. فقلنا لهم: أما قولكم انها لا تخلو من أبوالها ولا من أبعارها فقد يبول الراعى أيضا بينهم، وليس ذلك دليلا على طهارة بول الانسان * وأيضا فان عبد الله بن ربيع حدثنا قال ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود السجستاني ثنا محمد بن كريب ثنا الحسين بن على الجعفي عن زائدة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تطيب وتنظف). قال على: الدور هي دور السكنى، وهى أيضا المحلات، تقول دار بنى ساعدة، ودار بنى النجار، ودار بني عبد الاشهل، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك في لغة العرب، فقد صح أمره عليه السلام بتنظيف المساجد وتطييبها، وهذا يوجب الكنس لها من كل بول وبعر وغيره * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد ابن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا شيبان بن فروخ وأبو الربيع الزهراني كلاهما عن عبد الوارث عن أبى التياح عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن (1) الناس خلقا، فربما رأيته تحضر الصلاة (2) فيأمر بالبساط الذى تحته فيكنس وينضح (3) ثم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه فيصلى بنا). فهذا أمر منه عليه السلام بكنس ما يصلى عليه ونضحه * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر


الخ، وهى متابعة لرواية على بن صالح تؤيدها وهو ثقة، ورواية هي التى فيها زيادة الفرث والدم، والزيادة مقبولة من الثقة * (1) كذا في الاصلين بزيادة (من) وقد رواه مسلم كاملا في كتاب الصلاة (ج‍ 1 ص 183) وروى القسم الاول منه بهذا الاسناد في كتاب الفضائل (ج‍ 2 ص 212) بحذف (من) في الموضعين (2) في مسلم في الصلاة (فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا) (3) في مسلم (ثم ينضح)

[ 173 ]

ابن أبى شيبة ثنا اسماعيل بن علية عن ابن عون هو عبد الله عن أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس بن مالك قال: (صنع بعض عمومتي النبي صلى الله عليه وسلم طعاما وقال اني أحب أن تأكل في بيتى وتصلى فيه، فأتاه وفى البيت فحل (1) من تلك الفحول - يعني حصيرا - فأمر عليه السلام بجانب منه فكنس ورش فصلى وصلينا معه). فهذا أمر منه عليه الصلاة والسلام بكنس ما يصلى عليه ورشه بالماء، فدخل في ذلك مرابض الغنم وغيرها (2) * وأيضا فان هذا الحديث نفسه انما رويناه من طريق عبد الوارث عن أبى التياح عن أنس، وقد رويناه من طريق البخاري عن سليمان بن حرب عن شعبة عن أبى التياح عن أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد) فصح أن هذا كان في أول الهجرة قبل ورود الاخبار باجتناب كل نجو وبول * وأيضا فان يونس بن عبد الله قال ثنا أبو عيسى بن أبى عيسى ثنا أحمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الابل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الابل) * حدثنا حمام (3) ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء بن عازب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أنصلي في أعطان الابل؟ فقال لا. قال: أنصلي في مرابض الغنم قال نعم) *


(1) الفحل والفحال ذكر النخل، والفحل حصير تنسخ من فحال النخل والجمع فحول. قاله في اللسان (2) الظاهر أن أمره عليه السلام بكنس الحصير ونضحه بالماء في حديثي أنس إنما هو من باب النظافة وتخير مكان الصلاة. وبعيد أن يكون أمرا بكنس مكانها ورشه كلما أراد المصلى الصلاة. وهذا واضح (3) في المصرية (ثنا حمام بن مفرج) وفي اليمنية (ثنا ابن مفرج) بحذف حمام، وكلاهما خطأ، لان ابن حزم انما يروى عن ابن مفرج بالواسطة كما مضى مرارا. انظر المسألة رقم 116 و 118 والاحكام ج‍ 4 ص 132

[ 174 ]

قال على: عبد الله هذه هو عبد الله بن عبد الله ثقة كوفى ولى قضاء الرى (1). حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن محمد البرتى (2) ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا يونس عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم على مرابض الغنم فصلوا فيها، وإذا أتيتم على مبارك الابل فلا تصلوا فيها، فانها خلقت من الشياطين) قال أبو محمد: فلو كان أمره عليه السلام بالصلاة في مرابض الغنم دليلا على طهارة أبوالها وأبعارها كان نهيه عليه السلام عن الصلاة في اعطان الابل دليلا على نجاسة أبوالها وأبعارها، وان كان نهيه عليه السلام عن الصلاة في اعطان الابل ليس دليلا على نجاسة أبوالها، فليس أمره عليه السلام بالصلاة في مرابض الغنم دليلا على طهارة أبوالها وأبعارها، والمفرق بين ذلك متحكم بالباطل، لا يعجز من لا ورع له عن أن يأخذ بالطرف الثاني بدعوى كدعواه * فان قال: انما نهى عن الصلاة في أعطان الابل لانها خلقت من الشياطين كما في الحديث. قيل له: وانما امر بالصلاة في مرابض الغنم لانها من دواب الجنة كما قد صح ذلك ايضا في الحديث، فخرجت الطهارة والنجاسة من كلا الخبرين، فسقط التعلق بهذا الخبر جملة. وبالله تعالى التوفيق * واما حديث انس في ابوال الابل والبانها فلا حجة لهم فيه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما اباح للعرنيين شرب ابوال الابل والبان الابل على سبيل التداوى من المرض، كما روينا من طريق مسلم: ثنا ابو بكر بن ابى شيبة ثنا ابن علية عن حجاج بن ابى عثمان حدثنى ابو رجاء مولى ابى قلابة عن ابى قلابة حدثنى انس بن مالك: (ان نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الاسلام، فاستوخموا الارض وسقمت اجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون


(1) هو أبو جعفر الرازي مولى بنى هاشم. (2) كتب في المصرية بدون نقط، وفي اليمنية (البركى) وكلاهما غير معروف عندي، وقد يكون صوابه (البرتى) ولكني لا أرحج ذلك، وانما أظنه ظنا، لان (احمد بن محمد البرتى) الحافظ هو من هذه الطبقة، انظر ترجمة في تذكرة الحفاظ (ج د ص 157) وفي الجواهر المضية (ج 1 ص 114)

[ 175 ]

من ابوالها والبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الابل) وذكر الحديث (1) فصح يقينا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما امرهم بذلك على سبيل الدواء من السقم الذى كان اصابهم، وانهم صحت اجسامهم بذلك، والتداوى بمنزلة ضرورة. وقد قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب * فان قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رويتموه من طريق شعبة عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: ذكر طارق بن سويد أو سويد بن طارق: (أنه سال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه ثم سأله فنهاه، فقال يا نبي الله انها دواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ولكنها داء) وما روى من طريق جرير عن سليمان الشيباني عن حسان ابن المخارق عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم). فهذا كله لا حجة لهم فيه لان حديث علقمة بن وائل انما جاء من طريق سماك بن حرب وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، (2) ثم لو صح لو يكن فيه


(1) هو مطول في صحيح مسلم (ج‍ 2 ص 25) (2) سماك بن حرب ثقة وكان تغير في آخر حياته فربما لقن، ولذلك كان من سمع منه قديما مثل شعبة وسفيان فحديثهم صحيح مستقيم. وهذا الحديث رواه مسلم (ج‍ 2 ص 125) وابو داود (ج‍ 4 ص 7) والترمذي (ج‍ 2 ص 4) والطيالسي (137) واحمد (4: 311 و 6: 399) كلهم من طريق شعبة عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه، وفي لفظ احمد: (أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم) الخ ورواه أحمد أيضا (4: 317) من طريق اسرائيل عن سماك. وفي جميع هذه الروايات الحديث من رواية وائل بن حجر. ورواه أحمد (4: 311 و 5: 292) وابن ماجه (2: 185) من طريق حماد بن سلمة عن سماك عن علقمة بن وائل عن طارق بن سويد، فجعله حماد من مسند طارق، وهو محتمل الا أبي أرجح خطأ حماد في هذه فقد خالفه شعبة واسرائيل - وهما أحفظ منه - فجعلاه من مسند وائل بن حجر والد علقمة. ويؤيد هذه أن علقمة روى الشك في اسم طارق بن سويد. فلو كان روي عنه الحديث مباشرة لرفع هذا الشك. والحديث فيما نرى صحيح من طريق شعبة واسرائيل. والله أعلم *

[ 176 ]

حجة، لان فيه أن الخمر ليست دواء، وإذا ليست دواء فلا خلاف بيننا في ان ما ليس دواء فلا يحل تناوله إذا كان حراما، وانما خالفناهم في الدواء، وجميع الحاضرين لا يقولون بهذا، بل أصحابنا والمالكيون يبيحون للمختنق شرب الخمر إذا لم يجد ما يسيغ أكله به غيرها، والحنفيون والشافعيون يبيحونها عند شدة العطش * وأما حديث الدواء الخبيث فنعم (1) وما اباحه الله تعالى عند الضرورة فليس في تلك الحال خبيثا، بل هو حلال طيب، لان الحلال ليس خبيثا، فصح ان الدواء الخبيث هو القتال المخوف، على ان يونس بن أبى اسحاق الذى انفرد به ليس بالقوى * وأما حديث (لم يجعل الله شفاءكم فيما حرم عليكم) فباطل، لان راويه سليمان الشيباني وهو مجهول (2)، وقد جاء اليقين باباحة الميتة والخنزير عند خوف الهلاك من


(1) لم يسبق ذكر هذا الحديث ولعله سقط من الاصول. وهو حديث يونس ابن ابى اسحق عن مجاهد عن أبي هريرة قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث) رواه الترمذي (2: 4) وابن ماجه (2: 180) والحاكم (4: 410) ونسبه ابن تيمية في المنتقى أيضا إلى أحمد ومسلم انظر نيل الاوطار (9: 93). ونسبه ابن حجر في التلخيص (360) إلى ابن حبان أيضا. (2) حديث أم سلمة نسبه ابن حجر في الفتح (10: 69) إلى أبى يعلى وابن حبان وصححه، وفي التلخيص (360 359) أيضا إلى البيهقي. ولفظه كما في الفتح: (قالت اشتكت بنت لى فنبذت لها في كوز فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلى فقال: ما هذا؟ فأخبرته فقال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) وتصحيح ابن حبان للحديث واقرار ابن حجر عليه أوثق في نفوسنا من تعليل ابن حزم اياه. وسليمان الشيباني ليس مجهولا بل هو (ابو اسحق الشيباني سليمان بن أبى سليمان) وهو إمام ثقة، وجرير هو ابن عبد الحميد الضبى وأما حسان بن المخارق فاني لم أجد ترجمة الا أن ابن سعد ذكر في الطبقات (6: 102) أنه يروى عن عمر بن الخطاب. ثم ان هذا اللفظ (ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) ورد أيضا موقوفا على ابن مسعود من طريق صحيحة، فذكره البخاري تعليقا، ونسبه ابن حجر في الفتح (ج‍ 10 ص 69) إلى فوائد على بن حرب واحمد في الاشربة والطبراني في الكبير وداود بن نصير

[ 177 ]

الجوع، فقد جعل تعالى شفاءنا من الجوع المهلك فيما حرم علينا في غير تلك الحال، ونقول: نعم ان الشئ مادام حراما علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلم يحرم علينا حينئذ بل هو حلال فهو لنا حينئذ شفاء، وهذا ظاهر الخبر * وقد قال الله تعالى فيما حرم علينا: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) وقد قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه). وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحرير والذهب حرام على ذكور أمتى حلال لاناثها) وقال عليه السلام: (انما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة من الطرق الثابته الموجبة للعلم. روى تحريم الحرير عمر وابنه وابن الزبير وأبو موسى وغيرهم، ثم صح يقينا أنه عليه السلام أباح لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام لباس الحرير على سبيل التداوى من الحكة والقمل والوجع، فسقط كل ما تعلقوا به * وأما قولهم: إن الاشياء على الاباحة بقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) وبقوله تعالى: (خلق لكم ما في الارض جميعا) فصحيح وهكذا نقول: إننا إن لم نجد نصا على تحريم الابوال جملة والانجاء جملة والا فلا يحرم من ذلك شئ إلا ما أجمع عليه من بول ابن آدم ونجوه كما قالوا، فان وجدنا نصا في تحريم كل ذلك ووجوب اجتنابه فالقول بذلك واجب، فنظرنا في ذلك فوجدنا * ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد البلخى ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا ابن سلام أخبرنا عبيدة بن حميد أبو عبد الرحمن عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال عليه السلام: يعذبان وما يعذبان في كبير وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول وكان الآخر يمشى بالنميمة) (1) وذكر الحديث


الطائى. وقال: وأخرجه ابن أبى شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين اه‍. ورواه الحاكم في المستدرك (ج‍ 4 ص 218) (1) البخاري في كتاب الادب (ج 3 ص 135)

[ 178 ]

قال أبو محمد: كل كبير فهو صغير بالاضافة إلى ما هو أكبر منه من الشرك أو القتل * ومن طريق البخاري * حدثنا محمد بن المثنى ثنا أبو معاوية الضرير هو محمد ابن خازم (1) - ثنا الاعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة) (2). وذكر باقي الخبر ورويناه أيضا من طريق أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر عن شعبة عن الاعمش، ومن طريق وكيع عن الاعمش، ومن طريق جرير وشعبة عن منصور ابن المعتمر عن مجاهد * حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث (3) ثنا أبو عيسى بن أبى عيسى ثنا أحمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن عفان بن مسلم ثنا أبو عوانة عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثر عذاب القبر في البول): ورويناه أيضا من طريق أبى معاوية عن الاعمش باسناده * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك الخولانى ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن سعيد هو القطان عن أبى حزرة (4) هو يعقوب بن مجاهد القاص - ثنا عبد الله بن محمد بن أبي بكير الصديق أخو القاسم ابن محمد قال: كنا عند عائشة أم المؤمنين فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يصلى بحضرة طعام (5) ولا وهو يدافعه الاخبثان) يعني البول والنجو. ورويناه أيضا من طريق مسدد عن يحيى ين سعيد باسناده. ومن طريق مسلم عن محمد بن عباد عن حاتم بن اسماعيل عن أبى حزرة (6) *


(1) بالخاء المعجمة (2) البخاري في كتاب الطهارة (ج 1 ص 37) (3) في اليمنية (عن مجاهد بن يونس بن عبد الله بن مغيث) وهو خطأ انظر اسناد حديث أبى ثعلبة في المسألة 126 (4) أبو حزرة: بفتح الحاء المهملة واسكان الزاى وفتح الراء. والقاص: بتشديد الصاد المهملة وفى الاصلين (القاضى) وهو خطأ (5) في سنن أبى داود (ج 1 ص 33) (الطعام) (6) مسلم (ج 1 ص 155)

[ 179 ]

قال أبو محمد: فافترض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس اجتناب البول جملة، وتوعد على ذلك بالعذاب، وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه بول دون بول، فيكون فاعل ذلك مدعيا على الله تعالى وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا علم له به بالباطل إلا بنص ثابت جلى ووجدناه عليه السلام قد سمى البول جملة والنجر جملة (الاخبثين) والخبيث محرم، قال الله تعالي: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فصح أن كل أخبث وخبيث فهو حرام * فان قيل: انما خاطب عليه السلام الناس فانما أراد نجوهم وبولهم فقط. قلنا: نعم انما خاطب عليه السلام الناس ولكن أتى بالاسم الاعم الذى يدخل تحته جنس البول والنجو. ولا فرق بين من قال: انما أراد عليه السلام نجو الناس خاصة وبولهم، وبين من قال: بل إنما أراد عليه السلام بول كل إنسان عليه خاصة لا بول غيره من الناس وكذلك في النجو، فصح أن الواجب حمل ذلك على ما تحت الاسم الجامع للجنس كله * فان قيل: ان هذا الخبر الذى فيه العذاب في البول إنما هو من رواية الاعمش عن مجاهد، وقد تكلم فيها، وأيضا فانه مرة رواه عن مجاهد عن ابن عباس، ومرة عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، وأيضا فان ابن راهويه ومحمد بن العلاء ويحيى وأبا سعيد الاشج رووه عن وكيع عن الاعمش فقالوا فيه: (كان لا يستتر من بوله) وهكذا رواه عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن مجاهد * قال أبو محمد: هذا كله لا شئ. أما رواية الاعمش عن مجاهد فان الامامين شعبة ووكيعا ذكرا في هذا الحديث سماع الاعمش له من مجاهد فسقط هذا الاعتراض، وأيضا فقد رويناه آنفا من غير طريق الاعمش لكن من طريق منصور عن مجاهد عن ابن عباس، فسقط التعلل جملة. وأما رواية هذا الخبر مرة عن مجاهد عن ابن عباس ومرة عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس فهذا قوة للحديث، ولا يتعلل بهذا إلا جاهل مكابر للحقائق، لان كليهما إمام، وكلاهما صحب ابن عباس الصحبة الطويلة، فسمعه مجاهد من ابن عباس، وسمعه أيضا من طاوس عن ابن عباس فرواه كذلك، وإلا فأى شئ في هذا مما يقدح في الرواية؟ وددنا أن تبينوا لنا ذلك، ولا سبيل إليه إلا بدعوى فاسدة لهج

[ 180 ]

بها قوم من أصحاب الحديث، وهم فيها مخطئون عين الخطأ، ومن قلدهم أسوأ حالا منهم. وأما رواية من روى (من بوله) فقد عارضهم من هو فرقهم، فروى هنا دبن السرى وزهير بن حرب ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار كلهم عن وكيع فقالوا: (من البول)، ورواه ابن عون وابن جرير عن أبيه عن منصور عن مجاهد فقالا (من البول) ورواه شعبة وأبو معاوية الضرير وعبد الواحد بن زياد كلهم عن الاعمش فقالوا: (من البول) فكلا الروايتين حق، ورواية هؤلاء تزيد على رواية الآخرين، وزيادة العدل واجب قبولها، فسقط كل ما تعللوا به، وصح فرضا وجوب اجتناب كل بول ونجو * وممن قال بهذا جملة من السلف كما حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد ابن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن محمد البركى (1) القاضى ثنا أبو معمر (2) ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا عمارة بن أبى حفصة حدثنى أبو مجلز قال: سألت ابن عمر عن بول ناقتي قال: اغسل ما أصابك منه. وعن أحمد بن حنبل عن المعتمر بن سليمان التيمي عن سلم بن أبى الذيال (3) عن صالح الدهان عن جابر بن زيد قال: الابوال كلها أنجاس. وعن حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: البول كله يغسل. وعن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: الرش بارش والصب بالصب من الابوال كلها. وعن معمر عن الزهري فيما يصيب الراعى من أبوال الابل قال: ينضح. وعن سفيان بن عيينة عن أبى موسى اسرائيل (4). قال: كنت مع محمد بن سيرين فسقط عليه بول خفاش فنضحه،


(1) كذا في اليمنية وفى المصرية (البرى) ولا أدرى أيتهما الصواب. (2) في اليمنية (معمر) وهو خطأ. وأبو معمر هو عبد الله بن عمرو بن ابى الحجاج المقعد راوية عبد الوارث بن سعيد مات سنة 224 (3) سلم باسكان اللام، وفى الاصلين (سالم) وهو خطأ، والذيال بفتح الذال المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف وآخره لام. (4) هو اسرائيل بن موسى البصري نزيل الهند، كان يسافر إليها.

[ 181 ]

وقال: ما كنت أرى النضح شيئا حتى بلغني عن سبعة (1) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن وكيع عن شعبة قال: سألت حماد بن أبى سليمان عن بول الشاة فقال: اغسله. وعن حماد أيضا في بول البعير مثل ذلك * قال أبو محمد: وأما قول زفر فلا متعلق له بشئ من هذه الاخبار، لما نذكره في إفساد قول مالك إن شاء الله تعالى لكن تعلق من ذهب مذهبه بحديث رواه عيسى بن موسى بن أبي حرب الصفار عن يحيى بن بكير (2) عن سوار بن مصعب عن مطرف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل لحمه فلا بأس ببوله) قال على: هذا خبر باطل موضوع، لان سوار بن مصعب متروك عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه، يروى الموضوعات. فإذا سقط هذا فان زفر قاس بعض الابوال على بعض، ولم يقس النجو على البول، وهذا هو الذى أنكره أصحابه علينا في تفريقنا بين حكم البائل في الماء الراكد وبين المتغوط فيه، إلا أننا نحن قلناه اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله زفر برأيه الفاسد * وأما قول مالك فظاهر الخطأ، لانه ليس فيما احتج به الا أبوال الابل فقط، واستدلال على بول الغنم وبعرها فقط، فأدخل هو في حكم الطهارة أبوال البقر وأخثاءها وأبعار الابل وبعر كل ما يؤكل لحمه وبوله * فان قالوا: فعلنا ذلك قياسا لما يؤكل لحمه على مالا يؤكل لحمه. قلنا لهم: فهلا قستم على الابل والغنم كل ذي أربع، لانها ذوات أربع وذوات أربع؟ أو كل حيوان لانه حيوان وحيوان؟ أو هلا قستم كل ما عدا الابل والغنم المذكورين في الخبر على


(1) في اليمنية (ستة) (2) في الاصلين (يحيى بن أبى بكر) وفي التحقيق لابن الجوزى المخطوط في المسألة رقم (21) (يحيى بن أبي بكير) وكلاهما خطأ، والصواب فيما ترجح لدي (يحيى بن بكير) وهو يحيى بن عبد الله بن بكير وهو الموافق لما في سنن الدارقطني (ص 47) وقد روى الحديث عن أبي بكر الآدمي عن عبد الله ابن أيوب المخرمى عن يحيى بن بكير.

[ 182 ]

بول الانسان ونجوه المحرمين؟ فهذه علة أعم من علتكم ان كنتم تقولون بالاعم في العلل، فان لجأتم ههنا إلى القول بالاخص في العلل قلنا لكم: فهلا قستم من الانعام المسكوت عنها على الابل والغنم وهي ما تكون أضحية من البقر فقط كما الابل والغنم تكون أضحية، أو ما يكون فيه الزكاة من البقر فقط كما يكون في الابل والغنم، أو ما يجوز ذبحه للمحرم من البقر خاصة كما يجوز ذلك في الابل والغنم، دون أن تقيسوا على الابل والغنم والصيد والطير!؟ فهذا أخص من علتكم، فظهر فساد قياسهم جملة يقينا * فان قالوا: قسنا أبوال كل ما يؤكل لحمه وأنجاءها على ألبانها قلنا لهم: فهلا قستم أبوالها على دمائها فأوجبتم نجاسة كل ذلك؟! وأيضا فليس للذكور منها ولا للطير ألبان فتقاس أبوالها وأنجاؤها عليها. وأيضا فقد جاء القرآن والسنة والاجماع المتيقن بافساد علتكم هذه وابطال قياسكم هذا، لصحة كل ذلك بأن لا تقاس أبوال النساء وتجوهن في (1) البانهن في الطهارة والاستحلال. وهذا لا مخلص منه البتة وهلا قاسوا كل ذى رجلين من الطير في نجوه على نجو الانسان فهو ذو رجلين؟! فكل هذه قياسات كقياسكم أو أظهر، وهذا يرى من نصح نفسه إبطال القياس جملة، وصح أن قول أبى حنيفة ومالك وأصحاب أبي حنيفة في هذه المسألة باطل بيقين، لانهم لا شيئا من النصوص اتبعوا، ولا شيئا من القياس ضبطوا، ولا بقول أحد من المتقدمين تعلقوا، لاسيما تفريق مالك بين بول ما شرب ماء نجسا فقال بنجاسة بوله، وبين بول ما شرب ماء طاهرا فقال بطهارة بوله، وهو يرى لحم الدجاج حلالا طيبا، هذا وهو يراه متولدا عن الميتات والعذرة، وهذا تناقض لا خفاء به. وبالله تعالى التوفيق * 138 - مسألة - والصوف والوبر والقرن (2) والسن يؤخذ من حي فهو طاهر ولا يحل أكله *


(1) كذا في الاصلين ولعل صوابه (على ألبانهن) كما هو ظاهر (2) في اليمنية (والفرث) وهو خطأ واضح

[ 183 ]

برهان ذلك أن الحي طاهر وبعض الطاهر، والحي لا يحل أكله، وبعض ما لا يحل أكله لا يحل أكله * 139 - مسألة - وكل ذلك من الكافر نجس ومن المؤمن طاهر، والقيح من المسلم والقلس والقصة البيضاء (1) وكل ما قطع منه حيا أو ميتا ولبن المؤمنة -: كل ذلك طاهر، وكل ذلك من الكافر والكافرة نجس * برهان ذلك ما قد ذكرنا من قول الله عزوجل (انما المشركون نجس) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن لا ينجس) وقد ذكرناه باسناده قبل، وبعض النجس نجس، وبعض الطاهر طاهر، لان الكل ليس هو شيئا غير أبعاضه. وبالله تعالى التوفيق 140 - مسألة - وألبان الجلالة حرام، وهى الابل التى تأكل الجلة - وهي العذرة - والبقر والغنم كذلك -: فان منعت من أكلها حتى سقط عنها اسم جلالة فألبانها حلال طاهرة * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك الخولانى ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد بن المثنى وعثمان بن أبى شيبة قال ابن المثنى ثنا أبو عامر العقدى ثنا هشام الدستوائى عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبن الجلالة) وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا عبدة عن محمد بن اسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها) (2) 141 - مسألة - والوضوء بالماء المستعمل جائز، وكذلك الغسل به للجنابة، وسواء وجد ماء آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضأ به بعينه لفريضة أو نافلة


(1) القلس القئ. والقصة البيضاء بفتح القاف القطنة أو الخرقة البيضاء التى تحتشى بها المرأة عند الحيض، وهذا التفسير لا معنى له هنا،؟؟ القصة كالخيط الابيض تخرج بعد انقطاع الدم كله. وهذا المعنى أقرب أن يكون مرادا للمؤلف، وكل ما قال المؤلف هنا غريب (2) انظر شرح سنن أبي داود (ج 3 ص 412 - 413)، ونيل الاوطار (ج 8 ص 292 - 293) الطبعة المنيرية

[ 184 ]

أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضئ به رجلا أو امراة * برهان ذلك قول الله تعالى (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) فعم تعالى كل ماء ولم يخصه، فلا يحل لاحد أن يترك الماء في وضوئه وغسله الواجب وهو يجده إلا ما منعه منه نص ثابت أو اجماع متيقن مقطوع بصحته. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لنا الارض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء) فعم أيضا عليه السلام ولم يخص، فلا يحل تخصيص ماء بالمنع لم يخصه نص آخر أو اجماع متيقن * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا عبد الله بن داود - وهو الخريبى - عن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان بيده (1)) * وأما من الاجماع فلا يختلف اثنان من أهل الاسلام في أن كل متوضئ فانه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه، وهكذا كل عضو في الوضوء وفى غسل الجنابة، وبالضرورة والحس يدرى كل مشاهد لذلك أن ذلك الماء قد وضئت به الكف وغسلت، ثم غسل به أول الذراع ثم آخره، وهذا ماء مستعمل بيقين، ثم إنه يرد يده إلى الاناء وهي تقطر من الماء الذي طهر به العضو، فيأخذ ماء آخر للعضو الآخر، فبالضرورة يدرى كل ذي حس (2) سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر، وهذا ما لا مخلص منه * وهو قول الحسن البصري وابراهيم النخعي وعطاء بن أبى رباح، وهو أيضا قول سفيان الثوري وأبى ثور وداود وجميع أصحابنا *


(1) في سنن أبي داود (كان في يده) وهذا الحديث رواه أيضا الدارقطني بلفظ (توضأ ومسح رأسه ببلل يديه) وفي متن الحديث اضطراب انظر شرح سنن أبى داود (ج 1 ص 49) (2) في اليمنية (حسن) وهو خطأ

[ 185 ]

وقال مالك: يتوضأ به ان لم يجد غيرهه ولا يتيمم. وقال أبو حنيفة.: لا يجوز الغسل ولا الوضوء بماء قد توضأ به أو اغتسل به، ويكره شربه، وروي عنه أنه طاهر، والاظهر عنه أنه نجس، وهو الذى روى عنه نصا، وأنه لا ينجس الثوب إذا أصابه الماء المستعمل الا أن يكون كثيرا فاحشا * وقال أبو يوسف: ان كان الذى أصاب الثوب منه شبر في شبر فقد نجسه، وان كان أقل لم ينجسه * وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ان كان رجل طاهر قد توضأ للصلاة أو لم يتوضأ لها فتوضأ في بئر فقد تنجس ماؤها كله وتنزح كلها، ولا يجزيه ذلك الوضوء ان كان غير متوضئ، فان اغتسل فيها أيضا أنجسها كلها، وكذلك لو اغتسل وهو طاهر غير جنب في سبعة (1) آبار نجسها كلها * وقال أبو يوسف: ينجسها كلها ولو أنها عشرون بئرا، وقالا جميعا: لا يجزيه ذلك الغسل. فان طهر فيها يده أو رجله فقد تنجست كلها فان كان على ذراعيه جبائر أو على أصابع رجليه جبائر فغمسها في البئر ينوى بذلك المسح عليها لم يجزه وتنجس ماؤها كله، فلو كان على أصابع يده جبائر فغمسها في البئر ينوى بذلك المسح عليها أجزأه ولم ينجس ماؤها اليد بخلاف سائر الاعضاء، فلو انغمس فيها ولم ينو غسلا ولا وضوءا ولا تدلك فيها لم ينجس الماء حتى ينوى الغسل أو الوضوء. وقال أبو يوسف (2) لا يطهر بذلك الانغماس. وقال محمد بن الحسن: يطهر به. قال أبو يوسف: فان غمس رأسه ينوى المسح عليه لم ينجس الماء، وانما ينجسه نية تطهير عضو يلزم فيه الغسل، قال: فلو غسل بعض يده بنية الوضوء أو الغسل لم ينجس الماء حتى يغسل العضو بكماله، فلو غمس رأسه أو خفه ينوى بذلك المسح أجزأه ولم يفسد الماء، وانما يفسده نية الغسل لا نية المسح. وهذه أقوال هي إلى الهوس أقرب منها إلى ما يعقل *


(1) في اليمنية (ستة) (2) في المصرية (أبو سفيان) وهو خطأ ظاهر من سياق الكلام وصححناه من اليمنية.

[ 186 ]

وقال الشافعي: لا يجزي الوضوء ولا الغسل بماء قد اغتسل به أو توضأ به وهو طاهر كله، واصفق اصحابه (1) على أن من أدخل يده في الاناء ليتوضأ فأخذ الماء فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثم ادخل يده في الاناء فقد حرم الوضوء بذلك الماء لانه قد صار ماء مستعملا، وانما يجب أن يصب منه على يده، فإذا وضأها أدخلها حينئذ في الاناء * قال أبو محمد: واحتج من منع ذلك بالحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهيه الجنب أن يغستل في الماء الدائم * قال ابو محمد: وقالوا: انما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لان الماء يصير مستعملا، وقال بعض من خالفهم: بل ما نهى عن ذلك عليه السلام الا خوف أن يخرج من إحليله شئ ينجس الماء * قال ابو محمد: وكلا القولين باطل نعوذ بالله من مثله، ومن أن نقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، وأن نخبر عنه ما لم يخبر به عن نفسه ولا فعله. فهذا هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أكبر الكبائر ممن قطع به، فان لم يقطع به فانما هو ظن، وقد قال عزوجل: (وان الظن لا يغني من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) ولا بد لمن قال بأحد هذين التأويلين من احدى (2) هاتين المنزلتين. فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة * واحتج بعضهم فقال: لم يقل أحد للمتوضئ ولا للمغتسل أن يردد ذلك الماء على أعضائه، بل أوجبوا عليه أخذ ماء جديد، وبذلك جاء عمل النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء والغسل فوجب أن لا يجزئ * قال أبو محمد: وهذا باطل لانه لم ينه أحد من السلف عن ترديد الماء على الاعضاء في الوضوء والغسل، ولا نهى عنه عليه السلام قط * ويقال للحنفيين: قد أجزتم تنكيس (3) الوضوء ولم يأت قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه


(1) اي اطبق (2) في الاصلين (أحد) وهو خطأ (3) في المصرية (قد أخذتم بتنكيس)

[ 187 ]

نكس وضوءه، ولا أن أحدا من المسلمين فعل ذلك، فأخذه عليه السلام ماء جديدا لكل عضو إنما هو فعل منه عليه السلام وأفعاله عليه السلام لا تلزم. وقد صح عنه مسح رأسه المقدس بفضل ماء مستعمل * فان قيل: قد روى يؤخذ للرأس ماء جديد. قلنا: انما رواه دهثم بن قران (1) وهو ساقط لا يحتج به عن نمران بن جارية وهو غير معروف (2) فكيف وقد أباح عليه السلام غسل الجنابة بغير تجديد ماء * كما حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا اسحاق بن ابراهيم وابو بكر بن أبى شيبة وعمر والناقد وابن أبى عمر كلهم عن سفيان بن عيينه عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن


(1) (دهثم) بالثاء المثلثة (ابن قران) بضم القاف وتشديد الراء (العكلي) بضم العين المهملة واسكان الكاف، وفي المصرية (دهشم بن فران) بالشين والفاء وهو خطأ فيهما (2) (نمران) بكسر النون واسكان الميم (ابن جارية) بالجيم، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن قطان: حاله مجهول. وكتب هنا بهامش اليمنية ما نصه (بل رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن زيد: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه. وليس في طريقة من ذكره المؤلف) والحديث في صحيح مسلم (ج 1 ص 83) من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه عن عبد الله بن زيد ابن عاصم وفيه (ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه) ومن طريق حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد وفيه (ومسح برأسه بماء غير فضل يديه) ورواه أيضا أبو داود (ج 1 ص 46) والترمذي (ج 1 ص 9) وقال (حسن صحيح) والدارمى (ص 68) والبيهقي (ج 1 ص 65) كلهم من طريق حبان. قال الترمذي (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدا) وأما طريق نمران التى ذكرها المؤلف فقد أشار إليها الحافظ ابن حجر في التلخيص (ج 1 ص 429) وليس ضعفها سببا لضعف رواية عبد الله بن زيد الصحيحة التي أخذ بها أهل العلم.

[ 188 ]

عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها في غسل الجنابة: (انما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين (1) عليك الماء فتطهرين * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو نعيم هو الفضل بن دكين ثنا معمر بن يحيى بن سام (2) حدثني أبو جعفر محمد بن على بن الحسين قال لى جابر (3): (سألني ابن عمك فقال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه ثم يفيض على سائر جسده) قال أبو محمد: ولو كان ما قاله أصحاب أبى حنيفة من تنجس الماء المستعمل لما صح طهر ولا وضوء ولا صلاة لاحد أبدا، لان الماء الذى يفيضه المغتسل على جسده يطهر منكبيه وصدره، ثم ينحدر إلى ظهره وبطنه، فكان يكون كل أحد مغتسلا بماء نجس، ومعاذ الله من هذا، وهكذا في غسله ذراعه ووجهه ورجله في الوضوء، لانه لا يغسل ذراعه إلا بالماء الذى غسل به كفه، ولا يغسل أسفل وجهه إلا بالماء الذى قد غسل به أعلاه وكذلك رجله * وقال بعضهم: الماء المستعمل لا بد من أن يصحبه من عرق الجسم في الغسل والوضوء شئ فهو ماء مضاف * قال أبو محمد: وهذا غث جدا، وحتى لو كان كما قالوا فكان ماذا، ومتى حرم الوضوء والغسل بماء فيه شئ طاهر لا يظهر له في الماء رسم! فكيف وهم يجيزون الوضوء بماء قد تبرد فيه من الحر، وهذا أكثر في أن يكون فيه العرق من الماء المستعمل *


(1) تفيضين بالنون كما في مسلم (ج 1 ص 102) وفي الاصلين بحذف النون (2) معمر باسكان العين وبه جزم المزى، وفي رواية بوزن محمد وبه جزم الحاكم، وسام بالسين المهملة وتخفيف الميم. قاله في الفتح (ج 1 ص 316) (3) في البخاري (ج 1 ص 41): (اتاني ابن عمك يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية)

[ 189 ]

وقال بعضهم: قد جاء أثر بأن الخطايا تخرج مع غسل أعضاء الوضوء * قلنا: نعم - ولله الحمد - فكان ماذا؟ وإن هذا لمما يغبط باستعماله مرارا إن أمكن لفضله، وما علمنا للخطايا أجراما تحل في الماء * وقال بعضهم: الماء المستعمل كحصى الجمار الذى رمى به لا يجوز أن يرمى به ثانية * قال أبو محمد: وهذا باطل، بل حصى الجمار إذا رمى بها فجائز أخذها والرمى بها ثانية، وما ندرى شيئا يمنع من ذلك، وكذلك التراب الذى تيمم به فالتيمم به جائز، والثوب الذى سترت به العورة في الصلاة جائز أن تستر به أيضا العورة في صلاة أخرى، فان كانوا أهل قياس فهذا كله باب واحد * وقال بعضهم: الماء المستعمل بمنزلة الماء الذى طبخ فيه فول أو حمص * قال على: وهذا هوس مردود على مثله (1) وما ندرى شيئا يمنع من جواز الوضوء والغسل بماء طبخ فيه فول أو حمص أو ترمس أو لوبيا، ما دام يقع عليه اسم ماء * وقال بعضهم: لما لم يطلق على الماء المستعمل اسم الماء مفردا دون أن يتبع باسم آخر وجب أن لا يكون في حكم الماء المطلق * قال أبو محمد: وهذه حماقة، بل يطلق عليه اسم ماء فقط، ثم لا فرق بين قولنا ماء مستعمل فيوصف بذلك، وبين قولنا ماء مطلق فيوصف بذلك، وقولنا ماء ملح أو ماء عذب أو ماء مر أو ماء سخن أو ماء مطر، وكل ذلك لا يمنع من جواز الوضوء به والغسل * ولو صح قول أبى حنيفة في نجاسة الماء المتوضأ به والمغتسل به لبطل أكثر الدين، لانه كان الانسان إذا اغتسل أو توضأ ثم لبس ثوبه لا يصلى إلا بثوب نجس كله، وللزمه أن يطهر أعضاءه منه بماء آخر * وقال بعضهم: لا ينجس إلا إذا فارق الاعضاء * قال أبو محمد: وهذه جرأة على القول بالباطل في الدين بالدعوى. ويقال لهم: هل تنجس عندكم إلا بالاستعمال؟ فلا بد من نعم، فمن المحال أن لا ينجس في الحال


(1) كذا في الاصلين، ولعل الاولى (على قائله).

[ 190 ]

المنجسة له ثم ينجس بعد ذلك، ولا جرأة أعظم من أن يقال: هذا ماء طاهر تؤدى به الفرائض، فإذا تقرب به إلى الله في أفضل الاعمال من الوضوء والغسل تنجس أو حرم أن يتقرب إلى الله تعالى به، وما ندرى من أين وقع لهم هذا التخليط! * وقال بعضهم: قد جاء عن ابن عباس أن الجنب إذا اغتسل في الحوض أفسد ماءه، وهذا لا يصح بل هو موضوع، وانما ذكره الحنفيون عن حماد بن أبي سليمان عن ابراهيم عن ابن عباس، ولا نعلم من هو قبل حماد، ولا نعرف لابراهيم سماعا من ابن عباس (1) والصحيح عن ابن عباس خلاف هذا (2) قال ابو محمد: وقد ذكرنا عن ابن عباس قبل خلاف هذا من قوله: أربع لا تنجس الماء والارض والانسان، وذكر رابعا * وذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه الصدقة على آل محمد: (انما هي غسالة أيدى الناس) وعن عمر مثل ذلك * قال أبو محمد: وهذا لا حجة فيه أصلا، لان اللازم لهم في احتجاجهم بهذا الخبر أن لا يحرم ذلك الا على آل محمد خاصة، فان عليه السلام لم يكره ذلك ولا منعه أحدا غيرهم، بل أباحه لسائر الناس. وأما احتجاجهم بقول عمر فانهم مخالفون له، لانهم يجيزون في أصل أقوالهم شرب ذلك الماء. وأيضا فان غسالة أيدى الناس غير وضوئهم الذى يتقربون به إلى الله تعالى، ولا عجب أكثر من اباحتهم غسالة أيدى الناس وفيها جاء ما احتجوا به، وقولهم: إنها طاهرة، وتحريمهم الماء الذي قد توضأ به قربة إلى الله تعالى! وليس في شئ من هذين الاثرين نهي عنه ونعوذ بالله من الضلال وتحريف الكلم عن مواضعه * ونسأل أصحاب الشافعي عمن وضأ عضوا من أعضاء وضوئه فقط ينوي به الوضوء في ماء دائم أو غسله كذلك وهو جنب، أو بعض عضوا أو بعض أصبع أو


(1) هكذا قال حفاظ الحديث: انه لم يسمع من أحد من الصحابة. وقيل إنه رأى عائشة ولم يسمع منها، وأدرك أنسا ولم يسمع منه. (2) انظر السنن الكبرى البيهقى (ج 1 ص 236) فقد روى أثرا عن ابن عباس في ان المستعمل طهور ولا يطهر.

[ 191 ]

شعرة واحدة أو مسح شعرة من رأسه أو خفه أو بعض خفه: حتى نعرف أقوالهم في ذلك * وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وسقى إنسانا ذلك الوضوء، وأنه عليه السلام توضأ وصب وضوءه على جابر بن عبد الله، وأنه عليه السلام كان إذا توضأ تمسح الناس بوضوئه، فقالوا بآرائهم الملعونة: ان المسلم الطاهر النظيف إذا توضأ بماء طاهر ثم صب ذلك الماء في بئر فهي بمنزلة لو صب فيها فأر ميت أو نجس. ونسأل الله العافية من هذا القول * 142 - مسألة - وونيم (1) الذباب والبراغيث والنحل وبول الخفاش (2) ان كان لا يمكن التحفظ منه وكان في غسله حرج أو عسر لم يلزم من غسله إلا مالا حرج فيه ولا عسر * قال ابو محمد: قد قدمنا قول الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله تعالى: (يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). فالخرج والعسر مرفوعان عنا، وما كان لا حرج في غسله ولا عسر فهو لازم غسله، لانه بول ورجيع. وبالله تعالى التوفيق * 143 - مسألة - والقئ من كل مسلم أو كافر حرام يجب اجتنابه. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) وانما قال عليه السلام ذلك على منع العودة في الهبة * 144 - مسألة - والخمر والميسر والانصاب والازلام رجس حرام واجب اجتنابه، فمن صلى حاملا شيئا منها بطلت صلاته. قال الله تعالى: (انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه). فمن لم يجتنب ذلك في صلاته فلم يصل كما أمر، ومن لم يصل كما أمر فلم يصل (3).


(1) بفتح الواو وكسر النون وآخره ميم، هو خرء الذباب. (2) في اليمنية (والنحل والخفافيش) (3) شذ ابن حزم شذوذا غريبا في القول بنجاسة الميسر والانصاب والازلام ولو شئنا أن نقول كما يقول متأخرو الفقهاء في مناظراتهم لقلنا: انه خالف الاجماع

[ 192 ]

فقد نقل النووي وغيره الاجماع على طهارتها، ونحن لم نعلم قائلا ذهب إلى ما اختاره المؤلف رحمه الله. ولا بأس بذلك ان كان القول المختار يرجحه الدليل الصحيح. والآية التى استدل بها المؤلف لا تدل على ما ذهب إليه، فان الرجس كما يطلق على النجس يطلق على المستقذر وعلى الخبيث وعلى الماثم وعلى العذاب، قال الزجاج: (الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل فبالغ الله تعالى في ذم هذه الاشياء وسماها رجسا) نقله في اللسان، وقال الراغب الاصفهاني: (الرجس الشئ القذر، يقال رجل رجس ورجال أرجاس، قال تعالى (رجس من عمل الشيطان)، والرجس يكون على أربعة أوجه، إما من حيث الطبع، واما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، واما من كل ذلك كالميتة، فان الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا. والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر، وقيل ان ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبه بقوله تعالى (واثمهما أكبر من نفعهما) لان كل مايو في اثمه على نفعه فالعقل يقتضى تجنبه). وليس معقولا في معنى الآية ارادة الرجس بمعنى النجس رغما عما اختاره المؤلف، فالميسر مثلا هو لعب القمار ولا يعقل فيه نجاسة من طهارة، وان ادعى أنه يريد آلة اللعب فهى دعوى غير موفقة، لانه ليس في آلة اللعب تحريم، انما التحريم على عمل المكلف، قال ابن جرير في التفسير (7: 21): ((رجس): يقول: اثم ونتن سخطه الله وكرهه لكم (من عمل الشيطان) يقول: شربكم الخمر وقماركم على الجزر وذبحكم للانصاب واستقسامكم. بالازلام من تزيين الشيطان لكم ودعائه اياكم إليه وتحسينه لكم، لا من الاعمال التى ندبكم إليها ربكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه لكم (فاجتنبوه) يقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه) وهذا تفسير دقيق لمعنى الآية يدل على خطأ ما فهمه ابن حزم من أن الرجس هو نفس الانصاب الخ وان الواجب اجتناب ذواتها وأجرامها. ومن هذا تعلم أن الآية لا تدل على نجاسة الخمر أيضا وهو الصحيح، قال النووي في المجموع (2: 564): (ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لان الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الامر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة) ثم ذكر دليلا آخر على نجاستها ورده ثم قال: (وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها قياسا على الكلب وما ولغ فيه والله أعلم) وهذا دليل ضعيف جدا وان رآه النووي أقرب إلى القوة

[ 193 ]

145 - مسألة - ونبيذ البسر والتمر والزهو (1) والرطب والزبيب إذا جمع نبيذ واحد من هذه إلى نبيذ غيره فهو حرام واجب اجتنابه * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا موسى بن اسماعيل ثنا ابان هو ابن يزيد العطار - ثنا يحيى - هو ابن أبى كثير - عن عبد الله بن ابي قتادة عن ابيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط البسر والتمر، وعن خليط الزهو والرطب، وقال: انتبذوا (2) كل واحد على حدة (3)) وليس كذلك الخليطان من غير هذه الخمسة بل هو طاهر حلال ما لم يكسر، لانه لم ينه الا عما ذكرنا * 146 - مسألة - ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول، لا في بنيان ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء *


والحق أنه لا دليل في الشريعة صريحا أصلا يدل على نجاسة الخمر، والاصل الطهارة، وحرمة شربها لا تدل على نجاستها، فان السم حرام ليس بنجس، وكذلك المخدرات الاخرى، واليه ذهب ربيعة وداود فيما حكاه النووي نقلا عن القاضى أبى الطيب، وهو الذى نختاره، والحمد لله. ويظهر من كلام الراغب الاصفهاني الذى نقلنا آنفا أنه يميل إليه أو يختاره، واليه يرمي كلام القاضى الشوكاني كما يفهم من الدرر البهية وشرحه الروضة الندية (1: 20 - 21) واختاره أيضا العلامة محمد بن اسمعيل الامير في سبل السلام (ج 1 ص 42) الطبعة المنيرية (1) (الزهو) بفتح الزاى وبضمها مع اسكان الهاء وآخره واو، هو البسر إذا ظهرت فيه الحمرة (2) في الاصلين انبذوا وصححناه من أبي داود (ج 3 ص 383) (3) كذا في اليمنية وأبي داود وفي المصرية (على حدته). وهو يوافق لفظ مسلم في صحيحه (ج 2 ص 126) والحديث رواه أيضا النسائي مكررا (ج 2 ص 223 - 224) وابن ماجه (ج 2 ص 173) وفيها أيضا (على حدته) وفي بعض روايات النسائي (على حدة)

[ 194 ]

حدثنا عبد الله يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى قال قلت لسفيان بن عيينة: سمعت الزهري يذكر عن عطاء بن يزيد الليثى عن أبى أيوب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا)؟ قال سفيان: نعم * وقد روى أيضا النهى عن ذلك أبو هريرة وغيره، وقد ذكرنا قبل حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: ألا يستنجى أحد مستقبل القبلة، في باب الاستنجاء * وممن أنكر ذلك أبو أيوب الانصاري - كما ذكرنا - في البيوت نصا عنه، وكذلك أيضا أبو هريرة وابن مسعود، وعن سراقة بن مالك ألا تسقبل القبلة بذلك، وعن السلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم جملة، وعن عطاء وابراهيم النخعي، وبقولنا في ذلك يقول سفيان الثوري والاوزاعي وأبو ثور (1) ومنع أبو حنيفة من استقبالها لبول أو غائط، وكل هؤلاء لم يفرق بين الصحارى والبناء في ذلك، وروينا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يكره أن تستقبل القبلتان بالفروج، وهو قول مجاهد * قال أبو محمد: لا نرى ذلك في بيت المقدس لان النهى عن ذلك لم يصح وقال عروة بن الزبير وداود بن على: يجوز استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط، وروينا ذلك عن ابن عمر من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن نافع عن ابن عمر، وروينا عن ابن عمر من طريق أبى داود عن محمد بن يحيى بن فارس عن صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذكوان عن مروان الاصفر عن ابن عمر أنه قال: إنما نهي عن ذلك في الفضاء، وأما إذا كان (2) بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس، وروينا أيضا هذا عن الشعبى، وهو قول مالك والشافعي فأما من أباح ذلك جملة فاحتجوا بحديث رويناه عن ابن عمر في بعض ألفاظه:


(1) في المصرية (وأبو داود) وهو خطأ (2) في أبى داود (ج 1 ص 7) (فإذا كان) وهو أيضا لفظ الحاكم في المستدرك (ج 1 ص 154)

[ 195 ]

(رقيت على بيت أختى حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا لحاجته مستقبل القبلة (1)) وفى بعضها: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول حيال القبلة) وفى بعضها: (اطلعت يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر بيت يقضى حاجته محجور عليه بلبن فرأيته مستقبل القبلة) وبحديث من طريق جابر: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها (2)) وبحديث من طريق عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتى القبلة) (3) * قال على: لا حجة لهم غير ما ذكرنا، ولا حجة لهم في شئ منه * أما حديث ابن عمر: فليس فيه أن ذلك كان بعد النهي، وإذا لم يكن ذلك فيه، فنحن على يقين من أن ما في حديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل أن ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، هذا مالا شك فيه، فإذ لا شك في


(1) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وفي ألفاظهم: (مستقبل الشأم مستدبر الكعبة). ووقع في رواية ابن حبان (مستقبل القبلة مستدبر الشام) قال ابن حجر: (وهى خطأ تعد من قسم المقلوب) انظر الشوكاني (ج 1 ص 98) المطبعة المنيرية (2) رواه احمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة والحاكم والدار قطني (ص 22) قال الترمذي (ج 1 ص 4) (حديث حسن غريب) وقال الحاكم (ج 1 ص 154) (صحيح على شرط مسلم) ورواه البيهقي (ج 1 ص 92) (3) رواه احمد وابن ماجه (ج 1 ص 69) والبيهقي (ج 1 ص 92 - 93) (والدار قطني (ص 22) وقال النووي في المجموع (ج 2 ص 78) (اسناده حسن لكن أشار البخاري إلى أن فيه علة) قال السندي في شرح ابن ماجه: (رجاله ثقات معروفون وأخطأ من قال خلاف ذلك، وقد علل البخاري الخبر بما ليس بقادح فيه فقال: وجاء عن عائشة أنها كانت تنكر قولهم لا تستقبلوا القبلة، وهذا أصح. فان ثبوت ما قال لا يستلزم نفي هذا، فبعد صحة الاسناد يجب القول بصحته) وسيأتي الكلام على الحديث بعد قليل

[ 196 ]

ذلك فحكم حديث ابن عمر منسوخ قطعا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، هذا يعلم ضرورة، ومن الباطل المحرم ترك اليقين بالظنون، وأخذ المتيقن نسخه وترك المتيقن أنه ناسخ * وقد أوضحنا في غير هذا المكان أن كل ما صح أنه ناسخ لحكم منسوخ فمن المحال الباطل أن يكون الله تعالى يعيد الناسخ منسوخا والمنسوخ ناسخا ولا يبين ذلك تبيانا لا إشكال فيه، إذ لو كان هذا لكان الدين مشكلا غير بين، ناقصا غير كامل، وهذا باطل. قال الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) * وأيضا فانما في حديث ابن عمر ذكر استقبال القبلة فقط، فلو صح أنه ناسخ لما كان فيه نسخ تحريم استدبارها، ولكان من أقحم في ذلك إباحة استدبارها كاذبا مبطلا لشريعة ثابتة، وهذا حرام. فبطل تعلقهم بحديث ابن عمر * وأما حديث عائشة فهو ساقط، لانه رواية (1) خالد الحذاء - وهو ثقة - عن خالد بن أبى الصلت وهو مجهول لا يدرى من هو (2)، وأخطأ فيه عبد الرزاق فرواه


(1) في الاصلين (لان رواية) وهو خطأ (2) حديث عائشة رواه خالد الحذاء، واختلف الرواة عنه فيه، فرواه بعضهم عن خالد الحذاء عن عراك عن عائشة، ورواه بعضهم عن خالد الحذاء عن رجل عن عراك، ورواه حماد بن سلمة وعلى بن عاصم وعبد العزيز بن المغيرة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك، فرواية حماد بن سلمة في ابن ماجه (ج 1 ص 69) والدار قطني (ص 22) وأشار إليها البيهقي في السنن الكبرى (ج 1 ص 93)، ورواية على بن عاصم في سنن البيهقى والدار قطني، ورواية عبد العزيز بن المغيرة في ابن ماجه، ومن بين وحفظ حجة على من أبهم ولم يحفظ، وأوضح الروايات رواية على بن عاصم، فرواها الدارقطني من طريق هارون بن عبد الله، والبيهقي من طريق يحيى بن أبي طالب، كلاهما عن على بن عاصم: (ثنا خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتها

[ 197 ]

عن خالد الحذاء عن كثير بن الصلت، وهذا أبطل وأبطل، لان خالدا الحذاء لم يدرك كثير بن الصلت، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لان نصه يبين أنه انما كان قبل النهى، لان من الباطل المحال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن


ببول ولا غائط منذ كذا وكذا، فقال عراك: حدثتني عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قول الناس في ذلك أمر بمقعدته فاستقبل بها القبلة) قال الدارقطني: (هذا أضبط اسناد، وزاد فيه خالد بن ابي الصلت وهو الصواب). وقد ادعى ابن حزم أن خالد بن أبى الصلت مجهول، وتعقبه ابن مفوز فقال: (هو مشهور بالرواية معروف بحمل العلم لكن حديثه معلول) وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أسلم بن سهل في تاريخ واسط وحكى عن سفيان بن حسين قال: (كنا نأتي خالد بن أبي الصلت وكان عينا لعمر ابن عبد العزيز بواسط وكانت له هيئة) والعلة التي فيه هي ما نقله السندي كما ذكرنا آنفا، وقد نقل ذلك ابن حجر في التهذيب في ترجمة عن الترمذي في العلل الكبير عن البخاري أنه قال: (فيه اضطراب والصحيح عن عائشة قولها) أي إنه رجح أنه موقوف على عائشة، وهذا ترجيح لا دليل عليه، فان رواية بعض الرواة اياه موقوفا لا يمنع أن يكون مرويا مرفوعا من طريق أخرى صحيحة وقد صرح على بن عاصم في روايته بسماع خالد بن أبى الصلت من عراك بن مالك، وسماع عراك من عائشة، وعلى ثقة له أوهام وأغلاط، وقد تابعه على ذلك حماد بن سلمة، فارتفعت شبهة الغلط، فقد نقل ابن حجر في التهذيب (ج 3 ص 97) عن تاريخ البخاري قال: (قال موسى ثنا حماد هو ابن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبى الصلت قال كنا عند عمر بن عبد العزيز فقال عراك ابن مالك: سمعت عائشة رضي الله عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم: حولي مقعدتى إلى القبلة) وقد نقل الحازمي في الناسخ والمنسوخ (ص 37) انه تابعه أيضا عبد الله بن المبارك، فهذه الروايات تؤكد صحة الحديث بالسند الصحيح الثابت بالسماع، وقد أعله أحمد بن حنبل بأن عراكا لم يسمع من عائشة، فقد نقل ابن أبي حاتم في المراسيل (ص 60) ذلك عن احمد ونقله ابن حجر عن الاثرم عنه. وهذه علة غير صحيحة لما رأيت من تصريحه بالسماع منها، ورواية عراك بعض الاحاديث عن عروة عن عائشة لا تنفى سماعه منها، قال ابن دقيق

[ 198 ]

استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك، هذا مالا يظنه مسلم ولا ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخا بلا شك، ثم لو صح لما كان فيه إلا إباحة الاستقبال فقط، لا إباحة الاستدبار أصلا فبطل تعلقهم بحديث عائشة جملة * وأما حديث جابر فانه رواية (1) أبان بن صالح وليس بالمشهور (2)، وأيضا


العيد في الامام: (ولعراك أحاديث عديدة عن عروة عن عائشة، قال: ولكن لقائل أن يقول: إذا كان الراوي عنه قوله سمعت ثقة فهو مقدم، لاحتمال أنه لقى الشيخ بعد ذلك فحدثه إذا كان ممن يمكن لقاؤه، وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم ينكروه وأبو هريرة توفى هو وعائشة في سنة واحدة - سنة 58 - فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلد واحد، ولعل هذا هو الذى أوجب لمسلم أن أخرج في صحيحه حديث عراك عن عائشة من رواية يزيد بن أبى زياد مولى ابن عباس عن عراك عن عائشة: جاءتي سكينة تحمل ابنتين لها. الحديث) ثم أيد ذلك ابن دقيق العيد برواية على بن عاصم التي ذكرنا. نقل ذلك عنه الزيلعي في نصب الراية (ج 1 ص 273). وبهذا التحقيق - الذى قد لا تجده مفصلا في كتاب - يظهر لك أن حديث عائشة صحيح على شرط مسلم. وبالله تعالى التوفيق. (1) في الاصلين (فان رواية) وهو خطأ (2) أبان وثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر في التهذيب: (قال ابن عبد البر في التمهيد: حديث جابر ليس صحيحا لان أبان بن صالح ضعيف. وقال ابن حزم في المحلى عقب هذا الحديث: أبان ليس بالمشهور انتهى. وهذه غفلة منهما، وخطأ تراردا عليه، فلم يضعف أبان هذا أحد قبلهما، ويكفى فيه قول ابن معين ومن تقدم معه) وهذا الحديث هو من رواية محمد بن اسحق عن أبان. قال الزيلعى (ج 1 ص 273). (وأخرجه ابن حبان في صحيحه في القسم الثاني والحاكم في المستدرك والدار قطني ثم البيهقي في سننهما، وعندهم الاربعة: حدثنى أبان بن صالح، فزالت تهمة التدليس) ثم نقل عن الترمذي في العلل الكبير قال: (سألت محمد بن اسمعيل - يعنى البخاري - عن هذا الحديث فقال: حديث صحيح).

[ 199 ]

فليس فيه بيان أن استقباله القبلة عليه السلام كان بعد نهيه، ولو كان ذلك لقال جابر: ثم رأيته (1)، وأيضا فلو صح لما كان فيه الا النسخ للاستقبال فقط، وأما الاستدبار فلا أصلا، ولا يحل أن يزاد في الاخبار ما ليس فيها، فيكون من فعل ذلك كاذبا، وليس إذا نهى عن شيئين ثم نسخ أحدهما وجب نسخ الآخر، فبطل كل ما شغبوا به وبالله تعالى التوفيق، وسقط قولهم لتعريه عن البرهان * وأما من فرق بين الصحارى والبناء في ذلك فقول لا يقوم عليه دليل أصلا، إذ ليس في شئ من هذه الآثار فرق بين صحراء وبنيان، فالقول بذلك ظن، والظن أكذب الحديث، ولا يغنى عن الحق شيئا، ولا فرق بين من حمل النهى على الصحارى دون البنيان، وبين آخر قال: بل النهى عن ذلك في المدينة أو مكة خاصة، وبين آخر قال: في أيام الحج خاصة. وكل هذا تخليط لا وجه له * وقال بعضهم: انما كان في الصحارى لان هنالك قوما يصلون فيؤذون بذلك * قال أبو محمد: هذا باطل، لان وقوع الغائط كيفا وقغ في الصحراء فموضعه لا بد أن يكون قبلة لجهة ما، وغير قبلة لجهة أخرى، فخرج قول مالك عن أن يكون له متعلق بسنة أو بدليل أصلا، وهو قول خالف جميع أقوال الصحابة رضى الله عنهم الا رواية عن ابن عمر قد روى عنه خلافها. وبالله تعالى التوفيق * 147 - مسألة - وكل ماء خالطه شئ طاهر مباح فظهر فيه لونه وريحه وطعمه الا أنه لم يزل عنه اسم الماء فالوضوء به جائز والغسل به للجنابة جائز *


(1) هذه من أضعف حجج ابن حزم فانه حكاية عربي فصيح كجابر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم تعقيبه اياها برؤيته صلى الله عليه وسلم قبل موته بعام يفعل ذلك: صريح جدا في أنه يريد بيان النسخ، وأن النهي انما كان قبل الفعل، ومثل هذا الحديث فيما نعقل لا يقوله الصحابي اعتباطا بدون مناسبة، وانما المفهوم أنه يكون في سياق سؤال أو جدال في هذا الامر. ومع كل هذا فقد جاءت الرواية بلفظ (ثم) ففي رواية الدارقطني والبيهقي. (ثم قد رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) وفى رواية الحاكم (ثم رأيناه قبل موته وهو يبول مستقبل القبلة)

[ 200 ]

برهان ذلك قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مسكا أو عسلا أو زعفرانا أو غير ذلك * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني عطاء بن أبى رباح عن أم هانئ بنت أبى طالب أنها قالت: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو في قبة له، فوجدته قد اغتسل بماء كان في صحفة، إني لارى فيها أثر العجين، فوجدته يصلي الضحى) * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أم هانئ قالت: (نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بأعلى مكة، فأتيته بماء في جفنة انى لارى أثر العجين فيها (1)، فستره أبو ذر فاغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ستر عليه السلام أبا ذر فاغتسل، ثم صلى ثماني ركعات وذلك في الضحى) * حدثنا يونس بن عبد الله ثنا أبو عيسى بن أبى عيسى ثنا أحمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن زيد بن الحباب العكلى عن ابراهيم بن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن أم هانئ: (أن ميمونة أم المؤمنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسلا من قصعة فيها أثر العجين) * قال على: وهذا قول ثابت عن ابن مسعود قال: إذا غسل الجنب رأسه بالخطمي أجزأه، وكذلك نصا عن ابن عباس * وروي أيضا هذا عن على بن أبى طالب، وثبت عن سعيد بن المسيب وابن جريج وعن صواحب النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الانصار والتابعات منهن: أن المرأة الجنب (2) والحائض إذا امتشطت بحناء (3) رقيق أن ذلك يجزئها من غسل رأسها للحيضة والجنابة ولا تعيد غسله، وثبت عن ابراهيم النخعي وعطاء بن ابى رباح وأبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن جبير أنهم قالوا في الجنب يغسل رأسه بالسدر


(1) في اليمنية (انى لارى فيها أثر العجين) (2) الجنب يطلق على المذكر والمؤنث والمفرد والمثني والجمع، ومن العرب من يثنى ويجمع. (3) الحناء بالمد والتشديد والجمع حنان بكسر الحاء وضمها وتشديد النون وفي آخره نون ثانية، وقيل أيضا حنان بالهمز بوزن عثمان، وكلها جموع على غير قياس.

[ 201 ]

والخطمى: انه يجزئه ذلك من غسل رأسه للجنابة * وقولنا في هذا هو قول ابى حنيفة والشافعي وداود * وروى عن مالك نحو هذا أيضا. وروى سحنون عن ابن القاسم (1) أنه سأل مالكا عن الغدير ترده المواشى فتبول فيه وتبعر حتى يتغير لون الماء وريحه: أيتوضأ منه للصلاة؟ قال مالك: أكرهه ولا أحرمه، كان ابن عمر يقول: إنى لاحب أن أجعل بينى وبين الحرام سترة من الحلال * والذى عليه أصحابه بخلاف هذا، وهو أنه روي عنه في الماء يبل فيه الخبز أو يقع فيه الدهن: أنه لا يجوز الوضوء به، وكذلك الماء ينقع فيه الجلد (2)، وهذا خطأ من القول، لانه لا دليل عليه من قرآن ولا من سنة ولا اجماع ولا قول صاحب ولا قياس، بل خالفوا فيه ثلاثة من الصحابة رضى الله عنهم لا يعرف لهم منهم مخالف، وخالفوا فيه فقهاء المدينة كما ذكرنا، وما نعلمهم احتجوا باكثر من أن قالوا: ليس هو ماء مطلقا قال أبو محمد: وهذا خطأ، بل هو ماء مطلق وان كان فيه شئ آخر، ولا فرق بين ذلك الذي فيه وبين حجر يكون فيه، وهم يجيزون الوضوء بالماء الذي تغير من طين موضعه، وهذا تناقض *


(1) في المصرية (عن ابن غانم) وفي اليمنية (عن أبي غانم) وكلاهما فيما نرى خطأ، والصواب (عن ابن القاسم) فان سحنون انما يروى الفقه عن ابن القاسم عن مالك، وهكذا المدونة، هي رواية سحنون عن ابن القاسم. وقد جهدت أن أجد هذه المسألة - التي رواها المؤلف - في المدونة فلم أوفق إلى وجودها. (2) هذا هو الذى في المدونة ونصها (ج 1 ص 4): (قال مالك: لا يتوضأ بالماء الذى يبل فيه الخبز.. قال ابن القاسم: وأخبرني بعض أصحابنا ان انسانا سأل مالكا عن الجلد يقع في الماء فيخرج مكانه أو الثوب، هل ترى بأسا ان يتوضأ بذلك الماء؟ قال: قال مالك: لا أرى به بأسا، قال فقال له: فما بال الخبز؟ فقال له مالك: أرأيت إن أخذ رجل جلدا فانقعه اياما في ماء، أيتوضأ بذلك الماء وقد ابتل الجلد في ذلك الماء؟ فقال: لا فقال مالك: هذا مثل الخبز ولكل شئ وجه)

[ 202 ]

ومن العجب أنهم لم يجعلوا حكم الماء للماء الذي مازجه شئ طاهر لم يزل عنه اسم الماء، وجعلوا للفضة المخلوطة بالنحاس - خلطا يغيرها - حكم الفضة المحضة، وكذلك في الذهب الممزوج فجعلوه كالذهب الصرف في الزكاة والصرف، وهذا هو الخطأ وعكس الحقائق، لانهم أوجبوا الزكاة في الصفر الممازج للفضة، وهذا باطل، وأباحوا صرف فضة وصفر بمثل وزن الجميع من فضة محضة، وهذا الربا بعينه، وأما الوضوء بماء قد مازجه شئ طاهر فانما يتوضأ ويغتسل بالماء ولا يضره مرور شئ طاهر على أعضائه مع الماء * وقال بعضهم: هو كماء الورد. قال أبو محمد: وهذا باطل، لان ماء الورد ليس ماء أصلا، وهذا ماء وشئ آخر معه فقط * 148 - مسألة - فان سقط عنه اسم الماء جملة كالنبيذ وغيره، ولم يجز الوضوء به ولا الغسل، والحكم حينئذ التيمم، وسواء في هذه المسألة والتى قبلها وجد ماء آخر أم لم يوجد * برهان ذلك قول الله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء) ولما كان اسم الماء لا يقع على ما غلب عليه غير الماء حتى تزول عنه جميع صفات الماء التي منها يؤخذ حده -: صح أنه ليس ماء، ولا يجوز الوضوء بغير الماء وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وداود وغيرهم، وقال به الحسن وعطاء بن أبى رباح وسفيان الثوري وابو يوسف واسحاق وأبو ثور وغيرهم * وروى عن عكرمة أن النبيذ وضوء إذا لم يوجد الماء ولا يتيمم مع وجوده * وقال الاوزاعي: لا يتيمم إذا عدم الماء مادام يوجد نبيذ غير مسكر، فان كان مسكرا فلا يتوضأ به * وقال حميد (1) صاحب الحسن بن حي: نبيذ التمر خاصة يجوز الوضوء به والغسل المتفرض في الحضر والسفر، وجد الماء أو لم يوجد، ولا يجوز ذلك بغير نبيذ التمر، وجد الماء أو لم يوجد *


(1) هو حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسى الكوفي الثقة.

[ 203 ]

وقال أبو حنيفة في أشهر قوليه: أن نبيذ التمر خاصة إذا لم يسكر فانه يتوضأ به ويغتسل - فيما كان خارج الامصار والقرى خاصة - عند عدم الماء، فان أسكر، فان كان مطبوخا جاز الوضوء به والغسل كذلك، فان كان نيئا لم يجز استعماله أصلا في ذلك، ولا يجوز الوضوء بشئ من ذلك، لا عند عدم الماء ولا في الامصار ولا في القرى أصلا - وان عدم الماء -، ولا بشئ من الانبذة غير نبيذ التمر لا في القرى ولا في غير القرى، ولا عند عدم الماء، والرواية الاخرى عنه أن جميع الانبذة يتوضأ بها ويغتسل، كما قال في نبيذ التمر سواء سواء * وقال محمد بن الحسن: يتوضأ بنبيذ التمر عند عدم الماء ويتيمم معا * قال أبو محمد: أما قول عكرمة والاوزاعي والحسن بن حي فانهم احتجوا بحديث رويناه من طريق ابن مسعود من طرق: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: معك ماء؟ قال: ليس معي ماء، ولكن معى إداوة فيها نبيذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ ثم صلى الصبح) وفي بعض ألفاظه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بنبيذ، وقال: تمرة طيبة وماء طهور (1)) * وقال بعضهم: ان جماعة من الصحابة رضى الله عنهم ركبوا البحر فلم يجدوا إلا ماء البحر ونبيذا فتوضؤا بالنبيذ، ولم يتوضوا بماء البحر، وذكروا ما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات قال: ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشنى ثنا محمد بن المثنى ثنا يزيد بن هارون ثنا عبد الله بن ميسره (2) عن مزيدة بن جابر عن على بن أبى طالب رضى عنه قال: اذالم تجد الماء فلتتوضأ بالنبيذ. قال محمد بن المثنى: وحدثنا أبو معاوية محمد بن خازم الضرير ثنا الحجاج بن أرطاة عن أبي اسحاق السبيعي عن الحارث عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: لا بأس بالوضوء بالنبيذ * قالوا: ولا مخالف لمن ذكرنا يعرف من الصحابة رضي الله عنهم، فهو إجماع على قول بعض مخالفينا *


(1) من اول قوله (فتوضأ وصلى الصبح) إلى هنا محذوف من النسخة اليمنية (2) في المصرية (عبد الله بن مسرة) وما هنا هو الصواب والموافق لليمنية

[ 204 ]

وقالوا: النبيذ ماء بلا شك خالطه غيره، فإذ هو كذلك فالوضوء به جائز * قال أبو محمد: هذا كل ما يمكن أن يشغبوا به، ولا حجة لهم في شئ منه. ولله الحمد * أما الخبر المذكور فلم يصح، (1) لان في جميع طرقه من لا يعرف، أو من لا خير فيه، وقد تكلمنا عليه كلاما مستقصى (2) في غير هذا الكتاب، ثم لو صح بنقل التواتر لم يكن لهم فيه حجة، لان ليلة الجن كانت بمكة قبل الهجرة ولم تنزل آية الوضوء الا بالمدينة في سورة النساء وفي سورة المائدة، ولم يأت قط أثر بأن الوضوء كان فرضا بمكة، فإذ ذلك كذلك فالوضوء بالنبيذ كلا وضوء، فسقط التعلق به لو صح * وأما الذى رووه من فعل الصحابة رضي الله عنهم فهو عليهم لا لهم، لان الاوزاعي والحسن بن حى وأبا حنيفة وأصحابه كلهم مخالفون لما روى عن الصحابة في ذلك، مجيزون للوضوء بماء البحر، ولا يجيزون الوضوء بالنبيذ، ما دام يوجد ماء البحر، وكلهم - حاشا حميدا صاحب الحسن بن حى - لا يجيز الوضوء البتة بالنبيذ مادام يوجد ماء البحر، وحميد صاحب الحسن يجيز الوضوء بماء البحر مع وجود النبيذ، فكلهم مخالف (3) لما ادعوه من فعل الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، ومن الباطل أن يرى المرء حجة على خصمه ما لا يراه حجة عليه * وأما الاثر عن على رضى الله عنه فلا حجة في أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا فان حميدا صاحب الحسن بن حي يخالف الرواية عن على في ذلك، لانه يرى الوضوء بنبيذ التمر مع وجود الماء، وهذا خلاف قول على، ويرى سائر الانبذة لا يحل بها الوضوء أصلا (4)، وهذا خلاف الرواية عن على * وأما قولهم: إن في النبيذ ماء خالطه غيره، فهو لازم لهم في لبن مزج بماء، وفي الحبر لانه ماء مع عفص وزاج، وفي الامراق لانها ماء وزيت وخل، أو ماء


(1) في اليمنية (فلا يصح) (2) في اليمنية (متقصى) (3) في المصرية مخالفون (4) في اليمنية (ويرى أن سائر الانبذة لا يحل منها الوضوء أصلا)

[ 205 ]

وزيت ومرى (1) ونحو ذلك، وهم لا يقولون بشئ من هذا، فظهر تناقضهم في كل ما احتجوا به. ولله الحمد * وأما قولا أبى حنيفة فهو أبعدهم من أن يكون له في شئ مما ذكرنا حجة. أما الحديث المذكور فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حين الوضوء بالنبيذ خارج مكة، فمن أين له بتخصيص جواز الوضوء بالنبيذ خارج الامصار والقرى!؟ وهذا خلاف لما في ذلك الخبر، لا سيما وهو لا يرى التيمم فيما يقرب من القرية، ولا قصر الصلاة إلا في ثلاثة أيام، أحد وعشرين فرسخا فصاعدا، ولا سبيل له إلى دليل في شئ من ذلك إلا ودليله في ذلك جار في جميع هذه المسائل * وأما قوله الثاني الذى قاس فيه جميع الانبذة على نبيذ التمر، فهلا قاس أيضا داخل القرية على خارجها! وما المجيز له أحد القياسين والمانع له من الآخر!؟ لا سيما مع ما في الخبر من قوله: (تمرة طيبة وماء طهور) فإذ هو ماء طهور فما المانع من استعماله مع وجود ماء غيره، وكلاهما ماء طهور!؟ وهذا مالا انفكاك منه. وان كان لا يجيزه مع وجود الماء فليجزه للمريض في الحضر مع عدم الماء * وأما فعل الصحابة رضى الله عنهم وقول على فهو مخالف له، لانه لا يجيز الوضوء بالنبيذ مع وجود ماء البحر، ولا يجيز الوضوء بالنبيذ وان عدم الماء في القرى، وليس هذا في قول على، ولم يخص علي نبيذ تمر من غيره، وأبو حنيفة يخصه في أحد قوليه (2)، ولا أمقت في الدنيا والآخرة ممن ينكر على مخالفه ترك قول هو أول تارك له! ولا سيما ومخالفه لا يرى ذلك الذى ترك حجة، قال الله تعالى: (لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) * وأما قولهم: إن النبيذ ماء وتمر، فيلزمهم هذا كما قلنا في الامراق وغيرها من


(1) كتب بهامش اليمنية (هو الفلفل) وفي لسان العرب ضبط بالقلم بضم الميم وكسر الراء وتشديد الياء وقال: (والمرى معروف، قال ابو منصور: لا أدرى أعربي أم دخيل). وأنا لا أدرى هل هو المراد هنا أو غيره (وفوق كل ذى علم عليم) (2) في اليمنية (يخصصه في أشهر قوليه)

[ 206 ]

الانبذة، وهو خلاف قوله، فظهر فساد قولي أبى حنيفة معا. والحمد لله رب العالمين * وأما قول محمد بن الحسن ففاسد، لانه لا يخلو أن يكون الوضوء بالنبيذ جائزا فالتيمم معه فضول، أو لا يكون الوضوء به جائزا فاستعماله فضول، لا سيما مع قوله: إنه إذا كان في ثوب المرء أكثر من قدر الدرهم البغلى من نبيذ مسكر بطلت صلاته، ولا شك أن المجتمع على جسد المتوضئ بالنبيذ أو المغتسل به وفى ثوبه أكثر من دراهم بغلية كثيرة * فان قال من ينتصر له: إنا لا ندرى أيلزم الوضوء به فلا يجزئ تركه وإما أنه لا يحل (1) الوضوء به فلا يجزئ فعله، فجمعنا الامرين * قيل لهم: الوضوء بالماء فرض متيقن عند وجوده، فلا يجوز تركه، والوضوء بالتيمم عند عدم ما يجزئ الوضوء به فرض متيقن، والوضوء بالنبيذ عندكم غير متيقن، وما لم يكن متيقنا فاستعماله لا يلزم، وما لا يلزم فلا معنى لفعله، ولو جئتم إلى استعمال كل ما تشكون في وجوبه لعظم الامر عليكم، لا سيما وأنتم على يقين من أنه نجس يفسد الصلاة كونه في الثوب، وأنتم مقرون أن الوضوء بالنجس المتيقن لا يحل * وأما المالكيون والشافعيون فانهم كثيرا ما يقولون في أصولهم وفروعهم: إن خلاف الصاحب الذي لا يعرف له مخالف منهم لا يحل. وهذا مكان نقضوا فيه هذا الاصل. وبالله تعالى التوفيق * وأبو حنيفة يقول بالقياس وقد نقض ههنا اصله في القول به، فلم يقس الامراق ولا سائر الانبذة على نبيذ التمر، وخالف أيضا أقوال طائفة من الصحابة رضى الله عنهم كما ذكرنا دون مخالف يعرف لهم في ذلك، وهذا أيضا هادم لاصله، فليقف على ذلك من أراد الوقوف على تناقض أقوالهم، وهدم فروعهم لاصولهم. وبالله تعالى التوفيق * 149 - مسألة - وفرض على كل مستيقظ من نوم - قل النوم أو كثر، نهارا كان أو ليلا، قاعدا أو مضطجعا أو قائما، في صلاة أو في غير صلاة، كيفما نام - ألا يدخل يده في وضوئه - في إناء كان وضوءه أو من نهر أو غير ذلك - إلا حتى يغسلها ثلاث مرات


(1) كذا في الاصلين، ولعل الصواب (أو لا يحل) الخ

[ 207 ]

ويستشق ويستنثر ثلاث مرات، فان لم يفعل لم يجزه الوضوء ولا تلك الصلاة، ناسيا ترك ذلك أو عامدا، وعليه أن يغسلها ثلاث مرات ويستنشق كذلك ثم يبتدئ الوضوء والصلاة، والماء طاهر بحسبه، فان صب على يديه وتوضأ دون أن يغمس يديه فوضوؤه غير تام (1) وصلاته غير تامة * برهان ذلك ما حدثناه يونس بن عبد الله ثنا أبو عيسى بن ابى عيسى ثنا أحمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن ابى شيبة عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نوم فلا يغمس - يعنى يده - حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده) قال ابو محمد: زعم قوم أن هذا الغسل خوف نجاسة تكون في اليد، وهذا باطل لا شك فيه، لانه عليه السلام لو أراد ذلك لما عجز عن أن يبينه، ولما كتمه عن أمته وأيضا فلو كان ذلك خوف نجاسة لكانت الرجل كاليد في ذلك، ولكان باطن الفخذين وما بين الاليتين أولى بذلك (2). ومن العجب على أصولهم أن يكون ظن كون النجاسة في اليد يوجب غسلها ثلاثا، فإذا تيقن كون النجاسة فيها أجزأه إزالتها بغسلة واحدة. وانما السبب الذي من أجله وجب غسل اليد هو ما نص عليه السلام من مغيب النائم عن درايته أين باتت يده فقط، ويجعل الله تعالى ما شاء سببا لما شاء، كما جعل تعالى الريح الخارج من أسفل سببا يوجب الوضوء وغسل الوجه ومسح الرأس وغسل الذراعين والرجلين (2) * وادعى قوم أن هذا في نوم الليل خاصة، لقوله: ((أين باتت يده) وادعوا أن المبيت لا يكون الا بالليل *


(1) هنا بهامش اليمنية: (قال شيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي: قلت لم يبرهن بشئ على أن وضوءه غير تام) (2) هذا صحيح إذا كان المتوضئ سيغترف الماء برجليه أو بفخذيه أو باليتيه! وما هكذا التمسك بظواهر النصوص (3) هذا غير ذاك، فان تعليل وجوب غسل اليد ثلاثا بأن النائم لا يدري

[ 208 ]

قال أبو محمد: وهذا خطأ، بل يقال: بات القوم يدبرون أمر كذا، وان كان نهارا. وحدثنا عبد الرحمن بن خالد الهمداني ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري عن (1) ابراهيم بن حمزة - هو الزبيري - عن ابن أبي حازم (2) - هو عبد العزيز - عن يزيد بن عبد الله - هو ابن أسامة بن الهاد - عن محمد بن ابراهيم حدثه عن عيسى بن طلحة عن ابى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذ استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات (3) فان الشيطان يبيت على خيشومه) كتب إلى سالم بن أحمد بن فتح قال ثنا عبد الله بن سعيد الشنتجالي (4) قال ثنا عمر بن محمد بن داود السجستاني ثنا محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودى ثنا ابراهيم بن محمد حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنى (5) بشر بن الحكم ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن ابن الهاد عن محمد بن ابراهيم عن عيسى بن طلحة عن أبى هريرة


أين باتت يده، يشير إلى المعنى الذى من أجله وجب الغسل، وهو احتمال مباشرتها النجاسة، وهذا هو الفرق بينه وبين طهرها بغسلة واحدة عند تيقن النجاسة، فان النجاسة إذ ذاك يراها المتطهر ويوقن بازالتها. (1) في البخاري في كتاب بدء الخلق (ج 2 ص 98) (حدثنا ابراهيم بن حمزة) (2) في الاصلين (عن ابى حازم) وهو خطأ. (3) في البخاري (ثلاثا) وبحذف مرات (4) نسبة إلى (شنتجالة) - بالشين المعجمة والنون والتاء والجيم بعدها ألف ولام وهاء - بلد بالاندلس، ووقع في النسخة اليمنية (الشنحانى) وفي المصرية (الشحال) وفى تذكرة الحفاظ (ج 3 ص 285) في ترجمة أبي ذر الهروي (الشيخاني) وكل ذلك خطأ صوابه ما ذكرنا، وعبد الله هذا كنيته أبو محمد، صحب أبا ذر الهروي ولقى أبا سعيد السجزى - وأظنه هو عمر بن محمد بن داود شيخه هنا، والنسبة إلى سجستان سجزى وسجستاني - وسمع منه صحيح مسلم، وأقام بالحرم أربعين عاما، رحل سنة 391 وعاد الي الاندلس سنة 430 وأقام بقرطبة إلى أن مات في رجب سنة 436. وله ترجمة في معجم البلدان (ج 5 ص 300) والديباج المذهب (ص 140) (5) في اليمنية (أخبرني)

[ 209 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فان الشيطان يبيت على خيشومه (1)) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أبويحيى زكريا بن يحيي الساجي (2) ثنا محمد بن زنبور المكي ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ثنا يزيد ابن الهاد أن محمد بن ابراهيم حدثه عن عيسى بن طلحة عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنشق ثلاث مرات (3) فان الشيطان يبيت على خيشومه) * قال أبو محمد: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفرض. قال الله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم) ومن توضأ بغير أن يفعل ما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعله فلم يتوضأ الوضوء الذى أمره الله تعالى به، ومن لم يتوضأ كذلك فلا صلاة له، لا سيما طرد الشيطان عن خيشوم المرء، فما نعلم مسلما يستسهل الانس بكون الشيطان هناك * وقد أوجب المالكيون متابعة الوضوء فرضا لا يتم الوضوء والصلاة إلا به، وأوجب الشافعي الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضا لا تتم الصلاة إلا به، وأوجب أبو حنيفة الاستنشاق والمضمضة في غسل الجنابة فرضا لا يتم الغسل والصلاة إلا به، وكل هذا لم يأمر الله تعالى به ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الذى يجب أن ينكر، لا فعل من أوجب ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل فيما قال له نبيه عليه السلام: افعل كذا


(1) في مسلم (ج 1 ص 48) (على خياشيمه) (2) الساجي بالسين المهملة والجيم نسبة إلى صنع الساج أو بيعه، وهو نوع من الخشب، ووقع في المصرية (أبو يحيى بن زكريا بن يحيى الباجى) وهو خطأ في الموضعين، والساجي هذا له كتاب جليل في علل الحديث، مات سنة 307 وقد قارب التسعين، وترجمته في تذكرة الحفاظ (ج 2 ص 250) ولسان الميزان (ج 2 ص 288) (3) في اليمنية (ثلاثا) وبحذف (مرات)

[ 210 ]

فقال هو: لا أفعل (1) إلا أن أشاء، ودعوى الاجماع بغير يقين كذب على الامة كلها. نعوذ بالله من ذلك * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أحق علي أن أستنشق؟ قال: نعم، قلت: كم؟ قال: ثلاثا، قلت: عمن؟ قال: عن عثمان: قال عبد الرزاق: ثنا معمر عن قتادة عن معبد الجهني قال - في المضمضة والاستنشاق -: ان كان جنبا فثلاثا، وان كان جاء من الغائط فاثنتين، وان كانت جاء من البول فواحدة. وروى عن الحسن اعادة الوضوء والصلاة على من لم يغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في الوضوء، وبه يقول داود وأصحابنا * 150 - مسألة - ولا يجزئ غسل الجنابة في ماء راكد، فان اغتسل فيه فلم يغتسل، والماء طاهر بحسبه، وله أن يعيد الغسل منه، وكذلك لا يجزئ الجنب أن يغتسل لفرض غير الجنابة في ماء راكد، فان كان غير جنب أجزأه الاغتسال في الماء الراكد، والوضوء جائز في الماء الراكد، فمن اغتسل وهو جنب في جون من أجوان النهر والنهر راكد لم يجزه، وأما البحر فهو جار أبدا مضطرب متحرك غير راكد، هذا أمر مشاهد عيانا، وكذلك من بال في ماء راكد ثم سرح لذلك الماء فجرى فلا يحل له الوضوء منه ولا الاغتسال، لانه قد حرم عليه الاغتسال والوضوء من عين ذلك الماء بالنص، ولو بال في ماء جار ثم أغلق صببه (2) فركد جاز له الوضوء منه والاغتسال منه، لانه لم يبل في ماء راكد. والاغتسال للجنابة وغيرها في الماء الجاري مباح، وان بال فيه لم يحرم عليه بذلك الوضوء منه وفيه والغسل منه وفيه * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد


(1) في المصرية (فقال هؤلاء أفعل) وفي اليمنية (فقاله لا أفعل لا إن أشاء) وكلاهما خطأ ظاهر. (2) الصبب بالصاد المهملة والباء المفتوحتين - من الصب - تصوب نهر أو طريق يكون في حدور، والمراد هنا المكان الذي ينصب منه الماء فيجرى.

[ 211 ]

ابن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد الايلى عن ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا) (1) فهذا أبو هريرة لا يرى أن يغتسل الجنب في الماء الدائم وهو قول أبى حنيفة والشافعي، إلا أن أبا حنيفة قال: ان فعل تنجس الماء، وقد بينا فساد هذا القول قبل. وكرهه مالك، وأجاز غسله ان اغتسل كذلك. وهذا خطأ، لخلافه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسواء كان الماء الراكد قليلا أو كثيرا، ولو أنه فراسخ في فراسخ، لا يجزئ الجنب أن يغتسل فيه، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص ماء من ماء، ولم ينه عن الوضوء فيه ولا عن الغسل لغير الجنب فيه، فهو مباح (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه). 151 - مسألة - وكل ماء توضأت منه امرأة - حائض أو غير حائض - أو اغتسلت منه فأفضلت منه فضلا، لم يحل لرجل الوضوء من ذلك الفضل ولا الغسل منه، سواء وجدوا ماء آخر أو لم يجدوا غيره، وفرضهم التيمم حينئذ، وحلال شربه للرجال والنساء، وجائز الوضوء به والغسل للنساء على كل حال. ولا يكون فضلا إلا أن يكون أقل مما استعملته منه، فان كان مثله أو أكثر فليس فضلا، والوضوء والغسل به جائز للرجال والنساء * وأما فضل الرجال فالوضوء به والغسل جائز للرجل والمرأة، الا أن يصح خبر في نهى المرأة عنه فنقف عنده، ولم نجده صحيحا (2) فان توضأ الرجل والمرأة من إناء واحد أو اغتسلا من إناء واحد يغترفان معا فذلك جائز، ولا نبالي أيهما بدأ قبل، أو أيهما أتم قبل *


(1) مسلم (ج 1 ص 93) (2) بل وجد صحيحا بأصح من الاسناد الذى احتج به المؤلف، وفي نفس الحديث الذى استند إليه، كما سيأتي في الكلام على حديث عبد الله بن سرجس.

[ 212 ]

برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع قال ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود هو - السجستاني - ثنا محمد بن بشار ثنا أبو داود - هو الطيالسي - ثنا شعبة عن عاصم بن سليمان الاحول عن أبي حاجب - هو سوادة بن عاصم - عن الحكم بن عمرو الغفاوى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة (1)) أخبرني أصبغ قال ثنا اسحاق بن احمد ثنا محمد بن عمر العقيلى (2) ثنا على ابن عبد العزيز ثنا معلى بن أسد ثنا عبد العزيز بن المختار عن عاصم الاحول عن عبد الله بن سرجس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغسل الرجل بفضل وضوء المرأة (3))


(1) الحديث صححه ابن حبان وحصنه الترمذي. وانظر تفصيل الكلام عليه قي نيل الاوطار (ج 1 ص 31 - 32) الطبعة المنيرية وشرح أبي داود (ج 1 ص 30 - 31) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 1 ص 190 - 193) (2) في المصرية (محمد بن عمرو العقيلى) ورححنا ماهنا - اتباعا لليمنية - لانا وجدنا في لسان الميزان (5: 321) ترجمة (محمد بن عمر أبو بكر العقيلى، عن هلال بن العلاء الرقى وجماعة، وعنه أبو الفتح الازدي وابن شاهين وعدة، قال الدارقطني: ضعيف جدا) وهذا من طبقة الذى هنا، فان على بن عبد العزيز البغوي الحافظ شيخ العقيلى في هذا الاسناد توفى سنة 286، وهلال بن العلاء الرقي مات سنة 280. (3) في المصرية (بفضل المرأة) وسرجس بفتح السين المهملة واسكان الراء وكسر الجيم. والحديث رواه أيضا الدارقطني (ص 43) من طريق أبي حاتم الرازي عن معلى بن أسد بهذا الاسناد ولفظه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا) وهذا الاسناد أصح من الذى رواه به المؤلف. ورواه البيهقى (1: 192) مختصرا. ثم روى الدارقطني وتبعه البيهقى عقبه أثرا موقوفا على عبد الله بن سرجس بهذا المعنى، وقال الدارقطني: (هذا موقوف صحيح وهو

[ 213 ]

ولم يخبر عليه السلام بنجاسة الماء، ولا أمر غير الرجال باجتنابه، وبهذا يقول عبد الله بن سرجس والحكم بن عمرو، وهما صاحبان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تقول جويرية أم المؤمنين وأم سلمة أم المؤمنين وعمر بن الخطاب، وقد روى عن عمر أنه ضرب بالدرة من خالف هذا القول. وقال قتادة: سألت سعيد بن المسيب والحسن البصري عن الوضوء بفضل المرأة، فكلاهما نهانى عنه * وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه لا بأس بفضل المرأة ما لم تكن حائضا أو جنبا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل مع عائشة رضي الله عنها من اناء واحد معا حتى يقول: (ابقي لى) وتقول له: (ابق لى) وهذا حق وليس شئ من ذلك فضلا حتى يتركه. هذا حكم اللغة بلا خلاف *


أولى بالصواب) يريد بذلك أن رفعه خطأ، ولكن الحق أن الرفع زيادة تقبل من الثقة، وأن الموقوف فتوى من الصحابي تؤيد روايته المرفوعة ولا تعارضها، قال ابن التركماني في الرد على البيهقى: (وعبد العزيز بن المختار أخرج له الشيخان وغيرهما ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة فلا يضره وقف من وقفه). وله أيضا شاهد صحيح رواه أحمد وأبو داوود والنسائي والبيهقي عن حميد بن عبد الرحمن الحميرى قال: (لقيت رجلا صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسلة أو تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغرفا جميعا) هذا لفظ البيهقى. قال ابن حجر في الفتح (ج 1 ص 260): (رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقى انه في معنى المرسل مردودة، لان ابهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الاودي وهو ضعيف مردودة، فانه ابن عبد الله الاودى وهو ثقة وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره) وصرح في بلوغ المرام بأن اسناده صحيح، وما نقله عن ابن حزم لم نجده في المحلى، ولعله في كتاب آخر له أو في موضع آخر.

[ 214 ]

واحتج من خالف هذا بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن الثوري عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس: (ان امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم استحمت من جنابة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ من فضلها (1) فقالت له: انى اغتسلت (2) فقال: ان الماء لا ينجسه شئ (3)) وبحديث آخر رويناه من طريق الطهراني عن عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن ابى الشعثاء عن ابن عباس: (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة، مختصر) قال ابو محمد: هكذا في نفسه الحديث مختصر * قال أبو محمد: وهذان حديثان لا يصحان، فأما الحديث الاول فرواية سماك ابن حرب، وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، وهذه جرحة ظاهرة (4) والثانى أخطأ فيه الطهراني (5) بيقين، لان هذا أخبرناه عبد الله بن يوسف


(1) في اليمنية (بفضلها) (2) في المصرية (فقالت له انك اغتسلت بفضلها) وهو خطأ (3) رواية الثوري رواها الدارمي (ص 71) ولم يذكر لفظها ورواه أيضا عن يزيد بن عطاء، ورواه أبو داود (1: 26) والترمذي (1: 15) عن أبي الاحوص والدار قطني (ص 19) عن شريك والحاكم (1: 159) عن سفيان وشعبة، كلهم عن سماك بن حرب عن عكرمة، وفي لفظ أبي داود والترمذي (ان الماء لا يجنب) وأما اللفظ الذي هنا فهو في رواية الحاكم عن سفيان. ورواه أيضا البيهقى (1: 188) من طريق سفيان عن سماك ولفظه: (انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه وقد فضل من غسلها فأراد أن يتوضأ به، فقالت: يا رسول الله اني آغتسلت منه من جنابة، فقال ان الماء لا ينجس) (4) قال ابن حجر في الفتح (1: 260) (وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لانه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه الا صحيح حديثهم). (5) الطهراني - بكسر الطاء المهملة واسكان الراء - نسبة إلى طهران الرى وضبطه في الخلاصة (بكسر الظاء المعجمة) وهو خطأ، والطهراني هو الحافظ الثقة أبو عبد الله محمد بن حماد الرازي نزيل عسقلان، وثقه ابن أبي حاتم وابن خراش والدار قطني وغيرهم، ومات

[ 215 ]

ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - ومحمد بن حاتم قال اسحاق اخبرنا محمد بن بكر وقال ابن حاتم حدثنا محمد بن بكر وهو البرسانى ثنا ابن جريج ثنا عمرو بن دينار قال: أكبر علمي والذى يخطر على بالى أن أبا الشعثاء أخبرني عن ابن عباس أنه أخبره (1): (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة) قال أبو محمد: فصح أن عمرو بن دينار شك فيه ولم يقطع باسناده، وهؤلاء أوثق من الطهراني وأحفظ بلا شك * ثم لو صح هذان الخبران ولم يكن فيهما مغمز لما كانت فيهما حجة، لان حكمهما هو الذي كان قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يتوضأ الرجل أو أن يغتسل (2) بفضل طهور المرأة، بلا شك في هذا، فنحن على يقين من أن حكم هذين الخبرين منسوخ قطعا، حين نطق عليه السلام بالنهي عما فيهما، لامرية في هذا، فإذ ذلك كذلك فلا يحل الاخذ بالمنسوخ وترك الناسخ، ومن ادعى ان المنسوخ قد عاد حكمه، والناسخ قد بطل رسمه، فقد ابطل وادعى غير الحق، ومن المحال الممتنع أن يكون ذلك ولا يبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المفترض عليه البيان. وبالله تعالى التوفيق * على أن أبا حنيفة والشافعي المحتجين بهذين الخبرين مخالفان لما في أحدهما من قوله عليه السلام: (الماء لا ينجس) ومن القبيح احتجاج قوم بما يقرون انه حجة ثم يخالفونه وينكرون خلافه على من لا يراه حجة. وبالله تعالى التوفيق * وروينا إباحة وضوء الرجل من فضل المرأة عن عائشة وعلى، إلا انه لا يصح (3)،


سنة 271. ورد الذهبي على ابن حزم قوله هذا فقال كما نقل عنه ابن حجر في التهذيب (ما أخطأ إلا أنه اختصر صورة التحمل). وانظر ترجمته في التهذيب 9: 124 - 126) وأنساب السمعاني (374) ومعجم البلدان (6: 74) وتذكرة الحفاظ (2: 168). (1) الذى في مسلم (1: 101) (أن ابن عباس أخبره) (2) في اليمنية (ويغتسل) (3) في المصرية (والصحيح أنه لا يصح).

[ 216 ]

فأما الطريق عن عائشة ففيها العرزمى (1) وهو ضعيف، عن أم كلثوم وهى مجهولة لا يدري من هي. وأما الطريق عن على فمن طريق ابن ضميرة (2) عن أبيه عن جده، وهي صحيفة موضوعة مكذوبة، لا يحتج بها إلا جاهل. فبقى ما روى في ذلك عن ابن سرجس وغيره من الصحابة رضى الله عنهم، لا مخالف له منهم يصح ذلك عنه أصلا. وبالله تعالى التوفيق * 152 - مسألة - ولا يحل الوضوء بماء أخذ بغير حق، ولا من إناء مغصوب أو مأخوذ بغير حق، ولا الغسل: إلا لصاحبة أو باذن صاحبه، فمن فعل ذلك فلا صلاة له، وعليه إعادة الوضوء والغسل (3) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا بشر هو ابن عمر ثنا عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين


(1) بفتح العين والزاى بينهما راء ساكنة نسبة إلى جبانة عرزم بالكوفة، وهو محمد بن عبد الله بن أبى سليمان. (2) بضم الضاد مصغر، وفى المصرية (ابن عميرة) وهو خطأ، وابن ضميرة هذا هو الحسين بن عبد الله بن ضميرة ابن أبى ضميرة الحميري المدنى، كذبه مالك وأبو حاتم وابن الجارود، أنظر لسان الميزان (ج 2 ص 289) (3) ما ذهب إليه المؤلف من بطلان الوضوء بالماء المغصوب داخل تحت المسألة الخلافية المشهورة في الصلاة في الدار المغصوبة، والكلام عليها معروف في كثير من كتب الاصول والفقه، والذي نراه حقا أن اثم الغاصب بغصبه لا أثر له في صحة وضوئه أو صلاته، لان الغصب فعل خاص، له آثار: منها وجوب رد المغصوب أو قيمته وعقاب فاعله، والوضوء أو الصلاة فعل آخر له آثار أخرى، واتصال الفعلين أو تجاورهما لا يجعل لاحدهما أثرا في الآخر، وقد يصلى المرء وهو يضمر في نفسه قتل آخر ويعزم عليه ويصر، فهل يؤثر هذا في صلاته فيجعلها باطلة؟ نعم ان ملابسة الماء للوضوء واتصال المكان بالصلاة اكثر دخولا في فعل الوضوء والصلاة من العزم الذى في القلب، ولكن المثال ما يزال صحيحا، لان كل فعل من هذه الافعال له مقومات خاصة تجعله ماهية وحدها، تترتب عليها آثارها، ولا تتعدى لفعل آخر معها، مهما اشتدت الرابطة بينهما، الا بنص صريح من الشارع *

[ 217 ]

عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه: (قعد النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره (1) فقال - وذكر الحديث وفيه - إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فان الشاهد عسى أن (2) يبلغ من هو أوعى له منه). ورويناه أيضا من طريق جابر بن عبد الله وابن عمر مسندا صحيحا ومن طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله (3)) * فكان من توضأ بماء مغصوب أو أخذ بغير حق أو أغتسل به أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الاسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الاناء في غسله ووضوئه حرام (4) وبضرورة يدري كل ذي حس سليم (5) أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذى لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمره الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه * ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره: أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا، فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره باقراركم سواء سواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه. وليس هذا قياسا بل هو


(1) في البخاري (ج 1 ص 15) (ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره). (2) في المصرية بحذف (أن) وزدناها من اليمنية والبخاري. (3) في اليمنية (دمه وماله وعرضه) وللحديث روايات كثيرة (4) هذا نص اليمنية وهو أحسن، وفي المصرية (ان استعماله ذلك الماء في وضوئه وذلك الاناء في غسله حرام). (5) في المصرية (يدرى من كل ذي حس سليم) وهو خطأ.

[ 218 ]

حكم واحد داخل (1) تحت تحريم الاموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وكل هؤلاء عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مردود بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم في هذا ومن قال إنما يحرم من الاموال البر والتمر وأما الشعير والزبيب فلا، وهذا تحكم فاسد (2) * والعجب أن الحنفيين يبطلون طهارة من تطهر بماء مستعمل، وكذلك الشافعيون، وأن المالكيين يبطلون طهارة من تطهر بماء بل فيه خبز، دون نص في تحريم ذلك، ولا حجة بأيديهم إلا تشغيب يدعون أنه نهى عن هذين الماءين، ثم يجيزون الطهارة بماء وإناء يقرون كلهم بأنه قد صح النهي عنه، وثبت تحريمه وتحريم استعماله في الوضوء والغسل عليه، وهذا عجب لا يكاد يوجد مثله! وهذا مما خالفوا فيه النص والاجماع المتيقن الذين هم من جملة المانعين منه في الاصل، وخالفوا أيضا القياس، وما تعلقوا في جوازه بشئ أصلا. وبالله تعالى التوفيق * 153 - مسألة - ولا يجوز الوضوء ولا الغسل من إناء ذهب ولامن إناء فضة لا لرجل ولا لامرأة حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع ثنا شعبة عن الحكم بن عتيبة (3) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حذيفة قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والديباج وآنية الذهب والفضة، وقال: هو لهم في الدنيا وهو لكم (4) في الآخرة) وقد روينا أيضا عن البراء بن عازب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن آنية الفضة (5)


(1) في اليمنية (واقع) (2) كذا في المصرية، وفي اليمنية (وهم يوافقون في هذا ومن قال أنه يحرم من الاحوال البر والتمر وأما الشعير والزبيب فلا وهذا حكم فاسد) والعبارتان مضطربتان، ولعل المراد أنهم يوافقون في هذا ويخالفون من قال الخ والله أعلم. (3) بضم العين وفتح التاء المثناة من فوق والباء الموحدة بينهما ياء ساكنة، وفى الاصلين (عيينة) بياءين ونون وهو خطأ (4) في المصرية (لنا) وما هنا هو الذي في اليمنية والموافق لما في البخاري (ج 3 ص 83) ومسلم (ج 2 ص 150) (5) حديث البراء رواه مسلم (ج 2 ص 149)

[ 219 ]

فان قيل: إنما نهى عن الاكل فيها والشرب. قلنا: هذان الخبران نهى عام عنهما جملة، فهما زائدان حكما وشرعا على الاخبار التى فيها النهي عن الشرب فقط أو الاكل والشرب فقط والزيادة في الحكم لا يحل خلافها * فان قيل: فقد جاء أن الذهب والحرير (حرام على ذكور أمتى حل لاناثها). قلنا: نعم، وحديث النهي عن آنية الذهب والفضة مستثنى من إباحة الذهب للنساء، لانه أقل منه، ولا بد من استعمال جميع الاخبار، ولا يوصل إلى استعمالها الا هكذا، وهم قد فعلوا هذا في الشرب في إناء الذهب والفضة، فانهم منعوا النساء من ذلك، واستثنوه من اباحة الذهب لهن * فان قيل: فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرم شيئا (1))، قلنا: نعم، هذا حق وبه نقول، والماء الذى في إناء الذهب والفضة شربه حلال، والتطهر به حلال، وانما حرم استعمال الاناء، فلما لم يكن بد في الشرب (2) منه وفى التطهر منه من معصية الله تعالى - التى هي استعمال الاناء المحرم - صار فاعل ذلك مجرجرا في بطنه نار جهنم بالنص، وكان في حال وضوئه وغسله عاصيا لله تعالى بذلك التطهر نفسه، ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة، وأن يجزئ تطهير محرم عن تطهير مفترض * ثم نقول لهم: ان من العجب احتجاجكم بهذا الخبر علينا، ونحن نقول به وأنتم تخالفونه، فأبو حنيفة والشافعي يحرمون الوضوء والغسل بماء في إناء كان فيه خمر لم يظهر منها في الماء أثر، فقد جعلوا هذا الاناء يحرم هذا الماء، خلافا للخبر الثابت، وأما مالك فانه يحرم النبيذ الذى في الدباء والمزفت، وهو الذى أبطل هذا الخبر وفيه ورد، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها إباحة الحلى للنساء وتحريم الاناء من الفضة أو الاناء المفضض عليهن. وهو قولنا وبالله تعالى التوفيق. 154 - مسألة - ولا يحل الوضوء من ماء بئار الحجر - وهى أرض ثمود -


(1) رواه الجماعة الا البخاري وأبا داود كما قال ابن تيمية في المنتقى. وانظر نيل الاوطار (ج 9 ص 69) الطبعة المنيرية (2) في اليمنية (من الشرب) وهو خطأ

[ 220 ]

ولا الشرب، حاشى بثر الناقة فكل ذلك جائز منها * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربرى ثنا البخاري ثنا محمد بن مسكين ثنا يحيى بن حسان بن حيان ثنا سليمان عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر قال: (لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، قالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا (1) ذلك الماء) * وبه إلى البخاري: حدثنا ابراهيم بن المنذر الحزامى ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه أخبره: (أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر واستقوا من بئارها (2)، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا (3) ما استقوا من بئارها (4)، وأن يعلفوا الابل العجين، وأمرهم أن يستقوا من بئر الناقة التى كان تردها الناقة (5)) قال أبو محمد: هي معروفة بتبوك * 155 - مسألة - وكل ماء اعتصر من شجر كماء الورد وغيره فلا يحل الوضوء به للصلاة، ولا الغسل به لشئ من الفرائض (6) لانه ليس ماء، ولا طهارة الا بالماء والتراب أو الصعيد عند عدمه * 156 - مسألة - مسألة والوضوء للصلاة والغسل للفروض جائز بماء البحر وبالماء المسخن والمشمس وبماء أذيب من الثلج أو البرد أو الجليد أو من الملح الذي كان أصله ماء ولم يكن أصله معدنا * برهان ذلك أن كل ما ذكرنا يقع عليه اسم ماء، وقال تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) والملح كا ماء ثم جمد كما يجمد الثلج، فسقط عن كل ذلك


(1) ما هنا هو الذى في اليمنية والبخاري (ج 2 ص 112) وفى المصرية (ويهرقوا) (2) في البخاري (ج 2 ص 113) (فاستقوا من بئرها واعتجنوا) (3) في المصرية (يهرقوا) (4) في البخاري (بئرها) (5) في البخاري (وأمرهم أن يستقوا من البئر التى كان تردها الناقة) (6) في اليمنية (الفروض)

[ 221 ]

اسم الماء، فحرم الوضوء للصلاة به والغسل للفروض، فإذا صار ماء عاد عليه اسم الماء، فعاد حكم الوضوء والغسل به كما كان، وليس كذلك الملح المعدني، لانه لم يكن قط ماء. وبالله تعالى التوفيق * وفى بعض هذا خلاف قديم: روينا عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبى هريرة ان الوضوء للصلاة والغسل من ماء البحر لا يجوز ولا يجزئ، ولقد كان يلزم من يقول بتقليد الصاحب ويقول إذا وافقه قوله: مثل هذا لا يقال بالرأى -: أن يقول بقولهم ههنا، وكذلك من لم يقل بالعموم، لان الخبر: (هو الطهور ماؤه الحل (1) ميته) لا يصح (2)، ولذلك لم نحتج به، وروي عن مجاهد الكراهة للماء المسخن، وعن الشافعي الكراهة للماء المشمس (3)، وكل هذا لا معنى له، ولا حجة إلا في قرآن أو سنة ثابتة أو اجماع متيقن. وبالله تعالى التوفيق * 157 - مسألة - الاشياء الموجبة للوضوء ولا يوجب الوضوء غيرها، قال قوم: ذهاب العقل بأى شئ ذهب من جنون أو اغماء أو سكر من أي شئ سكر، وقالوا: هذا اجماع متيقن * وبرهان ذلك أن من ذهب عقله سقط عنه الخطاب، وإذا كان كذلك فقد بطلت


(1) في اليمنية (والحل) وهى رواية في الحديث (2) كلا بل هو حديث صحيح رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن؟؟ والحاكم في المسترك وغيرهم، وصححه الترمذي وحكى عن البخاري تصحيحه وصححه أيضا كثير من العلماء الحفاظ، واطال ابن حجر في التلخيص (ص 2 - 3) وتبعه الشوكاتى (ج 1 ص 17 - 19) الكلام على أسانيده وليس لمن ضعفه حجة. (3) ليس في الماء المشمس خبر صحيح ولا ضعيف، انظر البهيقى (ج 1 ص 6 - 7) وورد أثر عن عمر باسناد لا بأس به، والشافعي انما كرهه من جهة الطب - وقد كان عالما به - فقد قال في الام (ج 1 ص 3): ولا أكره الماء المشمس الا من جهة الطب) فالعجب من الشافعية إذ أخذوا قوله هذا حكما وجعلوه مكروها شرعا، ولا حجة لهم وقد يخطئ الطبيب. وقد نص الشافعي في الام على انه انما كرهه من جهة الطب، ولم يدع انه اعتمد فيه على حديث.

