كشف القناع للشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي المتوفي سنة 51. ه عن متن الاقناع للامام موسى بن احمد الحجادي الصالحي المتوفي سنة 960 ه قدم له الاستاذ الدكتور كمال عبد العظيم العناني حققه أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي تنبيه: وضعنا نص متن الاقناع في اعلى الاصفحات ووضعنا تحته فص كشاف القناع مفصولا بينهما بخط. الجزء الثاني تتمة الصلاة - الجنائز - الزكاة - الصيام - الحج منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم فصل: في الجمع بين الصلاتين
(وليس) الجمع (بمستحب، بل تركه أفضل) للاختلاف فيه (غير جمعي عرفة ومزدلفة) فيسنان بشرطه. للاتفاق عليهما. لفعله (ص). (يجوز) الجمع (بين الظهر والعصر) في وقت إحداهما، (و) بين (العشاءين في وقت إحداهما) فهذه الاربع هي التي تجمع: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء في وقت أحدهما. أما الاولى، ويسمى جمع التقديم، أو الثانية، ويقال له: جمع التأخير في ثمان حالات: إحداها: (لمسافر يقصر) أي يباح له قصر الرباعية، بأن يكون السفر غير مكروه ولا حرام، ويبلغ يومين قاصدين كما تقدم. لما روى معاذ: أن النبي (ص) كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا. ثم سار وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء. رواه أبو داود والترمذي. وقال: حسن غريب. وعن أنس معناه. متفق عليه. وظاهره: لا فرق بين أن يكون نازلا أو سائرا في جمع التقديم أو التأخير. وقال القاضي: لا يجوز إلا لسائر (فلا يجمع من لا) يباح له أن (يقصر، كمكي ونحوه بعرفة ومزدلفة). قال في شرح المنتهى: أما المكي ومن هو دون مسافة القصر من
[ 4 ]
عرفة ومن مزدلفة، والذي ينوي الاقامة بمكة فوق عشرين صلاة، فلا يجوز لواحد منهم الجمع لانهم ليسوا بمسافرين سفر قصر، (و) الحالة الثانية: (لمريض يلحقه بتركه) أي الجمع (مشقة وضعف) لان النبي (ص): جمع من غير خوف ولا مطر. وفي رواية: من غير خوف ولا سفر. رواهما مسلم من حديث ابن عباس. ولا عذر بعد ذلك إلا المرض. وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة. وهي نوع مرض. واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر، واحتجم بعد الغروب ثم تعشى، ثم جمع بينهما. تنبيه: قوله: مشقة وضعف هكذا في المستوعب. والكافي، والشرح، والمقنع،
وتابعه في التنقيح. ولم يتعقبه في المبدع ولا الانصاف. ولم يذكر في الفروع وضعف وتبعه في المنتهى وحكاه في شرحه بقيل. (و) الحالة الثالثة: (لمرضع لمشقة كثرة النجاسة) أي مشقة تطهيرها لكل صلاة. قال أبو المعالي: هي كمريض. (و) الحالة الرابعة: (لعاجز عن الطهارة) بالماء، (أو التيمم لكل صلاة)، لان الجمع أبيح للمسافر والمريض للمشقة، والعاجز عن الطهارة لكل صلاة في معناهما. الحالة الخامسة: المشار إليها بقوله: (أو) عاجز (عن معرفة الوقت كأعمى)، ومطمور (أومأ إليه أحمد) قاله في الرعاية، واقتصر عليه في الانصاف. (و) الحالة السادسة: (لمستحاضة ونحوها) كصاحب سلس بول أو مذي أو رعاف دائم ونحوه. لما جاء في حديث حمنة حين استفتت النبي (ص) في الاستحاضة، حيث قال فيه: فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين،
[ 5 ]
فافعلي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. ومن به سلس البول ونحوه في معناها. (و) الحالة السابعة والثامنة: (لمن له شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة) كخوف على نفسه أو حرمته أو ماله، أو تضرر في معيشة يحتاجها يترك الجمع ونحوه. قال أحمد، في رواية محمد بن مشيش: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة من مرض أو شغل (واستثنى جمع) منهم صاحب الوجيز (النعاس) قال في الوجيز: عدا النعاس ونحوه. (وفعل الجمع في المسجد جماعة أولى من أن يصلوا في بيوتهم) لعموم حديث: خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، (بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة. مخالفة للسنة، إذ السنة أن تصلي الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت مفرقة، باتفاق الائمة الذين يجوزون الجمع ك) الامام (مالك) بن أنس (و) الامام محمد بن إدريس (الشافعي، و) الامام (أحمد، قاله الشيخ) ثم اعلم أن الاعذار السابقة تبيح الجمع بين الظهر والعصر وبين العشاءين، ثم أشار إلى الاعذار المختصة بالعشاءين.
وهي ستة فقال: (ويجوز) الجمع (بين العشاءين لا الظهرين لمطر يبل الثياب، زاد جمع: أو) يبل (النعل أو البدن، وتوجد معه مشقة). روى البخاري بإسناده: أنه (ص) جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة، وفعله أبو بكر وعمر وعثمان. و (لا) يباح الجمع لاجل (الظل)
[ 6 ]
ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب على المذهب، لعدم المشقة (و) يجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين (لثلج وبرد)، لانهما في حكم المطر (و) يجوز الجمع بين العشاءين ل (جليد) لانه من شدة البرد (ووحل وريح شديدة باردة). قال أحمد في رواية الميموني: إن ابن عمر كان يجمع في الليلة الباردة. زاد غير واحد ليلا وزاد في المذهب والمستوعب والكافي مع ظلمة قال القاضي: وإذا جاء ترك الجماعة لاجل البرد كان فيه تنبيه على الوحل، لانه ليس مشقة البرد بأعظم من مشقة الوحل. ويدل عليه خبر ابن عباس: جمع النبي (ص) بالمدينة من غير خوف ولا مطر ولا وجه يحمل عليه إلا الوحل. أي عند انتفاء المرض. قال القاضي: وهو أولى من حمله على غير العذر والنسخ. لانه يحمل على فائدة، فيباح الجمع مع هذه الاعذار، (حتى لمن يصلي في بيته، أو) يصلي (في مسجد طريقه تحت ساباط، ولمقيم في المسجد ونحوه) كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة (ولو لم ينله إلا يسير). لان الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها كالسفر. وإنما اختصت هذه بالعشاءين لانه لم يرد إلا فيهما. ومشقتهما أكثر من حيث إنهما يفعلان في الظلمة. ومشقة السفر لاجل السير وفوات الرفقة. بخلاف ما هنا. (وفعل الارفق به) أي بمن يباح له الجمع (من تأخير وتقديم أفضل بكل حال) لحديث معاذ السابق قال البخاري: قلت له: مع من كتبت هذا عن الليث؟ قال: مع خالد المدائني قال البخاري: وخالد هذا كان يدخل الاحاديث على الشيوخ. وعن ابن عباس نحوه. رواه الشافعي وأحمد وأخر النبي (ص) الصلاة يوما في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا. ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، رواه مالك عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ. قال ابن
عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد. ولان الجمع من رخص السفر، فلم يختص بحالة كسائر رخصه. وعنه: أنه يختص بحالة السير، وحمل على الاستحباب (سوى جمعي عرفة ومزدلفة فيقدم) العصر (في عرفة)، ويصليها مجموعة مع الظهر جمع تقديم، (ويؤخر) المغرب ليجعلها مع العشاء (في مزدلفة) عند وصوله إليها، لفعله (ص) لاشتغاله وقت العصر بعرفة بالدعاء، ووقت المغرب ليلة مزدلفة بالسير إليها. (فإن استويا) أي التقديم والتأخير في الرفق، (فالتأخير أفضل) لانه أحوط. وفيه خروج من الخلاف. وعمل بالاحاديث كلها
[ 7 ]
(سوى جمع عرفة) فالتقديم فيه أفضل، لما سبق. وإن كان الارفق به التأخير، اتباعا للسنة (ويشترط للجمع في وقت الاولى) ظهرا كانت أو مغربا، وهو جمع التقديم (ثلاثة شروط) أحدها: (نية الجمع عند إحرامها) لانه عمل. فيدخل في عموم قوله (ص): إنما الاعمال بالنيات. وكل عبادة اشترطت فيها النية اعتبرت في أولها كنية الصلاة. ولا تشترط نية الجمع عند إحرام الثانية، (وتقديمها) أي الاولى (على الثانية في الجمعين) أي جمع التقديم والتأخير، فلا يختص هذا الشرط بجمع التقديم. (فالترتيب بينهما) أي المجموعتين (كالترتيب في الفوائت يسقط بالنسيان) لان: إحداهما: هنا تبع لاستقرارهما. كالفوائت. قدمه ابن تميم والفائق. قال المجد في شرحه، وتبعه الزركشي: الترتيب معتبر هنا. لكن يشترط الذكر، كترتيب الفوائت ا. ه. والصحيح من المذهب الذي عليه جماهير الاصحاب: أنه لا يسقط بالنسيان، قاله في الانصاف. قال في المنتهي: ويشترط له أي للجمع ترتيب مطلقا. (و) الثاني: (الموالاة فلا يفرق بينهما) أي المجموعتين. لان معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل (إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف) لان ذلك يسير وهو معفو عنه، وهما من مصالح الصلاة، وظاهرة تقدير اليسير بذلك. وصحح في المغنى والشرح، وجزم به في الوجيز: أن يرجعه إلى العرف، كالقبض والحرز. فإن طال الوضوء بطل الجمع. (ولا يضر كلام يسير لا يزيد على ذلك) أي على قدر الاقامة
والوضوء الخفيف (من تكبير عيد أو غيره)، كذكر وتلبية، (ولو) كان الكلام (غير ذكر) كالسكوت اليسير. (فإن صلى السنة الراتبة أو غيرها بينهما) أي بين المجموعتين جمع تقديم (لا) إن سجد بينهما (سجود السهو) ولو بعد سلام الاولى (بطل الجمع) لانه فرق بينهما
[ 8 ]
بصلاة. كما لو قضى فائتة. ولو لم تطل الصلاة كما يعلم من كلامه في المبدع. وأما سجود السهو بينهما فلا يؤثر. لانه يسير، ومن تعلق الاولى، وتقدم في سجود السهو كلام الفصول: أنه يسجد بعدهما (و) الشرط الثالث: (أن يكون العذر) المبيح للجمع من سفر أو مرض ونحوه (موجودا عند افتتاح الصلاتين) المجموعتين، (و) عند (سلام الاولى)، لان افتتاح الاولى موضع النية وفراغها، وافتتاح الثانية موضع الجمع، (فلو أحرم) ناوي الجمع (بالاولى) من المجموعتين (مع وجود مطر، ثم انقطع) المطر (ولم يعد، فإن حصل وحل) لم يبطل الجمع. لان الوحل من الاعذار المبيحة، وهو ناشئ من المطر. فأشبه ما لو لم ينقطع المطر (وإلا) أي وإن لم يحصل وحل (بطل الجمع) لزوال العذر المبيح له. فيؤخر الثانية حتى يدخل وقتها. (وإن شرع في الجمع مسافر لاجل السفر، فزال سفره) بوصوله إلى وطنه أو نيته الاقامة (ووجد وحل، أو مرض، أو مطر، بطل الجمع) لزوال مبيحه. والعذر المتجدد غير حاصل عن الاول، بخلاف الوحل بعد المطر. (ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع مطر ونحوه) كثلج وبرد إن خلفه وحل (بخلاف غيره كسفر ومرض) فيشترط استمراره إلى فراغ الثانية. (فلو انقطع السفر في الاولى بنية إقامة ونحوها) كمروره بوطنه أو بلد له به امرأة (بطل الجمع والقصر كما تقدم) لزوال مبيحهما (ويتمها) أي الاولى (وتصح) فرضا لوقوعها في وقتها. ويؤخر الثانية حتى يدخل وقتها (وإن انقطع) السفر (في الثانية بطلا) أي الجمع والقصر (أيضا) لزوال مبيحهما (ويتمها نفلا) كمن أحرم بفرض قبل دخول وقته غير عالم، (ومريض كمسافر) في جمع (فيما إذا برئ في الاولى أو الثانية) على ما تقدم تفصيله، (وإن جمع) جمع تأخير (في وقت الثانية) اشترط له شرطان: أحدهما: أشار إليه
بقوله: (كفاه) أي أجزأه (نية الجمع في وقت الاولى) لانه متى أخرها عن وقتها بلا نية صارت قضاء لا جمعا (ما لم يضق) وقت الاولى (عن فعلها، فإن ضاق) وقت الاولى عن فعلها (لم يصح الجمع) لان تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام، (وأثم بالتأخير) لما
[ 9 ]
تقدم. (و) الشرط الثاني: (استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية) منهما، لان المجوز للجمع العذر. فإذا لم يستمر وجب أن لا يجوز لزوال المقتضى، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع. (ولا أثر لزواله بعد ذلك) أي بعد دخول وقت الثانية لانهما صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد له من فعلهما. ويشترط الترتيب في الجمعين. كما تقدم، لكن إن جمع في وقت الثانية وضاق الوقت عنهما، قال في الرعاية: أو ضاق وقت الاولى عن إحداهما، ففي سقوط الترتيب لضيقه وجهان، (ولا تشترط الموالاة) في جمع التأخير (فلا بأس بالتطوع بينهما نصا)، ولا تشترط أيضا نية الجمع. لان الثانية مفعولة في وقتها، فهي أداة بكل حال. (ولا يشترط في الجمع) تقديما كان أو تأخيرا (اتحاد إمام ولا مأموم، فلو صلى) من يجمع (الاولى وحده، ثم الثانية إماما، أو مأموما، أو صلى إمام الاولى وإمام) آخر (الثانية، أو صلى مع الامام مأموم الاولى، وآخر الثانية، أو نوى الجمع خلف من لا يجمع، أو) نوى الجمع إماما (بمن لا يجمع، صح) الجمع في هذه الصور كلها. لان لكل صلاة حكم نفسها. وهي منفردة بنيتها. فلم يشترط اتحاد الامام والمأموم، كغير المجموعتين. تتمة: إذا بان فساد الاولى بعد الجمع بنسيان ركن أو غيره بطلت، وكذا الثانية، فلا جمع. ولا تبطل الاولى ببطلان الثانية. ولا الجمع إن صلاها قريبا. وإن ترك ركنا ولم يدر من أيهما تركه، أعادهما إن بقي الوقت وإلا قضاهما. فصل: (في صلاة الخو ف) وهي ثابتة بقوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) *
الآية، ومثبت في حقه ثبت في حق أمته. ما لم يقم دليل على اختصاصه، لان الله أمر باتباعه، وتخصيصه بالخطاب لا يقتضي تخصيصه بالحكم، بدليل قوله تعالى * (خذ من أموالهم صدقة) * وبالسنة فقد ثبت وصح أنه (ص) صلاها. وأجمع الصحابة على فعلها. وصلاها علي وأبو موسى الاشعري وحذيفة. فإن قيل: لم يصلها النبي (ص) يوم
[ 10 ]
الخندق. أجيب: بأنه: كان قبل نزول الآية أو بعده ونسيها، أو لم يكن يومئذ قتال يمنعه منها. ويؤيده: أنه (ص): سألهم عن الصلاة، فقالوا: ما صلينا. (وتأثيره) أي الخوف (في تغيير هيئات الصلاة وصفاتها، لا في تغيير عدد ركعاتها) أي ركعات الصلاة. فلا يغيره الخوف، بناء على قول الاكثر في منع الوجه السادس الآتي. وأما على ظاهر كلام الامام فيؤثر أيضا في عددها. كما في الوجه المشار إليه، على ما يأتي بيانه (ويشترط فيها) أي في صلاة الخوف (أن يكون القتال مباحا، كقتال الكفار والبغاة والمحاربين) لقوله تعالى: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * وقيس عليهم باقي من يجوز قتاله بخلاف القتال المحرم لانها رخصة، فلا تباح بمعصية. (قال الامام أحمد بن حنبل صحت) صلاة الخوف (عن النبي (ص)) من خمسة أوجه أو ستة. وفي رواية أخرى (من ستة أوجه أو سبعة) كلها جائزة). قال الاثرم قلت لابي عبد الله: تقول بالاحاديث كلها أو تختار واحدا منها، قال: أنا أقول: كل من ذهب إليها كلها فحسن. وأما حديث سهل فأنا أختاره ا. ه. وسيأتي التنبيه على علة اختياره له، (فمن ذلك) الذي صح عنه (ص) (إذا كان العدو في جهة القبلة وخيف هجومه صلى بهم) إمام (صلاة) النبي (ص) في (عسفان) بلد يبعد عن مكة بنحو مرحلتين، (فيصفهم) الامام (خلفه صفين فأكثر، حضرا كان) الخوف (أو سفرا وصلى بهم جميعا) من الاحرام والقيام والركوع والرفع (إلى أن يسجد فيسجد معه الصف الذي يليه، ويحرس) الصف (الآخر، حتى يقوم الامام إلى) الركعة (الثانية فيسجد) المتخلف (ويلحقه، ثم الاولى تأخر الصف المقدم وتقدم) الصف (المؤخر)، ليحصل التساوي في فضيلة
الموقف. ولانه أقرب مواجهة للعدو، (فإذا سجد) الامام (في الثانية سجد معه الصف الذي يليه، وهو الذي حرس أولا) أي في الركعة الاولى (وحرس) الصف (الآخر) الذي سجد
[ 11 ]
معه في الاولى (حتى يجلس) الامام (للتشهد فيسجد) الحارس (ويلحقه، فيتشهد ويسلم بهم) جميعا. هذه الصفة رواها جابر قال: شهدت مع النبي (ص) صلاة الخوف، فصفنا خلفه صفين والعدو خلفه بيننا وبين القبلة. فكبر (ص) وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا. ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه. وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى (ص) السجود والصف الذي يليه انحدر المؤخر بالسجود وقاموا. ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الاولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى (ص) وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وسجد، ثم سلم النبي (ص) وسلمنا جميعا. رواه مسلم وروى البخاري بعضه. وروى هذه الصفة أحمد وأبو داود من حديث أبي عياش الزرقي. قال: فصلاها النبي (ص) مرتين، مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم. (ويشترط فيها) أي في الصلاة على هذا الوجه (أن لا يخافوا كمينا) يأتي من خلف المسلمين. قال في القاموس: الكمين، كأمير: القوم يكمنون في الحرب. (و) أن (لا يخفى بعضهم) أي الكفار (عن المسلمين) فإن خافوا كمينا أو خفي بعضهم عن المسلمين صلى على غير هذا الوجه، كما لو كانوا في غير القبلة (وإن حرس كل صف مكانه من غير تقدم أو تأخر) فلا بأس لحصول المقصود. لكن ما تقدم أولى، لفعله (ص) (أو جعلهم صفا واحدا وحرس بعضه وسجد الباقون) ثم في الثانية حرس الساجدون أولا وسجد الآخرون. فلا بأس لحصول المقصود (أو حرس الاول في) الركعة (الاولى و) حرس (الثاني في) الركعة (الثانية فلا بأس)، لحصول المقصود (ولا يجوز أن يحرس صف واحد في الركعتين) لانه ظلم له
بتأخيره عن السجود في الركعتين، وعدول عن العدل بين الطائفتين. الوجه (الثاني: (إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو في جهتها ولم يروهم أو رأوهم) وخافوا كمينا أو خفي بعضهم
[ 12 ]
عن المسلمين، أو رأوهم ولم يخافوا شيئا من ذلك، (و) لكن (أحبوا فعلها كذلك، صلى بهم صلاة) النبي (ص) بغزوة (ذات الرقاع) بكسر الراء، سميت بذلك لانهم شدوا الخرق على أرجلهم من شدة الحر. لفقد النعال. وقيل: هو اسم جبل قريب من المدينة فيه حمرة وسواد وبياض. كأنها خرق. وقيل: هي غزوة غطفان. وقيل: كانت نحو نجد، قاله في الحاشية (فيقسمهم) الامام (طائفتين، تكفي كل طائفة العدو) زاد أبو المعالي: بحيث يحرم فرارها، متى خشي اختلال حالهم واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الاخرى، فللامام أن ينهض إليهم بمن معه ويبنوا على ما مضى من صلاتهم، (ولا يشترط في الطائفة عدد) مخصوص، بل كفاية العدو، لان الغرض الحراسة منه. ويختلف بحسب كثرته وقلته وقوته وضعفه. (فإن فرط) الامام (في ذلك) بأن كانت الطائفة لا تكفي العدو (أو) فرط في (ما فيه حفظ لنا أثم، ويكون صغيرة لا يقدح في) صحة (الصلاة إن قارنها) لان النهي لا يختص شرط الصلاة (وإن تعمد ذلك فسق، وإن لم يتكرر كالمودع والوصي والامين، إذا فرط في الحفظ) قال في الانصاف) قلت: إن تعمد ذلك فسق وإلا فلا اه. وقال في تصحيح الفروع: المذهب صحة الصلاة. وتبعه في المنتهى. لان التحريم لم يعد إلى شرط الصلاة، بل إلى المخاطرة. كما تقدم. كترك حمل السلاح مع حاجة. قلت: وفي الفسق مع التعمد نظر لانه صغيرة كما تقدم. وصرح به في المبدع. والصغيرة لا يفسق بتعمدها، بل بالمداومة عليها. (طائفة) تذهب (تحرس) العدو، ولا تحرم معه في الركعة الاولى لما ستقف عليه، (وطائفة) تحرم معه و (يصلى بها ركعة تنوي مفارقته إذا استتم قائما، ولا يجوز) أن تفارقه (قبله) بلا عذر وتبطل صلاتها بذلك، لعدم الحاجة إليه، (وتنوي المفارقة وجوبا، لان من ترك المتابعة) لامامه (ولم ينو المفارقة تبطل صلاته) لانه اختلاف على إمامه، وقد نهي عنه.
(وأتمت) صلاتها (لانفسها) بركعة (أخرى ب) - سورة (الحمد) لله (وسورة) أخرى، (ثم تشهدت وسلمت) لنفسها، (ومضت تحرس) مكان الاولى (وتسجد لسهو إمامها قبل المفارقة
[ 13 ]
بعد فراغها) من الصلاة. لان نقص صلاته نقص في صلاتها. (وهي بعد المفارقة) له (منفردة، فقد فارقته حسا وحكما) لنيتها المفارقة، فلا تسجد لسهوه بعد المفارقة (وثبت) الامام (قائما يطيل قراءته حتى تحضر) الطائفة (الاخرى) التي كانت تحرس (ف) - تحرم ثم (تصلي معه) الركعة (الثانية، يقرأ) الامام (إذا جاءوا بالفاتحة وسورة إن لم يكن قرأ) قبل مجيئها (فإن كان قرأ) قبله (قرأ بعده بقدرهما، ولا يؤخر القراءة إلى مجيئها استحبابا) فلا تبطل إن لم يقرأ، (ويكفي إدراكها لركوعها) أي الثانية كالمسبوق (ويكون الامام ترك المستحب) وهو القراءة بقدر الفاتحة والسورة. (وفي الفصول: فعل مكروها يعني حيث لم يقرأ شيئا بعد دخولها معه إنما أدركته راكعا فإذا جلس) الامام (للتشهد أتمت لانفسها) ركعة (أخرى وتفارقه حسا لا حكما فلا تنوي مفارقته تسجد معه لسهوه) في الاولى أو الثانية. و (لا) تسجد (لسهوهم) لتحمل الامام له. لانها لم تفارقه من دخولها معه إلى سلامة بها. (ويكرر الامام التشهد) أو يطيل الدعاء فيه، كما في المبدع (فإذا تشهدت سلم بهم، لانها مؤتمة به حكما) في الركعة التي تقضيها وفي الركعة الاخرى حسا. فلا يسلم قبلهم. لقوله تعالى: * (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) * فيدل على أن صلاتهم كلها معه، وتحصل المعادلة بينهما. فإن الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام، والثانية فضيلة السلام. وهذا الوجه متفق عليه من رواية صالح بن خوات ابن جبير عمن صلى مع النبي (ص) يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لانفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الاخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. ثم ثبت جالسا وأتموا لانفسهم، ثم سلم بهم وصح عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة
مرفوعا. وهذا الحديث هو الذي أشار إليه أحمد بقوله: وأما حديث سهل، فأنا أختاره.
[ 14 ]
ووجهه: كونه إنكاء للعدو. وأقل في الافعال. وأشبه بكتاب الله تعالى. وأحوط للصلاة والحرب (وإن كانت الصلاة مغربا صلى ب) - الطائفة (الاولى ركعتين، وب) - الطائفة (الثانية ركعة) لانه إذا لم يكن بدا من التفضيل فالاولى أحق به. وما فات الثانية ينجبر بإدراكها السلام مع الامام. (ولا تتشهد) الطائفة الثانية (معه) أي الامام (عقبها) أي الثالثة. لانه ليس بموضع لتشهدها. بخلاف الرباعية (ويصح عكسها) بأن يصلي بالاولى ركعة، وبالثانية ركعتين (نصا) وروي عن علي. لان الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام. فينبغي أن يزيد الثانية في الركعات، ليحصل الجبر به. والاول أولى. لان الثانية تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام. والاولى تفعل ما بقي منفردة (وإن كانت) الصلاة (رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين) ليحصل العدل بينهم، (ولو صلى بطائفة ركعة وبأخرى ثلاثا صح وتفارقه) الطائفة (الاولى في المغرب والرباعية عند فراغ التشهد) الاول (وينتظر الامام الطائفة الثانية جالسا. يكرر التشهد) الاول إلى أن تحضر (فإذا أتت قام) لتدرك معه جميع الركعة الثالثة. ولان الجلوس أخف على الامام، لانه متى انتظرهم قائما احتاج إلى قراءة السورة في الثالثة، وهو خلاف السنة. قال أبو المعالي: تحرم معه، ثم ينهض بهم. والوجه الثاني: يفارقونه حين يقوم إلى الثالثة، لانه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، والتشهد يستحب تخفيفه. ولان ثواب القائم أكثر. قال في الشرح: وكلاهما جائز (فإذا جلس للتشهد الاخير تشهدت معه التشهد الاول كالمسبوق، ثم قامت وهو جالس، فاستفتحت) وتعوذت (وأتمت صلاتها، فإذا تشهد سلم بهم) ولا يسلم قبلهم لما تقدم. ويستحب أن يخفف بهم الصلاة. لان موضوع صلاة الخوف على التخفيف. وكذلك الطائفة التي تفارقه تخفف الصلاة، (وتتم الاولى) صلاتها بعد المفارقة (بالحمد لله) وحدها (في كل ركعة) لانها
[ 15 ]
آخر صلاتها (والاخرى تتم بالحمد لله وسورة) لانها أول صلاتها، (وإن فرقهم) الامام (أربعا) أي أربع طوائف (فصلى بكل طائفة ركعة) أو فرقهم ثلاث فرق، فصلى بالاولى ركعتين وبالباقيتين ركعة ركعة، أو صلى بكل فرقة ركعة في المغرب (صحت صلاة الاوليين) لانهما ائتمتا بمن صلاته صحيحة، ولمفارقتهما قبل الانتظار الثالث، وهو المبطل. لانه لم يرد. (وبطلت صلاة الامام) لانه زاد انتظارا ثالثا لم يرد الشرع به، فوجب بطلانها. أشبه ما لو فعله من غير خوف. وسواء كان هذا التفريق لحاجة أو غيرها. قاله ابن عقيل. لانه يمكنهم صلاة شدة الخوف (و) بطلت صلاة الطائفتين (الاخريين إن علمتا بطلان صلاته) أي بطلان صلاته (و) جهله (الامام صحت) صلاتهما. لانه مما يخفي (كحدثه)، أي كما لو جهل الامام والمأموم حدث الامام حتى انقضت الصلاة. فإنها تصح للمأموم فقط. وتقدم. وعلم منه: بطلان صلاة الامام وإن جهلا. (و) الوجه (الثالث: أن يصلي) الامام (بطائفة ركعة، ثم تمضي إلى العدو) للحراسة (ثم بالثانية ركعة، ثم تمضي) لحراسة العدو (ويسلم وحده. ثم تأتي الاولى فتتمم صلاتها بقراءة) سورة مع الفاتحة (ثم تأتي الاخرى، فتتمم صلاتها بقراءة) سورة مع الفاتحة. لما روى ابن عمر قال: صلى النبي (ص) صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة الاخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم (ص) ركعة ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة متفق عليه. (وهذه الصفة ليست مختارة) لما فيها من كثرة العمل (ولو قضت الثانية ركعتها وقت مفارقة إمامها وسلمت ومضت) للحراسة (وأتت الاولى فأتمت) صلاتها (صح. وهو الوجه الثاني) من وجهي الوجه الثالث (وهو المختار) بالنسبة للوجه الاول من وجهي الوجه الثالث. فلا ينافي ما تقدم من اختيار الامام للوجه الثاني. وقال: أنا أذهب إليه. الوجه (الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة) كاملة (ويسلم بها) أي بكل طائفة.
[ 16 ]
والمنصوص جوازه. وإن منعنا اقتداء المفترض بالمتنقل في غير صلاة الخوف. وهذا
الوجه رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة عنه صلى الله عليه وسلم ورواه الشافعي والنسائي عن جابر مرفوعا. وذكر جماعة من الاصحاب: إن صفته حسنة قليلة الكلفة، لا تحتاج إلى مفارقة الامام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة. وليس فيها أكثر من أن الامام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين. الوجه (الخامس: أن يصلي) الامام (الرباعية المقصورة تامة. وتصلي معه كل طائفة ركعتين بلا قضاء) للركعتين الاخريين (فتكون) الصلاة (له) أي الامام (تامة، ولهم مقصورة) لحديث جابر قال: أقبلنا مع النبي (ص)، حتى إذا كنا بذات الرقاع فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين. قال: فكانت له (ص) أربع ركعات، وللقوم ركعتان متفق عليه. ومنع ذلك صاحب المحرر لاحتمال سلامه. فيكون هو الوجه الذي قبل هذا وتأوله القاضي على أنه (ص) صلى بهم كصلاة الحضر وأن كل طائفة قضت ركعتين. وهذا التأويل مخالف لصفة الرواية. (ولو قصر) الرباعية (الجائز قصرها وصلى بكل طائفة ركعة بلا قضاء فمنع الاكثر) من الاصحاب (صحة هذه الصفة وهو) الوجه (السادس) ومنع الاكثر له: لان الخوف لا يؤثر في نقص الركعات كما تقدم. وقال في الكافي: كلام الامام أحمد يقتضي أن يكون من الوجوه الجائزة، إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وحملوا هذه الصفة على شدة الخوف انتهى. واختار هذا الوجه جماعة من الاصحاب. قال في الانصاف: قدمه في الفروع والرعاية ومجمع البحرين وابن تميم والفائق وقال: هو المختار، اختاره المصنف، يعني به الموفق. وهو من المفردات انتهى. قال في الفروع: ولو قصرها وصلى بكل طائفة ركعة بلا قضاء، كصلاته (ص) في خبر ابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وغيرهم. صح في ظاهر كلامه. فإنه قال: ما يروى عن النبي (ص) كلها صحاح، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلا أنه كان للنبي (ص) ركعتان وللقوم ركعة ركعة ولم ينص على خلافه. وللخوف والسفر - أي اجتماع مبيحين - أحدهما: الخوف - والآخر: السفر.
[ 17 ]
تتمة: الوجه السابع: صلاته (ص) بأصحابه عام نجد، على ما خرجه أحمد من حديث
أبي هريرة. وهو أن تقوم معه طائفة وطائفة أخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة. ثم يحرم وتحرم معه الطائفتان، ثم يصلي ركعة هو والذين معه، ثم يقوم إلى الثانية ويذهب الذين معه إلى وجه العدو وتأتي الاخرى فتركع وتسجد. ثم يصلي بالثانية، وتأتي التي تجاه العدو فتركع وتسجد ويسلم بالجميع. (وتصلي الجمعة في) حال (الخوف حضرا) لا سفرا (بشرط كون كل طائفة أربعين) رجلا (فأكثر) من أهل وجوبها لاشتراط العدد والاستيطان. (فيصلي ب) - كل (طائفة ركعة بعد حضورها الخطبة) يعني خطبتي الجمعة. يعني أنه يشترط أن يحرم بمن حضرت الخطبة لاشتراط الموالاة بين الخطبتين، والموالاة بين الخطبتين والصلاة. (فإن أحرم ب) - الطائفة (التي لم تحضرها لم تصح) الجمعة (حتى يخطب لها) كغير حالة الخوف (وتقضي كل طائفة ركعة بلا جهر) بالقراءة، كالمسبوق إذا فاته من الجمعة ركعة. قال في الفروع: ويتوجه تبطل إن بقي منفردا بعد ذهاب الطائفة. كما لو نقص العدد. وقيل: يجوز هنا للعذر. وجزم به في الشرح. ولانه مترقب الطائفة الثانية. قال أبو المعالي: وإن صلاها كخبر ابن عمر جاز. (ويصلي استسقاء ضرورة كالمكتوبة) قاله أبو المعالي وغيره (والكسوف والعيد آكد منه) أي من الاستسقاء، لما تقدم. ولان العيد فرض كفاية (فيصليهما) أي الكسوف والعيد في الخوف كالمكتوبة (ويستحب له) أي للخائف (حمل سلاح في الصلاة يدفع به) العدو (عن نفسه ولا يثقله كسيف وسكين ونحوهما) لقوله تعالى: * (وليأخذوا أسلحتهم) * وقوله: * (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) * فدل على الجناح عند عدم ذلك. لكن لو قيل بوجوبه لكان شرطا كالسترة. قال ابن منجا: وهو خلاف الاجماع. ولان حمل السلاح يراد الحراسة أو قتال. والمصلي لا يتصف بواحدة منهما. والامر به للرفق بهم والصيانة لهم. فلم يكن للايجاب، كالنهي عن الوصال لما كان للرفق لم يكن للتحريم. وأما حمل السلاح في الصلاة من غير حاجة، فقال في الفروع: ظاهر كلام
[ 18 ]
الاكثر: لا يكره في غير العذر، وهو أظهر (ما لم يمنعه) أي المصلي (إكمالها) أي الصلاة (كمغفر) كمنبر (سابغ على الوجه وهو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة)، أو حلق يتقنع بها المتسلح قاله في القاموس. (و) يكره (ما له أنف) لانه يحول بين الانف والمصلي. (أو يثقله حمله كجوشن وهو التنور الحديد ونحوه) قال في القاموس: الجوشن الصدر والدرع. ونحوه أي نحو ما ذكر مما يثقله (أو يؤذي غيره كرمح وقوس إذا كان) المصلي (به) أي بالرمح أو القوس (متوسطا) للقوم (فيكره) إن لم يحتج إليه، (فإن احتاج إلى ذلك أو كان في طرف الناس لم يكره) لعدم الايذاء إذن. (ويجوز حمل نجس) ولو غير معفو عنه لولا الخوف (في هذه الحالة. و) حمل (ما يخل ببعض أركان الصلاة للحاجة) إليه. (ولا إعادة) في المسألتين، كالمتيمم في الحضر لبرد. فصل: وإذا اشتد الخو ف صلوا وجوبا ولا يؤخرونها رجالا وركبانا) متوجهين (إلى القبلة وغيرها) لقوله تعالى: * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) * قال ابن عمر: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه. زاد البخاري: قال نافع لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي (ص) ورواه ابن ماجه مرفوعا، ولانه (ص) صلى بأصحابه في غير شدة الخوف، وأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو وهم في الصلاة ثم يعودون لقضاء ما بقي من
[ 19 ]
صلاتهم. وهو مشي كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة، فمع شدة الخوف أولى (يومئون) بالركوع والسجود (إيماء على قدر الطاقة) لانهم لو تمموا الركوع والسجود لكانوا هدفا لاسلحة الكفار، معرضين أنفسهم للهلاك، (و) يكون (سجودهم أخفض من ركوعهم) كالمريض. (وسواء وجد) اشتداد الخوف (قبلها) أي الصلاة (أو فيها) لعموم الآية. (ولو احتاج) المصلي الخائف (عملا كثيرا) لما تقدم (وتنعقد الجماعة) في شدة الخوف (نصا.
وتجب) أي الجماعة في شدة الخوف كغيرها، (لكن يعتبر، إمكان المتابعة) فإن لم يمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد. (ولا يضر تأخر الامام) عن المأموم في شدة الخوف لدعاء الحاجة إليه (ولا) يضر (كر) على العدو (ولا فر) من العدو (ونحوه) من الاعمال، كالضرب والطعن (لمصلحة) تدعو إليه، بخلاف ما لا يتعلق بالقتال كالكلام. فمتى صاح فبان حرفان بطلت، لعدم الحاجة إلى الكلام إذ السكون أهيب في نفوس الاقران. (ولا) يضر (تلويث سلاحه بدم) ولو كان كثيرا (ولا يزول الخوف إلا بانهزام الكل) أي جيش العدو كله، لان انهزام بعضه قد يكون مكيدة. (ولا يلزمهم افتتاحها) أي الصلاة (إلى القبلة ولو أمكنهم) ذلك كبقية أجزاء الصلاة (ولا) يلزمهم (السجود على) ظهر (الدابة) لما تقدم، (وكذا من هرب من عدو هربا مباحا) كخوف قتل أو أسر محرم، ويكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين، (أو) هرب (من سيل أو سبع) وهو الحيوان المعروف بضم الباء وسكونها، وقد يطلق على كل حيوان مفترس كما هنا، (ونحوه، كنار أو غريم ظالم) فله أن يصلي كما تقدم لوجود الخوف. فإن كان الهرب محرما لم يصل صلاة خوف لانها رخصة فلا تناط بمعصية. (أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله) من شئ مما سبق إن ترك الصلاة على هيأتها في شدة الخوف فإن له أن يصلي صلاة شدة الخوف، لدخول ذلك كله في عموم قوله تعالى: * (فإن خفتم) * (أو ذب) أي دفع (عنه) أي عما ذكر من نفسه أو ماله أو أهله (أو) ذب (عن غيره) أي له أن يصلي صلاة الخائف من أجل درء الصائل على نفسه أو أهله أو ماله أو نفس غيره. لان قتال الصائل على ذلك إما واجب أو مباح وكلاهما مبيح للصلاة على هذه الهيئة. (أو طلب عدو يخاف فوته) روي عن شرحبيل بن حسنة. وقاله الاوزاعي لقول عبد الله بن أنيس: بعثني النبي (ص) إلى خالد بن سفيان الهذلي. وقال: إذهب فاقتله، فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت. إني لاخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة. فانطلقت
[ 20 ]
وأنا أصلي أومئ نحوه إيماء رواه أبو داود. وظاهر حاله: إنه أخبر بذلك النبي (ص) أو
كان قد علم جوازه، فإنه لا يظن به أنه فعل ذلك مخطئا، ولان فوات الكفار عظيم. فأبيحت صلاة الخوف عند فوته كالحالة الاخرى. (أو خاف فوت وقت وقوف بعرفة) إن صلاها آمنا، فيصلي صلاة خائف بالايماء وهو ماش حرصا على إدراك الحج. لان الحج في حق المحرم كالشئ الحاصل، والفوات طارئ عليه ولان الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن الضرر الحاصل من الغريم الظالم في حق المدين المعسر بخوفه من حبسه إياه أياما، (ومن خاف كمينا أو مكيدة أو مكروها) كهدم سور أو طم خندق إن اشتغل بصلاة الامن (صلى صلاة خوف)، ولا إعادة في ظاهر كلامهم. قال القاضي: فإن علموا أن الطم والهدم لا يتم للعدو إلا بعد الفراغ من الصلاة صلوا صلاة أمن، (وكذلك الاسير إذا خافهم) أي الكفار (على نفسه إن صلى والمختفي في موضع يخاف أن يظهر عليه صلى كل منهما كيفما أمكنه قائما وقاعدا ومضطجعا ومستلقيا إلى القبلة وغيرها بالايماء حضرا وسفرا) لقوله (ص): إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم. (ومن أمن في الصلاة) انتقل وبنى وأتمها صلاة أمن (أو خاف) في الصلاة (انتقل وبنى) وأتمها صلاة خائف لان بناءه في الصورتين على صلاة صحيحة، كما لو ابتدأ صحيحا ثم مرض وعكسه. (ومن صلى صلاة الخوف لسواد ظنه عدوا فلم يكن أو كان) عدو (وثم) أي هناك (مانع) بينه وبين العدو كبحر ونحوه، (أعاد) الصلاة لانه لم يوجد المبيح. أشبه من ظن الطهارة ثم علم بحدثه، وسواء استند ظنه لخبر ثقة أو غيره. (وإن بان أنه عدو لكن يقصد غيره) لم يعد لوجود سبب الخوف بوجود عدو يخاف هجمه (أو خاف من التخلف عن الرفقة عدوا فصلى سائرا، ثم بان سلامة الطريق) أي أمنها (لم يعد) لعموم البلوى بذلك (وإن خاف هدم سور أو طم خندق إن صلى آمنا صلى صلاة خائف) ذكره في التبصرة، وتقدم معناه (ما لم يعلم خلافه) بأن علم أن الطم لا يتم والهدم إلا بعد
[ 21 ]
الفراغ منها فيصلي صلاة أمن. (وصلاة النفل منفردا يجوز فعلها) للخائف (كالفرض) ولو لم يكن له سبب أو لم تشرع له الجماعة. وتقدم حكم العيد والاستسقاء والكسوف قريبا.
باب صلاة الجمعة بتثليث الميم، حكاه ابن سيده. والاصل الضم. واشتقاقها من اجتماع الناس للصلاة، وقيل: لجمعها الجماعات، وقيل: لجمع طين آدم فيها. وقيل: لان آدم جمع فيها خلقة. رواه أحمد من حديث أبي هريرة. وقيل: لانه جمع مع حواء في الارض فيها. وفيه خبر مرفوع. وقيل: لما جمع فيها من الخبر. قيل: أول من سماه يوم الجمعة، كعب بن لؤي، واسمه القديم: يوم العروبة، وهو أفضل أيام الاسبوع. (وهي صلاة مستقلة) ليست بدلا عن الظهر (لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب) الجمعة (عليه) كالعبد والمسافر، (ولجوازها) أي الجمعة (قبل الزوال)، ولانه (لا) يجوز أن تفعل (أكثر من ركعتين) لما يأتي عند قوله: والجمعة ركعتان. (ولا تجمع) مع العصر (في محل يبيح الجمع) بين الظهر والعصر، لعذر مما تقدم في الجمع (و) صلاة الجمعة (أفضل من الظهر) بلا نزاع، قاله في الانصاف. (وفرضت بمكة قبل الهجرة) لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: أذن للنبي (ص) في الجمعة قبل أن يهاجر، فلم يستطع أن يجمع بمكة. فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد، فانظر إلى اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور، لسبتهم. فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين. فأول من جمع مصعب بن عمير حتى قدم النبي (ص) المدينة. فجمع عند الزوال من الظهر. والجمع بين هذا وبين قول من قال: أول من جمع أسعد بن زرارة: هو أن أسعد جمع الناس. فإن مصعبا كان نزيلهم. وكان يصلي بهم، ويقرئهم ويعلمهم الاسلام، وكان يسمى المقرئ، فأسعد دعاهم ومصعب صلى بهم. وفي البخاري عن ابن عباس: أن أول جمعة بعد جمعة في مسجد النبي (ص) جمعة بجواثي، قرية من قرى البحرين، (وقال الشيخ:
[ 22 ]
فعلت بمكة على صفة الجواز، وفرضت بالمدينة). انتهى لان سورة الجمعة مدنية. ولعل المراد من قوله: فعلت بمكة: أي فعلت الجمعة والنبي (ص) بمكة قبل الهجرة. على غير
وجه الوجوب. إذ آية الجمعة بل سورتها نزلت بالمدينة. (وليس لمن قلدها) أي ولاه الامام إمامة الجمعة (أن يؤم في الصلوات الخمس) أي في ظهر ولا غيرها من المكتوبات. ذكره في الاحكام السلطانية. وقدمه في الفروع والفائق وغيرهما. ولعل المراد: لا يستفيد ذلك بالولاية. لانه يمتنع عليه الامامة. إذ إقامة الصلوات لا تتوقف على إذنه. (ولا لمن قلد الصلوات الخمس أن يؤم فيها) أي الجمعة، لعدم تناول الخمس لها، والمراد كما سبق (ولا من قلد أحدهما) أي الجمعة أو الخمس (أن يؤم في عيد وكسوف واستسقاء) لعدم شمول ولايته لذلك. والمراد على ما سبق (إلا أن يقلد جميع الصلوات فتدخل) المذكورات (في عمومها) للاتيان بصيغة العموم، (وهي فرض عين) بالاجماع. وسنده: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) * ولا يجب السعي إلا لواجب. والمراد به: الذهاب إليها لا الاسراع والسنة، ومنها قول ابن مسعود: قال النبي (ص): لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم وقال أبو هريرة وابن عمر: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين رواهما مسلم. (على كل مسلم بالغ عاقل) لان ذلك شرط للتكليف، فلا تجب على مجنون إجماعا، ولا على صبي، لما روى طارق بن شهاب مرفوعا: الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة، أو صبي أو مريض رواه أبو داود، وقال: طارق قد رأى النبي (ص) ولم يسمع منه شيئا. وأسناده ثقات، قاله في المبدع. (ذكر) حكاه ابن
[ 23 ]
المنذر إجماعا. لان المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال. (حر) لان العبد مملوك المنفعة محبوس على سيده، أشبه المحبوس بالدين. (مستوطن ببناء يشمله) أي البناء (اسم واحد، ولو تفرق) البناء (يسيرا) وسواء كان البناء من حجر أو قصب أو نحوه لما تقدم من قوله (ص) في حديث طارق: في جماعة. (فإن كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة
لزمته) أي الجمعة (ولو كان بينه وبين موضعها) أي موضع إقامة الجمعة (فراسخ، ولو لم يسمع النداء) لانه بلد واحد، فلا فرق فيه بين البعيد والقريب، ولان المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ فهو في مظنة القرب، فاعتبر ذلك (وإن كان خارج البلد) الذي تقام فيه الجمعة (كمن هو في قرية لا يبلغ عددهم ما يشترط في الجمعة) وهو أربعون، (أو كان مقيما في خيام) جمع خيمة. وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر. قال ابن الاعرابي: لا تكون الخيمة عند العرب من ثياب بل من أربعة أعواد وتسقف بالثمام، وخيمت بالمكان بالتشديد: أقمت فيه. ذكره في الحاشية (ونحوها) كبيوت الشعر. (أو) كان (مسافرا دون مسافة قصر، وبينه) أي المذكور فيما تقدم وهو من قرية لا يبلغون عدد الجمعة، أو في خيام ونحوها، أو مسافر دون المسافة (وبين موضعها) أي الجمعة (من المنارة نصا) وعنه من أطراف البلد (أكثر من فرسخ تقريبا. لم تجب عليه) الجمعة. لانهم ليسوا من أهلها ولا يسمعون نداءها. (وإلا) بأن كان بينه وبين موضعها في هذه المسائل فرسخ تقريبا فأقل (لزمته بغيره) لانه من أهل الجمعة، يسمع النداء كأهل المصر. لقوله (ص): الجمعة على من سمع النداء رواه أبو داود وقال: إنما أسنده قبيصة. قال البيهقي: هو من الثقات. قال في الشرح: الاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمر. ورواه الدارقطني ولفظه: إنما الجمعة على من سمع النداء والعبرة بسماعة من المنارة لا بين يدي الامام. نص عليه، لكن لما كان اعتبار سماع النداء غير ممكن لانه يكون فيهم الاصم وثقيل السمع، وقد يكون بين يدي الامام فيختص بسماعه أهل المسجد، اعتبر بمظنته. والموضع الذي يسمع فيه الندا غالبا -
[ 24 ]
إذا كان المؤذن صيتا والرياح ساكنة، والاصوات هادئة. والعوارض منتفية - هو فرسخ. فلو سمعته قرية من فوق فرسخ، لعلو مكانها، أو لم يسمعه من دونه لجبل حائل، أو انخفاض: لم تجب في الاولى، ووجبت في الثانية، اعتبارا بالمظنة، وإقامتها مقام المئنة. ومحل لزومها حيث لزمت فيها تقدم (إن لم يكن عذر) مما تقدم في آخر باب الجماعة. (ولا
تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر) لانه (ص) وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره. فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه. مع اجتماع الخلق الكثير. وكما لا تجب عليه بنفسه لا تلزمه بغيره، نص عليه. (ما لم يكن سفره) سفر (معصية) فتلزمه، لئلا تكون المعصية سببا للتخفيف عنه. (فلو أقام) المسافر سفر طاعة يبلغ المسافة (ما يمنع القصر لشغل) كتاجر أقام لبيع متاعه فوق أربعة أيام (أو علم ونحوه)، كرباط في سبيل الله. (ولم ينو استيطانا لزمته بغيره) لعموم الآية والاخبار. (ولا يؤم فيها) أي الجمعة (من لزمته بغيره) لعد الاستيطان ولئلا يصير التابع متبوعا. (ولا جمعة بمنى وعرفة نصا) لانه لم ينقل فعلها هناك. وللسفر (ولا) جمعة (على عبد ولا معتق بعضه، ولو كان بينه وبين سيده مهايأة، وكانت الجمعة في نوبته) أي المبعض. فلا تجب عليه، لما تقدم (ولا على مكاتب ومدبر ومعلق عتقه بصفة) لانه عبد (وهي) أي الجمعة (أفضل في حقهم، و) في (حق المميز، و) في حق (من لا تجب عليه لمرض أو سفر) وكل من اختلف في وجوبها عليه. وقوله: (من الظهر) متعلق بأفضل. للخلاف في وجوبها عليهم (ولا) جمعة (على امرأة) لما تقدم، ويباح لغير الحسناء حضورها. ويكره لحسناء كالجماعة وبيتها خير لها، قال أبو عمرو الشيباني: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع ويقول: اخرجن إلى بيوتكن خير لكن. (و) لا (خنثى) لانه لا يعلم كونه رجلا (ومن حضرها منهم) أي ممن تقدم أنها لا تجب عليه (أجزأته) لان إسقاط الجمعة عنهم تخفيف، فإذا حضروها أجزأت كالمريض (ولم تنعقد به) الجمعة (فلا يحسب من العدد المعتبر) لانه ليس من أهل الوجوب. وإنما تصح منه الجمعة تبعا لمن انعقدت به، فلو انعقدت بهم لانعقدت بهم منفردين كالاحرار المقيمين. (ولا يؤم فيها) أي في الجمعة. لئلا يصير التابع متبوعا (ومن سقطت عنه) الجمعة (لعذر كمرض وخوف ومطر ونحوها) كخوف على نفسه أو ماله (غير سفر إذا حضرها) أي الجمعة (وجبت عليه
[ 25 ]
وانعقدت به، وأم فيها) أي جاز أن يؤم في الجمعة. لان سقوط حضورها لمشقة السعي، فإذا
تحمل وحضرها انتفت المشقة ووجبت عليه، فانعقدت به كمن لا عذر له (فلو حضرها) أي الجمعة (إلى آخرها ولم يصلها، أو انصرف لشغل غير دفع ضرورة، كان عاصيا) لتركه ما وجب عليه. (أما لو اتصل ضرره بعد حضورها، فأراد الانصراف لدفع ضرره. جاز) انصرافه (عند الوجود) أي وجود العذر (المسقط) للجمعة (كالمسافر، ومن صلى الظهر ممن يجب عليه حضور الجمعة قبل صلاة الامام أو قبل فراغها) أي فراغ ما تدرك به الجمعة. (أو شك هل صلى) الظهر (قبل الامام أو بعده لم تصح صلاته) لانه صلى ما لم يخاطب به. وترك ما خوطب به. فلم تصح، كما لو صلى العصر مكان الظهر. وكشكه في دخول الوقت. لانها فرض الوقت. فيعيدها ظهرا، إذا تعذرت الجمعة ثم إن ظن أنه يدرك الجمعة سعى إليها. لانها المفروضة في حقه. وإلا انتظر حتى يتيقن أن الامام صلى ثم يصلي الظهر، لكن لو أخر الامام الجمعة تأخيرا منكرا فللغير أن يصلي ظهرا وتجزئه عن فرضه. جزم به المجد. وجعله ظاهر كلامه. لخبر تأخير الامراء الصلاة عن وقتها (وكذا لو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء وقت الجمعة) لم تصح ظهرهم، لما تقدم، ويعيدونها إذا فاتت الجمعة. (والافضل لمن لا تجب عليه) الجمعة، كالعبد والمريض (التأخير) للظهر (حتى يصلي الامام) الجمعة. فإنه ربما زال عذره. فلزمته الجمعة، لكن يستثنى من ذلك من دام عذره كامرأة وخنثى، فالتقديم في حقهما أفضل. ولعله مراد من أطلق، قاله في المبدع. لكن الخنثى يتأتي زوال عذره لاحتمال أن تتضح ذكوريته، فهو كالعبد والمسافر. (فإن صلوا) أي الذين لا تجب عليهم كالعبد والمسافر والمرأة ونحوهم الظهر (قبله) أي قبل تجميع الامام (صحت) ظهرهم، لانهم أدوا فرض الوقت (ولو زال عذرهم) بعد صلاتهم، كالمعضوب إذا حج عنه ثم عوفي (فإن حضروا الجمعة بعد ذلك) أي بعد أن صلوا الظهر للعذر (كانت نفلا)، لان الاولى أسقطت الفرض (إلا الصبي إذا بلغ) بعد أن صلى الظهر ولو بعد تجميع الامام، (فلا يسقط فرضه) وتجب عليه
[ 26 ]
الظهر ببلوغه في وقتها أو وقت العصر، كما تقدم. لان صلاته الاولى وقعت نفلا، فلا تسقط
الفرض (ولا يكره لمن فاتته الجمعة) صلاة الظهر جماعة. وكذا لو تعددت الجمعة، وقلنا: يصلون الظهر. فلا بأس بالجماعة فيها، بل مقتضى ما سبق وجوبها. لكن إن خاف فتنة أخفاها على ما يأتي، (أو لمن لم يكن من أهل وجوبها) كالعبيد والنساء (صلاة الظهر جماعة ما لم يخف فتنة) لحديث فضل الجماعة، وفعل ابن مسعود. واحتج به أحمد. زاد السامري: بأذان وإقامة، وفي كراهتها في مكانها وجهان جزم في الشرح بالكراهة لخوف الفتنة، والافتيات على الامام (فإن خاف) فتنة أو ضررا (أخفاها) وصلى حيث يأمن ذلك، ومن لزمته الجمعة فتركها بلا عذر. تصدق بدينار أو نصفه، للخبر. ولا يجب، قاله في الفروع. (ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال حتى يصليها) لتركها بعد الوجوب، كما لو تركها لتجارة، بخلاف غيرها، (إلا أن يخاف فوت رفقته) بسفر مباح. فإن ذلك عذر يسقط وجوبها كما تقدم. (ويجوز) لمن تلزمه الجمعة السفر (قبله) أي قبل الزوال بعد طلوع الفجر. لما روى الشافعي عن سفيان بن عيينة عن الاسود بن قيس عن أبيه عن عمر قال: لا تحبس الجمعة عن سفر. وكما لو سافر من الليل (مع الكراهة) لحديث الدارقطني عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: من سافر من دار إقامة يوم جمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره، وأن لا يعان على حاجته (إن لم يأت بها) أي بالجمعة (في طريقه فيهما) أي في مسألتين ما إذا سافر بعد الزوال وقبله. أما إذا كان يأتي بها في طريقه، فلا كراهة لانتفاء الموجب. فصل: (يشترط لصحتها) أي الجمعة (أربعة شروط، أحدها: الوقت) لانها مفروضة، فاشترط لها كبقية المفروضات (فلا
[ 27 ]
تصح قبله) أي قبل الوقت (ولا بعده) إجماعا (وأوله) أي أول وقت الجمعة (أول وقت صلاة العيد نصا) لقول عبد الله بن سيدان السلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى
أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره رواه الدارقطني وأحمد، واحتج به قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية: أنهم صلوا قبل الزوال. ولم ينكر، فكان كالاجماع، ولانها صلاة عيد، أشبهت العيدين. (وتفعل فيه) أي فيما قبل الزوال (جواز أو رخصة. وتجب بالزوال) ذكره القاضي وغيره المذهب، (وفعلها بعده) أي الزوال (أفضل) لما روى سلمة بن الاكوع قال: كنا نصلي الجمعة مع النبي (ص) إذا زالت الشمس متفق عليه، وللخروج من الخلاف، ويدل للاول حديث جابر أن النبي (ص)، كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس رواه مسلم (وآخره) أي آخر وقت الجمعة (آخر وقت صلاة الظهر) بغير خلاف. ولانها بدل منها، أو واقعة موقعها. فوجب الالحاق، لما بينهما من المشابهة. (فإن خرج وقتها قبل فعلها) أي الشروع فيها (امتنعت الجمعة، وصلوا ظهرا) لفوات الشرط. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا (وإن خرج) وقت الجمعة (وقد صلوا) منها (ركعة أتمو) ها (جمعة) لان الوقت إذا فات لم يمكن استدراكه. فسقط اعتباره في الاستدامة للعذر، وكالجماعة في حق المسبوق. (وإن خرج قبل) أن يصلوا (ركعة بعد التحريمة استأنفوا ظهرا) لانهما صلاتان مختلفتان، فلم تبن إحداهما على الاخرى، كالظهر والصبح. وعلم منه إنهم لا يتمونها جمعة، وهو ظاهر الخرقي. قال ابن المنجا: وهو قول أكثر الاصحاب، لانه (ص) خص إدراكها بالركعة. (والمذهب يتمونها جمعة) ذكره في الرعاية نصا، وقياسا على بقية الصلوات. (فلو بقي من الوقت قدر الخطبتين والتحريمة) لزمهم فعلها. لانها فرض الوقت. وقد تمكنوا منها
[ 28 ]
(أو شكوا في خروج الوقت لزمهم فعلها) أي الجمعة. لان الاصل بقاؤه. (الثاني: أن تكون بقرية مجتمعة البناء بما جرت العادة بالبناء به، من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر) لانه (ص): كتب إلى قرى عرينة أن يصلوا الجمعة وقوله: مجتمعة البناء. قال في
المبدع: اعتبر أحمد في رواية ابن القاسم اجتماع المنازل في القرية. قاله القاضي. وقال أيضا: معناه متقاربة الاجتماع. والصحيح: أن التفريق إذا لم تجر به العادة لم تصح فيها الجمعة. زاد في الشرح: إلا أن يجتمع منها ما يسكنه أربعون. فتجب بهم الجمعة، ويتبعهم الباقون. قال ابن تميم والمجد في فروعه: وربض البلد له حكمة. وإن كان بينهما فرجة اه. فيحمل قوله: مجتمعة البناء: على أن لا تكون متفرقة بما يخرج عن العادة، كما يعلم مما يأتي في كلامه. (يستوطنها أربعون) فأكثر، ولو (بالامام من أهل وجوبها) أي وجوب الجمعة، لما روى أبو داود عن كعب بن مالك قال: أول من صلى بنا الجمعة في نقيع الخضمات أسعد بن زرارة. وكنا أربعين صححه ابن حبان والبيهقي والحاكم. وقال: على شرط مسلم. وقال جابر: مضت السنة في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى وفطر رواه الدارقطني وفيه ضعف. (استيطان إقامة لا يظعنون) أي يرحلون (عنها صيفا ولا شتاء) لان ذلك هو الاستيطان. (فلا تجب) الجمعة (ولا تصح من مستوطن بغير بناء، كبيوت الشعر والخيام والخراكي ونحوها) لان ذلك لم يقصد للاستيطان غالبا. ولذلك كانت قبائل العرب حوله (ص) ولم يأمرهم بها. زاد في المستوعب وغيره: ولو اتخذوها أوطانا. لان استيطانهم في غير بنيان (ولا) تجب ولا تصح (في بلد يسكنها أهلها بعض السنة دون بعض) لعدم الاقامة. قال ابن تميم: وكذا لو دخل قوم بلدا لا ساكن به بنية الاقامة به سنة فلا جمعة عليهم. ولو أقام ببلد ما يمنع القصر وأهله، أي البلد لا تجب
[ 29 ]
عليهم فلا جمعة أيضا. (أو بلد فيها دون العدد المعتبر) فلا جمعة عليهم، لعدم صحتها منهم (أو) بلد (متفرقة بما لم تجر العادة به) أي تفرقا كثيرا غير معتاد (ولو شملها اسم واحد) لعدم الاجتماع. (وإن خربت القرية أو بعضها، وأهلها مقيمون بها عازمون على إصلاحها، فحكمها باق في إقامة الجمعة بها) لعدم ارتحالهم. أشبهوا المستوطنين (فإن عزموا على النقلة عنها) أي عن القرية الخراب (لم تجب عليهم الجمعة لعدم الاستيطان. وتصح)
الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء، ولو بلا عذر) فلا يشترط لها البنيان. لقول كعب بن مالك: أسعد بن زرارة أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع، يقال له، نقيع الخضمات. قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلا رواه أبو داود والدارقطني. قال البيهقي: حسن الاسناد صحيح. قال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة. وقياسا على الجامع. لكن قال ابن عقيل: إذا صلى في الصحراء استخلف من يصلي بالضعفة. و (لا) تصح الجمعة (فيما بعد) عن البنيان، لشبههم إذن بالمسافرين. (ولا يتمم عدد من مكانين متقاربين) كقريتين في كل منهما عشرون. فلا تتمم الجمعة منهما. ولو قرب ما بينهما. لانه لا يشملهما اسم واحد. أشبهتا المتباعدين (ولا يصح تجميع) عدد (كامل في) محل (ناقص) فيه العدد (مع القرب الموجب للسعي) ويلزم التجميع في الكامل. لئلا يصير التابع متبوعا. وعدم الصحة مع البعد أولى. (والاولى مع تتمة العدد فيهما) أي المكانين (تجميع كل قوم) في قريتهم. لانه أبلغ في إظهار الشعار. (وإن جمعوا في مكان واحد فلا بأس) بذلك لتأديتهم فرضهم. (ولا يشترط للجمعة المصر) خلافا لابي حنيفة لما تقدم من كتابته (ص) إلى قرى عرينة: أن يصلوا الجمعة. ولما روى الاثرم عن أبي هريرة أنه: كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بالبحرين - وكان عامله عليها - فكتب إليه عمر: جمعوا حيث كنتم، قال أحمد: إسناده جيد. (الثالث: حضور أربعين فأكثر من
[ 30 ]
أهل القرية بالامام) لما تقدم من حيث كعب. وقال أحمد: بعث النبي (ص) مصعب بن عمير إلى أهل المدينة: فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعين وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة (ولو كان بعضهم) أي الاربعين (خرسا أو صما) لانهم من أهل الوجوب. و (لا) تصح (إن كان الكل كذلك) أي خرسا أو صما. أما إذا كانوا كلهم خرسا مع الخطيب، فلفوات الخطبة صورة ومعنى، فيصلون ظهرا. وإن كانوا كلهم صما، فلفوات المقصود من سماع الخطبة. وعلم من ذلك: أنهم لو كانوا خرسا إلا الخطيب، أو كانوا
صما إلا واحدا يسمع، صحت جمعتهم. (ولا تنعقد) الجمعة (بأقل منهم) أي من أربعين. لما تقدم (وإن قرب الاصم) من الخطيب (وبعد من يسمع) بحيث لا يسمع (لم تصح) لفوات المقصود. (ولو رأى) أي اعتقد (الامام اشتراط عدد في المأمومين فنقص عن ذلك) العدد (لم يجز أن يؤمهم) لتعاطيه عبادة يعتقد بطلانها. (ولزمه) أي الامام (استخلاف أحدهم) ليصلي بهم، ليؤدوا فرضهم. (ولو رآه) أي العدد (المأمومون دون الامام لم يلزم واحدا منهما)، أما الامام فلعدم من يصلي معه. وأما المأمومون فلاعتقادهم بطلان جمعتهم، (فإن نقصوا) عن الاربعين (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا ظهرا نصا) ولم يتموها جمعة. لان العدد شرط. فاعتبر في جمعيها. كالطهارة، وإنما صحت من المسبوق تبعا، كصحتها لمن لم يحضر الخطبة تبعا لمن حضرها. وما ورد أنه، بقي معه (ص) اثنا عشر رجلا، وكانوا في الصلاة رواه البخاري: المراد في انتظارها. كما روى مسلم الخطبة أو مكانها، لما في مراسيل أبي دواد: إن خطبته (ص) هذه كانت بعد صلاة الجمعة، وإنما انفضوا لظنهم جواز الانصراف. قال في الفروع: ويتوجه أنهم انفضوا لقدوم التجارة لشدة المجاعة، أو ظن خطبة واحدة. وقد فرغت. قال في الشرح: ويحمل أنهم عادوا فحضروا القدر الواجب. ويحتمل أنهم
[ 31 ]
عادوا قبل طول الفصل. (إن لم يمكن فعل الجمعة مرة أخرى)، فإن أمكن فعلوها لانها فرض الوقت. (وإن نقصوا وبقي العدد المعتبر، أتموا جمعة، سواء سمعوا الخطبة أو لحقوهم قبل نقصهم) بلا خلاف، كبقائه من السامعين. قاله أبو المعالي، وكذا جزم به غير واحد. وظاهر كلام بعضهم: خلافه. قاله في الفروع. (وإن أدرك مسبوق مع الامام منها) أي الجمعة (ركعة أتمها جمعة) رواه البيهقي عن ابن مسعود وابن عمر وعن أبي هريرة مرفوعا: من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة رواه الاثرم. ورواه ابن ماجه ولفظه: فليصل إليها أخرى قال ابن حبان: هذا خطأ. قال ابن الجوزي: لا يصح. (وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهرا) لمفهوم ما سبق، بخلاف إدراك المسافر صلاة المقيم. لانه إدراك إلزام. وهذا
إدراك إسقاط للعدد، وبخلاف جماعة باقي الصلوات. لانه ليس من شرطها الجماعة، بخلاف مسألتنا. ويصح دخوله مع الامام، بشرط أن ينوي الظهر بإحرامه. فلهذا قال: (إذا كان قد نوى الظهر ودخل وقتها) لان الظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء. فكذا استدامة كالظهر مع العصر. (وإلا) بأن لم يكن نواها ظهرا أو لم يكن دخل وقتها (انعقدت نفلا) كمن أحرم بفرض قبل وقته غير عالم. (ولا يصح إتمامها جمعة) لعدم إدراكه لها بدون ركعة لما تقدم. (وإن أحرم) بالجمعة (مع الامام ثم زحم عن السجود) بالارض (أو نسيه) أي تأخر بالسجود نسيانا له (ثم ذكر) بعد أن أخذ القوم مواضع سجودهم واحتاج لما يسجد عليه، (لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله أو متاعه) لقول عمر: إذا اشتد الزحام فليسجد عن ظهر أخيه رواه أبو داود الطيالسي وسعيد. وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم. ولم يظهر له مخالف. ولانه يأتي بما يمكنه حال العجز. فوجب. وصح كالمريض. (ولو احتاج إلى موضع يديه وركبتيه، لم يجز وضعها على ظهر إنسان أو رجله) للايذاء بخلاف الجبهة. (فإن لم يمكنه) السجود على ظهر إنسان أو رجله ولم يمكنه سجود إلا بوضع يديه
[ 32 ]
أو ركبتيه على ظهر إنسان أو رجله انتظر زوال الزحام و (سجد إذا زال الزحام) وتبع إمامه. لانه (ص): أمر أصحابه بذلك في صلاة عسفان للعذر، وهو موجود هنا. والمفارقة وقعت صورة لا حكما، فلم تؤثر (وكذا لو تخلف) بالسجود (لمرض أو نوم أو نسيان ونحوه) من الاعذار. (فإن غلب على ظنه فوات) الركعة (الثانية) لو سجد لنفسه ثم لحق الامام (تابع إمامه في ثانيته، وصارت أولاه، وأتمها جمعة) لقوله (ص): وإذا ركع فاركعوا ولانه مأموم خاف فوات الثانية. فلزمه المتابعة كالمسبوق (فإن لم يتابعه عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته) لتركه متابعة إمامه عمدا. ومتابعته واجبة، لقوله (ص): فلا تختلفوا عليه وترك الواجب عمدا يبطلها وفاقا (وإن جهله)، أي تحريم عدم متابعة إمامه (وسجد) لنفسه (ثم أدرك الامام في التشهد، أتى بركعة أخرى بعد سلامه) أي إمامه، (وصحت جمعته) لانه أدرك
مع الامام منها ما تدرك به الجمعة، وهو ركعة لاتيانه بسجود معتد به. ومن هذا يعلم: أنه يكفي في إدراك الجمعة إدراك ما تدرك به الركعة، إذا أتى بباقي الركعة قبل أن يسلم الامام. فلا تعتبر ركعة بسجدتها معه، (فإن لم يدركه) بعد أن سجد لنفسه (حتى سلم) الامام (استأنف ظهرا، سواء زحم عن سجودها أو ركوعها أو عنهما) لانه لم يدرك ركعة مع الامام (وإن غلب على ظنه) أي المزحوم ونحوه (الفوت) أي فوت الثانية إن سجد لنفسه (فتابع إمامه فيها، ثم طول) الامام بحيث لو كان سجد لنفسه للحقه (أو غلب على ظنه عدم الفوت، فسجد) لنفسه (فبادر الامام فركع) فلم يدركه، (لم يضره فيهما) لاجراء الظن مجرى اليقين فيما يتعذر فيه. (ولو زال عذر من أدرك ركوع) الركعة (الاولى وقد رفع إمامه من ركوع) الركعة (الثانية تابعه في السجود، فتتم له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه يدرك بها الجمعة)، وتقدم في صلاة الجماعة. ولو أدرك مع الامام ركعة، فلما قام ليقضي الاخرى ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا واحدة، أو شك في ذلك. فإن لم يكن شرع في القراءة الثانية رجع للاولى فأتمها.
[ 33 ]
وقضى الثانية وتمت جمعته. نص عليه في رواية الاثرم، وإن كان شرع في قراءة الثانية بطلت الاولى، وصارت الثانية أولاه. ويتمها جمعة، على ما نقله الاثرم. وقياس ما سبق في المزحوم: لا يدرك الجمعة. ولو قضى الركعة الثانية ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما لا يدري من أيهما تركها؟ فالحكم واحد. ويجعلها من الاولى. ويأتي بركعة. وفي كونه مدركا للجمعة وجهان. قاله في الشرح بمعناه. (الرابع): من شروط الجمعة (أن يتقدمها خطبتان) لقوله تعالى: * (فاسعوا إلى ذكر الله) * والذكر هو الخطبة فأمر بالسعي إليها فيكون واجبا. إذ لا يجب السعي لغير واجب، ولمواظبته (ص) عليهما. لقول ابن عمر: كان (ص) يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس متفق عليه. وقال صلوا كما رأيتموني أصلي. وعن عمر وعائشة قصرت الصلاة من أجل الخطبة فهما بدل ركعتين. فالاخلال بإحداهما إخلال بإحدى الركعتين، واشترط تقديمهما على الصلاة،
لفعله (ص) وأصحابه، بخلاف غيرهما. لانهما شرط في صحة الجمعة. والشرط مقدم، أو لاشتغال الناس بمعايشهم، فقدما لاجل التدارك (بعد دخول الوقت) أي وقت الجمعة، لما تقدم من أنهما بدل من ركعتين. والصلاة لا تصح قبل دخول وقتها (من مكلف عدل) لما ذكر من أنهما بدل من ركعتين، (وهما) أي الخطبتان (بدل ركعتين) لما تقدم عن عمر وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين (من الظهر) لان الجمعة ليست بدلا عن الظهر، بل الظهر بدلا عنها إذا فاتت. (ولا بأس بقراءتهما) أي الخطبتين (من صحيفة، ولو لمن يحسنهما، كقراءة) الفاتحة (من مصحف) ولحصول المقصود (ومن شرط صحة كل منهما) أي الخطبتين والمراد بالشرط هنا: ما تتوقف عليه الصحة. أعم من أن يكون داخلا أو خارجا (حمد الله بلفظ: الحمد لله) فلا يجزئ غيره لحديث أبي هريرة مرفوعا: كل كلام لا
[ 34 ]
يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم رواه أبو داود، ورواه جماعة مرسلا وروى أبو داود عن ابن مسعود قال: كان النبي (ص) إذا تشهد قال: الحمد لله. (والصلاة على رسوله (ص) بلفظ الصلاة) لان كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالاذان. قال في المبدع: ويتعين لفظ الصلاة، أو يشهد أنه عبد الله ورسوله. وأوجبه الشيخ تقي الدين. لدلالته عليه. ولانه إيمان به، والصلاة دعاء له. وبينهما تفاوت. وقيل: لا يشترط ذكره، لانه (ص) لم يذكر ذلك في خطبته، وعملا بالاصل. (ولا يجب السلام عليه مع الصلاة) (ص) عملا بالاصل (وقراءة آية) كاملة لقول جابر: كان (ص) يقرأ آيات، ويذكر الناس رواه مسلم. ولانهما أقيما مقام ركعتين. والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية. قال أحمد: يقرأ ما شاء، ولا يجزئ بعض آية لانه لا يتعلق بما دونها حكم، بدليل عدم منع الجنب منه. (ولو) كانت الخطبة (من جنب مع تحريمها) أي القراءة لما تقدم (ولا بأس بالزيادة عليها) أي الآية لما تقدم أن عمر قرأ سورة الحج في الخطبة. (وقال) أسعد (أبو المعالي وغيره: لو قرأ آية لاتستقل بمعنى أو حكم كقوله: * (ثم نظر) * و * (مدهامتان) * لم
يكف. والوصية بتقوى الله تعالى) لانه المقصود (قال في التلخيص: ولا يتعين لفظها) أي الوصية (وأقلها اتقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه. انتهى) وذكر أبو المعالي والشيخ تقي الدين لا يكفي ذكر الموت وذم الدنيا، ولا بد أن يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير، فلو اقتصر على: أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه فالاظهر لا يكفي. ولو كان فيه وصية. لانه لا بد من اسم الخطبة عرفا، قاله في المبدع. (وموالاة بينهما) أي بين الخطبتين (وبين أجزائهما وبين الصلاة) فلا يفصل بين الخطبتين، ولا بين أجزائهما ولا بينهما وبين الصلاة فصلا طويلا (ولهذا يستحب قرب المنبر من المحراب، لئلا يطول الفصل بينهما) أي الخطبتين (و) بين (الصلاة) فيبطلها. (فتستحب البداءة بالحمد) لله، لما تقدم من حديث أبي هريرة: كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم (ثم بالثناء) على الله تعالى (وهو مستحب) وفي عطفه على الحمد لله مغايرة له. فإما أن يكون على مقتضى كلام ابن القيم في المغايرة أو
[ 35 ]
يراد الثناء بغير لفظ الحمد، أو يراد به التشهد، لحديث: كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء أي قليلة البركة. وإن كان مقتضى كلام بعضهم تخصيصه بخطبة النكاح. (ثم بالصلاة) على النبي (ص) لقوله تعالى: * (ورفعنا لك ذكرك) * ثم بالقراءة (ثم بالموعظة) ولو قرأ ما تضمن الحمد والموعظة ثم صلى على النبي (ص) كفى على الصحيح. قال أبو المعالي: فيه نظر لقول أحمد: لا بد من خطبة. ونقل ابن الحكم: لا تكون خطبة إلا كما خطب النبي (ص) أو خطبة تامة، قاله في الانصاف. (فإن نكس) بأن قدم غير الحمد عليه (أجزأه)، لحصول المقصود. (و) من شرط الخطبتين (النية) لحديث: إنما الاعمال بالنيات (ورفع الصوت، بحيث يسمع العدد المعتبر إن لم يعرض مانع) من السماع. كنوم أو غفلة، أو صمم بعضهم. (فإن لم يسمعوا) الخطبة (لخفض صوته أو بعده) عنهم (لم تصح) الخطبة، لعدم حصول المقصود بها (وإن كان) عدم السماع (لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه) كصمم بعضهم (صحت) لانهم في قوة السامعين. (وإن كانوا كلهم طرشا)
صحت. قال في الفروع: وإن كانوا صما. فذكر صاحب المحرر تصح. وذكر غيره لا. انتهى. والثاني جزم به فيما تقدم، لعد حصول مقصود الخطبة (أو) كانوا (عجما وهو) أي الخطيب (سميع عربي لا يفهمون قوله. صحت) الخطبة والصلاة (وإن انفضوا) أي الاربعون أو بعضهم (عن الخطيب)، ولم يبق معه العدد المعتبر (سكت) لفوات الشرط (فإن عادوا قريبا بنى) على ما تقدم من الخطبة. لان الفصل اليسير غير ضار (وإن كثر التفرق عرفا أو فات ركن منها) أي الخطبة (استأنف الخطبة) لفوات شرطها، وهو الموالاة. لكن لو فات ركن ولم يطل التفريق. كفاه إعادته (ولا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة) عليها بالعربية. (كقراءة) فإنها لا تجزئ بغير العربية. وتقدم (وتصح) الخطبة بغير العربية (مع العجز) عنها بالعربية. لان المقصود بها الوعظ والتذكير وحمد الله والصلاة على رسول الله
[ 36 ]
(ص) بخلاف لفظ القرآن. فإنه دليل النبوة. وعلامة الرسالة. ولا يحصل بالعجمية (غير القراءة) فلا تجزئ بغير العربية لما تقدم. (فإن عجز عنها) أي القراءة (وجب بدلها ذكر) قياسا على الصلاة. (و) من شرط الخطبتين (حضور العدد) المعتبر للجمعة، وهو أربعون فأكثر. لسماع القدر الواجب. لانه ذكر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد كتكبيرة الاحرام (وسائر) أي باقي (شروط الجمعة). ومن ذلك صلاحيته لان يؤم في الجمعة. والاستيطان فلو كان أربعون مسافرين في سفينة فلما قربوا من قريتهم، خطبهم أحدهم في وقت الجمعة ووصلوا القرية عند فراغ الخطبة، استأنفها بهم. وهذه الشروط إنما تعتبر (للقدر الواجب من الخطبتين) وهو حمد الله والصلاة على رسول الله (ص) وقراءة الآية. والوصية بتقوى الله، دون ما سواه (وتبطل) الخطبة (بكلام محرم) في أثنائها (ولو يسيرا) كالاذان، وأولى (ولا تشترط لهما الطهارتان) أي طهارة الحدث الاصغر والاكبر، فتجزئ خطبة محدث وجنب. لانه ذكر تقدم الصلاة أشبه الاذان. ونصه تجزئ خطبة الجنب. وظاهره: ولو كان بالمسجد. لان تحريم لبثه لا تعلق له بواجب العبادة. كمن صلى ومعه درهم غصب (ولا
ستر عورة وإزالة نجاسة) لما تقدم، (ولا أن يتولاهما) أي الخطبتين. (من يتولى الصلاة) لان الخطبة منفصلة عن الصلاة أشبها الصلاتين (ولا حضور النائب) في الصلاة (الخطبة) كالمأموم لتعينها عليه، (وهو) أي النائب (الذي صلى الصلاة) أي صلاة الجمعة (ولم يخطب) لصدور الخطبة من غيره (ولا أن يتولى الخطبتين) رجل (واحد) لان كلا منهما منفصلة عن الاخرى. قال في النكت: فيعايى بها، فيقال: عبادة واحدة بدنية محضة تصح من اثنين. (بل يستحب ذلك) أي الطهارتان، وستر العورة وإزالة النجاسة وأن يتولى الخطبتين والصلاة واحد خروجا من الخلاف. فصل: (ويسن أن يخطب على منبر) لما روى سهل بن سعد أن النبي (ص) أرسل إلى امرأة من الانصار: أن مري غلامك
[ 37 ]
النجار يعمل أعوادا أجلس عليها إذا كلمت الناس متفق عليه. وفي الصحيح: أنه عمل من أثل الغابة، فكان يرتقي عليه. وكان اتخاذه في سنة سبع من الهجرة. وقيل: سنة ثمان. وكان ثلاث درج، وسمي منبرا لارتفاعه من النبر وهو الارتفاع، واتخاذه سنة مجمع عليها. قاله في شرح مسلم. ويكون صعوده فيه على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح، قاله في التلخيص. (أو) على (موضع عال) إن لم يكن منبر، لانه في معناه لاشتراكهما في المبالغة في الاعلام. (ويكون المنبر) أو الموضع العالي (عن يمين مستقبل القبلة) بالمحراب، لان منبره (ص) كذا كان. وكان يجلس على الدرجة الثالثة التي تلي مكان الاستراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الاولى تأدبا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم علي موقف النبي (ص)، ثم زمن معاوية قلعه مروان، وزاد فيه ست درج. فكان الخلفاء يرتقون ستا، يقفون مكان عمر، أي على السابعة، ولا يتجاوزون ذلك، تأدبا (وإن وقف على الارض وقف عن يسار مستقبل القبلة، بخلاف المنبر) قاله أبو المعالي. (و) يسن (أن
يسلم) الامام (على المأمومين إذا خرج عليهم، و) يسن أيضا أن يسلم عليهم (إذا أقبل عليهم)، لما روى ابن ماجه عن جابر قال: كان النبي (ص) إذا صعد المنبر سلم ورواه الاثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير، ورواه البخاري عن عثمان. قال القاضي وجماعة: لانه استقبال بعد استدبار، أشبه من فارق قوما، ثم عاد إليهم، وعكسه المؤذن، قاله المجد. (ورد هذا السلام، و) رد (كل سلام مشروع فرض كفاية على المسلم عليهم، وابتداؤه) أي السلام (سنة) ويأتي موضحا في آخر باب الجنائز. (ثم يجلس) على المنبر (إلى فراغ الاذان) لما روى ابن عمر قال: كان النبي (ص) يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، مختصرا رواه أبو داود. وذكر ابن عقيل إجماع الصحابة، ولانه يستريح بذلك من تعب الصعود، ويتمكن من الكلام التمكن التام، (و) يسن (أن يجلس
[ 38 ]
بين الخطبتين جلسة خفيفة جدا) لما روى ابن عمر قال: كان النبي (ص) يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس متفق عليه. (قال جماعة) منهم صاحب التلخيص: (بقدر سورة الاخلاص. فإن أبى) أن يجلس بينهما (أو خطب جالسا) لعذر أو غيره (فصل بسكتة) ولا يجب الجلوس، لان جماعة من الصحابة، منهم علي، سردوا الخطبتين من غير جلوس، ولانه ليس في الجلسة ذكر مشروع، (و) يسن أن (يخطب قائما) لفعله (ص) ولم يجب لانه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام كالاذان، (و) يسن أن (يعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا بإحدى يديه). قال في الفروع: ويتوجه باليسرى (و) يعتمد (بالاخرى على حرف المنبر أو يرسلها) لما روى الحكم بن حزن قال: وفدت على النبي (ص) فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئا على سيف أو قوس أو عصا مختصرا رواه أبو داود، ولانه أمكن له، وإشارة إلى أن هذا الدين فتح به (وإن لم يعتمد على شئ أمسك شماله بيمينه أو أرسلهما عند جنبيه وسكنهما) فلا يحركهما، ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة. (ويقصد) الخطيب (تلقاء وجهه، فلا يلتفت يمينا ولا شمالا) لفعله (ص)، ولان في التفاته عن أحد
جانبيه إعراضا عنه. قال في المبدع: وظاهره أنه إذا التفت أو استدبر الناس: أنه يجزئ مع الكراهة، صرحوا به في الاستدبار لحصول المقصود، (و) يسن (أن يقصر الخطبة) لما روى مسلم عن عمار مرفوعا: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصروا الخطبة. (و) يسن كون الخطبة (الثانية أقصر من) الخطبة (الاولى) كالاقامة مع الاذان (و) يسن أن (يرفع صوته حسب طاقته)، لانه أبلغ في الاعلام (ويعربهما بلا تمطيط) كالاذان، (ويكون متعظا بما يعظ الناس به) ليحصل الانتفاع بوعظه. وروي عنه (ص) أنه قال: عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل لي: هؤلاء خطباء من
[ 39 ]
أمتك يقولون ما لا يفعلون (ويستقبلهم) استحبابا. قال ابن المنذر: هو كالاجماع (وينحرفون إليه) أي إلى الخطيب، (فيستقبلونه ويتربعون فيها) أي في حال استماع الخطبة. (وإن استدبرهم) الخطيب (فيها) أي الخطبة (كره) لما فيه من الاعراض عنهم، ومخالفة السنة، وصح لحصول السماع المقصود. (و) يسن أن (يدعو للمسلمين) لان الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى، وهو يشمل المسلمات تغليبا. (ولا بأس به) أي بالدعاء (لمعين حتى السلطان. والدعاء له مستحب في الجملة)، قال أحمد وغيره: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لامام عادل، ولان في صلاحه صلاح المسلمين، ولان أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر. وروى البزار: أرفع الناس درجة يوم القيامة إمام عادل. قال أحمد: إني لادعو له بالتسديد والتوفيق. (ويكره للامام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة) قال المجد: هو بدعة، وفاقا للمالكية والشافعية وغيرهم، (ولا بأس أن يشير بأصبعه فيه) أي دعائه في الخطبة، لما روى أحمد ومسلم: أن عمارة بن رويبة رأى بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت النبي (ص) ما يزيد أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة (ودعاؤه عقب صعوده لا أصل له) وكذا ما يقول له من يقف بين يدي الخطيب من ذكر الحديث المشهور. (وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل) عن
المنبر (فسجد، وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه) استحبابا. (وإن ترك السجود فلا حرج) لانه سنة لا واجب. وتقدم فعل عمر رضي الله عنه. (ويكره أن يسند الانسان ظهره إلى القبلة) نص عليه. واقتصر الاصحاب على استحباب استقبالها. وفي معنى ذلك: مد الرجل إلى القبلة في النوم وغيره، ومد رجليه في المسجد ذكره في الآداب. قال: ولعل تركه أولى. (ولا بأس بالحبوة نصا) مع ستر العورة كما تقدم. وفعله جماعة من الصحابة، وكرهه الشيخان، لنهيه (ص) عنه، رواه أبو داود والترمذي وحسنه وفيه
[ 40 ]
ضعف. قاله في المبدع: (و) لا بأس (بالقرفصاء، وهي الجلوس على أليتيه، رافعا ركبتيه إلى صدره، مفضيا بأخمص قدميه إلى الارض، وكان الامام أحمد يقصد هذه الجلسة، ولا جلسة أخشع منها) قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: ما رأيت أحمد جالسا إلا القرفصاء، إلا أن يكون في صلاة (ولا يشترط لصحة الجمعة إذن الامام)، لان عليا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد وصوبه عثمان، رواه البخاري بمعناه، ولانها فرض الوقت. أشبهت الظهر. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يجمعون، (فإذا فرغ من الخطبة نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة) كما يقوم إليها من ليس بخطيب أذن (ويستحب أن يكون حال صعوده على تؤدة، وإذا نزل نزل مسرعا قاله ابن عقيل وغيره). مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة. ولعل المراد من غير عجلة تقبح. فصل: (وصلاة الجمعة ركعتان) إجماعا، حكاه ابن المنذر. قال عمر: صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، وقد خاب من افترى رواه أحمد وابن ماجه. و (يسن جهره بالقراءة فيهما) لفعله (ص) ونقله
[ 41 ]
الخلف عن السلف. وقد روي عنه (ص): صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين ويسن أن (يقرأ في) الركعة (الاولى بالجمعة وفي الثانية بالفاتحة) بعد الفاتحة لانه (ص) كان يقرأ بهما. رواه مسلم من حديث ابن عباس (أو) يقرأ (بسبح) في الاولى (ثم الغاشية) في الثانية (فقد صح الحديث بهما)، رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير. ورواه أبو داود من حديث سمرة. (و) يسن (أن يقرأ في فجر يومها) أي يوم الجمعة في الركعة الاولى (بألم السجدة. وفي) الركعة (الثانية: هل أتى) نص عليه، لانه (ص) كان يقرأ بهما متفق عليه من حديث أبي هريرة. قال الشيخ تقي الدين: واستحب ذلك لتضمنهما ابتداء خلق السموات والارض، وخلق الانسان إلى أن يدخل الجنة أو النار. (قال الشيخ: ويكره تحريه سجدة غيرها) أي غير سجدة * (ألم تنزيل) *. وقال ابن رجب: قد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا إن تعمد قراءة سورة غير * (ألم تنزيل) * في يوم الجمعة بدعة. قال: وقد ثبت أن الامر بخلاف ذلك. قاله في الانصاف، فإن سها عن السجدة، فنص أحمد يسجد للسهو، قاله القاضي، كدعاء القنوت. قال: وعلى هذا لا يلزم بقية سجود التلاوة في غير صلاة الفجر في غير يوم الجمعة، لانه يحتمل أن يقال فيه: مثل ذلك. ويحتمل أن يفرق بينهما، لان الحث والترغيب وجد في هذه السجدة أكثر، قاله في المبدع. (والسنة إكمالهما) أي السورتين في الركعتين، لما تقدم (وتكره مداومتها نصا) لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة أو الوجوب. (وتكره) القراءة (في عشاء ليلتها بسورة الجمعة، زاد في الرعاية: والمنافقين) ولعل وجهه:
[ 42 ]
أنه بدعة. (وتجوز إقامتها) أي الجمعة (في أكثر من موضع من البلد، لحاجة) إليه (كضيق) مسجد البلد عن أهله، (وخوف فتنة) بأن يكون بين أهل البلد عداوة، فيخشى إثارة الفتنة باجتماعهم في مسجد واحد (وبعد) للجامع عن طائفة من البلد. (ونحوه) كسعة البلد وتباعد أقطاره. (فتصح) الجمعة (السابقة واللاحقة) لانها تفعل في الامصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعا. قال الطحاوي: وهو الصحيح من
مذهبنا. وأما كونه (ص) لم يقمها هو ولا أحد من الصحابة في أكثر من موضع، فلعدم الحاجة إليه، ولان الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم لانه المبلغ عن الله تعالى. (وكذا العيد) تجوز إقامتها في أكثر من موضع من البلد للحاجة، لما سبق (فإن حصل الغني ب) - جمعتين (اثنتين لم تجز) الجمعة (الثالثة) لعدم الحاجة إليها (وكذا ما زاد) أي إذا حصل الغنى بثلاث لم تجز الرابعة، أو بأربع لم تجز الخامسة، وهكذا (ويحرم) إقامة الجمعة والعيد بأكثر، من موضع من البلد (لغير حاجة) قال في المبدع: لا نعلم فيه خلافا إلا عن عطاء، وهو معنى كلامه في الشرح (و) يحرم (إذن إمام فيها) أي في إقامة ما زاد على واحدة (أذن) أي عند عدم الحاجة إليه. وكذا الاذن فيما زاد على قدر الحاجة. (فإن فعلوا) أي أقاموا الجمعة في موضعين فأكثر، مع عدم الحاجة (فجمعة الامام التي باشرها أو أذن فيها، هي الصحيحة) لان في تصحيح غيرها افتياتا عليه، وتفويتا لجمعته، وسواء قلنا: إذنه شرط أو لا (وإن) أي ولو (كانت) جمعة الامام (مسبوقة) لما تقدم، (فإن استويا في الاذن وعدمه) أي عدم إذن الامام فيهما، (فالثانية باطلة، ولو كانت) المسبوقة (في المسجد الاعظم، والاخرى في مكان لا يسع الناس، أو لا يقدرون عليه لاختصاص السلطان وجنده
[ 43 ]
به، أو كانت المسبوقة في قصبة البلد والاخرى في أقصاه) لان الاستغناء حصل بالاولى، فأنيط الحكم بها، لكونها سابقة (والسبق يكون بتكبيرة، الاحرام) لا بالشروع في الخطبة، ولا بالسلام (وإن وقعتا) أي الجمعتان في موضعين من البلد بلا حاجة (معا بطلتا)، حيث لم يباشر الامام إحداهما، واستوتا في الاذن أو عدمه، لانه لا يمكن تصحيحهما، ولا تعيين إحداهما بالصحة. أشبه ما لو جمع بين أختين معا. (وصلوا جمعة) وجوبا (إن أمكن)، لانه مصر لم تصل فيه جمعة صحيحة. (وإن جهلت) الجمعة (الاولى) من جمعتين فأكثر ببلد لغير حاجة، (أو جهل الحال) بأن لم يعلم كيف وقعتا أمعا أم إحداهما بعد الاخرى؟ (أو علم)
الحال (ثم أنسي، صلوا ظهرا، ولو أمكن فعل الجمعة) للشك في شرط إقامة الجمعة، والظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت، فإذا كان مصران متقاربان يسمع كل منهما نداء الاخرى، أو قريتان أو قرية إلى جانب مصر كذلك لم تبطل جمعة إحداهما بجمعة الاخرى، لان لكل قوم منهم حكم أنفسهم. (وإذا وقع عيد يوم الجمعة فصلوا العيد والظهر. جاز) ذلك (وسقطت الجمعة عمن حضر العيد) مع الامام لانه (ص) صلى العيد، وقال: من شاء أن يجمع فليجمع رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم، وحينئذ فتسقط الجمعة (إسقاط حضور، لا) إسقاط (وجوب)، فيكون حكمه (كمريض ونحوه) ممن له عذر أو شغل يبيح ترك الجمعة، و (لا) يسقط عنه وجوبها فيكون (كمسافر وعبد) لان الاسقاط للتخفيف، فتنعقد به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها (والافضل حضورها) خروجا من الخلاف، (إلا الامام فلا يسقط عنه) حضور الجمعة. لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي (ص) قال: اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون ورواته ثقات، وهو من رواية بقية. وقد قال: حدثنا. ولانه لو تركها لامتنع فعلها في حق من تجب عليه، ومن يريدها ممن سقطت عنه (ف) - على هذا (إن اجتمع معه العدد المعتبر) للجمعة (أقامها، وإلا صلوا ظهرا). قال في القاعدة الثامنة عشرة:
[ 44 ]
وعلى رواية عدم السقوط، أي عن الامام، فيجب أن يحضر معه من تنعقد به تلك الصلاة. ذكره صاحب التلخيص وغيره. فتصير الجمعة ههنا فرض كفاية، ويسقط بحضور أربعين. (وأما من لم يصل العيد) مع الامام (فيلزمه السعي إلى الجمعة، بلغوا العدد المعتبر أو لا). قال في شرح المنتهى: قولا واحدا، (ثم إن بلغوا) العدد المعتبر (بأنفسهم) بأن كانوا أربعين (أو حضر معهم تمام العدد) إن كانوا دونه (لزمتهم الجمعة)، لتوفر شروط الوجوب والصحة. (وإلا) بأن لم يبلغوا أربعين لا بأنفسهم ولا بحضور غيرهم معهم، (تحقق عذرهم) لفوات شرط الصحة. (ويسقط العيد بالجمعة إن فعلت) الجمعة (قبل الزوال أو بعده)، لفعل
ابن الزبير، وقول ابن عباس: أصاب السنة رواه أبو داود، فعلى هذا لا يلزمه شئ إلى العصر. روى أبو داود عن عطاء قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد، فجمعهم، وصلى ركعتين بكرة، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر قال الخطابي: وهذا لا يجوز إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة، فسقط العيد والظهر، ولان الجمعة إذا سقطت بالعيد مع تأكيدها، فالعيد أولى أن يسقط بها. (فإن فعلت) الجمعة (بعده) أي الزوال، (اعتبر العزم على الجمعة لترك صلاة العيد) قاله ابن تميم. وقال في التنقيح والمنتهى: فيعتبر العزم عليها. ولو فعلت قبل الزوال، وهو ظاهر الفروع، وقدمه في الانصاف. (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان) نص عليه لانه (ص) كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه من حديث ابن عمر (وأكثرها) أي السنة بعدها (ست) ركعات (نصا) لقول ابن عمر: كان (ص) يفعله رواه أبو داود. واختار في المغني أربعا. وروي عن
[ 45 ]
ابن عمر: لفعله (ص) وأمره رواه مسلم من حديث أبي هريرة. (ويسن) أن يصليها (مكانه) نص عليه (في المسجد) وتقدم. (وأن يفصل بينهما) أي بين السنة (وبين الجمعة بكلام أو انتقال) من موضعه للخبر (ونحوه)، أي نحو ما ذكر. (وليس لها) أي الجمعة (قبلها سنة راتبة، نصا بل يستحب أربع ركعات)، لما روى ابن ماجه أنه (ص): كان يركع من قبل الجمعة أربعا. وروى سعيد عن ابن مسعود أنه: كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات وبعدها أربع ركعات. وقال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن أربع ركعات. (وتقدم) في باب صلاة التطوع. فصل: (يسن أن يغتسل للجمعة) في يومها، ويستحب أن يجامع ثم يغتسل، نص عليه، والافضل فعله عند مضيه إليها
لانه أبلغ في المقصود. وفيه خروج من الخلاف (وتقدم) في الاغسال المستحبة من باب الغسل (و) يسن أن (يتنظف) للجمعة (بقص شاربه) يعني حفه. (وتقليم أظفاره وقطع الروائح الكريهة) بالسواك وغيره، وأن (يتطيب بما يقدر عليه، ولو من طيب أهله) لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعا قال: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن، ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الامام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى وقوله: من طيب امرأته
[ 46 ]
أي ما خفي ريحه وظهر لونه لتأكد الطيب. قال في المبدع: وظاهر كلام أحمد والاصحاب خلافه، (و) يسن (أن يلبس أحسن ثيابه) لوروده في بعض ألفاظ الحديث. (وأفضلها البياض) لما تقدم في آداب اللباس من ستر العورة، ويعتم ويرتدي، (و) أن (يبكر إليها) أي إلى الجمعة ولو كان مشتغلا بالصلاة في بيته للخبر (غير الامام)، فلا يسن له التبكير إليها. ومعنى تبكيره: إتيانه (بعد طلوع الفجر) لا بعد طلوع الشمس، ولا بعد الزوال ويكون (ماشيا) لقوله (ص): ومشى ولم يركب. (إن لم يكن عذر، فإن كان) له عذر (فلا بأس بركوبه ذهابا وإيابا) لكن الاياب راكبا لا بأس به، ولو لغير عذر. (ويجب السعي) إلى الجمعة سواء كان من يقيمها عدلا أو فاسقا، سنيا أو مبتدعا. نص عليه (بالنداء الثاني بين يدي الخطيب) لقوله تعالى: * (إذا نودي للصلاة) * لانه الذي كان على عهده (ص) (لا) يجب السعي (ب) - النداء (الاول، لانه مستحب) لان عثمان سنه وعملت به الامة، يعني والثاني فرض كفاية. (والافضل) أن يكون الاذان بين يدي الخطيب، (من مؤذن واحد) لعدم الحاجة إلى الزيادة، لانه لاعلام من في المسجد وهم يسمعونه (ولا بأس بالزيادة) أي بأن يكون الاذان من أكثر من واحد، (إلا من بعد منزله، ف) - يجب عليه السعي (في وقت يدركها) فيه أن يسعى إليها من منزله، (إذا علم حضور العدد) المعتبر للجمعة. قال في الفروع: أطلقه بعضهم. والمراد بعد طلوع الفجر لا قبله ذكره في الخلاف وغيره، وأنه
ليس بوقت للسعي أيضا. ويسن أن يخرج إلى الجمعة (على أحسن هيئة بسكينة ووقار، مع خشوع، ويدنو من الامام) أي يقرب منه، لقوله (ص): من غسل واغتسل، وبكر، وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الامام فاستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل صيامها وقيامها رواه أحمد وأبو داود من حديث أوس بن أوس وإسناده ثقات. وقوله: غسل بالتشديد أي جامع، واغتسل معلوم. وبكر أي خرج في بكرة النهار وهي أوله وابتكر أي بالغ في التبكير، أي جاء في أول البكرة. (ويستقبل القبلة)
[ 47 ]
لانه خير المجالس، للخبر. (ويشتغل بالصلاة إلى خروج الامام) للخطبة لما في ذلك من تحصيل الاجر (فإذا خرج) الامام للخطبة وهو في نافلة (خففها، ولو) كان (نوى أربعا صلى ركعتين) ليستمع الخطبة. (ويحرم ابتداء نافلة إذن) أي بعد خروج الامام للخطبة (غير تحية مسجد)، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، ولو كان قبل الشروع في الخطبة أو كان بعيدا بحيث لا يسمعها، (و) يشتغل أيضا (بالذكر) لله تعالى، تحصيلا للاجر. (وأفضله قراءة القرآن) وتقدم (و) يسن أن يقرأ (سورة الكهف في يومها) اقتصر عليه الاكثر، لما روى البيهقي بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعا: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ورواه سعيد مرفوعا. وقال: وما بينه وبين البيت العتيق زاد أبو المعالي (وليلتها). وقال في الوجيز: يقرأ سورة الكهف في يومها أو ليلتها قاله في الانصاف. وفي المبدع وشرح المنتهى زاد أبو المعالي والوجيز: أو ليلتها، لقوله (ص): من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلتها وقي فتنة الدجال. (ويكثر الدعاء في يومها) أي الجمعة، (رجاء إصابة ساعة الاجابة)، لقوله (ص): إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها متفق عليه من حديث أبي هريرة. (وأرجاها آخر ساعة من النهار) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، بإسناد حسن عن أبي سلمة عن جابر مرفوعا. وفي أوله: أن النهار اثنتا عشرة ساعة، رواه
مالك وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام، لكن لم يحك في الانصاف والمبدع هذا القول
[ 48 ]
عن الامام، ولا عن أحد من أصحابنا، بل ذكرا قول الامام: أكثر الاحاديث على أنها - أي الساعة التي ترجى فيها الاجابة - بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس. وقد ذكر دليل هذين القولين مع بقية الاقوال، وهي اثنان وأربعون قولا في فتح الباري شرح البخاري. وقال ابن عبد البر عن قول الامام: إنه أثبت شئ في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن أناسا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا، فلم يختلفوا في أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. ورجحه كثير من الائمة كأحمد وإسحاق. (يكون متطهرا منتظرا صلاة المغرب، فإن من انتظر الصلاة فهو في صلاة) للخبر. وفي الدعوات للمستغفري عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فوقف في الباب، فقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت لما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. (ويكثر الصلاة على النبي (ص)) في يوم الجمعة، لقوله (ص): أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن. قال الاصحاب: وليلتها، لقوله (ص): أكثروا من الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا رواه البيهقي بإسناد جيد. وقد روي الحث عليها مطلقا، لحديث ابن مسعود أنه (ص) قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة رواه الترمذي بإسناد حسن. (ويكره أن يتخطى رقاب الناس) لما روى أحمد: أن النبي (ص) وهو على المنبر رأى رجلا يتخطى رقاب الناس، فقال: اجلس، فقد آذيت، ولما فيه من سوء الادب والاذى. (إلا أن يكون إماما فلا) يكره أن يتخطى رقاب الناس. (للحاجة) لتعيين مكانه، وألحق به في الغنية المؤذن، (أو يرى) غير الامام (فرجة لا يصل إليها إلا به) أي بالتخطي، فلا يكره، لانهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم (ويحرم أن يقيم غيره فيجلس
مكانه، ولو عبده) الكبير، (أو ولده الكبير) لانه ليس بمال. وإنما هو حق ديني فاستوى فيه
[ 49 ]
السيد وعبده، والوالد وولده. (أو كانت عادته الصلاة فيه حتى المعلم ونحوه) كالمفتي والمحدث، ومن يجلس للمذاكرة في الفقه إذا جلس إنسان موضع حلقته حرم عليه إقامته، لما روى عمر أن النبي (ص): نهى أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه متفق عليه. ولكن يقول: افسحوا. قاله في التلخيص، لحديث مسلم عن جابر مرفوعا: لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا ولان المسجد بيت الله، والناس فيه سواء (إلا الصغير) حرا، كان أو عبدا، فيؤخر لما تقدم. قال في التنقيح: (وقواعد المذهب تقتضي عدم الصحة)، أي صحة صلاة من أخر مكلفا وجلس مكانه، لشبهة الغاصب، (إلا من جلس بموضع يحفظه له) أي لغيره (بإذنه أو دونه)، لان النائب يقوم باختياره. قاله في الشرح، ولانه قعد فيه لحفظه له، ولا يحصل ذلك إلا بإقامته، لكن إن جلس في مكان الامام أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان ضيق. أقيم. قاله أبو المعالي. (ويكره إيثاره) غيره (بمكانه الافضل) ويتحول إلى ما دونه، (كالصف الاول ونحوه) وكيمين الامام لما في ذلك من الرغبة عن المكان الافضل. وظاهره: ولو آثر به والده ونحوه. و (لا) يكره للمؤثر (قبوله) المكان الافضل ولا رده. قال سندي: رأيت الامام أحمد قام له رجل من موضعه، فأبى أن يجلس فيه، وقال له: ارجع إلى موضعك فرجع إليه. (فلو آثر) الجالس بمكان أفضل (زيدا فسبقه إليه عمرو، حرم) على عمرو سبقه إليه، لانه قام مقامه. أشبه ما لو تحجر مواتا، ثم آثر به غيره. وهذا بخلاف ما لو وسع لرجل في طريق فمر غيره، لانها جعلت للمرور فيها، والمسجد جعل للاقامة فيه. (وإن وجد مصلى مفروشا فليس له رفعه)، لانه كالنائب عنه، ولما فيه من الافتيات على صاحبه والتصرف في ملكه بغير إذنه، والافضاء إلى الخصومة، وقاسه في الشرح على رحبة المسجد،. ومقاعد الاسواق. (ما لم تحضر الصلاة) فله رفعه والصلاة مكانه، لانه لا حرمة له بنفسه، وإنما
[ 50 ]
الحرمة لربه، ولم يحضر، (ولا الجلوس ولا الصلاة عليه) وقدم في الرعاية يكره، وجزم جماعة بتحريمه. قال في شرح المنتهى: وليس له أن يدعه مفروشا ويصلي عليه، فإن فعل فقال في الفروع، في باب ستر العورة: لو صلى على أرضه أو مصلاه بلا غصب، صح، انتهى. وتقدم هناك: جاز وصحت ولعل ما هناك إذا كان حاضرا، أو صلى معه على مصلاه فلا يعارضه ما هنا لغيبته، وفيه شئ. قال في الفروع: ويتوجه إن حرم رفعه أي المصلى (فله فرشه) وإلا كره (ومنع منه) أي الفرش (الشيخ، لتحجره مكانا من المسجد) كحفره في التربة المسبلة قبل الحاجة إليه. (ومن قام من موضعه) من المسجد (لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبا، فهو أحق به) لما روى مسلم عن أبي أيوب مرفوعا: من قام من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به وقيده في الوجيز بما إذا عاد، ولم يتشاغل بغيره (ما لم يكن صبيا قام في صف فاضل أو في وسط الصف)، ثم قام لعارض ثم عاد، فيؤخر، كما لو لم يقم منه بالاولى (فإن لم يصل) العائد (إليه)، أي إلى مكانه قريبا بعد قيامه منه لعارض (إلا بالتخطي، جاز) له التخطي، (كالفرجة) أي كمن رأى فرجة لا يصل إليها إلا به. ذكره في الشرح وابن تميم. (وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمي) للسلطان ولجنده (نصا)، لانه يمنع الناس من الصلاة فيها، فتصير كالمغصوب. (ومن دخل والامام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين موجزتين)، أي خفيفتين (تحية المسجد إن كان) يخطب (في مسجد)، لقول النبي (ص): إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الامام فليصل ركعتين متفق عليه. زاد مسلم: وليتجوز فيهما. وكذا قال أحمد والاكثر. (و) محل ذلك على ما في المغني والتلخيص
[ 51 ]
والمحرر والشرح: إن (لم يخف فوت تكبيرة الاحرام مع الامام)، فإن خاف تركهما (ولا تجوز الزيادة عليهما) لمفهوم ما تقدم. (وتسن تحية المسجد ركعتان فأكثر لكل من دخله) أي المسجد (قصد الجلوس) به، (أو لا) لعموم الاخبار. (غير خطيب دخل لها) أي
للخطبة، فلا يصلي التحية (و) غير (قيمه) أي المسجد، فلا تسن له التحية (لتكرار دخوله) فتشق عليه، (و) غير (داخله) أي المسجد (لصلاة عيد)، فلا يصلي التحية، لما يأتي في صلاة العيدين (أو) داخله (والامام في مكتوبة، أو بعد الشروع في الاقامة) لحديث: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. (و) غير (داخل المسجد الحرام) لان تحيته الطواف. (وتجزئ راتبة وفريضة، ولو) كانتا (فائتتين عنها) أي عن تحية المسجد، لا عكسه. وتقدم في صلاة التطوع موضحا. (وإن نوى التحية والفرض فظاهر كلامهم: حصولهما) له، كنظائرهما. قاله في المبدع وغيره. وقطع به في المنتهى وغيره (فإن جلس قبل فعلها) أي التحية (قام فأتى بها، إن لم يطل الفصل) لقول النبي (ص): قم فاركع ركعتين متفق عليه من حديث جابر، فإن طال الفصل فات محلها، (ولا تحصل) التحية (بأقل من ركعتين) لمفهوم ما سبق (ولا) تحصل التحية (بصلاة جنازة)، ولا سجود تلاوة، ولا شكر، لما سبق.
[ 52 ]
(وتقدم: إذا دخل وهو يؤذن) فينتظر فراغه، ليجمع بين الاجابة والتحية (ويحرم الكلام في الخطبتين والامام يخطب، ولو كان) الامام (غير عدل) لقوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * ولقوله (ص): من قال: صه، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له رواه أحمد وأبو داود. ولقوله (ص) في خبر ابن عباس: والذي يقول: أنصت ليس له جمعة رواه أحمد من رواية مجالد. ومعنى قوله: لا جمعة له أي كاملة ولقوله (ص) لابي الدرداء: إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ رواه أحمد، (إن كان) المتكلم (منه) أي الامام (بحيث يسمعه)، بخلاف البعيد الذي لا يسمعه، لان وجوب الانصات للاستماع، وهذا ليس بمستمع. (ولو) كان كلام المتكلم (في حال تنفسه) أي الامام، فيحرم (لانه في حكم الخطبة)، لانه يسير. (إلا له) أي الكلام للخطيب (أو لمن كلمه لمصلحة) فلا يحرم عليهما، لانه (ص): كلم سليكا وكلمه هو رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة. وسأل عمر عثمان فأجابه، وسأل العباس بن مرداس
النبي (ص) الاستسقاء، ولانه حال كلام الامام وكلام الامام إياه لا يشغل عن سماع الخطبة. (ولا بأس به) أي الكلام (قبلهما) أي الخطبتين (وبعدهما نصا) لما روى مالك والشافعي بإسناد جيد عن ثعلبة بن مالك قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر، فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين (و) لا بأس بالكلام (بين الخطبتين إذا سكت)، لانه لا خطبة حينئذ ينصت لها (وليس له تسكيت من تكلم بكلام) لما تقدم، (بل) يسكته (بإشارة فيضع أصبعه) ولعل المراد السبابة (على فيه) إشارة بالسكوت، لان الاشارة تجوز في الصلاة للحاجة، ففي الخطبة أولى (ويجب) الكلام
[ 53 ]
(لتحذير ضرير وغافل عن بئر، و) عن (هلكة، ومن يخاف عليه نارا أو حية ونحوه) مما يقتله أو يضره، لاباحة قطع الصلاة لذلك. (ويباح) الكلام (إذا شرع) الخطيب (في الدعاء) لانه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الانصات له. (ولو في دعاء غير مشروع، وتباح الصلاة على النبي (ص) إذا ذكر) فيصلي عليه (سرا، كالدعاء اتفاقا، قاله الشيخ. وقال: رفع الصوت قدام بعض الخطباء مكروه، أو محرم اتفاقا. فلا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها). وفي التنقيح والمنتهى: وله الصلاة على النبي (ص) إذا سمعها. ويسن سرا (ولا يسلم من دخل) على الامام ولا غيره، لاشتغالهم بالخطبة واستماعها، (ويجوز تأمينه) أي مستمع الخطبة (على الدعاء وحمده خفية إذا عطس نصا، وتشميت عاطس، ورد سلام نطقا) لانه مأمور به لحق آدمي، أشبه الضرير فدل على أنه يجب، قاله في المبدع. (وإشارة أخرس مفهومة ككلام) لقيامها مقامه في البيع وغيره. (ويجوز لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقراءة والذكر والصلاة على النبي (ص) خفية وفعله أفضل) من سكوته (نصا)، لتحصيل أجره. (فيسجد للتلاوة) لعموم الادلة (وليس له أن يرفع صوته، ولا إقراء القرآن ولا المذاكرة في الفقه) لئلا يشغل غيره عن الاستماع. وفي الفصول: إن بعد ولم يسمع همهمة الامام جاز أن يقرأ وأن يذاكر في الفقه اه. وهو
محمول على ما إذا لم يشغل غيره عن الاستماع وكلام المصنف على ما إذا أشغل، (ولا أن يصلي) لما تقدم، من أنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الامام، (أو) أي ولا أن (يجلس في حلقة) قال في الشرح: ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، لان النبي (ص): نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة رواه أحمد وأبو داود والنسائي. (ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة، لانه) أي السائل (فعل ما لا يجوز) له فعله، وهو الكلام حال
[ 54 ]
الخطبة (فلا يعينه) على ما لا يجوز. (قال) الامام (أحمد: وإن حصب السائل كان أعجب إلي) لان ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل والامام يخطب يوم الجمعة. (ولا يناوله) أي السائل حال الخطبة الصدقة، لانه إعانة على محرم. (فإن سأل) الصدقة (قبلها) أي الخطبة (ثم جلس لها) أي للخطبة، أي استماعها (جاز) أي التصدق عليه ومناولته الصدقة، قال الامام أحمد: هذا لم يسأل والامام يخطب، (وله الصدقة) حال الخطبة (على من لم يسأل وعلى من سألها) أي الصدقة (الامام له) لما تقدم. (والصدقة على باب المسجد عند دخوله أو خروجه أولى) من الصدقة حال الخطبة (ويكره العبث حال الخطبة) لقول النبي (ص): ومن مس الحصى فقد لغا قال الترمذي: حديث صحيح، ولان العبث يمنع الخشوع (وكذا الشرب) يكره حال الخطبة إذا كان يسمع، لانه فعل به. أشبه مس الحصى، (ما لم يشتد عطشه) فلا يكره شربه لانه يذهب الخشوع. وجزم أبو المعالي بأنه إذن أولى. وفي الفصول: ذكر جماعة شراءه بعد الاذان يقطعه، لانه بيع منهي عنه. وكذا شراؤه على أن يعطيه الثمن بعد الصلاة لانه بيع، ويتخرج الجواز للحاجة دفعا للضرر، وتحصيلا لاستماع الخطبة. قاله في المبدع. (ومن نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط) أحدا في انتقاله. لقوله (ص): إذا نعس أحدكم في مجلسه فليتحول إلى غيره صححه الترمذي (ولا بأس بشراء ماء الطهارة بعد أذان الجمعة أو)، شراء (سترة) لعريان للحاجة، ويأتي في البيع. (وتأتي أحكام البيع بعد النداء) الثاني للجمعة في البيع مفصلة.
[ 55 ]
فائدة: يستحب لمن صلى الجمعة أن ينتظر صلاة العصر، فيصليها في موضعه، ذكره في الفصول والمستوعب. ولم يذكره الاكثر. ويستحب انتظار الصلاة بعد الصلاة، لقوله (ص): إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها وكلامه في جلوسه بعد فجر وعصر إلى طلوع شمس وغروبها قد سبق، قال بعض الاصحاب: من البدع المنكرة كتب كثير من الناس الاوراق التي يسمونها حفائظ في آخر جمعة من رمضان في حال الخطبة، لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة والاتعاظ بها والذكر والدعاء، وهو من أشرف الاوقات. وكتابة ما لا يعرف معناه كعسهلون، ونحوه. وقد يكون دالا على ما ليس بصحيح ولا مشروع، ولم ينقل ذلك عن أحد من أهل العلم. خاتمة: روى ابن السني من حديث أنس مرفوعا: من قرأ إذا سلم الامام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد والمعوذتين سبعا، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعطي من الاجر بعدد من آمن بالله ورسوله. باب صلاة العيدين أي صفتها وأحكامها وما يتعلق بذلك. سمي اليوم المعروف عيدا لانه يعود ويتكرر لاوقاته وقيل: لانه يعود بالفرح والسرور. وقيل: تفاؤلا ليعود ثانية، كالقافلة. وهو من عاد يعود، فهو الاسم منه. كالقيل من القول. وصار علما على اليوم المخصوص. لما تقدم. وجمع على أعياد بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد. وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب. (وهي) أي صلاة العيدين مشروعة إجماعا لما يأتي. و (فرض كفاية) لقوله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * هي صلاة العيد في قول عكرمة وعطاء وقتادة. قال في الشرح: وهو المشهور في السير. وكان (ص) والخلفاء بعده يداومون عليها. ولانها من أعلام الدين الظاهرة. فكانت واجبة كالجهاد، بدليل قتل تاركها. ولم تجب على الاعيان لحديث الاعرابي متفق عليه. وروي أن أول صلاة عيد صلاها النبي (ص) عيد
الفطر، في السنة الثانية من الهجرة، وواظب على صلاة العيدين حتى مات. (إن تركها أهل بلد) يبلغون أربعين بلا عذر (قاتلهم الامام) كالاذان، لانها من شعائر الاسلام الظاهرة. وفي
[ 56 ]
تركها تهاون بالدين. (وكره أن ينصرف من حضر) مصلى العيد (ويتركها)، كتفويته حصول أجرها من غير عذر. (ووقتها كصلاة الضحى) من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال. لانه (ص) ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، بدليل الاجماع على فعل ذلك الوقت. ولم يكن يفعل إلا الافضل. وروى الحسن أن النبي (ص): كان يغدو إلى الفطر والاضحى حين تطلع الشمس، فيتم طلوعها. وكان يفتتح الصلاة إذا حضر. و (لا) يدخل وقت العيد (بطلوع الشمس) قبل ارتفاعها قيد رمح، لانه وقت نهي عن الصلاة فيه. فلم يكن وقتا للعيد. كما قبل طلوعها (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال أو أخروها) ولو (لغير عذر خرج من الغد فصلى بهم قضاء، ولو أمكن) قضاؤها (في يومها). لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الانصار قال: غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صياما، فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالامس، فأمر النبي (ص) الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدا لعيدهم رواه أبو داود والدارقطني وحسنه. وقال مالك: لا تصلي غير يوم العيد. قال أبو بكر الخطيب: سنة النبي (ص) أولى أن تتبع وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب. وكالفرائض (وكذا لو مضى أيام) لعذر أو غيره. فتقضى قياسا على ما سبق (ويسن تقديم صلاة الاضحى، بحيث يوافق من بمنى في ذبحهم). نص عليه (وتأخير صلاة الفطر) لما روى الشافعي مرسلا أن النبي (ص) كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الاضحى وأخر الفطر، وذكر الناس، ولانه يتسع بذلك وقت الاضحية. ووقت صدقة الفطر (و) يسن (الاكل فيه) أي عيد الفطر (قبل الخروج إليها) أي الصلاة، (تمرات وترا) لقول بريرة: كان النبي (ص) لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر. ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي رواه أحمد. وقول أنس: كان النبي (ص) لا يغدو يوم الفطر حتى
[ 57 ]
يأكل تمرات رواه البخاري، وزاد في رواية منقطعة: ويأكلهن وترا وفي شرح الهداية. (وهو) أي الاكل فيه (آكد من الامساك في الاضحى، و) يسن (الامساك في الاضحى حتى يصلي) لما تقدم، (ليأكل من أضحيته، والاولى من كبدها) لانه أسرع تناولا وهضما، (إن كان يضحي. وإلا خير) بين أكله قبل الصلاة وبعدها، نص عليه. لحديث الدارقطني عن بريرة: وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع فيأكل من أضحيته وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل (ويسن الغسل للعيد في يومها) وهو للصلاة، فيفوت بفواتها، وتقدم. (و) يسن (تبكير مأموم إليها بعد صلاة الصبح) ليحصل له الدنو من الامام من غير تخط، وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه، ويكون (ماشيا إن لم يكن عذر) لما روى الحرث عن علي قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا رواه الترمذي، وقال: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال أبو المعالي: إن كان البلد ثغرا استحب الركوب وإظهار السلاح. (و) يسن (دنوه من الامام) أي قربه منه كالجمعة، (و) يسن (تأخر إمام إلى) وقت (الصلاة). لحديث أبي سعيد: كان النبي (ص) يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى فأول شئ يبدأ به الصلاة رواه مسلم (ولا بأس بالركوب في العود) لقول علي: ثم تركب إذا رجعت. ويسن أن يخرج (على أحسن هيئة من لبس وتطيب ونحوه) كتنظف. لما روى جابر أن النبي (ص): كان يعتم ويلبس برده الاحمر في العيدين والجمعة رواه ابن عبد البر. وعن جابر قال: كانت للنبي (ص) حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة رواه ابن خزيمة في صحيحه، وكالجمعة (والامام بذلك آكد) لانه منظور إليه من بين الناس (غير
[ 58 ]
معتكف، فإنه يخرج في ثياب اعتكافه، ولو) كان (الامام) لقوله (ص): ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده إلا المعتكف فإنه يخرج في ثياب اعتكافه ولانه أثر عبادة فاستحب له بقاؤه كالخلوف. (وإن كان المعتكف فرغ من اعتكافه قبل
ليلة العيد استحب له المبيت ليلة العيد في المسجد) ليحييها. (و) يستحب (الخروج منه) أي المسجد (إلى المصلى) لصلاة العيد. (و) يسن يوم العيدين (التوسعة على الاهل والصدقة) على الفقراء ليغنيهم عن السؤال. (وإذا غدا) المصلي (من طريق سن رجوعه في أخرى)، لما روى جابر أن النبي (ص): كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق رواه البخاري ورواه مسلم من حديث أبي هريرة. وعلته: لتشهد له الطريقان، أو لمساواته لهما في التبرك بمروره والسرور برؤيته، أو لتتبرك الطريقان بوطئه عليهما، أو لزيادة الاجر بالسلام على أهل الطريق الآخر، أو لتحصل الصدقة على الفقراء من أهل الطريقين. (وكذا جمعة) إذا ذهب إليها من طريق سن له العود من أخرى لما سبق. قال في شرح المنتهى: ولا يمتنع ذلك أيضا في غير الجمعة. وقال في المبدع: الظاهر أن المخالفة فيه أي العيد شرعت لمعنى خاص. فلا يلتحق به غيره. (ويشترط لوجوبها) أي صلاة العيد (شروط الجمعة) لانها صلاة لها خطبة راتبة أشبهت الجمعة. ولانه (ص) وافق العيد في حجته ولم يصل. (و) يشترط (لصحتها) أي صلاة العيد (استيطان) أربعين (وعدد الجمعة) لما تقدم. قال ابن عقيل: إذا قلنا من شرطها العدد، وكانت قرية إلى جانب قرية، أو مصر تصلي فيه العيد لزمهم السعي إلى العيد، سواء كانوا يسمعون النداء أم لا. لان الجمعة إنما لم يلزم إتيانها مع عدم السماع لتكررها، بخلاف العيد، فإنه لا يتكرر، فلا يشق إتيانه. واقتصر عليه في
[ 59 ]
الشرح. قال ابن تميم: وفيه نظر. و (لا) يشترط لها (إذن إمام) كالجمعة (فلا تقام) العيد (إلا حيث تقام) الجمعة، لما تقدم (ويفعلها المسافر والعبد والمرأة والمنفرد تبعا) لاهل وجوبها (لكن يستحب أن يقضيها من فاتته) مع الامام (كما يأتي) موضحا. (ولا بأس بحضورها النساء غير مطيبات ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة) لقوله (ص): وليخرجن تفلات (ويعتزلن الرجال) فلا يختلطن بهم. (ويعتزل الحيض المصلى) للخبر. (بحيث يسمعن) الخطبة ليحصل المقصود (وتسن) صلاة العيدين (في صحراء قريبة عرفا) نقل حنبل: الخروج إلى المصلى
أفضل، إلا ضعيفا أو مريضا لقول أبي سعيد: كان النبي (ص) يخرج في الفطر والاضحى إلى المصلى متفق عليه. وكذلك الخلفاء بعده. ولانه أوقع لهيبة الاسلام وأظهر لشعائر الدين. ولا مشقة في ذلك، لعدم تكررها بخلاف الجمعة. قال النووي: والعمل على هذا في معظم الامصار (ويستحب للامام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد) نص عليه لفعل علي، حيث استخلف أبا مسعود البدري. رواه سعيد (ويخطب بهم إن شاءوا، وهو المستحب) ليكمل حصول مقصودهم. (والاولى أن لا يصلوا قبل الامام) قاله ابن تميم. (وإن صلوا قبله فلا بأس) لانهم من أهل الوجوب (وأيهما سبق) بالصلاة (سقط الفرض به وجازت التضحية) لانها صلاة صحيحة (وتنويه المسبوقة نفلا) لسقوط الفرض بالسابقة. (وتكره) صلاة العيد (في الجامع) لمخالفة فعله (ص) (بلا عذر)، فإن كان عذر لم تكره فيه. لقول أبي هريرة: أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا النبي (ص) في المسجد رواه أبو
[ 60 ]
داود، وفيه لين (إلا بمكة) المشرفة (فتسن) صلاة العيد (في المسجد) الحرام لمعاينة الكعبة، وذلك من أكبر شعائر الدين. (ويبدأ بالصلاة قبل الخطبة) قال ابن عمر: كان النبي (ص) وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه (فلو خطب قبل الصلاة لم يعتد بها) كما لو خطب في الجمعة بعدها. وقد روي عن بني أمية تقديم الخطبة. قال الموفق: ولم يصح عن عثمان (فيصلي ركعتين) إجماعا، لما في الصحيحين عن ابن عباس: أن النبي (ص) خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما، ولا بعدهما. ولقول عمر: صلاة الفطر والاضحى ركعتان ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى رواه أحمد. (يكبر تكبيرة الاحرام، ثم يستفتح) لان الاستفتاح لاول الصلاة (ثم يكبر ستا، زوائد) لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي (ص) كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الاولى وخمسا في الآخرة قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن حديث في الباب. وقال عبد الله، قال
أبي: أنا أذهب إلى هذا ورواه ابن ماجه، وصححه ابن المديني. وفي رواية أنه (ص) قال: التكبير سبع في الاولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما رواه أبو داود والدارقطني. وقال أحمد: اختلف أصحاب النبي (ص) في التكبير وكله جائز. وقال ابن الجوزي: ليس يروى عن النبي (ص) في التكبير في العيدين حديث صحيح (قبل التعوذ، ثم يتعوذ عقب) التكبيرة (السادسة) لان التعوذ للقراءة، فيكون عندها (بلا ذكر) بعد التكبيرة
[ 61 ]
الاخيرة في الركعتين، لان الذكر إنما هو بين التكبيرتين، وليس بعد التكبيرة الاخيرة تكبير. (ثم يشرع في القراءة ويكبر في الثانية بعد قيامه من السجود وقبل قراءتها خمسا زوائد) لما تقدم. (يرفع يديه مع كل تكبيرة) نص عليه. لحديث وائل بن حجر: أنه (ص) كان يرفع يديه مع التكبير قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله. وعن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة والعيد وعن زيد كذلك. رواهما الاثرم (ويقول بين كل تكبيرتين) زائدتين: (الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا). لما روى عقبة بن عامر قال: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد قال: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي (ص) ثم يدعو ويكبر الحديث. وفيه: فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن رواه الاثرم وحرب. واحتج به أحمد، ولانها تكبيرات حال القيام. فاستحب أن يتخللها ذكر، كتكبيرات الجنازة. (وإن أحب قال غيره) أي غير ما تقدم من الذكر. (إذ ليس فيه ذكر مؤقت) أي محدود، لان الفرض الذكر بين التكبير، فلهذا نقل حرب: أن الذكر غير مؤقت. (ولا يأتي بعد التكبيرة الاخيرة في الركعتين بذكر) لما تقدم. (وإن نسي التكبير أو شيئا منه، حتى شرع في القراءة لم يعد إليه) لانه سنة فات محلها. أشبه ما لو نسي الاستفتاح أو التعوذ حتى شرع في القراءة، أو نسي قراءة سورة حتى ركع، ولانه إن أتى بالتكبيرات، ثم عاد إلى القراءة، فقد ألغى فرضا يصح أن يعتد به، وإن لم يعد إلى القراءة فقد حصلت التكبيرات في غير محلها. (وكذا إن أدرك الامام
قائما بعد التكبير الزائد أو بعضه، ولم يأت به) لفوات محله، وكما لو أدركه راكعا (يقرأ في) الركعة (الاولى بعد الفاتحة بسبح، وفي) الركعة (الثانية) بعد الفاتحة (بالغاشية)، لحديث سمرة بن جندب: أن النبي (ص) كان يقرأ في العيدين بسبح اسم ربك الاعلى وهل أتاك حديث الغاشية رواه أحمد. ولابن ماجه من حديث ابن عباس والنعمان بن بشير
[ 62 ]
مثله، وروي عن عمر وأنس، لان فيه حثا على الصدقة والصلاة في قوله: * (قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى) * هكذا فسره سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز. (ويجهر بالقراءة) لما روى الدارقطني عن ابن عمر قال: كان النبي (ص) يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء. (فإذا سلم) من الصلاة (خطبهم خطبتين) وإنما أخرت الخطبة عن الصلاة لانها لما لم تكن واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها، بخلاف خطبة الجمعة، قاله الموفق. (يجلس بينهما) يسيرا للفصل، كخطبة الجمعة (ويجلس بعد صعوده المنبر قبلهما ليستريح) ويرد إليه نفسه، ويتأهب الناس للاستماع. كما تقدم في خطبة الجمعة. (وحكمهما كخطبة الجمعة) في جميع ما تقدم، (حتى في) تحريم (الكلام) حال الخطبة، نص عليه. (إلا التكبير مع الخاطب) فيسن. كما في شرح المنتهى، ومعناه في الشرح (ويسن أن يفتتح الاولى) من الخطبتين (قائما) كسائر أذكار الخطبة (بتسع تكبيرات متواليات. و) يفتتح الخطبة (الثانية بسبع كذلك) أي متواليات. لما روى سعيد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان يكبر الامام يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية سبع تكبيرات و (يحثهم في خطبة) عيد (الفطر على الصدقة) أي زكاة الفطر، لقوله (ص): أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم. (ويبين لهم ما يخرجون) جنسا وقدرا ووقت الوجوب والاخراج، ومن تجب فطرته أو تسن (وعلى من تجب) الفطرة (وإلى من تدفع) من الفقراء وغيرهم تكميلا للفائدة (ويرغبهم في الاضحية في الاضحى ويبين لهم حكمها) أي ما يجزئ منها وما لا يجزئ وما الافضل منها
ووقتها ونحو ذلك، لانه ثبت أن النبي (ص): ذكر في خطبة الاضحى كثيرا من أحكام
[ 63 ]
الاضحية من رواية أبي سعيد والبراء وجابر وغيرهم. (والتكبيرات الزوائد) سنة لا تبطل الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا، بغير خلاف علمناه قاله في الشرح. (والذكر بينها) أي بين التكبيرات الزوائد سنة لانه ذكر مشروع بين التحريمة والقراءة، أشبه دعاء الاستفتاح. فإن نسيه فلا سجود للسهو. (والخطبتان سنة لا يجب حضورهما ولا استماعهما) لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع النبي (ص) العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب رواه ابن ماجه، وأسناده ثقات، وأبو داود والنسائي، وقالا: مرسل. ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها. كخطبة الجمعة (ويكره التنفل في موضعها) أي صلاة العيد (قبلها وبعدها) قبل مفارقته. نص عليه لقول ابن عباس: خرج النبي (ص) يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما متفق عليه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه (ص) كان يكبر في صلاة العيد سبعا وخمسا ويقول: لا صلاة قبلها ولا بعدها رواه ابن بطة بإسناده. قال أحمد: لا أرى الصلاة (و) يكره أيضا (قضاء فائتة) في مصلى العيد (قبل مفارقته) المصلى (إماما كان أو مأموما، في صحراء فعلت أو في مسجد) نص عليه لئلا يقتدى به (ولا بأس به) أي التنفل (إذا خرج) من المصلى. نص عليه في منزله أو غيره، لما روى حرب عن ابن مسعود: أنه كان يصلي يوم العيد إذا رجع إلى منزله أربع ركعات أو ركعتين واحتج به إسحاق. (أو فارقه) أي المصلى (ثم عاد إليه) فلا يكره تنفله (نصا)، وقضاء الفائتة أولى لوجوبه. (ومن كبر قبل سلام الامام) الاولى (صلى ما فاته على صفته) نص عليه لعموم قول النبي (ص): ما أدركتم فصلوا وما فاتكم
[ 64 ]
فاقضوا ولانها أصل بنفسها. فتدرك بإدراك التشهد كسائر الصلوات، وإذا أدرك معه
ركعة، قضى أخرى، وكبر فيها ستا زوائد. (ويكبر مسبوق) ومثله من تخلف عن الامام بركعة لعذر (ولو بنوم أو غفلة في قضاء بمذهبه، لا بمذهب إمامه) لانه في حكم المنفرد في القراءة والسهو، فكذا في التكبير (وإن فاتته الصلاة) أي صلاة العيد مع الامام (سن) له (قضاؤها) على صفتها لفعل أنس، ولانه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر الصلوات. (فإن أدركه في الخطبة جلس فسمعها) أي الخطبة. وظاهره: ولو كان بمسجد، لان صلاة العيد تفارق صلاة الجمعة، لان التطوع قبلها وبعدها مكروه. وقال الموفق: إن كان بمسجد صلى تحيته، كالجمعة وأولى (ثم صلاها) أي العيد (متى شاء، قبل الزوال أو بعده على صفتها، ولو منفردا) أو في جماعة دون أربعين. (لانها صارت تطوعا) لسقوط فرض الكفاية بالطائفة الاولى. (ويسن التكبير المطلق في العيدين) قال أحمد: كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعا (و) يسن (إظهاره) أي التكبير المطلق (في المساجد والمنازل والطرق، حضرا وسفرا في كل موضع يجوز فيه ذكر الله)، بخلاف ما يكره فيه كالحشوش. (و) يسن (الجهر به) أي التكبير (لغير أنثى في حق كل من كان من أهل الصلاة، من مميز وبالغ، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والامصار) لعموم قوله تعالى: * (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) *. (ويتأكد) التكبير المطلق (من ابتداء ليلتي العيدين)، أي غروب شمس ما قبلهما للآية. وقياس الاضحى على الفطر (و) يتأكد (في الخروج إليهما) أي إلى العيدين، لاتفاق الآثار عليه (إلى فراغ الخطبة فيهما) أي العيدين، لان شعار العيد لم تنقض. فسن كما في حال الخروج (ثم) إذا فرغت الخطبة (يقطع) التكبير المطلق لانتهاء وقته. (وهو) أي التكبير المطلق (في) عيد (الفطر آكد نصا) لثبوته فيه بالنص. وفي الفتاوى المصرية: أنه في الاضحى آكد. قال: لانه يشرع أدبار الصلوات. وأنه متفق عليه وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان.
[ 65 ]
وعيد النحر أفضل من عيد الفطر (ولا يكبر فيه) أي الفطر (أدبار الصلوات) بخلاف
الاضحى (وفي الاضحى يبتدئ) التكبير (المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة، ولو لم ير بهيمة الانعام) خلافا للشافعي، لما ذكره البخاري كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. (إلى فراغ الخطبة يوم النحر) لما تقدم (و) التكبير (المقيد فيه) أي الاضحى. (يكثر من صلاة فجر يوم عرفة، إن كان محلا) لحديث جابر قال: كان النبي (ص) يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات. وفي لفظ: كان (ص) إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه، فيقول: على مكانكم، ويقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد رواهما الدارقطني. فإن قيل: مدار الحديث على جابر بن زيد الجعفي، وهو ضعيف. قلنا: قد روى عنه شعبة والثوري ووثقاه. وناهيك بهما. وقال أحمد: لم يتكلم في جابر في حديثه، إنما تكلم فيه لرأيه، على أنه ليس في هذه المسألة حديث مرفوع أقوى إسنادا منه ليترك من أجله. والحكم في حكم فضيلة وندب، لا حكم إيجاب أو تحريم، ليشدد في أمر الاسناد. وقيل لاحمد: بأي حديث تذهب في ذلك؟ قال: بالاجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود (وإن كان محرما ف) - إنه يكبر (من صلاة ظهر يوم النحر) لانه قبل ذلك مشغول بالتلبية (إلى العصر من آخر أيام التشريق فيهما) أي في المحل والمحرم، لما تقدم (فلو رمى) المحرم (جمرة العقبة قبل الفجر) من يوم النحر، فإن وقتها من نصف ليلة النحر كما يأتي (فعموم كلامهم يقتضي أنه لا فرق) بينه وبين من لم يرم إلا بعد طلوع الشمس (حملا على الغالب) في رمي الجمرة، إذ هو بعد الشروق (يؤيده لو أخر الرمي إلى بعد صلاة الظهر، فإنه يجتمع في حقه التكبير والتلبية، فيبدأ بالتكبير ثم يلبي، نصا) لان
[ 66 ]
التكبير من جنس الصلاة. قلت: ويؤخذ منه تقديمه على الاستغفار، وقول: اللهم أنت السلام - إلى آخره فيكون تكبير المحل عقب ثلاث وعشرين فريضة. وتكبير المحرم عقب
سبع عشرة. (ومن كان عليه سجود سهو أتى به) أولا، إما قبل السلام أو بعده على ما تقدم بيانه (ثم كبر) لانه من تمام الصلاة، (عقب كل فريضة) متعلق بقوله: يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة (في جماعة) لما تقدم من الاخبار. (وأنثى كذكر) تكبر عقب الفرائض في جماعة، وإن لم تكن مع الرجال لكن لا تجهر به. (ومسافر كمقيم) في التكبير (ولو لم يأتم بمقيم) ومميز كبالغ. قال في الفروع: فيتوجه مثله صلاة معادة. ويتوجه احتمال: أن لا يكبر، لان صلاة الصبي يضرب عليها بخلاف نفل البالغ. (ويكبر مأموم نسيه إمامه) ليحوز الفضيلة. كقول: آمين (و) يكبر (مسبوق بعد قضائه) ما فاته من صلاته وسلامه، لان التكبير ذكر مسنون، فلا يتركه المسبوق، كغيره من الاذكار. (و) يكبر (من قضى فيها) أي في الايام التي يسن فيها التكبير عقب الفرائض (فائتة من أيامها أو من غير أيامها في عامه) أي عام ذلك العيد، إذا قضاها جماعة، لانها مفروضة فيه. ووقت التكبير باق. و (لا) يكبر من قضى فائتة (بعد أيامها، لانها سنة فات محلها) كالتلبية، (ولا يكبر عقب نافلة) خلافا للآجري، لانها صلاة لا تشرع لها الجماعة، أو غير مؤقتة، فأشبهت الجنازة وسجود التلاوة (ولا) يكبر (من صلى وحده) لقول ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى جماعة رواه ابن المنذر، ولانه ذكر مختص بوقت العيد، فأشبه الخطبة (ويأتي به) أي التكبير (الامام مستقبل الناس) أي يلتفت إلى المأمومين ثم يكبر، لما تقدم أن النبي (ص): كان يقبل بوجهه على أصحابه، ويقول: على مكانكم، ثم يكبر (وأيام العشر: الايام المعلومات. وأيام التشريق: الايام المعدودات) ذكره البخاري عن ابن عباس (وهي) أي أيام التشريق (ثلاثة أيام، بعد يوم النحر تليه) سميت بذلك من تشريق اللحم وهو تقديده، وقيل: من قولهم: أشرق ثبير، وقيل: لان الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل هو التكبير دبر الصلوات. وأنكره أبو عبيد (ومن نسي التكبير قضاه، ولو بعد كلامه مكانه، فإن قام) من مكانه (أو ذهب، عاد فجلس، ثم كبر) لان فعله جالسا في مصلاه سنة، فلا تترك مع إمكانها. (وإن قضاه) أي كبر (ماشيا فلا
[ 67 ]
بأس) قاله جماعة. (ما لم يحدث) فلا يقضي التكبير لان الحدث يبطل الصلاة، والذكر تابع لها بطريق الاولى (أو يخرج من المسجد) فلا يقضيه لانه مختص بالصلاة. أشبه سجود السهو (أو يطل الفصل) فلا يقضيه لما سبق (ولا يكبر عقب صلاة عيد الاضحى كالفطر) لان الاثر إنما جاء في المكتوبات (وصفة التكبير شفعا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد). لانه (ص) كان يقوله كذلك رواه الدارقطني، وقاله علي. وحكاه ابن المنذر عن عمر. قال أحمد: اختياري تكبير ابن مسعود. وذكر مثله وقال النخعي: كانوا يكبرون كذلك. رواه البخاري. ولانه تكبير خارج الصلاة له تعلق بها. ولا يختص الحاج. فأشبه الاذان (ويجزئ مرة واحدة، وإن زاد) على مرة (فلا بأس، وإن كرره ثلاثا فحسن) قال في المبدع: وأما تكريره ثلاثا في وقت واحد فلم أره في كلامهم، ولعله يقاس على الاستغفار بعد الفراغ من الصلاة، وعلى قول: سبحان الملك القدوس، بعد الوتر، لان الله وتر يحب الوتر، (ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضا بما هو مستفيض بينهم من الادعية ومنه بعد الفراغ من الخطبة قوله لغيره: تقبل الله منا ومنك) نقله الجماعة. قال في رواية الاثرم: يرويه أهل الشام عن أبي أمامة، قيل: وواثلة بن الاسقع؟ قال: نعم (كالجواب). وقال: لا أبتدئ به. وعنه: الكل حسن. وعنه يكره (و) لا بأس (بتعريفه عشية عرفة بالامصار من غير تلبية) نص عليه. وقال: إنما هو دعاء وذكر. قيل: تفعله أنت؟ قال: لا. وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث انتهى. وروى أبو بكر في الشافي بإسناده عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة تحلق رؤوسنا يوم عرفة. فإذا كان العشي حلقتنا وبعثت بنا إلى المسجد. (ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام عشر ذي الحجة من الذكر والصيام والصدقة وسائر أعمال البر، لانها أفضل الايام) لحديث: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة.
[ 68 ]
باب صلاة الكسوف (وهو ذهاب ضوء أحد النيرين) الشمس والقمر (أو بعضه) أي أو ذهاب بعض ضوء أحدهما يقال: كسفت الشمس، بفتح الكاف وضمها. وكذا خسفت. وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر. وقيل عكسه. ورد بقوله تعالى: * (وخسف القمر) * وقيل: الكسوف في أوله والخسوف في آخره. وقيل: الكسوف لذهاب بعض ضوئه، والخسوف لذهابه كله. وفعلها ثابت بالسنة المشهورة واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: * (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن) * وإذا كسف أحدهما فزعوا إلى الصلاة) لقوله (ص): إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فصلوا متفق عليه. فأمر بالصلاة لهما أمرا واحدا. وروى أحمد معناه. ولفظه فافرغوا إلى المساجد وروى الشافعي: أن القمر خسف وابن عباس أمير على البصرة فخرج فصلى بالناس ركعتين في كل ركعة ركعتين. وقال: إنما صليت كما رأيت النبي (ص) يصلي (وهي) أي صلاة الكسوف (سنة مؤكدة)، حكاه ابن هبيرة والنووي إجماعا. لما تقدم (حضرا وسفرا حتى للنساء) لان عائشة وأسماء صلتا مع النبي (ص)، رواه البخاري. قال في
[ 69 ]
المبدع: وإن حضرها غير ذوي الهيئات مع الرجال فحسن. (وللصبيان حضورها) واستحبها ابن حامد لهم ولعجائز. كجمعة وعيد. (ووقتها: من حين الكسوف إلى حين التجلي) لقوله (ص): إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى ينجلي (جماعة) لقول عائشة: خرج النبي (ص) إلى المسجد. فقام وكبر وصف الناس وراءه متفق عليه (وفرادى) لانها نافلة. ليس من شرطها الاستيطان. فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل (ويسن أيضا ذكر الله والدعاء والاستغفار والتكبير والصدقة والعتق والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع) من القرب. لقوله (ص): فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا الحديث متفق عليه. وعن
أسماء: إن كنا لنؤمر بالعتق في الكسوف وقيد العتق في المستوعب بالقادر. قال في المبدع: وهو الظاهر. وليحوز فضيلة ذلك، ويكون عاملا بمقتضى التخويف (و) يسن (الغسل لها) أي لصلاة الكسوف. وتقدم في الاغسال المستحبة (وفعلها جماعة في المسجد الذي تقام فيه الجمعة أفضل) لحديث عائشة وغيره، (ولا يشترط لها إذن الامام، ولا الاستسقاء، كصلاتهما) أي الاستسقاء والكسوف. (منفردا) لان كلا منهما نافلة. وليس إذنه شرطا في نافلة. وكالجمعة وأولى (ولا خطبة لها) لان النبي (ص): أمر بالصلاة دون الخطبة وإنما خطب النبي (ص) بعد الصلاة ليعلمهم حكمها. وهذا مختص به. وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة. (وإن فاتت لم تقض) لقوله (ص): فصلوا حتى ينجلي. ولم ينقل عنه أنه فعلها بعد التجلي، ولا أمر بها. ولان المقصود عود ما ذهب
[ 70 ]
من النور. وقد عاد كاملا. ولانها سنة غير راتبة ولا تابعة لفرض فلم تقض. (كصلاة الاستسقاء وتحية المسجد وسجود الشكر) لفوات محالها، (ولا تعاد إن صليت ولم ينجل) الكسوف. لان الصحيح عنه (ص) أنه لم يزد على ركعتين. قاله في الشرح (بل يذكر الله ويدعوه ويستغفره حتى ينجلي) لانه كسوف واحد. فلا تتعدد الصلاة له، كغيره من الاسباب. (وينادي لها: الصلاة جامعة، ندبا) لان النبي (ص): بعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة متفق عليه. والاول منصوب على الاغراء، والثاني على الحال. وفي الرعاية: برفعهما ونصبهما. وتقدم (ويجزئ قول: الصلاة فقط) لحصول المقصود (ثم يصلي ركعتين يقرأ في الاولى بعد الاستفتاح والتعوذ) والبسملة (الفاتحة ثم البقرة أو قدرها) ذكره جماعة منهم الشارح. واقتصر في المقنع والمنتهى وغيرهما على قوله: سورة طويلة. قال في المبدع وغيره: من غير تعيين (جهرا ولو في كسوف الشمس) لقول عائشة: إن النبي (ص) جهر في صلاة الخسوف بقرائته فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات متفق عليه. وفي لفظ: صلى
صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها صححه الترمذي (ثم يركع ركوعا طويلا فيسبح) من غير تقدير. و (قال جماعة) منهم القاضي وصاحب التلخيص والشارح وغيره: (نحو مائة آية) وقال ابن أبي موسى: بقدر معظم القراءة. وقيل: نصفها (ثم يرفع) من ركوعه (فيسمع) أي يقول: سمع الله لمن حمده في رفعه، (ويحمد) في اعتداله،
[ 71 ]
فيقول: ربنا ولك الحمد، كغيرها من الصلوات (ثم يقرأ الفاتحة، و) سورة (دون القراءة الاولى)، قيل: كمعظمها. وفي الشرح: آل عمران، أو قدرها (ثم يركع فيطيل) الركوع (وهو دون الركوع الاول، نسبته) أي الركوع الثاني (إلى القراءة كنسبة) الركوع (الاول منها) قاله في المبدع وغيره وفي الشرح، فيسبح نحوا من سبعين آية (ثم يرفع) من الركوع ويسبح ويحمد، (ولا يطيل اعتداله) لعدم ذكره في الروايات. (ثم يسجد سجدتين طويلتين. ولا تجوز الزيادة عليهما) أي السجدتين، (لانه) أي السجود الزائد (لم يرد) في شئ من الاخبار. ولان السجود متكرر، بخلاف الركوع فإنه متحد. (ولا يطيل الجلوس بينهما) أي بين السجدتين لعدم وروده، (ثم يقوم إلى) الركعة (الثانية، فيفعل مثل ذلك) المذكور في الركعة الاولى، (من الركوعين وغيرهما، لكن يكون) فعله في الثانية (دون) فعله (الاول) في الركعة الاولى (في كل ما يفعله فيها. ومهما قرأ به) من السور (جاز) لعدم تعيين القراءة. (ثم يتشهد ويسلم) والاصل فيه: ما روت عائشة: أن النبي (ص) قام في خسوف الشمس، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة الاولى، ثم كبر فركع ركوعا طويلا أدنى من الركوع الاول، ثم سمع وحمد، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. متفق عليه وقال ابن عباس: خسفت الشمس على عهد رسول الله (ص) فقام
النبي (ص) قياما طويلا نحوا من سورة البقرة. وفي حديث أسماء: ثم سجد فأطال
[ 72 ]
السجود. وروى النسائي عن عائشة: أن النبي (ص) تشهد ثم سلم. (وإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة على صفتها). لقوله (ص) في حديث أبي مسعود: فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم متفق عليه، ولان المقصود التجلي وقد حصل. وعلم منه أنه لا يقطعها، لقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * وشرع تخفيفها لزوال السبب، (وإن شك في التجلي) لنحو غيم (أتمها من غير تخفيف)، لان الاصل عدمه، (فيعمل بالاصل في بقائه) أي الكسوف، (و) يعمل بالاصل في (وجوده) إذا شك فيه، فلا يصلي، لان الاصل عدمه، (وإن تجلى السحاب عن بعضها) أي الشمس وكذا القمر (فرأوه صافيا) لا كسوف عليه (صلوا) صلاة الكسوف. لان الباقي لا يعلم حاله والاصل بقاؤه. (وإن تجلى) الكسوف (قبلها) أي الصلاة، لم يصل لقوله (ص): إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة فجعله غاية للصلاة. والمقصود منها زوال العارض وإعادة النعمة بنورهما، وقد حصل وإن خف قبلها شرع وأوجز، (أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت) الشمس والقمر خاسف، (أو) طلع (الفجر والقمر خاسف لم يصل) لانه ذهب وقت الانتفاع بهما. (ولا عبرة بقول المنجمين) في كسوف ولا غيره مما يخبرون به، (ولا يجوز العمل به) لانه من الرجم بالغيب. فلا يجوز تصديقهم في شئ من إخبارهم عن المغيبات. لحديث: من أتى عرافا (وإن وقع) الكسوف (في وقت نهي، دعا وذكر بلا صلاة) لعموم أحاديث النهي. ويؤيده ما روى قتادة قال: انكسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة، فقاموا يدعون قياما فسألت عن ذلك فقال: هكذا كانوا يصنعون رواه الاثرم. ومثل هذا في مظنة الشهرة، فيكون كالاجماع. (ويجوز فعلها) أي صلاة الكسوف، (على كل صفة وردت) عن الشارع (إن
[ 73 ]
شاء أتى في كل ركعة بركوعين كما تقدم. وهو الافضل). لانه أكثر من الرواية. (وإن شاء) صلاها (بثلاث) ركوعات في كل ركعة، لما روى مسلم من حديث جابر: أن النبي (ص) صلى ست ركعات بأربع سجدات. (أو أربع) ركوعات في كل ركعة. لما روى ابن عباس أن النبي (ص): صلى في كسوف قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع والاخرى مثلها رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي لفظ: صلى النبي (ص) حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات رواه أحمد ومسلم والنسائي. وزاد مسلم: وعن علي مثل ذلك، (أو خمس) ركوعات في كل ركعة. لما روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: انكسفت الشمس على عهد النبي (ص) وأنه صلى بهم: فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها. رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد. قال ابن المنذر: وروينا عن علي أن الشمس انكسفت، فقام علي فركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم سلم. ثم قال: ما صلاها بعد النبي (ص) غيري ولا يزيد على خمس ركوعات في كل ركعة. لانه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه (وإن شاء فعلها) أي صلاة الكسوف (كنافلة) بركوع واحد. لان ما زاد عليه سنة (والركوع الثاني وما بعده) إذا صلاها بثلاث ركوعات فأكثر إلى خمس (سنة لا تدرك به الركعة) للمسبوق. ولا تبطل الصلاة بتركه. لانه قد روي في السنن عنه (ص) من غير وجه أنه صلاها بركوع واحد. (وإن اجتمع مع كسوف جنازة قدمت) الجنازة على الكسوف، إكراما للميت. ولانه ربما يتغير بالانتظار. (فتقدم) الجنازة (على ما يقدم عليه) الكسوف بطريق الاولى، (ولو
[ 74 ]
مكتوبة) أمن فوتها، (ونصه) تقدم (على فجر وعصر فقط. وتقدم) الجنازة (على جمعة
إن أمن فوتها، ولم يشرع في خطبتها) لمشقة الانتظار، (وكذا) تقدم صلاة الكسوف (على عيد ومكتوبة إن أمن الفوت) وذلك معلوم مما سبق. ووجهه أنه ربما حصل التجلي فتفوت صلاة الكسوف، بخلاف العيد والمكتوبة، مع أمن الفوت (و) يقدم (كسوف على وتر، ولو خيف فوته) أي الوتر، لانه يمكن تداركه بالقضاء. (و) إن اجتمع كسوف (مع تراويح وتعذر فعلهما، تقدم التراويح) لانها تختص برمضان. وتفوت بفواته قيل: (ولا يمكن كسوف الشمس إلا في الاستسرار آخر الشهر، إذا اجتمع النيران. قال بعضهم: في الثامن والعشرين، أو التاسع والعشرين. ولا) يمكن (خسوف القمر إلا في الابدار. وهو إذا تقابلا. قال الشيخ: أجرى الله العادة أن الشمس لا تنكسف إلا وقت الاستسرار، وإن القمر لا ينخسف إلا وقت الابدار. وقال: من قال من الفقهاء: إن الشمس تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط، وقال ما ليس له به علم. وخطأ الواقدي في قوله: إن إبراهيم) ابن النبي (ص) (مات يوم العاشر، وهو الذي انكسفت فيه الشمس. وهو كما قال الشيخ. فعلى هذا يستحيل كسوف الشمس بعرفة، ويوم العيد. ولا يمكن أن يغيب القمر ليلا وهو خاسف. والله أعلم) قال في الفروع: ورد بوقوعه في غيره. فذكر أبو شامة الشافعي في تاريخه: أن القمر خسف ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة. وخسفت الشمس في غده والله على كل شئ قدير. قال: واتضح بذلك ما صوره
[ 75 ]
الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد واستبعده أهل النجامة، هكذا كلامه. وكسفت الشمس يوم موت إبراهيم عاشر شهر ربيع. قاله غير واحد. وذكره بعض أصحابنا اتفاقا. قال في الفصول: لا يختلف النقل في ذلك. نقله الواقدي والزبير، وأن الفقهاء فرعوا وبنوا على ذلك: إذا اتفق عيد وكسوف. وقال غيره: لا سيما إذا اقتربت الساعة، فتطلع من مغربها (ولا يصلي لشئ من سائر الآيات: كالصواعق والريح الشديدة والظلمة بالنهار
والضياء بالليل)، لعدم نقل ذلك عنه (ص) وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر. وهبوب الرياح والصواعق. وعنه يصلى لكل آية. وذكر الشيخ تقي الدين أنه قول محققي أصحاب أحمد وغيرهم (إلا الزلزلة الدائمة، فيصلى لها كصلاة الكسوف). نصا، لفعل ابن عباس. رواه سعيد والبيهقي. وروى الشافعي عن علي نحوه. وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به وصلاة الكسوف صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء. باب صلاة الاستسقاء هو استفعال من السقيا، أي باب الصلاة لاجل الاستسقاء (وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة) والسقيا بضم السين الاسم من السقي، (وهي) أي صلاة الاستسقاء (سنة مؤكدة حضرا وسفرا)، لقول عبد الله بن زيد: خرج النبي (ص) يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة متفق عليه. وتفعل
[ 76 ]
جماعة وفرادى والافضل جماعة، (فإذا أجدبت الارض) أي أصابها الجدب، (وهو ضد الخصب) بالكسر، أي النماء والبركة من أخصب المكان فهو مخصب، وفي لغة: خصب يخصب من باب تعب، فهو خصيب. وأخصب الله الموضع: إذا أنبت به الغيث والكلا، قاله في حاشيته. (وقحط المطر) أي احتبس (وهو) أي القحط، (احتباسه) أي المطر، (لا عن أرض غير مسكونة ولا مسلوكة) لعدم الضرر (فزع الناس إلى الصلاة) لما تقدم. ويأتي (حتى ولو كان القحط في غير أرضهم) لحصول الضرر به (أو غار ماء عيون) أي ذهب ماؤها في الارض، أو غار ماء أنهار جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها - وهو مجرى الماء، أو نقص ماء العيون والانهار (وضر ذلك) أي غور مائها أو نقصانه. فتستحب صلاة الاستسقاء لذلك. كقحط المطر (ولو نذر الامام) أو المطاع في قومه (الاستسقاء زمن الجدب وحده أو هو والناس لزمه) الاستسقاء (في نفسه) لعموم قوله (ص): من نذر أن يطيع الله فليطعه (و) لزمته (الصلاة) أي صلاة الاستسقاء، صوبه في تصحيح الفروع، وجعله
ظاهر كلام كثير من الاصحاب. ولعله لان الاستسقاء المعهود شرعا يكون كذلك. فيحمل نذره عليه (وليس له) أي للامام ونحوه إذا نذر (أن يلزم غيره بالخروج معه) لانه نافلة في حقهم. فلا يجبرهم عليه (وإن نذر) ه أي الاستسقاء (غير الامام) وغير المطاع في قومه، (انعقد) نذره (أيضا) لما سبق. وقياس ما تقدم: يلزمه الصلاة (وإن نذره) أي الاستسقاء (زمن الخصب. لم ينعقد) صوبه في تصحيح الفروع. لانه غير مشروع إذن. وقيل: بلى، لانه قربة في الجملة فيصليها، ويسأل دوام الخصب وشموله، (وصفتها) أي صلات الاستسقاء (في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد) لانها في معناها، قال ابن عباس: سنة الاستسقاء
[ 77 ]
سنة العيدين. فعلى هذا تسن في الصحراء،، وأن تصلي ركعتين، يكبر في الاولى سبعا وفي الثانية خمسا، من غير أذان ولا إقامة. لانه (ص) لم يقمها إلا في الصحراء. وهي أوسع عليهم من غيرها. وقال ابن عباس: صلى النبي (ص) ركعتين كما يصلي العيد قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وعنه (ص) وأبي بكر وعمر: أنهم كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمسا رواه الشافعي مرسلا. وعن ابن عباس نحوه وزاد: وقرأ سبح وفي الثانية الغاشية رواه الدارقطني. ولا يعارضه قول عبد الله بن زيد فيما سبق: ثم صلى ركعتين لانها مطلقة. وهذه مقيدة (ويسن فعلها) أي صلاة الاستسقاء (أول النهار وقت صلاة العيد) لحديث عائشة: أنه (ص) خرج حين بدا حاجب الشمس رواه أبو داود (ولا تتقيد بزوال الشمس) فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل قال في الشرح: وليس لها وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف (ويقرأ فيها بما يقرأ به في صلاة العيد) لما تقدم عن ابن عباس. (وإن شاء) قرأ في الركعة الاولى ب * (إنا أرسلنا نوحا) * لمناسبتها الحال. (و) في الركعة الثانية (سورة أخرى) من غير تعيين. (وإذا أراد الامام الخروج لها وعظ الناس)، أي خوفهم وذكرهم بالخير، لترق به قلوبهم، وينصحهم ويذكرهم بالعواقب. (وأمرهم بالتوبة من المعاصي، و) ب (- الخروج من المظالم، و) ب) (- أداء الحقوق) وذلك
واجب. لان المعاصي سبب القحط. والتقوى سبب البركات. لقوله تعالى: * (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض) * الآية، (والصيام، قال جماعة: ثلاثة أيام يخرجون في آخرها صياما) لانه وسيلة إلى نزول الغيث وقد
[ 78 ]
روي: دعوة الصائم لا ترد، ولما فيه من كسر الشهوة وحضور القلب، والتذلل للرب (ولا يلزمهم الصيام بأمره) كالصدقة، مع أنهم صرحوا بوجوب طاعته في غير المعصية وذكره بعضهم إجماعا. قال في الفروع: ولعل المراد: في السياسة والتدبير، والامور المجتهد فيها، لا مطلقا. ولهذا جزم بعضهم تجب في الطاعة، وتسن في المسنون، وتكره في المكروه، (و) يأمرهم أيضا ب (- الصدقة) لانها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم الغيث. (وترك التشاحن) من الشحناء وهي العداوة، لانها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله (ص): خرجت لاخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت (ويعدهم يوما) أي يعينه لهم (يخرجون فيه) للاستسقاء. لحديث عائشة قالت: ووعد الناس يوما يخرجون فيه رواه أبو داود. (ويتنظف لها بالغسل والسواك وإزالة الرائحة) وتقليم الاظفار ونحوه، لئلا يؤذي الناس. وهو يوم يجتمعون له. أشبه الجمعة (ولا يتطيب) وفاقا. لانه يوم استكانة وخضوع (ويخرج إلى المصلى متواضعا في ثياب بذلة متخشعا) أي خاضعا (متذللا) من الذل. وهو الهوان (متضرعا) أي مستكينا، لحديث ابن عباس قال: خرج النبي (ص) للاستسقاء متذللا متواضعا متخشعا متضرعا، حتى أتى المصلى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (ويستحب أن يخرج معه أهل الدين والصلاح والشيوخ) لانه أسرع لاجابتهم، وقد استسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الاسود، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى. ذكره الموفق والشارح. وقال السامري، وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين. وقال في المذهب:
[ 79 ]
يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل: يستحب. قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره. وقال أحمد وغيره، في قوله (ص): أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق الاستعاذة لا تكون: بمخلوق قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الترياق المجرب. وقال شيخنا: قصده للدعاء عنده رجاء الاجابة بدعة، لا قربة باتفاق الائمة. ذكره في الفروع (وكذا مميز الصبيان) يستحب إخراجه، لانه يكتب له ولا يكتب عليه، فترجى إجابة دعائه. (ويباح خروج أطفال وعجائز وبهائم) لان الرزق مشترك بين الكل. وروى البزار مرفوعا: لولا أطفال رضع، وعباد ركع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا. وروي أن سليمان عليه السلام: خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك. فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. (ويؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم) رجاء استجابة دعائهم، لانكسارهم بالرق. (ويكره) أن يخرج (من النساء ذوات الهيئات) خوف الفتنة. (ويكره لنا أن نخرج أهل الذمة ومن يخالف دين الاسلام)، لانهم أعداء الله. فهم بعيدون من الاجابة. وإن أغيث المسلمون فربما ظنوه بدعائهم. (وإن خرجوا من تلقاء أنفسهم لم يكره ولم يمنعوا)، لانه خروج لطلب الرزق. والله ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين. (وأمروا بالانفراد عن المسلمين فلا يختلطون بهم) لقوله تعالى: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * ولانه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب. فيعم من حضر. (ولا ينفردون بيوم) لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم، وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم. وربما افتتن بهم غيرهم. (وحكم نسائهم ورقيقهم وصبيانهم وعجائزهم حكمهم) في جواز الخروج منفردين لا بيوم. (ولا تخرج منهم شابة كالمسلمين) والمراد: حسناء ولو عجوزا، كما يعلم مما تقدم. (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد، كما تقدم (ثم يخطب خطبة واحدة)، لانه لم ينقل أنه (ص) خطب بأكثر منها. وهي بعد الصلاة. قال ابن
[ 80 ]
عبد البر: وعليه جماعة من الفقهاء، لقول أبي هريرة: صلى بنا رسول الله (ص) ثم خطبنا رواه أحمد، وكالعيد. وعنه قبلها. وروي عن عمر وابن الزبير كالجمعة. وعنه يخير (يجلس قبلها إذا صعد المنبر جلسة الاستراحة) ليرتد إليه نفسه، كالعيد، (ثم يفتتحها بالتكبير تسعا) نسقا كخطبة العيد، لقول ابن عباس: صنع رسول الله (ص) في الاستسقاء كما صنع في العيد. (ويكثر فيها الصلاة على النبي (ص)) لانها معونة على الاجابة. وعن عمر قال: الدعاء موقوف بين السماء والارض، ولا يصعد منه شئ حتى تصلي على نبيك. رواه الترمذي. (و) يكثر فيها (الاستغفار) لانه سبب لنزول الغيث. روى سعيد: أن عمر خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت. فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي ينزل به المطر. ثم قرأ: * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا) * وعن علي نحوه (وقرأة) ال (آية) التي (فيها الامر به) أي بالاستغفار، (كقوله: * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا) * ونحوه)، كقوله تعالى: * (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) *، (ويسن رفع يديه وقت الدعاء) لقول أنس: كان لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه متفق عليه. (وتكون ظهورهما نحو السماء)، لحديث رواه مسلم. (فيدعو قائما) كسائر الخطبة، (ويكثر منه) أي من الدعاء. لحديث: إن الله يحب الملحين في الدعاء (ويؤمن مأموم. ويرفع) المأموم (يديه) كالامام (جالسا)، كما في استماع غيرها من الخطب. (وأي شئ دعا به جاز) لحصول المطلوب. (والافضل) الدعاء (بالوارد من دعاء النبي (ص))
[ 81 ]
لقوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (ومنه) أي من دعاء النبي (ص): (اللهم) أي يا الله (اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها، (غيثا) هو مصدر، المراد به المطر. ويسمى الكلا غيثا (مغيثا) هو المنقذ من الشدة. يقال: غاثه وأغاثه، وغيثت الارض، فهي مغيثة ومغيوثة (هنيئا) بالمد والهمز، أي حاصلا بلا مشقة (مريئا) السهل
النافع المحمود العاقبة. وهو ممدود مهموز. (مريعا) بفتح الميم وكسر الراء، أي مخصبا كثير النبات. يقال: أمرع المكان، ومرع بالضم إذا أخصب. (غدقا) نفعه بفتح الدال وكسرها. والغدق الكثير الماء والخبز، (مجللا) السحاب الذي يعم العباد والبلاد نفعه. (سحا) الصب، يقال: سح الماء يسح إذا سال من فوق إلى أسفل وساح يسيح إذا جرى على وجه الارض، (عاما) شاملا (طبقا) بفتح الطاء والباء الذي طبق البلاد (دائما) أي متصلا، إلى أن يحصل الخصب. (نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل) روى ذلك أبو داود من حديث جابر. قال: أتت النبي (ص) بواكي. فقال - فذكره - قال: فأطبقت السماء عليهم. (اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت). رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: وكان النبي (ص) إذا استسقى قال - فذكره. (اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين) أي الآيسين. قال تعالى: * (لا تقنطوا من رحمة الله) * أي لا تيأسوا (اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء. ولا هدم ولا غرق. اللهم إن بالعباد والبلاد من اللاواء) أي الشدة. وقال الازهري: شدة المجاعة (والجهد) بفتح الجيم المشقة، وضمها الطاقة. قاله الجوهري. وقال ابن المنجا: هما المشقة. ورد بما سبق قاله في المبدع. (والضنك) الضيق. (ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع). قاله الجوهري: الضرع لكل ذات ظلف أو خف. (واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري. واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا. فأرسل السماء علينا مدرارا). أي دائما إلى وقت
[ 82 ]
الحاجة. وهذا الدعاء رواه ابن عمر عنه (ص) غير أن قوله: اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء ولا غرق رواه الشافعي في مسنده عن المطلب بن حنطب، وهو مرسل. (ويؤمنون) على دعاء الامام (ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ثم يحول رداءه فيجعل ما على الايمن) من الرداء (على الايسر، وما على الايسر على
الايمن) لانه (ص): حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه متفق عليه. وفي حديث عبد الله: أنه (ص) حول رداءه حين استقبل القبلة رواه مسلم. وروى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي (ص) خطب ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الايمن على الايسر، والايسر على الايمن وكان الشافعي يقول بهذا. ثم رجع فقال: يجعل أعلاه أسفله. لما روى عبد الله بن زيد أن النبي (ص) استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فثقلت عليه، فقلبها الايمن على الايسر والايسر على الايمن رواه أحمد وأبو داود. وأجيب عن هذه الرواية - على تقدير ثبوتها - بأنها ظن من الراوي. وقد نقل التحويل جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله. ويبعد أنه (ص) ترك ذلك في جميع الاوقات لثقل الرداء. فائدة: قال النووي: فيه استحباب استقبالها، أي القبلة للدعاء ويلحق به الوضوء والتيمم والقراءة وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة، وسبق معناه عن صاحب الفروع في باب الوضوء. (ويفعل الناس كذلك) أي يحولون أرديتهم، فيجعلون ما على الايمن على الايسر وما على الايسر على الايمن، لان ما ثبت في حقه (ص) ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عقل المعنى؟ وهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب؟
[ 83 ]
بل روي عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي (ص) حول رداءه ليتحول القحط رواه الدارقطني. (ويتركونه) أي الرداء محولا (حتى ينزعوه مع ثيابهم) لعدم نقل إعادته. وظاهر ما سبق: لا تحويل في كسوف، ولا حالة الامطار والزلزلة، صرح به الفروع وغيره. (ويدعو سرا) لانه أقرب إلى الاخلاص، وأبلغ في الخشوع والخضوع، وأسرع في الاجابة. قال تعالى: * (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) * (حال استقبال القبلة، فيقول: اللهم
إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد)، لان في ذلك استنجازا لما وعد من فضله حيث قال: * (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) * فإن دعا بغير ذلك فلا بأس، قاله في المبدع. (فإذا فرغ من الدعاء استقبلهم، ثم حثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي (ص) ويدعو للمؤمنات ويقرأ ما تيسر) من القرآن، (ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين. وقد تمت الخطبة) ذكره السامري. (فإن سقوا) فذلك من فضل الله ونعمته. (وإلا عادوا) في اليوم الثاني (و) اليوم (الثالث، وألحوا في الدعاء) لانه أبلغ في التضرع. وقد روي: إن الله يحب الملحين في الدعاء ولان الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب كالاول. قال أصبغ: استسقي للنيل بمصر خمسة وعشرين مرة متوالية، وحضره ابن القاسم وابن وهب وجمع. (وإن سقوا قبل خروجهم، وكانوا قد تأهبوا للخروج، خرجوا وصلوا شكرا) لله تعالى. وسألوه المزيد من فضله، لان الصلاة شرعت لاجل العارض من الجدب، وذلك لا يحصل بمجرد النزول، (وإلا) أي وإن لم يكونوا قد تأهبوا للخروج، (لم يخرجوا) لحصول المقصود. (وشكروا الله، وسألوه المزيد من فضله) قال تعالى: * (لئن
[ 84 ]
شكرتم لازيدنكم) * (وإن سقوا بعد خروجهم صلوا). قال في المبدع: وجها واحدا. فإن كان في الصلاة أتمها. وفي الخطبة وجهان. (وينادى لها: الصلاة جامعة) قياسا على الكسوف. (ولا يشترط لها إذن الامام في الخروج، ولا في الصلاة ولا في الخطبة) لانها نافلة. أشبهت سائر النوافل، فيفعلها المسافر وأهل القرى، ويخطب بهم أحدهم. (ولا بأس بالتوسل بالصالحين ونصه) في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنه يتوسل (بالنبي (ص)) في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره. (وإن استقوا عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة أصابوا السنة) ذكر القاضي وجمع: أن الاستسقاء ثلاثة أضرب: أحدها: ما تقدم وصفه وهو أكملها. الثاني: استسقاء الامام يوم الجمعة في خطبتها. كما فعل النبي (ص)، متفق عليه من
حديث أنس. الثالث: دعاؤهم عقب صلواتهم. (ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله) هو في الاصل مسكن الرجل، وما يستصحبه من الاثاث. (و) يخرج (ثيابه ليصيبها) المطر (وهو الاستمطار) لقول أنس: أصابنا ونحن مع النبي (ص) مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لانه حديث عهد بربه، رواه مسلم. وروي: أنه (ص) كان ينزع ثيابه في أول المطر إلا الازار يتزر به. وعن ابن عباس أنه كان إذا أمطرت السماء قال لغلامه: أخرج رحلي وفراشي يصبه المطر (ويغتسل في الوادي إذا سال. ويتوضأ)، واقتصر في الشرح على الوضوء فقط، لانه روي: أنه (ص) كان يقول - إذا سال الوادي -: اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورا فنتطهر به (ويقول: اللهم صيبا نافعا)
[ 85 ]
لقول عائشة: كان النبي (ص) إذا رأى المطر قال: اللهم صيبا نافعا رواه أحمد والبخاري وعبارة الآداب الكبرى بالسين. قال: السيب العطاء، وهو بفتح السين المهملة وبالياء المثناة تحت. (وإذا زادت المياه لكثرة المطر فخيف منها استحب أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا) أي أنزله حوالي المدينة مواضع النبات، ولا علينا في المدينة، ولا في غيرها من المباني. (اللهم على الظراب) أي الروابي الصغار جمع ظرب بكسر الراء. ذكره الجوهري (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدة، على وزن آصال، وبكسر الهمزة بغير مد، على وزن جبال فالاول: جمع أكم ككتب. وأكم جمع إكام كجبال. وآكام جمع أكم كجبل. وأكم واحدة أكمة فهو مفرد جمع أربع مرات. قال عياض: هو ما غلظ من الارض ولم يبلغ أن يكون جبلا وكان أكثر ارتفاعا مما حوله، كالتلول ونحوها. وقال مالك: هي الجبال الصغار. وقال الخليل: هو حجر واحد (وبطون الاودية) أي الامكنة المنخفضة (ومنابت الشجر) أي أصولها لانه أنفع لها. لما في الصحيح: أنه (ص) كان يقول ذلك وعلم منه أنه لا يصلى لذلك، بل يدعو لانه أحد الضررين، فاستحب الدعاء لانقطاعه. قال النووي: ولا يشرع له الاجتماع في الصحراء. ويقرأ: * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * إلى آخر الآية،
لانها لائقة بالحال. فاستحب قولها كسائر الاقوال اللائقة بمحالها. وقوله تعالى: * (لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * أي لا تكلفنا من الاعمال ما لا نطيق. وقيل: هو حديث النفس والوسوسة، وعن مكحول: هو الغلمة. وعن إبراهيم: هو الحب، وعن محمد بن عبد الوهاب: هو العشق. وقيل: هو شماتة الاعداء. وقيل: هو الفرقة والقطيعة نعوذ بالله منها. واعف عنا أي تجاوز عن ذنوبنا واغفر لنا أي استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا (وارحمنا) فإننا لا ننال العمل بطاعتك ولا ترك معاصيك إلا برحمتك، أنت مولانا ناصرنا وحافظنا (وكذلك إذا زاد ماء النبع) كماء العيون (بحيث يضر، استحب لهم أن يدعو الله تعالى أن يخففه عنهم). (و) أن (يصرفه إلى أماكن) بحيث (ينفع ولا يضر) لانه في معنى
[ 86 ]
زيادة الامطار. (ويستحب الدعاء عند نزول الغيث)، لقوله (ص): يستجاب الدعاء عند ثلاث: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث. (و) يسن (أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، ويحرم) قول مطرنا (بنوء كذا) لخبر زيد بن خالد، وهو في الصحيحين، ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا: ألم تروا إلى ماذا قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقولون: كوكب كذا وكذا. وفي رواية: بكواكب كذا وكذا. فهذا يدل على أن المراد كفر النعمة، (وإضافة المطر إلى) النوء (دون الله اعتقادا كفر إجماعا) قاله في الفروع وغيره، لاعتقاده خالقا غير الله (ولا يكره) قول: مطرنا (في نوء كذا). ولو (لم يقل برحمة الله) خلافا للآمدي والنوء: النجم مال للغرب. قاله في القاموس. والانواء ثمانية وعشرون، منزلة، وهي منازل القمر. (ومن رأى سحابا أو هبت الريح سأل الله خيره، وتعوذ من شره، ولا يسب الريح إذا عصفت) لقوله (ص): الريح من روح الله يأتي بالرحمة ويأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها واستعيذوا الله من شرها رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث أبي هريرة: (بل يقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، أعوذ بك
من شرها ما فيها وشر ما أرسلت به) رواه مسلم (اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا)، رواه الطبراني في الكبير قال تعالى: * (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) * وقال تعالى: * (فأهلكوا بريح) * وروى الطبراني أيضا: اللهم اجعلها لقحا لا عقيما وروى ابن السني وأبو يعلى:
[ 87 ]
ويكبر. (ويقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك، سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) رواه الترمذي فيما إذا سمع صوت الرعد مقدما: سبحان من يسبح الرعد بحمده إلى آخره - على ما قبله كما نقله الجلال السيوطي عنه في الكلم الطيب. فائدة: روى أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي زكريا قال، من قال: سبحان الله وبحمده عند البرق لم تصبه صاعقة. (ويقول: إذا انقض الكوكب، ما شاء الله لا قوة إلا بالله) للخبر رواه ابن السني والطبراني في الاوسط. (وإذا سمع نهيق حمار) استعاذ بالله من الشيطان الرجيم لخبر الشيخين. (أو) سمع (نباح) بضم النون أي صوت (كلب، استعاذ) وفي نسخة: استعيذ (بالله من الشيطان الرجيم) لحديث أبي داود (وإذا سمع صياح الديكة سأل الله من فضله) لخبر الشيخين قال في الآداب: يستحب قطع القراءة لذلك. كما ذكروا أنه يقطعها للاذان. وظاهره: ولو تكرر ذلك (وورد في الاثر: أن قوس قزح أمان لاهل الارض من الغرق، وهو من آيات الله. قال ابن حامد: ودعوى العامة: إن غلبت حمرته كانت الفتن والدماء. وإن غلبت خضرته كانت رخاء وسرورا - هذيان) واقتصر عليه في الفروع وغيره.
[ 88 ]
كتاب الجنائز بفتح الجيم: جمع جنازة بكسرها والفتح لغة. وقيل بالفتح للميت، وبالكسر
للنعش عليه ميت. وقيل: عكسه. فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نعش ولا جنازة. وإنما يقال سرير. وهي مشتقة من جنز يجنز من باب ضرب إذا ستر. وكان من حق هذا الكتاب أن يذكر بين الوصايا والفرائض. لكن لما كان أهم ما يفعل بالميت الصلاة أعقبه للصلاة (ترك الدواء أفضل) نص عليه، لانه أقرب إلى التوكل. واختار القاضي وأبو الوفاء وابن الجوزي وغيرهم فعله، لاكثر الاحاديث (ولا يجب) التداوي (ولو ظن نفعه) لكن يجوز اتفاقا. ولا ينافي التوكل. لخبر أبي الدرداء أنه (ص) قال: إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بالحرام (ويحرم) التداوي (بسم) لقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) *. تتمة: يكره قطع الباسور، ومع خوف تلف بقطعه يحرم، وبتركه يباح (فإن كان الدواء مسموما وغلبت منه السلامة ورجي نفعه أبيح لدفع ما هو أعظم منه، كغيره من الادوية) غير المسمومة، ودفعا لاحدى المفسدتين بأخف منها. (ولا بأس بالحمية) نقله حنبل. قال في الفروع: ويتوجه أنها مسألة التداوي وأنه يستحب، للخبر: يا علي لا تأكل من هذا وكل من هذا، فإنه أوفق لك ولهذا لا يجوز تناول ما ظن ضرره اه. والذي نهاه عنه الرطب. والذي أمره بالاكل منه شعير وسلق. والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم. وقال الترمذي: حسن غريب، (ويحرم) تداو (بمحرم أكلا وشربا وكذا صوت ملهاة وغيره) كسماع الغناء والمحرم. لعموم قوله (ص): ولا تتداووا بالحرام وأخرج
[ 89 ]
ابن عساكر عن ابن عثمان والربيع وأبي حارثة عن عمر أنه كتب إلى خالد بن الوليد: أنه بلغني أنك تدلك بالخمر، وأن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها. وقد حرم مس الخمر كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس ويأتي في كلامه في الجهاد: أنه يجوز الادهان بدهن غير مأكول. وقال في المنتهى: يحرم بمحرم. فتناول الكل. وذكر أبو المعالي: يجوز اكتحاله بميل ذهب وفضة. وذكره الشيخ تقي الدين، قال: لانها حاجة
ويباحان لها (ولو أمره أبوه بشرب دواء بخمر وقال: أمك طالق ثلاثا إن لم تشربه حرم شربه) نقله هارون الحمال. لانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. (وتحرم التميمة، وهي عوذة أو خرزة أو خيط ونحوه يتعلقها) فنهى الشارع عنه، ودعا على فاعله. وقال: لا يزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا روى ذلك أحمد وغيره والاسناد حسن. وقال القاضي: يجوز حمل الاخبار على اختلاف حالين. فنهي إذا كان يعتقد أنها النافعة له والدافعة عنه وهذا لا يجوز لان النافع هو الله. والموضع الذي أجازه إذا اعتقد أن الله هو النافع والدافع، ولعل هذا خروج على عادة الجاهلية، كما تعتقد أن الدهر يغيرهم فكانوا يسبونه. (ولا بأس بكتب قرآن وذكر في إناء ثم يسقى فيه مريض وحامل لعسر الولد) أي الولادة لقول ابن عباس (ويسن الاكثار من ذكر الموت والاستعداد له) بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم، لقوله تعالى: * (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) * ولقوله (ص): أكثروا من ذكر هادم اللذات رواه البخاري. وهو بالذال المعجمة أي الموت والتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم واجب فورا. والمستحب إنما هو ملاحظته في ذلك الخوف من الله تعالى، والعرض عليه والسؤال عنه ومن غيره مما يقع له بعد الموت بمشيئة الله تعالى. (و) تسن (عيادة المريض) لحديث أبي هريرة مرفوعا: خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنازة وفي لفظ: حق المسلم على المسلم
[ 90 ]
ست قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه، متفق عليهما إلا أن البخاري لم يذكر لفظ الست ولا النصيحة. (ونصه: غير المبتدع) كرافضي، قال في النوادر: تحرم عيادته (ومثله من جهر بالمعصية) نقل حنبل: إذا علم من رجل أنه مقيم على معصية لم يأثم، إن هو جفاه حتى يرجع وإلا كيف يبين للرجل ما هو
عليه، إذا لم ير منكرا عليه، ولا جفوة من صديق، وخرج به من لا يجهر بالمعصية فيعاد. قال صاحب النظم: المستتر من فعله بموضع لا يعلم به غالبا إما لبعده أو نحوه، غير من حضره. وأما من فعله بموضع يعلم به جيرانه ولو في داره. فإن هذا معلن مجاهر غير مستتر. وتكون العيادة (من أول مرضه) لعموم ما سبق. وقيل: بعد ثلاثة أيام لفعله (ص) رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف عن أنس. (وقال ابن حمدان) في الرعاية: (عيادته فرض كفاية. قال الشيخ: الذي يقتضيه النص. وجوب ذلك) كرد السلام، وتشميت العاطس (واختاره) (جمع) منهم الشيرازي كما في المبدع وقال تبعا لجده (والمراد مرة) واختاره الآجري (وظاهره) أي ما تقدم من استحباب عيادة المريض (ولو) كان مرضه (من وجع ضرس، ورمد، ودمل) والواو بمعنى أو (خلافا لابي المعالي ابن المنجا) قال: ثلاثة لا تعاد، ولا يسمى صاحبها مريضا: الضرس والرمد والدمل، واحتج بخبر ضعيف رواه النجاد عن أبي هريرة مرفوعا، بل ثبتت العيادة في الرمد عن زيد بن أرقم. قال: إن النبي (ص) عاده لمرض كان بعينه رواه أبو داود، وصححه الحاكم في نوادر ابن الصيرفي: نقل عن إمامنا رحمه الله ورضي عنه أنه قال له ولده: يا أبت إن جارنا فلانا مريض، فما نعوده؟ قال: يا بني ما عادنا فنعوده. ويشبه هذا ما نقله عنه ابناه في السلام على الحجاج. ويأتي إن شاء الله تعالى. (وتحرم عيادة الذمي) كبدائته بالسلام لما فيه من تعظيمه. (ويأتي) ذلك في أحكام أهل الذمة (ويسأله) أي العائد يسأل المريض (عن حاله) نحو: كيف أجدك؟ (وينفس له في الاجل بما
[ 91 ]
يطيب نفسه) إدخالا للسرور عليه. لقوله (ص): إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله لكنه ضعيف كما قاله في الفروع. تتمة: روى ابن ماجه وغيره عن ميمون بن مهران عن عمر - ولم يدركه - مرفوعا: سلوه الدعاء فإن دعاءه كدعاء الملائكة (ولا يطيل) العائد (الجلوس عنده) أي عند المريض خوفا من الضجر. قال في الفروع: ويتوجه اختلافه باختلاف الناس. والعمل
بالقرائن وظاهر الحال. ومرادهم في الحملة (وتكره) العيادة (وسط النهار نصا) قال أحمد، عن قرب وسط النهار: ليس هذا وقت عيادة، (وقال يعاد) المريض (بكرة وعشيا) والواو بمعنى أو (و) يعاد (في رمضان ليلا) لانه ربما رأى من المريض ما يضعفه. (قال جماعة: ويغب بها) وجزم به في المنتهى. قال في الفروع: وظاهر إطلاق جماعة خلافه. ويتوجه اختلافه باختلاف الناس. والعمل بالقرائن وظاهر الحال. ومرادهم في الحملة. وهي تشبه الزيارة، قال: وقد ذكر ابن الصيرفي نوادره الشعر المشهور: لا تضجرن عليلا في مسألة إن العيادة يوم بين يومين بل سله عن حاله، وادع الاله له واجلس بقدر فواق بين حلبين من زار غبا أخا دامت مودته وكان ذاك صلاحا للخليلين (ويخبر المريض بما يجده) من الوجع (ولو لغير طبيب بلا شكوى، بعد أن يحمد الله) لحديث ابن مسعود مرفوعا: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك وكان أحمد أولا يحمد الله فقط. فلما دخل عليه عبد الرحمن طبيب السنة وحدثه الحديث عن بشر بن
[ 92 ]
الحارث صار إذا سأله قال: أحمد الله إليك، أجد كذا أجد كذا. (ويستحب له) أي المريض (أن يصبر) وكذا كل مبتلى، للامر به في قوله تعالى: * (واصبر وما صبرك إلا بالله) * وقوله: * (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) * وقوله (ص): والصبر ضياء (والصبر الجميل: صبر بلا شكوى إلى المخلوق والشكوى إلى الخالق لا تنافيه) أي الصبر (بل) هي (مطلوبة) هذا معنى كلام الشيخ تقي الدين. واقتصر ابن الجوزي على قول الزجاج: إن الصبر الجميل لا جزع فيه ولا شكوى إلى الناس. وأجاب عن قول يعقوب: * (يا أسفى على يوسف) * بوجهين. أحدهما: أنه شكا إلى الله لا منه. واختاره ابن الانباري. وهو من أصحابنا. والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى: يا رب ارحم أسفي على يوسف. ومن الشكوى إلى الله: قول أيوب: * (رب إني
مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) *، (وقول يعقوب: * (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) *) قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس، وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، ألم تسمع قول النبي (ص) لجبريل في مرضه: أجدني مغموما، وأجدني مكروبا وقوله لعائشة: بل أنا وارأساه ذكره ابن الجوزي (ويحسن) المريض (ظنه بربه. قال بعضهم: وجوبا) لما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: أنا عند ظن عبدي بي زاد أحمد: إن ظن بي خيرا فله وإن ظن شرا فله وقال ابن هبيرة في حديث أبي موسى: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه متفق عليه قال: يدل على استحباب تحسين العبد ظنه عند إحساسه بلقاء الله، لئلا يكره أحد لقاء الله، يود أن لو كان الامر على خلاف ما يكرهه، والراجي المسرور يود زيادة
[ 93 ]
ثبوت ما يرجو حصوله. (ويغلب الرجاء) لقوله تعالى: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * وفي الصحة يغلب الخوف لحمله على العمل (ونصه: يكون خوفه ورجاؤه واحدا فأيهما غلب صاحبه هلك. قال الشيخ: هذا العدل) لان من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط. إما في نفسه وإما في أمور الناس. ومن غلب عليه حال الرجاء بلا خوف أوقعه في نوع من الامن لمكر الله، إما في نفسه وإما في الناس. والرجاء بحسب رحمة الله التي سبقت غضبه يجب ترجيحه. كما قال تعالى: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا. وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد وتعديه. فإن الله عدل لا يؤاخذ إلا بالذنب. فائدة: ينبغي للمريض أن يشتغل بنفسه وما يعود عليه ثوابه من قراءة وذكر وصلاة واسترضاء خصم وزوجة وجار. وكل من بينه وبينه علقة، ويحافظ على الصلوات واجتناب النجاسات ويصبر على مشقة ذلك، ويتعاهد نفسه بتقليم أظفاره، وأخذ عانته ونحو ذلك، ويعتمد على الله فيمن يحب، ويوصي للارجح في نظره. (ويكره الانين) لانه يترجم عن
الشكوى ما لم يغلبه (و) يكره (تمني الموت لضر نزل به) وكذا إن لم ينزل به ضر. ويحمل قوله (ص): لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه، على الغالب من أحوال الناس. (ولا يكره) تمني الموت (لضرر بدينه) وخوف فتنة لقوله (ص): وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون (وتمني الشهادة ليس من تمني الموت المنهي عنه، ذكره في الهدى)، بل مستحب لا سيما عند حضور أسبابها، لما في الصحيح: من تمنى الشهادة خالصا من قلبه أعطاه الله منازل الشهداء. (ويذكره) العائد (التوبة) لانها واجبة على كل حال. والمريض أحوج إليها من غيره. قال (ص): إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أي تبلغ روحه إلى حلقه، (و) يذكره (الوصية) لقوله (ص): ما حق امرئ مسلم له
[ 94 ]
شئ يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه من حديث ابن عمر. (و) يذكره (الخروج من المظالم) لانه شرط لصحة التوبة (ويرغب في ذلك) أي ما ذكره من التوبة والوصية والخروج من المظالم. (ولو كان مرضه غير مخوف) لان ذلك مطلوب حتى من الصحيح. (ويدعو) العائد للمريض (بالصلاح والعافية) لما يأتي، (ولا بأس بوضع) العائد (يده عليه) أي على المريض. (و) لا بأس ب (- رقاه) لما في الصحيحين أنه كان يعود بعض أهله ويمسح بيده اليمنى، (ويقول في دعائه: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر) أي يترك (سقما، ويقول: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك سبع مرات) لحديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وفي بعض الروايات إسقاط: ويعافيك. ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب. لقوله (ص) في الحديث الصحيح: وما يدريك أنها رقية، وأن يقرأ عنده سورة الاخلاص والمعوذتين. فقد ثبت ذلك عنه (ص)، وروى أبو داود أنه (ص) قال: إذا جاء رجل يعود مريضا فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمش لك إلى صلاة وصح: أن
جبريل عاد النبي (ص) فقال: بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك، باسمه أرقيك. وأنه (ص) كان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس، طهور إن شاء الله وفي الفنون: إن سألك وضع يدك على رأسه للتشفي فجدد توبة، لعله يتحقق ظنه فيك، وقبيح تعاطيك ما ليس لك، وإهمال هذا وأمثاله يعمي القلوب
[ 95 ]
ويخمر العيون، ويعود بالرياء. (فإذا نزل به) أي نزل الملك بالمريض لقبض روحه (سن أن يليه أرفق أهله به وأعرفهم بمداراته، وأتقاهم لله) تعالى (و) أن (يتعاهد بل حلقه بماء أو شراب، ويندي شفتيه بقطنة) لان ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة، ويسهل عليه النطق بالشهادة (و) أن (يلقنه قول: لا إله إلا الله مرة)، لما روى مسلم عن أبي سعيد مرفوعا: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. وأطلق على المحتضر ميتا باعتبار ما هو واقع لا محالة. وعن معاذ مرفوعا: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة رواه أحمد والحاكم وقال صحيح الاسناد. واقتصر عليها، لان إقراره بها إقرار بالاخرى، وفيه شئ. وفي الفروع: احتمال. وقال بعض العلماء يلقن الشهادتين، لان الثانية تبع. فلهذا اقتصر في الخبر على الاولى (فإن لم يجب) المحتضر من لقنه، (أو تكلم بعدها) أي بعد لا إله إلا الله (أعاد) الملقن (تلقينه) ليكون آخر كلامه ذلك (بلطف ومداراة) ذكره النووي إجماعا، لان ذلك مطلوب في كل موضع فهنا أولى. (وقال أبو المعالي: يكره تلقين الورثة) أي أحدهم (للمحتضر بلا عذر)، بأن حضره غيره، لما فيه من تهمة الاستعجال. ولا يزاد في التلقين على ثلاث مرات لئلا يضجره، ما لم يتكلم كما تقدم. (ويسن أن يقرأ عنده يس) لقوله (ص): اقرأوا على موتاكم سورة يس رواه أبو داود وابن ماجه من حديث معقل بن يسار وفيه لين. قاله في المبدع وفي شرح المنتهى: صححه ابن حبان، ولانه يسهل خروج الروح. (و) أن يقرأ (الفاتحة) نص عليه، وفي المستوعب: ويقرأ تبارك (و) يسن (توجيهه إلى القبلة قبل النزول به وتيقن موته وبعده) لقوله (ص) عن البيت الحرام: قبلتكم أحياء
[ 96 ]
وأمواتا رواه أبو داود. ولقول حذيفة: وجهوني. (و) توجيهه (على جنبه الايمن إن كان المكان واسعا أفضل). روي عن فاطمة بنت النبي (ص) أنها قالت لام رافع: استقبلي بي القبلة، ثم قامت فاغتسلت أحسن ما تغتسل، ولبست ثيابا جددا وقالت: إني الآن مقبوضة، ثم استقبلت القبلة متوسدة يمينها. (وإلا) بأن لم يكن المكان واسعا وجه (على ظهره) أي مستلقيا على قفاه وأخمصاه إلى القبلة. كالموضوع على المغتسل (وعنه) يوجه (مستلقيا على قفاه) واسعا كان المكان أو ضيقا، (اختاره الاكثر)، وعليه العمل. (قال جماعة: يرفع رأسه) أي المحتضر إذا كان مستلقيا (قليلا ليصير وجهه إلى القبلة، دون السماء، واستحب الموفق والشارح تطهير ثيابه قبل موته) لان أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت النبي (ص) يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها رواه أبو داود. وذكر ابن الجوزي أن بعض العلماء قال: المراد بثيابه عمله. قال: واستدل بقوله: * (وثيابك فطهر) * ويؤيده أنه لم يفعله الاكثر، (فإذا مات سن تغميض عينيه) لانه (ص) أغمض أبا سلمة. وقال: إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون رواه مسلم. وعن شداد مرفوعا: إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا، فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت رواه أحمد، ولئلا يقبح منظره، ويساء به الظن. (ويكره) التغميض (من جنب وحائض، وأن يقرباه) أي الميت، حائض أو جنب. نص عليه (وللرجل أن يغمض ذات محرمه) كأمه وأخته وأم زوجته وأخته من رضاع. (و) للمرأة أن (تغمض ذا محرمها) كأبيها وأخيها، ويغمض الانثى مثلها أو صبي. وفي الخنثى وجهان. (ويقول) حين تغميضه: (بسم الله وعلى وفاة رسول الله)، نص عليه (ولا يتكلم من حضره إلا بخير) لما تقدم من قوله (ص): وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قاله أهل الميت. (ويشد لحييه) لئلا يدخله
[ 97 ]
الهوام أو الماء في وقت غسله. (ويلين مفاصله عقب موته) قبل قسوتها لتبقى أعضاؤها
سهلة على الغاسل لينة، ويكون ذلك (بإلصاق ذراعيه بعضديه ثم يعيدهما، وإلصاق ساقيه بفخذيه وفخذيه ببطنه ثم يعيدهما، فإن شق ذلك عليه تركه) بحاله، (وينزع ثيابه) لئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها. (ويسجى) أي يغطى (بثوب) يستره لما روت عائشة: أن النبي (ص) حين توفي سجي ببرد حبرة متفق عليه. (ويجعل على بطنه مرآة) بكسر الميم التي ينظر فيها. (من حديد أو طين ونحوه) لقول أنس: ضعوا على بطنه شيئا من حديد لئلا ينتفخ بطنه قال ابن عقيل: وهذا لا يتصور إلا وهو على ظهره انتهى، لانه إذا كان على جنبه لا يثبت على بطنه شئ، فظاهره أن الميت بعد موته يكون على ظهره ليتصور وضع الحديدة ونحوها، ويوضع على سرير غسله ليبعد عن الهوام، ويرتفع عن نداوة الارض، (متوجها) إلى القبلة لما تقدم من حديث: قبلتكم أحياء وأمواتا، (على جنبه الايمن) كما يدفن (منحدرا نحو رجليه) أي يكون رأسه أعلى من رجليه، لينحدر عنه الماء، وما يخرج منه (ولا يدعه على الارض) لما تقدم. (ويجب أن يسارع في قضاء دينه، وما فيه إبراء ذمته من إخراج كفارة وحج ونذر، وغير ذلك) كزكاة، ورد أمانة وغصب وعارية. لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه، عن أبي هريرة مرفوعا: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه. (ويسن تفريق وصيته) لما فيه من تعجيل الاجر. واقتضى ذلك تقديم الدين مطلقا على الوصية لقول علي: قضى النبي (ص) بالدين قبل الوصية. وأما تقديمها في الآية فلانها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض كان في إخراجها مشقة
[ 98 ]
على الوارث حثا على إخراجها، قال الزمخشري: ولذلك جئ بكلمة: أو التي تقتضي التسوية، أي فيستويان في الاهتمام وعدم التضييع. وإن كان مقدما عليها (كل ذلك)، أي قضاء الدين وإبراء ذمته، وتفريق وصيته (قبل الصلاة عليه)، لانه لا ولاية لاحد على ذلك إلا بعد الموت والتجهيز. وفي الرعاية: قبل غسله. والمستوعب: قبل دفنه. ويؤيد ما
ذكره المصنف: ما كان في صدر الاسلام من عدم صلاته (ص) على من عليه دين، ويقول: صلوا على صاحبكم إلى آخره. كما يأتي في الخصائص (فإن تعذر إيفاء دينه في الحال) لغيبة المال ونحوها، (استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه) لربه، بأن يضمنه عنه، أو يدفع به رهنا، لما فيه من الاخذ في أسباب براءة ذمته، وإلا فلا تبرأ قبل وفائه، كما يأتي. (ويسن الاسراع في تجهيزه) لقوله (ص): لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود، ولانه أصون له وأحفظ من التغير. قال أحمد: كرامة الميت تعجيله. (إن مات غير فجأة) وتيقن موته (ولا بأس أن ينتظر به من يحضره من ولي) أي وارث، (وكثرة جمع إن كان قريبا، ولم يخش عليه) أي الميت، (أو يشق على الحاضرين) نص عليه، لما يؤمل من الدعاء له إذا صلى عليه (وفي موت فجأة) أي بغتة (بصعقة أو هدم أو خوف من حرب أو سبع أو ترد من جبل، أو غير ذلك، وفيما إذا شك في موته حتى يعلم) موته يقينا، (بانخساف صدغيه، وميل أنفه). وذكر جماعة (وانفصال كفيه، وارتخاء رجليه، وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها) لان هذه العلامات دالة على الموت يقينا. زاد في الشرح والرعاية: وامتداد جلدة وجهه. ووجه تأخيره إذا مات فجأة أو شك في موته (لاحتمال أن يكون عرض له سكتة)
[ 99 ]
مرض معروف، (ونحوها، وقد يفيق بعد ثلاثة أيام ولياليها، وقد يعرف موت غيره) أي غير من مات فجأة، أو شك في موته (بهذه العلامات أيضا و) ب (- غيرها) كتقلص خصيتيه إلى فوق، مع تدلي الجلدة. (ويكره النعي، وهو النداء بموته)، نص عليه. ونقل صالح: لا يعجبني. لحديث: إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية. رواه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا. والنعي المعروف في مصر تفعله النساء بدعة محرمة. كما يعلم مما يأتي. (ولا بأس أن يعلم به أقاربه وإخوانه من غير نداء) لاعلامه (ص) أصحابه بالنجاشي في اليوم الذي مات فيه. متفق عليه من حديث أبي هريرة، وفيه كثرة المصلين. فيحصل لهم ثواب
ونفع للميت. (قال الآجري فيمن مات عشية: يكره تركه في بيت وحده، بل يبيت معه أهله). قال النخعي: كانوا لا يتركونه في بيت وحده يقولون: يتلاعب به الشيطان. تتمة: قال أحمد: قال (ص): المؤمن يموت بعرق الجبين ورواه النسائي وابن ماجه والترمذي، وحسنه من حديث بريدة (ولا بأس بتقبيله، والنظر إليه) ممن يباح له ذلك. في حال حياته (ولو بعد تكفينه) نص عليه. لحديث عائشة قالت: رأيت النبي (ص) يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل. وقال جابر: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، والنبي (ص) لا ينهاني قال في الشرح: والحديثان صحيحان. فائدة: عرض الاديان على العبد عند الموت ليس عاما لكل أحد، ولا منفيا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الاديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا، والشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت. ذكره في الاختيارات.
[ 100 ]
فصل: في غسل الميت وما يتعلق به (غسل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه متوجها إلى القبلة وحمله فرض كفاية). لقوله (ص) في الذي وقصته راحلته: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه متفق عليه من حديث ابن عباس. وقال (ص): صلوا على من قال لا إله إلا الله رواه الخلال والدارقطني. وضعف ابن الجوزي طرقه كلها، وقال تعالى: * (ثم أماته فأقبره) * ولان في تركه أذى وهتكا لحرمته وحمله وسيلة لدفنه. وصرح في المذهب باستحبابه. وأما اتباعه فسنة، ويأتي لخبر البراء. (ويكره أخذ أجرة على شئ من ذلك) يعني الغسل والتكفين والحمل والدفن. قال في المبدع: كره أحمد للغاسل والحفار أخذ أجرة
على عمله إلا أن يكون محتاجا فيعطى من بيت المال. فإن تعذر أعطي بقدر عمله. (ويأتي) في الاجارة أن ما يختص أن يكون فاعله من أهل القربة لا يجوز أخذ الاجرة عليه. بل ولا الرزق ولا الجعالة على ما لا يتعدى نفعه. كالصلاة والصيام والحج (فلو دفن قبل الغسل من أمكن غسله لزم نبشه) وأن يخرج ويغسل. تداركا لواجب غسله. (إن لم يخف تفسخه أو تغيره) فإن خيف ذلك ترك بحاله. وسقط غسله، كالحي يتضرر به. قلت: وهل ييمم كما لو تعذر غسله قبل دفنه أو لا ينبش بالكلية؟ لم أر من تعرض له. (ومثله) أي مثل من دفن بلا غسل أمكن (من دفن غير متوجه إلى القبلة) فينبش ويوجه إليها، تداركا لذلك الواجب، (أو) دفن (قبل الصلاة عليه) فينبش ويصلى عليه، ليوجد شرط الصلاة، وهو عدم الحائل. وقال ابن شهاب والقاضي: لا ينبش ويصلى على القبر. وهو مذهب الائمة الثلاثة، لامكانها عليه. (أو) دفن (قبل تكفينه) فيخرج ويكفن. نص عليه، كما لو دفن بغير غسل، تداركا
[ 101 ]
للواجب. وهو التكفين. ويصلى عليه. ولو كان قد صلي عليه، لعدم سقوط الفرض بالصلاة عليه عريانا. لما روى سعيد عن شريح بن عبيد الحضرمي: أن رجالا قبروا صاحبا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنا، ثم لقوا معاذ بن جبل. فأخبروه. فأمرهم أن يخرجوه من قبره، ثم غسل وكفن وحنط، وصلي عليه. (ولو كفن بحري ف) - هل ينبش؟ فيه وجهان. قال في الانصاف: (الاولى عدم نبشه) احتراما له، (ويجوز نبشه لغرض صحيح، كتحسين كفنه). لحديث جابر قال: أتى النبي (ص) عبد الله بن أبي بن سلول بعد ما دفن، فأخرجه فنفث فيه من رقيه وألبسه قميصه رواه الشيخان. (و) ك (- دفنه في بقعة خير من بقعته) التي دفن فيها فيجوز نبشه لذلك (و) ل (- مجاورة صالح) لتعود عليه بركته (إلا الشهيد) إذا دفن بمصرعه. فلا ينقل عنه لغيره. (حتى لو نقل) منه (رد إليه) ندبا (لان دفنه في مصرعه) أي المكان الذي قتل به (سنة)، لقوله (ص): تدفن الاجساد حيث تقبض الارواح. فإنه محمول على الشهداء. لان السنة في غيرهم دفنهم في الصحراء. لفعله (ص) بعثمان بن
مظعون وغيره (ويأتي) ذلك موضحا (وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه) لما نقل عن عائشة أنه: لما مات عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبش، وهو مكان بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا ونقل إلى مكة أتت قبره. وقالت: والله لو حضرتك ما دفنتك إلا حيث مت. ولو شهدتك ما زرتك. رواه الترمذي. وهو محمول على أنها لم تر غرضا صحيحا في نقله، وأنه تأذى به. فإن كان لغرض صحيح فلا كراهة. لما في الموطأ عن مالك أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق. فحملا إلى المدينة ودفنا بها. قال سفيان بن عيينة: مات ابن عمر هاهنا، وأوصى أن لا يدفن ههنا. وأن يدفن بسرف. وذكره ابن المنذر. (ويجوز نبشه) أي الميت (إذا دفن لعذر بلا غسل ولا حنوط) فيغسل ويحنط لانه غرض صحيح. (وكإفراده في قبر عمن دفن معه) أي يجوز نبشه لذلك. لقول جابر: دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته. فجعلته في قبر على حدة.
[ 102 ]
وفي رواية: كان أبي أول قتيل، يعني يوم أحد. فدفن معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه. رواهما البخاري. (والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل. يسقط غسلهما بغسل الموت) لتداخل الموجبات كما تقدم فيما إذا اجتمعت أحداث توجب وضوءا أو غسلا، ونوى أحدهما ارتفع سائرها. وفي كلامه: تلويح بالرد على التنقيح، حيث قال: غسله فرض كفاية. ويتعين جنابة أو حيض. ويسقطان به. وحمله صاحب المنتهى على أنه ينتقل إلى ثواب فرض العين إذن، لان الغسل تعين على الميت قبل موته. ثم مات وهو في ذمته. فالذي يتولى غسله ينوب منابه في ذلك. فيكون ثوابه كثوابه. (ويشترط له) أي لغسل الميت (ماء طهور) مباح، كغسل الحي (و) يشترط له أيضا (إسلام غاسل) لانه عبادة وليس الكافر من أهلها. (ونيته) لحديث: إنما الاعمال بالنيات (وعقله) لان غير العاقل ليس أهلا للنية (ويستحب أن يكون) الغاسل (ثقة أمينا عارفا بأحكام الغسل) ونقل حنبل: لا ينبغي إلا
ذلك، وأوجبه أبو المعالي (ولو) كان الغاسل (جنبا وحائضا) لان كلا منهما يصح منه الغسل لنفسه. فكذا لغيره (من غير كراهة) هو ظاهر المنتهى وغيره، حيث لم يذكروها. لكن تقدم أنه يكره أن يقرباه (وإن حضره) أي الميت (مسلم) عاقل ولو مميزا (ونوى غسله وأمر كافرا بمباشرة غسله فغسله) الكافر (نائبا عنه)، أي عن المسلم (فظاهر كلام) الامام (أحمد: لا يصح) غسله. لان الكافر نجس. فلا يطهر غسله المسلم. (وقدم في الفروع الصحة) وجزم بمعناه في المنتهى وغيره. وقال في شرح المنتهى: صح غسله في أصح الوجهين. كمحدث نوى رفع حدثه فأمر كافرا بغسل أعضائه، (ويجوز أن يغسل حلال محرما وعكسه) بأن يغسل محرم حلالا. لان الماء والسدر لا يحرم بالاحرام (لكن لا يكفنه) أي لا يكفن المحرم الحلال، (لاجل الطيب، إن كان) في الكفن طيب. لانه يحرم على المحرم، (ويكره) الغسل من مميز لما فيه من الاختلاف في أجزائه. (ويصح) غسل الميت (من مميز)
[ 103 ]
لصحة غسله، قاله في الفروع، فدل أنه لا يكفي من الملائكة. وهو ظاهر كلام الاكثر. وفي الانتصار: ويكفي إن علم. وكذا في تعليق القاضي. واحتج بغسلهم لحنظلة. وبغسلهم لآدم عليه السلام. وبأن سعدا لما مات أسرع النبي (ص) في المشي إليه، فقيل له، فقال: خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله، كما سبقتنا إلى غسل حنظلة، قاله في الفروع: ويتوجه في مسلم الجن وأولى، لتكليفهم. (وأولى الناس بغسل الميت. وصيه إن كان عدلا) لانه حق للميت. فقدم فيه وصية على غيره، كباقي حقوقه. ولان أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء. وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين. (ثم أبوه) لحنوه وشفقته، ثم جده (وإن علا) لمشاركته الاب في المعنى. (ثم ابنه، وإن نزل) لقربه، (ثم الاقرب فالاقرب من عصباته نسبا) فيقدم الاخ لابوين ثم لاب، ثم ابن الاخ لابوين، ثم لاب، ثم عم لابوين ثم لاب، وهكذا (ثم) عصباته (نعمة) فيقدم المعتق ثم عصبته الاقرب فالاقرب. (ثم ذوو أرحامه) كالاخ لام والجد لها، والعم لها، وابن الاخت ونحوهم، (كميراث. ثم الاجانب.
ويقدم الاصدقاء منهم) قاله بضعهم. قال في الفروع: فيتوجه منه تقديم الجار على أجنبي، (ثم غيرهم) أي غير الاصدقاء (الا دين الاعرف) فيقدم على غيره لتلك الفضيلة. قال (ص): ليله أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم، فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة، رواه أحمد. (والاحرار في الجميع) من عصبات النسب والولاء وذوي الارحام، (والاجانب أولى من زوجة) للخروج من الخلاف في تغسيل أحد الزوجين الآخر. (وهي) أي الزوجة (أولى من أم ولد) ولبقاء علق الزوجية من الاعتداد والاحداد، بخلاف أم الولد، (وأجنبية) بغسل امرأة (أولى من زوج) خروجا من خلاف من منعه غسلها، (و) أجنبية أولى بغسل أمة من (سيد) للخروج من خلاف من لم يبح له غسلها، (والسيد أحق بغسل عبده) لانه مالكه ووليه. (ويأتي. ولا حق للقاتل في غسل المقتول إن لم يرثه، عمدا كان القتل أو خطأ) لمبالغته في قطيعة الرحم. نقل في الفروع معناه عن أبي المعالي: قال: ولم أجد من ذكره غيره. ولا يتجه في قتل لا يأثم به. ولهذا قال في المنتهى: وليس لآثم بقتل حق في غسل مقتول، (ولا في الصلاة) عليه، (و) لا في (الدفن) لما سبق. (وغسل المرأة أحق الناس به، بعد وصيتها
[ 104 ]
على ما سبق: أمها وإن علت، ثم بنتها وإن نزلت. ثم القربى فالقربى كميراث. ويقدم منهم من يقدم من الرجال)، فتقدم الاخت الشقيقة على الاخت لاب، كما في الرجال، (وعمتها وخالتها سواء، كبنت أختها وبنت أخيها) لاستوائهما في القرابة والمحرمية، (ثم الاجنبيات) بعد ذوات الرحم، كما في الرجال (ولكل واحد من الزوجين، إن لم تكن الزوجة ذمية: غسل صاحبه. ولو) كان الموت (قبل الدخول. ولو وضعت) الزوجة (عقب موته)، أي موت زوجها (أو) كان الموت (بعد طلاق رجعي، ما لم تتزوج) المرأة التي وضعت عقب موت زوجها. فلا تغسله لانها بالتزوج صارت صالحة. لان تغسل الثاني لو مات، ولا يجوز أن تكون غاسلة لزوجين في وقت واحد. والاصل في تغسيل كل الزوجين الآخر ما تقدم من وصية أبي بكر بأن تغسله زوجته أسماء فغسلته. وغسل أبو
موسى زوجته أم عبد الله. ذكرهما أحمد. وقول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي (ص) إلا نساؤه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وأوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته. وأوصى عبد الرحمن بن الاسود امرأته أن تغسله. رواهما سعيد في سننه. وقوله إن لم تكن الزوجة ذمية، احترازا عما لو كانت كذلك فلا تغسله. لانها ليست أهلا لغسله، كما تقدم. و (لا) تغسل (من أبانها ولو في مرض موته) المخوف فرارا، لانقطاع الزوجية وإنما ورثت تغليظا عليه بقصده حرمانها. (وينظر من غسل منهما) أي الزوجين (صاحبه غير العورة). قال في الفروع: وفاقا لجمهور العلماء. وجوزه في الانتصار وغيره. بلا لذة. واللمس والخلوة. ويتوجه أنه ظاهر كلام أحمد، وظاهر كلام ابن شهاب. واختلف كلام القاضي في نظر الفرج فتارة أجازه بلا لذة، وتارة منعه. (و) ل (- سيد) غسل (أمته وطئها أو لا. وأم ولده) وأمته (كالزوجين) فلكل منهما أن يغسل الآخر وينظر إلى غير العورة، (ويغسل) السيد (مكاتبته. ولو لم يشترط وطأها) لانه يلزمه كفنها ومؤنة تجهيزها ودفنها، (وتغسله) أي تغسل المكاتبة سيدها (إن شرطه) أي وطأها لاباحتها له، (وإلا) أي لم يشترط وطئ مكاتبته (فلا) يباح لها أن تغسله. لحرمتها عليه
[ 105 ]
من قبل الموت، (ولا يغسل) سيد (أمته المزوجة. ولا) أمته (المعتدة من زوج) تبع المصنف في ذلك صاحب الفروع. واستشكله في الانصاف. وقال في تصحيح الفروع: ومعناه أيضا في الانصاف: الذي يظهر أن هذه المسألة من تتمة كلام المعالي. وإلا كيف يقال: لا يغسل السيد أمته المزوجة والمعتدة من زوج، ثم يحكى خلافا في الاولوية، فيما إذا اجتمع زوج وسيد - إلى أن قال: فيقال: الصحيح من المذهب: صحة غسل السيد لامته المعتدة والمزوجة. وهو الذي قدمه المصنف. وأبو المعالي يقول: لا يغسلهما. قال: وإن لم نحمله على هذا يحصل التناقض، (ولا) يغسل السيد (المعتق بعضها) لحرمتها عليه قبل موتها، ومثلها المشتركة (ولا) يغسل (من هي في استبراء واجب) بناء على أنه لا يغسل
المعتدة لانها في معناها (ولا تغسله) أي تغسل الامة المزوجة أو المعتدة من زوج أو المعتق بعضها أو من هي في استبراء واجب: سيدها وفيه في غير المعتق بعضها: ما تقدم. (وإن مات له أقارب) أو موال الاولى بهم غيره، (دفعة واحدة، بهدم ونحوه) كغرق وطاعون (ولم يمكن تجهيزهم دفعة واحدة، استحب أن يبدأ بالاخوف فالاخوف) لئلا يفسد بتأخره، (فإن استووا) في الخوف أو عدمه (بدأ بالاب ثم بالابن، ثم بالاقرب فالاقرب. فإن استووا كالاخوة والاعمام) المستوين، (قدم أفضلهم، ثم أسنهم، ثم) إن استووا في جميع ذلك فالتقديم (بقرعة)، أي يقرع بينهم. فمن خرجت له القرعة قدم، لعدم المرجح سواها، (ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين) من ذكر وأنثى لانه لا حكم لعورته. بدليل أن إبراهيم ابن النبي (ص) غسله النساء. (ولو) كان دون السبع سنين (بلحظة، و) لكل منهما (مس عورته ونظرها) لانه لا حكم لها. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المرأة تغسل الصبي الصغير، فتغسله مجردا من غير سترة وتمس عورته، وتنظر إليها (وليس له) أي الرجل (غسل ابنة سبع) سنين (فأكثر، ولو) كان (محرما) لها، كأبيها وابنها وأخيها لانها محل للشهوة ويحرم النظر إلى عورتها المغلظة أشبهت البالغة، (ولا لها) أي وليس للمرأة (غسل ابن سبع) سنين (ولو) كان (محرما) لها، لما تقدم (غير من تقدم فيهما) من تغسيل الرجل
[ 106 ]
لزوجته وأمته، وتغسيلها له (وإن مات رجل بين نسوة لا رجل معهن) ممن لا يباح لهن غسله، بأن لم يكن زوجاته ولا إماءه: يمم بحائل، (أو عكسه) بأن ماتت امرأة بين رجال (ممن لا يباح لهم) أي الرجال (غسله) أي الميت، بأن لم يكن فيهم زوجها ولا سيدها: يممت. لما روى تمام في فوائده عن واثلة أن النبي (ص) قال: إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال، ولانه لا يحصل بالغسل من غير مس تنظيف، ولا إزالة النجاسة، بل ربما كثرت. (أو) مات (خنثى مشكل) له سبع سنين فأكثر ولم تحضره أمة له، (يمم) لما تقدم (بحائل) من خرقة ونحوها. يلفها على يده، فييمم بها
الميت في الصور الثلاث، حتى لا يمسه، (ويحرم) أن ييمم (بدونه) أي دون الحائل (لغير محرم) لما فيه من المس. (ورجل أولى بتيمم خنثى مشكل) من امرأة، إذا مات الخنثى بين رجال ونساء. لان الصنفين قد اشتركا في المحذور وامتاز الرجل بفضيلة الذكورية. لكن إذا ماتت المرأة مع الرجال وفيهم صبي لا شهوة له. علموه الغسل وباشره، نص عليه. وكذا الرجل يموت مع نسوة فيهن صغيرة تطيق الغسل. ذكره في شرح الهداية. قلت: وكذا الخنثى يموت مع رجال أو نسوة فيهن صغير أو صغيرة تطيقه، (وإن كانت له) أي للخنثى المشكل (أمة غسلته) لانه إن كان أنثى فلا كلام. وإن كان ذكرا فلامته أن تغسله. فصل: (وإذا أخذ) أي شرع (في غسله ستر عورته وجوبا)، وهي ما بين سرته وركبته قاله في المبدع وغيره. وفي الانصاف على ما تقدم من حدها انتهى. وعليه: فيستر من ابن سبع إلى عشر الفرجان فقط، حذرا من النظر إليها لقوله (ص) لعلي: لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، رواه أبو داود. (لا من له دون سبع) سنين. فلا بأس بغسله مجردا،
[ 107 ]
لما تقدم (ثم جرده من ثيابه ندبا) لان ذلك أمكن في تغسيله، وأبلغ في تظهيره. وأشبه بغسل الحي. وأصون له من التنجيس. إذ يحتمل خروجها منه ولفعل الصحابة بدليل قولهم: لا ندري أنجرد النبي (ص) كما نجرد موتانا. والظاهر: أن النبي (ص) أمرهم به، وأقرهم عليه. ذكره في المبدع. (إلا النبي (ص) فلا) فإنهم: لما اختلفوا هل يجردونه أو لا. أوقع الله تعالى عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقته في صدره ثم كلهمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: أن غسلوا الرسول (ص) وعليه ثيابه. فقاموا إليه (ص) فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون، بالقميص دون أيديهم رواه أحمد وأبو داود. ولان فضلاته كلها طاهرة، فلم يخش تنجيس قميصه. (ولو غسله في قميص خفيف واسع الكمين جاز). قال أحمد: يعجبني أن يغسل وعليه ثوب، يدخل يده من تحت
الثوب، وإن لم يكن واسع الكمين توجه أن يفتق رؤوس الدخاريص. ويدخل يده منها. (و) يسن (ستره) أي الميت حالة الغسل (عن العيون)، لانه ربما كان به عيب يستره في حياته، أو تظهر عورته، وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه الميت مظلما. ذكره أحمد. وأن يغسل (تحت ستر أو سقف ونحوه) كخيمة، لئلا يستقبل السماء بعورته، (ويكره النظر إليه) أي الميت (لغير حاجة حتى الغاسل. فلا ينظر إلا ما لا بد منه. قال ابن عقيل: لان جميعه صار عورة) إكراما له. (فلهذا شرع ستر جميعه) أي بالتكفين، (انتهى). قال: فيحرم نظره. ولا يجوز أن يحضره إلا من يعين في أمره. نقله عنه في المبدع. (و) كره (أن يحضره) أي غسله (غير من يعين في غسله) لانه ربما حدث ما يكره الحي أن يطلع منه على مثله. وربما ظهر منه شئ هو في الظاهر منكر. فيتحدث به. فيكون فضيحة. والحاجة غير داعية إلى حضوره، بخلاف من يعين الغاسل بصب ونحوه
[ 108 ]
(إلا وليه، فله الدخول عليه كيف شاء) قاله القاضي وابن عقيل. (ولا يغطى وجهه)، نقله الجماعة. والحديث المروي لا أصل له. (ويستحب خضب لحية رجل ورأس امرأة. ولو غير شائبين بحناء)، لقول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم. (ثم يرفع برفق في أول غسله إلى قريب من، جلوسه. ولا يشق عليه. ويعصر بطن غير حامل: بيده) ليخرج ما في بطنه من نجاسة بخلاف الحامل. لخبر رواه الخلال. ولانه يؤذي الحمل. (عصرا رفيقا)، لان الميت في محل الشفقة والرحمة. (ويكثر صب الماء حينئذ) ليذهب ما خرج ولا تظهر رائحة. (ويكون ثم) أي هناك في المكان الذي يغسل فيه (بخور) على وزن رسول. لئلا يتأذى برائحة الخارج، (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة خشنة، أو يدخلها) أي يده (في كيس فينجي بها أحد فرجيه، ثم) يأخذ خرقة (ثانية للفرج الثاني) فينجيه بها، إزالة للنجاسة وطهارة للميت من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل. واعتبر لكل فرج خرقة، لان كل خرقة خرج عليها شئ من النجاسة لا يعتد بها، إلا أن تغسل. وظاهر المقنع والمنتهى وغيرهما:
تكفيه خرقة. وقاله في المجرد. (ولا يحل مس عورة من له سبع سنين فأكثر) بغير حائل (ولا النظر إليها)، لان التطهير يمكن بدون ذلك. فأشبه حال الحياة. وذكر المروذي عن أحمد أن: عليا حين غسل النبي (ص) لف على يده خرقة حين غسل فرجه. (ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة) لفعل علي مع النبي (ص)، وليأمن مس العورة المحرم مسها. ذكره في المبدع. فحينئذ يعد الغاسل ثلاث خرق، خرقتين للسبيلين، والثالثة لبقية بدنه. (ولا يجب فعل الغسل فلو ترك) الميت (تحت ميزات ونحوه) مما يصب منه الماء، (وحضره أهل لغسله) وهو المسلم العاقل، (ونوى) غسله (ومضى زمن يمكن غسله فيه) يعني: وعمه الماء (صح) ذلك وأجزأ، لان القصد تعميمه بالماء وقد حصل كالحي وهذا يرد ما سبق فيما إذا ماتت امرأة بين رجال وعكسه. (ثم ينوي) غاسل الميت بعد تجريده وستر عورته وتنجيته (غسله)، لتعذر النية من الميت وقيام الغاسل مقامه. (ونيته) أي الغسل (فرض)، فلا يصح غسله
[ 109 ]
بدونها. لحديث: إنما الاعمال بالنيات لكن عدها شرطا أنسب بما تقدم. (وكذا تعميم بدنه) أي الميت (به) أي بالماء فإنه فرض كالحي (ثم يسمي) الغاسل، فيقول بسم الله. لا يقوم غيرها مقامها (وحكمها) أي التسمية هنا (حكم تسمية وضوء وغسل حي) فتجب مع الذكر. وتسقط سهوا قياسا على الوضوء، (ثم يغسل) الغاسل (كفيه) أي الميت ندبا. كغسل الحي (ويعتبر غسل ما عليه من نجاسة) لان المقصود تطهيره. ولا يحصل إلا بذلك. قلت: ومقتضى ما سبق في الحي: لا يجب غسل النجاسة قبل غسله، إن لم تمنع وصول الماء، لما تقدم من أنه يرتفع حدث قبل زوال حكم خبث. (ولا يكفي مسحها) أي النجاسة، (ولا وصول الماء إليها) بل لا بد من الغسل. وسواء كانت على السبيلين أو غيرهما. لكن قال في مجمع البحرين: قلت: فإن لم يتعد الخارج، أي من السبيلين موضع العادة. فقياس المذهب: أنه يكفي فيه الاستجمار. (ويستحب أن يدخل إصبعه السبابة والابهام عليهما خرقة) صيانة لليد واكراما للميت. (خشنة مبلولة بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه. و) في
(منخريه وينظفهما)، لازالة ما على تلك الاعضاء من الاذى. (ولا يدخله) أي الماء (فيهما) أي الفم والانف، لانه إذا وصل إلى جوفه حرك النجاسة، (ويتتبع ما تحت أظافره) من وسخ (بعود) ليصل الماء إلى محله (إن لم يمكن قلمها) فإن أمكن قلمها. (ويسن للغاسل أن يوضئه في أول غسلاته كوضوء حدث)، لما في الصحيح أنه (ص) قال لام عطية في غسل ابنته: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها. وظاهره: أنه يمسح رأسه. قاله في المبدع: (ما خلا المضمضة والاستنشاق)، لانه لا يؤمن منهما وصول الماء إلى جوفه. فيفضي إلى المثلة. وربما حصل منه الانفجار. وبهذا علل أحمد. قاله في المبدع. ومحل كون الوضوء في الغسلة الاولى دون باقي الغسلات (إن لم يخرج منه شئ. فإن خرج) منه شئ (أعيد وضوءه) قال في المبدع: وهو مستحب، لقيام موجبه. وهو زوال عقله. وظاهر كلام القاضي وابن الزاغوني: أنه واجب. (ويأتي حكم) إعادة (غسله) إذا خرج منه شئ (ويجزئ
[ 110 ]
غسله مرة) كالحي (وكذا لو نوى) الغاسل (وسمى وغمسه في ماء كثير مرة واحدة) فإنه يجزئ، كغسل الحي (ويكره الاقتصار عليها) أي على المرة الواحدة في غسل الميت، نص عليه. لقوله (ص): اغسلنها ثلاثا أو خمسا. (ويسن ضرب سدر ونحوه) كخطمي، (فيغسل برغوته) بتثليث الراء، (رأسه ولحيته فقط) لان الرأس أشرف الاعضاء. ولهذا جعل كشفه شعار الاحرام. وهو مجمع الحواس الشريفة. ولان الرغوة تزيل الدرن، وتتعلق بالشعر. فناسب أن تغسل بها اللحية لتزول الرغوة بمجرد جري الماء عليها، بخلاف ثفل السدر. (و) يغسل باقي (بدنه بالثفل) أي ثفل السدر (ويقوم الخطمي ونحوه مقام السدر) لحصول الانقاء به. (ويكون السدر في كل غسلة) من الثلاث فأكثر، واعتبر ابن حامد أن يكون السدر يسيرا. وقال: إنه الذي وجد عليه أصحابنا ليجمع بين العمل بالخبر. ويكون الماء باقيا على إطلاقه وقال القاضي وأبو الخطاب: يغسل أول مرة بماء وسدر، ثم يغسل ذلك بالماء القراح. فيكون الجميع غسلة واحدة. والاعتداد بالآخر منها. لان أحمد شبه
غسله بغسل الجنابة. ولان السدر إن كثر سلب الطهورية وإن لم يغيره. فلا فائدة في ترك يسير لا يغير. (ويسن تيامنه فيغسل شقه الايمن من نحو رأسه إلى نحو رجليه يبدأ بصفحة عنقه، ثم) يده اليمنى (إلى الكتف، ثم) كتفه وشق صدره، وفخذه وساقه (إلى الرجل ثم الايسر كذلك) لقوله (ص): ابدأن بميامنها. ولانه مسنون في غسل الحي، فكذا الميت. (ويقلبه) الغاسل (على جنبه مع غسل شقيه، فيرفع جانبه الايمن، ويغسل ظهره ووركه وفخذه ويفعل بالايسر كذلك. ولا يكبه على وجهه) إكراما له (ثم يفيض الماء القراح على جميع بدنه. فيكون ذلك غسلة واحدة، يجمع فيها بين السدر والماء القراح) كما تقدم عن
[ 111 ]
القاضي وأبي الخطاب. (يفعل ذلك) المذكور فيما تقدم (ثلاثا) لقوله (ص) للنساء اللاتي غسلن ابنته: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك بماء وسدر. (إلا أن الوضوء) يكون (في) المرة (الاولى فقط) من الغسلات إن لم يخرج شئ. وتقدم (يمر) الغاسل (في كل مرة يده على بطنه) برفق إخراجا لما تخلف. وأمنا من فساد الغسل بما يخرج منه بعد. (فإن لم ينق) الميت (بالثلاث) الغسلات، (غسله إلى سبع) لما تقدم، (فإن لم ينق بسبع) غسلات (فالاولى غسله حتى ينقى) لقوله (ص): اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن. (ويقطع على وتر) لحديث: إن الله وتر يحب الوتر. (من غير إعادة وضوء) فإنه في الاولى خاصة، كما تقدم، إن لم يخرج شئ. (وإن خرج منه) أي الميت (شئ) من السبيلين أو غيرهما (بعد الثلاث أعيد وضوءه). قال في شرح المبدع والمنتهى: وجوبا. كالجنب، لما سبق إذا أحدث بعد غسله، لتكون طهارته كاملة وعنه لا يجب الوضوء. (ووجب غسله كلما خرج) منه شئ (إلى سبع) لما سبق. لان الظاهر أن الشارع إنما كرر الامر بغسلها من أجل توقع النجاسة. ولان القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة. ألا ترى أن الموت جرى مجرى زوال العقل، ولا فرق بين الخارج من السبيلين وغيرهما. وعنه في الدم هو أسهل. (وإن خرج منه) أي الميت (شئ
من السبيلين أو غيرهما بعد السبع غسلت النجاسة) لما تقدم وتقدم كلام مجمع البحرين في إجزاء الاستجمار. (ووضئ) لما تقدم (ولا غسل) أي لا يعاد غسله بعد السبع لظاهر الخبر (لكن يحشوه) أي المخرج (بالقطن أو يلجم به) أي القطن (كما تفعل المستحاضة). لانه في معناه، (فإن لم يمسكه ذلك) أي الحشو بالقطن أو التلجم به (حشي) المحل (بالطين الحر)
[ 112 ]
بضم الحاء أي الخالص، (الذي له قوة تمسك المحل) ليمنع الخارج (ولا يكره حشو المحل إن لم يستمسك) لدعاء الحاجة إليه. (وإن خيف خروج شئ) كدم (من منافذ وجهه) كفمه وأنفه (فلا بأس أن يحشى بقطن) دفعا لتلك المفسدة (وإن خرج منه) أي الميت (شئ بعد وضعه في أكفانه ولفها عليه، حمل ولم يعد غسل ولا وضوء سواء كان) ذلك (في السابعة أو قبلها) وسواء كان الخارج قليلا أو كثيرا دفعا للمشقة، لانه يحتاج إلى إخراجه وإعادة غسله، وتطهير أكفانه وتجفيفها أو إبدالها. فيتأخر دفنه وهو مخالف للسنة. ثم لا يؤمن مثل هذا بعده. وإن وضع على الكفن ولم يلف ثم خرج منه شئ أعيد غسله، قاله ابن تميم. (ويسن أن يجعل) الغاسل (في) الغسلة (الاخيرة كافورا) لقوله (ص): واجعلن في الآخرة كافورا متفق عليه ولانه يصلب الجسم ويبرده ويطيبه ويطرد عنه الهوام. (و) أن يجعل في الاخيرة (سدرا) كسائر الغسلات لما تقدم، (وغسله) أي الميت (بالماء البارد أفضل) لان المسخن يرخيه ولم ترد به السنة: (ولا بأس بغسله بماء حار) إن احتيج إليه لشدة برد أو وسخ لا يزول إلا به. واستحبه ابن حامد لانه ينقي ما لا ينقي الماء البارد. (و) لا بأس ب (- خلال) إن احتيج إليه لازالة وسخ. لان إزالته مطلوبة شرعا. (والاولى: أن يكون) الخلال (من شجرة لينة كالصفصاف) بالفتح: الخلاف، بلغة أهل الشام قاله الازهري. (ونحوه مما ينقي ولا يجرح) لانه يؤذي الميت ما يؤذي الحي. (وإن جعل) الغاسل ونحوه (على رأسه) أي الميت (قطنا فحسن) لشرفه، (ويزيل) الغاسل (ما بأنفه) أي الميت، (وصماخيه من أذى) تكميلا لطهارته. (ف) - لا بأس بغسله ب (- أشنان إن احتيج إليهن) أي الماء الحار والخلال،
والاشنان لوسخ أو نحوه. (وإلا) بأن لم يحتج إليهن، (كره في الكل) لان السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة إليه يكون كالعبث. (وإن كان الميت، شيخا أو به حدب أو نحو ذلك وأمكن تمديده بالتليين والماء الحار فعل ذلك) إزالة للمثلة. (وإن لم يمكن) ذلك (إلا بعسف
[ 113 ]
تركه بحاله) دفعا لاذاه به (فإن كان) الميت (على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشهره بالمثلة ترك في تابوت أو) ترك في النعش (تحت، مكبة كما يصنع بالمرأة) سترا لذلك. (ويأتي في فصل الحمل) أي حمل الميت. (ولا بأس بغسله في حمام) نص عليه في رواية مهنا، وكالحي. لكن إن كان الماء حارا كره بلا حاجة. (و) لا بأس (بمخاطبته) أي الغاسل (له) أي للميت (حال غسله، بنحو انقلب يرحمك الله) لقول الفضل وهو محتضن النبي (ص): أرحني ارحمني فقد قطعت وتيني. إني أجد شيئا يتنزل علي. وقال علي لما لم يجد من النبي (ص) ما يجده من سائر الموتى: يا رسول الله طبت حيا وميتا. (ولا يغتسل غاسله) أي الميت (بفضل ماء ساخن له. فإن لم يجد غيره تركه حتى يبرد) قاله أحمد ذكره الخلال. (ويقص شارب غير محرم ويقلم أظفاره إن طال ويأخذ شعر إبطيه) لان ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو. أشبه إزالة الاوساخ والادران ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة (ويجعل ذلك) أي ما أخذ من الشارب والاظفار وشعر الابطين (معه)، أي الميت (كعضو ساقط) لما روى أحمد في مسائل صالح عن أم عطية قالت: تغسل رأس الميتة فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه ثم ردوه في رأسها. ولان دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي. ففي حق الميت أولى. (ويعاد غسله) أي غسل ما أخذ من الميت من شعر شارب وأظفار وشعر إبط. لقول أم عطية فيما تقدم: غسلوه ثم ردوه إلى آخره، و (لانه جزء منه) أي الميت (كعضو) من أعضائه، (والمراد: يستحب) إعادة غسل المأخوذ. قال في الفروع: للاكتفاء بغسله أولا. (وإن كان الميت مقطوع الرأس، أو) كانت (أعضاؤه مقطعة لفق بعضها إلى بعض بالتقميط والطين الحر، حتى لا يتبين تشويهه. فإن فقد منها) أي أعضاء الميت
(شئ لم يجعل له شكل من طين ولا غيره) لانه تصوير. (وإن كان في أسنانه شئ) منها (يتحرك وخيف سقوطه ترك) بحالة (ولم ينزع. ونص أنه يربط بذهب) كالحي، (فإن سقط)
[ 114 ]
شئ من أسنان الميت (لم يربط به) أي بالذهب. لعدم الحاجة إليه. وجعل مع الميت كما تقدم. (ويؤخذ) أي ما على سنه من ذهب كان ربط به (إن لم يسقط) سنه بسبب ذلك. وإلا ترك حتى يبلى (ويحرم حلق شعر عانته) لما فيه من لمس عورته. وربما احتاج إلى نظرها وهو محرم. فلا يرتكب من أجل مندوب. (و) يحرم حلق شعر (رأسه) لان ذلك إنما يكون لزينة أو نسك. والميت لا نسك عليه ولا يزين. (و) يحرم (ختنه) إن كان أقلف. لانه قطع لبعض عضو من الميت. ولان التعبد بذلك قد زال ولان المقصود من الختان التطهير من النجاسة وقد زال ذلك بموته. (ولا يسرح شعره: قال القاضي يكره) لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه. وروي عن عائشة أنها: مرت بقوم يسرحون شعر ميت فنهتهم عن ذلك، وقالت: علام تنصون ميتكم؟ أي لا تسرحوا رأسه بالمشط لانه يقطع الشعر وينتفه. (ويبقى عظم نجس جبر به) الميت قبل موته (مع مثلة) وتقدم في اجتناب النجاسة. (وتزال اللصوق) بفتح اللام: ما يلصق على الجرح من الدواء، ثم أطلق على الخرقة ونحوها إذا شدت على العضو للتداوي. قاله في الحاشية. (لغسل واجب فيغسل ما تحتها) ليحصل تعميم البدن بالغسل وكالحي (فإن خيف من قلعها مثلة) بأن خيف سقوط شئ من الميت بإزالتها ونحوه، (مسح عليها) كجبيرة الحي (ولا يبقى خاتم ونحوه) كخلخال، (ولو ببرده كحلقة في أذن امرأة) لان ترك ذلك معه إضاعة للمال من غير غرض صحيح. و (لا) يزال عنه (أنف ذهب) لما في إزالته من المثلة. (ويأتي آخر الباب، ويسن ضفر شعر المرأة ثلاثة قرون أي ضفائر: قرنيها وناصيتها، ويسدل خلفها) لقول أم عطية: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وآلقيناه خلفها رواه البخاري. (قيل) للامام (أحمد في العروس تموت
فتجلى، فأنكره شديدا) لانه بدعة، خصوصا مع ما ينضم إليه في هذه الازمنة. (فإذا فرغ) الغاسل (من غسله نشفه بثوب ندبا) لانه هكذا فعل بالنبي (ص) لئلا يبتل فيفسد به. (ولا يتنجس ما نشف به) الميت من ثوب أو نحوه. لعدم نجاستته بالموت لحديث:
[ 115 ]
سبحان الله المؤمن لا ينجس. (ومحرم ميت كهو) أي كمحرم (حي) لبقاء إحرامه، (فيجنب) المحرم (ما يجنب في حياته، لبقاء الاحرام. لكن لا يجب الفداء على الفاعل به ما يوجب الفدية لو فعله حيا). فلو ألبسه أحد المخيط، أو طيبه أو حلق رأسه، لم تلزمه الفدية. (ويستر) المحرم (على نعشه بشئ) كغيره (ويكفن في ثوبيه نصا) لما في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه (ص) قال في محرم مات: غسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وللنسائي: ولا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة محرما. (وتجوز الزيادة) على ثوبه إذا كفن (كبقية كفن حلال) في ثلاث لفائف (فيغسل بماء وسدر ولا يلبس ذكر المخيط، ويغطى وجهه ورجلاه وسائر بدنه، لا رأسه ولا وجه أنثى، ولا يقرب طيبا) لحديث ابن عباس. (ولا تمنع منه) أي الطبيب (معتدة ماتت) لان منعها منه حال الحياة. لانه يدعو إلى نكاحها. وقد فات ذلك بموتها. (ولا يوقف) المحرم (بعرفة إن مات قبله، ولا يطاف به)، بدليل المحرم الذي مات مع النبي (ص)، ولانه لا يحس بذلك كما لو جن. فصل: (ويحرم غسل شهيد المعركة المقتول بأيديهم) جزم به أبو المعالي وحكى رواية واحدة، لانه أثر الشهادة والعبادة، وهو حي. قال
[ 116 ]
في التبصرة: لا يجوز غسله، وكلام الموفق وغيره: يحتمل الكراهة والتحريم، ذكره في
الانصاف وقال في مجمع البحرين لم أقف بتصريح لاصحابنا هل غسل الشهيد: حرام أو مكروه؟ فيحتمل الحرمة لمخالفة الامر. وقطع في التنقيح بأنه يكره. وتبعه في المنتهى مع قولهما يجب بقاء دم شهيد عليه. (ولو) كان شهيد المعركة (غير مكلف، أو) كان (غالا) كتم من الغنيمة شيئا، (رجلا) كان (أو امرأة) لعموم حديث جابر أن النبي (ص): أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم رواه البخاري. ولاحمد معناه. وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وهو صغير. قاله في الشرح. لا يقال: أن ذلك خاص بهم. لان النبي (ص) علل ذلك بعلة توجد في سائر الشهداء. قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقال تعالى: * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) * والحي لا يغسل. وسمي شهيدا لانه حي وقيل لان الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل غير ذلك (إلا أن يكون) الشهيد (جنبا) قبل أن يقتل فيغسل. لما روى ابن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن النبي (ص) قال: إن صاحبكم لتغسله الملائكة، يعني حنظلة. قالوا لاهله: ما شأنه؟ فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهائعة. فقال (ص): لذلك غسلته الملائكة وفي الكافي: أنه رواه أبو داود الطيالسي. (أو) يكون (حائضا أو نفساء طهرتا) أي انقطع دمهما (أولا، فيغسلان غسلا واحدا) لما تقدم في الجنب. ولانه واجب لغير الموت. فلم يسقط كغسل الجنابة (وإن أسلم) شخص ذكرا كان أو أنثى (ثم استشهد قبل غسل الاسلام لم يغسل) للاسلام. لان أصرم بن عبد الاشهل أسلم يوم أحد ثم قتل. فلم يأمر بغسله. قطع به في المغنى والشرح. وصححه ابن
[ 117 ]
تميم. والشيخ تقي الدين، وقدمه في الرعاية الكبرى والمبدع، وقدم في الفروع والانصاف وهو ظاهر الوجيز: يجب كالجنب والحائض. قال في الفروع: ولا فرق
بينهم. وجزم به في المنتهى. (وإن قتل) شهيدا (وعليه حدث أصغر لم يوضأ) لان الوضوء تابع للغسل. وقد سقط (وتغسل نجاسته) أي الشهيد كالحي (ويجب بقاء دم) شهيد (لا نجاسته معه) لما تقدم أمره (ص) بدفن قتلى أحد في دمائهم. (فإن لم تزل) النجاسة (إلا بالدم غسلا) أي الدم والنجاسة لان درء المفاسد - ومنه غسل النجاسة - مقدم على جلب المصالح. ومنه بقاء دم الشهيد عليه، (وينزع عنه السلاح والجلود. و) منها (نحو فروة وخف ويجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها) لحديث ابن عباس: أنه (ص) أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم رواه أبو داود وابن ماجه. ولانه أثر العبادة (وظاهره: لو كانت حريرا) قال في المبدع: ولعله غير مراد (فلا يزاد فيها) أي في ثياب الشهيد (ولا ينقص) منها، (ولو لم يحصل المسنون) بها لنقصها أو زيادتها، وذكر القاضي في تخريجه: أنه لا بأس بهما. وأجاب القاضي عما روى: أن صفية أرسلت إلى النبي (ص) ثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا آخر. بأنه يحتمل أن ثيابه سلبت، أو أنهما ضما إلى ما كان عليه. وقد روي في المعتمد ما يدل عليه. ذكره في المبدع. (فإن كان) الشهيد (قد سلبها) أي الثياب (كفن بغيرها) وجوبا كغيره. (ويستحب دفنه) أي الشهيد (في مصرعه) الذي قتل فيه. وتقدم (وإن سقط من شاهق) أي مكان مرتفع، كجبل ونحوه، لا بفعل العدو فمات. (أو) سقط عن (دابة لا بفعل العدو) فمات (أو رفسته) دابة (فمات أو مات) في دار الحرب (حتف أنفه، أو عاد سهمه عليه) فقتله، (أو) عاد (سيفه) عليه فقتله، (أو وجد ميتا. ولا أثر به، أو حمل بعد جرحه، فأكل، أو
[ 118 ]
شرب، أو نام، أو بال، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفا، غسل. وصلي عليه وجوبا). أما من مات بغير فعل العدو فلعدم مباشرتهم قتله وتسببهم فيه. فأشبه من مات بمرض وأما من وجد ميتا ولا أثر به فلان الاصل وجوب الغسل والصلاة. فلا يسقط يقين ذلك بالشك في مسقطه. فإن كان به أثر لم يغسل ولم يصل عليه، زاد أبو المعالي: لا دم من أنفه أو دبره
أو ذكره. لانه معتاد. قال القاضي وغيره: اعتبرنا الاثر هنا احتياطا للغسل ولم نعتبره في القسامة. احتياطا لوجوب الدم. وأما من حمل بعد جرحه فأكل ونحوه فإنه يغسل لتغسيله (ص) سعد بن معاذ، ولان ذلك لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة. والاصل وجوب الغسل والصلاة. ومعنى قوله: حتف أنفه. أي بغير سبب يفضى إلى الموت من جرح أو ضرب أو غيره. (ومن قتل مظلوما، حتى من قتله الكفار صبرا في غير الحرب ألحق بشهيد المعركة) في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. لقول سعيد بن زيد: سمعت النبي (ص) يقول: من قتل دون دينه فهو شهيد. ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد رواه أبو داود والترمذي وصححه. ولانهم مقتولون بغير حق. أشبهوا قتلى الكفار، فلا يغسلون. تتمة: قال ابن تميم: من قتله المسلمون أو الكفار خطأ يغسل رواية واحدة. (والشهداء غير شهيد المعركة) وهو من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال (بضعة وعشرون) شهيدا. (المطعون) أي الميت بالطاعون (والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم) أي من مات بانهدام شئ عليه. كمن ألقى عليه حائط ونحوه، لقوله (ص): والشهداء خمس: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله قال الترمذي: حسن صحيح. (و) صاحب (ذات الجنب، و) صاحب (السل) بكسر السين، (وصاحب اللقوة) بفتح اللام داء في الوجه. (والصابر في الطاعون والمتردي من رؤوس الجبال) إن لم يكن بفعل الكفار. فإن كان كذلك فمن شهداء
[ 119 ]
المعركة. (ومن مات في سبيل الله) تعالى، ومنه من مات في الحج، كما تقدم عن صاحب الفروع ومن مات في طلب العلم، كما تقدم أيضا عنه. (ومن طلب الشهادة بنية صادقة، وموت المرابط، وأمناء الله في الارض) وهم العلماء. (والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قتل دون ماله، أو أهله، أو دينه، أو دمه، أو مظلمته) بكسر اللام. (وفريس السبع، ومن خر عن دابته،
ومن أغربها: موت الغريب)، لما رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف والدارقطني وصححه عن ابن عباس مرفوعا: موت الغريب شهادة. (وأغرب منه) ما ذكره أبو المعالي بن المنجى وبعض الشافعية: (العاشق إذا عف وكتم) وأشاروا إلى الخبر المرفوع: من عشق وعف وكتم فمات مات شهيدا. وهذا الخبر مذكور في ترجمة سويد بن سعيد فيما أنكر عليه، قاله ابن عدي. والبيهقي (ذكر تعدادهم في غاية المطلب) وعبارته: والشهيد - غير شهيد المعركة - بضعة عشر: المطعون، والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم، وذات الجنب، والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قتل دون ماله أو أهله أو دينه أو دمه أو مظلمته، وفريس سبع، ومن خر عن دابته، ومن أغربها موت الغريب، وأغرب منه العاشق إذا عف وكتم اه. فلم يستوعب ما ذكره المصنف. (وكل شهيد غسل صلي عليه وجوبا. ومن لا) يغسل (فلا) يصلى عليه. ذكره في المبدع المذهب. (والشهيد بغير قتل كغريق ونحوه مما تقدم ذكره) غير من استثنى (يغسل ويصلى عليه). لانه ليس بشهيد معركة ولا ملحقا به. (وإذا ولد السقط لاكثر من أربعة أشهر) أي لاربعة أشهر فأكثر (غسل وصلي عليه) نص عليه في رواية حرب وصالح. لقوله (ص): والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة رواه أحمد وأبو داود. ورواه النسائي والترمذي وصححه ولفظهما: والطفل
[ 120 ]
يصلى عليه واحتج به أحمد. ولانه نسمة نفخ فيها الروح. (ولو لم يستهل) أي يصوت عند الولادة، لعموم ما سبق. (ويستحب تسميته. ولو ولد قبل) أربعة (أشهر) لانه يبعث في ظاهر كلام أحمد. فيسمى ليدعى يوم القيامة باسمه. (وإن جهل أذكر أم أنثى؟ سمي بصالح لهما، كطلحة وهبة الله). قال الشيخ تقي الدين. وكثير من الفقهاء: (ولو كان السقط من كافرين فإن حكم بإسلامه) كما لو مات أحد أبويه بدارنا، (فكمسلم) يغسل ويصلى عليه، إذا ولد لاربعة أشهر فأكثر، (وإلا) أي وإن لم يحكم بإسلامه، (فلا) يغسل ولا يصلى عليه. لانه كافر. (ويصلى على طفل) من كافرين (حكم
بإسلامه) لموت أحد أبويه بدار الاسلام، أو سبيه منفردا عنهما. أو عن أحدهما ونحوه. وكذا مجنون حكم بإسلامه بشئ مما سبق. (ومن تعذر غسله لعدم ماء أو عذر غيره) كالحرق والجذام والتبضيع، (يمم) لان غسل الميت طهارة على البدن. فقام التيمم عند العجز عنه مقامه كالجنابة، (وكفن) بعد التيمم (وصلي عليه) كغيره. (وإن تعذر غسل بعضه) غسل ما أمكن منه، و (يمم له) أي لما تعذر غسله كالجنابة. (وإن أمكن صب الماء عليه بلا عرك صب عليه) الماء بحيث يعم بدنه، (وترك عركه) لتعذره. وتقدم أنه لا يجب الفعل. وإن لم يكن عذر. (ثم إن يمم) الميت (لعدم الماء وصلي عليه. ثم وجد الماء قبل دفنه وجب غسله) لامكانه. وتعاد الصلاة عليه. ولو كانت، بتيمم. والاولى بوضوء، وتقدم. (وإن وجد) الماء (فيها) أي في الصلاة على الميت وقد يمم (بطلت الصلاة)، فيغسل ثم يصلى عليه. كالحي يجد الماء (ويلزم الوارث قبول ما وهب للميت) ليغسل به. لان المنة فيه يسيرة. و (لا) يلزمه قبول (ثمنه) هبة للمنة كالحي. (ويجب على الغاسل ستر قبيح رآه) لان في أظهاره إذاعة للفاحشة. وفي الخبر مرفوعا: ليغسل موتاكم المأمونون رواه ابن ماجه. وعن عائشة مرفوعا: من غسل ميتا وأدى فيه الامانة ولم يفش عيبه خرج من ذنوبه كيوم
[ 121 ]
ولدته أمه رواه أحمد من رواية جابر الجعفي. (كطبيب) أي كما يجب على الطبيب أن لا يحدث بشر. لما فيه من الافضاح. (ويستحب) للغاسل (إظهاره) أي ما رآه من الميت (إن كان حسنا) ليترحم عليه. (قال جمع محققون: إلا على مشهور ببدعة مضلة. أو قلة دين، أو فجور ونحوه) ككذب، (فيستحب إظهار شره وستر خيره) ليرتدع نظيره ويحرم سوء الظن بالله، وبمسلم ظاهر العدالة. قاله القاضي وغيره. ويجب حسن الظن بالله تعالى. ويستحب ظن الخير بالمسلم. ولا ينبغي تحقيق ظنه في ريبة ولا حرج بظن السوء بمن ظاهره الشر، وحديث أبي هريرة مرفوعا: إياكم
والظن فإن الظن أكذب الحديث محمول على الظن المجرد الذي لم تعضده قرينة تدل على صدقه. وحديث: احترسوا من الناس بسوء الظن المراد به الاحتراس بحفظ المال. كغلق الباب خوف السراق. هذا معنى كلام القاضي، ونرجو للمحسن ونخاف على المسئ، (ولا نشهد) بجنة أو نار (إلا لمن شهد له النبي (ص))، قال الشيخ تقي الدين: أو اتفقت الامة على الثناء أو الاساءة عليه. قال في الفروع ولعل مراده: الاكثر، وأنه الاكثر ديانة، وظاهر كلامه: ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم وإلا لم تكن علامة مستقلة اه. ومن جهل إسلامه ووجد عليه علامة المسلمين وجب غسله والصلاة عليه. لو كان أقلف بدارنا لا بدار حرب ولا نص على ذلك. ونقل عن ابن سعيد يستدل بثياب وختان.
[ 122 ]
فصل: في الكفن وتقدم أن تكفينه فرض كفاية، لقوله (ص) في المحرم: كفنوه في ثوبيه. (يجب كفن الميت) في ماله لما تقدم من الخبر، ولان حاجة الميت مقدمة في ماله على ورثته، بدليل قضاء دينه، (و) تجب (مؤنة تجهيزه) أي الميت بمعروف، قياسا على الكفن. (غير حنوط، وطيب) كما ورد وعود للكفن. فإنه مستحب غير واجب. كحال الحياة، (ويأتي) ذلك وقوله: (في ما له) أي الميت متعلق بيجب. لما تقدم (لحق الله تعالى وحق الميت) فلا يسقط لو أوصى أن لا يكفن، لما فيه من حق الله (ذكرا كان) الميت (أو أنثى) أو خنثى صغيرا، كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، (ثوب) بدل من كفن، أو خبر لمحذوف تقديره والواجب ثوب (واحد يستر، جميع البدن) لان العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد. فكفن الميت أولى، (فلو أوصى بأقل منه) أي مما يستر جميع البدن (لم تسمع وصيته) لتضمنها إسقاط حق الله تعالى. (ويشترط أن لا يصف البشرة) لان ما يصفها غير ساتر، فوجوده كعدمه، (ويجب)
أن يكفن في (ملبوس مثله في الجمع والاعياد) لامر الشارع بتحسينه. رواه أحمد ومسلم. (ما لم يوص بدونه) فتتبع وصيته، لاسقاطه حقه مما زاد (مقدما هو) أي الكفن (ومؤنة تجهيزه على دين، ولو برهن وأرش جناية)، ولو كانت متعلقة برقبة الجاني. (ووصية وميراث، وغيرهما) لان المفلس يقدم بالكسوة على الدين فكذا الميت، وإذا قدم على الدين فعلى غيره أولى. (ولا ينتقل إلى الوارث من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الاصلية) من كفن ومؤنة تجهيز وقضاء دين، ولو لله تعالى لقوله (ص): كفنوه في ثوبيه. (وإن أوصى) أن يكفن (في أثواب ثمينة لا تليق به لم تصح) الوصية، لانها بمكروه. (والجديد أفضل من العتيق) لما
[ 123 ]
تقدم من أمر الشارع بتحسينه (ما لم يوص بغيره) أي غير الجديد فيمتثل، لما روى عن الصديق أنه قال: كفنوني في ثوبي هذين، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنهما للمهلة والتراب رواه البخاري بمعناه. (ولا بأس باستعداد الكفن، لحل أو لعبادة فيه، قيل لاحمد: يصلي فيه ثم يغسله ويضعه لكفنه فرآه حسنا)، لما فيه من أثر العبادة والاستعداد للموت. (ويجب كفن الرقيق) ذكرا كان أو أنثى (على مالكه)، كنفقته حال الحياة. (فإن لم يكن للميت مال) بأن لم يخلف شيئا أو تلف قبل أن يجهز، (فعلى من تلزمه نفقته) لان ذلك يلزمه حال الحياة فكذلك بعد الموت. (وكذلك دفنه) كفن امرأته أي مؤنته (وما لا بد للميت منه) كحمله وسائر تجهيزه، (إلا الزوج) فإنه لا يلزمه كفن امرأته ولا مؤنة تجهيزها، نص عليه. لان النفقة والكسوة وجبا في النكاح للتمكين من الاستمتاع. ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبهت الاجنبية، وفارقت الرقيق. فإن نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع. ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته. فتكفن الزوجة من مالها إن كان. وإلا فعلى من يلزمه نفقتها لو لم تكن مزوجة: من قريب ومولى (ثم) إن لم يكن للميت مال ولا من تلزمه نفقته وجب كفنه ومؤنة تجهيزه (من بيت المال، إن كان) الميت (مسلما) كنفقته إذن. قال أبو المعالي: وإن كفن من بيت المال فثوب، وفي الزائد للكمال وجهان. ويتوجه ثوب
من الوقف على الاكفان. قاله في الفروع والمبدع. وخرج الكافر ولو ذميا. فلا يكفن من بيت المال لان أهل الذمة إنما أوجبت عصمتهم فلا نؤذيهم، لا إرفاقهم (ثم) إن لم يكن بيت المال، أو مكان وتعذر الاخذ منه، فكفنه ومؤنة تجهيزه (على مسلم عالم به) أي بالميت. كنفقة الحي وكسوته (ويكره) التكفين (في رقيق يحكي هيئة البدن) لرقته، ولو لم يصف البشرة، نص عليه. كما يكره للحي لبسه (و) يكره التكفين أيضا (بشعر وصوف مع القدرة على غيره) لانه خلاف فعل السلف (و) يكره التكفين (بمزعفر ومعصفر. ولو لامرأة
[ 124 ]
حتى المنفوش، قطنا كان أو غيره) لانه غير لائق بحال الميت (ويحرم بجلود) لامر النبي (ص): بنزع الجلود عن الشهداء، وأن يدفنوا في ثيابهم. (و) يحرم أيضا ب (- حرير ومذهب)، ومفضض، (ولو لامرأة) لانه إنما أبيح لها في حال الحياة لانها محل الزينة والشهوة، وقد زال بموتها. (و) لو ل (- صبي) كما يحرم عليه حال الحياة وأولى، (ويجوز) التكفين (فيهما) أي في الحرير والمذهب (ضرورة) أي عند عدم غيرهما لوجوب ستره، (ويكون) الكفن إذن (ثوبا واحدا) يستر جميعه، لاندفاع الضرورة به، (فإن لم يجد) من يلي الميت (ما يستر) الميت (جميعه ستر العورة) لتقدمها على سائر جسده. (ثم) إن بقي شئ ستر به (رأسه وما يليه وجعل على باقيه حشيش أو ورق) لما روي: أن مصعبا قتل يوم أحد فلم يوجد له شئ يكفن فيه إلا نمرة فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه. وإذا وضعت على رجليه خرج رأسه فأمر النبي (ص) أن تغطي رأسه، ويجعل على رجليه الاذخر رواه البخاري. (فإن لم يوجد إلا ثوب واحد ووجد جماعة من الاموات جمع في ثوب ما يمكن جمعه) من الاموات (فيه)، لخبر أنس في قتلى أحد. وقال ابن تميم: قال شيخنا: يقسم بينهم ويستر عورة كل واحد، ولا يجمعون فيه (وأفضل الاكفان البياض) لقوله (ص): وكفنوا فيه موتاكم (وأفضله القطن. ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض من قطن) لحديث عائشة: كفن النبي (ص) في ثلاثة أثواب بيض سحولية، جدد يمانية، ليس فيها قميص ولاعمامة
أدرج فيها إدراجا متفق عليه، زاد مسلم في رواية: وأما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن فيها، فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية. قال أحمد: أصح الاحاديث في كفن النبي (ص) حديث عائشة لانها أعلم مغيرها. وقال الترمذي: قد روي في كفن النبي (ص) روايات مختلفة. وحديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفنه. قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. (و) يكون (أحسنها) أي اللفائف (أعلاها ليظهر للناس كعادة الحي) في جعله أحسن ثيابه أعلاها، (وتكره الزيادة) على
[ 125 ]
الثلاث، قاله في المستوعب والشرح وغيرهما. لما فيه من إضاعة المال المنهي عنها. وصحح ابن تميم وقدمه في الفروع أنه لا يكره بل في سبعة أثواب، ذكره في المبدع. (و) يكره (تعميمه) صوبه في تصحيح الفروع، (ويكفن صغير في ثوب) واحد، (ويجوز) تكفين الصغير (في ثلاثة) ثياب. (وإن ورثه) أي الصغير (غير مكلف) من صغير ومجنون (لم تجز الزيادة على ثوب، لانه تبرع. قاله المجد). وجزم بمعناه في المنتهى (وقال) أبو الوفاء علي (بن عقيل: ومن أخرج فوق العادة فأكثر للطيب والحوائج وأعطى المقرئين بين يدي الجنازة، وأعطى الحمالين، والحفارين زيادة على طريق المروءة. لا بقدر الواجب فمتبرع)، إن كان من ماله (فإن كان من التركة فمن نصيبه، انتهى). وكذا ما يعطي لمن يرفع صوته مع الجنازة بالذكر ونحوه وما يصرف في طعام ونحوه ليالي جمع. وما يصنع في أيامها من البدع المستحدثة خصوصا إذا كان في الورثة قاصر أو يتيم (وتكفن الصغيرة إلى بلوغ في قميص ولفافتين) لعدم حاجتها إلى خمار في حياتها، (وخنثى كأنثى) احتياطا (فتبسط) من يكفن الرجل الميت بعض (اللفائف) الثلاث (فوق بعض)، ليوضع عليها مرة واحدة، ولا يحتاج إلى حمله، ووضعه على واحدة بعد واحدة (ويجمرها بالعود) أو نحوه، أوصى به أبو سعيد وابن عمر وابن عباس. ولان هذا عادة الحي (بعد رشها بماء ورد أو غيره ليعلق به) رائحة البخور، وإن لم يكن الميت محرما (ثم يوضع) الميت (عليها)، أي اللفائف
(مستلقيا) لانه أمكن لادراجه فيها. والاولى أن يستر بثوب في حال حمله، وأن يوضع متوجها (ويجعل الحنوط، وهو أخلاط من طيب) يعد للميت خاصة (فيما بينها)، أي يذر بين اللفائف، و (لا) يجعل من الحنوط (على ظهر) اللفافة (العليا) لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة
[ 126 ]
ذلك. (ولا) يوضع (على الثوب الذي) يجعل (على النعش) شئ من الحنوط نص عليه. لانه ليس من الكفن (ويجعل منه) أي (في قطن يجعل ذلك القطن بين أليتيه) برفق، ويكثر ذلك ليرد ما يخرج عند تحريكه. (ويشد فوقه) أي القطن (خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام، (تجمع أليته ومثانته) ليرد ذلك ما يخرج. ويخفي ما يظهر من الروائح. (وكذلك) يضع (في الجراح النافدة) لما ذكر، (ويجعل الباقي) من القطن المحنط (على منافذ وجهه) كعينيه وفمه وأنفه، ويلحق بذلك أذناه، (و) على (مواضع سجوده) كجبهته وأنفه وركبتيه، وأطراف قدميه، تشريفا لها لكونها مختصة بالسجود (و) على (مغابنه كطي ركبتيه، وتحت إبطه، وكذا سرته) لان ابن عمر كان يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك، (ويطيب رأسه ولحيته) ولم يذكر ذلك في المنتهى وغيره. (وإن طيب) من يليه (ولو بمسك بغير ورس وزعفران سائر بدنه غير داخل عينيه كان حسنا)، لان أنسا طلي بالمسك، وطلي ابن عمر ميتا بالمسك (ويكره) أن يطيب (داخل عينيه) نص عليه، لانه يفسدهما. (و) يكره أن يطيب (بورس وزعفران) لانه ربما ظهر لونه على الكفن، ولانه يستعمل غذاء وزينة، ولا يعتاد التطيب به. (ويكره طليه) أي الميت (بصبر) بكسر الموحدة وتسكن في ضرورة الشعر، (ليمسكه. و) يكره طليه أيضا (بغيره) أي غير الصبر مما يمسكه، (ما لم ينقل) أي ما لم يرد نقل الميت من مكان إلى آخر فيباح ذلك للحاجة لكن إنما يباح النقل لحاجة بلا مفسدة بأن لا يخشى تفسخه أو تغيره، (قاله المجد) عبد السلام بن تيمية. وجزم بمعناه في المنتهى وغيره. (والطيب والحنوط غير واجبين. بل مستحبان) كحال الحياة، وتقدم. (ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الايسر على شقه الايمن، ثم) يرد (طرفها الايمن على) شقه (الايسر)
لانه عادة لبس الحي في قباء ورداء ونحوهما. (ثم) يرد (الثانية) من اللفائف (والثالثة) منها (كذلك) أي كالاولى. لانهما في معناها. (ويجعل ما عند رأسه) أي الميت من فاضل الكفن. (أكثر مما عند رجليه لشرفه) ولانه أحق بالستر من رجليه. (و) يجعل (الفاضل عن وجهه ورجليه عليهما) يعني يعيد الفاضل على وجهه ورجليه (بعد جمعه) ليصير الكفن كالكيس.
[ 127 ]
فلا ينتشر (ثم يعقدها) أي اللفائف (إن خاف انتشارها. ثم تحل العقد في القبر) لقول ابن مسعود: إذا أدخلتم الميت اللحد فحلوا العقد، رواه الاثرم. (زاد أبو المعالي وغيره: ولو نسي) الملحد أن يحلها نبش ولو كان (بعد تسوية التراب قريبا. لانه) أي حلها (سنة) فيجوز النبش لاجله، كإفراده عمن دفن معه. (ولا يحل الازار) في القبر إذا كفن في إزار وقميص ولفافة، نص عليه. (ولا يخرق الكفن) لانه إفساد له وتقبيح، مع الامر بتحسينه. قال أبو الوفاء (ولو خيف نبشه) قال في المبدع وغيره وهو ظاهر كلام غيره. وجوزه أبو المعالي، إن خيف نبشه. (وكرهه) أي تخريق الكفن الامام (أحمد) لما تقدم، (وإن كفن في قميص) كقميص الحي (بكمين ودخاريص، و) في (إزار ولفاقة. جاز من غير كراهة. وظاهره: ولو لم تتعذر اللفائف ويجعل المئزر مما يلي جسده) لانه (ص): ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات رواه البخاري. وعن عمرو بن العاص: أن الميت يؤزر ويقمص ويلف بالثالثة. وهذا عادة الحي (ولا يزر عليه) أي الميت (القميص) لانه لا يسن للحي زره فوق إزار، لعدم الحاجة. (ويدفن في مقبرة مسبلة بقول بعض الورثة لانه لا منة) لجريان العادة بذلك. (وعكسه الكفن والمؤنة) أي مؤنة التجهيز فلا يصرف ذلك من مسبل بقول بعض الورثة، لما فيه من المنة. (ولو بذله بعض الورثة من نفسه لم يلزم بقيتهم قبوله) لما في ذلك من المنة عليهم وعلى الميت. وكذلك إن تبرع أجنبي بتكفين فأبى الورثة أو بعضهم، (لكن ليس للبقية) أي بقية الورثة إذا تبرع به أحدهم (نقله) أي الميت، (و) لا (سلبه من كفنه) الذي تبرع به أحدهم (بعد دفنه) فيه. فإنه ينقل بطلب باقيهم (بخلاف مبادرته إلى ملك الميت لانتقاله) أي الملك (إليهم). وفي
إبقائه إسقاط لحقهم من التصرف فيه، (لكن يكره) لهم نقله، لما فيه من هتك حرمته. (ويسن تكفين امرأة في خمسة أثواب بيض) من قطن (إزار وخمار، ثم قميص: وهو الدرع، ثم لفافتين) استحبابا. لما روى أحمد وأبو داود - وفيه ضعف - عن ليلى الثقفية قالت: كنت فيمن غسل
[ 128 ]
أم كلثوم بنت النبي (ص). فكان أول ما أعطانا الحقاء ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر، قال أحمد: الحقاء الازار والدرع القميص. قال في المبدع فعلى هذا تؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمر بمقنعة، ثم باللفافتين. (ونصه، وجزم به جماعة) منهم الخرقي وأبو بكر، صاحب المحرر. إن الخامسة (خرقة تشد بها فخذاها، ثم مئزر، ثم قميص، ثم خمار، ثم لفافة. ولا بأس أن تنقب) ذكره ابن تميم وابن حمدان. (وتسن تغطية نعش) لما فيه من المبالغة في ستر الميت وصيانته (بأبيض) لانه خير الالوان. (ويكره) أن يغطى نعش (بغيره) أي غير أبيض. ويحرم بحرير ومنسوج بذهب أو فضة. (وإن مات مسافر كفنه رفيقه من ماله. فإن تعذر) تكفينه من ماله (فمنه) أي فإنه يكفنه من مال نفسه. (ويأخذه من تركته) إن كانت (أو) يأخذه (ممن تلزمه نفقته) غير الزوج (إن نوى الرجوع)، لانه قام بواجب، فإن لم ينو الرجوع فمتبرع (ولا حاكم. فإن وجد حاكم وأذن فيه) لرفيقه (رجع) رفيقه بما كفنه به. (وإن لم يأذن) الحاكم أو لم يستأذنه، ولو مع قدرته على استئذانه (ونوى الرجوع رجع) على التركة، أو من تلزمه نفقته، لقيامه بواجب (وإن كان للميت كفن، وثم حي مضطر إليه) أي إلى كفن الميت، (لبرد ونحوه) كدفع حر، (فالحي أحق به) أي بكفن الميت. فله أخذه بثمنه لان حرمة الحي آكد. (قال المجد وغيره: إن خشي التلف. وإن كان) الحي محتاجا لكفن الميت (لحاجة الصلاة فيه. فالميت أحق بكفنه. ولو كان لفافتين. ويصلي الحي) عريانا (عليه). وقال ابن عقيل وابن الجوزي: يصلي عليه عادم في إحدى لفافتيه. (وإن نبش) الميت (وسرق كفنه كفن من تركته ثانيا وثالثا، ولو قسمت) تركته كما لو قسمت قبل تكفينه الاول. ويؤخذ من كل وارث
بنسبة حصته من التركة (ما لم تصرف) تركته (في دين أو وصية)، فإن وقع ذلك وتبرع أحد
[ 129 ]
بكفنه، وإلا ترك بحاله. (وإن أكله) أي الميت (سبع أو أخذه سيل، وبقي كفنه. فإن كان) كفنه (من ماله ف) - هو (تركة) يقسم بين ورثته على قدر أنصبائهم، لاستغناء الميت عنه. (وإن كان) الكفن (من) شخص (متبرع به فهو له) أي للمتبرع به، (لا لورثة الميت) لان تكفينه إياه: ليس بتمليك، بل إباحة، بخلاف ما لو وهبه للورثة أولا، فكفنوه به، ثم وجدوه. فإنه يكون لهم. ويأتي في السرقة ذلك وما فيه. (وإن جبى كفنه) أي الميت لحاجة وفضل منه شئ، (فما فضل) منه (فلربه إن علم) لانه دفعه ظنا منه أنه محتاج إليه، فتبين أنه مستغن عنه. فيرد إليه (فإن جهل) ربه، ولو باختلاطه وعدم تميزه (ف) - إنه يصرف (في كفن آخر) إن أمكن، (فإن تعذر) ذلك (تصدق به) قال في الفروع: وأطلق بعضهم أنه يصرف في التكفين مطلقا، نص عليه. وفي المنتخب كزكاة في رقاب أو غارم. (ولا يجبى كفن لعدم) ما يكفن به الميت. (إن ستر) أي إن أمكن ستره (بحشيش) ذكره في الفنون، صونا للميت عن التبذل. فصل: (في الصلاة على الميت) وهي فرض كفاية، على غير شهيد معركة ومقتول ظلما. لامر الشارع بها في غير حديث. كقوله (ص): صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم. وقوله (ص) في الغال: صلوا على صاحبكم. وقوله: إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا صلوا عليه. وقوله: صلوا على من قال لا إله إلا الله. والامر للوجوب. وإنما تجب على من علم بالميت من المسلمين لان من لم يعلم به معذور. (يسقط فرضها بواحد، رجلا كان، أو امرأة، أو خنثى)، لان الصلاة على الميت فرض تعلق به. فسقط بالواحد. (كغسله) وتكفينه ودفنه، (وتسن لها) أي الصلاة
[ 130 ]
عليه (الجماعة ولو لنساء). كما كان النبي (ص) يفعلها هو وأصحابه. واستمر الناس على ذلك في جميع الاعصار. (إلا على النبي (ص) فلا)، أي فإنهم لم يصلوا عليه بإمام (احتراما له وتعظيما) لقدره. قال ابن عباس: دخل الناس على النبي (ص) أرسالا يصلون عليه. حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان. ولم يؤم الناس على النبي (ص) أحد رواه ابن ماجه. وفي البزار والطبراني: إن ذلك كان بوصية منه (ص). (ولا يطاف بالجنازة على أهل الاماكن ليصلوا عليها. فهي كالامام يقصد) بالبناء للمفعول، (ولا يقصد) بالبناء للفاعل (والاولى بها) أي بالصلاة على الميت إماما: وصية العدل، لاجماع الصحابة. فإنهم ما زالوا يوصون بذلك. ويقدمون الوصي. فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر. وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب. وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد. وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبوبرزة. حكى ذلك كله أحمد. وقال غيره: عائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة. وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير. ولانها ولاية تستفاد بالنسب، فصح الايصاء بها، كالمال. وتفرقته. فإن كان الوصي فاسقا لم تصح الوصية إليه. ثم (بعد الوصي: السلطان) لعموم قوله (ص): لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه - الحديث، رواه مسلم وغيره. ولان النبي (ص) وخلفاءه من بعده كانوا يصلون على الموتى. ولم ينقل عن أحد منهم أنه استأذن العصبة. وعن أبي حازم قال: شهدت حسينا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة. وهو يقول: لولا السنة ما قدمتك. وهذا يقتضي أنها سنة رسول الله (ص): ولانها صلاة يسن لها الاجتماع. فإذا حضرها السلطان كان أولى بالتقديم. كالجمع والاعياد (ثم نائبه الامير) أي أمير بلد الميت، إن حضرها (ثم الحاكم وهو القاضي، لكن السيد أولى برقيقه بها) أي بالصلاة عليه إماما (من السلطان) ونوابه. لانه مالكه (و) السيد أيضا أولى (بغسل وبدفن) لرقيقه لما تقدم، (ثم) بعد السلطان ونوابه: الاولى بالصلاة على الحر (أقرب العصبة) يعني الاب، ثم الجد له وإن علا، ثم الابن ثم ابنه وإن نزل، ثم الاخ لابوين، ثم لاب وهكذا كالميراث (ثم ذوو
أرحامه) الاقرب فالاقرب، كالغسل (ثم الزوج) ثم الاجانب (ومع التساوي) كابنين أو
[ 131 ]
أخوين أو عمين. (يقدم الاولى بالامامة) لما تقدم هناك (فإن استووا في الصفات) بحيث لا أولوية لاحدهم على الآخر في الامامة (أقرع) كالاذان، (ويقدم الحر البعيد) كالعم، (على العبد القريب) كالاخ العبد، لانه غير وارث. (ويقدم العبد المكلف على الصبي) الحر، لانه لا تصح إمامته للبالغين، (و) على (المرأة) لانه لا تصح إمامتها للرجال. فعلم منه: أن هذا التقديم واجب. (فإن اجتمع أولياء موتى قدم) منهم (الاولى بالامامة) كغيرها من الصلوات. (ثم) إن تساووا في ذلك ف (- قرعة) لعدم المرجح. (ولولي كل ميت أن ينفرد بصلاته على ميته إن أمن فسادا) لعدم المحذور. (ومن قدمه ولي فهو بمنزلته) إن كان أهلا للامامة، كولاية النكاح. قال أبو المعالي: فإن غاب الاقرب بمكان تفوت الصلاة بحضوره، تحولت للابعد، أي فله منع من قدم بوكالة ورسالة لانه إذا أنزل شخصا مكانه ثم غاب الغيبة المذكورة. سقط حقه، وتحولت الولاية للابعد. فيسقط حق الوكيل تبعا لاصله. نقله عنه في الفروع. وقال: كذا قال (فإن بادر أجنبي وصلى بغير إذن) الولي، أو صلى البعيد بغير إذن القريب، صح، لان مقصود الصلاة الدعاء للميت وقد حصل. وليس فيها كبير افتيات تشح به الانفس عادة، بخلاف ولاية النكاح. (فإن صلى الولي خلفه صار إذنا) لدلالته على رضاه بذلك. كما لو قدمه للصلاة (وإلا) أي وإن لم يصل الولي وراءه، (فله أن يعيد الصلاة، لانها حقه). ويسن لمن صار إذنا) لدلالته على رضاه بذلك. كما لو قدمه للصلاة (وإلا) أي وإن لم يصل الولي وراءه، (فله أن يعيد الصلاة، لانها حقه). ويسن لمن صلى أن يعيد تبعا له. ولو مات بأرض فلاة، فقال في الفصول: يقدم أقرب أهل القافلة إلى الخير، والاشفق، قال في الفروع: والمراد كالامامة. (وإذا سقط فرضها) بصلاة مكلف فأكثر (سقط التقديم الذي هو من أحكامها) لانه تابع لفرضها. فسقط بسقوطه. (وليس للوصي أن يقدم غيره) لنفويته على الموصي ما أمله في الوصي من الخير والديانة. فإن لم يصل الوصي انتقل الحق لمن يليه. (ولا تصح الوصية بتعيين مأموم. لعدم الفائدة) فيه. (ويستحب للامام أن يصفهم، وأن يسوي صفوفهم) لعموم
ما سبق في المراصة وتسوية الصفوف. (و) يستحب (أن لا ينقصهم عن ثلاثة صفوف) لخبر مالك بن هبيرة مرفوعا: ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف إلا غفر له قال
[ 132 ]
الترمذي: حديث حسن. (والفذ هنا) أي في صلاة الجنازة (ك) - الفذ في (غيرها) فلا تصح صلاته، إلا امرأة خلف رجل على ما تقدم في باب الجماعة خلافا لابن عقيل والقاضي في التعليق. (ويسن أن يقوم إمام عند صدر رجل) روي عن ابن مسعود. قال في المقنع وغيره: عند رأسه. للخبر. وهو قريب من الاول. لقرب أحدهما من الآخر. فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر (ووسط امرأة) نص على ذلك أحمد في رواية صالح وأبي الحرث، وأبي طالب، وجعفر ومحمد بن القاسم، وابن منصور، وأبي الصقر، وحنبل وحرب، وسندي الخواتيمي لحديث أنس: صلى على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة، فقام حيال وسط السرير. فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله (ص) قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: احفظوا. قال الترمذي هذا حديث حسن. (وبين ذلك) أي بين الصدر والوسط (من خنثى) مشكل لاستواء الاحتمالين. (فإن اجتمع رجال موتى فقط) أي لا نساء معهم ولا خناثى، (أو) اجتمع (خناثى) موتى (فقط) لا رجال ولا نساء معهم، (سوى بين رؤوسهم) لان موقفهم واحد. وإن اجتمع أنواع سوى بين رؤوس كل نوع. (ومنفرد كإمام) فيقف عند صدر رجل ووسط امرأة، وبين ذلك من خنثى (ويقدم إلى الامام من كل نوع أفضلهم)، أي أفضل أفراد ذلك النوع. لانه يستحق التقدم في الامامة لفضيلته، فاستحق تقديم جنازته. ويؤيد ذلك أنه: كان (ص) يقدم في القبر من كان أكثر قرآنا. فيقدم إلى الامام الحر المكلف ثم العبد المكلف، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة. نقله الجماعة كالمكتوبة. (فإن تساووا) في الفضل (قدم أكبر) أي أسن، لعموم قوله (ص): كبر كبر. (فإن تساووا) في السن (فسابق) أي يقدم لسبقه (فإن تساووا) في ذلك (فقرعة) فيقدم من تخرج له القرعة كالامامة (ويقدم الافضل من الموتى
أمام) أي قدام (المفضولين في المسير) لان حق الافضل أن يكون متبوعا لا تابعا. (ويجعل وسط المرأة حذاء صدر الرجل، و) يجعل (خنثى بينهما) إذا اجتمعوا ليقف الامام والمنفرد
[ 133 ]
من كل واحد من الموتى موقفه. (وجمع الموتى في الصلاة عليهم أفضل من الصلاة عليهم منفردين) أي على كل واحد وحده، محافظة على الاسراع والتخفيف. (والاولى) لمن يصلي على الميت (معرفة ذكوريته وأنوثيته واسمه، وتسميته) أي الميت (في دعائه) له، (ولا يعتبر ذلك) أي معرفة كونهم رجالا أو نساء لعدم اختلاف المقصود باختلاف ذلك. (ولا بأس بالاشارة حال الدعاء للميت) نص عليه. (ثم يحرم) بعد النية (كما سبق في) باب (صفة الصلاة) فيقول قائما مع القدرة: الله أكبر، لا يقوم غيرها مقامها. ومن لم ينبه على النية هنا اكتفى بما تقدم، لحديث: إنما الاعمال بالنيات. وصفة النية هنا: أن ينوي الصلاة على هذا الميت، أو هؤلاء الموتى إن كانوا جماعة، عرف عددهم أولا (ويضع يمينه على شماله) بعد حطهما أو فراغ التكبير، ويجعلهما تحت سرته، كما سبق. (ويتعوذ) ويبسمل (قبل الفاتحة) لما سبق في صفة الصلاة، (ولا يستفتح) لانها مبنية على التخفيف. ولذلك لم يشرع فيها قراءة سورة بعد الفاتحة. (ويكبر) أربع (تكبيرات) لما في الصحيح من حديث أنس وغيره: أن النبي (ص) كبر على الجنازة أربعا. وفي صحيح مسلم: أن النبي (ص) نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى، وكبر أربع تكبيرات، وفيه عن ابن عباس: أنه (ص) صلى على قبر بعد ما دفن، وكبر أربعا. وقد قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي. (ويقرأ في) التكبيرة (الاولى: الفاتحة، فقط) أي من غير سورة، لما تقدم: أن مبني هذه الصلاة على التخفيف (سرا ولو ليلا)، لما روى الزهري عن أبي أمامة بن سهل قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الاولى: بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا والسلام، وعن الزهري عن محمد بن سويد الدمشقي عن الضحاك بن قيس نحوه، رواهما النسائي. ولا تقاس على المكتوبة. لانها مؤقتة والجنازة غير مؤقتة، فأشبهت تحية
المسجد ونحوها. (ويصلي) سرا (على النبي (ص) في) التكبيرة (الثانية) لما روى الشافعي والاثرم بإسنادهما عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي (ص): أن السنة
[ 134 ]
في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي (ص) ويخلص الدعاء للميت، ثم يسلم. وتكون الصلاة عليه (كما في التشهد) لانه (ص) لما سألوه: كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك. وقال في الكافي: لا تتعين صلاة، لان القصد مطلق الصلاة. ومعناه في الشرح: (ولا يزيد عليه) أي على ما في التشهد، خلافا للقاضي. فإنه استحب بعدها: اللهم صل على ملائكتك المقربين، وأنبيائك المرسلين، وأهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات وأهل الارضين، إنك على كل شئ قدير. (ويدعو) للميت (في) التكبيرة (الثالثة سرا بأحسن ما يحضره) لقوله (ص): إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود وابن ماجه، وفيه ابن إسحاق. (ولا توقيت) أي تحديد (فيه)، أي في الدعاء للميت، نص عليه. لما سبق (ويسن) الدعاء (بالمأثور) أي الوارد في الدعاء للميت، (فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا) حاضرنا (وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا. وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شئ قدير. اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام ومن توفيته منا فتوفه على الايمان) هكذا في الفروع وهو لفظ حديث أبي هريرة. وقال في المقنع وتبعه في المنتهى وغيره: فأحيه على الاسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما قال في المبدع وشرح المنتهى: رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة. زاد ابن ماجه: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده وفيه ابن إسحاق، قال الحاكم: حديث أبي هريرة صحيح على شرط
[ 135 ]
الشيخين لكن زاد فيه المؤلف، أي الموفق: وأنت على كل شئ قدير ولفظه السنة: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله) بضم الزاي، وقد تسكن، (وأوسع
مدخله) بفتح الميم: موضع الدخول، وبضمها من الادخال. (واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس. وأبدله دارا خيرا من داره وزوجا خيرا من زوجه. وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) رواه مسلم من حديث عوف بن مالك: أنه سمع النبي (ص) يقول ذلك على جنازة حتى تمنى أن يكون ذلك الميت. وفيه رواية: أهلا خيرا من أهله وزاد الموفق لفظ: من الذنوب، وتبعه المصنف وغيره. (وافسح له في قبره ونور له فيه). لانه لائق بالمحل. (اللهم إنه عبدك ابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به) استحبه المجد، تبعا للخرقي وابن عقيل وغيرهما، زاد الخرقي وابن عقيل وجماعة: (ولا أعلم إلا خيرا) لما روي عن النبي (ص) أنه قال: ما من مسلم يموت يشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الادنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت شهادة عبادي. فيما علموا، وغفرت له ما أعلم، رواه أحمد. (اللهم إن كان محسنا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. اللهم لا تحرمنا أجره. ولا تفتنا بعده). ذكره في المبدع عن جماعة، وزاد بعد: فتجاوز عنه. اللهم إنا جئنا شفعاء له فشفعنا فيه. وبعد ولا تفتنا بعده: واغفر لنا وله إنك غفور رحيم. (وإن كان) الميت (صغيرا ولو أنثى، أو بلغ مجنونا واستمر) على جنونه حتى مات، (جعل مكان الاستغفار له) بعد فتوفه على الايمان. (اللهم اجعله ذخرا لوالديه وفرطا وأجرا وشفيعا مجابا. اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما. وألحقه
[ 136 ]
بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم. وقه برحمتك عذاب الجحيم)، لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعا: السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة. وفي لفظ: بالعافية والرحمة، رواهما أحمد. وإنما لم يسن الاستغفار له، لانه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم، فالعدول إلى الدعاء لوالديه أولى من الدعاء له. وما ذكر من الدعاء لائق بالمحل مناسب لما هو فيه. فشرع فيه كالاستغفار للبالغ وقوله: فرطا أي سابقا مهيئا لمصالح أبويه في الآخرة. وقوله: في كفالة إبراهيم يشير به إلى ما أخرج ابن أبي الدنيا
وابن أبي حاتم في تفسيره عن خالد بن معدان قال: إن في الجنة لشجرة يقال لها طوبى. كلها ضروع، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى. وحاضنهم إبراهيم خليل الرحمن. (وإن لم يعرف إسلام والديه دعا لمواليه) فيقول: دخرا لمواليه - إلى آخره. (ويقول في دعائه لامرأة: اللهم إن هذه أمتك ابنة أمتك نزلت بك، وأنت خير منزول به) بدل ما تقدم من قوله في دعائه للرجل: اللهم إنه عبدك - إلى قوله: وأنت خير منزول به. (ولا يقول: أبدلها زوجا خيرا من زوجها في ظاهر كلامهم)، قاله في الفروع. (ويقول في) دعائه إذا كان الميت (خنثى) اللهم اغفر ل (- هذا الميت ونحوه)، كهذه الجنازة، لانه يصلح لهما. (وإن كان يعلم من الميت غير الخير، فلا يقول: ولا أعلم إلا خيرا) لانه كذب. (ويقف بعد) التكبيرة (الرابعة قليلا) لما روى الجوزجاني عن زيد بن أرقم أن النبي (ص): كان يكبر أربعا ثم يقف ما شاء الله، فكنت أحسب هذه الوقفة لتكبير آخر الصفوف. (ولا يدعو) أي لا يشرع بعدها دعاء. نص عليه. واختاره الخرقي وابن عقيل وغيرهما. ونقل جماعة يدعو فيها كالثالثة. اختاره أبو بكر والآجري والمجد في شرحه. لان ابن أبي أوفى فعله وأخبر: أن النبي (ص) فعله: قال أحمد: هو من أصلح ما روي. وقال: لا أعلم شيئا يخالفه. فيقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واختاره جمع. وحكاه ابن الزاغوني عن الاكثر. وصح أن أنسا كان لا يدعو بدعاء إلا ختمه بهذا. واختار أبو بكر: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. لانه لائق بالمحل. (ولا يتشهد ولا يسبح بعدها) أي الرابعة (ولا قبلها)، نص عليه. (ولا بأس بتأمينه) على الدعاء بعد
[ 137 ]
الرابعة، (ويسلم) تسليمة (واحدة عن يمينه) نص عليه. وقال: عن ستة من أصحاب النبي (ص). ولقوله: وتحليلها التسليم. وروى عطاء بن السائب: أن النبي (ص) سلم على الجنازة تسليمة رواه الجوزجاني. (يجهر بها) أي التسليمة (الامام) كالمكتوبة، (ويجوز) أن يسلم (تلقاء وجهه)، نص عليه. أي من غير التفات. (ويجوز) تسليمة (ثانية عن يساره) لما ذكر
الحاكم عن ابن أبي أوفى تسليمتين. واستحبه القاضي. قال في المبدع: ويتابع الامام في الثانية كالقنوت. (ويرفع يديه مع كل تكبيرة)، رواه الشافعي عن ابن عمر، وسعيد عن ابن عباس، والاثرم عن عمر. وزيد بن ثابت. ولانه لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود، فسن فيها الرفع كتكبيرة الاحرام. وصفة الرفع وانتهاؤه كما سبق. (ويسن وقوفه) أي المصلي (مكانه حتى ترفع) الجنازة. روي عن ابن عمر ومجاهد. قال الاوزاعي: لا تنفض الصفوف، حتى ترفع الجنازة. (والواجب من ذلك) المذكور في صفة الصلاة على الجنازة ستة أشياء. أحدها: (القيام إن كانت الصلاة فرضا)، كسائر الصلوات المفروضة. لعموم قوله (ص): صل قائما. (ولا تصح) صلاة الجنازة فرضا (من قاعد ولا راكب) لفوات ركنها. وهو القيام. وعلم منه: أن نفلها يصح من القاعد: كنفل سائر الصلوات. ومن الراكب المسافر (و) الثاني: (التكبيرات الاربع) لما روى ابن عباس وأبو هريرة وجابر: أنه (ص) كبر أربعا متفق عليه. وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. (فإن ترك منها) أي الاربع غير مسبوق تكبيرة (عمدا) بطلت صلاته، لتركه واجبا. (و) إن ترك تكبيرة منها فأكثر (سهوا يكبر) ما تركه، (ما لم يطل الفصل). كمن سلم عن نقص ركعة من صلاته (فإن طال) الفصل (أوجد مناف من كلام ونحوه استأنف) الصلاة، أي ابتدأها، لما روي عن قتادة: أن أنسا صلى على جنازة فكبر عليها ثلاثا، وتكلم، فقيل له: إنما كبرت ثلاثا. فرجع فكبر أربعا. رواه حرب في مسائله، والخلال في جامعه. وعوده إلى ذلك لما أنكروه عليه: دليل إجماعهم على أنه لا بد من أربع تكبيرات. وعن حميد الطويل قال: صلى بنا أنس فكبر ثلاثا ثم سلم. فقيل له: إنما كبرت ثلاثا.
[ 138 ]
فاستقبل القبلة. وكبر الرابعة رواه البخاري، فتحمل رواية حميد على عدم وجود المنافي، وفي رواية حرب والخلال على وجود المنافي. فإن فيها: وتكلم. والثالث: قراءة (الفاتحة على إمام منفرد) لما تقدم، من حديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
ويتحملها الامام عن المأموم. (و) الرابع: (الصلاة على النبي (ص)) لقوله: لا صلاة لمن لم يصل على نبيه، ذكره في المبدع. (و) الخامس: (دعوة للميت) لانه هو المقصود. فلا يجوز الاخلال به. (ولا يتعين الدعاء للميت في) التكبيرة (الثالثة. بل يجوز في) التكبيرة (الرابعة)، نقله الزركشي عن الاصحاب. لان ما تقدم من الاحاديث لا تعيين فيه، (ويتعين غيره) أي الدعاء (في محاله). فتتعين القراءة في الاولى. والصلاة على النبي (ص) في الثانية. صرح به في المستوعب والكافي والتلخيص والبلغة. قال في المبدع: وقدم في الفروع خلافه. ووجه الاول: ما روي للشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي (ص) أن من السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الامام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى، يقرأ في نفسه، ثم يصلي على النبي، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات. لا يقرأ في شئ منهن، ثم يسلم سرا في نفسه. (و) السادس: (تسليمة) لانه (ص): كان يسلم على الجنائز، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. (ولو لم يقل) في السلام من الصلاة على الجنازة، (ورحمة الله أجزأ وتقدم في) باب (صفة الصلاة) لما روى الخلال بإسناده عن علي بن أبي طالب: أنه صلى على يزيد بن الملقف، فسلم واحدة عن يمينه: السلام عليكم. (و) يشترط لها (جميع ما يشترط لمكتوبة) كالاسلام والعقل والتمييز، والطهارة، وستر العورة مع أحد العاتقين. واجتناب النجاسة واستقبال القبلة، والنية، (مع حضور الميت بين يديه) أي يدي المصلي (قبل الدفن) احترازا عما بعد الدفن. ويأتي الكلام عليه (إلا الوقت) استثناء من قوله: جميع ما يشترط لمكتوبة. أي فالوقت مشروط للمكتوبة دون الجنازة. (فلا تصح) الصلاة (على جنازة محمولة) على الاعناق أو على دابة،
[ 139 ]
أو أيدي الرجال (لانها) أي الجنازة (كإمام) ولهذا لا صلاة بدون الميت. قال المجد وغيره: قربها من الامام مقصود. كقرب المأموم من الامام. لانه يسن الدنو منها. وفي كتاب الخلاف للقاضي: صلاة الصف الاخير جائزة. ولو حصل بين الجنازة وبينه
مسافة بعيدة ولو وقف في موضع الصف الاخير بلا حاجة. لم يجز (ولا) تصح الصلاة على الجنازة (من وراء حائل قبل الدفن كحائط ونحوه) كنعش مغطى بخشب. كما قدمه في الفروع وغيره. (ويشترط) أيضا مع ما تقدم (إسلام ميت) لان الصلاة عليه شفاعة. والكافر ليس من أهلها، ولا يستجاب فيه دعاء. قال تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) *. (و) يشترط أيضا (تطهيره) أي الميت (بماء) إن أمكن، (أو تراب لعذر) كفقد الماء ونحوه مما تقدم. وكذا يشترط تكفينه. فلا تصح الصلاة عليه قبل غسله وتكفينه. (ولا يجب أن يسامت الامام الميت. فإن لم يسامته كره. قاله في الرعاية. ولا يشترط معرفة عين الميت) لعدم توقف المقصود على ذلك. (فينوي) الصلاة (على الحاضر) أو على هذه الجنازة ونحو ذلك. (وإن نوى) الصلاة على (أحد الموتى اعتبر تعيينه) لتزول الجهالة. (فإن) نوى الصلاة على معين من موتى يريد به زيدا ف (- بان غيره. فجزم أبو المعالي: أنها لا تصح. وقال) أبو المعالي: (إن نوى) الصلاة (على هذا الرجل فبان امرأة أو عكس) - ه، إن نوى على هذه المرأة، فبانت رجلا (فالقياس الاجزاء). لقوة التعيين على الصفة في باب الايمان وغيرها. قال في الفروع: وهو معنى كلام غيره. (ولا تجوز الزيادة) في صلاة الجنازة (على سبع تكبيرات). قال في الشرح: لا يختلف المذهب فيه. قال أحمد: هو أكثر ما جاء فيه. لانه روي عن النبي (ص): أنه كبر على حمزة سبعا رواه ابن شاهين وكبر على أبي قتادة سبعا. وعلى سهل بن حنيف ستا. وقال: أنه يروى أن عمر جمع الناس فاستشارهم فقال بعضهم: كبر النبي (ص) سبعا. وقال بعضهم: أربعا. فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات. وقال: هو أطول الصلاة، يعني أن كل تكبيرة من الجنازة مقام ركعة من الصلاة ذات الركوع. وأطول المكتوبات أربع ركعات.
[ 140 ]
(ولا) يجوز (النقص عن أربع) تكبيرات لما تقدم (والاولى أن لا يزيد على الاربع) من التكبيرات. لجمع عمر الناس عليه. لان المداومة على الاربع تدل على الفضيلة، وغيرها
يدل على الجواز. (فإن زاد إمام) على أربعة (تابعه مأموم) لعموم قوله (ص): إنما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه (إلى سبع) لما تقدم عن أحمد أنه أكثر ما جاء فيه. (ما لم تظن بدعته) أي الامام (أو رفضه. فلا يتابع) على ما زاد على أربع، لما في متابعة من إظهار شعارهم. (ولا يدعو بعد التكبيرة الرابعة في المتابعة نصا) أي كما لا يدعو لو كان يسلم عقبها (ولا يتابع) الامام (فيما زاد على السبع) تكبيرات. لعدم وروده كما تقدم. (ولا تبطل) صلاة الجنازة. (بمجاوزتها) أي السبع تكبيرات (ولو عمدا) لانها زيادة قول مشروع في أصله داخل الصلاة. أشبه تكرار الفاتحة والتشهد، وسائر الاذكار. أو نقول: تكرار تكبيره أشبه تكبير الصلوات. وعكسه زيادة الركعة. لانها زيادة أفعال، ولهذا لو زاد ركوعا أو سجودا أبطل الصلاة، وإن كان لا يقضي منفردا، لكونه فعلا. (وينبغي أن يسبح بعدها) أي السابعة (به) أي بالامام لاحتمال سهوه، و (لا) ينبغي أن يسبح به (فيما) زاد على الاربع (دونها) أي دون السابعة، أي في الخامسة والسادسة والسابعة. للاختلاف فيها. (ولا يسلم) المأموم (قبله) أي قبل إمامه، ولو جاوز السبع تكبيرات، نص عليه، فيحرم، لانه ترك المتابعة من غير عذر، لما تقدم من أنها لا تبطل بمجاوزة السبع. (ومنفرد كإمام في الزيادة) على السبع وفي النقص عن أربع. فلا يجوز له ذلك لكن لا تبطل صلاته بمجاوزة السبع. لما سبق (وإن كبر) إمام أو منفرد (على جنازة) تكبيرة واحدة (ثم جئ ب) - جنازة (أخرى كبر) تكبيرة (ثانية ونواهما) أي الجنازتين (فإن جئ ب) - جنازة (ثالثة كبر) التكبيرة (الثالثة، ونوى الجنائز الثلاث. فإن جئ ب) - جنازة (رابعة كبر) التكبيرة (الرابعة ونوى) الجنائز (الكل. فيصير مكبرا على الاولى أربعا، وعلى الثانية ثلاثا، وعلى الثالثة اثنتين، وعلى الرابعة واحدة. فيأتي بثلاث تكبيرات أخر) تتمة السبع، (فيتم) تكبيره (سبعا، يقرأ) الفاتحة (
[ 141 ]
في) التكبيرة (الخامسة، ويصلي) على النبي (ص) (في) التكبيرة (السادسة، ويدعو) للموتى (في) التكبيرة (السابعة)، ثم يسلم (فيصير مكبرا على) الجنازة (الاولى سبعا،
وعلى الثانية ستا، وعلى الثالثة خمسا، وعلى الرابعة أربعا، فإن جئ) بعد التكبيرة الرابعة (ب) - جنازة (الخامسة لم ينوها بالتكبير، بل يصلي عليها بعد سلامه) لئلا يؤدي إلى تنقيصها عن أربع، أو زيادة ما قبلها على سبع، وكلاهما محظور. (وكذا لو جئ ب) - جنازة (ثانية عقب التكبيرة الرابعة) لم يجز إدخالها في الصلاة (لانه لم يبق من السبع) تكبيرات (أربع) بل ثلاث، فيؤدي إلى ما سبق. (فإن أراد أهل الجنازة الاولى رفعها) بعد الاربع تكبيرات و (قبل سلام الامام لم يجز) لان السلام ركن لا تتم الصلاة إلا به. (وفي الكافي) فيما إذا جئ بأخرى فأكثر، فكبر ونوى لهما أو لهم، وقد بقي من تكبيره أربع. (يقرأ في الرابعة الفاتحة ويصلي) على النبي (ص) (في الخامسة، ويدعو لهم في السادسة) لتكمل الاركان لجميع الجنائز وما قدمه المصنف قطع به في الشرح والتنقيح، وتبعه في المنتهى. (ومن سبق ببعض الصلاة كبر ودخل مع الامام) حيث أدركه. (ولو بين تكبيرتين ندبا) كالصلاة (أو) كان إدراكه له (بعد تكبيرة الرابعة قبل السلام) فيكبر للاحرام معه، (ويقضي ثلاث تكبيرات) استحبابا (ويقضي مسبوق ما فاته) قبل دخوله مع الامام (على صفته) لان القضاء يحكي الاداء كسائر الصلوات ويكون قضاؤه (بعد سلام الامام) كالمسبوق في الصلاة. قلت: لكن إن حصل له عذر يبيح ترك جمعة وجماعة صح أن ينفرد ويتم لنفسه، قبل سلامه. (فإن أدركه) المسبوق (في الدعاء تابعه فيه) أي الدعاء. (فإذا سلم الامام كبر وقرأ الفاتحة) بعد التعوذ والبسملة، (ثم كبر وصلى على النبي (ص). ثم كبر وسلم) لما تقدم أن
[ 142 ]
المقضي أول صلاته. فيأتي فيه بحسب ذلك. لعموم قوله (ص): وما فاتكم فاقضوا، وقوله: ثم كبر وسلم هكذا في الشرح وغيره. وإنما يظهر إذا كان الدعاء بعد الرابعة أو بعد الثالثة، لكنه لم يأت بها لنوم أو سهو ونحوه. والالزام عليه الزيادة على أربع، وتركها أفضل. فإن كان أدركه في الدعاء وكبر الاخيرة معه فإذا سلم الامام كبر وقرأ الفاتحة ثم كبر
وصلى عليه (ص) ثم سلم من غير تكبير. لان الاربع تمت. تتمة: متى أدرك الامام في التكبيرة الاولى، فكبر وشرع في القراءة، ثم كبر الامام قبل أن يتمها تابعه. وقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا أدرك الامام قبل إتمامه القراءة. (فإن خشي) المسبوق (رفعها) أي الجنازة، (تابع) أي والى (بين التكبير من غير ذكر) أي قراءة وصلاة على النبي (ص). (ولا دعاء، رفعت) الجنازة (أم لا) قدمه في الفروع. وحكاه نصا (فإن سلم) المسبوق (ولم يقض) ما فاته (صح) ذلك، أي صحت صلاته، لحديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله إني أصلي على الجنازة، ويخفى علي بعض التكبير. قال: ما سمعت فكبري وما فاتك فلا قضاء عليك. وهذا صريح في عدم وجوب القضاء، لكن يستحب، ولانها تكبيرات متواليات حال القيام. فلم يجب قضاء ما فات منها. كتكبيرات العيد (ومتى رفعت) الجنازة (بعد الصلاة) عليها (لم توضع لاحد) يريد أن يصلي عليها، تحقيقا للمبادرة إلى مواراة الميت. وعبارة المنتهى: ولا توضع لصلاة بعد حملها (فظاهره: يكره) ويبادر بدفنها. وقال القاضي: إلا أن يرجى مجئ الاولى فتؤخر، إلا أن يخاف تغيره، (ومن لم يصل) على الجنازة لعذر أو غيره (استحب له إذا وضعت) الجنازة (أن يصلي عليها قبل الدفن أو بعده. ولو جماعة على القبر)، لحديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد - أو شابا - ففقدها النبي (ص) أو فقده فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: ماتت أو مات، فقال: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال: دلوني على قبرها أو على قبره، فدلوه فصلى عليها أو عليه. وعن ابن عباس قال: انتهى النبي (ص) إلى قبر رطب
[ 143 ]
فصلى عليه، وصفوا خلفه وكبر أربعا متفق عليهما. قال أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر؟ يروى عن النبي (ص) من ستة وجوه كلها حسان. (وكذا غريق ونحوه) كأسير، فيصلى عليه إلى شهر، ويسقط شرط الحضور للحاجة والغسل، لتعذره. أشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم. (إلى شهر من دفنه) لما روى الترمذي عن سعيد بن المسيب: أن أم
سعد ماتت والنبي (ص) غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر. وأسناده ثقات. قال أحمد: أكثر ما سمعت هذا، ولانه لا يعلم بقاؤه أكثر منه. فتقيد به (و) إلى (زيادة يسيرة) على الشهر. قال القاضي: كاليومين، وإنما لم تجز على قبره (ص) لئلا يتخذ مسجدا. (ويحرم) أن يصلي على قبر (بعدها) أي بعد الزيادة اليسيرة، نص عليه. وحديث الدارقطني عن عباس مرفوعا: أنه صلى على قبر بعد شهر، أجاب أبو بكر: يريد شهرا. كقوله تعالى: * (ولتعلمن نبأه بعد حين) * أراد الحين، ويمكن حمله على الزيادة اليسيرة. قال في المبدع: فأما إذا لم يدفن فإنه يصلى عليه، وإن مضى أكثر من شهر، وقيده ابن شهاب. وقدمه في الرعاية بشهر. (وإن شك في انقضاء المدة) التي يصلى فيها على القبر ونحوه، (صلى عليه، حتى يعلم فراغها) لان الاصل بقاؤها. (ويصلي إمام) أعظم، (وغيره على غائب عن البلد، ولو كان دون مسافة قصر، أو) كان (في غير جهة القبلة) أي قبلة المصلي (بالنية إلى شهر) كالصلاة على القبر، لكن يكون الشهر هنا من موته، كما في شرح المنتهى، لانه (ص): صلى على النجاشي فصف - أي الناس - وكبر عليه أربعا متفق عليه. لا يقال: لم يكن بأرض الحبشة من يصلي عليه، لانه ليس من مذهب المخالف، فإنه يمنع الصلاة على الغريق والاسير، وإن لم يكن صلى عليه مع أنه يبعد ذلك، فإن النجاشي ملك الحبشة أظهر الاسلام، فيبعد أنه لم يوافقه أحد يصلي عليه، والقول بأن الارض زويت له (ص) وكشف له عن النجاشي، حتى رآه حين صلاته، لو كان له أصل لذكره لاصحابه. ولنقل لما فيه من المعجزة العظيمة. كما نقل أخباره لهم بموته يوم مات، وأيضا لو تم ذلك في حقه لما تم في حق أصحابه. و (لا) يصلى على من (في أحد
[ 144 ]
جانبي البلد ولو كان) البلد (كبيرا، ولو لمشقة مطر أو مرض) لانه يمكن حضوره. أشبه ما لو كانا في جانب واحد، ويعتبر انفصاله عن البلد بما بعد الذهاب إليه نوع سفر، وقال القاضي: يكفي خمسون خطوة قال الشيخ تقي الدين: وأقرب الحدود ما تجب فيه
الجمعة، لانه أذن من أهل الصلاة في البلد. فلا يعد غائبا عنها. وتقدم أنه لا يصلى على قبر وغائب وقت نهي. (ولا يصلي على كل غائب) لانه لم ينقل، قاله الشيخ تقي الدين. (ومن صلى) على ميت (كره له إعادة الصلاة) عليه قال في الفصول: لا يصليها مرتين كالعيد (إلا على من صلى عليه بالنية) كالغائب (إذا حضر) جزم به ابن تميم وابن حمدان. واقتصر عليه في الفروع (أو وجد بعض ميت صلى على جملته فتسن) إعادة الصلاة (فيهما) مرة ثانية، (ويأتي) ذلك (أو صلى عليه) أي الميت (بلا إذن من هو أولى منه) بالصلاة (مع حضوره)، أي الاولى وعدم إذنه، ولم يصل معه (فتعاد) الصلاة عليه (تبعا) للولي لانها حقه، ذكره أبو المعالي. وظاهره: لا يعيد غير الولي، قاله في الفروع. فصل: (ويحرم أن يغسل مسلم كافرا ولو قريبا، أو يكفنه، أو يصلي عليه، أو يتبع جنازته، أو يدفنه)، لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) * وغسلهم ونحوه: تول لهم، ولانه تعظيم لهم، وتطهير. فأشبه الصلاة عليه. وفارق غسله في حياته، فإنه لا يقصد به ذلك، (إلا أن لا يجد من يواريه غيره فيوارى عند العدم) لانه (ص) لما أخبر بموت أبي طالب قال لعلي: اذهب فواره رواه أبو داود والنسائي، وكذلك قتلى بدر ألقوا في القليب، أو لانه يتضرر بتركه ويتغير ببقائه، (فإن أراد المسلم أن يتبع قريبا له كافرا إلى المقبرة، ركب) المسلم (دابته وسار أمامه) أي قدام جنازته، (فلا يكون معه) ولا متبعا له، (ولا يصلي على مأكول في بطن سبع). قال في الفصول: فأما إن حصل في بطن سبع لم يصل عليه، مع مشاهدة السبع، (و) لا يصلي على (مستحيل بإحراق) لاستحالته، (
[ 145 ]
ونحوهما) أي نحو أكيل السبع والمستحيل بإحراق كأكيل تمساح. ومستحيل بصيانة أو نحوها. (ولا يسن للامام الاعظم، و) لا ل (إمام كل قرية - وهو واليها في القضاء - الصلاة على غال، وهو من كتم غنيمة أو بعضها) لانه (ص) امتنع من الصلاة على رجل من
المسلمين. فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه القوم. فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا فيه حرزا من حرز اليهود، ما يساوي درهمين رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد. (و) لا على (قاتل نفسه عمدا) لما روى مسلم عن جابر بن سمرة: أن رجلا قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه وفي رواية للنسائي قال النبي (ص): أما أنا فلا أصلي عليه والمشاقص جمع مشقص. قال في القاموس: والمشقص كمنبر: نصل عريض أو سهم فيه ذلك. والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش اه. فامتنع النبي (ص) من الصلاة على الغال، وقاتل نفسه. وهو الامام وأمر غيره بالصلاة عليهما. وألحق به من ساواه في ذلك، لان ما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه به دليل. وأما تركه (ص) للصلاة على مدين لم يخلف وفاء، فكان في ابتداء الاسلام، ثم نسخ، كما يأتي في الخصائص. (ولو صلى) الامام الاعظم أو قاضيه (عليهما)، أي على الغال وقاتل نفسه عمدا. (فلا بأس كبقية الناس) لان امتناعه من ذلك ردع وزجر، لا لتحريمه. (وإن ترك أئمة الدين الذين يقتدى بهم الصلاة على قاتل نفسه، زجرا لغيره فهذا أحق)، لان له شبها بما سبق وبإقامة الحدود، (ويصلى على كل عاص، كسارق وشارب خمر، ومقتول قصاصا، أو حدا أو غيرهم). قال الامام: ما نعلم أنه (ص) ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه. (و) يصلي الامام وغيره (على مدين لم يخلف وفاء) لما تقدم. ويأتي نسخ امتناعه (ص) منه، (ولا يغسل) كل صاحب بدعة مكفرة، (ولا يصلى على كل صاحب بدعة مكفرة نصا. ولا يورث ويكون ماله فيئا) كسائر المرتدين. (قال) الامام (أحمد: الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم. وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا
[ 146 ]
فلا تصلوا عليهم)، وذلك لان النبي (ص) ترك الصلاة بأدق من هذا، فأولى أن تترك الصلاة به. ولحديث ابن عمر أن النبي (ص) قال: إن لكل أمة مجوسا، وإن مجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، فإن مرضوا فلا تعودوهم. وإن ماتوا فلا تشهدوهم رواه أحمد، ويأتي
قول المصنف وغيره في الشهادات. ويكفر مجتهدهم الداعية، وغيره فاسق. (وإن وجد بعض ميت تحقيقا) أي يقينا أنه من ميت، (غير شعر وظفر وسن، غسل وكفن، وصلي عليه، ودفن وجوبا) لان أبا أيوب صلى على رجل. قاله أحمد. وصلى عمر على عظام بالشام. وصلى أبو عبيدة على رؤوس بعد تغسيلها وتكفينها، رواها عبد الله بن أحمد. وقال الشافعي: ألقى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم. وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلى عليها أهل مكة، واستثنى الشعر والظفر والسن لانه لا حياة فيها. (ينوي) بالصلاة (ذلك البعض فقط) أي دون الجملة. لانها غير حاضرة بين يديه. ومحل وجوب الصلاة على ذلك البعض (إن لم يكن صلى على جملته. وإلا) بأن كان صلى على جملته، (سنت الصلاة) على ذلك البعض (ولم تجب) لتقدم الصلاة على جملته، وجعل الاكثر كالكل (ثم إن وجد الباقي) من الميت غسل وكفن وجوبا. و (صلى عليه ودفن بجنبه) أي جنب قبره أو في جانب القبر. (ولم ينبش) ما تقدم دفنه، ليضاف إليه الباقي احتراما له، (ولا يصلى على ما بان) أي انفصل (من حي، كيد سارق ونحوه) كقاطع طريق وجان، ومقطوع ظلما ما دام حيا (ولا يجوز أن يدفن المسلم في مقبرة الكفار، ولا بالعكس) بأن يدفن الكافر في مقبرة المسلمين، لما يأتي في أحكام الذمة من وجوب تمييزهم عنا. (ولو جعلت مقبرة الكفار المندرسة مقبرة للمسلمين) بعد نقل عظامها إن كانت (جاز) كجعلها مسجدا. ولعدم احترامهم (فإن بقي عظم) حربي (دفن بموضع آخر وغيرها)، أي غير مقبرة الكفار الدفن فيه (أولى إن أمكن) تباعدا عن مواضع العذاب. و (لا) يجوز (العكس) بأن تجعل مقبرة المسلمين الدارسة مقبرة للكفار، ولا نقل عظام المسلمين لتدفن بموضع آخر، لاحترامها. (وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه) بأن اختلط أموات
[ 147 ]
من المسلمين والكفار، (واشتبه) من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه (كمسلم وكافر) اشتبها، ولو من غير اختلاط. (صلى على الجميع ينوي) الصلاة على (من يصلي عليه)، منهم لان
الصلاة على المسلمين واجبة، ولا طريق إليها هنا إلا بالصلاة على الجميع. وصفة الصلاة عليهم: أن يصفهم بين يديه ويصلي عليهم دفعة واحدة، ينوي بالصلاة المسلمين منهم، لان الصلاة على الكافر لا تجوز، فلم يكن بد من ذلك، (بعد غسلهم وتكفينهم) لان الصلاة على الميت لا تصح إلا بعد غسله وتكفينه مع القدرة على ذلك. فوجب أن يغسلوا ويكفنوا كلهم، سواء كان ذلك في دار الاسلام أو غيرها، كثر المسلمون منهم أو قلوا. (ودفنوا منفردين) عن المسلمين والكفار كل واحد بمكان وحده (إن أمكن) ذلك لئلا يدفن مسلم مع كافر. (وإلا) أي وإن لم يمكن إفرادهم (ف) - إنهم يدفنون (مع المسلمين) احتراما لمن فيهم من المسلمين. (وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر؟ ولم يتميز بعلامة من ختان وثياب وغير ذلك. فإن كان في دار إسلام غسل وصلي عليه. وإن كان في دار كفر لم يغسل ولم يصل عليه) لان الاصل أن من كان في دار فهو من أهلها، يثبت له حكمهم، ما لم يقم على خلافه دليل، ولو مات من نعهده ذميا فشهد عدل أنه مات مسلما، لم يحكم بشهادته في توريث قريبه المسلم، وحكم بها في الصلاة عليه، بناء على ثبوت هلال رمضان بواحد. (وتباح الصلاة عليه) أي الميت (في مسجد، إن أمن تلويثه). قال الآجري: السنة أن يصلى عليه فيه، لقول عائشة: صلى النبي (ص) على سهل بن بيضاء في المسجد رواه مسلم. وصلي على أبي بكر وعمر فيه، رواه سعيد، ولانها صلاة فلم تكره فيه كسائر الصلوات، (وإلا) أي وإن لم يؤمن من تلويث المسجد (حرم) أن يصلى على الميت فيه، خشية تنجيسه. (وإن لم يحضره) أي الميت (غير نساء صلين عليه وجوبا) لان عائشة: أمرت أن تؤتى بأم سعد وكسائر الصلوات، ولضرورة الخروج عن عهدة الفرض، ويسقط بهن فرضها. والمراد بواحدة. وتسن لهن (جماعة)، نص عليه. (ويقدم منهن) للامامة (من يقدم من الرجال) فإن كان الميت أوصى لاحداهن قدمت على سائرهن، وإلا فأمه ثم جدته، ثم امرأة من عصباته القربى فالقربى، ثم من أرحامه، وإن كان فيهن قاضية أو والية قدمت لان ولايتها وإن لم
[ 148 ]
تصح، إلا أنه يسوغ فيها الاجتهاد، فهي مزية، ذكره ابن قندس عن الفصول. (وتقف) إمامتهن (في صفهن كمكتوبة) استحبابا، (وأما إذا صلى الرجال) على الجنازة قبل النساء (فإنهن يصلين فرادى) في وجه، قاله في المبدع ومقتضاه أن المقدم خلافه. (وله) أي المصلي (بصلاة الجنازة قيراط) من أجر، (وهو أمر معلوم عند الله) تعالى، وذكر ابن عقيل: أنه قيراط نسبته من أجر صاحب المصيبة. (وله بتمام دفنها قيراط آخر، بشرط أن يكون معها من الصلاة حتى تدفن) لقوله (ص): من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين. ولمسلم: أصغرهما مثل أحد. وفي حديث آخر: فكان معها حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها. وسئل أحمد عمن يذهب إلى مصلى الجنائز، فيجلس فيه متصديا للصلاة على من يحضر من الجنائز. فقال: لا بأس. قال في الفروع: وكأنه يرى إذا تبعها من أهلها فهو أفضل. قال في حديث يحيى بن صعدة: وتبعها من أهلها، يعني من صلى على جنازة فتبعها من أهلها فله قيراط. فصل: (حمله ودفنه من فروض الكفاية وتقدم، وكذا مؤنتهما) أي مؤنة الحمل والدفن. فهي فرض كفاية، إن لم يخلف شيئا ولم يكن له وارث. ولم يمكن الاخذ من بيت المال، والمراد على من علم به من المسلمين. كباقي مؤن التجهيز. (ولا يختص أن يكون الفاعل) لحمل الميت ودفنه، (من أهل القربة) أي مسلما (فلهذا يسقط) الحمل (بكافر) كالتكفين والدفن، لعدم اعتبار النية لهما، بخلاف الغسل والصلاة. (ويكره أخذ الاجرة على ذلك) أي الحمل والدفن، لانه يذهب
[ 149 ]
بالاجر. (و) كذا يكره أخذ الاجرة (على الغسل) والتكفين، وتقدم (فيوضع الميت على النعش) بعد أن يغسل ويكفن (مستلقيا) على ظهره، لانه أمكن. (ويستحب إن كان) الميت
(امرأة أن يستر) النعش (بمكبة فوق السرير، تعمل من خشب أو جريد، أو قصب، مثل القبة فوقها ثوب) قال بعضهم: أول من اتخذ له ذلك، زينب بنت جحش أم المؤمنين، وقال ابن عبد البر: فاطمة بنت رسول الله (ص) أول من غطي نعشها في الاسلام، ثم زينب بنت جحش (ويسن أن يحمله أربع لانه يسن التربيع في حمله) لما روى سعيد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع، وإن شاء فليدع. أسناده ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. (وكرهه) أي التربيع في حمله (الآجري وغيره، مع الازدحام) على الجنازة. (وهو) أي التربيع (أفضل من الحمل بين العمودين) لما تقدم، (وصفته) أي التربيع (أن يضع قائمة النعش اليسرى المقدمة) في حال السير، وهي التي تلي يمين الميت (على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى) قائمة السرير اليسرى (المؤخرة)، فيضعها على كتفه اليمنى أيضا، ثم يدعها لغيره (ثم يضع قائمته) أي النعش (اليمنى المقدمة) وهي التي تلي يسار الميت (على كتفه اليسرى) ثم يدعها لغيره، و (ينتقل إلى) قائمة السرير (المؤخرة) فيضعها على كتفه اليسرى. فتكون البداءة من الجانبين بالرأس، والختام من الجانبين بالرجلين نقله الجماعة عن أحمد، لما فيها من الموافقة لكيفية غسله، حيث يبدأ بشقه الايمن إلى رجله، ثم بالايسر كذلك. لما تقدم أنه (ص): كان يحب التيامن في شأنه كله. (وإن حمل) الميت (بين العمودين)، وهما القائمتان (كل عمود على عاتق، كان حسنا، ولم يكره) نص عليه في رواية ابن منصور. لانه (ص): حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين. وروي عن سعد وابن عمر وأبي هريرة: أنهم فعلوا ذلك. قال في الرعاية: إن حمل بين العمودين فمن عند رأسه، ثم من عند رجليه. وفي المذهب: من ناحية رجليه. لا يصلح إلا التربيع انتهى. لان المؤخر إن توسط بين العمودين لم ير ما بين قدميه، فلا يهتدي إلى المشي. فعلى هذا يحمل السرير ثلاثة: واحد من مقدمه، يضع العمودين المقدمين على عاتقه، ورأسه بينهما،
[ 150 ]
والخشبة المعترضة على كاهله، واثنان من مؤخره، أحدهما من الجانب الايمن. والآخر من الجانب الايسر يضع كل منهما عمودا على عاتقه. (ولا بأس بحمل طفل على يديه. و) لا بأس (بحمل الميت بأعمدة للحاجة)، كجنازة ابن عمر (و) لا بأس بحمل الميت (على دابة لغرض صحيح. كبعد) قبره (ونحوه) كسمن مفرط. قال في الفروع والمبدع: وظاهر كلامهم لا يحرم حملها على هيئة مزرية، أو هيئة يخاف معها سقوطها. قال في الفروع: ويتوجه احتمال، وفاقا للشافعي (ولا بأس بالدفن ليلا)، لان أبا بكر دفن ليلا، وعلي دفن فاطمة ليلا، قاله أحمد. وعن ابن عباس: أن النبي (ص) دخل قبرا فأسرج له سراج، فأخذ من قبل القبلة. وقال: رحمك الله، إن كنت لاواها تلاء للقرآن قال الترمذي حديث حسن. والدفن بالنهار أولى، لانه أسهل على متبعي الجنازة، وأكثر للمصلين عليها، وأمكن لاتباع السنة في دفنه ولحده. (ويكره) الدفن (عند طلوع الشمس، و) عند (غروبها، و) عند (قيامها) لقول عتبة: ثلاث ساعات كان النبي (ص) ينهانا عن الصلاة فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب رواه مسلم. ومعنى تتضيف تجنح وتميل للغروب. من قولك تضيفت فلانا إذا ملت إليه. (ويسن الاسراع بها) أي بالجنازة، لقوله (ص): أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم متفق عليه. ويكون (دون الخبب) نص عليه. وفي المذهب: وفوق السعي. وفي الكافي: لا يفرط في الاسراع فيمخضها ويؤذي متبعها. وقال القاضي: يستحب أن لا يخرج عن المشي المعتاد. ولكن يراعي الحاجة، نص عليه لحديث أبي سعيد عن النبي (ص): أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضا، فقال: عليكم بالقصد في جنائزكم رواه أحمد. فإن خيف عليه التغير أسرع. والخبب: ضرب من العدو وهو خطو فسيح، دون
[ 151 ]
العنق - بفتحتين: ضرب من السير فسيح سريع. (ما لم يخف عليها منه) أي من الاسراع،
فيمشي بحيث لا يضرها (واتباعها) أي الجنازة (سنة) وفي آخر الرعاية: اتباعها فرض كفاية. لامر الشارع به في الصحيحين، من حديث البراء قال: أمرنا النبي (ص) باتباع الجنائز. (وهو) أي اتباع الجنازة (حق للميت وأهله) قال الشيخ تقي الدين: لو قدر لو انفرد، أي الميت لم يستحق هذا الحق، لمزاحم أو لعدم استحقاقه تبعه لاجل أهله إحسانا إليهم لتأليف أو مكافأة أو غيره، وذكر فعل النبي (ص) مع عبد الله بن أبي. (وذكر الآجري أن من الجبر أن يتبعها لقضاء حق أخيه المسلم) قال في الشرح: واتباع الجنازة على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يصلي عليها ثم ينصرف. الثاني: أن يتبعها إلى القبر ثم يقف، حتى تدفن. الثالث: أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له، ويسأل الله له التثبيت، ويدعو له بالرحمة. (ويكره لامرأة) اتباع الجنازة، لحديث الصحيحين عن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا أي لم يحتم علينا ترك اتباعها، بل نهيا نهي تنزيه. (ويستحب كون المشاة أمامها) قال ابن المنذر: ثبت أن النبي (ص) وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة رواه أحمد عن ابن عمر، ولانهم شفعاء والشفيع يتقدم المشفوع له. (ولا يكره) كون المشاة (خلفها) أي الجنازة، بل قال الاوزاعي: إنه أفضل، لانها متبوعة. (و) لا يكره أن يمشوا (حيث شاءوا) عن يمينها أو يسارها، بحيث يعدون تابعين لها. (و) يستحب أن يكون (الركبان، ولو في سفينة خلفها) لما روى المغيرة بن شعبة مرفوعا: الراكب خلف الجنازة رواه الترمذي. وقال: حسن صحيح، ولان سيره أمامها يؤذي متبعها. (فلو ركب وكان أمامها) أي الجنازة (كره) قاله المجد. قال النخعي: كانوا
[ 152 ]
يكرهونه. رواه سعيد. (ويكره ركوب) متبع الجنازة. لحديث ثوبان قال: خرجنا مع النبي (ص) في جنازة، فرأى ناسا ركابا، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب رواه الترمذي. (إلا لحاجة) كمرض (و) إلا (لعود) فلا يكره، لما روى جابر بن سمرة: أن النبي (ص) تبع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس قال
الترمذي: حديث صحيح. (والقرب منها أفضل) من البعد عنها (فإن بعد) عن الجنازة فلا بأس. (أو تقدم) الجنازة (إلى القبر، فلا بأس) بذلك. أي لا كراهة فيه. (ويكره أن يتقدم) الجنازة (إلى موضع الصلاة عليها. و) يكره (أن تتبع) الجنازة (بنار) للخبر. قيل: سبب الكراهة كونه من شعار الجاهلية. وقال ابن حبيب المالكي: تفاؤلا بالنار (إلا لحاجة ضوء) فلا يكره إذن للحاجة. (وأن تتبع بماء ورد ونحوه. ومثله التبخير عند خروج روحه) يكره في ظاهر كلامهم. وقاله مالك وغيره لانه بدعة. (ويكره جلوس من تبعها) أي الجنازة (حتى توضع بالارض للدفن) نص عليه ونقله الجماعة لحديث أبي سعيد مرفوعا: إذا تبعتم الجنائز فلا تجلسوا حتى توضع رواه أبو داود، وروي عن أبي هريرة، وفيه: حتى توضع بالارض (إلا لمن بعد عنها) أي عن الجنازة فلا يكره جلوسه قبل وضعها بالارض، لما في انتظاره قائما من المشقة (وإن جاءت) الجنازة (وهو جالس أو مرت به) وهو جالس (كره قيامه لها)، لحديث علي قال: رأينا النبي (ص) قام فقمنا تبعا له، يعني في الجنازة رواه مسلم وأحمد، وعن ابن سيرين قال: مر بجنازة على الحسن بن علي، وابن عباس. فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن، لابن عباس: أما قام لها النبي (ص)؟ قال ابن عباس: قام ثم قعد رواه النسائي. (وكان) الامام (أحمد إذا صلى على جنازة - وهو وليها -
[ 153 ]
لم يجلس حتى تدفن)، نقله المروذي. (ونقل حنبل: لا بأس بقيامه على القبر حتى تدفن جبرا وإكراما) ووقف علي على قبر فقيل له: ألا تجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: قليل على أخينا قيامنا على قبره ذكره أحمد محتجا به. (ويكره الصوت والضجة عند رفعها) لانه محدث، (وكذا) رفع الصوت (معها) أي مع الجنازة (ولو بقراءة أو ذكر) لنهي النبي (ص): أن تتبع الجنازة بصوت أو نار رواه أبو داود. (بل يسن) القراءة والذكر (سرا) وإلا الصمت. (ويسن) لمتبع الجنازة (أن يكون متخشعا، متفكرا في مآله) أي أمره الذي يؤول إليه، ويرجع (متعظا بالموت، وبما يصير إليه الميت) قال سعد بن معاذ: ما تبعت جنازة فحدثت
نفسي بغير ما هو مفعول بها. (ويكره) لمتبع الجنازة (التبسم، والضحك أشد منه، والتحدث في أمر الدنيا، وكذا مسحه بيديه أو بشئ عليها تبركا) وقيل: بمنعه كالقبر، وأولى. قال أبو المعالي: هو بدعة يخاف منه على الميت. قال وهو قبيح في الحياة، فكذا بعد الموت، وفي الفصول: يكره، قال: ولهذا منع أكثر العلماء من مس القبر، فكيف بالجسد؟ ولانه بعد الموت كالحياة، ثم حال الحياة يكره أن يمس بدن الانسان للاحترام وغيره سوى المصافحة. وروى الخلال في أخلاق أحمد: أن علي بن عبد الصمد الطيالسي مسح يده على أحمد، ثم مسحها على يديه، وهو ينظر فغضب شديدا، وجعل ينفض يده، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره شديدا. (وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له، ونحوه: بدعة) عند أحمد وكرهه (وحرمه أبو حفص). نقل ابن منصور: ما يعجبني. وروى سعيد أن ابن عمر وسعيد بن جبير قالا لقائل ذلك: لا غفر الله لك. (ويحرم أن يتبعها مع منكر. وهو عاجز عن إزالته، نحو طبل ونياحة، ولطم نسوة، وتصفيق، ورفع أصواتهن) لانه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك، وعنه يتبعها وينكره بحسبه، وفاقا لابي حنيفة (فإن قدر) على إزالته (تبع) الجنازة (وأزاله)، أي المنكر (لزوما) لحصول
[ 154 ]
المقصودين. قال في الفروع: فيعايي بها، (فلو ظن إن اتبعها أزال المنكر لزمه) اتباعها إجراء للظن مجرى العلم. (وضرب النساء بالدف منكر منهي عنه اتفاقا. قاله الشيخ) ومن دعي لغسل ميت، فسمع طبلا أو نوحا ففيه روايتان، نقل المروذي في طبل: لا. ونقل أبو الحرث وأبو داود في نوح: يغسله وينهاهم. قال في تصحيح الفروع: الصواب إن غلب على ظنه زوال الطبل والنوح بذهابه ذهب وغسله، وإلا فلا. فصل: في دفن الميت وتقدم أنه فرض كفاية. وقد أرشد الله قابيل إلى دفن أخيه هابيل. وأبان ذلك ببعث
غراب يبحث في الارض، ليريه كيف يواري سوأة أخيه. وقال تعالى: * (ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا) * أي جامعة للاحياء في ظهرها بالمساكن، وللاموات في بطنها بالقبور، والكفت: الجمع. وقال تعالى: * (ثم أماته فأقبره) * قال ابن عباس: معناه أكرمه بدفنه. (ويسن أن يدخل قبره من عند رجليه) أي رجلي القبر (إن كان أسهل عليهم). لانه (ص): سل من قبل رأسه سلا. وعبد الله بن زيد أدخل الحرث قبره من قبل رجل القبر. وقال: هذا من السنة رواه أحمد. ولانه ليس بموضوع توجه، بل دخول. فدخول الرأس أولى. كعادة الحي، لكونه مجمع الاعضاء الشريفة (وإلا) أي وإن لم يكن إدخاله القبر من عند رجليه أسهل أدخل (من حيث) (- سهل) دفعا للضرر والمشقة. (ثم) إن سهل كل من الامرين فهما (سواء) من غير ترجيح لاحدهما على الآخر. (ولا توقيت في عدد من يدخله) القبر (من شفع أو وتر، بل) يكون ذلك (بحسب الحاجة) كسائر أموره (ويكره أن يسجى قبر رجل) لما روي عن علي: أنه مر بقوم وقد دفنوا ميتا. وبسطوا على قبره الثوب. فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء. ولان كشفه أبعد من التشبه بالنساء، مع ما فيه من اتباع أصحاب النبي (ص). (إلا لعذر مطر أو غيره) فلا يكره إذن،
[ 155 ]
(ويسن) أن يسجى (لامرأة) لانها عورة. ولانه لا يؤمن أن يبدو منها شئ، فيراه الحاضرون وبناء أمرها على الستر. والخنثى كالانثى في ذلك، احتياطا. (ومن مات في سفينة وتعذر خروجه إلى البر) لبعدهم عن الساحل مثلا (ثقل بشئ، بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه) ليستقر في قرار البحر، نص عليه. (وألقي في البحر سلا، كإدخاله القبر. وإن مات في بئر أخرج) وجوبا ليغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن. وإن أمكن معالجة البئر بالاكسية المبلولة تدار فيها، حتى تجتذب البخار، ثم ينزل من يطلعه، أو أمكن إخراجه بكلاليب ونحوها من غير مثلة. وجب ذلك لتأدية فرض غسله. ويمتحن زوال البخار إذا شك فيه بسراج ونحوه. فإن انطفأ فهو باق. وإلا فقد زال. لان العادة أن النار لا تبقى إلا فيما يعيش فيه الحيوان.
(فإن تعذر) إخراجه بالكلية أو لم يمكن إلا متقطعا ونحوه، (طمت) البئر (عليه) لتصير قبرا له. لانه لا ضرورة إلى إخراجه متقطعا. وهذا حيث لا حاجة إلى البئر. (ومع الحاجة إليها يخرج مطلقا) أي ولو متقطعا. لان مثله الميت أخف ضررا مما يحصل بطم البئر وتعطيلها. (وأولى الناس بتكفين) ميت مطلقا (ودفن) رجل (أولاهم بغسل) الميت، وذكر المجد وابن تميم: أنه يستحب أن يتولى دفن الميت غاسله. لان النبي (ص) لحده العباس وعلي وأسامة، رواه أبو داود. وكانوا هم الذين تولوا غسله. ولان المقدم بغسله أقرب إلى ستر أحواله، وقلة الاطلاع عليه. (والاولى: للاحق أن يتولاه بنفسه)، لانه أبلغ في ستره، وقلة الاطلاع عليه (ثم بنائبه)، لقيامه مقامه إلا أن يكون وصيا، على قياس ما تقدم في الصلاة عليه (ثم) الاولى (من بعدهم)، أي بعد المذكورين في تغسيل الرجل الاولى (بدفن رجل: الرجال الاجانب) فيقدمون على أقاربه من النساء. لانهن يضعفن عن إدخاله القبر ولان الجنازة يحضرها جموع الرجال غالبا. وفي نزول النساء القبر بين أيديهم تعريض لهن بالهتك والكشف بحضرة الرجال. (ثم) الاولى (محارمه من النساء. ثم الاجنبيات) للحاجة إلى دفنه، وعدم غيرهن. (و) الاولى (بدفن امرأة: محارمها الرجال) الاقرب فالاقرب. لان امرأة عمر لما توفيت قال لاهلها: أنتم أحق بها ولانهم أولى الناس بولايتها حال الحياة، فكذا بعد الموت (ثم) إن عدموا فالاولى (زوجها)، لانه أشبه بمحرمها من النسب من الاجانب. (ثم الرجال الاجانب) لان النبي (ص) حين ماتت ابنته: أمر أبا طلحة فنزل في قبرها،
[ 156 ]
وهو أجنبي ومعلوم: أن محارمها كن هناك كأختها فاطمة. ولان تولي النساء لذلك لو كان مشروعا لفعل في عصر النبي (ص) وعصر خلفائه، ولم ينقل. (ثم محارمها النساء) القربى فالقربى منهن كالرجال. (ويقدم من الرجال) بدفن امرأة (خصي، ثم شيخ، ثم أفضل دينا ومعرفة، ومن بعد عهده بجماع أولى ممن قرب) عهده به. قلت: والخنثى كامرأة في ذلك، احتياطا. (ولا يكره للرجال) الاجانب (دفن امرأة، وثم محرم) لها، نص عليه. لما
تقدم في قصة أبي طلحة، قال في الفروع: ويتوجه احتمال بحملها من المغتسل إلى النعش، ويسلمها إلى من في القبر، ويحل عقد الكفن وقاله الشافعي في الام، وبعض أصحابه. (واللحد) بفتح اللام والضم لغة (أفضل) من الشق، لما روى مسلم عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما فعل بالنبي (ص). (وهو) أي اللحد في الاصل: الميل. والمراد هنا (أن يحفر في أرض القبر) أي في أسفل حائط القبر (مما يلي القبلة مكانا يوضع فيه الميت) ولا يعمق تعميقا، ينزل فيه جسد الميت كثيرا، بل بقدر ما يكون الجسد غير ملاصق للبن. (ويكره الشق) قال أحمد: لا أحب الشق. لقوله (ص): اللحد لنا والشق لغيرنا رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. لكنه ضعيف. (وهو أن يبنى جانبا القبر بلبن أو غيره) ويسمونه ببلاد مصر منامة. (أو يشق) أي يحفر (وسطه) أي القبر (فيصير) وسطه (كالحوض، ثم يوضع الميت فيه)، أي في شبه الحوض (ويسقف عليه ببلاط أو غيره) كأحجار كبيرة، (فإن كانت الارض رخوة لا يثبت فيها اللحد، شق للحاجة) وإن أمكن أن يجعل فيها اللحد من الجنادل واللبن والحجارة جعل، نص عليه، ولم يعدل إلى الشق، لما تقدم. (ويسن تعميقه) أي القبر بلا حد (وتوسيعه بلا حد) لقوله (ص) في
[ 157 ]
قتلى أحد: احفروا وأوسعوا وأعمقوا. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولان تعميق القبر أنفى لظهور الرائحة التي تستضر بها الاحياء، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت. والتوسيع: الزيادة في الطول والعرض. روى البيهقي أن النبي (ص) قال لحفار: أوسع من قبل الرأس، ومن قبل الرجلين. والتعميق بالعين المهملة - الزيادة في النزول. (وقال الاكثر: قامة وسط. وبسطة، وهي بسط يده قائمة ويكفي ما) أي التعميق (يمنع الرائحة والسباع) لانه لم يرد فيه تقدير، فيرجع فيه إلى ما يحصل المقصود. (و) يسن أن (ينصب عليه) أي على الميت بعد وضعه في اللحد
(اللبن نصبا) لما تقدم عن سعد بن وقاص (وهو) أي اللبن (أفضل من القصب)، لانه من جنس الارض، وأبعد من أبنية الدنيا، بخلاف القصب. واللبن واحدته لبنة - ما ضرب من الطين مربعا للبناء قبل أن يشوى بالنار. فإذا شوي بها سمي آجرا. (ويجوز) تغطية اللحد (ببلاط) لانه في معنى اللبن فيما سبق. (ويسد ما بين اللبن أو غيره) من الفرج (بطين لئلا ينهار عليه التراب). وليس هذا بشئ، ولكن يطيب نفس الحي. رواه أحمد عن جابر مرفوعا. (ويكره دفنه) أي الميت (في تابوت ولو امرأة) لقول إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب، ولا يستحبون الدفن في تابوت لانه خشب، ولم ينقل عن النبي (ص) ولا عن أصحابه. وفيه تشبه بأهل الدنيا. والارض أنشف لفضلاته. ولهذا زاد بعضهم: أو في حجر منقوش. (ويكره إدخاله) أي القبر (خشبا إلا لضرورة. و) يكره إدخاله (ما مسته نار) تفاؤلا، وحديد، ولو أن الارض رخوة أو ندية. (ويستحب قول من يدخله) القبر (عند وضعه) فيه (بسم الله وعلى ملة رسول الله) لما روى ابن عمر: أن النبي (ص) قال: إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله رواه أحمد. وفي لفظ كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله رواه الخمسة إلا النسائي.
[ 158 ]
(وإن أتى عند وضعه وإلحاده بذكر أو دعاء يليق) بالحال (فلا بأس) به. قال سعيد بن المسيب: حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد. قال: اللهم أجرها من الشيطان، ومن عذاب القبر، اللهم جاف الارض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضوانا. وقال ابن عمر: سمعته من النبي (ص)، رواه ابن ماجه. وعن بلال: أنه دخل مع أبي بكر في قبر، فلما خرج قيل لبلال: ما قال؟ قال: قال: أسلمه إليك الاهل والمال والعشيرة والذنب العظيم، وأنت غفور رحيم فاغفر له، رواه سعيد. (ويستحب الدعاء له) أي للميت (عند القبر بعد دفنه واقفا) نص عليه. وقال: قد فعله علي والاحنف بن قيس. لحديث عثمان بن عفان قال: كان النبي (ص) إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه.
وقال: استغفروا لاخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل، رواه أبو داود. وعن ابن مسعود أن النبي (ص): كان يقف على القبر بعد ما يسوى عليه، فيقول: اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، رواه سعيد في سنته. والاخبار بنحو ذلك كثيرة. وقال أكثر المفسرين في قوله تعالى في المنافقين: * (ولا تقم على قبره) * معناه: بالدعاء له والاستغفار، بعد الفراغ من دفنه. فيدل على أن ذلك كان عادة النبي (ص) في المسلمين. ونقل محمد بن حبيب النجار قال: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي فقمنا ناحية. فلما فرغ الناس من دفنه وانقضى الدفن، جاء إلى القبر، وأخذ بيدي وجلس ووضع يده على القبر وقال: اللهم إنك قلت في كتابك: * (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان) * وقرأ إلى آخر السورة، ثم قال: اللهم وإنا نشهد أن هذا فلان ابن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك، فاقبل شهادتنا له. ودعا له وانصرف. (واستحب الاكثر تلقينه بعد دفنه، فيقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه فيقول: يا فلان ابن فلانة ثلاثا. فإن لم يعرف اسم أمه نسبه إلى حواء ثم يقول: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا. شهادة أن لا إله إلا الله. وأن محمدا عبده ورسوله. وأنك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما. وبالكعبة قبلة.
[ 159 ]
وبالمؤمنين إخوانا، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور)، لحديث أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله (ص): إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب. فليقم على رأس قبره. ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب. ثم ليقل يا فلان ابن فلانة ثانية. فإنه يستوي قاعدا، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة ثالثا فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون، فيقول: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وأنك رضيت بالله ربا
وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما. فإن منكرا ونكيرا يقولان: ما يقعدنا عنده وقد لقن حجته؟ فقال رجل يا رسول الله: فإن لم يعرف اسم أمه، قال: فلينسبه إلى حواء. قال أبو الخطاب: هذا الحديث رواه أبو بكر عبد العزيز في الشافي. وقال في الفروع: رواه أبو بكر في الشافي والطبراني وابن شاهين وغيرهم وهو ضعيف. وللطبراني أو لغيره فيه: وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وفيه وأنك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. وقال الاثرم: قلت لابي عبد الله: هذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل، ويقول: يا فلان ابن فلانة أذكر ما فارقت عليه الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ما رأيت أحدا نقل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذاك، وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه. (قال أبو المعالي: لو انصرفوا قبله لم يعودوا) لان الخبر: يلقنونه قبل انصرافهم ليتذكر حجته. (وهل يلقن غير المكلف؟) وجهان. وهذا الخلاف (مبني على نزول الملكين إليه) النفي: قول القاضي وابن عقيل، وفاقا للشافعي. والاثبات: قول أبي حكيم وغيره. وحكاه ابن عبدوس عن الاصحاب. (المرجح النزول) فيكون المرجح تلقينه (وصححه الشيخ)، واحتج بما رواه
[ 160 ]
مالك وغيره عن أبي هريرة. وروي مرفوعا أنه: صلى على طفل لم يعمل خطيئة قط. فقال: اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر قال في الفروع: ولا حجة فيه، للجزم بنفي التعذيب، فقد يكون أبو هريرة يرى الوقف فيهم اه. وكذلك أجاب ابن القيم في كتاب الروح بأنه ليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل قطعا لان الله لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله. بل المراد الالم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله. وقال الآخرون: أي القائلون بأنه لا يسأل. السؤال إنما يكون لمن يعقل الرسول والمرسل، فيسأل هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه فيقال له: ما كنت
تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ولو رد إليه عقله في القبر، فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به. فلا فائدة في هذا السؤال. (قال ابن عبدوس: يسأل الاطفال عن الاقرار الاول، حين الذرية) يشير به إلى قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) *. قال بعضهم: وهو سؤال تكريم، وسؤال الانبياء عليهم الصلاة والسلام - إن ثبت - فهو سؤال تشريف وتعظيم. كما أن التكاليف في دار الدنيا لبعض تكريم، ولبعض امتحان ونكال. (والكبار يسألون عن معتقدهم في الدنيا. و) عن (إقرارهم الاول) حين الذرية، (ويسن وضعه في لحده على جنبه الايمن) لان هذه سنة النائم، وهو يشبهه. (ووضع لبنة أو حجر أو شئ مرتفع) تحت رأسه، (كما يضع الحي تحت رأسه). قال في النهي وشرحه: ويوضع تحت رأسه لبنة، فإن لم توجد فحجر. فإن عدم. فقليل من تراب، لا آجرة. لانه مما مسته النار. ويفضي بخده الايمن إلى الارض. بأن يزال الكفن عنه. ويلصق بالارض. لانه أبلغ في الاستكانة والتضرع. ولقول عمر: إذا أنا مت فافضوا بخدي إلى الارض. (وتكره مخدة) بكسر الميم، تجعل تحت رأسه، نص عليه. لانه لم ينقل عن أحد من السلف، وغير لائق بالحال. (والمنصوص: و) تكره (مضربة وقطيفة تحته). قال أحمد: ما أحب أن يجعلوا في الارض مضربة، ولانه روي عن ابن عباس: أنه كره أن يلقى تحت الميت في القبر شئ، ذكره الترمذي. وعن أبي موسى، قال: لا تجعلوا بيني وبين الارض شيئا. والقطيفة التي وضعت تحت رسول الله (ص) إنما وضعها شقران. ولم يكن ذلك عن اتفاق من الصحابة. (ونصه) أي الامام (لا بأس بها)، أي المضربة أو القطيفة (عن علة. ويسند) الميت (خلفه) بتراب، لئلا ينقلب (و) يسند (أمامه بتراب. لئلا يسقط) فينكب على وجهه. وينبغي أن
[ 161 ]
يدنى من الحائط. لئلا ينكب على وجهه. (ويجب استقباله) أي أن يدفن مستقبل (القبلة) لقوله (ص) في الكعبة: قبلتكم أحياء وأمواتا ولان ذلك طريقة المسلمين، بنقل الخلف
عن السلف. ولان النبي (ص) هكذا دفن. (ويسن لكل من حضر) الدفن (أن يحثو التراب فيه) أي القبر (من قبل رأسه أو غيره ثلاثا) أي ثلاث حثيات (باليد، ثم يهال عليه التراب) لحديث أبي هريرة أن النبي (ص): صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا رواه ابن ماجه. وعن عامر بن ربيعة أن النبي (ص): صلى على عثمان بن مظعون، فكبر عليه أربعا، وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات، وهو قائم عند رأسه، رواه الدارقطني، ولان مواراته فرض كفاية، وبالحثي يصير ممن شارك فيها. وفي ذلك أقوى عبرة وتذكار، فاستحب لذلك. فصل: (ويستحب رفع القبر) عن الارض (قدر شبر) ليعرف أنه قبر، فيتوقى، ويترحم على صاحبه. وقد روى الشافعي عن جابر: أن النبي (ص) رفع قبره عن الارض قدر شبر. وعن القاسم بن محمد قال لعائشة: يا أماه، اكشفي لي عن قبر النبي (ص) وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء رواه أبو داود. (ويكره) رفع القبر (فوقه) أي فوق شبر. لقوله (ص) لعلي: لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته، رواه مسلم وغيره. والمشرف ما رفع كثيرا، بدليل ما سبق عن القاسم بن محمد: لا مشرفة ولا
[ 162 ]
لاطئة. (وتسنيمه) أي القبر (أفضل من تسطيحه) لقول سفيان التمار: رأيت قبر النبي (ص) مسنما رواه البخاري، وعن الحسن مثله، ولان التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا. (إلا بدار حرب، إذا تعذر نقله) أي الميت (فالاولى تسويته) أي القبر (بالارض، وإخفاؤه) أولى من إظهاره، وتسنيمه، خوفا من أن ينبش، فيمثل به. (ويسن أن يرش عليه) أي القبر (الماء، ويوضع عليه حصى صغار محلل به، ليحفظ ترابه) لما روى جعفر بن محمد عن أبيه: أن
النبي (ص) رش على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه حصباء رواه الشافعي، ولان ذلك أثبت له، وأبعد لدروسه، وأمنع لترابه من أن تذهبه الرياح، والحصباء صغار الحصا (ولا بأس بتطيينه) أي القبر، لما تقدم من قول القاسم بن محمد في وصف قبره (ص) وقبر صاحبيه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. (و) لا بأس أيضا ب (- تعليمه بحجر أو خشبة أو نحوهما) كلوح. لما روى أبو داود بإسناده عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته، فدفن، فأمر النبي (ص) أن نأتيه بحجر، فلم نستطع حمله، فقام (ص) فحسر عن ذراعيه، فحملها فوضعها عند رأسه، وقال: أعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهلي رواه ابن ماجه من رواية أنس. (ويكره البناء عليه) أي القبر (سواء لاصق البناء الارض أو لا، ولو في ملكه من قبة أو غيرها، للنهي عن ذلك)، لحديث جابر قال: نهى النبي (ص) أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه، رواه مسلم والترمذي، وزاد: وأن يكتب عليه. وقال: حسن صحيح. (وقال ابن القيم في) كتابه (إغاثة اللهفان) من مكايد الشيطان (يجب هدم القباب التي على القبور، لانها أسست على معصية الرسول، انتهى. وهو) أي البناء (في) المقبرة (المسبلة أشد كراهة) لانه تضييق بلا فائدة، واستعمال للمسبلة فيما لم توضع له. (وعنه: منع البناء في وقف عام) وفاقا للشافعي وغيره. وقال: رأيت الائمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى. وما ذكره المصنف هو معنى كلام ابن تميم. قال في
[ 163 ]
الفروع: فظاهر ما ذكره ابن تميم: أن الاشهر لا يمنع. وليس كذلك. فإن المنقول في هذا: ما سأله أبو طالب عمن اتخذ حجرة في المقبرة. قال: لا يدفن فيها والمراد: لا يختص به. وهو كغيره. وجزم ابن الجوزي بأنه يحرم حفر قبر في مسبلة قبل الحاجة إليه. فههنا أولى. (قال الشيخ) من بنى ما يختص به فيها ف (- هو غاصب)، وهذا مذهب الائمة الاربعة وغيرهم، وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وكل منهي عنه. (قال أبو حفص: تحرم الحجرة
بل تهدم، وهو) أي القول بتحريم البناء في المسبلة (الصواب) لما يأتي في الوقف أنه يجب صرفه للجهة التي عينها الواقف. (وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر) لان أبا هريرة: أوصى حين حضره الموت أن لا تضربوا علي فسطاطا، رواه أحمد في مسنده، وقال البخاري في صحيحه: ورأى ابن عمر فسطاطا على قبر عبد الرحمن فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله، ولان الخيام بيوت أهل البر، فكرهت، كما كرهت بيوت أهل المدن. (وتغشية قبور الانبياء والصالحين أي سترها بغاشية ليس مشروعا في الدين، قاله الشيخ. وقال في موضع آخر، في كسوة القبر بالثياب: اتفق الائمة على أن هذا منكر، إذا فعل بقبور الانبياء والصالحين فكيف بغيرهم؟ وتكره الزيادة على تراب القبر من غيره) لحديث جابر قال: نهى النبي (ص) أن يبنى على القبر أو يزاد عليه رواه النسائي وأبو داود. وعن عقبة بن عامر قال: لا يجعل على القبر من التراب أكثر مما يخرج منه حين حفر. رواه أحمد، ولان العادة أن يفضل من التراب عن مساواة الارض، لمكان الميت من القبر ما يكفي لسنة التسنيم فلا حاجة إلى الزيادة. (إلا أن يحتاج إليه) أي الزائد، فلا كراهة. (ويكره المبيت عنده) أي القبر (وتجصيصه وتزويقه، وتخليقه وتقبيله، والطواف به وتبخيره، وكتابة الرقاع إليه، ودسها في الانقاب، والاستشفاء بالتربة من الاسقام)، لان ذلك كله من البدع. (و) تكره (الكتابة عليه) لما تقدم من حديث جابر. (و) يكره (الجلوس) عليه. لما روى أبو مرثد
[ 164 ]
الغنوي: أن النبي (ص) قال: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال: قال النبي (ص): لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر مسلم رواه مسلم. (و) يكره (الوطئ عليه) أي على القبر. لقول الخطابي: ثبت أن النبي (ص): نهى أن توطأ القبور. (قال بعضهم: إلا لحاجة) إلى ذلك. (و) يكره (الاتكاء عليه) لما روي أنه (ص) رأى رجلا قد اتكأ على قبر، فقال: لا
تؤذ صاحب القبر (ويحرم التخلي عليها) أي القبور. (وبينها) لحديث عقبة بن عامر، قال: قال النبي (ص): لان أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق، رواه الخلال وابن ماجه. (والدفن في صحراء أفضل) من الدفن بالعمران، لانه أقل ضررا على الاحياء من الورثة. وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم تزل الصحابة والتابعون فمن بعدهم يقبرون في الصحراء. (سوى النبي (ص)) فإنه قبر في بيته، قالت عائشة: لئلا يتخذ قبره مسجدا رواه البخاري، ولانه روي: تدفن الانبياء حيث يموتون. مع أنه (ص) كان يدفن أصحابه بالبقيع. وفعله أولى من فعل غيره وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك، صيانة عن كثرة الطرق، وتمييزا له عن غيره (ص). (واختار صاحباه) أبو بكر وعمر رضي الله عنهما (الدفن معه، تشرفا وتبركا، ولم يزد عليهما، لان الخرق يتسع، والمكان ضيق، وجاءت أخبار تدل على دفنهم، كما وقع) ذلك. (ذكره المجد وغيره، ويحرم إسراجها) أي القبور، لقوله (ص): لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أبو داود والنسائي بمعناه. ولو
[ 165 ]
أبيح لم يلعن النبي (ص) من فعله. ولان في ذلك تضييعا للمال من غير فائدة، ومغالاة في تعظيم الاموات، يشبه تعظيم الاصنام. (و) يحرم (اتخاذ المسجد عليها) أي القبور، (وبينها) لحديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق عليه. (وتتعين إزالتها) أي المساجد، إذا وضعت على القبور، أو بينها. (وفي كتاب الهدى) النبوي لابن قيم الجوزية: (لو وضع المسجد والقبر معا، لم يجز، ولم يصح الوقف، ولا الصلاة) تغليبا لجانب الحظر. (وتقدم) ذلك (في) باب (اجتناب النجاسة. ويكره المشي بالنعل فيها) أي في المقبرة، لما روى بشير بن الخصاصية. قال: بينا أنا أماشي النبي (ص) إذا رجل يمشي بين القبور، عليه نعلان فقال له: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك فنظر الرجل، فلما عرف النبي (ص) خلعهما فرمى بهما رواه أبو داود.
وقال أحمد: إسناده جيد. ولان خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين. (حتى التمشك - بضم التاء والميم وسكون الشين) المعجمة (لانه) أي التمشك (نوع منها) أي من النعال، فيتناوله ما سبق. وهو معروف ببغداد. (لا) يكره المشي بين القبور (بخف) لانه ليس بنعل ولا في معناه. ويشق نزعه. وروي عن أحمد: أنه كان إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه. وأما وطئ القبر نفسه، فمكروه مطلقا، لما سبق. وفي عبارة المنتهى: إبهام. (ويسن خلع النعل إذا دخلها) أي المقبرة، لما سبق (إلا خوف نجاسة أو شوك ونحوه) مما يتأذى به، كحرارة الارض، لانه عذر. (ومن سبق إلى) مقبرة (مسبلة. قدم) عند التزاحم وضيق المحل، كما لو تنازعا في رحاب المساجد، ومقاعد الاسواق. (ويقرع إن جاءا معا) فيقدم من خرجت له القرعة، لانها وضعت لتمييز ما أبهم. (ولا بأس بتحويل الميت ونقله إلى مكان آخر بعيدا، لغرض صحيح: كبقعة شريفة، ومجاورة صالح مع أمن التغير) لما في موطأ مالك: أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة، ودفنا
[ 166 ]
بها. وقال سفيان بن عيينة: مات ابن عمر ههنا، وأوصى أن لا يدفن ههنا، وأن يدفن بسرف. ذكره ابن المنذر. وتقدم بعضه. (إلا الشهيد) إذا دفن بمصرعه، فلا ينقل منه، ودفنه به سنة (حتى ولو نقل) من مصرعه (رد إليه). قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر: أنه (ص) قال: ادفنوا القتلى في مصارعهم (ويجوز نبشه) أي الميت (لغرض صحيح، كتحسين كفنه) لحديث جابر: أتى النبي (ص) عبد الله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه أخرجه الشيخان. (و) يجوز نقله ل (- بقعة خير من بقعته ك) - نبشه ل (إفراده عمن دفن معه). لقول جابر: دفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجته، فجعلته في قبر على حدة. وفي رواية: كان أبي أول قتيل - يعني يوم أحد - فدفن معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر
فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، رواهما البخاري. (وتقدم) ذلك أول الغسل. (ويستحب جمع الاقارب) الموتى في المقبرة الواحدة، ويقارب بين قبورهم، لانه أسهل لزيارتهم، وأبعد لاندراس قبورهم، ويعضده قوله (ص) لما دفن عثمان بن مظعون وعلم قبره: أدفن إليه من مات من أهلي ويستحب أيضا الدفن (في البقاع الشريفة)، لحديث أبي هريرة مرفوعا: أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل ربه أن يدنيه من الارض المقدسة رمية حجر - قال النبي (ص): لو كنت ثم لاريتكم قبره، عند الكثيب الاحمر. وقال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك متفق عليهما. (و) يستحب أيضا الدفن في (- ما كثر فيه الصالحون) لتناله بركتهم ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه. وسأل عائشة، حتى أذنت له. (ويحرم قطع شئ من أطراف الميت، وإتلاف ذاته، وإحراقه) لحديث: كسر عظم الميت ككسر عظم الحي. ولبقاء حرمته (ولو أوصى به) أي بما ذكر من القطع والاتلاف والاحراق. فلا نتبع وصيته، لحق الله تعالى. (ولا ضمان فيه) أي الميت إذا قطع طرفه أو
[ 167 ]
أتلف أو أحرق. (ولوليه) أي الميت (أن يحامي عنه) أي يدفع عنه من أراد قطع طرفه ونحوه بالاسهل فالاسهل، كدفع الصائل. (وإن آل ذلك إلى إتلاف المطالب، فلا ضمان) على الدافع، كما في دفع الصائل. (ومن أمكن غسله فدفن قبله، لزم نبشه) تداركا للواجب. (و) لزم (تغسيله) وتكفينه والصلاة عليه. (وتقدم) ذلك في الغسل (ويحرم دفن اثنين فأكثر في قبر واحد)، لانه (ص): كان يدفن كل ميت في قبر. وعلى هذا استمر فعل الصحابة ومن بعدهم، (إلا لضرورة أو حاجة) ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم، لقوله (ص) يوم أحد: ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد رواه النسائي، وإذا دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، ف (- إن شاء سوى بين رؤوسهم، وإن شاء حفر قبرا طويلا، وجعل رأس كل واحد) من الموتى (عند رجل الآخر، أو) عند (وسطه كالدرج، ويجعل رأس المفضول عند رجلي الفاضل. ويسن حجزه بينهما بتراب)، ليصير كل واحد، كأنه في قبر منفرد. (والتقديم إلى
القبلة كالتقديم إلى الامام في الصلاة. فيسن) أن يقدم الافضل فالافضل إلى القبلة في القبر، لحديث هشام بن عامر قال: شكى إلي النبي (ص) كثرة الجراحات يوم أحد، فقال: احفروا ووسعوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآنا رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. (وتقدم) ذلك في (صلاة الجماعة) عند بيان موقف الامام والمأموم. (ولا ينبش قبر ميت باق، لميت آخر) أي يحرم ذلك، لما فيه من هتك حرمته. (ومتى علم) أن الميت بلي وصار رميما. (ومرادهم) أي الاصحاب (ظن أنه بلي، وصار رميما، جاز نبشه، ودفن غيره فيه). أي القبر مكانه، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والهواء، وهو في البلاد الحارة أسرع منه في الباردة. (وإن شك في ذلك) أي في أنه بلي وصار رميما (رجع إلى قول أهل الخبرة) أي المعرفة بذلك. (فإن حفر فوجد فيها) أي الارض (عظاما دفنها) أي العظام، أي أبقاها مكانها، وأعاد التراب كما كان، ولم يجز دفن ميت آخر عليه، نصا (وحفر في مكان آخر) خال من الاموات. (وإذا صار) الميت (رميما، جازت الزراعة
[ 168 ]
والحراثة) أي موضع الدفن، (وغير ذلك) كالبناء، قاله أبو المعالي (وإلا) أي وإن لم يصر (فلا) يجوز ذلك، قال في الفروع: (والمراد) أي بقول أبي المعالي: تجوز الزراعة والحرث ونحوهما إذا صار رميما. (إذا لم يخالف شرط واقف، لتعيينه الجهة) بأن عين الارض للدفن. فلا يجوز حرثها ولا غرسها، وتحرم عمارة القبر إذا دثر الذي غلب على الظن بلاء صاحبه، وتسوية التراب عليه في المقبرة المسبلة، لئلا يتصور بصورة الجديد، فيمتنع الناس من الدفن فيه، قياسا على تحريم الحفر فيها قبل الحاجة إليه. (ويجوز نبش قبور المشركين ليتخذ مكانها مسجدا) لان موضع مسجد النبي (ص) كان قبورا للمشركين، فأمر بنبشها، وجعلها مسجدا. (أو) أي ويجوز نبش قبور المشركين (لمال فيها، كقبر أبي رغال) لما روى أبو داود أن النبي (ص) قال: هذا قبر أبي رغال. وآية ذلك: أن معه غصنا من ذهب، إن رأيتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن. ونقل المروذي فيمن
أوصى ببناء داره مسجدا، فخرجت مقبرة، فإن كانوا مسلمين لم يخرجوا، وإلا أخرجت عظامهم. تنبيه: أبو رغال: يرجم قبره، وكان دليلا للحبشة، حيث توجهوا إلى مكة، فمات في الطريق، قاله في الصحاح. (ولو وصى بدفنه في ملكه دفن مع المسلمين، لانه) أي دفنه بملكه (يضر الورثة) لمنعهم من التصرف فيه، فيكون منفيا لحديث: لا ضرر ولا ضرار. (ولا بأس بشرائه موضع قبره، ويوصى بدفنه فيه) فعله عثمان وعائشة. قال في الفروع: فلهذا حمل صاحب المحرر: الاول على أنه لم يخرج من ثلثه، وما قاله متجه، وبعده بعضهم. وفي الوسيلة: فإن أذنوا كره دفنه فيه، نص عليه. انتهى. ومراد صاحب الفروع بالاول: ما إذا أوصى بدفنه في ملكه. قلت: الاولى حمل الاول على ملك في العمران، كما يدل عليه كلامه في الوسيلة والتعليل السابق. وحمل الثاني على شرائه موضع قبره في مقبرة غير مسبلة. كما يدل عليه ما استدلوا به من فعل عثمان وعائشة، فإنهما في البقيع. (ويصح بيع ما دفن فيه من ملكه) لبقاء ماليته (ما لم يجعل) ما دفن فيه مقبرة، بأن وقف للدفن فيه (أو يصير مقبرة) بأن تكثر فيه الموتى، وعبارة المنتهى مع شرحه: ما لم يجعل، أي يصير مقبرة، نص عليه. ومنع ابن عقيل بيع موضع القبر، مع بقاء رمته. قال في الفنون: لانها ما
[ 169 ]
لم تستحل ترابا فهي محترمة. قال: وإن نقلت العظام وجب الرد، لتعينه لها. (ويحرم حفره في) مقبرة (مسبلة قبل الحاجة إليه) أي الدفن، كمن يتخذ قبرا ليدفن فيه من سيموت، ذكره ابن الجوزي، وإن ثبت قول بجواز بناء بيت ونحوه، فههنا كذلك وأولى. ويتوجه هنا ما سبق في المصلى المفروش. قاله في الفروع (و) يحرم (دفنه في مسجد ونحوه)، كمدرسة ورباط لتعيين الواقف الجهة لغير ذلك (وينبش) من دفن بمسجد ونحوه، ويخرج، نصا. تداركا للعمل بشرط الواقف. (و) يحرم دفن (في ملك غيره) بلا إذن ربه، للعدوان (وللمالك إلزام دافنه بنقله) ليفرغ له ملكه عما شغله به بغير حق. (والاولى) للمالك (تركه) أي الميت،
حتى يبلى لما فيه من هتك حرمته. وكرهه أبو المعالي لذلك. (ويحرم أن يدفن مع الميت حلي أو ثياب غير كفنه، كإحراق ثيابه وتكسير أوانيه ونحوها)، لانه إضاعة مال بلا فائدة (وإن وقع في القبر ما له قيمة عرفا، أو رماه ربه فيه، نبش) القبر (وأخذ) ذلك منه. لما روي: أن المغيرة بن شعبة وضع خاتمه في قبر النبي (ص) ثم قال: خاتمي، فدخل وأخذه. وكان يقول: أنا أقربكم عهدا برسول الله (ص)، وقال أحمد: إذا نسي الحفار مسحاته في القبر جاز أن ينبش انتهى. ولتعلق حق ربه بعينه، مع عدم الضرر في أخذه. (وإن كفن بثوب غصب) وطلبه ربه، لم ينبش وغرم ذلك من تركته، لامكان دفع الضرر مع عدم هتك حرمته. (أو بلع مال غيره بغير إذنه وتبقى ماليته، كخاتم، وطلبه ربه، لم ينبش، وغرم ذلك من تركته) صونا لحرمته مع عدم الضرر. (كمن غصب عبدا فأبق. تجب قيمته) على الغاصب (لاجل الحيلولة) أي حيلولته بين المال وربه. (فإن تعذر الغرم) أي غرم الكفن المغصوب أو المال الذي بلعه الميت، (لعدم تركة ونحوه نبش) القبر (وأخذ الكفن) الغصب فدفع لربه (في) المسألة (الاولى، وشق جوفه في) المسألة (الثانية، وأخذ المال) فدفع لربه. (إن لم يبذل له قيمته) أي إن لم يتبرع وارث أو غيره ببذل قيمة الكفن أو المال لربه وإلا فلا ينبش لما سبق. (وإن بلعه) أي مال الغير (بإذن ربه أخذ إذا بلي) الميت، لان مالكه هو المسلط له على ماله بالاذن له. (ولا يعرض له) أي للميت (قبله) أي قبل أن يبلى، لما تقدم. (ولا يضمنه) أي
[ 170 ]
المال الذي بلعه بإذن ربه، فلا طلب لربه على تركته، لانه الذي سلطه عليه. (وإن بلع مال نفسه، لم ينبش قبل أن يبلى) لان ذلك استهلاك لمال نفسه في حياته. أشبه ما لو أتلفه. (إلا أن يكون عليه دين) فينبش، ويشق جوفه فيخرج ويوفى دينه، لما في ذلك من المبادرة إلى تبرئة ذمته من الدين. (ولو مات وله أنف ذهب لم يقلع لما فيه من المثلة. (لكن إن كان بائعه لم يأخذ ثمنه. أخذه من تركته) كسائر الديون. (ومع عدم التركة يأخذه) ربه (إذا بلي) الميت، جمعا بين المصلحتين. (وإن ماتت حامل بمن يرجى حياته حرم شق بطنها) من أجل الحمل،
مسلمة كانت أو ذمية، لما فيه من هتك حرمة متيقنة لابقاء حياة موهومة، لان الغالب والظاهر: أن الولد لا يعيش. واحتج أحمد على ذلك في رواية أبي داود بما روت عائشة أن النبي (ص) قال: كسر عظم الميت ككسر عظم الحي رواه أبو داود ورواه ابن ماجه من رواية أم مسلمة، وزاد: في الاثم. (وتسطو عليه القوابل) أو غيرهن من النساء فيدخلن أيديهن في فرجها (فيخرجنه) من بطنها، والذي ترجى حياته هو الذي تم له ستة أشهر، وكان يتحرك حركة قوية، وانتفخت المخارج. (فإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليها) لما فيه من هتك حرمتها. (فإن تعذر) عليهن إخراجه (ترك حتى يموت) ولا يشق بطنها، لما تقدم. (ولا تدفن قبله) أي قبل موت حملها. لما يلزمه من دفنه معها. (ولا يوضع عليه ما يموته) لعموم النواهي عن قتل النفس المحرمة. (ولو خرج بعضه) أي الحمل (حيا شق) بطنها (حتى يخرج) باقي الحمل لتيقن حياته بعد أن كانت موهومة. (فلو مات) قبل خروجه (أخرج وغسل) كغيره (وإن تعذر خروجه) أي خروج باقي الحمل، (ترك) بحاله (وغسل ما خرج منه) لان له حكم السقط. (وأجزأ) غسله (وما بقي) من الحمل في جوفها (ففي حكم الباطن، لا يحتاج إلى التيمم من أجله)، لانه في حكم الحمل (وصلى عليه) أي على من خرج بعضه (معها) أي مع أمه، بأن ينوي الصلاة عليهما، حيث تم له أربعة أشهر فأكثر. (وإن ماتت ذمية) أو كافرة غيرها (حامل بمسلم. دفنها مسلم وحدها) أي في مكان غير مقابر المسلمين وغير مقابر الكفار، نص عليه. وحكاه عن واثلة بن الاسقع. (إن أمكن) دفنها وحدها. (وإلا)
[ 171 ]
بأن لم يمكن دفنها وحدها. (ف) - إنها تدفن (مع المسلمين) لان ذلك أولى من دفن المسلم الذي هو الجنين مع الكفار. وكما لو اشتبه مسلم بكافر. (وجعل ظهرها) أي الكافرة (إلى القبلة) وتدفن (على جنبها الايسر) ليكون الجنين على جنبه الايمن مستقبل القبلة، لان ظهره لوجه أمه. (ولا يصلى عليه) أي جنين نحو الذمية. (لانه غير مولود ولا سقط) وكالمأكول ببطن الآكل. (ويصلى على مسلمة حامل. و) على (حملها بعد مضي زمن تصويره) وهو
أربعة أشهر، فينويهما بالصلاة، (وإلا) أي وإن لم يمض زمن تصويره صلى (عليها دونه)، وإنما صحت الصلاة عليه معها بعد مضي زمن تصويره، تبعا لها، بخلاف الكافرة. (ويلزم تمييز قبور أهل الذمة) عن مقابر المسلمين، كحال الحياة وأولى (ويأتي) في أحكام الذمة. (ولا تكره القراءة على القبر. و) لا (في المقبرة، بل تستحب) لما روى أنس مرفوعا قال: من دخل المقابر فقرأ فيها يس خفف عنهم يومئذ، وكان له بعددهم حسنات. وصح عن ابن عمرو أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، ولهذا رجع أحمد عن الكراهة، قاله أبو بكر لكن قال السامري: يستحب أن يقرأ عند رأس القبر بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمتها. (وكل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها أو بعضها كالنصف ونحوه) كالثلث أو الربع (لمسلم حي أو ميت جاز) ذلك، (ونفعه، لحصول الثواب له، حتى لرسول الله (ص)) ذكره المجد (من) بيان لكل قربة (تطوع وواجب، تدخله النيابة، كحج ونحوه) كصوم نذر (أو لا) تدخله النيابة (كصلاة، وكدعاء، واستغفار، وصدقة) وعتق (وأضحية وأداء دين، وصوم، وكذا قراءة وغيرها). قال أحمد: الميت يصل إليه كل شئ من الخير، للنصوص الواردة فيه، ولان المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرأون ويهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعا. وقال الاكثر: لا يصل إلى الميت ثواب القراءة وإن ذلك لفاعله. واستدلوا بقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) * و * (لها من كسبت) * وبقوله (ص): إذا مات ابن آدم انقطع عمله الخبر. وجوابه
[ 172 ]
عن الآية الاولى: بأن ذلك في صحف إبراهيم وموسى. قال عكرمة: هذا في حقهم خاصة، بخلاف شرعنا بدليل حديث الخثعمية أو بأنها منسوخة، بقوله: * (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان) * أو أنها مختصة بالكافر، أي ليس له من الخير إلا جزاء سعيه، يوفاه في الدنيا، وما له في الآخرة من نصيب أو أن معناها: ليس للانسان إلا ما سعى عدلا، وله ما سعى غيره فضلا أو أن اللام بمعنى على، كقوله تعالى: * (أولئك
لهم اللعنة) * وعن الثانية: بأنها تدل بالمفهوم ومنطوق السنة بخلافه. وعن الحديث بأن الكلام في عمل غيره، لا عمله، ولا يضر جهل الفاعل بالثواب، لان الله يعلمه. وقول المصنف: أولا كصلاة. هو معنى قول القاضي: إذا صلى فرضا وأهدى ثوابه صحت الهدية. وأجزأ ما عليه. قال في المبدع: وفيه بعد، وعلم مما تقدم: أنه إذا جعلها لغير مسلم لا ينفعه. وهو صحيح لنص ورد فيه. قاله في المبدع، فعلى هذا، لا يفتقر أن ينويه حال القراءة، نص عليه. (واعتبر بعضهم) في حصول الثواب للمجعول له، (إذا نواه حال الفعل) أي القراءة أو الاستغفار ونحوه، (أو) نواه (قبله) أي قبل الفعل دون ما نواه بعده. نقله في الفروع عن مفردات ابن عقيل، ورده. (ويستحب إهداء ذلك، فيقول: اللهم اجعل ثواب كذا لفلان) وذكر القاضي أنه يقول: اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعله أو ما تشاء منه لفلان، و (قال ابن تميم: والاولى أن يسأل الاجر من الله تعالى، ثم يجعله له) أي للمهدي له، (فيقول: اللهم أثبني برحمتك على ذلك. واجعل ثوابه لفلان). وللمهدي ثواب الاهداء وذكر القاضي: وللمهدي ثواب الاهداء. وقال بعض العلماء: يثاب كل من المهدي والمهدى له. وفضل الله واسع (ويسن أن يصلح لاهل الميت طعام يبعث به إليهم ثلاثا) أي ثلاثة أيام، لقوله (ص): اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم رواه الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه. قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة النبي (ص) إلى شعير فطحنته، وأدمته بزيت جعل عليه، وبعثت به إليهم. ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: فما
[ 173 ]
زالت السنة فينا حتى تركها من تركها. وسواء كان الميت حاضرا أو غائبا وأتاهم نعيه، وينوي فعل ذلك لاهل الميت، (لا لمن يجتمع عندهم، فيكره) لانه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت. نقل المروذي عن أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدا، ولاحمد وغيره: عن جرير وأسناده ثقات. قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. (ويكره فعلهم) أي فعل أهل الميت (ذلك) أي الطعام (للناس)
الذين يجتمعون عندهم، لما تقدم. (قال الموفق وغيره) كالشارح (إلا من حاجة) تدعو إلى فعلهم الطعام للناس. (كأن يجيئهم من يحضر منهم من أهل القرى البعيدة ويبيت عندهم، فلا يمكنهم) عادة (إلا أن يطعموه) فيصنعون ما يطعمونه له. (ويكره الاكل من طعامهم، قاله في النظم، وإن كان من التركة، وفي الورثة محجور عليه) أو من لم يأذن (حرم فعله، و) حرم (الاكل منه) لانه تصرف في مال المحجور عليه، أو مال الغير بغير إذنه. (ويكره الذبح عند القبر والاكل منه) لخبر أنس: لا عقر في الاسلام رواه أحمد بإسناد صحيح. قال في الفروع: رواه أحمد وأبو داود، وقال: قال عبد الرزاق: وكانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. وقال أحمد في رواية المروذي: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا. فنهى (ص) عن ذلك. وفسره غير واحد بغير هذا. (قال الشيخ) يحرم الذبح (والتضحية) عند القبر (ولو نذر ذلك ناذر لم يكن له أن يوفي به) كما يأتي في نذر المكروه والمحرم. (فلو شرطه واقف لكان شرطا فاسدا، وأنكر) أي أدخل في المنكر (من ذلك) أي من الذبح عند القبر والاكل منه. (أن يوضع على القبر الطعام والشراب، ليأخذه الناس، وإخراج الصدقة مع الجنازة) كالتي يسمونه بمصر: كفارة. (بدعة مكروهة) إن لم يكن في الورثة محجور عليه، أو غائب، وإلا فحرام. (وفي معنى ذلك) أي الذبح عند القبر (الصدقة عند القبر) فإن ذلك محدث، وفيه رياء.
[ 174 ]
فصل: (يسن لذكور زيارة قبر مسلم) نص عليه، وحكاه النووي إجماعا. لقوله (ص): كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها رواه مسلم والترمذي. وزاد: فإنها تذكر الآخرة وقال أبو هريرة: زار النبي (ص) قبر أمه. فبكى وأبكى من حوله، وقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور، فإنها تذكركم الموت، متفق عليه. (بلا سفر) لحديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. (وتباح) الزيارة (لقبر كافر) والوقوف
عند قبره، كزيارته. قال في شرح المنتهى وغيره: لزيارته (ص) قبر أمه. وكان بعد الفتح، وأما قوله تعالى: * (ولا تقم على قبره) * فإنما نزلت بسبب عبد الله بن أبي في آخر التاسعة، على أن المراد عند أكثر المفسرين: القيام للدعاء والاستغفار. (ولا يسلم) من زار قبر كافر (عليه) كالحي (بل يقول) الزائر لكافر (له: أبشر بالنار) في استعمال البشارة تهكم به، على حدة قوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) *. (ولا يمنع كافر من زيارة قريبه المسلم) حيا كان أو ميتا، لعدم المحظور. (وتكره) زيارة القبور (للنساء) لما روت أم عطية قالت: نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا. متفق عليه (فإن علم أنه يقع منهن محرم. حرمت) زيارتهن القبور. وعليه يحمل قوله (ص): لعن الله زوارات القبور رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي. (غير قبر النبي (ص) وقبر صاحبيه)
[ 175 ]
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. (فيسن) زيارتها للرجال والنساء، لعموم الادلة في طلب زيارته (ص). (وإن اجتازت امرأة بقبر في طريقها) ولم تكن خرجت له، (فسلمت عليه ودعت له. فحسن) لانها لم تخرج لذلك. (ويقف الزائر أمام القبر) أي قدامه (ويقرب منه) كعادة الحي. (ولا بأس بلمسه) أي القبر (باليد. وأما التمسح به، والصلاة عنده، أو قصده لاجل الدعاء عنده، معتقدا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له، أو نحو ذلك. فقال الشيخ: فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك). قال في الاختيارات: اتفق السلف والائمة على أن من سلم على النبي (ص) أو غيره من الانبياء الصالحين. فإنه لا يتمسح بالقبر ولا يقبله، بل اتفقوا على أنه لا يستلم ولا يقبل إلا الحجر الاسود. والركن اليماني يستلم ولا يقبل على الصحيح. قلت: بل قال إبراهيم الحربي يستحب تقبيل حجرة النبي (ص). (ويسن إذا زارها) أي قبور المسلمين (أو مر بها أن يقول معرفا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم،
ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم). للاخبار الواردة بذلك. فمنها حديث مسلم عن أبي هريرة وهو: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون قال في الشرح وفي حديث عائشة: ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين. وروى مسلم من حديث بريدة قال: كان النبي (ص) يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل
[ 176 ]
الله لنا ولكم العافية. وقد دل هذا الحديث على أن اسم الدار: يقع على المقابر. وإطلاق الاهل على ساكن المكان، من حي وميت. وروى أحمد من حديث عائشة: اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. وروى الترمذي من حديث ابن عباس قال: مر النبي (ص) بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم. أنتم سلفنا ونحن بالاثر قال الترمذي حديث غريب. وقوله: إن شاء الله بكم لاحقون الاستثناء للتبرك. قاله العلماء وفي البغوي إنه يرجع إلى اللحوق لا إلى الموت. وفي الشافي: أنه يرجع إلى البقاع (ونحوه)، أي أو يقول نحو ذلك: مم ورد ومنه: اللهم رب هذه الاجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من دار الدنيا، وهي بك مؤمنة صل على محمد وعلى آل محمد، وأنزل بهم روحا منك وسلاما مني ذكره في المستوعب. (ويخير بين تعريفه) أي السلام، (وتنكيره في سلامه على الحي). لان النصوص صحت بالامرين. وقال ابن البناء: سلام التحية منكر. وسلام الوداع معرف. (وابتداؤه) أي السلام (سنة، ومن جماعة سنة كفاية. والافضل: السلام من جميعهم)، لحديث: افشوا السلام، وغيره. (فلو سلم عليه جماعة فقال: وعليكم السلام، وقصد الرد عليهم) أي على الذين سلموا عليه (جميعا. جاز) ذلك، (وسقط الفرض في حق الجميع) لحصول الرد المأمور به. (ورفع الصوت بابتداء السلام سنة، ليسمعه المسلم عليهم سماعا محققا) لحديث: أفشوا السلام بينكم. (وإن سلم على أيقاظ عندهم نيام، أو) سلم (على من لا يعلم: هل
هم أيقاظ أو نيام؟ خفض صوته، بحيث يسمع الايقاظ. ولا يوقظ النيام) جمعا بين الفرضين. (ولو سلم على إنسان ثم لقيه على قرب. سن أن يسلم عليه ثانيا وثالثا وأكثر) من
[ 177 ]
ذلك، لعموم حديث: أفشوا السلام. (ويسن أن نبدأ بالسلام قبل كل كلام) للخبر. واختلف في معنى السلام، فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله تعالى. وهو نص أحمد في رواية أبي داود ومعناه: اسم الله عليك، أي أنت في حفظه. كما يقال: الله يصحبك، الله معك. وقال بعضهم: السلام بمعنى السلامة، أي السلامة ملازمة لك. قاله في الآداب الكبرى. (ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنه أن المسلم عليه لا يرد) السلام، لعموم: افشوا السلام. (وإن دخل على جماعة فيهم علماء سلم على الكل، ثم سلم على العلماء سلاما ثانيا) تمييزا لمرتبتهم، وكذا لو كان فيهم عالم واحد، (ورده فرض عين على) المسلم عليه (المنفرد) أي الذي انفرد بالسلام عليه، بأن خصه المسلم بالسلام. وإن كان في جماعة، (و) فرض (كفاية على الجماعة) المسلم عليهم. فيسقط برد واحد منهم (فورا). أي يجب الرد فورا بحيث يعد جوابا للسلام، وإلا لم يكن ردا. (ورفع الصوت به) أي برد السلام (واجب، قدر الابلاغ) أي إبلاغ المسلم. (وتزاد الواو في رد السلام وجوبا) قدمه المصنف في شرح منظومة الآداب. وعزاه للشيخ وجيه الدين في شرح الهداية. وقيل: لا تجب، وقدمه في شرح المنتهى. قال في الآداب الكبرى: وهو أشهر وأصح. تتمة: لو قال: سلام. لم يجبه. قاله الشيخ عبد القادر: لانه ليس بتحية الاسلام لانه ليس بكلام تام. ذكره في الآداب الكبرى. والمصنف في شرح المنظومة. قلت: وفيه نظر وقال، وإن قال: وعليك، أو عليكم. فقط، وحذف المبتدأ. فظاهر كلام الناظم في مجمع البحرين: أنه يجزئ وكذا الشيخ تقي الدين. وقال: كما رد النبي (ص) على الاعرابي، وهو ظاهر الكتاب فإن المضمر كالمظهر. ومقتضى كلام ابن أبي موسى وابن عقيل: لا يجزئ. وكذا قال الشيخ عبد القادر. ويكره الانحناء في السلام. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان:
يحرم (ويكره أن يسلم على امرأة أجنبية) أي غير زوجة له ولا محرم. (إلا أن تكون عجوزا) أي غير حسناء، كما يعلم مما تقدم في حضورها الجماعة. (أو) إلا أن تكون (برزة) أي فلا يكره السلام عليها. والمراد لا تشتهى، لامن الفتنة. (ويكره) السلام (في الحمام) وتقدم في باب الغسل. وتقدم كلام الشرح فيه. (و) يكره السلام (على من يأكل أو يقاتل) لاشتغاله.
[ 178 ]
(وفيمن يأكل نظر) قاله في الآداب الكبرى، أي في كراهة السلام عليه نظر. قال: وظاهر التخصيص: أنه لا يكره على غيرهما ومقتضى التعليل: خلافه، أي تعليلهم باشتغالهما. (و) يكره السلام (على تال) للقرآن، (و) على (ذاكر) لله تعالى، (و) على (ملب ومحدث)، أي ملق لحديث النبي (ص). (وخطيب، وواعظ، وعلى من يسمع لهم)، أي للمذكورين من التالي ومن بعده. (و) يكره السلام على (مكرر فقه، ومدرس) في أي علم كان. ولعل المراد إذا كان مشروعا أو مباحا. (وعلى من يبحثون في العلم، وعلى من يؤذن أو يقيم) وتقدم حكم المصلي، وأن المذهب: لا يكره السلام عليه. (وعلى من هو على حاجته) ويكره أيضا رده منه، نص عليه، وتقدم في باب الاستنجاء وقدم في الرعاية الكبرى. لا يكره ذكره في الآداب. (أو يتمتع بأهله، أو مشتغل بالقضاء ونحوهم)، أي نحو المذكورين من كل من له شغل عن رد السلام. (ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام) كالاحوال السابقة (لم يستحق جوابا) لسلامه. (ويكره أن يخص بعض طائفة لقيهم) أو دخل عليهم ونحوه (بالسلام)، لان فيه مخالفة للسنة في إفشاء السلام، وكسرا لقلب من أعرض عنهم. (و) يكره (أن يقول سلام الله عليكم). لمخالفته الصيغة الواردة. تتمة: قال المصنف في شرح منظومة الآداب: ويكره أن يقول: عليك سلام الله، لان النبي (ص) كرهه. قال في الفروع: وإنما قال النبي (ص): عليك السلام تحية الموتى على عادتهم في تحية الاموات، يقدمون اسم الميت في الدعاء. ذكره صاحب المحرر. وفعلوا ذلك. لان المسلم على قوم يتوقع جوابا. والميت لا يتوقع منه فجعلوا السلام عليه
كالجواب. (والهجر المنهي عنه) وهو هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام. (يزول بالسلام) لانه سبب التحابب للخير، فيقطع الهجر. وروي مرفوعا: السلام يقطع الهجران. (ويسن السلام عند الانصراف) عن القوم. (و) يسن السلام (إذا دخل على أهله) للخبر (فإن دخل بيتا خاليا، أو) دخل (مسجدا خاليا، قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) للخبر. (وإذا ولج) أي دخل (بيته ف) - ليقدم رجله اليمنى، و (ليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير
[ 179 ]
المخرج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم يسلم على أهله) لخبر أبي مالك الاشعري مرفوعا، رواه أبو داود. قال في الآدا ب: حديث حسن. (ولا بأس به) أي السلام (على الصبيان، تأديبا لهم) هذا معنى كلام ابن عقيل. وذكر القاضي في المجرد وصاحب عيون المسائل فيها، والشيخ عبد القادر: أنه يستحب. وذكره في شرح مسلم إجماعا. والصبيان يكسر الصاد، وضمها لغة، قاله في الآداب. (وإن سلم على صبي، لم يجب رده) أي رد الصبي السلام. لحديث: رفع القلم عن ثلاث. (وإن سلم على صبي وبالغ رده البالغ، ولم يكف رد الصبي. لان فرض الكفاية لا يحصل به). هذا معنى كلام أبي المعالي في شرح الهداية. قال في الآداب: ويتوجه تخريجه من الاكتفاء بأذانه وصلاته على الجنازة. (وإن سلم صبي على بالغ، وجب الرد) على البالغ (في وجه. وهو الصحيح) لانه مكلف. (ويجزئ في السلام) قول المسلم (السلام عليكم، ولو) كان السلام (على منفرد) أي شخص واحد، ذكرا كان أو أنثى. إما هو وملائكته أو تعظيما له. وإن قال: السلام عليك أجزأ. (و) يجزئ (في الرد: وعليكم السلام) على ما تقدم (وتسن مصافحة الرجل الرجل، و) مصافحة (المرأة المرأة) لحديث قتادة. قال: قلت لانس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي (ص)؟ قال: نعم رواه البخاري، وقال (ص): إذا التقى المسلمان فتصافحا تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر. وروي تحاتت خطاياهما وكان أحقهما بالاجر أشبهما بصاحبه. (ولا بأس بمصافحة المردان لمن وثق من نفسه،
وقصد تعليمهم حسن الخلق) ذكره في الفصول والرعاية، لما فيه من المصلحة، وانتفاء المفسدة. (ولا تجوز مصافحة المرأة الاجنبية الشابة) لانها شر من النظر، أما العجوز. فللرجل مصافحتها على ما ذكره في الفصول والرعاية، وأطلق في رواية ابن منصور: تكره
[ 180 ]
مصافحة النساء. قال محمد بن عبد الله بن مهران: سأل أبو عبد الله عن الرجل يصافح المرأة قال: لا، وشدد فيه جدا. قلت: فيصافحها بثوبه. قال: لا. قال رجل: فإن كان ذا رحم؟ قال: لا، قلت: ابنته. قال: إذا كانت ابنته فلا بأس. والتحريم مطلقا اختيار الشيخ تقي الدين، ويتوجه التفصيل بين المحرم وغيره، فأما الولد فيجوز. قاله في الآداب. (وإن سلمت شابة على رجل رده عليها) كذا في الرعاية، ولعل في النسخة غلظا ويتوجه: لا. وهو مذهب الشافعي. قاله في الآداب. (وإن سلم) الرجل (عليها) أي على الشابة (لم ترده) أي السلام عليه، دفعا للمفسدة. ولعل المراد: غير المحرم. (وإرسال السلام إلى الاجنبية وإرسالها) السلام (إليه) أي إلى الاجنبي (لا بأس به، للمصلحة، وعدم المحذور) أي لما فيه من المصلحة مع عدم المحذور. (ويسن أن يسلم الصغير) على ضدهم فيسلم الصغير على الكبير، (والقليل) على الكثير. (والماشي) على الجالس، (والراكب على ضدهم) أي الماشي. لقوله (ص): ليسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير. وفي حديث آخر: يسلم الراكب على الماشي رواهما البخاري. (فإن عكس) بأن سلم الكبير على الصغير والكثير على القليل، والقاعد على الماشي، والماشي على الراكب (حصلت السنة) للاشتراك في الامر بإفشاء السلام، والاول أكمل في السنة، لاميتازه بخصوص الامر السابق. (هذا) الذي تقدم بيانه) (إذا تلاقوا في طريق) ونحوها (أما إذا وردوا على قاعد، أو قعود. فإن الوارد يبدأ مطلقا) صغيرا كان أو راكبا، أو قليلا أو ضدهم. (وإن سلم على من وراء جدار) وجبت الاجابة عند البلاغ. (أو) سلم (الغائب عن البلد برسالة، أو كتابة. وجبت الاجابة عند البلاغ. ويستحب أن يسلم على الرسول، فيقول: وعليك وعليه السلام). لما روي
أنه (ص) قال له رجل: أبي يقرؤك السلام فقال: عليك وعلى أبيك السلام. وقيل لاحمد: إن فلانا يقرئك السلام. فقال: عليك وعليه السلام. وقال في موضع آخر: وعليه السلام. وقال
[ 181 ]
في موضع آخر: وعليك وعليه السلام. (وإن بعث) إنسان (معه السلام) ليبلغه لمن عينه له (وجب) على الرسول (تبليغه إن تحمله) لعموم الامر بأداء الامانة، وإلا فلا (ويستحب لكل واحد من المتلاقيين أن يحرص على الابتداء بالسلام) لقوله (ص): يا أيها الناس أفشوا السلام وأطمعوا الطعام وصلوا الارحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. قال الترمذي: حديث صحيح. (فإن التقيا وبدأ كل واحد منهما صاحبه معا) بالسلام (فعلى كل واحد منهما الاجابة) لعموم الاوامر برد السلام. فإن قاله أحدهما بعد الآخر، فقال الشاشي، من الشافعية: كان جوابا. قال النووي: وهذا هو الصواب. قال في الآداب الكبرى وما قاله صحيح. وهو ظاهر كلام جماعة من الاصحاب. كما هو ظاهر الآية. قال: وقال الشيخ وجيه الدين وبعض الشافعية: ولو قال كل منهما لصاحبه: وعليكم السلام ابتداء لا جوابا. لم يستحق الجواب. لان هذه صيغة جواب فلا تستحق جوابا. (ولو سلم على أصم جمع بين اللفظ والاشارة) وإلا لم يجب الرد. قاله في الآداب. (كرده سلامه) أي سلام الاصم. فيجمع الراد عليه بين اللفظ والاشارة. (وسلام الاخرس) بالاشارة، (وجوابه) أي الاخرس (بالاشارة) لقيامها مقام نطقه. وقال المروذي: إن أبا عبد الله لما اشتد به المرض كان ربما أذن للناس. فيدخلون عليه أفواجا أفواجا يسلمون عليه. فيرد بيده. (وآخر السلام: ابتداء وردا: وبركاته) أي استحبابا. وتقدم ما يجزئ منه. (ويجوز أن يزيد الابتداء على الرد وعكسه). أي أن يزيد الرد على الابتداء. (وسلام النساء على النساء كسلام الرجال على الرجال) لعموم الادلة. (ولا ينزع يده من يد من يصافحه حتى ينزعها) أي يده من يده. لما في نزع يده قبل ذلك من الاعراض عنه (إلا لحاجة. كحيائه) منه (ونحوه)، كمضرة بالتأخير (ولا بأس بالمعانقة) وقال أبو المعالي في شرح الهداية: يستحب زيارة القادم ومعانقته
[ 182 ]
والسلام عليه. قال: وإكرام العلماء وأشراف القوم بالقيام سنة مستحبة. قال: ويكره أن يطمع في قيام الناس له، انتهى. وقال ابن تميم: لا يستحب القيام إلا للامام العادل والوالدين وأهل العلم والدين والورع والكرم والنسب، وهو معنى كلامه في المجرد والفصول. وكذا ذكر الشيخ عبد القادر وقاسه على المهاداة لهم. قال: ويكره لاهل المعاصي والفجور والذي يقام إليه ينبغي أن لا تستكبر نفسه إليه ولا تطالبه والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال. فإذا لم يسر بالقيام إليه وقاموا إليه فغير ممنوع منه، ذكره في الآداب. (و) لا بأس (بتقبيل الرأس واليد لاهل العلم والدين ونحوهم) لحديث عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة والرسول (ص) في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي (ص) فاعتنقه وقبله حسنه الترمذي، وفي حديث ابن عمر في قصة قال فيها فدنونا من النبي (ص) فقبلنا يده رواه أبو داود. وعن صفوان بن عسال قال، قال يهودي لصاحبه: إذهب بنا إلى هذا النبي، فأتيا الرسول (ص) فسألاه عن تسع آيات بينات - فذكر الحديث إلى قوله - فقبلا يده ورجله وقالا: نشهد أنك نبي. رواه الترمذي، فيباح تقبيل اليد والرأس تدينا وإكراما واحتراما، مع أمن الشهوة، وظاهره عدم إباحته لامر الدنيا، وعليه يحمل النهي، قاله المصنف في شرح المنظومة. (ويكره تقبيل فم غير زوجته وجاريته) المباحة له، لانه قل أن يقع كرامة. (وإذا تثاءب كظم) ندبا أي أمسك فمه لئلا ينفتح (ما استطاع. فإن غلبه التثاؤب غطى فمه بكمه أو غيره) كيده لقوله (ص): إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع وفي رواية: فليضع يده على فمه فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب. (وإذا عطس) بفتح الطاء (خمر) أي غطى (وجهه) لئلا يتأذى غيره ببصاقه. (وغض) أي خفض (صوته) لحديث أبي هريرة عنه (ص): أنه كان إذا عطس غطى وجهه بثوبه ويده، ثم غض بها صوته، حديث صحيح، قاله في شرح المنظومة. قال الشيخ عبد القادر: (ولا يلتفت يمينا ولا شمالا وحمد الله) قال ابن هبيرة: إذا عطس الانسان استدل بذلك من نفسه على صحة بدنه، وجودة هضمه، واستقامة قوته.
[ 183 ]
فينبغي له أن يحمد الله. ولذلك أمره (ص) أن يحمد الله. وفي البخاري: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، لان العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاؤب غالبا لثقل البدن وامتلائه، واسترخائه. فيميل إلى الكسل. فأضافه إلى الشيطان لانه يرضيه، أو من تسببه لدعائه إلى الشهوات. ويكون حمده (جهرا بحيث يسمع جليسه) حمده، (ليشمته) بالشين والسين، (وتشميته فرض كفاية) كرد السلام. (فيقول له) سامعه: (يرحمك الله أو يرحمكم الله، ويرد عليه العاطس) وجوبا (فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم)، نص عليه في رواية أبي طالب. وقال في رواية حرب: هذا عن النبي (ص) من وجوه. زاد في الرعاية: ويدخلكم الجنة عرفها لكم قال في شرح المنتهى أو يقول: يغفر الله لنا ولكم. (ويكره أن يشمت من لم يحمد الله) لحديث أبي موسى مرفوعا: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه. فإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه رواه أحمد ومسلم. (وإن نسي لم يذكره) أي لم يسن تذكيره، لظاهر الخبر السابق. وروى المروذي: أن رجلا عطس عند أحمد فلم يحمد الله، فانتظره أن يحمد الله فيشمته فلم يحمد الله، فلما أراد أن يقوم، قال له أبو عبد الله: كيف تقول إذا عطست؟ قال أقول: الحمد لله، فقال له أبو عبد الله: يرحمك الله، (لكن يعلم الصغير أن يحمد الله وكذا حديث عهد بإسلام ونحوه) كمن نشأ ببادية بعيدة عمن يتعلم منه، لانه مظنة الجهل بذلك. (ولا يستحب تشميت الذمي) نص عليه. وهل يكره أو يباح أو يحرم؟ أقوال قاله في شرح المنظومة. (فإن قيل له) أي للذمي (يهديكم الله جاز) ذلك لانه لا محذور فيه. (ويقال للصبي إذا عطس: بورك فيك، وجبرك الله). قاله الشيخ عبد القادر وروي: أنه عطس عند النبي (ص) غلام لم يبلغ الحلم. فقال: الحمد لله رب العالمين. فقال النبي (ص): بارك الله فيك يا غلام رواه الحافظ السلفي في انتخابه. (وتشمت المرأة المرأة، و) يشمت (الرجل الرجل. و) يشمت الرجل (المرأة العجوز البرزة) لامن الفتنة. (ولا يشمت
[ 184 ]
الشابة ولا تشمته) كما في رد السلام، ولعل المراد الاجنبية (فإن عطس ثانيا) وحمد (شمته، و) إن عطس (ثالثا) وحمد (شمته). قال صالح لابيه: يشمت العاطس في مجلس ثلاثا. قال: أكثر ما قيل فيه ثلاث. وروى ابن ماجه، وإسناده ثقات عن سلمة بن الاكوع، مرفوعا: يشمت معاطس ثلاثا. فما زاد فهو مزكوم. (و) إن عطس (رابعا دعا له بالعافية، ولا يشمت) للرابعة لما تقدم. (إلا إذا لم يكن شمته قبلها) ثلاثا: فالاعتبار بفعل التشميت. وبعدد العطسات، فلو عطس أكثر من ثلاث متواليات. شمته بعددها إذا لم يتقدم تشميت. قال في شرح المنظومة: قولا واحدا! (ولا يجيب المتجشي بشئ. فإن حمد الله قال) له سامعه: (هنيئا مريئا، وهناك الله وأمراك) ذكره في الرعاية الكبرى وابن تميم، وكذا ابن عقيل. وقال: ولا يعرف فيه سنة. بل هو عادة موضوعة قال أحمد في رواية مهنا: إذا تجشى الرجل ينبغي أن يرفع وجهه إلى فوق، لكيلا يخرج من فيه رائحة يؤذي بها الناس، وروى أبو هريرة: أن رجلا تجشأ رسول الله (ص) فقال: كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا أطولهم جوعا يوم القيامة. (ويجب الاستئذان على كل من يريد الدخول عليه من أقارب وأجانب). قطع به ابن أبي موسى، والسامري، وابن تميم، وهو معنى كلام ابن الجوزي في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) * قال: لا يجوز لك أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان لهذه الآية، وقدم في الرعاية: يسن أن يستأذن. قال في الآداب الكبرى: ولا وجه لحكاية الخلاف، فيجب في الجملة على غير زوجة وأمة. اه. وروى سعيد عن أبي موسى قال: إذا دخل أحدكم على والديه فليستأذن، وعن ابن مسعود، وابن عباس مثله. (فإن أذن) له في الدخول دخل (وإلا) أي وإن لم يؤذن له في الدخول (رجع)، ويسن أن يكون استئذانه ثلاثا، إلا أن يجاب قبلها. (ولا يزيد) في استئذان (على ثلاث) مرات لقوله (ص): الاستئذان ثلاث فإن أذن لك. وإلا فارجع متفق عليه. (إلا أن يظن عدم سماعهم) للاستئذان، فيزيد بقدر ما يظن أنهم سمعوه. قال المصنف: في شرح المنظومة: وصفة الاستئذان: السلام عليكم
[ 185 ]
أأدخل؟ واستأذن رجل على النبي (ص) وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي (ص) لخادمه: أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان. فقال له قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي (ص) فدخل، رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهذا الذي ذكره الشيخ عبد القادر، وابن الجوزي. وابن حمدان وقيل، يقول: سلام عليكم فقط اه. ويجلس حيث انتهى به المجلس للاخبار. ولعن (ص): من جلس وسط الحلقة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. قال في الآداب: يتوجه: تحريم ذلك، يفرق بين اثنين بغير إذنهما للحديث، رواه أبو داود. فصل: (ويستحب تعزية أهل المصيبة بالميت قبل الدفن أو بعده حتى الصغير)، وحتى (الصديق) للميت (ونحوه) كجار الميت، لعموم ما روى عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي (ص) قال: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة رواه ابن ماجه. وعن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: من عزى مصابا فله كمثل أجره رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب. ويبدأ بخيارهم. والمنظور إليه منهم، ليستن به غيره، وبالضعيف منهم عن تحمل المصيبة لحاجته إليها. (و) حتى (من شق ثوبه) فيعزى كغيره. ولا يترك حقا لباطل (لزوال المحرم وهو الشق) والباقي أثره. (وإن نهاه) عن العود لمثل ذلك (فحسن. ويكره) لمن شق ثوبه (استدامة لبسه) لانه أثر معصيته. وتكون التعزية (إلى ثلاث) ليال بأيامها، (وكرهها) أي التعزية (جماعة) منهم ابن شهاب والآمدي، وأبو الفرج (بعدها) أي بعد الثلاث، واختاره صاحب المحرر. وقال: لم أجد في آخرها
[ 186 ]
كلاما لاصحابنا، وقال أبو المعالي: اتفقوا على كراهيتها بعدها، إلا أن يكون غائبا فلا بأس
بتعزيته إذا حضر. واختاره صاحب النظم. وزاد: ما لم تنس المصيبة. وقوله: (لاذن الشارع في الاحداد فيها) أي في الثلاث، بقوله (ص): لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا. تعليل للتحديد بالثلاث. (ويكره تكرارها) أي التعزية (فلا يعزي عند القبر من عزى قبل ذلك). قال أحمد: أكره التعزية عند القبر، إلا لمن لم يعز، فيعزي ذا دفن الميت أو قبله. (ويكره الجلوس لها) أي للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه. أو يجلس المعزي عند المصاب للتعزية. لما في ذلك من استدامة الحزن. قال أحمد في رواية أبي داود: وما يعجبني أن تقعد أولياء الميت في المسجد يعزون، أخشى أن يكون تعظيما للموت. أو قال للميت، وقال في رواية أبي الحرث: ما أحب الجلوس مع أهل الميت والاختلاف إليهم بعد الدفن ثلاثة أيام. وهذا تعظيم للموت. وقال بعضهم: إنما المكروه البيتوتة عند أهل الميت. وأن يجلس إليهم من عزى مرة، أو يستديم المعزي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التعزية (و) يكره (المبيت عندهم) أي عند أهل الميت لما تقدم (وفي الفصول: يكره الاجتماع بعد خروج الروح، لتهييجه الحزن. وتكره) تعزية الرجل (لشابة أجنبية) أي غير محرم له خشية الفتنة. وينبغي أن يراد: الحسناء، عجوزا كانت أو شابة، بخلاف غيرها كما تقدم. (ولا بأس بالجلوس بقرب دار الميت ليتبع جنازته، أو) ل (- يخرج وليه فيعزيه). وسواء كان جلوسه خارجا عن دار الميت بمسجد أو غيره، لكن إن كان الجلوس خارج المسجد على حصير من المسجد أو بساط منه، كره. نص عليه في رواية المروذي وغيره. ونقل عند عبد الله وأبو طالب: جوازه. لانه انتفاع بها في عبادة. أشبه ما لو قعدوا عليها داخله. قال في شرح الهداية: والاول أصح. لانها وقفت ليصلي عليها. وينتفع بها فيه خاصة. (ومعنى التعزية: التسلية والحث) أي حث المصاب (على الصبر بوعد الاجر، والدعاء للميت) إن كان مسلما، (والمصاب) أي الدعاء للمصاب (ولا تعيين فيما يقوله) المعزي. قال الموفق: لا أعلم في التعزية شيئا محدودا، إلا أنه يروى أن النبي (ص) عزى رجلا، فقال: رحمك الله
وآجرك رواه أحمد. (ويختلف) ما يقوله المعزى (باختلاف المعزين. فإن شاء) المعزي (قال
[ 187 ]
في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك) أي رزقك الصبر الحسن، (وغفر لميتك، وفي تعزيته) أي المسلم (بكافر: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك) ويمسك عن الدعاء للميت، لان الدعاء والاستغفار له منهي عنه. (وتحرم تعزية الكافر) سواء كان الميت مسلما أو كافرا. لان فيها تعظيما للكافر. كبداءته بالسلام. (ويقول المعزى) بفتح الزاي مشدودة (استجاب الله دعاءك، ورحمنا الله وإياك) بهذا القول رد الامام أحمد، وكفى به قدوة. (ولا يكره أخذه) أي المعزى (بيد من عزاه). قال أحمد: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية، وإن شئت فلا. (ولا بأس أن يجعل المصاب عليه علامة يعرف بها، ليعزى) لتتيسر التعزية المسنونة بذلك على كل أحد. (ويسن) للمصاب (أن) يسترجع ف (- يقول: * (إنا لله) *) أي نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء * (وإنا إليه راجعون) * أي نحن مقرون بالبعث والجزاء على أعمالنا (اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها) أجرني مقصور، وقيل ممدود. وأخلف: بقطع الهمزة، وكسر اللام. يقال لمن ذهب منه ما يتوقع مثله: أخلف الله عليك مثله. ومن ذهب منه ما لا يتوقع مثله: خلف الله عليك. أي كان الله لك خليفة منه عليك. (ويصلي ركعتين) قاله الآجري وجماعة، قال في الفروع: وهو متجه. فعلها ابن عباس، وقرأ: * (واستعينوا بالصبر والصلاة) * ولم يذكرها جماعة. ولاحمد وأبي داود عن حذيفة كان النبي (ص) إذا حزبه أمر صلى. قال في القاموس: وحزبه الامر: نابه واشتد عليه، أو ضغطه. ولمسلم عن أم سلمة مرفوعا: إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. فلما مات أبو سلمة قال قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني عقبة حسنة. (و) يسن للمصاب أن (يصبر) والصبر: الحبس قال تعالى: * (واصبروا إن الله مع الصابرين) * وقال (ص): والصبر ضياء وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، وردت
به الاخبار. منها ما في الصحيحين: أنه (ص) قال: لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من
[ 188 ]
الولد فتمسه النار، إلا تحلة القسم يشير إلى قوله تعالى: * (وإن منكم إلا واردها) * والصحيح: أن المراد به المرور على الصراط، وأخرج البخاري أنه (ص) قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن من جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة قال في شرح المنتهى: واعلم أن الثواب في المصائب في الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها. فإنها ليست من كسبه. وإنما يثاب على كسبه. والصبر من كسبه. والرضا بالقضاء فوق الصبر. فإنه يوجب رضا الله سبحانه وتعالى. (ويجب منه) أي الصبر (ما يمنعه من محرم) إذا النهي عن شئ أمر بضده. ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة، خلافا لابن عقيل، بل يسن. ويحرم الرضا بفعل المعصية. ذكره ابن عقيل اجماعا. وذكره الشيخ تقي الدين: أنه إذا نظر إلى إحداث الرب لذلك للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضي لله بما رضيه لنفسه، فيرضاه ويحبه مفعولا مخلوقا لله تعالى، ويبغضه ويكرهه فعلا للمذنب المخالف لامر الله. وهذا كما نقول فيما خلقه من الاجسام الخبيثة قال: فمن فهم هذا الموضع انكشف له حقيقة هذا الامر، الذي حارت فيه العقول. (ويكره له) أي المصاب (تغيير حاله) أي هيئته (من خلع ردائه ونعله، وغلق حانوته، وتعطيل معاشه ونحوه) لما في ذلك من إظهار الجزع. قال ابن الجوزي في قوله تعالى: * (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * إعلم أن من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه وفرحه. وقال إبراهيم الحربي: اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يتمش مع القدر لم يتهن بعيش. (ولا يكره البكاء) قال الجوهري: البكاء يمد ويقصر. فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء. وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها، (على الميت قبل الموت وبعده) لكثرة الاخبار بذلك، فمنها: ما في الصحيحين: أنه (ص) لما فاضت عيناه، لما رفع إليه ابن بنته ونفسه تقعقع كأنها في شنة - أي لها صوت وحشرجة
كصوت ما ألقي في قربه بالمية - قال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. قال جماعة: والصبر عنه أجمل.
[ 189 ]
وذكر الشيخ تقي الدين في التحفة العراقية: البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب. وذلك لا ينافي الرضا بخلاف البكاء عليه، لفوات حظه منه. وقال في الفرقان: الصبر واجب باتفاق العقلاء، ثم ذكر في الرضا قولين، ثم قال: وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها. نقله عنه في الآداب الكبرى (ولا يجوز الندب وهو البكاء، مع تعديد محاسن الميت) بلفظ النداء، مع زيادة الالف والهاء في آخره. كقوله: واسيداه، واجبلاه. وانقطاع ظهراه. (ولا) تجوز (النياحة وهي رفع الصوت بذلك برنة) لما في الصحيحين عن أم عطية قالت: أخذ علينا (ص) في البيعة أن لا ننوح. وفي صحيح مسلم: أنه (ص) لعن النائحة والمستمعة. (ولا) يجوز (شق الثياب ولطم الخدود، وما أشبه ذلك من الصراخ، وخمش الوجه) وتسويده (ونتف الشعر ونشره وحلقه)، لما في الصحيحين أنه (ص) قال: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وفيهما: أنه (ص) برئ من الصالقة والحالقة والشاقة، فالصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، ويقال: السالقة بالسين المهملة، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها. ولما في ذلك من إظهار الجزع وعدم الرضا بقضاء الله والسخط من فعله. وفي شق الجيوب إفساد للمال لغير حاجة. (وفي الفصول: يحرم النحيب والتعداد) أي تعداد المحاسن والمزايا، (وإظهار الجزع. لان ذلك يشبه التظلم من الظالم وهو عدل من الله تعالى)، لان له أن يتصرف في خلقه بما شاء لانهم ملكه. (ويباح يسير الندبة الصدق، إذا لم يخرج مخرج النوح. ولا قصد نظمه، نحو قوله: يا أبتاه. يا ولداه. ونحو ذلك)، هذا تتمة كلام الفصول. ومقتضى ما قدمه: تحريمه.
[ 190 ]
(وجاءت الاخبار الصحيحة بتعذيب الميت بالنياحة والبكاء عليه) فحمله ابن حامد على من
أوصى به. لان عادة العرب الوصية بفعله فخرج على عادتهم. وفي شرح مسلم: وهو قول الجمهور. وهو ضعيف فإن سياق الخبر يخالفه، وحمله الاثرم على من وصى به حين يموت. وقال في التلخيص: يتأذى بذلك إن لم يوص بتركه. كما كان السلف يوصون. ولم يعتبر كون النياحة عادة أهله. واختار صاحب المحرر أن من هو عادة أهله ولم يوص بتركه عذب، لانه متى ظن وقوعه ولم يوص، فقد رضي ولم ينه مع قدرته. وقال ابن القيم في كتاب الروح: يتألم من ذلك ويتوجه مع لا أنه يعاقب بذنب الحي. * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * وهذا كقوله (ص): السفر قطعة من العذاب، فالعذاب أعم من العقوبة وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وأنكرت عائشة حمل ذلك على ظاهره. ووافقها ابن عباس. وقالت: والله ما حدث رسول الله (ص) إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. ولكن رسول الله (ص) قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه. وقالت لما بلغها رواية عمر وابنه في ذلك: إنكم لتحدثون عنه غير كاذبين ولا متهمين، ولكن السمع بخطئ. وقالت: حسبكم القرآن: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) *. (وما هيج المصيبة من وعظ أو إنشاد شعر. فمن النياحة). قاله الشيخ تقي الدين ومعناه لابن عقيل في الفنون فإنه لما توفي ابنه عقيل قرأ قارئ: * (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين) *. فبكى ابن عقيل. وبكى الناس. فقال للقارئ: يا هذا إن كان لتهيج الحزن فهو نياحة بالقرآن، ولم ينزل للنوح، بل لتسكين الاحزان. فائدة: قال المصنف في الحاشية، مذهب أهل السنة: أن الروح هي النفس الناطقة المستعدة للبيان. وفهم الخطاب. ولا تفنى بفناء الجسد، وأنه جوهر لا عرض اه. وتجتمع أرواح الموتى فينزل الاعلى إلى الادنى لا العكس. قاله في الاختيارات، قال: ومذهب سلف الامة وأئمتها: أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة. وأيضا تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب. ولاهل السنة قول آخر: إن النعيم والعذاب يكون للبدن دون الروح اه. وقال ابن عقيل وابن
الجوزي: هو واقع على الروح فقط. وقال ابن الجوزي أيضا: من الجائز أن يجعل الله للبدن تعلقا بالروح، فتعذب في القبر، ويسمع الميت الكلام، بدليل حديث السلام على
[ 191 ]
أهل المقابر، قال الشيخ تقي الدين: واستفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وإن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا، وبأنه يدري بما فعل عنده. ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا، وكان أبو الدرداء يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أجزى به عند عبد الرحمن بن رواحة وكان ابن عمه. ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه، وتقول: إنما كان أبي وزوجي فأما عمر فأجنبي. ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس، قاله أحمد. وفي الغنية يعرفه كل وقت. وهذا الوقت آكد. وينتفع بالخير ويتأذى بالمنكر عنده. وسن، فعل لزائره ما يخفف عنه، ولو بجعل جريدة رطبة في القبر للخبر. وأوصى به بريدة، ذكره البخاري وفي معناه غرس غيرها. وأنكر ذلك جماعة من العلماء. وفي معنى ذلك الذكر والقراءة عنده لانه إذا رجى التخفيف بتسبحها. فالقراءة أولى. وتقدم بعض ما يتعلق بذلك.
[ 192 ]
كتاب الزكاة واشتقاقها لغة: من زكا يزكو، إذا نما، أو تطهر. يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد، وقال تعالى: * (قد أفلح من زكاها) * أي طهرها عن الادناس. وتطلق على المدح. قال تعالى: * (فلا تزكوا أنفسكم) * وعلى الصلاح يقال: رجل زكي، أي زائد الخير، من قوم أزكياء. وزكى القاضي الشهود: إذا بين زيادتهم في الخير. وسمي المال المخرج زكاة. لانه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات. وأصل التسمية قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * وقيل: لانها تطهر مؤديها من الاثم، وتنمي أجره. وقال الازهري: إنما تنمي الفقراء. (وهي أحد أركان
الاسلام) ومبانيه المذكورة في قوله (ص): بني الاسلام على خمس - فذكر منها - وإيتاء الزكاة. (وفرضت بالمدينة) ذكره صاحب المغني والمحرر والشيخ تقي الدين. قال في الفروع: ولعل المراد طلبها. وبعث السعادة لقبضها. فهذا بالمدينة. ولهذا قال صاحب المحرر: إن الظواهر في إسقاط زكاة التجارة معارضة بظواهر تقتضي وجوب الزكاة في كل مال. كقوله: * (والذين في أموالهم حق معلوم) * واحتج في أن الصلاة لا يجب على كافر فعلها ويعاقب بها بقوله: * (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * والسورة مكية، مع أن أكثر المفسرين فسروا الزكاة فيها بالتوحيد. اه، وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي: إنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة، بعد زكاة الفطر. بدليل قول قيس بن سعد بن عبادة: أمرنا النبي (ص) بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات. وفي تاريخ ابن جرير الطبري: أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة. وقيل: فرضت قبل الهجرة، وبينت بعدها. (وهي) أي الزكاة شرعا (حق واجب) يأتي تقديره في أبواب المزكيات
[ 193 ]
(في مال مخصوص) يأتي بيانه قريبا في كلامه، (لطائفة مخصوصة) وهم الاصناف الثمانية المشار إليهم بقوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * - الآية (في وقت مخصوص) وهو تمام الحول في الماشية والاثمان وعروض التجارة، وعند اشتداد الحب في الحبوب، وعند بدو صلاح الثمرة التي تجب فيها الزكاة، وعند حصول ما تجب فيه الزكاة من العسل، واستخراج ما تجب فيه من المعادن، وعند غروب الشمس من ليلة الفطر. لوجوب زكاة الفطر. وخرج بقوله: واجب الحق المسنون كابتداء السلام واتباع الجنازة. وبقوله: في مال رد السلام ونحوه، وبقوله: مخصوص ما يجب في كل الاموال كالديون والنفقات. وبقوله: لطائفة مخصوصة، نحو الدية لانها لورثة المقتول. وبقوله: في وقت مخصوص نحو النذر والكفارة. ثم أشار إلى المال المخصوص بقوله: (و) تجب الزكاة (في السائمة من بهيمة الانعام) وهي الابل والبقر والغنم. سميت بهيمة لانها لا تتكلم.
ويأتي بيان السوم. (و) تجب الزكاة أيضا في (الخارج من الارض) من الحبوب والثمار، وما في معناها والمعادن (وما في حكمه)، أي حكم الخارج من الارض (من العسل) الخارج من النحل، (و) تجب الزكاة أيضا في (الاثمان) وهي الذهب والفضة، (و) تجب الزكاة أيضا في (عروض التجارة، ويأتي بيانها) أي المزكيات المذكورة (في أبوابها) مفصلة مرتبة كذلك (وتجب) الزكاة (في متولد بين وحشي وأهلي) من بقر أو غنم (تغليبا) للوجوب (واحتياطا) لتحريم قتله، وإيجاب الجزاء فيه على المحرم، والنصوص تتناوله (فتضم إلى جنسها الاهلي) في تكميل النصاب (وتجب) الزكاة (في بقر وحش وغنمه) بشرطه، لعموم قوله (ص): خذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا. قال القاضي وغيره: وتسمى بقرا حقيقة. فتدخل تحت الظاهر. وكذلك يقال في الغنم. (واختار الموفق وجمع) وصححه الشارح. (لا تجب) الزكاة في بقر الوحش وغنمه، لانها تفارق الاهلية صورة وحكما. والايجاب من الشرع ولم يرد. ولم يصح القياس لوجود الفارق. (ولا تجب) الزكاة (في سائر) أي في باقي
[ 194 ]
(الاموال إذا لم تكن للتجارة، حيوانا كان) المال (كالرقيق والطيور والخيل والبغال والحمير والظباء، سائمة كانت (أو لا، أو غير حيوان كاللآلي والجواهر والثياب والسلاح وأدوات) أي آلات (الصناع، وأثاث البيوت والاشجار والنبات والاواني والعقار من الدور والارضين للسكنى وللكراء) لقوله (ص): ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة متفق عليه، ولابي داود: ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر. وقيس على ذلك باقي المذكورات. ولان الاصل عدم الوجوب إلا لدليل ولا دليل فيها. (ولا تجب) الزكاة فيما تقدم من الاموال (إلا بشروط خمسة: الاسلام والحرية فلا تجب) الزكاة (بمعنى الاداء) أي بمعنى: أنه لا يجب عليه أداء الزكاة حال كفر، لا بمعنى أنه لا يعاقب عليها، لما تقدم أن الكفار يعاقبون على سائر فروع الاسلام، كالتوحيد، (على كل كافر) أي فرد من أفراد الكفار على اختلاف أنواعهم. لقوله (ص) لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوما أهل كتاب،
فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخد من أغنيائهم فترد على فقرائهم متفق عليه، ولانها أحد أركان الاسلام، فلم تجب على كافر، كالصيام، (ولو) كان الكافر (مرتدا) سواء حكمنا ببقاء الملك مع الردة أو زواله، لعموم قوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) *. وقوله (ص): الاسلام يجب ما قبله. (ولا) تجب
[ 195 ]
الزكاة على (عبد لانه لا يملك بتمليك) من سيد أو غيره، (ولا غيره) أي غير تمليك، فلا مال له، وكذا الامة. (وزكاة ما بيده) أي الرقيق غير المكاتب (على سيده، ولو مدبرا، أو أم ولد) لانه ملك السيد. (ولا) تجب الزكاة (على مكاتب لنقص ملكه) فهو ضعيف لا يحتمل المواساة. ويؤيده حديث جابر مرفوعا: ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق رواه الدارقطني، وقاله جابر وابن عمر. ولم يعرف لهما مخالف، فكان كالاجماع، ولان تعلق حاجته إلى فك رقبته من الرق بماله أشد من تعلق حاجة الحر المفلس بمسكنه، وثياب بذلته، فكان بإسقاط الزكاة عنه أولى وأحرى. (بل) تجب الزكاة على (معتق بعضه) بقدر ملكه (فيزكى) البعض (ما ملك) من مال زكوي (بحرية) أي بجزئه الحر، لان ملكه عليه تام. أشبه الحر (ولو اشترى عبدا) أو أمة، (ووهبه شيئا) زكويا (ثم ظهر أن العبد) أو الامة (كان حرا، فله) أي السيد (أن يأخذ منه ما) كان (وهبه له) لانه إنما وهبه له بناء على أنه ملكه. فإذا تبين خلافه رجع به. (ويزكيه) أي المال السيد، لما مضى لانه ماله لم يخرج عن ملكه. (فإن تركه) السيد للموهوب له بعد علمه حريته (زكاه الآخذ له) لانه مالك تام الملك، ويستقبل به حولا من حين الترك، لانه وقت دخوله في ملكه. (وتجب) الزكاة (في مال الصبي والمجنون) وهو قول علي وابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة والحسن بن علي، حكاه عنهم ابن المنذر. وكذا رواه مالك في موطئه. والشافعي في مسنده عن عمر. ورواه الاثرم في سننه عن ابن عباس، ولم يعرف لهم مخالف، وقد قالوه في أوقات مختلفة
واشتهر فلم ينكر، فصار كالاجماع. ويؤيده قوله (ص) لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، رواه الجماعة. ولفظة الاغنياء تشمل الصغير والمجنون، كما شملتهم لفظة الفقراء. وروى الشافعي في مسنده عن يوسف بن ماهك أن النبي (ص) قال: انتموا في أموال اليتامى لا تذهبها، أو لا تستهلكها، الصدقة. ولا يضر كونه مرسلا لانه حجة عندنا، وقد رواه الدارقطني مسندا من حديث ابن عمر لكن من طرق ضعيفة. (ولا تجب) الزكاة (في المال المنسوب إلى الجنين) أي الذي وقف له في إرث أو وصية وانفصل حيا. لانه لا مال له، ما دام حملا. واختار ابن
[ 196 ]
حمدان يجب، لحكمنا له بالملك ظاهرا، حتى منعنا باقي الورثة. (الثالث) من شروط الزكاة: (ملك نصاب) للنصوص. ولا فرق بين بهيمة الانعام وغيرها، ولا يرد الركاز، لان شبهه بالغنيمة أكثر من الزكاة، ولهذا وجب فيه الخمس، ولم يمنعه الدين (ف) - النصاب (في أثمان وعروض تقريب) لا تحديد، (فلا يضر نقص حبتين) لانه لا ينضبط غالبا. فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، ولانه لا يخل بالمواساة. لان النقص اليسير لا حكم له في أشياء كثيرة. كالعمل اليسير في الصلاة. وانكشاف يسير من العورة، والعفو عن يسير الدم، فكذا هنا. فإن كان النقص بينا كالدانقين لم تجب. (و) النصاب (في ثمر وزرع تحديد) كالماشية. فلو نقص يسيرا لم تجب. (وقيل) النصاب في ثمر وزرع (تقريب) كالاثمان (فلا يؤثر) نقص (نحو رطلين) بنحو البغدادي، (ومدين. ويؤثران) أي نقصهما (على) القول (الاول) وعليه المعول. (وعليهما) أي القولين (لا اعتبار بنقص بتداخل في المكاييل كالاوقية) فلا يمنع نقصها الوجوب. (وتجب) الزكاة (فيما زاد على النصاب بالحساب) لعموم ما يأتي في أبوابه. (إلا في السائمة، فلا زكاة في وقصها) لما روى أبو عبيد في غريبه مرفوعا: ليس في الاوقاص صدقة وقال: الوقص: ما بين النصابين، وفي حديث معاذ: أنه قيل له: أمرت في الاوقاص بشئ؟ قال: لا. وسأسأل النبي (ص)، فسأله. فقال: لا رواه الدارقطني. فعلى هذا: لو كان له
تسع من الابل مغصوبة، فأخذ منها بعيرا بعد الحول، زكاه بخمس شاة. (الرابع) من شروط الزكاة (تمام الملك) في الجملة، قاله في الفروع. لان الملك الناقص ليس نعمة كاملة. وهي إنما تجب في مقابلتها، إذ الملك التام عبارة عما كان بيده لم يتعلق به غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده حاصلة له، قاله أبو المعالي. تنبيه: قال في الفروع: النصاب الزكوي سبب لوجوب الزكاة، وكما يدخل فيه تمام الملك يدخل فيه من تجب عليه. أو يقال: الاسلام والحرية شرطان للسبب، فعدمهما مانع من صحة السبب وانعقاده، وذكر غير واحد هذه الاربعة شروطا للوجوب كالحول، فإنه شرط للوجوب، بلا خلاف، لا أثر له في السبب. (فلا زكاة في دين الكتابة) لعدم استقراره، لانه يملك تعجيز نفسه، ويمتنع من الاداء، ولهذا لا يصح ضمانها. (ولا) زكاة (في السائمة وغيرها الموقوفة على غير معين، كالمساكين، أو على مسجد ورباط ونحوهما) كمدرسة،
[ 197 ]
لعدم ملكهم لها (كمال موصى به في غير وجوه بر) أي خيرات من غزو ونحوه. (أو) مال موصى به (يشتري به ما يوقف، فإن اتجر به وصى قبل مصرفه) فيما وصى به. (فربح) المال (فربحه مع أصل المال) يصرف (فيما وصى فيه) لتبعية الربح للاصل. (ولا زكاة فيهما) لعدم المالك المعين (وإن خسر) المال (ضمن) الوصي (النقص) لمخالفته إذن. (وتجب) الزكاة (في سائمة) موقوفة على معين. كزيد أو عمرو، للعموم، وكسائر أملاكه. وقال في التلخيص: الاشبه أنه لا زكاة، وقدمه في الكافي لنقصه. (و) تجب الزكاة في (غلة أرض، و) غلة (شجر موقوفة على معين) إن بلغت الغلة نصابا، نص عليه. لان الزرع والثمر ليس وقفا، بدليل بيعه. (ويخرج من غير السائمة) كالزرع والثمر. لانه ملكه. بخلاف السائمة. فلا يخرج منها. لان الوقف لا يجوز نقل الملك فيه. (فإن كانوا) أي الموقوف عليهم المعينون (جماعة، وبلغ نصيب كل واحد من غلته) أي الموقوف من أرض أو شجر (نصابا، وجبت) الزكاة. وكذا لو بلغت حصة بعضهم نصابا. وجبت عليه (وإلا) أي وإن لم تبلغ
حصة أحد منهم نصابا (فلا) زكاة عليهم. لانه لا أثر للخلطة في غير الماشية، (ولا في حصة مضارب) من الربح (قبل القسمة، ولو ملكت) أي ولو قلنا: تملك (بالظهور) لعدم استقرارها. (فلا ينعقد عليها الحول قبل استقرارها) بالقسمة أو ما جرى مجراها. (ويزكي رب المال حصته منه) أي من الربح. (كالاصل) أي رأس المال (لملكه) الربح (بظهوره) وتبعيته لما له. بخلاف المضارب. ولا يجب على رب المال زكاة حصة المضارب من الربح. لانه غير مالك لها. (فلو دفع) حر مسلم (إلى رجل ألفا مضاربة، على أن الربح بينهما نصفين، فحال الحول وقد ربح) المال (ألفين. فعلى رب المال زكاة ألفين) رأس المال وحصته من الربح. (فإن أداها) أي زكاة الالفين (منه) أي من مال المضاربة (حسب) ما أداه (من المال
[ 198 ]
والربح، فينقص ربع عشر رأس المال) وهو خمسة وعشرون. فيصير رأس المال تسعمائة وخمسة وسبعين. (والمال الموصى به) لمعين (يزكيه من حال الحول وهو على ملكه) سواء الموصي والموصى له. (ولو وصى بنفع نصاب سائمة زكاها مالك الاصل) كالموجودة، (ومن له دين على ملئ) أي قادر على وفائه، (باذل) للدين (من قرض أو دين، عروض تجارة أو مبيع لم يقبضه) كموصوف في الذمة (بشرط الخيار أولا، أو دين سلم إن كان) دين السلم (للتجارة، ولم يكن أثمانا). هكذا عبارة الانصاف والفروع والمبدع. وذكر في المنتهى: لا تجب في دين سلم، ما لم يكن أثمانا أو للتجارة، انتهى. وعليه: يحمل كلام المصنف بجعل الواو للحال. أي إن كان للتجارة في حال كونه غير أثمان. فإن كان أثمانا لم يعتبر كونها للتجارة. (أو ثمن مبيع أو رأس مال قبل قبض عوضهما) أي عوض ثمن المبيع، وهو المبيع، وعوض رأس مال سلم، وهو المسلم فيه. وإنما يتصور ذلك في رأس مال السلم ما داما بالمجلس. ولم ينبه عليه للعلم به، مما يأتي في بابه. (ولو انفسخ العقد) أي عقد البيع أو السلم بإقالة أو غيرها فلا تسقط زكاته. (أو) دين من (صداق أو عوض خلع أو أجرة) بأن تزوجها على مائة في ذمته، أو سألته الخلع بذلك، أو استأجر منه شيئا كذلك،
فيجري ذلك في حول الزكاة (بالعقد قبل القبض. وإن لم تستوف) منه (المنفعة) المعقود عليها في النكاح أو الاجارة لملك هذه الاشياء بالعقد. (وكذا كل دين لا في مقابلة مال، أو) في مقابلة (مال غير زكوي، كموصى به وموروث، وثمن مسكن ونحو ذلك) كقيمة عبد متلف، وجعل بعد عمل، ومصالح به عن دم عمد. (جرى في حول الزكاة من حين ملكه، عينا كان أو دينا) لان الملك في جميعه مستقر، وتعريضه للزوال لا تأثير له. وهو ظاهر إجماع الصحابة ذكره في المبدع في الصداق وعوض الخلع والاجرة والصداق، وعوض الخلع إذا كان مبهما استقبل به حول من تعيينه. (من غير بهيمة الانعام، لا) إن كان
[ 199 ]
الدين (منها) أي من بهيمة الانعام، فلا زكاة فيه، كما لو اشترى أربعين شاة موصوفة في الذمة (لاشتراط السوم فيها. فإن عينت زكيت كغيرها. وكذا الدية الواجبة لا تزكى. لانها لم تتعين مالا زكويا) لان الابل في الدية أحد الاصول الخمسة. وقوله (زكاه) أي الدين المذكور (إذا قبضه، أو) قبض (شيئا منه) جواب قوله: ومن له دين، لجريانه في حول الزكاة لما سبق. (فكلما قبض شيئا) من الدين (أخرج زكاته) لما مضى (ولو لم يبلغ المقبوض نصابا) حيث بلغ أصله نصابا ولو بالضم إلى غيره. روى أحمد عن علي وابن عمر وعائشة: لا زكاة في الدين حتى يقبض، ذكره أ بوبكر بإسناده، ولم يعرف لهم مخالف. (ولو أبرأ منه) أي من الدين أو بعضه فيزكيه (لما مضى)، وسواء (قصد ببقائه) أي الدين (عليه) أي المدين (الفرار من الزكاة أو لا)، وسواء كان المدين يزكيه أو لا. (ويجزئ إخراجها) أي زكاة الدين (قبل قبضه) لقيام الوجوب على رب الدين، وعدم إلزامه بالاخراج قبل قبضه رخصة. فليس كتعجيل الزكاة. (ولو كان في يده) أي الحر المسلم (بعض نصاب وباقيه دين، أو غصب أو ضال، زكى ما بيده) لتمكنه من إخراج زكاته وتمام النصاب. (ولعله فيما إذا ظن رجوعه) أي الضال، وإلا لم يتحقق ملك النصاب. (وكل دين) من صداق أو غيره (سقط قبل قبضه) حال كونه (لم يتعوض عنه) أي لم يأخذ عنه عوضا، ولم
يبرئ منه (كنصف صداق) سقط عن الزوج (قبل قبضه بطلاق)، أو نحوه قبل الدخول، (أو) كصداق سقط (كله لانفساخه من جهتها) كفسخها لعيبه قبل الدخول، (فلا زكاة فيه) لانها وجبت على سبيل المواساة، ولم يقبض الدين. ولا يلزمه إخراجها. وكذا لو اشترى مكيلا أو موزونا ونحوه بنصاب أثمان، وحال عليها الحول، ثم تلف المبيع قبل قبضه: انفسخ البيع، وسقطت الزكاة، لسقوط الثمن عن المشتري، بلا إبراء ولا إسقاط. وكذا لو تعلق بذمة رقيق دين، ثم اشتراه رب الدين سقط. وسقطت زكاته لما ذكر. (وإن أسقطه) أي الدين (ربه) بأن أبرأ منه (زكاه، وإن أخذ به) أي الدين (عوضا أو أحال) عليه
[ 200 ]
(أو احتال) به (زكاه) لان ذلك كقبضه، (كعين) تجب فيها الزكاة وديعة أو نحوها. (وهبها) مالكها بعد الحول لمن كانت عنده. فلا تسقط زكاتها عنه لاستقرارها عليه. (وللبائع إخراج زكاة مبيع) مشروط (فيه خيار منه) أي من المبيع، لسبق تعلق الزكاة به على المبيع. (فيبطل البيع في قدره) أي قدر ما أخرجه عن الزكاة، لتفويته إياه على المشتري. (وإن زكت) المرأة (صداقها كله ثم تنصف) الصداق (بطلاق) أو نحوه (رجع) الزوج (فيما بقي) من الصداق (بكل حقه) وهو النصف تاما. لقوله تعالى: * (فنصف ما فرضتم) * والزكاة فاتت عليها، لان الملك كان لها. (ولا يجزيها) أي المطلقة (زكاتها منه) أي من الصداق (بعد طلاق) أو نحوه مما يتصفه. (لانه مشترك) فلا تتصرف فيه بغير إذن الشريك قبل القسمة. (ومتى لم تزكه) ثم طلق أو نحوه قبل الدخول (رجع بنصفه كاملا) للآية: (وتزكيه) أي الصداق كله (هي) لجريانه في ملكها إلى الحول. وكذا لو سقط كله لفسخها لعيب ونحوه قبل الدخول، فيرجع عليها بجميع الصداق وزكاته إن مضى حول فأكثر عليها. (وتجب) الزكاة (أيضا في دين على غير ملئ) وهو المعسر، (و) دين (على مماطل. وفي) دين (مؤجل. و) في (مجحود ببينة أو لا) لصحة الحوالة به والابراء منه، فيزكي ذلك إذا قبضه، لما مضى من السنين، رواه أبو عبيدة عن علي وابن عباس للعموم كسائر ماله. (وتجب)
الزكاة أيضا (في مغصوب في جميع الحول، أو) في (بعضه) بيد الغاصب أو من انتقل إليه من الغاصب، وكذا لو كان تالفا، لانه مال يجوز التصرف فيه بالابراء منه والحوالة به وعليه. أشبه الدين على الملئ، فيزكيه مالكه إذا قبضه، لما مضى من السنين. (ويرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة) أي زكاة المال المغصوب زمن غصبه، أي المال (بيده) أي الغاصب (كتلفه) أي تلف المغصوب بيد الغاصب، (فإنه يضمنه) فكذا نقصه (وتجب) الزكاة (في) مال (ضائع كلقطة، ف) - زكاة (حول التعريف على ربها) أي اللقطة إذا وجدها (و) زكاة (ما بعده) أي بعد حول التعريف (على ملتقط)، لدخول اللقطة في ملكه بمضي حول التعريف بشرطه، كالارث، فتصير كسائر أمواله. (فإن أخرج الملتقط زكاتها) أي اللقطة (عليه) أي حال كون الزكاة على الملتقط، وذلك ما بعد حول التعريف (منها) أي اللقطة، (ثم أخذها) أي اللقطة (ربها، رجع) ربها (عليه) أي الملتقط (بما أخرج) من اللقطة،
[ 201 ]
لتصرفه فيه وصيرورتها مضمونة عليه بمضي حول التعريف، كما لو تلفت، وإن أخرج الملتقط الزكاة لحول التعريف، لم يجز عن ربها، ويضمنها أيضا إن أخرجها منها لتعدية. (وتجب) الزكاة أيضا (في مسروق ومدفون ومنسي في داره أو غيرها، أو) مال (مذكور) أي معروف له، لكن (جهل عند من هو؟ وفي موروث) ولو جهله أو عند من هو، (ومرهون، ويخرجها الراهن منه) أي من المرهون (إن أذن له المرتهن، أو لم يكن له مال يؤدي منه) الزكاة غير المرهون، كأرش جناية العبد المرهون على دينه، (وإلا) بأن كان للمرتهن مال يؤدي منه الزكاة غير الرهن، (ف) - إنه يؤديها (من غيره) لتعلق حق المرتهن به. (وتجب في مبيع ولو كان في خيار) ولو (قبل القبض) أي قبض المشتري إياه، قال في المبدع: وتجب في مبيع قبل القبض. جزم به جماعة فيزكيه المشتري مطلقا، انتهى. وهذا معنى ما تقدم. وسواء كان دينا أو عينا، لان زكاة الدين على من هو له، لا على من هو عليه. (فيزكي بائع مبيعا غير متعين ولا متميز) كالموصوف في الذمة، بأن باعه مثلا أربعين شاة
موصوفة في الذمة، وعنده أربعون بهذه الصفة، فزكاتها على البائع حتى يقبضها المشتري. لعدم دخولها في ملكه. لكن تسميتها مبيعا فيه تسمح، لانها على صفة المبيع. وإنما المبيع في الذمة، أي شئ سلمه عنه بالصفات لزم قبوله. ومحله أيضا: إذا لم ينقص النصاب، بها وإلا فيأتي: لا زكاة على من عليه دين وينقص النصاب. ولا زكاة على المشتري للمبيع في المثال. لانه دين بهيمة الانعام، لا زكاة فيه لعدم السوم كما تقدم. وأما إن كان المبيع الموصوف في الذمة ذهبا أو فضة أو عروض تجارة. فزكاته على المشتري، كما تقدم. ويزكي البائع ما بيده بأوصافه سوى ما يقابله على ما سبق. (ومشتر يزكي غيره) أي مبيعا متعينا أو متميزا. ومثل ابن قندس المتعين بنصاب سائمة معين أو موصوف من قطيع معين، والمتميز بهذه الاربعين شاة. قال: فكل متميزة متعينة، وليس كل متعينة متميزة. وذكر في شرح المنتهى: أن غير المتميز كصنف مشاعا في زبرة فضة وزنها أربعمائة درهم. يزكيه البائع، انتهى. وفيه نظر ظاهر. (وتجب) الزكاة (في مال مودع) بشرطه كغيره،
[ 202 ]
(وليس للمودع إخراجها) أي الزكاة (منه) أي المودع (بغير إذن مالكها) أي الوديعة، لانه افتيات عليه. (و) تجب الزكاة (في) مال (غائب مع عبده أو وكيله) لما تقدم. (ولو أسر رب المال أو حبس ومنع من التصرف في ماله، لم تسقط زكاته) لعدم زوال ملكه عنه. (ولا زكاة في) مال (من عليه دين يستغرق النصاب) سواء حجر عليه للفلس أو لا. (أو) عليه دين (ينقصه) أي النصاب، (ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب، أو) يجد (ما) يقضي به الدين غير النصاب، لكنه (لا يستغني عنه) كمسكنه وكتب علم يحتاجها وثيابه وخادمه، فلا زكاة عليه. (ولو كان الدين من غير جنس المال) المزكى (حتى دين خراج، و) حتى (أرش جناية عبيد التجارة، و) حتى (ما استدانه لمؤنة حصاد وجذاذ ودياس)، ينبغي حمل ذلك على ما استدانه لذلك قبل وجوب الزكاة في الزرع والثمر وإلا فلا. قال في الفروع في باب زكاة الزرع والثمر: ولا ينقص النصاب بمؤنة حصاد ودياس وغيرهما منه، لسبق الوجوب. وقال
صاحب الرعاية: يحتمل ضده، كالخراج، انتهى. وجزم في المنتهى بمعنى ما قدمه في الفروع. وجزم به أيضا المصنف فيما يأتي. (و) حتى دين (كراء أرض) أي أجرتها، (ونحوه) كأجرة حرث، (لا دينا بسبب ضمان)، كالضامن والغاصب إذا غصبت منه العين، وتلفت عند الثاني ونحوهما. فلا يمنع هذا الدين وجوب الزكاة عن الضامن، ولا عن الغاصب الاول. وإن كان المالك متمكنا من مطالبتهما لان منع الدين في أكثر من قدره إجحاف بالفقراء. وتوزيعه على الجهتين لا قائل به. فتعين مقابلته بجهة الاصل. لترجحها لا سيما إذا كان الضامن ممن يرجع إذا أدى، لانه لا قرار عليه، إذا تقرر أن الدين مانع من وجوب الزكاة. (فيمنع) الدين (وجوبها) أي الزكاة (في قدره حالا كان الدين أو مؤجلا في الاموال الباطنة كالاثمان وقيم عروض التجارة والمعدن و) الاموال (الظاهرة كالمواشي والحبوب والثمار) لقول عثمان: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه وليزك ما بقي، رواه سعيد وأبو عبيد، واحتج به أحمد. (ومعنى قولنا: يمنع) الدين وجوب الزكاة (بقدره: أنا نسقط من المال بقدر الدين) المانع، (كأنه غير مالك له) لاستحقاق صرفه لجهة الدين، (ثم يزكي) المدين (ما بقي) من المال إن بلغ نصابا تاما. (فلو كان له مائة من الغنم وعليه ما) أي دين (يقابل ستين) منها، (فعليه زكاة الاربعين) الباقية لانها نصاب تام. (فإن قابل) الدين (إحدى
[ 203 ]
وستين فلا زكاة عليه، لانه) أي الدين (ينقص النصاب) فيمنع الزكاة، (ومن كان له عرض قنية يباع لو أفلس) أي حجر عليه لفلس، كعقار وأثاث لا يحتاجه، وكان ثمنه (يفي بما عليه من الدين)، ومعه مال زكوي (جعل) الدين (في مقابلة ما معه) من المال الزكي، (فلا يزكيه) لئلا يخل بالمواساة، ولان عرض القنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيه. فكذا فيما يمنعها (وكذا من بيده ألف وله على ملئ) دين (ألف، وعليه) دين (ألف)، فيجعل الالف الذي بيده في مقابلة ما عليه، فلا يزكيه، وأما الدين فيزكيه إذا قبضه. تتمة: لو كان له مالان من جنسين وعليه دين يقابل أحدهما، جعله في مقابلة ما
يقضي منه. وإن كانا من جنس جعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته، تحصيلا لحظهم، قاله في الكافي. (ولا يمنع الدين خمس الركاز) لانه بالقيمة أشبه، ولذلك لم يعتبر له نصاب ولا حول. (ومتى أبرئ المدين) من الدين (أو قضى) الدين (من مال مستحدث) من إرث أو وصية أو هبة ونحوها (ابتدأ)، أي استأنف بما في يده من المال الزكوي (حولا) من حين البراءة، لان ما منع وجوب الزكاة منع انعقاد الحول وقطعه (وحكم دين الله) تعالى (من كفارة وزكاة ونذر مطلق ودين حج ونحوه) كإطعام في قضاء رمضان. (كدين آدمي) في منعه وجوب الزكاة في قدره لوجوب قضائه. وقوله (ص): دين الله أحق أن يقضى (فإن قال: لله علي أن أتصدق بهذا) مشيرا إلى نصاب زكوي (أو) قال: (هو صدقة. فحال الحول) قبل إخراجه (فلا زكاة فيه)، لزوال ملكه عنه. أو نقصه (وإن قال: لله علي أن أتصدق بهذا النصاب إذا حال عليه الحول وجبت الزكاة) فيه إذا حال عليه الحول قبل
[ 204 ]
إخراجه، لان ملكه عليه تام، لانه لا يلزمه إخراجه قبل الحول. (وتجزئه الزكاة منه. ويبرأ) الناذر (بقدرها) أي الزكاة (من الزكاة والنذر إن نواهما معا) لان كلا منهما صدقة، كما لو نوى بركعتين التحية والراتبة، (وكذا لو نذر الصدقة ببعض النصاب) فيكون كما لو نذر الصدقة به كله، فلو نذر أن يتصدق بعشر من الاربعين وحال الحول، فلا زكاة فيها، وإن نذر أن يتصدق بالعشر إذا حال الحول وجبت الزكاة، وأجزأته منها، وبرئ بقدرها من الزكاة والنذر إن نواهما معا. (الخامس) من شروط وجوب الزكاة (مضي الحول)، وفي نسخ شرط على نصاب تمام الحول لحديث عائشة مرفوعا: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول رواه ابن ماجه من رواية حارثة بن محمد. وقد ضعفه جماعة، وقال النسائي: متروك وروى الترمذي معناه من حديث ابن عمر من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقد تكلم فيه غير واحد. ورفقا بالمالك. وليتكامل النماء فيواسي منه. (ويعفى عن) نقص (نحو ساعتين) وكذا نصف يوم، قطع به في المبدع والمنتهى، وصححه في
تصحيح الفروع. وفي المحرر، وقال جماعة: لا يؤثر في نقصه دون اليوم. لانه لا ينضبط غالبا ولا يسمى في العرف نقصا، (إلا في الخارج من الارض) وما في حكمه كالعسل. لقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * وذلك ينفي اعتباره في الثمار والحبوب، وأما العسل والمعدن والركاز فبالقياس عليهما، ولان هذه الاشياء نماء في نفسها. تؤخذ الزكاة منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها زكاة ثانية لعدم إرصادها للنماء، إلا المعدن من الاثمان، فتجب فيها عند كل حول، لانها مظنة النماء من حيث إنها قيم الاموال. (فإذا استفاد مالا، ولو) كان المال (من غير جنس ما يملكه، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)، لما تقدم (إلا نتاج السائمة) بكسر النون (و) إلا (ربح التجارة فإن حوله) أي ما ذكر من الربح والنتاج (حول أصله) فيضمان إليه (إن كان أصله نصابا) لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة
[ 205 ]
ولا تأخذها منهم، رواه مالك. ولقول علي: عد عليهم الصغار والكبار. ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولان السائمة تختلف في وقت ولادتها. فإفراد كل واحدة يشق، فجعلت تبعا لامهاتها، ولانها تابعة لها في الملك فتتبعها في الحول، وربح التجارة كذلك معنى، فوجب أن يكون مثله حكما. (وإن لم يكن) الاصل (نصابا، فحوله من حين كمل النصاب) لانه حينئذ يتحقق فيه التبعية، فلذا وجبت فيه الزكاة، وقبل ذلك لا يجب فيه الزكاة لنقصانه عن النصاب. (ويضم المستفاد إلى نصاب بيده من جنسه) كما لو ملك عشرين مثقالا ذهبا في المحرم، ثم ملك عشرة مثاقيل في صفر، فتضم إلى العشرين الاولى، (أو في حكمه) أي حكم ما هو من جنسه، كمائة درهم فضة ملكها بعد عشرين مثقالا ذهبا، (ويزكى كل مال تم حوله) لوجود النصاب، ولو بالضم ومضي الحول. (ولا يعتبر النصاب في المستفاد) اكتفاء بضمه إلى جنسه، أو ما في حكمه. (وإن كان) المستفاد (من غير جنس النصاب ولا في حكمه، فله حكم نفسه) فإن بلغ نصابا زكاه إذا تم حوله، وإلا فلا، فلو ملك أربعين شاة في المحرم، ثم ثلاثين بقرة في صفر، زكى كلا عند تمام حوله، بخلاف
ما لو ملك عشرين بقرة، (فلا يضم) المستفاد من غير الجنس (إلى ما عنده في حول ولا نصاب) لمخالفته له في الحكم حقيقة وحكما. (ولا شئ فيه) أي المستفاد (إن لم يكن نصابا) لفقد شرط الزكاة. (ولا يبنى وارث على حول مورث) نص عليه في رواية الميموني. (بل يستأنف حولا) من حين ملكه، (وإن ملك نصابا صغارا انعقد عليه الحول من حين ملكه) لعموم قوله (ص): في أربعين شاة شاة لانها تقع على الكبير والصغير، ولقول أبي بكر: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى النبي (ص) لقاتلتهم على منعها وهي لا تجب في الكبار. (فلو تغذت) الصغار (باللبن فقط، لم تجب) الزكاة (لعدم السوم) اختاره المجد، وقيل: تجب لوجوبها فيها تبعا للامهات. (ولا ينقطع) الحول (بموت الامهات والنصاب تام بالنتاج)
[ 206 ]
الجملة حالية، فإن لم يكن النصاب تاما انقطع لنقص النصاب. (ولا) ينقطع الحول (ببيع فاسد) لانه لا ينقل الملك. إن لم يحكم به من يراه. (ومتى نقص النصاب في بعض الحول) انقطع لان وجود النصاب في جميع الحول شرط للوجوب، ولم يوجد. وظاهره سواء كان النقص في وسط الحول أو طرفيه، وعدم العفو عنه مطلقا، لكن اليسير معفو عنه، كالحبة والحبتين في الاثمان، وعروض التجارة، لما تقدم. (أو باعه) أي النصاب بغير جنسه ولو بشرط الخيار. (أو أبدله بغير جنسه) كمن باع أو أبدل أربعين شاة بثلاثين من البقر. انقطع الحول لما تقدم. (أو ارتد مالكه) أي النصاب (انقطع الحول) لفوات أهليته للوجوب (إلا في إبدال ذهب بفضة وعكسه) كإبدال فضة بذهب، (وعروض تجارة) أبدلت بأثمان أو عروض تجارة. (و) إلا في (أموال الصيارف) فلا ينقطع الحول في هذه بالابدال لانها في حكم الجنس الواحد في ضم بعضها إلى بعض، ولذلك تجزئ زكاة الذهب من الفضة وعكسه. وعروض التجارة في الزكاة قيمتها لا عينها، كما يأتي. وعطف أموال الصيارف على ما تقدم من عطف الخاص على العام، لانها لا تخرج عنه. (ويخرج) الزكاة (مما معه عند وجوب الزكاة) أي تمام الحول ذهبا كان أو فضة، وعروض التجارة يخرج من قيمتها كما
يأتي. (ولا ينقطع) الحول (فيما أبدل بجنسه مما تجب الزكاة في عينه) كالغنم والبقر، وخمس وعشرين فأكثر من إبل (حتى لو أبدل نصابا من السائمة بنصابين) كثلاثين بقرة أبدلها بستين بقرة، (زكاهما) إذا تم حول الاول، كنتاج، نص عليه. قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بضعفها من الغنم، أعليه أن يزكيها كلها، أم يعطي زكاة الاصل؟ قال: بل يزكيها على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي. لان نماءها معها. قلت: فإن كانت للتجارة؟ قال: يزكيها كلها على حديث حماس. فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول. وإن كان عنده مائتان فباعها بمائة، فعليه زكاة مائة. (ولو أبدل نصاب سائمة بمثله، ثم ظهر على عيب بعد أن وجبت الزكاة) أو تم الحول (فله
[ 207 ]
الرد) للعيب (ولا تسقط الزكاة عنه) لاستقرارها بمضي الحول، كما لو تلف النصاب. (فإن أخرج) الزكاة (من النصاب، فله رد ما بقي) منه لعيبه (ويرد قيمة المخرج) لانه فوته على ربه. (والقول قوله) بيمينه (في قيمته) حيث لا بينة، لانه غارم (وإن أبدله بغير جنسه) كغنم ببقر، (ثم رد عليه بعيب ونحوه) كغبن أو تدليس، أو خيار شرط، أو اختلاف في الصفة (استأنف الحول) من حين الرد، لانه ابتداء ملكه، كما لو رد هو لذلك. تنبيه: عطفه الابدال على البيع: دليل على أنهما غيران قال أبو المعالي: المبادلة، هل هي بيع؟ فيه روايتان. ثم ذكر نصه بجواز إبدال المصحف لا بيعه، وقول أحمد: المعاطاة بيع والمبادلة معاطاة. وبعض أصحابنا عبر بالبيع، وبعضهم بالابدال. ودليلهم يقتضي التسوية. قاله في المبدع. (ومتى قصد ببيع ونحوه) مما تقدم كإتلاف (الفرار من الزكاة بعد مضي أكثر الحول حرم. ولم تسقط) الزكاة بذلك. لقوله تعالى: * (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) * - الآيات. فعاقبهم الله تعالى بذلك، لفرارهم من الزكاة. ولانه قصد به إسقاط حق غيره، فلم يسقط. كالمطلق في مرض موته. وقوله: بعد مضي أكثر الحول: هو ما صححه ابن تميم. وفي المقنع: عند قرب وجوبها. وفي
الرعاية: قبل الحول بيومين. وقيل: أو بشهرين، لا أزيد. قال في المبدع: والمذهب أنه إذا فعل ذلك فرارا منها، لا تسقط مطلقا، أطلقه أحمد اه. وتبعه في المنتهى (ويزكي) البائع ونحوه (من جنس المبيع لذلك الحول) الذي وقع الفرار فيه، دون ما بعده. لعدم تحقق التحيل فيه. (وإن قال) من باع النصاب ونحوه (لم أقصد الفرار) من الزكاة (فإن دلت قرينة عليه) أي على الفرار، عمل بها ورد قوله (وإلا) بأن لم تكن ثم قرينة (قبل قوله) في قصده، لانه لا يعلم إلا منه، ولا يستحلف. (وإذا تم الحول، وجبت الزكاة في عين المال) الذي تجزئ زكاته منه، كالذهب والفضة، والبقر والغنم السائمة، وخمس وعشرين فأكثر من الابل، والحبوب والثمار، والمعدن من النقدين، لقوله تعالى: * (في أموالهم حق معلوم) * وقوله (ص): في أربعين شاة شاة وقوله: فيما سقت السماء
[ 208 ]
العشر وقوله: هاتوا صداقة الرقة، من كل أربعين درهما درهما وفي للظرفية. ومن للتبعيض، ولان الزكاة تختلف باختلاف أجناس المال وصفاته، حتى وجب في الجيد والوسط والردئ ما يليق به. فعلم أنها متعلقة بعينه لا بالذمة، تحقيقا لمعنى المواساة فيها. وعكس ذلك زكاة الفطر. و (لا) يجب إخراج الزكاة (من عينه) أي عين المال المزكى. فيجوز إخراجها من غيره، وذلك لا يمنع تعلقها بالعين، كالعبد الجاني إذا فداه سيده، وحيث تقرر أن الزكاة تجب في عين النصاب. (فإذا مضى حولان فأكثر على نصاب) فقط (لم يؤد زكاته، فزكاة واحدة) أي زكاة عام واحد ولو كان يملك مالا كثيرا من غير جنس النصاب الذي وجبت فيه الزكاة، ولم يكن عليه دين، لان الزكاة تعلقت في الحول الاول بقدرها من النصاب، فلم يجب فيه فيما بعد الحول الاول زكاة، لنقصه عن النصاب. (وإن كان) المزكي (أكثر من نصاب) كاثنين وأربعين شاة، (نقص من زكاته لكل حول بقدر نقصه) أي المال (بها) أي بالزكاة. لان مقدار الزكاة صار مستحقا للفقراء، فهو كالمعدوم. ففي المثال: لو مضى خمسة أحوال، فعليه ثلاث شياه فقط. ولو كان له أربعمائة درهم
فضة، ومضى عليها حولان، وجب تسعة عشر درهما ونصف درهم وربعه، للحول الاول: عشرة، والباقي للحول الثاني. ونقص الربع لتعلق حق أهل الزكاة بالعشر فتسقط عنه زكاتها في الحول الثاني. وهكذا (إلا ما كان زكاته الغنم من الابل) وهو ما دون خمس وعشرين، (ف) - تجب زكاته (في الذمة) كعروض التجارة، لان الفرض يجب من غير المال المزكى، فلا يمكن تعلقه بعينه. (وتتكرر) زكاته (بتكرار الاحوال) لعدم تعلقها بالمال (ففي خمس وعشرين بعيرا لثلاثة أحول) مضت و (لاول حول: بنت مخاض) لعدم المعارض (ثم) عليه (ثمان شياه، لكل حول أربع شياه). وكذا لو مضى بعد ذلك أحوال ولو بلغت قيم الشياه الواجبة أكثر من خمس من الابل، إلا أن تكون دينا عليه، ولا مال له غيرها، فتمتنع فيما يقابلها كما تقدم. (فلو لم يكن له إلا خمس من الابل، امتنعت زكاة الحول الثاني، لكونها دينا) فينقص بها النصاب، فلا ينعقد عليها الحول. (ولو باع) من وجبت عليه الزكاة
[ 209 ]
(النصاب كله، تعلقت الزكاة بذمته، وصح البيع) كبيع السيد عبده الجاني. (ويأتي قريبا، وتعلق الزكاة بالنصاب) حيث تعلقت به (كتعلق أرش جناية) برقبة العبد الجاني، وكتعلق الدين بالتركة (لا كتعلق دين برهن) أي مرهون. (ولا) كتعلق دين الغرماء (بمال محجور عليه لفلس، ولا) ك (- تعلق شركة) فلا يصير الفقراء شركاء رب النصاب فيه، ولا في نمائه، إذا تقرر أن تعلق الزكاة كأرش الجناية (فله) أي المالك (إخراجها) أي الزكاة (من غيره) أي النصاب. كما أن للسيد فداء عبده الجاني، بخلاف تعلق الشركة. (والنماء بعد وجوبها) أي الزكاة (له) أي للمالك. لا يشاركه فيه الفقراء. ككسب الجاني (ولو أتلفه) أي أتلف المالك النصاب بعد وجوب الزكاة (لزمه ما وجب في التالف) وهو قدر زكاته (لا قيمته) أي النصاب، كما لو قتل السيد عبده الجاني. ولو كان أرش الجناية دون قيمته، بخلاف الراهن إذا أتلف المرهون، تلزمه قيمته مكانه. (ويتصرف) المالك (فيه) أي النصاب (ببيع وغيره) كما يتصرف السيد في الجاني بخلاف الراهن والمحجور عليه لفلس، والشريك (ولا يرجع
بائع بعد لزوم بيع في قدرها) أي الزكاة، حيث قدر على إخراجها من غيره (ويخرجها) أي الزكاة البائع، كما لو باع السيد عبده الجاني لزمه فداؤه، ولزمه البيع (فإن تعذر) على البائع إخراج الزكاة من غير البيع (فسخ في قدرها) أي الزكاة، لسبق وجوبها، ومحل ذلك (إن صدقه مشتر) على وجوب الزكاة قبل البيع، وعجزه عن إخراجها من غيره، أو ثبت ذلك ببينة، وإلا لم يقبل قول البائع عليه. (ولمشتر الخيار) إذا رجع البائع في قدر الزكاة بشرطه، لتفرق الصفقة في حقه (فتجب) الزكاة (بمضي الحول) على النصاب في ملك الحر المسلم التام الملك. (ولا يعتبر في وجوبها إمكان الاداء) لمفهوم: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول فإنه يدل على الوجوب بعد الحول مطلقا. ولانها حق للفقير، فلم يعتبر فيها إمكان الاداء كدين الآدمي، ولانه لو اشترط لم ينعقد الحول الثاني، حتى يتمكن من الاداء، وليس كذلك بل ينعقد عقب الاول إجماعا، ولانها عبادة، فلا يشترط لوجوبها إمكان الاداء، كسائر العبادات، فإن الصوم يجب على المريض والحائض والعاجز عن أدائه (لكن لو كان النصاب غائبا عن البلد) أو مغصوبا أو ضالا ونحوه (لا يقدر على الاخراج منه، لم يلزمه إخراج زكاته، حتى يتمكن من الاداء منه) لما تقدم، فإمكان الاداء شرط لوجوب الاخراج
[ 210 ]
لا لوجوب الزكاة (ولو أتلف المال بعد الحول قبل التمكن) من إخراجها (ضمنها) لاستقرارها بمضي الحول (ولا تسقط بتلف المال) لانها عين تلزمه مؤنة تسليمها إلى مستحقيها. فضمنها بتلفها في يده. كعارية وغصب، وكدين الآدمي. فلا يعتبر بقاء المال (إلا الزرع والثمر، إذا تلف بجائحة قبل حصاد وجذاذ) أو بعدهما قبل وضع في جرين ونحوه، لعدم استقرارها قبل ذلك. (ويأتي) في باب زكاة الخارج من الارض (و) إلا (ما لم يدخل تحت اليد، كالديون) إذا سقطت بلا عوض، ولا إسقاط، فتسقط زكاتها (وتقدم معناه) آنفا. وكذا لا يضمن زكاة دينه إذا مات المدين مفلسا. (وديون الله تعالى من الزكاة والكفارة والنذر غير المعين، ودين حج سواء) لعموم قوله (ص): دين الله أحق بالقضاء،
(فإذا مات من عليه منها) أي من ديون الله (زكاة أو غيرها بعد وجوبها، لم تسقط) لانها حق واجب تصح الوصية به، فلم تسقط بالموت، كدين الآدمي. (وأخذت من تركته) نص عليه. لقوله (ص): فدين الله أحق بالقضاء. (فيخرجها وارث) لقيامه مقام مورثه (فإن كان) الوارث (صغيرا فوليه) يخرجها لقيامه مقامه، ثم الحاكم، وسواء وصى بها أو لا، كالعشر (فإن كان معها) أي الزكاة ونحوها من ديون الله تعالى (دين آدمي) بلا رهق. (وضاق ماله) أي الميت. (اقتسموا) التركة (بالحصص) كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال. (إلا إذا كان به) أي دين الآدمي (رهن فيقدم) الآدمي بدينه من الرهن. فإن فضل شئ صرف في الزكاة ونحوها (وتقدم أضحية معينة عليه) أي على الدين. فلا يجوز بيعها فيه، سواء كان له وفاء أو لم يكن، لانه تعين ذبحها، فلم تبع في دينه، كما لو كان حيا. وتقوم ورثته مقامه في ذبحها وتفرقتها. (ويقدم نذر بمعين على الزكاة وعلى الدين) لله تعالى، أو لغيره. فيصرف فيما عين له، دون الزكاة والدين، (وكذا لو أفلس حي) نذر الصدقة بمعين، وعين أضحية، وعليه زكاة ودين.
[ 211 ]
باب زكاة بهيمة الانعام وهي الابل البخاتي والعراب، والبقر الاهلية والوحشية، والغنم كذلك. سميت بهيمة: لانها لا تتكلم. قال عياض: النعم: الابل خاصة. فإذا قيل: الانعام، دخل فيه البقر والغنم. وبدأ بها اقتداء بكتاب الصديق الذي كتبه لانس رضي الله عنهما. أخرجه البخاري بطوله مفرقا. (ولا تجب) الزكاة (إلا في السائمة منها) لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي كتاب الصديق عنه (ص): وفي الغنم، في سائمتها، إذا كانت أربعين، ففيها شاة الحديث. فذكر السوم يدل على نفي الوجوب في غيرها. (للدر والنسل) زاد بعضهم: والتسمين دون العوامل. ويأتي (وهي) أي السائمة (التي ترعى مباحا
كل الحول، أو أكثره، طرفا أو وسطا) يقال: سامت تسوم سوما إذا رعت، وأسمتها: إذا رعيتها. ومنه قوله تعالى: * (فيه تسيمون) * وإنما اعتبر السوم أكثر الحول، لان علف السوائم يقع في السنة كثيرا عادة، ووقوعه في جميع فصولها من غير عارض يقطعه أحيانا. كمطر أو ثلج أو برد أو خوف، أو غير ذلك، نادر فاعتبار السوم في كل العام إجحاف بالفقراء. والاكتفاء به في البعض إجحاف بالملاك. وفي اعتبار الاكثر تعديل بينهما ودفع لاعلى الضررين بأدناهما، وقد ألحق الاكثر بالكل في أحكام كثيرة. (فلو اشترى لها ما ترعاه، أو جمع لها ما تأكل) من مباح (أو اعتلفت بنفسها، أو أعلفها غاصب، أو) أعلفها (ربها ولو حراما. فلا زكاة) فيها. لعدم السوم (ولا تجب) الزكاة (في العوامل أكثر السنة، ولو لاجارة، ولو كانت سائمة نصا، كالابل التي تكرى) أي تؤجر. وكذا البقر التي تتخذ للحرث أو الطحن ونحوه. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (ص): ليس في العوامل صدقة رواه الدارقطني. (ولو نوى بالسائمة العمل لم تؤثر نيته، ما لم
[ 212 ]
يوجد العمل) لان الاصل عدمه. فلا يصار إليه بمجرد النية لضعفها. (ولو سامت بعض الحول، وعلفت بعضه، فالحكم للاكثر) فإن كان الاكثر السوم وجبت، وإلا لم تجب. وتقدم معناه (وتجب) الزكاة (في متولد بين سائمة ومعلوفة) تغليبا واحتياطا. (ولا يعتبر للسوم والعلف نية، فلو سامت) الماشية (بنفسها أو أسامها غاصب، وجبت) الزكاة (كغصبه حبا وزرعه في أرض ربه). ف (- فيه العشر على مالكه كما لو نبت بلا زرع). أو حمله سيل إلى أرض ربه فصار زرعا. وينقطع السوم شرعا بقطعها عنه. بقصد قطع الطريق بها ونحوه، كحول التجارة بنية قنية عبيدها كذلك، أو ثيابها الحرير للبس محرم. (وهي) أي بهيمة الانعام (ثلاثة أنواع) كما تقدم (أحدها: الابل) بدأ بها لبداءة الشارع حين فرض زكاة الانعام، ولانها أهم. لكونها أعظم النعم أجساما وقيمة، وأكثر أموال العرب، ووجوب الزكاة فيها: مما أجمع عليه علماء الاسلام. (فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمسا) فهي أقل نصابها لقوله (ص):
من لم يكن عنده إلا أربع من الابل فليس فيها صدقة. وليس فيما دون خمس ذود صدقة. (فتجب فيها) أي الخمس (شاة) إجماعا. لقوله (ص): إذا بلغت خمسا ففيها شاة. رواه البخاري. (بصفة الابل) المزكاة (جودة ورداءة) ففي كرام سمان كريمة سمينة، والعكس بالعكس (فإن كانت الابل معيبة) لا تجزئ في الاضحية (فالشاة) الواجبة فيها (صحيحة تنقص قيمتها بقدر نقص الابل) كشاة الغنم. فلو كان عنده خمس من الابل مراضا وحال عليها الحول. فيقال: لو كانت صحاحا كانت قيمتها مائة. وكانت الشاة التي تجب فيها قيمتها خمس، ثم قومت الابل مراضا بثمانين. فقد نقصت خمس قيمتها لو كانت صحاحا. فتجب فيها شاة قيمتها أربع، بحسب نقص الابل، وهو الخمس من قيمة الشاة. (فإن أخرج شاة معيبة) لا تجزئ في الاضحية لم تجزئه، كإخراجها عن الغنم (أو) أخرج (بعيرا، لم يجزئه) لانه عدل عن المنصوص عليه إلى غير جنسه، فلم يجزئه (ك) - ما لو أخرج (بقرة، وكنصفي شاتين) لان فيه تشقيصا على الفقراء. يلزم منه سوء الشركة الذي
[ 213 ]
شرعت الشفعة لازالته. وسواء كانت قيمة البعير أكثر من قيمة الشاة أو لا، وكما لو أخرج ذلك عن أربعين شاة. (وفي العشر) من الابل (شاتان، وفي خمس عشرة) بعيرا (ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه) إجماعا في ذلك كله، لقوله (ص) في حديث أبي بكر: في أربع وعشرين من الابل فما دونها، في كل خمس شاة. (فإن كانت الشاة من الضأن اعتبر أن يكون لها ستة أشهر، فأكثر، وإن كانت الشاة من المعز، ف) - المعتبر أن يكون لها (سنة فأكثر) كالاضحية، (وتكون) الشاة (أنثى، فلا يجزئ الذكر) كشاة الغنم، (وكذلك شاة الجبران) تكون أنثى، تم لها ستة أشهر، إن كانت من الضأن، أو سنة إن كانت من المعز. (وأيهما أخرج) أي ثني من المعز، أو جذع من الضأن (أجزأه) لتناول الشاة لهما. (ولا يعتبر كونها) أي الشاة (من جنس غنمه، ولا) من (جنس غنم البلد) لاطلاق الاخبار. (فإذا بلغت) الابل (خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض) قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا، إلا ما
حكي عن علي: في خمس وعشرين خمس شياه. قال ابن المنذر: ولا يصح ذلك عنه. وحكاه إجماعا لقوله (ص): فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض. وهي التي (لها سنة) ودخلت في الثانية (سميت بذلك، لان أمها قد حملت غالبا، وليس) حمل أمها (بشرط) في إجزائها. ولا تسميتها بذلك. وإنما ذكر تعريفا بغالب حالها. (والماخض: الحامل، فإن كانت) بنت المخاض (عنده، وهي أعلى من الواجب) عليه فيما بيده (خير بين إخراجها وبين شراء بنت مخاض بصفة الواجب) عليه، فيخرجها ولا يجزئ ابن لبون، لمفهوم ما يأتي. (فإن عدمها) أي بنت المخاض (أي ليست في ماله، أو فيه لكن معيبة. أجزأه ابن لبون) لقوله (ص): فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر
[ 214 ]
رواه أبو داود. وفي لفظ: فإن لم تكن عنده بنت مخاض على وجهها ولان المعيبة وجودها كالعدم، فجاز له الانتقال إلى البدل. (أو خنثى ولد لبون) لان أقل أحواله أن يكون ذكرا هو مجزئ. (وهو) أي ابن اللبون (الذي له سنتان) لما سيأتي. فيجزئ (ولو نقصت قيمته) عن بنت المخاض. لعموم الخبر (ويجزئ أيضا مكانها) أي بنت المخاض (حق) له ثلاث سنين (أو جذع) له أربع سنين، (أو ثني) له خمس سنين. (و) ذلك (أولى) بالاجزاء من ابن اللبون (لزيادة السن، ولا جبران) له، ولا عليه إذا أخرج ابن اللبون فما فوقه، لعدم وروده في ذلك. ويجزئ الحق أو الجذع أو الثني عن بنت المخاض وبنت لبون، ولها جبران. (ولو وجد ابن لبون) لزيادة سنه (فإن عدم ابن لبون) فما فوقه (لزمه شراء بنت مخاض)، ولا يجزئه ابن لبون يشتريه إذن. لانهما استويا في العدم. فلزمه بنت مخاض، لترجحها بالاصالة. (ولا يجبر فقد أنوثية بزيادة سن الذكر المخرج في غير بنت مخاض، فلا يخرج عن بنت لبون حقا، إذا لم تكن في ماله، ولا عن الحقة جذعا) ولا عن الجذعة ثنيا، مع وجودهما أو عدمهما، لانه لا نص في ذلك ولا يصح قياسه على ابن اللبون، مكان بنت المخاض، لان زيادة سن ابن اللبون على بنت المخاض يمتنع بها من صغار السباع. ويرعى
الشجر بنفسه، ويرد الماء، ولا يوجد هذا في الحق مع بنت اللبون، لانهما مشتركان في هذا، فلم يبق إلا مجرد زيادة السن. فلم يقابل الانوثية، ولان تخصيصه في الحديث بالذكر دون غيره يدل على اختصاصه بالحكم، بدليل الخطاب. (وفي ست وثلاثين) بعيرا (بنت لبون) لقوله (ص) في خبر أبي بكر: فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى. وهي التي (لها سنتان، سميت به، لان أمها وضعت) غالبا (فهي ذات لبن) وليس شرطا، بل تعريفا لها بغالب أحوالها. كما تقدم (وفي ست وأربعين حقة) لحديث الصديق: فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل. وهي التي (لها ثلاث سنين) ودخلت في الرابعة (سميت بذلك لانها استحقت أن تركب ويحمل عليها، ويطرقها
[ 215 ]
الفحل. وفي إحدى وستين جذعة) لقوله (ص) في حديث الصدقة: فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. وهي التي (لها أربع سنين) ودخلت في الخامسة (سميت بذلك لاسقاط سنها) فنجذع عنده. وهي أعلى سن يجب في الزكاة. (وتجزئ عنها ثنية، لها خمس سنين بلا جبران، سميت بذلك لانها ألقت ثنيتها. وفي ست وسبعين بنتا لبون) إجماعا لقوله (ص): فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. (وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماعا لقوله (ص): فإذا بلغت إحدى وتسعين (إلى عشرين ومائة) ففيها حقتان طروقتا الفحل. (فإذا زادت واحدة) على العشرين والمائة (ففيها ثلاث بنات لبون) لظاهر خبر الصديق: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. وبالواحدة حصلت الزيادة. وقد جاء مصرحا به في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله (ص) وكان عند آل عمر بن الخطاب. رواه أبو داود والترمذي، وقال: هو حديث حسن. فإن فيه: فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون. (ثم تستقر الفريضة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) لخبر الصديق، رواه البخاري، ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون. وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون. وفي
مائة وخمسين ثلاث حقاق. وفي مائة وستين أربع بنات لبون. وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون. وفي مائة وثمانين حقتان وابنتا لبون. وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون. (ولا أثر لزيادة بعض بعير) في شئ مما تقدم أو زيادة بعض بقرة أو بعض شاة، لما تقدم. فإذا زادت على عشرين ومائة جزءا من بعير لم يتغير الفرض، وكذا سائر الفروض من الابل والبقر والغنم، لا تتغير (أو) زيادة بعض (بقرة أو) بعض (شاة) لما تقدم. ويأتي من الاخبار. (فإذا بلغت) الابل (مائتين اتفق الفرضان) فإن فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات. (إن شاء أخرج أربع حقاق. وإن شاء أخرج خمس بنات لبون) لوجود المقتضى
[ 216 ]
لكل واحد من الفرضين. فيخير المالك للاخبار. ونص أحمد على نظيره في زكاة البقر. ونص أحمد على الحقاق. وقاله القاضي في الشرح. وتأوله الشارح على أنها عليه بصفة التخيير. (إلا أن يكون النصاب كله بنات لبون، أو) يكون النصاب كله (حقاقا فيخرج منه، ولا يكلف إلى غيره) أي لا يكلفه الامام ولا الساعي إلى تحصيل غير ما عنده. ولم يتضح لي هذا الاستثناء، ولم أره لغيره، كما ذكرته في الحاشية. (أو يكون) النصاب (مال يتيم أو مجنون) أو سفيه (فيتعين) على وليه (إخراج أدون مجزئ) مراعاة لحظ المحجور عليه. لانه ليس له التبرع من ماله. (وكذا الحكم في أربعمائة) فيخير بين إخراج ثمان حقاق أو عشر بنات لبون، لان فيها ثمان خمسينات وعشر أربعينات. (وإن أخرج عنها) أي الاربعمائة (من النوعين بلا تشقيص ك) - أن أخرج عنها (أربع حقاق وخمس بنات لبون) أجزأ، (و) أخرج (عن ثلاثمائة حقتين وخمس بنات لبون، صح) ذلك لعدم التشقيص. (أما مع الكسر فلا، كحقتين وبنتي لبون ونصف عن مائتين) لما فيه من التشقيص، الذي لم يرد به الشرع في زكاة السائمة، إلا من حاجة. ولذلك جعل لها أوقاصا، دفعا للتشقيص عن الواجب فيها، وعدل فيما دون خمس وعشرين من الابل عن الجنس إلى الغنم. فلا يجوز القول بجوازه مع إمكان العدول عنه إلى فريضة كاملة. (وإن وجد أحد الفرضين كاملا، و) الفرض (الآخر
ناقصا، لا بد له من جبران، مثل: أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق، فيتعين) الفرض (الكامل، وهو بنات اللبون) لان الجبران بدل، فلا يجوز مع المبدل، كالتيمم مع القدرة على استعمال الماء. (وإن كان كل واحد) من الفرضين (يحتاج إلى جبران، مثل: أن يجد أربع بنات لبون، وثلاث حقاق، فهو مخير أيهما شاء أخرج مع
[ 217 ]
الجبران) لعدم ما يوجب رجحان أحدهما على الآخر. (فإن بذل حقة وثلاث بنات لبون مع الجبران لكل واحدة من بنات اللبون لم يجزئه، لعدوله عن الفرض مع وجوده) وهو الحقتان الباقيتان من الثلاث (إلى الجبران). وهو إنما يعدل إليه مع عدم الفرض. (وإن لم يجد إلا حقة وأربع بنات لبون، أداها) أي الحقة وأربع بنات اللبون. (وأخذ الجبران) لدفعه الحقة عن بنت لبون. (ولم يكن له دفع ثلاث بنات لبون وحقة مع الجبران) لعدوله عن الفرض مع وجوده. كما تقدم (وإن كان الفرضان) أي الحقاق وبنات اللبون في المائتين ونحوهما. (معدومين أو معيبين، فله العدول عنهما مع الجبران، فإن شاء أخرج أربع جذعات، وأخذ ثمان شياه، أو ثمانين درهما، وإن شاء أخرج خمس بنات مخاض، ومعها خمس شياه أو مائة درهم). لما في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر لانس: ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده الجذعة. فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما - الحديث، متفق عليه. (ولا يجوز أن يخرج بنات المخاض عن الحقاق هنا) أي حيث اتفقت الفريضتان. (ويضعف الجبران) بأن يخرج أربع بنات مخاض مع ستة عشر شاة أو مائة وستين درهما، لانه انتقال عن بدل البدل مع القدرة على البدل. أشبه الانتقال عن الاصل مع القدرة عليه. (ولا) يجوز أن يخرج هنا (الجذعات عن بنات اللبون، ويأخذ الجبران مضاعفا) لما سبق، (ولا) يجوز أيضا هنا (أن يخرج أربع بنات لبون مع جبران) لكل واحدة، فتكون معه بدل حقة لان بنات اللبون هنا فرض، فلا يجوز العدول عنه، مع وجوده، فيخرج بنات اللبون الاربع مع بنت مخاض أو جذعة، ويعطي أو يأخذ جبرانا. (ولا) أن
يخرج (خمس حقاق ويأخذ الجبران) لتمكنه من إخراج الفرض أربع حقاق، فلا يعدل إلى البدل. (وليس فيما بين الفريضتين شئ) لما تقدم في الباب قبله (وهو) أي ما بين الفريضتين (الاوقاص) جمع وقص - بفتحتين - وقد يسكن. قاله في الحاشية (فهو عفو) أي معفو عنه، ويسمى أيضا: العفو والشنق، بالشين المعجمة وفتح النون، ومعنى ذلك أنه (لا تتعلق به
[ 218 ]
الزكاة بل) تتعلق (بالنصاب فقط)، فلو كان له تسع إبل مغصوبة حولا. فخلص منها بعيرا لزمه خمس شاة. لما روى أبو عبيد في الاموال عن يحيى بن الحكم أن النبي (ص) قال: إن الاوقاص لا صدقة فيها. ولان العفو مال ناقص عن نصاب، يتعلق به فرض مبتدأ. فلم يتعلق به الوجوب قبله. كما لو نقص عن النصاب الاول، وعكسه: زيادة نصاب السرقة، لانها وإن كثرت لا تتعلق بها فرض مبتدأ. وفي مسألتنا له حالة منتظرة يتعلق بها الوجوب. فوقف على بلوغها (ومن وجبت عليه سن) في الزكاة (فعدمها، خير المالك) دون الساعي، أو الفقير ونحوه (في الصعود) إلى ما يليها في ملكه، ثم إلى ما يليه إن عدمه، كما يأتي (و) في (النزول) إلى ما يليها في ملكه، ثم إلى ما يليه على ما يأتي. فإذا وجبت عليه بنت لبون مثلا (فإن شاء أخرج سنا أسفل منها) بأن يخرج بنت مخاض (ومعها شاتان أو عشرون درهما، وإن شاء) المالك (أخرج أعلى منها، وأخذ مثل ذلك من الساعي)، لما تقدم من كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر لانس (إلا ولي يتيم ومجنون) وسفيه (فيتعين عليه إخراج أدون مجزئ) أي أقل الواجب، فيشتريه إن لم يكن في مال المحجور عليه، طلبا لحظه، ولا يعطى أسفل مع جبران، ولا أعلى ويأخذه (ويعتبر كون ما عدل إليه) المالك (في ملكه) لان جواز العدول إلى الجبران تسهيل على المالك، (فإن عدمهما) أي الاسفل والاعلى، أو كانا معيبين (حصل الاصل) أي الواجب أصالة، لانه إذا كان لا بد من تحصيل، فالاصل لا يعدل عنه إلى بدله. (فإن عدم ما يليها) أي السن التي وجبت عليه بأن لم تكن في ماله أو كانت معيبة. (انتقل إلى الاخرى) أي التي تليها من أسفل أو فوق، (وضاعف الجبران) الذي
يعطيه أو يأخذه (فإن عدمه أيضا انتقل إلى ثالث كذلك) أي من فوق إلى أسفل، وأخذ أو أعطى ثلاث جبرانات، فمن وجبت عليه بنت مخاض وعدمها وعدم بنت اللبون، وعدم الحقة، وعنده جذعة، أخرجها، وأخذ ثلاث جبرانات، وعكسه: لو وجبت عليه جذعة، وعدمها، وعدم الحقة وبنت اللبون، وعنده بنت مخاض، أخرجها وثلاث جبرانات، ولا يزيد على ذلك. (وحيث جاز تعدد الجبران) كالامثلة السابقة (جاز جبران غنما، وجبران
[ 219 ]
دراهم) كما في الكفارة، له إخراجها من جنسين (ويجزئ إخراج جبران واحد، و) (جبران ثان، و) جبران (ثالث النصف دراهم، والنصف شياه) لما سبق، ولان الشارع جعل الشاة مقام عشرة دراهم، فإذا اختار إخراجها وعشرة دراهم، جاز (فلو كان النصاب) من الابل (كله مراضا، وعدمت الفريضة فيه، فله) أي المالك (دفع السن السفلى)، بأن وجبت عليه بنت لبون، فأخرج عنها بنت مخاض. (مع الجبران، وليس له دفع) السن (الاعلى) كحقة (وأخذ جبران، بل) إن اختار دفعها (مجانا) لان الجبران جعله الشارع وفق ما بين الصحيحين، وما بين المريضين أقل منه، فإذا دفع الساعي في مقابلة ذلك جبرانا. كان ذلك حيفا على الفقراء، وذلك لا يجوز. وإذا دفعه المالك مع السن الاسفل. فالحيف عليه. وقد رضي به، فأشبه إخراج الاجود من المال. (فإن كان المخرج) للزكاة (ولي يتيم أو مجنون) أو سفيه (لم يجز له أيضا)، أي كما لا يجوز له دفع الاعلى. لما تقدم لا يجوز له (النزول) أي أن يدفع سنا أنزل، مع دفع جبران. (لانه لا يجوز له) أي الولي (أن يعطي الفضل) أي الزائد على الواجب (من مالهما) أي مال الصغير والمجنون، ومثلهما السفيه (فيتعين) على الولي (شراء الفرض من غير المال) لتعينه طريقا لاداء الواجب. (ولا مدخل للجبران في غير الابل) لان النص إنما ورد فيها، فيقتصر عليه. وليس غيرها في معناها، لكثرة قيمتها، ولان الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها. وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الابل، فامتنع القياس. فلو جبر الواجد بشئ من صفته فأخرج الردئ عن الجيد، وزاد
قدر ما بينهما من الفضل، لم يجز لان القصد من غير الاثمان النفع بعينها، فيفوت بعض المقصود. ومن الاثمان القيمة. وقال المجد: قياس المذهب، جوازه في الماشية وغيرها. (فمن عدم فريضة البقر، أو) فريضة (الغنم ووجد دونها، حرم إخراجها) ولزمه تحصيل الفريضة وإخراجها. (وإن وجد أعلى منها فدفعها بغير جبران) كمسنة عن تبيع. (قبلت منه) ولو مع وجود التبيع. لانه إخراج الواجب. وزيادة تنفع ولا تضر. (وإن لم يفعل) أي يدفع الاعلى من الواجب، (كلف شراءها) أي الفريضة (من غير ماله) لكونه طريقا إلى أداء الواجب.
[ 220 ]
فصل: (النوع الثاني: البقر) وهو اسم جنس. والبقرة تقع على الذكر والانثى. ودخلت الهاء على أنها واحدة من جنس البقرات الجميع، والباقر جماعة البقر مع رعاتها. وهي مشتقة من بقرت الشئ إذا شققته، لانها تبقر الارض بالحراثة. والاصل في وجوبها الاجماع في الاهلية. ودليله حديث أبي ذر مرفوعا: ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما قعدت أخراها عادت أولاها، حتى يقضى بين الناس، متفق عليه. (ولا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين) فهي أقل نصابها. (فيجب فيها تبيع أو تبيعة، لكل منهما سنة) سميا بذلك لانهما يتبعان أمهما. والتبيع الذي استوى قرناه، (قد حاذى قرنه أذنه غالبا، وهو جذع البقر، ويجزئ إخراج مسن عنه) أي عن التبيع. وظاهره: ولو كان التبيع عنده، لانه أنفع منه. (وفي أربعين) بقرة (مسنة، وهي ثنية البقر، ألقت سنا غالبا) وهي التي (لها سنتان. ويجزئ إخراج أنثى أعلى منها)، أي المسنة (بدلها) كالثنية عن الجذعة في الابل. و (لا) يجزئ (إخراج مسن عنها) أي عن المسنة، كإخراج حق عن بنت لبون. (وفي الستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة) لحديث معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن، وأمرني أن
آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة رواه الخمسة، وحسنه الترمذي. وقال ابن عبد البر: هو حديث متصل ثابت. وروى يحيى بن الحكم أن معاذا قال: بعثني النبي (ص) أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة. فعرضوا علي أن آخذ ما بين الاربعين والخمسين، وما بين الستين
[ 221 ]
والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله (ص) عن ذلك فقدمت، فأخبرته، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. قال: وأمرني رسول الله (ص) أن لا آخذ فيما بين ذلك سنا، إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا، وزعم أن الاوقاص لا فريضة فيها رواه أحمد في مسنده. (فإذا بلغت) البقر (مائة وعشرين اتفق الفرضان، فيخير بين ثلاث مسنات وأربعة أتبعة) للخبر. (ولا يجزئ الذكر في الزكاة) إذا كانت ذكورا وإناثا، لان الانثى أفضل، لما فيها من الدر والنسل. وقد نص الشارع على اعتبارها في الابل. وفي الاربعين من البقر، (غير التبيع في زكاة البقر) للنص السابق، ولانه أكثر لحما، فيعادل الانوثة. (و) غير (ابن لبون، أو ذكر أعلى منه) كحق، فما فوقه (مكان بنت مخاض، إذا عدمها. وتقدم) في الفصل قبله موضحا، لكن ابن اللبون فما فوقه ليس بأصل لكونه لا يجزئ مع وجود بنت المخاض بخلاف التبيع، فيجزئ في الثلاثين وما تكرر منها كالستين. أما الاربعون وما تكرر منها كالثمانين، فلا يجزئ في فرضها إلا الاناث. لنص الشارع عليها. (إلا أن يكون النصاب كله ذكورا، فيجزئ فيه ذكر في جميع أنواعها) من إبل أو بقر أو غنم، لان الزكاة وجبت مواساة، فلا يكلفها من غير ماله. (ويؤخذ من الصغار صغيرة في غنم) نص عليه. لقول أبي بكر: والله لو منعوني عناقا الخبر. ويتصور أخذها فيما إذا بدل الكبار بالصغار، أو نتجت،
ثم ماتت الامهات، بناء على ما تقدم أن حولها حول أصلها (دون إبل وبقر، فلا يجزئ إخراج فصلان) جمع فصيل: ولد الناقة. (وعجاجيل) جمع عجل ولد البقرة. (فيقوم النصاب) إذا كان كله فصلانا أو عجاجيل أن لو كان (من الكبار، ويقوم فرضه) الواجب فيه، (ثم تقوم الصغار، ويؤخذ عنها) أي الصغار، أي عن فريضتها (كبيرة بالقسط، والتعديل بالقيمة، مكان زيادة السن) فيندفع بذلك محذور الاجحاف بالمالك، مع المحافظة على الفرض المنصوص عليه. وإنما لم تجز الفصلان والعجاجيل بخلاف الغنم، لكون الشارع فرق بين فرض خمس وعشرين وست وثلاثين، بزيادة السن. وكذلك فرق بين فرض ثلاثين
[ 222 ]
وأربعين من البقر. (ولو كانت دون خمس وعشرين من الابل صغارا، وجب في كل خمس) منها (شاة كالكبار). فتكون جذعا من الضأن، أو ثنيا من المعز. (وتؤخذ من المراض) من إبل أو بقر أو غنم، (مريضة) لان الزكاة وجبت مواساة. وليس منها أن يكلف غير الذي في ماله. ولا اعتبار بقلة العيب وكثرته، لان القيمة تأتي على ذلك، لكون المخرج وسطا في القيمة. (فإن اجتمع صغار وكبار وصحاح ومعيبات، وذكور وإناث، لم يؤخذ إلا أنثى صحيحة كبيرة، على قدر قيمة المالين) للنهي عن أخذ الصغيرة والمعيبة والكريمة، لقوله (ص): ولكن من وسط أموالكم ولتحصل المواساة. فإذا كان قيمة المال المخرج إذا كان المزكى كله كبارا صحاحا عشرين، وقيمته بالعكس عشرة، وجبت كبيرة صحيحة، قيمتها خمسة عشر، مع تساوي العددين، فلو كان الثلث أعلى والثلثان أدنى، فكبيرة، قيمتها ثلاثة عشر وثلث، وبالعكس قيمتها ستة عشر وثلثان (إلا إذا لزمه شاتان في مال كله معيب إلا واحدة، كمائة وإحدى وعشرين شاة الجميع معيب إلا واحدة، أو كانت المائة وإحدى وعشرون سخالا، إلا واحدة كبيرة. فيخرج في الاولى الصحيحة ومعيبة معها، وفي الثانية الشاة) الكبيرة. (وسخلة معها) لما تقدم من أن الزكاة وجبت مواساة، وليس منها تكليفه ما ليس في ماله. (فإن كانت) السائمة (نوعين، كالبخاتي) الواحد: بختي. والانثى: بختية. قال
عياض: هي إبل غلاظ ذات سنامين. (والعراب) هي جرد ملس حسان الالوان كريمة. (و) ك (- البقر والجواميس) واحدها جاموس. قال موهوب: هو أعجمي، تكلمت به العرب. (و) ك (- الضأن والمعز، و) ك (المتولد بين وحشي وأهلي. أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين) المزكيين، فإذا كان النوعان سواء، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر، وقيمة المخرج من الآخر خمسة عشر. أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف. وكذا لو كانت البقر والغنم أهلية ووحشية، على ما تقدم من وجوب الزكاة فيها. وعلم منه:
[ 223 ]
أن أنواع الجنس تضم بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة. (فإن كان فيه) أي المال المزكى (كرام) قال عياض في قوله (ص): واتق كرائم أموالهم أنها جمع كريمة، وهي الجامعة للكمال الممكن، في حقها من غزارة لبن، أو جمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف. وقيل: هي التي يختصها مالكها لنفسه ويؤثرها. (ولئام) واحدها: لئيمة، وهي ضد الكريمة. (وسمان ومهازيل، وجب الوسط بقدر قيمة المالين) نص عليه، طلبا للتعديل (وإن أخرج عن النصاب من غير نوعه ما ليس في ماله منه)، كما لو كان ماله ثلاثين بقرة، لا جاموس فيها، فاشترى تبيعا من الجاموس وأخرجه عنها. (جاز، إن لم تنقص قيمة المخرج عن النوع الواجب) عليه في ملكه، لان القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصودة، ولم تفت، ولا شئ منها، بخلاف ما لو نقصت قيمة المخرج عن الواجب. فصل: (النوع الثالث: الغنم. ولا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين) وهي أقل نصابها إجماعا (فتجب فيها شاة) إجماعا (إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان) إجماعا (إلى مائتين. فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه) وفاقا (إلى أربعمائة، فيجب فيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة) لما روى أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه له أبو بكر أنه قال: في صدقة الغنم: في سائمتها، إذا كانت أربعين إلى
مائة وعشرين: شاة. فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، إلى مائتين. فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة شاة. وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها مختصر رواه البخاري، وعلى هذا لا تتغير بعد مائتين وواحدة، حتى تبلغ أربعمائة. فيجب في كل مائة شاة شاة. فالوقص ما بين مائتين وواحدة إلى أربعمائة، وهو مائة وتسعة وتسعون. (ويؤخذ من معز: ثني، ومن ضأن: جذع هنا) في زكاة الغنم. (وفي كل موضع
[ 224 ]
وجبت فيه شاة) كزكاة ما دون خمس وعشرين من الابل. وكذا لو نذر شاة وأطلق (على ما يأتي بيانه في الاضحية. وتقدم بعضه) لما روى سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق النبي (ص) قال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز. ولانهما يجزيان في الاضحية. فكذا هنا (ولا يؤخذ تيس) ولو أجزأ الذكر، لنقصه وفساد لحمه. (إلا فحل ضراب) فيؤخذ (لخيره برضا ربه، حيث يؤخذ ذكر) بأن كان النصاب كله ذكورا. (ويجزئ) أخذه إذن (ولا) تؤخذ (هرمة) أي كبيرة طاعنة في السن (ولا ذات عوار) بفتح العين المهملة. (وهي المعيبة، بذهاب عضو أو غير عيب يمنع التضحية بها). لقوله تعالى: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * وفي كتاب أبي بكر: ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس إلا ما شاء المصدق رواه البخاري. وكان أبو عبيد يرويه بفتح الدال من المصدق، يعني المالك. فيكون الاستثناء راجعا إلى التيس. وخالفه عامة الرواة، فقالوا بكسرها، يعني الساعي. ذكره الخطابي. (إلا أن يكون النصاب كله كذلك) لما تقدم من أن الزكاة وجبت مواساة، وليس منها تكليفه ما ليس في ماله. (ولا) تؤخذ (الربى، وهي التي لها ولد تربيه) قاله أحمد. وقيل: التي تربى في البيت لاجل اللبن. (ولا) تؤخذ (حامل) لقول عمر رضي الله عنه: لا تؤخذ الربي ولا الماخض ولا الاكولة (ولا طروقة الفحل، لانها تحمل غالبا. ولا خيار المال) أي نفيسه لشرفه، ولحق المالك، (ولا الاكولة، وهي السمينة)
لقول النبي (ص): ولكن من وسط أموالكم. فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره رواه أبو داود ولهذا قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاة أثلاثا: ثلث خيار، وثلث وسط وثلث شرار. وأخذ من الوسط. (ولا سن من جنس الواجب أعلى منه إلا برضا ربه، كبنت لبون عن بنت مخاض). وحقه عن بنت لبون. (ولا يجزئ إخراج القيمة، سواء كان حاجة، أو مصلحة، أو في الفطرة، أو لا) لقوله (ص) لمعاذ: خذ الحب من الحب، والابل
[ 225 ]
من الابل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم رواه أبو داود وابن ماجه. والامر بالشئ نهي عن ضده، فلا يؤخذ من غيره. قال أبو داود: قيل لاحمد أعطي دراهم في صدقة الفطر؟ فقال: أخاف أن لا يجزئ، خلاف سنة النبي (ص). (وإن أخرج سنا أعلى من الفرض من جنسه. أجزأ) لحديث أبي بن كعب: أن رجلا قدم على النبي (ص) فقال: يا نبي الله، أتاني رسولك، ليأخذ مني صدقة مالي. فزعم أن ما علي منه بنت مخاض. فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال النبي (ص): ذاك الذي وجب عليك. فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك. فقال: ها هي ذه. فأمر بقبضها. ودعا له بالبركة رواه أحمد وأبو داود. ولانه زاد على الواجب من جنسه. فأجزأ، كما لو زاد في العدد. وعلم منه: أنه لا يجزئ من غير الجنس. لانه عدول عن المنصوص عليه (فيجزئ مسن عن تبيع)، وتجزئ (أعلى من المسنة عنها. و) تجزئ (بنت لبون عن بنت مخاض. و) تجزئ (حقة عن بنت لبون، و) تجزئ (جذعة عن حقة. ولو كان الواجب عنده) لما تقدم. (وتقدم بعض ذلك) في الباب (وتجزئ ثنية وأعلى منها عن جذعة) فما دونها. ولو كانت عنده. وتقدم (ولا جبران) لعدم وروده. فصل: فصل (الخلطة) بضم الخاء: الشركة (في المواشي) دون غيرها من الاموال. (لها تأثير في الزكاة: إيجابا وإسقاطا) وتغليظا وتخفيفا. (فتصير الاموال كالمال الواحد) لما روى الترمذي عن سالم عن أبيه أن النبي (ص) قال: في كتاب الصدقة: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين
مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ورواه
[ 226 ]
البخاري من حديث أنس. وإنما تؤثر الخلطة (في نصاب الزكاة) فيضم أحد المالين إلى الآخر فيه، كما يأتي (دون الحول) فلا تؤثر الخلطة فيه، بل يزكى كل مال عند حوله. ويأتي بيانه. (فإذا اختلط نفسان) لان أقل من ذلك: الواحد، ولا خلطة معه (أو أكثر) من نفسين (من أهل الزكاة) فلو كان أحدهما مكاتبا أو ذميا، فلا أثر لها. لانه لا زكاة في ماله. فلم يكمل به النصاب. (في نصاب) فلو كان المجموع دون نصاب. لم تؤثر، سواء كان له مال غيره أو لا. وعلم منه: التأثير فيما زاد على النصاب، بطريق أولى (من الماشية) فلا تؤثر الخلطة في غيرها. ويأتي (حولا) كاملا بحيث (لم يثبت لهما) ولا لاحدهما. (حكم الانفراد في بعضه) لان الخلطة معنى يتعلق به إيجاب الزكاة، فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب. (فحكمهما) أي النفسين فأكثر (في الزكاة حكم) الشخص (الواحد) لانه لو لم يكن كذلك لما نهى الشارع عن جميع المتفرق، وعكسه خشية الصدقة. (سواء كانت خلطة أعيان بأن يملكا مالا) أي نصابا من الماشية (مشاعا بإرث أو شراء أو هبة أو غيره) كالوصية والجعالة والصداق والمخالعة. (أو خلطة أو صاف، بأن يكون مال كل منهما متميزا) بصفة أو صفات. (فلو استأجر لرعي غنمه بشاة منها، فحال الحول، ولم يفردها) أي المستأجر أو الاجير، (فهما خليطان) فعلى الاجير من الزكاة بنسبة شاته. (ولو كانت لاربعين) نفسا ذكورا أو إناثا أو مختلفين (من أهل الزكاة) لما تقدم: أنه لا أثر لخلطة من ليس من أهلها. (أربعون شاة مختلطة، لزمتهم شاة) بالسوية (ومع انفرادهم. لا يلزمهم شئ) لنقص النصاب. (ولو كان لثلاثة أنفس: مائة وعشرون) شاة (لكل واحد) منهم (أربعون شاة. لزمتهم شاة واحدة) على كل منهم ثلثها، كالشخص الواحد. (ومع انفرادهم) عليهم (ثلاث شياه) على كل واحد شاة (ويوزع الواجب) على الخليطين فأكثر، (على قدر المال) المختلط (مع الوقص. فستة أبعرة مختلطة مع تسعة) في الجميع ثلاث شياه. (يلزم رب الستة: شاة وخمس شاة. ويلزم
رب التسعة: شاة وأربعة أخماس شاة) لقوله (ص): وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان
[ 227 ]
بينهما بالسوية. (ويشترط في) تأثير (خلطة أو صاف: اشتراكهما في مراح - بضم الميم - وهو المبيت والمأوى أيضا. ومسرح، وهو مكان اجتماعهما، لتذهب إلى المرعى، ومشرب) بفتح الميم والراء (وهو مكان الشرب فقط) أي دون زمانه. وتبع المصنف في اعتبار المشرب: المقنع وأبا الخطاب، وصاحب التلخيص، والوجيز، ولم يذكره الاكثر. قال في المنتهى، تبعا للتنقيح: لا اتحاد مشرب وراع. (ومحلب) بفتح اللام والميم (وهو موضع الحلب) والمحلب، بكسر الميم: الاناء والمراد الاول. لانه ليس المقصود خلط اللبن في إناء واحد. لانه ليس بمرفق، بل مشقة، لما فيه من الحاجة إلى قسم اللبن. وربما أفضى إلى الربا. (وفحل) معد للضراب. (و) اشتراكه (هو عدم اختصاصه في طرقه بأحد المالين إن اتحد النوع). فليس المراد أن يكون متحدا ولا مشتركا. (فإن اختلف) النوع (كالضأن والمعز والجاموس والبقر. لم يضر اختلاف الفحل للضرورة)، لاختلاف النوعين (ومرعى، وهو موضع الرعي ووقته) ففيه استعمال المشترك في معنييه (وراع) قاله أبو الخطاب. وفي المقنع والوجيز والمستوعب: (على منصوص أحمد، والحديث) أي حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي (ص) يقول: الخليطان: ما اجتمعا على الحوض والفحل والراعي رواه الخلال والدارقطني، ورواه أبو عبيد. وجعل بدل الراعي المرعى، وضعفه أحمد. فإنه من رواية ابن لهيعة. قال في الفروع: فيتوجه العمل بالعرف في ذلك. وقدم عدم اعتبار الراعي. وتقدم كلام المنتهى. (ويظهر أن اتحاده) أي الراعي (كما في الفحل) يعتبر مع اتحاد النوع، دون اختلافه. (ولا تعتبر نية خلطة. كالاوصاف والاعيان) الكاف زائدة: قال في المبدع: وظاهره أنه لا يشترط للخلطة نية. وهو في خلطة الاعيان إجماع. وكذا في خلطة الاوصاف في الاصح. واحتج المؤلف - أي الموفق - بنية الصوم. وفائدة
[ 228 ]
الخلاف: في خلط وقع اتفاقا، أو فعله راع وتأخر النية عن الملك. (ولا) يعتبر أيضا (خلط اللبن) لما تقدم (ولا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة، كالكافر والمكاتب والمدين) دينا يستغرق ما بيده. لانه لا زكاة في ماله. (ولا) أثر لخلطة (فيما دون نصاب، ولا لخلطة الغاصب) ماله (بمغصوب) لالغاء تصرفه في المغصوب. (فإن اختل شرط منها) أي من الشروط المتقدمة للخلطة: بطل حكمها. لفوات شرطها. وصار وجودها كالعدم. فيزكي كل واحد ماله إن بلغ نصابا، وإلا فلا. (أو ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول، كأن اختلطا في أثناء الحول في نصابين بعد انفرادهما، زكيا زكاة المنفردين فيه). فلو ملك كل من رجلين أربعين شاة في المحرم، ثم اختلطا وتم الحول. فعلى كل منهما شاة، تغليبا للانفراد. لانه الاصل. (و) يزكيان (فيما بعده) أي بعد الحول الاول (زكاة الخلطة) لعدم الانفراد في شئ من الحول. (وإن ثبت لاحدهما حكم الانفراد وحده، مثل أن يكون لرجل نصاب) أربعون شاة مثلا، (ولآخر دونه) كعشرين، (ثم اختلطا في أثناء الحول. فإذا تم حول الاول) منذ ملك النصاب (فعليه شاة) زكاة ماله. (وإذا تم حول الثاني) من الخلطة (فعليه زكاة الخلطة) وهي ثلث شاة في المثال، إن لم يكن الاول أخرج الشاة من المال. فيلزم الثاني عشرون جزءا من تسعة وخمسين جزءا من شاة. (أو يملك نفسان كل واحد أربعين شاة، فخلطاها في الحال من غير مضي زمن) قبل الخلط (إن أمكن) ذلك (ثم باع أحدهما نصيبه) شخصا (أجنبيا) غير شريكه. فشريك المشتري ثبت له حكم الانفراد، والمشتري لم يثبت له. (أو يكون لاحدهما نصاب منفرد، فيشتري الآخر نصابا ويخلطه به في الحال - كما تقدم - فإن المشتري) في المثالين (ملك أربعين مختلطة. لم يثبت لها حكم الانفراد) في وقت من الحول. (فإذا تم حول الاول، لزمه زكاة انفراد: شاة، وإذا تم حول الثاني، وهو المشتري، لزمه زكاة خلطة) لكونه لم يزل مخالطا (نصف شاة، إن كان الاول أخرجها) أي الشاة (من
[ 229 ]
غير المال) المخلوط. (وإن كان) الاول (أخرجها) أي الشاة (منه) أي من المال (لزم الثاني
أربعون جزءا من تسعة وسبعين جزءا من شاة). لان حوله قد تم على تسعة وسبعين شاة، له منها أربعون شاة، فلزمه من الشاة أربعون جزءا. (ثم يزكيان فيما بعد ذلك الحول زكاة الخلطة) لانها موجودة في جميع الحول بشرطها (كلما تم حول أحدهما، فعليه) من الزكاة (بقدر ما له منها). ولا ينتظر الاول حول الثاني، لان الزكاة بعد حولان الحول لا يجوز تأخيرها، ولا يجب على المشتري تقدم زكاته إلى رأس حول شريكه، لان تقديمها قبل حولان الحول غير واجب، ولو كان للاول أربعون شاة وللثاني ثمانون، فعلى الاول: ثلث شاة، وعلى الثاني: ثلثاها، ذكره ابن المنجا. (وأبين) أي أوضح (من هذين المثالين) السابقين (لو ملك نصابين) ثمانين شاة (شهرا) أو أقل أو أكثر. (ثم باع أحدهم مشاعا كما يأتي قريبا) فيثبت له حكم الانفراد، بخلاف المشتري (ومن كان بينهما نصاب خلطة ثمانون شاة، فباع كل منهما غنمه صاحبه، واستداما الخلطة، لم ينقطع حولهما)، لان إبدال المال بجنسه لا يقطعه كما تقدم. (ولم يزل خلطهما) لعدم انقطاع الحول لان الزكاة إنما تجب فيما اشترى، ببنائه على حول المبيع، فيجب أن يبني عليه في الصفة التي كان عليها، وهي صفة الخلطة. (وكذا لو تبايعا البعض) من ذلك (بالبعض) لما سبق (قل) المبيع (أو كثر) أو تبايعا الكل بالبعض، لعدم الفرق. ولو ملك رجل نصابا شهرا مثلا ثم باع نصفه مثلا مشاعا، أو أعلم على بعضه أي عينه وباعه مختلطا انقطع الحول، ويستأنفانه من حين البيع. لانه قد انقطع في النصف المبيع، فصار كأنه لم يجر في حول الزكاة أصلا، فلزم انقطاع الحول في الثاني. وإن أفرد بعضه وباعه ثم اختلطا، انقطع الحول، قل زمن الانفراد أو كثر، حتى ولو قيل: لا ينقطع في التي قبلها. (ولو ملك رجل) حر مسلم (نصابين شهرا، ثم باع أحدهما مشاعا) بأن باع نصف الثمانين (ثبت للبائع حكم الانفراد) لما تقدم. (وعليه) أي البائع (عند تمام
[ 230 ]
حوله زكاة: منفرد) لثبوت حكم الانفراد له، وعلى المشتري إذا تم حوله: زكاة خليط (ولو كان المال ستين في هذه المسألة، والمبيع ثلثها: زكى البائع) إذا تم حوله زكاة انفراد (بشاة)
وزكى المشتري، إذا تم حوله بثلث شاة، إن أخرج الاول من غير المال. ولو كان المبيع في المثال: نصفها، انقطع حول البائع. واستأنفا حولا. (وإذا ملك نصابا شهرا، ثم ملك) نصابا (آخر لا يتغير به الفرض، مثل أن يملك أربعين شاة في المحرم، وأربعين) شاة (في صفر. فعليه زكاة الاول عند تمام حوله) وهي شاة، لانفرادها في بعض الحول. (ولا شئ عليه في الثاني) لان الجميع ملك واحد. فلم يزد فرضه على شاة. كما لو اتفقت أحواله. وللعموم في الاوقاص. (وإن كان الثاني يتغير به الفرض، مثل أن يكون مائة شاة، فعليه زكاته إذا تم حوله) كما لو اتفقت أحواله. لانهما إما أن يجعلا كالمال الواحد لمالك، أو مالكين، وعلى التقديرين: يجب شاة أخرى، بخلاف التي قبلها. (وقدرها) أي زكاة الثاني (بأن تنظر إلى زكاة الجميع) وهو في المثال: مائة وأربعون. وزكاته: شاتان (فتسقط منها ما وجب في الاول) وهو شاة. (ويجب الباقي في الثاني، وهو شاة) فيخرجها (وإن كان الثاني يتغير به الفرض ولا يبلغ نصابا، مثل أن يملك ثلاثين من البقر في المحرم، وعشرا) من البقر (في صفر. فعليه) في الثلاثين إذا تم حولها: تبيع، أو تبيعة. و (في العشر - إذا تم حولها - زكاة خلطة: ربع مسنة) لان الفريضة الموجبة للمسنة قد كملت، وقد أخرج زكاة الثلاثين. فوجب في العشر بقسطها من المسنة، وهو ربعها. (وإن ملك مالا يبلغ نصابا، ولا يغير الفرض، كخمس) من البقر بعد أربعين أو ثلاثين منها. (فلا شئ فيها) أي الخمس. لانها وقص. وكما لو ملكهما دفعة واحدة (ومثله: لو ملك عشرين شاة بعد أربعين) منها (أو ملك عشرا من البقر بعد أربعين منها، فلا شئ فيها) لما تقدم. (وإذا كان بعض مال الرجل) أو الخنثى أو المرأة (مختلطا. و) كان (بعضه الآخر منفردا أو مختلطا مع مال لرجل
[ 231 ]
آخر. فإنه يصير ماله كله كالمختلط، إن كان مال الخلطة نصابا، وإلا) أي وإن لم يكن مال الخلطة نصابا (لم يثبت حكمها) لانها لا تؤثر فيما دون نصاب (وإذا كان لرجل ستون شاة) بمحل واحد، أو محال متقاربة دون مسافة القصر (كل عشرين منها مختلطة بعشرين لآخر.
فعلى) الشركاء (الجميع شاة، نصفها على صاحب الستين) لان له نصف المال (ونصفها على خلطائه، على كل واحد) منهم (سدس شاة). لان كل واحد منهم له عشرون. وهي سدس جميع المال. (ضما لمال كل خليط إلى مال الكل. فيصير) جميع المال (كمال واحد) قاله الاصحاب. ذكره في المبدع. (وإن كانت كل عشر منها) أي من الستين (مختلطة بعشر لآخر، فعليه) أي رب الستين (شاة، ولا شئ على خلطائه. لانهم لم يختلطوا في نصاب) فلم تؤثر الخلطة، لفوات شرطها. (وإذا كانت ماشية الرجل متفرقة في بلدين فأكثر. لا تقصر بينهما الصلاة. فهي كالمجتمعة) يضم بعضها إلى بعض ويزكيها. قال في المبدع: لا نعلم فيه خلافا. (وإن كان بينهما مسافة قصر، فلكل مال حكم نفسه) فإن كان نصابا وجبت الزكاة، وإلا فلا. لجعل التفرقة في البلدين كالتفرقة في الملكين. فلهذا قال: (كما لو كانا لرجلين) احتج أحمد بقوله (ص): لا يجمع بين متفرق الخبر. وعندنا: أن من جمع أو فرق خشية الصدقة، لم يؤثر ذلك. قاله في المبدع. ولان كل مال ينبغي تفرقته ببلده. فتعلق الوجوب به، لكن قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. (ولا
[ 232 ]
تؤثر تفرقة البلدان في غير الماشية) لعموم الادلة. (ولا الخلطة في غير السائمة) نص عليه. ولقوله (ص): لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة لانه إنما يكون في الماشية. ولان الزكاة تقل بجمعها تارة وتكثر أخرى. وسائر الاموال تجب فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها. ولان خلطة الماشية تؤثر نفعا تارة، وضررا أخرى وغير الماشية لو أثرت فيه الخلطة لاثرت ضررا محضا برب المال، لعدم الوقص فيها. (و) يجوز (للساعي أخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء) لان الجميع كالمال الواحد (مع الحاجة) بأن تكون الفريضة عينا واحدة، لا يمكن أخذها إلا من أحد المالين، أو يكون أحدهما صغارا والآخر كبارا. (وعدمها) أي عدم الحاجة بأن يجد فرض كل من المالين فيه. نص أحمد على ذلك. (ولو بعد قسمة في خلطة أعيان، وقد
وجبت الزكاة) قبل القسمة (مع بقاء التعيين) لقوله (ص): وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية. أي إذا أخذ الساعي الزكاة من مال أحدهما. ولان المالين قد صارا كالمال الواحد في وجوب الزكاة، فكذا في إخراجها. وعلم منه: أنهما إذا افترقا في خلطة الاوصاف بعد وجوب الزكاة، ليس للساعي أن يأخذ من مال أحدهما عن الآخر. (ويرجع المأخوذ منه على خليطه) للخبر (بقيمة حصته يوم أخذت) لزوال ملكه إذن. ولانها ليست من ذوات الامثال. (فإذا) كان المال أثلاثا، و (أخذ) الساعي (الفرض من مال رب الثلث. رجع) رب الثلث (بقيمة ثلثي المخرج على شريكه) صاحب الثلثين. (وإن أخذه) أي أخذ الساعي الفرض (من الآخر) رب الثلثين (رجع) على شريكه (بقيمة ثلثه) أي المخرج لان له ثلث المال. (فإن اختلفا في) قدر (قيمة المأخوذ) فالقول (قول المرجوع عليه) لانه غارم (مع يمينه) لاحتمال صدق شريكه، (إذا احتمل صدقه) فيما ذكره قيمة، وإلا رد، لتكذيب الحس له. (و) محله: إذا (عدمت البينة) لانها ترفع النزاع، فيجب العمل بما تقوله. (وإذا أخذ الساعي أكثر من الفرض بلا تأويل، كأخذه عن أربعين) شاة، لاثنين (مختلطة: شاتين من مال أحدهما، أو عن ثلاثين بعيرا: جذعة، رجع) المأخوذ منه (على خليطه في
[ 233 ]
الاولى) أي مسألة الاربعين شاة (بقيمة نصف شاة. و) رجع (في الثانية) أي في مسألة ثلاثين بعيرا (بقيمة نصف بنت مخاض. ولم يرجع) على خليطه (بالزيادة. لانها ظلم، فلا يرجع بها على غير ظالمه). وخليطه لم يظلمه ولم يتسبب في ظلمه. (وإذا أخذه) أي أخذ الساعي الزائد (بتأويل، كأخذه صحيحة عن مراض، أو) أخذه (كبيرة عن صغار، أو) أخذه (قيمة الواجب. رجع) المأخوذ منه (عليه) أي على خليطه بحصته مما أخذ، لان الساعي نائب الامام، فعله كفعله، ولهذا لا ينقص لكونه مختلفا فيه، كما في الحاكم، قال في المغنى والشرح: ما أداه اجتهاده إليه، وجب دفعه، وصار بمنزلة الواجب. وقال غيره: لان فعله في محل الاجتهاد سائغ نافذ، فترتب عليه الرجوع لسوغانه. (ويجزئ) أخذ الساعي القيمة
(ولو اعتقد المأخوذ منه عدم الاجزاء) لما تقدم من أن الساعي نائب الامام، وفعله كحكمه، فيرفع الخلاف. (ومن بذل الواجب) عليه، خليطا كان أو غيره (لزم) الساعي (قبوله) منه (ولا تبعة عليه) لادائه ما وجب عليه. (ويجزئ إخراج بعض الخلطاء) الزكاة (بدون إذن بقيتهم، مع حضورهم وغيبتهم) لان عقد الخلطة جعل كل واحد منهم كالاذن لخليطه في الاخراج عنه. (والاحتياط) أن يكون إخراج أحدهم (بإذنهم) خروجا من خلاف من قال: لا يجزئ إلا به، كابن حمدان (ومن أخرج منهم) أي الخلطاء (فوق الواجب لم يرجع بالزيادة) على خلطائه، لعدم الاذن لفظا وحكما. تتمة: إذا أخذ الساعي فرضا مجمعا عليه، لكنه مختلف فيه، هل هو عن الخليطين أو عن أحدهما؟ عمل كل في التراجع بمذهبه، لانه لا نقص فيه، لفعل الساعي، فعشرون شاة خلطة بستين فيها ربع شاة، فإذا أخذ الشاة من الستين رجع ربها بربع الشاة، وإن أخذها من العشرين رجع ربها بثلاثة أرباعها، لا بقيمتها كلها، ولا تسقط زيادة مختلف فيها بأخذ الساعي مجمعا عليه، كمائة وعشرين خلطة بينهما، تلف ستون عقب الحول، فأخذ نصف شاة بناء على تعلق الزكاة بالنصاب والعفو، وجعله للخلطة تأثيرا، لزمهما إخراج نصف شاة، ذكرهما في منتهى الغاية.
[ 234 ]
باب زكاة الخارج من الارض من الزروع والثمار والمعدن والركاز، وما هو في حكم ذلك، كعسل النحل. والاصل في وجوب الزكاة في ذلك: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) *. والزكاة تسمى نفقة. لقوله تعالى: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) *. وقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) *. قال ابن عباس: حقه: الزكاة، مرة العشر، ومرة نصف العشر. والسنة مستفيضة بذلك. ويأتي بعضه. وأجمعوا على
وجوبها في البر والشعير، والتمر والزبيب، حكاه ابن المنذر. (تجب الزكاة في كل مكيل مدخر)، لقوله (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة فدل على أن ما لا يدخله التوسيق ليس مرادا من عموم الآية والخبر، وإلا لكان ذكر الاوسق لغوا. ولان غير المدخر لا تكمل فيه النعمة لعدم النفع به مالا. (من قوت) كالحنطة والشعير والارز والدخن، (وغيره) أي غير القوت، مما يأتي بيانه. (فتجب) الزكاة (في كل الحبوب: كالحنطة والشعير والسلت) بالضم. قاله في القاموس. (وهو نوع من الشعير لونه لون الحنطة. وطبعه طبع الشعير في البرودة) قال في الفروع: لانه أشبه الحبوب به، أي بالشعير في صورته. (والذرة والقطنيات) بكسر القاف وفتحها وضمها وتشديد الياء وتخفيفها، قاله في الحاشية. (كالباقلاء والحمص واللوبيا) يمد ويقصر. (والعدس والماش والترمس) بوزن بندق، قاله في الحاشية. (حب عريض أصغر من الباقلاء، والدخن والارز والهرطمان) حب متوسط بين الحنطة والشعير، قاله في الحاشية. (وهو الجلبانة والكر سنة والحلبة والخشخاش والسمسم) سمي ذلك قطنية: من قطن يقطن في البيت. لانها تمكث فيه. ومنه قولهم: فلان قاطن بمكان كذا. (ولا يجزئ الاخراج من شيرجه) أي السمسم، كإخراج قيمته. (وكبزر البقول كلها، كالهندبا، والكرفس، والبصل، وبزر قطونا) بفتح القاف وضم الطاء، يمد ويقصر. (ونحوها وبزر الرياحين
[ 235 ]
جميعا، وأبازير القدر، كالكزبرة) بضم الباء وقد تفتح. وأظنه معربا قاله في الحاشية. (والكمون، والكراويا، والشونيز) يقال له: الحبة السوداء. قاله في الحاشية (وكذا حب الرازيانج، وهو الشمر، والانيسون، والشهدانج) بفتح النون. (وهو حب القنب، والخردل، وبزر الكتان) بفتح الكاف. (و) بزر (القطن، واليقطين) وهو القرع. (والقرطم) بكسر القاف والطاء، وضمهما لغة: حب العصفر. قاله في الحاشية. (و) حب (القثاء، والخيار، والبطيخ) بأنواعه (و) حب (الرشاد، والفجل، وبزر البقلة الحمقاء ونحوه) كبزر الباذنجان والخس والجزر ونحوهما. (وتجب) الزكاة (في كل ثمر يكال ويدخر) نقل صالح: ما كان يكال ويدخر ويقع
فيه القفيز ففيه العشر. وما كان مثل الخيار والقثاء والبصل والرياحين والرمان. فليس فيه زكاة إلا أن يباع، ويحول على ثمنه حول. (كالتمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والبندق، والسماق) و (لا) تجب الزكاة (في عناب وزيتون) لان العادة لم تجر بادخاره، وهو شرط، ذكره في المبدع. (وقطن، وكتان، وقنب، وزعفران، وورس، ونيل، وفوة، وغبيراء) وبقم (وحناء، ونأرنجيل) بالهمز، ويجوز تخفيفه. وهو جوز الهند، الواحدة نارنجيلة، وشجرته شبيهة بالنخلة، لكنها تميل بصاحبها حتى تدنيه من الارض لينا، قاله في الحاشية. (وجوز) نص عليه. وعلل بأنه معدود (وسائر الفواكه، كالتين، والمشمش) بكسر الميمين. (والتوت والاظهر: وجوبها في العناب، والتين، والمشمش، والتوت) هذا معنى كلامه في الفروع. وجزم في الاحكام السلطانية والمستوعب والكافي: بوجوب الزكاة في العناب واختاره الشيخ تقي الدين في التين. لانه يدخر كالتمر. (ولا تجب في التفاح، والاجاص، والخوخ)، ويسمى الفرسك. (والكمثري) بضم الميم مثقلة في الاكثر، الواحد كمثراة. ذكره في الحاشية. (والسفرجل، والرمان، والنبق، والزعرور). يشبه النبق (والموز) لانها ليست مكيلة. وقد روي أن
[ 236 ]
عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافا. فكتب إليه عمر: ليس فيها عشر، هي من العضاه، رواه الاثرم. (ولا في قصب السكر، والخضر، كبطيخ، وقثاء، وخيار، وباذنجان) بفتح الذال. (ولفت) بكسر اللام (وهو السلجم) بوزن جعفر. (وسلق، وكرنب، وقنبيط، وبصل، وثوم، وكراث، وجزر، وفجل، ونحوه) لحديث علي: أن النبي (ص) قال: ليس في الخضراوات صدقة وعن عائشة معناه، رواهما الدارقطني. (ولا في البقول كالهندبا) قال ابن السكيت: تفتح الدال فتقصر، وتكسر فتمد. (والكرفس) قال في البارع والتهذيب: بفتح الراء وسكون الفاء. وفي الصحاح: بوزن جعفر (والنعناع، والرشاد، وبقلة، الحمقاء، والقرظ، والكزبرة، والجرجير ونحوه، ولا في المسك، والزهر، كالورد والبنفسج، والنرجس، واللينوفر،
والخيري، وهو المنثور ونحوه) كالزنبق. (ولا في طلع الفحال - بضم أوله وتشديد ثانيه - وهو ذكر النخل. ولا في السعف، وهو أغصان النخل)، أي جريد النخل الذي لم يجرد عنه خوصه، فإن جرد خوصه عنه فجريد. (ولا في الخوص وهو ورقة) أي ورق السعف. (ولا في قشور الحب، والتبن، والحطب، والخشب، وأغصان الخلاف، وورق التوت، والكلا، والقصب الفارسي، ولبن الماشية وصوفها ونحو ذلك)، كالوبر والشعر. (وكذا الحرير، ودود القز) لان ذلك كله ليس منصوصا عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فبقي على الاصل. (وتجب الزكاة في صعتر، وأشنان، وحب ذلك، وكل) ورق (مقصود، كورق سدر وخطمي وآسي. وهو المرسين) لانه نبات مكيل مدخر.
[ 237 ]
فصل: (ويعتبر لوجوبها) أي الزكاة فيما تقدم مما تجب فيه (شرطان، أحدهما: أن يبلغ نصابا قدره بعد التصفية في الحبوب و) بعد (الجفاف في الثمار) والورق (خمسة أوسق) فلا تجب في أقل من ذلك. لقوله (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة رواه أحمد ومسلم. فتقديره بالكيل يدل على إناطة الحكم به، واعتبر كون النصاب بعد التصفية في الحبوب، لانه حال الكمال والادخار، والجفاف في الثمار والورق. لان التوسيق لا يكون إلا بعد التجفيف. فوجب اعتباره عنده. فلو كان عشرة أوسق عنبا لا يجئ منه خمسة أوسق زبيبا، لم يجب شئ، وتقدم أنه لا يعتبر الحول هنا، لتكامل النماء عند الوجوب، بخلاف غيره. (والوسق) بكسر الواو وفتحها (ستون صاعا) حكاه ابن المنذر بغير خلاف، وروى الاثرم بإسناده عن سلمة بن صخر عن النبي (ص) قال: الوسق ستون صاعا وعن أبي سعيد وجابر نحوه، رواه ابن ماجه. (والصاع خمسة أرطال وثلث) رطل (بالعراقي، فيكون النصاب في الكل) من الحبوب والثمار والاوراق (ألفا وستمائة رطل عراقي، وهو)
أي النصاب: (ألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلا وأربعة أسباع رطل مصري، وما وافقه) كالمكي والمدني. (و) النصاب (ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلا وستة أسباع رطل دمشقي وما وافقه) في الزنة. (و) النصاب (مائتان وخمسة وثمانون رطلا وخمسة أسباع رطل حلبي وما وافقه) في الزنة كالحمصي. (ومائتان وسبعة وخمسون رطلا وسبع رطل قدسي وما وافقه)
[ 238 ]
كالنابلسي. (ومائتان وثمانية وعشرون رطلا وأربعة أسباع رطل بعلي وما وافقه) في وزنه. فائدة: الاردب، كيل معروف بمصر، وهو أربعة وستون منا، وذلك أربعة وعشرون صاعا بصاع النبي (ص)، قاله الازهري. والجمع الارادب، قاله في الحاشية، ولعل هذا باعتبار ما كان أولا، والآن الاردب أربعة وعشرون ربعا، والربع أربعة أقداح، قال شيخ الاسلام زكريا في شرح المنهج: والصاع قدحان اه. فالاردب ثمان وأربعون صاعا، فيكون النصاب ستة أرادب وربع تقريبا. وقال الشمس العلقمي في حاشية الجامع الصغير: الصاع قدحان إلا سبعي مد، بالقدح المصري (والوسق والصاع والمد: مكاييل نقلت إلى الوزن) أي قدرت بالوزن. (لتحفظ) فلا يزاد ولا ينقص منها. (وتنقل) من الحجاز إلى غيره، وليست صنجا. (والمكيل يختلف في الوزن. فمنه ثقيل) كتمر وأرز. (و) منه (متوسط، كبر وعدس. و) منه (خفيف، كشعير وذرة) وأكثر التمر أخف من الحنطة على الوجه الذي يكال شرعا. لان ذلك على هيئة غير مكبوس. (فالاعتبار في ذلك) المذكور من المكيلات (بالمتوسط نصا) قال في الفروع: ونص أحمد وغيره من الائمة: على أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالحنطة، أي بالرزين من الحنطة. وهو الذي يساوي العدس في وزنه. (ومثل مكيله من غيره) أي غير المتوسط. وهو الثقيل والخفيف. (وإن لم يبلغ) المكيل غير المتوسط (الوزن) المذكور لخفته (نصا)، فالمعتبر: بلوغه نصابا بالكيل، دون الوزن. (فمن اتخذ وعاء يسع خمسة أرطال وثلثا عراقية من جيد البر) أي رزينه. (ثم كال به ما شاء) من ثقيل وخفيف (عرف) به (ما بلغ حد الوجوب من غيره) الذي لم يبلغ نصابا. (فإن شك في بلوغ قدر
النصاب، ولم يجد ما يقدره) أي المكيل (به، احتاط وأخرج) الزكاة ليخرج من عهدتها. (ولا يجب) عليه الاخراج إذن لانه الاصل. فلا يثبت بالشك. (ونصاب علس) بفتح العين المهملة وسكون اللام وفتحها. (وهو نوع من الحنطة، و) نصاب (أرز، يدخران) أي العلس والارز (في قشريهما عادة لحفظهما) لانهما إذا خرجا من قشرهما لا يبقيان بقاءهما في القشر. (عشرة أوسق، إذا كان) العلس أو الارز (ببلد قد خبره) أي امتحنه وجربه (أهله، وعرفوا أنه
[ 239 ]
يخرج منه مصفى النصف) عملا بالعادة. (لانه يختلف في الخفة والثقل. فيرجع إلى أهل الخبرة) بذلك. (ويؤخذ بقدره) للحاجة (وإن صفيا، فنصاب كل منهما خمسة أوسق) كسائر الحبوب. (فإن شك في بلوغهما نصابا) وهما في قشرهما، لعدم انضباط العادة (خير بين أن يحتاط ويخرج عشره قبل قشره، وبين قشره واعتباره بنفسه كمغشوش أثمان)، حتى يخرج من العهدة. (ولا يجوز تقدير غيره) أي العلس (من الحنطة في قشره، ولا إخراجه قبل تصفيته)، لان العادة لم تجر به، ولم تدع الحاجة إليه. ولا يعلم قدر ما تخرج منه. (وتضم ثمرة العام الواحد) إذا اتحد الجنس، ولو اختلف النوع. (و) يضم (زرعه) أي زرع العام الواحد (بعضها) أي الثمرة (إلى بعض) في تكميل النصاب. وبعض الزرع إلى بعض (في تكميل النصاب) إذا اتحد الجنس. (ولو اختلف وقت إطلاعه، و) وقت (إدراكه بالفصول) كما لو اتحد، لانه عام واحد. (وسواء تعدد البلد أو لا) نص عليه. فيأخذ عامل البلد حصته من الواجب في محل ولايته. (فإن كان له نخل تحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر)، لانها ثمرة عام واحد، فضم بعضها إلى بعض. (كزرع العام الواحد) وكالذرة التي تنبت في السنة مرتين. لان الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد، كما لو لم يكن حمل أول. فكذلك إذا كان. لان وجود الحمل الاول لا يصلح أن يكون مانعا، بدليل حمل الذرة. وبهذا يبطل ما ذكروه من انفصال الثاني عن الاول. وفي المبدع: ليس المراد بالعام هنا: اثني عشر شهرا، بل وقت استغلال المغل من العام عرفا. وأكثره: ستة أشهر بقدر فصلين. (
ولا تضم ثمرة عام واحد ولا زرعه) أي زرع عام (إلى) ثمرة عام (آخر)، لانفصال الثاني عن الاول. (وتضم أنواع الجنس) من حبوب أو ثمار من عام واحد (بعضها إلى بعض في تكميل النصاب). كأنواع الماشية والنقدين. (فالسلت: نوع من الشعير، فيضم إليه. والعلس: نوع من الحنطة: فيضم إليها) وكذا سائر أنواع جنس. (ولا يضم جنس إلى آخر) كبر إلى شعير، أو دخن أو ذرة أو عدس ونحوه، لانها أجناس يجوز التفاضل فيها. فلم يضم بعضها إلى
[ 240 ]
بعض، (كأجناس الثمار، و) أجناس (الماشية) ولا يصح القياس على ضم العلس إلى الحنطة. لانه نوع منها. وإذا انقطع القياس لم يجز ايجاب الزكاة بالتحكم. (ولا تضم الاثمان إلى شئ منها) أي من الحبوب أو الثمار أو الماشية لما تقدم. (إلا إلى عروض التجارة) فتضم الاثمان إلى قيمتها. (ويأتي) ذلك (في الباب بعده). الشرط (الثاني) لوجوب الزكاة فيما يخرج من الارض من الحبوب والثمار، (أن يكون النصاب مملوكا له) أي للحر المسلم (وقت وجوب الزكاة) فيه وهو وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر وإن لم يزرعه. (فتجب) الزكاة (فيما نبت بنفسه مما يزرعه الآدمي كمن سقط له حب في أرضه أو أرض مباحة)، فنبت لانه يملكه وقت الوجوب وفعل الزرع ليس شرطا. (ولا تجب) الزكاة (فيما يكتسبه اللقاط، أو يوهب له) بعد بدو صلاحه، أو يشتريه ونحوه بعد ذلك. (أو يأخذه) الحصاد ونحوه (أجرة لحصاده ودياسه ونحوه) كأجرة تصفيته أو نطارته. (ولا فيما يملك من زرع وثمرة بعد بدو صلاحه بشراء أو إرث أو غيرهما)، كصداق وعوض خلع وإجارة وعوض صلح. لانه لم يكن مالكا له وقت الوجوب، بخلاف العسل، للاثر. (ولا) زكاة (فيما يجتنبه من مباح كبطم وزعبل) بوزن جعفر. (وهو شعير الجبل، وبزر قطونا، وكزبرة، وعفص، وأشنان، وسماق ونحوه) كبزر النمام، والحبة الحمقاء. (سواء أخذه من موات أو نبت في أرضه. لانه لا يملك ألا يأخذه) فلم يكن وقت الوجوب في ملكه. فصل:
(ويجب العشر) وهو (واحد من عشرة) إجماعا (فيما سقي بغير مؤنة)، أي كلفة (كالغيث، وهو المطر، و) ك (- السيوح) جمع سيح. وهو الماء الجاري على وجه الارض (كالانهار
[ 241 ]
والسواقي) التي يجري فيها الماء من الانهار بلا آلة. (وما يشرب بعروقه، وهو البعل. ولا يؤثر) مؤنة (حفر الانهار) وحفر (السواقي) في نقص الزكاة. لانه من جملة إحياء الارض. ولانه لا يتكرر كل عام. (و) لا تؤثر أيضا مؤنة (تنقيتها) أي الانهار والسواقي، (و) لا مؤنة (سقي) أي من يسقي بماء الانهار والسواقي. (في نقص الزكاة، لقلة المؤنة. وكذا من يحول الماء في السواقي لانه كحرث الارض). ولانه لا بد منه حتى في السقي بكلفة. (وإن اشترى ماء بركة أو حفيرة وسقى به سيحا ف) - الواجب (العشر. وكذا إن جمعه وسقى به) سيحا فيجب العشر، لندرة هذه المؤنة. وهي في ملك الماء له لا في السقي به. فإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الارض، ويستقر في مكان قريب من وجهها، إلا أنه يحتاج في ترقية الماء إلى الارض: إلى آلة، من غرب أو دولاب. فهو من الكلفة المسقطة لنصف العشر. (ويجب نصف العشر فيما سقي بكلفة، كالدوالي، جمع دالية، وهي الدولاب تديره البقر) ويسمونها بمصر ساقية. (والناعورة يديرها الماء والسانية) بالنون (و) هي (النواضح واحدها: ناضح وناضحة، وهما البعير يستقى عليه، وما يحتاج في ترقية الماء إلى الارض) أي رفعه إليها. (إلى آلة من غرب أو غيره) فكل ذلك فيه: نصف العشر. لما روى ابن عمر أن النبي (ص) قال: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا: العشر. وما سقي بالنضح: نصف العشر رواه البخاري، سمي عثريا: لانهم يجعلون في مجرى الماء عاثورا. فإذا صدمه الماء تراد، فدخل تلك المجاري فتسقيه. ولان للكلفة تأثيرا في إسقاط الزكاة في المعلوفة. ففي تخفيفها أولى. (وقال الشيخ: وما يديره الماء من النواعير ونحوها مما يصنع من العام إلى العام، أو) يصنع (في أثناء العام ولا يحتاج إلى دولاب تديره الدواب: يجب
فيه العشر. لان مؤنته خفيفة. فهي كحرث الارض وإصلاح طرق الماء) فلا يؤثر في نقص الزكاة.
[ 242 ]
تتمة: إذا سقيت أرض العشر بماء الخراج لم يؤخذ منها خراج، أو عكسه، لم يسقط خراجها. ولا يمنع من سقي كل واحدة بماء الاخرى: نص على ذلك. (فإن سقي بكلفة وبغير كلفة سواء) بأن سقي نصف السنة بهذا ونصفها بهذا. (وجب ثلاثة أرباع العشر) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه. لان كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لاوجب مقتضاه. فإذا وجد في نصفه أوجب نصفه. (فإن سقي بأحدهما أكثر) من الآخر (اعتبر أكثرهما) نص عليه. لان اعتبار قدر ما يسقى به في كل وقت يشق. فاعتبر الاكثر كالصوم. (فإن جهل المقدار) أي مقدار السقي، فلم يعلم: هل سقي سيحا أكثر، أو بكلفة أكثر؟ أو جهل أكثرهما نفعا ونموا؟ (وجب العشر) نص عليه، لان الاصل وجوبه كاملا، ولانه خروج عن عهدة الواجب بيقين. (والاعتبار بالاكثر) من السقي بكلفة أو بغيرها (نفعا ونموا) نصا. و (لا) اعتبار (بالعدد والمدة) أي عدد السقيات ومدة السقي (ومن له حائطان) أي بستانان، (أو) له (أرضان، ضما) أي الحائطان أو الارضان، أي ضمت ثمارهما وزروعهما بعضها إلى بعض، مع اتحاد الجنس والعام، كما تقدم (في) تكميل (النصاب، ولكل منهما حكم نفسه في سقيه بمؤنة أو بغيرها) فيخرج مما يشرب بمؤنة: نصف عشره، ومما يشرب بغيرها: عشره. (ويصدق المالك فيما سقى به بلا يمين) لان الناس لا يستحلفون على صدقاتهم. لانها حق لله فلا يستحلف فيه كالصلاة والحد. (وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة، ف) - بدو الصلاح (في فستق وبندق ونحوه) كلوز (انعقاد لبه، وفي غيره) أي غير ما ذكر من الثمار كالتمر والعنب (كبيع) أي ظهور نضجه وطيب أكله، على ما يأتي بيانه في بيع الاصول والثمار (وجبت الزكاة) لانه يقصد للاكل والاقتيات كاليابس، ولانه وقت خرص الثمرة، لحفظ الزكاة ومعرفة قدرها، بدليل أنه لو أتلفه لزمته زكاته ولو باعه أو
وهبه قبل الخرص وبعده، فزكاته عليه، دون المشتري والموهوب له (فإن قطعها) أي الثمرة (قبله)، أي قبل بدو صلاحها (لغرض صحيح، كأكل أو بيع أو تجفيف) أصلها (أو تحسين بقيتها، فلا زكاة فيه) أي المقطوع قبل بدو صلاحه، كما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول. (وإن فعله) أي القطع قبل بدو الصلاح. (فرارا من الزكاة، أثم ولزمته) الزكاة لتفويته
[ 243 ]
الواجب بعد انعقاد سببه، أشبه القاتل والمطلق ثلاثا في مرض موته (ولو باعه) بعد بدو صلاحه (أو وهبه، خرص أم لا. فزكاته عليه) أي البائع أو الواهب، كما لو باع السائمة بعد الحول. و (لا) تجب زكاته (على المشتري. ولا الموهوب له) لعدم ملكه وقت الوجوب. (ولو مات) مالك الزرع والثمر بعد الاشتداد وبدو الصلاح (وله ورثة لم تبلغ حصة واحد منهم نصابا، لم يؤثر ذلك) في سقوط الزكاة. كموت رب الماشية بعد الحول. (ولو ورثه) أي الحب المشتد أو الثمر، بعد بدو صلاحه (من عليه دين. لم يمنع دينه الزكاة) لانها وجبت على المورث قبل موته. فتؤخذ من تركته، لا على الوارث المدين. (ولو كان ذلك) المذكور من البيع أو الهبة أو موت المالك عمن لم تبلغ حصة واحد من ورثته نصابا، أو عن مدين (قبل بدو صلاح الثمر، و) قبل (اشتداد الحب. انعكست الاحكام) فتكون الزكاة في مسألتي البيع والهبة على المشتري والموهوب له، إن كان من أهل الوجوب. وتسقط في مسألتي الموت. (ولو باعه) أي الحب المشتد أو الثمر بعد بدو صلاحه. (وشرط) البائع (الزكاة على المشتري. صح) البيع والشرط، للعلم بالزكاة. فكأنه استثنى قدرها، ووكله في إخراجه. (فإن لم يخرجها المشتري وتعذر الرجوع عليه. ألزم بها البائع) لوجوبها عليه. (ويفارق إذا استثنى زكاة نصاب ماشية) فإنه لا يصح، بل يبطل البيع (للجهالة) بالمستثنى. واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولا. (أو اشترى ما لم يبد صلاحه) من زرع وثمر (بأصله) الذي هو أرضه، أو شجره. (فإنه لا يجوز شرط المشتري زكاته على البائع) لانه لا تعلق لها بالغرض الذي يصير إليه. (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها) أي الحبوب والثمار (في
جرين وبيدر ومسطاح) قال في الانصاف: الجرين يكون بمصر والعراق. والبيدر بالشرق والشام، والمربد يكون بالحجاز، وهو الموضع الذي تجمع فيه الثمرة ليتكامل جفافها. والجوجان: يكون بالبصرة، وهو موضع تشميسها وتيبيسها. ذكره في الرعاية وغيرها. ويسمى بلغة آخرين المسطاح. وبلغة آخرين: الطبابة اه. فدل أن مسمى الجميع واحد. (فإن تلفت) الحبوب أو الثمار التي تجب الزكاة فيها (قبله) أي قبل الوضع بالجرين
[ 244 ]
ونحوه (بغير تعد منه سقطت الزكاة، خرصت) الثمرة (أو لم تخرص) لانه في حكم ما لا تثبت اليد عليه، بدليل أن من اشترى ثمرة فذهبت بعطش أصابها ونحوه، رجع على البائع بثمنها. والخرص لا يوجب. وإنما يفعله الساعي ليتمكن المالك من التصرف. فوجب سقوط الزكاة مع وجوده، كعدمه (وإن تلف البعض) من الزرع أو الثمر قبل الاستقرار، (زكى) المالك (الباقي إن كان نصابا) لوجود الشرط (وإلا) أي وإن لم يكن الباقي نصابا (فلا) زكاة فيه. قدمه في الفروع. وقال في شرح المنتهى: في الاصح. لقوله (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. وهذا يعم حالة الوجوب ولزوم الاداء اه. وقال في المبدع: قاله القاضي. والمذهب: إن كان التلف قبل الوجوب، فهو كما قال القاضي، وإن كان بعده وجب في الباقي بقدره مطلقا، وهو أحد وجهين، ذكرهما ابن تميم وصححه الموفق. (وإن تلفت) الزروع أو الثمار (بعد الاستقرار) أي الوضع في الجرين ونحوه (لم تسقط) زكاتها، كتلف النصاب بعد الحول، وكذا لو أتلفها أو تلفت بتفريطه بعد الوجوب، ولو قبل الاستقرار. فإنه يضمن نصيب الفقراء. صرح به في الكافي والشرح. لانه متعد أو مفرط. (وإن ادعى) رب الزروع أو الثمار (تلفها) بغير تفريط (قبل قوله بغير يمين) نص عليه، لانه خالص حق الله. فلا يستحلف عليه، كالصلاة (ولو اتهم) في دعواه التلف (إلا أن يدعيه) أي التلف (بجائحة ظاهرة تظهر عادة) كحريق وجراد، (فلا بد من بينة) تشهد بوجود ذلك الظاهر (ثم يصدق) المالك (في قدر التالف) من
المال المزكي بلا يمين. (ويجب إخراج زكاة الحب مصفى) من قشره وتبنه، (والثمر يابسا)،
[ 245 ]
لحديث عتاب بن أسيد أنه (ص): أمر أن يخرص العنب زبيبا، كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرا. ولا يسمى زبيبا وتمرا حقيقة إلا اليابس. وقيس عليهما الباقي. ولان ذلك حالة كماله، ونهاية صفات ادخاره. ووقت لزوم الاخراج منه. (فلو خالف وأخرج سنبلا ورطبا وعنبا لم يجزئه) إخراجه، (ووقع نفلا) إن كان الاخراج للفقراء. (فلو كان الآخذ) لذلك (الساعي، فإن جففه) أي الرطب والعنب (وصفاه) أي السنبل، (وجاء قدر الواجب) في الزكاة (أجزأ) المالك. (وإلا) بأن زاد على الواجب أو نقص عنه. (رد) الساعي (الفضل) لمالكه لبقائه في ملكه. (وإن زاد) ما كان دفعه، (وأخذ) الساعي من المالك (النقص) أي ما بقي من الواجب. (إن نقص) المخرج عنه (وإن كان) المخرج (بحاله) بيد الساعي لم يجففه ولم يصفه. (رده) لمالكه، لفساد القبض. ويطالبه بالواجب (وإن تلف) بيد الساعي (رد بدله) لمالكه. فيكون مضمونا على الساعي. (وإن احتيج إلى قطع ثمر وزبيب، مثل بعد بدو صلاحه، وقبل كماله) أي الثمر. وقوله: (لضعف أصل ونحوه، كخوف عطش أو تحسين بقيته) علة لاحتيج (جاز) قطعه، لما فيه من المصلحة. (وعليه زكاته يابسا) إن بلغ نصابا يابسا (كما لو قطع لغرض البيع بعد خرصه) نص عليه، لقوله (ص): يخرص العنب فتؤخذ زكاته زبيبا ولانه حال الكمال فاعتبر. (ويحرم قطعه مع حضور ساع)، قال في المبدع: إن كان (إلا بإذنه) لحق أهل الزكاة فيها. وكون الساعي كالوكيل عنهم. قلت: قد تقدم أن تعلق الزكاة كتعلق أرش الجناية، لا كتعلق شركة. فلا يتم التعليل. (وإن كان) الثمر (رطبا لا يجئ منه تمر. أو) كان (عنبا لا يجئ منه زبيب. وجب قطعه) رطبا وعنبا، لما في تركه من إضاعة المال المنهي عنها. (وفيه الزكاة إن بلغ نصابا يابسا) بالخرص فيخرج زكاته. (من غيره تمرا أو زبيبا مقدرا بغيره) مما يصير تمرا أو زبيبا (خرصا) لما تقدم في المسألة قبلها. (وإلا) أي وإن لم نقل بقطع الرطب والعنب الذي لا يجئ منه
[ 246 ]
تمر ولا زبيب، (فمستحيل) عادة (أن يخرج من عينه تمرا أو زبيبا. إذا لم يجئ منه تمر أو زبيب) بحسب العادة، (أو يخرج منه) أي مما قطعه للحاجة إلى قطعه أو لوجوبه (رطبا وعنبا، اختاره القاضي، وجماعة) منهم الموفق والمجد، وصاحب الفروع، لان الزكاة وجبت مواساة، ولا مواساة بإلزامه ما ليس في ملكه، (و) على ما اختار القاضي وجماعة (له أن يخرج الواجب منه) أي من الرطب أو العنب (مشاعا) بأن يسلمه العشر مثلا، شائعا (أو مقسوما بعد الجذاذ، أو قبله بالخرص. فيخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ فيأخذ نصيب الفقراء شجرات مفردة، وبين مقاسمته بعد جذها بالكيل) في الرطب والوزن في العنب. (وله) الساعي (بيعها) أي الزكاة (منه) أي رب المال (أو من غيره) ويقسم ثمنها. لان رب المال يبذل فيها عوض مثلها. أشبه الاجنبي. لا يقال: الرطب والعنب الذي لا يجئ منه تمر ولا زبيب، لا يدخر. فهو كالخضروات، لا زكاة فيه. لانا نقول: بل يدخر في الجملة وإنما لم يدخر هنا لان أخذه رطبا أنفع. فلم تسقط زكاته بذلك. (والمذهب) المنصوص: (أنه لا يخرج منه إلا يابسا) لما تقدم. قال في التنقيح: والمذهب لا يخرج إلا يابسا. (فإن أتلف النصاب ربه بقيت الزكاة في ذمته، تمرا أو زبيبا) لعدم سقوطها بإتلافه. (وظاهره) أي ظاهر القول بأنه لا يخرج إلا يابسا: أنه يلزمه زكاته إذا تلف. (ولو لم يتلفه) أي يتعد عليه أو يفرط فيه. فلا يتوقف الاستقرار فيه على الوضع بالمسطاح، لانه لا يتأتى وضعه فيه، لكونه لا يتمر ولا يزبب. فيكون استقرارها بمجرد انتهاء نضجه. (فإن لم يجدهما) أي التمر والزبيب (بقيا في ذمته فيخرجه) أي ما بقي في ذمته (إذا قدر عليه) كباقي الواجبات التي لا بدل لها. (والمذهب أيضا: أنه يحرم. ولا يصح شراؤه زكاته، ولا صدقته). لما روي عن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، وأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص. فسألت النبي (ص)، فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك. وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه متفق عليه.
[ 247 ]
ولان شراءها وسيلة إلى استرجاع شئ منها، لانه يستحيي أن يماكسه في ثمنها، وربما سامحه طمعا منه بمثلها، أو خوفا منه إذا لم يبعها أن لا يعود يعطيه في المستقبل، وكل هذه مفاسد. فوجب حسم المادة. (وسواء اشتراها ممن أخذها منه، أو من غيره) لظاهر الخبر. ونقله أبو داود في فرس حميل. وظاهر التعليل: يقتضي الفرق. قال في الفروع: وظاهر كلامهم: أن النهي يختص بعين الزكاة. ونقل حنبل: وما أراد أن يشتريه أو شيئا من نتاجه، فلا (وإن رجعت إليه) زكاته أو صدقته (بإرث) طابت له بلا كراهة. لحديث بريدة: أنه (ص) أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت. فقال النبي (ص): وجب أجرك، وردها عليك الميراث رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. (أو) عادت إليه ب (- هبة أو وصية، أو أخذها من دينه) طابت له، لان ذلك كالارث (أو ردها) أي الزكاة (له الامام بعد قبضه منه، لكونه) أي المالك (من أهلها)، أي الزكاة جاز له أخذها (كما يأتي) في الباب، لانها عادت إليه بسبب آخر، فهو كما لو عادت إليه بميراث. فصل: (ويسن أن يبعث الامام ساعيا خارصا) لحديث عائشة قالت: كان النبي (ص) يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، ليخرص عليهم النخل. قبل أن يؤكل متفق عليه. وفي رواية لاحمد وأبي داود: لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق. وعن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد: أنه (ص)
[ 248 ]
كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم رواه الترمذي وابن ماجه. وصح عنه (ص): أنه خرص على امرأة بوادي القرى حديقة لها وحديثها في مسند أحمد. وقول المانع: إنه خطر وغرر، يرد بأنه اجتهاد في معرفة الحق بغالب الظن. وذلك جائز في تقويم المتلفات والمجتهدات في الشرعيات. وسائر الظواهر المعمول بها. وإن احتملت الخطأ (إذا بدا صلاح الثمر) لانه وقت دعاء الحاجة إلى الخرص. (ويعتبر أن يكون) الخارص
(مسلما أمينا خبيرا، غير متهم) لان من ليس كذلك لا يعول على قوله. والمتهم: هو من كان من أحد عمودي نسب المالك. (ولو) كان (عبدا) كالفتوى ورؤية هلال رمضان. واعتبر أن يكون خبيرا، لئلا تفوت الحكمة التي شرع لها الخرص. (ويكفي خارص واحد) لحديث عائشة. ولانه ينفذ ما يؤدي إليه اجتهاده، كقائف وحاكم. (وأجرته) أي الخارص (على رب النخل والكرم) وفي المبدع: أجرته على بيت المال، انتهى. قلت: لو قيل من سهم العمال، لكان متجها (فيخرص ثمرهما) أي النخل والكرم (على أربابه) لما تقدم. (ولا تخرص الحبوب) بلا خلاف. ذكره في شرح المنتهى. (ولا ثمر غيرهما) أي غير النخل والكرم، كالبندق واللوز. لان النص إنما ورد بخرصهما، مع أن ثمرهما مجتمع في العذوق والعناقيد فيمكن أن يأتي الخرص عليه غالبا. والحاجة إلى أكلهما رطبة أشد من غيرهما، فامتنع القياس وذكر أبو المعالي بن المنجا: أن نخل البصرة لا يخرص. وأنه أجمع عليه الصحابة وفقهاء الامصار وعلل بالمشقة وبغيرها. قال في الفروع: كذا قال. (والخرص) بفتح الخاء مصدر. ومعناه هنا: (حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل والكرم وزنا، بعد أن يطوف) الخارص (به) أي بالنخل أو الكرم. (ثم يقدره تمرا) أو زبيبا (ثم يعرف) الخارص
[ 249 ]
(المالك قدر الزكاة) فيه (ويخيره بين أن يتصرف فيه بما شاء) من بيع أو غيره (ويضمن قدرها) أي الزكاة، (وبين حفظها) أي الثمار (إلى وقت الجفاف) ليؤدي ما وجب فيها. (فإن لم يضمن) المالك زكاتها (وتصرف) فيها (صح تصرفه) لما تقدم أن تعلق الزكاة كأرش الجناية، لا يمنع التصرف (وكره) قاله في الرعاية، أي تصرفه من غير ضمان زكاتها، خروجا من خلاف من منعه. (وإن حفظها) أي حفظ المالك الثمار (إلى وقت الجفاف. زكى الموجود فقط. وافق قول الخارص أو لا، وسواء اختار حفظها ضمانا بأن يتصرف، أو أمانة) من غير تصرف. لانها أمانة كالوديعة. وإنما يعمل بالاجتهاد مع عدم تبين الخطأ. لان الظاهر الاصابة. (وإن أتلفها) أي الثمرة (المالك أو تلفت بتفريطه. ضمن زكاتها
بخرصها تمرا) أو زبيبا. لان الظاهر عدم الخطأ. قال في الشرح: وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمة ما أتلف. والفرق: أن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب، بخلاف الاجنبي. انتهى. وقوله: قيمة ما أتلف: قواعد المذهب: أن عليه مثله. لانه مثلي، فيضمن بمثله. (وإن ترك الساعي شيئا من الواجب أخرجه المالك) لان الواجب لا يسقط بترك الخارص وله. (فإن لم يبعث) الامام (ساعيا فعلى رب المال من الخرص ما يفعله الساعي، إن أراد) المالك (التصرف) في الثمرة، (ليعرف قدر الواجب قبل تصرفه) فيها. (ثم إن كان) المخروص (أنواعا لزم) الساعي (خرص كل نوع وحده، لاختلاف الانواع وقت الجفاف) فمنها: ما يزيد رطبه على تمره. ومنها: ما يزيد تمره على رطبه. وتختلف الزيادة والنقصان بحسب اختلافهما في اللحم والماوية، كثرة وقلة. (وإن كان) المخروص (نوعا واحدا فله خرص كل شجرة وحدها، وله خرص الجميع دفعة واحدة) لان النوع الواحد لا يختلف غالبا، ولما فيه من المشقة بخرص كل شجرة على حدة. (وإن ادعى رب المال غلط الخارص غلطا محتملا) كالسدس (قبل قوله بغير يمين، كما لو قال: لم يحصل في يدي غير كذا) فإنه يقبل قوله.
[ 250 ]
لانه قد يتلف بعضه بآفة لا يعلمها. (وإن فحش) ما ادعاه من الغلط كالنصف والثلث (لم يقبل) لانه لا يحتمل، فيعلم كذبه (وكذا إن ادعى) رب المال (كذبه) أي الخارص (عمدا) فلا يقبل قوله، لانه خلاف الظاهر. (ويجب) على الخارص (أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع، فيجتهد الساعي) في أيهما يترك، (بحسب المصلحة) لحديث سهل بن أبي حثمة أنه (ص) قال: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث. فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع رواه الخمسة إلا ابن ماجه ورواه ابن حبان والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الاسناد. وهذا توسعة على رب المال. لانه يحتاج إلى الاكل هو وأضيافه وجيرانه وأهله، ويأكل منها المارة. وفيها الساقطة، فلو استوفى الكل أضر بهم. (ولا يكمل بهذا القدر المتروك النصاب إن أكله) نص عليه، لاستهلاكه على وجه مأذون فيه، كما لو تلف بجائحة. (وإن لم
يأكله كمل به) النصاب، (ثم يأخذه) الساعي (زكاة الباقي سواء بالقسط)، فلو كان تمره كله خمسة أوسق، ولم يأكل شيئا. كمل النصاب بالربع الذي كان له أن يأكله، وأخذت منه زكاة ما سواه، وهو ثلاثة أوسق، وثلاثة أرباع وسق. (وإن لم يترك الخارص شيئا) من الثمرة، (فلرب المال الاكل هو وعياله بقدر ذلك) الذي كان يترك له، نص عليه. (ولا يحتسب به عليه) بما أكله إذن، فلا تؤخذ منه زكاته، كما لو تركه الخارص له. (ويأكل هو) أي المالك وعياله (من حبوب ما جرت به العادة، كفريك ونحوه، وما يحتاجه، ولا يحتسب به عليه) في نصاب ولا زكاة كالثمار. (ولا يهدي) من الحبوب قبل إخراج زكاتها شيئا. وأما الثمار فالثلث أو الربع الذي يترك له يتصرف فيه كيف شاء (ولا يأكل من زرع وثمر مشترك شيئا إلا بإذن شريكه). كسائر الاموال المشتركة (ويأخذ العشر من كل نوع على حدته بحصته ولو شق) ذلك (لكثرة الانواع واختلافها). لان الفقراء بمنزلة الشركاء. فينبغي أن يتساووا في كل نوع، بخلاف السائمة، لما فيه من التشقيص، كما تقدم. (ولا يجوز إخراج جنس عن جنس
[ 251 ]
آخر) لقوله (ص): خذ الحب من الحب، والابل من الابل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم، رواه أبو داود وابن ماجه. (فإن أخرج الوسط عن جيد وردئ بقدر قيمتي الواجب منهما) لم يجزئه. لانه عدل عن الواجب إلى غيره. كما لو أخرج القيمة. وإنما اغتفر ذلك في السائمة دفعا للتشقيص. (أو أخرج الردئ عن الجيد بالقيمة) بأن زاد في الردئ بحيث يساوي قيمة الواجب من الجيد، (لم يجزئه) بخلاف النقدين، لان القصد عن غير الاثمان النفع بعينها. فيفوت بعض المقصود، ومن الاثمان القيمة، وتقدم قول المجد: قياس المذهب: جوازه في الماشية وغيرها، وإن تطوع رب المال بإخراج الجيد عن الردئ جاز، وله أجر ذلك. ولا يجوز أخذه عنه بغير رضاه. (ويجب العشر) أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه، ولو عبر بالزكاة، كالمنتهي، لشملها، (على المستأجر والمستعير دون المالك). أي إذا استأجر إنسان من أهل الزكاة، أو استعار أرضا، فزرعها، أو غرسها ما أثمر مما تجب فيه الزكاة،
فهي على المستأجر والمستعير، دون مالك الارض. وهو معيرها أو مؤجرها. لقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * وقوله (ص): فيما سقت السماء العشر الحديث. وكتاجر استأجر حانوتا أو استعارها لبيع عروضه، وفي إيجابه على المالك إجحاف ينافي المواساة، وهي من حقوق الزرع، بدليل أنها لا تجب إن لم تزرع، وتتقيد بقدره. (والخراج عليه) أي على مالك الارض (دونهما) أي دون المستأجر والمستعير، لانه من حقوق الارض. (ولا زكاة في قدر الخراج إذا لم يكن له مال يقابله لانه كدين آدمي. ولانه من مؤنة الارض، كنفقة زرعه) كأجرة الحرث ونحوه، بخلاف مؤنة الحصاد والدياس، لانها بعد الوجوب. (وإذا لم يكن له) أي لمالك الارض (سوى غلة الارض وفيها ما فيه زكاة) كتمر وزبيب وبر وشعير. (و) فيها (ما لا زكاة فيه كالخضر) من بطيخ ويقطين وقثاء ونحوها، (جعل الخراج في مقابلته) أي ما لا زكاة في مقابلته، أي ما لا زكاة فيه إن وفى به (لانه أحوط للفقراء). وزكى الباقي مما تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن له غلة إلا ما تجب فيه الزكاة. أدى الخراج من غلتها وزكى ما بقي. (ولا ينقص النصاب بمؤنة الحصاد، و) مؤنة (الدياس
[ 252 ]
وغيرهما) كالجذاذ والتصفية (منه) أي من الزرع والثمر، (لسبق الوجوب ذلك) أي لانها تجب بالاشتداد وبدو الصلاح. وذلك سابق للحصاد والدياس والجذاذ ونحوهما. وتقدم في كتاب الزكاة التنبيه على ذلك. (وتلزم الزكاة في المزارعة الفاسدة من حكم بالزرع له) لان الزكاة على المالك، (وإن كانت) المزارعة (صحيحة، فعلى من بلغت حصته منهما) أي المالك والعامل (نصابا) بنفسها أو ضمها إلى زرع له آخر (العشر) أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه، على ما سبق. وكذا الحكم في المساقاة، بخلاف المضاربة. فإنه لا زكاة على العامل في حصته، ولو بلغت نصابا. لان الربح وقاية لرأس المال. (ومتى حصد غاصب الارض زرعه استقر ملكه) عليه. فلا يتملكه رب الارض، (وزكاته) لاستقرار ملكه عليه (وإن تملكه رب الارض قبل اشتداد الحب زكاه) لثبوت ملكه عليه وقت وجوبها. وإن تملكه بعد
اشتداده. فقيل: يزكيه الغاصب. لانه يملكه وقت الوجوب، وقطع به المصنف في الغصب. وقدم في الفروع والمبدع وغيرهما: يزكيه رب الارض. لان ملكه استند إلى أول زرعه. لانه يتملكه بمثل بذره، وعوض لواحقه. فكأنه أخذه إذن. (وكره الامام أحمد) رضي الله عنه (الحصاد والجذاذ ليلا) لحديث الحسين: نهى النبي (ص) عن الجذاذ بالليل والحصاد بالليل رواه البيهقي. (ويجتمع العشر والخراج في كل أرض خراجية) نص عليه. لعموم الاخبار. (فالخراج في رقبتها) مطلقا والعشر (في غلتها إن كانت لمسلم) لان سبب الخراج التمكين من النفع، لوجوبه. وإن لم تزرع. وسبب العشر: الزرع كأجرة المتجر، مع زكاة التجارة، ولانهما شيئان مختلفان لمستحقين. فجاز اجتماعهما، كالجزاء والقيمة في الصيد المملوك. والحديث المروي: لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم ضعيف جدا. قال ابن حبان: ليس هذا الحديث من كلام النبوة. ثم يحمل على الخراج الذي هو الجزية، ولو كان عقوبة لما وجب على المسلم كالجزية. (وهي) أي الارض الخراجية، ثلاثة أضرب: إحداها: (ما فتحت عنوة، ولم تقسم) بين الغانمين (و) الثانية: (ما جلا عنها أهلها خوفا منا. و) الثالثة: (ما صولحوا) أي أهلها (عليها، على أنها لنا، ونقرها معهم بالخراج)
[ 253 ]
الذي يضربه عليها الامام، على ما يأتي بيانه في الاراضي المغنومة (والارض العشرية لا خراج عليها)، لانها ملك لاربابها. (وهي) أي الارض العشرية (الارض المملوكة)، وهي خمسة أضرب: الاولى: (التي أسلم أهلها عليها كالمدينة) المنورة (ونحوها) كجواثى من قرى البحرين. (و) الثانية: (ما أحياه المسلمون واختطوه، كالبصرة) بتثليث الباء قال في حاشيته: بنيت في خلافة عمر رضي الله عنه، في سنة ثمان عشرة، بعد وقف السواد. ولهذا دخلت في حده، دون حكمه. (و) الثالثة: (ما صالح أهلها على أنها لهم بخراج يضرب عليها كاليمن. و) الرابعة: (ما أقطعها الخلفاء الراشدون) من السواد (إقطاع تمليك) قال أحمد، في رواية ابن منصور: والارضون التي يملكها أربابها ليس فيها
خراج، مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد وابن مسعود، وخباب. قال القاضي: وهو محمول على أنه أقطعهم منافعها وخراجها. وللامام إسقاط الخراج على وجه المصلحة. قال في الفروع: ولعل ظاهر كلام القاضي هذا: أنهم لم يملكوا الارض بل أقطعوا المنفعة، وأسقط الخراج للمصلحة، ولم يذكر جماعة هذا القسم من أرض العشر، انتهى. وهو ظاهر على القول بأن السواد وقف. فلا يمكن تملكه، لكن يأتي: أنه يصح بيعه من الامام، ووقفه له. فلذلك أبقى الاكثر كلام الامام على ظاهره. وأنه تمليك. (و) الخامسة: (ما فتح عنوة وقسم كنصف خيبر) بلدة معروفة على نحو أربع مراحل من المدينة إلى جهة الشام، ذات نخيل ومزارع، وحصون، وهي بلاد طئ، فتحها النبي (ص) في أوائل سنة سبع، قاله في حاشيته. (وللامام إسقاط الخراج) عمن بيده أرض خراجية (على وجه المصلحة) يبذل لاجلها من مال الفئ. لانه لا فائدة في أخذه منه، ثم رده أو مثله إليه. (ويأتي) في إحياء الموات. (ويجوز لاهل الذمة شراء أرض عشرية من مسلم) لانها مال مسلم يجب الحق فيه لاهل الزكاة، فلم يمنع الذمي من شرائه (كا) لارض (الخراجية) فللذمي شراؤها من مسلم، إذا حكم به من يراه أو كان الشراء من الامام. (ولا عشر عليهم) أي على أهل الذمة إذا اشتروا الارض العشرية لانهم ليسوا من أهل الزكاة. (كالسائمة وغيرها) من سائر ما تجب فيه الزكاة. (فإنه لا زكاة فيها) على الذمي لكن إن كان تغلبيا فعليه فيما يزكى زكاتان، يصرفان مصرف الجزية لا مصرف الزكاة. وإذا أسلم سقط عنه إحداهما وصرفت الاخرى مصرف الزكاة. (لكن يكره للمسلم بيع أرضه من ذمي وإجارتها،
[ 254 ]
نصا) وكذا إعارتها منه (لافضائه إلى إسقاط عشر الخراج منها إلا لتغلبي. فلا يكره ذلك) لعدم إفضائه إلى ذلك. لانه يؤخذ منه عشران يصرفان كما تقدم. (ولا شئ) أي لا زكاة (على ذمي فيما اشتراه من أرض خراجية) على ما تقدم إذا زرعه أو غرسه. (ولا) زكاة عليه أيضا (فيما استأجره أو استعاره من مسلم إذا زرعه) أو غرسه. وخرج منه: ما تجب فيه
الزكاة (ولا فيما إذا جعل) الذمي (داره بستانا أو مزرعة، ولا فيما إذا رضخ الامام له أرضا من الغنيمة، أو أحيا) الذمي (مواتا) ثم زرعه أو غرسه، ويأتي في إحياء الموات: على ذمي خراج ما أحيا من موات عنوة. فصل: (وفي العسل العشر) قال الاثرم: سئل أبو عبد الله: أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم، أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر، قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت ذلك على أنهم يطوعون؟ قال: لا، بل أخذ منهم (سواء أخذه من موات) كرؤوس الجبال. (أو) أخذه (من ملكه) أي من أرض مملوكة له، عشرية كانت أو خراجية. (أو) من أرض (ملك غيره، لانه) أي العسل (لا يملك بملك الارض، كالصيد) والطائر يعشش بملكه. والاصل في وجوب الزكاة فيه: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص): كان يأخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة: من أوساطها رواه أبو عبيد والاثرم وابن ماجه. وعن سليمان بن موسى عن أبي سيارة المتعي. قال: قلت يا رسول الله، إن لي نخلا. قال: فأد العشور. قال قلت: يا رسول الله، احم لي جبلها. قال: فحمى لي جبلها رواه أحمد وابن ماجه.