كشاف القناع للشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي المتوفى سنة 1051 ه عن متن الإقناع للامام موسى بن أحمد الحجاوي الصالحي المتوفي سنة 960 ه قدم له الاستاذ الدكتور كمال عبد العظيم العناني حققه أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي تنبيه: وضعنا نص " متن الاقناع " في أعلى الصفحات، ووضعنا تحته نص " كشاف القناع " مفصولا بينهما بخط. الجزء الاول المحتوي: كتاب الطهارة - كتاب الصلاة منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
[ 2 ]
جميع الحقوق محفوظة جميع الحقوق الملكية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزا أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا. الطبعة الاولى 1418 ه - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان العنوان: رمل الظريف شارع البحتري، بناية ملكارت تلفون وفاكس: 364398 - 366135 - 602133 (961 1) 00 صندوق بريد: 9434 - 11 بيروت - لبنان
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة التحقيق بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.. أما بعد فهذا كتاب جليل القدر عظيم المقام في فقه السادة الحنابلة قام تلميذنا، محمد حسن محمد حسن الشهير ب (محمد فارس) بتحقيقه حتى خرج على هذا الوجه الذي يراه القارئ، والله أسأل أن ينفع الله به كل طالب علم والله الموفق إلى سوء السبيل. د. كمال عبد العظيم العناني
أستاذ الفقه / كلية الشريعة جامعة الازهر في 14 ربيع الاول - 1417 ه 30 / 7 / 1996 م
[ 5 ]
ترجمة الشيخ شرف الدين موسى الحجاوي صاحب متن الاقناع اسمه ونسبه وكنيته: هو موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الامام العالم العلامة الحبر البحر الفهامة أبو النجا شرف الدين مفتي الحنابلة بدمشق والمعول عليه في الفقه بالديار الشامية. علمه: أخذ الفقه وغيره من العلوم على الشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد الشوبكي الصالحي، والشيخ أبي حفص نجم الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الصالحي، وعلي أبي البركات محب الدين أحمد بن محمد خطيب مكة العقيلي. وأخذ عنه جماعة منهم: ولده الشيخ يحيى الحجاوي، والشيخ شهاب الدين أحمد الوقائي المفلحي، والشيخ إبراهيم بن محمد الاحدب الصالحي، أبو النور بن عثمان بن محمد بن ابراهيم. مؤلفاته: ألف شرح منظومة الاداب لابن مفلح، وحاشية على الفروع، والاقناع وفاته: توفي ليلة الجمعة 22 ربيع الاول سنة 96 ه، ودفن بسفح قاسيون.
انظر / جامع الرواة (4 / 223) - معجم الثقات (106).
[ 6 ]
ترجمة الشيخ منصور البهوتي صاحب الكشاف هو منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس البهوتي المصري. أخذ العلم عن أكثر المتأخرين من الحنابلة منهم: الجمال يوسف البهوتي، وعبد الرحمن البهوتي، ومحمد الشامي المرداوي. من مؤلفاته: شرح الاقناع المسمى كشاف القناع. وشرح المنتهي لتقي الدين الفتوحي سماه دقائق أولى النهي لشرح المنتهي وحاشية على المنتهى المذكور، وشرح زاد المستنقع للحجاوي، وشرح المفردات لمحمد بن علي المقدسي. توفي رحمه الله يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الاخر سنة إحدى وخمسين بعد الالف (1051 ه)، ودفن بتربة المجاورين انظر / معجم الثقات (124) - جامع الرواة (26812) دائرة معارف الاعلمي (18 / 25)
[ 7 ]
كلمة المحقق بفضل الله الواحد الاحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد قد استعنا في تحقيق هذا الكتاب على مخطوطة دار الكتب المصرية برقم (12 فقه حنبلي (1961 ميكرو) وهي نسخة واضحة مقروءة.
ولا يسعنا في النهاية إلا أن نقدم الشكر لمشايخنا الكرام وهم: الشيخ الحسيني الشيخ أستاذ الفقه المتفرغ جامعة الازهر. والشيخ جاد الرب رمضان رحمه الله. والشيخ محمد أنيس عبادة - رحمه الله، والدكتور كمال عبد العظيم العناني أستاذ الفقه كلية الشريعة جامعة الازهر ولمن شاركنا في تحقيق هذا الكتاب وهم: أ - قسم الفقه 1 - الشيخ أحمد محروس أستاذ الفقه الحنبلي في المعاهد الازهرية. 2 - أ - علاء علي علي غريب. أستاذ الفقه المالكي في المعاهد الازهرية. 3 - محمد محمد أحمد عيسى. ب - قسم الحديث: 1 - الشيخ محمد عبد الستار. 2 - الشيخ سعيد أحمد كامل العيدروسي. 3 - أ - خالد حسين. 4 - ناصر محمد علي. طالب العلم / أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي الشهير ب (محمد فارس).
[ 8 ]
صورة غلاف الجزء الاول من المخطوط
[ 9 ]
صورة الصفحة الاولى من المخطوط
[ 10 ]
صورة الصفحة الثانية من المخطوط
[ 11 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرح صدورنا بالهدايد إلى الاسلام، ووفقنا للتفقه في الدين وما شرعه من بديع محكم الاحكام، أحمده سبحانه وتعالى على جزيل الانعام، وأشكره أن
علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم فأتقن وأحكم أي أحكام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والاكرام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المعبوث رحمة للانام، والهادي إلى سواء الصراط وإيضاح الحلال والحرام، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الكرام، صلاة وسلاما دائمين لا يعتريهما نقص ولا انثلام. أما بعد: فإن أجل العلوم قدرا، وأعلاها فخرا، وأبلغها فضيلة، وأنجحها وسيلة، علم الشرع الشريف ومعرفة أحكامه، والاطلاع على سر حلاله وحرامه، فلذلك تعينت إعانة قاصده، وتيسير موارده لرائده، ومعاونته على تذكار لفظه ومعانيه، وفهم عباراته مبانيه، ولما رأيت الكتاب الموسوم " بالاقناع " تأليف الشيخ الامام، والحبر العمدة العلام، شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن سالم بن عيسى بن سالم المقدسي الحجاوي، ثم الصالحي الدمشقي. تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه الغرفات العليا من جنانه، في غاية حسن الوقع، وعظم النفع، لم يأت أحد بمثاله، ولا نسج ناسج على منواله، غير أنه يحتاج إلى شرح يسفر عن وجوه مخدراته النقاب، ويبرز من خفي مكنوناته بما وراء الحجاب، فاستخرت الله تعالى وشمرت عن ساعد الاجتهاد، وطلبت من الله العناية والرشاد، وكنت أود لو رأيت لي سابقا أكون وراءه مصليا، ولم أن في حلبة رهانة مجليا، إذ لست لذلك كفؤا بلا مرا، والفهم لقصوره يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وسألت الله أن يمدني بذراف لطفه، ووافر عطفه، وسميته (كشاف القناع عن الاقناع) والله أسأل أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يعاملنا بفضله، ومزجته بشرحه حتى صارا كالشئ الواحد لا يميز بينهما إلا صاحب بصر أو بصيرة، لحل ما قد يكون من التراكيب العسيرة، وتتبعت أصوله التي أخذ منها كالمقنع والمحرر والفروع والمستوعب وما تيسر الاطلاع عليه من شروح
[ 12 ]
تلك الكتب وحواشيها، كالشرح الكبير والمبدع والانصاف وغيرهما مما من الله تعالى بالوقوف عليه كما ستراه، خصوصا شرح المنتهى والمبدع، فتعويلي في الغالب عليهما،
وربما عزوت بعض الاقوال لقائلها خروجا ن عهدتها، وذكرت ما أهمله من القيود، وغالب علل الاحكام وادلتها على طريق الاختصار غير المردود. وبينت المعتمد من المواضع التي تعارض كلامه فيها، وما خالف فيه المنتهى. متعرضا لذكر الخلاف فيها. ليعلم مستند كل منهما. وأستغفر الله تعالى مما يقع لي من الخلل في بعض المسائل المسطورة. وأعوذ الله تعالى مما يقع لي ممن اخلل في بعض المسائل ومن عثر على شئ مما طغى به القلم. أو زلت به القدم. فليدرأ بالحسنة السيئة، ويحضر بقلبه أن الإنسان محل النسيان، وأن الصفح عن عثرات الضعاف من شيم الأشراف، وأن الحسنات يذهبن السيآت. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. قال المصنف رحمه الله (بسم الله الرحمن الرحيم) تأسيا بالكتاب، وعملا بحديث " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر " أي ذاهب البركة. رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتابه الجامع، والحافظ عبد القادر الرهاوي. والباء في البسملة للمصاحبة أو الاستعانة متعلقة بمحذوف. وتقديره فعلا أولى، لأن الاصل في العمل للافعال. وخاصا لأنه أمس بالمقام، ومؤخرا لإفادة الاختصاص ولأنه أوفق للوجود وأدخل في التعظيم. ولا يرد * (اقرأ باسم ربك) * لكونه مقام أمر بجعل الفعل مقرونا باسم الله، فتقديمه أي الفعل لكونها أول سورة نزلت، على أن في الكشاف أن معناه: اقرأ مفتتحا باسم - ربك أي قل: باسم الله الرحمن الرحيم، ثم اقرأ فيكون معناه: مفتتحا بسم الله اقرأ. وكفي به شاهدا على أن البسملة مأمور بها في ابتداء كل قراءة إذ هو أمر بأيجاد القراءة مطلقا بدون تعلقه بمقروء دون مقروء، فتكون مأمورا بها في ابتداء غير هذه السورة أيضا. وكسرت الباء. وگن كان حق الحروف المفردة الفتح - للزومها الحرفية والجر، ولتشابه حركتها عملها. وحذفت الألف من اسم الله دون اسم ربك ونحوه لكثرة الاستعمال، وعوض عنها تطويل الباء. و " الله " أصله إله حذفت همزته وعوض عنها اللام، وإله اسم لكل معبود بحق أو باطل. ثم غلب على مفهوم كلي هو المعبود بحق و " الله " علم خاص
لذات معين هو المعبود بالحق. إذ لم يستعمل في غيره تعالى. قال تعالى: * (هل تعلم له سميا) * [ مريم: 65 ]. ومن ثم كان " لا إله إلا الله " توحيدا، أي لا معبود بحق إلا ذلك الواحد الحق، فهو من الأعلام الخاصة من حيث إنه لم يسم به غيره. ومن الاعلام الغالبة من حيث إن أصله إله، قاله الدلجي في شرح الشفاء. و " الرحمن " خاص لفظا إذ لم يسم به غيره تعالى وما شذ لا يعتد به، عام معنى لانه صفة بعنى كثير الرحمة، ثم غلب على البالغ في الرحمة والانعام بجلائل النعم في الدنيا والآخرة، فهو لوقوعه صفة لا موصوفا
[ 13 ]
وكونه بإزاء المعنى دون الذات من الصفات الغالبة. " الرحيم " عام لفظا لانه قد يسمى به غيره تعالى، وهما صفة مشبهة من رحم، بجعله لازما بنقله إلى باب فعل بضم ثانية، إذ لا تشتق من متعد. والرحمة عطف، أي تعطف وشفقة وميل روحاني لا جسماني ومن ثم جعف الانعام مسببا عن العطف والرقة لا عن الانحناء الجسماني، وكلاهما في حقه تعالى، محال. فهو مجاز إما عن نفس الانعام فيكون صفة فعل، أو عن إرادته فيكون صفة ذات، وإما تمثيل للغائب أي تمكنه تعالى من الانعام بالشاهد، أي تمكن الملك من ملكه فتفرض حاله تعالى على سبيل التمكن منه بحال ملك عطف على رعيته ورق لهم فعمهم معروفه فأطلقا عليه تعالى على طريق الاستعارة التمثيلية. وقدم " الرحمن " لانه علم أو كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، أو لأن الرحيم ذكر كالتتمة والرديف للرحمن، لئلا يتوهم كون دقائق الرحمة لغيره تعالى. (الحمد لله) أي الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم ثابت له تعالى. والحمد عرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حى إنه منعم على الحامد أو غيره بدأ بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع " في رواية بحمد الله " وفي رواية " بالحمد " وفي رواية " كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " قال النووي في شرح المهذب: روينا كل هذه الالفاظ في كتاب الاربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي،
ورويناه عنه من رواية كعب بن مالك الصحابي رضي الله عنه، والمشهور رواية أبي هريرة وحديثه هذا حسن رواه أبو داود ابن ماجه في سننهما والنسائي في عمل اليوم والليلة وأبو عوانه يعقوب بن إسحاق الاسفرايني في أول صحيحه المخرج على صحيح مسلم. وروي موصولا ومرسلا ورواية الموصول إسنادها جيد. قوله صلى الله عليه وسلم " كل أمر ذي بال " معناه له حال يهتم به، ومعنى " أقطع " أي ناقص قليل البركة و " أجذم " وهو بجيم وذال معجمة، يقال جذم يجذم كعلم يعلم. قال العلماء: تستحب البداءة بالحمد لله لكل مصنف ودارس ومدرس وخطيب وخاطب ومزوج ومتزوج، وبين يدي سائر الامور المهمة انتهى. وفي لفظ " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة " رواه الرهاوي عن أبي هريرة. وقدم البسملة على الحمدلة عملا بالكتاب العزيز والاجماع، فوقع الابتداء بها حقيقة وبالحمدلة بالنسبة لما بعدها، إذ الابتداء أمر عرفي يعتبر ممتدا من الاخذ في التأليف إلى الشروع في المقصود فلا تعارض بين خبريهما. وأصل الحمد النصب لأنه من مصادر شاع استعمالها منصوبة بإضمار أفعالها، عدل إلى رفعه كما في " سلام عليكم " للدلالة على الدوام والثبات، وأل في الحمد للجنس أو الاستغراق أو العهد، واللام في لله للملك أو الاستحقاق أو التعليل، أي جميع المحامد
[ 14 ]
مملوكة أو مستحقة أو ثابتة لاجل الله تعالى (الذي فقه) أي فهم (من أراد) أي الله تعالى (به خيرا) هو ضد الشر (في الدين) متعلق بفقه. وروي الامام أحمد وغيره عن ابن عباس ومعاوية وغيرهما مرفوعا " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " أي يفهمه الأحكام الشرعية، إكما بتصورها والحكم عليها، وإما باستنباطها من أدلتها. كل ميسر لما وهب له. و " الدين " ما شرعه الله من الاحكام ويطلق على الملة والاسلام والعادة والسيرة والحساب والقهر والقضاء والحكم والطاعة والحال والحلال والحرام والجزاء والرأي والسياسة، ودان عصى
وأطاع وذل وعز فهو من الأضداد (وشرع) أي بين (احكام) جمع حكم، وهو في اللغة القضاء والحكمة، وفي الاصطلاح خطاب الله المفيد فائدة شرعية (الحلال) وهو لغة وشرعا ضد الحرام فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح (والحرام) وهو لغة المنع، وشرعا ما يثاب على تركه امتثالا ويعاقب على فعله. والحكم الشرعي: فرعي لا يتعلق بالخطأ في اعتقاد مقتضاه، ولا في العمل به قدح في الدين ولا وعيد في الآخرة كالنية في الوضوء والنكاح بلا ولي. وأصلي هو بخلافه (في كتابه) أي كلامه المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم. المعجز بنفسه المتعبد بتلاوته. ويحتمل أن يعم سائر الكتب المشتملة على الاحكام كالتوراة لاشتمالها على الحلال والحرام في تلك الشريعة (المبين) أي المشتمل على بيان ما للناس حاجة إليه في دينهم ودنياهم، والابانة وإن كانت لله تعالى إلا أنه جعلها به. وما ثبت من الاحكام بالسنة أو الاجماع أو القياس أو الاستصحاب فإنه يرجع إلى الكتاب، لأن حجته إنما ثبتت به، كما بين في علم الاصول. فجميع الأحكام ثابتة بالكتاب أصالة قال تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * [ الانعام: 38 ]. وإن كان بعضها بواسطة سنة أو غيرها، قال تعالى: * (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) * [ النحل: 44 ]. (وأعز العلم) أي شرفه والعز ضد الذل تقول منه: عز يعز عزا بكسر العين فيهما وعزازة أي قوي بعد ذلة وأعزه الله، وفي المثل: إذ عز أخوك فهن. وفي المثل أيضا: من عز بز أي من غلب سلب، والاسم العزة وهي الغلبة والقوة (ورفع) الرفع ضد الوضع وبابه قطع، ورفع فلان على العامل رفيعة وهو ما يرفعه من قصته ويبلغها. وفي الحديث " كل رافعة رفعت إلينا من البلاغ " أي كل جماعة مبلغة تبلغ " عنا فلتبلغ أني حرمت المدينة " والرفع تقريبك الشئ. وقوله تعالى: * (وفرش مرفوعة) * [ الواقعة: 34 ]. قالوا: مقربة لهم، ومن ذلك رفعته إلى السلطان ومصدره الرفعان بالضم (أهله) أي حملته (العاملين به) أي بالعلم الشرعي كالتفسير والحديث والفقه، فأل في العلم للعهد الشرعي أو للجنس. والمراد غير الحرام، على ما يأتي تفصيله في الجهاد (المتيقن) أي الذين وقوا أنفسهم ما يضرهم في الآخرة، والتقوى
[ 15 ]
مراتب: توقى العذابب المخلد بالتبرئ من الشرك. قال تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى)
(الفتح: 22). وتوقى ما يؤثم من فعل أو قول حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف بالقتوى في الشرع. ومنه قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوتا واتقوا) (الاعراف: 96). وتوقى ما يشغل السر عن الحق، والتبتل إليه بشراشره. وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) (آل عمران: 102). وإعزاز العلم ورفع أمره غير خفي. قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة: 11). وقال: (وقل رب زدني علما) (طه: 114). وقال (ص) " فضل العلم على العابد كفضلي على أدناكم. إن الله وملائكته وأهل السموات والارضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير " رواه الترمذي عن أبي أمامة. وقال " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ما لا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها " رواه البخاري من حديث ابن مسعود، وقال " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة " رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة، واسمه عبد الرحمن بن صخر على الاصح (أحمده) أي أصف الله تعالى بجميل صفاته مرة بعد أخرى، لان المضارع المثبت يشعر باستمرار التجددي، وفيه موافقة بين الحمد والمحمود عليه، لان آلاء الله تعالى لا تزال تتجدد في حقنا دائما. كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد، أولا بالجملة الاسمية، وثانيا بالفعلية اقتدء به (ص) ففي خبر مسلم وغيره " إن الحمد لله نحمده ونستعينه " (حمدا يفوق حمد الحامدين) مصدر مبين لنوع الحمد لوصفه بالجملة بعده. وهذا إخبار عن الحمد الذي يستحقه الله سبحانه وتعالى كقول من قال: حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. إذا العبد لا يمكنه الاتيان بذلك. وكذلك: الحمد لله مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شيئ بعد، وعدد الرمال والتراب والحصى والقط وعد أنفاس الخلائق وعدد ما خلق الله وما هو خالق. فهذا إخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد، أشار إليه ابن القيم في عدة الصابرين (وأشكره) أي الله تعالى (على نعمه) جمع نعمة والانعام الاعطاء من غير مقابلة قال في القاموس: أنعمها الله تالى وأنعم بها عطيته. والشكر لغة الحمد عرفا. واصطلاحا صرف العبد جميع ما أنعم
الله به عليه لما خلق لاجله. قال تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) (سبا: 13). فبين الحمد والشكر الغلويين عموم وخصوص من وجه، فالحمد أعم من جهة المتعلق لانه لا يعتبر في مقابلة نعمة، وأخص من جهة المورد وهو اللسان والشكر أعم من جهة المورد
[ 16 ]
وأخص من جهة المتعلق. والنسبة بين باقي الاقسام تطهر للمتأمل (التي لا تحصى) قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (النحل: 18). ومن ثم قال عليه السلام " سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " (وإياه أستعين) أي أطلب المعونة منه دون غيره لانه القدير وغيره العاجز (وأستغفره) أي أطلب منه المغفرة أي الستر عما فرط (وأتوب) أي أرجع (إليه إن الله يحب التوابين) الرجاعين إليه مما فرط منهم من الذنوب (وأشهد) أي أعلم (أن لا إله) أي معبواد بحق في الوجود (إلا الله وحده) أي منفردا في ذاته (لا شريك له) في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله (وبذلك أمرت) قال الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) (محمد: 19). (وأنا من المسلمين) الخاضعين المنقادين لالوهية الله تعالى القابلين لامره ونهيه. ويأتي الكلام على الاسلام والايمان في باب الردة (وأشهد أن محمدا) سمى به لكثرة خصاله المحمودة، وهو علم منقول من التحميد مشتق كأحمد من اسمه تعالى الحمدى، وأسماءه عليه السلام كثيرة أفرد لها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر كتابا في تاريخه بعضها في الصحيحين وبعضها في غيرهما، منها أحمد ومحمد والحاشر والعاقب والمقفى وخاتم الانبياء ونبي الرحمة ونبي الملحمة ونبي التوبة والفاتح، وقال بعض الصوفية لله عزوجل ألف اسم، وللنبي (ص) ألف اسم. قال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: أما أسماء الله تعالى فهذا حقير فيها، وأما أسماء النبي (ص) فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهر بصيغة الاسماء البينة، فوعيت منها أربعة وستين اسما، ثم ذكرها مفصلة مشروحة فاستوعب وأجاد (عبده) قال أبو علي الدقاق: ليس شئ أشرف ولا اسم أتم للمؤمن في أشرف مقاماته. حين دعا الخلق إلى توحيده وعبادته، قال تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه) (الجن: 19) وحين أنزل عليه القران، قال تعالى (وإن كنتم في
في ريب ما نزلنا على عبدنا) (البقرة: 23). (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) (الكهف: 1). وحين أسرى به إليه، قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى) (الاسراء: 1). قال بعضهم: فلا تدعني: إلا بيا عبدها فإنه إشرف أسمائي وله أحد عشر جمعا أشار إليها ابن مالك في هذين البيتين:
[ 17 ]
عباد عبيد جمع عبد وأعبد * أعابد معبود معبدة عبد فكذلك عبدان وعبدان أثبتا * كذلك العبدى وأمدد إن شئت أن تمد (ورسوله) إلى الخلق أجمعين، والرسول إنسان أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه أخص من النبي (الذي مهد) يقال: مهد الفراش بسطه ووطأه، وبابه قطع، وتمهيد الامور تسويتها وإصلاحها (قواعد الشرع) جمع قاعدة، وهي أمر إلي منطبق على جزئيات موضوعة. والشرع ما شرعه الله من الاحكام (وبينها أحسن تبيين) أي أوضحة وأكمله، لانه المخصوص بجوامع الكلم (ص) الصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، من غيرهم التضرع والدعاء. واختار ابن القيم في جلاء الافهام أن صلاة الله عليه ثناؤه عليه وإرادة إكرامه برفع ذكره ومنزلته وتقريبه، وأن صلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى، أن يفعل ذلك به ورد قول من قال: صلاته عليه رحمته ومغفرته من خمسة عشر وجها، وقال بوجوب الصلاة عليه (ص) كلما ذكر اسمه جماعة، منهم ابن بطة منا، والحليمي من الشافعية، واللخمي من المالكية، والطحاوي من الحنفية (وعلى آله) أتباعه على دينه. وقيل مؤمنو بني هاشم وبني المطلب. وقيل: أهله والصواب جواز إضافته للضمير. خلافا للكسائي والنحاس والزبيدي فمنعوها لتوغله في الابهام (وصحبه) نقل الخطيب بإسناده عن الامام أحمد قال " أصحاب رسول الله (ص) كل من صحبة سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه " وهذا مذهب أهل الحديث نقله عنهم البخاري وغيره. وجمع بينهما
ردا على المبتدعة الذين يوالون الال دون الصحب، وأهل السنة يوالونهما. وقدم الال للامر بالصلاة عليهم في حديث " كيف نصلي عليك؟ " (أجمعين) تأكيد للال والصحب لافادة الاحاطة والشمول (وتابعيهم) أي تابعي الصحب، يقال: تبعه من باب ضرب وسلم إذا مشى خلفه وأمر به فمضى معه (بإحسان) في الاعتقاد والاقوال والافعال (إلى يوم الدين) أي القيامة لانه يوم الجزاء تجد كل نفس ما عملت (وسلم) من السلام، وهو التحية أو السلامة من النقائص والرذائل (تسليما) مصدر مؤكد. (أما بعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب آخر استحبابا في الخطب والمكاتبات، لانه (ص) ان يقولها في خطبه وشبهها. نقله عنه خمسة وثلاثون صحابيا. ذكر في شرح التحرير. ذكر ابن قندس في حواشي المحرر أن الحافظ عبد القادر الرهاوي رواه في الاربعين التي له عن أربعين صحابيا. وقيل إنها فصل الخطاب الذي أوتيه داود. والصحيح إنه الفصل بين الحق والباطل. واختلف في أول من نطق بها. فقيل: داود عليه السلام. وقيل: يعقوب عليه
[ 18 ]
السلام. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: كعب بن لؤي. وقيل: قس بن ساعدة. وقيل: سحبان بن وائل. قال الحافظ ابن حجر: والاول أشبه، ويجمع بينه وبين غيره بأنه بالنسبة إلى الاولية المحضة، والبقية غير الثاني بالنسبة إلى العرب خاصة، ثم يجمع بينها بالنسبة إلى القائل. والثاني ضعيف جدا فلا يحتاج إلى الجمع. والمعروف بناء " بعد " على الضم وأجاز بعضهم تنوينها مرفوعة ومنصوبة والفتح بلا تنوين على تقدير المضاف إليه، وهي ظرف زمان وربما استعملت ظرف مكان. و " أما " حرف تفصيل ضمن معنى الشرط (فهذا) إشارة إلى ما استحضرة في ذهنه وأقامه مقام الملفظ المقروء الموجود بالعيان، سواء كانت الخطبة قبل التأليف أو بعده، بناء على أن مسمى الكتاب الالفاظ من حيث دلالتها على المعاني (كتاب) أي مكتوب جامع (في الفقه)
وهو لغة: الفهم عند الاكثر، وعرفا. معرفة الاحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو القوة القريبة أو الاحكام المذكورة نفسها، والفقيه: من عرف جملة غالبة كذلك بالاستدلال. وموضوعة: أفعال العباد من حيث تعلق الاحكام الشرعية بها. ومسائله: ما يذكر في كل باب من أبوابه (على مذهب) بفتح الميم مفعل من ذهب يذهب إذا مضى بمعنى الذهاب أو مكانه أو زمانه، ثم نقل إلى ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلا به وكذا ما أجرى مجراه (إمام الائمة) أي قدوتهم (ومجلي) أي كاشف ومذهب (دجى) جمع دجية والظلمة (المشكلات) جمع مشكلة من أشكل الامر إذا التبس، كشكل وشكل، وشكل الكتاب أي أزال إشكاله (المدلهمة) أي الشديدة الالتباس، من أدلهم الظلام أي كثف واسود، وليلة مدلهمة أي مظلمة (الزاهد) من الزهد، وهو الاعراض بالقلب على الدنيا. وقال الامام أحمد: الزهد قصر الامل والاياس عما في أيدي الناس. وقسمه إلى ثلاثة أوجه ذكرتها في الحاشية (الرباني) أي المتأله العارف بالله تعالى ومنه قوله تعالى: (ولكن كونوا ربانيين) (آل عمران: 79). (والصديق) البالغ في الصدق وهو ضد الكذب (الثاني) لقب به، لنصرته للسنة وصبره على المحنة، كصبر الصديق الاول أبي بكر رضي الله عنه، قال علي بن المديني: أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. قال إسحاق بن راهوية: لو لا أحمد بن حنبل وبذله نفسه لما بذلها له لذهب الاسلام. وعن بشر بن الحرث: أنه قيل له حين ضرب أحمد بن حنبل: أبا نصر، لو أنك خرجت فقلت إني عل قول أحمد بن حنبل؟ فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الانبياء؟ إن أحمد بن حنبل قام مقام الانبياء. نقله في المطلع (أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بالياء المثناة ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن
[ 19 ]
صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها
موحدة، ابن أفصى بالفاء والصاد المهملة، ابن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (الشيباني) المروزي البغدادي فكذا ذكره الخطيب الحافظ أبو بكر البغدادي وأبو بكر البيهقي وابن عساكر وابن طاهر. قال الجوهري: وشيبان حي من بكر، وهما شيبانان أحدهما شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والاخر: شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة انتهى. حملت به أمه بمرو وولد ببغداد في ربيع الاول سنة أربع وستين ومائة، ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة والجزيرة. وتوفي ببغداد يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الاول، والمشهور الاخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة. وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس. وفضائله كثيرة. ومناقبه شهيرة. من مصنفاته المسند ثلاثون ألفا، والتفسير مائة وخمسون ألفا، والناسخ والمنسوخ، والتاريخ، والمقدم والمؤخر في كتاب الله سبحانه، وجوابات القرآن، والمناسك الكبير والصغير. قال القاضي أبو يعلي: إنما أخترنا مذهب أحمد على مذهب غيره من الائمة، ومنهم من هو أسن منه وأقدم هجرة مثل مالك وسفيان وأبي حنيفة: لموافقته الكتاب والسنة والقياس الجلي. فإنه كان إماما في القرآن، وله فيه التفسير العظيم، وكتب من علم العربية ما اطلع به على كثير من معاني كلام الله عزوجل (رضي الله عنه) أي أثابه (وأرضاه) أي أحل به رضوانه الذي لا سخط بعده (وجعل جنة الفردوس) بكسر الفاء: هو أعلى درجات الجنة، وأصله بستان الذي يجمع النخل والكرم، وإضافة الجنة إليه كشجر أراك (مأواه) أي مكان إقامته (اجتهدت) أي بذلت وسعي (في تحرير نقوله) أي تهذيب مسائله المنقولة عن الامام أو الاصحاب (واختصارها) إي النقول، وفي نسخة بخطه: واختصاره: أي الكتاب، والاختصار: تجريد اللفظ اليسير من اللفظ الكثير مع بقاء المعنى، والايجاز تجريد المعنى من غير رعاية اللفظ (لعدم) أي لاجل عدم (تطويله) لقصور الهمم وكثرة الموانع (مجردا) هذا
الكتاب (غالبا عن دليله) وهو لغة: المرشد الحقيقة، وما به الارشاد مجازا أو عرفا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (و) مجردا غالبا عن (تعليله) أي ذكر علة الحكم، والعلة لغة: عرض يوجب خروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي، وشرعا: ما أوجب حكما شرعيا لا محالة أو حكمة الحكم أو مقتضيه، وهي أخص من الدليل، إذ كل تعليل دليل ولا عكس، لجواز أن يكون نصا أو إجماعا (على قول واحد) من غير تعرض للخلاف طلبا للاختصار، وكذلك صنعت في شرحه. والقول يعم ما كان رواية عن الامام أو وجها للاصحاب (وهو) أي القول
[ 20 ]
الواحد الذي يذكره ويحذف غيره هو (ما رجحه أهل الترجيح) من أئمة المذهب (منهم العلامة) الجامع بين علمي المعقول والمنقول (القاضي) الامام الفقيه الاصولي المحدث النحوي الفرضي المقرئ (علاء الدين) علي بن سليمان السعدي المرداوي ثم الصالحي المجتهد في التصحيح، أي تصحيح المذهب (في كتبه الانصاف) في معرفة الراجع من الخلاف أربع مجلدات (وتصحيح الفروع) مجلد واحد مفيد بعد الانصاف (والتنقيح) مجلد بديع لم يسبق إلى نظيره. وله أيضا تحرير المنقول في علم الاصول، وشرحه في مجلدين ومولد وكتاب في الادعية، وشرع في شرح الطوفي. وتوفي ليلة الجمعة سادس جمادى الاولى سنة خمس وثمانين وثمانمائة. وأما صاحب الفروع فهو الامام الاوحد شيخ الاسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي تلميذ أبي العباس بن تيمية، قال في حقه ابن القيم من معاصرته له: ما تحت أديم السماء أعلم بالفقه من شمس الدين بن مفلح، وناهيك بكتابة هذا الجامع. توفي ليلة الخميس ثاني رجب سنة ثلاث وستين وسبعمائة (وربما ذكرت بعض الخلاف) في بعض المسائل (لقوته) تكثيرا للفائدة ولتعلم رتبته (و) ربما (عزوت) أي نسبت (حكما إلى قائله) من العلماء (خروجا من تبعته) قال في القاموس: كفرحة وكتابة: الشئ الذي فيه بغية، شبه ظلامة ونحوها انتهى. وقال بعضهم: التبعة ما
اتبع به. وقد يكون عزو القول لقائله ارتضاء له وموافقة، كما هو شأن أئمة المذهب، وصرح به ابن قندس في حاشية الفروع (وربما أطلقت الخلاف) في بعض المسائل (لعدم) وقوفي على (مصحح) له من الائمة المتقدمين (ومرادي بالشيخ) حيث أطلقته (شيخ الاسلام) بلا ريب (بحر العلوم) النقلية والعقلية (أبو العباس أحمد) تقي الدين ابن عبد الحليم ابن شيخ الاسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي (بن تيمية) الحراني، ولد يوم الاثنين عاشر - وقيل ثاني عشر - ربيع الاول سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي ليلة الاثنين عشر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. كان إماما مفردا أثنى عليه الاعلام من معاصريه فمن بعدهم، وامتحن بمحن وخاض فيه أقوام حسدا، ونسبوه للبدع والتجسيم، وهو من ذلك برئ، وكان يرجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين، فكان من أمره ماكان، وأيده الله عليم بنصره، وقد ألف بعض العلماء في مناقبه وفضائله قديما وحديثا رحمه الله ونفعنا به. " تتمة " إذا أطلق المتأخرون كصاحب الفروع والفائق والاختيارات وغيرهم: الشيخ أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسي، وإذا قيل الشيخان فالموفق والمجد، وإذا قيل: الشارح. فهو الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن
[ 21 ]
الشيخ أبي عمر المقدسي وهو ابن أخي الموفق وتلميذه، وإذا أطلق القاضي فالمراد به القاضي أبو يعلي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد الفراء، وإذا قيل: وعنه، أي عن الامام أحمد رحمه الله، وقولهم نصا: معناه لنسبته إلى الامام احمد رحمه الله. (وعلى الله) لا على غيره (أعتمد) أي أتكل (ومنه) دون ما سواه (المعونة) أي الاعانة (أستمد) أي أطلب المدد (هو ربي) دون غيره ورب كل شئ مالكه، والرب من أسمائه تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالاضافة. وقد قالوه في الجاهلية للملك (لا إله إلا هو) قال تعالى: (لو كان فيهما آلهة الله لفسدتا) (الانبياء: 22) (عليه توكلت) أي فوضت أمرى إلى الله دون ما سواه (وإليه متاب) إي توبتي، وتاب الله عليه وفقه للتوبة.
مقدمة لم يؤلف الامام أحمد في الفقه كتابا وإنما أخذ الصحابة مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك، وإذا نقل عن الامام في مسألة قولان فإن أمكن الجمع وفي الاصح ولو بحمل عام على خاص ومطلق على مقيد فهما مذهبه، وإن تعذر الجمع وعلم التاريخ فمذهبه الثاني لا غير، صحح في تصحيح الفروع وغيره، وإن جهل التاريخ بمذهبه أقر بهما من الادلة أو قواعد مذهبه، ويخص عام كلامه بخاصه في مسألة واحدة في الاصح، والمقيس على كلامه مذهبه في الاشهر. وقوله: لا ينبغي، أو لا يصلح، أو استقبحه، أو هو قبيح، أو لا أراه: للتحريم، لكن حمل بعضهم، لا ينبغي: في مواضع من كلامه على الكراهة. وقوله: أكره. أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا استحسنه: للندب. قدمه في الرعاية الكبرى والشيخ تقي الدين. وقوله للسائل: يفعل كذا احتياطا للوجوب. قدمه في الرعاية والحاوي الكبير. وقال في الرعايتين والحاوي الكبير وآداب المفتي: الاولى: النظر إلى القرائن في الكل. فإن دلت على وجوب أو ندب أو تحريم أو كراهة إو إباحة حمل قوله عليه، سواء تقدمت أو تأخرت أو توسطت، قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب، وكلام أحمد يدل على ذلك انتهى. وأحب كذا، أو يعجبني. أو أعجب إلي: للندب. وقوله: أخشى، أو أخاف أن يكون، أو أن لا يجوز أو لا يجوز، وأجبن عنه مذهبه كقوة كلام لم يعارضه أقوى. وقول أحد صحبه في تفسير مذهبه وإخباره عن رأيه ومفهوم كلامه وفعله مذهبه في الاصح، كإجابته في شئ بدليل. والاشهر قول صحابي، واختار ابن حامد أو قول فقيه. قال في تصحيح الفروع: وهو أقرب إلى الصواب، ويعضده منع الامام احمد من اتباع الاراء الرجال. وما انفرد به واحد وقوي دليله، أو صحح الامام خبرا، أو حسنه، أو
[ 22 ]
دونه ولم يرده فهو مذهبه قدمه في الرعايتين وغيرهما، وإن ذكر قولين وحسن إحدهما أو
علله: فهو مذهبه، بخلاف ما لو فرع على أحدهما. قال في تصحيح الفروع: والمذهب لا يكون بالاحتمال، وإلا فمذهبه أقربهما من الدليل. وإذا أفتى بكم فاعترض عليه فسكت ونحوه لم يكن رجوعا، قدمه في تهذيب الاجوبة، وتابعه الشيخ تقي الدين. قال في تصحيح الفروع: وهو أولى. وما علله بعلة توجد في مسائل فمذهبه فيها كالمعللة، ويلحق ما توقف فيه بما يشبهه. وإن اشتبهت مسألتان أو أكثر مختلفة بالخفة والثقل، فقال في الرعاية الكبرى، وتبعه في الحاوي الكبير: الاولى العمل بكل منهما، لمن هو أصلح له. والاظهر عنه هنا التخيير. (فائدة) اعلم رحمك الله أن الترجيح إذا اختلف بين الاصحاب إنما يكون ذلك بقوة الدليل من الجانبين. وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يقتدي به، فيجوز تقليد والعمل بقوله، ويكون ذلك في الغالب مذهبا لامامه. لان الخلاف إن كان للامام أحمد فواضح، وإن كان بين الاصحاب فهو مقيس على قواعده وأصوله ونصوصه، قاله في الانصاف.
[ 23 ]
كتاب الطهارة بدأ بذلك اقتداء بالائمة، كالشافعي. لان آكد أركان الاسلام بعد الشهادتين الصلاة، والطهارة شرطها، والشرط مقدم على المشروط. وهي تكون بالماء والتراب. والماء هو الاصل. وبدأ بربع العبادات اهتماما بالامور الدينية، وتقديما لها على الامور الدنيوية، وقدموا المعاملات على النكاح وما يتعلق به لان سبب المعاملات - وهو الاكل والشرب ونحوهما - ضروري يستوي فيه الكبير والصغير، وشهوته مقدمة على شهوة النكاح. وقدموا النكاح على الجنايات والمخاصمات لان وقوع ذلك في الغالب بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج. والكتاب: مصدر بمعنى المكتوب كالخلق بمعنى المخلوق، يقال: كتب، كتبا، وكتابا، وكتابة، ومعناها: الجمع، يقال: كتبت البغلة إذا جمعت: بين شفريها بحلقة أو سير، قال
سالم بن دارة: لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار أي واجمع بين شفريها. ومنه الكتيبة، وهي الجيش. والكتابة بالقلم لاجتماع الكلمات والحروف. وأما الكثبة بالمثلثة فالرمل المجتمع. واعترض القول بأن الكتاب مشتق من الكتب بأن المصدر لا يشتق من مثله. وجوابه: أن المصدر في نحو ذلك أطلق وأريد به اسم المفعول كما تقدم، فكأنه قيل: المكتوب للطهارة، أو المكتوب للصلاة ونحوها، أو أن المراد به الاشتقاق الاكبر، وهو اشتقاق الشئ الذي يناسبه مطلقا، كالبيع مشتق من الباع أي مأخوذ منه، وأن المصدر المزيد مشتق من المصدر المجرد كما نص عليه بعضهم.
[ 24 ]
وكتاب الطهارة: خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب الطهارة، أو مبتدأ خبره محذوف، أو مفعول لفعل محذوف، وكذا تقدر في نظائره الآتية، (وهي) أي الطهارة لغة: النظافة، والنزاهة عن الاقذار حسية كانت أو معنوية، ومنه ما في الصحيح عن ابن عباس أن النبي (ص) كان إذا دخل على مريض قال: لا بأس، طهور إن شاء الله أي مطهر من الذنوب، والطهارة مصدر طهر يطهر بضم الهاء فيهما، وهو فعل لازم لا يتعدى إلا بالتضعيف. فيقال طهرت الثوب، ومصدر طهر بفتح الهاء الطهر، كحكم حكما، وشرعا: (ارتفاع الحدث) أكبر كان أو أصغر، أي زوال الوصف المانع من الصلاة ونحوها باستعمال الماء في جميع البدن، أو في الاعضاء الاربعة على وجه مخصوص. وعبر بالارتفاع ليطابق بين المفسر والمفسر، ولم يعبر بالرفع - كما عبر به جمع - لانه تعريف للتطهير لا الطهارة، ولكن سهله كون الطهارة أثره وناشئة عنه، وسمي، الوضوء، والغسل: طهارة لكونه ينقي الذنوب والآثام كما في الاخبار. (وما في معناه) أي معنى ارتفاع الحدث كالحاصل بغسل الميت لانه تعبدي لا عن حدث،
والحاصل بغسل يدي القائم من نوم الليل، والوضوء، والغسل المستحبين والغسلة الثانية والثالثة ونحو ذلك، (وزوال النجس) سواء كانت إزالته بفعل فاعل كغسل المتنجس، أو بنفسه كزوال تغير الماء الكثير وانقلاب الخمرة خلا (أو ارتفاع حكم ذلك) أي الحدث وما في معناه والنجس، إما بالتراب كالتيمم عن حدث، أو نجس ببدن، أو عن غسل ميت، أو عن وضوء، أو غسل مسنون، وإما بالاحجار ونحوها في الخارج من سبيل على ما يأتي تفصيله. وأو في كلامه للتنويع. وهذا الحد أجود ما قيل في الطهارة. وقد عرفت بحدود كثيرة وكلها منتقدة، وما حذفه من عبارة التنقيح والمنتهى ليس من الحد،
[ 25 ]
بل من المحدود، كما نبه عليه في حاشيته على التنقيح، وقوله: أو ارتفاع حكم ذلك أولى من قولهما: أو ارتفاع حكمهما: لما قدمته في تفسيره، وحيث أطلق لفظ الطهارة في كلام الشارع، إنما ينصرف إلى الموضوع الشرعي، حيث لا صارف، وكذا كل ما له موضوع شرعي ولغوي كالصلاة. فكتاب الطهارة هو الجامع لاحكام الطهارة من بيان ما يتطهر به، وما يتطهر له، وما يجب أن يتطهر منه إلى غير ذلك. و (أقسام الماء ثلاثة) لانه لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا. فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو. إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس، أو تقول: إما أن يكون مأذونا في استعماله أو لا، الثاني: النجس. والاول: إما أن يكون مطهرا لغيره أو لا. الاول: الطهور، والثاني الطاهر. وزاد ابن روين المشكوك فيه. وطريقة الشيخ تقي الدين: أنه ينقسم إلى طاهر ونجس. وقال: إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة. القسم (الاول): ماء (طهور) قدمه لمزيته بالصفتين، وهو الطاهر في ذاته المطهر لغيره، فلهذا قال: (بمعنى المطهر) مثل الغسول الذي يغسل به فهو من الاسماء المتعدية، قال تعالى: * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) * وقال (ص): وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا ولو أراد به الطاهر لم يكن له مزية على
غيره لانه طاهر في حق كل أحد. وروى مالك والخمسة وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة أن رجلا سأل النبي (ص) عن الوضوء بماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه ولو لم يكن متعديا بمعنى المطهر لم يكن ذلك جوابا للقوم حين سألوه عن الوضوء به، إذ ليس كل طاهر مطهرا. وأما قوله تعالى: * (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) * (الانسان 21) فقال ابن عباس: أي مطهرا من الغل والغش. قال في الشرح:
[ 26 ]
والنزاع في هذه المسألة لفظي. وقد ذكرت بقية كلامه في الحاشية، قال في الاختيارات: وفصل الخطاب في المسألة أن صيغة التعدي واللزوم أمر مجمل يراد به النحوي، ولم يفرق فيه العرب بين فاعل وفعول، والفقهي: الحكمي. وقد فرق الشرع فيه بين طاهر وطهور، هذا ملخص كلامه. وقال القاضي: فائدة الخلاف أن النجاسة لا تزال بشئ من المائعات غير الماء عندنا، ويجوز عندهم، أي الحنفية. قال الشيخ تقي الدين: ولا تدفع النجاسة عن نفسها، والماء يدفعها لكونه مطهرا. قال وليس طهور معدولا عن طاهر حتى يلزم موافقته له في التعدي واللزوم، بل هو من أسماء الآلات كالسحور والوجور اه. وظاهر هذا أن الخلاف معنوي لا لفظي. والطهور بضم الطاء المصدر قاله اليزيدي. وحكي الضم فيهما والفتح فيهما (لا يرفع الحدث) وما في معناه غيره (ولا يزيل النجس الطارئ غيره) أي غير الماء الطهور. وأما التيمم فمبيح لا رافع كما يأتي في بابه، وكذلك الحجر ونحوه في الاستجمار مزيل للحكم فقط، (وهو) أي الماء الطهور (الباقي على خلقته) أي صفته التي خلق عليها من حرارة، أو برودة، أو عذوبة، أو ملوحة، أو غيرها (حقيقة) بأن لم يطرأ عليه شئ، (أو حكما) كالمتغير بمكث أو طحلب، والمتصاعد من بخارات الحمام ثم يقطر. والماء الطهور ما نزل من السماء كالمطر، وذوب الثلج، والبرد لقوله تعالى: * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) * (الانفال) وقوله عليه السلام: اللهم طهرني بالثلج والبرد رواه مسلم. وماء
الانهار، والعيون، والآبار، (ومنه) أي من الطهور (ماء البحر) لحديث أبي هريرة السابق، (و) من الطهور (ما استهلك فيه مائع طاهر) بحيث لم يغير كثيرا من لونه، أو طعمه، أو ريحه، كما يعلم مما يأتي في أقسام الطاهر، (أو) استهلك فيه (ماء مستعمل يسير) ولم يغيره، فهو باق على طهوريته، لان ذلك لا يسلبه اسم الماء المطلق. أشبه الباقي على
[ 27 ]
خلقته (فتصح الطهارة به ولو كان الماء الطهور لا يكفي لها) أي للطهارة (قبل الخلط) لان المائع استهلك في الماء فسقط حكمه، أشبه ما لو كان يكفيه فزاده مائعا وتوضأ منه وبقي قدر المائع. وعنه لا تصح الطهارة به، اختاره القاضي في الجامع. وحمله ابن عقيل على أن المائع لم يستهلك. وفرض الخلاف في الرعايتين والفروع في زوال طهورية الماء وعدمه، ورده ابن قندس في حواشي الفروع برد حسن، (ومنه) أي الطهور غير المكروه ماء (مشمس) مطلقا. وما روي عن النبي (ص) أنه قال لعائشة وقد سخنت ماء في الشمس: لا تفعلي فإنه يورث البرص قال النووي: هو حديث ضعيف باتفاق المحدثين، ومنهم من يجعله موضوعا. وكذا حديث أنس أنه سمع النبي (ص) يقول: لا تغتسلوا بالماء الذي سخن بالشمس فإنه يعدي من البرص قال ابن المنجا: غير صحيح، ويعضد ذلك إجماع أهل الطب على أن ذلك لا أثر له في البرص، وأنه لو أثر لما اختلف بالقصد وعدمه، ولما اختص تسخينه في الاواني المنطبعة دون غيرها، (و) منه (متروح بريح ميتة إلى جانبه) قال في الشرح، والمبدع: بغير خلاف نعلمه لانه تغير مجاورة، (و) منه (مسخن بطاهر) كالحطب نصا لعموم الرخصة، وعن عمر: أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به. رواه الدارقطني بإسناد صحيح، وعن ابن عمر أنه كان يغتسل بالحميم. رواه ابن أبي شيبة، لان الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه قاله في المبدع، قال: ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعيم به، (و) منه (متغير بمكثه) أي الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره باق على
إطلاقه، لانه عليه السلام توضأ بماء آجن، ولانه تغير عن غير مخالطة. أشبه المتغير بالمجاورة، وحكى ابن المنذر إجماع من يحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين، فإنه كره ذلك، وجزم به في الرعاية، (أو) أي ومن الطهور متغير (بطاهر يشق صون الماء عنه كنابت فيه) أي في الماء، (و) ك (- ورق شجر) يسقط في الماء بنفسه، (و) ك (- طحلب و) ك (- سمك ونحوه من دواب البحر وجراد ونحوه مما لا نفس له سائلة)
[ 28 ]
كالخنفساء والعقرب والصراصير، إن لم تكن من كنف ونحوها، لان ذلك يشق الاحتراز عنه. أشبه المتغير بتبن أو عيدان، (و) من المتغير بما يشق صون الماء عنه المتغير في (آنية أدم) أي جلد، (و) آنية (نحاس ونحوه) كحديد، (و) متغير ب (- مقر وممر) من كبريت ونحوه (فكله غير مكروه) لمشقة التحرز من ذلك (كماء الحمام) لما تقدم من أن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه. وظاهره ولو كان وقودها نجسا. قال في المبدع: لان الرخصة في دخول الحمام تشمل الموقود بالطاهر والنجس (وإن غيره) أي الماء طاهر (غير ممازج كدهن وقطران وزفت وشمع) فطهور، لان تغيره عن مجاورة مكروه للاختلاف في سلبه الطهورية، لكن القطران قسمه بعض العلماء قسمين: ما لا يمازج، والكلام فيه لانه في معنى الدهن، وما يمازج الماء فيسلبه الطهورية، كسائر الطاهرات الممازجة. ولم أره لاصحابنا لكن كلامهم يدل عليه (وقطع كافور وعود قماري) بفتح القاف منسوب إلى قمار موضع ببلاد الهند، (و) قطع (عنبر إذا لم يستهلك في الماء ولم يتحلل فيه) فطهور مكروه لما تقدم. ومفهوم كلامه: أنه إذا استهلك في الماء، أو انماع فيه وذاب وغير كثيرا من صفة من صفاته أنه يسلبه الطهورية لممازجته له. وقال في المبدع: مفهوم كلامه في المغني والشرح: إن تحلل من ذلك شئ فطاهر وإلا فطهور، فلو خالط الماء بأن دق أو انماع فأقوال اه. وقد أوضحت ذلك في الحاشية، (أو) غيره (ملح مائي) فطهور، وهو الماء الذي يرسل على
السباخ فيصير ملحا لان المتغير به منعقد من الماء، أشبه ذوب الثلج، واقتضى ذلك أن الملح المائي لو انعقد من طاهر غير مطهر فحكمه كباقي الطاهرات، وأن الملح المعدني كذلك كما صرح به في الثانية في المغني وغيره، لانه خليط مستغنى غير منعقد من
[ 29 ]
الماء، أشبه الزعفران (أو سخن بمغصوب) فطهور لانه ماء مطلق لم يطرأ عليه ما يسلبه الطهورية، مكروه لاستعمال المغصوب فيه (أو اشتد حره) فطهور لعموم الادلة، مكروه لانه يمنع كمال الطهارة. وعليه يحمل النهي عن الوضوء بالماء الحميم إن ثبت، لكونه مؤذيا أو يمنع الاسباغ، (أو) اشتد (برده فطهور مكروه) لما تقدم، (وكذا مسخن بنجاسة) وإن برد كما في الرعاية فيكره مطلقا. لحديث: دع ما يريبك ولانه لا يسلم غالبا من دخانها وصعوده بأجزاء لطيفة منها. وإن تحقق وصول النجاسة إليه وكان يسيرا نجس كما في المغني وغيره (إن لم يحتج إليه) أي إلى المسخن بالنجاسة. فإن احتيج إليه تعين وزالت الكراهة لان الواجب لا يكون مكروها. قلت: وكذا حكم كل مكروه احتيج إليه كما يدل عليه كلامه في الاختيارات (ويكره إيقاد النجس) في تسخين الماء وغيره لانه لا يؤمن تعديه إلى المسخن فينجسه، (و) كذا (ماء بئر في مقبرة) فيكره استعماله مطلقا في أكل وغيره، وكره الامام بقل المقبرة وشوكها، (و) كذا (ماء بئر في موضع غصب، أو) ماء بئر (حفرها) غصب، (أو أجرته) أي الحفر (غصب) فيكره الماء لانه أثر غصب محرم، (و) كذا (ما ظن تنجيسه) فيكره، بخلاف ما شك في نجاسته فلا يكره، كما صرح به في الشرح، (و) كذا يكره (استعمال ماء زمزم في إزالة النجس فقط) تشريفا له، ولا يكره استعماله في طهارة الحدث، لقول علي: ثم أفاض رسول الله (ص) فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح، وما روي عن زر بن حبيش قال: رأيت العباس قائما عند زمزم يقول: ألا لا أحله لمغتسل، ولكنه لكل شارب حل وبل وروى أبو عبيد في الغريب: أن
[ 30 ]
عبد المطلب بن هاشم قال ذلك حين احتفره: محمول على من يضيق على الشراب، وكونه من منبع شريف لا يمنع منه كعين سلوان، إلا أن يقال له خصوصية انفرد بها، وهي كونه يقتات به، كما أشار إليه أبو ذر في بدء إسلامه (ولا يكره ما جرى على الكعبة في ظاهر كلامهم) وصرح به بعضهم، قاله في الفروع وفي المبدع، وصرح به غير واحد (فهذا كله يرفع الاحداث) لما تقدم، وهي (جمع حدث، وهو ما) أي وصف يقوم بالبدن (أوجب وضوءا) أي اعتبره الشرع سببا لوجوب الوضوء، ويسمى أصغر (أو) أوجب (غسلا) ويسمى أكبر وأو لمنع الخلو لا الجمع، لان ما أوجب الغسل أوجب الوضوء غير الموت، ويطلق الحدث على نفس الخارج. قال في الرعاية: والحدث والاحداث ما اقتضى وضوءا أو غسلا أو هما، أو استنجاء أو استجمارا أو مسحا أو تيمما قصدا، كوطئ وبول ونحوهما، غالبا أو اتفاقا، كحيض، ونفاس، واستحاضة ونحوها، واحتلام نائم، ومجنون، ومغمى عليه، وخروج ريح منهم غالبا (إلا حدث رجل وخنثى) بالغ فلا يرتفع (بماء) قليل (خلت به امرأة) مكلفة لطهارة كاملة عن حدث. (ويأتي) في القسم الثاني مفصلا (والحدث ليس) ب (نجاسة، بل معنى يقوم بالبدن تمنع معه الصلاة) لان الطهارة شرط لها مع القدرة، (و) يمنع معه (الطواف) بالبيت لانه صلاة، ويمنع معه أيضا مس المصحف ويمنع أيضا قراءة آية فأكثر إن كان أكبر (والمحدث ليس نجسا) من حيث كونه محدثا لان الحدث ليس بنجاسة (فلا تفسد الصلاة بحمله) لانه لم يحمل نجسا، (وهو) أي المحدث (من لزمه للصلاة ونحوها) كالطواف ومس المصحف (وضوء أو غسل) مع القدرة، (أو) لزمه لذلك (تيمم لعذر) من عدم الماء، أو عجزه عن استعماله ونحوه مما يأتي في بابه مفصلا. (والطاهر) شرعا: (ضد النجس، والمحدث) إذ الطهارة ارتفاع الحدث وزوال النجس كما تقدم فالطاهر الخالي منهما (ويزيل الانجاس الطارئة) معطوف على: برفع
[ 31 ]
الاحداث لقوله (ص): صبوا على بول الاعرابي ذنوبا من ماء والانجاس (جمع نجس وهو) لغة: ما يستقذره ذو الطبع السليم وعرفا: (كل عين حرم تناولها) لذاتها (مع إمكانه) أي إمكان التناول، خرج به ما لا يمكن تناوله كالصوان لان المنع من الممتنع مستحيل (لا لحرمتها) مخرج لصيد الحرم والاحرام، (ولا لاستقذارها) كالبزاق والمخاط فالمنع منه لاستقذاره لا لنجاسته (ولا لضرر بها في بدن) احتراز عن السميات من النبات، (أو) ضرر بها في (عقل) خرج به نحو البنج (قاله في المطلع. وهي) أي النجاسة المعرفة في كلامه (النجاسة العينية، ولا تطهر بحال) لا بغسل ولا باستحالة، قلت: فلا يرد نحو الخمرة والماء المتنجس، لانه عين حرم تناولها، لكن لما طرأ كما يأتي تفصيله (وإذا طرأت النجاسة على محل طاهر فنجسته) لبللهما أو لبلل أحدهما (ولو بانقلاب) الطاهر (بنفسه كعصير تخمر) ومني صار نطفة (فمتنجس ونجاسته حكمية يمكن تطهيرها) كانقلاب الخمرة بنفسها خلا، وصيرورة النطفة حيوانا طاهرا، (ويأتي) ذلك في باب إزالة النجاسة. (ولا يباح ماء آبار) ديار (ثمود غير بئر الناقة) لقول ابن عمر: إن الناس نزلوا مع رسول الله (ص) على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله (ص): أن يهريقوا ما استقوا من آبارها، ويعلفوا الابل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة متفق عليه. (قال الشيخ تقي الدين: وهي البئر الكبيرة التي يردها الحجاج في هذه الازمنة. انتهى) قال في الهدى في غزوة تبوك: بئر الناقة استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا ترد الركوب بئرا غيرها، وهي مطوية محكمة البناء واسعة
[ 32 ]
الارجاء آثار العفو عليها بادية لا تشتبه بغيرها. (فظاهره) أي ظاهر القول بتحريم ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود (لا تصح الطهارة) أي الوضوء والغسل (به) لتحريم
استعماله (كماء مغصوب، أو) ماء (ثمنه المعين حرام) في البيع فلا يصح الوضوء بذلك ولا الغسل به، لحديث: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد قال في المبدع: لا تصح الطهارة بماء مغصوب، كالصلاة في ثوب مغصوب انتهى. قلت: فيؤخد منه تقييده بما إذا كان عالما ذاكرا كما يأتي في الصلاة، وإلا صحت لانه غير آثم إذن (فيتيمم معه) أي مع ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود، ومع المغصوب وما ثمنه المعين حرام (لعدم غيره) من المباح، ولا يستعمله لانه ممنوع منه شرعا، فهو كالمعدوم حسا (ويكره ماء بئر ذروان) وهي التي ألقي فيها سحر النبي (ص) بالمدينة وهي الآن مطمومة تلقى فيها القمامة والعذرات ذكره في الحاشية. (و) يكره ماء بئر (برهوت) بفتح الباء والراء ويقال: برهوت بضم الباء وسكون الراء. روي عن علي: شر بئر على الارض برهوت، وهي بئر عميقة بحضر موت لا يستطاع النزول إلى قعرها. أخرجه أبو عبيد عن علي، وأخرجه الطبراني في المعجم عن ابن عباس مرفوعا. ذكره ابن الاثير في النهاية وهي البئر التي تجتمع فيها أرواح الفجار ذكره ابن عساكر. فصل: هو عبارة عن الحجز بين الشيئين، ومنه فصل الربيع، لانه يحجز بين الشتاء والصيف وهو في كتب العلم كذلك، لانه حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها. القسم (الثاني): من أقسام الماء: (طاهر) غير مطهر، وهو أنواع: منها المستخرج بالعلاج (كماء ورد ونحوه) كماء الزهر والخلاف والبطيخ لانه ليس بماء مطلق (وطهور خالطه طاهر فغيره) أي غير اسمه حتى صار صبغا أو خلا، ذكره في الشرح، فيصير طاهرا غير مطهر
[ 33 ]
إلا النبيذ إذا اشتد، أو أتى عليه ثلاثة أيام، فيصير نجسا، ويأتي في باب حد المسكر (في غير محل التطهير، و) إن كان التغير (في محله) أي التطهير فهو (طهور) كما لو تغير الماء بزعفران في محل الوضوء أو الغسل، فهو طهور ما دام في محل التطهير لمشقة التحرز، (أو
غلب) الطاهر (على أجزائه) أي الطهور، بأن تكون أجزاء المخالط أكثر من أجزاء الماء حتى يقال، إذا كان المخالط خلا: هذا خل فيه ماء. فيكون الخل أغلب. ولو كان الماء أكثر لقيل: ماء فيه خل، (أو طبخ) الطاهر (فيه) أي في الطهور (فغيره) كماء الباقلا والحمص فطاهر. فإن لم يغيره كما لو صلق فيه بيض فطهور. ولا فرق فيما تقدم بين الطهور الكثير والقليل، (أو وضع فيه) أي الطهور (ما يشق صونه عنه قصدا) بأن وضع آدمي عاقل طحلبا، أو ورق شجر ونحوه بماء فتغير به عن ممازجه، (أو) خلط فيه (ملح معدني فغيره) فطاهر (لانه ليس بماء مطلق) وإنما يقال ماء كذا، بالاضافة اللازمة، بخلاف ماء البحر والحمام ونحوه، فإن الاضافة فيه غير لازمة، (و) لذلك (لو حلف لا يشرب ماء فشربه لم يحنث، ولو وكله في شراء ماء فاشتراه لم يلزم الموكل) لان اسم الماء المطلق لا يتناوله، ويلزم الوكيل الشراء إن علم الحال، وإلا فله الرد، كما يأتي تفصيله في الوكالة، (ويسلبه) أي الماء (الطهورية إذا خلط يسيره) أي الطهور، فإن كان كثيرا لم يؤثر خلطه وصار الكل طهورا، كالنجس وأولى (بمستعمل) في رفع حدث أكبر أو أصغر، أو إزالة نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة، ولا تغير (ونحوه) أي نحو المستعمل في ذلك، كالذي غسل به الميت، لانه تعبدي، لا عن حدث، والذي غمس أو غسل به يد القائم من نوم الليل (بحيث لو خالفه) أي لو فرض بشئ يخالفه (في الصفة) كاللون والطعم (غيره) أي غير اليسير الطهور، فيصير طاهرا (ولو بلغا) أي الطهور والطاهر، (قلتين) كالطاهر من غير الماء إذا خالط الطهور، (ويقدر المخالف بالوسط. قال) أبوالوفا علي (بن عقيل) بفتح العين: (يقدر) المخالف (خلا) قال المجد: ولقد نحكم، إذ الخل ليس بأولى من غيره. انتهى
[ 34 ]
قلت: لعله أراد من حيث كونه وسطا، فيكون الحكم للوسط لا له بخصوصه. وقال في الشرح وما ذكرنا من الخبر أنه (ص) اغتسل هو وعائشة من إناء واحد، تختلف أيديهما فيه، كل واحد يقول لصاحبه: إبق لي فظاهر حال النبي (ص) وأصحابه يمنع من
اعتباره بالخل، لسرعة نفوذه وسرايته، فيؤثر قليله في الماء، والحديث دل على العفو عن اليسير مطلقا. فينبغي أن يرجع في ذلك إلى العرف، فما عد كثيرا منع وإلا فلا. وإن شك في كثرته لم يمنع، عملا بالاصل (أو كانا) أي المخلوطان (مستعملين فبلغا) بالخلط (قلتين) فهما باقيان على الاستعمال خلافا لابن عبدوس، (أو غير) الطاهر المخالط للطهور، وظاهر كلامه ولو مستعملا (أحد أوصافه) بأن غير (لونه، أو طعمه، أو ريحه، أو) غير (كثيرا من صفة) من صفاته، كلونه، أو طعمه، أو ريحه، فيسلبه الطهورية لانه ليس بماء مطلق، ولان الكثير بمنزلة الكل. فأشبه ما لو غير كل الصفة. و (لا) يسلبه الطهورية إن غير الطاهر المخالط (يسيرا منها) أي من صفة من صفاته (ولو) كان التغير اليسير من صفة (في غير الرائحة) كالطعم أو اللون، لما روت أم هانئ أن النبي (ص) اغتسل من قصعة فيها أثر العجين رواه أحمد وغيره. وعلم من كلامه أنه لو كان التغير اليسير من صفاته الثلاث أثر وكذا من صفتين، على ظاهر ما قدمه في الفروع. ولعل المراد إذا كان اليسير من صفتين أو ثلاث يعدل الكثير من صفة واحدة، (ولا) يسلب الطهور طهوريته إذا خلط (بتراب) طهور (ولو وضع قصدا) لانه طاهر مطهر كالماء، فإن كان مستعملا فكباقي الطاهرات، كما يدل عليه تعليلهم (ما لم يصر) الماء المخلوط بتراب طهور (طينا) فلا تصح الطهارة به لعدم إسباغه وسيلانه على الاعضاء (فإن صفي من التراب فطهور) مطهر لزوال المانع، (ولا) يصير الماء طاهرا بتغيره (بما ذكر في أقسام الطهور) كالمتغير بطول المكث أو ريح ميتة بجانبه، أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب، وورق شجر، أو في مقره، أو ممره ونحوه، أو بمجاورة ميتة، أو بما لا يمازجه، كعود قماري، وقطع كافور، ودهن، وشمع ونحوه. (ويسلبه) أي الطهور الطهورية (استعماله) أي اليسير (في رفع حدث) أكبر أو أصغر، فهو طاهر، لان النبي (ص) صب على جابر من وضوئه رواه
[ 35 ]
البخاري، غير مطهر لقول النبي (ص): لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب رواه
مسلم من حديث أبي هريرة. ولولا أنه يفيد معنى لم ينه عنه، ولانه أزال به مانعا من الصلاة، أشبه ما لو أزال به النجاسة، أو استعمل في عبادة على وجه الاتلاف، أشبه الرقبة في الكفارة. وفي أخرى مطهر اختارها ابن عقيل، وأبو البقاء، والشيخ تقي الدين، لحديث ابن عباس مرفوعا: الماء لا يجنب رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي. وفي ثالثة: نجس. كالمستعمل في إزالة النجاسة، وعليها يعفى عما قطر على بدن المتطهر وثوبه، (و) يسلبه الطهورية استعماله في (غسل ميت إن كان) الطهور (يسيرا) لانه في معنى المستعمل في رفع الحدث، وفيه ما سبق. و (لا) يسلب الطهورية باستعماله فيما ذكر إن كان (كثيرا) لانه يدفع النجاسة عن نفسه، فهذا أولى (وإن غسل) به (رأسه بدلا عن مسحه) فطهور، وإن قلنا بإجزاء الغسل عن المسح، لانه مكروه فلا يكون واجبا. صححه ابن رجب في آخر القاعدة الثالثة وقياسه: ما غسل به نحو خف بدلا عن مسحه (أو استعمل في طهارة مستحبة، كالتجديد وغسل الجمعة) والعيدين (والغسلة الثانية والثالثة) في الوضوء والغسل إذا عمت الاولى فطهور، لانه لم يرفع حدثا، ولم يزل نجسا أشبه التبرد، (أو) استعمل في (غسل ذمية) أو كافرة وغيرها (لحيض ونفاس وجنابة) وعبارة المنتهى: أو غسل كافر، وهي أعم (فطهور) لانه لم يرفع حدثا لفقد شرطه (مكروه) للاختلاف فيه. وظاهر انتهى. كالتنقيح، والفروع والمبدع، والانصاف وغيرها: عدم الكراهة، لكن ما ذكره متوجه (وإن استعمل) الطهور (في) طهارة (غير مستحبة كالغسلة الرابعة في الوضوء والغسل والثامنة في إزالة النجاسة) بعد زوالها، (و) المستعمل في (التبرد والتنظيف ونحو ذلك فطهور غير مكروه) لعدم الاختلاف فيه (ولو اشترى ماء فبان) أنه (قد توضئ به فعيب لاستقذاره عرفا) قلت: وكذا لو بان أنه
[ 36 ]
اغتسل به، أو أزال به نجاسة، وكان من الغسلة الاخيرة مع زوالها، وعدم التغير، أو غسل ميت، وظاهره أيضا: ولو كان الوضوء أو الغسل مستحبا، (ويسلبه) أي اليسير الطهورية (إذا غمس غير صغير ومجنون وكافر) وهو المسلم البالغ العاقل، ولو ناسيا أو مكرها، أو جاهلا
في ظاهره كلامهم (يده كلها) إلى الكوع (ولا عضوا من أعضائه غيرها) أي غير اليد كالوجه والرجل (واختار جمع) منهم ابن حامد وابن رزين في شرحه، وجزم به في الكافي وقدمه في الافادات، وصححه الناظم (أن غمس بعضها كغمس كلها) والمذهب ما قدمه كما في الانصاف وغيره - لكن لو نوى غسل يديه وغسل بعض يده فالظاهر أن المنفصل منه طاهر، لانه استعمل في طهارة واجبة (في ماء يسير) لا كثير (أو حصل) اليسير (فيها) أي في يد غير صغير، ومجنون، وكافر (كلها من غير غمس. ولو باتت) اليد (مكتوفة أو في جراب ونحوه) خلافا لابن عقيل (قائم من نوم ليل) لا نهار خلافا للحسن (ناقض لوضوء) لو كان بخلاف اليسير من قائم وقاعد (قبل غسلها) أي اليد (ثلاثا كاملة) لحديث أبي هريرة يرفعه: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده متفق عليه، ولفظه لمسلم. وفي رواية: فليغسل يديه ولابي داود والترمذي وصححه: من الليل وهو تعبدي. فيجب، وإن شدت يداه أو جعلت في جراب ونحوه، وسواء كان ذلك الغمس أو الحصول (بعد نية غسلها أو قبلها) أي قبل النية لعموم ما سبق (لكن إن لم يجد) من وجبت عليه الطهارة (غيره) أي غير ما غمس فيه القائم من نوم الليل يده، أو حصل في كلها (استعمله) وجوبا. لان القائل بطهارته أكثر من القائل بطهارته (فينوي رفع الحدث) ويستعمله (ثم يتيمم) ليقع التيمم بعد عدم الماء بيقين وجوبا، لان حدثه لم يرتفع لانه بماء طاهر غير مطهر. قلت: فإن كانت الطهارة عن خبث استعمله، ثم تيمم إن كانت بالبدن (ويجوز استعماله) أي الماء المستعمل في غسل يدي القائم من نوم الليل (في شرب وغيره)
[ 37 ]
كالمستعمل في رفع الحدث، وأولى لطهارته. قلت: ومثله فيما تقدم ما غسل به ذكره وأنثييه لخروج مذي دونه، (ولا يؤثر غمسها) أي يد القائم من نوم الليل (في مائع غير الماء) كاللبن والعسل والزيت، لانها غير نجسة، لكن يكره غمسها في مائع، وأكل شئ رطب
بها. قاله في المبدع (ولو استيقظ محبوس من نومه فلم يدر أهو) أي الاستيقاظ (من نوم ليل أم نهار لم يلزمه غسل يديه) لانا لا نوجب بالشك، ولم يتحقق الموجب (ولو كان الماء في إناء لا يقدر على الصب منه) كحوض مبني، (بل) يقدر (على الاغتراف) منه (وليس عنده ما يغترف به ويداه نجستان، فإنه يأخذ الماء بفيه) إن أمكنه (ويصب على يديه نصا) حتى يطهرهما (أو يبل ثوبا أو غيره فيه) أي الماء (ويصبه على يديه) حتى يطهرهما إن أمكنه ذلك (وإن لم يمكنه) ذلك (تيمم وتركه) لانه غير قادر على استعماله. أشبه ما لو وجد بئرا ولم يجد آلة يستقي بها منها. فإن لم تكونا نجستين لكن لم يغسلهما من نوم ليل، ففي الشرح من قال: إن غمسهما لا يؤثر، قال: يتوضأ. ومن جعله مؤثرا قال: يتوضأ ويتيمم معه انتهى. ولعله مبني على أن غمس البعض كالكل، وإلا فالظاهر أنه يغترف ببعض يده، ويغسلهما ثلاثا ثم يتوضأ بلا تيمم (وإن نوى جنب ونحوه) كحائض ونفساء وكافر أسلم (بانغماسه كله أو) انغماس (بعضه) من يد أو غيرها (في ماء قليل) لا كثير (راكد أو جار رفع حدثه لم يرتفع) حدثه بذلك. قال في الحاوي الكبير: قال أصحابنا: يرتفع الحدث عن أول جزء يقع منه، أي في الماء، فيحصل غسل ما سواه بماء مستعمل فلا يجزئه، (وصار) الماء (مستعملا بأول جزء انفصل) من المنغمس. والحاصل: أن الحدث يرتفع عن أول جزء لاقى وهو غير معلوم، والماء يصير مستعملا بأول جزء انفصل، كما أن الماء الوارد على محل التطهير يرفع الحدث بمجرد الاصابة ولا يصير مستعملا إلا بانفصاله. فلهذا قال (ك) - الماء (المتردد على المحل) أي محل التطهير، فإنه يصير مستعملا بانفصاله. قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: ما دام الماء يجري على بدن المغتسل وعضو المتوضي على وجه الاتصال فليس بمستعمل حتى ينفصل. فإن انتقل من عضو إلى عضو لا يتصل به، مثل أن يعصر الجنب شعر رأسه على لمعة من بدنه، أو يمسح المحدث رأسه ببلل يده
[ 38 ]
بعد غسلها فهو مستعمل في إحدى الروايتين، كما لو انفصل إلى غير محل التطهير،
والاخرى ليس بمستعمل وهو أصح انتهى. لكن صحح الاولى في الانصاف، ومشى عليه المصنف. وذكر الخلال أن رواية الاجزاء رجع أحمد عنها، واستقر قوله على أن ذلك لا يجزئ (وكذا نيته) أي الجنب (بعد غمسه) أي انغماسه في الماء القليل راكدا كان أو جاريا. قال في الحاوي الكبير: ولو لم ينو الطهارة حتى انغمس به، فقال أصحابنا: يرتفع الحدث عن أول جزء يرتفع منه، فيحصل غسل ما سواه بماء مستعمل انتهى. فقطع بأنه يصير مستعملا بأول جزء انفصل، وعزاه إلى الاصحاب، فيحمل كلام المصنف على هذا. هكذا قال في تصحيح الفروع. وقال المجد: الصحيح عندي أنه يرتفع حدثه عقب نيته، لوصول الطهور إلى جميع محله بشرطه في زمن واحد، فلا تعود الجنابة بصيرورته مستعملا بعد. وقد أوضحت المسألة في الحاشية (ولا أثر لغمسه) أي الجنب بدنه، أو بعضه في ماء قليل (بلا نية رفع حدث، كمن نوى التبرد أو) نوى (إزالة الغبار، أو) نوى (الاغتراف، أو فعله عبثا) لانه لم يزل مانعا (وإن كان الماء الراكد كثيرا كره أن يغتسل فيه) لحديث أبي هريرة مرفوعا: لا يغتسلن أحدكم في الماء الراكد وهو جنب رواه مسلم. (ويرتفع حدثه) أي الجنب (قبل انفصاله عنه) أي الماء لوصول الطهور إلى محله بشرطه (ويسلبه) أي الماء (الطهورية اغترافه) أي الجنب (بيده أو فمه أو وضع رجله أو غيرها) من أعضائه (في) ماء (قليل بعد نية غسل واجب) لاستعماله في رفع الحدث عن أول جزء يلاقى من المغموس، كما تقدم. ولا يرتفع الحدث عنه لان ذلك الجزء غير معلوم (ولو اغترف المتوضئ بيده بعد غسل وجهه) لا قبله لاعتبار الترتيب (من) ماء (قليل) لا كثير (ونوى رفع الحدث عنها فيه) أي في القليل (سلبه) ذلك الفعل (الطهورية) لانه استعمل في رفع حدث (كالجنب). ولم يرتفع حدث اليد، لما تقدم (وإن لم ينو) المتوضئ (غسلها فيه) أي في القليل (فطهور) ولو لم ينو الاغتراف، بخلاف الجنب (لمشقة تكرره) أي الوضوء بخلاف الغسل (ويصير الماء في الطهارتين) الكبرى والصغرى (مستعملا بانتقاله من عضو إلى) عضو (آخر
[ 39 ]
بعد زوال اتصاله) عن العضو (لا بتردده على الاعضاء المتصلة) لان بدن الجنب كالعضو الواحد، فانتقال الماء من عضو إلى آخر كتردده على عضو واحد، بخلاف أعضاء المحدث، فإنها متغايرة. ولذلك اعتبر لغسلها الترتيب (وإن غسلت به) أي الطهور (نجاسة فانفصل متغيرا بها) فنجس. لقوله عليه السلام: الماء طهور لا ينجسه شئ إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه والواو هنا بمعنى أو. (أو) انفصل غير متغير (قبل زوالها) أي النجاسة، كالمنفصل من السادسة فما دونها (وهو يسير، فنجس) لانه ملاق لنجاسة لم يطهرها. أشبه ما لو وردت عليه (وإن انفصل) القليل (غير متغير بعد زوالها) أي النجاسة كالمنفصل (عن محل طهر، أرضا كان) المحل (أو غيرها فطهور، إن كان قلتين) فأكثر لقوله عليه السلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث وعدم سلب الطهورية أولى (وإلا) أي وإن كان دون قلتين (فطاهر) لان النبي (ص) أمر أن يصب على بول الاعرابي ذنوب من ماء متفق عليه. ولولا أنه يطهر لكان تكثيرا للنجاسة. ولا فرق بين، أن تنشف أعيان البول أو لا. لانه عليه السلام لم يفرق بين نشافه وعدمه. والظاهر أنه إنما أمر عقب البول، ذكره في الشرح. وغير الارض يقاس عليها، ولانه بعض المتصل، وهو طاهر بالاجماع (وإن خلت امرأة) مكلفة (ولو كافرة) حرة أو أمة (لا) إن خلت به (مميزة) أو مراهقة (أو خنثى مشكل) لاحتمال أن يكون رجلا (بماء) متعلق بخلت (لا) إن خلت (بتراب تيممت به) فلا تؤثر خلوتها به لعدم النص (دون قلتين) صفة لماء (لطهارة كاملة) لا لبعض طهارة (عن حدث) أصغر أو أكبر (لا) عن (خبث وشرب وطهر مستحب فطهور) لانه لم يوجد ما يسلبه ذلك، فوجب بقاؤه على ما كان عليه (ولا يرفع حدث رجل) لان
[ 40 ]
النبي (ص) نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الترمذي وحسنه وصححه ابن حبان. وأما حديث مسلم: كان رسول الله (ص) يغتسل بفضل ميمونة فمحمول على أنها لم تخل به، كما أن الاول محمول على ما إذا خلت به، جمعا بين الاحاديث. أشار إليه
ابن المنجا. ووجه المنع قول عبد الله بن سرخس توضأ أنت ههنا وهي ههنا فإذا خلت به فلا تقربنه رواه الاثرم. تنبيه: عبارة المقنع وغيره. ولا يجوز للرجل الطهارة به، فعمومه يتناول الطهارة عن حدث أصغر أو أكبر، والوضوء والغسل المستحبين وغسل الميت (و) يرفع أيضا ما خلت به المرأة حدث (خنثى مشكل) احتياط لاحتمال أن يكون رجلا. فإن قلت: فهلا أثرت خلوة الخنثى به احتياطا لاحتمال أن يكون امرأة؟. قلت: لا نمنع بالاحتمال، كما لا ننجس بالشك. وهنا المنع تحقق بالنسبة إلى الرجل، والخنثى يحتمل أن يكون رجلا. فمنعناه منه كمن تيقن الحدث وشك في الطهارة (تعبدا) أي المنع للرجل والخنثى من ذلك لاجل التعبد، لما تقدم من الحديث مع عدم عقل المعنى فيه. فليس معللا بوهم النجاسة ولا غيره (ولها) أي للمرأة التي خلت بالماء الطهارة به (ولا لامرأة أخرى) غيرها الطهارة به (ولصبي) مميز أو مراهق (الطهارة به من حدث وخبث، ولرجل الطهارة به من خبث). قلت: وغسل ذكره وأنثييه إذا خرج منه المذي ولم يصبهما، لمفهوم الحديث السابق، مع عدم عقل معناه. فلم يقس عليه. وإذا لم يجد الرجل غير ما خلت به المكلفة استعمله ثم تيمم. كما تقدم فيما غمست فيه يد القائم من نوم الليل وأولى، كما أشار إليه في المنتهى (ولها) أي المرأة (الطهارة بما خلا به) الرجل ولو قليلا لعموم الادلة (وتزول الخلوة إذا شاهدها عند الاستعمال، أو شاركها فيه زوجها أو من تزول به خلوة النكاح).
[ 41 ]
قلت: وظاهره ولو أعمى (من رجل أو امرأة أو مميز، ولو كان المشاهد) لها (كافرا) من رجل أو امرأة أو مميز، (وتأتي) خلوة النكاح فيما يقرر الصداق (ولا يكره أن يتوضأ الرجل وامرأته) من إناء واحد، (أو) أن (يغتسلا من إناء واحد) لما تقدم من أنه (ص) اغتسل هو وعائشة من إناء واحد تختلف أيديهما فيه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: إبق لي (وجميع المياه المعتصرة من النباتات الطاهرة وكل طاهر) من الاقسام السابقة وغيرها (يجوز شربه
والطبخ به والعجن) به (ونحوه) كالتبرد به، لقوله تعالى: * (ويحل لهم الطيبات) * (الاعراف 157) (ولا يصح استعماله في رفع الحدث، و) لا في (إزالة النجس، ولا في طهارة مندوبة) لانه غير مطهر، (والماء النجس لا يجوز استعماله بحال) لقوله تعالى: * (ويحرم عليهم الخبائث) * والنجس خبيث (إلا لضرورة لقمة غص بها، وليس عنده طهور ولا طاهر) لقوله تعالى: * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) * (البقرة 173) (أو لعطش معصوم من آدمي أو بهيمة سواء كانت تؤكل) كالابل والبقر، (أو لا) كالحمر والبغال، (ولكن لا تحلب) ذات اللبن إذا سقيت النجس (قريبا). قلت: بل بعد أن تسقى طاهرا يستهلك النجس، كما في الزرع إذا سمد بنجس (أو لطفي حريق متلف) لدفع ضرورة (ويجوز بل التراب به) أي بالماء النجس (وجعله) أي التراب (طينا يطين به ما لا يصلى عليه) لانه لا يتعدى تنجيسه. ولا يجوز أن يطين به نحو مسجد (ومتى تغير الماء) الطهور قليلا كان أو كثيرا (بطاهر ثم زال تغيره) بنفسه أو ضم شئ إليه (عادت طهوريته) لان السلب للتغير وقد زال، فعاد إلى أصله. وإن زال تغير بعضه عادت طهورية ما زال تغيره (فإن تغير به بعضه فما لم يتغير) منه (طهور) على أصله لعدم ما يزيله عنه. فصل: القسم (الثالث): من أقسام المياه: (نجس) بفتح الجيم وكسرها وضمها وسكونها، وهو
[ 42 ]
لغة: المستقذر ضد الطاهر، يقال: نجس ينجس كعلم يعلم، وشرف يشرف، (وهو) هنا (ما تغير بنجاسة) قليلا كان أو كثيرا، وسواء قل التغير أو كثر (في غير محل التطهير) فينجس إجماعا حكاه ابن المنذر، (و) المتغير بنجاسة (في محله) أي محل التطهير (طهور إن كان) الماء (واردا) على محل التطهير لضرورة التطهير. إذ لو قلنا ينجس بمجرد الملاقاة لم يمكن تطهير نجس بماء قليل. فإن كان الماء مورودا، بأن غمس المتنجس في الماء القليل، تنجس بمجرد الملاقاة، وإن كان الماء كثيرا وتغير تنجس، وإلا فلا (فإن تغير بعضه) أي
بعض الماء الكثير (فالمتغير نجس) للتغير (وما لم يتغير منه ف) - هو (طهور إن كان كثيرا) لخبر القلتين قال في المغني: إذا كان الماء كثيرا فوقع في جانب منه نجاسة فتغير بها، نظرت فيما لم يتغير. فإن نقص عن القلتين فالجميع نجس. لان المتغير نجس بالتغير والباقي ينجس بالملاقاة انتهى. وإذا كان الماء قلتين فقط وغيرت النجاسة منه قدرا يعفى عنه في نقص القلتين كالرطل والرطلين فالباقي طهور لانه قلتان (وله استعماله) أي ما لا ينجس إلا بالتغير (ولو مع قيام النجاسة فيه) أي في الماء الكثير (وبينه وبينها) أي النجاسة (قليل) لان تباعد الاقطار وتقاربها لا عبرة به، إنما العبرة بكون غير المتغير كثيرا أو قليلا. ويحكم بطهارة الملاصق للنجاسة إذا كان الماء كثيرا، (وإلا) أي وإن لم يكن الذي لم يتغير بالنجاسة كثيرا (ف) - هو (نجس) لملاقاته النجاسة (فإن لم يتغير الماء الذي خالطته النجاسة وهو يسير ف) - هو (نجس) لحديث ابن عمر قال: سئل النبي (ص) عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب فقال: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شئ وفي رواية لم يحمل الخبث رواه الخمسة والحاكم وقال: على شرط الشيخين ولفظه لاحمد وسئل عنه ابن معين، فقال إسناده جيد وصححه الطحاوي. قال الخطابي: ويكفي شاهدا على صحته أن نجوم أهل الحديث صححوه، ولانه عليه السلام أمر بإراقة الاناء الذي ولغ فيه
[ 43 ]
الكلب ولم يعتبر التغير، وعنه لا ينجس إلا بالتغير، اختاره ابن عقيل، وابن المنجا، والشيخ تقي الدين، وفاقا لمالك، لحديث بئر بضاعة صححه أحمد وحسنه الترمذي. ويعضده حديث أبي أمامة مرفوعا: الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه رواه ابن ماجه والدارقطني، وجوابه حمل المطلق على المقيد، فينجس القليل بمجرد الملاقاة (ولو كانت النجاسة لا يدركها الطرف) أي البصر كالتي بأرجل الذباب خلافا لعيون المسائل، وسواء (مضى زمن تسري فيه) النجاسة (أم لا) لان النجاسة بالملاقاة لا بالاستهلاك (وما انتضح من) ماء (قليل لسقوطها) أي النجاسة (فيه نجس) لانه بعض
المتصل بالنجاسة. وعلم منه أن ما انتضح من كثير طهور (والماء الجاري كالراكد) خلافا لابي حنيفة (إن بلغ مجموعه) أي الجاري (قلتين دفع النجاسة إن لم تغيره) وإن لم يبلغ قلتين تنجس مجموعه بمجرد الملاقاة، لعموم ما سبق (فلا اعتبار بالجرية) وهي ما أحاط بالنجاسة فوقها وتحتها ويمنة ويسرة. وقال الموفق: وما انتشرت إليه عادة أمامها ووراءها، وعنه كل جرية من جار كمنفرد. فمتى امتدت نجاسة بجار فكل جرية نجاسة مفردة. فيفضي إلى تنجيس نهر كبير بنجاسة قليلة لا كثيرة لقلة ما يحاذي القليلة. إذ لو فرضنا كلبا في جانب نهر وشعرة منه في جانبه الآخر لكان ما يحاذيها لا يبلغ قلتين لقلته فينجس، وما يحاذي الكلب يبلغ قلالا فلا ينجس. وهذا ظاهر الفساد، والتفريع على الاول (فلو غمس الاناء) المتنجس (في ماء جار فهي غسلة واحدة ولو مر عليه جريات) كما لو حركه في الماء الكثير الراكد (وكذلك لو كان) المتنجس (ثوبا ونحوه) مما يتشرب النجاسة (وعصره عقب كل جرية) كما لو عصره في الماء الراكد فغسلة يبنى عليها (ولو انغمس فيه)
[ 44 ]
أي في الماء الجاري (المحدث حدثا أصغر للوضوء لم يرتفع حدثه، حتى يخرج مرتبا نصا كالراكد ولو مر عليه أربع جريات ولو حلف لا يقف فيه) أي في هذا الماء وهو جار (فوقف) فيه (حنث) هكذا في القواعد الفقهية ويأتي في باب التأويل. فالحلف لا يحنث بلا نية ولا قصد ولا سبب (وينجس كل مائع) قليلا كان أو كثيرا (كزيت ولبن وسمن) وخل وعسل بملاقاة نجاسة ولو معفوا عنها لحديث الفأرة تموت في السمن، وعنه حكمه كالماء وفاقا لابي حنيفة، (و) ينجس (كل طاهر كماء ورد ونحوه) من المستخرج بالعلاج (بملاقاة نجاسة ولو معفوا عنها) كيسير الدم (وإن كان كثيرا) قياسا على السمن (وإن وقعت) نجاسة (في مستعمل في رفع حدث، أو) وقعت (في طاهر غيره من الماء) كالمستعمل في غسل ميت، أو غسل يدي قائم من نوم ليل، وكالطهور الذي تغير كثير من لونه، أو طعمه، أو ريحه بطاهر (لم ينجس كثيرهما بدون تغير كالطهور)
قال في الانصاف على الصحيح في المذهب المنصوص، وقدمه في المغني، وشرح ابن رزين، وابن عبيدان، وصححه ابن منجا في نهايته وغيرهم. ويحتمل أن ينجس، وقدمه في الرعاية الكبرى وقال عن الاول فيه نظر وهو كما قال وأطلقهما في الشرح وابن تميم انتهى. وقطع الثاني في التنقيح وتبعه في المنتهى ووجه الاول
[ 45 ]
عموم حديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث وجوابه: أنه غير مطهر. فأشبه الخل (إلا أن تكون النجاسة بول آدمي) كبيرا كان أو صغيرا. وظاهره لو لم يأكل الطعام، (أو عذرته المائعة أو الرطبة أو يابسة فذابت نصا وأمكن نزحه) أي الكثير الطهور، أو الطاهر من الماء على ما ذكره (بلا مشقة) عظيمة نزحه (فينجس) نص عليه في رواية صالح والمروذي وأبي طالب، واختارها الخرقي والشريف والقاضي وابن عبدوس، وأكثر شيوخ أصحابنا. لحديث أبي هريرة يرفعه: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه هذا لفظ البخاري وقال مسلم ثم يغتسل منه وهذا يتناول القليل والكثير، وهو خاص في البول. وخبر القلتين محمول على بقية النجاسات. فحصل الجمع بينهما: والعذرة المائعة كالبول بل أفحش، والرطبة واليابسة إذا ذابت كذلك. وفي الشرح والمبدع: والاولى التفريق بين الرطبة والمائعة (وعنه لا ينجس) الكثير ببول الآدمي ولا عذرته إن لم يتغير (وعليه جماهير) الاصحاب (المتأخرين وهو المذهب عندهم) اختارها أبو الخطاب وابن عقيل، وقدمها السامري، وفي المحرر وغيرهم لخبر القلتين. ولان نجاسة الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب وهو لا ينجس القلتين فهذا أولى. وخبر أبي هريرة: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم إلى آخره لا بد من تخصيصه، فتخصيصه بخبر القلتين أولى. وعلم منه أن ما يشق نزحه كمصانع طريق مكة لا ينجس بالبول ولا بغيره حتى يتغير (وإذا انضم حسب الامكان) بفتح الحاء والسين (عرفا ولو لم يتصل الصب إلى ماء نجس ماء طهور كثير)
[ 46 ]
طهره أي صيره طهورا لان الكثير يدفع النجاسة عن نفسه وعما اتصل به. ولا ينجس إلا بالتغير. وعلم منه أنه لا يطهر بإضافة يسير إليه ولو زال به التغير. لانه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فكذا عن غيره، خلافا لصاحب المستوعب (أو جرى إليه) أي إلى الماء النجس ماء طهور كثير (من ساقية أو نبع) بفتح الباء أي الماء الطهور (فيه) أي في المتنجس (طهره أي صار) المتنجس (طهورا إن لم يبق فيه تغير) قليلا كان أو كثيرا (إن كان متنجسا بغير بول آدمي أو عذرته) لان المتصل يدفع تلك النجاسة عن نفسه فدفعها عن غيره. فإن كان متغيرا لم يطهر حتى يزول تغيره، (وإن كان) تنجس (بأحدهما) أي ببول الآدمي، أو عذرته (ولم يتغير) بأن لم يشق نزحه (فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه) بناء على قول أكثر المتقدمين والمتوسطين. وأما قول المتأخرين فظاهر مما تقدم، (وإن تغير) الماء ببول الآدمي، أو عذرته (وكان مما يشق نزحه فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه مع زوال التغير) لان علة التنجس التغير وقد زال (أو بنزح يبقى بعده ما يشق نزحه) مع زوال التغير قل المنزوح أو كثر. قال ابن عبد القوي في مجمع البحرين: تطهير الماء بالنزح لا يزيد على تحريكه لان التنقيص والتقليل ينافي ما اعتبره الشرع في دفع النجاسة من الكثرة (أو بزوال تغيره بمكثه) كالخمر تنقلب خلا (وإن كان) المتنجس ببول الآدمي، أو عذرته (مما لا يشق نزحه ف) - تطهيره (بإضافة ما يشق نزحه عرفا، كمصانع طريق مكة مع زوال تغيره إن كان) فيه تغير لما تقدم (والمنزوح طهور ما لم يكن متغيرا أو تكن عين النجاسة فيه) حيث زال التغير به وبقي بعده قلتان، لانه بعض الباقي بعده، فكان طهورا كالذي انفصل منه، وإنما كان المنفصل من غسل النجاسة بعد طهارة المحل طاهرا لانهم جعلوا للمنفصل عن المحل حكم الماء الباقي في المحل. وإذا حكم بطهارة المحل كان البلل الباقي في المحل طاهرا، فكذلك المنفصل منه، لانه بعضه. وإن كان المنزوح متغيرا أو كانت عين النجاسة فيه وهو دون القلتين
فنجس. قال ابن قندس: والمراد آخر ما نزح الماء وزال معه التغير، ولم يضف إلى غيره من المنزوح الذي لم يزل التغير بنزحه، (ولا يجب غسل جوانب بئر) ضيقة كانت أو واسعة (نزحت) لنجاسة حصلت بها، (ولا) غسل (أرضها) للحرج والمشقة، بخلاف
[ 47 ]
رأسها. قلت: ظاهر كلامهم يجب غسل آلة النزح، لكن مقتضى قولهم المنزوح طهور كما تقدم: أن الآلة لا يعتبر فيها ذلك للحرج، وإلا لنبهوا عليه، والله أعلم. (وإن كان الماء النجس كثيرا فزال تغيره بنفسه أو بنزح بقي بعده كثير صار طهورا إن كان متنجسا بغير البول والعذرة على ما تقدم ولم يكن مجتمعا من) ماء (متنجس كل ماء) من المياه التي جمعت (دون قلتين كاجتماع قلة نجسة إلى مثلها) فإذا لم يكن كذلك طهر، لزوال علة النجاسة وهي التغير، كما لو أضيف إليه ماء كثير وزال به تغيره (فإن كان) مجتمعا من متنجس كل منه دون قلتين (ف) - هو (نجس) ولو زال تغيره بنفسه أو بنزح بقي بعده كثير، ولا يطهر إلا بإضافة كثير (وككمالهما) أي القلتين (ببول أو نجاسة أخرى) غير البول فإنه لا يطهر إلا بإضافة كثير (وكذا إن اجتمع من نجس وطهور وطاهر قلتان ولا تغير فكله نجس) لان الطهور دون القلتين لا يدفع النجاسة عن نفسه، فكذا عن غيره، بل أولى (وتطهيره في هذه الصورة هو وماء) نجس قليلا كان أو كثيرا (كوثر بماء يسير بالاضافة) أي بإضافة ما يدفع تلك النجاسة لو وقعت فيه ابتداء عن نفسه (فقط) أي دون إضافة يسير، (و) دون زوال التغير بنفسه، أو بنزح (إن كوثر) هذا الماء المذكور (بماء يسير) لم يطهر، (أو كان) المتنجس (كثيرا فأضيف إليه ذلك) أي ماء يسير (أو) أضيف إليه (غير الماء) من تراب أو نحوه (لم يطهر) بذلك لانه لا يدفع النجاسة عن نفسه فغيره، أولى. فصل: (والكثير قلتان فصاعدا) لان خبر القلتين دل بمنطوقه على دفعهما النجاسة عن
أنفسهما، وبمفهومه على نجاسة ما لم يبلغهما. فلذلك جعلناهما حدا للكثير، وهما تثنية قلة. وهي اسم لكل ما ارتفع وعلا. ومنه قلة الجبل. والمراد هنا الجرة الكبيرة، وسميت قلة لارتفاعها وعلوها، أو لان الرجل العظيم يقلها بيده أي يرفعها والتحديد وقع بقلال هجر قرية كانت قرب المدينة، لما روى الخطابي بإسناده إلى ابن جريج عن النبي (ص) مرسلا: إذا
[ 48 ]
كان الماء قلتين بقلال هجر وفي حديث الاسراء: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر رواه البخاري، ولانها مشهورة الصفة معلومة المقدار، لا تختلف كالصيعان (واليسير دونهما) أي دون القلتين (وهما) أي القلتان (خمسمائة رطل عراقي) لقول عبد الملك بن جريج: رأيت قلال هجر فرأيت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. والاحتياط إثبات الشئ وجعله نصفا، لانه أقصى ما يطلق عليه اسم شئ منكر، فيكون مجموعهما خمس قرب بقرب الحجاز، والقربة تسع مائة رطل عراقية باتفاق القائلين بتحديد الماء بالقرب (تقريبا، فيعفى عن نقص يسير كرطل أو رطلين) عراقية لان الشئ إنما جعل نصفا احتياطا. والغالب استعماله فيما دون النصف. قال في الشرح: فعلى هذا من وجد نجاسة في ماء فغلب على ظنه أنه مقارب للقلتين توضأ منه، وإلا فلا، (و) القلتان (أربعمائة) رطل (وستة وأربعون رطلا وثلاثة أسباع رطل مصري وما وافقه) أي الرطل المصري (من البلدان) كالمدينة ومكة، (و) القلتان (مائة وسبعة أرطال وسبع رطل دمشقي وما وافقه) من البلدان كصيدا وعكة وصفد (وتسعة وثمانون رطلا وسبعا رطل حلبي وما وافقه) كالبيروتي (وثمانون رطلا وسبعا رطل ونصف سبع رطل قدسي وما وافقه) كالنابلسي (وأحد وسبعون رطلا وثلاثة أسباع رطل بعلي وما وافقه) في وزنه من البلاد (ومساحتهما) أي القلتين (مربعا ذراع وربع طولا، وذراع وربع عرضا وذراع وربع عمقا) في مستوى من الارض ونحوها، (و) مساحتهما (مدورا ذراع طولا وذراعان
[ 49 ]
ونصف عمقا. والمراد) بالذراع فيما تقدم (ذراع اليد) أي يد الآدمي المعتدل، وهو أربع وعشرون إصبعا معترضة معتدلة قال القمولي الشافعي: وذكر عن الشافعي أنه شبران، وهو تقريب. زاد غيره: والشبر ثلاث قبضات. والقبضة أربع أصابع. والاصبع ست شعيرات بطون بعضها إلى بعض. قال في التنقيح: حررت ذلك فيسع كل قيراط عشرة أرطال وثلثي رطل عراقي انتهى. والمراد كل قيراط من الذراع من الربع. وذلك بأن تضرب البسط في البسط، والمخرج في المخرج، وتقسم حاصل البسط على حاصل المخرج يخرج ذرعه فتحفظ قراريطه، وتقسم عليها الخمسمائة، فبسط الذراع والربع خمسة. وقد تكرر ثلاثا طولا، وعرضا، وعمقا. فإذا ضربت خمسة في خمسة والخارج في خمسة بلغ مائة وخمسة وعشرين. والمخرج أربعة، وقد تكرر أيضا ثلاثا. فإذا ضربته كما تقدم بلغ أربعة وستين. وهي سهام الذراع فتقسم عليها الحاصل الاول يخرج ذراع وسبعة أثمان ذراع وخمسة أثمان ثمن ذراع. فإذا بسطت ذلك قراريط وجدته سبعة وأربعين قيراطا إلا ثمن قيراط. فاقسم عليها الخمسمائة يخرج ما ذكر. وبذلك يتضح لك عدم اتجاه اعتراض المصنف على المنقح في حاشية التنقيح (والرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم) والرطل البعلي تسعمائة درهم، والقدسي ثمانمائة درهم والحلبي سبعمائة درهم وعشرون درهما، والدمشقي ستمائة درهم، والمصري مائة درهم وأربعة وأربعون درهما، وكل رطل اثنتا عشرة أوقية، لا تختلف في سائر البلاد، وأوقية العراقي عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وأوقية المصري اثنا عشر درهما، وأوقية الدمشقي خمسون درهما، وأوقية الحلبي ستون درهما، وأوقية القدسي ستة وستون درهما، وثلثا درهم، وأوقية البعلي خمسة وسبعون درهما (وهو) أي الرطل العراقي (سبع القدسي وثمن سبعه) لان سبع القدسي مائة وأربعة عشر درهما وسبعا درهم (وسبع الحلبي وربع سبعه) لان سبعه مائة ودرهمان وستة أسباع درهم، (وسبع الدمشقي ونصف سبعه) لان سبعه خمسة وثمانون
درهما وخمسة أسباع درهم، (وستة أسباع المصري وربع سبعه) لان سبعه عشرون درهما وأربعة أسباع درهم، (وسبع البعلي، وهو) أي الرطل العراقي (بالمثاقيل تسعون مثقالا. ومجموع القلتين بالدراهم أربعة وستون ألفا ومائتان وخمسة وثمانون درهما وخمسة أسباع درهم) إسلامي، لانه المراد حيث أطلق (فإذا أردت معرفة القلتين بأي رطل فاعرف عدد
[ 50 ]
دراهمه) أي دراهم ذلك الرطل الذي أردت معرفة القلتين به (ثم اطرحه) أي عدد دراهمه (من دراهم القلتين مرة بعد أخرى حتى لا يبقى منها) أي من دراهم القلتين (شئ) أو يبقى أقل من دراهم الرطل (واحفظ الارطال المطروحة فما كان) أي وجد من عدد الطروحات (فهو مقدار القلتين بالرطل الذي طرحت به) إن لم يبق شئ من دراهم الرطل (وإن بقي) من دراهم القلتين (أقل من) دراهم ال (- رطل) الذي طرحت به (فانسبه منه، ثم اجمعه إلى المحفوظ) فما كان فهو مقدار القلتين. فصل: (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره) كثوب أو إناء (ولو) كان الشك في نجاسة ماء (مع تغير) الماء بنى على أصله، لحديث: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك والتغير يحتمل أن يكون بمكثه أو نحوه، (أو) شك في (طهارته) وقد تيقن نجاسته قبل ذلك (بنى على أصله) الذي كان متيقنا قبل طرو الشك. لان الشئ إذا كان على حال فانتقاله عنها يفتقر إلى عدمها ووجود الاخرى. وبقاؤها وبقاء الاولى لا يفتقر إلا إلى مجرد البقاء، فيكون أيسر من الحديث وأكثر، والاصل إلحاق الفرد بالاعم الاغلب (ولا يلزمه السؤال) عما لم يتيقن نجاسته، لان الاصل طهارته (ويلزم من علم نجاسته إعلام من أراد استعماله) في طهارة أو شرب أو غيره (إن شرطت إزالتها) أي تلك النجاسة (للصلاة) لانه من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فيجب بشروطه. ومفهوم كلامه إن لم تشترط إزالتها للصلاة كيسير الدم وما تنجس به لم يجب إعلامه لان عبادته لا تفسد باستعماله في غير طهارة، وهذا أحد
احتمالات ثلاثة أطلقها في الفروع، وضعفه في تصحيح الفروع وصوب أنه يلزمه مطلقا، وقال: قدمه في الرعاية الكبرى انتهى. وهو ظاهر ما قطع به في المنتهى (وإن احتمل
[ 51 ]
تغير الماء بشئ فيه) أي في الماء (من نجس أو غيره عمل به) أي بذلك الاحتمال لان ما حصل في الماء وأمكن تغير الماء به سبب، فيحال الحكم عليه، والاصل عدم ما سواه. وإن لم يحتمل تغير الماء بما وقع فيه لكثرة الماء وقلة الساقط فيه لم يؤثر لانه لا يصلح هنا سببا، أشبه ما لو لم يقع فيه شئ، ولو كان بئر الماء ملاصقا لبئر فيها بول أو غيره من النجاسات وشك في وصوله إلى الماء فالماء طاهر بالاصل. وإن أحب علم حقيقة ذلك فليطرح في البئر النجسة نفطا فإن وجد رائحته في الماء علم وصوله إليه وإلا فلا. وإن وجده متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها ولم يعلم له سبب آخر فهو نجس لما سبق. ولو وجد متغيرا في غير هذه الصورة ولم يعلم سبب تغيره فهو طاهر. وإن غلب على ظنه نجاسته، ذكره في الشرح، (وإن احتملهما) أي التغير بالطاهر والنجس (فهو طاهر) أي مطهر، استصحابا للاصل، لعدم تحقق خروجه عنه. وإذا كان الماء قلتين وفيه نجاسة فغرف منه بإناء فالذي في الاناء طاهر والباقي نجس، إن كان الاناء كبيرا يخرجه عن التقريب. وإن ارتفعت النجاسة في الدلو فالماء الذي في الاناء نجس. والباقي طاهر. هذا معنى كلام ابن عقيل (وإن أخبره عدل مكلف ولو) كان (امرأة وقنا) الواو بمعنى أو. (ولو) كان المخبر (مستور الحال) لانه خبر لا شهادة، (أو) كان (ضريرا لان للضرير طريقا إلى العلم بذلك) أي بالنجاسة (بالخبر والحس) أي بأن يكون أخبره عدل بنجاسة، أو أحس بنجاسته بحاسة غير البصر (لا) إن أخبره (كافر وفاسق) ظاهر الفسق (ومجنون وغير بالغ) ولو مميزا (بنجاسته) أي الماء أو غيره (قبل) أي وجب عليه قبول خبره، والعمل به، فيكف عن استعماله لعلمه بنجاسته، (إن عين) المخبر (السبب) فإن لم يعينه لم يلزمه قبوله، لجواز أن
يكون نجسا عند المخبر دون المخبر، لاختلاف الناس في سبب نجاسة الماء. وقد يكون إخباره بنجاسته على وجه التوهم كالوسواس فلذلك اعتبر التعيين. وإن كان المخبر فقيها موافقا، كما نقل عن إملاء التقي الفتوحي. ولا يلزم السؤال عن السبب، قدمه في الفائق.
[ 52 ]
قلت: وكذا إذا أخبره بما يسلبه الطهورية مع بقاء الطهارة، فيعمل المخبر بمذهبه فيه. (فإن أخبره) العدل المكلف (أن كلبا ولغ) من باب نفع، أي شرب بأطراف لسانه (في هذا الاناء ولم يلغ في هذا) الاناء، (وقال) عدل مكلف (آخر) أي غير الاول (لم يلغ في الاول، وإنما ولغ في الثاني قبل) المخبر وجوبا (قول كل واحد منهما في الاثبات دون النفي. ووجب اجتنابهما) أي الاناءين (لانه يمكن صدقهما لكونهما) أي الولوغين (في وقتين) مختلفين اطلع كل واحد من العدلين على أحدهما دون الآخر (أو عينا كلبين) بأن قال أحدهما ولغ فيه هذا الكلب دون هذا الكلب وعاكسه الآخر، فيقبل خبرهما ويكف عنهما، لان كلا منهما مثبت لما نفاه الآخر، والمثبت مقدم لان معه زيادة علم، (وإن عينا كلبا واحدا و) عينا (وقتا لا يمكن شربه فيه منهما تعارضا وسقط قولهما) لانه لا يمكن صدقهما، ولا مرجح لاحدهما، كالبينتين إذا تعارضتا، (ويباح استعمال كل واحد منهما) لان الاصل الطهارة ولم يثبت ما يرفعه (فإن قال أحدهما: شرب من هذا الاناء، وقال الآخر: لم يشرب منه قدم قول المثبت) لما سبق (إلا أن يكون) المثبت (لم يتحقق شربه، مثل الضرير الذي يخبر عن حسه فيقدم قول البصير) لرجحانه بالمشاهدة واستصحابه بالاصل الطهارة، (وإن) علم نجاسة الماء الذي توضأ منه، و (شك هل كان وضوؤه قبل نجاسة الماء أو بعدها لم يعد) أي لم تجب عليه الاعادة لان الاصل الطهارة. قال في الفروع: لكن يقال: شكه في القدر الزائد، كشكه مطلقا. فيؤخذ من هذا لا يلزمه أن يعيد إلا ما تيقنه بماء نجس، وهو متجه، كشكه في شرط العبادة بعد فراغها. وعلى هذا لا يغسل ثيابه وآنيته. ونص أحمد يلزمه انتهى. وإن علم أن النجاسة كانت قبل وضوئه ولم يعلم أكان دون القلتين، أو كان قلتين
فنقص بالاستعمال أعاد، لان الاصل نقص الماء، (وإن شك في كثرة ماء وقعت فيه نجاسة) ولم تغيره (فهو نجس) لان اليقين كونه دون القلتين، (أو) شك (في نجاسة عظم) وقع في ماء أو غيره (فهو طاهر) استصحابا للاصل، (أو) شك (في) طهارة (روثة) وقعت في ماء أو غيره (فطاهرة) لما تقدم. نقله حرب وغيره فيمن وطئ روثة، فرخص فيه إذا لم يعلم ما
[ 53 ]
هي، (أو) شك (في جفاف نجاسة على ذباب أو غيره، فيحكم بعدم الجفاف) لانه الاصل. (أو) شك (في ولوغ كلب أدخل رأسه في إناء ثم) وجد، وفي بعض نسخ الفروع: وثم أي هناك - وجد (بفيه رطوبة فلا ينجس) لان الاصل عدم الولوغ (وإن أصابه ماء ميزاب ولا أمارة) على نجاسته (كره سؤاله) عنه لقول عمر لصاحب الحوض: لا تخبرنا (فلا يلزم جوابه) وأوجبه الازجي إن علم نجاسته، قال في الانصاف: وهو الصواب (وإن اشتبه طهور مباح بنجس، أو) اشتبه طهور مباح (بمحرم لم يتحر، ولو زاد عدد الطهور) أو المباح، خلافا لابي علي النجاد لانه اشتبه المباح بالمحظور في موضع لا تبيحه الضرورة، كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات، أو كان أحدهما بولا لان البول لا مدخل له في التطهير، (أو) أي ولو كان (النجس غير بول) فلا يتحرى. وإذا علم النجس استحب إراقته، ليزيل الشك عن نفسه (ووجب الكف عنهما) أي المشتبهين احتياطا للحظر. (كميتة) اشتبهت (بمذكاة لا ميتة في لحم مصر أو قرية) قال أحمد: أما شاتان لا يجوز التحري، فأما إذا كثرت فهذا غير هذا. ونقل الاثرم أنه قيل له: فثلاثة؟ قال: لا أدري. (ويتيمم) من عدم طهور غير المشتبه (من غير إعدامهما ولا خلطهما) خلافا للخرقي، لانه عادم للماء حكما (لكن إن أمكن تطهير أحدهما بالآخر) بأن يكون الطهور قلتين فأكثر وعنده إناء يسعهما (لزم الخلط) ليتمكن به من الطهارة الواجبة (وإن علم النجس بعد تيممه وصلاته فلا إعادة) كمن تيمم لعدم الماء، ثم وجده بعد أن صلى. وعلم منه أنه إذا علم في الصلاة وجب القطع والطهارة والاستئناف، وكذا الطواف (وإن
توضأ من أحدهما فبان أنه الطهور لم يصح وضوؤه) كما لو صلى قبل أن يعلم دخول الوقت فصادفه، وظاهره سواء تحرى أو لا، خلافا للانصاف، حيث قال: من غير
[ 54 ]
تحر. وعارضه في شرح المنتهى، (ويلزم التحري ل) - حاجة (أكل وشرب) لانه حال ضرورة (ولا يلزمه غسل فمه بعده) أي بعد الاكل والشرب، إذا وجد طهورا استصحابا لاصل الطهارة، وكذا لو تطهر من أحدهما لا يلزم غسل أعضائه وثيابه استصحابا للاصل. وقال ابن حمدان: يجب، وعلم منه أنه لا يجوز أن يأكل أو يشرب بلا تحر، (ولا يتحرى) من اشتبه عليه طاهر بنجس (مع وجود غير مشتبه) لعدم الحاجة إليه (وإن توضأ بماء، ثم علم نجاسته أعاد ما صلاه) من الفروض لبطلانه (حتى يتيقن براءته) ليخرج من العهدة بيقين، (وما جرى من الماء على المقابر فطهور، إن لم تكن نبشت) للحكم بطهارتها إذن، (وإن كانت) المقابر (قد تقلب ترابها فإن كانت أتت عليها الامطار طهرت، قاله في النظم) لان إزالة النجاسة لا يعتبر لها نية، والارض تطهر بالمكاثرة بالماء، (وإلا) أي وإن لم تكن أتت عليها الامطار (فهو نجس إن تغير بها) أي بالنجاسة لما تقدم، (أو) لم يتغير، لكن (كان قليلا) فينجس لملاقاته النجاسة. قلت: مقتضى ما سبق أنه طاهر لانه ورد على محل التطهير فلا ينجس بالملاقاة، والمنفصل عن الارض بعد زوال النجاسة طاهر كما تقدم في القسم الثاني، فيحمل كلامه على ما إذا كانت عين النجاسة موجودة (وإن اشتبه طاهر بنجس غير الماء كالمائعات) من خل ولبن وعسل (ونحوهما حرم التحري بلا ضرورة) ويجوز معها، وحيث جاز التحري عند الضرورة ولم يظهر له شئ تناول من أحدهما للضرورة (وإن اشتبه طاهر) غير مطهر (بطهور لم يتحر) أي لم يجتهد في الطهور منهما، كما لو اشتبه الطهور بالنجس (وتوضأ منهما وضوءا واحدا، من هذا غرفة ومن هذا غرفة يعم بكل غرفة المحل) من محال الوضوء، ليؤدي الفرض بيقين. ويجوز له هذا (ولو كان عنده طهور بيقين) لانه توضأ من ماء طهور بيقين (وصلى صلاة واحدة) أي فلا يلزمه أن يصلي الفرض
[ 55 ]
مرتين. (ولو توضأ من واحد) منهما (فقط ثم بان أنه مصيب أعاد) ما صلاه لعدم صحة وضوئه قلت: والغسل فيما تقدم كالوضوء. وكذا إزالة النجاسة (ولو احتاج إلى شرب تحرى وشرب الطاهر عنده) أي ما ظهر له أنه الطاهر، (وتوضأ بالطهور، ثم تيمم معه احتياطا، إن لم يجد طهورا غير مشتبه) ليحصل له اليقين (وإن اشتبهت ثياب طاهرة مباحة ب) - ثياب (نجسة) أو بثياب (محرمة ولم يكن عنده ثوب طاهر) بيقين، (أو) ثوب (مباح بيقين لم يتحر) لما تقدم في اشتباه الطهور بالنجس (وصلى في كل ثوب صلاة واحدة) يكررها (بعدد) الثياب (النجسة أو المحرمة، وزاد) على عدد النجسة، أو المحرمة (صلاة) ليصلي في ثوب طاهر يقينا (ينوي بكل صلاة الفرض) احتياطا، كمن نسي صلاة من يوم. وفرق أحمد بين ما هنا، وبين القبلة، والاواني بأن الماء يلصق ببدنه فيتنجس به، وأنه يباح صلاته فيه عند العدم، بخلاف الماء النجس. قال القاضي: ولان القبلة يكثر الاشتباه فيها، والتفريط هنا حصل منه بخلافها ولان لها أدلة تدل عليها، بخلاف الثياب. وقوله: ينوي بكل صلاة الفرض، يعني لانها معادة. والظاهر أنه تكفي نيتها ظهرا مثلا، إذ لا تتعين الفريضة، كما يأتي في باب النية، (وإن جهل) من اشتبهت عليه الثياب (عددها) أي عدد النجسة أو المحرمة (صلى) فرضه في كل ثوب منها. فيصلي في ثوب بعد آخر (حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر أو مباح) ينوي بكل صلاة الفرض كما تقدم، ليخرج من الواجب بيقين، وظاهره: ولو كثرت، لانه يندر جدا. وقال ابن عقيل: يتحرى في أصح الوجهين دفعا للمشقة. وإن اشتبه مباح بمكروه اجتهد. ويحتمل أن يصلي فيما شاء بدونه. ويحتمل أن يصلي بكل ثوب صلاة. وإن صلى بهما معا كره. قاله في الرعاية الصغرى (وكذا حكم الامكنة الضيقة) إذا تنجس بعضها واشتبهت ولا بقعة طاهرة بيقين. فإذا تنجست زاوية من بيت وتعذر خروجه منه وما يفرشه عليه صلى الفرض مرتين في زاويتين. وإن تنجس زاويتان صلى ثلاث مرات في ثلاث زوايا، وهكذا (ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحر) كصحراء
وحوش كبير تنجس بعضه واشتبه (ولا تصح إمامة من اشتبهت عليه الثياب) أو البقعة الضيقة (الطاهرة بالنجسة) لانه عاجز عن شرط الصلاة، وهو الطاهر المتيقن، (وإن اشتبهت أخته)
[ 56 ]
أو نحوها من محارمه (بأجنبية أو أجنبيات لم يتحر للنكاح) أي لم يجز له التحري للنكاح منهن (وكف عنهن) احتياطا للحظر، (و) إن اشتبهت أخته ونحوها (في قبيلة كبيرة، و) في (بلدة كبيرة) الواو بمعنى أو، ف (- له النكاح) منهن (من غير تحر) أي ولم يلزمه أن يتحرى. ونظيره ما تقدم في الميتة والمذكاة (ولا مدخل للتحري في العتق والطلاق) فإذا طلق واحدة من نسائه، أو أعتق واحدة من إمائه، ثم نسيها، أو كانت ابتداء مبهمة أقرع بينهن، كما يأتي. ولا تحري. والتحري والاجتهاد والتوخي متقاربة. ومعناها بذل المجهود في طلب المقصود. ولما كان الماء جوهرا سيالا احتاج إلى بيان أحكام أوانيه عقبه، فقال: باب الآنية الباب معروف، وقد يطلق على الضف، وهو ما يدخل منه إلى المقصود ويتوصل به إلى الاطلاع عليه، ويجمع على أبواب. وفي الازدواج على أبوبة (وهي) أي الآنية لغة وعرفا: (الاوعية) وهي ظروف الماء ونحوها. والآنية جمع إناء كسقاء. وأسقية، ووعاء وأوعية وجمع الآنية: أوان. والاصل أأني أبدلت الهمزة الثانية واوا، كراهية اجتماع همزتين كآدم وأوادم، وهو مشتق من الادمة أو من أديم الارض وهو وجهها (كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله ولو كان ثمينا كجوهر ونحوه) كالبلور والياقوت والزمرد، وغير الثمين كالخشب والزجاج والجلود والصفر والحديد. لما روى عبد الله بن زيد قال: أتانا رسول الله (ص) فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ رواه البخاري. وقد ورد أنه توضأ من جفنة ومن تور حجارة ومن إداوة ومن قربة، فثبت الحكم فيها لفعله، ما في معناها قياسا لانه مثلها ولان العلة المحرمة للنقدين مفقودة في الثمين، لكونه لا يعرفه إلا خواص
الناس، فلا يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، ولان إباحته لا تفضي إلى استعماله لقلته بخلاف النقدين فإنهما في مظنة الكثرة، فيفضي إلى الاستعمال. وكثرة أثمانها لا
[ 57 ]
تصلح جامعا كما في الثياب، فإنه يحرم الحرير وإن قل ثمنه، بخلاف غيره وإن بلغ ثمنه أضعاف ثمن الحرير. وكذلك يباح فص الخاتم جوهرة، ولو بلغ ثمنها مهما بلغ. ويحرم ذهبا ولو كان يسيرا. قاله في المبدع (إلا عظم آدمي وجلده) فيحرم اتخاذ إناء منه واستعماله لحرمته، (و) إلا (إناء مغصوبا) فيحرم لحق مالكه، (و) إلا (إناء ثمنه) المعين (حرام) فيحرم لحق مالكه، (و) إلا (آنية ذهب وفضة ومضببا بهما) أو بأحدهما (فيحرم) أي ما تقدم من الاتخاذ والاستعمال. أما تحريم الاتخاذ فلان ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال، كالملاهي. وأما ثياب الحرير فإنها لا تحرم مطلقا لانها تباح للنساء وتباح التجارة فيها. وأما تحريم الاستعمال فلما روى حذيفة قال: سمعت النبي (ص) يقول: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة وروت أم سلمة أن النبي (ص) قال: الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليهما. والجرجرة هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف وغير الاكل والشرب في معناهما. لان ذكرهما خرج مخرج الغالب، فلا يتقيد الحكم به (على الذكر والانثى) والخنثى مكلفا كان أو غيره، بمعنى أن وليه يأثم بفعل ذلك له، لعموم الاخبار وعدم المخصص. وإنما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إليه لاجل التزين للزوج. وما حرم اتخاذ الآنية منه حرم اتخاذ الآلة منه، (ولو) كانت (ميلا) بكسر الميم، وهو ما يكتحل به (ومثله) أي مثل الميل في تحريم اتخاذه واستعماله من الذهب والفضة وعظم الآدمي وجلده. (قنديل ومسعط) بضم الميم إناء يجعل فيه السعوط، وهو من النوادر التي جاءت بالضم. وقياسها الكسر لانه اسم آلة (ومجمرة ومدخنة وسرير وكرسي وخفان ونعلان ومشربة وملعقة وأبواب ورفوف قال) الامام (أحمد: لا تعجبني الحلقة. ونص)
أحمد (أنها) أي الحلقة (من الآنية) أي مثلها في الحكم، فتحرم مطلقا. وعند القاضي وغيره: هي كالضبة، فيكون فيها التفصيل الآتي نظرا إلى أنها تابعة للباب (ويحرم) اتخاذ
[ 58 ]
واستعمال إناء ونحوه (مموه) بذهب أو فضة بأن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيه الاناء من نحاس أو نحوه، فيكتسب منه لونه، (و) يحرم اتخاذ واستعمال إناء ونحوه (مطعم) بذهب أو فضة بأن يحفر في إناء من خشب أو غيره حفرا ويوضع فيها قطع ذهب أو فضة على قدرها، (و) يحرم اتخاذ استعمال إناء ونحوه (مطلي) بذهب أو فضة بأن يجعل الذهب أو الفضة كالورق ويطلى به الحديد ونحوه. وكثير فسر الطلاء بالتمويه، (و) يحرم اتخاذ واستعمال إناء ونحوه (مكفت ونحوه) كالمنقوش (منهما) أي من الذهب والفضة أو من أحدهما. والتكفيت: أن يبرد الاناء من حديد أو نحوه حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة، ثم يوضع فيها شريط دقيق من ذهب أو فضة يدق عليه حتى يلصق، كما يصنع بالمركب، لما روى ابن عمر أن النبي (ص) قال: من شرب من إناء ذهب، أو فضة، أو من إناء فيه شئ من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم رواه الدارقطني. ولان العلة التي لاجلها حرم الخاص، وهي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وتضييق النقدين موجودة في المموه ونحوه. وقيل: إن كان لو حك لاجتمع منه شئ حرم، وإلا فلا. (وتصح الطهارة) وضوءا كانت أو غسلا أو غيرهما (منها) أي من آنية الذهب والفضة وعظم الآدمي وجلده، بأن يغترف منها بيده، (و) تصح الطهارة أيضا (بها) أي بالآنية المذكورة، بأن يغترف الماء بها، (و) تصح الطهارة أيضا (فيها) بأن يتخذ إناء محرما على ما سبق يسع قلتين ويغتسل، أو يتوضأ داخله، (و) تصح الطهارة (إليها بأن يجعلها مصبا لفضل طهارته، فيقع فيها الماء المنفصل عن العضو) بعد غسله، (و) تصح الطهارة أيضا (من إناء مغصوب أو) من إناء (ثمنه) ولو معينا (حرام) وبه وفيه وإليه. والمسروق ونحوه كالمغصوب، (و) تصح الطهارة أيضا (في مكان مغصوب) بخلاف الصلاة لان الاناء والمكان ليسا شرطا
للطهارة فيعود النهي إلى خارج، أشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب. وأيضا أفعال الصلاة من القيام، والقعود، والركوع، والسجود في الدار المغصوبة فتحرم، بخلاف مسألتنا (إلا) المضبب ب (- ضبة يسيرة عرفا) أي في عرف الناس، لانه لم يرد تحديدها (من فضة لحاجة، كتشعيب قدح) احتاج إلى ذلك فيجوز تشعيبه واستعماله، لحديث أنس: إن قدح النبي (ص) انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة رواه البخاري. وهذا مخصص
[ 59 ]
لعموم الاحاديث المتقدمة، ولانه ليس فيه سرف ولا خيلاء بخلاف الكبيرة والتي لغير حاجة. وعلم منه أن ضبة الذهب حرام مطلقا، (وهي) أي الحاجة (أن يتعلق بها) أي الضبة (غرض غير زينة) بأن تدعو الحاجة إلى فعلها، لا أن لا تندفع بغيرها، فتجوز الضبة المذكورة عند انكسار القدح ونحوه (ولو وجد غيرها) أي غير الضبة اليسيرة من الفضة لان احتياجه إلى كونها من ذهب أو فضة بأن لا يجد غيرهما ضرورة، وهي تبيح المنفرد (وتباح مباشرتها) أي الضبة الجائزة (لحاجة) تدعو إلى مباشرتها، كاندفاق الماء بدون ذلك ونحوه، (و) مباشرتها (بدونها) أي بدون الحاجة (تكره) لان فيها استعمالا للفضة بلا حاجة في الجملة. ولا تحرم لاباحة الاتخاذ (وثياب الكفار كلهم) أهل الكتاب كاليهود والنصارى وغيرهم كالمجوس وعبدة الاوثان (وأوانيهم) أي أواني الكفار كلهم (طاهرة إن جهل حالها، حتى ما ولي عوراتهم) من الثياب كالسراويل. لانه (ص) وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة متفق عليه، لان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك، ولكن ما لاقى عوراتهم كالسراويل فروي عن أحمد أنه قال: أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيه. (كما لو علمت طهارتها، وكذا) حكم (ما صبغوه) أي الكفار كلهم (أو نسجوه، و) كذا (آنية مدمني الخمر) وثيابهم، (و) آنية (من لابس النجاسة كثيرا وثيابهم) طاهرة (وبدن الكافر، ولو من لا تحل ذبيحته) طاهر، لانه لا يجب بجماع الكتابية غير ما يجب بنكاح المسلمة. وقوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * أي من حيث الاعتقاد أو نحوه مما أجيب به عنه
(وطعامه) أي الكافر (وماؤه طاهر مباح) لقوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) *، (وتصح الصلاة في ثياب المرضعة، و) ثياب (الحائض، و) ثياب (الصبي) ونحوهم كمدمني الخمر. لان الاصل طهارتها (مع الكراهة) احتياطا للعبادة. قال في الانصاف قدمه في مجمع البحرين. وعنه لا يكره انتهى. وقال في الشرح: وتباح الصلاة في ثياب الصبيان والمربيات وفي ثوب المرأة التي
[ 60 ]
تحيض فيه، إذا لم تتحقق نجاسته. واستدل له، ثم قال: قال أصحابنا: والتوقي لذلك أولى، لاحتمال النجاسة فيه (ما لم تعلم نجاستها) فلا تصح الصلاة فيها كثياب المسلمين، (ولا يجب غسل الثوب المصبوغ في حب الصباغ، مسلما كان) الصباغ (أو كافرا نصا) قيل لاحمد عن صبغ اليهود بالبول، فقال: المسلم والكافر في هذا سواء. ولا يسأل عن هذا، ولا يبحث عنه، فإن علمت فلا تصل فيه حتى تغسله (وإن علمت نجاسته طهر بالغسل) المعتبر (ولو بقي اللون) بحاله. وسأله أبو الحرث عن اللحم يشترى من القصاب قال: يغسل. وقال الشيخ تقي الدين: بدعة. روي عن عمر: نهانا الله عن التعمق والتكلف وقال ابن عمر: نهينا عن التكلف والتعمق (ولا يطهر جلد ميتة نجس بموتها بدبغه) هذا قول عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين، لما روى عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله (ص) قبل وفاته بشهر أو شهرين: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب رواه الخمسة، ولم يذكر التوقيت غير أبي داود وأحمد. وقال ما أصح إسناده. وقال أيضا: حديث ابن عكيم أصحها وفي رواية الطبراني والدارقطني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهو دال على سبق الرخصة وأنه متأخر، وإنما يؤخذ بالآخر من أمره عليه السلام. لا يقال: هو مرسل، لكونه من كتاب لا يعرف حامله. لان كتبه عليه السلام كلفظه. ولهذا كان يبعث كتبه إلى النواحي بتبليغ الاحكام. فإن قيل: الاهاب اسم للجلد قبل الدبغ، وقاله النضر بن
شميل؟ أجيب: بمنع ذلك، كما قاله طائفة من أهل اللغة، يؤيده أنه لم يعلم أن النبي (ص) رخص في الانتفاع به قبل الدبغ، ولا هو من عادة الناس. تتمة: قال في المصباح: المراد بالميتة ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة، أما في الفاعل أو المفعول. فما ذبح للصنم، أو في الاحرام، أو لم يقطع منه الحلقوم ميتة.
[ 61 ]
وكذا ذبح ما لا يؤكل لا يفيد الحل ولا الطهارة اه. والموت عدم الحياة عما من شأنه الحياة قاله في المطول. وقال السيد: عدم الحياة عمن اتصف بها وهو الاظهر. (ويجوز استعماله) أي الجلد المدبوغ من ميتة طاهرة في الحياة فقط (في يابس بعد دبغه) لانه عليه الصلاة والسلام وجد شاة ميتة أعطتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال عليه السلام: ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟ رواه مسلم. ولان الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم، وذبائحهم ميتة ونجاسته لا تمنع الانتفاع به، كالاصطياد بالكلب وركوب البغل والحمار. ومفهوم كلامه أنه لا يباح الانتفاع به قبل الدبغ مطلقا، لمفهوم الحديث. قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: فأما قبل الدبغ فلا ينتفع به قولا واحدا. و (لا) الانتفاع به بعد الدبغ (في مائع) من ماء أو غيره، لانه يفضي إلى تعدي النجاسة. (قال) أبو الوفاء علي (ابن عقيل ولو لم ينجس الماء بأن كان) جلد الميتة المدبوغ (يسع قلتين فأكثر) قال: لانها نجسة العين. أشبهت جلد الخنزير. وجوزه الشيخ تقي الدين إذن (ف) - على رواية أنه يباح الانتفاع به بعد الدبغ في يابس (يباح الدبغ) لما يترتب عليه من الانتفاع به. وعلم منه أنه لا يباح دبغه على رواية أنه لا ينتفع به، حتى في اليابس قال في تصحيح الفروع: الصواب أنه أقرب إلى التحريم، إذ لا فائدة في ذلك وهو عبث، (ويحرم بيعه) أي جلد الميتة (بعد الدبغ) وإن قلنا يباح الانتفاع به في يابس، لانه جزء من ميتة. فلا يكون قابلا للعوض، عملا بالنصوص الدالة على تحريم ثمنه وبيعه (ك) - ما
يحرم بيع جلد الميتة النجس (قبله) أي قبل الدبغ، لما تقدم (وعنه) أي عن الامام (يطهر منها) أي من جلود الميتة (جلد ما كان طاهرا في الحياة) من إبل، وبقر، وغنم، وظباء ونحوها، (ولو) كان جلدا لحيوان (غير مأكول) كالهر وما دونه خلقة. قال في الفروع: ونقل جماعة أخيرا طهارته وعنه مأكول اللحم اختارها جماعة والمذهب الاول عند الاصحاب، لعدم رفع التواتر بالآحاد. وخالف شيخنا وغيره، يؤيده نقل الجماعة: لا يقنت في الوتر إلا في النصف الاخير
[ 62 ]
من رمضان. ونقل خطاب بن بشير: كنت أذهب إليه ثم رأيت السنة كلها، وهو المذهب عند الاصحاب. قال القاضي: وعندي أن أحمد رجع عن القول الاول، لانه صرح به في رواية خطاب. قال ابن نصر الله: وفيه نظر، لان رواية خطاب فيها زيادة على رواية الجماعة، وبيان رجوعه عنها بخلاف روايتي الدباغ (ف) - على رواية أنه يطهر بالدباغ (يشترط غسله) أي الجلد (بعده) أي بعد الدباغ، كما لو أصابته نجاسة سوى آلة الدبغ، (ويحرم أكله) لانه جزء من الميتة، فيدخل تحت قوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) *، و (لا) يحرم (بيعه) على رواية طهارته كسائر الطاهرات (ولا يطهر جلد ما كان نجسا في حياته) كالكلب (بذكاة ك) - ما لا يطهر (لحمه) بها لانه ليس محلا للذكاة، فهو ميتة (فلا يجوز ذبحه لذلك) أي لجلده أو لحمه، لانه عبث وإضاعة لما قد ينتفع به، (ولا) يجوز ذبحه أيضا (لغيره) كلاراحته (ولو) كان (في الترع) وكذا الآدمي بل أولى. ولو وصل إلى حالة لا يعيش فيها عادة، أو كان بقاؤه أشد تأليما له. وقد عمت بذلك البلوى، (ولا يحصل الدبغ بنجس) كالاستجمار. وفي الرعاية: بلى. ويغسل بعده (ولا) يحصل الدبغ (بغير منشف للرطوبة منق للخبث، بحيث لو نقع الجلد بعده في الماء فسد) كالشب والقرظ. لانه يحصل به مقصود الدباغ (ولا بتشميس) الجلد (ولا بتتريب) - ه (ولا بريح) لما سبق (وجعل المصران وترا دباغ وكذا) جعل (الكرش) وترا دباغ لانه المعتاد فيه ولا يفتقر الدبغ إلى
فعل. فلو وقع جلد في مدبغة فاندبغ كفى. لانه إزالة نجاسة، فأشبه المطر ينزل على الارض النجسة (ويحرم افتراش جلود السباع) من البهائم والطير إذا كانت أكبر من الهر خلقة (مع الحكم بنجاستها) قبل الدباغ وبعده لما روى أبو داود عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه: أن رسول الله (ص) نهى عن جلود السباع وأما على القول بطهارتها حال الحياة فيجوز بعد دبغها، كجلد الهر وما دونه خلقة. واللبس كالافتراش، لحديث المقدام بن معد يكرب أنه قال لمعاوية أنشدك الله، هل تعلم أن رسول الله (ص) نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها، قال: نعم رواه أبو داود، وقولهم في ستر العورة: ويكره لبسه وافتراشه جلدا مختلفا في نجاسته، أي من حيث إنه مختلف فيه لا من حيث الحكم
[ 63 ]
بنجاسته، كما يشير إليه قول المصنف: مع الحكم بنجاستها (ويكره الخرز بشعر خنزير) لانه استعمال للعين النجسة، ولا يسلم من التنجيس بها غالبا، (ويجب غسل ما خرز به رطبا) لتنجيسه (ويباح) استعمال (منخل) بضم الميم والخاء المعجمة (من شعر نجس في يابس) لعدم تعدي نجاسته، كركوب البغل والحمار، بخلاف استعماله في رطب (ويكره الانتفاع بالنجاسات) أي في الجملة، فلا يرد ما تقدمت إباحته أو تحريمه. قال في الفروع: ويعتبر أن لا ينجس. ثم قال: واحتج بعضهم بتجويز جمهور العلماء الانتفاع بالنجاسة لعمارة الارض للزرع مع الملابسة لذلك عادة. وسأله الفضل عن غسل الصائغ الفضة بالخمر: هل يجوز؟ قال: هذا غش لانها تبيض به (وجلد الثعلب كلحمه) على الخلاف فيه. والمذهب لا يؤكل لحمه فلا يدبغ جلده ولا ينتفع به (ولبن الميتة) نجس لانه مائع لاقى وعاء نجسا فتنجس (وإنفحتها) بكسر الهمزة وتشديد الحاء المهملة. وقد تكسر الفاء: شئ يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر فيصر في صوفة فيغلظ كالجبن، قاله في القاموس، نجسة، لما تقدم، (وجلدتها) أي جلدة أنفحة الميتة نجسة (وعظمها) أي الميتة (وقرنها وظفرها وعصبها وحافرها وأصول شعرها) إذا نتف (و) أصول (ريشها إذا نتف وهو رطب أو
يابس نجس) لانه من جملة أجزاء الميتة، أشبه سائرها. ولان أصول الشعر، والريش جزء من اللحم لم يستكمل شعرا ولا ريشا (وصوف ميتة طاهرة في الحياة) كالغنم طاهر (وشعرها ووبرها وريشها) طاهر (ولو) كانت (غير مأكولة، كهر وما دونها في الخلقة) كابن عرس والفار، لقوله تعالى: * (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) * والآية سيقت للامتنان فالظاهر شمولها لحالتي الحياة والموت والريش مقيس على هذه الثلاثة. تتمة: حرم في المستوعب نتف ذلك من حي لايلامه وكرهه في النهاية (وعظم سمك ونحوه) من حيوانات البحر المأكولة طاهر كلحمه (وباطن بيضة مأكول صلب قشرها طاهر (لانها منفصلة عن الميتة، أشبهت ولد الميتة إذا خرج حيا. وكراهية علي وابن عمر محمولة على التنزيه، استقذارا لها. ويطهر ظاهرها بالغسل لان لها من القوة ما يمنع دخول أجزاء النجاسة فيها (وما أبين) أي انفصل (من حي من قرن وألية ونحوهما) كحافر وجلد
[ 64 ]
(فهو كميتته) طهارة أو نجاسة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة رواه الترمذي، قال: حسن غريب. ودخل في كلامه ما يتساقط من قرون الوعول. ويستثنى من ذلك الطريدة، وتأتي. والولد والبيضة إذا صلب قشرها والصوف ونحوه مما تقدم، والمسك وفأرته ويأتي (ولا يجوز استعمال شعر الآدمي) مع الحكم بطهارته (لحرمته) أي احترامه. قال تعالى: * (ولقد كرمنا بني آدم) * وكذا عظمه وسائر أجزائه (وتصح الصلاة فيه لطهارته) قلت: لعل محله إذا لم يتخذ منه ما يستر به عورته، فإن فعل لم تصح كمن صلى في حرير وأولى. (والمسك وجلدته) طاهران لانه منفصل بطبعه، أشبه الولد، (ودود القز) وبزره، (ودود الطعام) طاهر، (ولعاب الاطفال) طاهر، لحديث أبي هريرة: رأيت النبي (ص) حامل الحسين بن علي على عاتقه ولعابه يسيل عليه
قلت: ظاهره ولو تعقب قيئا ولم تغسل أفواههم، لمشقة التحرز. كالهر إذا أكل نجاسة ثم شرب من ماء (وما سال من فم عند نوم طاهر) كالعرق والريق. باب الاستطابة، وآداب التخلي الاستطابة، والاستنجاء، والاستجمار: عبارة عن إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه. فالاستطابة والاستنجاء يكونان تارة بالماء، وتارة بالاحجار. والاستجمار مختص بالاحجار، مأخوذ من الجمار وهي الحصى الصغار. قال في القاموس: واستطاب استنجى كأطاب انتهى. سمي استطابة لان نفسه تطيب بإزالة الخبث، واستنجاء من نجوت الشجرة وأنجيتها إذا قطعتها، كأنه يقطع الاذى عنه. وقال ابن قتيبة من النجوة، وهي ما يرتفع من الارض. وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجته يستتر بنجوة. قال الازهري عن القول الاول: هو أصح. قال في الحاشية: أول من استنجى بالماء إبراهيم عليه السلام. والمراد بآداب
[ 65 ]
التخلي ما ينبغي فعله حال الدخول والخروج وقضاء الحاجة وما يتعلق بذلك (يسن أن يقول عند دخوله الخلاء) بالمد أي المكان المعد لقضاء الحاجة: (بسم الله) لحديث علي يرفعه: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوي، ثم يقول: (اللهم إني أعوذ بك) أي ألجأ إليك (من الخبث) بإسكان الباء، قاله أبو عبيدة، ونقل القاضي عياض، أنه أكثر روايات الشيوخ. وفسره بالشر (والخبائث) بالشياطين، فكأنه استعاذ من الشر وأهله. وقال الخطابي: هو بضم الباء، وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم. وقيل: الخبث الكفر، والخبائث الشياطين، ولم يزد في الغنية، والمحرر، والفروع على ما ذكره المصنف، لحديث أنس أن النبي (ص): كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث متفق عليه، قال في الفروع: روى البخاري إذا أراد دخوله وفي رواية لمسلم أعوذ بالله انتهى. وروى أبو أمامة أن رسول الله (ص) قال: لا
يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم رواه ابن ماجه واقتصر عليه في الوجيز، وجمع بين الخبرين في المستوعب والمقنع والبلغة والمنتهى (ويكره دخوله) أي الخلاء (بما فيه ذكر الله بلا حاجة) إلى ذلك، لحديث أنس: كان رسول الله (ص) إذا دخل الخلاء نزع خاتمه رواه الخمسة إلا
[ 66 ]
أحمد، وصححه الترمذي، وقد صح أن نقش خاتمه محمد رسول الله ولان الخلاء موضع القاذورات، فشرع تعظيم اسم الله وتنزيهه عنه، فإن احتاج إلى دخوله به بأن لم يجد من يحفظه وخاف ضياعه فلا بأس، قال في المبدع: حيث أخفاه (لا دراهم ونحوها) كدنانير عليها اسم الله (فلا بأس به) أي بدخوله بها (نصا) قال في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: أرجو أن لا يكون به بأس، وفي المستوعب: أن إزالة ذلك أفضل (ومثلها) أي الدراهم (حرز) فلا بأس بالدخول بها قياسا على الدراهم. قال صاحب النظم. وأولى، وما ذكره المصنف من استثناء الدراهم ونحوها تبع فيه الفروع وقد جزم بذلك جماعة قال في تصحيح الفروع: ظاهر كلام كثير من الاصحاب أن حمل الدراهم ونحوها كغيرها في الكراهة، ثم رأيت ابن رجب ذكر في كتاب الخواتيم أن أحمد نص على كراهة ذلك في رواية إسحاق بن هانئ، وقال في الدراهم: إذا كان فيه اسم الله أو مكتوبا عليه * (قل هو الله أحد) * يكره أن يدخل اسم الله الخلاء، (لكن يجعل فص خاتم) احتاج إلى دخول الخلاء به (في باطن كفه اليمنى) إذا كان مكتوبا عليه اسم الله، لئلا يلاقي النجاسة أو يقابلها، قال في المبدع: ويتوجه إلى اسم الرسول كذلك، وأنه لا يختص بالبنيان. (ويحرم) دخول الخلاء (بمصحف إلا لحاجة) قال في الانصاف: لا شك في تحريمه قطعا، ولا يتوقف في هذا عاقل اه. قلت: وبعض المصحف كالمصحف (ويستحب أن ينتعل) عند دخوله الخلاء لانه (ص) كان إذا دخل المرفق لبس حذاءه وغطى رأسه رواه ابن سعد عن حبيب بن صالح
مرسلا، (و) يستحب أيضا أن (يقدم رجله اليسرى دخولا) أي في دخول الخلاء، (و) أن يقدم (يمنى) رجليه (خروجا) منه، لما روى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة: من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر ولان اليسرى للاذى واليمنى لما سواه، لانها أحق بالتقديم إلى الاماكن الطيبة، وأحق بالتأخير عن الاذى ومحله، (و) الذي يريد قضاء حاجته (في غير البنيان أن يقدم يسراه) أي يسرى رجليه (إلى موضع جلوسه، و) يقدم (يمناه
[ 67 ]
عند منصرفه) منه (مع) إتيانه ب (- ما تقدم) عند دخوله الخلاء، لان موضع قضاء حاجته في الصحراء في معنى الموضع المعد لذلك في البنيان، (ومثله) أي مثل الخلاء في تقديم اليسرى دخولا واليمنى خروجا (حمام ومغتسل ونحوهما) من أماكن الاذى كالمزبلة والمجزرة، وكذا خلع نعل ونحوه (عكس مسجد ومنزل ونعل) أي انتعال (ونحوه) كخف وسرموزة (وقميص ونحوه) كقباء، فيدخل يده اليمنى قبل اليسرى في اللبس، ويقدم اليسرى في الخلع (ويسن أن يعتمد) عند قضاء حاجته (على رجله اليسرى وينصب) رجله (اليمنى) بأن يضع أصابعها على الارض ويرفع قدمها، لحديث سراقة بن مالك قال: أمرنا رسول الله (ص) أن نتكئ على اليسرى، وننصب اليمنى رواه الطبراني والبيهقي، ولانه أسهل لخروج الخارج. (و) يسن أن (يغطي رأسه) لحديث عائشة: كان رسول الله (ص) إذا دخل الخلاء غطى رأسه وإذا أتى أهله غطى رأسه رواه البيهقي من رواية محمد بن يونس الكديمي، وكان يتهم بوضع الحديث، (ولا يرفعه إلى السماء) لانه محل يحضره الشياطين فتعبث به، فلذلك طلب منه أن يكون على أكمل الاحوال. (ويسن) لمن أراد قضاء الحاجة (في فضاء بعده) لحديث جابر أن النبي (ص): كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد رواه أبو داود، (و) يسن (استتاره عن ناظره) لخبر أبي هريرة مرفوعا: من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج رواه أبو داود. وروى عبد الله بن جعفر قال: كان
أحب ما استتر به رسول الله (ص) لحاجته هدف أو حائش نخل رواه مسلم، وفسر بأنه جماعة النخل، لا واحد له من لفظه. (و) يسن (طلبه مكانا رخوا) بتثليث الراء والكسر
[ 68 ]
أشهر، أي لينا هشا (لبوله) لخبر أبي موسى قال: كنت مع النبي (ص) ذات يوم، فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال، ثم قال: إذا بال أحدكم فليرتد لبوله رواه أحمد وأبو داود، وفي التبصرة: ويقصد مكانا علوا اه. أي لينحدر عنه البول (ولصق ذكره بصلب) بضم الصاد أي شديد إن لم يجد مكانا رخوا، لانه يأمن بذلك من رشاش البول. (و) يسن (أن يعد أحجار الاستجمار قبل جلوسه) لقضاء حاجته لحديث: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه رواه أبو داود (ويكره رفع ثوبه إن بال قاعدا قبل دنوه من الارض بلا حاجة) إلى ذلك، لما روى أبو داود من طريق رجل لم يسمه، وقد سماه بعض الرواة: القاسم بن محمد عن ابن عمر أن النبي (ص) كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض ولان ذلك أستر له، والمراد أنه يرفع ثوبه شيئا فشيئا (فإذا قام أسبله عليه قبل انتصابه) قال في المبدع: ولعله يجب إن كان ثم من ينظره. (و) يكره حال قضاء الحاجة (استقبال شمس وقمر) بلا حائل، لما فيهما من نور الله تعالى. وقد روي أن معهما ملائكة وأن أسماء الله تعالى مكتوبة عليها. (و) يكره استقبال (مهب ريح بلا حائل) خشية أن يرد عليه البول فينجسه (ومس فرجه بيمينه في كل حال) سواء حال البول وغيره، لخبر أبي قتادة يرفعه: لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه متفق عليه، وغير حال البول مثله وأولى، لان وقت البول يحتاج فيه إلى مس الذكر، فإذا نهى عن إمساكه باليمين وقت الحاجة فغيره أولى، وخصه بعضهم بحال البول لظاهر الخبر، (وكذا) يكره في كل حال (مس فرج أبيح له مسه) بيمينه، كفرج زوجته وأمته ومن دون سبع، قياسا على فرجه تشريفا
[ 69 ]
لليمنى. (و) يكره أيضا (استجماره) بيمينه (واستنجاؤه بها لغير ضرورة) كما لو قطعت يساره أو شلت (أو حاجة) كجراحة بيساره، لخبر أبي قتادة وتقدم، وحديث سلمان قال: نهانا رسول الله (ص) عن كذا، وأن نستنجي باليمين رواه مسلم. تتمة: إن عجز عن الاستنجاء بيده وأمكنه برجله أو غيرها فعل، وإلا فإن أمكنه بمن يجوز له نظره من زوجة أو أمة لزمه، وإلا تمسح بأرض أو خشبة ما أمكن، فإن عجز صلى على حسب حاله، وإن قدر بعد على شئ من ذلك لم يعد. ذكره ابن عبد الهادي في بغيته بمعناه، قلت: بل متى قدر عليه ولو بأجرة يقدر عليها لزمه، ولو ممن لا يجوز له نظره لانه محل حاجة كما يأتي في المريض وأولى (فإن كان استجماره من غائط أخذ الحجر بيساره فمسح به) دبره ثلاث مسحات منقيات أو أكثر على ما يأتي بيانه، (وإن كان) استجماره (من بول أمسك ذكره بشماله ومسحه) أي ذكره (على الحجر) الكبير، ولا يمسكه بيمينه لعدم الحاجة إليه (فإن كان الحجر صغيرا أمسكه بين عقبيه أو بين إبهامي قدميه ومسح عليه) ذكره (إن أمكنه) ذلك لاغنائه عن إمساكه بيمينه (وإلا) بأن لم يمكنه ذلك، كجالس في الا خلية المبنية (أمسك الحجر بيمينه) للحاجة (ومسح بيساره الذكر عليه) فتكون اليسار هي المتحركة وعلم منه أنه يكره ذلك مع عدم الحاجة إليه، وأنه لا يكره استنجاؤه بيمينه لحاجة أو ضرورة، قال في التلخيص: يمينه أولى من يسار غيره (وإن استطاب بها) أي بيمينه ولا ضرورة ولا حاجة (أجزأه) لان النهي عن ذلك نهي تأديب لا نهي تحريم، (وتباح المعونة بها) أي باليمين (في الماء) إذا استنجى به، بأن يصب بها الماء على يساره لدعاء الحاجة إليه غالبا (ويكره بوله في شق) بفتح الشين: واحد الشقوق، (و) في (سرب) بفتح السين والراء، عبارة عن الثقب، وهو ما يتخذه الدبيب والهوام بيتا في الارض لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله (ص) أن يبال في الجحر، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال: إنها مساكن الجن رواه أحمد وأبو داود. وقد روي أن سعد بن عبادة بال بجحر بالشام ثم استلقى ميتا، فسمع من بئر بالمدينة قائل يقول:
[ 70 ]
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد، ولانه يخاف أن يخرج ببوله دابة تؤذيه أو ترده عليه فتنجسه، ومثل السرب ما يشبهه (ولو) كان (فم بالوعة) لما تقدم. (و) يكره بوله في (ماء راكد) لخبر: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم وتقدم، (و) يكره بوله في (قليل جار) لانه يفسده وينجسه، ولعلهم لم يحرموه لان الماء غير متمول عادة، أو لانه يمكن تطهيره بالاضافة كما تقدم، (و) يكره بوله (في إناء بلا حاجة) إليه من نحو مرض، فإن كانت لم يكره، لقول أميمة بنت رقيقة عن أمها: كان للنبي (ص) قدح من عيدان يبول فيه، ويضعه تحت السرير رواه أبو داود والنسائي، والعيدان بفتح العين المهملة طوال النخل، (و) يكره بوله في (نار لانه يورث السقم، و) في (رماد) ذكره في الرعاية، (و) في (موضع صلب) إلا إذا لم يجد مكانا رخوا ولصق ذكره به لما تقدم، (و) يكره بوله (في مستحم غير مقير أو مبلط) لما روى أحمد وأبو داود عن رجل صحب النبي (ص) قال: نهى النبي (ص) أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله وقد روى أن عامة الوسواس منه رواه أبو داود وابن ماجه (فإن بال في) المستحم (المقير أو المبلط) أو المجصص ونحوه (ثم أرسل عليه الماء قبل اغتساله فيه) قال الامام أحمد: إن صب عليه الماء وجرى في البالوعة (فلا بأس) للامن من التلويث، ومثله مكان الوضوء كما في المبدع (ويكره أن يتوضأ) على موضع بوله أو أرض متنجسة لئلا يتنجس، (أو) أي ويكره أن (يستنجي على موضع بوله، أو) على (أرض متنجسة لئلا يتنجس) بالرشاش الساقط عليها، (ويكره استقبال القبلة في فضاء باستنجاء أو استجمار) تشريفا لها. وظاهر كلامه كغيره لا يكره استدبارها إذن. (و) يكره (كلامه في الخلاء، ولو سلاما أو رد سلام) لما روى ابن عمر قال: مر بالنبي (ص) رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه رواه مسلم وأبو داود، وقال: يروى أن
[ 71 ]
النبي (ص) تمم ثم رد على الرجل السلام، (ويجب) الكلام على من في الخلاء كغيره (لتحذير معصوم عن هلكة كأعمى وغافل) يحذره عن بئر أو حية أو نحوها، لان مراعاة حفظ المعصوم أهم، (ويكره السلام عليه) أي على المتخلي، فلا يجب رده، ويأتي في أواخر الجنائز (فإن عطس) المتخلي (أو سمع أذانا حمد الله) عقب العطاس بقلبه (وأجاب) المؤذن (بقلبه) دون لسانه، ذكره أبو الحسين وغيره ويأتي في الاذان، ويقضيه متخل ومصل (و) يكره (ذكر الله فيه) أي في الخلاء لما تقدم، و (لا) يكره ذكر الله في الخلاء (بقلبه) دون لسانه (وتحرم القراءة فيه، وهو) متوجه (على حاجته) جزم به صاحب النظم. وظاهر كلام صاحب المحرر وغيره يكره، لانه ذكر أنه أولى من الحمام، لمظنة نجاسته وكراهة ذكر الله فيه خارج الصلاة، قاله في الفروع. وفي الغنية لا يتكلم، ولا يذكر الله، ولا يزيد على التسمية والتعوذ. (و) يحرم (لبثه) في الخلاء (فوق حاجته) لا فرق بين أن يكون في ظلمة أو حمام، أو بحضرة ملك أو جني أو حيوان أو لا، ذكره في الرعاية (وهو) أي لبثه فوق حاجته (مضر عند الاطباء) قيل: إنه يدمي الكبد، ويورث الباسور (وكشف عورة بلا حاجة) إليه. (و) يحرم (بوله وتغوطه في طريق مسلوك) لحديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: اتقوا اللاعنين قالوا: وما اللاعنين؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم رواه مسلم. (و) يحرم (تغوطه في ماء) قليل أو كثير راكد أو جار، لانه يقذره، ويمنع الناس الانتفاع به، و (لا) يحرم التغوط في (البحر) لانه لا تعكره الجيف، (ولا) يحرم تغوطه في (ما أعد لذلك ك) - النهر (الجاري في المطاهر) بدمشق لانه لا يستعمل عادة. (ويحرم بوله وتغوطه على ما نهي عن استجمار) ه به ك (- روث وعظم، وعلى ما يتصل بحيوان، كذنبه، ويده، ورجله، و) على (يد المستجمر وعلى ما له حرمة كمطعوم) لآدمي أو بهيمة. لان ذلك أبلغ من الاستجمار بها في التقذير. فيكون أولى بالتحريم. (و) يحرم تغوطه وبوله (على قبور
[ 72 ]
المسلمين وبينها) أي بين قبورهم (ويأتي آخر الجنائز) موضحا. (و) يحرم البول والتغوط
(على علف دابة وغيرها) وهذا داخل في قوله: كمطعوم. (و) يحرم بوله وتغوطه في (ظل نافع) لحديث أبي هريرة المتقدم، وإضافة الظل إليهم دليل على إرادة المنتفع به (ومثله متشمس) الناس (زمن الشتاء) لانه في معناه، (و) مثله (متحدث الناس) إن لم يكن بنحو غيبة، وإلا فيفرقهم بما استطاع. (و) يحرم بوله وتغوطه (تحت شجرة عليها ثمرة مقصودة) مأكولة أو لا. لانه يفسدها وتعافها الانفس. فإن لم يكن عليها جاز إن لم يكن لها ظل نافع، لان أثر ذلك يزول بمجئ الامطار إلى مجئ الثمرة، وأجاب بعضهم عن بوله عليه السلام تحت الاشجار والنخل بأن الارض تبلع فضلته. (و) يحرم بوله وتغوطه في (مورد ماء) لحديث معاذ: أن النبي (ص) قال: اتقوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل رواه أبو وابن ماجه. (و) يحرم (استقبال القبلة واستدبارها) حال البول والغائط (في فضاء) لقول أبي أيوب: إن النبي (ص) قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها: ولكن شرقوا أو غربوا رواه الشيخان. ولان جهة القبلة أشرف الجهات فصينت عن ذلك، و (لا) يحرم استقبالها، ولا استدبارها في (بنيان) لما روى الحسن بن ذكوان عن مروان الاصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته، ثم جلس يبول إليها. فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ فقال: إنما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم، وقال: على شرط البخاري والحسن وإن كان ضعفه جماعة فقد قواه جماعة وروى له البخاري، فهذا تفسير لنهيه عليه السلام العام، فتحمل أحاديث النهي على الفضاء، وأحاديث الرخصة على البنيان (ويكفي انحرافه) عن الجهة نقله أبو داود،
[ 73 ]
ومعناه في الخلاف. وظاهر كلام المجد والشيخ تقي الدين لا يكفي، (و) يكفي (حائل) بينه وبين القبلة (ولو) كان الحائل (كمؤخرة رحل) بضم الميم وسكون الهمزة، ومنهم من يثقل الخاء، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب (ويكفي الاستتار بدابة) لفعل ابن عمر،
وتقدم (و) ب (- جدار وجبل ونحوه) كشجرة، (و) يكفي (إرخاء ذيله) لحصول التستر به، قال في الفروع، (و) ظاهر كلامهم (لا يعتبر قربه منها) أي من السترة (كما لو كان في بيت) فإنه لا يعتبر قربه من جداره (وإلا) أي وإن لم نقل لا يعتبر قربه منها، بل قلنا يعتبر، ف (- كسترة صلاة) ثلاثة أذرع فأقل. قال في الفروع: ويتوجه وجه كسترة صلاة، يؤيده أنه يعتبر كآخرة الرحل، لستر أسافله. وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: (بحيث تستر أسافله) ليحصل المقصود من عدم المواجهة (ولا يكره البول قائما ولو لغير حاجة إن أمن تلوثا وناظرا) لخبر الصحيحين عن حذيفة أن النبي (ص): أتى سباطة قوم فبال قائما والسباطة الموضع الذي تلقى فيه القمامة والاوساخ، (ولا) يكره (التوجه إلى بيت المقدس) في ظاهر نقل إبراهيم بن الحارث. وهو ظاهر ما في الخلاف. وجعل النهي حين كان قبلة. ولا يسمى بعد النسخ قبلة، وذكر ابن عقيل في النسخ بقاء حرمته. وظاهر نقل حنبل فيه يكره. تتمة: والاولى أن يقول: أبول. ولا يقول: أريق الماء. وفي النهي خبر ضعيف، بل في بعض ألفاظ الصحيحين ما يدل على جوازه. فصل: (فإذا انقطع بوله استحب) له (مسح ذكره بيده اليسرى من حلقة الدبر إلى رأسه) أي
[ 74 ]
الذكر (ثلاثا) لئلا يبقى شئ من البلل في ذلك المحل، فيضع أصبعه الوسطى تحت الذكر والابهام فوقه ثم يمرهما إلى رأس الذكر، (و) يستحب (نتره) بالمثناة أي الذكر (ثلاثا) قال في القاموس: استنتر من بوله اجتذبه، واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء حريصا عليه مهتما به انتهى. وإذا استنجى في دبره استرخى قليلا ويواصل صب الماء حتى ينقى ويتنظف، (والاولى) وفي شرح المنتهى. وسن (أن يبدأ ذكر) بقبل، لئلا تتلوث يده إذا بدأ بالدبر لان قبله بارز. (و) أن تبدأ (بكر بقبل) إلحاقا لها بالذكر لوجود عذرتها (وتخير ثيب) في
البداءة بالقبل أو الدبر (ويكره بصقه على بوله للوسواس) أي لانه قيل: إنه يورث الوسواس، (ثم يتحول للاستجمار إن خشي تلوثا) تباعدا عن النجاسة، (ثم يستجمر) بالحجر أو نحوه (ثم يستنجي) بالماء (مرتبا ندبا) لقول عائشة للنساء: مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء، فإني أستحييهم، وإن رسول الله (ص) كان يفعله رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، واحتج به أحمد في رواية حنبل. ولانه أبلغ في الانقاء، لان الحجر يزيل عين النجاسة، فلا تباشرها يده. والماء يزيل ما بقي (فإن عكس) بأن بدأ بالماء وثنى بالحجر (كره) له ذلك نصا. لانه لا فائدة فيه إلا التقذير (ومن استجمر في فرج واستنجى في) فرج (آخر فلا بأس) بذلك (ولا يجزى الاستجمار في قبلي خنثى مشكل) لان الاصلي منهما غير معلوم. والاستجمار لا يجزئ في فرج غير أصلي (ولا) يجزئ الاستجمار (في مخرج غير فرج) أي لو انسد المخرج وانفتح آخر لم يجز فيه الاستجمار، لانه نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم يثبت فيه أحكام الفرج، ولان لمسه لا ينقض الوضوء، ولا يتعلق بالايلاج فيه شئ من أحكام الوطئ، أشبه سائر البلدان. (ويستحب) للمستنجي (دلك يده بالارض الطاهرة بعد الاستنجاء) لحديث ميمونة: أن النبي (ص) فعل ذلك. رواه
[ 75 ]
البخاري (ويجزيه أحدهما) أي الاستجمار أو الاستنجاء، فيكفي الاستجمار ولو مع قدرته على الماء، لحديث جابر مرفوعا: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزي عنه رواه أحمد وأبو داود، (والماء أفضل) من الحجر لانه يزيل العين والاثر. وما حكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء. أجيب عنه: بأنه كان على من يعتقد وجوبه، ولا يرى الاحجار مجزئة، لانهما شاهدا من الناس محافظة عليه، فخافا التعمق في الدين. (وجمعهما) أي الحجر والماء مرتبا كما مر (أفضل منه) أي من الماء وحده، لما تقدم عن عائشة (وفي التنقيح:) و (الماء أفضل كجمعهما، وهو) أي التسوية بين الماء وجمعهما (سهو) وأجاب التقي الفتوحي وغيره بأنه ليس الغرض التسوية
بينهما.. وإنما الغرض تشبيه المختلف فيه بالمتفق عليه، أو المعنى كما أن جميعها أفضل من الماء فلا سهو (إلا أن يعدو) أي يتجاوز (الخارج موضع العادة) كأن ينتشر الخارج على شئ من الصفحة، أو يمتد إلى الحشفة امتدادا غير معتاد (فلا يجزئ إلا الماء للمتعدي فقط) لان الاستجمار في المحل المعتاد رخصة للمشقة في غسله، لتكرر النجاسة فيه، فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء. ويجزئ الحجر في الذي في محل العادة. كما لو لم يكن غيره (كتنجيس مخرج بغير خارج) منه، فلا يجزئ فيه إلا الماء. وكذا لو جف الخارج قبل الاستجمار، (و) ك (- استجمار بمنهي عنه) كروث وعظم، فلا يجزئ بعده إلا الماء (وإن خرجت أجزاء الحقنة فهي نجسة ولا يجزئ فيها الاستجمار) قال في الانصاف: فيعايا بها، (والذكر والانثى الثيب والبكر في ذلك) أي ما يجزئ فيه الاستجمار وما لا يجزئ على ما سبق (سواء) لعموم الادلة (فلو تعدى بول الثيب إلى مخرج الحيض أجزأ فيه الاستجمار لانه معتاد) كثيرا، صححه المجد، واختاره في مجمع البحرين، والحاوي الكبير. وقال هو وغيره: هذا إذا قلنا يجب تطهيره باطن فرجها على ما اختاره القاضي، والمنصوص عن أحمد أنه لا يجب، فتكون كالبكر قولا واحدا. وقدم في الانصاف عن الاصحاب أنه يجب غسله كالمنتشر عن المخرج، (ولو شك في تعدي
[ 76 ]
الخارج لم يجب الغسل) وأجزأه الاستجمار، لان الاصل عدم التعدي (والاولى الغسل) احتياطا. قال علي: إنكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا، فأتبعوا الماء الاحجار، (وظاهر كلامهم لا يمنع القيام الاستجمار ما لم يتعد الخارج) موضع العادة (فإذا خرج) من نحو الخلاء (سن قوله: غفرانك) لحديث عائشة قالت: كان النبي (ص) إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك رواه البخاري والترمذي. وهو منصوب على المفعولية. أي أسألك غفرانك والغفر الستر، وسره أنه لما خلص من النجو المثقل للبدن سأل الخلاص مما يثقل القلب، وهو الذنب لتكمل الراحة (الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافاني) لقول أنس
: كان رسول الله (ص) إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافاني رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم، وقد ضعفه الاكثر. وفي مصنف عبد الرزاق أن نوحا عليه السلام كان إذا خرج يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه (ويتنحنح) ذكره جماعة زاد بعضهم (ويمشي خطوات) وعن أحمد نحو ذلك (إن احتاج إلى ذلك للاستبراء) لما فيه من التنزه من البول، فإن عامة عذاب القبر منه، كما في الخبر. وقال الشيخ تقي الدين: ذلك كله بدعة. ولا يجب باتفاق الائمة. وذكر في شرح العمدة قولا يكره تنحنحه ومشيه ولو احتاج إليه لانه وسواس، (وقال الموفق وغيره: ويستحب أن يمكث) بعد بوله (قليلا قبل الاستنجاء حتى ينقطع أثر البول، ولا يجب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب من نجاسة وجنابة، فلا تدخل يدها ولا إصبعها) في فرجها، (بل) تغسل (ما ظهر، لانه) أي داخل الفرج (في حكم الباطن) عند ابن عقيل وغيره (فينتقض وضوؤها بخروج ما احتشته ولو بلا بلل، ويفسد الصوم بوصول
[ 77 ]
إصبعها) إليه (لا بوصول حيض إليه) بناء على أنه باطن، وقال أبو المعالي، وصاحب الرعاية وغيرهما: هو في حكم الظاهر. وذكره في المطلع عن أصحابنا. فتنعكس الاحكام غير وجوب الغسل. فلا يجب على المنصوص. وإن قلنا هو في حكم الظاهر للمشقة والحرج (ويستحب لغير الصائمة غسله) خروجا من الخلاف (وداخل الدبر في حكم الباطن، لا فساد الصوم بنحو الحقنة، ولا يجب غسل نجاسته، وكذا حشفة أقلف غير مفتوق) لا يجب غسل نجاسته، ولا جنابة ما تحتها، (ويغسلان) أي نجاسة الحشفة وجنابتها (من مفتوق) لانها في حكم الظاهر (ويستحب لمن استنجى) بالماء (أن ينضح فرجه) أي ما يحاذيه من ثوبه (وسراويله) قطعا للوسواس. وروى أبو هريرة أن النبي (ص) قال: جاءني جبريل فقال: يا محمد إذا توضأت فانضح حديث غريب قاله في الشرح. و (لا) يستحب ذلك ل (- من استجمر) ومن ظن خروج شئ فقال أحمد: لا تلتفت حتى تتيقن،
واله عنه فإنه من الشيطان، فإنه يذهب إن شاء الله، ولم ير أحمد حشو الذكر في ظاهر ما نقله عبد الله، وأنه لو فعل فصلى، ثم أخرجه فوجد بللا فلا بأس ما لم يظهر خارجا، وكره الصلاة فيما أصابه الاستجمار حتى يغسله، ونقل صالح أو يمسحه، ونقل عبد الله لا يلتفت إليه، قاله في الفروع. فصل: (ويصح الاستجمار بكل طاهر جامد مباح منق، كالحجر والخشب والخرق) لان في بعض ألفاظ الحديث: فليذهب بثلاثة أحجار، أو بثلاثة أعواد، أو بثلاث حثيات من تراب رواه الدارقطني، وقال: روي مرفوعا، والصحيح أنه مرسل، ولان النبي (ص) سئل عن
[ 78 ]
الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرجيع، ولمشاركة غير الحجر في الازالة، وفهم منه أنه لا يصح الاستجمار بنجس، لان ابن مسعود جاء إلى النبي (ص) بحجرين وروثة ليستجمر بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس يعني نجسا، رواه الترمذي، وهذا تعليل منه عليه السلام يجب المصير إليه، ولا بغير جامد كالرخوة والندى. لانه لا يحصل به الانقاء، فلا يحصل به المقصود كالاملس من زجاج ونحوه، و (لا) ب (- المغصوب) لان الاستجمار رخصة، والرخص لا تستباح على وجه محرم (والانقاء بأحجار ونحوها) كخشب وخرق (إزالة العين) الخارجة من السبيلين (حتى لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء، و) الانقاء (بماء خشونة المحل) أي عوده (كما كان) لزوال لزوجة النجاسة وآثارها مع الاتيان بالعدد المعتبر (إلا الروث والعظام) فلا يجزي الاستجمار بهما، لقوله عليه السلام: لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن رواه مسلم. (و) إلا (الطعام ولو لبهيمة) فلا يجزي الاستجمار به، لانه عليه السلام علل المنع من الروث والعظم بأنه زاد الجن، فزادنا وزاد بهائمنا أولى، (و) إلا (ما له حرمة كما فيه ذكر الله) قال جماعة منهم الشارح (وكتب
حديث وفقه) لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها، قال في الرعاية (وكتب مباحة) احتراما لها، (و) إلا (ما حرم استعماله كذهب وفضة) لما تقدم في المغصوب، (و) إلا (متصلا بحيوان) كيده وجلده وصوفه، لان الحيوان له حرمة، ولهذا منعنا مالكه من إطعامه النجاسة، (و) إلا (جلد سمك وجلد حيوان مذكى) كحال اتصاله، (و) إلا (حشيشا رطبا) لانه زاد البهائم، ولا يحصل به الانقاء (فيحرم ولا يجزئ) الاستجمار بجميع ما تقدم ذكره. قلت: الظاهر أن المتنجس من نحو حجر إذا استعمله لتخفيف النجاسة ليتبعه الماء لا يحرم، وليس في كلامهم ما يشمله (فإن استجمر بعده بمباح) لم يجزئه ووجب الماء (أو استنجى بمائع غير الماء) كالخل (لم يجزئه) الاستجمار (وتعين الماء) كما لو استجمر بنجس (وإن استجمر بغير منق) كزجاج (أجزأ الاستجمار بعده بمنق كحجر) لبقاء
[ 79 ]
عين النجاسة فتزول بالمنقى بخلاف ما قبل (ولا يجزئ) في الاستجمار (أقل من ثلاث مسحات) لقوله عليه السلام: فليذهب معه بثلاثة أحجار رواه أبو داود، ولقول سلمان: نهانا يعني النبي (ص) أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار رواه مسلم. (إما بحجر ذي) ثلاث (شعب) لان الغرض عدد المسحات لا الاحجار، بدليل التعدية إلى في معنى الحجارة، (أو بثلاثة) أحجار وما في معناها (تعم كل مسحة المسربة) أي الدبر (والصفحتين) لانها إن لم تكن كذلك لم تكن مسحة، بل بعضها (مع الانقاء) لان الغرض إزالة النجاسة (ولو استجمر ثلاثة أنفس بثلاثة أحجار، لكل حجر ثلاث شعب، استجمر كل واحد) منهم (بشعبة من كل حجر) أجزأهم لحصول المعنى (أو استجمر إنسان بحجر ثم غسله) وجففه سريعا (أو كسر ما تنجس منه، ثم استجمر به ثانيا، ثم فعل ذلك) أي الغسل أو الكسر (واستجمر به ثالثا أجزأه، لحصول المعنى والانقاء) بثلاث مسحات بمنق طاهر (فإن لم ينق) بثلاث مسحات (زاد حتى ينقى) لان الغرض إزالة النجاسة، فيجب التكرار إلى أن تزول. (ويسن قطعه على وتر إن زاد على الثلاث) فإن أنقى برابعة زاد خامسة، وإن أنقى
بسادسة زاد سابعة وهكذا، لقوله عليه السلام: من استجمر فليوتر متفق عليه. (وإذا أتى بالعدد المعتبر) كالسبع في الماء والثلاث في الحجر ونحوه (اكتفى في زوال النجاسة بغلبة الظن) لان اعتبار اليقين حرج، وهو منتف شرعا، (وأثر الاستجمار نجس يعفى عن يسيره)
[ 80 ]
في محله للمشقة (ويجب الاستنجاء، أو الاستجمار من كل خارج) من السبيلين معتاد، كالبول أو كالمذي، لقوله تعالى: * (والرجز فاهجر) * لانه يعم كل مكان ومحل من ثوب وبدن، ولقوله عليه السلام: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه رواه أبو داود والامر للوجوب. وقال: إنها تجزئ، ولفظ الاجزاء ظاهر فيما يجب (إلا الريح) لقوله عليه السلام: من استنجى من ريح فليس منا رواه الطبراني في معجمه الصغير، قال الامام أحمد: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله، ولا في سنة رسوله (وهي طاهرة فلا تنجس ماء يسيرا) لاقته خلافا للنهاية، وقال في المبهج: لانها عرض بإجماع الاصوليين. وعورض بأن للريح الخارجة من الدبر رائحة منتنة قائمة بها، ولا شك في كون الرائحة عرضا فلو كانت الريح أيضا عرضا لزم قيام العرض بالعرض، وهو غير جائز عند المتكلمين، (و) إلا (الطاهر) كالمني والولد العاري عند الدم، (و) إلا (غير الملوث) كالبعر الناشف، لان الاستنجاء إنما شرع لازالة النجاسة ولا نجاسة هنا، وكيف يستنجى أو يستجمر من طاهر وكيف يحصل الانقاء بالاحجار في غير الملوث، وصحح في الانصاف وجوب الاستجمار منهما، لكن خالفه في التنقيح (فإن توضأ) موجب عليه الاستنجاء (أو تيمم قبله لم يصح) وضوؤه أو تيممه، لقوله عليه السلام في حديث المقداد المتفق عليه: يغسل ذكره، ثم يتوضأ ولان الوضوء طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليه كالتيمم (وإن كانت النجاسة على غير السبيلين، أو) كانت (عليهما غير خارجة منهما صح الوضوء والتيمم قبل زوالها) أي النجاسة لان النجاسة غير الخارجة من السبيلين لم تكن موجبة للطهارتين في الجملة. فلم تجعل
إحداهما تابعة للاخرى. بخلاف الخارجة منهما، (ويحرم منع المحتاج إلى الطهارة) بتشديد الهاء، أي الميضأة المعدة للتطهير والحش (قال الشيخ: ولو وقفت على طائفة معينة كمدرسة ورباط، ولو) كانت (في ملكه) لانها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج. ولو
[ 81 ]
قدر أن الواقف صرح بالمنع، فإنما يسوغ مع الاستغناء، (وقال:) الشيخ (إن كان في دخول أهل الذمة مطهرة المسلمين تضييق أو تنجيس أو إفساد ماء ونحوه وجب منعهم) قلت ومثلهم من يقصد من الرافضة، الافساد على أهل السنة والجماعة. (وإن لم يكن ضرر، ولهم) أي لاهل الذمة (ما يستغنون به عن مطهرة المسلمين فليس لهم مزاحمتهم). باب السواك وغيره من الختان والطيب والاستحداد ونحوها مما يأتي مفصلا وأول من استاك إبراهيم الخليل عليه السلام، قاله في الحاشية. (السواك) بكسر السين جمعه: سوك، بضم السين والواو، ويخفف بإسكان الواو. وربما يهمز فيقال: سؤك، قاله الدينوري. وهو مذكر نقله الازهري عن العرب قال: وغلط الليث في قوله: إنه يؤنث. وذكر في المحكم أنهما لغتان، (والمسواك) بكسر الميم (اسم للعود الذي يتسوك به، ويطلق السواك على الفعل) وهو الاستياك (قاله الشيخ: والتسوك الفعل) يقال: ساك فاه يسوكه سوكا. وهو شرعا: استعمال عود في الاسنان لاذهاب التغير ونحوه، مشتق من التساوك. وهو التمايل والتردد، لان المتسوك يردد العود في فمه ويحركه، يقال: جاءت الابل تساوك، إذا كانت أعناقها تضطرب من الهزال، (وهو) أي التسوك (على أسنانه ولسانه ولثته) بكسر اللام وفتح المثلثة خفيفة، فإن سقطت أسنانه استاك على لثته ولسانه، ذكره في الرعاية الكبرى والافادات. (مسنون كل وقت) قال في المبدع: اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث الشارع ومواظبته عليه وترغيبه وندبه إليه. يوضحه ما روت عائشة أن النبي (ص) قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب رواه الشافعي، وأحمد،
[ 82 ]
وابن خزيمة، والبخاري تعليقا. ورواه أحمد ] عن أبي بكر وابن عمر (لغير صائم)، وأما الصائم ففيه تفصيل يأتي. (بسواك) متعلق بمسنون أي عود (يابس) مندى (ورطب) أي أخضر. (و) يسن التسوك (لصائم بيابس قبل الزوال) لقول عامر بن ربيعة: رأيت رسول الله (ص) ما لا أحصي يتسوك وهو صائم رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن رواه البخاري تعليقا. وعن عائشة قالت: قال رسول الله (ص): من خير خصال الصائم السواك رواه ابن ماجه، وهذان الحديثان محمولان على ما قبل الزوال، لما روى البيهقي بإسناده عن علي أن رسول الله (ص) قال: إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، (ويباح) السواك (له) أي للصائم (ب) - عود (رطب قبله) أي قبل الزوال لما يتحلل منه بخلاف اليابس، (ويكره) التسوك (له) أي للصائم (بعده) أي بعد الزوال (بيابس ورطب) لحديث أبي هريرة يرفعه: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك متفق عليه. وهو إنما يظهر غالبا بعد الزوال، فوجب اختصاص الحكم به. ولحديث علي. ولا فرق فيه بين المواصل وغيره. فإن قيل: لم وصف دم الشهيد بريح المسك من غير زيادة، وخلوف فم الصائم بأنه أطيب ريحا منه، ولا شك أن الجهاد أفضل من الصوم. أجيب بأن الدم نجس: وغايته أن يرفع إلى أن يصير طاهرا بخلاف الخلوف، (وعنه يسن) التسوك (له) أي للصائم (مطلقا) أي قبل الزوال وبعده باليابس والرطب، (اختاره الشيخ) وجمع (وهو أظهر دليلا) لعموم
[ 83 ]
ما سبق، (وكان) التسوك (واجبا على النبي (ص)) عند كل صلاة، اختاره القاضي وابن عقيل وقيل: لا. اختاره ابن حامد. ويدل للاول: حديث أبي داود عن عبد الله بن أبي حنظلة بن أبي عامر أن رسول الله (ص): أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة. (ويتأكد) التسوك (عند كل صلاة) لحديث أبي هريرة
مرفوعا: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة رواه الجماعة، يعني أمر إيجاب، لحديث أحمد: لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك قال الشافعي: لو كان واجبا لامرهم به شق أو لم يشق، (و) يتأكد عند (انتباه من نوم) ليل أو نهار. لقول عائشة: كان النبي (ص) لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ رواه أحمد. وعن حذيفة: كان النبي (ص) إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك متفق عليه. يعني يغسله، يقال: شاصه وماصه، إذا غسله، (و) عند (تغير رائحة فم بأكل أو غيره) لان السواك مشروع لتطييب الفم، وإزالة رائحته. فتأكد عند تغيره، (و) عند (وضوء) لحديث أبي هريرة: لامرتهم بالسواك مع كل وضوء رواه أحمد. وكذا البخاري تعليقا، (و) عند (قراءة) قرآن تطييبا للفم، لئلا يتأذى الملك حين يضع فاه على فيه لتلقف القراءة، (و) عند (دخول مسجد ومنزل) لقول عائشة: كان رسول الله (ص) إذا دخل بيته يبدأ
[ 84 ]
بالسواك رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي والمسجد كالمنزل أو أولى، (و) عند (إطالة السكوت وخلو المعدة من الطعام) لانه مظنة تغير الفم، (و) عند (اصفرار الاسنان) لازالته ويستاك (عرضا بالنسبة إلى الاسنان) لما في مراسيل أبي داود: إذا استكتم فاستاكوا عرضا ولانه عليه السلام: كان يستاك عرضا رواه الطبراني والحافظ الضياء وضعفه. ولان الاستياك طولا قد يدمي اللثة ويفسد الاسنان. وقيل: الشيطان يستاك طولا. وفي الشرح: إن استاك على لسانه أو حلقه فلا بأس أن يستاك طولا لخبر أبي موسى رواه أحمد (يبدأ) المستوك (بجانب فمه الايمن) لحديث عائشة أن النبي (ص): كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله متفق عليه. (من ثناياه) أي ثنايا الجانب الايمن (إلى أضراسه) قاله في المطلع. وقاله الشهاب الفتوحي في قطعته على الوجيز. يبدأ من أضراس الجانب الايمن (بيساره) نقله حرب، كانتشاره. قال الشيخ تقي الدين: ما علمت إماما خالف فيه. وذكر صاحب المحرر في الاستنجاء بيمينه يستاك بيمينه. ويؤيده حديث
عائشة قالت: كان النبي (ص) يحب التيامن ما استطاع. في طهوره وترجله وتنعله وسواكه رواه أبو داود في سننه. وقد يحمل على أنه كان يبدأ بشق فمه الايمن في السواك (بعود لين) يابسا كان أو رطبا، واليابس أولى إذا ندى (منق) للفم (لا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه) ويكره بما يجرحه أو يضره. أو يتفتت فيه لانه مضاد لغرض السواك (من أراك، أو عرجون، أو زيتون أو غيرها) واقتصر كثير من الاصحاب على الثلاثة، وذكر الازجي: لا
[ 85 ]
يعدل عن الاراك والزيتون والعرجون إلا لتعذره. قال في الفروع: ويتوجه احتمال أن الاراك أولى. قال في الانصاف: ويتوجه إن أزال أكثر (قد ندي بماء) إن كان يابسا (وبماء ورد أجود) من غيره (ويغسله) أي السواك (بعده) أي بعد ماء الورد الذي ندي به. (ويسن تيامنه في شأنه كله) لخبر عائشة غير ما مر استثناؤه (فإن استاك بغير عود، كأصبع أو خرقة لم يصب السنة) لان الشرع لم يرد به، ولا يحصل بذلك الانقاء الحاصل بالعود. وذكر في الوجيز يجزئ الاصبع، لحديث أنس مرفوعا: يجزئ في السواك الاصبع رواه البيهقي والحافظ الضياء في المختارة، وقال: لا أرى بإسناده هذا الحديث بأسا. وفي المغني والشرح: أنه يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الانقاء وذكر أنه الصحيح، (ويكره السواك بريحان، وهو الآس) قيل: إنه يضر بلحم الفم (وبرمان وبعود ذكي الرائحة، وطرفاء وقصب ونحوه) من كل ما يضر أو يجرح (وكذا التخلل بها وبالخوص) لحديث قبيصة بن ذؤيب: لا تخللوا بعود الريحان ولا الرمان فإنهما يحركان عرق الجذام رواه محمد بن الحسين الازدي. ولان القصب ونحوه وبالخوص ربما جرحه (ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله، لئلا يكون من ذلك، ولا بأس أن يتسوك بالعود الواحد اثنان فصاعدا) لخبر عائشة. قال في الرعاية: ويقول إذا استاك: اللهم طهر قلبي ومحص ذنوبي. قال بعض الشافعية: وينوي به الاتيان بالسنة (ولا يكره السواك في المسجد) لعدم الدليل الخاص للكراهة. وتقدم أنه يتأكد عند دخوله (ويأتي آخر الاعتكاف).
[ 86 ]
فصل: (ويسن الامتشاط والادهان في بدن وشعر غبا يوما) يفعله (ويوما) يتركه، لانه عليه السلام: نهى عن الترجل إلا غبا رواه النسائي والترمذي وصححه والترجل تسريح الشعر ودهنه، واللحية كالرأس في ظاهر كلامهم. ويفعله كل يوم لحاجة، لخبر أبي قتادة. رواه النسائي وقال الشيخ تقي الدين: يفعل ما هو الاصلح للبدن كالغسل بماء حار ببلد رطب، لان المقصود ترجيل الشعر، وهو فعل الصحابة، وأن مثله نوع المأكل والملبس، فإنهم لما فتحوا الامصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده، ويلبس من لباس بلده، من غير أن يقصدوا قوت المدينة ولباسها. قال: فالاقتداء به تارة يكون في نوع الفعل، وتارة في جنسه. فإنه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره، لا لمعنى يخصه فيكون المشروع هو الامر العام. قال: وهذا ليس مخصوصا بفعله وفعل أصحابه، بل وبكثير لما أمرهم به ونهاهم عنه، (و) يسن (الاكتحال كل ليلة بإثمد مطيب بمسك وترا في كل عين ثلاثة) قبل أن ينام، لما روى ابن عباس عن النبي (ص) أنه كان يكتحل بالاثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، (و) يسن (اتخاذ الشعر) قال في الفروع: ويتوجه، إلا أن يشق إكرامه. ولهذا قال أحمد هو سنة، ولو نقوى عليه اتخذناه. ولكن له كلفة ومؤنة (ويسن أن يغسله ويسرحه متيامنا، ويفرقه، ويكون للرجل إلى أذنيه، وينتهي إلى منكبيه) كشعره (ص) (ولا بأس بزيادة على منكبيه، وجعله ذؤابة) بضم الذال وفتح الهمزة وهي الضفيرة من الشعر، إذا كانت مرسلة. فإن كانت ملوية فهي عقيصة. قاله في الحاشية. قال أحمد: أبو عبيدة كان له عقيصتان، وكذا عثمان. (وإعفاء
[ 87 ]
اللحية) بأن لا يأخذ منها شيئا. قال في المذهب: ما لم يستهجن طولها، (ويحرم حلقها) ذكره الشيخ تقي الدين (ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة) ونصه لا بأس بأخذه (ولا أخذ ما تحت حلقه) لفعل ابن عمر، لكن إنما فعله إذا حج أو اعتمر. رواه البخاري، (وأخذ) الامام
(أحمد من حاجبيه وعارضيه) نقله ابن هانئ. تتمة: قال في الهدي: كان هديه (ص) في حلق رأسه تركه كله أو حلقه كله. ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه. قال: ولم يحفظ عنه حلقه إلا في نسك، (ويسن حف الشارب أو قص طرفه، وحفه أولى نصا) قال في النهاية: إحفاء الشوارب أن تبالغ في قصها وكذا قال ابن حجر في شرح البخاري: الاحفاء بالحاء المهملة والفاء: الاستقصاء. ومنه حتى أحفوه بالمسألة، (و) يسن (تقليم الاظفار) لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الاظفار، ونتف الابط متفق عليه (مخالفا) في قص أظفاره (فيبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى) من اليمنى، (ثم الابهام) منها (ثم البنصر، ثم السبابة، ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة، ثم البنصر) صححه في الانصاف. قال في الشرح: روي في حديث: من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا وفسره أبو عبد الله بن بطة بما ذكر اه. وقال ابن دقيق العيد: وما اشتهر من قصها على وجه مخصوص لا أصل له في الشريعة، ثم ذكر الابيات المشهورة. وقال: هذا لا يجوز اعتقاد استحبابه لان الاستحباب حكم شرعي لا بد له من دليل. وليس استسهال ذلك بصواب اه. ومن تعود القص وفي القلم عليه مشقة كان القص في حقه
[ 88 ]
كالقلم، كما يأتي في حلق الابط (ويستحب غسلها) أي الاظفار (بعد قصها، تكميلا للنظافة) وقيل: إن الحك بها قبل غسلها يضر بالبدن (ويكون ذلك) أي حف الشارب وتقليم الاظفار وكذا الاستحداد ونتف الابط (يوم الجمعة قبل الصلاة) وقيل: يوم الخميس، وقيل: يخير. (ويسن أن لا يحيف عليها) أي الاظفار (في الغزو لانه قد يحتاج إلى حل حبل، أو شئ) قال أحمد: قال عمر: وفروا الاظفار في أرض العدو فإنه سلاح وقال عن الحكم بن عمرو: أمرنا رسول الله (ص) أن لا نحفي الاظفار في الجهاد فإن القوة الاظفار. (و) يسن (نتف الابط) لخبر أبي هريرة، فإن شق حلقه أو تنور، قاله في الآداب الكبرى. (و) يسن (حلق
العانة) وهو الاستحداد لخبر أبي هريرة (وله قصه، وإزالته بما شاء و) له (التنوير في العانة وغيرها، فعله أحمد) وكذا النبي (ص)، رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة وإسناده ثقات. قال في الفروع: وقد أعل بالارسال. وقال أحمد: ليس بصحيح. لان قتادة قال: ما اطلى النبي (ص) كذا قال أحمد، وسكتوا عن شعر الانف. فظاهره بقاؤه ويتوجه أخذه إذا فحش قاله في الفروع، (وتكره كثرته) أي التنوير قاله الآمدي، لانه يضعف حركة الجماع (ويدفن الدم، والشعر، والظفر) لما روى الخلال بإسناده عن مثلة بنت مشرح الاشعرية قالت: رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها، ويقول: رأيت النبي (ص) يفعل ذلك وعن ابن جريج عن النبي (ص) قال: كان يعجبه دفن الدم وقال مهنا سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شئ؟ قال: كان ابن عمر يفعله (ويفعله كل أسبوع) لما روى البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي (ص): كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة، (ويكره تركه فوق أربعين يوما) قيل له في رواية سندي: حلق العانة وتقليم الاظفار كم يترك؟ قال: أربعين للحديث، فأما الشارب ففي كل جمعة لانه يصير وحشا، (ويكره نتف الشيب) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله (ص) عن نتف الشيب، وقال: إنه نور الاسلام وعن طارق بن حبيب: أن حجاما أخذ
[ 89 ]
من شارب النبي (ص)، فرأى شيبة في لحيته فأهوى إليها ليأخذها فأمسك النبي (ص) يده، وقال: من شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة رواه الخلال في جامعه. وأول من شاب إبراهيم عليه السلام وهو ابن مائة وخمسين سنة، قاله في الحاشية. (ويسن خضابه) لحديث أبي بكر: أنه جاء بأبيه إلى النبي (ص) ورأسه ولحيته كالثغامة بيضاء، فقال النبي (ص): غيرها، وجنبوه السواد. (بحناء وكتم) لحديث أبي ذر: إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم رواه أحمد وغيره. والكتم بفتح الكاف والتاء نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة. وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معا يخرج بين
السواد والحمرة، (ولا بأس) بالخضاب (بورس وزعفران) لقول أبي مالك الاشجعي: كان خضابنا مع رسول الله (ص) الورس والزعفران، (ويكره بسواد) لحديث أبي بكر. قال في المستوعب، والتلخيص، والغنية: في غير حرب (فإن حصل به) أي بالخضاب بسواد (تدليس في بيع أو نكاح حرم) لحديث من غشنا فليس منا. (ويسن النظر في المرآة وقوله: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي وحرم وجهي على النار) لخبر أبي هريرة رواه أبو بكر بن مردويه والخلق الاول بفتح الخاء الصورة الظاهرة، والثاني: بضمها الصورة الباطنة. (ويسن التطيب) لخبر أبي أيوب مرفوعا: أربع من سنن المرسلين الحناء والتعطر والسواك والنكاح رواه أحمد ويستحب للرجل (بما ظهر ريحه وخفي لونه) كبخور العنبر
[ 90 ]
والعود (وللمرأة في غير بيتها عكسه) وهو ما يظهر لونه ويخفي ريحه كالورد والياسمين لاثر رواه النسائي والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة (لانها ممنوعة في غير بيتها مما ينم عليها) بإظهار جمالها (من ضربها برجليها ليعلم ما تخفي من زينتها) قال تعالى: * (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) * لانه يؤدي إلى الفساد مما يظهر من الزينة (ومن نعل صرارة وغير ذلك مما يظهر من الزينة وفي بيتها تتطيب بما شاءت) مما يخفى أو يظهر، لعدم المانع، (ويكره حلق رأسها وقصه من غير عذر) لما روى الخلال بإسناده عن قتادة عن عكرمة قال: نهى النبي (ص) أن تحلق المرأة رأسها فإن كان ثم عذر كقروح لم يكره، (ويحرم) حلقها رأسها (للمصيبة) كلطم خد وشق ثوب. (ويسن تخمير الاناء ولو بأن يعرض عليه عودا) لحديث جابر: أوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه عودا متفق عليه. قال في الآداب: ظاهره التخيير. ويتوجه أن ذلك عند عدم ما يخمر به، لرواية مسلم: فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا وحكمة وضع العود والله أعلم ليعتاد تخميره ولا ينساه، وربما كان سببا لرد دبيب بحباله أو بمروره عليه، (وإيكاء السقاء) أي ربط فمه (إذا أمسى)
للخبر، (وإغلاق الباب وإطفاء المصباح) عند الرقاد إذا خيف ولهذا قال ابن هبيرة: فأما إن جعل المصباح في شئ معلق، أو على شئ لا يمكن للفواسق والهوام التسلق فيه، فلا أرى بذلك بأسا قاله في الآداب، (و) إطفاء (الجمر عند الرقاد مع ذكر اسم الله فيهن) أي في التخمير والايكاء والاغلاق والاطفاء للخبر. (و) يسن (نظره في وصيته ونفض فراشه) عند إرادته النوم للخبر، (ووضع يده اليمنى تحت خده الايمن، ويجعل وجهه نحو القبلة على
[ 91 ]
جنبه الايمن) للخبر، (ويتوب إلى الله تعالى) والتوبة واجبة من كل معصية على الفور، لكنه في ذلك الوقت أحوج إليها. لقوله تعالى: * (الله يتوفى الانفس) * الآية، (ويقول ما ورد) ومنه: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ويستحب قراءة * (آلم) * السجدة، و * (تبارك) * نص عليه في رواية جعفر. وروى الامام أحمد والترمذي والخلال عن جابر أنه (ص): كان يفعل ذلك، (ويقل الخروج إذا هدأت الرجل) لان لله دواب ينشرها إذن من جن وهوام. كما في الخبر (ويكره النوم على سطح ليس عليه تحجير) لنهيه عليه السلام. رواه الترمذي من حديث جابر وخشية أن يتدحرج فيسقط عنه، (و) يكره (نومه على بطنه وعلى قفاه، إن خاف انكشاف عورته) قال في الآداب الكبرى: النوم على القفا ردئ، يضر الاكثار منه بالبصر، وبالمني، وإن استلقى للراحة بلا نوم لم يضر. وأردأ من ذلك النوم منبطحا على وجهه، (و) يكره نومه (بعد العصر) لحديث: من نام بعد العصر فاختل عقله فلا يلومن إلا نفسه رواه أبو يعلى الموصلي عن عائشة، (و) نومه بعد (الفجر) لانه وقت قسم الارزاق، كما في الخبر، (و) نومه (تحت السماء متجردا) من ثيابه، والمراد مع ستر العورة، (و) نومه (بين قوم مستيقظين) لانه خلاف المروءة، (و) يكره (نومه وحده) لحديث أحمد عن ابن عمر مرفوعا: نهى عن الوحدة وأن يبيت الرجل
[ 92 ]
وحده، (و) يكره (سفره وحده) لخبر: الواحد شيطان (ونومه وجلوسه بين الظل والشمس) لنهيه عليه السلام عنه، رواه أحمد. وفي الخبر: إنه مجلس الشيطان، (و) يكره (ركوب البحر عند هيجانه) لانه مخاطرة (قال ابن الجوزي في طبه: النوم في الشمس في الصيف يحرك الداء الدفين والنوم في القمر يحل الالوان إلى الصفرة ويثقل الرأس اه. وتستحب القائلة) أي الاستراحة وسط النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قاله الازهري. ويؤيده قوله تعالى: * (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) * مع أنه لا نوم في الجنة (و) يستحب (النوم نصف النهار) قال عبد الله: كان أبي ينام نصف النهار شتاء كان أو صيفا، لا يدعها. ويأخذني بها. وفي الآداب: القائلة النوم في الظهيرة ذكره أهل اللغة انتهى. فعلى هذا هو عطف تفسير (ولا يكره) لذكر (حلق رأسه ولو لغير نسك وحاجة) كقصه. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الامصار على إباحة الحلق وكفى بهذا حجة وحرم بعضهم حلقه على مريد لشيخه. لانه ذل وخضوع لغير الله (ويكره القزع وهو حلق بعض شعر الرأس وترك بعضه) لقول ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن القزع وقال: احلقه كله أو دعه كله رواه أبو داود. فيدخل في القزع حلق مواضع من جوانب رأسه وترك الباقي، مأخوذ من قزع السحاب، وهو تقطعه، وأن يحلق وسطه ويترك جوانبه. كما تفعله شمامسة النصارى، وحلق جوانبه وترك وسطه كما يفعله كثير من السفلة، وأن يحلق مقدمه ويترك مؤخره، (و) يكره (حلق القفا) بالقصر (منفردا عن الرأس، إذا لم يحتج إليه لحجامة أو غيرها) قال المروزي، سألت أبا عبد الله عن حلق القفا: فقال هو من فعل المجوس. ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقال: لا بأس أن يحلق قفاه في الحجامة، (وهو) أي القفا (مؤخر العنق) وعلم من كلامه أنه لا يكره حلقه مع الرأس، أو منفردا لحاجة
[ 93 ]
إليه (ويجب ختان ذكر وأنثى) لقوله (ص) لرجل أسلم: ألق عنك شعر الكفر واختتن رواه أبو داود. وفي الحديث: اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة متفق عليه،
واللفظ للبخاري. وقال تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) * ولانه من شعار المسلمين، فكان واجبا كسائر شعارهم. وقال أحمد: كان ابن عباس يشدد في أمره، حتى قد روي عنه أنه لا حج له ولا صلاة. وفي قول النبي (ص): إذا التقى الختانان وجب الغسل دليل على أن النساء كن يختتن، ولان هناك فضلة فوجب إزالتها كالرجل، وقت وجوبه (عند بلوغ) لقول ابن عباس: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك رواه البخاري ولانه قبل ذلك ليس بأهل للتكليف (ما لم يخف على نفسه) فيسقط وجوبه كالوضوء والصلاة والصوم بطريق الاولى. قال ابن قندس: فظاهر ذلك أن الخوف المسقط للوضوء والغسل مسقط للختان. وحيث تقرر وجوب الختان على الذكر والانثى (فيختن ذكر خنثى مشكل وفرجه) احتياطا (وللرجل إجبار زوجته المسلمة عليه) كالصلاة، (و) الختان (زمن صغر أفضل إلى التمييز) لانه أسرع برأ لينشأ على أكمل الاحوال. وختان الذكر (بأخذ جلدة حشفة ذكر) ويقال لها القلفة والغرلة (فإن اقتصر على) أخذ (أكثرها جاز) نقله الميموني وجزم به صاحب المحرر وغيره، (و) خفض الجارية (أخذ جلدة أنثى فوق محل الايلاج تشبه عرف الديك. و) يستحب أن (لا تؤخذ كلها من امرأة نصا) للخبر. ولانه يضعف شهوتها (ويكره) ختان (يوم سابع) للتشبه باليهود، (و) يكره الختان (من) حين (الولادة إليه) أي إلى يوم السابع. قال في الفروع: ولم يذكر كراهة الاكثر، (وإن أمره به) أي بالختان (ولي الامر في حر أو برد أو مرض يخاف من مثله الموت من الختان فتلف) بسببه ضمنه، لانه ليس له (أو أمره) ولي الامر (به وزعم الاطباء أنه يتلفه أو ظن
[ 94 ]
تلفه ضمن) لانه ليس له. وفي الفصول: إن فعله في شدة حر، أو برد، أو في مرض يخاف من مثله الموت من الختان. فحكمه كالحد في ذلك، يضمن وهو من خطأ الامام، فيه الروايتان، (ويجوز أن يختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه) لانه قد روي أن إبراهيم ختن نفسه، (وإن ترك الختان من غير ضرر وهو يعتقد وجوبه فسق، قاله في مجمع البحرين) لاصراره
على ذلك الذنب (ومن ولد ولا قلفة له سقط وجوبه) ويكره إمرار الموس على محل الختان إذن، لانه لا فائدة فيه، فتنزه الشريعة عنه، ذكره ابن القيم. (ولا تقطع إصبع زائدة نصا) نقله عبد الله، (ويكره ثقب أذن صبي لا جارية نصا) لحاجتها للتزين، بخلافه، (ويحرم نمص) وهو نتف الشعر من الوجه، (ووشر) أي برد الاسنان لتحدد وتفلج وتحسن، (ووشم) وهو غرز الجلد بإبرة ثم حشوه كحلا، (ووصل شعر بشعر) لما روي أنه (ص): لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة وفي خبر آخر: لعن الله الواشمة والمستوشمة أي الفاعلة والمفعول بها ذلك بأمرها. واللعنة على الشئ تدل على تحريمه، لان فاعل المباح لا تجوز لعنته (ولو) كان وصل المرأة شعرها (بشعر بهيمة أو إذن زوج) لعموم الخبر (ولا تصح الصلاة) من المرأة الموصول شعرها بشعر (إن كان نجسا) لحملها النجاسة، مع قدرتها على اجتنابها. وتصح إن كان طاهرا، وإن قلنا بالتحريم. لانه لا يعود إلى شرط العبادة، كالصلاة في عمامة حرير (ولا بأس بما يحتاج إليه لشد الشعر) للحاجة. فإن كان أكثر من ذلك ففيه روايتان، إحداهما أنه مكروه غير محرم. لما روي عن معاوية أنه أخرج كبة من شعر وقال: سمعت النبي (ص) ينهى عن مثل ذلك وقال: إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم فخص التي تصله بالشعر
[ 95 ]
فيمكن جعل ذلك تفسيرا للفظ العام في الحديث السابق. والثانية: لا تصل المرأة برأسها الشعر. والقرامل، ولا الصوف لحديث جابر قال: نهى رسول الله (ص) أن تصل المرأة برأسها شيئا. قال الموفق: والظاهر أن المحرم إنما هو وصل الشعر بالشعر، لما فيه من التدليس، واستعمال الشعر المختلف في نجاسته، وغير ذلك لا يحرم، لعدم ذلك فيه، وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة. وتحمل أحاديث النهي على الكراهة، (وأباح) عبد الرحمن بن الجوزى النمص وحده، وحمل النهى على التدليس، أو انه (كان شعار الفاجرات) وفي الغنية وجه: أنه يجوز بطلب زوج (ويحرم نظر شعر
أجنبية) كسائر بدنها (لا) الشعر (البائن) المنفصل منها (ولها) أي المرأة (حلق الوجه وحفه نصا) والمحرم إنما هو نتف شعر وجهها، قاله في الحاشية، (و) لها (تحسينه وتحميره ونحوه) من كل ما فيه تزيين له (ويكره حفه) أي الوجه (لرجل) نص عليه (وكذا التحذيف وهو إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة) يكره للرجل، لان عليا كرهه، رواه الخلال. (لا لها) أي لا يكره التحذيف لها لانه من زينتها، (ويكره النقش والتكثيب والتطريف، وهو الذي يكون في رؤوس الاصابع. وهو القموع) رواه المروزي عن عمرو بمعناه، عن عائشة وأنس وغيرهما، (بل تغمس يدها في الخضاب غمسا نصا) قال في الافصاح: كره العلماء أن تسود شيئا، بل تخضب بأحمر، وكرهوا النقش قال أحمد: لتغمس يدها غمسا، (ويكره كسب الماشطة) ككسب الحمامي، (ويحرم التدليس) لحديث: من غشنا فليس منا. (و) يحرم (التشبه) من النساء (بالمردان) كعكسه. ويأتي دليله في ستر العورة، (وكره) الامام (أحمد الحجامة يوم السبت، و) يوم (الاربعاء) لقوله عليه السلام: من احتجم يوم السبت أو يوم الاربعاء فأصابه يعني مرضا فلا يلومن إلا نفسه من مراسل الزهري وهو مرسل صحيح.
[ 96 ]
قاله في الآداب الكبرى (وتوقف) أحمد (في) الحجامة يوم (الجمعة) قال القاضي: كرهه جماعة من أصحابه، واستدلوا بأخبار ضعيفة. قال في الفروع: والمراد بلا حاجة. قال حنبل: كان أبو عبد الله يحتجم أي وقت هاج به الدم، وأي ساعة كانت، ذكره الخلال. (والفصد في معناها) أي الحجامة (وهي أنفع منه في بلد حار) كالحجاز (وما في معنى الحجامة كالتشريط والفصد بالعكس) أي أنفع منها ببلد بارد كالشام. باب الوضوء من الوضاءة، وهي النظافة، وهو بالضم اسم للفعل، وبالفتح اسم للماء الذي يتوضأ به. وقيل: بالفتح فيهما، وقيل: بالضم فيهما، وهو أضعفها (وهو شرعا: استعمال ماء طهور في الاعضاء الاربعة) وهي الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان (على صفة مخصوصة) في
الشرع، بأن يأتي بها مرتبة متوالية مع باقي الفروض، والشروط، وما يجب اعتباره. وسمي وضوءا لتنظيفه المتوضئ وتحسينه. والحكمة في غسل الاعضاء المذكورة في الوضوء دون غيرها أنها أسرع ما يتحرك من البدن للمخالفة فأمر بغسلها ظاهرا، تنبيها على طهارتها الباطنة. ورتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة. فأمر بغسل الوجه وفيه الفم و الانف، فابتدئ بالمضمضة لان اللسان أكثر الاعضاء وأشدها حركة. إذ غيره ربما سلم، وهو كثير العطب قليل السلامة غالبا، ثم بالانف ليتوب عما يشم به، بالوجه ليتوب عما نظر، ثم باليدين لتتوب عن البطش، ثم خص الرأس بالمسح لانه مجاور لما تقع منه المخالفة، ثم بالاذن لاجل السماع، ثم بالرجل لاجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الايمان بالشهادتين، (وفروضه) أي الوضوء جمع فرض، وهو لغة: الحز والقطع، وشرعا: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه. (ستة: غسل الوجه) لقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) *، (و) غسل (اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين) لبقية الآية المذكورة. وهو واضح على النصب. وأما الجر فقيل بالجوار والواو تأباه. وقال أبو زيد: المسح عند العرب غسل ومسح، فغاية الامر أنها
[ 97 ]
تصير بمنزلة المجمل، وصحاح الاحاديث تبلغ التواتر في وجوب غسلها، وقيل: لما كانت الارجل في مظنة الاسراف في الماء وهو منهي عنه مذموم عطفها على الممسوح، لا لتمسح، بل للتنبيه على الاقتصار على مقدار المطلوب. ثم قيل إلى الكعبين دفعا لظن ظان أنها ممسوحة. لان المسح لم يضرب له غاية في الشرع. وروى سعيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بسند حسن قال: أجمع أصحاب رسول الله (ص) على غسل القدمين وقالت عائشة: لان تقطعا أحب إلي أن أمسح القدمين، وهذا في حق غير لابس الخف. وأما لابسه فغسلهما ليس فرضا متعينا في حقه، (والترتيب) بين الاعضاء المذكورة كما ذكر الله لانه تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا يعلم لهذا فائدة غير الترتيب، والآية سيقت
لبيان الواجب. والنبي (ص) رتب الوضوء، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ولانه عبادة تبطل بالحدث فكان الترتيب معتبرا فيه كالصلاة يجب فيها الركوع قبل السجود، ولو كان التنكيس جائزا لفعله، ولو مرة لتبيين الجواز فإن توضأ منكوسا لم يصح ويأتي في كلامه وما روي عن علي أنه قال: ما أبالي إذا تممت وضوئي بأي أعضائي بدأت. قال أحمد: إنما عنى به اليسرى قبل اليمنى لان مخرجهما في الكتاب واحد. وروى أحمد بإسناده أن عليا سئل فقيل له: إن أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شئ، فقال: لا حتى يكون كما أمر الله تعالى. وما روي عن ابن مسعود أنه قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء قال في شرح المنتهى: لا يعرف له أصل. (والموالاة) لقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * لان الاول شرط، والثاني جواب، وإذا وجد الشرط وهو القيام وجب أن لا يتأخر عنه جوابه وهو غسل الاعضاء يؤيده ما روى خالد بن معدان: أن النبي (ص) رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء. رواه أحمد، وأبو داود وزاد والصلاة، وهذا صحيح وفيه بقية وهو ثقة روى له مسلم ولو لم تجب الموالاة لاجزأه غسل اللمعة فقط، ولم ينقل عن النبي (ص) أنه توضأ إلا متواليا، وإنما لم يشترط في الغسل لان المغسول فيه بمنزلة العضو الواحد (وسبب وجوبه)
[ 98 ]
أي الوضوء (الحدث) فيجب بالحدث ذكره ابن عقيل وغيره وفي الانتصار بإرادة الصلاة بعده، وقال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة قبل إرادة الصلاة، بل تستحب. قال في الفروع: ويتوجه قياس المذهب بدخول الوقت لوجوب الصلاة. إذن ووجوب الشرط بوجوب المشروط ويتوجه مثله في غسل، قال شيخنا وهو لفظي اه. وحديث: لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ مخصوص بحديث: لا يقبل الله صلاة بغير طهور (ويحل) الحدث الاصغر (جميع البدن كجنابة) ذكره القاضي، وأبو الخطاب، وأبو الوفاء، وأبو يعلى الصغير، ويؤيده أن المحدث لا يحل له مس المصحف بعضو غسله في الوضوء حتى يتم وضوءه.
قال في الفروع: ويتوجه وجه أعضاء الوضوء، (وطهارة الحدث فرضت قبل التيمم) ذكر ابن عبد البر أنه معلوم عند جميع أهل السير أنه عليه السلام افترض عليه بمكة الصلاة والغسل من الجنابة. قال: ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفرض قبل الوضوء، وإنه لم يصل قط بمكة صلاة إلا بوضوء. قال: وهذا مما لا يجهله عالم ولا يدفعه إلا معاند. وعن زيد بن حارثة عن النبي (ص): إن جبريل أتاه في أول ما أوحى إليه فعلمه الوضوء والصلاة. أخرجه الامام أحمد وتكلم فيه أبو حاتم الرازي وغيره لاجل ابن لهيعة وقد تابعه عليه رشيد بن سعد فرواه قال الشيخ برهان الدين المحدث الحلبي: اعلم أن الوضوء أول ما فرض مع الصلاة اه. وكذلك في المبدع وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه فآية المائدة مقررة لا مؤسسة (والنية شرط لطهارة الحدث) وضوءا كانت أو غسلا، (ولتيمم) ولو مسنونا أو عن نجاسة ببدن، (و) ل (- غسل وتجديد وضوء مستحبين ولغسل يدي قائم من نوم ليل ويأتي، ولغسل ميت) لان الاخلاص عمل القلب وهو النية مأمور به ولخبر إنما الاعمال بالنيات أي لا عمل جائز ولا فاضل ولان النص دل على الثواب في كل وضوء ولا ثواب في غير منوي إجماعا ولان النية للتمييز ولانه عبادة ومن شرطها النية لان ما لا يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كصلاة وغيرها، وهذا معنى قول الفخر إسماعيل، وأبي البقاء وغيرهما: العبادة ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي قيل لابي البقاء: الاسلام والنية عبادتان،
[ 99 ]
ولا يفتقران إلى نية. فقال: الاسلام ليس بعبادة لصدوره من الكافر، وليس من أهلها سلمنا، لكن الضرورة لانه لا يصدر إلا من كافر، وأما النية فلقطع التسلسل ونية الصلاة تضمنت الستر واستقبال القبلة لوجودهما فيها حقيقة ولهذا يحنث بالاستدامة بخلاف الوضوء (إلا طهارة) أي غسل (ذمية) أي كتابية ولو حربية (لحيض، ونفاس، وجنابة) فلا تعتبر فيه النية للعذر. (و) إلا غسل (مسلمة) انقطع حيضها أو نفاسها (ممتنعة) من الغسل (فتغسل قهرا) لحق زوج أو سيد (ولا نية) معتبرة هنا (للعذر) كالممتنع من زكاة (ولا تصلي به) ذكره في النهاية، قال في
شرح المنتهى: وقياس ذلك منعها من الطواف، وقراءة القرآن ونحو ذلك مما يشترط له الغسل، لانه إنما أبيح وطؤها لحق زوجها فيه، فلا تستبيح به العبادة المشترط لها الغسل، وإنما لم يصح أن ينوي عنها لعدم تعذرها منها بخلاف الميتة. (و) إلا غسل (مجنونة من حيض، ونفاس مسلمة كانت، أو كتابية) حرة أو أمة فلا تعتبر النية منها لتعذرها، (و) لكن (ينويه عنها) من يغسلها كالميتة وقال أبو المعالي: لا نية كالكافرة لعدم تعذرها مآلا بخلاف الميت، ولانها تعيده إذا أفاقت وأسلمت اه. قلت ومقتضاه أنها لا تعيده على الاول لقيام نية الغاسل مقام نيتها، (ولا ثواب في غير منوي) قال في الفروع إجماعا (ويشترط لوضوء أيضا عقل وتمييز) لتتأتى النية (وإسلام) كسائر العبادات (وإزالة ما يمنع وصول الماء) عن أعضاء الوضوء ليصل الماء إلى البشرة (وانقطاع ناقض) سواء كان خارجا، (أو غيره واستنجاء، أو استجمار قبله وتقدم) بدليله في باب الاستنجاء، (وطهورية ماء) لما تقدم أنه لا يرفع الحدث غير الماء الطهور (وإباحته) أي الماء لحديث: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فلا يصح بمغصوب ونحوه وتقدم، (ودخول الوقت على من حدثه دائم لفرضه) أي فرض ذلك الوقت لان طهارته طهارة عذر وضرورة فتقيدت بالوقت كالتيمم وعلم منه أنه لو توضأ لفائتة أو طواف أو نافلة صح متى أراده فهذه عشرة شروط للوضوء يشاركه الغسل منها في ثمانية كما ذكره المصنف استطرادا بقوله: (ويشترط لغسل نية) كما تقدم وهذا مكرر معه (وإسلام سوى ما تقدم وعقل وتمييز وفراغ موجب غسل وإزالة ما يمنع وصول الماء) عن البدن، (وطهورية ماء وإباحته) لما تقدم، (ولو سبل ماء للشرب لم يجز التطهير منه) في حدث ولا نجس ببدن أو غيره، فلا يرتفع الحدث منه
[ 100 ]
(ويأتي في الوقف، ولا تشترط نية لطهارة الخبث) ببدن كانت أو بثوب أو بقعة، لانها من قبيل التروك (ومحلها) أي النية (القلب) لانها من عمله (فلا يضر سبق لسانه، بخلاف قصده) كما لو أراد أن يقول: نويت الوضوء، فقال: نويت الصوم، ولو تلفظ بغير قصد لم
يعتبر، (ولا) يضر (إبطالها) أي النية بعد فراغه لانه قد تم صحيحا ولم يوجد ما يفسده مما عد مفسدا، (ولا) يضر (إبطال الطهارة بعد فراغه) منها لما تقدم، (ولا) يضر (شكه فيها) أي في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات، (أو) شكه (في الطهارة) أي في غسل عضو أو مسحه (بعده) أي بعد الفراغ من الطهارة (نصا) كشكه في وجود الحدث مع تيقن الطهارة، (وإن شك في النية في أثنائها) أي أثناء الطهارة (لزمه استئنافها) لان الاصل أنه لم يأت بها (وكذا إن شك في غسل عضو) في أثناء طهارته، (أو) شك (في مسح رأسه في أثنائها) أي الطهارة لزمه أن يأتي بما شك فيه، ثم بما بعده، لان الاصل أنه لم يأت به كما لو شك في ركن في الصلاة (إلا أن يكون وهما، كوسواس فلا يلتفت إليه) لانه من الشيطان ومتى علم أنه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت النية (فإن أبطلها) أي النية (في أثناء طهارته بطل ما مضى منها) أي من الطهارة، كالصلاة والصوم، فإن أراد الاتمام استأنف، (ولو فرقها) أي النية (على أعضاء الوضوء) بأن نوى رفع الحدث عن كل عضو عند غسله أو مسحه (صح) وضوؤه، لوجود النية المعتبرة، (وإن توضأ وصلى صلاته) المفروضة عليه (ثم أحدث، ثم توضأ وصلى) صلاة (أخرى، ثم علم أنه ترك واجبا) أي فرضا أو شرطا، بخلاف التسمية (في أحد الوضوءين لزمه إعادة الوضوء) لاحتمال أن المتروك منه هو الوضوء الثاني، (و) لزمه إعادة (الصلاتين) احتياطا لتبرأ ذمته بيقين، ولو كان الوضوء الثاني تجديدا لم يلزم إلا إعادة الصلاة الاولى، لان الطهارة الاولى إن كانت صحيحة فصلاته صحيحة، لانها باقية لم تبطل بالتجديد وإن كانت غير صحيحة فقد ارتفع الحدث بالتجديد (وإن جعل الماء في فيه ينوي ارتفاع الحدث الاصغر ثم ذكر
[ 101 ]
أنه جنب) أو كان متذكرا ابتداء لكن لم ينو سوى رفع الاصغر (فنوى ارتفاع الحدثين) والماء في فيه (ارتفعا)، لان الماء طهور، ما دام في محل التطهير حتى ينفصل (ولو لبث الماء في فيه حتى تغير من ريقه لم يمنع) رفع الحدث الاكبر، لانه تغير في محل التطهير، فلا يسلبه
الطهورية، (وإن غسل بعض أعضائه بنية الوضوء، و) غسل (بعضها بنية التبرد، ثم أعاد فعل ما نوى به التبرد بنية الوضوء قبل طول الفصل أجزأ) ه ذلك لوجود الغسل بالنية مع الموالاة فإن طال الفصل بحيث تفوت الموالاة بطل لفواتها، (والتلفظ بها) أي بالنية (وبما نواه) من وضوء، أو غسل، أو تيمم (هنا) أي في الوضوء، والغسل، والتيمم (وفي سائر العبادات بدعة) قاله في الفتاوى المصرية، وقال: لم يفعله النبي (ص) ولا أصحابه، وفي الهدي: لم يكن رسول الله (ص) يقول في أول الوضوء: نويت ارتفاع الحدث، ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه، ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد بسند صحيح، ولا ضعيف. (واستحبه) أي التلفظ بالنية (سرا مع القلب كثير من المتأخرين) ليوافق اللسان القلب. قال في الانصاف: والوجه الثاني: يستحب التلفظ بها سرا، وهو المذهب، قدمه في الفروع، وجزم به ابن عبيدان، والتلخيص، وابن تميم، وابن رزين. قال الزركشي: هو أولى عند كثير من المتأخرين اه. وكذا قال الشهاب الفتوحي، وهو المذهب (ومنصوص أحمد وجمع محققين خلافه) قال الشيخ تقي الدين: وهو الصواب (إلا في الاحرام، ويأتي) في محله (وفي الفروع والتنقيح) وتبعهما في المنتهى (يسن النطق بها سرا) لما تقدم (فجعلاه سنة وهو سهو) عند من يفرق بين المسنون والمستحب. كما يعلم من كلامه في حاشية التنقيح. والصحيح أنه لا فرق بينهما. ففي كلامه نظر واضح. وعلى فرض أن لا يكون هو الصحيح، فلا ينبغي نسبتهما إلى السهو لجلالتهما وتحقيقهما للاختلاف فيه، (ويكره الجهر بها) أي بالنية (وتكرارها) قال الشيخ تقي الدين: اتفق الائمة على أنه لا يشرع الجهر بها وتكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه، وكذا بقية
[ 102 ]
العبادات، وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه لا سيما إذا آذى به أو كرره، وقال: الجهر بلفظ النية منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الاسلام وفاعله مسئ، وإن اعتقده دينا خرج من إجماع المسلمين. ويجب نهيه ويعزل عن الامامة إن لم ينته. فإن في سنن أبي داود أمر بعزل إمام لاجل بصاقه في القبلة، فإن الامام عليه أن يصلي كما النبي (ص) يصلي، (وهي)
أي النية (قصد رفع الحدث، أو) قصد (الطهارة لما لا يباح إلا بها) بأن يقصد الوضوء للصلاة، أو الطواف، أو مس المصحف ونحوه (حتى ولو نوى مع) رفع (الحدث) إزالة (النجاسة، أو التبرد، أو التنظيف، أو التعليم) فإنه لا يؤثر في النية، كمن نوى مع الصوم هضم الطعام، أو مع الحج رؤية البلاد النائية ونحوه، لكنه ينقص الثواب على مقتضى ما يأتي في باب النية، (لكن ينوي من حدثه دائم) كالمستحاضة ومن به سلس بول أو نحوه (الاستباحة) دون رفع الحدث لمنافاة وجود نية رفعه، وسواء انتقضت طهارته بخروج الوقت أو طروء حدث آخر، (ويرتفع حدثه) على الصحيح، قدمه ابن حمدان قال المجد: هذه الطهارة ترفع الحدث الذي أوجبها. وقال أبو جعفر: طهارة المستحاضة لا ترفع الحدث قال في الانصاف: والنفس تميل إليه، وهو ظاهر المغني والشرح (ولا يحتاج) من حدثه دائم (إلى تعيين نية الفرض) لان طهارته ترفع الحدث، بخلاف التيمم (فإن نوى) المتوضي بوضوئه (ما تسن له الطهارة ك) - أن نوى الوضوء ل (- قراءة وذكر وأذان ونوم ورفع شك) في حدث أصغر، (وغضب) لانه من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار كما في الخبر. (وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل مناسك الحج نصا) كوقوف ورمي جمار (غير طواف) فإن الطهارة تجب له كالصلاة (وكجلوس بمسجد) وفي المغني (وأكل، وفي النهاية وزيارة قبر النبي (ص)) وقيل ودخول مسجد وقدمه في الرعاية. وقيل: وحديث وتدريس علم، وقدمه في الرعاية أيضا (ويأتي في
[ 103 ]
الغسل تتمته، أو نوى التجديد إن سن) ويأتي بيانه (ناسيا حدثه) ارتفع لانه يشرع له فعل هذا وهو غير محدث. وقد نوى ذلك، فينبغي أن يحصل له، قاله في الشرح. وقال: لو قصد أن لا يزال على طهارة صحت طهارته، لانها شرعية وقوله: ناسيا حدثه، أي حال نيته للتجديد. وهذا هو المتبادر من عبارة المصنف. وإن احتمل عوده للمسائل الثلاث. قاله الشهاب الفتوحي. ومفهومه أنه لو كان عالما بحدثه لم يرتفع لتلاعبه، (أو) نوى استباحة (صلاة بعينها لا يستبيح غيرها ارتفع حدثه) وله أن يصلي ما شاء (ولغا تخصيصه) لان من لازم رفع
الحدث استباحة جميع الصلوات من تلك الحيثية. (ويسن التجديد إن صلى بينهما) لحديث أبي هريرة يرفعه: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالوضوء عند كل صلاة رواه أحمد بإسناد صحيح، (وإلا) أي وإن لم يصل بينهما، (فلا) يسن التجديد. فلو توضأ ولم يصل وأحدث فنسي حدثه ونوى التجديد وتوضأ لم يرتفع حدثه. لانه لم ينو طهارة شرعية. (ويسن) التجديد (لكل صلاة) أرادها، وظاهره: ولو نفلا، و (لا) يسن (تجديد تيمم وغسل) لعدم وروده (وإن نوى غسلا مسنونا) كغسل الجمعة والعيد (أجزأ عن) الغسل (الواجب) لجنابة أو غيرها، إن كان ناسيا للحدث الذي أوجبه. ذكره في الوجيز: وهو مقتضى قولهم فيما سبق: أو نوى التجديد ناسيا حدثه، خصوصا وقد جعلوا تلك أصلا لهذه فقاسوها عليها، (وكذا عكسه) فإن نوى غسلا واجبا أجزأ عن المسنون بطريق الاولى (وإن نواهما) أي الواجب والمسنون (حصلا) أي حصل له ثوابهما. وعلم منه أن اللتين قبلهما ليس له فيهما إلا ثواب ما نواه، وإن أجزأ عن الآخر، لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى وليس معنى الاجزاء هنا سقوط الطلب: بدليل قوله: (والمستحب أن يغتسل للواجب غسلا، ثم للمسنون غسلا آخر) لانه أكمل (وإن نوى طهارة مطلقة) بأن نوى مطلق الطهارة لا لرفع حدث أو صلاة أو نحوها. لم يرتفع حدثه لعدم نيته له (أو) نوى (وضوءا مطلقا) لم يرتفع حدثه لان الوضوء من الوضاءة. وهي النظافة، تارة يكون عادة، وتارة يكون عبادة. فلا بد من تمييزه بالنية. بخلاف ما لو نوى الوضوء للصلاة
[ 104 ]
ونحوها، (أو) نوى (الغسل وحده) أي نوى الغسل وأطلق. لم يرتفع حدثه، لا الاصغر ولا الاكبر. قال أبو المعالي في النهاية: لا خلاف أن الجنب إذا نوى الغسل وحده لم يجزئه. لانه تارة يكون عبادة، وتارة يكون غير عبادة، فلا يرتفع حكم الجنابة انتهى. وكذا إن نوى الغسل للجنابة لم يرتفع حدثه الاصغر إلا إن نواه. ويأتي في الغسل (أو) نوى الغسل (لمروره في المسجد لم يرتفع) حدثه. لان المرور فيه لا تشرع له الطهارة. أشبه ما لو نوى بطهارته لبس ثوب ونحوه. ويحتمل أن المعنى إن نوى الجنب الغسل الواجب لمروره في
المسجد لم يرفع حدثه الاصغر، بخلاف ما لو قصد الغسل للصلاة (وإن اجتمعت أحداث متنوعة ولو) كانت (متفرقة) في أوقات (توجب وضوءا) كالبول، والغائط، والريح، والنوم، (أو) توجب (غسلا) كالجماع وخروج المني والحيض (فنوى بطهارته أحدها ارتفع هو) أي الذي نوى رفعه، (و) ارتفع (سائرها) لان الاحداث تتداخل. فإذا نوى بعضها غير مقيد ارتفع جميعها. كما لو نوى رفع الحدث وأطلق، (وإن نوى أحدها) أي الاحداث (ونوى أن لا يرتفع غيره لم يرتفع غيره) لانه قد تطهر بنية بقاء غيره من الاحداث. فلم يرتفع سوى ما نواه. وإلا لزم حصول ما لم ينوه (ولو كان عليه حدث نوم فغلط ونوى رفع حدث بول ارتفع حدثه) لتداخل الاحداث كما تقدم (ويجب الاتيان بها) أي بالنية (عند أول واجب) في الوضوء أو الغسل أو التيمم أو غيرها من العبادات لان النية شرط لصحة واجباتها. فيعتبر كونها كلها بعد النية. فلو فعل شيئا من الواجبات قبل النية لم يعتد به، (وهو) أي أول واجب في الوضوء والغسل والتيمم (التسمية) لحديث: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه لان من ذكرها في الاثناء إنما ذكرها على البعض لا على الكل، (ويستحب) الاتيان بالنية (عند أول مسنوناتها) أي الطهارة (إن وجد) ذلك المسنون (قبل واجب. كغسل اليدين لغير القائم من نوم الليل) إن وجد قبل التسمية في الوضوء أو الغسل، لتشمل النية مفروض الطهارة ومسنونها، فيثاب على كل منهما. (فإن غسلهما) أي اليدين (بغير نية فكمن لم يغسلهما) لحديث: إنما الاعمال بالنيات فتستحب إعادة غسلهما بعد النية، (ويجوز تقديمها) أي النية على الطهارة (بزمن يسير كصلاة) وزكاة (ولا يبطلها) أي النية (عمل يسير)
[ 105 ]
قبل الشروع في الطهارة ونحوها. فإن كثر بطلت واحتاج إلى استئنافها، (ويستحب استصحاب ذكرها) بقلبه بأن يكون مستحضرا لها في جميع الطهارة لتكون أفعاله كلها مقترنة بالنية. والذكر - بضم الذال وكسرها قاله ابن مالك في مثلثته - وقال الكسائي: الذكر باللسان ضد الانصات، وذاله مكسورة، وبالقلب ضد النسيان. وذاله مضمومة: وقال غيره هما
لغتان (ولا بد من استصحاب حكمها بأن لا ينوي قطعها) فإن عزبت عن خاطره لم يؤثر ذلك في الطهارة: كما لا يؤثر في الصلاة. ومحله إن لم ينو بالغسل نحو تنظيف أو تبرد كما ذكره المجد. فصل: (صفة الوضوء) الكامل (أن ينوي) الوضوء للصلاة ونحوها أو رفع الحدث. كما تقدم (ويستقبل القبلة) قال في الفروع: وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل. (ثم يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها) فلو قال: بسم الرحمن.. أو القدوس أو نحوه لم يجزئه لما يأتي، (وهي) أي التسمية (واجبة في وضوء) لحديث أبي هريرة عن النبي (ص) قال: لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. ولاحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد مثله. قال البخاري: أحسن شئ في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن، يعني حديث سعيد بن زيد. وسئل إسحاق بن راهويه: أي حديث أصح في التسمية؟ فذكر حديث أبي سعيد، ومحلها اللسان لانها ذكر، ووقتها عند أول الواجبات وجوبا، وأول المسنونات استحبابا كالنية، (و) هي واجبة أيضا في (غسل وتيمم) قياسا على الوضوء، (وتسقط) في الثلاثة (سهوا) نصا. لانها عبادة تتغاير أفعالها، فكان من واجباتها ما يسقط سهوا كالصلاة قلت: مقتضى قياسهم على الصلاة سقوطها جهلا، خلافا لما بحثه في القواعد الاصولية، قياسا على الذكاة. والظاهر إجزاؤها بغير العربية. ولو ممن يحسنها كالذكاة إذ لا فرق (وإن ذكرها) أي التسمية (في أثنائه) أي
[ 106 ]
أثناء ما ذكر من الوضوء، أو الغسل، أو التيمم (سمى وبنى) لانه لما عفي عنها مع السهو في جملة الطهارة ففي بعضها أولى. قال المصنف في حاشية التنقيح: هذا المذهب، وعليه جماهير الاصحاب. اختاره القاضي والموفق في المغني، والكافي، والشارح، وابن عبيدان، وابن تميم وابن رزين في مختصره، والمستوعب والرعاية الصغرى وروضة الفقه
والحاوي الكبير. وحكاه الزركشي عن الشيرازي وابن عبدوس انتهى. وشارح المحرر والشيخ يوسف المرداوي في كتابه: نهاية الحكم المشروع في تصحيح الفروع، والعسكري في كتابه المبهج وغيرهم، خلافا لما صححه في الانصاف: وحكاه عن الفروع ولم يذكر غيره انتهى المقصود منه. والذي صححه في الانصاف مشى عليه صاحب المنتهى. قال: لكن إن ذكرها في بعضه ابتداء قال في شرحه: لانه أمكنه أن يأتي بها على جميعه. فوجب كما لو ذكرها في أوله (فإن تركها) أي التسمية (عمدا) لم تصح طهارته، لما تقدم، (أو) تركها عمدا (حتى غسل بعض أعضائه) المفروضة، أو حتى مسحها بالتراب في التيمم (ولم يستأنف) ما فعله قبل التسمية (لم تصح طهارته) لانه لم يذكر اسم الله على طهارته، بل على بعضها (والاخرس يشير بها) وكذا المعتقل لسانه. قال في المنتهى: وتكفي إشارة أخرس ونحوه بها. وظاهره وجوب الاشارة مع أنهم لم يوجبوا مثل ذلك في تكبيره الاحرام. وهي آكد. إلا أن يكون فرق، نحو أن يقال: الاشارة إلى التبرك ممكنة. كرفع رأسه إلى السماء. بخلاف افتتاح الصلاة فإنه لا يعلم من الاشارة إلى السماء، (ثم يغسل كفيه
[ 107 ]
ثلاثا ولو تيقن طهارتهما) لان عثمان، وعليا، وعبد الله بن زيد وصفوا وضوء النبي (ص) وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثا. ولانهما آلة نقل الماء إلى الاعضاء. ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء (وهو سنة) لانه لم يذكر في الآية (لغير قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) أي الذي من شأنه ذلك. بأن لم يكن نائما أو كان نائما بالنهار، أو بالليل نوما لا ينقض الوضوء كاليسير من جالس وقائم (فإن كان) قائما (منه) أي من نوم الليل الناقض للوضوء (ف) يغسلهما ثلاثا (واجب تعبدا) كغسل الميت لحديث: إذا استيقظ أحدكم وتقدم في أول الطهارة. ولكون غسلهما واجبا تعبدا وجب ولو باتتا مكتوفتين أو في جراب ونحوه، (ويسقط) غسل اليدين من قيام الليل (سهوا) قال في المبدع: إذا نسي غسلهما سقط مطلقا لانها طهارة مفردة وإن وجبت. ومقتضاه أنه لا يستأنف ولو تذكر في الاثناء، بل ولا
يغسلهما بعد، بخلاف التسمية في الوضوء لانها منه. تنبيه: (نقل أبو تميم عن النكت أن غسل اليدين - على القول بوجوبه - شرط لصحة الصلاة. واقتصر عليه. وكذا حكاه الزركشي عن ابن عبدوس وغيره. واقتصر عليه أيضا. ولم يوجد في كلام أحد ممن تأخر عن هؤلاء ما يخالفه. وحيث كان كذلك فكيف يسقط بالنسيان؟ قاله شيخنا عبد الرحمن البهوتي) ويسقط غسل اليدين من نوم الليل سهوا أو جهلا بشروعه في الوضوء. فلا يرجع لغسلهما. قاله شيخنا منصور (وتعتبر له) أي لغسل يدي القائم من نوم الليل الناقض للوضوء (نية وتسمية) كالوضوء وتسقط التسمية سهوا كالوضوء (ولا يجزئ عن نية غسلهما نية الوضوء) ولا نية الغسل (لانها طهارة مفردة لا من الوضوء، و) الدليل على أنها طهارة مفردة أنه (يجوز تقديمها على الوضوء بالزمن الطويل) ولو كانت منه لم تتقدم عليه كذلك، (ويستحب تقديم اليمنى على اليسرى في هذا الغسل) لقول عائشة فيما سبق: وفي شأنه كله، (وإذا استيقظ أسير في مطمورة، أو) استيقظ (أعمى أو نحوه) كأرمد (من نوم لا يدري أنوم ليل) هو (أو) نوم (نهار لم يجب غسلهما) لانه شك في الموجب. والاصل عدمه (وتقدم في كتاب
[ 108 ]
الطهارة) و (غسلهما لمعنى فيهما) غير معقول لنا (فلو استعمل الماء ولم يدخل يده في الاناء لم يصح وضوءه وفسد الماء) وفي المستوعب: إن كان وضوؤه من ماء قليل أدخل كفيه فيه قبل غسلهما. لم يصح وضوؤه لما بينا أن ذلك الماء يصير غير مطهر. وإن كان وضوؤه من ماء أكثر من قلتين أو من ماء قليل لم يدخل يده فيه، بأن صب على وجهه بإناء، أو صمد لانبوب، فجرى على وجهه فوضوؤه صحيح، وكذا في الشرح: لو توضأ أو اغتسل من ماء كثير بغمس أعضائه فيه، ولم ينو غسل اليدين من نوم الليل يرتفع حدثه، ولا يجزيه عن غسل اليد من نوم الليل عند من أوجب النية له، (وتسن بداءته قبل غسل وجهه بمضمضة بيمينه) لحديث عثمان أنه توضأ فدعا بماء، فغسل يديه ثلاثا ثم غرف بيمينه، ثم رفعها
إلى فيه، فمضمض واستنشق بكف واحدة، واستنثر بيساره، فعل ذلك ثلاثا، ثم ذكر سائر الوضوء. ثم قال: إن النبي (ص) توضأ لنا كما توضأت لكم رواه سعيد، (و) يسن (تسوكه) عند المضمضة لقوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل وضوء رواه أحمد بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة، وهو للبخاري تعليقا، (ثم باستنشاق بيمينه ثلاثا ثلاثا، إن شاء من غرفة، وهو أفضل) لحديث علي: أنه توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا بكف واحدة، وقال: هذا وضوء نبيكم (ص) رواه أحمد في المسند (وإن شاء من ثلاث) لحديث علي أيضا: أنه مضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات متفق عليه. (وإن شاء من ست) غرفات، لحديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي (ص) يفصل بين المضمضة والاستنشاق رواه أبو داود. ووضوؤه كان ثلاثا ثلاثا، فلزم كونها من ست (ولا يفصل بين المضمضة والاستنشاق) استحبابا. وحديث طلحة المذكور يمكن حمله على بيان الجواز (وتجب الموالاة بينهما وبين بقية الاعضاء) لانهما من الوجه، أشبها سائره (وكذا) يجب (الترتيب) بينهما وبين بقية الاعضاء
[ 109 ]
كما سبق. و (لا) يجب الترتيب (بينهما وبين الوجه) لانهما منه كما تقدم. وأما الموالاة بينهما وبين الوجه فمعتبرة، (ويسن استنثاره بيساره) لحديث عثمان. وهو مأخوذ من النثرة، وهي طرف الانف أو هو، (و) تسن (مبالغة فيهما لغير صائم) لما روى لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الاصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما رواه الخمسة وصححه الترمزي. وعن ابن عباس مرفوعا قال: استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. (وتكره) المبالغة في المضمضة والاستنشاق (له) أي الصائم. لانها مظنة إيصال الماء إلى جوفه، (و) تسن (مبالغة في سائر) أي باقي (الاعضاء) للصائم وغيره (ف) - المبالغة (في مضمضة إدارة الماء في جميع الفم، و) المبالغة (في
الاستنشاق جذبه) أي الماء (بنفس إلى أقصى أنف والواجب) في المضمضة (أدنى إدارة) للماء في فمه، (و) الواجب في الاستنشاق (جذب الماء إلى باطن الانف) وإن لم يبلغ أقصاه (فلا يكفي) في المضمضة (وضع الماء في فيه بدون إدارة) لانه لا يسمى مضمضة. وكذا لا يكفي في الاستنشاق وضعه في أنفه بدون جذب إلى باطن الانف، لانه لا يسمى استنشاقا، (ثم) بعد إدارة الماء في فيه (له بلعه ولفظه) أي طرحه، لان الغسل قد حصل (ولا يجعل المضمضة أولا) أي ابتداء من غير إدارة في فمه (وجورا، ولا) يجعل (الاستنشاق) ابتداء (سعوطا) لان ذلك لا يسمى مضمضة ولا استنشاقا (والمبالغة في غيرهما) أي غير المضمضة والاستنشاق (دلك المواضع التي ينبو عنها الماء) أي لا يطمئن عليها (وعركها به) أي الماء.
[ 110 ]
فصل: (ثم يغسل وجهه) للنص، فيأخذ الماء بيديه جميعا، أو يغترف بيمينه ويضم إليها الاخرى ويغسل بهما (ثلاثا) لان السنة قد استفاضت به، خصوصا حديث عثمان المتفق عليه. وحد الوجه (من منابت شعر الرأس المعتاد غالبا) فلا عبرة بالاقرع، الذي ينبت شعره في بعض جبهته، ولا بالاجلح الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه (مع ما انحدر من اللحيين) بفتح اللام وكسرها، (والذقن) وهو مجمع اللحيين، بفتح الذال والقاف (طولا) أي من جهة الطول، (و) حد الوجه (من الاذن إلى الاذن عرضا) لان ذلك تحصل به المواجهة، والاذنان ليسا من الوجه (فيدخل فيه) أي الوجه (عذار وهو الشعر النابت على العظم الناتئ) أي المرتفع (المسامت) أي المحاذي (صماخ الاذن) بكسر الصاد، وهو خرقها، وكذا البياض الذي بين العذار والاذن من الوجه. ونص عليه الخرقي. لانه يغفل الناس عنه. وقال مالك: ليس من الوجه ولا يجب غسله.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الامصار قال بقوله هذا (ولا يدخل) في الوجه (صدغ) بضم الصاد المهملة (وهو الشعر الذي بعد انتهاء العذار يحاذي رأس الاذن وينزل عنه قليلا) وهو من الرأس، لان في حديث الربيع أن النبي (ص): مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة رواه أبو داود ولم ينقل أحد أنه غسل مع الوجه، (ولا) يدخل أيضا في الوجه (تحذيف، وهو الشعر الخارج إلى طرفي الجبين في جانبي الوجه بين النزعة ومنتهى العذار، ولا النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من فودي الرأس، وهما جانبا مقدمه) قال في القاموس: الفود: معظم شعر الرأس مما يلي الاذن وناحية الرأس، (بل جميع ذلك
[ 111 ]
من الرأس، فيمسح معه) أما الصدغ فلما تقدم. أما التحذيف: فلانه شعر متصل بشعر الرأس لم يخرج عن حده، أشبه الصدغ. وأما النزعتان: فلانه لا تحصل بهما المواجهة، ولدخولهما في حد الرأس وعلا. وقول الشاعر: فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا أغم القفا والوجه ليس بأنزعا فالاضافة لادنى ملابسه، كما في: سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره مع أن الاذنين ليستا من الوجه، بل مجاورتان له. وكذا النزعتان (ولا يجب) غسل داخل عين، (بل ولا يسن غسل داخل عين لحدث) أصغر أو أكبر. قال في الشرح وغيره: لان النبي (ص) لم يفعله ولا أمر به (ولو أمن الضرر، بل يكره) لانه مضر. وقد روي أن ابن عمر عمي من كثرة إدخال الماء في عينيه، (ولا يجب) غسل داخل العين (من نجاسة فيهما) أي في العين، لما تقدم فيعفى عنها في الصلاة (والفم والانف من الوجه) لدخولهما في حده (فتجب المضمضة والاستنشاق في الطهارتين الكبرى والصغرى) فلا يسقط واحد منهما، لما روت عائشة أن النبي (ص) قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه رواه أبو بكر في الشافي. وعن أبي هريرة قال: أمرنا رسول الله (ص) بالمضمضة والاستنشاق وفي حديث لقيط بن صبرة: إذا توضأت فتمضمض رواهما
أبو داود والدارقطني. ولان كل من وصف وضوء النبي (ص) يستقصي، ذكر أنه تمضمض واستنشق، ومداومته عليهما تدل على وجوبهما. لان فعله يصلح أن يكون بيانا لامر الله تعالى، ولان الفم والانف في حكم الظاهر، بدليل أن الصائم لا يفطر بوصول شئ إليهما، ويفطر بعود القئ بعد وصوله إليهما، ويجب غسلهما من النجاسة (ويسميان) أي المضمضة والاستنشاق (فرضين) لان الفرض والواجب مترادفان على الصحيح. وقال ابن عقيل: هما واجبان لا فرضان (ولا يسقطان سهوا) لما تقدم، (ويجب غسل اللحية) بكسر
[ 112 ]
اللام (وما خرج عن حد الوجه منها) من الشعر المسترسل (طولا وعرضا) لان اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة. وخرج ما نزل من الرأس عنه لعدم مشاركته الرأس في الترأس، (ويسن تخليل الساتر للبشرة منها) أي من اللحية (بأخذ كف من ماء يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة فيها) أي اللحية، (أو) يضعه (من جانبيها ويعركها) لحديث عثمان: أنه توضأ وخلل لحيته حين غسل وجهه - ثم قال: رأيت النبي (ص) فعل الذي رأيتموني فعلت رواه الترمذي وصححه: وحسنه البخاري، (وكذا عنفقة وشارب وحاجبان ولحية امرأة وخنثى) إذا كان كثيفا (ويجزئ غسل ظاهره) كلحية الذكر، (ويسن غسل باطنه) أي باطن ذلك الشعر غير شعر اللحية، خروجا من خلاف من أوجبه كالشافعي، (و) يسن (أن يزيد في ماء الوجه) لاساريره ودواخله وخوارجه وشعوره. قاله أحمد. وكره أن يأخذ الماء ثم يصبه، ثم يغسل وجهه. وقال: هذا مسح وليس بغسل، (والخفيف) من شعور الوجه كلها، وهو الذي يصف البشرة (يجب غسله، و) غسل (ما تحته) لان الذي لا يستره شعره يشبه ما لا شعر عليه. ويجب غسل الشعر تبعا للمحل. فإن كان في شعره كثيف وخفيف، فلكل حكمه (وتخليل اللحية عند غسلها) لحديث عثمان السابق (وإن شاء إذا مسح رأسه نصا). فصل:
ثم يغسل يديه إلى المرفقين للنص (ثلاثا) لحديث عثمان وغيره (حتى أظفاره) وإن طالت لانها متصلة بيده اتصال خلقة. فتدخل في مسمى اليد، (ولا يضر وسخ يسير تحتها، ولو منع وصول الماء) لانه مما يكثر وقوعه عادة. فلو لم يصح الوضوء معه لبينه النبي (ص) لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، (وألحق الشيخ به) أي بالوسخ اليسير تحت الاظفار (كل يسير منع) وصول الماء (حيث كان) أي وجد (من البدن، كدم وعجين
[ 113 ]
ونحوهما، واختاره) قياسا على ما تحت الظفر. وعبارة المنتهى وغيره: تحت ظفر ونحوه. فيدخل فيه الشقوق في بعض الاعضاء، (ويجب غسل إصبع زائدة، و) غسل (يد) زائدة (أصلها في محل الفرض) لانها بمحل الفرض أشبهت الثؤلول، (أو) أي ويجب غسل يد زائدة أصلها في (غيره) أي غير محل الفرض (ولم تتميز) الزائدة منهما، ليخرج من العهدة بيقين، كما لو تنجست إحدى يديه وجهلها، (وإلا) أي وإن لم تكن الزائدة في غير محل الفرض غير متميزة بل كانت مدلاة من العضد وتميزت (فلا) يجب غسلها، طويلة كانت أو قصيرة. لانها غير داخلة في مسمى اليد (ويجب إدخال المرفقين في الغسل) لما روى الدارقطني عن جابر قال: كان النبي (ص) إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية الكريمة وإلى تكون بمعنى مع. كقوله تعالى: * (ويزدكم قوة إلى قوتكم) * * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * فبين (ص) أنها كذلك. أو يقال: اليد حقيقة إلى المنكب و إلى أخرجت ما عدا المرفق (فإن خلقتا) أي اليدان (بلا مرفقين غسل إلى قدرهما) أي المرفقين (من غالب الناس) إلحاقا للنادر بالغالب (فإن تقلصت) أي كشطت (جلدة من العضد حتى تدلت من الذراع وجب غسلها كالاصبع الزائدة) لانها صارت في محل الفرض (وإن تقلصت) أي ارتفعت بعد كشطها (من الذراع حتى تدلت من العضد لم يجب غسلها وإن طالت) لانها صارت في غير محل الفرض (وإن تقلصت من أحد
المحلين، والتحم رأسها ب) - المحل (الآخر، غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها والمتجافي منه) أي من المحاذي لمحل الفرض (من باطنها، و) غسل (ما تحته، لانها كالنابتة في المحلين) دون ما لم يحاذ محل الفرض.
[ 114 ]
فصل: (ثم يمسح جميع ظاهر رأسه) من منابت الشعر المعتاد غالبا على ما تقدم في الوجه إلى قفاه لانه تعالى أمر بمسح الرأس وبمسح الوجه في التيمم. وهو يجب الاستيعاب فيه. فكذا هنا إذ لا فرق، ولانه (ص) مسح جميعه، وفعله وقع بيانا للآية، والباء للالصاق، أي إلصاق الفعل بالمفعول. فكأنه قال: الصقوا المسح برؤوسكم، أي المسح بالماء، وهذا بخلاف ما لو قيل: امسحوا رؤوسكم، فإنه لا يدل على أنه ثم شئ يلصق، كما يقال: مسحت رأس اليتيم. وأما دعوى أن الباء إذا وليت فعلا متعديا أفادت التبعيض في مجرورها لغة، فغير مسلم، دفعا للاشتراك ولانكار الائمة. قال أبو بكر: سألت ابن دريد وابن عرفة عن الباء: تبعض؟ فقالا: لا نعرفه في اللغة. وقال ابن برهان: من زعم أن الباء تبعض، فقد جاء عن أهل العربية بما لا يعرفونه. وقوله * (يشرب بها عباد الله) * وقول الشاعر: شربن بماء البحر فمن باب التضمين كأنه قيل: يروي. وما روي: أنه (ص) مسح مقدم رأسه فمحمول على أن ذلك مع العمامة، كما جاء مفسرا في حديث المغيرة بن شعبة. ونحن نقول به. والرأس (من حد الوجه) أي من منابت شعر الرأس المعتاد (إلى ما يسمى قفا) ويكون مسح رأسه (بماء جديد غير ما فضل من ذراعيه) لان الرأس مغاير لليدين (وكيفما مسحه) أي الرأس (أجزأ) ه لحصول المأمور به (ولو) مسحه (بإصبع أو خرقة أو خشبة أو نحوها) كحجر. وظاهر كلام الجمهور: أنه يتعين استيعاب ظاهره كله (وعفا بعضهم) وهو صاحب المبهج والمترجم (عن ترك يسير منه للمشقة) قال في الانصاف: وهو الصواب انتهى. وقال الموفق: والظاهر عن أحمد في الرجل
وجوب الاستيعاب، وأن المرأة يجزيها مسح مقدم رأسها، قال الخلال: العمل عليه في
[ 115 ]
مذهب أبي عبد الله، أنها إن مسحت مقدم رأسها إجزأها، لان عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ذكره في الشرح (والمسنون في مسحه) أي الرأس (أن يبدأ بيديه مبلولتين من مقدم رأسه، فيضع طرف إحدى سبابتيه على طرف الاخرى، ويضع الابهامين على الصدغين، ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى مقدمه) قاله في المغني والشرح. لما روى عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي (ص) قال: فمسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه متفق عليه. (ولو خاف أن ينتشر شعره) قال في الانصاف: هذا المذهب مطلقا، وعليه الاصحاب، وعنه لا يردهما إن انتشر شعره انتهى. وجزم بالثانية في الشرح والمبدع، رجلا كان أو امرأة (بماء واحد) فلا يأخذ للرد ماء آخر، لعدم وروده (ولو وضع يده مبلولة على رأسه، ولم يمرها عليه) لم يجزئه، (أو وضع عليه) أي على رأسه (خرقة مبلولة) ولم يمرها عليه، (أو بلها) أي الخرقة (وهي عليه) أي على رأسه (ولم يمسح لم يجزئه) ذلك لعدم المسح المأمور به، (ويجزئ) - ه (غسله) أي الرأس (مع الكراهة) ذكره ابن رجب (بدلا عن مسحه إن أمر يده) لوجود المسح، فإن لم يمر يده لم يجزئه، ما لم يكن جنبا وينغمس في ماء ناويا الطهارتين، كما يعلم مما يأتي في الغسل (وكذا إن أصابه) أي الرأس (ماء وأمر يده) عليه، لوجود المسح، فإن لم يمر يده لم يجزئه (ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر) لعدم مشاركته الرأس في الترؤس (ولا يجزئ مسحه عن الرأس، سواء رده فعقده
[ 116 ]
فوق رأسه أو لم يرده) كما تقدم (وإن نزل الشعر عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض، فمسح عليه، أجزأه ولو كان الذي تحت النازل محلوقا) كما لو كان بعض شعره فوق بعضه (وإن خضبه) أي رأسه (بما يستره لم يجز المسح عليه كما لو مسح على خرقة فوق رأسه)
وتقدم أن شرط الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء (ولو مسح رأسه، ثم حلقه) لم يؤثر (أو غسل عضوا، ثم قطع منه جزءا، أو جلدة لم يؤثر، لانه ليس ببدل عما تحته) بخلاف الجبيرة والخف، ولكن رأيت عن ابن رجب: استحب أحمد أنه إذا حلق رأسه، أو قلم أظفاره، أو قص شاربه بعد الوضوء أن يمسه بالماء ولم يوجبه، وحكي وجوبه عن ابن جرير الطبري، ومن أوجبه ألحقه بخلع الخف بعد مسحه، (وإن تطهر بعد ذلك) أي بعد حلق رأسه، أو قطع جزء، أو جلدة من عضو (غسل)، أو مسح (ما ظهر) لان الحكم صار له دون الذاهب، (وإن حصل في بعض أعضائه شق، أو ثقب لزم غسله) في الطهارتين لانه صار في حكم الظاهر، فينبغي التيقظ لثقب الاذن في الغسل. وأما في الوضوء فلا يجب مسحه، كالمستتر بالشعر، ولما فيه من الحرج (والواجب مسح ظاهر شعر الرأس كما تقدم، فلو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة فقط) أي دون ظاهر الشعر (لم يجزئه، كما لو اقتصر على غسل باطن شعر اللحية) ولم يغسل ظاهرها (وإن فقد شعره مسح بشرته) لانها ظاهر رأسه بالنسبة إليه (وإن فقد بعضه) أي بعض شعر الرأس (مسحهما) أي مسح ما بقي من الشعر وبشرة ما فقد شعره. وتقدم حكم ما لو نزل شعر ما لم يحلق على ما حلق وأنه يجزئه المسح على ظاهره، (ويجب مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، لانهما من الرأس) لقوله (ص): الاذنان من الرأس رواه ابن ماجه من غير وجه، (ويسن) مسحهما (بماء جديد بعد)
[ 117 ]
مسح (رأسه) لما روى عبد الله بن زيد أنه: رأى رسول الله (ص) يتوضأ، فأخذ لاذنيه ماء خلاف الذي لرأسه رواه البيهقي، وقال: إسناده صحيح (والبياض فوقهما) أي فوق الاذنين (دون الشعر منه) أي من الرأس (أيضا) قال في الانصاف: على الصحيح من المذهب (فيجب مسحه مع الرأس) وكيف مسح الاذنين أجزأ، كالرأس (والمسنون في مسحهما أن يدخل سبابتيه في صماخيهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما) لما في النسائي عن
ابن عباس: أن النبي (ص) مسح برأسه وأذنيه: باطنهما بالسبابتين وظاهرها بإبهاميه. (ولا يجب مسح ما استتر) من الاذنين (بالغضاريف) لان الرأس الذي هو الاصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر. فالاذن أولى، والغضروف داخل فوق الاذن، أي أعلاها ومستدار سمعها (ولا يستحب مسح عنق) لعدم ثبوت ذلك في الحديث. وعنه بلى. اختاره في الغنية وابن الجوزي في أسباب الهداية وأبو البقاء، وابن الصيرفي، وابن رزين وفاقا لابي حنيفة، (ولا) يستحب (تكرار مسح رأس وأذن) قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. لان أكثر من وصف وضوء رسول الله (ص) ذكر أنه مسح رأسه واحدة. وكذا قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس واحدة. لانهم ذكروا الوضوء ثلاثا ثلاثا وقالوا فيها: ومسح برأسه ولم يذكروا عددا، كما ذكروا في غيره. قال في الشرح: أحاديثهم لا يصح منها شئ صريح لا يقال: إنه (ص) مسح مرة واحدة، لبيان الجواز وثلاثا ليبين الفضيلة، كما فعل في الغسل. لان قول الراوي هذا طهور رسول الله (ص) يدل على أنه طهوره على الدوام. فصل: (ثم يغسل رجليه) للآية الكريمة (ثلاثا) لحديث عثمان وغيره (إلى الكعبين) أي كل
[ 118 ]
رجل تغسل إلى الكعبين. ولو أراد كعاب جميع الارجل لذكره بلفظ الجمع، كقوله: * (وأيديكم إلى المرافق) * لان مقابلة الجمع بالجمع تقتضي توزيع الافراد على الافراد، كقولك: ركب القوم دوابهم ونحوه (وهما) أي الكعبان (العظمان الناتئان في جانبي رجله) قاله أبو عبيدة، ويدل عليه حديث النعمان بن بشير، قال: كان أحدنا يلصق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة رواه أحمد وأبو داود ولو كان مشط القدم لم يستقم، (ويجب إدخالهما في الغسل) لما سبق، ولقوله (ص): ويل للاعقاب من النار متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر (وإن كان أقطع وجب غسل ما بقي من محل الفرض) لقوله
(ص): إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم متفق عليه، وسواء كان (أصلا) بأن قطعت يده من دون المرفق، أو رجله من دون الكعب (أو تبعا كرأس عضد) يد قطعت من مفصل المرفق، (و) رأس (ساق) قطعت من مفصل كعب (وكذا يتيمم) إذا قطعت يده، وجب مسح ما بقي من محل الفرض أصلا أو تبعا (فإن لم يبق شئ) من محل الفرض بأن قطعت اليد من فوق المرفق، أو الرجل من فوق الكعب (سقط) ذلك الفرض، لفوات محله (لكن يستحب أن يمسح محل القطع بالماء) لئلا يخلو العضو عن طهارة وظاهره: أنه لو قطعت اليد من فوق الكوع لم يستحب مسح محل القطع بالتراب (وإذا وجد الاقطع ونحوه) كالاشل والمريض الذي لا يقدر أن يوضئ نفسه (من يوضئه أو يغسله بأجرة المثل وقدر عليها من غير إضرار) بنفسه أو من تلزمه نفقته (لزمه ذلك) لانه في معنى الصحيح (فإن وجد من ييممه ولم يجد من يوضئه لزمه ذلك) كالصحيح. يقدر على التيمم دون الوضوء (فإن لم يجد) من يوضئه ولا من ييممه، بأن عجز عن الاجرة أو لم يقدر على من يستأجره (صلى على حسب حاله) قال في المغني: لا أعلم فيه خلافا. وكذا إن لم يجده إلا
[ 119 ]
بزيادة عن أجرة مثله إلا أن تكون يسيرة، على ما يأتي في التيمم (ولا إعادة) عليه كفاقد لطهورين (واستنجى مثله) أي مثل الوضوء، فكما تقدم (وإن تبرع أحد بتطهيره لزمه ذلك) قال في الفروع: ويتوجه لا. ويتيمم (ويسن تخليل أصابع يديه وتخليل أصابع رجليه) لما روى لقيط بن صبرة أن النبي (ص) قال: وخلل بين الاصابع رواه الخمسة وصححه الترمذي. وهو في حال الرجلين آكد، ذكره في الشرح. ويخلل أصابع رجليه (بخنصره) لخبر المستورد، رواه أحمد وغيره، لكنه ضعيف. (اليسرى) لانها معدة لازالة الوسخ والدرن من باطن رجليه، لانه أبلغ، ذكره في المبدع وغيره (فيبدأ بخنصر يمنى) إلى إبهامها (ويسرى بالعكس) يبدأ من إبهامها إلى خنصرها (للتيامن) أي ليحصل التيامن في تخليل الاصابع. ويخلل أصابع يديه إحداهما بالاخرى. فإن كانت - أو بعضها - ملتصقة
سقط، (و) يسن (الغسل ثلاثا ثلاثا) لما تقدم في مواضعه (ويجوز الاقتصار على) الغسلة (الواحدة، و) الغسلتان (الثنتان أفضل) من الواحدة (والثلاث أفضل) من الثنتين، ومن الواحدة بطريق الاولى. لانه (ص) دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: هذا وظيفة الوضوء - أو قال هذا وضوء - من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء، من توضأه كان له كفلان من الاجر. وتوضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي رواه ابن ماجه، وقوله (ص) في حديث عمرو بن شعيب
[ 120 ]
عن أبيه عن جده: إنه لما سئل عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا - فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وتعدى وظلم رواه أبو داود، وتكلم مسلم على قوله: أو نقص وأوله البيهقي على نقصان العضو. واستحسنه الذهبي (وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض) بأن غسل عضوا مرة أو مرتين وآخر ثلاثا (لم يكره) كما لو غسل الكل متساوية (ويعمل في عددها) أي الغسلات (إذا شك) فيه (بالاقل) كركعات الصلاة، إذ الاصل عدم الاتيان بالمشكوك فيه (وتكره الزيادة عليها) أي على الثلاث، لحديث عمرو المتقدم، (و) يكره (الاسراف في الماء) ولو على نهر جار لما يأتي في الغسل، (ويسن مجاوزة موضع الفرض) بالغسل، لما روى نعيم المجمر أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، حتى كاد يبلغ المنكبين. ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل متفق عليه. ولمسلم عنه: سمعت خليلي (ص) يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، (ولا يسن الكلام على الوضوء، بل يكره) قاله جماعة، قال في الفروع: والمراد بغير ذكر الله، كما صرح به جماعة (والمراد بالكراهة ترك الاولى) وفاقا للحنفية والشافعية، مع أن ابن الجوزي وغيره لم يذكروه فيما يكره ويسن. (قال ابن القيم: الاذكار التي تقولها العامة على الوضوء عند كل عضو لا أصل لها) وفي نسخ له: أي للاتيان
[ 121 ]
بها (عنه (ص) ولا عن أحد من الصحابة والتابعين والائمة الاربعة وفيه حديث كذب عليه (ص) انتهى). قال النووي: وحذفت دعاء الاعضاء المذكور في المحرر، إذ لا أصل له. وكذا قال في الروضة وشرح المهذب، أي لم يجئ فيه شئ عن النبي (ص) كما قال في الاذكار والتنقيح له، والرافعي قال: ورد فيه الاثر عن السلف الصالحين. قال الجلال المحلي: وفاتهما أنه روي عن النبي (ص) من طرق في تاريخ ابن حبان وغيره، وإن كانت ضعيفة، للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الاعمال انتهى. قال في الفروع: وذكر جماعة: يقول: عند كل عضو ما ورد. والاول أظهر، لضعفه جدا، مع أن كل من وصف وضوء النبي (ص) لم يذكره، ولو شرع لتكرر منه ولنقل عنه انتهى. وقوله: ما ورد، أشار به إلى ما أخرجه ابن حبان في التاريخ: إذا غسل وجهه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه، وذراعيه: اللهم أعطني كتابي بيميني. ورأسه: اللهم غثنا برحمتك وجنبنا عذابك، ورجليه: اللهم ثبت قدمي يوم تزل الاقدام نقله عنه السيوطي في الكلم الطيب (قال أبو الفرج) أطلقه في الفروع، ولم يبين هل هو الشيرازي، أو ابن الجوزي؟ (يكره السلام على المتوضئ وفي الرعاية: ورده) أي ويكره رد المتوضئ السلام. قال في الفروع: مع أنه ذكر لا يكره متخل، وهو سهو (وفي) الفروع (ظاهر كلام الاكثر: لا يكره السلام ولا الرد) وإن كان الرد على طهر أكمل، لفعله (ص) وفي الصحيحين: إن أم هانئ سلمت على النبي (ص) وهو يغتسل، فقال: من هذه؟ قلت: أم هانئ بنت أبي طالب، قال: مرحبا بأم هانئ وظاهر كلامهم لا تستحب التسمية عند كل عضو.
[ 122 ]
فصل: (والترتيب والموالاة فرضان) في الوضوء، لما تقدم (لا مع غسل) أي بأن نوى بغسله رفع الحدثين. فيسقط الترتيب والموالاة، لان الحكم صار للاكبر، لاندراج الاصغر فيه،
كاندراج العمرة في حج القارن (ولا يسقطان) أي الترتيب والموالاة (سهوا ولا جهلا، كبقية الفروض، فيجب الترتيب) بين الاعضاء الاربعة (على ما ذكر الله تعالى) في كتابه لما تقدم (فإن نكس وضوءه، فبدأ بشئ من أعضائه قبل وجهه، لم يحتسب بما غسله) من الاعضاء (قبله) أي قبل الوجه، لفوات الترتيب (وإن بدأ برجليه وختم بوجهه، لم يصح إلا غسل وجهه) لما تقدم (وإن توضأ منكوسا) يختم بوجهه، ويبدأ برجليه (أربع مرات، صح وضوءه إذا كان متقاربا، يحصل له في كل مرة غسل عضو) فيحصل له من المرة الاولى غسل الوجه، ومن الثانية غسل اليدين، ومن الثالثة مسح الرأس، ومن الرابعة غسل الرجلين، وعلمت ما في كلامه من التغلب (وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح) وضوؤه، وكذا لو وضأه أربعة، في حالة واحدة، لان الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب (ولو انغمس في ماء كثير راكد أو جار بنية رفع الحدث) الاصغر (لم يرتفع) حدثه (ولو مكث فيه قدرا يسع الترتيب) أو مرت عليه من الجاري أربع جريات، قال في الانتصار: لم يفرق أحمد بينهما، أي بين الجاري والراكد (حتى يخرج مرتبا نصا، فيخرج وجهه، ثم يديه، ثم يمسح رأسه) لان غسله من غير إمرار يد غير كاف، وتقدم (ثم يخرج من الماء) قلت: خروجه منه بعد ليس قيدا. لان الحدث يرتفع عن رجليه، ولو كانتا في الماء قبل انفصاله، كما تقدم، (وتقدم) في كتاب الطهارة (والموالاة) مصدر والى الشئ يواليه إذا تابعه، والمراد هنا: (ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف) العضو (الذي قبله، يليه) بأن لا يؤخر غسل اليدين حتى يجف الوجه، ولا مسح الرأس حتى تجف اليدان، ولا غسل الرجلين حتى تجف الرأس لو كانت مغسولة، وعلم منه أنه لو أخر مسح الرأس حتى جف الوجه دون اليدين لم يؤثر، ويتمه صحيحا (في زمن معتدل) الحرارة والبرودة (أو قدره) أي
[ 123 ]
قدر المعتدل (من غيره) أي غير المعتدل، من زمن حار أو بارد (ولا يضر جفاف لاشتغاله بسنة) من سنن الوضوء (كتخليل) لحية أو أصابع، (و) كاشتغاله ب (- إسباغ) أي إبلاغ الماء
مواضع الطهارة، (و) كاشتغاله (بإزالة شك ووسوسة) لان ذلك من الطهارة، (ويضر) أي يفوت الموالاة إن جف العضو ل (إسراف وإزالة وسخ ونحوه) كحل جبيرة (لغير طهارة) بأن كان في غير أعضاء الوضوء، و (لا) يضر إن كانت إزالة الوسخ ونحوه (لها) أي للطهارة، بأن كان في أعضاء الوضوء. لانه إذن من أفعال الطهارة، بخلاف ما قبل، (وتضر الاطالة في إزالة النجاسة) بغير أعضاء الوضوء لا بها، لما تقدم في الوسخ، (و) تضر الاطالة في (تحصيل ماء) ولو للطهارة لانه ليس منها. فصل: (وجملة سنن الوضوء استقبال القبلة والسواك) عند المضمضة وتقدم دليله، (وغسل الكفين ثلاثا لغير قائم من نوم ليل) ناقض لوضوء، ويجب لذلك، وتقدم مستوفى. (والبداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة، ثم الاستنشاق) وكونهما بيمينه، كما تقدم بدليله وعدم الفصل بينهما (والمبالغة فيهما) أي في المضمضة والاستنشاق (لغير صائم) وتكره له، وتقدم (و) المبالغة (في سائر الاعضاء لصائم وغيره، والاستنثار) وكونه بيساره، قال في الآداب الكبرى: ويكره لكل أحد أن ينتثر وينقي أنفه ووسخه ودرنه ويخلع نعله ونحو ذلك بيمينه مع القدرة على ذلك بيساره، مطلقا، وتناول الشئ من يد غيره باليمين، ذكره ابن عقيل من المستحبات للخبر، ولا يكره بيساره، ذكره القاضي والشيخ عبد القادر، وقال: وإذا أراد أن يناول إنسانا توقيعا أو كتابا فليقصد يمينه، (و) من سنن الوضوء (تخليل أصابع اليدين والرجلين) وتقدم دليله وكيفيته (وتخليل الشعور) أي شعور اللحية (الكثيفة في الوجه، والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم الليل، وبين الاذنين، قاله الزركشي، وقال
[ 124 ]
الازجي: يمسحهما معا، ومسحهما) أي الاذنين (بعد الرأس بماء جديد، ومجاوزة موضع الفرض، والغسلة الثانية والثالثة) وقال القاضي وغيره: الاولى فريضة والثانية فضيلة والثالثة سنة، وقدمه ابن عبيدان، قال في المستوعب: وإذا قيل لك: أي موضع تقدم فيه الفضيلة
على السنة؟ فقل: هنا (وتقديم النية على مسنوناته) إذا وجدت قبل الواجب كما تقدم (واستصحاب ذكرها) أي النية (إلى آخره) أي آخر الوضوء (وغسل باطن الشعور الكثيفة) في الوجه، غير اللحية فيخللها فقط، جمعا بينه وبين ما تقدم (وأن يزيد في ماء الوجه) كما تقدم (وقول ما ورد بعد الوضوء، ويأتي) آخر الباب (وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونة) لحديث ابن عباس: كان النبي (ص) لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاها بنفسه رواه ابن ماجه (وتباح معونة المتطهر) متوضئا كان، أو مغتسلا (كتقريب ماء الغسل، أو) ماء (الوضوء إليه، أو صبه عليه) لان المغيرة بن شعبة أفرغ على النبي (ص) من وضوئه، رواه مسلم. وعن صفوان بن عسال قال: صببت على النبي (ص) الماء في الحضر والسفر في الوضوء رواه ابن ماجه، (و) يباح للمتطهر (تنشيف أعضائه) لما روى سلمان أن النبي (ص) توضأ، ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه رواه ابن ماجه والطبراني في المعجم الصغير. (وتركهما) أي ترك المعين والتنشيف (أفضل) من فعلهما، أما ترك المعين فلحديث ابن عباس السابق، وأما ترك التنشيف فلحديث ميمونة أن النبي (ص) اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه. وترك النبي (ص) لا يدل على الكراهة، فإنه قد يترك المباح. وأيضا هذه قضية في عين يحتمل أنه ترك المنديل لامر يختص بها. قال ابن
[ 125 ]
عباس: كانوا لا يرون بالمنديل بأسا، ولكن كانوا يكرهون العادة ولانه إزالة للماء عن بدنه، أشبه نفض يديه (ويستحب كون المعين عن يساره) ليسهل تناول الماء عند الصب (كإناء وضوئه الضيق الرأس) ليصب بيساره على يمينه (وإن كان) إناء وضوئه (واسعا يغترف منه باليد، فعن يمينه) ليغترف منه بها (ولو وضأه) أو غسل له بدنه من نحو جنابة (أو يممه مسلم أو كتابي) أو غيره (بإذنه) أي بإذن المفعول به. قلت: وكذا تمكينه من ذلك، بأن ناوله أعضاءه من غير قول (بأن غسل له الاعضاء، أو يممها من غير عذر كره،
وصح) وضوؤه، وغسله، وتيممه لوجود الغسل والمسح، وإنما كره لعدم الحاجة إليه وخروجا من خلاف من قال بعدم الصحة (وينويه المتوضئ) والمغتسل (والمتيمم) لانه المخاطب. وإنما لكل امرئ ما نوى. فإن لم ينوه لم يصح، ولو نواه الفاعل (فإن أكره من يصب عليه الماء) لم يصح وضوؤه، قدمه في الرعاية، وقيل: يصح انتهى. قلت: والثاني أظهر. لان النهي يعود لخارج، لان صب الماء ليس من شرط الطهارة، (أو) أكره من (يوضئه على وضوئه لم يصح) وكذا لو أكره من يغسله أو ييممه، وكذا قال في المنتهى. لا إن أكره فاعل (وإن أكره المتوضئ على الوضوء، أو) أكره إنسان (على غيره) أي غير الوضوء (من العبادات) كالغسل، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج (وفعلها) المكره (لداعي الشرع) بأن نوى بها التقرب إليه تعالى (لا لداعي الاكراه صحت) لوجود النية المعتبرة، (وإلا) أي وإن فعلها لداعي الاكراه (فلا) تصح لعدم وجود النية المعتبرة (ويكره نفض الماء) على الصحيح من المذهب. اختاره ابن عقيل. قاله في الانصاف، وقال في الشرح: ولا يكره نفض الماء بيديه عن بدنه. لحديث ميمونة، ويكره نفض يده. ذكره أبو الخطاب وابن عقيل اه. وقال في غاية المطلب: هل يباح نفض يده أو يكره؟ وجهان، الاصح لا يكره اه. وقال
[ 126 ]
في الفروع: وعنه يكرهان، أي المعاونة والتنشيف، كنفض يده لخبر أبي هريرة: إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان رواه المعمري وغيره من رواية البحتري بن عبيد، وهو متروك، واختار صاحب المغني والمحرر وغيرهما لا يكره، وهو أظهر وفاقا للائمة الثلاثة، (و) تكره (إراقة ماء الوضوء، و) ماء (الغسل في المسجد، أو في مكان يداس فيه كالطريق تنزيها للماء) لانه أثر عبادة، (ويباح الوضوء، والغسل في المسجد، إذا لم يؤذ به أحدا، ولم يؤذ المسجد) لان المنفصل منه طاهر، (ويحرم فيه الاستنجاء والريح) والبول، ولو بقارورة. لان هواء المسجد كقراره، (وتكره إراقة ماء غمس فيه يده قائم من نوم ليل فيه) أي في المسجد خصوصا على القول بأن غسلهما معلل بوهم النجاسة (قال
الشيخ: ولا يغسل فيه ميت) لانه مظنة تنجيسه بما يخرج من جوفه، وصون المسجد عن النجاسات واجب (وقال: يجوز عمل مكان فيه للوضوء للمصلحة بلا محذور) كقرب جدار، أو بحيث يؤذي المصلين، فيمنع منه إذن. وقال في الفتاوى المصرية: إذا كان في المسجد بركة يغلق عليها باب المسجد، لكن يمشى حولها دون أن يصلى حولها، هل يحرم البول عندها والاستنجاء بالماء بغير الاستجمار بالحجر خارج المسجد؟ الجواب: هذا يشبه البول في المسجد في القارورة، قال: والاشبه أن هذا إذا فعل للحاجة فقريب، وأما اتخاذ ذلك مبالا أو مستنجى فلا. (ولا يكره طهره من إناء نحاس ونحوه) كحديد ورصاص لما تقدم في باب الآنية أنه عليه السلام توضأ من تور نحاس، (ولا) يكره طهره (من إناء بعضه نجس) بحيث
[ 127 ]
يأمن التلويث، (ولا) يكره طهره (من ماء بات مكشوفا، ومن مغطى أولى) قال في الفصول: ومن مغطى أفضل، واحتج بنزول الوباء فيه وأنه لا يعلم هل يختص الشرب أو يعم؟ يشير بذلك إلى حديث مسلم أن رسول الله (ص) قال: غطوا الاناء وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، ولا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء (ويسن عقب فراغه من الوضوء رفع بصره إلى السماء. وقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) لحديث عمر يرفعه قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء رواه مسلم ورواه الترمذي وزاد فيه: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورواه أحمد وأبو داود. وفي بعض رواياته: فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء وساق الحديث (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) لخبر أبي سعيد
الخدري مرفوعا قال: من توضأ ففرغ من وضوئه فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، طبع الله عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش، فلم تكسر إلى يوم القيامة رواه النسائي. قال السامري: ويقرأ سورة القدر ثلاثا. والحكمة في ختم الوضوء والصلاة وغيرهما بالاستغفار، كما أشار إليه ابن رجب في تفسير سورة النصر: أن العباد مقصرون عن القيام بحقوق الله كما ينبغي، وعن أدائها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يؤدونها على قدر ما يطيقونه، فالعارف يعرف أن قدر الحق أعلا وأجل من ذلك، فهو يستحي من عمله ويستغفر من تقصيره فيه كما يستغفر غيره من ذنوبه وغفلانه، قال: والاستغفار يرد مجردا ومقرونا بالتوبة، فإن ورد مجردا دخل فيه طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء والندم عليه، ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على
[ 128 ]
الاقلاع عنه. وهذا الاستغفار الذي يمنع الاصرار والعقوبة. وإن ورد مقرونا بالتوبة اختص بالنوع الاول، فإن لم يصحبه الندم على الذنب الماضي، بل كان سؤالا مجردا فهو دعاء محض. وإن صحبه ندم فهو توبة. والعزم على الاقلاع من تمام التوبة. (وكذا) يقول ذلك (بعد الغسل قاله في الفائق) قال في الفروع: ويتوجه ذلك بعد الغسل ولم يذكروه. خاتمة: اختلف في الوضوء هل هو من خصائص هذه الامة؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه من خصائصها، مستدلين بما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: لكم سيما ليست لاحد من الامم، تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء وذهب آخرون إلى أنه ليس مختصا بها، وإنما المخصوص بها الغرة والتحجيل فقط. واحتجوا بالحديث الآخر: هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلي وأجاب الاولون بضعفه، وبأنه لو صح احتمل أن يكون خاصا بالانبياء دون أممهم، لا بهذه الامة. ورد بأنه ورد أنهم كانوا يتوضوؤن، ففي قصة جريج الراهب لما رموه بالمرأة أنه توضأ وصلى، ثم قال للغلام: من
أبوك؟: قال هذا الراعي وقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث إبراهيم عليه السلام لما مر على الجبار ومعه سارة أنها لما دخلت على الجبار توضأت وصلت ودعت الله عز وجل. باب مسح الخفين (وسائر الحوائل) أعقبه للوضوء لانه بدل عن غسل، أو مسح ما تحته فيه (وهو) أي مسح الخفين وسائر الحوائل غير الجبيرة، كما يعلم مما يأتي (رخصة) وهي لغة: السهولة، وشرعا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وعنه
[ 129 ]
عزيمة، وهي لغة: القصد المؤكد، وشرعا: حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، والرخصة والعزيمة، وصفان للحكم الوضعي، قال في الفروع: والظاهر أن من فوائدهما المسح في سفر المعصية، وتعيين المسح على لابسه. قال في القواعد الاصولية: وفيما قاله نظر، (و) المسح على الخفين (أفضل من الغسل) لانه عليه السلام وأصحابه إنما طلبوا الافضل. وفيه مخالفة أهل البدع، ولقوله عليه السلام: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه (ويرفع) مسح الحائل (الحدث) عما تحته (نصا)، وإن كان مؤقتا، لان رفع الحدث شرط للصلاة مع القدرة، فلو لم يحصل بالمسح فضل لما صحت الصلاة به لوجود القدرة عليه بالغسل (إلا أنه لا يستحب له أن يلبس) الخف ونحوه (ليمسح) عليه كما كان (ص) يغسل قدميه، إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسا للخف، فالافضل لكل واحد ما هو الموافق لحال قدمه، كما ذكره الشيخ تقي الدين، و (كالسفر، ليترخص) فإنه لا يطلب له ذلك، بل يأتي لو سافر لينظر جرما، (ويكره لبسه) أي الخف (مع مدافعة أحد الاخبثين) لان الصلاة مكروهة بهذه الطهارة، فكذلك اللبس الذي يراد للصلاة، قال في الشرح: والاولى أن لا يكره، وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان إذا أراد أن يبول لبس خفيه ولانها طهارة كاملة. أشبه ما لو لبسهما عند غلبة النعاس. والصلاة إنما كرهت
للحاقن لان اشتغال قلبه بمدافعة الاخبثين يذهب بخشوع الصلاة، ويمنع الاتيان بها على الكمال، ويحمله على العجلة ولا يضر ذلك في اللبس، والله أعلم. (ويصح) المسح (على خف) في رجليه لثبوته بالسنة الصريحة. قال ابن المبارك: ليس فيه خلاف. وقال الحسن: روى المسح سبعون نفسا، فعلا منه عليه السلام. وقال أحمد: ليس في قلبي من المسح على الخفين شئ، فيه أربعون حديثا عن النبي (ص) قال في المبدع: ومن أمهاتها حديث جرير، قال: رأيت النبي (ص) بال، ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم النخعي:
[ 130 ]
فكان يعجبهم ذلك، لان إسلام جرير كان بعد نزول المائدة متفق عليه. فلا يكون الامر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخا للمسح، كما صار إليه بعض الصحابة، وقد استنبطه بعض العلماء من القرآن من قراءة من قرأ: * (وأرجلكم) * بالجر، وحمل قراءة النصب على الغسل، لئلا تخلو إحدى القراءتين عن فائدة. (و) يصح المسح أيضا على (جرموق)، وهو (خف قصير) لما روى بلال قال: رأيت النبي (ص) يمسح على الموق رواه أحمد وأبو داود. ولسعيد بن منصور في سننه عن بلال قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: امسحوا على النصيف والموق، أي الجرموق قال الجوهري: هو مثال الخف، يلبس فوقه لا سيما في البلاد الباردة، وهو معرب. كذا كل كلمة فيها جيم وقاف. (و) يصح المسح أيضا على (جورب صفيق من صوف أو غيره) قال الزركشي: هو غشاء من صوف يتخذ للدف ء وقال في شرح المنتهى: ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد. قال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله (ص): علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، نعلا أو لم ينعلا. كما أشار إليه بقوله (وإن كان) الجورب (غير مجلد، أو منعل، أو كان) الجورب (من خرق) وأمكنت متابعة المشي فيه، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم: لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا لانهما لا يمكن متابعة المشي
فيهما. فهما كالرقعتين. ولنا حديث المغيرة بن شعبة أن النبي (ص): مسح على الجوربين والنعلين رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح. وهذا يدل على أنهما
[ 131 ]
كانا غير منعولين، لانه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين، فإنه لا يقال: مسح على الخف ونعله. ولانه قول من ذكر من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، والجوارب في معنى الخف. لانه ساتر لمحل الفرض، يمكن متابعة المشي فيه. أشبه الخف. وتكلم في الحديث بعضهم. قال أبو داود: كان ابن مهدي لا يحدث به، لان المعروف عن المغيرة الخفين. قال في المبدع: وهذا لا يصلح مانعا، لجواز رواية اللفظين، فيصح المسح على ما تقدم (حتى لزمن) لا يمكنه المشي لعاهة، للعموم (ومن له رجل واحدة لم يبق من فرض) الرجل (الاخرى شئ) فلبس ما يصح المسح عليه في الباقية. جاز له المسح عليه لانه ساتر لفرضه. وعلم منه: أنه لو لبس خفا في إحدى رجليه مع بقاء الاخرى أو بعضها، وأراد المسح عليه، وغسل الاخرى. أو بعضها، وأراد المسح عليه وغسل الاخرى. أو ما بقي منها لم يجز له ذلك، بل يجب غسل ما في الخف تبعا للتي غسلها. لئلا يجمع بين البدل والمبدل في محل واحد، (و) حتى (لمستحاضة ونحوها) لان صاحب العذر أحق بالترخص من غيره، وطهارتها كاملة بالنسبة إليها، بل تقدم أنها ترفع الحدث، و (لا لمحرم لبسهما) أي الخفين، (ولو لحاجة) كعدم النعلين، فلا يمسح عليهما كما لو لبست المرأة العمامة لحاجة برد أو غيره وقيل: يجوز وهو أظهر. قال المنقح في حاشية التنقيح: وهو ظاهر كلام الاصحاب، لاطلاقهم المسح على الخفين، ولم يستثنوا أحدا. ولم أر المسألة إلا في الفروع. وعنده تحقيق انتهى. قلت: قد يقال: قول الاصحاب في اشتراط المسح إباحة الخف مطلقا يمنع قوله: هو ظاهر كلام الاصحاب. لان الخف لا يباح للمحرم على الاطلاق، بل للحاجة، فهو كخف من حرير لضرورة.
(ويصح المسح على عمائم ذكور) لقول عمرو بن أمية: رأيت النبي (ص) مسح على عمامته وخفيه رواه البخاري، وقال المغيرة بن شعبة: توضأ رسول الله (ص) ومسح على الخفين والعمامة، قال الترمزي: هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أن النبي (ص): مسح على الخفين والخمار وبه قال أبو بكر وعمر، وأنس وأبو أمامة. روى الخلال
[ 132 ]
عن عمر: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله. (و) يصح المسح (على جبائر، جمع جبيرة، وهي أخشاب أو نحوها تربط على الكسر أو نحوه) كالجرح، سميت بذلك تفاؤلا، لحديث جابر عنه (ص) في صاحب الشجة: إنما يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه خرقة، ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده رواه أبو داود والدارقطني، وهو قول عمرو، لم يعرف له مخالف من الصحابة. (و) يصح المسح أيضا (على خمر النساء المدارة تحت حلوقهن) لان أم سلمة كانت تمسح على خمارها، ذكره ابن المنذر. ولقوله (ص): امسحوا على الخفين والخمار رواه أحمد ولانه ساتر يشق نزعه أشبه العمامة المحنكة. ولا يجوز المسح على الوقاية. لانه لا يشق نزعها. فهي كطاقية الرجل، و (لا) على (القلانس) جمع قلنسوة أو قلنسية (وهي مبطنات تتخذ للنوم و) لا على (الدنيات) وهي (قلانس كبار أيضا. كانت القضاة تلبسها) قديما. قال في مجمع البحرين: هي على هيئة ما تتخذه الصوفية الآن، ووجه عدم المسح عليها: أنه لا يشق نزعها فلم يجز المسح عليها كالكلوتة (ومن شرطه) أي المسح على الخفين وسائر الحوائل (أن يلبس الجميع بعد كمال الطهارة بالماء) لما روى أبو بكر أن النبي (ص) رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما رواه الشافعي وابن خزيمة والطبراني وحسنه البخاري، وقال: هو صحيح الاسناد. والطهر المطلق ينصرف إلى الكامل: وأيضا روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي (ص) في سفر، فأهويت لانزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين متفق عليه، ولفظه للبخاري (ولو مسح
فيها) أي الطهارة (على خف) بأن لبس خفا على طهارة. ثم أحدث وتوضأ ومسح عليه، ثم لبس عمامة، أو جبيرة فله المسح عليها، (أو) مسح في الطهارة على (عمامة أو جبيرة) أي لو توضأ، ثم لبس عمامة، أو جبيرة، ثم أحدث، وتوضأ، ومسح عليها، ثم لبس خفا جاز له المسح
[ 133 ]
عليه، لان ما تقدم طهارة كاملة ترفع الحدث. أشبه ما لو غسل الكل، (أو غسل صحيحا وتيمم لجرح)، ثم لبس حائلا، جاز له المسح عليه، لانه تقدمه طهارة كاملة بالنسبة إليه (فلا يمسح على خف) ولا جرموق ولا جورب ولا عمامة ولا خمار ولا جبيرة (لبسه على طهارة تيمم) لانه لا يرفع حدثا (ولو غسل رجلا، ثم أدخلها الخف) قبل غسل الاخرى (خلع) الخف، (ثم لبس بعد غسل الاخرى) لتكمل الطهارة (ولو لبس الاولى طاهرة) قبل غسل الاخرى، (ثم غسل) الرجل (الاخرى وأدخلها) خفها (لم يمسح) لان لبسه للخفين لم يكن بعد كمال الطهارة (فإن خلع الاولى ثم لبسها) مع بقاء طهارته (جاز) له المسح، لان لبسهما بعد كمال الطهارة (وإن تطهر، ثم أحدث قبل لبسه) الخف أو نحوه لم يمسح عليه لانه لم يلبسه على طهارة (فان تطهر ثم احدث قبل لبسه) الخف أو نحوه لم يمسح عليه (أو) تطهر ثم أحدث (بعده) أي بعد لبسه الخف، أو نحوه، لانه لم يلبسه على طهارة (قبل أن تصل القدم إلى موضعها) لم يجز المسح، لان الرجل حصلت في مقرها وهو محدث، فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث، (أو لبسه) أي الخف ونحوه (محدثا ثم غسلهما) أي الرجلين (فيه) أي في الخف ونحوه، لم يجز المسح، (أو) لبسه في أثناء الطهارة (قبل كمال طهارته، ثم غسلهما) أي الرجلين (فيه) أي في الخف ونحوه، ثم تمم طهارته لم يجز له المسح (أو نوى جنب ونحوه) كحائض ونفساء انقطع دمهما (رفع حدثه، ثم غسلهما، وأدخلهما فيه) أي في الخف ونحوه، (ثم تمم طهارته لم يجز) له (المسح) لانه لم يلبسه بعد كمال الطهارة، (وإن) غسل وجهه ويديه و (مسح رأسه ثم لبس العمامة، ثم غسل رجليه خلع) العمامة، (ثم لبسها) ليوجد شرط المسح كالخف (ولو شد الجبيرة على غير طهارة) بالماء
(نزع) الجبيرة إذا تطهر ليغسل ما تحتها، بناء على أن تقدم الطهارة على شدها شرط. وهو اختيار القاضي، والشريف، وأبي جعفر، وأبي الخطاب، وابن عبدوس. وقدمها في الرعاية والفروع وغيرهم. لانه مسح على حائل أشبه الخف. وعنه لا يشترط، قدمها ابن تميم، واختارها الخلال، وابن عقيل، وصاحب التلخيص فيه والموفق، وجزم بها في الوجيز
[ 134 ]
للاخبار وللمشقة، لان الجرح يقع فجأة أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه، وعلى الاول (فإن خاف) من نزعها تلفا أو ضررا (تيمم) لغسل ما تحتها. لانه موضع يخاف الضرر باستعماله الماء فيه. فجاز التيمم له، كجرح غير مشدود (فلو عمت) الجبيرة (محل الفرض) في التيمم، بأن عمت الوجه واليدين (كفى مسحها بالماء) لان كلا من التيمم والمسح بدل عن الغسل. فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر (ويمسح مقيم، ولو عاصيا بإقامة، كمن أمره سيده بسفر فأبى) أن يسافر: يوما وليلة، (و) يمسح (عاص بسفره) بعيدا كان أو قريبا (يوما وليلة) وكذا مسافر دون المسافة، لانه في حكم المقيم، (و) يمسح (مسافر سفر قصر ثلاثة أيام بلياليهن) لما روى شريح بن هانئ قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت: سل عليا. فإنه كان يسافر مع النبي (ص) فسألته، فقال: قال رسول الله (ص): للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة رواه مسلم، قال أحمد في رواية الاثرم: هو صحيح مرفوع. ويخلع عند انقضاء المدة. فإن خاف أو تضرر رفيقه بانتظاره تيمم. فلو مسح وصلى أعاد نص عليه. ويمسح المدة المذكورة لابس الخفين (ولو مستحاضة ونحوها) كمن به سلس بول أو نحوه، لعموم الاخبار. وابتداء المدة (من وقت حدث بعد لبس إلى مثله) من الثاني أو الرابع، لحديث صفوان بن عسال قال: أمرنا رسول الله (ص) إذا كنا مسافرين أو سفرا: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، وإلا من جنابة، ولكن من غائط ونوم وبول رواه أحمد والترمزي وصححه.
وقال الخطابي: هو صحيح الاسناد. يدل بمفهومه: أنها تنزع لثلاث مضين من الغائط. ولانها عبادة مؤقتة. فاعتبر لها أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة، (فلو مضت
[ 135 ]
المدة) بأن مضى من الحدث يوم وليلة، أو ثلاثة إن كان مسافرا (ولم يمسح فيها) على الخف أو نحوه (خلع) لفراغ مدته، وما لم يحدث فلا تحتسب المدة، فلو بقي بعد لبسه يوما على طهارة اللبس، ثم أحدث استباح بعد الحدث المدة. وهذا التوقيت السابق مفصلا في غير الجبيرة. ولذلك قال: (و) يمسح على (جبيرة إلى حلها) لان مسحها للضرورة، فيقدر بقدرها. والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها. فقدر بذلك دون غيره. وبرؤها كحلها بل أولى (ومن مسح مسافرا، ثم أقام أتم بقية مسح مقيم، إن كانت) أي وجدت له بقية من اليوم والليلة (وإلا) بأن مضى بعد الحدث يوم وليلة فأكثر، ثم أقام (خلع) الخف ونحوه. لانقطاع السفر. فلو تلبس بصلاة في سفينة فدخلت الاقامة في أثنائها بعد اليوم والليلة، أبطلت. قال في الرعاية: في الاشهر انتهى. وكذا لو نوى الاقامة (وإن مسح مقيم أقل من يوم وليلة ثم سافر) أتم مسح مقيم، تغليبا للاقامة لانها الاصل (أو شك هل ابتدأ المسح حضرا، أو سفرا أتم مسح مقيم) لان الاصل الغسل والمسح رخصة. فإذا وقع الشك في شرطها رد إلى الاصل. وسواء شك هل أول مسحه في الحضر أو السفر؟ أو علم أول المدة، أو شك هل كان مسحه حضرا، أو سفرا؟ (وإن شك) الماسح (في بقاء المدة لم يجز المسح) مقيما كان، أو مسافرا، ما دام الشك. لان المسح رخصة جوزت بشرط، فإن لم يتحقق بقاء شرطها رجع إلى الاصل (فلو خالف وفعل) أي مسح مع الشك في بقاء المدة (فبان بقاؤها صح وضوؤه) ولا يصلي به قبل أن يتبين له بقاؤها. فإن صلى مع الشك أعاد (ومن أحدث) في الحضر (ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر) لانه ابتدأ المسح مسافرا (ولا يصح المسح إلا على ما يستر محل الفرض) وهو القدم كله، وإلا فحكم ما استتر: المسح، وما ظهر: الغسل. ولا سبيل إلى الجمع بينهما. فوجب الغسل. لانه الاصل، (و) من شرط المسح على الخف
أيضا: أن (يثبت بنفسه) إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه. فلا يصح المسح على ما يسقط لفوات شرطه، (أو) أن يثبت (بنعلين ف) - لو ثبت الجوربان بالنعلين فإنه (يصح) المسح عليهما على ما سبق من المدة (إلى خلعهما) ويجب أن يمسح على الجوربين، وسيور النعلين قدر الواجب، قاله القاضي، وقدمه في الرعاية الكبرى. قال في الصغرى والحاويين: مسحهما، وقيل: يجزي مسح الجورب وحده. وقيل: أو النعل. قال المجد في شرحه، وابن عبيدان، وصاحب مجمع البحرين: ظاهر كلام أحمد إجزاء المسح على أحدهما قدر الواجب. قلت: ينبغي أن يكون هذا المذهب.
[ 136 ]
قاله في الانصاف. و (لا) يصح المسح على خف يثبت (بشده) فقط (نصا) لما تقدم (ولو ثبت) الخف ونحوه (بنفسه لكن ببدو بعضه لولا شده أو شرجه) بالشين المعجمة والجيم بأن يكون له عرى (كالزربول الذي له ساق) فيدخل بعضها في بعض فيستتر بذلك محل الفرض (ونحوه صح المسح عليه) لانه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه. أشبه غير ذي الشرج (ومن شرطه) أي المسح على الخف ونحوه (أيضا إباحته) لان المسح رخصة، فلا تستباح بالمعصية (فلا يصح) المسح (على) خف (مغصوب، و) لا (حرير، ولو في ضرورة، كمن هو في بلد ثلج، وخاف سقوط أصابعه) بخلع الخف المغصوب أو الحرير. فلا يستبيح المسح عليه، لانه منهي عنه في الاصل. وهذه ضرورة نادرة (فإن صلى) وقد مسح عليه إذن (أعاد الطهارة والصلاة) لبطلانهما (ويصح) المسح (على) خف ونحوه (حرير لانثى فقط) دون خنثى وذكر. لاباحته لها دونهما ولو صغيرين. (ويشترط) أيضا في مسح الخفين ونحوهما (إمكان المشي فيه) أي الممسوح من خف ونحوه (عرفا ولو لم يكن معتادا، فدخل في ذلك الجلود واللبود والخشب والزجاج والحديد ونحوها) لانه خف ساتر يمكن المشي فيه. أشبه الجلود. (و) يشترط أيضا (طهارة عينه) لان نجس العين منهي عنه (فلا يصح) المسح (على نجس ولو في ضرورة) لما تقدم في الحرير (فيتيمم معها) أي
الضرورة (للرجلين) أي لا بد عن غسلهما. وكذا لو كان النجس عمامة، أو جبيرة وتضرر بنزعها يتيمم لما تحتها. قال في المنتهى: ويتيمم معها لمستور، (ولا يمسح) على النجس، (ويعيد) ما صلى به لانه حامل للنجاسة (ولو مسح على خف طاهر العين، لكن بباطنه أو قدمه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بنزعه جاز المسح عليه) لوجود شرطه، (ويستبيح بذلك مس
[ 137 ]
المصحف، و) يستبيح (الصلاة إذا لم يجد ما يزيل) به (النجاسة وغير ذلك) كالطواف، بخلاف الوضوء قبل الاستنجاء. وفرق المجد بينهما بأن نجاسة المحل هناك لما أوجبت الطهارتين جعلت إحداهما تابعة للاخرى. وهذا معدوم هنا. (ويشترط) في الخف ونحوه أيضا (أن لا يصف القدم لصفائه كالزجاج الرقيق) لانه غير ساتر لمحل الفرض. وكذا ما يصف البشرة لخفته فلا يصح المسح عليه (فإن كان فيه) أي في الخف ونحوه (خرق أو غيره يبدو منه بعض القدم، ولو من موضع الخرز، لم يمسح عليه) لعدم ستره محل الفرض (فإن انضم الخرق ونحوه بلبسه جاز المسح) لحصول الشرط وهو ستر محل الفرض. ويشترط أيضا أن لا يكون واسعا يرى منه محل الفرض، (وإن لبس خفا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر، وكانا) أي الخفان (صحيحين مسح أيهما شاء) ف (- إن شاء) مسح (الفوقاني) لانه خف ساتر ثبت بنفسه، أشبه المنفرد (وإن شاء) مسح (التحتاني، بأن يدخل يده من تحت الفوقاني فيمسح عليه) أي على التحتاني. لان كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه. كما يجوز غسل قدميه في الخف، مع جواز المسح عليه (ولو لبس أحد الجرموقين في إحدى الرجلين) فوق خفها (دون) الرجل (الاخرى) فلم يلبس فيها جوربا، بل الخف فقط (جاز المسح عليه) أي على الجورب الذي لبسه فوق الخف، (وعلى الخف الذي في الرجل الاخرى) لان الحكم تعلق به وبالخف الذي في الرجل الاخرى، فهو كما لو لم يكن تحته شئ، (فإن كان أحدهما) أي الخفين اللذين لبس أحدهما فوق الآخر (صحيحا) والآخر مفتقا (جاز المسح
على الفوقاني) لانهما كخف واحد، وكذا إن لبس على صحيح مخرقا نص عليه، قاله في المبدع، (ولا يجوز) المسح (على) الخف (التحتاني) إذا كان أحد الخفين صحيحا والآخر مفتقا (إلا أن يكون) التحتاني (هو الصحيح) فيصح المسح عليه، لانه ساتر بنفسه. أشبه ما لو انفرد، بخلاف ما إذا كان الفوقاني هو الصحيح فلا يصح المسح إذن على التحتاني. لانه غير ساتر بنفسه.
[ 138 ]
قال في الانصاف: وكل من الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل من الغسل على الصحيح، (وإن كانا) أي الخفان (مخرقين) وليس أحدهما فوق الآخر (وسترا) محل الفرض (لم يجز المسح) عليهما ولا على أحدهما. لان كل واحد منهما غير صالح للمسح على انفراده. كما لو لبس مخرقا فوق لفافة (وإن نزع الفوقاني قبل مسحه لم يؤثر) كما لو انفرد، (وإن) توضأ ولبس خفا، ثم (أحدث، ثم لبس) الخف (الآخر) لم يجز المسح عليه لانه لبسه على غير طهارة، بل على الاسفل، (أو مسح) الخف (الاول) بعد حدثه، (ثم لبس) الخف (الثاني) ولو على طهارة (لم يجز المسح عليه) أي على الثاني. لان الخف الممسوح بدل عن غسل ما تحته. والبدل لا يكون له بدل آخر (بل على الاسفل) لان الرخصة تعلقت به (وإن) لبس خفا على آخر قبل الحدث ومسح الاعلى، ثم (نزع الممسوح الاعلى لزمه نزع التحتاني) وإعادة الوضوء. لانه محل المسح. ونزعه كنزعهما. والرخصة تعلقت بهما، فصار كانكشاف القدم (وقشط ظهارة الخف) بكسر الظاء المشالة ضد البطانة (بعد المسح عليه لا يؤثر) في الوضوء. لبقاء ستر محل الفرض، (ويمسح) خفا (صحيحا) لبسه على طهارة (على لفافة) لانه خف ساتر لمحل الفرض. أشبه ما لو انفرد، و (لا) يمسح خفا (مخرقا) لبسه (عليها) أي على لفافة، لانه لا يستر محل الفرض، كما لو انفرد (ولا) يمسح (لفائف وحدها) وهي خرق تشد على الرجل تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة في الاصح،
قاله في الفروع. (ويجب مسح أكثر أعلى خف ونحوه) كجورب وجرموق. قال في الانصاف: على الصحيح من المذهب. ولا يسن استيعابه (مرة) فلا يجب تكراره، بل ولا يسن (دون أسفله) أي الخف (وعقبه، فلا يجزئ مسحهما) عن مسح ظاهره، (بل ولا يسن) مسحهما مع مسح ظاهره لقول علي: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف
[ 139 ]
أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي (ص) يمسح على ظاهر خفيه رواه أحمد وأبو داود، قال الحافظ عبد الغني: إسناده صحيح فبين أن الرأي وإن اقتضى مسح أسفله، إلا أن السنة أحق أن تتبع، لان أسفله مظنة ملاقاة النجاسة وكثرة الوسخ، فمسحه يفضي إلى تلوث اليد من غير فائدة، وما ورد أنه عليه السلام: مسح أعلى الخف وأسفله فرواه أحمد، وقال: من وجه ضعيف، والترمذي وقال معلول: وقال: سألت أبا زرعة ومحمدا - أي البخاري - عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، (وتكره الزيادة عليها) أي على المرة في مسح الخف، لانه يفسده (فيضع يديه مفرجتي الاصابع على أطراف أصابع رجليه، ثم يمرهما على مشطي قدميه إلى ساقيه) هذا صفة المسح المسنون، قاله ابن عقيل وغيره، لما روى البيهقي في سننه عن المغيرة بن شعبة أن النبي (ص): مسح على خفيه، وضع يده اليمنى على خفه الايمن، ويده اليسرى على خفه الايسر، ثم مسح إلى أعلاه مسحة واحدة، (فإن بدأ) في المسح (من ساقه إلى أصابعه أجزأه) قال أحمد: كيفما فعلت فهو جائز، (ويسن مسح) الرجل (اليمنى ب) - اليد (اليمنى، و) الرجل (اليسرى ب) - اليد (اليسرى) لحديث المغيرة السابق (وفي التلخيص والترغيب: يسن تقديم اليمنى) وحكاه في المبدع عن البلغة، وقال: حديث المغيرة السابق ليس فيه تقديم، (وحكم مسحه بإصبع أو إصبعين إذا كرر المسح بها) أي بما ذكر من الاصبع، أو الاصبعين (حتى يصير
المسح) بها (مثل المسح بأصابعه) حكم مسح الرأس في الاجزاء، (أو) أي وحكم المسح (بحائل كخرقة ونحوها) كخشبة حكم مسح الرأس في الاجزاء، (و) حكم (غسله حكم مسح
[ 140 ]
الرأس على ما تقدم) فيجزي إن مسحه مع ذلك، وإلا فلا، (ويكره غسله) أي الخف لانه يفسده، (ويصح) أي يجب (مسح دوائر عمامة) أما صحة المسح على العمامة فلما تقدم، وأما كون الواجب مسح (أكثرها) فلانها ممسوحة على وجه البدل، فأجزأ فيها ذلك كالخف، واختص ذلك بأكوارها وهي دوائرها (دون وسطها) لانه يشبه أسفل الخف، وإنما يصح المسح على العمامة (إذا كانت مباحة) بأن لا تكون محرمة، كمغصوبة أو حرير، لما تقدم في الخف، وأن تكون (محنكة) وهي التي يدار منها تحت الحنك كور - بفتح الكاف - أو كوران، سواء كان لها ذؤابة أو لا، لانها عمامة العرب، ويشق نزعها، وهي أكثر سترا، (أو) تكون (ذات ذؤابة) بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة - وهي طرف العمامة المرخي، وأصلها الناصية، أو منبتها من الرأس وشعر في أعلى ناصية الفرس، لان إرخاء الذؤابة من السنة، قال أحمد في رواية الاثرم وإبراهيم بن الحارث: ينبغي أن يرخي خلفه من عمامته. كما جاء عن ابن عمر أنه كان يعتم ويرخيها بين كتفيه، وعن ابن عمر قال: عمم النبي (ص) عبد الرحمن بعمامة سوداء وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع ولانها لا تشبه عمائم أهل الذمة (كبيرة كانت العمامة أو صغيرة) وأن تكون (لذكر) كبير أو صغير (لا أنثى) كبيرة أو صغيرة، لانها منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح أنثى على عمامة (ولو لبستها لضرورة برد وغيره) وكذا خنثى، ويصح مسح الذكر على العمامة غير الصماء (بشرط سترها لما لم تجر العادة بكشفه) كمقدم الرأس والاذنين وجوانب الرأس، فإنه يعفى عنه، بخلاف خرق الخف ونحوه، لان هذا مما جرت العادة به، ويشق التحرز منه، (ولا يجب أن يمسح معها) أي العمامة (ما جرت العادة بكشفه) لان العمامة نابت عن الرأس، فانتقل الفرض إليها وتعلق الحكم بها، وفي نسخ: (بل يسن) نص عليه لان النبي (ص) مسح بناصيته في
حديث المغيرة، وهو صحيح، قاله في الشرح، وعلم مما سبق أنه لا يجوز المسح على العمامة الصماء، لانها لم تكن عمامة المسلمين ولا يشق نزعها، أشبهت الطاقية. وروي أن النبي (ص) أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط رواه أبو عبيد، والاقتعاط أن لا يكون تحت
[ 141 ]
الحنك منها شئ، قال عبد الله: كان أبي يكره أن يعتم الرجل بالعمامة ويجعلها تحت حنكه. وقد روي عنه أنه كرهه كراهة شديدة، وقال: إنما يعتم مثل هذا اليهود والنصارى، قال الشيخ تقي الدين: والاقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم، ومثل هذا لا يمنع الترخص، كسفر النزهة، كذا قاله في الفروع، وقال: ولعل الظاهر من جواز المسح إباحة لبسها، وهو متجه لانه فعل أبناء المهاجرين والانصار، وتحمل كراهة السلف على الحاجة لذلك، لجهاد أو غيره، واختاره شيخنا، أو على ترك الاولى، وحمله صاحب المحرر غير ذات ذؤابة (ويجب مسح جميع جبيرة) لانه لا ضرر في تعميمها به، بخلاف الخف، فإنه يشق تعميم جميعه، ويتلفه المسح (لم تجاوز) الجبيرة (قدر الحاجة) بشدها، لانه موضع حاجة، فتقيد بقدرها، وموضع الحاجة هو موضع الكسر ونحوه وما لا بد من وضع الجبيرة عليه من الصحيح، لانها لا بد أن توضع على طرفي الصحيح، ليرجع الكسر، (ويجزئ) المسح على الجبيرة (من غير تيمم) لانه مسح على حائل، فأجزأ من غير تيميم، كمسح الخف بل أولى. إذ صاحب الضرورة أحق بالتخفيف، والاستدلال بقصة صاحب الشجة ضعيف بأنه يحتمل أن الواو فيه بمعنى أو، يحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة (فإن تجاوزت) الجبيرة محل الحاجة (وجب نزعها) ليغسل ما يمكنه غسله من غير ضرر (فإن خاف) من نزعها (تلفا أو ضررا تيمم لزائد) على قدر الحاجة، ومسح ما حاذى محل الحاجة، وغسل ما سوى ذلك، فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم، (ويحرم الجبر بجبيرة نجسة، كجلد الميتة والخرقة النجسة، و) يحرم الجبر (بمغصوب، والمسح على ذلك باطل وكذا الصلاة
فيه) ذكره ابن عقيل وغيره (كالخف النجس وكذلك الحرير لذكر) يحرم الجبر به، ولا يصح المسح عليه (ودواء وعصابة) شد بها رأسه أو غيرها (ولصوق على جرح، أو وجع ولو قارا في شق) وتضرر بقلعه (أو تألمت إصبعه، فألقمها مرارة كجبيرة) إذا وضعها على طهارة جاز المسح عليها، لانها في معناها، وروى الاثرم بإسناده عن ابن عمر: أنه خرجت بإبهامه
[ 142 ]
قرحة فألقمها مرارة، وكان يتوضأ عليها، قال في الانصاف: لو انقلع ظفره أو كان بإصبعه قرحة، أو فصد، وخاف إصابة الماء أن يزرق الجرح، أو وضع دواء على الجرح، أو وجع ونحوه، جاز المسح عليه، نص عليه (ومتى ظهر بعض قدمه بعد الحدث وقبل انقضاء المدة) فحش أو لا، (أو) ظهر بعض (رأسه، وفحش) ما ظهر (فيه) أي في الرأس فقط: استأنف الطهارة لبطلان ما قبلها بذلك، لان المسح أقيم مقام الغسل أو المسح. فإذا أزال الممسوح بطلت الطهارة في القدمين أو الرأس، فتبطل في جميعها لكونها لا تتبعض، وسواء فاتت الموالاة أو لم تفت وعلم: منه أن انكشاف يسير من الرأس لا يضر، قال أحمد: إذا زالت عن رأسه فلا بأس به، ما لم يفحش، لانه معتاد (أو انتقض بعض عمامته) قال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت، لانه زال الممسوح عليه. أشبه نزع الخف، (أو انقطع دم مستحاضة أو زال ضرر من به سلس البول ونحوه) كالرعاف، بأن انقطع استأنف الطهارة وخلع، لان الحكم بصحة طهارة إنما كان لوجود العذر. فإذا زال حكم ببطلانها على الاصل (أو انقضت مدة مسح) وهي اليوم والليلة أو الثلاثة (ولو) كان الماسح (متطهرا أو في صلاة استأنف الطهارة، وبطلت الصلاة) لانها طهارة مؤقتة، فبطلت بانتهاء وقتها، كخروج وقت الصلاة في حق المتيمم، ويعيد الوضوء، لا لوجوب الموالاة، بل لان المسح يرفع الحدث، والحدث لا يتبعض. فإذا خلع عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الحائل عنه، فيسري إلى بقية الاعضاء، فيستأنف الوضوء. وإن قرب الزمن. وقطع بهذه الطريقة القاضي أبو الحسين، وصححه المجد في شرحه وابن عبد القوي في مجمع
البحرين وغيرهم. وقال أبو المعالي: إن هذا الصحيح من المذهب عند المحققين، (وزوال جبيرة) ولو قبل برء الكسر أو الجرح، وبرؤها (ك) - خلع (خف) لان مسحها بدل عن غسل ما تحتها، إلا أنها إذا مسحت في الطهارة الكبرى، وزالت أجزأ غسل ما تحتها، لعدم وجوب الموالاة في الطهارة الكبرى قاله في شرح المنتهى وغيره. وقد تقدم لك أن الصحيح عند المحققين أن المسألة ليست مبنية على وجوب الموالاة، بل على رفع المسح للحدث وعدم تبعضه. وإذن لا فرق بينهما، (وخروج قدم) الماسح، (أو بعضه إلى ساق خفه، كخلعه) لانه لا يمكن متابعة المشي فيه (ولا مدخل لحائل في طهارة كبرى) لحديث صفوان قال: أمرنا
[ 143 ]
رسول الله (ص) أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، (إلا الجبيرة) لحديث جابر. ولان الضرر يلحق بنزعها بخلاف الخف، (وامرأة كرجل في مسح) ما تقدم من الحوائل، لعموم الادلة (غير العمامة) فيمسح عليها الذكر دون المرأة كما تقدم. ولا يمسح الخنثى على عمامة لاحتمال أن يكون أنثى. باب نواقض الوضوء (وهي مفسداته) النواقض: جمع ناقضة أو ناقض، وقولهم فاعل لا يجمع على فواعل وصفا، وشذ: فوارس وهوالك ونواكس، في فارس وهالك وناكس. خصه ابن مالك وطائفة بما إذا كان وصفا لعاقل. وما هنا ليس منه. يقال: نقضت الشئ إذا أفسدته. والنقض حقيقة في البناء، واستعماله في المعاني مجاز كنقض الوضوء ونقض العلة، وعلاقته الابطال. (وهي) أي نواقض الوضوء (ثمانية) أنواع بالاستقراء. (أحدها: الخارج من السبيلين إلى ما هو في حكم الظاهر، ويلحقه حكم التطهير) من الحدث والخبث. لقوله تعالى: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * ولقوله (ص): ولكن من غائط أو بول الحديث. وقوله في المذي: يغسل ذكره ويتوضأ وقوله: لا ينصرف حتى يسمع صوتا
أو يجد ريحا وقوله: ويلحقه حكم التطهير: مخرج لباطن فرج الانثى، إن قلنا: هو في حكم الظاهر، لكن لا يلزم تطهيره للمشقة، وعطف تفسير، إن قلنا هو في حكم الباطن
[ 144 ]
(إلا ممن حدثه دائم) فلا يبطل وضوءه بالحدث الدائم للحرج والمشقة (قليلا كان) الخارج (أو كثيرا) لعموم ما تقدم (نادرا) كان (أو معتادا) أما المعتاد، كالبول والغائط والودي والمذي والريح، فلما تقدم. وأما النادر، كالدم والدود والحصى، فلما روى عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فسألت النبي (ص) فقال: إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف فإذا كان كذلك فامسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو دم عرق رواه أبو داود والدارقطني، وقال: إسناده كلهم ثقات فأمرها بالوضوء ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه (طاهرا) كان الخارج، كولد بلا دم (أو نجسا) كالبول وغيره فينقض الخارج من السبيلين، (ولو) كان (ريحا من قبل أنثى، أو) من (ذكر) لعموم قوله (ص): لا وضوء إلا من حدث أو ريح رواه الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة. وهو شامل للريح من القبل. وقال ابن عقبل: يحتمل أن يكون الاشبه بمذهبنا أن لا ينقض، لان المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف، ولم يجعلها أصحابنا جوفا، فلم يبطلوا الصوم بالحقنة فيه. قال في المغني: ولا نعلم لهذا - أي خروج الريح من القبل - وجودا ولا نعلم وجوده في حق أحد، وقد قيل: إنه يعلم وجوده بأن يحس الانسان في ذكره دبيبا. وهذا لا يصح، فإن هذا لا يحصل به اليقين والطهارة لا تنقض بالشك، فإن قدر وجود ذلك يقينا نقض الطهارة، لانه خارج من السبيلين، فنقض قياسا على سائر الخوارج (فلو احتمل) المتوضئ (في قبل أو دبر قطنا أو ميلا، ثم خرج ولو بلا بلل) نقض، صححه في مجمع البحرين، ونصره. قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب. وخروجه بلا بلة نادر جدا، فعلق الحكم على المظنة. وقيل: لا ينقض إن خرج بلا بلل. قال في تصحيح الفروع والانصاف، وهو
ظاهر نقل عبد الله عن الامام أحمد: ذكره القاضي في المجرد، وصححه ابن حمدان وقدمه
[ 145 ]
ابن رزين في شرحه، زاد في الانصاف، وابن عبيدان انتهى. قال في شرح المنتهى: وهو المذهب، (أو قطر في إحليله دهنا)، أو غيره من المائعات (ثم خرج) نقض لانه لا يخلو من بلة نجسة تصحبه (أو خرجت الحقنة من الفرج) نقضت (أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة) نقض. قال في الانصاف على الصحيح من المذهب انتهى، وكلامه في الفروع أنه كخروج المقعدة، فعليه لا نقض بلا بلل (أو وطئ دون الفرج فدب ماؤه فدخل فرجها)، ثم خرج نقض، (أو استدخلته) أي مني الرجل، (أو) استدخلت (مني امرأة أخرى، ثم خرج نقض) الوضوء، لانه خارج من السبيل (ولم يجب عليها الغسل) لانه لم يخرج دفقا بشهوة (فإن لم يخرج من الحقنة) شئ (أو) لم يخرج من (المني شئ لم ينقض) الوضوء، (لكن إن كان المحتقن) أو الحاقن (قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض) لانه خارج من سبيل (ولو ظهرت مقعدته فعلم أن عليها بللا) ولم ينفصل (انتقض) وضوؤه بالبلل الذي عليها لانه خارج من سبيل، و (لا) ينتقض وضوؤه (إن جهل) أن عليها بللا، لانه لا نقض بالشك (أو صب دهنا) أو غيره (في أذنه فوصل إلى دماغه ثم خرج منها أو) خرج (من فيه) لانه خارج طاهر من غير السبيل، أشبه البصاق (ولا ينقض يسير نجس خرج من أحد فرجي خنثى مشكل غير بول وغائط) لان الطهارة متيقنة، فلا تبطل مع الشك في شرط الناقض، وهو كونه من فرج أصلي. وأما إذا كان النجس كثيرا أو بولا أو غائطا فإنه ينقض مطلقا، وكذا اليسير إذا خرج منهما. لان أحدهما أصل ولا بد. (الثاني): من النواقض: (خروج النجاسات من بقية البدن، فإن كانت) النجاسات (غائطا أو بولا، نقض ولو قليلا، من تحت المعدة أو فوقها، سواء كان السبيلان مفتوحين أو
[ 146 ]
مسدودين) لما تقدم من عموم قوله تعالى: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) *
وقوله (ص): ولكن من غائط أو بول ولان ذلك خارج معتاد. أشبه الخارج من المخرج، (لكن لو انسد المخرج وفتح غيره فأحكام المخرج باقية) مطلقا (وفي النهاية إلا أن يكون سد خلقة، فسبيل الحدث المنفتح والمسدود كعضو زائد من الخنثى انتهى. ولا يثبت للمنفتح أحكام المعتاد، فلا ينقض خروج ريح منه، ولا يجزئ الاستجمار فيه، وغير ذلك) كوجوب الغسل بالايلاج فيه وخروج المني منه لانه ليس بفرج (وإن كانت) النجاسات الخارجة من غير السبيلين (غير الغائط والبول، كالقئ أو الدم والقيح) ودود الجراح (لم ينقض إلا كثيرها) أما كون الكثير ينقض فلقوله عليه السلام في حديث فاطمة: إنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة رواه الترمذي. ولانها نجاسة خارجة من البدن. أشبهت الخارج من السبيل. وأما كون القليل من ذلك لا ينقض، فلمفهوم قول ابن عباس في الدم إذا كان فاحشا فعليه الاعادة قال أحمد: عدة من الصحابة تكلموا فيه، وابن عمر عصر بثرة فخرج الدم فصلى ولم يتوضأ، وابن أبي أوفى عصر دملا. وذكر غيرهما، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. فكان إجماعا (وهو) أي الكثير (ما فحش في نفس كل أحد بحسبه) نص عليه. واحتج بقول ابن عباس الفاحش ما فحش في قلبك قال الخلال: إنه الذي استقر عليه قوله، قال في الشرح: لان اعتبار حال الانسان بما يستفحشه غيره حرج. فيكون منفيا. وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس (فلو مص علق أو قراد، لا ذباب وبعوض) قال في حاشيته: صغار البق (دما كثيرا نقض الوضوء) وكذا لو استخرج كثيره بقطنة لان الفرق بين ما خرج بنفسه أو بمعالجة لا أثر له في نقض الوضوء وعدمه
[ 147 ]
بخلاف مص بعوض، وبق، وذباب، وقمل، وبراغيث. لقلته ومشقة الاحتراز منه (ولو شرب) إنسان (ماء) أو نحوه (وقذفه في الحال فنجس) ولو لم يتغير، لان نجاسته بوصوله إلى
الجوف لا باستحالته، (وينقض كثيره) أي كثير المقذوف في الحال، لما روى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي (ص) قاء فتوضأ، قال: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقال: صدق أنا صببت له وضوءه رواه الترمذي. قال هذا أصح شئ، في هذا الباب، قيل لاحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم (ولا ينقض بلغم معدة وصدر ورأس لطهارته) كالبصاق والنخامة لانها تخلق من البدن، (ولا) ينقض أيضا (جشاء نصا) وهو القلس بالتحريك وقيل: بسكون اللام ما خرج من الجوف مل ء الفم أو دونه. وليس بقئ، ولكنه حكمه في النجاسة. فإن عاد فهو قئ. (الثالث): من النواقض: (زوال العقل) كحدوث جنون أو برسام كثيرا كان، أو قليلا، (أو تغطيته) بإغماء أو سكر قليل أو كثير. قال في المبدع: إجماعا على كل الاحوال، لان هؤلاء لا يشعرون بحال، بخلاف النائم، (ولو) كانت تغطيته (بنوم، قال أبو الخطاب) محفوظ (وغيره: ولو تلجم فلم يخرج منه شئ) إلحاقا بالغالب، لان الحس يذهب معه، ولعموم حديث علي: العين وكاء السه - فمن نام فليتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وعن معاوية قال: قال رسول الله (ص): العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء رواه أحمد والدارقطني. والسه اسم لحلقة الدبر. ولان النوم ونحوه مظنة الحدث، فأقيم مقامه، والنوم رحمة من الله على
[ 148 ]
عبده ليستريح بدنه عند تعبه وهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالاشياء (إلا نوم النبي (ص) ولو كثيرا على أي حال كان) فإنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، كما يأتي في خصائصه، (و) إلا النوم (اليسير عرفا من جالس وقائم) لقول أنس كان أصحاب النبي (ص) ينتظرون العشاء الآخرة، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون رواه أبو داود بإسناد صحيح ولقول ابن عباس في قصة تهجده (ص): فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمة
أذني رواه مسلم. ولان الجالس والقائم يشتبهان في الانحفاظ واجتماع المخرج وربما كان القائم أبعد من الحدث، لكونه لو استثقل في النوم سقط (فإن شك في الكثير) أي نام وشك هل نومه كان كثيرا أو يسيرا؟ (لم يلتفت إليه) لتيقنه الطهارة، وشكه في نقضها (وإن رأى) في نومه (رؤيا فهو كثير) نص عليه قال الزركشي: لا بد في النوم الناقض من الغلبة على العقل، فمن سمع كلام غيره وفهمه فليس بنائم، فإن سمعه ولم يفهمه فيسير. قال: وإذا سقط الساجد عن هيئته والقائم من قيامه ونحو ذلك بطلت طهارته. لان أهل العرف يعدون ذلك كثيرا (وإن خطر بباله شئ لا يدري أرؤيا أو حديث نفس فلا وضوء عليه) لتيقنه الطهارة وشكه في الحدث (وينقض) النوم (اليسير من راكع وساجد) كمضطجع، وقياسها على الجالس مردود بأن محل الحدث فيهما منفتح، بخلاف الجالس، (و) ينقض اليسير أيضا من (مستند ومتكئ ومحتب كمضطجع) بجامع الاعتماد. (الرابع): من نواقض الوضوء: (مس ذكر آدمي إلى أصول الانثيين مطلقا) أي سواء كان الماس ذكرا أو أنثى بشهوة أو غيرها ذكره أو ذكر غيره، سواء كان صغيرا أو كبيرا. لحديث بسرة بنت صفوان أن النبي (ص) قال: من مس ذكره فليتوضأ رواه مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وصححه أحمد وابن معين.
[ 149 ]
قال البخاري: أصح شئ في هذا الباب حديث بسرة. وعن أم حبيبة معناه. رواه ابن ماجه والاثرم، وصححه أحمد وأبو زرعة، وعن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فقد وجب عليه الوضوء رواه الشافعي وأحمد. وفي رواية له: وليس دونه ستر وقد روى ذلك عن بضعة عشر صحابيا. وهذا لا يدرك بالقياس، فعلم أنهم قالوه عن توقيف، وما روى قيس بن طلق عن أبيه أن النبي (ص) سئل عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة هل عليه وضوء؟ قال: لا، إنما هو بضعة منك رواه الخمسة ولفظه لاحمد وصححه الطحاوي وغيره وضعفه الشافعي وأحمد: قال أبو زرعة وأبو حاتم:
قيس لا تقوم بروايته حجة، ولو سلم صحته فهو منسوخ لان طلق بن عدي قدم على النبي (ص) وهو يؤسس المسجد. رواه الدارقطني. وفي رواية أبي داود قال: قدمنا على النبي (ص) فجاءه رجل كأنه بدوي فسأله - الحديث ولا شك أن التأسيس كان في السنة الاولى من الهجرة، وإسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وبسرة في الثامنة عام الفتح، وهذا وإن لم يكن نصا في النسخ فهو ظاهر فيه. قال في المبدع: وقد روى الطبراني بإسناده وصححه عن قيس عن أبيه عن النبي (ص) قال: من مس ذكره فليتوضأ قال ويشبه أن يكون طلق سمع الناسخ والمنسوخ، وفي تصحيحه نظر، فإنه من رواية حماد بن محمد الحنفي، وأيوب بن عتبة وهما ضعيفان (بيده) فلا ينقض المس بغيرها. لحديث أبي هريرة السابق، وسواء كان المس (ببطن كفه أو بظهره أو بحرفه) للعموم. فالمراد باليد: من رؤوس الاصابع إلى الكوع. كالسرقة (غير ظفر) فلا ينقض المس به لانه في حكم المنفصل (من غير حائل) لما تقدم من قوله (ص): وليس دونه ستر فإن مسه من وراء حائل لم ينقض لانه إنما مس الحائل (ولو) كان المس (بزائد) أي لا فرق في نقض الوضوء إذا مس ذكرا بيده بين أن تكون اليد أصلية أو زائدة للعموم، (وينقض مسه) أي الذكر (بفرج غير ذكر) فينقض مس الذكر بقبل أنثى أو دبر مطلقا بلا حائل. لانه أفحش من مسه باليد، ولا ينقض مس ذكر بذكر (لا قبل بقبل أو دبر وعكسه)، (ولا ينقض وضوء ملموس ذكره أو) ملموس
[ 150 ]
(فرجه) أي قبله، (أو) ملموس (دبره) لانه (ص) فيما تقدم أمر الماس بالوضوء ولو انتقض وضوء الملموس لامره أيضا به، (ولا) ينقض (مس) ذكر (بائن) أي مقطوع لذهاب حرمته، (و) لا ينقض أيضا مس (محله) أي محل الذكر المقطوع من أصول الانثيين، كسائر البدن، لانه لم يمس ذكرا، (و) لا ينقض أيضا مس (قلفة) بضم القاف وسكون اللام، وقد تحرك وهي الجلدة التي تقطع في الختان، بعد قطعها لزوال الاسم والحرمة - وأما قبل قطعها فينقض مسها كالحشفة، لانها من الذكر، (و) لا ينقض مس (فرج امرأة بائنين) أي القلفة وفرج المرأة
لما تقدم، (ولا) ينقض (مس غير فرج، كالمنفتح فوق المعدة أو تحتها) مسدودا كان الاصل، أو منفتحا بأصل الخلقة أو لا، لانه عضو زائد لا يثبت له حكم المعتاد، (ولا) ينقض (مسه) أي الذكر (بغير يد) كالذراع (غير ما تقدم) من مس الذكر بفرج غيره، فإنه ينقض، (ولا) ينقض (مس) ذكر (زائد) لانه ليس فرجا (فإن لمس) رجل أو امرأة أو خنثى (قبل خنثى مشكل وذكره، ولو كان هو) أي الخنثى (اللامس) لقبل نفسه وذكره (نقض) الوضوء، لان لمس الفرج متيقن لان الخنثى إن كان ذكرا فقد لمس ذكره، وإن كان أنثى فقد لمس فرجها، و (لا) ينقض الوضوء إن لمس (أحدهما) أي ذكر الخنثى، أو قبله، لاحتمال أن يكون غير فرج. فلا ينتقض الوضوء مع قيام الاحتمال (إلا أن يمس الرجل ذكره) أي الخنثى (بشهوة) فإنه ينتقض وضوء اللامس. لان الخنثى إن كان ذكرا فقد مس ذكرا أصليا، وإن كان أنثى فقد مس الرجل امرأة بشهوة، (أو) تمس (المرأة فرجه) أي الخنثى (بها) أي بشهوة فينتقض وضوؤها، لان الخنثى إن كان امرأة فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان ذكرا فقد لمسته بشهوة (وينقض مس حلقة دبر منه) أي من الماس، بأن مس حلقة دبر نفسه (أو من غيره) بأن مس حلقة دبر غيره ذكرا كان أو أنثى، (و) ينقض أيضا (مس امرأة فرجها الذي بين شفريها) وهما حافتا الفرج، (وهو) أي فرجها (مخرج بول ومني وحيض) لقوله (ص): من مس فرجه فليتوضأ رواه ابن ماجه وغيره، والفرج اسم جنس مضاف، فيعم، ولقوله (ص): أيما
[ 151 ]
امرأة مست فرجها فلتتوضأ رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب، وإسناده جيد إليه. وكالذكر. و (لا) ينقض مس امرأة (شفريها وهما أسكتاها) لان الفرج هو مخرج الحدث وهو ما بينهما دونهما (وينقض مس) امرأة (فرج امرأة أخرى، و) ينقض (مس رجل فرجها، و) ينقض (مسها ذكره، ولو من غير شهوة) لانه إذا انتقض وضوء الانسان بمس فرجه نفسه مع كون الحاجة قد تدعو إلى مسه، وهو جائز. فلان ينتقض بمس فرج غيره، مع كونه معصية أولى.
الخامس: من النواقض: (مس بشرته) أي الذكر (بشرة أنثى) لشهوة، لقوله تعالى: * (أو لامستم النساء) * وأما كون اللمس لا ينقض إلا إذا كان لشهوة فللجمع بين الآية والاخبار. لانه روي عن عائشة قالت: فقدت النبي (ص) ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان رواه مسلم. ونصبهما دليل على أنه كان يصلي. وروي عنها أيضا قالت: كنت أنام بين يدي النبي (ص) ورجلاي في قبلته. فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي متفق عليه. والظاهر أن غمزه رجليها كان من غير حائل. ولان النبي (ص) صلى وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها متفق عليه. والظاهر أنه لا يسلم من مسها، ولان المس ليس بحدث في نفسه. وإنما هو داع إلى الحدث فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى الحدث، وهي حالة الشهوة (ومس بشرتها بشرته لشهوة) لانها ملامسة تنقض الوضوء، فاستوى فيها الذكر والانثى. كالجماع. سئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها قال: ما سمعت فيها شيئا، ولكن هي شقيقة الرجل، يعجبني أن تتوضأ. " تنبيه ": قوله: لشهوة، عبارة المقنع وغيره. وعبارة الوجيز: بشهوة. قال في
[ 152 ]
المبدع: أحسن لتدل على المصاحبة والمقارنة. (من غير حائل) لانه مع الحائل لم يلمس بشرتها، أشبه ما لو لمس ثيابها لشهوة والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها، كما لو وجدت من غير لمس شئ (غير طفلة وطفل) أي لا ينقض مس الرجل الطفلة ولا المرأة الطفل، أي من دون سبع. وينقض اللمس بشهوة كما تقدم، (ولو) كان اللمس (بزائد أو لزائد أو شلل) أي ينقض المس لاشل والمس به كغيره، وينقض اللمس أيضا بشهوة (ولو كان الملموس ميتا، أو عجوزا، أو محرما، أو صغيرة تشتهى)، وهي بنت سبع فأكثر لعموم * (أو لامستم النساء) * لا من دونها
كما تقدم (ولا ينتقض وضوء ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة) لانه لا نص فيه، وقياسه على اللمس لا يصح لفرط شهوته. ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر. لانه لا نص فيه، (ولا) ينقض (لمس شعر وظفر وسن) ولا المس به. لانه في حكم المنفصل، (و) لا ينقض مس (عضو مقطوع) لزوال حرمته (وأمرد مسه رجل) يعني لا ينتقض وضوء رجل مس أمردا ولو بشهوة. لعدم تناول الآية له. ولانه ليس محلا للشهوة شرعا. قال في القاموس: والامرد الشاب طر شاربه ولم تنبت لحيته، (ولا) ينقض (مس خنثى مشكل) من رجل أو امرأة ولو بشهوة (ولا بمسه رجلا أو امرأة) ولو لشهوة. لانه متيقن الطهارة شاك في الحدث، (ولا) ينقض (مس الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ولو بشهوة فيهن) أي فيما تقدم من الصور، كما أشرت إليه. تتمة: إذا لم ينقض مس أنثى استحب الوضوء، نص عليه. ذكره في الفروع. (السادس): من نواقض الوضوء: (غسل الميت أو بعضه ولو في قميص) لما روى عطاء أن ابن عمر، وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء، وكان شائعا لم ينقل عنهم الاخلال به. وعن أبي هريرة أقل ما فيه الوضوء ولم يعرف لهم مخالف، ولان الغاسل لا يسلم من مس عورة الميت غالبا. فأقيم مقامه، كالنوم مع الحدث. و (لا) ينقض (تيممه) أي الميت (لتعذر غسل) لعدم النص فيه (وغاسل الميت: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من
[ 153 ]
يصب الماء ونحوه) ولا فرق في الميت بين المسلم والكافر، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، للعموم. (السابع): من النواقض: (أكل لحم الجزور) لقوله (ص): توضؤوا من لحوم الابل ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب. وروى مسلم معناه من حديث جابر بن سمرة. والاول صححه أحمد وإسحاق. وقال ابن خزيمة: لم نر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح. قال الخطابي: ذهب إلى
هذا عامة علماء الحديث. فعلى هذا لا فرق بين قليله وكثيره، وكونه (نيئا وغير نئ) ولا بين كون الآكل عالما بالحديث أو جاهلا. لا يقال: يحتمل، أن يراد بالوضوء غسل اليدين، لانه مقرون بالاكل، كما حمل عليه أمر النبي (ص) بالوضوء قبل الطعام وبعده. ويحتمل أن يراد به على وجه الاستحباب، لان الوضوء الوارد في الشرع يحمل على موضوعه الشرعي. ولانه جمع ما أمر به، وهو الوضوء من لحومها، وبين ما نهى عنه، وهو عدم الوضوء من لحوم الغنم. والمخالف يقول: إنه يستحب فيهما. لان السؤال وقع عن الوضوء والصلاة، والوضوء المقترن بها لا يفهم منه غير الوضوء الشرعي ولان مقتضى الامر الايجاب، خصوصا وقد سئل (ص) عن هذا اللحم، فأجاب بالامر بالوضوء، فلو حمل على غير الوجوب لكان تلبيسا لا جوابا. ودعوى النسخ مردودة بأن من شرطه: عدم إمكان الجمع وتأخر الناسخ. ووجب الوضوء من أكل لحم الجزور (تعبدا) لا يعقل معناه فلا يتعدى إلى غيره، ف (- لا) يجب الوضوء ب (- شرب لبنها ومرق لحمها، وأكل كبدها، وطحالها وسنامها) بفتح السين (وجلدها وكرشها ونحوه) كمصرانها، لان النص لم يتناوله، (ولا) ينقض (طعام محرم أو نجس) ولو كلحم خنزير، لان الحكم في لحم الابل غير معقول المعنى. فيقتصر على مورد النص فيه. وما روى أسيد بن حضير أن النبي (ص): سئل عن ألبان الابل فقال: توضؤوا من ألبانها رواه أحمد، وابن ماجه، وعن ابن عمر ونحوه. أجيب عن حديث
[ 154 ]
أسيد: بأن في طريقه الحجاج بن أرطاة. قال أحمد والدارقطني: لا يحتج به. وعن حديث عبد الله بن عمر: أن ابن ماجه رواه من رواية عطاء بن السائب. وقد اختلط في آخر عمره. قال أحمد: من سمع منه قديما فهو صحيح. ومن سمع منه حديثا لم يكن بشئ. (الثامن): المتمم للنواقض: (موجبات الغسل، كالتقاء الختانين وانتقال المني، وإسلام
الكافر) أصليا كان أو مرتدا، ولذلك أسقط الردة. لانه إذا عاد إلى الاسلام وجب الغسل. وإذا وجب الغسل وجب الوضوء، وك (- غير ذلك) من موجبات الغسل. فموجبات الغسل كلها (توجب الوضوء غير الموت) فإنه يوجب الغسل، ولا يوجب الوضوء. (فهذه النواقض) للوضوء (المشتركة) بين الماسح على الخفين وغيره. (وأما) النواقض (المخصوصة، كبطلان) طهارة (المسح) على الخفين ونحوهما (بفراغ مدته بخلع حائله)، وك (- غير ذلك) كانتقاض طهارة المستحاضة ونحوها بخروج الوقت. وطهارة المتيمم بوجود الماء ونحوه (فمذكور في أبوابه) فما يتعلق بالمسح تقدم في الباب قبله، وما يتعلق بالمستحاضة ومن به سلس بول ونحوه يأتي في الاستحاضة وما يتعلق بالتيمم يأتي في بابه. وإنما حملت قوله: وغير ذلك: على هذا - لقرينة قوله: في أبوابه. (ولا نقض بكلام محرم) كالكذب والغيبة والقذف والسب ونحوها، بل يستحب الوضوء من الكلام المحرم وتقدم (ولا نقض بإزالة شعر وأخذ ظفر ونحوهما) خلافا لما حكي عن مجاهد والحكم وحماد، لان غسله أو مسحه أصلي، لا بدل عما تحته، بخلاف الخف ونحوه، (ولا) نقض (بقهقهة) ولو في صلاة، وهي أن يضحك حتى يحصل من ضحكه حرفان. ذكره ابن عقيل. وما روى أسامة عن أبيه قال: بينا نحن نصلي خلف النبي (ص) إذ أقبل رجل ضرير البصر فتردى في حفرة فضحكنا منه، فأمرنا بإعادة الوضوء كاملا وإعادة الصلاة من أولها فقد رواه الدارقطني من طرق كثيرة، وضعفها، وقال: إنما روي هذا الحديث عن أبي العالية مرسلا، وقال نحو ذلك أحمد وعبد
[ 155 ]
الرحمن بن مهدي. قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا، (ولا) نقض (ب) - أكل (ما مست) - ه (النار) لقول جابر: كان آخر الامرين من النبي (ص) ترك الوضوء مما مسته النار رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (ولا يستحب
الوضوء منهما) أي من القهقهة وأكل ما مست النار. (ومن تيقن الطهارة في الحدث وشك، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين) وهو الطهارة في الاولى والحدث في الثانية، لحديث عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي (ص) الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ في الصلاة؟ فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا متفق عليه، ولمسلم معناه مرفوعا من حديث أبي هريرة. ولم يذكر فيه وهو في الصلاة ولانه إذا شك تعارض عنده الامران، فيجب سقوطهما. كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى اليقين (ولو عارضه ظن) لان غلبة الظن إذا لم يكن لها ضابط في الشرع لم يلتفت إليها، كظن صدق أحد المتداعيين، بخلاف القبلة والوقت، هذا اصطلاح الفقهاء، وعند الاصوليين: إن تساوى الاحتمالان فهو شك. وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم. والاول موافق للغة، قال في القاموس: الشك خلاف اليقين. وهو كما قال الشيخ موفق الدين في مقدمة الروضة في الاصول: ما أذعنت النفس للتصديق به وقطعت به، وقطعت بأن قطعها صحيح، وفيه أقوال أخر. قال ابن نصر الله: في تسمية ما هنا يقينا بعد ورود الشك عليه: نظر. نعم، كان يقينا، ثم صار الآن شكا. فاعتبرت صفته السابقة وقدمت على صفته اللاحقة للاحاديث الصحيحة في ذلك، استصحابا للاصل السابق، لما قارنه من اليقين، وتقديما له على الوصف اللاحق، لنزوله عن درجته (ولو) كان ذلك الشك (في غير صلاة) لما تقدم من حديث مسلم عن أبي هريرة (فإن تيقنهما) أي تيقن الطهارة والحدث، أي تيقن أنه مرة كان متطهرا، ومرة كان محدثا، وكان ذلك وقت الظهر مثلا و (جهل أسبقهما) بأن لم يدر هل اتصافه بالطهارة سابق على اتصافه بالحدث أو بالعكس (فهو على ضد حاله قبلهما) إن علم حاله قبلهما، فإن كان قبل الزوال في المثال محدثا فهو الآن متطهر، لانه تيقن أنه انتقل عن هذا الحدث إلى الطهارة، ولم
[ 156 ]
يتيقن زوالها، والحدث المتيقن قبل الزوال يحتمل أن يكون قبل الطهارة ويحتمل أنه بعدها، فوجوده بعد هذا مشكوك فيه. فلا يزول عن طهارة متيقنة بشك. وإن كان قبل الزوال متطهرا فهو الآن محدث، لما ذكرنا في الطرف الآخر (فإن جهل حاله قبلهما) بأن لم يدر: هل كان قبل الزوال متطهرا أو محدثا؟ (تطهر) وجوبا، إذا أراد الصلاة ونحوها، لوجود يقين الحدث في إحدى المرتين، والاصل بقاؤه. لان وجود يقين الطهارة في المرة الاخرى مشكوك فيه: هل كان قبل الحدث أو بعده؟ فلا يرتفع يقين الحدث بالشك في رافعه. ولانه لا بد من طهارة متيقنة أو مستصحبة. وليس هنا شئ من ذلك. فوجب الوضوء (وإن تيقن فعلهما رفعا لحدث ونقضا لطهارة) بأن تيقن أنه تطهر عن حدث، وأنه أحدث عن طهارة (وجهل أسبقهما، فعلى مثل حاله قبلهما) فإن كان قبلهما متطهرا فهو الآن متطهر. لانه قد تيقن أنه نقض الطهارة الاولى ثم توضأ، إذ لا يمكن أن يكون ذلك الوضوء مع بقاء الطهارة الاولى، لتيقن كون طهارته عن حدث، ونقض هذا الوضوء مشكوك فيه. فلا يزول به اليقين. وإن تيقن حدثه قبلهما: فهو الآن محدث لانه انتقل عنه إلى طهارة، ثم أحدث عنها. ولم يتيقن بعد الحدث الثاني طهارة (وكذا لو تيقنهما) أي فعل الطهارة وفعل الحدث (وعين وقتا لا يسعهما سقط اليقين لتعارضه) وكان على مثل حاله قبل ذلك من حدث أو طهارة (فإن جهل حالهما) أي حال الحدث والطهارة، بأن لم يدر الطهارة رافعة لحدث أو لا؟ كالتجديد، ولم يدر الحدث عن حدث آخر أو عن طهارة؟ (و) جهل (أسبقهما) فعلى ضد حاله قبلهما، (أو تيقن حدثا) أي اتصافه بالحدث (وفعل طهارة فقط) ولم يدر الطهارة عن حدث أو لا؟ (فعلى ضد حاله قبلهما) أي قبل التيقنين. وكذا لو تيقن حالة طهارة وفعل حدث فقط. لان الاصل أن ما تيقنه من حالتي الحدث أو الطهارة هو ما كان عليه قبل ذلك، وأن ضد ذلك هو الطارئ. فوجب أن يكون على ضد حاله قبل التيقنين (وإن تيقن حدثا ناقضا) لطهارة، (و) تيقن (فعل طهارة جهل حالها) من كونها رافعة لحدث أو لا (فمحدث، على أي حال كان) سواء كان متطهرا قبلهما، أو محدثا أو جهل حاله (قبلهما) لتيقنه نقض الطهارة بالحدث وشكه في وجودها بعده
(وعكس هذه الصورة) في التصوير، وهو ما إذا تيقن أن الطهارة عن حدث ولم يدر الحدث: عن طهارة أو لا (بعكسها) في الحكم. فيكون متطهرا مطلقا، لتيقنه ورفع الحدث بالطهارة، وشكه في وجوده بعدها، (ويأتي إذا سمع صوت أو شم ريح) ببناء الفعلين للمفعول (من أحدهما) لا بعينه، في أوائل باب الغسل. فصل:
[ 157 ]
(ومن أحدث) حدثا أكبر أو أصغر (حرم عليه الصلاة) لما روى ابن عمر أن النبي (ص) قال: لا يقبل الله الصلاة بغير طهور رواه مسلم. وهو يعم الفرض والنفل، والسجود المجرد كسجود التلاوة، والقيام المجرد كصلاة الجنازة. وحكى ابن حزم والنووي عن بعض العلماء جواز الصلاة على الجنازة بغير وضوء ولا تيمم (فلو صلى معه) أي مع الحدث، ولو عالما (لم يكفر) كسائر المعاصي، خلافا لابي حنيفة، (و) حرم عليه (الطواف، ولو نفلا) لما روى الترمذي بإسناده عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس أن النبي (ص) قال: إن الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير إسناده جيد إلى عطاء. وهو مختلف فيه. واختلط في آخره عمره. وتقدم كلام أحمد فيه. وقال أحمد: عطاء رجل صالح. قال الترمذي: وقد روي عن طاوس عن ابن عباس موقوفا. ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن السائب (ولم يصح) أي ما تقدم من الصلاة والطواف مع الحدث لما تقدم، (ويحرم عليه) أي المحدث (مس المصحف وبعضه) لقوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) * أي لا يمس القرآن، وهو خبر بمعنى النهي. ورد بأن المراد اللوح المحفوظ. والمطهرون: الملائكة لان المطهر من طهره غيره. ولو أريد بنو آدم لقيل المتطهرون. وجوابه: أن المراد هم، وبنو آدم قياسا عليهم، بدليل ما روى عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي (ص) كتب إلى أهل اليمن كتابا، وكان فيه: لا يمس القرآن إلا طاهر رواه الاثرم والنسائي والدارقطني متصلا. قال الاثرم: واحتج به أحمد. ورواه مالك مرسلا
(من غير حائل) لان النهي إنما ورد عن مسه، ومع الحائل إنما يكون المس له دون
[ 158 ]
المصحف (ولو) كان المس (بغير يده) لعموم ما سبق. ولا يختص المس باليد، بل كل شئ لاقى شيئا فقدمه (حتى جلده) أي المصحف (وحواشيه) والورق الابيض المتصل به. لانه داخل في مسماه. بدليل شمول البيع له (ولو كان الماس) للمصحف (صغيرا) فلا يجوز لوليه تمكينه من مسه (إلا بطهارة كاملة) كالمكلف، (ولو) كانت الطهارة (تيمما) مطلقا، وقال الموفق: إن احتاجه، فإن عدم الماء لتكميل الوضوء تيمم للباقي، ثم مسه (سوى مس صغير لوحا فيه قرآن) فلا يحرم مس اللوح من المحل الخالي من الكتابة للمشقة، و (لا) يجوز تمكين الصغير من مس المحل (المكتوب فيه) القرآن من اللوح بلا طهارة، لعدم الحاجة إليه لاستغنائه عنه بمس الخالي (وما حرم) مما تقدم (بلا وضوء حرم بلا غسل) بطريق الاولى، لا العكس. فإن قراءة القرآن تحرم بلا غسل فقط (وللمحدث حمله) أي المصحف (بعلاقته وفي غلافه) أي كيسه (وفي خرج فيه متاع وفي كمه) من غير مس له. لان النهي ورد عن المس. والحمل ليس بمس، (و) له (تصفحه) أي تصفح المصحف (بكمه أو) ب (- عود ونحوه) كخرقة وخشبة، لانه غير ماس له، (و) له (مسه) أي المصحف (من وراء حائل) لما تقدم (كحمل رقى وتعاويذ فيها قرآن) قال في الفروع وفاقا. وهل يجوز مس ثوب رقم بالقرآن أو فضة نقشت به؟ قال في الانصاف فيه وجهان أو روايتان. ثم قال: قال الزركشي: ظاهر كلامه الجواز، قال في النظم عن الدرهم المنقوش: هذا المنصور (و) له (مس تفسير ورسائل فيها قرآن) وكذا كتب حديث وفقه ونحوها فيها قرآن لان اسم المصحف لا يتناولها، وظاهره قل التفسير أو كثر، (و) له مس (منسوخ تلاوته) وإن بقي حكمه كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، (و) له مس (المأثور عن الله) تعالى، كالاحاديث القدسية، (و) له مس (التوراة والانجيل) والزبور وصحف إبراهيم وموسى وشيت إن وجدت، لانها ليست قرآنا (فإن رفع الحدث عن عضو من أعضاء الوضوء لم يجز مس
المصحف به قبل كمال الطهارة) لانه لا يسمى متطهرا قبل كمالها (ولو قلنا يرتفع الحدث
[ 159 ]
عنه) أي عن العضو المغسول قبل كمال الطهارة، وفيه وجهان. قال في الانصاف: الذي يطهر أن يكون ذلك مراعى. فإن أكمله ارتفع، وإلا فلا، (ويحرم مسه) أي المصحف (بعضو متنجس) لانه أولى من الحدث. قال في الفروع: وكذا مس ذكر الله بنجس، و (لا) يحرم مسه (بعضو طاهر إذا كان على غيره نجاسة) لان النجاسة لا يتعدى وجوب غسلها غير محلها. والحدث يحل جميع البدن، كما تقدم، (وتجوز كتابته لمحدث من غير مس، ولو لذمي) لان النهي كما تقدم ورد عن مسه، وهي ليست مسا، (ويمنع) الذمي (من قراءته) لانه أولى بالمنع من الجنب، (و) يمنع الذمي من (تملكه) أي المصحف، (ويمنع المسلم من تمليكه) أي المصحف (له) أي للذمي، لانه متدين بانتهاكه وإزالة حرمته، والكافر غير الذمي أولى (فإن ملكه) أي المصحف كافر. (بإرث أو غيره ألزم بإزالة ملكه عنه) لما تقدم ويأتي في البيع ما يملك به الكافر المصحف، (ويجوز للمسلم والذمي أخذ الاجرة على نسخه) لانه عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، (ويحرم بيعه) ولو لمسلم (ويأتي في كتاب البيع) موضحا. ويأتي أيضا أنه لا يكره شراؤه استنقاذا، (و) يحرم (توسده) أي المصحف (والوزن به والاتكاء عليه) لان ذلك ابتذال له (وكذا كتب العلم التي فيها قرآن، وإلا) بأن لم يكن في كتب العلم قرآن (كره) توسدها والوزن بها الاتكاء عليها (إن خاف عليها) سرقة (فلا بأس) أن يتوسدها للحاجة (ولا يكره نقط المصحف، و) لا (شكله)، بل قال العلماء: يستحب نقطه وشكله، صيانة عن اللحن فيه والتصحيف، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط، فللخوف من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم، ولا يمنع ذلك كونه محدثا فإنه من المحدثات الحسنة. كنظائره، مثل تصنيف العلم وبناء المدارس ونحوها. قاله النووي في التبيان، (و) لا (كتابة الاعشار فيه وأسماء السور، وعدد الآيات والاحزاب ونحوها) لعدم النهي عنه، (وتحرم مخالفة خط عثمان) بن عفان رضي الله عنه (في) رسم
[ 160 ]
(واو وياء وألف وغير ذلك) كمد التاء وربطها (نصا) لقوله (ص): عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الحديث، ولان قول الصحابي ما يخالف القياس توقيف، كما يأتي (ويكره مد الرجلين إلى جهته) أي المصحف (وفي معناه استدباره وتخطيه ورميه إلى الارض بلا وضع ولا حاجة، بل هو بمسألة التوسد أشبه) قاله في الفروع. قلت: وكذا كتب علم فيها قرآن (قال الشيخ: وجعله) أي المصحف (عند القبر منهي عنه، ولو جعل للقراءة هناك) أي عند القبر. (ورمي رجل بكتاب عند) الامام (أحمد فغضب، وقال: هكذا يفعل بكلام الابرار) انتهى، فكيف بكتاب الله تعالى، أو ما هو فيه؟ (ويحرم السفر به) أي المصحف (إلى دار الحرب) لحديث الصحيحين أن رسول الله (ص) نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ولانه عرضة إلى استيلاء الكفار عليه واستهانته، وفي المستوعب: يكره بدون غلبة السلامة، (وتكره تحليته بذهب أو فضة نصا) لتضييق النقدين، (ويحرم في كتب العلم) أن تحلى (ويباح تطييبه) أي المصحف، (وجعله على كرسي، و) يباح (كيسه الحرير) نقله الجماعة، لان قدر ذلك يسير، (وقال) أبو الحسن علي (بن) محمد (الزاغوني: يحرم كتبه بذهب) لانه من زخرفة المصاحف، (ويؤمر بحكه، فإن كان يجتمع منه ما يتمول زكاه) وقال أبو الخطاب: يزكيه إن بلغ نصابا، وله حكه وأخذه (واستفتاح الفأل فيه) أي المصحف (فعله) أبو عبد الله عبيد الله (بن بطة) بفتح الباء (ولم يره الشيخ وغيره) ونقل عن ابن العربي أنه يحرم، وحكاه القرافي عن الطرسوسي المالكي وظاهر مذهب الشافعي الكراهة، (ويحرم أن يكتب القرآن،
[ 161 ]
و) أن يكتب (ذكر الله بشئ نجس أو عليه) أي على شئ نجس، (أو فيه) أي في شئ نجس (فإن كتبا) أي القرآن وذكر الله (به) أي بالنجس (أو عليه أو فيه أو تنجس وجب غسله) ذكره في الفنون، وقال: فقد جاز غسله وتحريقه، لنوع صيانة، (وقال) ابن عقيل (في الفنون: إن قصد بكتبه بنجس إهانته فالواجب قتله انتهى، وتكره كتابته) أي القرآن (في
الستور وفيما هو مظنة بذله، ولا تكره كتابة غيره من الذكر فيما لم يدس، وإلا) بأن كان يداس (كره شديدا ويحرم دوسه) أي الذكر، فالقرآن أولى، قال في الفصول، وغيره: يكره أن يكتب على حيطان المسجد ذكر أو غيره، لان ذلك يلهي المصلي، (وكره) الامام (أحمد شراء ثوب فيه ذكر الله، يجلس عليه ويداس، ولو بلي المصحف أو اندرس دفن نصا) ذكر أحمد أن أبا الجوزاء بلي له مصحف، فحفر له في مسجده فدفنه، وفي البخاري: أن الصحابة حرقته - بالحاء المهملة - لما جمعوه. وقال ابن الجوزي: ذلك لتعظيمه وصيانته. وذكر القاضي أن أبا بكر بن أبي داود روى بإسناده عن طلحة بن مصرف قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر وبإسناده عن طاوس: أنه لم يكن يرى بأسا أن تحرق الكتب وقال: إن الماء والنار خلق من خلق الله، (ويباح تقبيله) قال النووي في التبيان: روينا في مسند الدارمي بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة أن عكرمة بن أبي جهل كان يضع المصحف على وجهه، ويقول: كتاب ربي كتاب ربي، (ونقل جماعة الوقف) فيه. و (في جعله على عينيه) لعدم التوقيف. وإن كان فيه رفعه وإكرامه. لان ما طريقه التقرب إذا لم يكن للقياس فيه مدخل لا يستحب فعله. وإن كان فيه تعظيم، إلا بتوقيف، ولهذا قال عمر عن الحجر: لولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبلك ما قبلتك ولما قبل معاوية الاركان كلها أنكر عليه ابن عباس فقال: ليس شئ من البيت مهجورا، فقال: إنما هي السنة فأنكر عليه الزيادة على فعل النبي (ص) وإن كان فيه تعظيم، ذكر ذلك القاضي، قاله في الفروع، (وظاهر الخبر) المذكور عن عمر، وابن عباس (لا يقام له) لعدم التوقيف (وقال الشيخ: إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فقيامهم لكتاب الله أحق) إجلالا وتعظيما، قال ابن الجوزي: إن ترك القيام كان في أول الامر، ثم لما كان ترك القيام كالاهوان بالشخص استحب لمن يصلح له القيام، ويأتي له تتمة في آخر الجنائز (ويباح كتابة آيتين فأقل إلى الكفار) لحاجة التبليغ،
[ 162 ]
نقل الاثرم: يجوز أن يكتب إلى أهل الذمة كتابا فيه ذكر الله، قد كتب النبي (ص) إلى
المشركين، (وقال) أبوالوفا علي (بن عقيل: تضمين القرآن لمقاصد تضاهي مقصود القرآن لا بأس به) تحسينا للكلام (كما يضمن في الرسائل آيات إلى الكفار) مقتضية الدعاية، ولا يجوز في كتب المبتدعة، (و) ك (- تضمينه الشعر لصحة القصد وسلامة الوضع وأما تضمينه لغير ذلك فظاهر كلام ابن القيم التحريم)، كما يحرم جعل القرآن بدلا من الكلام (ولا بأس أن يقول: سورة كذا) كسورة البقرة أو النساء، لانه قد ثبت في الصحيحين قوله (ص): " سورة البقرة وسورة الكهف " وغيرهما مما لا يحصى، وكذلك عن الصحابة، قاله النووي في التبيان، وفي السورة لغتان الهمز وتركه. والترك أفصح، (و) أن يقول: (السورة التي يذكر فيها كذا لوروده في الاخبار) ومنها قوله (ص): من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران الحديث. رواه الطبراني من حديث أبي هريرة، (وآداب القراءة تأتي) في فصل (صلاة التطوع) مفصلة. باب ما يوجب الغسل (وما يسن له) الغسل (و) باب (صفته) أي الغسل، وما يمنع منه من لزمه الغسل، ومسائل من أحكام المسجد والحمام. قال الجوهري: غسلت الشئ غسلا بالفتح والاسم الغسل بالضم، وبالكسر ما يغسل
[ 163 ]
به الرأس من خطمي. وغيره. وقال عياض: بالفتح الماء، وبالضم الفعل. وقال ابن مالك: بالضم الاغتسال، والماء الذي يغسل به، وذكر ابن بري أن غسل الجنابة بفتح الغين. (وهو) أي الغسل شرعا: (استعمال ماء) خرج التيمم (طهور) لا طاهر (في جميع بدنه) خرج الوضوء (على وجه مخصوص) يأتي كيفيته، بأن يكون بنية وتسمية، والاصل في مشروعيته قوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * يقال: رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، قال الجوهري، وقد يقال: جنبان وجنبون، وفي صحيح
مسلم: ونحن جنبان سمي به لانه نهى أن يقرب مواضع الصلاة، وقيل: لمجانبته حتى يتطهر، وقيل: لان الماء جانب محله، والاحاديث مشهورة بذلك. ويأتي بعضها في محاله. (وموجبه) أي الحدث الذي هو سبب وجوب الغسل باعتبار أنواعه (ستة) أشياء، أيها وجد كان سببا لوجوبه. (أحدها: خروج المني) وهو الماء الغليظ الدافق يخرج عند اشتداد الشهوة، ومني المرأة أصفر رقيق (من مخرجه) فإن خرج من غيره بأن انكسر صلبه، فخرج منه لم يجب غسل، وحكمه كالنجاسة المعتادة، (ولو) كان المني (دما) أي أحمر كالدم، لقصور الشهوة عن قصره (دفقا بلذة) لقول علي: أن النبي (ص) قال: إذا فضخت الماء فاغتسل، وإن لم تكن فاضخا فلا تغتسل رواه أحمد، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، قاله إبراهيم الحربي (فإن خرج) الماء (لغير ذلك) كمرض أو برد أو كسر ظهر (من غير نائم ونحوه) كمجنون ومغمى عليه وسكران (لم يوجب) غسلا. لما تقدم، فعلى هذا يكون نجسا وليس مذيا، قاله في الرعاية (وإن انتبه بالغ، أو من يمكن بلوغه كابن عشر) وبنت تسع من نوم ونحوه (ووجد بللا) ببدنه أو ثوبه (جهل كونه منيا، بلا سبب تقدم نومه، من برد أو نظر أو فكر أو ملاعبة أو انتشار، وجب الغسل، كتيقنه فيها وغسل ما أصابه من بدن وثوب) احتياطا قال في المبدع: ولا يجب، انتهى، ولعله غير ظاهر كلامهم، وليس هذا من باب الايجاب
[ 164 ]
بالشك. وإنما هو من باب الاحتياط في الخروج من عهدة الواجب، كمن نسي صلاة من يوم وجهلها، لانه في المثال لا يخرج عن كونه منيا أو مذيا، ولا سبب لاحد الامرين يرجح به، فلم يخرج من عهدة الواجب إلا بما ذكر (وإن تقدم نومه سبب من برد، أو نظر، أو فكر، أو ملاعبة، أو انتشار) لم يجب غسل لعدم يقين الحدث. والاصل بقاء الطهارة. قلت: والظاهر وجوب غسل ما أصابه من ثوب وبدن، لرجحان كونه مذيا، بقيام سببه، إقامة للظن مقام اليقين كما لو وجد في نومه حلما، فإنا نوجب الغسل عليه لرجحان
كونه منيا، بقيام سببه، وقال الشريف أبو جعفر: لا يجب غسل الثوب ولا البدن جميعا، لتردد الامر فيهما، نقله عنه ابن رجب في ترجمته في الطبقات، وقال: وهذه المسألة تشبه مسألة الرجلين إذا وجدا على فراشهما منيا، ولم يعلما من خرج منه، ثم قال: لكن ليس له أن يصلي بحاله في الثوب، لانا نتيقن بذلك حصول المفسد لصلاته، وهو إما الجنابة وإما النجاسة، (أو تيقنه) أي البلل (مذيا لم يجب غسل)، بل يغسل ما أصابه وجوبا، (ولا يجب) الغسل (بحلم بلا بلل) لحديث عائشة (فإن انتبه) من احتلم، (ثم خرج) المني (إذن وجب) الغسل من حين الاحتلام، لانا تبينا أنه كان قد انتقل حينه. تتمة: قال في الهدي: نقلا عن ابن ماسويه: من احتلم فلم يغتسل حتى وطئ أهله، فولدت مجنونا أو مختلا فلا يلومن إلا نفسه. (وإن وجد منيا في ثوب لا ينام فيه غيره) قال أبو المعالي والازجي: لا بظاهره، لجوازه من غيره، قال في الانصاف: وهو الصحيح، وهو مراد الاصحاب فيما يظهر (فعليه الغسل) لوجود موجبه، (وإعادة المتيقن من الصلاة، وهو) أي المني (فيه) أي الثوب قال ابن قندس: الظاهر أنه يعيد ما تيقن أنه صلاه بعد وجود المني، وما شك فيه لا يعيده، قال في الرعاية: والاولى إعادة صلوات تلك المدة وما يحصل به اليقين في براءته الذمة، وتقدم في كتاب الطهارة إذا توضأ من ماء، ثم علم نجاسته يعيد، ونصه: حتى يتيقن براءته، وقال القاضي وأصحابه: بعد ظنه نجاسته قال ابن قندس: ويمكن أن يقال: الفرق أن المني الاصل عدمه، فيكون في وقت الشك كالمعدوم، بخلاف ما إذا توضأ من ماء، ثم علم
[ 165 ]
نجاسته، فإنه في وقت الشك قد شك في رفع الحدث والاصل عدم رفعه. فيكون الحدث في وقت الشك كالموجود، لانه الاصل (وإن كان ينام هو) أي من وجد المني في الثوب (وغيره فيه) أي في ذلك الثوب الذي وجد به المني (وكان من أهل الاحتلام،
فلا غسل عليهما) لان كلا منهما متيقن من الطهارة شاك في الحدث، (ومثله) في عدم وجوب الوضوء عليهما: (إن سمع صوت، أو شم ريح من أحدهما، لا يعلم عينه لم تجب الطهارة على واحد منهما) بعينه، لعدم تيقنه الحدث (ولا أحدهما) وحده، ولا مع غيره (بالآخر) لتحقق المفسد. وهو إما حدثه وإما حدث إمامه (ولا يصافه) أي لا يصاف أحدهما الآخر (وحده) لتحقق المفسد، إذ صلاة الفذ غير صحيحة كما يأتي. فإن صافه مع غيره صحت صلاتهما لزوال الفذية (فيهما) أي في مسألة وجدان المني في الثوب، ومسألة سماع الصوت، أو شم الريح أحدهما (وكذا كل اثنين تيقن موجب الطهارة من أحدهما لا بعينه كرجلين)، أو امرأتين، أو رجل، وامرأة (لمس كل واحد منهما أحد فرجي خنثى مشكل لغير شهوة) لان أحد الفرجين أصلي فانتقض وضوء لامسه، فإن مس لشهوة مثل للامس منه انتقض وضوؤه يقينا وتقدم. قال في المنتهى وشرحه: وإن أرادا ذلك، أي أن يصليا جماعة، أو أن يكونا صفا وحدهما توضآ، ثم فعلا ذلك ليزول الاعتقاد الذي أبطلنا صلاتهما من أجله. ولا يكفي في ذلك وضوء أحدهما لاحتمال أن يكون الذي أحدث منهما هو الذي لم يتوضأ (والاحتياط أن يتطهرا) فيما تقدم مطلقا ليخرجا من العهدة بيقين (وإن أحس) رجل أو امرأة (بانتقال المني فحبسه، فلم يخرج وجب الغسل، كخروجه) لان الجنابة أصلها البعد لقوله تعالى: * (والجار الجنب) * أي البعيد، ومع الانتقال قد باعد الماء محله. فصدق عليه اسم الجنب. وإناطة للحكم بالشهوة وتعليقا له على المظنة، إذ بعد انتقاله يبعد عدم خروجه، وأنكر أحمد أن يكون الماء يرجع، (ويثبت به) أي بانتقال المني (حكم بلوغ) كما يثبت بخروجه، (و) يثبت به حكم (فطر) من صوم ممن قبل، أو كرر
[ 166 ]
النظر لشهوة ونحوه، لا ممن احتلم، كخروجه (وغيرهما) كوجوب بدنة في الحج حيث وجبت لخروج المني،
وفي شرح المنتهى: كفساد نسك. وقال القاضي في تعليقه: التزاما. وهو مبني على القول بفساد النسك بخروجه بالمباشرة (وكذا انتقال حيض. قاله الشيخ تقي الدين) فيثبت به ما يثبت بخروجه (فإن خرج المني بعد الغسل من انتقاله) لم يجب الغسل، (أو) خرج المني (بعد غسله من جماع لم ينزل فيه) بغير شهوة، لم يجب الغسل، (أو خرجت بقية مني اغتسل له بغير شهوة، لم يجب الغسل) لما روى سعيد عن ابن عباس: أنه سئل عن الجنب يخرج منه الشئ بعد الغسل؟ قال يتوضأ وكذا ذكره الامام أحمد عن علي، ولانه مني واحد فأوجب غسلا واحدا، كما لو خرج دفقة واحدة، ولانه خارج لغير شهوة، أشبه الخارج لبرد، وبه علل أحمد، قال: لان الشهوة ماضية، وإنما هو حدث أرجو أن يجزيه الوضوء، (ولو) انتقل المني ثم (خرج إلى قلفة الاقلف، أو) إلى (فرج المرأة وجب) الغسل، رواية واحدة وإن لم نقل بوجوب الغسل بالانتقال (ولو خرج منيه من فرجها بعد الغسل فلا غسل عليها) لانه ليس منيها (ويكفي الوضوء، وإن دب منيه) أي الرجل فدخل فرجها، ثم خرج فلا غسل عليها (أو) دب إلى فرجها (مني امرأة أخرى بسحاق، فدخل فرجها)، ثم خرج (فلا غسل عليها بدون إنزال، وتقدم في الباب قبله) لانه ليس منيا خارجا من مخرجه دفقا بلذة، لان الغسل إنما وجب جبرا للبدن لكونه ينقص به منه جزء لخروجه من جميعه، لكون الحيوان يخلق منه، ولكونه ينقص به جزء من البدن ولهذا يضعف بكثرته. تنبيه: محل وجوب الغسل بخروج المني: إذا لم يصر سلسا قاله القاضي وغيره، فيجب الوضوء فقط، لكن قال في المغني والشرح: يمكن منع كون هذا منيا، لان الشارع وصفه بصفة غير موجودة فيه، وتقدم أن الغسل كالوضوء سبب وجوبه الحدث. (الثاني): من موجبات الغسل: (تغييب حشفة أصلية أو قدرها إن فقدت بلا حائل في فرج أصلي) لحديث أبي هريرة مرفوعا: إذا جلس بين شعبها الاربع، ثم جهدها فقد وجب
[ 167 ]
الغسل زاد أحمد ومسلم وإن لم ينزل وفي حديث عائشة قالت: قال رسول الله (ص): إذا قعد بين شعبها الاربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل رواه مسلم، وما روي عن عثمان وعلي والزبير وطلحة أنه لا يجب إلا بالانزال، لقوله (ص): إنما الماء من الماء فمنسوخ بما روى أبي بن كعب قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء: رخصة رخص بها النبي (ص) ثم أمر بالاغتسال رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، قال الحافظ عبد الغني: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ثم المراد من التقائهما، تقابلهما وتحاذيهما، فلذلك عدل عنه المصنف كغيره، لما تقدم (قبلا كان) الفرج (أو دبرا من آدمي، ولو مكرها أو) من (بهيمة، حتى سمكة وطير) لانه إيلاج في فرج أصلي، أشبه الآدمية (حي أو ميت) لعموم ما سبق، ولو لم يجد بذلك حرارة خلافا لابي حنيفة (ولو كان) ذو الحشفة الاصلية (مجنونا أو نائما)، أو مغمى عليه (بأن أدخلتها في فرجها، فيجب الغسل على النائم والمجنون) والمغمى عليه (كهي) أي كما يجب على المجامعة، ولو كانت مجنونة، أو نائمة، أو مغمى عليها، لان موجب الطهارة لا يشترط فيه القصد، كسبق الحدث، (وإن استدخلتها) أي الحشفة الاصلية (من ميت، أو) من (بهيمة وجب عليها) الغسل (دون الميت، فلا يعاد غسله) لذلك، ولا فرق فيما تقدم بين العالم والجاهل، فلو مكث زمانا يصلي ولم يغتسل احتاط في الصلاة، ويعيد حتى يتيقن نص عليه، لانه مما اشتهرت به الاخبار، فلم يعذر فيه بالجهل، (ويعاد غسل الميتة الموطوءة) قال في الحاوي الكبير: ومن وطئ بعد غسله أعيد غسله في أصح الوجهين، واختاره في الرعاية الكبرى، ويجب
[ 168 ]
الغسل بالجماع، على ما تقدم (ولو كان المجامع غير بالغ نصا، فاعلا ومفعولا) إن كان (يجامع مثله كابنة تسع، وابن عشر) قال الامام: يجب على الصغير إذا وطئ والصغيرة إذا وطئت، مستدلا بحديث عائشة. (فيلزمه) أي ابن عشر وبنت تسع (غسل ووضوء بموجباته، إذا أراد ما يتوقف على
غسل) فقط. كقراءة القرآن (أو) على (وضوء) كصلاة وطواف ومس مصحف (لغير لبث بمسجد) فإنه لا يلزمه الغسل إذا أراده. ويكفيه الوضوء كالمكلف. ويأتي، ومثل مسألة الغسل إلزامه باستجمار ونحوه، ذكره الشيخ تقي الدين. وليس معنى وجوب الغسل، أو الوضوء في حق الصغير: التأثيم بتركه، بل معناه: أنه شرط لصحة الصلاة أو الطواف، أو لاباحة مس المصحف، أو قراءة القرآن (أو مات) الصغير (شهيدا) بعد الجماع (قبل غسله) فيغسل، لوجوبه قبله، كما لو مات غير شهيد (ويرتفع حدثه) أي الصغير (بغسله قبل البلوغ) فلا يجب إعادته بعد بلوغه، لصحة غسله. فيترتب عليها أثرها. وهو ارتفاع الحدث. ثم أخذ يصرح بمفهوم ما سبق فقال: (ولا يجب غسل بتغييب بعض الحشفة) بلا إنزال (ولا بإيلاج بحائل، مثل أن لف على ذكره خرقة، أو أدخله في كيس) بلا إنزال (ولا بوطئ دون الفرج، من غير إنزال) ولا انتقال، لعدم التقاء الختانين (ولا بالتصاق) أي تماس (ختانيهما من غير إيلاج) لحديث أبي هريرة السابق (ولا بسحاق) وهو إتيان المرأة المرأة (بلا إنزال) لما تقدم (ولا بإيلاج في غير أصلي) أو بغير أصلي كإيلاج رجل في قبل الخنثى) المتضح الذكورية أو المشكل، بلا إنزال. لعدم الفرج الاصلي بيقين (أو إيلاج الخنثى) الواضح الانوثة، أو المشكل (ذكره في قبل أو دبر، بلا إنزال) لعدم تغييب الحشفة الاصلية بيقين (وكذا لو وطئ كل واحد من الخنثيين المشكلين الآخر بالذكر في القبل) لاحتمال زيادتهما، أو زيادة أحدهما، (أو) وطئ كل واحد من الخنثيين الآخر بالذكر في (الدبر) لاحتمال زيادة الذكرين، (وإن تواطأ رجل وخنثى في دبريهما فعليهما الغسل) لان دبر الخنثى أصلي قطعا. وقد وجد تغييب حشفة الرجل فيه (وإن وطئ الخنثى بذكره امرأة،
[ 169 ]
وجامعه) أي ذلك الخنثى (رجل في قبله فعلى الخنثى الغسل) لانه إن كان ذكرا فقد غيب ذكره في فرج أنثى، وإن كان أنثى فقد جومعت في قبلها الاصلي (وأما الرجل والمرأة فيلزم أحدهما الغسل، لا بعينه) لان الخنثى لا يخلو عن أن يكون رجلا، فيجب الغسل على المرأة، أو
يكون أنثى، فيجب الغسل على الرجل. والاحتياط أن يتطهرا على ما تقدم: وإن أراد أن يأتم أحدهما بالآخر، أو يصافه وحده. اغتسلا على ما تقدم عن صاحب المنتهى (ولو قالت امرأة بي جني يجامعني، كالرجل فعليها الغسل) وقال في المبدع: لا غسل لعدم الايلاج والاحتلام. ذكره أبو المعالي. وفيه نظر. قال ابن الجوزي في قوله تعالى: * (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) * دليل على أن الجني يغشى المرأة كالانسي. وفيه نظر. لانه لا يلزم من الغشيان الايلاج، لاحتمال أن يكون إيلاجه عن ملابسته ببدنه خاصة. انتهى. قلت: وعلى ما ذكره المصنف: لو قال رجل بي جنية أجامعها كالمرأة، فعليه الغسل. (والاحكام المتعلقة بتغييب الحشفة كالاحكام المتعلقة بالوطئ الكامل) من وجوب الغسل والبدنة في الحج، وإفساد النسك قبل التحلل الاول، وتقرر الصداق، والخروج من الفيئة في الايلاء، وغير ذلك، مما يأتي في أبوابه (وجمعها بعضهم، فبلغت أربعمائة) حكم (إلا ثمانية أحكام ذكره ابن القيم في تحفة المودود في أحكام المولود) ومن تتبع ما يأتي يظفر بأكثرها. (الثالث): من موجبات الغسل: (إسلام الكافر، ولو مرتدا أو مميزا) لما روى أبو هريرة: أن ثمامة بن أثال أسلم، فقال النبي (ص): اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل رواه أحمد وابن خزيمة من رواية العمري. وقد تكلم فيه. وروى له مسلم مقرونا. وعن قيس بن عاصم: أنه أسلم فأمره النبي (ص) أن يغتسل بماء
[ 170 ]
وسدر رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح. ولانه لا يسلم غالبا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة، كالنوم، والتقاء الختانين. ولان المرتد مساو للاصلي في المعنى وهو الاسلام. فوجب عليه الغسل (سواء وجد منه في كفره ما يوجب الغسل) من نحو جماع أو إنزال (أو لا، وسواء اغتسل قبل إسلامه أو لا) لانه (ص) لم
يستفصل. ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال (ولا يلزمه) أي الذي أسلم (غسل) آخر (بسبب حدث وجد منه في حال كفره، بل يكفيه غسل الاسلام) سواء نوى الكل، أو نوى غسل الاسلام، إلا أن ينوي أن لا يرتفع غيره على ما تقدم، فيما إذا اجتمعت أحداث توجب وضوءا أو غسلا (ووقت وجوبه) أي غسل الاسلام (على المميز) إذا أسلم (كوقت وجوبه على المميز المسلم) إذا جامع، يعني إذا أراد ما يتوقف على غسل، أو وضوء لغير لبث بمسجد، أو مات شهيدا، قال في التنقيح: وقال أبو بكر: لا غسل عليه، أي الكافر إذا أسلم، إلا إذا وجد منه في حال كفره ما يوجبه، فيجب (إلا حائضا ونفساء كتابيتين إذا اغتسلتا لوطئ زوج) مسلم (أو سيد مسلم) انتهى بالمعنى، (ثم أسلمتا فلا يلزمهما إعادة الغسل) لصحته منهما، وعدم اشتراط النية فيه للعذر، بخلاف ما لو اغتسل الكافر لجنابة ثم أسلم، وجب عليه إعادته، لعدم صحته منه. وهذا كما علمت مفرع على قول أبي بكر، ولم يذكره المصنف. فكان الاولى حذفه، لئلا يوهم أنه مفرع على المذهب. كما توهمه عبارة الانصاف. وقد تبعه المصنف (ويحرم تأخير إسلام لغسل أو غيره) لوجوبه على الفور (ولو استشار) كافر (مسلما) في الاسلام (فأشار بعدم إسلامه) لم يجز (أو أخر عرض الاسلام عليه بلا عذر لم يجز) له ذلك (ولم يصر) المسلم (مرتدا) خلافا لصاحب التتمة من الشافعية ورد عليه بعضهم.
[ 171 ]
(الرابع): من موجبات الغسل: (الموت) لقوله (ص): اغسلنها إلى غيره من الاحاديث الآتية في محله (تعبدا) لا عن حدث، لانه لو كان عنه لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض، لا تغسل مع جريان الدم، ولا عن نجس. لانه لو كان عنه لم يطهر، مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت (غير شهيد معركة ومقتول ظلما) فلا يغسلان (ويأتي) ذلك مفصلا في محله. الخامس: (خروج حيض) لقوله (ص) لفاطمة بنت أبي حبيش: وإذا ذهبت فاغتسلي
وصلي متفق عليه، وأمر به أم حبيبة وسهلة بنت سهيل وحمنة وغيرهن، يؤيده قوله تعالى: * (فإذا تطهرن فائتوهن) * أي إذا اغتسلن، فمنع الزوج من وطئها قبل غسلها فدل على وجوبه عليها، وإنما وجب بالخروج إناطة للحكم بسببه. والانقطاع شرط لصحته، وكلام الخرقي يدل على أنه يجب الانقطاع وهو ظاهر الاحاديث. وتظهر فائدة الخلاف إذا استشهدت الحائض قبل الانقطاع، فإن قلنا يجب الغسل بخروج الدم وجب غسلها للحيض. وإن قلنا لا يجب إلا بالانقطاع لم يجب الغسل. لان الشهيد لا يغسل، ولم ينقطع الدم الموجب للغسل. قاله المجد، وابن عبيدان، والزركشي، وصاحب مجمع البحرين، والمبدع، والرعاية، والفروع وغيرهم. قال الطوفي في شرحه: وعلى هذا التفريع إشكال وهو أن الموت إما أن ينزل منزلة انقطاع الدم أو لا. فإن نزل منزلته للزم وجوب الغسل لتحقق سبب وجوبه وشرطه على القولين وإن لم ينزل منزلة انقطاع الدم فهي في حكم الحائض على القولين. فلا يجب غسلها، لانا إن قلنا: الموجب هو الانقطاع، فلم يوجد. وإن قلنا الخروج لم يوجد شرطه، وهو الانقطاع. نعم ينبني عليهما لو علق عتقا، أو طلاقا على ما يوجب غسلا. وقع بالخروج على الاول. وبالانقطاع على الثاني (فإن كان عليها) أي الحائض (جنابة فليس عليها أن تغتسل) للجنابة (حتى ينقطع حيضها نصا) لعدم
[ 172 ]
الفائدة (فإن اغتسلت للجنابة في زمن حيضها صح) غسلها لها (بل يستحب) تخفيفا للحدث (ويزول حكم الجنابة) لان بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر، كما لو اغتسل المحدث الحدث الاصغر. قاله في الشرح (ويأتي أول الحيض). السادس: المتمم للموجبات: (خروج نفاس) قال في المغني: لا خلاف في وجوب الغسل بهما اه. وفيه ما تقدم في الحيض، (وهو) أي النفاس (الدم الخارج بسبب الولادة) ويأتي مفصلا في آخر الحيض، (ولا يجب) الغسل (بولادة عريت عن دم) لانه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص (فلا يبطل الصوم) بالولادة العارية عن الدم (ولا يحرم الوطئ
بها) قبل الغسل، لما تقدم (ولا) يجب الغسل (بإلقاء علقة) قال في المبدع: بلا نزاع. زاد في الرعاية: بلا دم (أو) بإلقاء (مضغة) لا تخطيط فيها لان ذلك ليس ولادة، وإنما يثبت حكمه بإلقاء ما يتبين فيه خلق إنسان ولو خفيا (والولد طاهر ومع الدم يجب غسله) كسائر الاشياء المتنجسة. وفيه وجه: لا، للمشقة. فصل: ومن لزمه الغسل لجنابة أو غيرها (حرم عليه الاعتكاف) لقوله تعالى: * (ولا جنبا إلا عابري سبيل) * ولقوله (ص): لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو
[ 173 ]
داود من حديث عائشة، (و) حرم عليه (قراءة آية فصاعدا) رويت كراهة ذلك عن عمر وعلي. وروى أحمد، وأبو داود، والنسائي من رواية عبد الله بن سلمة - بكسر اللام - عن علي قال: كان النبي (ص) لا يحجبه - وربما قال لا يحجزه - من القرآن شئ ليس الجنابة رواه ابن خزيمة والحاكم والدارقطني وصححاه، قال شعبة: لست أروي حديثا أجود من هذا. واختار الشيخ تقي الدين أنه يباح للحائض أن تقرأه إذا خافت نسيانه، بل يجب، لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، و (لا) يحرم عليه قراءة (بعض آية) لانه لا إعجاز فيه المنقح، ما لم تكن طويلة (ولو كرره) أي البعض (ما لم يتحيل على قراءة تحرم عليه) كقراءة آية فأكثر، لما يأتي أن الحيل غير جائزة في شئ من أمور الدين، (وله) أي الجنب ونحوه (تهجيه) أي القرآن لانه ليس بقراءة له. فتبطل به الصلاة لخروجه عن نظمه وإعجازه، ذكره في الفصول، وله التفكر فيه وتحريك شفتيه به ما لم يبين الحروف وقراءة أبعاض آية متوالية، أو آيات سكت بينها سكوتا طويلا، قاله في المبدع، (و) له (الذكر) أي أن يذكر الله تعالى، لما روى مسلم عن عائشة قالت: كان النبي (ص) يذكر الله على كل أحيانه ويأتي أنه يكره أذان جنب، (و) له (قراءة لا تجزئ في الصلاة لاسرارها) نقله عن
الفروع عن ظاهر نهاية الازجي، قال: وقال غيره له تحريك شفتيه به إذا لم يبين الحروف، (وله قول ما وافق قرآنا ولم يقصده كالبسملة وقول الحمد لله رب العالمين، وكآية الاسترجاع) * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * وهي بعض آية لا آية، (و) كآية (الركوب) * (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون) * (الزخرف 13) وكذا آية النزول: * (وقل رب أنزلني منزلا مباركا) *، (وله أن ينظر في المصحف من غير تلاوة، و) أن (يقرأ عليه وهو ساكت) لانه في هذه الحالة لا
[ 174 ]
ينسب إلى القراءة، قاله أبو المعالي، (ويمنع كافر من قراءت) - ه (آية ولو رجي إسلامه) قياسا على الجنب وأولى، (ولجنب) ونحوه (عبور مسجد ولو لغير حاجة) لقوله تعالى: * (ولا جنبا إلا عابري سبيل) * وهو الطريق. وروى سعيد بن منصور عن جابر قال: كان أحدنا يمر في المسجد جنبا مجتازا وحديث عائشة: إن حيضتك ليست في يدك رواه مسلم: شاهد بذلك، وقيل: لحاجة فقط. ومشى عليه في المختصر، ومن الحاجة: كونه طريقا قصيرا، لكن كره أحمد اتخاذه طريقا، (وكذا حائض ونفساء مع أمن تلويثه) أي المسجد فلهما عبوره كالجنب، (وإن خافتا) أي الحائض والنفساء (تلويثه) أي المسجد (حرم) دخولهما فيه (كلبثهما فيه) مطلقا (ويأتي في الحيض، ويمنع من عبوره واللبث فيه السكران) لقوله تعالى: * (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) *، (و) يمنع منه (المجنون) لانه أولى من السكران بالمنع، (ويمنع) من المسجد (من عليه نجاسة تتعدى) لانه مظنة تلويثه (ولا يتيمم لها) أي للنجاسة التي تتعدى إن احتاج اللبث (لعذر) وقال بعضهم: يتيمم لها للعذر. قال في الفروع: وهذا ضعيف (ويسن منع الصغير منه) نقل مهنا: ينبغي أن تجنب الصبيان المساجد. قال في الآداب الكبرى: أطلقوا العبارة. والمراد والله أعلم إذا كان صغيرا لا يميز لغير مصلحة ولا فائدة اه. فلهذا يقال: (ويمنع من اللعب فيه، إلا لصلاة وقراءة، ويكره اتخاذ المسجد طريقا) نصا (ويأتي في الاعتكاف، ويحرم على جنب
وحائض ونفساء انقطع دمهما اللبث فيه) أي المسجد لقوله تعالى: * (ولا جنبا إلا عابري سبيل، حتى تغتسلوا) * ولقوله (ص): لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو داود (ولو مصلى عيد، لانه مسجد) لقوله (ص): وليعتزل الحيض المصلى، (لا مصلى الجنائز)
[ 175 ]
فليس مسجدا، لان صلاة الجنائز ليست ذات ركوع وسجود بخلاف صلاة العيد (إلا أن يتوضؤوا) أي الجنب والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما. فيجوز لهما اللبث في المسجد، لما روى سعيد بن منصور والاثرم عن عطاء بن يسار: قال: رأيت رجالا من أصحاب النبي (ص) يجلسون في المسجد، وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة قال في المبدع إسناده صحيح، ولان الوضوء يخفف حدثه، فيزول بعض ما يمنعه. قال الشيخ تقي الدين: وحينئذ فيجوز أن ينام في المسجد، حيث ينام غيره، وإن كان النوم الكثير ينقض الوضوء فذلك الوضوء الذي يرفع الحدث الاصغر، ووضوء الجنب لتخفيف الجنابة، وإلا فهذا الوضوء لا يبيح له ما يمنعه الحدث الاصغر: من الصلاة والطواف ومس المصحف، نقله عنه في الآداب الكبرى واقتصر عليه (فلو تعذر) الوضوء على الجنب ونحوه (واحتيج إليه) أي إلى اللبث في المسجد لخوف ضرر بخروجه منه (جاز) له اللبث فيه (من غير تيمم نصا) واحتج بأن وفد عبد القيس قدموا على النبي (ص) فأنزلهم المسجد، (و) اللبث (به) أي بالتيمم (أولى) خروجا من الخلاف، (ويتيمم) الجنب ونحوه (لاجل لبثه فيه لغسل) إذا تعذر عليه الوضوء والغسل عاجلا، قال ابن قندس: واحتاج إلى اللبث فيه. ورده في شرح المنتهى بأنه إذا احتاج للبث فيه جاز بلا تيمم قال: والظاهر تقييده بعدم الاحتياج، (ولمستحاضة، ومن به سلس البول عبوره) أي المسجد، (واللبث فيه مع أمن تلويثه) بالنجاسة، لحديث عائشة: أن امرأة من أزواج النبي (ص) اعتكفت معه وهي مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي رواه البخاري (ومع خوفه) أي خوف تلويثه (يحرمان) أي العبور واللبث، لوجوب صون المسجد عما ينجسه،
(ولا يكره لجنب ونحوه) كحائض ونفساء (إزالة شئ من شعره وظفره قبل غسله) كالمحدث.
[ 176 ]
فصل: في الاغسال المسنونة وهي ستة عشر. وفي صفة الغسل، وما يتعلق بذلك. (يسن الغسل لصلاة الجمعة) لحديث أبي سعيد مرفوعا: غسل الجمعة واجب على كل محتلم وقوله (ص): من جاء منكم الجمعة فليغتسل متفق عليهما. وقوله: واجب معناه متأكد الاستحباب، كما تقول: حقك واجب علي، ويدل عليه ما روى الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي (ص) قال: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وإسناده جيد إلى الحسن واختلف في سماعه من سمرة ونقل الاثرم عن أحمد: لا يصح سماعه منه، ويعضده أن عثمان أتى الجمعة بغير غسل (لحاضرها) أي الجمعة لما تقدم من قوله (ص): من جاء منكم الجمعة (في يومها) أي يوم الجمعة، وأوله: من طلوع الفجر، فلا يجزئ الاغتسال قبله (إن صلاها) أي الجمعة ولو لم تجب عليه، كالعبد لعموم من جاء منكم الجمعة و (لا) يستحب غسل الجمعة (لامرأة نصا) لظاهر قوله (ص): من أتى منكم الجمعة فليغتسل (والافضل) أن يغتسل (عند مضيه إليها) أي إلى الجمعة، لانه أبلغ في المقصود، وأن يكون (عن جماع) للخبر الآتي في باب الجمعة (فإن اغتسل، ثم أحدث) حدثا أصغر (أجزأه الغسل) المتقدم، لان الحدث لا يبطله (وكفاه الوضوء) لحدثه (وهو) أي غسل الجمعة (آكد الاغسال المسنونة) لما تقدم. قال في الانصاف: الصحيح من المذهب أن الغسل للجمعة آكد الاغسال، ثم
[ 177 ]
بعده الغسل من غسل الميت، صححه في الرعاية.
(و) يسن الغسل أيضا لصلاة (عيد) لان النبي (ص): كان يغتسل لذلك رواه ابن ماجه من طريقين، وفيهما ضعف، ولانها صلاة شرعت لها الجماعة، أشبهت الجمعة (في يومها) أي العيد، فلا يجزئ قبل طلوع الفجر. وقال ابن عقيل: المنصوص عن أحمد: أنه قبل الفجر وبعده، لان زمن العيد أضيق من الجمعة (لحاضرها) أي العيد (إن صلى) العيد (ولو) صلى (وحده إن صحت صلاة المنفرد فيها) بأن صلى بعد صلاة العدد المعتبر، وفي التلخيص: إن حضر ولو لم يصل، ومثله الزينة والطيب، لانه يوم الزينة، بخلاف يوم الجمعة. (و) يسن الاغتسال (ل) - صلاة (كسوف واستسقاء) لانه عبادة يجتمع لها الناس، أشبهت الجمعة والعيدين، (و) يسن الغسل (من غسل ميت مسلم، أو كافر) لما روى أبو هريرة مرفوعا: من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وحسنه وصحح جماعة وقفه عليه، وعن علي نحوه، وهو محمول على الاستحباب، لان أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر وسألت: هل علي غسل؟ قالوا: لا رواه مالك مرسلا، (و) يسن الغسل (ل) - لافاقة من (جنون أو إغماء بلا إنزال مني) فيهما، قال ابن المنذر: ثبت أن النبي (ص) اغتسل من الاغماء متفق عليه من حديث عائشة. والجنون في معناه، بل أولى (ومعه يجب) أي إن تيقن معهما الانزال وجب الغسل، لانه من جملة الموجبات كالنائم، وإن وجد بعد الافاقة بلة لم يجب الغسل قال الزركشي: على المعروف من المذهب، لانه قد يحتمل أن يكون لغير شهوة أو مرض. ذكره في المبدع، واقتصر عليه، لكن تقدم التفصيل فيما إذا أفاق نائم ونحوه ووجد بللا، (و) يسن الغسل (لاستحاضة لكل صلاة) لان أم حبيسة استحيضت فسألت النبي (ص) فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل عند كل صلاة متفق عليه، وفي غير الصحيح
[ 178 ]
أنه أمرها به لكل صلاة وعن عائشة أن زينب بنت جحش استحيضت فقال لها النبي (ص):
اغتسلي لكل صلاة رواه أبو داود، (و) يسن الغسل (لاحرام) لما روى زيد بن ثابت أن النبي (ص) تجرد لاهلاله واغتسل رواه الترمذي وحسنه، وظاهره: ولو مع حيض ونفاس، وصرح به في المنتهى، لان أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر النبي (ص) أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل وتهل رواه مسلم من حديث عائشة، (ودخول مكة) ولو مع حيض، قاله في المستوعب لفعله (ص)، متفق عليه، وظاهره: ولو بالحرم، كالذي بمنى، إذا أراد دخول مكة، فيسن له الغسل لذلك (ودخول حرمها) أي حرم مكة (نصا) نص عليه في رواية صالح (ووقوف بعرفة) رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، ورواه الشافعي عن علي، ورواه ابن ماجه مرفوعا (ومبيت بمزدلفة ورمي جمار، وطواف زيارة، و) طواف (وداع) لانها أنساك يجتمع لها الناس ويزدحمون، فيعرقون، فيؤذي بعضهم بعضا، فاستحب كالجمعة (ويتيمم للكل، لحاجة) أي يتيمم لما يسن له الغسل، إذا عدم الماء أو تضرر باستعماله، ونحوه مما يبيح التيمم، كما لو أراد الجنب الصلاة ونحوها، (و) يسن التيمم أيضا (لما يسن له الوضوء) كالقراءة والذكر والاذان ورفع الشك والكلام المحرم (لعذر) يبيح التيمم (ولا يستحب الغسل لدخول طيبة) وهي مدينة النبي (ص) قال في المبدع: ونص أحمد: ولزيارة قبر النبي (ص)، أي يغتسل لها (ولا للحجامة) لانه دم
[ 179 ]
خارج، أشبه الرعاف، وأما حديث عائشة مرفوعا: يغتسل من أربع: من الجمعة والجنابة، والحجامة، وغسل الميت رواه أبو داود، ففيه مصعب بن شيبة، قال الدارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ، وقال أحمد: إن أحاديثه مناكير، وإن هذا الحديث منها، (و) لا يستحب الغسل أيضا (لبلوغ) بغير إنزال (وكل اجتماع) مستحب، ولا لغير ما تقدم، (والغسل) إما كامل وإما مجزئ ف (- الكامل) المشتمل على الواجبات والسنن: (أن ينوي) أي يقصد رفع الحدث الاكبر، أو استباحة الصلاة ونحوها (ثم يسمي) فيقول: بسم الله، لا يقوم غيرها مقامها، (ثم يغسل يديه ثلاثا) كالوضوء، لكن هنا آكد لاعتبار رفع الحدث
عنهما، ولفعله (ص) في حديث ميمونة: فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا ويكون قبل إدخالهما الاناء ذكره في الكافي وغيره، (ثم يغسل ما لوثه من أذى) لحديث عائشة: فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه وظاهره: لا فرق بين أن يكون على فرجه أو بقية بدنه، وسواء كان نجسا كما صرح به في المحرر، أو مستقذرا طاهرا، كالمني، كما ذكره بعضهم، (ثم يضرب بيده الارض، أو الحائط مرتين، أو ثلاثا) لحديث عائشة المتفق عليه، (ثم يتوضأ كاملا) لقوله (ص): ثم يتوضأ وضوءه للصلاة وعنه يؤخر غسل رجليه لحديث ميمونة (ثم يحثي على رأسه ثلاثا، يروي بكل مرة أصول شعره) لقول ميمونة: " ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثات " ولقول عائشة: ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات ولقوله (ص): تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة رواه أبو داود، يقال: حثوت أحثو حثوا، كغزوت، وحثيت أحثي حثيا كرميت، واستحب الموفق وغيره تخليل أصول شعر رأسه قبل إفاضة الماء عليه، لحديث
[ 180 ]
عائشة، (ثم يفيض الماء على بقية جسده) لقول عائشة: ثم أفاض على سائر جسده ولقول ميمونة: ثم غسل سائر جسده (ثلاثا) قياسا على الوضوء (يبدأ بشقه الايمن، ثم) بشقه (الايسر) لما تقدم أنه (ص) كان يعجبه التيمن في طهوره (ويدلك بدنه بيديه) لانه أنقى، وبه يتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه، وبه يخرج من الخلاف قال في الشرح: يستحب إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء، ولا يجب إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده (ويتفقد أصول شعره) لقوله (ص): تحت كل شعرة جنابة، (وغضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطيه، وعمق سرته وحالبيه) قال في الصحاح: الحالبان عرقان يكتنفان السرة (وبين أليتيه وطي ركبتيه) ليصل الماء إليها (ويكفي الظن في الاسباغ) أي في وصول الماء إلى البشرة، لان اعتبار اليقين حرج ومشقة، (ثم يتحول عن موضعه، فيغسل قدميه، ولو) كان (في حمام ونحوه) مما لا طين فيه، لقول ميمونة: ثم تنحى عن
مقامه فغسل رجليه، (وإن أخر غسل قدميه في وضوئه فغسلهما آخر غسلة فلا بأس) لوروده في حديث ميمونة، (وتسن موالاة) في الغسل بين غسل جميع أجزاء البدن، لفعله (ص) (ولا تجب) الموالاة في الغسل (كالترتيب) لان البدن شئ واحد، بخلاف أعضاء الوضوء (فلو اغتسل إلا أعضاء الوضوء)، ثم أراد غسلها من الحدثين (لم يجب الترتيب فيها) ولا الموالاة (لان حكم الجنابة باق، وإن فاتت الموالاة) قبل إتمام الغسل، بأن جف ما غسله من بدنه بزمن معتدل وأراد أن يتم غسله (جدد لاتمامه نيته وجوبا) لانقطاع النية بفوات الموالاة، فيقع غسل ما بقي بدون نية، (ويسن سدر في غسل كافر أسلم) لحديث قيس بن عاصم: إنه أسلم، فأمره النبي (ص) أن يغتسل بماء وسدر رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، (و) يسن (إزالة شعره، فيحلق رأسه، إن كان رجلا) ويأخذ عانته وإبطيه مطلقا، لقوله (ص) لرجل
[ 181 ]
أسلم: ألق عنك شعر الكفر، واختتن رواه أبو داود، (ويغسل ثيابه) قال أحمد، قال بعضهم: إن قلنا بنجاستها، وجب وإلا استحب، (ويختتن) الكافر إذا أسلم (وجوبا بشرطه) وهو أن يكون مكلفا، وأن لا يخاف على نفسه منه، (ويسن في غسل حيض ونفاس سدر) لحديث عائشة أن النبي (ص) قال لها: إذا كنت حائضا خذي ماءك وسدرك وامتشطي وروت أسماء أنها سألت النبي (ص) عن غسل الحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر - الحديث رواه مسلم والنفاس كالحيض، (و) يسن أيضا أخذها مسكا، إن لم تكن محرمة فتجعله في فرجها في قطنة أو غيرها) كخرقة (بعد غسلها ليقطع الرائحة) أي رائحة الحيض أو النفاس، لقوله (ص) لاسماء: لما سألته عن غسل الحيض: ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها رواه مسلم من حديث عائشة. والفرصة القطعة من كل شئ (فإن لم تجد) مسكا (فطيبا) لقيامه مقام المسك في ذلك (لا لمحرمة) فإن الطيب بأنواعه يمتنع عليها، لما يأتي في الاحرام (فإن لم تجد فطينا، ولو محرمة، فإن تعذر فالماء) الطهور (كاف) لحصول الطهارة به.
(والغسل المجزئ) وهو المشتمل على الواجبات فقط (أن يزيل ما به) أي ببدنه (من نجاسة أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد) ما يمنع وصول الماء إليها، ليصل الماء إلى البشرة، (وينوي) كما تقدم، لحديث: إنما الاعمال بالنيات، (ثم يسمي) قال أصحابنا: هي هنا كالوضوء، قياسا لاحدى الطهارتين على الاخرى. وفي المغني: إن حكمها هنا أخف لان حديث التسمية إنما يتناول بصريحه الوضوء لا غير. قال في المبدع: ويتوجه عكسه لان غسل الجنابة وضوء وزيادة اه. وفيه نظر. لانه ليس بوضوء. وذلك لا تكفي نية الغسل عنه، (ثم يعم بدنه بالغسل) فلا يجزئ المسح (حتى فمه وأنفه) فتجب المضمضة والاستنشاق في غسل (كوضوء) كما تقدم، (و)
[ 182 ]
حتى (ظاهر شعره وباطنه) من ذكر أو أنثى، مسترسلا كان أو غيره، لما تقدم من قوله (ص): " تحت كل شعرة جنابة " (مع نقضه) أي الشعر وجوبا (لغسل حيض ونفاس لا) غسل (جنابة إذا روت أصوله) لحديث عائشة أن النبي (ص) قال لها: إذا كنت حائضا خذي ماءك وسدرك وامتشطي ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور. وللبخاري انقضي شعرك وامتشطي ولابن ماجه انقضي شعرك واغتسلي ولان الاصل وجوب نقض الشعر، لتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله. فعفى عنه في غسل الجنابة لانه يكثر فشق ذلك فيه، والحيض بخلافه. فبقي على الاصل في الوجوب. والنفاس في معنى الحيض. وقال بعض أصحابنا: هذا مستحب، وليس بواجب، وهو قول أكثر الفقهاء، قال في المغني والشرح وغيرهما: وهو الصحيح إن شاء الله لان في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: أنها قالت: للنبي (ص): إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للحيض؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين رواه مسلم. وهي زيادة يجب قبولها. وهذا صريح في نفي الوجوب (وحتى حشفة أقلف) أي غير مجنون (إن أمكن تشميرها) بأن كان مفتوقا، لانها في حكم الظاهر، (و) حتى (ما تحت خاتم ونحوه،
فيحركه) ليتحقق وصول الماء إلى ما تحته، (و) حتى (ما يظهر من فرجها عند قعودها لقضاء حاجتها) لانه في حكم الظاهر، (ولا) يجب غسل (ما أمكن من داخله) أي فرج، لانه إما في حكم الباطن على ما ذكره. وإما في حكم الظاهر، وعفى عنه للمشقة وتقدم، (و) لا غسل (داخل عين) بل ولا يستحب، ولو أمن الضرر، (وتقدم في الوضوء، فإن كان على شئ من محل الحدث) الاصغر أو الاكبر (نجاسة) لا تمنع وصول الماء إلى البشرة بدليل ما تقدم (ارتفع الحدث قبل زوالها كالطاهرات) على محل الحدث التي لا تمنع وصول الماء. وقدم
[ 183 ]
المجد في شرحه، وابن عبيدان وصاحب مجمع البحرين، والحاوي الكبير وصححوه أن الحدث لا يرتفع إلا مع آخر غسلة، طهر عندها، قال الزركشي: وهو المنصوص عن أحمد. وقال في النظم: هو الاقوى. فصل: (ويسن أن يتوضأ بمد، وهو مائة وأحد وسبعون درهما وثلاثة أسباع درهم) إسلامي، (و) بالمثاقيل (مائة وعشرون مثقالا، و) بالارطال (رطل وثلث رطل عراقي وما وافقه) أي الرطل العراقي في زنته من البلدان (ورطل وأوقيتان وسبعا أوقية مصري، وما وافقه، وثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية دمشقية وما وافقه، وأوقيتان وستة أسباع أوقية حلبية وما وافقه، وأوقيتان وأربعة أسباع أوقية قدسية وما وافقه، وأوقيتان وسبعا أوقية بعلية وما وافقه، و) يسن أن (يغتسل بصاع، وهو) أربعة أمداد فهو (ستمائة وخمسة وثمانون درهما وخمسة أسباع درهم وأربعمائة وثمانون مثقالا، وخمسة أرطال وثلث رطل عراقي بالبر الرزين) الجيد وهو المساوي للعدس في زنته (نص عليهما) أي على أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وأنه بالبر الرزين. وذلك لما روى أنس أن النبي (ص) كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع متفق عليه، وقال لكعب بن عجرة: أطعم ستة مساكين فرقا من طعام قال أبو عبيد: لا اختلاف بين الناس أعلمه أن الفرق ثلاثة آصاع. والفرق - بفتح الراء - ستة عشر رطلا
بالعراقي، (و) الصاع (أربعة أرطال وتسع أواق وسبع أوقية) رطل (مصري و) الصاع (رطل وأوقية وخمسة أسباع أوقية) رطل (دمشقي وإحدى عشرة أوقية وثلاثة أسباع أوقية حلبية.
[ 184 ]
وعشر أواق وسبعا أوقية قدسية، وتسع أواق وسبع أوقية بعلية. وهذا) أي بيان قدر المد والصاع (ينفعك هنا) أي في المياه (وفي) باب (الفطرة والفدية والكفارة) بسائر أنواعها (وغيرها) كما لو نذر الصدقة بمد أو صاع، (فإن أسبغ بدونهما) بأن توضأ بدون مد، أو اغتسل بدون صاع (أجزأه) ذلك. لان الله تعالى أمر بالغسل، وقد فعله (ولم يكره) لحديث عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي (ص) من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك رواه مسلم. وعن أم عمارة بنت كعب أن النبي (ص) توضأ فأتى بماء في إناء قدر ثلثي المد رواه أبو داود والنسائي، ومنطوق هذا: مقدم على مفهوم قوله (ص): يجزئ في الوضوء المد، وفي الغسل الصاع رواه أحمد والاثرم، (والاسباغ) في الوضوء والغسل: تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه ولا يكون مسحا، لقوله تعالى: * (فاغسلوا وجوهكم) * الآية والمسح ليس غسلا (فإن مسحه) أي العضو بالماء (أو أمر الثلج عليه لم تحصل الطهارة به، وإن ابتل به) أي الثلج (العضو) الذي يجب غسله. لان ذلك مسح لا غسل (إلا أن يكون) الثلج (خفيفا فيذوب، ويجري على العضو) فيجزئ، لحصول الغسل المطلوب، (ويكره الاسراف في الماء ولو على نهر جار) لحديث ابن عمر: أن النبي (ص) مر على سعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار رواه ابن ماجه، (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين من الحدثين) أجزأ عنهما، ولم يلزمه ترتيب ولا موالاة. لان الله تعالى أمر الجنب بالتطهير، ولم يأمر معه بوضوء، ولانهما عبادتان، فتداخلتا في الفعل. كما تدخل العمرة في الحج، وظاهره كالشرح والمبدع وغيرهما: يسقط مسح الرأس، اكتفاء عنه بغسلها وإن لم يمر
[ 185 ]
يده، وقال أبو بكر: يتداخلان إن أتى بخصائص الصغرى كالترتيب والموالاة والمسح، (أو) نوى (رفع الحدث) - ين (وأطلق) فلم يقيده بالاكبر ولا بالاصغر أجزأ عنهما لشمول الحدث لهما، (أو) نوى (استباحة الصلاة، أو) نوى (أمرا لا يباح إلا بوضوء وغسل كمس مصحف) وطواف (أجزأ عنهما) لاستلزم ذلك رفعهما (وسقط الترتيب والموالاة) لدخول الوضوء في الغسل. فصار الحكم للغسل كالعمرة مع الحج (وإن نوى) من عليه غسل بالغسل استباحة (قراءة القرآن ارتفع الاكبر فقط) لان قراءة القرآن إنما تتوقف على رفعه لا على رفع الاصغر (وإن نوى) الجنب ونحوه (أحدهما) أي نوى رفع أحد الحدثين: الاكبر، أو الاصغر (لم يرتفع غيره) لقوله (ص): وإنما لكل امرئ ما نوى وقال الازجي والشيخ تقي الدين: إذا نوى الاكبر ارتفع. (ومن توضأ قبل غسله) يعني أوفى أوله (كره له إعادته بعد الغسل) لحديث عائشة قالت: كان (ص) لا يتوضأ بعد الغسل رواه الجماعة (إلا أن ينتقض وضوؤه بمس فرجه أو غيره) كمس امرأة لشهوة، أو بخروج خارج، فيجب عليه إعادته للصلاة ونحوها. وتستحب لنحو قراءة وأذان، لوجود سببه، (وإن نوت من انقطع حيضها)، أو نفاسها (بغسلها حل الوطئ صح) غسلها، وارتفع الحدث الاكبر، لان حل وطئها يتوقف على رفعه. وقيل: لا يصح، لانها إنما نوت ما يوجب الغسل، وهو الوطئ، وفيه نظر ظاهر، إذ لا فرق بين الوطئ وحله، (ويسن لكل جنب ولو امرأة وحائضا ونفساء بعد انقطاع الدم) قلت: وكافر أسلم قياسا عليهم (إذا أرادت النوم أو الاكل أو الشرب أو الوطئ ثانيا أن يغسل فرجه) لازالة ما عليه من الاذى، (ويتوضأ) روي ذلك عن علي وابن عمر. أما كونه يستحب بالنوم، فلما روى ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ فليرقد وعن عائشة قالت: كان النبي (ص) إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه
[ 186 ]
وتوضأ وضوءه للصلاة متفق عليهما، وأما كونه يستحب للاكل والشرب فلما روت
عائشة قالت: رخص النبي (ص) للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة رواه أحمد بإسناد صحيح. وأما كونه يستحب لمعاودة الوطئ فلحديث أبي سعيد قال: قال النبي (ص): إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءا رواه مسلم ورواه ابن خزيمة والحاكم وزاد: فإنه أنشط للعود، (لكن الغسل ل) - معاودة (الوطئ أفضل) من الوضوء، لانه أنشط (ويأتي في عشرة النساء ولا يضر نقضه) أي الوضوء (بعد ذلك) أي إذا توضأ الجنب لما تقدم، ثم أحدث قبله لم يضره ذلك، فلا تسن له إعادته، لان القصد التخفيف أو النشاط، وظاهر كلام الشيخ تقي الدين، يتوضأ لمبيته على إحدى الطهارتين، (ويكره) للجنب ونحوه (تركه) أي الوضوء (لنوم فقط) لظاهر الحديث، ولا يكره تركه لاكل وشرب ومعاودة وطئ (ولا يكره أن يأخذ الجنب ونحوه) كالحائض والنفساء شيئا (من شعره وأظفاره) وتقدم، (ولا أن يختضب قبل الغسل نصا). فصل: في مسائل من أحكام الحمام وآداب دخوله، وأجود الحمامات: ما كان شاهقا عذب الماء معتدل الحرارة، معتدل البيوت قديم البناء (بناء الحمام وبيعه وشراؤه وإجارته) مكروه لما فيه من كشف العورة والنظر إليها. ودخول النساء إليه (وكسبه وكسب البلان والمزين مكروه) قال في الرعاية: وحمامية النساء أشد كراهة (قال) الامام أحمد: (في الذي يبني حماما للنساء: ليس بعدل) وقال في رواية ابن الحكم: لا تجاز شهادة من بناه للنساء، وحرمه القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على غير البلاد الباردة (وللرجل دخوله إذا أمن وقوع محرم، بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس) ومسها، (و) يسلم من (نظرهم إلى عورته)
[ 187 ]
ومسها، لما روي أن ابن عباس دخل حماما كان بالجحفة وروي عنه (ص) أيضا (فإن خافه) أي الوقوع في محرم بدخول الحمام (كره) دخوله (وإن علمه) أي الوقوع في محرم
(حرم) دخوله، لحديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر. ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام رواه أحمد. وقال أحمد: إن علمت أن كل من يدخل الحمام عليه إزار فادخله، وإلا فلا تدخل (وللمرأة دخوله) أي الحمام (بالشرط المذكور) بأن تسلم من النظر إلى عورات النساء ومسها ومن النظر إلى عورتها ومسها (ولوجود عذر من حيض، أو نفاس، أو جنابة، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل) لما روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: إنها ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالازر وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء وقوله: (ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها لخوفها من مرض أو نزلة) قاله القاضي والموفق والشارح. قال في الانصاف: وظاهر كلام أحمد لا يعتبر، وهو ظاهر كلامه المستوعب والرعاية، (وإلا) بأن لم يكن لها عذر مما تقدم (حرم) عليها دخوله (نصا) لما تقدم من الخبرين. واختار أبو الفرج بن الجوزي والشيخ تقي الدين. أن المرأة إذا اعتادت الحمام وشق عليها ترك دخوله إلا لعذر أنه يجوز لها دخوله. و (لا) يحرم عليها الاغتسال (في حمام دارها) حيث لم ير من عورتها ما يحرم النظر إليه، لعدم دخوله فيما تقدم، وكباقي دارها (ويقدم رجله اليسرى في دخول الحمام والمغتسل ونحوهما) لانها لما خبث. قال في المبدع: وعن سفيان قال: كانوا يستحبون
[ 188 ]
لمن دخله أن يقول: يا بر يا رحيم من وقنا عذاب السموم. (والاولى في الحمام أن يغسل قدميه وإبطيه بماء بارد عند دخوله، ويلزم الحائط) خوف السقوط (ويقصد موضعا خاليا) لانه أبعد من أن يقع في محظور، (ولا يدخل البيت الحار حتى يعرق في البيت الاول) لانه أجود طبا (ويقلل الالتفات) لانه محل الشياطين، فتعبث به، وربما كان سببا لرؤية عورة، (ولا يطيل المقام إلا بقدر الحاجة) لانه يأخذ من البدن (ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد. قال في المستوعب: فإنه يذهب الصداع، ولا يكره دخوله قرب الغروب، ولا
بين العشاءين) لعدم النهي الخاص عنه. وقال ابن الجوزي في منهاج القاصدين: يكره لانه وقت انتشار الشياطين، (ويحرم أن يغتسل عريانا بين الناس) في حمام أو غيره، لحديث: " احفظ عورتك " إلى آخره، وعن يعلى بن أمية أن النبي (ص) رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله عزوجل حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر رواه أبو داود، (فإن ستره إنسان بثوب) فلا بأس، (أو اغتسل عريانا خاليا) عن الناس (فلا بأس) لان موسى عليه السلام اغتسل عريانا رواه البخاري، وأيوب عليه السلام اغتسل عريانا قاله في المغني، (والتستر أفضل) وقال في الانصاف وغيره: يكره. قال الشيخ تقي الدين: عليه أكثر نصوصه. قال في الآداب: يكره الاغتسال في المستحم ودخول الماء بلا مئزر انتهى لقول الحسن والحسين وقد دخلا الماء وعليهما برد إن للماء سكانا (وتكره القراءة فيه) أي الحمام (ولو خفض صوته) لانه
[ 189 ]
محل التكشف ويفعل فيه ما لا يحسن في غيره، فاستحب صيانة القرآن عنه، وحكى ابن عقيل الكراهة عن علي وابن عمر، (وكذا) يكره (السلام) في الحمام، قال في الآداب: وكذلك لا يسلم ولا يرد على مسلم وقال في الشرح: الاولى جوازه من غير كراهة، لعموم قوله (ص): افشوا السلام بينكم ولانه لم يرد فيه نص، والاشياء على الاباحة، و (لا) يكره (الذكر) في الحمام، لما روى النخعي أن أبا هريرة دخل الحمام فقال: لا إله إلا الله (وسطحه ونحوه) من كل ما يتبعه في بيع وإجارة (كبقيته) لتناول الاسم له. باب التيمم (وهو) لغة: القصد. قال تعالى: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * يقال: يممت فلانا وتيممته. وأممته إذا قصدته، ومنه * (ولا آمين البيت الحرام) * (المائدة 2). وقول الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني؟
أألخبر الذي أنا مبتغيه أم الشر الذي هو مبتغيني؟ وشرعا: (مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص) يأتي تفصيله. وهو ثابت بالاجماع، وسنده وقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * الآية. وحديث عمار وغيره وهو من خصائص هذه الامة، لان الله تعالى لم يجعله طهورا لغيرها، توسعة عليها وإحسانا إليها والتيمم (بدل عن طهارة الماء) لانه مترتب عليها، يجب فعله عند عدم الماء، ولا يجوز مع وجوده إلا لعذر، وهذا شأن البدل، (ويجوز) التيمم (حضرا وسفرا، ولو) كان السفر (غير مباح، أو) كان (قصيرا) دون المسافة (لان التيمم عزيمة لا يجوز تركه) عند وجود شرطه (قال القاضي: لو خرج إلى ضيعة له تقارب البنيان
[ 190 ]
والمنازل، ولو بخمسين خطوة، جاز له التيمم) أي بشرطه، (و) جاز له (الصلاة) النافلة (على الراحلة، وأكل الميتة للضرورة) لانه مسافر عرفا، (ويجوز) وعبارة المبدع: وهو مشروع، والمعنى أنه يجب حيث يجب التطهر بالماء، ويسن حيث يسن ذلك فيشرع (لكل ما يفعل بالماء) أي بطهارته (عند العجز عنه) أي عن استعمال الماء، لعدم أو مرض ونحوهما (شرعا من) بيان لما يفعل بالماء (صلاة) فرض أو نفل (وطواف) فرض أو نفل (وسجود تلاوة وشكر، وقراءة قرآن، ومس مصحف) وقال الموفق: إن احتاج إليه (ووطئ حائض انقطع دمها) ولو لم يكن بالواطئ جراح، أو لم يصل به ابتداء (ولبث في مسجد) إذا تعذر الوضوء عاجلا، وأراد اللبث للغسل فيه (سوى جنب وحائض ونفساء انقطع دمهما في مسألة تقدمت في الباب قبله) وهي: ما إذا تعذر الوضوء واحتاجوا للبث فيه، فإنه يجوز بلا تيمم، وتقدم أنه به أولى، (و) سوى (نجاسة على غير بدن) وهي النجاسة على الثوب وفي البقعة، فلا يصح التيمم لهما، بخلاف نجاسة البدن وتأتي، (ولا يكره الوطئ لعادم الماء) ولو لم يخف العنت، إذ الاصل في الاشياء الاباحة إلا لدليل (والتيمم مبيح) للصلاة ونحوها، و (لا يرفع الحدث) لقوله (ص) في حديث أبي ذر: فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك، فإنه خير
لك صححه الترمذي، ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده، (ولا يصح) التيمم (إلا بشرطين أحدهما: دخول وقت ما يتيمم له، فلا يصح) التيمم (لفرض ولا لنفل معين، كسنة راتبة ونحوها) كوتر (قبل وقتهما نصا) لحديث أبي أمامة مرفوعا قال: جعلت الارض
[ 191 ]
كلها لي ولامتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره رواه أحمد والوضوء إنما جاز قبل الوقت، لكونه رافعا للحدث بخلاف التيمم. فإنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة، (ولا) يصح التيمم (لنفل في وقت نهي عنه) لانه ليس وقتا له. وعلم منه أنه يصح التيمم لركعتي فجر بعده، ولركعتي طواف كل وقت لاباحتهما إذن، (ويصح) التيمم (لفائتة إذا ذكرها وأراد فعلها) لصحة فعلها كل وقت لا قبله، (و) يصح التيمم (لكسوف عند وجوده) إن لم يكن وقت نهي، (و) إلا فإذا خرج، يصح التيمم (لاستسقاء إذا اجتمعوا) لصلاته، (ول) - صلاة (جنازة إذا غسل الميت) أي تم تغسيله، كما في المبدع (أو يمم لعذر) ويعايي بها، فيقال: شخص لا يصح تيممه حتى يتيمم غيره؟ (ولعيد إذا دخل وقته، ولمنذورة) مطلقة (كل وقت) فإن كانت منذورة بمعين اعتبر دخوله، كالمفروضة، (و) يصح التيمم (لنفل عند جواز فعله) لان ذلك وقته. الشرط: (الثاني العجز عن استعمال الماء) لان غير العاجز يجد الماء على وجه لا يضره، فلم يتناوله النص (فيصح) التيمم لمن عجز عن الماء (لعدمه) حضرا كان أو سفرا، قصيرا كان أو طويلا، مباحا أو غيره، لقوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا) * ويتصور عدم الماء في الحضر (بحبس) للمتيمم عند الخروج في طلب الماء، أو حبس للماء عن المتيمم، بحيث لا يقدر عليه، ولا يجد غيره (أو غيره) أي غير الحبس، كقطع عدو ماء بلده، لعموم حديث أبي ذر أن النبي (ص) قال: الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجده فليمسه بشرته. فإن ذلك خير رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. والتقييد بالسفر مخرج
الغالب، لانه محل العدم غالبا، (و) يصح التيمم (لعجز مريض عن الحركة وعمن يوضئه إذا خاف فوت الوقت. إن انتظر من يوضئه و) عجزه (عن الاغتراف ولو بفمه) لانه كالعادم للماء، فإن قدر على اغتراف الماء بفمه، أو على غمس أعضائه في الماء الكثير لزمه ذلك، لقدرته على استعمال الماء، (أو) أي ويصح التيمم (لخوف ضرر باستعماله) أي الماء (في
[ 192 ]
بدنه من جرح) لقوله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * ولحديث جابر في قصة صاحب الشجة رواه أبو داود والدارقطني. وكما لو خاف من عطش أو سبع. فإن لم يخف من استعمال الماء لزمه كالصحيح، (أو) من (برد شديد) لحديث عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك. فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. فذكر ذلك للنبي (ص) فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: ذكرت قول الله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * فضحك ولم يقل شيئا رواه أحمد وأبو داود، (ولو) كان خوفه على نفسه من البرد (حضرا) فيتيمم دفعا للضرر، كالسفر، وليس المراد بخوفه الضرر أن يخاف التلف، بل يكفي أن (يخاف منه نزلة، أو مرضا ونحوه) كزيادة المرض، أو تطاوله، فيتيمم (بعد غسل ما يمكنه) غسله بلا ضرر. والمراد أنه يغسل ما لا يتضرر بغسله ويتيمم لما سواه، مراعيا للترتيب والموالاة في الحدث الاصغر. كما يأتي، (و) إنما يتيمم للبرد إذا (تعذر تسخينه) أي الماء في الوقت. قال في الشرح وغيره: متى أمكنه تسخين الماء أو استعماله على وجه يأمن الضرر كأن يغسل عضوا عضوا، كلما غسل شيئا ستره. لزمه ذلك، (أو) أي ويصح التيمم (لخوف بقاء شين) أي فاحش في بدنه بسبب استعمال الماء، لعموم قوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى) * (النساء: 43). ولانه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شئ من ماله. فهنا أولى، (أو) أي ويصح التيمم ل (- مرض يخشى زيادته أو تطاوله) لما تقدم، فإن لم يخف ضررا باستعمال الماء كمن به صداع، أو حمى حارة، أو أمكنه استعمال الماء الحار بلا ضرر. لزمه ذلك، ولا يتيمم
لانتفاء الضرر، (و) يصح التيمم (ل) - خوف (فوات مطلوبه) باستعمال الماء، كعدو خرج في طلبه أو آبق، أو شارد يريد تحصيله، لان في فوته ضررا، وهو منفي شرعا، (أو) أي ويصح
[ 193 ]
التيمم ل (- عطش يخافه على نفسه ولو) كان العطش (متوقعا) لقول علي في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة، ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش: يتيمم ولا يغتسل رواه الدارقطني. ولانه يخاف الضرر على نفسه، أشبه المريض، بل أولى (أو) يخاف العطش على (رفيقه المحترم) لان حرمته تقدم على الصلاة بدليل ما لو رأى غريقا عند ضيق وقتها، فيتركها، ويخرج لانقاذه. فلان تقدم على الطهارة بالماء بطريق الاولى. قال أحمد: عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا الماء لشفاههم (ولا فرق) في الرفيق المحترم (بين المزامل له، أو واحد من أهل الركب) لانه لا يخل بالمرافقة، (ويلزمه) أي من معه الماء (بذله له) أي لعطشان يخشى تلفه. وفي حبس الماء لعطش الغير المتوقع روايتان. اختار الشريف وابن عقيل وجوبه، وصوبه في تصحيح الفروع. وقيل: يستحب. قال المجد: وهو ظاهر كلام الامام أحمد. وقدمه في الرعاية الكبرى ومجمع البحرين. ولو خاف على نفسه العطش بعد دخول الوقت، ففيه وجهان. قال في تصحيح الفروع: الصواب الوجوب، وهو ظاهر كلام كثير من الاصحاب. منهم الشيخ الموفق. والقول بعدم الوجوب ضعيف جدا فيما يظهر. و (لا) يلزم بذل الماء (لطهارة غيره بحال) سواء كان يجد غيره أو لا، طلبه بثمنه أو لا، كسائر الاموال، لا يلزم بذلها إلا لضرورة ولا ضرورة هنا. وأخرج بقوله: المحترم: الزاني المحصن والمرتد والحربي. فلا يلزم بذله له إذا عطش، وإن خاف تلفه، (أو) عطش يخافه (على بهيمته أو بهيمة غيره المحترمين) لان للروح حرمة، وسقيها واجب. ودخل في ذلك كلب الصيد. وخرج عنه العقور والخنزير ونحوه، لعدم احترامه (قال) أبو الفرج عبد الرحمن (بن الجوزي: إن احتاج الماء للعجن والطبخ ونحوهما تيمم وتركه) أي الماء لذلك، اقتصر عليه
في الفروع. وجزم به في المنتهى، وحكاه في الرعاية بصيغة التمريض، (وإذا وجد الخائف من العطش ماء طهورا، أو ماء نجسا) وكان (يكفيه كل منهما لشربه حبس الطاهر) لشربه
[ 194 ]
(وأراق النجس إن استغنى عن شربه) سواء كان في الوقت أو قبله، لعدم حاجته إليه (فإن خاف حبسهما) للحاجة وكما لو انفرد النجس، (ولو مات رب الماء) وبقي ماؤه (يممه رفيقه العطشان) كما يتيمم لو كان حيا ذلك، (ويغرم) العطشان (ثمنه) أي قيمة الماء (في مكانه) أي مكان إتلافه (وقت إتلافه لورثته) لانتقاله إليهم كسائر أمواله، وإنما غرمه بثمنه بقيمته مع أنه مثلي، دفعا للضرر عن الورثة، إذ الماء لا قيمة له في الحضر غالبا، ولو كانت فشئ تافه بالنسبة لما في السفر. وظاهر النهاية: إن غرمه في مكانه أي التلف فبمثله (ومن أمكنه أن يتوضأ ويجمع الماء) الذي توضأ به (ويشربه لم يلزمه، لان النفس تعافه) أي تعاف شربه، (ومن خاف فوت رفقته) باستعمال الماء (ساغ له التيمم) قال في الفروع: ولو لم يخف ضررا بفوت الرفقة لفوت الالف والانس (وكذا لو خاف على نفسه أو ماله في طلبه) أي الماء (خوفا محققا، لا جبنا) وهو الخوف لغير سبب، والخوف المحقق (كأن كان بينه وبين الماء سبع) أي حيوان مفترس، (أو حريق، أو لص ونحوه) ساغ له التيمم، لان الضرر منفي شرعا، (أو خاف) بطلب الماء (غريما يلازمه ويعجز عن أدائه) فله التيمم، دفعا للضرر عنه، فإن قدر على وفائه حال دينه لم يجز له التيمم، لاثمه بالتأخير إذن، (أو خافت امرأة) بطلب الماء (فساقا) يفجرون بها، فتتيمم، بل يحرم عليها الخروج (في طلبه) إذن، لانها تعرض نفسها للفساد، ومثلها الامرد (ولو كان خوفه بسبب ظنه فتبين عدم السبب، مثل من رأى سوادا بالليل ظنه عدوا، فتبين أنه ليس بعدو بعد أن تيمم وصلى لم يعد) لكثرة البلوى به، بخلاف صلاة الخوف، فإنها نادرة في نفسها (و) هي بذلك أندر (يلزمه) أي عادم الماء إذا وجبت عليه الطهارة (شراء الماء) الذي يحتاجه لها (بثمن مثله في تلك البقعة أو مثلها) أي مثل تلك البقعة (غالبا) لانه قادر على استعماله من غير ضرر. ولانه يلزمه شراء سترة عورته
للصلاة فكذا هنا. (و) يلزمه أيضا شراؤه ب (- زيادة يسيرة) عرفا لان ضررها يسير وقد اغتفر اليسير في النفس (كضرر يسير في بدنه من صداع أو برد) فهنا أولى. و (لا) يلزمه شراء الماء (بثمن يعجز عنه) ويتيمم، لان العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل، كالعجز عن
[ 195 ]
ثمن الرقبة في الكفارة، (أو) أي ولا يلزمه شراء الماء بثمن (يحتاجه لنفقة ونحوها) كقضاء دينه ومؤنة سفره، ولا فرق بين نفقته ونفقة عياله من مؤنة وكسوة وغيرهما (وحبل ودلو، كما) يلزم شراؤهما بثمن مثل أو أزيد يسيرا، إذا احتاج إليهما، و (يلزمه طلبهما) أي الحبل والدلو، أي استعارتهما ليحصل بهما الماء. لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، (و) يلزمه (قبولهما) أي الحبل والدلو (عارية) لان المنة في ذلك يسيرة (وإن قدر على) استخراج (ماء بئر بثوب يبله ثم يعصره لزمه) ذلك لقدرته على تحصيل الماء، كما لو وجد حبلا ودلوا (إن لم تنقص قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء) الذي يستخرجه في مكانه. فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه، كشرائه (ويلزمه قبول الماء قرضا وكذا) يلزمه قبول (ثمنه) قرضا (وله ما يوفيه) منه. لان المنة في ذلك يسيرة، و (لا) يلزمه (اقتراض ثمنه) أي الماء للمنة (ويلزمه قبول الماء) إذا بذل له (هبة) لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة، و (لا) يلزمه قبول (ثمنه) هبة للمنة (ولا) يلزمه (شراؤه) أي الماء (بدين في ذمته) ولو قدر على أدائه في بلده، لان عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته. وربما تلف ماله قبل أدائه، وكالهدي. وقال القاضي: يلزمه كالرقبة في الكفارة. وأجيب: بأن الفرض متعلق بالوقت بخلاف المكفر (فإن كان بعض بدنه جريحا ونحوه) بأن كان به قروح (وتضرر) بغسله ومسحه بالماء (تيمم له) أي للجريح ونحوه، لما تقدم، (و) يتيمم أيضا (لما يتضرر بغسله مما قرب منه) أي من الجريح ونحوه، لمساواته له في الحكم (فإن عجز عن ضبطه) أي ضبط الجريح وما
قرب منه، مما يتضرر بغسله (لزمه أن يستنيب إن قدر) على الاستنابة، بأن وجد من يستنيبه وأجرته إن طلبها (وإلا) أي وإن لم يقدر على الاستنابة (كفاه التيمم) فيصلي به، ولا إعادة (فإن أمكن مسحه) أي الجرح ونحوه (بالماء وجب) المسح (وأجزا) ه لان الغسل مأمور به والمسح بعضه، فوجب كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر على الايماء. فإن كان الجرح نجسا، فقال في التلخيص: يتيمم، ولا يمسح. ثم إن كانت النجاسة معفوا عنها ألغيت، واكتفى بنية الحدث، وإلا نوى الحدث والنجاسة إن شرطت فيها، قاله في المبدع (وإن
[ 196 ]
كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء لزمه مراعاة ترتيب، وموالاة في وضوء) لا غسل (فيتيمم له) أي الجرح (عند غسله، لو كان صحيحا) لان البدل يعطي حكم مبدله (فإن كان الجرح في الوجه قد استوعبه) وأراد الوضوء (لزمه التيمم أولا) لقيامه مقام غسل الوجه، (ثم يتمم الوضوء، وإن كان) الجرح (في بعض الوجه خير بين غسل الصحيح منه) أي من الوجه (ثم يتيمم، وبين التيمم) أو لا، (ثم يغسل صحيح وجهه) لان العضو الواحد لا يعتبر فيه ترتيب، (ثم يكمل وضوؤه. فإن كان الجرح في عضو آخر) غير الوجه (لزمه غسل ما قبله) مرتبا (ثم كان الحكم فيه) أي الجريح (على ما ذكرنا في الوجه) فإن استوعبه الجرح تيمم بعد غسل ما قبله وإن لم يستوعبه خير بعد غسله ما قبله بين أن يتيمم للجرح، ثم يغسل الباقي، أو يغسل الصحيح، ثم يتيمم للجرح (وإن كان) الجرح (في وجهه ويديه ورجليه احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله ليحصل الترتيب) ولو غسل صحيح وجهه، ثم تيمم لجريحه وجريح يديه تيمما واحدا لم يجزئه. لانه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حال واحدة، فيفوت الترتيب. لا يقال: يبطل هذا بالتيمم عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الاعضاء جملة واحدة. لانه إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها. وإن كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض. فاعتبر فيه ما يعتبر فيما ينوب عنه من الترتيب.
(ويبطل وضوؤه وتيممه بخروج الوقت) فلو كان الجرح في رجله فتيمم له عند غسلها، ثم بعد زمن لا تمكن فيه الموالاة خرج الوقت. بطل تيممه. وبطلت طهارته بالماء أيضا، لفوات الموالاة فيعيد غسل الصحيح، ثم يتيمم عقبه (ولا تبطل طهارته بالماء إن كان غسلا لجنابة ونحوها) كحيض أو نفاس (بخروجه) أي الوقت، (بل) يبطل (التيمم فقط) لان غسل الجنابة ونحوها لا يشترط فيه ترتيب ولا موالاة بخلاف الوضوء، (وإن وجد ما يكفي بعض بدنه لزمه استعماله جنبا كان أو محدثا، ثم يتيمم للباقي) لقوله (ص): إذا أمرتكم بأمر
[ 197 ]
فائتوا منه ما استطعتم رواه البخاري. ولانه قدر على بعض الشرط: فلزمه كالسترة. ولا يصح أن يتيمم قبل استعماله. لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * فاعتبر استعماله أولا، ليتحقق الشرط الذي هو عدم الماء، وليتميز المغسول عن غيره، ليعلم ما يتيمم له. وإن تيمم في وجهه، ثم وجد ماء طهورا يكفي بعض بدنه بطل تيممه. قال في الرعاية: إن وجب استعماله بطل، وإلا فلا (وإن وجد ترابا لا يكفيه للتيمم استعمله وصلى) قلت: ولا يزيد على ما يجزئ على ما يأتي. وظاهره: ولا إعادة. وفي الرعاية: ثم يعيد الصلاة إن وجد ما يكفيه من ماء أو تراب، (ومن كان على بدنه نجاسة وهو محدث والماء يكفي أحدهما غسل النجاسة ثم تيمم من الحدث ولو كانت النجاسة في ثوبه أو بقعته فكذلك إلا أن تكون النجاسة في محل يصح تطهيره من الحدث فيستعمله) أي الماء (فيه عنهما) أي عن الحدث والنجس. قاله المجد. قلت: وهذا واضح إن كان الحدث أكبر. فإن كان أصغر، فعلى كلامهم: لا بد من مراعاة الترتيب. فإن كان لا يبقى للنجاسة ما يزيلها بعد مراعاته. قدمها، كما لو كانت بغير أعضاء الوضوء. (ولا يصح تيممه إلا بعد غسل النجاسة) تحقيقا لشرطه (ولو كانت النجاسة في ثوبه)
أو بقعته (غسله أولا ثم تيمم) لما تقدم. فصل: (ومن عدم الماء وظن وجوده) لزمه طلبه لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (النساء 43). ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب. ولان التيمم بدل فلم يجز العدول إليه
[ 198 ]
قبل طلب المبدل، كالصيام في كفارة الترتيب (أو شك) أي تردد في وجود الماء (ولم يتحقق عدمه) ولو ظن عدم وجوده، قال في الانصاف: على الصحيح من المذهب (لزمه طلبه) أي الماء (في رحله) أي ما يسكنه وما يستصحبه من الاثاث (وما قرب منه عرفا) لما تقدم فيه (فيفتش من رحله ما يمكن أن يكون فيه) إذ تفتيش ما لا يمكن أن يكون فيه طلب للمحال (ويسعى في جهاته الاربع) قدامه ووراءه ويمينه وشماله (إلى ما قرب منه مما عادة القوافل السعي إليه) لان ذلك هو الموضع الذي يطلب الماء فيه عادة، (ويسأل رفقته) ذوي الخبرة بالمكان (عن موارده) أي الماء، (و) يسألهم (عن ماء معهم ليبيعوه له أو يبذلوه) له. قال في المغني والشرح: وإن كان له رفقة يدل عليهم طلبه منهم (ووقت الطلب بعد دخول الوقت) لانه إذن يخاطب بالصلاة وشرطها (فلا أثر لطلبه قبل ذلك) أي قبل دخول الوقت، لانه ليس مخاطبا بالتيمم قبله (فإن رأى خضرة أو) رأى (شيئا يدل على الماء لزمه قصده، فاستبرأه) ليتحقق شرط التيمم (وإن كان بقربه ربوة أو شئ قائم أتاه) (فطلب) أي فتش (عنده) قطعا للشك (وإن كان سائرا طلبه أمامه) فقط. لان في طلبه فيما عدا ذلك ضررا به (فإن دله) أي أرشده (عليه ثقة) أي عدل ضابط. لزمه قصده. إن كان قريبا عرفا (أو علمه قريبا) عرفا (لزمه قصده) ولم يصح تيممه إذن، لقدرته على استعماله، حيث لم يخف ضررا، ولا فوت وقت ولا رفقة (ويلزمه) أي عادم الماء (طلبه لوقت كل صلاة) لانه مخاطب بها وبشروطها كلما دخل وقتها. وهذا كله إذا لم يتحقق عدمه، كما يفهم مما سبق في كلامه. فإن تحقق عدمه لم يلزمه طلبه. لانه لا أثر لطلب شئ متحقق العدم (ومن خرج إلى
[ 199 ]
أرض) أي مزارع ومحتطبات (بلده لحرث أو صيد أو احتطاب ونحوها) كأخذ حشيش، وكما لو خرج لحصاد أو دياس ونحوه (حمله) أي إناء معه وجوبا (إن أمكنه) حمله، لانه لا عذر له إذن في عدم حمله، والواجب لا يتم إلا به (وإن لم يمكنه حمله ولا الرجوع) إلى محل الماء (للوضوء) أو نحوه (إلا بتفويت حاجته تيمم) لانه عادم للماء (وصلى ولا يعيد) وكذا لو حمله وفقد، أو لم يحمله لغير عذر (كما لو كانت حاجته في أرض قرية أخرى) غير بلده (ولو كانت قريبا) لما تقدم أنه لا فرق بين بعيد السفر وقريبه، لعموم قوله تعالى: * (أو على سفر) *، (ولو مر بماء قبل الوقت، أو كان معه) الماء (فأراقه) قبل الوقت (ثم دخل الوقت وعدم الماء) فلا إثم عليه، لعدم تفريطه. لانه ليس مخاطبا بالطهارة قبل دخول وقت الصلاة. و (صلى بالتيمم) لانه عادم الماء (ولا إعادة عليه) لانه أتى بما هو مكلف به (وإن مر به) أي الماء (في الوقت وأمكنه الوضوء ولم يتوضأ ويعلم أنه لا يجد غيره) حرم، لتفريطه بترك ما هو واجب عليه بلا ضرورة. فإن لم يمكنه الوضوء أو توضأ، ثم انتقض وضوؤه بعد مفارقة الماء وبعده عنه، أو كان لا يعلم أنه لا يجد غيره، فلا إثم عليه، لعدم تفريطه (أو كان) الماء (معه فأراقه في الوقت) حرم، لانه وسيلة إلى فوات الطهارة بالماء الواجبة، (أو باعه) أي الماء (فيه) أي في الوقت (أو وهبه فيه) لغير محتاج لشرب (حرم) عليه ذلك. لما تقدم (ولم يصح البيع و) لا (الهبة) لانه تعلق به حق الله تعالى. فهو كالمنذور عتقه نذر تبرر، لعجزه عن تسليمه شرعا، (أو وهب له) ماء أو بذل قرضا في الوقت (فلم يقبله حرم) عليه (أيضا) لتفويته الطهارة الواجبة، (وإن تيمم وصلى في الجميع) أي جميع الصور المتقدمة (صح) تيممه وصلاته لعدم قدرته على الماء حينئذ. أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت، (ولم يعد) الصلاة لانها صلاة تيمم صحيح، لما تقدم وهذا كله إذا كان الماء قد عدم، فإن كان باقيا وقدر على تحصيله لم يصح تيممه، ولا صلاته، لقدرته على الماء، ولم يقيد به لوضوحه، (وإن نسي الماء) وتيمم لم يجزئه،
قال في الفروع: ويتوجه، أو ثمنه، أي إذا كان الماء يباع ونسي ثمنه وتيمم وصلى لم يجزئه. لان النسيان لا يخرجه عن كونه واجدا. وشرط إباحة التيمم عدم الوجدان، ولانها طهارة تجب مع الذكر. فلم تسقط بالنسيان
[ 200 ]
كالحدث، (أو جهله) أي الماء (بموضع يمكنه استعماله وتيمم، لم يجزئه) لتقصيره، كمصل عريانا ناسيا أو جاهلا بالسترة، ويكفر بصوم ناسيا أو جاهلا وجود الرقية (كأن يجده) أي الماء (بعد ذلك) أي التيمم (في رحله وهو) أي رحله (في يده) المشاهدة، أو الحكمية، (أو) يجده (ببئر بقربه أعلامها ظاهرة) وكان يتمكن من تناوله منها. فلا يصح تيممه إذن ولا صلاته لما تقدم، (فأما إن ضل عن رحله وفيه الماء وقد طلبه) فإن التيمم يجزئه. ولا إعادة عليه، (أو) تيمم ثم وجد بئرا بقربه، و (كانت أعلام البئر خفية ولم يكن يعرفها) قبل ذلك، (أو كان يعرفها وضل عنها فإن التيمم يجزئه ولا إعادة عليه) لانه ليس بواجد للماء، وغير مفرط (وإن أدرج أحد الماء في رحله ولم يعلم به) حتى صلى بالتيمم. فإنه يعيد لتفريطه بعدم طلبه في رحله أو ضل عن موضع التي كان يعرفها، (أو كان الماء مع عبده، ولم يعلم به السيد، ونسي العبد أن يعلمه حتى صلى بالتيمم فإنه يعيد) ما صلاه بذلك التيمم، كما لو كان النسيان منه، وكنسيان رقبة مع عبده وقيل: لا يعيد، لان التفريط من غيره. (ويتيمم لجميع الاحداث) أما الاكبر. فلقوله تعالى: * (أو لامستم النساء) * (النساء: 43) والملامسة الجماع وعن عمران بن حصين أن النبي (ص) رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك أن تصلي؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد. فإنه يكفيك متفق عليه. والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، والكافر إذا أسلم كالجنب. وأما الاصغر فبالاجماع، وسنده قوله تعالى: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (النساء: 43) وقوله (ص): الصعيد الطيب طهور المسلم ولانه إذا جاز للجنب جاز لغيره من باب أولى (ولنجاسة على جرح وغيره على بدنه فقط تضره إزالتها، أو) يضره
(الماء) الذي يزيلها به، لعموم حديث أبي ذر، ولانها طهارة في البدن تراد للصلاة. أشبهت الحدث. واختار ابن حامد وابن عقيل. لا يتيمم للنجاسة أصلا كجمهور العلماء لان الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه، لان الغسل إنما يكون في محل
[ 201 ]
النجاسة دون غيره، وعلم من قوله: فقط: أنه لا يتيمم لنجاسة ثوبه. ولا بقعته، لان البدن له مدخل في التيمم، لاجل الحدث. فدخل فيه التيمم لاجل النجس. وذلك معدوم في الثوب والمكان ولا يتيمم لنجاسة معفو عنها (ولا إعادة) لما صلاه بالتيمم للنجاسة على البدن، كالذي يصليه بالتيمم للحدث، وإنما يتيمم لنجاسة البدن (بعد أن يخفف منها ما أمكنه) تخفيفه بحك يابسه، ومسح رطبه (لزوما) أي وجوبا، فلا يصح التيمم لها قبل ذلك، لانه قادر على إزالتها في الجملة لحديث: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، (وإن تيمم حضرا، أو سفرا خوفا من البرد) ولم يمكنه تسخينه ولا استعماله على وجه لا يضره، وتقدم (وصلى، فلا إعادة عليه) لحديث عمرو بن العاص. وتقدم. ولم يأمره (ص) بالاعادة. ولو وجبت لامره بها لان تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. وقيس الحضر على السفر، (ومن عدم الماء والتراب، أو لم يمكنه استعمالهما) أي الماء والتراب (لمانع كمن به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بوضوء ولا تيمم صلى) الفرض فقط (على حسب حاله وجوبا) لقوله (ص): إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ولان العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال (ولا إعادة) لما روي عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فضلتها، فبعث رسول الله (ص) رجالا في طلبها، فوجدوها، فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فشكوا إلى النبي (ص) فأنزل الله آية التيمم متفق عليه. ولم يأمرهم بالاعادة، ولانه أحد شروط الصلاة، فسقط عند العجز. كسائر شروطها (ولا يزيد هنا على ما يجزئ في الصلاة من قراءة وغيرها) فلا يقرأ زائدا على الفاتحة، ولا يسبح أكثر من مرة ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع
أو سجود أو جلوس بين السجدتين، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الاول نهض في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الاخير سلم في الحال، (ولا يتنفل) من عدم الماء والتراب ونحوه. لانه إنما أبيح له الفرض لداعي الضرورة إليه، (ولا يؤم) من يصلي على حسب حاله (متطهرا بماء أو تراب) لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم بحدثه، وعلم منه أنه يؤم مثله (ولا يقرأ في غير صلاة إن كان جنبا ونحوه) كحائض ونفساء لما تقدم في الغسل (وتبطل صلاته) أي صلاة المصلي
[ 202 ]
على حسب حاله (بالحدث فيها) وبطروء نجاسة، لا يعفى عنها، لان ذلك ينافي الصلاة، فاقتضى وجوده بطلانها على أي حالة كانت. ثم يستأنفها على حسب حاله، و (لا) تبطل صلاة المصلي على حسب حاله (بخروج وقتها) بخلاف صلاة المتيمم. لان التيمم يبطل. فتبطل الصلاة بخلاف ما هنا (وتبطل الصلاة على الميت إذا لم يغتسل ولم يتيمم) لعدم الماء والتراب، وصلى عليه (لغسله أو بتيممه) متعلق بتبطل، والمراد بوجود ما يغسل به أو ييمم به (بعدها) أي بعد الصلاة عليه (وتعاد الصلاة عليه) أي على الميت بعد أن يغسل، أو ييمم وجوبا للقدرة عليها بشرطها، و (يجوز نبشه) بعد دفنه (لاحدهما) أي للغسل، أو التيمم (مع أمن تفسخه) لانه مصلحة بلا مفسدة، فإن خيف تفسخه لم ينبش. فصل: ولا يصح التيمم إلا بتراب طهور لقوله تعالى: * (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * وما لا غبار له. كالصخر لا يمسح بشئ منه. وقال ابن عباس: الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر يؤيده قوله (ص): وجعل لي التراب طهورا رواه الشافعي وأحمد من حديث علي. وهو حديث حسن، فخص ترابها بحكم الطهارة. وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، والقول بأن من الابتداء الغاية، قال في الكشاف: قول متعسف، ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسح برأسه من الدهن
ومن الماء والتراب. إلا معنى التبعيض. والاذعان للحق أحق من المراء، فلا يصح التيمم برمل ونحت حجارة ونحوه، ولا بتراب زالت طهوريته، وتأتي تتمته (مباح) فلا يصح بمغصوب ونحوه. لحديث: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد قال في الفروع: وتراب مغصوب كالماء، وظاهره ولو تراب مسجد، وفاقا للشافعي وغيره. ولعله غير مراد، فإنه لا يكره بتراب زمزم، مع أنه مسجد (غير محترق) فلا يصح التيمم بما حرق من خزف ونحوه لان الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب (له غبار يعلق باليد) أو غيرها لما
[ 203 ]
تقدم. (ولو على لبد أو غيره) كثوب، وبساط، وحصير، وحائط، وصخرة، وحيوان، وبرذعة حمار، وشجرة، وخشب، وعدل شعير ونحوه، مما عليه غبار طهور (حتى مع وجود تراب) ليس على شئ مما تقدم، فلا يصح التيمم بسبخة ونحوها مما ليس له غبار، و (لا بطين) رطب، لانه ليس بتراب (لكن إن أمكنه تجفيفه والتيمم) به (قبل خروج الوقت، لزمه ذلك) لانه قادر على استعماله في الوقت، فلزمه كما لو وجد ماء بئر، فإن لم يمكنه إلا بعد خروج الوقت لم يلزمه، (ولا) يصح التيمم (بتراب مقبرة تكرر نبشها) لاختلاطه بالصديد (فإن لم يتكرر) نبشها (جاز) التيمم بترابها وإن شك فيه، أو في نجاسة التراب الذي يتيمم به، جاز التيمم به لان الاصل الطهارة قاله في الشرح، ومنع منه ابن عقيل. وإن لم يتكرر (وأعجب الامام أحمد حمل التراب لاجل التيمم) احتياطا للعبادة، (وقال الشيخ وغيره: لا يحمله) قال في الفروع: وهو أظهر، وقال في الانصاف: (وهو الصواب) إذا لم ينقل عن الصحابة ولا غيرهم من السلف فعل ذلك، مع كثرة أسفارهم، (ولو وجد ثلجا وتعذر تذويبه لزمه مسح أعضائه) الواجب غسلها (به) لقوله (ص): إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم لانه ماء جامد تعذر أن يستعمل الاستعمال المعتاد وهو الغسل. لعدم ما يذيبه، فوجب أن يستعمل الاستعمال المقدور عليه، (ويعيد) الصلاة إن لم يجر على الاعضاء بالمس، لانه صلى مع وجود الماء في الجملة، بلا طهارة كاملة، ومثله لو صلى بلا تيمم، مع وجود
طين يابس عنده، لعدم ما يدقه به ليصير له غبار، (وإن كان) الثلج (يجري) أي يسيل على الاعضاء (إذا مس يده) وغيرها من باقي الاعضاء (لم يعد) الصلاة حيث جرى بالمس: لوجود الغسل المأمور به، وإن كان خفيفا (ولو نحت الحجر حتى صار ترابا لم يصح التيمم به) لما تقدم (إلا الطين الصلب ك) - الطين (الارمني إذا دقه) وصار له غبار، فإنه يصح التيمم به، لانه تراب (فإن خالط التراب) الطهور (ذو غبار لا يصح التيمم به كالجص ونحوه) كالنورة ودقيق البر ونحوه (فكالماء إذا خالطته الطاهرات) فإن كانت الغلبة للتراب
[ 204 ]
جاز، وإن كانت للمخالط لم يجز، ذكره القاضي وأبو الخطاب. قياسا على الماء وإن خالطته نجاسة، فقال ابن عقيل: لا يجوز التيمم به، وإن كثر التراب لانه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فهو كالمائعات، (ولا يكره التيمم بتراب زمزم مع أنه مسجد، وما تيمم به) وهو ما تناثر من الوجه واليدين، أو بقي عليهما بعد مسحهما به (كماء مستعمل) لانه استعمل في طهارة إباحة الصلاة، فأشبه الماء، (ولا بأس بما تيمم منه) يعني لو تيمم جماعة من موضع واحد فلا بأس بذلك، بلا خلاف، كما لو توضؤوا من حوض واحد يغترفون منه. (ويشترط النية لما يتيمم له) من حدث أو خبث، لحديث: إنما الاعمال بالنيات ولان التيمم طهارة حكمية، بخلاف غسل النجاسة، (ولو يممه غيره فكوضوء) إن نواه بالمفعول به صح، إن لم يكن الفاعل مكرها (وتقدم في) باب الوضوء (فينوي) بالتيمم (استباحة ما لا يباح إلا به) كالصلاة ونحوها، ويعين ما يتيمم له وفرضه، إن كان له نفل لقوله عليه السلام: " وإنما لكل امرئ ما نوى، (فإن نوى رفع الحدث لم يجزئه) لان التيمم غير رافع، كما تقدم بخلاف الوضوء والغسل. فصل: (وفرائضه) أي التيمم عن حدث أصغر (أربعة) أشياء: (مسح جميع وجهه ولحيته) لقوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم) * واللحية من الوجه، لمشاركتها له في حصول
المواجهة (سوى ما تحت شعره ولو خفيفا، و) سوى (مضمضة واستنشاق) فلا يدخل التراب فمه وأنفه، قال في الانصاف قطعا، (بل يكرهان) لما فيهما من التقذير (فإن بقي من محل الفرض شئ لم يصله التراب أمر يده عليه ما لم يفصل راحته) لان الواجب تعميم المسح لا تعميم التراب، لقوله تعالى: * (فامسحوا) *، (فإن فصلها) أي الراحة (وقد كان بقي عليها غبار جاز أن يمسح بها) ما بقي من محل الفرض لانه غبار طهور (وإن لم يبق عليها
[ 205 ]
شئ) من الغبار (ضرب ضربة أخرى) ليحصل مسح باقي محل الفرض بالتراب (وإن نوى) استباحة ما يتيمم له (وأمر وجهه على التراب) أو مسحه به صح، (أو) نوى ثم (صمده) أي وجهه (للريح فعم التراب) الوجه (ومسحه به صح) التيمم إذا أتمه لوجود المسح بالتراب الطهور بعد النية، كما لو صمد أعضاء الوضوء بعد نيته لمطر أو ميزاب، حتى جرى الماء عليها، و (لا) يصح تيممه (إن سفته) أي التراب (ريح قبل النية، فمسح به) ما يجب مسحه، لمفهوم قوله تعالى: * (فتيمموا صعيدا) * لانه لم يقصده. (و) الفرض الثاني: (مسح يديه إلى كوعيه) لقوله تعالى: * (وأيديكم) * وإذا علق حكم بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق ومس الفرج، ولحديث عمار قال: بعثني النبي (ص) في حاجة، فأجنبت، فلم أجد ماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي (ص) فذكرت ذلك له. فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا. ثم ضرب بيديه الارض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه متفق عليه، وفي لفظ أن النبي (ص): أمره بالتيمم للوجه والكفين صححه الترمذي. وأما رواية أبي داود إلى المرفقين فلا يعول عليها، لانه إنما رواها سلمة، وشك فيها. ذكر ذلك النسائي، فلا تثبت مع الشك، مع أنه قد أنكر عليه، وخالف به سائر الرواة الثقات، (فلو قطعت يده من الكوع لا من فوقه وجب مسح موضع القطع) لبقاء بعض محل الفرض، كما لو قطعت من دون الكوع، (وتجب التسمية) في تيمم، وظاهره: ولو عن
نجاسة ببدن (كوضوء وتقدم) في باب الوضوء. (و) الفرض الثالث والرابع: (ترتيب وموالاة في غير حدث أكبر) يعني في حدث أصغر لان التيمم مبني على الطهارة بالماء والترتيب والموالاة فرضان في الوضوء، فكذا في التيمم القائم مقامه، وخرج التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن، فلا يعتبر فيه ترتيب ولا موالاة، (وهي) أي الموالاة (هنا) أي في التيمم أن لا يؤخر مسح عضو عما قبله (زمنا بقدرهما في
[ 206 ]
الوضوء) أي بحيث لو قدر مغسولا لجف بزمن معتدل، (ويجب تعيين النية لما يتيمم له) كصلاة وطواف ومس المصحف (من حدث أصغر أو أكبر، أو نجاسة على بدنه) لان التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يكن بد من التعيين تقوية لضعفه، وصفة التعيين: أن ينوي استباحة صلاة الظهر مثلا من الجنابة إن كان جنبا، أو من الحدث إن كان محدثا، أو منهما إن كان جنبا محدثا. وما أشبه ذلك، (وإن كان) التيمم (عن جرح في عضو من أعضائه نوى التيمم عن غسل ذلك العضو) الجريح، إن لم يكن مسحه بالماء ضررا، وإن كان الجريح جنبا فهو مخير إن شاء قدم التيمم على الغسل، وإن شاء أخره، بخلاف ما إذا كان التيمم لعدم ما يكفيه لجميع أعضائه. فإنه يلزمه استعمال الماء أولا. كما تقدم (فإن نوى جميعها) أي نوى استباحة الصلاة من الحدث الاكبر والاصغر، والنجاسة ببدنه (صح) تيممه (وأجزأه) لان كل واحد يدخل في العموم. فيكون منويا (وإن نوى أحدها) أي المذكورات (لم يجزئه عن الآخر) أي عن الذي لم ينوه لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى (فلو تيمم للجنابة) ونحوها (دون الحدث) الاصغر (أبيح له ما يباح للمحدث، من قراءة ولبث في المسجد ولم تبح له صلاة، و) لا (طواف، و) لا (مس مصحف) لانه لم ينو من الاستباحة الحدث الاصغر (وإن أحدث) من تيمم للجنابة ونحوها (لم يؤثر ذلك في تيممه) لان حكمه حكم مبدله، وهو الغسل (وإن تيمم للجنابة والحدث، ثم أحدث بطل تيممه) للحدث (وبقي تيمم الجنابة) حتى يخرج الوقت، أو يوجد موجب الغسل. وكذا لو تيمم
للحدث والخبث ببدنه، وأحدث بطل تيممه للحدث، وبقي تيممه للخبث (ولو تيممت بعد طهرها من حيضها)، أو نفاسها (لحدث الحيض)، أو النفاس، (ثم أجنبت) أو أحدثت (لم يحرم وطؤها) لبقاء حكم تيممها (وإن تنوعت أسباب أحد الحدثين ونوى) الاستباحة من أحدها أجزأ التيمم (عن الجميع) لان حكمها واحد، وهو إما إيجاب الوضوء أو الغسل. وكطهارة الماء، لكن لو نوى الاستباحة من أحدها على أن لا يستبيح من غيره. لم يجزئه على قياس ما تقدم في الوضوء، وأولى، (ومن نوى) بتيممه (شيئا) أي استباحة شئ تشترط له الطهارة (استباحه) لانه منوي، (و) استباح (مثله) فمن نوى بتيممه صلاة الظهر مثلا، فله
[ 207 ]
فعلها، وفعل مثلها، كفائتة. لانهما في حكم صلاة واحدة (و) استباح (دونه) أي دون ما نواه، كالنفل في المثال، لانه أخف. ونية الفرض تتضمنه. و (لا) يستبيح من نوى شيئا (أعلى منه) فمن نوى النفل لا يستبيح الفرض. لانه ليس منويا لا صريحا ولا ضمنا (فإن نوى نفلا) لم يصل إلا نفلا، لما تقدم، (أو أطلق النية للصلاة) بأن نوى استباحة الصلاة، ولم ينو فرضا ولا نفلا (لم يصل إلا نفلا) لان التعيين شرط. ولم يوجد في الفرض، وإنما أبيح النفل لانه أقل ما يحمل عليه الاطلاق. والطواف كالصلاة فيما تقدم، (وإن نوى) بتيممه (فرضا) كظهر أو عصر (فعله، و) فعل (مثله، كمجموعة وفائتة، و) فعل ما (دونه) كمنذورة ونافلة، لما تقدم (فأعلاه) أي أعلى ما يباح بالتيمم (فرض عين) كالصلوات الخمس (فنذر) صلاة (ف) - فرض (كفاية فنافلة، فطواف نفل) قال في الشرح: وإن نوى نافلة أبيح له قراءة القرآن ومس المصحف والطواف، لان النافلة آكد من ذلك كله، لكون الطهارة مشترطة لها بالاجماع. قال: وإن نوى فرض الطواف استباح نفله. ولا يستبيح الفرض منه بنية النفل، كالصلاة. وقال في المبدع: ويباح الطواف بنية النافلة في الاشهر، كمس المصحف، قال الشيخ تقي الدين: ولو كان الطواف فرضا، خلافا لابي المعالي (فمس المصحف، فقراءة فلبث) وسكوتهم عن الوطئ يعلم أنه دون الكل (ولو تيمم صبي لصلاة
فرض ثم بلغ، لم يجز له أن يصلي به فرضا، لان ما نواه كان نفلا) وهو دون الفرض. فصل: في مبطلات التيمم (ويبطل التيمم بخروج الوقت) لقول علي: التيمم لكل صلاة ولانه طهارة ضرورة. فتقيد بالوقت، كطهارة المستحاضة (حتى) التيمم (من جنب لقراءة ولبث في مسجد، و) حتى التيمم من (حيض لوطئ، و) حتى التيمم (لطواف، و) حتى التيمم من (نجاسة) ببدن، (و) لصلاة (جنازة ونافلة ونحوها) كالتيمم من نفساء لوطئ، فيبطل في هذه الصور كلها
[ 208 ]
بخروج الوقت. كالتيمم للمكتوبة (ما لم يكن في صلاة جمعة) ويخرج الوقت وهو فيها، فلا يبطل ما دام فيها. ويتمها لانها لا تقضى (فيلزم من تيمم لقراءة ووطئ ونحوه) كلبث بمسجد إذا خرج الوقت (الترك) حتى يعيد التيمم، (لكن لو نوى الجمع في وقت الثانية، ثم تيمم لها) أي للمجموعة، (أو) تيمم (لفائتة في وقت الاولى. لم يبطل) التيمم (بخروجه) أي خروج وقت الاولى لان نية الجمع صيرت الوقتين كالوقت الواحد، (ويبطل) التيمم (بوجود الماء لعادمه) إذا قدر على استعماله بلا ضرر، على ما تقدم. لان مفهوم قوله (ص): الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك يدل على أنه ليس بوضوء عند وجود الماء، (و) يبطل التيمم (بزوال عذر مبيح له) أي للتيمم، كما لو تيمم لمرض فعوفي، أو لبرد فزال. لان التيمم طهارة ضرورة. فيزول بزوالها، (ثم إن وجده) أي الماء (بعد صلاته أو طوافه لم تجب إعادته) لما روى عطاء بن يسار قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر. ثم أتيا النبي (ص) فذكرا ذلك له. فقال للذي لم يعد: أجزأتك صلاتك. وقال للذي أعاد: لك الاجر مرتين رواه أبو داود. قلت: فتستحب الاعادة للخبر (وإن وجده) أي الماء فيها أي في الصلاة أو الطواف (بطلت) صلاته وطوافه. ولو اندفق الماء قبل استعماله. لان طهارته انتهت بانتهاء
وقتها. فبطلت صلاته وطوافه. كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة، (ووجبت الاعادة) إن كانت الصلاة أو الطواف فرضا، (و) يبطل التيمم (بمبطلات وضوء) كخروج شئ من سبيل، وزوال عقل، ومس فرج (إذا كان تيممه عن حدث أصغر) لانه بدل عن الوضوء فحكمه حكمه، (و) يبطل التيمم (عن حدث أكبر بما يوجبه) كالجماع، وخروج المني بلذة (إلا غسل حيض ونفاس، إذا تيممت له، فلا يبطل بمبطلات غسل، ووضوء، بل بوجود حيض ونفاس) فلو تيممت بعد طهرها من الحيض له، ثم أجنبت، فله الوطئ، لبقاء حكم تيمم الحيض. والوطئ إنما يوجب حدث الجنابة، (وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه) كعمامة جبيرة أو خف لبسه على طهارة (ثم خلعه بطل تيممه نصا) في رواية عبد الله على
[ 209 ]
الخفين. وفي رواية حنبل: عليهما وعلى العمامة. وظاهره: لا فرق بين أن يكون مسح عليه قبل التيمم أو لا. وكذا إذا انقضت مدة المسح، لانه معني يبطل الوضوء وهو وإن اختص صورة بعضوين فإنه متعلق بالاربعة حكما (ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار) بحيث يدرك الصلاة كلها قبل خروجه (لمن يعلم) وجود الماء، (أو يرجو وجود الماء) في الوقت، لان الطهارة بالماء فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى (فإن استوى عنده الامران) أي احتمال وجود الماء واحتمال عدمه (فالتأخير) أي تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار (أفضل) منه أول الوقت لما تقدم ولقول علي في الجنب: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم وعلم منه: أن التقديم لمتحقق العدم أو ظانه، أفضل (وإن تيمم) من يعلم أو يرجو وجود الماء. أو استوى عنده الامران (وصلى أول الوقت أجزأه) ذلك. ولا تلزمه الاعادة. إذا وجد الماء، لما تقدم. (وصفة التيمم أن ينوي استباحة ما يتيمم له) كفرض الصلاة من الحدث الاصغر، أو الاكبر ونحوه، (ثم يسمي) فيقول: بسم الله، لا يقوم غيرها مقامها. وتسقط سهوا (ويضرب يديه مفرجتي الاصابع) ليصل التراب إلى بينها (على التراب، أو) على (غيره مما له غبار
طهور، كلبد، أو ثوب، أو بساط، أو حصير، أو برذعة حمار ونحوها ضربة واحدة) وتقدم لو صمد محل الفرض لريح ونحوه فعمه ومسحه به أجزأه (بعد نزع خاتم ونحوه) ليصل التراب إلى ما تحته) فإن علق بيديه تراب كثير نفخه إن شاء. وإن كان) التراب (خفيفا كره نفخه (لئلا يذهب فيحتاج) إلى إعادة الضرب (فإن ذهب ما عليهما) أي اليدين (بالنفخ أعاد الضرب) ليحصل المسح بتراب (فيمسح وجهه بباطن أصابعه، ثم كفيه براحتيه) لحديث عمار أن النبي (ص) قال في التيمم: ضربة واحدة للوجه واليدين رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح. وفي الصحيحين معناه من حديثه أيضا. وأيضا: اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع بدليل السرقة والمس. لا يقال: هي مطلقة في التيمم مقيدة في الوضوء. فيحمل عليه لاشتراكهما في الطهارة لان الحمل إنما يصح إذا كان من نوع واحد، كالعتق في
[ 210 ]
الظهار على العتق في الخطأ. والتراب ليس من جنس الوضوء بالماء. وهو يشرع فيه التثليث. وهو مكروه هنا. والوضوء يغسل فيه باطن الفم والانف بخلافه هنا، (وإن مسح بضربتين) مسح (بإحداهما وجهه، و) مسح (بالاخرى يديه أو بيد واحدة) جاز لان الغرض إيصال التراب إلى محل الفرض. وقد حصل. وقال القاضي والشريف وابن الزاعوني: المسنون ضربتان يمسح بإحداهما وجهه وبالاخرى يديه إلى المرفقين لحديث جابر وابن عمر وقال أحمد: من قال ضربتين إنما هو شئ زاده. يعني لا يصح. وقال الخلال: الاحاديث في ذلك ضعاف جدا. ولم يرو أصحاب السنن منها إلا حديث ابن عمر. وقال أحمد: ليس بصحيح، وهو عندهم حديث منكر. قال الخطابي: يرويه محمد بن ثابت. وهو ضعيف، (أو) مسح (ببعض يده، أو بخرقة، أو خشبة أو كان التراب ناعما فوضع يديه عليه وضعا جاز) لان المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض. فكيفما حصل جاز كالوضوء (وفي الرعاية: لو مسح وجهه بيمينه ويمينه بيساره، أو عكس) فمسح وجهه بيساره ويساره بيمينه، (وخلل أصابعهما فيهما صح، انتهى) يعني حيث استوعب محل
الفرض بالمسح، (وإن مسح بأكثر من ضربتين، مع الاكتفاء بما دونه، كره) قال في المغني: لا خلاف أنه لا تسن الزيادة على ضربتين، إذا حصل الاستيعاب بهما (ومن حبس في المصر، أو قطع المياه) من عدو أو غيره (عن بلده، صلى بالتيمم) لانه عادم للماء أشبه المسافر (بلا إعادة) لانه أدى فرضه بالبدل، فلم يكن عليه إعادة كالمسافر، (ولا يصح التيمم) من واجد الماء القادر على استعماله بلا ضرر (خوف فوت جنازة ولا عيد ولا مكتوبة) لان الله تعالى إنما أباحه عند عدم الماء وهذا واجب له كسائر الشروط (إلا إذا وصل مسافر إلى ماء) بنحو بئر (وقد ضاق الوقت، أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد الوقت) فإنه يجوز له التيمم، لانه غير قادر على استعماله في الوقت، أشبه العادم له، (أو
[ 211 ]
علمه) أي علم المسافر العادم للماء، الماء (قريبا) عرفا (أو دله) عليه (ثقة) قريبا عرفا، (وخاف) بطلبه (فوت الوقت، أو دخول وقت الضرورة، أو فوت عدو، أو فوت غرضه المباح) كماله جاز له التيمم، دفعا للضرر (وإن اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض، فبذل ما يكفي أحدهم، أو نذر، أو وصى به لاولاهم به، أو وقف عليه، فلميت) أي فيقدم الميت يغسل به، لان القصد من غسل الميت تنظيفه، ولا يحصل بالتيمم، والحي يقصد بغسله إباحة الصلاة، وهو يحصل بالتراب، قال في المبدع: فعلى هذا إن فضل منه شئ كان لورثته فإن لم يكن حاضرا، فللحي أخذه لطهارته بثمنه في موضعه، لان في تركه إتلافه، أما إذا احتاج الحي إليه لعطش، فهو مقدم في الاصح اه. ومقتضى كلامه في شرح المنتهى: أن ما فضل منه يكون لمن بعده في الافضلية، دون ورثته (فإن كان) المبذول أو المنذور، أو الموصى به، أو الموقوف للاولى من حي أو ميت (ثوبا، صلى فيه حي) فرضه (ثم كفن به ميت) ليحصل الجمع بينهما (وحائض أولى) بما تقدم من الماء (من جنب) لانها تقضي حق الله وحق زوجها في إباحة وطئها، (وهو) أي الجنب (أولى) بالماء (من محدث) حدثا أصغر، لان الجنابة أغلظ، ولانه يستفيد به ما لا يستفيد به المحدث به،
(ومن كفاه) الماء (وحده منهما) أي من الجنب والمحدث (فهو أولى به) لان استعماله في طهارة كاملة أولى من استعماله في بعض طهارة (ومن عليه نجاسة على بدنه، أو ثوبه، أو بقعته أولى من الجميع) لان نجاسة الثوب لا يصح التيمم لها، ونجاسة البدن مختلف في صحة التيمم لها، بخلاف الحدث، (ويقدم) غسل نجاسة (ثوب) وبقعة (على) غسل نجاسة (بدن) لما تقدم، ويقدم ثوب على بقعة، لان إعادة الصلاة التي تصلى في الثوب النجس واجبة، بخلافها في البقعة التي تعذر غيرها، قال في المبدع: وتقدم نجاسة بدنه على
[ 212 ]
نجاسة السبيلين، أي إذا كان الاستجمار يكفي فيهما، (ويقدم على غسلها) أي النجاسة في أي موضع كانت، من بدن، أو ثوب، أو بقعة (غسل طيب محرم) لما يترتب عليه عن وجوب الفدية بتأخير غسل الطيب من غير عذر. وحاصله: أنه يقدم غسل طيب محرم، فنجاسة ثوب، فبقعة، فبدن، فميت، فحائض، فجنب فمحدث إلا إن كفاه وحده فيقدم على جنب، (ويقرع مع التساوي) كما لو اجتمع حائضان أو محدثان والماء لا يكفي إلا أحدهما، فإنه يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه قدم به، لانه صار أولى بخروج القرعة له (وإن تطهر به غير الاولى) كما لو تطهر به حي مع وجود ميت يحتاجه (أساء، وصحت) طهارته لان الاولى لم يملكه بكونه أولى، وإنما يرجع لشدة حاجته (وإن كان ملكا لاحدهم) أي المحتاجين إليه (لزمه استعماله) لقدرته عليه وتمكينه منه (ولم يؤثر به) أحدا (ولو لابويه) لتعينه لاداء فرضه وتعلق حق الله به (وتقدم في الطهارة) لعله في مسودته، وإلا فلم نره في النسخ المشهورة (ولو احتاج حي) إلى (كفن ميت لبرد) ونحوه، زاد المجد وغيره: (يخشى منه التلف، قدم) الحي (على الميت) لان حرمته آكد، وقال ابن عقيل وابن الجوزي: يصلي عليه عادم السترة في إحدى لفافتيه، قال في الفروع: والاشهر عريانا كلفافة واحدة يقدم الميت بها، ذكره في التكفين. باب إزالة النجاسة الحكمية
أي تطهير موارد الانجاس، وذكر النجاسات وما يعفى عنه منها وتقدم تعريف النجاسة في أول كتاب الطهارة. (وهي) أي النجاسة الحكمية (الطارئة على محل طاهر) بخلاف العينية (ولا تصح إزالتها) أي النجاسة الحكمية (بغير ماء طهور) لحديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي (ص) فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم
[ 213 ]
تنضحه، ثم تصلي فيه متفق عليه. وأمر بصب ذنوب من ماء فأهريق على بول الاعرابي ولانها طهارة مشترطة، فأشبهت طهارة الحدث (ولو) كان الماء الطهور (غير مباح) لان إزالتها من قسم التروك، ولذلك لم تعتبر له النية، (و) النجاسة (العينية لا تطهر بغسلها بماء، وتقدم) في الطهارة ولا يعقل للنجاسة معنى، ذكره ابن عقيل وغيره (والكلب والخنزير نجسان) وكذا ما تولد منهما وسؤر ذلك وعرقه، وكل ما خرج منه، لا يختلف المذهب فيه، قاله في الشرح (يطهر متنجس بهما، و) متنجس (بمتولد منهما، أو من أحدهما، أو بشئ من أجزائهما) أو أجزاء ما تولد منهما، أو من أحدهما (غير أرض ونحوها) كصخر وحيطان (بسبع غسلات منقية، إحداهن بتراب طهور وجوبا) لحديث أبي هريرة مرفوعا قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا متفق عليه، ولمسلم: فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات وله أيضا: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب ولو كان سؤره طاهرا لم يأمر بإراقته ولا وجب غسله. والاصل: أن وجوب الغسل لنجاسته، ولم يعهد التعبد في غسل البدن، والطهور لا يكون إلا في محل الطهارة، ولانه لو كان تعبدا، لما اختص الغسل بموضع الولوغ، لعموم اللفظ في الاناء كله، وإذا ثبت هذا في الكلب فالخنزير شر منه، لنص الشارع على تحريمه وحرمة اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه، وإنما لم ينص الشارع عليه لانهم لم يكونوا يعتادونه ولم يذكر أحمد في الخنزير عددا. وعلم من كلامه: أنه لا يكفي التراب غير الطهور، كما صرح به في
[ 214 ]
المبدع والانصاف، وقدماه، وأنه إذا لم تنق النجاسة بالسبع زاد حتى تنقى. كسائر النجاسات وأنه لا تتعين إحدى الغسلات للتراب، (و) لكن الغسلة (الاولى أولى) بجعل التراب فيها للخبر وليأتي الماء بعده فينظفه (ويقوم أشنان وصابون ونخالة ونحوها) من كل ما له قوة في الازالة (مقامه) أي التراب (ولو مع وجوده) وعدم تضرر المحل به. لان نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف. و (لا) تقوم (غسلة ثامنة) مقام التراب. لان الامر بالتراب معونة للماء في قطع النجاسة. أو للتعبد. فلا يحصل بالماء وحده (ويعتبر استيعاب المحل به) أي بالتراب. بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس. ليتحقق معنى قوله (ص): " أولاهن بالتراب (إلا فيما يضر) ه التراب (فيكفي مسماه) أي أقل شئ يسمى ترابا يوضع في ماء إحدى الغسلات. لحديث: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وللنهي عن إفساد المال (ويعتبر مزجه) أي التراب (بماء يوصله إليه) أي إلى المحل المتنجس فلا يكفي مائع غير الماء كما نبه عليه المصنف في حاشية التنقيح. وعبارة الفروع: فيعتبر مائع يوصله إليه. ذكره أبو المعالي والتخليص. وجزم بمعناه في التنقيح والمنتهى ف (- لا) يكفي (ذره) أي التراب على المحل المتنجس (وإتباعه الماء) لقوله (ص): أولاهن بالتراب إذ الباء فيه للمصاحبة. قال في الفروع: ويحتمل: يكفي ذره ويتبعه الماء، وهو ظاهر كلام جماعة. وهو أظهر. تتمة: إذا ولغ في الاناء كلاب، أو أصاب المحل نجاسات متساوية في الحكم، فهي كنجاسة واحدة. وإلا فالحكم لاغلظها. لانه إذا أجزأ عما يماثل، فعما دونه أولى. ولو ولغ فيه فغسل دون السبع، ثم ولغ فيه مرة أخرى. غسل للنجاسة الثانية، واندرج فيها ما بقي من عدد الاولى. (وتطهر بقية المتنجسات بسبع منقية) لقول ابن عمر: أمرنا أن نغسل الانجاس سبعا ذكره صاحب المبدع وغيره. فينصرف إلى أمره (ص) وقد أمر به في نجاسة الكلب.
[ 215 ]
فيلحق به سائر النجاسات، لانها في معناها. والحكم لا يختص بمورد النص. بدليل إلحاق البدن والثوب به. فعلى هذا يغسل محل الاستنجاء سبعا كغيره، صرح به القاضي والشيرازي وابن عقيل، ونص عليه أحمد في رواية صالح. لكن نص في رواية أبي داود، واختاره في المغني، أنه لا يجب فيه عدد، اعتمادا على أنه لم يصح عن النبي (ص) في ذلك شئ، لا في قوله ولا في فعله، (ولا يشترط لها) أي بقية النجاسات (تراب) قصرا له على مورد النص (فإن لم ينق) المحل المتنجس (بها) أي بالسبع (زاد) في الغسل (حتى ينقى) المحل (في الكل) أي كل النجاسات، من نجاسة الكلب وغيره، (ولا يضر بقاء لون) النجاسة (أو ريحها أو هما) أي اللون والريح (عجزا) عن إزالتهما، لحديث أبي هريرة: أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه. قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه. قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره. قال: يكفيك الماء، ولا يضرك أثره، رواه أحمد. (ويطهر) المحل مع بقائهما أو بقاء أحدهما (ويضر) بقاء (طعم) لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته، فلا يحكم بطهارة المحل مع بقاء أجزاء النجاسة فيه، (وإن استعمل في إزالته) أي أثر النجاسة (ما يزيله كالملح وغيره، فحسن) لما روى أبو داود عن امرأة من غفار أن النبي (ص) أردفها على حقيبته، فحاضت. قالت: فنزلت، فإذا بها دم مني. فقال: ما لك، لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، (ولا يجب) ذلك لما سبق من حديث أبي هريرة (ويحرم استعمال طعام وشراب في إزالة النجاسة، لافساد المال المحتاج إليه، كما ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها، والابل التي يحج عليها، والبقر التي يحرث عليها، ونحو ذلك، لما في ذلك من الحاجة إليها. قاله الشيخ) وفي الاختيارات في آخر كتاب الاطعمة: ويكره ذبح الفرس الذي ينتفع به في الجهاد، بلا نزاع (ولا بأس باستعمال النخالة الخالصة) من الدقيق (في التدلك،
[ 216 ]
وغسل الايدي بها، وكذا) التدلك وغسل الايدي (ببطيخ ودقيق الباقلاء) وهي الفول، إن شددت اللام قصرت، وإن خففت مددت. ذكره في حاشيته (وغيرها مما له قوة الجلاء، لحاجة) وفي المستوعب: يكره أن يغسل جسمه بشئ من الاطعمة، مثل دقيق الحمص أو العدس أو الباقلاء ونحوه (ويغسل ما نجس ببعض الغسلات بعدد ما يفي بعد تلك الغسلة) لانها نجاسة تطهر في محلها بما بقي من الغسلات، فطهرت به في مثله، قياسا عليه. فلو تنجس بالغسلة الرابعة مثلا، غسل ثلاث غسلات إحداهن (بتراب إن لم يكن) التراب (استعمل) فيما سبق من الغسلات (حيث اشترط) التراب، بأن كانت نجاسة كلب أو خنزير، أو ما تولد منهما أو من إحداهما. فإن كان استعمل فيما قبل كفى (ويعتبر العصر) في (كل مرة) خارج الماء (مع إمكانه) أي العصر (فيما تشرب نجاسة ليحصل انفصال الماء عنه) أي عن المحل المتنجس (ولا يكفي تجفيفه (بدل العصر وإن لم يمكن عصره، كالزلالي ونحوها) من كل ما لا يمكن عصره (فبدقها، أو دوسها، أو تقليبها) أو تثقيلها (مما يفصل الماء عنها) لقيامه مقام العصر لتعذره (ولو عصر الثوب في ماء ولو جاريا، ولم يرفعه منه لم يطهر) لعدم انفصال الماء عنه (فإذا رفعه منه) ولو بعد عصره مرات (فهي غسلة واحدة، يبني عليها) ويتم السبع (ولا يكفي في العدد تحريكه) أي الاناء في (الماء وخضخضته) ولو غمس الاناء في ماء كثير لم يطهر، حتى ينفصل عنه، ويعاد إليه العدد المعتبر (وإن وضعه) أي الثوب ونحوه (في إناء وصب عليه الماء فغسلة واحدة يبني عليها) بعد عصره، حتى يحصل العدد المعتبر، (ويطهر) الثوب ونحوه بذلك (نصا) لان الماء وارد على محل التطهير. أشبه ما لو صبه عليه في غير إناء. وإن غمس النجس في ماء قليل، نجس الماء، ولم يطهر النجس. ولا يعتد بها غسلة (وعصر كل ثوب) ونحوه (على قدر الامكان، بحيث لا يخاف عليه الفساد) للنهي عن إضاعة المال (وما لم يتشرب) النجاسة (كالآنية يطهر بمرور الماء عليه وانفصاله) عنه سبع مرات على ما تقدم (ولا يكفي مسحه) أي المتنجس (ولو كان صقيلا، كسيف ونحوه) أي بالسيف
[ 217 ]
المتنجس ونحوه بعد مسحه (قبل غسله مما فيه بلل، كبطيخ ونحوه نجسه) لملاقاة البلل للنجاسة (فإن كان) ما قطعه به (رطبا لا بلل فيه كجبن ونحوه، فلا بأس به) كما لو قطع به يابسا. لعدم تعدي النجاسة إليه (وإن لصقت النجاسة) في الطاهر (وجب في إزالتها الحت) أي الحك بطرف حجر أو عود (والقرص) أي الدلك بأطراف الاصابع والاظفار دلكا شديدا، ويصب عليه الماء حتى تزول عينه، وأثره. ذكره في حاشيته عن الازهري (إن لم تزل) النجاسة (بدونهما) أي الحت والقرص. لان ما لا يتم الواجب إلا به واجب. وفي المغني والشرح: إذا أصاب ثوب المرأة حيضها استحب أن تحته بظفرها، حتى تذهب خشونته، ثم تقرصه بريقها ليلين للغسل. ثم تغسله بالماء (قال في التلخيص وغيره: إن لم يتضرر المحل بهما) أي بالحت والقرص، فإن تضرر بهما سقطا (ويحسب العدد في إزالتها) أي النجاسة (من أول غسلة، ولو قبل زوال عينها) لعموم ما سبق (فلو لم تزل) النجاسة (إلا في الغسلة الاخيرة أجزأ) ذلك لحصول الانقاء والعدد المعتبر. فائدة: لو غسل بعض الثوب النجس طهر ما غسل منه. قال الموفق: ويكون المنفصل نجسا لملاقاته غير المغسول. قال ابن تميم وابن حمدان: وفيه نظر اه. فإن أراد غسل بقيته غسل ما لاقاه. قاله في الانصاف. فصل: (وتطهر أرض متنجسة بمائع) كبول (أو) بنجاسة (ذات جرم أزيل) ذلك (عنها، ولو)
[ 218 ]
كانت النجاسة (من كلب، نصا) أو خنزير، (و) يطهر (صخر وأجرنة حمام) ونحوه صغار مبنية أو كبار مطلقا. قاله في الرعاية (وحيطان وأحواض ونحوها بمكاثرة الماء عليها) أي المذكورات، من الارض والصخر وما عطف عليها، لحديث أنس قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به. فقال النبي (ص): دعوه، وأريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء متفق عليه. ولو لم يطهر بذلك لكان تكثيرا للنجاسة. ولان
الارض مصاب الفضلات ومطارح الاقذار، فلم يعتبر في تطهيرها عدد، دفعا للحرج والمشقة (ولو) كان ما كوثرت به (من مطر وسيل) لان تطهير النجاسة لا يعتبر فيه النية. فاستوى ما صبه الآدمي وغيره. والمراد بالمكاثرة: صب الماء على النجاسة (بحيث يغمرها من غير) اعتبار (عدد) لما تقدم (ولم يبق للنجاسة عين ولا أثر من لون أو ريح) فإن لم يذهبا لم تطهر (إن لم يعجز) عن إزالتهما أو إزالة أحدهما. قال في المبدع: وإن كان مما لا يزال إلا بمشقة، سقط كالثوب. ذكره في الشرح. وتطهر الارض ونحوها بالمكاثرة (ولو لم ينفصل الماء) الذي غسلت به عنها للخبر السابق حيث لم يأمر بإزالة الماء عنها، (و) يضر بقاء (طعم) النجاسة بالارض، كالثوب، لما تقدم (وإن تفرقت أجزاؤها) أي النجاسة (أو اختلطت بأجزاء الارض كالرميم والدم إذا جف، والروث لم تطهر) الارض إذن (بالغسل) لان عين النجاسة لا تنقلب، (بل) تطهر (بإزالة أجزاء المكان) بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة (ولو بإدرار البول ونحوه) كالدم (وهو رطب، فقلع التراب الذي عليه أثره، فالباقي طاهر) لعدم وصول النجاسة إليه (وإن جف) البول ونحوه (فأزال ما عليه الاثر) من التراب (لم تطهر) الارض، لان الاثر إنما يبين على ظاهرها (إلا أن يقلع ما يتيقن به
[ 219 ]
زوال ما أصابه البول والباقي طاهر) لتحققه عدم وصول النجاسة إليه (ولا تطهر أرض متنجسة ولا غيرها) من المتنجسات (بشمس ولا ريح ولا جفاف) لانه (ص) أمر بغسل بول الاعرابي ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به. ولان الارض محل نجس. فلم يطهر بالجفاف، كثياب وحديث ابن عمر: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك رواه أحمد وأبو داود بإسناد على شرط البخاري. يحمل أنها كانت تبول في غير المسجد، ثم تقبل وتدبر فيه. فيكون إقبالها وإدبارها بعد بولها، جمعا بين الادلة، (ولا) تطهر (نجاسة باستحالة) لانه (ص) نهى عن أكل الجلالة وألبانها لاكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه، (ولا) تطهر نجاسة أيضا ب (- نار، فالقصرمل) أي الرماد
من الروث النجس: نجس (وصابون عمل من زيت نجس، ودخان نجاسة وغبارها) نجس (وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل، أو غيره) نجس (وتراب جبل بروث حمار) أو بغل ونحوه مما لا يؤكل لحمه (نجس) ولو احترق كالخزف. وكذا لو وقع كلب في ملاحة فصار ملحا، أو في صبانة فصار صابونا (إلا علقة خلق منها آدمي) أو حيوان طاهر، فإنها تصير طاهرة، بعد أن كانت نجسة. لان نجاستها بصيرورتها علقة. فإذا زال ذلك عادت إلى أصلها. كالماء الكثير المتغير بالنجاسة، (و) إلا (خمرة انقلبت خلا بنفسها) فإنها تطهر. لان > نجاستها لشدتها المسكرة الحادثة لها. وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن تطهر، كالماء الذي تنجس بالتغير إذا زال تغيره بنفسه. ولا يلزم عليه سائر النجاسات، لكونها لا تطهر بالاستحالة، لان نجاستها لعينها، والخمرة نجاستها لامر زال بالانقلاب، (أو) انقلبت الخمرة خلا (بنقلها) من موضع إلى آخر، أو من دن إلى آخر (لغير قصد التخليل) فتطهر، كما لو انقلبت بنفسها (ويحرم تخليلها) ولو كانت ليتيم. لحديث مسلم عن أنس قال: سئل النبي (ص) عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا والنبيذ كالخمر فيما
[ 220 ]
تقدم (فإن خللت) أي فعل بها شئ تصير به خلا (ولو بنقلها لقصده) أي التخليل (لم تطهر) لما تقدم أنه يحرم تخليلها. فلا تترتب عليه الطهارة (ودنها) أي الخمر (مثلها، فيطهر بطهارتها) تبعا لها (ولو مما لم يلاق الخل مما فوقه مما أصابه الخمر في غليانه) فيطهر كالذي لاقاه الخل (كمحتفر من الارض طهر ماؤه بمكث) أي بزوال تغيره بنفسه (أو بإضافة) ماء كثير، أو بنزح بقي بعده كثير. ويدخل في ذلك ما بني في الارض من الصهاريج والبحرات. لان ذلك يطهر بمكاثرته بالماء الطهور، وهي حاصلة (لا إناء طهر ماؤه بمكثه أو كوثر ماء نجس فيه بماء كثير طهور، حتى صار) ما فيه (طهورا لم يطهر الاناء بدون انفصاله) أي الماء (عنه، فإذا انفصل) الماء عنه (حسبت غسلة واحدة) ولو خضخضه مرات (يبنى عليها) ما بقي من الغسلات (ويحرم على غير خلال إمساك خمر ليتخلل بنفسه، بل
يراق) الخمر (في الحال، فإن خالف) غير الخلال (وأمسك) الخمر (فصار خلا بنفسه) أو بنقله لا لقصد تخليل (طهر) لما تقدم. وأما الخلال فلا يحرم عليه إمساك الخمر ليتخلل. لئلا يضيع ماله. وإذا تخللت بنفسها أو بنقل، لا لقصد تخليل. حلت وإلا فلا (والخل المباح أن يصب على العنب، أو العصير خل قبل غليانه) وقبل أن تمضي عليه ثلاثة أيام بلياليهن (حتى لا يغلي) قيل للامام: فإن صب عليه خل فغلي؟ قال: يهراق (والحشيشة المسكرة نجسة) اختاره الشيخ تقي الدين. والمراد بعد علاجها. كما يدل عليه كلام الغزي في شرحه على منظومته. وقيل: طاهرة. قدمه في الرعاية الكبرى. وحواشي صاحب الفروع على المقنع. وهو ظاهر كلام كثير من الاصحاب. وهو الصواب. قاله في تصحيح الفروع. والقول الثاني: هو ظاهر ما قدمه في المبدع (ولا يطهر دهن) تنجس (بغسله) لانه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه، ولو تحقق ذلك، لم يأمر النبي (ص) بإراقة
[ 221 ]
السمن الذي وقعت فيه الفأرة وقال أبو الخطاب: يطهر بالغسل منها ما يتأتى غسله. كزيت ونحوه. وكيفية تطهيره: أن يجعل في ماء كثير ويحرك، حتى يصيب جميع أجزائه، ثم يترك حتى يعلو على الماء، فيؤخذ. وإن تركه في جرة وصب عليه ماء وحركه فيه، وجعل لها بزالا، يخرج منه الماء جاز، (ولا) يطهر (باطن حب) تشرب النجاسة، (و) لا (عجين) تنجس. لانه لا يمكن غسله، (و) لا (لحم تنجس) وتشرب النجاسة (ولا إناء تشرب نجاسة، و) لا (سكين سقيت ماء نجسا)، أو بولا، أو نحوه من النجاسات لان الغسل لا يستأصل أجزاء النجاسة مما ذكر. قال أحمد في العجين: يطعم النواضح، ولا يطعم لشئ يؤكل في الحال. ولا يحلب لبنه، لئلا ينجس به. ويصير كالجلالة. وقال أبو الفرج المقدسي في المبهج: آنية الخمر منها المزفت، فيطهر بالغسل. لان الزفت يمنع وصول النجاسة إلى جسم الاناء. ومنها ما ليس بمزفت، فيتشرب أجزاء النجاسة، فلا يطهر بالتطهير. فإنه متى ترك مائع ظهر فيه طعمه أو لونه (وقال ابن عقيل وجماعة: يطهر الزئبق بالغسل) لانه لقوته
وتماسكه يجري مجرى الجامد، وبعده ابن حمدان، (ويجوز الاستصباح بدهن متنجس في غير مسجد) لجواز الانتفاع بالنجاسة على وجه لا تتعدى. وأما في المسجد فلا. لئلا يفضي إلى تنجيسه (ولا يحل أكله ولا بيعه، ويأتي في البيع) لان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (وإن وقع في مائع سنور) وهو الهر (أو فأرة ونحوهما مما ينضم دبره إذا وقع) في مائع (فخرج حيا فطاهر) لانضمام دبره (وكذا) إذا وقع (في جامد وهو) أي الجامد (ما لا تسر النجاسة فيه) غالبا، وقال ابن عقيل: ما لو فتح وعاؤه لم تسل أجزاؤه. قال في الشرح: والظاهر خلافه، لان سمن الحجاز لا يكاد يبلغه (وإن مات فيه) أي الجامد هر، أو نحوه ألقيت وما حولها (أو حصلت منه) أي السنور ونحوه (رطوبة) وفي نسخة (في دقيق ونحوه) كالسمن الجامد (ألقيت وما حولها، وباقيه طاهر) لحديث أبي هريرة في الفأرة تموت في السجن. رواه أحمد وأبو داود (فإن اختلط) النجس بالطاهر (ولم ينضبط) النجس (حرم)
[ 222 ]
الكل، تغليبا لجانب الحظر (وتقدم إذا وقعت النجاسة في مائع) في الثالث من أقسام المياه، وأنه ينجس. وإن كثر. ولو كانت النجاسة معفوا عنها (وإذا خفي موضع نجاسة في بدن أو ثوب أو مصلى صغير، كبيت صغير لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها فلا يكفي الظن) لانه اشتبه الطاهر بالنجس. فوجب عليه اجتناب الجميع، حتى يتيقن الطهارة بالغسل. كما لو خفي المذكي بالميت. ولان النجاسة متيقنة. فلا تزول إلا بيقين الطهارة. فإن لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله. وإن علمها في أحد كميه وجهله غسلهما. وإن رآها في بدنه، أو ثوبه الذي عليه غسل ما يقع عليه نظره، (و) إن خفيت نجاسة (في صحراء واسعة ونحوها) كحوش واسع (يصلي فيها بلا غسل ولا تحر) فيصلي فيه حيث شاء، لئلا يفضي إلى الحرج والمشقة (وبول الغلام الذي لم يأكل الطعام بشهوة نجس) صرح به الجمهور، كبول الكبير، لكن (يجزئ نضحه. هو غمره بالماء وإن لم ينفصل) الماء عن المحل (ويطهر) المحل أي بالنضح بول الغلام المذكور، لحديث أم قيس بنت محصن أنها: أتت
بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى النبي (ص) فأجلسه في حجره. فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله متفق عليه، وقولها: لم يأكل الطعام أي بشهوة واختيار، لا لعدم أكله بالكلية، لانه يسقى الادوية والسكر. ويحنك حين الولادة. فإن أكله بنفسه غسل. لان الرخصة إنما وردت فيمن من لم يأكل الطعام، فيبقى من عداه على الاصل، (وكذا قيؤه) أي قئ الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة (وهو أخف من بوله) فيكفي نضحه، بطريق الاولى، و (لا) ينضح بول (أنثى وخنثى) وقيؤهما، بل يغسل. لقول علي يرفعه: ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية قال قتادة: هذا إذا لم يطعما. فإذا طعما غسلا جميعا. والحكمة فيه: أن بول الغلام يخرج بقوة، فينتشر، أو أنه يكثر حمله على الايدي، فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار، فبوله رقيق بخلاف الجارية وقال الشافعي: لم يتبين لي فرق من السنة بينهما. وذكر بعضهم: أن الغلام أصله من الماء والتراب. والجارية من اللحم والدم. وقد
[ 223 ]
أفاده ابن ماجه في سننه، وهو غريب (وإذا تنجس أسفل خف أو حذاء) وهو النعل (أو نحوهما) كالسرموزة، (أو) تنجس أسفل (رجل، أو ذيل امرأة بمشي، أو غيره، وجب غسله) كالثوب والبدن. قال في الانصاف: يسير النجاسة إذا كانت على أسفل الخف والحذاء بعد الدلك يعفى عنه، على القول بنجاسته. وقطع به الاصحاب اه. قلت: وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: إذا وطئ الاذى بخفيه فطهورهما التراب رواه أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عجلان وهو ثقة. روى له مسلم، لانه عليه السلام هو وأصحابه كانوا يصلون في نعالهم والظاهر أنها لا تسلم من نجاسة تصيبها، فلولا أن دلكها يجزئ لما صحت الصلاة فيها. ولانه محل يكثر إصابة النجاسة له، فعفي عنه بعد الدلك كالسبيلين. فصل:
(ولا يعفى عن يسير نجاسة ولو لم يدركها الطرف) أي البصر (كالذي يعلق بأرجل ذباب ونحوه) لعموم قوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * وقول ابن عمر: أمرنا أن نغسل الانجاس سبعا وغير ذلك من الادلة (إلا يسير دم، وما تولد منه) أي من الدم (من قيح وغيره) كصديد (وماء قروح) فيعفى عن ذلك (في غير مائع ومطعوم) أي يعفى عنه في الصلاة، لان الانسان غالبا لا يسلم منه، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم، ولانه يشق التحرز منه، فعفي عن يسيره، كأثر الاستجمار، وأما المائع والمطعوم فلا يعفى فيه عن شئ من ذلك، (وقدره) أي قدر اليسير المعفو عنه هو (الذي لم ينقض) الوضوء أي ما لا يفحش في النفس، والمعفو عنه من القيح ونحوه: أكثر مما يعفى عن مثله من الدم، وإنما يعفى عن ذلك إذا كان (من حيوان طاهر من آدمي) سواء المصلي وغيره (من غير سبيل) فإن كان من سبيل لم يعف عنه. لانه في حكم البول، أو الغائط (حتى
[ 224 ]
دم حيض، ونفاس، واستحاضة) لقول عائشة: ما كان لاحدانا إلا ثوب تحيض فيه، فإذا أصابه شئ من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها أي حركته وفركته قاله في النهاية، (أو من غير) دم (آدمي) سواء كان من حيوان (مأكول اللحم) كإبل وبقر (أو لا، كهر) بخلاف الحيوان النجس، كالكلب والخنزير، فلا يعفى عن شئ من دمه، وكذا دم الحمار والبغل، (ويضم متفرق في ثوب) من دم ونحوه. فإن فحش لم يعف عنه، وإلا عفي عنه، و (لا) يضم متفرق ب (- أكثر) من ثوب، بل يعتبر ما في كل ثوب على حدته، لان أحدهما لا يتبع الآخر، ولو كانت النجاسة في شئ صفيق قد نفذت فيه من الجانبين، فهي نجاسة واحدة، وإن لم تتصل، بل كان بينهما شئ لم يصبه الدم، فهما نجاستان إذا بلغا لو جمعا قدرا لا يعفى عنه لم يعف عنها، كجانبي الثوب (ودم عرق مأكول بعد ما يخرج بالذبح، وما في خلال اللحم طاهر ولو ظهرت حمرته نصا) لانه لا يمكن التحرز منه (كدم سمك) لانه لو كان نجسا لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، كحيوان البر، ولانه يستحيل ماء (ويؤكلان)
أي دم عرق المأكول. ودم السمك كالكبد (وكدم شهيد عليه) فهو طاهر (ولو كثر) فإن انفصل عنه، فنجس، كغيره، (بل يستحب بقاؤه) أي بقاء دم الشهيد عليه، حتى على القول بنجاسته فيعايي بها. ذكره ابن عقيل. ويأتي في آخر الجنائز: يجب بقاء دم شهيد عليه (وكدم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها) من كل ما لا نفس له سائلة، فإنه طاهر (والكبد والطحال) من مأكول طاهران: لحديث: أحل لنا ميتتان ودمان (ودود القز) وبزره طاهر (والمسك وفأرته) وهي سرة الغزال طاهرة (والعنبر) طاهر، ذكر البخاري عن ابن عباس: العنبر شئ دسره البحر أي دفعه ورمى به (وما يسيل من فم وقت النوم) طاهر (والبخار الخارج من الجوف) طاهر لانه لا تظهر له صفة بالمحل. ولا يمكن التحرز منه (والبلغم) ولو أزرق طاهر، وسواء كان من الرأس أو الصدر، أو المعدة، لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا
[ 225 ]
- ووصفه القاسم - فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه ببعض ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه، وهو في الصلاة، ولا تحت قدمه (وبول سمك) ونحوه مما يؤكل (طاهر). قاله في الفروع (لا العلقة التي يخلق منها الآدمي، أو) يخلق منها (حيوان طاهر) فإنها نجسة، لانها دم خارج من الفرج (ولا البيضة المذرة) أي الفاسدة، (أو) البيضة (التي صارت دما) فإنها نجسة، أما التي صارت دما فلانها في حكم العلقة. وأما المذرة فذكر أبو المعالي وصاحب التلخيص وقاله ابن تميم: الصحيح طهارتها. كاللحم إذا أنتن (وأثر الاستجمار نجس) لانه بقية الخارج من السبيل (يعفى عن يسيره) بعد الانقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه قاله في الشرح، والمراد في محله. وقال أحمد في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به. ذكره في الشرح، (وتقدم) في باب الاستنجاء، (و) يعفى (عن يسير طين شارع تحققت نجاسته) لمشقة التحرز منه، (و) يعفى عن (يسير سلس بول، مع كمال التحفظ) منه للمشقة، (و) يعفى عن (يسير دخان نجاسة، وغبارها، وبخارها ما لم تظهر له
صفة) في الشئ الطاهر. وقال جماعة: ما لم يتكاثف، لعسر التحرز عن ذلك، (و) يعفى عن (يسير ماء نجس) بماء عفي عن يسيره. كما يأتي، لان كل نجاسة نجست الماء، فحكم هذا الماء المتنجس بها حكمها. لان نجاسة الماء ناشئة عن نجاسة الواقع فيه. فهي فرعه، (و) ويعفى (عما في عين من نجاسة) أي نجاسة كانت للتضرر بغسلها، (وتقدم) في باب الوضوء (وعن حمل نجس كثير في صلاة خوف ويأتي) في صلاة الخوف، (وما تنجس بما يعفى عن يسيره) كالدم ونحوه بعد المسح) لان الباقي بعد المسح يسير. وإن كثر محله، فعفي عنه. كيسير غيره (والمذي والقئ) نجس. قال
[ 226 ]
في الفروع: ومن غسل فمه من قئ بالغ في الغسل كما ما هو في حد الظاهر. فإن كان صائما فهل يبالغ ما لم يتيقن دخول الماء، أو ما لم يظن، أو ما لم يحتمل؟ يتوجه احتمالات. قال في تصحيح الفروع: الظاهر الثاني. لان غالب الاحكام منوطة بالظنون (والحمار الاهلي والبغل منه وسباع البهائم وجوارح الطير) من كل ما لا يؤكل. وهو أكبر من الهر خلقة: نجسة، لما تقدم من أنه (ص) سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس ولو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين. وقال (ص) في الحمر يوم خيبر: إنها رجس قال في المغني: والصحيح عندي طهارة البغل والحمار، لان النبي (ص) كان يركبهما. ويركبان في زمنه، وفي عصر الصحابة. فلو كان نجسا لبين لهم النبي (ص) ذلك. وأما الحمار الوحشي والبغل منه فظاهر مأكول، ويأتي (وريقها وعرقها) أي البغل والحمار وسباع البهائم وجوارح الطير: نجسان لتولدهما من النجس (فدخل فيه) أي في عرق السباع (الزباد) بوزن سحاب، فهو نجس (لانه من حيوان بري غير مأكول أكبر من الهر) قال ابن البيطار في مفرداته، قال الشريف الادريسي: الزباد نوع من الطيب يجمع من بين أفخاذ حيوان معروف، يكون بالصحراء يصاد ويطعم اللحم، ثم يعرق فيكون من عرق بين فخذيه حينئذ. هو أكبر من الهر الاهلي اه. ومقتضى كلامه في الفروع: طهارته. قال: وهل
الزباد لبن سنور بحري، أو عرق سنور بري؟ فيه خلاف (وأبوالها وأرواثها) أي البغال، والحمير، وسباع البهائم، والطير الجوارح: نجسة (وبول الخفاش والخطاف، والخمر والنبيذ المحرم) أي المسكر أو الذي غلا وقذف بزبده، وأتت عليه ثلاثة أيام بلياليها (والجلالة قبل حبسها) ثلاثا تطعم فيها الطاهر. نجسة. لما تقدم من النهي عن أكلها وألبانها (والودي) ماء أبيض يخرج عقب البول (والبول والغائط) من آدمي وما لا يؤكل (نجسة) من غيره (ص) ومن غير سائر الانبياء. فالنجس منا طاهر منهم، (ولا يعفى عن يسير شئ منها) أي من المذي وما عطف عليه. لان الاصل عدم العفو عن النجاسة إلا ما خصه الدليل. وعنه في المذي والقئ وريق البغل، والحمار، وسباع البهائم، والطير، وعرقها، وبول الخفاش، والنبيذ أنه كالدم
[ 227 ]
يعفى عن يسيره، لمشقة التحرز منه، (ويغسل الذكر والانثيان من المذي) ما أصابه: سبعا كسائر النجاسات. وما لم يصبه: مرة، لما روي عن علي قال: كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل النبي (ص)، فأمرت المقداد بن الاسود، فسأله. قال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ رواه أبو داود، (وطين الشارع وترابه طاهر) وإن ظنت نجاسته، لان الاصل الطهارة (ما لم تعلم نجاسته) فيعفى عن يسيره وتقدم. قال في الفروع: ولو هبت ريح فأصاب شيئا رطبا غبار نجس من طريق أو غيره، فهو داخل في المسألة. وذكر الازجي النجاسة به. وأطلق أبو المعالي العفو عنه، ولم يقيده باليسير. لان التحرز لا سبيل إليه. وهذا متوجه (ولا ينجس الآدمي، ولا طرفه، ولا أجزاؤه) كلحمه وعظمه وعصبه (ولا مشيمته) بوزن فعيلة - كيس الولد (ولو كافرا بموته) لقوله تعالى: * (ولقد كرمنا بني آدم) * ولقوله (ص): إن المسلم لا ينجس متفق عليه من حديث أبي هريرة وقال البخاري: قال ابن عباس المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا (فلا ينجس ما وقع فيه) آدمي أو شئ من أجزائه (فغيره، كريقه) أي الآدمي (وعرقه وبزاقه ومخاطه، وكذا ما لا نفس) أي دم (له سائلة) لخبر أبي هريرة مرفوعا: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه فإن
في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء رواه البخاري. والظاهر موته بالغمس، لا سيما إذا كان الطعام حارا. ولو نجس الطعام لافسده. فيكون أمرا بإفساد الطعام. وهو خلاف ما قصده الشارع، لانه قصد بغمسه إزالة ضرره، ولانه لا نفس له سائلة. أشبه دود الخل إذا مات فيه. والذي لا نفس له سائلة (كذباب، وبق، وخنافس) جمع خنفساء بضم الخاء وفتح
[ 228 ]
الفاء والمد، ويقال: خنفسة. ذكره في حاشيته (وعقارب، وصراصر، وسرطان، ونحو ذلك، وبوله، وروثه) أي ما لا نفس له سائلة طاهران، قال في الانصاف: فبوله وروثه طاهر في قولهما أي الشيخين. قاله ابن عبيدان وقال بعض الاصحاب: وجها واحدا، ذكره ابن تميم. وقال وظاهر كلام أحمد: نجاسته إذا لم يكن مأكولا، (ولا يكره ما) أي الطعام أو غيره (مات فيه) ما لا نفس له سائلة لظاهر الخبر المتقدم. ومحل الطهارة ما لا نفس له سائلة (إن لم يكن متولدا من نجاسة كصراصر الحش) ودود الجرح (فإن كان متولدا منها فنجس حيا وميتا) لان الاستحالة غير مطهرة (وللوزغ نفس سائلة نصا، كالحية والضفدع والفأرة) فتنجس بالموت، بخلاف العقرب (وإذا مات في ماء يسير حيوان وشك في نجاسته) بأن لم يدر: أله نفس سائلة أم لا؟ (لم ينجس) الماء. لان الاصل طهارته. فيبقى عليها، حتى يتحقق انتقاله عنها. وكذا إن شرب منه حيوان يشك في نجاسة سؤره وطهارته (وبول ما يؤكل لحمه وروثه) طاهران. لانه (ص) أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لامرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة، وكان (ص) يصلي في مرابض الغنم وأمر بالصلاة فيها، وطاف على بعيره (وريقه) أي ما يؤكل لحمه (وبزاقه، ومخاطه، ودمعه، ومنيه طاهر) كبوله وأولى (كمني الآدمي) لقول عائشة: كنت أفرك المني من ثوب الرسول (ص)، ثم يذهب فيصلي فيه متفق عليه وقال ابن عباس: امسحه عنك بأذخرة أو خرقة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق رواه سعيد ورواه الدارقطني مرفوعا.
وفارق البول والمذي بأنه بدء خلق آدمي. ويستحب غسله أو فركه إن كان مني رجل
[ 229 ]
لما تقدم. قال في المبدع: وظاهره لا فرق بين ما أوجب غسلا أو لا، وصرح به في الرعاية (ولو خرج) المني (بعد استجمار) لعموم ما سبق. قال في الانصاف: سواء كان من احتلام أو جماع من رجل أو امرأة، لا يجب فيه فرك ولا غسل. ثم قال: وقيل مني المستجمر نجس دون غيره (وكذا رطوبة فرج المرأة) طاهرة للحكم لطهارة منيها، فلو حكمنا بنجاسة رطوبة فرجها. لزم الحكم بنجاسة منيها (ولبن غير مأكول) كلبن الهر والحمار (وبيضه) أي بيض غير المأكول، كبيض الباز والعقاب والرخم (ومنيه من غير آدمي: نجس) كبوله وروثه (وسؤر) بضم السين وبالهمز (الهر) ويسمى الضيون بضاد معجمة وياء ونون، والسنور، والقط، (وهو) أي سؤره (فضلة طعامه وشرابه) طاهر، (و) سؤر (مثل خلقه) أي مثل الهر في الخلقة، (و) سؤر ما (دونه) أي الهر في الخلقة (من طير وغيره طاهر) لما روى مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه أبي قتادة أن النبي (ص) قال في الهر: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات شبهها بالخدام أخذا من قول الله عز وجل: * (طوافون عليكم) * (النور: 58). ولعدم إمكان التحرر منها، كحشرات الارض، كالحية قال القاضي: فطهارتها من النص. ومثلها وما دونها من التعليل، (فلو أكل) هر ونحوه (نجاسة ثم ولغ في ماء يسير فطهور ولو لم يغب) الهر ونحوه بعد أكله النجاسة، لان الشارع عفى عنها مطلقا لمشقة التحرز (وكذا فم طفل وبهيمة) إذا أكلا نجاسة، ثم شربا من ماء يسير. قال ابن تميم: فيكون الريق مطهرا لها. ودل كلامه أنه لا يعفى عن نجاسة بيدها أو رجلها، نص عليه (ولا يكره سؤرهن نصا) قال في المبدع: نص عليه في الهر، ولعموم البلوى بنقر
[ 230 ]
الفأر وغيره (وفي المستوعب وغيره، يكره سؤر الفأر، لانه يورث النسيان. ويكره سؤر
الدجاجة إذا لم تكن مضبوطة نصا) لان الظاهر نجاسته (وسؤر الحيوان النجس) كالكلب، والبغل، والحمار على القول بنجاستهما (نجس) أما الشراب فلانه مائع لاقى النجاسة. وأما الطعام فلنجاسة ريقها الملاقي له. باب الحيض والاستحاضة والنفاس وما يتعلق بها من الاحكام (الحيض) لغة: السيلان، مأخوذ من قولهم. حاض الوادي إذا سال. وحاضت الشجرة إذا سال منها شبه الدم. وهو الصمغ الاحمر. يقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا، فهي حائض وحائضة: إذا جرى دمها، وتحيضت، أي قعدت أيام حيضها عن الصلاة. ويسمى أيضا الطمث والعراك، والضحك والاعصار، والاكبار والنفاس والفراك والدراس. وشرعا: (دم طبيعة) أي جبلة، وخلقة، وسجية (يخرج مع الصحة) بخلاف الاستحاضة (من غير سبب ولادة) خرج النفاس (من قعر الرحم) أي بيت منبت الولد ووعائه (يعتاد أنثى، إذا بلغت في أوقات معلومة) وليس بدم فساد، بل خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته. وهو مخلوق من مائهما. فإذا حملت انصرف ذلك بإذن الله إلى غذائه. ولذلك لا تحيض الحامل. فإذا وضعت قلبه الله لبنا يتغذى به. ولذلك قلما تحيض المرضع. فإذا خلت منهما بقي الدم لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة. وقد يزيد على ذلك ويقل ويطول شهرها ويقصر، بحسب ما ركبه الله في الطباع. ولهذا أمر النبي (ص) ببر الام ثلاث مرات، وببر الاب مرة واحدة. والاصل في الحيض قوله تعالى: * (يسألونك عن المحيض) * الآية، والسنة. قال أحمد:
[ 231 ]
الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة. وفي رواية: أم سلمة، مكان أم حبيبة (والاستحاضة: سيلان الدم في غير أوقاته) المعتادة (من مرض، وفساد من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى) ذلك العرق (العاذل) بالمهملة، والمعجمة، والعاذر فيه
حكاهما ابن سيده، يقال: استحيضت المرأة، استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة (والنفاس: الدم الخارج بسبب الولادة) يقال: نفست المرأة، بضم النون وفتحها مع كسر الفاء فيهما إذا ولدت، ويقال في الحيض: نفست بالفتح لا غير، قال في مختصر الصحاح: النفاس ولادة المرأة إذا وضعت، فهي نفساء ونسوة نفاس، وليس في الكلام فعلاء يجمع على فعال غير نفساء، وعسراء، اه. (ويمنع الحيض خمسة عشر شيئا) بالاستقراء. أحدها: (الطهارة) أي للحيض، لان انقطاعه شرط لصحة الطهارة له، وتقدم، بخلاف الغسل لجنابة، أو إحرام ونحوه كما تقدم في الغسل. (و) الثاني: (الوضوء) لان من شرطه انقطاع ما يوجبه كما تقدم. (و) الثالث: (قراءة القرآن) لما تقدم في الغسل من قوله (ص): لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن، (و) الرابع: (مس المصحف) لما تقدم. (و) الخامس: (الطواف) لقوله (ص) لعائشة: إذا حضت افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري متفق عليه. (و) السادس: (فعل الصلاة و) السابع: (وجوبها) أي الصلاة (فلا تقضيها) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إسقاط فرض الصلاة عنها في أيام حيضها، وعلى أن قضاء ما فات عنها في أيام حيضها ليس بواجب، لقوله (ص) لفاطمة بنت أبي حبيش: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ولما روت معاذة: قالت سألت عائشة ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقلت: لست بحرورية ولكني أسأل. فقالت: كنا نحيض على عهد رسول الله (ص) فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة متفق عليهما، ومعنى قولها: أحرورية. الانكار عليها أن تكون من أهل
[ 232 ]
حروراء وهي مكان تنسب إليه الخوارج، لانهم يرون على الحائض قضاء الصلاة كالصوم لفرط تعمقهم في الدين. حتى مرقوا منه، ولانه يشق لتكرره وطول مدته، فإن أحبت القضاء فظاهر نقل الاثرم التحريم، قال في الفروع: ويتوجه احتمال يكره لكنه بدعة، كما رواه الاثرم عن عكرمة، ولعل المراد، إلا ركعتي الطواف لانها نسك لا آخر لوقته فيعايي
بها اه. يعني إذا طافت، ثم حاضت قبل أن تصلي ركعتي الطواف فإنها تصليهما إذا طهرت، لانه لا آخر لوقتهما. فتسميتها قضاء تجوز. (و) الثامن: (فعل الصيام) لقوله (ص) في حديث أبي سعيد: أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ قلت: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها رواه البخاري، و (لا) يمنع الحيض (وجوبه) أي الصوم (فتقضيه) إجماعا، قاله في المبدع، لانه واجب في ذمتها كالدين المؤجل، لكنه مشروط بالتمكن، فإن لم تتمكن لم تكن عاصية، وتقضيه هي وكل معذور بالامر السابق، لا بأمر جديد. (و) التاسع: (الاعتكاف، و) العاشر: (اللبث في المسجد) ولو بوضوء لقوله (ص): لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو داود. (و) الحادي عشر: (الوطئ في الفرج) لقوله تعالى: * (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) *، ولقوله (ص): اصنعوا كل شئ إلا النكاح رواه مسلم (إلا لمن به شبق بشرطه) وهو أن لا تندفع شهوته بدون الوطئ في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، ولا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمة. (و) الثاني عشر: (سنة الطلاق) لما روى عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر ذلك للنبي (ص) فقال: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا متفق عليه، ولم يقل البخاري: أو حاملا ولانه إذا طلقها فيه كان محرما،
[ 233 ]
وهو طلاق بدعة، لما فيه من تطويل العدة، وسيأتي (ما لم تسأله طلاقا بعوض، أو خلعا) لانها إذن قد أدخلت الضرر على نفسها (فإن سألته) طلاقا (بغير عوض لم يبح). قلت: ولعل اعتبار العوض لانها تظهر خلاف ما تبطن، فبذل العوض يدل على إرادتها الحقيقية. (و) الثالث عشر: (الاعتداد بالاشهر) يعني أن من تحيض لا تعتد بالاشهر، بل بالحيض لقوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * فأوجب العدة بالقروء، وشرط في الآيسة عدم الحيض لقوله تعالى: * (واللائي يئسن من المحيض) * الآية (الطلاق:). (إلا المتوفى عنها زوجها) فتعتد بالاشهر، لقوله تعالى: * (والذين يتوفون
منكم) * الآية. (و) الرابع عشر: (ابتداء العدة إذا طلقها في أثنائه) أي الحيض، لقوله تعالى: * (ثلاثة قروء) * وبعض القرء ليس بقرء. (أو) الخامس عشر: (مرورها في المسجد إن خافت تلويثه) لان تلويثه بالنجاسة محرم، والوسائل لها حكم المقاصد، (ولا يمنع) الحيض (الغسل للجنابة والاحرام) ودخول مكة ونحوه وتقدم، (بل يستحب) الغسل لذلك، (ولا) يمنع (مرورها في المسجد إن أمنت تلويثه) قال في رواية ابن إبراهيم: تمر ولا تقعد، (ويوجب) الحيض (خمسة أشياء:) بالاستقراء (الاعتداد به) لغير وفاة، لما سبق (والغسل) لقوله (ص): دعي الصلاة قدر الايام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي متفق عليه، (والبلوغ) لقوله (ص): لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار رواه أحمد وغيره، فأوجب عليها أن تستتر لاجل الحيض، فدل على أن التكليف حصل به، (والحكم ببراءة الرحم في الاعتداد) به، إذ العلة في مشروعية العدة في الاصل: العلم ببراءة الرحم، (و) الحكم ببراءة الرحم في (استبراء الاماء) إذ فائدته ذلك (و) الخامس: (الكفارة بالوطئ فيه) أي في الحيض. قلت: قد يقال الموجب الوطئ، والحيض شرط، كما قالوا
[ 234 ]
في الزنا: إنه موجب والاحصان في ذلك شرط. والخطب في ذلك سهل، (ونفاس مثله) أي الحيض فيما يمنعه ويوجبه. قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، لانه دم حيض احتبس لاجل الولد (حتى في) وجوب (الكفارة بالوطئ فيه) أي في النفاس (نصا) لما تقدم (إلا في ثلاثة أشياء: الاعتداد به) لان انقضاء العدة بالقروء، والنفاس ليس بقرء، ولان العدة تنقضي بوضع الحمل، (وكونه) أي النفاس (لا يوجب البلوغ لحصوله قبله بالحمل) لان الولد ينعقد من مائهما لقوله تعالى: * (خلق من ماء دافق ئ يخرج من بين الصلب والترائب) *، (الطارق: 7). (ولا يحتسب به) أي بالنفاس (عليه) أي على المولى (في مدة الايلاء) لانه ليس بمعتاد بخلاف الحيض (وإذا انقطع الدم) أي الحيض، أو النفاس (أبيح فعل الصيام) لان وجوب الغسل لا يمنع فعله كالجنب، (و) أبيح (الطلاق) لان تحريمه لتطويل العدة بالحيض، وقد
زال ذلك (ولم يبح غيرهما حتى تغتسل) قال ابن المنذر: هو كالاجماع، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماع التابعين، لان الله تعالى شرط لحل الوطئ شرطين: انقطاع الدم، والغسل، فقال قوله تعالى * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * أي ينقطع دمهن فإذا تطهرن أي اغتسلن بالماء فأتوهن كذا. فسره ابن عباس. لا يقال: ينبغي على قراءة الاكثر بتخفيف يطهرن الاولى أنه ينتهي النهي عن القربان بانقطاع الدم، إذ الغاية تدخل في المغيا لكونها بحرف حتى لانه قبل: الانقطاع النهي والقربان مطلق فلا يباح بحال، وبعده يزول التحريم المطلق، وتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل وظهر أن قراءة الاكثر أكثر فائدة. تنبيه: تقدم أنه يباح لها اللبث في المسجد بوضوء بعد انقطاع الدم، فالحصر إضافي (فلو أراد وطأها وادعت أنها حائض وأمكن) بأن كانت في سن يتأتى فيه الحيض، ويأتي بيانه (قبل) قولها وجوبا (نصا) لانها مؤتمنة، قال ابن حزم: اتفقوا على قبول قول المرأة تزف العروس إلى زوجها فتقول هذه زوجتك وعلى استباحة وطئها بذلك، وعلى تصديقها في قولها: أنا حائض، وفي قولها: قد طهرت. (ويباح أن يستمتع منها) أي الحائض (بغير الوطئ في الفرج) كالقبلة واللمس والوطئ دون الفرج، زاد في الاختيارات والاستمناء بيدها، لقوله تعالى: * (فاعتزلوا النساء في المحيض) * قال ابن عباس:
[ 235 ]
فاعتزلوا نكاح فروجهن، رواه عبد بن حميد وابن جرير، ولان المحيض اسم لمكان الحيض في ظاهر كلام أحمد، قاله ابن عقيل. كالمقيل والمبيت، فيختص بالتحريم بمكان الحيض، وهو الفرج. ولهذا لما نزلت هذه الآية قال النبي (ص): اصنعوا كل شئ إلا النكاح رواه مسلم. وفي لفظ: إلا الجماع رواه أحمد وغيره. ولانه وطئ منع للاذى. فاختص بمحله، كالدبر. وحديث عبد الله بن سعد أنه سأل النبي (ص): ما يحل من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الازار رواه أبو داود. أجيب عنه: بأنه من رواية حرام
بن حكيم عن عمه. وقد ضعفه ابن حزم وغيره. وإن سلمنا بصحته، فإنه يدل بالمفهوم، والمنطوق راجح عليه. وحديث البخاري عن عائشة: أن النبي (ص) كان يأمرني أن أأتزر، فيباشرني وأنا حائض لا دلالة فيه على المنع، لانه كان يترك بعض المباح تقذرا. كتركه أكل الضب، (ويستحب ستره) أي الفرج (إذن) عند الاستمتاع من الحائض بغير الفرج. لحديث عكرمة عن بعض أزواج النبي (ص): أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا رواه أبو داود وقال ابن حامد: يجب (ووطؤها) أي الحائض (في الفرج ليس بكبيرة) لعدم انطباق تعريفها عليه. ويأتي في الشهادات أنه عنده من الكبائر (فإن وطئها) أي الحائض (من يجامع مثله) وهو ابن عشر فأكثر (ولو غير بالغ) لعموم الخبر (في الحيض، والدم يجري) أي يسيل. سواء كان الوطئ (في أوله) أي الحيض، (أو) في (آخره) لانه معنى تجب في الكفارة، فاستوى الحال فيه بين إقباله وإدباره وصفاته (ولو) كان الوطئ (بحائل) لفه على ذكره، أو كيس أدخله فيه (أو وطئها وهي طاهر فحاضت في أثناء وطئه، ولو لم يستدم) الوطئ، بل نزع في الحال (لان النزع جماع فعليه دينار، زنته مثقال، خاليا من الغش، ولو غير مضروب) خلافا للشيخ تقي الدين (أو نصفه على التخيير، كفارة) لما
[ 236 ]
روى ابن عباس عن النبي (ص) قال: عن الذي يأتي امرأته وهي حائض. قال: يتصدق بدينار أو نصفه رواه أحمد والترمذي وأبو دواد. وقال: هكذا الرواية الصحيحة. لا يقال: كيف يخير بين الشئ ونصفه؟ لانه كتخيير المسافر بين الاتمام والقصر. وأخذ صاحب الفروع من كلام ابن عقيل: أن من كرر الوطئ في حيضة أو في حيضتين: أنه في تكرار الكفارة كالصوم (مصرفها) أي هذه الكفارة (مصرف بقية الكفارات) أي إلى من له أخذ زكاة لحاجته (وتجوز إلى مسكين واحد، كنذر مطلق) أي كما لو نذر أن يتصدق بشئ، ولم يتقيد بمن يتصدق عليه، (وتسقط) كفارة الوطئ في الحيض (بعجز) قال ابن حامد: كفارة وطئ الحائض تسقط بالعجز عنها. أو عن بعضها. ككفارة الوطئ في رمضان، (وكذا هي) أي الحائض (إن
طاوعته) على وطئها في الحيض. فتجب عليها الكفارة، ككفارة الوطئ في الاحرام، فإن كانت مكرهة فلا شئ عليها. لعدم تكليفها. والكفارة واجبة بوطئ الحائض (حتى) ولو كان الوطئ (من ناس، ومكره، وجاهل الحيض، أو التحريم) أي جاهل الحيض، أو التحريم (أو هما) أي جاهل الحيض والتحريم لعموم الخبر، وقياسا على الوطئ في الاحرام (ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم وقبل الغسل) لمفهوم قوله في الخبر: وهي حائض وهذه ليست بحائض، (ولا) تجب الكفارة أيضا (بوطئها) أي الحائض (في الدبر) لانه ليس منصوصا عليه، ولا في معنى المنصوص (ولا يجزئ إخراج القيمة) عن الدينار أو نصفه، كسائر الكفارات (إلا) إذا أخرج القيمة (من الفضة) كإجزاء أحدهما عن الآخر في الزكاة، لان المقصود منهما واحد (وبدن الحائض وعرقها وسؤرها طاهر، و) لذا (لا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك، ولا وضع يديها في شئ من المائعات) ذكر ذلك ابن جرير وغيره إجماعا، سأله حرب: تدخل يدها في طعام، وشراب، وخل، وتعجن وغير ذلك، قال: نعم، ولعل المراد ما لا يفسد من المائعات بملاقاته بدنها، وإلا توجه المنع فيها. وفي المرأة
[ 237 ]
الجنب (وأقل سن تحيض له المرأة تمام تسع سنين) هلالية، فمتى رأت دما قبل بلوغ ذلك السن لم يكن حيضا، لانه لم يثبت في الوجود والعادة لانثى حيض قبل استكمالها، ولا فرق فيه بين البلاد الحارة، كتهامة، والباردة كالصين. وإن رأت من الدم ما يصلح أن يكون حيضا، وقد بلغت هذا السن: حكم بكونه حيضا. وثبتت في حقها أحكام الحيض كلها. قال الترمذي: قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة وروي مرفوعا من رواية ابن عمر، أي حكمها حكم المرأة. قال الشافعي: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة. وذكر ابن عقيل: أن نساء تهامة يحضن لتسع سنين، (وأكثره) أي أكثر سن تحيض فيه المرأة (خمسون سنة) لقول عائشة: إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض ذكره أحمد. وقالت أيضا: لن ترى في بطنها ولدا بعد الخمسين رواه أبو إسحاق الشالنجي. ولا
فرق بين نساء العرب وغيرهن، لاستوائهن في جميع الاحكام، (والحامل لا تحيض) لحديث أبي سعيد أن النبي (ص) قال في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض رواه أحمد وأبو داود من رواية شريك القاضي. فجعل علما على براءة الرحم. فدل على أنه لا يجتمع معه. وقال (ص) في حق ابن عمر - لما طلق زوجته وهي حائض -: ليطلقها طاهرا، أو حاملا فجعل الحمل علما على عدم الحيض كالطهر. احتج به أحمد (فلا تترك) الحامل (الصلاة لما تراه) من الدم، لانه دم فساد، لا حيض. وكذا الصوم والاعتكاف والطواف ونحوها. ولو عبر بالعبادة كغيره، لكان أعم (ولا يمنع) زوجها أو سيدها (وطئها) لانها ليست حائضا (إن خاف العنت) منه أو منها وإلا منع، كالمستحاضة، ولم يذكر هذا القيد صاحب الفروع والانصاف والمبدع والمنتهى وشرحه ولا غيرهم ممن وقفت على كلامه، إلا أن تراه قبل الولادة بيوم، أو بيومين، أو ثلاثة فهو نفاس. ويأتي (وتغتسل) الحامل إذا رأت دما زمن حملها (عند انقطاعه استحبابا،
[ 238 ]
نصا) احتياطا وخروجا من الخلاف. والمراد ما ذكره صاحب الفروع: أن الامام نص على أنها تغتسل، وحمله القاضي على الاستحباب، وكان الاولى: أن يقدم نصا على قوله: استحبابا، (وأقل الحيض يوم وليلة) لقول علي. ولان الشرع علق على الحيض أحكاما، ولم يبينه. فعلم أنه رده إلى العرف، كالقبض والحرز. وقد وجد حيض معتاد يوما، ولم يوجد أقل منه. قال عطاء: رأيت من تحيض يوما رواه الدارقطني، وقال الشافعي: رأيت امرأة قالت: إنها لم تزل تحيض يوما لا تزيده. وقال أبو عبد الله الزبيري: كان في نسائنا من تحيض يوما، أي بليلته، لانه المفهوم من إطلاق اليوم. والمراد: مقدار يوم وليلة، أي أربع وعشرون ساعة (فلو انقطع) الدم (لاقل منه) أي من اليوم بليلته (فليس بحيض بل) هو (دم فساد) لما تقدم (وأكثره) أي الحيض (خمسة عشر يوما) بلياليهن. لقول علي: ما زاد على الخمسة عشر استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة وقال عطاء: رأيت
من تحيض خمسة عشر يوما ويؤيده ما رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه عن ابن عمر مرفوعا: النساء ناقصات عقل ودين قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي قال البيهقي: لم أجده في شئ من كتب الحديث وقال ابن منده: لا يثبت هذا بوجه من الوجوه عن النبي (ص). ولهذا قال في المبدع: وذكر ابن المنجا أنه رواه البخاري. وهو خطأ (وغالبه) أي الحيض (ست أو سبع) لقوله (ص) - لحمنة بنت جحش لما سألته: تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعا وعشرين ليلة وأيامها، أو ثلاثا وعشرين ليلة فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه، وحسنه البخاري. (وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما) لما روى أحمد - واحتج به، عن علي أن امرأة جاءته - قد طلقها زوجها - فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض. فقال علي لشريح: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: قالون أي جيد
[ 239 ]
بالرومية. وهذا لا يقوله إلا توقيفا وهو قول صحابي اشتهر، ولم يعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقينا، قال أحمد: لا نختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر إذا قامت به البينة (وغالبه) أي الطهر بين الحيضين (بقية الشهر الهلالي) فإذا كان الحيض ستا أو سبعا، فالغالب أن يكون الطهر أربعا وعشرين، أو ثلاثا وعشرين، لما تقدم في حديث حمنة، قال في الرعاية: وغالب الطهر ثلاثة أو أربعة وعشرون يوما، وقيل بقية الشهر (ولا حد لاكثره) أي أكثر الطهر بين الحيضتين لان المرأة قد لا تحيض أصلا، وقد تحيض في السنة مرة واحدة، وحكى أبو الطيب الشافعي: أن امرأة في زمنه كانت تحيض في كل سنة يوما وليلة، وأقل الطهر زمن الحيض خلوص النقاء، بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها، ولا يكره وطؤها زمنه.
فصل: (والمبتدأ بها الدم) أي التي رأت دما ولم تكن حاضت (في سن تحيض لمثله) كبنت تسع سنين فأكثر، (ولو) كان ما رأته (صفرة أو كدرة، تجلس بمجرد ما تراه) لان دم الحيض جبلة وعادة، ودم الاستحاضة لعارض من مرض ونحوه، والاصل عدمه (فتترك الصوم والصلاة) ونحوهما كالطواف والاعتكاف والقراءة، وهذا تفسير لجلوسها (أقله) أي أقل الحيض، هو يوم وليلة، لان العبادة واجبة في ذمتها بيقين، وما زاد على أقل الحيض مشكوك فيه، فلا نسقطها بالشك، ولو نجلسها الاقل لادى إلى عدم جلوسها أصلا (فإن انقطع) الدم (لدونه) أي لدون الاقل (فليس بحيض) لعدم صلاحيته له، بل دم فساد (وقضت واجب صلاة ونحوها) لثبوتها في ذمتها (وإن انقطع) الدم (له) أي لاقل الحيض، بأن انقطع عند مضي اليوم والليلة (كان حيضا) لانه الاصل، كما سبق (واغتسلت له) لانه آخر حيضها (وإن جاوزه) أي جاوز الدم أقل الحيض، بأن زاد على يوم بليلته (ولم يعبر) أي يجاوز (الاكثر) أي أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يوما، بأن انقطع لخمسة عشر فما دونها (لم تجلس المجاوز) لانه مشكوك فيه (بل تغتسل عقب أقله) أي الحيض، لانه آخر حيضها حكما، أشبه آخر حسا (وتصوم وتصلي فيما جاوزه) لان المانع منهما هو الحيض. وقد حكم بانقطاعه، (ويحرم وطؤها فيه) أي في الدم، أي زمنه المجاوز لاقل الحيض (قبل
[ 240 ]
تكراره نصا) لان الظاهر أنه حيض، وإنما أمرناها بالعبادة احتياطا لبراءة ذمتها فتعين ترك وطئها احتياطا (فإن انقطع) الدم (يوما فأكثر، أو أقل قبل مجاوزة أكثره اغتسلت) عند انقطاعه، لاحتمال أن يكون آخر حيضها، فلا تكون طاهرا بيقين إلا بالغسل، (وحكمها حكم الطاهرات) في الصلاة وغيرها، لانها طاهرة، لقول ابن عباس: أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل، (ويباح وطؤها) إذا اغتسلت بعد انقطاع دمها، لانها طاهرة (فإن عاد) الدم (فكما لو لم ينقطع) على ما تقدم تفصيله، لان الحكم يدور مع علته، (وتغتسل عند
انقطاعه) أي الدم (غسلا ثانيا) لما تقدم (تفعل ذلك) الفعل، وهو جلوسها يوما وليلة، وغسلها عند آخرها، وغسلها عند انقطاع الدم (ثلاثا) أي في ثلاثة أشهر (في كل شهر مرة) لان العادة لا تثبت بدون الثلاث على المذهب، لقوله (ص): دعي الصلاة أيام أقرائك وهي صيغة جمع وأقله ثلاث، ولان ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث، كالاقراء، والشهور في عدة الحرة وخيار المصراة، ومهلة المرتد (فإن كان) الدم (في الثلاث متساويا ابتداء وانتهاء) ولم تختلف (تيقن أنه حيض، وصار عادة) كما ذكرناه (فلا تثبت العادة بدون الثلاث) لما تقدم (ولا يعتبر فيها) أي الثلاث من الشهور (التوالي) فلو رأت الدم في شهر، ولم تره في الذي يليه، ثم رأته وتكرر ولم يختلف، صار عادة، لانه لا حد لاكثر الطهر بين الحيضتين، كما تقدم، وحيث تكرر في ثلاثة أشهر، (ف) - إنها (تجلسه في الشهر الرابع) لانه صار عادة لها (وتعيد ما فعلته في المجاوز) لاقل الحيض (من واجب صوم، و) واجب (طواف، و) واجب (اعتكاف ونحوها) كواجب قراءة، لتبين أنها فعلته في زمن الحيض (بعد ثبوت العادة) متعلق بتعيد، لانه قبل ثبوتها لم يتبين الحال (فإن انقطع حيضها ولم يعد) ثلاثا (أو أيست قبل تكرره) ثلاثا (لم تعد) ما فعلته في المجاوز، لانا لم نتيقنه حيضا، والاصل براءة ذمتها (فإن كان) الدم (على أعداد مختلفة، فما تكرر منه) ثلاثا (صار عادة) لها، لما تقدم، دون ما لم يتكرر (مرتبا كان، كخمسة في
[ 241 ]
أول شهر، وستة في) شهر (ثان، وسبعة في) شهر (ثالث، فتجلس الخمسة لتكرارها) ثلاثا، كما لو لم يختلف (أو غير مرتب عكسه) أي عكس المثال المذكور (كأن ترى في الشهر الاول خمسة. وفي الشهر الثاني أربعة، وفي) الشهر (الثالث ستة، فتجلس الاربعة لتكررها)، ثم كلما تكرر شئ جلسته (فإن جاوز دمها أكثر الحيض، ف) - هي (مستحاضة) لقول النبي (ص): إنما ذلك عرق وليس بالحيضة متفق عليه، ولان الدم كله لا يصلح أن يكون حيضا.
والاستحاضة كما تقدم: سيلان الدم في غير وقته من أدنى الرحم، دون قعره، إذ المرأة لها فرجان، داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج كالاليتين منه الاستحاضة، ثم هي لا تخلو من حالين إما أن يكون دمها متميزا، أو غيره (فإن كان) دمها (متميزا بعضه أسود، أو ثخين أو منتن، وبعضه رقيق أحمر) غير منتن (فحيضها زمن الاسود، أو) زمن (الثخين أو) زمن (المنتن إن صلح أن يكون حيضا. بأن لا ينقص عن أقل الحيض) يوم وليلة (ولا يجاوزه أكثره) خمسة عشر يوما قال ابن تميم: ولا ينقص غيره عن أقل الطهر (فتجلسه من غير تكرار) لما روت عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: يا رسول الله إني أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي متفق عليه. وفي لفظ للنسائي: إذا كان الحيض، فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق ولانه خارج من الفرج يوجب الغسل، فرجع إلى صفته عند الاشتباه، كالمني والمذي، قال في المبدع: فإن تعارضت الصفات. فذكر
[ 242 ]
بعض الشافعية، أنه يرجح بالكثرة. فإن استوت رجح بالسبق، وتثبت العادة بالتمييز (كثبوتها بانقطاع) الدم، فإذا رأت خمسة أيام أسود في أول شهر، وتكرر ثلاثا، صارت عادتها بالتمييز، لثبوتها بانقطاع الدم. فإذا رأت خمسة أيام أسود في أول كل شهر وتكرر ثلاثا صارت عادة، فتجلسها من أول كل شهر. ولو أطبق الاحمر بعد (ولا يعتبر فيها) أي العادة الثانية بالتمييز (التوالي أيضا) أي كما لا يعتبر عند الانقطاع كما تقدم (فلو رأت دما أسود) يصلح أن يكون حيضا، (ثم) دما (أحمر، وعبرا أكثر الحيض) أي جاوز خمسة عشر يوما، بأن كان الاسود عشرا والاحمر ثلاثين - مثلا - (فحيضها زمن الدم الاسود) إن صلح حيضا فتجلسه (وما عداه استحاضة) لانه لا يصلح حيضا (وإن لم يكن) دمها (متميزا) بأن كان كله أسود أو أحمر ونحوه (أو كان) متميزا (ولم يصلح) الاسود ونحوه أن يكون
حيضا، بأن نقص عن اليوم والليلة، أو جاوز الخمسة عشر (قعدت من كل شهر غالب الحيض ستا أو سبعا بالتحري) أي باجتهادها ورأيها. فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضا. ووجه كونها تجلس غالب الحيض: حديث حمنة بنت جحش قالت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة شديدة كبيرة، قد منعتني الصوم والصلاة. فقال: تحيضي في علم الله ستا أو سبعا. ثم اغتسلي رواه أحمد وغيره. وعملا بالغالب. ولانها ترد إلى غالب الحيض وقتا فكذا قدرا. وتفارق المبتدأة في جلوسها الاقل، من حيث أنها أول ما ترى الدم ترجو انكشاف أمرها عن قرب. ولم يتيقن لها دم فاسد. وإذا علم استحاضتها، فقد اختلط الحيض بالفاسد يقينا، وليس ثم قرينة، فلذلك ردت إلى الغالب، عملا بالظاهر (ويعتبر في حقها) أي المبتدأة (تكرار الاستحاضة نصا) بخلاف المعتادة (فتجلس) المبتدأة التي جاوز دمها أكثر الحيض (قبل تكراره) أي الدم ثلاثة أشهر (أقله) أي أقل الحيض، لانه المتيقن، وما زاد مشكوك فيه كغير المستحاضة، (ولا تبطل دلالة التمييز بزيادة الدمين) أي الدم الذي يصلح حيضا كالاسود، أو الثخين أو المنتن، إذا بلغ يوما وليلة، ولم يجاوز خمسة عشر، والدم الآخر (على شهر) هلالي أو ثلاثين يوما. بأن كان الاسود مثلها عشرة أيام، والاحمر ثلاثين. لان الاحمر بمنزلة الطهر ولا حد لاكثره لما تقدم.
[ 243 ]
فصل: لما أنهى الكلام على المستحاضة غير المعتادة، أخذ يتكلم على المعتادة إذا استحيضت، مقدما على ذلك تعريف المستحاضة وحكمها العام. فقال: (المستحاضة هي التي ترى دما لا يصلح أن يكون حيضا ولا نفاسا) هكذا في الشرح والمبدع. قال في الانصاف: والمستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض، والدم الفاسد أعم من ذلك انتهى. أي من الاستحاضة. فعلى كلام الانصاف: ما نقص عن اليوم والليلة، وما تراه الحامل
لاقرب الولادة، وما تراه قبل تمام تسع سنين: دم فساد. لا تثبت له أحكام الاستحاضة، بخلافه على الاول، (وحكمها) أي المستحاضة (حكم الطاهرات) الخاليات من الحيض والنفاس (في وجوب العبادات وفعلها) لانها نجاسة غير معتادة، أشبهت سلس البول. وللمستحاضة أربعة أحوال. أحدها: أن تكون معتادة فقط، وقد ذكرها بقوله (وإن استحيضت معتادة، رجعت إلى عادتها) لتعمل بها لما يأتي. الحال الثاني: أن تكون معتادة مميزة. وأشار إليها بقوله: (وإن كانت مميزة) بعض دمها أسود، أو ثخين أو منتن. فتقدم العادة على التمييز، سواء (اتفق تمييزها وعادتها) بأن تكون عادتها أربعة مثلا من أول الشهر، وكان دم هذه الاربعة أسود، ودم باقي الشهر أحمر (أو اختلفا) أي العادة، والتمييز، وسواء كان الاختلاف (بمداخلة) بأن تكون عادتها ستة أيام، من أول العشر الاوسط من الشهر، فترى في أول العشر أربعة أسود، وباقي الشهر أحمر. فتجلس الستة كلها من أول العشر، (أو مباينة) بأن تكون عادتها من أول الشهر. فترى الدم الصالح للحيض في آخره. فتجلس عادتها. ثم تغتسل بعدها، وتتوضأ لوقت كل صلاة
[ 244 ]
وتصلي، لقوله (ص): دعي الصلاة قدر الايام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي متفق عليه. ولان العادة أقوى. لانها لا تبطل دلالتها بخلاف اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته. والعادة ضربان: متفقة، بأن تكون أياما متساوية، كسبعة من كل شهر. فإذا استحيضت جلستها. ومختلفة: وهي قسمان مرتبة، بأن ترى في شهر ثلاثة وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تعود إلى مثل ذلك. فهذه إذا استحيضت في شهر وعرفت نوبته عملت عليه، وإن نسيت نوبته جلست الاقل، وهو ثلاثة، ثم تغتسل وتصلي بقية الشهر. وإن علمت أنه غير الاول وشكت هل هو الثاني أو الثالث؟ جلست أربعة، لانها
اليقين. ثم تجلس في الشهرين الآخرين ثلاثة ثلاثة، وفي الرابع أربعة، ثم تعود إلى الثلاثة كذلك أبدا ويكفيها غسل واحد عند انقضاء المدة التي جلستها، كالناسية. وصحح في المغني والشرح أنه يجب عليها الغسل أيضا عند مضي أكثر عادتها، وغير المرتبة، كأن تحيض في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة وفي الثالث أربعة، فإن أمكن ضبطه بحيث لا يختلف هو فالتي قبلها. وإن لم يمكن ضبطه جلست الاقل في كل شهر واغتسلت عقبه. (ونقص العادة لا يحتاج إلى تكرار) لانه رجوع إلى الاصل. وهو العدم (فلو نقصت عادتها، ثم استحيضت بعده) أي بعد النقص (كأن كانت عادتها عشرة) أيام (فرأت) الدم (سبعة، ثم استحيضت في الشهر الآخر جلست السبعة) لانها التي استقرت عليها عادتها. الحال الثالث: أن يكون لها عادة وتمييز. وتنسى العادة، وقد ذكرها بقوله: (وإن نسيت العادة عملت بالتمييز الصالح) لان يكون حيضا. وتقدم، لما روى أبو داود والنسائي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش: إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف. فأمسكي عن الصلاة. فإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق ولانها مستحاضة ولا تعلم لها عادة، تلزمها العمل بالتمييز كالمبتدأة (ولو تنقل) التمييز بأن كانت تراه تارة في أول الشهر، وتارة في وسطه، وتارة في آخره (من غير تكرار) أي تعمل بالتمييز. ولو لم يتكرر، كما تقدم في
[ 245 ]
المبتدأة. لعموم الخبر (فإن لم يكن لها تمييز) بأن كان الدم على نسق واحد، (أو كان) لها تمييز، (و) لكنه (ليس بصالح) بأن نقص عن يوم وليلة، أو جاوز خمسة عشر (فهي المتحيرة) لانها قد تحيرت في حيضها بجهل العادة وعدم التمييز. وهذا هو الحال الرابع. و (لا تفتقر استحاضتها إلى تكرار) بخلاف المبتدأة (أيضا) أي كما أن تمييزها لا يفتقر إلى تكرار كما تقدم. وللمتحيرة ثلاثة أحوال: أحدها: أن تكون ناسية للعدد فقط (تجلس غالب الحيض إن اتسع شهرها له) بأن كان عشرين يوما فأكثر. لحديث حمنة بنت جحش، وهي
امرأة كبيرة، قاله أحمد. ولم يسألها عن تمييزها ولا عادتها. فلم يبق إلا أن تكون ناسية، فترد إلى غالب الحيض، إناطة للحكم بالاكثر. كما ترد المعتادة لعادتها، (وإلا) بأن لم يتسع شهرها لغالب الحيض (جلست الفاضل) من شهرها (بعد أقل الطهر، كأن يكون شهرها ثمانية عشر يوما، فإنها تجلس الزائد عن أقل الطهر بين الحيضتين فقط) لئلا ينقص الطهر عن أقله، (وهو) أي ما تجلسه (هنا) أي في المثال المذكور (خمسة أيام) لانها الباقي من الثمانية عشر بعد الثلاثة عشر. فتجلسها فقط (لئلا ينقص الطهر عن أقله) فيخرج عن كونه طهرا (وإن جهلت شهرها جلسته) أي غالب الحيض (من) كل (شهر) للخبر (هلالي) لانه المتبادر عند الاطلاق (وشهر المرأة هو) الزمن (الذي يجتمع لها فيه حيض وطهر صحيحان) أي تامان (وأقل ذلك أربعة عشر يوما) بلياليها (يوم) بليلته (للحيض) لانه أقله (وثلاثة عشر) يوما بلياليها (للطهر) لانها أقله (ولا حد لاكثره) أي شهر المرأة. لما تقدم: أنه لا حد لاكثر الطهر بين الحيضتين، (وغالبه) أي شهر المرأة (الشهر الهلالي) لان غالب الحيض ست أو سبع وغالب الطهر بقية الشهر. وتقدم (ولا تكون) المرأة (معتادة حتى تعرف شهرها) الذي تحيض فيه وتطهر فيه، (و) تعرف (وقت حيضها وطهرها منه) بأن تعرف أنها تحيض خمسة مثلا من ابتدائه وتطهر في باقيه، (ويتكرر) حيضها ثلاثة أشهر، لان العادة لا تثبت بدونها كما تقدم. الحال الثاني: أن تكون عالمة بالعدد ناسية للموضع. وقد ذكر ذلك بقوله، (وإن علمت عدد أيامها) أي أيام حيضها (ونسيت موضعها) بأن لم تدر أكانت تحيض في أول الشهر أو وسطه أو آخره؟ (جلستها) أي أيام حيضها (من أول كل شهر هلالي) لانه (ص) جعل حيضة حمنة من أول الشهر والصلاة في بقيته ولان دم الحيض جبلة،
[ 246 ]
والاستحاضة عارضة، فإذا رأته وجب تقديم دم الحيض. الحال الثالث: الناسية للعدد والموضع، وهي المرادة بقوله: (وكذا من
عدمتهما) أي عدمت العلم بعدد حيضها وموضعه، فتجلس غالب الحيض من أول كل شهر هلالي. لما تقدم (فإن عرفت ابتداء الدم) بأن علمت أن الدم كان يأتيها في أول العشر الاوسط من الشهر، وأول النصف الاخير منه ونحوه (فهو أول دورها) فتجلس منه، سواء كانت ناسية للعدد فقط، أو للعدد والموضع (وما جلسته ناسية) للعدد، أو الموضع، أو هما (من حيض مشكوك فيه، كحيض يقينا) فيما يوجبه ويمنعه، وعدم قضاء الصلاة ونحو ذلك، بخلاف النفاس المشكوك فيه، لمشقة تكرره (وما زاد على ما تجلسه إلى أكثره) أي الحيض (كطهر متيقن) قال في الرعاية: والحيض والطهر مع الشك فيهما كاليقين فيما يحل ويحرم ويكره، ويجب ويستحب ويباح ويسقط. وعنه يكره الوطئ في طهر مشكوك فيه، كالاستحاضة (وغيرهما) أي غير زمن الحيض، وما زاد عليه إلى أكثر الحيض، وهو نصف الشهر الباقي، إن حيضناها من كل شهر (استحاضة) لانه لا يصح أن يكون حيضا ولا نفاسا (وإن ذكرت) المستحاضة الناسية لعادتها (عادتها رجعت إليها) فتجلسها، لان ترك الجلوس فيها إنما كان لعارض النسيان. وإذا زال العارض رجعت إلى الاصل (وقضت الواجب زمن العادة المنسية) كأن كانت صامت فرضا فيها، فتقضيه، لعدم صحته، لموافقة زمن الحيض، (و) قضت الواجب أيضا (زمن جلوسها في غيرها) فتقضي الصلاة والصوم ونحوه، لانه ليس بزمن حيض (وكذا الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز، مثل المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء دمها ولا تمييز لها) فإنها تجلس غالب الحيض بعد تكرره من أول كل شهر هلالي، وإذا ذكرت وقت ابتداء دمها رجعت إليه، وقضت الواجب زمنه وزمن جلوسها في غيره (وإن علمت) المستحاضة عدد (أيامها في وقت من الشهر) كأن علمت أن حيضها ستة أيام في الشهر، (ونسيت موضعها) بأن لم تدر، أهي في أوله أو آخره؟ (فإن
[ 247 ]
كانت أيامها نصف الوقت) الذي علمت أن حيضها فيه (فأقل) من نصفه (فحيضها من أولها) فإذا علمت أن حيضها كان في النصف الثاني من الشهر، فإنها تجلس من أوله (أو بالتحري)
أي للاجتهاد على الوجهين في ذلك، والاكثر على أنها من أولها، كما قطع به من قال: (وليس لها حيض بيقين)، بل حيضها مشكوك فيه (وإن زادت) أيامها (على النصف) من الوقت الذي علمت الحيض فيه (مثل أن تعلم أن حيضها ستة أيام من العشر الاول) من الشهر (ضم الزائد) على النصف (وهو) في المثال (يوم) لان نصف العشرة خمسة (إلى مثله مما قبله، وهو يوم، فيكونان) أي الخامس والسادس (حيضا بيقين) إذ لا يحتمل خلافه (يبقى لها أربعة أيام) تتمة عادتها (فإن جلستها من الاول) على قول الاكثر (كان حيضها من أول العشر إلى آخر السادس منها يومان) وهما الخامس والسادس (حيض بيقين، والاربعة حيض مشكوك فيه) والاربعة الباقية طهر مشكوك فيه (وإن جلست بالتحري) على الوجه المقابل لقول الاكثر (فأداها اجتهادها إلى أنها من أول العشر، فهي كالتي ذكرنا) فيكون حيضها من أول العشر إلى آخر السادس، منها يومان حيض بيقين، والاربعة حيض مشكوك فيه (وإن جلست الاربعة من آخر العشر كانت) الاربعة (حيضا مشكوكا فيه) واليومان قبلها حيضا بيقين (والاربعة الاولى طهر مشكوك فيه. وإن قالت: حيضتي سبعة أيام من العشر) الاول، أو الوسط، أو الاخير (فقد زادت) أيامها (يومين على نصف الوقت) لان نصف العشرة خمسة (فتضمهما إلى يومين قبلهما فيصير لها أربعة أيام حيضا بيقين، من أول الرابع إلى آخر السابع. ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها. كما تقدم) من أول العشر، أو بالتحري على الوجهين. وهي حيض مشكوك فيه، (وحكم الحيض المشكوك فيه حكم المتيقن في ترك العبادات) وتحريم الوطئ ووجوب الغسل (كما تقدم. وإن شاءت أسقطت الزائد من أيامها)
[ 248 ]
عن نصف الوقت (من آخر المدة، و) أسقطت (مثله من أولها، فما بقي) أي صار بمعنى: اجتمع، كما في بعض النسخ (فهو حيض بيقين. والشك فيما بقي من الوقت المعين) كما تقدم تمثيله (وإن علمت موضع حيضها) بأن علمت أنها تحيض في العشر الاوسط (ونسيت عدده) أي عدد أيام الحيض (جلست فيه) أي في موضع حيضها (غالب الحيض) ستة أيام أو
سبعة بالتحري، لما تقدم (وإن تغيرت العادة بزيادت) - ها بأن كانت عادتها ستة أيام، فرأت الدم ثماينة، (أو) تغيرت العادة ب (- تقدم) بأن كانت ترى الدم من وسط الشهر، فرأته في أوله، (أو) تغيرت العادة ب (- تأخر) بأن كانت تراه في أوله. فتأخر إلى آخره (أو انتقال) بأن كان حيضها الخمسة الاول. فتصير الخمسة الثانية، لكن لم يذكره في المحرر والوجيز والفروع والمنتهى. لانه في معنى ما تقدم (ف) - ما تغير (كدم زائد على أقل حيض) من (مبتدأة) لا تلتفت إليه، حتى يتكرر ثلاث مرات، فتصوم فيه وتصلي قبل التكرار، وتغتسل عند انقطاعه غسلا ثانيا، فإذا تكرر صار عادة تجلسه وتعيد صوم فرض ونحوه فيه، لانا تبيناه حيضا (فلو لم يعد، أو أيست قبل تكراره) ثلاثا (لم تقض) كما تقدم في المبتدأة (وعنه تصير إليه من غير تكرار) أومأ إليه في رواية ابن منصور (اختاره جمع، وعليه العمل ولا يسع النساء العمل بغيره) قال في الانصاف: وهو الصواب، قال ابن تميم: وهو أشبه. قال ابن عبيدان: هو الصحيح: قال في الفائق، وهو المختار، واختاره الشيخ تقي الدين. وإليه ميل الشارح (وإن طهرت في أثناء عادتها طهرا خالصا لا تتغير معه القطنة إذا احتشتها، ولو أقل مدة) فلا يعتبر بلوغه يوما (فهي طاهر، تغتسل) لقول ابن عباس: إذا ما رأت الطهر فلتغتسل، (وتصلي) وتفعل ما تفعله الطاهرات، لان الله تعالى وصف الحيض بكونه أذى، فإذا ذهب الاذى وجب زوال الحيض، (ولا يكره وطؤها) بعد الاغتسال، كسائر
[ 249 ]
الطاهرات (فإن عاودها الدم في أثناء العادة ولم يجاوزها جلسته) أي زمن الدم من العادة، كما لو لم ينقطع، لانه صادف زمن العادة (وإن جاوزها) أي جاوز دمها العائد بعد انقطاعه عادتها (ولم يعبر) أي يجاوز (أكثر الحيض) خمسة عشر يوما (لم تجلسه حتى يتكرر) ثلاثا (وإن عبر أكثره) أي جاوز أكثر الحيض (فليس بحيض) لان بعضه ليس بحيض، فيكون كله استحاضة، لاتصاله به وانفصاله عن الحيض (وإن عاودها) أي رجع الدم بعد انقطاعه عنها (بعد العادة فلا يخلو إما أن يمكن جعله حيضا)، بضمه أو نفسه (أو لا) يمكن جعله حيضا
(فإن أمكن) جعله حيضا إما بضمه إلى ما قبله أو بنفسه (بأن يكون) الدم (بضمه إلى الدم الاول لا يكون بين طرفيهما) أي أول الدمين وآخرهما (أكثر من أكثر الحيض) خمسة عشر يوما (فليفقان) أي الدمان، (ويجعلان حيضة واحدة إن تكرر) الدم الذي بعد العادة ثلاثا، وهذا مثال لما أمكن أن يكون حيضا بالضم. وأشار إلى ما أمكن جعله بنفسه بقوله: (أو يكون بينهما) أي الدمين (أقل الطهر ثلاثة عشر يوما وكل من الدمين يصلح أن يكون حيضا إذن بمفرده) بأن يكون يوما وليلة فأكثر ولا يجاوز الخمسة عشر (فيكونان حيضتين) لوجود الطهر التام بينهما (إذا تكرر) الثاني ثلاثا (وإن نقص أحدهما عن أقل حيض، فهو دم فاسد إذا لم يمكن ضمه إلى ما بعده) يعني إلى الدم الآخر. لانه لا يصلح حيضا ولا نفاسا، (وإن لم يمكن جعله حيضا لعبوره أكثر الحيض، وليس بينه وبين الدم الاول أقل الطهر) بل كان بينهما دونه (فهذا استحاضة، سواء تكرر أم لا) لمجاوزته أكثر الحيض، (ويظهر ذلك بالمثال فلو كانت العادة عشرة أيام مثلا فرأت منها خمسة دما وطهرت الخمسة الباقية، ثم رأت خمسة) أخرى (دما وتكرر ذلك) ثلاثا (فالخمسة الاولى، و) الخمسة (الثالثة حيضة واحدة بالتلفيق) لانهما مع ما بينهما لا يجاوزان خمسة عشر يوما (ولو رأت) الدم (الثاني ستة أو سبعة) فأكثر (لم يمكن أن يكون حيضا) لمجاوزته مع الاول وما بينهما أكثر الحيض (ولو كانت رأت يوما) بليلته (دما وثلاثة عشر طهرا، ثم رأت يوما) بليلته (دما وتكرر) الثاني
[ 250 ]
(فهما حيضتان لوجود طهر صحيح بينهما) لان أقل الطهر ثلاثة عشر يوما (ولو رأت يومين دما، و) رأت (اثني عشر يوما طهرا، ثم) رأت (يومين دما فهنا لا يمكن جعلهما حيضة واحدة، لزيادة الدمين مع ما بينهما من الطهر عن أكثر الحيض) لان مجموع ذلك ستة عشر يوما، (ولا) يمكن (جعلهما حيضتين، لانتقاء طهر صحيح بينهما) لان بينهما اثني عشر يوما. وأقل الطهر ثلاثة عشر (فيكون الحيض منهما ما وافق العادة) لتقويه بموافقتها، (و) يكون (الآخر استحاضة) ولو تكرر.
(والصفرة والكدرة) وهما شئ كالصديد يعلوه صفرة وكدرة قال في المبدع (في أيام العادة حيض) لدخولهما في عموم النص، ولقول عائشة: وكان النساء يبعثن إليها بالدرجة فيها الصفرة والكدرة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيض. وفي الكافي قال مالك وأحمد: هي ماء أبيض يتبع الحيضة (لا بعدها) أي ليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضا (ولو تكرر) ذلك. فلا تجلسه، لقول أم عطية: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا رواه أبو داود والبخاري، ولم يذكر بعد الطهر. فصل: (في التلفيق) وشئ من أحكام المستحاضة ونحوها (ومعناه) أي التلفيق (ضم الدماء بعضها إلى بعض) وجعلها حيضة واحدة (إن تخللها طهر) لا يبلغ أقل الطهر بين الحيضتين (وصلح زمانه) أي الدم المتفرق (أن يكون حيضا)
[ 251 ]
بأن بلغ يوما وليلة، ولم يجاوز مع مدة الطهر خمسة عشر يوما، (فمن كانت ترى يوما، أو أقل، أو أكثر دما يبلغ مجموعه أقل الحيض) يوما وليلة (فأكثر و) ترى (طهرا متخللا) لذلك الدم، سواء كان زمنه كزمن الطهر، أو أقل أو أكثر (فالدم حيض ملفق) فتجلسه. لانه لما لم يمكن جعل كل واحد حيضة، ضرورة نقصه عن اليوم والليلة، أو كون الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر تعين الضم. لانه دم في زمن يصلح كونه حيضا. أشبه ما لو لم يفصل بينهما طهر (والباقي) أي النقاء (طهر) لما تقدم، من أن الطهر في أثناء الحيضة صحيح ف (- تغتسل فيه، وتصوم وتصلي) لانه طهر حقيقة (ويكره وطؤها) زمن طهر، على ما قدمه في الرعاية. وعنه يباح (إلا أن يجاوز زمن الدم، و) زمن (النقاء أكثره) أي أكثر الحيض. كأن ترى يوما دما ويوما نقاء، إلى ثمانية عشر مثلا (فتكون مستحاضة) لقول علي: (وتجلس المبتدأة من هذا الدم) الذي تخلله طهر، وصلح أن يكون حيضا. (أقل الحيض)، ثم تغتسل (والباقي) من الدم (إن تكرر) ثلاثا (فهو حيض بشرطه) بأن لا يجاوز أكثر الحيض، (وإلا)
بأن لم يتكرر، أو جاوز أكثره (فاستحاضة) لا تجلسه. والمعتادة تجلس ما تراه في زمن عادتها. وإن كانت عادتها بتلفيق جلست على حسبها وإن لم يكن لها عادة، ولها تمييز صحيح. جلست زمنه. فإن لم يكونا، وقلنا تجلس الغالب. فهل تلفق ذلك من أكثر الحيض، أو تجلس أيام الدم من الست أو السبع؟ وجهان. جزم بالثاني في الكافي، (وإذا أرادت المستحاضة الطهارة ف) - إنها (تغسل فرجها) لازالة ما عليه من الدم (وتحتشي بقطن، أو ما يقوم مقامه) من خرق ونحوها طاهرة، ليمتنع الدم (فإن لم يمنع ذلك) الحشو (الدم، عصبته بشئ طاهر يمنع الدم حسب الامكان، بخرقة عريضة مشقوقة الطرفين،
[ 252 ]
تتلجم بها، وتوثق طرفيها في شئ آخر قد شدته على وسطها) لقوله (ص) لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف - يعني القطن - تحشين به المكان. قالت: إنه أكثر من ذلك. قال: تلجمي قال في المبدع: وظاهره ولو كانت صائمة، لكن يتوجه أن تقتصر على التعصيب فقط (فإن غلب) الدم (وقطر بعد ذلك لم تبطل طهارتها) لعدم إمكان التحرز منه (ولا يلزمها إذن إعادة شده، و) لا إعادة (غسله لكل صلاة، إن لم تفرط) في الشد للحرج فإن فرطت في الشد وخرج الدم بعد الوضوء أعادته. لانه حدث أمكن التحرز منه، (وتتوضأ لوقت كل صلاة إن خرج شئ) لقول النبي (ص) لفاطمة: توضئي لكل صلاة، حتى يجئ ذلك الوقت رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وفي لفظ قال لها: توضئي لكل صلاة قال الترمذي: حديث حسن صحيح. لا يقال فيه وفي غالب الروايات: وتوضئي لكل صلاة لانه مقيد، فيجب حمله على المقيد به. ولانها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم (وإلا) أي وإن لم يخرج شئ، (فلا) تتوضأ لكل وقت صلاة (وتصلي) المستحاضة بوضوئها (ما شاءت) ما دام الوقت (حتى جمعا بين فرضين) لبقاء وضوئها إلى آخر الوقت، وكالمتيمم وأولى (ولها) أي المستحاضة (الطواف) فرضا ونفلا (ولو لم تطل استحاضتها) كالصلاة وأولى (وتصلي عقب طهرها ندبا) خروجا من
الخلاف (فإن أخرت) الصلاة عن طهرها (ولو) كان التأخير (لغير حاجة لم يضر) ما دام الوقت. لانها متطهرة كالمتيمم (وإن كان لها) أي المستحاضة (عادة بانقطاعه) أي الدم (زمنا يتسع للوضوء والصلاة، تعين فعلهما فيه) لانه قد أمكن الاتيان بالعبادة على وجه لا عذر معه ولا ضرورة، فتعين فعلهما على هذا الوجه. كمن لا عذر له. فإن توضأت زمن انقطاعه ثم عاد، بطل، (وإن عرض هذا الانقطاع) للدم في زمن يتسع للوضوء والصلاة (بعد
[ 253 ]
طهارتها لمن عادتها الاتصال) أي اتصال دم الاستحاضة (بطلت طهارتها ولزمها استئنافها) لانها صارت بهذا الانقطاع في حكم من حدثها غير دائم، (فإن وجد) هذا الانقطاع (قبل الدخول في الصلاة لم يجز الشروع فيها) حتى تتوضأ، لبطلان وضوئها بالانقطاع (فإن خالفت وشرعت) في الصلاة (واستمر الانقطاع زمنا يتسع للوضوء والصلاة فيه، فصلاتها باطلة) لتبين بطلان الطهارة بانقطاعه، (وإن عاد) دمها (قبل ذلك) أي قبل مضي زمن يتسع للوضوء والصلاة (فطهارتها صحيحة) لانه لا أثر لهذا الانقطاع (وتجب إعادة الصلاة) لانها صلت بطهارة لم يكن لها أن تصلي بها، فلم تصح. كما لو تيقن الحدث وشك في الطهارة وصلى، ثم تبين أنه كان متطهرا (وإن عرض) الانقطاع (في أثناء الصلاة أبطلها مع الوضوء) لما تقدم من أنها بالانقطاع تصير كمن لا عذر لها (ومجرد الانقطاع يوجب الانصراف) من الصلاة، لبطلان الوضوء. فتبطل هي (إلا أن يكون لها عادة بانقطاع يسير) فلا يلزمها الانصراف بمجرد الانقطاع من الصلاة، لان الظاهر حمله على المعتاد لها، وهو لا أثر له (ولو توضأت من لها عادة بانقطاع يسير ف) - انقطع دمها و (اتصل الانقطاع حتى اتسع) للوضوء والصلاة (أو برئت) من الاستحاضة (بطل وضوؤها إن وجد) أي خرج (منها دم) بعد الوضوء، كالمتيمم للمرض، فيعافى. فإن لم يكن خرج منها دم بعد الوضوء لم يبطل (وإن كان الوقت) الذي انقطع فيه الدم (لا يتسع لهما) أي للوضوء والصلاة (لم يؤثر) في بطلان الوضوء ولا الصلاة (ولو كثر الانقطاع) واتسع للوضوء والصلاة، (و) لكن (اختلف بتقدم
وتأخر وقلة وكثرة، ووجد مرة وعدم) مرة (أخرى، ولم يكن لها عادة مستقيمة باتصال ولا بانقطاع. فهذه كمن عادتها الاتصال) في الدم (في بطلان الوضوء بالانقطاع المتسع للوضوء والصلاة، دون ما) أي انقطاع (دونه) أي دون ما يتسع للوضوء والصلاة، لما تقدم (وحكمها) كمن عادتها الاتصال (في سائر ما تقدم، إلا أنها لا تمنع من الدخول في الصلاة، و) لا من (المضي فيها بمجرد الانقطاع قبل تعيين اتساعه) للوضوء والصلاة، لعدم انضباط هذا
[ 254 ]
الانقطاع. فيقضي لزوم اعتباره إلى الحرج والمشقة (ولا يكفيها) أي المستحاضة (نية رفع الحدث) قال في التلخيص: قياس المذهب لا يكفي (وتكفي نية الاستباحة) أي تتعين، ولو انتقضت طهارتها بطروء حدث غير الاستحاضة، وظاهره: ولو قلنا إن طهارتها ترفع الحدث. قلت: لانها لا ترفع الحدث على الاطلاق وإنما ترفع الحدث السابق، دون المقارن، لكنه لم يؤثر كالمتأخر للضرورة. ولهذا تبطل طهارتها بخروج الوقت (فأما تعيين النية للفرض فلا تعتبر) هنا، بخلاف التيمم. لان طهارتها ترفع الحدث بخلافه (وتبطل طهارتها بخروج الوقت أيضا) أي كما تبطل بدخوله. هذا ظاهر كلامه في الكافي والشرح في غير موضع، كالتيمم. وقال المجد في شرحه: ظاهر كلام أحمد: أن طهارة المستحاضة تبطل بدخول الوقت، دون خروجه. وقال أبو يعلى: تبطل بكل واحد منهما. قال في الانصاف: وهي شبيهة بمسألة التيمم. والصحيح فيه: أنه لا يبطل بخروج الوقت كما تقدم. قال المجد: والاول أولى اه. وكذا قال في مجمع البحرين، وجزم به في نظم المفردات، قال: وبدخول الوقت طهر يبطل لمن بها استحاضة قد نقلوا لا بالخروج منه لو تطهرت للفجر لم يبطل بشمس ظهرت (ولا يصح وضوؤها لفرض) كظهر، أو عصر، أو جمعة (قبل) دخول (وقته) لانها طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كالتيمم (ومثل المستحاضة) فيما تقدم (لا في الغسل لكل صلاة)
فإن استحبابه يختص بالمستحاضة، لما تقدم في باب الغسل (من به سلس البول) أو المذي (والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه، و) ذو (الرعاف الدائم) يعني أن حكم هؤلاء حكم المستحاضة فيما تقدم، غير ما استثنى، لتساويهم معنى، وهو عدم التحرز من ذلك.
[ 255 ]
فوجب المساواة حكما، قال إسحاق بن راهويه: كان يزيد بن ثابت به سلس البول، وكان يداويه ما استطاع، فإذا غلبه صلى ولا يبالي ما أصاب ثوبه (لكن عليه أن يحتشي) كما تقدم في المستحاضة، نقل الميموني فيمن به رعاف دائم أنه يحتشي، ونقل ابن هانئ خلافه. قلت: ومن به دود قراح. يعصب المحل بعد حشوه، ثم يصلي وإن كان صائما عصبه فقط، وإن منعه العصب اكتفى به أيضا غير الصائم، (وإن كان) محل الحدث (مما لا يمكن عصبه كالجرح الذي لا) يرقأ دمه، ولا (يمكن شده أو من به باسور أو ناصور، ولا يمكن عصبه، صلى على حسب حاله) لفعل عمر، حيث صلى وجرحه يثقب دما. رواه أحمد (ولو قدر على حبسه) أي الحدث (حال القيام) وحده (لا حال الركوع والسجود لزمه أن يركع ويسجد نصا، ولا يومئ) بهما. وأجزأته صلاته (كالمكان النجس) اليابس إذا حبس به، ويأتي. وقال أبو المعالي: يومئ لان فوات الشرط لا بدل له (ولو امتنعت القراءة) إن صلى قائما، صلى قاعدا (أو لحقه السلس إن صلى قائما، صلى قاعدا) لان للقيام بدلا، وهو القعود، بخلاف القراءة والطهارة، (ولو كان) من به سلس البول ونحوه (لو قام وقعد لم يحبسه، ولو استلقى حبسه، صلى قائما) إن قدر عليه، (أو قاعدا) إن لم يقدر على القيام، لان المستلقي لا نظير له اختيارا (قاله أبو المعالي) واقتصر عليه في المبدع وغيره (فإن كانت الريح تتماسك جالسا لا ساجدا لزمه السجود بالارض نصا) وقياس قول أبي المعالي: يومئ لان فوات الشرط لا بدل له، والسجود له بدل، (ولا يباح وطئ المستحاضة من غير خوف العنت منه أو منها) لقول عائشة: المستحاضة لا يغشاها زوجها، ولان بها أذى، فحرم وطؤها كالحائض، وعنه يباح مطلقا، وهو قول أكثر
العلماء. لان حمنة كانت تستحاض، وكان زوجها طلحة بن عبيد الله يجامعها، وأم حبيبة كانت تستحاض، وكان زوجها عبد الرحمن بن عوف يغشاها، رواهما أبو داود، وقد