[ 222 ]

حال طهارته التى كان فيها، ولو لاصحة الاجماع أن حكم جنابته لا يرجع عليه لوجب أن يرجع عليه (1). وبالله تعالى التوفيق * قال ابو محمد: وليس كما قالوا، أما دعوى الاجماع فباطل، وما وجدنا في هذا عن أحد من الصحابة كلمة، ولاعن أحد التابعين إلا عن ثلاثة نفر: ابراهيم النخعي - على أن الطريق إليه واهية - وحماد والحسن فقط، عن اثنين منهم الوضوء، وعن الثالث ايجاب الغسل، روينا عن سعيد بن منصور عن سويد بن سعيد الحدثانى (2) وهشيم قال سويد أخبرنا مغيرة عن ابراهيم في المجنون إذا أفاق: يتوضأ، وقال هشيم عن بعض أصحابه عن ابراهيم مثله، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن حماد بن أبى سليمان قال: إذا أفاق المجنون توضأ وضوء للصلاة، ومن طريق عبد الرزق عن هشام بن حسان عن الحسن البصري قال: إذا أفاق المجنون اغتسل. فاين الاجماع ليت شعرى؟! فان قالوا: قسناه على النوم، قلنا: القياس باطل، لكن قد وافقتمونا على أنه لا يوجب إحدى الطهارتين وهي الغسل، فقيسوا على سقوطها سقوط الاخرى وهي الوضوء، فهذا قياس يعارض قياسكم، والنوم لا يشبه الاغماء ولا الجنون ولا السكر فيقاس عليه، وقد اتفقوا على أنه لا يبطل احرامه ولا صيامه ولا شئ من عقوده، فمن أين لهم ابطال وضوئه بغير نص في ذلك؟ وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر المشهور الثابت من طريق عائشة أم المؤمنين: أنه عليه السلام في علته التى مات فيها أراد الخروج للصلاة فاغمى عليه، فلما أفاق اغتسل. ولم تذكر وضوءا وانما كان غسله ليقوى على الخروج فقط * 158 - مسألة - والنوم في ذاته حدث ينقض الوضوء سواء قل أو كثر، قاعدا أو قائما، في صلاة أو غيرها، أو راكعا كذلك أو ساجدا كذلك أو متكئا أو مضجعا، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا *


(1) في اليمنية (لا يرجع) وهو خطأ (2) بفتح الحاء والدال المهملتين نسبة إلى الحديثة بلد على الفرات

[ 223 ]

برهان ذلك ما حدثناه يونس بن عبد الله وعبد الله بن ربيع قالا ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا محمد بن عبد الاعلى ويحيى بن آدم وقتيبة بن سعيد قال محمد ثنا شعبة وقال قتيبة ثنا سفيان بن عيينه وقال يحيى ثنا سفيان الثوري وزهير - هو ابن معاوية - ومالك بن مغول وسفيان بن عيينة واللفظ ليحى، ثم اتفق شعبة وسفيان وسفيان (1) وزهير وابن مغول عن عاصم ابن أبى النجود عن زر بن حبيش قال: سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا (2) ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة) ولفظ شعبة في روايته: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا (إذا كنا مسافرين) (3) ألا ننزعه ثلاثا إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم) (4) فعم عليه السلام كل نوم، ولم يخص قليله من كثيره، ولا حالا من حال، وسوى بينه وبين الغائط والبول. وهذا قول أبى هريرة وأبي رافع وعروة بن الزبير وعطاء والحسن البصري وسعيد بن المسيب وعكرمة والزهري والمزنى وغيرهم كثير *


(1) في اليمنية لم يذكر سفيان إلا مرة واحدة، وما هنا هو الصواب لان المراد الثوري وابن عيينة. (2) في اليمنية (أخفافنا) وخف يجمع على (خفاف) و (أخفاف). (3) زيادة من اليمنية. (4) لا أدرى أين هذه الاسانيد في سنن النسائي؟ والذى فيهما هو: (أخبرنا احمد بن سليمان الرهاوى قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا سفيان الثوري ومالك ابن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة عن عاصم عن زر قال: سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة) (ج 1 ص 32) وفي الاسناد الذى جاء به المؤلف خطأ واضح لا شك فيه، فقد جعل النسائي يروي عن يحيى بن آدم بغير واسطة، وهذا غير صحيح، فان يحيى مات سنة 203 والنسائي ولد سنة 214 أو 215 أي بعد وفاة يحيى بأكثر من عشر سنين.

[ 224 ]

وذهب الاوزاعي إلى أن النوم لا ينقض الوضوء كيف كان. وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم وعن ابن عمر وعن مكحول وعبيدة السلمانى نذكر بعض ذلك باسناده لان الحاضرين من خصومنا لا يعرفونه ولقد ادعى بعضهم الاجماع على خلافه جهلا وجرأة * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا احمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن السلام الخشنى ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون (1) الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقومون إلى الصلاة) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن حبيب الحارثى ثنا خالد - هو ابن الحارث - ثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أنسا يقول: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤن) فقلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال إى والله (2) * قال أبو محمد: لو جاز القطع بالاجماع فيما لا يتيقن أنه لم يشذ عنه أحد لكان هذا يجب أن يقطع فيه بأنه إجماع لا لتلك الاكاذيب التى لا يبالى من لا دين له باطلاق دعوى الاجماع فيها * وذهب داود بن على إلى أن النوم لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع فقط وهو قول روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعن ابن عباس، ولم يصح عنهما، وعن ابن عمر، صح عنه وصح عن ابراهيم النخعي وعن عطاء والليث وسفيان الثوري والحسن بن حى * وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينقض النوم الوضوء إلا أن يصطجع أو يتكئ أو


(1) في المصرية (ينظرون) وهو خطأ. (2) صحيح مسلم (ج 1 ص 112).

[ 225 ]

متوكأ على إحدى إليتيه أو إحدى وركيه (1) فقط ولا ينقضه ساجدا أو قائما أو قاعدا أو راكعا طال ذلك أو قصر، وقال أبو يوسف: إن نام ساجدا غير متعمد فوصوؤه باق، وان تعمد ذلك بطل وضوؤه، ومولا يفرق بين العمد والغلبة فيما ينقض الوضوء والصلاة من غير هذا، وهو قول لا يعلم (2) عن أحد من المتقدمين الا أن بعضهم ذكر ذلك عن حماد بن أبى سليمان والحكم ولا نعلم كيف قالا * وقال مالك واحمد بن حنبل: من نام نوما يسيرا وهو قاعد لم ينتقض وضوؤه، وكذلك النوم القليل للراكب، وقد روى عنه نحو ذلك في السجود أيضا، ورأى أيضا فيما عدا هذه الاحوال أن قليل النوم وكثيره ينقض الوضوء، وهو قول الزهري وربيعة، وذكر عن ابن عباس ولم يصح * وقال الشافعي: جميع النوم ينقض الوضوء قليله وكثيره الا من نام جالسا غير زائل عن مستوى الجلوس، فهذا لا ينتقض وضوؤه، طال نومه أو قصر، وما نعلم هذا التقسيم يصح عن أحد من المتقدمين، الا أن بعض الناس ذكر ذلك عن طاوس وابن سيرين ولا نحققه * قال أبو محمد: احتج من لم ير النوم حدثا بالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه كان ينام ولا يعيد وضوءا يصلى * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم لان عائشة رضى الله عنهما ذكرت أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتنام قبل أن توتر؟ قال: ان عيني تنامان ولا ينام قلبى (3)) فصح أنه عليه السلام بخلاف الناس في ذلك، وصح أن نوم القلب الموجود من كل من دونه هو النوم الموجب للوضوء فسقط هذا القول. ولله الحمد * ووجدنا من حجة من لا يرى الوضوء من النوم إلا من الاضطجاع حديثا روى فيه: (انما الوضوء على من نام مضطجعا فانه إذا اضطجع استرخت مفاصله) وحديثا


(1) في اليمنية (أحد اليتيه أو أحد وركيه) وهو خطأ لان الالية والورك مؤنثتان (2) في اليمنية (لا نعلمه) (3) رواه البخاري (ج 1 ص 160) ومسلم (ج 1 ص 204 - 205) وغيرهما

[ 226 ]

آخر فيه: (أعلي في هذا وضوء يا رسول الله؟ قال: لا إلا أن تضع جنبك) وحديثا آخر فيه: (من وضع جنبه فليتوضأ) * قال أبو محمد: وهذا كله لا حجة فيه أما الحديث الاول فانه من رواية عبد السلام بن حرب عن ابى خالد الدالانى عن قنادة عن أبى العالية عن ابن عباس وعبد السلام ضعيف لا يحتج به ضعفه ابن المبارك وغيره، والدالانى ليس بالقوى، روينا عن شعبة أنه قال: لم يسمع قتادة من أبى العالية الا أربعة أحاديث، ليس هذا منها، فسقط جملة ولله الحمد (1) *


(1) الحديث رواه احمد وأبو داود (ج 1 ص 80 - 81) والترمذي (ج 1 ص 16 - 17) والدار قطني (ص 58) والبيهقي (ج 1 ص 121 - 122) كلهم من طريق عبد السلام بن حرب عن أبي خالد، قال البيهقى (تفرد بهذا الحديث على هذا الوجه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني) وقال الدارقطني (تفرد به أبو خالد عن قتادة ولا يصح) وقال أبو داود (قوله الوضوء على من نام مضطجعا) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس لم يذكروا شيئا من هذا، وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم محفوظا، وقالت عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناى ولا ينام قلبى، وقال شعبة: انما سمع قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس حدثني رجال مرضيون منهم عمر وأرضاهم عندي عمر. قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لاحمد بن حنبل فانتهرني استعظاما له فقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة! ولم يعبأ بالحديث) وقال الترمذي: (وقد روي الحديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله: ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه). والحديث في رأينا حسن الاسناد، لان عبد السلام بن حرب ثقة روى له مسلم، ويزيد ليس ضعيفا ضعفا تطرح معه رواياته، قال ابن معين والنسائي وأحمد بن حنبل (ليس به بأس) وقال أبو حاتم (صدوق ثقة) وقال الحاكم (ان الائمة المتقدمين شهدوا له بالصدق والاتقان) وضعفه ابن سعد وابن حبان وابن عبد البر، كما في التهذيب

[ 227 ]

والثا. لا تحل روايته الا على بيان سقوطه لان رواية بحر بن كنيز السقاء (1) وهو لا خير فيه متفق على اطراحه فسقط جملة * والثالث رواه معاوية بن يحيى وهو ضعيف يحدث بالمناكير (2) فسقط هذا


ونقل الزيلعي في نصب الراية (ج 1 ص 25) عن الترمذي في العلل: (سألت محمد بن اسماعيل - يعنى البخاري - عن هذا الحديث فقال: لا شئ، رواه سعيد ابن ابى عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لابي خالد الدالاني سماعا من قتادة، وأبو خالد صدوق ولكنه يهم في الشئ) قال الزيلعى (وكان هذا على مذهبه في اشتراطه في الاتصال السماع ولو مرة) يعنى أن البخاري شرطه معروف وهو ثبوت سماع الراوى من شيخه، ولكنه خولف هي هذا الشرط والراجح عنر المحدثين الاكتفاء بالمعاصرة إذا كان الراوى ثقة، ومن عادة المتقدمين رحمهم الله الاحتياط الشديد فإذا رأوا راويا زاد عن غيره في الاسناد شيخا أو كلاما لم يروه غيره بادروا إلى اطراحه والانكار على راويه، وقد يجعلون هذا سببا للطعن في الراوي الثقة ولا مشعن فيه، ويظهر للناظر في الكلام علي هذا الحديث أنه سبب طعنهم علي أني خالد ورميهم له بالخطأ أو التدليس، والحق أن الثقة إذا زاد في الاسناد راويا أو في لفظ الحديث كلاما كان هذا أقوى دلالة على حفظه واتقانه، وانه علم ما لم يعلم الآخر أو حفظ ما نسيه. وانما ترد الزيادة التى رواها الثقة إذا كانت تخالف رواية من هو أوثق منه وأكثر مخالفة لا يمكن بها الجمع بين الروايتين، فاجعل هذه القاعدة على ذكر منك فقد تنفع كثيرا في الكلام على علل الاحاديث، وصنيع ابن حزم في كتبه يدل علي أنه يتخذها دستورا له، وقد خالفها هنا ولا نرى وجها لذلك. والعلم عند الله (1) في المصرية (يحيى بن كثير) وفى اليمنية (بحر بن كثير) وكلاهما خطأ وصوابه بحر بن كنيز وحديثه رواه البيهقى (ج 1 ص 120) من حديث حذيفة، وقال: (هذا الحديث ينفرد به بحر بن كنيز السقاء عن ميمون الخياط وهو ضعيف لا يحتج بروايته) (2) هذا الحديث الثالث لم أجده، ومعاوية بن يحيى ان كان أبا مطيع الاطرابلسى فليس ضعيفا بل هو صدوق لا بأس به، وان كان أبا روح الصدفي فهو ضعيف حفا.

[ 228 ]

الباب كله وبالله تعالى نتايد * وذكروا أيضا حديث فيه: (إذا نام العبد ساجدا باهى الله به الملائكة) وهذا لا شئ لانه مرسل لم يخبر الحسن ممن سمعه ثم لو صح لم يكن فيه اسقاط الوضوء عنه * وذكروا أيضا حديثين صحيحين أحدهما عن عطاء عن ابن عباس والآخر من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر فيهما (1): ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة حتى نام الناس ثم استيقظوا ثم ناموا، ثم استيقظوا، فجاء عمر فقال: الصلاة: يا رسول الله فصلوا ولم يذكر أنهم توضؤا (2) قال أبو محمد: والثانى من طريق شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: (أقيمت الصلاة والنبى صلى الله عليه وسلم يناجى رجلا فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم (3)) وحديثا ثابتا (4) من طريق عروة عن عائشة قالت: (أعتم (5) النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج عليه السلام (6)) * قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة فيه البتة لمن فرق بين أحوال النائم ولا بين أحوال النوم، لانها ليس في شئ منها ذكر حال من نام كيف نام، من جلوس أو اضطجاع أو اتكاء أو تورك أو استناد، وانما يمكن أن يحتج بها من لا يرى الوضوء من النوم أصلا، ومع ذلك فلا حجة لهم في شئ منه لانه ليس في شئ منها أن


(1) في المصرية (فيه) وهو خطأ (2) حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وأبو داود انظر شرح سنن ابى داود (ج 1 ص 79) (3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود، ورواه أيضا أبو داود من طريق ثابت البنانى عن أنس أنظر الشرح (ج 1 ص 79 - 80) و (ج 1 ص 214) (4) في المصرية (ثالثا) وكذلك في اليمنية ولكن صححه ناسخها بحاشية النسخة (ثابتا) (5) أعتم أي دخل في العتمة، يعنى أخر صلاة العشاء (6) رواه البخاري ومسلم والنسائي (أنظر نيل الاوطار (ج 1 ص 411 - 412) طبع ادارة الطباعة المنيرية

[ 229 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بنوم من نام ولم يأمره بالوضوء، ولا حجة لهم الا فيما علمه النبي صلى الله عليه وسلم فأقره، أو فيما أمر به، أو فيما فعله، فكيف وفى حديث ابن عمر وعائشة: (انه لم يكن اسلام يومئذ الا بالمدينة، فلو صح أنه عليه السلام علم ذلك منهم لكان حديث صفوان ناسخا له، لان اسلام صفوان متأخر (1) فسقط التعلق بهذه الا خبار جملة، وبالله تعالى التوفيق * وأما (2) قول أبى حنيفة والشافعي ومالك وأحمد فلا متعلق لمن ذهب إلى شئ منها لا بقرآن ولا بسنة صحيحة ولا سقيمة، ولا بعمل صحابة ولا بقول صح عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، ولا بقياس ولا باحتياط، وهى أقوال مختلقة كما ترى، ليس لاحد من مقلديهم أن يدعى عملا الا كان لخصومه أن يدعي لنفسه مثل ذلك، وقد لاح ان كل ما شغبوا به من أفعال الصحابة رضى الله عنهم فانما هو إيهام مفتضح، لانه ليس في شئ من الروايات انهم ناموا على الحال التى يسقطون الوضوء عمن نام كذلك، فسقطت الاقوال كلها من طريق السنن الا قولنا. والحمد لله رب العالمين * قال أبو محمد وأما من طريق النظر فانه لا يخلو النوم من أحد وجهين لا ثالث لهما: اما أن يكون النوم حدثا واما ان لا يكون حدثا، فان كان ليس حدثا فقليله وكثيره - كيف كان لا ينقض الوضوء، وهذا خلاف قولهم، وان كان حدثا فقليله وكثيره - كيف كان - ينقض الوضوء. وهذا قولنا فصح أن الحكم بالتقريق بين احوال النوم خطأ وتحكم بلا دليل، ودعوي لا برهان (3) عليها *


(1) لا أدرى من أين جاء ابن حزم بدعوى أن صفوان متأخر الاسلام؟ فليس في ترجمة شئ من هذا، ولكن روى أحمد في مسنده (ج 4 ص 239) عن عبد الصمد بن عبد الوارث وابن سعد في الطبقات (ج 6 ص 17) عن عمرو ابن عاصم الكلابي كلاهما عن همام عن عاصم عن زر بن حبيش قال: (لقيت صفوان بن عسال المرادى، فقلت له: هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم وغزوت معه ثنتى عشرة غزوة) وهذا اسناد صحيح جدا، وهو يدل على أنه قديم الاسلام (2) في اليمنية (فأما) (3) في اليمنية (بلا برهان)

[ 230 ]

فان قال قائل أن النوم ليس حدثا وانما يخاف أن يحدث فيه المرء. قلنا لهم: هذا لا متعلق لكم بشئ، منه لان الحدث ممكن كونه من المرء في أخف ما يكون من النوم، كما هو ممكن أن يكون منه في النوم الثقيل (1) وممكن أن يكون من الجالس كما هو ممكن أن يكون من المضجع، وقد يكون الحديث من اليقظان وليس الحدث عملا يطول بل هو كلمح البصر، وقد يمكن أن يكون النوم الكثير من المضحع لا حدث فيه، ويكون الحدث في أقل ما يكون من نوم الجالس، فهذا لا فائدة لهم فيه أصلا وأيضا فان خوف الحدث ليس حدثا ولا ينتقض به الوضوء وانما ينقض الوضوء يقين الحدث. وبالله تعالى التوفيق * واذ الامر كما ذكرنا فليس الا أحد أمرين: اما أن يكون خوف كون الحدث حدثا، فقليل النوم وكثيره يوجب نقض الوضوء، لان خوق الحدث جار فيه. وأما أن يكون خوف الحدث ليس حدثا فلنوم قليله وكثيره لا ينقض الوضوء وبطلت أقوال هؤلاء على كل بيقين لا شك فيه * وقد ذكر قوم أحاديث منها ما يصح ومنها مالا يصح يجب أن ننبه عليها بعون الله تعالى * منها حديث عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم، لان أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه) وفى بعض الفاظه (لعله يدعو على نفسه وهو لا يدرى) وحديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يدرى ما يقرأ) * قال أبو محمد: هذان صحيحان، وهما حجة لنا، لان فيهما أن الناعس لا يدرى ما يقرأ ولا ما يقول، والنهي عن الصلاة على تلك الحال جملة، فإذ الناعس لا يدرى ما يقول فهو في حال ذهاب العقل بلا شك، ولا يختلفون أن من ذهب


(1) في اليمنية (الطويل)

[ 231 ]

عقله بطلت طهارته، فيلزمهم أن يكون النوم كذلك والآخر من طريق معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم (العينان وكاء السه فإذا نامت العين استطلق الوكاء) والثاني من طريق على عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ) (1) قال على بن أحمد: لو صحا لكانا أعظم حجة لقولنا، لان فيهما إيجاب الوضوء من النوم جملة، دون تخصيص حال من حال، ولا كثير نوم من قليله، بل من كل نوم نصا، ولكنا لسنا ممن يحتج بما لا يحل الاحتجاج به نصرا لقوله ومعاذ الله من ذلك، وهذان أثران ساقطان لا يحل الاحتجاج بهما * أما حديث معاوية فمن طريق بقية وهو ضعيف، عن ابى بكر بن أبى مريم وهو مذكور بالكذب عن عطية بن قيس وهو مجهول (2) * وأما حديث على فراويه أيضا بقية عن الوضين بن عطاء وكلاهما ضعيف (3). وبالله تعالى التوفيق


(1) حديث معاوية رواه احمد والدار قطني والبيهقي. وحديث على رواه احمد وأبو داود وابن ماجه والدار قطني وأنظر نيل الاوطار (ج 1 ص 241 - 242) (2) أما بقية بن الوليد فليس ضعيفا، وانما أخطأ في بعض حديثه من حفظه وهو ثقة إذا صرح بالسماع. وأما أبو بكر بن أبي مريم فهو ابن عبد الله بن ابى مريم كان من العباد المجتهدين ومن خيار أهل الشام، وكان ردئ الحفظ كثير الوهم فترك حديثه، ولم أر أحدا رماه بالكذب وأما عطية بن قيس فانه ليس مجهولا ولعل ابن حزم جهله ولم يعرفه، وما هذا بمطعن فيه، قال ابن سعد: (كان معروفا وله أحاديث) وقال أبو حاتم (صالح الحديث) وذكره ابن حبان في الثقات وروى له مسلم في صحيحه. ومات سنة 121 وله 104 سنة (3) الوضين بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة. وثقه احمد وابن معين ودحيم وقال أبو داود (صالح الحديث) ومن ضعفه فانما تكلم فيه لانه كان يري القدر، وليس هذا كافيا في الحكم بضعف الراوي، وقال الساجى (عنده حديث واحد منكر

[ 232 ]

159 - مسألة - والمذى والبول والغائط من أي موضع خرجا من الدبر والاحليل أو من جرح في المثانة أو البطن أو غير ذلك من الجسد (1) أو من الفم * فاما المذي فقد ذكرنا في باب تطهير المذى من كتابنا هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن وجده: (وليتوضأ (2) وضؤه للصلاة) وأما البول والغائط فاجماع متيقن، وأما قولنا من أي موضع خرج فلعموم امره عليه السلام بالوضوء منهما، ولم يخص خروجهما من المخرجين دون غيرهما، وهذان الا سمان واقعان عليهما في اللغة التى بها خاطبنا عليه السلام من حيث ما خرجا، وممن قال بقولنا ههنا أبو حنيفة وأصحابه، ولا حجة لمن أسقط الوضوء منهما إذا خرجا من غير المخرجين، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس، بل القرآن جاء بما قلناه، قال الله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء) وقد يكون خروج الغائط والبول من غير المخرجين، فلم يخص تعالى بالامر بالوضوء والتيمم من ذلك حالا دون حال، ولا المخرجين من غيرهما. وبالله تعالى التوفيق * 160 - مسألة - والريح الخارجة من الدبر - خاصة لا من غيره - بصوت خرجت أم بغير صوت. وهذا أيضا إجماع متيقن، ولا خلاف في أن الوضوء من الفسو والضراط، وهذان الاسمان لا يقعان على الريح البتة (3) إلا إن خرجت من الدبر، والا فانما يسمى جشاء أو عطاسا فقط. وبالله تعالى التوفيق *


عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن على حديث: (العينان وكاء السه) قال الساجى: (رأيت أبا داود أدخل هذا الحديث في كتاب السنن ولا أراه ذكره الا وهو عنده صحيح) وانظر شرح أبي داود (ج 1 ص 81 - 82) وظهر من كل هذا أن الحديث بطريقين حديث حسن، والطريقان يؤيد بعضهما بعضا. والسه بفتح السين المهملة والهاء الدبر. والوكاء ما تشد به القربة وغيرها والمعنى اليقظة وكاء الدبر أي حافظة ما فيه من الخروج (1) في اليمنية (أو من أين خرج من المثانة أو البطن وغير ذلك من الجسد (2) في المصرية (فليتوضأ) (3) في المصرية (اسمان لا يقعان على ريح البتة) الخ

[ 233 ]

161 - مسألة - فمن كان مستنكحا (1) بشئ مما ذكرنا توضأ - ولا بد - لكل صلاة فرضا أو نافلة، ثم لا شئ عليه فيما خرج منه من ذلك في الصلاة أو فيما بين وضوئه وصلاته، ولا يجزيه الوضوء الا في أقرب ما يمكن أن يكون وضوؤه من صلاته، ولا بد للمستنكح أيضا أن يغسل ما خرج منه من البول والغائط والمذى حسب طاقته، مما لا حرج عليه فيه، ويسقط عنه (2) من ذلك ما فيه عليه الحرج منه * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قد ذكرناه في مسألة إبطال القياس من صدر كتابنا هذا، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وقول الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فصح انه مأمور بالصلاة والوضوء من الحدث، وهذا كله حدث، فالواجب أن يأتي من ذلك ما يستطيع، وما لا حرج عليه فيه ولا عسر، وهو مستطيع على الصلاة وعلى الوضوء لها، ولا حرج عليه في ذلك، فعليه أن يأتي بهما، وهو غير مستطيع للامتناع (3) مما يخرج عنه من ذلك في الصلاة، وفيما بين وضوئه وصلاته، فسقط عنه، وكذلك القول في غسل ما خرج منه من ذلك * قال أبو محمد: وهذا قول سفيان الثوري وأصحاب الظاهر. وقال أبو حنيفة: يتوضأ هؤلاء لكل وقت صلاة وينقون على وضوئهم إلى دخول وقت صلاة أخرى فيتوضئون، وقال مالك: لا وضوء عليه من ذلك، وقال الشافعي: يتوضأ لكل صلاة فرض فيصلى بذلك الوضوء ما شاء من النوافل خاصة قال على: انما قالوا كل هذا قياسا على المستحاضة، على حسب قول كل واحد


(1) المراد منه واضح وهو من غلب عليه شئ من هذا. قال في اللسان: (ونكح النعس عينه وناله المطر الارض وناله النعاس عينه إذا غلب عليها) ولم أجد استعمال (مستنكح) كما استعمله المؤلف. (2) في المصرية (عليه) وهو خطأ (3) استعمل المؤلف استطاع متعديا بعلى ثم متعديا باللام، وهو يتعدي بنفسه، ولم أجد نصا على تعديته بالحرف

[ 234 ]

منهم فيها، والقياس باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا لان الثابت في المستحاضة هو غير ما قالوه، لكن ما سنذكره إن شاء الله تعالى في باب المستحاضة، وهو وجوب الغسل لكل صلاة فرض، أو للجمع بين الظهر والعصر، ثم بين المغرب والعتمة، ثم للصبح، ودخول وقت صلاة ما ليس حدثا بلا شك، وإذا لم يكن حدثا فلا ينقض طهارة قد صحت بلا نص وارد في ذلك، واسقاط مالك الوضوء مما قد أوجبه الله تعالى منه ورسوله صلى الله عليه وسلم منه بالاجماع وبالنصوص الثابتة خطأ لا يحل * وقد شغب بعضهم في هذا بما روينا عن عمر رضى الله عنه وعن سعيد بن المسيب في المذى قال عمر: إنى لاجده ينحدر على فحذي على المنبر فما أباليه، وقال سعيد مثل ذلك عن نفسه في الصلاة، فأوهموا أنهما رضى الله عنهما كانا مستنكحين بذلك قال أبو محمد: وهذا كذب مجرد، لا ندرى كيف استحله من أطلق به لسانه، لانه لم يأت في شئ من هذا الاثر ولا من غيره نص ولا دليل بذلك، ونعوذ بالله من الاقدام على مثل هذا، وانما الحق من ذلك ان عمر كان لا يرى الوضوء منه وكذلك ابن المسيب لان السنة في ذلك لم تبلغ عمر ثم بلغته فرجع إلى ايجاب الوضوء منه * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن أبى دليم ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر ابن أبي شية ثنا محمد بن بشر العبدى ثنا مسعر بن كدام عن مصعب بن شيبة عن أبي حبيب بن يعلى بن منية (1) عن ابن عباس أنه وعمر بن الخطاب أتيا إلى أبى بن كعب فخرج اليهما أبى وقال: إنى وجدت مذيا فغسلت ذكرى وتوضأت، فقال له عمر: أو يجزى ذلك؟ قال: نعم، قال عمر أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم (2) * حدثنا حمام ثنا ابن مفرح ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن معمر وسفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: انه ليخرج من أحدنا مثل الجمانة (3) فإذا وجد أحدكم ذلك فليغسل ذكره


(1) بضم الميم واسكان النون وفتح الياء (2) الاثر رواه ابن ماجه (ج 1: ص 94) عن أبي بكر بن أبى شيبة باسناده. وقال شارحه السندي: (وقد نبه صاحب الزوائد على أن الحديث في الزوائد وأن أصله في الصحيحين) (3) الجمان بضم الجيم اللؤلؤ واحدته جمانة

[ 235 ]

وليتوضأ، وبه إلى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه قال في المذى: يغسل ذكر هو ويتوضأ وضوءه للصلاة، فهذا هو الثابت عن عمر * وكذلك قول الشافعي أيضا خطأ ظاهر، لان من المحال الظاهر أن يكون انسان متوضئا طاهرا لنافلة ان أراد أن يصليها غير متوضئ ولا طاهر لفريضة ان أراد أن يصليها فهذا قول لم يأت به قط نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس، ولا وجدوا له في الاصول نظيرا، وهم يدعون أنهم أصحاب نظر وقياس، وهذا مقدار نظرهم وقياسهم، وبقى قول أبى حنيفة ومالك والشافعي عاريا من أن تكون له حجة من قرآن أو سنة صحيحة أو سقيمة أو من اجماع أو من قول صاحب أو من قياس أصلا * 162 - مسألة فهذه الوجوه تنقض الوضوء عمدا كان أو نسيانا أو بغلبة، وهذا اجماع الا ما ذكرنا مما فيه الخلاف، وقام البرهان من ذلك على ما ذكرنا. وبالله تعالى التوفيق * 163 - مسألة - ومس الرجل ذكر نفسه خاصة عمدا بأى شئ مسه من باطن يده أو من ظاهرها أو بذراعه حاشا مسه بالفخذ أو الساق أو الرجل من نفسه فلا يوجب وضوءا ومس المرأة فرجها عمدا كذلك أيضا سواء سواء، ولا ينقض الوضوء شئ من ذلك بالنسيان، ومس الرجل ذكر غيره من صغير أو كبير ميت أو حي بأى عضو مسه عمدا من جميع جسده من ذى رحم محرمة أو من غيره ومس المرأة فرج غيرها عمدا أيضا كذلك سواء سواء، لا معنى للذة في شئ من ذلك، فان كان كل ذلك على ثوب رقيق أو كيف، للذة أو لغير لذة، باليد أو بغير اليد، عمدا أو غير عمد، لم ينقض الوضوء، وكذلك ان مسه بغلبة أو نسيان فلا ينقض الوضوء * برهان ذلك ما حدثناه حمام بن احمد قال: ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: " " تذاكر هو ومروان الوضوء فقال مروان حدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر (1) بالوضوء من مس الفرج) *


(1) في اليمنية " أمر "

[ 236 ]

قال أبو محمد: فان قيل: إن هذا خبر رواه الزهري عن عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم عن عروة، قلنا: مرحبا بهذا، وعبد الله ثقة، والزهرى لا خلاف في انه سمع من عروة، وجالسه، فرواه عن عروة ورواه أيضا عن عبد الله بن أبى بكر عن عروة، فهذا قوة للخبر والحمد لله رب العالمين * قال على: مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما، ولم يلقه عروة قط الا قبل خروجه على أخيه لا بعد خروجه هذا ما لا شك فيه (1) وبسرة مشهورة من صواحب رسول الله صلى الله عليه وسلم المبايعات المهاجرات - هي بسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بنت أخي ورقة (2) بن نوفل، وأبوها ابن عم خديجة أم المؤمنين لحا (3) * ولفظ هذا الحديث عام يقتضى كل ما ذكرناه (4) وأما مس الرجل (5) فرج نفسه بساقه ورجله وفخذه فلا خلاف في أن المرء مأمور بالصلاة في قميص كثيف وفى مئزر وقميص، ولا بد له ضرورة في صلاته كذلك من وقوع فرجه على ساقه ورجله


(1) في اليمنية " مما لا شك فيه " (2) وكان مروان بن الحكم زوج بنت ابنها عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص فولدت له أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان. كذا ذكره ابن سعد في الطبقات (ج 8 ص) ونقل الحاكم في المستدرك (ج 1 ص 138) عن مالك أنها جدة عبد الملك أم أمه. وعن مصعب ابن عبد الله الزبيري أنها زوجة معاوية بن المغيرة بن أبى العاص. فيكون مروان زوج بنتها عائشة (3) بفتح اللام وتشديد الحاء المهملة. وفي اللسان: " وهو ابن عم لح في النكرة بالكسر لانه نعت للعم وهو ابن عمي لحا في المعرفة أي لارق النسب من ذلك، ونصب لحا على الحال لان ما قبله معرفة والواحد والاثنان والجميع والمؤنث في هذا سواء بمنزلة الواحد، وقال اللحياني: هما ابنا عم لح ولحا وهما ابنا خالة ولا يقال هما ابنا خال لحا ولا ابنا عمة لحا لانهما مفترقان إذ هما رحل وامرأة، وإذا لم يكن ابن العم لحا وكان رجلا من العشيرة قلت هو ابن عم الكلالة وابن عم كلالة) (4) في اليمية (ولفظ هذا الحديث عام لم يقتضي كلما قلنا) وهو خطأ صرف (5) في اليمنية (المرء)

[ 237 ]

وفخذه، فخرج هذا بهذا الاجماع المنصوص عليه عن جملة هذا الخبر * وممن قال بالوضوء من مس الفرج سعد بن أبى وقاص وابن عمر رضى الله عنهما وعطاء وعروة وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وأبان بن عثمان وابن جريج والاوزاعي والليث والشافعي وداود واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وغيرهم، الا أن الاوزاعي والشافعي لم يريا الوضوء ينقض ذلك الا بمسه بباطن الكف فقط لا بظاهرها، وقال عطاء بن أبي رباح: لا ينقض الوضوء مس الفرج بالفخذ والساق وينقض (1) مسه بالذراع، وقال مالك: مس الفرج من الرجل فرج نفسه الذكر فقط بباطن الكف لا بظاهرها ولا بالذراع يوجب الوضوء، فان صلى ولم يتوضأ لم يعد الصلاة الا في الوقت وقال أبو حنيفة: لا ينقض الوضوء مس الذكر كيف كان، وقال الشافعي: ينقض الوضوء مس الدبر ومس المرأة فرجها، وقال مالك لا ينقض الوضوء مس الدبر ولا مس المرأة فرجها أن تقبض وتلطف (2) أي تدخل أصبعها بين شفريها، ونحا بعض أصحابه بنقض الوضوء من مس الذكر نحو اللذة * فاما قول الاوزاعي والشافعي ومالك في مراعاة باطن الكف دون ظاهرها فقول لا دليل عليه لا من قرآن ولا من سنة ولا من اجماع ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا من رأى صحيح * وشغب بعضهم بان قال: في بعض الآثار: (من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ (3))


(1) في اليمنية (وينقضه) (2) في اليمنية (تطلف) بتقديم الطاء وهو خطأ. وفي اللسان (ألطف الرجل البعير وألطف له أدخل قضيبه في حياء الناقة) (3) نسبة في المنتقي إلى احمد من حديث ابى هريرة ولفظه (من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء) ونسبه شارحه الشوكاني (ج 1 ص 251) إلى ابن حبان في صحيحه وانه قال (حديث صحيح سنده عدول نقلته والى الحاكم وابن عبد البر والطبراني في الصغير. ولم أجده في المستدرك بهذا اللفظ بل بلفظ: (من مس فرجه فليتوضأ) وصححه (ج 1 ص 138) ورواه من حديث بسرة بلفظ: (إذا أفضي أحدكم إلى ذكره فلا يصل حتي يتوضأ) (ج 1 ص 136) وروى البيهقي حديث ابى هريرة (ج 1 ص 133) بلفظ قريب من لفظ احمد بن حنبل

[ 238 ]

قال أبو محمد: وهذا لا يصح أصلا، ولو صح لما كان فيه دليل على ما يقولون، لان الافضاء باليد يكون بظاهر (1) اليد كما يكون بباطنها، وحتى لو كان الافضاء بباطن اليد لما كان في ذلك ما يسقط الوضوء عن غير الافضاء، إذا جاء أثر بزيادة على لفظ الافضاء، فكيف والافضاء يكون بجميع الجسد، قال الله تعالى: (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) * وأما قول مالك في ايجاب الوضوء منه ثم لم ير الاعادة الا في الوقت فقول متناقض لانه لا يخلو أن يكون انتقض وضوؤه أو لم ينتقض، فان كان انتقض فعلى أصله يلزمه أن يعيد أبدا، وان كان لم ينتقض فلا يجوز له أن يصلى صلاه فرض واحدة في يوم مرتين، وكذلك فرق مالك بين مس الرجل فرجه وبين المرأة فرجها فهو قول لا دليل عليه فهو ساقط * وأما ايجاب الشافعي الوضوء من مس الدبر فهو خطأ، لان الدبر لا يسمى فرجا فان قال: قسته على الذكر قيل له: القياس عند القائلين به لا يكون الا على علة جامعة بين الحكمين، ولا علة جامعة بين مس الذكر ومس الدبر، فان قال: كلاهما مخرج للنجاسة، قيل له: ليس كون الذكر مخرجا للنجاسة هو علة انتقاض الوضوء من مسه، ومن قوله ان مس النجاسة لا ينقض الوضوء، فكيف مس مخرجها. وبالله تعالى التوفيق * وأما أصحاب أبي حنيفة فاحتجوا بحديث طلق بن على: (ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره بعد أن يتوضأ (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل هو الا بضعة منك (4))


(1) في اليمنية (بظهر) (2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي والدار قطني وصححه عمرو بن على الفلاس والطحاوى وابن حبان والطبراني. (3) ليس في اليمنية قوله (بعد ان يتوضأ) (4) في المصرية (بين)

[ 239 ]

قال على: وهذا خبر صحيح، الا أنهم لا حجة لهم فيه لوجوه: أحدها أن هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الامر بالوضوء من مس الفرج، هذا لا شك فيه، فإذ هو كذلك فحكمه منسوخ يقينا حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوضوء من مس الفرج، ولا يحل ترك ما تيقن أنه ناسخ والاخذ بما تيقن أنه منسوخ، وثانيها أن كلامه عليه السلام (هل هو الا بضعة منك) دليل بين على أنه كان قبل الامر بالوضوء منه، لانه لو كان بعده لم يقل عليه السلام هذا الكلام، بل كان يبين أن الامر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا وأنه كسائر الاعضاء * قال أبو محمد: وقال بعضهم: يكون الوضوء من ذلك غسل اليد قال أبو محمد: وهذا باطل، لم يقل أحد إن غسل اليد واجب أو مستحب من مس الفرج، لا المتأولون لهذا التأويل الفاسد ولا غيرهم، ويقال لهم: ان كان كما تقولون فأنتم من أول (1) من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تأولتموه في أمره، وهذا استخفاف ظاهر، وأيضا فانه لا يطلق الوضوء في الشريعة الا لوضوء الصلاة فقط، وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ايقاع هذه اللفظة علي غير الوضوء للصلاة، كما رويناه من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء من الغائط وأتى بطعام فقيل: ألا تتوضأ: (فقال عليه السلام: لم أصلى (2) فأتوضأ) فكيف وقد روينا من طريق مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ان مروان قال له: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة (3)) ورواه أيضا غير مالك عن الثقات


(1) في اليمنية (فانتم أول) (2) كذا في الاصلين باثبات الياء وهو جائز (3) أما موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى فليس فيه لفظ. (وضوءه للصلاة) (ص 14) فلعل هذا في رواية أخرى من روايات الموطأ مما ليس بين أيدينا. وقد رواه بهذه الزيادة البيهقي

[ 240 ]

كذلك، كما حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبو صالح الحكم ابن موسى ثنا سعيب بن إسحاق أخبرني هشام بن عروة عن أبيه أن مروان بن الحكم حدثه عن بسرة بنت صفوان وكانت قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مس أحدكم ذكره فلا يصل (1) حتى يتوضأ) فأنكر ذلك عروة، وسأل بسرة فصدقته بما قال (2) * قال على: أبو صالح وشعيب ثقتان مشهوران، فبطل التعلل بمروان، وصح أن بسرة مشهورة صاحبة، ولقد كان ينبغى لهم أن ينكروا على أنفسهم شرع الدين وأبطال السنن برواية أبى نصر بن مالك وعمير (3) والعالية زوجة أبي اسحاق وشيخ من بني كنانة (4)، وكل هؤلاء لا يدرى أحد من الناس من هم؟


(ج 1 ص 128) من طريق يحيى بن بكير عن مالك. فيظهر من هذا أنه في الموطأ برواية ابن بكير (1) في اليمنية (فلا يصلين) (2) هذا اللفظ لم يذكره عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ولعله في كتاب آخر من كتبه، وقد رواه الحاكم في المستدرك (ج 1 ص 137) من طريق محمد بن ابراهيم البوشنجى عن الحكم بن موسى بلفظ (من مس فرجه فليتوضأ) وأنا أعتقد أن هذا خطأ من الناسخين فقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (ج 1 ص 130 129) عن الحكم بهذا الاسناد بلفظ (إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلين حتى) يتوضأ ورواه البيهقي أيضا عن الحكم من طريق على بن المدينى عن أبى الاسود حميد بن الاسود عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة بهذا اللفظ. وهو أيضا في المستدرك الا أنه سقط بعض الاسناد وظهرت صحة ذلك من المقابلة على سنن البيهقى. وكذلك رواه البيهقي من طريق الدارقطي عن عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز عن الحكم. ورواه الحاكم من طريق عنبسة بن عبد الواحد عن هشام. وهذه الطرق تؤيد صحة الحديث بهذا اللفظ والله أعلم (3) في اليمنية (قمير) (4) هؤلاء الاربعة لا أدري من هم، ولا أعرف لهم روايات احتج بها من يرد عليهم ابن حزم، والعلم عند الله

[ 241 ]

وقال بعضهم: هذا مما تعظم به البلوى، فلو كان لما جهله ابن مسعود ولا غيره من العلماء * قال أبو محمد وهذه حماقة، وقد غاب عن جمهور الصحابة رضى الله عنهم الغسل من الايلاج الذى لا إنزال معه، وهو مما تكثر به البلوى، ورأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف وهو مما تكثر به البلوى ولم يعرف ذلك جمهور العلماء ورأى الوضوء من مل ء الفم من القلس ولم يره من أقل من ذلك، وهذا تعظم به البلوى، ولم يعرف ذلك أحد من ولد آدم قبله، ومثل هذا لهم كثير جدا، ومثل هذا من التخليظ لا يعارض به سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الا مخذول. وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: والماس على الثوب ليس ماسا، ولا معنى للذة، لانه لم يأت بها نص ولا إجماع، وانما هي دعوى بظن كاذب، وأما النسيان في هذا فقد قال الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، وهذا قول ابن عباس، وروينا من طريق وكيع عن خصيف عن عكرمة عنه أنه قال: مس الذكر عمدا ينقض الوضوء ولا ينقضه بالنسيان (1) * 164 مسألة وأكل لحوم الابل نيئة ومطبوخة أو مشوية عمدا وهو يدرى أنه لحم جمل أو ناقة فانه (2) ينقض الوضوء، ولا ينقض الوضوء أكل شحومها محضة ولا أكل شئ منها غير لحمها، فان كان يقع على بطونها أو رؤسها أو أرجلها اسم لحم عند العرب نقض أكلها الوضوء وإلا فلا، ولا ينقض الوضوء كل شئ مسته النار غير ذلك، وبهذا يقول أبو موسى الاشعري وجابر بن سمرة، ومن الفقهاء أبو خيثمة زهير بن حرب ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل واسحق بن راهوية *


(1) هذا الاثر لم أجده في شئ من الروايات الاخرى. ولا أعرف اسناده إلى وكيع، وأما خصيف بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة فهو ابن عبد الرحمن الجزرى ضعفه احمد بن حنبل وغيره، وهو ثقة الا أنه كان كثير الخطأ في حديثه، وإذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه (2) في اليمنية بحذف (فانه)

[ 242 ]

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا احمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد بن محمد ثنا احمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل الفضيل بن حسين الجحدرى والقاسم بن زكريا قال الفضيل ثنا أبو عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب وقال القاسم ثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن عثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن ابي الشعثاء كلاهما عن جعفر بن أبى ثور عن جابر بن سمرة قال: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ (1) من لحوم الغنم؟ قال: ان شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ (2) من لحوم الابل، قال: نعم فتوضأ من لحوم الابل) * وحدثنا يحيى بن عبد الرحمن ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك ابن أيمن ثنا عبد الله بن احمد بن حنبل ثنا أبى ثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان الثوري عن الاعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال: نعم (3)) * قال أبو محمد: عبد الله بن عبد الله الرازي أبو جعفر قاضي الري ثقة قال أبو محمد: وقد مضى الكلام في الفصل الذي قبل هذا في ابطال قول من تعلل في رد السنن بأن هذا مما تعظم به البلوي، وإبطال قول من قال: لعل هذا الوضوء غسل اليد، فأغنى عن إعادته، ولو أن المعترض بهذا ينكر على نفسه القول


(1) في اليمنية " أتوضأ " بحذف همزة الاستفهام وفى المصرية " أنتوضأ " والذى هنا هو ما في مسلم (ج 1 ص 108) (2) في المصرية " أنتوضأ " وما هنا هو الذى في مسلم وفي اليمنية (3) الحديث مطول في مسند احمد (ج 4 ص 303) بهذا الاسناد وقال عبد الله بن احمد عقب روايته: " عبد الله ابن عبد الله رازى وكان قاضي الرى وكانت جدته مولاة لعلى أو جارية، قال عبد الله قال أبى: ورواه عنه آدم وسعيد بن مسروق وكان ثقة " ورواه احمد أيضا (ج 4 ص 288) عن أبي معاوية عن الاعمش.

[ 243 ]

بالوضوء من القهقهة في الصلاة ولا يرى فيها الوضوء في غير الصلاة -: لكان أولى به وأما الوضوء مما مست النار، فانه قد صحت في ايجاب الوضوء منه أحاديث ثابتة من طريق عائشة وأم حبيبة أمي المؤمنين وأبى ايوب وأبى طلحة وأبي هريرة وزيد بن ثابت رضى الله عنهم، وقال به كل من ذكرنا وابن عمر وأبو موسى الاشعري وأنس بن مالك وأبو مسعود، وجماعة من التابعين منهم أهل المدينة جملة وسعيد بن المسيب وأبو ميسرة وأبو مجلز (1) ويحيى بن يعمر والزهري وستة من أبناء النقباء من الانصار والحسن البصري وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز ومعمر وأبو قلابة وغيرهم، ولو لا أنه منسوخ لوجب القول به * كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا عمرو بن منصور ثنا على بن عياش ثنا شعيب بن أبى حمزة عن محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله قال: " كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك لوضوء مما مست النار (2) " فصح نسخ تلك الاحاديث ولله الحمد * قال على: وقد ادعى قوم أن هذا الحديث مختصر من الحديث الذى حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن اسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا ابراهيم بن الحسن الخثعمي ثنا حجاج قال قال ابن جريج أخبرني محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول: " قرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خبز ولحم (3) فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ (به) (4) ثم صلى الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ * قال أبو محمد: القطع بان ذلك الحديث مختصر من هذا قول بالظن، والظن أكذب الحديث (5) بل هما حديثان كما وردا *


(1) ابو ميسرة هو عمرو بن شر حبيل الهمداني ومجلز بكسر الميم واسكان الجيم وفتح اللام وآخره زاى واسمه " لاحق بن حميد السدوسى " وفي المصرية " أبو مخلد " وهو خطأ (2) في سنن النسائي (ج 1 ص 40) (3) في أبى داود (ج ص 75) " قربت للنبى صلى الله عليه وسلم خبزا ولحما " (4) لفظ " به " زيادة من ابى داود (5) الذى قال بأن الحديث الاول مختصر من هذا هو أبو داود في سننه، وهذا ادعاء لا دليل عليه، بل هما حديثان كما قال ابن حزم

[ 244 ]

قال على: وأما كل حديث احتج به من لا يرى الوضوء مما مست النار من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ولم يتوضأ ونحو ذلك -: فلا حجة لهم فيه، لان أحاديث أيجاب الوضوء هي الواردة بالحكم الزائد على هذه التي هي موافقة لما كان الناس عليه قبل ورود الامر دبالوضوء مما مست النار، ولو لا حديث شعيب بن أبى حمزة الذى ذكرنا لما حل لاحد ترك الوضوء مما مست النار * قال أبو محمد فان قيل " لم خصصتم لحوم الابل خاصة من جملة ما نسخ من الوضوء مما مست النار؟ قلنا: لان الامر الوارد بالوضوء من لحوم الابل إنما هو حكم فيها خاصة، سواء مستها النار أو لم تمسها النار، فليس مس النار إياها - ان طبخت - يوجب الوضوء منها بل الوضوء واجب منها كما هي فحكمها خارج عن الاخبار الواردة بالوضوء مما مست النار، وبنسخ الوضوء منه. وبالله تعالى التوفيق * وأما أكلها بنسيان أو بغير علم أنه من لحوم الابل -: فقد ذكرنا قول الله تعالي: (ليس عليكم جناج فيما أخطأتم به) فمن فعل شيئا عن غير قصد فسواء ذلك وتركه، الا أن يأتي نص في ايجاب حكم النسيان فيوقف عنده. وبالله تعالى التوفيق * 165 - مسألة - ومس الرجل المرأة والمرأة الرجل (1) بأى عضو مس أحدهما الآخر، إذا كان عمدا، دون أن يحول بينهما ثوب أو غيره، سواء أمه كانت أو ابنته (2)، أو مست ابنها أو أباها، الصغير والكبير سواء، لا معني للذة في شئ من ذلك (3)، وكذلك لو مسها على ثوب للذة لم ينتقض وضوؤه وبهذا يقول الشافعي وأصحاب الظاهر * برهان ذلك قول الله تبارك وتعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * قال أبو محمد: والملامسة فعل من فاعلين وبيقين ندرى أن الرجال والنساء


(1) في اليمنية (ولمس المرأة الرجل) (2) في اليمنية (سواء كانت أمة أو بنته) (3) الخبر محذوف يفهم من بساط القول وسياق الكلام، والمراد أن من فعل شيئا مما ذكره المؤلف انتقض وضوؤه فيما اختاره ابن حزم

[ 245 ]

مخاطبون بهذه الآية، لا خلاف بين أحد من الامة في هذا، لان أول الآية وأخرها عموم للجميع من الذين آمنوا، فصح أن هذا الحكم لازم للرجال إذا لامسوا النساء، والنساء إذا لامسن الرجال، ولم يخص الله تعالى امرأة من امرأة، ولا لذة من غير لذة، فتخصيص ذلك لا يجوز، وهو قول ابن مسعود وغيره * وادعى (1) قوم أن اللمس (2) المذكور في هذه الآية هو الجماع * قال أبو محمد: وهذا تخصيص لا برهان عليه، ومن الباطل الممتنع أن يريد الله عزوجل لماسا من لماس فلا يبينه. نعوذ بالله من هذا * قال على: واحتج من رأى اللماس المذكور في هذه الآية هو الجماع بحديث فيه: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل ولا يتوضأ) وهذا حديث لا يصح، لان راويه أبوروق وهو ضعيف، ومن طريق رجل اسمه عروة المزني، وهو مجهول، رويناه من طريق الاعمش عن أصحاب له لم يسمهم عن عروة المزني، وهو مجهول (3)


(1) في المصرية (فادعى) (2) في اليمنية (اللماس) مصدر (لامس) (3) هذا الحديث ورد من ثلاث طرق: أولها طريق أبي روق عن ابراهيم التيمي عن عائشة رواه أبو داود (ج 1 ص 69) والنسائي (ج 1 ص 39) وهو مرسل لان ابراهيم التيمى لم يسمع من عائشة شيئا كما قال البخاري وأبو داود، وأما أبوروق فاسمه عطية بن الحارث الهمداني الكوفي وهو صدوق لا بأس به، لم أر أحدا ضعفه غير ابن حزم، والطريق الثاني طريق عبد الرحمن ابن مغراء عن الاعمش عن اصحاب له عن عروة المزني عن عائشة، رواه أبو داود (ج 1: ص 70) وهو ضعيف لجهل شيوخ الاعمش وجهل حال عروة المزني، وعبد الرحمن بن مغراء ثقة الا أنه ينكر عليه بعض أحاديث رواها عن الاعمش لا يتابعه عليها الثقات، وهذا منها قطعا لان الثقات من اصحاب الاعمش خالفوه كوكيع وعلى بن هاشم وأبي يحيى الحماني، الطريق الثالث طريق وكيع عن الاعمش عن حبيب هو ابن أبي ثابت عن عروة عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ فقلت لها من هي الا أنت؟ فضحكت) رواه أبو داود (ج 1: ص 70) والترمذي (ج 1: ص 19) وابن ماجه

[ 246 ]

ولو صح لما كان (1) لهم فيه حجة، لان معنى هذا الخبر منسوخ بيقين، لانه موافق لما كان الناس عليه قبل نزول الآية، ووردت الآية بشرع زائد لا يجوز تركه ولا تخصيصه * وذكروا أيضا حديثين صحيحين: أحدهما من طريق عائشة أم المؤمنين: (التمست رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل فلم أجده، فوقعت يدى على باطن قدمه وهو ساجد (2)) *


(ج 1: ص 93) والبيهقي (ج 1: ص 126 125) قال أبو داود: (وروي عن الثوري قال ما حدثنا حبيب الا عن عروة المزني، يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشئ، قال أبو داود وقد روس حمزة الزبات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحا) فهذا رد من أبى داود على الثوري زعمه أن حبيب بن أبي ثابت لم يحدث عن عروة بن الزبير، وأصرح من هذا أن رواية ابن ماجه صرح فيها بانه عروة بن الزبير، قال شارح أبى داود: (ثم الاعمش أيضا ليس متفردا بهذا بل تابعه أبو أويس بلفظ عروة بن الزبير ثم حبيب بن أبى ثابت أيضا ليس متفردا بل تابعه هشام بن عروة عن أبيه، ومعلوم قطعا أنه ابن الزبير فثبت أن المحفوظ عروة بن الزبير فبعض الحفاظ أطلقه وبعضهم نسبه، وقد تقرر في موضعه أن زيادة الثقة مقبولة، وأما عروة المزني فغلط من عبد الرحمن ابن مغراء). ويؤيد صحة الحديث ما رواه البزار في مسنده ونقله عنه ابن التركماني في الجوهر النقي (ج 1. ص 125) من طريق عبد الكريم الحرزى عن عائشة (أنه عليه السلام كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ) واسناده جيد ونقل عن عبد الحق أنه قال (لا أعلم له علة توجب تركه) وذكر له طريقين آخرين يقويانه (1) في المصرية (لما كانت) (2) أصرح من هذا ما روى النسائي (ج 1: ص 38) عن عائشة قالت: (ان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله) وإسناده صحيح كما قال ابن حجر في التلخيص ومثله كثير، وتأول كل هذه الاحاديث باحتمال وجود الحائل حين المس تكلف

[ 247 ]

قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان الوضوء انما هو على القاصد إلى اللمس، لا على الملموس دون أن يقصد هو إلى فعل الملامسة لانه لم يلامس، ودليل آخر، وهو أنه ليس في هذا الخبر أنه عليه السلام كان في صلاة، وقد يسجد المسلم في غير صلاة، لان السجود فعل خير، وحتى لو صح لهم أنه عليه السلام كان في صلاة وهذا مالا يصح فليس في الخبر أنه عليه السلام لم ينتقض وضوؤه، ولا أنه صلى صلاة مستأنفة دون تجديد وضوء، فإذ ليس في الخبر شئ من هذا فلا متعلق لهم به أصلا، ثم لو صح أنه عليه السلام كان في صلاة، وصح أنه عليه السلام تمادى عليها أو صلى غيرها دون تجديد وضوء وهذا كله لا يصح أبدا: فانه كان يكون هذا الخبر موافقا للحال التى كان الناس عليها قبل نزول الآية بلا شك، وهى حال لا مرية في نسخها وارتفاع حكمها بنزول الآية، ومن الباطل الاخذ بما قد تيقن نسخه وترك الناسخ، فبطل أن يكون لهم متعلق بهذا الخبر. والحمد لله رب العالمين * والخبر الثاني من طريق أبى قتادة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل امامة بنت أبى العاصى وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه يضعها، إذ سجد، ويرفعها إذا قام) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه أصلا، لانه ليس فيه نص أن يديها ورجليها لمست (1) شيئا من بشرته عليه السلام، إذ قد تكون (2) موشحة برداء أو بقفازين وجوربين، أو يكون ثوبها سابغا (3) يواري يديها ورجليها، وهذا الاولى أن يظن بمثلها بحضرة الرجال (4)، وإذا لم يكن ما ذكرنا في الحديث فلا يحل لاحد أن يزيد فيه ما ليس فيه (5) فيكون كاذبا، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر وما قلنا ممكنا،


شديد ولا دليل عليه في الشريعة، واللمس واللماس في الآية على القراءتين انما هو الجماع كما فسره ابن عباس وكما هو ظاهر لمن تأمل معنى الآية وسياقها ولم يملكه الهوى والعصبية (1) في اليمنية (مست) (2) في المصرية (وقد تكون) (3) في المصرية (مانعا) وما هنا أوضح (4) أليس هذا غاية في التكلف والمحاولة؟ (5) في اليمنية (ما ليس منه)

[ 248 ]

والذي لا يمكن غيره * فقد بطل تعلقهم به، ولم يحل ترك الآية المتيقن وجوب حكمها لظن كاذب، وقال تعالى *: (ان الظن لا يغنى من الحق شيئا) * وأيضا فان هذا الخبر والذى قبله ليس فيهما أيهما كانا بعد نزول الآيه والآية متأخرة النزول، فلو صح انه عليه السلام مس يديها ورجليها في الصلاة لكان موافقا للحال التى كان الناس عليها قبل نزول الآية، وعلى كل حال فنحن على يقين من أن معنى هذا الخبر لو صح لهم كما يريدون فانه منسوخ بلا شك ولا يحل الرجوع إلى المتيقن انه منسوخ وترك الناسخ * فصح أنهم يوهمون بأخبار لا متعلق لهم بشئ منها، يرومون بها ترك اليقين من القرآن والسنن * وقال أبو حنيفة: لا ينقض الوضوء قبلة ولا ملامسة للذة كانت أو لغير لذة، ولا أن يقبض (1) بيده على فرجها كذلك، إلا أن يباشرها بجسدها دون حائل وينعظ فهذا وحده ينقض الوضوء * وقال مالك: لا وضوء من ملامسة المرأة الرجل، ولا الرجل المرأة، إذا كانت لغير شهوة تحت الثياب أو فوقها، فان كانت الملامسة للذة فعلى الملتذ منهما الوضوء، سواء كان فوق الثياب أو تحتها، أنعظ أو لم ينعظ، والقبلة كالملامسة في كل ذلك، وهو قول أحمد بن حنبل * وقال الشافعي كقولنا، إلا أنه روى عنه أن مس شعر المرأة خاصة لا ينقض الوضوء * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة فظاهر التناقض، ولا يمكنه التعلق بالتأويل الذي تأوله قوم في الآية: ان الملامسة المذكورة فيها هو الجماع فقط، لانه أوجب الوضوء من المباشرة إذا كان معها انعاظ، وأما مناقضته فتفريقه بين القبلة يكون معها إنعاظ فلا ينقض الوضوء، وبين المباشرة يكون معها إنعاظ فتنقض الوضوء، وهذا فرق لم يؤيده قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس، بل هو مخالف لكل ذلك، ومن مناقضاته أيضا أنه جعل القبلة لشهوة


(1) في المصرية (يفتض) وهو خطأ

[ 249 ]

واللمس لشهوة بمنزلة القبلة لغير الشهوة واللمس لغير الشهوة لا ينقض الوضوء شئ من ذلك، ثم رأى ان القبلة لشهوة واللمس لشهوة رجعة في الطلاق، بخلاف القبلة لغير شهوة واللمس لغير شهوة، وهذا كما ترى لا اتباع القرآن، ولا التعلق بالسنة ولا طرد قياس، ولا سداد رأى، ولا تقليل صاحب. ونسأل الله تعالى التوفيق * وأما قول مالك في مراعاة الشهوة واللذة، فقول لا دليل عليه لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، لا قول صاحب ولا ضبط قياس ولا احتياط، وكذلك تفريق الشافعي بين الشعر وغيره، فقول لا يعضده أيضا قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس، بل هو خلاف ذلك كله، وهذه الاقوال الثلاثة كما أوردناها لم نعرف أنه قال بها أحد قبلهم وبالله تعالى التوفيق * فان قيل: قد رويتم عن النخعي والشعبي: إذا قبل أو لمس لشهوة فعليه الوضوء، وعن حماد: أي الزوجين قبل صاحبه والآخر لا يريد ذلك، فلا وضوء على الذى لا يريد ذلك، إلا أن يجد لذة، وعلى القاصد لذلك الوضوء. قلنا: قد صح عن الشعبى والنخعي وحماد ايجاب الوضوء من القبله على القاصد بكل حال، واذ ذلك كذلك فاللذة داخلة في هذا القول، وبه نقول، وليس ذلك قول مالك * والعجب ان مالكا لا يرى الوضوء من الملامسة إلا حتى يكون معها شهوة، ثم لا يرى الوضوء يجب من الشهوة دون ملامسة! فكل واحد من المعنيين لا يوجب الوضوء على انفراده! فمن أين له ايجاب الوضوء عند اجتماعهما؟ * 166 مسألة وايلاج الذكر في الفرج يوجب الوصوء، كان معه انزال أو لم يكن * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا أبو معاوية محمد بن خازم ثنا هشام هو ابن عروة عن أبيه عن أبي أيوب الانصاري عن أبى بن كعب قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل

[ 250 ]

يصيب من المرأة ثم يكسل (1)، قال يغسل ما أصابه من المرأة ثم يتوضأ ويصلى (2)) ورويناه أيضا عن شعبة (عن الحكم (3)) عن أبى صالح عن ذكوان عن أبى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالوضوء لا بد منه مع الغسل على ما نذكره (4) بعد هذا ان شاء الله تعالى (5) 167 مسألة وحمل الميت في نعش أو في غيره. حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الاسدي ثنا أحمد بن خالد ثنا على بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتا فليغتسل ومن حملها فليتوضأ (6)) قال أبو محمد: يعنى الجنازة. ورويناه أيضا من طريق سفيان بن عيينة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن اسحاق مولى زائدة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واسحاق مولى زائدة ثقة مدنى وتابعي، وثقه أحمد بن صالح الكوفى وغيره، وروى عن سعد بن أبى وقاص وأبى هريرة ورويناه بالسند المذكور إلى حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: كنت مع عبد الله بن عتبة بن مسعود (7) في جنازة، فلما جئنا دخل


(1) اكسل الرجل إذا جامع ثم ادركه فتور فلم ينزل أي صار ذا كسل (2) في صحيح مسلم (ج 1 ص 106) (3) سقط من الاصلين في الاسناد (عن الحكم) وهو ضروري انظر صحيح مسلم (ج 1 ص 106) (4) في المصرية (على ما سنذكره) (5) غلا ابو محمد رحمه الله في التمسك بظواهر النصوص حتى كاد يخرج ببعضها عن معانيها الاصلية التي تفسرها الروايات الاخرى كما سبق مرارا وكما صنع هنا فان هذين الحديثين حديث أبي بن كعب وحديث ابي سعيد الخدري انما هما في أن الغسل لا يجب الا عند إنزال الماء وان الايلاج بدون إنزال لا غسل فيه. وهذا واضح لكل من له علم بالسنة، فلا يدلان على وجوب الوضوء بلمس المرأة (6) رواه أحمد وأصحاب السنن والبيهقي وانظر تفصيل الكلام عليه في نيل الاوطار (ج 1 ص 298 297) (7) هو ابن أخي عبد الله بن مسعود، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت له عنه رواية، وروى عن عمه عبد الله بن مسعود وعمر وعمار وأبي هريرة وغيرهم، مات سنة 74.

[ 251 ]

المسجد، فدخل عبد الله بيته يتوضأ ثم خرج إلى المسجد فقال لى: أما توضأت؟ قلت: لا، فقال: كان عمر بن الخطاب ومن دونه من الخلفاء إذا صلى أحدهم على الجنازة ثم أراد أن يصلى المكتوبة توضأ، حتى إن أحدهم كان يكون في المسجد فيدعو بالطشت (1) فيتوضأ فيها * قال أبو محمد: لا يجوز أن يكون وضوءهم رضى الله عنهم لان الصلاة على الجنازة حدث، ولا يجوز أن يظن بهم إلا اتباع السنه التي ذكرنا، والسنة تكفى. وقد ذكرنا من أقوال أبي حنيفة ومالك والشافعي التى لم يقلها أحد قبلهم كثيرا، كالابواب التي قبل هذا الباب ببابين، وكنقض الوضوء بمل ء الفم من القلس دون مالا يملؤه منه، وسائر الاقوال التي ذكرنا عنهم، لم يتعلقوا فيها بقرآن ولا سنة ولا بقياس ولا بقول قائل. وبالله تعالى التوفيق * 168 مسألة وظهور دم الاستحاضة أو العرق السائل من الفرج إذا كان بعد انقطاع الحيض فانه يوجب الوضوء ولا بد لكل صلاه تلى ظهور ذلك الدم سواء تميز دمها أو لم يتميز، عرفت أيامها أو لم تعرف * برهان ذلك ما حدثنا يونس (2) بن عبد الله ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا يحيي بن حبيب بن عربي عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (استحيضت فاطمة بنت أبى حبيش فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت يا رسو ل الله: اني أستحاض فلا اطهر، فأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا (3) أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئ (وصلى) (4) فانما ذلك عرق وليست (5) بالحيضة) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن أبى عدي من كتابه (6) عن محمد هو ابن عمرو بن علقمة بن


(1) فيه لغتان: السين المهملة والشين المعجمة. (2) في المصرية يوسف وهو خطأ (3) في سنن النسائي (ج 66 1 (وإذا) (4) لفظ (وصلى) ليس في الاصلين وزدناه من سنن النسائي (5) في المصرية (فليست) وهو خطأ (6) يعنى حدثهم هذا الحديث من أصله المكتوب

[ 252 ]

وقاص عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش: (أنها كانت تستحاض فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان الحيض فانه دم اسود يعرف، فامسكي (1) عن الصلاة، وإذا (2) كان الآخر فتوضئ فانه عرق (3) * قال على: فعم عليه السلام كل دم خرج من الفرج بعد دم الحيضة ولم يخص، وأوجب الوضوء منه لانه عرق * وممن قال بايجاب الوضوء لكل صلاة على التى يتمادى بها الدم من فرجها متصلا بدم المحيض: عائشة أم المؤمنين وعلى بن أبى طالب وابن عباس وفقهاء المدينة عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ومحمد بن على بن الحسين وعطاء بن أبى رباح والحسن البصري، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأبى عبيد وغيرهم. قالت عائشة رضي الله عنها: تغتسل وتتوضأ لكل صلاة رويناه من طريق وكيع عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبى عن امرأة (4) مسروق عن عائشة ومن طريق عدي بن ثابت عن أبيه عن على بن أبى طالب: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وعن شعبة عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وعن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب:


لا من حفظه، وفي النسائي بعد رواية لفظ الحديث (قال محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدى هذا من كتابه) ووقع في الاصلين (من كنانه) وهو خطأ واضح (1) في الاصلين (فأمسكن) بنون المخاطبات وهو خطأ صححناه من النسائي (ج 1: ص 66) (2) في اليمنية (فإذا) وما هنا هو الذى في المصرية والنسائي (3) لفظ (فانه عرق) ليس في اليمنية والذى في النسائي (فانما هو عرق) (4) في اليمنية (أهيلة مسروق) وامرأة مسروق هذه تابعية ثقة اسمها (قمير بوزن عظيم - بنت عمرو الكوفية). وروايتها عن عائشة رواها أبو داود (ج 1: ص 120) مرفوعة وموقوفة بان المستحاضة تغتسل كل يوم مرة، وروي أحاديث أخرى ثم قال: (وهذه الاحاديث كلها ضعيفة الا حديث قمير وحديث عمار مولى بنى هاشم وحديث هشام ابن عروة عن ابيه) وروايته عنها تخالف ما رواه المؤلف هنا

[ 253 ]

المستحاضة تتوضأ لكل صلاة. وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن عروة التى يتمادى بها الدم أنها تتوضأ لكل صلاة، وعن شعبة عن الحكم بن عتيبة محمد بن على بن الحسين: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة في المتصلة الدم كما ذكرنا: أنها تتوضأ لدخول كل وقت صلاة فتكون طاهرا بذلك الوضوء، حتى يدخل وقت صلاة أخرى فينتقض وضوؤها ويلزمها أن تتوضأ لها، وروى عن محمد بن الحسن عن أبى يوسف عن أبى حنيفة في هذه: إذا توضأت إثر طلوع الشمس للصلاة انها تكون طاهرا إلى خروج وقت الظهر، وأنكر ذلك عليه أبو يوسف، وحكى أنه لم يرو عن أبى حنيفة إلا أنها تكون طاهرا إلى دخول وقت الظهر، وغلب بعض أصحابه رواية محمد * قال أبو محمد: وليس كما قال، بل قول أبى يوسف أشبه بأقوال أبى حنيفة وقال مالك: لا وضوء عليها من هذا الدم إلا استحبابا لا ايجابا، وهي طاهر ما لم تحدث حدثا آخر * وقال الشافعي واحمد عليها فرضا أن تتوضأ لكل صلاة فرض وتصلى بين ذلك من النوافل ما أحبت، قبل الفرض وبعده بذلك الوضوء * قال أبو محمد أما قول مالك فخطأ لانه خلاف للحديث الوارد في ذلك، والعجب أنهم يقولون بالمنقطع من الخبر إذا وافقهم، وههنا منقطع أحسن من كل ما أخذوا به، وهو ما رويناه من طريق ابن أبي شيبة وموسي بن معاوية عن وكيع عن الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت. انى استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا انما ذلك عرق وليس بالحيضة فاجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضئ لكل صلاة وصلى (1) وان قطر الدم على الحصير (2) *


(1) في المصرية (فصلى) (2) في الاصلين (على الحصر) والحديث رواه الدارقطني (ص 78) من طريق على بن هاشم وقرة بن عيسى وعبد الله بن داود ومحمد بن ربيعة ووكيع ورواه البيهقى (ج 1 ص 344) من طريق وكيع كلهم عن الاعمش بهذا الاسناد. ورواه أبو داود (1: 120) مختصرا

[ 254 ]

فان قالوا هذا علي الندب، قيل لهم: وكل ما أوجبتموه من الاستطهار وغير ذلك لعله ندب، ولا فرق، وهذا قول يؤدي إلى ابطال الشرائع كلها مع خلافه لامر الله تعالى في قوله عزوجل: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وما نعلم لهم متعلقا في قولهم هذا لا بقرآن ولا بسنة ولا بدليل ولا بقول صاحب ولا بقياس * وأما قول أبى حنيفة ففاسد أيضا، لانه مخالف للخبر الذى تعلق به، ومخالف للمعقول وللقياس، وما وجدنا قط طهارة تنتقض بخروج وقت وتصح بكون الوقت قائما، وموه بعضهم في هذا بأن قالوا: قد وجدنا الماسح في السفر والحضر تنتقض طهارتهما بخروج الوقت المحدود لهما فنقيس عليهما المستحاضة * قال أبو محمد: القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه قياس خطأ وعلى خطأ، وما انتقضت قط طهارة الماسح بانقضاء الامد المذكور بل هو طاهر كما كان، ويصلى ما لم يتنقض وضوؤه بحدث من الاحداث، وانما جاءت السنة بمنعه من الابتداء للمسح فقط، لا بانتقاض طهارته، ثم لو صح لهم ما ذكروا في الماسح وهو لا يصح لكان قياسهم هذا باطلا، لانهم قاسوا خروج وقت كل صلاة في السفر والحضر على انقضاء يوم وليلة في الحضر، وعلى انقضاء ثلاثة أيام بلياليهن في السفر، وهذا قياس سخيف جدا، وانما كانوا يكونون قائسين على ما ذكروا لو جعلوا المتسحاضة تبقى بوضوئها يوما وليلة في الحضر، وثلاثة في السفر ولو فعلوا هذا لوجدوا فيما يشبه بعض ذلك سلفا، وهو سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، فقد صح عنهم (1) انها تغتسل من الظهر إلى الظهر (2) وأما قولهم هذا فعار من أن يكون لهم فيه سلف، وما نعلم لقولهم حجة، لا من قرآن ولا


وقد ذهب ابن حزم إلى انه منقطع اتباعا لمن زعم أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير، وقد بينا خطأ هذا الزعم في كلامنا على حديث عدم الوضوء من التقبيل في المسألة رقم 165 (1) في الاصلين (عنهما) وهو خطأ ظاهر (2) في اليمنية (من الظهر إلى العصر) وهو خطأ

[ 255 ]

من سنة ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا من معقول * وأما المسألة التى اختلف فيها عن أبي حنيفة فأن قول أبي يوسف أشبه باصولهم لان أثر طلوع الشمس ليس هو وقت صلاة فرض مارا إلى وقت الظهر (1) وهو وقت تطوع، فالمتوضئة فيه للصلاة كالمتوضئة لصلاة العصر في وقت الظهر، ولا يجزيها ذلك عندهم * وأما قول الشافعي وأحمد فخطأ ومن المحال الممتنع في الدين الذى لم يأت به قط نص ولا دليل -: أن يكون انسان طاهرا إن اراد أن يصلى تطوعا ومحدثا غير طاهر في ذلك الوقت بعينه إن أراد أن يصلى فريضة، هذا مالا خفاء به وليس إلا طاهر أو محدث، فان كانت طاهرا فانها تصلى ما شاءت من الفرائض، والنوافل، وان كانت محدثة فما يحل لها أن تصلى لا فرضا ولا نافلة * وأقبح من هذا يدخل على المالكيين في قولهم: من تيمم لفريضة فلم أن يصلى بذلك التيمم بعد أن يصلى الفريضة ما شاء من النوافل، وليس له أن يصلى نافلة قبل تلك الفريضة بذلك التيمم، ولا أن يصلى به صلاتي فرض، فهذا هو نظرهم وقياسهم وأما تعلق بأثر، فالآثار حاضرة وأقوالهم حاضرة * قال أبو محمد: وهم كلهم يشغبون بخلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف منهم وجميع الحنفيين والمالكيين والشافعيين قد خالفوا في هذه المسألة عائشة وعليا وابن عباس رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك وخالف المالكيون في ذلك فقهاء المدينة كما أوردنا فصارت أقوالهم مبتدأة ممن قالها بلا برهان أصلا. وبالله تعالى التوفيق * 169 - مسألة - قال على لا ينقض الوضوء شئ غير ما ذكرنا، لا رعاف ولا دم سائل من شئ من الجسد أو من الحلق أو من الاسنان أو من الاحليل أو من الدبر. ولا حجامة ولا فصد، ولا قئ كثر أو قل، ولا قلس ولا قيح ولا ماء ولا دم تراه الحامل من فرجها، ولا أذى المسلم ولا ظلمه، ولا مس الصليب والوثن، ولا الردة ولا الانعاظ للذة أو لغير لذة، ولا المعاصي من غير ما ذكرنا، ولا شئ يخرج


(1) في اليمنية (ما زال وقت الظهر) وهو تصحيف

[ 256 ]

من الدبر لا عذرة عليه، سواء في ذلك الدود والحجر والحيات، ولا حقنة ولا تقطير دواء في المخرجين ولا مس حيا بهيمة، ولا قبلها، ولا حلق الشعر بعد الوضوء، ولا قص الظفر ولا شئ يخرج من فرج المرأة من قصة بيضاء أو صفرة أو كدرة أو كغسالة اللحم أو دم أحمر لم يتقدمه حيض، ولا الضحك في الصلاة، ولا شئ غير ذلك * قال أبو محمد: برهان اسقاطنا الوضوء من كل ما ذكرنا، هو أنه لم يأت قرآن ولا سنة ولا اجماع بايجاب وضوء في شئ من ذلك ولا شرع الله تعالى على أحد من الانس والجن إلا من أحد هذه الوجوه، وما عداها فباطل، ولا شرع الا ما أوجبه الله تبارك وتعالى وأتانا به رسوله صلى الله عليه وسلم، وفى كل ما ذكرنا خلاف نذكر منه ما كان المخالفون فيه حاضرين، ونضرب عما قد درس القول به، الا ذكرا خفيفا. وبالله تعالى التوفيق * قال على: قال أبو حنيفة: كل دم سائل أو قيح سائل أو ماء سائل من أي موضع سال من الجسد فانه ينقض الوضوء، فان لم يسل لم ينقض الوضوء منه، إلا أن يكون خرج ذلك من الانف أو الاذن، فان خرج من الانف أو الاذن، فان كان ذلك دما أو قيحا فبلغ إلى موضع الاستنشاق من الانف أو إلى ما يلحقه الغسل من داخل الاذن فالوضوء منتقض، وان لم يبلغ إلى ما ذكرنا لم ينتقض الوضوء، فان خرج من الانف مخاط (1) أو ماء فلا ينتقض (2) الوضوء، وكذلك ان خرج من الاذن ماء فلا ينتقض الوضوء * قال: فان خرج من الجوف إلى الفم أو من اللثات دم فان كان غالبا على البزاق (3) ففيه الوضوء وان لم يملا الفم، وان لم يغلب على البزاق (3) فلا وضوء فيه، فان تساويا فيستحسن فيأمر (4) فيه بالوضوء، فان خرج من الجرح دم فظهر ولم يسل فلا وضوء فيه، فان سال ففيه الوضوء فلو خرج من الجرح دود أو لحم فلا وضوء فيه، فان خرج الدود من الدبر ففيه الوضوء، فان عصب الجرح نظر (فان كان لو ترك سال ففيه الوضوء، وان كان لو ترك لم يسل فلا وضوء *


(1) في المصرية (مخاطا) وهو لحن (2) في اليمنية (لم ينتقض) (3) في اليمنية (البصاق) في الموضعين (4) في اليمنية (ويأمر)

[ 257 ]

قال وأما القئ والقلس وكل شئ خرج من الجوف إلى الفم فان ملا الفم نقض الوضوء وإن لم يملا الفم لم ينقض الوضوء، وحد بعضهم ما يملا الفم بمقدار اللقمة - على أن اللقمة تختلف - وحد بعضهم مالا يقدر على إمساكه في الفم. قال أبو حنيفة حاشا البلغم فلا وضوء فيه وان ملا الفم وكثر جدا، قال أبو يوسف: بل فيه الوضوء إذا ملا الفم، وقال محمد بن الحسن كقول أبى حنيفة في كل ذلك الا الدم، فان قوله فيه: إن خرج من اللثاة أو من الجسد أو من الفم كقول أبى حنيفة فان خرج من الجوف لم ينقض الوضوء إلا ان يملا الفم فينقض الوضوء حينئذ، وقال زفر كقول أبى حنيفة في كل شئ الا القلس فانه قال ينقض الوضوء قليله وكثيره * قال على مثل هذا لا يقبل - ولاكرامة - الا من رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن خالقنا ورازقنا تعالى أمره ونهيه وأما من أحد دونه فهو هذيان وتخليظ كتخليط المبرسم وأقوال مقطوع على أنه لم يقلها أحد قبل أبي حنيفة، ولم يؤيدها (1) معقول ولا نص ولا قياس، أفيسوغ لمن يأتي بهذه الوساوس أن ينكر على من اتبع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في البائل في الماء الراكد وفى الفأرة تموت في السمن؟! ان هذا لعجب ما مثله عجب * قال أبو محمد وموه بعضهم بخبر رويناه عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبيه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوضوء من القئ وان كان قلسا يقلسه فليتوضأ إذا رعف أحد في الصلاة أو ذرعه القئ وان كان قلسا يقلسه أو وجد مذيا فلينصرف وليتوضأ ثم يرجع فيتم ما بقى من صلاته ولا يستقبلها جديدا) وخبر آخر رويناه من طريق اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن أبيه وعن ابن أبى مليكة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قاء أحدكم أو قلس فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى ما لم يتكلم) * قال أبو محمد: وهذان الاثران ساقطان لان والد ابن جريج لا صحبة له فهو منقطع، والآخر من رواية اسماعيل بن عياش وهو ساقط لاسيما فيما روى عن الحجازيين، ثم لو صحا لكانا (2) حجة على الحنفيين، لانه ليس شئ من هذين الخبرين


(1) في اليمنية (ولا يؤيدها) (2) في المصرية (لكان) وهو خطأ

[ 258 ]

يفرق بين مل ء الفم من القئ والقلس، وما دون مل ء الفم من القئ والقلس، ولا بين ما يخرج من نفاطة فينقض الوضوء وما يسيل من الانف فلا ينقض الوضوء ولا فيه ذكر دم خارج من الجوف ولا من الجسد ولا من اللثاة ولا من الجرح وانما فيهما القئ والقلس والرعاف فقط فلا على الخبرين اقتصروا كما فعلوا بزعمهم في خبر الوضوء من القهقهة والوضوء بالنبيذ، ولا قاسوا عليهما (1) فطردوا قياسهم، لكن خلطوا تخليطا خرجوا به إلى الهوس المحض فقط، فهو حجة عليهم - لو صح - وقد خالفوه * واحتجوا أيضا بحديث رويناه من طريق الاوزاعي عن يعيش بن الوليد عن أبيه عن معدان بن أبى طلحة عن أبي الدرداء: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء قتوضأ، فلقيت ثوبان فذكرت ذلك له فقال: صدقت أنا صببت له وضوءه يعنى النبي صلى الله عليه وسلم) ورويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير عن يعيش بن الوليد عن خالد ابن معدان بن أبى طلحة عن أبى الدرداء قال: (استقاء (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم فافطر ودعا بماء فتوضأ) قال أبو محمد: هذا الحديث الاول فيه يعيش بن الوليد أعن أبيه وليسا مشهورين والثاني مدلس لم يسمعه يحيى من يعيش، ثخم لو صحا لما كان لهم فيه متعلق، لانه ليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من تقيأ فليتوضأ، ولا أن وضوءه عليه السلام كان من أجل القئ، وقد صح عنه عليه السلام التيمم لذكر الله تعالى، وهم لا يقولون بذلك وليس فيه أيضا فرق بين ما يملا الفم من القئ وبين مالا يملؤه، ولا فيهما شئ غير القئ، فلا على ما فيهما اقتصروا، ولا قاسوا عليهما قياسا مطردا * وذكروا أيضا الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فاطمة بنت أبى حبيش - وقد ذكرناه قبل - وهو قوله عليه السلام: (انما ذلك عرق وليس بالحيضة) وأوجب عليه السلام فيه الوضوء، قالوا: فوجب ذلك في كل عرق سائل * قال على: وهذا قياس، والقياس باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لانه إذا لم يجز أن يقيسوا دم العرق الخارج من الفرج على دم الحيض الخارج


(1) في المصرية (عليها) وهذا خطأ (2) في اليمنية (استسقى) وهو خطأ

[ 259 ]

من الفرج، وكلاهما دم خارج من الفرج وكان الله تعالى قد فرق بين حكميهما فمن الباطل أن يقاس دم خارج من غير الفرج على دم خارج من الفرج وأبطل من ذلك أن يقاس القيح على الدم، ولا يقدرون على ادعاء إجماع في ذلك، فقد صح عن الحسن وأبى مجلز الفرق بين الدم والقيح، وأبطل (1) من ذلك أن يقاس الماء الخارج من النفاطة، على الدم والقيح، ولا يقاس الماء الخارج من الانف والاذن على الماء الخارج من النفاطة، وأبطل من ذلك أن يكون دم العرق الخارج من الفرج يوجب الوضوء قليله وكثيره، ويكون القئ (2) المقيس عليه لا ينقض الوضوء إلا حتى يملا الفم، ثم لم يقيسوا الدود الخارج من الجرح (3) على الدود الخارج من الدبر، وهذا من التخليط في الغاية القصوى * فان قالوا: قسنا كل ذلك على الغائط، لان كل ذلك نجاسة قلنا لهم: وقد وجدنا الريح تخرج من الدبر فتنقض الوضوء وليست نجاسة، فهلا قستم عليها الجشوة والعطسة لانها ريح خارجة من الجوف كذلك ولا فرق؟ وأنتم قد أبطلتم قياسكم هذا فنقضتم الوضوء بقليل البول والغائط وكثيره، ولم تنقضوا الوضوء من القيح والقئ والدم والماء الا بمقدار ملء الفم أو بما سال أو بما غلب، وهذا تخليط وترك للقياس * فان قالوا: قد روى الوضوء من الرعاف ومن كل دم سائل عن عطاء وابراهيم ومجاهد (4) وقتادة وابن سيرين وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والحسن البصري وفى الرعاف عن الزهري (نعم) (5). وعن على وابن عمر رضى الله عنهم، وعن عطاء الوضوء من القلس والقئ والقيح، وعن قتادة في القيح، وعن الحكم بن عتيبة في القلس، وعن ابن عمر في القئ، قلنا: نعم إلا أنه ليس منهم أحد حد شيئا من ذلك بملء الفم، ولو كان فلا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالف


(1) في اليمنية (وأبطلوا) وهو خطأ (2) في الاصلين (القيح) وسياق الكلام يأباه والخطأ فيه واضح، وقد كتب بهامش اليمنية أن الظاهر (القئ) وهو الصواب (3) في المصرية (من المخرج) وهو خطأ (4) مجاهدكم لم يذكر في اليمنية (5) لفظ (نعم) زيادة من اليمنية

[ 260 ]

هؤلاء نطراؤهم، فصح عن أبى هريرة: أنه أدخل إصبعه في أنفه فخرج فيها دم ففته بين إصبعه ثم صلى ولم يتوضأ، وعن ابن عمر: أنه عصر بثرة بوجهه فخرج منها دم ففته بين إصبعيه وقام فصلى (1)، وعن طاوس أنه كان لا يرى في الرعاف وضوءا، وعن عطاء انه كان لا يرى في الرعاف وضوءا، وعن الحسن أنه كان لا يرى في القلس وضوءا، وعن مجاهد أنه كان لا يرى في القلس وضوءا * والعجب كله أن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون الغسل من المنى إذا خرج من الذكر لغير لذة، وهو المنى نفسه الذى أوجب الله تعالى ورسوله عليه السلام فيه الغسل ثم يوجبون الوضوء من القيح يخرج من الوجه قياسا على الدم يخرج من الفرج! والعجب كله أنهم سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن التذكية بالسن فانه عظم، فرأوا الذكاة غير جائزة بكل عظم، ثم أتوا إلى قوله عليه السلام في وضوء المستحاضة: (فان عرق) فقاسوا عليه دم الرعاف واللثاة والقيح، فهذا مقدار علمهم بالقياس. ومقدار اتباعهم للآثار، ومقدار تقليدهم من سلف * وأما الشافعي فانه جعل العلة في نقض الوضوء للمخرج وجعله أبو حنيفة للخارج وعظم تناقضه في ذلك كما ذكرنا، وتعليل كلا الرجلين مضاد لتعليل الآخر ومعارض له، وكلاهما خطا لانه قول بلا برهان، ودعوى لا دليل عليها، قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * قال أبو محمد: ويقال للشافعيين والحنفيين معا: قد وجدنا الخارج من المخرجين مختلف الحكم، فمنه ما يوجب الغسل كالحيض والمنى ودم النفاس، ومنه ما يوجب الوضوء فقط كالبول والغائط والريح والمذى، ومنه ما لا يوجب شيئا كالقصة البيضاء، فمن أين لكم أن تقيسوا ما اشتهيتم فأوجبتم فيه الوضوء قياسا على ما يوجب الوضوء من ذلك، دون أن توجبوا فيه الغسل قياسا على ما يوجب الغسل من ذلك، أو دون أن لا يتوجبوا فيه شيئا قياسا على ما لا يجب فيه شئ من ذلك؟ وهل هذا إلا التحكم بالهوى الذى حرم الله تعالى الحكم به وبالظن الذي أخبر تعالى أنه لا يغنى


(1) في اليمنية (فقام وصلى)

[ 261 ]

من الحق شيئا، مع فساد القياس ومعارضة بعضه بعضا وأما الماليكون فلم يقيسوا ههنا فوفقوا، وعللوا ههنا بخارج ولا بمخرج ولا بنجاسة فأصابوا، ولو فعلوا ذلك في تعليلهم الملامسة بالشهوة، وفى تعليلهم النهي عن البول في الماء الراكد، والفأرة تموت في السمن -: لوفقوا ولكن لم يطردوا أقوالهم. فالحمد لله على عظم نعمه علينا. وهم يدعون أنهم يقولون بالمرسل، وقد أوردنا في هذا الباب مرسلات لم يأخذوا بها، وهذا أيضا تناقض * وأما الوضوء من أذى المسلم فقد روينا (1) عن عائشة رضي الله عنها قالت: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لاخيه! وعن ابن مسعود رضي الله عنه: لان أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلى من أن أتوضأ من الطعام الطيب. وعن ابن عباس: الحدث حدثان، حدث الفرج وحدث اللسان، وأشدهما حدث اللسان. وعن ابراهيم النخعي: إني لاصلى الظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد، إلا أن أحدث أو أقول منكرا، الوضوء من الحدث وأذى المسلم. وعن عبيدة السلمانى: الوضوء يجب من الحدث وأذى المسلم (2). وروينا من طريق داود بن المحبر عن شعبة عن قتادة عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من الحدث وأذى المسلم) * (3) قال على: داود بن المحبر كذاب مشهور بوضع الحديث، ولكن لا فرق بين تقليد من ذكرنا قبل في الوضوء من الرعاف والقئ والقلس، والاخذ بذلك الاثر الساقط، وبين تقليد من ذكرنا ههنا في الوضوء من أذى (4) المسلم، والاخذ بهذا الاثر الساقط، بل هذا على أصولهم أوكد، لان الخلاف هنالك بين الصحابة رضى الله عنهم موجود، ولا مخالف يعرف ههنا لعائشة وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم، وهم يشنعون مثل هذا إذا وافقهم * وأما نحن فلا حجة عندنا إلا فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن أو خبر * وأما مس الصليب والوثن فاننا روينا عن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة


(1) في اليمنية (فروينا) (2) قول عبيدة لم يذكر في اليمنية (3) هذا الحديث ظاهر الوضع لنسبة اذى المسلم للرسول صلى الله عليه وسلم (4) في المصرية (اذاء)

[ 262 ]

عن عمار الدهني عن أبى عمرو الشيباني: (أن على بن أبى طالب رضى لله عنه استتاب المستورد العجلى، وأن عليا مس بيده صليبا كانت في عنق المستورد فلما دخل علي في الصلاة قدم رجلا وذهب، ثم أخبر الناس أنه لم يفعل ذلك لحدث أحدثه، ولكنه مس هذه (1) الانجاس فأحب أن يحدث منها وضوءا). وروينا أثرا من طريق يعلى بن عبيد عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بريدة وقد مس صنما فتوضأ) * قال على: صالح بن حيان ضعيف لا يحتج به، ولقد كان يلزم من يعظم خلاف الصاحب ويرى الاخذ بالآثار الواهية مثل الذى (2) قدمنا أن يأخذ بهذا الاثر، فهو أحسن من كثير مما يأخذون به مما قد ذكرناه،، ولا يعرف لعلي ههنا مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا مما تناقضوا فيه * وأما نحن فلا حجة عندنا الا في خبر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو القرآن. والحمد لله رب العالمين. لاسيما وعلى رضى الله عنه قد قطع صلاة الفرض بالناس من أجل ذلك، وما كان رضي الله عنه ليقطعها فيها لا يراه واجبا * فان قالوا: لعل هذا استحباب قلنا: ولعل كل ما أوجبتم فيه الوضوء من الرعاف وغيره تقليدا لمن سلف انما هو استحباب وكذلك المذى، وهذا كله لا معنى له وانما هي دعا ومخالفة للحقائق. وبالله تعالى التوفيق * وأما الردة فان المسلم لو توضأ واغتسل للجنابة أو كانت امرأة فاغتسلت من الحيض ثم ارتدا ثم راجعا الاسلام دون حدث يكون منهما فانه لم يأت قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا اجماع ولا قياس بأن الردة حدث ينقض الطهارة وهم يجمعون معنا على أن الردة لا تنقض غسل الجنابة ولا غسل الحيض ولا أحباسه السالفة ولا عتقه السالف ولا حرمة الرجل فمن أين وقع لهم انها تنقض الوضوء وهم اصحاب قياس فهلا قاسوا الوضوء على الغسل في ذلك فكان يكون أصح قياس


(1) في المصرية (مس من هذه) (2) في المصرية (التي)

[ 263 ]

لو كان شئ من القياس صحيحا فان ذكروا قول الله تعالى (لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) قلنا هذا على من مات كافرا لا على من راجع الاسلام يبين ذلك قول الله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم) وقوله تعالى (ولتكونن من الخاسرين) شهادة صحيحة قاطعة لقولنا لانه لا خلاف بين أحد (1) من الامة في ان من ارتد ثم راجع الاسلام ومات مسلما فانه ليس من الخاسرين، بل من الرابحين المفلحين، وانما الخاسر من مات كافرا وهذا بين والحمد لله. واما الدم الظاهر من فرج المرأة الحامل فقد اختلف الناس فيه فروينا من طريق أم علقمة عن عائشة أم المؤمنين ان الحامل تحيض وهو احد قولى الزهري، وهو قول عكرمة وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وربيعة ومالك والليث والشافعي، وروينا عن سعيد بن المسيب والحسن وحماد بن أبي سليمان أنها مستحاضة لا حائض (2) وروى عن مالك أنه قال في الحامل ترى الدم انها لا تصلى الا ان يطول ذلك بها فحيئذ تغتسل وتصلى، ولم يحد في الطول حدا وقال أيضا ليس اول الحمل كآخره، ويجتهد لها ولا حد في ذلك، وروينا من طريق عطاء عن عائشة أم المؤمنين: أن الحامل وان رأت الدم فانها تتوضأ وتصلى وهو قول عطاء والحكم بن عتيبة والنخعي والشعبى وسليمان بن يسار ونافع مولي ابن عمر وأحد قولى الزهري وهو قول سفيان الثوري والاوزاعي وأبي حنيفة واحمد ابن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وداود وأصحابهم: قال ابو محمد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن طلاق الحائض وأمر بالطلاق في حال الحمل وإذا كانت حائلا فصح ان حال الحائض والحائل غير حال الحامل (3). وقد اتفق المخالفون لنا على أن ظهور الحيض استبراء وبراءة من الحمل، فلو جاز أن تحيض الحامل لما كان الحيض براءة من الحمل، وهذا بين جدا والحمد لله، وإذا كان ليس حيضا ولا عرق استحاضة فهو غير موجب للغسل ولا للوضوء إذ لم يوجب ذلك نص ولا اجماع وكذلك دم


(1) في اليمنية (فانه لا خلاف من أحد) (2) في اليمنية (أنها لا مستحاضة ولا حائض) (3) في اليمنية (أن حال لحمل والحائل غير حال الحائض)

[ 264 ]

النفاس فانما يوجب الغسل لانه دم حيض على ما بينا بعد هذا (1) والحمد لله رب العالمين * وكذلك القول في الذبح والقتل وان كان معصية فان كل ذلك لا ينقض الطهارة. لانه لم يأت بذلك قرآن ولا سنة، وكذلك من مس المرأة على ثوب لانه انما لامس الثوب لا المرأة، وكذلك مس الرجل الرجل بغير الفرج ومس المرأة المرأة بغير الفرج والانعاظ والتذكر وقرقرة البطن في الصلاة ومس الابط ونتفه ومس الانثيين والرفغين وقص الشعر والاظفار لان كل ما ذكرنا لم يأت نص ولا اجماع بايجاب (2) الوضوء في شئ منه * وقد اوجب الوضوء في بعض ما ذكرنا بل في أكثره بل في كله، طوائف من الناس فاوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة ابراهيم النخعي واوجب الوضوء في الانعاظ والتذكر والمس على الثوب لشهوة بعض المتأخرين، وروينا ايجاب الوضوء في مس الابط عن عمر بن الخطاب ومجاهد وإيجاب الغسل من نتفه عن علي ابن ابى طالب وعبد الله بن عمرو (3) وعن مجاهد الوضوء من تنقية الانف، وروينا عن علي بن ابى طالب ومجاهد وذر والد عمر بن ذر، إيجاب الوضوء من قص الاظفار وقص الشعر، وأما الدود والحجر يخرجان من الدبر فان الشافعي اوجب الوضوء من ذلك ولم يوجبه مالك ولا اصحابنا وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مس انثييه أو رفغيه فليتوضأ) ولكنه مرسل لا يسند * واما الصفرة والكدرة والدم الاحمر فسيذكر في الكلام في الحيض ان شاء الله حكمه وانه ليس حيضا ولا عرقا فإذ ليس حيضا ولا عرقا فلا وضوء فيه. إذ لم يوجب في ذلك قرآن ولا سنة ولا اجماع * وأما الضحك في الصلاة فانا روينا في ايجاب الوضوء منه أثرا واهيا لا يصح،


(1) كذا في الاصلين ولعل صوابه (على ما تبين بعد هذا (2) في المصرية (فايجاب) وهو خطأ (3) في اليمنية (وعبد الله بن عمر)

[ 265 ]

لانه مرسل (1) من طريق أبى العالية وابراهيم النخعي وابن سيرين والزهرى وعن الحسن عن معبد بن صبيح (2) ومعبد الجهنى، وإما مسند من طريق أنس وأبى موسى وأبي هريرة وعمر ان بن حصين وجابر وأبى المليح، وروينا إيجاب الوضوء منه عن أبي موسى الاشعري وابراهيم النخعي والشعبى وسفيان الثوري والاوزاعي والحسن بن حى وعبيد الله بن الحسن وأبى حنيفة وأصحابه * فأما حديث أنس فانه من طريق احمد بن عبد الله بن زيادة التتري عن عبد الرحمن بن عمر وأبى حيله وهو مجهول، وأما حديث أبي موسى ففيه محمد بن نعيم وهو مجهول، وأما حديث أبى هريرة ففيه عبد الكريم بن أبى المخارق وهو غير ثقة وأما حديث عمران بن حصين ففيه إسماعيل بن عياش وعبد الوهاب بن نجدة وهما ضعيفان، وأما حديث جابر ففيه أبو سفيان وهو ضعيف، وأما حديث أبى المليح ففيه الحسن بن دينار وهو مذكور بالكذب * ولا حجة الا في القرآن أو أثر صحيح مسند * وقد كان يلزم المالكيين والشافعيين القائلين بالمتواتر من الاخبار حتى ادعوا التواتر لحديث معاذ (أجتهد رأيى) والقائلين بمرسل سعيد وطاوس أن يقولوا بهذه الآثار، فانها أشد تواترا مما ادعوا له التواتر، وأكثر ظهورا في عدد من أرسله من النهى عن بيع اللحم والحيوان بالحيوان، وسائر ما قاقوا به من المراسيل * وكذلك كان يلزم أبا حنيفة وأصحابة المخالفين الخبر الصحيح في المصراة وفي حج المرأة عن الهرم الحى وفى سائر ما تركوا فيه السنن الثابتة للقياس -: أن يرفضوا هذا الخبر الفاسد قياسا على ما أجمع عليه من أن الضحك لا ينقض الوضوء في غير الصلاة، فكذلك لا يجب أن ينقضه في الصلاة، ولكنهم لا يطردون القياس ولا يتبعون السنن ولا يلتزمون ما أحلوا من قبول المرسل والمتواتر، الا ريثما


(1) كذا بالاصلين ولعل صوابه (لانه إما مرسل) (2) لم أجد من يسمى (معبد بن صبيح) هذا فيبحث عنه

[ 266 ]

يأتي موافقا لآرائهم أو تقليدهم، ثم هم أول رافضين له إذا خالف تقليدهم وآراءهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل * ويقال لهم: في أي قرآن أو في أي سنة أو في أي قياس وجدتم تغليظ بعض الاحداث فينقض الوضوء قليلها وكثيرها، وتخفيف بعضها قد ينقض الوضوء الا النهى عن بيع اللحم والحيوان بالحيوان، وسائر ما قاقوا به من المراسيل * وكذلك كان يلزم أبا حنيفة وأصحابة المخالفين الخبر الصحيح في المصراة وفي حج المرأة عن الهرم الحى وفى سائر ما تركوا فيه السنن الثابتة للقياس -: أن يرفضوا هذا الخبر الفاسد قياسا على ما أجمع عليه من أن الضحك لا ينقض الوضوء في غير الصلاة، فكذلك لا يجب أن ينقضه في الصلاة، ولكنهم لا يطردون القياس ولا يتبعون السنن ولا يلتزمون ما أحلوا من قبول المرسل والمتواتر، الا ريثما


(1) كذا بالاصلين ولعل صوابه (لانه إما مرسل) (2) لم أجد من يسمى (معبد بن صبيح) هذا فيبحث عنه

[ 266 ]

يأتي موافقا لآرائهم أو تقليدهم، ثم هم أول رافضين له إذا خالف تقليدهم وآراءهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل * ويقال لهم: في أي قرآن أو في أي سنة أو في أي قياس وجدتم تغليظ بعض الاحداث فينقض الوضوء قليلها وكثيرها، وتخفيف بعضها قد ينقض الوضوء الا مقدارا حددتموهبد بن صبيح) هذا فيبحث عنه

[ 266 ]

يأتي موافقا لآرائهم أو تقليدهم، ثم هم أول رافضين له إذا خالف تقليدهم وآراءهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل * ويقال لهم: في أي قرآن أو في أي سنة أو في أي قياس وجدتم تغليظ بعض الاحداث فينقض الوضوء قليلها وكثيرها، وتخفيف بعضها قد ينقض الوضوء الا مقدارا حددتموه منها؟ والنص فيها كلها جاء مجيئا واحدا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) ولا يخفى على ذي عقل أن بعض الحدث حدث، فإذا هو كذلك فقليله وكثيره ينقض الطهارة، وما لم يكن حدثنا فكثيره وقليله لا ينقض الطهارة. وبالله تعالى التوفيق * تم بحمد الله تعالى وحسن توفيقه طبع الجزء الاول من كتاب المحلى شرح المجلى للامام العلامة أبى محمد على بن حزم الاندلسي رحمه الله وجعل الجنة مثواه ويتلوه الجزء الثاني ان شاء الله تعالى ومطلعه (الاشياء الموجبة غسل الجسد كله) ونسأل الله عزوجل الاعانة على إكماله وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الآل والاصحاب والتابعين لهم باحسان الي يوم المآب

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية