الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كشاف القناع - البهوتي ج 2

كشاف القناع

البهوتي ج 2


[ 1 ]

كشف القناع للشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي المتوفي سنة 51. ه‍ عن متن الاقناع للامام موسى بن احمد الحجادي الصالحي المتوفي سنة 960 ه‍ قدم له الاستاذ الدكتور كمال عبد العظيم العناني حققه أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي تنبيه: وضعنا نص متن الاقناع في اعلى الاصفحات ووضعنا تحته فص كشاف القناع مفصولا بينهما بخط. الجزء الثاني تتمة الصلاة - الجنائز - الزكاة - الصيام - الحج منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل: في الجمع بين الصلاتين (وليس) الجمع (بمستحب، بل تركه أفضل) للاختلاف فيه (غير جمعي عرفة ومزدلفة) فيسنان بشرطه. للاتفاق عليهما. لفعله (ص). (يجوز) الجمع (بين الظهر والعصر) في وقت إحداهما، (و) بين (العشاءين في وقت إحداهما) فهذه الاربع هي التي تجمع: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء في وقت أحدهما. أما الاولى، ويسمى جمع التقديم، أو الثانية، ويقال له: جمع التأخير في ثمان حالات: إحداها: (لمسافر يقصر) أي يباح له قصر الرباعية، بأن يكون السفر غير مكروه ولا حرام، ويبلغ يومين قاصدين كما تقدم. لما روى معاذ: أن النبي (ص) كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا. ثم سار وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء. رواه أبو داود والترمذي. وقال: حسن غريب. وعن أنس معناه. متفق عليه. وظاهره: لا فرق بين أن يكون نازلا أو سائرا في جمع التقديم أو التأخير. وقال القاضي: لا يجوز إلا لسائر (فلا يجمع من لا) يباح له أن (يقصر، كمكي ونحوه بعرفة ومزدلفة). قال في شرح المنتهى: أما المكي ومن هو دون مسافة القصر من

[ 4 ]

عرفة ومن مزدلفة، والذي ينوي الاقامة بمكة فوق عشرين صلاة، فلا يجوز لواحد منهم الجمع لانهم ليسوا بمسافرين سفر قصر، (و) الحالة الثانية: (لمريض يلحقه بتركه) أي الجمع (مشقة وضعف) لان النبي (ص): جمع من غير خوف ولا مطر. وفي رواية: من غير خوف ولا سفر. رواهما مسلم من حديث ابن عباس. ولا عذر بعد ذلك إلا المرض. وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة. وهي نوع مرض. واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر، واحتجم بعد الغروب ثم تعشى، ثم جمع بينهما. تنبيه: قوله: مشقة وضعف هكذا في المستوعب. والكافي، والشرح، والمقنع، وتابعه في التنقيح. ولم يتعقبه في المبدع ولا الانصاف. ولم يذكر في الفروع وضعف وتبعه في المنتهى وحكاه في شرحه بقيل. (و) الحالة الثالثة: (لمرضع لمشقة كثرة النجاسة) أي مشقة تطهيرها لكل صلاة. قال أبو المعالي: هي كمريض. (و) الحالة الرابعة: (لعاجز عن الطهارة) بالماء، (أو التيمم لكل صلاة)، لان الجمع أبيح للمسافر والمريض للمشقة، والعاجز عن الطهارة لكل صلاة في معناهما. الحالة الخامسة: المشار إليها بقوله: (أو) عاجز (عن معرفة الوقت كأعمى)، ومطمور (أومأ إليه أحمد) قاله في الرعاية، واقتصر عليه في الانصاف. (و) الحالة السادسة: (لمستحاضة ونحوها) كصاحب سلس بول أو مذي أو رعاف دائم ونحوه. لما جاء في حديث حمنة حين استفتت النبي (ص) في الاستحاضة، حيث قال فيه: فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين،

[ 5 ]

فافعلي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. ومن به سلس البول ونحوه في معناها. (و) الحالة السابعة والثامنة: (لمن له شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة) كخوف على نفسه أو حرمته أو ماله، أو تضرر في معيشة يحتاجها يترك الجمع ونحوه. قال أحمد، في رواية محمد بن مشيش: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة من مرض أو شغل (واستثنى جمع) منهم صاحب الوجيز (النعاس) قال في الوجيز: عدا النعاس ونحوه. (وفعل الجمع في المسجد جماعة أولى من أن يصلوا في بيوتهم) لعموم حديث: خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، (بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة. مخالفة للسنة، إذ السنة أن تصلي الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت مفرقة، باتفاق الائمة الذين يجوزون الجمع ك‍) الامام (مالك) بن أنس (و) الامام محمد بن إدريس (الشافعي، و) الامام (أحمد، قاله الشيخ) ثم اعلم أن الاعذار السابقة تبيح الجمع بين الظهر والعصر وبين العشاءين، ثم أشار إلى الاعذار المختصة بالعشاءين. وهي ستة فقال: (ويجوز) الجمع (بين العشاءين لا الظهرين لمطر يبل الثياب، زاد جمع: أو) يبل (النعل أو البدن، وتوجد معه مشقة). روى البخاري بإسناده: أنه (ص) جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة، وفعله أبو بكر وعمر وعثمان. و (لا) يباح الجمع لاجل (الظل)

[ 6 ]

ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب على المذهب، لعدم المشقة (و) يجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين (لثلج وبرد)، لانهما في حكم المطر (و) يجوز الجمع بين العشاءين ل‍ (جليد) لانه من شدة البرد (ووحل وريح شديدة باردة). قال أحمد في رواية الميموني: إن ابن عمر كان يجمع في الليلة الباردة. زاد غير واحد ليلا وزاد في المذهب والمستوعب والكافي مع ظلمة قال القاضي: وإذا جاء ترك الجماعة لاجل البرد كان فيه تنبيه على الوحل، لانه ليس مشقة البرد بأعظم من مشقة الوحل. ويدل عليه خبر ابن عباس: جمع النبي (ص) بالمدينة من غير خوف ولا مطر ولا وجه يحمل عليه إلا الوحل. أي عند انتفاء المرض. قال القاضي: وهو أولى من حمله على غير العذر والنسخ. لانه يحمل على فائدة، فيباح الجمع مع هذه الاعذار، (حتى لمن يصلي في بيته، أو) يصلي (في مسجد طريقه تحت ساباط، ولمقيم في المسجد ونحوه) كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة (ولو لم ينله إلا يسير). لان الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها كالسفر. وإنما اختصت هذه بالعشاءين لانه لم يرد إلا فيهما. ومشقتهما أكثر من حيث إنهما يفعلان في الظلمة. ومشقة السفر لاجل السير وفوات الرفقة. بخلاف ما هنا. (وفعل الارفق به) أي بمن يباح له الجمع (من تأخير وتقديم أفضل بكل حال) لحديث معاذ السابق قال البخاري: قلت له: مع من كتبت هذا عن الليث؟ قال: مع خالد المدائني قال البخاري: وخالد هذا كان يدخل الاحاديث على الشيوخ. وعن ابن عباس نحوه. رواه الشافعي وأحمد وأخر النبي (ص) الصلاة يوما في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا. ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، رواه مالك عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ. قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد. ولان الجمع من رخص السفر، فلم يختص بحالة كسائر رخصه. وعنه: أنه يختص بحالة السير، وحمل على الاستحباب (سوى جمعي عرفة ومزدلفة فيقدم) العصر (في عرفة)، ويصليها مجموعة مع الظهر جمع تقديم، (ويؤخر) المغرب ليجعلها مع العشاء (في مزدلفة) عند وصوله إليها، لفعله (ص) لاشتغاله وقت العصر بعرفة بالدعاء، ووقت المغرب ليلة مزدلفة بالسير إليها. (فإن استويا) أي التقديم والتأخير في الرفق، (فالتأخير أفضل) لانه أحوط. وفيه خروج من الخلاف. وعمل بالاحاديث كلها

[ 7 ]

(سوى جمع عرفة) فالتقديم فيه أفضل، لما سبق. وإن كان الارفق به التأخير، اتباعا للسنة (ويشترط للجمع في وقت الاولى) ظهرا كانت أو مغربا، وهو جمع التقديم (ثلاثة شروط) أحدها: (نية الجمع عند إحرامها) لانه عمل. فيدخل في عموم قوله (ص): إنما الاعمال بالنيات. وكل عبادة اشترطت فيها النية اعتبرت في أولها كنية الصلاة. ولا تشترط نية الجمع عند إحرام الثانية، (وتقديمها) أي الاولى (على الثانية في الجمعين) أي جمع التقديم والتأخير، فلا يختص هذا الشرط بجمع التقديم. (فالترتيب بينهما) أي المجموعتين (كالترتيب في الفوائت يسقط بالنسيان) لان: إحداهما: هنا تبع لاستقرارهما. كالفوائت. قدمه ابن تميم والفائق. قال المجد في شرحه، وتبعه الزركشي: الترتيب معتبر هنا. لكن يشترط الذكر، كترتيب الفوائت ا. ه‍. والصحيح من المذهب الذي عليه جماهير الاصحاب: أنه لا يسقط بالنسيان، قاله في الانصاف. قال في المنتهي: ويشترط له أي للجمع ترتيب مطلقا. (و) الثاني: (الموالاة فلا يفرق بينهما) أي المجموعتين. لان معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل (إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف) لان ذلك يسير وهو معفو عنه، وهما من مصالح الصلاة، وظاهرة تقدير اليسير بذلك. وصحح في المغنى والشرح، وجزم به في الوجيز: أن يرجعه إلى العرف، كالقبض والحرز. فإن طال الوضوء بطل الجمع. (ولا يضر كلام يسير لا يزيد على ذلك) أي على قدر الاقامة والوضوء الخفيف (من تكبير عيد أو غيره)، كذكر وتلبية، (ولو) كان الكلام (غير ذكر) كالسكوت اليسير. (فإن صلى السنة الراتبة أو غيرها بينهما) أي بين المجموعتين جمع تقديم (لا) إن سجد بينهما (سجود السهو) ولو بعد سلام الاولى (بطل الجمع) لانه فرق بينهما

[ 8 ]

بصلاة. كما لو قضى فائتة. ولو لم تطل الصلاة كما يعلم من كلامه في المبدع. وأما سجود السهو بينهما فلا يؤثر. لانه يسير، ومن تعلق الاولى، وتقدم في سجود السهو كلام الفصول: أنه يسجد بعدهما (و) الشرط الثالث: (أن يكون العذر) المبيح للجمع من سفر أو مرض ونحوه (موجودا عند افتتاح الصلاتين) المجموعتين، (و) عند (سلام الاولى)، لان افتتاح الاولى موضع النية وفراغها، وافتتاح الثانية موضع الجمع، (فلو أحرم) ناوي الجمع (بالاولى) من المجموعتين (مع وجود مطر، ثم انقطع) المطر (ولم يعد، فإن حصل وحل) لم يبطل الجمع. لان الوحل من الاعذار المبيحة، وهو ناشئ من المطر. فأشبه ما لو لم ينقطع المطر (وإلا) أي وإن لم يحصل وحل (بطل الجمع) لزوال العذر المبيح له. فيؤخر الثانية حتى يدخل وقتها. (وإن شرع في الجمع مسافر لاجل السفر، فزال سفره) بوصوله إلى وطنه أو نيته الاقامة (ووجد وحل، أو مرض، أو مطر، بطل الجمع) لزوال مبيحه. والعذر المتجدد غير حاصل عن الاول، بخلاف الوحل بعد المطر. (ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع مطر ونحوه) كثلج وبرد إن خلفه وحل (بخلاف غيره كسفر ومرض) فيشترط استمراره إلى فراغ الثانية. (فلو انقطع السفر في الاولى بنية إقامة ونحوها) كمروره بوطنه أو بلد له به امرأة (بطل الجمع والقصر كما تقدم) لزوال مبيحهما (ويتمها) أي الاولى (وتصح) فرضا لوقوعها في وقتها. ويؤخر الثانية حتى يدخل وقتها (وإن انقطع) السفر (في الثانية بطلا) أي الجمع والقصر (أيضا) لزوال مبيحهما (ويتمها نفلا) كمن أحرم بفرض قبل دخول وقته غير عالم، (ومريض كمسافر) في جمع (فيما إذا برئ في الاولى أو الثانية) على ما تقدم تفصيله، (وإن جمع) جمع تأخير (في وقت الثانية) اشترط له شرطان: أحدهما: أشار إليه بقوله: (كفاه) أي أجزأه (نية الجمع في وقت الاولى) لانه متى أخرها عن وقتها بلا نية صارت قضاء لا جمعا (ما لم يضق) وقت الاولى (عن فعلها، فإن ضاق) وقت الاولى عن فعلها (لم يصح الجمع) لان تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام، (وأثم بالتأخير) لما

[ 9 ]

تقدم. (و) الشرط الثاني: (استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية) منهما، لان المجوز للجمع العذر. فإذا لم يستمر وجب أن لا يجوز لزوال المقتضى، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع. (ولا أثر لزواله بعد ذلك) أي بعد دخول وقت الثانية لانهما صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد له من فعلهما. ويشترط الترتيب في الجمعين. كما تقدم، لكن إن جمع في وقت الثانية وضاق الوقت عنهما، قال في الرعاية: أو ضاق وقت الاولى عن إحداهما، ففي سقوط الترتيب لضيقه وجهان، (ولا تشترط الموالاة) في جمع التأخير (فلا بأس بالتطوع بينهما نصا)، ولا تشترط أيضا نية الجمع. لان الثانية مفعولة في وقتها، فهي أداة بكل حال. (ولا يشترط في الجمع) تقديما كان أو تأخيرا (اتحاد إمام ولا مأموم، فلو صلى) من يجمع (الاولى وحده، ثم الثانية إماما، أو مأموما، أو صلى إمام الاولى وإمام) آخر (الثانية، أو صلى مع الامام مأموم الاولى، وآخر الثانية، أو نوى الجمع خلف من لا يجمع، أو) نوى الجمع إماما (بمن لا يجمع، صح) الجمع في هذه الصور كلها. لان لكل صلاة حكم نفسها. وهي منفردة بنيتها. فلم يشترط اتحاد الامام والمأموم، كغير المجموعتين. تتمة: إذا بان فساد الاولى بعد الجمع بنسيان ركن أو غيره بطلت، وكذا الثانية، فلا جمع. ولا تبطل الاولى ببطلان الثانية. ولا الجمع إن صلاها قريبا. وإن ترك ركنا ولم يدر من أيهما تركه، أعادهما إن بقي الوقت وإلا قضاهما. فصل: (في صلاة الخو ف) وهي ثابتة بقوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) * الآية، ومثبت في حقه ثبت في حق أمته. ما لم يقم دليل على اختصاصه، لان الله أمر باتباعه، وتخصيصه بالخطاب لا يقتضي تخصيصه بالحكم، بدليل قوله تعالى * (خذ من أموالهم صدقة) * وبالسنة فقد ثبت وصح أنه (ص) صلاها. وأجمع الصحابة على فعلها. وصلاها علي وأبو موسى الاشعري وحذيفة. فإن قيل: لم يصلها النبي (ص) يوم

[ 10 ]

الخندق. أجيب: بأنه: كان قبل نزول الآية أو بعده ونسيها، أو لم يكن يومئذ قتال يمنعه منها. ويؤيده: أنه (ص): سألهم عن الصلاة، فقالوا: ما صلينا. (وتأثيره) أي الخوف (في تغيير هيئات الصلاة وصفاتها، لا في تغيير عدد ركعاتها) أي ركعات الصلاة. فلا يغيره الخوف، بناء على قول الاكثر في منع الوجه السادس الآتي. وأما على ظاهر كلام الامام فيؤثر أيضا في عددها. كما في الوجه المشار إليه، على ما يأتي بيانه (ويشترط فيها) أي في صلاة الخوف (أن يكون القتال مباحا، كقتال الكفار والبغاة والمحاربين) لقوله تعالى: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * وقيس عليهم باقي من يجوز قتاله بخلاف القتال المحرم لانها رخصة، فلا تباح بمعصية. (قال الامام أحمد بن حنبل صحت) صلاة الخوف (عن النبي (ص)) من خمسة أوجه أو ستة. وفي رواية أخرى (من ستة أوجه أو سبعة) كلها جائزة). قال الاثرم قلت لابي عبد الله: تقول بالاحاديث كلها أو تختار واحدا منها، قال: أنا أقول: كل من ذهب إليها كلها فحسن. وأما حديث سهل فأنا أختاره ا. ه‍. وسيأتي التنبيه على علة اختياره له، (فمن ذلك) الذي صح عنه (ص) (إذا كان العدو في جهة القبلة وخيف هجومه صلى بهم) إمام (صلاة) النبي (ص) في (عسفان) بلد يبعد عن مكة بنحو مرحلتين، (فيصفهم) الامام (خلفه صفين فأكثر، حضرا كان) الخوف (أو سفرا وصلى بهم جميعا) من الاحرام والقيام والركوع والرفع (إلى أن يسجد فيسجد معه الصف الذي يليه، ويحرس) الصف (الآخر، حتى يقوم الامام إلى) الركعة (الثانية فيسجد) المتخلف (ويلحقه، ثم الاولى تأخر الصف المقدم وتقدم) الصف (المؤخر)، ليحصل التساوي في فضيلة الموقف. ولانه أقرب مواجهة للعدو، (فإذا سجد) الامام (في الثانية سجد معه الصف الذي يليه، وهو الذي حرس أولا) أي في الركعة الاولى (وحرس) الصف (الآخر) الذي سجد

[ 11 ]

معه في الاولى (حتى يجلس) الامام (للتشهد فيسجد) الحارس (ويلحقه، فيتشهد ويسلم بهم) جميعا. هذه الصفة رواها جابر قال: شهدت مع النبي (ص) صلاة الخوف، فصفنا خلفه صفين والعدو خلفه بيننا وبين القبلة. فكبر (ص) وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا. ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه. وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى (ص) السجود والصف الذي يليه انحدر المؤخر بالسجود وقاموا. ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الاولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى (ص) وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وسجد، ثم سلم النبي (ص) وسلمنا جميعا. رواه مسلم وروى البخاري بعضه. وروى هذه الصفة أحمد وأبو داود من حديث أبي عياش الزرقي. قال: فصلاها النبي (ص) مرتين، مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم. (ويشترط فيها) أي في الصلاة على هذا الوجه (أن لا يخافوا كمينا) يأتي من خلف المسلمين. قال في القاموس: الكمين، كأمير: القوم يكمنون في الحرب. (و) أن (لا يخفى بعضهم) أي الكفار (عن المسلمين) فإن خافوا كمينا أو خفي بعضهم عن المسلمين صلى على غير هذا الوجه، كما لو كانوا في غير القبلة (وإن حرس كل صف مكانه من غير تقدم أو تأخر) فلا بأس لحصول المقصود. لكن ما تقدم أولى، لفعله (ص) (أو جعلهم صفا واحدا وحرس بعضه وسجد الباقون) ثم في الثانية حرس الساجدون أولا وسجد الآخرون. فلا بأس لحصول المقصود (أو حرس الاول في) الركعة (الاولى و) حرس (الثاني في) الركعة (الثانية فلا بأس)، لحصول المقصود (ولا يجوز أن يحرس صف واحد في الركعتين) لانه ظلم له بتأخيره عن السجود في الركعتين، وعدول عن العدل بين الطائفتين. الوجه (الثاني: (إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو في جهتها ولم يروهم أو رأوهم) وخافوا كمينا أو خفي بعضهم

[ 12 ]

عن المسلمين، أو رأوهم ولم يخافوا شيئا من ذلك، (و) لكن (أحبوا فعلها كذلك، صلى بهم صلاة) النبي (ص) بغزوة (ذات الرقاع) بكسر الراء، سميت بذلك لانهم شدوا الخرق على أرجلهم من شدة الحر. لفقد النعال. وقيل: هو اسم جبل قريب من المدينة فيه حمرة وسواد وبياض. كأنها خرق. وقيل: هي غزوة غطفان. وقيل: كانت نحو نجد، قاله في الحاشية (فيقسمهم) الامام (طائفتين، تكفي كل طائفة العدو) زاد أبو المعالي: بحيث يحرم فرارها، متى خشي اختلال حالهم واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الاخرى، فللامام أن ينهض إليهم بمن معه ويبنوا على ما مضى من صلاتهم، (ولا يشترط في الطائفة عدد) مخصوص، بل كفاية العدو، لان الغرض الحراسة منه. ويختلف بحسب كثرته وقلته وقوته وضعفه. (فإن فرط) الامام (في ذلك) بأن كانت الطائفة لا تكفي العدو (أو) فرط في (ما فيه حفظ لنا أثم، ويكون صغيرة لا يقدح في) صحة (الصلاة إن قارنها) لان النهي لا يختص شرط الصلاة (وإن تعمد ذلك فسق، وإن لم يتكرر كالمودع والوصي والامين، إذا فرط في الحفظ) قال في الانصاف) قلت: إن تعمد ذلك فسق وإلا فلا اه‍. وقال في تصحيح الفروع: المذهب صحة الصلاة. وتبعه في المنتهى. لان التحريم لم يعد إلى شرط الصلاة، بل إلى المخاطرة. كما تقدم. كترك حمل السلاح مع حاجة. قلت: وفي الفسق مع التعمد نظر لانه صغيرة كما تقدم. وصرح به في المبدع. والصغيرة لا يفسق بتعمدها، بل بالمداومة عليها. (طائفة) تذهب (تحرس) العدو، ولا تحرم معه في الركعة الاولى لما ستقف عليه، (وطائفة) تحرم معه و (يصلى بها ركعة تنوي مفارقته إذا استتم قائما، ولا يجوز) أن تفارقه (قبله) بلا عذر وتبطل صلاتها بذلك، لعدم الحاجة إليه، (وتنوي المفارقة وجوبا، لان من ترك المتابعة) لامامه (ولم ينو المفارقة تبطل صلاته) لانه اختلاف على إمامه، وقد نهي عنه. (وأتمت) صلاتها (لانفسها) بركعة (أخرى ب‍) - سورة (الحمد) لله (وسورة) أخرى، (ثم تشهدت وسلمت) لنفسها، (ومضت تحرس) مكان الاولى (وتسجد لسهو إمامها قبل المفارقة

[ 13 ]

بعد فراغها) من الصلاة. لان نقص صلاته نقص في صلاتها. (وهي بعد المفارقة) له (منفردة، فقد فارقته حسا وحكما) لنيتها المفارقة، فلا تسجد لسهوه بعد المفارقة (وثبت) الامام (قائما يطيل قراءته حتى تحضر) الطائفة (الاخرى) التي كانت تحرس (ف‍) - تحرم ثم (تصلي معه) الركعة (الثانية، يقرأ) الامام (إذا جاءوا بالفاتحة وسورة إن لم يكن قرأ) قبل مجيئها (فإن كان قرأ) قبله (قرأ بعده بقدرهما، ولا يؤخر القراءة إلى مجيئها استحبابا) فلا تبطل إن لم يقرأ، (ويكفي إدراكها لركوعها) أي الثانية كالمسبوق (ويكون الامام ترك المستحب) وهو القراءة بقدر الفاتحة والسورة. (وفي الفصول: فعل مكروها يعني حيث لم يقرأ شيئا بعد دخولها معه إنما أدركته راكعا فإذا جلس) الامام (للتشهد أتمت لانفسها) ركعة (أخرى وتفارقه حسا لا حكما فلا تنوي مفارقته تسجد معه لسهوه) في الاولى أو الثانية. و (لا) تسجد (لسهوهم) لتحمل الامام له. لانها لم تفارقه من دخولها معه إلى سلامة بها. (ويكرر الامام التشهد) أو يطيل الدعاء فيه، كما في المبدع (فإذا تشهدت سلم بهم، لانها مؤتمة به حكما) في الركعة التي تقضيها وفي الركعة الاخرى حسا. فلا يسلم قبلهم. لقوله تعالى: * (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) * فيدل على أن صلاتهم كلها معه، وتحصل المعادلة بينهما. فإن الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام، والثانية فضيلة السلام. وهذا الوجه متفق عليه من رواية صالح بن خوات ابن جبير عمن صلى مع النبي (ص) يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لانفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الاخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. ثم ثبت جالسا وأتموا لانفسهم، ثم سلم بهم وصح عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة مرفوعا. وهذا الحديث هو الذي أشار إليه أحمد بقوله: وأما حديث سهل، فأنا أختاره.

[ 14 ]

ووجهه: كونه إنكاء للعدو. وأقل في الافعال. وأشبه بكتاب الله تعالى. وأحوط للصلاة والحرب (وإن كانت الصلاة مغربا صلى ب‍) - الطائفة (الاولى ركعتين، وب‍) - الطائفة (الثانية ركعة) لانه إذا لم يكن بدا من التفضيل فالاولى أحق به. وما فات الثانية ينجبر بإدراكها السلام مع الامام. (ولا تتشهد) الطائفة الثانية (معه) أي الامام (عقبها) أي الثالثة. لانه ليس بموضع لتشهدها. بخلاف الرباعية (ويصح عكسها) بأن يصلي بالاولى ركعة، وبالثانية ركعتين (نصا) وروي عن علي. لان الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام. فينبغي أن يزيد الثانية في الركعات، ليحصل الجبر به. والاول أولى. لان الثانية تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام. والاولى تفعل ما بقي منفردة (وإن كانت) الصلاة (رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين) ليحصل العدل بينهم، (ولو صلى بطائفة ركعة وبأخرى ثلاثا صح وتفارقه) الطائفة (الاولى في المغرب والرباعية عند فراغ التشهد) الاول (وينتظر الامام الطائفة الثانية جالسا. يكرر التشهد) الاول إلى أن تحضر (فإذا أتت قام) لتدرك معه جميع الركعة الثالثة. ولان الجلوس أخف على الامام، لانه متى انتظرهم قائما احتاج إلى قراءة السورة في الثالثة، وهو خلاف السنة. قال أبو المعالي: تحرم معه، ثم ينهض بهم. والوجه الثاني: يفارقونه حين يقوم إلى الثالثة، لانه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، والتشهد يستحب تخفيفه. ولان ثواب القائم أكثر. قال في الشرح: وكلاهما جائز (فإذا جلس للتشهد الاخير تشهدت معه التشهد الاول كالمسبوق، ثم قامت وهو جالس، فاستفتحت) وتعوذت (وأتمت صلاتها، فإذا تشهد سلم بهم) ولا يسلم قبلهم لما تقدم. ويستحب أن يخفف بهم الصلاة. لان موضوع صلاة الخوف على التخفيف. وكذلك الطائفة التي تفارقه تخفف الصلاة، (وتتم الاولى) صلاتها بعد المفارقة (بالحمد لله) وحدها (في كل ركعة) لانها

[ 15 ]

آخر صلاتها (والاخرى تتم بالحمد لله وسورة) لانها أول صلاتها، (وإن فرقهم) الامام (أربعا) أي أربع طوائف (فصلى بكل طائفة ركعة) أو فرقهم ثلاث فرق، فصلى بالاولى ركعتين وبالباقيتين ركعة ركعة، أو صلى بكل فرقة ركعة في المغرب (صحت صلاة الاوليين) لانهما ائتمتا بمن صلاته صحيحة، ولمفارقتهما قبل الانتظار الثالث، وهو المبطل. لانه لم يرد. (وبطلت صلاة الامام) لانه زاد انتظارا ثالثا لم يرد الشرع به، فوجب بطلانها. أشبه ما لو فعله من غير خوف. وسواء كان هذا التفريق لحاجة أو غيرها. قاله ابن عقيل. لانه يمكنهم صلاة شدة الخوف (و) بطلت صلاة الطائفتين (الاخريين إن علمتا بطلان صلاته) أي بطلان صلاته (و) جهله (الامام صحت) صلاتهما. لانه مما يخفي (كحدثه)، أي كما لو جهل الامام والمأموم حدث الامام حتى انقضت الصلاة. فإنها تصح للمأموم فقط. وتقدم. وعلم منه: بطلان صلاة الامام وإن جهلا. (و) الوجه (الثالث: أن يصلي) الامام (بطائفة ركعة، ثم تمضي إلى العدو) للحراسة (ثم بالثانية ركعة، ثم تمضي) لحراسة العدو (ويسلم وحده. ثم تأتي الاولى فتتمم صلاتها بقراءة) سورة مع الفاتحة (ثم تأتي الاخرى، فتتمم صلاتها بقراءة) سورة مع الفاتحة. لما روى ابن عمر قال: صلى النبي (ص) صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة الاخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم (ص) ركعة ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة متفق عليه. (وهذه الصفة ليست مختارة) لما فيها من كثرة العمل (ولو قضت الثانية ركعتها وقت مفارقة إمامها وسلمت ومضت) للحراسة (وأتت الاولى فأتمت) صلاتها (صح. وهو الوجه الثاني) من وجهي الوجه الثالث (وهو المختار) بالنسبة للوجه الاول من وجهي الوجه الثالث. فلا ينافي ما تقدم من اختيار الامام للوجه الثاني. وقال: أنا أذهب إليه. الوجه (الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة) كاملة (ويسلم بها) أي بكل طائفة.

[ 16 ]

والمنصوص جوازه. وإن منعنا اقتداء المفترض بالمتنقل في غير صلاة الخوف. وهذا الوجه رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة عنه صلى الله عليه وسلم ورواه الشافعي والنسائي عن جابر مرفوعا. وذكر جماعة من الاصحاب: إن صفته حسنة قليلة الكلفة، لا تحتاج إلى مفارقة الامام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة. وليس فيها أكثر من أن الامام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين. الوجه (الخامس: أن يصلي) الامام (الرباعية المقصورة تامة. وتصلي معه كل طائفة ركعتين بلا قضاء) للركعتين الاخريين (فتكون) الصلاة (له) أي الامام (تامة، ولهم مقصورة) لحديث جابر قال: أقبلنا مع النبي (ص)، حتى إذا كنا بذات الرقاع فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين. قال: فكانت له (ص) أربع ركعات، وللقوم ركعتان متفق عليه. ومنع ذلك صاحب المحرر لاحتمال سلامه. فيكون هو الوجه الذي قبل هذا وتأوله القاضي على أنه (ص) صلى بهم كصلاة الحضر وأن كل طائفة قضت ركعتين. وهذا التأويل مخالف لصفة الرواية. (ولو قصر) الرباعية (الجائز قصرها وصلى بكل طائفة ركعة بلا قضاء فمنع الاكثر) من الاصحاب (صحة هذه الصفة وهو) الوجه (السادس) ومنع الاكثر له: لان الخوف لا يؤثر في نقص الركعات كما تقدم. وقال في الكافي: كلام الامام أحمد يقتضي أن يكون من الوجوه الجائزة، إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وحملوا هذه الصفة على شدة الخوف انتهى. واختار هذا الوجه جماعة من الاصحاب. قال في الانصاف: قدمه في الفروع والرعاية ومجمع البحرين وابن تميم والفائق وقال: هو المختار، اختاره المصنف، يعني به الموفق. وهو من المفردات انتهى. قال في الفروع: ولو قصرها وصلى بكل طائفة ركعة بلا قضاء، كصلاته (ص) في خبر ابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وغيرهم. صح في ظاهر كلامه. فإنه قال: ما يروى عن النبي (ص) كلها صحاح، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلا أنه كان للنبي (ص) ركعتان وللقوم ركعة ركعة ولم ينص على خلافه. وللخوف والسفر - أي اجتماع مبيحين - أحدهما: الخوف - والآخر: السفر.

[ 17 ]

تتمة: الوجه السابع: صلاته (ص) بأصحابه عام نجد، على ما خرجه أحمد من حديث أبي هريرة. وهو أن تقوم معه طائفة وطائفة أخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة. ثم يحرم وتحرم معه الطائفتان، ثم يصلي ركعة هو والذين معه، ثم يقوم إلى الثانية ويذهب الذين معه إلى وجه العدو وتأتي الاخرى فتركع وتسجد. ثم يصلي بالثانية، وتأتي التي تجاه العدو فتركع وتسجد ويسلم بالجميع. (وتصلي الجمعة في) حال (الخوف حضرا) لا سفرا (بشرط كون كل طائفة أربعين) رجلا (فأكثر) من أهل وجوبها لاشتراط العدد والاستيطان. (فيصلي ب‍) - كل (طائفة ركعة بعد حضورها الخطبة) يعني خطبتي الجمعة. يعني أنه يشترط أن يحرم بمن حضرت الخطبة لاشتراط الموالاة بين الخطبتين، والموالاة بين الخطبتين والصلاة. (فإن أحرم ب‍) - الطائفة (التي لم تحضرها لم تصح) الجمعة (حتى يخطب لها) كغير حالة الخوف (وتقضي كل طائفة ركعة بلا جهر) بالقراءة، كالمسبوق إذا فاته من الجمعة ركعة. قال في الفروع: ويتوجه تبطل إن بقي منفردا بعد ذهاب الطائفة. كما لو نقص العدد. وقيل: يجوز هنا للعذر. وجزم به في الشرح. ولانه مترقب الطائفة الثانية. قال أبو المعالي: وإن صلاها كخبر ابن عمر جاز. (ويصلي استسقاء ضرورة كالمكتوبة) قاله أبو المعالي وغيره (والكسوف والعيد آكد منه) أي من الاستسقاء، لما تقدم. ولان العيد فرض كفاية (فيصليهما) أي الكسوف والعيد في الخوف كالمكتوبة (ويستحب له) أي للخائف (حمل سلاح في الصلاة يدفع به) العدو (عن نفسه ولا يثقله كسيف وسكين ونحوهما) لقوله تعالى: * (وليأخذوا أسلحتهم) * وقوله: * (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) * فدل على الجناح عند عدم ذلك. لكن لو قيل بوجوبه لكان شرطا كالسترة. قال ابن منجا: وهو خلاف الاجماع. ولان حمل السلاح يراد الحراسة أو قتال. والمصلي لا يتصف بواحدة منهما. والامر به للرفق بهم والصيانة لهم. فلم يكن للايجاب، كالنهي عن الوصال لما كان للرفق لم يكن للتحريم. وأما حمل السلاح في الصلاة من غير حاجة، فقال في الفروع: ظاهر كلام

[ 18 ]

الاكثر: لا يكره في غير العذر، وهو أظهر (ما لم يمنعه) أي المصلي (إكمالها) أي الصلاة (كمغفر) كمنبر (سابغ على الوجه وهو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة)، أو حلق يتقنع بها المتسلح قاله في القاموس. (و) يكره (ما له أنف) لانه يحول بين الانف والمصلي. (أو يثقله حمله كجوشن وهو التنور الحديد ونحوه) قال في القاموس: الجوشن الصدر والدرع. ونحوه أي نحو ما ذكر مما يثقله (أو يؤذي غيره كرمح وقوس إذا كان) المصلي (به) أي بالرمح أو القوس (متوسطا) للقوم (فيكره) إن لم يحتج إليه، (فإن احتاج إلى ذلك أو كان في طرف الناس لم يكره) لعدم الايذاء إذن. (ويجوز حمل نجس) ولو غير معفو عنه لولا الخوف (في هذه الحالة. و) حمل (ما يخل ببعض أركان الصلاة للحاجة) إليه. (ولا إعادة) في المسألتين، كالمتيمم في الحضر لبرد. فصل: وإذا اشتد الخو ف صلوا وجوبا ولا يؤخرونها رجالا وركبانا) متوجهين (إلى القبلة وغيرها) لقوله تعالى: * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) * قال ابن عمر: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه. زاد البخاري: قال نافع لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي (ص) ورواه ابن ماجه مرفوعا، ولانه (ص) صلى بأصحابه في غير شدة الخوف، وأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو وهم في الصلاة ثم يعودون لقضاء ما بقي من

[ 19 ]

صلاتهم. وهو مشي كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة، فمع شدة الخوف أولى (يومئون) بالركوع والسجود (إيماء على قدر الطاقة) لانهم لو تمموا الركوع والسجود لكانوا هدفا لاسلحة الكفار، معرضين أنفسهم للهلاك، (و) يكون (سجودهم أخفض من ركوعهم) كالمريض. (وسواء وجد) اشتداد الخوف (قبلها) أي الصلاة (أو فيها) لعموم الآية. (ولو احتاج) المصلي الخائف (عملا كثيرا) لما تقدم (وتنعقد الجماعة) في شدة الخوف (نصا. وتجب) أي الجماعة في شدة الخوف كغيرها، (لكن يعتبر، إمكان المتابعة) فإن لم يمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد. (ولا يضر تأخر الامام) عن المأموم في شدة الخوف لدعاء الحاجة إليه (ولا) يضر (كر) على العدو (ولا فر) من العدو (ونحوه) من الاعمال، كالضرب والطعن (لمصلحة) تدعو إليه، بخلاف ما لا يتعلق بالقتال كالكلام. فمتى صاح فبان حرفان بطلت، لعدم الحاجة إلى الكلام إذ السكون أهيب في نفوس الاقران. (ولا) يضر (تلويث سلاحه بدم) ولو كان كثيرا (ولا يزول الخوف إلا بانهزام الكل) أي جيش العدو كله، لان انهزام بعضه قد يكون مكيدة. (ولا يلزمهم افتتاحها) أي الصلاة (إلى القبلة ولو أمكنهم) ذلك كبقية أجزاء الصلاة (ولا) يلزمهم (السجود على) ظهر (الدابة) لما تقدم، (وكذا من هرب من عدو هربا مباحا) كخوف قتل أو أسر محرم، ويكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين، (أو) هرب (من سيل أو سبع) وهو الحيوان المعروف بضم الباء وسكونها، وقد يطلق على كل حيوان مفترس كما هنا، (ونحوه، كنار أو غريم ظالم) فله أن يصلي كما تقدم لوجود الخوف. فإن كان الهرب محرما لم يصل صلاة خوف لانها رخصة فلا تناط بمعصية. (أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله) من شئ مما سبق إن ترك الصلاة على هيأتها في شدة الخوف فإن له أن يصلي صلاة شدة الخوف، لدخول ذلك كله في عموم قوله تعالى: * (فإن خفتم) * (أو ذب) أي دفع (عنه) أي عما ذكر من نفسه أو ماله أو أهله (أو) ذب (عن غيره) أي له أن يصلي صلاة الخائف من أجل درء الصائل على نفسه أو أهله أو ماله أو نفس غيره. لان قتال الصائل على ذلك إما واجب أو مباح وكلاهما مبيح للصلاة على هذه الهيئة. (أو طلب عدو يخاف فوته) روي عن شرحبيل بن حسنة. وقاله الاوزاعي لقول عبد الله بن أنيس: بعثني النبي (ص) إلى خالد بن سفيان الهذلي. وقال: إذهب فاقتله، فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت. إني لاخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة. فانطلقت

[ 20 ]

وأنا أصلي أومئ نحوه إيماء رواه أبو داود. وظاهر حاله: إنه أخبر بذلك النبي (ص) أو كان قد علم جوازه، فإنه لا يظن به أنه فعل ذلك مخطئا، ولان فوات الكفار عظيم. فأبيحت صلاة الخوف عند فوته كالحالة الاخرى. (أو خاف فوت وقت وقوف بعرفة) إن صلاها آمنا، فيصلي صلاة خائف بالايماء وهو ماش حرصا على إدراك الحج. لان الحج في حق المحرم كالشئ الحاصل، والفوات طارئ عليه ولان الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن الضرر الحاصل من الغريم الظالم في حق المدين المعسر بخوفه من حبسه إياه أياما، (ومن خاف كمينا أو مكيدة أو مكروها) كهدم سور أو طم خندق إن اشتغل بصلاة الامن (صلى صلاة خوف)، ولا إعادة في ظاهر كلامهم. قال القاضي: فإن علموا أن الطم والهدم لا يتم للعدو إلا بعد الفراغ من الصلاة صلوا صلاة أمن، (وكذلك الاسير إذا خافهم) أي الكفار (على نفسه إن صلى والمختفي في موضع يخاف أن يظهر عليه صلى كل منهما كيفما أمكنه قائما وقاعدا ومضطجعا ومستلقيا إلى القبلة وغيرها بالايماء حضرا وسفرا) لقوله (ص): إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم. (ومن أمن في الصلاة) انتقل وبنى وأتمها صلاة أمن (أو خاف) في الصلاة (انتقل وبنى) وأتمها صلاة خائف لان بناءه في الصورتين على صلاة صحيحة، كما لو ابتدأ صحيحا ثم مرض وعكسه. (ومن صلى صلاة الخوف لسواد ظنه عدوا فلم يكن أو كان) عدو (وثم) أي هناك (مانع) بينه وبين العدو كبحر ونحوه، (أعاد) الصلاة لانه لم يوجد المبيح. أشبه من ظن الطهارة ثم علم بحدثه، وسواء استند ظنه لخبر ثقة أو غيره. (وإن بان أنه عدو لكن يقصد غيره) لم يعد لوجود سبب الخوف بوجود عدو يخاف هجمه (أو خاف من التخلف عن الرفقة عدوا فصلى سائرا، ثم بان سلامة الطريق) أي أمنها (لم يعد) لعموم البلوى بذلك (وإن خاف هدم سور أو طم خندق إن صلى آمنا صلى صلاة خائف) ذكره في التبصرة، وتقدم معناه (ما لم يعلم خلافه) بأن علم أن الطم لا يتم والهدم إلا بعد

[ 21 ]

الفراغ منها فيصلي صلاة أمن. (وصلاة النفل منفردا يجوز فعلها) للخائف (كالفرض) ولو لم يكن له سبب أو لم تشرع له الجماعة. وتقدم حكم العيد والاستسقاء والكسوف قريبا. باب صلاة الجمعة بتثليث الميم، حكاه ابن سيده. والاصل الضم. واشتقاقها من اجتماع الناس للصلاة، وقيل: لجمعها الجماعات، وقيل: لجمع طين آدم فيها. وقيل: لان آدم جمع فيها خلقة. رواه أحمد من حديث أبي هريرة. وقيل: لانه جمع مع حواء في الارض فيها. وفيه خبر مرفوع. وقيل: لما جمع فيها من الخبر. قيل: أول من سماه يوم الجمعة، كعب بن لؤي، واسمه القديم: يوم العروبة، وهو أفضل أيام الاسبوع. (وهي صلاة مستقلة) ليست بدلا عن الظهر (لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب) الجمعة (عليه) كالعبد والمسافر، (ولجوازها) أي الجمعة (قبل الزوال)، ولانه (لا) يجوز أن تفعل (أكثر من ركعتين) لما يأتي عند قوله: والجمعة ركعتان. (ولا تجمع) مع العصر (في محل يبيح الجمع) بين الظهر والعصر، لعذر مما تقدم في الجمع (و) صلاة الجمعة (أفضل من الظهر) بلا نزاع، قاله في الانصاف. (وفرضت بمكة قبل الهجرة) لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: أذن للنبي (ص) في الجمعة قبل أن يهاجر، فلم يستطع أن يجمع بمكة. فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد، فانظر إلى اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور، لسبتهم. فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين. فأول من جمع مصعب بن عمير حتى قدم النبي (ص) المدينة. فجمع عند الزوال من الظهر. والجمع بين هذا وبين قول من قال: أول من جمع أسعد بن زرارة: هو أن أسعد جمع الناس. فإن مصعبا كان نزيلهم. وكان يصلي بهم، ويقرئهم ويعلمهم الاسلام، وكان يسمى المقرئ، فأسعد دعاهم ومصعب صلى بهم. وفي البخاري عن ابن عباس: أن أول جمعة بعد جمعة في مسجد النبي (ص) جمعة بجواثي، قرية من قرى البحرين، (وقال الشيخ:

[ 22 ]

فعلت بمكة على صفة الجواز، وفرضت بالمدينة). انتهى لان سورة الجمعة مدنية. ولعل المراد من قوله: فعلت بمكة: أي فعلت الجمعة والنبي (ص) بمكة قبل الهجرة. على غير وجه الوجوب. إذ آية الجمعة بل سورتها نزلت بالمدينة. (وليس لمن قلدها) أي ولاه الامام إمامة الجمعة (أن يؤم في الصلوات الخمس) أي في ظهر ولا غيرها من المكتوبات. ذكره في الاحكام السلطانية. وقدمه في الفروع والفائق وغيرهما. ولعل المراد: لا يستفيد ذلك بالولاية. لانه يمتنع عليه الامامة. إذ إقامة الصلوات لا تتوقف على إذنه. (ولا لمن قلد الصلوات الخمس أن يؤم فيها) أي الجمعة، لعدم تناول الخمس لها، والمراد كما سبق (ولا من قلد أحدهما) أي الجمعة أو الخمس (أن يؤم في عيد وكسوف واستسقاء) لعدم شمول ولايته لذلك. والمراد على ما سبق (إلا أن يقلد جميع الصلوات فتدخل) المذكورات (في عمومها) للاتيان بصيغة العموم، (وهي فرض عين) بالاجماع. وسنده: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) * ولا يجب السعي إلا لواجب. والمراد به: الذهاب إليها لا الاسراع والسنة، ومنها قول ابن مسعود: قال النبي (ص): لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم وقال أبو هريرة وابن عمر: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين رواهما مسلم. (على كل مسلم بالغ عاقل) لان ذلك شرط للتكليف، فلا تجب على مجنون إجماعا، ولا على صبي، لما روى طارق بن شهاب مرفوعا: الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة، أو صبي أو مريض رواه أبو داود، وقال: طارق قد رأى النبي (ص) ولم يسمع منه شيئا. وأسناده ثقات، قاله في المبدع. (ذكر) حكاه ابن

[ 23 ]

المنذر إجماعا. لان المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال. (حر) لان العبد مملوك المنفعة محبوس على سيده، أشبه المحبوس بالدين. (مستوطن ببناء يشمله) أي البناء (اسم واحد، ولو تفرق) البناء (يسيرا) وسواء كان البناء من حجر أو قصب أو نحوه لما تقدم من قوله (ص) في حديث طارق: في جماعة. (فإن كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة لزمته) أي الجمعة (ولو كان بينه وبين موضعها) أي موضع إقامة الجمعة (فراسخ، ولو لم يسمع النداء) لانه بلد واحد، فلا فرق فيه بين البعيد والقريب، ولان المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ فهو في مظنة القرب، فاعتبر ذلك (وإن كان خارج البلد) الذي تقام فيه الجمعة (كمن هو في قرية لا يبلغ عددهم ما يشترط في الجمعة) وهو أربعون، (أو كان مقيما في خيام) جمع خيمة. وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر. قال ابن الاعرابي: لا تكون الخيمة عند العرب من ثياب بل من أربعة أعواد وتسقف بالثمام، وخيمت بالمكان بالتشديد: أقمت فيه. ذكره في الحاشية (ونحوها) كبيوت الشعر. (أو) كان (مسافرا دون مسافة قصر، وبينه) أي المذكور فيما تقدم وهو من قرية لا يبلغون عدد الجمعة، أو في خيام ونحوها، أو مسافر دون المسافة (وبين موضعها) أي الجمعة (من المنارة نصا) وعنه من أطراف البلد (أكثر من فرسخ تقريبا. لم تجب عليه) الجمعة. لانهم ليسوا من أهلها ولا يسمعون نداءها. (وإلا) بأن كان بينه وبين موضعها في هذه المسائل فرسخ تقريبا فأقل (لزمته بغيره) لانه من أهل الجمعة، يسمع النداء كأهل المصر. لقوله (ص): الجمعة على من سمع النداء رواه أبو داود وقال: إنما أسنده قبيصة. قال البيهقي: هو من الثقات. قال في الشرح: الاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمر. ورواه الدارقطني ولفظه: إنما الجمعة على من سمع النداء والعبرة بسماعة من المنارة لا بين يدي الامام. نص عليه، لكن لما كان اعتبار سماع النداء غير ممكن لانه يكون فيهم الاصم وثقيل السمع، وقد يكون بين يدي الامام فيختص بسماعه أهل المسجد، اعتبر بمظنته. والموضع الذي يسمع فيه الندا غالبا -

[ 24 ]

إذا كان المؤذن صيتا والرياح ساكنة، والاصوات هادئة. والعوارض منتفية - هو فرسخ. فلو سمعته قرية من فوق فرسخ، لعلو مكانها، أو لم يسمعه من دونه لجبل حائل، أو انخفاض: لم تجب في الاولى، ووجبت في الثانية، اعتبارا بالمظنة، وإقامتها مقام المئنة. ومحل لزومها حيث لزمت فيها تقدم (إن لم يكن عذر) مما تقدم في آخر باب الجماعة. (ولا تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر) لانه (ص) وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره. فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه. مع اجتماع الخلق الكثير. وكما لا تجب عليه بنفسه لا تلزمه بغيره، نص عليه. (ما لم يكن سفره) سفر (معصية) فتلزمه، لئلا تكون المعصية سببا للتخفيف عنه. (فلو أقام) المسافر سفر طاعة يبلغ المسافة (ما يمنع القصر لشغل) كتاجر أقام لبيع متاعه فوق أربعة أيام (أو علم ونحوه)، كرباط في سبيل الله. (ولم ينو استيطانا لزمته بغيره) لعموم الآية والاخبار. (ولا يؤم فيها) أي الجمعة (من لزمته بغيره) لعد الاستيطان ولئلا يصير التابع متبوعا. (ولا جمعة بمنى وعرفة نصا) لانه لم ينقل فعلها هناك. وللسفر (ولا) جمعة (على عبد ولا معتق بعضه، ولو كان بينه وبين سيده مهايأة، وكانت الجمعة في نوبته) أي المبعض. فلا تجب عليه، لما تقدم (ولا على مكاتب ومدبر ومعلق عتقه بصفة) لانه عبد (وهي) أي الجمعة (أفضل في حقهم، و) في (حق المميز، و) في حق (من لا تجب عليه لمرض أو سفر) وكل من اختلف في وجوبها عليه. وقوله: (من الظهر) متعلق بأفضل. للخلاف في وجوبها عليهم (ولا) جمعة (على امرأة) لما تقدم، ويباح لغير الحسناء حضورها. ويكره لحسناء كالجماعة وبيتها خير لها، قال أبو عمرو الشيباني: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع ويقول: اخرجن إلى بيوتكن خير لكن. (و) لا (خنثى) لانه لا يعلم كونه رجلا (ومن حضرها منهم) أي ممن تقدم أنها لا تجب عليه (أجزأته) لان إسقاط الجمعة عنهم تخفيف، فإذا حضروها أجزأت كالمريض (ولم تنعقد به) الجمعة (فلا يحسب من العدد المعتبر) لانه ليس من أهل الوجوب. وإنما تصح منه الجمعة تبعا لمن انعقدت به، فلو انعقدت بهم لانعقدت بهم منفردين كالاحرار المقيمين. (ولا يؤم فيها) أي في الجمعة. لئلا يصير التابع متبوعا (ومن سقطت عنه) الجمعة (لعذر كمرض وخوف ومطر ونحوها) كخوف على نفسه أو ماله (غير سفر إذا حضرها) أي الجمعة (وجبت عليه

[ 25 ]

وانعقدت به، وأم فيها) أي جاز أن يؤم في الجمعة. لان سقوط حضورها لمشقة السعي، فإذا تحمل وحضرها انتفت المشقة ووجبت عليه، فانعقدت به كمن لا عذر له (فلو حضرها) أي الجمعة (إلى آخرها ولم يصلها، أو انصرف لشغل غير دفع ضرورة، كان عاصيا) لتركه ما وجب عليه. (أما لو اتصل ضرره بعد حضورها، فأراد الانصراف لدفع ضرره. جاز) انصرافه (عند الوجود) أي وجود العذر (المسقط) للجمعة (كالمسافر، ومن صلى الظهر ممن يجب عليه حضور الجمعة قبل صلاة الامام أو قبل فراغها) أي فراغ ما تدرك به الجمعة. (أو شك هل صلى) الظهر (قبل الامام أو بعده لم تصح صلاته) لانه صلى ما لم يخاطب به. وترك ما خوطب به. فلم تصح، كما لو صلى العصر مكان الظهر. وكشكه في دخول الوقت. لانها فرض الوقت. فيعيدها ظهرا، إذا تعذرت الجمعة ثم إن ظن أنه يدرك الجمعة سعى إليها. لانها المفروضة في حقه. وإلا انتظر حتى يتيقن أن الامام صلى ثم يصلي الظهر، لكن لو أخر الامام الجمعة تأخيرا منكرا فللغير أن يصلي ظهرا وتجزئه عن فرضه. جزم به المجد. وجعله ظاهر كلامه. لخبر تأخير الامراء الصلاة عن وقتها (وكذا لو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء وقت الجمعة) لم تصح ظهرهم، لما تقدم، ويعيدونها إذا فاتت الجمعة. (والافضل لمن لا تجب عليه) الجمعة، كالعبد والمريض (التأخير) للظهر (حتى يصلي الامام) الجمعة. فإنه ربما زال عذره. فلزمته الجمعة، لكن يستثنى من ذلك من دام عذره كامرأة وخنثى، فالتقديم في حقهما أفضل. ولعله مراد من أطلق، قاله في المبدع. لكن الخنثى يتأتي زوال عذره لاحتمال أن تتضح ذكوريته، فهو كالعبد والمسافر. (فإن صلوا) أي الذين لا تجب عليهم كالعبد والمسافر والمرأة ونحوهم الظهر (قبله) أي قبل تجميع الامام (صحت) ظهرهم، لانهم أدوا فرض الوقت (ولو زال عذرهم) بعد صلاتهم، كالمعضوب إذا حج عنه ثم عوفي (فإن حضروا الجمعة بعد ذلك) أي بعد أن صلوا الظهر للعذر (كانت نفلا)، لان الاولى أسقطت الفرض (إلا الصبي إذا بلغ) بعد أن صلى الظهر ولو بعد تجميع الامام، (فلا يسقط فرضه) وتجب عليه

[ 26 ]

الظهر ببلوغه في وقتها أو وقت العصر، كما تقدم. لان صلاته الاولى وقعت نفلا، فلا تسقط الفرض (ولا يكره لمن فاتته الجمعة) صلاة الظهر جماعة. وكذا لو تعددت الجمعة، وقلنا: يصلون الظهر. فلا بأس بالجماعة فيها، بل مقتضى ما سبق وجوبها. لكن إن خاف فتنة أخفاها على ما يأتي، (أو لمن لم يكن من أهل وجوبها) كالعبيد والنساء (صلاة الظهر جماعة ما لم يخف فتنة) لحديث فضل الجماعة، وفعل ابن مسعود. واحتج به أحمد. زاد السامري: بأذان وإقامة، وفي كراهتها في مكانها وجهان جزم في الشرح بالكراهة لخوف الفتنة، والافتيات على الامام (فإن خاف) فتنة أو ضررا (أخفاها) وصلى حيث يأمن ذلك، ومن لزمته الجمعة فتركها بلا عذر. تصدق بدينار أو نصفه، للخبر. ولا يجب، قاله في الفروع. (ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال حتى يصليها) لتركها بعد الوجوب، كما لو تركها لتجارة، بخلاف غيرها، (إلا أن يخاف فوت رفقته) بسفر مباح. فإن ذلك عذر يسقط وجوبها كما تقدم. (ويجوز) لمن تلزمه الجمعة السفر (قبله) أي قبل الزوال بعد طلوع الفجر. لما روى الشافعي عن سفيان بن عيينة عن الاسود بن قيس عن أبيه عن عمر قال: لا تحبس الجمعة عن سفر. وكما لو سافر من الليل (مع الكراهة) لحديث الدارقطني عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: من سافر من دار إقامة يوم جمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره، وأن لا يعان على حاجته (إن لم يأت بها) أي بالجمعة (في طريقه فيهما) أي في مسألتين ما إذا سافر بعد الزوال وقبله. أما إذا كان يأتي بها في طريقه، فلا كراهة لانتفاء الموجب. فصل: (يشترط لصحتها) أي الجمعة (أربعة شروط، أحدها: الوقت) لانها مفروضة، فاشترط لها كبقية المفروضات (فلا

[ 27 ]

تصح قبله) أي قبل الوقت (ولا بعده) إجماعا (وأوله) أي أول وقت الجمعة (أول وقت صلاة العيد نصا) لقول عبد الله بن سيدان السلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره رواه الدارقطني وأحمد، واحتج به قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية: أنهم صلوا قبل الزوال. ولم ينكر، فكان كالاجماع، ولانها صلاة عيد، أشبهت العيدين. (وتفعل فيه) أي فيما قبل الزوال (جواز أو رخصة. وتجب بالزوال) ذكره القاضي وغيره المذهب، (وفعلها بعده) أي الزوال (أفضل) لما روى سلمة بن الاكوع قال: كنا نصلي الجمعة مع النبي (ص) إذا زالت الشمس متفق عليه، وللخروج من الخلاف، ويدل للاول حديث جابر أن النبي (ص)، كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس رواه مسلم (وآخره) أي آخر وقت الجمعة (آخر وقت صلاة الظهر) بغير خلاف. ولانها بدل منها، أو واقعة موقعها. فوجب الالحاق، لما بينهما من المشابهة. (فإن خرج وقتها قبل فعلها) أي الشروع فيها (امتنعت الجمعة، وصلوا ظهرا) لفوات الشرط. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا (وإن خرج) وقت الجمعة (وقد صلوا) منها (ركعة أتمو) ها (جمعة) لان الوقت إذا فات لم يمكن استدراكه. فسقط اعتباره في الاستدامة للعذر، وكالجماعة في حق المسبوق. (وإن خرج قبل) أن يصلوا (ركعة بعد التحريمة استأنفوا ظهرا) لانهما صلاتان مختلفتان، فلم تبن إحداهما على الاخرى، كالظهر والصبح. وعلم منه إنهم لا يتمونها جمعة، وهو ظاهر الخرقي. قال ابن المنجا: وهو قول أكثر الاصحاب، لانه (ص) خص إدراكها بالركعة. (والمذهب يتمونها جمعة) ذكره في الرعاية نصا، وقياسا على بقية الصلوات. (فلو بقي من الوقت قدر الخطبتين والتحريمة) لزمهم فعلها. لانها فرض الوقت. وقد تمكنوا منها

[ 28 ]

(أو شكوا في خروج الوقت لزمهم فعلها) أي الجمعة. لان الاصل بقاؤه. (الثاني: أن تكون بقرية مجتمعة البناء بما جرت العادة بالبناء به، من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر) لانه (ص): كتب إلى قرى عرينة أن يصلوا الجمعة وقوله: مجتمعة البناء. قال في المبدع: اعتبر أحمد في رواية ابن القاسم اجتماع المنازل في القرية. قاله القاضي. وقال أيضا: معناه متقاربة الاجتماع. والصحيح: أن التفريق إذا لم تجر به العادة لم تصح فيها الجمعة. زاد في الشرح: إلا أن يجتمع منها ما يسكنه أربعون. فتجب بهم الجمعة، ويتبعهم الباقون. قال ابن تميم والمجد في فروعه: وربض البلد له حكمة. وإن كان بينهما فرجة اه‍. فيحمل قوله: مجتمعة البناء: على أن لا تكون متفرقة بما يخرج عن العادة، كما يعلم مما يأتي في كلامه. (يستوطنها أربعون) فأكثر، ولو (بالامام من أهل وجوبها) أي وجوب الجمعة، لما روى أبو داود عن كعب بن مالك قال: أول من صلى بنا الجمعة في نقيع الخضمات أسعد بن زرارة. وكنا أربعين صححه ابن حبان والبيهقي والحاكم. وقال: على شرط مسلم. وقال جابر: مضت السنة في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى وفطر رواه الدارقطني وفيه ضعف. (استيطان إقامة لا يظعنون) أي يرحلون (عنها صيفا ولا شتاء) لان ذلك هو الاستيطان. (فلا تجب) الجمعة (ولا تصح من مستوطن بغير بناء، كبيوت الشعر والخيام والخراكي ونحوها) لان ذلك لم يقصد للاستيطان غالبا. ولذلك كانت قبائل العرب حوله (ص) ولم يأمرهم بها. زاد في المستوعب وغيره: ولو اتخذوها أوطانا. لان استيطانهم في غير بنيان (ولا) تجب ولا تصح (في بلد يسكنها أهلها بعض السنة دون بعض) لعدم الاقامة. قال ابن تميم: وكذا لو دخل قوم بلدا لا ساكن به بنية الاقامة به سنة فلا جمعة عليهم. ولو أقام ببلد ما يمنع القصر وأهله، أي البلد لا تجب

[ 29 ]

عليهم فلا جمعة أيضا. (أو بلد فيها دون العدد المعتبر) فلا جمعة عليهم، لعدم صحتها منهم (أو) بلد (متفرقة بما لم تجر العادة به) أي تفرقا كثيرا غير معتاد (ولو شملها اسم واحد) لعدم الاجتماع. (وإن خربت القرية أو بعضها، وأهلها مقيمون بها عازمون على إصلاحها، فحكمها باق في إقامة الجمعة بها) لعدم ارتحالهم. أشبهوا المستوطنين (فإن عزموا على النقلة عنها) أي عن القرية الخراب (لم تجب عليهم الجمعة لعدم الاستيطان. وتصح) الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء، ولو بلا عذر) فلا يشترط لها البنيان. لقول كعب بن مالك: أسعد بن زرارة أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع، يقال له، نقيع الخضمات. قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلا رواه أبو داود والدارقطني. قال البيهقي: حسن الاسناد صحيح. قال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة. وقياسا على الجامع. لكن قال ابن عقيل: إذا صلى في الصحراء استخلف من يصلي بالضعفة. و (لا) تصح الجمعة (فيما بعد) عن البنيان، لشبههم إذن بالمسافرين. (ولا يتمم عدد من مكانين متقاربين) كقريتين في كل منهما عشرون. فلا تتمم الجمعة منهما. ولو قرب ما بينهما. لانه لا يشملهما اسم واحد. أشبهتا المتباعدين (ولا يصح تجميع) عدد (كامل في) محل (ناقص) فيه العدد (مع القرب الموجب للسعي) ويلزم التجميع في الكامل. لئلا يصير التابع متبوعا. وعدم الصحة مع البعد أولى. (والاولى مع تتمة العدد فيهما) أي المكانين (تجميع كل قوم) في قريتهم. لانه أبلغ في إظهار الشعار. (وإن جمعوا في مكان واحد فلا بأس) بذلك لتأديتهم فرضهم. (ولا يشترط للجمعة المصر) خلافا لابي حنيفة لما تقدم من كتابته (ص) إلى قرى عرينة: أن يصلوا الجمعة. ولما روى الاثرم عن أبي هريرة أنه: كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بالبحرين - وكان عامله عليها - فكتب إليه عمر: جمعوا حيث كنتم، قال أحمد: إسناده جيد. (الثالث: حضور أربعين فأكثر من

[ 30 ]

أهل القرية بالامام) لما تقدم من حيث كعب. وقال أحمد: بعث النبي (ص) مصعب بن عمير إلى أهل المدينة: فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعين وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة (ولو كان بعضهم) أي الاربعين (خرسا أو صما) لانهم من أهل الوجوب. و (لا) تصح (إن كان الكل كذلك) أي خرسا أو صما. أما إذا كانوا كلهم خرسا مع الخطيب، فلفوات الخطبة صورة ومعنى، فيصلون ظهرا. وإن كانوا كلهم صما، فلفوات المقصود من سماع الخطبة. وعلم من ذلك: أنهم لو كانوا خرسا إلا الخطيب، أو كانوا صما إلا واحدا يسمع، صحت جمعتهم. (ولا تنعقد) الجمعة (بأقل منهم) أي من أربعين. لما تقدم (وإن قرب الاصم) من الخطيب (وبعد من يسمع) بحيث لا يسمع (لم تصح) لفوات المقصود. (ولو رأى) أي اعتقد (الامام اشتراط عدد في المأمومين فنقص عن ذلك) العدد (لم يجز أن يؤمهم) لتعاطيه عبادة يعتقد بطلانها. (ولزمه) أي الامام (استخلاف أحدهم) ليصلي بهم، ليؤدوا فرضهم. (ولو رآه) أي العدد (المأمومون دون الامام لم يلزم واحدا منهما)، أما الامام فلعدم من يصلي معه. وأما المأمومون فلاعتقادهم بطلان جمعتهم، (فإن نقصوا) عن الاربعين (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا ظهرا نصا) ولم يتموها جمعة. لان العدد شرط. فاعتبر في جمعيها. كالطهارة، وإنما صحت من المسبوق تبعا، كصحتها لمن لم يحضر الخطبة تبعا لمن حضرها. وما ورد أنه، بقي معه (ص) اثنا عشر رجلا، وكانوا في الصلاة رواه البخاري: المراد في انتظارها. كما روى مسلم الخطبة أو مكانها، لما في مراسيل أبي دواد: إن خطبته (ص) هذه كانت بعد صلاة الجمعة، وإنما انفضوا لظنهم جواز الانصراف. قال في الفروع: ويتوجه أنهم انفضوا لقدوم التجارة لشدة المجاعة، أو ظن خطبة واحدة. وقد فرغت. قال في الشرح: ويحمل أنهم عادوا فحضروا القدر الواجب. ويحتمل أنهم

[ 31 ]

عادوا قبل طول الفصل. (إن لم يمكن فعل الجمعة مرة أخرى)، فإن أمكن فعلوها لانها فرض الوقت. (وإن نقصوا وبقي العدد المعتبر، أتموا جمعة، سواء سمعوا الخطبة أو لحقوهم قبل نقصهم) بلا خلاف، كبقائه من السامعين. قاله أبو المعالي، وكذا جزم به غير واحد. وظاهر كلام بعضهم: خلافه. قاله في الفروع. (وإن أدرك مسبوق مع الامام منها) أي الجمعة (ركعة أتمها جمعة) رواه البيهقي عن ابن مسعود وابن عمر وعن أبي هريرة مرفوعا: من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة رواه الاثرم. ورواه ابن ماجه ولفظه: فليصل إليها أخرى قال ابن حبان: هذا خطأ. قال ابن الجوزي: لا يصح. (وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهرا) لمفهوم ما سبق، بخلاف إدراك المسافر صلاة المقيم. لانه إدراك إلزام. وهذا إدراك إسقاط للعدد، وبخلاف جماعة باقي الصلوات. لانه ليس من شرطها الجماعة، بخلاف مسألتنا. ويصح دخوله مع الامام، بشرط أن ينوي الظهر بإحرامه. فلهذا قال: (إذا كان قد نوى الظهر ودخل وقتها) لان الظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء. فكذا استدامة كالظهر مع العصر. (وإلا) بأن لم يكن نواها ظهرا أو لم يكن دخل وقتها (انعقدت نفلا) كمن أحرم بفرض قبل وقته غير عالم. (ولا يصح إتمامها جمعة) لعدم إدراكه لها بدون ركعة لما تقدم. (وإن أحرم) بالجمعة (مع الامام ثم زحم عن السجود) بالارض (أو نسيه) أي تأخر بالسجود نسيانا له (ثم ذكر) بعد أن أخذ القوم مواضع سجودهم واحتاج لما يسجد عليه، (لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله أو متاعه) لقول عمر: إذا اشتد الزحام فليسجد عن ظهر أخيه رواه أبو داود الطيالسي وسعيد. وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم. ولم يظهر له مخالف. ولانه يأتي بما يمكنه حال العجز. فوجب. وصح كالمريض. (ولو احتاج إلى موضع يديه وركبتيه، لم يجز وضعها على ظهر إنسان أو رجله) للايذاء بخلاف الجبهة. (فإن لم يمكنه) السجود على ظهر إنسان أو رجله ولم يمكنه سجود إلا بوضع يديه

[ 32 ]

أو ركبتيه على ظهر إنسان أو رجله انتظر زوال الزحام و (سجد إذا زال الزحام) وتبع إمامه. لانه (ص): أمر أصحابه بذلك في صلاة عسفان للعذر، وهو موجود هنا. والمفارقة وقعت صورة لا حكما، فلم تؤثر (وكذا لو تخلف) بالسجود (لمرض أو نوم أو نسيان ونحوه) من الاعذار. (فإن غلب على ظنه فوات) الركعة (الثانية) لو سجد لنفسه ثم لحق الامام (تابع إمامه في ثانيته، وصارت أولاه، وأتمها جمعة) لقوله (ص): وإذا ركع فاركعوا ولانه مأموم خاف فوات الثانية. فلزمه المتابعة كالمسبوق (فإن لم يتابعه عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته) لتركه متابعة إمامه عمدا. ومتابعته واجبة، لقوله (ص): فلا تختلفوا عليه وترك الواجب عمدا يبطلها وفاقا (وإن جهله)، أي تحريم عدم متابعة إمامه (وسجد) لنفسه (ثم أدرك الامام في التشهد، أتى بركعة أخرى بعد سلامه) أي إمامه، (وصحت جمعته) لانه أدرك مع الامام منها ما تدرك به الجمعة، وهو ركعة لاتيانه بسجود معتد به. ومن هذا يعلم: أنه يكفي في إدراك الجمعة إدراك ما تدرك به الركعة، إذا أتى بباقي الركعة قبل أن يسلم الامام. فلا تعتبر ركعة بسجدتها معه، (فإن لم يدركه) بعد أن سجد لنفسه (حتى سلم) الامام (استأنف ظهرا، سواء زحم عن سجودها أو ركوعها أو عنهما) لانه لم يدرك ركعة مع الامام (وإن غلب على ظنه) أي المزحوم ونحوه (الفوت) أي فوت الثانية إن سجد لنفسه (فتابع إمامه فيها، ثم طول) الامام بحيث لو كان سجد لنفسه للحقه (أو غلب على ظنه عدم الفوت، فسجد) لنفسه (فبادر الامام فركع) فلم يدركه، (لم يضره فيهما) لاجراء الظن مجرى اليقين فيما يتعذر فيه. (ولو زال عذر من أدرك ركوع) الركعة (الاولى وقد رفع إمامه من ركوع) الركعة (الثانية تابعه في السجود، فتتم له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه يدرك بها الجمعة)، وتقدم في صلاة الجماعة. ولو أدرك مع الامام ركعة، فلما قام ليقضي الاخرى ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا واحدة، أو شك في ذلك. فإن لم يكن شرع في القراءة الثانية رجع للاولى فأتمها.

[ 33 ]

وقضى الثانية وتمت جمعته. نص عليه في رواية الاثرم، وإن كان شرع في قراءة الثانية بطلت الاولى، وصارت الثانية أولاه. ويتمها جمعة، على ما نقله الاثرم. وقياس ما سبق في المزحوم: لا يدرك الجمعة. ولو قضى الركعة الثانية ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما لا يدري من أيهما تركها؟ فالحكم واحد. ويجعلها من الاولى. ويأتي بركعة. وفي كونه مدركا للجمعة وجهان. قاله في الشرح بمعناه. (الرابع): من شروط الجمعة (أن يتقدمها خطبتان) لقوله تعالى: * (فاسعوا إلى ذكر الله) * والذكر هو الخطبة فأمر بالسعي إليها فيكون واجبا. إذ لا يجب السعي لغير واجب، ولمواظبته (ص) عليهما. لقول ابن عمر: كان (ص) يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس متفق عليه. وقال صلوا كما رأيتموني أصلي. وعن عمر وعائشة قصرت الصلاة من أجل الخطبة فهما بدل ركعتين. فالاخلال بإحداهما إخلال بإحدى الركعتين، واشترط تقديمهما على الصلاة، لفعله (ص) وأصحابه، بخلاف غيرهما. لانهما شرط في صحة الجمعة. والشرط مقدم، أو لاشتغال الناس بمعايشهم، فقدما لاجل التدارك (بعد دخول الوقت) أي وقت الجمعة، لما تقدم من أنهما بدل من ركعتين. والصلاة لا تصح قبل دخول وقتها (من مكلف عدل) لما ذكر من أنهما بدل من ركعتين، (وهما) أي الخطبتان (بدل ركعتين) لما تقدم عن عمر وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين (من الظهر) لان الجمعة ليست بدلا عن الظهر، بل الظهر بدلا عنها إذا فاتت. (ولا بأس بقراءتهما) أي الخطبتين (من صحيفة، ولو لمن يحسنهما، كقراءة) الفاتحة (من مصحف) ولحصول المقصود (ومن شرط صحة كل منهما) أي الخطبتين والمراد بالشرط هنا: ما تتوقف عليه الصحة. أعم من أن يكون داخلا أو خارجا (حمد الله بلفظ: الحمد لله) فلا يجزئ غيره لحديث أبي هريرة مرفوعا: كل كلام لا

[ 34 ]

يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم رواه أبو داود، ورواه جماعة مرسلا وروى أبو داود عن ابن مسعود قال: كان النبي (ص) إذا تشهد قال: الحمد لله. (والصلاة على رسوله (ص) بلفظ الصلاة) لان كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالاذان. قال في المبدع: ويتعين لفظ الصلاة، أو يشهد أنه عبد الله ورسوله. وأوجبه الشيخ تقي الدين. لدلالته عليه. ولانه إيمان به، والصلاة دعاء له. وبينهما تفاوت. وقيل: لا يشترط ذكره، لانه (ص) لم يذكر ذلك في خطبته، وعملا بالاصل. (ولا يجب السلام عليه مع الصلاة) (ص) عملا بالاصل (وقراءة آية) كاملة لقول جابر: كان (ص) يقرأ آيات، ويذكر الناس رواه مسلم. ولانهما أقيما مقام ركعتين. والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية. قال أحمد: يقرأ ما شاء، ولا يجزئ بعض آية لانه لا يتعلق بما دونها حكم، بدليل عدم منع الجنب منه. (ولو) كانت الخطبة (من جنب مع تحريمها) أي القراءة لما تقدم (ولا بأس بالزيادة عليها) أي الآية لما تقدم أن عمر قرأ سورة الحج في الخطبة. (وقال) أسعد (أبو المعالي وغيره: لو قرأ آية لاتستقل بمعنى أو حكم كقوله: * (ثم نظر) * و * (مدهامتان) * لم يكف. والوصية بتقوى الله تعالى) لانه المقصود (قال في التلخيص: ولا يتعين لفظها) أي الوصية (وأقلها اتقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه. انتهى) وذكر أبو المعالي والشيخ تقي الدين لا يكفي ذكر الموت وذم الدنيا، ولا بد أن يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير، فلو اقتصر على: أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه فالاظهر لا يكفي. ولو كان فيه وصية. لانه لا بد من اسم الخطبة عرفا، قاله في المبدع. (وموالاة بينهما) أي بين الخطبتين (وبين أجزائهما وبين الصلاة) فلا يفصل بين الخطبتين، ولا بين أجزائهما ولا بينهما وبين الصلاة فصلا طويلا (ولهذا يستحب قرب المنبر من المحراب، لئلا يطول الفصل بينهما) أي الخطبتين (و) بين (الصلاة) فيبطلها. (فتستحب البداءة بالحمد) لله، لما تقدم من حديث أبي هريرة: كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم (ثم بالثناء) على الله تعالى (وهو مستحب) وفي عطفه على الحمد لله مغايرة له. فإما أن يكون على مقتضى كلام ابن القيم في المغايرة أو

[ 35 ]

يراد الثناء بغير لفظ الحمد، أو يراد به التشهد، لحديث: كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء أي قليلة البركة. وإن كان مقتضى كلام بعضهم تخصيصه بخطبة النكاح. (ثم بالصلاة) على النبي (ص) لقوله تعالى: * (ورفعنا لك ذكرك) * ثم بالقراءة (ثم بالموعظة) ولو قرأ ما تضمن الحمد والموعظة ثم صلى على النبي (ص) كفى على الصحيح. قال أبو المعالي: فيه نظر لقول أحمد: لا بد من خطبة. ونقل ابن الحكم: لا تكون خطبة إلا كما خطب النبي (ص) أو خطبة تامة، قاله في الانصاف. (فإن نكس) بأن قدم غير الحمد عليه (أجزأه)، لحصول المقصود. (و) من شرط الخطبتين (النية) لحديث: إنما الاعمال بالنيات (ورفع الصوت، بحيث يسمع العدد المعتبر إن لم يعرض مانع) من السماع. كنوم أو غفلة، أو صمم بعضهم. (فإن لم يسمعوا) الخطبة (لخفض صوته أو بعده) عنهم (لم تصح) الخطبة، لعدم حصول المقصود بها (وإن كان) عدم السماع (لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه) كصمم بعضهم (صحت) لانهم في قوة السامعين. (وإن كانوا كلهم طرشا) صحت. قال في الفروع: وإن كانوا صما. فذكر صاحب المحرر تصح. وذكر غيره لا. انتهى. والثاني جزم به فيما تقدم، لعد حصول مقصود الخطبة (أو) كانوا (عجما وهو) أي الخطيب (سميع عربي لا يفهمون قوله. صحت) الخطبة والصلاة (وإن انفضوا) أي الاربعون أو بعضهم (عن الخطيب)، ولم يبق معه العدد المعتبر (سكت) لفوات الشرط (فإن عادوا قريبا بنى) على ما تقدم من الخطبة. لان الفصل اليسير غير ضار (وإن كثر التفرق عرفا أو فات ركن منها) أي الخطبة (استأنف الخطبة) لفوات شرطها، وهو الموالاة. لكن لو فات ركن ولم يطل التفريق. كفاه إعادته (ولا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة) عليها بالعربية. (كقراءة) فإنها لا تجزئ بغير العربية. وتقدم (وتصح) الخطبة بغير العربية (مع العجز) عنها بالعربية. لان المقصود بها الوعظ والتذكير وحمد الله والصلاة على رسول الله

[ 36 ]

(ص) بخلاف لفظ القرآن. فإنه دليل النبوة. وعلامة الرسالة. ولا يحصل بالعجمية (غير القراءة) فلا تجزئ بغير العربية لما تقدم. (فإن عجز عنها) أي القراءة (وجب بدلها ذكر) قياسا على الصلاة. (و) من شرط الخطبتين (حضور العدد) المعتبر للجمعة، وهو أربعون فأكثر. لسماع القدر الواجب. لانه ذكر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد كتكبيرة الاحرام (وسائر) أي باقي (شروط الجمعة). ومن ذلك صلاحيته لان يؤم في الجمعة. والاستيطان فلو كان أربعون مسافرين في سفينة فلما قربوا من قريتهم، خطبهم أحدهم في وقت الجمعة ووصلوا القرية عند فراغ الخطبة، استأنفها بهم. وهذه الشروط إنما تعتبر (للقدر الواجب من الخطبتين) وهو حمد الله والصلاة على رسول الله (ص) وقراءة الآية. والوصية بتقوى الله، دون ما سواه (وتبطل) الخطبة (بكلام محرم) في أثنائها (ولو يسيرا) كالاذان، وأولى (ولا تشترط لهما الطهارتان) أي طهارة الحدث الاصغر والاكبر، فتجزئ خطبة محدث وجنب. لانه ذكر تقدم الصلاة أشبه الاذان. ونصه تجزئ خطبة الجنب. وظاهره: ولو كان بالمسجد. لان تحريم لبثه لا تعلق له بواجب العبادة. كمن صلى ومعه درهم غصب (ولا ستر عورة وإزالة نجاسة) لما تقدم، (ولا أن يتولاهما) أي الخطبتين. (من يتولى الصلاة) لان الخطبة منفصلة عن الصلاة أشبها الصلاتين (ولا حضور النائب) في الصلاة (الخطبة) كالمأموم لتعينها عليه، (وهو) أي النائب (الذي صلى الصلاة) أي صلاة الجمعة (ولم يخطب) لصدور الخطبة من غيره (ولا أن يتولى الخطبتين) رجل (واحد) لان كلا منهما منفصلة عن الاخرى. قال في النكت: فيعايى بها، فيقال: عبادة واحدة بدنية محضة تصح من اثنين. (بل يستحب ذلك) أي الطهارتان، وستر العورة وإزالة النجاسة وأن يتولى الخطبتين والصلاة واحد خروجا من الخلاف. فصل: (ويسن أن يخطب على منبر) لما روى سهل بن سعد أن النبي (ص) أرسل إلى امرأة من الانصار: أن مري غلامك

[ 37 ]

النجار يعمل أعوادا أجلس عليها إذا كلمت الناس متفق عليه. وفي الصحيح: أنه عمل من أثل الغابة، فكان يرتقي عليه. وكان اتخاذه في سنة سبع من الهجرة. وقيل: سنة ثمان. وكان ثلاث درج، وسمي منبرا لارتفاعه من النبر وهو الارتفاع، واتخاذه سنة مجمع عليها. قاله في شرح مسلم. ويكون صعوده فيه على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح، قاله في التلخيص. (أو) على (موضع عال) إن لم يكن منبر، لانه في معناه لاشتراكهما في المبالغة في الاعلام. (ويكون المنبر) أو الموضع العالي (عن يمين مستقبل القبلة) بالمحراب، لان منبره (ص) كذا كان. وكان يجلس على الدرجة الثالثة التي تلي مكان الاستراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الاولى تأدبا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم علي موقف النبي (ص)، ثم زمن معاوية قلعه مروان، وزاد فيه ست درج. فكان الخلفاء يرتقون ستا، يقفون مكان عمر، أي على السابعة، ولا يتجاوزون ذلك، تأدبا (وإن وقف على الارض وقف عن يسار مستقبل القبلة، بخلاف المنبر) قاله أبو المعالي. (و) يسن (أن يسلم) الامام (على المأمومين إذا خرج عليهم، و) يسن أيضا أن يسلم عليهم (إذا أقبل عليهم)، لما روى ابن ماجه عن جابر قال: كان النبي (ص) إذا صعد المنبر سلم ورواه الاثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير، ورواه البخاري عن عثمان. قال القاضي وجماعة: لانه استقبال بعد استدبار، أشبه من فارق قوما، ثم عاد إليهم، وعكسه المؤذن، قاله المجد. (ورد هذا السلام، و) رد (كل سلام مشروع فرض كفاية على المسلم عليهم، وابتداؤه) أي السلام (سنة) ويأتي موضحا في آخر باب الجنائز. (ثم يجلس) على المنبر (إلى فراغ الاذان) لما روى ابن عمر قال: كان النبي (ص) يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، مختصرا رواه أبو داود. وذكر ابن عقيل إجماع الصحابة، ولانه يستريح بذلك من تعب الصعود، ويتمكن من الكلام التمكن التام، (و) يسن (أن يجلس

[ 38 ]

بين الخطبتين جلسة خفيفة جدا) لما روى ابن عمر قال: كان النبي (ص) يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس متفق عليه. (قال جماعة) منهم صاحب التلخيص: (بقدر سورة الاخلاص. فإن أبى) أن يجلس بينهما (أو خطب جالسا) لعذر أو غيره (فصل بسكتة) ولا يجب الجلوس، لان جماعة من الصحابة، منهم علي، سردوا الخطبتين من غير جلوس، ولانه ليس في الجلسة ذكر مشروع، (و) يسن أن (يخطب قائما) لفعله (ص) ولم يجب لانه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام كالاذان، (و) يسن أن (يعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا بإحدى يديه). قال في الفروع: ويتوجه باليسرى (و) يعتمد (بالاخرى على حرف المنبر أو يرسلها) لما روى الحكم بن حزن قال: وفدت على النبي (ص) فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئا على سيف أو قوس أو عصا مختصرا رواه أبو داود، ولانه أمكن له، وإشارة إلى أن هذا الدين فتح به (وإن لم يعتمد على شئ أمسك شماله بيمينه أو أرسلهما عند جنبيه وسكنهما) فلا يحركهما، ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة. (ويقصد) الخطيب (تلقاء وجهه، فلا يلتفت يمينا ولا شمالا) لفعله (ص)، ولان في التفاته عن أحد جانبيه إعراضا عنه. قال في المبدع: وظاهره أنه إذا التفت أو استدبر الناس: أنه يجزئ مع الكراهة، صرحوا به في الاستدبار لحصول المقصود، (و) يسن (أن يقصر الخطبة) لما روى مسلم عن عمار مرفوعا: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصروا الخطبة. (و) يسن كون الخطبة (الثانية أقصر من) الخطبة (الاولى) كالاقامة مع الاذان (و) يسن أن (يرفع صوته حسب طاقته)، لانه أبلغ في الاعلام (ويعربهما بلا تمطيط) كالاذان، (ويكون متعظا بما يعظ الناس به) ليحصل الانتفاع بوعظه. وروي عنه (ص) أنه قال: عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل لي: هؤلاء خطباء من

[ 39 ]

أمتك يقولون ما لا يفعلون (ويستقبلهم) استحبابا. قال ابن المنذر: هو كالاجماع (وينحرفون إليه) أي إلى الخطيب، (فيستقبلونه ويتربعون فيها) أي في حال استماع الخطبة. (وإن استدبرهم) الخطيب (فيها) أي الخطبة (كره) لما فيه من الاعراض عنهم، ومخالفة السنة، وصح لحصول السماع المقصود. (و) يسن أن (يدعو للمسلمين) لان الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى، وهو يشمل المسلمات تغليبا. (ولا بأس به) أي بالدعاء (لمعين حتى السلطان. والدعاء له مستحب في الجملة)، قال أحمد وغيره: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لامام عادل، ولان في صلاحه صلاح المسلمين، ولان أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر. وروى البزار: أرفع الناس درجة يوم القيامة إمام عادل. قال أحمد: إني لادعو له بالتسديد والتوفيق. (ويكره للامام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة) قال المجد: هو بدعة، وفاقا للمالكية والشافعية وغيرهم، (ولا بأس أن يشير بأصبعه فيه) أي دعائه في الخطبة، لما روى أحمد ومسلم: أن عمارة بن رويبة رأى بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت النبي (ص) ما يزيد أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة (ودعاؤه عقب صعوده لا أصل له) وكذا ما يقول له من يقف بين يدي الخطيب من ذكر الحديث المشهور. (وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل) عن المنبر (فسجد، وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه) استحبابا. (وإن ترك السجود فلا حرج) لانه سنة لا واجب. وتقدم فعل عمر رضي الله عنه. (ويكره أن يسند الانسان ظهره إلى القبلة) نص عليه. واقتصر الاصحاب على استحباب استقبالها. وفي معنى ذلك: مد الرجل إلى القبلة في النوم وغيره، ومد رجليه في المسجد ذكره في الآداب. قال: ولعل تركه أولى. (ولا بأس بالحبوة نصا) مع ستر العورة كما تقدم. وفعله جماعة من الصحابة، وكرهه الشيخان، لنهيه (ص) عنه، رواه أبو داود والترمذي وحسنه وفيه

[ 40 ]

ضعف. قاله في المبدع: (و) لا بأس (بالقرفصاء، وهي الجلوس على أليتيه، رافعا ركبتيه إلى صدره، مفضيا بأخمص قدميه إلى الارض، وكان الامام أحمد يقصد هذه الجلسة، ولا جلسة أخشع منها) قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: ما رأيت أحمد جالسا إلا القرفصاء، إلا أن يكون في صلاة (ولا يشترط لصحة الجمعة إذن الامام)، لان عليا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد وصوبه عثمان، رواه البخاري بمعناه، ولانها فرض الوقت. أشبهت الظهر. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يجمعون، (فإذا فرغ من الخطبة نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة) كما يقوم إليها من ليس بخطيب أذن (ويستحب أن يكون حال صعوده على تؤدة، وإذا نزل نزل مسرعا قاله ابن عقيل وغيره). مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة. ولعل المراد من غير عجلة تقبح. فصل: (وصلاة الجمعة ركعتان) إجماعا، حكاه ابن المنذر. قال عمر: صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، وقد خاب من افترى رواه أحمد وابن ماجه. و (يسن جهره بالقراءة فيهما) لفعله (ص) ونقله

[ 41 ]

الخلف عن السلف. وقد روي عنه (ص): صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين ويسن أن (يقرأ في) الركعة (الاولى بالجمعة وفي الثانية بالفاتحة) بعد الفاتحة لانه (ص) كان يقرأ بهما. رواه مسلم من حديث ابن عباس (أو) يقرأ (بسبح) في الاولى (ثم الغاشية) في الثانية (فقد صح الحديث بهما)، رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير. ورواه أبو داود من حديث سمرة. (و) يسن (أن يقرأ في فجر يومها) أي يوم الجمعة في الركعة الاولى (بألم السجدة. وفي) الركعة (الثانية: هل أتى) نص عليه، لانه (ص) كان يقرأ بهما متفق عليه من حديث أبي هريرة. قال الشيخ تقي الدين: واستحب ذلك لتضمنهما ابتداء خلق السموات والارض، وخلق الانسان إلى أن يدخل الجنة أو النار. (قال الشيخ: ويكره تحريه سجدة غيرها) أي غير سجدة * (ألم تنزيل) *. وقال ابن رجب: قد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا إن تعمد قراءة سورة غير * (ألم تنزيل) * في يوم الجمعة بدعة. قال: وقد ثبت أن الامر بخلاف ذلك. قاله في الانصاف، فإن سها عن السجدة، فنص أحمد يسجد للسهو، قاله القاضي، كدعاء القنوت. قال: وعلى هذا لا يلزم بقية سجود التلاوة في غير صلاة الفجر في غير يوم الجمعة، لانه يحتمل أن يقال فيه: مثل ذلك. ويحتمل أن يفرق بينهما، لان الحث والترغيب وجد في هذه السجدة أكثر، قاله في المبدع. (والسنة إكمالهما) أي السورتين في الركعتين، لما تقدم (وتكره مداومتها نصا) لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة أو الوجوب. (وتكره) القراءة (في عشاء ليلتها بسورة الجمعة، زاد في الرعاية: والمنافقين) ولعل وجهه:

[ 42 ]

أنه بدعة. (وتجوز إقامتها) أي الجمعة (في أكثر من موضع من البلد، لحاجة) إليه (كضيق) مسجد البلد عن أهله، (وخوف فتنة) بأن يكون بين أهل البلد عداوة، فيخشى إثارة الفتنة باجتماعهم في مسجد واحد (وبعد) للجامع عن طائفة من البلد. (ونحوه) كسعة البلد وتباعد أقطاره. (فتصح) الجمعة (السابقة واللاحقة) لانها تفعل في الامصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعا. قال الطحاوي: وهو الصحيح من مذهبنا. وأما كونه (ص) لم يقمها هو ولا أحد من الصحابة في أكثر من موضع، فلعدم الحاجة إليه، ولان الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم لانه المبلغ عن الله تعالى. (وكذا العيد) تجوز إقامتها في أكثر من موضع من البلد للحاجة، لما سبق (فإن حصل الغني ب‍) - جمعتين (اثنتين لم تجز) الجمعة (الثالثة) لعدم الحاجة إليها (وكذا ما زاد) أي إذا حصل الغنى بثلاث لم تجز الرابعة، أو بأربع لم تجز الخامسة، وهكذا (ويحرم) إقامة الجمعة والعيد بأكثر، من موضع من البلد (لغير حاجة) قال في المبدع: لا نعلم فيه خلافا إلا عن عطاء، وهو معنى كلامه في الشرح (و) يحرم (إذن إمام فيها) أي في إقامة ما زاد على واحدة (أذن) أي عند عدم الحاجة إليه. وكذا الاذن فيما زاد على قدر الحاجة. (فإن فعلوا) أي أقاموا الجمعة في موضعين فأكثر، مع عدم الحاجة (فجمعة الامام التي باشرها أو أذن فيها، هي الصحيحة) لان في تصحيح غيرها افتياتا عليه، وتفويتا لجمعته، وسواء قلنا: إذنه شرط أو لا (وإن) أي ولو (كانت) جمعة الامام (مسبوقة) لما تقدم، (فإن استويا في الاذن وعدمه) أي عدم إذن الامام فيهما، (فالثانية باطلة، ولو كانت) المسبوقة (في المسجد الاعظم، والاخرى في مكان لا يسع الناس، أو لا يقدرون عليه لاختصاص السلطان وجنده

[ 43 ]

به، أو كانت المسبوقة في قصبة البلد والاخرى في أقصاه) لان الاستغناء حصل بالاولى، فأنيط الحكم بها، لكونها سابقة (والسبق يكون بتكبيرة، الاحرام) لا بالشروع في الخطبة، ولا بالسلام (وإن وقعتا) أي الجمعتان في موضعين من البلد بلا حاجة (معا بطلتا)، حيث لم يباشر الامام إحداهما، واستوتا في الاذن أو عدمه، لانه لا يمكن تصحيحهما، ولا تعيين إحداهما بالصحة. أشبه ما لو جمع بين أختين معا. (وصلوا جمعة) وجوبا (إن أمكن)، لانه مصر لم تصل فيه جمعة صحيحة. (وإن جهلت) الجمعة (الاولى) من جمعتين فأكثر ببلد لغير حاجة، (أو جهل الحال) بأن لم يعلم كيف وقعتا أمعا أم إحداهما بعد الاخرى؟ (أو علم) الحال (ثم أنسي، صلوا ظهرا، ولو أمكن فعل الجمعة) للشك في شرط إقامة الجمعة، والظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت، فإذا كان مصران متقاربان يسمع كل منهما نداء الاخرى، أو قريتان أو قرية إلى جانب مصر كذلك لم تبطل جمعة إحداهما بجمعة الاخرى، لان لكل قوم منهم حكم أنفسهم. (وإذا وقع عيد يوم الجمعة فصلوا العيد والظهر. جاز) ذلك (وسقطت الجمعة عمن حضر العيد) مع الامام لانه (ص) صلى العيد، وقال: من شاء أن يجمع فليجمع رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم، وحينئذ فتسقط الجمعة (إسقاط حضور، لا) إسقاط (وجوب)، فيكون حكمه (كمريض ونحوه) ممن له عذر أو شغل يبيح ترك الجمعة، و (لا) يسقط عنه وجوبها فيكون (كمسافر وعبد) لان الاسقاط للتخفيف، فتنعقد به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها (والافضل حضورها) خروجا من الخلاف، (إلا الامام فلا يسقط عنه) حضور الجمعة. لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي (ص) قال: اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون ورواته ثقات، وهو من رواية بقية. وقد قال: حدثنا. ولانه لو تركها لامتنع فعلها في حق من تجب عليه، ومن يريدها ممن سقطت عنه (ف‍) - على هذا (إن اجتمع معه العدد المعتبر) للجمعة (أقامها، وإلا صلوا ظهرا). قال في القاعدة الثامنة عشرة:

[ 44 ]

وعلى رواية عدم السقوط، أي عن الامام، فيجب أن يحضر معه من تنعقد به تلك الصلاة. ذكره صاحب التلخيص وغيره. فتصير الجمعة ههنا فرض كفاية، ويسقط بحضور أربعين. (وأما من لم يصل العيد) مع الامام (فيلزمه السعي إلى الجمعة، بلغوا العدد المعتبر أو لا). قال في شرح المنتهى: قولا واحدا، (ثم إن بلغوا) العدد المعتبر (بأنفسهم) بأن كانوا أربعين (أو حضر معهم تمام العدد) إن كانوا دونه (لزمتهم الجمعة)، لتوفر شروط الوجوب والصحة. (وإلا) بأن لم يبلغوا أربعين لا بأنفسهم ولا بحضور غيرهم معهم، (تحقق عذرهم) لفوات شرط الصحة. (ويسقط العيد بالجمعة إن فعلت) الجمعة (قبل الزوال أو بعده)، لفعل ابن الزبير، وقول ابن عباس: أصاب السنة رواه أبو داود، فعلى هذا لا يلزمه شئ إلى العصر. روى أبو داود عن عطاء قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد، فجمعهم، وصلى ركعتين بكرة، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر قال الخطابي: وهذا لا يجوز إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة، فسقط العيد والظهر، ولان الجمعة إذا سقطت بالعيد مع تأكيدها، فالعيد أولى أن يسقط بها. (فإن فعلت) الجمعة (بعده) أي الزوال، (اعتبر العزم على الجمعة لترك صلاة العيد) قاله ابن تميم. وقال في التنقيح والمنتهى: فيعتبر العزم عليها. ولو فعلت قبل الزوال، وهو ظاهر الفروع، وقدمه في الانصاف. (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان) نص عليه لانه (ص) كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه من حديث ابن عمر (وأكثرها) أي السنة بعدها (ست) ركعات (نصا) لقول ابن عمر: كان (ص) يفعله رواه أبو داود. واختار في المغني أربعا. وروي عن

[ 45 ]

ابن عمر: لفعله (ص) وأمره رواه مسلم من حديث أبي هريرة. (ويسن) أن يصليها (مكانه) نص عليه (في المسجد) وتقدم. (وأن يفصل بينهما) أي بين السنة (وبين الجمعة بكلام أو انتقال) من موضعه للخبر (ونحوه)، أي نحو ما ذكر. (وليس لها) أي الجمعة (قبلها سنة راتبة، نصا بل يستحب أربع ركعات)، لما روى ابن ماجه أنه (ص): كان يركع من قبل الجمعة أربعا. وروى سعيد عن ابن مسعود أنه: كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات وبعدها أربع ركعات. وقال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن أربع ركعات. (وتقدم) في باب صلاة التطوع. فصل: (يسن أن يغتسل للجمعة) في يومها، ويستحب أن يجامع ثم يغتسل، نص عليه، والافضل فعله عند مضيه إليها لانه أبلغ في المقصود. وفيه خروج من الخلاف (وتقدم) في الاغسال المستحبة من باب الغسل (و) يسن أن (يتنظف) للجمعة (بقص شاربه) يعني حفه. (وتقليم أظفاره وقطع الروائح الكريهة) بالسواك وغيره، وأن (يتطيب بما يقدر عليه، ولو من طيب أهله) لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعا قال: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن، ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الامام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى وقوله: من طيب امرأته

[ 46 ]

أي ما خفي ريحه وظهر لونه لتأكد الطيب. قال في المبدع: وظاهر كلام أحمد والاصحاب خلافه، (و) يسن (أن يلبس أحسن ثيابه) لوروده في بعض ألفاظ الحديث. (وأفضلها البياض) لما تقدم في آداب اللباس من ستر العورة، ويعتم ويرتدي، (و) أن (يبكر إليها) أي إلى الجمعة ولو كان مشتغلا بالصلاة في بيته للخبر (غير الامام)، فلا يسن له التبكير إليها. ومعنى تبكيره: إتيانه (بعد طلوع الفجر) لا بعد طلوع الشمس، ولا بعد الزوال ويكون (ماشيا) لقوله (ص): ومشى ولم يركب. (إن لم يكن عذر، فإن كان) له عذر (فلا بأس بركوبه ذهابا وإيابا) لكن الاياب راكبا لا بأس به، ولو لغير عذر. (ويجب السعي) إلى الجمعة سواء كان من يقيمها عدلا أو فاسقا، سنيا أو مبتدعا. نص عليه (بالنداء الثاني بين يدي الخطيب) لقوله تعالى: * (إذا نودي للصلاة) * لانه الذي كان على عهده (ص) (لا) يجب السعي (ب‍) - النداء (الاول، لانه مستحب) لان عثمان سنه وعملت به الامة، يعني والثاني فرض كفاية. (والافضل) أن يكون الاذان بين يدي الخطيب، (من مؤذن واحد) لعدم الحاجة إلى الزيادة، لانه لاعلام من في المسجد وهم يسمعونه (ولا بأس بالزيادة) أي بأن يكون الاذان من أكثر من واحد، (إلا من بعد منزله، ف‍) - يجب عليه السعي (في وقت يدركها) فيه أن يسعى إليها من منزله، (إذا علم حضور العدد) المعتبر للجمعة. قال في الفروع: أطلقه بعضهم. والمراد بعد طلوع الفجر لا قبله ذكره في الخلاف وغيره، وأنه ليس بوقت للسعي أيضا. ويسن أن يخرج إلى الجمعة (على أحسن هيئة بسكينة ووقار، مع خشوع، ويدنو من الامام) أي يقرب منه، لقوله (ص): من غسل واغتسل، وبكر، وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الامام فاستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل صيامها وقيامها رواه أحمد وأبو داود من حديث أوس بن أوس وإسناده ثقات. وقوله: غسل بالتشديد أي جامع، واغتسل معلوم. وبكر أي خرج في بكرة النهار وهي أوله وابتكر أي بالغ في التبكير، أي جاء في أول البكرة. (ويستقبل القبلة)

[ 47 ]

لانه خير المجالس، للخبر. (ويشتغل بالصلاة إلى خروج الامام) للخطبة لما في ذلك من تحصيل الاجر (فإذا خرج) الامام للخطبة وهو في نافلة (خففها، ولو) كان (نوى أربعا صلى ركعتين) ليستمع الخطبة. (ويحرم ابتداء نافلة إذن) أي بعد خروج الامام للخطبة (غير تحية مسجد)، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، ولو كان قبل الشروع في الخطبة أو كان بعيدا بحيث لا يسمعها، (و) يشتغل أيضا (بالذكر) لله تعالى، تحصيلا للاجر. (وأفضله قراءة القرآن) وتقدم (و) يسن أن يقرأ (سورة الكهف في يومها) اقتصر عليه الاكثر، لما روى البيهقي بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعا: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ورواه سعيد مرفوعا. وقال: وما بينه وبين البيت العتيق زاد أبو المعالي (وليلتها). وقال في الوجيز: يقرأ سورة الكهف في يومها أو ليلتها قاله في الانصاف. وفي المبدع وشرح المنتهى زاد أبو المعالي والوجيز: أو ليلتها، لقوله (ص): من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلتها وقي فتنة الدجال. (ويكثر الدعاء في يومها) أي الجمعة، (رجاء إصابة ساعة الاجابة)، لقوله (ص): إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها متفق عليه من حديث أبي هريرة. (وأرجاها آخر ساعة من النهار) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، بإسناد حسن عن أبي سلمة عن جابر مرفوعا. وفي أوله: أن النهار اثنتا عشرة ساعة، رواه مالك وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام، لكن لم يحك في الانصاف والمبدع هذا القول

[ 48 ]

عن الامام، ولا عن أحد من أصحابنا، بل ذكرا قول الامام: أكثر الاحاديث على أنها - أي الساعة التي ترجى فيها الاجابة - بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس. وقد ذكر دليل هذين القولين مع بقية الاقوال، وهي اثنان وأربعون قولا في فتح الباري شرح البخاري. وقال ابن عبد البر عن قول الامام: إنه أثبت شئ في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن أناسا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا، فلم يختلفوا في أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. ورجحه كثير من الائمة كأحمد وإسحاق. (يكون متطهرا منتظرا صلاة المغرب، فإن من انتظر الصلاة فهو في صلاة) للخبر. وفي الدعوات للمستغفري عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فوقف في الباب، فقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت لما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. (ويكثر الصلاة على النبي (ص)) في يوم الجمعة، لقوله (ص): أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن. قال الاصحاب: وليلتها، لقوله (ص): أكثروا من الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا رواه البيهقي بإسناد جيد. وقد روي الحث عليها مطلقا، لحديث ابن مسعود أنه (ص) قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة رواه الترمذي بإسناد حسن. (ويكره أن يتخطى رقاب الناس) لما روى أحمد: أن النبي (ص) وهو على المنبر رأى رجلا يتخطى رقاب الناس، فقال: اجلس، فقد آذيت، ولما فيه من سوء الادب والاذى. (إلا أن يكون إماما فلا) يكره أن يتخطى رقاب الناس. (للحاجة) لتعيين مكانه، وألحق به في الغنية المؤذن، (أو يرى) غير الامام (فرجة لا يصل إليها إلا به) أي بالتخطي، فلا يكره، لانهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم (ويحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه، ولو عبده) الكبير، (أو ولده الكبير) لانه ليس بمال. وإنما هو حق ديني فاستوى فيه

[ 49 ]

السيد وعبده، والوالد وولده. (أو كانت عادته الصلاة فيه حتى المعلم ونحوه) كالمفتي والمحدث، ومن يجلس للمذاكرة في الفقه إذا جلس إنسان موضع حلقته حرم عليه إقامته، لما روى عمر أن النبي (ص): نهى أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه متفق عليه. ولكن يقول: افسحوا. قاله في التلخيص، لحديث مسلم عن جابر مرفوعا: لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا ولان المسجد بيت الله، والناس فيه سواء (إلا الصغير) حرا، كان أو عبدا، فيؤخر لما تقدم. قال في التنقيح: (وقواعد المذهب تقتضي عدم الصحة)، أي صحة صلاة من أخر مكلفا وجلس مكانه، لشبهة الغاصب، (إلا من جلس بموضع يحفظه له) أي لغيره (بإذنه أو دونه)، لان النائب يقوم باختياره. قاله في الشرح، ولانه قعد فيه لحفظه له، ولا يحصل ذلك إلا بإقامته، لكن إن جلس في مكان الامام أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان ضيق. أقيم. قاله أبو المعالي. (ويكره إيثاره) غيره (بمكانه الافضل) ويتحول إلى ما دونه، (كالصف الاول ونحوه) وكيمين الامام لما في ذلك من الرغبة عن المكان الافضل. وظاهره: ولو آثر به والده ونحوه. و (لا) يكره للمؤثر (قبوله) المكان الافضل ولا رده. قال سندي: رأيت الامام أحمد قام له رجل من موضعه، فأبى أن يجلس فيه، وقال له: ارجع إلى موضعك فرجع إليه. (فلو آثر) الجالس بمكان أفضل (زيدا فسبقه إليه عمرو، حرم) على عمرو سبقه إليه، لانه قام مقامه. أشبه ما لو تحجر مواتا، ثم آثر به غيره. وهذا بخلاف ما لو وسع لرجل في طريق فمر غيره، لانها جعلت للمرور فيها، والمسجد جعل للاقامة فيه. (وإن وجد مصلى مفروشا فليس له رفعه)، لانه كالنائب عنه، ولما فيه من الافتيات على صاحبه والتصرف في ملكه بغير إذنه، والافضاء إلى الخصومة، وقاسه في الشرح على رحبة المسجد،. ومقاعد الاسواق. (ما لم تحضر الصلاة) فله رفعه والصلاة مكانه، لانه لا حرمة له بنفسه، وإنما

[ 50 ]

الحرمة لربه، ولم يحضر، (ولا الجلوس ولا الصلاة عليه) وقدم في الرعاية يكره، وجزم جماعة بتحريمه. قال في شرح المنتهى: وليس له أن يدعه مفروشا ويصلي عليه، فإن فعل فقال في الفروع، في باب ستر العورة: لو صلى على أرضه أو مصلاه بلا غصب، صح، انتهى. وتقدم هناك: جاز وصحت ولعل ما هناك إذا كان حاضرا، أو صلى معه على مصلاه فلا يعارضه ما هنا لغيبته، وفيه شئ. قال في الفروع: ويتوجه إن حرم رفعه أي المصلى (فله فرشه) وإلا كره (ومنع منه) أي الفرش (الشيخ، لتحجره مكانا من المسجد) كحفره في التربة المسبلة قبل الحاجة إليه. (ومن قام من موضعه) من المسجد (لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبا، فهو أحق به) لما روى مسلم عن أبي أيوب مرفوعا: من قام من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به وقيده في الوجيز بما إذا عاد، ولم يتشاغل بغيره (ما لم يكن صبيا قام في صف فاضل أو في وسط الصف)، ثم قام لعارض ثم عاد، فيؤخر، كما لو لم يقم منه بالاولى (فإن لم يصل) العائد (إليه)، أي إلى مكانه قريبا بعد قيامه منه لعارض (إلا بالتخطي، جاز) له التخطي، (كالفرجة) أي كمن رأى فرجة لا يصل إليها إلا به. ذكره في الشرح وابن تميم. (وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمي) للسلطان ولجنده (نصا)، لانه يمنع الناس من الصلاة فيها، فتصير كالمغصوب. (ومن دخل والامام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين موجزتين)، أي خفيفتين (تحية المسجد إن كان) يخطب (في مسجد)، لقول النبي (ص): إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الامام فليصل ركعتين متفق عليه. زاد مسلم: وليتجوز فيهما. وكذا قال أحمد والاكثر. (و) محل ذلك على ما في المغني والتلخيص

[ 51 ]

والمحرر والشرح: إن (لم يخف فوت تكبيرة الاحرام مع الامام)، فإن خاف تركهما (ولا تجوز الزيادة عليهما) لمفهوم ما تقدم. (وتسن تحية المسجد ركعتان فأكثر لكل من دخله) أي المسجد (قصد الجلوس) به، (أو لا) لعموم الاخبار. (غير خطيب دخل لها) أي للخطبة، فلا يصلي التحية (و) غير (قيمه) أي المسجد، فلا تسن له التحية (لتكرار دخوله) فتشق عليه، (و) غير (داخله) أي المسجد (لصلاة عيد)، فلا يصلي التحية، لما يأتي في صلاة العيدين (أو) داخله (والامام في مكتوبة، أو بعد الشروع في الاقامة) لحديث: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. (و) غير (داخل المسجد الحرام) لان تحيته الطواف. (وتجزئ راتبة وفريضة، ولو) كانتا (فائتتين عنها) أي عن تحية المسجد، لا عكسه. وتقدم في صلاة التطوع موضحا. (وإن نوى التحية والفرض فظاهر كلامهم: حصولهما) له، كنظائرهما. قاله في المبدع وغيره. وقطع به في المنتهى وغيره (فإن جلس قبل فعلها) أي التحية (قام فأتى بها، إن لم يطل الفصل) لقول النبي (ص): قم فاركع ركعتين متفق عليه من حديث جابر، فإن طال الفصل فات محلها، (ولا تحصل) التحية (بأقل من ركعتين) لمفهوم ما سبق (ولا) تحصل التحية (بصلاة جنازة)، ولا سجود تلاوة، ولا شكر، لما سبق.

[ 52 ]

(وتقدم: إذا دخل وهو يؤذن) فينتظر فراغه، ليجمع بين الاجابة والتحية (ويحرم الكلام في الخطبتين والامام يخطب، ولو كان) الامام (غير عدل) لقوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * ولقوله (ص): من قال: صه، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له رواه أحمد وأبو داود. ولقوله (ص) في خبر ابن عباس: والذي يقول: أنصت ليس له جمعة رواه أحمد من رواية مجالد. ومعنى قوله: لا جمعة له أي كاملة ولقوله (ص) لابي الدرداء: إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ رواه أحمد، (إن كان) المتكلم (منه) أي الامام (بحيث يسمعه)، بخلاف البعيد الذي لا يسمعه، لان وجوب الانصات للاستماع، وهذا ليس بمستمع. (ولو) كان كلام المتكلم (في حال تنفسه) أي الامام، فيحرم (لانه في حكم الخطبة)، لانه يسير. (إلا له) أي الكلام للخطيب (أو لمن كلمه لمصلحة) فلا يحرم عليهما، لانه (ص): كلم سليكا وكلمه هو رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة. وسأل عمر عثمان فأجابه، وسأل العباس بن مرداس النبي (ص) الاستسقاء، ولانه حال كلام الامام وكلام الامام إياه لا يشغل عن سماع الخطبة. (ولا بأس به) أي الكلام (قبلهما) أي الخطبتين (وبعدهما نصا) لما روى مالك والشافعي بإسناد جيد عن ثعلبة بن مالك قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر، فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين (و) لا بأس بالكلام (بين الخطبتين إذا سكت)، لانه لا خطبة حينئذ ينصت لها (وليس له تسكيت من تكلم بكلام) لما تقدم، (بل) يسكته (بإشارة فيضع أصبعه) ولعل المراد السبابة (على فيه) إشارة بالسكوت، لان الاشارة تجوز في الصلاة للحاجة، ففي الخطبة أولى (ويجب) الكلام

[ 53 ]

(لتحذير ضرير وغافل عن بئر، و) عن (هلكة، ومن يخاف عليه نارا أو حية ونحوه) مما يقتله أو يضره، لاباحة قطع الصلاة لذلك. (ويباح) الكلام (إذا شرع) الخطيب (في الدعاء) لانه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الانصات له. (ولو في دعاء غير مشروع، وتباح الصلاة على النبي (ص) إذا ذكر) فيصلي عليه (سرا، كالدعاء اتفاقا، قاله الشيخ. وقال: رفع الصوت قدام بعض الخطباء مكروه، أو محرم اتفاقا. فلا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها). وفي التنقيح والمنتهى: وله الصلاة على النبي (ص) إذا سمعها. ويسن سرا (ولا يسلم من دخل) على الامام ولا غيره، لاشتغالهم بالخطبة واستماعها، (ويجوز تأمينه) أي مستمع الخطبة (على الدعاء وحمده خفية إذا عطس نصا، وتشميت عاطس، ورد سلام نطقا) لانه مأمور به لحق آدمي، أشبه الضرير فدل على أنه يجب، قاله في المبدع. (وإشارة أخرس مفهومة ككلام) لقيامها مقامه في البيع وغيره. (ويجوز لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقراءة والذكر والصلاة على النبي (ص) خفية وفعله أفضل) من سكوته (نصا)، لتحصيل أجره. (فيسجد للتلاوة) لعموم الادلة (وليس له أن يرفع صوته، ولا إقراء القرآن ولا المذاكرة في الفقه) لئلا يشغل غيره عن الاستماع. وفي الفصول: إن بعد ولم يسمع همهمة الامام جاز أن يقرأ وأن يذاكر في الفقه اه‍. وهو محمول على ما إذا لم يشغل غيره عن الاستماع وكلام المصنف على ما إذا أشغل، (ولا أن يصلي) لما تقدم، من أنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الامام، (أو) أي ولا أن (يجلس في حلقة) قال في الشرح: ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، لان النبي (ص): نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة رواه أحمد وأبو داود والنسائي. (ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة، لانه) أي السائل (فعل ما لا يجوز) له فعله، وهو الكلام حال

[ 54 ]

الخطبة (فلا يعينه) على ما لا يجوز. (قال) الامام (أحمد: وإن حصب السائل كان أعجب إلي) لان ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل والامام يخطب يوم الجمعة. (ولا يناوله) أي السائل حال الخطبة الصدقة، لانه إعانة على محرم. (فإن سأل) الصدقة (قبلها) أي الخطبة (ثم جلس لها) أي للخطبة، أي استماعها (جاز) أي التصدق عليه ومناولته الصدقة، قال الامام أحمد: هذا لم يسأل والامام يخطب، (وله الصدقة) حال الخطبة (على من لم يسأل وعلى من سألها) أي الصدقة (الامام له) لما تقدم. (والصدقة على باب المسجد عند دخوله أو خروجه أولى) من الصدقة حال الخطبة (ويكره العبث حال الخطبة) لقول النبي (ص): ومن مس الحصى فقد لغا قال الترمذي: حديث صحيح، ولان العبث يمنع الخشوع (وكذا الشرب) يكره حال الخطبة إذا كان يسمع، لانه فعل به. أشبه مس الحصى، (ما لم يشتد عطشه) فلا يكره شربه لانه يذهب الخشوع. وجزم أبو المعالي بأنه إذن أولى. وفي الفصول: ذكر جماعة شراءه بعد الاذان يقطعه، لانه بيع منهي عنه. وكذا شراؤه على أن يعطيه الثمن بعد الصلاة لانه بيع، ويتخرج الجواز للحاجة دفعا للضرر، وتحصيلا لاستماع الخطبة. قاله في المبدع. (ومن نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط) أحدا في انتقاله. لقوله (ص): إذا نعس أحدكم في مجلسه فليتحول إلى غيره صححه الترمذي (ولا بأس بشراء ماء الطهارة بعد أذان الجمعة أو)، شراء (سترة) لعريان للحاجة، ويأتي في البيع. (وتأتي أحكام البيع بعد النداء) الثاني للجمعة في البيع مفصلة.

[ 55 ]

فائدة: يستحب لمن صلى الجمعة أن ينتظر صلاة العصر، فيصليها في موضعه، ذكره في الفصول والمستوعب. ولم يذكره الاكثر. ويستحب انتظار الصلاة بعد الصلاة، لقوله (ص): إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها وكلامه في جلوسه بعد فجر وعصر إلى طلوع شمس وغروبها قد سبق، قال بعض الاصحاب: من البدع المنكرة كتب كثير من الناس الاوراق التي يسمونها حفائظ في آخر جمعة من رمضان في حال الخطبة، لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة والاتعاظ بها والذكر والدعاء، وهو من أشرف الاوقات. وكتابة ما لا يعرف معناه كعسهلون، ونحوه. وقد يكون دالا على ما ليس بصحيح ولا مشروع، ولم ينقل ذلك عن أحد من أهل العلم. خاتمة: روى ابن السني من حديث أنس مرفوعا: من قرأ إذا سلم الامام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد والمعوذتين سبعا، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعطي من الاجر بعدد من آمن بالله ورسوله. باب صلاة العيدين أي صفتها وأحكامها وما يتعلق بذلك. سمي اليوم المعروف عيدا لانه يعود ويتكرر لاوقاته وقيل: لانه يعود بالفرح والسرور. وقيل: تفاؤلا ليعود ثانية، كالقافلة. وهو من عاد يعود، فهو الاسم منه. كالقيل من القول. وصار علما على اليوم المخصوص. لما تقدم. وجمع على أعياد بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد. وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب. (وهي) أي صلاة العيدين مشروعة إجماعا لما يأتي. و (فرض كفاية) لقوله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * هي صلاة العيد في قول عكرمة وعطاء وقتادة. قال في الشرح: وهو المشهور في السير. وكان (ص) والخلفاء بعده يداومون عليها. ولانها من أعلام الدين الظاهرة. فكانت واجبة كالجهاد، بدليل قتل تاركها. ولم تجب على الاعيان لحديث الاعرابي متفق عليه. وروي أن أول صلاة عيد صلاها النبي (ص) عيد الفطر، في السنة الثانية من الهجرة، وواظب على صلاة العيدين حتى مات. (إن تركها أهل بلد) يبلغون أربعين بلا عذر (قاتلهم الامام) كالاذان، لانها من شعائر الاسلام الظاهرة. وفي

[ 56 ]

تركها تهاون بالدين. (وكره أن ينصرف من حضر) مصلى العيد (ويتركها)، كتفويته حصول أجرها من غير عذر. (ووقتها كصلاة الضحى) من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال. لانه (ص) ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، بدليل الاجماع على فعل ذلك الوقت. ولم يكن يفعل إلا الافضل. وروى الحسن أن النبي (ص): كان يغدو إلى الفطر والاضحى حين تطلع الشمس، فيتم طلوعها. وكان يفتتح الصلاة إذا حضر. و (لا) يدخل وقت العيد (بطلوع الشمس) قبل ارتفاعها قيد رمح، لانه وقت نهي عن الصلاة فيه. فلم يكن وقتا للعيد. كما قبل طلوعها (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال أو أخروها) ولو (لغير عذر خرج من الغد فصلى بهم قضاء، ولو أمكن) قضاؤها (في يومها). لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الانصار قال: غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صياما، فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالامس، فأمر النبي (ص) الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدا لعيدهم رواه أبو داود والدارقطني وحسنه. وقال مالك: لا تصلي غير يوم العيد. قال أبو بكر الخطيب: سنة النبي (ص) أولى أن تتبع وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب. وكالفرائض (وكذا لو مضى أيام) لعذر أو غيره. فتقضى قياسا على ما سبق (ويسن تقديم صلاة الاضحى، بحيث يوافق من بمنى في ذبحهم). نص عليه (وتأخير صلاة الفطر) لما روى الشافعي مرسلا أن النبي (ص) كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الاضحى وأخر الفطر، وذكر الناس، ولانه يتسع بذلك وقت الاضحية. ووقت صدقة الفطر (و) يسن (الاكل فيه) أي عيد الفطر (قبل الخروج إليها) أي الصلاة، (تمرات وترا) لقول بريرة: كان النبي (ص) لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر. ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي رواه أحمد. وقول أنس: كان النبي (ص) لا يغدو يوم الفطر حتى

[ 57 ]

يأكل تمرات رواه البخاري، وزاد في رواية منقطعة: ويأكلهن وترا وفي شرح الهداية. (وهو) أي الاكل فيه (آكد من الامساك في الاضحى، و) يسن (الامساك في الاضحى حتى يصلي) لما تقدم، (ليأكل من أضحيته، والاولى من كبدها) لانه أسرع تناولا وهضما، (إن كان يضحي. وإلا خير) بين أكله قبل الصلاة وبعدها، نص عليه. لحديث الدارقطني عن بريرة: وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع فيأكل من أضحيته وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل (ويسن الغسل للعيد في يومها) وهو للصلاة، فيفوت بفواتها، وتقدم. (و) يسن (تبكير مأموم إليها بعد صلاة الصبح) ليحصل له الدنو من الامام من غير تخط، وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه، ويكون (ماشيا إن لم يكن عذر) لما روى الحرث عن علي قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا رواه الترمذي، وقال: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال أبو المعالي: إن كان البلد ثغرا استحب الركوب وإظهار السلاح. (و) يسن (دنوه من الامام) أي قربه منه كالجمعة، (و) يسن (تأخر إمام إلى) وقت (الصلاة). لحديث أبي سعيد: كان النبي (ص) يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى فأول شئ يبدأ به الصلاة رواه مسلم (ولا بأس بالركوب في العود) لقول علي: ثم تركب إذا رجعت. ويسن أن يخرج (على أحسن هيئة من لبس وتطيب ونحوه) كتنظف. لما روى جابر أن النبي (ص): كان يعتم ويلبس برده الاحمر في العيدين والجمعة رواه ابن عبد البر. وعن جابر قال: كانت للنبي (ص) حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة رواه ابن خزيمة في صحيحه، وكالجمعة (والامام بذلك آكد) لانه منظور إليه من بين الناس (غير

[ 58 ]

معتكف، فإنه يخرج في ثياب اعتكافه، ولو) كان (الامام) لقوله (ص): ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده إلا المعتكف فإنه يخرج في ثياب اعتكافه ولانه أثر عبادة فاستحب له بقاؤه كالخلوف. (وإن كان المعتكف فرغ من اعتكافه قبل ليلة العيد استحب له المبيت ليلة العيد في المسجد) ليحييها. (و) يستحب (الخروج منه) أي المسجد (إلى المصلى) لصلاة العيد. (و) يسن يوم العيدين (التوسعة على الاهل والصدقة) على الفقراء ليغنيهم عن السؤال. (وإذا غدا) المصلي (من طريق سن رجوعه في أخرى)، لما روى جابر أن النبي (ص): كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق رواه البخاري ورواه مسلم من حديث أبي هريرة. وعلته: لتشهد له الطريقان، أو لمساواته لهما في التبرك بمروره والسرور برؤيته، أو لتتبرك الطريقان بوطئه عليهما، أو لزيادة الاجر بالسلام على أهل الطريق الآخر، أو لتحصل الصدقة على الفقراء من أهل الطريقين. (وكذا جمعة) إذا ذهب إليها من طريق سن له العود من أخرى لما سبق. قال في شرح المنتهى: ولا يمتنع ذلك أيضا في غير الجمعة. وقال في المبدع: الظاهر أن المخالفة فيه أي العيد شرعت لمعنى خاص. فلا يلتحق به غيره. (ويشترط لوجوبها) أي صلاة العيد (شروط الجمعة) لانها صلاة لها خطبة راتبة أشبهت الجمعة. ولانه (ص) وافق العيد في حجته ولم يصل. (و) يشترط (لصحتها) أي صلاة العيد (استيطان) أربعين (وعدد الجمعة) لما تقدم. قال ابن عقيل: إذا قلنا من شرطها العدد، وكانت قرية إلى جانب قرية، أو مصر تصلي فيه العيد لزمهم السعي إلى العيد، سواء كانوا يسمعون النداء أم لا. لان الجمعة إنما لم يلزم إتيانها مع عدم السماع لتكررها، بخلاف العيد، فإنه لا يتكرر، فلا يشق إتيانه. واقتصر عليه في

[ 59 ]

الشرح. قال ابن تميم: وفيه نظر. و (لا) يشترط لها (إذن إمام) كالجمعة (فلا تقام) العيد (إلا حيث تقام) الجمعة، لما تقدم (ويفعلها المسافر والعبد والمرأة والمنفرد تبعا) لاهل وجوبها (لكن يستحب أن يقضيها من فاتته) مع الامام (كما يأتي) موضحا. (ولا بأس بحضورها النساء غير مطيبات ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة) لقوله (ص): وليخرجن تفلات (ويعتزلن الرجال) فلا يختلطن بهم. (ويعتزل الحيض المصلى) للخبر. (بحيث يسمعن) الخطبة ليحصل المقصود (وتسن) صلاة العيدين (في صحراء قريبة عرفا) نقل حنبل: الخروج إلى المصلى أفضل، إلا ضعيفا أو مريضا لقول أبي سعيد: كان النبي (ص) يخرج في الفطر والاضحى إلى المصلى متفق عليه. وكذلك الخلفاء بعده. ولانه أوقع لهيبة الاسلام وأظهر لشعائر الدين. ولا مشقة في ذلك، لعدم تكررها بخلاف الجمعة. قال النووي: والعمل على هذا في معظم الامصار (ويستحب للامام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد) نص عليه لفعل علي، حيث استخلف أبا مسعود البدري. رواه سعيد (ويخطب بهم إن شاءوا، وهو المستحب) ليكمل حصول مقصودهم. (والاولى أن لا يصلوا قبل الامام) قاله ابن تميم. (وإن صلوا قبله فلا بأس) لانهم من أهل الوجوب (وأيهما سبق) بالصلاة (سقط الفرض به وجازت التضحية) لانها صلاة صحيحة (وتنويه المسبوقة نفلا) لسقوط الفرض بالسابقة. (وتكره) صلاة العيد (في الجامع) لمخالفة فعله (ص) (بلا عذر)، فإن كان عذر لم تكره فيه. لقول أبي هريرة: أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا النبي (ص) في المسجد رواه أبو

[ 60 ]

داود، وفيه لين (إلا بمكة) المشرفة (فتسن) صلاة العيد (في المسجد) الحرام لمعاينة الكعبة، وذلك من أكبر شعائر الدين. (ويبدأ بالصلاة قبل الخطبة) قال ابن عمر: كان النبي (ص) وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه (فلو خطب قبل الصلاة لم يعتد بها) كما لو خطب في الجمعة بعدها. وقد روي عن بني أمية تقديم الخطبة. قال الموفق: ولم يصح عن عثمان (فيصلي ركعتين) إجماعا، لما في الصحيحين عن ابن عباس: أن النبي (ص) خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما، ولا بعدهما. ولقول عمر: صلاة الفطر والاضحى ركعتان ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى رواه أحمد. (يكبر تكبيرة الاحرام، ثم يستفتح) لان الاستفتاح لاول الصلاة (ثم يكبر ستا، زوائد) لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي (ص) كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الاولى وخمسا في الآخرة قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن حديث في الباب. وقال عبد الله، قال أبي: أنا أذهب إلى هذا ورواه ابن ماجه، وصححه ابن المديني. وفي رواية أنه (ص) قال: التكبير سبع في الاولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما رواه أبو داود والدارقطني. وقال أحمد: اختلف أصحاب النبي (ص) في التكبير وكله جائز. وقال ابن الجوزي: ليس يروى عن النبي (ص) في التكبير في العيدين حديث صحيح (قبل التعوذ، ثم يتعوذ عقب) التكبيرة (السادسة) لان التعوذ للقراءة، فيكون عندها (بلا ذكر) بعد التكبيرة

[ 61 ]

الاخيرة في الركعتين، لان الذكر إنما هو بين التكبيرتين، وليس بعد التكبيرة الاخيرة تكبير. (ثم يشرع في القراءة ويكبر في الثانية بعد قيامه من السجود وقبل قراءتها خمسا زوائد) لما تقدم. (يرفع يديه مع كل تكبيرة) نص عليه. لحديث وائل بن حجر: أنه (ص) كان يرفع يديه مع التكبير قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله. وعن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة والعيد وعن زيد كذلك. رواهما الاثرم (ويقول بين كل تكبيرتين) زائدتين: (الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا). لما روى عقبة بن عامر قال: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد قال: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي (ص) ثم يدعو ويكبر الحديث. وفيه: فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن رواه الاثرم وحرب. واحتج به أحمد، ولانها تكبيرات حال القيام. فاستحب أن يتخللها ذكر، كتكبيرات الجنازة. (وإن أحب قال غيره) أي غير ما تقدم من الذكر. (إذ ليس فيه ذكر مؤقت) أي محدود، لان الفرض الذكر بين التكبير، فلهذا نقل حرب: أن الذكر غير مؤقت. (ولا يأتي بعد التكبيرة الاخيرة في الركعتين بذكر) لما تقدم. (وإن نسي التكبير أو شيئا منه، حتى شرع في القراءة لم يعد إليه) لانه سنة فات محلها. أشبه ما لو نسي الاستفتاح أو التعوذ حتى شرع في القراءة، أو نسي قراءة سورة حتى ركع، ولانه إن أتى بالتكبيرات، ثم عاد إلى القراءة، فقد ألغى فرضا يصح أن يعتد به، وإن لم يعد إلى القراءة فقد حصلت التكبيرات في غير محلها. (وكذا إن أدرك الامام قائما بعد التكبير الزائد أو بعضه، ولم يأت به) لفوات محله، وكما لو أدركه راكعا (يقرأ في) الركعة (الاولى بعد الفاتحة بسبح، وفي) الركعة (الثانية) بعد الفاتحة (بالغاشية)، لحديث سمرة بن جندب: أن النبي (ص) كان يقرأ في العيدين بسبح اسم ربك الاعلى وهل أتاك حديث الغاشية رواه أحمد. ولابن ماجه من حديث ابن عباس والنعمان بن بشير

[ 62 ]

مثله، وروي عن عمر وأنس، لان فيه حثا على الصدقة والصلاة في قوله: * (قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى) * هكذا فسره سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز. (ويجهر بالقراءة) لما روى الدارقطني عن ابن عمر قال: كان النبي (ص) يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء. (فإذا سلم) من الصلاة (خطبهم خطبتين) وإنما أخرت الخطبة عن الصلاة لانها لما لم تكن واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها، بخلاف خطبة الجمعة، قاله الموفق. (يجلس بينهما) يسيرا للفصل، كخطبة الجمعة (ويجلس بعد صعوده المنبر قبلهما ليستريح) ويرد إليه نفسه، ويتأهب الناس للاستماع. كما تقدم في خطبة الجمعة. (وحكمهما كخطبة الجمعة) في جميع ما تقدم، (حتى في) تحريم (الكلام) حال الخطبة، نص عليه. (إلا التكبير مع الخاطب) فيسن. كما في شرح المنتهى، ومعناه في الشرح (ويسن أن يفتتح الاولى) من الخطبتين (قائما) كسائر أذكار الخطبة (بتسع تكبيرات متواليات. و) يفتتح الخطبة (الثانية بسبع كذلك) أي متواليات. لما روى سعيد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان يكبر الامام يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية سبع تكبيرات و (يحثهم في خطبة) عيد (الفطر على الصدقة) أي زكاة الفطر، لقوله (ص): أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم. (ويبين لهم ما يخرجون) جنسا وقدرا ووقت الوجوب والاخراج، ومن تجب فطرته أو تسن (وعلى من تجب) الفطرة (وإلى من تدفع) من الفقراء وغيرهم تكميلا للفائدة (ويرغبهم في الاضحية في الاضحى ويبين لهم حكمها) أي ما يجزئ منها وما لا يجزئ وما الافضل منها ووقتها ونحو ذلك، لانه ثبت أن النبي (ص): ذكر في خطبة الاضحى كثيرا من أحكام

[ 63 ]

الاضحية من رواية أبي سعيد والبراء وجابر وغيرهم. (والتكبيرات الزوائد) سنة لا تبطل الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا، بغير خلاف علمناه قاله في الشرح. (والذكر بينها) أي بين التكبيرات الزوائد سنة لانه ذكر مشروع بين التحريمة والقراءة، أشبه دعاء الاستفتاح. فإن نسيه فلا سجود للسهو. (والخطبتان سنة لا يجب حضورهما ولا استماعهما) لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع النبي (ص) العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب رواه ابن ماجه، وأسناده ثقات، وأبو داود والنسائي، وقالا: مرسل. ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها. كخطبة الجمعة (ويكره التنفل في موضعها) أي صلاة العيد (قبلها وبعدها) قبل مفارقته. نص عليه لقول ابن عباس: خرج النبي (ص) يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما متفق عليه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه (ص) كان يكبر في صلاة العيد سبعا وخمسا ويقول: لا صلاة قبلها ولا بعدها رواه ابن بطة بإسناده. قال أحمد: لا أرى الصلاة (و) يكره أيضا (قضاء فائتة) في مصلى العيد (قبل مفارقته) المصلى (إماما كان أو مأموما، في صحراء فعلت أو في مسجد) نص عليه لئلا يقتدى به (ولا بأس به) أي التنفل (إذا خرج) من المصلى. نص عليه في منزله أو غيره، لما روى حرب عن ابن مسعود: أنه كان يصلي يوم العيد إذا رجع إلى منزله أربع ركعات أو ركعتين واحتج به إسحاق. (أو فارقه) أي المصلى (ثم عاد إليه) فلا يكره تنفله (نصا)، وقضاء الفائتة أولى لوجوبه. (ومن كبر قبل سلام الامام) الاولى (صلى ما فاته على صفته) نص عليه لعموم قول النبي (ص): ما أدركتم فصلوا وما فاتكم

[ 64 ]

فاقضوا ولانها أصل بنفسها. فتدرك بإدراك التشهد كسائر الصلوات، وإذا أدرك معه ركعة، قضى أخرى، وكبر فيها ستا زوائد. (ويكبر مسبوق) ومثله من تخلف عن الامام بركعة لعذر (ولو بنوم أو غفلة في قضاء بمذهبه، لا بمذهب إمامه) لانه في حكم المنفرد في القراءة والسهو، فكذا في التكبير (وإن فاتته الصلاة) أي صلاة العيد مع الامام (سن) له (قضاؤها) على صفتها لفعل أنس، ولانه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر الصلوات. (فإن أدركه في الخطبة جلس فسمعها) أي الخطبة. وظاهره: ولو كان بمسجد، لان صلاة العيد تفارق صلاة الجمعة، لان التطوع قبلها وبعدها مكروه. وقال الموفق: إن كان بمسجد صلى تحيته، كالجمعة وأولى (ثم صلاها) أي العيد (متى شاء، قبل الزوال أو بعده على صفتها، ولو منفردا) أو في جماعة دون أربعين. (لانها صارت تطوعا) لسقوط فرض الكفاية بالطائفة الاولى. (ويسن التكبير المطلق في العيدين) قال أحمد: كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعا (و) يسن (إظهاره) أي التكبير المطلق (في المساجد والمنازل والطرق، حضرا وسفرا في كل موضع يجوز فيه ذكر الله)، بخلاف ما يكره فيه كالحشوش. (و) يسن (الجهر به) أي التكبير (لغير أنثى في حق كل من كان من أهل الصلاة، من مميز وبالغ، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والامصار) لعموم قوله تعالى: * (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) *. (ويتأكد) التكبير المطلق (من ابتداء ليلتي العيدين)، أي غروب شمس ما قبلهما للآية. وقياس الاضحى على الفطر (و) يتأكد (في الخروج إليهما) أي إلى العيدين، لاتفاق الآثار عليه (إلى فراغ الخطبة فيهما) أي العيدين، لان شعار العيد لم تنقض. فسن كما في حال الخروج (ثم) إذا فرغت الخطبة (يقطع) التكبير المطلق لانتهاء وقته. (وهو) أي التكبير المطلق (في) عيد (الفطر آكد نصا) لثبوته فيه بالنص. وفي الفتاوى المصرية: أنه في الاضحى آكد. قال: لانه يشرع أدبار الصلوات. وأنه متفق عليه وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان.

[ 65 ]

وعيد النحر أفضل من عيد الفطر (ولا يكبر فيه) أي الفطر (أدبار الصلوات) بخلاف الاضحى (وفي الاضحى يبتدئ) التكبير (المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة، ولو لم ير بهيمة الانعام) خلافا للشافعي، لما ذكره البخاري كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. (إلى فراغ الخطبة يوم النحر) لما تقدم (و) التكبير (المقيد فيه) أي الاضحى. (يكثر من صلاة فجر يوم عرفة، إن كان محلا) لحديث جابر قال: كان النبي (ص) يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات. وفي لفظ: كان (ص) إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه، فيقول: على مكانكم، ويقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد رواهما الدارقطني. فإن قيل: مدار الحديث على جابر بن زيد الجعفي، وهو ضعيف. قلنا: قد روى عنه شعبة والثوري ووثقاه. وناهيك بهما. وقال أحمد: لم يتكلم في جابر في حديثه، إنما تكلم فيه لرأيه، على أنه ليس في هذه المسألة حديث مرفوع أقوى إسنادا منه ليترك من أجله. والحكم في حكم فضيلة وندب، لا حكم إيجاب أو تحريم، ليشدد في أمر الاسناد. وقيل لاحمد: بأي حديث تذهب في ذلك؟ قال: بالاجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود (وإن كان محرما ف‍) - إنه يكبر (من صلاة ظهر يوم النحر) لانه قبل ذلك مشغول بالتلبية (إلى العصر من آخر أيام التشريق فيهما) أي في المحل والمحرم، لما تقدم (فلو رمى) المحرم (جمرة العقبة قبل الفجر) من يوم النحر، فإن وقتها من نصف ليلة النحر كما يأتي (فعموم كلامهم يقتضي أنه لا فرق) بينه وبين من لم يرم إلا بعد طلوع الشمس (حملا على الغالب) في رمي الجمرة، إذ هو بعد الشروق (يؤيده لو أخر الرمي إلى بعد صلاة الظهر، فإنه يجتمع في حقه التكبير والتلبية، فيبدأ بالتكبير ثم يلبي، نصا) لان

[ 66 ]

التكبير من جنس الصلاة. قلت: ويؤخذ منه تقديمه على الاستغفار، وقول: اللهم أنت السلام - إلى آخره فيكون تكبير المحل عقب ثلاث وعشرين فريضة. وتكبير المحرم عقب سبع عشرة. (ومن كان عليه سجود سهو أتى به) أولا، إما قبل السلام أو بعده على ما تقدم بيانه (ثم كبر) لانه من تمام الصلاة، (عقب كل فريضة) متعلق بقوله: يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة (في جماعة) لما تقدم من الاخبار. (وأنثى كذكر) تكبر عقب الفرائض في جماعة، وإن لم تكن مع الرجال لكن لا تجهر به. (ومسافر كمقيم) في التكبير (ولو لم يأتم بمقيم) ومميز كبالغ. قال في الفروع: فيتوجه مثله صلاة معادة. ويتوجه احتمال: أن لا يكبر، لان صلاة الصبي يضرب عليها بخلاف نفل البالغ. (ويكبر مأموم نسيه إمامه) ليحوز الفضيلة. كقول: آمين (و) يكبر (مسبوق بعد قضائه) ما فاته من صلاته وسلامه، لان التكبير ذكر مسنون، فلا يتركه المسبوق، كغيره من الاذكار. (و) يكبر (من قضى فيها) أي في الايام التي يسن فيها التكبير عقب الفرائض (فائتة من أيامها أو من غير أيامها في عامه) أي عام ذلك العيد، إذا قضاها جماعة، لانها مفروضة فيه. ووقت التكبير باق. و (لا) يكبر من قضى فائتة (بعد أيامها، لانها سنة فات محلها) كالتلبية، (ولا يكبر عقب نافلة) خلافا للآجري، لانها صلاة لا تشرع لها الجماعة، أو غير مؤقتة، فأشبهت الجنازة وسجود التلاوة (ولا) يكبر (من صلى وحده) لقول ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى جماعة رواه ابن المنذر، ولانه ذكر مختص بوقت العيد، فأشبه الخطبة (ويأتي به) أي التكبير (الامام مستقبل الناس) أي يلتفت إلى المأمومين ثم يكبر، لما تقدم أن النبي (ص): كان يقبل بوجهه على أصحابه، ويقول: على مكانكم، ثم يكبر (وأيام العشر: الايام المعلومات. وأيام التشريق: الايام المعدودات) ذكره البخاري عن ابن عباس (وهي) أي أيام التشريق (ثلاثة أيام، بعد يوم النحر تليه) سميت بذلك من تشريق اللحم وهو تقديده، وقيل: من قولهم: أشرق ثبير، وقيل: لان الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل هو التكبير دبر الصلوات. وأنكره أبو عبيد (ومن نسي التكبير قضاه، ولو بعد كلامه مكانه، فإن قام) من مكانه (أو ذهب، عاد فجلس، ثم كبر) لان فعله جالسا في مصلاه سنة، فلا تترك مع إمكانها. (وإن قضاه) أي كبر (ماشيا فلا

[ 67 ]

بأس) قاله جماعة. (ما لم يحدث) فلا يقضي التكبير لان الحدث يبطل الصلاة، والذكر تابع لها بطريق الاولى (أو يخرج من المسجد) فلا يقضيه لانه مختص بالصلاة. أشبه سجود السهو (أو يطل الفصل) فلا يقضيه لما سبق (ولا يكبر عقب صلاة عيد الاضحى كالفطر) لان الاثر إنما جاء في المكتوبات (وصفة التكبير شفعا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد). لانه (ص) كان يقوله كذلك رواه الدارقطني، وقاله علي. وحكاه ابن المنذر عن عمر. قال أحمد: اختياري تكبير ابن مسعود. وذكر مثله وقال النخعي: كانوا يكبرون كذلك. رواه البخاري. ولانه تكبير خارج الصلاة له تعلق بها. ولا يختص الحاج. فأشبه الاذان (ويجزئ مرة واحدة، وإن زاد) على مرة (فلا بأس، وإن كرره ثلاثا فحسن) قال في المبدع: وأما تكريره ثلاثا في وقت واحد فلم أره في كلامهم، ولعله يقاس على الاستغفار بعد الفراغ من الصلاة، وعلى قول: سبحان الملك القدوس، بعد الوتر، لان الله وتر يحب الوتر، (ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضا بما هو مستفيض بينهم من الادعية ومنه بعد الفراغ من الخطبة قوله لغيره: تقبل الله منا ومنك) نقله الجماعة. قال في رواية الاثرم: يرويه أهل الشام عن أبي أمامة، قيل: وواثلة بن الاسقع؟ قال: نعم (كالجواب). وقال: لا أبتدئ به. وعنه: الكل حسن. وعنه يكره (و) لا بأس (بتعريفه عشية عرفة بالامصار من غير تلبية) نص عليه. وقال: إنما هو دعاء وذكر. قيل: تفعله أنت؟ قال: لا. وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث انتهى. وروى أبو بكر في الشافي بإسناده عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة تحلق رؤوسنا يوم عرفة. فإذا كان العشي حلقتنا وبعثت بنا إلى المسجد. (ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام عشر ذي الحجة من الذكر والصيام والصدقة وسائر أعمال البر، لانها أفضل الايام) لحديث: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة.

[ 68 ]

باب صلاة الكسوف (وهو ذهاب ضوء أحد النيرين) الشمس والقمر (أو بعضه) أي أو ذهاب بعض ضوء أحدهما يقال: كسفت الشمس، بفتح الكاف وضمها. وكذا خسفت. وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر. وقيل عكسه. ورد بقوله تعالى: * (وخسف القمر) * وقيل: الكسوف في أوله والخسوف في آخره. وقيل: الكسوف لذهاب بعض ضوئه، والخسوف لذهابه كله. وفعلها ثابت بالسنة المشهورة واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: * (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن) * وإذا كسف أحدهما فزعوا إلى الصلاة) لقوله (ص): إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فصلوا متفق عليه. فأمر بالصلاة لهما أمرا واحدا. وروى أحمد معناه. ولفظه فافرغوا إلى المساجد وروى الشافعي: أن القمر خسف وابن عباس أمير على البصرة فخرج فصلى بالناس ركعتين في كل ركعة ركعتين. وقال: إنما صليت كما رأيت النبي (ص) يصلي (وهي) أي صلاة الكسوف (سنة مؤكدة)، حكاه ابن هبيرة والنووي إجماعا. لما تقدم (حضرا وسفرا حتى للنساء) لان عائشة وأسماء صلتا مع النبي (ص)، رواه البخاري. قال في

[ 69 ]

المبدع: وإن حضرها غير ذوي الهيئات مع الرجال فحسن. (وللصبيان حضورها) واستحبها ابن حامد لهم ولعجائز. كجمعة وعيد. (ووقتها: من حين الكسوف إلى حين التجلي) لقوله (ص): إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى ينجلي (جماعة) لقول عائشة: خرج النبي (ص) إلى المسجد. فقام وكبر وصف الناس وراءه متفق عليه (وفرادى) لانها نافلة. ليس من شرطها الاستيطان. فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل (ويسن أيضا ذكر الله والدعاء والاستغفار والتكبير والصدقة والعتق والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع) من القرب. لقوله (ص): فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا الحديث متفق عليه. وعن أسماء: إن كنا لنؤمر بالعتق في الكسوف وقيد العتق في المستوعب بالقادر. قال في المبدع: وهو الظاهر. وليحوز فضيلة ذلك، ويكون عاملا بمقتضى التخويف (و) يسن (الغسل لها) أي لصلاة الكسوف. وتقدم في الاغسال المستحبة (وفعلها جماعة في المسجد الذي تقام فيه الجمعة أفضل) لحديث عائشة وغيره، (ولا يشترط لها إذن الامام، ولا الاستسقاء، كصلاتهما) أي الاستسقاء والكسوف. (منفردا) لان كلا منهما نافلة. وليس إذنه شرطا في نافلة. وكالجمعة وأولى (ولا خطبة لها) لان النبي (ص): أمر بالصلاة دون الخطبة وإنما خطب النبي (ص) بعد الصلاة ليعلمهم حكمها. وهذا مختص به. وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة. (وإن فاتت لم تقض) لقوله (ص): فصلوا حتى ينجلي. ولم ينقل عنه أنه فعلها بعد التجلي، ولا أمر بها. ولان المقصود عود ما ذهب

[ 70 ]

من النور. وقد عاد كاملا. ولانها سنة غير راتبة ولا تابعة لفرض فلم تقض. (كصلاة الاستسقاء وتحية المسجد وسجود الشكر) لفوات محالها، (ولا تعاد إن صليت ولم ينجل) الكسوف. لان الصحيح عنه (ص) أنه لم يزد على ركعتين. قاله في الشرح (بل يذكر الله ويدعوه ويستغفره حتى ينجلي) لانه كسوف واحد. فلا تتعدد الصلاة له، كغيره من الاسباب. (وينادي لها: الصلاة جامعة، ندبا) لان النبي (ص): بعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة متفق عليه. والاول منصوب على الاغراء، والثاني على الحال. وفي الرعاية: برفعهما ونصبهما. وتقدم (ويجزئ قول: الصلاة فقط) لحصول المقصود (ثم يصلي ركعتين يقرأ في الاولى بعد الاستفتاح والتعوذ) والبسملة (الفاتحة ثم البقرة أو قدرها) ذكره جماعة منهم الشارح. واقتصر في المقنع والمنتهى وغيرهما على قوله: سورة طويلة. قال في المبدع وغيره: من غير تعيين (جهرا ولو في كسوف الشمس) لقول عائشة: إن النبي (ص) جهر في صلاة الخسوف بقرائته فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات متفق عليه. وفي لفظ: صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها صححه الترمذي (ثم يركع ركوعا طويلا فيسبح) من غير تقدير. و (قال جماعة) منهم القاضي وصاحب التلخيص والشارح وغيره: (نحو مائة آية) وقال ابن أبي موسى: بقدر معظم القراءة. وقيل: نصفها (ثم يرفع) من ركوعه (فيسمع) أي يقول: سمع الله لمن حمده في رفعه، (ويحمد) في اعتداله،

[ 71 ]

فيقول: ربنا ولك الحمد، كغيرها من الصلوات (ثم يقرأ الفاتحة، و) سورة (دون القراءة الاولى)، قيل: كمعظمها. وفي الشرح: آل عمران، أو قدرها (ثم يركع فيطيل) الركوع (وهو دون الركوع الاول، نسبته) أي الركوع الثاني (إلى القراءة كنسبة) الركوع (الاول منها) قاله في المبدع وغيره وفي الشرح، فيسبح نحوا من سبعين آية (ثم يرفع) من الركوع ويسبح ويحمد، (ولا يطيل اعتداله) لعدم ذكره في الروايات. (ثم يسجد سجدتين طويلتين. ولا تجوز الزيادة عليهما) أي السجدتين، (لانه) أي السجود الزائد (لم يرد) في شئ من الاخبار. ولان السجود متكرر، بخلاف الركوع فإنه متحد. (ولا يطيل الجلوس بينهما) أي بين السجدتين لعدم وروده، (ثم يقوم إلى) الركعة (الثانية، فيفعل مثل ذلك) المذكور في الركعة الاولى، (من الركوعين وغيرهما، لكن يكون) فعله في الثانية (دون) فعله (الاول) في الركعة الاولى (في كل ما يفعله فيها. ومهما قرأ به) من السور (جاز) لعدم تعيين القراءة. (ثم يتشهد ويسلم) والاصل فيه: ما روت عائشة: أن النبي (ص) قام في خسوف الشمس، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة الاولى، ثم كبر فركع ركوعا طويلا أدنى من الركوع الاول، ثم سمع وحمد، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. متفق عليه وقال ابن عباس: خسفت الشمس على عهد رسول الله (ص) فقام النبي (ص) قياما طويلا نحوا من سورة البقرة. وفي حديث أسماء: ثم سجد فأطال

[ 72 ]

السجود. وروى النسائي عن عائشة: أن النبي (ص) تشهد ثم سلم. (وإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة على صفتها). لقوله (ص) في حديث أبي مسعود: فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم متفق عليه، ولان المقصود التجلي وقد حصل. وعلم منه أنه لا يقطعها، لقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * وشرع تخفيفها لزوال السبب، (وإن شك في التجلي) لنحو غيم (أتمها من غير تخفيف)، لان الاصل عدمه، (فيعمل بالاصل في بقائه) أي الكسوف، (و) يعمل بالاصل في (وجوده) إذا شك فيه، فلا يصلي، لان الاصل عدمه، (وإن تجلى السحاب عن بعضها) أي الشمس وكذا القمر (فرأوه صافيا) لا كسوف عليه (صلوا) صلاة الكسوف. لان الباقي لا يعلم حاله والاصل بقاؤه. (وإن تجلى) الكسوف (قبلها) أي الصلاة، لم يصل لقوله (ص): إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة فجعله غاية للصلاة. والمقصود منها زوال العارض وإعادة النعمة بنورهما، وقد حصل وإن خف قبلها شرع وأوجز، (أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت) الشمس والقمر خاسف، (أو) طلع (الفجر والقمر خاسف لم يصل) لانه ذهب وقت الانتفاع بهما. (ولا عبرة بقول المنجمين) في كسوف ولا غيره مما يخبرون به، (ولا يجوز العمل به) لانه من الرجم بالغيب. فلا يجوز تصديقهم في شئ من إخبارهم عن المغيبات. لحديث: من أتى عرافا (وإن وقع) الكسوف (في وقت نهي، دعا وذكر بلا صلاة) لعموم أحاديث النهي. ويؤيده ما روى قتادة قال: انكسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة، فقاموا يدعون قياما فسألت عن ذلك فقال: هكذا كانوا يصنعون رواه الاثرم. ومثل هذا في مظنة الشهرة، فيكون كالاجماع. (ويجوز فعلها) أي صلاة الكسوف، (على كل صفة وردت) عن الشارع (إن

[ 73 ]

شاء أتى في كل ركعة بركوعين كما تقدم. وهو الافضل). لانه أكثر من الرواية. (وإن شاء) صلاها (بثلاث) ركوعات في كل ركعة، لما روى مسلم من حديث جابر: أن النبي (ص) صلى ست ركعات بأربع سجدات. (أو أربع) ركوعات في كل ركعة. لما روى ابن عباس أن النبي (ص): صلى في كسوف قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع والاخرى مثلها رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي لفظ: صلى النبي (ص) حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات رواه أحمد ومسلم والنسائي. وزاد مسلم: وعن علي مثل ذلك، (أو خمس) ركوعات في كل ركعة. لما روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: انكسفت الشمس على عهد النبي (ص) وأنه صلى بهم: فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها. رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد. قال ابن المنذر: وروينا عن علي أن الشمس انكسفت، فقام علي فركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم سلم. ثم قال: ما صلاها بعد النبي (ص) غيري ولا يزيد على خمس ركوعات في كل ركعة. لانه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه (وإن شاء فعلها) أي صلاة الكسوف (كنافلة) بركوع واحد. لان ما زاد عليه سنة (والركوع الثاني وما بعده) إذا صلاها بثلاث ركوعات فأكثر إلى خمس (سنة لا تدرك به الركعة) للمسبوق. ولا تبطل الصلاة بتركه. لانه قد روي في السنن عنه (ص) من غير وجه أنه صلاها بركوع واحد. (وإن اجتمع مع كسوف جنازة قدمت) الجنازة على الكسوف، إكراما للميت. ولانه ربما يتغير بالانتظار. (فتقدم) الجنازة (على ما يقدم عليه) الكسوف بطريق الاولى، (ولو

[ 74 ]

مكتوبة) أمن فوتها، (ونصه) تقدم (على فجر وعصر فقط. وتقدم) الجنازة (على جمعة إن أمن فوتها، ولم يشرع في خطبتها) لمشقة الانتظار، (وكذا) تقدم صلاة الكسوف (على عيد ومكتوبة إن أمن الفوت) وذلك معلوم مما سبق. ووجهه أنه ربما حصل التجلي فتفوت صلاة الكسوف، بخلاف العيد والمكتوبة، مع أمن الفوت (و) يقدم (كسوف على وتر، ولو خيف فوته) أي الوتر، لانه يمكن تداركه بالقضاء. (و) إن اجتمع كسوف (مع تراويح وتعذر فعلهما، تقدم التراويح) لانها تختص برمضان. وتفوت بفواته قيل: (ولا يمكن كسوف الشمس إلا في الاستسرار آخر الشهر، إذا اجتمع النيران. قال بعضهم: في الثامن والعشرين، أو التاسع والعشرين. ولا) يمكن (خسوف القمر إلا في الابدار. وهو إذا تقابلا. قال الشيخ: أجرى الله العادة أن الشمس لا تنكسف إلا وقت الاستسرار، وإن القمر لا ينخسف إلا وقت الابدار. وقال: من قال من الفقهاء: إن الشمس تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط، وقال ما ليس له به علم. وخطأ الواقدي في قوله: إن إبراهيم) ابن النبي (ص) (مات يوم العاشر، وهو الذي انكسفت فيه الشمس. وهو كما قال الشيخ. فعلى هذا يستحيل كسوف الشمس بعرفة، ويوم العيد. ولا يمكن أن يغيب القمر ليلا وهو خاسف. والله أعلم) قال في الفروع: ورد بوقوعه في غيره. فذكر أبو شامة الشافعي في تاريخه: أن القمر خسف ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة. وخسفت الشمس في غده والله على كل شئ قدير. قال: واتضح بذلك ما صوره

[ 75 ]

الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد واستبعده أهل النجامة، هكذا كلامه. وكسفت الشمس يوم موت إبراهيم عاشر شهر ربيع. قاله غير واحد. وذكره بعض أصحابنا اتفاقا. قال في الفصول: لا يختلف النقل في ذلك. نقله الواقدي والزبير، وأن الفقهاء فرعوا وبنوا على ذلك: إذا اتفق عيد وكسوف. وقال غيره: لا سيما إذا اقتربت الساعة، فتطلع من مغربها (ولا يصلي لشئ من سائر الآيات: كالصواعق والريح الشديدة والظلمة بالنهار والضياء بالليل)، لعدم نقل ذلك عنه (ص) وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر. وهبوب الرياح والصواعق. وعنه يصلى لكل آية. وذكر الشيخ تقي الدين أنه قول محققي أصحاب أحمد وغيرهم (إلا الزلزلة الدائمة، فيصلى لها كصلاة الكسوف). نصا، لفعل ابن عباس. رواه سعيد والبيهقي. وروى الشافعي عن علي نحوه. وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به وصلاة الكسوف صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء. باب صلاة الاستسقاء هو استفعال من السقيا، أي باب الصلاة لاجل الاستسقاء (وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة) والسقيا بضم السين الاسم من السقي، (وهي) أي صلاة الاستسقاء (سنة مؤكدة حضرا وسفرا)، لقول عبد الله بن زيد: خرج النبي (ص) يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة متفق عليه. وتفعل

[ 76 ]

جماعة وفرادى والافضل جماعة، (فإذا أجدبت الارض) أي أصابها الجدب، (وهو ضد الخصب) بالكسر، أي النماء والبركة من أخصب المكان فهو مخصب، وفي لغة: خصب يخصب من باب تعب، فهو خصيب. وأخصب الله الموضع: إذا أنبت به الغيث والكلا، قاله في حاشيته. (وقحط المطر) أي احتبس (وهو) أي القحط، (احتباسه) أي المطر، (لا عن أرض غير مسكونة ولا مسلوكة) لعدم الضرر (فزع الناس إلى الصلاة) لما تقدم. ويأتي (حتى ولو كان القحط في غير أرضهم) لحصول الضرر به (أو غار ماء عيون) أي ذهب ماؤها في الارض، أو غار ماء أنهار جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها - وهو مجرى الماء، أو نقص ماء العيون والانهار (وضر ذلك) أي غور مائها أو نقصانه. فتستحب صلاة الاستسقاء لذلك. كقحط المطر (ولو نذر الامام) أو المطاع في قومه (الاستسقاء زمن الجدب وحده أو هو والناس لزمه) الاستسقاء (في نفسه) لعموم قوله (ص): من نذر أن يطيع الله فليطعه (و) لزمته (الصلاة) أي صلاة الاستسقاء، صوبه في تصحيح الفروع، وجعله ظاهر كلام كثير من الاصحاب. ولعله لان الاستسقاء المعهود شرعا يكون كذلك. فيحمل نذره عليه (وليس له) أي للامام ونحوه إذا نذر (أن يلزم غيره بالخروج معه) لانه نافلة في حقهم. فلا يجبرهم عليه (وإن نذر) ه أي الاستسقاء (غير الامام) وغير المطاع في قومه، (انعقد) نذره (أيضا) لما سبق. وقياس ما تقدم: يلزمه الصلاة (وإن نذره) أي الاستسقاء (زمن الخصب. لم ينعقد) صوبه في تصحيح الفروع. لانه غير مشروع إذن. وقيل: بلى، لانه قربة في الجملة فيصليها، ويسأل دوام الخصب وشموله، (وصفتها) أي صلات الاستسقاء (في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد) لانها في معناها، قال ابن عباس: سنة الاستسقاء

[ 77 ]

سنة العيدين. فعلى هذا تسن في الصحراء،، وأن تصلي ركعتين، يكبر في الاولى سبعا وفي الثانية خمسا، من غير أذان ولا إقامة. لانه (ص) لم يقمها إلا في الصحراء. وهي أوسع عليهم من غيرها. وقال ابن عباس: صلى النبي (ص) ركعتين كما يصلي العيد قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وعنه (ص) وأبي بكر وعمر: أنهم كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمسا رواه الشافعي مرسلا. وعن ابن عباس نحوه وزاد: وقرأ سبح وفي الثانية الغاشية رواه الدارقطني. ولا يعارضه قول عبد الله بن زيد فيما سبق: ثم صلى ركعتين لانها مطلقة. وهذه مقيدة (ويسن فعلها) أي صلاة الاستسقاء (أول النهار وقت صلاة العيد) لحديث عائشة: أنه (ص) خرج حين بدا حاجب الشمس رواه أبو داود (ولا تتقيد بزوال الشمس) فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل قال في الشرح: وليس لها وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف (ويقرأ فيها بما يقرأ به في صلاة العيد) لما تقدم عن ابن عباس. (وإن شاء) قرأ في الركعة الاولى ب‍ * (إنا أرسلنا نوحا) * لمناسبتها الحال. (و) في الركعة الثانية (سورة أخرى) من غير تعيين. (وإذا أراد الامام الخروج لها وعظ الناس)، أي خوفهم وذكرهم بالخير، لترق به قلوبهم، وينصحهم ويذكرهم بالعواقب. (وأمرهم بالتوبة من المعاصي، و) ب‍ (- الخروج من المظالم، و) ب‍) (- أداء الحقوق) وذلك واجب. لان المعاصي سبب القحط. والتقوى سبب البركات. لقوله تعالى: * (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض) * الآية، (والصيام، قال جماعة: ثلاثة أيام يخرجون في آخرها صياما) لانه وسيلة إلى نزول الغيث وقد

[ 78 ]

روي: دعوة الصائم لا ترد، ولما فيه من كسر الشهوة وحضور القلب، والتذلل للرب (ولا يلزمهم الصيام بأمره) كالصدقة، مع أنهم صرحوا بوجوب طاعته في غير المعصية وذكره بعضهم إجماعا. قال في الفروع: ولعل المراد: في السياسة والتدبير، والامور المجتهد فيها، لا مطلقا. ولهذا جزم بعضهم تجب في الطاعة، وتسن في المسنون، وتكره في المكروه، (و) يأمرهم أيضا ب‍ (- الصدقة) لانها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم الغيث. (وترك التشاحن) من الشحناء وهي العداوة، لانها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله (ص): خرجت لاخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت (ويعدهم يوما) أي يعينه لهم (يخرجون فيه) للاستسقاء. لحديث عائشة قالت: ووعد الناس يوما يخرجون فيه رواه أبو داود. (ويتنظف لها بالغسل والسواك وإزالة الرائحة) وتقليم الاظفار ونحوه، لئلا يؤذي الناس. وهو يوم يجتمعون له. أشبه الجمعة (ولا يتطيب) وفاقا. لانه يوم استكانة وخضوع (ويخرج إلى المصلى متواضعا في ثياب بذلة متخشعا) أي خاضعا (متذللا) من الذل. وهو الهوان (متضرعا) أي مستكينا، لحديث ابن عباس قال: خرج النبي (ص) للاستسقاء متذللا متواضعا متخشعا متضرعا، حتى أتى المصلى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (ويستحب أن يخرج معه أهل الدين والصلاح والشيوخ) لانه أسرع لاجابتهم، وقد استسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الاسود، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى. ذكره الموفق والشارح. وقال السامري، وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين. وقال في المذهب:

[ 79 ]

يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل: يستحب. قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره. وقال أحمد وغيره، في قوله (ص): أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق الاستعاذة لا تكون: بمخلوق قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الترياق المجرب. وقال شيخنا: قصده للدعاء عنده رجاء الاجابة بدعة، لا قربة باتفاق الائمة. ذكره في الفروع (وكذا مميز الصبيان) يستحب إخراجه، لانه يكتب له ولا يكتب عليه، فترجى إجابة دعائه. (ويباح خروج أطفال وعجائز وبهائم) لان الرزق مشترك بين الكل. وروى البزار مرفوعا: لولا أطفال رضع، وعباد ركع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا. وروي أن سليمان عليه السلام: خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك. فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. (ويؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم) رجاء استجابة دعائهم، لانكسارهم بالرق. (ويكره) أن يخرج (من النساء ذوات الهيئات) خوف الفتنة. (ويكره لنا أن نخرج أهل الذمة ومن يخالف دين الاسلام)، لانهم أعداء الله. فهم بعيدون من الاجابة. وإن أغيث المسلمون فربما ظنوه بدعائهم. (وإن خرجوا من تلقاء أنفسهم لم يكره ولم يمنعوا)، لانه خروج لطلب الرزق. والله ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين. (وأمروا بالانفراد عن المسلمين فلا يختلطون بهم) لقوله تعالى: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * ولانه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب. فيعم من حضر. (ولا ينفردون بيوم) لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم، وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم. وربما افتتن بهم غيرهم. (وحكم نسائهم ورقيقهم وصبيانهم وعجائزهم حكمهم) في جواز الخروج منفردين لا بيوم. (ولا تخرج منهم شابة كالمسلمين) والمراد: حسناء ولو عجوزا، كما يعلم مما تقدم. (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد، كما تقدم (ثم يخطب خطبة واحدة)، لانه لم ينقل أنه (ص) خطب بأكثر منها. وهي بعد الصلاة. قال ابن

[ 80 ]

عبد البر: وعليه جماعة من الفقهاء، لقول أبي هريرة: صلى بنا رسول الله (ص) ثم خطبنا رواه أحمد، وكالعيد. وعنه قبلها. وروي عن عمر وابن الزبير كالجمعة. وعنه يخير (يجلس قبلها إذا صعد المنبر جلسة الاستراحة) ليرتد إليه نفسه، كالعيد، (ثم يفتتحها بالتكبير تسعا) نسقا كخطبة العيد، لقول ابن عباس: صنع رسول الله (ص) في الاستسقاء كما صنع في العيد. (ويكثر فيها الصلاة على النبي (ص)) لانها معونة على الاجابة. وعن عمر قال: الدعاء موقوف بين السماء والارض، ولا يصعد منه شئ حتى تصلي على نبيك. رواه الترمذي. (و) يكثر فيها (الاستغفار) لانه سبب لنزول الغيث. روى سعيد: أن عمر خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت. فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي ينزل به المطر. ثم قرأ: * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا) * وعن علي نحوه (وقرأة) ال‍ (آية) التي (فيها الامر به) أي بالاستغفار، (كقوله: * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا) * ونحوه)، كقوله تعالى: * (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) *، (ويسن رفع يديه وقت الدعاء) لقول أنس: كان لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه متفق عليه. (وتكون ظهورهما نحو السماء)، لحديث رواه مسلم. (فيدعو قائما) كسائر الخطبة، (ويكثر منه) أي من الدعاء. لحديث: إن الله يحب الملحين في الدعاء (ويؤمن مأموم. ويرفع) المأموم (يديه) كالامام (جالسا)، كما في استماع غيرها من الخطب. (وأي شئ دعا به جاز) لحصول المطلوب. (والافضل) الدعاء (بالوارد من دعاء النبي (ص))

[ 81 ]

لقوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (ومنه) أي من دعاء النبي (ص): (اللهم) أي يا الله (اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها، (غيثا) هو مصدر، المراد به المطر. ويسمى الكلا غيثا (مغيثا) هو المنقذ من الشدة. يقال: غاثه وأغاثه، وغيثت الارض، فهي مغيثة ومغيوثة (هنيئا) بالمد والهمز، أي حاصلا بلا مشقة (مريئا) السهل النافع المحمود العاقبة. وهو ممدود مهموز. (مريعا) بفتح الميم وكسر الراء، أي مخصبا كثير النبات. يقال: أمرع المكان، ومرع بالضم إذا أخصب. (غدقا) نفعه بفتح الدال وكسرها. والغدق الكثير الماء والخبز، (مجللا) السحاب الذي يعم العباد والبلاد نفعه. (سحا) الصب، يقال: سح الماء يسح إذا سال من فوق إلى أسفل وساح يسيح إذا جرى على وجه الارض، (عاما) شاملا (طبقا) بفتح الطاء والباء الذي طبق البلاد (دائما) أي متصلا، إلى أن يحصل الخصب. (نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل) روى ذلك أبو داود من حديث جابر. قال: أتت النبي (ص) بواكي. فقال - فذكره - قال: فأطبقت السماء عليهم. (اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت). رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: وكان النبي (ص) إذا استسقى قال - فذكره. (اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين) أي الآيسين. قال تعالى: * (لا تقنطوا من رحمة الله) * أي لا تيأسوا (اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء. ولا هدم ولا غرق. اللهم إن بالعباد والبلاد من اللاواء) أي الشدة. وقال الازهري: شدة المجاعة (والجهد) بفتح الجيم المشقة، وضمها الطاقة. قاله الجوهري. وقال ابن المنجا: هما المشقة. ورد بما سبق قاله في المبدع. (والضنك) الضيق. (ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع). قاله الجوهري: الضرع لكل ذات ظلف أو خف. (واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري. واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا. فأرسل السماء علينا مدرارا). أي دائما إلى وقت

[ 82 ]

الحاجة. وهذا الدعاء رواه ابن عمر عنه (ص) غير أن قوله: اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء ولا غرق رواه الشافعي في مسنده عن المطلب بن حنطب، وهو مرسل. (ويؤمنون) على دعاء الامام (ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ثم يحول رداءه فيجعل ما على الايمن) من الرداء (على الايسر، وما على الايسر على الايمن) لانه (ص): حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه متفق عليه. وفي حديث عبد الله: أنه (ص) حول رداءه حين استقبل القبلة رواه مسلم. وروى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي (ص) خطب ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الايمن على الايسر، والايسر على الايمن وكان الشافعي يقول بهذا. ثم رجع فقال: يجعل أعلاه أسفله. لما روى عبد الله بن زيد أن النبي (ص) استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فثقلت عليه، فقلبها الايمن على الايسر والايسر على الايمن رواه أحمد وأبو داود. وأجيب عن هذه الرواية - على تقدير ثبوتها - بأنها ظن من الراوي. وقد نقل التحويل جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله. ويبعد أنه (ص) ترك ذلك في جميع الاوقات لثقل الرداء. فائدة: قال النووي: فيه استحباب استقبالها، أي القبلة للدعاء ويلحق به الوضوء والتيمم والقراءة وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة، وسبق معناه عن صاحب الفروع في باب الوضوء. (ويفعل الناس كذلك) أي يحولون أرديتهم، فيجعلون ما على الايمن على الايسر وما على الايسر على الايمن، لان ما ثبت في حقه (ص) ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عقل المعنى؟ وهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب؟

[ 83 ]

بل روي عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي (ص) حول رداءه ليتحول القحط رواه الدارقطني. (ويتركونه) أي الرداء محولا (حتى ينزعوه مع ثيابهم) لعدم نقل إعادته. وظاهر ما سبق: لا تحويل في كسوف، ولا حالة الامطار والزلزلة، صرح به الفروع وغيره. (ويدعو سرا) لانه أقرب إلى الاخلاص، وأبلغ في الخشوع والخضوع، وأسرع في الاجابة. قال تعالى: * (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) * (حال استقبال القبلة، فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد)، لان في ذلك استنجازا لما وعد من فضله حيث قال: * (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) * فإن دعا بغير ذلك فلا بأس، قاله في المبدع. (فإذا فرغ من الدعاء استقبلهم، ثم حثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي (ص) ويدعو للمؤمنات ويقرأ ما تيسر) من القرآن، (ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين. وقد تمت الخطبة) ذكره السامري. (فإن سقوا) فذلك من فضل الله ونعمته. (وإلا عادوا) في اليوم الثاني (و) اليوم (الثالث، وألحوا في الدعاء) لانه أبلغ في التضرع. وقد روي: إن الله يحب الملحين في الدعاء ولان الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب كالاول. قال أصبغ: استسقي للنيل بمصر خمسة وعشرين مرة متوالية، وحضره ابن القاسم وابن وهب وجمع. (وإن سقوا قبل خروجهم، وكانوا قد تأهبوا للخروج، خرجوا وصلوا شكرا) لله تعالى. وسألوه المزيد من فضله، لان الصلاة شرعت لاجل العارض من الجدب، وذلك لا يحصل بمجرد النزول، (وإلا) أي وإن لم يكونوا قد تأهبوا للخروج، (لم يخرجوا) لحصول المقصود. (وشكروا الله، وسألوه المزيد من فضله) قال تعالى: * (لئن

[ 84 ]

شكرتم لازيدنكم) * (وإن سقوا بعد خروجهم صلوا). قال في المبدع: وجها واحدا. فإن كان في الصلاة أتمها. وفي الخطبة وجهان. (وينادى لها: الصلاة جامعة) قياسا على الكسوف. (ولا يشترط لها إذن الامام في الخروج، ولا في الصلاة ولا في الخطبة) لانها نافلة. أشبهت سائر النوافل، فيفعلها المسافر وأهل القرى، ويخطب بهم أحدهم. (ولا بأس بالتوسل بالصالحين ونصه) في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنه يتوسل (بالنبي (ص)) في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره. (وإن استقوا عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة أصابوا السنة) ذكر القاضي وجمع: أن الاستسقاء ثلاثة أضرب: أحدها: ما تقدم وصفه وهو أكملها. الثاني: استسقاء الامام يوم الجمعة في خطبتها. كما فعل النبي (ص)، متفق عليه من حديث أنس. الثالث: دعاؤهم عقب صلواتهم. (ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله) هو في الاصل مسكن الرجل، وما يستصحبه من الاثاث. (و) يخرج (ثيابه ليصيبها) المطر (وهو الاستمطار) لقول أنس: أصابنا ونحن مع النبي (ص) مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لانه حديث عهد بربه، رواه مسلم. وروي: أنه (ص) كان ينزع ثيابه في أول المطر إلا الازار يتزر به. وعن ابن عباس أنه كان إذا أمطرت السماء قال لغلامه: أخرج رحلي وفراشي يصبه المطر (ويغتسل في الوادي إذا سال. ويتوضأ)، واقتصر في الشرح على الوضوء فقط، لانه روي: أنه (ص) كان يقول - إذا سال الوادي -: اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورا فنتطهر به (ويقول: اللهم صيبا نافعا)

[ 85 ]

لقول عائشة: كان النبي (ص) إذا رأى المطر قال: اللهم صيبا نافعا رواه أحمد والبخاري وعبارة الآداب الكبرى بالسين. قال: السيب العطاء، وهو بفتح السين المهملة وبالياء المثناة تحت. (وإذا زادت المياه لكثرة المطر فخيف منها استحب أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا) أي أنزله حوالي المدينة مواضع النبات، ولا علينا في المدينة، ولا في غيرها من المباني. (اللهم على الظراب) أي الروابي الصغار جمع ظرب بكسر الراء. ذكره الجوهري (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدة، على وزن آصال، وبكسر الهمزة بغير مد، على وزن جبال فالاول: جمع أكم ككتب. وأكم جمع إكام كجبال. وآكام جمع أكم كجبل. وأكم واحدة أكمة فهو مفرد جمع أربع مرات. قال عياض: هو ما غلظ من الارض ولم يبلغ أن يكون جبلا وكان أكثر ارتفاعا مما حوله، كالتلول ونحوها. وقال مالك: هي الجبال الصغار. وقال الخليل: هو حجر واحد (وبطون الاودية) أي الامكنة المنخفضة (ومنابت الشجر) أي أصولها لانه أنفع لها. لما في الصحيح: أنه (ص) كان يقول ذلك وعلم منه أنه لا يصلى لذلك، بل يدعو لانه أحد الضررين، فاستحب الدعاء لانقطاعه. قال النووي: ولا يشرع له الاجتماع في الصحراء. ويقرأ: * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * إلى آخر الآية، لانها لائقة بالحال. فاستحب قولها كسائر الاقوال اللائقة بمحالها. وقوله تعالى: * (لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * أي لا تكلفنا من الاعمال ما لا نطيق. وقيل: هو حديث النفس والوسوسة، وعن مكحول: هو الغلمة. وعن إبراهيم: هو الحب، وعن محمد بن عبد الوهاب: هو العشق. وقيل: هو شماتة الاعداء. وقيل: هو الفرقة والقطيعة نعوذ بالله منها. واعف عنا أي تجاوز عن ذنوبنا واغفر لنا أي استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا (وارحمنا) فإننا لا ننال العمل بطاعتك ولا ترك معاصيك إلا برحمتك، أنت مولانا ناصرنا وحافظنا (وكذلك إذا زاد ماء النبع) كماء العيون (بحيث يضر، استحب لهم أن يدعو الله تعالى أن يخففه عنهم). (و) أن (يصرفه إلى أماكن) بحيث (ينفع ولا يضر) لانه في معنى

[ 86 ]

زيادة الامطار. (ويستحب الدعاء عند نزول الغيث)، لقوله (ص): يستجاب الدعاء عند ثلاث: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث. (و) يسن (أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، ويحرم) قول مطرنا (بنوء كذا) لخبر زيد بن خالد، وهو في الصحيحين، ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا: ألم تروا إلى ماذا قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقولون: كوكب كذا وكذا. وفي رواية: بكواكب كذا وكذا. فهذا يدل على أن المراد كفر النعمة، (وإضافة المطر إلى) النوء (دون الله اعتقادا كفر إجماعا) قاله في الفروع وغيره، لاعتقاده خالقا غير الله (ولا يكره) قول: مطرنا (في نوء كذا). ولو (لم يقل برحمة الله) خلافا للآمدي والنوء: النجم مال للغرب. قاله في القاموس. والانواء ثمانية وعشرون، منزلة، وهي منازل القمر. (ومن رأى سحابا أو هبت الريح سأل الله خيره، وتعوذ من شره، ولا يسب الريح إذا عصفت) لقوله (ص): الريح من روح الله يأتي بالرحمة ويأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها واستعيذوا الله من شرها رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث أبي هريرة: (بل يقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، أعوذ بك من شرها ما فيها وشر ما أرسلت به) رواه مسلم (اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا)، رواه الطبراني في الكبير قال تعالى: * (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) * وقال تعالى: * (فأهلكوا بريح) * وروى الطبراني أيضا: اللهم اجعلها لقحا لا عقيما وروى ابن السني وأبو يعلى:

[ 87 ]

ويكبر. (ويقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك، سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) رواه الترمذي فيما إذا سمع صوت الرعد مقدما: سبحان من يسبح الرعد بحمده إلى آخره - على ما قبله كما نقله الجلال السيوطي عنه في الكلم الطيب. فائدة: روى أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي زكريا قال، من قال: سبحان الله وبحمده عند البرق لم تصبه صاعقة. (ويقول: إذا انقض الكوكب، ما شاء الله لا قوة إلا بالله) للخبر رواه ابن السني والطبراني في الاوسط. (وإذا سمع نهيق حمار) استعاذ بالله من الشيطان الرجيم لخبر الشيخين. (أو) سمع (نباح) بضم النون أي صوت (كلب، استعاذ) وفي نسخة: استعيذ (بالله من الشيطان الرجيم) لحديث أبي داود (وإذا سمع صياح الديكة سأل الله من فضله) لخبر الشيخين قال في الآداب: يستحب قطع القراءة لذلك. كما ذكروا أنه يقطعها للاذان. وظاهره: ولو تكرر ذلك (وورد في الاثر: أن قوس قزح أمان لاهل الارض من الغرق، وهو من آيات الله. قال ابن حامد: ودعوى العامة: إن غلبت حمرته كانت الفتن والدماء. وإن غلبت خضرته كانت رخاء وسرورا - هذيان) واقتصر عليه في الفروع وغيره.

[ 88 ]

كتاب الجنائز بفتح الجيم: جمع جنازة بكسرها والفتح لغة. وقيل بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت. وقيل: عكسه. فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نعش ولا جنازة. وإنما يقال سرير. وهي مشتقة من جنز يجنز من باب ضرب إذا ستر. وكان من حق هذا الكتاب أن يذكر بين الوصايا والفرائض. لكن لما كان أهم ما يفعل بالميت الصلاة أعقبه للصلاة (ترك الدواء أفضل) نص عليه، لانه أقرب إلى التوكل. واختار القاضي وأبو الوفاء وابن الجوزي وغيرهم فعله، لاكثر الاحاديث (ولا يجب) التداوي (ولو ظن نفعه) لكن يجوز اتفاقا. ولا ينافي التوكل. لخبر أبي الدرداء أنه (ص) قال: إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بالحرام (ويحرم) التداوي (بسم) لقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) *. تتمة: يكره قطع الباسور، ومع خوف تلف بقطعه يحرم، وبتركه يباح (فإن كان الدواء مسموما وغلبت منه السلامة ورجي نفعه أبيح لدفع ما هو أعظم منه، كغيره من الادوية) غير المسمومة، ودفعا لاحدى المفسدتين بأخف منها. (ولا بأس بالحمية) نقله حنبل. قال في الفروع: ويتوجه أنها مسألة التداوي وأنه يستحب، للخبر: يا علي لا تأكل من هذا وكل من هذا، فإنه أوفق لك ولهذا لا يجوز تناول ما ظن ضرره اه‍. والذي نهاه عنه الرطب. والذي أمره بالاكل منه شعير وسلق. والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم. وقال الترمذي: حسن غريب، (ويحرم) تداو (بمحرم أكلا وشربا وكذا صوت ملهاة وغيره) كسماع الغناء والمحرم. لعموم قوله (ص): ولا تتداووا بالحرام وأخرج

[ 89 ]

ابن عساكر عن ابن عثمان والربيع وأبي حارثة عن عمر أنه كتب إلى خالد بن الوليد: أنه بلغني أنك تدلك بالخمر، وأن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها. وقد حرم مس الخمر كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس ويأتي في كلامه في الجهاد: أنه يجوز الادهان بدهن غير مأكول. وقال في المنتهى: يحرم بمحرم. فتناول الكل. وذكر أبو المعالي: يجوز اكتحاله بميل ذهب وفضة. وذكره الشيخ تقي الدين، قال: لانها حاجة ويباحان لها (ولو أمره أبوه بشرب دواء بخمر وقال: أمك طالق ثلاثا إن لم تشربه حرم شربه) نقله هارون الحمال. لانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. (وتحرم التميمة، وهي عوذة أو خرزة أو خيط ونحوه يتعلقها) فنهى الشارع عنه، ودعا على فاعله. وقال: لا يزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا روى ذلك أحمد وغيره والاسناد حسن. وقال القاضي: يجوز حمل الاخبار على اختلاف حالين. فنهي إذا كان يعتقد أنها النافعة له والدافعة عنه وهذا لا يجوز لان النافع هو الله. والموضع الذي أجازه إذا اعتقد أن الله هو النافع والدافع، ولعل هذا خروج على عادة الجاهلية، كما تعتقد أن الدهر يغيرهم فكانوا يسبونه. (ولا بأس بكتب قرآن وذكر في إناء ثم يسقى فيه مريض وحامل لعسر الولد) أي الولادة لقول ابن عباس (ويسن الاكثار من ذكر الموت والاستعداد له) بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم، لقوله تعالى: * (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) * ولقوله (ص): أكثروا من ذكر هادم اللذات رواه البخاري. وهو بالذال المعجمة أي الموت والتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم واجب فورا. والمستحب إنما هو ملاحظته في ذلك الخوف من الله تعالى، والعرض عليه والسؤال عنه ومن غيره مما يقع له بعد الموت بمشيئة الله تعالى. (و) تسن (عيادة المريض) لحديث أبي هريرة مرفوعا: خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنازة وفي لفظ: حق المسلم على المسلم

[ 90 ]

ست قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه، متفق عليهما إلا أن البخاري لم يذكر لفظ الست ولا النصيحة. (ونصه: غير المبتدع) كرافضي، قال في النوادر: تحرم عيادته (ومثله من جهر بالمعصية) نقل حنبل: إذا علم من رجل أنه مقيم على معصية لم يأثم، إن هو جفاه حتى يرجع وإلا كيف يبين للرجل ما هو عليه، إذا لم ير منكرا عليه، ولا جفوة من صديق، وخرج به من لا يجهر بالمعصية فيعاد. قال صاحب النظم: المستتر من فعله بموضع لا يعلم به غالبا إما لبعده أو نحوه، غير من حضره. وأما من فعله بموضع يعلم به جيرانه ولو في داره. فإن هذا معلن مجاهر غير مستتر. وتكون العيادة (من أول مرضه) لعموم ما سبق. وقيل: بعد ثلاثة أيام لفعله (ص) رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف عن أنس. (وقال ابن حمدان) في الرعاية: (عيادته فرض كفاية. قال الشيخ: الذي يقتضيه النص. وجوب ذلك) كرد السلام، وتشميت العاطس (واختاره) (جمع) منهم الشيرازي كما في المبدع وقال تبعا لجده (والمراد مرة) واختاره الآجري (وظاهره) أي ما تقدم من استحباب عيادة المريض (ولو) كان مرضه (من وجع ضرس، ورمد، ودمل) والواو بمعنى أو (خلافا لابي المعالي ابن المنجا) قال: ثلاثة لا تعاد، ولا يسمى صاحبها مريضا: الضرس والرمد والدمل، واحتج بخبر ضعيف رواه النجاد عن أبي هريرة مرفوعا، بل ثبتت العيادة في الرمد عن زيد بن أرقم. قال: إن النبي (ص) عاده لمرض كان بعينه رواه أبو داود، وصححه الحاكم في نوادر ابن الصيرفي: نقل عن إمامنا رحمه الله ورضي عنه أنه قال له ولده: يا أبت إن جارنا فلانا مريض، فما نعوده؟ قال: يا بني ما عادنا فنعوده. ويشبه هذا ما نقله عنه ابناه في السلام على الحجاج. ويأتي إن شاء الله تعالى. (وتحرم عيادة الذمي) كبدائته بالسلام لما فيه من تعظيمه. (ويأتي) ذلك في أحكام أهل الذمة (ويسأله) أي العائد يسأل المريض (عن حاله) نحو: كيف أجدك؟ (وينفس له في الاجل بما

[ 91 ]

يطيب نفسه) إدخالا للسرور عليه. لقوله (ص): إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله لكنه ضعيف كما قاله في الفروع. تتمة: روى ابن ماجه وغيره عن ميمون بن مهران عن عمر - ولم يدركه - مرفوعا: سلوه الدعاء فإن دعاءه كدعاء الملائكة (ولا يطيل) العائد (الجلوس عنده) أي عند المريض خوفا من الضجر. قال في الفروع: ويتوجه اختلافه باختلاف الناس. والعمل بالقرائن وظاهر الحال. ومرادهم في الحملة (وتكره) العيادة (وسط النهار نصا) قال أحمد، عن قرب وسط النهار: ليس هذا وقت عيادة، (وقال يعاد) المريض (بكرة وعشيا) والواو بمعنى أو (و) يعاد (في رمضان ليلا) لانه ربما رأى من المريض ما يضعفه. (قال جماعة: ويغب بها) وجزم به في المنتهى. قال في الفروع: وظاهر إطلاق جماعة خلافه. ويتوجه اختلافه باختلاف الناس. والعمل بالقرائن وظاهر الحال. ومرادهم في الحملة. وهي تشبه الزيارة، قال: وقد ذكر ابن الصيرفي نوادره الشعر المشهور: لا تضجرن عليلا في مسألة إن العيادة يوم بين يومين بل سله عن حاله، وادع الاله له واجلس بقدر فواق بين حلبين من زار غبا أخا دامت مودته وكان ذاك صلاحا للخليلين (ويخبر المريض بما يجده) من الوجع (ولو لغير طبيب بلا شكوى، بعد أن يحمد الله) لحديث ابن مسعود مرفوعا: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك وكان أحمد أولا يحمد الله فقط. فلما دخل عليه عبد الرحمن طبيب السنة وحدثه الحديث عن بشر بن

[ 92 ]

الحارث صار إذا سأله قال: أحمد الله إليك، أجد كذا أجد كذا. (ويستحب له) أي المريض (أن يصبر) وكذا كل مبتلى، للامر به في قوله تعالى: * (واصبر وما صبرك إلا بالله) * وقوله: * (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) * وقوله (ص): والصبر ضياء (والصبر الجميل: صبر بلا شكوى إلى المخلوق والشكوى إلى الخالق لا تنافيه) أي الصبر (بل) هي (مطلوبة) هذا معنى كلام الشيخ تقي الدين. واقتصر ابن الجوزي على قول الزجاج: إن الصبر الجميل لا جزع فيه ولا شكوى إلى الناس. وأجاب عن قول يعقوب: * (يا أسفى على يوسف) * بوجهين. أحدهما: أنه شكا إلى الله لا منه. واختاره ابن الانباري. وهو من أصحابنا. والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى: يا رب ارحم أسفي على يوسف. ومن الشكوى إلى الله: قول أيوب: * (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) *، (وقول يعقوب: * (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) *) قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس، وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، ألم تسمع قول النبي (ص) لجبريل في مرضه: أجدني مغموما، وأجدني مكروبا وقوله لعائشة: بل أنا وارأساه ذكره ابن الجوزي (ويحسن) المريض (ظنه بربه. قال بعضهم: وجوبا) لما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: أنا عند ظن عبدي بي زاد أحمد: إن ظن بي خيرا فله وإن ظن شرا فله وقال ابن هبيرة في حديث أبي موسى: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه متفق عليه قال: يدل على استحباب تحسين العبد ظنه عند إحساسه بلقاء الله، لئلا يكره أحد لقاء الله، يود أن لو كان الامر على خلاف ما يكرهه، والراجي المسرور يود زيادة

[ 93 ]

ثبوت ما يرجو حصوله. (ويغلب الرجاء) لقوله تعالى: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * وفي الصحة يغلب الخوف لحمله على العمل (ونصه: يكون خوفه ورجاؤه واحدا فأيهما غلب صاحبه هلك. قال الشيخ: هذا العدل) لان من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط. إما في نفسه وإما في أمور الناس. ومن غلب عليه حال الرجاء بلا خوف أوقعه في نوع من الامن لمكر الله، إما في نفسه وإما في الناس. والرجاء بحسب رحمة الله التي سبقت غضبه يجب ترجيحه. كما قال تعالى: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا. وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد وتعديه. فإن الله عدل لا يؤاخذ إلا بالذنب. فائدة: ينبغي للمريض أن يشتغل بنفسه وما يعود عليه ثوابه من قراءة وذكر وصلاة واسترضاء خصم وزوجة وجار. وكل من بينه وبينه علقة، ويحافظ على الصلوات واجتناب النجاسات ويصبر على مشقة ذلك، ويتعاهد نفسه بتقليم أظفاره، وأخذ عانته ونحو ذلك، ويعتمد على الله فيمن يحب، ويوصي للارجح في نظره. (ويكره الانين) لانه يترجم عن الشكوى ما لم يغلبه (و) يكره (تمني الموت لضر نزل به) وكذا إن لم ينزل به ضر. ويحمل قوله (ص): لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه، على الغالب من أحوال الناس. (ولا يكره) تمني الموت (لضرر بدينه) وخوف فتنة لقوله (ص): وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون (وتمني الشهادة ليس من تمني الموت المنهي عنه، ذكره في الهدى)، بل مستحب لا سيما عند حضور أسبابها، لما في الصحيح: من تمنى الشهادة خالصا من قلبه أعطاه الله منازل الشهداء. (ويذكره) العائد (التوبة) لانها واجبة على كل حال. والمريض أحوج إليها من غيره. قال (ص): إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أي تبلغ روحه إلى حلقه، (و) يذكره (الوصية) لقوله (ص): ما حق امرئ مسلم له

[ 94 ]

شئ يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه من حديث ابن عمر. (و) يذكره (الخروج من المظالم) لانه شرط لصحة التوبة (ويرغب في ذلك) أي ما ذكره من التوبة والوصية والخروج من المظالم. (ولو كان مرضه غير مخوف) لان ذلك مطلوب حتى من الصحيح. (ويدعو) العائد للمريض (بالصلاح والعافية) لما يأتي، (ولا بأس بوضع) العائد (يده عليه) أي على المريض. (و) لا بأس ب‍ (- رقاه) لما في الصحيحين أنه كان يعود بعض أهله ويمسح بيده اليمنى، (ويقول في دعائه: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر) أي يترك (سقما، ويقول: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك سبع مرات) لحديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وفي بعض الروايات إسقاط: ويعافيك. ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب. لقوله (ص) في الحديث الصحيح: وما يدريك أنها رقية، وأن يقرأ عنده سورة الاخلاص والمعوذتين. فقد ثبت ذلك عنه (ص)، وروى أبو داود أنه (ص) قال: إذا جاء رجل يعود مريضا فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمش لك إلى صلاة وصح: أن جبريل عاد النبي (ص) فقال: بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك، باسمه أرقيك. وأنه (ص) كان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس، طهور إن شاء الله وفي الفنون: إن سألك وضع يدك على رأسه للتشفي فجدد توبة، لعله يتحقق ظنه فيك، وقبيح تعاطيك ما ليس لك، وإهمال هذا وأمثاله يعمي القلوب

[ 95 ]

ويخمر العيون، ويعود بالرياء. (فإذا نزل به) أي نزل الملك بالمريض لقبض روحه (سن أن يليه أرفق أهله به وأعرفهم بمداراته، وأتقاهم لله) تعالى (و) أن (يتعاهد بل حلقه بماء أو شراب، ويندي شفتيه بقطنة) لان ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة، ويسهل عليه النطق بالشهادة (و) أن (يلقنه قول: لا إله إلا الله مرة)، لما روى مسلم عن أبي سعيد مرفوعا: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. وأطلق على المحتضر ميتا باعتبار ما هو واقع لا محالة. وعن معاذ مرفوعا: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة رواه أحمد والحاكم وقال صحيح الاسناد. واقتصر عليها، لان إقراره بها إقرار بالاخرى، وفيه شئ. وفي الفروع: احتمال. وقال بعض العلماء يلقن الشهادتين، لان الثانية تبع. فلهذا اقتصر في الخبر على الاولى (فإن لم يجب) المحتضر من لقنه، (أو تكلم بعدها) أي بعد لا إله إلا الله (أعاد) الملقن (تلقينه) ليكون آخر كلامه ذلك (بلطف ومداراة) ذكره النووي إجماعا، لان ذلك مطلوب في كل موضع فهنا أولى. (وقال أبو المعالي: يكره تلقين الورثة) أي أحدهم (للمحتضر بلا عذر)، بأن حضره غيره، لما فيه من تهمة الاستعجال. ولا يزاد في التلقين على ثلاث مرات لئلا يضجره، ما لم يتكلم كما تقدم. (ويسن أن يقرأ عنده يس) لقوله (ص): اقرأوا على موتاكم سورة يس رواه أبو داود وابن ماجه من حديث معقل بن يسار وفيه لين. قاله في المبدع وفي شرح المنتهى: صححه ابن حبان، ولانه يسهل خروج الروح. (و) أن يقرأ (الفاتحة) نص عليه، وفي المستوعب: ويقرأ تبارك (و) يسن (توجيهه إلى القبلة قبل النزول به وتيقن موته وبعده) لقوله (ص) عن البيت الحرام: قبلتكم أحياء

[ 96 ]

وأمواتا رواه أبو داود. ولقول حذيفة: وجهوني. (و) توجيهه (على جنبه الايمن إن كان المكان واسعا أفضل). روي عن فاطمة بنت النبي (ص) أنها قالت لام رافع: استقبلي بي القبلة، ثم قامت فاغتسلت أحسن ما تغتسل، ولبست ثيابا جددا وقالت: إني الآن مقبوضة، ثم استقبلت القبلة متوسدة يمينها. (وإلا) بأن لم يكن المكان واسعا وجه (على ظهره) أي مستلقيا على قفاه وأخمصاه إلى القبلة. كالموضوع على المغتسل (وعنه) يوجه (مستلقيا على قفاه) واسعا كان المكان أو ضيقا، (اختاره الاكثر)، وعليه العمل. (قال جماعة: يرفع رأسه) أي المحتضر إذا كان مستلقيا (قليلا ليصير وجهه إلى القبلة، دون السماء، واستحب الموفق والشارح تطهير ثيابه قبل موته) لان أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت النبي (ص) يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها رواه أبو داود. وذكر ابن الجوزي أن بعض العلماء قال: المراد بثيابه عمله. قال: واستدل بقوله: * (وثيابك فطهر) * ويؤيده أنه لم يفعله الاكثر، (فإذا مات سن تغميض عينيه) لانه (ص) أغمض أبا سلمة. وقال: إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون رواه مسلم. وعن شداد مرفوعا: إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا، فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت رواه أحمد، ولئلا يقبح منظره، ويساء به الظن. (ويكره) التغميض (من جنب وحائض، وأن يقرباه) أي الميت، حائض أو جنب. نص عليه (وللرجل أن يغمض ذات محرمه) كأمه وأخته وأم زوجته وأخته من رضاع. (و) للمرأة أن (تغمض ذا محرمها) كأبيها وأخيها، ويغمض الانثى مثلها أو صبي. وفي الخنثى وجهان. (ويقول) حين تغميضه: (بسم الله وعلى وفاة رسول الله)، نص عليه (ولا يتكلم من حضره إلا بخير) لما تقدم من قوله (ص): وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قاله أهل الميت. (ويشد لحييه) لئلا يدخله

[ 97 ]

الهوام أو الماء في وقت غسله. (ويلين مفاصله عقب موته) قبل قسوتها لتبقى أعضاؤها سهلة على الغاسل لينة، ويكون ذلك (بإلصاق ذراعيه بعضديه ثم يعيدهما، وإلصاق ساقيه بفخذيه وفخذيه ببطنه ثم يعيدهما، فإن شق ذلك عليه تركه) بحاله، (وينزع ثيابه) لئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها. (ويسجى) أي يغطى (بثوب) يستره لما روت عائشة: أن النبي (ص) حين توفي سجي ببرد حبرة متفق عليه. (ويجعل على بطنه مرآة) بكسر الميم التي ينظر فيها. (من حديد أو طين ونحوه) لقول أنس: ضعوا على بطنه شيئا من حديد لئلا ينتفخ بطنه قال ابن عقيل: وهذا لا يتصور إلا وهو على ظهره انتهى، لانه إذا كان على جنبه لا يثبت على بطنه شئ، فظاهره أن الميت بعد موته يكون على ظهره ليتصور وضع الحديدة ونحوها، ويوضع على سرير غسله ليبعد عن الهوام، ويرتفع عن نداوة الارض، (متوجها) إلى القبلة لما تقدم من حديث: قبلتكم أحياء وأمواتا، (على جنبه الايمن) كما يدفن (منحدرا نحو رجليه) أي يكون رأسه أعلى من رجليه، لينحدر عنه الماء، وما يخرج منه (ولا يدعه على الارض) لما تقدم. (ويجب أن يسارع في قضاء دينه، وما فيه إبراء ذمته من إخراج كفارة وحج ونذر، وغير ذلك) كزكاة، ورد أمانة وغصب وعارية. لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه، عن أبي هريرة مرفوعا: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه. (ويسن تفريق وصيته) لما فيه من تعجيل الاجر. واقتضى ذلك تقديم الدين مطلقا على الوصية لقول علي: قضى النبي (ص) بالدين قبل الوصية. وأما تقديمها في الآية فلانها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض كان في إخراجها مشقة

[ 98 ]

على الوارث حثا على إخراجها، قال الزمخشري: ولذلك جئ بكلمة: أو التي تقتضي التسوية، أي فيستويان في الاهتمام وعدم التضييع. وإن كان مقدما عليها (كل ذلك)، أي قضاء الدين وإبراء ذمته، وتفريق وصيته (قبل الصلاة عليه)، لانه لا ولاية لاحد على ذلك إلا بعد الموت والتجهيز. وفي الرعاية: قبل غسله. والمستوعب: قبل دفنه. ويؤيد ما ذكره المصنف: ما كان في صدر الاسلام من عدم صلاته (ص) على من عليه دين، ويقول: صلوا على صاحبكم إلى آخره. كما يأتي في الخصائص (فإن تعذر إيفاء دينه في الحال) لغيبة المال ونحوها، (استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه) لربه، بأن يضمنه عنه، أو يدفع به رهنا، لما فيه من الاخذ في أسباب براءة ذمته، وإلا فلا تبرأ قبل وفائه، كما يأتي. (ويسن الاسراع في تجهيزه) لقوله (ص): لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود، ولانه أصون له وأحفظ من التغير. قال أحمد: كرامة الميت تعجيله. (إن مات غير فجأة) وتيقن موته (ولا بأس أن ينتظر به من يحضره من ولي) أي وارث، (وكثرة جمع إن كان قريبا، ولم يخش عليه) أي الميت، (أو يشق على الحاضرين) نص عليه، لما يؤمل من الدعاء له إذا صلى عليه (وفي موت فجأة) أي بغتة (بصعقة أو هدم أو خوف من حرب أو سبع أو ترد من جبل، أو غير ذلك، وفيما إذا شك في موته حتى يعلم) موته يقينا، (بانخساف صدغيه، وميل أنفه). وذكر جماعة (وانفصال كفيه، وارتخاء رجليه، وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها) لان هذه العلامات دالة على الموت يقينا. زاد في الشرح والرعاية: وامتداد جلدة وجهه. ووجه تأخيره إذا مات فجأة أو شك في موته (لاحتمال أن يكون عرض له سكتة)

[ 99 ]

مرض معروف، (ونحوها، وقد يفيق بعد ثلاثة أيام ولياليها، وقد يعرف موت غيره) أي غير من مات فجأة، أو شك في موته (بهذه العلامات أيضا و) ب‍ (- غيرها) كتقلص خصيتيه إلى فوق، مع تدلي الجلدة. (ويكره النعي، وهو النداء بموته)، نص عليه. ونقل صالح: لا يعجبني. لحديث: إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية. رواه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا. والنعي المعروف في مصر تفعله النساء بدعة محرمة. كما يعلم مما يأتي. (ولا بأس أن يعلم به أقاربه وإخوانه من غير نداء) لاعلامه (ص) أصحابه بالنجاشي في اليوم الذي مات فيه. متفق عليه من حديث أبي هريرة، وفيه كثرة المصلين. فيحصل لهم ثواب ونفع للميت. (قال الآجري فيمن مات عشية: يكره تركه في بيت وحده، بل يبيت معه أهله). قال النخعي: كانوا لا يتركونه في بيت وحده يقولون: يتلاعب به الشيطان. تتمة: قال أحمد: قال (ص): المؤمن يموت بعرق الجبين ورواه النسائي وابن ماجه والترمذي، وحسنه من حديث بريدة (ولا بأس بتقبيله، والنظر إليه) ممن يباح له ذلك. في حال حياته (ولو بعد تكفينه) نص عليه. لحديث عائشة قالت: رأيت النبي (ص) يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل. وقال جابر: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، والنبي (ص) لا ينهاني قال في الشرح: والحديثان صحيحان. فائدة: عرض الاديان على العبد عند الموت ليس عاما لكل أحد، ولا منفيا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الاديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا، والشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت. ذكره في الاختيارات.

[ 100 ]

فصل: في غسل الميت وما يتعلق به (غسل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه متوجها إلى القبلة وحمله فرض كفاية). لقوله (ص) في الذي وقصته راحلته: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه متفق عليه من حديث ابن عباس. وقال (ص): صلوا على من قال لا إله إلا الله رواه الخلال والدارقطني. وضعف ابن الجوزي طرقه كلها، وقال تعالى: * (ثم أماته فأقبره) * ولان في تركه أذى وهتكا لحرمته وحمله وسيلة لدفنه. وصرح في المذهب باستحبابه. وأما اتباعه فسنة، ويأتي لخبر البراء. (ويكره أخذ أجرة على شئ من ذلك) يعني الغسل والتكفين والحمل والدفن. قال في المبدع: كره أحمد للغاسل والحفار أخذ أجرة على عمله إلا أن يكون محتاجا فيعطى من بيت المال. فإن تعذر أعطي بقدر عمله. (ويأتي) في الاجارة أن ما يختص أن يكون فاعله من أهل القربة لا يجوز أخذ الاجرة عليه. بل ولا الرزق ولا الجعالة على ما لا يتعدى نفعه. كالصلاة والصيام والحج (فلو دفن قبل الغسل من أمكن غسله لزم نبشه) وأن يخرج ويغسل. تداركا لواجب غسله. (إن لم يخف تفسخه أو تغيره) فإن خيف ذلك ترك بحاله. وسقط غسله، كالحي يتضرر به. قلت: وهل ييمم كما لو تعذر غسله قبل دفنه أو لا ينبش بالكلية؟ لم أر من تعرض له. (ومثله) أي مثل من دفن بلا غسل أمكن (من دفن غير متوجه إلى القبلة) فينبش ويوجه إليها، تداركا لذلك الواجب، (أو) دفن (قبل الصلاة عليه) فينبش ويصلى عليه، ليوجد شرط الصلاة، وهو عدم الحائل. وقال ابن شهاب والقاضي: لا ينبش ويصلى على القبر. وهو مذهب الائمة الثلاثة، لامكانها عليه. (أو) دفن (قبل تكفينه) فيخرج ويكفن. نص عليه، كما لو دفن بغير غسل، تداركا

[ 101 ]

للواجب. وهو التكفين. ويصلى عليه. ولو كان قد صلي عليه، لعدم سقوط الفرض بالصلاة عليه عريانا. لما روى سعيد عن شريح بن عبيد الحضرمي: أن رجالا قبروا صاحبا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنا، ثم لقوا معاذ بن جبل. فأخبروه. فأمرهم أن يخرجوه من قبره، ثم غسل وكفن وحنط، وصلي عليه. (ولو كفن بحري ف‍) - هل ينبش؟ فيه وجهان. قال في الانصاف: (الاولى عدم نبشه) احتراما له، (ويجوز نبشه لغرض صحيح، كتحسين كفنه). لحديث جابر قال: أتى النبي (ص) عبد الله بن أبي بن سلول بعد ما دفن، فأخرجه فنفث فيه من رقيه وألبسه قميصه رواه الشيخان. (و) ك‍ (- دفنه في بقعة خير من بقعته) التي دفن فيها فيجوز نبشه لذلك (و) ل‍ (- مجاورة صالح) لتعود عليه بركته (إلا الشهيد) إذا دفن بمصرعه. فلا ينقل عنه لغيره. (حتى لو نقل) منه (رد إليه) ندبا (لان دفنه في مصرعه) أي المكان الذي قتل به (سنة)، لقوله (ص): تدفن الاجساد حيث تقبض الارواح. فإنه محمول على الشهداء. لان السنة في غيرهم دفنهم في الصحراء. لفعله (ص) بعثمان بن مظعون وغيره (ويأتي) ذلك موضحا (وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه) لما نقل عن عائشة أنه: لما مات عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبش، وهو مكان بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا ونقل إلى مكة أتت قبره. وقالت: والله لو حضرتك ما دفنتك إلا حيث مت. ولو شهدتك ما زرتك. رواه الترمذي. وهو محمول على أنها لم تر غرضا صحيحا في نقله، وأنه تأذى به. فإن كان لغرض صحيح فلا كراهة. لما في الموطأ عن مالك أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق. فحملا إلى المدينة ودفنا بها. قال سفيان بن عيينة: مات ابن عمر هاهنا، وأوصى أن لا يدفن ههنا. وأن يدفن بسرف. وذكره ابن المنذر. (ويجوز نبشه) أي الميت (إذا دفن لعذر بلا غسل ولا حنوط) فيغسل ويحنط لانه غرض صحيح. (وكإفراده في قبر عمن دفن معه) أي يجوز نبشه لذلك. لقول جابر: دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته. فجعلته في قبر على حدة.

[ 102 ]

وفي رواية: كان أبي أول قتيل، يعني يوم أحد. فدفن معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه. رواهما البخاري. (والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل. يسقط غسلهما بغسل الموت) لتداخل الموجبات كما تقدم فيما إذا اجتمعت أحداث توجب وضوءا أو غسلا، ونوى أحدهما ارتفع سائرها. وفي كلامه: تلويح بالرد على التنقيح، حيث قال: غسله فرض كفاية. ويتعين جنابة أو حيض. ويسقطان به. وحمله صاحب المنتهى على أنه ينتقل إلى ثواب فرض العين إذن، لان الغسل تعين على الميت قبل موته. ثم مات وهو في ذمته. فالذي يتولى غسله ينوب منابه في ذلك. فيكون ثوابه كثوابه. (ويشترط له) أي لغسل الميت (ماء طهور) مباح، كغسل الحي (و) يشترط له أيضا (إسلام غاسل) لانه عبادة وليس الكافر من أهلها. (ونيته) لحديث: إنما الاعمال بالنيات (وعقله) لان غير العاقل ليس أهلا للنية (ويستحب أن يكون) الغاسل (ثقة أمينا عارفا بأحكام الغسل) ونقل حنبل: لا ينبغي إلا ذلك، وأوجبه أبو المعالي (ولو) كان الغاسل (جنبا وحائضا) لان كلا منهما يصح منه الغسل لنفسه. فكذا لغيره (من غير كراهة) هو ظاهر المنتهى وغيره، حيث لم يذكروها. لكن تقدم أنه يكره أن يقرباه (وإن حضره) أي الميت (مسلم) عاقل ولو مميزا (ونوى غسله وأمر كافرا بمباشرة غسله فغسله) الكافر (نائبا عنه)، أي عن المسلم (فظاهر كلام) الامام (أحمد: لا يصح) غسله. لان الكافر نجس. فلا يطهر غسله المسلم. (وقدم في الفروع الصحة) وجزم بمعناه في المنتهى وغيره. وقال في شرح المنتهى: صح غسله في أصح الوجهين. كمحدث نوى رفع حدثه فأمر كافرا بغسل أعضائه، (ويجوز أن يغسل حلال محرما وعكسه) بأن يغسل محرم حلالا. لان الماء والسدر لا يحرم بالاحرام (لكن لا يكفنه) أي لا يكفن المحرم الحلال، (لاجل الطيب، إن كان) في الكفن طيب. لانه يحرم على المحرم، (ويكره) الغسل من مميز لما فيه من الاختلاف في أجزائه. (ويصح) غسل الميت (من مميز)

[ 103 ]

لصحة غسله، قاله في الفروع، فدل أنه لا يكفي من الملائكة. وهو ظاهر كلام الاكثر. وفي الانتصار: ويكفي إن علم. وكذا في تعليق القاضي. واحتج بغسلهم لحنظلة. وبغسلهم لآدم عليه السلام. وبأن سعدا لما مات أسرع النبي (ص) في المشي إليه، فقيل له، فقال: خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله، كما سبقتنا إلى غسل حنظلة، قاله في الفروع: ويتوجه في مسلم الجن وأولى، لتكليفهم. (وأولى الناس بغسل الميت. وصيه إن كان عدلا) لانه حق للميت. فقدم فيه وصية على غيره، كباقي حقوقه. ولان أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء. وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين. (ثم أبوه) لحنوه وشفقته، ثم جده (وإن علا) لمشاركته الاب في المعنى. (ثم ابنه، وإن نزل) لقربه، (ثم الاقرب فالاقرب من عصباته نسبا) فيقدم الاخ لابوين ثم لاب، ثم ابن الاخ لابوين، ثم لاب، ثم عم لابوين ثم لاب، وهكذا (ثم) عصباته (نعمة) فيقدم المعتق ثم عصبته الاقرب فالاقرب. (ثم ذوو أرحامه) كالاخ لام والجد لها، والعم لها، وابن الاخت ونحوهم، (كميراث. ثم الاجانب. ويقدم الاصدقاء منهم) قاله بضعهم. قال في الفروع: فيتوجه منه تقديم الجار على أجنبي، (ثم غيرهم) أي غير الاصدقاء (الا دين الاعرف) فيقدم على غيره لتلك الفضيلة. قال (ص): ليله أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم، فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة، رواه أحمد. (والاحرار في الجميع) من عصبات النسب والولاء وذوي الارحام، (والاجانب أولى من زوجة) للخروج من الخلاف في تغسيل أحد الزوجين الآخر. (وهي) أي الزوجة (أولى من أم ولد) ولبقاء علق الزوجية من الاعتداد والاحداد، بخلاف أم الولد، (وأجنبية) بغسل امرأة (أولى من زوج) خروجا من خلاف من منعه غسلها، (و) أجنبية أولى بغسل أمة من (سيد) للخروج من خلاف من لم يبح له غسلها، (والسيد أحق بغسل عبده) لانه مالكه ووليه. (ويأتي. ولا حق للقاتل في غسل المقتول إن لم يرثه، عمدا كان القتل أو خطأ) لمبالغته في قطيعة الرحم. نقل في الفروع معناه عن أبي المعالي: قال: ولم أجد من ذكره غيره. ولا يتجه في قتل لا يأثم به. ولهذا قال في المنتهى: وليس لآثم بقتل حق في غسل مقتول، (ولا في الصلاة) عليه، (و) لا في (الدفن) لما سبق. (وغسل المرأة أحق الناس به، بعد وصيتها

[ 104 ]

على ما سبق: أمها وإن علت، ثم بنتها وإن نزلت. ثم القربى فالقربى كميراث. ويقدم منهم من يقدم من الرجال)، فتقدم الاخت الشقيقة على الاخت لاب، كما في الرجال، (وعمتها وخالتها سواء، كبنت أختها وبنت أخيها) لاستوائهما في القرابة والمحرمية، (ثم الاجنبيات) بعد ذوات الرحم، كما في الرجال (ولكل واحد من الزوجين، إن لم تكن الزوجة ذمية: غسل صاحبه. ولو) كان الموت (قبل الدخول. ولو وضعت) الزوجة (عقب موته)، أي موت زوجها (أو) كان الموت (بعد طلاق رجعي، ما لم تتزوج) المرأة التي وضعت عقب موت زوجها. فلا تغسله لانها بالتزوج صارت صالحة. لان تغسل الثاني لو مات، ولا يجوز أن تكون غاسلة لزوجين في وقت واحد. والاصل في تغسيل كل الزوجين الآخر ما تقدم من وصية أبي بكر بأن تغسله زوجته أسماء فغسلته. وغسل أبو موسى زوجته أم عبد الله. ذكرهما أحمد. وقول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي (ص) إلا نساؤه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وأوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته. وأوصى عبد الرحمن بن الاسود امرأته أن تغسله. رواهما سعيد في سننه. وقوله إن لم تكن الزوجة ذمية، احترازا عما لو كانت كذلك فلا تغسله. لانها ليست أهلا لغسله، كما تقدم. و (لا) تغسل (من أبانها ولو في مرض موته) المخوف فرارا، لانقطاع الزوجية وإنما ورثت تغليظا عليه بقصده حرمانها. (وينظر من غسل منهما) أي الزوجين (صاحبه غير العورة). قال في الفروع: وفاقا لجمهور العلماء. وجوزه في الانتصار وغيره. بلا لذة. واللمس والخلوة. ويتوجه أنه ظاهر كلام أحمد، وظاهر كلام ابن شهاب. واختلف كلام القاضي في نظر الفرج فتارة أجازه بلا لذة، وتارة منعه. (و) ل‍ (- سيد) غسل (أمته وطئها أو لا. وأم ولده) وأمته (كالزوجين) فلكل منهما أن يغسل الآخر وينظر إلى غير العورة، (ويغسل) السيد (مكاتبته. ولو لم يشترط وطأها) لانه يلزمه كفنها ومؤنة تجهيزها ودفنها، (وتغسله) أي تغسل المكاتبة سيدها (إن شرطه) أي وطأها لاباحتها له، (وإلا) أي لم يشترط وطئ مكاتبته (فلا) يباح لها أن تغسله. لحرمتها عليه

[ 105 ]

من قبل الموت، (ولا يغسل) سيد (أمته المزوجة. ولا) أمته (المعتدة من زوج) تبع المصنف في ذلك صاحب الفروع. واستشكله في الانصاف. وقال في تصحيح الفروع: ومعناه أيضا في الانصاف: الذي يظهر أن هذه المسألة من تتمة كلام المعالي. وإلا كيف يقال: لا يغسل السيد أمته المزوجة والمعتدة من زوج، ثم يحكى خلافا في الاولوية، فيما إذا اجتمع زوج وسيد - إلى أن قال: فيقال: الصحيح من المذهب: صحة غسل السيد لامته المعتدة والمزوجة. وهو الذي قدمه المصنف. وأبو المعالي يقول: لا يغسلهما. قال: وإن لم نحمله على هذا يحصل التناقض، (ولا) يغسل السيد (المعتق بعضها) لحرمتها عليه قبل موتها، ومثلها المشتركة (ولا) يغسل (من هي في استبراء واجب) بناء على أنه لا يغسل المعتدة لانها في معناها (ولا تغسله) أي تغسل الامة المزوجة أو المعتدة من زوج أو المعتق بعضها أو من هي في استبراء واجب: سيدها وفيه في غير المعتق بعضها: ما تقدم. (وإن مات له أقارب) أو موال الاولى بهم غيره، (دفعة واحدة، بهدم ونحوه) كغرق وطاعون (ولم يمكن تجهيزهم دفعة واحدة، استحب أن يبدأ بالاخوف فالاخوف) لئلا يفسد بتأخره، (فإن استووا) في الخوف أو عدمه (بدأ بالاب ثم بالابن، ثم بالاقرب فالاقرب. فإن استووا كالاخوة والاعمام) المستوين، (قدم أفضلهم، ثم أسنهم، ثم) إن استووا في جميع ذلك فالتقديم (بقرعة)، أي يقرع بينهم. فمن خرجت له القرعة قدم، لعدم المرجح سواها، (ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين) من ذكر وأنثى لانه لا حكم لعورته. بدليل أن إبراهيم ابن النبي (ص) غسله النساء. (ولو) كان دون السبع سنين (بلحظة، و) لكل منهما (مس عورته ونظرها) لانه لا حكم لها. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المرأة تغسل الصبي الصغير، فتغسله مجردا من غير سترة وتمس عورته، وتنظر إليها (وليس له) أي الرجل (غسل ابنة سبع) سنين (فأكثر، ولو) كان (محرما) لها، كأبيها وابنها وأخيها لانها محل للشهوة ويحرم النظر إلى عورتها المغلظة أشبهت البالغة، (ولا لها) أي وليس للمرأة (غسل ابن سبع) سنين (ولو) كان (محرما) لها، لما تقدم (غير من تقدم فيهما) من تغسيل الرجل

[ 106 ]

لزوجته وأمته، وتغسيلها له (وإن مات رجل بين نسوة لا رجل معهن) ممن لا يباح لهن غسله، بأن لم يكن زوجاته ولا إماءه: يمم بحائل، (أو عكسه) بأن ماتت امرأة بين رجال (ممن لا يباح لهم) أي الرجال (غسله) أي الميت، بأن لم يكن فيهم زوجها ولا سيدها: يممت. لما روى تمام في فوائده عن واثلة أن النبي (ص) قال: إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال، ولانه لا يحصل بالغسل من غير مس تنظيف، ولا إزالة النجاسة، بل ربما كثرت. (أو) مات (خنثى مشكل) له سبع سنين فأكثر ولم تحضره أمة له، (يمم) لما تقدم (بحائل) من خرقة ونحوها. يلفها على يده، فييمم بها الميت في الصور الثلاث، حتى لا يمسه، (ويحرم) أن ييمم (بدونه) أي دون الحائل (لغير محرم) لما فيه من المس. (ورجل أولى بتيمم خنثى مشكل) من امرأة، إذا مات الخنثى بين رجال ونساء. لان الصنفين قد اشتركا في المحذور وامتاز الرجل بفضيلة الذكورية. لكن إذا ماتت المرأة مع الرجال وفيهم صبي لا شهوة له. علموه الغسل وباشره، نص عليه. وكذا الرجل يموت مع نسوة فيهن صغيرة تطيق الغسل. ذكره في شرح الهداية. قلت: وكذا الخنثى يموت مع رجال أو نسوة فيهن صغير أو صغيرة تطيقه، (وإن كانت له) أي للخنثى المشكل (أمة غسلته) لانه إن كان أنثى فلا كلام. وإن كان ذكرا فلامته أن تغسله. فصل: (وإذا أخذ) أي شرع (في غسله ستر عورته وجوبا)، وهي ما بين سرته وركبته قاله في المبدع وغيره. وفي الانصاف على ما تقدم من حدها انتهى. وعليه: فيستر من ابن سبع إلى عشر الفرجان فقط، حذرا من النظر إليها لقوله (ص) لعلي: لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، رواه أبو داود. (لا من له دون سبع) سنين. فلا بأس بغسله مجردا،

[ 107 ]

لما تقدم (ثم جرده من ثيابه ندبا) لان ذلك أمكن في تغسيله، وأبلغ في تظهيره. وأشبه بغسل الحي. وأصون له من التنجيس. إذ يحتمل خروجها منه ولفعل الصحابة بدليل قولهم: لا ندري أنجرد النبي (ص) كما نجرد موتانا. والظاهر: أن النبي (ص) أمرهم به، وأقرهم عليه. ذكره في المبدع. (إلا النبي (ص) فلا) فإنهم: لما اختلفوا هل يجردونه أو لا. أوقع الله تعالى عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقته في صدره ثم كلهمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: أن غسلوا الرسول (ص) وعليه ثيابه. فقاموا إليه (ص) فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون، بالقميص دون أيديهم رواه أحمد وأبو داود. ولان فضلاته كلها طاهرة، فلم يخش تنجيس قميصه. (ولو غسله في قميص خفيف واسع الكمين جاز). قال أحمد: يعجبني أن يغسل وعليه ثوب، يدخل يده من تحت الثوب، وإن لم يكن واسع الكمين توجه أن يفتق رؤوس الدخاريص. ويدخل يده منها. (و) يسن (ستره) أي الميت حالة الغسل (عن العيون)، لانه ربما كان به عيب يستره في حياته، أو تظهر عورته، وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه الميت مظلما. ذكره أحمد. وأن يغسل (تحت ستر أو سقف ونحوه) كخيمة، لئلا يستقبل السماء بعورته، (ويكره النظر إليه) أي الميت (لغير حاجة حتى الغاسل. فلا ينظر إلا ما لا بد منه. قال ابن عقيل: لان جميعه صار عورة) إكراما له. (فلهذا شرع ستر جميعه) أي بالتكفين، (انتهى). قال: فيحرم نظره. ولا يجوز أن يحضره إلا من يعين في أمره. نقله عنه في المبدع. (و) كره (أن يحضره) أي غسله (غير من يعين في غسله) لانه ربما حدث ما يكره الحي أن يطلع منه على مثله. وربما ظهر منه شئ هو في الظاهر منكر. فيتحدث به. فيكون فضيحة. والحاجة غير داعية إلى حضوره، بخلاف من يعين الغاسل بصب ونحوه

[ 108 ]

(إلا وليه، فله الدخول عليه كيف شاء) قاله القاضي وابن عقيل. (ولا يغطى وجهه)، نقله الجماعة. والحديث المروي لا أصل له. (ويستحب خضب لحية رجل ورأس امرأة. ولو غير شائبين بحناء)، لقول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم. (ثم يرفع برفق في أول غسله إلى قريب من، جلوسه. ولا يشق عليه. ويعصر بطن غير حامل: بيده) ليخرج ما في بطنه من نجاسة بخلاف الحامل. لخبر رواه الخلال. ولانه يؤذي الحمل. (عصرا رفيقا)، لان الميت في محل الشفقة والرحمة. (ويكثر صب الماء حينئذ) ليذهب ما خرج ولا تظهر رائحة. (ويكون ثم) أي هناك في المكان الذي يغسل فيه (بخور) على وزن رسول. لئلا يتأذى برائحة الخارج، (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة خشنة، أو يدخلها) أي يده (في كيس فينجي بها أحد فرجيه، ثم) يأخذ خرقة (ثانية للفرج الثاني) فينجيه بها، إزالة للنجاسة وطهارة للميت من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل. واعتبر لكل فرج خرقة، لان كل خرقة خرج عليها شئ من النجاسة لا يعتد بها، إلا أن تغسل. وظاهر المقنع والمنتهى وغيرهما: تكفيه خرقة. وقاله في المجرد. (ولا يحل مس عورة من له سبع سنين فأكثر) بغير حائل (ولا النظر إليها)، لان التطهير يمكن بدون ذلك. فأشبه حال الحياة. وذكر المروذي عن أحمد أن: عليا حين غسل النبي (ص) لف على يده خرقة حين غسل فرجه. (ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة) لفعل علي مع النبي (ص)، وليأمن مس العورة المحرم مسها. ذكره في المبدع. فحينئذ يعد الغاسل ثلاث خرق، خرقتين للسبيلين، والثالثة لبقية بدنه. (ولا يجب فعل الغسل فلو ترك) الميت (تحت ميزات ونحوه) مما يصب منه الماء، (وحضره أهل لغسله) وهو المسلم العاقل، (ونوى) غسله (ومضى زمن يمكن غسله فيه) يعني: وعمه الماء (صح) ذلك وأجزأ، لان القصد تعميمه بالماء وقد حصل كالحي وهذا يرد ما سبق فيما إذا ماتت امرأة بين رجال وعكسه. (ثم ينوي) غاسل الميت بعد تجريده وستر عورته وتنجيته (غسله)، لتعذر النية من الميت وقيام الغاسل مقامه. (ونيته) أي الغسل (فرض)، فلا يصح غسله

[ 109 ]

بدونها. لحديث: إنما الاعمال بالنيات لكن عدها شرطا أنسب بما تقدم. (وكذا تعميم بدنه) أي الميت (به) أي بالماء فإنه فرض كالحي (ثم يسمي) الغاسل، فيقول بسم الله. لا يقوم غيرها مقامها (وحكمها) أي التسمية هنا (حكم تسمية وضوء وغسل حي) فتجب مع الذكر. وتسقط سهوا قياسا على الوضوء، (ثم يغسل) الغاسل (كفيه) أي الميت ندبا. كغسل الحي (ويعتبر غسل ما عليه من نجاسة) لان المقصود تطهيره. ولا يحصل إلا بذلك. قلت: ومقتضى ما سبق في الحي: لا يجب غسل النجاسة قبل غسله، إن لم تمنع وصول الماء، لما تقدم من أنه يرتفع حدث قبل زوال حكم خبث. (ولا يكفي مسحها) أي النجاسة، (ولا وصول الماء إليها) بل لا بد من الغسل. وسواء كانت على السبيلين أو غيرهما. لكن قال في مجمع البحرين: قلت: فإن لم يتعد الخارج، أي من السبيلين موضع العادة. فقياس المذهب: أنه يكفي فيه الاستجمار. (ويستحب أن يدخل إصبعه السبابة والابهام عليهما خرقة) صيانة لليد واكراما للميت. (خشنة مبلولة بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه. و) في (منخريه وينظفهما)، لازالة ما على تلك الاعضاء من الاذى. (ولا يدخله) أي الماء (فيهما) أي الفم والانف، لانه إذا وصل إلى جوفه حرك النجاسة، (ويتتبع ما تحت أظافره) من وسخ (بعود) ليصل الماء إلى محله (إن لم يمكن قلمها) فإن أمكن قلمها. (ويسن للغاسل أن يوضئه في أول غسلاته كوضوء حدث)، لما في الصحيح أنه (ص) قال لام عطية في غسل ابنته: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها. وظاهره: أنه يمسح رأسه. قاله في المبدع: (ما خلا المضمضة والاستنشاق)، لانه لا يؤمن منهما وصول الماء إلى جوفه. فيفضي إلى المثلة. وربما حصل منه الانفجار. وبهذا علل أحمد. قاله في المبدع. ومحل كون الوضوء في الغسلة الاولى دون باقي الغسلات (إن لم يخرج منه شئ. فإن خرج) منه شئ (أعيد وضوءه) قال في المبدع: وهو مستحب، لقيام موجبه. وهو زوال عقله. وظاهر كلام القاضي وابن الزاغوني: أنه واجب. (ويأتي حكم) إعادة (غسله) إذا خرج منه شئ (ويجزئ

[ 110 ]

غسله مرة) كالحي (وكذا لو نوى) الغاسل (وسمى وغمسه في ماء كثير مرة واحدة) فإنه يجزئ، كغسل الحي (ويكره الاقتصار عليها) أي على المرة الواحدة في غسل الميت، نص عليه. لقوله (ص): اغسلنها ثلاثا أو خمسا. (ويسن ضرب سدر ونحوه) كخطمي، (فيغسل برغوته) بتثليث الراء، (رأسه ولحيته فقط) لان الرأس أشرف الاعضاء. ولهذا جعل كشفه شعار الاحرام. وهو مجمع الحواس الشريفة. ولان الرغوة تزيل الدرن، وتتعلق بالشعر. فناسب أن تغسل بها اللحية لتزول الرغوة بمجرد جري الماء عليها، بخلاف ثفل السدر. (و) يغسل باقي (بدنه بالثفل) أي ثفل السدر (ويقوم الخطمي ونحوه مقام السدر) لحصول الانقاء به. (ويكون السدر في كل غسلة) من الثلاث فأكثر، واعتبر ابن حامد أن يكون السدر يسيرا. وقال: إنه الذي وجد عليه أصحابنا ليجمع بين العمل بالخبر. ويكون الماء باقيا على إطلاقه وقال القاضي وأبو الخطاب: يغسل أول مرة بماء وسدر، ثم يغسل ذلك بالماء القراح. فيكون الجميع غسلة واحدة. والاعتداد بالآخر منها. لان أحمد شبه غسله بغسل الجنابة. ولان السدر إن كثر سلب الطهورية وإن لم يغيره. فلا فائدة في ترك يسير لا يغير. (ويسن تيامنه فيغسل شقه الايمن من نحو رأسه إلى نحو رجليه يبدأ بصفحة عنقه، ثم) يده اليمنى (إلى الكتف، ثم) كتفه وشق صدره، وفخذه وساقه (إلى الرجل ثم الايسر كذلك) لقوله (ص): ابدأن بميامنها. ولانه مسنون في غسل الحي، فكذا الميت. (ويقلبه) الغاسل (على جنبه مع غسل شقيه، فيرفع جانبه الايمن، ويغسل ظهره ووركه وفخذه ويفعل بالايسر كذلك. ولا يكبه على وجهه) إكراما له (ثم يفيض الماء القراح على جميع بدنه. فيكون ذلك غسلة واحدة، يجمع فيها بين السدر والماء القراح) كما تقدم عن

[ 111 ]

القاضي وأبي الخطاب. (يفعل ذلك) المذكور فيما تقدم (ثلاثا) لقوله (ص) للنساء اللاتي غسلن ابنته: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك بماء وسدر. (إلا أن الوضوء) يكون (في) المرة (الاولى فقط) من الغسلات إن لم يخرج شئ. وتقدم (يمر) الغاسل (في كل مرة يده على بطنه) برفق إخراجا لما تخلف. وأمنا من فساد الغسل بما يخرج منه بعد. (فإن لم ينق) الميت (بالثلاث) الغسلات، (غسله إلى سبع) لما تقدم، (فإن لم ينق بسبع) غسلات (فالاولى غسله حتى ينقى) لقوله (ص): اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن. (ويقطع على وتر) لحديث: إن الله وتر يحب الوتر. (من غير إعادة وضوء) فإنه في الاولى خاصة، كما تقدم، إن لم يخرج شئ. (وإن خرج منه) أي الميت (شئ) من السبيلين أو غيرهما (بعد الثلاث أعيد وضوءه). قال في شرح المبدع والمنتهى: وجوبا. كالجنب، لما سبق إذا أحدث بعد غسله، لتكون طهارته كاملة وعنه لا يجب الوضوء. (ووجب غسله كلما خرج) منه شئ (إلى سبع) لما سبق. لان الظاهر أن الشارع إنما كرر الامر بغسلها من أجل توقع النجاسة. ولان القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة. ألا ترى أن الموت جرى مجرى زوال العقل، ولا فرق بين الخارج من السبيلين وغيرهما. وعنه في الدم هو أسهل. (وإن خرج منه) أي الميت (شئ من السبيلين أو غيرهما بعد السبع غسلت النجاسة) لما تقدم وتقدم كلام مجمع البحرين في إجزاء الاستجمار. (ووضئ) لما تقدم (ولا غسل) أي لا يعاد غسله بعد السبع لظاهر الخبر (لكن يحشوه) أي المخرج (بالقطن أو يلجم به) أي القطن (كما تفعل المستحاضة). لانه في معناه، (فإن لم يمسكه ذلك) أي الحشو بالقطن أو التلجم به (حشي) المحل (بالطين الحر)

[ 112 ]

بضم الحاء أي الخالص، (الذي له قوة تمسك المحل) ليمنع الخارج (ولا يكره حشو المحل إن لم يستمسك) لدعاء الحاجة إليه. (وإن خيف خروج شئ) كدم (من منافذ وجهه) كفمه وأنفه (فلا بأس أن يحشى بقطن) دفعا لتلك المفسدة (وإن خرج منه) أي الميت (شئ بعد وضعه في أكفانه ولفها عليه، حمل ولم يعد غسل ولا وضوء سواء كان) ذلك (في السابعة أو قبلها) وسواء كان الخارج قليلا أو كثيرا دفعا للمشقة، لانه يحتاج إلى إخراجه وإعادة غسله، وتطهير أكفانه وتجفيفها أو إبدالها. فيتأخر دفنه وهو مخالف للسنة. ثم لا يؤمن مثل هذا بعده. وإن وضع على الكفن ولم يلف ثم خرج منه شئ أعيد غسله، قاله ابن تميم. (ويسن أن يجعل) الغاسل (في) الغسلة (الاخيرة كافورا) لقوله (ص): واجعلن في الآخرة كافورا متفق عليه ولانه يصلب الجسم ويبرده ويطيبه ويطرد عنه الهوام. (و) أن يجعل في الاخيرة (سدرا) كسائر الغسلات لما تقدم، (وغسله) أي الميت (بالماء البارد أفضل) لان المسخن يرخيه ولم ترد به السنة: (ولا بأس بغسله بماء حار) إن احتيج إليه لشدة برد أو وسخ لا يزول إلا به. واستحبه ابن حامد لانه ينقي ما لا ينقي الماء البارد. (و) لا بأس ب (- خلال) إن احتيج إليه لازالة وسخ. لان إزالته مطلوبة شرعا. (والاولى: أن يكون) الخلال (من شجرة لينة كالصفصاف) بالفتح: الخلاف، بلغة أهل الشام قاله الازهري. (ونحوه مما ينقي ولا يجرح) لانه يؤذي الميت ما يؤذي الحي. (وإن جعل) الغاسل ونحوه (على رأسه) أي الميت (قطنا فحسن) لشرفه، (ويزيل) الغاسل (ما بأنفه) أي الميت، (وصماخيه من أذى) تكميلا لطهارته. (ف‍) - لا بأس بغسله ب‍ (- أشنان إن احتيج إليهن) أي الماء الحار والخلال، والاشنان لوسخ أو نحوه. (وإلا) بأن لم يحتج إليهن، (كره في الكل) لان السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة إليه يكون كالعبث. (وإن كان الميت، شيخا أو به حدب أو نحو ذلك وأمكن تمديده بالتليين والماء الحار فعل ذلك) إزالة للمثلة. (وإن لم يمكن) ذلك (إلا بعسف

[ 113 ]

تركه بحاله) دفعا لاذاه به (فإن كان) الميت (على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشهره بالمثلة ترك في تابوت أو) ترك في النعش (تحت، مكبة كما يصنع بالمرأة) سترا لذلك. (ويأتي في فصل الحمل) أي حمل الميت. (ولا بأس بغسله في حمام) نص عليه في رواية مهنا، وكالحي. لكن إن كان الماء حارا كره بلا حاجة. (و) لا بأس (بمخاطبته) أي الغاسل (له) أي للميت (حال غسله، بنحو انقلب يرحمك الله) لقول الفضل وهو محتضن النبي (ص): أرحني ارحمني فقد قطعت وتيني. إني أجد شيئا يتنزل علي. وقال علي لما لم يجد من النبي (ص) ما يجده من سائر الموتى: يا رسول الله طبت حيا وميتا. (ولا يغتسل غاسله) أي الميت (بفضل ماء ساخن له. فإن لم يجد غيره تركه حتى يبرد) قاله أحمد ذكره الخلال. (ويقص شارب غير محرم ويقلم أظفاره إن طال ويأخذ شعر إبطيه) لان ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو. أشبه إزالة الاوساخ والادران ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة (ويجعل ذلك) أي ما أخذ من الشارب والاظفار وشعر الابطين (معه)، أي الميت (كعضو ساقط) لما روى أحمد في مسائل صالح عن أم عطية قالت: تغسل رأس الميتة فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه ثم ردوه في رأسها. ولان دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي. ففي حق الميت أولى. (ويعاد غسله) أي غسل ما أخذ من الميت من شعر شارب وأظفار وشعر إبط. لقول أم عطية فيما تقدم: غسلوه ثم ردوه إلى آخره، و (لانه جزء منه) أي الميت (كعضو) من أعضائه، (والمراد: يستحب) إعادة غسل المأخوذ. قال في الفروع: للاكتفاء بغسله أولا. (وإن كان الميت مقطوع الرأس، أو) كانت (أعضاؤه مقطعة لفق بعضها إلى بعض بالتقميط والطين الحر، حتى لا يتبين تشويهه. فإن فقد منها) أي أعضاء الميت (شئ لم يجعل له شكل من طين ولا غيره) لانه تصوير. (وإن كان في أسنانه شئ) منها (يتحرك وخيف سقوطه ترك) بحالة (ولم ينزع. ونص أنه يربط بذهب) كالحي، (فإن سقط)

[ 114 ]

شئ من أسنان الميت (لم يربط به) أي بالذهب. لعدم الحاجة إليه. وجعل مع الميت كما تقدم. (ويؤخذ) أي ما على سنه من ذهب كان ربط به (إن لم يسقط) سنه بسبب ذلك. وإلا ترك حتى يبلى (ويحرم حلق شعر عانته) لما فيه من لمس عورته. وربما احتاج إلى نظرها وهو محرم. فلا يرتكب من أجل مندوب. (و) يحرم حلق شعر (رأسه) لان ذلك إنما يكون لزينة أو نسك. والميت لا نسك عليه ولا يزين. (و) يحرم (ختنه) إن كان أقلف. لانه قطع لبعض عضو من الميت. ولان التعبد بذلك قد زال ولان المقصود من الختان التطهير من النجاسة وقد زال ذلك بموته. (ولا يسرح شعره: قال القاضي يكره) لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه. وروي عن عائشة أنها: مرت بقوم يسرحون شعر ميت فنهتهم عن ذلك، وقالت: علام تنصون ميتكم؟ أي لا تسرحوا رأسه بالمشط لانه يقطع الشعر وينتفه. (ويبقى عظم نجس جبر به) الميت قبل موته (مع مثلة) وتقدم في اجتناب النجاسة. (وتزال اللصوق) بفتح اللام: ما يلصق على الجرح من الدواء، ثم أطلق على الخرقة ونحوها إذا شدت على العضو للتداوي. قاله في الحاشية. (لغسل واجب فيغسل ما تحتها) ليحصل تعميم البدن بالغسل وكالحي (فإن خيف من قلعها مثلة) بأن خيف سقوط شئ من الميت بإزالتها ونحوه، (مسح عليها) كجبيرة الحي (ولا يبقى خاتم ونحوه) كخلخال، (ولو ببرده كحلقة في أذن امرأة) لان ترك ذلك معه إضاعة للمال من غير غرض صحيح. و (لا) يزال عنه (أنف ذهب) لما في إزالته من المثلة. (ويأتي آخر الباب، ويسن ضفر شعر المرأة ثلاثة قرون أي ضفائر: قرنيها وناصيتها، ويسدل خلفها) لقول أم عطية: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وآلقيناه خلفها رواه البخاري. (قيل) للامام (أحمد في العروس تموت فتجلى، فأنكره شديدا) لانه بدعة، خصوصا مع ما ينضم إليه في هذه الازمنة. (فإذا فرغ) الغاسل (من غسله نشفه بثوب ندبا) لانه هكذا فعل بالنبي (ص) لئلا يبتل فيفسد به. (ولا يتنجس ما نشف به) الميت من ثوب أو نحوه. لعدم نجاستته بالموت لحديث:

[ 115 ]

سبحان الله المؤمن لا ينجس. (ومحرم ميت كهو) أي كمحرم (حي) لبقاء إحرامه، (فيجنب) المحرم (ما يجنب في حياته، لبقاء الاحرام. لكن لا يجب الفداء على الفاعل به ما يوجب الفدية لو فعله حيا). فلو ألبسه أحد المخيط، أو طيبه أو حلق رأسه، لم تلزمه الفدية. (ويستر) المحرم (على نعشه بشئ) كغيره (ويكفن في ثوبيه نصا) لما في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه (ص) قال في محرم مات: غسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وللنسائي: ولا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة محرما. (وتجوز الزيادة) على ثوبه إذا كفن (كبقية كفن حلال) في ثلاث لفائف (فيغسل بماء وسدر ولا يلبس ذكر المخيط، ويغطى وجهه ورجلاه وسائر بدنه، لا رأسه ولا وجه أنثى، ولا يقرب طيبا) لحديث ابن عباس. (ولا تمنع منه) أي الطبيب (معتدة ماتت) لان منعها منه حال الحياة. لانه يدعو إلى نكاحها. وقد فات ذلك بموتها. (ولا يوقف) المحرم (بعرفة إن مات قبله، ولا يطاف به)، بدليل المحرم الذي مات مع النبي (ص)، ولانه لا يحس بذلك كما لو جن. فصل: (ويحرم غسل شهيد المعركة المقتول بأيديهم) جزم به أبو المعالي وحكى رواية واحدة، لانه أثر الشهادة والعبادة، وهو حي. قال

[ 116 ]

في التبصرة: لا يجوز غسله، وكلام الموفق وغيره: يحتمل الكراهة والتحريم، ذكره في الانصاف وقال في مجمع البحرين لم أقف بتصريح لاصحابنا هل غسل الشهيد: حرام أو مكروه؟ فيحتمل الحرمة لمخالفة الامر. وقطع في التنقيح بأنه يكره. وتبعه في المنتهى مع قولهما يجب بقاء دم شهيد عليه. (ولو) كان شهيد المعركة (غير مكلف، أو) كان (غالا) كتم من الغنيمة شيئا، (رجلا) كان (أو امرأة) لعموم حديث جابر أن النبي (ص): أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم رواه البخاري. ولاحمد معناه. وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وهو صغير. قاله في الشرح. لا يقال: أن ذلك خاص بهم. لان النبي (ص) علل ذلك بعلة توجد في سائر الشهداء. قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقال تعالى: * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) * والحي لا يغسل. وسمي شهيدا لانه حي وقيل لان الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل غير ذلك (إلا أن يكون) الشهيد (جنبا) قبل أن يقتل فيغسل. لما روى ابن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن النبي (ص) قال: إن صاحبكم لتغسله الملائكة، يعني حنظلة. قالوا لاهله: ما شأنه؟ فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهائعة. فقال (ص): لذلك غسلته الملائكة وفي الكافي: أنه رواه أبو داود الطيالسي. (أو) يكون (حائضا أو نفساء طهرتا) أي انقطع دمهما (أولا، فيغسلان غسلا واحدا) لما تقدم في الجنب. ولانه واجب لغير الموت. فلم يسقط كغسل الجنابة (وإن أسلم) شخص ذكرا كان أو أنثى (ثم استشهد قبل غسل الاسلام لم يغسل) للاسلام. لان أصرم بن عبد الاشهل أسلم يوم أحد ثم قتل. فلم يأمر بغسله. قطع به في المغنى والشرح. وصححه ابن

[ 117 ]

تميم. والشيخ تقي الدين، وقدمه في الرعاية الكبرى والمبدع، وقدم في الفروع والانصاف وهو ظاهر الوجيز: يجب كالجنب والحائض. قال في الفروع: ولا فرق بينهم. وجزم به في المنتهى. (وإن قتل) شهيدا (وعليه حدث أصغر لم يوضأ) لان الوضوء تابع للغسل. وقد سقط (وتغسل نجاسته) أي الشهيد كالحي (ويجب بقاء دم) شهيد (لا نجاسته معه) لما تقدم أمره (ص) بدفن قتلى أحد في دمائهم. (فإن لم تزل) النجاسة (إلا بالدم غسلا) أي الدم والنجاسة لان درء المفاسد - ومنه غسل النجاسة - مقدم على جلب المصالح. ومنه بقاء دم الشهيد عليه، (وينزع عنه السلاح والجلود. و) منها (نحو فروة وخف ويجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها) لحديث ابن عباس: أنه (ص) أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم رواه أبو داود وابن ماجه. ولانه أثر العبادة (وظاهره: لو كانت حريرا) قال في المبدع: ولعله غير مراد (فلا يزاد فيها) أي في ثياب الشهيد (ولا ينقص) منها، (ولو لم يحصل المسنون) بها لنقصها أو زيادتها، وذكر القاضي في تخريجه: أنه لا بأس بهما. وأجاب القاضي عما روى: أن صفية أرسلت إلى النبي (ص) ثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا آخر. بأنه يحتمل أن ثيابه سلبت، أو أنهما ضما إلى ما كان عليه. وقد روي في المعتمد ما يدل عليه. ذكره في المبدع. (فإن كان) الشهيد (قد سلبها) أي الثياب (كفن بغيرها) وجوبا كغيره. (ويستحب دفنه) أي الشهيد (في مصرعه) الذي قتل فيه. وتقدم (وإن سقط من شاهق) أي مكان مرتفع، كجبل ونحوه، لا بفعل العدو فمات. (أو) سقط عن (دابة لا بفعل العدو) فمات (أو رفسته) دابة (فمات أو مات) في دار الحرب (حتف أنفه، أو عاد سهمه عليه) فقتله، (أو) عاد (سيفه) عليه فقتله، (أو وجد ميتا. ولا أثر به، أو حمل بعد جرحه، فأكل، أو

[ 118 ]

شرب، أو نام، أو بال، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفا، غسل. وصلي عليه وجوبا). أما من مات بغير فعل العدو فلعدم مباشرتهم قتله وتسببهم فيه. فأشبه من مات بمرض وأما من وجد ميتا ولا أثر به فلان الاصل وجوب الغسل والصلاة. فلا يسقط يقين ذلك بالشك في مسقطه. فإن كان به أثر لم يغسل ولم يصل عليه، زاد أبو المعالي: لا دم من أنفه أو دبره أو ذكره. لانه معتاد. قال القاضي وغيره: اعتبرنا الاثر هنا احتياطا للغسل ولم نعتبره في القسامة. احتياطا لوجوب الدم. وأما من حمل بعد جرحه فأكل ونحوه فإنه يغسل لتغسيله (ص) سعد بن معاذ، ولان ذلك لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة. والاصل وجوب الغسل والصلاة. ومعنى قوله: حتف أنفه. أي بغير سبب يفضى إلى الموت من جرح أو ضرب أو غيره. (ومن قتل مظلوما، حتى من قتله الكفار صبرا في غير الحرب ألحق بشهيد المعركة) في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. لقول سعيد بن زيد: سمعت النبي (ص) يقول: من قتل دون دينه فهو شهيد. ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد رواه أبو داود والترمذي وصححه. ولانهم مقتولون بغير حق. أشبهوا قتلى الكفار، فلا يغسلون. تتمة: قال ابن تميم: من قتله المسلمون أو الكفار خطأ يغسل رواية واحدة. (والشهداء غير شهيد المعركة) وهو من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال (بضعة وعشرون) شهيدا. (المطعون) أي الميت بالطاعون (والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم) أي من مات بانهدام شئ عليه. كمن ألقى عليه حائط ونحوه، لقوله (ص): والشهداء خمس: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله قال الترمذي: حسن صحيح. (و) صاحب (ذات الجنب، و) صاحب (السل) بكسر السين، (وصاحب اللقوة) بفتح اللام داء في الوجه. (والصابر في الطاعون والمتردي من رؤوس الجبال) إن لم يكن بفعل الكفار. فإن كان كذلك فمن شهداء

[ 119 ]

المعركة. (ومن مات في سبيل الله) تعالى، ومنه من مات في الحج، كما تقدم عن صاحب الفروع ومن مات في طلب العلم، كما تقدم أيضا عنه. (ومن طلب الشهادة بنية صادقة، وموت المرابط، وأمناء الله في الارض) وهم العلماء. (والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قتل دون ماله، أو أهله، أو دينه، أو دمه، أو مظلمته) بكسر اللام. (وفريس السبع، ومن خر عن دابته، ومن أغربها: موت الغريب)، لما رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف والدارقطني وصححه عن ابن عباس مرفوعا: موت الغريب شهادة. (وأغرب منه) ما ذكره أبو المعالي بن المنجى وبعض الشافعية: (العاشق إذا عف وكتم) وأشاروا إلى الخبر المرفوع: من عشق وعف وكتم فمات مات شهيدا. وهذا الخبر مذكور في ترجمة سويد بن سعيد فيما أنكر عليه، قاله ابن عدي. والبيهقي (ذكر تعدادهم في غاية المطلب) وعبارته: والشهيد - غير شهيد المعركة - بضعة عشر: المطعون، والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم، وذات الجنب، والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قتل دون ماله أو أهله أو دينه أو دمه أو مظلمته، وفريس سبع، ومن خر عن دابته، ومن أغربها موت الغريب، وأغرب منه العاشق إذا عف وكتم اه‍. فلم يستوعب ما ذكره المصنف. (وكل شهيد غسل صلي عليه وجوبا. ومن لا) يغسل (فلا) يصلى عليه. ذكره في المبدع المذهب. (والشهيد بغير قتل كغريق ونحوه مما تقدم ذكره) غير من استثنى (يغسل ويصلى عليه). لانه ليس بشهيد معركة ولا ملحقا به. (وإذا ولد السقط لاكثر من أربعة أشهر) أي لاربعة أشهر فأكثر (غسل وصلي عليه) نص عليه في رواية حرب وصالح. لقوله (ص): والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة رواه أحمد وأبو داود. ورواه النسائي والترمذي وصححه ولفظهما: والطفل

[ 120 ]

يصلى عليه واحتج به أحمد. ولانه نسمة نفخ فيها الروح. (ولو لم يستهل) أي يصوت عند الولادة، لعموم ما سبق. (ويستحب تسميته. ولو ولد قبل) أربعة (أشهر) لانه يبعث في ظاهر كلام أحمد. فيسمى ليدعى يوم القيامة باسمه. (وإن جهل أذكر أم أنثى؟ سمي بصالح لهما، كطلحة وهبة الله). قال الشيخ تقي الدين. وكثير من الفقهاء: (ولو كان السقط من كافرين فإن حكم بإسلامه) كما لو مات أحد أبويه بدارنا، (فكمسلم) يغسل ويصلى عليه، إذا ولد لاربعة أشهر فأكثر، (وإلا) أي وإن لم يحكم بإسلامه، (فلا) يغسل ولا يصلى عليه. لانه كافر. (ويصلى على طفل) من كافرين (حكم بإسلامه) لموت أحد أبويه بدار الاسلام، أو سبيه منفردا عنهما. أو عن أحدهما ونحوه. وكذا مجنون حكم بإسلامه بشئ مما سبق. (ومن تعذر غسله لعدم ماء أو عذر غيره) كالحرق والجذام والتبضيع، (يمم) لان غسل الميت طهارة على البدن. فقام التيمم عند العجز عنه مقامه كالجنابة، (وكفن) بعد التيمم (وصلي عليه) كغيره. (وإن تعذر غسل بعضه) غسل ما أمكن منه، و (يمم له) أي لما تعذر غسله كالجنابة. (وإن أمكن صب الماء عليه بلا عرك صب عليه) الماء بحيث يعم بدنه، (وترك عركه) لتعذره. وتقدم أنه لا يجب الفعل. وإن لم يكن عذر. (ثم إن يمم) الميت (لعدم الماء وصلي عليه. ثم وجد الماء قبل دفنه وجب غسله) لامكانه. وتعاد الصلاة عليه. ولو كانت، بتيمم. والاولى بوضوء، وتقدم. (وإن وجد) الماء (فيها) أي في الصلاة على الميت وقد يمم (بطلت الصلاة)، فيغسل ثم يصلى عليه. كالحي يجد الماء (ويلزم الوارث قبول ما وهب للميت) ليغسل به. لان المنة فيه يسيرة. و (لا) يلزمه قبول (ثمنه) هبة للمنة كالحي. (ويجب على الغاسل ستر قبيح رآه) لان في أظهاره إذاعة للفاحشة. وفي الخبر مرفوعا: ليغسل موتاكم المأمونون رواه ابن ماجه. وعن عائشة مرفوعا: من غسل ميتا وأدى فيه الامانة ولم يفش عيبه خرج من ذنوبه كيوم

[ 121 ]

ولدته أمه رواه أحمد من رواية جابر الجعفي. (كطبيب) أي كما يجب على الطبيب أن لا يحدث بشر. لما فيه من الافضاح. (ويستحب) للغاسل (إظهاره) أي ما رآه من الميت (إن كان حسنا) ليترحم عليه. (قال جمع محققون: إلا على مشهور ببدعة مضلة. أو قلة دين، أو فجور ونحوه) ككذب، (فيستحب إظهار شره وستر خيره) ليرتدع نظيره ويحرم سوء الظن بالله، وبمسلم ظاهر العدالة. قاله القاضي وغيره. ويجب حسن الظن بالله تعالى. ويستحب ظن الخير بالمسلم. ولا ينبغي تحقيق ظنه في ريبة ولا حرج بظن السوء بمن ظاهره الشر، وحديث أبي هريرة مرفوعا: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث محمول على الظن المجرد الذي لم تعضده قرينة تدل على صدقه. وحديث: احترسوا من الناس بسوء الظن المراد به الاحتراس بحفظ المال. كغلق الباب خوف السراق. هذا معنى كلام القاضي، ونرجو للمحسن ونخاف على المسئ، (ولا نشهد) بجنة أو نار (إلا لمن شهد له النبي (ص))، قال الشيخ تقي الدين: أو اتفقت الامة على الثناء أو الاساءة عليه. قال في الفروع ولعل مراده: الاكثر، وأنه الاكثر ديانة، وظاهر كلامه: ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم وإلا لم تكن علامة مستقلة اه‍. ومن جهل إسلامه ووجد عليه علامة المسلمين وجب غسله والصلاة عليه. لو كان أقلف بدارنا لا بدار حرب ولا نص على ذلك. ونقل عن ابن سعيد يستدل بثياب وختان.

[ 122 ]

فصل: في الكفن وتقدم أن تكفينه فرض كفاية، لقوله (ص) في المحرم: كفنوه في ثوبيه. (يجب كفن الميت) في ماله لما تقدم من الخبر، ولان حاجة الميت مقدمة في ماله على ورثته، بدليل قضاء دينه، (و) تجب (مؤنة تجهيزه) أي الميت بمعروف، قياسا على الكفن. (غير حنوط، وطيب) كما ورد وعود للكفن. فإنه مستحب غير واجب. كحال الحياة، (ويأتي) ذلك وقوله: (في ما له) أي الميت متعلق بيجب. لما تقدم (لحق الله تعالى وحق الميت) فلا يسقط لو أوصى أن لا يكفن، لما فيه من حق الله (ذكرا كان) الميت (أو أنثى) أو خنثى صغيرا، كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، (ثوب) بدل من كفن، أو خبر لمحذوف تقديره والواجب ثوب (واحد يستر، جميع البدن) لان العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد. فكفن الميت أولى، (فلو أوصى بأقل منه) أي مما يستر جميع البدن (لم تسمع وصيته) لتضمنها إسقاط حق الله تعالى. (ويشترط أن لا يصف البشرة) لان ما يصفها غير ساتر، فوجوده كعدمه، (ويجب) أن يكفن في (ملبوس مثله في الجمع والاعياد) لامر الشارع بتحسينه. رواه أحمد ومسلم. (ما لم يوص بدونه) فتتبع وصيته، لاسقاطه حقه مما زاد (مقدما هو) أي الكفن (ومؤنة تجهيزه على دين، ولو برهن وأرش جناية)، ولو كانت متعلقة برقبة الجاني. (ووصية وميراث، وغيرهما) لان المفلس يقدم بالكسوة على الدين فكذا الميت، وإذا قدم على الدين فعلى غيره أولى. (ولا ينتقل إلى الوارث من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الاصلية) من كفن ومؤنة تجهيز وقضاء دين، ولو لله تعالى لقوله (ص): كفنوه في ثوبيه. (وإن أوصى) أن يكفن (في أثواب ثمينة لا تليق به لم تصح) الوصية، لانها بمكروه. (والجديد أفضل من العتيق) لما

[ 123 ]

تقدم من أمر الشارع بتحسينه (ما لم يوص بغيره) أي غير الجديد فيمتثل، لما روى عن الصديق أنه قال: كفنوني في ثوبي هذين، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنهما للمهلة والتراب رواه البخاري بمعناه. (ولا بأس باستعداد الكفن، لحل أو لعبادة فيه، قيل لاحمد: يصلي فيه ثم يغسله ويضعه لكفنه فرآه حسنا)، لما فيه من أثر العبادة والاستعداد للموت. (ويجب كفن الرقيق) ذكرا كان أو أنثى (على مالكه)، كنفقته حال الحياة. (فإن لم يكن للميت مال) بأن لم يخلف شيئا أو تلف قبل أن يجهز، (فعلى من تلزمه نفقته) لان ذلك يلزمه حال الحياة فكذلك بعد الموت. (وكذلك دفنه) كفن امرأته أي مؤنته (وما لا بد للميت منه) كحمله وسائر تجهيزه، (إلا الزوج) فإنه لا يلزمه كفن امرأته ولا مؤنة تجهيزها، نص عليه. لان النفقة والكسوة وجبا في النكاح للتمكين من الاستمتاع. ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبهت الاجنبية، وفارقت الرقيق. فإن نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع. ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته. فتكفن الزوجة من مالها إن كان. وإلا فعلى من يلزمه نفقتها لو لم تكن مزوجة: من قريب ومولى (ثم) إن لم يكن للميت مال ولا من تلزمه نفقته وجب كفنه ومؤنة تجهيزه (من بيت المال، إن كان) الميت (مسلما) كنفقته إذن. قال أبو المعالي: وإن كفن من بيت المال فثوب، وفي الزائد للكمال وجهان. ويتوجه ثوب من الوقف على الاكفان. قاله في الفروع والمبدع. وخرج الكافر ولو ذميا. فلا يكفن من بيت المال لان أهل الذمة إنما أوجبت عصمتهم فلا نؤذيهم، لا إرفاقهم (ثم) إن لم يكن بيت المال، أو مكان وتعذر الاخذ منه، فكفنه ومؤنة تجهيزه (على مسلم عالم به) أي بالميت. كنفقة الحي وكسوته (ويكره) التكفين (في رقيق يحكي هيئة البدن) لرقته، ولو لم يصف البشرة، نص عليه. كما يكره للحي لبسه (و) يكره التكفين أيضا (بشعر وصوف مع القدرة على غيره) لانه خلاف فعل السلف (و) يكره التكفين (بمزعفر ومعصفر. ولو لامرأة

[ 124 ]

حتى المنفوش، قطنا كان أو غيره) لانه غير لائق بحال الميت (ويحرم بجلود) لامر النبي (ص): بنزع الجلود عن الشهداء، وأن يدفنوا في ثيابهم. (و) يحرم أيضا ب‍ (- حرير ومذهب)، ومفضض، (ولو لامرأة) لانه إنما أبيح لها في حال الحياة لانها محل الزينة والشهوة، وقد زال بموتها. (و) لو ل‍ (- صبي) كما يحرم عليه حال الحياة وأولى، (ويجوز) التكفين (فيهما) أي في الحرير والمذهب (ضرورة) أي عند عدم غيرهما لوجوب ستره، (ويكون) الكفن إذن (ثوبا واحدا) يستر جميعه، لاندفاع الضرورة به، (فإن لم يجد) من يلي الميت (ما يستر) الميت (جميعه ستر العورة) لتقدمها على سائر جسده. (ثم) إن بقي شئ ستر به (رأسه وما يليه وجعل على باقيه حشيش أو ورق) لما روي: أن مصعبا قتل يوم أحد فلم يوجد له شئ يكفن فيه إلا نمرة فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه. وإذا وضعت على رجليه خرج رأسه فأمر النبي (ص) أن تغطي رأسه، ويجعل على رجليه الاذخر رواه البخاري. (فإن لم يوجد إلا ثوب واحد ووجد جماعة من الاموات جمع في ثوب ما يمكن جمعه) من الاموات (فيه)، لخبر أنس في قتلى أحد. وقال ابن تميم: قال شيخنا: يقسم بينهم ويستر عورة كل واحد، ولا يجمعون فيه (وأفضل الاكفان البياض) لقوله (ص): وكفنوا فيه موتاكم (وأفضله القطن. ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض من قطن) لحديث عائشة: كفن النبي (ص) في ثلاثة أثواب بيض سحولية، جدد يمانية، ليس فيها قميص ولاعمامة أدرج فيها إدراجا متفق عليه، زاد مسلم في رواية: وأما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن فيها، فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية. قال أحمد: أصح الاحاديث في كفن النبي (ص) حديث عائشة لانها أعلم مغيرها. وقال الترمذي: قد روي في كفن النبي (ص) روايات مختلفة. وحديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفنه. قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. (و) يكون (أحسنها) أي اللفائف (أعلاها ليظهر للناس كعادة الحي) في جعله أحسن ثيابه أعلاها، (وتكره الزيادة) على

[ 125 ]

الثلاث، قاله في المستوعب والشرح وغيرهما. لما فيه من إضاعة المال المنهي عنها. وصحح ابن تميم وقدمه في الفروع أنه لا يكره بل في سبعة أثواب، ذكره في المبدع. (و) يكره (تعميمه) صوبه في تصحيح الفروع، (ويكفن صغير في ثوب) واحد، (ويجوز) تكفين الصغير (في ثلاثة) ثياب. (وإن ورثه) أي الصغير (غير مكلف) من صغير ومجنون (لم تجز الزيادة على ثوب، لانه تبرع. قاله المجد). وجزم بمعناه في المنتهى (وقال) أبو الوفاء علي (بن عقيل: ومن أخرج فوق العادة فأكثر للطيب والحوائج وأعطى المقرئين بين يدي الجنازة، وأعطى الحمالين، والحفارين زيادة على طريق المروءة. لا بقدر الواجب فمتبرع)، إن كان من ماله (فإن كان من التركة فمن نصيبه، انتهى). وكذا ما يعطي لمن يرفع صوته مع الجنازة بالذكر ونحوه وما يصرف في طعام ونحوه ليالي جمع. وما يصنع في أيامها من البدع المستحدثة خصوصا إذا كان في الورثة قاصر أو يتيم (وتكفن الصغيرة إلى بلوغ في قميص ولفافتين) لعدم حاجتها إلى خمار في حياتها، (وخنثى كأنثى) احتياطا (فتبسط) من يكفن الرجل الميت بعض (اللفائف) الثلاث (فوق بعض)، ليوضع عليها مرة واحدة، ولا يحتاج إلى حمله، ووضعه على واحدة بعد واحدة (ويجمرها بالعود) أو نحوه، أوصى به أبو سعيد وابن عمر وابن عباس. ولان هذا عادة الحي (بعد رشها بماء ورد أو غيره ليعلق به) رائحة البخور، وإن لم يكن الميت محرما (ثم يوضع) الميت (عليها)، أي اللفائف (مستلقيا) لانه أمكن لادراجه فيها. والاولى أن يستر بثوب في حال حمله، وأن يوضع متوجها (ويجعل الحنوط، وهو أخلاط من طيب) يعد للميت خاصة (فيما بينها)، أي يذر بين اللفائف، و (لا) يجعل من الحنوط (على ظهر) اللفافة (العليا) لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة

[ 126 ]

ذلك. (ولا) يوضع (على الثوب الذي) يجعل (على النعش) شئ من الحنوط نص عليه. لانه ليس من الكفن (ويجعل منه) أي (في قطن يجعل ذلك القطن بين أليتيه) برفق، ويكثر ذلك ليرد ما يخرج عند تحريكه. (ويشد فوقه) أي القطن (خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام، (تجمع أليته ومثانته) ليرد ذلك ما يخرج. ويخفي ما يظهر من الروائح. (وكذلك) يضع (في الجراح النافدة) لما ذكر، (ويجعل الباقي) من القطن المحنط (على منافذ وجهه) كعينيه وفمه وأنفه، ويلحق بذلك أذناه، (و) على (مواضع سجوده) كجبهته وأنفه وركبتيه، وأطراف قدميه، تشريفا لها لكونها مختصة بالسجود (و) على (مغابنه كطي ركبتيه، وتحت إبطه، وكذا سرته) لان ابن عمر كان يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك، (ويطيب رأسه ولحيته) ولم يذكر ذلك في المنتهى وغيره. (وإن طيب) من يليه (ولو بمسك بغير ورس وزعفران سائر بدنه غير داخل عينيه كان حسنا)، لان أنسا طلي بالمسك، وطلي ابن عمر ميتا بالمسك (ويكره) أن يطيب (داخل عينيه) نص عليه، لانه يفسدهما. (و) يكره أن يطيب (بورس وزعفران) لانه ربما ظهر لونه على الكفن، ولانه يستعمل غذاء وزينة، ولا يعتاد التطيب به. (ويكره طليه) أي الميت (بصبر) بكسر الموحدة وتسكن في ضرورة الشعر، (ليمسكه. و) يكره طليه أيضا (بغيره) أي غير الصبر مما يمسكه، (ما لم ينقل) أي ما لم يرد نقل الميت من مكان إلى آخر فيباح ذلك للحاجة لكن إنما يباح النقل لحاجة بلا مفسدة بأن لا يخشى تفسخه أو تغيره، (قاله المجد) عبد السلام بن تيمية. وجزم بمعناه في المنتهى وغيره. (والطيب والحنوط غير واجبين. بل مستحبان) كحال الحياة، وتقدم. (ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الايسر على شقه الايمن، ثم) يرد (طرفها الايمن على) شقه (الايسر) لانه عادة لبس الحي في قباء ورداء ونحوهما. (ثم) يرد (الثانية) من اللفائف (والثالثة) منها (كذلك) أي كالاولى. لانهما في معناها. (ويجعل ما عند رأسه) أي الميت من فاضل الكفن. (أكثر مما عند رجليه لشرفه) ولانه أحق بالستر من رجليه. (و) يجعل (الفاضل عن وجهه ورجليه عليهما) يعني يعيد الفاضل على وجهه ورجليه (بعد جمعه) ليصير الكفن كالكيس.

[ 127 ]

فلا ينتشر (ثم يعقدها) أي اللفائف (إن خاف انتشارها. ثم تحل العقد في القبر) لقول ابن مسعود: إذا أدخلتم الميت اللحد فحلوا العقد، رواه الاثرم. (زاد أبو المعالي وغيره: ولو نسي) الملحد أن يحلها نبش ولو كان (بعد تسوية التراب قريبا. لانه) أي حلها (سنة) فيجوز النبش لاجله، كإفراده عمن دفن معه. (ولا يحل الازار) في القبر إذا كفن في إزار وقميص ولفافة، نص عليه. (ولا يخرق الكفن) لانه إفساد له وتقبيح، مع الامر بتحسينه. قال أبو الوفاء (ولو خيف نبشه) قال في المبدع وغيره وهو ظاهر كلام غيره. وجوزه أبو المعالي، إن خيف نبشه. (وكرهه) أي تخريق الكفن الامام (أحمد) لما تقدم، (وإن كفن في قميص) كقميص الحي (بكمين ودخاريص، و) في (إزار ولفاقة. جاز من غير كراهة. وظاهره: ولو لم تتعذر اللفائف ويجعل المئزر مما يلي جسده) لانه (ص): ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات رواه البخاري. وعن عمرو بن العاص: أن الميت يؤزر ويقمص ويلف بالثالثة. وهذا عادة الحي (ولا يزر عليه) أي الميت (القميص) لانه لا يسن للحي زره فوق إزار، لعدم الحاجة. (ويدفن في مقبرة مسبلة بقول بعض الورثة لانه لا منة) لجريان العادة بذلك. (وعكسه الكفن والمؤنة) أي مؤنة التجهيز فلا يصرف ذلك من مسبل بقول بعض الورثة، لما فيه من المنة. (ولو بذله بعض الورثة من نفسه لم يلزم بقيتهم قبوله) لما في ذلك من المنة عليهم وعلى الميت. وكذلك إن تبرع أجنبي بتكفين فأبى الورثة أو بعضهم، (لكن ليس للبقية) أي بقية الورثة إذا تبرع به أحدهم (نقله) أي الميت، (و) لا (سلبه من كفنه) الذي تبرع به أحدهم (بعد دفنه) فيه. فإنه ينقل بطلب باقيهم (بخلاف مبادرته إلى ملك الميت لانتقاله) أي الملك (إليهم). وفي إبقائه إسقاط لحقهم من التصرف فيه، (لكن يكره) لهم نقله، لما فيه من هتك حرمته. (ويسن تكفين امرأة في خمسة أثواب بيض) من قطن (إزار وخمار، ثم قميص: وهو الدرع، ثم لفافتين) استحبابا. لما روى أحمد وأبو داود - وفيه ضعف - عن ليلى الثقفية قالت: كنت فيمن غسل

[ 128 ]

أم كلثوم بنت النبي (ص). فكان أول ما أعطانا الحقاء ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر، قال أحمد: الحقاء الازار والدرع القميص. قال في المبدع فعلى هذا تؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمر بمقنعة، ثم باللفافتين. (ونصه، وجزم به جماعة) منهم الخرقي وأبو بكر، صاحب المحرر. إن الخامسة (خرقة تشد بها فخذاها، ثم مئزر، ثم قميص، ثم خمار، ثم لفافة. ولا بأس أن تنقب) ذكره ابن تميم وابن حمدان. (وتسن تغطية نعش) لما فيه من المبالغة في ستر الميت وصيانته (بأبيض) لانه خير الالوان. (ويكره) أن يغطى نعش (بغيره) أي غير أبيض. ويحرم بحرير ومنسوج بذهب أو فضة. (وإن مات مسافر كفنه رفيقه من ماله. فإن تعذر) تكفينه من ماله (فمنه) أي فإنه يكفنه من مال نفسه. (ويأخذه من تركته) إن كانت (أو) يأخذه (ممن تلزمه نفقته) غير الزوج (إن نوى الرجوع)، لانه قام بواجب، فإن لم ينو الرجوع فمتبرع (ولا حاكم. فإن وجد حاكم وأذن فيه) لرفيقه (رجع) رفيقه بما كفنه به. (وإن لم يأذن) الحاكم أو لم يستأذنه، ولو مع قدرته على استئذانه (ونوى الرجوع رجع) على التركة، أو من تلزمه نفقته، لقيامه بواجب (وإن كان للميت كفن، وثم حي مضطر إليه) أي إلى كفن الميت، (لبرد ونحوه) كدفع حر، (فالحي أحق به) أي بكفن الميت. فله أخذه بثمنه لان حرمة الحي آكد. (قال المجد وغيره: إن خشي التلف. وإن كان) الحي محتاجا لكفن الميت (لحاجة الصلاة فيه. فالميت أحق بكفنه. ولو كان لفافتين. ويصلي الحي) عريانا (عليه). وقال ابن عقيل وابن الجوزي: يصلي عليه عادم في إحدى لفافتيه. (وإن نبش) الميت (وسرق كفنه كفن من تركته ثانيا وثالثا، ولو قسمت) تركته كما لو قسمت قبل تكفينه الاول. ويؤخذ من كل وارث بنسبة حصته من التركة (ما لم تصرف) تركته (في دين أو وصية)، فإن وقع ذلك وتبرع أحد

[ 129 ]

بكفنه، وإلا ترك بحاله. (وإن أكله) أي الميت (سبع أو أخذه سيل، وبقي كفنه. فإن كان) كفنه (من ماله ف‍) - هو (تركة) يقسم بين ورثته على قدر أنصبائهم، لاستغناء الميت عنه. (وإن كان) الكفن (من) شخص (متبرع به فهو له) أي للمتبرع به، (لا لورثة الميت) لان تكفينه إياه: ليس بتمليك، بل إباحة، بخلاف ما لو وهبه للورثة أولا، فكفنوه به، ثم وجدوه. فإنه يكون لهم. ويأتي في السرقة ذلك وما فيه. (وإن جبى كفنه) أي الميت لحاجة وفضل منه شئ، (فما فضل) منه (فلربه إن علم) لانه دفعه ظنا منه أنه محتاج إليه، فتبين أنه مستغن عنه. فيرد إليه (فإن جهل) ربه، ولو باختلاطه وعدم تميزه (ف‍) - إنه يصرف (في كفن آخر) إن أمكن، (فإن تعذر) ذلك (تصدق به) قال في الفروع: وأطلق بعضهم أنه يصرف في التكفين مطلقا، نص عليه. وفي المنتخب كزكاة في رقاب أو غارم. (ولا يجبى كفن لعدم) ما يكفن به الميت. (إن ستر) أي إن أمكن ستره (بحشيش) ذكره في الفنون، صونا للميت عن التبذل. فصل: (في الصلاة على الميت) وهي فرض كفاية، على غير شهيد معركة ومقتول ظلما. لامر الشارع بها في غير حديث. كقوله (ص): صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم. وقوله (ص) في الغال: صلوا على صاحبكم. وقوله: إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا صلوا عليه. وقوله: صلوا على من قال لا إله إلا الله. والامر للوجوب. وإنما تجب على من علم بالميت من المسلمين لان من لم يعلم به معذور. (يسقط فرضها بواحد، رجلا كان، أو امرأة، أو خنثى)، لان الصلاة على الميت فرض تعلق به. فسقط بالواحد. (كغسله) وتكفينه ودفنه، (وتسن لها) أي الصلاة

[ 130 ]

عليه (الجماعة ولو لنساء). كما كان النبي (ص) يفعلها هو وأصحابه. واستمر الناس على ذلك في جميع الاعصار. (إلا على النبي (ص) فلا)، أي فإنهم لم يصلوا عليه بإمام (احتراما له وتعظيما) لقدره. قال ابن عباس: دخل الناس على النبي (ص) أرسالا يصلون عليه. حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان. ولم يؤم الناس على النبي (ص) أحد رواه ابن ماجه. وفي البزار والطبراني: إن ذلك كان بوصية منه (ص). (ولا يطاف بالجنازة على أهل الاماكن ليصلوا عليها. فهي كالامام يقصد) بالبناء للمفعول، (ولا يقصد) بالبناء للفاعل (والاولى بها) أي بالصلاة على الميت إماما: وصية العدل، لاجماع الصحابة. فإنهم ما زالوا يوصون بذلك. ويقدمون الوصي. فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر. وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب. وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد. وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبوبرزة. حكى ذلك كله أحمد. وقال غيره: عائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة. وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير. ولانها ولاية تستفاد بالنسب، فصح الايصاء بها، كالمال. وتفرقته. فإن كان الوصي فاسقا لم تصح الوصية إليه. ثم (بعد الوصي: السلطان) لعموم قوله (ص): لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه - الحديث، رواه مسلم وغيره. ولان النبي (ص) وخلفاءه من بعده كانوا يصلون على الموتى. ولم ينقل عن أحد منهم أنه استأذن العصبة. وعن أبي حازم قال: شهدت حسينا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة. وهو يقول: لولا السنة ما قدمتك. وهذا يقتضي أنها سنة رسول الله (ص): ولانها صلاة يسن لها الاجتماع. فإذا حضرها السلطان كان أولى بالتقديم. كالجمع والاعياد (ثم نائبه الامير) أي أمير بلد الميت، إن حضرها (ثم الحاكم وهو القاضي، لكن السيد أولى برقيقه بها) أي بالصلاة عليه إماما (من السلطان) ونوابه. لانه مالكه (و) السيد أيضا أولى (بغسل وبدفن) لرقيقه لما تقدم، (ثم) بعد السلطان ونوابه: الاولى بالصلاة على الحر (أقرب العصبة) يعني الاب، ثم الجد له وإن علا، ثم الابن ثم ابنه وإن نزل، ثم الاخ لابوين، ثم لاب وهكذا كالميراث (ثم ذوو أرحامه) الاقرب فالاقرب، كالغسل (ثم الزوج) ثم الاجانب (ومع التساوي) كابنين أو

[ 131 ]

أخوين أو عمين. (يقدم الاولى بالامامة) لما تقدم هناك (فإن استووا في الصفات) بحيث لا أولوية لاحدهم على الآخر في الامامة (أقرع) كالاذان، (ويقدم الحر البعيد) كالعم، (على العبد القريب) كالاخ العبد، لانه غير وارث. (ويقدم العبد المكلف على الصبي) الحر، لانه لا تصح إمامته للبالغين، (و) على (المرأة) لانه لا تصح إمامتها للرجال. فعلم منه: أن هذا التقديم واجب. (فإن اجتمع أولياء موتى قدم) منهم (الاولى بالامامة) كغيرها من الصلوات. (ثم) إن تساووا في ذلك ف‍ (- قرعة) لعدم المرجح. (ولولي كل ميت أن ينفرد بصلاته على ميته إن أمن فسادا) لعدم المحذور. (ومن قدمه ولي فهو بمنزلته) إن كان أهلا للامامة، كولاية النكاح. قال أبو المعالي: فإن غاب الاقرب بمكان تفوت الصلاة بحضوره، تحولت للابعد، أي فله منع من قدم بوكالة ورسالة لانه إذا أنزل شخصا مكانه ثم غاب الغيبة المذكورة. سقط حقه، وتحولت الولاية للابعد. فيسقط حق الوكيل تبعا لاصله. نقله عنه في الفروع. وقال: كذا قال (فإن بادر أجنبي وصلى بغير إذن) الولي، أو صلى البعيد بغير إذن القريب، صح، لان مقصود الصلاة الدعاء للميت وقد حصل. وليس فيها كبير افتيات تشح به الانفس عادة، بخلاف ولاية النكاح. (فإن صلى الولي خلفه صار إذنا) لدلالته على رضاه بذلك. كما لو قدمه للصلاة (وإلا) أي وإن لم يصل الولي وراءه، (فله أن يعيد الصلاة، لانها حقه). ويسن لمن صار إذنا) لدلالته على رضاه بذلك. كما لو قدمه للصلاة (وإلا) أي وإن لم يصل الولي وراءه، (فله أن يعيد الصلاة، لانها حقه). ويسن لمن صلى أن يعيد تبعا له. ولو مات بأرض فلاة، فقال في الفصول: يقدم أقرب أهل القافلة إلى الخير، والاشفق، قال في الفروع: والمراد كالامامة. (وإذا سقط فرضها) بصلاة مكلف فأكثر (سقط التقديم الذي هو من أحكامها) لانه تابع لفرضها. فسقط بسقوطه. (وليس للوصي أن يقدم غيره) لنفويته على الموصي ما أمله في الوصي من الخير والديانة. فإن لم يصل الوصي انتقل الحق لمن يليه. (ولا تصح الوصية بتعيين مأموم. لعدم الفائدة) فيه. (ويستحب للامام أن يصفهم، وأن يسوي صفوفهم) لعموم ما سبق في المراصة وتسوية الصفوف. (و) يستحب (أن لا ينقصهم عن ثلاثة صفوف) لخبر مالك بن هبيرة مرفوعا: ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف إلا غفر له قال

[ 132 ]

الترمذي: حديث حسن. (والفذ هنا) أي في صلاة الجنازة (ك‍) - الفذ في (غيرها) فلا تصح صلاته، إلا امرأة خلف رجل على ما تقدم في باب الجماعة خلافا لابن عقيل والقاضي في التعليق. (ويسن أن يقوم إمام عند صدر رجل) روي عن ابن مسعود. قال في المقنع وغيره: عند رأسه. للخبر. وهو قريب من الاول. لقرب أحدهما من الآخر. فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر (ووسط امرأة) نص على ذلك أحمد في رواية صالح وأبي الحرث، وأبي طالب، وجعفر ومحمد بن القاسم، وابن منصور، وأبي الصقر، وحنبل وحرب، وسندي الخواتيمي لحديث أنس: صلى على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة، فقام حيال وسط السرير. فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله (ص) قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: احفظوا. قال الترمذي هذا حديث حسن. (وبين ذلك) أي بين الصدر والوسط (من خنثى) مشكل لاستواء الاحتمالين. (فإن اجتمع رجال موتى فقط) أي لا نساء معهم ولا خناثى، (أو) اجتمع (خناثى) موتى (فقط) لا رجال ولا نساء معهم، (سوى بين رؤوسهم) لان موقفهم واحد. وإن اجتمع أنواع سوى بين رؤوس كل نوع. (ومنفرد كإمام) فيقف عند صدر رجل ووسط امرأة، وبين ذلك من خنثى (ويقدم إلى الامام من كل نوع أفضلهم)، أي أفضل أفراد ذلك النوع. لانه يستحق التقدم في الامامة لفضيلته، فاستحق تقديم جنازته. ويؤيد ذلك أنه: كان (ص) يقدم في القبر من كان أكثر قرآنا. فيقدم إلى الامام الحر المكلف ثم العبد المكلف، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة. نقله الجماعة كالمكتوبة. (فإن تساووا) في الفضل (قدم أكبر) أي أسن، لعموم قوله (ص): كبر كبر. (فإن تساووا) في السن (فسابق) أي يقدم لسبقه (فإن تساووا) في ذلك (فقرعة) فيقدم من تخرج له القرعة كالامامة (ويقدم الافضل من الموتى أمام) أي قدام (المفضولين في المسير) لان حق الافضل أن يكون متبوعا لا تابعا. (ويجعل وسط المرأة حذاء صدر الرجل، و) يجعل (خنثى بينهما) إذا اجتمعوا ليقف الامام والمنفرد

[ 133 ]

من كل واحد من الموتى موقفه. (وجمع الموتى في الصلاة عليهم أفضل من الصلاة عليهم منفردين) أي على كل واحد وحده، محافظة على الاسراع والتخفيف. (والاولى) لمن يصلي على الميت (معرفة ذكوريته وأنوثيته واسمه، وتسميته) أي الميت (في دعائه) له، (ولا يعتبر ذلك) أي معرفة كونهم رجالا أو نساء لعدم اختلاف المقصود باختلاف ذلك. (ولا بأس بالاشارة حال الدعاء للميت) نص عليه. (ثم يحرم) بعد النية (كما سبق في) باب (صفة الصلاة) فيقول قائما مع القدرة: الله أكبر، لا يقوم غيرها مقامها. ومن لم ينبه على النية هنا اكتفى بما تقدم، لحديث: إنما الاعمال بالنيات. وصفة النية هنا: أن ينوي الصلاة على هذا الميت، أو هؤلاء الموتى إن كانوا جماعة، عرف عددهم أولا (ويضع يمينه على شماله) بعد حطهما أو فراغ التكبير، ويجعلهما تحت سرته، كما سبق. (ويتعوذ) ويبسمل (قبل الفاتحة) لما سبق في صفة الصلاة، (ولا يستفتح) لانها مبنية على التخفيف. ولذلك لم يشرع فيها قراءة سورة بعد الفاتحة. (ويكبر) أربع (تكبيرات) لما في الصحيح من حديث أنس وغيره: أن النبي (ص) كبر على الجنازة أربعا. وفي صحيح مسلم: أن النبي (ص) نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى، وكبر أربع تكبيرات، وفيه عن ابن عباس: أنه (ص) صلى على قبر بعد ما دفن، وكبر أربعا. وقد قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي. (ويقرأ في) التكبيرة (الاولى: الفاتحة، فقط) أي من غير سورة، لما تقدم: أن مبني هذه الصلاة على التخفيف (سرا ولو ليلا)، لما روى الزهري عن أبي أمامة بن سهل قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الاولى: بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا والسلام، وعن الزهري عن محمد بن سويد الدمشقي عن الضحاك بن قيس نحوه، رواهما النسائي. ولا تقاس على المكتوبة. لانها مؤقتة والجنازة غير مؤقتة، فأشبهت تحية المسجد ونحوها. (ويصلي) سرا (على النبي (ص) في) التكبيرة (الثانية) لما روى الشافعي والاثرم بإسنادهما عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي (ص): أن السنة

[ 134 ]

في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي (ص) ويخلص الدعاء للميت، ثم يسلم. وتكون الصلاة عليه (كما في التشهد) لانه (ص) لما سألوه: كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك. وقال في الكافي: لا تتعين صلاة، لان القصد مطلق الصلاة. ومعناه في الشرح: (ولا يزيد عليه) أي على ما في التشهد، خلافا للقاضي. فإنه استحب بعدها: اللهم صل على ملائكتك المقربين، وأنبيائك المرسلين، وأهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات وأهل الارضين، إنك على كل شئ قدير. (ويدعو) للميت (في) التكبيرة (الثالثة سرا بأحسن ما يحضره) لقوله (ص): إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود وابن ماجه، وفيه ابن إسحاق. (ولا توقيت) أي تحديد (فيه)، أي في الدعاء للميت، نص عليه. لما سبق (ويسن) الدعاء (بالمأثور) أي الوارد في الدعاء للميت، (فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا) حاضرنا (وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا. وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شئ قدير. اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام ومن توفيته منا فتوفه على الايمان) هكذا في الفروع وهو لفظ حديث أبي هريرة. وقال في المقنع وتبعه في المنتهى وغيره: فأحيه على الاسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما قال في المبدع وشرح المنتهى: رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة. زاد ابن ماجه: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده وفيه ابن إسحاق، قال الحاكم: حديث أبي هريرة صحيح على شرط

[ 135 ]

الشيخين لكن زاد فيه المؤلف، أي الموفق: وأنت على كل شئ قدير ولفظه السنة: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله) بضم الزاي، وقد تسكن، (وأوسع مدخله) بفتح الميم: موضع الدخول، وبضمها من الادخال. (واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس. وأبدله دارا خيرا من داره وزوجا خيرا من زوجه. وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) رواه مسلم من حديث عوف بن مالك: أنه سمع النبي (ص) يقول ذلك على جنازة حتى تمنى أن يكون ذلك الميت. وفيه رواية: أهلا خيرا من أهله وزاد الموفق لفظ: من الذنوب، وتبعه المصنف وغيره. (وافسح له في قبره ونور له فيه). لانه لائق بالمحل. (اللهم إنه عبدك ابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به) استحبه المجد، تبعا للخرقي وابن عقيل وغيرهما، زاد الخرقي وابن عقيل وجماعة: (ولا أعلم إلا خيرا) لما روي عن النبي (ص) أنه قال: ما من مسلم يموت يشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الادنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت شهادة عبادي. فيما علموا، وغفرت له ما أعلم، رواه أحمد. (اللهم إن كان محسنا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. اللهم لا تحرمنا أجره. ولا تفتنا بعده). ذكره في المبدع عن جماعة، وزاد بعد: فتجاوز عنه. اللهم إنا جئنا شفعاء له فشفعنا فيه. وبعد ولا تفتنا بعده: واغفر لنا وله إنك غفور رحيم. (وإن كان) الميت (صغيرا ولو أنثى، أو بلغ مجنونا واستمر) على جنونه حتى مات، (جعل مكان الاستغفار له) بعد فتوفه على الايمان. (اللهم اجعله ذخرا لوالديه وفرطا وأجرا وشفيعا مجابا. اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما. وألحقه

[ 136 ]

بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم. وقه برحمتك عذاب الجحيم)، لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعا: السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة. وفي لفظ: بالعافية والرحمة، رواهما أحمد. وإنما لم يسن الاستغفار له، لانه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم، فالعدول إلى الدعاء لوالديه أولى من الدعاء له. وما ذكر من الدعاء لائق بالمحل مناسب لما هو فيه. فشرع فيه كالاستغفار للبالغ وقوله: فرطا أي سابقا مهيئا لمصالح أبويه في الآخرة. وقوله: في كفالة إبراهيم يشير به إلى ما أخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم في تفسيره عن خالد بن معدان قال: إن في الجنة لشجرة يقال لها طوبى. كلها ضروع، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى. وحاضنهم إبراهيم خليل الرحمن. (وإن لم يعرف إسلام والديه دعا لمواليه) فيقول: دخرا لمواليه - إلى آخره. (ويقول في دعائه لامرأة: اللهم إن هذه أمتك ابنة أمتك نزلت بك، وأنت خير منزول به) بدل ما تقدم من قوله في دعائه للرجل: اللهم إنه عبدك - إلى قوله: وأنت خير منزول به. (ولا يقول: أبدلها زوجا خيرا من زوجها في ظاهر كلامهم)، قاله في الفروع. (ويقول في) دعائه إذا كان الميت (خنثى) اللهم اغفر ل‍ (- هذا الميت ونحوه)، كهذه الجنازة، لانه يصلح لهما. (وإن كان يعلم من الميت غير الخير، فلا يقول: ولا أعلم إلا خيرا) لانه كذب. (ويقف بعد) التكبيرة (الرابعة قليلا) لما روى الجوزجاني عن زيد بن أرقم أن النبي (ص): كان يكبر أربعا ثم يقف ما شاء الله، فكنت أحسب هذه الوقفة لتكبير آخر الصفوف. (ولا يدعو) أي لا يشرع بعدها دعاء. نص عليه. واختاره الخرقي وابن عقيل وغيرهما. ونقل جماعة يدعو فيها كالثالثة. اختاره أبو بكر والآجري والمجد في شرحه. لان ابن أبي أوفى فعله وأخبر: أن النبي (ص) فعله: قال أحمد: هو من أصلح ما روي. وقال: لا أعلم شيئا يخالفه. فيقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واختاره جمع. وحكاه ابن الزاغوني عن الاكثر. وصح أن أنسا كان لا يدعو بدعاء إلا ختمه بهذا. واختار أبو بكر: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. لانه لائق بالمحل. (ولا يتشهد ولا يسبح بعدها) أي الرابعة (ولا قبلها)، نص عليه. (ولا بأس بتأمينه) على الدعاء بعد

[ 137 ]

الرابعة، (ويسلم) تسليمة (واحدة عن يمينه) نص عليه. وقال: عن ستة من أصحاب النبي (ص). ولقوله: وتحليلها التسليم. وروى عطاء بن السائب: أن النبي (ص) سلم على الجنازة تسليمة رواه الجوزجاني. (يجهر بها) أي التسليمة (الامام) كالمكتوبة، (ويجوز) أن يسلم (تلقاء وجهه)، نص عليه. أي من غير التفات. (ويجوز) تسليمة (ثانية عن يساره) لما ذكر الحاكم عن ابن أبي أوفى تسليمتين. واستحبه القاضي. قال في المبدع: ويتابع الامام في الثانية كالقنوت. (ويرفع يديه مع كل تكبيرة)، رواه الشافعي عن ابن عمر، وسعيد عن ابن عباس، والاثرم عن عمر. وزيد بن ثابت. ولانه لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود، فسن فيها الرفع كتكبيرة الاحرام. وصفة الرفع وانتهاؤه كما سبق. (ويسن وقوفه) أي المصلي (مكانه حتى ترفع) الجنازة. روي عن ابن عمر ومجاهد. قال الاوزاعي: لا تنفض الصفوف، حتى ترفع الجنازة. (والواجب من ذلك) المذكور في صفة الصلاة على الجنازة ستة أشياء. أحدها: (القيام إن كانت الصلاة فرضا)، كسائر الصلوات المفروضة. لعموم قوله (ص): صل قائما. (ولا تصح) صلاة الجنازة فرضا (من قاعد ولا راكب) لفوات ركنها. وهو القيام. وعلم منه: أن نفلها يصح من القاعد: كنفل سائر الصلوات. ومن الراكب المسافر (و) الثاني: (التكبيرات الاربع) لما روى ابن عباس وأبو هريرة وجابر: أنه (ص) كبر أربعا متفق عليه. وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. (فإن ترك منها) أي الاربع غير مسبوق تكبيرة (عمدا) بطلت صلاته، لتركه واجبا. (و) إن ترك تكبيرة منها فأكثر (سهوا يكبر) ما تركه، (ما لم يطل الفصل). كمن سلم عن نقص ركعة من صلاته (فإن طال) الفصل (أوجد مناف من كلام ونحوه استأنف) الصلاة، أي ابتدأها، لما روي عن قتادة: أن أنسا صلى على جنازة فكبر عليها ثلاثا، وتكلم، فقيل له: إنما كبرت ثلاثا. فرجع فكبر أربعا. رواه حرب في مسائله، والخلال في جامعه. وعوده إلى ذلك لما أنكروه عليه: دليل إجماعهم على أنه لا بد من أربع تكبيرات. وعن حميد الطويل قال: صلى بنا أنس فكبر ثلاثا ثم سلم. فقيل له: إنما كبرت ثلاثا.

[ 138 ]

فاستقبل القبلة. وكبر الرابعة رواه البخاري، فتحمل رواية حميد على عدم وجود المنافي، وفي رواية حرب والخلال على وجود المنافي. فإن فيها: وتكلم. والثالث: قراءة (الفاتحة على إمام منفرد) لما تقدم، من حديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ويتحملها الامام عن المأموم. (و) الرابع: (الصلاة على النبي (ص)) لقوله: لا صلاة لمن لم يصل على نبيه، ذكره في المبدع. (و) الخامس: (دعوة للميت) لانه هو المقصود. فلا يجوز الاخلال به. (ولا يتعين الدعاء للميت في) التكبيرة (الثالثة. بل يجوز في) التكبيرة (الرابعة)، نقله الزركشي عن الاصحاب. لان ما تقدم من الاحاديث لا تعيين فيه، (ويتعين غيره) أي الدعاء (في محاله). فتتعين القراءة في الاولى. والصلاة على النبي (ص) في الثانية. صرح به في المستوعب والكافي والتلخيص والبلغة. قال في المبدع: وقدم في الفروع خلافه. ووجه الاول: ما روي للشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي (ص) أن من السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الامام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى، يقرأ في نفسه، ثم يصلي على النبي، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات. لا يقرأ في شئ منهن، ثم يسلم سرا في نفسه. (و) السادس: (تسليمة) لانه (ص): كان يسلم على الجنائز، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. (ولو لم يقل) في السلام من الصلاة على الجنازة، (ورحمة الله أجزأ وتقدم في) باب (صفة الصلاة) لما روى الخلال بإسناده عن علي بن أبي طالب: أنه صلى على يزيد بن الملقف، فسلم واحدة عن يمينه: السلام عليكم. (و) يشترط لها (جميع ما يشترط لمكتوبة) كالاسلام والعقل والتمييز، والطهارة، وستر العورة مع أحد العاتقين. واجتناب النجاسة واستقبال القبلة، والنية، (مع حضور الميت بين يديه) أي يدي المصلي (قبل الدفن) احترازا عما بعد الدفن. ويأتي الكلام عليه (إلا الوقت) استثناء من قوله: جميع ما يشترط لمكتوبة. أي فالوقت مشروط للمكتوبة دون الجنازة. (فلا تصح) الصلاة (على جنازة محمولة) على الاعناق أو على دابة،

[ 139 ]

أو أيدي الرجال (لانها) أي الجنازة (كإمام) ولهذا لا صلاة بدون الميت. قال المجد وغيره: قربها من الامام مقصود. كقرب المأموم من الامام. لانه يسن الدنو منها. وفي كتاب الخلاف للقاضي: صلاة الصف الاخير جائزة. ولو حصل بين الجنازة وبينه مسافة بعيدة ولو وقف في موضع الصف الاخير بلا حاجة. لم يجز (ولا) تصح الصلاة على الجنازة (من وراء حائل قبل الدفن كحائط ونحوه) كنعش مغطى بخشب. كما قدمه في الفروع وغيره. (ويشترط) أيضا مع ما تقدم (إسلام ميت) لان الصلاة عليه شفاعة. والكافر ليس من أهلها، ولا يستجاب فيه دعاء. قال تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) *. (و) يشترط أيضا (تطهيره) أي الميت (بماء) إن أمكن، (أو تراب لعذر) كفقد الماء ونحوه مما تقدم. وكذا يشترط تكفينه. فلا تصح الصلاة عليه قبل غسله وتكفينه. (ولا يجب أن يسامت الامام الميت. فإن لم يسامته كره. قاله في الرعاية. ولا يشترط معرفة عين الميت) لعدم توقف المقصود على ذلك. (فينوي) الصلاة (على الحاضر) أو على هذه الجنازة ونحو ذلك. (وإن نوى) الصلاة على (أحد الموتى اعتبر تعيينه) لتزول الجهالة. (فإن) نوى الصلاة على معين من موتى يريد به زيدا ف‍ (- بان غيره. فجزم أبو المعالي: أنها لا تصح. وقال) أبو المعالي: (إن نوى) الصلاة (على هذا الرجل فبان امرأة أو عكس‍) - ه، إن نوى على هذه المرأة، فبانت رجلا (فالقياس الاجزاء). لقوة التعيين على الصفة في باب الايمان وغيرها. قال في الفروع: وهو معنى كلام غيره. (ولا تجوز الزيادة) في صلاة الجنازة (على سبع تكبيرات). قال في الشرح: لا يختلف المذهب فيه. قال أحمد: هو أكثر ما جاء فيه. لانه روي عن النبي (ص): أنه كبر على حمزة سبعا رواه ابن شاهين وكبر على أبي قتادة سبعا. وعلى سهل بن حنيف ستا. وقال: أنه يروى أن عمر جمع الناس فاستشارهم فقال بعضهم: كبر النبي (ص) سبعا. وقال بعضهم: أربعا. فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات. وقال: هو أطول الصلاة، يعني أن كل تكبيرة من الجنازة مقام ركعة من الصلاة ذات الركوع. وأطول المكتوبات أربع ركعات.

[ 140 ]

(ولا) يجوز (النقص عن أربع) تكبيرات لما تقدم (والاولى أن لا يزيد على الاربع) من التكبيرات. لجمع عمر الناس عليه. لان المداومة على الاربع تدل على الفضيلة، وغيرها يدل على الجواز. (فإن زاد إمام) على أربعة (تابعه مأموم) لعموم قوله (ص): إنما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه (إلى سبع) لما تقدم عن أحمد أنه أكثر ما جاء فيه. (ما لم تظن بدعته) أي الامام (أو رفضه. فلا يتابع) على ما زاد على أربع، لما في متابعة من إظهار شعارهم. (ولا يدعو بعد التكبيرة الرابعة في المتابعة نصا) أي كما لا يدعو لو كان يسلم عقبها (ولا يتابع) الامام (فيما زاد على السبع) تكبيرات. لعدم وروده كما تقدم. (ولا تبطل) صلاة الجنازة. (بمجاوزتها) أي السبع تكبيرات (ولو عمدا) لانها زيادة قول مشروع في أصله داخل الصلاة. أشبه تكرار الفاتحة والتشهد، وسائر الاذكار. أو نقول: تكرار تكبيره أشبه تكبير الصلوات. وعكسه زيادة الركعة. لانها زيادة أفعال، ولهذا لو زاد ركوعا أو سجودا أبطل الصلاة، وإن كان لا يقضي منفردا، لكونه فعلا. (وينبغي أن يسبح بعدها) أي السابعة (به) أي بالامام لاحتمال سهوه، و (لا) ينبغي أن يسبح به (فيما) زاد على الاربع (دونها) أي دون السابعة، أي في الخامسة والسادسة والسابعة. للاختلاف فيها. (ولا يسلم) المأموم (قبله) أي قبل إمامه، ولو جاوز السبع تكبيرات، نص عليه، فيحرم، لانه ترك المتابعة من غير عذر، لما تقدم من أنها لا تبطل بمجاوزة السبع. (ومنفرد كإمام في الزيادة) على السبع وفي النقص عن أربع. فلا يجوز له ذلك لكن لا تبطل صلاته بمجاوزة السبع. لما سبق (وإن كبر) إمام أو منفرد (على جنازة) تكبيرة واحدة (ثم جئ ب‍) - جنازة (أخرى كبر) تكبيرة (ثانية ونواهما) أي الجنازتين (فإن جئ ب‍) - جنازة (ثالثة كبر) التكبيرة (الثالثة، ونوى الجنائز الثلاث. فإن جئ ب‍) - جنازة (رابعة كبر) التكبيرة (الرابعة ونوى) الجنائز (الكل. فيصير مكبرا على الاولى أربعا، وعلى الثانية ثلاثا، وعلى الثالثة اثنتين، وعلى الرابعة واحدة. فيأتي بثلاث تكبيرات أخر) تتمة السبع، (فيتم) تكبيره (سبعا، يقرأ) الفاتحة (

[ 141 ]

في) التكبيرة (الخامسة، ويصلي) على النبي (ص) (في) التكبيرة (السادسة، ويدعو) للموتى (في) التكبيرة (السابعة)، ثم يسلم (فيصير مكبرا على) الجنازة (الاولى سبعا، وعلى الثانية ستا، وعلى الثالثة خمسا، وعلى الرابعة أربعا، فإن جئ) بعد التكبيرة الرابعة (ب‍) - جنازة (الخامسة لم ينوها بالتكبير، بل يصلي عليها بعد سلامه) لئلا يؤدي إلى تنقيصها عن أربع، أو زيادة ما قبلها على سبع، وكلاهما محظور. (وكذا لو جئ ب‍) - جنازة (ثانية عقب التكبيرة الرابعة) لم يجز إدخالها في الصلاة (لانه لم يبق من السبع) تكبيرات (أربع) بل ثلاث، فيؤدي إلى ما سبق. (فإن أراد أهل الجنازة الاولى رفعها) بعد الاربع تكبيرات و (قبل سلام الامام لم يجز) لان السلام ركن لا تتم الصلاة إلا به. (وفي الكافي) فيما إذا جئ بأخرى فأكثر، فكبر ونوى لهما أو لهم، وقد بقي من تكبيره أربع. (يقرأ في الرابعة الفاتحة ويصلي) على النبي (ص) (في الخامسة، ويدعو لهم في السادسة) لتكمل الاركان لجميع الجنائز وما قدمه المصنف قطع به في الشرح والتنقيح، وتبعه في المنتهى. (ومن سبق ببعض الصلاة كبر ودخل مع الامام) حيث أدركه. (ولو بين تكبيرتين ندبا) كالصلاة (أو) كان إدراكه له (بعد تكبيرة الرابعة قبل السلام) فيكبر للاحرام معه، (ويقضي ثلاث تكبيرات) استحبابا (ويقضي مسبوق ما فاته) قبل دخوله مع الامام (على صفته) لان القضاء يحكي الاداء كسائر الصلوات ويكون قضاؤه (بعد سلام الامام) كالمسبوق في الصلاة. قلت: لكن إن حصل له عذر يبيح ترك جمعة وجماعة صح أن ينفرد ويتم لنفسه، قبل سلامه. (فإن أدركه) المسبوق (في الدعاء تابعه فيه) أي الدعاء. (فإذا سلم الامام كبر وقرأ الفاتحة) بعد التعوذ والبسملة، (ثم كبر وصلى على النبي (ص). ثم كبر وسلم) لما تقدم أن

[ 142 ]

المقضي أول صلاته. فيأتي فيه بحسب ذلك. لعموم قوله (ص): وما فاتكم فاقضوا، وقوله: ثم كبر وسلم هكذا في الشرح وغيره. وإنما يظهر إذا كان الدعاء بعد الرابعة أو بعد الثالثة، لكنه لم يأت بها لنوم أو سهو ونحوه. والالزام عليه الزيادة على أربع، وتركها أفضل. فإن كان أدركه في الدعاء وكبر الاخيرة معه فإذا سلم الامام كبر وقرأ الفاتحة ثم كبر وصلى عليه (ص) ثم سلم من غير تكبير. لان الاربع تمت. تتمة: متى أدرك الامام في التكبيرة الاولى، فكبر وشرع في القراءة، ثم كبر الامام قبل أن يتمها تابعه. وقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا أدرك الامام قبل إتمامه القراءة. (فإن خشي) المسبوق (رفعها) أي الجنازة، (تابع) أي والى (بين التكبير من غير ذكر) أي قراءة وصلاة على النبي (ص). (ولا دعاء، رفعت) الجنازة (أم لا) قدمه في الفروع. وحكاه نصا (فإن سلم) المسبوق (ولم يقض) ما فاته (صح) ذلك، أي صحت صلاته، لحديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله إني أصلي على الجنازة، ويخفى علي بعض التكبير. قال: ما سمعت فكبري وما فاتك فلا قضاء عليك. وهذا صريح في عدم وجوب القضاء، لكن يستحب، ولانها تكبيرات متواليات حال القيام. فلم يجب قضاء ما فات منها. كتكبيرات العيد (ومتى رفعت) الجنازة (بعد الصلاة) عليها (لم توضع لاحد) يريد أن يصلي عليها، تحقيقا للمبادرة إلى مواراة الميت. وعبارة المنتهى: ولا توضع لصلاة بعد حملها (فظاهره: يكره) ويبادر بدفنها. وقال القاضي: إلا أن يرجى مجئ الاولى فتؤخر، إلا أن يخاف تغيره، (ومن لم يصل) على الجنازة لعذر أو غيره (استحب له إذا وضعت) الجنازة (أن يصلي عليها قبل الدفن أو بعده. ولو جماعة على القبر)، لحديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد - أو شابا - ففقدها النبي (ص) أو فقده فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: ماتت أو مات، فقال: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال: دلوني على قبرها أو على قبره، فدلوه فصلى عليها أو عليه. وعن ابن عباس قال: انتهى النبي (ص) إلى قبر رطب

[ 143 ]

فصلى عليه، وصفوا خلفه وكبر أربعا متفق عليهما. قال أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر؟ يروى عن النبي (ص) من ستة وجوه كلها حسان. (وكذا غريق ونحوه) كأسير، فيصلى عليه إلى شهر، ويسقط شرط الحضور للحاجة والغسل، لتعذره. أشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم. (إلى شهر من دفنه) لما روى الترمذي عن سعيد بن المسيب: أن أم سعد ماتت والنبي (ص) غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر. وأسناده ثقات. قال أحمد: أكثر ما سمعت هذا، ولانه لا يعلم بقاؤه أكثر منه. فتقيد به (و) إلى (زيادة يسيرة) على الشهر. قال القاضي: كاليومين، وإنما لم تجز على قبره (ص) لئلا يتخذ مسجدا. (ويحرم) أن يصلي على قبر (بعدها) أي بعد الزيادة اليسيرة، نص عليه. وحديث الدارقطني عن عباس مرفوعا: أنه صلى على قبر بعد شهر، أجاب أبو بكر: يريد شهرا. كقوله تعالى: * (ولتعلمن نبأه بعد حين) * أراد الحين، ويمكن حمله على الزيادة اليسيرة. قال في المبدع: فأما إذا لم يدفن فإنه يصلى عليه، وإن مضى أكثر من شهر، وقيده ابن شهاب. وقدمه في الرعاية بشهر. (وإن شك في انقضاء المدة) التي يصلى فيها على القبر ونحوه، (صلى عليه، حتى يعلم فراغها) لان الاصل بقاؤها. (ويصلي إمام) أعظم، (وغيره على غائب عن البلد، ولو كان دون مسافة قصر، أو) كان (في غير جهة القبلة) أي قبلة المصلي (بالنية إلى شهر) كالصلاة على القبر، لكن يكون الشهر هنا من موته، كما في شرح المنتهى، لانه (ص): صلى على النجاشي فصف - أي الناس - وكبر عليه أربعا متفق عليه. لا يقال: لم يكن بأرض الحبشة من يصلي عليه، لانه ليس من مذهب المخالف، فإنه يمنع الصلاة على الغريق والاسير، وإن لم يكن صلى عليه مع أنه يبعد ذلك، فإن النجاشي ملك الحبشة أظهر الاسلام، فيبعد أنه لم يوافقه أحد يصلي عليه، والقول بأن الارض زويت له (ص) وكشف له عن النجاشي، حتى رآه حين صلاته، لو كان له أصل لذكره لاصحابه. ولنقل لما فيه من المعجزة العظيمة. كما نقل أخباره لهم بموته يوم مات، وأيضا لو تم ذلك في حقه لما تم في حق أصحابه. و (لا) يصلى على من (في أحد

[ 144 ]

جانبي البلد ولو كان) البلد (كبيرا، ولو لمشقة مطر أو مرض) لانه يمكن حضوره. أشبه ما لو كانا في جانب واحد، ويعتبر انفصاله عن البلد بما بعد الذهاب إليه نوع سفر، وقال القاضي: يكفي خمسون خطوة قال الشيخ تقي الدين: وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة، لانه أذن من أهل الصلاة في البلد. فلا يعد غائبا عنها. وتقدم أنه لا يصلى على قبر وغائب وقت نهي. (ولا يصلي على كل غائب) لانه لم ينقل، قاله الشيخ تقي الدين. (ومن صلى) على ميت (كره له إعادة الصلاة) عليه قال في الفصول: لا يصليها مرتين كالعيد (إلا على من صلى عليه بالنية) كالغائب (إذا حضر) جزم به ابن تميم وابن حمدان. واقتصر عليه في الفروع (أو وجد بعض ميت صلى على جملته فتسن) إعادة الصلاة (فيهما) مرة ثانية، (ويأتي) ذلك (أو صلى عليه) أي الميت (بلا إذن من هو أولى منه) بالصلاة (مع حضوره)، أي الاولى وعدم إذنه، ولم يصل معه (فتعاد) الصلاة عليه (تبعا) للولي لانها حقه، ذكره أبو المعالي. وظاهره: لا يعيد غير الولي، قاله في الفروع. فصل: (ويحرم أن يغسل مسلم كافرا ولو قريبا، أو يكفنه، أو يصلي عليه، أو يتبع جنازته، أو يدفنه)، لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) * وغسلهم ونحوه: تول لهم، ولانه تعظيم لهم، وتطهير. فأشبه الصلاة عليه. وفارق غسله في حياته، فإنه لا يقصد به ذلك، (إلا أن لا يجد من يواريه غيره فيوارى عند العدم) لانه (ص) لما أخبر بموت أبي طالب قال لعلي: اذهب فواره رواه أبو داود والنسائي، وكذلك قتلى بدر ألقوا في القليب، أو لانه يتضرر بتركه ويتغير ببقائه، (فإن أراد المسلم أن يتبع قريبا له كافرا إلى المقبرة، ركب) المسلم (دابته وسار أمامه) أي قدام جنازته، (فلا يكون معه) ولا متبعا له، (ولا يصلي على مأكول في بطن سبع). قال في الفصول: فأما إن حصل في بطن سبع لم يصل عليه، مع مشاهدة السبع، (و) لا يصلي على (مستحيل بإحراق) لاستحالته، (

[ 145 ]

ونحوهما) أي نحو أكيل السبع والمستحيل بإحراق كأكيل تمساح. ومستحيل بصيانة أو نحوها. (ولا يسن للامام الاعظم، و) لا ل‍ (إمام كل قرية - وهو واليها في القضاء - الصلاة على غال، وهو من كتم غنيمة أو بعضها) لانه (ص) امتنع من الصلاة على رجل من المسلمين. فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه القوم. فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا فيه حرزا من حرز اليهود، ما يساوي درهمين رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد. (و) لا على (قاتل نفسه عمدا) لما روى مسلم عن جابر بن سمرة: أن رجلا قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه وفي رواية للنسائي قال النبي (ص): أما أنا فلا أصلي عليه والمشاقص جمع مشقص. قال في القاموس: والمشقص كمنبر: نصل عريض أو سهم فيه ذلك. والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش اه‍. فامتنع النبي (ص) من الصلاة على الغال، وقاتل نفسه. وهو الامام وأمر غيره بالصلاة عليهما. وألحق به من ساواه في ذلك، لان ما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه به دليل. وأما تركه (ص) للصلاة على مدين لم يخلف وفاء، فكان في ابتداء الاسلام، ثم نسخ، كما يأتي في الخصائص. (ولو صلى) الامام الاعظم أو قاضيه (عليهما)، أي على الغال وقاتل نفسه عمدا. (فلا بأس كبقية الناس) لان امتناعه من ذلك ردع وزجر، لا لتحريمه. (وإن ترك أئمة الدين الذين يقتدى بهم الصلاة على قاتل نفسه، زجرا لغيره فهذا أحق)، لان له شبها بما سبق وبإقامة الحدود، (ويصلى على كل عاص، كسارق وشارب خمر، ومقتول قصاصا، أو حدا أو غيرهم). قال الامام: ما نعلم أنه (ص) ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه. (و) يصلي الامام وغيره (على مدين لم يخلف وفاء) لما تقدم. ويأتي نسخ امتناعه (ص) منه، (ولا يغسل) كل صاحب بدعة مكفرة، (ولا يصلى على كل صاحب بدعة مكفرة نصا. ولا يورث ويكون ماله فيئا) كسائر المرتدين. (قال) الامام (أحمد: الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم. وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا

[ 146 ]

فلا تصلوا عليهم)، وذلك لان النبي (ص) ترك الصلاة بأدق من هذا، فأولى أن تترك الصلاة به. ولحديث ابن عمر أن النبي (ص) قال: إن لكل أمة مجوسا، وإن مجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، فإن مرضوا فلا تعودوهم. وإن ماتوا فلا تشهدوهم رواه أحمد، ويأتي قول المصنف وغيره في الشهادات. ويكفر مجتهدهم الداعية، وغيره فاسق. (وإن وجد بعض ميت تحقيقا) أي يقينا أنه من ميت، (غير شعر وظفر وسن، غسل وكفن، وصلي عليه، ودفن وجوبا) لان أبا أيوب صلى على رجل. قاله أحمد. وصلى عمر على عظام بالشام. وصلى أبو عبيدة على رؤوس بعد تغسيلها وتكفينها، رواها عبد الله بن أحمد. وقال الشافعي: ألقى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم. وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلى عليها أهل مكة، واستثنى الشعر والظفر والسن لانه لا حياة فيها. (ينوي) بالصلاة (ذلك البعض فقط) أي دون الجملة. لانها غير حاضرة بين يديه. ومحل وجوب الصلاة على ذلك البعض (إن لم يكن صلى على جملته. وإلا) بأن كان صلى على جملته، (سنت الصلاة) على ذلك البعض (ولم تجب) لتقدم الصلاة على جملته، وجعل الاكثر كالكل (ثم إن وجد الباقي) من الميت غسل وكفن وجوبا. و (صلى عليه ودفن بجنبه) أي جنب قبره أو في جانب القبر. (ولم ينبش) ما تقدم دفنه، ليضاف إليه الباقي احتراما له، (ولا يصلى على ما بان) أي انفصل (من حي، كيد سارق ونحوه) كقاطع طريق وجان، ومقطوع ظلما ما دام حيا (ولا يجوز أن يدفن المسلم في مقبرة الكفار، ولا بالعكس) بأن يدفن الكافر في مقبرة المسلمين، لما يأتي في أحكام الذمة من وجوب تمييزهم عنا. (ولو جعلت مقبرة الكفار المندرسة مقبرة للمسلمين) بعد نقل عظامها إن كانت (جاز) كجعلها مسجدا. ولعدم احترامهم (فإن بقي عظم) حربي (دفن بموضع آخر وغيرها)، أي غير مقبرة الكفار الدفن فيه (أولى إن أمكن) تباعدا عن مواضع العذاب. و (لا) يجوز (العكس) بأن تجعل مقبرة المسلمين الدارسة مقبرة للكفار، ولا نقل عظام المسلمين لتدفن بموضع آخر، لاحترامها. (وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه) بأن اختلط أموات

[ 147 ]

من المسلمين والكفار، (واشتبه) من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه (كمسلم وكافر) اشتبها، ولو من غير اختلاط. (صلى على الجميع ينوي) الصلاة على (من يصلي عليه)، منهم لان الصلاة على المسلمين واجبة، ولا طريق إليها هنا إلا بالصلاة على الجميع. وصفة الصلاة عليهم: أن يصفهم بين يديه ويصلي عليهم دفعة واحدة، ينوي بالصلاة المسلمين منهم، لان الصلاة على الكافر لا تجوز، فلم يكن بد من ذلك، (بعد غسلهم وتكفينهم) لان الصلاة على الميت لا تصح إلا بعد غسله وتكفينه مع القدرة على ذلك. فوجب أن يغسلوا ويكفنوا كلهم، سواء كان ذلك في دار الاسلام أو غيرها، كثر المسلمون منهم أو قلوا. (ودفنوا منفردين) عن المسلمين والكفار كل واحد بمكان وحده (إن أمكن) ذلك لئلا يدفن مسلم مع كافر. (وإلا) أي وإن لم يمكن إفرادهم (ف‍) - إنهم يدفنون (مع المسلمين) احتراما لمن فيهم من المسلمين. (وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر؟ ولم يتميز بعلامة من ختان وثياب وغير ذلك. فإن كان في دار إسلام غسل وصلي عليه. وإن كان في دار كفر لم يغسل ولم يصل عليه) لان الاصل أن من كان في دار فهو من أهلها، يثبت له حكمهم، ما لم يقم على خلافه دليل، ولو مات من نعهده ذميا فشهد عدل أنه مات مسلما، لم يحكم بشهادته في توريث قريبه المسلم، وحكم بها في الصلاة عليه، بناء على ثبوت هلال رمضان بواحد. (وتباح الصلاة عليه) أي الميت (في مسجد، إن أمن تلويثه). قال الآجري: السنة أن يصلى عليه فيه، لقول عائشة: صلى النبي (ص) على سهل بن بيضاء في المسجد رواه مسلم. وصلي على أبي بكر وعمر فيه، رواه سعيد، ولانها صلاة فلم تكره فيه كسائر الصلوات، (وإلا) أي وإن لم يؤمن من تلويث المسجد (حرم) أن يصلى على الميت فيه، خشية تنجيسه. (وإن لم يحضره) أي الميت (غير نساء صلين عليه وجوبا) لان عائشة: أمرت أن تؤتى بأم سعد وكسائر الصلوات، ولضرورة الخروج عن عهدة الفرض، ويسقط بهن فرضها. والمراد بواحدة. وتسن لهن (جماعة)، نص عليه. (ويقدم منهن) للامامة (من يقدم من الرجال) فإن كان الميت أوصى لاحداهن قدمت على سائرهن، وإلا فأمه ثم جدته، ثم امرأة من عصباته القربى فالقربى، ثم من أرحامه، وإن كان فيهن قاضية أو والية قدمت لان ولايتها وإن لم

[ 148 ]

تصح، إلا أنه يسوغ فيها الاجتهاد، فهي مزية، ذكره ابن قندس عن الفصول. (وتقف) إمامتهن (في صفهن كمكتوبة) استحبابا، (وأما إذا صلى الرجال) على الجنازة قبل النساء (فإنهن يصلين فرادى) في وجه، قاله في المبدع ومقتضاه أن المقدم خلافه. (وله) أي المصلي (بصلاة الجنازة قيراط) من أجر، (وهو أمر معلوم عند الله) تعالى، وذكر ابن عقيل: أنه قيراط نسبته من أجر صاحب المصيبة. (وله بتمام دفنها قيراط آخر، بشرط أن يكون معها من الصلاة حتى تدفن) لقوله (ص): من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين. ولمسلم: أصغرهما مثل أحد. وفي حديث آخر: فكان معها حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها. وسئل أحمد عمن يذهب إلى مصلى الجنائز، فيجلس فيه متصديا للصلاة على من يحضر من الجنائز. فقال: لا بأس. قال في الفروع: وكأنه يرى إذا تبعها من أهلها فهو أفضل. قال في حديث يحيى بن صعدة: وتبعها من أهلها، يعني من صلى على جنازة فتبعها من أهلها فله قيراط. فصل: (حمله ودفنه من فروض الكفاية وتقدم، وكذا مؤنتهما) أي مؤنة الحمل والدفن. فهي فرض كفاية، إن لم يخلف شيئا ولم يكن له وارث. ولم يمكن الاخذ من بيت المال، والمراد على من علم به من المسلمين. كباقي مؤن التجهيز. (ولا يختص أن يكون الفاعل) لحمل الميت ودفنه، (من أهل القربة) أي مسلما (فلهذا يسقط) الحمل (بكافر) كالتكفين والدفن، لعدم اعتبار النية لهما، بخلاف الغسل والصلاة. (ويكره أخذ الاجرة على ذلك) أي الحمل والدفن، لانه يذهب

[ 149 ]

بالاجر. (و) كذا يكره أخذ الاجرة (على الغسل) والتكفين، وتقدم (فيوضع الميت على النعش) بعد أن يغسل ويكفن (مستلقيا) على ظهره، لانه أمكن. (ويستحب إن كان) الميت (امرأة أن يستر) النعش (بمكبة فوق السرير، تعمل من خشب أو جريد، أو قصب، مثل القبة فوقها ثوب) قال بعضهم: أول من اتخذ له ذلك، زينب بنت جحش أم المؤمنين، وقال ابن عبد البر: فاطمة بنت رسول الله (ص) أول من غطي نعشها في الاسلام، ثم زينب بنت جحش (ويسن أن يحمله أربع لانه يسن التربيع في حمله) لما روى سعيد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع، وإن شاء فليدع. أسناده ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. (وكرهه) أي التربيع في حمله (الآجري وغيره، مع الازدحام) على الجنازة. (وهو) أي التربيع (أفضل من الحمل بين العمودين) لما تقدم، (وصفته) أي التربيع (أن يضع قائمة النعش اليسرى المقدمة) في حال السير، وهي التي تلي يمين الميت (على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى) قائمة السرير اليسرى (المؤخرة)، فيضعها على كتفه اليمنى أيضا، ثم يدعها لغيره (ثم يضع قائمته) أي النعش (اليمنى المقدمة) وهي التي تلي يسار الميت (على كتفه اليسرى) ثم يدعها لغيره، و (ينتقل إلى) قائمة السرير (المؤخرة) فيضعها على كتفه اليسرى. فتكون البداءة من الجانبين بالرأس، والختام من الجانبين بالرجلين نقله الجماعة عن أحمد، لما فيها من الموافقة لكيفية غسله، حيث يبدأ بشقه الايمن إلى رجله، ثم بالايسر كذلك. لما تقدم أنه (ص): كان يحب التيامن في شأنه كله. (وإن حمل) الميت (بين العمودين)، وهما القائمتان (كل عمود على عاتق، كان حسنا، ولم يكره) نص عليه في رواية ابن منصور. لانه (ص): حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين. وروي عن سعد وابن عمر وأبي هريرة: أنهم فعلوا ذلك. قال في الرعاية: إن حمل بين العمودين فمن عند رأسه، ثم من عند رجليه. وفي المذهب: من ناحية رجليه. لا يصلح إلا التربيع انتهى. لان المؤخر إن توسط بين العمودين لم ير ما بين قدميه، فلا يهتدي إلى المشي. فعلى هذا يحمل السرير ثلاثة: واحد من مقدمه، يضع العمودين المقدمين على عاتقه، ورأسه بينهما،

[ 150 ]

والخشبة المعترضة على كاهله، واثنان من مؤخره، أحدهما من الجانب الايمن. والآخر من الجانب الايسر يضع كل منهما عمودا على عاتقه. (ولا بأس بحمل طفل على يديه. و) لا بأس (بحمل الميت بأعمدة للحاجة)، كجنازة ابن عمر (و) لا بأس بحمل الميت (على دابة لغرض صحيح. كبعد) قبره (ونحوه) كسمن مفرط. قال في الفروع والمبدع: وظاهر كلامهم لا يحرم حملها على هيئة مزرية، أو هيئة يخاف معها سقوطها. قال في الفروع: ويتوجه احتمال، وفاقا للشافعي (ولا بأس بالدفن ليلا)، لان أبا بكر دفن ليلا، وعلي دفن فاطمة ليلا، قاله أحمد. وعن ابن عباس: أن النبي (ص) دخل قبرا فأسرج له سراج، فأخذ من قبل القبلة. وقال: رحمك الله، إن كنت لاواها تلاء للقرآن قال الترمذي حديث حسن. والدفن بالنهار أولى، لانه أسهل على متبعي الجنازة، وأكثر للمصلين عليها، وأمكن لاتباع السنة في دفنه ولحده. (ويكره) الدفن (عند طلوع الشمس، و) عند (غروبها، و) عند (قيامها) لقول عتبة: ثلاث ساعات كان النبي (ص) ينهانا عن الصلاة فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب رواه مسلم. ومعنى تتضيف تجنح وتميل للغروب. من قولك تضيفت فلانا إذا ملت إليه. (ويسن الاسراع بها) أي بالجنازة، لقوله (ص): أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم متفق عليه. ويكون (دون الخبب) نص عليه. وفي المذهب: وفوق السعي. وفي الكافي: لا يفرط في الاسراع فيمخضها ويؤذي متبعها. وقال القاضي: يستحب أن لا يخرج عن المشي المعتاد. ولكن يراعي الحاجة، نص عليه لحديث أبي سعيد عن النبي (ص): أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضا، فقال: عليكم بالقصد في جنائزكم رواه أحمد. فإن خيف عليه التغير أسرع. والخبب: ضرب من العدو وهو خطو فسيح، دون

[ 151 ]

العنق - بفتحتين: ضرب من السير فسيح سريع. (ما لم يخف عليها منه) أي من الاسراع، فيمشي بحيث لا يضرها (واتباعها) أي الجنازة (سنة) وفي آخر الرعاية: اتباعها فرض كفاية. لامر الشارع به في الصحيحين، من حديث البراء قال: أمرنا النبي (ص) باتباع الجنائز. (وهو) أي اتباع الجنازة (حق للميت وأهله) قال الشيخ تقي الدين: لو قدر لو انفرد، أي الميت لم يستحق هذا الحق، لمزاحم أو لعدم استحقاقه تبعه لاجل أهله إحسانا إليهم لتأليف أو مكافأة أو غيره، وذكر فعل النبي (ص) مع عبد الله بن أبي. (وذكر الآجري أن من الجبر أن يتبعها لقضاء حق أخيه المسلم) قال في الشرح: واتباع الجنازة على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يصلي عليها ثم ينصرف. الثاني: أن يتبعها إلى القبر ثم يقف، حتى تدفن. الثالث: أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له، ويسأل الله له التثبيت، ويدعو له بالرحمة. (ويكره لامرأة) اتباع الجنازة، لحديث الصحيحين عن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا أي لم يحتم علينا ترك اتباعها، بل نهيا نهي تنزيه. (ويستحب كون المشاة أمامها) قال ابن المنذر: ثبت أن النبي (ص) وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة رواه أحمد عن ابن عمر، ولانهم شفعاء والشفيع يتقدم المشفوع له. (ولا يكره) كون المشاة (خلفها) أي الجنازة، بل قال الاوزاعي: إنه أفضل، لانها متبوعة. (و) لا يكره أن يمشوا (حيث شاءوا) عن يمينها أو يسارها، بحيث يعدون تابعين لها. (و) يستحب أن يكون (الركبان، ولو في سفينة خلفها) لما روى المغيرة بن شعبة مرفوعا: الراكب خلف الجنازة رواه الترمذي. وقال: حسن صحيح، ولان سيره أمامها يؤذي متبعها. (فلو ركب وكان أمامها) أي الجنازة (كره) قاله المجد. قال النخعي: كانوا

[ 152 ]

يكرهونه. رواه سعيد. (ويكره ركوب) متبع الجنازة. لحديث ثوبان قال: خرجنا مع النبي (ص) في جنازة، فرأى ناسا ركابا، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب رواه الترمذي. (إلا لحاجة) كمرض (و) إلا (لعود) فلا يكره، لما روى جابر بن سمرة: أن النبي (ص) تبع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس قال الترمذي: حديث صحيح. (والقرب منها أفضل) من البعد عنها (فإن بعد) عن الجنازة فلا بأس. (أو تقدم) الجنازة (إلى القبر، فلا بأس) بذلك. أي لا كراهة فيه. (ويكره أن يتقدم) الجنازة (إلى موضع الصلاة عليها. و) يكره (أن تتبع) الجنازة (بنار) للخبر. قيل: سبب الكراهة كونه من شعار الجاهلية. وقال ابن حبيب المالكي: تفاؤلا بالنار (إلا لحاجة ضوء) فلا يكره إذن للحاجة. (وأن تتبع بماء ورد ونحوه. ومثله التبخير عند خروج روحه) يكره في ظاهر كلامهم. وقاله مالك وغيره لانه بدعة. (ويكره جلوس من تبعها) أي الجنازة (حتى توضع بالارض للدفن) نص عليه ونقله الجماعة لحديث أبي سعيد مرفوعا: إذا تبعتم الجنائز فلا تجلسوا حتى توضع رواه أبو داود، وروي عن أبي هريرة، وفيه: حتى توضع بالارض (إلا لمن بعد عنها) أي عن الجنازة فلا يكره جلوسه قبل وضعها بالارض، لما في انتظاره قائما من المشقة (وإن جاءت) الجنازة (وهو جالس أو مرت به) وهو جالس (كره قيامه لها)، لحديث علي قال: رأينا النبي (ص) قام فقمنا تبعا له، يعني في الجنازة رواه مسلم وأحمد، وعن ابن سيرين قال: مر بجنازة على الحسن بن علي، وابن عباس. فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن، لابن عباس: أما قام لها النبي (ص)؟ قال ابن عباس: قام ثم قعد رواه النسائي. (وكان) الامام (أحمد إذا صلى على جنازة - وهو وليها -

[ 153 ]

لم يجلس حتى تدفن)، نقله المروذي. (ونقل حنبل: لا بأس بقيامه على القبر حتى تدفن جبرا وإكراما) ووقف علي على قبر فقيل له: ألا تجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: قليل على أخينا قيامنا على قبره ذكره أحمد محتجا به. (ويكره الصوت والضجة عند رفعها) لانه محدث، (وكذا) رفع الصوت (معها) أي مع الجنازة (ولو بقراءة أو ذكر) لنهي النبي (ص): أن تتبع الجنازة بصوت أو نار رواه أبو داود. (بل يسن) القراءة والذكر (سرا) وإلا الصمت. (ويسن) لمتبع الجنازة (أن يكون متخشعا، متفكرا في مآله) أي أمره الذي يؤول إليه، ويرجع (متعظا بالموت، وبما يصير إليه الميت) قال سعد بن معاذ: ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها. (ويكره) لمتبع الجنازة (التبسم، والضحك أشد منه، والتحدث في أمر الدنيا، وكذا مسحه بيديه أو بشئ عليها تبركا) وقيل: بمنعه كالقبر، وأولى. قال أبو المعالي: هو بدعة يخاف منه على الميت. قال وهو قبيح في الحياة، فكذا بعد الموت، وفي الفصول: يكره، قال: ولهذا منع أكثر العلماء من مس القبر، فكيف بالجسد؟ ولانه بعد الموت كالحياة، ثم حال الحياة يكره أن يمس بدن الانسان للاحترام وغيره سوى المصافحة. وروى الخلال في أخلاق أحمد: أن علي بن عبد الصمد الطيالسي مسح يده على أحمد، ثم مسحها على يديه، وهو ينظر فغضب شديدا، وجعل ينفض يده، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره شديدا. (وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له، ونحوه: بدعة) عند أحمد وكرهه (وحرمه أبو حفص). نقل ابن منصور: ما يعجبني. وروى سعيد أن ابن عمر وسعيد بن جبير قالا لقائل ذلك: لا غفر الله لك. (ويحرم أن يتبعها مع منكر. وهو عاجز عن إزالته، نحو طبل ونياحة، ولطم نسوة، وتصفيق، ورفع أصواتهن) لانه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك، وعنه يتبعها وينكره بحسبه، وفاقا لابي حنيفة (فإن قدر) على إزالته (تبع) الجنازة (وأزاله)، أي المنكر (لزوما) لحصول

[ 154 ]

المقصودين. قال في الفروع: فيعايي بها، (فلو ظن إن اتبعها أزال المنكر لزمه) اتباعها إجراء للظن مجرى العلم. (وضرب النساء بالدف منكر منهي عنه اتفاقا. قاله الشيخ) ومن دعي لغسل ميت، فسمع طبلا أو نوحا ففيه روايتان، نقل المروذي في طبل: لا. ونقل أبو الحرث وأبو داود في نوح: يغسله وينهاهم. قال في تصحيح الفروع: الصواب إن غلب على ظنه زوال الطبل والنوح بذهابه ذهب وغسله، وإلا فلا. فصل: في دفن الميت وتقدم أنه فرض كفاية. وقد أرشد الله قابيل إلى دفن أخيه هابيل. وأبان ذلك ببعث غراب يبحث في الارض، ليريه كيف يواري سوأة أخيه. وقال تعالى: * (ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا) * أي جامعة للاحياء في ظهرها بالمساكن، وللاموات في بطنها بالقبور، والكفت: الجمع. وقال تعالى: * (ثم أماته فأقبره) * قال ابن عباس: معناه أكرمه بدفنه. (ويسن أن يدخل قبره من عند رجليه) أي رجلي القبر (إن كان أسهل عليهم). لانه (ص): سل من قبل رأسه سلا. وعبد الله بن زيد أدخل الحرث قبره من قبل رجل القبر. وقال: هذا من السنة رواه أحمد. ولانه ليس بموضوع توجه، بل دخول. فدخول الرأس أولى. كعادة الحي، لكونه مجمع الاعضاء الشريفة (وإلا) أي وإن لم يكن إدخاله القبر من عند رجليه أسهل أدخل (من حيث) (- سهل) دفعا للضرر والمشقة. (ثم) إن سهل كل من الامرين فهما (سواء) من غير ترجيح لاحدهما على الآخر. (ولا توقيت في عدد من يدخله) القبر (من شفع أو وتر، بل) يكون ذلك (بحسب الحاجة) كسائر أموره (ويكره أن يسجى قبر رجل) لما روي عن علي: أنه مر بقوم وقد دفنوا ميتا. وبسطوا على قبره الثوب. فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء. ولان كشفه أبعد من التشبه بالنساء، مع ما فيه من اتباع أصحاب النبي (ص). (إلا لعذر مطر أو غيره) فلا يكره إذن،

[ 155 ]

(ويسن) أن يسجى (لامرأة) لانها عورة. ولانه لا يؤمن أن يبدو منها شئ، فيراه الحاضرون وبناء أمرها على الستر. والخنثى كالانثى في ذلك، احتياطا. (ومن مات في سفينة وتعذر خروجه إلى البر) لبعدهم عن الساحل مثلا (ثقل بشئ، بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه) ليستقر في قرار البحر، نص عليه. (وألقي في البحر سلا، كإدخاله القبر. وإن مات في بئر أخرج) وجوبا ليغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن. وإن أمكن معالجة البئر بالاكسية المبلولة تدار فيها، حتى تجتذب البخار، ثم ينزل من يطلعه، أو أمكن إخراجه بكلاليب ونحوها من غير مثلة. وجب ذلك لتأدية فرض غسله. ويمتحن زوال البخار إذا شك فيه بسراج ونحوه. فإن انطفأ فهو باق. وإلا فقد زال. لان العادة أن النار لا تبقى إلا فيما يعيش فيه الحيوان. (فإن تعذر) إخراجه بالكلية أو لم يمكن إلا متقطعا ونحوه، (طمت) البئر (عليه) لتصير قبرا له. لانه لا ضرورة إلى إخراجه متقطعا. وهذا حيث لا حاجة إلى البئر. (ومع الحاجة إليها يخرج مطلقا) أي ولو متقطعا. لان مثله الميت أخف ضررا مما يحصل بطم البئر وتعطيلها. (وأولى الناس بتكفين) ميت مطلقا (ودفن) رجل (أولاهم بغسل) الميت، وذكر المجد وابن تميم: أنه يستحب أن يتولى دفن الميت غاسله. لان النبي (ص) لحده العباس وعلي وأسامة، رواه أبو داود. وكانوا هم الذين تولوا غسله. ولان المقدم بغسله أقرب إلى ستر أحواله، وقلة الاطلاع عليه. (والاولى: للاحق أن يتولاه بنفسه)، لانه أبلغ في ستره، وقلة الاطلاع عليه (ثم بنائبه)، لقيامه مقامه إلا أن يكون وصيا، على قياس ما تقدم في الصلاة عليه (ثم) الاولى (من بعدهم)، أي بعد المذكورين في تغسيل الرجل الاولى (بدفن رجل: الرجال الاجانب) فيقدمون على أقاربه من النساء. لانهن يضعفن عن إدخاله القبر ولان الجنازة يحضرها جموع الرجال غالبا. وفي نزول النساء القبر بين أيديهم تعريض لهن بالهتك والكشف بحضرة الرجال. (ثم) الاولى (محارمه من النساء. ثم الاجنبيات) للحاجة إلى دفنه، وعدم غيرهن. (و) الاولى (بدفن امرأة: محارمها الرجال) الاقرب فالاقرب. لان امرأة عمر لما توفيت قال لاهلها: أنتم أحق بها ولانهم أولى الناس بولايتها حال الحياة، فكذا بعد الموت (ثم) إن عدموا فالاولى (زوجها)، لانه أشبه بمحرمها من النسب من الاجانب. (ثم الرجال الاجانب) لان النبي (ص) حين ماتت ابنته: أمر أبا طلحة فنزل في قبرها،

[ 156 ]

وهو أجنبي ومعلوم: أن محارمها كن هناك كأختها فاطمة. ولان تولي النساء لذلك لو كان مشروعا لفعل في عصر النبي (ص) وعصر خلفائه، ولم ينقل. (ثم محارمها النساء) القربى فالقربى منهن كالرجال. (ويقدم من الرجال) بدفن امرأة (خصي، ثم شيخ، ثم أفضل دينا ومعرفة، ومن بعد عهده بجماع أولى ممن قرب) عهده به. قلت: والخنثى كامرأة في ذلك، احتياطا. (ولا يكره للرجال) الاجانب (دفن امرأة، وثم محرم) لها، نص عليه. لما تقدم في قصة أبي طلحة، قال في الفروع: ويتوجه احتمال بحملها من المغتسل إلى النعش، ويسلمها إلى من في القبر، ويحل عقد الكفن وقاله الشافعي في الام، وبعض أصحابه. (واللحد) بفتح اللام والضم لغة (أفضل) من الشق، لما روى مسلم عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما فعل بالنبي (ص). (وهو) أي اللحد في الاصل: الميل. والمراد هنا (أن يحفر في أرض القبر) أي في أسفل حائط القبر (مما يلي القبلة مكانا يوضع فيه الميت) ولا يعمق تعميقا، ينزل فيه جسد الميت كثيرا، بل بقدر ما يكون الجسد غير ملاصق للبن. (ويكره الشق) قال أحمد: لا أحب الشق. لقوله (ص): اللحد لنا والشق لغيرنا رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. لكنه ضعيف. (وهو أن يبنى جانبا القبر بلبن أو غيره) ويسمونه ببلاد مصر منامة. (أو يشق) أي يحفر (وسطه) أي القبر (فيصير) وسطه (كالحوض، ثم يوضع الميت فيه)، أي في شبه الحوض (ويسقف عليه ببلاط أو غيره) كأحجار كبيرة، (فإن كانت الارض رخوة لا يثبت فيها اللحد، شق للحاجة) وإن أمكن أن يجعل فيها اللحد من الجنادل واللبن والحجارة جعل، نص عليه، ولم يعدل إلى الشق، لما تقدم. (ويسن تعميقه) أي القبر بلا حد (وتوسيعه بلا حد) لقوله (ص) في

[ 157 ]

قتلى أحد: احفروا وأوسعوا وأعمقوا. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولان تعميق القبر أنفى لظهور الرائحة التي تستضر بها الاحياء، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت. والتوسيع: الزيادة في الطول والعرض. روى البيهقي أن النبي (ص) قال لحفار: أوسع من قبل الرأس، ومن قبل الرجلين. والتعميق بالعين المهملة - الزيادة في النزول. (وقال الاكثر: قامة وسط. وبسطة، وهي بسط يده قائمة ويكفي ما) أي التعميق (يمنع الرائحة والسباع) لانه لم يرد فيه تقدير، فيرجع فيه إلى ما يحصل المقصود. (و) يسن أن (ينصب عليه) أي على الميت بعد وضعه في اللحد (اللبن نصبا) لما تقدم عن سعد بن وقاص (وهو) أي اللبن (أفضل من القصب)، لانه من جنس الارض، وأبعد من أبنية الدنيا، بخلاف القصب. واللبن واحدته لبنة - ما ضرب من الطين مربعا للبناء قبل أن يشوى بالنار. فإذا شوي بها سمي آجرا. (ويجوز) تغطية اللحد (ببلاط) لانه في معنى اللبن فيما سبق. (ويسد ما بين اللبن أو غيره) من الفرج (بطين لئلا ينهار عليه التراب). وليس هذا بشئ، ولكن يطيب نفس الحي. رواه أحمد عن جابر مرفوعا. (ويكره دفنه) أي الميت (في تابوت ولو امرأة) لقول إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب، ولا يستحبون الدفن في تابوت لانه خشب، ولم ينقل عن النبي (ص) ولا عن أصحابه. وفيه تشبه بأهل الدنيا. والارض أنشف لفضلاته. ولهذا زاد بعضهم: أو في حجر منقوش. (ويكره إدخاله) أي القبر (خشبا إلا لضرورة. و) يكره إدخاله (ما مسته نار) تفاؤلا، وحديد، ولو أن الارض رخوة أو ندية. (ويستحب قول من يدخله) القبر (عند وضعه) فيه (بسم الله وعلى ملة رسول الله) لما روى ابن عمر: أن النبي (ص) قال: إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله رواه أحمد. وفي لفظ كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله رواه الخمسة إلا النسائي.

[ 158 ]

(وإن أتى عند وضعه وإلحاده بذكر أو دعاء يليق) بالحال (فلا بأس) به. قال سعيد بن المسيب: حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد. قال: اللهم أجرها من الشيطان، ومن عذاب القبر، اللهم جاف الارض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضوانا. وقال ابن عمر: سمعته من النبي (ص)، رواه ابن ماجه. وعن بلال: أنه دخل مع أبي بكر في قبر، فلما خرج قيل لبلال: ما قال؟ قال: قال: أسلمه إليك الاهل والمال والعشيرة والذنب العظيم، وأنت غفور رحيم فاغفر له، رواه سعيد. (ويستحب الدعاء له) أي للميت (عند القبر بعد دفنه واقفا) نص عليه. وقال: قد فعله علي والاحنف بن قيس. لحديث عثمان بن عفان قال: كان النبي (ص) إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه. وقال: استغفروا لاخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل، رواه أبو داود. وعن ابن مسعود أن النبي (ص): كان يقف على القبر بعد ما يسوى عليه، فيقول: اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، رواه سعيد في سنته. والاخبار بنحو ذلك كثيرة. وقال أكثر المفسرين في قوله تعالى في المنافقين: * (ولا تقم على قبره) * معناه: بالدعاء له والاستغفار، بعد الفراغ من دفنه. فيدل على أن ذلك كان عادة النبي (ص) في المسلمين. ونقل محمد بن حبيب النجار قال: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي فقمنا ناحية. فلما فرغ الناس من دفنه وانقضى الدفن، جاء إلى القبر، وأخذ بيدي وجلس ووضع يده على القبر وقال: اللهم إنك قلت في كتابك: * (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان) * وقرأ إلى آخر السورة، ثم قال: اللهم وإنا نشهد أن هذا فلان ابن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك، فاقبل شهادتنا له. ودعا له وانصرف. (واستحب الاكثر تلقينه بعد دفنه، فيقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه فيقول: يا فلان ابن فلانة ثلاثا. فإن لم يعرف اسم أمه نسبه إلى حواء ثم يقول: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا. شهادة أن لا إله إلا الله. وأن محمدا عبده ورسوله. وأنك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما. وبالكعبة قبلة.

[ 159 ]

وبالمؤمنين إخوانا، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور)، لحديث أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله (ص): إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب. فليقم على رأس قبره. ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب. ثم ليقل يا فلان ابن فلانة ثانية. فإنه يستوي قاعدا، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة ثالثا فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون، فيقول: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وأنك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما. فإن منكرا ونكيرا يقولان: ما يقعدنا عنده وقد لقن حجته؟ فقال رجل يا رسول الله: فإن لم يعرف اسم أمه، قال: فلينسبه إلى حواء. قال أبو الخطاب: هذا الحديث رواه أبو بكر عبد العزيز في الشافي. وقال في الفروع: رواه أبو بكر في الشافي والطبراني وابن شاهين وغيرهم وهو ضعيف. وللطبراني أو لغيره فيه: وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وفيه وأنك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. وقال الاثرم: قلت لابي عبد الله: هذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل، ويقول: يا فلان ابن فلانة أذكر ما فارقت عليه الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ما رأيت أحدا نقل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذاك، وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه. (قال أبو المعالي: لو انصرفوا قبله لم يعودوا) لان الخبر: يلقنونه قبل انصرافهم ليتذكر حجته. (وهل يلقن غير المكلف؟) وجهان. وهذا الخلاف (مبني على نزول الملكين إليه) النفي: قول القاضي وابن عقيل، وفاقا للشافعي. والاثبات: قول أبي حكيم وغيره. وحكاه ابن عبدوس عن الاصحاب. (المرجح النزول) فيكون المرجح تلقينه (وصححه الشيخ)، واحتج بما رواه

[ 160 ]

مالك وغيره عن أبي هريرة. وروي مرفوعا أنه: صلى على طفل لم يعمل خطيئة قط. فقال: اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر قال في الفروع: ولا حجة فيه، للجزم بنفي التعذيب، فقد يكون أبو هريرة يرى الوقف فيهم اه‍. وكذلك أجاب ابن القيم في كتاب الروح بأنه ليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل قطعا لان الله لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله. بل المراد الالم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله. وقال الآخرون: أي القائلون بأنه لا يسأل. السؤال إنما يكون لمن يعقل الرسول والمرسل، فيسأل هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ولو رد إليه عقله في القبر، فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به. فلا فائدة في هذا السؤال. (قال ابن عبدوس: يسأل الاطفال عن الاقرار الاول، حين الذرية) يشير به إلى قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) *. قال بعضهم: وهو سؤال تكريم، وسؤال الانبياء عليهم الصلاة والسلام - إن ثبت - فهو سؤال تشريف وتعظيم. كما أن التكاليف في دار الدنيا لبعض تكريم، ولبعض امتحان ونكال. (والكبار يسألون عن معتقدهم في الدنيا. و) عن (إقرارهم الاول) حين الذرية، (ويسن وضعه في لحده على جنبه الايمن) لان هذه سنة النائم، وهو يشبهه. (ووضع لبنة أو حجر أو شئ مرتفع) تحت رأسه، (كما يضع الحي تحت رأسه). قال في النهي وشرحه: ويوضع تحت رأسه لبنة، فإن لم توجد فحجر. فإن عدم. فقليل من تراب، لا آجرة. لانه مما مسته النار. ويفضي بخده الايمن إلى الارض. بأن يزال الكفن عنه. ويلصق بالارض. لانه أبلغ في الاستكانة والتضرع. ولقول عمر: إذا أنا مت فافضوا بخدي إلى الارض. (وتكره مخدة) بكسر الميم، تجعل تحت رأسه، نص عليه. لانه لم ينقل عن أحد من السلف، وغير لائق بالحال. (والمنصوص: و) تكره (مضربة وقطيفة تحته). قال أحمد: ما أحب أن يجعلوا في الارض مضربة، ولانه روي عن ابن عباس: أنه كره أن يلقى تحت الميت في القبر شئ، ذكره الترمذي. وعن أبي موسى، قال: لا تجعلوا بيني وبين الارض شيئا. والقطيفة التي وضعت تحت رسول الله (ص) إنما وضعها شقران. ولم يكن ذلك عن اتفاق من الصحابة. (ونصه) أي الامام (لا بأس بها)، أي المضربة أو القطيفة (عن علة. ويسند) الميت (خلفه) بتراب، لئلا ينقلب (و) يسند (أمامه بتراب. لئلا يسقط) فينكب على وجهه. وينبغي أن

[ 161 ]

يدنى من الحائط. لئلا ينكب على وجهه. (ويجب استقباله) أي أن يدفن مستقبل (القبلة) لقوله (ص) في الكعبة: قبلتكم أحياء وأمواتا ولان ذلك طريقة المسلمين، بنقل الخلف عن السلف. ولان النبي (ص) هكذا دفن. (ويسن لكل من حضر) الدفن (أن يحثو التراب فيه) أي القبر (من قبل رأسه أو غيره ثلاثا) أي ثلاث حثيات (باليد، ثم يهال عليه التراب) لحديث أبي هريرة أن النبي (ص): صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا رواه ابن ماجه. وعن عامر بن ربيعة أن النبي (ص): صلى على عثمان بن مظعون، فكبر عليه أربعا، وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات، وهو قائم عند رأسه، رواه الدارقطني، ولان مواراته فرض كفاية، وبالحثي يصير ممن شارك فيها. وفي ذلك أقوى عبرة وتذكار، فاستحب لذلك. فصل: (ويستحب رفع القبر) عن الارض (قدر شبر) ليعرف أنه قبر، فيتوقى، ويترحم على صاحبه. وقد روى الشافعي عن جابر: أن النبي (ص) رفع قبره عن الارض قدر شبر. وعن القاسم بن محمد قال لعائشة: يا أماه، اكشفي لي عن قبر النبي (ص) وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء رواه أبو داود. (ويكره) رفع القبر (فوقه) أي فوق شبر. لقوله (ص) لعلي: لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته، رواه مسلم وغيره. والمشرف ما رفع كثيرا، بدليل ما سبق عن القاسم بن محمد: لا مشرفة ولا

[ 162 ]

لاطئة. (وتسنيمه) أي القبر (أفضل من تسطيحه) لقول سفيان التمار: رأيت قبر النبي (ص) مسنما رواه البخاري، وعن الحسن مثله، ولان التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا. (إلا بدار حرب، إذا تعذر نقله) أي الميت (فالاولى تسويته) أي القبر (بالارض، وإخفاؤه) أولى من إظهاره، وتسنيمه، خوفا من أن ينبش، فيمثل به. (ويسن أن يرش عليه) أي القبر (الماء، ويوضع عليه حصى صغار محلل به، ليحفظ ترابه) لما روى جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي (ص) رش على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه حصباء رواه الشافعي، ولان ذلك أثبت له، وأبعد لدروسه، وأمنع لترابه من أن تذهبه الرياح، والحصباء صغار الحصا (ولا بأس بتطيينه) أي القبر، لما تقدم من قول القاسم بن محمد في وصف قبره (ص) وقبر صاحبيه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. (و) لا بأس أيضا ب‍ (- تعليمه بحجر أو خشبة أو نحوهما) كلوح. لما روى أبو داود بإسناده عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته، فدفن، فأمر النبي (ص) أن نأتيه بحجر، فلم نستطع حمله، فقام (ص) فحسر عن ذراعيه، فحملها فوضعها عند رأسه، وقال: أعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهلي رواه ابن ماجه من رواية أنس. (ويكره البناء عليه) أي القبر (سواء لاصق البناء الارض أو لا، ولو في ملكه من قبة أو غيرها، للنهي عن ذلك)، لحديث جابر قال: نهى النبي (ص) أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه، رواه مسلم والترمذي، وزاد: وأن يكتب عليه. وقال: حسن صحيح. (وقال ابن القيم في) كتابه (إغاثة اللهفان) من مكايد الشيطان (يجب هدم القباب التي على القبور، لانها أسست على معصية الرسول، انتهى. وهو) أي البناء (في) المقبرة (المسبلة أشد كراهة) لانه تضييق بلا فائدة، واستعمال للمسبلة فيما لم توضع له. (وعنه: منع البناء في وقف عام) وفاقا للشافعي وغيره. وقال: رأيت الائمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى. وما ذكره المصنف هو معنى كلام ابن تميم. قال في

[ 163 ]

الفروع: فظاهر ما ذكره ابن تميم: أن الاشهر لا يمنع. وليس كذلك. فإن المنقول في هذا: ما سأله أبو طالب عمن اتخذ حجرة في المقبرة. قال: لا يدفن فيها والمراد: لا يختص به. وهو كغيره. وجزم ابن الجوزي بأنه يحرم حفر قبر في مسبلة قبل الحاجة إليه. فههنا أولى. (قال الشيخ) من بنى ما يختص به فيها ف‍ (- هو غاصب)، وهذا مذهب الائمة الاربعة وغيرهم، وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وكل منهي عنه. (قال أبو حفص: تحرم الحجرة بل تهدم، وهو) أي القول بتحريم البناء في المسبلة (الصواب) لما يأتي في الوقف أنه يجب صرفه للجهة التي عينها الواقف. (وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر) لان أبا هريرة: أوصى حين حضره الموت أن لا تضربوا علي فسطاطا، رواه أحمد في مسنده، وقال البخاري في صحيحه: ورأى ابن عمر فسطاطا على قبر عبد الرحمن فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله، ولان الخيام بيوت أهل البر، فكرهت، كما كرهت بيوت أهل المدن. (وتغشية قبور الانبياء والصالحين أي سترها بغاشية ليس مشروعا في الدين، قاله الشيخ. وقال في موضع آخر، في كسوة القبر بالثياب: اتفق الائمة على أن هذا منكر، إذا فعل بقبور الانبياء والصالحين فكيف بغيرهم؟ وتكره الزيادة على تراب القبر من غيره) لحديث جابر قال: نهى النبي (ص) أن يبنى على القبر أو يزاد عليه رواه النسائي وأبو داود. وعن عقبة بن عامر قال: لا يجعل على القبر من التراب أكثر مما يخرج منه حين حفر. رواه أحمد، ولان العادة أن يفضل من التراب عن مساواة الارض، لمكان الميت من القبر ما يكفي لسنة التسنيم فلا حاجة إلى الزيادة. (إلا أن يحتاج إليه) أي الزائد، فلا كراهة. (ويكره المبيت عنده) أي القبر (وتجصيصه وتزويقه، وتخليقه وتقبيله، والطواف به وتبخيره، وكتابة الرقاع إليه، ودسها في الانقاب، والاستشفاء بالتربة من الاسقام)، لان ذلك كله من البدع. (و) تكره (الكتابة عليه) لما تقدم من حديث جابر. (و) يكره (الجلوس) عليه. لما روى أبو مرثد

[ 164 ]

الغنوي: أن النبي (ص) قال: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال: قال النبي (ص): لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر مسلم رواه مسلم. (و) يكره (الوطئ عليه) أي على القبر. لقول الخطابي: ثبت أن النبي (ص): نهى أن توطأ القبور. (قال بعضهم: إلا لحاجة) إلى ذلك. (و) يكره (الاتكاء عليه) لما روي أنه (ص) رأى رجلا قد اتكأ على قبر، فقال: لا تؤذ صاحب القبر (ويحرم التخلي عليها) أي القبور. (وبينها) لحديث عقبة بن عامر، قال: قال النبي (ص): لان أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق، رواه الخلال وابن ماجه. (والدفن في صحراء أفضل) من الدفن بالعمران، لانه أقل ضررا على الاحياء من الورثة. وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم تزل الصحابة والتابعون فمن بعدهم يقبرون في الصحراء. (سوى النبي (ص)) فإنه قبر في بيته، قالت عائشة: لئلا يتخذ قبره مسجدا رواه البخاري، ولانه روي: تدفن الانبياء حيث يموتون. مع أنه (ص) كان يدفن أصحابه بالبقيع. وفعله أولى من فعل غيره وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك، صيانة عن كثرة الطرق، وتمييزا له عن غيره (ص). (واختار صاحباه) أبو بكر وعمر رضي الله عنهما (الدفن معه، تشرفا وتبركا، ولم يزد عليهما، لان الخرق يتسع، والمكان ضيق، وجاءت أخبار تدل على دفنهم، كما وقع) ذلك. (ذكره المجد وغيره، ويحرم إسراجها) أي القبور، لقوله (ص): لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أبو داود والنسائي بمعناه. ولو

[ 165 ]

أبيح لم يلعن النبي (ص) من فعله. ولان في ذلك تضييعا للمال من غير فائدة، ومغالاة في تعظيم الاموات، يشبه تعظيم الاصنام. (و) يحرم (اتخاذ المسجد عليها) أي القبور، (وبينها) لحديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق عليه. (وتتعين إزالتها) أي المساجد، إذا وضعت على القبور، أو بينها. (وفي كتاب الهدى) النبوي لابن قيم الجوزية: (لو وضع المسجد والقبر معا، لم يجز، ولم يصح الوقف، ولا الصلاة) تغليبا لجانب الحظر. (وتقدم) ذلك (في) باب (اجتناب النجاسة. ويكره المشي بالنعل فيها) أي في المقبرة، لما روى بشير بن الخصاصية. قال: بينا أنا أماشي النبي (ص) إذا رجل يمشي بين القبور، عليه نعلان فقال له: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك فنظر الرجل، فلما عرف النبي (ص) خلعهما فرمى بهما رواه أبو داود. وقال أحمد: إسناده جيد. ولان خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين. (حتى التمشك - بضم التاء والميم وسكون الشين) المعجمة (لانه) أي التمشك (نوع منها) أي من النعال، فيتناوله ما سبق. وهو معروف ببغداد. (لا) يكره المشي بين القبور (بخف) لانه ليس بنعل ولا في معناه. ويشق نزعه. وروي عن أحمد: أنه كان إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه. وأما وطئ القبر نفسه، فمكروه مطلقا، لما سبق. وفي عبارة المنتهى: إبهام. (ويسن خلع النعل إذا دخلها) أي المقبرة، لما سبق (إلا خوف نجاسة أو شوك ونحوه) مما يتأذى به، كحرارة الارض، لانه عذر. (ومن سبق إلى) مقبرة (مسبلة. قدم) عند التزاحم وضيق المحل، كما لو تنازعا في رحاب المساجد، ومقاعد الاسواق. (ويقرع إن جاءا معا) فيقدم من خرجت له القرعة، لانها وضعت لتمييز ما أبهم. (ولا بأس بتحويل الميت ونقله إلى مكان آخر بعيدا، لغرض صحيح: كبقعة شريفة، ومجاورة صالح مع أمن التغير) لما في موطأ مالك: أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة، ودفنا

[ 166 ]

بها. وقال سفيان بن عيينة: مات ابن عمر ههنا، وأوصى أن لا يدفن ههنا، وأن يدفن بسرف. ذكره ابن المنذر. وتقدم بعضه. (إلا الشهيد) إذا دفن بمصرعه، فلا ينقل منه، ودفنه به سنة (حتى ولو نقل) من مصرعه (رد إليه). قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر: أنه (ص) قال: ادفنوا القتلى في مصارعهم (ويجوز نبشه) أي الميت (لغرض صحيح، كتحسين كفنه) لحديث جابر: أتى النبي (ص) عبد الله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه أخرجه الشيخان. (و) يجوز نقله ل‍ (- بقعة خير من بقعته ك‍) - نبشه ل‍ (إفراده عمن دفن معه). لقول جابر: دفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجته، فجعلته في قبر على حدة. وفي رواية: كان أبي أول قتيل - يعني يوم أحد - فدفن معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، رواهما البخاري. (وتقدم) ذلك أول الغسل. (ويستحب جمع الاقارب) الموتى في المقبرة الواحدة، ويقارب بين قبورهم، لانه أسهل لزيارتهم، وأبعد لاندراس قبورهم، ويعضده قوله (ص) لما دفن عثمان بن مظعون وعلم قبره: أدفن إليه من مات من أهلي ويستحب أيضا الدفن (في البقاع الشريفة)، لحديث أبي هريرة مرفوعا: أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل ربه أن يدنيه من الارض المقدسة رمية حجر - قال النبي (ص): لو كنت ثم لاريتكم قبره، عند الكثيب الاحمر. وقال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك متفق عليهما. (و) يستحب أيضا الدفن في‍ (- ما كثر فيه الصالحون) لتناله بركتهم ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه. وسأل عائشة، حتى أذنت له. (ويحرم قطع شئ من أطراف الميت، وإتلاف ذاته، وإحراقه) لحديث: كسر عظم الميت ككسر عظم الحي. ولبقاء حرمته (ولو أوصى به) أي بما ذكر من القطع والاتلاف والاحراق. فلا نتبع وصيته، لحق الله تعالى. (ولا ضمان فيه) أي الميت إذا قطع طرفه أو

[ 167 ]

أتلف أو أحرق. (ولوليه) أي الميت (أن يحامي عنه) أي يدفع عنه من أراد قطع طرفه ونحوه بالاسهل فالاسهل، كدفع الصائل. (وإن آل ذلك إلى إتلاف المطالب، فلا ضمان) على الدافع، كما في دفع الصائل. (ومن أمكن غسله فدفن قبله، لزم نبشه) تداركا للواجب. (و) لزم (تغسيله) وتكفينه والصلاة عليه. (وتقدم) ذلك في الغسل (ويحرم دفن اثنين فأكثر في قبر واحد)، لانه (ص): كان يدفن كل ميت في قبر. وعلى هذا استمر فعل الصحابة ومن بعدهم، (إلا لضرورة أو حاجة) ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم، لقوله (ص) يوم أحد: ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد رواه النسائي، وإذا دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، ف‍ (- إن شاء سوى بين رؤوسهم، وإن شاء حفر قبرا طويلا، وجعل رأس كل واحد) من الموتى (عند رجل الآخر، أو) عند (وسطه كالدرج، ويجعل رأس المفضول عند رجلي الفاضل. ويسن حجزه بينهما بتراب)، ليصير كل واحد، كأنه في قبر منفرد. (والتقديم إلى القبلة كالتقديم إلى الامام في الصلاة. فيسن) أن يقدم الافضل فالافضل إلى القبلة في القبر، لحديث هشام بن عامر قال: شكى إلي النبي (ص) كثرة الجراحات يوم أحد، فقال: احفروا ووسعوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآنا رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. (وتقدم) ذلك في (صلاة الجماعة) عند بيان موقف الامام والمأموم. (ولا ينبش قبر ميت باق، لميت آخر) أي يحرم ذلك، لما فيه من هتك حرمته. (ومتى علم) أن الميت بلي وصار رميما. (ومرادهم) أي الاصحاب (ظن أنه بلي، وصار رميما، جاز نبشه، ودفن غيره فيه). أي القبر مكانه، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والهواء، وهو في البلاد الحارة أسرع منه في الباردة. (وإن شك في ذلك) أي في أنه بلي وصار رميما (رجع إلى قول أهل الخبرة) أي المعرفة بذلك. (فإن حفر فوجد فيها) أي الارض (عظاما دفنها) أي العظام، أي أبقاها مكانها، وأعاد التراب كما كان، ولم يجز دفن ميت آخر عليه، نصا (وحفر في مكان آخر) خال من الاموات. (وإذا صار) الميت (رميما، جازت الزراعة

[ 168 ]

والحراثة) أي موضع الدفن، (وغير ذلك) كالبناء، قاله أبو المعالي (وإلا) أي وإن لم يصر (فلا) يجوز ذلك، قال في الفروع: (والمراد) أي بقول أبي المعالي: تجوز الزراعة والحرث ونحوهما إذا صار رميما. (إذا لم يخالف شرط واقف، لتعيينه الجهة) بأن عين الارض للدفن. فلا يجوز حرثها ولا غرسها، وتحرم عمارة القبر إذا دثر الذي غلب على الظن بلاء صاحبه، وتسوية التراب عليه في المقبرة المسبلة، لئلا يتصور بصورة الجديد، فيمتنع الناس من الدفن فيه، قياسا على تحريم الحفر فيها قبل الحاجة إليه. (ويجوز نبش قبور المشركين ليتخذ مكانها مسجدا) لان موضع مسجد النبي (ص) كان قبورا للمشركين، فأمر بنبشها، وجعلها مسجدا. (أو) أي ويجوز نبش قبور المشركين (لمال فيها، كقبر أبي رغال) لما روى أبو داود أن النبي (ص) قال: هذا قبر أبي رغال. وآية ذلك: أن معه غصنا من ذهب، إن رأيتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن. ونقل المروذي فيمن أوصى ببناء داره مسجدا، فخرجت مقبرة، فإن كانوا مسلمين لم يخرجوا، وإلا أخرجت عظامهم. تنبيه: أبو رغال: يرجم قبره، وكان دليلا للحبشة، حيث توجهوا إلى مكة، فمات في الطريق، قاله في الصحاح. (ولو وصى بدفنه في ملكه دفن مع المسلمين، لانه) أي دفنه بملكه (يضر الورثة) لمنعهم من التصرف فيه، فيكون منفيا لحديث: لا ضرر ولا ضرار. (ولا بأس بشرائه موضع قبره، ويوصى بدفنه فيه) فعله عثمان وعائشة. قال في الفروع: فلهذا حمل صاحب المحرر: الاول على أنه لم يخرج من ثلثه، وما قاله متجه، وبعده بعضهم. وفي الوسيلة: فإن أذنوا كره دفنه فيه، نص عليه. انتهى. ومراد صاحب الفروع بالاول: ما إذا أوصى بدفنه في ملكه. قلت: الاولى حمل الاول على ملك في العمران، كما يدل عليه كلامه في الوسيلة والتعليل السابق. وحمل الثاني على شرائه موضع قبره في مقبرة غير مسبلة. كما يدل عليه ما استدلوا به من فعل عثمان وعائشة، فإنهما في البقيع. (ويصح بيع ما دفن فيه من ملكه) لبقاء ماليته (ما لم يجعل) ما دفن فيه مقبرة، بأن وقف للدفن فيه (أو يصير مقبرة) بأن تكثر فيه الموتى، وعبارة المنتهى مع شرحه: ما لم يجعل، أي يصير مقبرة، نص عليه. ومنع ابن عقيل بيع موضع القبر، مع بقاء رمته. قال في الفنون: لانها ما

[ 169 ]

لم تستحل ترابا فهي محترمة. قال: وإن نقلت العظام وجب الرد، لتعينه لها. (ويحرم حفره في) مقبرة (مسبلة قبل الحاجة إليه) أي الدفن، كمن يتخذ قبرا ليدفن فيه من سيموت، ذكره ابن الجوزي، وإن ثبت قول بجواز بناء بيت ونحوه، فههنا كذلك وأولى. ويتوجه هنا ما سبق في المصلى المفروش. قاله في الفروع (و) يحرم (دفنه في مسجد ونحوه)، كمدرسة ورباط لتعيين الواقف الجهة لغير ذلك (وينبش) من دفن بمسجد ونحوه، ويخرج، نصا. تداركا للعمل بشرط الواقف. (و) يحرم دفن (في ملك غيره) بلا إذن ربه، للعدوان (وللمالك إلزام دافنه بنقله) ليفرغ له ملكه عما شغله به بغير حق. (والاولى) للمالك (تركه) أي الميت، حتى يبلى لما فيه من هتك حرمته. وكرهه أبو المعالي لذلك. (ويحرم أن يدفن مع الميت حلي أو ثياب غير كفنه، كإحراق ثيابه وتكسير أوانيه ونحوها)، لانه إضاعة مال بلا فائدة (وإن وقع في القبر ما له قيمة عرفا، أو رماه ربه فيه، نبش) القبر (وأخذ) ذلك منه. لما روي: أن المغيرة بن شعبة وضع خاتمه في قبر النبي (ص) ثم قال: خاتمي، فدخل وأخذه. وكان يقول: أنا أقربكم عهدا برسول الله (ص)، وقال أحمد: إذا نسي الحفار مسحاته في القبر جاز أن ينبش انتهى. ولتعلق حق ربه بعينه، مع عدم الضرر في أخذه. (وإن كفن بثوب غصب) وطلبه ربه، لم ينبش وغرم ذلك من تركته، لامكان دفع الضرر مع عدم هتك حرمته. (أو بلع مال غيره بغير إذنه وتبقى ماليته، كخاتم، وطلبه ربه، لم ينبش، وغرم ذلك من تركته) صونا لحرمته مع عدم الضرر. (كمن غصب عبدا فأبق. تجب قيمته) على الغاصب (لاجل الحيلولة) أي حيلولته بين المال وربه. (فإن تعذر الغرم) أي غرم الكفن المغصوب أو المال الذي بلعه الميت، (لعدم تركة ونحوه نبش) القبر (وأخذ الكفن) الغصب فدفع لربه (في) المسألة (الاولى، وشق جوفه في) المسألة (الثانية، وأخذ المال) فدفع لربه. (إن لم يبذل له قيمته) أي إن لم يتبرع وارث أو غيره ببذل قيمة الكفن أو المال لربه وإلا فلا ينبش لما سبق. (وإن بلعه) أي مال الغير (بإذن ربه أخذ إذا بلي) الميت، لان مالكه هو المسلط له على ماله بالاذن له. (ولا يعرض له) أي للميت (قبله) أي قبل أن يبلى، لما تقدم. (ولا يضمنه) أي

[ 170 ]

المال الذي بلعه بإذن ربه، فلا طلب لربه على تركته، لانه الذي سلطه عليه. (وإن بلع مال نفسه، لم ينبش قبل أن يبلى) لان ذلك استهلاك لمال نفسه في حياته. أشبه ما لو أتلفه. (إلا أن يكون عليه دين) فينبش، ويشق جوفه فيخرج ويوفى دينه، لما في ذلك من المبادرة إلى تبرئة ذمته من الدين. (ولو مات وله أنف ذهب لم يقلع لما فيه من المثلة. (لكن إن كان بائعه لم يأخذ ثمنه. أخذه من تركته) كسائر الديون. (ومع عدم التركة يأخذه) ربه (إذا بلي) الميت، جمعا بين المصلحتين. (وإن ماتت حامل بمن يرجى حياته حرم شق بطنها) من أجل الحمل، مسلمة كانت أو ذمية، لما فيه من هتك حرمة متيقنة لابقاء حياة موهومة، لان الغالب والظاهر: أن الولد لا يعيش. واحتج أحمد على ذلك في رواية أبي داود بما روت عائشة أن النبي (ص) قال: كسر عظم الميت ككسر عظم الحي رواه أبو داود ورواه ابن ماجه من رواية أم مسلمة، وزاد: في الاثم. (وتسطو عليه القوابل) أو غيرهن من النساء فيدخلن أيديهن في فرجها (فيخرجنه) من بطنها، والذي ترجى حياته هو الذي تم له ستة أشهر، وكان يتحرك حركة قوية، وانتفخت المخارج. (فإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليها) لما فيه من هتك حرمتها. (فإن تعذر) عليهن إخراجه (ترك حتى يموت) ولا يشق بطنها، لما تقدم. (ولا تدفن قبله) أي قبل موت حملها. لما يلزمه من دفنه معها. (ولا يوضع عليه ما يموته) لعموم النواهي عن قتل النفس المحرمة. (ولو خرج بعضه) أي الحمل (حيا شق) بطنها (حتى يخرج) باقي الحمل لتيقن حياته بعد أن كانت موهومة. (فلو مات) قبل خروجه (أخرج وغسل) كغيره (وإن تعذر خروجه) أي خروج باقي الحمل، (ترك) بحاله (وغسل ما خرج منه) لان له حكم السقط. (وأجزأ) غسله (وما بقي) من الحمل في جوفها (ففي حكم الباطن، لا يحتاج إلى التيمم من أجله)، لانه في حكم الحمل (وصلى عليه) أي على من خرج بعضه (معها) أي مع أمه، بأن ينوي الصلاة عليهما، حيث تم له أربعة أشهر فأكثر. (وإن ماتت ذمية) أو كافرة غيرها (حامل بمسلم. دفنها مسلم وحدها) أي في مكان غير مقابر المسلمين وغير مقابر الكفار، نص عليه. وحكاه عن واثلة بن الاسقع. (إن أمكن) دفنها وحدها. (وإلا)

[ 171 ]

بأن لم يمكن دفنها وحدها. (ف‍) - إنها تدفن (مع المسلمين) لان ذلك أولى من دفن المسلم الذي هو الجنين مع الكفار. وكما لو اشتبه مسلم بكافر. (وجعل ظهرها) أي الكافرة (إلى القبلة) وتدفن (على جنبها الايسر) ليكون الجنين على جنبه الايمن مستقبل القبلة، لان ظهره لوجه أمه. (ولا يصلى عليه) أي جنين نحو الذمية. (لانه غير مولود ولا سقط) وكالمأكول ببطن الآكل. (ويصلى على مسلمة حامل. و) على (حملها بعد مضي زمن تصويره) وهو أربعة أشهر، فينويهما بالصلاة، (وإلا) أي وإن لم يمض زمن تصويره صلى (عليها دونه)، وإنما صحت الصلاة عليه معها بعد مضي زمن تصويره، تبعا لها، بخلاف الكافرة. (ويلزم تمييز قبور أهل الذمة) عن مقابر المسلمين، كحال الحياة وأولى (ويأتي) في أحكام الذمة. (ولا تكره القراءة على القبر. و) لا (في المقبرة، بل تستحب) لما روى أنس مرفوعا قال: من دخل المقابر فقرأ فيها يس خفف عنهم يومئذ، وكان له بعددهم حسنات. وصح عن ابن عمرو أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، ولهذا رجع أحمد عن الكراهة، قاله أبو بكر لكن قال السامري: يستحب أن يقرأ عند رأس القبر بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمتها. (وكل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها أو بعضها كالنصف ونحوه) كالثلث أو الربع (لمسلم حي أو ميت جاز) ذلك، (ونفعه، لحصول الثواب له، حتى لرسول الله (ص)) ذكره المجد (من) بيان لكل قربة (تطوع وواجب، تدخله النيابة، كحج ونحوه) كصوم نذر (أو لا) تدخله النيابة (كصلاة، وكدعاء، واستغفار، وصدقة) وعتق (وأضحية وأداء دين، وصوم، وكذا قراءة وغيرها). قال أحمد: الميت يصل إليه كل شئ من الخير، للنصوص الواردة فيه، ولان المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرأون ويهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعا. وقال الاكثر: لا يصل إلى الميت ثواب القراءة وإن ذلك لفاعله. واستدلوا بقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) * و * (لها من كسبت) * وبقوله (ص): إذا مات ابن آدم انقطع عمله الخبر. وجوابه

[ 172 ]

عن الآية الاولى: بأن ذلك في صحف إبراهيم وموسى. قال عكرمة: هذا في حقهم خاصة، بخلاف شرعنا بدليل حديث الخثعمية أو بأنها منسوخة، بقوله: * (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان) * أو أنها مختصة بالكافر، أي ليس له من الخير إلا جزاء سعيه، يوفاه في الدنيا، وما له في الآخرة من نصيب أو أن معناها: ليس للانسان إلا ما سعى عدلا، وله ما سعى غيره فضلا أو أن اللام بمعنى على، كقوله تعالى: * (أولئك لهم اللعنة) * وعن الثانية: بأنها تدل بالمفهوم ومنطوق السنة بخلافه. وعن الحديث بأن الكلام في عمل غيره، لا عمله، ولا يضر جهل الفاعل بالثواب، لان الله يعلمه. وقول المصنف: أولا كصلاة. هو معنى قول القاضي: إذا صلى فرضا وأهدى ثوابه صحت الهدية. وأجزأ ما عليه. قال في المبدع: وفيه بعد، وعلم مما تقدم: أنه إذا جعلها لغير مسلم لا ينفعه. وهو صحيح لنص ورد فيه. قاله في المبدع، فعلى هذا، لا يفتقر أن ينويه حال القراءة، نص عليه. (واعتبر بعضهم) في حصول الثواب للمجعول له، (إذا نواه حال الفعل) أي القراءة أو الاستغفار ونحوه، (أو) نواه (قبله) أي قبل الفعل دون ما نواه بعده. نقله في الفروع عن مفردات ابن عقيل، ورده. (ويستحب إهداء ذلك، فيقول: اللهم اجعل ثواب كذا لفلان) وذكر القاضي أنه يقول: اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعله أو ما تشاء منه لفلان، و (قال ابن تميم: والاولى أن يسأل الاجر من الله تعالى، ثم يجعله له) أي للمهدي له، (فيقول: اللهم أثبني برحمتك على ذلك. واجعل ثوابه لفلان). وللمهدي ثواب الاهداء وذكر القاضي: وللمهدي ثواب الاهداء. وقال بعض العلماء: يثاب كل من المهدي والمهدى له. وفضل الله واسع (ويسن أن يصلح لاهل الميت طعام يبعث به إليهم ثلاثا) أي ثلاثة أيام، لقوله (ص): اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم رواه الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه. قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة النبي (ص) إلى شعير فطحنته، وأدمته بزيت جعل عليه، وبعثت به إليهم. ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: فما

[ 173 ]

زالت السنة فينا حتى تركها من تركها. وسواء كان الميت حاضرا أو غائبا وأتاهم نعيه، وينوي فعل ذلك لاهل الميت، (لا لمن يجتمع عندهم، فيكره) لانه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت. نقل المروذي عن أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدا، ولاحمد وغيره: عن جرير وأسناده ثقات. قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. (ويكره فعلهم) أي فعل أهل الميت (ذلك) أي الطعام (للناس) الذين يجتمعون عندهم، لما تقدم. (قال الموفق وغيره) كالشارح (إلا من حاجة) تدعو إلى فعلهم الطعام للناس. (كأن يجيئهم من يحضر منهم من أهل القرى البعيدة ويبيت عندهم، فلا يمكنهم) عادة (إلا أن يطعموه) فيصنعون ما يطعمونه له. (ويكره الاكل من طعامهم، قاله في النظم، وإن كان من التركة، وفي الورثة محجور عليه) أو من لم يأذن (حرم فعله، و) حرم (الاكل منه) لانه تصرف في مال المحجور عليه، أو مال الغير بغير إذنه. (ويكره الذبح عند القبر والاكل منه) لخبر أنس: لا عقر في الاسلام رواه أحمد بإسناد صحيح. قال في الفروع: رواه أحمد وأبو داود، وقال: قال عبد الرزاق: وكانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. وقال أحمد في رواية المروذي: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا. فنهى (ص) عن ذلك. وفسره غير واحد بغير هذا. (قال الشيخ) يحرم الذبح (والتضحية) عند القبر (ولو نذر ذلك ناذر لم يكن له أن يوفي به) كما يأتي في نذر المكروه والمحرم. (فلو شرطه واقف لكان شرطا فاسدا، وأنكر) أي أدخل في المنكر (من ذلك) أي من الذبح عند القبر والاكل منه. (أن يوضع على القبر الطعام والشراب، ليأخذه الناس، وإخراج الصدقة مع الجنازة) كالتي يسمونه بمصر: كفارة. (بدعة مكروهة) إن لم يكن في الورثة محجور عليه، أو غائب، وإلا فحرام. (وفي معنى ذلك) أي الذبح عند القبر (الصدقة عند القبر) فإن ذلك محدث، وفيه رياء.

[ 174 ]

فصل: (يسن لذكور زيارة قبر مسلم) نص عليه، وحكاه النووي إجماعا. لقوله (ص): كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها رواه مسلم والترمذي. وزاد: فإنها تذكر الآخرة وقال أبو هريرة: زار النبي (ص) قبر أمه. فبكى وأبكى من حوله، وقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور، فإنها تذكركم الموت، متفق عليه. (بلا سفر) لحديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. (وتباح) الزيارة (لقبر كافر) والوقوف عند قبره، كزيارته. قال في شرح المنتهى وغيره: لزيارته (ص) قبر أمه. وكان بعد الفتح، وأما قوله تعالى: * (ولا تقم على قبره) * فإنما نزلت بسبب عبد الله بن أبي في آخر التاسعة، على أن المراد عند أكثر المفسرين: القيام للدعاء والاستغفار. (ولا يسلم) من زار قبر كافر (عليه) كالحي (بل يقول) الزائر لكافر (له: أبشر بالنار) في استعمال البشارة تهكم به، على حدة قوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) *. (ولا يمنع كافر من زيارة قريبه المسلم) حيا كان أو ميتا، لعدم المحظور. (وتكره) زيارة القبور (للنساء) لما روت أم عطية قالت: نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا. متفق عليه (فإن علم أنه يقع منهن محرم. حرمت) زيارتهن القبور. وعليه يحمل قوله (ص): لعن الله زوارات القبور رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي. (غير قبر النبي (ص) وقبر صاحبيه)

[ 175 ]

أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. (فيسن) زيارتها للرجال والنساء، لعموم الادلة في طلب زيارته (ص). (وإن اجتازت امرأة بقبر في طريقها) ولم تكن خرجت له، (فسلمت عليه ودعت له. فحسن) لانها لم تخرج لذلك. (ويقف الزائر أمام القبر) أي قدامه (ويقرب منه) كعادة الحي. (ولا بأس بلمسه) أي القبر (باليد. وأما التمسح به، والصلاة عنده، أو قصده لاجل الدعاء عنده، معتقدا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له، أو نحو ذلك. فقال الشيخ: فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك). قال في الاختيارات: اتفق السلف والائمة على أن من سلم على النبي (ص) أو غيره من الانبياء الصالحين. فإنه لا يتمسح بالقبر ولا يقبله، بل اتفقوا على أنه لا يستلم ولا يقبل إلا الحجر الاسود. والركن اليماني يستلم ولا يقبل على الصحيح. قلت: بل قال إبراهيم الحربي يستحب تقبيل حجرة النبي (ص). (ويسن إذا زارها) أي قبور المسلمين (أو مر بها أن يقول معرفا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم). للاخبار الواردة بذلك. فمنها حديث مسلم عن أبي هريرة وهو: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون قال في الشرح وفي حديث عائشة: ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين. وروى مسلم من حديث بريدة قال: كان النبي (ص) يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل

[ 176 ]

الله لنا ولكم العافية. وقد دل هذا الحديث على أن اسم الدار: يقع على المقابر. وإطلاق الاهل على ساكن المكان، من حي وميت. وروى أحمد من حديث عائشة: اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. وروى الترمذي من حديث ابن عباس قال: مر النبي (ص) بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم. أنتم سلفنا ونحن بالاثر قال الترمذي حديث غريب. وقوله: إن شاء الله بكم لاحقون الاستثناء للتبرك. قاله العلماء وفي البغوي إنه يرجع إلى اللحوق لا إلى الموت. وفي الشافي: أنه يرجع إلى البقاع (ونحوه)، أي أو يقول نحو ذلك: مم ورد ومنه: اللهم رب هذه الاجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من دار الدنيا، وهي بك مؤمنة صل على محمد وعلى آل محمد، وأنزل بهم روحا منك وسلاما مني ذكره في المستوعب. (ويخير بين تعريفه) أي السلام، (وتنكيره في سلامه على الحي). لان النصوص صحت بالامرين. وقال ابن البناء: سلام التحية منكر. وسلام الوداع معرف. (وابتداؤه) أي السلام (سنة، ومن جماعة سنة كفاية. والافضل: السلام من جميعهم)، لحديث: افشوا السلام، وغيره. (فلو سلم عليه جماعة فقال: وعليكم السلام، وقصد الرد عليهم) أي على الذين سلموا عليه (جميعا. جاز) ذلك، (وسقط الفرض في حق الجميع) لحصول الرد المأمور به. (ورفع الصوت بابتداء السلام سنة، ليسمعه المسلم عليهم سماعا محققا) لحديث: أفشوا السلام بينكم. (وإن سلم على أيقاظ عندهم نيام، أو) سلم (على من لا يعلم: هل هم أيقاظ أو نيام؟ خفض صوته، بحيث يسمع الايقاظ. ولا يوقظ النيام) جمعا بين الفرضين. (ولو سلم على إنسان ثم لقيه على قرب. سن أن يسلم عليه ثانيا وثالثا وأكثر) من

[ 177 ]

ذلك، لعموم حديث: أفشوا السلام. (ويسن أن نبدأ بالسلام قبل كل كلام) للخبر. واختلف في معنى السلام، فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله تعالى. وهو نص أحمد في رواية أبي داود ومعناه: اسم الله عليك، أي أنت في حفظه. كما يقال: الله يصحبك، الله معك. وقال بعضهم: السلام بمعنى السلامة، أي السلامة ملازمة لك. قاله في الآداب الكبرى. (ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنه أن المسلم عليه لا يرد) السلام، لعموم: افشوا السلام. (وإن دخل على جماعة فيهم علماء سلم على الكل، ثم سلم على العلماء سلاما ثانيا) تمييزا لمرتبتهم، وكذا لو كان فيهم عالم واحد، (ورده فرض عين على) المسلم عليه (المنفرد) أي الذي انفرد بالسلام عليه، بأن خصه المسلم بالسلام. وإن كان في جماعة، (و) فرض (كفاية على الجماعة) المسلم عليهم. فيسقط برد واحد منهم (فورا). أي يجب الرد فورا بحيث يعد جوابا للسلام، وإلا لم يكن ردا. (ورفع الصوت به) أي برد السلام (واجب، قدر الابلاغ) أي إبلاغ المسلم. (وتزاد الواو في رد السلام وجوبا) قدمه المصنف في شرح منظومة الآداب. وعزاه للشيخ وجيه الدين في شرح الهداية. وقيل: لا تجب، وقدمه في شرح المنتهى. قال في الآداب الكبرى: وهو أشهر وأصح. تتمة: لو قال: سلام. لم يجبه. قاله الشيخ عبد القادر: لانه ليس بتحية الاسلام لانه ليس بكلام تام. ذكره في الآداب الكبرى. والمصنف في شرح المنظومة. قلت: وفيه نظر وقال، وإن قال: وعليك، أو عليكم. فقط، وحذف المبتدأ. فظاهر كلام الناظم في مجمع البحرين: أنه يجزئ وكذا الشيخ تقي الدين. وقال: كما رد النبي (ص) على الاعرابي، وهو ظاهر الكتاب فإن المضمر كالمظهر. ومقتضى كلام ابن أبي موسى وابن عقيل: لا يجزئ. وكذا قال الشيخ عبد القادر. ويكره الانحناء في السلام. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان: يحرم (ويكره أن يسلم على امرأة أجنبية) أي غير زوجة له ولا محرم. (إلا أن تكون عجوزا) أي غير حسناء، كما يعلم مما تقدم في حضورها الجماعة. (أو) إلا أن تكون (برزة) أي فلا يكره السلام عليها. والمراد لا تشتهى، لامن الفتنة. (ويكره) السلام (في الحمام) وتقدم في باب الغسل. وتقدم كلام الشرح فيه. (و) يكره السلام (على من يأكل أو يقاتل) لاشتغاله.

[ 178 ]

(وفيمن يأكل نظر) قاله في الآداب الكبرى، أي في كراهة السلام عليه نظر. قال: وظاهر التخصيص: أنه لا يكره على غيرهما ومقتضى التعليل: خلافه، أي تعليلهم باشتغالهما. (و) يكره السلام (على تال) للقرآن، (و) على (ذاكر) لله تعالى، (و) على (ملب ومحدث)، أي ملق لحديث النبي (ص). (وخطيب، وواعظ، وعلى من يسمع لهم)، أي للمذكورين من التالي ومن بعده. (و) يكره السلام على (مكرر فقه، ومدرس) في أي علم كان. ولعل المراد إذا كان مشروعا أو مباحا. (وعلى من يبحثون في العلم، وعلى من يؤذن أو يقيم) وتقدم حكم المصلي، وأن المذهب: لا يكره السلام عليه. (وعلى من هو على حاجته) ويكره أيضا رده منه، نص عليه، وتقدم في باب الاستنجاء وقدم في الرعاية الكبرى. لا يكره ذكره في الآداب. (أو يتمتع بأهله، أو مشتغل بالقضاء ونحوهم)، أي نحو المذكورين من كل من له شغل عن رد السلام. (ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام) كالاحوال السابقة (لم يستحق جوابا) لسلامه. (ويكره أن يخص بعض طائفة لقيهم) أو دخل عليهم ونحوه (بالسلام)، لان فيه مخالفة للسنة في إفشاء السلام، وكسرا لقلب من أعرض عنهم. (و) يكره (أن يقول سلام الله عليكم). لمخالفته الصيغة الواردة. تتمة: قال المصنف في شرح منظومة الآداب: ويكره أن يقول: عليك سلام الله، لان النبي (ص) كرهه. قال في الفروع: وإنما قال النبي (ص): عليك السلام تحية الموتى على عادتهم في تحية الاموات، يقدمون اسم الميت في الدعاء. ذكره صاحب المحرر. وفعلوا ذلك. لان المسلم على قوم يتوقع جوابا. والميت لا يتوقع منه فجعلوا السلام عليه كالجواب. (والهجر المنهي عنه) وهو هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام. (يزول بالسلام) لانه سبب التحابب للخير، فيقطع الهجر. وروي مرفوعا: السلام يقطع الهجران. (ويسن السلام عند الانصراف) عن القوم. (و) يسن السلام (إذا دخل على أهله) للخبر (فإن دخل بيتا خاليا، أو) دخل (مسجدا خاليا، قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) للخبر. (وإذا ولج) أي دخل (بيته ف‍) - ليقدم رجله اليمنى، و (ليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير

[ 179 ]

المخرج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم يسلم على أهله) لخبر أبي مالك الاشعري مرفوعا، رواه أبو داود. قال في الآدا ب: حديث حسن. (ولا بأس به) أي السلام (على الصبيان، تأديبا لهم) هذا معنى كلام ابن عقيل. وذكر القاضي في المجرد وصاحب عيون المسائل فيها، والشيخ عبد القادر: أنه يستحب. وذكره في شرح مسلم إجماعا. والصبيان يكسر الصاد، وضمها لغة، قاله في الآداب. (وإن سلم على صبي، لم يجب رده) أي رد الصبي السلام. لحديث: رفع القلم عن ثلاث. (وإن سلم على صبي وبالغ رده البالغ، ولم يكف رد الصبي. لان فرض الكفاية لا يحصل به). هذا معنى كلام أبي المعالي في شرح الهداية. قال في الآداب: ويتوجه تخريجه من الاكتفاء بأذانه وصلاته على الجنازة. (وإن سلم صبي على بالغ، وجب الرد) على البالغ (في وجه. وهو الصحيح) لانه مكلف. (ويجزئ في السلام) قول المسلم (السلام عليكم، ولو) كان السلام (على منفرد) أي شخص واحد، ذكرا كان أو أنثى. إما هو وملائكته أو تعظيما له. وإن قال: السلام عليك أجزأ. (و) يجزئ (في الرد: وعليكم السلام) على ما تقدم (وتسن مصافحة الرجل الرجل، و) مصافحة (المرأة المرأة) لحديث قتادة. قال: قلت لانس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي (ص)؟ قال: نعم رواه البخاري، وقال (ص): إذا التقى المسلمان فتصافحا تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر. وروي تحاتت خطاياهما وكان أحقهما بالاجر أشبهما بصاحبه. (ولا بأس بمصافحة المردان لمن وثق من نفسه، وقصد تعليمهم حسن الخلق) ذكره في الفصول والرعاية، لما فيه من المصلحة، وانتفاء المفسدة. (ولا تجوز مصافحة المرأة الاجنبية الشابة) لانها شر من النظر، أما العجوز. فللرجل مصافحتها على ما ذكره في الفصول والرعاية، وأطلق في رواية ابن منصور: تكره

[ 180 ]

مصافحة النساء. قال محمد بن عبد الله بن مهران: سأل أبو عبد الله عن الرجل يصافح المرأة قال: لا، وشدد فيه جدا. قلت: فيصافحها بثوبه. قال: لا. قال رجل: فإن كان ذا رحم؟ قال: لا، قلت: ابنته. قال: إذا كانت ابنته فلا بأس. والتحريم مطلقا اختيار الشيخ تقي الدين، ويتوجه التفصيل بين المحرم وغيره، فأما الولد فيجوز. قاله في الآداب. (وإن سلمت شابة على رجل رده عليها) كذا في الرعاية، ولعل في النسخة غلظا ويتوجه: لا. وهو مذهب الشافعي. قاله في الآداب. (وإن سلم) الرجل (عليها) أي على الشابة (لم ترده) أي السلام عليه، دفعا للمفسدة. ولعل المراد: غير المحرم. (وإرسال السلام إلى الاجنبية وإرسالها) السلام (إليه) أي إلى الاجنبي (لا بأس به، للمصلحة، وعدم المحذور) أي لما فيه من المصلحة مع عدم المحذور. (ويسن أن يسلم الصغير) على ضدهم فيسلم الصغير على الكبير، (والقليل) على الكثير. (والماشي) على الجالس، (والراكب على ضدهم) أي الماشي. لقوله (ص): ليسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير. وفي حديث آخر: يسلم الراكب على الماشي رواهما البخاري. (فإن عكس) بأن سلم الكبير على الصغير والكثير على القليل، والقاعد على الماشي، والماشي على الراكب (حصلت السنة) للاشتراك في الامر بإفشاء السلام، والاول أكمل في السنة، لاميتازه بخصوص الامر السابق. (هذا) الذي تقدم بيانه) (إذا تلاقوا في طريق) ونحوها (أما إذا وردوا على قاعد، أو قعود. فإن الوارد يبدأ مطلقا) صغيرا كان أو راكبا، أو قليلا أو ضدهم. (وإن سلم على من وراء جدار) وجبت الاجابة عند البلاغ. (أو) سلم (الغائب عن البلد برسالة، أو كتابة. وجبت الاجابة عند البلاغ. ويستحب أن يسلم على الرسول، فيقول: وعليك وعليه السلام). لما روي أنه (ص) قال له رجل: أبي يقرؤك السلام فقال: عليك وعلى أبيك السلام. وقيل لاحمد: إن فلانا يقرئك السلام. فقال: عليك وعليه السلام. وقال في موضع آخر: وعليه السلام. وقال

[ 181 ]

في موضع آخر: وعليك وعليه السلام. (وإن بعث) إنسان (معه السلام) ليبلغه لمن عينه له (وجب) على الرسول (تبليغه إن تحمله) لعموم الامر بأداء الامانة، وإلا فلا (ويستحب لكل واحد من المتلاقيين أن يحرص على الابتداء بالسلام) لقوله (ص): يا أيها الناس أفشوا السلام وأطمعوا الطعام وصلوا الارحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. قال الترمذي: حديث صحيح. (فإن التقيا وبدأ كل واحد منهما صاحبه معا) بالسلام (فعلى كل واحد منهما الاجابة) لعموم الاوامر برد السلام. فإن قاله أحدهما بعد الآخر، فقال الشاشي، من الشافعية: كان جوابا. قال النووي: وهذا هو الصواب. قال في الآداب الكبرى وما قاله صحيح. وهو ظاهر كلام جماعة من الاصحاب. كما هو ظاهر الآية. قال: وقال الشيخ وجيه الدين وبعض الشافعية: ولو قال كل منهما لصاحبه: وعليكم السلام ابتداء لا جوابا. لم يستحق الجواب. لان هذه صيغة جواب فلا تستحق جوابا. (ولو سلم على أصم جمع بين اللفظ والاشارة) وإلا لم يجب الرد. قاله في الآداب. (كرده سلامه) أي سلام الاصم. فيجمع الراد عليه بين اللفظ والاشارة. (وسلام الاخرس) بالاشارة، (وجوابه) أي الاخرس (بالاشارة) لقيامها مقام نطقه. وقال المروذي: إن أبا عبد الله لما اشتد به المرض كان ربما أذن للناس. فيدخلون عليه أفواجا أفواجا يسلمون عليه. فيرد بيده. (وآخر السلام: ابتداء وردا: وبركاته) أي استحبابا. وتقدم ما يجزئ منه. (ويجوز أن يزيد الابتداء على الرد وعكسه). أي أن يزيد الرد على الابتداء. (وسلام النساء على النساء كسلام الرجال على الرجال) لعموم الادلة. (ولا ينزع يده من يد من يصافحه حتى ينزعها) أي يده من يده. لما في نزع يده قبل ذلك من الاعراض عنه (إلا لحاجة. كحيائه) منه (ونحوه)، كمضرة بالتأخير (ولا بأس بالمعانقة) وقال أبو المعالي في شرح الهداية: يستحب زيارة القادم ومعانقته

[ 182 ]

والسلام عليه. قال: وإكرام العلماء وأشراف القوم بالقيام سنة مستحبة. قال: ويكره أن يطمع في قيام الناس له، انتهى. وقال ابن تميم: لا يستحب القيام إلا للامام العادل والوالدين وأهل العلم والدين والورع والكرم والنسب، وهو معنى كلامه في المجرد والفصول. وكذا ذكر الشيخ عبد القادر وقاسه على المهاداة لهم. قال: ويكره لاهل المعاصي والفجور والذي يقام إليه ينبغي أن لا تستكبر نفسه إليه ولا تطالبه والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال. فإذا لم يسر بالقيام إليه وقاموا إليه فغير ممنوع منه، ذكره في الآداب. (و) لا بأس (بتقبيل الرأس واليد لاهل العلم والدين ونحوهم) لحديث عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة والرسول (ص) في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي (ص) فاعتنقه وقبله حسنه الترمذي، وفي حديث ابن عمر في قصة قال فيها فدنونا من النبي (ص) فقبلنا يده رواه أبو داود. وعن صفوان بن عسال قال، قال يهودي لصاحبه: إذهب بنا إلى هذا النبي، فأتيا الرسول (ص) فسألاه عن تسع آيات بينات - فذكر الحديث إلى قوله - فقبلا يده ورجله وقالا: نشهد أنك نبي. رواه الترمذي، فيباح تقبيل اليد والرأس تدينا وإكراما واحتراما، مع أمن الشهوة، وظاهره عدم إباحته لامر الدنيا، وعليه يحمل النهي، قاله المصنف في شرح المنظومة. (ويكره تقبيل فم غير زوجته وجاريته) المباحة له، لانه قل أن يقع كرامة. (وإذا تثاءب كظم) ندبا أي أمسك فمه لئلا ينفتح (ما استطاع. فإن غلبه التثاؤب غطى فمه بكمه أو غيره) كيده لقوله (ص): إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع وفي رواية: فليضع يده على فمه فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب. (وإذا عطس) بفتح الطاء (خمر) أي غطى (وجهه) لئلا يتأذى غيره ببصاقه. (وغض) أي خفض (صوته) لحديث أبي هريرة عنه (ص): أنه كان إذا عطس غطى وجهه بثوبه ويده، ثم غض بها صوته، حديث صحيح، قاله في شرح المنظومة. قال الشيخ عبد القادر: (ولا يلتفت يمينا ولا شمالا وحمد الله) قال ابن هبيرة: إذا عطس الانسان استدل بذلك من نفسه على صحة بدنه، وجودة هضمه، واستقامة قوته.

[ 183 ]

فينبغي له أن يحمد الله. ولذلك أمره (ص) أن يحمد الله. وفي البخاري: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، لان العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاؤب غالبا لثقل البدن وامتلائه، واسترخائه. فيميل إلى الكسل. فأضافه إلى الشيطان لانه يرضيه، أو من تسببه لدعائه إلى الشهوات. ويكون حمده (جهرا بحيث يسمع جليسه) حمده، (ليشمته) بالشين والسين، (وتشميته فرض كفاية) كرد السلام. (فيقول له) سامعه: (يرحمك الله أو يرحمكم الله، ويرد عليه العاطس) وجوبا (فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم)، نص عليه في رواية أبي طالب. وقال في رواية حرب: هذا عن النبي (ص) من وجوه. زاد في الرعاية: ويدخلكم الجنة عرفها لكم قال في شرح المنتهى أو يقول: يغفر الله لنا ولكم. (ويكره أن يشمت من لم يحمد الله) لحديث أبي موسى مرفوعا: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه. فإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه رواه أحمد ومسلم. (وإن نسي لم يذكره) أي لم يسن تذكيره، لظاهر الخبر السابق. وروى المروذي: أن رجلا عطس عند أحمد فلم يحمد الله، فانتظره أن يحمد الله فيشمته فلم يحمد الله، فلما أراد أن يقوم، قال له أبو عبد الله: كيف تقول إذا عطست؟ قال أقول: الحمد لله، فقال له أبو عبد الله: يرحمك الله، (لكن يعلم الصغير أن يحمد الله وكذا حديث عهد بإسلام ونحوه) كمن نشأ ببادية بعيدة عمن يتعلم منه، لانه مظنة الجهل بذلك. (ولا يستحب تشميت الذمي) نص عليه. وهل يكره أو يباح أو يحرم؟ أقوال قاله في شرح المنظومة. (فإن قيل له) أي للذمي (يهديكم الله جاز) ذلك لانه لا محذور فيه. (ويقال للصبي إذا عطس: بورك فيك، وجبرك الله). قاله الشيخ عبد القادر وروي: أنه عطس عند النبي (ص) غلام لم يبلغ الحلم. فقال: الحمد لله رب العالمين. فقال النبي (ص): بارك الله فيك يا غلام رواه الحافظ السلفي في انتخابه. (وتشمت المرأة المرأة، و) يشمت (الرجل الرجل. و) يشمت الرجل (المرأة العجوز البرزة) لامن الفتنة. (ولا يشمت

[ 184 ]

الشابة ولا تشمته) كما في رد السلام، ولعل المراد الاجنبية (فإن عطس ثانيا) وحمد (شمته، و) إن عطس (ثالثا) وحمد (شمته). قال صالح لابيه: يشمت العاطس في مجلس ثلاثا. قال: أكثر ما قيل فيه ثلاث. وروى ابن ماجه، وإسناده ثقات عن سلمة بن الاكوع، مرفوعا: يشمت معاطس ثلاثا. فما زاد فهو مزكوم. (و) إن عطس (رابعا دعا له بالعافية، ولا يشمت) للرابعة لما تقدم. (إلا إذا لم يكن شمته قبلها) ثلاثا: فالاعتبار بفعل التشميت. وبعدد العطسات، فلو عطس أكثر من ثلاث متواليات. شمته بعددها إذا لم يتقدم تشميت. قال في شرح المنظومة: قولا واحدا! (ولا يجيب المتجشي بشئ. فإن حمد الله قال) له سامعه: (هنيئا مريئا، وهناك الله وأمراك) ذكره في الرعاية الكبرى وابن تميم، وكذا ابن عقيل. وقال: ولا يعرف فيه سنة. بل هو عادة موضوعة قال أحمد في رواية مهنا: إذا تجشى الرجل ينبغي أن يرفع وجهه إلى فوق، لكيلا يخرج من فيه رائحة يؤذي بها الناس، وروى أبو هريرة: أن رجلا تجشأ رسول الله (ص) فقال: كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا أطولهم جوعا يوم القيامة. (ويجب الاستئذان على كل من يريد الدخول عليه من أقارب وأجانب). قطع به ابن أبي موسى، والسامري، وابن تميم، وهو معنى كلام ابن الجوزي في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) * قال: لا يجوز لك أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان لهذه الآية، وقدم في الرعاية: يسن أن يستأذن. قال في الآداب الكبرى: ولا وجه لحكاية الخلاف، فيجب في الجملة على غير زوجة وأمة. اه‍. وروى سعيد عن أبي موسى قال: إذا دخل أحدكم على والديه فليستأذن، وعن ابن مسعود، وابن عباس مثله. (فإن أذن) له في الدخول دخل (وإلا) أي وإن لم يؤذن له في الدخول (رجع)، ويسن أن يكون استئذانه ثلاثا، إلا أن يجاب قبلها. (ولا يزيد) في استئذان (على ثلاث) مرات لقوله (ص): الاستئذان ثلاث فإن أذن لك. وإلا فارجع متفق عليه. (إلا أن يظن عدم سماعهم) للاستئذان، فيزيد بقدر ما يظن أنهم سمعوه. قال المصنف: في شرح المنظومة: وصفة الاستئذان: السلام عليكم

[ 185 ]

أأدخل؟ واستأذن رجل على النبي (ص) وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي (ص) لخادمه: أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان. فقال له قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي (ص) فدخل، رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهذا الذي ذكره الشيخ عبد القادر، وابن الجوزي. وابن حمدان وقيل، يقول: سلام عليكم فقط اه‍. ويجلس حيث انتهى به المجلس للاخبار. ولعن (ص): من جلس وسط الحلقة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. قال في الآداب: يتوجه: تحريم ذلك، يفرق بين اثنين بغير إذنهما للحديث، رواه أبو داود. فصل: (ويستحب تعزية أهل المصيبة بالميت قبل الدفن أو بعده حتى الصغير)، وحتى (الصديق) للميت (ونحوه) كجار الميت، لعموم ما روى عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي (ص) قال: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة رواه ابن ماجه. وعن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: من عزى مصابا فله كمثل أجره رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب. ويبدأ بخيارهم. والمنظور إليه منهم، ليستن به غيره، وبالضعيف منهم عن تحمل المصيبة لحاجته إليها. (و) حتى (من شق ثوبه) فيعزى كغيره. ولا يترك حقا لباطل (لزوال المحرم وهو الشق) والباقي أثره. (وإن نهاه) عن العود لمثل ذلك (فحسن. ويكره) لمن شق ثوبه (استدامة لبسه) لانه أثر معصيته. وتكون التعزية (إلى ثلاث) ليال بأيامها، (وكرهها) أي التعزية (جماعة) منهم ابن شهاب والآمدي، وأبو الفرج (بعدها) أي بعد الثلاث، واختاره صاحب المحرر. وقال: لم أجد في آخرها

[ 186 ]

كلاما لاصحابنا، وقال أبو المعالي: اتفقوا على كراهيتها بعدها، إلا أن يكون غائبا فلا بأس بتعزيته إذا حضر. واختاره صاحب النظم. وزاد: ما لم تنس المصيبة. وقوله: (لاذن الشارع في الاحداد فيها) أي في الثلاث، بقوله (ص): لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا. تعليل للتحديد بالثلاث. (ويكره تكرارها) أي التعزية (فلا يعزي عند القبر من عزى قبل ذلك). قال أحمد: أكره التعزية عند القبر، إلا لمن لم يعز، فيعزي ذا دفن الميت أو قبله. (ويكره الجلوس لها) أي للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه. أو يجلس المعزي عند المصاب للتعزية. لما في ذلك من استدامة الحزن. قال أحمد في رواية أبي داود: وما يعجبني أن تقعد أولياء الميت في المسجد يعزون، أخشى أن يكون تعظيما للموت. أو قال للميت، وقال في رواية أبي الحرث: ما أحب الجلوس مع أهل الميت والاختلاف إليهم بعد الدفن ثلاثة أيام. وهذا تعظيم للموت. وقال بعضهم: إنما المكروه البيتوتة عند أهل الميت. وأن يجلس إليهم من عزى مرة، أو يستديم المعزي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التعزية (و) يكره (المبيت عندهم) أي عند أهل الميت لما تقدم (وفي الفصول: يكره الاجتماع بعد خروج الروح، لتهييجه الحزن. وتكره) تعزية الرجل (لشابة أجنبية) أي غير محرم له خشية الفتنة. وينبغي أن يراد: الحسناء، عجوزا كانت أو شابة، بخلاف غيرها كما تقدم. (ولا بأس بالجلوس بقرب دار الميت ليتبع جنازته، أو) ل‍ (- يخرج وليه فيعزيه). وسواء كان جلوسه خارجا عن دار الميت بمسجد أو غيره، لكن إن كان الجلوس خارج المسجد على حصير من المسجد أو بساط منه، كره. نص عليه في رواية المروذي وغيره. ونقل عند عبد الله وأبو طالب: جوازه. لانه انتفاع بها في عبادة. أشبه ما لو قعدوا عليها داخله. قال في شرح الهداية: والاول أصح. لانها وقفت ليصلي عليها. وينتفع بها فيه خاصة. (ومعنى التعزية: التسلية والحث) أي حث المصاب (على الصبر بوعد الاجر، والدعاء للميت) إن كان مسلما، (والمصاب) أي الدعاء للمصاب (ولا تعيين فيما يقوله) المعزي. قال الموفق: لا أعلم في التعزية شيئا محدودا، إلا أنه يروى أن النبي (ص) عزى رجلا، فقال: رحمك الله وآجرك رواه أحمد. (ويختلف) ما يقوله المعزى (باختلاف المعزين. فإن شاء) المعزي (قال

[ 187 ]

في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك) أي رزقك الصبر الحسن، (وغفر لميتك، وفي تعزيته) أي المسلم (بكافر: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك) ويمسك عن الدعاء للميت، لان الدعاء والاستغفار له منهي عنه. (وتحرم تعزية الكافر) سواء كان الميت مسلما أو كافرا. لان فيها تعظيما للكافر. كبداءته بالسلام. (ويقول المعزى) بفتح الزاي مشدودة (استجاب الله دعاءك، ورحمنا الله وإياك) بهذا القول رد الامام أحمد، وكفى به قدوة. (ولا يكره أخذه) أي المعزى (بيد من عزاه). قال أحمد: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية، وإن شئت فلا. (ولا بأس أن يجعل المصاب عليه علامة يعرف بها، ليعزى) لتتيسر التعزية المسنونة بذلك على كل أحد. (ويسن) للمصاب (أن) يسترجع ف‍ (- يقول: * (إنا لله) *) أي نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء * (وإنا إليه راجعون) * أي نحن مقرون بالبعث والجزاء على أعمالنا (اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها) أجرني مقصور، وقيل ممدود. وأخلف: بقطع الهمزة، وكسر اللام. يقال لمن ذهب منه ما يتوقع مثله: أخلف الله عليك مثله. ومن ذهب منه ما لا يتوقع مثله: خلف الله عليك. أي كان الله لك خليفة منه عليك. (ويصلي ركعتين) قاله الآجري وجماعة، قال في الفروع: وهو متجه. فعلها ابن عباس، وقرأ: * (واستعينوا بالصبر والصلاة) * ولم يذكرها جماعة. ولاحمد وأبي داود عن حذيفة كان النبي (ص) إذا حزبه أمر صلى. قال في القاموس: وحزبه الامر: نابه واشتد عليه، أو ضغطه. ولمسلم عن أم سلمة مرفوعا: إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. فلما مات أبو سلمة قال قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني عقبة حسنة. (و) يسن للمصاب أن (يصبر) والصبر: الحبس قال تعالى: * (واصبروا إن الله مع الصابرين) * وقال (ص): والصبر ضياء وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، وردت به الاخبار. منها ما في الصحيحين: أنه (ص) قال: لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من

[ 188 ]

الولد فتمسه النار، إلا تحلة القسم يشير إلى قوله تعالى: * (وإن منكم إلا واردها) * والصحيح: أن المراد به المرور على الصراط، وأخرج البخاري أنه (ص) قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن من جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة قال في شرح المنتهى: واعلم أن الثواب في المصائب في الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها. فإنها ليست من كسبه. وإنما يثاب على كسبه. والصبر من كسبه. والرضا بالقضاء فوق الصبر. فإنه يوجب رضا الله سبحانه وتعالى. (ويجب منه) أي الصبر (ما يمنعه من محرم) إذا النهي عن شئ أمر بضده. ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة، خلافا لابن عقيل، بل يسن. ويحرم الرضا بفعل المعصية. ذكره ابن عقيل اجماعا. وذكره الشيخ تقي الدين: أنه إذا نظر إلى إحداث الرب لذلك للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضي لله بما رضيه لنفسه، فيرضاه ويحبه مفعولا مخلوقا لله تعالى، ويبغضه ويكرهه فعلا للمذنب المخالف لامر الله. وهذا كما نقول فيما خلقه من الاجسام الخبيثة قال: فمن فهم هذا الموضع انكشف له حقيقة هذا الامر، الذي حارت فيه العقول. (ويكره له) أي المصاب (تغيير حاله) أي هيئته (من خلع ردائه ونعله، وغلق حانوته، وتعطيل معاشه ونحوه) لما في ذلك من إظهار الجزع. قال ابن الجوزي في قوله تعالى: * (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * إعلم أن من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه وفرحه. وقال إبراهيم الحربي: اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يتمش مع القدر لم يتهن بعيش. (ولا يكره البكاء) قال الجوهري: البكاء يمد ويقصر. فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء. وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها، (على الميت قبل الموت وبعده) لكثرة الاخبار بذلك، فمنها: ما في الصحيحين: أنه (ص) لما فاضت عيناه، لما رفع إليه ابن بنته ونفسه تقعقع كأنها في شنة - أي لها صوت وحشرجة كصوت ما ألقي في قربه بالمية - قال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. قال جماعة: والصبر عنه أجمل.

[ 189 ]

وذكر الشيخ تقي الدين في التحفة العراقية: البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب. وذلك لا ينافي الرضا بخلاف البكاء عليه، لفوات حظه منه. وقال في الفرقان: الصبر واجب باتفاق العقلاء، ثم ذكر في الرضا قولين، ثم قال: وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها. نقله عنه في الآداب الكبرى (ولا يجوز الندب وهو البكاء، مع تعديد محاسن الميت) بلفظ النداء، مع زيادة الالف والهاء في آخره. كقوله: واسيداه، واجبلاه. وانقطاع ظهراه. (ولا) تجوز (النياحة وهي رفع الصوت بذلك برنة) لما في الصحيحين عن أم عطية قالت: أخذ علينا (ص) في البيعة أن لا ننوح. وفي صحيح مسلم: أنه (ص) لعن النائحة والمستمعة. (ولا) يجوز (شق الثياب ولطم الخدود، وما أشبه ذلك من الصراخ، وخمش الوجه) وتسويده (ونتف الشعر ونشره وحلقه)، لما في الصحيحين أنه (ص) قال: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وفيهما: أنه (ص) برئ من الصالقة والحالقة والشاقة، فالصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، ويقال: السالقة بالسين المهملة، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها. ولما في ذلك من إظهار الجزع وعدم الرضا بقضاء الله والسخط من فعله. وفي شق الجيوب إفساد للمال لغير حاجة. (وفي الفصول: يحرم النحيب والتعداد) أي تعداد المحاسن والمزايا، (وإظهار الجزع. لان ذلك يشبه التظلم من الظالم وهو عدل من الله تعالى)، لان له أن يتصرف في خلقه بما شاء لانهم ملكه. (ويباح يسير الندبة الصدق، إذا لم يخرج مخرج النوح. ولا قصد نظمه، نحو قوله: يا أبتاه. يا ولداه. ونحو ذلك)، هذا تتمة كلام الفصول. ومقتضى ما قدمه: تحريمه.

[ 190 ]

(وجاءت الاخبار الصحيحة بتعذيب الميت بالنياحة والبكاء عليه) فحمله ابن حامد على من أوصى به. لان عادة العرب الوصية بفعله فخرج على عادتهم. وفي شرح مسلم: وهو قول الجمهور. وهو ضعيف فإن سياق الخبر يخالفه، وحمله الاثرم على من وصى به حين يموت. وقال في التلخيص: يتأذى بذلك إن لم يوص بتركه. كما كان السلف يوصون. ولم يعتبر كون النياحة عادة أهله. واختار صاحب المحرر أن من هو عادة أهله ولم يوص بتركه عذب، لانه متى ظن وقوعه ولم يوص، فقد رضي ولم ينه مع قدرته. وقال ابن القيم في كتاب الروح: يتألم من ذلك ويتوجه مع لا أنه يعاقب بذنب الحي. * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * وهذا كقوله (ص): السفر قطعة من العذاب، فالعذاب أعم من العقوبة وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وأنكرت عائشة حمل ذلك على ظاهره. ووافقها ابن عباس. وقالت: والله ما حدث رسول الله (ص) إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. ولكن رسول الله (ص) قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه. وقالت لما بلغها رواية عمر وابنه في ذلك: إنكم لتحدثون عنه غير كاذبين ولا متهمين، ولكن السمع بخطئ. وقالت: حسبكم القرآن: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) *. (وما هيج المصيبة من وعظ أو إنشاد شعر. فمن النياحة). قاله الشيخ تقي الدين ومعناه لابن عقيل في الفنون فإنه لما توفي ابنه عقيل قرأ قارئ: * (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين) *. فبكى ابن عقيل. وبكى الناس. فقال للقارئ: يا هذا إن كان لتهيج الحزن فهو نياحة بالقرآن، ولم ينزل للنوح، بل لتسكين الاحزان. فائدة: قال المصنف في الحاشية، مذهب أهل السنة: أن الروح هي النفس الناطقة المستعدة للبيان. وفهم الخطاب. ولا تفنى بفناء الجسد، وأنه جوهر لا عرض اه‍. وتجتمع أرواح الموتى فينزل الاعلى إلى الادنى لا العكس. قاله في الاختيارات، قال: ومذهب سلف الامة وأئمتها: أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة. وأيضا تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب. ولاهل السنة قول آخر: إن النعيم والعذاب يكون للبدن دون الروح اه‍. وقال ابن عقيل وابن الجوزي: هو واقع على الروح فقط. وقال ابن الجوزي أيضا: من الجائز أن يجعل الله للبدن تعلقا بالروح، فتعذب في القبر، ويسمع الميت الكلام، بدليل حديث السلام على

[ 191 ]

أهل المقابر، قال الشيخ تقي الدين: واستفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وإن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا، وبأنه يدري بما فعل عنده. ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا، وكان أبو الدرداء يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أجزى به عند عبد الرحمن بن رواحة وكان ابن عمه. ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه، وتقول: إنما كان أبي وزوجي فأما عمر فأجنبي. ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس، قاله أحمد. وفي الغنية يعرفه كل وقت. وهذا الوقت آكد. وينتفع بالخير ويتأذى بالمنكر عنده. وسن، فعل لزائره ما يخفف عنه، ولو بجعل جريدة رطبة في القبر للخبر. وأوصى به بريدة، ذكره البخاري وفي معناه غرس غيرها. وأنكر ذلك جماعة من العلماء. وفي معنى ذلك الذكر والقراءة عنده لانه إذا رجى التخفيف بتسبحها. فالقراءة أولى. وتقدم بعض ما يتعلق بذلك.

[ 192 ]

كتاب الزكاة واشتقاقها لغة: من زكا يزكو، إذا نما، أو تطهر. يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد، وقال تعالى: * (قد أفلح من زكاها) * أي طهرها عن الادناس. وتطلق على المدح. قال تعالى: * (فلا تزكوا أنفسكم) * وعلى الصلاح يقال: رجل زكي، أي زائد الخير، من قوم أزكياء. وزكى القاضي الشهود: إذا بين زيادتهم في الخير. وسمي المال المخرج زكاة. لانه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات. وأصل التسمية قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * وقيل: لانها تطهر مؤديها من الاثم، وتنمي أجره. وقال الازهري: إنما تنمي الفقراء. (وهي أحد أركان الاسلام) ومبانيه المذكورة في قوله (ص): بني الاسلام على خمس - فذكر منها - وإيتاء الزكاة. (وفرضت بالمدينة) ذكره صاحب المغني والمحرر والشيخ تقي الدين. قال في الفروع: ولعل المراد طلبها. وبعث السعادة لقبضها. فهذا بالمدينة. ولهذا قال صاحب المحرر: إن الظواهر في إسقاط زكاة التجارة معارضة بظواهر تقتضي وجوب الزكاة في كل مال. كقوله: * (والذين في أموالهم حق معلوم) * واحتج في أن الصلاة لا يجب على كافر فعلها ويعاقب بها بقوله: * (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * والسورة مكية، مع أن أكثر المفسرين فسروا الزكاة فيها بالتوحيد. اه‍، وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي: إنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة، بعد زكاة الفطر. بدليل قول قيس بن سعد بن عبادة: أمرنا النبي (ص) بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات. وفي تاريخ ابن جرير الطبري: أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة. وقيل: فرضت قبل الهجرة، وبينت بعدها. (وهي) أي الزكاة شرعا (حق واجب) يأتي تقديره في أبواب المزكيات

[ 193 ]

(في مال مخصوص) يأتي بيانه قريبا في كلامه، (لطائفة مخصوصة) وهم الاصناف الثمانية المشار إليهم بقوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * - الآية (في وقت مخصوص) وهو تمام الحول في الماشية والاثمان وعروض التجارة، وعند اشتداد الحب في الحبوب، وعند بدو صلاح الثمرة التي تجب فيها الزكاة، وعند حصول ما تجب فيه الزكاة من العسل، واستخراج ما تجب فيه من المعادن، وعند غروب الشمس من ليلة الفطر. لوجوب زكاة الفطر. وخرج بقوله: واجب الحق المسنون كابتداء السلام واتباع الجنازة. وبقوله: في مال رد السلام ونحوه، وبقوله: مخصوص ما يجب في كل الاموال كالديون والنفقات. وبقوله: لطائفة مخصوصة، نحو الدية لانها لورثة المقتول. وبقوله: في وقت مخصوص نحو النذر والكفارة. ثم أشار إلى المال المخصوص بقوله: (و) تجب الزكاة (في السائمة من بهيمة الانعام) وهي الابل والبقر والغنم. سميت بهيمة لانها لا تتكلم. ويأتي بيان السوم. (و) تجب الزكاة أيضا في (الخارج من الارض) من الحبوب والثمار، وما في معناها والمعادن (وما في حكمه)، أي حكم الخارج من الارض (من العسل) الخارج من النحل، (و) تجب الزكاة أيضا في (الاثمان) وهي الذهب والفضة، (و) تجب الزكاة أيضا في (عروض التجارة، ويأتي بيانها) أي المزكيات المذكورة (في أبوابها) مفصلة مرتبة كذلك (وتجب) الزكاة (في متولد بين وحشي وأهلي) من بقر أو غنم (تغليبا) للوجوب (واحتياطا) لتحريم قتله، وإيجاب الجزاء فيه على المحرم، والنصوص تتناوله (فتضم إلى جنسها الاهلي) في تكميل النصاب (وتجب) الزكاة (في بقر وحش وغنمه) بشرطه، لعموم قوله (ص): خذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا. قال القاضي وغيره: وتسمى بقرا حقيقة. فتدخل تحت الظاهر. وكذلك يقال في الغنم. (واختار الموفق وجمع) وصححه الشارح. (لا تجب) الزكاة في بقر الوحش وغنمه، لانها تفارق الاهلية صورة وحكما. والايجاب من الشرع ولم يرد. ولم يصح القياس لوجود الفارق. (ولا تجب) الزكاة (في سائر) أي في باقي

[ 194 ]

(الاموال إذا لم تكن للتجارة، حيوانا كان) المال (كالرقيق والطيور والخيل والبغال والحمير والظباء، سائمة كانت (أو لا، أو غير حيوان كاللآلي والجواهر والثياب والسلاح وأدوات) أي آلات (الصناع، وأثاث البيوت والاشجار والنبات والاواني والعقار من الدور والارضين للسكنى وللكراء) لقوله (ص): ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة متفق عليه، ولابي داود: ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر. وقيس على ذلك باقي المذكورات. ولان الاصل عدم الوجوب إلا لدليل ولا دليل فيها. (ولا تجب) الزكاة فيما تقدم من الاموال (إلا بشروط خمسة: الاسلام والحرية فلا تجب) الزكاة (بمعنى الاداء) أي بمعنى: أنه لا يجب عليه أداء الزكاة حال كفر، لا بمعنى أنه لا يعاقب عليها، لما تقدم أن الكفار يعاقبون على سائر فروع الاسلام، كالتوحيد، (على كل كافر) أي فرد من أفراد الكفار على اختلاف أنواعهم. لقوله (ص) لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخد من أغنيائهم فترد على فقرائهم متفق عليه، ولانها أحد أركان الاسلام، فلم تجب على كافر، كالصيام، (ولو) كان الكافر (مرتدا) سواء حكمنا ببقاء الملك مع الردة أو زواله، لعموم قوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) *. وقوله (ص): الاسلام يجب ما قبله. (ولا) تجب

[ 195 ]

الزكاة على (عبد لانه لا يملك بتمليك) من سيد أو غيره، (ولا غيره) أي غير تمليك، فلا مال له، وكذا الامة. (وزكاة ما بيده) أي الرقيق غير المكاتب (على سيده، ولو مدبرا، أو أم ولد) لانه ملك السيد. (ولا) تجب الزكاة (على مكاتب لنقص ملكه) فهو ضعيف لا يحتمل المواساة. ويؤيده حديث جابر مرفوعا: ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق رواه الدارقطني، وقاله جابر وابن عمر. ولم يعرف لهما مخالف، فكان كالاجماع، ولان تعلق حاجته إلى فك رقبته من الرق بماله أشد من تعلق حاجة الحر المفلس بمسكنه، وثياب بذلته، فكان بإسقاط الزكاة عنه أولى وأحرى. (بل) تجب الزكاة على (معتق بعضه) بقدر ملكه (فيزكى) البعض (ما ملك) من مال زكوي (بحرية) أي بجزئه الحر، لان ملكه عليه تام. أشبه الحر (ولو اشترى عبدا) أو أمة، (ووهبه شيئا) زكويا (ثم ظهر أن العبد) أو الامة (كان حرا، فله) أي السيد (أن يأخذ منه ما) كان (وهبه له) لانه إنما وهبه له بناء على أنه ملكه. فإذا تبين خلافه رجع به. (ويزكيه) أي المال السيد، لما مضى لانه ماله لم يخرج عن ملكه. (فإن تركه) السيد للموهوب له بعد علمه حريته (زكاه الآخذ له) لانه مالك تام الملك، ويستقبل به حولا من حين الترك، لانه وقت دخوله في ملكه. (وتجب) الزكاة (في مال الصبي والمجنون) وهو قول علي وابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة والحسن بن علي، حكاه عنهم ابن المنذر. وكذا رواه مالك في موطئه. والشافعي في مسنده عن عمر. ورواه الاثرم في سننه عن ابن عباس، ولم يعرف لهم مخالف، وقد قالوه في أوقات مختلفة واشتهر فلم ينكر، فصار كالاجماع. ويؤيده قوله (ص) لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، رواه الجماعة. ولفظة الاغنياء تشمل الصغير والمجنون، كما شملتهم لفظة الفقراء. وروى الشافعي في مسنده عن يوسف بن ماهك أن النبي (ص) قال: انتموا في أموال اليتامى لا تذهبها، أو لا تستهلكها، الصدقة. ولا يضر كونه مرسلا لانه حجة عندنا، وقد رواه الدارقطني مسندا من حديث ابن عمر لكن من طرق ضعيفة. (ولا تجب) الزكاة (في المال المنسوب إلى الجنين) أي الذي وقف له في إرث أو وصية وانفصل حيا. لانه لا مال له، ما دام حملا. واختار ابن

[ 196 ]

حمدان يجب، لحكمنا له بالملك ظاهرا، حتى منعنا باقي الورثة. (الثالث) من شروط الزكاة: (ملك نصاب) للنصوص. ولا فرق بين بهيمة الانعام وغيرها، ولا يرد الركاز، لان شبهه بالغنيمة أكثر من الزكاة، ولهذا وجب فيه الخمس، ولم يمنعه الدين (ف‍) - النصاب (في أثمان وعروض تقريب) لا تحديد، (فلا يضر نقص حبتين) لانه لا ينضبط غالبا. فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، ولانه لا يخل بالمواساة. لان النقص اليسير لا حكم له في أشياء كثيرة. كالعمل اليسير في الصلاة. وانكشاف يسير من العورة، والعفو عن يسير الدم، فكذا هنا. فإن كان النقص بينا كالدانقين لم تجب. (و) النصاب (في ثمر وزرع تحديد) كالماشية. فلو نقص يسيرا لم تجب. (وقيل) النصاب في ثمر وزرع (تقريب) كالاثمان (فلا يؤثر) نقص (نحو رطلين) بنحو البغدادي، (ومدين. ويؤثران) أي نقصهما (على) القول (الاول) وعليه المعول. (وعليهما) أي القولين (لا اعتبار بنقص بتداخل في المكاييل كالاوقية) فلا يمنع نقصها الوجوب. (وتجب) الزكاة (فيما زاد على النصاب بالحساب) لعموم ما يأتي في أبوابه. (إلا في السائمة، فلا زكاة في وقصها) لما روى أبو عبيد في غريبه مرفوعا: ليس في الاوقاص صدقة وقال: الوقص: ما بين النصابين، وفي حديث معاذ: أنه قيل له: أمرت في الاوقاص بشئ؟ قال: لا. وسأسأل النبي (ص)، فسأله. فقال: لا رواه الدارقطني. فعلى هذا: لو كان له تسع من الابل مغصوبة، فأخذ منها بعيرا بعد الحول، زكاه بخمس شاة. (الرابع) من شروط الزكاة (تمام الملك) في الجملة، قاله في الفروع. لان الملك الناقص ليس نعمة كاملة. وهي إنما تجب في مقابلتها، إذ الملك التام عبارة عما كان بيده لم يتعلق به غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده حاصلة له، قاله أبو المعالي. تنبيه: قال في الفروع: النصاب الزكوي سبب لوجوب الزكاة، وكما يدخل فيه تمام الملك يدخل فيه من تجب عليه. أو يقال: الاسلام والحرية شرطان للسبب، فعدمهما مانع من صحة السبب وانعقاده، وذكر غير واحد هذه الاربعة شروطا للوجوب كالحول، فإنه شرط للوجوب، بلا خلاف، لا أثر له في السبب. (فلا زكاة في دين الكتابة) لعدم استقراره، لانه يملك تعجيز نفسه، ويمتنع من الاداء، ولهذا لا يصح ضمانها. (ولا) زكاة (في السائمة وغيرها الموقوفة على غير معين، كالمساكين، أو على مسجد ورباط ونحوهما) كمدرسة،

[ 197 ]

لعدم ملكهم لها (كمال موصى به في غير وجوه بر) أي خيرات من غزو ونحوه. (أو) مال موصى به (يشتري به ما يوقف، فإن اتجر به وصى قبل مصرفه) فيما وصى به. (فربح) المال (فربحه مع أصل المال) يصرف (فيما وصى فيه) لتبعية الربح للاصل. (ولا زكاة فيهما) لعدم المالك المعين (وإن خسر) المال (ضمن) الوصي (النقص) لمخالفته إذن. (وتجب) الزكاة (في سائمة) موقوفة على معين. كزيد أو عمرو، للعموم، وكسائر أملاكه. وقال في التلخيص: الاشبه أنه لا زكاة، وقدمه في الكافي لنقصه. (و) تجب الزكاة في (غلة أرض، و) غلة (شجر موقوفة على معين) إن بلغت الغلة نصابا، نص عليه. لان الزرع والثمر ليس وقفا، بدليل بيعه. (ويخرج من غير السائمة) كالزرع والثمر. لانه ملكه. بخلاف السائمة. فلا يخرج منها. لان الوقف لا يجوز نقل الملك فيه. (فإن كانوا) أي الموقوف عليهم المعينون (جماعة، وبلغ نصيب كل واحد من غلته) أي الموقوف من أرض أو شجر (نصابا، وجبت) الزكاة. وكذا لو بلغت حصة بعضهم نصابا. وجبت عليه (وإلا) أي وإن لم تبلغ حصة أحد منهم نصابا (فلا) زكاة عليهم. لانه لا أثر للخلطة في غير الماشية، (ولا في حصة مضارب) من الربح (قبل القسمة، ولو ملكت) أي ولو قلنا: تملك (بالظهور) لعدم استقرارها. (فلا ينعقد عليها الحول قبل استقرارها) بالقسمة أو ما جرى مجراها. (ويزكي رب المال حصته منه) أي من الربح. (كالاصل) أي رأس المال (لملكه) الربح (بظهوره) وتبعيته لما له. بخلاف المضارب. ولا يجب على رب المال زكاة حصة المضارب من الربح. لانه غير مالك لها. (فلو دفع) حر مسلم (إلى رجل ألفا مضاربة، على أن الربح بينهما نصفين، فحال الحول وقد ربح) المال (ألفين. فعلى رب المال زكاة ألفين) رأس المال وحصته من الربح. (فإن أداها) أي زكاة الالفين (منه) أي من مال المضاربة (حسب) ما أداه (من المال

[ 198 ]

والربح، فينقص ربع عشر رأس المال) وهو خمسة وعشرون. فيصير رأس المال تسعمائة وخمسة وسبعين. (والمال الموصى به) لمعين (يزكيه من حال الحول وهو على ملكه) سواء الموصي والموصى له. (ولو وصى بنفع نصاب سائمة زكاها مالك الاصل) كالموجودة، (ومن له دين على ملئ) أي قادر على وفائه، (باذل) للدين (من قرض أو دين، عروض تجارة أو مبيع لم يقبضه) كموصوف في الذمة (بشرط الخيار أولا، أو دين سلم إن كان) دين السلم (للتجارة، ولم يكن أثمانا). هكذا عبارة الانصاف والفروع والمبدع. وذكر في المنتهى: لا تجب في دين سلم، ما لم يكن أثمانا أو للتجارة، انتهى. وعليه: يحمل كلام المصنف بجعل الواو للحال. أي إن كان للتجارة في حال كونه غير أثمان. فإن كان أثمانا لم يعتبر كونها للتجارة. (أو ثمن مبيع أو رأس مال قبل قبض عوضهما) أي عوض ثمن المبيع، وهو المبيع، وعوض رأس مال سلم، وهو المسلم فيه. وإنما يتصور ذلك في رأس مال السلم ما داما بالمجلس. ولم ينبه عليه للعلم به، مما يأتي في بابه. (ولو انفسخ العقد) أي عقد البيع أو السلم بإقالة أو غيرها فلا تسقط زكاته. (أو) دين من (صداق أو عوض خلع أو أجرة) بأن تزوجها على مائة في ذمته، أو سألته الخلع بذلك، أو استأجر منه شيئا كذلك، فيجري ذلك في حول الزكاة (بالعقد قبل القبض. وإن لم تستوف) منه (المنفعة) المعقود عليها في النكاح أو الاجارة لملك هذه الاشياء بالعقد. (وكذا كل دين لا في مقابلة مال، أو) في مقابلة (مال غير زكوي، كموصى به وموروث، وثمن مسكن ونحو ذلك) كقيمة عبد متلف، وجعل بعد عمل، ومصالح به عن دم عمد. (جرى في حول الزكاة من حين ملكه، عينا كان أو دينا) لان الملك في جميعه مستقر، وتعريضه للزوال لا تأثير له. وهو ظاهر إجماع الصحابة ذكره في المبدع في الصداق وعوض الخلع والاجرة والصداق، وعوض الخلع إذا كان مبهما استقبل به حول من تعيينه. (من غير بهيمة الانعام، لا) إن كان

[ 199 ]

الدين (منها) أي من بهيمة الانعام، فلا زكاة فيه، كما لو اشترى أربعين شاة موصوفة في الذمة (لاشتراط السوم فيها. فإن عينت زكيت كغيرها. وكذا الدية الواجبة لا تزكى. لانها لم تتعين مالا زكويا) لان الابل في الدية أحد الاصول الخمسة. وقوله (زكاه) أي الدين المذكور (إذا قبضه، أو) قبض (شيئا منه) جواب قوله: ومن له دين، لجريانه في حول الزكاة لما سبق. (فكلما قبض شيئا) من الدين (أخرج زكاته) لما مضى (ولو لم يبلغ المقبوض نصابا) حيث بلغ أصله نصابا ولو بالضم إلى غيره. روى أحمد عن علي وابن عمر وعائشة: لا زكاة في الدين حتى يقبض، ذكره أ بوبكر بإسناده، ولم يعرف لهم مخالف. (ولو أبرأ منه) أي من الدين أو بعضه فيزكيه (لما مضى)، وسواء (قصد ببقائه) أي الدين (عليه) أي المدين (الفرار من الزكاة أو لا)، وسواء كان المدين يزكيه أو لا. (ويجزئ إخراجها) أي زكاة الدين (قبل قبضه) لقيام الوجوب على رب الدين، وعدم إلزامه بالاخراج قبل قبضه رخصة. فليس كتعجيل الزكاة. (ولو كان في يده) أي الحر المسلم (بعض نصاب وباقيه دين، أو غصب أو ضال، زكى ما بيده) لتمكنه من إخراج زكاته وتمام النصاب. (ولعله فيما إذا ظن رجوعه) أي الضال، وإلا لم يتحقق ملك النصاب. (وكل دين) من صداق أو غيره (سقط قبل قبضه) حال كونه (لم يتعوض عنه) أي لم يأخذ عنه عوضا، ولم يبرئ منه (كنصف صداق) سقط عن الزوج (قبل قبضه بطلاق)، أو نحوه قبل الدخول، (أو) كصداق سقط (كله لانفساخه من جهتها) كفسخها لعيبه قبل الدخول، (فلا زكاة فيه) لانها وجبت على سبيل المواساة، ولم يقبض الدين. ولا يلزمه إخراجها. وكذا لو اشترى مكيلا أو موزونا ونحوه بنصاب أثمان، وحال عليها الحول، ثم تلف المبيع قبل قبضه: انفسخ البيع، وسقطت الزكاة، لسقوط الثمن عن المشتري، بلا إبراء ولا إسقاط. وكذا لو تعلق بذمة رقيق دين، ثم اشتراه رب الدين سقط. وسقطت زكاته لما ذكر. (وإن أسقطه) أي الدين (ربه) بأن أبرأ منه (زكاه، وإن أخذ به) أي الدين (عوضا أو أحال) عليه

[ 200 ]

(أو احتال) به (زكاه) لان ذلك كقبضه، (كعين) تجب فيها الزكاة وديعة أو نحوها. (وهبها) مالكها بعد الحول لمن كانت عنده. فلا تسقط زكاتها عنه لاستقرارها عليه. (وللبائع إخراج زكاة مبيع) مشروط (فيه خيار منه) أي من المبيع، لسبق تعلق الزكاة به على المبيع. (فيبطل البيع في قدره) أي قدر ما أخرجه عن الزكاة، لتفويته إياه على المشتري. (وإن زكت) المرأة (صداقها كله ثم تنصف) الصداق (بطلاق) أو نحوه (رجع) الزوج (فيما بقي) من الصداق (بكل حقه) وهو النصف تاما. لقوله تعالى: * (فنصف ما فرضتم) * والزكاة فاتت عليها، لان الملك كان لها. (ولا يجزيها) أي المطلقة (زكاتها منه) أي من الصداق (بعد طلاق) أو نحوه مما يتصفه. (لانه مشترك) فلا تتصرف فيه بغير إذن الشريك قبل القسمة. (ومتى لم تزكه) ثم طلق أو نحوه قبل الدخول (رجع بنصفه كاملا) للآية: (وتزكيه) أي الصداق كله (هي) لجريانه في ملكها إلى الحول. وكذا لو سقط كله لفسخها لعيب ونحوه قبل الدخول، فيرجع عليها بجميع الصداق وزكاته إن مضى حول فأكثر عليها. (وتجب) الزكاة (أيضا في دين على غير ملئ) وهو المعسر، (و) دين (على مماطل. وفي) دين (مؤجل. و) في (مجحود ببينة أو لا) لصحة الحوالة به والابراء منه، فيزكي ذلك إذا قبضه، لما مضى من السنين، رواه أبو عبيدة عن علي وابن عباس للعموم كسائر ماله. (وتجب) الزكاة أيضا (في مغصوب في جميع الحول، أو) في (بعضه) بيد الغاصب أو من انتقل إليه من الغاصب، وكذا لو كان تالفا، لانه مال يجوز التصرف فيه بالابراء منه والحوالة به وعليه. أشبه الدين على الملئ، فيزكيه مالكه إذا قبضه، لما مضى من السنين. (ويرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة) أي زكاة المال المغصوب زمن غصبه، أي المال (بيده) أي الغاصب (كتلفه) أي تلف المغصوب بيد الغاصب، (فإنه يضمنه) فكذا نقصه (وتجب) الزكاة (في) مال (ضائع كلقطة، ف‍) - زكاة (حول التعريف على ربها) أي اللقطة إذا وجدها (و) زكاة (ما بعده) أي بعد حول التعريف (على ملتقط)، لدخول اللقطة في ملكه بمضي حول التعريف بشرطه، كالارث، فتصير كسائر أمواله. (فإن أخرج الملتقط زكاتها) أي اللقطة (عليه) أي حال كون الزكاة على الملتقط، وذلك ما بعد حول التعريف (منها) أي اللقطة، (ثم أخذها) أي اللقطة (ربها، رجع) ربها (عليه) أي الملتقط (بما أخرج) من اللقطة،

[ 201 ]

لتصرفه فيه وصيرورتها مضمونة عليه بمضي حول التعريف، كما لو تلفت، وإن أخرج الملتقط الزكاة لحول التعريف، لم يجز عن ربها، ويضمنها أيضا إن أخرجها منها لتعدية. (وتجب) الزكاة أيضا (في مسروق ومدفون ومنسي في داره أو غيرها، أو) مال (مذكور) أي معروف له، لكن (جهل عند من هو؟ وفي موروث) ولو جهله أو عند من هو، (ومرهون، ويخرجها الراهن منه) أي من المرهون (إن أذن له المرتهن، أو لم يكن له مال يؤدي منه) الزكاة غير المرهون، كأرش جناية العبد المرهون على دينه، (وإلا) بأن كان للمرتهن مال يؤدي منه الزكاة غير الرهن، (ف‍) - إنه يؤديها (من غيره) لتعلق حق المرتهن به. (وتجب في مبيع ولو كان في خيار) ولو (قبل القبض) أي قبض المشتري إياه، قال في المبدع: وتجب في مبيع قبل القبض. جزم به جماعة فيزكيه المشتري مطلقا، انتهى. وهذا معنى ما تقدم. وسواء كان دينا أو عينا، لان زكاة الدين على من هو له، لا على من هو عليه. (فيزكي بائع مبيعا غير متعين ولا متميز) كالموصوف في الذمة، بأن باعه مثلا أربعين شاة موصوفة في الذمة، وعنده أربعون بهذه الصفة، فزكاتها على البائع حتى يقبضها المشتري. لعدم دخولها في ملكه. لكن تسميتها مبيعا فيه تسمح، لانها على صفة المبيع. وإنما المبيع في الذمة، أي شئ سلمه عنه بالصفات لزم قبوله. ومحله أيضا: إذا لم ينقص النصاب، بها وإلا فيأتي: لا زكاة على من عليه دين وينقص النصاب. ولا زكاة على المشتري للمبيع في المثال. لانه دين بهيمة الانعام، لا زكاة فيه لعدم السوم كما تقدم. وأما إن كان المبيع الموصوف في الذمة ذهبا أو فضة أو عروض تجارة. فزكاته على المشتري، كما تقدم. ويزكي البائع ما بيده بأوصافه سوى ما يقابله على ما سبق. (ومشتر يزكي غيره) أي مبيعا متعينا أو متميزا. ومثل ابن قندس المتعين بنصاب سائمة معين أو موصوف من قطيع معين، والمتميز بهذه الاربعين شاة. قال: فكل متميزة متعينة، وليس كل متعينة متميزة. وذكر في شرح المنتهى: أن غير المتميز كصنف مشاعا في زبرة فضة وزنها أربعمائة درهم. يزكيه البائع، انتهى. وفيه نظر ظاهر. (وتجب) الزكاة (في مال مودع) بشرطه كغيره،

[ 202 ]

(وليس للمودع إخراجها) أي الزكاة (منه) أي المودع (بغير إذن مالكها) أي الوديعة، لانه افتيات عليه. (و) تجب الزكاة (في) مال (غائب مع عبده أو وكيله) لما تقدم. (ولو أسر رب المال أو حبس ومنع من التصرف في ماله، لم تسقط زكاته) لعدم زوال ملكه عنه. (ولا زكاة في) مال (من عليه دين يستغرق النصاب) سواء حجر عليه للفلس أو لا. (أو) عليه دين (ينقصه) أي النصاب، (ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب، أو) يجد (ما) يقضي به الدين غير النصاب، لكنه (لا يستغني عنه) كمسكنه وكتب علم يحتاجها وثيابه وخادمه، فلا زكاة عليه. (ولو كان الدين من غير جنس المال) المزكى (حتى دين خراج، و) حتى (أرش جناية عبيد التجارة، و) حتى (ما استدانه لمؤنة حصاد وجذاذ ودياس)، ينبغي حمل ذلك على ما استدانه لذلك قبل وجوب الزكاة في الزرع والثمر وإلا فلا. قال في الفروع في باب زكاة الزرع والثمر: ولا ينقص النصاب بمؤنة حصاد ودياس وغيرهما منه، لسبق الوجوب. وقال صاحب الرعاية: يحتمل ضده، كالخراج، انتهى. وجزم في المنتهى بمعنى ما قدمه في الفروع. وجزم به أيضا المصنف فيما يأتي. (و) حتى دين (كراء أرض) أي أجرتها، (ونحوه) كأجرة حرث، (لا دينا بسبب ضمان)، كالضامن والغاصب إذا غصبت منه العين، وتلفت عند الثاني ونحوهما. فلا يمنع هذا الدين وجوب الزكاة عن الضامن، ولا عن الغاصب الاول. وإن كان المالك متمكنا من مطالبتهما لان منع الدين في أكثر من قدره إجحاف بالفقراء. وتوزيعه على الجهتين لا قائل به. فتعين مقابلته بجهة الاصل. لترجحها لا سيما إذا كان الضامن ممن يرجع إذا أدى، لانه لا قرار عليه، إذا تقرر أن الدين مانع من وجوب الزكاة. (فيمنع) الدين (وجوبها) أي الزكاة (في قدره حالا كان الدين أو مؤجلا في الاموال الباطنة كالاثمان وقيم عروض التجارة والمعدن و) الاموال (الظاهرة كالمواشي والحبوب والثمار) لقول عثمان: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه وليزك ما بقي، رواه سعيد وأبو عبيد، واحتج به أحمد. (ومعنى قولنا: يمنع) الدين وجوب الزكاة (بقدره: أنا نسقط من المال بقدر الدين) المانع، (كأنه غير مالك له) لاستحقاق صرفه لجهة الدين، (ثم يزكي) المدين (ما بقي) من المال إن بلغ نصابا تاما. (فلو كان له مائة من الغنم وعليه ما) أي دين (يقابل ستين) منها، (فعليه زكاة الاربعين) الباقية لانها نصاب تام. (فإن قابل) الدين (إحدى

[ 203 ]

وستين فلا زكاة عليه، لانه) أي الدين (ينقص النصاب) فيمنع الزكاة، (ومن كان له عرض قنية يباع لو أفلس) أي حجر عليه لفلس، كعقار وأثاث لا يحتاجه، وكان ثمنه (يفي بما عليه من الدين)، ومعه مال زكوي (جعل) الدين (في مقابلة ما معه) من المال الزكي، (فلا يزكيه) لئلا يخل بالمواساة، ولان عرض القنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيه. فكذا فيما يمنعها (وكذا من بيده ألف وله على ملئ) دين (ألف، وعليه) دين (ألف)، فيجعل الالف الذي بيده في مقابلة ما عليه، فلا يزكيه، وأما الدين فيزكيه إذا قبضه. تتمة: لو كان له مالان من جنسين وعليه دين يقابل أحدهما، جعله في مقابلة ما يقضي منه. وإن كانا من جنس جعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته، تحصيلا لحظهم، قاله في الكافي. (ولا يمنع الدين خمس الركاز) لانه بالقيمة أشبه، ولذلك لم يعتبر له نصاب ولا حول. (ومتى أبرئ المدين) من الدين (أو قضى) الدين (من مال مستحدث) من إرث أو وصية أو هبة ونحوها (ابتدأ)، أي استأنف بما في يده من المال الزكوي (حولا) من حين البراءة، لان ما منع وجوب الزكاة منع انعقاد الحول وقطعه (وحكم دين الله) تعالى (من كفارة وزكاة ونذر مطلق ودين حج ونحوه) كإطعام في قضاء رمضان. (كدين آدمي) في منعه وجوب الزكاة في قدره لوجوب قضائه. وقوله (ص): دين الله أحق أن يقضى (فإن قال: لله علي أن أتصدق بهذا) مشيرا إلى نصاب زكوي (أو) قال: (هو صدقة. فحال الحول) قبل إخراجه (فلا زكاة فيه)، لزوال ملكه عنه. أو نقصه (وإن قال: لله علي أن أتصدق بهذا النصاب إذا حال عليه الحول وجبت الزكاة) فيه إذا حال عليه الحول قبل

[ 204 ]

إخراجه، لان ملكه عليه تام، لانه لا يلزمه إخراجه قبل الحول. (وتجزئه الزكاة منه. ويبرأ) الناذر (بقدرها) أي الزكاة (من الزكاة والنذر إن نواهما معا) لان كلا منهما صدقة، كما لو نوى بركعتين التحية والراتبة، (وكذا لو نذر الصدقة ببعض النصاب) فيكون كما لو نذر الصدقة به كله، فلو نذر أن يتصدق بعشر من الاربعين وحال الحول، فلا زكاة فيها، وإن نذر أن يتصدق بالعشر إذا حال الحول وجبت الزكاة، وأجزأته منها، وبرئ بقدرها من الزكاة والنذر إن نواهما معا. (الخامس) من شروط وجوب الزكاة (مضي الحول)، وفي نسخ شرط على نصاب تمام الحول لحديث عائشة مرفوعا: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول رواه ابن ماجه من رواية حارثة بن محمد. وقد ضعفه جماعة، وقال النسائي: متروك وروى الترمذي معناه من حديث ابن عمر من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقد تكلم فيه غير واحد. ورفقا بالمالك. وليتكامل النماء فيواسي منه. (ويعفى عن) نقص (نحو ساعتين) وكذا نصف يوم، قطع به في المبدع والمنتهى، وصححه في تصحيح الفروع. وفي المحرر، وقال جماعة: لا يؤثر في نقصه دون اليوم. لانه لا ينضبط غالبا ولا يسمى في العرف نقصا، (إلا في الخارج من الارض) وما في حكمه كالعسل. لقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * وذلك ينفي اعتباره في الثمار والحبوب، وأما العسل والمعدن والركاز فبالقياس عليهما، ولان هذه الاشياء نماء في نفسها. تؤخذ الزكاة منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها زكاة ثانية لعدم إرصادها للنماء، إلا المعدن من الاثمان، فتجب فيها عند كل حول، لانها مظنة النماء من حيث إنها قيم الاموال. (فإذا استفاد مالا، ولو) كان المال (من غير جنس ما يملكه، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)، لما تقدم (إلا نتاج السائمة) بكسر النون (و) إلا (ربح التجارة فإن حوله) أي ما ذكر من الربح والنتاج (حول أصله) فيضمان إليه (إن كان أصله نصابا) لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة

[ 205 ]

ولا تأخذها منهم، رواه مالك. ولقول علي: عد عليهم الصغار والكبار. ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولان السائمة تختلف في وقت ولادتها. فإفراد كل واحدة يشق، فجعلت تبعا لامهاتها، ولانها تابعة لها في الملك فتتبعها في الحول، وربح التجارة كذلك معنى، فوجب أن يكون مثله حكما. (وإن لم يكن) الاصل (نصابا، فحوله من حين كمل النصاب) لانه حينئذ يتحقق فيه التبعية، فلذا وجبت فيه الزكاة، وقبل ذلك لا يجب فيه الزكاة لنقصانه عن النصاب. (ويضم المستفاد إلى نصاب بيده من جنسه) كما لو ملك عشرين مثقالا ذهبا في المحرم، ثم ملك عشرة مثاقيل في صفر، فتضم إلى العشرين الاولى، (أو في حكمه) أي حكم ما هو من جنسه، كمائة درهم فضة ملكها بعد عشرين مثقالا ذهبا، (ويزكى كل مال تم حوله) لوجود النصاب، ولو بالضم ومضي الحول. (ولا يعتبر النصاب في المستفاد) اكتفاء بضمه إلى جنسه، أو ما في حكمه. (وإن كان) المستفاد (من غير جنس النصاب ولا في حكمه، فله حكم نفسه) فإن بلغ نصابا زكاه إذا تم حوله، وإلا فلا، فلو ملك أربعين شاة في المحرم، ثم ثلاثين بقرة في صفر، زكى كلا عند تمام حوله، بخلاف ما لو ملك عشرين بقرة، (فلا يضم) المستفاد من غير الجنس (إلى ما عنده في حول ولا نصاب) لمخالفته له في الحكم حقيقة وحكما. (ولا شئ فيه) أي المستفاد (إن لم يكن نصابا) لفقد شرط الزكاة. (ولا يبنى وارث على حول مورث) نص عليه في رواية الميموني. (بل يستأنف حولا) من حين ملكه، (وإن ملك نصابا صغارا انعقد عليه الحول من حين ملكه) لعموم قوله (ص): في أربعين شاة شاة لانها تقع على الكبير والصغير، ولقول أبي بكر: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى النبي (ص) لقاتلتهم على منعها وهي لا تجب في الكبار. (فلو تغذت) الصغار (باللبن فقط، لم تجب) الزكاة (لعدم السوم) اختاره المجد، وقيل: تجب لوجوبها فيها تبعا للامهات. (ولا ينقطع) الحول (بموت الامهات والنصاب تام بالنتاج)

[ 206 ]

الجملة حالية، فإن لم يكن النصاب تاما انقطع لنقص النصاب. (ولا) ينقطع الحول (ببيع فاسد) لانه لا ينقل الملك. إن لم يحكم به من يراه. (ومتى نقص النصاب في بعض الحول) انقطع لان وجود النصاب في جميع الحول شرط للوجوب، ولم يوجد. وظاهره سواء كان النقص في وسط الحول أو طرفيه، وعدم العفو عنه مطلقا، لكن اليسير معفو عنه، كالحبة والحبتين في الاثمان، وعروض التجارة، لما تقدم. (أو باعه) أي النصاب بغير جنسه ولو بشرط الخيار. (أو أبدله بغير جنسه) كمن باع أو أبدل أربعين شاة بثلاثين من البقر. انقطع الحول لما تقدم. (أو ارتد مالكه) أي النصاب (انقطع الحول) لفوات أهليته للوجوب (إلا في إبدال ذهب بفضة وعكسه) كإبدال فضة بذهب، (وعروض تجارة) أبدلت بأثمان أو عروض تجارة. (و) إلا في (أموال الصيارف) فلا ينقطع الحول في هذه بالابدال لانها في حكم الجنس الواحد في ضم بعضها إلى بعض، ولذلك تجزئ زكاة الذهب من الفضة وعكسه. وعروض التجارة في الزكاة قيمتها لا عينها، كما يأتي. وعطف أموال الصيارف على ما تقدم من عطف الخاص على العام، لانها لا تخرج عنه. (ويخرج) الزكاة (مما معه عند وجوب الزكاة) أي تمام الحول ذهبا كان أو فضة، وعروض التجارة يخرج من قيمتها كما يأتي. (ولا ينقطع) الحول (فيما أبدل بجنسه مما تجب الزكاة في عينه) كالغنم والبقر، وخمس وعشرين فأكثر من إبل (حتى لو أبدل نصابا من السائمة بنصابين) كثلاثين بقرة أبدلها بستين بقرة، (زكاهما) إذا تم حول الاول، كنتاج، نص عليه. قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بضعفها من الغنم، أعليه أن يزكيها كلها، أم يعطي زكاة الاصل؟ قال: بل يزكيها على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي. لان نماءها معها. قلت: فإن كانت للتجارة؟ قال: يزكيها كلها على حديث حماس. فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول. وإن كان عنده مائتان فباعها بمائة، فعليه زكاة مائة. (ولو أبدل نصاب سائمة بمثله، ثم ظهر على عيب بعد أن وجبت الزكاة) أو تم الحول (فله

[ 207 ]

الرد) للعيب (ولا تسقط الزكاة عنه) لاستقرارها بمضي الحول، كما لو تلف النصاب. (فإن أخرج) الزكاة (من النصاب، فله رد ما بقي) منه لعيبه (ويرد قيمة المخرج) لانه فوته على ربه. (والقول قوله) بيمينه (في قيمته) حيث لا بينة، لانه غارم (وإن أبدله بغير جنسه) كغنم ببقر، (ثم رد عليه بعيب ونحوه) كغبن أو تدليس، أو خيار شرط، أو اختلاف في الصفة (استأنف الحول) من حين الرد، لانه ابتداء ملكه، كما لو رد هو لذلك. تنبيه: عطفه الابدال على البيع: دليل على أنهما غيران قال أبو المعالي: المبادلة، هل هي بيع؟ فيه روايتان. ثم ذكر نصه بجواز إبدال المصحف لا بيعه، وقول أحمد: المعاطاة بيع والمبادلة معاطاة. وبعض أصحابنا عبر بالبيع، وبعضهم بالابدال. ودليلهم يقتضي التسوية. قاله في المبدع. (ومتى قصد ببيع ونحوه) مما تقدم كإتلاف (الفرار من الزكاة بعد مضي أكثر الحول حرم. ولم تسقط) الزكاة بذلك. لقوله تعالى: * (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) * - الآيات. فعاقبهم الله تعالى بذلك، لفرارهم من الزكاة. ولانه قصد به إسقاط حق غيره، فلم يسقط. كالمطلق في مرض موته. وقوله: بعد مضي أكثر الحول: هو ما صححه ابن تميم. وفي المقنع: عند قرب وجوبها. وفي الرعاية: قبل الحول بيومين. وقيل: أو بشهرين، لا أزيد. قال في المبدع: والمذهب أنه إذا فعل ذلك فرارا منها، لا تسقط مطلقا، أطلقه أحمد اه‍. وتبعه في المنتهى (ويزكي) البائع ونحوه (من جنس المبيع لذلك الحول) الذي وقع الفرار فيه، دون ما بعده. لعدم تحقق التحيل فيه. (وإن قال) من باع النصاب ونحوه (لم أقصد الفرار) من الزكاة (فإن دلت قرينة عليه) أي على الفرار، عمل بها ورد قوله (وإلا) بأن لم تكن ثم قرينة (قبل قوله) في قصده، لانه لا يعلم إلا منه، ولا يستحلف. (وإذا تم الحول، وجبت الزكاة في عين المال) الذي تجزئ زكاته منه، كالذهب والفضة، والبقر والغنم السائمة، وخمس وعشرين فأكثر من الابل، والحبوب والثمار، والمعدن من النقدين، لقوله تعالى: * (في أموالهم حق معلوم) * وقوله (ص): في أربعين شاة شاة وقوله: فيما سقت السماء

[ 208 ]

العشر وقوله: هاتوا صداقة الرقة، من كل أربعين درهما درهما وفي للظرفية. ومن للتبعيض، ولان الزكاة تختلف باختلاف أجناس المال وصفاته، حتى وجب في الجيد والوسط والردئ ما يليق به. فعلم أنها متعلقة بعينه لا بالذمة، تحقيقا لمعنى المواساة فيها. وعكس ذلك زكاة الفطر. و (لا) يجب إخراج الزكاة (من عينه) أي عين المال المزكى. فيجوز إخراجها من غيره، وذلك لا يمنع تعلقها بالعين، كالعبد الجاني إذا فداه سيده، وحيث تقرر أن الزكاة تجب في عين النصاب. (فإذا مضى حولان فأكثر على نصاب) فقط (لم يؤد زكاته، فزكاة واحدة) أي زكاة عام واحد ولو كان يملك مالا كثيرا من غير جنس النصاب الذي وجبت فيه الزكاة، ولم يكن عليه دين، لان الزكاة تعلقت في الحول الاول بقدرها من النصاب، فلم يجب فيه فيما بعد الحول الاول زكاة، لنقصه عن النصاب. (وإن كان) المزكي (أكثر من نصاب) كاثنين وأربعين شاة، (نقص من زكاته لكل حول بقدر نقصه) أي المال (بها) أي بالزكاة. لان مقدار الزكاة صار مستحقا للفقراء، فهو كالمعدوم. ففي المثال: لو مضى خمسة أحوال، فعليه ثلاث شياه فقط. ولو كان له أربعمائة درهم فضة، ومضى عليها حولان، وجب تسعة عشر درهما ونصف درهم وربعه، للحول الاول: عشرة، والباقي للحول الثاني. ونقص الربع لتعلق حق أهل الزكاة بالعشر فتسقط عنه زكاتها في الحول الثاني. وهكذا (إلا ما كان زكاته الغنم من الابل) وهو ما دون خمس وعشرين، (ف‍) - تجب زكاته (في الذمة) كعروض التجارة، لان الفرض يجب من غير المال المزكى، فلا يمكن تعلقه بعينه. (وتتكرر) زكاته (بتكرار الاحوال) لعدم تعلقها بالمال (ففي خمس وعشرين بعيرا لثلاثة أحول) مضت و (لاول حول: بنت مخاض) لعدم المعارض (ثم) عليه (ثمان شياه، لكل حول أربع شياه). وكذا لو مضى بعد ذلك أحوال ولو بلغت قيم الشياه الواجبة أكثر من خمس من الابل، إلا أن تكون دينا عليه، ولا مال له غيرها، فتمتنع فيما يقابلها كما تقدم. (فلو لم يكن له إلا خمس من الابل، امتنعت زكاة الحول الثاني، لكونها دينا) فينقص بها النصاب، فلا ينعقد عليها الحول. (ولو باع) من وجبت عليه الزكاة

[ 209 ]

(النصاب كله، تعلقت الزكاة بذمته، وصح البيع) كبيع السيد عبده الجاني. (ويأتي قريبا، وتعلق الزكاة بالنصاب) حيث تعلقت به (كتعلق أرش جناية) برقبة العبد الجاني، وكتعلق الدين بالتركة (لا كتعلق دين برهن) أي مرهون. (ولا) كتعلق دين الغرماء (بمال محجور عليه لفلس، ولا) ك‍ (- تعلق شركة) فلا يصير الفقراء شركاء رب النصاب فيه، ولا في نمائه، إذا تقرر أن تعلق الزكاة كأرش الجناية (فله) أي المالك (إخراجها) أي الزكاة (من غيره) أي النصاب. كما أن للسيد فداء عبده الجاني، بخلاف تعلق الشركة. (والنماء بعد وجوبها) أي الزكاة (له) أي للمالك. لا يشاركه فيه الفقراء. ككسب الجاني (ولو أتلفه) أي أتلف المالك النصاب بعد وجوب الزكاة (لزمه ما وجب في التالف) وهو قدر زكاته (لا قيمته) أي النصاب، كما لو قتل السيد عبده الجاني. ولو كان أرش الجناية دون قيمته، بخلاف الراهن إذا أتلف المرهون، تلزمه قيمته مكانه. (ويتصرف) المالك (فيه) أي النصاب (ببيع وغيره) كما يتصرف السيد في الجاني بخلاف الراهن والمحجور عليه لفلس، والشريك (ولا يرجع بائع بعد لزوم بيع في قدرها) أي الزكاة، حيث قدر على إخراجها من غيره (ويخرجها) أي الزكاة البائع، كما لو باع السيد عبده الجاني لزمه فداؤه، ولزمه البيع (فإن تعذر) على البائع إخراج الزكاة من غير البيع (فسخ في قدرها) أي الزكاة، لسبق وجوبها، ومحل ذلك (إن صدقه مشتر) على وجوب الزكاة قبل البيع، وعجزه عن إخراجها من غيره، أو ثبت ذلك ببينة، وإلا لم يقبل قول البائع عليه. (ولمشتر الخيار) إذا رجع البائع في قدر الزكاة بشرطه، لتفرق الصفقة في حقه (فتجب) الزكاة (بمضي الحول) على النصاب في ملك الحر المسلم التام الملك. (ولا يعتبر في وجوبها إمكان الاداء) لمفهوم: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول فإنه يدل على الوجوب بعد الحول مطلقا. ولانها حق للفقير، فلم يعتبر فيها إمكان الاداء كدين الآدمي، ولانه لو اشترط لم ينعقد الحول الثاني، حتى يتمكن من الاداء، وليس كذلك بل ينعقد عقب الاول إجماعا، ولانها عبادة، فلا يشترط لوجوبها إمكان الاداء، كسائر العبادات، فإن الصوم يجب على المريض والحائض والعاجز عن أدائه (لكن لو كان النصاب غائبا عن البلد) أو مغصوبا أو ضالا ونحوه (لا يقدر على الاخراج منه، لم يلزمه إخراج زكاته، حتى يتمكن من الاداء منه) لما تقدم، فإمكان الاداء شرط لوجوب الاخراج

[ 210 ]

لا لوجوب الزكاة (ولو أتلف المال بعد الحول قبل التمكن) من إخراجها (ضمنها) لاستقرارها بمضي الحول (ولا تسقط بتلف المال) لانها عين تلزمه مؤنة تسليمها إلى مستحقيها. فضمنها بتلفها في يده. كعارية وغصب، وكدين الآدمي. فلا يعتبر بقاء المال (إلا الزرع والثمر، إذا تلف بجائحة قبل حصاد وجذاذ) أو بعدهما قبل وضع في جرين ونحوه، لعدم استقرارها قبل ذلك. (ويأتي) في باب زكاة الخارج من الارض (و) إلا (ما لم يدخل تحت اليد، كالديون) إذا سقطت بلا عوض، ولا إسقاط، فتسقط زكاتها (وتقدم معناه) آنفا. وكذا لا يضمن زكاة دينه إذا مات المدين مفلسا. (وديون الله تعالى من الزكاة والكفارة والنذر غير المعين، ودين حج سواء) لعموم قوله (ص): دين الله أحق بالقضاء، (فإذا مات من عليه منها) أي من ديون الله (زكاة أو غيرها بعد وجوبها، لم تسقط) لانها حق واجب تصح الوصية به، فلم تسقط بالموت، كدين الآدمي. (وأخذت من تركته) نص عليه. لقوله (ص): فدين الله أحق بالقضاء. (فيخرجها وارث) لقيامه مقام مورثه (فإن كان) الوارث (صغيرا فوليه) يخرجها لقيامه مقامه، ثم الحاكم، وسواء وصى بها أو لا، كالعشر (فإن كان معها) أي الزكاة ونحوها من ديون الله تعالى (دين آدمي) بلا رهق. (وضاق ماله) أي الميت. (اقتسموا) التركة (بالحصص) كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال. (إلا إذا كان به) أي دين الآدمي (رهن فيقدم) الآدمي بدينه من الرهن. فإن فضل شئ صرف في الزكاة ونحوها (وتقدم أضحية معينة عليه) أي على الدين. فلا يجوز بيعها فيه، سواء كان له وفاء أو لم يكن، لانه تعين ذبحها، فلم تبع في دينه، كما لو كان حيا. وتقوم ورثته مقامه في ذبحها وتفرقتها. (ويقدم نذر بمعين على الزكاة وعلى الدين) لله تعالى، أو لغيره. فيصرف فيما عين له، دون الزكاة والدين، (وكذا لو أفلس حي) نذر الصدقة بمعين، وعين أضحية، وعليه زكاة ودين.

[ 211 ]

باب زكاة بهيمة الانعام وهي الابل البخاتي والعراب، والبقر الاهلية والوحشية، والغنم كذلك. سميت بهيمة: لانها لا تتكلم. قال عياض: النعم: الابل خاصة. فإذا قيل: الانعام، دخل فيه البقر والغنم. وبدأ بها اقتداء بكتاب الصديق الذي كتبه لانس رضي الله عنهما. أخرجه البخاري بطوله مفرقا. (ولا تجب) الزكاة (إلا في السائمة منها) لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي كتاب الصديق عنه (ص): وفي الغنم، في سائمتها، إذا كانت أربعين، ففيها شاة الحديث. فذكر السوم يدل على نفي الوجوب في غيرها. (للدر والنسل) زاد بعضهم: والتسمين دون العوامل. ويأتي (وهي) أي السائمة (التي ترعى مباحا كل الحول، أو أكثره، طرفا أو وسطا) يقال: سامت تسوم سوما إذا رعت، وأسمتها: إذا رعيتها. ومنه قوله تعالى: * (فيه تسيمون) * وإنما اعتبر السوم أكثر الحول، لان علف السوائم يقع في السنة كثيرا عادة، ووقوعه في جميع فصولها من غير عارض يقطعه أحيانا. كمطر أو ثلج أو برد أو خوف، أو غير ذلك، نادر فاعتبار السوم في كل العام إجحاف بالفقراء. والاكتفاء به في البعض إجحاف بالملاك. وفي اعتبار الاكثر تعديل بينهما ودفع لاعلى الضررين بأدناهما، وقد ألحق الاكثر بالكل في أحكام كثيرة. (فلو اشترى لها ما ترعاه، أو جمع لها ما تأكل) من مباح (أو اعتلفت بنفسها، أو أعلفها غاصب، أو) أعلفها (ربها ولو حراما. فلا زكاة) فيها. لعدم السوم (ولا تجب) الزكاة (في العوامل أكثر السنة، ولو لاجارة، ولو كانت سائمة نصا، كالابل التي تكرى) أي تؤجر. وكذا البقر التي تتخذ للحرث أو الطحن ونحوه. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (ص): ليس في العوامل صدقة رواه الدارقطني. (ولو نوى بالسائمة العمل لم تؤثر نيته، ما لم

[ 212 ]

يوجد العمل) لان الاصل عدمه. فلا يصار إليه بمجرد النية لضعفها. (ولو سامت بعض الحول، وعلفت بعضه، فالحكم للاكثر) فإن كان الاكثر السوم وجبت، وإلا لم تجب. وتقدم معناه (وتجب) الزكاة (في متولد بين سائمة ومعلوفة) تغليبا واحتياطا. (ولا يعتبر للسوم والعلف نية، فلو سامت) الماشية (بنفسها أو أسامها غاصب، وجبت) الزكاة (كغصبه حبا وزرعه في أرض ربه). ف‍ (- فيه العشر على مالكه كما لو نبت بلا زرع). أو حمله سيل إلى أرض ربه فصار زرعا. وينقطع السوم شرعا بقطعها عنه. بقصد قطع الطريق بها ونحوه، كحول التجارة بنية قنية عبيدها كذلك، أو ثيابها الحرير للبس محرم. (وهي) أي بهيمة الانعام (ثلاثة أنواع) كما تقدم (أحدها: الابل) بدأ بها لبداءة الشارع حين فرض زكاة الانعام، ولانها أهم. لكونها أعظم النعم أجساما وقيمة، وأكثر أموال العرب، ووجوب الزكاة فيها: مما أجمع عليه علماء الاسلام. (فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمسا) فهي أقل نصابها لقوله (ص): من لم يكن عنده إلا أربع من الابل فليس فيها صدقة. وليس فيما دون خمس ذود صدقة. (فتجب فيها) أي الخمس (شاة) إجماعا. لقوله (ص): إذا بلغت خمسا ففيها شاة. رواه البخاري. (بصفة الابل) المزكاة (جودة ورداءة) ففي كرام سمان كريمة سمينة، والعكس بالعكس (فإن كانت الابل معيبة) لا تجزئ في الاضحية (فالشاة) الواجبة فيها (صحيحة تنقص قيمتها بقدر نقص الابل) كشاة الغنم. فلو كان عنده خمس من الابل مراضا وحال عليها الحول. فيقال: لو كانت صحاحا كانت قيمتها مائة. وكانت الشاة التي تجب فيها قيمتها خمس، ثم قومت الابل مراضا بثمانين. فقد نقصت خمس قيمتها لو كانت صحاحا. فتجب فيها شاة قيمتها أربع، بحسب نقص الابل، وهو الخمس من قيمة الشاة. (فإن أخرج شاة معيبة) لا تجزئ في الاضحية لم تجزئه، كإخراجها عن الغنم (أو) أخرج (بعيرا، لم يجزئه) لانه عدل عن المنصوص عليه إلى غير جنسه، فلم يجزئه (ك‍) - ما لو أخرج (بقرة، وكنصفي شاتين) لان فيه تشقيصا على الفقراء. يلزم منه سوء الشركة الذي

[ 213 ]

شرعت الشفعة لازالته. وسواء كانت قيمة البعير أكثر من قيمة الشاة أو لا، وكما لو أخرج ذلك عن أربعين شاة. (وفي العشر) من الابل (شاتان، وفي خمس عشرة) بعيرا (ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه) إجماعا في ذلك كله، لقوله (ص) في حديث أبي بكر: في أربع وعشرين من الابل فما دونها، في كل خمس شاة. (فإن كانت الشاة من الضأن اعتبر أن يكون لها ستة أشهر، فأكثر، وإن كانت الشاة من المعز، ف‍) - المعتبر أن يكون لها (سنة فأكثر) كالاضحية، (وتكون) الشاة (أنثى، فلا يجزئ الذكر) كشاة الغنم، (وكذلك شاة الجبران) تكون أنثى، تم لها ستة أشهر، إن كانت من الضأن، أو سنة إن كانت من المعز. (وأيهما أخرج) أي ثني من المعز، أو جذع من الضأن (أجزأه) لتناول الشاة لهما. (ولا يعتبر كونها) أي الشاة (من جنس غنمه، ولا) من (جنس غنم البلد) لاطلاق الاخبار. (فإذا بلغت) الابل (خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض) قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا، إلا ما حكي عن علي: في خمس وعشرين خمس شياه. قال ابن المنذر: ولا يصح ذلك عنه. وحكاه إجماعا لقوله (ص): فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض. وهي التي (لها سنة) ودخلت في الثانية (سميت بذلك، لان أمها قد حملت غالبا، وليس) حمل أمها (بشرط) في إجزائها. ولا تسميتها بذلك. وإنما ذكر تعريفا بغالب حالها. (والماخض: الحامل، فإن كانت) بنت المخاض (عنده، وهي أعلى من الواجب) عليه فيما بيده (خير بين إخراجها وبين شراء بنت مخاض بصفة الواجب) عليه، فيخرجها ولا يجزئ ابن لبون، لمفهوم ما يأتي. (فإن عدمها) أي بنت المخاض (أي ليست في ماله، أو فيه لكن معيبة. أجزأه ابن لبون) لقوله (ص): فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر

[ 214 ]

رواه أبو داود. وفي لفظ: فإن لم تكن عنده بنت مخاض على وجهها ولان المعيبة وجودها كالعدم، فجاز له الانتقال إلى البدل. (أو خنثى ولد لبون) لان أقل أحواله أن يكون ذكرا هو مجزئ. (وهو) أي ابن اللبون (الذي له سنتان) لما سيأتي. فيجزئ (ولو نقصت قيمته) عن بنت المخاض. لعموم الخبر (ويجزئ أيضا مكانها) أي بنت المخاض (حق) له ثلاث سنين (أو جذع) له أربع سنين، (أو ثني) له خمس سنين. (و) ذلك (أولى) بالاجزاء من ابن اللبون (لزيادة السن، ولا جبران) له، ولا عليه إذا أخرج ابن اللبون فما فوقه، لعدم وروده في ذلك. ويجزئ الحق أو الجذع أو الثني عن بنت المخاض وبنت لبون، ولها جبران. (ولو وجد ابن لبون) لزيادة سنه (فإن عدم ابن لبون) فما فوقه (لزمه شراء بنت مخاض)، ولا يجزئه ابن لبون يشتريه إذن. لانهما استويا في العدم. فلزمه بنت مخاض، لترجحها بالاصالة. (ولا يجبر فقد أنوثية بزيادة سن الذكر المخرج في غير بنت مخاض، فلا يخرج عن بنت لبون حقا، إذا لم تكن في ماله، ولا عن الحقة جذعا) ولا عن الجذعة ثنيا، مع وجودهما أو عدمهما، لانه لا نص في ذلك ولا يصح قياسه على ابن اللبون، مكان بنت المخاض، لان زيادة سن ابن اللبون على بنت المخاض يمتنع بها من صغار السباع. ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء، ولا يوجد هذا في الحق مع بنت اللبون، لانهما مشتركان في هذا، فلم يبق إلا مجرد زيادة السن. فلم يقابل الانوثية، ولان تخصيصه في الحديث بالذكر دون غيره يدل على اختصاصه بالحكم، بدليل الخطاب. (وفي ست وثلاثين) بعيرا (بنت لبون) لقوله (ص) في خبر أبي بكر: فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى. وهي التي (لها سنتان، سميت به، لان أمها وضعت) غالبا (فهي ذات لبن) وليس شرطا، بل تعريفا لها بغالب أحوالها. كما تقدم (وفي ست وأربعين حقة) لحديث الصديق: فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل. وهي التي (لها ثلاث سنين) ودخلت في الرابعة (سميت بذلك لانها استحقت أن تركب ويحمل عليها، ويطرقها

[ 215 ]

الفحل. وفي إحدى وستين جذعة) لقوله (ص) في حديث الصدقة: فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. وهي التي (لها أربع سنين) ودخلت في الخامسة (سميت بذلك لاسقاط سنها) فنجذع عنده. وهي أعلى سن يجب في الزكاة. (وتجزئ عنها ثنية، لها خمس سنين بلا جبران، سميت بذلك لانها ألقت ثنيتها. وفي ست وسبعين بنتا لبون) إجماعا لقوله (ص): فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. (وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماعا لقوله (ص): فإذا بلغت إحدى وتسعين (إلى عشرين ومائة) ففيها حقتان طروقتا الفحل. (فإذا زادت واحدة) على العشرين والمائة (ففيها ثلاث بنات لبون) لظاهر خبر الصديق: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. وبالواحدة حصلت الزيادة. وقد جاء مصرحا به في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله (ص) وكان عند آل عمر بن الخطاب. رواه أبو داود والترمذي، وقال: هو حديث حسن. فإن فيه: فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون. (ثم تستقر الفريضة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) لخبر الصديق، رواه البخاري، ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون. وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون. وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق. وفي مائة وستين أربع بنات لبون. وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون. وفي مائة وثمانين حقتان وابنتا لبون. وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون. (ولا أثر لزيادة بعض بعير) في شئ مما تقدم أو زيادة بعض بقرة أو بعض شاة، لما تقدم. فإذا زادت على عشرين ومائة جزءا من بعير لم يتغير الفرض، وكذا سائر الفروض من الابل والبقر والغنم، لا تتغير (أو) زيادة بعض (بقرة أو) بعض (شاة) لما تقدم. ويأتي من الاخبار. (فإذا بلغت) الابل (مائتين اتفق الفرضان) فإن فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات. (إن شاء أخرج أربع حقاق. وإن شاء أخرج خمس بنات لبون) لوجود المقتضى

[ 216 ]

لكل واحد من الفرضين. فيخير المالك للاخبار. ونص أحمد على نظيره في زكاة البقر. ونص أحمد على الحقاق. وقاله القاضي في الشرح. وتأوله الشارح على أنها عليه بصفة التخيير. (إلا أن يكون النصاب كله بنات لبون، أو) يكون النصاب كله (حقاقا فيخرج منه، ولا يكلف إلى غيره) أي لا يكلفه الامام ولا الساعي إلى تحصيل غير ما عنده. ولم يتضح لي هذا الاستثناء، ولم أره لغيره، كما ذكرته في الحاشية. (أو يكون) النصاب (مال يتيم أو مجنون) أو سفيه (فيتعين) على وليه (إخراج أدون مجزئ) مراعاة لحظ المحجور عليه. لانه ليس له التبرع من ماله. (وكذا الحكم في أربعمائة) فيخير بين إخراج ثمان حقاق أو عشر بنات لبون، لان فيها ثمان خمسينات وعشر أربعينات. (وإن أخرج عنها) أي الاربعمائة (من النوعين بلا تشقيص ك‍) - أن أخرج عنها (أربع حقاق وخمس بنات لبون) أجزأ، (و) أخرج (عن ثلاثمائة حقتين وخمس بنات لبون، صح) ذلك لعدم التشقيص. (أما مع الكسر فلا، كحقتين وبنتي لبون ونصف عن مائتين) لما فيه من التشقيص، الذي لم يرد به الشرع في زكاة السائمة، إلا من حاجة. ولذلك جعل لها أوقاصا، دفعا للتشقيص عن الواجب فيها، وعدل فيما دون خمس وعشرين من الابل عن الجنس إلى الغنم. فلا يجوز القول بجوازه مع إمكان العدول عنه إلى فريضة كاملة. (وإن وجد أحد الفرضين كاملا، و) الفرض (الآخر ناقصا، لا بد له من جبران، مثل: أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق، فيتعين) الفرض (الكامل، وهو بنات اللبون) لان الجبران بدل، فلا يجوز مع المبدل، كالتيمم مع القدرة على استعمال الماء. (وإن كان كل واحد) من الفرضين (يحتاج إلى جبران، مثل: أن يجد أربع بنات لبون، وثلاث حقاق، فهو مخير أيهما شاء أخرج مع

[ 217 ]

الجبران) لعدم ما يوجب رجحان أحدهما على الآخر. (فإن بذل حقة وثلاث بنات لبون مع الجبران لكل واحدة من بنات اللبون لم يجزئه، لعدوله عن الفرض مع وجوده) وهو الحقتان الباقيتان من الثلاث (إلى الجبران). وهو إنما يعدل إليه مع عدم الفرض. (وإن لم يجد إلا حقة وأربع بنات لبون، أداها) أي الحقة وأربع بنات اللبون. (وأخذ الجبران) لدفعه الحقة عن بنت لبون. (ولم يكن له دفع ثلاث بنات لبون وحقة مع الجبران) لعدوله عن الفرض مع وجوده. كما تقدم (وإن كان الفرضان) أي الحقاق وبنات اللبون في المائتين ونحوهما. (معدومين أو معيبين، فله العدول عنهما مع الجبران، فإن شاء أخرج أربع جذعات، وأخذ ثمان شياه، أو ثمانين درهما، وإن شاء أخرج خمس بنات مخاض، ومعها خمس شياه أو مائة درهم). لما في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر لانس: ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده الجذعة. فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما - الحديث، متفق عليه. (ولا يجوز أن يخرج بنات المخاض عن الحقاق هنا) أي حيث اتفقت الفريضتان. (ويضعف الجبران) بأن يخرج أربع بنات مخاض مع ستة عشر شاة أو مائة وستين درهما، لانه انتقال عن بدل البدل مع القدرة على البدل. أشبه الانتقال عن الاصل مع القدرة عليه. (ولا) يجوز أن يخرج هنا (الجذعات عن بنات اللبون، ويأخذ الجبران مضاعفا) لما سبق، (ولا) يجوز أيضا هنا (أن يخرج أربع بنات لبون مع جبران) لكل واحدة، فتكون معه بدل حقة لان بنات اللبون هنا فرض، فلا يجوز العدول عنه، مع وجوده، فيخرج بنات اللبون الاربع مع بنت مخاض أو جذعة، ويعطي أو يأخذ جبرانا. (ولا) أن يخرج (خمس حقاق ويأخذ الجبران) لتمكنه من إخراج الفرض أربع حقاق، فلا يعدل إلى البدل. (وليس فيما بين الفريضتين شئ) لما تقدم في الباب قبله (وهو) أي ما بين الفريضتين (الاوقاص) جمع وقص - بفتحتين - وقد يسكن. قاله في الحاشية (فهو عفو) أي معفو عنه، ويسمى أيضا: العفو والشنق، بالشين المعجمة وفتح النون، ومعنى ذلك أنه (لا تتعلق به

[ 218 ]

الزكاة بل) تتعلق (بالنصاب فقط)، فلو كان له تسع إبل مغصوبة حولا. فخلص منها بعيرا لزمه خمس شاة. لما روى أبو عبيد في الاموال عن يحيى بن الحكم أن النبي (ص) قال: إن الاوقاص لا صدقة فيها. ولان العفو مال ناقص عن نصاب، يتعلق به فرض مبتدأ. فلم يتعلق به الوجوب قبله. كما لو نقص عن النصاب الاول، وعكسه: زيادة نصاب السرقة، لانها وإن كثرت لا تتعلق بها فرض مبتدأ. وفي مسألتنا له حالة منتظرة يتعلق بها الوجوب. فوقف على بلوغها (ومن وجبت عليه سن) في الزكاة (فعدمها، خير المالك) دون الساعي، أو الفقير ونحوه (في الصعود) إلى ما يليها في ملكه، ثم إلى ما يليه إن عدمه، كما يأتي (و) في (النزول) إلى ما يليها في ملكه، ثم إلى ما يليه على ما يأتي. فإذا وجبت عليه بنت لبون مثلا (فإن شاء أخرج سنا أسفل منها) بأن يخرج بنت مخاض (ومعها شاتان أو عشرون درهما، وإن شاء) المالك (أخرج أعلى منها، وأخذ مثل ذلك من الساعي)، لما تقدم من كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر لانس (إلا ولي يتيم ومجنون) وسفيه (فيتعين عليه إخراج أدون مجزئ) أي أقل الواجب، فيشتريه إن لم يكن في مال المحجور عليه، طلبا لحظه، ولا يعطى أسفل مع جبران، ولا أعلى ويأخذه (ويعتبر كون ما عدل إليه) المالك (في ملكه) لان جواز العدول إلى الجبران تسهيل على المالك، (فإن عدمهما) أي الاسفل والاعلى، أو كانا معيبين (حصل الاصل) أي الواجب أصالة، لانه إذا كان لا بد من تحصيل، فالاصل لا يعدل عنه إلى بدله. (فإن عدم ما يليها) أي السن التي وجبت عليه بأن لم تكن في ماله أو كانت معيبة. (انتقل إلى الاخرى) أي التي تليها من أسفل أو فوق، (وضاعف الجبران) الذي يعطيه أو يأخذه (فإن عدمه أيضا انتقل إلى ثالث كذلك) أي من فوق إلى أسفل، وأخذ أو أعطى ثلاث جبرانات، فمن وجبت عليه بنت مخاض وعدمها وعدم بنت اللبون، وعدم الحقة، وعنده جذعة، أخرجها، وأخذ ثلاث جبرانات، وعكسه: لو وجبت عليه جذعة، وعدمها، وعدم الحقة وبنت اللبون، وعنده بنت مخاض، أخرجها وثلاث جبرانات، ولا يزيد على ذلك. (وحيث جاز تعدد الجبران) كالامثلة السابقة (جاز جبران غنما، وجبران

[ 219 ]

دراهم) كما في الكفارة، له إخراجها من جنسين (ويجزئ إخراج جبران واحد، و) (جبران ثان، و) جبران (ثالث النصف دراهم، والنصف شياه) لما سبق، ولان الشارع جعل الشاة مقام عشرة دراهم، فإذا اختار إخراجها وعشرة دراهم، جاز (فلو كان النصاب) من الابل (كله مراضا، وعدمت الفريضة فيه، فله) أي المالك (دفع السن السفلى)، بأن وجبت عليه بنت لبون، فأخرج عنها بنت مخاض. (مع الجبران، وليس له دفع) السن (الاعلى) كحقة (وأخذ جبران، بل) إن اختار دفعها (مجانا) لان الجبران جعله الشارع وفق ما بين الصحيحين، وما بين المريضين أقل منه، فإذا دفع الساعي في مقابلة ذلك جبرانا. كان ذلك حيفا على الفقراء، وذلك لا يجوز. وإذا دفعه المالك مع السن الاسفل. فالحيف عليه. وقد رضي به، فأشبه إخراج الاجود من المال. (فإن كان المخرج) للزكاة (ولي يتيم أو مجنون) أو سفيه (لم يجز له أيضا)، أي كما لا يجوز له دفع الاعلى. لما تقدم لا يجوز له (النزول) أي أن يدفع سنا أنزل، مع دفع جبران. (لانه لا يجوز له) أي الولي (أن يعطي الفضل) أي الزائد على الواجب (من مالهما) أي مال الصغير والمجنون، ومثلهما السفيه (فيتعين) على الولي (شراء الفرض من غير المال) لتعينه طريقا لاداء الواجب. (ولا مدخل للجبران في غير الابل) لان النص إنما ورد فيها، فيقتصر عليه. وليس غيرها في معناها، لكثرة قيمتها، ولان الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها. وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الابل، فامتنع القياس. فلو جبر الواجد بشئ من صفته فأخرج الردئ عن الجيد، وزاد قدر ما بينهما من الفضل، لم يجز لان القصد من غير الاثمان النفع بعينها، فيفوت بعض المقصود. ومن الاثمان القيمة. وقال المجد: قياس المذهب، جوازه في الماشية وغيرها. (فمن عدم فريضة البقر، أو) فريضة (الغنم ووجد دونها، حرم إخراجها) ولزمه تحصيل الفريضة وإخراجها. (وإن وجد أعلى منها فدفعها بغير جبران) كمسنة عن تبيع. (قبلت منه) ولو مع وجود التبيع. لانه إخراج الواجب. وزيادة تنفع ولا تضر. (وإن لم يفعل) أي يدفع الاعلى من الواجب، (كلف شراءها) أي الفريضة (من غير ماله) لكونه طريقا إلى أداء الواجب.

[ 220 ]

فصل: (النوع الثاني: البقر) وهو اسم جنس. والبقرة تقع على الذكر والانثى. ودخلت الهاء على أنها واحدة من جنس البقرات الجميع، والباقر جماعة البقر مع رعاتها. وهي مشتقة من بقرت الشئ إذا شققته، لانها تبقر الارض بالحراثة. والاصل في وجوبها الاجماع في الاهلية. ودليله حديث أبي ذر مرفوعا: ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما قعدت أخراها عادت أولاها، حتى يقضى بين الناس، متفق عليه. (ولا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين) فهي أقل نصابها. (فيجب فيها تبيع أو تبيعة، لكل منهما سنة) سميا بذلك لانهما يتبعان أمهما. والتبيع الذي استوى قرناه، (قد حاذى قرنه أذنه غالبا، وهو جذع البقر، ويجزئ إخراج مسن عنه) أي عن التبيع. وظاهره: ولو كان التبيع عنده، لانه أنفع منه. (وفي أربعين) بقرة (مسنة، وهي ثنية البقر، ألقت سنا غالبا) وهي التي (لها سنتان. ويجزئ إخراج أنثى أعلى منها)، أي المسنة (بدلها) كالثنية عن الجذعة في الابل. و (لا) يجزئ (إخراج مسن عنها) أي عن المسنة، كإخراج حق عن بنت لبون. (وفي الستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة) لحديث معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة رواه الخمسة، وحسنه الترمذي. وقال ابن عبد البر: هو حديث متصل ثابت. وروى يحيى بن الحكم أن معاذا قال: بعثني النبي (ص) أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة. فعرضوا علي أن آخذ ما بين الاربعين والخمسين، وما بين الستين

[ 221 ]

والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله (ص) عن ذلك فقدمت، فأخبرته، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. قال: وأمرني رسول الله (ص) أن لا آخذ فيما بين ذلك سنا، إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا، وزعم أن الاوقاص لا فريضة فيها رواه أحمد في مسنده. (فإذا بلغت) البقر (مائة وعشرين اتفق الفرضان، فيخير بين ثلاث مسنات وأربعة أتبعة) للخبر. (ولا يجزئ الذكر في الزكاة) إذا كانت ذكورا وإناثا، لان الانثى أفضل، لما فيها من الدر والنسل. وقد نص الشارع على اعتبارها في الابل. وفي الاربعين من البقر، (غير التبيع في زكاة البقر) للنص السابق، ولانه أكثر لحما، فيعادل الانوثة. (و) غير (ابن لبون، أو ذكر أعلى منه) كحق، فما فوقه (مكان بنت مخاض، إذا عدمها. وتقدم) في الفصل قبله موضحا، لكن ابن اللبون فما فوقه ليس بأصل لكونه لا يجزئ مع وجود بنت المخاض بخلاف التبيع، فيجزئ في الثلاثين وما تكرر منها كالستين. أما الاربعون وما تكرر منها كالثمانين، فلا يجزئ في فرضها إلا الاناث. لنص الشارع عليها. (إلا أن يكون النصاب كله ذكورا، فيجزئ فيه ذكر في جميع أنواعها) من إبل أو بقر أو غنم، لان الزكاة وجبت مواساة، فلا يكلفها من غير ماله. (ويؤخذ من الصغار صغيرة في غنم) نص عليه. لقول أبي بكر: والله لو منعوني عناقا الخبر. ويتصور أخذها فيما إذا بدل الكبار بالصغار، أو نتجت، ثم ماتت الامهات، بناء على ما تقدم أن حولها حول أصلها (دون إبل وبقر، فلا يجزئ إخراج فصلان) جمع فصيل: ولد الناقة. (وعجاجيل) جمع عجل ولد البقرة. (فيقوم النصاب) إذا كان كله فصلانا أو عجاجيل أن لو كان (من الكبار، ويقوم فرضه) الواجب فيه، (ثم تقوم الصغار، ويؤخذ عنها) أي الصغار، أي عن فريضتها (كبيرة بالقسط، والتعديل بالقيمة، مكان زيادة السن) فيندفع بذلك محذور الاجحاف بالمالك، مع المحافظة على الفرض المنصوص عليه. وإنما لم تجز الفصلان والعجاجيل بخلاف الغنم، لكون الشارع فرق بين فرض خمس وعشرين وست وثلاثين، بزيادة السن. وكذلك فرق بين فرض ثلاثين

[ 222 ]

وأربعين من البقر. (ولو كانت دون خمس وعشرين من الابل صغارا، وجب في كل خمس) منها (شاة كالكبار). فتكون جذعا من الضأن، أو ثنيا من المعز. (وتؤخذ من المراض) من إبل أو بقر أو غنم، (مريضة) لان الزكاة وجبت مواساة. وليس منها أن يكلف غير الذي في ماله. ولا اعتبار بقلة العيب وكثرته، لان القيمة تأتي على ذلك، لكون المخرج وسطا في القيمة. (فإن اجتمع صغار وكبار وصحاح ومعيبات، وذكور وإناث، لم يؤخذ إلا أنثى صحيحة كبيرة، على قدر قيمة المالين) للنهي عن أخذ الصغيرة والمعيبة والكريمة، لقوله (ص): ولكن من وسط أموالكم ولتحصل المواساة. فإذا كان قيمة المال المخرج إذا كان المزكى كله كبارا صحاحا عشرين، وقيمته بالعكس عشرة، وجبت كبيرة صحيحة، قيمتها خمسة عشر، مع تساوي العددين، فلو كان الثلث أعلى والثلثان أدنى، فكبيرة، قيمتها ثلاثة عشر وثلث، وبالعكس قيمتها ستة عشر وثلثان (إلا إذا لزمه شاتان في مال كله معيب إلا واحدة، كمائة وإحدى وعشرين شاة الجميع معيب إلا واحدة، أو كانت المائة وإحدى وعشرون سخالا، إلا واحدة كبيرة. فيخرج في الاولى الصحيحة ومعيبة معها، وفي الثانية الشاة) الكبيرة. (وسخلة معها) لما تقدم من أن الزكاة وجبت مواساة، وليس منها تكليفه ما ليس في ماله. (فإن كانت) السائمة (نوعين، كالبخاتي) الواحد: بختي. والانثى: بختية. قال عياض: هي إبل غلاظ ذات سنامين. (والعراب) هي جرد ملس حسان الالوان كريمة. (و) ك‍ (- البقر والجواميس) واحدها جاموس. قال موهوب: هو أعجمي، تكلمت به العرب. (و) ك‍ (- الضأن والمعز، و) ك‍ (المتولد بين وحشي وأهلي. أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين) المزكيين، فإذا كان النوعان سواء، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر، وقيمة المخرج من الآخر خمسة عشر. أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف. وكذا لو كانت البقر والغنم أهلية ووحشية، على ما تقدم من وجوب الزكاة فيها. وعلم منه:

[ 223 ]

أن أنواع الجنس تضم بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة. (فإن كان فيه) أي المال المزكى (كرام) قال عياض في قوله (ص): واتق كرائم أموالهم أنها جمع كريمة، وهي الجامعة للكمال الممكن، في حقها من غزارة لبن، أو جمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف. وقيل: هي التي يختصها مالكها لنفسه ويؤثرها. (ولئام) واحدها: لئيمة، وهي ضد الكريمة. (وسمان ومهازيل، وجب الوسط بقدر قيمة المالين) نص عليه، طلبا للتعديل (وإن أخرج عن النصاب من غير نوعه ما ليس في ماله منه)، كما لو كان ماله ثلاثين بقرة، لا جاموس فيها، فاشترى تبيعا من الجاموس وأخرجه عنها. (جاز، إن لم تنقص قيمة المخرج عن النوع الواجب) عليه في ملكه، لان القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصودة، ولم تفت، ولا شئ منها، بخلاف ما لو نقصت قيمة المخرج عن الواجب. فصل: (النوع الثالث: الغنم. ولا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين) وهي أقل نصابها إجماعا (فتجب فيها شاة) إجماعا (إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان) إجماعا (إلى مائتين. فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه) وفاقا (إلى أربعمائة، فيجب فيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة) لما روى أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه له أبو بكر أنه قال: في صدقة الغنم: في سائمتها، إذا كانت أربعين إلى مائة وعشرين: شاة. فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، إلى مائتين. فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة شاة. وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها مختصر رواه البخاري، وعلى هذا لا تتغير بعد مائتين وواحدة، حتى تبلغ أربعمائة. فيجب في كل مائة شاة شاة. فالوقص ما بين مائتين وواحدة إلى أربعمائة، وهو مائة وتسعة وتسعون. (ويؤخذ من معز: ثني، ومن ضأن: جذع هنا) في زكاة الغنم. (وفي كل موضع

[ 224 ]

وجبت فيه شاة) كزكاة ما دون خمس وعشرين من الابل. وكذا لو نذر شاة وأطلق (على ما يأتي بيانه في الاضحية. وتقدم بعضه) لما روى سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق النبي (ص) قال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز. ولانهما يجزيان في الاضحية. فكذا هنا (ولا يؤخذ تيس) ولو أجزأ الذكر، لنقصه وفساد لحمه. (إلا فحل ضراب) فيؤخذ (لخيره برضا ربه، حيث يؤخذ ذكر) بأن كان النصاب كله ذكورا. (ويجزئ) أخذه إذن (ولا) تؤخذ (هرمة) أي كبيرة طاعنة في السن (ولا ذات عوار) بفتح العين المهملة. (وهي المعيبة، بذهاب عضو أو غير عيب يمنع التضحية بها). لقوله تعالى: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * وفي كتاب أبي بكر: ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس إلا ما شاء المصدق رواه البخاري. وكان أبو عبيد يرويه بفتح الدال من المصدق، يعني المالك. فيكون الاستثناء راجعا إلى التيس. وخالفه عامة الرواة، فقالوا بكسرها، يعني الساعي. ذكره الخطابي. (إلا أن يكون النصاب كله كذلك) لما تقدم من أن الزكاة وجبت مواساة، وليس منها تكليفه ما ليس في ماله. (ولا) تؤخذ (الربى، وهي التي لها ولد تربيه) قاله أحمد. وقيل: التي تربى في البيت لاجل اللبن. (ولا) تؤخذ (حامل) لقول عمر رضي الله عنه: لا تؤخذ الربي ولا الماخض ولا الاكولة (ولا طروقة الفحل، لانها تحمل غالبا. ولا خيار المال) أي نفيسه لشرفه، ولحق المالك، (ولا الاكولة، وهي السمينة) لقول النبي (ص): ولكن من وسط أموالكم. فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره رواه أبو داود ولهذا قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاة أثلاثا: ثلث خيار، وثلث وسط وثلث شرار. وأخذ من الوسط. (ولا سن من جنس الواجب أعلى منه إلا برضا ربه، كبنت لبون عن بنت مخاض). وحقه عن بنت لبون. (ولا يجزئ إخراج القيمة، سواء كان حاجة، أو مصلحة، أو في الفطرة، أو لا) لقوله (ص) لمعاذ: خذ الحب من الحب، والابل

[ 225 ]

من الابل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم رواه أبو داود وابن ماجه. والامر بالشئ نهي عن ضده، فلا يؤخذ من غيره. قال أبو داود: قيل لاحمد أعطي دراهم في صدقة الفطر؟ فقال: أخاف أن لا يجزئ، خلاف سنة النبي (ص). (وإن أخرج سنا أعلى من الفرض من جنسه. أجزأ) لحديث أبي بن كعب: أن رجلا قدم على النبي (ص) فقال: يا نبي الله، أتاني رسولك، ليأخذ مني صدقة مالي. فزعم أن ما علي منه بنت مخاض. فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال النبي (ص): ذاك الذي وجب عليك. فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك. فقال: ها هي ذه. فأمر بقبضها. ودعا له بالبركة رواه أحمد وأبو داود. ولانه زاد على الواجب من جنسه. فأجزأ، كما لو زاد في العدد. وعلم منه: أنه لا يجزئ من غير الجنس. لانه عدول عن المنصوص عليه (فيجزئ مسن عن تبيع)، وتجزئ (أعلى من المسنة عنها. و) تجزئ (بنت لبون عن بنت مخاض. و) تجزئ (حقة عن بنت لبون، و) تجزئ (جذعة عن حقة. ولو كان الواجب عنده) لما تقدم. (وتقدم بعض ذلك) في الباب (وتجزئ ثنية وأعلى منها عن جذعة) فما دونها. ولو كانت عنده. وتقدم (ولا جبران) لعدم وروده. فصل: فصل (الخلطة) بضم الخاء: الشركة (في المواشي) دون غيرها من الاموال. (لها تأثير في الزكاة: إيجابا وإسقاطا) وتغليظا وتخفيفا. (فتصير الاموال كالمال الواحد) لما روى الترمذي عن سالم عن أبيه أن النبي (ص) قال: في كتاب الصدقة: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ورواه

[ 226 ]

البخاري من حديث أنس. وإنما تؤثر الخلطة (في نصاب الزكاة) فيضم أحد المالين إلى الآخر فيه، كما يأتي (دون الحول) فلا تؤثر الخلطة فيه، بل يزكى كل مال عند حوله. ويأتي بيانه. (فإذا اختلط نفسان) لان أقل من ذلك: الواحد، ولا خلطة معه (أو أكثر) من نفسين (من أهل الزكاة) فلو كان أحدهما مكاتبا أو ذميا، فلا أثر لها. لانه لا زكاة في ماله. فلم يكمل به النصاب. (في نصاب) فلو كان المجموع دون نصاب. لم تؤثر، سواء كان له مال غيره أو لا. وعلم منه: التأثير فيما زاد على النصاب، بطريق أولى (من الماشية) فلا تؤثر الخلطة في غيرها. ويأتي (حولا) كاملا بحيث (لم يثبت لهما) ولا لاحدهما. (حكم الانفراد في بعضه) لان الخلطة معنى يتعلق به إيجاب الزكاة، فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب. (فحكمهما) أي النفسين فأكثر (في الزكاة حكم) الشخص (الواحد) لانه لو لم يكن كذلك لما نهى الشارع عن جميع المتفرق، وعكسه خشية الصدقة. (سواء كانت خلطة أعيان بأن يملكا مالا) أي نصابا من الماشية (مشاعا بإرث أو شراء أو هبة أو غيره) كالوصية والجعالة والصداق والمخالعة. (أو خلطة أو صاف، بأن يكون مال كل منهما متميزا) بصفة أو صفات. (فلو استأجر لرعي غنمه بشاة منها، فحال الحول، ولم يفردها) أي المستأجر أو الاجير، (فهما خليطان) فعلى الاجير من الزكاة بنسبة شاته. (ولو كانت لاربعين) نفسا ذكورا أو إناثا أو مختلفين (من أهل الزكاة) لما تقدم: أنه لا أثر لخلطة من ليس من أهلها. (أربعون شاة مختلطة، لزمتهم شاة) بالسوية (ومع انفرادهم. لا يلزمهم شئ) لنقص النصاب. (ولو كان لثلاثة أنفس: مائة وعشرون) شاة (لكل واحد) منهم (أربعون شاة. لزمتهم شاة واحدة) على كل منهم ثلثها، كالشخص الواحد. (ومع انفرادهم) عليهم (ثلاث شياه) على كل واحد شاة (ويوزع الواجب) على الخليطين فأكثر، (على قدر المال) المختلط (مع الوقص. فستة أبعرة مختلطة مع تسعة) في الجميع ثلاث شياه. (يلزم رب الستة: شاة وخمس شاة. ويلزم رب التسعة: شاة وأربعة أخماس شاة) لقوله (ص): وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان

[ 227 ]

بينهما بالسوية. (ويشترط في) تأثير (خلطة أو صاف: اشتراكهما في مراح - بضم الميم - وهو المبيت والمأوى أيضا. ومسرح، وهو مكان اجتماعهما، لتذهب إلى المرعى، ومشرب) بفتح الميم والراء (وهو مكان الشرب فقط) أي دون زمانه. وتبع المصنف في اعتبار المشرب: المقنع وأبا الخطاب، وصاحب التلخيص، والوجيز، ولم يذكره الاكثر. قال في المنتهى، تبعا للتنقيح: لا اتحاد مشرب وراع. (ومحلب) بفتح اللام والميم (وهو موضع الحلب) والمحلب، بكسر الميم: الاناء والمراد الاول. لانه ليس المقصود خلط اللبن في إناء واحد. لانه ليس بمرفق، بل مشقة، لما فيه من الحاجة إلى قسم اللبن. وربما أفضى إلى الربا. (وفحل) معد للضراب. (و) اشتراكه (هو عدم اختصاصه في طرقه بأحد المالين إن اتحد النوع). فليس المراد أن يكون متحدا ولا مشتركا. (فإن اختلف) النوع (كالضأن والمعز والجاموس والبقر. لم يضر اختلاف الفحل للضرورة)، لاختلاف النوعين (ومرعى، وهو موضع الرعي ووقته) ففيه استعمال المشترك في معنييه (وراع) قاله أبو الخطاب. وفي المقنع والوجيز والمستوعب: (على منصوص أحمد، والحديث) أي حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي (ص) يقول: الخليطان: ما اجتمعا على الحوض والفحل والراعي رواه الخلال والدارقطني، ورواه أبو عبيد. وجعل بدل الراعي المرعى، وضعفه أحمد. فإنه من رواية ابن لهيعة. قال في الفروع: فيتوجه العمل بالعرف في ذلك. وقدم عدم اعتبار الراعي. وتقدم كلام المنتهى. (ويظهر أن اتحاده) أي الراعي (كما في الفحل) يعتبر مع اتحاد النوع، دون اختلافه. (ولا تعتبر نية خلطة. كالاوصاف والاعيان) الكاف زائدة: قال في المبدع: وظاهره أنه لا يشترط للخلطة نية. وهو في خلطة الاعيان إجماع. وكذا في خلطة الاوصاف في الاصح. واحتج المؤلف - أي الموفق - بنية الصوم. وفائدة

[ 228 ]

الخلاف: في خلط وقع اتفاقا، أو فعله راع وتأخر النية عن الملك. (ولا) يعتبر أيضا (خلط اللبن) لما تقدم (ولا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة، كالكافر والمكاتب والمدين) دينا يستغرق ما بيده. لانه لا زكاة في ماله. (ولا) أثر لخلطة (فيما دون نصاب، ولا لخلطة الغاصب) ماله (بمغصوب) لالغاء تصرفه في المغصوب. (فإن اختل شرط منها) أي من الشروط المتقدمة للخلطة: بطل حكمها. لفوات شرطها. وصار وجودها كالعدم. فيزكي كل واحد ماله إن بلغ نصابا، وإلا فلا. (أو ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول، كأن اختلطا في أثناء الحول في نصابين بعد انفرادهما، زكيا زكاة المنفردين فيه). فلو ملك كل من رجلين أربعين شاة في المحرم، ثم اختلطا وتم الحول. فعلى كل منهما شاة، تغليبا للانفراد. لانه الاصل. (و) يزكيان (فيما بعده) أي بعد الحول الاول (زكاة الخلطة) لعدم الانفراد في شئ من الحول. (وإن ثبت لاحدهما حكم الانفراد وحده، مثل أن يكون لرجل نصاب) أربعون شاة مثلا، (ولآخر دونه) كعشرين، (ثم اختلطا في أثناء الحول. فإذا تم حول الاول) منذ ملك النصاب (فعليه شاة) زكاة ماله. (وإذا تم حول الثاني) من الخلطة (فعليه زكاة الخلطة) وهي ثلث شاة في المثال، إن لم يكن الاول أخرج الشاة من المال. فيلزم الثاني عشرون جزءا من تسعة وخمسين جزءا من شاة. (أو يملك نفسان كل واحد أربعين شاة، فخلطاها في الحال من غير مضي زمن) قبل الخلط (إن أمكن) ذلك (ثم باع أحدهما نصيبه) شخصا (أجنبيا) غير شريكه. فشريك المشتري ثبت له حكم الانفراد، والمشتري لم يثبت له. (أو يكون لاحدهما نصاب منفرد، فيشتري الآخر نصابا ويخلطه به في الحال - كما تقدم - فإن المشتري) في المثالين (ملك أربعين مختلطة. لم يثبت لها حكم الانفراد) في وقت من الحول. (فإذا تم حول الاول، لزمه زكاة انفراد: شاة، وإذا تم حول الثاني، وهو المشتري، لزمه زكاة خلطة) لكونه لم يزل مخالطا (نصف شاة، إن كان الاول أخرجها) أي الشاة (من

[ 229 ]

غير المال) المخلوط. (وإن كان) الاول (أخرجها) أي الشاة (منه) أي من المال (لزم الثاني أربعون جزءا من تسعة وسبعين جزءا من شاة). لان حوله قد تم على تسعة وسبعين شاة، له منها أربعون شاة، فلزمه من الشاة أربعون جزءا. (ثم يزكيان فيما بعد ذلك الحول زكاة الخلطة) لانها موجودة في جميع الحول بشرطها (كلما تم حول أحدهما، فعليه) من الزكاة (بقدر ما له منها). ولا ينتظر الاول حول الثاني، لان الزكاة بعد حولان الحول لا يجوز تأخيرها، ولا يجب على المشتري تقدم زكاته إلى رأس حول شريكه، لان تقديمها قبل حولان الحول غير واجب، ولو كان للاول أربعون شاة وللثاني ثمانون، فعلى الاول: ثلث شاة، وعلى الثاني: ثلثاها، ذكره ابن المنجا. (وأبين) أي أوضح (من هذين المثالين) السابقين (لو ملك نصابين) ثمانين شاة (شهرا) أو أقل أو أكثر. (ثم باع أحدهم مشاعا كما يأتي قريبا) فيثبت له حكم الانفراد، بخلاف المشتري (ومن كان بينهما نصاب خلطة ثمانون شاة، فباع كل منهما غنمه صاحبه، واستداما الخلطة، لم ينقطع حولهما)، لان إبدال المال بجنسه لا يقطعه كما تقدم. (ولم يزل خلطهما) لعدم انقطاع الحول لان الزكاة إنما تجب فيما اشترى، ببنائه على حول المبيع، فيجب أن يبني عليه في الصفة التي كان عليها، وهي صفة الخلطة. (وكذا لو تبايعا البعض) من ذلك (بالبعض) لما سبق (قل) المبيع (أو كثر) أو تبايعا الكل بالبعض، لعدم الفرق. ولو ملك رجل نصابا شهرا مثلا ثم باع نصفه مثلا مشاعا، أو أعلم على بعضه أي عينه وباعه مختلطا انقطع الحول، ويستأنفانه من حين البيع. لانه قد انقطع في النصف المبيع، فصار كأنه لم يجر في حول الزكاة أصلا، فلزم انقطاع الحول في الثاني. وإن أفرد بعضه وباعه ثم اختلطا، انقطع الحول، قل زمن الانفراد أو كثر، حتى ولو قيل: لا ينقطع في التي قبلها. (ولو ملك رجل) حر مسلم (نصابين شهرا، ثم باع أحدهما مشاعا) بأن باع نصف الثمانين (ثبت للبائع حكم الانفراد) لما تقدم. (وعليه) أي البائع (عند تمام

[ 230 ]

حوله زكاة: منفرد) لثبوت حكم الانفراد له، وعلى المشتري إذا تم حوله: زكاة خليط (ولو كان المال ستين في هذه المسألة، والمبيع ثلثها: زكى البائع) إذا تم حوله زكاة انفراد (بشاة) وزكى المشتري، إذا تم حوله بثلث شاة، إن أخرج الاول من غير المال. ولو كان المبيع في المثال: نصفها، انقطع حول البائع. واستأنفا حولا. (وإذا ملك نصابا شهرا، ثم ملك) نصابا (آخر لا يتغير به الفرض، مثل أن يملك أربعين شاة في المحرم، وأربعين) شاة (في صفر. فعليه زكاة الاول عند تمام حوله) وهي شاة، لانفرادها في بعض الحول. (ولا شئ عليه في الثاني) لان الجميع ملك واحد. فلم يزد فرضه على شاة. كما لو اتفقت أحواله. وللعموم في الاوقاص. (وإن كان الثاني يتغير به الفرض، مثل أن يكون مائة شاة، فعليه زكاته إذا تم حوله) كما لو اتفقت أحواله. لانهما إما أن يجعلا كالمال الواحد لمالك، أو مالكين، وعلى التقديرين: يجب شاة أخرى، بخلاف التي قبلها. (وقدرها) أي زكاة الثاني (بأن تنظر إلى زكاة الجميع) وهو في المثال: مائة وأربعون. وزكاته: شاتان (فتسقط منها ما وجب في الاول) وهو شاة. (ويجب الباقي في الثاني، وهو شاة) فيخرجها (وإن كان الثاني يتغير به الفرض ولا يبلغ نصابا، مثل أن يملك ثلاثين من البقر في المحرم، وعشرا) من البقر (في صفر. فعليه) في الثلاثين إذا تم حولها: تبيع، أو تبيعة. و (في العشر - إذا تم حولها - زكاة خلطة: ربع مسنة) لان الفريضة الموجبة للمسنة قد كملت، وقد أخرج زكاة الثلاثين. فوجب في العشر بقسطها من المسنة، وهو ربعها. (وإن ملك مالا يبلغ نصابا، ولا يغير الفرض، كخمس) من البقر بعد أربعين أو ثلاثين منها. (فلا شئ فيها) أي الخمس. لانها وقص. وكما لو ملكهما دفعة واحدة (ومثله: لو ملك عشرين شاة بعد أربعين) منها (أو ملك عشرا من البقر بعد أربعين منها، فلا شئ فيها) لما تقدم. (وإذا كان بعض مال الرجل) أو الخنثى أو المرأة (مختلطا. و) كان (بعضه الآخر منفردا أو مختلطا مع مال لرجل

[ 231 ]

آخر. فإنه يصير ماله كله كالمختلط، إن كان مال الخلطة نصابا، وإلا) أي وإن لم يكن مال الخلطة نصابا (لم يثبت حكمها) لانها لا تؤثر فيما دون نصاب (وإذا كان لرجل ستون شاة) بمحل واحد، أو محال متقاربة دون مسافة القصر (كل عشرين منها مختلطة بعشرين لآخر. فعلى) الشركاء (الجميع شاة، نصفها على صاحب الستين) لان له نصف المال (ونصفها على خلطائه، على كل واحد) منهم (سدس شاة). لان كل واحد منهم له عشرون. وهي سدس جميع المال. (ضما لمال كل خليط إلى مال الكل. فيصير) جميع المال (كمال واحد) قاله الاصحاب. ذكره في المبدع. (وإن كانت كل عشر منها) أي من الستين (مختلطة بعشر لآخر، فعليه) أي رب الستين (شاة، ولا شئ على خلطائه. لانهم لم يختلطوا في نصاب) فلم تؤثر الخلطة، لفوات شرطها. (وإذا كانت ماشية الرجل متفرقة في بلدين فأكثر. لا تقصر بينهما الصلاة. فهي كالمجتمعة) يضم بعضها إلى بعض ويزكيها. قال في المبدع: لا نعلم فيه خلافا. (وإن كان بينهما مسافة قصر، فلكل مال حكم نفسه) فإن كان نصابا وجبت الزكاة، وإلا فلا. لجعل التفرقة في البلدين كالتفرقة في الملكين. فلهذا قال: (كما لو كانا لرجلين) احتج أحمد بقوله (ص): لا يجمع بين متفرق الخبر. وعندنا: أن من جمع أو فرق خشية الصدقة، لم يؤثر ذلك. قاله في المبدع. ولان كل مال ينبغي تفرقته ببلده. فتعلق الوجوب به، لكن قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. (ولا

[ 232 ]

تؤثر تفرقة البلدان في غير الماشية) لعموم الادلة. (ولا الخلطة في غير السائمة) نص عليه. ولقوله (ص): لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة لانه إنما يكون في الماشية. ولان الزكاة تقل بجمعها تارة وتكثر أخرى. وسائر الاموال تجب فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها. ولان خلطة الماشية تؤثر نفعا تارة، وضررا أخرى وغير الماشية لو أثرت فيه الخلطة لاثرت ضررا محضا برب المال، لعدم الوقص فيها. (و) يجوز (للساعي أخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء) لان الجميع كالمال الواحد (مع الحاجة) بأن تكون الفريضة عينا واحدة، لا يمكن أخذها إلا من أحد المالين، أو يكون أحدهما صغارا والآخر كبارا. (وعدمها) أي عدم الحاجة بأن يجد فرض كل من المالين فيه. نص أحمد على ذلك. (ولو بعد قسمة في خلطة أعيان، وقد وجبت الزكاة) قبل القسمة (مع بقاء التعيين) لقوله (ص): وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية. أي إذا أخذ الساعي الزكاة من مال أحدهما. ولان المالين قد صارا كالمال الواحد في وجوب الزكاة، فكذا في إخراجها. وعلم منه: أنهما إذا افترقا في خلطة الاوصاف بعد وجوب الزكاة، ليس للساعي أن يأخذ من مال أحدهما عن الآخر. (ويرجع المأخوذ منه على خليطه) للخبر (بقيمة حصته يوم أخذت) لزوال ملكه إذن. ولانها ليست من ذوات الامثال. (فإذا) كان المال أثلاثا، و (أخذ) الساعي (الفرض من مال رب الثلث. رجع) رب الثلث (بقيمة ثلثي المخرج على شريكه) صاحب الثلثين. (وإن أخذه) أي أخذ الساعي الفرض (من الآخر) رب الثلثين (رجع) على شريكه (بقيمة ثلثه) أي المخرج لان له ثلث المال. (فإن اختلفا في) قدر (قيمة المأخوذ) فالقول (قول المرجوع عليه) لانه غارم (مع يمينه) لاحتمال صدق شريكه، (إذا احتمل صدقه) فيما ذكره قيمة، وإلا رد، لتكذيب الحس له. (و) محله: إذا (عدمت البينة) لانها ترفع النزاع، فيجب العمل بما تقوله. (وإذا أخذ الساعي أكثر من الفرض بلا تأويل، كأخذه عن أربعين) شاة، لاثنين (مختلطة: شاتين من مال أحدهما، أو عن ثلاثين بعيرا: جذعة، رجع) المأخوذ منه (على خليطه في

[ 233 ]

الاولى) أي مسألة الاربعين شاة (بقيمة نصف شاة. و) رجع (في الثانية) أي في مسألة ثلاثين بعيرا (بقيمة نصف بنت مخاض. ولم يرجع) على خليطه (بالزيادة. لانها ظلم، فلا يرجع بها على غير ظالمه). وخليطه لم يظلمه ولم يتسبب في ظلمه. (وإذا أخذه) أي أخذ الساعي الزائد (بتأويل، كأخذه صحيحة عن مراض، أو) أخذه (كبيرة عن صغار، أو) أخذه (قيمة الواجب. رجع) المأخوذ منه (عليه) أي على خليطه بحصته مما أخذ، لان الساعي نائب الامام، فعله كفعله، ولهذا لا ينقص لكونه مختلفا فيه، كما في الحاكم، قال في المغنى والشرح: ما أداه اجتهاده إليه، وجب دفعه، وصار بمنزلة الواجب. وقال غيره: لان فعله في محل الاجتهاد سائغ نافذ، فترتب عليه الرجوع لسوغانه. (ويجزئ) أخذ الساعي القيمة (ولو اعتقد المأخوذ منه عدم الاجزاء) لما تقدم من أن الساعي نائب الامام، وفعله كحكمه، فيرفع الخلاف. (ومن بذل الواجب) عليه، خليطا كان أو غيره (لزم) الساعي (قبوله) منه (ولا تبعة عليه) لادائه ما وجب عليه. (ويجزئ إخراج بعض الخلطاء) الزكاة (بدون إذن بقيتهم، مع حضورهم وغيبتهم) لان عقد الخلطة جعل كل واحد منهم كالاذن لخليطه في الاخراج عنه. (والاحتياط) أن يكون إخراج أحدهم (بإذنهم) خروجا من خلاف من قال: لا يجزئ إلا به، كابن حمدان (ومن أخرج منهم) أي الخلطاء (فوق الواجب لم يرجع بالزيادة) على خلطائه، لعدم الاذن لفظا وحكما. تتمة: إذا أخذ الساعي فرضا مجمعا عليه، لكنه مختلف فيه، هل هو عن الخليطين أو عن أحدهما؟ عمل كل في التراجع بمذهبه، لانه لا نقص فيه، لفعل الساعي، فعشرون شاة خلطة بستين فيها ربع شاة، فإذا أخذ الشاة من الستين رجع ربها بربع الشاة، وإن أخذها من العشرين رجع ربها بثلاثة أرباعها، لا بقيمتها كلها، ولا تسقط زيادة مختلف فيها بأخذ الساعي مجمعا عليه، كمائة وعشرين خلطة بينهما، تلف ستون عقب الحول، فأخذ نصف شاة بناء على تعلق الزكاة بالنصاب والعفو، وجعله للخلطة تأثيرا، لزمهما إخراج نصف شاة، ذكرهما في منتهى الغاية.

[ 234 ]

باب زكاة الخارج من الارض من الزروع والثمار والمعدن والركاز، وما هو في حكم ذلك، كعسل النحل. والاصل في وجوب الزكاة في ذلك: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) *. والزكاة تسمى نفقة. لقوله تعالى: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) *. وقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) *. قال ابن عباس: حقه: الزكاة، مرة العشر، ومرة نصف العشر. والسنة مستفيضة بذلك. ويأتي بعضه. وأجمعوا على وجوبها في البر والشعير، والتمر والزبيب، حكاه ابن المنذر. (تجب الزكاة في كل مكيل مدخر)، لقوله (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة فدل على أن ما لا يدخله التوسيق ليس مرادا من عموم الآية والخبر، وإلا لكان ذكر الاوسق لغوا. ولان غير المدخر لا تكمل فيه النعمة لعدم النفع به مالا. (من قوت) كالحنطة والشعير والارز والدخن، (وغيره) أي غير القوت، مما يأتي بيانه. (فتجب) الزكاة (في كل الحبوب: كالحنطة والشعير والسلت) بالضم. قاله في القاموس. (وهو نوع من الشعير لونه لون الحنطة. وطبعه طبع الشعير في البرودة) قال في الفروع: لانه أشبه الحبوب به، أي بالشعير في صورته. (والذرة والقطنيات) بكسر القاف وفتحها وضمها وتشديد الياء وتخفيفها، قاله في الحاشية. (كالباقلاء والحمص واللوبيا) يمد ويقصر. (والعدس والماش والترمس) بوزن بندق، قاله في الحاشية. (حب عريض أصغر من الباقلاء، والدخن والارز والهرطمان) حب متوسط بين الحنطة والشعير، قاله في الحاشية. (وهو الجلبانة والكر سنة والحلبة والخشخاش والسمسم) سمي ذلك قطنية: من قطن يقطن في البيت. لانها تمكث فيه. ومنه قولهم: فلان قاطن بمكان كذا. (ولا يجزئ الاخراج من شيرجه) أي السمسم، كإخراج قيمته. (وكبزر البقول كلها، كالهندبا، والكرفس، والبصل، وبزر قطونا) بفتح القاف وضم الطاء، يمد ويقصر. (ونحوها وبزر الرياحين

[ 235 ]

جميعا، وأبازير القدر، كالكزبرة) بضم الباء وقد تفتح. وأظنه معربا قاله في الحاشية. (والكمون، والكراويا، والشونيز) يقال له: الحبة السوداء. قاله في الحاشية (وكذا حب الرازيانج، وهو الشمر، والانيسون، والشهدانج) بفتح النون. (وهو حب القنب، والخردل، وبزر الكتان) بفتح الكاف. (و) بزر (القطن، واليقطين) وهو القرع. (والقرطم) بكسر القاف والطاء، وضمهما لغة: حب العصفر. قاله في الحاشية. (و) حب (القثاء، والخيار، والبطيخ) بأنواعه (و) حب (الرشاد، والفجل، وبزر البقلة الحمقاء ونحوه) كبزر الباذنجان والخس والجزر ونحوهما. (وتجب) الزكاة (في كل ثمر يكال ويدخر) نقل صالح: ما كان يكال ويدخر ويقع فيه القفيز ففيه العشر. وما كان مثل الخيار والقثاء والبصل والرياحين والرمان. فليس فيه زكاة إلا أن يباع، ويحول على ثمنه حول. (كالتمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والبندق، والسماق) و (لا) تجب الزكاة (في عناب وزيتون) لان العادة لم تجر بادخاره، وهو شرط، ذكره في المبدع. (وقطن، وكتان، وقنب، وزعفران، وورس، ونيل، وفوة، وغبيراء) وبقم (وحناء، ونأرنجيل) بالهمز، ويجوز تخفيفه. وهو جوز الهند، الواحدة نارنجيلة، وشجرته شبيهة بالنخلة، لكنها تميل بصاحبها حتى تدنيه من الارض لينا، قاله في الحاشية. (وجوز) نص عليه. وعلل بأنه معدود (وسائر الفواكه، كالتين، والمشمش) بكسر الميمين. (والتوت والاظهر: وجوبها في العناب، والتين، والمشمش، والتوت) هذا معنى كلامه في الفروع. وجزم في الاحكام السلطانية والمستوعب والكافي: بوجوب الزكاة في العناب واختاره الشيخ تقي الدين في التين. لانه يدخر كالتمر. (ولا تجب في التفاح، والاجاص، والخوخ)، ويسمى الفرسك. (والكمثري) بضم الميم مثقلة في الاكثر، الواحد كمثراة. ذكره في الحاشية. (والسفرجل، والرمان، والنبق، والزعرور). يشبه النبق (والموز) لانها ليست مكيلة. وقد روي أن

[ 236 ]

عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافا. فكتب إليه عمر: ليس فيها عشر، هي من العضاه، رواه الاثرم. (ولا في قصب السكر، والخضر، كبطيخ، وقثاء، وخيار، وباذنجان) بفتح الذال. (ولفت) بكسر اللام (وهو السلجم) بوزن جعفر. (وسلق، وكرنب، وقنبيط، وبصل، وثوم، وكراث، وجزر، وفجل، ونحوه) لحديث علي: أن النبي (ص) قال: ليس في الخضراوات صدقة وعن عائشة معناه، رواهما الدارقطني. (ولا في البقول كالهندبا) قال ابن السكيت: تفتح الدال فتقصر، وتكسر فتمد. (والكرفس) قال في البارع والتهذيب: بفتح الراء وسكون الفاء. وفي الصحاح: بوزن جعفر (والنعناع، والرشاد، وبقلة، الحمقاء، والقرظ، والكزبرة، والجرجير ونحوه، ولا في المسك، والزهر، كالورد والبنفسج، والنرجس، واللينوفر، والخيري، وهو المنثور ونحوه) كالزنبق. (ولا في طلع الفحال - بضم أوله وتشديد ثانيه - وهو ذكر النخل. ولا في السعف، وهو أغصان النخل)، أي جريد النخل الذي لم يجرد عنه خوصه، فإن جرد خوصه عنه فجريد. (ولا في الخوص وهو ورقة) أي ورق السعف. (ولا في قشور الحب، والتبن، والحطب، والخشب، وأغصان الخلاف، وورق التوت، والكلا، والقصب الفارسي، ولبن الماشية وصوفها ونحو ذلك)، كالوبر والشعر. (وكذا الحرير، ودود القز) لان ذلك كله ليس منصوصا عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فبقي على الاصل. (وتجب الزكاة في صعتر، وأشنان، وحب ذلك، وكل) ورق (مقصود، كورق سدر وخطمي وآسي. وهو المرسين) لانه نبات مكيل مدخر.

[ 237 ]

فصل: (ويعتبر لوجوبها) أي الزكاة فيما تقدم مما تجب فيه (شرطان، أحدهما: أن يبلغ نصابا قدره بعد التصفية في الحبوب و) بعد (الجفاف في الثمار) والورق (خمسة أوسق) فلا تجب في أقل من ذلك. لقوله (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة رواه أحمد ومسلم. فتقديره بالكيل يدل على إناطة الحكم به، واعتبر كون النصاب بعد التصفية في الحبوب، لانه حال الكمال والادخار، والجفاف في الثمار والورق. لان التوسيق لا يكون إلا بعد التجفيف. فوجب اعتباره عنده. فلو كان عشرة أوسق عنبا لا يجئ منه خمسة أوسق زبيبا، لم يجب شئ، وتقدم أنه لا يعتبر الحول هنا، لتكامل النماء عند الوجوب، بخلاف غيره. (والوسق) بكسر الواو وفتحها (ستون صاعا) حكاه ابن المنذر بغير خلاف، وروى الاثرم بإسناده عن سلمة بن صخر عن النبي (ص) قال: الوسق ستون صاعا وعن أبي سعيد وجابر نحوه، رواه ابن ماجه. (والصاع خمسة أرطال وثلث) رطل (بالعراقي، فيكون النصاب في الكل) من الحبوب والثمار والاوراق (ألفا وستمائة رطل عراقي، وهو) أي النصاب: (ألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلا وأربعة أسباع رطل مصري، وما وافقه) كالمكي والمدني. (و) النصاب (ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلا وستة أسباع رطل دمشقي وما وافقه) في الزنة. (و) النصاب (مائتان وخمسة وثمانون رطلا وخمسة أسباع رطل حلبي وما وافقه) في الزنة كالحمصي. (ومائتان وسبعة وخمسون رطلا وسبع رطل قدسي وما وافقه)

[ 238 ]

كالنابلسي. (ومائتان وثمانية وعشرون رطلا وأربعة أسباع رطل بعلي وما وافقه) في وزنه. فائدة: الاردب، كيل معروف بمصر، وهو أربعة وستون منا، وذلك أربعة وعشرون صاعا بصاع النبي (ص)، قاله الازهري. والجمع الارادب، قاله في الحاشية، ولعل هذا باعتبار ما كان أولا، والآن الاردب أربعة وعشرون ربعا، والربع أربعة أقداح، قال شيخ الاسلام زكريا في شرح المنهج: والصاع قدحان اه‍. فالاردب ثمان وأربعون صاعا، فيكون النصاب ستة أرادب وربع تقريبا. وقال الشمس العلقمي في حاشية الجامع الصغير: الصاع قدحان إلا سبعي مد، بالقدح المصري (والوسق والصاع والمد: مكاييل نقلت إلى الوزن) أي قدرت بالوزن. (لتحفظ) فلا يزاد ولا ينقص منها. (وتنقل) من الحجاز إلى غيره، وليست صنجا. (والمكيل يختلف في الوزن. فمنه ثقيل) كتمر وأرز. (و) منه (متوسط، كبر وعدس. و) منه (خفيف، كشعير وذرة) وأكثر التمر أخف من الحنطة على الوجه الذي يكال شرعا. لان ذلك على هيئة غير مكبوس. (فالاعتبار في ذلك) المذكور من المكيلات (بالمتوسط نصا) قال في الفروع: ونص أحمد وغيره من الائمة: على أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالحنطة، أي بالرزين من الحنطة. وهو الذي يساوي العدس في وزنه. (ومثل مكيله من غيره) أي غير المتوسط. وهو الثقيل والخفيف. (وإن لم يبلغ) المكيل غير المتوسط (الوزن) المذكور لخفته (نصا)، فالمعتبر: بلوغه نصابا بالكيل، دون الوزن. (فمن اتخذ وعاء يسع خمسة أرطال وثلثا عراقية من جيد البر) أي رزينه. (ثم كال به ما شاء) من ثقيل وخفيف (عرف) به (ما بلغ حد الوجوب من غيره) الذي لم يبلغ نصابا. (فإن شك في بلوغ قدر النصاب، ولم يجد ما يقدره) أي المكيل (به، احتاط وأخرج) الزكاة ليخرج من عهدتها. (ولا يجب) عليه الاخراج إذن لانه الاصل. فلا يثبت بالشك. (ونصاب علس) بفتح العين المهملة وسكون اللام وفتحها. (وهو نوع من الحنطة، و) نصاب (أرز، يدخران) أي العلس والارز (في قشريهما عادة لحفظهما) لانهما إذا خرجا من قشرهما لا يبقيان بقاءهما في القشر. (عشرة أوسق، إذا كان) العلس أو الارز (ببلد قد خبره) أي امتحنه وجربه (أهله، وعرفوا أنه

[ 239 ]

يخرج منه مصفى النصف) عملا بالعادة. (لانه يختلف في الخفة والثقل. فيرجع إلى أهل الخبرة) بذلك. (ويؤخذ بقدره) للحاجة (وإن صفيا، فنصاب كل منهما خمسة أوسق) كسائر الحبوب. (فإن شك في بلوغهما نصابا) وهما في قشرهما، لعدم انضباط العادة (خير بين أن يحتاط ويخرج عشره قبل قشره، وبين قشره واعتباره بنفسه كمغشوش أثمان)، حتى يخرج من العهدة. (ولا يجوز تقدير غيره) أي العلس (من الحنطة في قشره، ولا إخراجه قبل تصفيته)، لان العادة لم تجر به، ولم تدع الحاجة إليه. ولا يعلم قدر ما تخرج منه. (وتضم ثمرة العام الواحد) إذا اتحد الجنس، ولو اختلف النوع. (و) يضم (زرعه) أي زرع العام الواحد (بعضها) أي الثمرة (إلى بعض) في تكميل النصاب. وبعض الزرع إلى بعض (في تكميل النصاب) إذا اتحد الجنس. (ولو اختلف وقت إطلاعه، و) وقت (إدراكه بالفصول) كما لو اتحد، لانه عام واحد. (وسواء تعدد البلد أو لا) نص عليه. فيأخذ عامل البلد حصته من الواجب في محل ولايته. (فإن كان له نخل تحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر)، لانها ثمرة عام واحد، فضم بعضها إلى بعض. (كزرع العام الواحد) وكالذرة التي تنبت في السنة مرتين. لان الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد، كما لو لم يكن حمل أول. فكذلك إذا كان. لان وجود الحمل الاول لا يصلح أن يكون مانعا، بدليل حمل الذرة. وبهذا يبطل ما ذكروه من انفصال الثاني عن الاول. وفي المبدع: ليس المراد بالعام هنا: اثني عشر شهرا، بل وقت استغلال المغل من العام عرفا. وأكثره: ستة أشهر بقدر فصلين. ( ولا تضم ثمرة عام واحد ولا زرعه) أي زرع عام (إلى) ثمرة عام (آخر)، لانفصال الثاني عن الاول. (وتضم أنواع الجنس) من حبوب أو ثمار من عام واحد (بعضها إلى بعض في تكميل النصاب). كأنواع الماشية والنقدين. (فالسلت: نوع من الشعير، فيضم إليه. والعلس: نوع من الحنطة: فيضم إليها) وكذا سائر أنواع جنس. (ولا يضم جنس إلى آخر) كبر إلى شعير، أو دخن أو ذرة أو عدس ونحوه، لانها أجناس يجوز التفاضل فيها. فلم يضم بعضها إلى

[ 240 ]

بعض، (كأجناس الثمار، و) أجناس (الماشية) ولا يصح القياس على ضم العلس إلى الحنطة. لانه نوع منها. وإذا انقطع القياس لم يجز ايجاب الزكاة بالتحكم. (ولا تضم الاثمان إلى شئ منها) أي من الحبوب أو الثمار أو الماشية لما تقدم. (إلا إلى عروض التجارة) فتضم الاثمان إلى قيمتها. (ويأتي) ذلك (في الباب بعده). الشرط (الثاني) لوجوب الزكاة فيما يخرج من الارض من الحبوب والثمار، (أن يكون النصاب مملوكا له) أي للحر المسلم (وقت وجوب الزكاة) فيه وهو وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر وإن لم يزرعه. (فتجب) الزكاة (فيما نبت بنفسه مما يزرعه الآدمي كمن سقط له حب في أرضه أو أرض مباحة)، فنبت لانه يملكه وقت الوجوب وفعل الزرع ليس شرطا. (ولا تجب) الزكاة (فيما يكتسبه اللقاط، أو يوهب له) بعد بدو صلاحه، أو يشتريه ونحوه بعد ذلك. (أو يأخذه) الحصاد ونحوه (أجرة لحصاده ودياسه ونحوه) كأجرة تصفيته أو نطارته. (ولا فيما يملك من زرع وثمرة بعد بدو صلاحه بشراء أو إرث أو غيرهما)، كصداق وعوض خلع وإجارة وعوض صلح. لانه لم يكن مالكا له وقت الوجوب، بخلاف العسل، للاثر. (ولا) زكاة (فيما يجتنبه من مباح كبطم وزعبل) بوزن جعفر. (وهو شعير الجبل، وبزر قطونا، وكزبرة، وعفص، وأشنان، وسماق ونحوه) كبزر النمام، والحبة الحمقاء. (سواء أخذه من موات أو نبت في أرضه. لانه لا يملك ألا يأخذه) فلم يكن وقت الوجوب في ملكه. فصل: (ويجب العشر) وهو (واحد من عشرة) إجماعا (فيما سقي بغير مؤنة)، أي كلفة (كالغيث، وهو المطر، و) ك‍ (- السيوح) جمع سيح. وهو الماء الجاري على وجه الارض (كالانهار

[ 241 ]

والسواقي) التي يجري فيها الماء من الانهار بلا آلة. (وما يشرب بعروقه، وهو البعل. ولا يؤثر) مؤنة (حفر الانهار) وحفر (السواقي) في نقص الزكاة. لانه من جملة إحياء الارض. ولانه لا يتكرر كل عام. (و) لا تؤثر أيضا مؤنة (تنقيتها) أي الانهار والسواقي، (و) لا مؤنة (سقي) أي من يسقي بماء الانهار والسواقي. (في نقص الزكاة، لقلة المؤنة. وكذا من يحول الماء في السواقي لانه كحرث الارض). ولانه لا بد منه حتى في السقي بكلفة. (وإن اشترى ماء بركة أو حفيرة وسقى به سيحا ف‍) - الواجب (العشر. وكذا إن جمعه وسقى به) سيحا فيجب العشر، لندرة هذه المؤنة. وهي في ملك الماء له لا في السقي به. فإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الارض، ويستقر في مكان قريب من وجهها، إلا أنه يحتاج في ترقية الماء إلى الارض: إلى آلة، من غرب أو دولاب. فهو من الكلفة المسقطة لنصف العشر. (ويجب نصف العشر فيما سقي بكلفة، كالدوالي، جمع دالية، وهي الدولاب تديره البقر) ويسمونها بمصر ساقية. (والناعورة يديرها الماء والسانية) بالنون (و) هي (النواضح واحدها: ناضح وناضحة، وهما البعير يستقى عليه، وما يحتاج في ترقية الماء إلى الارض) أي رفعه إليها. (إلى آلة من غرب أو غيره) فكل ذلك فيه: نصف العشر. لما روى ابن عمر أن النبي (ص) قال: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا: العشر. وما سقي بالنضح: نصف العشر رواه البخاري، سمي عثريا: لانهم يجعلون في مجرى الماء عاثورا. فإذا صدمه الماء تراد، فدخل تلك المجاري فتسقيه. ولان للكلفة تأثيرا في إسقاط الزكاة في المعلوفة. ففي تخفيفها أولى. (وقال الشيخ: وما يديره الماء من النواعير ونحوها مما يصنع من العام إلى العام، أو) يصنع (في أثناء العام ولا يحتاج إلى دولاب تديره الدواب: يجب فيه العشر. لان مؤنته خفيفة. فهي كحرث الارض وإصلاح طرق الماء) فلا يؤثر في نقص الزكاة.

[ 242 ]

تتمة: إذا سقيت أرض العشر بماء الخراج لم يؤخذ منها خراج، أو عكسه، لم يسقط خراجها. ولا يمنع من سقي كل واحدة بماء الاخرى: نص على ذلك. (فإن سقي بكلفة وبغير كلفة سواء) بأن سقي نصف السنة بهذا ونصفها بهذا. (وجب ثلاثة أرباع العشر) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه. لان كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لاوجب مقتضاه. فإذا وجد في نصفه أوجب نصفه. (فإن سقي بأحدهما أكثر) من الآخر (اعتبر أكثرهما) نص عليه. لان اعتبار قدر ما يسقى به في كل وقت يشق. فاعتبر الاكثر كالصوم. (فإن جهل المقدار) أي مقدار السقي، فلم يعلم: هل سقي سيحا أكثر، أو بكلفة أكثر؟ أو جهل أكثرهما نفعا ونموا؟ (وجب العشر) نص عليه، لان الاصل وجوبه كاملا، ولانه خروج عن عهدة الواجب بيقين. (والاعتبار بالاكثر) من السقي بكلفة أو بغيرها (نفعا ونموا) نصا. و (لا) اعتبار (بالعدد والمدة) أي عدد السقيات ومدة السقي (ومن له حائطان) أي بستانان، (أو) له (أرضان، ضما) أي الحائطان أو الارضان، أي ضمت ثمارهما وزروعهما بعضها إلى بعض، مع اتحاد الجنس والعام، كما تقدم (في) تكميل (النصاب، ولكل منهما حكم نفسه في سقيه بمؤنة أو بغيرها) فيخرج مما يشرب بمؤنة: نصف عشره، ومما يشرب بغيرها: عشره. (ويصدق المالك فيما سقى به بلا يمين) لان الناس لا يستحلفون على صدقاتهم. لانها حق لله فلا يستحلف فيه كالصلاة والحد. (وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة، ف‍) - بدو الصلاح (في فستق وبندق ونحوه) كلوز (انعقاد لبه، وفي غيره) أي غير ما ذكر من الثمار كالتمر والعنب (كبيع) أي ظهور نضجه وطيب أكله، على ما يأتي بيانه في بيع الاصول والثمار (وجبت الزكاة) لانه يقصد للاكل والاقتيات كاليابس، ولانه وقت خرص الثمرة، لحفظ الزكاة ومعرفة قدرها، بدليل أنه لو أتلفه لزمته زكاته ولو باعه أو وهبه قبل الخرص وبعده، فزكاته عليه، دون المشتري والموهوب له (فإن قطعها) أي الثمرة (قبله)، أي قبل بدو صلاحها (لغرض صحيح، كأكل أو بيع أو تجفيف) أصلها (أو تحسين بقيتها، فلا زكاة فيه) أي المقطوع قبل بدو صلاحه، كما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول. (وإن فعله) أي القطع قبل بدو الصلاح. (فرارا من الزكاة، أثم ولزمته) الزكاة لتفويته

[ 243 ]

الواجب بعد انعقاد سببه، أشبه القاتل والمطلق ثلاثا في مرض موته (ولو باعه) بعد بدو صلاحه (أو وهبه، خرص أم لا. فزكاته عليه) أي البائع أو الواهب، كما لو باع السائمة بعد الحول. و (لا) تجب زكاته (على المشتري. ولا الموهوب له) لعدم ملكه وقت الوجوب. (ولو مات) مالك الزرع والثمر بعد الاشتداد وبدو الصلاح (وله ورثة لم تبلغ حصة واحد منهم نصابا، لم يؤثر ذلك) في سقوط الزكاة. كموت رب الماشية بعد الحول. (ولو ورثه) أي الحب المشتد أو الثمر، بعد بدو صلاحه (من عليه دين. لم يمنع دينه الزكاة) لانها وجبت على المورث قبل موته. فتؤخذ من تركته، لا على الوارث المدين. (ولو كان ذلك) المذكور من البيع أو الهبة أو موت المالك عمن لم تبلغ حصة واحد من ورثته نصابا، أو عن مدين (قبل بدو صلاح الثمر، و) قبل (اشتداد الحب. انعكست الاحكام) فتكون الزكاة في مسألتي البيع والهبة على المشتري والموهوب له، إن كان من أهل الوجوب. وتسقط في مسألتي الموت. (ولو باعه) أي الحب المشتد أو الثمر بعد بدو صلاحه. (وشرط) البائع (الزكاة على المشتري. صح) البيع والشرط، للعلم بالزكاة. فكأنه استثنى قدرها، ووكله في إخراجه. (فإن لم يخرجها المشتري وتعذر الرجوع عليه. ألزم بها البائع) لوجوبها عليه. (ويفارق إذا استثنى زكاة نصاب ماشية) فإنه لا يصح، بل يبطل البيع (للجهالة) بالمستثنى. واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولا. (أو اشترى ما لم يبد صلاحه) من زرع وثمر (بأصله) الذي هو أرضه، أو شجره. (فإنه لا يجوز شرط المشتري زكاته على البائع) لانه لا تعلق لها بالغرض الذي يصير إليه. (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها) أي الحبوب والثمار (في جرين وبيدر ومسطاح) قال في الانصاف: الجرين يكون بمصر والعراق. والبيدر بالشرق والشام، والمربد يكون بالحجاز، وهو الموضع الذي تجمع فيه الثمرة ليتكامل جفافها. والجوجان: يكون بالبصرة، وهو موضع تشميسها وتيبيسها. ذكره في الرعاية وغيرها. ويسمى بلغة آخرين المسطاح. وبلغة آخرين: الطبابة اه‍. فدل أن مسمى الجميع واحد. (فإن تلفت) الحبوب أو الثمار التي تجب الزكاة فيها (قبله) أي قبل الوضع بالجرين

[ 244 ]

ونحوه (بغير تعد منه سقطت الزكاة، خرصت) الثمرة (أو لم تخرص) لانه في حكم ما لا تثبت اليد عليه، بدليل أن من اشترى ثمرة فذهبت بعطش أصابها ونحوه، رجع على البائع بثمنها. والخرص لا يوجب. وإنما يفعله الساعي ليتمكن المالك من التصرف. فوجب سقوط الزكاة مع وجوده، كعدمه (وإن تلف البعض) من الزرع أو الثمر قبل الاستقرار، (زكى) المالك (الباقي إن كان نصابا) لوجود الشرط (وإلا) أي وإن لم يكن الباقي نصابا (فلا) زكاة فيه. قدمه في الفروع. وقال في شرح المنتهى: في الاصح. لقوله (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. وهذا يعم حالة الوجوب ولزوم الاداء اه‍. وقال في المبدع: قاله القاضي. والمذهب: إن كان التلف قبل الوجوب، فهو كما قال القاضي، وإن كان بعده وجب في الباقي بقدره مطلقا، وهو أحد وجهين، ذكرهما ابن تميم وصححه الموفق. (وإن تلفت) الزروع أو الثمار (بعد الاستقرار) أي الوضع في الجرين ونحوه (لم تسقط) زكاتها، كتلف النصاب بعد الحول، وكذا لو أتلفها أو تلفت بتفريطه بعد الوجوب، ولو قبل الاستقرار. فإنه يضمن نصيب الفقراء. صرح به في الكافي والشرح. لانه متعد أو مفرط. (وإن ادعى) رب الزروع أو الثمار (تلفها) بغير تفريط (قبل قوله بغير يمين) نص عليه، لانه خالص حق الله. فلا يستحلف عليه، كالصلاة (ولو اتهم) في دعواه التلف (إلا أن يدعيه) أي التلف (بجائحة ظاهرة تظهر عادة) كحريق وجراد، (فلا بد من بينة) تشهد بوجود ذلك الظاهر (ثم يصدق) المالك (في قدر التالف) من المال المزكي بلا يمين. (ويجب إخراج زكاة الحب مصفى) من قشره وتبنه، (والثمر يابسا)،

[ 245 ]

لحديث عتاب بن أسيد أنه (ص): أمر أن يخرص العنب زبيبا، كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرا. ولا يسمى زبيبا وتمرا حقيقة إلا اليابس. وقيس عليهما الباقي. ولان ذلك حالة كماله، ونهاية صفات ادخاره. ووقت لزوم الاخراج منه. (فلو خالف وأخرج سنبلا ورطبا وعنبا لم يجزئه) إخراجه، (ووقع نفلا) إن كان الاخراج للفقراء. (فلو كان الآخذ) لذلك (الساعي، فإن جففه) أي الرطب والعنب (وصفاه) أي السنبل، (وجاء قدر الواجب) في الزكاة (أجزأ) المالك. (وإلا) بأن زاد على الواجب أو نقص عنه. (رد) الساعي (الفضل) لمالكه لبقائه في ملكه. (وإن زاد) ما كان دفعه، (وأخذ) الساعي من المالك (النقص) أي ما بقي من الواجب. (إن نقص) المخرج عنه (وإن كان) المخرج (بحاله) بيد الساعي لم يجففه ولم يصفه. (رده) لمالكه، لفساد القبض. ويطالبه بالواجب (وإن تلف) بيد الساعي (رد بدله) لمالكه. فيكون مضمونا على الساعي. (وإن احتيج إلى قطع ثمر وزبيب، مثل بعد بدو صلاحه، وقبل كماله) أي الثمر. وقوله: (لضعف أصل ونحوه، كخوف عطش أو تحسين بقيته) علة لاحتيج (جاز) قطعه، لما فيه من المصلحة. (وعليه زكاته يابسا) إن بلغ نصابا يابسا (كما لو قطع لغرض البيع بعد خرصه) نص عليه، لقوله (ص): يخرص العنب فتؤخذ زكاته زبيبا ولانه حال الكمال فاعتبر. (ويحرم قطعه مع حضور ساع)، قال في المبدع: إن كان (إلا بإذنه) لحق أهل الزكاة فيها. وكون الساعي كالوكيل عنهم. قلت: قد تقدم أن تعلق الزكاة كتعلق أرش الجناية، لا كتعلق شركة. فلا يتم التعليل. (وإن كان) الثمر (رطبا لا يجئ منه تمر. أو) كان (عنبا لا يجئ منه زبيب. وجب قطعه) رطبا وعنبا، لما في تركه من إضاعة المال المنهي عنها. (وفيه الزكاة إن بلغ نصابا يابسا) بالخرص فيخرج زكاته. (من غيره تمرا أو زبيبا مقدرا بغيره) مما يصير تمرا أو زبيبا (خرصا) لما تقدم في المسألة قبلها. (وإلا) أي وإن لم نقل بقطع الرطب والعنب الذي لا يجئ منه

[ 246 ]

تمر ولا زبيب، (فمستحيل) عادة (أن يخرج من عينه تمرا أو زبيبا. إذا لم يجئ منه تمر أو زبيب) بحسب العادة، (أو يخرج منه) أي مما قطعه للحاجة إلى قطعه أو لوجوبه (رطبا وعنبا، اختاره القاضي، وجماعة) منهم الموفق والمجد، وصاحب الفروع، لان الزكاة وجبت مواساة، ولا مواساة بإلزامه ما ليس في ملكه، (و) على ما اختار القاضي وجماعة (له أن يخرج الواجب منه) أي من الرطب أو العنب (مشاعا) بأن يسلمه العشر مثلا، شائعا (أو مقسوما بعد الجذاذ، أو قبله بالخرص. فيخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ فيأخذ نصيب الفقراء شجرات مفردة، وبين مقاسمته بعد جذها بالكيل) في الرطب والوزن في العنب. (وله) الساعي (بيعها) أي الزكاة (منه) أي رب المال (أو من غيره) ويقسم ثمنها. لان رب المال يبذل فيها عوض مثلها. أشبه الاجنبي. لا يقال: الرطب والعنب الذي لا يجئ منه تمر ولا زبيب، لا يدخر. فهو كالخضروات، لا زكاة فيه. لانا نقول: بل يدخر في الجملة وإنما لم يدخر هنا لان أخذه رطبا أنفع. فلم تسقط زكاته بذلك. (والمذهب) المنصوص: (أنه لا يخرج منه إلا يابسا) لما تقدم. قال في التنقيح: والمذهب لا يخرج إلا يابسا. (فإن أتلف النصاب ربه بقيت الزكاة في ذمته، تمرا أو زبيبا) لعدم سقوطها بإتلافه. (وظاهره) أي ظاهر القول بأنه لا يخرج إلا يابسا: أنه يلزمه زكاته إذا تلف. (ولو لم يتلفه) أي يتعد عليه أو يفرط فيه. فلا يتوقف الاستقرار فيه على الوضع بالمسطاح، لانه لا يتأتى وضعه فيه، لكونه لا يتمر ولا يزبب. فيكون استقرارها بمجرد انتهاء نضجه. (فإن لم يجدهما) أي التمر والزبيب (بقيا في ذمته فيخرجه) أي ما بقي في ذمته (إذا قدر عليه) كباقي الواجبات التي لا بدل لها. (والمذهب أيضا: أنه يحرم. ولا يصح شراؤه زكاته، ولا صدقته). لما روي عن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، وأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص. فسألت النبي (ص)، فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك. وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه متفق عليه.

[ 247 ]

ولان شراءها وسيلة إلى استرجاع شئ منها، لانه يستحيي أن يماكسه في ثمنها، وربما سامحه طمعا منه بمثلها، أو خوفا منه إذا لم يبعها أن لا يعود يعطيه في المستقبل، وكل هذه مفاسد. فوجب حسم المادة. (وسواء اشتراها ممن أخذها منه، أو من غيره) لظاهر الخبر. ونقله أبو داود في فرس حميل. وظاهر التعليل: يقتضي الفرق. قال في الفروع: وظاهر كلامهم: أن النهي يختص بعين الزكاة. ونقل حنبل: وما أراد أن يشتريه أو شيئا من نتاجه، فلا (وإن رجعت إليه) زكاته أو صدقته (بإرث) طابت له بلا كراهة. لحديث بريدة: أنه (ص) أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت. فقال النبي (ص): وجب أجرك، وردها عليك الميراث رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. (أو) عادت إليه ب‍ (- هبة أو وصية، أو أخذها من دينه) طابت له، لان ذلك كالارث (أو ردها) أي الزكاة (له الامام بعد قبضه منه، لكونه) أي المالك (من أهلها)، أي الزكاة جاز له أخذها (كما يأتي) في الباب، لانها عادت إليه بسبب آخر، فهو كما لو عادت إليه بميراث. فصل: (ويسن أن يبعث الامام ساعيا خارصا) لحديث عائشة قالت: كان النبي (ص) يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، ليخرص عليهم النخل. قبل أن يؤكل متفق عليه. وفي رواية لاحمد وأبي داود: لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق. وعن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد: أنه (ص)

[ 248 ]

كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم رواه الترمذي وابن ماجه. وصح عنه (ص): أنه خرص على امرأة بوادي القرى حديقة لها وحديثها في مسند أحمد. وقول المانع: إنه خطر وغرر، يرد بأنه اجتهاد في معرفة الحق بغالب الظن. وذلك جائز في تقويم المتلفات والمجتهدات في الشرعيات. وسائر الظواهر المعمول بها. وإن احتملت الخطأ (إذا بدا صلاح الثمر) لانه وقت دعاء الحاجة إلى الخرص. (ويعتبر أن يكون) الخارص (مسلما أمينا خبيرا، غير متهم) لان من ليس كذلك لا يعول على قوله. والمتهم: هو من كان من أحد عمودي نسب المالك. (ولو) كان (عبدا) كالفتوى ورؤية هلال رمضان. واعتبر أن يكون خبيرا، لئلا تفوت الحكمة التي شرع لها الخرص. (ويكفي خارص واحد) لحديث عائشة. ولانه ينفذ ما يؤدي إليه اجتهاده، كقائف وحاكم. (وأجرته) أي الخارص (على رب النخل والكرم) وفي المبدع: أجرته على بيت المال، انتهى. قلت: لو قيل من سهم العمال، لكان متجها (فيخرص ثمرهما) أي النخل والكرم (على أربابه) لما تقدم. (ولا تخرص الحبوب) بلا خلاف. ذكره في شرح المنتهى. (ولا ثمر غيرهما) أي غير النخل والكرم، كالبندق واللوز. لان النص إنما ورد بخرصهما، مع أن ثمرهما مجتمع في العذوق والعناقيد فيمكن أن يأتي الخرص عليه غالبا. والحاجة إلى أكلهما رطبة أشد من غيرهما، فامتنع القياس وذكر أبو المعالي بن المنجا: أن نخل البصرة لا يخرص. وأنه أجمع عليه الصحابة وفقهاء الامصار وعلل بالمشقة وبغيرها. قال في الفروع: كذا قال. (والخرص) بفتح الخاء مصدر. ومعناه هنا: (حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل والكرم وزنا، بعد أن يطوف) الخارص (به) أي بالنخل أو الكرم. (ثم يقدره تمرا) أو زبيبا (ثم يعرف) الخارص

[ 249 ]

(المالك قدر الزكاة) فيه (ويخيره بين أن يتصرف فيه بما شاء) من بيع أو غيره (ويضمن قدرها) أي الزكاة، (وبين حفظها) أي الثمار (إلى وقت الجفاف) ليؤدي ما وجب فيها. (فإن لم يضمن) المالك زكاتها (وتصرف) فيها (صح تصرفه) لما تقدم أن تعلق الزكاة كأرش الجناية، لا يمنع التصرف (وكره) قاله في الرعاية، أي تصرفه من غير ضمان زكاتها، خروجا من خلاف من منعه. (وإن حفظها) أي حفظ المالك الثمار (إلى وقت الجفاف. زكى الموجود فقط. وافق قول الخارص أو لا، وسواء اختار حفظها ضمانا بأن يتصرف، أو أمانة) من غير تصرف. لانها أمانة كالوديعة. وإنما يعمل بالاجتهاد مع عدم تبين الخطأ. لان الظاهر الاصابة. (وإن أتلفها) أي الثمرة (المالك أو تلفت بتفريطه. ضمن زكاتها بخرصها تمرا) أو زبيبا. لان الظاهر عدم الخطأ. قال في الشرح: وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمة ما أتلف. والفرق: أن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب، بخلاف الاجنبي. انتهى. وقوله: قيمة ما أتلف: قواعد المذهب: أن عليه مثله. لانه مثلي، فيضمن بمثله. (وإن ترك الساعي شيئا من الواجب أخرجه المالك) لان الواجب لا يسقط بترك الخارص وله. (فإن لم يبعث) الامام (ساعيا فعلى رب المال من الخرص ما يفعله الساعي، إن أراد) المالك (التصرف) في الثمرة، (ليعرف قدر الواجب قبل تصرفه) فيها. (ثم إن كان) المخروص (أنواعا لزم) الساعي (خرص كل نوع وحده، لاختلاف الانواع وقت الجفاف) فمنها: ما يزيد رطبه على تمره. ومنها: ما يزيد تمره على رطبه. وتختلف الزيادة والنقصان بحسب اختلافهما في اللحم والماوية، كثرة وقلة. (وإن كان) المخروص (نوعا واحدا فله خرص كل شجرة وحدها، وله خرص الجميع دفعة واحدة) لان النوع الواحد لا يختلف غالبا، ولما فيه من المشقة بخرص كل شجرة على حدة. (وإن ادعى رب المال غلط الخارص غلطا محتملا) كالسدس (قبل قوله بغير يمين، كما لو قال: لم يحصل في يدي غير كذا) فإنه يقبل قوله.

[ 250 ]

لانه قد يتلف بعضه بآفة لا يعلمها. (وإن فحش) ما ادعاه من الغلط كالنصف والثلث (لم يقبل) لانه لا يحتمل، فيعلم كذبه (وكذا إن ادعى) رب المال (كذبه) أي الخارص (عمدا) فلا يقبل قوله، لانه خلاف الظاهر. (ويجب) على الخارص (أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع، فيجتهد الساعي) في أيهما يترك، (بحسب المصلحة) لحديث سهل بن أبي حثمة أنه (ص) قال: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث. فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع رواه الخمسة إلا ابن ماجه ورواه ابن حبان والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الاسناد. وهذا توسعة على رب المال. لانه يحتاج إلى الاكل هو وأضيافه وجيرانه وأهله، ويأكل منها المارة. وفيها الساقطة، فلو استوفى الكل أضر بهم. (ولا يكمل بهذا القدر المتروك النصاب إن أكله) نص عليه، لاستهلاكه على وجه مأذون فيه، كما لو تلف بجائحة. (وإن لم يأكله كمل به) النصاب، (ثم يأخذه) الساعي (زكاة الباقي سواء بالقسط)، فلو كان تمره كله خمسة أوسق، ولم يأكل شيئا. كمل النصاب بالربع الذي كان له أن يأكله، وأخذت منه زكاة ما سواه، وهو ثلاثة أوسق، وثلاثة أرباع وسق. (وإن لم يترك الخارص شيئا) من الثمرة، (فلرب المال الاكل هو وعياله بقدر ذلك) الذي كان يترك له، نص عليه. (ولا يحتسب به عليه) بما أكله إذن، فلا تؤخذ منه زكاته، كما لو تركه الخارص له. (ويأكل هو) أي المالك وعياله (من حبوب ما جرت به العادة، كفريك ونحوه، وما يحتاجه، ولا يحتسب به عليه) في نصاب ولا زكاة كالثمار. (ولا يهدي) من الحبوب قبل إخراج زكاتها شيئا. وأما الثمار فالثلث أو الربع الذي يترك له يتصرف فيه كيف شاء (ولا يأكل من زرع وثمر مشترك شيئا إلا بإذن شريكه). كسائر الاموال المشتركة (ويأخذ العشر من كل نوع على حدته بحصته ولو شق) ذلك (لكثرة الانواع واختلافها). لان الفقراء بمنزلة الشركاء. فينبغي أن يتساووا في كل نوع، بخلاف السائمة، لما فيه من التشقيص، كما تقدم. (ولا يجوز إخراج جنس عن جنس

[ 251 ]

آخر) لقوله (ص): خذ الحب من الحب، والابل من الابل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم، رواه أبو داود وابن ماجه. (فإن أخرج الوسط عن جيد وردئ بقدر قيمتي الواجب منهما) لم يجزئه. لانه عدل عن الواجب إلى غيره. كما لو أخرج القيمة. وإنما اغتفر ذلك في السائمة دفعا للتشقيص. (أو أخرج الردئ عن الجيد بالقيمة) بأن زاد في الردئ بحيث يساوي قيمة الواجب من الجيد، (لم يجزئه) بخلاف النقدين، لان القصد عن غير الاثمان النفع بعينها. فيفوت بعض المقصود، ومن الاثمان القيمة، وتقدم قول المجد: قياس المذهب: جوازه في الماشية وغيرها، وإن تطوع رب المال بإخراج الجيد عن الردئ جاز، وله أجر ذلك. ولا يجوز أخذه عنه بغير رضاه. (ويجب العشر) أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه، ولو عبر بالزكاة، كالمنتهي، لشملها، (على المستأجر والمستعير دون المالك). أي إذا استأجر إنسان من أهل الزكاة، أو استعار أرضا، فزرعها، أو غرسها ما أثمر مما تجب فيه الزكاة، فهي على المستأجر والمستعير، دون مالك الارض. وهو معيرها أو مؤجرها. لقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * وقوله (ص): فيما سقت السماء العشر الحديث. وكتاجر استأجر حانوتا أو استعارها لبيع عروضه، وفي إيجابه على المالك إجحاف ينافي المواساة، وهي من حقوق الزرع، بدليل أنها لا تجب إن لم تزرع، وتتقيد بقدره. (والخراج عليه) أي على مالك الارض (دونهما) أي دون المستأجر والمستعير، لانه من حقوق الارض. (ولا زكاة في قدر الخراج إذا لم يكن له مال يقابله لانه كدين آدمي. ولانه من مؤنة الارض، كنفقة زرعه) كأجرة الحرث ونحوه، بخلاف مؤنة الحصاد والدياس، لانها بعد الوجوب. (وإذا لم يكن له) أي لمالك الارض (سوى غلة الارض وفيها ما فيه زكاة) كتمر وزبيب وبر وشعير. (و) فيها (ما لا زكاة فيه كالخضر) من بطيخ ويقطين وقثاء ونحوها، (جعل الخراج في مقابلته) أي ما لا زكاة في مقابلته، أي ما لا زكاة فيه إن وفى به (لانه أحوط للفقراء). وزكى الباقي مما تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن له غلة إلا ما تجب فيه الزكاة. أدى الخراج من غلتها وزكى ما بقي. (ولا ينقص النصاب بمؤنة الحصاد، و) مؤنة (الدياس

[ 252 ]

وغيرهما) كالجذاذ والتصفية (منه) أي من الزرع والثمر، (لسبق الوجوب ذلك) أي لانها تجب بالاشتداد وبدو الصلاح. وذلك سابق للحصاد والدياس والجذاذ ونحوهما. وتقدم في كتاب الزكاة التنبيه على ذلك. (وتلزم الزكاة في المزارعة الفاسدة من حكم بالزرع له) لان الزكاة على المالك، (وإن كانت) المزارعة (صحيحة، فعلى من بلغت حصته منهما) أي المالك والعامل (نصابا) بنفسها أو ضمها إلى زرع له آخر (العشر) أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه، على ما سبق. وكذا الحكم في المساقاة، بخلاف المضاربة. فإنه لا زكاة على العامل في حصته، ولو بلغت نصابا. لان الربح وقاية لرأس المال. (ومتى حصد غاصب الارض زرعه استقر ملكه) عليه. فلا يتملكه رب الارض، (وزكاته) لاستقرار ملكه عليه (وإن تملكه رب الارض قبل اشتداد الحب زكاه) لثبوت ملكه عليه وقت وجوبها. وإن تملكه بعد اشتداده. فقيل: يزكيه الغاصب. لانه يملكه وقت الوجوب، وقطع به المصنف في الغصب. وقدم في الفروع والمبدع وغيرهما: يزكيه رب الارض. لان ملكه استند إلى أول زرعه. لانه يتملكه بمثل بذره، وعوض لواحقه. فكأنه أخذه إذن. (وكره الامام أحمد) رضي الله عنه (الحصاد والجذاذ ليلا) لحديث الحسين: نهى النبي (ص) عن الجذاذ بالليل والحصاد بالليل رواه البيهقي. (ويجتمع العشر والخراج في كل أرض خراجية) نص عليه. لعموم الاخبار. (فالخراج في رقبتها) مطلقا والعشر (في غلتها إن كانت لمسلم) لان سبب الخراج التمكين من النفع، لوجوبه. وإن لم تزرع. وسبب العشر: الزرع كأجرة المتجر، مع زكاة التجارة، ولانهما شيئان مختلفان لمستحقين. فجاز اجتماعهما، كالجزاء والقيمة في الصيد المملوك. والحديث المروي: لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم ضعيف جدا. قال ابن حبان: ليس هذا الحديث من كلام النبوة. ثم يحمل على الخراج الذي هو الجزية، ولو كان عقوبة لما وجب على المسلم كالجزية. (وهي) أي الارض الخراجية، ثلاثة أضرب: إحداها: (ما فتحت عنوة، ولم تقسم) بين الغانمين (و) الثانية: (ما جلا عنها أهلها خوفا منا. و) الثالثة: (ما صولحوا) أي أهلها (عليها، على أنها لنا، ونقرها معهم بالخراج)

[ 253 ]

الذي يضربه عليها الامام، على ما يأتي بيانه في الاراضي المغنومة (والارض العشرية لا خراج عليها)، لانها ملك لاربابها. (وهي) أي الارض العشرية (الارض المملوكة)، وهي خمسة أضرب: الاولى: (التي أسلم أهلها عليها كالمدينة) المنورة (ونحوها) كجواثى من قرى البحرين. (و) الثانية: (ما أحياه المسلمون واختطوه، كالبصرة) بتثليث الباء قال في حاشيته: بنيت في خلافة عمر رضي الله عنه، في سنة ثمان عشرة، بعد وقف السواد. ولهذا دخلت في حده، دون حكمه. (و) الثالثة: (ما صالح أهلها على أنها لهم بخراج يضرب عليها كاليمن. و) الرابعة: (ما أقطعها الخلفاء الراشدون) من السواد (إقطاع تمليك) قال أحمد، في رواية ابن منصور: والارضون التي يملكها أربابها ليس فيها خراج، مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد وابن مسعود، وخباب. قال القاضي: وهو محمول على أنه أقطعهم منافعها وخراجها. وللامام إسقاط الخراج على وجه المصلحة. قال في الفروع: ولعل ظاهر كلام القاضي هذا: أنهم لم يملكوا الارض بل أقطعوا المنفعة، وأسقط الخراج للمصلحة، ولم يذكر جماعة هذا القسم من أرض العشر، انتهى. وهو ظاهر على القول بأن السواد وقف. فلا يمكن تملكه، لكن يأتي: أنه يصح بيعه من الامام، ووقفه له. فلذلك أبقى الاكثر كلام الامام على ظاهره. وأنه تمليك. (و) الخامسة: (ما فتح عنوة وقسم كنصف خيبر) بلدة معروفة على نحو أربع مراحل من المدينة إلى جهة الشام، ذات نخيل ومزارع، وحصون، وهي بلاد طئ، فتحها النبي (ص) في أوائل سنة سبع، قاله في حاشيته. (وللامام إسقاط الخراج) عمن بيده أرض خراجية (على وجه المصلحة) يبذل لاجلها من مال الفئ. لانه لا فائدة في أخذه منه، ثم رده أو مثله إليه. (ويأتي) في إحياء الموات. (ويجوز لاهل الذمة شراء أرض عشرية من مسلم) لانها مال مسلم يجب الحق فيه لاهل الزكاة، فلم يمنع الذمي من شرائه (كا) لارض (الخراجية) فللذمي شراؤها من مسلم، إذا حكم به من يراه أو كان الشراء من الامام. (ولا عشر عليهم) أي على أهل الذمة إذا اشتروا الارض العشرية لانهم ليسوا من أهل الزكاة. (كالسائمة وغيرها) من سائر ما تجب فيه الزكاة. (فإنه لا زكاة فيها) على الذمي لكن إن كان تغلبيا فعليه فيما يزكى زكاتان، يصرفان مصرف الجزية لا مصرف الزكاة. وإذا أسلم سقط عنه إحداهما وصرفت الاخرى مصرف الزكاة. (لكن يكره للمسلم بيع أرضه من ذمي وإجارتها،

[ 254 ]

نصا) وكذا إعارتها منه (لافضائه إلى إسقاط عشر الخراج منها إلا لتغلبي. فلا يكره ذلك) لعدم إفضائه إلى ذلك. لانه يؤخذ منه عشران يصرفان كما تقدم. (ولا شئ) أي لا زكاة (على ذمي فيما اشتراه من أرض خراجية) على ما تقدم إذا زرعه أو غرسه. (ولا) زكاة عليه أيضا (فيما استأجره أو استعاره من مسلم إذا زرعه) أو غرسه. وخرج منه: ما تجب فيه الزكاة (ولا فيما إذا جعل) الذمي (داره بستانا أو مزرعة، ولا فيما إذا رضخ الامام له أرضا من الغنيمة، أو أحيا) الذمي (مواتا) ثم زرعه أو غرسه، ويأتي في إحياء الموات: على ذمي خراج ما أحيا من موات عنوة. فصل: (وفي العسل العشر) قال الاثرم: سئل أبو عبد الله: أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم، أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر، قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت ذلك على أنهم يطوعون؟ قال: لا، بل أخذ منهم (سواء أخذه من موات) كرؤوس الجبال. (أو) أخذه (من ملكه) أي من أرض مملوكة له، عشرية كانت أو خراجية. (أو) من أرض (ملك غيره، لانه) أي العسل (لا يملك بملك الارض، كالصيد) والطائر يعشش بملكه. والاصل في وجوب الزكاة فيه: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص): كان يأخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة: من أوساطها رواه أبو عبيد والاثرم وابن ماجه. وعن سليمان بن موسى عن أبي سيارة المتعي. قال: قلت يا رسول الله، إن لي نخلا. قال: فأد العشور. قال قلت: يا رسول الله، احم لي جبلها. قال: فحمى لي جبلها رواه أحمد وابن ماجه.

[ 255 ]

ورواته ثقات إلا سليمان الاشدق. قال البخاري: عنده مناكير. وقد وثقه ابن معين. قال الترمذي: هو ثقة عند المحدثين، غير أنه لم يدرك أبا سيارة. ولذلك احتج أحمد بقول عمر. قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل حديث يثبت، ولا إجماع، قال المجد: القياس عدم الوجوب لولا الاثر، وفرق العسل واللبن، بأن الزكاة واجبة في أصل اللبن. وهو السائمة، بخلاف العسل. وبأن العسل مأكول في العادة متولد من الشجر، يكال ويدخر، فأشبه التمر. وذلك أن النحل يقع على نوار الشجر فيأكله. فهو متولد منه. (ونصابه) أي العسل (عشرة أفراق) نص عليه. (كل فرق - بفتح الراء - ستة عشر رطلا عراقية) لما روى الجوزجاني عن عمر: أن ناسا سألوه. فقالوا: إن النبي (ص) أقطع لنا واديا باليمن، فيه خلايا من نحل. وإنا نجد أناسا يسوقونها، فقال عمر: إن أديتم صدقتها: من كل عشرة أفراق فرقا، حميناها لكم وهذا تقدير من عمر، يجب المصير إليه، والفرق: مكيال معروف بالمدينة. ذكره الجوهري وغيره. فحمل كلام عمر على المتعارف ببلده أولى، وهو بتحريك الراء: ستة أقساط، وهي ثلاثة آصع، فتكون اثني عشر مدا. وأما الفرق - بسكون الراء: فمكيال ضخم من مكاييل أهل العراق، قاله الخليل. قال ابن قتيبة وغيره: مائة وعشرين رطلا. قال المجد: لا قائل به هنا. وذكره بعضهم قولا. (فيكون) نصاب العسل (مائة وستين رطلا) عراقية. قلت: ومائة واثنان وأربعون رطلا وستة أسباع رطل مصري. وأربعة وثلاثون رطلا وسبعا رطل دمشقي، وثمانية وعشرون رطلا وأربعة أسباع رطل حلبي. وخمسة وعشرون رطلا وخمسة أسباع رطل قدسي. واثنان وعشرون رطلا وستة أسباع رطل بعلي. (ولا تتكرر زكاة معشرات) فمتى زكاها فلا زكاة عليه بعد ذلك (ولو بقيت) عنده (أحوالا). لانها غير مرصدة للنماء، فهي كعرض القنية، بل أولى، لنقصها بأكل ونحوه. (ما لم تكن للتجارة) فتقوم عند كل حول بشرطه، كسائر عروض التجارة. لانها حينئذ مرصدة للنماء كالاثمان. (ولا شئ في المن، والترنجبيل، والشيرخشك ونحوه: مما ينزل من السماء كاللاذن، وهو طل وندى ينزل على نبت تأكله المعزى، فتتعلق) تلك (الرطوبة بها فيؤخذ) لعدم النص، مع أن الاصل عدم الوجوب. وقال ابن عقيل: فيه العشر

[ 256 ]

كالعسل، (وتضمين أموال العشر والخراج) بقدر معلوم (باطل، وعلله في الاحكام السلطانية) للقاضي أبي يعلى (وغيرها: بأن ضمانها بقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه في تملك ما زاد) عن القدر المضمون به (و) يقتضي (غرم ما نقص) عنه، (وهذا مناف لموضوع العمالة. و) ل‍ (- حكم الامانة) سئل أحمد - في رواية حرب - عن تفسير حديث ابن عمر: القبالات ربا، قال: هو أن يتقبل بالقرية، وفيها العلوج والنخل. فسماه ربا، أي في حكمه في التحريم والبطلان. وعن ابن عباس: إياكم والربا. ألا وهي القبالات، ألا وهي الذل والصغار قال أهل اللغة: القبيل: الكفيل، والعريف، وقد قبل به يقبل، ويقبل قبالة. ونحن في قبالته، أي عرافته. فصل: (في المعدن) أي في بيان حكمه من حيث الزكاة وهو بكسر الدال. سمي به لعدون ما أودعه الله فيه، أي لاقامته، يقال: عدن بالمكان يعدن عدونا، والمعدن: المكان الذي عدن فيه الجوهر ونحوه. (وهو) أي المعدن (كل متولد في الارض من غير جنسها، ليس نباتا. فمن استخرج من أهل الزكاة) أي أهل وجوبها، ولو صغيرا (من معدن أرض مملوكة له، أو) أرض (مباحة) كموات، (أو) أرض (مملوكة لغيره، إن كان) المعدن (جاريا) له مادة لا تنقطع. لانه لا يملك بملك الارض، كالماء، بخلاف الجامد. كما يأتي (ولو) كان المعدن مستخرجا (من داره: نصاب) مفعول: استخرج، مضاف إلى (ذهب، أو فضة، أو) استخرج (ما يبلغ قيمة أحدهما) أي نصاب الذهب، أو نصاب الفضة (من غيره) أي المذكور من ذهب وفضة. لانهما قيم الاشياء (بعد سبكه وتصفيته)، متعلق بيبلغ (منطبعا كان) المعدن (كصفر ورصاص) بفتح الراء (وحديد، أو غير منطبع، كياقوت، وعقيق، وبنغش، وزبرجد، وموميا). قال في منهاج البيان: هي معدن في

[ 257 ]

قوة الزفت، (ونورة ويشم وزاج وفيروزج) حجر أخضر مشوب بزرقة يوجد بخراسان. وزعم بعض الاطباء: أنه يصفو بصفاء الجو، ويتكدر بتكدره. (وبلور، وسبج، وكحل، ومغرة، وكبريت، وزفت، وزئبق) بكسر الزاي والباء وبهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: فارسي معرب، قاله في الحاشية. (وزجاج) بتثليث الزاي بخلاف: زجاج جمع زج الرمح، فإنه بالكسر لا غير. (وملح، وقار، وسندروس، ونفط) بكسر النون وفتحها وسكون الفاء. (وغيره) أي غير ما ذكر. (مما يسمى معدنا). قال أحمد: كل ما وقع عليه اسم المعدن ففيه الزكاة، حيث كان في ملكه، أو في البراري، وقال القاضي: عما روي مرفوعا: ألا لا زكاة في حجر، إن صح: محمول على الاحجار التي لا يرغب فيها عادة. فدل على أن الرخام والبرام ونحوهما، كحجر المسن: معدن. وجزم بذلك في الرعاية وغيرها. (ففيه الزكاة) لقوله تعالى: * (أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الارض) * ولما روى ربيعة بن عبد الرحمن عن غير واحد أن النبي (ص): أقطع بلال بن الحرث المعادن القبلية. قال: فتلك لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم رواه مالك وأبو داود. وقال أبو عبيد: القبلية: بلاد معروفة بالحجاز. ولانه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى. ففيه الزكاة لا الخمس، كسائر الزكوات. (في الحال) لانه مال مستفاد من الارض فلم يعتبر له حول كالزرع، (ربع العشر من قيمتها) إن لم تكن أثمانا (أو) ربع العشر (من عينها إن كانت أثمانا)، لما يأتي في الباب بعده (وما يجده في ملكه، أو موات) من معدن (فهو أحق به) من غيره، (فإن استبق اثنان إلى معدن في موات، فالسابق أولى به ما دام يعمل) لحديث: من سبق إلى مباح فهو أحق به. (فإن تركه) أي العمل (جاز لغيره العمل فيه) لانه مباح لم يملكه الاول، (وما يجده) من المعادن (في) مكان (مملوك يعرف مالكه، فهو لمالك المكان، إن كان) المعدن (جامدا) لانه جزء من أجزاء الارض. فيملك بملكها. فإن قيل: فلم لا يزكيه مالك الارض إذا وجد: لما مضى من السنين؟ أجيب: بأن الموجود لعله مما يخلق شيئا فشيئا فلا يتحقق سبق الملك فيه. (وأما) المعدن (الجاري فمباح على كل حال)

[ 258 ]

سواء كان بموات أو مملوكة. لانه ليس من أجزاء الارض. بل كالماء، (ولا يمنع الذمي من) استخراج (معدن، ولو بدارنا) كإحيائه الموات. (ولا زكاة فيما يخرجه) الذمي من معدن (كالمكاتب المسلم. لانهما ليسا من أهل الزكاة). وكذا مدين فيما يقابل الدين. (ويأتي ذكر المعادن في) باب (بيع الاصول) وتفصيلها. (ووقت وجوبها) أي زكاة المعدن (بظهوره) لانه مستفاد من الارض. فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزرع والثمار، (و) وقت (استقرارها بإحرازه) كالثمرة والزرع، فتسقط زكاته إن تلف قبل الاحراز، لا بعده، وما باعه ترابا زكاه. ويصح بيع تراب المعدن، كتراب صاغة. وتجب الزكاة في المعادن بشرطه. (سواء استخرجه في دفعة أو دفعات، لم يترك العمل بينها ترك إهمال) لانه لو اعتبر دفعة واحدة لادى إلى عدم الوجوب فيه. لانه يبعد استخراج نصاب دفعة واحدة. (وحده) أي حد ترك الاهمال (ثلاثة أيام). حكاه في المبدع عن ابن المنجا. (إن لم يكن عذر) في الترك (فإن كان) ثم عذر (فبزواله) أي زوال العذر، أي يعتبر مضي ثلاثة أيام بعد زوال العذر كما في المنتهى. (فلا أثر لتركه) العمل (لاصلاح آلة ومرض وسفر يسير، واستراحة ليلا أو نهارا مما جرت به العادة، أو اشتغاله بتراب خرج بين النيلين) أي الاصابتين. (أو هرب عبده أو أجيره ونحوه) لان ذلك ليس إعراضا. ولا يعتبر كل عرق بنفسه. (فيضم الجنس الواحد بعضه إلى بعض، ولو من معادن في تكميل النصاب) كالزرع والثمار، (ولا يضم جنس إلى آخر غير نقد) كالحبوب وغيرها (ولو كانت) المعادن (متقاربة، كقار ونفط وحديد ونحاس، ولو من معدن واحد) لما تقدم (ولا ضم مع الاهمال) ثلاثة أيام فأكثر، بلا عذر، فإن أخرج دون نصاب، ثم ترك العمل مهملا له، ثم أخرج دون نصاب، فلا شئ فيهما. قلت: إن لم يكن حيلة، (ولا يجوز إخراجها) أي زكاة المعدن منه (إذا كانت) المعادن (أثمانا إلا بعد سبك وتصفية)

[ 259 ]

لانه قبل ذلك لا يتحقق إخراج الواجب، فلم يجز كالحبوب. (فإن وقت الاخراج عقبهما) أي السبك والتصفية، وإن كان وقت الوجوب هو وقت الاستخراج. (فإن أخرج) زكاة المعدن من عينه، (قبل ذلك لم يجز) لما تقدم (ورد عليه إن كان) المأخوذ (باقيا، أو قيمته إن تلف) لفساد القبض. (فإن اختلفوا في القيمة أو القدر) أي قيمة المأخوذ ترابا أو قدره، (فالقول قول القابض مع يمينه) لانه غارم (فإن صفاه أخذه، فكان قدر الواجب أجزأ. وإن نقص فعلى المخرج النقص. وإن زاد) على الواجب (رد) القابض (الزيادة عليه، إلا أن يسمح به)، وهذا إذا كان القابض الساعي، واضح. وإن كان القابض الفقير، فلا. كما تقدم في الحبوب والثمار. (ولا يرجع) القابض (بتصفيته) أي بمؤنتها على رب المعدن. لانه بغير إذنه. (ومؤنة تصفيته و) مؤنة (سبكه على مستخرجه) كمؤنة حصاد وجذاذ (كمؤنة استخراجه) فإنها على مستخرجه، كمؤنة الحرث. (فلا يحتسب) المستخرج (بذلك) أي لا يسقطه من المعدن، ويزكي ما عداه. (كالحبوب. فإن كان ذلك دينا احتسب عليه) قال في المبدع: على الصحيح. (كما يحتسب بما أنفق على الزرع). قلت: هذا واضح في مؤنة الاستخراج، لا في مؤنة سبك وتصفية. لانهما بعد الوجوب كمؤنة حصاد ودياس. (ولا تتكرر زكاته) أي المعدن كالزرع والثمر، (إذا لم يقصد به التجارة إلا أن يكون نقدا) فإن كان نقدا، أو غيره. وقصد به التجارة عند الاستخراج، زكاه أيضا. كلما حال عليه الحول بشرطه (وإن استخرج أقل من نصاب فلا شئ فيه) لفقد شرط الزكاة. (ولا زكاة فيما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان) هو نبات حجري متوسط في خلقه بين النبات والمعدن. ومن خواصه: أن النظر إليه يشرح الصدر ويفرح القلب. (والعنبر وغيره) لقول ابن عباس: ليس في العنبر شئ، إنما هو شئ دسره البحر وعن جابر نحوه، رواهما أبو عبيد في كتاب الاموال،

[ 260 ]

ولم تأت فيه سنة صحيحة، والاصل عدم الوجوب. ولان الغالب فيه وجوده من غير مشقة. فهو كالمباحات الموجودة في البر. (و) لا زكاة فيما يخرج من البحر من (الحيوان) بأنواعه (كصيد بر. وإن كان المعدن بدار حرب، ولم يقدر على إخراجه إلا بقوم لهم منعه. فغنيمة يخمس بعد) إخراج (ربع العشر) من عينه. إن كان نقدا، أو قيمته إن كان غيره، لان قوتهم أوصلتهم إليه. فكان غنيمة كالمأخوذ بالحرب، ولا زكاة في مسك وزباد. فصل: (ويجب في الركاز الخمس) لحديث أبي هريرة مرفوعا: وفي الركاز الخمس متفق عليه. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف في هذا الحديث، إلا الحسن، فإنه قال: في أرض الحرب الخمس. وفي أرض العرب الزكاة. (في الحال) فلا يعتبر له حول كالمعدن. ولانه ليس بزكاة، بل فئ. (أي نوع كان من المال، ولو غير نقد) كالحديد والرصاص. لانه مال مظهور عليه من مال الكفار. فوجب فيه الخمس كالغنيمة. (قل) ذلك الموجود (أو كثر) بخلاف المعدن والزرع، لكونهما يحتاجان إلى كلفة فاعتبر لهما النصاب تخفيفا. (ويجوز إخراج الخمس من غيره) كزكاة الحبوب وغيرها. (ويصرف) خمس الركاز (مصرف الفئ المطلق للمصالح كلها) لفعل عمر. رواه سعيد عن هشيم عن مجاهد عن الشعبي. ولانه مال مخموس، كخمس الغنيمة. (ويجوز للامام رد خمس الركاز، أو) رد (بعضه، لواجده بعد قبضه. و) يجوز له (تركه له قبل قبضه كالخراج) إذا رده أو تركه لمستحقه. (وكما) أن (له) أي للامام (رد خمس الفئ

[ 261 ]

والغنيمة) على الغانمين (له)، أي للامام (أيضا رد الزكوات على من أخذت منه، إن كان من أهلها. لانه أخذ بسبب متجدد، كإرثها وقبضها عن دين، كما تقدم في الباب، فإن تركها) أي ترك الامام الزكاة (له) أي لمن وجبت عليه (من غير قبض. لم يبرأ) من تركت له منها. لعدم الايتاء. (ويجوز لواجده) أي الركاز (تفرقته بنفسه) نص عليه. واحتج بقول علي. لانه أدى الحق إلى مستحقه. ولا يجوز لواجد الركاز والمعدن أن يمسك الواجب فيهما لنفسه. (وباقيه) أي الركاز (له) أي لواجده. لفعل عمر وعلي: دفعا باقي لركاز الواجده ولانه مال كافر مظهور عليه. فكان لواجده بعد الخمس، كالغنيمة. (ولو) كان واجده (ذميا أو مستأمنا بدارنا أو مكاتبا أو صغيرا أو مجنونا) كغيرهم، (ويخرج عنهما الولي) الخمس كزكاة مالهما، ونفقة تجب عليهما (إلا أن يكون واجده أجيرا فيه) أي في طلبه (لطالبه)، أي الركاز (ف‍) - الباقي إذن (لمستأجره) لان الواجد نائب عنه. (ولو استؤجر لحفر بئر أو هدم شئ) من حائط وغيره (فوجده) أي الركاز (فهو له) أي لواجده (لا لمستأجره)، لانه من كسب الواجد. قلت: فلو استأجره لطلب ركاز فوجد غيره، فهو لواجده. لانه ليس أجيرا لطلب ما وجده. (وإن وجده عبد فهو من كسبه) فيكون (لسيده) كسائر كسبه، (وإن وجده واجده في موات أو شارع، أو أرض لا يعلم مالكها، أو) وجده (على وجه هذه الارض) التي لا يعلم مالكها، (أو) وجده (في طريق غير مسلوك، أو) في (خربة، أو في ملكه الذي أحياه) أي فهو لواجده في جميع هذه الصور. (وإن علم) واجد الركاز (مالكها) أي الارض التي وجد بها الركاز. (أو كانت) الارض (منتقلة إليه) أي إلى واجد الركاز، (فهو له) أي لواجده، (أيضا إن لم يدعه المالك) للارض ملكا. (لان الركاز لا يملك بملك الارض)، لانه مودع فيها للنقل عنها. (فلو ادعاه) أي الركاز مالك الارض التي وجد بها. (بلا بينة) تشهد له به (ولا وصف) يصفه به (ف‍) - الركاز (له) أي لمالك الارض (مع يمينه) لان يد مالك الارض على الركاز، فرجح بها. وكذلك لو ادعاه من انتقلت عنه الارض لان يده كانت عليها. (وإن اختلف الورثة) أي

[ 262 ]

ورثه مالك الارض (فادعى بعضهم أنه) أي الركاز (لمورثهم، وأنكر البعض) الآخر أنه لمورثهم (فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به). أي لم يدع الركاز. فيكون نصيبه لواجده (وحكم المدعين حكم المالك المعترف) فيحلفون ويأخذون نصيبهم. وكذا ورثه من انتقلت عنه. ومتى دفع إلى مدعيه، بعد أن أخرج واجده خمسة باختياره. غرم بدل خمسة لمدعيه لتفويته عليه. (وإن وجد فيها) أي الارض المملوكة (لقطة، فواجدها: أحق) بها (من صاحب الملك) أي الارض، فيملكها واجدها بعد التعريف. ورب الارض أحق بركاز، ولقطة من واجد متعد بدخوله. (وكذا حكم المستأجر والمستعير، يجد في الدار ركازا، أو لقطة) فيكونان أحق بهما. (فإن ادعى كل منهما) أي من المؤجر والمستأجر (أنه وجده أولا، أو) أنه ملكه، أو أنه (دفنه ف‍) - القول (قول مكتر، لزيادة اليد) وكذا معير ومستعير اختلفا. (إلا أن يصفه) أي ما اختلف فيه من ركاز أو لقطة (أحدهما، فيكون له) ترجيحا له بالوصف (مع يمينه) لاحتمال صدق صاحبه. فإن وصفاها تساقطا. ورجح مكتر لزيادة اليد. (والركاز) مشتق من ركز يركز كغرز يغرز، إذا أخفى. ومنه ركزت الرمح إذا أخفيت أصله. ومنه الركز: وهو الصوت الخفي. فهو لغة: المال المدفون في الارض. واصطلاحا: (ما وجد من دفن الجاهلية) بكسر الدال، أي مدفونهم، (أو) دفن (من تقدم من كفار). وإن لم يكونوا جاهلية (في الجملة) فلا ينافي أنه قد يكون ظاهرا، إذا كان بطريق غير مسلوك، أو خربة (في دار إسلام، أو) دار (عهد، أو دار حرب. وقدر عليه) بدار الحرب (وحده، أو بجماعة، لا منعة لهم. فإن لم يقدر عليه في دار الحرب إلا بجماعة لهم منعة. فغنيمة) لان قوتهم أوصلت إليه. فكان غنيمة، كالمأخوذ بالحرب. (عليه) أي الركاز (أو على بعضه: علامة كفر) كأسمائهم، وأسماء ملوكهم، وصورهم، وصلبهم وصور أصنامهم، (فقط). والجملة: صفة ما في قوله: ما وجد من دفن الجاهلية، إن كانت نكرة أو حال إن كانت موصولة (فإن كان عليه) أي الدفن (أو على بعضه علامة المسلمين)

[ 263 ]

كاسم النبي (ص) أو أحد من خلفاء المسلمين، أو آية من القرآن، فهو لقطة. (أو لم تكن عليه علامة، كالاواني والحلي، والسبائك. فهو لقطة لا) يملك إلا بعد التعريف. لانه مال مسلم. لم يعلم زوال ملكه عنه. وتغليبا لحكم دار الاسلام. باب زكاة الذهب والفضة وهما الاثمان، فلا تدخل فيها الفلوس، ولو رائجة. (وحكم التحلي) بالذهب والفضة وغيرهما للرجال والنساء (تجب زكاتهما) بالاجماع. وسنده قوله تعالى: * (والذين يكنزون الذهب والفضة) * - الآية والسنة مستفيضة بذلك. ومنه حديث أبي هريرة قال: قال النبي (ص): ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، يحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره. كلما بردت، أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد رواه مسلم. (ويعتبر) لهما (النصاب) أجماعا. (فنصاب الذهب: عشرون مثقالا) لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (ص): ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم: صدقة رواه أبو عبيد. وعن ابن عمر وعائشة أن النبي (ص): كان يأخذ من كل عشرين مثقالا نصف مثقال رواه ابن ماجه. وعن علي نحوه. رواه سعيد والاثرم (زنة المثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم) إسلامي. (ولم تتغير) المثاقيل (في جاهلية ولا إسلام). قال ابن كثير في تاريخه: وفي هذا نظر. بخلاف الدراهم (وهو) أي المثقال: (اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة. وقيل: اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة، من الشعير المطلق) أي غير المقيد بالمتوسط. (ولا تنافي بينهما) أي بين القولين، لامكان الجمع. (وزنة العشرين مثقالا بالدراهم) الاسلامية

[ 264 ]

(ثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وبدينار الوقت الآن: الذي زنته درهم وثمن درهم) على التحديد (خمسة وعشرون دينارا وسبعا دينار وتسعة) وهو دينار زمننا هذا، إلا أن المائة دينار من دار الضرب: مائة وثلاثة عشر درهما. فيزيد الدينار على ما ذكره نصف جزء من مائة وثلاثة عشر جزءا من درهم. ولا يكاد ذلك يظهر في الوزن. (ونصاب الفضة: مائتا درهم) لما في الصحيحين: من حديث أبي سعيد أن النبي (ص) قال: ليس فيما دون خمس أواق صدقة والاوقية: أربعون درهما. (و) هي (بالمثاقيل: مائة وأربعون مثقالا. وفيهما) أي الذهب والفضة (ربع العشر) لما تقدم عن ابن عمر وعائشة. وروى أنس أنه (ص) قال: في الرقة: ربع العشر متفق عليه. (مضروبين) كان الذهب والفضة (أو غير مضروبين) لعموم ما تقدم، وعموم قوله (ص): إذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم. (والاعتبار بالدرهم الاسلامي. الذي زنته: ستة دوانق، والعشرة دراهم: سبعة مثاقيل. فالدرهم: نصف مثقال وخمسة) أي خمس مثقال. قال في شرح مسلم. قال أصحابنا: أجمع أهل العصر الاول على هذا التقدير: أن الدرهم ستة دوانق. (وكانت الدراهم في صدر الاسلام صنفين: سوداء، وهي البغلية، نسبة إلى ملك يقال له رأس البغل. الدرهم منها: ثمانية دوانق. والطبرية: نسبة إلى طبرية الشام) بلدة معروفة بالارض المقدسة. (الدرهم) منها (أربعة دوانق. فجمعتهما بنو أمية وجعلوهما) أي البغلية والطبرية (درهمين متساويين. كل درهم، ستة دوانق) قال القاضي عياض: لا يصح أن تكون الاوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي (ص)، وهو موجب الزكاة في أعداد منها. وتقع بها المبايعات والانكحة. كما في الاخبار الصحيحة. وهو يبين أن قول من يزعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن

[ 265 ]

عبد الملك بن مروان، فإنه جمعها برأي العلماء، وجعل وزن الدرهم: ستة دوانق -: قول باطل. وإنما معنى ما نقل من ذلك: أنه لم يكن شئ منها من ضرب الاسلام، وعلى صفة لا تختلف. فرأو صرفها إلى ضرب الاسلام ونقشه. فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم. (فيرد ذلك كله إلى المثقال. والدرهم الاسلامي). وكذلك الدراهم الخراسانية، وهي دانق أو نحوه واليمنية وهي دانقان ونصف. وما أشبه ذلك. (ولا زكاة في مغشوشهما، حتى يبلغ قدر ما فيه من الخالص) ذهبا كان أو فضة (نصابا). نقل حنبل في دراهم مغشوشة، فلو خلصت نقصت الثلث أو الربع: لا زكاة فيها. لان هذه ليست بمائتين. هما فرض (ص). فإذا تمت ففيها الزكاة، (فإن شك: هل فيه) أي المغشوش من ذهب أو فضة (نصاب خالص؟ خير بين سبكه وإخراج قدر زكاة نقده، إن بلغ) نقده (نصابا، وبين استظهاره) أي احتياطه (وإخراج زكاته بيقين). ومتى ادعى رب المال أنه علم الغش، أو أنه استظهر، وأخرج الفرض. قبل منه بلا يمين. (وإن وجبت الزكاة) في المغشوش لتيقن بلوغ خالصه نصابا، (وشك في زيادة) المغشوش على نصاب (استظهر) أي احتاط، ليبرأ بيقين. (فألف ذهب وفضة مختلطة ستمائة من أحدهما) وأربعمائة من الآخر (واشتبه عليه من أيهما؟) الستمائة، (وتعذر التمييز. زكى ستمائة ذهبا. وأربعمائة فضة) لانه يبرأ بذلك بيقين. (وإن أراد) رب المال (أن يزكي المغشوشة منها، وعلم قدر الغش في كل دينار) أو درهم (جاز) إخراج زكاتها منها. للعلم بأداء الواجب. (وإلا) أي وإن لم يعلم قدر ما في كل دينار أو درهم من الغش، (لم يجزئه) إخراج زكاتها منها. لانه لا طريق له إذن إلى العلم بأداء الواجب. (إلا أن يستظهر، فيخرج) منها (قدر الزكاة بيقين) فيجزئه، لانتفاء المانع. (وإن أخرج) عنها (ما لا غش فيه فهو أفضل) لانه أنفع للفقراء (ويعرف قدر غشه حقيقة بأن يدع ماء في إناء) أسفله كأعلاه. (ثم يدع فيه ذهبا خالصا زنة المغشوش، ويعلم علو الماء) الذي في الاناء (ثم

[ 266 ]

يرفعه) أي الذهب، أي يخرجه من الماء (ويدع بدله) في الماء (فضة خالصة زنة المغشوش، ويعلم علو الماء، وهو) أي العلو عند وضع الفضة (أعلى من) العلو (الاول) عند وضع الذهب، (لان الفضة أضخم من الذهب، ثم يرفعها) أي الفضة (ويدع المغشوش) في الماء (ويعلم علو الماء، ثم يمسح) من المساحة، أي يقيس (ما بين العلامة الوسطى) وهي علامة المغشوش، (و) بين العلامة (العليا) علامة الفضة. (و) يمسح (ما بين العلامة الوسطى و) العلامة (السفلى)، وهي علامة الذهب. (فإن كان الممسوحان سواء، فنصف المغشوش ذهب، ونصفه فضة. وإن زاد) ذلك (أو نقص، فبحسابه. فعلى هذا: لو كان ما بين العليا إلى الوسطى ثلثي ما بين العلامتين) للذهب والفضة الخالصين. (وما بين السفلى إلى الوسطى ثلثه. كانت الفضة ثلثين. والذهب الثلث. وبالعكس) بأن يكون ما بين العليا إلى الوسطى: ثلث ما بين العلامتين. وما بين السفلى إلى الوسطى: ثلثاه. (الذهب الثلثان) والفضة الثلث. إذ الارتفاع للفضة لضخامتها، والانخفاض للذهب لثقله. (والاولى: أن يكون الاناء ضيقا) لان علو الماء فيه يظهر ويتضح. (ويتعين) في الاناء (أن يكون أعلاه وأسفله في السعة والضيق سواء كقصبة) فارسية (ونحوها)، ليتأتي ذلك العمل. (ولا زكاة في غشها) أي الدنانير أو الدراهم المغشوشة (إلا أن يكون) الغش (فضة، فيضم إلى ما معه من النقد. فضة كان أو ذهبا) لما يأتي من أن أحد النقدين يضم إلى الآخر في تكميل النصاب. (ويكره ضرب نقد مغشوش، واتخاذه. نص عليه) قال في رواية محمد بن عبيد الله المنادي: ليس لاهل الاسلام أن يضربوا إلا جيدا. (ويجوز المعاملة به) أي بالنقد المغشوش (مع الكراهة، إذا أعلمه بذلك) أي بكونها مغشوشة. (وإن جهل قدر الغش) وكذا لو كان غشا معلوما، كما يعلم مما يأتي في الربا. وكان أصحاب النبي (ص) يتعاملون بدراهم العجم، وكانوا إذا زافت عليهم أتوا بها إلى السوق، فقالوا: من يبيعنا بهذه؟ وذلك أنه لم يضرب النبي (ص)، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي ولا معاوية رضي الله عنهم. قال في الفروع: ولعل عدم الكراهة، أي في ضرب المغشوش: ظاهر ما ذكره جماعة. قلت: فكذا في المعاملة، خصوصا حيث عمت البلوى بها. (قال الشيخ: الكيمياء غش. وهي تشبيه المصنوع من

[ 267 ]

ذهب أو فضة بالمخلوق) ذهبا أو فضة. (باطلة في العقل) لاستحالة قلب الاعيان (محرمة بلا نزاع بين علماء المسلمين). لحديث: من غشنا فليس منا. (ولو ثبتت على الروباض) أي ما يستخرج به غش النقد. (ويقترن بها كثيرا السيمياء التي هي من السحر، ومن طلب زيادة المال بما حرمه الله) تعالى (عوقب بنقيضه، كالمرابي) قال الله تعالى: * (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) *. (وهي) أي الكيمياء (أشد تحريما منه) لتعدي ضررها. (ولو كانت حقا مباحا لوجب فيها خمس) كالركاز، (أو زكاة) كالزرع والثمر والمعدن. (ولم يوجب عالم فيها شيئا) فدل على بطلانها. (والقول بأن قارون عملها باطل. ولم يذكرها، أو يعملها إلا فيلسوف، أو اتحادي أو ملك ظالم. وقال) الشيخ: (ينبغي للسلطان أن يضرب لهم) أي الرعايا (فلوسا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم، من غير ظلم لهم) تسهيلا عليهم، وتيسيرا لمعاشهم. (ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس، بأن يشتري نحاسا فيضربه فيتجر فيه) لانه تضييق. (ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها). لانه إضرار بالناس، وخسران عليهم. (بل يضرب) النحاس فلوسا (بقيمته من غير ربح فيه للمصلحة العامة، ويعطي أجرة الصناع من بيت المال. فإن التجارة فيها ظلم عظيم، من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل. فإنه إذا حرم المعاملة بها صارت عرضا، وإذا ضرب لهم فلوسا أخرى أفسد ما كان عندهم من الاموال بنقص أسعارها. فظلمهم فيما يضربه بإغلاء سعرها). قلت: وقد وقع ذلك في زمننا مرات، وفسدت به أموال كثيرين، وزاد عليهم

[ 268 ]

الضرر. (وفي السنن) لابي داود وابن ماجه، ورواه أيضا أحمد والحاكم عن عبد الله المزني (عنه (ص): أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس). نحو أن يختلف في شئ منها. هل هو جيد أو ردئ؟ (فإذا كانت) الفلوس (مستوية الاسعار بسعر النحاس، ولم يشتر ولي الامر النحاس والفلوس الكاسدة ليضربهما فلوسا، ويتجر في ذلك. حصل المقصود من الثمنية. وكذلك الدراهم، انتهى). ولا مزيد على حسنة (ولا يضرب لغير السلطان). قال ابن تميم: يكره. قال في الفروع: كذا قال. و (قال أحمد) في رواية جعفر بن محمد (لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان. لان الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم). قال القاضي في الاحكام السلطانية فقد منع من الضرب بغير إذن السلطان، لما فيه من الافتيات عليه. (ويخرج عن جيد صحيح وردئ من جنسه) أي فيخرج عن جيد صحيح: جيدا صحيحا. لان إخراج غير ذلك خبيث فلم يجز، وكالماشية. ويخرج عن الردئ رديئا، لانها مواساة. (و) إن كان المال أنواعا أخرج (من كل نوع بحصته) كالحب والتمر. (وإن أخرج بقدر الواجب من الاعلى، كان أفضل) لانه أنفع للفقراء (وإن أخرج عن الاعلى مكسرا، أو بهرجا، وهو الردئ، زاد قدر ما بينهما من الفضل. وأجزأ) ه ذلك. لانه أدى الواجب عليه قدرا وقيمة، أشبه مما لو أخرج من عينه. (وإن أخرج من الاعلى بقدر القيمة) أي قيمة الواجب في الردئ (دون الوزن) كما لو أخرج ثلث دينار جيد عن نصف ردئ بقيمته (لم يجزئه) ذلك، لمخالفة النص (ويجزئ) إخراج (قليل القيمة عن كثيرها مع الوزن) لتعلق الوجوب بالنوع. وقد أخرج منه. (ويجزئ) إخراج (مغشوش عن جيد) مع الفضل بينهما، (و) إخراج (مكسر عن صحيح) مع الفضل بينهما (و)

[ 269 ]

إخراج (سود عن بيض مع الفضل بينهما)، لانه أدى الواجب قدرا وقيمة. وكما لو أدى من عينه. والربا لا يجري بين العبد وربه، كما لا يجري بين العبد وسيده. (ولا يلزم قبول ردئ عن جيد في عقد وغيره) كقيمة متلف، وأرش جناية. لانصراف الاطلاق إلى الجيد. (ويثبت الفسخ) في البيع ونحوه إذا بان عوضه المعين معيبا، كالمبيع (ويضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب. ويخرج عنه) لان مقاصدهما وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي الجنس الواحد، ولا فرق بين حاضر ودين. (ويكون الضم بالاجزاء) كالنصف والربع، و (لا) يكون الضم (بالقيمة) لان الضم بالاجزاء متيقن، بخلاف القيمة، فإنه ظن وتخمين. (فعشرة مثاقيل ذهبا نصف نصاب، ومائة درهم) فضة (نصف) نصاب. (فإذا ضما) أي النصفان (كمل النصاب) فتجب الزكاة، بخلاف عشرة مثاقيل وتسعين درهما تبلغ قيمتها عشرة مثاقيل. فلا ضم. (وإن بلغ أحدهما نصابا، ضم إليه ما نقص عن الآخر). وإن اختار المالك الدفع من جنس الواجب، وأراد الفقير من غيره، ولو لضرر يلحقه لم يلزم المالك إجابته. لانه أدى ما فرض عليه، فلم يكلف سواه. (ولا يجزئ إخراج الفلوس عنهما) أي عن الذهب والفضة. لانها عروض (وتضم قيمة العروض) التي للتجارة (إلى كل منهما). قال الموفق: لا أعلم فيه خلافا. كمن له عشرة مثاقيل ومتاع، قيمته عشرة أخرى، أو له مائة درهم ومتاع، قيمته مثلها. لان الزكاة إنما تجب في قيمة العروض. وهي تقوم بكل منهما. فكانا مع القيمة جنسا واحدا. (و) تضم قيمة العروض أيضا (إليهما) فلو كان له ذهب وفضة وعروض ضم الجميع في تكميل النصاب. لان العرض مضموم إلى كل واحد منهما. فوجب ضمهما إليه. (ويضم جيد كل جنس ومضروبه إلى رديئه وتبره) كالمواشي والحبوب والثمار. ولانه إذا ضم أحد الجنسين هنا إلى الآخر، فضم أحد النوعين أولى. فصل: (ولا زكاة في حلي مباح لرجل وامرأة من ذهب وفضة، معد لاستعمال مباح أو إعارة، ولو لم يعر أو يلبس)، حيث أعد

[ 270 ]

لذلك. (أو ممن يحرم عليه. كرجل يتخذ حلي النساء لاعارتهن، وامرأة تتخذ حلي الرجال لاعارتهم). لما روى جابر أنه (ص) قال: ليس في الحلي زكاة، رواه الطبراني. وهو قول ابن عمر وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر. ولانه مرصد للاستعمال المباح. فلم يجب فيه الزكاة، كالعوامل. وثياب القنية وما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال لامرأة في يدها سواران من ذهب هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار رواه أبو داود، فهو ضعيف. قاله أبو عبيد والترمذي. وما صح من قوله (ص): في الرقة ربع العشر فجوابه: أنها الدراهم المضروبة. قال أبو عبيد: لا يعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المضروبة ذات السكة السائرة بين المسلمين. وعلى تقدير الشمول: يكون مخصوصا بما ذكرنا. و (لا) تسقط الزكاة عمن اتخذ حليا (فارا منها) أي الزكاة، بل تلزمه (وإن كان الحلي ليتيم لا يلبسه) اليتيم (فلوليه إعارته. فإن فعل) أي أعاره (فلا زكاة) فيه. (وإلا ففيه الزكاة نصا) ذكره جماعة. (فأما الحلي المحرم. كطوق الرجل وسواره وخاتمه الذهب، وحلية مراكب الحيوان، ولباس الخيل، كاللجم والسروج، وقلائد الكلاب وحلية الركاب. والمرآة والمشط والمكحلة. والميل والمسرجة، والمروحة والمشربة والمدهنة والمسعط والمجمرة والملعقة والقنديل، والآنية، وحلية كتب العلم) بخلاف المصحف، فيكره تحليته. (و) حلية (الدواة والمقلمة. وما أعد لكراء، كحلي المواشط نصا، حل له) أي المتخذة لكراء (لبسه أو لا)، أي أو لم يحل له (أو أعد للتجارة، كحلي الصيارف، أو) أعد ل‍ (- قنية أو ادخار، أو نفقة إذا احتاج إليه، أو لم يقصد به شيئا. ففيه الزكاة) إن بلغ نصابا. لانها إنما سقطت في المباح المعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء. فيبقى ما عداه على مقتضى الاصل. (ولا زكاة في الجوهر واللؤلؤ

[ 271 ]

وإن كثرت قيمته، أو كان في حلي) كسائر العروض، (إلا أن يكون) الحلي (لتجارة، فيقوم جميعه) أي ما فيه من جوهر ولؤلؤ وغيرهما (تبعا لنقد)، أي لما فيه من نقد. (والفلوس: كعروض التجارة. فيها زكاة القيمة) كباقي العروض. ولا يجزئ إخراج زكاتها منها. (قال المجد: وإن كانت) الفلوس (للنفقة، فلا) زكاة فيها. كعروض القنية. (والاعتبار في نصاب الكل) أي ما تقدم من مباح تجب فيه، ومحرم (بوزنه) لعموم: ليس فيما دون خمس أواق صدقة. (إلا) الحلي (المباح المعد للتجارة، ولو نقدا. فالاعتبار بقيمته نصا) كسائر أموال التجارة، (فيقوم النقد) المعد للتجارة (بنقد آخر، إن كان أحظ للفقراء، أو نقص عن نصاب. لانه عرض) أي مال تجارة. (وإن انكسر الحلي، وأمكن لبسه، كانشقاقه ونحوه. فهو كالصحيح) إلا أن ينوي ترك لبسه. (وإن لم يمكن لبسه. فإن لم يحتج في إصلاحه إلى سبك وتجديد صناعة ونوى إصلاحه. فلا زكاة فيه) كالصحيح. هذا قول القاضي، وجزم به المجد في شرحه. ولم يذكر نية إصلاح ولا غيرها. وذكره ابن تميم وجها. فقال: ما لم ينو كسره فيزكيه. قال في الفروع: والظاهر أنه مراد غيره. وعند ابن عقيل: إنه يزكيه. ولو نوى إصلاحه. وصححه في المستوعب، وجزم به الموفق. ولم يذكر نية إصلاح ولا غيرها. قاله في الانصاف. قال في الكافي والشرح وشرح المنتهى: فإن انكسر الحلي كسرا لا يمنع اللبس، فهو كالصحيح، إلا أن ينوي ترك لبسه. وإن كان كسرا يمنع الاستعمال. ففيه الزكاة. لانه صار كالنقرة. (وإن نوى كسره) أي

[ 272 ]

الحلي (أو لم ينو شيئا. ففيه الزكاة) كالنقرة. (وإن احتاج إلى تجديد صنعه زكاه) إلى أن يجدد صنعته، كالسبيكة التي يريد جعلها حليا. (والاعتبار في الاخراج من الحلي المحرم بوزنه)، ولو زادت قيمته. لانها حصلت بواسطة صنعة محرمة، يجب إتلافها شرعا، فلم تعتبر. (وإن كان) الحلي (للتجارة) فالاعتبار في الاخراج بقيمته. لانه مال تجارة (أو كان) الحلي (مباح الصناعة، وجبت زكاته لعدم استعمال، أو لعدم إعارة ونحوه)، كنيته به القنية (فالاعتبار في الاخراج) منه (بقيمته)، لانه لو أخرج ربع عشرة وزنا لفاتت الصنعة المتقدمة شرعا على الفقراء، وهو ممتنع. (فإن أخرج، مشاعا) أجزأ منه لانه أخرج الواجب، (أو) أخرج (مثله وزنا مما يقابل جودته زيادة الصنعة. جاز) لانه أخرج قدر الواجب وزنا وقيمة. (وإن أراد كسره) لاخراج زكاته (لم يجز، لان كسره ينقص قيمته) ففيه إضاعة مال بلا مصلحة. (ويباح للذكر من الفضة خاتم) لانه (ص): اتخذ خاتما من ورق متفق عليه. قال أحمد في خاتم الفضة للرجل: ليس به بأس. واحتج بأن ابن عمر كان له خاتم، رواه أبو داود. وظاهر ما نقل عن أحمد: أنه لا فضل فيه. وجزم به في التلخيص وغيره. وقيل: يستحب، قدمه في الرعاية. وقيل: يكره لقصد الزينة. جزم به ابن تميم. (ولبسه) أي الخاتم (في خنصر يسار أفضل) من لبسه في خنصر اليمين، نص عليه في رواية صالح والفضل. وأنه أقر وأثبت. وضعف في رواية الاثرم وغيره: التختم في اليمنى. قال الدارقطني وغيره: المحفوظ أن النبي (ص) كان يتختم في يساره، وأنه إنما كان في الخنصر، لكونه طرفا، فهو أبعد عن الامتهان، فيما تتناوله اليد. ولانه لا يشغل اليد عما تتناوله. (و) الافضل: أن (يجعل فصه مما يلي) ظهر (كفه) لان النبي (ص) كان يفعل ذلك. وكان ابن عباس وغيره يجعله مما يلي ظهر كفه، قاله في الفروع. (ولا بأس بجعله مثقالا فأكثر) لانه لم يرد فيه تحديد. (ما لم يخرج عن العادة) وإلا حرم. لان الاصل التحريم، خرج المعتاد لفعله (ص) وفعل الصحابة. (و) له (جعل فصه منه، أو من غيره) لان في البخاري من حديث

[ 273 ]

أنس: كان فصه منه ولمسلم كان فصه حبشيا. (ولو) كان فصه (من ذهب، إن كان يسيرا) فيباح، وإن لم نقل بإباحة يسير الذهب في اختيار أبي بكر عبد العزيز. والمجد والشيخ تقي الدين. وهو ظاهر كلام الامام أحمد في العلم، وإليه ميل ابن رجب. ذكره في الانصاف، وقال: وهو الصواب. والمذهب على ما اصطلحناه. واختار القاضي وأبو الخطاب: التحريم، وقطع به في شرح المنتهى في باب الآنية. (ويكره لبسه في سبابة ووسطى) للنهي الصحيح عن ذلك. (وظاهره: لا يكره) لبسه (في الابهام والبنصر) وإن كان الخنصر أفضل، اقتصارا على النص. ذكره في الفروع، والبنصر: بكسر الباء والصاد، قاله في حاشيته. (ويكره أن يكتب عليه) أي الخاتم (ذكر الله من القرآن أو غيره) نصا. قال إسحاق بن راهويه لا يدخل الخلاء فيه. قال في الفروع: ولعل أحمد كرهه لذلك قال: ولم أجد للكراهة دليلا سوى هذا، وهي تفتقر إلى دليل، والاصل عدمه. (ويحرم أن ينقش عليه صورة حيوان) لما تقدم في تحريم التصوير. (ويحرم لبسه) أي الخاتم (وهي) أي الصورة (عليه) كالثوب المصور. (ويباح التختم بالعقيق) قال ابن رجب: ظاهر كلام أكثر الاصحاب: لا يستحب. وهو ظاهر كلام الامام أحمد في رواية مهنا، وقد سأله: ما السنة، يعني في التختم؟ قال: لم تكن خواتيم القوم إلا من الفضة. قال العقيلي: لا يصح في التختم بالعقيق عن النبي (ص) شئ، وقد ذكرها كلها ابن رجب في كتابه، وأعلها. واستحبه صاحب المستوعب والتلخيص وابن تميم، وقدمه في الرعاية والآداب، وتبعهم في المنتهى، وحديث: تختموا بالعقيق فإنه مبارك ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. قال في الفروع: وهذا الخبر في إسناده يعقوب بن إبراهيم الزهري المدني الذي قال ابن عدي: ليس بالمعروف وباقيه جيد، ومثل هذا لا يظهر كونه من الموضوع. (ويكره لرجل وامرأة: خاتم حديد وصفر، ونحاس ورصاص) نص عليه في رواية الجماعة ونقل مهنا: أكره خاتم الحديد، لانه حلية أهل النار. (وكذا دملج) من حديد أو صفر أو نحاس أو رصاص. لانه

[ 274 ]

في معنى الخاتم، وجوزه أبو الخطاب. (ويباح له) أي الذكر (من الفضة: قبيعة سيف) لقول أنس: كانت قبيعة سيف النبي (ص) فضة رواه الاثرم. والقبيعة: ما يجعل على طرف القبضة ولانها حلية معتادة للرجل، أشبهت الخاتم. (و) يباح له (حلية منطقة) وهي ما شددت به وسطك قاله الخليل. وتسميها العامة حياصة، لان الصحابة اتخذوا المناطق محلاة بالفضة، وهي كالخاتم، قال في الاختيارات: وكتابة القرآن على الحياصة والدرهم والدينار مكروهة. (و) يباح له من الفضة: حلية (جوشن وبيضة، وهي الخوذة، و) حلية (خف وحلية ران، وهي شئ يلبس تحت الخف، وحمائل) واحدتها حمالة، قاله الخليل. (ونحو ذلك، كالمغفر والنعل، ورأس الرمح وشعيرة السكين، والتركاش، والكلاليب بسير، ونحو ذلك) لانه يساوي المنطقة معنى. فوجب أن يساويها حكما. وعلل المجد بأنه يسير فضة في لباسه. ولانه يسير تابع، والتركاش والكلاليب ذكره الشيخ تقي الدين. قال: وغشاء القوس والنشاب والغوفل، وحلية المهماز الذي يحتاج إليه لركوب الخيل. وقال: لا حد للمباح من ذلك (ولو اتخذ لنفسه عدة خواتيم، أو) عدة (مناطق) ونحوها، (فالاظهر جوازه) إن لم يخرج عن العادة. (و) الاظهر (عدم) وجوب (زكاته) لانه حلي أعد لاستعمال مباح. (و) الاظهر (جواز لبس خاتمين فأكثر، جميعا) إن لم يخرج عن العادة. كحلي المرأة. (وتحرم حلية مسجد ومحراب بنقد) ذهب أو فضة. لانه سرف، ويفضي إلى كسر قلوب الفقراء. (ولو وقف على مسجد ونحوه) كمدرسة ورباط (قنديل من ذهب أو فضة لم يصح) وقفه، لانه لا ينتفع به، مع بقاء عينه. (ويحرم) ذلك، لانه من الآنية. (وقال الموفق) الشارح (هو) أي وقفه (بمنزلة الصدقة) به على المسجد. (فيكسر، ويصرف في مصلحة

[ 275 ]

المسجد وعمارته) تصحيحا لكلام المكلف، حيث أمكن. (ويحرم تمويه سقف وحائط) ونحوه (بذهب أو فضة) لانه سرف، ويفضي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء. (وتجب إزالته) كسائر المنكرات (و) تجب (زكاته) إن بلغ نصابا بنفسه، أو ضمه إلى غيره، لعموم ما سبق. (وإن استهلك) النقد فيما موه به. (فلم يجتمع منه شئ) بالعرض على النار. (فله استدامته، ولا زكاة فيه لعدم المالية) فلا فائدة في إتلافه وإزالته. ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أراد جمع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب، فقيل له: إنه لا يجتمع منه شئ، فتركه. (ولا يباح من الفضة إلا ما استثناه الاصحاب على ما تقدم) بيانه. (فلا يجوز لذكر وخنثى لبس منسوج بذهب أو فضة، أو مموه بأحدهما. وتقدم في) باب (ستر العورة) مفصلا (ويباح له) أي الذكر (من الذهب: قبيعة السيف) لان عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب. وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب. ذكرهما أحمد. (وذكر ابن عقيل: أن قبيعة سيف النبي (ص) ثمانية مثاقيل). وحكاه في المبدع عن الامام قال: فيحتمل أنها كانت ذهبا وفضة، وقد رواه الترمذي كذلك. (و) يباح لذكر من ذهب (ما دعت إليه ضرورة كأنف). وإن أمكن اتخاذه من فضة. لان عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه، فأمره النبي (ص) فاتخذ أنفا من ذهب رواه أبو داود وغيره. وصححه الحاكم. والحكمة في الذهب: أنه لا يصدأ، بخلاف الفضة. (و) ك‍ (- ربط سن أو أسنان به) لما روى الاثرم عن موسى بن طلحة وأبي جمرة الضبعي، وأبي رافع ثابت البناني وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد الله. أنهم شدوا أسنانهم بالذهب. وهي ضرورة فأبيح كالانف. (ويباح للنساء من الذهب والفضة: ما جرت عادتهن بلبسه، كطوق، وخلخال، وسوار، ودملج، وقرط) في أذن. (وعقد) بكسر أوله (وهو القلادة، وتاج، وخاتم، وما في

[ 276 ]

المخانق والمقالد من حرائز وتعاويذ وأكر، وما أشبه ذلك قل أو كثر. ولو زاد على ألف مثقال، حتى دراهم ودنانير معراة). أي ذات عرى جمع عروة. (أو في مرسلة) أي قلادة طويلة تقع على الصدر. لقوله (ص): أحل الذهب والحرير للاناث من أمتي، وحرم على ذكورها وهي محتاجة إلى التجميل والتزين لزوجها. وظاهره: أن ما لم تجر العادة بلبسه، كالنعال المذهبة: لا يباح لهن، لانتفاء التجميل، فلو اتخذته حرم. وفيه الزكاة. (ويباح للرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه) كاللؤلؤ والياقوت (ولو في حلي. ولا زكاة فيه)، لانه معد للاستعمال، كثياب البذلة. (إلا أن يعد) الجوهر ونحوه (فيه) أي في الحلي. (للكراء أو للتجارة) فيقوم ما فيه من الجوهر ونحوه، تبعا للنقد لانه مال تجارة. (كما تقدم) في الباب (ويحرم تشبه رجل بامرأة، و) تشبه (امرأة برجل في لباس وغيره) ككلام. واحتج أحمد بلعن المتشبهات من النساء بالرجال. وجزم جماعة بالكراهة. (ويجب إنكاره) باليد. فإن عجز فباللسان مع أمن العاقبة. فإن عجز فبقلبه كسائر المنكرات. (وتقدم) في ستر العورة أنه يحرم تشبه كل منهما بالآخر. باب زكاة عروض التجارة العروض: جمع عرض بإسكان الراء، وهو ما عدا الاثمان من الحيوان والثياب، وبفتحها: كثرة المال والمتاع. وسمي عرضا. لانه يعرض ثم يزول ويفنى وقيل: لانه يعرض ليباع ويشترى، تسمية للمفعول باسم المصدر. كتسمية المعلوم علما. وفي اصطلاح المتكلمين: العرض بفتحتين: ما لا يبقى زمانين. وبوب عليه في المحرر والفروع. تبعا للخرقي: بزكاة كالتجارة. وهي أشمل لدخول النقدين في ذلك. كما تقدم، لكن عدل المؤلف عنه. لانه عبر في أول كتاب الزكاة عند تعداد أموال الزكاة: بالعروض. ولذلك قال: (وهي ما يعد لبيع وشراء، لاجل ربح غير النقدين غالبا) فلا يرد أن النقدين قد يعدان

[ 277 ]

كذلك. لانه من غير الغالب. (تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابا) في قول الجماهير. وادعاه ابن المنذر إجماع أهل العلم. وقال المجد: وهو إجماع متقدم، لقوله تعالى: * (في أموالهم حق معلوم) * وقوله: * (خذ من أموالهم صدقة) * ومال التجارة أعم الاموال. فكان أولى بالدخول ولحديث أبي ذر مرفوعا: وفي البز صدقة رواه أحمد ورواه الحاكم من طريقين. وصحح أسنادهما وقال: إنه على شرط الشيخين. واحتج أحمد بقول عمر لحماس - بكسر الحاء المهملة: أد زكاة مالك، فقال: ما لي إلا جباب وأدم. فقال: قومها وأد زكاتها رواه أحمد وسعيد وأبو عبيد، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. وهو مشهور لانه مال نام، فوجبت فيه الزكاة. كالسائمة. وقوله (ص): عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق المراد به. زكاة العين لا القيمة، على أن خبرنا خاص. وهو مقدم على العام. وقال داود: لا زكاة في عروض التجارة. (ويؤخذ) الواجب (منها) أي من القيمة (لانها محل الوجوب) ربع العشر. وما زاد على النصاب فبحسابه. ويعتبر الحول كما تقدم التنبيه عليه. و (لا) يؤخذ (من العروض) لانها ليست محل الوجوب، فإخراجها كالاخراج من غير الجنس. (ولا تصير) العروض (للتجارة إلا) بشرطين، أحدهما: (أن يملكها بفعله) بخلاف الارث ونحوه، مما يدخل قهرا، لانه ليس من جهات التجارة. الثاني: المنبه عليه بقوله: (بنية التجارة حال التملك، بأن يقصد التكسب بها)، لان الاعمال بالنية، والتجارة عمل. فوجب اقتران النية به، كسائر الاعمال، ولانها مخلوقة في الاصل للاستعمال، فلا تصير للتجارة إلا بالنية، كعكسه. وتعتبر النية في جميع الحول، لانه شرط أمكن اعتباره في جميعه، فوجب، كالنصاب. ثم أخذ يفصل ملكه إياها فقال: (إما بمعاونة محضة) أي خالصة، (كالبيع والاجارة والصلح عن المال بمال، والاخذ بالشفعة، والهبة المقتضية للثواب) أي المشروط فيها عوض معلوم. (أو استرد ما باعه) بإقالة أو إعسار المشتري بالثمن ونحوه، بنية التجارة (أو) بمعاوضة (غير محضة، كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد) وعوض الخلع، (أو بغير معاوضة، كالهبة

[ 278 ]

المطلقة) التي لم يشترط فيها ثواب (والغنيمة والوصية، والاحتشاش، والاحتطاب والاصطياد) لعموم خبر سمرة قال: أما بعد، فإن رسول الله (ص) كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع رواه داود. وفي إسناده: جعفر، وخبيب مجهولان، قال الحافظ عبد الغني: إسناده مقارب. (فإن ملكها بإرث) ومثله: عودها إليه بطلاق قبل الدخول وفسخ من قبلها، لا من قبله، ومضى حول التعريف في اللقطة، لم تصر للتجارة، لانه ملكه بغير فعله، فجرى مجرى الاستدامة. (أو ملكها بفعله بغير نية) التجارة (ثم نوى التجارة بها. لم تصر للتجارة) لفقد الشرط الثاني، (إلا أن يكون اشتراها بعرض تجارة، فلا يحتاج إلى نية) التجارة، بل يكفيه استصحاب حكمها، بأن لا ينويها للقنية. (وإن كان عنده عرض للتجارة، فنواه للقنية) بضم القاف وكسرها: الامساك للانتفاع دون التجارة. (ثم نواه للتجارة. لم يصر للتجارة) لان القنية هي الاصل. فيكفي في الرد إليه مجرد النية، كما لو نوى المسافر الاقامة. ولان نية التجارة شرط للوجوب فيها. فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب، بخلاف السائمة إذا نوى علفها. فإن الشرط السوم دون نيته. (إلا حلي اللبس، إذا نوى به التجارة. فيصير لها بمجرد النية. لان التجارة أصل فيه) أي في الحلي. فإذا نواه للتجارة فقد رده إلى الاصل. (وتقوم العروض) التي تجب الزكاة في قيمتها (عند) تمام (الحول) لانه وقت الوجوب (بالاحظ لاهل الزكاة وجوبا من عين) أي ذهب (أو ورق). قال الجوهري: الورق الدراهم المضروبة، وفيه أربع لغات: ورق كوتد، وورق كفلس، وورق كقلم، ورقة كعدة. (سواء كان) الاحظ لاهل الزكاة (من نقد البلد، وهو الاولى) لانه أنفع للآخذ. (أو لا) أي أو من غير نقد البلد، لان التقويم لحظ أهل الزكاة. فتقوم بالاحظ لهم. (وسواء بلغت قيمتها) أي العروض (بكل منهما) أي العين والورق (نصابا، أو) بلغت نصابا (بأحدهما) دون الآخر. (ولا يعتبر ما اشتريت به) من عين أو ورق، لا قدرا ولا جنسا. روي عن عمر. لان في تقويمها بما اشتريت به إبطالا للتقويم بالانفع. فإن بلغت قيمتها نصابا بالدراهم فقط. قومت بها. وإن كان اشتراها بالذهب وكذا عكسه. (ولا عبرة

[ 279 ]

بنقصه) أي ما قومت به، (بعد تقويمه) إذا كان التقويم عند تمام الحول. لان الزكاة قد استقرت كما لو تلف النصاب وأولى. (ولا) عبرة (بزيادته) أي زيادة ما قومت به بعد الحول بالنسبة لما قبل، لتجدده بعد الحول، بل يعتمد به في القابل. (إلا المغنية، فتقوم ساذجة) لان صنعة معرفة الغناء لا قيمة لها. وكذا الزامرة والضاربة على آلة لهو. وكل ذي صناعة محرمة (ولا عبرة بقيمة آنية ذهب أو فضة) لتحريمها. وكذا ركاب وسرج ولجام ونحوه محلى. (ويقوم الخصي) عبدا أو غيره (بصفته) لان المحرم الفعل. وقد انقطع لاستدامته. (وإن اشترى) أو باع (عرضا) للتجارة (بنصاب من الاثمان، أو من العروض، بني على حوله) أي حول الاول وفاقا. لان الزكاة في الموضعين تتعلق بالقيمة، وهي الاثمان. والاثمان يبنى حول بعضها على بعض. ولان وضع التجارة للتقلب والاستبدال بثمن وعرض. فلو لم يبن بطلت زكاة التجارة. وإن لم يكن النقد نصابا، فحوله من حين كملت قيمته نصابا. لا من حين اشتراه. (وإن اشتراه) أي عرض التجارة (بنصاب من السائمة أو باعه) أي عرض التجارة (بنصاب منها) أي السائمة (لم يبن على حوله)، لاختلافهما في النصاب. والواجب (وإن اشترى نصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لقنية، بنى) على حوله. لان السوم سبب للزكاة، قدم عليه زكاة التجارة لقوته، فبزوال المعارض ثبت حكم السوم لظهوره. (وإن ملك نصاب سائمة لتجارة، فحال الحول) عليه، (والسوم ونية التجارة موجودان، فعليه زكاة تجارة، دون) زكاة (سوم) لان وضع التجارة على التقليب. فهي تزيل سبب زكاة السوم. وهو الاقتناء لطلب النماء معه. واقتصر في المغنى والشرح على التعليل بالاحظ. (ولو سبق حول سوم وقت وجوب زكاة التجارة، مثل أن ملك أربعين شاة قيمتها دون مائتي درهم، ثم صارت قيمتها في نصف الحول مائتي درهم. زكاها زكاة تجارة

[ 280 ]

إذا تم حولها. لانه أنفع للفقراء) من زكاة السوم. (فإن لم تبلغ قيمتها نصاب التجارة، فعليه زكاة السوم) قال في المبدع: بلا خلاف، لوجود سبب الزكاة فيه، بلا معارض. فلو ملك أربعين شاة للتجارة، لا تبلغ قيمتها نصاب نقد زكاها للسوم عند تمام الحول. (ولو ملك سائمة للتجارة نصف حول، ثم قطع نية التجارة) فيها (استأنف) بها (حولا) من قطع النية. لان حول التجارة انقطع بقطع النية. وحول السوم لا ينبني على حول التجارة. (وإن اشترى أرضا لتجارة بزرعها) وبلغت قيمتها نصابا، زكى الجميع زكاة قيمة (أو) اشترى أرضا لتجارة، و (زرعها ببذر تجارة) زكى الجميع زكاة قيمة، إن بلغت قيمتها نصابا. (أو اشترى شجرا لتجارة، تجب في ثمره الزكاة) كالنخل والكرم (فأثمر. واتفق حولاهما، بأن يكون بدو الصلاح في الثمرة، واشتداد الحب: عند تمام الحول) أي حول التجارة. وفي تسمية بدو الصلاح واشتداد الحب حولا، تسمح (وكانت قيمة الاصل) أي الشجر (تبلغ نصاب التجارة زكى الجميع زكاة قيمة) لانه مال تجارة، فوجب زكاتها، كالسائمة، ولا شك أن الثمر والزرع جزء الخارج منه. فوجب أن يقوم مع الاصل، كالسخال، والربح المتجدد، إذا كانت الاصول للتجارة. (و) كذا (لو سبق وجوب العشر) بأن كان بدو صلاح الثمرة واشتداد الحب قبل تمام حول التجارة، فيزكى زكاة قيمة. (ولا عشر عليه) لانه لو وجب لاجتمع في مال واحد زكاتان، وفيه ضرر بالمالك، وهو منفي شرعا (ما لم تكن قيمتها) أي الارض بزرعها أو الشجر (دون نصاب، كما تقدم) في السائمة. (فإن كانت) قيمتها (دون نصاب فعليه العشر) لوجود سببه من غير معارض وهو أحظ للفقراء. (ولو زرع بذرا القنية في أرض التجارة. فواجب الزرع: العشر) لانه للقنية. وجزم به في المبدع. (وواجب

[ 281 ]

الارض: زكاة القيمة) لانها مال تجارة. ومقتضى المنتهى: إن الكل يزكى زكاة قيمة. لان الزرع تابع للارض (وإن زرع بذر التجارة في أرض القنية. زكى الزرع زكاة قيمة) لانه مال تجارة. (ولو كان الثمر مما لا زكاة فيه، كالسفرجل والتفاح، ونحوهما) كالمشمش والزيتون والكمثري. (أو كان الزرع لا زكاة فيه، كالخضراوات) من بطيخ وقثاء وخيار (أو كان لعقار التجارة وعبيدها) ودوابها (أجرة. ضم قيمة الثمرة والخضروات والاجرة إلى قيمة الاصل في الحول. كالربح) لانه نماء. (ولو أكثر من شراء عقار فارا من الزكاة. زكى قيمته) قدمه في الرعايتين والفائق. قاله في تصحيح الفروع. وهو الصواب، معاملة له بضد مقصوده. كالفار من الزكاة ببيع أو غيره. وظاهر كلام الاكثر، أو صريحه: لا زكاة فيه. قاله في الفروع. (ولا زكاة فيما أعد للكراء من عقار وحيوان وغيرهما) لانه ليس بمال تجارة. (ولو اشترى شقصا للتجارة بألف فصار عند الحول بألفين. زكاهما) أي الالفين. لانهما قيمته عند تمام الحول. (وأخذه الشفيع بألف) لانه الذي وقع عليه العقد، والشفيع يأخذ به. وكذا لو رده المشتري لعيب فيه، رده بألف. (ولو اشتراه بألفين، فصار عند حوله بألف. زكى ألفا) لانه قيمته عند تمام الحول (وأخذه الشفيع بألفين) لانه يأخذه بما وقع عليه العقد. وكذا لو رده لعيبه رده بألفين. (وإن اشترى صباغ ما يصبغ به، ويبقى) أثره (كزعفران ونيل وعصفر ونحوه) كلك وبقم وفوة (فهو عرض تجارة، يقوم عند) تمام (حوله، لاعتياضه) أي الصباغ (عن صبغ قائم بالثوب، ففيه معنى التجارة. ومثله ما يشتريه دباغ ليدبغ به، كعفص وقرظ، وما يدهن به، كسمن وملح)، ذكره ابن البناء. وجزم في منتهى الغاية بأنه لا زكاة فيه. وعلل بأنه لا يبقى له أثر. ذكره في الفروع. (ولا زكاة فيما لا يبقى له أثر، كما يشتريه قصار من حطب وقلى ونورة وصابون وأشنان ونحوه) كنطرون. لانه لا يعتاض عن

[ 282 ]

شئ يقوم بالثوب. وإنما يعتاض عن عمله. (ولا زكاة في آلات الصناع، وأمتعة التجارة، وقوارير العطار، والسمان، ونحوهم) كالزيات والعسال، (إلا أن يريد بيعها) أي القوارير (بما فيها) فيزكي الكل. لانه مال تجارة. (وكذا آلات الدواب إن كانت لحفظها) فلا زكاة فيها. لانها للقنية. (وإن كان يبيعها معها فهي مال تجارة) يزكيها. (ولو لم يكن ما ملكه) للتجارة (عين مال، بل منفعة عين. وجبت الزكاة) في قيمتها، إن بلغت نصابا بنفسها أو بضمها إلى غيرها، كالاعيان لانها مال تجارة. (ولو قتل عبد تجارة خطأ أو عمدا، فصالح سيده على مال. صار) المال (للتجارة) باستصحاب نية التجارة، كما لو اعتاض عنه. (ولو اتخذ عصيرا للتجارة فتخمر) العصير (ثم تخلل، عاد حكم التجارة) باستصحاب اليد، كالرهن (ولو اشترى عرض تجارة بعرض قنية فرد عليه بعيب) أو غيره (انقطع الحول) لقطعه نية التجارة، بخلاف ما لو استرده هو لعيب الثمر ونحوه بنية التجارة، وتقدم (وإذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته) أي الآذن (فأخرجاها معا، أو جهل السبق، ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه، لانه انعزل حكما ولانه لم يبق عليه زكاة) والعزل حكما، العلم فيه وعدمه سواء، بدليل ما لو وكله في بيع عبد، فباعه الموكل، أو أعتقه، وحينئذ يقع الدفع إلى الفقير تطوعا. ولا يجوز الرجوع عليه به، فيتحقق التفويت بفعل المخرج، وهذا التعليل لما إذا أخرج كل منهما زكاة نفسه في آن واحد، وأما إذا سبق أحدهما بالاخراج، وجهل، أو نسي، فلان الاصل أن إخراج المخرج عن نفسه وقع الموقع، بخلاف المخرج عن غيره، وأيضا: الاصل في القابض لمال غيره: الضمان (وإن أخرج أحدهما قبل الآخر) وعلم ولم ينس، (ضمن الثاني) أي الذي أخرج ثانيا (نصيب) المخرج (الاول، علم) الثاني إخراج الاول، (أو لم يعلم) به لانه انعزل بذلك بطريق الحكم والعزل، كذلك لا يختلف بذلك، كما لو مات المالك. و (لا) يضمن (إن أدى دينا بعد أداء موكله، ولم يعلم) بأداء موكله لانه غره. (و) لانه هنا لم يتحقق التفويت، بدليل أنه (يرجع الموكل على القابض بما

[ 283 ]

قبض من الوكيل). ونظير هذا في مسألة الزكاة: لو كان القابض منهما الساعي والزكاة بيده، فإن الموكل يأخذها منه، ما دامت بيده، ولا يضمن وكيله له شيئا، لعدم التفويت. (ولو أذن غير شريكين كل واحد منهما) أذن (للآخر في إخراج زكاته، ف‍) - هما (كالشريكين فيما سبق) من التفصيل للتساوي في المعنى المقتضي للضمان أو عدمه. (ولا يجب) على الوكيل (إخراج زكاته أولا) أي قبل أن يخرج عن موكله، بخلاف حج النائب عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، لانه عبادة بدنية بخلاف الزكاة، فإنها مالية، كقضاء دين غيره قبل دينه. (بل يستحب) أن يبدأ بإخراج زكاته أولا مسارعة للخير، وهذا إذا لم يخل بالفورية، مع عدم العذر، وإلا فيأتي أن إخراج الزكاة واجب فورا. (ويقبل قول الموكل: أنه أخرج زكاته قبل دفع وكيله إلى الساعي)، لانه مؤتمن في أداء ما وجبت عليه. (و) يقبل (قول من دفع زكاة ماله إليه) أي إلى الساعي (ثم ادعى أنه كان أخرجها) قبل الدفع إلى الساعي (وتؤخذ من الساعي) في الصورتين (إن كانت بيده)، لتبين أنها ليست بزكاة (فإن تلفت) بيد الساعي، (أو كان) الساعي (دفعها إلى الفقير، أو كانا) أي الوكيل في الصورة الاولى، ورب المال في الثانية (دفعا إليه) أي إلى الفقير. (فلا) رجوع لانها انقلبت تطوعا. كمن دفع زكاة يعتقدها عليه، فلم تكن (ومن لزمه نذر وزكاة، قدم الزكاة) لوجوبها بأصل الشرع. (فإن قدم النذر لم يصر زكاة) لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى. وإنما خولف ذلك في الحج لدليل خاص. (وله) أي لمن وجبت عليه زكاة (الصدقة تطوعا قبل إخراج زكاته)، كالصدقة قبل قضاء دينه، إن لم يضر بغريمه. باب زكاة الفطر هو اسم مصدر، من قولك: أفطر الصائم إفطارا. وأضيفت إلى الفطر. لانه سبب وجوبها. فهو من إضافة الشئ إلى سببه. وقيل لها فطرة: لان الفطرة الخلقة. قال تعالى: * (فطرة الله التي فطر الناس عليها) * وهذه يراد بها الصدقة عن البدن

[ 284 ]

والنفس، وهي بضم الفاء: كلمة مولدة. وقد زعم بعضهم: أنه مما يلحن فيه العامة. وليست كذلك لاستعمال الفقهاء لها. قاله في المبدع. (وهي صدقة تجب بالفطر من رمضان: طهرة للصائم من اللغو والرفث) لما روى ابن عمر قال: فرض النبي (ص) زكاة الفطر: صاعا من بر، أو صاعا من شعير: على العبد والحر، والذكر والانثى، والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة متفق عليه، ولفظه للبخاري. وعن ابن عباس قال: فرض النبي (ص) زكاة الفطر: طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، رواه أبو داود وابن ماجه. ودعوى أن فرض بمعنى. قدر: مردود بأن كلام الراوي لا يحمل إلا على الموضوع، بدليل الامر بها في الصحيح أيضا، من حديث ابن عمر. وذهب الاصم وابن علية وجماعة إلى أنها سنة مؤكدة. وقول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز في * (قد أفلح من تزكى) * أنها زكاة الفطر. رد بقول ابن عباس: إنها تطهر من الشرك. والسورة مكية. ولم يكن بها زكاة ولا عيد. قال في المبدع: والظاهر أن فرضها كان مع رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وتقدم في أول الزكاة ما يعلم منه ذلك. (ومصرفها) أي زكاة الفطر (كزكاة) المال. لعموم * (إنما الصدقات للفقراء) * (وهي واجبة) الاية لما تقدم (وتسمى فرضا) كقول جمهور الصحابة. وأيضا فالفرض: إن كان بمعنى الواجب، فهي واجبة، وإن كان بمعنى المتأكد فهي متأكدة. (على كل مسلم) لما تقدم من قوله (ص): من المسلمين. (حر، ولو من أهل البادية) لعموم ما سبق، خلافا لعطاء والزهري، وربيعة، والليث في قولهم: لا تلزم أهل البوادي. (ومكاتب) لوجوب نفقته في كسبه، فكذا فطرته. (ذكر وأنثى كبير وصغير) لما سبق من الخبر، (ولو يتيما) فتجب في ماله، نص عليه، كزكاة المال. (ويخرج عنه) أي اليتيم (من مال وليه) كما ينفق عليه وعلى من

[ 285 ]

تلزمه نفقته. (و) تجب زكاة الفطر على (سيد مسلم عن عبده المسلم، وإن كان) العبد (للتجارة)، فلا يضر اجتماع زكاتين فيه. لانهما بسببين مختلفين. فإن زكاة الفطر تجب على بدن المسلم طهرة له، وزكاة التجارة تجب من قيمته شكرا لنعمة الغنى، مواساة للفقراء. وإنما الممتنع إيجاب زكاتين في حول واحد. ومتى كان عبيد التجارة بيد المضارب ففطرتهم في مال المضاربة. لان مؤنتهم منها، قاله في الشرح. و (لا) تجب على السيد (الكافر) لو هل شوال وفي ملكه عبد مسلم، لفقد شرط وجوبها. وهو الاسلام. وقال في المبدع في هذه: الاظهر وجوبها على الكافر. (وتجب في مال صغير تلزمه مؤنة نفسه) لغناه بمال أو كسب. ويخرجها أبوه منه. (و) تجب (في العبد المرهون، و) العبد (الموصى به على مالكه وقت الوجوب). أي عند غروب الشمس من آخر رمضان. (وكذا) العبد (المبيع في مدة الخيار) تجب فطرته على من حكم له بالملك. وهو المشتري على المذهب. (فإن لم يكن للراهن شئ غير العبد) المرهون (بيع منه بقدر الفطرة)، كأرش جنايته (إذا فضل عنده)، أي عند المسلم الذي تلزمه مؤنة نفسه (عن قوته وقوت عياله يوم العيد، وليلته: صاع). لان ذلك أهم. فيجب تقديمه لقوله (ص): ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. فظاهره: أنه لا يعتبر لوجوبها ملك نصاب. وقاله الاكثر. تتمة: قال في الاختيارات: من عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه، ثم أيسر فأداها فقد أحسن. (ويعتبر كون ذلك) أي الصاع بعد قوته. وقوت عياله يوم العيد وليلته، (فاضلا عما يحتاجه لنفسه ولمن تلزمه مؤنته، من مسكن وخادم ودابة وثياب بذلة) كسدرة: ما يمتهن من الثياب في الخدمة، والفتح لغة، قاله في الحاشية. (ودار يحتاج إلى أجرها لنفقته) ونفقة عياله. (وسائمة يحتاج إلى نمائها) من در ونسل ونحوهما. (وبضاعة يحتاج إلى

[ 286 ]

ربحها ونحوه) لان هذه الاشياء مما تتعلق به حاجته الاصلية. فهو كنفقته يوم العيد. (وكذا كتب) علم (يحتاجها للنظر والحفظ وحلي المرأة للبسها، أو لكراء يحتاج إليه) لان ذلك أهم من الفطرة، فيقدم عليها، لكن ما ذكره: من الكتب وحلي المرأة، ذكره الموفق والشارح. قال في الفروع: ولم أجد هذا في كلام أحد قبله ولم يستدل عليه. قال: وظاهر ما ذكره الاكثر: من الوجوب، واقتصارهم على ما سبق من المانع أي ما يحتاجه من مسكن، وعبد، ودابة، وثياب بذلة: أن هذا لا يمنع وجوب زكاة الفطر. وذكر احتمالا أن الكتب تمنع، بخلاف الحلي، للحاجة إلى العلم وتحصيله، قال: ولهذا ذكر الشيخ، أي الموفق: أن الكتب تمنع في الحج والكفارة، ولم يذكر الحلي، وهذا الاحتمال هو مقتضى كلام المنتهى، وعلى ما ذكره الموفق والشارح: هل يمنع ذلك من أخذ الزكاة؟ قال في الفروع: يتوجه احتمالان، قال في الانصاف، وتصحيح الفروع: الصواب أن ذلك لا يمنع من أخذ الزكاة. (وتلزم المكاتب فطرة زوجته، و) فطرة (قريبه ممن تلزمه مؤنته) كولده التابع له في الكتابة. (و) فطرة (رقيقه) كفطرة نفسه، لدخوله في عموم النص، ولانه مسلم تلزمه نفقة من ذكر، فلزمته فطرته، كالحر، لا على سيده. (وإن لم يفضل) مع من وجبت عليه زكاة الفطر (إلا بعض صاع، لزمه إخراجه) لقوله (ص): إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ولانها طهرة فهي كالطهارة بالماء، والفرق بينها وبين الكفارة: أن الكفارة بدل، بخلاف هذه. فيخرج ما وجده (عن نفسه) لحديث: أبدأ بنفسك. ويكمله من تلزمه فطرته، وعجز عن جميعها (فإن فضل) عنده (صاع وبعض صاع، أخرج الصاع عن نفسه) للحديث السابق، (و) أخرج (بعض الصاع عمن تلزمه نفقته) من زوجة ونحوها. (ويكمله المخرج عنه) إن قدر، لان الاصيل والمخرج متحمل وليس من أهله فيما عجز عنه. (ويلزم المسلم فطرة من يمونه من المسلمين)

[ 287 ]

من الزوجات والاماء والاقارب والموالي، فلا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار. لانها طهرة للمخرج عنه. ولا يطهره إلا الاسلام وكذا عبد عبده. (حتى زوجة عبده الحرة) كنفقتها (و) حتى (مالك نفع قن فقط) لانها طهرة وهو الموصى له بنفعه. فتجب فطرته عليه، كنفقته، لا على مالك الرقبة. (و) حتى (خادم زوجته. إن لزمته نفقته) لان الفطرة تابعة للنفقة. وكذا مريض لا يحتاج نفقة لعموم حديث ابن عمر قال: أمرنا النبي (ص) بصدقة الفطر: عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد، ممن تمونون رواه الدارقطني. وروى أبو بكر في الشافي نحوه من حديث أبي هريرة. (ولا تلزم) الفطرة (الزوج لبائن حامل، لان النفقة للحمل لا لها) من أجل الحمل. والحمل لا تلزم فطرته. (ولا) تلزم الفطرة (من استأجر أجيرا أو ظئرا بطعامه وكسوته. كضيف) لان الواجب ههنا أجرة تعتمد الشرط في العقد فلا يزاد عليها، كما لو كانت دراهم. ولهذا تختص بزمن مقدر، كسائر الاجر. (ولا) تجب فطرة (من وجبت نفقته في بيت المال، كعبد الغنيمة قبل القسمة. و) عبد (الفئ ونحو ذلك) كاللقيط، لان ذلك ليس بإنفاق. وإنما هو إيصال المال في حقه. (ولا من تلزمه نفقة زوجته لامة ليلا فقط. بل هي على سيدها) أي لو تزوج أمة، وتسلمها ليلا فقط، ففطرتها على السيد دون الزوج لانها وقت الوجوب في نوبة السيد. (وترتيبها) أي الفطرة (كالنفقة) لتبعيتها لها (فإن لم يجد) من يمون جماعة (ما يؤدي عن جميعهم بدأ لزوما بنفسه) لما تقدم من أنها تنبني على النفقة، ونفقة نفسه مقدمة فكذا فطرته. (ثم بامرأته ولو أمة) تسلمها ليلا ونهارا، لوجوب نفقتها مطلقا بخلاف الاقارب. وقدمت على غيرها لآكديتها، ولانها معاوضة. (ثم برقيقه) لوجوب نفقته مع الاعسار. وقال ابن عقيل: يحتمل تقديمه على الزوجة، لئلا تسقط بالكلية. (ثم بأمه) لتقديمها على الاب في البر، لحديث: من أبر. (ثم بأبيه) لحديث: أنت ومالك لابيك. (ثم بولده) لوجوب نفقته في الجملة (ثم على

[ 288 ]

ترتيب الميراث: الاقرب فالاقرب) لان الاقرب أولى من غيره، فقدم كالميراث (وإن استوى اثنان فأكثر) كولدين أو أولاد، أو إخوة (ولم يفضل غير صاع. أقرع) بينهم لتساويهم، وعدم المرجح فلم يبق إلا القرعة. (ولا تجب) الفطرة (عن جنين) ذكره ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من علماء الامصار، لانها لو تعلقت به قبل ظهوره لتعلقت الزكاة بأجنة السوائم، ولانه لا يثبت له أحكام الدنيا إلا في الارث والوصية، بشرط خروجه حيا. (بل تستحب) الفطرة عن الجنين، لفعل عثمان، وعن أبي قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطرة عن الصغير والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمه رواه أبو بكر في الشافي. (ومن تبرع بمؤنة مسلم شهر رمضان كله، لزمته فطرته) نص عليه في رواية أبي داود وغيره، لعموم قوله (ص): أدوا صدقة الفطر عمن تمونون وروى أبو بكر بإسناده عن علي قال: زكاة الفطر على من جرت عليه نفقتك. وهذا يعم من يمونه وينفق عليه تبرعا. فإن تبرع بمؤنته بعض رمضان ولو آخره، لم تلزمه لظاهر النص. و (لا إن مانه جماعة) فلا يلزمهم فطرته. لعدم إمانة أحدهم له جميع الشهر. (وإذا كان رقيق واحد بين شركاء) فعليهم صاع واحد بحسب ملكهم فيه، كنفقته (أو بعضه حر) وبعضه رقيق. فعليه وعلى سيده: صاع، بحسب الحرية والرق. (أو) كان (قريب، أو) عتيق (تلزم نفقته اثنين) كولديه أو أخويه، أو معتقيه، أو ابني معتقيه، فأكثر. ففطرته عليهم. كنفقته. لكن لو كان أب وأم أو جدة انفرد بها الاب كالنفقة. (أو ألحقت القافة واحدا باثنين فأكثر) على ما يأتي بيانه في اللقيط. (فعليهم صاع واحد) لان الشارع إنما أوجب على الواحد صاعا. فأجزأ لظاهر الخبر، وكالنفقة وماء طهارته. (ولا تدخل الفطرة في المهايأة فيمن بعضه حر) لانها حق الله، كالصلاة. والمهايأة معاوضة كسب بكسب. (فإن كان يوم العيد نوبة العبد المعتق نصفه مثلا. اعتبر أن يفضل عن قوته نصف صاع) فإن عجز عنه لم يلزم سيده سوى نصف الصاع. كما لو عجز مكاتب عنها (وإن كانت نوبة السيد) يوم العيد (لزم العبد أيضا نصف صاع) ولو لم يملك غيره. لان مؤنته على غيره (ومن عجز منهم) أي الشركاء في قن أو من وارث لقريب أو عتيق، أو

[ 289 ]

من ألحق بهم ولد (عما) وجب (عليه) من الفطرة المشتركة، (لم يلزم الآخر سوى قسطه، كشريك ذمي) فلا يلزم المسلم قسط الذمي. (وإن عجز زوج المرأة عن فطرتها ف‍) - هي (عليها إن كانت حرة، وعلى سيدها إن كانت أمة) لان الزوج كالمعدوم، (ولا ترجع) الزوجة (الحرة، و) لا (السيد بها) أي الفطرة (على الزوج إذا أيسر) لانها لم تكن وجبت عليه قبل، لعدم أهليته للتحمل والمواساة. (ومن له عبد آبق أو ضال، أو مغصوب، أو محبوس كأسير. فعليه فطرته) للعموم، ولوجوب نفقته. بدليل رجوع من رد الآبق بنفقته على سيده. ولا فرق بين أن يرجو رجعته أو ييأس منها. ولا يلزمه إخراجها حتى يعود إليه. زاد بعضهم: أو يعلم مكان الآبق. قاله في المبدع (إلا أن يشك) السيد (في حياته) أي الآبق ونحوه. (فتسقط) فطرته، نص عليه في رواية صالح. لانه لا يعلم بقاءه. والاصل براءة الذمة، والظاهر موته، وكالنفقة ولانه لو أعتقه عن كفارته لم يجزئه. (فإن علم) سيده (حياته بعد ذلك. أخرج لما مضى) لانه بان له وجود سبب الوجوب في الماضي، فوجب الاخراج، كمال غائب بانت سلامته. (ولا يلزم الزوج فطرة) زوجة (ناشز وقت الوجوب) أي وجوب زكاة الفطر، (ولو) كانت (حاملا) لان النفقة للحمل ولا تلزم فطرته. (ولا) يلزم الزوج أيضا فطرة (من لا تلزمه نفقتها، كغير المدخول بها إذا لم تسلم إليه) أي تبذل التسليم هي أو وليها. (والصغيرة التي لا يمكن الاستمتاع بها) أي بنت دون تسع، لان الفطرة تابعة للنفقة، كما تقدم (وتلزمه فطرة مريضة ونحوها، لا تحتاج إلى نفقة) لان عدم احتياجها للنفقة لا لخلل في المقتضى لها، بخلاف ما قبل. (ومن لزم غيره فطرته) كالزوجة (فأخرج عن نفسه بغير إذنه) أي إذن من وجبت عليه (أجزأ) إخراجه، (كما لو أخرج بإذنه) لانه أخرج عن نفسه، فأجزأه، كمن وجبت عليه. (لان الغير متحمل) لكونها طهرة (لا أصيل). وإن كان مخاطبا بها (ولو لم يخرج من تلزمه فطرة غيره مع قدرته) كالزوج القادر إذا لم يخرج فطرة

[ 290 ]

زوجته، (لم يلزم الغير) الذي هو الزوجة في المثال (شئ) لعدم خطابها بها. (وله) أي الغير الذي وجبت فطرته على غيره (مطالبته بالاخراج) كنفقته. قلت: وظاهره: ولو ولدا، فيطالب والده بها، كالنفقة، (ولو أخرج العبد) فطرته (بغير إذن سيده لم يجزئه) لانه تصرف في مال سيده بغير إذنه. (وإن أخرج) من يصح تبرعه (عمن لا تلزمه فطرته) كأجنبي (بإذنه، أجزأ) إخراجه عنه. (وإلا فلا) قال الآجري: هذا قول فقهاء المسلمين. (ولا يمنع الدين وجوب الفطرة، إلا أن يكون مطالبا به) لتأكدها، بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها. فجرى مجرى النفقة بخلاف زكاة المال، فإنها تجب بالملك، والدين يؤثر فيه، والفطرة تجب على البدن، وهو غير مؤثر فيه، فإن كان مطالبا به منع وجوبها، لوجوب أدائه عند المطالبة، وتأكده بكونه حق آدمي، لا يسقط بالاعسار، أشبه من لا فضل عنده. (وتجب) زكاة الفطر (بغروب شمس ليلة) عيد (الفطر) لقول ابن عباس: فرض النبي (ص) صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين رواه أبو داود والحاكم، وقال: على شرط البخاري، فأضاف الصدقة إلى الفطر فكانت واجبة به، لان الاضافة تقتضي الاختصاص، وأول فطر يقع من جميع رمضان بمغيب الشمس من ليلة الفطر. (فمن أسلم بعد ذلك) أي بعد الغروب (أو تزوج) امرأة بعده، (أو ولد له ولد) بعده، (أو ملك عبدا) بعده (أو كان معسرا وقت الوجوب، ثم أيسر بعده، فلا فطرة) عليه، لعدم وجود سبب الوجوب. (وإن وجد ذلك) بأن أسلم أو تزوج أو ولد له ولد أو ملك عبدا أو أيسر (قبل الغروب وجبت) الفطرة، لوجود السبب. فالاعتبار بحال الوجوب. (وإن مات قبل الغروب) هو أو زوجته أو رقيقه أو قريبه ونحوه (أو أعسر، أو أبان الزوجة، أو أعتق العبد ونحوه). كما لو باعه أو وهبه (لم تجب) الفطرة. لما تقدم (ولا تسقط) الفطرة (بعد وجوبها بموت ولا غيره) كإبانة زوجة، أو عتق عبد، أو بيعه. لاستقرارها. وذكره المجد إجماعا في عتق عبد. (ويجوز تقديمها) أي الفطرة (قبل العيد بيوم أو يومين) نص عليه. لقول ابن عمر: كانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين رواه البخاري. (فقط) فلا تجزئ قبله بأكثر

[ 291 ]

من يومين. لفوات الاغناء المأمور به في قوله (ص): أغنوهم عن الطلب هذا اليوم رواه الدارقطني من رواية أبي معشر. وفيه كلام من حديث ابن عمر، بخلاف زكاة المال. (وآخر وقتها غروب الشمس يوم الفطر) لما تقدم من قوله (ص): أغنوهم عن الطلب هذا اليوم. (فإن أخرها عنه) أي عن يوم العيد (أثم) لتأخيره الواجب عن وقته، ولمخالفته الامر. (وعليه القضاء) لانها عبادة. فلم تسقط بخروج الوقت، كالصلاة. (والافضل: إخراجها) أي الفطرة (يوم العيد قبل الصلاة، أو قدرها) في موضع لا يصلى فيه العيد. لانه (ص): أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر. وقال جمع: الافضل أن يخرجها إذا خرج إلى المصلى. (ويجوز) إخراجها (في سائره) أي باقي يوم العيد. لحصول الاغناء المأمور به، (مع الكراهة) لمخالفة الامر بالاخراج قبل الخروج إلى المصلى. (ومن وجبت عليه فطرة غيره) من زوجة أو عبد أو قريب (أخرجها مكان نفسه) مع فطرته. لانها طهرة له، بخلاف زكاة المال (ويأتي) في الباب بعده. فصل: والواجب فيها أي الفطرة (صاع عراقي) لانه الذي أخرج به في عهده (ص). وعبارة المبدع: صاع بصاع النبي (ص)، وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة، وحكمته: كفاية الصاع للفقير في أيام العيد، انتهى. وهو قد حان كما تقدم. (من البر، أو مثل مكيله من التمر أو الزبيب)، قال في المبدع: إجماعا. (ولو) كان التمر والزبيب (منزوعي العجم) لعموم الخبر، (أو الشعير) ذكره في المبدع إجماعا. (وكذا الاقط) وأتي بيانه. (ولو لم يكن) الاقط (قوته. و) لو (لم يعدم الاربعة) أي التمر والزبيب والبر والشعير.

[ 292 ]

لحديث أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا النبي (ص): صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط متفق عليه. (أو) صاعا (من مجمع من ذلك) أي من التمر والزبيب والبر والشعير والاقط. فإذا جمع منها صاعا وأخرجه أجزأه. كما لو كان خالصا من أحدها. (ولو لم يكن المخرج قوتا له) أي للمخرج كالتمر بمصر. فإنه ليس قوتا بها غالبا، ويجزئ إخراجه، لعموم ما سبق. (ولا عبرة بوزن تمر وغيره، مما يخرجه سوى البر) لان الصاع مكيال لاصنجة كما تقدم. (فإذا أبلغ) المخرج من غير البر (صاعا بالبر) بأن اتخذ ما يسع صاعا من جيد البر، وأخرج به من غيره صاعا (أجزأ) لانه أخرج الواجب عليه. (وإن لم يبلغ) المخرج (الوزن) أي وزن الصاع، لخفته كالشعير، (ويحتاط في الثقيل فيزيد على الوزن) أي وزن الصاع (شيئا يعلم أنه) أي الثقيل (قد بلغ صاعا) كيلا، (ليسقط الفرض بيقين) فيخرج من العهدة (ولا يجزئ نصف صاع من بر) لما تقدم من حديث أبي سعيد. وأما ما رواه أحمد وغيره من حديث الحسن عن ابن عباس: نصف صاع من بر ففيه مقال. لان الحسن لم يسمع منه، قاله ابن معين وابن المديني (ويجزئ صاع دقيق والسويق، ولو مع وجود الحب) نص عليه. واحتج بزيادة انفرد بها ابن عيينة، من حديث أبي سعيد: أو صاعا من دقيق قيل لابن عيينة: إن أحدا لا يذكره فيه. قال: بل هو فيه، رواه الدارقطني. قال المجد: بل أولى بالاجزاء. لانه كفى مؤنته، كتمر نزع نواه، (وسويق بر أو شعير يحمص) وعبارة المبدع: يقلى (ثم يطحن. وصاع الدقيق) يعتبر ب‍ (وزن حبه) نص عليه. لتفرق الاجزاء بالطحن. وكذا السويق. (ويجزئ) دقيق (بلا نخل) كقمح بلا

[ 293 ]

تنقية. (والاقط: لبن جامد يجفف بالمصل) أي بسبب المصل الذي يسيل منه. (يعمل من اللبن المخيض). وقيل: من لبن الابل خاصة. (ولا يجزئ غير هذه الاصناف الخمسة، مع قدرته على تحصيلها) كالدبس والمصل، والجبن. للاخبار المتقدمة. (ولا) إخراج (القيمة) لان ذلك غير المنصوص عليه. وكما تقدم في زكاة الاموال. (فإن عدم المنصوص عليه) من الاصناف الخمسة (أخرج ما يقوم مقامه من حب وتمر يقتات إذا كان مكيلا، كالذرة والدخن والماش ونحوه) كالارز والتين والتوت اليابس. لان ذلك أشبه بالمنصوص عليه. فكان أولى. (ولا يجزئ إخراج حب معيب، كمسوس ومبلول وقديم، تغير طعمه ونحوه) لقوله تعالى: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * ولان السوس يأكل جوفه، والبلل ينفخه، فالمخرج لصاع منه ليس هو الواجب شرعا. (ولا خبز) لانه خرج عن الكيل والادخار وفيه شبه بإخراج القيمة. وقال ابن عقيل يجزئ. (فإن خالط المخرج) الجيد (ما لا يجزئ وكثر. لم يجزئه) ذلك لما تقدم. (وإن قل) الذي لا يجزئ (زاد بقدر ما يكون المصفى صاعا) لانه ليس عيبا. لقلة مشقة تنقيته. (وأحب) الامام (أحمد تنقية الطعام) وحكاه عن ابن سيرين ليكون أكمل. (وأفضل مخرج: تمر) لفعل ابن عمر. رواه البخاري. وقال له أبو مجلز: إن الله قد أوسع، والبر أفضل. فقال: إن أصحابي سلكوا طريقا. فأنا أحب أن أسلكه رواه أحمد واحتج به، ولانه قوت وحلاوة. وأقرب تناولا، وأقل كلفة. (ثم زبيب) لانه في معنى التمر فيما تقدم. (ثم بر) لانه أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير، (ثم أنفع) للفقير. (ثم شعير، ثم دقيق بر، ثم دقيق شعير ثم سويقهما) أي سويق البر ثم الشعير، (ثم أقط، ويجوز أن يعطى الجماعة) من الفقراء ونحوهم (ما يلزم الواحد) من فطرة أو زكاة مال، قال في الشرح والمبدع: لا نعلم فيه خلافا، فإذا أعطى من كل صنف ثلاثة، جاز، لانه دفع الصدقة إلى مستحقها. (لكن الافضل: أن لا ينقصه) أي كل واحد من

[ 294 ]

الآخذين (عن مدبر، أو نصف صاع من غيره) ليحصل إغناؤه في ذلك اليوم المأمور به، كما تقدم. (و) يجوز (أن يعطى الواحد. ما يلزم الجماعة) نص عليه. لانها صدقة لغير معين، فجاز صرفها لواحد، كالزكاة (ولفقير إخراج فطرة، وزكاة عن نفسه إلى من أخذتا منه) لانه رد بسبب متجدد. أشبه ما لو عادت إليه بميراث، (ما لم يكن حيلة) كأن يشرط عليه عند الاعطاء أن يردها إليه عن نفسه. (وكذا الامام أو نائبه، إذا حصلتا) أي الفطرة وزكاة المال (عنده، فقسمهما ردهما) أي جاز للامام أن يردهما (إلى من أخذتا منه. وتقدم بعض ذلك). وتوضيحه (وكان عطاء يعطي عن أبويه صدقة الفطر، حتى مات، وهو تبرع استحسنه) الامام (أحمد) رحمهما الله تعالى. باب إخراج الزكاة وما يتعلق به من حكم النقل، والتعجيل ونحوه (لا يجوز تأخيره) أي تأخير إخراج زكاة المال (عن وقت وجوبها، مع إمكانه. فيجب إخراجها على الفور، كنذر مطلق، وكفارة) لقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * والمراد: الزكاة والامر المطلق للفور، بدليل أن المؤخر يستحق العقاب، ولو جاز التأخير لكان إما إلى غاية، وهو مناف للوجوب، وإما إلى غيرها، ولا دليل عليه، بل ربما يفضي إلى سقوطها إما بموته، أو تلف المال، فيتضرر الفقير بذلك، فيختل المقصود من شرعها. ولانها للفور بطلب الساعي، فكذا بطلب الله تعالى، كعين مغصوبة، وفي المغني والشرح: لو لم يكن الامر للفور، لقلنا به هنا، ولانها عبادة تتكرر، فلم يجز تأخيرها إلى دخول وقت مثلها، كالصلاة. (ويأتي) حكم النذر المطلق والكفارة في الايمان. (إلا أن يخاف) من وجبت عليه الزكاة (ضررا) فيجوز له تأخيرها، نص عليه، لحديث: لا ضرر ولا ضرار. (كرجوع ساع) عليه إذا أخرجها هو بنفسه، مع غيبة الساعي. (أو خوفه على نفسه أو ماله ونحوه) لما في ذلك من الضرر، وإذا جاز تأخير دين الآدمي

[ 295 ]

لذلك، فهي أولى. (أو كان) المالك (فقيرا محتاجا إلى زكاته، تختل كفايته ومعيشته بإخراجها) نص عليه. (وتؤخذ منه) الزكاة (عند يساره) لما مضى، لزوال العارض. (أو أخرها) أي الزكاة (ليعطيها لمن حاجته أشد) من غيره، (أو) ليعطيها (لقريب أو جار). نقله يعقوب فيمن حاجته أشد. وقيده جماعة بالزمن اليسير للحاجة، وإلا لم يجز ترك واجب لمندوب. وظاهر كلام جماعة: المنع، قال في المبدع: وينبغي أن يقيد الكل بما إذا لم يشتد ضرر الحاضر، (أو) أي ويجوز تأخير الزكاة (لتعذر إخراجها من النصاب لغيبة) المال (ونحوها)، كالمنع من التصرف فيه لعدم الامكان إذن. (ولو قدر على الاخراج من غيره) أي غير المال المزكى فلا يلزمه، لان الاصل إخراج زكاة المال منه، وجواز الاخراج من غيره رخصة فلا ينقلب تضييقا. (وتقدم) ذلك (في كتاب الزكاة، أو) أي ويجوز تأخيرها (لغيبة المستحق، أو) غيبة (الامام عند خوف رجوعه) عليه بها للضرر. (وكذا للامام والساعي التأخير) أي تأخير الزكاة (عند ربها، لعذر قحط ونحوه) كمجاعة. احتج أحمد بفعل عمر. (فإن جحد) المسلم الحر المكلف (وجوبها) أي الزكاة (جهلا به - ومثله يجهله - كقريب عهد بإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة) بحيث (يخفى عليه) وجوب الزكاة، (عرف ذلك) أي وجوبها، ليرجع عن الخطأ. ولم يحكم بكفره، لانه معذور (ونهى عن المعاودة) لجحد وجوبها. لزوال عذره. (فإن أصر) على جحد الوجوب بعد أن عرف، (أو كان عالما بوجوبها. كفر) إجماعا لانه مكذب لله ورسوله وإجماع الامة، ولو أخرجها. وهذا إذا جحد وجوب الزكاة على الاطلاق. وأما إن جحده في مال خاص ونحوه. فإن كان مجمعا عليه، فكذلك. وإلا فلا. كما الصغير والمجنون، وعروض التجارة، وزكاة الفطر، وزكاة العسل، وما عدا البر والشعير والتمر والزبيب من الحبوب والثمار، لانه مختلف فيه، ولم ينبه على ذلك للعلم به مما يأتي. (وأخذت) الزكاة (منه إن كانت وجبت عليه) قبل كفره، لكونها لا تسقط به، كالدين. (واستتيب ثلاثة أيام وجوبا)

[ 296 ]

كغيره من المرتدين (فإن لم يتب) بأن يقر بوجوبها مع الاتيان بالشهادتين (قتل كفر وجوبا) لقوله (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وقال أبو بكر الصديق: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة متفق عليه. (ومن منعها) أي الزكاة (بخلا بها أو تهاونا أخذت منه) قهرا. كدين الآدمي. وكما يؤخذ منه العشر. ولان للامام طلبه به. فهو كالخراج بخلاف الاستنابة في الحج، والتكفير بالمال، وظاهره: أنه لا يحبس، حتى يؤدي لعدم النية في العبادة من الممتنع. (وعزره إمام عدل فيها) أي في الزكاة يضعها مواضعها. وظاهره: وإن لم يكن عدلا في غيرها (أو) عزره (عامل زكاة) لقيامة مقام الامام فيها. وإنما عزر لتركه الواجب وهي معصية لا حد فيها ولا كفارة. (ما لم يكن) مانع الزكاة بخلا أو تهاونا (جاهلا) بتحريم ذلك. فلا يعزر، لانه معذور. (وإن فعله) أي منع الزكاة (لكون الامام غير عدل فيها. لا يضعها مواضعها لم يعزر) لانه ربما اعتقد ذلك عذرا في التأخير. (وإن غيب) من وجبت عليه الزكاة (ماله، أو كتمه) أي غله (وأمكن أخذها) بأن كان في قبضة الامام، (أخذت) الزكاة (منه من غير زيادة) عليها. لان الصديق مع الصحابة لما منعت العرب الزكاة لم ينقل أنه أخذ منهم زيادة عليها. ولانه لا يزاد على أخذ الحقوق من الظالم كسائر الحقوق. وأما حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا: في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون، لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا. فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذها وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شئ رواه أحمد والنسائي وأبوا داود. وقال: شطر ماله وهو ثابت، وقد وثقه الاكثر. فجوابه: أنه كان في بدء الاسلام، حيث كانت العقوبات بالمال، ثم نسخ بقوله (ص) في حديث الصديق: ومن سئل فوق ذلك، فلا يعطه. ولان منع الزكاة كان في خلافه الصديق مع توفر الصحابة ولم ينقل عن أحد منهم أخذ زيادة. ولا قول به. (وإن لم يمكن أخذها) أي الزكاة بالتغييب أو غيره (استتيب ثلاثة أيام وجوبا) لان الزكاة أحد مباني الاسلام فيستتاب تاركها. كالصلاة (فإن تاب) و (أخرج) كف عنه (وإلا) أي وإن لم يخرج (قتل) لاتفاق الصحابة على قتال مانعها (حدا) لا كفرا.

[ 297 ]

لقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي (ص) لا يرون شيئا من الاعمال تركه كفرا إلا الصلاة رواه الترمذي. وما حكى أحمد عن ابن مسعود: ما مانع الزكاة بمسلم رواه الاثرم، معناه: التغليظ، ومقاربة الكفر، دون حقيقته. (وأخذت من تركته) من غير زيادة. لان القتل لا يسقط حق الآدمي، فكذا الزكاة. (وإن لم يمكن أخذها) أي الزكاة من مانعها (إلا بقتال. وجب على الامام قتاله، إن وضعها مواضعها) لاتفاق الصديق مع الصحابة على قتال مانعي الزكاة. وقال: والله لو منعوني عناقا - وفي لفظ: عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله (ص) لقاتلتهم عليها متفق عليه. فإن لم يضعها مواضعها لم يقاتله، لاحتمال أن منعه إياها لاعتقاده ذلك عذرا (ولا يكفر) مانع الزكاة تهاونا أو بخلا، (بقتاله له) أي للامام. لما تقدم عن عبد الله بن شقيق. ولان عمر وغيره امتنعوا ابتداء من قتال مانعي الزكاة. ولو اعتقدوا كفرهم ما امتنعوا منه. ثم اتفقوا على القتال. فبقي عدم التكفير على اعتقادهم الاول. وما روي عن الصديق: أنه لما قاتل مانعي الزكاة، وعضتهم الحرب قالوا، نؤديها. قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار يحتمل أنه فيمن منعها جحودا. ولحق بأهل الردة منهم. فقد كان فيهم طائفة كذلك. على أنه لا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالكفر، بدليل العصاة من هذه الامة. وفرق القاضي بين الصلاة وغيرها من العبادات بتعذر فيها. والمقصود الاعظم دفع حاجة الفقير وهو حاصل بأدائها مع القتال. (ومن طولب بها) أي الزكاة (فادعى ما يمنع وجوبها. من نقصان الحول، أو) نقصان (النصاب، أو انتقاله) أي ملك النصاب (في بعض الحول ونحوه، كادعائه أداءها، أو تجدد ملكه قريبا، أو) ادعى (أن ما بيده) من المال (لغيره أو) ادعى (أنه منفرد، أو) أنه (مختلط. قبل قوله). لان الاصل براءة ذمته (بغير يمين) نص عليه. لانها عبادة هو مؤتمن عليها. فلا يستحلف عليها، كالصلاة. نقل حنبل: لا يسأل المتصدق عن شئ، ولا يبحث، إنما يأخذ ما أصابه مجتمعا. وكذا الحكم إن مر بعاشر وادعى أنه عشرة آخر. (وإن أقر بقدر زكاته. ولم يخبر بقدر ماله. أخذت منه بقوله. ولم يكلف إحضار ماله) لما مر، (والصبي والمجنون) تجب

[ 298 ]

الزكاة في مالهما لما تقدم. (يخرج عنهما وليهما في مالهما) لانها حق واجب عليهما. فوجب على الولي أداؤها عنهما. (كنفقة أقاربهما وزوجاتهما، وأروش جناياتهما). وتعتبر النية من الولي في الاخراج، كرب المال. (ويستحب للانسان تفرقة زكاته، و) تفرقة (فطرته بنفسه، بشرط أمانته. وهو أفضل من دفعها إلى إمام عادل) لقوله تعالى: * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) * - الآية وكالدين. ولان القابض رشيد قبض ما يستحقه. وليكون على ثقة من إيصالها إلى مستحقيها. ولا فرق بين الاموال الظاهرة والباطنة (وله) أي رب المال (دفعها إلى الساعي وإلى الامام. ولو فاسقا يضعها في مواضعها)، لما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: أتيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: لي مال، وأريد إخراج زكاته، فما تأمرني؟ فقال: ادفعها إليهم. فأتيت ابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد. فقالوا مثل ذلك رواه سعيد. ولانه نائب عن مستحقها، فجاز الدفع إليه، كولي اليتيم. (وإلا) أي وإن لم يكن يضعها مواضعها (حرم) دفعها إليه، (ويجوز) وعبارة الاحكام السلطانية. وكثير من النسخ: ويجب. وهي أنسب بما قبله، (كتمها إذن) وهذا قول القاضي في الاحكام السلطانية. ونص الامام على خلافه، قال في الشرح: لا يختلف المذهب أن دفعها للامام جائز، سواء كان عدلا أو غير عدل، وسواء كانت من الاموال الظاهرة، أو الباطنة، ويبرأ بدفعها إليه، سواء تلفت بيد الامام أو لا، أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها، اه‍. وقيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور؟ فقال: ادفعها إليهم حكاه عنه أحمد، وفي لفظ عنه: ادفعوها إلى من غلب وفي لفظ آخر: ادفعوها إلى الامراء، وإن كرعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم رواهما عنه أبو عبيد، وقال أحمد في رواية حنبل: كانوا يدفعون الزكاة إلى الامراء، وهؤلاء أصحاب النبي (ص) يأمرون بدفعها، وقد علموا فيما ينفقونها، فما أقول أنا؟ (ويبرأ) دافع الزكاة إلى الساعي أو الامام (بدفعها إليه ولو تلفت في يده، أو لم يصرفها في مصارفها) لما سبق. (ويجزئ دفعها إلى الخوارج والبغاة، نص عليه في الخوارج، إذا غلبوا على بلد، وأخذوا منه العشر: وقع موقعه) وقال القاضي في موضع: هذا محمول على أنهم خرجوا بتأويل. وقال في موضع

[ 299 ]

آخر: إنما يجزئ أخذهم إذا نصبوا لهم إماما. (وكذلك من أخذها) أي الزكاة (من السلاطين قهرا أو اختيارا، عدل فيها أو جار. ويأتي في) باب (قتال أهل البغي، وللامام طلب النذر والكفارة) نص عليه في كفارة الظهار، وكالزكاة (و) للامام (طلب الزكاة من المال الظاهر) كالمواشي والحبوب والثمار. (والباطن) كالاثمان وعروض التجارة (إن وضعها في أهلها، ولا يجب الدفع إليه إذا طلبها). بل لربها تفرقتها بنفسه وهو أفضل، كما تقدم (وليس له) أي الامام (أن يقاتل على ذلك إذا لم يمنع) من هي عليه (إخراجها بالكلية) إذ الواجب الاخراج، لا الدفع إلى الامام. فصل: (ولا يجزئ إخراجها إلا بنية) لحديث: إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. من (مكلف) لا صغير ومجنون لعدم أهليته لاداء الواجب. (وغير المكلف ينوي عنه وليه) لقيامه مقامه. (فينوي الزكاة، أو الصدقة الواجبة، أو صدقة المال، أو) صدقة (الفطر، فلو لم ينو) لم يجزئه ما أخرجه، ولو تصدق بجميع ماله، لان صرف المال إلى الفقير له جهات: من زكاة وكفارة، ونذر، وصدقة تطوع ولا قرينة تعين، فاعتبرت نية التمييز. (أو نوى صدقة مطلقة لم يجز) ما أخرجه (عما في ذمته، حتى ولو تصدق بجميع المال) كما لو نوى الصلاة وأطلق، و (كصدقته بغير النصاب من جنسه والاولى: مقارنتها) أي النية (للدفع) خروجا من خلاف من أوجبه. (وتجوز) النية (قبله) أي الاخراج بزمن يسير (كصلاة، ولا تعتبر نية الفرض) اكتفاء بنية الزكاة، لانها لا تكون إلا فرضا. (ولا) يعتبر (تعيين المال المزكى عنه) لعدم

[ 300 ]

الفائدة فيه. (فلو كان له مالان: غائب وحاضر، فنوى زكاة أحدهما لا بعينه) وأداها (أجزأ) ما دفعه عن (أيهما شاء. بدليل أن من له أربعون دينارا، إذا أخرج نصف دينار عنها) أي عن الاربعين (صح، ووقع) الاخراج (عن عشرين دينارا منها غير معينة)، فيخرج نصف دينار عن العشرين الباقية (ولو كان له خمس من الابل، وأربعون من الغنم، فقال: هذه الشاة عن الابل، أو الغنم أجزأته عن أحدهما). ويخرج شاة أخرى عن الآخر. (ولو) أخرج قدر زكاة أحد ماليه. و (نوى زكاة ماله الغائب. فإن كان تالفا فعن الحاضر. أجزأ) المخرج (عنه) أي الحاضر. (إن كان الغائب تالفا) بخلاف الصلاة لاعتبار التعيين فيها. فإن كانا سالمين أجزأه أحدهما. لان التعيين ليس بشرط. قاله في الشرح. (ولو نوى أن هذه زكاة مالي، إن كان سالما وإلا فهو تطوع، مع شك في سلامته، فبان سالما، أجزأت). وكذا إن نوى عن الغائب إن كان سالما، لان هذا في حكم الاطلاق، فلا يضر تقييده به. (ولو نوى عن الغائب فبان تالفا. لم يكن له صرفه إلى غيره) لقوله (ص): وإنما لكل امرئ ما نوى وهو لم ينو غير الغائب. (فإن قال: هذا زكاة مالي أو نفل) لم يجزئه، لانه لم يخلص النية للزكاة. (أو قال: هذا زكاة إرثي من مورثي، إن كان مات. لم يجزئه) لانه لم يبن على أصل. قال الموفق وغيره: كقوله ليلة الشك: إن كان غدا من رمضان فهو فرضي. وقال صاحب المحرر: كقوله: إن كان وقت الظهر دخل فصلاتي هذه عنها. وقال أبو البقاء: التردد في العبادة يفسدها. ولهذا لو صلى ونوى إن كان الوقت قد دخل فهي فريضة، وإن لم يكن قد دخل فهي نافلة. لم تصح له فرضا ولا نفلا، وإن نوى عن الغائب إن كان سالما وإلا فأرجع.

[ 301 ]

فله الرجوع إن بان تالفا. ذكره أبو المعالي على قول الرجوع في التلف. (وإن أخذها) أي الزكاة (الامام قهرا لامتناعه) أي رب المال، أو تغييبه ماله (كفت نية الامام دون نية رب المال)، فلا يعتبر للاجزاء ظاهرا، (وأجزأته ظاهرا) فلا يطالب بها بعد. و (لا) تجزئه (باطنا) لعدم النية. (ومثل ذلك: لو دفعها) أي الزكاة (رب المال إلى مستحقها كرها وقهرا) حالان من رب المال، فتجزئه. وتقدم أنه لو أكره على عبادة وفعلها لداعي الشرع، صحت، لا لداعي الاكراه. (وإن أخذها) أي الزكاة (الامام أو الساعي لغيبة رب المال، أو تعذر الوصول إليه بحبس ونحوه) كأسر (أجزأته ظاهرا وباطنا)، لان له ولاية على رب المال إذن، فقامت نيته كولي الصغير والمجنون ولا تقصير من رب المال. (وإن دفعها) رب المال (إلى الامام طوعا ناويا) أنها زكاة، (وإن لم ينو الامام حال دفعها إلى الفقراء) مثلا (جاز، وإن طال) الزمن (لانه) أي الامام (وكيل الفقراء) لا رب المال، و (لا) تجزئ (إن نواها الامام) زكاة (دونه)، أي دون رب المال (أو لم ينوياها) أي لا الامام ولا رب المال، لعدم النية المعتبرة. (وتقع نفلا) فلا رجوع بها على الفقراء. (ويطالب) رب المال (بها) أي الزكاة لبقائها في ذمته، وعدم براءته بذلك الدفع. (ولا بأس بالتوكل في إخراجها) أي الزكاة لانها عبادة مالية محضة، كتفرقة النذر والكفارة وذبح الاضحية. (ويعتبر كون الوكيل ثقة مسلما) لانها عبادة، والكافر ليس من أهلها، وغير الثقة لا يؤمن عليها. (فإن دفعها) الموكل (إلى وكيله، أجزأت النية من موكل، مع قرب زمن الاخراج) من زمن التوكيل لان الوجوب متعلق بالموكل. وتأخر الاداء عن النية بالزمن اليسير جائز. (ومع بعده) أي بعد زمن الاخراج (لا بد من نية الموكل حال الدفع إلى الوكيل) لتعلق الفرض بالموكل، ووقوع الاجزاء عنه، (و) لا بد من (نية الوكيل عند الدفع إلى المستحق) لئلا يخلو الدفع إليه عن نية مقارنة أو مقاربة. (ولا تجزئ نية الوكيل وحده). أي دون نية الموكل. لتعلق الوجوب بالموكل، كما سبق (وإن أخرج) حر مسلم مكلف (زكاة شخص أو كفارته من ماله) أي مال المخرج (بإذنه، صح) إخراجه عنه كالوكيل. (وله) أي المخرج (الرجوع عليه إن نواه) أي نوى الرجوع. لا إن نوى

[ 302 ]

التبرع، أو أطلق (وإن كان) إخراج لزكاة غيره (بغير إذنه لم يصح)، لعدم النية من المخرج عنه المتعلق به الوجوب. (كما لو أخرجها من مال المخرج عنه بلا إذنه) لعدم ولايته عليه. ووكالته عنه (ولو وكله في إخراج زكاته ودفع إليه مالا وقال: تصدق به، ولم ينو الزكاة. فأخرجها الوكيل من) هذا (المال الذي دفعه إليه ونواها زكاة. أجزأت) لان الزكاة صدقة. هذا أحد الوجهين في المسألة، قال في تصحيح الفروع: وهو ضعيف، لاشتراط نية الموكل في الاخراج. وهنا لم توجد وفي التعليل نظر. والوجه الثاني: لا يجزئه، لانه خصه بما يقتضي النفل. قاله في تصحيح الفروع وهو الصواب. لانه الظاهر من لفظ الصدقة. وأيضا الزكاة واجبة عليه يقينا. فلا تسقط بمحتمل. وأيضا لا بد من نية الموكل. وهذا لم ينو الزكاة. (ولو) وكله في إخراج زكاة ماله ودفع إليه مالا و (قال: تصدق به نفلا، أو عن كفارتي، ثم نوى) الموكل (الزكاة قبل أن يتصدق) وكيله (أجزأ عنها. لان دفع وكيله كدفعه) فكأنه نوى الزكاة ثم دفع بنفسه. قاله المجد في شرحه. وعلله بذلك وجزم به في الرعاية ومختصر ابن تميم. وقدمه في الفروع. قال: وظاهر كلام غير المجد. لا يجزئ لاعتبارهم النية عند التوكيل. (ويصح توكيل المميز في دفع الزكاة) هذا أحد الوجهين. قال في الانصاف: الاولى الصحة، لانه أهل للعبادة، والثاني: عدم الصحة، قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب، لانه ليس أهلا للعبادة الواجبة اه‍. وتصحيح الفروع متأخر عن الانصاف في التأليف. فما فيه يخالف الانصاف، فهو كالرجوع عنه. (ومن أخرج زكاته من مال غصب. لم يجزئه، ولو أجازها ربه). كبيعه وإجارته. لان ما لا يصح ابتداء لا يتقلب صحيحا بالاجازة. (ويستحب أن يقول المخرج عند دفعها) أي الزكاة (اللهم اجعلها مغنما) أي مثمرة (ولا تجعلها مغرما) منقصة للمال. لان التثمير كالغنيمة. والتنقيص كالغرامة. لخبر أبي هريرة أنه (ص) قال: إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما رواه ابن ماجه من رواية البحتري. (ويحمد الله على توفيقه

[ 303 ]

لادائها) قاله الشارح وغيره. (و) يستحب (أن يقول الآخذ) للزكاة (سواء كان) الآخذ (الفقير أو العامل، أو غيرهما، و) القول (في حق العامل آكد) منه في حق غيره: (آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت. وجعله لك طهورا). للامر بالدعاء في قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها. وصل عليهم) * أي ادع لهم. قال عبد الله ابن أبي أوفى: كان النبي (ص) إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان. فأتاه أبي بصدقته. فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى متفق عليه. وهو محمول على الندب، ولهذا لم يأمر سعاته بالدعاء. (وإظهار إخراجها مستحب، سواء كان) الاخراج (بموضع يخرج أهله الزكاة أم لا، وسواء نفى عنه ظن السوء بإظهار إخراجها أم لا) لما فيه من نفي الريبة عنه، ولعله يقتدي به، وكصلاة الفرض. (وإن علم) المخرج (أن الآخذ) للزكاة (ليس أهلا لاخذها، كره إعلامه بأنها زكاة، قال الامام أحمد: لم يبكته؟ يعطيه ويسكت) ما حاجته أن يقرعه؟. (وإن علمه أهلا) لاخذ الزكاة (والمراد: ظنه) أهلا لذلك، لقيام الظن مقام العلم في جواز الدفع إليه. (ويعلم) المخرج (من عادته) أي المدفوع له (أنه لا يأخذها) أي الزكاة (فأعطاه ولم يعلمه) أنها زكاة (لم يجزئه) دفعها له، لانه لا يقبل زكاة ظاهرا. (وله) أي المخرج (نقل زكاة إلى دون مسافة قصر) من بلد المال، نص عليه، لانه في حكم بلد واحد، بدليل الاحكام، ورخص السفر (و) تفرقتها (في فقراء بلده أفضل) من نقلها إلى غيره، مما دون المسافة لعموم حديث معاذ الآتي. (ولا يدفع الزكاة إلا لمن يظنه أهلا) لاخذها، لان دفعها لغير أهلها لا يبرأ به، والعلم بذلك ربما يتعذر، فأقيم الظن مقامه. (فلو لم يظنه من أهلها فدفع) زكاته (إليه ثم بان من أهلها، ولم يجزئه)

[ 304 ]

الدفع إليه لاعتقاده حال الدفع أنه ليس بزكاة، لعدم أهلية الآخذ لها في ظنه. (ولا يجوز نقلها) أي الزكاة (عن بلدها إلى ما تقصر فيه الصلاة، ولو) كان النقل (لرحم وشدة حاجة، أو لاستيعاب الاصناف) والساعي وغيره سواء. نص على ذلك، قوله (ص) لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم متفق عليه، وعن طاووس قال: في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته، رواه الاثرم. (فإن خالف وفعل) أي نقل الزكاة إلى بلد تقصر فيه الصلاة (أجزأه) المنقول، للعمومات ولانه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ كالدين والفطرة. كزكاة المال فيما تقدم. (وإن كان) المال الذي وجبت فيه الزكاة (ببادية، أو خلا بلده عن مستحق لها) أي الزكاة (فرقها) إن بقيت كلها (أو ما بقي منها بعدهم) أي بعد مستحقي بلده، (في أقرب البلاد إليه) لانهم أولى، ولو عبر بموضع ونحوه لكان أشمل. وبعث معاذ إلى عمر صدقة من اليمن فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيا ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها في فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشئ. وأنا أجد من يأخذه مني رواه أبو عبيد. (والمسافر بالمال) المزكى (يفرقها في موضع أكثر إقامة المال فيه) لتعلق الاطماع به غالبا. وقال القاضي: يفرق مكانه حيث حال حوله. لئلا يفضي إلى تأخيرها. (وله نقل كفارة ونذر ووصية مطلقة، ولو) كان النقل (إلى مسافة قصر)، بخلاف الزكاة لانها مواساة راتبة. فكانت لجبران المال، بخلاف هذه الاشياء. (لا) نقل وصية (مقيدة) بأن عينها الموصي (لفقراء مكان معين) فيجب صرفها لهم، لتعينهم مصرفا لها. (وإن كان) المزكي في بلد (وماله في بلد آخر، أو) في (أكثر) من بلد (أخرج زكاة كل مال في بلده، أي بلد المال، متفرقا كان أو مجتمعا) لئلا تنقل الصدقة عن بلد المال، ولان المال سبب الزكاة، فوجب إخراجها حيث وجد السبب. (إلا في نصاب سائمة في بلدين، فيجوز الاخراج في أحد البلدين، لئلا يفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان). كما لو

[ 305 ]

كان له عشرون مختلطة مع عشرين لآخر في بلد، وعشرون أخرى مختلطة مع عشرين لآخر في بلد آخر. بينهما مسافة القصر. فإن عليه في كل خلطة نصف شاة. فيخرج شاة في أي البلدين شاء. (ويخرج فطرة نفسه) في بلد نفسه لا ماله. لان سبب الفطرة النفس لا المال. (و) يخرج (فطرة من يمونة في بلد نفسه، وإن كانوا في غير) بلد (ه). لانها طهرة له. (وتقدم)، في الباب قبله (وحيث جاز النقل) لما تقدم (فأجرته على رب المال، كأجرة كيل ووزن) لان عليه تسليمها لاهلها، فكان عليه مؤنته، كتسليم المبيع، فإن كان النقل محرما فقياس ما يأتي في الاجارة: لا أجرة كالاجير لحمل خمر ونحوه، لكن إن لم يعلم الناقل أنها زكاة يحرم نقلها، فله الاجرة على ربها لانه غره. (وإذا حصل عند الامام ماشية) من زكاة أو جزية (استحب له) أي الامام (وسم الابل والبقر في أفخاذها. و) وسم (الغنم في آذانها) لحديث أنس قال: غدوت إلى النبي (ص) بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فرأيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة متفق عليه، ولاحمد وابن ماجه: وهو يسم غنما في آذانها، وإسناده صحيح. ولان الحاجة تدعو إليه لتتميز عن الضوال، ولترد إلى مواضعها إذا شردت، وخص الموضعان لخفة الشعر فيهما، ولقلة ألم الوسم، ويأتي في النفقات: يحرم وسم في الوجه. (فإن كانت) الموسومة (زكاة كتب لله أو زكاة) وإن كانت جزية كتب: صغار أو: جزية لتتميز) بذلك، وذكر أبو المعالي أن الوسم بحناء أو قير: أفضل، قال في المبدع: وفيه شئ. فصل: (ويجوز تعجيل الزكاة) لحديث علي: أن العباس سأل النبي (ص) في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له

[ 306 ]

في ذلك رواه أحمد وأبو داود، وقد تكلم في إسناده، وذكر أبو داود: أنه روي عن الحسن بن مسلم مرسلا وأنه أصح، ولانه حق مالي أجل للرفق، فجاز تعجيله قبل أجله، كالدين، قال الاثرم: هو مثل الكفارة قبل الحنث، فيصير من تقديم الحكم بعد وجود سببه وقبل وجود شرطه. (وتركه) أي التعجيل (أفضل) خروجا من الخلاف، قال في الفروع: ويتوجه احتمال يعتبر المصلحة (لحولين فأقل فقط) اقتصارا على ما ورد، أخرج أبو عبيد في الاموال بإسناده عن علي: أن النبي (ص) تعجل من العباس صدقة سنتين، لقوله (ص): أما العباس فهي علي ومثلها معها متفق عليه. (بعد كمال النصاب، لا قبله) لانه سببها، فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف. قاله في المغني، بغير خلاف نعلمه. (ولا) يجوز تعجيل الزكاة (قبل السوم) أي الشروع فيه، إن قلنا: إنه شرط، قال في الانصاف: هذا المذهب اه‍. والصحيح أن عدمه مانع، فيصح إن تعجل قبل الشروع فيه كما قطع به في الشرح. وتبعه في المنتهى في أول زكاة السائمة. وقدمه في الفروع وغيره. وقد منع ابن نصر الله تحقق هذا الخلاف، ورده في تصحيح الفروع بما يطول. فراجعه فهو مفيد. (فلو ملك) حر مسلم (بعض نصاب) من سائمة أو غيرها. (فعجل زكاته) أي زكاة ما ملكه، (أو) عجل (زكاة نصاب. لم يجزئه) لعدم وجود سبب الزكاة. (ولو ظن ماله ألفا، فعجل زكاته، فبان خمسمائة أجزأه) المعجل (عن عامين) لتبين عدم وجوب زكاة الالف عليه. وأنه دفع زيادة عما وجب عليه، مع نية التعجيل. (وإن أخذ الساعي) من المزكي (فوق حقه حسبه) رب المال (من حول ثان) نص عليه. (قال) الامام (أحمد: يحسب ما أهداه للعامل من الزكاة أيضا) وعنه: لا يحتسب بالزيادة، لان هذا غصب. اختاره أبو بكر، وجمع الموفق بين الروايتين، فقال: إن كان نوى المالك التعجيل اعتد به، وإلا فلا، وحملهما على ذلك، وحمل المجد: رواية الجواز: على أن الساعي أخذ الزيادة بنية الزكاة، إذا نوى التعجيل، وإن علم أنها ليست عليه وأخذها، لم يعتد بها على الاصح لانه أخذها غصبا، وحمل

[ 307 ]

القاضي المسألة: أنه يحتسب بنية المالك وقت الاخذ، وإلا لم يجزئه، وقال الشيخ تقي الدين: ما أخذه باسم الزكاة ولو فوق الواجب بلا تأويل، اعتد به، وإلا فلا. (وليس لولي رب المال أن يعجل زكاته) أي زكاة المولى عليه، لانه يجب عليه أن يعمل بما فيه الاحظ له في ماله، وهذا أحد وجهين في المسألة، والوجه الثاني: له ذلك، قدمه في تجريد العناية، وهو ظاهر كلام أحمد والاصحاب هنا، وهو كالصريح فيما نقله في المستوعب عن أبي بكر وابن حامد والقاضي، قال في الانصاف: وهو الاولى، وفي تصحيح الفروع: وهو الصواب، وصححه ابن نصر الله في حواشيه. (وإن عجل عن النصاب) الموجود (وما ينمي في حوله أجزأ) التعجيل (عن النصاب) لما تقدم (دون النماء) لانه عجل زكاة ما ليس في ملكه، فلم يوجد السبب، كما في النصاب الاول. (ويجوز تعجيل زكاة الثمر بعد ظهوره، و) تعجيل زكاة الثمر (بعد طلوع الطلع قبل تشققه) وهو من عطف الخاص على العام. (و) تعجيل زكاة (الزرع بعد نباته، إذ ظهوره) أي الثمر والزرع (كالنصاب) الذي هو السبب. (وإدراكه) أي الثمر والزرع (كحولان الحول) فلذلك صح التعجيل. (فإن عجل) زكاته (قبل طلوع الطلع، و) قبل طلوع (الحصرم، و) قبل (نبات الزرع، لم يجزئه) لانه تقديم لها قبل وجود سببها. (وإن عجل زكاة النصاب، فتم الحول وهو) أي النصاب (ناقص قدر ما عجله. أجزأ. إذ المعجل في حكم الموجود) في ملكه حقيقة، أو تقديرا. ولهذا يتم به النصاب (وإن عجل عن أربعين شاة شاتين من غيرها) لحولين: أجزأه لبقاء النصاب (أو) عجل عن أربعين شاة (شاة منها. وأخرى من غيرها. أجزأه عن الحولين) لما تقدم من أن المعجل في حكم الموجود. (و) إن عجل عن أربعين شاة (شاتين منها) لحولين (لا يجزئ عنهما وينقطع الحول) لما يأتي. (وكذا لو عجل) عن الاربعين شاة (شاة) منها (عن الحول الثاني وحده. لان ما عجله منه) أي من النصاب (للحول الثاني زال ملكه عنه. فينقص) النصاب (به) بخلاف ما عجله عن الاول. لانه في حكم الموجود. (وإن ملك شاة. أستأنف

[ 308 ]

الحول عن الكمال) أي كمال النصاب، وكذا لو قلنا: يرتجع ما عجله وارتجعه. لانه تجديد ملك (وإن عجل زكاة المائتين) من الغنم شاتين (فنتجت عند الحول سخلة. لزمته ثالثة) لان المعجلتين في حكم الموجودتين. فكأن الحول تم على مائتين وواحدة. وفيها ثلاث شياه. (وإن عجل من مائة وعشرين) شاة (واحدة، ثم قبل الحول أخرى. لزمه إخراج) شاة (ثانية) لما مر. (ولو عجل عن خمس عشرة من الابل، وعن نتاجها: بنت مخاض. فنتجت مثلها) خمس عشرة (لم تجزئه) المعجلة لشئ. أما النتاج فلعدم صحة تعجيل زكاته قبل وجوده. وأما الاصل فلم يكن الواجب فيه إذ ذاك من جنسه. (ويلزمه بنت مخاض) إذا تم الحول. (ولو عجل مسنة عن ثلاثين من البقر ونتاجها، فنتجت عشرا أجزأت) المعجلة (عن الثلاثين فقط) لعدم صحة التعجيل عن النتاج. (ويخرج للعشر) النتاج (ربع مسنة) زكاتها (وإن عجل عن أربعين شاة شاة، ثم أبدلها) أي الاربعين (بمثلها، أو نتجت أربعين سخلة ثم ماتت الامهات، أجزأ المعجل عن البدل والسخال). لانها تجزئ مع بقاء الامهات عن الكل. فعن أحدهما أولى. (ولو عجل شاة عن مائة شاة، أو) عجل (تبيعا عن ثلاثين بقرة، ثم نتجت الامهات مثلها، ثم ماتت) الامهات (أجزأ المعجل عن النتاج) لما تقدم في التي قبلها (ولو فتح نصف الشاة مثلها) كأن نتجت عشرون من الاربعين أربعين (ثم ماتت أمهات الاولاد. جزأ المعجل عنها) أي عن الباقي من الشياه وعن النتاج. (ولو نتج نصف البقر مثلها) كثلاثين بقرة نتجت خمسة عشر، منها ثلاثين (أجزأ المعجل) عن الباقي، وعن النتاج. لاجزائه مع عدم الموت. فأولى معه (ولو عجل عن أحد نصابيه) بعينه (وتلف لم يصرفه إلى الآخر) لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى. (كما لو عجل شاة عن خمس من الابل. فتلفت) الابل (وله أربعون شاة. لم يجزئه) ما عجله (عنها) أي عن الشياه لعدم نيته إياها. (ولو كانت له

[ 309 ]

ألف درهم فعجل خمسين) درهما (وقال: إن ربحت ألفا قبل الحول فهي) أي الخمسون (عنها) أي عن الالف. وربحها الالف الاخرى. (وإلا كانت للحول الثاني. جاز) إن جاز تعجيل زكاة الربح قبله، كما في الانصاف. والمذهب: أنه لا يجزئ كما تقدم. (وإن عجلها) أي الزكاة (فدفعها إلى مستحقها فمات قابضها أو ارتد، أو استغنى عنها، أو عن غيرها. أجزأت عنه) كما لو عدمت عند الحول. لانه يعتبر وقت القبض لئلا يمتنع التعجيل. (وإن دفعها إلى غني أو كافر يعلم غناه) راجع إلى غني. (أو) يعلم (كفره) أي لكافر. وكذا لو لم يعلم. لانه لا يخفى غالبا، بخلاف الغني (فافتقر) الغني (عند الوجوب، أو أسلم) الكافر عند الوجوب (لم يجزئه) لانه لم يدفعها إلى مستحقها. أشبه ما لو لم يفتقر أو يسلم (وإن عجلها) أي الزكاة (ثم هلك المال) أو بعض النصاب أو مات المالك (أو ارتد) المالك (قبل الحول)، فقد بان المخرج غير زكاة. لانقطاع الوجوب بذلك. فإن أراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله، لم يجز. و (لم يرجع) المعجل (على المسكين، سواء كان الدافع) له (رب المال أو الساعي) وسواء (أعلمه أنها زكاة معجلة أو لا) لانها دفعت إلى مستحقها، فلم يملك استرجاعها لوقوعها نفلا. بدليل ملك الفقير لها. (فإن كانت) الزكاة المعجلة (بيد الساعي وقت التلف) أي تلف النصاب (رجع) بها ربها لتبين أنها ليست بزكاة، ومفهومه: أنه لا يرجع إن كانت بيد الفقير، ولا فيما إذا مات المعجل أو ارتد مطلقا. قال في المنتهى: ولا رجوع إلا فيما بيد ساع عند تلف. (ولا يصح تعجيل زكاة معدن بحال. ولا) تعجيل (ما يجب في ركاز) لانه تعجيل لها قبل وجود سببها. (وللامام ونائبه: استسلاف زكاة برضى رب المال) لقصة العباس. (لا إجباره على ذلك) لانه لا يلزمه التعجيل (فإن استسلفها) أي الزكاة الامام أو نائبه (فتلفت بيده لم يضمنها. وكانت من ضمان الفقراء) فتفوت عليهم. (سواء سأله ذلك) أي الاستسلاف (الفقراء، أو رب المال، أو لم يسأله أحد. لان له) أي الامام أو نائبه (قبضها كولي اليتيم) فقد فعل ما يجوز. فلم يضمن. (وإن تلفت)

[ 310 ]

الزكاة (في يد الوكيل) أي وكيل رب المال (قبل أدائها. فمن ضمان رب المال) لعدم الايتاء المأمور به. ولان يد الوكيل كيد موكله. (ويشترط لملك الفقير لها) أي الزكاة (وإجزائها عن ربها: قبضه لها. فلا يجزئ غداء الفقراء ولا عشاؤهم) من الزكاة. لانه ليس بإيتاء. (ولا يقضي منها دين ميت غرم لمصلحة نفسه أو غيره) حكاه أبو عبيد وابن عبد البر إجماعا. (لعدم أهليته) أي الميت (لقبولها. كما لو كفنه) أي رب المال (منها) أي من الزكاة. (ولا يكفي إبراء المدين من دينه بنية الزكاة، سواء كان المخرج عنه دينا أو عينا. ولا تكفي الحوالة بها). لان ذلك ليس إيتاء لها. وكذا الحوالة عليها لانه لا دين له يحيل عليه. إلا أن تكون بمعنى الاذن في القبض. (وإن أخرج زكاته) أي عزلها (فتلفت قبل أن يقبضها الفقير لزمه) أي رب المال (بدلها) كما قبل العزل، لعدم تعينها، لانه يجوز العود فيها إلى بدلها. ولم يملكها المستحق كمال معزول لوفاء رب الدين، بخلاف الامانة (ولا يصح تصرف الفقير) وباقي أهل الزكاة فيها (قبل قبضها) لانه لا يملكها إلا به. (ولو قال الفقير لرب المال: اشتر لي بها) أي الزكاة (ثوبا) أو غيره من حوائجه (ولم يقبضها) الفقير (منه. لم يجزئه) ذلك. (ولو اشتراه) أي رب المال الثوب (كان) الثوب (للمالك) دون الفقير. (وإن تلف) الثوب (كان من ضمانه) أي المالك، لما سبق من أن الفقير لا يملكها إلا بالقبض. ولو وكل الفقير رب المال في القبض من نفسه، وأن يشتري له بها بعد ذلك ثوبا أو نحوه. (ولا يجزئ إخراج قيمة زكاة المال. و) لا قيمة (الفطرة طائعا) كان المخرج (أو مكرها، ولو للحاجة) صح ذلك (من تعذر الفرض ونحوه، أو لمصلحة) كأن تكون أنفع للفقراء، وتقدم بدليله. لكن ما هنا فيه زيادة. وتقدم: أن أخذ الساعي للقيمة يجزئ. وإن لم يره الدافع. (ويجب على الامام أن يبعث السعاة) عند (قرب) زمن (الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر) وهو السائمة والزرع والثمار، لان النبي (ص) والخلفاء بعده كانوا يفعلونه، ومن الناس من لا يزكي، ولا يعلم ما عليه. ففي إهمال ذلك ترك للزكاة. (ويجعل حول الماشية

[ 311 ]

المحرم) لانه أول السنة. وتوقف أحمد في ذلك، وميله إلى شهر رمضان. (وإن أخر الساعي قسمة زكاة عنده بلا عذر، كاجتماع الفقراء، أو) اجتماع (الزكاة. لم يجز) له ذلك. (ويضمن ما تلف لتفريطه) بالتأخير (كوكيل في إخراجها يؤخره) بلا عذر. (وإن وجد الساعي مالا) زكويا (لم يحل حوله، ولم يعجلها ربه. وكل) الساعي (ثقة في قبضها عند وجوبها، وصرفها في مصرفها) لحصول المقصود بذلك بلا تأخير. (ولا بأس بجعله) أي جعل الساعي صرف الزكاة مصرفها عند الحول (إلى رب المال، إن كان ثقة) لحصول الغرض به. (فإن لم يجد) الساعي (ثقة أخرجها ربها) للفقراء (إن لم يخف ضررا) لوجوب الاخراج على الفور إذن. (وإلا) بأن خاف ضررا، كرجوع ساع أو على نفسه أو ماله (أخرها إلى العام الثاني) لحديث: لا ضرر ولا ضرار. (وإذا قبض الساعي الزكاة فرقها في مكانه وما قاربه) لما تقدم من حديث معاذ. (فإن فضل شئ حمله) لما تقدم من فعل معاذ. (وإلا) أي وإن لم يفضل شئ (فلا) حمل معه. ويستحب أن يعد الماشية على أهلها على الماء أو في أفنيتهم للخبر. وإن أخبره صاحب المال بعدده قبل منه. ولا يحلفه كما سبق. (وله) أي الساعي (بيع الزكاة من ماشية وغيرها لحاجة، كخوف تلف ومؤنة ومصلحة) لحديث قيس ابن أبي حازم. ويأتي (و) له (صرفه في الاحظ للفقراء، أو حاجتهم، حتى في أجرة مسكن). لانه دفع الزكاة في حاجتهم. أشبه ما لو دفعها إليهم. (وإن باع لغير حاجة ومصلحة). فقال القاضي: (لم يصح لعدم الاذن) أي لانه لم يؤذن له في ذلك. (ويضمن قيمة ما تعذر) رده، وقيل: يصح، قدمه بعضهم. لما روى أبو عبيد في الاموال، عن قيس بن أبي حازم: أن النبي (ص) رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء، فسأل عنها المصدق؟ فقال: إني ارتجعتها بإبل. فسكت عنه، فلم يستفصله ومعنى الرجعة: أن يبيعها ويشتري بثمنها غيرها. (قال) الامام (أحمد: إذا

[ 312 ]

أخذ الساعي زكاته كتب له بها براءة، لانه ربما جاء ساع آخر فيطالبه، فيخرج تلك البراءة، فتكون حجة له). قال القاضي: وإنما قال ذلك لتنتفي التهمة عنه. أي وإلا فيقبل قول رب المال في إخراج زكاته. باب ذكر أهل الزكاة وما يتعلق بذلك (من بيان شروطهم وقدر ما يعطاه كل واحد) منهم، (وصدقة التطوع وهم) أي أهل الزكاة الذين جعلهم الشرع محلا لدفعها إليهم. (ثمانية أصناف، لا يجوز صرفها إلى غيرهم) كبناء المساجد، والقناطر، وسد البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وغير ذلك من جهات الخير. لقوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل) * وكلمة إنما تفيد الحصر. أي تثبت المذكورين وتنفي ما عداهم. وكذلك تعريف الصدقات بأل. فإنها تستغرقها، فلو جاز صرف شئ إلى غير الثمانية لكان لهم بعضها لا كلها. وروي عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت النبي (ص) فبايعته، فأتاه رجل، فقال: أعطني من الصدقة. فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك رواه أبو داود. وقال أحمد: إنما هي لمن سماها الله تعالى. (وسئل الشيخ عمن ليس معه ما يشتري به كتبا للعلم يشتغل فيها؟ فقال: يجوز أخذه منها ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها). قلت: ولعل ذلك غير خارج عن الاصناف، لان ذلك من جملة ما يحتاجه طالب العلم. فهو كنفقته. ويأتي: إذا تفرغ قادر

[ 313 ]

على التكسب للعلم أعطي. (أحدهم) أي الاصناف الثمانية (الفقراء) بدأ بهم إتباعا للنص، ولشدة حاجتهم. (وهم أسوأ حالا من المساكين) لبداءة الله بهم. وإنما يبدأ بالاهم فالاهم. وقال تعالى: * (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) * فأخبر أن لهم سفينة يعملون فيها. وقد سأل النبي (ص) المسكنة، واستعاذ من الفقر. فقال: اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين رواه الترمذي. ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة. ويستعيذ من حالة أصلح منها. ولان الفقير مشتق من فقر الظهر. فقيل: فقير بمعنى مفعول أي مفقور. وهو الذي نزعت فقرة ظهره، فانقطع صلبه. وأما قوله تعالى: * (أو مسكينا ذا متربة) * وهو المطروح على التراب. لشدة حاجته فأجيب عنه: بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين مطلقا. وأن هذا النعت لا يستحقه بإطلاق اسم المسكنة. (والفقير: من لا يجد شيئا البته) أي قطعا. (أو يجد شيئا يسيرا من الكفاية دون نصفها: من كسب أو غيره. مما لا يقع موقعا من كفايته) كدرهمين من عشرة، ومثله الخرقي وتبعه في الشرح: بالزمن والاعمى. لانهما في الغالب كذلك. قال تعالى: * (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) * - الآية. (الثاني: المساكين. والمسكين: من يجد معظم الكفاية أو نصفها) من كسب أو غيره. مفعيل: من السكون وهو الذي أسكنته الحاجة. (ومن ملك نقدا ولو خمسين درهما فأكثر، أو قيمتها من الذهب أو غيره) كالعروض. (ولو كثرت قيمته، لا يقوم) ذلك (بكفايته) ف‍ (- ليس بغني. فيأخذ تمام كفايته سنة) من الزكاة. (فلو كان في ملكه عروض للتجارة قيمتها ألف دينار، أو أكثر) من ذلك (لا يرد عليه ربحها) أي لا يحصل له منه (قدر كفايته) جاز له أخذ الزكاة. (أو) كان (له مواش تبلغ نصابا أو) له (زرع يبلغ خمسة أوسق، لا يقوم) ذلك (بجميع كفايته، جاز له أخذ الزكاة). ولا يمنع ذلك وجوبها عليه. (قال) الامام (أحمد) في رواية محمد بن الحكم: (إذا

[ 314 ]

كان له ضيعة أو عقار يستغلها عشرة آلاف، أو أكثر، لا تكفيه، يأخذ من الزكاة. وقيل له) أي لاحمد (يكون له الزرع القائم، وليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال الشيخ: وفي معناه: ما يحتاج إليه لاقامة مؤنته. وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة، وكذا من له كتب يحتاجها للحفظ والمطالعة، أو لها حلي للبس، أو كراء تحتاج إليه) فلا يمنعها ذلك الاخذ من الزكاة. فالغنى في باب الزكاة نوعان: نوع يوجبها، ونوع يمنعها. والغنى هنا: ما تحصل به الكفاية. فإذا لم يكن محتاجا حرمت عليه الزكاة. وإن لم يملك شيئا. وإن كان محتاجا، حلت له، ولو ملك نصابا فأكثر. لقوله (ص) في حديث قبيصة: فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش رواه مسلم. والسداد: الكفاية. وذكر أحمد قول عمر: أعطوهم، وإن راحت عليهم من الابل كذا وكذا. وأما حديث ابن مسعود مرفوعا: من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا، أو كدوشا في وجهه. قالوا: يا رسول الله، وما غناه؟ قال: خمسون درهما أو حسابها من الذهب رواه الخمسة. فأجيب عنه: بضعف الخبر، وحمله المجد على أنه (ص) قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه: بخمسين درهما. ولذلك جاء التقدير عنه بأربعين، وبخمس أواق، وهي مائتا درهم. (وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم) الشرعي، وإن لم يكن لازما له. (وتعذر الجمع) بين العلم والتكسب (أعطي) من الزكاة لحاجته. و (لا) يعطى من الزكاة (إن تفرغ) قادر على التكسب (للعبادة) لقصور نفعها عليه، بخلاف العلم. (وإطعام الجائع ونحوه) كسقي العطشان، وإكساء العاري، وفك الاسير (واجب) على الكفاية إجماعا. (مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة) وفاقا، وعن ابن عباس مرفوعا: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم. وعن أبي بن كعب مرفوعا: إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك رواه ابن ماجه والترمذي. وقال: حسن غريب. وقال القاضي عياض:

[ 315 ]

الجمهور: إن المراد بالحق في الآية: الزكاة. وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة. وما جاء غير ذلك: حمل على الندب. ومكارم الاخلاق انتهى. قلت: والمراد الراتب. وأما ما يعرض لجائع وعار، وأسير ونحوه فيجب عند وجود سببه. فلا تعارض. (ومن أبيح له أخذ شئ) قال ابن حمدان: من زكاة، وصدقة تطوع، وكفارة، ونذر وغير ذلك (أبيح له سؤاله) لظاهر قوله (ص): للسائل حق وإن جاء على فرس. ولانه يطلق حقه الذي أبيح له، ونقل الجماعة عن أحمد: في الرجل له الاخ من أبيه وأمه ويرى عنده من الشئ يعجبه، فيقول: هب هذا لي. وقد كان ذلك يجري بينهما، ولعل المسؤول يحب أن يسأله أخوه ذلك. قال أكره المسألة كلها. ولم يرخص فيها إلا أنه بين الولد والاب أيسر، وذلك أن فاطمة: أتت النبي (ص) وسألته خادما. وإن اشترى شيئا، وقال: قد أخذته بكذا، فهب لي منه كذا. فنقل محمد بن الحكم: لا تعجبني هذه المسألة. قال النبي (ص): لا تحل المسألة إلا لثلاث وسأله محمد بن موسى. ربما اشتريت الشئ، فأقول: ارجح لي؟ فقال: هذه مسألة: لا تعجبني. ونقل ابن منصور: يكره. واختار المجد: أنه لا يكره. لانه لا يلزم السائل إمضاء العقد بدونها، فتصير ثمنا، لا هبة. (ويحرم السؤال) أي سؤال الزكاة أو صدقة التطوع، أو الكفارة ونحوها. (وله ما يغنيه) أي يكفيه. لانه لا يحل له أخذهما إذن. ووسائل المحرم محرمة. (ولا بأس بمسألة شرب الماء) نص عليه. واحتج بفعله (ص) وقال في العطشان: لا يستسقى، يكون أحمق. (و) لا بأس بمسألة (الاستعارة والاستقراض) نص عليهما. قال الآجري: يجب أن يعلم حل المسألة. ومتى تحل؟ وما قاله معنى قول أحمد: في أن تعلم ما يحتاج إليه لدينه: فرض. (ولا) بأس (بسؤال الشئ اليسير، كشسع النعل) أي سيره. لانه في معنى مسألة شرب الماء. (وإن أعطى مالا) طيبا (من غير مسألة ولا استشراف نفس مما يجوز له أخذه) من زكاة أو كفارة أو صدقة تطوع أو هبة (وجب أخذه). نقله جماعة، منهم الاثرم والمروذي، وقطع به في المستوعب والمنتهى هنا، واختار ابن حمدان: أنه يستحب: وهو معنى ما قطع به المصنف، وصاحب المنتهى وغيرهما في الهبة: أنه يسن القبول، ويكره الرد، وقد رد أحمد وقال: دعنا نكون أعزاء. (وإن استشرقت

[ 316 ]

نفسه، بأن قال: سيبعث لي فلان، أو لعله يبعث لي، فلا بأس بالرد) نص عليه في رواية الجماعة. وزاد أبو داود: وكأنه اختار الرد، ونقل المروذي: ردها. وسأله جعفر: يحرم أخذه؟ قال: لا. (وإن سأل غيره لمحتاج غيره في صدقة، أو حج، أو غزو أو حاجة. فلا بأس) لما فيه من كشف الكربة عن المسلم. (والتعريض: أعجب إلى أحمد) من السؤال، قال: لا أحبه لنفسي، فكيف لغيري؟ يعرض أحب إلي. (ولو سأله من ظاهره الفقر: أن يعطيه شيئا) وأطلق، فدفع إليه، ثم اختلفا: هل هو قرض أو صدقة؟ (قبل قول الدافع في كونه قرضا) لانه أدرى بنيته. (كسؤاله مقدارا، كعشرة دراهم) لان التقدير قرينة القرض. (وإن قال) السائل (أعطني شيئا، إني فقير. قبل قوله) الفقير (في كونه صدقة) عملا بقرينة قوله: إنه فقير. (وإن أعطى مالا ليفرقه جاز) له (أخذه) لذلك. (و) جاز له (عدمه) أي عدم الاخذ (والاولى: العمل بما فيه المصلحة) من أخذ وعدمه، وحسن أحمد عدم الاخذ في رواية. وكان لا يعدل بالسلامة شيئا. (الثالث: العاملون عليها) للنص (كجاب) للزكاة (وكاتب) على الجابي (وقاسم) للزكاة بين مستحقيها، (وحاشر) أي جامع (المواشي، وعدادها، وكيال، ووزان، وساع) يبعثه الامام لاخذها (وراع وجمال، وحاسب، وحافظ، ومن يحتاج إليه فيها) أي في الزكاة لدخولهم في مسمى العامل (غير قاض ووال، ويأتي) لاستغنائهما بمالهما في بيت المال. (وأجرة كيلها ووزنها في أخذها) أي حال تسليمها (ومؤنة دفعها على المالك) لان تسليمها عليه. فكذلك مؤنته، وأما مؤنة ذلك حال الدفع إلى أهل الزكاة فمن سهم العمال. (ويشترط كونه) أي العامل (مسلما) لقوله تعالى: * (لا تتخذوا بطانة من دونكم) * ولانها ولاية، ولاشتراط الامانة أشبه الشهادة (أمينا) قال في الفروع: ومرادهم بها العدالة، قال في المبدع: وفيه نظر (مكلفا) لانها ولاية، وغير المكلف مولى عليه. (كافيا) في ذلك لانها نوع من الولاية، فاشترط فيها ذلك كغيرها (من غير ذوي القربى) لان الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة: سألا النبي (ص) العمالة على

[ 317 ]

الصدقات، فقال: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. وهو نص في التحريم لا تجوز مخالفته إلا أن تدفع إليه أجرته من غير الزكاة. قاله في المغني والشرح. (ويشترط علمه) أي العامل على الزكاة (بأحكام الزكاة، إن كان من عمال التفويض) أي الذين يفوض إليهم عموم الامر. لانه إذا لم يكن عالما بذلك لم تكن فيه كفاية له. (وإن كان) العامل (منفذا وقد عين له الامام ما يأخذه. جاز ألا يكون عالما) بأحكام الزكاة، (قاله القاضي) في الاحكام السلطانية. لان النبي (ص): كان يبعث العمال ويكتب لهم ما يأخذون. وكذلك كتب أبو بكر لعماله (ولا يشترط حريته) لحديث أنس مرفوعا: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة رواه أحمد والبخاري. ولان العبد يحصل منه المقصود. أشبه الحر. (ولا) يشترط (فقره) إجماعا. لحديث أبي سعيد يرفعه: لا تحل الصدقة لغني. إلا لخمسة: لعامل، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها. فأهدى منها الغني رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قال في الفروع: وظاهره لا تشترط ذكوريته. وهذا متوجه. قال في المبدع: وفيه نظر من جهة أنه لم يرد ما يدل عليه. ومن تعليلهم بالولاية. فلهذا قال: (واشتراط ذكوريته أولى) من القول بعدم اشتراطها. وكأنهم لم ينصوا على ذلك لوضوحه. (وما يأخذه العامل) من الزكاة فهو (أجرته) ولذلك جاز مع غناه. (ويجوز أن يكون الراعي والحمال) للزكاة (ونحوهما) كالسائق (كافرا أو عبدا أو غيرهما ممن منع الزكاة) كذوي القربي. قال في الانصاف: بغير خلاف نعلمه. (لان ما يأخذه أجرة لعمله، لا لعمالته) بخلاف الجابي لها ونحوه. (وإن وكل) مسلم (غيره في تفرقة زكاته. لم يدفع إليه من سهم العامل، ويأتي) لانه ليس بعامل، بل وكيل (وإن تلف المال) أي الزكاة (بيده) أي

[ 318 ]

العامل، (بلا تفريط لم يضمن) لانه أمين (وأعطي أجرته من بيت المال) لانه لمصالح المسلمين. وهذا منها (وإن لم تتلف) الزكاة (ف‍) - إنه يعطى أجرته (منها. وإن كان) أجره (أكثر من ثمنها). لان ما يأخذه العامل أجرة في المنصوص عنه. (وإن رأى الامام إعطاءه) أي العامل (أجرته من بيت المال) ويوفر الزكاة على باقي الاصناف فعل، (أو) رأى الامام أن (يجعل له رزقا فيه) أي في بيت المال نظير عمالته. (ولا يعطيه منها شيئا. فعل) الامام ما أداه إليه اجتهاده، مع عدم المفسدة. (ويخير الامام في العامل، إن شاء أرسله) لقبض الزكاة (من غير عقد ولا تسمية شئ، وإن شاء عقد له إجارة) بأجر معلوم، إما على معلوم، أو مدة معلومة (ثم إن شاء) الامام (جعل له) أي للعامل (أخذ الزكاة وتفريقها) كما تقدم في قصة معاذ رضي الله عنه، حين بعثه النبي (ص) لليمن. (أو) جعل له (أخذها فقط) ويفرقها الامام. وهذا واضح. إذا كان في البلد. وما دون المسافة، وإلا فقد تقدم يحرم نقل الزكاة إلى بلد تقصر إليه الصلاة، حتى من الساعي. (فإن أذن) الامام له أي العامل (في تفريقها أو أطلق) فلم يأمره بالتفريق، ولم ينهه عنه. (فله ذلك) أي تفريقها في مستحقيها، لما روى أو داود أن زيادا ولى عمران بن حصين الصدقة. فلما جاء قيل له: أين المال؟ قال: أو لك مال؟ بعثتني، أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله (ص)، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله (ص). (وإلا) بأن قال له: لا تفرقها (فلا) يفرقها. لقصور ولايته. (وإذا تأخر العامل بعد وجوب الزكاة تشاغلا بأخذها) أي الزكاة (من ناحية أخرى أو عذر غيره، انتظره أرباب الاموال، ولم يخرجوا) زكاتهم لانفسهم. لانه لا يقدر على أخذها إلا من طائفة بعد طائفة. قاله في الاحكام السلطانية. ولعله إذا خشوا ضررا بالاخراج وإلا فهو واجب على الفور، حيث لا عذر. (وإلا) أي وإن لم يكن تأخره لعذر. (أخرجوا) أي أرباب الاموال زكاتهم (بأنفسهم) لتعذر الدفع إليه. (باجتهاد) إن كانوا من أهله (أو تقليد) مجتهد، إن لم يكونوا أهلا للاجتهاد. (ثم إذا حضر العامل، وقد أخرجوا) زكاتهم بأنفسهم (وكان اجتهاده مؤديا إلى إيجاب ما يسقط رب المال، أو) إلى (الزيادة على ما أخرجه رب المال.

[ 319 ]

نظر، فإن كان وقت مجيئه) أي العامل (باقيا) عادة (فاجتهاد العامل أمضى) من اجتهاد رب المال، لئلا تكون مبادرته سببا لاسقاط بعض الزكاة. (وإن كان) وقت مجئ العامل عادة (فائتا، فاجتهاد رب المال أنفذ) فلا ينقضه العامل. لانه فعل ما عليه بلا تهمة. (وإن أسقط العامل) عن رب المال بعض الزكاة (أو أخذ) العامل (دون ما يعتقده المالك) واجبا عليه (لزمه) أي رب المال (الاخراج) أي إخراج ما بقي عليه من الواجب (فيما بينه وبين الله تعالى) لانه معترف بوجوب ما عليه لاهل السهمان. (وإن ادعى المالك دفعها) أي الزكاة (إلى العامل، وأنكر) العامل قبضها منه (صدق المالك في الدفع) إليه، لانه مؤتمن بلا يمين، كما تقدم. (وحلف العامل) أنه لم يأخذها منه، لانه منكر. (وبرئ) العامل للفقراء، فلا يرجعون عليه بها. (وإن ادعى العامل دفعها إلى الفقير) ونحوه (فأنكر) الفقير ونحوه (صدق العامل في الدفع) إلى الفقير. لانه أمين، (و) صدق (الفقير في عدمه) أي عدم الاخذ لانه منكر. قال في شرح المنتهى: وظاهره بلا يمين. (ويقبل إقراره) أي العامل (بقبضها) أي الزكاة من ربها (ولو عزل) العامل، كحاكم أقر بحكمه بعد عزله. (وإن عمل إمام أو نائبه على زكاة لم يكن له أخذ شئ منها) أي الزكاة (لانه يأخذ رزقه من بيت المال. ويقدم العامل بأجرته على غيره من أهل الزكاة) لانه يأخذ في مقابلة عمله. بخلافهم. ولهذا إذا عجزت الصدقة عن أجرته تمم من بيت المال. ثم يعطي فالاهم وهم أشدهم حاجة. (وإن أعطى) العامل من الزكاة (فله الاخذ. وإن تطوع بعمله. لقصة عمر) رضي الله عنه وهي: أنه (ص) أمر له بعمالة. فقال: إنما عملت لله. فقال: إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل، فكل وتصدق متفق عليه. (وتقبل شهادة أرباب الاموال

[ 320 ]

عليه) أي العامل (في وضعها غير موضعها) المشروع وضعها فيه. لانهم لا يدفعون عنهم بها ضررا لبراءتهم بالدفع إليه مطلقا. و (لا) تقبل شهادة عليه (في أخذها منهم) لانها شهادة لانفسهم، لكنهم يصدقون بلا يمين كما تقدم. (وإن شهد به) أي بأخذ العامل الزكاة (بعضهم) أي بعض أرباب الاموال، (لبعض قبل التناكر والتخاصم) بينهم وبين العامل (قبل) منهم ذلك، لعدم المانع (وغرم العامل) للفقراء ما ثبت عليه أخذه (وإلا) بأن كان بعد التناكر، والتخاصم (فلا) تقبل شهادة بعضهم لبعض للعداوة. (وإن شهد أهل السهمان) بضم السين، أي جمع سهم كالسهام، وهم أهل الزكاة القابضون لها (له) أي للعامل، (أو عليه لم يقبل) منهم ذلك، لما فيها من جلب النفع (ولا يجوز له) أي العامل (قبول هدية من أرباب الاموال) لحديث: هدايا العمال غلول. (ولا) يجوز له أيضا (أخذ رشوة) بتثليث الراء، وهي ما بعد طلب. والهدية قبله. (ويأتي عند هدية القاضي) في باب أدب القاضي بأوضح من هذا. (وما خان) العامل (فيه أخذه الامام) ليرده إلى مستحقه. لقوله (ص): من استعملناه على عمل فما أخذ بعد ذلك فهو غلول رواه أبو داود. و (لا) يأخذه (أرباب الاموال) لانه زكاة، لكن إن أخذ منهم شيئا ظلما بلا تأويل. فلهم أخذه. (قال الشيخ: ويلزمه رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه) وقال ابن تميم: لا يلزمه، واقتصر عليه في المبدع. (الرابع: المؤلفة قلوبهم) للنص، (وحكمهم باق) لان النبي (ص): أعطى المؤلفة من المسلمين والمشركين. فيعطون عند الحاجة، ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم. فإن الآية من آخر ما نزل، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر. ومنع وجود الحاجة على ممر الزمان واختلاف أحوال النفوس في القوة والضعف، لا يخفى فساده. (وهم رؤساء قومهم) وكذا في المقنع

[ 321 ]

وغيره. وهم السادة المطاعون في عشائرهم، فمن لم يكن كذلك لا يعطى من الزكاة للتأليف، وإن خشي شره بانضمامه إلى ظالم لعدم تناول اسم المؤلف له. (من كافر يرجى إسلامه، أو كف شره) لما روى أبو سعيد قال: بعث علي - وهو باليمن - بذهبية فقسمها النبي (ص) بين أربعة نفر: الاقرع بن جابس الحنظلي، وعيينة بن حصن الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب. وزيد الخيل الطائي. ثم أحد بني نبهان. فغضبت قريش. وقالوا: تعطي صناديد نجد وتدعنا؟ فقال: إني إنما فعلت ذلك لا تألفهم متفق عليه. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وإنما الذي يؤخذ من أموال أهل اليمن الصدقة، (و) من (مسلم يرجى بعطيته قوة إيمانه) لما روى أبو بكر في كتاب التفسير عن ابن عباس في قوله تعالى: * (والمؤلفة قلوبهم) * قال: هم قوم كانوا يأتون رسول الله (ص) وكان رسول الله (ص) يرضخ لهم من الصدقات. فإذا أعطاهم من الصدقة قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه. (أو يرجى) بعطيته (إسلام نظيره) لان أبا بكر أعطى عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر، مع حسن نياتهما وإسلامهما، رجاء إسلام نظرائهما. (أو) يرجى بعطيته (نصحه في الجهاد، أو) في (الدفع عن المسلمين) بأن يكونوا في طرف بلاد الاسلام. وإذا أعطوا من الزكاة دفعوا الكفار عمن يليهم من المسلمين. وإلا فلا. (أو كف شره كالخوارج ونحوهم، أو قوة على جباية الزكاة ممن لا يعطيها) بأن يكونوا إذا أعطوا من الزكاة جبوها ممن لا يعطيها. (إلا أن يخوف ويهدد، كقوم في طرف بلاد الاسلام. إذا أعطوا من الزكاة جبوها منه) أي ممن لا يعطيها إلا بالتخويف والتهديد. (ويقبل قوله في ضعف إسلامه) لانه لا يعلم إلا من جهته، و (لا) يقبل قوله (إنه مطاع في قومه إلا ببينة) لانه لا يتعذر إقامة البينة عليه. (ولا يحل للمؤلف المسلم ما يأخذه إن أعطي ليكف شره. كالهدية للعامل) والرشوة (وإلا) أي وإن لم يكن أعطي ليكف شره، كأن أعطي ليقوى إيمانه أو إسلام نظيره، أو نصحه في الجهاد، أو الدفع عن المسلمين ونحوه (حل) له ما أخذه، كباقي أهل الزكاة. (الخامس: الرقاب) للنص، (وهم المكاتبون المسلمون الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع القوة والكسب) نص عليه. لعموم قوله تعالى: * (وفي الرقاب) *. قال في المبدع: لا يختلف المذهب أنهم، أي المكاتبون من الرقاب.

[ 322 ]

بدليل قوله: أعتقت رقابي فإنه يشملهم. وفي قوله تعالى: * (فكاتبوهم) * - الآية إشعار به. ولانه يملك المال على سيده. ويصرف إليه أرش جنايته، فكان له الاخذ منها إن لم يجد وفاء. كالغريم (ولا يدفع) من الزكاة (إلى من علق عتقه على مجئ المال) لانه ليس كالمكاتب، إذ لا يملك كسبه، ولا يصرف إليه أرش جنايته. فالاعطاء له إعطاء لسيده، لا في الرقاب. (وللمكاتب: الاخذ قبل حلول نجم) لئلا يؤدي إلى فسخها عند حلول النجم. ولا شئ معه. (ولو تلفت) الزكاة (بيده) أي المكاتب (أجزأت) ربها، لوجود الايتاء المأمور به. (ولم يغرمها، سواء عتق أم لا) كالغارم وابن السبيل. (ولو دفع إليه) أي المكاتب (ما يقضي به دينه، لم يجز له أن يصرفه في غيره)، لانه إنما يأخذ أخذا مراعي. (ويأتي قريبا، ولو عتق) المكاتب (تبرعا من سيده أو غيره، فما معه منها) أي الزكاة (له) أي للمكاتب (في قول) قدمه في الرعايتين والحاويين، وقيل: مع فقره. وقيل: بل للمعطى، اختاره أبو بكر والقاضي، قاله في الحاويين، وقدمه في المحرر، وقيل: بل هو للمكاتبين، قاله في الانصاف، وصحح في تصحيح الفروع: أنه يرد ما فضل إذا عتق بأداء أو إبراء. وقال: وجزم به في الكافي والمقنع، والافادات والوجيز. وتذكرة ابن عبدوس، وإدراك الغاية وغيرهم اه‍. وهو معنى ما جزم به المصنف فيما يأتي في قوله: وما فضل مع غارم ومكاتب - إلى آخره. (ولو عجز) المكاتب (أو مات وبيده وفاء، أو اشترى بالزكاة شيئا، ثم عجز والعوض بيده، فهو لسيده) كسائر ماله. (ويجوز الدفع) أي دفع الامام أو المالك الزكاة. (إلى سيده) أي سيد المكاتب، (بلا إذنه) أي إذن المكاتب، كوفاء دين المدين بها. (وهو) أي دفع الزكاة إلى سيد المكاتب (الاولى) من دفع الزكاة إلى المكاتب، لما ذكر بقوله (فإن رق) المكاتب (لعجزه) عن الوفاء (أخذت من سيده) بخلاف ما لو دفعت للمكاتب، ثم دفعها إلى لسيده، كما تقدم. (ويجوز أن يفدى بها) أي الزكاة (أسيرا مسلما في أيدي الكفار) نص عليه. لانه فك رقبة الاسير. فهو كفك رقبة العبد من الرق. ولان فيه إعزازا للدين، فهو

[ 323 ]

كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم. ولانه يدفعه إلى الاسير، كفك رقبته من الاسر، أشبه ما يدفعه إلى الغارم، لفك رقبته من الدين. (قال أبو المعالي: ومثله لو دفع إلى فقير مسلم غرمه سلطان مالا، ليدفع جوره، ويجوز أن يشتري منها) أي الزكاة (رقبة يعتقها) روي عن ابن عباس. لعموم قوله تعالى: * (وفي الرقاب) * وهو متناول للقن، بل ظاهر فيه. فإن الرقبة تنصرف إليه إذا أطلقت، كقوله تعالى: * (فتحرير رقبة) * و (لا) يجوز أن يشتري من الزكاة (من يعتق عليه بالشراء، كرحم محرم) كأخيه وعمه. لان نفع زكاته عاد إلى رحمه المحرم، فلم يجز، كما لو دفعها إلى أبيه. (ولا إعتاق عبده أو مكاتبه عنها) أي عن الزكاة، ولو كان ماله عبيدا للتجارة لان ذلك ليس إيتاء للزكاة، وهو بمنزلة إخراج العروض أو القيمة. (ومن أعتق من الزكاة) رقيقا (فما رجع من ولائه) إذا مات عن غير وارث يستغرق. (رد في عتق مثله في رواية) صححها في الانصاف. وقيل: وفي الصدقات أيضا. قدمه ابن تميم اه‍. قلت: يأتي في العتق، أنه إن كان المعتق رب المال، فالولاء له الحديث: إنما الولاء لمن أعتق (وما أعتقه الساعي من الزكاة) أو الامام منها (فولاؤه للمسلمين) لانه نائب عنهم، (وأما المكاتب) إذا عتق بأدائه مال الكتابة من الزكاة (فولاؤه لسيده) للحديث. لانه عتق بسبب كتابته. (ولا يعطى المكاتب لجهة الفقر. لانه عبد) ما بقي عليه درهم. والعبد لا يعطى لفقره. (السادس: الغارمون) للنص. (وهم المدينون) كذا فسره الجوهري (المسلمون، وهم ضربان، أحدهما: من غرم لاصلاح ذات البين، ولو) كان الاصلاح (بين أهل ذمة، وهو) أي من غرم لاصلاح ذات البين، (من تحمل بسبب إتلاف نفس، أو مال أو يهب دية أو مالا، لتسكين فتنة وقعت بين طائفتين، ويتوقف صلحهم على من يتحمل ذلك) فيتحمله إنسان ثم يخرج في القبائل، فيسأل حتى يؤديه، فورد الشرع بإباحة المسألة فيه، وجعل لهم نصيبا من الصدقة، قال تعالى: * (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) * أي وصلكم، والبين: الوصل، والمعنى: كونوا مجتمعين على أمر الله تعالى، وعن قبيصة بن المخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت

[ 324 ]

النبي (ص) وسألته فيها، فقال: أقم يا قبيصة، حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها، ثم قال: يا قببيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة، فيسأل فيها حتى يؤديها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة. فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش. وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتا يوم القيامة والمعنى شاهد بذلك. لانه إنما يلتزم في مثل ذلك المال العظيم الخطير. وقد أتى معروفا عظيما. وابتغى صلاحا عاما، فكان من المعروف: حمله عنه من الصدقة، وتوفير ماله عليه، لئلا يجحف بمال المصلحين، أو يوهن عزائمهم عن تسكين الفتن وكف المفاسد. (فيدفع إليه ما يؤدي حمالته) بفتح الحاء أي الماء الذي تحمله لذلك. (وإن كان غنيا) لما تقدم. من حديث قبيصة (أو) كان (شريفا) أي من بني هاشم. لان منعه من أخذها لفقرة صيانة له عن أكلها، لكونها من أوساخ الناس، وإذا أخذها للغرم صرفها إلى الغرماء، فلا يناله دناءة وسخها (وإن كان قد أدى ذلك) أي ما تحمله، (لم يكن له أن يأخذ) بدله من الزكاة، (لانه قد سقط الغرم) فخرج عن كونه مدينا. وإن استدان الحمالة وأداها جاز له الاخذ من الزكاة. لان الغرم باق لم يخرج عن كونه مدينا. بسبب الحمالة. (ومن تحمل بضمان أو كفالة عن غيره مالا. فحكمه حكم من غرم لنفسه) وظاهر المنتهى: أنه من قسم الغارم عن غيره (فإن كان الاصيل والحميل) أي الضامن أو الكفيل (معسرين. جاز الدفع) أي دفع قدر الدين من الزكاة (إلى كل منهما) لان كلا منهما مدين. (وإن كانا موسرين. أو) كان (أحدهما) موسرا (لم يجز) الدفع إليهما، ولا إلى أحدهما. (ويجوز الاخذ) من الزكاة (لقضاء دين الله تعالى) من كفارة ونحوها. كدين الآدمي. (ويأتي) الضرب (الثاني) من ضربي الغارم (من غرم لاصلاح نفسه في مباح)، كمن استدان في نفقة نفسه وعياله، أو كسوتهم، وخرج بالمباح: ما استدانه وصرفه في معصية. كشرب الخمر والزنا. (حتى في شراء نفسه من الكفار، فيأخذ) الغارم

[ 325 ]

لنفسه (إن كان عاجزا عن وفاء دينه. ويأخذه) أي الغارم لنفسه. (ومن غرم لاصلاح ذات البين، ولو قبل حلول دينهما) لظاهر خبر قبيصة السابق، وقيس عليه الغارم لنفسه. (وإذا دفع إليه) أي الغارم (ما يقضي به دينه. لم يجز) له (صرفه في غيره. وإن كان فقيرا) لانه إنما يأخذ أخذا مراعي. (وإن دفع إلى الغارم) من الزكاة (لفقره. جاز له أن يقضي به دينه) لملكه إياه ملكا تاما. إذا تقرر ذلك (ف‍) - قاعدة (المذهب) كما ذكره المجد وتبعه في الفروع وغيره (أن من أخذ بسبب يستقر الاخذ به، وهو الفقر والمسكنة، والعمالة والتالف: صرفه فيما شاء كسائر ماله) لان الله تعالى أضاف إليهم الزكاة بلام الملك. (وإن لم يستقر) الاخذ بذلك السبب (صرفه) أي المأخوذ (فيما أخذه له خاصة، لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه) وإنما يملكه مراعي، فإن صرفه في الجهة التي استحق الاخذ بها. وإلا استرجع منه. كالذي يأخذه المكاتب والغارم والغازي وابن السبيل. لان الله تعالى أضاف إليهم الزكاة بفي، وهي للظرفية. ولان الاربعة الاول يأخذون لمعنى يحصل بأخذهم، وهو إغناء الفقراء والمساكين، وتأليف المؤلفة، وأداء أجرة العاملين. وغيرهم يأخذ لمعنى لم يحصل بأخذه للزكاة، فافترقا. (ولهذا يسترد) المأخوذ زكاة (منه) أي من المكاتب والغارم والغازي وابن السبيل. (إذا برئ) المكاتب أو الغارم (أو لم يغرم) الآخذ للغرم، أو فضل معه، أو مع ابن السبيل شئ. (وإن وكل الغارم من عليه الزكاة) أي رب المال (قبل قبضها منها بنفسه أو نائبه أو في دفعها إلى الغريم عن دينه. جاز) ذلك. وبرئ من الزكاة بدفعه إليه. وكذا المكاتب لو وكل رب المال في وفائه دين كتابته (وإن دفع المالك) زكاة (إلى الغريم) عن دين الغارم (بلا إذن الفقير) الغارم (صح) وبرئ، لانه دفع الزكاة في قضاء دين المدين. أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه. (كما أن للامام قضاء الدين عن الحي من الزكاة بلا وكالة) لولايته عليه في إيفائه. ولهذا يجبره عليه إذا امتنع. (السابع: في سبيل الله) للنص (وهم الغزاة) لان السبيل عند الاطلاق هو الغزو. ولقوله تعالى: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله

[ 326 ]

صفا) * وقوله: * (قاتلوا في سبيل الله) * إلى غير ذلك. ولا خلاف في استحقاقهم. وبقاء حكمهم إذا كانوا متطوعة. وهو المراد بقوله: (الذين لا حق لهم) أي لا شئ لهم مقدر (في الديوان) لان من له رزق راتب يكفيه فهو مستغن به. (فيدفع إليهم كفاية غزوهم. وعودهم، ولو مع غناهم) لانه مصلحة عامة. (ومتى ادعى أنه يريد الغزو، قبل قوله) لان إرادته أمر خفي لا يعلم إلا منه. (ويدفع إليه دفعا مراعي) فإن صرفه في الغزو وإلا رده. (فيعطى) الغازي (ثمن السلاح، و) ثمن (الفرس، إن كان فارسا، وحمولته) أي ما يحمله من بعير ونحوه. (و) ثمن (درعه وسائر ما يحتاج إليه) من آلات، ونفقة ذهاب وإقامة بأرض العدو، ورجوع إلى بلده. (ويتمم لمن أخذ) من الغزاة (من الديوان دون كفايته من الزكاة) فيعطى منها تمام كفايته. (ولا يجوز لرب المال أن يشتري ما يحتاج إليه الغازي) من سلاح وخيل ونحوه. (ثم يصرفه إليه) أي إلى الغازي (لانه قيمة) أي إخراج قيمة، وقد تقدم أنه لا يجزئ. (ولا) يجوز لرب المال (شراؤه فرسا منها) أي الزكاة (يصير حبيسا) أي يحبسه على الغزاة، (ولا) شراؤه (دارا أو ضيعة للرباط أو يقفها على الغزاة. ولا غزوه على فرس أخرجه من زكاته) لانه لا يجوز أن يجعل نفسه مصرفا لزكاته. كما لا يجوز أن يقضي بها دينه. (فإن اشترى الامام بزكاة رجل فرسا فله) أي الامام (دفعها إليه) أي إلى رب المال (يغزو عليها). وكذا لو اشترى بزكاته سلاحا أو درعا ونحوه، لحصول الايتاء المأمور به، وأخذه لها بعد بسبب متجدد. (كما له) أي للامام (أن يرد عليه زكاته لفقره أو غرمه) لانه أخذ بسبب متجدد، كما لو عادت إليه بإرث أو هبة. (ولا يحج أحد بزكاة ماله، ولا يغزو) بزكاة ماله. (ولا يحج بها عنه. ولا يغزى) بها عنه. لعدم الايتاء المأمور به، ويؤخذ منه: صحة الاستنابة في الغزو. وفيه شئ. (والحج من السبيل نصا) روي عن ابن عباس وابن عمر. لما روى أبو داود: أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج. فقال لها النبي (ص): اركبيها، فإن الحج من سبيل

[ 327 ]

الله. (فيأخذ إن كان فقيرا) من الزكاة (ما يؤدي به فرض حج، أو) فرض (عمرة، أو يستعين به فيه) أي في فرض الحج والعمرة. لانه يحتاج إلى اسقاط الفرض. وأما التطوع فله عنه مندوحة. وذكر القاضي جوازه في النفل كالفرض. وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي. وصححه بعضهم. لان كلا من سبيل الله والفقير لا فرض عليه. فهو منه كالتطوع. (الثامن: ابن السبيل) للنص. والسبيل: الطريق، وسمي المسافر إبنا له: لملازمته له، كما يقال: ولد الليل. إذا كان يكثر الخروج فيه. وكما يقال، لطير المال ابن الماء، لملازمته له. (وهو المسافر المنقطع به) أي بسفره (في سفر طاعة) كالسفر للحج والعلم الشرعي. وآلاته، وصلة الرحم (أو) سفر (مباح) كطلب رزق (دون المنشئ للسفر من بلده)، لان الاسم يتناوله حقيقة. وإنما يصير ابن سبيل في ثاني الحال. (وليس معه) أي المنقطع بغير بلده (ما يوصله إلى بلده، أو) يوصله إلى (منتهى قصده) بأن انقطع قبل البلد الذي قصده. وليس معه ما يوصله (وعوده إلى بلده) لان فيه إعانة على بلوغ الغرض الصحيح (ولو مع غناه ببلده) لانه عاجز عن الوصول إلى ماله، وعن الانتفاع به، فأشبه من سقط متاعه في البحر أو ضاع. (فيعطى) ابن السبيل (لذلك) للنص. (ولو وجد من يقرضه) ذكره الشارح وغيره، خلافا للمجد. لما فيه من ضرر القرض. (فإن كان) ابن السبيل (فقيرا في بلده أعطي لفقره) ما يكفيه سنة، (و) أعطي (لكونه ابن سبيل ما يوصله) إلى بلده. وكذا لو اجتمع في غيره سببان. ويأتي. (ولا يقبل قوله: إنه ابن سبيل إلا ببينة) لان الاصل عدمه. (وإن ادعى) ابن السبيل (الحاجة، ولم يعرف له مال في المكان الذي هو فيه) قبل قوله بغير بينة. لان الاصل عدم المال. (أو ادعى إرادة الرجوع إلى بلده، قبل قوله بغير بينة) لان ذلك لا يعلم إلا منه. (وإن عرف له) أي لابن السبيل (مال في المكان الذي هو فيه. لم تقبل دعوى الحاجة) لانها خلاف الظاهر (إلا ببينة) تشهد بحاجته (ويعطى الفقير والمسكين تمام كفايتهما سنة). لان وجوب الزكاة يتكرر كل حول. فينبغي

[ 328 ]

أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله، (و) يعطى (العامل قدر أجرة مثله. ولو جاوزت الثمن) لان الذي يأخذه بسبب العمل. فوجب أن يكون بمقداره. (ويعطى مكاتب وغارم ما يقضيان به دينهما) لان حاجتهما إنما تندفع بذلك. (ولو دينا لله تعالى) كدين الآدمي. لانه أحق بالوفاء. (وليس لهما) أي المكاتب والغارم (صرفه إلى غيره، كغاز) وابن سبيل، (وتقدم) موضحا قريبا (و) يعطى (المؤلف ما يحصل به التأليف) لانه المقصود. (و) يعطى (الغازي ما يحتاج إليه لغزوه، وإن كثر) ذلك. لان المقصود لا يحصل إلا به. (ولا يزاد أحد منهم) أي من أهل الزكاة عن ذلك. لان الدفع للحاجة، فيتقيد بها (ولا ينقص) أحد منهم (عن ذلك) لعدم اندفاع حاجته إذن. (ومن كان) من الفقراء والمساكين (ذا عيال. أخذ ما يكفيهم) لان كل واحد من عائلته مقصوده دفع حاجته. فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. (ولا يعطى أحد منهم) أي المذكورين من أصناف الزكاة (مع الغني) لقوله (ص): ولا تحل الصدقة لغني، ولا ذي مرة سوي رواه أبو داود والترمذي من حديث عمرو بن العاص. والمرة: القوة والشدة. والسوي: المستوي الخلق التام الاعضاء. (إلا أربعة: العامل) قال في الشرح والمبدع: بغير خلاف نعلمه. (والمؤلف) لان إعطائهم لمعنى يعم نفعه كالغازي. (والغازي والغارم لاصلاح ذات البين، ما لم يكن دفعها) أي الحمالة (من ماله. وتقدم) في الباب. لحديث أبي سعيد مرفوعا: ولا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم رواه أبو داود. ولانه تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين، وعد بعدهما بقية الاصناف. ولم يشترط فيهم الفقر. فدل على جواز الاخذ مع

[ 329 ]

الغنى. (وإن فضل مع غارم ومكاتب، حتى ولو سقط ما عليهما ببراءة أو غيرها. و) فضل مع (غاز وابن سبيل شئ بعد حاجتهم لزمهم رده. كما لو أخذ شيئا لفك رقبته، وفضل منه) شئ لزمه رده. لانهم لا يملكون ذلك من كل وجه، بل ملكا مراعي، ولان السبب زال. فيجب رد الفاضل بزوال الحاجة. (وإن فضل مع المكاتب شئ عن حاجته من صدقة التطوع لم يسترجع منه)، لان صدقة التطوع لا يعتبر فيها الحاجة بخلاف الزكاة. وإن تلف في أيديهم بغير تفريط، فلا رجوع عليهم. (والباقون) وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم، (يأخذون أخذا مستقرا. فلا يردون شيئا) لانهم ملكوها ملكا مستقرا، وتقدم الفرق بينهم قريبا. (ولو ادعى الفقر من عرف بغنى، أو ادعى إنسان أنه مكاتب، أو غارم لنفسه. لم يقبل إلا ببينة) لان الاصل عدم ما يدعيه وبراءة الذمة. (بخلاف غاز) فإذا ادعى إرادة الغزو أعطى مراعي، وكذا لو ادعى ابن السبيل إرادة العود، وتقدم. (ويكفي اشتهار الغرم لاصلاح ذات البين) أي استفاضة، فتقوم مقام البينة به. (فإن خفي) الغرم لاصلاح ذات البين (لم يقبل إلا ببينة) لان الاصل عدمه. (والبينة فيمن عرف بغنى: ثلاثة رجال) لما تقدم في حديث قبيصة، من قوله (ص): لا تحل المسألة إلا لاحد ثلاثة. رجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش، رواه مسلم. (وإن صدق المكاتب سيده) قبل وأعطى. لان الحق في العبد للسيد. فإذا أقر بانتقال حقه عنه. قبل (أو) صدق (الغارم غريمه. قبل، وأعطى) لانه في معنى المكاتب. وفيه وجه لا يقبل، لجواز تواطئهما على أخذ المال (وإن ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى قبل) قوله. لان الاصل استصحاب الحال السابقة. والظاهر صدقه. (وإن كان جلدا) بفتح الجيم وسكون اللام، أي شديدا قويا، (وعرف له كسب) يكفيه (لم يجز اعطاؤه. ولم يملك شيئا) لانه غني بكسبه، (فإن لم يعرف) له مال

[ 330 ]

(وذكر أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين). لان النبي (ص) لم يحلف على ذلك. (إذا لم يعلم كذبه) فإن علمه لم يعطه، لعدم أهليته لاخذها (بعد أن يخبره وجوبا في ظاهر كلامهم). وقاله القاضي في التعليق. قاله في الفروع: وجزم به في المبدع. (أنه لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب)، لان النبي (ص) أعطى الرجلين اللذين سألاه، ولم يحلفهما. وفي بعض رواياته أنه قال: أتينا النبي (ص) فسألناه من الصدقة. فصعد فينا النظر. فرآنا جلدين. فقال: إن شئتما أعطيتكما. ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب رواه أبو داود. (وإن رآه متجملا قبل قوله أيضا) أنه فقير. لانه لا يلزم من ذلك الغني. قال تعالى: * (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) * (لكن ينبغي أن يخبره أنها زكاة) وإن رآه ظاهر المسألة أعطاه منها، ولم يبين له. (والقدرة على اكتساب المال بالبضع ليس بغنى معتبر فلا تمنع المرأة) الفقيرة (من أخذ الزكاة إذا كانت ممن يرغب في نكاحها. وتقدر على تحصيل المهر بالنكاح) لان النكاح لا يقصد للمال، بل للسكن والايواء. وقد لا يكون لها رغبة فيه. (فلا تجبر عليه) كرجل سأل الخلع أو الطلاق على عوض، أو الصلح عن دم عمد على مال، (وكذا لو أفلست) لا تجبر على النكاح لوفاء دينها. (أو كان لها أقارب يحتاجون إلى النفقة) فلا تجبر على التزوج لذلك. (وتقدم: إذا تفرغ القادر) على التكسب (لطلب العلم وتعذر الجمع) بين العلم والتكسب، (أنه يعطى) لا إن تفرغ للعبادة لقصور نفعها. (فإن ادعى أن له عيالا) ليأخذ لهم من الزكاة (قلد) في ذلك (وأعطي) كفايتهم. لان الظاهر صدقه. وتشق إقامة البينة على ذلك لا سيما على الغريب. وكما يقلد في حاجة نفسه. (ومن غرم) في معصية كشرب خمر (أو سافر في معصية) كقطع طريق (لم تدفع إليه إلا أن يتوب) لانه إعانة على معصية. (وكذا لو سافر في مكروه، أو) سافر (نزهة) فلا يدفع إليه من الزكاة. لانه

[ 331 ]

لا حاجة به إلى هذا السفر. (ولو أتلف ماله في المعاصي حتى افتقر. دفع إليه من سهم الفقراء) أو المساكين، لصدق اسم الفقير والمسكين عليه حين الاخذ. (ويستحب صرفها) أي الزكاة (في الاصناف الثمانية كلها. لكل صنف ثمنها إن وجد) جميع الاصناف (حيث وجب الاخراج لان في ذلك خروجا من الخلاف وتحصيلا للاجزاء) يقينا. (ولا يجب الاستيعاب، كما لو فرقها الساعي. ولا) يجب (التعداد من كل صنف) أي لا يجب أن يعطي من كل صنف ثلاثة فأكثر. (كالعامل) على الزكاة لا يجب تعدده (فلو اقتصر) رب المال في دفع الزكاة (على صنف منها) أي من الاصناف الثمانية (أو) اقتصر على (واحد منه أجزأه) ذلك، نص عليه. وهو قول عمر وحذيفة، وابن عباس. لقوله تعالى: * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) * - الآية ولحديث معاذ حين بعثه النبي (ص) لليمن. ولقوله (ص) لقبيصة: أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها. وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر. ولو وجب الاستيعاب لم يجز صرفها إلى واحد. ولما فيه من العسر. وهو منفي شرعا. والآية إنما سيقت لبيان من تصرف إليه. لا لتعميمهم. وكالوصية لجماعة لا يمكن حصرهم. (وإن فرقها ربها أو دفعها إلى الامام الاعظم أو نائبه على القطر) أي الناحية التي هو فيها (نيابة شاملة لقبض الزكوات وغيرها. سقط سهم العامل. لانهما يأخذان كفايتهما من بيت المال على الامامة والنيابة). فلا يأخذان من الزكاة لاستغنائهما بأرزاقهما. (وتقدم) في الباب. (وليس لرب المال ولا لوكيله في تفرقتها أخذ نصيب العامل. لكونه فعل وظيفة العامل) على الزكاة لان أداءها واجب عليه، فلا يأخذ في مقابلته عوضا. لانه لا يسمى عاملا. (ومن فيه سببان، كغارم فقير، أخذ بهما) كالميراث، (ولا يجوز أن يعطى عن أحدهما

[ 332 ]

لا بعينه، لاختلاف أحكامهما في الاستقرار وغيره). قلت: مفهومه إن لم تختلف أحكامهما، كفقير مؤلف. جاز أن يعطى بأحدهما لا بعينه. لعدم اختلاف أحكامهما. (وإن أعطي بهما) أي بالسببين. (وعين لكل سبب قدرا) فعلى ما عين (وإلا) أي وإن لم يعين لكل سبب قدرا. (كان بينهما نصفين) لان مطلق الاضافة يقتضي التسوية. (وتظهر فائدته) ما ذكر من تعيينه لكل منهما قدرا أو قسمه بينهما نصفين عند عدمه. (لو وجد ما يوجب الرد) كما لو أبرئ الغارم في المثال. فيرد ما أخذه للغرم دون الفقر. (ويستحب صرفها) أي الزكاة (إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم) لقوله (ص): صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة رواه الترمذي والنسائي. (ويفرقها) أي الزكاة (فيهم) أي في أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم. (على قدر حاجتهم) لانها مراعاة. (ولو أحضر رب المال إلى العامل من أهله من لا تلزمه نفقته ليدفع إليهم زكاته دفعها) العامل لهم، (قبل خلطها بغيرها) لما تقدم. (و) إن جاء بأهله (بعده) أي بعد خلطها بغيرها ف‍ (- هم كغيرهم، ولا يخرجهم منها) لان فيها ما هم به أخص. ذكره القاضي. (ويجزئ السيد دفع زكاته إلى مكاتبه) نص عليه. لانه معه كالاجنبي في جريان الربا بينهما. ولان الدفع تمليك، وهو من أهله. فإذا ردها إلى سيده بحكم الوفاء جاز كوفاء الغريم. وقيده في الوجيز وغيره بأن لا يكون حيلة. (و) يجوز أيضا دفع الزكاة (إلى غريمه) لانه من جملة الغارمين. (ليقضي) بها (دينه سواء دفعها إليه ابتداء) قبل الاستيفاء (أو استوفى حقه ثم دفعها إليه ليقضي دين المقرض ما لم يكن حيلة نصا). قال أحمد: إن كان حيلة فلا يعجبني. ونقل عنه ابن القاسم: إن أراد الحيلة لم يصلح، ولا يجوز. (وقال أيضا: إن أراد إحياء ماله لم يجز. وقال القاضي وغيره: معنى الحيلة، أن يعطيه بشرط أن يردها عليه من دينه. لان من شرطها تمليكا صحيحا. فإذا شرط الرجوع لم يوجد) وقال في المغني والشرح: إنه حصل من كلام أحمد:

[ 333 ]

إذا قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه، لم يجز، لان الزكاة حق الله فلا يجوز صرفها إلى نفعه. (وإن رد الغريم من نفسه ما قبضه وفاء عن دينه من غير شرط ولا مواطأة جاز) لرب المال (أخذه من دينه)، لانه بسبب متجدد، كالارث والهبة. (ويقدم الاقرب) فالاقرب. (والاحوج) فيهم فالاحوج، مراعاة للصلة والحاجة. (وإن كان الاجنبي أحوج، فلا يعطى القريب ويمنع البعيد). لان الحاجة هي المعتبرة. (بل يعطي الجميع) لوجود الحاجة فيهم. (ولا يحابى) رب المال (بها) أي الزكاة (قريبه. ولا يدفع بها مذمة ولا يستخدم بسببها قريبا ولا غيره، ولا يقي ماله بها كقوم عودهم برا من ماله، فيعطيهم من الزكاة لدفع ما عودهم) قال في المستوعب: هذا إن كان المعطي غير مستحق للزكاة اه‍. لان الزكاة حق لله فلا يصرفها إلى نفعه. (والجار أولى من غيره) وينبغي أن يقدم منهم الاقرب بابا، فالاقرب بابا (والقريب أولى منه) أي من الجار، لقوة القرابة (ويقدم العالم والدين على ضدهما وكذا ذو العائلة). يقدم على ضده للحاجة. ومن أعتق عبدا لتجارة قيمته نصاب بعد الحول، وقبل إخراج ما فيه، فله دفعه إليه، ما لم يقم به مانع. فصل: (ولا يجوز دفعها) أي الزكاة (إلى كافر) قال في المبدع: إجماعا. وحديث معاذ نص فيه. ولانها مواساة تجب على

[ 334 ]

المسلم. فلم تجب للكافر كالنفقة. (ما لم يكن مؤلفا) فيعطي عند الحاجة إلى تأليفه. كما تقدم (ولو) كانت (زكاة فطر) فلا تدفع إلى كافر، كزكاة المال. وروي عن عمران بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمداني: أنهم يعطون منها الرهبان. (ولا) يجوز دفع الزكاة (إلى عبد كامل الرق، ولو كان سيده فقيرا). لان نفقته واجبة على سيده. فهو غني بغناه، وما يدفع إليه لا يملكه. وإنما يملكه سيده. فكأنه دفع إليه. (وأما من بعضه حر فيأخذ بقدر حريته بنسبته من كفايته). فمن نصفه حر يأخذ تمام نصف كفايته، وهكذا. (ما لم يكن) العبد (عاملا) لان ما يأخذه أجرة يستحقها سيده. والمراد: غير المكاتب كما تقدم (ولا) يجوز دفع الزكاة (إلى فقيرة لها زوج غني) تصل نفقته إليها لاستغنائها بذلك. (ولا) يجوز دفعها (إلى عمودي نسبه في حال تجب نفقتهم فيه عليه أو لا تجب) نفقتهم فيه. (ورثوا أو لم يرثوا، حتى ذوي الارحام منهم) كأبي الام وولد البنت. قال أحمد: لا يعطى الوالدين من الزكاة، ولا الولد ولا ولد الولد، ولا الجد ولا الجدة، ولا ولد البنت. قال النبي (ص): إن ابني هذا سيد يعني الحسن، فجعله ابنه. لانه من عمودي نسبه. ووجه ذلك اتصال منافع الملك بينهما عادة. فيكون صارفا لنفسه، بدليل عدم قبول شهادة أحدهما للآخر. (ولو) كان أحد عمودي نسبه أخذ (في غرم لنفسه) بأن تداين دينا، ثم أخذ وفاءه من زكاة أبيه أو ابنه، وإن علا أو نزل. (أو في كتابة. أو كان) أحد عمودي نسبه (ابن سبيل) لان هؤلاء إنما يأخذون مع الفقر. فأشبه الاخذ للفقر. (ما لم يكونوا عمالا) على الزكاة، فلهم الاخذ. لانهم يأخذون أجرة عملهم. ما لو استعملوا على غير الزكاة. (أو) يكونوا (مؤلفة) فيعطون للتأليف. لانه مصلحة عامة، أشبهوا الاجانب. (أو) يكونوا (غزاة) لان الغزاة لهم الاخذ مع عدم الحاجة فأشبهوا العاملين. (أو) يكونوا (غارمين ل‍) - إصلاح (ذات البين) لجواز أخذهم مع غناهم. ولانه مصلحة عامة (ولا) يجزئ المرأة دفع زكاتها (إلى الزوج) لانها تعود إليها بإنفاقه عليها. قال في الفروع: وهل يجوز للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها؟ اختاره القاضي وأصحابه، والشيخ وغيرهم. وفاقا للشافعي، أم لا؟ اختاره جماعة، منهم الخرقي وأبو بكر، وصاحب المحرر، وحكاه عن أبي الخطاب، وفاقا

[ 335 ]

لابي حنيفة ومالك فيه روايتان. (ولا) يجوز للزوج دفع زكاته (إلى الزوجة) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة. وذلك أن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة فلم يجز دفعها إليها. كما لو دفع إليها على سبيل الانفاق عليها. (ولو لم تكن) الزوجة (في مؤنته كناشز) وغير مدخول بها. لانها تؤول إلى العود في مؤنته. (وكذا عبده المغصوب) فلا يجزئ الدفع إليه، كما في غير حال الغصب. (ولا لبني هاشم كالنبي (ص) وهم) أي بنو هاشم (من كان من سلالة هاشم، فدخل فيهم آل عباس) بن عبد المطلب، (وآل علي وآل جعفر وآل عقيل) بني أبي طالب بن عبد المطلب، (وآل الحرث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب) بن عبد المطلب. قال في الشرح: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة. لقول النبي (ص): إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، وإنما هي أوساخ الناس أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي (ص): كخ كخ، ليطرحها وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟ متفق عليه. وسواء أعطوا من خمس الخمس أو لم يعطوا، لعموم النصوص. ولان منعهم من الزكاة لشرفهم، وشرفهم باق. فيبقى المنع (ما لم يكونوا) أي بنو هاشم (غزاة أو مؤلفة أو غارمين لذات البين)، فلهم الاخذ لذلك. لجواز الاخذ لذلك مع

[ 336 ]

الغني وعدم المنة فيه. (واختار الشيخ وجمع) منهم القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا، وقاله أبو يوسف الاصطخري من الشافعية. (جواز أخذهم إن منعوا الخمس) لانه محل حاجة وضرورة. قال الشيخ تقي الدين أيضا: ويجوز لبني هاشم الاخذ من زكاة الهاشميين. ذكره في الاختيارات. (ويجوز) دفع الزكاة (إلى ولد هاشمية من غير هاشمي في ظاهر كلامهم. وقاله القاضي: اعتبارا بالاب) وقال أبو بكر: لا يجوز. واحتج بحديث أنس: ابن أخت القوم منهم متفق عليه. (ولا) يجوز دفع الزكاة (لموالي بني هاشم) وهم الذين أعتقهم بنو هاشم. لما روى أبو رافع أن النبي (ص): بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لابي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا حتى آتي النبي (ص) فأسأله. فانطلق إلى النبي (ص) فسأله فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة. وإن مولى القوم منهم أخرجه أو داود والنسائي والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. (ويجوز) دفع الزكاة (لموالي مواليهم) لانهم ليسوا من بني هاشم. ولا من مواليهم. (ولهم) أي لبني هاشم ومواليهم (الاخذ من صدقة التطوع) لانهم إنما منعوا من الزكاة لكونها من أوساخ الناس كما سبق. وصدقة التطوع ليست كذلك (إلا النبي (ص)) فإن الصدقة كانت محرمة عليه مطلقا فرضها ونفلها. لان اجتنابها كان من دلائل نبوته. وعلاماتها. فلم يجز الاخلال به. فروي في حديث سلمان أن الذي أخبره عن النبي (ص) ووصفه له قال: أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. وروى أبو هريرة: كان النبي (ص) إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة. قال لاصحابه: كلوا، ولم يأكل. وإن قيل: هدية ضرب بيده وأكل معهم. متفق عليه. ولان آل محمد لما منعوا فرض الصدقة لشرفهم على غيرهم وجب أن ينزه النبي (ص) عن نفلها وفرضها. لشرفه على الخلق كلهم، تمييزا له بذلك. كما خص مع خمس الخمس بالصفي من المغنم، وبالاسهام له مع غيبته من المغانم. قال في شرح الهداية: ولا خلاف نعلمه أن النبي (ص) لا يحرم عليه أن يقترض، ولا أن يهدى له، أو ينظر بدينه، أو يوضع عنه، أو يشرب من سقاية موقوفة على المارة، أو يأوي إلى مكان جعل للمارة. ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة فيها، والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع، وإن كان يطلق عليها اسم الصدقة. قال النبي (ص): كل معروف صدقة. (و) لبني هاشم غيره

[ 337 ]

(ص) الاخذ من (وصايا الفقراء) نص عليه. (ومن نذر) لانه لا يقع عليهما اسم الزكاة والطهرة والوجوب عن الآدمي، أشبه الهبة. و (لا) يجوز لهم الاخذ من (كفارة) لوجوبها بالشرع كالزكاة. (ولا يحرم) أخذ الزكاة (على أزواجه (ص) في ظاهر كلام أحمد) والاصحاب (كمواليهن)، لدخولهم في عموم الآية والاخبار. وعدم المخصص. وفي المغني والشرح عن ابن أبي مليكة: أن خالد بن سعيد بن العاص أرسل إلى عائشة بسفرة من الصدقة فردتها وقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة رواه الخلال. فهذا يدل على تحريمها عليهن. ولم يذكر ما يخالفه، مع أنهم لم يذكروا هذا في الوصية والوقف. وهذا يدل على أنهن من أهل بيته في تحريم الزكاة. وذكر الشيخ تقي الدين: أنه يحرم عليهن الصدقة. وأنهن من أهل بيته في أصح الروايتين ورده المجد. قاله في المبدع. (ولا يجزئ دفعها) أي الزكاة (إلى سائر من تلزمه مؤنته من أقاربه) أو مواليه (ممن يرثه بفرض أو تعصيب نسب، أو ولاء كأخ وابن عم) وعتيق، لغناءه بوجوب النفقة، ولان نفعها يعود إلى الدافع، لكونه يسقط النفقة عنه كعبده. (ما لم يكونوا عمالا، أو غزاة، أو مؤلفة، أو مكاتبين، أو أبناء سبيل، أو غارمين لذات البين). قال المجد: لا تختلف الرواية أنه يعطي لغير النفقة الواجبة نحو كونه غارما، أو مكاتبا، أو ابن سبيل، بخلاف عمودي النسب. لقوة القرابة، انتهى. وأما إذا كانوا عمالا أو غزاة أو مؤلفة فتقدم أن عمودي النسب يعطون لذلك. فهؤلاء أولى. (فلو كان أحدهما يرث الآخر، والآخر لا يرثه، كعتيق ومعتقه) فإن المعتق يرث العتيق بخلاف عكسه. (و) ك‍ (- أخوين لاحدهما ابن ونحوه) كابن ابن فذ. والابن يرث الآخر دون عكسه، وكعمة مع ابن أختها. (فالوارث منهما تلزمه مؤنته، فلا يدفع زكاته إلى الآخر) لما تقدم، (وغير الوارث يجوز) له أن يدفع زكاته إلى الآخر. لانه لا ميراث بينهما. أشبه الاجنبي. (ولا) يجوز دفع الزكاة (إلى فقير ومسكين مستغنيين بنفقة لازمة) لغناهما بما يجب لهما على وارثهما. كالزوجة. (فإن تعذرت النفقة) على الزوجة الفقيرة أو الفقير أو المسكين (من زوج

[ 338 ]

أو قريب بغيبة أو امتناع أو غيره، كمن غصب ماله أو تعطلت منافع عقاره. جاز) لهم (الاخذ) لوجود المقتضى مع عدم المانع. (ويجوز) دفع الزكاة (إلى بني المطلب) ومواليهم. لعموم آية الصدقات. خرج منه بنو هاشم بالنص. فيبقى من عداهم على الاصل. ولان بني المطلب في درجة بني أمية. وهم لا تحرم الزكاة عليهم. فكذا هم وقياسهم على بني هاشم لا يصح، لانهم أشرف. وأقرب إلى النبي (ص). ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة، بل بالنصرة، أو بهما جميعا. كما أشار إليه النبي (ص) بقوله: لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام. بدليل منع بني عبد شمس ونوفل من خمس الخمس مع مساواتهم في القرابة. والنصرة لا تقتضي حرمان الزكاة. (وله) أي لمن وجبت عليه الزكاة (الدفع) منها (إلى ذوي أرحامه، كعمته وبنت أخيه، غير عمودي نسبه) فقد تقدم أنه لا يجزيه الدفع إليهم. ويجوز إعطاء ذوي الرحم غيرهم. (ولو ورثوا) المزكي (لضعف قرابتهم) لكونهم لا يرثون بها مع عصبة، ولا ذي فرض، غير أحد الزوجين. (وإن تبرع) المزكي (بنفقة قريب) لا تلزمه نفقته (أو) بنفقة (يتيم أو غيره) من الاجانب (ضمه إلى عياله، جاز دفعها إليه) لوجود المقتضي. (وكل من حرمت عليه الزكاة بما سبق) ككونه من بني هاشم أو غنيا أو من عمودي نسب المزكي ونحوه. (فله قبولها هدية ممن أخذها من أهلها) لما تقدم من قوله (ص): لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، لعامل، أو رجل اشتراها بماله، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني، رواه أبو داود وابن ماجه. ولان النبي (ص) أكل مما تصدق به على أم عطية. وقال: إنها قد بلغت محلها متفق عليه. وقيس الباقي على ذلك. (والذكر والانثى في) جواز (أخذ الزكاة) عند وجود المقتضى (و) في (عدمه) مع المانع (سواء)، للعمومات مع عدم المخصص، (والصغير) من أهل الزكاة (ولو لم يأكل الطعام كالكبير) منهم، للعموم (فيصرف ذلك) أي ما يعطاه من الزكاة (في أجرة رضاعة وكسوته وما لا بد منه) من مصالحه. (ويقبل) له وليه الزكاة

[ 339 ]

والكفارة والنذر والهبة وصدقة التطوع. (ويقبض له) أي للصغير (منها) أي من الزكاة (ولو مميزا، من هبة وكفارة) ونذر وصدقة تطوع (من يلي ماله. وهو وليه) في ماله كسائر التصرفات المالية. (أو وكيل وليه الامين) لقيامه مقام وليه. (وفي المغني: يصح قبض المميز، انتهى. وعند عدم الولي يقبض له) أي للصغير (من يليه، من أم وقريب وغيرهما نصا) نقل هارون الحمال في الصغار: يعطي أولياؤهم، فقلت: ليس لهم ولي؟ قال: يعطي من يعنى بأمرهم، ونقل مهنا في الصبي والمجنون: يقبض له وليه، قلت: ليس له ولي؟ قال: الذي يقوم عليه، وذلك لان حفظه عن الضياع والهلاك أولى من مراعاة الولاية. (ولا يجوز دفع الزكاة إلا لمن يعلم) أنه من أهلها. (أو يظنه من أهلها) لانه لا يبرأ بالدفع إلى من ليس من أهلها. فاحتاج إلى العلم به. لتحصل البراءة، والظن يقوم مقام العلم، لتعذر، أو عسر الوصول إليه. (فلو لم يظنه من أهلها فدفعها إليه، ثم بان من أهلها لم يجزئه) الدفع إليه. كما لو هجم وصلى، فبان في الوقت. (فإن دفعها) أي الزكاة (إلى من لا يستحقها لكفر أو شرف) أي لكونه هاشميا أو مولى له (أو كونه عبدا) غير مكاتب ولا عامل، (أو) لكونه (قريبا) من عمودي نسب المزكي، أو تلزمه مؤنته، لكونه يرثه بفرض أو تعصيب. (وهو لا يعلم) عدم استحقاقه (ثم علم) ذلك (لم يجزئه) لانه ليس بمستحق. ولا يخفى حاله غالبا. فلم يعذر بجهالته كدين الآدمي. (ويستردها ربها بزيادتها مطلقا) أي سواء كانت متصلة كالسمن، أو منفصلة كالولد، لانه نماء ملكه (وإن تلفت) الزكاة (في يد القابض) لها مع عدم أهليته لما سبق (ضمنها لعدم ملكه) لها (بهذا القبض، وهو قبض باطل، لا يجوز له قبضه) لعدم أهليته (وإن كان الدافع) للزكاة إلى من لا يستحقها (الامام أو الساعي ضمن) لتفريطه، (إلا إذا بان) المدفوع إليه (غنيا) فلا ضمان على الامام ولا نائبه. لان ذلك يخفى غالبا، بخلاف الكفر ونحوه. (والكفارة كالزكاة فيما تقدم) فلا يجوز دفعها إلا لمن يعلمه أو يظنه من أهلها، وإن دفعها إلى من لا يستحقها لم يجزئه إلا لغني إذا ظنه فقيرا. (ولو دفع صدقة التطوع إلى غني وهو لا يعلم) غناه (لم يرجع) لان المقصود الثواب ولم يفت

[ 340 ]

بخلاف الزكاة إذا دفعها لكافر ونحوه، لان المقصود إبراء الذمة بالزكاة. ولم يحصل فيملك الرجوع. (فإن دفع إليه من الزكاة يظنه فقيرا. فبان غنيا أجزأت) لانه (ص) أعطى الرجلين الجلدين وقال: ولا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغني لما اكتفى بقولها، ولان الغني يخفي. وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: قال رجل: لاتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فاصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت، فلعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى - الحديث. ع فصل: (وصدقة التطوع مستحبة كل وقت) إجماعا لانه تعالى أمر بها ورغب فيها وحث عليها، فقال: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) * وقال (ص): من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل متفق عليه من حديث أبي هريرة. وعن أنس مرفوعا: إن الصدقة لتطفئ غضب الرب. وتدفع ميتة السوء. رواه الترمذي وحسنه (و) صدقة التطوع (سرا أفضل) منها جهرا، لقوله تعالى: * (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) * وعن أبي هريرة مرفوعا: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - ذكر منهم: رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه متفق عليه. و (بطيب نفس) أفضل منها بدونه، و (في الصحة) أفضل منها في غيرها. لقوله (ص): وأنت صحيح شحيح (وفي رمضان) أفضل منها في غيره. لحديث ابن عباس قال: كان النبي (ص) أجود الناس،

[ 341 ]

وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل، يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله (ص) حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة متفق عليه، ولان في الصدقة في رمضان إعانة على أداء فريضة الصوم. (وفي أوقات الحاجة) أفضل منها في غيرها، لقوله تعالى: * (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) * (وكل زمان أو مكان فاضل كالعشر والحرمين) حرم مكة والمدينة، وكذا المسجد الاقصى. لتضاعف الحسنات بالامكنة والازمنة الفاضلة، (وهي) أي الصدقة (على ذي الرحم صدقة وصلة) لقوله (ص): الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة قال في الشرح، وشرح المنتهى: وهو حديث حسن. (لا سيما مع العداوة) لقوله (ص): تصل من عاداك (فهي عليه) أي القريب أفضل (ثم على جار أفضل) لقوله تعالى: * (والجار ذي القربى والجار الجنب) * ولحديث: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته. لقوله تعالى: * (أو مسكينا ذا متربة) * (وتسحب) صدقة التطوع (بالفاضل عن كفايته. و) عن (كفاية من يمونه دائما ب‍) - سبب (متجر أو غلة ملك) من ضيعة أو عقار (أو وقف أو ضيعة) أو عطاء من بيت المال، (وإن تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته، أو أضر بنفسه أو بغريمه أو كفالته) أي كفالة في مال أو بدن (أثم) لقوله (ص): وكفى بالمرء إثما

[ 342 ]

أن يضيع من يقوت. وعن أبي هريرة قال: أمر النبي (ص) بالصدقة. فقام رجل فقال: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك. فقال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على زوجتك. قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر قال: أنت أبصر رواهما أبو داود. فإن وافقه عياله على الايثار فهو أفضل، لقوله تعالى: * (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) * (ومن أراد الصدقة بماله كله وهو وحده) أي لا عيال له (ويعلم من نفسه حسن التوكل) أي الثقة بما عند الله واليأس مما في أيدي الناس، (والصبر عن المسألة فله ذلك، أي يستحب) له ذلك، (وإن لم يعلم) من نفسه (ذلك) أي حسن التوكيل والصبر (حرم) عليه ذلك، (ويمنع منه، ويحجر عليه) لتبذيره. روى جابر قال: كنا عند النبي (ص) إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب. فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن فخذها، فهي صدقة، ما أملك غيرها. فأعرض عنه النبي (ص). فأتاه من قبل ركنه الايمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الايسر، فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه. فأخذها رسول الله فحذفه بها، فلو أصابته لاوجعته، أو لعقرته. فقال النبي (ص): يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس. خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى رواه أبو داود. وفي رواية: خذ مالك عفاء لا حاجة لنا به. (وإن كان له عائلة، ولهم كفاية أو يكفيهم بمكسبه. جاز لقصة الصديق) أبي بكر رضي الله عنه، وهي أنه: جاء بجميع ما عنده. فقال له النبي (ص): ما أبقيت لاهلك؟ فقال: الله ورسوله، وكان تاجرا ذا مكسب. فإنه قال، حين ولى: قد علم الناس أن مكسبي لم يكن يعجز عن مؤنة عيالي. وهذا يقتضي الاستحباب، (وإلا) أي وإن لم يكن لهم كفاية ولم يكفهم بمكسبه (فلا) يجوز له ذلك لما تقدم من قوله (ص): كفى بالمرء إثما

[ 343 ]

أن يضيع من يقوت. (ويكره لمن لا صبر له على الضيق، أو لا عادة له به) أي بالضيق (أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة) نص عليه، لان التقتير والتضييق مع القدرة شح وبخل. نهى الله عنه، وتعوذ النبي (ص) منه، وفيه سوء الظن بالله تعالى. (والفقير لا يقترض ويتصدق) لكن نص أحمد في فقير لقريبه وليمة يستقرض، ويهدي له. وهو محمول على ما إذا ظن وفاء. (ووفاء الدين مقدم على الصدقة) لوجوبه. (وتجوز صدقة التطوع على الكافر والغني وغيرهما) من بني هاشم وغيرهم ممن منع الزكاة. (ولهم أخذها) لقوله تعالى: * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) * ولم يكن الاسير يومئذ إلا كافرا. وكسى عمر أخا له مشركا حلة كان النبي (ص) كساه إياها. وقال النبي (ص) لاسماء بنت أبي بكر: صلي أمك. وكانت قدمت عليها مشركة. (ويستحب التعفف. فلا يأخذ الغني صدقة ولا يتعرض لها) لان الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم. فقال: * (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) *. (فإن أخذها) الغني (مظهرا للفافة حرم) عليه ذلك وإن كانت تطوعا، لما فيه من الكذب والتغرير. وروى أبو سعيد مرفوعا: فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع وفي لفظ: إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع متفق عليه. (ويحرم المن بالصدقة وغيرها، وهو كبيرة. ويبطل الثواب بذلك) لقوله تعالى: * (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى) * قال في الفروع: ولاصحابنا خلاف فيه، وفي بطلان طاعة بمعصية. واختار شيخنا الاحباط بمعنى الموازنة، وذكر أنه قول أكثر السلف. (ومن أخرج شيئا يتصدق به أو وكل في ذلك) أي الصدقة به (ثم بدا له) أن لا يتصدق به (استحب أن يمضيه) ولا يجب. لانه لا يملكها المتصدق عليه إلا بقبضها، وقد صح عن عمرو بن

[ 344 ]

العاص أنه كان إذا أخرج طعاما لسائل فلم يجده، عزله حتى يجئ آخر. وقاله الحسن: (ويتصدق بالجيد. ولا يقصد الخبيث فيتصدق به) لقوله تعالى: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * (وأفضلها) أي الصدقة (جهد المقل)، لحديث: أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر ولا يعارضه ما تقدم من قوله (ص): خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. إذ المراد جهد المقل بعد حاجة عياله، وما يلزمه. فهي جهده، وعن ظهر غنى منه، وهي أفضل من صدقة عن ظهر غنى ليست جهد مقل. تتمة: لا يسن إبدال ما أعطى سائلا فسخطه. قال في الفروع: ومن سأل فأعطي، فقبضه فسخطه، لم يعط لغيره في ظاهر كلام العلماء، وعن علي بن الحسين أنه كان يفعله. رواه الخلال. وفيه جابر الجعفي ضعيف. فإن صح فيحتمل أنه فعله عقوبة. ويحتمل أن سخطه دليل على أنه لا يختار تملكه. فيتوجه مثله على أصلنا. كبيع التلجئة ويتوجه في الاظهر، إن أخذ صدقة التطوع أولى من الزكاة، وإن أخذها سرا أولى.

[ 345 ]

كتاب الصيام مصدر صام كالصوم، (وهو) لغة الامساك، ومنه: * (إني نذرت للرحمن صوما) * وقول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما يقال للفرس: صائم إذا أمسك عن العلف، مع القيام، أو عن الصهيل في موضعه. ويقال: صامت الريح إذا أمسكت عن الهبوب. و (شرعا إمساك عن أشياء مخصوصة) هي مفسداته الآتية في الباب بعده. (بنية في زمن معين) وهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. و (من شخص مخصوص) وهو المسلم العاقل غير الحائض والنفساء، (صوم شهر رمضان) من كل عام (أحد أركان الاسلام وفروضه) المسار إليها في حديث ابن عمر المتفق عليه بقوله (ص): بني الاسلام على خمس - الحديث (فرض في السنة الثانية من الهجرة) إجماعا (فصام النبي (ص) تسع رمضانات) إجماعا (والمستحب قول: شهر رمضان) كما قال تعالى: * (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) * (ولا يكره قول رمضان، بإسقاط شهر) لظاهر حديث ابن عمر. وذكر الموفق أنه يكره إلا مع قرينة الشهر، وذكر

[ 346 ]

الشيخ تقي الدين وجها يكره. وفي المنتخب لا يجوز، لخبر أبي هريرة عن النبي (ص) قال: لا تقولوا جاء رمضان. فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى وقد ضعف وقال ابن الجوزي: هو موضوع. وسمي رمضان لحر جوف الصائم فيه، ورمضه، والرمضة شدة الحر. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة وافق شدة الحر. وقيل: لانه يحرق الذنوب. وقيل: موضوع لغير معنى، كبقية الشهور، وجمعه: رمضانات، وأرمضة، ورماضين، وأرمض، ورماض، ورماضي، وأراميض. (ويجب صومه) أي شهر رمضان (برؤية هلاله) لقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * - إلى قوله - * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * وقوله (ص): صوموا لرؤيته. والاجماع منعقد على وجوبه إذن. (فإن لم ير) الهلال ليلة الثلاثين من شعبان (مع الصحو كملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. ثم صاموا) بغير خلاف، وصلوا التراويح، كما لو رأوه. قاله في المبدع. ويستحب ترائي الهلال احتياطا للصوم، وحذارا من الاختلاف. وعن عائشة قالت: كان النبي (ص) يتحفظ في شعبان ما لا يتحفظ في غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان رواه الدارقطني بإسناد صحيح. وعن أبي هريرة مرفوعا: احصوا هلال شعبان لرمضان رواه الترمذي. وإذا رأى الهلال كبر ثلاثا. وقال: اللهم أهله علينا باليمن والايمان والامن والامان، ربي وربك الله، ويقول ثلاث مرات: هلال خير ورشد، ويقول: آمنت بالذي خلقك، ثم يقول: الحمد لله الذي أذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا. قاله في الآداب الكبرى. وروى الاثرم عن ابن عمر قال: كان النبي (ص) إذا رأى الهلال قال: الله أكبر اللهم أهله علينا بالامن والايمان، والسلامة والاسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله. (وإن حال دون منظره) أي مطلع الهلال (غيم أو قتر أو غيرهما) كالدخان والقتر. والقترة: محركتين الغبرة. (ليلة

[ 347 ]

الثلاثين من شعبان لم يجب صومه قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين) يوما (نصا. ولا تثبت بقية توابعه) كصلاة التراويح، ووجوب الامساك على من أصبح مفطرا. (واختاره الشيخ وأصحابه، وجمع) منهم أبو الخطاب وابن عقيل. ذكره في الفائق، وصاحب التبصرة. وصححه ابن رزين في شرحه. قال الشيخ تقي الدين: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه. وقال: لا أصل للوجوب في كلام الامام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة. ورد صاحب الفروع جميع ما احتج به الاصحاب للوجوب. وقال: لم أجد عن أحمد كلاما صريحا بالوجوب، ولا أمر به، فلا يتوجه إضافته إليه، انتهى. لما روى أبو هريرة مرفوعا: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما متفق عليه، ولانه يوم شك وهو منهي عنه، والاصل بقاء الشهر، فلا ينتقل عنه بالشك. (والمذهب: يجب صومه) أي صوم يوم الثلاثين من شعبان إن حال دون مطلعه غيم، أو قتر، ونحوهما، (بنية رمضان حكما ظنيا بوجوبه احتياطا لا يقينا) اختاره الخرقي. وأكثر شيوخ أصحابنا ونصوص أحمد عليه. وهو مذهب عمر، وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس ومعاوية، وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر. وقاله جمع من التابعين لما روى ابن عمر مرفوعا قال: إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا. فإن غم عليكم فاقدروا له متفق عليه، ومعنى: فاقدروا له أي ضيقوا، لقوله تعالى: * (ومن قدر عليه رزقه) * أي ضيق، وهو أن يجعل شعبان تسعا وعشرين يوما ويجوز أن يكون معناه: اقدروا زمانا يطلع في مثله الهلال، وهذا الزمان يصح وجوده فيه، أو يكون معناه: فاعلموا من طريق الحكم أنه تحت الغيم، كقوله تعالى: * (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) * أي علمناها، مع أن بعض المحققين قالوا: الشهر أصله تسع وعشرون. يؤيده ما رواه أحمد عن إسماعيل عن أيوب عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما بعث من ينظر له، فإن رآه فذاك. وإن لم يره ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر. أصبح مفطرا. وإن حال دون منظره سحاب أو قتر. أصبح

[ 348 ]

صائما. ولا شك أنه راوي الخبر، وأعلم بمعناه فتعين المصير إليه كما رجع إليه في تفسير خيار المتبايعين. ويؤكده قول علي وأبي هريرة وعائشة: لان أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ولانه يحتاط له. ويجب بخبر الواحد. وأجيب عن الاول: بأن خبر أبي هريرة يرويه محمد بن زياد. وقد خالفه سعيد بن المسيب. فرواه عن أبي هريرة: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين. وروايته أولى. لامامته واشتهار عدالته، وثقته، وموافقته لرأي أبي هريرة، وقال الاسماعيلي: ذكر شعبان فيه من تفسير ابن أبي إياس. وليس هو بيوم شك كما يأتي. (ويجزيه) صوم يوم الثلاثين حينئذ، (إن بان منه) أي من رمضان بأن ثبتت رؤيته بمكان آخر، لان صيامه وقع بنية رمضان. قيل للقاضي: لا يصح إلا بنية، ومع الشك فيها لا يجزم بها؟ فقال: لا يمنع التردد فيها للحاجة، كالاسير، وصلاة من خمس. (وتصلي التراويح ليلته إذن احتياطا للسنة) قال أحمد: القيام قبل الصيام. (وتثبت بقية توابعه) أي الصوم (من وجوب كفارة بوطئ فيه ونحوه)، كوجوب الامساك على من لم يبيت النية ونحوه، لتبعيتها للصوم. (ما لم يتحقق أنه من شعبان) بأن لم ير مع الصحو هلال شوال بعد ثلاثين ليلة من الليلة التي غم فيها هلال رمضان. فيتعين أنه لا كفارة بالوطئ في ذلك. (ولا تثبت بقية الاحكام من حلول الآجال ووقوع المعلقات) من طلاق أو عتق (وغيرها) كانقضاء العدة، ومدة الايلاء، عملا بالاصل. خولف للنص، واحتياطا للعبادة عامة. تتمة: قال ابن عقيل: البعد مانع كالغيم فيجب على كل حنبلي يصوم مع الغيم أن يصوم مع البعد لاحتماله، انتهى. قال ابن قندس: المراد بالبعد البعد الذي يحول بينه وبين رؤية الهلال. كالمطمور والمسجون، ومن بينه وبين المطلع شئ يحول. كالجبل ونحوه. (وإن نواه) أي صوم يوم الثلاثين من شعبان (بلا مستند شرعي) من رؤية هلاله، أو إكمال شعبان، أو حيلولة غيم، أو قتر ونحوه، (ك‍) - أن صامه ل‍ (- حساب ونجوم) ولو كثرت إصابتهما، (أو مع صحو، فبان منه لم يجزئه) صومه، لعدم استناده لما يعول عليه شرعا. (ويأتي) ذلك (وكذا لو صام) يوم الثلاثين (تطوعا فوافق الشهر، لم يجزئه لعدم التعيين. وإن رأى الهلال نهارا فهو لليلة المقبلة قبل الزوال)، كانت رؤيته (أو بعده أول الشهر أو

[ 349 ]

آخره، فلا يجب به صوم) إن كان في أول الشهر. (ولا يباح به فطر) إن كان في آخره. لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه: إن الاهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا، حتى تمسوا أو يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالامس عشية رواه الدارقطني. ورؤيته نهارا ممكنة لعارض يعرض في الجو، ويقل به ضوء الشمس، أو يكون قوي النظر. تنبيه: قال شيخ الاسلام زكريا في شرح البهجة: والمراد بما ذكر، أي من أنه للمستقبلة دفع ما قيل. إن رؤيته تكون لليلة الماضية، انتهى. أي فلا أثر لرؤية الهلال نهارا. وإنما يعتد بالرؤية بعد الغروب. قلت: ولعله مراد أصحابنا. لظاهر الخبر السابق. ولما يأتي: فيمن علق طلاق امرأته لرؤية الهلال، حيث قالوا: فرؤي وقد غربت، فعلم منه أن الرؤية قبل الغروب لا تأثير لها. (وإذا ثبتت رؤية الهلال بمكان قريبا كان أو بعيدا. لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه) لقوله (ص): صوموا لرؤيته وهو خطاب للامة كافة، ولان الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين. وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الاحكام. فكذا الصوم. ولو فرض الخطاب في الخبر للذين رأوه، فالغرض حاصل، لان من صور المسألة وفوائدها: ما إذا رآه جماعة ببلد، ثم سافروا إلى بلد بعيد، فلم ير الهلال به في آخر الشهر مع غيم أو صحو، فلا يحل لهم الفطر. ولا لاهل ذلك البلد عند المخالف. ومن صورها: ما إذا رآه جماعة ببلد، ثم سارت بهم ريح في سفينة فوصلوا إلى بلد بعيد في آخر الليل. لم يلزمهم الصوم في أول الشهر. ولم يحل لهم الفطر في آخره عندهم، وهذا كله مصادم لقوله (ص): صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. وأما خبر كريب قال: قدمت الشام، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيناه ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، فأخبرته فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم، حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا النبي (ص) رواه مسلم، فدل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده، ونحن نقول به. وإنما الخلاف في وجوب قضاء اليوم الاول، وليس هو في الحديث. وأجاب القاضي

[ 350 ]

عن قول المخالف: الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها. وقد ثبت أن لكل بلد حكم نفسه، كذا الهلال - بأن الشمس تكرر مراعاتها في كل يوم فتلحق به المشقة، فيؤدي إلى قضاء العبادات. والهلال في السنة مرة فليس كبير مشقة في قضاء يوم. ودليل المسألة من العموم يقتضي التسوية. (ولو اختلفت المطالع نصا) وذكر الشيخ تقي الدين: أنها تختلف باختلاف أهل المعرفة. لكن قال أحمد: الزوال في الدنيا واحد (ويقبل فيه) أي في هلال رمضان (قول عدل واحد) نص عليه. وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء. لانه (ص) صوم الناس بقول ابن عمر، رواه أبو داود والحاكم. وقال: على شرط مسلم. ولقبوله خبر الاعرابي به. رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس. ولانه خبر ديني وهو أحوط، ولا تهمة فيه، بخلاف آخر الشهر. ولاختلاف حال الرائي والمرئي. ولهذا لو حكم حاكم بشهادة واحد عمل بها وجوبا. و (لا) يقبل فيه قول (مستور ولا مميز) لعدم الثقة بقوله (في الغيم والصحو) متعلق بيقبل. والمصر وخارجه. (ولو) كان الرائي (في جمع كثير) ولم يره منهم غيره، لما سبق (وهو خبر) لا شهادة (فيصام، بقوله) رأيت الهلال، ولو لم يقل: أشهد، أو شهدت أني رأيته (ويقبل فيه المرأة والعبد) كسائر الاخبار. (ولا يعتبر) لوجوب الصوم (لفظ الشهادة، ولا يختص بحاكم. فيلزم الصوم: من سمعه من عدل. قال بعضهم: ولو رد الحاكم قوله. والمراد إذا لم ير الحاكم الصيام بشهادة واحد ونحوه) كما لو رده لعدم علمه بحاله، وجهله عدالته. أما لو رده لفسقه المعلوم له، لم يلزم الصوم من سمعه يخبر برؤية الهلال، لان رده له إذن حكم بفسقه. فلا يقبل خبره. (وتثبت بقية الاحكام) إذا ثبتت رؤية هلال رمضان بواحد (من وقوع الطلاق) والعتاق المعلقين بدخول رمضان. (وحلول الآجال) للديون المؤجلة إليه (وغيرها) كانقضاء العدة والخيار المشروط ومدة الايلاء ونحوها. (تبعا) للصوم. (ولا يقبل في بقية الشهور) كشوال وغيره (إلا

[ 351 ]

رجلان عدلان) بلفظ الشهادة، لان ذلك مما يطلع عليه الرجال غالبا، وليس بمال. ولا يقصد به المال. أشبه القصاص. وإنما ترك ذلك في رمضان احتياطا للعبادة. وإنما جاز الفطر بخبر واحد بغروب الشمس، لما يقارنه من أمارات تشهد بصدقه، لتمييز وقت الغروب بنفسه، وعليه أمارات تورث غلبة الظن. فإذا انضم إليها أخبار الثقة قوي الظن، وربما أفاد العلم، بخلاف هلال الفطر. فإنه لا أمارة عليه، وأيضا وقت الفطر ملازم لوقت صلاة المغرب، فإذا ثبت دخول وقت الصلاة بإخبار الثقة، أثبت دخول وقت الافطار تبعا له، ذكره في القاعدة الخمسين بعد المائة. (وإذا صاموا بشهادة اثنين: ثلاثين يوما، فلم يروا الهلال. أفطروا) في الغيم والصحو. لان شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء. فتبعا لثبوت الصوم أولى، ولان شهادتهما بالرؤية السابقة إثبات إخبار به عن يقين ومشاهدة، فكيف يقابلها الاخبار بنفي وعدم، ولا يقين معه، وذلك أن الرؤية يحتمل حصولها بمكان آخر، ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن النبي (ص) قال: وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا رواه النسائي. و (لا) يفطروا (إن صاموا) الثلاثين يوما (بشهادة واحد) لانه فطر. فلا يجوز أن يستند إلى واحد. كما لو شهد بهلال شوال. (وإن صاموا ثمانية وعشرين يوما ثم رأوا الهلال، قضوا يوما فقط نصا) نقله حنبل. واحتج بقول علي. ولانه يبعد الغلط بيومين. (وإن صاموا لاجل غيم ونحوه) كقتر ودخان (لم يفطروا) وجها واحدا. قاله في الشرح. لان الصوم إنما كان احتياطا. فمع موافقته للاصل - وهو بقاء رمضان، أولى. (فلوغم هلال شعبان ورمضان. وجب أن يقدر رجب وشعبان ناقصين) احتياطا للصوم، (ولا يفطروا حتى يروا الهلال) لشوال أو يصوموا اثنين وثلاثين يوما، لان الصوم إنما كان احتياطا. (وكذا الزيادة) أي زيادة صوم يومين على الصوم الواجب. (إن غم هلال رمضان وشوال، وأكملنا شعبان ورمضان، وكانا ناقصين). فقد صيم يومان زائدان على المفروض. وفي المستوعب: وعلى هذا فقس، إذا غم هلال رجب وشعبان ورمضان، انتهى. أي فلا يفطروا حتى يروا الهلال، أو يصوموا ثلاثين يوما. (قال الشيخ: قد يتوالى شهران وثلاثة

[ 352 ]

وأكثر: ثلاثين ثلاثين) أي كاملة. (وقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر تسعة وعشرين يوما. وفي شرح مسلم للنواوي) عن العلماء (لا يقع النقص متواليا في أكثر من أربعة أشهر)، فيكون معنى قول الشيخ: وأكثر. أي أربعة فقط. وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة: شهران لا ينقصان: رمضان وذو الحجة. نقل عبد الله والاثرم وغيرهما: لا يجتمع نقصانهما في سنة واحدة، ولعل المراد غالبا. وقيل: لا ينقص أجر العمل فيهما بنقص عددهما. وأنكر أحمد تأويل من أول السنة التي قال النبي (ص) ذلك فيها. ونقل أبو داود: ولا أدري ما هذا؟ قد رأيناهما ينقصان. (وقال الشيخ أيضا: قول من يقول: إن رؤي الهلال صبيحة ثمان وعشرين، فالشهر تام. وإن لم ير فهو ناقص. هذا بناء على الاستسرار)، أي تواري الهلال. (لا يكون إلا ليلتين. وليس بصحيح) لوجود خلافه، (بل قد يستسر) الهلال (ليلة تارة، وثلاث ليال) تارة (أخرى. ومن رأى هلال شهر رمضان وحده وردت شهادته) لفسق أو غيره (لزمه الصوم. وجميع أحكام الشهر من طلاق وعتق وغيرهما معلقين به)، لعموم قوله (ص): صوموا لرؤيته وكعلم فاسق بنجاسة ماء، أو دين على موروثه. ولانه يتيقن أنه من رمضان، فلزمه صومه، وأحكامه، بخلاف غيره من الناس. (ولا يفطر إلا مع الناس) لان الفطر لا يباح إلا بشهادة عدلين. (وإن رأى هلال شوال وحده، لم يفطر) نقله الجماعة. لحديث أبي هريرة يرفعه قال: الفطر يوم يفطرون. والاضحى يوم يضحون رواه أبو داود وابن ماجه. وعن عائشة قالت قال النبي (ص): الفطر يوم يفطر الناس. والاضحى يوم يضحي الناس رواه الترمذي. وقال: حسن صحيح غريب، ولاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط، وكما لا يعرف ولا يضحى وحده، قاله الشيخ تقي الدين، قال: والنزاع مبني على أصل، وهو أن الهلال: هل هو اسم لما يطلع في السماء، وإن لم يشتهر ولم

[ 353 ]

يظهر، أو أنه لا يسمى هلالا إلا بالظهور والاشتهار؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. (وقال ابن عقيل: يجب الفطر سرا، وهو حسن) لانه تيقنه يوم عيد. وهو منهي عن صومه. وأجيب: بأنه لا يثبت به اليقين في نفس الامر. إذ يجوز أنه خيل إليه. فينبغي أنه يتهم نفسه في رؤيته، احتياطا للصوم، وموافقة للجماعة. (والمنفرد برؤيته) أي هلال شوال (بمفازة ليس بقربه بلد. يبنى على يقين رؤيته) فيفطر، (لانه لا يتيقن مخالفة الجماعة. قاله المجد في شرحه) على الهداية. (وينكر على من أكل في) نهار (رمضان ظاهرا، وإن كان هناك عذر. قاله القاضي) لئلا يتهم (وقيل لابن عقيل: يجب منع مسافر ومريض وحائض من الفطر ظاهرا لئلا يتهم فقال: إن كانت أعذار خفية منع من إظهاره. كمريض لا أمارة له، ومسافر لا علامة عليه) للتهمة، بخلاف الاعذار الظاهرة. وهذا كالتقييد لكلام القاضي. (وإن رآه) أي هلال شوال (عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم. جاز لمن سمع شهادتهما الفطر. إذا عرف عدالتهما، و) جاز (لكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر). ذكره في المغني والشرح. لقوله (ص): فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا، رواه النسائي. وقدم في المبدع عدم الجواز. وأنه قياس المذهب (وإن شهد عند الحاكم) برؤية هلال شوال، (فرد) الحاكم (شهادتهما، لجهله بحالهما. فلمن علم عدالتهما الفطر. لان رده ههنا ليس بحكم منه) بعدم قبول شهادتهما. (إنما هو توقف لعدم علمه) بحالهما.

[ 354 ]

(فهو كالوقوف عن الحكم انتظارا للبينة ولهذا لو ثبتت عدالتهما بعد ذلك) ممن زكاهما (حكم بها) لوجود المقتضى. والخلاف في هذه كالتي قبلها. وأما إذا ردت شهادتهما لفسقهما. فليس لهما ولا لغيرهما الفطر. بشهادتهما. (وإن) كان (لم يعرف أحدهما عدالة الآخر. لم يجز له الفطر) لاحتمال فسقه. (إلا أن يحكم بذلك حاكم) فيزول اللبس. وكذا لو جهل غيرهما عدالتهما أو عدالة أحدهما. فليس له الفطر إلا أن يحكم بذلك الحاكم. (وإذا اشتبهت الاشهر على أسير أو مطمور، أو من بمفازة ونحوهم) كمن بدار حرب (تحرى) أي اجتهد في معرفة شهر رمضان (وجوبا) لانه أمكنه تأدية فرضه بالاجتهاد. فلزمه كاستقبال القبلة، (وصام) الذي ظهر له أنه رمضان (فإن وافق) ذلك (الشهر) أي شهر رمضان (أجزأه. وكذا) إن وافق (ما بعده) أي بعد رمضان. كذي القعدة أو محرم ونحوه كالصلاة. (إن لم يكن) الشهر الذي صامه (رمضان السنة القابلة. فإن كان فلا يجزئ عن واحد منهما) لاعتبار نية التعيين. (وإن تبين أن الشهر الذي صامه) يظنه رمضان (ناقص، ورمضان) الذي فاته (تمام. لزمه قضاء النقص) لان القضاء يجب أن يكون بعدد المتروك، بخلاف من نذر شهرا وأطلق. لانه يحمل على ما تناوله الاسم. (ويأتي) ذلك (في حكم القضاء. ويقضي يوم عيد. وأيام التشريق) يعني لو صام ذا الحجة باجتهاده أنه رمضان، لزمه قضاء يوم العيد، وأيام التشريق لعدم صحة صومها. (وإن وافق) صومه شهرا (قبله) أي قبل رمضان كشعبان (لم يجزه) نص عليه. لانه أتى بالعبادة قبل وقتها. فلم يجزه كالصلاة. فلو وافق بعضه رمضان، فما وافقه أو بعده أجزأه دون ما قبله. (وإن تحرى وشك: هل وقع) الشهر الذي صامه (قبله) أي قبل رمضان (أو بعده؟ أجزأه) لتأدية فرضه بالاجتهاد. ولا يضر التردد في النية. لمكان الضرورة. (ولو صام شعبان ثلاث سنين متوالية. ثم علم) أن صومه كان بشعبان في الثلاث سنين، (صام ثلاثة أشهر) بنية قضاء ما فاته من الرمضانات، (شهرا على إثر شهر) أي شهرا بعد شهر، يرتبها بالنية. (كالصلاة إذا فاتته) نقله مهنا، أي فإن الترتيب بين الصلوات واجب. فكذا بين الرمضانات إذا فاتت. (وإن صام) من اشتبهت عليه الاشهر (بلا

[ 355 ]

اجتهاد، فكمن خفيت عليه القبلة) لا يجزيه مع القدرة على الاجتهاد. (وإن ظن الشهر لم يدخل، فصام لم يجزه ولو أصاب، وكذا لو شك في دخوله) أي دخول شهر رمضان، ولم يغلب على ظنه دخوله. كما لو تردد في دخول وقت الصلاة. فصل: (ولا يجب الصوم) أي صوم رمضان (إلا على مسلم عاقل بالغ قادر عليه) أي الصوم، لما يأتي. (فلا يجب على كافر ولو مرتدا) لانه عبادة بدنية محضة، تفتقر إلى النية. فكان من شرطه الاسلام كالصلاة. (والردة تمنع صحة الصوم. فلو ارتد في يوم) وهو صائم فيه بطل صومه. لقوله تعالى: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) *. (ثم) إن (أسلم فيه، أو) أسلم (بعده، أو ارتد في ليلته، ثم أسلم فيه. فعليه القضاء) أي قضاء ذلك اليوم إن كان فرضا. لانه استقر عليه بإدراك جزء منه مسلما، كالصلاة يدرك جزءا من وقتها. (ولا يجب) الصوم (على مجنون) لحديث: رفع القلم عن ثلاث. (ولا يصح منه) لعدم إمكان النية منه، (ولا) يجب (على صغير) ولو مراهقا للحديث السابق. (ويصح) الصوم (من مميز) كصلاته (ويجب على وليه) أي المميز، (أمره به إذا أطاقه، وضربه حينئذ عليه) أي الصوم (إذا تركه ليعتاده) كالصلاة، إلا أن الصوم أشق. فاعتبرت له الطاقة، لانه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام. (وإذا قامت البينة بالرؤية) أي رؤية هلال رمضان (في أثناء النهار) متعلق: بقامت، (لزمهم) أي أهل وجوب الصوم (الامساك، ولو بعد فطرهم) لتعذر إمساك الجميع

[ 356 ]

فوجب أن يأتوا بما يقدرون عليه. لحديث: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وكذا لو تعمدوا الاكل في يوم آخر منه. (و) لزمهم (القضاء) لثبوته من رمضان، ولم يأتوا فيه بصوم صحيح فلزمهم قضاؤه للنص. (وإن أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صغير) مفطرا (فكذلك) أي من صار في أثناء يوم من رمضان أهلا للوجوب. لزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، لحرمة الوقت. ولقيام البينة فيه بالرؤية. ولادراكه جزءا من وقته كالصلاة. (و) كذا (كل من أفطر والصوم يجب عليه) فإنه يلزمه الامساك والقضاء. (كالمفطر لغير عذر، ومن أفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو) يظن (الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي النية، أو طهرت حائض، أو نفساء، أو تعمدت) مكلفة (الفطر، ثم حاضت) أو نفست، (أو تعمده) أي الفطر (مقيم ثم سافر) فكلهم يلزمهم الامساك والقضاء، لما سبق. (أو قدم مسافر) أو أقام ما يمنع القصر (أو برئ مريض مفطرين فعليهم القضاء والامساك) لما سبق. (وإن بلغ الصغير) ذكرا كان أو أنثى في أثناء نهار رمضان (بسن) أي تمام خمس عشرة سنة (أو احتلام) أي إنزال مني بسبب حلم، (صائما أتم صومه) بغير خلاف (ولا قضاء عليه. إن) كان (نوى من الليل) لانه نواه من الليل فأجزأه كالبالغ. ولا يمتنع أن يكون أوله نفلا وباقيه فرضا (كنذر إتمام نفل). وعند أبي الخطاب: عليه القضاء. (ولا يلزم من أفطر في صوم واجب غير رمضان الامساك) لعدم حرمة الوقت. (وإن علم مسافر أنه يقدم غدا لزمه الصوم نصا) نقله أبو طالب وأبو داود، كمن نذر صوم يوم يقدم فلان، وعلم قدومه في غد. فينويه من الليل. (بخلاف صبي يعلم أنه يبلغ غدا) فلا يلزمه الصوم (لعدم تكليفه) قبل دخول الغد. بخلاف المسافر (ومن عجز عن الصوم لكبر) وهو الهرم والهرمة، (أو مرض لا يرجى برؤه أفطر) أي له ذلك إجماعا (لعدم وجوبه) أي الصوم (عليه) لانه عاجز عنه. فلا يكلف به. لقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (وأطعم عن كل يوم مسكينا ما يجزئ في كفارة) مدا من بر، أو نصف صاع من تمر، أو زبيب أو شعير، أو أقط.

[ 357 ]

لقول ابن عباس في قوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية) * ليست بمنسوخة في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان الصوم فيطعمان مكان كل يوم مسكينا، رواه البخاري، ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ، ولم يدركه، رواه أحمد. (ولا يجزئ أن يصوم عنه) أي عن الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه (غيره) رمضان ولا قضاؤه، ولا كفارة، لانه عبادة بدنية محضة. وجبت بأصل الشرع. فلم تدخلها النيابة كالصلاة. (وإن سافر) الكبير العاجز عن الصوم، (أو مرض فلا فدية) عليه (لانه أفطر بعذر معتاد ولا قضاء) لعجزه عنه، ويعايى بها. (وإن) أطعم ثم (قدر على القضاء، فكمعضوب) بالعين المهملة ثم الضاد المعجمة والمراد به: العاجز عن الحج. ويأتي (أحج عنه ثم عوفي) ذكره المجد. وظاهره: أنه لا يجب القضاء، بل يتعين الاطعام. قاله في المبدع. ومفهومه: أنه لو عوفي قبل الاطعام تعين القضاء، كالمعضوب إذا عوفي قبل إحرام نائبه. (ولا يسقط الاطعام) عن العاجز عن الصوم لكبر أو مرض يرجى برؤه (بالعجز) عنه، كفدية الحج. فمتى قدر عليه أطعم. (ويأتي قريبا، والمريض) غير المأيوس من برئه (إذا خاف) بصومه (ضررا بزيادة مرضه، أو طوله) أي المرض (ولو بقول مسلم ثقة، أو كان صحيحا فمرض في يومه، أو خاف مرضا لاجل عطش أو غيره. سن فطره. وكره صومه وإتمامه) أي الصوم. لقوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * أي فليفطر وليقض عدد ما أفطر. ولان فيه قبول الرخصة مع التلبس بالاخف. لقوله (ص): ما خيرت بين أمرين إلا اخترت أيسرهما قال في المبدع: فلو خاف تلفا بصومه كره. وجزم جماعة بأنه يحرم. ولم يذكروا خلافا في الاجزاء. (فإن صام) المريض مع ما سبق (أجزأه) صومه. نقله الجماعة، لصدوره من أهله في محله، كما لو أتم المسافر.

[ 358 ]

(ولا يفطر مريض لا يتضرر بالصوم، كمن به جرب أو وجع ضرس، أو أصبع أو دمل ونحوه) قيل لاحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟. (وقال) أبو بكر (الآجري: من صنعته شاقة فإن خاف) بالصوم (تلفا أفطر وقضى) إن ضره ترك الصنعة. (فإن لم يضره تركها أثم) بالفطر ويتركها (وإلا) أي وإن لم ينتف التضرر بتركها (فلا) إثم عليه بالفطر للعذر. (ومن قاتل عدوا، أو أحاط العدو ببلده والصوم يضعفه) عن القتال (ساغ له الفطر بدون سفر، نصا) لدعاء الحاجة إليه. (ومن به شبق يخاف أن ينشق ذكره) أو أنثياه أو مثانته، (جامع وقضى، ولا يكفر نصا) نقله إسماعيل بن سعيد الشالنجي. قال أحمد: يجامع ولا يكفر، ويقضي يوما مكانه. وذلك أنه إذا أخذ الرجل هذا ولم يجامع خيف عليه أن ينشق فرجه. (وإن اندفعت شهوته بغيره) أي غير الجماع (كالاستمناء بيده أو يد زوجته أو) يد (جاريته ونحوه)، كالمفاخذة (لم يجز) له الوطئ، كالصائل يندفع بالاسهل. لا ينتقل إلى غيره. (وكذا إن أمكنه أن لا يفسد صوم زوجته) أو أمته (المسلمة البالغة بأن يطأ زوجته أو أمته الكتابيتين أو) يطأ (زوجته أو أمته الصغيرتين) أو المجنونتين، (أو) اندفعت شهوته بالوطئ (دون الفرج) فلا يباح له إفساد صومها، لعدم الضرورة إليه. قلت: ولعل قياس ذلك إذا أمكنه وطئ من لزمها الامساك. كمن طهرت ونحوها في أثناء النهار. لان الامساك دون الصوم الشرعي خصوصا فيما فيه خلاف في وجوبه، (وإلا) أي وإن لم يمكنه عدم إفساد صوم الزوجة أو الامة المسلمة البالغة (جاز) له إفساد صومها (للضرورة)، كأكل الميتة للمضطر (ومع الضرورة إلى وطئ حائض وصائمة بالغ)، بأن لم يكن له غيرهما. (فوطئ الصائمة أولى) من وطئ الحائض. لان تحريم وطئ الحائض بنص القرآن. (وإن لم تكن) الزوجة أو الامة الصائمة (بالغا وجب اجتناب الحائض) للاستغناء عنه بلا محذور، فيطأ الصغيرة وكذا المجنونة. (وإن تعذر قضاؤه) أي

[ 359 ]

ذي الشبق (لدوام شبقه، فككبير عجز عن الصوم على ما تقدم) فيطعم لكل يوم مسكينا. ولا قضاء إلا مع عذر معتاد كمرض أو سفر. فلا إطعام ولا قضاء، كما تقدم في الكبير. ولعل حكم زوجته أو أمته التي ليس له غيرها كذلك. (وحكم المريض الذي ينتفع بالجماع) في مرضه (حكم من خاف تشقق فرجه) في جواز الوطئ مع الكفارة وإفساد صوم زوجته وأمته وعدمه. (والمسافر سفر قصر يسن له الفطر إذا فارق بيوت قريته) العامرة (كما تقدم في القصر) موضحا، لقوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) *. (ويكره صومه، ولو لم يجد مشقة) لقوله (ص): ليس من البر الصوم في السفر متفق عليه من حديث جابر ورواه النسائي وزاد: عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها. وصح عنه (ص) أنه لما أفطر في السفر وبلغه أن قوما صاموا قال: أولئك العصاة قال المجد: وعندي لا يكره لمن قوي. واختاره الآجري. (ويجزيه) أي يجزئ المسافر الصوم برمضان نقله الجماعة. ونقل حنبل: لا يعجبني، واحتج بقوله (ص): ليس من البر الصوم في السفر. وعمر وأبو هريرة يأمرانه بالاعادة، وقاله الظاهرية. ويروى عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس. قال في الفروع والمبدع: والسنة الصحيحة ترد هذا القول. (لكن لو سافر ليفطر حرما) أي السفر والفطر (عليه)، حيث لا علة لسفره إلا الفطر، أما حرمة الفطر فلعدم العذر المبيح له، وأما حرمة السفر. فلانه وسيلة إلى الفطر المحرم. (ولا يجوز لمريض ومسافر أبيح لهما الفطر أن يصوما في رمضان عن غيره) من قضاء ونذر وغيرهما (كمقيم صحيح) لان الفطر أبيح تخفيفا ورخصة. فإذا لم يؤده لزمه الاتيان بالاصل. كالجمعة وكالمقيم الصحيح. ولانه لو قبل صوما من المعذور لقبله من غيره. كسائر الزمان المتضيق للعبادة. (فيلغو صومه) إذا صام في رمضان عن غيره. ولا يقع عن رمضان لعدم تعيين النية له. (ولو قلب صوم رمضان إلى نفل، لم يصح له النفل) لما تقدم،

[ 360 ]

(وبطل فرضه) لقطع نيته. (ومن نوى الصوم في سفر. فله الفطر بما شاء من جماع وغيره) كأكل وشرب. (لان من) أبيح (له الاكل) أبيح (له الجماع) كمن لم ينو (ولا كفارة) عليه بالوطئ، (لحصول الفطر بالنية قبل الفعل) أي الجماع. فيقع الجماع بعده. (وكذا مريض يباح له الفطر) إذا نوى الصوم، له الفطر بما شاء من جماع وغيره لما تقدم. (وإن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه) سفرا يبلغ المسافة (طوعا أو كرها. فله الفطر بعد خروجه) ومفارقته بيوت قريته العامرة، لظاهر الآية والاخبار الصريحة. منها: ما روى عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري من الفسطاط في شهر رمضان، ثم قرب غداءه فقال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة النبي (ص)؟ فأكل رواه أبو داود. ولان السفر مبيح للفطر. فأباحه في أثناء النهار كالمرض الطارئ، ولو بفعله. والصلاة لا يشق إتمامها. وهي آكد، لانه متى وجب إتمامها لم تقصر بحال. و (لا) يجوز له الفطر (قبله) أي قبل خروجه لانه مقيم. (والافضل له) أي لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه (الصوم) أي إتمام صوم ذلك اليوم، خروجا من خلاف من لم يبح له الفطر. وهو قول أكثر العلماء، تغليبا لحكم الحضر، كالصلاة. (والحامل والمرضع إذا خافتا الضرر على أنفسهما) أبيح لهما الفطر كالمريض (أو) خافتا الضرر على (ولديهما. أبيح لهما الفطر) لان خوفهما خوف على آدمي. أشبه خوفهما على أنفسهما. (وكره صومهما) كالمريض (ويجزئ) صومهما (إن فعلتا) أي صامتا كالمريض والمسافر. (وإن أفطرتا قضتا) ما أفطرتاه كالمريض. (ولا إطعام) على أحد (إن خافتا على أنفسهما كمريض) يضره الصوم. فإنه يقضي من غير إطعام (بل إن خافتا على ولديهما) فقط، (أطعمتا مع القضاء) لانه كالتكملة له. (عن كل يوم مسكينا ما يجزئ في الكفارة) لقوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام: أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا. والحبلى والمرضع إذا خافتا على

[ 361 ]

أولادهما أفطرتا وأطعمتا رواه أبو داود. وروي ذلك عن ابن عمر، ولا مخالف لهما من الصحابة. ولانه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة، فوجب به الكفارة، كالشيخ الهرم. (وهو) أي الاطعام (على من يمون الولد) لان الارفاق للولد. ويجب الاطعام (على الفور) لانه مقتضى الامر. وكسائر الكفارات، وذكر المجد أنه إن أتى به مع القضاء جاز، لانه كالتكملة له، وهذا مقتضى كلام المصنف أولا. (وإن قبل ولد المرضعة ثدي غيرها وقدرت تستأجر له أو، له) من المال (ما يستأجر منه. فعلت) أي استأجرت له. (ولم تفطر) لعدم الحاجة إليه. (وله صرف الاطعام إلى مسكين واحد، جملة واحدة) لظاهر الآية. (وحكم الظئر) أي المرضعة لولد غيرها (كمرضع) لولدها (فيما تقدم) من الفطر وعدمه، والفدية وعدمها (فإن لم تفطر) الظئر (فتغير لبنها) بالصوم (أو نقص، خير المستأجر) بين فسخ الاجارة وإمضائها، (وإن قصدت) الظئر (الاضرار) بالرضيع بصومها (أثمت. وكان للحاكم إلزامها بالفطر بطلب المستأجر) ذكره ابن الزاغوني. وقال أبو الخطاب: إن تأذى الصبي بنقصه أو تغييره. لزمها الفطر. فإن أبت فلاهله الفسخ. ويؤخذ من هذا: أنه يلزم الحاكم إلزامها بما يلزمها: وإن لم تقصد الضرر، بلا طلب قبل الفسخ وهذا متجه. قاله في الفروع. وجزم بمعناه في المنتهى. (ولا يسقط الاطعام بالعجز) كالدين، (وكذا) الاطعام (عن الكبير، و) المريض (المأيوس) منه. وتقدم (ولا) يسقط (إطعام من أخر قضاء رمضان) حتى أدركه رمضان آخر. (و) لا إطعام (غيره) مما وجب بنذر أو كفارة بالعجز (غير كفارة الجماع) في الحيض، وتقدم في بابه، وغير كفارة الجماع في نهار رمضان. (ويأتي) في الباب بعده (ولو وجد آدميا معصوما في هلكة كغريق. لزمه مع القدرة إنقاذه) من الهلكة. (وإن دخل الماء في حلقه لم يفطر) كمن طار إلى حلقه ذباب أو غبار بلا قصد، (وإن حصل له) أي للمنقذ (بسبب انقاذه ضعف في نفسه، فأفطر. فلا فدية) على المنقذ. ولا على المنقذ. (كالمريض) وإن احتاج في انقاذه إلى الفطر،

[ 362 ]

وجب لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (ومن نوى الصوم ليلا ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار. لم يصح صومه) لانه عبارة عن الامساك مع النية. ولم يوجد الامساك المضاف إليه النية. كما دل عليه قوله في الحديث القدسي: إنه ترك طعامه وشرابه من أجلي فلم تعتبر النية منفردة عنه. (وإن أفاق) المجنون أو المغمى عليه (جزءا منه) أي من اليوم الذي بيت النية له (صح) صومه، لقصد الامساك في جزء من النهار، كما لو نام بقية يومه. وظاهره: أنه لا يتعين جزء الادراك. ولا يفسد الاغماء بعض اليوم الصوم، وكذا الجنون. وقيل: يفسد الصوم كالحيض. وأولى لعدم تكليفه. وأجيب: بأنه زوال عقل في بعض اليوم، فلم يمنع صحته كالاغماء. ويفارق الحيض. فإنه لا يمنع الوجوب. وإنما يمنع صحته ويحرم فعله، ذكره في المبدع. (ومن جن في صوم قضاء وكفارة ونحوهما) كنذر، (قضاه) إذا أفاق (بالوجوب السابق) كقضاء الصلاة، لا بأمر جديد. (وإن نام) من نوى الصوم (جميع النهار صح صومه) لانه معتاد ولا يزيل الاحساس بالكلية. (ولا يلزم المجنون قضاء زمن جنونه) سواء كان الشهر كله أو بعضه، لعدم تكليفه، (ويلزم) القضاء (المغمى عليه) لانه مرض. وهو مغط على العقل غير رافع للتكليف، ولا تطول مدته، ولا تثبت الولاية على صاحبه. ويدخل على الانبياء عليهم الصلاة والسلام. فصل: (ولا يصح صوم) إلا بنية ذكره الشارح إجماعا. كالصلاة والحج. لحديث: إنما الاعمال بالنيات ولا صوم (واجب إلا بنية من الليل) لما روى ابن عمر عن حفصة: أن النبي (ص) قال: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له رواه الخمسة. قال الترمذي والخطابي: رفعه

[ 363 ]

عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة وهو من الثقات. ووافقه على رفعه ابن جريج عن الزهري، رواه النسائي، ولم يثبت أحمد رفعه. وصحح الترمذي أنه موقوف على ابن عمر. وعن عائشة مرفوعا: من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له رواه الدارقطني، وقال: أسناده كلهم ثقات. وفي لفظ للزهري: من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له. لا يقال: في صيام عاشوراء قد ورد بنية من النهار وقد كان واجبا لان وجوبه كان نهارا كمن صام تطوعا، ثم نذره، على أن جماعة ذكروا أنه ليس بواجب. ولان النية عند ابتداء العبادة كالصلاة. وفي أي وقت من الليل نوى أجزأه، لاطلاق الخبر. (لكل يوم) من رمضان (نية مفردة لانها) أي أيام رمضان (عبادات) فكل يوم عبادة مفردة. فيحتاج إلى نية. (و) الدليل على أن كل يوم عبادة مفردة: أنه (لا يفسد) صوم (يوم بفساد) صوم يوم (آخر وكالقضاء) أي قضاء رمضان. وعنه يجزئ في أول رمضان نية واحدة لكله. (ولو نوت حائض) أو نفساء (صوم غد، وقد عرفت أنها تطهر ليلا. صح) لمشقة المقارنة. (ولو نسي النية أو أغمي عليه) من الغروب (حتى طلع الفجر) لم يصح صومه لعدم النية. (أو نوى نهارا صوم الغد لم يصح) صومه، لانه لم يبيت النية. كما لو نوى من الليل صوم بعد غد. (ولو نوى) الصوم (من الليل، ثم أتى بعد النية فيه) أي الليل (بما يبطل الصوم) كالاكل والجماع (لم تبطل) النية، نص عليه. لظاهر الخبر خلافا لابن حامد. ولان الله أباح الاكل إلى آخر الليل. فلو بطلت فيه فات محلها. (ومن خطر بباله أنه صائم غدا فقد نوى) لان النية محلها القلب. (والاكل والشرب بنية الصوم نية) قاله في الروضة، ومعناه لغيره. قال الشيخ تقي الدين: هو حين يتعشى، يتعشى عشاء من يريد الصوم. ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان. (ويجب تعيين النية بأن يعتقد أنه يصوم) غدا (من رمضان أو من قضائه، أو) من (نذره، أو كفارته) نص عليه لحديث: إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ولان التعيين مقصود في نفسه (ولا يجب

[ 364 ]

معه) أي التعيين (نية الفريضة) وفي نسخة: الفرضية (في فرضه. ولا الوجوب في واجبه) لان التعيين يجزئ عن ذلك. (فلو نوى إن كان غدا من رمضان فهو) أي الصوم (عنه وإلا فعن واجب غيره. وعينه بنيته)، كأن ينويه عن نذر أو كفارة (لم يجزئه عن واحد منهما) لعدم جزمه بالنية لاحدهما. (وإن قال) إن كان غدا من رمضان فهو فرضي، (وإلا فهو نفل، أو فأنا مفطر لم يصح) صومه إن ظهر منه، لعدم جزمه بالنية. (وإن قاله) أي إن كان غدا من رمضان ففرضي، وإلا فأنا مفطر (ليلة الثلاثين من رمضان صح) صومه إن بان منه. لانه مبني على أصل لم يثبت زواله. ولا يقدح تردده لانه حكم صومه مع الجزم، بخلاف ما إذا قاله ليلة الثلاثين من شعبان. لانه لا أصل معه يبني عليه بل الاصل بقاء شعبان. (ومن قال: أنا صائم غدا إن شاء الله. فإن قصد بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد. فسدت نيته) لعدم الجزم بها، (وإلا) أي وإن لم يقصد بالمشيئة الشك والتردد في الصوم وعدمه، بل نوى التبرك أو لم ينو شيئا، (لم تفسد) نيته (إذ قصده أن فعله للصوم بمشيئة الله وتوفيقه وتيسيره، كما لا يفسد الايمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله، غير متردد في الحال). قال القاضي: (وكذا) نقول: (في سائر العبادات) لا تفسد بذكر المشيئة في نيتها اه‍. وفي نهاية المبتدئين لابن حمدان: يحرم قوله: أنا مسلم إن شاء الله. (وإن لم يردد نيته بل نوى ليلة الثلاثين من شعبان أنه صائم غدا من رمضان بلا مستند شرعي) من رؤية الهلال أو غيم ونحوه (أو بمستند غير شرعي، كحساب ونحوه) كتنجيم، ولو كثرت إصابته (لم يجزئه) صومه (وإن بان منه) أي من رمضان لان النية قصد يتبع العلم، وما لا يعلمه ولا دليل على وجوده: لا يصح قصده. (ولا أثر لشك مع غيم وقتر) ونحوهما. فإذا نوى صوم يوم الثلاثين لذلك، أجزأه إن بان منه لما تقدم، (ولو نوى خارج رمضان قضاء ونفلا، أو نوى الافطار من القضاء ثم نوى نفلا. أو قلب نية القضاء إلى النفل، بطل القضاء) لتردده في نيته أو قطعها. (ولم

[ 365 ]

يصح النفل لعدم صحة نفل من عليه قضاء رمضان قبل القضاء) وفي الفروع والتنقيح والمنتهى: يصح نفلا. وقد ذكرت كلام المصنف في حاشية التنقيح في ذلك في الحاشية، وما يمكن أن يجاب به عنه. (وإن نوى) خارج رمضان (قضاء وكفارة ظهار ونحوه) ككفارة قتل (لم يصحا) أي لا الصوم الواجب، لعدم جزمه بالنية له، ولا النفل، (لما تقدم) من عدم صحة نفل من عليه قضاء رمضان قبل القضاء. (ومن نوى الافطار أفطر) لانه قد قطع نية الصوم بنية الافطار. فكأنه لم يأت بها ابتداء. (فصار كمن لم ينو) الصوم (لا كمن أكل) ونحوه، (فلو كان) نوى الافطار (في نفل ثم عاد نواه) نفلا (صح) نص عليه، (وكذا لو كان من نذر أو كفارة فقطع نيته ثم نوى نفلا) بخلاف ما إذا كان من قضاء رمضان على طريقته. (ولو قلب نية نذر) أو كفارة (إلى النفل، فكمن انتقل من فرض صلاة إلى نفلها) فيصح ويكره لغير غرض صحيح (ولو تردد في الفطر، أو نوى أنه سيفطر ساعة أخرى، أو إن وجدت طعاما أكلت. وإلا أتممت ونحوه، بطل) صومه لتردده في النية، (كصلاة) أي كما تبطل الصلاة بتردده في فسخ نيتها، إذ استصحاب حكم النية شرط في صحة الصلاة والصوم والوضوء ونحوها. (ويصح صوم نفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده) نص عليه. لحديث عائشة قالت: دخل علي النبي (ص) ذات يوم فقال: هل عندكم شئ؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذن صائم رواه مسلم. ويدل عليه حديث عاشوراء. ولان الصلاة خفف نفلها عن فرضها. فكذا الصوم. ولما فيه من تكثيره لكونه يعن له فعفى عنه، ويدل لصحته بنية بعد الزوال: أنه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة. ولم ينقل عن أحد من الصحابة ما يخالفه صريحا. ولان النية وجدت في جزء النهار. فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة. وبه يبطل التعليل بالاكثر. لان الاكثر قد خلا عن النية في الاصل. فإن ما بين طلوع الفجر والزوال يزيد على ما بين الزوال والغروب، بما بين طلوع الفجر والشمس. وأيضا جميع الليل وقت لنية الفرض. فكذا النهار. وشرطه أن يكون فعل ما يفطره قبل النية. فإن فعل فلا يجزئه

[ 366 ]

الصوم بغير خلاف نعلمه. قاله في الشرح لكن خالف فيه أبو زيد الشافعي. (ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية) لان ما قبله لم يوجد فيه قصد القربة فلا يقع عبادة لقوله (ص): وإنما لكل امرئ. (فيصح تطوع حائض) أو نفساء (طهرت) في يوم بصوم بقيته (و) تطوع (كافر أسلم في يوم ولم يأكلا) أي الحائض، والكافر. ولو قال، كالمنتهى: لم يأتيا فيه بمفسد. لكان أشمل، (بصوم بقية اليوم) متعلق بتطوع. وفي الفروع: يتوجه يحتمل أن لا يصح: لانه لا يصح منهما صوم. باب ما يفسد الصيام وهو كل ما ينافيه من أكل وشرب ونحوهما، (و) ما (يوجب الكفارة وما يتعلق بذلك) كالوطئ في نهار رمضان. (من أكل ولو ترابا أو ما لا يغذي) بالغين والذال المعجمتين، (ولا يماع في الجوف، كالحصى. أو شرب) فسد صومه. لقوله تعالى: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) * فأباحهما إلى غاية. وهي تبين الفجر. ثم أمر بالامساك عنهما إلى الليل. لان حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها. ولقوله (ص): كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به. إنه ترك طعامه وشرابه من أجلي متفق عليه. ولا فرق بين القليل والكثير (أو استعط) في أنفه (بدهن أو غيره. فوصل إلى حلقه أو دماغه) وفي الكافي: أو خياشيمه. فسد صومه. لنهيه (ص) الصائم عن المبالغة في الاستنشاق. ولان الدماغ جوف. والواصل إليه يغذيه، فيفطر. كجوف البدن. (أو احتقن) في دبره. فسد صومه لانه يصل إلى الجوف. ولان غير المعتاد كالمعتاد

[ 367 ]

في الواصل. ولانه أبلغ وأولى من الاستعاط. (أو داوى الجائفة أو جرحا بما يصل إلى جوفه) لانه أوصل إلى جوفه شيئا باختياره. أشبه ما لو أكل. (أو اكتحل بكحل أو صبر، أو قطور، أو ذرور، أو إثمد، ولو غير مطيب يتحقق معه وصوله إلى حلقه) نص عليه. لان النبي (ص): أمر بالاثمد المروح عند النوم وقال: ليتقه الصائم رواه أبو داود والبخاري في تاريخه، من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن سعيد بن هوذة عن أبيه عن جده. قال ابن معين: حديث منكر، وعبد الرحمن ضعيف. وقال أبو حاتم: صدوق، ووثقه ابن حبان، ولان العين منفذ، لكنه غير معتاد. وكالواصل من الانف. (وإلا) أي وإن لم يتحقق وصوله إلى حلقه (فلا) فطر. لعدم تحقق ما ينافي الصوم. (أو استقاء) أي استدعى القئ. (فقاء طعاما أو مرارا، أو بلغما، أو دما أو غيره. ولو قل) لحديث أبي هريرة المرفوع: من ذرعه القئ فليس عليه قضاء. ومن استقاء عمدا فليقض رواه الخمسة. وقال الترمذي: حسن غريب ورواه الدارقطني، وقال: إسناده كلهم ثقات. (أو أدخل إلى جوفه أو مجوف في جسده، كدماغه وحلقه وباطن فرجها، وتقدم في) باب (الاستطابة إذا أدخلت أصبعها، ونحو ذلك). أي نحو الدماغ. والحلق، وباطن فرجها كالدبر، (مما ينفذ إلى معدته شيئا من أي موضع كان، ولو خيطا ابتلعه كله، أو) ابتلع (بعضه، أو رأس سكين، من فعله أو فعل غيره بإذنه) فغاب في جوفه، فسد صومه. ويعتبر العلم بالواصل. وجزم في منتهى الغاية: بأنه يكفي الظن. واختار الشيخ تقي الدين: لا يفطر بمداواة جائفة ومأمومة، ولا بحقنه. (أو داوى المأمومة) فوصل إلى دماغه أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه لان الدماغ أحد الجوفين فالواصل إليه يغذيه. فأفسد الصوم كالآخر، (أو استمنى) أي استدعى المني. (فأمنى، أو أمذى) لانه إذا فسد بالقبلة المقترنة بالانزال، فلان يفسد به بطريق أولى، فإن لم ينزل

[ 368 ]

فقد أتى محرما ولم يفسد صومه، وإن أنزل لغير شهوة فلا كالبول. (أو قبل، أو لمس، أو باشر دون الفرج فأمنى، أو أمذى) لما روى أبو داود عن عمر: أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم. فقلت: يا رسول الله، إني فعلت أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم. قال: أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به. قال: فمه فشبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقدمات الفطر فإن القبلة إذا كان معها نزول أفطر وإلا فلا. ذكره في المغني والشرح، وفيه نظر. لانه غايته: أنها قد تكون وسيلة وذريعة إلى الجماع. وعلم منه: أنه لا فطر بدون الانزال. لقول عائشة: كان النبي (ص) يقبل وهو صائم وكان أملككم لاربه رواه البخاري، وروي بتحريك الراء وسكونها، ومعناه حاجة النفس ووطرها وقيل: بالتسكين العضو، وبالتحريك الحاجة. (أو كرر النظر فأمنى) لانه إنزال بفعل يلتذ به. ويمكن التحرز منه. أشبه الانزال باللمس. و (لا) يفطر (إن أمذى) بتكرار النظر، لانه لا نص فيه. والقياس على إنزال المني لا يصح، لمخالفته إياه في الاحكام. (أو لم يكرر النظر، فأمنى) أي لا فطر لعدم إمكان التحرز من النظرة الاولى، وعلم منه: أنه لو كرر النظر فلم ينزل، فلا فطر، قال في الشرح والمبدع: بغير خلاف (أو حجم أو احتجم) في القفا أو الساق، نص عليه. (وظهر دم) نص عليه، لقوله (ص): أفطر الحاجم والمحجوم رواه أحمد والترمذي من حديث رافع بن خديج، ورواه أحمد أيضا من حديث ثوبان وشداد بن أوس، وعائشة وأسامة بن زيد وأبي هريرة، ومعقل بن سنان،

[ 369 ]

وهو لابي داود من حديث ثوبان، ولابن ماجه من حديث شداد، وأبي هريرة، وهذا يزيد على رتبة المستفيض، قال ابن خزيمة: ثبتت الاخبار عنه (ص) بذلك، وقال أحمد: فيه غير حديث ثابت، وأصحها: حديث رافع، قال ابن المديني: أصح شئ في هذا الباب حديث ثوبان، وشداد، وصححهما أحمد والبخاري، وهو قول علي وابن عباس وأبي هريرة وعائشة، ورخص فيها أبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وقاله أكثر العلماء، لما روى ابن عباس: أن النبي (ص) احتجم وهو صائم رواه البخاري، وجوابه: أن أحمد ضعفه في رواية الاثرم، لان الانصاري ذهبت كتبه في فتنة، فكان يحدث من كتب غلامه أبي حكيم، ثم لو صح فهو منسوخ، بدليل أن ابن عباس، وهو راويه، كان يعد الحجام والمحاجم قبل مغيب الشمس فإذا غابت احتجم كذلك. رواه الجوزجاني. ويحتمل أن يكون لعذر، لما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عباس قال: احتجم النبي (ص) من شئ كان وجده. وأحاديثنا أكثر واعتضدت بعمل الصحابة، وهي قول، وحديثهم فعل، والقول مقدم لعدم عموم الفعل، واحتمال أنه خاص به. ونسخ حديثهم أولى، لانه موافق لحكم الاصل، فنسخه يلزم منه مخالفة الاصل مرة واحدة، بخلاف نسخ حديثنا، لانه يلزم مخالفة الاصل مرتين، فإن لم يظهر دم، فلا فطر. و (لا) فطر (إن جرح) الصائم (نفسه، أو جرحه غيره بإذنه، ولم يصل إلى جوفه) شئ من آلة الجرح، (ولو) كان الجرح (بدل الحجامة، ولا) فطر، (بفصد وشرط، ولا بإخراج دمه برعاف) لانه لا نص فيه. والقياس لا يقتضيه. (أي ذلك) المذكور من الاكل والشرب، وما عطف عليهما، (فعل) الصائم (عامدا) أي قاصدا للفعل (ذاكرا لصومه مختارا) لفعله (فسد صومه، ولو جهل التحريم) لعموم ما سبق. (فلا يفطر غير قاصد الفعل، كمن طار إلى حلقه غبار ونحوه) كذباب. (أو ألقى في ماء فوصل إلى جوفه ونحوه) لان غير القاصد غافل غير مكلف، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق. (ولا) يفطر (ناس) لفعل شئ مما تقدم، لقوله (ص): عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. ولحديث أبي هريرة يرفعه: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه متفق عليه. (فرضا كان الصوم أو نفلا) لعموم الادلة، (ولا) يفطر (مكره،

[ 370 ]

سواء أكره على الفعل) أي الاكل ونحوه (حتى فعل) ما أكره عليه، (أو فعل به، بأن صب في حلقه مكرها أو نائما، كما لو أوجر المغمى عليه معالجة) لعموم قوله (ص): وما استكرهوا عليه. (ويفطر) الصائم (بردة) مطلقا، لقوله تعالى: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) *، وكذلك كل عبادة حصلت الردة في أثنائها، فإنها تفسدها. (و) يفطر ب‍ (- موت، فيطعم من تركته في نذر وكفارة) مسكين لفساد ذلك اليوم الذي مات فيه. لتعذر قضائه. (ويأتي) ذلك مفصلا في حكم القضاء (وإن دخل حلقه ذباب أو غبار طريق، أو) غبار (دقيق، أو دخان من غير قصد) لم يفطر، لعدم القصد كالنائم وعلم منه: أن من ابتلع الدخان قصدا فسد صومه. (أو قطر في إحليله) دهنا أو غيره لم يفطر، (ولو وصل مثانته) لعدم المنفذ. وإنما يخرج البول رشحا، كمداواة جرح عميق. لم يصل إلى الجوف والمثانة، العضو الذي يجتمع فيه البول. وإذا كان لا يستمسك بوله، قيل: مثن الرجل، بكسر الثاء فهو أمثن. والمرأة مثنى. وقال الكسائي: يقال رجل مثن ومثون. (أو فكر فأمنى أو مذى) لم يفطر. لقوله (ص): عفي لامتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم به ولانه لا نص فيه، ولا إجماع، وقياسه على تكرار النظر لا يصح، لانه دونه في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الانزال. (كما لو حصل) الانزال (بفكر غالب) أي غير اختياري، بأن لم يتسبب فيه. (أو احتلم أو أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض أو) ل‍ (- سقطة) من موضع عال، (أو خروجا منه لهيجان شهوة من غير أن يمس ذكره) بيد أو غيرها، منه أو من غيره. (أو أمنى نهارا من وطئ ليل) لم يفطر، لانه لم يتسبب إليه في النهار. (أو) أمنى

[ 371 ]

(ليلا من مباشرته نهارا) فلا فطر بذلك كله. (أو ذرعه القئ) بالذال المعجمة، أي غلبه وسبقه. لم يفطر للخبر. (ولو عاد) شئ من قيئه (إلى جوفه بغير اختياره) لانه كالمكره، (لا إن عاد) القئ إلى جوفه (باختياره)، ولو لم يملا الفم، أو ذرعه القئ، ثم أعاده عمدا. فإنه يفطر بذلك، كبلعه بعد انفصاله عن الفم. (أو أصبح) الصائم (وفي فيه طعام فلفظه) أي رماه لم يفطر. لعدم إمكان التحرز منه. ولا يخلو منه صائم غالبا. (أو شق) عليه (لفظه) أي رمى الطعام الذي أصبح بفمه، لعدم تميزه عن ريقه. (فبلعه مع ريقه بغير قصد، أو جرى ريقه ببقية طعام تعذر رميه) لم يفطر بذلك. لما سبق، (أو بلع) الصائم (ريقه عادة) لم يفطر. (لا إن أمكن لفظه بقية الطعام، بأن تميز عن ريقه، فبلعه عمدا. ولو) كان (دون حمصة) فإنه يفطر بذلك. لانه لا مشقة في لفظه، والتحرز منه ممكن. (أو اغتسل) لم يفطر. لانه (ص): كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم متفق عليه من حديث عائشة وأم سلمة. ولان الله تعالى أباح الجماع وغيره إلى طلوع الفجر. فيلزم جواز الاصباح جنبا. احتج به ربيعة والشافعي. (أو تمضمض أو استنشق) في الوضوء (فدخل الماء حلقه بلا قصد، أو بلع ما بقي من أجزاء الماء بعد المضمضة، لم يفطر) لانه واصل بغير قصد. أشبه الذباب. (وكذا إن زاد على الثلاث في أحدهما) أي الفعلين، وهما المضمضة والاستنشاق. (أو بالغ فيه) أي في أحدهما بأن بالغ في المضمضة أو الاستنشاق لانه واصل بغير اختياره. (وإن فعلهما) أي المضمضة والاستنشاق (لغير طهارة) أي وضوء أو غسل، (فإن كان لنجاسة ونحوها فكالوضوء، وإن كان عبثا أو لحر، أو عطش. كره) نص عليه. سئل أحمد عن الصائم يعطش، فيتمضمض، ثم يمج الماء. قال: يرش على صدره أحب إلي. (وحكمه) في الفطر (حكم الزائد على الثلاث) فلا يفطر به على ما تقدم. (وكذا إن غاص في الماء في

[ 372 ]

غسل غير مشروع أو إسراف، أو كان عابثا) فيكره له ذلك. ولا يفطر بما يصل إلى جوفه بلا قصد. (ولو أراد أن يأكل أو يشرب من وجب عليه الصوم في) نهار (رمضان ناسيا أو جاهلا، وجب إعلامه على من رآه)، كإعلام نائم إذا ضاق وقت الصلاة. (ولا يكره للصائم الاغتسال) نهارا لجنابة ونحوها. لما تقدم من حديث عائشة أم سلمة. (ولو) كان الاغتسال (للتبرد) لان فيه إزالة الضجر من العبادة كالجلوس في الظل البارد، قاله المجد، (لكن يستحب لمن لزمه الغسل ليلا من جنب وحائض ونحوهما) كنفساء انقطع دمها، وكافر أسلم. (أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني) خروجا من الخلاف. واحتياطا للصوم. (فلو أخره) أي الغسل (واغتسل بعده) أي بعد طلوع الفجر الثاني (صح صومه) لما تقدم، من حديث عائشة وأم سلمة وكان أبو هريرة يقول: لا صوم له. ويروي ذلك عن النبي (ص) ثم رجع عنه. قال سعيد بن المسيب: رجع أبو هريرة عن فتياه قال الخطابي: أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة: أنه منسوخ لان الجماع كان محرما على الصائم بعد النوم. فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم. (وكذا إن أخره) أي الغسل (يوما) فأكثر. (لكن يأثم بترك الصلاة) أي تأخيرها عن وقتها، (وإن كفر بالترك) أي ترك الصلاة (بطل صومه) بالردة، (بأن يدعى إليها). أي يدعوه الامام أو نائبه إلى صلاة (وهو صائم فيأبى) حتى يتضيق وقت التي بعدها. (أو) كفر (بمجرد الترك) أي ترك الصلاة (من غير دعاء على قول الآجري. وهو ظاهر كلام جماعة) لظاهر الاخبار فيبطل صومه للردة. (وإن بصق نخامة. بلا قصد من مخرج الحاء المهملة. لم يفطر) بذلك. ويأتي حكم ما إذا بلعها في الباب بعده. (ومن أكل ونحوه) بأن شرب أو جامع (شاكا في طلوع الفجر ودام شكه بلا قضاء عليه) لظاهر الآية. ولان الاصل بقاء الليل. فيكون زمان الشك منه. (وإن أكل يظن طلوعه) أي الفجر قال في الفروع: كذا جزم به بعضهم. وما سبق من أن له الاكل حتى يتيقن طلوعه: يدل على أنه لا يمنع نية الصوم. وقصد غير اليقين. والمراد والله أعلم: اعتقاده طلوعه. ولهذا فرضه صاحب المحرر فيمن اعتقده نهارا فبان ليلا. لان الظان شاك،

[ 373 ]

ولهذا خصوا المنع باليقين. واعتبروه بالشك في نجاسة طاهر، ولا أثر للظن فيه. وقد يحتمل أن الظن والاعتقاد واحد. وأنه يأكل مع الشك والتردد، ما لم يظن أو يعتقد النهار. (فبان ليلا، ولم يجدد نية صومه الواجب قضي) لانه قطع نية الصوم بأكله، يعتقد نهارا. والصوم لا يصح بغير نية. (وإن أكل ونحوه شاكا في غروب الشمس، ودام شكه) قضى، لان الاصل بقاء النهار. و (لا) يقضي إن أكل ونحوه (ظانا) غروب الشمس. (ودام شكه) ولم يتبين له الحال. قضى. لان الاصل براءته. (ولو شك) في غروب الشمس (بعده) أي بعد الاكل ونحوه (ودام) شكه فلا قضاء عليه. لانه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بني عليه. فأشبه ما لو صلى بالاجتهاد ثم شك في الاصابة بعد صلاته. (أو أكل يظن بقاء النهار قضي) ما لم يتحقق أنه كان بعد الغروب. لان الله تعالى أمر بإتمام الصوم إلى الليل ولم يتمه. (وإن بان) أن أكله ونحوه كان (ليلا. لم يقض) لانه أتم صومه. (وإن أكل) ونحوه (يظن أو يعتقد أنه ليل. فبان نهارا في أوله) بأن أكل يظن الفجر لم يطلع. وقد طلع (أو أخره) بأن ظن أن الشمس غربت. ولم تغب. (فعليه القضاء) لان الله تعالى أمر بإتمام الصوم. ولم يتمه، وقالت أسماء: أفطرنا على عهده (ص) في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل هشام بن عروة: - وهو راوي الحديث - أمروا بالقضاء، قال: لا بد من قضاء رواه أحمد والبخاري. ولانه جهل وقت الصوم فلم يعذر كالجهل بأول رمضان. تتمة: لو أكل ونحوه ناسيا فظن أنه قد أفطر فأكل ونحوه عمدا قضى، قال في الانصاف، ويشبه ذلك لو اعتقد البينونة في الخلع. لاجل عدم عود الصفة. ثم فعل ما حلف عليه. فصل: فيما يوجب الكفارة (وإذا جامع في نهار شهر رمضان بلا عذر شبق ونحوه) كمن به مرض ينتفع بالوطئ

[ 374 ]

فيه (بذكر أصلي في فرج أصلي، قبلا كان) الفرج (أو دبرا، من آدمي أو غيره) كبهيمة أو سمكة أو طيرة (حي أو ميت، أنزل أم لا. فعليه القضاء والكفارة، عامدا كان أو ساهيا أو جاهلا، أو مخطئا، مختارا أو مكرها. نصا، سواء أكره حتى فعل‍) - ه أي الجماع (أو فعل به من نائم وغيره). أما وجوب الكفارة فلحديث أبي هريرة قال: بينا نحن جلوس عند النبي (ص) إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله (ص): هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. فمكث النبي (ص)، فبينا نحن على ذلك أتي النبي (ص) بعرق فيه تمر - والعرق المكتل - فقال: أين السائل، فقال: ها أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. فقال: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي (ص) حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك متفق عليه. وأما وجوب القضاء، فلقوله (ص) للمجامع: وصم يوما مكانه رواه أبو داود. وأما كون الساهي كالعامد، والمكره كالمختار، والنائم كالمستيقظ. فلانه (ص) لم يستفصل الاعرابي، ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله. لان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والسؤال معاد في الجواب، كأنه قال: إذا وقعت في صوم رمضان فكفر. ولانه عبادة يحرم الوطئ فيه، فاستوى عمده وغيره كالحج. وأما كونه لا فرق بين أن ينزل أو لا. فلانه في مظنة الانزال، أو لانه باطن كالدبر، (ولو أولج بفرج أصلي) في فرج غير أصلي كفرج الخنثى المشكل، (أو) أولج بفرج (غير أصلي في) فرج (غير أصلي) كما لو جامع خنثى مشكل خنثى مشكلا، (فلا كفارة) على واحد منهما لاحتمال الزيادة. (ولم يفسد صوم واحد منهما إلا أن ينزل) كالغسل. فإن أنزل وجب عليه القضاء فقط. (وإن أولج بغير أصلي في أصلي. فسد صومها فقط) أي دون الخنثى. (لان داخل فرجها في حكم الباطن. فيفسد) صومها (بإدخال غير) الفرج

[ 375 ]

(الاصلي كأصبعها وأصبع غيرها. وأولى) أي إفساد صومها بإدخال الفرج غير الاصلي أولى من إفساده بإدخال أصبع في فرجها. (وكلامهم) أي الاصحاب (هنا يخالفه) حيث قالوا: لا يفسد صوم واحد منهما إلا أن ينزل (إلا أن نقول: داخل الفرج في حكم الظاهر. والله أعلم) وقد صرح به في المستوعب وغيره. واستدل بأنه يجب غسله من النجاسات، كالفم. وإذا ظهر دم حيضها إليه ولم يخرج معه فسد صومها. ولو كان في حكم الباطن. لم يفسد صومها، حتى يخرج منه. ولم يجب غسله كالدبر. وإذا ثبت أنه في حكم الظاهر، فهو كفمها وعمق سرتها، وطي عكنها وإنما فسد صومها بإيلاح ذكر الرجل فيه، لكونه جماعا. لا لكونه وصولا إلى باطن. بدليل أنه لو أولج إصبعه في قبلها فإنه لا يفسد صومها. والجماع يفسد لكونه مظنة الانزال. فأقيم مقام الانزال. كما أقيم مقامه في وجوب الغسل. ولهذا يفسد به صوم الرجل. وإن لم ينزل. ولم يصل إلى جوفه شئ. (والنزع جماع، فلو طلع عليه الفجر) الثاني (وهو مجامع فنزع في الحال، مع أول طلوع الفجر) الثاني (فعليه القضاء والكفارة) لانه يلتذ بالنزع، كما يلتذ بالايلاج. (كما لو استدام) الجماع بعد طلوع الفجر، بخلاف مجامع حلف لا يجامع. فنزع فإنه لا يحنث. لتعلق اليمين بالمستقبل أول أوقات الامكان. (ولو جامع يعتقده ليلا، فبان نهارا، وجب) عليه (القضاء والكفارة) لما تقدم: أنه لا فرق بين العامد وغيره. وعلى قياسه: لو جامع يوم الثلاثين من شعبان، ثم ثبت أنه من رمضان (ولا يلزم المرأة كفارة، مع العذر، كنوم أو إكراه ونسيان. وجهل) لانها معذورة. (ويفسد صومها بذلك) أي بوطئها معذورة. فيلزمها القضاء. قال في الشرح: بغير خلاف نعلمه في المذهب. لانه نوع من المفطرات. فاستوى فيه الرجل والمرأة. كالاكل. نص عليه في المكرهة. (وتلزمها الكفارة) إذا جومعت (مع عدم العذر) لانها هتكت حرمة صوم رمضان بالجماع. فلزمتها الكفارة، كالرجل. وأما كون الشارع لم يأمرها بها. فلان في لفظ الدارقطني: هلكت وأهلكت. فدل أنها كانت مكرهة. (ولو طاوعته أمته) على الجماع (كفرت بالصوم) لانه لا مال لها، ومثلها أم الولد، والمدبرة والمكاتبة. (ولو أكره زوجته) أو أمته (عليه) أي على الوطئ في نهار رمضان (دفعته بالاسهل فالاسهل،

[ 376 ]

ولو أفضى ذلك إلى ذهاب نفسه، كالمار بين يدي المصلي. ذكره) أبو الوفاء علي (بن عقيل، واقتصر عليه في الفروع، ولو استدخلت) صائمة (ذكر نائم، أو) ذكر (صبي أو مجنون. بطل صومها) للجماع. فيجب عليها القضاء والكفارة إن كان في نهار رمضان، (ولا تجب الكفارة بقبلة ولمس ونحوهما) كمفاخذة (إذا أنزل) لانه فطر بغير جماع. (وإن جامع في يوم رأى الهلال في ليلته وردت شهادته) لفسقه أو غيره (فعليه القضاء والكفارة)، لانه أفطر يوما من رمضان بجماع. فلزمته كما لو قبلت شهادته (وإن جامع دون الفرج عامدا، فأنزل ولو مذيا) فسد الصوم. لانه إذا فسد باللمس مع الانزال، ففيما ذكر بطريق الاولى. ولا كفارة لانه ليس بجماع. وإن لم ينزل لم يفسد صومه كاللمس والقبلة. (أو أنزل مجبوب أو امرأتان بمساحقة فسد الصوم) لما سبق. (ولا كفارة) صححه في المغني والشرح فيما إذا تساحقتا ونقله في الانصاف عن الاصحاب في مسألة المجبوب. لانه لا نص فيه. ولا يصح قياسه على الجماع. وجعل في المنتهى تبعا للتنقيح: إنزال المجبوب والمرأتين بالمساحقة كالجماع. (وإن جامع في يومين من رمضان واحد ولم يكفر) لليوم الاول، (ف‍) - عليه (كفارتان) لان كل يوم عبادة. وكالحجتين. (كما لو كفر عن اليوم الاول) فإنه يلزمه لليوم الثاني كفارة ثانية. ذكره ابن عبد البر إجماعا. (وكيومين من رمضانين. وإن جامع ثم جامع في يوم واحد قبل التكفير ف‍) - عليه (كفارة واحدة) بغير خلاف، قاله في المغني والشرح. فلو كفر بالعتق للوطئ الاول ثم به للثاني، ثم استحقت الرقبة الاولى، لم يلزمه بدلها. وأجزأته الثانية عنهما. ولو استحقت الثانية وحدها لزمه بدلها.

[ 377 ]

ولو استحقتا جميعا أجزأته رقبة واحدة. لان محل التداخل وجود السبب الثاني قبل أداء موجب الاول. ونية التعيين لا تعتبر، فيكفر. وتصير كنية مطلقة. هذا معنى ما ذكره المجد قياس مذهبنا. (وإن جامع ثم كفر، ثم جامع في يومه. ف‍) - عليه (كفارة ثانية) نص عليه في رواية حنبل والميموني. لانه وطئ محرم. وقد تكرر فتتكرر هي كالحج، بخلاف الوطئ ليلا. فإنه مباح. لا يقال: الوطئ الاول تضمن هتك الصوم، وهو مؤثر في الايجاب. فلا يصح القياس، لانه ملغى بمن طلع عليه الفجر وهو يجامع، فاستدام. فإنه يلزمه مع عدم الهتك. (وكذا كل من لزمه الامساك يكفر لوطئه)، كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامدا، ثم جامع فتجب عليه الكفارة، لهتكه حرمة الزمن به. ولانها تجب على المستديم للوطئ، ولا صوم هناك. فكذا هنا. (ولو جامع وهو صحيح، ثم جن، أو مرض، أو سافر، أو حاضت) المرأة (أو نفست بعد وطئها. لم تسقط الكفارة) لانه أفسد صوما واجبا من رمضان بجماع تام. فاستقرت عليه الكفارة كما لو لم يطرأ العذر. لا يقال: تبينا أن الصوم غير مستحق عند الجماع. لان الصادق لو أخبره أنه سيمرض أو يموت لم يجز الفطر. (ولو مات في أثناء النهار. بطل صومه) لعدم استصحاب حكم النية الذي هو شرط في العبادات غير الحج. (فإن كان) الصوم (نذرا، وجب الاطعام من تركته) لذلك اليوم. فيطعم مسكينا، وكذا باقي الايام، إن كان في الذمة. (وإن كان صوم كفارة تخيير) كفدية إذن (وجبت الكفارة في ماله) لتعذر الصوم. لان ما وجب بأصل الشرع منه لا تدخله النيابة كما يأتي. ويأتي حكم كفارة اليمين وغيرها في الباب بعده. (ومن نوى الصوم في سفره) المبيح للفطر (ثم جامع. فلا كفارة) عليه، لانه صوم لا يلزمه المضي فيه. فلم تجب كالتطوع. (وتقدم) في الباب قبله (ولا تجب) الكفارة (بغير الجماع، كأكل وشرب ونحوهما في صيام رمضان أداء) لانه لم يرد به نص. وغير الجماع لا يساويه. (ويختص وجوب الكفارة برمضان. لان غيره لا يساويه. فلا تجب) الكفارة (في قضائه)، لانه لا يتعين بزمان، بخلاف الاداء. فإنه يتعين بزمان محترم. فالجماع فيه هتك له. (والكفارة على الترتيب، فيجب عتق رقبة) إن وجدها بشرطه. ويأتي مفصلا في الظهار. (فإن لم يجد)

[ 378 ]

الرقبة ولا ثمنها (فصيام شهرين متتابعين. فلو قدر على الرقبة في الصوم. لم يلزمه الانتقال) عن الصوم إلى العتق. نص عليه، إلا أن يشاء أن يعتق فيجزئه. ويكون قد فعل الاولى. قاله في الشرح وشرح المنتهى. و (لا) يجزئه الصوم (إن قدر) على العتق (قبله) أي قبل الشروع في الصوم لان النبي (ص) سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره. ولم يسأله عما كان يقدر عليه حال المواقعة. وهي حال الوجوب. ولانه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل. فلزمه، كما لو وجده حال الوجوب. ذكره في الشرح وشرح المنتهى. وفيه نظر، على ما يأتي في الظهار: أن الاعتبار بوقت الوجوب. (فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكينا) لكل مسكين مد من بر، أو نصف صاع من غيره. وهذا كله لخبر أبي هريرة السابق. وهو ظاهر في الترتيب، ولم يأمره بالانتقال إلا عند العجز، ككفارة الظهار. (ولا يحرم الوطئ هنا قبل التكفير. ولا في ليالي صوم الكفارة) ذكره في الرعاية والتلخيص، ككفارة القتل، بخلاف كفارة الظهار. والفرق واضح. (فإن لم يجد) ما يطعمه للمساكين حال الوطئ. لانه وقت الوجوب (سقطت عنه، كصدقة فطر). وكفارة الوطئ في الحيض. لانه (ص) لم يأمر الاعرابي بها أخيرا، ولم يذكر له بقاءها في ذمته (بخلاف كفارة حج وظهار ويمين ونحوها) ككفارة قتل، لعموم الادلة. ولان القياس خولف في رمضان للنص. قال في الفروع: كذا قالوا: للنص، وفيه نظر. ولانها لم تجب بسبب الصوم. قال القاضي وغيره: وليس الصوم سببا. وإن لم تجب إلا بالصوم والجماع، لانه لا يجوز اجتماعهما. وتسقط الكفارات كلها بتكفير غيره عنه بإذنه. (وإن كفر عنه غيره بإذنه، فله أكلها) إن كان أهلا لها. (وكذا لو ملكه) غيره (ما يكفر به) جاز له أكله مع أهليته. لخبر أبي هريرة السابق. قال في الانصاف: لو ملكه ما يكفر به، وقلنا: له أخذ هناك، فله هنا أكله. وإلا أخرجه عن نفسه، وهذا الصحيح من المذهب اه‍، وفي المبدع أنه (ص) رخص للاعرابي لحاجته، ولم يكن كفارة اه‍. قلت: ويؤيده استدلالهم به على سقوطها بالعجز وإلا لم يكن ثم عجز، بل حصل الاخراج والاجزاء.

[ 379 ]

باب ما يكره في الصوم (وما يستحب في الصوم وحكم القضاء) أي قضاء رمضان والنذور. (لا بأس بابتلاع الصائم ريقه على جاري العادة) بغير خلاف. لانه لا يمكن التحرز منه. كغبار الطريق: (ويكره) للصائم (أن يجمعه) أي ريقه (ويبتلعه) لانه قد اختلف في الفطر به وأقل أحواله: أن يكون مكروها. (فإن فعله) أي جمع ريقه وبلعه (قصدا لم يفطر) لانه يصل إلى جوفه من معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه. ولانه إذا لم يجمعه وابتلعه قصدا لا يفطر إجماعا. فكذلك إذا جمعه. (إن لم يخرجه) أي ريقه (إلى بين شفتيه. فإن فعل) أي أخرجه إلى بين شفتيه، (أو انفصل) ريقه (عن فمه ثم ابتعله) أفطر. لانه فارق معدنه مع إمكان التحرز منه في العادة. أشبه الاجنبي. (أو ابتلع ريق غيره أفطر) لانه أصل من خارج. (وإن أخرج من فيه حصاة أو خيطا أو نحوه، وعليه) شئ (من ريقه، ثم أعاده) أي ما ذكر من الحصاة والدرهم والخيط ونحوه، (فإن كان ما عليه) من ريقه (كثير فبلعه. أفطر) لانه واصل من خارج. لا يشق التحرز منه. و (لا) يفطر (إن قل) ما على الحصاة أو الخيط أو الدرهم أو نحوه، (لعدم تحقق انفصاله) والاصل بقاء الصوم (ولا إن أخرج لسانه ثم أعاده) وعليه ريقه (وبلع ما عليه، ولو كان كثيرا) لان الريق الذي على لسانه لم يفارق محله، بخلاف ما على غير اللسان. (وتكره له المبالغة في المضمضة والاستنشاق) لقوله (ص) للقيط بن صبرة: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما. (وتقدم) في الوضوء (وإن تنجس فمه، ولو بخروج قئ ونحوه) كقلس (فبلعه، أفطر) نص عليه، (وإن قل) لامكان التحرز منه، ولان الفم في حكم الظاهر، فيقتضي حصول الفطر بكل ما يصل منه، لكن عفى عن الريق للمشقة. (وإن بصق وبقي فمه نجسا. فبلع ريقه. فإن تحقق أنه بلع شيئا نجسا أفطر) لما سبق. (وإلا) أي وإن لم

[ 380 ]

يتحقق أنه بلع نجسا (فلا) فطر، إذ لا فطر ببلع ريقه الذي لم تخالطه نجاسة. (ويحرم) على الصائم (بلع نخامة) إذا حصلت في فيه للفطر بها، (ويفطر) الصائم (بها) إذا بلعها (سواء كانت من جوفه أو صدره أو دماغه، بعد أن تصل إلى فمه) لانها من غير الفم كالقئ (ويكره له) أي الصائم (ذوق الطعام) لانه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره. قال أحمد: أحب إلي أن يجتنب ذوق الطعام. فإن فعل فلا بأس. ذكره جماعة وأطلقوا. وذكر المجد وغيره: أن المنصوص عنه لا بأس به، لحاجة ومصلحة، واختاره في التنبيه وابن عقيل. وحكاه أحمد والبخاري عن ابن عباس. فلهذا قال المصنف (بلا حاجة) إلى ذوق الطعام. (وإن وجد طعمه) أي المذوق (في حلقه أفطر) قال في شرح المنتهى، فعلى الكراهة متى وجد طعمه في حلقه، أفطر لاطلاق الكراهة اه‍. ومقتضاه: أنه لا فطر إذا قلنا بعدم الكراهة للحاجة. (ويكره مضغ العلك الذي لا يتحلل منه أجزاء) لانه يجمع الريق، ويجلو الفم، ويورث العطش. (فإن وجد طعمه في حلقه أفطر) لانه واصل أجنبي يمكن التحرز منه. (ويحرم مضغ ما يتحلل منه أجزاء) من علك وغيره. قال في المبدع: إجماعا. لانه يكون قاصدا لايصال شئ من خارج إلى جوفه، مع الصوم وهو حرام. (ولو لم يبتلع ريقه) إقامة للمظنة مقام المئنة، وفي المقنع والمغني والشرح. إلا أن لا يبتلع ريقه. وهو ظاهر الوجيز. لان المحرم إيصال ذلك إلى جوفه. ولم يوجد. (وتكره القبلة ممن تحرك شهوته) فقط. لقول عائشة: كان النبي (ص) يقبل. وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لاربه متفق عليه. ولفظه لمسلم: ونهى النبي (ص) عنها شابا، ورخص لشيخ حديث حسن رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء. وكذا عن ابن عباس باسناد صحيح. (وإن ظن الانزال) مع القبلة لفرط شهوته

[ 381 ]

(حرم) بغير خلاف. ذكره المجد وغيره. (ولا تكره) القبلة (ممن لا تحرك شهوته) لما سبق. (وكذا دواعي الوطئ كلها) من اللمس وتكرار النظر، حكمها، حكم القبلة فيما تقدم. (ويكره تركه) أي الصائم (بقية طعام بين أسنانه) خشية أن يجري ريقه بشئ منه إلى جوفه. (و) يكره للصائم (شم ما لا يأمن أن يجذبه نفسه إلى حلقه، كسحيق مسك، وكافور، ودهن ونحوها) كبخور عود وعنبر. (ويجب اجتناب كذب، وغيبة، ونميمة، وشتم) أي سب (وفحش). قال ابن الاثير: هو كل ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي. (ونحوه كل وقت) لعموم الادلة، ووجوب اجتناب ذلك (في رمضان ومكان فاضل آكد). لحديث أبي هريرة مرفوعا: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه رواه البخاري. ومعناه: الزجر والتحذير. ولان الحسنات تتضاعف بالمكان والزمان الفاضلين. وكذا السيئات على ما يأتي. (قال) الامام (أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري) أي يجادل (ويصون صومه، ولا يغتب أحدا) أي يذكره بما يكره، بهذا فسره النبي (ص) في حديث أبي هريرة رواه مسلم. وإن كان حاضرا فهو الغيبة في بهت. قال في الحاشية: والغيبة محرمة بالاجماع، وتباح لغرض صحيح شرعي. لا يمكن الوصول إليه إلا بها. كالتظلم والاستفتاء، والاستعانة على تغيير المنكر، والتعريف، ونحو ذلك. (ولا يعمل عملا يخرق به صومه). وكان السلف إذا صاموا جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا. ولا يغتاب أحدا. (فيجب كف لسانه عما يحرم) كالكذب، والغيبة ونحوهما. (ويسن) كفه (عما يكره). قلت: وعن المباح أيضا. لحديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. (ولا يفطر بغيبة ونحوها) قال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، وذكره الموفق

[ 382 ]

إجماعا ذكر الشيخ تقي الدين وجها يفطر بغيبة ونميمة ونحوهما. قال في الفروع: فيتوجه منه إحتمال: يفطر بكل محرم. وقال أنس: إذا اغتاب الصائم أفطر. وعن إبراهيم قال: كانوا يقولون: الكذب يفطر الصائم. وعن الاوزاعي: من شاتم فسد صومه، لظاهر النهي. وذكر بعض أصحابنا رواية: يفطر بسماع الغيبة. وقال المجد: النهي عنه ليسلم من نقص الاجر. قال في الفروع: ومراده: أنه قد يكثر، فيزيد على أجر الصوم. وقد يقل، وقد يتساويان. وأسقط أبو الفرج ثوابه بالغيبة ونحوها، ومراده ما سبق، وإلا فضعيف. (وإن شتم، سن قوله جهرا في رمضان) لامنه من الرياء، وفيه زجر من شاتمه، لاجل حرمة الوقت. (إني صائم. وفي غيره) أي غير رمضان يقوله (سرا، يزجر نفسه بذلك) خوف الرياء. وهذا اختيار صاحب المحرر. وفي الرعاية: يقوله مع نفسه. واختار الشيخ تقي الدين: يجهر به مطلقا. لان القول المطلق باللسان. وهو ظاهر المنتهى لظاهر حديث الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم. فصل: (يسن تعجيل الافطار إذا تحقق الغروب) لحديث سهل بن سعد أن النبي (ص) قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر متفق عليه. (وله الفطر بغلبة الظن) أن الشمس قد غربت، لانهم أفطروا في عهد النبي (ص) ثم طلعت الشمس. ولان ما عليه أمارة يدخله الاجتهاد، ويقبل فيه قول واحد كالقبلة. (وفطره قبل الصلاة أفضل) لفعله (ص) رواه مسلم من حديث عائشة، وابن عبد البر عن أنس. (و) يسن (تأخير السحور ما لم يخش طلوع الفجر الثاني) للاخبار، منها: ما روى زيد بن ثابت

[ 383 ]

قال: تسحرنا مع النبي (ص) ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية متفق عليه. ولانه أقوى على الصوم للتحفظ من الخطأ، والخروج من الخلاف. (ويكره تأخير الجماع مع الشك في طلوعه) أي الفجر الثاني، لما فيه من التعرض لوجوب الكفارة، ولانه ليس مما يتقوى به، ولو أسقط تأخير لكان أخصر. وأظهر. و (لا) يكره (الاكل والشرب) مع الشك في طلوع الفجر الثاني. (قال أحمد) في رواية أبي داود (إذا شك في) طلوع (الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه) لان الاصل بقاء الليل. (قال الآجري وغيره: ولو قال لعالمين: ارقبا الفجر. فقال أحدهما: طلع، وقال الآخر: لم يطلع، أكل حتى يتفقا) على أنه طلع. وقاله جمع من الصحابة وغيرهم، ذكره في المبدع، لان قولهما تعارض فتساقطا. والاصل عدم طلوعه. (وتحصل فضيلة السحور بأكل أو شرب وإن قل) لحديث أبي سعيد: ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء رواه أحمد. وفيه ضعف. قاله في المبدع. (و) يحصل (تمام الفضيلة بالاكل) لحديث عمرو بن العاص يرفعه: بيننا وبينهم أكلة السحور رواه مسلم. وروى أبو داود عن النبي (ص) نعم سحور المؤمن التمر. (ويسن أن يفطر على رطب. فإن لم يجد) الرطب (فعلى التمر. فإن لم يجد) التمر (فعلى الماء) لحديث أنس قال: كان النبي (ص) يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء، رواه أبو داود والترمذي.

[ 384 ]

وقال حسن غريب. (و) يسن (أن يدعو عند فطره، فإن له دعوة لا ترد) لما روى ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو: للصائم عند فطره دعوة لا ترد. (و) يسن أن (يقول) عند فطره: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك. اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم)، لما روى الدارقطني من حديث أنس وابن عباس: كان النبي (ص) إذا أفطر قال: اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم. وعن ابن عمر قال: كان النبي (ص) إذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلت العروق، ووجب الاجر إن شاء الله تعالى رواه الدارقطني أيضا. (وإذا غاب حاجب الشمس الاعلى أفطر الصائم حكما وإن لم يطعم)، أي يأكل أو يشرب. (فلا يثاب على الوصال) قال في المبدع: وفي الخبر ما يدل على أنه يفطر شرعا. (ومن فطر صائما فله مثل أجره) من غير أن ينقص من أجر الصائم شئ. رواه زيد بن خالد الجهني مرفوعا. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال في الفروع (وظاهره) أي كلامهم (أي شئ كان) كما هو ظاهر الخبر. وكذا رواه ابن خزيمة من حديث سلمان الفارسي. وذكر فيه ثوابا عظيما إن أشبعه. (وقال الشيخ: المراد) بتفطيره (إشباعه. ويستحب في رمضان الاكثار من قراءة القرآن والذكر والصدقة) لتضاعف الحسنات به. قال في المبدع: وكان مالك يترك أصحاب الحديث في شهر رمضان. ويقبل على تلاوة القرآن. وكان الشافعي يقرأ ستين ختمة. وقال إبراهيم: تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه. (ويستحب التتابع فورا في قضائه) أي رمضان. لان القضاء يحكي الاداء. وفيه خروج من الخلاف وأنجى لبراءة الذمة. وظاهره: لا فرق بين أن يكون أفطر بسبب محرم أو لا، (ولا يجبان) أي التتابع والفور في قضاء رمضان. قال البخاري، قال ابن عباس: له أن يفرق لقول الله تعالى: * (فعدة من أيام

[ 385 ]

أخر) *. وعن ابن عمر مرفوعا: قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع رواه الدارقطني، ولم يسنده غير سفيان بن بشر. قال المجد: لا نعلم أحدا طعن فيه. والزيادة من الثقة مقبولة. ولانه لا يتعلق بزمان معين، فلم يجب فيه التتابع. كالنذر المطلق. (إلا إذا لم يبق من شعبان إلا ما يتسع للقضاء فقط) فيتعين التتابع، لضيق الوقت، كأداء رمضان في حق من لا عذر له. (ولا يكره القضاء في عشر ذي الحجة) لانها أيام عبادة، فلم يكره القضاء فيها، كعشر المحرم. وروي عن عمر أنه كان يستحب القضاء فيها. (ويجب العزم على القضاء) إذا لم يفعله فورا (في) القضاء (الموسع. وكذا كل عبادة متراخية) يجب العزم عليها، كالصلاة إذا دخل وقتها المتسع. فصل: (من فاته صوم رمضان كله تاما كان) رمضان (أو ناقصا لعذر وغيره، كالاسير والمطمور وغيرهما. قضى عدد أيامه) سواء (ابتدأه من أول الشهر أو من أثنائه كأعداد الصلوات) الفائتة لان القضاء يجب أن يكون بعدة ما فاته كالمريض والمسافر، لما تقدم من قوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * (ويجوز أن يقضي يوم شتاء عن يوم صيف وعكسه) بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء لعموم الآية. (وإن كان عليه معه) أي مع قضاء رمضان (صوم نذر لا يخاف فوته) لاتساع وقته (بدأ بقضاء رمضان) وجوبا، قاله في شرح المنتهى، فإن خاف فوت النذر لضيق وقته قدمه. قلت: إلا أن يضيق الوقت عن قضاء رمضان، بأن كان عليه مثلا

[ 386 ]

عشرة أيام من رمضان، ونذر أن يصوم عشرة أيام من شعبان. ولم يبق سوى العشرة فيصومها عن قضاء رمضان، لتعين الوقت لها. (ويجوز تأخير قضائه) أي رمضان (ما لم يفت وقته. وهو) أي وقت القضاء (إلى أن يهل رمضان آخر) لقول عائشة: كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان النبي (ص). متفق عليه. وكما لا يؤخر الصلاة الاولى إلى الثانية (فلا يجوز تأخيره) أي قضاء رمضان (إلى رمضان آخر من غير عذر) نص عليه. واحتج بما تقدم عن عائشة. (ويحرم التطوع بالصوم قبله) أي قبل قضاء رمضان (ولا يصح) تطوعه بالصوم قبل قضاء ما عليه من رمضان نص عليه. نقل حنبل أنه لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه. وإن كان عليه نذر صامه، يعني بعد الفرض. وروى حنبل بإسناده عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: من صام تطوعا وعليه من رمضان شئ لم يقضه. فإنه لم يتقبل منه حتى يصومه وكالحج. والحديث يرويه ابن لهيعة وهو ضعيف. وفي سياقه ما هو متروك. فإنه قال في آخره: ومن أدركه رمضان وعليه من رمضان آخر شئ لم يتقبل منه، قاله في الشرح. (ولو اتسع الوقت) أي وقت القضاء، وعنه: بلى إن اتسع الوقت (فإن أخره) أي قضاء رمضان (إلى رمضان آخر، أو) أخر إلى (رمضانات فعليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم، ما يجزئ في كفارة) رواه سعيد باسناد جيد عن ابن عباس، فيما إذا أخره لرمضان آخر، والدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة. ورواه مرفوعا بإسناد ضعيف. (ويجوز إطعامه قبل القضاء، ومعه وبعده) لقول ابن عباس (والافضل) إطعامه (قبله) قال المجد: الافضل عندنا تقديمه، مسارعة إلى الخير، وتخلصا من آفات التأخير. وإنما لم تتكرر الفدية بتعدد الرمضانات لان كثرة التأخير لا يزاد بها الواجب، كما لو أخر الحج الواجب سنين لم يكن عليه أكثر من فعله (وإن أخره) أي قضاء رمضان حتى أدركه آخر أو أكثر (لعذر) نحو مرض أو سفر (فلا كفارة)، لعدم الدليل على وجوبها إذن. (ولا قضاء إن مات) من أخر القضاء لعذر. لانه حق لله تعالى وجب بالشرع. فسقط بموت من يجب عليه قبل

[ 387 ]

إمكان فعله إلى غير بدل، كالحج. (ومن دام عذره بين الرمضانين ثم زال) عذره (صام الرمضان الذي أدركه) لانه لا يسع غيره (ثم قضى ما فاته) قبل (ولا إطعام) عليه. نص عليه. (كما لو مات قبل زواله) أي العذر، فإنه يسقط عنه القضاء والكفارة. وأما الحي فتسقط عنه الكفارة دون القضاء لامكانه (فإن أخره) أي القضاء (لغير عذر فمات قبل رمضان آخر) أو بعده (أطعم عنه لكل يوم مسكينا) رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعا بإسناد ضعيف. والصحيح: وقفه عليه. وسئلت عائشة عن القضاء فقالت: لا. بل يطعم، رواه سعيد بإسناد جيد. (ولا يصام عنه لان الصوم الواجب بأصل الشرع لا يقضى عنه) لانه لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت كالصلاة، (والاطعام من رأس ماله، أوصى به أو لا) كسائر الديون. (ولا يجزئ صوم عن كفارة عن ميت ولو أوصى به)، لانه وجب بالشرع. أشبه قضاء رمضان. (لكن لو مات بعد قدرته عليه) أي على صوم الكفارة (وقلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، وهو المذهب) كما يأتي توضيحه في كتاب الظهار، (أطعم عنه ثلاثة مساكين لكل يوم مسكين) في كفارة اليمين، قياسا على قضاء رمضان. (ولو مات وعليه صوم شهر) أو أقل أو أكثر (من كفارة) ظهار أو غيره (أطعم عنه أيضا) لكل يوم مسكين لما سبق. (وكذا صوم متعة) الحج إذا مات قبله. (وإن مات وعليه صوم منذور في الذمة) كأن نذر صوم شهر غير معين أو عشرة مطلقة ثم مات (ولم يصم منه شيئا مع إمكانه ففعل عنه أجزأ عنه) لما في الصحيحين: أن امرأة جاءت إلى النبي (ص) فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: نعم ولان النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، وهو أخف حكما من الواجب بأصل الشرع لايجابه من نفسه. (فإن لم يخلف) الميت (تركه لم يلزم الولي شئ لكن يسن له فعله عنه، لتفرغ ذمته كقضاء دينه). لانه (ص) شبهه بالدين. (وإن خلف) الميت

[ 388 ]

(تركه وجب) الفعل كقضاء الدين، (فيفعله الولي بنفسه استحبابا) لانه أحوط لبراءة الميت. (فإن لم يفعل) الولي بنفسه (وجب أن يدفع من تركته إلى من يصوم عنه عن كل يوم طعام مسكين) لان ذلك فدية الصوم لما تقدم. (ويجزئ فعل غيره) أي الولي (عنه بإذنه وبدونه) لان النبي (ص) شبهه بالدين، والدين يصح قضاؤه من الاجنبي. ولا فرق في ذلك بين صوم النذر وغيره من النذور. (وإن مات وقد أمكنه صوم بعض ما نذره قضى عنه، ما أمكنه صومه فقط) كمن نذر صوم شهر ومات قبل مضي ثلاثين يوما، فيصام عنه ما مضى منه، دون الباقي. لانه لم يثبت في ذمته بخلاف المقدار الذي أدركه حيا فإنه ثبت في ذمته، وإن كان مريضا. لان المرض لا ينافي ثبوت الصوم في الذمة، بدليل وجوب قضاء رمضان مع المرض ونحوه. (ويجزئ صوم جماعة عنه) أي الميت (في يوم واحد عن عدتهم من الايام) أي لو كان على ميت صوم عشرة أيام فصام عنه عشرة رجال في يوم واحد أجزأ عنه. لان المقصود يحصل به مع نجاز إبراء ذمته. ونقل عنه أبو طالب يصوم واحد. وحمله المجد على صوم شرطه التتابع، وتعليل القاضي بأنه كالحجة المنذورة يدل على ذلك. (وإن نذر صوم شهر بعينه) كالمحرم (فمات قبل دخوله. لم يصم) عنه (ولم يقض عنه، وكذا لو جن قبله. ودام به الجنون حتى انقضى الشهر المعين. لانه لم يثبت صومه في ذمته قال المجد: وهو مذهب سائر الائمة، ولا أعلم فيه خلافا. وإن مات في أثنائه) أي الشهر المعين بالنذر (سقط باقيه) لما سبق، (فإن لم يصمه) أي النذر المعين (لمرض حتى انقضى، ثم مات في مرضه. فعلى ما تقدم فيما إذا كان في الذمة، من أنه إن كان أمكنه فعله قبل موته فعل عنه) وجوبا، إن خلف تركة، واستحبابا إن لم يخلف شيئا. وتقدم أن المرض لا يمنع ثبوت الصوم في الذمة. فالمراد بإمكان الفعل مضي زمن يتسع له. (ولا كفارة مع الصوم عنه) أي عن الميت إذا كان منذورا. (أو الاطعام) إن كان عليه قضاء رمضان، أو صوم متعة ونحوه. (وإن مات وعليه حج منذور فعل عنه) نص عليه. لما روى ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى

[ 389 ]

النبي (ص) فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها رواه البخاري. (ولا يعتبر تمكنه) أي الناذر (من الحج في حياته) لظاهر الخبر. ولان النيابة تدخله حال الحياة في الجملة. فهو كنذر الصدقة والعتق. (وكذا العمرة المنذورة) حكمها حكم الحج في ذلك، لمشاركتها له في المعنى. (ويجوز أن يحج عنه حجة الاسلام، ولو بغير إذن وليه)، لشبهه بالدين في إبراء الذمة. (وله) أي الحاج عن الميت حجة الاسلام بغير إذن وليه (الرجوع على التركة بما أنفق) بنية الرجوع. لانه قام بواجب. (وإن مات وعليه اعتكاف منذور. فعل عنه) نقله الجماعة. لقول سعد بن عبادة: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه. فقال النبي (ص): اقضه عنها رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، ومعناه متفق عليه، وروي عن عائشة وابن عمر، وابن عباس. ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة، وكالصوم (فإن لم يمكنه فعله حتى مات) كمن نذر اعتكاف شهر رمضان. فمات قبل دخوله، (فكالصوم) وكذا إن مات في أثنائه على ما تقدم (وإن كانت عليه صلاة منذورة) ومات بعد التمكن (فعلت عنه) كالصوم، وتصح وصيته بها. (ولا كفارة معه) أي مع الفعل عنه، كما لو فعله الناذر (وطواف منذور كصلاة) منذورة فيما سبق. (وأما صلاة الفرض فلا تفعل عنه)، ذكر القاضي عياض إجماعا أنه لا يصلى عنه فائتة، (كقضاء رمضان) فإنه لا يصام عنه كما تقدم. وعلى ذلك يحمل ما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه عن ابن عمر: أنه لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد. باب صوم التطوع وما يكره منه، وذكر ليلة القدر وما يتعلق بذلك (أفضله) صوم التطوع (صوم يوم وإفطار يوم)، لقوله (ص) لعبد الله بن عمرو: صم يوما

[ 390 ]

وأفطر يوما، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام. قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. فقال: لا أفضل من ذلك متفق عليه. (ويسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر) قال في الشرح والمبدع: بغير خلاف نعلمه، (والافضل أن تكون أيام) الليالي (البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) لما روى أبو ذر أن النبي (ص) قال له: إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثالث عشره، ورابع عشره، وخامس عشره رواه الترمذي وحسنه. (وهو) أي صوم ثلاثة أيام من كل شهر (كصوم الدهر، أي يحصل له) بصيامها (أجر صيام الدهر بتضعيف الاجر) الحسنة بعشرة أمثالها، (من غير حصول المفسدة) التي في صيام الدهر، (والله أعلم. وسميت بيضا لابيضاضها ليلا بالقمر ونهارا بالشمس) وهذا يقتضي أن الاضافة في كلامه بيانية، وأن البيض وصف للايام. وكلامه في الشرح وشرح المنتهى وغيره يخالفه. قال: وسميت لياليها بالبيض لبياض ليلها كله بالقمر. زاد في الشرح: والتقدير ليالي الايام البيض. وقيل: لان الله تاب فيها على آدم وبيض صحيفته. (ويسن صوم) يوم (الاثنين) بهمزة وصل، سمي بذلك لانه ثاني الاسبوع ذكره في الحاشية. (و) يوم (الخميس) لقول أسامة بن زيد: إن النبي (ص) كان يصوم يوم الاثنين والخميس، فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس رواه أبو داود. وفي لفظ

[ 391 ]

وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم. (و) يسن صوم (ستة أيام من شوال ولو متفرقة، فمن صامها بعد أن صام رمضان فكأنما صام الدهر) فرضا، كما في اللطائف. وذلك لما روى أبو أيوب قال: قال النبي (ص): من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر رواه أبو داود والترمذي وحسنه، قال أحمد: هو من ثلاثة أوجه عنه (ص). ولا يجري مجرى التقدم لرمضان. لان يوم العيد فاضل. وروى سعيد بإسناد عن ثوبان، قال: قال النبي (ص): صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين. فذلك سنة يعني أن الحسنة بعشر أمثالها، الشهر بعشرة أشهر والستة بستين. فذلك سنة كاملة. والمراد بالخبر: التشبيه به في حصول العبادة على وجه لا مشقة فيه كما يأتي في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. فلا يقال: الحديث لا يدل على فضيلتها لانه شبه صيامها بصيام الدهر، وهو مكروه، لانتفاء المفسدة في صومها، دون صومه. (ولا تحصل الفضيلة بصيامها) أي الستة أيام (في غير شوال) لظاهر الاخبار. وظاهره: أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان، وقاله أحمد والاصحاب، لكن ذكر في الفروع: أن فضيلتها تحصل لمن صامها وقضى رمضان وقد أفطره لعذر، ولعله مراد الاصحاب. وفيه شئ، قاله في المبدع. (و) يسن (صوم التسع من ذي الحجة) لحديث ابن عباس مرفوعا: ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الايام العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشئ رواه البخاري. (وآكده: التاسع، وهو يوم عرفة إجماعا، ثم الثامن وهو يوم التروية) ويأتي في الحج وجه التسمية بذلك، (و) يسن (صوم المحرم، وهو أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان) لقوله (ص): أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل. وأفضل الصيام بعد رمضان: شهر الله المحرم رواه مسلم

[ 392 ]

وغيره من حديث أبي هريرة. قال في المبدع: وأضافه إليه تفخيما وتعظيما، كناقة الله. ولم يكثر النبي (ص) الصوم فيه، إما لعذر أو لم يعلم فضله إلا أخيرا. والمراد: أفضل شهر تطوع فيه كاملا بعد رمضان شهر الله الحرام، لان بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه، كعرفة وعشر ذي الحجة. فالتطوع المطلق أفضله المحرم كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل. (وأفضله) أي المحرم (يوم عاشوراء) بالمد في الاشهر. وهو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية. قاله في المشارق وغيره. (وهو) اليوم (العاشر) من المحرم في قول أكثر العلماء. ورواه الترمذي مرفوعا وصححه، وقال ابن عباس: هو التاسع. (ثم تاسوعاء) بالمد على الافصح (وهو) اليوم (التاسع) من المحرم، (ويسن الجمع بينهما) أي بين صوم تاسوعاء وعاشوراء، لما روى الخلال بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعا: لئن بقيت إلى قابل لاصومن التاسع والعاشر. واحتج به أحمد. (و) قال: (إن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام) ليتيقن صومهما، (ولا يكره إفراد العاشر بالصوم)، قال في المبدع: وهو المذهب. وقال الشيخ تقي الدين: مقتضى كلام أحمد: الكراهة. وهي قول ابن عباس. (وهما) أي تاسوعاء وعاشوراء (آكده) أي آكد شهر الله المحرم. (ثم) بقية (العشر. ولم يجب صوم) يوم (عاشوراء) في قول القاضي. ومن تابعه، قال: لانه (ص) لم يأمر من أكل فيه بالقضاء، ولحديث معاوية قال: سمعت النبي (ص) يقول: هذا يوم عاشوراء، لم يكتب الله عليكم صيامه، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر، وهو حديث صحيح. قاله في الشرح. (وعنه وجب) صومه (ثم نسخ، اختاره الشيخ ومال إليه الموفق والشارح) وقاله الاصوليون، لما روت عائشة: أنه (ص) صامه، وأمر بصيامه، فلما افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه صحيح. وحديث معاوية محمول على إرادة

[ 393 ]

أنه ليس هو مكتوبا عليكم الآن. قاله في الشرح. (وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة) ماضية للخبر. (وما روي في فضل الاكتحال، والاختضاب، والاغتسال، والمصافحة، والصلاة فيه) أي يوم عاشوراء (فكذب). وكذا ما يروى في مسح رأس اليتيم، وأكل الحبوب. أو الذبح ونحو ذلك. فكل ذلك كذب على النبي (ص). ومثل ذلك: بدعة لا يستحب شئ منه عند أئمة الدين. قاله في الاختيارات. وينبغي فيه التوسعة على العيال سأل ابن منصور أحمد عنه، فقال: نعم، رواه سفيان بن عيينة عن جعفر عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر. وكان أفضل أهل زمانه أنه بلغه: من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته. قال ابن عيينة قد جربناه منذ خمسين سنة أو ستين، فما رأينا إلا خيرا. (وصيام يوم عرفة كفارة سنتين) لما روى أبو قتادة مرفوعا قال: صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وقال في صيام عاشوراء: إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله رواه مسلم. ولعل مضاعفة التكفير على عاشوراء، لان نبينا (ص) أعطيه. (قال) النووي (في شرح مسلم عن العلماء: المراد كفارة الصغائر. فإن لم تكن) له صغائر (رجي التخفيف من الكبائر. فإن لم تكن) له كبائر (رفع له درجات). واقتصر عليه في الفروع والمبدع وغيرهما. (ولا يستحب صيامه) أي يوم عرفة (لمن كان بعرفة من الحاج، بل فطره أفضل). لما روت أم الفضل بنت الحرث: أنها أرسلت إلى النبي (ص) بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرب متفق عليه، وأخبر ابن عمر أنه: حج مع النبي (ص)، ثم

[ 394 ]

أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان. فلم يصمه أحد منهم، ولانه يضعف عن الدعاء. فكان تركه أفضل. وقيل: لانهم أضياف الله، وزواره. وعن عقبة مرفوعا: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الاسلام، وهي أيام أكل وشرب رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. والنسائي. وكرهه جماعة للنهي عنه في حديث أبي هريرة رواه أحمد وابن ماجه. (إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي) فيصومانه مع اليومين قبله، (ويأتي) في الحج. (ويكره إفراد رجب بالصوم) لما روى ابن ماجه عن ابن عباس: أن النبي (ص) نهى عن صيامه وفيه داود بن عطاء، وقد ضعفه أحمد وغيره. ولان فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه. ولهذا صح عن عمر: أنه كان يضرب فيه، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت الجاهلية تعظمه. (وتزول الكراهة بفطره فيه، ولو يوما، أو بصومه شهرا آخر من السنة. قال المجد: وإن لم يله) أي يلي الشهر الآخر رجب. (ولا يكره إفراد شهر غيره) أي غير رجب بالصوم. قال في المبدع: اتفاقا. لانه (ص): كان يصوم شعبان ورمضان. والمراد أحيانا. ولم يداوم كاملا على غير رمضان. فدل على أنه لا يستحب صوم رجب وشعبان في قول الاكثر. واستحبه في الارشاد. (وكل حديث روي في فضل صوم رجب أو الصلاة فيه فكذب باتفاق أهل العلم) بالحديث. (ويكره تعمد إفراد يوم الجمعة بصوم) لحديث أبي هريرة: لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم وبعده يوم متفق عليه ولمسلم لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من

[ 395 ]

بين الليالي ولا يوم الجمعة بصيام من بين الايام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم قال الداوودي: لم يبلغ مالكا الحديث. ويحمل ما روي من صومه والترغيب فيه على صومه من غيره. فلا تعارض، (و) يكره تعمد (إفراد يوم السبت) بصوم. لحديث عبد الله بن بشر عن أخته الصماء: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم رواه أحمد بإسناد جيد والحاكم، وقال: على شرط البخاري. ولانه يوم تعظمه اليهود. ففي إفراده تشبه بهم. ويوم السبت آخر أيام الاسبوع. قال الجوهري: سمي يوم السبت لانقطاع الايام عنده. (إلا أن يوافق) يوم الجمعة أو السبت (عادة)، كأن وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء. وكان عادته صومهما، فلا كراهة. لان العادة لها تأثير في ذلك. (ويكره صوم يوم الشك تطوعا) لقول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم (ص)، رواه أبو داود والترمذي وصححه، وهو للبخاري تعليقا. (ويصح) صوم يوم الشك (أو) أي ويكره صوم يوم الشك (بنية الرمضانية احتياطا)، ولا يجزئ إن ظهر منه. كما تقدم. (وهو) أي يوم الشك (يوم الثلاثين من شعبان، إن لم يكن في السماء) في مطلع الهلال (علة) من غيم أو قتر ونحوهما، (ولم ير الهلال، أو شهد به من ردت شهادته) لفسق ونحوه. (إلا أن يوافق) يوم الشك (عادة)، كمن عادته يصوم يوم الخميس والاثنين، فوافق يوم الشك أحدهما، فلا كراهة. أو عادته يصوم يوما ويفطر آخر. فوافق صومه ذلك فلا كراهة. (أو يصله) أي يوم الشك (بصيام قبله) لقوله (ص): لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه متفق عليه من حديث أبي هريرة. (أو يصومه) أي يوم الشك (عن قضاء أو نذر) أو كفارة فلا

[ 396 ]

كراهة. لان صومه واجب إذن. (ويكره إفراد يوم نيروز) بصوم (و) يوم (مهرجان، وهما عيدان للكفار). قال الزمخشري: النيروز اليوم الرابع من الربيع. والمهرجان: اليوم التاسع عشر من الخريف. لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمهما. واختار المجد عدم الكراهة. لانهم لا يعظمونهما بالصوم كالاحد. (و) على الاول: يكره إفراد (كل عيد لهم) أي للكفار، (أو يوم يفردونه بتعظيم) ذكره الشيخان وغيرهما (إلا أن يوافق عادة) كأن يكون يوم خميس أو إثنين، وعادته صومهما. فلا كراهة. (ويكره تقدم رمضان ب‍) - صوم (يوم أو يومين) لحديث أبي هريرة المتفق عليه. (ولا يكره) تقدم رمضان بصوم (أكثر من يومين) لظاهر الخبر السابق، وأما حديث أبي هريرة إذا انتصف شعبان فلا تصوموا رواه الخمسة، فقد ضعفه أحمد وغيره من الائمة وصححه الموفق. وحمله على نفي الفضيلة. (ويكره الوصال إلا للنبي (ص) فمباح له)، لما روى ابن عمر قال: واصل رسول الله (ص) في رمضان، فواصل الناس. فنهى (ص) عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل، فقال: إني لست مثلكم. إني أطعم وأسقى، متفق عليه. ولا يحرم لان النهي وقع رفقا ورحمة. ولهذا واصل رسول الله (ص) بهم، وواصلوا بعده. (وهو) أي الوصال (أن لا يفطر بين اليومين. وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها، وكذا بمجرد الشرب) لانتفاء الوصال. (ولا يكره الوصال إلى السحر) لحديث أبي سعيد مرفوعا: فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر رواه البخاري. (ولكن ترك سنة، وهي تعجيل الفطر) فترك ذلك أولى، محافظة على السنة. (ويحرم صوم يومي العيدين. ولا يصح فرضا ولا نفلا) لما روى أبو هريرة: أن رسول الله (ص) نهى عن صوم

[ 397 ]

يومين يوم فطر ويوم أضحى متفق عليه. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه. (وكذا أيام التشريق) يحرم صومها. ولا يصح فرضا ولا نفلا. لما روى مسلم عن نبيشة الهذلي مرفوعا: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ولاحمد: النهي عن صومها من حديث أبي هريرة، وسعد بإسنادين ضعيفين. (إلا عن دم متعة وقران ويأتي) في باب الفدية لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي رواه البخاري. (ويجوز صوم الدهر. ولم يكره) لان جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم. منهم أبو طلحة. قيل: إنه صام بعد موت النبي (ص) أربعين سنة (إذا لم يترك به حقا، ولا خاف منه ضررا، ولم يصم هذه الايام) الخمسة يومي العيدين وأيام التشريق. (فإن صامها فقد فعل محرما) لما تقدم. (ومن دخل في تطوع، غير حج وعمرة استحب له إتمامه) لانه تكميل العبادة، وهو مطلوب. (ولم يجب) عليه إتمامه. لقول عائشة: يا رسول الله، أهدي لنا حيس فقال: أرنيه، فلقد أصبحت صائما، فأكل رواه مسلم والخمسة. وزاد النسائي بإسناد جيد: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها. ولقوله (ص): الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر رواه أحمد وصححه من حديث أم هانئ، وضعفه البخاري. وغير الصوم من التطوعات كهو، وكالوضوء. وأما الحج والعمرة فيجبان بالشروع، ويأتي. لان الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة، ومشقة شديدة، وإنفاق مال كثير. ففي إبطالهما تضييع لماله. وإبطال لاعمال الكثيرة. (لكن يكره قطعه بلا عذر) لما فيه

[ 398 ]

من تفويت الاجر، (وإن أفسده) أي التطوع (فلا قضاء عليه) لان القضاء يتبع المقضي عنه. فإذا لم يكن واجبا. لم يكن القضاء واجبا، بل يستحب. (وكذا لا تلزم الصدقة ولا القراءة، ولا الاذكار بالشروع) فيها وفاقا. (وإن دخل في فرض كفاية) كصلاة جنازة (أو) دخل في (واجب) على الاعيان (موسع، كقضاء رمضان، قبل رمضان الثاني، والمكتوبة في أول وقتها، وغير ذلك. كنذر مطلق وكفارة) إن قلنا: هما غير واجبين على الفور. والمذهب: خلافه، كما تقدم، ويأتي (حرم خروجه منه بلا عذر، بغير خلاف) لان الخروج من عهدة الواجب متعين. ودخلت التوسعة في وقته رفقا، ومظنة للحاجة. فإذا شرع فيها تعينت المصلحة في إتمامها. (وقد يجب قطعه) أي الفرض (لرد معصوم عن هلكه، وإنقاذ غريق ونحوه) كحريق ومن تحت هدم (وإذا دعاه النبي (ص) في الصلاة) لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) *. (وله قطعها) أي الصلاة (بهرب غريمه. و) له (قلبها نفلا، وتقدم) ذلك موضحا (وإن أفسده) أي الفرض (فلا كفارة) مطلقا، لعدم النص فيها، (ولا يلزمه غير ما كان قبل شروعه) فيما أفسده. (ولو شرع في صلاة تطوع قائما. لم يلزمه إتمامها قائما) بغير خلاف. قاله في المبدع. (وذكر القاضي وجماعة أن الطواف كالصلاة في الاحكام إلا فيما خصه الدليل) للخبر. تتمة: إذا قطع الصوم ونحوه، فهل انعقد الجزء المؤدى، وحصل به قربة أم لا؟ وعلى الاول: هل يبطل حكما أو لا يبطل؟ اختلف كلام أبي الخطاب. وقطع جماعة ببطلانه، وعدم الصحة. وفي كلام الشيخ تقي الدين: إن الابطال في الآية هو بطلان الثواب. قال: ولا نسلم ببطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله. فلا يكون مبطلا لعمله.

[ 399 ]

فصل: (وليلة القدر شريفة معظمة ترجى إجابة الدعاء فيها) قال تعالى: * (وما أدراك ما ليلة القدر؟ ليلة القدر خير من ألف شهر) * قال المفسرون: أي قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها. وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. زاد أحمد وما تأخر. (وسميت ليلة القدر: لانه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة)، لقوله تعالى: * (فيها يفرق كل أمر حكيم) *. وما روي عن عكرمة: أنها ليلة النصف من شعبان ضعيف. وعن ابن عباس: يقضي الله الاقضية ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها ليلة القدر. وقيل: سميت به لعظم قدرها عند الله. وقيل: لضيق الارض عن الملائكة التي تنزل فيها. وقيل: لان للطاعات فيها قدرا عظيما. (وهي باقية لم ترفع) للاخبار في طلبها وقيامها، خلافا لبعضهم في رفعها. (وهي مختصة بالعشر الاواخر من رمضان. فتطلب فيه) لقوله (ص): تحروا ليلة القدر في العشر الاواخر من رمضان متفق عليه من حديث عائشة. وفي المغني والكافي: تطلب في جميع رمضان. وقال ابن مسعود: هي في كل السنة (وليالي الوتر آكد) لقوله (ص): اطلبوها في العشر الاواخر، في ثلاث بقين، أو سبع بقين، أو تسع بقين. وروى سالم عن أبيه مرفوعا: أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الاواخر في الوتر. فالتمسوها في الوتر منها متفق عليه.

[ 400 ]

واختار المجد كل العشر، سواء. وللعلماء فيها أقوال كثيرة. (وأرجاها: ليلة سبع وعشرين نصا) وهو قول أبي بن كعب. وكان يحلف على ذلك ولا يستثني، وابن عباس، وزر بن حبيش. قال أبي بن كعب: والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها في ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا رواه الترمذي وصححه، وعن معاوية أن النبي (ص) قال: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين رواه أبو داود. ويرجحه قول ابن عباس: سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرون فيها هي. والحكمة في إخفائها ليجتهدوا في طلبها ويجدوا في العبادة، طمعا في إدراكها. كما أخفى ساعة الاجابة يوم الجمعة، واسمه الاعظم في أسمائه. ورضاه في الحسنات إلى غير ذلك. (وهي أفضل الليالي) ذكره الخطابي إجماعا. (حتى ليلة الجمعة) وذكر ابن عقيل رواية: أن ليلة الجمعة أفضل. لانها تتكرر، ولانها تابعة لما هو أفضل، واختاره جماعة. وقال أبو الحسن التميمي: ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن أفضل من ليلة الجمعة. فأما أمثالها من ليالي القدر. فليلة الجمعة أفضل. (ويستحب أن ينام فيها متربعا مستندا إلى شئ نصا. ويذكر حاجته في دعائه)، الذي يدعو به تلك الليلة. (ويستحب) أن يكون (منه) أي من دعائه فيها (ما روت) أم المؤمنين (عائشة) بنت أبي بكر الصديق (رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله، إن وافقتها فبم أدعو؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه أحمد وابن ماجه. وللترمذي معناه وصححه. ومعنى العفو: الترك. ويكون بمعنى الستر وللمتغطية. فمعنى: اعف عني: اترك مؤاخذتي بجرمي، واستر علي ذنبي. وأذهب عني عقابك. وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا: سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة. فالشر الماضي يزول بالعفو والحاضر بالعافية. والمستقبل بالمعافاة، لتضمنها دوام العافية. (وتتنقل في العشر الاخير، لا أنها ليلة معينة. وحكي ذلك عن الائمة الاربعة وغيرهم فيمن

[ 401 ]

قال لزوجته: أنت طالق ليلة القدر، إن كان قبل مضي ليلة أول العشر) الاخير من رمضان (وقع الطلاق) أي تحقق وقوعه (في الليلة الاخيرة) من رمضان. لان العشر لا يخلو منها. ونازع فيه ابن عادل في تفسيره، بما حاصله: أن العصمة متيقنة. فلا تزول إلا بيقين. وقد قيل: إن ليلة القدر في كل السنة، فلا تتحقق إلا بمضي السنة. (وإن كان مضى منه) أي من العشر الاخير من رمضان (ليلة) فأكثر، ثم قال لزوجته: أنت طالق ليلة القدر. (وقع الطلاق في الليلة الاخيرة) من رمضان (من العام المقبل) ليتحقق وجودها. (قال المجد: ويتخرج حكم العتق واليمين على مسألة الطلاق. ومن نذر قيام ليلة القدر قام العشر الاخير كله، ونذره في أثنائه). أي العشر الاخير (كطلاق) ذكره القاضي. تتمة: عن أبي بن كعب عن النبي (ص): إن الشمس تطلع صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. وفي بعض الاحاديث: بيضاء مثل الطست. وروي أيضا عنه (ص): أن أمارة ليلة القدر: أنها ليلة صافية بلجة، كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها شعاع مثل القمر ليلة البدر. لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ. (و) شهر رمضان (أفضل الشهور) ويكفر من فضل رجبا عليه. ذكره في الاختيارات. (قال الشيخ: ليلة الاسراء في حق النبي (ص) أفضل من ليلة القدر). وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الامة. وقد ذكرت ما فيه في الحاشية. (وقال: يوم الجمعة أفضل أيام الاسبوع) إجماعا (وقال: يوم الفخر أفضل أيام العام). وكذا ذكره جده صاحب المحرر في صلاة العيدين، من شرحه منتهى الغاية: أن يوم النحر أفضل (وظاهر ما ذكره أبو حكيم) إبراهيم النهرواني (أن يوم عرفة أفضل. قال في الفروع: وهو أظهر) وقاله أكثر الشافعية. وبعضهم يوم الجمعة (وعشر ذي الحجة أفضل من العشر الاخير من رمضان) كلياليه وأيامه. وقد يقال: ليالي

[ 402 ]

العشر الاخير من رمضان أفضل. وأيام ذلك أفضل. قال أبو العباس: والاول أظهر. ذكره في الاختيارات (و) عشر ذي الحجة أفضل (من أعشار الشهور كلها)، لما في صحيح ابن حبان عن جابر مرفوعا قال: ما من أيام أفضل عند الله من أيام ذي الحجة. قال ابن رجب في اللطائف: والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء: أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان. وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. والله أعلم. باب الاعتكاف وأحكام المساجد (وهو) أي الاعتكاف لغة: لزوم الشئ، ومنه قوله تعالى: * (يعكفون على أصنام لهم) * يقال: عكف، بفتح الكاف، يعكف، بضمها وكسرها. وشرعا (لزوم المسجد لطاعة الله، على صفة مخصوصة) يأتي بيانها (من مسلم) لا كافر ولو مرتدا، (عاقل ولو مميزا) فلا يصح من مجنون ولا طفل. لعدم النية (طاهر مما يوجب غسلا) فلا يصح من جنب ونحوه، ولو متوضئا. (وأقله) أي الاعتكاف (ساعة) قال في الانصاف: أقله إذا كان تطوعا أو نذرا مطلقا: ما يسمى به معتكفا لابثا. قال في الفروع: ظاهره ولو لحظة. وفي كلام جماعة من الاصحاب: أقله ساعة لا لحظة وهو ظاهر كلامه في المذهب وغيره اه‍. وقال الزركشي: وأقله أدنى لبث اه‍. وقول المصنف بعد: ولا يكفي عبوره يدل على أن المراد بالساعة ما يتناول اللحظة. وقد حكيت كلامه في حاشية المنتهى. (فلو نذر اعتكافا وأطلق) فلم يقيده بمدة (أجزأته) الساعة على ما تقدم، (ولا يكفي عبوره) بالمسجد من غير لبث. لانه لا يسمى معتكفا. (ويستحب أن لا ينقص) الاعتكاف (عن يوم وليلة) خروجا من خلاف من يقول: أقله ذلك. (ويسمى) الاعتكاف (جوارا) لقول عائشة عنه

[ 403 ]

(ص): وهو مجاور في المسجد متفق عليه، وفي الصحيحين، من حديث أبي سعيد مرفوعا قال: كنت أجاور هذا العشر - يعني الاوسط - ثم قد بدا لي أن أجاور هذا العشر الاواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه. (قال ابن هبيرة: و) هذا الاعتكاف (لا يحل أن يسمى خلوة)، ولم يزد على هذا. وكأنه نظر إلى قول بعضهم: إذا ما خلوت الدهر يوما، فلا تقل خلوت، ولكن قل: علي رقيب (قال في الفروع. ولعل الكراهة أولى) أي من التحريم، (وهو سنة كل وقت) قال في شرح المنتهى: إجماعا. لان النبي (ص) فعله وداوم عليه، تقربا إلى الله تعالى. واعتكف أزواجه بعده ومعه. (إلا أن ينذره) أي الاعتكاف، (فيجب على صفة ما نذر) من تتابع وغيره، لحديث: من نذر أن يطيع الله فليطعه وعن عمر أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي (ص): أوف بنذرك رواهما البخاري. (ولا يختص) الاعتكاف (بزمان) دون غيره. وهو معنى ما تقدم من قوله: كل وقت. (وآكده في رمضان) إجماعا. قال في الفروع. ولم يفرق الاصحاب بين الثغر وغيره، وهو واضح. ونقل أبو طالب: لا يعتكف بالثغر، لئلا يشغله نفير. (وآكده العشر الاخير منه) أي من رمضان. لحديث أبي سعيد المتقدم. ولان ليلة القدر تطلب فيه كما تقدم. (وإن علقه) أي نذر الاعتكاف (أو) علق (غيره من التطوعات) كالصلاة والصوم والصدقة عند نذرها (بشرط. فله شرطه) أي فلا يلزمه حتى يوجد شرطه. وذلك (نحو) أن يقول (لله علي أن أعتكف شهر رمضان، إن كنت مقيما أو معافى. فلو كان) الناذر (فيه) أي في شهر رمضان

[ 404 ]

(مريضا أو مسافرا. لم يلزمه شئ) لعدم وجود شرطه. (ويصح) الاعتكاف (بغير صوم) لحديث عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة بالمسجد الحرام. فقال النبي (ص): أوف نذرك رواه البخاري. ولو كان الصوم شرطا لما صح اعتكاف الليل، لانه لا صيام فيه. ولانه عبادة تصح في الليل. فلم يشترط له الصيام كالصلاة وكسائر العبادات. ولان إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع. ولا يثبت فيه نص، ولا إجماع ومما روي عن عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم فموقوف عليها. ومن رفعه فقد وهم. قاله في الشرح وغيره. ثم لو صح، فالمراد به: الاستحباب. فإن الصوم فيه أفضل. ولان الاعتكاف لبث في مكان مخصوص. فلم يشترط له الصوم كالوقوف. (إلا أن يقول في نذره) أي: نذر على أن أعتكف (بصوم) فيلزمه الصوم، لنذره إياه (و) الاعتكاف (به) أي بالصوم (أفضل) لما تقدم وخروجا من الخلاف. (فيصح) الاعتكاف (في ليلة منفردة) عن يومها. لحديث عمر (و) يصح الاعتكاف (في بعض يوم. وإن كان مفطرا) لعدم اشتراط الصوم فيه. (وإذا لم يشترط الصوم في نذره، فصام) وهو معتكف (ثم أفطر عامدا بغير عذر. لم يبطل اعتكافه. ولم يلزمه شئ) لصحة اعتكافه بغير صوم. (ومن نذر أن يعتكف صائما) أو يصوم، وتقدم قريبا (أو) نذر أن (يصوم معتكفا أو باعتكاف، أو) نذر أن (يعتكف مصليا، أو) أن (يصلي معتكفا. لزمه الجمع) بين الاعتكاف والصيام، أو بين الاعتكاف والصلاة لقوله (ص): ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه والاستثناء من النفي إثبات. ويقاس على الصوم الصلاة. ولان كلا من الصوم والصلاة صفة مقصودة في الاعتكاف. فلزمت بالنذر، كالتتابع، وكنذر القيام في صلاة النافلة، و (كنذر صلاة بسورة معينة) من القرآن (لكن لا يلزمه أن يصلي جميع الزمان إذا نذر أن يعتكف) يوما مثلا

[ 405 ]

(مصليا. والمراد) يكفيه (ركعة أو ركعتان) بناء على ما لو نذر الصلاة وأطلق، على ما يأتي. وإن نذر اعتكاف أيام متتابعة بصوم، فأفطر يوما. أفسد تتابعه، ووجب الاستئناف، لاخلاله بالاتيان بما نذره على صفته. قاله في الشرح. (وإن نذر اعتكاف عشر رمضان الاخير، فنقص) العشر (أجزأه) لانه يسمى بالعشر الاخير. وإن كان ناقصا (بخلاف نذره عشرة أيام من آخر الشهر فنقص) الشهر (فيقضي يوما) عوض النقص. قلت: ويكفر لفوات المحل. (وإن نذر أن يعتكف رمضان ففاته) اعتكاف رمضان لعذر أو غيره (لزمه) اعتكاف (شهر غيره) ليفي بنذره، (ولا يلزمه الصوم) في الشهر الذي يعتكفه قضاء عن رمضان. (ولا يجوز الاعتكاف للمرأة والعبد بغير إذن زوج وسيد) لان منافع المرأة والعبد مملوكة لغيرها، والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفاءها وليس بواجب بالشرع. فلم يجز إلا بإذن مالك المنفعة. وهو الزوج والسيد. (فإن شرعا) أي المرأة والعبد (فيه) أي في الاعتكاف (بغير إذن) الزوج والسيد، (فلهما تحليلهما) منه. (ولو كان) الاعتكاف (نذرا) لحديث أبي هريرة: لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه رواه الخمسة وحسنه الترمذي. وضرر الاعتكاف أعظم. ولان إقامتهما على ذلك تتضمن تفويت حق غيرهما بغير إذنه. فكان لصاحب الحق المنع منه. كرب الحق مع غاصبه. (فإن لم يحللاهما) من الاعتكاف (صح وأجزأ) عنهما. (وإن كان) الاعتكاف (بإذن) من الزوج والسيد، (فلهما تحليلهما، إن كان تطوعا) لان النبي (ص): أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف ثم منعهن منه بعد أن دخلن. ولان حق الزوج والسيد واجب. والتطوع لا يلزم بالشروع. ولان لهما المنع منه ابتداء. فكان لهما المنع منه دواما، كالعارية. ويخالف الحج. لانه يلزم بالشروع. ويجب المضي في فاسده. (وإن كان) الاعتكاف الذي شرعت فيه الزوجة أو القن بإذن الزوج أو السيد (نذرا ولو غير معين فلا) يحللانهما لانه يتعين بالشروع فيه. ويجب إتمامه كالحج.

[ 406 ]

(ولو رجعا) أي الزوج والسيد (بعد الاذن) للزوجة والقن في الاعتكاف (قبل الشروع) في الاعتكاف (جاز) الرجوع، كعزل الموكل وكيله (والاذن في عقد النذر إذن في فعله إن نذرا) أي الزوجة والقن (زمنا معينا بالاذن) كما لو أذن لهما الزوج أو السيد في نذر اعتكاف العشر الاخير من رمضان، فيكون إذنا في فعله. (وإلا) أي وإن لم يكن الزمن معينا بالاذن (فلا) يكون الاذن في النذر إذنا في الفعل. لان زمن الشروع لم يقتضه الاذن السابق. (وأم الولد والمدبر والمعلق عتقه بصفة كعبد) فيما تقدم، ولان منافعهم مستحقة للسيد. (وللمكاتب أن يعتكف بلا إذن سيده) نص عليه. لان السيد لا يستحق منافعه. ولا يملك إجباره على الكسب. فهو مالك لمنافعه. كحر مدين، بخلاف أم الولد والمدبر. وظاهره: لا فرق بين الواجب وغيره، وسواء نجم أو لا. (وله) أي للمكاتب (أن يحج بغير إذنه) أي إذن سيده، لما سبق. (ما لم يحل نجم) من نجوم الكتابة. ونقل الميموني: له الحج من المال الذي جمعه، ما لم يحل نجمه. وحمله القاضي وغيره على إذنه له. أطلقه جماعة. وقالوا: نص عليه ولعل المراد ما لم يحل نجم. وصرح به بعضهم. وعنه المنع مطلقا. قاله في الفروع. ويأتي في الكتابة: لسيد منعه من السفر، كحر مدين. (ولا يمنع) المكاتب (من إنفاق المال في الحج كترك التكسب، ومن بعضه حر) وباقيه رقيق (إن كان بينهما مهايأة فله أن يعتكف) في نوبته (و) أن (يحج في نوبته بلا إذنه) أي إذن سيده. لان منافعه إذن غير مملوكة لسيده، بل هي له كالحر. (وإلا) أي وإن لم يكن بينه وبين سيده مهايأة (فلسيده منعه) من الاعتكاف والحج. لان له ملكا في منافعه في جميع الاوقات، فتجويزه يتضمن إبطال حق غيره. وليس بجائز. (وإذا اعتكفت المرأة استحب لها أن تستتر بخباء ونحوه) لفعل عائشة وحفصة وزينب في عهده (ص). (وتجعله في مكان لا يصلي فيه الرجال) لانه أبعد في التحفظ لها. نقل أبو داود: يعتكفن في المساجد ويضرب لهن فيها الخيم. (ولا بأس أن يستتر الرجال أيضا) ذكره في المغني والشرح، لفعله (ص) ولانه أخفى لعملهم. ونقل إبراهيم لا،

[ 407 ]

إلا لبرد شديد. (ولا يصح الاعتكاف إلا بنية) لحديث: إنما الاعمال بالنيات. ولانه عبادة محضة كالصوم. (فإن كان) الاعتكاف (فرضا) أي منذورا (لزمه نية الفرضية) ليتميز المنذور عن التطوع. (وإن نوى الخروج منه) أي من الاعتكاف (أي نوى إبطاله بطل. إلحاقا له بالصلاة والصيام)، لانه يخرج منه بالفساد، بخلاف الحج والعمرة. (ولا يبطل) الاعتكاف (بإغماء) كما لا يبطل بنوم، بجامع بقاء التكليف. (ولا يصح) الاعتكاف (من رجل تلزمه الصلاة جماعة إلا في مسجد تقام فيه) الجماعة. فلا يصح بغير مسجد بلا خلاف. لقوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * فلو صح في غيرها لم تختص بتحريم المباشرة، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقا. ولانه (ص): كان يدخل رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله متفق عليه. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة. ولا يصح ممن تلزمه الجماعة إلا بمسجد تقام فيه، حذرا من ترك الجماعة أو تكرر الخروج المنافي له، مع إمكان التحرز منه. وخرج منه المعذور والصبي، ومن هو في قرية لا يصلي فيها غيره. لان الممنوع منه ترك الجماعة الواجبة، وهي منتفية هنا. (ولو) كانت إقامة الجماعة (من رجلين) أو رجل وامرأة (معتكفين) لانعقاد الجماعة بهما. فيخرج من عهدة الواجب (إن أتى عليه) أي الرجل الذي تلزمه الصلاة جماعة (فعل الصلاة زمن اعتكافه، وإلا) أي وإن لم يكن المعتكف رجلا تلزمه الصلاة جماعة، بأن كان امرأة أو عبدا أو صبيا، أو معذورا، أو لم يأت عليه زمن اعتكافه فعل صلاة، كما لو اعتكف من طلوع الشمس إلى الزوال. (صح) اعتكافه (في كل مسجد) لعموم الآية. والجماعة غير واجبة إذن. وما روى حرب بإسناد جيد عن ابن عباس أنه: سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد بيتها. فقال: بدعة. وأبغض الاعمال إلى الله البدع، فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة. أي من شأنه أن تقام فيه. (وإن كانت) الجماعة (تقام فيه في بعض الزمان) دون بعض (جاز الاعتكاف فيه) ممن تلزمه الجماعة. (في ذلك الزمن) الذي تقام فيه (فقط) دون الزمان الذي لا تقام فيه، لما سبق (ولا يصح) الاعتكاف ممن تلزمه الجماعة، (في مسجد تقام فيه

[ 408 ]

الجمعة دون الجماعة) إذا كان يأتي عليه وقت صلاة لما مر. (وظهره) أي المسجد: منه (ورحبته المحوطة وعليها باب نصا) منه (ومنارته التي بابها فيه: منه) بدليل منع الجنب. وكذا إذا كانت المنارة فيه. وإن لم يكن بابها فيه. (وكذا ما زيد فيه) أي في المسجد. فهو منه (حتى في الثواب في المسجد الحرام. وكذا مسجد النبي (ص)) ما زيد فيه: حكمه حكمه، حتى في الثواب (عند الشيخ وابن رجب. وجمع. وحكى عن السلف) لما روي عن أبي هريرة قال: قال النبي (ص): لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي وقال عمر لما زاد المسجد: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد النبي (ص) وقال ابن رجب في شرح البخاري: وقد قيل: إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة وإنما خالف بعض المتأخرين من أصحابنا منهم ابن الجوزي وابن عقيل. (وخالف فيه ابن عقيل وابن الجوزي وجمع. قال في الفروع: وهو ظاهر كلام أصحابنا وتوقف أحمد) وقال في الآداب: وهذه المضاعفة تختص بالمسجد غير الزيادة على ظاهر الخبر. وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم، أي قوله (ص): في مسجدي هذا لاجل الاشارة. (ولو اعتكف من لا تلزمهم الجمعة) كالعبد والمسافر والمرأة (في مسجد لا تصلى فيه) الجمعة (بطل) اعتكافه (بخروجه إليها إن لم يشترط) الخروج إليها. لانه خروج لما لا بد منه. (والافضل الاعتكاف في المسجد الجامع، إذا كانت الجمعة تتخلله) أي الاعتكاف. لئلا يحتاج إلى الخروج إليها. فيترك الاعتكاف، مع إمكان التحرز منه. (وللمرأة من لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور) بسفر أو غيره (ومن في قرية لا يصلي فيها غيره: الاعتكاف في كل مسجد) لعموم الآية، (إلا مسجد بيتها. وهو ما اتخذته لصلاتها) لما تقدم عن ابن عباس. ولانه ليس بمسجد حقيقة ولا حكما، ولو جاز لفعلته أمهات المؤمنين. ولو مرة تبيينا للجواز. (ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير) المساجد (الثلاثة، فله فعله) أي المنذور من اعتكاف أو صلاة (في غيره)، لان الله تعالى لم يعين لعبادته موضعا، فلم يتعين بالنذر. ولو تعين لاحتاج إلى شد

[ 409 ]

رحل. وقد قال (ص): لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الاقصى، ومسجدي هذا متفق عليه من حديث أبي هريرة. قال في المبدع: ولعل مرادهم إلا مسجد قباء. لانه (ص): كان يأتيه كل سبت راكبا وماشيا، ويصلي فيه ركعتين وكان ابن عمر يفعله، متفق عليه. قال: وعلى المذهب: يعتكف في غير المسجد الذي عينه. وظاهره: لا كفارة. وجزم به في الشرح. (وإن نذره) أي الاعتكاف أو الصلاة (في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي (ص) والمسجد الاقصى. لم يجزئه في غيرها) لفضل العبادة فيها على غيرها. فتتعين بالتعيين. (وله شد الرحل إليه) أي إلى المسجد الذي عينه من الثلاثة. لحديث أبي هريرة السابق. (وأفضلها: المسجد الحرام، ثم مسجد النبي (ص)، ثم المسجد الاقصى) وهو مسجد بيت المقدس لما روى أبو هريرة قال، قال رسول الله (ص): صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام رواه الجماعة إلا أبو داود، ولاحمد وأبي داود من حديث جابر بن عبد الله مثله. وزاد: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه. وقال ابن عبد البر: هو أحسن حديث روي في ذلك. ولاحمد من حديث عبد الله بن الزبير مثل حديث أبي هريرة، وزاد: صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا. وكون مسجد الرسول (ص) والمسجد الاقصى لم يفرض إتيانها شرعا، بخلاف المسجد الحرام: لا يمنع وجوب الاعتكاف والصلاة فيهما بالنذر. لان النذر موجب لما لم يكن واجبا بأصل الشرع. وإلحاق غير الثلاثة بها ممتنع لثبوت فضلها على غيرها بالنص. (فإن عين الافضل منها) وهو المسجد الحرام (في نذره لم يجزئه) الاعتكاف ولا الصلاة (فيما دونه) لعدم

[ 410 ]

مساواته له. (وعكسه بعكسه) أي إن عين المفضول منها أجزأه فيما هو أفضل منه. فمن عين في نذره مسجد المدينة أجزأه فيه، وفي المسجد الحرام فقط. وإن عين الاقصى أجزأه في كل من المساجد الثلاثة. لحديث جابر: أن رجلا قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال: صل ههنا، فسأله فقال: صل هنا، فسأله فقال: شأنك إذن رواه أحمد وأبو داود. رويا أيضا هذا الخبر بإسنادهما عن بعض أصحاب النبي (ص) وزاد فقال النبي (ص): والذي بعث محمدا بالحق، لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس. (وإن نذره) أي الاعتكاف أو الصلاة (في غير هذه المساجد) الثلاثة (وأراد الذهاب إلى ما عينه فإن احتاج إلى شد رحل خير) عند القاضي وغيره، وهو معنى ما جزم به بعضهم بإباحته. (واختاره) الموفق في القصر ومنع منه ابن عقيل والشيخ تقي الدين وإن لم يحتج إلى شد رحل ففي المبدع فالمذهب يخير. وفي الواضح: الافضل الوفاء. قال في الفروع: وهذا أظهر (وإن دخل فيه) أي في معتكفه، (ثم انهدم معتكفه ولم يمكن القيام فيه. لزم إتمامه) أي الاعتكاف إن كان منذورا. (في غيره ولم يبطل) اعتكافه بخروجه منه. لانه خروج لما لا بد منه. (ومن نذر اعتكاف شهر) بعينه كرمضان (أو) نذر اعتكاف (عشر يعينه. كالعشر الاخير من رمضان. أو أراد ذلك تطوعا. دخل معتكفه قبل ليلته الاولى) أي قبل غروب الشمس. نص عليه. إذ الشهر يدخل بدخول الليلة. بدليل ترتب الاحكام المعلقة به: من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما حديث عائشة: كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه متفق عليه، فاعتكافه كان تطوعا. والتطوع يشرع فيه متى شاء. وقال القاضي: يحتمل أنه كان يفعل يوم العشرين، ليستظهر ببياض يوم زيادة. (وخرج)

[ 411 ]

من معتكفه (بعد آخره) أي آخر ما عينه بأن تغرب شمس آخر يوم منه. نص عليه لما تقدم. (ولو نذر) أن يعتكف (يوما معينا) كيوم الخميس (أو) نذر يوما (مطلقا) بأن نذر أن يعتكف يوما، وأطلق. (دخل) معتكفه (قبل فجره الثاني وخرج بعد غروب شمسه) لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (ولم يجز تفريقه لساعات من أيام) لانه يفهم منه التتابع. أشبه ما لو قيده به. (فلو كان في وسط النهار، فقال: لله علي أن أعتكف يوما من وقتي هذا. لزمه) الاعتكاف (من ذلك الوقت إلى مثله) ليتحقق مضي يوم من ذلك الوقت. (ولا يدخل الليل) في نذره اعتكاف يوم. فلا يلزمه اعتكافه. لانه ليس من اليوم (وكل زمان معين) نذر اعتكافه (يدخل) معتكفه (قبله ويخرج بعده) لما تقدم، (وإن اعتكف رمضان: أو العشر الاخير منه. استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه) ليحيي ليلة العيد (ويخرج منه إلى المصلى) نص عليه. قال إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الاواخر من رمضان: أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد اه‍. ويكون في ثياب اعتكافه. ليصل طاعة بطاعة. (وإن نذر شهرا مطلقا. لزمه شهر متتابع نصا) لان الاعتكاف معنى يصح ليلا ونهارا. فإذا أطلقه لزمه التتابع. كقوله: لاكلمت زيدا شهرا، كمدة الايلاء، والعنة والعدة. (وحكمه في دخول معتكفه وخروجه منه. كما تقدم) فيدخل قبل الغروب من أول ليلة منه. ولا يخرج إلا بعد غروب شمس آخر أيامه. (ويكفي شهر هلالي ناقص بلياليه، أو ثلاثون يوما بلياليها) لان الشهر اسم لما بين الهلالين، ناقصا كان أو تاما، ولثلاثين يوما. (وإن ابتدأ) اعتكافه (الثلاثين في أثناء النهار. فتمامه في مثل تلك الساعة من اليوم الحادي والثلاثين. وإن ابتدأه في أثناء الليل تم) اعتكافه (في مثل تلك الساعة من الليلة الحادية والثلاثين. وإن نذر أياما) معدودة، (أو) نذر (ليالي معدودة فله تفريقها إن لم ينو التتابع) لان الايام والليالي المطلقة توجد بدون التتابع، فلم يلزمه، كنذر صومها. واحتجاج ابن عباس

[ 412 ]

في قضاء رمضان بالآية يدل عليه. (أو نذر اعتكاف يوم الا تدخل ليلته) لانها ليست منه. (وكذا عكسه) إذا نذر اعتكاف ليلة لا يدخل يومها. لانه ليس منها (وإن نذر شهرا متفرقا) يعني نذر ثلاثين يوما متفرقة، (فله تتابعه) ولا يلزمه. (وإن نذر أياما) متتابعة (أو) نذر (ليالي متتابعة. لزمه ما يتخللها من ليل) إذا نذر الايام (أو نهارا) إذا نذر الليالي. نص عليه. لان اليوم اسم لبياض النهار. والليل اسم لسواد الليل. والتثنية والجمع تكرار الواحد. وإنما يدخل ما تخلل للزوم التتابع ضمنا، وهو حاصل بما بينهما خاصة. فإن لم تكن متتابعة لم يلزمه ما تخللها من ذلك. (وإن نذر اعتكاف يوم يقدم فلان. فقدم في بعض النهار. لزمه اعتكاف الباقي منه. ولم يلزمه قضاء ما فات) من اليوم قبل قدومه. لانه فات قبل شرط الوجوب، فلم يجب. (كنذر اعتكاف زمن ماض) لعدم انعقاده (وإن قدم ليلا لم يلزمه شئ) لانه إنما نذر يوم يقدم، لا ليلة يقدم. ويرد عليه ما ذكروه في: أنت طالق يوم يقدم فلان. فقدم ليلا، يحنث. ما لم ينو النهار. (فإن كان للناذر عذر يمنعه الاعتكاف عند قدوم فلان، من حبس أو مرض. قضى وكفر) كفارة يمين لفوات المحل. (ويقضي بقية اليوم) الذي قدم فيه فلان (فقط) دون ما مضى منه. لان القضاء تابع للاداء. فصل: (من لزمه تتابع اعتكاف) كمن نذر شهرا أو أياما متتابعة ونحوه (لم يجز له الخروج إلا لما لا بد منه)، لما روي عن عائشة أنها قالت: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه، رواه أبو داود. (كحاجة الانسان من بول وغائط)، قال في المبدع: إجماعا. وسنده قول عائشة: كان النبي (ص)

[ 413 ]

لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان. متفق عليه. ولو بطل بالخروج إليهما لم يصح لاحد اعتكاف. وكني بها عنهما. لان كل إنسان يحتاج إلى فعلهما. (و) ك‍ (قئ بغتة وغسل متنجس يحتاجه)، لان ذلك في معنى البول والغائط. (والطهارة عن حدث) كغسل جنابة ووضوء لحدث. نص عليه، لان الجنب يحرم عليه اللبث في المسجد. والمحدث لا تصح صلاته بدون وضوء، و (لا) يخرج لطهارة غير واجبة، كغسل الجمعة. و (التجديد، وله تقديمها) أي الطهارة الواجبة (ليصلي بها أول الوقت)، لانه لا بد من الوضوء للحدث. وإنما يتقدم عن وقت الحاجة إليه لمصلحة. وهي كونه على وضوء. وربما يحتاج إلى صلاة النافلة. (و) له أن (يتوضأ في المسجد)، ويغتسل فيه (بلا ضرر)، أي إذا لم يؤذ بهما (فإذا خرج) المعتكف لما لا بد له منه (فله المشي على عادته من غير عجلة) لان عليه فيها مشقة (و) له (قصد بيته إن لم يجد مكانا يليق به، لا ضرر عليه فيه ولا منه، كسقاية) أي ميضأة (لا يحتشم مثله منها. ولا نقص عليه) في دخولها، قالوا: ولا مخالفة لعادته. وفيه نظر. قاله في الفروع (ويلزمه قصد أقرب منزليه) لدفع حاجته به، بخلاف من اعتكف في المسجد الابعد منه. لعدم تعيين أحدهما قبل دخوله للاعتكاف. (وإن بذل له صديقه أو غيره منزله القريب لقضاء حاجته. لم يلزمه) قبوله (للمشقة بترك المروءة والاحتشام) منه. (ويخرج) المعتكف (ليأتي بمأكول ومشروب يحتاجه، إن لم يكن له من يأتيه به) نص عليه. لانه في معنى ما سبق. (ولا يجوز خروجه لاجل أكله وشربه في بيته) لعدم الحاجة، لاباحة ذلك في المسجد، ولا نقص فيه. وذكر القاضي أنه يتوجه الجواز، واختاره أبو حكيم. لما فيه من ترك المروءة. ويستحي أن يأكل وحده. ويريد أن يخفي جنس قوته (وله غسل يده فيه)، أي المسجد (في إناء من وسخ وزفر ونحوهما) كغسل يديه من نوم الليل في

[ 414 ]

إناء (ليفرغ خارج المسجد)، لانه لا ضرر على المصلين بذلك (ولا يجوز أن يخرج لغسلهما) مما ذكر. لان له منه بدا. (ويخرج للجمعة إن كانت واجبة عليه) لانه خروج لواجب. فلم يبطل اعتكافه. كالمعتدة. (أو شرط الخروج إليها) أي وإن لم تكن واجبة للشرط. (وله التبكير إليها) نص عليه. لانه خروج جائز فجاز تعجيله، كالخروج لحاجة الانسان. (و) له (إطالة المقام بعدها) أي الجمعة، ولا يكره لصلاحية الموضع للاعتكاف. (ولا يلزمه) إذا خرج للجمعة (سلوك الطريق الاقرب) بل له سلوك الابعد، وفي المبدع: والافضل سلوك الابعد، إن خرج لجمعة وعيادة مريض وغيرهما، وذكر قبله. قال بعض أصحابنا الافضل خروجه لذلك. وعوده في أقصر طريق. لا سيما في المنذور. (ويستحب له سرعة الرجوع بعد) صلاته (الجمعة) إلى معتكفه. ليتم اعتكافه فيه (وكذا) له الخروج (إن تعين خروجه لاطفاء حريق وانقاذ غريق ونحوه) كمن تحت هدم، (ولنفير متعين إن احتيج إليه) لان ذلك واجب كالجمعة. (ولشهادة تعين عليه أداؤها. فيلزمه الخروج) لذلك. لظاهر الآيات. والتحمل كالاداء، كما يأتي في الشهادات. (ولخوف من فتنة على نفسه، أو حرمته: أو ماله نهبا أو حريقا ونحوه) كالغرق. لانه عذر في ترك الواجب بأصل الشرع كالجمعة فههنا أولى. (ولمرض يتعذر معه المقام) كالقيام المتدارك، (أو لا يمكنه) المقام معه (إلا بمشقة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة، أو فراش) فله الخروج لما تقدم. (ولا يبطل اعتكافه) بخروجه لشئ مما تقدم: لدعاء الحاجة إليه، و (لا) يجوز له الخروج (إن كان المرض خفيفا. كصداع وحمى خفيفة) ووجع ضرس. لانه خروج لما له منه بد. أشبه المبيت ببيته. (وإن أكرهه السلطان أو غيره على الخروج) من معتكفه (بأن حمل وأخرج، أو هدده قادر) بسلطنة، أو تغلب كلص وقاطع طريق. (فخرج بنفسه. لم يبطل اعتكافه) بذلك. لان مثل ذلك يبيح ترك الجمعة والجماعة. وعدة الوفاة بالمنزل. فما أوجبه بنذره أولى (كحائض ومريض، وخائف

[ 415 ]

أن يأخذه السلطان ظلما فخرج واختفى) فلا يبطل اعتكافه بخروجه للعذر. (وإن أخرجه) سلطان أو غيره (لاستيفاء حق عليه. فإن أمكنه الخروج منه) أي من الحق عليه (بلا عذر. بطل اعتكافه) لانه خروج لما له منه بد. (وإلا) أي وإن لم يمكنه الخروج منه، (فلا) يبطل اعتكافه (لوجوب الخروج) عليه. (وإن خرج) المعتكف (من المسجد ناسيا. لم يبطل) اعتكافه. لحديث: عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (ويبنى) على اعتكافه (إذا زال العذر في الكل) أي كل ما تقدم أن الاعتكاف لا يبطل فيه. (فإن أخر الرجوع إليه) أي إلى الاعتكاف (مع إمكانه. بطل ما مضى) كما لو خرج لما له منه بد. (كمرض وحيض) زالا وأخر الرجوع بعد زوالهما. فإن اعتكافه يبطل بذلك. (وتخرج المرأة) المعتكفة من المسجد (لوجود حيض ونفاس، فترجع إلى بيتها. فإذا طهرت) من الحيض والنفاس (رجعت إلى المسجد) لان اللبث معهما في المسجد حرام. هذا إن لم يكن للمسجد رحبة. (وإن كان له رحبة غير محوطة) قيد به ابن حمدان، وهو ظاهر. لان المحوطة من المسجد. فحكمها حكمه. (يمكنها ضرب خباء) هو ما يعمل من وبر أو صوف. وقد يكون من شعر. وجمعه: أخبية، بغير همزة، مثل كساء وأكسية. ويكون على عودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك، فهو بيت. قاله في الحاشية، (فيها بلا ضرر، سن) لها ضرب الخباء بها. وأن تجلس بها (إن لم تخف تلويثا. فإذا طهرت دخلت المسجد) لتتم اعتكافها. لما روى المقدام بن شريح عن عائشة. قالت: كن المعتكفات إذا حضن أمر النبي (ص) بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الاخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن، رواه أبو حفص بإسناده. (و) تخرج المعتكفة (لعدة وفاة) في منزلها. لوجوبها شرعا كالجمعة، وهو حق لله ولآدمي. لا يستدرك إذا ترك، بخلاف الاعتكاف. ولا يبطل به (ونحوها) أي المذكورات، (مما يجب الخروج له) كما إذا تعينت عليه صلاة جنازة خارجة ودفن ميت. (ولا تمنع المستحاضة الاعتكاف) لان الاستحاضة لا تمنع الصلاة. وقد قالت عائشة: اعتكفت مع النبي (ص) امرأة من أزواجه مستحاضة. فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعت الطست تحتها وهي

[ 416 ]

تصلي رواه البخاري. (ويجب عليها أن تتحفظ، وتتلجم، لئلا تلوث المسجد، فإن لم يمكن صيانته منها خرجت منه) لوجوب صيانته من النجاسات بأصل الشرع. (ولا يعود) المعتكف (مريضا. ولا يشهد جنازة. ولا يجهزها خارج المسجد إلا بشرط) بأن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه، (أو وجوب) بأن يتعين ذلك عليه، لعدم غيره، لانه لا بد منه إذن (وكذا كل قربة لا تتعين) عليه (كزيارة) رحم أو صديق، (وتحمل شهادة وأدائها) إذا لم يتعينا عليه. لم يخرج إلا بشرط. (وتغسيل ميت وغيره) لا يخرج إليه إلا بشرط ما لم يتعين عليه. (وإن شرط ما له منه بد، وليس بقربة، كالعشاء في منزله، والمبيت فيه. جاز له فعله) لانه يجب بعقده، كالوقوف. ولانه يصير كأنه نذر ما أقامه. ولتأكد الحاجة إليهما، وامتناع النيابة فيهما. و (لا) يصح الشرط (إن شرط) المعتكف (الوطئ، أو) شرط الخروج لاجل (الفرجة، أو النزهة، أو الخروج للبيع والشراء للتجارة، أو) شرط (التكسب بالصناعة في المسجد) والخروج لما شاء. لان ذلك ينافي الاعتكاف صورة ومعنى. كشرط ترك الاقامة بالمسجد. وكالوقف لا يصح فيه شرط ما ينافيه. (وإن قال: متى مرضت، أو عرض لي عارض خرجت. فله شرطه) كالشرط في الاحرام، وإفادته: جواز التحلل إذا حدث عائق عن المضي. (وله السؤال عن المريض) ما لم يعرج أو يقف لمسألته. (و) له (البيع والشراء في طريقه إذا خرج لما لا بد منه، ما لم يعرج أو يقف لمسألته) لان النبي (ص): كان يفعل ذلك، وروي عن عائشة قالت: إن كنت لادخل البيت والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة متفق عليه، ولانه لم يترك بذلك شيئا من اللبث المستحق، فأشبه ما لو سلم أو رد السلام في مروره. (وله) أي للمعتكف إذا خرج لما لا بد له منه (الدخول إلى مسجد) آخر

[ 417 ]

(يتم اعتكافه فيه، إن كان) ذلك المسجد (أقرب إلى مكان حاجته من) المسجد (الاول)، لان المسجد الاول لم يتعين بصريح النذر. فأولى أن لا يتعين بشروع الاعتكاف فيه، ولانه لم يترك بذلك لبثا مستحقا. أشبه ما لو انهدم المسجد الاول، أو أخرجه منه سلطان، فخرج من ساعته إلى مسجد آخر، فأتم اعتكافه فيه. (وإن كان) المسجد الذي دخل إليه (أبعد) من محل حاجته من الاول. (أو خرج) المعتكف (إليه) أي إلى المسجد الثاني (ابتداء بلا عذر. بطل اعتكافه) لتركه لبثا مستحقا. (فإن كان المسجدان متلاصقين، بحيث يخرج من أحدهما فيصير في الآخر. فله الانتقال من أحدهما إلى الآخر)، لانهما كمسجد واحد انتقل من إحدى زاويتيه إلى الاخرى. (وإن كان يمشي بينهما) أي بين المسجدين (في غيرهما، لم يجز له الخروج، وإن قرب) ما بينهما. ويبطل اعتكافه بمشيه بينهما، لتركه اللبث المستحق إذن. (وإن خرج لما لا بد منه خروجا معتادا) يعني لعذر معتاد (كحاجة الانسان) أي البول والغائط، (وطهارة من الحدث، والطعام والشراب، والجمعة، والحيض، والنفاس. فلا شئ فيه) أي لا قضاء. لان الخروج له كالمستثنى، لكونه معتادا، ولا كفارة إذ لو وجب فيه شئ لامتنع معظم الناس من الاعتكاف، بل هو باق على اعتكافه. ولم تنقص به مدته. (وإن خرج ل‍) - عذر (غير معتاد كنفير وشهادة واجبة، وخوف من فتنة، ومرض ونحو ذلك) كقئ بغتة، وغسل متنجس يحتاجه، وإطفاء حريق ونحوه، (ولم يتطاول. فهو على اعتكافه. ولا يقضي الوقت الفائت بذلك. لكونه يسيرا) مباحا. أشبه حاجة الانسان وغسل الجناية. (وإن تطاول) غير المعتاد من المذكورات (فإن كان الاعتكاف تطوعا خير بين الرجوع وعدمه) لعدم وجوبه بالشروع كما تقدم، (وإن كان) الاعتكاف (واجبا وجب عليه الرجوع إلى معتكفه) لاداء ما وجب عليه، (ثم لا يخلو) النذر (من ثلاثة أحوال) بالاستقرارء (أحدها: نذر اعتكاف أيام غير متتابعة ولا معينة) كنذره عشرة أيام مع الاطلاق، (فيلزمه أن يتم ما بقي عليه) من الايام محتسبا بما مضى. (لكنه يبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله) ليكون متتابعا. وقال

[ 418 ]

المجد: قياس المذهب: يخير بين ذلك وبين البناء على بعض اليوم، ويكفر. وهو ظاهر. قاله في المبدع. (ولا كفارة) عليه. لانه أتى بالمنذور على وجهه. (الثاني: نذر أياما متتابعة غير معينة) بأن قال: لله علي أن أعتكف عشرة أيام متتابعة. فاعتكف بعضها، ثم خرج لما تقدم وطال. (فيخير بين البناء على ما مضى، بأن يقضي ما بقي من الايام، وعليه كفارة يمين) جبرا لفوات التتابع، (وبين الاستئناف بلا كفارة) لانه أتى بالمنذور على وجهه، فلم يلزمه شئ، كما لو نذر صوم شهر غير معين. فشرع فيه. ثم أفطر لعذر. (الثالث: نذر أياما معينة. كالعشر الاخير من رمضان، فعليه قضاء ما ترك) ليأتي بالواجب. (و) عليه (كفارة يمين) لفوات المحل (وإن خرج) المعتكف (جميعه لما له منه بد مختارا عمدا أو مكرها بحق) كمن عليه دين يمكنه الخروج منه ولم يفعل. فأخرج له، (بطل) اعتكافه (وإن قل) زمن خروجه لذلك. لانه خرج من معتكفه لغير حاجة، كما لو طال. وعلم من قوله جميعه: أنه لو خرج بعض جسده لم يبطل اعتكافه، نص عليه. لقول عائشة: كان النبي (ص) إذا اعتكف يدني رأسه إلي، فأرجله متفق عليه. (ثم إن كان) المعتكف (في) نذر (متتابع بشرط أو نية) بأن كان نذر عشرة أيام متتابعة أو نواها كذلك، ثم خرج لذلك (استأنف) لانه لا يمكنه فعل المنذور على وجهه إلا به. (ولا كفارة) عليه، لاتيانه بالمنذور على وجهه. (وإن كان) خرج من معتكفه (مكرها بغير حق، أو ناسيا. فقد تقدم) حكمه قريبا، (وإن كان) المعتكف (في) نذر (معين متتابع، كنذر شعبان متتابعا، أو في) نذر (معين) كشعبان، (ولم يقيده بالتتابع. استأنف) لتضمن نذره التتابع. ولانه أولى من المدة المطلقة. (وكفر) كفارة يمين. لتركه المنذور في وقته المعين بلا عذر. (ويكون القضاء) في الكل (والاستئناف في الكل على صفة الاداء فيما يمكن). فإن كان الاول مشروطا فيه الصوم، أو في أحد المساجد الثلاثة، أو نحو ذلك. فإن المقتضى أو المستأنف يكون كذلك بخلاف ما لا يمكن. كما لو عين زمنا ومضى. فإنه لا يمكن تداركه، لكن لو نذر اعتكافا في شهر رمضان ثم أفسده. فهل يلزمه قضاؤه في مثل تلك الايام؟ على وجهين. وظاهر كلام أحمد: لزومه، وهو اختيار ابن أبي

[ 419 ]

موسى. لان في الاعتكاف في هذا الزمن فضيلة لا توجد في غيره. فلا يجزئ القضاء في غيره، كما لو نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، ثم أفسده، وعلى هذا: فلو نذر اعتكاف عشرة أيام، فشرع في اعتكافها في أول العشر الاواخر ثم أفسدها. لزمه قضاؤه في العشر من قابل. لان اعتكاف العشر لزمه بالشرع عن نذره. فإذا أفسده لزمه قضاؤه على صفة ما أفسده. ذكره ابن رجب في القاعدة الحادية والثلاثين. (ويحرم عليه) أي المعتكف (الوطئ) لقوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) *. (فإن وطئ) المعتكف (في فرج ولو ناسيا فسد اعتكافه) لما روى حرب في مسائله عن ابن عباس قال: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف الاعتكاف. ولان الاعتكاف عبادة تفسد بالوطئ عمدا، فكذلك سهوا. كالحج. (ولا كفارة للوطئ) لعدم النص. والقياس لا يقتضيه. (بل) عليه الكفارة (لافساد نذره) إذا كان معينا، وهو كفارة يمين. (وإن باشر) المعتكف (دون الفرج) أو قبل (لغير شهوة فلا بأس) كغسل رأسه، وترجيل شعره. لحديث عائشة (و) إن باشر دون الفرج أو قبل (لشهوة حرم) لقوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) *. (فإن أنزل، فكوطئ. فيفسد) اعتكافه ولا كفارة له، بل لافساد نذره. (وإلا) أي وإن لم ينزل بالمباشرة دون الفرج، (فلا) إفساد كالصوم، (وإن سكر) المعتكف (ولو ليلا) بطل اعتكافه. لخروجه عن كونه من أهل المسجد. كالمرأة تحيض (أو ارتد) المعتكف (بطل اعتكافه) لعموم قوله تعالى: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * ولانه خرج عن كونه من أهل العبادة. (ولا يبني) إذا زال سكره أو عاد إلى الاسلام. (لانه غير معذور) بخلاف المرأة تحيض. (وإن شرب) المعتكف مسكرا (ولم يسكر) ه، (أو أتى كبيرة لم يفسد) اعتكافه، لانه لا يخرج بذلك عن أهليته له. (ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل القرب) أي كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، كالصلاة وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى ونحو ذلك. (و) يستحب له (اجتناب ما لا يعنيه) بفتح أوله، أي يهمه (من جدال ومراء وكثرة كلام وغيره) لقوله (ص): من حسن إسلام مرء تركه ما لا يعنيه، و (لانه مكروه في غيره) أي

[ 420 ]

غير فضول الاعتكاف، (ففيه أولى) روى الخلال عن عطاء، قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو تنطق في معيشتك بما لا بد لك منه. (ولا بأس أن تزوره) في المسجد (زوجته وتتحدث معه، وتصلح رأسه أو غيره، ما لم يلتذ بشئ منها. وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر) لان صفية زارته (ص) فتحدث معها، ورجلت عائشة رأسه. (و) له أن (يأمر بما يريد خفيفا) بحيث (لا يشغله) لقول علي: أي رجل اعتكف فلا يساب ولا يرفث في الحديث، ويأمر أهله بالحاجة أي وهو يمشي ولا يجلس عندهم رواه أحمد. (ولا يبيع) المعتكف (ولا يشتري إلا ما لا بد له منه: طعام أو نحو ذلك) خارج المسجد، من غير أن يقف أو يعرج لذلك كما تقدم. ويأتي البيع والشراء في المسجد. (وليس الصمت من شريعة الاسلام. قال ابن عقيل: يكره الصمت إلى الليل) و (قال الموفق والمجد: ظاهر الاخبار تحريمه. وجزم به في الكافي) قال في الاختيارات والتحقيق في الصمت أنه إن طال حتى تضمن ترك الكلام الواجب صار حراما، كما قال الصديق. وكذا إن تعبد بالصمت عن الكلام المستحب. والكلام المحرم يجب الصمت عنه. وفضول الكلام ينبغي الصمت عنها. (وإن نذره) أي الصمت (لم يف) به لحديث علي قال: حفظت من النبي (ص) أنه قال: لا صمات يوم إلى الليل رواه أبو داود. وعن ابن عباس قال بينا النبي (ص) يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، وأن يصوم. فقال (ص): مروه فليستظل، وليتكلم، وليقعد وليتم صومه رواه البخاري وابن ماجه وأبو داود. ودخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها: زينب. فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم، فقالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت رواه البخاري. ويجمع

[ 421 ]

بين قول الصديق وقوله: من صمت نجا بأن قوله الثاني محمول على الصمت عما لا يعنيه، كما قال تعالى: * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) *. (ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام) لانه استعمال له في غير ما هو له. فأشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه. (وتقدم) ذلك (في) باب (صلاة التطوع. وقال الشيخ: إن قرأ عند الحكم الذي أنزل له، أو) قرأ (ما يناسبه. فحسن كقوله لمن دعاه لذنب تاب منه: * (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) * وقوله عند ما أهمه: * (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) *. ولا يستحب له) أي للمعتكف (إقراء القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ومجالستهم، وكتابة الحديث فيه، ونحو ذلك مما يتعدى نفعه). لانه (ص) كان يعتكف. فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به. ولان الاعتكاف عبادة عن شرطها المسجد، فلم يستحب فيها ذلك كالطواف. واختار أبو الخطاب: استحبابه إذا قصد به الطاعة لا المباهاة. (لكن فعله لذلك) أي لاقراء القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ونحو ذلك، (أفضل من الاعتكاف لتعدي نفعه. ولا بأس أن يتزوج في المسجد، ويشهد النكاح لنفسه وغيره). لان النكاح طاعة وحضوره قربة ومدته لا تتطاول، فهو كتشميت العاطس ورد السلام. (و) لا بأس أن (يصلح بين القوم ويعود المريض، ويصلي على الجنائز، ويهني ويعزي، ويؤذن ويقيم كل. ذلك في المسجد) لانه لا ينافيه. (ويستحب له) أي للمعتكف (ترك لبس رفيع الثياب، والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف، و) أن (لا ينام إلا عن غلبة. ولو مع قرب الماء، وأن لا ينام مضطجعا بل متربعا مستندا. ولا يكره شئ من ذلك ولا بأس بأخذ شعره وأظفاره. و) لا بأس (أن يأكل في

[ 422 ]

المسجد ويضع سفرة) وشبهها، (يسقط عليها ما يقع عنه، لئلا يلوث المسجد. ويكره أن يتطيب) المعتكف، لان الاعتكاف عبادة تختص مكانا. فكان ترك الطيب فيها مشروعا كالحج. قال أحمد: لا يعجبني أن يتطيب. فصل: في أحكام المساجد (يجب بناء المساجد في الامصار والقرى والمحال)، جمع محلة بكسر الحاء. (ونحوها حسب الحاجة) فهو فرض كفاية. قال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: ثلاثة أشياء لا بد للناس منها: الجسور، والقناطر، وأراه ذكر المصانع والمساجد، انتهى. وفي الحث على عمارة المساجد ومراعاة مصالحها أثار كثيرة، وأحاديث بعضها صحيح. ويستحب اتخاذ المساجد في الدور وتنظيفها، وتطييبها. لما روت عائشة قالت: أمر رسول الله (ص) ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب رواه أحمد. (وأحب البلاد إلى الله مساجدها. وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا. (ومن بنى مسجدا لله بنى له بيتا في الجنة) لحديث عثمان قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من بنى مسجدا - قال بكير: حسبت أنه قال - يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة متفق عليه. (وعمارة المساجد ومراعاة أبنيتها مستحبة) للاخبار. (ويسن أن يصان كل مسجد عن كل وسخ وقذر

[ 423 ]

وقذاة) عين (ومخاط، وتقليم أظفار، وقص شارب، وحلق رأس، ونتف إبط) لحديث أنس قال: قال النبي (ص): عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد. رواه أبو داود. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي (ص): من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة، لان المساجد لم تبن لذلك. (و) يسن أيضا أن يصان (عن رائحة كريهة من بصل وثوم وكراث ونحوهما) كفجل. وإن لم يكن فيه أحد. لقوله (ص): إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس رواه ابن ماجه. وقال: من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا وفي رواية فلا يقربن مساجدنا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. (فإن دخله) أي المسجد (آكل ذلك) أي ما له رائحة كريهة من ثوم وبصل ونحوهما، (أو) دخله (من له صنان أو بخر قوي إخراجه)، أي استحباب إخراجه، إزالة للاذى. (وعلى قياسه: إخراج الريح من دبره فيه) أي في المسجد، بجامع الايذاء بالرائحة. فيسن أن يصان المسجد من ذلك، ويخرج منه لاجله. (و) يصان المسجد (من بزاق ولو في هوائه) أي هواء المسجد كسطحه، لانه كقراره. (وهو) أي البزاق (فيه) أي المسجد (خطيئة) للخبر. (فإن كانت أرضه) أي المسجد (حصباء ونحوها) كالتراب والرمل، (فكفارتها: دفنها) للخبر. (وإلا) أي وإن لم تكن أرضه حصباء ونحوها بل كانت بلاطا أو رخاما. (مسحها بثوبه أو غيره) لان القصد إزالتها. (ولا يكفي تغطيتها بحصير) لانه لا إزالة في ذلك. (وإن لم يزلها) أي البصقة أو النخامة ونحوها (فاعلها لزم غيره) من كل من علم بها. (إزالتها بدفن) إن كانت أرضه حصباء ونحوها. (أو غيره) كمسح بثوب ونحوه، إن لم تكن أرضه كذلك. (فإن بدره البزاق) في المسجد (أخذه بثوبه وحكه) أي الثوب (ببعضه) ليذهب، (وإن كان) البزاق ونحوه (على

[ 424 ]

حائطه وجب أيضا إزالتها). لانه من المسجد (ويسن تخليق موضعه) أي موضع البزاق من المسجد، سواء كان في حائط أو غيره. لحديث أنس: أن النبي (ص) رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الانصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقا. فقال (ص): ما أحسن هذا رواه النسائي وابن ماجه. (وتحرم زخرفته) أي المسجد (بذهب أو فضة. وتجب إزالته) إن تحصل منه شئ بالعرض على النار، كما تقدم في الزكاة موضحا، وأول من ذهب الكعبة في الاسلام وزخرفها وزخرف المساجد: الوليد بن عبد الملك. (ويكره) أن يزخرف المسجد (بنقش وصبغ وكتابة وغير ذلك مما يلهي المصلي عن صلاته غالبا وإن كان) فعل ذلك (من مال الوقف حرم) فعله (ووجب الضمان) أي ضمان مال الوقف الذي صرفه فيه. لانه لا مصلحة فيه. وإن كان من ماله لم يرجع به على جهة الوقف (وفي الغنية: لا بأس بتجصيصه، انتهى. أي يباح تجصيص حيطانه أي تبييضها. وصححه) القاضي سعد الدين (الحارثي، ولم يرده) الامام (أحمد. وقال: وهو من زينة الدنيا) قال في الشرح: ويكره تجصيص المساجد وزخرفتها. لما روى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (ص): ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم رواه ابن ماجه. وعن ابن عباس قال: قال النبي (ص): ما أمرت بتشييد المساجد رواه أبو داود. فعليه يحرم من مال الوقف. ويجب الضمان لا على الاول. (ويصان عن تعليق مصحف وغيره في قبلته دون وضعه بالارض) قال أحمد: يكره أن يعلق في القبلة شئ يحول بينه وبين القبلة. ولم يكره أن يوضع في المسجد المصحف أو نحوه. (ويحرم فيه) أي المسجد (البيع والشراء والاجارة) لانها نوع من البيع (للمعتكف وغيره) وظاهره قل المبيع أو كثر، احتاج إليه أولا. لحديث

[ 425 ]

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى النبي (ص) عن البيع والابتياع. وعن تناشد الاشعار في المساجد رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه. ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المساجد فقال: يا هذا إن هذا سوق الآخرة، فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا. (فإن فعل) أي باع أو اشترى في المسجد (فباطل). قال أحمد: وإنما هذه بيوت الله، لا يباع فيها ولا يشترى. وجوز أبو حنيفة البيع، وأجازه مالك والشافعي مع الكراهة. وقطع بالكراهة في الفصول والمستوعب. وفي الشرح في آخر كتاب البيع. (ويسن أن يقال له) أي لمن باع أو اشترى في المسجد (لا أربح الله تجارتك) ردعا له، (ولا يجوز التكسب فيه) أي المسجد (بالصنعة كخياطة وغيرها، قليلا كان) ذلك (أو كثيرا، لحاجة وغيرها) وفي المستوعب، سواء كان الصانع يراعي المسجد بكنس أو رش ونحوه أو لم يكن. لانه بمنزلة التجارة بالبيع والشراء (ولا يبطل بهن) أي بالبيع والشراء والاجارة والتكسب بالصنعة، (الاعتكاف) كسائر المحرمات التي لا تخرجه عن أهلية العبادة. (فلا يجوز أن يتخذ المسجد مكانا للمعايش) لانه لم يبن لذلك. (وقعود الصناع والفعلة فيه ينتظرون من يكريهم بمنزلة وضع البضائع فيه ينتظرون من يشتريها، وعلى ولي الامر منعهم من ذلك) كسائر المحرمات. (وإن وقفوا) أي الصناع والفعلة (خارج أبوابه) ينتظرون من يكريهم (فلا بأس) بذلك لعدم المحذور، (قال) الامام (أحمد) في رواية حنبل (لا أرى لرجل) ومثله الخنثى والمرأة، (إذا دخل المسجد إلا أن يلزم نفسه الذكر والتسبيح. فإن المساجد إنما بنيت لذلك وللصلاة. فإذا فرغ من ذلك خرج إلى معاشه). لقوله تعالى: * (فإذا قضيت الصلاة

[ 426 ]

فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله) * (ويجب أن يصان) المسجد (عن عمل صنعة) لتحريمها فيه كما تقدم. (ولا يكره اليسير) من العمل في المسجد (لغير التكسب. كرفع ثوبه. وخصف نعله، سواء كان الصانع يراعى) أن يتعهد (المسجد بكنس ونحوه) كرش (أو لم يكن) كذلك، (ويحرم) فعل ذلك (للتكسب كما تقدم إلا الكتابة فإن) الامام (أحمد سهل فيها. ولم يسهل في وضع النعش فيه. قال) القاضي سعد الدين (الحارثي: لان الكتابة نوع تحصيل للعلم، فهي في معنى الدراسة) وهذا يوجب التقيد بما لا يكون تكسبا. وإليه أشار بقوله: فليس ذلك كل يوم. انتهى كلام الحارثي. قال في الآداب الكبرى: وظاهر ما نقل الاثرم: التسهيل في الكتابة مطلقا، لما فيه من تحصيل العلم، وتكثير كتبه. (ويخرج على ذلك تعليم الصبيان الكتابة فيه) بالاجر قاله في الآداب الكبرى. (بشرط أن لا يحصل ضرر بحبر، وما أشبه ذلك) مما فيه ضرر. (ويسن أن يصان) المسجد (عن صغير لا يميز لغير مصلحة) ولا فائدة (و) أن يصان (عن مجنون حال جنونه) لانهم ليسوا من أهله. (و) أن يصان (عن لغط وخصومة، وكثرة حديث لاغ، ورفع صوت بمكروه، وظاهر هذا: أنه لا يكره إذا كان مباحا أو مستحبا). وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ومذهب مالك كراهة ذلك. فإنه سئل عن رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره فقال: لا خير في ذلك (و) أن يصان (عن رفع الصبيان أصواتهم باللعب وغيره، وعن مزامير الشيطان: من الغناء والتصفيق والضرب بالدفوف، ويمنع فيه اختلاط الرجال والنساء) لما يلزم عليه من المفاسد (و) يمنع فيه (إيذاء المصلين وغيرهم بقول أو فعل) لحديث: ما أنصف القارئ المصلي، وحديث: ألا كلكم مناج ربه. (ويمنع السكران من دخوله) لقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * (ويمنع نجس البدن من اللبث فيه) بلا تيمم، هكذا نقله في الآداب عن ابن تميم وغيره.

[ 427 ]

وعبارة المنتهى في باب الغسل من عليه نجاسة تتعدى (وتقدم في) باب (الغسل) فمفهومه: لا يمنع منه من عليه نجاسة لا تتعدى. (قال ابن عقيل: ولا بأس بالمناظرة في مسائل الفقه والاجتهاد في المساجد، إذا كان القصد طلب الحق، فإن كان مغالبة ومنافرة دخل في حيز الملاحاة والجدال، فيما لا يعني. ولم يجز في المساجد، انتهى. ويباح فيه عقد النكاح) بل يستحب، كما ذكره بعض الاصحاب. (والقضاء واللعان) لحديث سهل بن سعد. وفيه قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. متفق عليه (والحكم وإنشاد الشعر المباح) وتعليم العلم وما يتعلق بذلك. لحديث جابر بن سمرة قال: شهدت الرسول (ص) أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر، وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم رواه أحمد. (ويباح للمريض أن يكون في المسجد وأن يكون في خيمة) قالت عائشة: أصيب سعد يوم الخندق في الاكحل، فضرب عليه النبي (ص) خيمة في المسجد يعوده من قريب متفق عليه. (و) يباح (إدخال البعير فيه) أي المسجد. لانه (ص): طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن، متفق عليه. (ويصان عن حائض ونفساء مطلقا) خيف تلويثه أولا، (والاولى: أن يقال: يجب صونه عن جلوسهما فيه) قاله في الآداب الكبرى. لان جلوسهما فيه محرم، لما تقدم في الحيض. (ويسن أن يصان) المسجد (عن المرور فيه بأن لا يجعل طريقا إلا لحاجة. وكونه) أي المسجد (طريقا قريبا حاجة) فتزول الكراهة بذلك.

[ 428 ]

(وكذا الجنب بلا وضوء) يحرم عليه اللبث في المسجد. فيجب أن يصان عنه. ويسن أن يصان عن مروره فيه إلا لحاجة. وإن توضأ جاز له اللبث والنوم فيه، وتقدم في الغسل. (ويباح للمعتكف وغيره: النوم فيه) لان النبي (ص): رأى رجلا مضطجعا في المسجد على بطنه. فقال: إن هذه ضجعة يبغضها الله رواه أبو داود حديث صحيح. فأنكر الضجعة ولم ينكر نومه بالمسجد، من حيث هو. وكان أهل الصفة ينامون في المسجد (قال) القاضي سعد الدين (الحارثي) لا خلاف في جوازه أي النوم للمعتكف، (وكذا ما لا يستدام كبيتوتة الصيف والمريض والمسافر، وقيلولة المجتاز، ونحو ذلك). نص عليه في رواية غير واحد، وما يستدام من النوم، كنوم المقيم عن أحمد: المنع منه، - كما مر من رواية صالح وابن منصور وأبي داود. وحكى القاضي رواية بالجواز، وهو قول الشافعي وجماعة، وبهذا أقول، انتهى كلام الحارثي. (لكن لا ينام قدام المصلين) لما تقدم أنه يكره للمصلي استقبال نائم. قلت: وعلى هذا فلهم إقامته. (ويسن صونه) أي المسجد (عن إنشاد شعر محرم) قلت: بل يجب. (و) عن إنشاد شعر (قبيح، وعمل سماع، وإنشاد ضالة) أي تعريفها، (ونشدانها) أي طلبها (ويسن لسامعه). أي سامع نشدان الضالة (أن يقول: لا وجدتها ولا ردها الله عليك) لحديث أبي هريرة قال: قال (ص): من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، إن المساجد لم تبن لهذا رواه مسلم. (و) يسن صونه (عن إقامة حد) نقله في الآداب عن الرعاية. قال: وذكر ابن عقيل في الفصول: أنه لا يجوز إقامة الحدود في المساجد. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: لا تقام الحدود في المساجد. (و) عن (سل سيف ونحوه) من أنواع السلاح احتراما له. (ويكره فيه) أي المسجد (الخوض والفضول) من الكلام (وحديث الدنيا والارتفاق به) أي بالمسجد. (وإخراج حصاه وترابه للتبرك به وغيره) قال في الآداب الكبرى: كذا قالوا، ويتوجه أن يقال: إما مرادهم

[ 429 ]

بالكراهة التحريم، وإما مرادهم إخراج الشئ اليسير لا الكثير، انتهى. ويأتي له تتمة في الحج. (ولا يستعمل الناس حصره وقناديله) وسائر ما وقف لمصالحه (في مصالحهم كالاعراس والاعزية وغير ذلك)، لانها لم توقف لذلك. ويجب صرف الوقف للجهة التي عينها الواقف. (ومن له الاكل فيه فلا يلوث حصره، ولا يلقي العظام ونحوها) كقشور البطيخ ونوى التمر ونحوه (فيه)، لانه تقذير له. (فإن فعل فعليه تنظيف ذلك) وعلى قياس ما تقدم في البصاق: إن لم يزله فاعله وجب على من علمه غيره. (ولا يجوز أن يغرس فيه شئ، ويقلع ما غرس فيه، ولو بعد إيقافه) أي المغروس. (ولا) يجوز (حفر بئر) في المسجد. قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن حفر البئر في المسجد؟ قال: لا. قلت: فإن حفرت ترى أن يؤخذ المغتسل فيغطى به البئر؟ قال: إنما ذلك للمتوفى. (ويأتي آخر الوقف) مفصلا (ويحرم الجماع فيه. وقال ابن تميم: يكره فوقه. والتمسح بحائطه والبول عليه) أي على حائط المسجد. وذكر ابن عقيل أن أحمد قال: أكره لمن بال أن يمسح ذكره بجدار المسجد. قال: المراد به الحظر. (وجوز في الرعاية الوطئ فيه، وعلى سطحه. وتقدم بعض ذلك) المذكور من أحكام المساجد في الغسل. (ويحرم بوله فيه) أي في المسجد (ولو في إناء) لان الهواء تابع للقرار. (و) يحرم فيه (فصد وحجامة وقئ ونحوه) كبط سلعة. ولو في إناء. لان المسجد لم يبن لهذا، فوجب صونه عنه. والفرق بينه وبين المستحاضة: أنه لا يمكنها التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف، بخلاف الفصد ونحوه. (وإن دعت إليه حاجة كبيرة خرج المعتكف من المسجد ففعله) كسائر ما لا بد له منه. ثم عاد إلى معتكفه. (وإن استغنى عنه لم يكن له الخروج إليه، كالمرض الذي يمكن احتماله) كالصداع ووجع الضرس والحمى اليسيرة. فلا يخرج من معتكفه لذلك، وتقدم. (وكذا حكم نجاسة في هوائه) أي المسجد (كالقتل على نطع ودم ونحوه) كقيح وصديد (في إناء)، فيحرم لتبعية الهواء للقرار. (وإن بال خارجه) أي خارج المسجد (وجسده فيه دون ذكره) و (كره) له ذلك (ويباح

[ 430 ]

الوضوء فيه والغسل بلا ضرر)، لما روي عن ابن عمر: كان يتوضأ في المسجد الحرام على عهد النبي (ص) النساء والرجال. وعن ابن سيرين قال: كان أبو بكر وعمر والخلفاء يتوضؤون في المسجد. وروي عن ابن عمر وابن عباس: (إلا أن يحصل منه بصاق أو مخاط، وتقدم بعضه في الباب، وبعضه في آخر الوضوء. ويباح غلق أبوابه في غير أوقات الصلاة، لئلا يدخله من يكره دخوله إليه) كمجنون وسكران وطفل لا يميز. (و) يباح (قتل القمل والبراغيث فيه إن أخرجه، وإلا حرم إلقاؤه فيه)، هذا معنى كلامه في الآداب الكبرى. ولعله: بني على القول بنجاسة قشرهما. وإلا فصرحوا بجواز الدفن. وأنه لا يكره إن دفنها. وقرار المسجد مسجد. (وليس لكافر دخول حرم مكة) لقوله تعالى: * (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) *. و (لا) يمنع الكافر دخول ( حرم المدينة) وأما الاقامة بالحجاز فيأتي ما يتعلق به في أحكام الذمة. (ولا) يجوز لكافر (ولا) يجوز لكافر (دخول مسجد الحل، ولو بإذن مسلم) لقوله تعالى: * (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) * (ويجوز دخولها) أي مساجد الحل (للذمي) ومثله المعاهد والمستأمن. (إذا استؤجر لعمارتها) لانه لمصلحتها (ولا بأس بالاجتماع في المسجد) خصوصا لمذاكرة، لا لمكروه ومعصية. (و) لا بأس (بالاكل فيه) أي في المسجد للمعتكف وغيره، لقول عبد الله بن الحارث: كنا نأكل على عهد النبي (ص) في المسجد: الخبز واللحم رواه ابن ماجه. (و) لا بأس (بالاستلقاء فيه لمن له سراويل)، وكذا لو احتاط بحيث يأمن كشف عورته. لحديث عبد الله بن زيد: أنه رأى النبي (ص) مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الاخرى متفق عليه. (وإذا دخله وقت السحر فلا يتقدم إلى صدره. قال جرير بن عثمان: كنا نسمع أن الملائكة تكون قبل الصبح في الصف الاول)

[ 431 ]

قال القاضي: وهذا يدل على كراهة التقدم في المسجد وقت السحر. (ويكره السؤال) أي سؤال الصدقة في المسجد، (والتصدق عليه فيه) لانه إعانة على مكروه، و (لا) يكره التصدق (على غير السائل) ولا عن من سأل له الخطيب، وتقدم في الجمعة. وروى البيهقي في المناقب عن علي بن محمد بن بدر قال: صليت يوم الجمعة فإذا أحمد بن حنبل يقرب مني، فقام سائل فسأله، فأعطاه أحمد قطعة، فلما فرغوا من الصلاة، قام رجل إلى ذلك السائل. وقال: أعطني تلك القطعة، فأبى، فقال: أعطني وأعطيك درهما، فلم يفعل، فما زال يزيده حتى بلغ خمسين درهما. فقال: لا أفعل، فإني أرجو من بركة هذه القطعة ما ترجو أنت. (ويقدم داخله) أي المسجد (يمناه في دخوله، عكس خروجه) فإنه يقدم يسراه. (ويقول) عند دخول وخروجه (ما ورد، وتقدم) في باب المشي إلى الصلاة مستوفى. (وإذا لم يصل في نعله وضعهما في المسجد، ولا يدم بهما على وجه التكبر والتعاظم) لان المساجد بيوت الله. (وإن كان ذلك سببا لاتلاف شئ من أرض المسجد، أو أذى أحد لم يجز. ويضمن ما تلف بسببه). وقريب منه: رمي ما يجلس عليه من نحو فرو. (والادب أن لا يفعل ذلك) بل يضعه وضعا. وتقدم حكم رمي المصحف. وكتب العلم بالارض في آخر نواقض الوضوء. (ويس كنسه) أي المسجد (يوم الخميس وإخراج كناسته، وتنظيفه وتطييبه فيه) أي في يوم الخميس. (وتجميره في الجمع) ومثلها الاعياد. (ويستحب شعل القناديل فيه كل ليلة) بحسب الحاجة فقط، وذلك لحديث ميمونة مولاة الرسول (ص) قالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس. قال: ائتوه فصلوا فيه - وكانت البلاد إذ ذاك خرابا - قال: فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. (وكره إيقادها زيادة على الحاجة ويمنع منه) لانه إضاعة بلا مصلحة. (قال القاضي) سعد الدين الحارثي (الموقوف على الاستصباح في المساجد يستعمل بالمعروف، ولا يزاد على المعتاد)، ك‍ (- ليلة نصف شعبان ولا كليلة الختم) في أواخر رمضان عند ختم القرآن في

[ 432 ]

التراويح. (ولا الليلة المشهورة بالرغائب) أول جمعة في رجب (فإن زاد) على المعتاد في هذه الليالي وشبهها ضمن، (لان الزيادة بدعة، وإضاعة مال، لخلوه عن نفع الدنيا ونفع الآخرة. ويؤدي عادة إلى كثرة اللغط واللهو. وشغل قلوب المصلين. ويوهم كونها قربة باطل وأصل له في الشرع، انتهى). بل في كلام ابن الجوزي: ما يدل على أنه من إدخال بعض المجوس على أهل الاسلام، قلت: وقريب من ذلك: إيقاد المآذن، لكنه في رمضان صار بحسب العادة علامة على بقاء الليل. (وينبغي إذا أخذ شيئا من المسجد مما يصان عنه أن لا يلقيه فيه) لان خلاء المسجد منه. فإذا ألقى فيه. وككناسة ونحوها ألقيت فيه. وكثير من الناس واقع في هذا. (بخلاف حصباء ونحوها) من أجزاء تراب المسجد وطينه وطيبه. (لو أخذه في يده ثم رمى به فيه) لان استبقاء ذلك فيه مطلوب. (ويمنع الناس في المساجد والجوامع من استطراق حلق الفقهاء والقراء) صيانة لحرمتها، وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: لا حمى إلا في ثلاثة: البئر، والفرس، وحلقة القوم. فأما البئر فهو منتهى حريمها. وأما طول الفرس فهو ما دار عليه برسنه إذا كان مربوطا. وأما حلقة القوم فهو استدارتهم في الجلوس للتشاور، والحديث وهذا الخبر الذي ذكره القاضي إسناده جيد، وهو مرسل. قال في شرح منظومة الآداب: (ويسن أن يشتغل في المسجد بالصلاة والقراءة والذكر) لانها لذلك بنيت. (مستقبل القبلة) لانه خير المجالس، (ويكره أن يسند ظهره إليها) وتقدم ما فيه، وأن في معناه مد الرجل إليها. (ولا يشبك أصابعه فيه) أي في المسجد، ولا حال توجهه إليه، لانه في صلاة، وتقدم في المشي إلى الصلاة. (زاد في الرعاية: على خلاف صفة ما شبكها النبي (ص)) ولعله يشير إلى ما صدر منه من التشبيك حين ذكر بني هاشم وبني المطلب. (ويباح اتخاذ المحراب فيه) أي في المسجد، وتقدم في صلاة الجماعة. (و) يباح اتخاذ المحراب (في المنزل) وكذلك الربط والمدارس. (ويضمن المسجد بالاتلاف إجماعا. ويضمن بالغصب) قال في الآداب الكبرى: ويؤخذ منه أنه إن اتخذه مسكنا أو

[ 433 ]

مخزنا ونخو ذلك، أنه يضمن أجرته. كما نقول في الحر إذا استعمله كرها. (قال الشيخ: للامام أن يأذن في بناء مسجد في طريق واسع، و) أن يأذن في بناء المسجد (عليه) أي على الطريق الواسع (ما لم يضر بالناس)، وعنه المنع مطلقا، سواء بني على ساباط أو قنطرة جسر، وقال أحمد أيضا: حكم المساجد التي بنيت في الطريق أن تهدم. وعنه: يجوز البناء بلا إذنه. وحيث جاز صحت الصلاة فيه، وإلا فوجهان. وتصح فيما بني على درب مشترك بإذن أهله. وفيه وجه. (ويحرم أن يبنى مسجد إلى جانب مسجد، إلا لحاجة، كضيق الاول ونحوه)، كخوف فتنة باجتماعهم في مسجد واحد. وظاهره: وإن لم يقصد المضارة. وعبارة المنتهى: ويحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد بقربه. (ويكره تطيينه) بنجس (و) يكره (بناؤه بنجس) من لبن أو غيره. وكذا تطبيقه بطوابق نجسة. ذكره في الشرح في باب اجتناب النجاسة. وقياسه: تجصيصه. بجص نجس. قلت: والتحريم في الكل أظهر. (وإذا لم يبق من أهل الذمة في القرية أحد، بل ماتوا أو أسلموا جاز أن تتخذ البيعة مسجدا) ومثلها الكنيسة والديورة، وصوامع الرهبان (لا سيما إذا كانت ببر الشام: فإنه فتح عنوة. قاله الشيخ. وثبت في الخبر ضرب الخباء. واحتجار الحصير فيه) أي في المسجد فلا بأس به وتقدم بعضه. (ويكره لغير الامام مداومة موضع منه) أي من المسجد (لا يصلي إلا فيه) لانه يشبه التحجير. (فإن داوم) على الصلاة بموضع (فليس هو أولى من غيره. فإذا قام منه. فلغيره الجلوس فيه) لحديث: من سبق إلى مباح فهو له. (وليس لاحد أن يقيم منه إنسانا) ولو ولده أو عبده (ويجلس) مكانه (أو يجلس غيره مكانه) لما سبق. وتقدم قول التنقيح: وقواعد المذهب: تقتضي عدم الصحة، أي صحة صلاة من أقام غيره وصلى مكانه. (إلا الصبي، فيؤخر عن المكان الفاضل، وتقدم أول صفة الصلاة، و) تقدم أيضا (آخر الجمعة) موضحا (ومن قام

[ 434 ]

من موضعه لعذر ثم عاد إليه فهو أحق به) لانه لم يتركه ترك إعراض، وهو السابق إليه. (وإن كان) قام منه (لغير عذر سقط حقه بقيامه) منه لاعراضه عنه (إلا أن يخلف مصلى مفروشا ونحوه) في مكانه. فليس لاحد غيره رفعه. (وينبغي لمن قصد المسجد للصلاة أو غيرها) قلت: إلا لاقراء قرآن أو علم أو نحوه إن قلنا: يكره للمعتكف (أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه) بالمسجد تحصيلا لثواب الاعتكاف، (لا سيما إن كان صائما) إذ الحسنات تتضاعف بالازمنة الفاضلة. (وإن جعل سفل بيته) مسجدا صح. وانتفع بعلوه. (أو) جعل (علوه مسجدا صح. وانتفع بالآخر) فيما شاء. قدمه في الرعاية. وقال في المستوعب: إن جعل سفل بيته مسجدا لم ينتفع بسطحه، وإن جعل علوه مسجدا انتفع بسفله. نص عليه. قال أحمد: لان السطح لا يحتاج إلى سفل. (وقيل يجوز أن يهدم المسجد ويجدد بناؤه لمصلحة. نص عليه). وقال تارة في مسجد له حائط قصير غير حصين، وله منارة: لا بأس أن تهدم وتجعل في الحائط لئلا يدخله الكلاب. ويأتي في الوقف. (قال القاضي: حريم الجوامع والمساجد، إن كان الارتفاق بها مضرا بأهل الجوامع والمساجد: منعوا منه) أي من الارتفاق بها دفعا للضرر. (ولم يجز للسلطان أن يأذن فيه. لان المصلين بها أحق) من غيرهم، (وإن لم يكن) في الارتفاق بها (ضرر جاز الارتفاق بحريمها) لان الحق فيها لعامة المسلمين. (ولا يعتبر فيه إذن السلطان) ولا نائبه، للحرج، (ولا يجوز إحداث المسجد في المقبرة. وتقدم في اجتناب النجاسة) موضحا. (قال الشيخ: ما علمت أحدا من العلماء كره السواك في المسجد. والآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد). وتقدم: أنه يتأكد عند دخول المسجد. قال في الشرح: ويجوز السواك في المسجد. لما روى عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال النبي (ص): هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ - وذكر الحديث رواه أبو داود (وإذا سرح شعره

[ 435 ]

فيه وجمعه) أي الساقط من شعره (فلم يتركه) بالمسجد (فلا بأس بذلك، سواء قلنا بطهارة الشعر أو نجاسته) لاخلاء المسجد عنه. (وأما إذا ترك شعره فيه، فهذا يكره، وإن لم يكن نجسا) بل على القول بالنجاسة يحرم، كالدم (فإن المسجد يصان عن القذاة التي تقع في العين). قلت: قياس ما تقدم في قتل القملة والبرغوث: إذا دفنه في المسجد، لا كراهة وكذا تقليم أظفاره.

[ 436 ]

كتاب الحج بفتح الحاء، لا بكسرها في الاشهر. وعكسه: شهر الحجة. وأخر الحج عن الصلاة والزكاة والصوم لان الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات. ثم الزكاة: لكونها قرينة لها في أكثر المواضع، ولشمولها المكلف وغيره. ثم الصوم، لتكرره كل سنة. لكن البخاري قدم رواية الحج على الصوم للتغليظات الواردة فيه. نحو قوله تعالى: * (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) * ونحو: فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا ولعدم سقوطه بالبدل. بل يجب الاتيان به، إما بنفسه أو بنائبه، بخلاف الصوم، وترجم في المقنع وغيره بالمناسك. وهي جمع منسك بفتح السين وكسرها. فبالفتح مصدر وبالكسر اسم لموضع العبادة، مأخوذ من النسيكة وهي الذبيحة المتقرب بها، ثم اتسع فيه فصار اسما للعبادة والطاعة، ومنه قيل للعابد: ناسك. وقد غلب إطلاقها على أفعال الحج لكثرة أنواعها ولما تتضمنه كثرة الذبائح المتقرب بها. (وهو) أي الحج لغة: القصد إلى من تعظمه. (وشرعا: قصد مكة للنسك في زمن مخصوص) يأتي بيانه. (وهو أحد أركان الاسلام) ومبانيه المشار إليها بحديث: بني الاسلام على خمس وتقدم. (وهو فرض كفاية كل عام) على من لا يجب عليه عينا. نقله في الآداب الكبرى عن الرعاية. ثم قال: وهو خلاف ظاهر قول الاصحاب. وقد ذكروا أن للوالد والام منع الولد من حج النفل. واحتجوا بأن لهما منعه من الجهاد مع كونه فرض كفاية. فالتطوعات أولى اه‍. يعني على كلام الرعاية: لا يتصور أن يقع الحج نفلا إلا من صغير،

[ 437 ]

أو رقيق، بل إما فرض عين، أو فرض كفاية. وهو مشكل. وقد تبعه أيضا صاحب المنتهى. (وفرض سنة تسع عند الاكثرين) من العلماء وقيل: سنة عشر. وقيل: ست، وقيل: خمس، والاصل في فريضته قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) *. (ولم يحج النبي (ص) بعد هجرته) إلى المدينة (سوى حجة واحدة. وهي حجة الوداع) قال القاضي: سميت بذلك لانه (ص) ودع الناس فيها. وقال: ليبلغ الشاهد الغائب. أو لانه لم يعد إلى مكة بعدها. (ولا خلاف أنها كانت سنة عشر) من الهجرة. (وكان) (ص) في حجة الوداع (قارنا بها)، قال أحمد: لا أشك أنه كان قارنا، والمتعة أحب إلي اه‍. واستدل له بما روى أنس سمعت النبي (ص) يلبي بالحج والعمرة جميعا، يقول: لبيك عمرة وحجا متفق عليه. وقال عمر: سمعت النبي (ص) بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي عزوجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة وفي رواية: قل: عمرة وحجة، رواهما البخاري. واعتمر (ص) أربعا بعد الهجرة، قال أنس: حج النبي (ص) حجة واحدة واعتمر أربع عمر: كلها في ذي القعدة: عمرة الحديبية، وعمرة القضية وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة حين قسم غنيمة حنين. متفق عليه. قال أحمد: وروي عن مجاهد أنه حج قبل ذلك حجة. وما هو ثبت عندي. وروي عن جابر قال: حج النبي (ص) ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر. وهذا حديث غريب. قاله في المغني: (والعمرة) لغة الزيارة، يقال: اعتمره إذا زاره. وشرعا (زيارة البيت على وجه مخصوص) يأتي بيانه، (وتجب) العمرة (على المكي

[ 438 ]

كغيره) أي غير المكي. لقوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * ولحديث عائشة: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة. رواه أحمد وابن ماجه، ورواته ثقات. عن أبي رزين العقيلي: أنه أتى النبي (ص) فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعن. قال: حج عن أبيك واعتمر رواه الخمسة. وصححه الترمذي ولانها تشتمل على إحرام وطواف وسعي، فكانت واجبة كالحج. وأما بعض الاحاديث المسكوت فيها عنها، فلان اسم الحج يتناولها. روى مسلم من حديث ابن عباس: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وفي كتاب النبي (ص) لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن: إن العمرة الحج الاصغر رواه الاثرم بإسناده. وأما حديث طلحة بن عبيد الله مرفوعا: الحج جهاد. والعمرة تطوع فأجيب عنه بأنه ضعيف، رواه ابن ماجه. (ونصه: لا) تجب على المكي، بخلاف غيره. ونص ما في المغني: إن ركن العمرة ومعظمها: الطواف. قال أحمد: كان ابن عباس يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم الطواف بالبيت وهو من رواية إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. وتأولها القاضي على أنه نفى عنهم دم التمتع. قال في الفروع: كذا قال اه‍. وفي الشرح: وحمل القاضي كلام أحمد على أنه لا عمرة عليهم مع الحج. لانه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج. وأجاب صاحب المحرر وغيره عما تقدم: بأنه لا يصح في حق من لم يطف. ومن طاف يجب أن لا يجزئه عنها، كالآفاقي. (ويجبان في العمر مرة واحدة) لما روى أبو هريرة قال: خطبنا النبي (ص) فقال: يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال النبي (ص): لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله (ص) فقال: يا أيها الناس كتب عليكم

[ 439 ]

الحج. فقام الاقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع رواه أحمد والنسائي بمعناه. (على الفور) نص عليه. فيأثم إن أخر بلا عذر، بناء على أن الامر المطلق للفور. ويؤيده: خبر ابن عباس مرفوعا قال: تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له رواه أحمد. وعن عبد الرحمن بن سابط يرفعه قال: من مات ولم يحج حجة الاسلام - لم يمنعه مرض حابس ولا سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة - فليمت على أي حال يهوديا أو نصرانيا رواه سعيد في سننه. ولانه أحد مباني الاسلام. فلم يجز تأخيره إلى غير وقت معين. كبقية المباني، بل أولى. وأما تأخيره (ص) هو وأصحابه، بناء على أن الحج فرض سنة تسع. فيحتمل أنه كان في آخرها أو لانه تعالى أطلع نبيه على أنه لا يموت حتى يحج. فيكون على يقين من الادراك. قاله أبو زيد الحنفي. أو لاحتمال عدم الاستطاعة، أو حاجة خوف في حقه منعه من الخروج ومنع أكثر أصحابه، خوفا عليه، أو لان الله تعالى كره له الحج مع المشركين عراة حول البيت، أو غير ذلك. (بخمسة شروط) أحدها: (الاسلام. و)، الثاني: (العقل) وهما شرطان للوجوب والصحة. (فلا يجب) حج ولا عمرة (على كافر ولو مرتدا) لانه ممنوع من دخول الحرم. وهو مناف له. (ويعاقب) الكافر (عليه) أي على الحج وكذا العمرة، (وعلى سائر فروع الاسلام) كالصلاة والزكاة والصوم، (كالتوحيد إجماعا) وتقدم موضحا. (ولا يجب) الحج (عليه) ومثله العمرة (باستطاعته في حال ردته فقط) بأن استطاع زمن الردة دون زمن الاسلام. لانه ليس من أهل الوجوب زمن الردة. (ولا تبطل استطاعته) في إسلامه. (بردته) بل يثبت الحج في ذمته إذا عاد للاسلام. (وإن حج) واعتمر (ثم ارتد، ثم أسلم وهو مستطيع. لم يلزمه حج) ولا عمرة، لانهما إنما يجبان في العمر مرة. وقد أتى بهما، وردته بعدهما لا تبطلهما إذا عاد إلى الاسلام كسائر عباداته. (وتقدم بعض ذلك في كتاب الصلاة. ولا يصح) الحج (منه) أي من الكافر ولو

[ 440 ]

مرتدا وكذا العمرة لان كلا من الحج والعمرة عبادة من شرطها النية. وهي لا تصح من كافر. (ويبطل إحرامه. ويخرج منه بردته فيه) لعموم قوله تعالى: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * وكالصوم. (ولا يجب) الحج (على المجنون) كالعمرة. لحديث: رفع القلم عن ثلاث. (ولا يصح) الحج (منه) أي المجنون، ولا العمرة (إن عقده بنفسه، أو عقده له وليه) كالصوم. وإنما صح من الصغير دون التمييز إذا عقده له وليه. للنص. (ولا تبطل استطاعته بجنونه) فيحج عنه، (ولا) يبطل (إحرامه به) أي بالجنون (كالصوم) لا يبطل بالجنون. (ولا يبطل الاحرام بالاغماء والموت والسكر) كالنوم. (و) الشرط الثالث: (البلوغ. و)، الرابع: (الحرية) أي كمالها. وهما شرطان: للوجوب والاجزاء فقط. (فلا يجب) الحج ولا العمرة (على الصغير) للخبر. ولانه غير مكلف. (ولا على قن) لان مدتهما تطول، فلم يجبا عليه، لما فيه من إبطال حق السيد كالجهاد، وفيه نظر. لان القصد منه الشهادة. قاله في المبدع. (وكذا مكاتب ومدبر وأم ولد ومعتق بعضه) ومعلق عتقه بصفة، (ويصح) الحج (منهم) كالعمرة، أي من الصغير والقن والمكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه. لحديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي (ص) صبيا، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر رواه مسلم. والعبد من أهل العبادة، فصحا منه كالحر. (ولا يجزئ) حجهم (عن حجة الاسلام) لقول ابن عباس: إن النبي (ص) قال: أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى رواه الشافعي والبيهقي. قال بعض الحفاظ: لم يرفعه إلا يزيد بن زريع عن شعبة وهو ثقة. ولانهم فعلوا ذلك قبل وجوبه. فلم يجزئهم إذا صاروا من أهله، كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت. وهذا قول عامة العلماء إلا شذوذا، بل حكاه ابن عبد البر إجماعا. (إلا أن يسلم) الكافر (أو يفيق) المجنون، ثم يحرم قبل الدفع من عرفة، أو بعده، إن عاد فوقف في وقته، ثم أتم

[ 441 ]

حجه. (أو يبلغ) الصغير (أو يعتق) القن أو المكاتب أو المدبر أو أم الولد (في الحج قبل الخروج من عرفة أو بعده) أي بعد الوقوف بعرفة (قبل فوات وقته)، أي الوقوف (إن عاد فوقف) في وقته لانهما أتيا بالنسك حال الكمال فأجزأهما. كما لو وجد قبل الاحرام، واستدل أحمد بأن ابن عباس قال: إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجته. وإن عتق بجمع - أي مزدلفة - لم تجز عنه. (ويلزمه) أي القن، إذا عتق بعد الدفع من عرفة قبل فوات وقته، (العود) إلى عرفة في وقت الوقوف. (إن أمكنه) العود لوجوب الحج على الفور، كما تقدم. (و) تجزئ عمرتهم عن عمرة الاسلام إلا أن يسلم أو يفيق أو يبلغ أو يعتق (في العمرة قبل طوافها). أي الشروع فيه (فيجزئهم) لما تقدم. (قال الموفق وغيره، في إحرام العبد والصبي: إنما يعتد بإحرام ووقوف موجودين إذن). أي حين البلوغ والعتق (وما قبله) من الاحرام والوقوف (تطوع لم ينقلب فرضا) ولا اعتداد به، وقدمه في التنقيح والمنتهى. (وقال المجد: وجمع) منهم صاحب الخلاف والانتصار (ينعقد إحرامه موقوفا، فإذا تغير حاله) بالبلوغ أو العتق (تبين فرضيته)، كزكاة معجلة (ولو سعى قن أو صغير بعد طواف القدوم وقبل الوقوف وحصل العتق والبلوغ، وقلنا: السعي ركن. وهو المذهب. لم يجزئه) الحج عن حجة الاسلام، لوقوع الركن في غير وقت الوجوب. أشبه ما لو كبر للاحرام ثم بلغ. فعلى هذا لا يجزئه. (ولو أعاد السعي) بعد البلوغ والعتق (لانه لا يشرع مجاوزة عدد ولا تكراره. وخالف الوقوف) من حيث إنه إذا بلغ أو عتق بعده وأعاده في وقته يجزئه. (إذ هو مشروع) أي استدامته مشروعة (ولا قدر له محدود. وقيل: يجزئه إذا أعاد السعي) لحصول الركن الاعظم. وهو الوقوف وتبعية غيره له، ولا تجزئ العمرة من بلغ أو عتق في طوافها. وإن أعاده وفاقا. (ويحرم المميز بنفسه بإذن وليه) لانه يصح وضوءه. فصح إحرامه كالبالغ، ولان العبادات أحد نوعي العقود، فكان منه ما يعقده المميز لنفسه بإذن وليه كالبيع. (وليس له) أي ولي المميز (تحليله) إذا أحرم بإذنه كالبالغ. (ولا يصح) إحرامه (بغير إذنه) أي إذن وليه، لانه يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم. فلم ينعقد بنفسه كالبيع. ولا يحرم الولي عن المميز لعدم الدليل. (وغير المميز يحرم عنه وليه) أي يعقد له الاحرام. لما روى جابر قال: حججنا مع النبي (ص) ومعنا النساء والصبيان، فأحرمنا عن الصبيان رواه سعيد. فيعقد له وليه الاحرام.

[ 442 ]

(ولو كان الولي محرما أو) كان الولي (لم يحج عن نفسه) كما يعقد له النكاح. ولو كان مع الولي أربع نسوة (وهو) أي الولي (من يلي ماله) من أب ووصي وحاكم. (ولا يصح من غير الولي من الاقارب) كالاخوة والاعمام. كما أنه لا يصح بيعهم له ولا شراؤهم. وظاهر رواية حنبل: يصح من الام أيضا، اختاره جماعة. وتقدم إذا لم يكن له ولي، يقبض له الزكاة والكفارة من يليه. فينبغي هنا كذلك، لظاهر الخبر السابق. (ومعنى إحرامه) أي الولي (عنه) أي عمن لم يميز (عقده الاحرام له. فيصير الصغير بذلك محرما) كما يعقد له النكاح. فيصير الصغير زوجا (دون الولي) ولهذا صح من وليه، وإن كان محرما أو لم يحج عن نفسه. (وكل ما أمكنه) أي الصغير مميزا كان أو دونه. (فعله بنفسه كالوقوف) بعرفة (والمبيت) بمزدلفة وليالي منى. (لزمه) فعله، بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه لعدم الحاجة إليه. لا بمعنى أنه يأثم بتركه. لانه غير مكلف (سواء حضره الولي فيهما)، أي الوقوف والمبيت (أو غيره) أي غير الولي، أو لم يحضره أحد. (وما عجز عنه) الصغير (فعله عنه الولي) لحديث جابر قال: لبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، رواه أحمد وابن ماجه. وروي عن ابن عمر في الرمي. وعن أبي بكر: أنه طاف بابن الزبير في خرقة، رواهما الاثرم. (لكن لا يجوز أن يرمي عنه) أي عن الصغير، (إلا من رمى عن نفسه. كما في النيابة في الحج، إن كان الولي محرما) بفرضه. قاله في المبدع وشرح المنتهى. وإن رمى عن الصغير أولا (وقع) الرمي (عن نفسه)، كمن أحرم عن غيره وعليه حجة الاسلام. (وإن كان) الولي (حلالا لم يعتد به) أي برميه. لانه لا يصح منه لنفسه رمي. فلا يصح عن غيره (وإن أمكن الصبي أن يناول النائب الحصى ناوله) إياه، (وإلا استحب أن توضع الحصاة في كفه، ثم تؤخذ منه فترمى عنه، فإن وضعها النائب في يده ورمى بها، فجعل يده كالآلة. فحسن) ليوجد منه

[ 443 ]

نوع عمل. (وإن أمكنه) أي الصغير (أن يطوف) ماشيا (فعله) كالكبير، (وإلا طيف به محمولا) لما تقدم من فعل أبي بكر. (أو راكبا) كالمريض (ويصح طواف الحلال به) أي بالصغير، (و) طواف (المحرم) به (طاف) المحرم (عن نفسه أو لا) أي أو لم يطف عن نفسه، بخلاف الرمي، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: (لوجود الطواف من الصبي، كمحمول مريض. ولم يوجد من الحامل إلا النية. كحالة الاحرام) بخلاف الرمي (وتعتبر النية من الطائف به)، قلت: ولعله إذا كان دون التمييز. وإلا فلا بد من النية منه، كالاحرام بخلاف الرمي. (ويأتي في باب دخول مكة. و) يعتبر أيضا (كونه ممن يصح أن يعقد له الاحرام) بأن يكون وليا له في ماله. لان الطواف تعتبر له النية. فلما تعذرت من الصغير اعتبرت ممن له النيابة عنه بالشرع، بخلاف الوقوف والمبيت. (فإن نوى) الطائف بالصغير (الطواف عن نفسه وعن الصبي وقع) الطواف (عن الصبي، كالكبير يطاف به محمولا لعذر) لان الطواف فعل واحد. لا يصح وقوعه عن اثنين. (ونفقة الحج التي تزيد على نفقة الحضر وكفارته: في مال وليه. إن كان) وليه (أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة) لانه السبب فيه. وكما لو أتلف مال غيره بأمره. قاله ابن عقيل. ولا حاجة إلى التمرن عليه. لانه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، وقد لا يجب. وعلم منه: أن نفقة الحضر في مال الصبي بكل حال. لانه لا بد له منها، مقيما كان أو مسافرا. (وأما سفر الصبي معه) أي مع الولي (لتجارة أو خدمة، أو إلى مكة ليستوطنها، أو ليقيم بها لعلم أو غيره مما يباح له) أي الولي (السفر به) أي الصبي (في وقت الحج وغيره، ومع الاحرام وعدمه. فلا نفقة على الولي) بل هي على الصبي. قال في المبدع: رواية واحدة. (وعمده) أي الصبي (هو ومجنون خطأ) لعدم صحة قصدهما. (فلا يجب بفعلهما شئ، إلا فيما يجب على المكلف في خطأ ونسيان) > ب 1 > كإزالة الشعر، وتقليم

[ 444 ]

الظفر، وقتل الصيد والوطئ، بخلاف الطيب، ولبس المخيط، وتغطية الرأس. (وإن فعل بهما الولي فعلا لمصلحة كتغطية رأسه) أي الصغير أو المجنون المحرم (لبرد) أو حر (أو تطييبه لمرض، أو حلق رأسه) لاذى، (فكفارته عن الولي أيضا) لعله فيما إذا كان الولي أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة، بخلاف ما لو سافر به لتجارة ونحوها، فهو في مال الصبي. كما لو فعله الصبي نفسه. هذا مقتضى ما نقله في الفروع والمبدع وشرح المنتهى عن المجد، واقتصروا عليه، فأما إن فعله الولي لا لعذر، فكفارته عليه بكل حال. كمن حلق رأس محرم بغير إذنه. (وإن وجب في كفارة صوم صام الولي) قاله في التنقيح: وقال في الفروع والانصاف: حيث أوجبنا الكفارة على الولي بسبب الصبي، ودخلها الصوم، صام عنه لوجوبها عليه ابتداء، انتهى. أي فصوم الولي عن نفسه لا بالنيابة عن الصبي. إذ الصوم الواجب بالشرع لا تدخله النيابة، كقضاء رمضان، وعلى هذا: لو كانت الكفارة على الصبي ووجب فيها صوم لم يصم الولي عنه، بل يبقى في ذمته. حتى يبلغ، فإن مات أطعم عنه كقضاء رمضان، وهذا مقتضى كلامه أيضا في المبدع وشرح المنتهى. (ووطئ الصبي كوطئ البالغ ناسيا يمضي في فاسده، ويلزمه القضاء بعد البلوغ نصا) ولا يصح قضاؤه قبل بلوغه. نص عليه، لانه إفساد لاحرام لازم وذلك يقتضي وجوب القضاء، ونية الصبي تمنع التكليف بفعل العبادات البدنية لضعفه عنها، ونظير ذلك: وجود الاحتلام أو الوطئ من المجنون فإنه يوجب الغسل عليه، لوجود سببه، ولا يصح منه إلا بعد الافاقة، لفقد أهليته للغسل في الحال. (وكذا الحكم إذا تحلل الصبي من إحرامه لفوات) وقت الوقوف، فإنه يقضيه إذا بلغ، وفي الهدى: التفصيل السابق. (أو) تحلل الصبي (لاحصار)، وقلنا: يجب القضاء، فيقضيه إذا بلغ، والفدية على ما سبق، ويأتي أن المحصر لا يلزمه قضاء. (لكن إذا أراد) الصبي (القضاء بعد البلوغ لزمه أن يقدم حجة الاسلام على المقضية) كالمنذورة، (فلو

[ 445 ]

خالف وفعل) بأن قدم المقضية على حجة الاسلام (فهو ك‍) - الحر (البالغ يحرم قبل الفرض بغيره)، فيصرف فعله إلى حجة الاسلام، ثم يقضي بعد ذلك. (ومتى بلغ) الصبي (في الحجة الفاسدة) التي وطئ فيها (في حال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت صحيحة)، بأن بلغ وهو بعرفة أو بعده وعاد فوقف في وقته، ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، (فإنها) أي الحال والقصة، وفي نسخة: فإنه، أي الشأن (يمضي فيها)، أي في تلك الحجة التي بلغ في أثنائها، (ثم يقضيها) فورا (ويجزئه ذلك) الحج القضاء، (عن حجة الاسلام والقضاء، كما يأتي نظيره في العبد) إذا عتق في الحال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت صحيحة، لان قضاءها كهي فيجزئ كإجزائها لو كانت صحيحة. (وليس للعبد الاحرام إلا بإذن سيده) لتفويت حقه بالاحرام. (ولا للمرأة الاحرام نفلا إلا بإذن زوج) لتفويت حقه، وقيده بالنفل منها دون العبد، لانه لا يجب عليه حج بحال، بخلافها. قاله ابن المنجار، ومراده: بأصل الشرع، فلا يرد عليه النذر، لتصريحهم بأنه لا خلاف في لزومه بالنذر للعبد، لانه مكلف، فصح نذره كالحر، ويأتي (فإن فعلا) أي أحرم العبد والمرأة بغير إذن السيد والزوج، (انعقد) إحرامهما، لانه عبادة بدنية، فصحت بغير إذن كالصوم، وقال ابن عقيل: يتخرج بطلان إحرامه لغصبه نفسه، فيكون قد حج في بدن غصب، فهو آكد من الحج بمال غصب. قال في الفروع: وهذا متوجه ليس بينهما فرق مؤثر، فيكون هو المذهب، وصرح به جماعة في الاعتكاف. قاله في المبدع. قلت: ويؤيده ما تقدم في الصلاة، ولا يصح نفل آبق. (ولهما) أي السيد والزوج (تحليلهما) أي العبد والزوجة، لان حقهما لازم، فملكا إخراجهما من الاحرام كالاعتكاف. (ويكونان) كالمحصر لانهما في معناه. (فلو لم تقبل المرأة تحليله أثمت وله مباشرتها)، وكذا أمته المباحة له لولا الاحرام بغير إذنه، وعبارة المنتهى: ويأثم من لم يمتثل، وهي أعم. (فإن كان) إحرامهما (بإذن) السيد والزوج لم يجز تحليلهما، لانه قد لزم بالشروع، وكنكاح ورهن. (أو أحرما) أي العبد والمرأة (بنذر أذن لهما فيه أو لم يأذن) الزوج (فيه للمرأة. لم يجز تحليلهما) لوجوبه، كما لو أحرمت بواجب بأصل الشرع. (وللسيد

[ 446 ]

والزوج الرجوع في الاذن) في الاحرام للعبد والمرأة. (قبل الاحرام) من العبد والزوجة، كالواهب يرجع فيما وهبه قبل قبض الموهوب له، لا بعده. (ثم إن علم العبد برجوع سيده عن إذنه) له في الاحرام، (فكما لو لم يأذن) السيد ابتداء، لبطلان الاذن له برجوعه. (وإلا) أي وإن لم يعلم برجوعه في الاذن (فالخلاف في عزل الوكيل قبل علمه) بعزل موكله له، والمذهب أنه ينعزل، فيكون الحكم هنا كما لو لم يأذن. قلت: وكذا الحكم في المرأة في النفل. (ويلزم العبد حكم جنايته) أي إتيانه بشئ من محظورات الاحرام، لانه مكلف. (كحر معسر) لا مال له (فإن مات) العبد (ولم يصم) ما وجب عليه (فلسيده أن يطعم عنه) ذكره في الفصول، والمراد: يسن كما تقدم في قضاء رمضان. (وإن أفسد) قن (حجة بالوطئ لزمه المضي فيه) كالحر، (و) لزمه (القضاء) أي قضاء ما أفسده لانه مكلف. (ويصح) القضاء (في رقه) لانه وجب فيه، فصح كالصلاة والصيام، بخلاف حجة الاسلام، (وليس للسيد منعه من القضاء إن كان شروعه) أي القن (فيما أفسده بإذنه)، لان إذنه فيه إذن في موجبه، ومن موجبه قضاء ما أفسده على الفور، وعلم منه: أنه إذا لم يكن بإذنه فله منعه منه كالنذر. (وإن عتق) القن (قبل أن يأتي بما لزمه من ذلك) أي قبل القضاء (لزمه أن يبتدئ بحجة الاسلام) لانها آكد. (فإن خالف) فبدأ بالقضاء (فحكمه كالحر يبدأ بنذر أو غير قبل حجة الاسلام) فيقع عن حجة الاسلام، ثم يقضي في القابل. (فإن عتق) القن (في الحجة الفاسدة في حال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت صحيحة)، بأن عتق وهو واقف بعرفة أو بعده وعاد فوقف في وقته، ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، (فإنه يمضي فيها) أي في الحجة الفاسدة كالحر، (ثم يقضيها) فورا (ويجزئه ذلك) الحج (عن حجة الاسلام والقضاء). خلافا لابن عقيل لان القضاء له حكم الاداء. (وإن تحلل) القن (لحصر) عدو منعه الحرم (أو حلله سيده) لعدم إذنه له. (لم يتحلل قبل الصوم) كالحر المعسر إذا أحصر. (وليس له) أي السيد (منعه) أي القن (منه) أي الصوم نص عليه لوجوبه بأصل الشرع فهو كرمضان. (وإذا فسد حجه) أي القن،

[ 447 ]

بأن وطئ فيه قبل التحلل الاول. (صام) بدل البدنة كالحر المعسر. (وكذا إن تمتع أو قرن) فإنه يصوم بدل الهدي عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، لانه لا مال له، وحكم المدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة والمبعض حكم القن فيما ذكره. (ولو باعه سيده وهو) أي القن (محرم، فمشتريه كبائعه في تحليله) إذا كان إحرامه بغير إذن بائعه (و) في (عدمه) أي عدم تحليله إذا كان بإذن بائعه، والحاصل: أنه إذا كان في إحرام يملك البائع تحليله منه، كان للمشتري تحليله منه، وإن كان في إحرام لا يملك البائع تحليله منه لم يكن للمشتري تحليله. (وله) أي للمشتري (فسخ البيع إن لم يعلم) بإحرام القن لما فيه من تفويت منافعه عليه مدة الحج. (إلا أن يملك بائعه تحليله فيحلله المشتري) إن شاء أو يبقيه، ولا خيار له، لانه إذا كان في إحرام يملك تحليله منه، كان إبقاؤه فيه كإذنه له فيه ابتداء. (وليس للزوج منع امرأته من حج فرض إذا كملت الشروط)، لانه واجب بأصل الشرع. أشبه الصوم والصلاة أول الوقت. (ونفقتها عليه، كقدر نفقة الحضر) وما زاد فمن مالها. (وإلا) أي وإن لم تكمل شروط الحج المرأة، (فله) أي للزوج (منعها من الخروج إليه، و) من (الاحرام به) لتفويتها حقه فيما ليس بواجب عليها، و (لا) يملك (تحليلها) منه (إن أحرمت به) لوجوب إتمامه بشروعها فيه. (وليس له) أي الزوج (منعها) من العمرة الواجبة إذا كملت شروطها. (ولا تحليلها من العمرة الواجبة) إذا أحرمت بها وإن لم تكمل شروطها، لوجوبها بالشروع كالحج. (وحيث قلنا، ليس له منعها فيستحب لها أن تستأذنه) نص عليه. خروجا من الخلاف. (وإن كان) زوجها (غائبا كتبت إليه) تستأذنه (فإن أذن) فلا كلام، (وإلا) أي وإن لم يأذن (حجت بمحرم) لتؤدي ما فرض عليها. إذ لا يسقط الفرض عنها بعدم إذنه، ولا يجوز لها السفر إلا بمحرم، أذن أو لم يأذن، كما يأتي، (ولا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة) لوجوب إتمام العدة في المسكن الذي وجبت فيه، ولا يفوت الحج بالتأخير، (دون المبتوتة) أي المفارقة في الحياة بائنا فلا تمنع من الحج. (ويأتي في العدد) موضحا، والرجعية حكمها كالزوجة فيما تقدم. (ولو أحرمت بواجب فحلف) زوجها (بالطلاق) ب‍ (- الثلاث أنها لا تحج العام لم يجز أن تحل) من إحرامها لان الطلاق مباح، فليس لها ترك الفريضة لاجله. ونقل ابن منصور: هي بمنزلة المحصر. رواه عن عطاء، واختاره ابن أبي موسى، كما لو منعها عدو

[ 448 ]

من الحج إلا أن تدفع له مالها، ونقل مهنا: أن أحمد سئل عن المسألة، فقال: قال عطاء: الطلاق هلاك، وهي بمنزلة المحصر. (وليس للوالدين منع ولدهما من حج الفرض والنذر، ولا تحليله منه، ولا يجوز للولد طاعتهما فيه) أي في ترك الحج الواجب أو التحليل، وكذا كل ما وجب، كصلاة الجماعة والجمع، والسفر للعلم الواجب لانها فرض عين، فلم يعتبر إذن الابوين فيها، كالصلاة. قال ابن مفلح في الآداب: وظاهر هذا التعليل أن التطوع يعتبر فيه إذن الوالدين، كما نقله في الجهاد وهو غريب، والمعروف اختصاص الجهاد بهذا الحكم، والمراد والله أعلم: أنه لا يسافر لمستحب إلا بإذنهما، كسفر الجهاد وأما ما يفعله في الحضر كصلاة النافلة ونحو ذلك، فلا يعتبر فيه إذنهما، ولا أظن أحدا يعتبره، ولا وجه له، والعمل على خلافه، والله أعلم. (ولهما) أي الابوين (منعه من) الحج (التطوع ومن كل سفر مستحب كالجهاد) أي كما أن لهما منعه من الجهاد مع أنه فرض كفاية. لان بر الوالدين فرض عين وهو مقدم على المستحب، وعلى فرض الكفاية. (ولكن ليس لهما تحليله) من حج التطوع لوجوبه بالشروع فيه. (ويلزمه طاعتهما في غير معصية، ولو كانا فاسقين) لعموم الاوامر ببرهما والاحسان إليهما، ومن ذلك طاعتهما. (وتحرم طاعتهما فيها) أي المعصية لحديث: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (ولو أمره والده بتأخير الصلاة ليصلي به) إماما مع سعة الوقت (أخرها) وجوبا لوجوب طاعته وتقدم. (ولا يجوز له) أي للوالد (منع ولده من سنة راتبة) ونحوها من التطوعات التي لا تحتاج إلى سفر، كما تقدم عن الآداب. (ولولي سفيه مبذر تحليله) من إحرامه (إن أحرم بنفل، وزادت نفقته على نفقة الاقامة، ولم يكتسبها) في سفره، لما فيه من الضرر عليه فيحلل بالصوم. (وإلا) أي وإن لم تزد نفقته على نفقة الاقامة أو زادت واكتسبها في سفره، (فلا) يمنعه، لانه لا ضرر عليه إذن. (وليس له) أي ولي السفيه المبذر (منعه من حج فرض، ولا تحليله منه) كصلاة الفرض وصومه. (ويدفع نفقته إلى ثقة ينفق عليه في الطريق) فيقوم مقام الولي في التصرف له. (ولا يحلل) بالبناء للمفعول (مدين)، أي لا يحلل الغريم مدينه إذا أحرم، لوجوب إتمامه بالشروع، (ويأتي في) كتاب (الحج) والعمرة كما تقدم، كالحج.

[ 449 ]

فصل: (الشرط الخامس) لوجوب الحج والعمرة دون إجزائها (الاستطاعة) لقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (فمن) بدل من الناس فتقديره: ولله على المستطيع، ولانتفاء تكليف ما لا يطاق شرعا وعقلا. (وهي) أي الاستطاعة (أن يملك زادا وراحلة لذهابه وعوده. أو) يملك (ما يقدر به على تحصيل ذلك) أي الزاد والراحلة: من نقد أو عرض، لما روي عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة رواه الترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، وعن أنس: أن النبي (ص) سئل عن السبيل، فقال: الزاد والراحلة وكذا رواه جابر وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعائشة رضي الله عنهم، رواه الدارقطني، ولانها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطا لها، كالجهاد. (فيعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها إن احتاج إليه) لانه لا بد منه، فإن لم يحتج إليه لم يعتبر. قال في الفنون: الحج بدني محض، ولا يجوز أن يدعي أن المال شرط في وجوبه. لان الشرط لا يحصل المشروط دونه، وهو المصحح للمشروط ومعلوم أن المكي يلزمه، ولا مال له. (فإن وجده) أي الزاد (في المنازل لم يلزمه حمله) من بلده، عملا بالعادة. (إن وجده) أي الزاد (يباع بثمن مثله في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة) كما الوضوء، (وإلا) بأن لم يجد بالمنازل أو وجده بزيادة كثيرة على ثمن مثله (لزمه حمله) معه من بلده (والزاد: ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة)، وظاهر

[ 450 ]

كلامه: لا يعتبر أن يكون صالحا لمثله. قال في الانصاف: وهو صحيح. قال في الفروع: ويتوجه احتمال أنه كالراحلة. اه‍. وجزم به في الوجيز، فقال: ووجد زادا وراحلة صالحين لمثله. قال في الفروع: والمراد بالزاد أن لا يحصل معه ضرر لرداءته. (وينبغي أن يكثر من الزاد والنفقة عند إمكانه ليؤثر محتاجا ورفيقا، وأن تطيب نفسه بما ينفقه) لانه أعظم في أجره. قال تعالى: * (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه) * (ويستحب أن لا يشارك غيره في الزاد وأمثاله) لانه ربما أفضى إلى النزاع، أو أكل أكثر من رفيقة وقد لا يرضى به. (واجتماع الرفاق كل يوم على طعام أحدهم على المناوبة أليق بالورع من المشاركة) في الزاد، (ويشترط أيضا القدرة على وعاء الزاد) لانه لا بد منه. (وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة فقط، ولو قدر على المشي) لعموم ما سبق، (وهو) أي بعد المسافة (ما تقصر فيه الصلاة) أي مسيرة يومين معتدلين، و (لا) تعتبر الراحلة (فيما دونها) أي دون المسافة التي تقصر فيها الصلاة (من مكي وغيره) بينه وبين مكة دون المسافة. (ويلزمه المشي) للقدرة على المشي فيها غالبا، ولان مشقتها يسيرة، ولا يخشى فيها عطب على تقدير الانقطاع بها، بخلاف البعيد، ولهذا خص الله تعالى المكان البعيد بالذكر في قوله: * (وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) * (إلا مع عجز لكبر ونحوه) كمرض، فتعتبر الراحلة، حتى فيما دون المسافة للحاجة إليها إذن. (ولا يلزمه الحبو) أي السير إلى الحج حبوا، و (إن أمكنه) لمزيد مشقة، (و) يعتبر (ما يحتاج إليه من آلتها) أي الراحلة، حيث اعتبرت. إذ لا بد للراحلة من آلة، فتعتبر القدرة عليهما، (بكراء أو شراء) حال كون ذلك (صالحا لمثله عادة، لاختلاف أحوال الناس) في ذلك (فإن كان ممن يكفيه الرحل والقتب، ولا يخشى السقوط) بركوبه كذلك (اكتفى بذلك)، أي بالرحل والقتب عن عن المحمل. (فإن كان ممن لم تجر عادته بذلك، أو يخشى السقوط عنها) أي عن الراحلة إن اكتفي بالرحل والقتب. (اعتبر وجود محمل) صالح له (وما أشبهه، مما لا يخشى سقوطه عنه، ولا مشقة فيه) عليه، دفعا

[ 451 ]

للحرج والمشقة، لقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (وينبغي أن يكون المركوب جيدا) لئلا يتضرر به بعد ذلك (وإن لم يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبر من يخدمه) قاله الموفق. قال في الفروع: وظاهره: لو أمكنه لزمه، عملا بظاهر النص، وكلام غيره يقتضي أنه كالراحلة لعدم الفرق. قال في الفروع: وكذا دابته، إن كانت ملكه إذا لم يقدر على خدمتها والقيام بأمرها اعتبر من يخدمها. (لانه من سبيله) فاعتبرت قدرته عليه، (فإن تكلف الحج من لا يلزمه) وحج أجزأه، لان خلقا من الصحابة حجوا ولا شئ لهم، ولم يؤمر أحد منهم بالاعادة، ولان الاستطاعة إنما شرعت للوصول، فإذا وصل وفعل أجزأه كالمريض، (و) من لم يستطع و (أمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره، مثل من يكتسب بصناعة) في سفره (كالخراز، أو مقارنة من ينفق عليه، أو يكتري لزاده) وله قوة على المشي. (ولا يسأل الناس. استحب له الحج) خروجا من الخلاف. (ولم يجب عليه) لانه ليس بمستطيع لما تقدم من أن الاستطاعة: ملك الزاد والراحلة. (ويكره) الحج (لمن حرفته المسألة. قال) الامام (أحمد، فيمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة: لا أحب له ذلك، يتوكل على أزواد الناس). قلت: فإن توكل على الله، وحسن ذلك منه، ولم يسأل الناس، فلا كراهة. (ويعتبر كونه) أي ما تقدم من الزاد والراحلة وآلتهما، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك (فاضلا عما يحتاج إليه من كتب) لانها في معنى المسكن ونحوه. (ومسكن للسكنى) لانه من حاجته الاصلية، لان المفلس يقدم به على غرمائه، فههنا أولى (أو) مسكن (يحتاج إلى أجرته لنفقته أو نفقة عياله) لتأكد حقهم، لقوله (ص): كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول رواه أبو داود. (أو) أي ويعتبر أيضا أن يكون ذلك فاضلا عن (بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه) لو صرف فيه شيئا منها، لما فيه من

[ 452 ]

الضرر عليه. (و) يعتبر أيضا: أن يكون فاضلا عن (خادم) لانه من الحوائج الاصلية، بدليل أن المفلس يقدم به على غرمائه. (و) يعتبر أيضا: أن يكون فاضلا عن قضاء (دينه، حالا كان) الدين (أو مؤجلا، لله أو لآدمي) لان ذمته مشغولة به وهو محتاج إلى براءتها. (و) يعتبر أيضا: أن يكون فاضلا عما (لا بد له منه) كمؤنته ومؤنة عياله الذين تلزمه مؤنتهم، لان ذلك مقدم على الدين فلان يقدم على الحج بطريق الاولى. (لكن إن فضل منه عن حاجته، وأمكن بيعه وشراؤه ما يكفيه) بأن كان المسكن واسعا أو الخادم نفيسا فوق ما يصلح له وأمكن بيعه وشراء قدر الكفاية منه. (ويفضل ما يحج به لزمه) ذلك، وكذا إن استغنى بإحدى نسختي كتاب باع الاخرى. (ويقدم النكاح مع عدم الوسع) للنكاح والحج (من خاف العنت نصا) وقوله: (ومن احتاج إليه) أي ويقدم النكاح مع عدم الوسع من احتاج إليه، لم أره لغيره بل قال في المستوعب: وإن كان لا يخاف العنت فلا اعتبار بهذه الحاجة قولا واحدا، اه‍. لانه لا تعارض بين واجب ومسنون. (ويعتبر) في الاستطاعة (أن يكون له إذا رجع) من حجه، (ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام) لتضرره بذلك كالمفلس. (ولم يعتبر ما بعد رجوعه عليها)، يعني: ولم يعتبر على رواية ما يكفيه بعد رجوعه، فيعتبر إذن أن يكون له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله إلى أن يعود، جزم به في الكافي والروضة، وقدمه في الرعاية. قال في المبدع: فيتوجه أن المفلس ومثله أولى، (من أجور عقار أو ربح بضاعة، أو) من (صناعة ونحوها) كثمار وعطاء من ديوان. (ولا يصير العاجز) عن ذلك (مستطيعا ببذل غيره له مالا، أو مركوبا ولو) كان الباذل (ولدا أو والدا) لما فيه من المنة، كبذل الرقبة في الكفارة. (فمن كملت له هذه الشروط) الخمسة (وجب عليه الحج على الفور نصا) لحديث ابن عباس: تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة، وحديث الفضل: من أراد الحج فليتعجل رواهما أحمد، وليس التعليق على الارادة هنا للتخيير بين الفعل والترك. لانعقاد الاجماع على خلافه، بل كقوله: من أراد الجمعة فليغتسل، ومن أراد الصلاة فليتوضأ. وقوله تعالى: *

[ 453 ]

(لمن شاء منكم أن يستقيم) * ولان الحج والعمرة فرض العمر فأشبها الايمان، وتقدم أول الباب جملة مما يتعلق بذلك. تتمة: قال ابن نجتان: سألت أبا عبد الله عن الرجل يغزو قبل الحج؟ قال: نعم إلا أنه بعد الحج أجود، وسئل أيضا عن رجل قدم، يريد الغزو ولم يحج، فنزل عليه قوم فثبطوه عن الغزو، وقالوا: إنك لم تحج، تريد أن تغزو؟ قال أبو عبد الله: يغزو ولا عليه. فإن أعانه الله حج ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسا. قال أبو العباس: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده، لكن تأخيره لمصلحة الجهاد كتأخير الزكاة الواجبة على الفور لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو لضرر أهل الزكاة، وتأخير الفوائت للانتقال عن مكان الشيطان، وهذا أجود ما ذكره بعض أصحابنا في تأخير النبي (ص) الحج، إن كان وجب عليه متقدما، وكلام أحمد يقتضي جواز الغزو وإن لم يبق معه مال للحج: فإنه قال: فإن أعانه الله حج، مع أن عنده تقديم الحج أولى، كما ذكره أولا، قاله في الاختيارات في الجهاد. (فإن عجز عن السعي إليه)، أي إلى الحج والعمرة (لكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى برؤه) كالسل، (أو ثقل لا يقدر معه أن يركب إلا بمشقة شديدة أو كان نضو الخلقة، وهو المهزول، لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، ويسمى) العاجز عن السعي لزمانة ونحوها ممن تقدم ذكرهم (المعضوب) من العضب بالعين المهملة والضاد المعجمة: وهو القطع كأنه قطع عن كمال الحركة والتصرف، ويقال: بالصاد المهملة، كأنه ضرب على عصبه، فانقطعت أعضاؤه. قاله ابن جماعة في مناسكه. (أو أيست المرأة من محرم لزمه) أي من ذكر. (إن وجد نائبا) حرا (أن يقيم من بلده أو من الموضع الذي أيسر منه) إن كان غير بلده. (من يحج عنه ويعتمر) على الفور، لحديث ابن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه متفق عليه، ولانه عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن يقوم غيره فيه كالصوم، وسواء وجب عليه حال العجز أو قبله. (ولو) كان النائب (امرأة عن

[ 454 ]

رجل، ولا كراهة) في نيابة المرأة عن الرجل، للخبر السابق، وكعكسه. (وقد أجزأ) حج النائب (عنه) أي عن المعضوب. (وإن عوفي قبل فراغه) أي النائب (أو بعده) لانه أتى بما أمر به، فخرج من العهدة، كما لو لم يبرأ، وكالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي. (وإن عوفي) المعضوب (قبل الاحرام النائب لم يجزئه)، أي المعضوب حج النائب عنه اتفاقا للقدرة على المبدل قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد الماء. (كما لو استناب من يرجى زوال علته) أي مرضه ونحوه كالمحبوس، (ولو كان) المعضوب (قادرا على نفقة راجل) دون راكب (لم يلزمه الحج) أي استنابة من يحج عنه، حيث بعدت المسافة، لانه ليس بمستطيع لما تقدم. (وإن كان) المعضوب (قادرا) على نفقة راكب، (ولم يجد) المعضوب (نائبا في الحج) عنه، (ابتنى بقاؤه في ذمته على إمكان المسير على ما يأتي) فإن قلنا: هو شرط للزوم الاداء. بقي في ذمته حتى يجد نائبا، وإن قلنا: شرط للوجوب - وهو المذهب - لم يثبت في ذمته، فإذا وجد النائب بعد، لم تلزمه الاستنابة إلا أن يكون مستطيعا إذ ذاك. (ومن أمكنه السعي إليه) أي إلى الحج والعمرة (لزمه) السعي إليه، لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكالسعي إلى الجمعة. (إذا كان في وقت المسير) أي مسير أهل بلده إلى الحج على العادة، فلو أمكنه أن يسير سيرا مجاوزا للعادة لم يلزمه. (ووجد طريقا آمنا) لان في اللزوم بدونه ضررا، وهو منتف شرعا، وسواء كان بعيدا أو قريبا. (ولو غير الطريق المعتاد بحيث يمكن سلوكه بحسب ما جرت به العادة برا كان) الطريق (أو بحرا، الغالب فيه) أي البحر (السلامة) لحديث عبد الله بن عمرو: لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله رواه أبو داود وفيه مقال، ولانه يجوز سلوكه بأموال اليتامى، أشبه البر. (وإن غلب الهلاك لم يلزمه سلوكه) ذكره المجد إجماعا في البحر. (وإن سلم فيه قوم وهلك قوم، ولا غالب) منهما بل استويا، (لم يلزمه سلوكه. قال الشيخ: أعان على نفسه، فلا يكون شهيدا. وقال القاضي: يلزمه) سلوكه (ويشترط أن لا يكون في الطريق خفارة) بتثليث الخاء: جعل

[ 455 ]

الخفير. يقال: خفرت الرجل: حميته وأجرته من مطاليبه، فأنا خفير، قاله في حاشيته. (فإن كانت) الخفارة (يسيرة لزمه، قاله الموفق والمجد)، لانه ضرر يسير. فاحتمل (وزاد) أي المجد: (إذا أمن) باذل الخفارة (الغدر من المبذول له) قال في الانصاف: (ولعله مراد من أطلق) بل يتعين، (قال حفيده) أي حفيد المجد، وهو الشيخ تقي الدين: (الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا تجوز مع عدمها)، أي عدم الحاجة إليها، كما يأخذه السلطان من الرعايا، وقال الجمهور: لا يلزمه الحج مع الخفارة، وإن كانت يسيرة. ذكره في المبدع وهو ظاهر المنتهى، لانها رشوة، فلم يلزم بذلها في العبادة. (ويشترط أن يوجد فيه) أي الطريقي (الماء والعلف على المعتاد) بأن يجده في المناهل التي ينزلها. (فلا يلزمه حمل ذلك لكل سفره) لانه يؤدي إلى مشقة عظيمة، بل يتعذر، بخلاف ذات نفسه، فإنه يمكنه حمله، فعلى هذا يجب حمل الماء من منهل إلى منهل، والكلا من موضع إلى موضع. (فسعة الوقت، وهي إمكان المسير بأن تكمل الشرائط فيه، وفي الوقت سعة) بحيث (يتمكن من المسير لادائه) أي الحج، أي بحيث يمكنه تحصيل كل ما يحتاج إليه ولا يفوته الرفقة. (وأمن الطريق بأن لا يكون فيه) أي الطريق (مانع من خوف ولا غيره من شرائط الوجوب) أي وجوب الحج، (كقائد الاعمى، ودليل البصير الذي يجهل الطريق) فمن عدم ذلك غير مستطيع لتعذر فعل الحج معه كعدم الزاد والراحلة. (ويلزمه) أي الاعمى والجاهل بالطريق (أجرة مثله) أي القائد والدليل، لانه مما يتم به الواجب. (ولو تبرع) القائد والدليل (لم يلزمه) أي الاعمى والجاهل (للمنة، وعنه) أي عن الامام أحمد: أن سعة الوقت وأمن الطريق وقائد الاعمى ودليل الجاهل (من شرائط لزوم الاداء، اختاره الاكثر) لانه (ص) فسر السبيل بالزاد والراحلة، ولان إمكان الاداء ليس شرطا في وجوب العبادة بدليل ما لو زال المانع ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن الاداء فيه، وكما في الزكاة، ولانه يتعذر

[ 456 ]

الاداء دون القضاء كالمرض المرجو برؤه، وعدم الزاد والراحلة يتعذر معه الجميع، فعلى هذا (يأثم إن لم يعزم على الفعل) أي الحج إذا اتسع الوقت وأمنت الطريق، ووجد القائد والدليل. (كما نقول في طريان الحيض) بعد دخول الوقت، فإن الحائض تأثم إن لم تعزم على القضاء إذا زال. (فالعزم في العبادات مع العجز) عنها (يقوم مقام الاداء في عدم الاثم) حال العجز، لحديث: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم (فإن مات) من وجد الزاد والراحلة (قبل وجود هذين الشرطين) أي سعة الوقت وأمن الطريق (أخرج عنه من ماله من ينوب عنه على) القول (الثاني) لموته بعد وجوبه عليه (دون) القول (لاول) لعدم وجوبه عليه، (ويأتي) ذلك. (ومن وجب عليه الحج) لاجتماع الشروط السابقة (فتوفي قبله فرط) في الحج بأن أخره لغير عذر، (أو لم يفرط) كالتأخير لمرض يرجى برؤه أو لحبس أو أسر أو نحوه. (أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة ولو لم يوص به) لحديث ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها، قال: نعم، حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء رواه البخاري، ولانه حق استقر عليه فلم يسقط بموته، ولهذا كان من جميع ماله لانه (ص) شبهه بالدين فوجب مساواته له، ولا فرق بين الواجب بأصل الشراع أو إيجابه على نفسه. (ويكون) الاحجاج عنه (من حيث وجب عليه) لا من حيث موته، لان القضاء يكون بصفة الاداء. (ويجوز) أن يستناب عنه (من أقرب وطنيه) لتخير المنوب عنه لو كان حيا. (و) يجوز (من خارج بلده دون مسافة القصر) لان ما دونها في حكم الحاضر. و (لا) يجوز أن يستناب عنه مما (فوقها) أي فوق مسافة القصر، لما تقدم. (ولا يجزئه) حج من استنيب عنه مما فوق المسافة، لعدم إتيانه بالواجب. (ويسقط) الحج عن الميت (بحج أجنبي عنه، ولو بلا إذن) وليه لانه (ص) شبهه بالدين، بخلاف من حج عن حي بلا إذنه، كدفع زكاة مال غيره بغير إذنه. (وإن مات هو) أي من وجب عليه الحج واستقر في ذمته، (أو) مات (نائبه في

[ 457 ]

الطريق حج عنه من حيث مات) هو أو نائبه (فيما بقي مسافة وقولا وفعلا)، لفعله قبل موته بعض ما وجب عليه، وهو السعي إلى ذلك الموضع الذي مات فيه، فلا يلزم أن يحج عنه من وطنه، لان المنوب عنه لم يكن عليه أن يرجع إلى وطنه، ثم يعود إلى الحج. (وإن صد) من وجب عليه الحج أو نائبه (فعل) عنه (ما بقي) مسافة وقولا وفعلا لما تقدم. (وإن وصى بحج نفل وأطلق) بأن لم يعين محل الاستنابة (جاز) أن يحج عنه (من الميقات) أي ميقات بلد الموصى نص عليه (ما لم تمنع منه قرينه) بأن يوصي أن يحج بقدر يكفي للنفقة من بلده فيتعين منها، كالواجب فإن لم يف ثلثه بالحج من محل وصيته، حج به من حيث بلغ أو يعان به في الحج، نص عليه. (فإن ضاق ماله عن ذلك) أي عن الحج من بلده بأن لم يخلف مالا يفي به (أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ نصا) لما تقدم من تشبيهه بالدين. فصل: (ويشترط لوجوب الحج على المرأة، شابة كانت أو عجوزا مسافة قصر ودونها وجود محرم)، لحديث ابن عباس مرفوعا: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: أخرج معها، رواه أحمد بإسناد صحيح، وعن أبي هريرة مرفوعا: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم رواه البخاري، ولمسلم: ذو محرم منها وله أيضا: ثلاثا، وهذا مخصص لظاهر الآية، ولانها أنشأت سفرا في دار الاسلام، فلم يجز بغير محرم

[ 458 ]

كحج التصوع والزيارة والتجارة. (وكذا يعتبر) المحرم (لكل سفر تحتاج فيه محرم) أي لكل ما يعد سفرا عرفا، و (لا) يعتبر المحرم إذا خرجت (في أطراف البلد مع عدم الخوف) عليها لانه ليس بسفر. (وهو) أي المحرم (معتبر لمن لعورتها حكم، وهي بنت سبع سنين فأكثر) لانها محل الشهوة، بخلاف من دونها (قال الشيخ: وأما الاماء فيسافرن معها) تبعا لها، (ولا يفتقرن إلى محرم، لانه لا محرم لهن في العادة الغالبة، انتهى. ويتوجه في عتقائها من الاماء مثله على ما قال) الشيخ تقي الدين: من أنه لا محرم لهن في العادة، ويحتمل عكسه لانقطاع التبعية، ويملكن أنفسهن بالعتق. (قال في الفروع: وظاهر كلامهم) أي الاصحاب (اعتبار المحرم للكل) أي الاحرار وإمائهن وعتقائهن لعموم الاخبار. (وعدمه) أي المحرم للمذكورات، (كعدم المحرم للحرة) الاصل، فلا يباح لها السفر بغيره مطلقا. تنبيه: ظاهر كلام المصنف وغيره: أن الخنثى كالرجل. قاله في الانصاف. (والمحرم) هنا (زوجها) سمي محرما مع كونها تحل له الحصول المقصود من صيانتها وحفظها، من إباحة الخلوة بها بسفره معها. (أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب) كالاب والابن والاخ والعم والخال. (أو سبب مباح) كزوج أمها وابن زوجها وأبيه وأخيها من رضاع، لحديث أبي سعيد قال: قال (ص): لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها، ذو محرم منها رواه مسلم (لحرمتها، لكن يستثنى من سبب مباح: نساء النبي (ص)) فإنهن محرمات على غيره على التأبيد، ولسنا محارم لهن إلا من بينه وبينهن نسب أو رضاع محرم أو مصاهرة، كذلك، وحكمهن وإن كان انقطع بموتهن، لكن قصد بيان خصوصيتهن وفضيلتهن. (وخرج به) أي بقوله: مباح، (أم الموطوءة بشبهة أو زنا وبنتها) أي بنت الموطوءة بشبهة أو زنا، فليس الواطئ لهن محرما، لعدم إباحة السبب. (وخرج بقوله لحرمتها: الملاعنة، فإن تحريمها عليه) أي الملاعن

[ 459 ]

(عقوبة وتغليظ لحرمتها) فلا يكون الملاعن محرما لها (إذا كان ذكرا) فأم المرأة وبنتها، ليست محرما لها. (بالغا عاقلا مسلما) فمن دون بلوغ والمجنون والكافر ليس محرما. لان غير المكلف لا يحصل به المقصود من الحفظ، والكافر لا يؤمن عليها كالحضانة، وكالمجوسي لاعتقاده حلها، ولا تعتبر الحرية، فلهذا قال: (ولو عبدا) وهو أبوها أو أخوها من نسب، أو رضاع، أو ولد زوجها، أو أبوه ونحوه، (ونفقته) أي المحرم إذا سافر معها (عليها) لانه من سبيلها. (ولو كان محرمها زوجها) فيجب لها عليه، بقدر نفقة الحضر كما تقدم، وما زاد فعليها. (فيعتبر أن تملك زادا أو راحلة لهما) أي لها ولمحرمها، صالحين لمثلهما. (ولو بذلت النفقة) لمحرمها (لم يلزمه السفر معها) للمشقة، كحجة عن مريضة، وما تقدم من أمره (ص) في خبر ابن عباس الزوج بأن يسافر مع زوجته أجيب عنه: بأنه أمر بعد حظر، أو أمر تخيير، وعلم (ص) من حاله أنه يعجبه أن يسافر معها. (وكانت) من امتنع محرمها من السفر معها (كمن لا محرم لها) على ما يأتي بيانه. (وليس العبد محرما لسيدته. نصا) من حيث كونها مالكة له لحديث ابن عمر عن النبي (ص) قال: سفر المرأة مع عبدها ضيعة، ولانه غير مأمون عليها، ولا تحرم عليه أبدا. (ولو جاز له النظر إليها) لانه للحرج والمشقة. (فلو حجت) المرأة (بغير محرم حرم) عليها ذلك، (وأجزأ) ها الحج وفاقا، كمن حج وقد ترك حقا يلزمه من دين وغيره، وكذا العمرة (ويصح) الحج (من مغصوب، و) من (أجير خدمة، بأجرة أو لا، ومن تاجر) وقاصد رؤية البلاد النائية أو النزهة ونحوه. (ويأتي ولا إثم) عليه، قال تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) * (والثواب بحسب الاخلاص) في العمل، لقوله (ص): وإنما لكل امرئ ما نوى (وإن مات المحرم قبل خروجها) للسفر (لم تخرج) بلا محرم، لما تقدم من النهي عن السفر بلا محرم. (و) إن مات (بعده) أي بعد خروجها ف‍ (- إن كان) مات (قريبا رجعت) لانها في حكم الحاضرة. (وإن كان) مات (بعيدا مضت) في سفرها للحج، لانها لا تستفيد بالرجوع شيئا

[ 460 ]

لكونها بغير محرم. (ولو مع إمكان إقامتها ببلد) لانها تحتاج إلى الرجوع. (ولم تصر محصرة) لانها لا تستفيد بالتحلل زوال ما بها كالمريض. (لكن إن كان حجها تطوعا وأمكنها الاقامة ببلد، فهو أولى) من السفر بغير محرم. (وإن كان المحرم الميت، زوجها، فيأتي له تتمة في العدد) مفصلا. و (من عليه حجة الاسلام، أو) عليه حجة (قضاء أو نذر، لم يصح، ولم يجز أن يحج عن غيره) لحديث ابن عباس: أن النبي (ص) سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة احتج به أحمد في رواية صالح، وإسناده جيد، وصححه البيهقي، ولانه حج عن غيره قبل حجه عن نفسه، فلم يجز كما لو كان صبيا. (ولا نذره ولا نافلته) أي لا يجوز أن يحرم بنذر ولا نافلة من عليه حجة الاسلام. فإن فعل بأن حج عن غيره وعليه حجة الاسلام، أو أحرم بنذر أو نافلة إذن (وانصرف إلى حجة الاسلام) في الصور كلها، لما روى الدارقطني بإسناد ضعيف: هذه عنك، وحج عن شبرمة. وقوله أولا حج عن نفسك أي استدمه، كقولك للمؤمن: آمن، ولان نية التعيين ملغاة، فيصير كما لو أحرم مطلقا، وقوله (ص): اجعل هذه عن نفسك رواه ابن ماجه. أجاب القاضي عنه: بأنه أراد التلبية. لقوله: هذه عنك، ولم يجز فسخ حج إلى حج (ورد) النائب (ما أخذ) من غيره ليحج عنه لعدم إجزاء حجه عنه ووقوعه عن نفسه. (والعمرة كالحج في ذلك) فمن عليه عمرة الاسلام، أو قضاء أو نذر. لم يجز ولم يصح أن يعتمر عن غيره، ولا نذره ولا نافلته. (ومن أتى بواجب أحدهما) بأن يأتي بحجة الاسلام أو عمرته. (فله فعل نذره ونفله) أي ما أتي بواجبه قبل الآخر فمن حج حجة الاسلام له أن يحج نذرا ونفلا قبل أن يعتمر، ومن اعتمر عمرة الاسلام، فله أن يعتمر نذرا ونفلا قبل أن يحج. (وحكم النائب كالمنوب عنه) في ذلك لانه فرعه. (فلو أحرم بنذر أو نفل عمن عليه حجة الاسلام وقع) إحرامه (عنها)، وكذا لو كان عليه

[ 461 ]

حجة قضاء، أو حجة نذر، وأحرم بنفل. (ولو استناب عنه) المعضوب (أو) استناب وارث (عن ميت واحدا في فرضه، وآخر في نذره في سنة) واحدة (جاز)، وزعم ابن عقيل: أنه أفضل من التأخير، لوجوبه على الفور. (ويحرم بحجة الاسلام قبل الاخرى وأيهما أحرم أولا فعن حجة الاسلام، ثم) أحرم (الاخرى عن نذره، ولو لم ينوه) أي ينو الثاني أنها عن النذر، لعدم اعتبار التعيين في الحج، لانعقاده مبهما ثم يعين. (ويصح أن ينوب الرجل عن المرأة، و) أن تنوب (المرأة عن الرجل في الحج والعمرة) بلا كراهة لما تقدم. (وأن ينوب في الحج من أسقطه عن نفسه) بأن حج (مع بقاء العمرة في ذمته، وأن ينوب في العمرة من أسقطها عن نفسه مع بقاء الحج في ذمته) لانهما عبادتان متغايرتان. (ولا يصح أن ينوب في نسك من لم يكن أسقطه عن نفسه) كالصبي والعبد، لانه لم يصح عن نفسه حجة الاسلام، ولم يعتمر كذلك. (ويصح الاستنابة في حج التطوع وفي بعضه لقادر) على الحج (وغيره)، كالصدقة، ولانها حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب. (ومن أوقع) نسكا (فرضا أو نفلا عن حي بلا إذنه، أو) أوقع نسكا (لم يؤمر به، كأمره بحج فيعتمر، وعكسه) بأن يؤمر بالاعتمار فيحج. (لم يجز) عن الحي (كزكاة) أي كإخراج زكاة حي بلا إذنه. (ويرد) المأمور المخالف فيما تقدم. (ما أخذه) من الآمر، لعدم فعله ما أخذ العوض لاجله. (ويقع) الحج والعمرة (عن الميت، ولا إذن له) ولا لوارثه (كالصدقة) عنه، ولما تقدم من تشبيهه (ص) له بالدين. (ويتعين النائب بتعيين وصي جعل إليه التعيين) لقيامه مقام الموصي. (فإن أبى) الوصي التعيين (عين غيره) كوارث أو حاكم، وكذا لو أبى موصى إليه بحج عين غيره لسقوط حقه بإبائه. (ويكفي النائب أن ينوي النسك عن المستنيب) له، (ولا تعتبر تسميته لفظا. نصا، وإن جهل) النائب (اسمه أو نسيه لبى عمن سلم إليه المال ليحج به

[ 462 ]

عنه) لحصول التمييز بذلك. (ويستحب أن يحج عن أبويه إن كانا ميتين، أو عاجزين زاد بعضهم: إن لم يحجا، ويقدم أمه لانها أحق بالبر، ويقدم واجب أبيه على نفلها) لابراء ذمته. نص عليهما، وعن زيد بن أرقم مرفوعا: إذا حج الرجل عنه وعن والديه يقبل عنه وعنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برا رواه الدارقطني، وفي إسناده أبو أمية الطرسوسي، وأبو سعيد البقال ضعيفان، وعن جابر مرفوعا: من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته، وكان له فضل عشر حجج ضعيف. رواه الدارقطني. تتمة: النائب: أمين فيما أعطيه ليحج منه، فيركب وينفق منه بالمعروف، ويضمن ما زاد على ذلك ويرد ما فضل، وتحسب له نفقة رجوعه، ولو طالت إقامته بمكة. ما لم يتخذها دارا فإن اتخذها دارا ولو ساعة، فلا نفقة لرجوعه، وله أيضا نفقة خادمه إن لم يخدم نفسه مثله، ويرجع بما استدانه لعذر، وبما أنفق على نفسه بنية رجوعه، وما لزمه بمخالفته، فمنه، ولو مات أو أحصر أو مرض أو ضل الطريق. لم يلزمه الضمان لما أنفق نصا، ودم الاحصار على المستنيب، وإن أفسد حجه فعليه القضاء، ويرد ما أخذه، لان الحج لم يقع عن المستنيب، وكذا إن فاته الحج بتفريطه وإلا احتسب له بالنفقة، وإن مرض في الطريق فعاد، فله نفقة رجوعه، لانه لا بد له منه، ولا تفريط. بخلاف ما لو خاف المرض، لانه متوهم، ودم المتعة والقران على المستنيب، إن أذن فيهما، وإلا فعلى النائب كجنايته، وإذا أمره بحج فتمتع، أو اعتمر لنفسه من الميقات، ثم حج فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج. جاز. ولا شئ عليه نصا، وإن أحرم بالحج من مكة فعليه دم، لترك ميقاته. ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام الحج، فيما بين الميقات ومكة، وقال القاضي: لا يقع فعله عن الامر، ويرد جميع النفقة، وإن أمر بالافراد، فقرن. لم يضمن شيئا ويرد من النفقة بقدر العمرة، إن أمره بها ولم يفعل، وإن أمره بالتمتع فقرن. وقع عن الآمر، ولا يرد شيئا من النفقة في ظاهر كلام أحمد، وقال القاضي: يرد نصف النفقة، وإن أفرد: وقع عن المستنيب أيضا، ويرد نصف النفقة، وإن أمره بالقران فأفرد أو تمتع صح، ووقعا عن الآمر، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات، وفي جميع ذلك إذا أمره بالنسكين، ففعل أحدهما دون الآخر، رد من النفقة بقدر ما ترك، ووقع المفعول عن الآمر، للنائب من النفقة بقدره، قاله في الشرح ملخصا.

[ 463 ]

فصل: (ومن أراد الحج فليبادر) فعلى كل خير مانع، (وليجتهد في الخروج من المظالم) بردها لاربابها، وكذلك الودائع والعواري والديون، ويستحيل من له عليه ظلامة، ويستمهل من لا يستطيع الخروج من عهدته. (ويجتهد في رفيق صالح) يكون عونا له على نصبه وأداء نسكه، يهديه إذا ضل، ويذكره إذا نسي. (وإن تيسر أن يكون) الرفيق (عالما فليستمسك بغرزه) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء أي: ركابه، ليكون سببا في بلوغه رشده. (ويصلي ركعتين يدعو بعدهما بدعاء الاستخارة) قبل العزم على الفعل، كما تقدم في الاستخارة في صلاة التطوع. (ويستخير: هل يحج العام أو غيره، إن كان الحج نفلا أو لا يحج؟) وأما الفرض فواجب فورا. (ويصلي في منزله ركعتين، ثم يقول: اللهم هذا ديني وأهلي ومالي وولدي وديعة عندك، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل والمال والولد). قال ابن الزاغوني وغيره. (وقال الشيخ: يدعو قبل السلام أفضل) منه بعد السلام، (ويخرج يوم الخميس. قال ابن الزاغوني: وغيره. أو) يوم (إثنين، ويبكر) في خروجه (ويقول إذا نزل منزلا) ما ورد ومنه: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. (أو دخل بلدا ما ورد) ومنه: اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الارضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين. أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ويقول أيضا، إذا ركب ونحوه ما ورد. وتقدم بعضه في صلاة التطوع، وذكرت منه جملة في كتابي: نصيحة الناسك ببيان أحكام المناسك.

[ 464 ]

باب المواقيت (وهي) جمع ميقات. وهو لغة: الحد. وشرعا (مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة) وقد بدأ بالمواضع، فقال: (وميقات أهل المدينة) المنورة (ذو الحليفة) بضم الحاء وفتح اللام. وهي أبعد المواقيت (وبينها وبين مكة: عشر مراحل. وبينها وبين المدينة ستة أميال) أو سبعة. وتعرف الآن بأبيار علي. (و) ميقات (أهل الشام. و) أهل (مصر. و) أهل (المغرب: الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (وهي قرية كبيرة) جامعة على طريق المدينة، وكان اسمها: مهيعة. فجحف السيل بأهلها، فسميت الجحفة. وهي (خربة، بقرب رابغ الذي يحرم منه الناس) الآن (على يسار الذاهب إلى مكة. ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل محاذاة الجحفة بيسير)، وتلي ذا الحليفة في البعيد (بينها وبين مكة ثلاث مراحل. وقيل: أكثر) وهي على ستة أميال من البحر، وثمان مراحل من المدينة. (والثلاثة الباقية) من المواقيت (بين كل منها وبين مكة مرحلتان) فهي متساوية أو متقاربة. (و) ميقات (أهل اليمن) وهو كل ما كان على يمين الكعبة من بلاد الغور. والنسبة إليه. يمني، على القياس. ويمان، على غير القياس. (يلملم. ويقال: ألملم. لغتان. وهو جبل) معروف (و) ميقات (أهل نجد اليمن، و) أهل (نجد الحجاز) قال صاحب المطالع: وهو ما بين جرش الماء إلى سواد الكوفة. وكلها من عمل اليمامة. وقال ابن خطيب الدهشة: وأوله من ناحية العراق ذات عرق. وآخره سواد العراق. (و) أهل (الطائف: قرن. وهو جبل) بسكون الراء، ويقال له: قرن المنازل. وقرن الثعالب (و) ميقات (أهل المشرق والعراق وخراسان: ذات عرق. وهي قرية خربة قديمة، من علاماتها المقابر القديمة. وعرق هو الجبل المشرف على العقيق) وفي المبدع وشرح المنتهى: ذات عرق: منزل معروف سمي به، لان فيه عرقا.

[ 465 ]

وهو الجبل الصغير. وقيل: العرق: الارض السبخة تنبت الطرفاء. (وهذه المواقيت كلها ثبتت بالنص) لحديث ابن عباس قال: وقت النبي (ص) لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل الشام الجحفة، ولاهل نجد قرن المنازل. ولاهل اليمن يلملم. هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن يريد الحج والعمرة. ومن كان دونهن فمهله من أهله. وكذلك أهل مكة يهلون منها وعن ابن عمر نحوه. وعن عائشة أن النبي (ص): وقت لاهل العراق ذات عرق، رواه أبو داود والنسائي. وعن جابر نحوه مرفوعا. رواه مسلم وما في البخاري عن عمر قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب، فحد لهم ذات عرق. فالظاهر: أنه خفي النص فوافقه برأيه، فإنه موفق للصواب. وما رواه أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس: أن النبي (ص) وقت لاهل المشرق العقيق. وهو واد قبل ذات عرق بمرحلة أو مرحلتين، يلي الشرق تفرد به يزيد بن أبي زياد. وهو شيعي مختلف فيه. وقال ابن معين، وأبو زرعة: لا يحتج به. قال ابن عبد البر: ذات عرق ميقاتهم بإجماع. (والافضل: أن يحرم من أول الميقات، وهو الطرف الابعد عن مكة) احتياطا (وإن أحرم) من الميقات (من الطرف الاقرب من مكة جاز) لاحرامه من الميقات، (وهي) أي المواقيت السابقة (لاهلها) الذين تقدم ذكرهم، (ولمن مر عليها من غير أهلها، ممن يريد حجا أو عمرة. فإن مر الشامي أو المدني أو غيرهما) كالمصري، (على غير ميقات بلده) كالشامي يمر بذي الحليفة. (فإنه يحرم من الميقات الذي مر عليه لانه صار ميقاته. ومن منزله دون الميقات، أي بين الميقات ومكة) كأهل خليص وعسفان. (فميقاته: من موضعه) لخبر ابن

[ 466 ]

عباس (فإن كان له منزلان جاز أن يحرم من أقربهما إلى مكة. والاولى) أن يحرم (من البعيد) عن مكة: كما تقدم في طرفي الميقات. (وأهل مكة ومن بها) أي بمكة (من غيرهم، سواء كانوا في مكة أو في الحرم) كمنى ومزدلفة. (فإذا أرادوا العمرة فمن الحل) لان النبي (ص): أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم متفق عليه. ولان أفعال العمرة كلها في الحرم، فلم يكن بد من الحل، ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، بخلاف الحج. فإنه يخرج إلى عرفة فيحصل الجمع. ومن أي الحل أحرم جاز. (ومن التنعيم أفضل) للخبر السابق (وهو) أي التنعيم (أدناه) أي أقرب الحل إلى مكة. وقال أحمد: كلما تباعد فهو أعظم للاجر. وفي التلخيص والمستوعب: الجعرانة. لاعتماره (ص) منها. (ويأتي آخر صفة الحج) عند الكلام على صفة العمرة. (فإن أحرموا) أي أهل مكة وحرمها (من مكة، أو من الحرم. انعقد) إحرامهم بالعمرة لاهليتهم له. ومخالفة الميقات لا تمنع الانعقاد، كمن أحرم بعد الميقات. (وفيه دم) لمخالفة الميقات، كمن جاوز الميقات بلا إحرام. (ثم إن خرج إلى الحل قبل إتمامها) أي العمرة، (ولو بعد الطواف. أجزأته عمرته) عن عمرة الاسلام، لان الاحرام من المحل المشروع له ليس شرطا لصحة النسك. (وكذا) تجزيه العمرة (إن لم يخرج) إلى الحل. لما سبق (قدمه في المغني. قال الشيخ والزركشي: هو المشهور. إذ فوات الاحرام من الميقات لا يقتضي البطلان)، لان الاحرام من الميقات ليس شرطا. (فإن أحرم) من مكة أو الحرم (قارنا فلا دم عليه. لاجل إحرامه بالعمرة من مكة، تغليبا للحج) على العمرة لاندراجها فيه، وسقوط أفعالها (وإن أرادوا) أي الذين بمكة أو الحرم (الحج) فإنهم يحرمون (من مكة، مكيا كان) الحاج (أو غيره، إذا كان فيها) أي مكة (من حيث شاء منها)، لقول جابر: أمرنا النبي (ص) لما حللنا أن نحرم من الابطح رواه مسلم. (ونصه) في رواية حرب (من المسجد. وفي

[ 467 ]

الايضاح والمبهج: من تحت الميزاب) ويسمى الحطيم. (ويجوز) إحرامه (من سائر الحرم) لما تقدم. (و) يجوز إحرامه (من الحل كالعمرة) وكما لو خرج إلى الميقات الشرعي. ومنع القاضي وأصحابه وجوب إحرامه من مكة والحرم. (ولا دم عليه) لعدم الدليل على وجوبه. (ومن لم يكن طريقه على ميقات) من المواقيت السابقة، كعيدان. فإنها في طرق العرب. (أو عرج عن الميقات) بأن مشى في طريق لا تمر عليه. (فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه) أي إلى طريقه (أحرم) لقول عمر: انظروا حذوها من قديد رواه البخاري. ولانه يعرف بالاجتهاد والتقدير. فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة. (ويستحب الاحتياط مع جهل المحاذاة) إذ الاحرام قبل الميقات جائز. وتأخيره عنه حرام (فإن تساويا) أي الميقاتان (في القرب إليه) أي إلى طريقه (ف‍) - إنه يحرم (من) حذو (أبعدهما عن مكة) من طريقه. (ومن لم يحاذ ميقاتا أحرم عن مكة بقدر مرحلتين) فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز ما يحاذي الميقات غير محرم. فعليه دم قاله في الشرح. (ومن لم يحاذ ميقاتا أحرم عن مكة بقدر مرحلتين)، قاله في الرعاية. قال في المبدع: وهو متجه إن تعذر معرفة المحاذاة. ومعناه في الفروع. فصل: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة أو) دخول (الحرم أو) أراد (نسكا: تجاوز الميقات بغير إحرام) لانه (ص) وقت المواقيت ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنهم تجاوزوها بغير إحرام. وعن ابن عباس مرفوعا: لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام فيه ضعف. فإنه من رواية حجاج ومحمد بن خالد الواسطي. وظاهر كلامه: أنه لو أرادها لتجارة أو زيارة أنه يلزمه، نص عليه. واختاره الاكثرون، لانه من أهل فرض الحج، ولعدم تكرر حاجته. فإن لم يرد الحرم ولا نسكا. لم

[ 468 ]

يلزمه بغير خلاف، لانه (ص) وأصحابه أتو بدرا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد فيمرون بذي الحليفة بغير إحرام. (إن كان حرا مسلما مكلفا) بخلاف الرقيق والكافر وغير المكلف. لانهم ليسوا من أهل فرض الحج. (فلو تجاوزه) أي الميقات (رقيق أو كافر أو غير مكلف، ثم لزمهم) الاحرام (إن عتق) الرقيق (وأسلم) الكافر (وكلف) غير المكلف، (أحرموا من موضعهم) لانه قد حصل دون الميقات على وجه مباح، فكان له أن يحرم منه، كأهل ذلك الموضع. (ولا دم عليهم) إذا أحرموا من موضعهم. لانهم لم يجاوزوا ميقاتهم بلا إحرام. (إلا لقتال مباح) لدخوله (ص) يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر، ولم ينقل عنه. ولا عن أحد من أصحابه الاحرام يومئذ. (أو خوف) أي وإلا من تجاوز الميقات لخوف، إلحاقا له بالقتال المباح. (أو حاجة متكررة، كحطاب وفيج) بالجيم، وهو رسول السلطان. (وناقل الميرة، ولصيد واحتشاش ونحو ذلك) لما روى حرب عن ابن عباس: لا يدخل إنسان مكة إلا محرما، إلا الحمالين، والحطابين وأصحاب منافعها احتج به أحمد. (ومكي يتردد إلى قريته بالحل) إذ لو وجب عليه الاحرام لادى إلى الضرر والمشقة، وهو منفي شرعا. قال ابن عقيل: وكتحية المسجد في حق قيمه للمشقة. (ثم إن بدا له) أي لمن لا يلزمه الاحرام ممن تقدم ذكرهم، ممن تتكرر حاجته والمكي المتردد إلى قريته بالحل (النسك. أو) بدا (لمن لم يرد الحرم) أو النسك (أحرم من موضعه) لانه صار كأهل ذلك المكان، ولان من منزله دون الميقات لو خرج إليه ثم عاد لم يلزمه شئ. (ومن تجاوز) الميقات (بلا إحرام لم يلزمه قضاء الاحرام) الذي فاته من الميقات. ويأتي حكم رجوعه إليه، (وحيث لزم الاحرام من الميقات لدخول مكة) أو الحرم (لا لنسك: طاف وسعى وحلق وحل) من إحرامه، (وأبيح للنبي (ص) وأصحابه دخول مكة محلين ساعة من نهار. وهي من طلوع الشمس إلى صلاة

[ 469 ]

العصر. رواه) الامام (أحمد، لا قطع شجر) لان النبي (ص): قام الغد من يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه، فقال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله (ص) فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كحرمتها، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. (ومن جاوز) ه أي الميقات (يريد النسك) بلا إحرام (أو كان النسك فرضه) بأن لم يحج أو يعتمر، (ولو) كان (جاهلا) بالميقات أو الحكم (أو ناسيا لذلك أو مكرها. لزمه أن يرجع) إلى الميقات (فيحرم منه)، لانه واجب أمكنه فعله. فلزمه كسائر الواجبات. (ما لم يخف فوات الحج أو يخف) فوات (غيره) كخوفه على نفسه أو أهله أو ماله. (فإن رجع) إلى الميقات (فأحرم منه فلا دم عليه) لانه أتى بالواجب عليه، كما لو لم يجاوره ابتداء. (وإن أحرم دونه) أي الميقات (من موضعه أو غيره، لعذر أو غيره. فعليه دم) لحديث ابن عباس مرفوعا: من ترك نسكا فعليه دم. ولتركه الواجب (وإن رجع محرما إلى الميقات لم يسقط) الدم (برجوعه) نص عليه. لانه وجب لتركه إحرامه من ميقاته، فلم يسقط. كما لو لم يرجع. (وإن أفسد نسكه هذا) الذي تجاوز فيه الميقات بلا إحرام. (لم يسقط دم المجاوزة) نص عليه، كدم محظور. ولانه الاصل. ونقل مهنا: يسقط. لان القضاء واجب. (ويكره أن يحرم قبل الميقات) المكاني. لما روى الحسن: أن عمران بن حصين أحرم من مصر، فبلغ ذلك عمر فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب النبي (ص) أحرم من مصره وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع، وكرهه له رواهما سعيد والاثرم. وقال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان وروى أبو يعلى الموصلي بإسناده عن أبي أيوب قال: قال النبي (ص): يستمتع أحدكم بحله ما استطاع. فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه. وأما حديث أم سلمة قالت: سمعت الرسول (ص) يقول: من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له

[ 470 ]

الجنة شك عبد الله بن عبد الرحمن أيتهما قال؟ رواه أبو داود. فقال القاضي: معنى أهل أي قصد من المسجد الاقصى. ويكون إحرامه من الميقات. (و) يكره أن يحرم (بالحج قبل أشهره) لقول ابن عباس: من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج رواه البخاري. ولانه أحرم بالعبادة قبل وقتها. فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني. (فإن فعل) بأن أحرم قبل الميقات المكاني أو الزماني، (فهو محرم). حكى ابن المنذر الصحة في تقدمه على ميقات المكان إجماعا. لانه فعل جماعة من الصحابة والتابعين. ولم يقل أحد منهم: إنه لا يصح. ويدل لصحة إحرامه بالحج قبل أشهره قوله تعالى: * (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) *. وكلها مواقيت للناس. فكذا للحج، وقوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) *. أي معظمه في أشهر، كقوله (ص): الحج عرفة. أو أراد حج التمتع، وإن أضمر الاحرام أضمرنا الفضيلة. والخصم يضمر الجواز، والمضمر لا يعم. وقول ابن عباس محمول على الاستحباب. (ولا ينعقد) أي ينقلب (إحرامه بالحج) قبل ميقاته المكاني والزماني (عمرة) خلافا لما اختاره الآجري وابن حامد. نقل أبو طالب وسندي: يلزمه الحج، إلا أن يفسخه بعمرة. فله ذلك على ما يأتي. (وميقات العمرة) الزماني (جميع العام) لعدم المخصص لها بوقت دون آخر. (ولا يلزمه الاحرام بها يوم النحر. و) لا يوم (عرفة. و) لا (أيام التشريق) كالطواف المجرد، إذ الاصل عدم الكراهة، ولا دليل عليهما. (وأشهر الحج: شوال وذو القعدة) بالفتح والكسر، (وعشر من ذي الحجة) بكسر الحاء على الاشهر. رواه ابن عمر مرفوعا، وقاله جمع من الصحابة. (فيوم النحر منها. وهو يوم الحج الاكبر) نص عليه للخبر. لان العشر بإطلاقه للايام كالعدة. قال القاضي والموفق وغيرهما: العرب تغلب التأنيث في العدد خاصة لسبق الليالي. فتقول: سرنا عشرا. وإنما فات الحج بفجر يوم النحر، لخروج وقت الوقوف فقط. والجمع يطلق على اثنين، وعلى اثنين وبعض آخر، كعدة ذات القروء.

[ 471 ]

باب الاحرام والتلبية وما يتعلق بهما (هو) أي الاحرام لغة: نية الدخول في التحريم. يقال: أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع. وشرعا (نية النسك) أي الدخول فيه، لا نيته. ليحج أو يعتمر. (سمي) الدخول في النسك (إحراما، لان المحرم بإحرامه حرم على نفسه أشياء كانت مباحة له) من النكاح والطيب وأشياء من اللباس ونحوها. ومنه في الصلاة: تحريمها التكبير. (ويسن لمريده) أي الاحرام (أن يغتسل ذكرا كان أو أنثى، ولو حائضا ونفساء)، لان النبي (ص): أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل رواه مسلم. وأمر عائشة: أن تغتسل لاهلال الحج وهي حائض. (فإن رجتا) أي الحائض والنفساء (الطهر قبل الخروج من الميقات استحب) لهما (تأخير) الغسل (حتى تطهرا) ليكون أكمل لهما. (وإلا) أي وإن لم ترجوا الطهر قبل الخروج من الميقات (اغتسلتا) قبل الطهر. لما تقدم، ولان مجاوزة الميقات بلا إحرام غير جائزة على ما تقدم. (ويتيمم عادم الماء) لاحرامه، وكذا العاجز عن استعماله، كسائر ما يستحب له الغسل. (وتقدم) في باب الغسل. (ولا يضر حدثه بعد غسله قبل إحرامه) كحدثه بعد غسل الجمعة وقبل صلاتها. (و) يسن لمريد الاحرام (أن يتنظف، بإزالة الشعر من حلق العانة، وقص الشارب، ونتف الابط، وتقليم الاظفار، وقطع الرائحة الكريهة). لقول إبراهيم: كانوا يستحبون ذلك. ثم يلبسون أحسن ثيابهم، رواه سعيد، ولان الاحرام عبادة يسن فيه ذلك كالجمعة. ولان مدته تطول. (و) يسن لمريد الاحرام (أن يتطيب ولو امرأة في بدنه، سواء كان) الطيب (مما تبقى عينه كالمسك، أو أثره كالعود، والبخور،

[ 472 ]

وماء الورد)، لقول عائشة: كنت أطيب الرسول (ص) لاحرامه قبل أن يحرم رواه البخاري. وقالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق الرسول (ص) وهو محرم، متفق عليه. (ويستحب لها) أي للمرأة إذا أرادت الاحرام (خضاب بحناء) لحديث ابن عمر: من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء، ولانه من الزينة أشبه بالطيب. (ويكره تطييبه) أي مريد الاحرام (ثوبه)، وحرمه الآجري. (ف‍) - على الاول (إن طيبه) أي طيب مريد الاحرام ثوبه (فله استدامته) أي استدامة لبسه، (ما لم ينزعه فإن نزعه فليس له لبسه والطيب فيه)، لان الاحرام يمنع الطيب ولبس المطيب، دون الاستدامة. (فإن فعل) أي لبسه بعد نزعه (وأثر الطيب باق) لم يغسله حتى يذهب، فدى. لاستعماله الطيب. (أو نقله) أي الطيب (من موضع من بدنه إلى موضع) آخر (أو تعمد مسه بيده فعلق) الطيب (بها، أو نحاه) أي الطيب (عن موضعه، ثم رده إليه) بعد إحرامه (فدى) لانه ابتداء للطيب. (فإن ذاب) الطيب (بالشمس، أو بالعرق. فسال إلى موضع آخر) من بدن المحرم (فلا شئ عليه) لحديث عائشة قالت: كنا نخرج مع الرسول (ص) إلى مكة، فنضمد جباهنا بالمسك عند الاحرام. فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي (ص) فلا ينهاها، رواه أبو داود. (ويسن) لمن يريد الاحرام (أن يلبس ثوبين أبيضين) لحديث: خير ثيابكم البياض، رواه النسائي. (نظيفين) لانا أحببنا له التنظيف في بدنه. فكذلك في ثيابه (إزارا ورداء جديدين، أو غسيلين، فالرداء على كتفه. والازار على وسطه)، لما روى أحمد عن ابن عمر مرفوعا: ليحرم أحدكم في إزار ورداء

[ 473 ]

ونعلين قال ابن المنذر: ثبت ذلك. وفي تبصرة الحلواني: إخراج كتفه الايمن من الرداء أولى. (ويجوز) إحرامه (في ثوب واحد). وفي التبصرة: بعضه على عاتقه، (ويتجرد) مريد الاحرام (عن المخيط)، لانه (ص) تجرد لاهلاله. وكان ينبغي تقديمه على اللبس. لكن الواو لا تقتضي الترتيب (ويلبس نعلين). لما تقدم من الخبر وهما التاسومة، ولا يجوز له لبس السرموزة والجمجم. قاله في الفروع، (إن كان) المحرم (رجلا. وأما المرأة فلها لبس المخيط في الاحرام) إلا القفازين، ويأتي توضيحه. (والمخيط: كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه، كالقميص والسراويل والبرنس) والقباء. وكذا الدرع ونحوه مما يصنع من لبد ونحوه، على قدر الملبوس عليه. وإن لم يكن فيه خياطة. (ولو لبس إزارا موصلا أو اتشح بثوب مخيط، أو أئتزر به جاز) لان ذلك ليس لبسا للمخيط المصنوع على قدر الملبوس عليه لمثله. (ثم يحرم عقب صلاة مكتوبة، أو) صلاة (نفل) ركعتين (ندبا) نص عليه، لانه (ص): أهل في دبر صلاة رواه النسائي. (وهو) أي إحرامه عقب الصلاة (أولى) لحديث ابن عباس قال: إني لاعلم الناس بذلك خرج حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين. أهل بالحج حين فرغ منهما رواه أحمد وأبو داود، وظاهر كلامه في المبدع والمنتهى وغيرهما: أنه عقب صلاة فرض، أو ركعتين نفلا سواء. (وإن شاء) أحرم (إذا ركب، وإن شاء) أحرم، (إذا سار) قبل مجاوزة الميقات، لورود ذلك كله عنه (ص)، لكن ذكر ابن عباس: أنه أوجب الاحرام حين فرغ من صلاته، ولما استوت به راحلته قائما، أهل. فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أحرم حين استوت به راحلته. وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا على البيداء فأهل، فأدرك ذلك منه أناس، فقالوا: أهل حين علا البيداء رواه أبو داود والاثرم. (ولا يركعه) أي النفل (وقت نهي) للاخبار السابقة في

[ 474 ]

أوقات النهي، (ولا من عدم الماء والتراب) أو عجز عن استعمالهما لقروح لا يستطيع معها مس البشرة، لفقد شرطه. (ولا ينعقد الاحرام إلا بالنية) لقوله (ص): إنما الاعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ ما نوى ولانه عمل وعبادة محضة فافتقر إليها. كصلاة (فهي) أي النية (شرط فيه) أي الاحرام، كالنية في الوضوء، لكن سبق لك أن الاحرام: هو نية النسك. فكيف يقال: لا تنعقد النية إلا بنية، وأن النية شرط في النية، مع أنه يؤدي إلى التسلسل؟ وأما التجرد فليس ركنا ولا شرطا في النسك إلا أن يقال: لما كان التجرد هيئة تجامع نية النسك ربما أطلق عليها. فاحتيج إلى التنبيه على أن تلك الهيئة ليست كافية بنفسها، بل لا بد معها من النية، وأنها لا تفتقر إلى غيرها من تلبية، أو سوق هدي كما سننبه عليه. (ويستحب التلفظ بما أحرم) به (فيقصد بنيته نسكا معينا) لفعله (ص) وفعل من معه في حجة الوداع. ولان أحكام ذلك تختلف. فاستحب تعيينه ليترتب عليه مقتضاه. (ونية النسك كافية فلا يحتاج معها إلى تلبية، ولا سوق هدي) لعموم: إنما الاعمال بالنيات. (وإن لبى أو ساق هديا من غير نية لم ينعقد إحرامه) للخبر (ولو نطق بغير ما نواه، نحو أن ينوي العمرة فيسبق لسانه إلى الحج، أو بالعكس) بأن ينوي الحج، فيسبق لسانه إلى العمرة (انعقد) إحرامه ب‍ (- ما نواه دون ما لفظه) لان النية محلها القلب. وتقدم نظيره في الوضوء. وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه. (وينعقد) إحرامه (حال جماعه) لانه لا يخرج منه به (ويبطل) أي يفسد (إحرامه به) أي بالجماع، فيمضي في فاسده ويقضيه، كما يأتي. (ويخرج منه) أي من الاحرام (بردة) لعموم قوله تعالى: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) *. و (لا) يخرج منه (بجنون وإغماء وسكر وموت) لخبر المحرم الذي وقصته راحلته، (ولا ينعقد) الاحرام (مع وجود أحدها) أي الجنون، أو الاغماء، أو السكر، لعدم أهليته للنية. (وتقدم بعض ذلك) موضحا (فإذا أراد الاحرام نوى بقلبه قائلا بلسانه: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فيسره لي وتقبله مني). ولم يذكروا مثل هذا في الصلاة لقصر مدتها ويسرها عادة. (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني أو فلي أن أحل. وهذا الاشتراط سنة)، في قول

[ 475 ]

عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار. ويفيد هذا الاشتراط (إذا عاقه عدو أو مرض، أو ذهاب نفقة، أو خطأ طريق ونحوه: أن له التحلل) لقوله (ص) لضباعة بنت الزبير حين قالت له: إني أريد الحج، وأجدني وجعة. فقال: حجي واشترطي. وقولي: أللهم محلي حيث حبستني متفق عليه. زاد النسائي في رواية إسنادها جيد: فإن لك على ربك ما استثنيت، ولقول عائشة لعروة: قل اللهم إني أريد الحج، فإن تيسر وإلا فعمرة. (و) يفيد هذا الاشتراط أيضا (أنه متى حل بذلك) أي سبب عذر مما تقدم (فلا شئ عليه) نص عليه. قال في المستوعب وغيره: إلا أن يكون معه هدي، فيلزمه نحره. (ويأتي آخر باب الفوات والاحصار. فإن اشترط بما يؤدي معنى الاشتراط. كقوله: اللهم إني أريد النسك الفلاني إن تيسر لي، وإلا فلا حرج علي. جاز) لانه في معنى ما تقدم في الخبر. (وإن قال) في إحرامه (متى شئت أحللته، أو) إن (أفسدته.. لم أقضه. لم يصح) اشتراطه. لانه لا عذر له في ذلك. (وإن نوى الاشتراط ولم يتلفظ به لم يفد، لقول النبي (ص) لضباعة) بضم الضاد بنت الزبير، (قولي: محلي) أي مكان إحلالي، (من الارض حيث حبستني) والقول لا يكون إلا باللسان. فصل: (وهو) أي مريد الاحرام (مخير بين التمتع والافراد والقران) ذكره جماعة إجماعا. لقول عائشة: خرجنا مع

[ 476 ]

النبي (ص) فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل. قالت: وأهل بالحج وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بالعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة. متفق عليه. وذهب طائفة من السلف والخلف أنه لا يجوز إلا التمتع. وقاله ابن عباس. وكره التمتع عمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير، وبعضهم القران. روى الشافعي عن ابن مسعود: أنه كان يكرهه (وأفضلها التمتع) في قول ابن عمر وابن عباس وعائشة. وجمع. ونص عليه في رواية صالح وعبد الله. وقال لانه آخر ما أمر به النبي (ص)، قال إسحاق بن إبراهيم: كان اختيار أبي عبد الله الدخول بعمرة. لقوله (ص): لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولاحللت معكم. وفي الصحيحين: أنه أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديا. وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف. ولا ينقلهم إلا إلى الافضل. ولا يتأسف إلا عليه. لا يقال: أمرهم بالفسخ ليس لفضل التمتع. وإنما هو لاعتقادهم عدم جواز العمرة في أشهر الحج. لانهم لم يعتقدوه. ثم لو كان لم يخص به من لم يسق الهدي. لانهم سواء في الاعتقاد. ثم لو كان لم يتأسف، لاعتقاده جوازها فيه. وجعل العلة فيه سوق الهدي. ولان التمتع منصوص عليه في كتاب الله، ولاتيانه بأفعالهما كاملة على وجه اليسر والسهولة، مع زيادة نسك وهو الدم. قال في رواية أبي طالب: إذا دخل بعمرة يكون قد جمع الله له حجة وعمرة ودما. (ثم الافراد) لما في الصحيحين عن ابن عباس وجابر (أن النبي (ص) أفرد الحج وقال عمر وعثمان وجابر: هو أفضل الانساك لما ذكرنا، ولاتيانه بالحج تاما من غير احتياج إلى آخر. وأجاب أصحابنا عن الخبر: أنه أفرد عمل الحج عن عمل العمرة. وأهل بالحج فيما بعد، مع أن أكثر الروايات عن جابر: ذكر أصحابه فقط. وأجاب أحمد في رواية أبي طالب: بأن هذا كان في أول الامر بالمدينة، أحرم بالحج. فلما دخل مكة فسخ على أصحابه، وتأسف على التمتع. لاجل سوق الهدي فكان المتأخر أولى. (ثم القران) وتقدم أنه (ص) حج قارنا، والجواب عنه (وصفة التمتع. أن يحرم بالعمرة) أطلقه

[ 477 ]

جماعة، منهم صاحب المحرر والوجيز. وجزم آخرون. من الميقات، أي ميقات بلده. (في أشهر الحج) نص عليه. وروى معناه بإسناد جيد عن جابر. ولانه لو لم يحرم بها في أشهر الحج لم يجمع بين النسكين فيه. ولم يكن متمتعا. (ويفرغ منها) أي يتحلل. قاله في المستوعب. لانه لو أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة لكان قارنا. واجتماع النسكين - أي التمتع والقران - ممتنع، لتباينهما. وليس المراد بالنسكين الحج والعمرة لا مكان اجتماعهما في القران. ولعل صاحب المبدع فهم منه ذلك، حتى قال: وفيه نظر. (ثم يحرم بالحج من مكة أو قريب منها) نقله حرب وأبو داود. لما روى عن عمر أنه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع. وإن خرج ورجع فليس بمتمتع وعن ابن عمر نحوه. ويشترط كما يأتي: أن يحج في عامه. لقوله تعالى: * (فمن تمتع) *. الآية وظاهره: يقتضي الموالاة بينهما. ولانه لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم حج من عامه لا يكون متمتعا فلان لا يكون متمتعا إذا لم يحج من عامه أولى. وما ذكره المصنف: من اشتراط الاحرام من مكة إلى قريب منها: تبع فيه المقنع والفائق والرعايتين، والحاويين. والذي عليه أكثر الاصحاب: عدم التقييد. ونسبه في الفروع إلى الاصحاب، منهم صاحب المذهب، ومسبوك الذهب والخلاصة، ذكره في الانصاف. وقطع بعدم التقييد في المنتهى، (و) صفة (الافراد: أن يحرم بالحج مفردا. فإذا فرغ منه) أي من الحج (اعتمر عمرة الاسلام، إن كانت باقية عليه) بأن لم يكن أتى بها قبل. (و) صفة (القران: أن يحرم بهما جميعا) لفعله (ص). (أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الشروع في طوافها)، لما روت عائشة قالت: أهللنا بالعمرة ثم أدخلنا عليها الحج. وفي الصحيحين: أن ابن عمر فعله، وقال: هكذا صنع رسول الله (ص). وفي الصحيح: أنه أمر عائشة بذلك. فإن

[ 478 ]

كان شرع في طواف العمرة لم يصح إدخاله عليها، لانه شرع في التحليل من العمرة، كما لو سعى. (إلا لمن معه الهدي. فيصح) الادخال (ولو بعد السعي) بناء على المذهب أنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله. (ويصير قارنا) جزم به في المبدع والشرح وشرح المنتهى هنا، وهو مقتضى كلامه في الانصاف. وقال في الفروع وشرح المنتهى في موضع آخر: لا يصير قارنا إذن. (ولا يعتبر لصحة إدخال الحج على العمرة الاحرام به) أي الحج (في أشهره) لصحة الاحرام به قبلها، كما تقدم. (وإن أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة. لم يصح إحرامه بها) لانه لم يرد به أثر. ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق. (ولم يصر قارنا) لانه لا يلزمه بالاحرام الثاني شئ. (وعمل القارن كالمفرد في الاجزاء) نقله الجماعة. (ويسقط ترتيب العمرة ويصير الترتيب للحج، كما يتأخر الحلاق إلى يوم النحر، فوطؤه قبل طواف القدوم لا يفسد عمرته، أي إذا وطئ وطأ لا يفسد الحج، مثل إن وطئ بعد التحلل). وكان لم يدخل مكة قبل ذلك أو دخلها، ولم يطف لقدومه (الاول فإنه لا يفسد حجه. وإذا لم يفسد حجه لم تفسد عمرته) لقول عائشة: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا، متفق عليه. وعن ابن عمر نحوه رواه أحمد. (ويجب على المتمتع دم) إجماعا. لقوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) * الآية. وهو دم (نسك لا) دم (جبران) لما تقدم من أفضلية التمتع على غيره، (بسبعة شروط) متعلق بيجب (أحدها: أن لا يكون) المتمتع (من حاضري المسجد الحرام)

[ 479 ]

لقوله تعالى: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) *. (وهم) أي حاضروا المسجد الحرام (أهل مكة، و) أهل (الحرم، ومن كان منه أي من الحرم لا من نفس مكة دون مسافة القصر). لان حاضر الشئ من حل فيه، أو قرب منه وجاوره بدليل رخص السفر. (فمن له منزلان متأهل بهما، أحدهما دون مسافة القصر) من الحرم (والآخر فوقها أو مثلها لم يلزمه دم) التمتع. (ولو كان إحرامه من) المنزل (البعيد، أو كان أكثر إقامته) في البعيد، (أو) كان أكثر (إقامة ماله فيه) أي في البعيد (لان بعض أهله من حاضري المسجد الحرام) فلم يوجد الشرط. (وإن استوطن مكة أفقي) بضمتين، نسبة إلى الافق. وهو الناحية من الارض أو السماء، وهو الافصح. وبفتحتين تخفيفا. (فحاضر) لا دم عليه. لعموم الآية (فإن دخلها) أي مكة (متمتعا ناويا الاقامة بها بعد فراغ نسكه أو نواها) أي الاقامة (بعد فراغه منه) أي من النسك، (أو استوطن مكي بلدا بعيدا ثم عاد) إلى مكة (مقيما متمتعا. لزمه دم) التمتع. لانه حال الشروع في النسك لم يكن من حاضري المسجد الحرام. (الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج. والاعتبار بالشهر الذي أحرم) بها (فيه، لا) بالشهر (بالذي حل) منها (فيه. فلو أحرم بالعمرة في) شهر (رمضان، ثم حل) منها، بأن طاف وسعى وحلق أو قصر (في شوال، لم يكن متمتعا) لان الاحرام نسك يعتبر للعمرة أو من أعمالها فاعتبر في أشهر الحج كالطواف. (وإن أحرم الآفاقي) قال ابن خطيب الدهشة: لا يقال آفاقي، أي لا ينسب إلى الجمع، بل إلى الواحد. (بعمرة في غير أشهر الحج) كرمضان مثلا، (ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج، وحج من عامه) فهو (متمتع نصا). لانه اعتمر وحج في أشهر الحج من عامه، (وعليه دم) لعموم الآية. وهذا قول الموفق والشارح على اختيارهما الآتي بيانه في الشرط السادس. (الثالث: أن يحج من عامه) لما سبق، (الرابع: أن لا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فأكثر. فإن فعل) أي سافر مسافة قصر فأكثر (فأحرم) بالحج، (فلا دم) عليه نص

[ 480 ]

عليه. لما روي عن عمر أنه قال: إذا اعتمر في الحج ثم أقام فهو متمتع. فإن خرج ورجع فليس بمتمتع. وعن ابن عمر نحو ذلك. ولانه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الاحرام منه. فإن كان بعيدا فقد أنشأ سفرا بعيدا لحجة، فلم يترفه بترك أحد السفرين. فلم يلزمه دم. (الخامس: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج. فإن أحرم به قبل حله منها. صار قارنا) ولزمه دم قران. كما يأتي. لترفهه بترك أحد السفرين. (السادس: أن يحرم بالعمرة من الميقات) أي ميقات بلده، (أو من مسافة قصره فأكثر من مكة) فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة، لم يكن عليه دم تمتع. ويكون حكمه حكم حاضري المسجد الحرام. وإنما يكون عليه دم مجاوزة الميقات بغير إحرام إن تجاوزه كذلك. وهو من أهل الوجوب. (ونصه، واختاره الموفق وغيره: إن هذا ليس بشرط) فيلزمه دم التمتع. (وهو الصحيح، لانا نسمي المكي متمتعا، ولو لم يسافر) وهذا غير ناهض. لانه لم يلزم من تسميته متمتعا وجوب الدم. ويأتي أن هذه الشروط لا تعتبر في كونه متمتعا. (السابع: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو أثنائها) ذكره القاضي، وتبعه الاكثرون لظاهر الآية، وحصول الترفه. وجزم الموفق بخلافه. (ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد. فلو اعتمر لنفسه وحج عن غيره أو عكسه) بأن اعتمر عن غيره وحج عن نفسه. (أو فعل ذلك عن اثنين) بأن حج عن أحدهما واعتمر عن الآخر. (كان عليه دم المتعة) لظاهر الآية. وهو على النائب إن لم يأذنا له في ذلك. إن لم يرجع إلى الميقات، فيحرم منه لانه سبب مخالفته. وإن أذنا فعليهما. وإن أذن أحدهما وحده فعليه النصف والباقي على النائب، على ما ذكره في الشرح، فيما إذا استنابه اثنان في النسكين، فقرن بينهما لهما، أو استنابه واحد في أحد النسكين فقرن له ولنفسه. (ولا تعتبر هذه الشروط) جميعها (في كونه) يسمى (متمتعا) خلافا لظاهر كلام الموفق ومن تبعه. (فإن المتعة تصح من المكي لغيره) مع أنه لا دم على المكي. (ويلزم دم تمتع وقران بطلوع فجر) يوم (النحر) لقوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما

[ 481 ]

استيسر من الهدي) * أي فليهد، وحمله على أفعاله أولى من حمله على إحرامه. كقوله: الحج عرفة ويوم النحر. يوم الحج الاكبر. ولان ذلك الوقت وقت ذبحه. فكان وقت وجوبه. قاله في شرح المنتهى، تبعا لابن الخطاب، وفي كونه وقت ذبحه نظر. ومراده: أنه أول الايام التي يذبح فيها. وإن تأخر زمن ذبحه عنه. ولان الهدي من جنس يقع به التحلل، فكان وقت وجوبه بعد وقت الوقوف. كطواف ورمي وحلق. وفيه أيضا نظر. لانه يقتضي وجوبه من نصف الليل. إلا أن يراد التشبيه بها في تأخر وقتها عن وقت الوقوف في الجملة. (ويأتي وقت ذبحه) في باب الهدي والاضاحي، (ويلزم القارن أيضا: دم نسك إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام) نص عليه. واحتج له جماعة بالآية. ولانه ترفه بسقوط أحد السفرين كالمتمتع. (ولا يسقط دم تمتع وقران بفساد لنسكهما) نص عليه. لان ما وجب الاتيان به في الصحيح وجب في الفاسد. كالطواف وغيره. (ولا) يسقط دم تمتع وقران أيضا (بفواته) أي الحج كما لو فسد، (وإذا قضى القارن قارنا لزمه دمان، دم لقرانه الاول ودم لقرانه الثاني. وإن قضى) القارن (مفردا لم يلزمه شئ) لقرانه الاول. لانه أتى بنسك أفضل. (وجزم غير واحد) ب‍ (أنه يلزمه دم لقرانه الاول) لان القضاء كالاداء. قال في الفروع: وهو ممنوع. (فإذا فرغ) من قضى مفردا من الحج (أحرم بالعمرة من) الميقات (الابعد)، أي أبعد الميقاتين اللذين أحرم في أحدهما بالقران وفي الآخر بالحج (كمن فسد حجه) ثم قضاه يحرم من أبعد الميقاتين. (وإلا) أي وإن لم يحرم بالعمرة من أبعد الميقاتين، (لزمه دم) لتركه واجبا. (وإن قضى) القارن (متمتعا فإذا تحلل من العمرة أحرم بالحج من أبعد الموضعين: الميقات الاصلي، والموضع الذي أحرم منه) الاحرام (الاول) الذي أفسده. قلت: والظاهر أنه لا دم عليه إذن. لفوات الشرط الرابع. (ويسن لمن كان قارنا أو مفردا فسخ نيتهما بالحج. وينويان) بإحرامهما ذلك (عمرة مفردة فإذا فرغا منها) أي العمرة (وحلا. أحرما بالحج. ليصيرا متمتعين، ما لم يكونا ساقا هديا) لانه صح أن النبي (ص): أمر أصحابه الذين أفردوا الحج

[ 482 ]

وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي متفق عليه. وقال سلمة بن شبيب لاحمد: كل شئ منك حسن جميل إلا خصلة واحدة. فقال: وما هي؟ قال تقول: بفسخ الحج. قال: كنت أرى لك عقلا، عندي ثمانية عشر حديثا جيادا صحاحا كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك؟. وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وأحاديثهم متفق عليها ورواه غيرهم من وجوه صحاح. وفي الانتصار وعيون المسائل: لو ادعى مدع وجوب الفسخ لم يبعد، مع أنه قول ابن عباس وجماعة. واختاره ابن حزم، وجوابه: أنه (ص): لما قدم لاربع مضين من ذي الحجة، فصلى الصبح بالبطحاء، ثم قال: من شاء منكم أن يجعلها عمرة فليجعلها، واحتج المخالف بقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * ورد بأن الفسخ نقله إلى غيره لا إبطاله من أصله، ولو سلم فهو محمول على غير مسألتنا، قاله القاضي. فإن قيل: هل يصح وإن لم يعتقد فعل الحج من عامه؟ قيل: منعه ابن عقيل وغيره. ونقل ابن منصور: لا بد أن يهل بالحج من عامه، ليستفيد فضيلة التمتع. ولانه على الفور. فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به؟. واختلف كلام القاضي، وقدم الصحة لانه بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع. ولان العمرة لا تصير حجا. والحج يصير عمرة كمن حصر عن عرفة أو فاته الحج. فإن كان المفرد والقارن ساقا الهدي لم يفسخا لما تقدم من قوله: إلا من كان معه هدي. (أو) يكونا (وقفا بعرفة) فلا يفسخان، فإن من وقف بها أتى بمعظم الحج، وأمن من فوته بخلاف غيره. (فلو فسخا في الحالتين) أي فيما إذا ساقا هديا أو وقفا بعرفة (فلغو) لما سبق، وهما باقيان على نسكهما الذي أحرما به. (ولو ساق المتمتع هديا لم يكن له أن يحل) من عمرته (فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحلله بالحلق. فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما) أي من الحج والعمرة معا. لقول ابن عمر: تمتع الناس مع النبي (ص) بالعمرة إلى الحج. فقال: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شئ حرم عليه، حتى يقضي حجه. ولان التمتع أحد نوعي الجمع بين الاحرامين كالقران. (والمعتمر غير المتمتع يحل بكل حال) إذا فرغ من عمرته، (في أشهر الحج وغيرها. ولو كان معه

[ 483 ]

هدي) لان النبي (ص): اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته، بعضهن في ذي القعدة فكان يحل (فإن كان معه) هدي (نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز) لانه كله منحر له. (والمرأة إذا دخلت) مكة (متمتعة فحاضت قبل طواف العمرة، لم يكن لها أن تدخل المسجد الحرام وتطوف بالبيت) لما تقدم في الحيض. (فإن خشيت فوات الحج أو خافه) أي فوات الحج (غيرها أحرم بالحج، وصار قارنا) نص عليه في الحائض. لما روى مسلم عن عائشة: كانت متمتعة فحاضت، فقال لها النبي (ص): أهلي بالحج ولان إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات، فمعها أولى، لكونها ممنوعة من دخول المسجد. (ولم يقض طواف القدوم) لفوات محله، كتحية المسجد. (ويجب دم قران) كدم متعة، (وتسقط عنه العمرة) أي تندرج أفعالها في أفعال الحج، كسائر القارنين. وتجزئ عن عمرة الاسلام، كما يأتي. فصل: (ومن أحرم مطلقا بأن نوى نفس الاحرام) أي الدخول في النسك (ولم يعين نسكا صح) إحرامه، نص عليه. كإحرامه بمثل ما أحرم فلان. وحيث صح مع الابهام صح مع الاطلاق. (وله صرفه) أي الاحرام (إلى ما شاء) من الانساك. نص عليه. (بالنية) لا باللفظ. لان له أن يبتدئ الاحرام بأيها شاء، فكان له صرف المطلق إلى ذلك. (ولا يجزئه العمل) من طواف وغيره (قبل النية) أي بالتعيين. لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى. فإن طاف قبله لم تجزئه. لوجوده لا في حج ولا في عمرة. (والاولى صرفه إلى العمرة) لان التمتع أفضل. (وإن أحرم بهما كإحرامه بمثل ما أحرم به فلان، أو) أحرم

[ 484 ]

(بما أحرم به فلان، وعلم) ما أحرم به فلان (انعقد إحرامه بمثله) لحديث جابر: أن عليا قدم من اليمن، فقال له النبي (ص): بم أهللت؟ فقال: بما أهل به النبي (ص)، قال: فاهد، وامكث حراما وعن أبي موسى نحوه، متفق عليهما. (فإن كان الاول أحرم مطلقا. كان له) أي الثاني (صرفه إلى ما شاء) كما لو أحرم مطلقا. ولا يتعين عليه صرفه لما صرفه إليه الاول. قال في المبدع: فظاهر كلامهم: يعمل بقوله، لا بما وقع في نفسه. (ولو جهل إحرام الاول فكمن أحرم بنسك ونسيه على ما يأتي) بيانه قريبا، (وإن شك: هل أحرم الاول فكمن لم يحرم. فيكون إحرامه مطلقا يصرفه إلى ما شاء)، كما لو أحرم ابتداء مطلقا. (فإن صرفه قبل طوافه أوقع طوافه) بعد ذلك (عما صرفه إليه. وإن طاف قبل صرفه) إلى نسك معين (لم يعتد بطوافه)، لانه لا في حج ولا عمرة. (ولو كان إحرام الاول فاسدا) بأن وطئ فيه (فيتوجه، كنذره عبادة فاسدة) هذا معنى كلامه في الفروع والمبدع، فينعقد إحرامه، ويأتي بحجة صحيحة، على ما يأتي في النذر. (وإن أحرم بحجتين أو عمرتين، انعقد إحرامه بأحدهما، ولغت الاخرى) لان الزمان لا يصلح لهما مجتمعتين، فيصح بواحدة منهما مفردة. كتفريق الصفقة، ولا ينعقد بهما معا. كبقية أفعالهما. وكنذرهما في عام واحد. فإنه يجب عليه إحداهما في ذلك العام. لان الوقت لا يصلح لهما. قال القاضي وغيره: هو كنية صوم يومين في يوم. ولو فسدت هذه المنعقدة لم يلزمه إلا قضاؤها. (وإن أحرم بنسك) ونسيه، (أو نذره ونسيه، وكان) نسيانه (قبل الطواف. جعله عمرة استحبابا) لانها اليقين. وله صرف الحج والقران إليها مع العلم. فمع الابهام أولى. (ويجوز صرفه إلى غيرها) أي غير العمرة، لعدم تعينها. (وإن جعله قرانا أو إفرادا. صح حجا فقط) أي دون العمرة فيما إذا

[ 485 ]

صرفه إلى قران. لانه يحتمل أن يكون المنسي حجا مفردا لا يصح إدخال العمرة عليه. فصحة العمرة مشكوك فيها. فلا تسقط بالشك. (ولا دم عليه) لانه لم يتحقق أنه قارن. ولا وجوب مع الشك. (وإن جعله) أي المنسي (عمرة فكفسخ حج إلى عمرة) فيصح. و (يلزمه دم المتعة ويجزئه) النسك (عنهما) لصحتهما على كل تقدير (وإن كان شكه بعد الطواف صرفه إلى العمرة، ولا يجعله حجا ولا قرانا. لاحتمال أن يكون المنسي عمرة. لانه لا يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف لمن لا هدي معه. فيسعى ويحلق ثم يحرم بالحج مع بقاء وقته، ويتمه. ويسقط عنه فرضه). لتأديته إياه. (ويلزمه دم بكل حال. لانه إن كان المنسي حجا أو قرانا. فقد حلق فيه في غير أوانه). أي الحلق، (وفيه) أي الحلق قبل أوانه (دم) جبران. و (إن كان معتمرا فقد تحلل، ثم حج، وعليه دم المتعة) بشروطه. (وإن جعله حجا أو قرانا. لم يصح) لاحتمال أن يكون المنسي عمرة. ولا يصح إدخال الحج عليها بعد الطواف لمن لا هدي معه. (ويتحلل بفعل الحج) لاحتمال أن يكون حجا. (ولم يجزئه) ما فعله (عن واحد منهما للشك. ولا دم ولا قضاء) عليه، (للشك في سببهما) الموجب لهما. والاصل براءته. ويصح: أحرمت يوما، أو بنصف نسك ونحوه. لا: إن أحرم زيد فأنا محرم. (وإن أحرم عن اثنين) استناباه في حج أو عمرة وقع عن نفسه. لانه لا يمكن وقوعه عنهما. وليس أحدهما أولى بوقوعه عنه من الآخر. (أو) أحرم (عن أحدهما لا بعينه) وقع عن نفسه دونهما. لما تقدم (أو) أحرم (عن نفسه وغيره. وقع عن نفسه) لانه إذا وقع عن نفسه فيما سبق ولم ينوهما. فمع نيته أولى. (ويضمن) ما أخذه منهما ليحج به عنهما. فيرد لهما بدله. (ويؤدب من أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عام واحد) لفعله محرما، نص عليه. (وإن استنابه اثنان في عام في نسك فأحرم عن أحدهما بعينه، ولم ينسه، صح. ولم يصح إحرامه للآخر بعده) نص عليه. ولو طاف للزيارة بعد نصف ليلة النحر

[ 486 ]

ورمى. لا إن علق الاحرام من المبيت ليالي منى، ورمى الجمار أيامها باقية فلا يصح إدخال الاحرام على الاحرام. (فإن نسي عمن أحرم عنهما وتعذرت معرفته. فإن فرط) النائب (أعاد الحج عنهما) لانه لا يكون لاحدهما. لعدم أولويته (وإن فرط الموصي إليه بذلك) بأن لم يسمه للنائب (غرم) الموصي إليه (ذلك) أي نفقة الحج عنهما، (وإلا) أي وإن لم يكن ذلك بتفريط من النائب ولا الموصي إليه بأن سماه الموصي إليه للنائب وعينه ابتداء، ولم يحصل منه تفريط في نسيانه، لكنه نسيه والنفقة للحج عنهما (فمن تركة الموصيين) المستناب عنهما. لعدم التفريط (إن كان النائب غير مستأجر لذلك) أي للحج عنهما. لانه أمين. (وإلا) بأن كان مستأجرا له، إن قلنا تصح الاجارة للحج (لزماه) أي لزم النائب الاجير أن يحج عنهما ليوفي بما استؤجر له. فصل: (والتلبية سنة) لفعله (ص) وأمره بها، وهي ذكر فيه. فلم تجب كسائر الاذكار. (ويسن ابتداؤها) أي التلبية (عقب إحرامه) على الاصح. وقيل: إذا استوى على راحلته. وجزم به في المقنع وغيره. وتبعهم في المختصر. (و) يسن (ذكر نسكه فيها. و) يسن (ذكر العمرة قبل الحج للقارن. فيقول: لبيك عمرة وحجا) لحديث أنس قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لبيك عمرة وحجا. وقال جابر: قدمنا مع رسول الله (ص) ونحن نقول: لبيك بالحج. وقال ابن عباس: قدم النبي (ص) وأصحابه، وهم يلبون بالحج. وقال ابن عمر: بدأ النبي

[ 487 ]

(ص) بالعمرة ثم أهل بالحج، متفق عليهما. ومعنى أهل رفع صوته بالتلبية من قولهم: استهل الصبي إذا صاح. (و) يسن (الاكثار منها) أي من التلبية، لخبر سهل بن سعد: ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من شجر، أو حجر، أو مدر، حتى تنقطع الارض من ههنا وههنا رواه الترمذي بإسناد جيد وابن ماجه. (و) يسن (رفع الصوت بها) لقول أنس: سمعتهم يصرخون بها صراخا، رواه البخاري. (ولكن لا يجهد نفسه في رفعه زيادة عن الطاقة) خشية ضرر يصيبه. (ولا يستحب إظهارها) أي التلبية (في مساجد الحل وأمصاره)، قال أحمد: إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي، حتى يبرز. لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة: إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزت، واحتج القاضي وأصحابه بأن إخفاء التطوع أولى. خوف الرياء على من لا يشاركه في تلك العبادة، بخلاف البراري وعرفات، والحرم ومكة. (ولا) يستحب إظهارها (في طواف القدوم والسعي) بعده، خوف اشتغال الطائفين والساعين عن أذكارهم. وعلم منه: أنه لا بأس بها فيهما سرا. لانه زمن التلبية. (ويكره رفع الصوت بها حول البيت) وإن لم يكن طائفا (لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم) المشروعة لهم. (ويستحب أن يلبى عن أخرس ومريض وصغير، ومجنون ومغمى عليه) تكميلا لنسكهم. وكالافعال التي يعجزون عنها. (ويسن الدعاء بعدها) أي التلبية (فيسأل الله الجنة. ويعوذ به من النار) لما روى الدارقطني بإسناده عن خزيمة بن ثابت أن النبي (ص) كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه. واستعاذ برحمته من النار. (ويدعو بما أحب) لانه مظنة إجابة الدعاء. (و) يسن عقبها (الصلاة على النبي (ص)) لانه موضع يشرع فيه ذكر الله تعالى. فشرعت فيه الصلاة عليه (ص) كالصلاة. أو فشرع فيه ذكر رسوله.

[ 488 ]

كالاذان (ولا يرفع بذلك) أي بالدعاء والصلاة عليه (ص) عقب التلبية، (صوته) لعدم وروده، (وصفة التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك)، قال الطحاوي والقرطبي: أجمع العلماء على هذه التلبية. وهي مأخوذة من لب بالمكان: إذا لزمه فكأنه قال: أنا مقيم على طاعتك، وكرره لانه أراد إقامة بعد إقامة، ولم يرد حقيقة التثنية. وإنما هو التكثير، كحنانيك، والحنان الرحمة. وقيل معنى: التلبية. إجابة دعوة إبراهيم حين نادى بالحج وقيل: محمد (ص). والاشهر أنه الله تعالى. وكسر همزة إن أولى عند الجماهير. وحكي الفتح عن آخرين، قال ثعلب: من كسر فقد عم، يعني فقد حمد الله على كل حال. ومن فتح فقد خص. أي لبيك لان الحمد لك. (ولا تستحب الزيادة عليها) لانه (ص) لزمه تلبيته. فكررها، ولم يزد عليها (ولا يكره) نص عليه. لان ابن عمر كان يلبي تلبية الرسول (ص) ويزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل متفق عليه. وزاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل. لبيك لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك لبيك رواه الاثرم. وروي أن أنسا كان يزيد: لبيك حقا حقا تعبدا ورقا. (ولا يستحب تكرارها في حالة واحدة) قاله أحمد: قال في المستوعب وغيره: وقال له الاثرم: ما شئ تفعله العامة، يلبون دبر الصلاة ثلاثا؟ فتبسم. وقال: لا أدري من أين جاءوا به. قلت: أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى، لان المروي التلبية مطلقا من غير تقييد. وذلك يحصل بمرة. (وقال الموفق والشارح: تكرارها ثلاثا في دبر الصلاة حسن) فإن الله وتر يحب الوتر. (ولا تشرع) التلبية (بغير العربية لقادر) على التلبية بالعربية لانه ذكر مشروع. فلم تشرع بغير العربية مع القدرة، كالاذان والاذكار المشروعة في الصلاة (وإلا) أي وإن لم يكن قادرا على العربية لبى (بلغته) كالتكبير في الصلاة. (ويتأكد استحبابها إذا علا نشزا. أو هبط واديا. وفي دبر الصلوات المكتوبات ولو في غير جماعة، و) عند (إقبال الليل.

[ 489 ]

و) إقبال (النهار وبالاسحار. وإذا التقت الرفاق، وإذا سمع ملبيا أو أتى محظورا ناسيا إذا ذكره، أو ركب دابته، أو أنزل عنها، أو رأى البيت) لما روى جابر قال: كان النبي (ص) يلبي في حجته إذا لقي راكبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا. وفي أدبار الصلوات المكتوبة. وفي آخر الليل. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة. وإذا هبط واديا وإذا علا نشزا. وإذا لقي الركبان. وإذا استوت به راحلته. وأما فيما إذا فعل محظورا ناسيا ثم ذكره فلتدارك الحج. واستشعار إقامته عليه ورجوعه إليه. وفي المستوعب: تستحب عند تنقل الاحوال به. (ويستحب) التلبية (في مكة والبيت) الحرام، (وسائر مساجد الحرم. كمسجد منى، وفي عرفات أيضا و) سائر (بقاع الحرم) لعموم ما سبق. ولانها مواضع النسك. (ولا بأس أن يلبي الحلال) لانها ذكر مستحب للمحرم. فلم تكره لغيره كسائر الاذكار. (وتلبي المرأة) استحبابا لدخولها في العمومات (ويعتبر أن تسمع نفسها) التلبية لانها لا تكون متلفظة بذلك إلا كذلك. (ويكره جهرها) بها (أكثر من سماع رفيقتها) قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها ا. ه‍. وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها. لكن يعتبر أن تسمع نفسها التلبية وفاقا. قلت: وخنثى مشكل كأنثى. (ويأتي) محل (قطعها آخر باب دخول مكة) مفصلا. باب محظورات الاحرام أي الممنوع فعلهن في الاحرام شرعا. (وهي ما يحرم على المحرم فعله) بسبب الاحرام (وهي تسعة. أحدها: إزالة الشعر من جميع بدنه) ولو من أنفه (بحلق أو غيره) لقوله تعالى: * (ولا تحلقوا رؤوسكم، حتى يبلغ الهدي محله) * نص على حلق الرأس. وعدي إلى سائر شعر البدن. لانه في معناه، إذ حلقه يؤذن بالرفاهية. وهو ينافي الاحرام، لكون أن المحرم أشعث أغبر. وقيس على الحلق: النتف والقلع. لانهما في معناه. وإنما عبر به في النص لانه الغالب. (فإن كان له) أي المحرم (عذر مرض أو قمل أو قروح، أو صداع، أو شدة حر. لكثرته مما يتضرر بإبقاء الشعر. أزاله) أي الشعر، (وفدي) لقوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو

[ 490 ]

نسك) * ولما روى كعب بن عجرة قال: كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله (ص) والقمل يتناثر على وجهي. فقال: ما كنت أرى الجهد يبلغ بك ما أرى. أتجد شاة؟ قلت: بلى. فنزلت: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك.) * قال: هو صوم ثلاثة أيام أو طعام ستة مساكين: نصف صاع، طعاما لكل مسكين متفق عليه، (كأكل صيد لضرورة) إلى أكله، فيأكله وعليه الجزاء (الثاني تقليم الاظفار) لانه يحصل به الرفاهية. فأشبه إزالة الشعر. (إلا من عذر) فيباح عند العذر، كالحلق. (فمن حلق ثلاث شعرات فصاعدا، أو قلم ثلاثة أظفار فصاعدا، ولو مخطئا أو ناسيا. فعليه دم) يعني شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين. كما يأتي في الفدية. أما في الحلق: فلما تقدم. وخصت بالثلاث. لانها جمع. واعتبرت في مواضع بخلاف ربع الرأس. وألحقت حالة عدم العذر بحالة وجوده، لانها أولى بوجوب الفدية. وأما التقليم: فبالقياس على الحلق. لانه في معناه في حصول الرفاهية. (وفيما دون ذلك) أي الثلاث من الشعرات أو الاظفار. (في كل واحد طعام مسكين) ففي شعرة طعام مسكين. وفي شعرتين طعاما مسكينين. وفي تقليم ظفر واحد: طعام مسكين. وفي ظفرين طعاما مسكينين. لانه أقل ما وجب شرعا فدية. (وفي قص بعض الظفر ما في جميعه. وكذا قطع بعض الشعر) فيه ما في جميعها. ففي بعض الشعرة، أو بعض الظفر: طعام مسكين. وفي شعرتين وبعض أخرى، وظفرين وبعض آخر: فدية كاملة لانه غير مقدر بمساحة. وهو يجب فيهما سواء طالا أو قصرا. كالموضحة يجب مع كبرها وصغرها. (وإن حلق رأسه بإذنه) فالفدية على المحلوق رأسه دون الحالق، (أو) حلق رأسه بلا إذنه لكنه (سكت، ولم ينهه) أي الحالق، (ولو كان الحالق محرما. فالفدية عليه) أي على المحلوق رأسه. لان الله تعالى أوجب الفدية بحلق الرأس، مع علمه أن غيره يحلقه. ولان الشعر أمانة عنده كوديعة. فإذا سكت ولم ينه الحالق فقد فرط فيه، فيضمنه. (كما لو أكره) المحرم (على حلقه) أي الشعر فحلقه (بيده)، فالفدية عليه. لانه إتلاف، وهو يستوي فيه من باشره طائعا أو مكرها. (ولا شئ على الحالق) ولو محرما. لانه محظور واحد. فلا يوجب فديتين. (وإن كان) المحرم المحلوق رأسه (مكرها) وحلقت

[ 491 ]

رأسه (بيد غيره، أو) كان (نائما)، وحلقت رأسه (ف‍) - الفدية (على الحالق) نص عليه. لانه أزال ما منع من إزالته، كحلق محرم رأس نفسه، (ومن طيب غيره) والغير محرم (فكحالق) فإن كان بإذنه، أو سكت ولم ينهه فالفدية على المفعول به. وإن كان مكرها أو نائما، فعلى الفاعل. ويأتي: أنه لا فدية على من تطيب مكرها. (وإن حلق محرم حلالا) يعني أزال شعره (أو قلم) المحرم (أظفاره) أي الحلال (فلا فدية عليه) أي هدر. نص عليه. لانه شعر أو ظفر مباح الاتلاف. فلم يجب بإتلافه جزاء، كبهيمة الانعام. (وحكم الرأس والبدن في إزالة الشعر، و) في (الطيب، و) في (اللبس واحد) لانه جنس واحد. لم يختلف إلا موضعه. (فإن حلق شعر رأسه وبدنه) ففدية واحدة. وكما لو لبس قميصا وسراويل. (أو تطيب) في رأسه وبدنه (أو لبس فيهما. ف‍) - عليه (فدية واحدة) لان الحلق إتلاف فهو آكد من ذلك. ومع ذلك ففيه فدية واحدة فهنا أولى. (وإن حلق من رأسه شعرتين ومن بدنه شعرة أو بالعكس) بأن حلق من بدنه شعرتين ومن رأسه واحدة. (فعليه دم) أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين. كما لو كانت من موضع واحد. (وإن خرج في عينيه شعر فقلعه) فلا شئ عليه. (أو نزل شعر حاجبيه فغطى عينيه فأزاله. فلا شئ عليه) لان الشعر آذاه. فكان له إزالته من غير فدية، كقتل الصيد الصائل. بخلاف ما إذا حلق شعره لقمل، أو صداع، أو شدة حر. فتجب الفدية. لان الاذى من غير الشعر. (وكذا إن انكسر ظفره فقصه) لانه يؤذيه بقاؤه، وكذا إن وقع بظفره مرض فأزاله. قاله في المبدع. (أو قطع إصبعا بظفرها) فهدر. لانه زال تبعا. وإن لم يمكن مداواة مرضه إلا بقصه قصه، وفدى (أو قلع جلدا عليه شعر) فهدر. لما تقدم (أو افتصد فزال شعر) فهدر. ولو قطع أشفار عين لم يضمن الهدب. (وإن خلل لحيته، أو مشطها أو) خلل (رأسه) أو مشطها (فسقط شعر ميت فلا شئ عليه نصا) قال أحمد: إن خللها فسقط إن كانت شعرا ميتا فلا شئ عليه (وإن تيقن أنه) أي الشعر (بان بالمشط أو التخليل فدى) لدخوله في عموم ما سبق، (وتستحب الفدية مع

[ 492 ]

الشك) في كونه بأن بمشط، أو كان ميتا. احتياطا لبراءة ذمته. ولا يجب لان الاصل عدمه. (وله) أي المحرم (حك بدنه ورأسه برفق) نص عليه (ما لم يقطع شعرا) فيحرم عليه. (وله) أي المحرم (غسله) أي غسل رأسه وبدنه. فعل ذلك عمر وابنه. وأرخص فيه علي وجابر. (في حمام وغيره بلا تسريح) لان تسريحه تعريض لقطعه (و) للمحرم (غسله بسدر وخطمي ونحوها) كصابون وأشنان لقوله (ص) في المحرم الذي وقصته راحلته: اغسلوه بماء وسدر مع بقاء الاحرام. وقيس على السدر ما يشبهه. (وإن وقع في أظفاره مرض فأزالها لذلك المرض فلا شئ عليه) لانها تابعة فلا تضمن كما تقدم. (وإن انكسر ظفره فأزال أكثر مما انكسر فعليه الفدية) أي فدية ما زاد على المنكسر. لعدم الحاجة إلى إزالته بخلاف المنكسر. فصل: الثالث: (تغطية الرأس) إجماعا. لنهيه (ص): المحرم عن لبس العمائم، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا متفق عليهما. وكان ابن عمر يقول: إحرام الرجل في رأسه، وذكره القاضي مرفوعا. (والاذنان منه) لما في حديث ابن ماجه من قوله (ص): الاذنان من الرأس. (وتقدم ذلك في) باب (الوضوء) ومنه أيضا: النزعتان

[ 493 ]

والصدغ، والتحذيف والبياض فوق الاذنين، (فما كان منه) أي الرأس (حرم على ذكر تغطيته) لما تقدم. (فإن غطاه) أي الرأس (أو) غطى (بعضه حتى أذنيه بلاصق معتاد أو لا) أي أو بلاصق غير معتاد، (كعمامة وخرقة وقرطاس فيه دواء. أو غيره، أو لا دواء فيه، وكعصابة لصداع ونحوه) كرمد (ولو يسير، أو طين طلاه به، أو بحناء أو غيره، ولو بنورة لعذره أو غيره فعليه الفدية) لانه فعل محرما في الاحرام يقصد به الترفه. أشبه حلق الرأس. (وإن استظل في محمل) ضبطه الجوهري كالمجلس، وعكس ابن مالك (ونحوه من هودج وعمارية ومحارة، حرم وفدى) لان ابن عمر: رأى على رجل محرم عودا يستره من الشمس فنهاه عن ذلك رواه الاثرم. واحتج به أحمد. ولانه قصد بستره بما يقصد به الترفه لتغطيته، أو يقال لانه ستر رأسه بما يستدام ويلزمه. (وكذا لو استظل بثوب ونحوه، راكبا ونازلا) كالمحمل. (ولا أثر للقصد وعدمه فيما فيه فدية، وما لا فدية فيه) لكن يأتي إذا فعله ناسيا، (ويجوز تلبيد رأسه بعسل وصمغ ونحوه. لئلا يدخله غبار، أو دبيب، أو يصيبه شعث) لحديث ابن عمر: رأيت النبي (ص) يهل ملبدا متفق عليه. (ولا شئ عليه) لانه لم يفعل محظورا. ولو كان في رأسه طيب مما فعله قبل الاحرام. لحديث ابن عباس: كأني أنظر إلى وبيص المسك في رأس النبي (ص) وهو محرم. (وكذا إن حمل على رأسه شيئا أو وضع يده عليه) لانه لا يستدام (أو نصب حياله ثوبا لحر أو برد، أمسكه إنسان، أو رفعه على عود)، لما روت أم الحصين قالت: حججت مع النبي (ص) حجة الوداع، فرأيت بلالا وأسامة، وأحدهما آخذ بخطام ناقته. والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة، رواه مسلم وأجاب

[ 494 ]

أحمد - وعليه اعتمد القاضي وغيره. فإنه يسير لا يراد للاستدامة، بخلاف الاستظلال بالمحمل. (أو استظل بخيمة أو شجرة، ولو طرح عليها شيئا يستظل به أو) استظل ب‍ (- سقف أو جدار، ولو قصد به الستر) فلا شئ عليه. لحديث جابر: أن النبي (ص) ضربت له قبة بنمرة فنزلها رواه مسلم. ولانه لا يقصد به الترفه في البدن عادة. بل جمع الرحل وحفظه. وفيه شئ (وكذا لو غطى) المحرم الذكر (وجهه) فيجوز. روي عن عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير وغيرهم. ولانه لم تتعلق به سنة التقصير من الرجل. فلم تتعلق به حرمة التخمير، كباقي بدنه. فصل: (الرابع: لبس الذكر المخيط قل أو كثر في بدنه أو بعضه مما عمل على قدره) أي قدر الملبوس فيه من بدن أو بعضه، (من قميص وعمامة وسراويل وبرنس ونحوها. ولو درعا منسوجا. أو لبدا معقودا ونحوه)، مما يعمل على قدر شئ من البدن. (كالخفين أو أحدهما للرجلين وكالقفازين) تثنية قفاز كتفاح: شئ يعمل (لليدين) كما يعمل للبزاة. (وقال القاضي وغيره: ولو كان) المخيط (غير معتاد، كجورب في كف، وخف في رأس، فعليه الفدية، انتهى). للعمومات (وران) شئ يلبس تحت الخف (كخف)، لما روى ابن عمر أن رجلا: سأل النبي (ص) ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميص. ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه زعفران أو ورس ولا الخفين، إلا أن يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين. متفق عليه. فتنصيصه على القميص يلحق به ما في معناه من الجبة والدراعة والعمامة يلحق بها كل ساتر ملاصق أو ساتر معتاد. والسراويل يلحق به التبان وما في معناه. ولا فرق بين قليل اللبس وكثيره.

[ 495 ]

لظاهر الخبر، ولانه استمتاع. فاعتبر فيه مجرد الفعل، كالوطئ في الفرج (فإن لم يجد إزارا لبس سراويل) لقول ابن عباس: سمعت الرسول (ص) يخطب بعرفات يقول: السراويل لمن لا يجد الازار، والخفان لمن لا يجد النعلين متفق عليه. ورواه الاثبات وليس فيه بعرفات. وقال مسلم: انفرد بها شعبة. وقال البخاري: تابعه ابن عيينة عن عمر (ومثله) أي السراويل، (لو شق إزاره وشد كل نصف على ساق) لانه في معناه. (ومتى وجد إزارا خلعه) أي السراويل، كالمتيمم يجد الماء. (وإن اتزر) المحرم (بقميص فلا بأس) به لانه ليس لبسا للمخيط المصنوع لمثله، (وإن عدم نعلين، أو) وجدهما و (لم يمكن لبسهما) لضيق أو غيره (لبس خفين ونحوهما من ران وغيره) كسر موزة وزربول. لحديث ابن عباس السابق. (بلا فدية) لظاهر الخبر. ولو وجبت لبينها. لان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (ويحرم قطعهما) أي الخفين. لحديث ابن عباس السابق ولمسلم عن جابر مرفوعا مثله. وليس فيه: يخطب بعرفات. ولم يذكر في هذين الحديثين قطع الخفين. ولقول علي: قطع الخفين فساد. ولان الخف ملبوس أبيح لعدم غيره. أشبه لبس السراويل من غير فتق ولنهي النبي (ص) عن إضاعة المال. وقال أبو الشعثاء لابن عباس: لم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا رواه أحمد. وروى أيضا عن عمر الخفان نعلان لمن لا نعل له. (وعنه يقطعهما) أي الخفين ونحوهما (حتى يكونا أسفل من الكعبين وجوزه جمع. قال الموفق وغيره: والاولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح) أي حديث ابن عمر، وخروجا من الخلاف، وأخذا بالاحتياط. قال الشارح: وما قاله صحيح. وأجيب بأن زيادة القطع لم يذكرها جماعة. وروي أنها من قول ابن عمر، ولو سلم صحة رفعها فهي بالمدينة وخبر

[ 496 ]

ابن عباس بعرفات. فلو كان القطع واجبا لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المدينة في موضع البيان. وقت الحاجة. لا يقال: اكتفى بما سبق. لانه يقال: فلم ذكر لبسهما والمفهوم من إطلاقه لبسهما بلا قطع. ويجاب عن قول المخالف، بأن المقيد يقضي على المطلق: أن محله إذا لم يمكن تأويله. وعن قوله: إن حديث ابن عمر فيه زيادة لفظ: بأن خبر ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم جواز اللبس بلا قطع. يعني أن هذا الحكم لم يشرع بالمدينة. وهذا أولى من دعوى النسخ، وبهذا يجاب عن قول الخطابي: العجب من أحمد في هذا، أي قوله بعدم القطع فإنه لا يخالف سنة تبلغه. وفيه شئ. فإنه قد يخالف لمعارض راجح، كما هو عادة المتبحرين في العلم الذين أيدهم الله بمعونته في جمعهم بين الاخبار. (وإن لبس مقطوعا) من خف وغيره (دون الكعبين مع وجود نعل. حرم) كلبس الصحيح. لان قطعه كذلك لا يخرجه عن كونه مخيطا. (وفدى) للبسه كذلك، (ويباح) للمحرم (النعل) لمفهوم ما سبق. وهي الحذاء وهي مؤنثة وتطلق على التاسومة قاله في الحاشية. (ولو كانت) النعل (بعقب وقيد، وهو السير المعترض على الزمام) للعمومات، (ولا يعقد) المحرم (عليه شيئا من منطقة ولا رداء ولا غيرهما) لقول ابن عمر: ولا يعقد عليه شيئا، رواه الشافعي. وروى هو ومالك: أنه يكره لبس المنطقة للمحرم. ولانه يترفه بذلك أشبه اللباس. (وليس له أن يجعل لذلك) أي المنطقة والرداء ونحوهما (زرا وعروة. ولا يخله بشوكة أو إبرة أو خيط. ولا يغرز أطرافه في إزاره. فإن فعل) من غير حاجة (أثم وفدى. لانه كمخيط، ويجوز له) أي المحرم (شد وسطه بمنديل وحبل ونحوهما إذا لم يعقده. قال) الامام (أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه: لا يعقدها. ويدخل بعضها في بعض) لاندفاع الحاجة بذلك. قال طاووس: فعله ابن عمر، (إلا إزاره) فله عقده. (لحاجة ستر العورة، و) إلا (هميانه ومنطقته اللذين فيهما نفقته إذا لم يثبت) الهميان أو المنطقة. (إلا بالعقد) لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك وروي عن ابن عباس وابن عمر معناه. بل رفعه بعضهم، ولان الحاجة تدعو إلى عقده، فجاز كعقد الازار. فإن ثبت بغير العقد كما لو أدخل السيور بعضها في بعض. لم يجز عقده لعدم الحاجة، وكما لو لم يكن فيه نفقة. (وإن لبس المنطقة لوجع ظهر أو حاجة) غيره (أو لا) لحاجة (فدى) كما لو لبس مخيطا لحر أو

[ 497 ]

برد. (وله أن يلتحف بقميص) أي يتغطى به. (ويرتدي به، وبرداء موصل) لان ذلك كله ليس بلبس المخيط المصنوع لمثله. (ولا يعقده) أي الرداء. وتقدم (ويفدي بطرح قباء ونحوه على كتفيه) مطلقا. نص عليه. لما روى ابن المنذر مرفوعا: أنه نهى عن لبس الاقبية للمحرم ورواه البخاري عن علي. ولانه مخيط. وهو عادة لبسه كمخيط. (ومن به شئ) من قروح أو غيرها (لا يحب أن يطلع عليه أحد) لبس وفدى. نص عليه. (أو خاف) المحرم (من برد لبس وفدى) كما لو اضطر إلى أكل صيد. (ولا تحرم دلالة على طيب ولباس) لانه لا يحرم على المحرم تحصيلهما بل استعمالهما بخلاف الصيد. (ويأتي قريبا، ويتقلد) المحرم (بسيف للحاجة) لما روى البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله (ص) أهل الحديبية، صالحهم أن لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: القراب بما فيه متفق عليه. وهذا ظاهر في إباحته عند الحاجة. لانهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد. (ولا يجوز) أن يتقلد بالسيف (لغيرها) أي غير حاجة. لقول ابن عمر: لا يحل لمحرم السلاح في الحرم. قال الموفق: والقياس يقتضي إباحته. لانه ليس في معنى اللبس، كما لو حمل قربة في عنقه. (ولا يجوز حمل السلاح بمكة لغير حاجة) لما روى مسلم عن جابر مرفوعا: لا يحل أن يحمل السلاح بمكة وإنما منع أحمد من تقلد السيف. لانه في معنى اللبس. (وله حمل جراب وقربة الماء في عنقه، ولا فدية) عليه (ولا يدخله) أي حبلها (في صدره) نص عليه. (والخنثى المشكل إن لبس المخيط) ولم يغط وجهه. فلا فدية عليه. لاحتمال كونه امرأة. (أو غطى وجهه وجسده من غير لبس للمخيط. فلا فدية) لاحتمال كونه رجلا. (وإن غطى وجهه ورأسه) فدى. لانه إن كان أنثى فقد غطى وجهه، وإن كان رجلا فقد غطى رأسه. فوجبت بكل حال. (أو غطى وجهه ولبس المخيط. فدى) لانه إن كان أنثى فعليه الفدية لتغطية وجهه، وإن كان ذكرا فللبسه المخيط.

[ 498 ]

فصل: (الخامس الطيب) إجماعا. لان النبي (ص): أمر يعلى بن أمية بغسل الطيب. وقال في المحرم الذي وقصته ناقته: لا تحنطوه متفق عليهما، ولمسلم: لا تمسوه بطيب. (فيحرم عليه) أي المحرم. (بعد إحرامه تطييب بدنه وثيابه) أي شئ من بدنه. نص عليه، أو شئ من ثوبه، لحديث ابن عمر. ولانه يعد متطيبا بكل واحد منهما. (ولو) كان التطيب له (من غيره بإذنه) وكذا لو سكت ولم ينهه كما تقدم، وسبق حكم ما لو تطيب قبل إحرامه ثم استدامه. ويحرم عليه (لبس ما صبغ بزعفران أو ورس) لما تقدم في حديث ابن عمر من قوله (ص): ولا ثوبا مسه زعفران أو ورس وهو نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الحمرة للوجه. قاله الجوهري، وفي القاموس: الورس نبات كالسمسم ليس إلا باليمن يزرع، فيبقى عشرين سنة. نافع للكلف طلاء. وللبهق شربا (أو) أي ويحرم على المحرم لبس (ما غمس في ماء ورد، أو بخر بعود ونحوه) كعنبر، لانه مطيب (و) يحرم عليه أيضا (الجلوس والنوم عليه) أي على ما صبغ بزعفران أو ورس، أو غمس في ماء ورد، بخر بعود ونحوه. (فإن فرش فوق الطيب ثوبا صفيقا يمنع الرائحة والمباشرة غير ثياب بدنه، فلا فدية بالنوم عليه) ولا

[ 499 ]

بالجلوس عليه لانه لا يعد مستعملا له، بخلاف ثياب بدنه، ولو ضيقة. (ويحرم) على المحرم (الاكتحال) بمطيب (والاستعاط والاحتقان بمطيب) لانه استعمال للطيب. أشبه شمه (و) يحرم على المحرم (شم الادهان المطيبة. كدهن ورد، و) دهن (بنفسج) بفتح الباء والنون والسين معرب. (و) دهن (خيري) وهو المنثور. ويأتي (و) دهن (زنبق) بوزن جعفر. يقال: هو الياسمين. قاله في الحاشية. والمعروف: أنه غيره، لكنه قريب منه في طبعه. (و) يحرم على المحرم (الادهان بها) أي الادهان المطيبة، لانها تقصد رائحتها وتتخذ للطيب. أشبهت ماء الورد (و) يحرم على المحرم (شم مسك وكافور وعنبر، وغالية، وماء ورد، وزعفران وورس، وتبخر بعود ونحوه) كعنبر. لانها هكذا تستعمل (و) يحرم على المحرم (أكل وشرب ما فيه طيب يظهر طعمه أو ريحه، ولو مطبوخا، أو مسته النار حتى ولو ذهبت رائحته وبقي طعمه) لان الطعم مستلزم الرائحة، ولبقاء المقصود منه (فإن بقي اللون فقط) دون الطعم والرائحة (فلا بأس بأكله) لذهاب المقصود منه. (وإن مس من الطيب ما لا يعلق بيده، كمسك غير مسحوق، وقطع كافور، و) قطع (عنبر ونحوه) كقطع عود (فلا فدية) عليه بذلك. لانه غير مستعمل للطيب. (فإن شمه) أي المسك وقطع الكافور والعنبر ونحوه. (فدى) كما سبق (وإن علق الطيب بيده كالسحوق) من مسك وكافور وعنبر (و) كا (لغالية وماء الورد. فدى) لانه مستعمل للطيب (وله شم العود. لانه لا يتطيب به إلا بالتبخير. و) له شم (الفواكه كلها من الاترنج والتفاح والسفرجل وغيرها. وكذا نبات الصحراء كشيح وخزامي وقيصوم وإذخر ونحوها مما لا يتخذ طيبا)، لانه ليس بطيب. ولا يتخذ منه طيب. ولا يسمى متطيبا عادة. (و) كذا (ما ينبته الآدمي لغير قصد الطيب، كحناء وعصفر، وقرنفل، ودارصيني ونحوه) كالزرنب، (أو ينبته لطيب ولا يتخذ منه طيب، كريحان فارسي ومحل الخلاف - أي الروايتين فيه - وهو الحبق. معروف بالشام

[ 500 ]

والعراق ومكة وغيرها). قال في القاموس: نبات طيب الرائحة، فارسيته: الفوتنج، يشبه النمام. وحبق الماء وحبق التمساح الفوتنج النهري. (وخصه) أي الريحان الفارسي (بعض العلماء بالصنمران وهو صنف منه) أي من الريحان الفارسي. (قال بعضهم: هو العنبج المعروف بالشام بالريحان الجمام، لاستدارته على أصل واحد انتهى. وماء ريحان ونحوه) كماء الفواكه والعصفر ونحوها، مما تقدم (كهو) فيحل للمحرم لما تقدم. (والريحان عند العرب هو الآس) أي المرسين (ولا فدية في شمه) قطعا. قال في المبدع (وكذا نرجس) بفتح النون وكسرها، أعجمي معرب. (ونمام) قال في القاموس: نبت طيب مدر، يخرج الجنين الميت والدود. (وبرم. وهو ثمر العضاه. كأم غيلان، ونحوها، ومرزنجوش) قال في القاموس: بالفتح المردقوش معرب مرزنكوش. وعربيته السمسق، نافع لعسر البول والمغص، ولسعة العقرب. (ويفدي) المحرم (بشم ما ينبته) الآدمي (لطيب. ويتخذ منه طيب. كورد وبنفسج وخيري) بكسر الخاء وتشديد الياء آخره. (وهو المنثور، ولينوفر، وياسمين ونحوه) كالبان والزنبق لقول جابر: لا يشمه، رواه الشافعي وكرهه ابن عمر، قال أحمد. لانه يتخذ للطيب كماء الورد. (ولا فدية بإدهان‍) - ه (بدهن غير مطيب كزيت وشيرج وسمن) حتى في رأسه. لان النبي (ص) فعله. رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعا، ومن رواية فرقد السبخي. وهو ضعيف عندهم. وذكره البخاري عن ابن عباس. ولعدم الدليل (و) للمحرم الادهان ب‍ (- دهن البان والساذج) أي الخالي عن الطيب. (ونحوها في رأسه وبدنه) لما تقدم (فإن جلس عند عطار أو) جلس (في موضع ليشم الطيب. فشمه مثل من قصد الكعبة حال تجميرها أو حمل عقدة فيها مسك ليجد ريحها.

[ 501 ]

فدى) إن شمه. نص عليه لانه شمه قاصدا. أشبه ما لو باشره. (فإن لم يقصد شمه كالجالس عند عطار لحاجة. وكداخل السوق) لا لشم الطيب (أو داخل الكعبة ليتبرك بها ومن يشتري طيبا لا لنفسه أو للتجارة، ولا يمسه فغير ممنوع) لانه لا يمكن الاحتراز منه (ولمشتريه حمله وتقليبه إذا لم يمسه ولو ظهر ريحه. لانه لم يقصد الطيب) ولم يستعمله، (وقليل الطيب وكثيره سواء) للعمومات (وإذا تطيب ناسيا أو عامدا لزمه إزالته بما أمكن من الماء وغيره، من المائعات) لان القصد الازالة (فإن لم يجد) مائعا يزيل به الطيب (ف‍) - بإنه يزيله (بما أمكنه من الجامدات. كحكه بخرقة وتراب وورق شجر ونحوه) كحجر وخشب، لان الواجب إزالته حسب الامكان وقد فعل. (وله غسله بنفسه ولا شئ عليه لملاقاة الطيب بيده) لانه تدارك (والافضل الاستعانة على غسله بحلال) لئلا يباشره وتقدم أنه تقدم غسله على غسل نجاسة وحدث. لكن إن قدر على قطع رائحته بغير الماء فعل، وتوضأ بالماء. لان المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته. فصل: (السادس: قتل صيد البر المأكول وذبحه) إجماعا لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) * (واصطياده) لقوله تعالى: * (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * (وأذاه)، ولو لم يقتله أو يجرحه في الاصطياد أو الاذى. (وهو) أي صيد البر (ما كان وحشيا أصلا لا وصفا. لو تأهل وحشي) كحمام وبط، (ضمنه) اعتبارا بأصله و (لا) ضمان (إن توحش أهلي): من إبل أو بقر أو غيرهما. فلا يحرم قتله للاكل ولا جزاء فيه، قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شئ فيها. لان الاصل فيها الانسية. (ويحرم) قتل واصطياد

[ 502 ]

متولد من المأكول وغيره تغليبا للتحريم. كما غلبوا تحريم أكله. (ويفدى متولد من المأكول وغيره) إذا قتله لتحريم قتله، (كمتولد بين وحشي وأهلي) فإنه يحرم قتله واصطياده لما تقدم. ويفدي تغليبا للحظر. (و) كذا المتولد (بين وحشي وغير مأكول) فيحرم قتله واصطياده لما تقدم. (ويأتي حكم غير الوحشي) وحكم غير المأكول (كحمام وبط وحشيان وإن تأهلا) اعتبارا بأصلهما. (وبقر وجواميس أهلية. وإن توحشت) لان الاصل فيهما الانسية وتقدم. (فمن أتلف صيدا) أو بعضه فعليه جزاؤه، (أو تلف) الصيد (في يده، أو) تلف (بعضه) في يده (بمباشرة) لاتلافه (أو سبب. ولو) كان (بجناية دابة) هو (متصرف فيها) بأن كان راكبا أو سائقا أو قائدا بخلاف ما لو انفلتت منه فأتلفته، (فعليه جزاؤه إن كان) الاتلاف (بيدها أو فمها) و (لا) يضمنه إن كان ب‍ (- رجلها) نفحا، لا وطئا. كما يعلم من الغصب. (ويأتي آخر جزاء الصيد) أما كونه يضمنه بالجزاء إذا أتلفه فبالاجماع. لقوله تعالى: * (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) * وأما ضمانه إذا تلف في يده. فلانه تلف تحت يد عادية. أشبه ما لو أتلفه، إذ الواجب إما إرساله أو رده على مالكه. وإما ضمان جزائه بالاتلاف والتلف فلان جملته مضمونة، فضمنت أبعاضه كالآدمي والمال. (ويحرم عليه) أي المحرم (الدلالة عليه) أي الصيد (والاشارة والاعانة، ولو بإعارة سلاح ليقتله)، أي الصيد، (أو ليذبحه به، سواء كان معه) أي الصائد (ما يقتله به أو لا، أو يناوله سلاحه أو سوطه، أو يدفع إليه فرسا لا يقدر على أخذ الصيد إلا به)، لانه وسيلة إلى الحرام، فكان حراما كسائر الوسائل. ولحديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون قال النبي (ص): هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشئ؟ قالوا لا. وفيه: أبصروا حمارا وحشيا فلم يدلوني، وأحبوا لو أني أبصرته. فالتفت فأبصرته ثم ركبت ونسيت السوط، أو الرمح، فقلت لهم: ناولوني فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشئ إنا محرمون فتناولته فأخذته، ثم أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته، فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوا. وقال بعضهم: لا تأكلوا، فأتيت النبي (ص) فسألته، فقال: كلوه وهو حلال متفق عليه. ولفظه للبخاري. (ويضمنه بذلك) أي يضمن المحرم الصيد بالدلالة

[ 503 ]

عليه، والاشارة إليه والاعانة عليه بشئ مما تقدم. كما يضمن المودع بالدلالة. لكن لو دله. فكذبه فلا ضمان عليه. قاله في المبدع. (ولا ضمان على دال ولا مشير بعد أن رآه من يريد صيده) لانه لم يكن سببا في تلفه. (وكذا لو وجد من المحرم عند رؤية الصيد ضحك أو استشراف) نفس، (ففطن له غيره) أي غير المحرم: فلا تحريم ولا ضمان. لما تقدم من حديث أبي قتادة: (وكذا لو أعاره آلة لغير الصيد فاستعملها فيه) أي الصيد، (لان ذلك غير محرم) فلا يترتب عليه ضمان. (ولا تحرم دلالة على طيب ولباس) لعدم ضمانهما بالسبب، ولانه لا يتعلق بهما حكم يختص بالدال عليهما. بخلاف الدلالة على الصيد فإنه يتعلق بها حكم يختص بالدال. وهو تحريم الاكل منه، ووجوب الجزاء إذا كان من دله المحرم حلالا. (ولا) تحرم (دلالة حلال محرم على صيد) بغير الحرم. لان صيد الحلال حلال، فدلالته أولى. (ويضمنه المحرم) إذا قتله لقوله تعالى: * (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) * (إلا أن يكون) الصيد (في الحرم فيشتركان) أي الحلال والمحرم. (في الجزاء كالمحرمين) لتحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم. (فإن اشترك في قتل صيد حلال ومحرم أو) اشترك فيه (سبع ومحرم في الحل) متعلق باشتراك، (فعلى المحرم الجزاء جميعه) لانه اجتمع موجب ومسقط. فغلب الايجاب، كما لو قتل صيدا بعضه في الحرم. وقال القاضي في المجرد: مقتضى الفقه عندي أنه يلزمه نصف الجزاء. وقاسه على مشاركة من لا ضمان عليه في إتلاف النفوس والاموال، والفرق واضح، إذ الاذن هناك منتف، وههنا موجود. نعم إن قصد المحل إعانة المحرم ومساعدته على قتل الصيد. توجه ما قاله القاضي، فإنه يكره له ذلك، أو يحرم عليه. كما إذا باع من لا جمعة عليه لمن عليه الجمعة بعد النداء. قاله في القواعد الفقهية في التاسعة والعشرين.

[ 504 ]

(ثم إن كان جرح أحدهما) أي الحلال والمحرم (قبل صاحبه، والسابق) بالجرح (الحلال، أو السبع، فعلى المحرم جزاؤه مجروحا) اعتبارا بحال جنايته عليه. لانه وقت الضمان (وإن سبقه المحرم) فجرحه (وقتله أحدهما)، أي الحلال أو السبع (فعلى المحرم أرش جرحه) فقط، لانه لم يوجد منه سوى الجرح. (وإن كان جرحهما في حالة واحدة أو جرحاه) أحدهما بعد الآخر. (ومات منهما فالجزاء كله على المحرم) تغليبا للوجوب. كما سبق. وإن جرحه محرم ثم قتله محرم. فعلى الاول أرش جرحه، وعلى الثاني تتمة الجزاء. (وإذا دل محرم محرما على صيد، ثم دل الآخر محرما آخر) ثم (كذلك إلى عشرة فقتله العاشر. فالجزاء على جميعهم) لاشتراكهم في الاثم والتسبب. (وإن قتله الاول فلا شئ) على غيره. لان الغير لم يقتل ولم يتسبب في القتل. (ولو دل حلال حلالا على صيد في الحرم. فكدلالة محرم محرما عليه) أي على الصيد، فيكون جزاؤه بينهما. نص عليه (وإن) نصب حلال (شبكة ونحوها) كفخ (ثم أحرم). لم يضمن ما تلف بذلك ما لم يكن حيلة، (أو أحرم ثم حفر بئرا بحق ك‍) - ان حفرها في (داره ونحوها) من ملكه أو موات (أو) حفر البئر (للمسلمين بطريق واسع. لم يضمن ما تلف بذلك) لعدم تحريمه (ما لم يكن حيلة) على الاصطياد فإن كان حيلة ضمن لان الله تعالى عاقب اليهود على نصب الشبك يوم الجمع وأخذ ما سقط فيها يوم الاحد. وهذا في معناه، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه. (وإلا) أي وإن لم يكن حفر البئر بحق، كحفرها بطريق ضيق ونحوه، (ضمن) ما تلف بها من الصيد (كالآدمي إذا تلف في هذه المسألة). قال ابن عقيل: لو باع فخا أو شبكة منصوبتين. فوقع فيهما صيد في الحرم، أو مملوكا للغير. لم يسقط عنه ضمانه. ذكره عنه في القواعد الفقهية (ويحرم على المحرم أكل صيد صاده) هو أو غيره من المحرمين. (أو ذبحه، أو دل عليه حلالا أو أعانه عليه أو أشار إليه) لما تقدم في حديث أبي قتادة من قول النبي (ص): هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه؟ قالوا: لا. قال: كلوا ما بقي من لحمها متفق عليه. (وكذا) يحرم على المحرم (أكل ما صيد لاجله) نقله

[ 505 ]

الجماعة لما في الصحيحين من حديث الصعب بن جثامة: أنه أهدى للنبي (ص) حمارا وحشيا فرده عليه. فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم وروى الشافعي وأحمد من حديث جابر مرفوعا: لحم الصيد للمحرم حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم، فيه: المطلب بن حنطب. قال الترمذي: لا يعرف له سماع من جابر، وعن عثمان: أنه أتي بلحم صيد فقال لاصحابه: كلوا فقالوا: ألا تأكل أنت؟ فقال: أني لست كهيئتكم، إنما صيد لاجلي رواه مالك والشافعي. (وعليه) أي المحرم (الجزاء إن أكله) أي ما صيد لاجله. لانه إتلاف منع منه بسبب الاحرام. فوجب عليه به الجزاء كقتل الصيد. بخلاف قتل المحرم صيدا. ثم يأكله. فإنه يضمنه لقتله، لا لاكله. نص عليه. لانه مضمون بالجزاء. فلم يتكرر كإتلافه بغير أكله، وكصيد الحرم إذا قتله حلال وأكله. ولانه ميتة وهي لا تضمن. ولهذا لا يضمنه بأكله محرم غيره. (وإن أكل) المحرم (بعضه) أي بعض ما صيد لاجله (ضمنه بمثله من اللحم) من النعم، (كضمان أصله) لو أكله كله (بمثله من النعم). والفرع يتبع الاصل (ولا مشقة فيه) أي في ضمان البعض بمثله من اللحم، (لجواز عدوله) أي المحرم (إلى عدله) أي البعض (من طعام أو صوم) فلا يفضي إلى التشقيص. (ولا يحرم عليه) أي المحرم (أكل غيره) أي غير ما صيد أو ذبح له، إذا لم يدل ونحوه عليه، لما تقدم. (فلو ذبح محل صيدا لغيره من المحرمين حرم على المذبوح له) لما سبق، (لا) يحرم (على غيره من المحرمين) لما مر. (وما حرم على المحرم، لدلالة أو إعانة صياد له) أو ذبح له (لا يحرم على محرم غيره)، أي غير الدال أو المعين، أو الذي صيد أو ذبح له، (كحلال) أي كما لا يحرم على الحلال. (وإن قتل المحرم صيدا ثم أكله. ضمنه قتله، لا لاكله. لانه ميتة يحرم أكله على جميع الناس). والميتة غير متمولة فلا تضمن. (وكذا إن

[ 506 ]

حرم) صيد (عليه) أي على المحرم (بالدلالة، أو الاعانة عليه، أو الاشارة) إليه (فأكل منه لم يضمن) ما أكله (للآكل) بل للسبب من الدلالة ونحوها. لانه مضمون بالسبب. فلم يتكرر ضمانه كما تقدم (وبيض الصيد ولبنه مثله فيما سبق) لانه كجزئه. (ويحرم تنفير الصيد) لانه إيذاء، وكصيد الحرم (فإن نفره فتلف، أو نقص في حال نفوره ضمن) التالف بمثله أو قيمته. وما نقص بأرشه لتسببه فيه. (وإن أتلف) المحرم (بيضه) أي الصيد (ولو) كان إتلافه (بنقله) من مكانه (فجعله تحت صيد آخر)، أو لا (أو ترك مع بيضه بيضا آخر) فنفر، (أو) جعل مع بيضه (شيئا فنفر) الصيد (عن بيضه حتى فسد) البيض، (ضمنه بقيمته مكانه) لقول ابن عباس: في بيض النعام قيمته. ولان البيض لا مثل له، فتجب فيه القيمة كصغار الطير. وإطلاق الثمن في خبر أبي هريرة مرفوعا: في بيض النعام ثمنه رواه ابن ماجه: يدل على ذلك، إذ غالب الاشياء يعدل ثمنها قيمتها. (وكلبنه) فيضمن بقيمته. لانه لا مثل له من بهيمة الانعام. و (لا) يضمن البيض (المذر، و) لا (ما فيه فرخ ميت) لانه لا قيمة له. (سوى بيض النعام. فإن لقشره قيمة فيضمنه) بقيمته. وإن كان مذرا، أو فيه فرخ ميت. (وإن باض على فراشه أو متاعه) صيد، (فنقله) أي البيض (برفق ففسد) البيض بنقله. (فكجراد تفرش في طريقه) فيضمنه على ما يأتي. لانه أتلفه لمنفعته (وإن كسر بيضه فخرج منها فرخ، فعاش فلا شئ عليه) وقال ابن عقيل: يحتمل أن يضمنه إلا أن يحفظه إلى أن ينهض ويطير ويحتمل عدمه. لانه لم يجعله غير ممتنع كما لو أمسك طائرا أعرج ثم تركه. (وإن مات) بعد خروجه (ففيه ما في صغار أولاد المتلف بيضه. ففي فرخ الحمام صغير أولاد الغنم. وفي فرخ النعامة: حوار) بضم الحاء المهملة أي صغير أولاد الابل. (وفيما عداهما قيمته)، لان غيرهما من الطيور يضمن بقيمته. (ولا يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره هو) أي الآكل

[ 507 ]

(أو محرم غيره) لانه جزء من الصيد. أشبه سائر أجزائه. وكذا شرب لبنه. (ويحل) بيض الصيد الذي كسره محرم، ولبنه الذي حلبه محرم (للحلال) لان حله على المحل لا يتوقف على الكسر أو الحلب. ولا يعتبر لواحد منهما أهلية الفاعل. فلو كسره حلبه مجوسي أو بغير تسمية حل. (وإن كسره) أي بيض الصيد، وكذا لو حلب لبنه (حلال، فكلحم صيد، إن كان أخذه لاجل المحرم لم يبح) للمحرم (أكله)، كالصيد الذي ذبح لاجله (وإلا) أي وإن لم يكن الحلال أخذه لاجل المحرم (أبيح) للمحرم، كصيد ذبحه حلال لا لقصد المحرم. (ولو كان الصيد مملوكا) وأتلفه المحرم، أو تلف بيده، أو بيضه أو لبنه، (ضمنه جزاء) لمساكين الحرم (وقيمته) لمالكه. لانهما سببان مختلفان. (ولا يملك) المحرم (الصيد ابتداء بشراء ولو بوكيله، ولا باتهاب، ولا باصطياد) لخبر الصعب السابق. فليس محلا للتمليك له. لان الله حرمه عليه كالخمر. (فإن أخذه) أي الصيد محرم (بأحد هذه الاسباب) أي الشراء والاتهاب والاصطياد، (ثم تلف) الصيد (فعليه) أي المحرم الآخذ له (جزاؤه) لما تقدم من الآية. (وإن كان) الصيد (مبيعا) وتلف بيد المحرم المشتري، (فعليه القيمة لمالكه) لانه مقبوض ببيع فاسد، فيضمنه كصحيحه. (و) عليه (الجزاء) لمساكين الحرم. لعموم: * (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) *. (وإن أخذه) أي الصيد محرم (رهنا) لم يصح. وإن تلف في يده (فعليه الجزاء فقط) لمساكين الحرم لما سبق. ولا يضمنه لمالكه. لان صحيح الرهن لا ضمان فيه. ففاسده كذلك. (وإن لم يتلف) الصيد الذي أخذه المحرم بشراء أو اتهاب أو ارتهان (فعليه رده إلى مالكه) لفساد العقد وعدوان يده. (فإن أرسله) أي الصيد المحرم القابض له (فعليه ضمانه لمالكه) لانه أحال بينه وبينه. (ولا جزاء) فيه لانه لم يتلفه. (وعليه) أي المحرم المشتري للصيد (رد) الصيد (المبيع أيضا) لمالكه لفساد العقد. (ولا يسترد) المحرم (الصيد الذي باعه وهو حلال بخيار) مجلس أو شرط، (ولا عيب في ثمنه) المعين، (ولا غير ذلك) كالاختلاف في الثمن والتقايل، لانه ابتداء تملك. وهو ممنوع منه. (وإن رده) أي الصيد (المشتري عليه) أي على البائع المحرم (بعيب) في الصيد، (أو خيار فله) أي المشتري (ذلك) لقيام سبب الرد. (ثم لا يدخل في ملك المحرم) لعدم أهليته لتملكه. وعلى هذا يكون أحق به، فيملكه إذا حل، كالعصير يتخمر ثم يتخلل،

[ 508 ]

(ويلزمه) أي المحرم (إرساله) أي الصيد لئلا تثبت يده المشاهدة عليه. (ويملك) المحرم (الصيد بإرث) لانه أقوى من غيره، ولا فعل منه، بدليل أنه يدخل في ملك الصبي والمجنون. ويملك به الكافر العبد المسلم. فجرى مجرى الاستدامة، ومثله لو أصدق امرأته صيدا وهو حلال، ثم طلقها قبل الدخول وهو محرم عاد نصفه إليه قهرا، كما يأتي في الصداق. ومثله لو ارتد ونحوه قبل الدخول. فيعود إليه كله. (وإن أمسك) المحرم (صيدا حتى تحلل) من إحرامه (لزمه إرساله) لعدوان يده عليه، (فإن تلف) الصيد قبل إرساله (أو ذبحه) بعد تحلله، (أو أمسك) محرم أو حلال (صيد حرم وخرج به إلى الحل) ضمنه. لانه تلف بسبب كان في الاحرام أو الحرم. (أو ذبح محل صيد حرم) مكة (ضمنه) لما يأتي. (وكان) الصيد (ميتة) في الصور المتقدمة. لانه صيد يلزمه ضمانه فلم يبح بذبحه. كحالة الاحرام. (وإن أحرم) وفي يده صيد (أو دخل الحرم) المكي أو المدني (بصيد لم يزل ملكه عنه، فيرده من أخذه) لاستدامة ملكه عليه. (ويضمنه من قتله) كسائر الاموال المحترمة (ويلزمه) أي من أحرم وفي يده صيد أو دخل الحرم المكي وفي يده صيد. (إرساله في موضع يمتنع فيه) لان في عدم ذلك إمساكا للصيد. فلم يجز كحالة الابتداء، بدليل اليمين. (و) يلزمه (إزالة يده المشاهدة عنه، مثل ما إذا كان في قبضته، أو رحله، أو خيمته أو قفصه، أو) كان (مربوطا بحبل معه ونحوه) لما سبق (دون يده الحكمية) فلا يلزمه إزالتها، (مثل أن يكون) الصيد (في بيته، أو بلده، أو يد نائبه) الحلال (في غير مكانه). لانه لم يفعل في الصيد فعلا. فلم يلزمه شئ كما لو كان في ملك غيره. وعكس هذا: إذا كان في يده المشاهدة. لانه فعل الامساك. (ولا يضمنه) إذا تلف بيده الحكمية. لانه لا تلزمه إزالتها، ولم يوجد منه سبب في تلفه. (وله) أي المحرم (نقل الملك فيه) أي في الصيد الذي بيده الحكمية ببيع وغيره كسائر أملاكه. (ومن غصبه) أي الصيد (لزمه رده) إلى مالكه لاستمرار ملكه عليه (فلو تلف) الصيد (في يده) أي المحرم، (المشاهدة قبل التمكن من إرساله) بأن

[ 509 ]

نفره ليذهب، فلم يذهب. (لم يضمنه) لعدم ما يقتضيه من تعد وتقصيرا وإلا أي وإن تمكن من إرساله فلم يرسله ضمنه، لانه تلف تحت يده العادية، فلزمه الضمان كمال الآدمي. (وإن أرسله) أي الصيد (إنسان من يده) أي المحرم (المشاهدة قهرا لم يضمنه). لانه فعل ما يتعين على المحرم فعله في هذه العين خاصة كالمعضوب. ولان اليد قد زال حكمها وحرمتها. فلو أمسكه حتى تحلل، فملكه باق عليه. واعتبره في المغني والشرح كعصير تخمر ثم تخلل قبل إراقته. وفي الكافي، وجزم به الرعاية: يرسله بعد حله، كما لو صاده. (ومن أمسك صيدا في الحل. فأدخله الحرم) لزمه إرساله لانه صار صيدا حرم بحلوله فيه. (أو أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحل لزمه) إرساله اعتبارا بحال السبب. (فإن تلف في يده ضمنه) كصيد الحل في حق المحرم إذا أمسكه حتى تحلل. (وإن قتل صيدا صائلا عليه دفعا عن نفسه، خشية تلفها، أو) خشية (مضرة كجرحه أو إتلاف ما له أو بعض حيواناته) لم يضمنه، لانه قتله لدفع شره. فلم يضمنه كآدمي، مع أن الشارع أذن في قتل الفواسق، لدفع أذى متوهم. فالمحقق أولى. (أو تلف) الصيد (ب‍) - سبب (تخليصه من سبع أو شبكة ونحوها ليطلقه، أو أخذه) أي الصيد محرم (ليخلص من رجله خيطا أو نحوه، فتلف بذلك لم يضمنه). لانه فعل أبيح لحاجة الحيوان، فلم يضمنه، كمداواة الولي موليه. (ولو أخذه) أي الصيد محرم (ليداويه، ف‍) - هو (وديعة) عنده، فلا ضمان عليه إن تلف بلا تعد، ولا تفريط. لانه محسن. (وله) أي المحرم (أخذ ما لا يضره) أي الصيد (كيد) ونحوها (متأكلة)، لانه لمصلحة الحيوان. فإن مات بذلك لم يضمنه، (وإن أزمنه) أي المحرم الصيد (ف‍) - عليه (جزاؤه) لانه كتالف، وكجرح يتقين به موته. (ولا تأثير لحرم ولا إحرام في تحريم حيوان إنسي) إجماعا (كبهيمة الانعام والخيل والدجاج) بتثليث الدال. لانه ليس بصيد، والمحرم إنما هو الصيد. بدليل أنه (ص): كان يتقرب إلى

[ 510 ]

الله بذبح الهدايا في إحرامه وقال: أفضل الحج العج والثج قال في الشرح: حديث غريب. والعج: رفع الصوت بالتلبية. والثج: إسالة الدماء بالذبح والنحر. (ولا) تأثير لحرم ولا إحرام (في محرم الاكل غير المتولد) بين مأكول وغيره، وتغليبا للحظر، كما تقدم. وهو ثلاثة أقسام. الاول: ما أشار إليه بقوله: (كالفواسق، وهي الحدأة) بالهمز بوزن عنبة، والجمع حداء، بحذف الهاء وحدآن أيضا، مثل غزلان، قاله في حاشيته. (والغراب الابقع، وغراب البين، والفأرة، والحية، والعقرب، والكلب العقور) لحديث عائشة قالت: أمر الرسول (ص) بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور. وعن ابن عمر: أن النبي (ص) قال: خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن - وذكر مثله متفق عليه. وفي بعض ألفاظ الحديث الحية بدل العقرب. وما يباح أكله من الغربان لا يباح قتله، لانه من الصيد. (بل يستحب قتلها) أي المذكورات، لحديث عائشة، والمراد في الجملة. ويأتي في الصيد: أن الكلب العقور يجب قتله. (و) القسم الثاني: ما أشار إليه بقوله: ويستحب أيضا (قتل كل ما كان طبعه الاذى، وإن لم يوجد منه أذى) قياسا على ما تقدم (كالاسد، والنمر، والذئب، والفهد وما في معناه) مما فيه أذى للناس في أنفسهم، وأموالهم، (والبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، والحشرات المؤذية) كالحية والعقرب (والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث)

[ 511 ]

والطبوع، قاله في المستوعب. (و) القسم الثالث: ما لا يؤذي بطبعه (كالرخم، والبوم، والديدان) فلا تأثير للحرم ولا للاحرام فيه، (ولا جزاء في ذلك) لان الله تعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد وليس شئ من ذلك بصيد. قال في المبدع: ويجوز قتله. وقيل: يكره. وجزم به في المحرر وغيره وقيل: يحرم، انتهى. وكلام المصنف يوهم أنه يستحب قتله. وفيه ما علمت. قال في الآداب: ويكره قتل النمل إلا من أذية شديدة، فإنه يجوز قتلهن. وقتل القمل بغير النار، ويكره قتلهما بالنار. ويكره قتل الضفادع ذكر ذلك في المستوعب. وفي الرعاية: يكره قتل ما لا يضر من نمل ونحوه، وهدهد وصرد. ويجوز تدخين الزنابير، وتشميس القز. ولا يقتل بنار نمل، ولا قمل، ولا برغوث ولا غيرها، ولا يقتل ضفدع بحال. قال: وظاهره التحريم. وقال صاحب النظم: إلا أنه يحرم إحراق كل ذي روح بالنار. وإنه يجوز إحراق ما يؤذيه بلا كراهة. إذا لم يزل ضرره دون مشقة غالبة إلا بالنار. وقال: إنه سأل عما ترجح عند الشيخ شمس الدين صاحب الشرح؟ فقال: ما هو ببعيد. (ولا بأس أن يقرد بعيره، وهو نزع القراد عنه) روي عن ابن عمر وابن عباس، كسائر المؤذي. (ويحرم على المحرم لا على الحلال ولو في الحرم) قال في المبدع: بغير خلاف. لانه إنما حرم في حق المحرم لما فيه من الرفاهية فأبيح في الحرم كغيره. (قتل قمل) لانه يترفه بإزالته، كإزالة الشعر (و) قتل (صئبانه) لانه بيضه (من رأسه وبدنه) وباطن ثوبه. ويجوز من ظاهره. قاله القاضي وابن عقيل. وظاهر كلام الموفق وصاحب المنتهى وغيرهما للعموم. (ولو) كان قتله للقمل وصئبانه (بزئبق ونحوه) فيحرم في الاحرام فقط. (وكذا رميه) لما فيه من الترفه. (ولا جزاء فيه) أي القمل وصئبانه إذا قتله أو رماه، لانه ليس بصيد. ولا قيمة له: أشبه البعوض والبراغيث. (ولا يحرم) بالاحرام (صيد البحر، والانهار، والآبار، والعيون ولو كان مما يعيش في البر والبحر، كالسلحفاة والسرطان ونحوهما) لقوله تعالى: * (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) *. (إلا في الحرم. ولو للحلال) كصيد من آبار الحرم وبرك مائه لانه حرمي. أشبه صيد الحرم. ولان حرمة الصيد للمكان فلا فرق (وطير الماء) بري. لانه يفرخ ويبيض فيه.

[ 512 ]

فيضمن بقيمته. (والجراد من صيد البر فيضمن) لانه طير بري. أشبه العصافير (بقيمته) في مكانه. لانه متلف غير مثلي. وعنه يتصدق بتمرة عن جرادة، وروي عن ابن عمر. (فإن انفرش) الجراد (في طريقه فقتله بمشية، أو أتلف بيض طير لحاجة كالمشي) عليه (فعليه جزاؤه) لانه أتلفه لمنفعته. أشبه ما لو اضطر إلى أكله، بخلاف ما لو وقع من شجر على عين إنسان فدفعها، فانكسرت، فلا ضمان عليه. وكذا لو أشرفت سفينة على الغرق فألفى متاع غيره فخشي عليه أن يهلكه، فدفعه فوقع في الماء لم يضمنه. (وإذا ذبح المحرم الصيد وكان مضطرا فله أكله) لقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) *. (ولمن به مثل ضرورته) أي ضرورة الذبح (لحاجة الآكل) لما تقدم (وهو) أي ما ذبحه المحرم من الصيد (ميتة) لعدم أهلية المزكي للزكاة، (في حق غيره) أي المضطر. قال في المبدع: فإذا ذبحه كان ميتة. ذكره القاضي واحتج بقول أحمد: كل ما صاده المحرم أو قتله فإنما هو قتله. قال في الفروع: ويتوجه حله لحل فعله، انتهى. وكلام المصنف كالمنتهي يقتضي أنه ميتة في حق غير المضطر. ومذكي في حق المضطر. فيكون نجسا طاهرا بالنسبة إليهما. وفيه نظر. (ويقدم) المحرم المضطر (عليه) أي على الصيد (الميتة) لانه لا جزاء فيها. (ويأتي في) كتاب (الاطعمة. وإن احتاج) المحرم (إلى فعل محظور فله فعله. وعليه الفداء) لان كعب بن عجرة لما احتاج إلى الحلق أباحه الشارع له، وأوجب عليه الفدية. والباقي في معناه. ولان أكل الصيد إتلاف. فوجب ضمانه. كما لو اضطره إلى طعام غيره. فصل: (السابع: عقد النكاح فلا يتزوج) المحرم. (ولا يزوج غيره بولاية، ولا وكالة ولا يقبل له) أي للمحرم (النكاح وكيله الحلال. ولا تزوج المحرمة. والنكاح في ذلك كله باطل. تعمده أو لا) لما

[ 513 ]

روى مسلم عن عثمان مرفوعا: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب وعن ابن عمر أنه كان يقول: لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره رواه الشافعي، ورفعه الدارقطني. وأجازه ابن عباس لروايته: أنه (ص) تزوج ميمونة وهو محرم متفق عليه. ولاحمد والنسائي: وهما محرمان. ولانه عقد يملك به الاستمتاع، فلم يحرمه الاحرام. كشراء الاماء. وجوابه ما روى مسلم عن يزيد بن الاصم عن ميمونة أن النبي (ص) تزوجها وهو حلال قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. ولابي داود: وتزوجني ونحن حلالان بسرف. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع: أن رسول الله (ص) تزوج ميمونة حلالا. وبنى بها حلالا، وكنت الرسول بينهما إسناده جيد، رواه أحمد والترمذي وحسنه. وقال ابن المسيب: إن ابن عباس وهم. وقال أيضا: أوهم. رواهما الشافعي، أي ذهب وهمه إلى ذلك. وللبخاري وأبي داود هذا المعنى عن ابن عباس. قاله في الفروع: وهذا يدل على أن حديث ابن عباس خطأ. وكذا نقل أبو الحارث عن أحمد: أنه خطأ. ثم قصة ميمونة مختلفة. كما سبق، فيتعارض ذلك. وما سبق لا معارض له. ثم رواية الحل أولى. لانها أكثر. وفيها صاحب القصة والسفير فيها. ولا مطعن فيها. يوافقها ما سبق. وفيها زيادة مع صغر ابن عباس إذن. ويمكن الجمع بأنه أظهر تزويجها وهو محرم، أو فعله خاص به (ص) فعلى هذا يكون

[ 514 ]

من خصائصه. فلهذا قال تبعا للتنقيح كالمنتهي، (إلا في حق النبي (ص)) فلا يكون محظورا بخلاف أمته، لما تقدم. وروى مالك والشافعي: أن رجلا تزوج امرأة وهو محرم. فرد عمر نكاحه. وعن علي وزيد معناه. رواهما أبو بكر النيسابوري، ولان الاحرام يمنع الوطئ ودواعيه. فمنع عقد النكاح كالعدة. (والاعتبار بحالة العقد) أي عقد النكاح، لا بحالة الوكالة، (فلو وكل محرم حلالا) في عقد النكاح (فعقده بعد حله) من إحرامه (صح) عقده، لوقوعه حال حل الوكيل والموكل. (ولو وكل حلال حلالا فعقده) الوكيل (بعد أن أحرم) هو أو موكله فيه (لم يصح) العقد. لما تقدم. (ولو وكله) أي الحلال (ثم أحرم) الموكل (لم ينعزل وكيله) بإحرامه، (فإذا أحل) الموكل (كان لوكيله عقده) لزوال المانع، (ولو وكل حلال حلالا) في عقد النكاح (فعقده، وأحرم الموكل. فقالت الزوجة: وقع في الاحرام، وقال الزوج) وقع (قبله. فالقول قوله) أي الزوج. لانه يدعي صحة العقد وهي الظاهر. (وإن كان بالعكس) بأن قالت الزوجة: وقع قبل الاحرام، وقال الزوج: في الاحرام (ف‍) - القول (قوله أيضا) لانه يملك فسخه، فقبل إقراره به. (ولها نصف الصداق) لان قوله لا يقبل عليها في إسقاطه، لانه خلاف الظاهر. (ويصح) النكاح (مع جهلهما) أي الزوجين، (وقوعه) أي وقوع النكاح، هل كان قبل الاحرام أو فيه؟ لان الظاهر من العقود الصحة. وإن قال: تزوجتك وقد حللت، وقالت: بل كنت محرمة. صدق، وتصدق هي في نظيرتها. في العدة، (وإن أحرم الامام الاعظم. لم يجز أن يتزوج) لنفسه ولا لغيره بالولاية العامة ولا الخاصة. لعموم ما سبق. (ولا) أن (يزوج أقاربه) بالولاية الخاصة، (ولا) أن يزوج (غيرهم) ممن لا ولي له، (بالولاية العامة) كالخاصة (و) يجوز أن (يزوج خلفاؤه) من لا ولي له أو لها. لانه يجوز بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النسب، بدليل تزويج الكافرة. وأما وكلاؤه في تزويج نحو بنته فلا لما سبق. (وإن أحرم نائبه فكهو) أي فكإحرام الامام. فلا يجوز له أن يتزوج، ولا أن يزوج أقاربه ولا غيرهم بالولاية العامة، ويزوج نوابه. (وتكره خطبة محرم) بكسر الخاء. (امرأة على نفسه وعلى غيره، وخطبة محل محرمة، كخطبة عقده) بضم الخاء أي عقد

[ 515 ]

النكاح. لما تقدم في حديث عثمان: ولا يخطب. (و) يكره (حضوره) أي المحرم (وشهادته فيه) أي في النكاح. نقل حنبل: لا يخطب. قال: معناه لا يشهد النكاح وما روي فيه: ولا يشهد، فلا يصح. (وتباح الرجعة للمحرم. وتصح) لانها إمساك، ولانها مباحة قبل الرجعة. فلا إحلال (كشراء أمة لوطئ وغيره) لورود عقد النكاح على منفعة البضع خاصة. بخلاف شراء الامة. ولذلك لم يصح نكاح المجوسية. ولا الاخت من الرضاع ونحوها. وصح شراؤها. (ويصح اختيار من أسلم على أكثر من أربع نسوة لبعضهن في حال الاحرام) لانه إمساك واستدامة. لا ابتداء النكاح، كالرجعة وأولى. (ولا فدية عليه في شئ من ذلك كله) أي جميع ما تقدم من صور النكاح لانه عقد فسد لاجل الاحرام. فلم تجب به فدية، (كشراء الصيد) ولا فرق فيه بين الاحرام الصحيح والفاسد. قاله في الشرح. فصل: (الثامن: الجماع في فرج أصلي) لقوله تعالى: * (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث) * قال ابن عباس: هو الجماع، بدليل قوله تعالى: * (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) *، يعني الجماع، (قبلا كان) الفرج (أو دبرا من آدمي أو غيره) حي أو ميت، لوجوب الحد والغسل. (فمن فعل ذلك) أي جامع في فرج أصلي (قبل التحلل الاول، ولو بعد الوقوف) بعرفة نقله الجماعة عن أحمد، خلافا لابي حنيفة. (فسد نسكهما) حكى ابن المنذر إجماع العلماء: أنه لا يفسد النسك إلا به. وفي الموطأ: بلغني أن عمر وعليا وأبا هريرة سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم؟. فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج من قابل، والهدي ولم يعرف لهم مخالف. (ولو) كان المجامع (ساهيا أو

[ 516 ]

جاهلا أو مكرها نصا أو نائمة) نقله الجماعة، لان من تقدم من الصحابة قضوا بفساد النسك ولم يستفصلوا، (ويجب به) أي بالجماع قبل التحلل الاول في الحج (بدنة). لقول ابن عباس: اهد ناقة، ولتهد ناقة. (ولا يفسد) الاحرام (ب‍) - شئ من المحظورات (غير الجماع) لعدم النص فيه والاجماع (وعليهما)، أي الواطئ والموطوءة، (المضي في فاسده. وحكمه) أي الاحرام الذي أفسده بالجماع (حكم الاحرام الصحيح، فيفعل بعد الافساد كما كان يفعل قبله من الوقوف وغيره، ويجتنب ما يجتنب قبله) أي الفساد (من الوطئ وغيره، وعليه الفدية إذا فعل محظورا بعده) لما روى الدارقطني بإسناد جيد إلى عمرو بن شعيب عن أبيه: أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو فسأله عن محرم وقع بامرأته؟ فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذلك، واسأله. قال شعيب: فلم يعرفه الرجل فذهبت معه. فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك. فقال الرجل: أفأقعد؟ قال: لا، بل تخرج مع الناس، وتصنع ما يصنعون فإذا أدركت قابلا فحج وأهد. فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره. ثم قال: اذهب إلى ابن عباس فاسأله، قال شعيب: فذهبت معه فسأله. فقال له: مثل ما قال ابن عمر. فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: أقول مثل ما قالا ورواه الاثرم. وزاد: وحل إذا حلوا، فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك، وأهديا. فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما. وعمرو بن شعيب حديثه حسن. قال البخاري: رأيت عليا وأحمد والحميدي وإسحاق يحتجون به. قيل له: فمن تكلم فيه ماذا يقول؟ قال: يقولون أكثر عمرو بن شعيب ونحو هذا، (و) عليهما (القضاء على الفور. ولو نذرا أو نفلا) لانه لزم بالدخول فيه. ولان من تقدم من الصحابة لم يستفصلوا (إن كانا) أي الواطئ والموطوأة (مكلفين) لانهما لا عذر لهما في التأخير مع القدرة على القضاء. (وإلا) أي وإن لم يكونا مكلفين حال الافساد قضياه (بعده) أي بعد التكليف (بعد حجة الاسلام)، وتقدم (على الفور) حيث لا عذر في التأخير. وتقدم حكم ما لو بلغ في الحجة الفاسدة في أوائل كتاب الحج. (ويصح قضاء عبد في رقه) وكذا قضاء أمة في رقها. لتكليفهما (وتقدم حكم إفساد حجه) أي القن (و) حكم إفساد (حج الصبي) في أوائل كتاب الحج. ويكون إحرام الواطئ والموطوأة في القضاء (من حيث أحرما أو لا من الميقات أو قبله) لان الحرمات قصاص، بخلاف المحصر إذا قضي لا يلزمه الاحرام إلا من الميقات، نص عليه. لان المحصر فيه لم يلزمه إتمامه. وذكره في القواعد الفقهية في الحادية

[ 517 ]

والثلاثين. (وإلا) أي وإن لم يكونا أحرما قبل الميقات (لزمهما) الاحرام (من الميقات)، لانه لا يحل تجاوزه بلا إحرام. (وإن أفسد القضاء قضي الواجب لا القضاء) كالصوم والصلاة. ولان الواجب لا يزداد بفواته. وإنما يبقى ما كان واجبا في الذمة على ما كان عليه. (ونفقة المرأة في القضاء عليها إن طاوعت) لقول ابن عمر: أهديا هديا أضاف الفعل إليهما. وقول ابن عباس: أهد ناقة، ولتهد ناقة، ولانها بمطاوعتها أفسدت نسكها. فكانت النفقة عليها كالرجل. (وإن أكرهت) المرأة (ف‍) - النفقة (على الزوج) لانه المفسد لنسكها. فكانت عليه نفقتها كنفقة نسكه (وتستحب تفرقتهما في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه) لما روى ابن وهب بإسناده عن سعيد بن المسيب: إن رجلا جامع امرأة وهما محرمان. فسأل النبي (ص) فقال لهما: أتما حجكما. ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى من قابل. حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فأحرما وتفرقا. ولا يواكل أحدكما صاحبه، ثم أتما مناسككما واهديا وروى الاثرم عن ابن عمر وابن عباس معناه (إلى أن يحلا) من إحرامهما. لان التفريق خوف المحظور. ويحصل التفريق. (بأن لا يركب معها على بعير، ولا يجلس معها في خباء. وما أشبه ذلك، بل يكون قريبا منها، فيراعي أحوالها. لانه محرمها) ونقل ابن الحكم: يعتبر أن يكون معها محرم غيره و (العمرة في ذلك كالحج) لانها أحد النسكين، ف‍ (- يفسدها الوطئ قبل الفراغ من السعي) كالحج قبل التحلل الاول. و (لا) يفسدها الوطئ (بعده) أي بعد الفراغ من السعي (وقبل حلق) كالوطئ في الحج بعد التحلل الاول، (ويجب المضي في فاسدها) أي العمرة: (ويجب القضاء) فورا كالحج (والدم وهو شاة) لنقص العمرة عن الحج، (لكن إن كان) المفسد لعمرته (مكيا أو حصل بها) أي بمكة (مجاورا أحرم للقضاء من الحل، سواء كان قد أحرم بها) أي بالعمرة التي أفسدها (منه أو من الحرم) لان الحل هو ميقاتها، (وإن أفسد المتمتع عمرته، ومضى في فاسدها وأتمها خرج إلى الميقات، فأحرم منه بعمرة) مكان التي أفسدها. لان الحرمات قصاص (فإن خاف فوت الحج أحرم به

[ 518 ]

من مكة. وعليه دم. فإن فرغ من حجه خرج فأحرم من الميقات بعمرة مكان التي أفسدها. وعليه هدي يذبحه إذا قدم مكة لما أفسد من عمرته) نص عليه (وإن أفسد المفرد حجته وأتمها. فله الاحرام بالعمرة من أدنى الحل) لانه ميقاتها، (وإن أفسد القارن نسكه. فعليه فداء واحد) لما تقدم أن عمل القارن كعمل المفرد، (وإن جامع) المحرم (بعد التحلل الاول وقبل) التحلل (الثاني)، بأن رمى جمرة العقبة، وحلق مثلا، ثم جامع قبل الطواف (لم يفسد حجه قارنا كان أو مفردا) أو متمتعا. لقول ابن عباس، في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورا بينهما. وليس عليه الحج من قابل. رواه مالك. ولا يعرف له مخالف في الصحابة. (لكن فسد إحرامه) بالوطئ (فيمضي إلى الحل) التنعيم أو غيره، ليجمع بين الحل والحرم (فيحرم منه ليطوف للزيارة في إحرام صحيح. ويسعى إن لم يكن سعى وتحلل. لان الذي بقي عليه بقية أفعال الحج. وليس هذا عمرة حقيقية) والاحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج هذا ظاهر كلام جماعة. منهم الخرقي. فقول أحمد ومن وافقه من الائمة: إنه يعتمر، يحتمل أنهم أرادوا عمرة حقيقة. فيلزمه سعي وتقصير. وعلى هذا نصوص أحمد. وجزم به القاضي وابن عقيل وابن الجوزي لما سبق عن ابن عباس. ولانه إحرام مستأنف. فكان فيه طواف وسعي وتقصير، كالعمرة المفردة تجري مجرى الحج بدليل القران بينهما. قاله في المبدع. (ويلزمه شاة) لعدم إفساده للحج، كوطئ دون فرج بلا إنزال ولخفة الجناية فيه. (والقارن كالمفرد لان الترتيب

[ 519 ]

للحج لا للعمرة)، بدليل تأخير الحلق إلى يوم النحر. (فإن طاف للزيارة) أي وحلق (ولم يرم) جمرة العقبة (ثم وطئ ففي المغني والشرح: لا يلزمه إحرام من الحل. ولا دم عليه. لوجود أركان الحج. وقال في الفروع: فظاهر كلام جماعة كما سبق) لوجود الوطئ قبل ما يتم به التحلل. (وهو بعد التحلل الاول محرم، لبقاء تحريم الوطئ المنافي وجود صحة الاحرام) فيفسد إحرامه بالوطئ بعد جمرة العقبة، قال في المبدع: والمراد فساد ما بقي منه، لا ما مضى. إذ لو فسد كله لوقع الوقوف في غير إحرام. فصل: (التاسع: المباشرة فيما دون الفرج لشهوة بوطئ، أو قبلة، أو لمس. وكذا نظرة لشهوة) لانه وسيلة إلى الوطئ المحرم. فكان حراما (فإن فعل فأنزل فعليه بدنة) نقله الجماعة. لانها مباشرة اقترن بها الانزال، فأوجبتها. كالجماع في الفرج. (ولم يفسد نسكه) لعدم الدليل. ولانه استمتاع لم يجب بنوعه الحد. فلم يفسده. (كما لو لم ينزل. وكما لو لم يكن) الانزال (لشهوة) والفرق بينه وبين الصوم: أنه يفسده كل واحد من محظوراته. بخلاف الحج لا يفسده إلا الجماع. والرفث مختلف فيه. فلم نقل بجميعه، مع أنه يلزم القول به في الفسوق والجدال. (وتأتي تتمة في الباب بعده).

[ 520 ]

فصل: (والمرأة إحرامها في وجهها، فيحرم عليها تغطيته ببرقع أو نقاب أو غيره) لحديث ابن عمر: لا تتنقب المرأة ولا تلبس القفازين رواه البخاري. وقال ابن عمر: إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه رواه الدارقطني بإسناد جيد. (فإن غطته) أي الوجه (لغير حاجة فدت) كما لو غطى الرجل رأسه (والحاجة: كمرور رجال قريبا منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها) لفعل عائشة. رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (ولو مس) الثوب (وجهها) وشرط القاضي في الساتر أن لا يصيب بشرتها. فإن أصابها ثم ارتفع بسرعة فلا شئ عليها. وإلا فدت لاستدامة الستر. ورده الموفق بأن هذا الشرط ليس هو عن أحمد. ولا هو في الخبر، بل الظاهر منه خلافه. فإنه لا يكاد يسلم المسدول من إصابة البشرة. فلو كان شرطا لبين، ويجب عليها تغطية رأسها كله. (ولا يمكنها تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه. ولا كشف جميع الوجه إلا بجزء من الرأس. فستر الرأس كله أولى) لانه آكد لوجوب ستره مطلقا. (ولا تحرم تغطية كفيها) خلافا لابي الفرج، حيث ألحقها بالوجه، (ويحرم عليها ما يحرم على الرجل) من إزالة الشعر وتقليم الاظفار، وقتل الصيد ونحوها. لدخولها في عموم الخطاب. (إلا لبس المخيط، وتظليل المحمل وغيره) كالهودج والمحفة. لحاجتها إلى الستر. وحكاه ابن المنذر إجماعا. وكعقد الازار للرجل. (ويحرم عليها وعلى رجل لبس

[ 521 ]

قفازين أو قفازا واحدا. وهما كل ما يعمل لليدين إلى الكوعين يدخلهما فيه لسترهما من الحر، كالجوارب للرجلين، كما يعمل للبزاة) لحديث ابن عمر مرفوعا: لا تتنقب المرأة ولا تلبس القفازين رواه البخاري. والرجل أولى. ولا يلزم من جواز تغطيتهما بكمهما لمشقة التحرز جوازه بهما. بدليل جواز تغطية الرجل قدمه بإزاره لا بخف. وإنما جاز تغطية قدميها بكل شئ. لانهما عورة في الصلاة. (وفيه) أي ليس القفازين أو أحدهما، (الفدية كالنقاب. قال القاضي: ومثلهما لو لفت على يديها خرقة أو خرقا وشدتها على حناء أو لا، كشده) أي الرجل (على جسده شيئا) وذكره في الفصول عن أحمد وجزم بمعناه في المنتهى وشرحه. (وظاهر كلام الاكثر: لا يحرم، وإن لفتها بلا شد. فلا بأس) لان المحرم اللبس لا التغطية، كيدي الرجل. ولا بأس أن تطوف منتقبة إن لم تكن محرمة، فعلته عائشة. (ويباح لها خلخال ونحوه من حلي، كسوار ونحوه) كدملج. نقله الجماعة. قال نافع: كن نساء ابن عمر يلبسن الحلي والمعصفر وهن محرمات رواه الشافعي. وفي خبر ابن عمر ويلبسن بعد ذلك ما أحببن. ولا دليل للمنع (ولا يحرم عليها لباس زينة. وفي الرعاية وغيرها: يكره) أي لباس الزينة. قال أحمد: المحرمة والمتوفى عنها زوجها يتركان الطيب والزينة، ولهما سوى ذلك. وفي التبصرة: يحرم. (ويكره لهما) أي للمحرم والمحرمة (كحل بإثمد ونحوه) من كل كحل أسود غير مطيب (لزينة لا لغيرها) رواه الشافعي. عن ابن عمر. والاصل عدم الكراهة. (ولا يكره غيره) أي الاثمد ونحوه. لانه لا زينة به (إذا لم يكن مطيبا) فإن كان مطيبا حرم. (ويكره لها خضاب) لانه من الزينة كالكحل بالاثمد. و (لا) يكره لها الخضاب بالحناء (عند) إرادة (الاحرام) بل يستحب. (وتقدم) أول باب الاحرام ولا بأس بذلك للرجل فيما لا تشبه فيه بالنساء لان الاصل الاباحة. ولا دليل

[ 522 ]

للمنع. (ويجوز لهما لبس المعصفر والكحلي وغيرهما من الاصباغ) لقوله (ص) في حديث ابن عمر في حق المحرمة: ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من معصفر أو خز أو كحلي رواه أبو داود عن عائشة وأسماء: أنهما كانا يحرمان في المعصفر ولانه ليس بطيب. فلم يكره المصبوغ به كالسواد. (إلا أنه يكره للرجل لبس المعصفر) لانه سبق أنه يكره في غير الاحرام. ففيه أولى. هكذا في الانصاف هنا ومعناه في الشرح. وتقدم في باب ستر العورة أنه لا يكره في الاحرام. كما في المبدع والتنقيح وغيرهما. ذكره نصا. (ولهما قطع رائحة كريهة بغير طيب) لانه ليس من المحظورات، بل مطلوب فعله. (والنظر في المرآة) جائز (لهما جميعا لحاجة، كمداواة جرح وإزالة شعر بعينه) لانه ليس بزينة. (ويكره) نظرهما في المرآة (لزينة) كالاكتحال بالاثمد. (وله) أي المحرم (لبس خاتم) من فضة أو عقيق ونحوهما. لما روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم. (و) له (ربط جرح. و) له (ختان) نصا (وقطع عضو عند الحاجة) إليه، (وأن يحتجم) لانه لا رفاهية فيه. ولحديث ابن عباس: أن النبي (ص) احتجم وهو محرم متفق عليه. (فإن احتاج) المحرم (في الحجامة إلى قطع شعر فله قطعه، وعليه الفدية) لما قطعه من الشعر، كما لو احتاج لحلق رأسه. (ويجتنب المحرم) ذكرا كان أو أنثى (ما نهى الله) تعالى (عنه من الرفث.

[ 523 ]

وهو الجماع) روي عن ابن عباس وابن عمر. وقال الازهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. (وكذا التقبيل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام)، روي أيضا عن ابن عباس. (والفسوق، وهو السباب) وقيل المعاصي. (والجدال وهو المراء فيما لا يعني) أي يهم. قال الموفق: المحرم ممنوع من ذلك كله. وقال في الفصول: يجب اجتناب الجدال وهو المماراة فيما لا يعني. وفي المستوعب: يحرم عليه الفسوق. وهو السباب والجدال، وهو المماراة فيما لا يعني. وقدم في الرعاية: يكره كل جدال ومراء فيما لا يعنيه. (ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع) لحديث أبي هريرة مرفوعا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت متفق عليه. وعنه مرفوعا: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه حديث حسن رواه الترمذي وغيره. ولاحمد من حديث الحسين بن علي مثله. وله أيضا في لفظ: قلة الكلام فيما لا يعنيه. (و) يستحب للمحرم (أن يشتغل بالتلبية وذكر الله، وقراءة القرآن، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتعليم الجاهل ونحو ذلك) من المطلوبات، (ويباح له أن يتجر. و) أن (يصنع الصانع ما لم يشغله) ذلك (عن واجب أو مستحب). قال ابن عباس: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية. فتأثموا أن يتجروا في المواسم. فنزلت: * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) * في مواسم الحج. رواه البخاري. ولابي داود عنأبي أمامة التيمي قال: كنت رجلا أكرى في هذا الوجه. وكان ناس يقولون: ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت: إني أكرى في هذا الوجه، وإن أناسا يقولون: ليس لك حج. فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي، وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ فقلت:

[ 524 ]

بلى. قال: فإن لك حجا، جاء رجل إلى النبي (ص) فسأله مثل ما سألتني. فسكت عنه رسول الله (ص) فلم يجبه حتى نزلت الآية: * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) *. فأرسل إليه النبي (ص) وقرأ عليه هذه الآية، وقال: لك حج إسناده جيد. ورواه الدارقطني وأحمد. وعنده: إنا نكرى فهل لنا من حج؟ وفيه. وتحلقون رؤوسكم. وفيه، فقال: أنتم حجاج. باب الفدية مصدر فداه، يقال: فداه وأفداه: أعطي فداءه. ويقال فداه إذا قال له: جعلت فداك. والفدية والفداء والفدى بمعنى، إذا كسر أوله يمد ويقصر. وإذا فتح أوله قصر. وحكى صاحب المطالع عن يعقوب: فداءك ممدودا مهموزا مثلث الفاء. (وهي ما) أي دم أو صوم أو طعام (يجب بسبب نسك) كدم تمتع وقران، وما وجب لترك واجب، أو إحصار، أو لفعل محظور. (أو) تجب بسبب (حرم) مكي. كالواحب في صيده ونباته، (وله تقديمها) أي الفدية (على الفعل المحظور) إذا احتاج إلى فعله (لعذر، ك‍) - أن يحتاج إلى (حلق، ولبس، وتطيب) أو اضطر إلى أكل صيد (بعد وجود السبب)، أي العذر (المبيح) لفعل المحظور فعله عليه، ولانها كفارة فجاز تقديمها على وقت الوجوب، (ككفارة يمين) له تقديمها على الحنث بعد عقد اليمين، وكتعجيل الزكاة لحول أو حولين بعد ملك النصاب الزكوي، (ويأتي) ذلك (وهي) أي الفدية (على ثلاثة أضرب)، لكنها في التحقيق ضربان كما ستقف عليه. (أحدها) ما يجب (على التخيير. وهو نوعان. أحدهما: يخير فيه) المخرج (بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مد من بر أو نصف صاع من تمر أو زبيب، أو شعير) كفطرة (أو ذبح شاة. فلا يجزي الخبز) كالفطرة والكفارة على المذهب. (واختار الشيخ الاجزاء) أي إجزاء الخبز كاختياره في الفطرة والكفارة (ويكون) الخبز لكل مسكين بناء على إجزائه (رطلين عراقية) كما قيل في الكفارة. (وينبغي أن يكون) ما يخرجه (بأدم) ليكفي المساكين المؤنة على قياس الكفارة. (و) إخراج الفدية (مما يأكل أفضل من بر وشعير) وغيرهما كالكفارة، وخروجا من خلاف من أوجبه. لظاهر قوله تعالى: * (من أوسط

[ 525 ]

ما تطعمون أهليكم) * (وهي) أي الفدية التي يخير فيها بين ما ذكر (فدية حلق الشعر) أي أكثر من شعرتين. (وتقليم الاظافر) أي أكثر من ظفرين. وتقدم حكم الشعرتين والظفرين وما دونهما. (و) فدية (تغطية الرأس) من الذكر أو الوجه من المرأة، (و) فدية (اللبس والتطيب ولو حلق ونحوه) بأن قلم أو لبس أو تطيب (لعذر أو غيره). لقوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * وقال النبي (ص) لكعب بن عجرة: لعلك آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال (ص): احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة متفق عليه. وفي لفظ: أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمر، فدلت الآية والخبر على وجوب الفدية على صفة التخيير. لانه مدلول في حلق الرأس. وقيس عليه تقليم الاظفار واللبس والطيب لانه يحرم في الاحرام لاجل الترفه فأشبه حلق الرأس. وثبت الحكم في غير المعذور بطريق التنبيه تبعا له ولان كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه، كجزاء الصيد. وإنما الشرط لجواز الحلق لا للتخيير. والحديث ذكر فيه التمر. وفي بعض طرقه الزبيب. وقيس عليها البر والشعير والاقط، كالفطرة والكفارة (النوع الثاني) من الضرب الذي على التخيير، (جزاء الصيد يخير فيه بين) إخراج (المثل. فإن اختاره ذبحه وتصدق به على مساكين الحرم. ولا يجزئه أن يتصدق به حيا) لان الله تعالى سماه هديا. والهدي يجب ذبحه. (وله ذبحه أي وقت شاء. فلا يختص بأيام) النحر لان الامر به مطلق. (أو تقويم المثل بدراهم) ويكون التقويم (بالموضع الذي أتلفه) أي الصيد (فيه، وبقرب‍) - ه أي قرب محل تلف الصيد. نقله ابن القاسم وسندي (ليشتري بها)، أي الدارهم (طعاما يجزي في الفطرة) كواجب في فدية أذى وكفارة. (وإن أحب أخرج من طعام) مجزئ (يملكه بقدر القيمة) متحريا العدل، لحصول المقصود من الشراء، ولا يجوز أن يتصدق بالدارهم. لان الله تعالى ذكر في الآية التخيير بين ثلاثة أشياء. وهذا ليس منها. (فيطعم كل مسكين) من مساكين الحرم لانه بدل الهدي الواجب لهم (مدا من حنطة أو نصف صاع من

[ 526 ]

غيره)، وتقدم بيان المد والصاع في الغسل، (أو يصوم عن طعام كل مسكين يوما) لقوله تعالى: * (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) * فعطف بأو، وهي للتخيير كما تقدم. (وإن بقي) من الطعام (ما لا يعدل يوما) بأن كان دون طعام مسكين (صام يوما) كاملا. لان الصوم لا يتبعض. (ولا يجب التتابع في هذا الصوم) لعدم الدليل عليه، والامر به مطلق. فتناول الحالين. (ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويطعم عن بعضه) نص عليه. لانها كفارة واحدة فلم يجز فيها ذلك كسائر الكفارات. (وإن كان) الصيد (مما لا مثل له خير بين أن يشتري بقيمته طعاما) يجزئ في الفطرة وإن أحب أخرج من طعام يملكه بقدر القيمة. كما تقدم (فيطعمه للمساكين) كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره. (وبين أن يصوم عن كإطعام مسكين يوما) لتعذر المثل. فيخير فيما عداه. فصل: (الضرب الثاني) من أضرب الفدية (على الترتيب. وهو ثلاثة أنواع. أحدها: دم متعة وقران. فيجب الهدي) لقوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) * وقيس القارن عليه. لما تقدم، (فإن عدمه) أي عدم المتمتع والقارن الهدي (موضعه، أو وجده) يباع (ولا ثمن معه إلا في بلده. فصيام ثلاثة أيام في الحج) قيل: معناه في أشهر الحج. وقيل: معناه: في وقت الحج. لانه لا بد من إضمار، لان الحج أفعال لا يصام فيها. وإنما يصام في أشهرها أو وقتها. وذلك كقوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) * أي في أشهر. (ولا يلزمه أن يقترض) ثمن الهدي (ولو وجد من يقرضه) لان الظاهر استمرار إعساره. (ويعمل بظنه في عجزه) عن الهدي (فإن الظاهر من المعسر استمرار إعساره. فلهذا

[ 527 ]

جاز) للمعسر (الانتقال إلى الصوم قبل زمان الوجوب) أي وجوب الصوم. لانه يجب بطلوع فجر يوم النحر. (والافضل: أن يكون آخر الثلاثة: يوم عرفة) نص عليه (فيصومه) أي يوم عرفة هنا استحبابا (للحاجة) إلى صومه. (ويقدم الاحرام بالحج قبل يوم التروية. فيكون اليوم السابع من) ذي (الحجة محرما) فيحرم قبل طلوع فجره (وهو أولها)، ليصومها كلها وهو محرم بالحج. (وله تقديمها) أي الايام الثلاثة (قبل إحرامه بالحج بعد أن يحرم بالعمرة) لا قبله. وأن يصومها في إحرام العمرة. لان إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع. فجاز الصوم فيه وبعده، كالاحرام بالحج. ولانه نحوه تقديم الواجب على وقت وجوبه. إذا وجد سبب الوجوب. وهو هنا إحرامه بالعمرة في أشهر الحج، كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين. و (لا) يجوز تقديم صومها (قبله) أي قبل إحرام العمرة: لعدم وجود سبب الوجوب. كتقديم الكفارة على اليمين (ووقت وجوب صوم الايام الثلاثة: وقت وجوب الهدي) وهو طلوع فجر يوم النحر، على ما تقدم لانها بدله: (وتقدم) وقت وجوبه (و) صيام (سبعة) أيام (إذا رجع إلى أهله) لقوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة) * (ولا يصح صومها) أي السبعة (بعد إحرامه بالحج قبل فراغه منه) قالوا: لان المراد بقوله تعالى: * (إذا رجعتم) * يعني من عمل الحج. لانه المذكور، (ولا) يصح صومها (في أيام منى لبقاء أعمال من الحج كرمي الجمار ولا) يصح صوم السبعة (بعدها) أي بعد أيام منى (قبل طواف الزيارة)، لانه قبل ذلك لم يرجع من عمل الحج. قلت: وكذا بعد الطواف وقبل السعي. (و) إن صام السبعة (بعده) أي بعد الطواف. ولعل المراد: والسعي. (يصح) لانه رجع من عمل الحج. (والاختيار) أن يصومها (إذا رجع إلى أهله) لحديث ابن عمر: أن النبي (ص) قال: فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله متفق عليه. (فإن لم يصم الثلاثة قبل يوم النحر

[ 528 ]

صام أيام منى) وهي أيام التشريق. لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي رواه البخاري. ولان الله تعالى أمر بصيام الايام الثلاثة في الحج، ولم يبق من الحج إلا هذه الايام. فتعين فيها الصوم. (ولا دم عليه) إذا صامها أيام منى، لانه صامها في الحج. (فإن لم يصمها) أي الثلاثة أيام (فيها) أي في أيام منى ولا قبلها، (ولو لعذر) كمرض (صام بعد ذلك عشرة أيام) كاملة، استدراكا للواجب، (وعليه دم) لتأخيره واجبا من مناسك الحج عن وقته. (وكذا إن أخر الهدي عن أيام النحر لغير عذر) فعليه دم، لتأخير الهدي الواجب عن وقته. فإن كان لعذر كأن ضاعت نفقته. فلا دم عليه. (ولا يجب تتابع، ولا تفريق في صوم الثلاثة. ولا) في صوم (السبعة. ولا بين الثلاثة والسبعة إذا قضى) الثلاثة أو صامها أيام منى. لان الامر ورد بها مطلقا. وذلك لا يقتضي جمعا ولا تفريقا، (ومتى وجب عليه الصوم) لعجزه عن الهدي وقت وجوبه (فشرع فيه) أي الصوم (أو لم يشرع) فيه، (ثم قدر على الهدي. لم يلزمه الانتقال إليه) اعتبارا بوقت الوجوب، كسائر الكفارات. (وإن شاء انتقل) عن الصوم إلى الهدي. لانه الاصل. وإن صام قبل الوجوب ثم قدر على الهدي وقت الوجوب فصرح ابن الزاغوني: بأنه لا يجزئه الصوم. وإطلاق الاكثرين يخالفه. وفي كلام بعضهم: تصريح به قاله في القاعدة الخامسة، واقتصر عليه في الانصاف، (ومن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به) كله أو بعضه، (لغير عذر، أطعم عنه لكل يوم مسكين) من تركته إن كانت، وإلا استحب لوليه كقضاء رمضان. ولا يصام عنه لوجوبه بأصل الشرع، بخلاف النذر. (وإلا) أي وإن لم يكن عدم إتيانه به لغير عذر، بأن كان لعذر (فلا) إطعام عنه، لعدم تقصيره. النوع (الثاني) من الضرب الثاني (المحصر. يلزمه الهدي) لقوله تعالى: * (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) *. (ينحره بنية التحلل) لقوله (ص): وإنما لكل امرئ ما نوى (مكانه)، أي الاحصار (كما يأتي في بابه) موضحا (فإن لم يجد) المحصر الهدي (صام عشرة أيام)

[ 529 ]

قياسا على هدي التمتع (بالنية)، أي نية التحلل. لما تقدم. (ثم حل) وليس له التحلل قبل ذلك. (ولا إطعام فيه) أي في هذا النوع. ويأتي إيضاحه في بابه. النوع (الثالث: فدية الوطئ تجب به بدنة) في حج قبل التحلل الاول. (قارنا كان أو مفردا. فإن لم يجدها) أي البدنة (صام عشرة أيام. ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع) أي فرغ من عمل الحج (كدم المتعة لقضاء الصحابة به) قاله ابن عمر وابن عباس، وعبد الله بن عمرو. رواه عنهم الاثرم. ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة. فيكون إجماعا. فيكون بدله مقيسا على بدل دم المتعة. (و) تجب (شاة إن كان) الوطئ (في العمرة)، وتقدم في الباب قبله مستوفى. (ويجب على المرأة المطاوعة مثل ذلك) المذكور في الحج والعمرة، و (لا) تجب فدية الوطئ على (المكرهة والنائمة) لقوله (ص): عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. (ولا يجب على الواطئ أن يفدي عنها. وتقدم ذلك) في الباب قبله. فصل: (الضرب الثالث): من أضرب الفدية (الدماء الواجبة) لغير ما تقدم. كدم وجب (لفوات الحج بعدم وقوفه بعرفة، لعذر حصر أو غيره) حتى طلع فجر يوم النحر، (ولم يشترط أن محلي حيث حبستني) فإن كان اشترط فلا دم عليه، (أو وجب) الدم (لترك واجب. كترك الاحرام من الميقات، أو الوقوف بعرفة إلى الليل) لمن وقف نهارا، (وسائر الواجبات) كالمبيت بمزدلفة، أو ليالي منى، أو رمي الجمار، أو طواف الوداع. (فيلزمه من الهدي ما تيسر، كدم المتعة) على ما (تقدم في

[ 530 ]

حكمه وحكم الصيام) بدله. يعني أنه يجب عليه دم كدم المتعة. فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. لكن في مسألة الفوات لا يتصور صوم الثلاثة قبل يوم النحر. لان الفوات إنما يتحقق بطلوع فجره. وإنما ألحق بدم التمتع لتركه بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالمترفه بترك أحد السفرين. ولم يلحق بالاحصار، مع أنه أشبه به، إذ هو إحلال من إحرامه قبل إتمامه. لان البدل في الاحصار ليس منصوصا عليه، وإنما ثبت قياسا. وقياسه على الاصل المنصوص عليه أولى. على أن الهدي هنا كهدي الاحصار، والصيام مثل الصيام عن دم الاحصار، إلا أن التحلل في الاحصار لا يجوز إلا بعد ذبح الهدي، أو الصيام بنية التحلل. وهذا يجوز قبل الحل وبعده. (وما وجب) من الدماء (للمباشرة في غير الفرج) كالقبلة واللمس والنظر لشهوة. (فما أوجب منه بدنة) وهو الذي فيه إنزال وكان قبل التحلل الاول من الحج. (فحكمهما حكم البدنة الواجبة بالوطئ في الفرج) فتجب البدنة. فإن لم يجدها صام عشرة أيام. ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع. لانه دم وجب بسبب المباشرة. أشبه الواجب بالوطئ في الفرج (وما عدا ما يوجب بدنة، بل) أوجب (دما كاستمتاع لم ينزل فيه) وكالوطئ في العمرة وبعد التحلل الاول في الحج. قاله في الشرح. (فإنه يوجب شاة. وحكمها حكم فدية الاذى) لما في ذلك من الترفه. وقد قال ابن عباس: فمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير: عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك رواه الاثرم. (وإن كرر النظر) فأمنى، (أو قبل) فأمنى (أو لمس لشهوة فأمنى، أو استمنى فأمنى. فعليه بدنة) قياسا على الوطئ (وإن أمذى بذلك) فعليه شاة. لانه يحصل به التذاذ كاللمس. (أو أمنى بنظرة واحدة ف‍) - عليه (شاة) أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين. كفدية أذى. لانه فعل يحصل به اللذة. أوجب الانزال. أشبه اللمس. (وإن لم ينزل) بالنظر فلا شئ عليه، لانه لا يمكن التحرز منه، ولو كرره. وأما الاستمتاع بلا إنزال فتجب به شاة كما تقدم. (أو أنزل عن فكر) غلبه فلا شئ عليه لقوله (ص): عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم متفق عليه. ولانه لا نص فيه ولا إجماع. ولا يصح قياسه على تكرار النظر. لانه دونه في استدعاء الشهوة. وإفضائه إلى الانزال. ويخالفه في التحريم إذا تعلق بأجنبية أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة. فيبقى على الاصل. (أو أمذى بنظرة بغير

[ 531 ]

تكرار) للنظر، فلا شئ عليه، لمشقة الاحتراز منه. (أو احتلم فلا شئ عليه) لانه لا يمكن الاحتراز منه. (وخطأ كعمد في الكل) أي كل ما تقدم من المباشرة دون الفرج، وتكرار النظر، والتقبيل واللمس لشهوة. فلا تختلف للفدية بالخطأ والعمد فيه، كالوطئ (والمرأة كالرجل مع شهوة) فيجب عليها مع الشهوة ما يجب عليه. لاشتراكهما في اللذة. فإن لم توجد منها شهوة فلا شئ عليها. فصل: (وإن كرر محظورا من جنس غير) قتل (الصيد مثل إن حلق) ثم أعاد، (أو قلم) ثم أعاد، (أو لبس) مخيطا ثم أعاد، (أو تطيب) ثم أعاد، (أو وطئ) ثم أعاد، (أو) فعل (غيرها من المحظورات)، كأن باشر دون الفرج (ثم أعاد) ذلك (ثانيا، ولو غير الموطوءة) أو لا، (أو) كان تكريره للمحظور (بلبس مخيط في رأسه) فعليه فدية واحدة. قالا في الشرح: فإن لبس قميصا وسراويل وعمامة وخفين، كفاه فدية واحدة. لان الجميع لبس. فأشبه الطيب في رأسه وبدنه. (أو بدواء مطيب) ذكره في الانصاف: المذهب، وأن عليه الاصحاب. وبناه في المستوعب على رواية أن الحكم يختلف باختلاف الاسباب، لا باختلاف الاوقات والاجناس. وهو ظاهر. إذ الطيب وتغطية الرأس جنسان كما تقدم. ويمكن حمل كلامه على تكرار الطيب فقط. بأن تطيب أولا، ثم أعاده بدواء مطيبب. فهذا جنس واحد، لا لبس معه، ولا تغطية رأس. بخلاف ما لو غطى رأسه، ثم أعاده بدواء مطيب، فإنه على مقتضى كلامه يلزمه فديتان، لتغطية الرأس فدية. وللطيب فدية. قوله: (قبل التكفير عن الاول) متعلق بأعاد (ف‍) عليه (كفارة واحدة، تابع الفعل أو فرقه) لان الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة. ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات. (فلو قلم ثلاثة أظفار، أو قطع ثلاث

[ 532 ]

شعرات في أوقات قبل التكفير. لزمه دم) أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين ولم تلزمه ثانية لما تقدم. (وإن كفر عن) الفعل (الاول لزمه عن الثاني كفارة) ثانية. لان السبب الموجب للكفارة الثانية غير عين السبب الموجب للكفارة الاولى. أشبه ما لو حلف ثم حنث وكفر، ثم حلف وحنث. (وتتعدد كفارة الصيد) أي جزاؤه (بتعدده) أي الصيد، ولو قتلت الصيود معا. لقوله تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * وجزاء مثل الاثنين فأكثر لا يكون ذلك مثل أحدهما. (وإن فعل محظورا من أجناس. فعليه لكل) جنس (واحد فداء) سواء فعل ذلك مجتمعا أو متفرقا، اتحدت فديتها أو اختلفت. لانها محظورات مختلفة الاجناس فلم يتداخل موجبها. كالحدود المختلفة. (وإن حلق أو قلم) أظفاره، (أو وطئ أو قتل صيدا عامدا أو ناسيا أو مخطئا أو مكرها، ولو نائما. قلع شعره أو صوب رأسه إلى تنور فأحرق اللهب شعره فعليه الكفارة) لان هذه أتلاف، فاستوى عمدها وسهوها وجهلها. كإتلاف مال الآدمي. لانه تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لاذى به. وهو معذور. فكان ذلك تنبيها على وجوبها على غير المعذور. ودليلا على وجوبها على المعذور بنوع آخر، كالمحتجم يحلق موضع محاجمه. ومثل ذلك المباشرة دون الفرج كما تقدم قريبا. (وإن لبس) مخيطا ناسيا أو جاهلا أو مكرها، (أو تطيب) ناسيا أو جاهلا أو مكرها. (أو غطى رأسه ناسيا أو جاهلا أو مكرها فلا كفارة)، لقوله (ص): عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه، لانه شئ لا يقدر على رده. والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده. والشعر إذا حلقه فقد ذهب. فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواء. وكل شئ من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على رده، مثل ما إذا غطى المحرم رأسه، ثم ذكر ألقاه عن رأسه. وليس عليه شئ، أو لبس خفا نزعه. وليس عليه شئ. ويلحق بالحلق: التقليم بجامع الاتلاف. (ويلزمه غسل الطيب، وخلع اللباس في الحال) أي بمجرد زوال العذر من النسيان والجهل والاكراه، لخبر يعلى بن أمية: أن رجلا أتى النبي (ص) وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر خلوق - أو قال أثر صفرة - فقال: يا رسول الله، كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق - أو قال: أثر الصفرة -. واصنع في عمرتك كما تصنع

[ 533 ]

في حجك. متفق عليه. فلم يأمره بالفدية مع سؤاله عما يصنع. وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. فدل ذلك على أنه عذره لجهله. والناسي والمكره في معناه. (ومتى أخره) أي غسل الطيب وخلع اللباس (عن زمن الامكان فعليه الفدية)، لاستدامة المحظور من غير عذر. (وتقدم) حكم (غسل الطيب) في الباب قبله. (ومن رفض إحرامه لم يفسد) إحرامه بذلك. لانه عبادة لا يخرج منها بالفساد فلم يخرج منها برفضها. بخلاف سائر العبادات. (ولم يلزمه دم لرفضه) لانه مجرد نية، قال في الانصاف: وهو ظاهر كلام كثير من الاصحاب. ومشى عليه في المنتهى وشرحه. وقيل: يلزمه وذكره في الترغيب وغيره، وقدمه في الفروع. (وحكم إحرامه باق) لان التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء، إما بكمال أفعاله، أو التحلل منه عند الحصر، أو بالعذر. إذا شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني. (فإن فعل محظورا) بعد رفضه إحرامه (فعليه فداؤه) لبقاء إحرامه، (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إحرامه). لما تقدم من حديث عائشة فإنه كان في حجة الوداع سنة عشر. وحديث يعلى بن أمية كان في عام حنين بالجعرانة سنة ثمان. ذكره ابن عبد البر اتفاق أهل العلم بالسير والآثار، (وتقدم) في الباب قبله (وليس له) أي المحرم (لبس ثوب مطيب بعد إحرامه) لقوله (ص): لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس متفق عليه. (وتقدم) في الباب قبله. وتقدم أيضا حكم استدامة ثوب مطيب أحرم فيه. (وإن أحرم وعليه قميص ونحوه خلعه) باتفاق أهل العلم بالسير والآثار، (ولم يشقه) ولا فدية عليه لان محظورات الاحرام إنما تترتب على المحرم لا على المحل... لا يقال: إنه بإقدامه على إنشاء الاحرام وهو متلبس بمحظوراته، متسبب إلى مصاحبة اللبس في الاحرام كما لا يقال مثل ذلك في الحالف والناذر، فإنه كان يمكنه أن لا يحلف حتى يترك التلبس بما يحلف عليه. فظهر من ذلك أنه يجوز له الاحرام، وعليه المخيط. ثم يخلعه، إلا على الرواية التي ذكرها في الرعاية أن عليه الفدية. فإن مقتضاها أنه لا يجوز،

[ 534 ]

قاله في القاعدة السابعة والاربعين. (فإن استدام لبسه) أي المخيط (ولو لحظة فوق المعتاد من خلعه. فدى) لاستدامة المحظور بلا عذر (فإن لبس بعد إحرامه ثوبا كان مطيبا أو انقطع ريحه) إذا رش فيه ماء فاح ريحه فدى (أو افترشه، ولو تحت حائل غير ثيابه لا يمنع ريحه، أو مباشرته إذا رش فيه ماء فاح ريحه فدى) لانه مطيب، بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء. والماء لا رائحة له. وإنما هو من الطيب الذي فيه. أشبه ما لو ظهرت الرائحة بنفسها. فإن كان الحائل غير ثيابه صفيقا يمنع ريحه ومباشرته، فلا فدية عليه. لانه لا يعد مستعملا له. فصل: (وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام كجزاء صيد وما وجب لترك واجب، أو) وجب ل‍ (- فوات أو بفعل محظور في الحرم، وهدي تمتع وقران ومنذور ونحوهما) فهو لمساكين الحرم. أما الهدي فلقوله تعالى: * (ثم محلها إلى البيت العتيق) * وأما جزاء الصيد فلقوله تعالى: * (هديا بالغ الكعبة) * وأما ما وجب لترك واجب أو فوات الحج، فلانه هدي وجب لترك نسك. أشبه دم القران. والاطعام في معنى الهدي. قال ابن عباس: الهدي والاطعام بمكة. ولانه نسك ينفعهم كالهدي. وكل هدي قلنا إنه لمساكين الحرم، فإنه (يلزم‍) - ه (ذبحه في الحرم) ويجزئه الذبح في جميع الحرم. لما روي عن جابر مرفوعا: كل فجاج مكة طريق ومنحر رواه أحمد وأبو داود، ولكنه في مسلم عنه مرفوعا: منى كلها منحر. وإنما أراد الحرم. لانه كله طريق إليها. والفج الطريق. وقوله: * (هديا بالغ الكعبة) *

[ 535 ]

وقوله: * (ثم محلها إلى البيت العتيق) * لا يمنع الذبح في غيرها. كما لم يمنعه بمنى، (و) يلزمه (تفرقة لحمه فيه أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكينه من المسلمين إن قدر على إيصاله إليهم بنفسه، أو بمن يرسله معه) لان المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه. ولا يحصل بإعطاء غيرهم. (وهم) أي مساكين الحرم (من كان) مقيما (به، أو واردا إليه من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة لحاجة) كالفقير والمسكين، والمكاتب، والغارم لنفسه. (فإن دفع) من الهدي أو الاطعام (إلى فقير في ظنه. فبان غنيا أجزأه) كالزكاة، (ويجزئ نحره في أي نواحي الحرم كان) الذبح. (قال) الامام (أحمد: مكة ومنى واحد. ومراده: في الاجزاء. لا في التساوي) في الفضيلة. (ومنى كلها منحر) لما تقدم من حديث مسلم. (والافضل: أن ينحر في الحج بمنى، وفي العمرة بالمروة) خروجا من خلاف مالك رحمه الله. (وإن سلمه) أي الهدي حيا (إليهم) أي إلى مساكين الحرم (فنحروه) بالحرم (أجزأ)، لحصول المقصود (وإلا) أي وإن لم ينحروه (استرده) منهم (ونحره)، لوجوب نحره (فإن أبى) أن يسترده (أو عجز) عن استرداده (ضمنه) لمساكين الحرم، لعدم خروجه من عهدة الواجب. (فإن لم يقدر على إيصاله إليهم) أي إلى مساكين الحرم (جاز نحره في غير الحرم) كالهدي إذا عطب. لقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (و) جاز (تفرقته هو) أي الهدي الذي عجز عن إيصاله، (و) تفرقة (الطعام) إذا عجز عن إيصاله بنفسه، أو بمن يرسله معه (حيث نحره)، أي بالمكان الذي نحره فيه. لما تقدم (فدية الاذى واللبس ونحوهما، كطيب. ودم المباشرة دون الفرج إذا لم ينزل. وما وجب بفعل محظور خارج الحرم، ولو لغير عذر. غير جزاء صيد فله تفرقتها) أي الفدية دما كانت أو طعاما، (حيث وجد سببها) لانه (ص): أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية، وهي من الحل. واشتكى الحسين بن علي رأسه فحلقه علي. ونحر

[ 536 ]

عنه جزورا بالسقيا رواه مالك والاثرم وغيرهما. (و) له تفرقتها (في الحرم أيضا) كسائر الهدايا (ووقت ذبح فدية الاذى) أي حلق الرأس (و) فدية (اللبس ونحوهما) كتغطية الرأس والطيب، (وما ألحق به) أي بما ذكر من المحظورات (حين فعله)، أي المحظور (وله الذبح قبله)، إذا أراد فعله (لعذر) ككفارة اليمين ونحوها. وتقدم أول الباب. (وكذلك ما وجب لترك واجب) أي يكون وقته من ترك ذلك الواجب، (ولو أمسك صيدا، أو جرحه، ثم أخرج جزاءه ثم تلف المجروح أو الممسك، أو قدم من أبيح له الحلق فديته قبل الحلق، ثم حلق. أجزأ) ه. ولا يخلو عن نوع تكرار مع ما قيله. (ودم الاحصار يخرجه حيث أحصر) من حل أو حرم. نص عليه. لان النبي (ص): نحر هديه في موضعه بالحديبية وهي من الحل. ودل على ذلك قوله تعالى: * (وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله) * ولانه موضع حله. فكان موضع نحره كالحرم، (وأما الصيام والحلق) فيجزئه بكل مكان. لقول ابن عباس: الهدي والاطعام بمكة، والصوم حيث شاء. ولانه لا يتعدى نفعه إلى أحد. فلا معنى لتخصيصه بمكان، بخلاف الهدي والاطعام. ولعدم الدليل على التخصيص. (و) أما (هدي التطوع وما يسمى نسكا فيجزئه بكل مكان. كأضحيته) ذكره في الفروع. قال في تصحيح الفروع: وفيه نظر. فإن هدي التطوع لاهل الحرم. وكذا ما كان نسكا. فلعل أن يكون هنا نقص. ويدل عليه قوله بعد ذلك لعدم نفعه. ولا معنى لتخصيصه بمكانه. وهذا التعليل ينافي هدي التطوع، وما يسمى نسكا، فإن فيهما نفعا لمساكين الحرم. (وكل دم ذكر) ولم يقيد (يجزئ فيه شاة كأضحية. فيجزئ الجذع من الضأن، والثني من المعز، أو سبع بدنة أو سبع بقرة) لقوله تعالى في المتمتع: * (فما استيسر من الهدي) * قال ابن عباس: شاة أو شرك في دم، وقوله تعالى في فدية الاذى: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) *. وفسره (ص) في حديث كعب بن عجرة: بذبح شاة. وما سوى هذين مقيس عليهما. (وإن ذبح بدنة أو بقرة فهو أفضل. وتكون كلها واجبة) لانه اختار الاعلى لاداء فرضه. فكان كله واجبا. كما لو اختار الاعلى من خصال الكفارة (ومن وجبت عليه بدنة أجزأته) عنها (بقرة) لقول جابر: كنا

[ 537 ]

ننحر البدنة عن سبعة. فقيل له: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن رواه مسلم. (كعكسه) أي إجزاء البدنة عن بقرة، (ولو) كان ذبح البقرة عن البدنة أو بالعكس (في جزاء صيد ونذر) مطلق. فإن نوى شيئا بعينه لزمه ما نواه. قاله ابن عقيل. (ويجزئه عن كل واحدة منهما) أي من البدنة والبقرة (سبع شياه) ولو في نذر أو جزاء صيد. قدمه في الشرح. (ويجزئه عن سبع شياه بدنة أو بقرة) سواء وجد الشياه أو عدمها لان أصحاب رسول الله (ص) كانوا يتمتعون. فيذبحون البقرة عن سبعة. قال جابر: أمرنا رسول الله (ص) أن نشترك في الابل والبقر. كل سبعة منا في بدنة رواه مسلم. (وذكر جماعة إلا في جزاء صيد) فلا تجزئ بدنة عن بقرة. ولا عن سبع شياه. باب جزاء الصيد على طريق التفصيل (جزاؤه ما يستحق بدله) أي الصيد على من أتلفه بمباشرة أو سبب، (من مثله) أي الصيد. (ومقاربه وشبهه) لعله عطف تفسير للمراد من المثل، دفعا لما يتوهم من إرادة المماثلة اللغوية وهي اتحاد الاثنين في النوع. كما ذكرته في الحاشية عن المطالع. والجزاء - بالمد والهمز - مصدر. جزيته بما صنع، ثم أطلق بمعنى المفعول. قاله أبو عثمان في أفعاله: جزا الشئ عنك، وأجزا: إذا قام مقامك وقد يهمز. (ويجتمع الضمان) لمالكه (والجزاء) لمساكين الحرم (إذا كان) الصيد (ملكا للغير) أي غير متلفه. لانه حيوان مضمون بالكفارة. فجاز أن يجتمع التقويم والتكفير في ضمانه كالعبد. (وتقدم) في السادس من المحظورات. (ويجوز إخراج الجزاء بعد الجرح وقبل الموت)، ككفارة قتل الآدمي وتقدم.

[ 538 ]

(وهو) أي الصيد (ضربان. أحدهما: له مثل) أي شبيه (من النعم. خلقة لا قيمة. فيجب فيه مثله) نص عليه للآية. (وهو) أي الذي له مثل (نوعان. أحدهما: ما قضت فيه الصحابة) أي: ولو البعض لا كلهم، (ففيه ما قضت به) الصحابة. وتقدم تعريف الصحابي في الخطبة. لقوله (ص): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. ولقوله: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ رواه أحمد والترمذي وحسنه. ولانهم أقرب إلى الصواب، وأعرف بمواقع الخطاب؟ كان حكمهم حجة على غيرهم. كالعالم مع العامي. (ففي النعامة بدنة) حكم به عمر وعثمان وعلي وزيد، وأكثر العلماء. لانها تشبه البعير في خلقته. فكان مثلا لها. فيدخل في عموم النص، وجعلها الخرقي من أقسام الطير. لان لها جناحين فيعايى بها. فيقال: طائر يجب فيه بدنة. (و) يجب (في كل واحد من حمار الوحش) بقرة، قضى بها عمر. وقاله عروة ومجاهد. لانها شبيهة به. (وبقرته) أي الوحش: بقرة. قضى به ابن مسعود. وقاله عطاء وقتادة. (والوعل) بفتح الواو مع فتح العين وكسرها وسكونها: تيس الجبل. قاله في القاموس. (وهو الاروى، بقر) قال في الصحاح: يروى عن ابن عمر أنه قال: في الاروى بقرة (يقال لذكره الايل) على وزن قتب، وخلب وسيد. وفيه بقرة. لقول ابن عباس (وللمسن منه التيتل)، بوزن جعفر (بقرة) لما تقدم عن ابن عمر. (وفي الضبع: كبش) لقول جابر: سألت النبي (ص) عن الضبع فقال: هو صيد، وفيه كبش إذا صاده المحرم رواه أبو داود وروى أيضا ابن ماجه والدارقطني عن جابر نحوه مرفوعا وقضى به عمر وابن عباس. (وهو) أي الكبش (فحل الضأن. وفي الظبي، وهو الغزال: عنز)

[ 539 ]

قضى به عمر وابن عباس، وروي عن علي، وقاله عطاء. قال ابن المنذر: ولا يحفظ عن غيرهم خلافه. لان فيه شبها بالعنز. لانه أجرد الشعر متقلص الذنب. (وهو الانثى من المعز. ولا شئ في الثعلب، لانه سبع) أي مفترس بنابه فيحرم أكله، فليس صيدا. (وفي الوبر) بسكون الباء، والانثى: وبرة. قال في القاموس: وهو دويبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها. (و) في (الضب: جدي) قضى به عمر، وأربد. والوبر مقيس على الضب والجدي، (مما بلغ من أولاد المعز ستة أشهر. وفي اليربوع: جفرة من المعز. لها أربعة أشهر) قضى به عمر وابن مسعود وجابر. (وفي الارنب عناق) قضى به عمر. وعن جابر: أن النبي (ص) قال: في الارنب: عناق، وفي اليربوع جفرة رواه الدارقطني. والعناق (أنثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة. قاله في الشرح والفروع) وشرح المنتهى. (وفي واحد الحمام، وهو كل ما عب وهدر: شاة) قضى به عمر وابنه وعثمان وابن عباس في حمام الحرم. وروي عن ابن عباس أيضا في حال الاحرام. وليس ذلك على وجه القيمة لما سبق. لاختلاف القيمة بالزمان والمكان وقوله: كل ما عب بالعين المهملة: أي وضع منقاره في الماء. فيكرع كما تكرع الشاة. ولا يأخذ قطرة قطرة، كالدجاج والعصافير. وهدر، أي صوت. وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهه بها في كرع الماء. ومن هنا قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي: كل طير يعب الماء كالحمام: فيه شاة. (فيدخل فيه القط والفواخت والوراشين، والقمارى، والدباس) جمع دبسي بالضم: ضرب من الفواخت. قاله في حاشيته. وفي شرح المنتهى: هو طائر لونه بين السواد والحمرة، يقرقر. والانثى دبسية (ونحوها) كالسفانين جمع سفنة بكسر العين وفتح الفاء والنون مشددة. قاله في القاموس: طائر بمصر لا يقع على شجرة إلا أكل جميع ورقها. لان العرب تسميه حماما. وقال الكسائي كل مطوق: حمام. فيدخل فيه الحجل. لانه مطوق. (النوع

[ 540 ]

الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة. فيرجع فيه إلى قول عدلين لقوله تعالى: * (يحكم به ذوا عدل منكم) *) الآية. فلا يكفي واحد (من أهل الخبرة) لانه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا بهما. فيعتبر أن الشبه خلقة لا قيمة، لفعل الصحابة. (ويجوز أن يكون القاتل أحدهما) نص عليه. لظاهر الآية. وروي أن عمر: أمر كعب الاحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم، وأمر أيضا أربد بذلك حين وطئ الضب فحكم على نفسه بجدي. فأقره. وكتقويمه عرض التجارة لاخراج زكاته. (و) يجوز (أن يكونا) أي الحاكمان بمثل الصيد المقتول (القاتلين) لما تقدم. (وحمله ابن عقيل على ما إذا قتله خطأ أو جاهلا بتحريمه) لعدم فسقه. قاله في الشرح (وعلى قياسه: إذا قتله لحاجة أكله) لانه قتل مباح، لكن يجب فيه الجزاء. قال في التنقيح: وهو قوي. ولعله مرادهم، لان قتل العمد ينافي العدالة (ويضمن كل واحد من الكبير والصغير، والصحيح والمعيب، والذكر والانثى، والحائل والحامل بمثله) للآية، ولان ما يضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بذلك، كالبهيمة. (وتقدم بعضه. وإن فدى الصغير بكبير، و) فدى (الذكر بأنثى) والمعيب بصحيح (فهو أفضل) لانه زاد خيرا (ولو جنى على الحامل، فألقت جنينها ميتا. ضمن نقص الام فقط. كما لو جرحها)، لان الحمل في البهائم زيادة. (وإن ألقته) أي الجنين (حيا لوقت يعيش لمثله ثم مات، ففيه جزاؤه) وإن كان لوقت لا يعيش لمثله فكالميت. جزم به في المغني والشرح. (ويجوز فداء أعور من عين، و) فداء (أعرج من قائمة بأعور وأعرج من أخرى)، لان الاختلاف يسير، ونوع العيب واحد. و (لا) يجوز (فداء أعور بأعرج. و) لا (عكسه) كفداء أعرج بأعور لاختلاف نوع العيب. (ويجزئ فداء أنثى بذكر، كعكسه) أي فداء ذكر بأنثى. لان لحمه أوفر، وهي أطيب فيتساويان.

[ 541 ]

فصل: (الضرب الثاني ما لا مثل له) من النعم (فيجب فيه قيمته مكانه) أي مكان إتلافه كمال الآدمي غير المثلي. (وهو سائر الطيور، ولو أكبر من الحمام. كالاوز) بكسر الهمزة وفتح الواو وتشديد الزاي، جمع إوزة. ويقال: وز جمع وزة، كتمر وتمرة. ذكره في حاشيته. (والحباري والحجل والكبير من طير الماء، والكركي وغير ذلك) لانه قياس. تركناه في الحمام لقضاء الصحابة. (وإن أتلف جزءا من صيد واندمل) أو تلف في يده جزء منه ثم اندمل، (وهو) أي الصيد (ممتنع، وله مثل) من النعم (ضمنه) أي الجزء (بمثله لحما من مثله) من النعم. لان ما وجب ضمان جملته بالمثل وجب في بعضه مثله، كالمكيلات. والمشقة مدفوعة بجواز عدوله إلى عدله طعاما أو صياما كما سبق. (وما لا مثل له) إذا تلف جزؤه أو تلف في يده، ثم اندمل وهو ممتنع. يضمن (ما نقص من قيمته) لان جملته مضمونة بالقيمة فكذلك أبعاضه، فيقوم الصيد سليما. ثم مجنيا عليه فيجب ما بينهما ليشتري به طعاما كما تقدم. (وإن نفر) المحرم (صيدا فتلف بشئ ولو بآفة سماوية، أو نقص في حال نفوره. ضمنه)، لان عمر: دخل دار الندوة، فعلق رداءه فوقع عليه حمام فأطاره، فوقع على واقف في البيت فخرجت حية فقتلته. فسأل من معه، فحكم عليه عثمان بشاة رواه الشافعي، وكذا إن جرحه فتحامل، فوقع في شئ تلف به. لانه تلف بسببه. و (لا) يضمنه (إن تلف بعد نفوره في مكانه بعد أمنه) قال في المبدع: أما إن نفره إلى مكان فأكربه، ثم تلف. فلا ضمان في الاشهر. (وإن رمى) المحرم (صيدا فأصابه ثم سقط) المرمي (على آخر فماتا ضمنهما) لتلفهما بجنايته، (فلو مشى المجروح قليلا. ثم سقط على آخر) فماتا (ضمن المجروح) لموته بجنايته (فقط)، أي

[ 542 ]

دون ما سقط عليه. لان سقوطه ليس من فعله (وإن جرحه) المحرم (جرحا غير موح، فغاب ولم يعلم خبره. فعليه ما نقصه. فيقوم صحيحا وجريحا غير مندمل. ثم يخرج بقسطه من مثله) إن كان مثليا. وإلا ما نقصه كما تقدم. (وكذا إن وجده ميتا) بعد جرحه غير موح، (ولم يعلم موته بجرحه) لانا لا نعلم حصول التلف بفعله. (وإن وقع) بعد جرحه (في ماء أو تردى) من علو، (فمات ضمنه) لتلفه بسببه. (وإن اندمل) الجرح وصار الصيد (غير ممتنع) فعليه جزاء جميعه، لانه عطله فصار كالتالف. (أو جرحه جرحا موحيا) أي لا تبقى معه الحياة غالبا، (فعليه جزاء جميعه) كقتله. لانه سبب للموت. (وكل ما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد) في الاحرام والحرم. (من مباشرة أو سبب) كدلالة وإشارة وإعانة. (وذلك ما جنت دابته بيدها أو فمها فأتلفت صيدا. فالضمان على راكبها أو قائدها أو سائقها) المتصرف فيها. كما لو كان المتلف آدميا. (وما جنته) فأتلفت (برجلها) أي نفحت بها (فلا ضمان عليها) فيه كذنبها. بخلاف وطئها بها. (وتقدم) في السادس من المحظورات. (وإن انفلتت) الدابة (فأتلفت صيدا لم يضمنه كالآدمي) إذا أتلفته إذن. لان يده ليست عليها إلا الضارية كما يأتي في الغصب. (وإن نصب) المحرم (شبكة) أو نحوها فوقع فيها صيد ضمنه (أو حفر) المحرم (بئرا بغير حق) بأن حفرها في غصب أو طريق ولو واسعا لنفع نفسه، (فوقع فيها صيد ضمنه) لعدوانه بحفرها. (وإن نصب شبكة ونحوها) كشرك وفخ. (قبل إحرامه فوقع فيها صيد بعد إحرامه لم يضمنه)، إن لم يتحيل (كما لو صاده قبل إحرامه وتركه في منزله. فتلف بعد إحرامه). وكذا إن حفر بئرا بحق فتلف بها صيد. وتقدم (وإن نتف) المحرم (ريشه) أي الصيد (أو شعره أو وبره فعاد) ما نتفه (فلا شئ عليه)، لان النقص زال. أشبه ما لو اندمل الجرح. (فإن صار) الصيد (غير ممتنع) بنتف ريشه ونحوه (فكالجرح)، أي فكما لو جرحه جرحا صار به غير ممتنع. وإن نتفه فغاب ولم يعلم خبره، فعليه ما نقصه. (وإن اشترك

[ 543 ]

جماعة في قتل صيد، ولو كان بعضهم ممسكا) للصيد والآخر قاتلا، (أو) كان بعضهم (متسببا) كالمشير والدال والمعين (والآخر قاتلا. فعليهم جزاء واحد. وإن كفروا بالصوم) لان الله تعالى أوجب المثل أو عدله من الطعام أو الصيام بقتله. فلا يجب غيره، وهو ظاهر في الواحد والجماعة. والقتل هو الفعل المؤدي إلى خروج الروح. وهو فعل الجماعة لا كل واحد. كقوله: من جاء بعبدي فله درهم، فجاء به جماعة. ولانه (ص): جعل في الضبع كبشا ولم يفرق. وهذا قول عمر وابنه وابن عباس. ولم يعرف لهم مخالف. ولانه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه ويحتمل التبعيض فكان واحدا. كقيم المتلفات والدية، بخلاف كفارة القتل. (وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرمي. فالجزاء عليهما نصفين) لاشتراكهما في القتل. وإن تعددت جهة التحريم في أحدهما واتحدت في الآخر. (وهذا الاشتراك الذي هذا حكمه هو الذي يقع) فيه (الفعل منهما معا، أو جرحه أحدهما وقتل الآخر) ويموت (منهما) أي من الجرحين بالسراية (فإن جرحه أحدهما وقتله الآخر فعلى الجارح ما نقصه) أي أرش نقصه. لانه لم يشارك في القتل. (وعلى القاتل جزاؤه مجروحا) لانه قتله كذلك. (وإذا قتل القارن صيدا فعليه جزاء واحد) لعموم الآية. وكذا لو تطيب أو لبس. وكذا المحرم يقتل صيدا في الحرم. وكلما قتل صيدا حكم عليه. لان الجزاء كفارة قتل الصيد. فاستوى فيه المبتدئ والعائد. كقتل الآدمي. والآية اقتضت الجزاء على العائد، لعمومها. وذكر العقوبة في العائد لا يمنع الوجوب. باب صيد الحرمين، ونبتهما أي حرم مكة والمدينة. (ويحرم صيد حرم مكة على الحلال والمحرم) إجماعا. روى ابن عباس مرفوعا أنه قال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يختلى خلاها. ولا يعضد شوكها. ولا ينفر صيدها. ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها. فقال العباس: إلا الاذخر، فإنه لقينهم

[ 544 ]

وبيوتهم. قال: إلا الاذخر متفق عليه. وعلم منه: أن مكة كانت حراما قبل إبراهيم. وعليه أكثر العلماء. وقيل: إنما حرمت بسؤال إبراهيم، وفي الصحيحين من غير وجه: إن إبراهيم حرمها، أي أظهر تحريمها. (فمن أتلف منه) أي من صيد حرم مكة (شيئا ولو كان المتلف كافرا أو صغيرا أو عبدا) لان ضمانه كالمال وهم يضمنونه. (فعليه ما على المحرم في مثله) نص عليه. لانه كصيد الاحرام، ولاستوائهما في التحريم فوجب أن يستويا في الجزاء. فإن كان الصيد مثليا ضمنه بمثله، وإلا فبقيمته. (ولا يلزم المحرم) بقتل صيد الحرم (جزاآن) نص عليه. لعموم الآية (وحكم صيده) أي حرم مكة (حكم صيد الاحرام مطلقا)، أي في التحريم ووجوب الجزاء الصوم وتملكه، وضمانه بالدلالة ونحوها. سواء كان الدال في الحل أو الحرم. وقال القاضي: لا جزاء على الدال إذا كان في الحل. والجزاء على المدلول. فكل ما يضمن في الاحرام يضمن في الحرم (إلا القمل. فإنه لا يضمن) في الحرم. ولا (يكره قتله فيه) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه. لانه حرم في حق المحرم لاجل الترفه وهو مباح في الحرم كالطيب ونحوه. (وإن رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم) كله، (أو بعض قوائمه فيه) أي الحرم ضمنه. وكذا إن كان جزء منه فيه غير قوائمه إن لم يكن قائما، تغليبا لجانب الحظر. فإن كانت قوائمه الاربع بالحل، وهو قائم ورأسه أو ذنبه بالحرم لم يكن من صيد الحرم، كالشجرة إذا كانت بالحل، وأغصانها بالحرم، (أو أرسل كلبه عليه) أي على صيد الحرم فقتله، ضمنه (أو قتل صيدا على غصن في الحرم أصله) أي الغصن (في الحل) ضمنه، لان الهواء تابع للقرار. فهو من صيد الحرم. (أو أمسك طائرا في الحل. فهلك فراخه) وكذا لو أمسك وحشا فهلك أولاده (في الحرم ضمنه) أي المذكور لعموم قوله (ص): لا ينفر صيدها. وقد أجمعوا على تحريم صيد الحرم. وهذا منه. ولانه أتلف صيدا حرميا. فضمنه، كما لو كان في الحرم. و (لا) يضمن (أمه) لانها من صيد الحل. وهو حلال. (ولو رمى الحلال صيدا ثم أحرم قبل أن يصيبه ضمنه) اعتبارا

[ 545 ]

بحالة الاصابة. (ولو رمى المحرم صيدا ثم حل قبل الاصابة لم يضمن) الصيد (اعتبارا بحالة الاصابة. وإن قتل) الحلال (من الحرم صيدا في الحل بسهمه أو كلبه) فلا جزاء فيه. لانه ليس من صيد الحرم فليس معصوما، (أو) قتل (صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم) فلا جزاء فيه، لتبعية الهواء للقرار، وقراره حل. فلا يكون صيده معصوما. (أو أمسك حمامة) مثلا (في الحرم فهلك فراخها في الحل. لم يضمن) لان الاصل الاباحة. وليس من صيد الحرم، فليس بمعصوم. (وإن كان الصيد والصائد) له (في الحل، فرماه بسهمه أو أرسل كلبه عليه) في الحل (فدخل الحرم، ثم خرج فقتله في الحل. فلا جزاء فيه)، لانه ليس بحرمي (وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل. فقتله أو غيره في الحرم، أو فعل ذلك بسهمه بأن شطح السهم فدخل الحرم. لم يضمن) لانه لم يرسله على صيد الحرم، بل دخل باختياره. أشبه ما لو استرسل بنفسه وكذا شطوح السهم بغير اختياره. (ولا يؤكل) صيد وجد سبب موته بالحرم. وإن لم يضمن (كما لو ضمنه. ولو جرح) محل (من الصيد في الحل. فمات) الصيد (في الحرم حل. ولم يضمن) لان الزكاة وجدت بالحل. فصل: (ويحرم قطع شجر الحرم) المكي (حتى ما فيه مضرة كشوك وعوسج) والعوسج بفتح العين والسين المهملتين: نبت معروف ذو شوك. لعموم قوله (ص): ولا يعضد شجرها وقال أكثر أصحابنا: لا يحرم ما فيه مضرة كشوك وعوسج، لانه مؤذ بطبعه. كالسباع. ذكره في المبدع. (و) يحرم قطع (حشيش) الحرم لقوله (ص): لا يختلى خلاها. (حتى شوك وورق وسواك. ونحوه) لعموم ما

[ 546 ]

سبق (ويضمنه) أي شجر الحرم وحشيشه حتى شوك وورق وسواك ونحوه. ويأتي كيفية ضمانه (إلا اليابس) من شجر وحشيش وورق ونحوها، لانه بمنزلة الميت. (و) إلا (ما زال بفعل غير آدمي) فيجوز الانتفاع به، نص عليه. لان الخبر في القطع (و) إلا ما (انكسر) و (لم يبن) فإنه كظفر منكسر. (و) إلا (الاذخر) لقوله (ص): إلا الاذخر، وهو بكسر الخاء والهمزة. قاله في حاشيته. (و) إلا (الكمأة والنقع) لانهما لا أصل لهما. فليسا بشجر ولا حشيش. فائدة: قال القزويني في عجائب المخلوقات: العرب تقول إن الكمأة تبقى في الارض، فيمطر عليها مطر الصيف، فتستحيل أفاعي. وكذا أخبر بها غير واحد. قاله في حاشيته. (و) إلا (الثمرة) لانها تستخلف، (و) إلا (ما زرعه آدمي من بقل ورياحين وزروع وشجر غرس من غير شجر الحرم. فيباح أخذه والانتفاع به). لانه مملوك الاصل، كالانعام. والنهي عن شجر الحرم. وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحد. وهذا يضاف إلى مالكه. فلا يعمه الخبر. (و) يباح الانتفاع (بما انكسر من الاغصان. و) بما (انقلع من الشجر بغير فعل آدمي). وتقدم آنفا (وكذا الورق الساقط) يجوز الانتفاع به. (ويجوز رعي حشيش) الحرم. لان الهدايا كانت تدخل فتكثر فيه. ولم ينقل سد أفواهها. وللحاجة إليه كالاذخر. وفي تعليق القاضي: الخلاف إن أدخلها للرعي. فإن أدخلها لحاجته، فلا ضمان، (ولا يجوز الاحتشاش للبهائم) لعموم قوله (ص): لا يختلى خلاها. (وإذا قطع) الآدمي (ما يحرم قطعه) من شجر الحرم وحشيشه ونحوه، (حرم انتفاعه) به (و) حرم (انتفاع غيره به) لانه ممنوع من إتلافه. لحرمة الحرم فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به. (كصيد ذبحه محرم) لا يحل له ولا لغيره. (ومن قطعه) أي شجر الحرم وحشيشه ونحوه (ضمن الشجرة الكبيرة والمتوسطة) عرفا. (ببقرة. و) ضمن (الصغيرة) عرفا (بشاة) لما روى عن ابن عباس: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة، وقاله عطاء. والدوحة الشجرة العظيمة. والجزلة الصغيرة (و) يضمن (الحشيش والورقة بقيمته) نص عليه. لان الاصل وجوب القيمة. ويفعل بالقيمة كما سبق لقضاء الصحابة. فيبقى ما عداه على مقتضى الاصل. (و) يضمن (الغصن بما نقص) أصله. لانه نقص بفعله. فوجب فيه ما نقصه. كما لو جنى على مال آدمي فنقصه. (وإن استخلف

[ 547 ]

الغصن والحشيش. سقط الضمان) كما لو قطع شعر آدمي ثم نبت. (وكذا لو رد شجرة) قلعها من الحرم إليه. (فنبتت) فلا ضمان عليه. لانه لم يتلفها (ويضمن نقصها إن نبتت ناقصة) لتسببه فيه. (وإن قلع شجرا من الحرم فغرسه في الحل. لزمه رده) إلى الحرم لازالة حرمتها. (فإن تعذر) ردها (أو يبست) ضمنها. لانه أتلفها (أو قلعها من الحرم، فغرسها في الحرم. فيبست ضمنها) لما مر (فإن قلعها غيره من الحل بعد أن غرسها هو) أي قالعها من الحرم، (ضمنها قالعها) من الحل. لانه أتلفها (بخلاف من نفر صيدا فخرج إلى الحل) فقتله غيره فيه، (لم يضمنه منفر، لا قاتل) لتفويته حرمته بإخراجه. والفرق: أن الشجر لا ينتقل بنفسه، ولا تزول حرمته بإخراجه. ولهذا وجب على مخرجه رده. فكان جزاؤه على متلفه. والصيد تارة يكون في الحرم، ومرة في الحل. فمن نفره فقد فوت حرمته بإخراجه. فلزمه جزاؤه. (ويخير) من وجب عليه جزاء شجر الحرم وحشيشه وصيده (بين الجزاء) أي ذبحه وعطائه لمساكين الحرم إن كان من بهيمة الانعام (وبين تقويمه ويفعل بثمنه) أي قيمته. (كجزاء صيد) الاحرام بأن يشتري به طعاما. فيطعمه للمساكين كل مسكين مد من بر، أو نصف صاع من غيره. وما لا مثل له كقيمة الحشيش. يتخير فيها. كجزاء صيد لا مثل له على ما سبق. (وإن قطع غصنا في الحل أصله أو بعضه في الحرم ضمنه) لانه تابع لاصله وتغليبا للحرمة، كالصيد، و (لا) يضمن الغصن (إن قطعه في الحرم. وأصله كله في الحل) لتبعيته لاصله (قال) الامام (أحمد: لا يخرج من تراب الحرم. ولا يدخل إليه من الحل) كذلك قال ابن عمر وابن عباس. (ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل. والخروج أشد، يعني في الكراهة). واقتصر في الشرح على الكراهة. وقال بعض أصحابنا. يكره إخراجه إلى الحل. وفي إدخاله في الحرم روايتان. وفي الفصول: يكره في تراب المسجد كتراب الحرم. وظاهر كلام جماعة يحرم، لان في تراب المسجد انتفاعا بالموقوف في غير جهته. ولهذا قال أحمد: فإن أراد أن يستشفي بطيب الكعبة، لم يأخذ منه شيئا. ويلزق عليها طيبا

[ 548 ]

من عنده. ثم يأخذه. قال في المنتهى: لا وضع الحصا في المساجد أي لا يكره ويحرم إخراج ترابها وطيبها. (ولا يكره إخراج ماء زمزم لانه يستخلف فهو كالثمرة) قال أحمد: أخرجه كعب ا ه‍. وروي عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن النبي (ص) كان يحمله. رواه الترمذي وقال: حسن غريب. (ومكة أفضل من المدينة) لحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي (ص) يقول - وهو واقف بالحزورة في سوق مكة -: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله. ولولا أني أخرجت منك ما خرجت رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال حسن صحيح. ولمضاعفة الصلاة فيه أكثر. وأما حديث: المدينة خير من مكة فلم يصح. وعلى فرض صحته فيحمل على ما قبل الفتح، ونحوه: حديث: اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي. فأسكني في أحب البقاع إليك يرد أيضا: بأنه لا يعرف، وعلى تقدير صحته. فمعناه: أحب البقاع إليك بعد مكة. (وتستحب المجاورة بها) أي بمكة، لما سبق من أفضليتها. وجزم في المغني وغيره: بأن مكة أفضل، وأن المجاورة بالمدينة أفضل. وذكر قول أحمد: المقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة، لمن قوي عليه، لانها مهاجر المسلمين. وقال (ص): لا يصبر أحد على لاوائها وشدتها إلا كنت له شفيعا يوم القيامة رواه مسلم من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وسعد. وفيهن: أو شهيدا. وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضلين. (ولمن هاجر منها) أي مكة (المجاورة بها) كغيره (وما خلق الله خلقا أكرم عليه من) نبينا (محمد (ص)) كما دلت عليه البراهين. (وأما نفس تراب تربته) (ص) (فليس هو أفضل من الكعبة بل الكعبة أفضل منه) قال في الفنون: الكعبة أفضل

[ 549 ]

من مجرد الحجرة. فأما والنبي (ص) فيها، فلا والله، ولا العرش وحملته. والجنة، لان بالحجرة جسدا لو وزن به لرجح. قال في الفروع: فدل كلام أحمد والاصحاب على أن التربة على الخلاف. (ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض. ولم يسبقه أحد إليه ولا وافقه أحد قط عليه) هذا معنى كلام الشيخ تقي الدين. وقال: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان. (وحد الحرم) المكي (من طريق المدينة: ثلاثة أميال عند بيوت السقيا) ويقال لها: بيوت نفار - بكسر النون، وبالفاء - وهي دون التنعيم، ويعرف الآن بمساجد عائشة. (و) حده (من) طريق (اليمن: سبعة) أميال (عند أضاة لبن) أما أضاة: فبالضاد المعجمة، بوزن قتاة، وأما لبن فبكسر اللام، وسكون الباء الموحدة. قال في الفروع: وهذا هو المعروف اه‍. وفي الهداية: عند إضاحة لبن (و) حده (من) طريق (العراق كذلك) أي سبعة أميال (على ثنية خل) بخاء معجمة مفتوحة ولام مشددة. هكذا في ضبط المصنف بالقلم. وفي المنتهى والمبدع وغيرهما: رجل، أي بكسر الراء وسكون الجيم (وهو جبل بالمقطع) بقاف ساكنة وطاء مفتوحة. هكذا ضبطه المصنف بالقلم، وعبارة المنتهى وغيره: بالمنقطع (ومن الجعرانة) بسكون العين وتخفيف الراء على المشهور، (تسعة أميال في شعب عبد الله بن خالد، و) حده (من) طريق (جدة: عشرة أميال، عند منقطع الاعشاش) أي منتهى طرفها. جمع عش بضم العين المهملة. (و) حده (من) طريق (الطائف، على عرفات، من بطن نمرة سبعة) أميال (عند طرف عرفة و) حده (من بطن عرفة أحد عشر ميلا). فصل: (ويحرم صيد المدينة) لحديث عامر بن سعد عن أبيه مرفوعا: إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع

[ 550 ]

عضاها، أو يقتل صيدها رواه مسلم. والمدينة من الدين بمعنى الطاعة. لان المقام بها طاعة، أو بمعنى الملك لانها دين أهلها، أي ملكهم. يقال: فلان في دين فلان، أي في ملكه وطاعته. وتسمى أيضا: طابة، وطيبة. (والاولى: أن لا تسمى بيثرب) لان النبي (ص) غيره، لما فيه من التثريب، وهو التعيير، والاستقصاء في اللوم. وما وقع في القرآن فهو حكاية لمقالة المنافقين. ويثرب في الاصل: اسم رجل من العمالقة بنى المدينة فسميت به. وقيل: يثرب اسم أرضها. ذكره في حاشيته. (فلو صاد) من حرم المدينة (وذبح) صيدها (صحت تذكيته)، قال القاضي: تحريم صيدها يدل على أنه لا تصح ذكاته. وإن قلنا: تصح فلعدم تأثير هذه الحرمة في زوال ملك الصيد، نص عليه. مع أنه ذكر في الصحة احتمالين. (ويحرم قطع شجرها) أي المدينة (وحشيشها) لما روى أنس: أن النبي (ص) قال: المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها متفق عليه. ولمسلم لا يختلي خلاها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل) أي رحل البعير. وهو أصغر من القتب. (والقتب وعوارضه، وآلة الحرث ونحو ذلك) كآلة الدياس والجذاذ والحصاد. (والعارضة لسقف المحمل، والمساند من القائمتين اللتين تنصب البكرة عليهما، والعارضة بين القائمتين ونحو ذلك) كعود البكرة، لما روى جابر: أن النبي (ص) لما حرم المدينة، قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة، والعارضة، والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد رواه أحمد. فاستثنى الشارح ذلك. وجعله مباحا. والمسند: عود البكرة. (و) يجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه (من حشيشها للعلف) لقول (ص) في حديث علي: ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره رواه أبو داود. ولان المدينة يقرب منها شجر وزرع، فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الضرر، بخلاف مكة.

[ 551 ]

(ومن أدخل إليها صيدا فله إمساكه وذبحه) نص عليه. لقول أنس: كان النبي (ص) أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير. قال: أحسبه فطيما، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ بالغين المعجمة - وهو طائر صغير، كان يلعب به متفق عليه. (ولا جزاء في صيدها) وشجرها (وحشيشها) قال في المنتهى: ولا جزاء فيما حرم من ذلك. قال أحمد في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي (ص) ولا أحدا من أصحابه حكموا فيه بجزاء. لانه يجوز دخول حرمها بغير إحرام. ولا تصلح لاداء النسك، ولا لذبح الهدايا. فكانت كغيرها من البلدان. ولا يلزم من الحرمة الضمان، ولا لعدمها عدمه. (وحد حرمها: ما بين ثور إلى عير) لحديث علي مرفوعا: حرم المدينة ما بين ثور إلى عير متفق عليه. (وهو ما بين لابتيها) لقول أبي هريرة قال الرسول (ص): ما بين لابتيها حرام متفق عليه. واللآبة: الحرة، وهي أرض تركبها حجارة سود، فلا تعارض بين الحديثين. قال في فتح الباري: رواية ما بين لابتيها أرجح، لتوارد الرواة عليها. ورواية جبليها لا تنافيها. فيكون عند كل جبل لابة، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب. وعاكسه في المطلع. (وقدره. بريد في بريد نصا) قال أحمد: ما بين لابتيها حرام، بريد في بريد. كذا فسره مالك بن أنس. (وهما) أي ثور وعير (جبلان بالمدينة، فثور) أنكره جماعة من العلماء واعتقدوا أنه خطأ من بعض رواة الحديث، لعدم معرفتهم إياه. وليس كذلك. بل هو (جبل صغير) لونه يضرب (إلى الحمرة بتدوير) ليس بمستطيل (خلف أحد من جهة الشمال) قال في فتح الباري، نقلا عن شيخه أبي بكر بن حسين المراغي: إن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير، يسمى ثورا. قال: وقد تحققته بالمشاهدة. (وعير) جبل (مشهور بها) أي بالمدينة. قال في المطلع: وقد أنكره بعضهم. وجعل النبي (ص) حول المدينة اثني عشرة ميلا حمى رواه مسلم عن أبي هريرة.

[ 552 ]

(ولا يحرم على المحل صيد وج وشجره) وحشيشه، (وهو واد بالطائف) كغيره من الحل. أما حديث محمد بن عبد الله بن سنان عن أبيه عن عروة بن الزبير عن أبيه مرفوعا: أن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله رواه أحمد وأبو داود. وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، فقد ضعفه أحمد. وقال أبو حاتم، محمد: ليس بقوي، في حديثه نظر. وقال البخاري: لا يتابع عليه. وقال ابن حبان، والازدي: لم يصح حديثه. وحمل القاضي ذلك على الاستحباب، للخروج من الخلاف. باب دخول مكة وما يتعلق به من الطواف والسعي وغيره (يسن الاغتسال لدخولها) ولو كان بالحرم، ولدخول حرمها. (ولو لحائض) ومثلها النفساء فتغتسل لدخول مكة وتقدم في الغسل. (و) يسن (أن يدخلها نهارا) لفعله (ص) قال في الفروع، وقيل: وليلا. نقل ابن هانئ: لا بأس به. وإنما كرهه من السراق، انتهى. وأخرج النسائي: أنه (ص) دخلها ليلا ونهارا. (من أعلاها) أي مكة (من ثنية كداء) بفتح الكاف ممدود مهموز مصروف وغير مصروف. ذكره في المطالع ويعرف الآن: بباب المعلاة، (و) يسن (أن يخرج من كدى) بضم الكاف وتنوين الدال عند ذي طوى، بقرب شعب الشافعيين (من الثنية السفلى) ويقال لها: باب شبكة، لقول ابن عمر: كان النبي (ص) يدخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى متفق عليه. وأما كدى - مصغرا - فأباحه لمن خرج من مكة إلى اليمن. وليس من هذين الطريقين في شئ. (و) يسن (أن يدخل المسجد) الحرام (من باب بني شيبة) وبإزائه الآن: الباب المعروف بباب السلام. لحديث جابر: أن النبي (ص) دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ثم دخل رواه مسلم وغيره. ويقول عند دخوله المسجد ما تقدم في باب المشي إلى الصلاة. وقال في أسباب الهداية: يسن أن يقول عند دخوله: بسم الله وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك. (فإذا رأى البيت رفع يديه) رواه الشافعي عن ابن

[ 553 ]

جريج مرفوعا. وقول جابر: ما كنت أظن أحدا يفعل هذا إلا اليهود - الحديث رواه النسائي، رد بأنه قول جابر عن ظنه. وخالفه ابن عمر وابن عباس. (وكثير) للحديث رواه البيهقي في السنن وحكاه في الفروع: بقيل. ولم يذكره في المنتهى وغيره، وقيل: ويهلل. (وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام) كان ابن عمر يقول ذلك. رواه الشافعي. والسلام الاول: اسم الله، والثاني، من أكرمته بالسلام. والثالث: سلمنا بتحيتك إيانا من جميع الآفات. ذكر ذلك الازهري. (اللهم زد هذا البيت تعظيما) أي تبجيلا (وتشريفا) أي رفعة وإعلاء (وتكريما ومهابة) أي توقيرا (وبرا) بكسر الباء، اسم جامع للخير (وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيما، وتشريفا، وتكريما، ومهابة، وبرا) رواه الشافعي بإسناده عن جريج مرفوعا: (الحمد لله رب العالمين كثيرا، كما هو أهله، وكما ينبغي لكريم وجهه، وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلا. والحمد لله على كل حال. اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام) سمي بذلك لان حرمته انتشرت، وأريد بتحريم البيت: سائر الحرم، قاله العلماء. (وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني واعف عني. واصلح لي شأني كله. لا إله إلا أنت) ذكر ذلك الاثرم وإبراهيم الحربي. قال في الفروع: وكان النبي (ص) إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال. (يرفع بذلك) الدعاء (صوته إن كان رجلا) لانه ذكر مشروع، فاستحب رفع الصوت به، كالتلبية. (وما زاد من الدعاء فحسن) لان تلك البقاع مظنة الاجابة. (ثم يبدأ بطواف العمرة، إن كان معتمرا) أي محرما بالعمرة متمتعا أو غيره (ولم يحتج أن يطوف لها طواف قدوم) كمن دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة،

[ 554 ]

فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد (و) يبتدئ (بطواف القدوم، ويسمى طواف الورود إن كان مفردا، أو قارنا، وهو تحية الكعبة). فاستحبت البداءة به. ولقول عائشة: إن النبي (ص) حين قدم مكة توضأ، ثم طاف بالبيت متفق عليه. وروي عن أبي بكر وعمر وابنه، وعثمان وغيرهم. (وتحية المسجد) الحرام (الصلاة وتجزئ عنها الركعتان بعد الطواف)، وهذا لا ينافي أن تحية المسجد الحرام: الطواف، لانه مجمل. وهذا تفصيله. (فيكون أول ما يبدأ به الطواف) لما تقدم. (إلا إذا أقيمت الصلاة، أو ذكر فريضة فائتة، أو خاف فوات ركعتي الفجر أو الوتر، أو حضرت جنازة فيقدمها عليه). أي الطواف لاتساع وقته وأمن فواته. (ثم يطوف) إذا فرغ من صلاته تلك. (والاولى للمرأة: تأخيره) أي الطواف (إلى الليل)، لانه أستر (إن أمنت الحيض أو النفاس. ولا تزاحم الرجال لتستلم الحجر) الاسود ولا لغيره خوف المحظور. (لكن تشير) المرأة (إليه) أي الحجر (ك‍) - الرجل (الذي لا يمكنه الوصول إليه) إلا بمشقة (ويضطبع بردائه في طواف القدوم، و) في (طواف العمرة للمتمتع، ومن في معناه غير حامل معذور). بحمله برادئه (في جميع أسبوعه. فيجعل وسطه) أي الرداء (تحت عاتقه الايمن. و) يجعل (طرفيه على عاتقه الايسر) مأخوذ من الضبع، وهو عضد الانسان. وذلك لحديث يعلى بن أمية: أن النبي (ص) طاف مضطبعا وعليه برد صححه الترمذي. وعن ابن عباس: أن النبي (ص) وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى، رواه أبو داود وابن ماجه. (فإذا فرغ من الطواف سواه) أي الرداء. فجعله على عاتقه. (ولا يضطبع في السعي) لعدم وروده

[ 555 ]

وقال أحمد: ما سمعنا فيه شيئا، ولا يصح القياس إلا فيما عقل معناه. وهذا تعبدي محض. (ويبتدئ الطواف من الحجر الاسود) لانه (ص) كان يبتدئ به، وقال: خذوا عني مناسككم. (وهو جهة المشرق، فيحاذيه) أي الحجر (أو) يحاذي (بعضه بجميع بدنه) لان ما لزم استقباله لزم بجميع البدن كالقبلة. (فإن لم يفعل) أي يحاذي الحجر أو بعضه بكل بدنه، بأن ابتدأ بالطواف عن جانب الركن من جهة الباب، بحيث خرج شئ من بدنه عن محاذاة الحجر، (أو بدأ بالطواف من دون الركن) الذي به الحجر (كالباب ونحوه) كالملتزم (لم يحتسب بذلك الشوط) لعدم محاذاة بدنه للحجر، ويحتسب له بالثاني وما بعده. ويصير الثاني أولا. لانه يحاذي فيه الحجر بجميع بدنه. (ثم يستلمه) أي الحجر (أي يمسحه بيده اليمنى)، لقول جابر: إن الرسول (ص) لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه - الحديث رواه مسلم. والاستلام: افتعال من السلام، وهو التحية. وأهل اليمن يسمون الحجر الاسود: المحيا. لان الناس يحيونه بالاستلام. وقد ثبت عن النبي (ص) أنه نزل من الجنة أشد بياضا من اللبن، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وعن علي قال: لما أخذ الله عزوجل الميثاق على الذرية كتب كتابا فألقمه الحجر. فهو يشهد للمؤمن بالوفاء، وعلى الكافر بالجحود، وذكره الحافظ أبو الفرج. (ويقبله) أي الحجر (من غير صوت يظهر للقبلة) لحديث ابن عمر: أن النبي (ص) استقبل الحجر، ووضع شفتيه عليه يبكي طويلا. ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي. فقال: يا عمر ها هنا تسكب العبرات رواه ابن ماجه. وفي الصحيحين أن أسلم قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر، وقال: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبلك ما قبلتك. (ونص) أحمد في رواية الاثرم (ويسجد عليه) فعله ابن عمر. وابن عباس (فإن شق) استلامه وتقبيله لم يزاحم، واستلمه بيده (وقبل يده) لحديث ابن عباس: أن النبي

[ 556 ]

(ص) استلمه وقبل يده وروي عن ابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس. (فإن شق) استلامه بيده (استلمه بشئ وقبله) روي عن ابن عباس موقوفا. (فإن شق) استلامه بشئ (أشار إليه بيده أو بشئ واستقبله بوجهه ولا يقبل المشار به) لعدم وروده، (ولا يزاحم) لاستلام الحجر أو تقبيله أو السجود عليه. (فيؤذي أحدا) من الطائفين (ويقول) عند استلام الحجر، أو استقباله بوجهه إذا شق استلامه: (بسم الله والله أكبر. اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد (ص) ويقول ذلك كلما استلمه) لحديث عبد الله بن السائب: أن النبي (ص) كان يقول ذلك عند استلامه. (وزاد جماعة: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. فإن لم يكن الحجر موجودا) والعياذ بالله، (وقف مقابلا لمكانه) كما تقدم في استقبال الكعبة إذا هدمت. (واستلم الركن وقبله. فإن شق استلمه وقبل يده) لحديث: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم. (ثم يأخذ على يمينه مما يلي باب البيت) لحديث جابر: أن النبي (ص) لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعا رواه مسلم. (ويجعله) أي البيت (على يساره) لفعله (ص) مع قوله: لتأخذوا عني مناسككم. (ليقرب جانبه الايسر) الذي هو مقرب القلب (إليه) أي إلى البيت، (فأول ركن يمر به) الطائف (يسمى الشامي والعراقي. وهو جهة الشام، ثم يليه الركن الغربي والشامي. وهو جهة المغرب. ثم اليماني جهة اليمن. فإذا أتى عليه) أي على الركن اليماني (استلمه ولم يقبله) وحديث مجاهد عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله إذا استلم الركن استلمه، ووضع خده الايمن عليه. فقال ابن عبد البر: هذا لا يصح. وإنما يعرف التقبيل في الحجر الاسود.

[ 557 ]

(ولا يستلم ولا يقبل الركنين الآخرين) أي الشامي والغربي. لقول ابن عمر: لم أر النبي (ص) يمسح من الاركان إلا اليمانيين متفق عليه. وقال ابن عمر: ما أراه - يعني النبي (ص) لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا لان البيت لم يتم على قواعد إبراهيم، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك. وطاف معاوية فجعل يستلم الاركان كلها. فقال ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين؟ ولم يكن النبي (ص) يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شئ من البيت مهجورا. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فقال معاوية: صدقت. (ولا) يستلم ولا يقبل (صخرة بيت المقدس ولا غيرها من المساجد والمدافن التي فيها الانبياء والصالحون) لما تقدم عن ابن عباس لمعاوية، بل هذه أولى. (ويطوف سبعا، يرمل في الثلاثة الاول منها ماش) لما تقدم من حديث جابر. وكذلك رواه ابن عمر وابن عباس متفق عليهما. وقال ابن عباس: رمل النبي (ص) في عمره كلها وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده رواه أحمد. وإن كان أصل الرمل لاظهار الجلد للمشركين. فبقي الحكم بعد زوال علته. لما تقدم (غير راكب و) غير (حامل معذور، و) غير (نفساء، و) غير (محرم من مكة أو من قربها. فلا يسن هو) أي الرمل (ولا الاضطباع لهم) لعدم وجود المعنى الذي لاجله شرع الرمل، وهو إظهار الجلد والقوة لاهل البلد. وكان ابن عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل. ومن لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع. (ولا) يسن رمل ولا اضطباع (في غير هذا الطواف) لان النبي (ص) وأصحابه إنما اضطبعوا ورملوا فيه. (ولا يقضيه) أي ما ذكره من الاضطباع والرمل. (ولا) يقضي (بعضه) إذا فاته (في) طواف (غيره) خلافا للقاضي، كمن ترك الجهر في صلاة الفجر، لا يقضيه في صلاة الظهر. ولا يقتضي القياس أن تقضي هيئة عبادة في عبادة أخرى. (وهو) أي الرمل (إسراع المشي مع تقارب

[ 558 ]

الخطى في غير وثب. والرمل أولى من الدنو من البيت بدونه) أي دون رمل. لعدم تمكنه منه مع القرب للزحام. لان المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها. (وإن كان لا يتمكن من الرمل أيضا) أي مع البعد من البيت لقوة الزحام، (ولو) كان إذا تأخر في حاشية القوم للرمل. (يختلط بالنساء فالدنو) من البيت مع ترك الرمل (أولى) من البعد، لخلوه عن المعارض. (ويطوف) مع الزحام (كيفما أمكنه) بحيث لا يؤذي أحدا. (فإذا وجد فرجة رمل فيها) ما دام في الثلاثة الاول، لبقاء محله. (وتأخير الطواف) حتى يزول الزحام (له) أي الرمل، (وللدنو) من البيت (أو لاحدهما أولى) من تقديمه مع فواتهما، أو فوات أحدهما. ليأتي بالطواف على الوجه الاكمل. (ويمشي الاربعة الاشواط الباقية) من الطواف، للاخبار المتفق عليها التي تقدمت الاشارة إليها (وكلما حاذى الحجر الاسود والركن اليماني استلمهما) استحبابا. لما روى ابن عمر قال نافع: وكان ابن عمر يفعله. رواه أبو داود. (وإن شق) أي استلامهما للزحام (أشار إليهما) لما مر. (ويقول كلما حاذى الحجر الاسود: الله أكبر فقط) لحديث البخاري عن ابن عباس قال: طاف النبي (ص) على بعير، كلما أتى الركن أشار بيده وكبر. (وله القراءة في الطواف. فتستحب) القراءة فيه، نص عليه. قال القاضي وغيره: ولانه صلاة وفيها قراءة ودعاء، فيجب كونه مثلها. و (لا) يستحب (الجهر بها) أي بالقراءة في الطواف (ويكره) الجهر بالقراءة (إن غلط المصلين) قلت: أو الطائفين. (و) يقول (بين) الركن الذي به الحجر (الاسود، و) الركن (اليماني: * (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) *) رواه أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي (ص) يقول. وعن أبي هريرة مرفوعا قال: وكل به، أي الركن اليماني: سبعون ألف ملك. فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة. وفي الآخرة حسنة

[ 559 ]

وقنا عذاب النار قالوا: آمين (ويكثر في بقية طوافه من الذكر والدعاء. ومنه: اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا) أي عملا متقبلا يزكو لصاحبه ثوابه، ومساعي الرجل: أعماله الصالحة. وأحدها مسعاة. قاله في حاشيته. (وذنبا مغفورا. رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم. وأنت الاعز الاكرم. ويدعو بما أحب. ويصلي على النبي (ص)). لان ذلك مستحب في جميع الاحوال. ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى. (ويدع الحديث. إلا الذكر والقراءة، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما لا بد منه). لقوله (ص): الطواف بالبيت صلاة. فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير (ومن طاف أو سعى راكبا أو محمولا لغير عذر. لم يجزئه) الطواف ولا السعي. لقوله (ص): الطواف بالبيت صلاة ولانه عبادة تتعلق بالبيت. فلم يجز فعلها راكبا، كالصلاة. والسعي كالطواف. (و) الطواف أو السعي راكبا أو محمولا (لعذر يجزئ) لحديث ابن عباس: أن النبي (ص) طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن. وعن أم سلمة قالت: فشكوت إلى النبي (ص) أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة متفق عليهما. وكان طوافه (ص) راكبا لعذر، كما يشير إليه قول ابن عباس: كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. وكان النبي (ص) لا تضرب الناس بين يديه. فلما كثروا عليه ركب رواه مسلم. واختار الموفق والشارح: يجزئ السعي راكبا ولو لغير عذر. (ويقع الطواف) أو السعي

[ 560 ]

(عن المحمول إن نويا) أي الحامل والمحمول (عنه، أو نوى كل منهما عن نفسه) لان المقصود هنا الفعل، وهو واحد، فلا يقع عن شخصين. ووقوعه عن المحمول أولى. لانه لم ينوه بطوافه إلا لنفسه. والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه. ولان الطواف عبادة أدى بها الحامل فرض غيره. فلم تقع عن فرضه كالصلاة، وصحة أخذ الحامل عن المحمول الاجرة يدل على أنه قصده به، لانه لا يصح أخذه عن شئ يفعله لنفسه. ذكره القاضي وغيره. (وإن نويا) أي الحامل والمحمول الطواف (عن الحامل، وقع) الطواف (عنه) أي الحامل لخلوص كل منهما بالنية للحامل. (وإن نوى أحدهما) الطواف (عن نفسه، والآخر لم ينو) الطواف (وقع لمن نوى) لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى (وإن عدمت النية منهما، أو نوى كل منهما عن الآخر لم يصح) الطواف (لواحد منهما) لخلو طواف كل منهما عن نية منه. (وإن حمله بعرفات) لعذر أو لا (أجزأ) الوقوف (عنهما)، لان المقصود الحصول بعرفة، وهو موجود. (وإن طاف منكسا، بأن جعل البيت عن يمينه) لم يجزئه. لقوله (ص): خذوا عني مناسككم. وقد جعل البيت في طوافه على يساره. وكذا لو طاف القهقرى. (أو) طاف (على جدار الحجر) بكسر الحاء المهملة، لم يجزئه لقوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * والحجر منه. ولقوله (ص) في حديث عائشة: هو من البيت رواه مسلم. فمن لم يطف به لم يعتد بطوافه. (أو) طاف على (شاذروان الكعبة بفتح الذال) المعجمة (وهو القدر الذي ترك خارجا عن عرض الجدار مرتفعا من الارض قدر ثلثي ذراع) لم يجزئه، (لانه) أي الشاذروان (منها) أي من الكعبة. (أو ترك شيئا من الطواف وإن قل) لم يجزئه. لانه لم يطف بجميع البيت (أو لم ينو) الطواف لم يجزئه. لحديث: إنما الاعمال بالنيات ولانه صلاة للخبر. والصلاة من شرطها النية. (أو) طاف (خارج المسجد) لم يجزئه، لانه لم يرد به الشرع. ولا يحنث به من حلف لا يطوف. (أو طاف) أو (محدثا ولو حائضا) لقوله (ص): الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه رواه

[ 561 ]

الترمذي والاثرم من حديث ابن عباس. وقال (ص) لعائشة حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت (ويلزم الناس انتظارها) أي الحائض. (لاجله فقط. إن أمكن) لتطوف طواف الافاضة. وظاهره: أنه لا يلزمهم انتظارها للنفاس. لطول مدته، (أو) طاف (نجسا) ثوبه أو بدنه أو بقعته لم يجزئه كالمحدث. (أو) طاف (شاكا فيه) أي في الطواف، (في طهارته) وقد تيقن الحدث لم يجزئه، استصحابا للاصل. و (لا) يضره شكه في طهارته (بعد فراغه منه) أي الطواف، لان الظاهر صحته، كشكه في الصلاة أو في غيرها بعد الفراغ. (أو) طاف (عريانا) لم يجزئه. لحديث أبي هريرة: أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمر أبا بكر عليها قبل حجة الوداع، يؤذن يوم النحر، لا يحج بعد العام مشرك. ولا يطوف بالبيت عريان متفق عليه. (أو قطعه) أي الطواف (بفصل طويل عرفا، ولو سهوا لعذر) لم يجزئه لانه (ص): والى بين طوافه، وقال: خذوا عني مناسككم ولانه صلاة. فاعتبرت فيه الموالاة كسائر الصلوات. (أو أحدث في بعضه لا يجزئه) لان الطهارة شرط فيه، وإذا وجد الحدث بطلت، فيبطل كالصلاة. (فتشترط الموالاة فيه وفي سعي) لما مر. (وعند الشيخ: الشاذروان ليس من الكعبة. بل جعل عمادا للبيت) فيصح الطواف عليه (وعلى الاول: لو مس الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح طوافه) اعتبارا بجملته. كما لا يضر التفات المصلي بوجهه. وعلى قياسه: ولو مس أعلى جدار الحجر. (وإن طاف في المسجد من وراء حائل من قبة وغيرها أجزأ) ه الطواف. لانه في المسجد. (وإن طاف على سطحه) أي المسجد (توجه الاجزاء) كصلاته عليها. (قاله في الفروع) وإن قصد في طوافه غريما وقصد معه طوافا بنية حقيقية لا حكمية. توجه الاجزاء في قياس قولهم. ويتوجه احتمال، كعاطس قصد بحمده قراءة، وفي الاجزاء عن فرض القراءة وجهان. قاله في الفروع. (وإن

[ 562 ]

شك في عدد الاشواط أخذ باليقين) ليخرج من العهدة بيقين. (ويقبل قول عدلين) في عدد الاشواط كعدد الركعات في الصلاة. (ويسن فعل سائر المناسك) من السعي والوقوف والرمي وغيرها، (على طهارة). وتقدم في الوضوء (وإن قطع الطواف بفصل يسير) بنى من الحجر، لعدم فوات الموالاة بذلك. (أو أقيمت صلاة مكتوبة) صلى وبنى. لحديث: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. والطواف صلاة. فتدخل في العموم. (أو حضرت جنازة صلى وبنى) لانها تفوت بالتشاغل عنها (ويكون البناء من الحجر) الاسود (ولو كان القطع من أثناء الشوط) لانه لا يعتد ببعض شوط قطع فيه. وحكم السعي في ذلك كطواف، (ثم) بعد تمام الطواف (يصلي ركعتين. والافضل) كونهما (خلف المقام) أي مقام إبراهيم. لقول جابر في صفة حج النبي (ص): حتى أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا. ثم تقدم إلى مقام إبراهيم. فقرأ: * (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي) * فجعل المقام بينه وبين البيت. (وحيث ركعهما. من المسجد أو غيره جاز) لعموم: جعلت لي الارض مسجدا وتربتها طهورا وصلاهما عمر بذي طوى. (ولا شئ عليه) لترك صلاتهما خلف المقام. (وهما سنة مؤكدة، يقرأ فيهما بعد الفاتحة في الاولى: * (قل يا أيها الكافرون) *، و) يقرأ (في الثانية: * (قل هو الله أحد) *) لحديث جابر: فصلى ركعتين: فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، ثم عاد إلى الركن فاستلمه ثم خرج إلى الصفا رواه مسلم. (ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة ويمر بين يديه الطائفون من الرجال والنساء) فإن النبي (ص): صلاهما والطواف بين يديه. ليس بينهما شئ. وكان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه فتمر المرأة بين يديه. ينتظرها

[ 563 ]

حتى ترفع رجلها ثم يسجد. وكذا سائر الصلوات بمكة، لا يعتبر لها سترة، قاله في الشرح. (وتقدم) في الصلاة موضحا. (ويكفي عنهما) أي عن ركعتي الطواف (مكتوبة، وسنة راتبة) كركعتي الاحرام، وتحية المسجد. (ويسن الاكثار من الطواف كل وقت) وتقدم نص الامام: أن الطواف لغريب أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام. (وله جمع أسابيع) من الطواف (فإذا فرغ منها ركع لكل أسبوع ركعتين) لفعل عائشة، والمسور بن مخرمة. (والاولى) أن يصلي (لكل أسبوع عقبه) لفعله (ص). (ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه) لعدم وروده. فرع: (إذا فرغ المتمتع) من العمرة والحج. (ثم علم أنه كان على غير طهارة في أحد الطوافين وجهله) أي الطواف الذي كان فيه على غير طهارة، (لزمه الاشد) ليبرئ ذمته بيقين. (وهو) أي الاشد (كونه) بلا طهارة، (في طواف العمرة. فلم تصح) لفساد طوافها. (ولم يحل منها) بالحلق. لفساد الطواف (فيلزمه دم للحلق) لبقاء إحرامه. (ويكون قد أدخل الحج على العمرة، فيصير قارنا. ويجزئه الطواف للحج) أي طواف الافاضة (عن النسكين) أي الحج والعمرة. كالقارن في ابتداء إحرامه. قلت: الذي يظهر: لزوم إعادة الطواف، لاحتمال أن يكون المتروك فيه الطهارة: هو طواف الحج. فلا يبرأ بيقين إلا بإعادته. (ولو قدرناه) أي الطواف بغير طهارة (من الحج لزمه إعادة الطواف) لوقوعه غير صحيح. (ويلزمه إعادة السعي على التقديرين. لانه وجد بعد طواف غير معتد به) لانا قدرنا كونه وقع بغير طهارة. (وإن كان وطئ بعد حله من العمرة) وقد فرضنا طوافها بلا طهارة، (حكمنا بأنه أدخل حجا على عمرة فاسدة. فلا يصح) إدخال الحج عليها، (ويلغو ما فعله من أفعال الحج) لعدم صحة الاحرام به. (ويتحلل بالطواف الذي قصده للحج من عمرته الفاسدة، وعليه) دمان (دم للحلق

[ 564 ]

ودم للوطئ في عمرته. ولا يحصل له حج ولا عمرة) لفساد العمرة بالوطئ فيها. وعدم صحة إدخال الحج عليها إذن. (ولو قدرناه) أي الطواف بلا طهارة (من الحج. لم يلزمه أكثر من إعادة الطواف والسعي) للحج، (ويحصل له الحج والعمرة) لحصول الوطئ زمن الاحلال. فصل: (ويشترط لصحة الطواف ثلاثة عشر شيئا الاسلام، والعقل، والنية) كسائر العبادات، (وستر العورة) لما تقدم، (وطهارة الحدث) لانه صلاة. و (لا) تشترط طهارة الحدث (لطفل دون التمييز)، لعدم إمكانها منه. (وطهارة الخبث). وظاهره: حتى للطفل (وتكميل السبع، وجعل البيت عن يساره، والطواف بجميعه) أي البيت بأن لا يطوف على جدار الحجر، أو شاذروان الكعبة. (وأن يطوف ماشيا مع القدرة) على المشي، (وأن يوالي بينه) إلا إذا حضرت جنازة أو أقيمت صلاة. وتقدم (وأن لا يخرج من المسجد) يعني أن يطوف في المسجد. (وأن يبتدئ من الحجر الاسود. فيحاذيه) بكل بدنه. وتقدم ذلك كله موضحا. (وسننه) أي الطواف (عشر: استلام الركن) يعني به الحجر الاسود، (وتقبيله، أو ما يقوم مقامه من الاشارة) عند تعذر الاستلام، (واستلام الركن اليماني، والاضطباع، والرمل، والمشي في مواضعه) على ما تقدم بيانه مفصلا، (والدعاء والذكر، والدنو من البيت، وركعتا الطواف) وتقدمت أدلة ذلك كله. (وإذا فرغ من ركعتي الطواف وأراد السعي. سن عوده إلى الحجر فيستلمه) لحديث جابر. وتقدم قريبا (ثم يخرج إلى الصفا من بابه) أي باب المسجد المعروف بباب الصفا، (وهو) أي الصفا (طرف جبل أبي

[ 565 ]

قبيس، وعليه درج، وفوقها أزج كإيوان، فيرقى عليه ندبا، حتى يرى البيت إن أمكنه. فيستقبله) لحديث أبي هريرة: أن النبي (ص) لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو رواه مسلم. وفي حديث جابر: فبدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة - الحديث رواه مسلم. (ويكبر ثلاثا، ويقول ثلاثا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شى قدير. وله الحمد، يحيي ويميت. وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شئ قدير. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده) أي الذين تحزبوا على النبي (ص) في غزوة الخندق، وهم قريش وغطفان واليهود. (ويقول: لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك) أي محارمك (اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين. اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والاولى. واجعلني من أئمة المتقين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لي خطيئتي يوم الدين. اللهم قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد. اللهم إذ هديتني للاسلام فلا تنزعني منه،

[ 566 ]

ولا تنزعه مني، حتى تتوفاني على الاسلام. اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن). هذا دعاء ابن عمر، قال أحمد: يدعو به. قال نافع بعده: ويدعو دعاء كثيرا، حتى إنه ليملنا، ونحن شباب. (ولا يلبي) على الصفا لعدم وروده. ويأتي حكم التلبية في السعي. (ثم ينزل من الصفا، ويمشي حتى يحاذي العلم، وهو الميل الاخضر المعلق بركن المسجد على يساره نحو ستة أذرع) يعني يمشي من الصفا حتى يبقى بينه وبين العلم المذكور نحو ستة أذرع. (فيسعى ماشيا سعيا شديدا ندبا، بشرط أن لا يؤذي ولا يؤذى، حتى يتوسط بين الميلين الاخضرين، وهما العلم الآخر، أحدهما بركن المسجد والآخر بالموضع المعروف بدار العباس. فيترك شدة السعي ثم يمشي حتى يأتي المروة، وهي أنف) جبل (قعيقعان، فيرقاها ندبا، ويستقبل القبلة ويقول عليها ما قال على الصفا). لما في حديث جابر: أن النبي (ص) لما دنا من الصفا قرأ: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا. فرقي عليه حتى رأى البيت. فاستقبل القبلة. فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك. فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا رواه مسلم. (ويجب استيعاب ما بينهما) أي الصفا والمروة. لفعله (ص) وقوله: خذوا عني مناسككم (فإن لم يرقهما ألصق عقب رجليه بأسفل الصفا، و) ألصق (أصابعهما بأسفل المروة) ليستوعب ما بينهما. وإن كان راكبا لعذر فعل ذلك بدابته. لكن قد حصل علو في الارض من الاتربة والامطار، بحيث تغطى عدة من درجهما. فكل من لم يتحقق قدر المغطى يحتاط ليخرج من عهدة الواجب بيقين. (ثم ينقلب) فينزل عن المروة (إلى الصفا فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل) الساعي (ذلك سبعا، يحتسب

[ 567 ]

بالذهاب سعية. و) يحتسب (بالرجوع سعية. يفتتح بالصفا ويختم بالمروة) لخبر جابر. وسبق (فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط) لمخالفته لقوله (ص): خذوا عني مناسككم. (ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك) أي الصفا والمروة (رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الاعز الاكرم)، وقال (ص): إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لاقامة ذكر الله تعالى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (ولا يسن السعي بينهما) أي بين الصفا والمروة (إلا في حج أو عمرة) فهو ركن فيهما كما يأتي. فليس السعي كالطواف في أنه يسن كل وقت. لعدم ورود التطوع به مفردا. (ويستحب أن يسعى طاهرا من الحدث) الاكبر والاصغر. (و) من (النجاسة) في بدنه وثوبه (مستترا) أي ساترا لعورته، بمعنى أنه لو سعى عريانا أجزأه. وإلا فكشف العورة غير جائز. (وتشترط) للسعي (النية) لحديث: إنما الاعمال بالنيات. (والموالاة) قياسا على الطواف. قاله القاضي (والمرأة لا ترقى) الصفا ولا المروة. (ولا تسعى) بين الميلين سعيا (شديدا) لقول ابن عمر، ليس على النساء رمل بالبيت، ولا بين الصفا والمروة. وقال: لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة ولا ترفع صوتها بالتلبية رواه الدارقطني. ولان المطلوب منها الستر. وفي ذلك تعرض للانكشاف. والقصد بشدة السعي: إظهار الجلد. وليس ذلك مطلوبا في حقها. (وإن سعى على غير طهارة) بأن سعى محدثا أو نجسا (كره) له ذلك. وأجزأه، لانه عبادة لا تتعلق بالبيت، أشبه الوقوف. (ويشترط تقدم الطواف عليه. ولو) كان الطواف الذي تقدم عليه. (مسنونا. كطواف القدوم) لان النبي (ص) إنما سعى بعد الطواف. وقال: لتأخذوا عني مناسككم (فإن سعى بعد طوافه) الواجب أو المسنون (ثم علم أنه طاف غير متطهر. لم يجزئه السعي) لبطلان الطواف الذي تقدمه. فوجوده كعدمه، (وله) أي للساعي (تأخيره) أي السعي (عن طوافه بطواف أو غيره، فلا تجب الموالاة بينهما) أي بين الطواف والسعي (فلا بأس أن يطوف أول

[ 568 ]

النهار. ويسعى آخره) أو بعد ذلك. لكن تسن الموالاة بينهما (ولا تسن عقبه) أي السعي (صلاة) لعدم الورود، (وإن سعى) المفرد أو القارن (مع طواف القدوم لم يعده) أي السعي (مع طواف الزيارة) لانه لم يشرع تكراره. (وإلا) أي وإن لم يكن سعي مع طواف القدوم، أو كان متمتعا (سعى بعده) أي بعد طواف الزيارة، ليأتي بركن الحج (فإذا فرغ من السعي، فإن كان متمتعا، (سعى متمتعا بلا هدي) أي ليس معه هدي، (حلق أو قصر من جميع شعره. وقد حل. ولو كان ملبدا رأسه. فيستبيح جميع محظورات الاحرام، والافضل هنا: التقصير ليتوفر الحلق للحج. ولا يسن تأخير التحلل) لحديث ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله (ص) بالعمرة إلى الحج. فلما قدم (ص) مكة قال: من كان معه هدي، فإنه لا يحل من شئ حرم منه، حتى يقضي حجه. ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل متفق عليه. فإن ترك التقصير والحلق فعليه دم. فإن وطئ قبله فعمرته صحيحة، وعليه دم، روي عن ابن عباس. ذكره في الشرح. (وإن كان معه) أي المتمتع هدي (أدخل الحج على العمرة) ويصير قارنا. وتقدم. (وليس له أن يحل. ولا) أن (يحلق حتى يحج، فيحرم به) أي بالحج (بعد طوافه وسعيه لعمرته، كما يأتي، ويحل منهما) أي من الحج والعمرة (يوم النحر) نص عليه، لما تقدم. لحديث حفصة قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي. فلا أحل حتى أنحر متفق عليه. (وإن كان) الذي طاف وسعى لعمرته (معتمرا غير متمتع فإنه يحل) أي يحلق أو يقصر. وقد حل (ولو كان معه هدي) سواء كان (في أشهر الحج) ولم يقصد الحج من عامه، (أو) كان (في غيرها) أي غير أشهر الحج. ولو قصده من عامه. لان النبي (ص): اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته، بعضهن في

[ 569 ]

ذي القعدة وقيل: كلهن. وكان يحل منها. ومتى كان معه هدي نحره عند المروة. وحيث نحره من الحرم جاز، لما تقدم. (وإن كان) الذي طاف وسعى (حاجا) مفردا أو قارنا (بقي على إحرامه) حتى يتحلل يوم النحر. لفعله (ص). (ومن كان متمتعا أو معتمرا قطع التلبية إذا شرع في الطواف) لحديث ابن عباس يرفعه: كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر قال الترمذي: حسن صحيح. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي (ص) اعتمر ثلاث عمر. ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر. ولشروعه في التحلل كالحاج يقطعها إذا شرع في رمي جمرة العقبة. (ولا بأس بها في طواف القدوم) نص عليه، (سرا) ومعنى كلام القاضي: يكره أي الجهر بها فيه. وكذا السعي بعده: يتوجه أن حكمه كذلك. وهو مراد أصحابنا، لانه تبع له، قاله في الفروع. باب صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك (يستحب لمتمتع حل من عمرته ولغيره من المحلين بمكة) وقربها (الاحرام بالحج يوم التروية) لقول جابر في صفة حج النبي (ص): فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي (ص)، ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج. (وهو) أي يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) قال ابن رسلان: إعلم أن أيام المناسك سبعة. أولها: سابع ذي الحجة. وآخرها: ثالث عشر. فالسابع: ذكر مكي بن أبي طالب في باب عمل الحج: أن اسمه يوم الزينة، أي لانهم كانوا يزينون محاملهم وهوادجهم للخروج. وأما يوم الثامن: فاسمه يوم التروية، بالتاء المثناة، وسمي بذلك لترويتهم فيه الماء. وسمي يوم النقلة

[ 570 ]

لانتقالهم فيه من مكة إلى منى. والتاسع: يوم عرفة، والعاشر: يوم النحر. والحادي عشر: يوم القر - بفتح القاف وتشديد الراء - لانهم قارون فيه بمنى، والثاني عشر: يوم النفر الاول - بفتح النون وسكون الفاء - والثالث عشر: يوم النفر الثاني. (إلا لمن) أي متمتع، (لم يجد هديا تمتع، ف‍) - يستحب له أن (يحرم يوم السابع) من ذي الحجة (ليكون آخر تلك الثلاثة) يعني أن يكون محرما فيه. فيقدم الاحرام عليه، كما يعلم من باب الفدية، (ليكون) صوم الثلاثة أيام في إحرامه بالحج. ويكون (آخر) تلك (الثلاثة يوم عرفة) فيصوم السابع والثامن والتاسع. (و) يستحب (أن يفعل عند إحرامه) من مكة أو قربها، (ما يفعله عند إحرامه من الميقات: من غسل وغيره) أي تنظيف وتطيب في بدنه وتجرد ذكر من مخيط. ولبس إزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين. (ثم) بعد ذلك (يطوف أسبوعا، ويصلي ركعتين، ثم يحرم بالحج من المسجد) الحرام. والافضل أن يكون من تحت الميزاب. ذكره في المبهج والايضاح. وكان عطاء يستلم الركن، ثم ينطلق مهلا بالحج. (وتقدم في) باب (المواقيت. ولا يطوف بعده) أي بعد إحرامه بالحج قبل خروجه من مكة، (لوداع البيت) نص عليه. لقول ابن عباس: لا أرى لاهل مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج، ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى يرجعوا. (فلو طاف وسعى بعده لم يجزئه) سعيه (عن السعي الواجب قبل خروجه) من مكة. لانه لم يسبقه طواف واجب ولا مسنون. (ولا يخطب يوم السابع بعد صلاة الظهر بمكة) لعدم وروده، (ثم يخرج إلى منى قبل الزوال، فيصلي بها الظهر مع الامام، ويبيت بها) أي بمنى (إلى أن يصلي معه) أي الامام (الفجر) لقول جابر: وركب رسول الله (ص) إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس. (وليس ذلك واجبا) بل سنة. لان عائشة تخلفت ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل. وصلى ابن الزبير بمكة قاله في الشرح. (ولو صادف يوم جمعة وهو مقيم

[ 571 ]

بمكة ممن تجب عليه، وزالت الشمس) وهو بمكة (فلا يخرج قبل صلاتها) أي الجمعة، لوجوبها بالزوال. (وقبل الزوال إن شاء خرج) إلى منى (وإن شاء أقام) بمكة (حتى يصليها) أي الجمعة. (فإن خرج الامام أمر من يصلي بالناس) الجمعة إن اجتمع معه العدد، لئلا تفوتهم. (فإذا أطلعت الشمس) من يوم عرفة (سار من منى إلى عرفة، فأقام بنمرة ندبا، حتى تزول الشمس. ونمرة موضع بعرفة). وقيل بقربها وهو خارج عنها. (وهو الجبل الذي عليه نصاب) أي علامات (الحرم، على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف، فإذا زالت الشمس استحب للامام أو نائبه أن يخطب خطبة واحدة يقصرها) لقول سالم للحجاج بن يوسف يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة. فقال ابن عمر: صدق. رواه البخاري. (ويفتتحها بالتكبير يعلم الناس فيها مناسكهم من الوقوف ووقته والدفع من عرفات، والمبيت بمزدلفة وغير ذلك) من الحلق والنحر (فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جمعا إن جاز له) الجمع كالمسافر سفر قصر. (وتقدم) في الجمع (بأذان) للاولى (وإقامتين) لكل صلاة إقامة. لقول جابر: وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله (ص)، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. فأجاز (ص) حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصوى، فرحلت له. فأتى بطن الوادي. فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا إن كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن أبي ربيعة بن الحرث، كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل. ورباء الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد

[ 572 ]

تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت. فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. (وإن لم يؤذن) للصلاة (فلا بأس) أي لا كراهة. قال أحمد: لان كلا مروي عن رسول الله (ص)، والاذان أولى. (وكذا يجمع غيره) أي غير الامام. (ولو منفردا) لان الجماعة ليست شرطا للجمع كما تقدم في محله. (ثم يأتي موقف عرفة ويغتسل له) أي للوقوف استحبابا. لفعل ابن مسعود ويروى عن علي. وتقدم. (وكلها) أي عرفة (موقف إلا بطن عرنة، فإنه لا يجزئه الوقوف به) لانه لم يقف بعرنة، ولقوله (ص): كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، ورواه ابن ماجه. (وحد عرفات: من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر. ويسن أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة. واسمه إلال، على وزن هلال، ولا يشرع صعوده). قال الشيخ تقي الدين: إجماعا. ويقال لجبل الرحمة: جبل الدعاء. (ويقف مستقبلا القبلة راكبا) لقول جابر: ثم ركب النبي (ص) حتى أتى الموقف. فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. (بخلاف سائر المناسك والعبادات ف‍) - إنه يفعلها (راجلا) وفي الانتصار ومفردات أبي يعلى الصغير: أفضلية المشي في الحج على الركوب، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي في مثير العزم الساكن، فإنه ذكر الاخبار في ذلك عن جماعة من العباد. وأن الحسن بن علي حج خمس عشرة حجة ماشيا، وذكره غيره خمسا وعشرين، والجنائب تقاد معه، وقال في أسباب الهداية: فصل في فضل الماشي، وعن ابن عباس مرفوعا: من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل له: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة

[ 573 ]

مائة ألف حسنة، قال: وعن عائشة مرفوعا: إن الملائكة لتصافح ركبان الحاج وتعانق المشاة كذا ذكر هذين الخبرين. (ويكثر) بعرفة (من الدعاء ومن قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شئ قدير. اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، ويسر لي أمري، ويدعو بما أحب). لما في الموطأ عن طلحة بن عبد الله بن كريز - بفتح الكاف وآخره، زاي - أن النبي (ص) قال: أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شئ قدير. ولما روى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان أكثر دعاء النبي (ص) يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، قيل له: هذا ثناء وليس بدعاء. فقال: أما سمعت قول الشاعر: أأذكر حاجتي، أم قد كفاني حياؤك، إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء وما في المتن مأثور عن علي. وفي الوجيز: يدعو بما ورد. ومنه ما روي عنه (ص) أنه دعا فقال: اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شئ من أمري. أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل، المشفق المقر المعترف بذنبه. أسألك مسألة المسكين. وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل. وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته، وذل لك جسده. وفاضت لك عيناه، ورغم لك أنفه. وكان عبد الله بن عمر يقول: الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى. واغفر لي في الآخرة والاولى. ويرد يديه

[ 574 ]

ويسكت قدر ما كان إنسان قارئا فاتحة الكتاب. ثم يعود فيرفع يديه. ويقول مثل ذلك. ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض. (ووقت الوقوف: من طلوع الفجر يوم عرفة) لحديث عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت النبي (ص) بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة. فقلت: يا رسول الله أني جئت من جبلي طيئ، أكلت راحلتي، وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه. فهل لي من حج؟ فقال النبي (ص): من شهد صلاتيا هذه. ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه. وقضى تفثه رواه الخمسة. وصححه الترمذي. ولفظه له ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط كافة أئمة الحديث. ولان ما قبل الزوال من يوم عرفة. فكان وقتا للوقوف كما بعد الزوال. وتركه (ص) الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتا للوقوف كما بعد العشاء. وإنما وقف النبي (ص) وقت الفضيلة. (واختار الشيخ وغيره) كأبي حفص العكبري. (وحكي إجماعا) أن وقت الوقوف (من الزوال يوم عرفة) وهو قول مالك والشافعي وأكثر الفقهاء، لان النبي (ص) إنما وقف بعد الزوال، (إلى طلوع فجر يوم النحر) لقول جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. فقال أبو الزبير فقلت له: أقال رسول الله ذلك؟ قال: نعم. (فمن حصل بعرفة في هذا الوقت ولو لحظة، ولو مارا بها أو نائما أو جاهلا بها) أي بأنها عرفة (وهو من أهل الوقوف) بأن يكون مسلما عاقلا محرما بالحج. (صح حجه)، وأجزأه عن حجة الاسلام. إن كان حرا بالغا. وإلا فنفل. لعموم قوله (ص): وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا. و (لا) يصح الوقوف من (مجنون ومغمى عليه وسكران) لعدم عقله (إلا أن يفيقوا وهم بها قبل خروج وقت الوقوف) وكذا لو أفاقوا بعد الدفع منها وعادوا فوقفوا بها في الوقت. (ومن فاته ذلك) أي الوقوف بعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر (فاته الحج) لما تقدم عن جابر. (ويستحب أن يقف طاهرا من الحدثين) قلت: ومن نجاسة ببدنه وثوبه كسائر

[ 575 ]

المناسك. (ويصح وقوف الحائض إجماعا، ووقفت عائشة) الصديقة بنت الصديق (رضي الله عنها) وعن أبيها وعن بقية الصحابة والتابعين لهم (حائضا بأمر النبي (ص)). وتقدم في دخول مكة (ولا يشترط) للوقوف (ستارة ولا استقبال) القبلة، (ولا نية) بخلاف الطواف لانه صلاة، وغيره ليس كذلك (ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهارا) لفعله (ص) مع قوله: لتأخذوا عني مناسككم. (فإن دفع) من عرفة (قبل غروب الشمس فعليه دم إن لم يعد قبله)، لانه ترك واجبا لا يفسد الحج بتركه. أشبه الاحرام من الميقات، وإن عاد إليها ليلا. فلا شئ عليه. لانه أتى بالواجب وهو الجمع بين الليل والنهار. (وإن وافاها) أي عرفة (ليلا. فوقف بها فلا دم عليه. وإن خاف فوت وقت الوقوف) بعرفة إن صلى صلاة أمن، (صلى صلاة خائف إن رجا إدراكه) لما في فوت الحج من الضرر العظيم. (ووقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الاجابة) للخبر، (فإذا اجتمع فضل يوم الجمعة ويوم عرفة كان لها مزية على سائر الايام). قيل: ولهذا اشتهر وصف الحج بالاكبر. إذا كانت الوقفة يوم الجمعة. ولان فيها موافقة حجة النبي (ص). فإن وقفة حجة الوداع كانت يوم الجمعة. وللحديثين الآتيين. (قال) ابن القيم (في الهدى) النبوي (وأما ما استفاض على ألسنة العوام من أنها تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل. لا أصل له). لكن أخرج رزين مرفوعا: يوم الجمعة أفضل الايام إلا يوم عرفة. وإن وافق يوم الجمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة. ذكره ابن جماعة في مناسكه والكازروني في تفسيره المعروف بالاخوين. والشيح نور الدين على الزيادي في حاشيته. وحديث: إذا كان يوم عرفة يوم جمعة غفر الله لجميع أهل الموقف قد يستشكل بأنه قد ورد مثله في مطلق الحج. ويمكن حمل هذا على مغفرته لهم بلا واسطة. وحمل غيره على أنه يهب قوما لقوم. ذكره الكازروني وهو معنى كلام ابن جماعة في مناسكه عن أبيه.

[ 576 ]

فصل: (ثم يدفع بعد غروب) من عرفة (بسكينة) لقوله (ص) في عشية عرفة غداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة. رواه مسلم من حديث الفضل بن عباس. (قال أبو حكيم) إبراهيم بن دينار النهرواني: ويكون (مستغفرا) حال دفعه من عرفة (إلى مزدلفة) سميت بذلك من الزلف، وهو التقرب. لان الحاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي تقربوا ومضوا إليها. وتسمى أيضا: جمعا. لاجتماع الناس بها. (على طريق المأزمين) لانه روي أنه (ص) سلكها. وهما جبلان صغيران. (مع إمام ونائبه. وهو أمير الحاج فإن دفع قبله. كره) لقول أحمد: ما يعجبني أن يدفع إلا مع الامام. (ولا شئ عليه) في الدفع قبل الامام. (يسرع في الفجوة) لقول أسامة: كان النبي (ص) يسير العنق فإذا وجد فجوة نص متفق عليه. والعنق انبساط السير. والنص: فوقه. (ويلبي في الطريق) لقول الفضل بن عباس: إن النبي (ص) لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، متفق عليه. (ويذكر الله تعالى) لانه في زمن السعي إلى شعائره. (فإذا وصلها) أي مزدلفة (صلى المغرب والعشاء جمعا) إن كان ممن يباح له الجمع. (قبل حط رحله بإقامة لكل صلاة بلا أذان) هذا اختيار الخرقي. قال ابن المنذر: هو آخر قول أحمد. لانه رواية أسامة.، وهو أعلم بحال رسول الله (ص). فإنه كان رديفه. وإنما لم يؤذن للاولى كما تقدم في باب الاذان ولقول جابر: حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء

[ 577 ]

بأذان واحد وإقامتين. (وإن أذن وأقام للاولى فقط) أي ولم يقم للثانية. (فحسن) لحديث مسلم عن ابن عمر قال: جمع رسول الله بين المغرب والعشاء بجمع، فصلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. لكن السنة أن يقيم لها، لما تقدم، (ولا يتطوع بينهما) أي بين المغرب والعشاء المجموعتين، لقول أسامة وابن عمر: إن النبي (ص) لم يصل بينهما. لكن لم يبطل جمع التأخير بالتطوع بين المجموعتين، بخلاف جمع التقدم. كما تقدم في الجمع. (فإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأته) لان كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما. كالظهر والعصر بعرفة. وفعل النبي (ص) محمول على الافضل. (وإن فاتته الصلاة مع الامام بها) أي بمزدلفة (أو بعرفة جمع وحده) لفعل ابن عمر (ثم يبيت بها، حتى يصبح، ويصلي الفجر) لقول جابر: ثم اضطجع رسول الله حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. (وله الدفع قبل الامام. وليس له الدفع قبل نصف الليل. ويباح) الدفع من مزلفة (بعده) أي بعد نصف الليل، (ولا شئ عليه. كما لو وافاه بعده) أي بعد نصف الليل. لقول ابن عباس: إنا بمن قدم النبي (ص) ليلة المزدلفة في ضعفة أهله متفق عليه. وعن عائشة قالت: أرسل رسول الله (ص) أم سلمة ليلة النحر. فرمت الجمرة قبل الفجر. ثم مضت فأفاضت رواه أبو داود. (وإن جاء) مزدلفة (بعد الفجر. فعليه دم) لتركه نسكا واجبا. (وإن دفع غير رعاة وسقاة قبل نصفه) أي الليل (فعليه دم إن لم يعد إليها) قبل الفجر، عالما كان أو جاهلا ذاكرا أو ناسيا. لانه ترك نسكا واجبا، والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم. لا في جعل المعدوم كالموجود، فإن عاد إليها (ولو بعد نصفه) فلا دم عليه. وأما الرعاة والسقاة فلا دم عليهم بالدفع قبله. لان النبي (ص) رخص للرعاة في ترك البيتوتة، لحديث عدي. ورخص للعباس في ترك البيتوتة لاجل سقايته. ولان عليهم مشقة لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم، وسقي

[ 578 ]

الحاج. فكان لهم ترك المبيت بمزدلفة كليالي منى. (وحد المزدلفة: ما بين المأزمين) بكسر الزاي (ووادي محسر) بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة. وليس من مزدلفة. لقوله (ص): وارفعوا عن بطن محسر قال في الشرح. (فإذا أصبح) بمزدلفة (صلى الصبح بغلس أول وقتها) لما تقدم في حديث جابر. وليتسع وقت الموقوف عند المشعر الحرام (ثم يأتي المشعر الحرام) سمي بذلك لانه من علامات الحج. وتسمى أيضا المزدلفة بذلك تسمية للكل باسم البعض. واسمه في الاصل: قزح، وهو جبل صغير بالمزدلفة. (فيرقى عليه إن أمكنه وإلا وقف عنده ويحمد الله تعالى ويهلله ويكبره، ويدعو، ويقول: اللهم كما وفقتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا. كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: * (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) * ثم لا يزال يدعو إلى أن يسفر جدا) لقول جابر: ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر، فاستقبل القبلة ودعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. (ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء) في الدفع من مزدلفة إلى منى بعد نصف الليل لما تقدم من حديث ابن عباس وعائشة. فصل: (ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى) لقول عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس. ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. وإن رسول الله (ص) خالفهم: فاض قبل أن تطلع الشمس رواه

[ 579 ]

البخاري. (وعليه السكينة) لقول ابن عباس: ثم أردف النبي (ص) الفضل بن العباس، وقال: يا أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والابل، فعليكم السكينة. (فإذا بلغ وادي محسر) بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لانه يحسر سالكه. (أسرع راكبا كان) فيحرك دابته (أو ماشيا قدر رمية حجر) لقول جابر: حتى أتى بطن محسر حرك قليلا وروي أن ابن عمر لما أتى محسر أسرع، وقال: إليك تعدو قلقا وضينها، مخالفا دين النصارى دينها، معترضا في بطنها جنينها. (ويكون ملبيا إلى أن يرمي جمرة العقبة) لقول الفضل بن العباس: لم يزل رسول الله (ص) ملبيا حتى رمى الجمرة رواه مسلم مختصرا. (وهي) أي جمرة العقبة (آخر الجمرات مما يلى منى، وأولها مما يلي مكة، ويأخذ حصى الجمار من طريقه قبل أن يصل إلى منى، أو) يأخذه (من مزدلفة، ومن حيث أخذه) أي الحصا (جاز) لقول ابن عباس: قال لي رسول الله (ص) غداة العقبة، وهو على ناقته: القط لي حصا. فلقطت له سبع حصيات هن حصا الحذف، فجعل يقبضهن في كفه، ويقول: أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى. قال في الشرح وفي شرح المنتهى: وكان ابن عمر يأخذ الحصا من جمع، وفعله سعيد بن جبير. وقال: كانوا يتزودون الحصا من جمع وذلك لئلا يشتغل عند قدومه منى بشئ قبل الرمي. لان الرمي تحية منى كما يأتي. فلا يبدأ بشئ قبله (ويكره) أخذ الحصا (من منى، وسائر الحرم) هذا معنى كلامه في الفروع والانصاف والتنقيح والمنتهى، بعد أن قدم في الانصاف: أنه يجوز أخذه من طريقه، ومن مزدلفة، ومن حيث شاء. وأنه المذهب. وعليه

[ 580 ]

الاصحاب. وهو معنى ما تقدم في قوله ومن حيث أخذه جاز. قال أحمد: خذ الحصى من حيث شئت. وفي حديث الفضل بن العباس حين دخل محسرا قال: عليكم بحصى الخذف ترمى به الجمرة رواه مسلم. ولما تقدم من حديث ابن عباس وفعل ابن عمر. وقول سعيد بن جبير. ولذلك قال في تصحيح الفروع، عما في الفروع: إنه سهو. وقال لعله أراد حرم الكعبة. وفي معناه قوة انتهى. أي أراد بالحرم: المسجد الحرام. ويؤيده قوله في المستوعب: وإن أخذه من غيرها جاز، إلا من المسجد، لما ذكرنا أنه يكره إخراج شئ من حصى الحرم، وترابه، انتهى. وقول ابن جماعة في مناسكه الكبرى: وقال الحنابلة: إنه يكره من المسجد، ومن الحل. انتهى. وما أجيب به عن الفروع، لا يتأتى الجواب به عن كلام المصنف. (و) يكره (تكسيره) أي الحصى، لئلا يطير إلى وجهه شئ فيؤذيه. وكره أخذه من الخشن. (ويكون) حصى الجمار (أكبر من الحمص، ودون البندق، كحصى الخذف) لما تقدم من حديث ابن عباس وأخيه الفضل (فلا يجزئ صغير جدا، ولا كبير) لامره (ص) بالرمي بمثل حصى الخذف. فلا يتناول ما لا يسمى حصى، ولا كبيرة تسمى حجرا. (ويجزئ مع الكراهة) الرمي بحصى (نجس) أما إجزاأه فلعموم الامر. وأما الكراهة فخروجا من الخلاف. (فإن غسله) أي النجس (زالت) الكراهة لزوال علتها. (و) تجزئ (حصاة في خاتم إن قصدها) بالرمي كغيرها. فإن لم يقصدها لم تجزئه. لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى (ولا فرق بين كون الحصى أبيض أو أسود أو كدانا أو أحمر من مرمر، وبرام ومرو، وهو حجر الصوان ورخام وسن وغيرها) لعموم الاخبار. (وعدد الحصى: سبعون حصاة. ولا يستحب غسله) قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي (ص) فعله (إلا أن يعلم نجاسته) فيغسله، خروجا من الخلاف في إجزائه. (فإذا وصل إلى منى، وحدها: من وادي محسر إلى جمرة العقبة) ووادي محسر وجمرة العقبة ليسا من منى. ويستحب سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى. لان النبي (ص) سلكها. كذا في حديث جابر. قاله في الشرح. (بدأ بها راكبا إن كان) راكبا. لحديث ابن مسعود: إنه انتهى إلى جمرة العقبة. فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات، وهو راكب يكبر مع كل حصاة، وقال: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا. ثم قال: ههنا كان يقوم الذي أنزلت عليه سورة البقرة رواه أحمد. وظاهر كلام الاكثر ماشيا. (وإلا) أي وإن لم

[ 581 ]

يكن راكبا رماها (ماشيا)، وقوله (لانها تحية منى) تعليل لبداءته بها. كما أن الطواف تحية المسجد. فلا يبدأ بشئ قلبه، (فرماها) أي جمرة العقبة (بسبع) حصيات (واحدة بعد واحدة) أي حصاة بعد حصاة. (بعد طلوع الشمس ندبا) لقول جابر: رأيت رسول الله (ص) يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، أخرجه مسلم. (فإن رمى بعد نصف ليلة النحر أجزأ) الرمي. قلت: إن كان وقف وإلا فبعده. كطواف الافاضة. لما روى أبو داود عن عائشة: أن النبي (ص) أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت وروي أنه: أمرها أن تعجل الافاضة وتوافي مكة مع صلاة الفجر. احتج به أحمد ولانه وقت للدفع من مزدلفة. فكان وقتا للرمي، كما بعد طلوع الشمس. وحديث أحمد عن ابن عباس مرفوعا: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس محمول على وقت الفضيلة، جمعا بين الاخبار. (وإن غربت الشمس) قبل رمي الجمرة (ف‍) - إنه يرميها (بعد الزوال من الغد) لقول ابن عمر: من فاته الرمى حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد. (فإن رماها) أي السبع (دفعة واحدة لم يجزئه) الرمي (إلا عن) حصاة (واحدة). لان النبي (ص): رمى سبع رميات، وقال: خذوا عني مناسككم. (ويؤدب نصا) نقله الاثرم. (ويشترط علمه بحصولها) أي السبع حصيات (في المرمى) في جمرة العقبة (وفي سائر الجمرات) لان الاصل بقاء الرمي في ذمته. فلا يزول عنه بالظن. ولا بالشك فيه. (ولا يجزئ وضعها) أي الحصيات في المرمى، لانه ليس برمي. (بل) يعتبر (طرحها) لفعله (ص) وقوله: خذوا عني مناسككم. (ولو أصابت) الحصاة (مكانا صلبا) بفتح الصاد وسكون اللام. (في غير المرمى،

[ 582 ]

ثم تدحرجت إلى المرمى أو أصابت ثوب إنسان ثم طارت فوقعت في المرمى أجزأته) لان الرامي انفرد برميها. (وكذا لو نفضها) أي الحصاة (من وقعت على ثوبه، فوقعت في المرمى) أجزأته (نصا) لحصولها في المرمى. (وقال ابن عقيل: لا تجزئه. لان حصولها في المرمى بفعل الثاني) دون الاول (قال في الفروع: وهو أظهر. قال في الانصاف: قلت: وهو الصواب) وهو كما قال. تنبيه: قد علمت مما سبق: أن المرمى مجتمع الحصى، كما قال الشافعي، لا نفس الشاخص ولا مسيله. (وإن رماها) أي الحصاة (فاختطفها طائر قبل حصولها فيه) أي المرمى (أو ذهب بها) الريح (عن المرمى. لم يجزئه) أي لم يعتد له بها. لعدم حصولها في المرمى. (ويكبر مع كل حصاة) لفعله (ص)، رواه مسلم في حديث جابر. (ويستبطن الوادي) لفعله (ص)، متفق عليه من حديث ابن عمر. (ويقول) مع كل حصاة (اللهم اجعله حجا مبرورا) أي مقبولا. يقال: بر الله حجه، أي تقبله، (وذنبا مغفورا وعملا مشكورا) لحديث ابن عمر مرفوعا. رواه حنبل. وكذا كان ابن عباس يقوله. (ويرفع الرامي) للجمار (يمناه حتى يرى) بالبناء للمفعول (بياض إبطه) لان في ذلك معونة على الرمي. (ويومئها على حاجبه الايمن) لقول عبد الله بن يزيد: لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي، واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الايمن، ثم رمى بسبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة، قال الترمذي: حديث صحيح. (وله رميها) أي جمرة العقبة (من فوقها) لفعل عمر. (ولا يقف) الرامي (عندها) أي جمرة العقبة (بل يرميها وهو ماش) يعني بلا وقوف عندها. لقول ابن عمر وابن عباس: إن النبي (ص) كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف. رواه ابن ماجه وروى البخاري معناه من حديث ابن عمر.

[ 583 ]

ولضيق المكان. (ويقطع التلبية مع رمي أول حصاة منها) لما تقدم من حديث الفضل بن العباس. وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة رواه حنبل في مناسكه. (فإن رمى بذهب أو فضة أو) يرمي ب‍ (- غير الحصا من الجواهر المنطبعة، والفيروزج والياقوت والطين والمدر) وهو التراب الملبد، (أو) رمى (بغير جنس الارض) كالحديد والنحاس والرصاص والخشب، لم يجزئه. لانه (ص): رمى بالحصى، وقال: خذوا عني مناسككم. (أو) يرمي (بحجر) أي حصاة (رمى به. لم يجزئه) نصا. لانه استعمل في عبادة. فلا يستعمل فيها ثانيا. كماء الوضوء. ولان ابن عباس قال: ما تقبل منه رفع. (ثم ينحر هديا إن كان معه، واجبا كان أو تطوعا) لقول جابر في صفة حجه (ص): أنه رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غير وأشركه في هديه. (فإن لم يكن معه هدي وكان عليه هدي واجب) لتمتع أو قران أو نحوهما. (اشتراه) وذبحه (وإن أحب أن يضحي اشترى ما يضحي به). وكذا إن أحب أن يتطوع بهدي. (ثم يحلق رأسه) لحديث ابن عمر: أن رسول الله (ص) حلق رأسه في حجه الوداع متفق عليه. (ويبدأ بأيمنه) أي شق رأسه الايمن. لحديث أنس: أن رسول الله (ص) أتى منى. فأتى الجمرة فرماها. ثم أتى منزلة بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الايمن، ثم الايسر، ثم جعل يعطيه الناس، رواه مسلم. (ويستقبل القبلة فيه) أي في الحلق، لانه نسك. أشبه سائر المناسك. (ويكبر وقت الحلق) كالرمي، (والاولى أن لا يشارط الحلاق على أجرة) قال أبو حكيم: ثم يصلي ركعتين. (وإن قصر فمن جميع شعر رأسه) نص عليه (لا من كل شعرة بعينها) لان ذلك لا يعلم إلا بحلقة. والاصل في ذلك قوله تعالى: * (محلقين

[ 584 ]

رؤوسكم ومقصرين) * وهو عام في جميع شعر الرأس. وقد حلق (ص) جميع رأسه، فكان ذلك تفسيرا لمطلق الامر بالحلق، أو التقصير، فيجب الرجوع إليه. ومن لبد رأسه أو ضفره أو عقصه فكغيره. (والمرأة تقصر من شعرها على أي صفة كان من ضفر وعقص وغيرهما. قدر أنملة فأقل من رؤوس الضفائر) لحديث ابن عباس مرفوعا: ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير رواه أبو داود. ولانه مثلة في حقهن. (وكذا عبد) يقصر (ولا يحلق إلا بإذن سيده، لان الحلق ينقص قيمته. ويسن أخذ أظفاره) أي الحاج (وشاربه ونحوه) كعانته وإبطه. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله (ص) لما حلق رأسه قلم أظفاره. وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره. ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه. لقول ابن عمر للحالق: أبلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية. وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين. (ومن عدم الشعر استحب أن يمر الموسى على رأسه). روي عن ابن عمر. ولا يجب خلافا لابي حنيفة. (ثم قد حل له كل شئ من الطيب وغيره إلا النساء). نص عليه في رواية الجماعة. (من الوطئ والقبلة واللمس لشهوة وعقد النكاح) لحديث عائشة مرفوعا قال: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ إلا النساء رواه سعيد. وقالت عائشة: طيبت رسول الله (ص) لاحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت، متفق عليه.

[ 585 ]

فصل: (ويحصل التحلل الاول باثنين من ثلاثة: رمي) لجمرة العقبة (وحلق) أو تقصير، (وطواف) إفاضة. لحديث سعيد عن عائشة السابق. وقيس على الحلق والرمي الباقي. فلو حلق وطاف ثم واقع أهله قبل الرمي، فحجه صحيح وعليه دم. (و) يحصل التحلل (الثاني بالثالث منها) أي من الحلق والرمي والطواف، مع السعي إن كان متمتعا، أو كان مفردا أو قارنا، ولم يسع مع طواف القدوم. (فالحلق والتقصير) الواو بمعنى أو (نسك) لقوله تعالى: * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين) * فوصفهم وامتن عليهم بذلك. فدل أنه من العبادة. لا إطلاق من محظور. ولقوله (ص): فليقصر ثم ليحل. ولو لم يكن نسكا لم يتوقف الحل عليه. ودعا (ص) للمحلقين والمقصرين، وفاضل بينهم. فلولا أنه نسك لما استحقوا لاجله الدعاء ولما وقع التفاضل فيه. إذ لا مفاضلة في المباح ففي تركهما دم. (وإن أخره عن أيام منى فلا دم عليه) لانه لا آخر لوقته. (وإن قدم الحلق على الرمي أو) على (النحر أو طاف للزيارة) قبل رميه (أو نحر قبل رميه جاهلا أو ناسيا. فلا شئ عليه. وكذا لو كان عالما). لحديث عطاء: أن النبي (ص) قال له رجل: أفضت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، وعنه أن النبي (ص) قال: من قدم شيئا قبل شئ فلا حرج رواهما سعيد في سننه. وعن عبد الله بن عمر قال: قال رجل: يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج متفق عليه. وفي لفظ قال: فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح - وذكر الحديث، قال: فما سمعته يسئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل، من تقديم بعض الامور على بعض، وأشباهها إلا قال: افعلوا ولا حرج رواه

[ 586 ]

مسلم. وعن ابن عباس معناه مرفوعا. متفق عليه. (لكن يكره) ذلك للعالم خروجا من الخلاف. (وإن قدم) طواف (الافاضة على الرمي أجزأه طوافه) لما تقدم (ثم يخطب الامام يوم النحر بكرة النهار بمنى خطبة مفتتحة بالتكبير، يعلمهم فيها النحر والافاضة والرمي) نص عليه. لحديث ابن عباس: أن النبي (ص) خطب الناس يوم النحر. يعني بمنى أخرجه البخاري. ولانه يوم تكثر فيه أفعال الحج من الوقوف بالمشعر الحرام والدفع منه إلى منى، والرمي والنحر، والحلق، والافاضة، والرجوع إلى منى ليبيت بها. وليس في غيره مثله. فلذلك يسمى يوم الحج الاكبر. ولهذا قال (ص) في خطبة يوم النحر: هذا يوم الحج الاكبر رواه البخاري. (ثم يفيض إلى مكة فيطوف متمتعا لقدومه) كطوافه ل‍ (- عمرته) السابق في دخول مكة. (نصا) هكذا في الانصاف وبعض النسخ. وفي بعضها: لعمرته. والمعنى على ما ذكرته. (بلا رمل) ثم يطوف للزيارة. واحتج الامام بحديث عائشة قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بين الصفا والمروة. ثم حلقوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم. ولانه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع. فلم يكن الطواف طواف الزيارة مسقطا له. كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بالفرض. واختار ذلك الخرقي وأكثر الاصحاب (وكذا يطوفه) أي طواف القدوم (برمل مفرد وقارن لم يكونا دخلا مكة قبل يوم النحر ولا طافاه نصا) لما تقدم. (وقيل: لا يطوف للقدوم أحد منهم. اختاره الشيخ والموفق، ورده) الموفق (الاول. وقال) الموفق (لا نعلم أحدا وافق أبا عبد الله على ذلك) بل المشروع طواف واحد للزيارة. كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة. فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد. ولانه لم ينقل عن النبي (ص) ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع. ولا أمر به النبي (ص) أحدا. وحديث عائشة دليل على هذا. فإنها قالت: طافوا طوافا واحدا بعد أن رجعوا من منى لحجهم وهذا هو طواف الزيارة.

[ 587 ]

ولم تذكر طوافا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج. لا يتم إلا به. وذكرت ما يستغنى عنه. وعلى كل حال، فما ذكرت إلا طوافا واحدا. فمن أين يستدل به على طوافين؟. (قال) أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين (ابن رجب: وهو الاصح، ثم يطوف للزيارة) سمي بذلك لانه يأتي من منى فيزور البيت. ولا يقيم بمكة. بل يرجع إلى منى. (ويسمى الافاضة) لانه يفعل بعدها (و) يسمى (الصدر) بفتح الصاد والدال المهملة. وهو رجوع المسافر من مقصده، لانه يفعل بعده أيضا. وما ذكره من أنه يسمى طواف الصدر. قاله في المطلع والرعاية والمستوعب. وقدمه الزركشي. وصحح في الانصاف أن طواف الصدر: هو طواف الوداع. وتبعه في المنتهى. (ويعينه) أي طواف الزيارة (بنيته) لحديث: إنما الاعمال بالنيات وكالصلاة ويكون (بعد وقوفه بعرفة) لانه (ص) طاف كذلك وقال: لتأخذوا عني مناسككم. (وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج) فهو ركن من أركانه إجماعا. قاله ابن عبد البر، لقوله تعالى: * (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) *. وعن عائشة قالت: حججنا مع رسول الله (ص) فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية. فأراد النبي (ص) منها ما يريد الرجل من أهله. فقلت: يا رسول الله إنها حائض. قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر. قال: اخرجوا متفق عليه. فعلم منه أنها لو لم تكن أفاضت يوم النحر كانت حابستهم. فيكون الطواف حابسا لمن لم يأت به. (فإن رجع إلى بلده قبله) أي قبل طواف الزيارة (رجع منها) أي من بلده (محرما) أي باقيا على إحرامه بمعنى بقاء تحريم النساء عليه، لا الطيب، ولبس المخيط ونحوه. لحصول التحلل الاول إن كان رمى وحلق. (فطافه) أي طواف الافاضة. وحل بعده. وتقدم حكم ما لو وطئ وحل. ويحرم بعمرة إذا وصل الميقات، فإذا حل منها طاف للافاضة. (ولا يجزئ عنه) أي عن طواف الافاضة (غيره) من طواف الوداع أو غيره. لحديث: وإنما لكل امرئ

[ 588 ]

ما نوى. (وأول وقت طواف الزيارة: بعد نصف ليلة النحر) لما تقدم من حديث أبي داود عن عائشة. (والافضل فعله يوم النحر) لقول ابن عمر أفاض رسول الله (ص) يوم النحر، متفق عليه. (فإن أخره إلى الليل فلا بأس) بذلك (وإن أخره عنه) أي عن يوم النحر (و) أخره (عن أيام منى، جاز كالسعي. ولا شئ عليه) لان آخر وقته غير محدود. (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا. ولا يكتفي بسعي عمرته) لانها نسك آخر بل يسعى لحجه. (أو) كان (غير متمتع. ولم يكن سعي مع طواف القدوم) مفردا كان أو قارنا (فإن كان قد سعى) بعد طواف القدوم (لم يسع) لانه لا يستحب التطوع بالسعي كسائر الانساك. قال في الشرح: ولا نعلم فيه خلافا. (والسعي ركن في الحج فلا يتحلل) التحلل الثاني. (إلا بفعله كما تقدم) لحديث حبيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول الله (ص) يطوف بين الصفا والمروة. والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره. وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي رواه أحمد. وعن عائشة ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، متفق عليه مختصر. (فإن فعله) أي السعي (قبل الطواف عالما أو ناسيا أو جاهلا أعاده) لما تقدم من أن شرطه وقوعه بعد الطواف. (ثم قد حل له كل شئ) حتى النساء (ويستحب التطيب عند الاحلال) الاول. لما تقدم من حديث عائشة. (ثم يأتي زمزم فيشرب منها لما أحب) لحديث جابر مرفوعا: ماء زمزم لما شرب له رواه ابن ماجه. وعن ابن عباس معناه مرفوعا. رواه الدارقطني. (ويتضلع) منه. لقوله (ص): إن آية ما بيننا وبين المنافقين أن لا يتضلعون من زمزم رواه ابن ماجه. (زاد في التبصرة: ويرش على بدنه وثوبه ويقول: بسم الله. اللهم اجعله لنا علما

[ 589 ]

نافعا ورزقا واسعا وريا) بفتح الراء وكسرها مع تشديد الياء وكرضا. (وشبعا) بكسر الشين وفتح الباء وكسرها وسكونها: مصدر شبع. (وشفاء من كل داء واغسل به قلبي واملاه من خشيتك) زاد بعضهم: وحكمتك. لان هذا الدعاء لائق بهذا الفعل. وهو شامل لخيري الدنيا والآخرة، وعن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء رواه الدارقطني. (ويسن أن يدخل البيت والحجر منه) أي من البيت. لحديث عائشة. وتقدم في استقبال القبلة (ويكون) حال دخول البيت والحجر (حافيا بلا خف ولا نعل) لما روى الازرقي عن الواقدي عن أشياخه: أول من خلع الخف والنعل فلم يدخلها - أي الكعبة - بهما الوليد بن المغيرة إعظاما لها فجرى ذلك سنة. (بغير سلاح نصا. ويكبر) في نواحيه (ويدعو في نواحيه. ويصلي فيه ركعتين) لقول ابن عمر: دخل النبي (ص) وبلال وأسامة بن زيد. فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله (ص)؟ قال: نعم قلت: أين؟ قال: بين العمودين تلقاء وجهه. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى؟ متفق عليه. (ويكثر النظر إليه) أي البيت (لانه) أي النظر إليه (عبادة فإن لم يدخله فلا بأس) لحديث عائشة: أن النبي (ص) خرج من عندها وهو مسرور. ثم رجع وهو كئيب. فقال: إني دخلت الكعبة. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي. (ويتصدق بثياب الكعبة إذا نزعت، نصا) لفعل عمر. رواه مسلم عن أبي نجيح عنه فهو مرسل. وروى الثوري: أن شيبة كان يدفع خلقان البيت إلى المساكين. وقياسا على الوقف المنقطع، بجامع انقطاع المصرف. (ومن أراد أن يستشفي بشئ من طيبها) أي الكعبة (فليأت بطيب من عنده فليرقه على البيت ثم يأخذه. ولا يأخذ من طيب الكعبة شيئا) أي يحرم ذلك. لانه صرف للموقوف في غير ما وقف عليه.

[ 590 ]

فصل: (ثم يرجع) من أفاض إلى مكة بعد الطواف والسعي على ما تقدم (إلى منى فيبيت بها) وجوبا لحديث ابن عباس قال: لم يرخص النبي (ص) لاحد يبيت بمكة إلا للعباس. لاجل سقايته رواه ابن ماجه. (ثلاث ليال) إن لم يتعجل في يومين، وليلتين إن تعجل (ويصلي بها ظهر يوم النحر) نصا. نقله أبو طالب. لحديث ابن عمر: أن النبي (ص) أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى متفق عليه. (ويرمي الجمرات بها في أيام التشريق) وهي أيام منى الثلاثة التي تلي يوم النحر. (كل يوم بعد الزوال) لقول جابر: رأيت النبي (ص) يرمي الجمرة ضحى يوم النحر. ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس، وقد قال (ص) لتأخذوا عني مناسككم. وقال ابن عمر: كنا نتحين إذا زالت الشمس رمينا. وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه. إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال. لقول ابن عمر: (إلا السقاة والرعاة. فلهم الرمي ليلا ونهارا) للعذر، (ولو) كان رميهم (في يوم واحد، أو في ليلة واحدة من أيام التشريق. وإن رمى غيرهم) أي غير السقاة والرعاة (قبل الزوال) أو ليلا (لم يجزئه) الرمي، (فيعيده) لما تقدم. (وآخر وقت رمي كل يوم) من أيام الرمي الاربعة (إلى المغرب) لانه آخر النهار. (ويستحب) الرمي أيام منى (قبل صلاة الظهر) لقول ابن عباس: كان النبي (ص) يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر. رواه ابن ماجه. (و) يستحب (أن لا يدع الصلاة مع الامام في مسجد منى. وهو مسجد الخيف) لفعله (ص) وفعل أصحابه. (فإن كان الامام غير مرضى) لفسق أو نحوه

[ 591 ]

(صلى المرء برفقته) محافظة على الجماعة. (ويرمي كل جمرة) من الثلاث (بسبع حصيات واحدة بعد واحدة) كما تقدم في رمي جمرة العقبة. (فيبدأ بالجمرة الاولى وهي أبعدهن من مكة، وتلي مسجد الخيف. فيجعلها عن يساره ويرميها) بالسبع حصيات. (ثم يتقدم قليلا. لئلا يصيبه الحصى. فيقف فيدعو الله رافعا يديه. ويطيل. ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه. ويرميها كذلك) بسبع حصيات (ويقف عندها) أي بعد أن يتقدم قليلا. لئلا يصيبه الحصى. (ويدعو) الله (ويرفع يديه) ويطيل. (ثم) يأتي لرمي (جمرة العقبة كذلك. ويجعلها عن يمينه. ويستبطن الوادي) عند رمي جمرة العقبة. (ولا يقف عندها) لما تقدم. (ويستقبل القبلة في الجمرات كلها) لحديث عائشة قالت: أفاض الرسول (ص) من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى. فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة. ويقف عند الاولى والثانية. ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها رواه أبو داود. وعن ابن عمر: أنه كان يرمي الجمرة الاولى بسبع حصيات. يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل. ويقوم مستقبل القبلة. طويلا ثم يدعو فيرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ بذات الشمال، فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدفع فيرفع يديه، ويقوم طويلا. ثم يرمي حجرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها. ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله (ص) يفعله، رواه البخاري. وروى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفة، ويزيد: وأصلح، أو أتم لنا مناسكنا. وقال ابن المنذر: كان عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا. (وترتيبها) أي الجمرات (شرط. بأن يرمي أولا) الجمرة (التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم العقبة. فإن نسكه) أي الرمي. بأن قدم على الاولى غيرها (لم يجزئه) ما قدمه على الاولى. نص عليه. لان النبي (ص) رتبها في

[ 592 ]

الرمي. وقال: خذوا عني مناسككم ولانه نسك متكرر، فاشترط الترتيب فيه كالسعي. (وإن أخل بحصاة من الاولى. لم يصح رمي الثانية). وكذا لو أخل بحصاة من الثانية. لم يصح رمي الثالثة لاخلاله بالترتيب. (وإن جهل) الرامي (محلها) بأن جهل من أي جمرة ترك الحصاة (بنى على اليقين) فإن شك: أمن الاولى أو ما بعدها؟ جعله من الاولى. أو شك في كونه من الثانية أو الثالثة؟ جعله من الثانية، لتبرأ ذمته بيقين. كما لو تيقن ترك ركن وجهل محله. (ثم يرمي في اليوم الثاني) الثلاث الجمرات مرتبة على صفة ما تقدم. (و) يرمي في اليوم (الثالث كذلك) إن لم يكن تعجل في اليوم الثاني. (وعدد الحصى) لكل جمرة (سبع) لما تقدم. وأما مجموع حصى الجمار فسبعون، يرمي منها جمرة العقبة بسبعة يوم النحر. وباقيها في أيام التشريق. كل يوم أحدا وعشرين حصاة في الجمرات الثلاث. كل جمرة بسبعة كما تقدم. (وإن أخر الرمي كله مع رمي يوم النحر) بأن أخر رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمى اليوم الاول والثاني من أيام التشريق. (فرماه آخر أيام التشريق أجزأه أداء. لان أيام الرمي كلها بمثابة اليوم الواحد) لانها كلها وقت للرمي. فإذا أخره من أول وقته إلى آخره أجزأه، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته. (وكان) بتأخير الرمي إلى آخرها. (تاركا للافضل) وهو الاتيان بالرمي في مواضعه السابقة. (ويجب ترتيبه بنية) كالمجموعتين والفوائت من الصلاة. (وكذا لو أخر رمي يوم) واحد (أو) رمي (يومين) ثم رماه فيما بعد، قبل مضي أيام التشريق. فإنه يكون أداء لما سبق. (وإن أخر الرمي كله) عن أيام التشريق (أو) أخر (جمرة العقبة عن أيام التشريق، أو ترك المبيت بمنى ليلة أو أكثر) من ليالي أيام التشريق، (فعليه دم) لقول ابن عباس: من ترك نسكا أو نسيه فإنه يهريق دما. وعلم منه: أنه لو ترك دون ليلة فلا شئ عليه. وظاهره: ولو أكثرها. (ولا يأتي به) أي بالرمي بعد أيام التشريق. (كالبيتوتة) بمنى لياليها إذا تركها. لا يأتي بها لفوات وقته. واستقرار الفداء الواجب فيه. (وفي ترك حصاة) واحدة (ما في) حلق (شعرة. وفي) ترك (حصاتين ما في) حلق (شعرتين) وفي أكثر من ذلك دم، لما تقدم في حلق الرأس. (وليس على أهل سقاية الحاج)

[ 593 ]

وهم سقاة زمزم، على ما في المطلع والمستوعب والمبدع. (و) لا على (الرعاة مبيت بمنى ولا بمزدلفة). لما روى ابن عمر: أن العباس استأذن النبي (ص) أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته فأذن له متفق عليه. وعن عاصم قال: رخص رسول الله (ص) لرعاة الابل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما رواه أحمد. وأخرج الترمذي نحوه، وقال: حديث صحيح. (فإن غربت الشمس وهم) أي أهل سقاية الحج والرعاة (بمنى لزم الرعاة المبيت) لانقضاء وقت الرعي، وهو النهار. (دون أهل السقاية) فلا يلزمهم المبيت ولو غربت وهم بمنى. لانهم يسقون بالليل. (وقيل: أهل الاعذار من غير الرعاة كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوه، حكمهم حكم الرعاة في ترك البيتوتة) جزم به الموفق والشارح وابن تميم. (ومن كان مريضا أو محبوسا أو له عذر. جاز أن يستنيب من يرمي عنه) كالمعضوب يستنيب في الحج كله إذا عجز عنه. (والاولى: أن يشهده إن قدر) على الحضور ليتحقق الرمي. (ويستحب أن يضع) المريض ونحوه (الحصا في يد النائب ليكون له عمل) في الرمي ولو أغمي على المستنيب لم تنقطع النيابة) بذلك كما لو نام. (ويستحب خطبة إمام) أو نائبه (في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال) خطبة (يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير والتوديع)، لحديث سراء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول الله (ص) يوم الرؤوس. فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس أوسط أيام

[ 594 ]

التشريق؟ رواه أبو داود. ولان بالناس حاجة إلى تعليم ما ذكر. (ولكل حاج، ولو أراد الاقامة بمكة: التعجيل إن أحب) لقوله تعالى: * (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) * قال عطاء: هي للناس عامة. يعني أهل مكة وغيرهم. ولقوله (ص): أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه. رواه أبو داود وابن ماجه. (إلا الامام المقيم للمناسك، فليس له التعجيل. لاجل من يتأخر) من الناس، (فإن أحب) غير الامام (أن يتعجل في ثاني) أيام (التشريق، وهو النفر الاول. خرج) من منى (قبل غروب الشمس) لظاهر الآية والخبر. (ولا يضره رجوعه) إلى منى بعد ذلك. لحصول الرخصة. (وليس عليه) أي المتعجل (في اليوم الثالث رمي) نص عليه. (ويدفن بقية الحصى) وهو حصى اليوم الثالث. قال في الفروع: في الاشهر، زاد بعضهم (في المرمى) وفي منسك ابن الزاغوني: أو يرمي بهن كفعله في اللواتي قبلهن. (وإن غربت) الشمس، (وهو بها). أي بمنى. (لزم المبيت والرمي من الغد بعد الزوال). قال ابن المنذر: وثبت عن عمر أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد ولينفر مع الناس. (ثم ينفر)، الامام، ومن لم ينفر في اليوم الثاني، (وهو النفر الثاني)، في اليوم الثالث. (ويسن إذا نفر من منى: نزوله بالابطح وهو المحصب)، والخيف والبطحاء والحصبة (وحده: ما بين الجبلين إلى المقبرة، فيصلي به الظهرين والعشاءين، ويهجع يسيرا. ثم يدخل مكة). قال نافع: كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة. وذكر ذلك عن رسول الله (ص) متفق عليه. وقال ابن عمر كان رسول الله (ص) وأبو بكر وعثمان ينزلون الابطح. قال الترمزي: هذا حديث حسن غريب. وقال ابن عباس: التحصيب ليس بشئ، إنما هو منزل نزله رسول الله (ص). وعن عائشة: إن نزول الابطح ليس بسنة. إنما نزله رسول الله (ص) ليكون أسمح بخروجه إذا خرج، متفق عليهما.

[ 595 ]

فصل: (فإذا أراد الخروج) من مكة (لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره، إن لم يقم بمكة أو حرمها). لما روى ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت. إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، متفق عليه. وفي لفظ مسلم قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبي (ص): لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت. ولابي داود: حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت. (ومن كان خارجه) أي خارج الحرم ثم أراد الخروج من مكة (فعليه الوداع) سواء أراد الرجوع إلى بلده أو غيرها. لما تقدم (وهو على كل خارج من مكة) قال القاضي والاصحاب: إنما يستحق عليه عند العزم على الخروج. واحتج به الشيخ تقي الدين على أنه ليس من الحج. (ثم يصلي ركعتين خلف المقام) كسائر الطوافات. (ويأتي الحطيم. وهو تحت الميزاب. فيدعو، ثم يأتي زمزم فيشرب منها ثم يستلم الحجر، ويقبله، ويدعو في الملتزم بما يأتي) من الدعاء. (فإن ودع ثم اشتغل بغير شد رحل، أو اتجر أو أقام. أعاد الوداع) وجوبا. لان طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت. و (لا) يعيد الوداع (إن اشترى حاجة في طريقه) أو اشترى زادا، أو شيئا لنفسه. (أو صلى) لان ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف. (فإن خرج قبله) أي قبل الوداع (فعليه الرجوع إليه) أي إلى الوداع (لفعله إن كان قريبا) دون مسافة القصر، (ولم يخف على نفسه أو ماله أو فوات رفقته أو غير ذلك) من الاعذار، (ولا شئ عليه إذا رجع) قريبا سواء كان

[ 596 ]

ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا لان الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر. (فإن لم يمكنه الرجوع) لعذر مما تقدم أو لغيره، (أو أمكنه) الرجوع للوداع (ولم يرجع، أو بعد مسافة قصر) عن مكة (فعليه. دم رجع) إلى مكة وطاف للوداع أو لا. لانه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر. فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات بغير إحرام. ثم أحرم ثم رجع إلى الميقات. (وسواء تركه) أي طواف الوداع (عمدا أو خطأ أو نسيانا) لعذر أو غيره. لانه من واجبات الحج، فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر واجبات الحج. (ومتى رجع مع القرب لم يلزمه إحرام) لانه في حكم الحاضر. (ويلزمه مع البعد الاحرام بعمرة يأتي بها) فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر. (ثم يطوف للوداع) إذا فرغ من أموره. (وإن أخر طواف الزيارة)، ونصه (أو القدوم. فطافه عند الخروج. كفاه) ذلك الطواف (عنهما) لان المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف. وقد فعل، ولان ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه، كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد. وكإجزاء المكتوبة أيضا عن ركعتي الطواف، وعن ركعتي الاحرام. فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة. لقوله (ص): وإنما لكل امرئ ما نوى (ولا وداع على حائض ونفساء) لحديث ابن عباس: إلا أنه خفف عن الحائض والنفساء في معناها. (ولا فدية) على الحائض أو النفساء، لظاهر حديث صفية. فإنه (ص) لم يأمرها بفدية. (إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان فترجع وتغتسل) للحيض أو النفاس. (وتودع) لانها في حكم الحاضرة (فإن لم تفعل) أي ترجع للوداع مع طهرها قبل مفارقة البنيان. (ولو لعذر، فعليها دم) لتركها نسكا واجبا. (فإذا فرغ من الوداع واستلم الحجر وقبله. وقف في الملتزم) وهو (ما بين) الركن الذي به (الحجر الاسود وباب الكعبة) وذرعه أربعة أذرع، (فيلتزمه) أي الملتزم (ملصقا به صدره ووجهه وبطنه، ويبسط يديه عليه. ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو الحجر). لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جاء دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار. ثم استلم الحجر. فقام بين الركن والباب، فوضع صدره وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما بسطا. وقال: هكذا رأيت النبي (ص)

[ 597 ]

يفعل، رواه أبو داود. (ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. ومنه: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي. فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا. وإلا فمن) الوجه فيه ضم الميم وتشديد النون، على أنه صيغة أمر من من يمن مقصودا به الدعاء. ويجوز كسر الميم وفتح النون على أنه حرف جر لابتداء الغاية. (الآن) أي هذا الوقت الحاضر. وجمعه آونة كزمان وأزمنة. (قبل أن تنأى) أي تبعد (عن بيتك داري. فهذا أوان انصرافي) أي زمنه. (إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك. ولا عن بيتك. اللهم فأصحبني)، بقطع الهمزة. (العافية في بدني والصحة في جسمي، والعصمة في ديني) وهي المنع من المعاصي. (وأحسن) بقطع الهمزة (منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني. واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة. إنك على كل شئ قدير وإن أحب دعا بغير ذلك، ويصلي على النبي (ص) فإذا خرج ولاها ظهره، ولا يلتفت). قال أحمد: فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت (فإن فعل) أي التفت (أعاد الوداع). نص عليه يعني (استحبابا). قال في الشرح: إذ لا نعلم لايجاب ذلك عليه دليلا (وقد قال مجاهد: إذا كدت تخرج من المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة. فقل: اللهم لا تجعله آخر العهد). وروى حنبل عن المهاجر قال، قلت: لجابر بن عبد الله: الرجل يطوف بالبيت ويصلي. فإذا

[ 598 ]

انصرف خرج، ثم استقبل القبلة؟ فقال جابر: ما كنت أحسب يصنع هذا إلا اليهود والنصارى. قال أبو عبد الله: أكره ذلك. (والحائض) أو النفساء (تقف على باب المسجد) الحرام (وتدعو بذلك) الدعاء استحبابا لتعذر دخوله. فصل: (وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة النبي (ص) وقبري صاحبيه) أبي بكر وعمر (رضي الله) تعالى (عنهما). لحديث الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (ص): من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي. وفي رواية: من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه باللفظ الاول سعيد. تنبيه: قال ابن نصر الله: لازم استحباب زيارة قبره (ص) استحباب شد الرحال إليها. لان زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل. فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته (ص). (قال) الامام (أحمد: إذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة. لانه إن حدث به حدث الموت كان في سبيل الحج) وهو من سبيبل الله. فيكون شهيدا، على ما تقدم بحثه عن صاحب الفروع. وعبارة الشرح وشرح المنتهى: لا يأخذ على طريق المدينة. لاني أخاف أن يحدث به حدث. فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطريق. ولا يتشاغل بغيره. (وإن كان) الحج (تطوعا بدأ بالمدينة) قال ابن نصر الله في هذا: إن الزيارة أفضل من حج التطوع. وإن حج الفرض أفضل منها، انتهى. قلت: قد يتوقف في ذلك، وإنما أراد الامام أن ينضم إلى قصد الحج قصد الزيارة، فيثاب

[ 599 ]

عليهما بخلاف حج الفرض، فيمحض النية له. (فإذا دخل مسجدها) أي مسجد المدينة (سن له أن يقول) عند دخوله (ما يقول في دخول غيره من المساجد)، وتقدم في صفة الصلاة، (ثم يصلي تحية المسجد) لعموم الاوامر. (ثم يأتي القبر الشريف، فيقف قبالة وجهه (ص) مستدبرا القبلة، ويستقبل جدار الحجرة. و) يستقبل (المسمار الفضة في الرخامة الحمراء) ويسمى الآن بالكوكب الدري. (فيسلم عليه) (ص) (فيقول: السلام عليك يا رسول الله. كان) عبد الله (ابن عمر رضي الله عنه) وعن أبيه وعن سائر الصحابة (لا يزيد عن ذلك. وإن زاد) عليه (فحسن). قال في الشرح وشرح المنتهى: ويقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه وعباده، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أشهد أنك بلغت رسالات ربك، ونصحت لامتك. ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة. وعبدت الله حتى أتاك اليقين. صلى الله عليك كثيرا، كما يحب ربنا ويرضى. اللهم أجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدا من النبين والمرسلين. وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته يغبطه به الاولون والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم إنك قلت وقولك الحق: * (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) * وقد أتيتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربك. فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته. اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين وأكرم الاولين، والآخرين، برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يدعو لوالديه ولاخوانه وللمسلمين أجمعين. فائدة: يروى عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي (ص) فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: * (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) * وقد جئتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والاكم

[ 600 ]

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الاعرابي، فحملتني عيني فرأيت النبي (ص) في النوم فقال: يا عتبي الحق الاعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له. (ولا يرفع صوته) لقوله تعالى: * (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض) * وحرمته ميتا كحرمته حيا (ثم يستقبل القبلة و) يجعل (الحجرة عن يساره قريبا. لئلا يستدبر قبره (ص) ويدعو) بما أحب (ثم يتقدم قليلا من مقام سلامه) عليه (ص) (نحو ذراع على يمينه، فيسلم على أبي بكر) الصديق (رضي الله عنه) فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، (ثم يتقدم نحو ذراع على يمينه فيسلم على عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق، ويقول: السلام عليكما يا صاحبي رسول الله (ص) وضجيعيه، ووزيريه. اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الاسلام خيرا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك (ص) ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين. قال في الشرح وشرح المنتهى: (ولا يتمسح ولا يمس قبر النبي (ص) ولا حائطه، ولا يلصق به صدره ولا يقبله) أي يكره ذلك لما فيه من إساءة الادب والابتداع. قال الاثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي (ص)، بل يقومون من ناحية فيسلمون قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر يفعل. وأما المنبر فروي عن ابن عمر أنه كان يضع يده على مقعد النبي (ص) من المنبر ثم يضعها على وجهه. (قال الشيخ: ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقا) وقال: واتفقوا على أنه لا يقبله ولا يتمسح به، فإنه من الشرك. وقال: والشرك لا يغفره الله. ولو كان أصغر. (قال) أبو الوفاء علي (ابن عقيل، و) أبو الفرج عبد الرحمن (بن الجوزي: يكره قصد القبور للدعاء) فعليه لا يترخص من سافر له. (قال الشيخ: و) يكره (وقوفه عندها) أي القبور (له) أي للدعاء (أيضا، وتستحب الصلاة بمسجده (ص) وهي بألف صلاة، و) الصلاة (بالمسجد

[ 601 ]

الحرام بمائة ألف) صلاة (و) الصلاة (في) المسجد (الاقصى بخمسمائة) صلاة. وتقدم ذلك في الاعتكاف مستوفى بأدلته. (وحسنات الحرم) في المضاعفة (كصلاته) لما تقدم عن ابن عباس مرفوعا: من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل له: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة. (وتعظم السيئآت به) سئل أحمد في رواية ابن منصور: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا إلا بمكة، لتعظيم البلد، ولو أن رجلا بعدن، وهم أن يقتل عند البيت. أذاقه الله من العذاب الاليم، انتهى. وظاهر كلامه: أن المضاعفة في الكيف لا الكم. وهو ظاهر كلام الشيخ تقي الدين. وظاهر كلامه في المنتهى، تبعا للقاضي وغيره: أن التضاعف في الكم، كما هو ظاهر نص الامام. وكلام ابن عباس: ما لي وبلد تتضاعف فيه السيآت كما تتضاعف الحسنات؟، وهو خاص. فلا يعارضه عموم الآيات، بل تخصص به. لان مثله لا يقال من قبل الرأي، فهو بمنزلة المرفوع. (ويسن أن يأتي مسجد قبا) بضم القاف يقصر ويمد ويصرف ولا يصرف، على ميلين من المدينة من جهة الجنوب. قال في الحاشية: (فيصلي فيه) لما في الصحيحين: أنه (ص) كان يأتيه راكبا وماشيا. فيصلي فيه ركعتين. وفيهما: كان يأتيه كل سبت راكبا وماشيا، وكان ابن عمر يفعله. (وإذا أراد الخروج) من المدينة ليعود إلى وطنه - بعد فعل ما تقدم - وزيارة البقيع، ومن فيه من الصحابة والتابعين، والعلماء والصالحين. (عاد إلى المسجد) النبوي (فيصلي فيه ركعتين، وعاد إلى قبر رسول الله (ص) فودع. وأعاد الدعاء. قاله في المستوعب، وقال: ويعزم على أن لا يعود إلى ما كان عليه قبل حجه، من عمل لا يرضي). ففي الحديث: أنه يعود كيوم ولدته أمه ويستجاب دعاؤه إلى أربعين يوما. قاله في المستوعب. وروى أبو الشيخ الاصفهاني وغيره، من رواية ليث عن مجاهد قال، قال عمر: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج بقية ذي الحجة ومحرم، وصفر وعشر من ربيع الاول، اقتصر عليه في اللطائف. (ويسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجها) إلى بلده (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون) أي راجعون (تائبون، عابدون لربنا، حامدون. صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده). لما روى البخاري عن ابن عمر أن النبي (ص): كان إذا

[ 602 ]

قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الارض، ثم يقول - فذكره. (ولا بأس أن يقال للحاج، إذا قدم: تقبل الله نسكك، وأعظم أجرك، وأخلف نفقتك). رواه سعيد عن ابن عمر. (قال في المستوعب: وكانوا) أي السلف (يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب). وفي الخبر: اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج. فصل: (في صفة العمرة) وما يتعلق بذلك (من كان في الحرم من مكي وغيره). وأراد العمرة (خرج إلى الحل فأحرم من أدناه) أي أقربه إلى الحرم. (و) إحرامه (من التنعيم أفضل)، لان النبي (ص): أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم. وقال ابن سيرين: بلغني أن النبي (ص): وقت لاهل مكة التنعيم. وإنما لزم الاحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم، ثم يلي الاحرام من التنعيم في الافضلية الاحرام (من الجعرانة) بكسر الجيم وإسكان العين. وقد تكسر العين وتشدد الراء. وقال الشافعي: التشديد خطأ. وهي موضع بين مكة والطائف، خارج من حدود الحرم، يعتمر منه، سمي بريطة بنت سعد. وكانت تلقب بالجعرانة، قال في القاموس وهي المراد في قوله تعالى: * (كالتي نقضت غزلها) * (ثم) يلي الاحرام من الجعرانة. في الافضلية: الاحرام من (الحديبية) مصغرة، وقد تشدد - بئر قرب مكة أو شجرة حدباء كانت هناك. (ثم) يلي ما سبق (ما بعد) عن الحرم، وعنه في المكي: كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للاجر. (ومن كان خارج الحرم) أي حرم مكة (دون الميقات) أي المواقيت التي سبقت، فميقات إحرامه بالحج أو العمرة. (من دويرة أهله) كما

[ 603 ]

تقدم في باب المواقيت. لحديث ابن عباس السابق هناك. (وإن كان في قرية) وأراد الاحرام (ف‍) - إنه يحرم (من الجانب الاقرب من البيت) أي الحرم (و) إحرامه (من) الجانب (الابعد أفضل) كمن بالميقات. فإن إحرامه من الجانب الابعد عن الحرم أفضل (وتقدم) في المواقيت (وتباح) العمرة (كل وقت) من أوقات السنة في أشهر الحج وغيرها (فلا يكره الاحرام بها يوم عرفة. و) لا يوم (النحر. و) لا أيام (التشريق) لان الاصل الاباحة. ولا دليل على الكراهة. (ولا بأس أن يعتمر في السنة مرارا) روي عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة. لان عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي (ص) عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها. وقال (ص): العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما متفق عليه. وقال علي: في كل شهر مرة. وكان أنس إذا حجم رأسه خرج فاعتمر. رواهما الشافعي في مسنده. (ويكره الاكثار منها والموالاة بينها. نصا) باتفاق السلف. قاله في الفروع قال أحمد: إن شاء كل شهر، وقال: لا بد أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكنه. واستحبه جماعة. (وهي) أي العمرة (في غير أشهر الحج أفضل) منها في أشهر الحج، نقله الاثرم وابن إبراهيم عن أحمد. واختار في الهدي أن العمرة في أشهر الحج أفضل. وظاهر كلام جماعة التسوية. (وأفضلها في رمضان. ويستحب تكرارها فيه) أي في رمضان (لانها تعدل حجة) لحديث ابن عباس مرفوعا: عمرة في رمضان تعدل حجة متفق عليه. قال أحمد: من أدرك يوما من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان. قال إسحاق معنى هذا الحديث: مثل ما روي عن النبي (ص): من قرأ قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القرآن. وقال أنس: حج النبي (ص)

[ 604 ]

حجة واحدة واعتمر أربع عمر، واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنائم حنين متفق عليه. (وتسمى العمرة حجا أصغر) لمشاركتها للحج في الاحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وانفراده بالوقوف بعرفة وغيره. مما تقدم. (وإن أحرم) بالعمرة (من الحرم لم يجز) له ذلك لتركه ميقاته، وهو الحل. (وينعقد) إحرامه. (وعليه دم) لتركه نسكا واجبا. (ثم) بعد الاحرام بالعمرة (يطوف) لعمرته (ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ولا يحل قبل ذلك) أي قبل الحلق أو التقصير. فإن وطئ قبله فعليه دم، كما روي عن ابن عباس وتقدم. (وتجزئ عمرة القارن) عن عمرة الاسلام، (و) تجزئ (عمرة) من (التنعيم عن عمرة الاسلام) لحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة. فقال لها النبي (ص) حين حلت منهما: قد حللت من حجك وعمرتك وإنما أعمرها من التنعيم قصدا لتطيب خاطرها، وإجابة مسألتها. لا أنها كانت واجبة عليها. فصل: (أركان الحج) أربعة (الوقوف بعرفة) لحديث: الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمعة فقد تم حجه، رواه أبو داود. (وطواف الزيارة) قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج. لا خلاف في ذلك بين العلماء. لقوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (والسعي) بين الصفا والمروة، لما تقدم في موضوعه. (والاحرام، وهو النية) أي نية النسك. وإن لم يتجرد من ثيابه المحرمة على المحرم. لقوله (ص): إنما الاعمال بالنيات (وواجباته) أي الحج (سبعة: الاحرام من الميقات) المعتبر له، إنشاء ودواما. قال في التلخيص:

[ 605 ]

والانشاء أولى. لانه (ص) ذكر المواقيت. وقال: هن لهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة. (والوقوف بعرفة إلى الليل) على من وقف نهارا لما تقدم. (والمبيت بمزدلفة إلى) ما (بعد نصفه) أي الليل إن وافاها قبله. (والمبيت بمنى) ليالي أيام التشريق على ما تقدم تفصيله. (والرمي) للجمار (مرتبا) على ما سبق في الباب (والحلاق أو التقصير، وطواف الوداع. قال الشيخ: وطواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة) كما تقدمت الاشارة إليه. (وما عداهن) أي المذكورات من الاركان والواجبات، كالمبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف القدوم والرمل، والاضطباع ونحوها، (سنن) للحج. (وأركان العمرة) ثلاثة (الاحرام، والطواف، والسعي) لما تقدم في الحج (وواجباتها) أي العمرة شيئان (الاحرام من الحل، والحلق أو التقصير) فمن أتى بواحد منهما فقد أتى بالواجب. (فمن ترك ركنا، أو) ترك (النية له) إن اعتبرت فيه كالطواف والسعي. (ولم يتم نسكه إلا به) أي بذلك الركن بنيته. (لكن لا ينعقد نسك بلا إحرام) حجا كان أو عمرة. لحديث: إنما الاعمال بالنيات. (ويأتي) في الباب بعده (إذا فاته الوقوف) بعرفة (ومن ترك واجبا) لحج أو عمرة (ولو سهوا فعليه دم) لما تقدم عن ابن عباس. (فإن عدمه. فكصوم متعة) وتقدم (والاطعام عنه على ما تقدم) فعلى المذهب: لا إطعام (ومن ترك سنة فلا شئ عليه) قال في الفصول وغيره: ولم يشرع الدم عنها. لان جبران الصلاة أدخل، فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره. ومن ترك طواف الافاضة رجع إلى مكة معتمرا فأتى به، لانه بقية إحرامه، وتقدم. فإن وطئ أحرم من التنعيم على حديث ابن عباس. وعليه دم. (قال) أبو الوفاء علي (ابن عقيل: وتكره تسمية من لم يحج صرورة) لقوله (ص): لا صرورة في الاسلام. و (لانه اسم جاهلي. و) يكره (أن يقال: حجة الوداع. لانه اسم على أن لا يعود). قال: وأن يقال: شوط، بل طوفة وطوفتان. (ويعتبر، في ولاية تسيير الحاج) أي في أمير الحاج (كونه مطاعا ذا رأي، وشجاعة، وهداية. وعليه جمعهم وترتيبهم، وحراستهم في

[ 606 ]

المسير والنزول، والرفق بهم، والنصح) لهم (ويلزمهم طاعته في ذلك. ويصلح بين الخصمين، ولا يحكم إلا أن يفوض إليه) الحكم، (فيعتبر كونه من أهله). وقال الآجري: يلزمه علم خطب الحج والعمل بها. قال الشيخ تقي الدين: ومن جرد معهم وجمع له من الجند المنقطعين ما يعينه على كلفة الطريق، أبيح له، ولا ينقص أجره. وله أجرة الحج والجهاد. وهذا كأخذ بعض الاقطاع ليصرفه في المصالح. وليس في هذا اختلاف. ويلزم المعطي بذل ما أمر به. (وشهر السلاح عند قدوم) الحاج الشامي (تبوك: بدعة. زاد الشيخ: محرمة) ومثله: ما يفعله الحاج المصري ليلة بدر في المحل المعروف بجبل الزينة، قال: وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب. فلم يكن بها حصن، ولا مقاتلة فإن مغازي النبي (ص) إنما كانت بضعا وعشرين، لم يقاتل فيها إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وفتح حنين، وطائف. (وقال: ومن اعتقد أن الحج يسقط ما عليه من الصلاة والزكاة. فإنه يستتاب بعد تعريفه إن كان جاهلا. فإن تاب وإلا قتل. ولا يسقط حق الآدمي من مال أو عرض، أو دم بالحج إجماعا) اه‍. وقال الدميري: في الحديث الصحيح: من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة، دون العباد. ولا يسقط الحقوق أنفسها. فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه. لانها حقوق لا ذنوب. إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج، لا هي نفسها. فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق. قاله في المواهب. باب الفوات والاحصار الفوات: مصدر فاته يفوته فواتا، وفوتا. وهو (سبق لا يدرك. والاحصار) مصدر

[ 607 ]

أحصره أي حبسه، فهو (الحبس) أي المنع (من طلع عليه فجر يوم النحر. ولم يقف بعرفة، ولو لعذر. فاته الحج) في ذلك العام، لانقضاء زمن الوقوف. لقول جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله (ص) ذلك؟ قال: نعم رواه الاثرم. ولمفهوم ما سبق من قوله (ص): الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه. فإنه يدل على فوات الحج بخروج ليلة جمع. (وسقط عنه توابع الوقوف، كمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي جمار) كفوات متبوعها. كمن عجز عن السجود بالجبهة، لم يلزمه بغيرها. (وانقلب إحرامه عمرة نصا. فيطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر) لقول عمر لابي أيوب لما فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإن أدركت الحج قابلا فحج، واهد ما استيسر من الهدي رواه الشافعي. وروى البخاري بإسناده عن عطاء مرفوعا نحوه، ولانه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات، فمع الفوات أولى. (وسواء كان قارنا أو غيره) لان عمرة القارن لا يلزمه أفعالها. وإنما يمنع من عمرة على عمرة إذا لزمه المضي في كل منهما. ومحل انقلاب إحرامه عمرة. (إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل) من غير إحرام متجدد، فإن اختار ذلك فله استدامة الاحرام. لانه رضي بالمشقة على نفسه. (ولا تجزئ) هذه العمرة التي انقلب إحرامه إليها (عن عمرة الاسلام) نصا. لوجوبها كمنذورة. (وعليه القضاء. ولو) كان الحج الفائت (نفلا) لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): من فاته عرفات فقد فاته الحج، وليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل وعمومه شامل للفرض والنفل. وكذا ما سبق عن عمر. ولان الحج يلزم بالشروع فيه. فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات. وأما قوله (ص): الحج مرة، فالمراد به: الواجب بأصل الشرع. وهذا إنما وجب بإيجابه له بالشروع فيه، كالمنذور. وأما المحصر فإنه غير منسوب إلى تفريط بخلاف من فاته الحج. ومحله: إذا لم يشترط: أن محلي حيث حبستني. فإن اشترط فلا قضاء. (ويلزمه) أيضا (إن لم يكن اشترط أولا) أن محلي حيث حبستني (هدي شاة،

[ 608 ]

أو سبع بدنة) أو سبع بقرة (من حين الفوات، ساقه) أي الهدي (أو لا) نص عليه (يؤخره إلى القضاء يذبحه فيه) لانه حل من إحرامه قبل تمامه. فلزمه كالمحصر. (فإن كان الذي فاته الحج قارنا قضى قارنا) أي لزمه في العام الثاني مثل ما أهل به أولا. نص عليه. لان القضاء يجب على حسب الاداء في صورته ومعناه فيجب أن يكون هنا كذلك، قلت: والظاهر أنه يلزمه قضاء النسكين، لا أن يكون قارنا كما يعلم مما سبق في الاحرام. قال في الشرح: ويلزمه دمان، لقرانه وفواته. (فإن عدم الهدي زمن الوجوب) وهو وقت الفوات، (صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج أي حج القضاء وسبعة إذا رجع) أي فرغ من حجة القضاء، كتمتع. لما روى الاثرم بإسناده: أن هبار بن الاسود حج من الشام فقدم يوم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم يوم عرفة. قال: فانطلق إلى البيت فطف به سبعا وإن كان معك هدية فانحرها. ثم إذا كان قابل فاحجج. فإن وجدت سعة فأهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله. والمكي وغيره في ذلك سواء. (ثم حل. والعبد لا يهدي ولو أذن له سيده، لانه لا مال له) لانه لا يملك. ولو ملك غير المكاتب. (ويجب عليه الصوم المذكور بدل الهدي. وعلى قياس هذا: كل دم لزمه في الاحرام) لفعل محظور أو غيره (لا يجزئه عنه إلا الصيام) لما تقدم، (وإذا صام) العبد (فإنه يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما، حيث يصوم الحر، ثم حل) ذكره الخرقي. والصحيح الذي عليه جماهير الاصحاب: أنه يصوم عشرة أيام، ثلاث في حجة القضاء وسبعة إذا رجع. كما قدمه في قوله: ويجب عليه الصوم المذكور بدل الهدي. وقوله هنا وفيما تقدم: ثم حل، يقتضي أنه لا يحل حتى يصوم. وليس بظاهر. لانه ليس كالمحصر بل يحصل التحلل بنفس إتمام النسك، على ما تقدم في صفة الحج، إذ لم يفرقوا بين القضاء وغيره. ولم يذكر: ثم حل في المنتهى وغيره فيمن فاته الحج، بل في المحصر. (وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة) بأن وقفوا الثامن أو العاشر (ظنا منهم أنه يوم عرفة أجزأهم) نصا. لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن جابر بن أسيد قال: قال رسول الله (ص): يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه وقد روى

[ 609 ]

أبو هريرة أن رسول الله (ص) قال: فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون رواه الدارقطني وغيره. قال الشيخ تقي الدين: وهل هو يوم عرفة باطنا؟ فيه خلاف في مذهب أحمد، بناء على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء، أو لما يراه الناس ويعلمونه، وفيه خلاف مشهور في مذهب أحمد وغيره. قال: والثاني هو الصواب. وقال: نعلم أنه يوم عرفة باطنا وظاهرا. يوضحه: أنه لو كان هنا خطأ وصواب لاستحب الوقوف مرتين، وهو بدعة لم يفعله السلف، فعلم أنه لا خطأ. وقال: فلو رآه طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور. وقال في الفروع: ويتوجه وقوف مرتين إن وقف بعضهم، لا سيما من رآه. وصرح جماعة إن أخطأ أو غلط في العدد أو في الرؤية، أو في الاجتهاد مع الغيم أجزأ. وهو ظاهر كلام الامام وغيره. (وإن أخطأ بعضهم. فاته الحج) هذه عبارة غالب الاصحاب. وفي الانتصار: وإن أخطأ عدد يسير. وفي الكافي والمجرد: إن أخطأ نفر منهم. قال ابن قتيبة: يقال: إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشر. ولذلك قال في المنتهى: وإن وقف الناس، أو إلا يسيرا. الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، (ومن أحرم فحصره عدو في حج أو عمرة عن الوصول إلى البيت) أي الحرم (بالبلد) متعلق بحصره (أو الطريق، قبل الوقوف، أو بعده، أو منع) من دخول الحرم (ظلما، أو جن، أو أغمي عليه. ولم يكن له طريق آمن إلى الحج) ولو بعدت، (وفات) أي خشي فوات (الحج. ذبح هديا شاة أو سبع بدنة) أو سبع بقرة. لقوله تعالى: * (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) * ولانه (ص): أمر أصحابه حين أحصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلوا. قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، ولانه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه، فوجب الهدي في صورة ما لو حصر بعد الوقوف، كما لو أحصر قبله. تنبيه: إنما قدرت: ولو بعدت، وأولت: فات بخشية الفوات. ليوافق كلام الاصحاب. إذ فوت الحج ليس شرطا لتحلل المحصر. كما تدل عليه الآية والخبر، وكلام الاصحاب. ويكون محل ذبح الهدي. (في موضع حصره حلا، كان أو حرما) لذبحه (ص) وأصحابه بالحديبية. وهي من الحل. وتقدم. (وينوي) المحصر (به) أي بذبح الهدي (التحلل

[ 610 ]

وجوبا) لحديث: إنما الاعمال بالنيات (أو حلق أو قصر) وجوبا. قدمه في الرعاية، واختاره القاضي في التعليق وغيره. وقدم في المحرر وشرح ابن رزين: عدم الوجوب. وهو ظاهر الخرقي والمنتهى. لعدم ذكره في الآية. ولانه مباح ليس بنسك خارج الحرم، لانه من توابع الوقوف كالرمي. (ثم حل) من إحرامه (فإن أمكن المحصر الوصول) إلى الحرم (من طريق أخرى) غير التي أحصر فيها، (لم يبح له التحلل) لقدرته على الوصول إلى الحرم، فليس بمحصر. (ولزمه سلوكها) ليتم نسكه. لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (بعدت) الطريق (أو قربت، خشي الفوات) أي فوات الحج (أو لم يخشه. فإن لم يجد) المحصر هديا (صام عشرة أيام بالنية) أي بنية التحلل (كمبدله) أي الصوم. وهو ذبح الهدي. فإنه يذبحه بنية التحلل. كما تقدم. (ثم حل، ولا إطعام فيه) أي الاحصار، لعدم وروده. وقال الآجري: إن عدم الهدي مكان إحصاره قومه طعاما وصام عن كل مد يوما، وحل. وأوجب أن لا يحل حتى يصوم إن قدر، فإن صعب عليه حل ثم صام. (بل يجب مع الهدي) على المحصر (حلق أو تقصير) وتقدم ما فيه. (ولا فرق) فيما تقدم (بين الحصر العام في كل الحاج، وبين) الحصر (الخاص في شخص واحد. مثل أن يحبس بغير حق أو يأخذه اللصوص) لعموم النص، ووجود المعنى في الكل. (ومن حبس بحق أو دين حال) وهو (قادر على أدائه. فليس له التحلل) لانه ليس بمعذور. فإن كان عاجزا عن أدائه فحبس بغير حق. فله التحلل لما مر. (وإذا كان العدو الذي حصر الحاج مسلمين، جاز قتالهم) للحاجة إليه (وإن أمكن الانصراف من غير قتال. فهو أولى) لصون دماء المسلمين. (وإن كانوا مشركين. لم يجب قتالهم إلا إذا بدأوا بالقتال، أو وقع النفير) ممن له الاستنفار، فيتعين إذن لما يأتي في الجهاد. (فإن غلب على ظن المسلمين الظفر) بالمشركين (استحب قتالهم) حيث لم يجب لاعلاء كلمة الدين. (ولهم) أي الحاج (لبس ما تجب فيه الفدية إن احتاجوا إليه) في القتال، (ويفدون) للبسه، كما تقدم في حلق الرأس وتغطيته، (وإلا) أي وإن

[ 611 ]

لم يقو على ظن المسلمين الظفر، (فتركه) أي القتال (أولى) لئلا يغروا بالمسلمين. (فإن أذن العدو لهم) أي للحاج (في العبور فلم يثقوا بهم، فلهم الانصراف) والتحلل كما تقدم. (وإن وثقوا بهم، لزمهم المضي على الاحرام) لاتمام النسك. إذ لا عذر لهم إذن (وإن طلب العدو خفارة على تخلية الطريق) للحاج (وكان) العدو (ممن لا يوثق بأمانه) لعادته بالغدر، (لم يلزم بذله) أي المال المطلوب خفارة، لانه إضاعة من غير وصول للمقصود. (وإن وثق) بأمانه (والخفارة كثيرة. فكذلك) لا يجب بذلها للضرر، (بل يكره بذلها) أي الخفارة (إن كان العدو كافرا) لما فيه من الذل والهوان، وتقوية الكفار. (وإن كانت) الخفارة (يسيرة فقياس المذهب: وجوب بذله) أي مال الخفارة. قاله الموفق والشارح، وصححه في تصحيح الفروع، لانه ضرر يسير، كماء الوضوء. وقال جماعة من الاصحاب: لا يجب بذل خفارة بحال، كما في ابتداء الحج لا يلزمه إذا لم يجد طريقا آمنا من غير خفارة. وفي المنتهى: يباح تحلل لحاجة قتال أو بذل مال لا يسير لمسلم. (ولو نوى) المحصر (التحلل قبل ذبح هدي) إن وجده (أو) قبل (صوم) إن عدم الهدي (ورفض إحرامه، لم يحل، ولزمه دم لتحلله. ولكل محظور فعله بعده) أي بعد التحلل. هكذا في المقنع. قال في الانصاف: وهذا المذهب. وعليه أكثر الاصحاب. وقدمه في الفروع، وقيل: لا يلزمه دم لذلك. جزم به في المغني والشرح اه‍. وسبق في كلام المصنف تبعا لما صححه في الانصاف وأيضا في باب الاحرام: أنه لا شئ عليه، لرفض إحرامه. لانه مجرد نية. فانظر هل هما مسألتان فيحمل التحلل ه‍ على لبس المخيط مثلا، أو مسألة واحدة، تناقض التصحيح فيها؟ (ولا قضاء على محصر إن كان) حجه (نفلا) لظاهر الآية. وذكر في

[ 612 ]

الانصاف أنه المذهب. وقيده في المستوعب والمنتهى بما إذا تحلل قبل فوات الحج. ومفهومهما: أنه لو تحلل بعد فوات الحج يلزمه القضاء، وهو إحدى روايتين أطلقهما في الشرح وغيره. وهو ظاهر كلامه في أول الباب. وإن زال الحصر بعد تحلله وأمكنه فعل الحج الواجب في ذلك العام، لزمه فعله. (ومن أحصر عن واجب) كرمي الجمار (لم يتحلل. وعليه له) أي لتركه ذلك الواجب (دم) كما لو تركه اختيارا. (وحجه صحيح) لتمام أركانه. (وإن صد) المحرم (عن عرفة دون البيت) أي الحرم (تحلل ب‍) - أفعال (عمرة ولا شئ عليه) لان قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر، فمعه أولى. فإن كان قد طاف وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض، أو فاته الحج تحلل بطواف وسعي آخرين. لان الاولين لم يقصد بهما طواف العمرة، ولا سعيها. وليس عليه أن يجدد إحراما في الاصح. قاله في شرح المنتهى. ومن أحصر عن طواف الافاضة، وقد رمى وحلق. لم يتحلل حتى يطوف. (ومن أحصر بمرض، أو ذهاب نفقة) أو ضل الطريق (لم يكن له التحلل، وهو على إحرامه، حتى يقدر على البيت) لانه لا يستفيد بالاحلال الانتقال من حال إلى حال خير منها، ولا التخلص من الاذى الذي به، بخلاف حصر العدو. ولان النبي (ص): دخل على ضباعة بنت الزبير فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال: حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني فلو كان المرض يبيح التحلل ما احتاجت إلى شرط. لحديث: من كسر، أو عرج فقد حل متروك الظاهر. فإن مجرد الكسر والعرج لا يصير به حلالا. فإن حملوه على أنه يبيح له التحلل. حملناه على ما إذا اشترط الحل، على أن في الحديث كلام ابن عباس يرويه ومذهبه بخلافه، (وإن فاته الحج) بطلوع فجر يوم النحر قبل وقوفه (تحلل بعمرة) نقله الجماعة. (كغير المرض) أي كما لو فاته الحج لغير مرض، (ولا ينحر) من أحصر بمرض أو ذهاب نفقة. (هديا معه إلا بالحرم. فيبعث به) أي الهدي (ليذبح فيه) أي الحرم بخلاف من حصره العدو. ونص أحمد على التفرقة بينهما. ومثل المريض: من

[ 613 ]

ضل الطريق. ذكره في المستوعب. وتبعه في المنتهى. ومثله أيضا: حائض تعذر مقامها، أو رجعت ولم تطف، لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة. قاله في شرح المنتهى. (والحكم في القضاء والهدي كما تقدم) تفصيله، (ويقضي عبد) مكلف حيث وجب عليه القضاء. بأن كان نذرا أو فاته الحج، (في رقه كحر) لانه أهل لاداء الواجب. (وصغير) في فوات وإحصار (كبالغ. ولا يصح) قضاؤه حيث وجب (إلا بعد البلوغ) كما لو أفسد نسكه بالوطئ. (ولو أحصر في حج فاسد. فله التحلل) منه بذبح الهدي إن وجده. أو الصوم إن عدمه كالصحيح. (فإن حل) من الحج الفاسد (ثم زال الحصر وفي الوقت سعة) للقضاء (فله أن يقضي في ذلك العام) ذكره في الانصاف وغيره. ولعل المراد: يجب لوجوب القضاء على الفور، كما تقدم. وإنما قالوه في مقابلة المنع. وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسده فيه الحج في غير هذه المسألة. قاله الموفق والشارح وجماعة. ولا يصح ممن أحرم بالحج ووقف بعرفة ثم طاف وسعى ورمى جمرة العقبة، وحلق في نصف الليل الثاني: أن يحرم بحجة أخرى، ويقف بعرفة، قبل الفجر. لان رمي أيام التشريق عمل واجب بالاحرام السابق. فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره، هذا معنى كلام القاضي. وسلم الاجماع على أنه لا يجوز حجتين في عام. (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض، أو ضاعت نفقته، أو نفدت ونحوه) كمتى ضل الطريق (أو قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. فله التحلل بجميع ذلك). لحديث ضباعة بنت الزبير السابق. وقوله (ص): فإن لك على ربك ما اشترطت ولان للشرط تأثيرا في العبادات. بدليل: إن شفى الله مريضي صمت شهرا ونحوه. (وليس عليه هدي، ولا صوم، ولا قضاء، ولا غيره) لظاهر حديث ضباعة. ولانه إذا شرط شرطا كان إحرامه الذي فعله إلى حين وجود الشرط. فصار بمنزلة من أكمل أفعال الحج. (وله البقاء على إحرامه) حتى يزول عذره ويتم نسكه. (فإن قال: إن مرضت ونحوه، فأنا حلال. فمتى وجد الشرط حل بوجوده) لانه شرط صحيح، فكان على ما شرط.

[ 614 ]

باب الهدي، والاضاحي، والعقيقة وما يتعلق بها (الهدي) أصله: التشديد، من هديت الشئ أهديه. ويقال أيضا: أهديت الهدي إهداء. وهو (ما يهدى إلى الحرم من النعم وغيرها) وقال ابن المنجا: ما يذبح بمنى. سمي بذلك لانه يهدى لله تعالى. (والاضحية) بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها. ويقال: ضحية كسرية. والجمع ضحايا. ويقال: أضحاة. والجمع: أضحي، كأرطاة وأرطى. نقله الجوهري عن الازهري. وهي (ما يذبح من بهيمة الانعام) أي الابل والبقر والغنم الاهلية (أيام النحر) الثلاثة، وليلتي يومي التشريق على ما يأتي. (بسبب العيد) بخلاف ما يذبح بسبب نسك أو إحرام. (تقربا إلى الله تعالى). ولا يجزئ غيرها احترازا عما يذبح للبيع ونحوه. (ويسن لمن أتى مكة أن يهدي هديا) لفعله (ص). قال جابر في صفة حج النبي (ص): وكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن. والذي أتى به النبي (ص) مائة. وقد كان النبي (ص) يبعث بالهدي إلى مكة ويقيم هو بالمدينة. (والافضل فيهما) أي في الهدي والاضحية (إبل، ثم بقر، إن أخرج كاملا، ثم غنم) لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الاولى، فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أملح. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة متفق عليه. ولان البدن أكثر ثمنا ولحما، وأنفع للفقراء. وسئل (ص): أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها. والابل أغلى ثمنا وأنفس من البقر والغنم. (ثم شرك) سبع فأكثر (في بدنة، ثم شرك في بقرة) لان إراقة الدم مقصودة في الاضحية. والمنفرد تقرب بإراقته كله. (ولا يجزئ في الاضحية الوحشي) إذ لا يحصل

[ 615 ]

المقصود به، مع الورود، (ولا) يجزئ أيضا في الاضحية (من أحد أبويه وحشي) تغليبا لجانب المنع. (وأفضلها) أي الاجناس، أي أفضل كل جنس (أسمن، ثم أغلى ثمنا) لقوله تعالى: * (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) * قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها. ولان ذلك أعظم لاجراها، وأكثر لنفعها. (وذكر وأنثى سواء) لقوله تعالى: * (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام) *. وقوله تعالى: * (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير) * ولم يقل ذكرا ولا أنثى وقد ثبت أن النبي (ص): أهدى جملا كان لابي جهل في أنفه برة من فضة، رواه أبو داود وابن ماجه. قال أحمد: الخصي أحب إلينا من النعجة. لان لحمه أوفر وأطيب. وقال الموفق: الكبش في الاضحية أفضل النعم. لانها أضحية النبي (ص) (وأقرن أفضل) لانه (ص): ضحى بكبشين أملحين أقرنين. (ويسن استسمانها واستحسانها) لما تقدم من قوله تعالى: * (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) * (وأفضلها لونا. الاشهب، وهو الاملح، وهو الابيض) النقي البياض قاله ابن الاعرابي. (أو ما بياضه أكثر من سواده. قاله الكسائي) لما روى عن مولاة ابن ورقة بن سعيد قالت: قال رسول الله (ص): دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين رواه أحمد بمعناه. وقال أبو هريرة: دم بيضاء أحب إلى الله من دم سوداوين. ولانه لون أضحية النبي (ص). (ثم أصفر، ثم أسود) يعني أن كل ما كان أحسن لونا فهو أفضل. (قال) الامام (أحمد: يعجبني البياض. وقال: أكره السواد. ولا يجزئ) في الاضحية وكذا دم تمتع ونحوه. (إلا الجذع من الضأن. وهو ما له ستة أشهر) ويدل لاجزائه: ما روت أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله (ص) قال: يجزئ الجذع من الضأن أضحية رواه ابن ماجه. والهدي مثله. والفرق بين جذع الضأن والمعز: أن

[ 616 ]

جذع الضأن ينزو فيلقح، بخلاف الجذع من المعز قاله إبراهيم الحربي. ويعرف كونه قد أجزع بنوم الصوف على ظهره. قال الخرقي: سمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية، كيف تعرفون الضأن إذا أجذع؟ قالوا: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حملا. فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه أجذع. (و) لا يجزئ إلا (الثني مما سواه) أي الضأن (فثني الابل: ما كمل له خمس سنين) قال الاصمعي وأبو زيد الكلابي، وأبو زيد الانصاري: إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني. ونرى أنه إنما سمي ثنيا لانه ألقى ثنيته. (و) ثني (بقر) ما له (سنتان) كاملتان، (و) ثني (معز) ما له (سنة) كاملة. لحديث: لا تذبحوا إلا مسنة. فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن لانه قبل ذلك لا يلقح. (ويجزئ أعلى سنا مما ذكر) لانه أولى. والحصر فيما تقدم إضافي. فالمعنى: لا يجزئ أدون مما تقدم. (وجذع ضأن أفضل من ثني معز) قال أحمد: لا تعجبني الاضحية إلا الضأن. ولان جذع الضأن أطيب لحما من ثني المعز. (وكل منهما) أي من جذع الضأن وثني المعز (أفضل من سبع بدنة، أو) سبع (بقرة) لما تقدم لان المقصود إراقة الدم. (وسبع شاة أفضل من بدنة. أو بقرة، وزيادة عدد في جنس أفضل من المغالات مع عدمه) أي عدم التعدد. (فبدنتان) سمينتان (بتسعة، أفضل من بدنة بعشرة) لما فيه من كثرة إراقة الدم. (ورجح الشيخ البدنة) التي بعشرة على البدنتين بتسعة. لانها أنفس. (والخصي راجح على النعجة) لان لحمه أوفر وأطيب. (ورجح الموفق الكبش) في الاضحية (على سائر النعم) لانه أضحية النبي (ص). (وتجزئ الشاة عن واحد) ونص الامام. (وعن أهل بيته وعياله، مثل امرأته وأولاده ومماليكه) قال صالح: قلت لابي: يضحي بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم. لا بأس. قد ذبح النبي (ص) كبشين، فقال: بسم الله هذا عن محمد وأهل بيته. وقرب الآخر. وقال: بسم الله، اللهم منك ولك عمن وحدك من أمتي. ويدل له أيضا: ما روى أبو أيوب، قال: كان الرجل في عهد رسول الله (ص) يضحي بالشاة عنه وعن أهل

[ 617 ]

بيته، فيأكلون ويطعمون قال في الشرح: حديث صحيح. (و) تجزئ كل من (البدنة والبقرة عن سبعة) روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة، لحديث جابر قال: نحرنا بالحديبية مع النبي (ص) البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. وفي لفظ أمرنا رسول الله (ص) أن نشترك في الابل والبقر، كل سبعة منا في بدنة، رواهما مسلم. (فأقل) أي وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة بطريق الاولى. (قال الزركشي: الاعتبار) أي في إجزاء البدنة أو البقرة عن سبعة فأقل، (أن يشترك الجميع) أي في البدنة أو البقرة (دفعة. فلو اشترك ثلاثة في) بدنة أو (بقرة أضحية. وقالوا: من جاء يريد أضحية شاركناه. فجاء قوم فشاركوهم. لم تجز) البدنة أو البقرة (إلا عن الثلاثة. قاله الشيرازي. انتهى. والمراد: إذا أوجبوها) أي الثلاثة (على أنفسهم. نص عليه) لانهم إذا لم يوجبوها فلا مانع من الاشتراك قبل الذبح، لعدم التعيين. (والجواميس فيهما) أي في الهدي والاضحية (كالبقر) في الاجزاء والسن، وإجزاء الواحدة عن سبعة لانها نوع منها (وسواء أراد جميعهم) أي جميع الشركاء في البدنة أو البقرة (القربة، أو) أراد (بعضهم القربة، و) أراد (الباقون اللحم) لان الجزء المجزئ لا ينقص أجره بإرادة الشريك غير القربة كما لو اختلفت جهات القربة، بأن أراد بعضهم المتعة، والآخر القران. والآخر ترك واجب. وهكذا. ولان القسمة هنا إفراز حق. وليست بيعا. وفي أمر النبي (ص) بالاشتراك، مع أن سنة الهدي والاضحية: الاكل، والاهداء: دليل على تجويز القسمة. إذ بها يتمكن من ذلك. (ويجزئ الاشتراك) في البدن والبقر، (ولو كان بعضهم) أي الشركاء (ذميا في قياس قوله) أي الامام (قاله القاضي). وجزم بمعناه في المنتهى (ويعتبر ذبحها) أي البدنة أو البقرة (عنهم) أي السبعة فأقل. نص عليه. (ويجوز أن يقتسموا اللحم، لان القسمة) في المثليات ونحوها (ليست بيعا) بل إقرار حق. (ولو ذبحوها) أي البدنة والبقرة عن سبعة بطريق الاولى. (قال الزركشي: الاعتبار) أي في إجزاء البدنة أو البقرة عن سبعة فأقل، (أن يشترك الجميع) أي في البدنة أو البقرة (دفعة. فلو اشترك ثلاثة في) بدنة أو (بقرة أضحية. وقالوا: من جاء يريد أضحية شاركناه. فجاء قوم فشاركوهم. لم تجز) البدنة أو البقرة (إلا عن الثلاثة. قاله الشيرازي. انتهى. والمراد: إذا أوجبوها) أي الثلاثة (على أنفسهم. نص عليه) لانهم إذا لم يوجبوها فلا مانع من الاشتراك قبل الذبح، لعدم التعيين. (والجواميس فيهما) أي في الهدي والاضحية (كالبقر) في الاجزاء والسن، وإجزاء الواحدة عن سبعة لانها نوع منها (وسواء أراد جميعهم) أي جميع الشركاء في البدنة أو البقرة (القربة، أو) أراد (بعضهم القربة، و) أراد (الباقون اللحم) لان الجزء المجزئ لا ينقص أجره بإرادة الشريك غير القربة كما لو اختلفت جهات القربة، بأن أراد بعضهم المتعة، والآخر القران. والآخر ترك واجب. وهكذا. ولان القسمة هنا إفراز حق. وليست بيعا. وفي أمر النبي (ص) بالاشتراك، مع أن سنة الهدي والاضحية: الاكل، والاهداء: دليل على تجويز القسمة. إذ بها يتمكن من ذلك. (ويجزئ الاشتراك) في البدن والبقر، (ولو كان بعضهم) أي الشركاء (ذميا في قياس قوله) أي الامام (قاله القاضي). وجزم بمعناه في المنتهى (ويعتبر ذبحها) أي البدنة أو البقرة (عنهم) أي السبعة فأقل. نص عليه. (ويجوز أن يقتسموا اللحم، لان القسمة) في المثليات ونحوها (ليست بيعا) بل إقرار حق. (ولو ذبحوها) أي

[ 618 ]

البدنة أو البقرة (على أنهم سبعة فبانوا ثمانية ذبحوا شاة. وأجزأتهم) الشاة مع البدنة أو البقرة. فإن بانوا تسعة ذبحوا شاتين وهكذا، (ولو اشترك اثنان في شاتين على الشيوع أجزأ) ذلك عنهما. كما لو ذبح كل منهما شاة. (ولو اشترى سبع بقرة) أو بدنة (ذبحت للحم. فهو لحم اشتراه. وليست) الحصة التي اشتراها (أضحية) لعدم ذبحها عنهم وكذا لو اشترى إنسان شاة ذبحت للحم. وأما ما ذبح هديا أو أضحية، فلا يصح بيعه، كما يأتي ولو تطوعا لتعينه بالذبح.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية