الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 12

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 12


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة 682 ه‍ كلاهما على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الثاني عشر (وبه تم الكتاب) دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الشهادات والاصل فيها الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء - وقال سبحانه - وأشهدوا ذوي عدل منكم - وقال عزوجل - وأشهدوا إذا تبايعتم) وأما السنة فروى وائل بن حجر رضي الله عنه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يارسول الله ان هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي (ألك بينة؟ - فقال لا قال - فلك يمينه) قال يارسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شئ قال (ليس لك منه إلا ذلك) قال فانطلق الرجل ليحلف له فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لان حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى محمد بن عبد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان

[ 3 ]

النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) قال الترمذي هذا حديث في اسناده مقال والعزرمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغير الا ان أهل العلم أجمعوا على هذا قال قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم ولان العبرة تقتضي مشروعية الشهادة فان الحاجة داعية إليها لحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها قال شريح القضاء جمر فنحه عنك بعودين يعني الشاهدين وإنما الخصم داء والشهود شفاء فافرغ الشفاء على الداء، واشتقاق الشهادة من المشاهدة لان الشاهد يخبر عما شاهده، وقيل لان الشاهد يخبره ويجعل الحاكم كالشاهد للمشهود عليه وتسمى بينة لانها تبين ما التبس وتكشف الحق في المختلف فيه (مسألة) (تحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وان لم يقم بها أحد تعينت على من وجد لقول الله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا - وقال - ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه) وإنما خص القلب بالاثم لانه موضع العلم بها ولان الشهادة امانة فلزم اداؤها كسائر الامانات وقال اله تعالى (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها) إذا ثبت هذا فإذا دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو عدة لزمته الاجابة قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) فان قام بافرض في التحمل والاداء اثنان سقط عن الجميع، وان امتنع الكل اثموا، وإنما يأثم

[ 4 ]

الممتنع إذا لم عليه ضرر وكانت شهادته تنفع، فان كان عليه ضرر في التحمل أو الاداء أو كان ممن لاتقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية لم تلزمه لقول الله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وإنه لا يلزمه ان يضر نفسه لنفع غيره وإذا كان ممن لا تقبل شادته لم تجب عليه لان مقصود الشهادة لا يحصل منه وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم مقامه؟ فيه وجهان (أحدهما) يأثم لانه قد تعين بدعاية ولانه منهي عن الامتناع بقوله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (والثاني) لا يأثم لان غيره يقوم مقامه فلم تتعين في حقه كما لو لم يدع إليها فاما قول الله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) فقد قرئ بالقتح والرفع فمن رفع فهو خبر معناه النهي ويحتمل معنيين (احدهما) ان يكون الكاتب فاعلا اي لا يضر الكاتب والشهيد من يدعوه بالا يجيب أو يكتب ما لم يستكتب أو يشهد بما لم يستشهد (والثاني) ان يكون يضار فعل ما لم يسم فاعله فيكون معناه ومعنى الفتح واحدا أي لا يضر الكاتب والشهيد بقطعهما عن شغلهما بالكتابة والشهادة ويمنعا حاجتهما (مسألة) (قال الخرقي ومن لزمته الشهادة فعليه ان يقوم بها على القريب والبعيد ولا يسعه التخلف عن اقامتها وهو قادر على ذلك) قد ذكرنا ان الشهادة من فروض الكفايات فان تعينت عليه بان لا يتحملها من يكفي فيها سواه لزمه القيام بها، وان قام بها من يكفي غيره سقط عنه اداؤها إذا قبلها الحاكم فان كان تحملها

[ 5 ]

جماعة فأداؤها واجب على الكل إذا امتنعوا أثموا كلهم كسائر فروض الكفايات ودليل وجوبها قول الله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا - وقوله تعالى - يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط - وفي آية أخرى - كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين) ولان الشهادة أمانة فلزمه اداؤها كالوديعة (مسألة) (ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الاجرة عليها ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين) من له كفاية فليس له أخذ الجعل على الشهادة لانها اداء فرض فان فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا، وان لم تكن له كفاية ولا تعينت عليه حل له أخذ الجعل لان النفقة على عياله فرض عين فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإذا أخذ الرزق جمع بين الامرين فان تعينت عليه الشهادة احتمل ذلك ايضا واحتمل ألا يجوز لئلا يأخذ العوض عن اداء فروض الاعيان وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أخذ الاجرة لمن تعينت عليه وهل يجوز لغيره؟ على وجهين (مسألة) (ومن كانت عنده شهادة في حد لله تعالى أبيح اقامتها ولم يستحب وللحاكم ان يعرض له بالوقوف عنها في أحد الوجهين)

[ 6 ]

يجوز للشاهد اقامة الشهادة في حدود الله تعالى من غير تقدم دعوى لان ابا بكرة واصحابه شهدوا على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فاجيزت شهادتهم. ولا يستحب اداؤها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ستر عورة ستره الله في الدنيا والآخرة) وللحاكم ان يعرض للشاهد بالوقوف عن الشهادة في اظهر الروايتين لما روى صالح في مسائله عن أبي عثمان النهدي قال جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فاستنكر ذلك ثم جاء شاب يخطر بيديه فقال عمر ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح به عمر صيحة فقال أبو عثمان والله لقد كدت ان يغشى علي فقال يا أمير المؤمنين رأيت أمرا قبيحا فقال الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان باصحاب محمد فأمر باولئك النفر فجلدوا وفي رواية أنه لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة وبقي واحد فقال عمر أرى شابا حسنا وارجو ان لا يفضح الله على لسانه رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهذا تعريض ظاهر (مسألة) (ومن كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله فان لم يعلمها استحب له إعلامه بها وله اقامتها قبل ذلك) إذا كان المشهود له يعلم له شهادة عند انسان لم يقمها الشاهد حتى يسأله صاحبها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون ويشهدون

[ 7 ]

ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون) رواه البخاري فان كان لا يعلمها استجب له إعلام صاحبها بها كالوديعة وله اداؤها قبل اعلامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الا انبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل ان يسألها) رواه أبو داود فيتعين حمل الحديث على هذه الصورة جمعا بين الخبرين (مسألة) (ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع) وجملة ذلك ان الشهادة لا تجوز إلا بما يعلمه بدليل قول الله تعلى (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) وقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا) وتخصيص هذه الثلاثة بالسؤال لان العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر لان مدرك الشهادة الرؤية والسماع وهما بالبصر وقد روي عن ابن عباس انه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة قال (هل ترى المشس؟) قال نعم قال (على مثلها فاشهد أو دع) رواه الخلال باسناده في جامعه. إذا ثبت هذا فان مدارك العلم كالشم والذوق واللمس لا حاجة إليها في الشهادة في الاغلب (مسألة) (والرؤية تخص بالافعال كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرها) فهذا لا يتحمل الشهادة إلا بالرؤية لانه تمكن الشهادة عليه قطعا ومن ذلك الصفات المرئية في المبيع ونحوها فلا يرجع إلى غير ذلك

[ 8 ]

(مسألة) (والسماع على ضربين سماع من المشهود عليه نحو الاقرار والعقود والطلاق) ونحو ذلك فيحتاج أن يسمع كلام المتعاقدين يقينا ولا تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقن انه كلامهما وبهذا قال ابن عباس والزهري وربيعة والليث وشريح وعطاء وابن أبي ليلى ومالك، وذهب ابو حنيفة والشافعي إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه لان الاصوات تشتبه فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية كالخط ولنا انه عرف المشهود عليه يقينا فجازت شهادته عليه كما لو رآه وجواز اشتباه الاصوات كجواز اشتباه الصور، وانما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقينا، وقد يحصل العلم بالسماع يقينا وقد اعتبره الشرع بتجويزه الرواية من غير رؤية ولهذا قبلت رواية الاعمى ورواية من روى عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير محارمهن (فصل) إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه جاز أن يشهد عليه حاضرا كان أو غائبا، وان لم يعرف ذلك لم يجز أن يشهد عليه مع غيبته وجاز أن يشهد عليه حاضرا بمعرفة عينه نص عليه احمد قال مهنا سألت احمد عن رجل يشهد لرجل بحق له على آخر وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا الا أنه يشهد له فقال إذ قال اشهد ان لهذا على هذا وهما شاهدان جميعا فلا بأس وإذا كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه، والمرأة كالرجل في انه إذا عرف اسمها جاز أن يشهد عليها مع غيبتها وان لم يعرفها

[ 9 ]

لم يشهد عليها إلا في حال حضورها، قال احمد في رواية الجماعة لا تشهد الا لمن تعرف وعلى من تعرف ولا يشهد إلا على امرأة قد عرفها، وإن كانت ممن عرف اسمها ودعيت وذهبت وجاءت فليشهد والا فلا يشهد، فاما ان لم يعرفها فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها ويجوز أن يشهد على عينها إذا عرف عينها ونظر إلى وجهها. قال احمد لا تشهد على امرأة حتى تنظر إلى وجهها وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها فاما من تيقن معرفتها ويعرف صوتها يقينا فيجوز أن يشهد عليها إذا تيقن صوتها على ما قدمناه في المسألة قبلها فان لم يعرف المشهود عليه فعرفه عنده من يعرفه فروي عن احمد انه قال لا يشهد على شهادة غيره الا بمعرفته لها، وقال لا يجوز للرجل أن يقول للرجل اشهد ان هذه فلانة ويشهد على شهادته وهذا صريح في المنع من الشهادة على من لا يعرفه بتعريف غيره وقال القاضي يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب لتجويزه الشهادة بالاستفاضة وظاهر قوله المنع منه، وقال احمد لا تشهد على امرأة الا باذن زوجها وهذا يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها إلا باذن زوجها لما روى عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستأذن على النساء بالاذن أزواجهن رواه احمد في مسنده فاما الشهادة عليها في غير بيتها فجائزة لان اقرارها صحيح وتصرفها إذا كانت رشيدة صحيح فجاز أن يشهد عليها به

[ 10 ]

(فصل) إذا عرف الشاهد خطه ولم يذكر الشهادة فهل يجوز ان يشهد بذلك؟ على روايتين (أحداهما) لا يجوز، قال أحمد في رواية حرب فيمن يري خطه وخاتمه ولا يذكر الشهاد: لا يشهد إلا بما يعلم، وقال في رواية يشهد إذا عرف خطه وكيف تكون الشهادة الا هكذا؟ وقال في موضع آخر إذا عرف خطه ولم يحفظ فلا يشهد إلا أن يكون منسوخا عنده موضوعا تحت ختمه وحرزه فيشهد وان لم يحفظ، وقال أيضا إذا كان ردئ الحفظ يشهد ويكتبهما عنده وهذه رواية ثالثة وهو أن يشهد إذا كانت مكتوبة عنده بخطه في حرزه ولا يشهد إذا لم تكن كذلك بمنزلة القاضي في احدى الروايتين إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه ولا يمضيه إذا لم كن كذلك (مسألة) (الضرب الثاني سماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب الا بذلك كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل وما أشبه ذلك) قال الخرقي وما تظاهرت به الاخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به كالشهادة على النسب والولادة، أجمع اهل العلم على صحة الشهادة بالنسب قال ابن المنذر لا أعلم احدا من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفته إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه ولو اعتبرت لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه، وقد قال الله تعالى (يعرفونه كما يعرفون ابناءهم) وكذلك الولادة واختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة غير النسب والولادة فقال

[ 11 ]

أصحابنا هو تسعة اشياء النكاح والملك المطلق والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل وبهذا قال أبو سعيد الاصطخري وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم لا تجوز في الوقف والولاء والعتق والزوجية لان الشهادة ممكنة فيه بالقطع ولانها شهادة بعقد فاشبه سائر العقود، وقال أبو حنيفة لا تقبل إلا في النكاح والموت ولا تقبل في الملك المطلق لانها شهادة بمال فشابه الدين، وقال صاحباه تقبل في الولاء مثل عكرمة مولى ابن عباس ولنا ان هذه تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها أو مشاهدة اسبابها فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب قال مالك ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بالسماع وقال: السماع في الاحباس والولاء جائز وقال أحمد في رواية المروذي اشهد ان داريختان لبختان وان لم يشهدك وقيل له تشهد ان فلانة امرأة فلان ولم تشهد فقال نعم إذا كان مستفيضا فاشهد اقول فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وان خديجة وعائشة زوجتاه وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة، فان قيل يمكنه العلم بذلك بمشاهدة السبب قلنا وجود السبب لا يفيد العلم بكونه سببا يقينا فانه يجوز ان يشتري ما ليس بملك البائع ويصطاد صيدا صاده غيره ثم انفلت منه وان تصور ذلك فهو نادر وقول أصحاب الشافعي تمكن الشهادة على الوقف باللفظ لا يصح لان الشهادة ليست بالعقود ههنا انما يشهد بالوقف الحاصل بالعقد فهو بمنزلة الملك وكذلك يشهد بالزوجية دون العقد وكذلك الحرية والولاء

[ 12 ]

وهذه جميعها لا يمكن القطع بها كما لا يمكن القطع بالملك لانها مرتبة عليه فوجب ان تجوز الشهادة فيها بالاستفاضة كالملك سواء (مسألة) (ولا تقبل الاستفاضة الا من عدد يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي وقال القاضي تسمع من عدلين فصاعدا) ذكره في المحرر لان الحقوق تثبت بقول اثنين وهذا قول المتأخرين من أصحاب الشافعي والقول الاول هو الذي تقضيه لفظة الاستفاضة فانها مأخوذة من فيض الماء لكثرته ولانه لو اكتفي فيه بقول اثنتين لا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة على الشهادة وانما اكتفي بمجرد السماع وقد ذكر شيخنا في كتاب المقنع الخلع فيما يثبت بالاستفاضة ولم يذكره في المغني ولا في الكافي ولا رأيته في كتاب غيره ولعله قاسه على النكاح والاولى أنه لا يثبت قياسا على الطلاق والنكاح بخلاف الخلع (مسألة) (وان سمع انسانا يقر بنسب أب أو ابن فصدقه المقر له جاز ان يشهد له به وان كذبه لم يشهد وان سكت جاز ان يشهد ويحتمل ألا يشهد حتى يتكرر) إذا سمع رجلا يقول للصبي هذا ابني جاز ان يشهد به لانه مقر بنسبه وان سمع الصبي يقول هذا ابي فسكت الاب جاز ايضا لان سكوت الاب اقرار له والاقرار يثبت به النسب فجازت الشهادة به وانما أقيم السكوت ههنا مقام الاقرار لان الاقرار على الانتساب الباطل غير جائز بخلاف سائر

[ 13 ]

الدعاوى ولان النسب يغلب فيه الاثبات الا ترى انه يلحق بالامكان في النكاح؟ ويحتمل ان لا يشهد حتى يتكرر ذكره أبو الخطاب لان السكوت ليس باقرار حقيقي وانما أقيم مقامه فاعتبرت تقويته بالتكرار كما اعتبرت تقوية اليد في العقار بالاستمرار (مسألة) (وان رأى شيئا في يد انسان يتصرف فيه تصرف الملاك من النقض والبناء والاجارة والاعارة ونحوها جاز ان يشهد بالملك) قال ذلك أبو عبد الله ابن حامد وهو قول أبي حنيفة والاصطخري من أصحاب الشافعي ويحتمل ان لا يشهد الا باليد ولتصرف ذكره القاضي لان اليد ليست منحصرة في الملك فانه قد يكون باجارة وإعارة وغضب ووكالة وهو قول بعض أصحاب الشافعي. ووجه الاول ان اليد دليل الملك واستمرارها من غير منازع يقويها فجرت مجرى الاستفاضة فجاز ان يشهد بها كما لو شاهد سبب اليد من بيع أو إرث أو هبة واحتمال كونها من غصب واجارة أو نحو ذلك يعارضه استمرار اليد من غير منازع فلا يبقى مانعا كما لو شاهد سبب اليد فان احتمال كون البائع غير المالك والوارث والواهب لا يمنع الشهادة كذا ههنا، فان قيل فإذا بقي الاحتمال لم يحصل العلم ولا تجوز الشهادة الا بما يعلم، قلنا الظن يسمى علما قال الله تعالى (فان علمتموهن مؤمنات) ولا سبيل إلى العلم اليقيني ههنا فجاز بالظن (فصل) قال الشيخ رحمه الله ومن شهد بالنكاح فلابد من ذكر شروطه وأنه تزوجها بولي

[ 14 ]

مرشد وشاهدي عدل ورضاها لان الناس يختلفون في شروطه فيجب ذكرها لئلا يكون الشاهد معتقدا صحة النكاح وهو فاسد فان شهد بعقد سواه كالبيع والاجارة فهل يشترط ذكر شروطه؟ على روايتين مبنيتين على الروايتين فيما ادعاها وقد ذكرناه (مسألة) (وان شهد بالرضاع فلابد من ذكر عدد الرضعات وانه شرب من ثديها أو من لبن حلب منه) لان الناس يختلفون في الرضعات وفي الرضاع المحرم فان شهد انه ابنها من الرضاع لم يكف لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها ولابد من ذكران ذلك في الحولين (مسألة) (وان شهد بالقتل احتاج ان يقول ضربه بالسيف أو جرحه فقتله أو مات من ذلك فان قال جرحه فمات لم يحكم به) لجواز ان يكون مات بغير هذا وقد روي عن شريح انه شهد عنده رجل فقال اتكأ عليه بمرفقه فمات فقال شريح فمات منه أو فقتله؟ فأعاد القول الاول فأعاد عليه شريح سؤاله فلم يقل فقتله ولا مات منه فقال له شريح قم فلا شهادة لك رواه سعيد (مسألة) (ومن شهد بالزنا فلا بد ان يذكر بمن زنى؟ واين زنى؟ وانه رأى ذكره في فرجها) لان اسم الزنا يطلق على ما لا يوجب الجد وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنا زنا فاعتبر ذكر صفته ليزول الاحتمال واعتبر ذكر المرأة لئلا تكون ممن تحل له أوله في وطئها شبهة وذكر المكان لئلا

[ 15 ]

تكون الشهادة منهم على فعلين ومن أصحابنا من قال لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان لانه محل الفعل فلا يعتبر ذكره كالزمان والاول أولى والزمان ممنوع في أحد الوجهين فانه يشترط ذكره لتكون شهادتهم على فعل واحد لجواز ان يكون ما شهد به احدهما غير ما شهد به الآخر ولان الناس اختلفوا في الشهادة في الحد مع تقادم الزمان فقال ابن أبي موسى لا تقبل لان عمر قال من شهد على رجل بحد فلم يشهد حين يصيبه فانما يشهد على ضغن وقال غيره من أصحابنا تقبل لانها شهادة بحق فجازت مع تقادم الزمان كالقصاص ولانه قد يعرض له ما يمنعه الشهادة في حينها ويتمكن منها بعد ذلك (مسألة) (ومن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر المسروق منه والنصاب والحرز وصفة السرقة) لاختلاف العلماء في ذلك (مسألة) (وان شهد بالقذف فلابد من ذكر المقذوف وصفة القذف) لذلك (مسألة) (وان شهدا ان هذا العبد ابن أمة فلان لم يحكم به حتى يقولا ولدته في ملكه) إذا ادعى عبدا انه له فشهد له شاهدان انه ابن أمته أو ادعى ثمرة شجرة فشهدت له البينة انها ثمرة شجرته لم يحكم له بها لجواز ان تكون ولدته قبل تملكها واثمرت الشجرة هذه الثمرة قبل ملكه إياها، وان قالت البينة ولدته في ملكه أو أثمرتها في ملكه حكم له بالولد والثمرة لانها شهدت أنها نماء ملكه ما لم يرد سبب ينقله عنه فان قيل فقد قلتم لا تقبل شهادة بالملك السابق على الصحيح وهذه شهادة بملك سابق

[ 16 ]

قلنا الفرق بينهما على تقديم التسليم ان النماء تابع للملك في الاصل فاثبات ملكه في الزمن الماضي على وجه التبع وجرى مجرى ما لو قال ملكته منذ سنة واقام البينة بذلك فان ملكه يثبت في الزمن الماضي تبعا للحال فيكون له النماء فيما مضى، ولان البينة ههنا شهدت سبب الملك وهو ولادتها أو وجودها في ملكه فقويت بذلك ولهذا لو شهدت بالسبب في الزمن الماضي فقالت أفرضه ألفا أو باعه ثبت الملك وان لم يذكره فمع ذكره أولى (مسألة) (وان شهدت انه اشتراها من فلان أو وقفها عليه أو أعتقها لم يحكم بها حتى يقولا وهي في ملكه) لما ذكرنا في المسألة قبلها ولانه يجوز ان يبيع ويقف ويعتق ما لا يملك (مسألة) (وان شهدان هذا الغزل من قطنه والطائر من بيضته أو الدقيق من حنطته حكم له بها) لانه لا يتصور ان يكون الطير من بيضته قبل ملكه البيضة وكذلك الغزل والدقيق ولان الغزل عين القطن وانما تغيرت صفته والدقيق اجزاء الحنطة تفرقت والطير هو البيض استحال فكأن البينة قالت هذا غزله ودقيقه وطيره وليس كذلك الولد والئمرة فانهما غير الام والشجرة ولو شهد ان هذه البيضة من طيره لم يحكم له يها حتى يقول باضها في ملكه لان البيضة غير الطير وانما هي من نمائه فهي كالولد ومذهب الشافعي في هذا الفصل على ما ذكرنا (فصل) وإذا مات رجل فادعي آخر انه وارثه فشهد له شاهدان انه وارثه لا يعلمان له وارثا غيره سلم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا، وان قالا لا نعلم له وارثا غيره في هذا البلد احتمل ان يسلم المال إليه واحتمل ان لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها)

[ 17 ]

وجملة ذلك ان من ادعى أنه وارث فلان الميت فشهد له شاهدان انه وارثه لا يعلمان له وارثا غيره قبلت شهادتهما وسلم المال إليه وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والعنبري، وقال ابن أبي ليلى لا يقبل حتى يبينا أنه لا وارث له سواه ولنا أن هذا مما لا يمكن علمه فكفى فيه الظاهر من شهادة الاصل بعدم وارث آخر قال أبو الخطاب سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا وكذلك ذكره شيخنا ويحتمل ان لا يقبل الا من أهل الخبرة الباطنة لان عدم علمهم بوارث آخر ليس بدليل على عدمه بخلاف اهل الخبرة الباطنة فان الظاهر انه لو كان له وارث آخر لم يخف عليهم وهذا قول الشافعي فاما ان قالا لا نعلم له وارثا بهذه البلدة أو بارض كذا وكذا احتمل ان يسلم المال إليه وبهذا قال أبو حنيفة كما لو قالا لا نعلم له وارثا وذكر ذلك مذهبا لاحمد واحتمل ان هذا ليس بدليل على عدم وارث سواه لانهما قد يعلمان أنه لا وارث له في تلك الارض ويعلمان له وارثا في غيرها فلم تقبل شهادتهما كما لو قالا لا نعلم له وارثا في هذا البيت وهذا قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو أولى ان شاء الله تعالى (فصل) إذا مات رجل فشهد رجلان أن هذا الغلام ابن الميت لا نعلم له وارثا سواه وشهد آخران لاخران هذا الغلام بن هذا الميت لا نعلم له وارثا سواه فلا تعارض بينهما وثبت نسب الغلامين منه ويكون الارث بينهما لانه يجوز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الاخرى.

[ 18 ]

(مسألة) (وتجوز شهادة المستخفي) المستخفي هو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع اقراره ولا يعلم به مثل أن بجحد الحق علانية ويقر به سرا فيختبئ شاهدان في موضع لا يعلم بهما ليسمعا اقراره به ثم يشهدا به فشهادتهما مقبولة على الرواية الصحيحة، وهو قول الشافعي وروي عن أحمد رواية أخرى لا تسمع شهادته اختاره أبو بكر وابن أبي موسى وروي ذلك عن شريح والشعبي لان الله تعالى قال (ولا تجسسوا) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة) يعني انه لا يجوز لسامعه ذكره عنه لالتفاته وحذره وقال مالك ان كان المشهود عليه ضعيفا ينخدع لم يقبلا عليه وان لم يكن كذلك قبلت. ولنا انهما شهدا بما سمعاه يقينا فقبلت شهادتهما كما لو علم بهما. (مسألة) (ومن سمع رجلا يقر بحق أو يشهد شاهدا بحق أو سمع حاكما يحكم أو يشهد على حكمه وانفاذه جاز أن يشهد به في إحدى الروايتين ولا يجوز في الاخرى حتى يشهده على ذلك) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله فيمن سمع رجلا يقر بحق فالمذهب انه يجوز ان يشهد عليه وان لم يقل للشاهد اشهد علي وهي التي ذكرها الخرقي وبه قال الشعبي والشافعي، وعن احمد رواية ثانية لا يشهد حتى يقول له المقر اشهد علي كما لا يجوز ان يشهد على شهادة رجل حتى يسترعيه إياها ويقول له اشهد على شهادتي وعنه رواية ثالثة إذا سمعه يقر بقرض لا يشهد وإذا سمعه يقر بدين شهد، لان المقر بالدين معترف انه عليه والمقر بالقرض لا يعترف بذلك لجواز أن يكون قد وفاه وعنه

[ 19 ]

رواية رابعة إذا سمع شيئا فدعي إلى الشهادة به فهو بالخيار ان شاء شهد وان شاء لم يشهد قال ولكن يجب عليه إذا شهد ان يشهد (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قال إذا شهدوا وقال ابن أبي موسى إذا سمع رجلا يقر لرجل بحق ولم يقل اشهد علي بذلك وسع الشاهد أن يشهد عليه فيقول أشهد اني حضرت اقرار فلان بكذا، وان سمعه يقول اقترضت من فلان أو قبضت من فلان لم يجز ان يشهد وبه والصحيح الاول لان الشاهد يشهد بما علمه وقد حصل له العلم بسماعه فجاز ان يشهد به كما يجوز ان يشهد بما رآه من الافعال فأما الشهادة على الشهادة فهي ضعيفة فاعتبرت تقويتها بالاسترعاء وذكر القاضي ان في الافعال روايتين (احداهما) لا يشهد به حتى يقول له المشهود عليه اشهد، قال شيخنا وهذا ان اراد به العموم في جميع الافعال فلا يصح لان ذلك يؤدي إلى منع الشهادة عليه بالكلية فان الغاصب لا يقول لاحد اشهد أني غصبت ولا السارق ولا الزاني واشباه هؤلاء وقد شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بالزنا فلم يقل عمر هل اشهدكم اولا؟ ولا قاله للذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر ولا قاله عثمان للذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر ولم يقل هذا احد من الصحابة ولا غيرهم ولا بلغنا عن حاكم من حكام المسلمين في قديم الدهر وحديثه أنه رد شهادة على فعل بكون الشاهد لم يحملها فحصل ذلك اجماعا ولان الشاهد مخبر صادق وهذا يحصل من غير ان يقال له اشهد وكذلك ان سمع

[ 20 ]

الحاكم يحكم أو شهد على حكمه وانفاذه جاز ان يشهد على ذلك في اظهر الروايتين والاخرى لا يجوز حتى يشهده ووجههما ما ذكرنا والله أعلم (فصل) ولو حضر شاهدان حسابا بين رجلين شرطا عليهما ان لا يحفظا عليهما شيئا كان للشاهدين ان يشهدا بما سمعاه منهما ولم يسقط ذلك بشرطهما لان للشاهد ان يشهد بما سمعه أو علمه وقد حصل ذلك سواء اشهده أو منعه وكذلك يشهدان على العقود بحضورهما وعلى الجنايات بمشاهدتهما ولا يحتاجان إلى إشهاد وبه قال ابن سيرين ومالك والثوري والشافعي (فصل) والحقوق على ضربين (أحدهما) حق لآدمي معين كالحقوق المالية والنكاح وغيره من العقود والعقوبات كالقصاص وحد القذف والوقف على آدمي معين فلا تسمع الشهادة فيه الا بعد الدعوى لان الشهادة فيه حق لآدمي فلا يستوفى الا بعد مطالبته واذنه ولانه حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقديمها عليها (الضرب الثاني) اما كان حقا لآدمي غير معين كالوقوف على الفقراء والمساكين أو على مسجد أو سقاية أو مقبرة مسبلة والوصية لشئ من ذلك أو نحو هذا، وما كان حقا لله تعالى كالحدود الخالصة لله تعالى أو الزكاة الكفارة قلا تفتقر الشهادة إلى تقدم الدعوى لان ذلك ليس له مستحق معين من الادميين يدعيه ويطالب به ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فاجيزت شهادتهم

[ 21 ]

ولذلك لم يعتبر في ابتداء الوقف قبول من أحد ولا رضى منه وكذلك ما لا يتعلق به حق أحد كتحريم الزوجة بالطلاق أو الظهار أو إعتاق الرقيق تجوز الحسبة به ولا تعتبر فيه الدعوى فلو شهد شاهدان بعتق عبد أو أمة ابتداء ثبت ذلك سواء صدقهما المشهود عليه أو لم يصدقهما وبهذا قال الشافعي وقال به أبو حنيفة في الامة وقال في العبد لا يثبت ما لم يصدق العبد به ويدعيه لان العتق حقه فاشبه سائر حقوق ولنا أنها شهادة بعتق فلا تفتقر إلى تقدم الدعوى كعتق الامة وتخالف سائر حقوق الآدمي لانه حق لله تعالى ولهذا لا يفتقر إلى قبول العتق ودليل ذلك الامة وبه يبطل ما ذكروه فان قال الامة يتعلق باعتاقها تحريم الوطئ قلنا هذا لا أثر له فان البيع يوجب تحريمها عليه ولا تسمع الشهادة الا بعد الدعوى (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوبا أحمر وشهد آخر أنه غصبه ثوبا أبيض أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت) متى كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمنه أو مكانه أو صفة له تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما مثل ان يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا يوم السبت بدمشق ويشهد الآخر أنه غصبه بمصر أو يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا ويشهد الآخر انه غصبه ثوبا فلا تكمل الشهادة لان كل فعل لم يشهد به شاهدان. وهكذا ان اختلفا في زمن القتل ومكانه أو صفته أو في شرب الخمر أو القذف

[ 22 ]

لم تكمل الشهادة لان ما شهد به أحد الشاهدين غير الذي شهد به الآخر فلم يشهد بكل واحد من الفعلين الا شاهد واحد فلم يقبل إلا على قول أبي بكر فان هذه الشهادة تكمل ويثبت المشهود به إذا اختلفا في الزمان أو المكان، فاما ان اختلفا في صفة الفعل فشهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض وشهد الاخر أنه سرق مع الزوال كيسا أسود أو شهد احدهما أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد الاخر أنه سرقه عشيا لم تكمل الشهادة ذكره ابن حامد وقال أبو بكر تكمل الشهادة والاول اصح لان كل فعل لم يشهده الا واحد على ما قدمنا، فان اختلفا في صفة المشهود به اختلافا يوجب تغايرهما مثل ان يشهد احدهما بثوب والآخر بدينار فلا خلاف في أن الشهادة لا تكمل لانه لا يمكن ايجابهما جميعا لانه يكون ايجاب حق عليه بشهادة واحد ولا ايجاب أحدهما بعينه لان الآخر لم يشهد به وليس أحدهما أولى من الآخر فاما ان شهد بكل فعل شاهدان واختلفا في المكان أو الزمان أو الصفة ثبتا جميعا لان كلا منهما قد شهد به بينة عادلة لو انفردت اثبتت الحق وشهادة الاخرى لا تعارضها لامكان الجمع بينهما الا ان يكون الفعل مما لا يمكن تكراره كقتل رجل بعينه فتتعارض البينتان لعلمنا أن إحداهما كاذبة ولا نعلم أيتهما هي؟ بخلاف ما يتكرر ويمكن صدق البينتين فيه فانهما يثبتان جميعا ان ادعاهما وان لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه دون ما لم يدعه، وان شهد اثنان انه سرق مع الزوال كيسا أسود وشهد آخران انه سرق مع الزوال كيسا أبيض أو شهد اثنان انه سرق هذا الكيس غدوة وشهد آخران أنه سرقه عشيا فقال القاضي يتعارضان وهو مذهب الشافعي كما لو كان المشهود به قتلا، قال شيخنا والصحيح أن هذا لا تعارض فيه لانه يمكن صدق البينتين بان يسرق عند الزوال كيسين أبيض

[ 23 ]

وأسود وتشهد كل بينة باحدهما ويمكن ان يسرق كيسا غدوة ثم يعود إلى صاحبه أو غيره فيسرقه عشيا ومع إمكان الجمع لا تعارض فلى هذا ان ادعاهما المشهود له ثبتا له في الصورة الاولى وأما في الصورة الثانية فيثبت له الكيس المشهود به حسب فان المشهود به وان كان فعلين لكنهما في محل واحد فلا يجب أكثر من ضمانه، وإن لم يدع المشهود له إلا أحد الكيسين ثبت له ولم يثبت له الآخر لعدم دعواه إياه، وان شهد له شاهد بسرقة كيس في يوم وشهد آخر بسرقة كيس في يوم آخر أو شهد أحدهما بسرقته من مكان وشهد آخر بسرقته في مكان آخر أو شهد احدهما بغصب كيس أبيض وشهد آخر بغصب كيس أسود فادعاها المشهود له فله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له به لانه مال قد شهد له شاهد وان لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه ولم يثبت له الآخر لانه لم يدعه. (مسألة) (وإن شهد أحدهما أنه أقر له بألف أمس وشهد آخر انه اقر له بألف اليوم أو شهد أحدهما انه باعه داره أمس وشهد آخر انه باعه إياها اليوم كملت البينة وثبت البيع والاقرار وكذلك كل شهادة على القول) أما إذا شهد أحدهما انه اقر له بالف امس وشهد آخر انه أقر له بألف اليوم كملت البينة، لان الالف التي شهد بها احدهما هي الالف التي شهد بها الآخر ولان الشاهدين شهدا بالف وان شهد احدهما انه باعه أمس وشهدا آخر انه باعه اليوم أو شهد احدهما انه طلقها امس وشهد آخر انه طلقها

[ 24 ]

اليوم، فقال أصحابنا تكمل الشهادة وقال الشافعي لا تكمل لان كل واحد من البيع والطلاق لم يشهد به إلا واحد أشبه ما لو شهد بالغضب في وقتين. ووجه قول اصحابنا أن المشهود به شئ واحد يجوز ان يعاد مرة بعد اخرى ويكون واحدا فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه فلم يؤثر كما لو شهد احدهما بالعربية والآخر بالفارسية وكذلك الحكم في كل شهادة على قول فالحكم فيه كالحكم في البيع الا النكاح فانه كالفعل إذا شهد احدهما انه تزوجها أمس وشهد الآخر انه تزوجها اليوم لم تكمل الشهادة في قولهم جميعا لان النكاح امس غير النكاح اليوم فلم يشهد بكل واحد من العقدين الا شاهد واحد فلم يثبت كما لو كانت الشهادة على فعل. (مسألة) (وكذلك القذف إذا شهد احدهما انه قذفه غدوة وشهد الآخر انه قذفه عشية أو شهد أحدهما أنه قذفه بالعربية وشهد الآخر أنه قذفه بالعجمية أو اختلفا في المكان لم يثبت القذف) لان القذف في مكان غير القذف في المكان الآخر وكذلك الاختلاف في الزمان وقال أبو بكر يثبت القذف لان المشهود به واحد وإن اختلفت العبارة واختلف الزمان والاول المذهب (فصل) في الشهادة على الاقرار بالفعل مثل أن يشهد أحدهما انه أقر عندي يوم الخميس بدمشق

[ 25 ]

أنه قتله أو قذفه أو غصبه كذا أو ان له في ذمته كذا ويشهد الآخر أنه أقر عندي بهذا يوم السبت بحمص كملت شهادتهما، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال زفر لا تكمل شهادتهما لان كل اقرار لم يشهد به إلا واحد فلم تكمل الشهادة كالشهادة على الفعل ولنا ان المقر به واحد وقد شهد اثنان بالاقرار به فكملت شهادتهما كما لو كان الاقرار بهما واحدا وفارق الشهادة على الفعل فان الشهادة فيها على فعلين مختلفين فنظيره من الاقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه قتله يوم الجمعة فان شهادتهما لا تقبل ههنا ويحقق ما ذكرناه أنه لا يمكن جمع الشهود لسماع الشهادة في حق كل واحد والعادة جارية بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى المشهود له فيمضي إليهم في أوقات منفردة واماكن مختلفة فيشهدهم على إقراره فان كان الاقرار بفعلين مختلفين مثل أن يقول أحدهما أشهد انه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وقال الآخرر أشهد أنه أقر عندي انه قذفه بالعجمية لم تكمل الشهادة لان الذي يشهد به أحدهما غير الذي شهد به صاحبه فلم تكمل الشهادة كما لو شهد أحدهما أنه أقر أنه غصبه دنانير وشهد الآخر أنه غصبه دراهم لم تكمل وعلى قول أبي بكر تكمل الشهادة في القتل والقذف لان القذف بالعربية أو العجمية والقتل بالبصرة أو الكوفة ليس من المقتضي فلا تعتبر في الشهادة والاول أصح

[ 26 ]

(فصل) فان شهد أحدهما أنه غصبه هذا العبد وشهد الآخر أنه أقر بغصبه منه كملت الشهادة ويحكم بها لانه يجوز أن يكون الغصب الذي أقر به هو الذي شهد الشاهد به فلم يختلف الفعل وكملت الشهادة كما لو شهدا في وقتين على اقراره بالغصب وقال القاضي لا تكمل الشهادة ولا يحكم بها وهو قول الشافعي لانه يجوز ان يكون ما أقر به غير ما شهد به الشاهد وهذا يبطل بالشهادة على اقرارين فانه يجوز أن يكون ما أقر به عند أحد الشاهدين غير ما اقر به عند الآخر إذا كانا في وقتين مختلفين ولانه إذا أمكن جعل الشهادة على فعل واحد لم يحمل على اثنين كالاقرارين وكما لو شهد بالغصب اثنان وشهد على الاقرار به اثنان فان شهد احدهما أنه غصب هذا العبد من زيد أو اقر بغصبه منه وشهد الآخر انه ملك زيد لم تكمل شهادتهما لانهما لم يشهدا على شئ واحد وان شهد انه اخذه من يديه ألزمه الحاكم رده إلى يديه لان اليد دليل الملك فيرده إلى يده لتكون دلالتها ثابتة له قال مهنا سألت أبا عبد الله عن رجل ادعى دارا في يد رجل وأقام شاهدين شهد احدهما قال أشهد ان هذه الدار لفلان وقال الآخر اشهد ان هذه الدار دار فلان قال شهادتهما جائزة (مسألة) (وان شهد شاهد أنه اقر له بألفين وشهد آخر انه اقر له بالف ثبت الالف ويحلف على الآخر مع شاهده ان احب) وجملة ذلك أنه إذا شهد احد الشاهدين بشئ وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم به وهذا قول شريح ومالك والشافعي وابن ابي ليلى وابي يوسف ومحمد واسحاق وابي

[ 27 ]

عبيد وحكي عن الشعبي انه شهد عنده رجلان شهد احدهما انه طلقها تطليقة وشهد آخر انه طلقها تطليقتين فقال قد اختلفتما قوما وحكي عن ابي حنيفة انه إذا شهد شاهد انه أقر بالف وشهد آخر انه اقر بألفين لم تكمل الشهادة لان الاقرار بالالف غير الاقرار بألفين ولم يشهد بكل اقرار الا واحد. ولنا ان الشهادة قد كملت فيما اتفقا عليه فحكم به كما لو لم يرد احدهما على صاحبه وما ذكروه من ان كل إقرار إنما شهد به واحد يبطل بما إذا شهد احدهما انه اقر بالف غدوة وشهد الآخر انه اقر بألف عشيا فان الشهادة تكمل مع ان كل اقرار إنما شهد به واحد فاما ما انفرد به احدهما فان للمدعي ان يحلف معه ويستحق هذا قول من يرى الحكم بشاهد ويمين وهذا فيما إذا أطلقا الشهادة أو لم تختلف الاسباب والصفات. (فصل) إذا شهد له شاهدان بالف وشاهدان بخمسمائة ولم تختلف الاسباب والصفات دخلت الخمسمائة في الالف ووجب له الالف بالشاهدين، وان اختلفت الاسباب والصفات وجب له الالف والخمسمائة ولم يدخل احدهما في الآخر لانهما مختلفان (مسألة) (وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفا وشهد آخران له عليه ألفين فهل تكمل البينة على ألف؟ على وجهين) (أحدهما): تكمل كالتي قبلها، (والثاني): لا تكمل لانه يحتمل أن يكون الالف المنفرد من غير الالفين.

[ 28 ]

(مسألة) (وإن شهد أحدهما أن له عليه الفا من قرض وشهد آخران أن له عليه الفا من ثمن مبيع لم تكمل البينة) أما إذا اختلفت الاسباب والصفات مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض وآخر بألف من ثمن مبيع أو يشهد شاهد بألف بيض وآخر بألف سود أو يشهد أحدهما بالف دينار والآخر بالف درهم لم تكمل البينة وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحقها أو يحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به (مسألة) (وإن شهد شاهدان أن له عليه الفا وقال أحدهما قضاه بعضه بطلت شهادته نص عليه وإن شهد انه أقرضه ألفا وقال أحدهما قضاه نصفه صحت شهادتهما) إذا شهدا ان له عليه ألفا ثم قال أحدهما قضاه نصفه بطلت شهادته وهكذا ذكره أبو الخطاب وذلك بأنه شهد بأن الالف جميعه عليه فإذا قضاه بعضه لم يكن الالف كله عليه فيكون كلامه متناقضا فتفسد شهادته وفارق هذا ما لو شهد بألف ثم قال بل بخمسمائة لان ذلك رجوع عن الشهادة بخمسمائة واقرار بغلط نفسه وهذا لا يقول ذلك على وجه الرجوع والمنصوص عن أحمد ان شهادته تقبل بخمسمائة فانه قال إذا شهد بالف ثم قال أحدهما قبل الحكم قضاه منه خمسمائة افسد شهادته والمشهود له ما اجتمعا عليه وهو خمسمائة فصحت شهادته في نصف الالف الباقي وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضاه لانه بمنزله الرجوع عن الشهادة به فأشبه ما لو قال اشهد بألف بل خمسمائة قال أحمد ولو جاء

[ 29 ]

بعد هذا المجلس فقال أشهد انه قضاه منه خمسمائة لم يقبل منه لانه قد أمضى الشهادة فهذا يحتمل أنه أراد إذا جاء بعد الحكم فشهد بالقضاء لم يقبل منه لان الالف قد وجب بشهادتهما وحكم الحاكم ولا تقبل شهادته بانقضاء لانه لا يثبت بشاهد واحد فألما ان شهد أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما قضاه منه خمسمائة قبلت شهادته في باقي الالف وجها واحدا لانه لا تناقض في كلامه ولا اختلاف (مسألة) (وإن كانت له بينة بألف فقال أريد ان تشهدا لي بخمسمائة لم يجز) وعند أبي الخطاب يجوز قال أحمد إذ شهد على الف وكان الحاكم لا يحكم الا على مائتين فقال له صاحب الحق اريد ان تشهدا لي على مائه لم يشهد الا بألف قال القاضي وذلك ان على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد قال الله تعالى (ذلك ادنى ان يأتوا بالشهادة على وجهها ولانه لو ساغ للشاهد ان يشهد ببعض ما اشهد لساغ للقاضي ان يقضي ببعض ما شهد به الشاهد وقال أبو الخطاب عندي يجوز بذلك لان من شهد بألف فقد شهد به بمائه وإذا شهد بمائه لم يكن كاذبا في شهادته فجاز كما لو كان قد اقرضه مائة مرة وتسعمائة أخرى: قال شيخنا والاول أصح لما ذكر القاضي لان شهادته بمائة ربما اوهمت ان هذه المائة غير التي شهدت باصله فيؤدي إلى ايجابها عليه مرتين قال أحمد إذا

[ 30 ]

قال اشهد على مائة درهم ومائة درهم ومائة درهم فشهد على مائة دون مائة كره الا ان يقول اشهدوني على مائة ومائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كان (فصل) قال أحمد إذا شهد بالف درهم ومائة درينار فله دراهم ذلك البلد ودنانيره قال القاضي لانه لما جاز ان يحمل مطلق العقد على ذلك جاز ان تحمل الشهادة عليه (فصل) إذا شهد شاهد انه باعه هذا العبد بالف وشهد آخر انه باعه إياه بخمسمائة لم تكمل البينة لاختلافهما في صفة البيع وله ان يحلف مع أحدهما ويثبت له ما حلف عليه فان شهد بكل عقد شاهدان ثبت البيعان فان أضافا البيع إلى وقت واحد مثل ان يشهدا انه باعه هذا العبد مع الزوال بالف وشهد آخر انه باعه إياه مع الزوال بخمسمائة تعارضت البينتان وسقطتا لانه لا يمكن اجتماعهما وكل بينة تكذب الاخرى وإن شهد بكل واحد من هذين شاهد واحد كان له ان يحلف مع أحدهما ولا يتعارضان لان التعارض انما يكون مع البينتين الكاملتين

[ 31 ]

(باب شروط من تقبل شهادته) وهي ستة أحدها البلوغ فلا تقبل شهادة الصبيان وعنه تقبل ممن هو في حال العدالة وعنه لا تقبل إلى في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فالمشهور عنه أنها لا تقبل شهادة الصبي ما لم يبلغ روي هذا عن ابن عباس وبه قال القاسم وسالم وعطاء ومكحول وابن ابي ليلى والاوزاعي والثوري والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه وعن أحمد رواية ثانية ان شهادته تقبل إذا كان ابن عشر قال ابن حامد فعلى هذه الرواية تقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص كالعبيد وروي عن علي رضي الله عنه ان شهادة بعضهم تقبل على بعض، وروي ذلك عن شريح والحسن والنخعي قال ابراهيم كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان بينهم قال المغيرة وكان اصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل ولا على عبد. وروى الامام احمد باسناده عن مسروق قال كنا عند علي فجاءه خمسة غلمة فقالوا انا كنا ست غلمة تتغاط فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فجعل على الاثنين ثلاثة اخماس الدية وجعل على الثلاثة خمسيها وقضى بنحو هذا مسروق وعنه رواية ثالثة ان شهادتهم لا تقبل إلا في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها فان تفرقوا لم تقبل شهادتهم وهو قول مالك لان الظاهر صدقهم وضبطهم ولا تقبل بعد الافتراق لانه يحتمل ان يلقنوا. قال ابن الزبير ان اخذوا عند مصاب

[ 32 ]

ذلك فبالحري ان يعقلوا ويحفظوا وعن الزهري ان شهادتهم جائزة ويستحلف أولياء المشجوج وذكره عن مروان والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شئ لقول الله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) وقال سبحانه (ممن ترضون من الشهداء) والصبي لا يرضى وقال عزوجل (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه) فاخبر ان الشاهد الكاتم لشهادته آثم والصبي لا يأثم فيدل على انه ليس بشاهد ولان الصبي لا يخاف من مأثم الكذب فيزعه عنه ويمنعنه منه فلا تحصل الثقة بقوله ولان من لا يقبل قوله على نفسه في الاقرار لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون يحقق هذا ان الاقرار اوسع لانه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة ولا تصح الشهادة منهم ولان من لا تقبل شهادته في المال لا تقبل في الجراح كالفاسق (والثاني) العقل فلا تقبل شهادة معتوه ولا مجنون الا من يخنق في الاحيان إذا شهد في حال افاقته ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل اجماعا قال ابن المنذر وسواء ذهب عقله بجنون أو سكر أو صغر لانه ليس بمحصل ولا تحصل الثقة بقوله فاما من يخنق في الاحيان إذا شهد في حال افاقته فتقبل شهادته لانها شهادة من عاقل اشبه من يخنق

[ 33 ]

(الثالث) الكلام فلا تقبل شهادة الاخرس نص عليه أحمد قيل له وإن كتبها؟ قال لا أدري وهو قول أصحاب الرأي وقال مالك والشافعي وابن المنذر تقبل إذا فهمت اشارته لفيامها مقام نطقه في كل أحكامه من كلامه ونكاحه وغير ذلك فكذلك في شهادته واستدل ابن المنذر بان النبي صلى الله عليه وسلم أشار وهو جالس إلى الناس وهو قيام (ان اجلسوا فجلسوا) ولنا أنها شهادة بالاشارة فلم تجز كاشارة الناطق لان الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفى بايماء الناطق ولا يحصل اليقين بالاشارة وانما اكتفي باشارته في احكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة ههنا وما استدل به ابن المنذر لا يصح فان النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الكلام وعمل باشارته إلى الصلاة ولو شهد الناطق بالاشارة والايماء لم تصح شهادته اجماعا فعلم ان الشهادة تفارق غيرها من الاحكام ويحتمل ان تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فهمت إشارته لان إشارته بمنزلة نطقه كما في سائر احكامه والاول اولى لانا إنما قبلنا إشارته فيما يختص به للضرورة ولا ضرورة ههنا (الرابع) الاسلام فلا تقبل شهادة كافر إلا اهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم ويحلفهم الحاكم بعد العصر لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وانها لوصية الرجل بعينه فان عثر على انهما استحقا إثما قام آخران من اولياء

[ 34 ]

الوصي فحلفا بالله لشهادتنا احق من شهادتهما ولقد خانا وكتما ويقضى لهم وعنه ان شهادة بعض اهل الذمة تقبل على بعض والاول المذهب وجملة ذلك ان شهادة اهل الكتاب لا تقبل في شئ على مسلم ولا كافر الا في الوصية في السفر على ما نذكره ذكره الخرقي، وروى ذلك عن احمد نحو من عشرين نفسا وممن قال لا تقبل شهادتهم الحسن وابن ابي ليلى والاوزاعي ومالك وابو ثور ونقل حنبل عن احمد ان شهادة بعضهم تقبل على بعض وخطأه الخلال في نقله هذا وقال صاحبه أبو بكر هذا غلط لا شك فيه وقال ابن حامد بل المسألة على ووايتين قال أبو حفص البرمكي تقبل شهادة السبي بعضهم على بعض في النسب إذا ادعى احدهم ان الآخر اخوه والمذهب الاول والظاهر غلط من روى خلاف ذلك وذهبت طائفة من اهل العلم إلى ان شهادة بعضهم على بعض تقبل ثم اختلفوا فمنهم من قال الكفر ملة واحدة فتقبل شهادة اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي هذا قول حماد وسوار والثوري وابي حنيفة واصحابه وعن قتادة والحكم وابي عبيد واسحاق تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني ولا نصراني على يهودى ويروى عن الزهري والشعبي كقولنا وقولهم، واحتجوا بما روي عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم اجاز شهادة اهل الذمة بعضهم على بعض رواه ابن ماجه ولان بعضهم يلي على بعض فتقبل شهادة بعضهم على بعض كالمسلمين ولنا قول الله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقال تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم -

[ 35 ]

إلى قوله - ممن ترضون من الشهداء) والكافر ليس بذي عدل ولا هو منا ولا من رجالنا ولا ممن نرضاه ولانه لا تقبل شهادته على غير اهل دينه فلا تقبل على اهل دينه كالحربي والخبر يرويه اهل مجلد وهو ضعيف وان ثبت فيحتمل انه اراد اليمين فانها تسمى شهادة قال الله تعالى في اللعان (فشهادة احدهم اربع شهادات بالله انه لمن الصادقين) واما الولاية فمتعلقها القرابة والشفقة وقرابتهم ثابتة وشفقتهم كشفقة المسلمين وجازت لموضع الحاجة فان غير اهل دينهم لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك لكثرتهم بخلاف الشهادة فانها ممكنة من المسلمين، وقد روي عن معاذ رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تقبل شهادة اهل دين الا المسلمين فانهم عدول على انفسهم وعلى غيرهم (فصل) فاما شهادة اهل الكتاب بوصية المسافر الذي مات في سفره إذا شهد بها شاهدان من اهل الذمة قبلت شهادتهم إذا لم يوجد غيرهما من المسلمين ويستحلفان بعد العصر على ما ذكرنا في صدر المسألة قال ابن المنذر وبهذا قال أكابر الماضين يعني الآية التي في سورة المائدة ومن قاله شريح والنخعي والاوزاعي ويحيى بن حمزه وقضي بذلك عبد الله بن مسعود وابو موسى رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا تقبل لان من لا تقبل شهادته في غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق ولان الفاسق لا تقبل شهادته فالكافر اولى واختلفوا في تأويل الآية فمنهم من حملها على التحمل دون الاداء ومنهم قال المراد بقوله من غيركم أي من عشيرتكم ومنهم من قال المراد بالشهادة اليمين

[ 36 ]

ولنا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منك أو آخران من غيركم ان انتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت) الآية وهذا نص الكتاب وقد قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى ابن عباس قال خرج رجل من بني تميم الداري وعدي بن زيد فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقد واجام فضة مخوصا بالذهب فاحلفهما رسلو الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تيمم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وان الجام لصاحبهم فنزلت فيهم (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) الآية وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فاشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الاشعري فاخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الاشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصية الرجل وتركته فامضى شهادتهما رواه أبو داود وروى الخلاف حديث أبي موسى باسناده وحمل الآية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح لان الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين وقد فسره بما قلنا سعيد بن المسيب والحسن

[ 37 ]

وابن سيرين وعبيدة وسعيد بن جبير وسليمان التيمي وغيرهم ودلت عليه الاحاديث التي رويناها ولانه لو صح ما ذكروه لم تجب الايمان لان الشاهدين من المسلمين لاقسامة عليهم وحملها على التحمل لا يصح لانه أمر باحلافهم ولا أيمان في التحمل وحملها على اليمين لا يصح لقوله (فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله) ولانه عطفها على ذوي العدل من المؤمنين وهما شاهدان وروى أبو عبيد في الناسخ المنسوخ أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان قال احمد اهل المدينة ليس عندهم حديث ابي موسى من أين يعرفونه؟ فقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الصحابة وعملهم بما ثبت في الكتاب والسنة فتعين المصير إليه والعمل به سواء وافق القياس أو خالفه (الخامس) ان يكون ممن يحفظ فلا تقبل شهادة مغفل ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان لان الثقة لا تحصل بقوله لاحتمال ان يكون من غلطه وتقبل شهادة من يقل ذلك منه لان احدا لا يسلم من الغلط. (فصل) قال رحمه الله (السادس) (العدالة وهي استواء احواله في دينه واعتدال اقواله وافعاله وقيل العدل من لم تظهر منه ريبة ويعتبر له شيئان الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض واجتناب المحارم وهو ان لا يرتكب كبيرة ولا يد من على صغيرة) فان الله تعالى نهى ان تقبل شهادة القاذف

[ 38 ]

فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة ولا يخرجه عن العدالة فعل صغيرة لقول الله تعالى (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم) قيل اللمم صغار الذنوب ولان التحرز منها غير ممكن وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (ان تغفر اللهم تغفر جما واي عبد لك لا ألما) اي لم يلم فان لامع الماضي بمنزلة لم مع المستقبل وقيل اللمم ان يلم بالذنب ولا يعود فيه والكبائر كل ذنب فيه حد والاشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين، وقد روى أبو بكرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الا انبئكم بأكبر الكبائر الاشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس فقال - الا وقول الزور وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه قال احمد لا تجوز شهادة آكل الربا والعاق وقاطع الرحم ولا من لا يؤدي زكاة ماله، وإذا اخرج في طريق المسلمين الاسطوانة والكنيف لا يكون عدلا ولا يكون ابنه عدلا إذا ورث أباه حتى يرد ما أخذ من طريق المسلمين ولا يكون عدلا إذا كذب الكذب الشديد لان النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبة. وقال عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد ولا ذي غمر على أخيه في عداوة ولا القاطع لاهل البيت ولا مجرب عليه شهادة زور ولا ضنين في قرابة ولا ولاء) وقد رواه أبو داود (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولان ذي غمر على أخيه) فاما الصغائر فان كان مصرا عليها ردت شهادته وان كان الغالب من امره الطاعات لم ترد لما ذكرنا من عدم إمكان التحرز منه. (مسألة) (ولا تقبل شهادة فاسق لقوله سبحانه وتعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم)

[ 39 ]

وقال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الآية والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه وقد روي في الحديث (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الاسلام ولا ذي غمر على أخيه) رواه أبو عبيد وكان أبو عبيد لا يرى الخائن والخائنة مختصا بامانات الناس بل جميع ما فرض الله تعالى على العباد القيام به واجتنابه من كبير ذلك وصغيره قال الله تعالى (انا عرضنا على السموات والارض والجبال) الآية وروي عن عمر أنه قال لا يؤسر رجل بغير العدول ولان دين الفاسق لا يزعه عن ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن ان لا يزعه عن الكذب فلا تحصل الثقة بخبره إذا تقرر هذا فالفسق نوعان: (أحدهما) من جهة الافعال فلا خلاف في رد شهادته (الثاني) من جهة الاعتقاد وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضا. وبه قال مالك وشريك واسحاق وأبو عبيد وابو ثور قال شريك اربعة لا تجوز شهادتهم رافضي يزعم أنه له اماما مفترضة طاعته وخارجي يزعم ان الدنيا دار حرب وقد يزعم ان المشيثة إليه ومرجئ، ورد شهادة يعقوب وقال الا ارد شهادة قوم يزعمون ان الصلاة ليست من الايمان؟ وقال أبو حامد من اصحاب الشافعي المختلفون على ثلاثه اضرب (ضرب) اختلفوا في الفروع فهؤلاء لا يفسقون ولا ترد شهادتهم وقد اختلفت الصحابة في الفروع ومن بعدهم من التابعين

[ 40 ]

(الثاني) من نفسقه ولا نكفره وهو من سب القرابة كالخوارج أو من سب الصحابة كالروافض فلا تقبل لهم شهادة لذلك (الثالث) من نكفره وهو من قال بخلق القرآن ونفى الرؤية واضاف المشيئة إلى نفسه فلا تقبل له شهادة وذكر القاضي أبو يعلى مثل هذا سواء قال: وقال احمد ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الاهواء وأجاز سوار شهادة ناس من بني العنبر ممن يرى الاعتزال قال الشافعي الا أن يكون ممن يرى الشهادة بالكذب كالخطابية وهم أصحاب أبي الخطاب يشهد بعضهم لبعض بتصديقه ووجه قول من أجاز شهادتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الاسلام أشبه الاختلاف في الفروع ولان فسقهم لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه الحق ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الافعال. (مسألة) (ويتخرج قبول شهادة أهل الذمة على قبول شهادة الفاسق من جبة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بالشهادة لموافقيه على مخالفيه كالخطابية. وكذلك قال أبو الخطاب. وروي عن أحمد جواز الرواية عن القدري إذا لم يكن داعية فكذلك الشهادة.

[ 41 ]

ولنا أنه أحد نوعي الفسق فترد به الشهادة كالنوع الآخر ولانه فاسق فترد شهادته للآية (مسألة) (فاما من فعل شيئا من الفروع المختلف فيها فتزوج بغير ولي أو شرب من النبيذ مالا يسكره أو اخر الحج مع امكانه ونحوه متأولا فلا ترد شهادته) وإن فعله معتقدا تحريمه ردت شهادته. ويحتمل أن لا ترد بنص عليه أحمد في شارب النبيذ يحد ولا ترد شهادته. وبهذا قال لشافعي وقال مالك ترد شهادته لانه فعل ما يعتقد الحاكم تحريمه فاشبه المتفق على تحريمه ولنا ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الفروع فلم يكن بعضهم يعيب من خالفه ولا يفسقه ولانه فرع مختلف فيه فلم ترد شهادة فاعله كالذي يوافقه عليه الحاكم، فاما ان فعله معتقدا تحريمه ردت شهادته إذا تكرر ويحتمل أن لا ترد وبه قال أصحاب الشافعي لانه فعل لا يرد شهادة بعض الناس فلا يرد شهادة البعض الآخر كالمتفق على حله ووجه الاول انه فعل محرم على فاعله ويأثم به فاشبه المتفق على تحريمه، وبهذا فارق معتقد حله وقد روي عن أحمد فيمن يجب عليه الحج فلا يحج ترد شهادته وهذا يحمل على من اعتقد وجوبه على الفور فاما من يعتقد أنه على التراخي وبتركه بنية فعله فلا ترد شهادته كسائر ما ذكرنا وقيل ترد لانه

[ 42 ]

روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لقد هممت أن انظر في الناس فمن وجدته يقدر على الحج ولا يحج ضربت عليه الجزية ثم قال ما هم بمسلمين وما هم بمسلمين (مسألة) الثاني (استعمال المروءة وهو فعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه فلا تقبل شهادة المصانع، والمتمسخر، والمغني، والرقاص، واللاعب بالشطرنج، والنرد، والحمام والذي يتغدى في السوق ويمد رجليه في مجمع الناس ويحدث بمباضعته أهله وأمته ويدخل الحمام بغير مئزر ونحو ذلك) المروءات اجتناب الامور الدنيئة المزرية به وذلك نوعان (أحدهما) في الافعال كالاكل في السوق وهو الذي ينصب مائدة في السوق ويأكل والناس ينظرون إليه ولا يعني أكل شئ يسير كالكسرة ونحوها، وإن كان يكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه أو يمد رجليه في مجمع الناس أو يتمسخر بما يضحك الناس به أو يخاطب امرأته أو أمته أو غيرهما بحضرة الناس الخطاب الفاحش أو يحدث الناس بمباضعته أهله أو نحو هذا من الافعال الدنيئة فلا تقبل شهادته لان هذا سخف ودناءة فمن

[ 43 ]

رضيه لنفسه واستحسنه فليست له مروءة ولا تحصل الثقة بقوله قال احمد في رجل شتم بهيمة قال الصالحون لا تقبل شهادته حتى يتوب، وقد روى ابن مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) يعني من لم يستح صنع ما شاء ولان المروءة تمتنع الكذب وتزجر عنه ولهذا يمتنع منه دو المروة وإن لم يكن ذا دين فقد روي عن ابي سفيان أنه حين سأله قيصر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفته قال والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني الكذب لكذبته ولم يكن يومئذ ذا دين ولان الكذب دناءة والمروءة تمنع من الدناءة وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت في العدالة كالدين ومن فعل شيئا من هذا مختفيا به لم يمنع من قبول شهادته لان مروءته لا تسقط به وكذلك إن فعله مرة أو شيئا قليلا لم ترد شهادته لان صغير المعاصي لا يمنع الشهادة إذا قل فهذا اولى ولان المروءة لا تختل بقليل هذا ما لم يكن عادة

[ 44 ]

(فصل في اللعب) كل لعب فيه قمار فهو محرم أي لعب كان وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته وما خلا القمار وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من احدهما فمنه ما هو محرم ومنه ما هو مباح فالمحرم اللعب بالنرد وهذا قول أبي حنيفة واكثر اصحاب الشافعي وقال بعضهم هو مكروه غير محرم. ولنا ما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من لعب بالنرد شير فقد عصي الله ورسوله). وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه)) رواه أبو داود وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم. إذا ثبت هذا فمن تكرر منه اللعب به لم تقبل شهادته سواء لعب به قمارا أو غير قمار وهو قول أبي حنيفة ومالك وظاهر مذهب الشافعي. وقال مالك: من لعب بالشطرنج والنرد فلا أرى شهادته إلا باطلة لان الله تعالى قال (فماذا بعد الحق إلا الضلال) وهذا ليس من الحق فيكون من الضلال (فصل) والشطرنج كالنرد في التحريم إلا أن تحريم النرد آكد لورود النص في تحريمه وهذا في معناه فيثبت فيه حكمه قياسا عليه، وذكر القاضي أبو الحسين ممن ذهب إلى تحريمه علي بن أبي طالب

[ 45 ]

وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والقاسم وسالما وعروة ومحمد بن علي بن الحسين ومطر الوراق ومالكا وأبا حنيفة وذهب الشافعي إلى إباحته وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير واحتجوا بأن الاصل الاباحة ولم يرد بتحريمه نص ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على الاباحة ويفارق الشطرنج النرد من وجهين (أحدهما) ان في الشطرنج تدبير الحرب فأشبه اللعب بالحراب والرمي بالنشاب والمسابقة بالخيل (والثاني) ان المعول في النرد على ما يخرجه الكعبتان فأشبه الازلام والمعول في الشطرنج على حذقه وتدبيره فأشبه المسابقة بالسهام ولنا قول الله سبحانه وتعالى (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) قال علي رضي الله عنه الشطرنج من الميسر ومر رضي الله عنه على قوم فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ قال أحمد أصح ما في الشطرنج قول علي رضي الله عنه وروى واثلة بن الاسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان لله عزوجل في كل يوم ستمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه فيها نصيب (ولانه لعب يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة فأشبه اللعب بالنرد وقولهم لا نص فيها وقد ذكرنا فيها نصا وهو في معنى المنصوص على تحريمه وقولهم ان فيها تدبير الحرب قلنا لا يقصد هذا

[ 46 ]

منها وأكثر اللاعبين بها انما يقصدون منها اللعب والقمار وقولهم ان المعول فيها على تدبيره فهو أبلغ في اشغاله بها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة. إذا ثبت هذا فقال أحمد النرد أشد من الشطرنج انما قال ذلك لورود النص في النرد بخلاف الشطرنج. إذ ثبت هذا فقال القاضي: هو كالنرد في رد الشهادة وهو قول أبي حنيفة ومالك لاشتراكهما في التحريم وقال أبو بكر ان فعله من يعتقد تحريمه فهو كالنرد في حقه وإن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته الا ان يشغله عن الصلاة في أوقاتها أو يخرجه إلى الحلف الكاذب أو نحوه من المحرمات أو يلعب بها على الطريق أو يفعل في لعبه ما يستخف به من أجله ونحو هذا مما يخرجه عن المروءة، وهذا مذهب الشافعي وذلك لانه مختلف فيه أشبه سائر المختلف فيه (فصل) فأما اللاعب بالحمام يطيرها فلا شهادة له وهذا قول أصحاب الرأي وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام ولانه سفه ودناءة وقلة مروءة ويتضمن اذي الجيران واشرافه على دورهم ورميه اياها بالحجارة، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا يتبع حماما فقال (شيطان يتبع شيطانة) فان اتخذ الحمام لطلب فراخها أو لحمل الكتب أو للانس بها من غير اذى يتعدى إلى الناس فلا بأس، وقد روى عبادة بن الصامت أن رجلا اتي النبي صلى الله عليه وسلم (فشكا إليه الوحشة فقال (اتخذ زوجا من الحمام)

[ 47 ]

(فصل) فأما المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من الحيوانات أو على الاقدام فمباحة ولا دناءة فيها ولا ترد بها الشهادة وقد ذكرنا مشروعية ذلك في باب المسابقة وكذلك ما في معناها من الثقاف واللعب بالحراب وقد لعب الحبشة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بالحراب وقامت عائشة رضي الله عنها تنظر إليهم وتستتر به حتى ملت وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضرارا ولا شغلا عن فرض فالاصل اباحته فما كان فيه دناءة ينرفع عنه ذووا المروءات منع الشهادة إذا فعله ظاهرا وتكرر منه ومالا دناءة فيه لم ترد الشهادة به بحال (مسألة) (فأما الشين في الصناعة كالحجام والحائك والنخال والنفاط والقمام والزبال والمشعوذ والدباغ والحارس والكناس فهل تقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم؟ على وجهين) الصناعات الدنيئة كالكساح والكباش لا تقبل شهادتهما لما روى سعيد في سننه أن رجلا أتي ابن عمر فقال له اني رجل كناس فقال له أي شئ تكنس؟ الزبل قال لا قال فالعذرة؟ قال نعم قال الاجر خبيث وما تزوجت فخبيث حتى تخرج منه كما دخلت فيه وعن ابن عباس مثله في الكساح ولان هذا دناءة يجتنبه اهل المروءات فاشبه الذي قبله فاما الزبال ونحوهم ففيه وجهان (أحدهما) لا تقبل شهادتهم لانها دناءة تجتنبها أهل المروءات فهو كالذي قبله (والثاني) يقبل لان بالناس إليه حاجة فعلى هذا الوجه انما تقبل شهادته إذا كان يتنظف للصلاة في وقتها ويصليها فان صلى بالنجاسة لم تقبل شهادته وجها واحدا، وأما الحائك والحارس والدباغ فهو أعلى من هذه الصنائع فلا ترد به

[ 48 ]

الشهادة وذكر شيخنا فيها وجهين وكذلك ذكرها أبو الخطاب والاولى قبول شهادة الحائك والحارس والدباغ لانه قد تولاها كثير من الصالحين وأهل المروءات وأما سائر الصنائع التي لا دناءة فيها فلا ترد الشهادة بها إلا من كان منهم يحلف كاذبا أو يعد ويخلف وغلب هذا عليه فان شهادته ترد وكذلك من كان منهم يؤخر الصلاة عن أوقاتها ولا يتنزه عن النجاسات فلا شهادة له ومن كانت صناعته يكثر فيها الربا كالصائغ والصيرفي ولم يتق ذلك ردت شهادته (فصل في الملاهي) وهي على ثلاثة أضرب: محرم وهو ضرب الاوتار والنايات والمزامير كلها والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها فمن أدام استماعها ردت شهادته لانه بروى عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا ظهر في أمتي خمس عشرة خصلة حل بهم البلاء) ذكر منها إظهار المعارف والملاهي وقال سعيد ثنا فرج بن فضالة عن على بن يزيد عن القاسم عن أبي امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله بعثني رحمة للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير لا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن وثمنهن حرام) يعني الضاربات وروى نافع قال سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي يا نافع هل تسمع شيئا؟ قال فقلت لا قال فرفع أصبعيه من أذنيه وقال

[ 49 ]

كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا رواه الخلال في جامعه من طريقين ورواه أبو داود في سننه وقال حديث منكر وقد احتج قوم بهذا الخبر على إباحة المزمار وقالوا لو كان حراما لمنع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر من سماعه ومنع ابن عمر نافعا من استماعه ولانكر على الزامر بها قلنا الاول لا يصح لان المحرم استماعها دون سماعها والاستماع غير السماع ولهذا فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع ولم يوجبوا على من سمع شيئا محرما سد أذنيه قال الله تعالى (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) ولم يقل سدوا آذانهم والمستمع هو الذي يقصد السماع ولم يوجد هذا من ابن عمر وإنما وجد السماع ولان بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجة إلى معرفة انقطاع سماع الصوت عنه لانه عدل عن الطريق وسد أذنيه فلم يكن ليرجع إلى الطريق ولا يرفع أصبعيه من أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه فابيح للحاجة وأما الانكار لعله كان في أول الهجرة حينما لم يكن الانكار واجبا أو قبل امكان الانكار لكثرة الكفار وقلة أهل الاسلام فان قيل فهذا الخبر ضعيف فان أبا داود رواه وقال هو حديث منكر قلنا قد رواه الخلال من طريقين فلعل أبا داود ضعفه لانه لم يقع له إلا من إحدى الطريقين (وضرب مباح) وهو الدف فان النبي صلى الله عليه وسلم قال (اعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف) أخرجه مسلم وذكر أصحابنا وأصحاب الشافعي انه مكروه في غير النكاح لانه يروى عن عمر انه كان إذا سمع صوت الدف بعث فنظر فان كان في وليمة سكت وان كان في غيرها عمد الدرة

[ 50 ]

ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان امرأة جاءته فقالت إني نذرت إن رجعت من سفرك سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أوف بنذرك) رواه أبو داود ولو كان مكروها لم يأمرها به وإن كان منذورا، وروت الربيع بنت معوذ قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة بني بي فجعلت جويريات يضربن بدف لهن ويندبن من قتل من أبائي يوم بدر إلى أن قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين) متفق عليه فاما الضرب به للرجال فهو مكروه على كل حال لانه إنما يضرب به النساء والمخنثون، والمشبهون بهن ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء. فاما الضرب بالقضيب فيكره إذا انضم إليه مكروه أو محرم كالتصفيق والغناء والرقص وإن خلا عن ذلك كله لم يكره لانه ليس بآلة لهو ولا بطرب ولا يسمع منفردا بخلاف الملاهي، ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا (فصل) واختلف اصحابنا في الغناء فذهب الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز إلى إباحته قال ابو بكر عبد العزيز الغناء والنوح معنى واحد مباح ما لم يكن معه منكر ولا فيه طعن فان الخلال يحمل الكراهة من احمد على الافعال المذمومة لا على القول بعينه، وروي عن احمد انه سمع من عند ابنه صالح قوالا فلم ينكر عليه، وقال له صالح يا أبه أليس كنت تكرههم؟ فقال قيل لي انهم يستعملون المنكر، وممن ذهب إلى إباحة الغناء من غير كراهة ابراهيم بن سعد وكثير من أهل المدينة والعنبري لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت عندي جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر فقال مزمور

[ 51 ]

الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (دعها فانها أيام عيد) متفق عليه، وعن عمر رضي الله عنه انه قال الغناء زاد الراكب واختار القاضى انه مكروه غير محرم وهو قول الشافعي وقال من اللهو المكروه، وقال احمد الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني، وذهب آخرون من أصحابنا إلى تحريمه قال احمد فيمن مات وخلف ولدا يتيما وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها تباع ساذجة قيل له انها تساوي مغنية ثلاثين الفا وتساوي ساذجة عشرين دينارا فقال لا تباع إلا على انها ساذجة واحتجوا على تحريمه بما روي عن ابن الحنيفة في قوله تعالى (واجتنبوا قول الزور) قال الغناء وقال ابن عباس وابن مسعود في قول الله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) قال هو الغناء وعن ابي امامة ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء المغنيات وبيعهن والتجارة فيهن وأكل أثمانهن حرام أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد وقد تكلم أهل العلم فيه وروى ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (الغناء ينبت النفاق في القلب) والصحيح انه قول ابن مسعود، وعلى كل حال من اتخذ الغناء صناعة يؤتى إليه ويأتي له أو اتخذ غلامه أو جارية مغنيين يجمع عليهما الناس فلا شهادة له لان هذا عند من لم يحرمه سفه ودناءة وسقوط مروءة ومن حرمه فهو مع سفهه عاص مصر متظاهر بفسقه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء وإنما يترثم لنفسه ولا يغني للناس أو كان غلامه وجاريته انما يغنيان له انبنى هذا على الخلاف فيه فمن أباحه أو كرهه لم ترد شهادته، ومن حرمه قال ان دام عليه ردت شهادته كسائر الصغائر

[ 52 ]

وإن لم يداوم عليه لم ترد شهادته، وان فعله من يعتقد حله فقياس المذهب أن لا ترد شهادته بمالا لا يشتهر به منه كسائر المختلف فيه من الفروع، ومن كان يغشى بيوت المغني أو يغشاه المغنون للسماع متظاهرا بذلك وكثر منه ردت شهادته في قولهم جميعا لانه سفه ودناءة، وان كان مستترا به فهو كالمغني لنفسه على ما ذكر من التفصيل فيه (فصل) فاما الحداء وهو الانشاد التي تساق به الابل فمباح لا بأس به في فعله واستماعه لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال وكان انجشة مع التساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن رواحة (حرك بالقوم) فاندفع ينشد فتبعه انجشة فأعنقت الابل فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا نجشة رويدك رفقا بالقوارير) يعني النساء وكذلك نشيد الاعراب وهو النصب لا بأس به وسائر أنواع الانشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع انشاد الشعر فلا ينكره والغناء من الصوت ممدود مكسور والغنى من المال مقصور والحداء ممدود مضموم كالدعاء ويجوز الكسر كالنداء (فصل) والشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (إن من الشعر لحكما) وكان يضع لحسان منبرا يقوم عليه فيهجو من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأنشده كعب بن زهير قصيدته * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * في المسجد وقال له عمه العباس يارسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال قل لا يفضض الله فاك فأنشده

[ 53 ]

من قبلها طبت في الظلال * وفي مستودع حيث يخصف الورق وقال عمر بن الشريد أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أمعك من شعر أمية؟) قلت نعم فأنشدته بيتا فقال (هيه) حتى أنشدته مائة قافية وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب وقد اختلف في هذا فقيل ليس بشعر وإنما هو كلام موزون، وقيل بل هو شعر ولكنه بيت واحد قصير فهو كالنثر، ويروى ان أبا الدرداء قيل له ما من أهل بيت في الانصار إلا وقد قال الشعر قال وأنا قد قلت يريد العبد أن يعطى مناه * ويأبى الله إلا ما أرادا يقول العبد فائدتي ومالي * وتقوى الله أفضل ما استفادا وليس في إباحة الشعر اختلاف وقد قاله الصحابة والعلماء والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة والعربية وللاستشهاد به في التفسير وتعرف معنى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ويستدل به أيضا على النسب والتاريخ وأيام العرب ويقال الشعر ديوان العرب فان قيل فقد قال الله تعالى (والشعراء يتبهم الغاوون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لان يمتلئ أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا) رواه أبو داود وابو عبيد وقال معنى يريه ياكل جوفه يقال ورواه يريه قال الشاعر:

[ 54 ]

وراهن ربي مثل ما قد ورينني * وأحمى على اكبادهن المكاويا قلنا أما الآية فالمراد بها من اسرف وكذب بدليل وصفه لهم بقوله (ألم ترانهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟) ثم استثنى المؤمنين بقوله (الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) ولان الغالب على الشعراء قلة الدين والكذب وقذف المحصنات وهجاء الابرياء لا سيما من كان في ابتداء الاسلام ممن يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويهجو المسلمين ويعيب الاسلام ويمدح الكفار فوقع الذم على الاغلب واستثنى منهم من لا يفعل الخصال المذمومة فالآية دليل على إباحته ومدح أهله المتصفين بالصفات الجميلة، واما الخبر فقال أبو عبيد معناه أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والفقه وقيل المراد به ما كان هجاء وفحشا فما كان من الشعر يتضمن هجاء المسلمين والقدح في اعراضهم أو التشبب بامرأة بعينها بالافراط في وصفها فذكر أصحابنا أنه محرم وهذا ان اريد به أنه محرم على قائله فهو صحيح، وأما على راويه فلا يصح فان المغازي يروى فيها قصائد الذين هاجوا بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك أحد، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يوم بدر وأحد وغيرهما الا قصيدة أمية بن ابي الصلت الحائية وكذلك يروى شعر قيس بن الحطيم في التشبب بعمرة بنت رواحة اخت عبد الله بن رواحة ام النعمان ابن بشير وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم قصيدة كعب بن زهير وفيها التشبب بسعاد ولم يزل الناس يروون أمثال هذا ولا ينكر وروينا ان النعمان بن بشير دخل مجلسا فيه رجل يغنيهم بقصيدة قيس بن الحطيم فلما دخل النعمان سكتوه من قبل ان فيها ذكر امه فقال النعمان فلم يقل بأسا انما قال

[ 55 ]

وعمرة من سروات النساء * تنفح بالمسك اردانها وكان عمر بن طلحة بمجلس فغناهم رجل بشعر فيه ذكر امه فسكتوه فقال دعوه فان قائل هذا الشعر كان زوجها فأما لشاعر فمتى كان يهجو المسلمين ويمدح بالكذب أو يقذف مسلما أو مسلمة فان شهادته ترد وسواء قذف المسلمة بنفسه أو بغيره وقد قيل أعظم الناس ذنبا رجل يهاجي رجلا فيهجو القبيلة باسرها وقد روينا ان أباد لامة؟ شهد عند قاض فخاف ان ترد شهادته فقال ان الناس غطوني تغطيت عنهم * وان بحثوا عني ففيهم مباحث فقال القاضي ومن يبحثك يا ابا دلامة؟ وغرم المال من عنده ولم يظهر انه رد شهادته (فصل في قراءة القرآن بالالحان) اما قراءته من غير تلحين فلا بأس بها وان حسن صوته به فهو أفضل فان النبي صلى الله عليه وسلم قال (زينوا أصواتكم بالقرآن) وروي (زينوا القرآن باصواتكم) وقال (لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود) فقال أبو موسى لو أعلم انك تستمع لحبرته لك تحبيرا وروي ان عائشة أبطأت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال أين كنت يا عائشة فقالت يارسول الله كنت أسمع قراءة رجل في المسجد لم أسمع أحدا يقرأ أحسن من قراءته فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستمع قراءته ثم قال (هذا سالم مولى ابي حذيفة الحمد لله الذي جعل في امتي مثل هذا) قال صالح قلت (لابي زينوا القرآن باصواتكم) ما معناه قال ان تحسنه وقيل له ما معنى (من لم يتغن بالقرآن) قال يرفع صوته به، وهكذا قال الشافعي وقال الليث يتحزن به ويتخشع به ويتباكى به. وقال ابن غيينة وعمر وبن الحارث ووكيع يستغني به فاما القرآن بالتلحين فينظر فيه فان لم يفرط في التمطيط والمد واشباع الحركات فلا بأس به فان النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ ورجع ورفع صوته

[ 56 ]

وقال الراوي لولا ان تجتمع الناس إلى لحكيت لكم قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) وقال (ما أذن الله لشئ كاذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) أي يجهر به ومعنى اذن استمع قال القاضي هو مكروه على كل حال ونحوه قول أبي عبيد وقال معنى قوله (من لم يتغن بالقرآن) أي يستغني به قال الشاعر: وكنت أمرأ زمنا بالعراق * عفيف النياح كثير التغني قال ولو كان الغناء بالصوت لكان من لم يغن بالقرآن وروي نحو هذا التفسير عن ابن عيينة وقال القاضي أحمد بن محمد البرني: هذا قول من أدركنا من اهل العلم وقال الوليد بن مسلم يتغنى بالقرآن يجهر به وقيل يحسن صوته به. قال شيخنا والصحيح أن هذا القدر من التلحين لا بأس به ولانه لو كان مكروها لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح حمله على التغني في حديث (ما أذن الله لشئ كاذنه لنبي يتغنى بالقرآن) على الاستغناء لان معنى اذن استمع وإنما تسمع القراءة ثم قال يجهر والجهر صفة القراءة لا صفة الاستغناء فاما إذا أسرف في المد والتمطيط واشباع الحركات بحيث يجعل الضمة واوا والفتحة ألفا والكسرة ياء كره ذلك ومن أصحابنا من قال يحرم لانه يغير القرآن ويخرج الكلمات عن وضعها ويجعل الحركات حروفا، وقد روينا عن أبي عبد الله أن رجلا سأله عن ذلك فقال له ما اسمك؟ قال محمد قال أيسرك أن يقال لك يا موحامد؟ قال لا قال ولا يعجبني أن يتعلم الرجل الالحان إلا ان يكون حرمه مثل حرم أبي موسى قال له رجل فيكلمون قال لا كل ذا

[ 57 ]

واتفق اهل العلم على انه تستحب قراءة القرآن بالتحزين والترتيل والتحسين وروى بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرءو القرآن بالحزن فانه نزل بالحزن) وقال المروذي سمعت ابا عبد الله قال لرجل لو قرأت وجعل أبو عبد الله ربما تغرغرت عينه وقال زهير بن حرب كنا عند يحيى القطان فجاء محمد بن سعيد فقال له يحيى اقرأ فقرأ فغشي على يحيى حتى حمل وادخل وقال محمد بن صالح العدوي قرأت عند يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه حتى فانه خمس صلوات (فصل) ولا تقبل شهادة الطفيلي وهو الذي يأتي طعام الناس من غير دعوة، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا وذلك لانه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (من اتى طعاما لم يدع إليه دخل سارقا وخرج معيرا) ولانه يأكل محرما ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب مروءة فان لم يتكرر هذا منه لم ترد شهادته لانه من الصغائر ومن سأل من غير ان تحل له المسألة فاكثر ردت شهادته لانه فعل محرما واكل سحتا واتى دناءة، وقد روى قبيصة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن المسألة لا تحل إلا لاحد ثلاثة رجل اصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال - سدادا من عيش، ورجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك) فاما السائل ممن تباح له المسألة فلا ترد شهادته بذلك الا أن يكون اكثر عمره سائلا فينبغي ان ترد شهادته لان ذلك دناءة وسقوط مرؤة، فان اخذ من الصدقة من يجوز له الاخذ من غير

[ 58 ]

مسألة لم ترد شهادته لانه فعل جائز لا دناءة فيه وان اخذ منها ما لا يجوز له وتكرر ذلك منه ردت شهادته لانمه مصر على الحرام. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ومتى زالت الموانع منهم فبلغ الصبي وعقل المجنون واسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادتهم بمجرد ذلك) لان المقتضي لقبول الشهادة موجود وإنما ردت لوجود المانع فإذا زال المانع عمل المقتضي عمله كما لو لم يوجد المانع وتقبل توبة الفاسق لقول الله سبحانه وتعالى (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) وقوله سبحانه (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وقال عمر رضي الله عنه: بقية عمر المرء لا قيمة له يدرك فيه ما ما فات ويحيى فيه ما امات ويبدل الله سيأته حسنات والتوبة على ضربين باطنة وحكمية فالباطنة يما بينه وبين الله تعالى فان كانت المعصية لا توجب حقا عليه في الحكم كقبلة الاجنبية والخلوة بها وشرب المسكر والكذب فالتوبة منها الندم والعزم على ان لا يعود فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (التوبة النصوح تجمع أربعة أشياء الندم بالقلب والاستغفار باللسان واضمار أن لا يعود) وبمجانبة خلطاء السوء وإن كانت توجب حقا عليه لله تعالى أو لآدمي كمنع الزكاة والغصب فالتوبة منها بما ذكرنا وترك المظلمة حسب إمكانه بان يؤدي الزكاة ويرد المغصوب أو بدله وان عجز عن ذلك نوى رده متى قدر

[ 59 ]

عليه فان كان عليه فيها حق في البدن وكان حقا لآدمي كالقصاص وحد القذف فالمشترط في التوبة التمكين من نفسه ببذلها للمستحق وان كان حقا لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر فتوبته بالدم والعزم على ترك العود ولا يشترط الاقرار به فان كان ذلك لا يشتهر عنه فالاولى له ستر نفسه والتوبة فيما بينه وبين الله تعالى لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فان من ابدى لنا صفحته اقمنا عليه الحد) فان الغامدية حين أقرت بالزنا لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وان كانت معصينه مشهورة فذكر القاضي أن الاولى به الاقرار ليقام عليه الحد لانه إذا كان مشهورا فلا فائدة في ترك إفامة الحد عليه. قال شيخنا والصحيح ان ترك الاقرار أولى لان النبي صلى الله عليه وسلم عرض للمقر عنده بالرجوع عن الاقرار فعرض لما عز وللمقر عنده بالسرقة بالرجوع مع اشتهاره عنه باقراره وكره الاقرار حتى قيل إنه لما قطع السارق كانما أسف وجهه رمادا ولم يرد الامر وبالاقرار ولا الحث عليه في كتاب ولا سنة ولا يصح له قياس انما ورد الشرع بالستر والاستتار والتعريض للمقر بالرجوع عن الاقرار وقال لهزال وهو الذي امر ما عزابا بالاقرار (ياهزال لو سترت بثوبك لكان خيرا لك) وقال أصحاب الشافعي توبة هذا اقراره ليقام عليه الحد وليس بصحيح لما ذكرنا ولان التوبة توجد حقيقتها بدون الاقرار وهي تجب ما قبلها كما ورد في الاخبار مع ما دلت عليه الايات في مغفرة الذنوب بالاستغفار وترك الاسرار وأما البدعة فالتوبه منها بالاعتراف بها واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها

[ 60 ]

(مسألة) (ولا يعتبر اصلاح العمل وعنه يعتبر في التائب اصلاح العمل سنة) ظاهر كلام احمد والخرقي انه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول الشهادة وصحة الولاية في النكاح إصلاح العمل وهو أحد القولين لشافعي وفي القول الاخر يعتبر اصلاح العمل الا أن يكون ذنبه شهادة بالزنا فلم يكمل عدد اشهود فانه يكفي مجرد لتوبة من غير اعتبار اصلاح وما عداه فلا تكفي التوبة حتى تمضي عليه سنة تظهر فيها توبته ويبين فيها صلاحه وهذا رواية عن أحمد حكاها أبو الخطاب لان الله تعالى قال (الا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) وهذا نص فانه نهى عن قبول شهادتهم ثم استثنى التائب المصلح ولان عمر رضي الله عنه لما ضرب صبيغا أمر بهجرانه حتى بلغته توبته فامر ان لا يكلم الا بعد سنة ولنا قوله عليه السلام (التوبة تجب ما قبلها) وقوله (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ولان المغفرة تحصل بمجرد التوبة فكذلك الاحكام ولان التوبة من الشرك بالاسلام ولا يحتاج إلى اعتبار ما بعده وهو أعظم الدنوب فما دونه أولى وأما الاية فيحتمل ان يكون الاصلاح من التوبة وعطفه عليها لاختلاف اللفظين ودليل ذلك قول عمر لابي بكرة تب أقبل شهادتك ولم يعتبر أمر آخر ولان من كان غاصبا فرد ما في يديه أو مانعا للذكاة فأداها وتاب إلى الله عزوجل قد حصل منه الاصلاح وعلم نزوله عن معصيته نادما عليه فانه لو لم ترد التوبة لما أدى ما في يديه ولان تقديره بسنة تحكم لم يرد به الشرع والتقدير انما يثبت بالتوقيف وما رود من عمر في حق صبيغ انما كان لانه تائب من بدعة وكانت توتبه بسبب الضرب والهجران فيحتمل انه اظهر التوبة تسترا بخلاف مسئلتنا وقد ذكر القاضي ان التائب من البدعة يعتبر له سنة لحديث صبيغ رواه احمد في الورع قال ومن علامة

[ 61 ]

توبته ان يجتنب من كان يواليه من اهل البدع ويوالي من كان يعاديه من اهل النسة والصحيح ان التوبة من البدعة كغيرها الا ان تكون التوبة تفعل بسبب الاكراه كتوبة صبيغ فيعتبر له مدة يظهر ان توبته عن اخلاص لا عن اكراه وللحاكم ان يقول للمتظاهر بالمعصية تب اقبل شهادتك وقال مالك لا اعرف هذا قال الشافعي وكيف لا يعرفه وقد امر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة وقاله عمر لابي بكرة؟ (مسألة) (ولا تقبل شهادة القاذف حتى يتوب) وجملة ذلك ان القاذف إذا كان زوجا فحقق قذفه ببينة أو لعان أو كان اجنبيا فحققه بالبينة أو بأقرار المقذوف لم يتعلق بقذفه فسق ولا حد ولا رد شهادة وان لم يحقق قذفه بشئ من ذلك تعلق به وجوب الحد عليه والحكم بفسقه ورد شهادته لقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون) فان تاب لم يسقط عنه الحد وزل الفسق بلا خلاف وتقبل شهادته عندنا روي ذلك عن عمر وابي لدرداء وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري وعبد الله بن عتبة وجعفر به ابي ثابت وابى الزناد ومالك والشافعي والبتي واسحاق وابو عبيد وابن المنذر وذكره ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد وربيعة وقال شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري واصحاب الرأي لا تقبل شهادته إذا جلد وإن تاب، وعند أبي حنيفة لا ترد شهادته قبل الجلد وإن لم يتب والخلاف معه في فصلين:

[ 62 ]

(أحدهما) انه عندنا تسقط شهادته بالقذف إذا لم يحققه وعند أبي حنيفة ومالك لا تسقط الا بالجلد (والثاني) انه ان تاب قبلت شهادته وإن جلد وعند ابي حنيفة لا تقبل وتعلق لقول الله تعالى (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) وبما روى ابن ماجة باسناده عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا محدود في الاسلام واحتج في الفصل الآخر بان القذف قبل حصول الجلد يجوز ان تقوم به البينة فلا يجب به التفسيق ولنا في الفصل الثاني إجماع الصحابة رضي الله عنهم فانه روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لابي بكرة حين شهد على لمغيرة بن شعبة تب أقبل شهادتك ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعا قال سعيد بن المسيب شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة رجال أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث ونكل زياد فجلد عمر الثلاثة وقال لهم عمر توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة فلم يقبل شهادته وكان قد عاد مثل النصل من العبادة ولانه تاب من ذنبه فقبلت شهادته كالتائب من الزنا يحققه ان الزنا أعظم من القذف به وكذلك قتل النفس التي حرم الله وسائر الذنوب إذا تاب فاعلها قبلت شهادته فهذا أولى. وأما الآية فهي حجة لنا لانه استثنى التائبين بقوله تعالى (إلا الذين تابوا) والاستثناء من النفي إثبات فيكون تقديره إلا الذين تابوا فقبلوا شهادتهم وليسوا بفاسقين فان قالوا انما يعود الاستثناء إلى الجملة التي تليه بدليل انه لا يعود إلى الجلد قلنا بل يعود إليه ايضا لان هذه الجمل معطوف بعضها على بعض بالواو وهي للجمع تجعل الجمل كلها كالجملة الواحدة

[ 63 ]

فيعود الاستثناء إلى جميعها الا ما منع. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا يجلس على تكرمته الا باذنه) عاد الاستثناء إلى الجملتين جميعا ولان الاستثناء يغاير ما قبله فعاد الجمل المعطوف بعضها على بعض بالواو كالشرط فانه لو قال امرأته طالق وعبده حر ان لم يقم عاد الشرط اليهما كذا الاستثناء بل عود الاستثناء إلى الشهادة أولى لان رد الشهادة هو المأمور به فيكون الحكم والتفسيق خرج مخرج الخبر والتعليل لرد الشهادة فعود الاستثناء إلى الحكم المقصود إلى من رده إلى التعليل وحديثهم ضعيف يرويه الحجاج بن أرطاه وهو ضعيف قال ابن عبد البر لم يرفعه في روايته حجة، وقد روي من غير طريقه ولم يذكر فيه هذه الزيادة فدل ذلك على انها من غلطه ويدل على خطئه قبول شهادة كل محدود في غير المقذوف بعد ثبوته ثم لو قدر صحته فالمراد به من لم يتب بدليل كل محدود تاب سوى هذا. وأما الفصل الاول فدليلنا فيه الآية فانه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء إيجاب الجلد ورد الشهادة والفسق فيجب أن يثبت رد الشهادة بوجود الرمي الذي لم يمكنه تحقيقه كالجلد ولان الرمي هو المعصية والذنب الذي يستحق به العقوبة وتثبت به المعصية الموجبة رد الشهادة، والحد كفارة تطهير فلا يجوز تعليق رد الشهادة به، وإنما الجلد ورد الشهادة حكمان للقذف فيثبتان جميعا به وتخلف استيفاء أحدهما لا يمنع ثبوت الآخر، وقولهم إنما يتحقق بالجلد لا يصح لان الجلد حكم القذف الذي تعذر تحقيقه فلا يستوفى قبل تحقق القذف، وكيف يجوز أن يستوفى حد قبل تحقق سببه ويصير متحققا بعده هذا باطل

[ 64 ]

(فصل) والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتي يتوب والشاهد بالزنا إذا لم تكمل بالبينة تقبل روايته دون شهادته وحكي عن الشافعي ان شهادته لا ترد ولنا ان عمر لم يقبل شهادة ابي بكرة وقال له تب اقبل شهادتك وروايته مقبولة ولا نعلم خلافا في قبول رواية أبي بكرة مع رد عمر شهادته (مسألة) (وتوبته أن يكذب نفسه وقيل ان علم صدق نفسه فتوبته أن يقول قد ندمت على ما قلت ولا أعود إلى مثله وأنا تائب إلى الله تعالى منه) ظاهر كلام احمد والخرقي أن توبة القاذف اكذابه نفسه فيقول كذبت فيما قلت وهذا منصوص الشافعي واختيار الاصطخري من أصحابه قال ابن عبد البر وممن قال هذا سعيد بن المسيب وطاوس وعطاء والشعبي وإسحاق وابو ثور وابو عبيدة لما روي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في قول الله تعالى (إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فان الله غفور رحيم) قال ثوبته إكذاب نفسه ولان عرض المقذوف يلوث بقذفه فاكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث فتكون التوية، وذكر القاضي ان القذف ان كان سبا فالتوبة منه إكذاب نفسه وإن كان شهادة فالتوبة منه ان يقول القذف حرام باطل ولن أعود إلى ما قلت وهذا قول بعض أصحاب الشافعي قال وهو المذهب لانه قد يكون صادقا فلا يؤمر بالكذب والخبر محمول على الاقرار بالبطلان لانه نوع إكذاب. قال شيخنا والاولى انه متى علم من نفسه الصدق فيما قذف به فتوبته الاستغفار والاقرار ببطلان ما قاله وتحريمه فانه لا يعود إلي مثله وان لم يعلم صدق نفسه فتوبته إكذاب نفسه

[ 65 ]

سواء كان القذف بشهادة أو سب لانه قد يكون كاذبا في الشهادة صادقا في السب، ووجه الاول ان الله تعالى سمى القاذف كاذبا على الاطلاق بقوله سبحانه (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) فتكذيب الصادق نفسه يرجع إلى انه كاذب في حكم الله تعالى، وإن كان في نفس الامر صادقا (فصل) ولا يشترط في الشهادة الحرية بل تجوز شهادة العبد في كل شي إلا في الحدود والقصاص على احدى الروايتين وتجوز شهادة الامة فيما تجوز فيه شهادة النساء الكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول (احدها) في قبول شهادة العبد فيما عدا الحدود والقصاص والمذهب انها مقبولة. روي ذلك عن علي وأنس رضي الله عنهما قال أنس ما علمت ان أحدا رد شهادة العبد وبه قال عروة وشريح وإياس وابن سيرين والبتي وابو ثور وداود وابن المنذر، وقال مجاهد والحسن وعطاء ومالك والاوزاعي والثوري وابو حنيفة والشافعي وابو عبيد لا تقبل شهادته لانه غير ذي مروءة ولانها مبنية على الكمال لا تتبعض فلم يدخل فيها العبد كالميراث، وقال الشافعي والنخعي والحكم تقبل في الشئ اليسير ولنا عموم آيات الشهادة وهو داخل فيها فانه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية، وروى عقبة بن الحارث قال: تزوجت ام يحيى بنت أبي اهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (وكيف وقد زعمت ذلك) متفق عليه

[ 66 ]

وفي رواية ابي داود فقلت يارسول الله انها لكاذبة فقال (وما يدريك وقد قالت ما قالت؟ دعها عنك) ولانه عدل غير متهم فتقبل شهادته كالحر وقولهم ليس له مروءة ممنوع بل هو كالحر ينقسم إلى من له مروءة، ومن لا مروءة له، وقد يكون منهم العلماء والامراء والصالحون والاتقياء سئل اياس ابن معاوية عن شهادة العبد فقال أنا ارد شهادة عبد العزيز بن صهيب، وكان منهم زياد بن أبي عياش من العلماء والزهاد وكان عمر بن عبد العزيز يرفع قدره ويكرمه ومنهم عكرمة مولى ابن عباس من العلماء الثقات وكثير من الموالي كانوا عبيدا وأبناء عبيد لم يحدث فيهم بالاعتاق الا الحرية وهي لا تغير طبعا ولا تحدث علما ولا دينا ولا مروءة ولا يقبل منهم الا من كان ذا مروءة ولا يصح قياس الشهادة على الميراث فان الميراث خلافة للموروث في ماله وحقوقه والعبد لا يمكنه الخلافة لان ما يصير إليه يملكه سيده فلا يمكن أن يخلف فيه ولان الميراث يقتضي التمليك والعبد لا يملك ومبنى الشهادة على العدالة التي هي مظنة الصدق وحصول الثقة من القول والعبد أهل لذلك فوجب أن تقبل شهادته (الفصل الثاني) ان شهادته لا تقبل في الحدود وفي القصاص احتمالان (أحدهما) تقبل شهادته فيه لانه حق آدمي، ولا يصح الرجوع عن الاقرار به أشبه الاموال (والثاني) لا تقبل لانه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات فأشبه الحد وقد ذكرنا في هذا الكتاب في الحد والقصاص روايتين وكذلك ذكره الشريف وابو الخطاب فانهما ذكرا في العقوبات كلها روايتين (احداهما) تقبل لما ذكرنا ولانه رجل عدل فتقبل شهادته فيها كالحر والثانية لا تقبل وهي

[ 67 ]

ظاهر المذهب لان الاختلاف في قبول شهادته في الاموال نقص وشبهة فلم تقبل شهادته فيما يندرئ بالشبهات ولانه ناقص الحال فلم تقبل شهادته في الحد والقصاص كالمرأة (الفصل الثالث) ان شهادة الامة تقبل فيما تقبل فيه شهادة النساء قياسا عليهن فان النساء لا تقبل شهادتهن في الحدود والقصاص وانما تقبل في المال أو شبهه والامة كالحرة فيما عداهما وقد دل عليه حديث عقبة بن الحارث، وحكم المكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه حكم القن فيما ذكرنا لان الرق فيهم وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه لا تجوز شهادة المكاتب وبه قال عطاء والشعبي والنخعي ولنا ما ذكرناه في العبد ولانه إذا ثبت الحكم في القن ففي هؤلاء أولى (فصل) وتجوز شهادة الاصم في المرئيات وعلى المسموعات قبل صممه اما شهادته على المرئيات فهو فيها كالذي يسمع فتقبل شهادته فيها وتجوز شهادته في المسموعات التي كانت قبل صممه كما تجوز شهادة الاعمى على الافعال التى رآها قبل العمى إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه (مسألة) (وتجوز شهادة الاعمى في المسموعات إذا تيقن الصوت وبالاستفاضة) روي هذا عن علي وابن عباس وبه قال ابن سيرين وعطاء والشعبي والزهري ومالك وابن أبي ليلى وإسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والشافعي لا تقبل شهادته، وروي ذلك عن النخعي وابي هاشم واحتلف فيه عن الحسن واياس وابن أبي ليلى وأجاز الشافعي شهادته بالاستفاضة والترجمة إذا أقر عند أذنه ويد الاعمى على رأسه ثم ضبطه حتى حضر عند الحاكم فشهد عليه ولم يجزها في غير ذلك لان من لا تجوز شهادته على الافعال لا تجوز على الاقوال كالصبي ولان الاصوات تشتبه فلا يحصل اليقين فلم يجز أن يشهد بها كالخط

[ 68 ]

ولنا قول الله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ولانه رجل عدل مقبول الرواية فقبلت شهادته كالبصير وفارق الصبي فانه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية ولان السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه ممن ألفه الاعمى وكثرت صحبته له وعرف صوته يقينا فلا يشك فيه فوجب أن تقبل شهادته فيما تيقنه كالبصير ولهذا أجاز الشافعي وأصحابه شهادته بالاستفاضة ولا تثبت عندهم حتى يسمعها من عدلين ولا بد ان يعرفهما حتي يعرف عدالتهما فإذا صح ان يعرف الشاهدين صح ان يعرف المقر ولا خلاف في قبول روايته وجواز استماعه من زوجته إذا عرف صوتها وصحة قبول النكاح، وجواز اشتباه الاصوات كجواز اشتباه الصفة وفارق الافعال فان مدركها الرؤية وهي غير ممكنة من الاعمى والاقوال مدركها السمع هو يشارك البصير فيه وربما زاد عليه ويفارق الخط فانه لو تيقن من كتب الخط أو رآه يكتبه لم يجز ان يشهد بما كتب فيه إذا ثبت هذا فانه لا يجوز ان يشهد الا إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينا فان جوز ان يكون صوت غيره لم يجز ان يشهد به كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه فلم يعرفه (مسألة) (وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تجوز شهادته أصلا لانه لا يجوز ان يكون حاكما ولنا ما تقدم في المسألة قبلها ولان العمي فقد حاسة لا يخل بالتكليف فلم يمنع قبول الشهادة

[ 69 ]

كالصمم وفارق الحكم فانه يعتبر له من شروط الكمال ما لا يعتبر للشهادة ولذلك يعتبر له المسع والاجتهاد وغيرهما. (مسألة) (فان لم يعرف المشهود عليه باسمه ونسبه ولم يعرفه الا بعينه قبلت شهادته أيضا لما ذكرنا في المسألة الاولى) وهذا قول القاضي ويصفه للحاكم بما يتميز به قال شيخنا ويحتمل ان لا تقبل لان هذا مما لا ينضبط غالبا (مسألة) (وان شهد عند الحاكم ثم عمي قبلت شهادته وجاز الحكم بها) وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز الحكم لانه معنى يمنع قبول الشهادة مع صحة النطق فمنع الحكم بها كالفسق ولنا أنه معنى طرأ بعد اداء لا يورث تهمة في حال الشهادة فلم يمنع قبولها كالموت وفارق الفسق فانه يورث تهمة حال الشهادة (مسألة) (وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره) هذا قول اكثر اهل العلم منهم عضاء والحسن والشعبي والزهري والشافعي واسحاق وابو عبيد وابو حنيفة واصحابه وقال مالك والليث لا تجوز شهادته في الزنا وحده لانه متهم فان العادة فيمن فعل قبيحا انه يحب ان يكون له نظراء وحكي عن عثمان انه قال ودت الزانية ان النساء كلهن زنين ولنا عموم الآيات فانه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا فيقبل في الزنا كغيره ولان من قبلت شهادته في القتل قبلت في الزنا كولد الرشدة قال ابن المنذر وما احتجوا به غلط من وجوه (أحدها)

[ 70 ]

ان ولد الزنا لم يفعل قبيحا يحب ان يكون له نظراء فيه (والثاني) لا أعلم ما ذكر عن عثمان ثابتا عنه وأشبه ذلك ان لا يكون ثابتا وغير جائز ان يثبت عن عثمان كلام بالظن عن ضمير امرأة لم يسمعها تذكره (الثالت ان الزاني لو تاب لقبلت شهادته وهو الذي فعل الفعل القبيح فإذا قبلت شهادته مع ما ذكروه فغيره أولى فانه لا يجوز ان يلزم ولده من وزره اكثر مما لزمه ولا يتعدى الحكم إلى غيره من غير ان يثبت فيه مع ان ولده لا يلزمه شئ من ضرره لقول الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر اخرى) وولد الزنا لم يفعل شيئا يستوجب به حكما (مسألة) (وتقبل شهادة الانسان على فعل نفسه كالمرضعة بالرضاع والقاسم على القسمة والحاكم على حكمه بعد العزل) تجوز شهادة المرضعة على الرضاع لما ذكرنا من حديث عقبة بن الحارث وكذلك شهادة القاسم على القسمة لانه يشهد لغيره فصح على فعل نفسه كما لو شهد على فعل غيره وكذلك تقبل شهادة الحاكم على حكمه بعد العزل لذلك وفي ذلك كله اختلاف لما ذكرنا فيما مضى (مسألة) (وتقبل شهادة البدوي على القروي والقروي على البدوي إذا اجتمعت الشروط) وهو ظاهر كلام الخرقي وهو قول ابن سيرين وابي حنيفة والشافعي وابي ثور وأجازه أبو الخطاب وعن أحمد في شهادة البدوي على القروي اخشى ان لا تقبل فيحتمل وجهين (أحدهما) لا تقبل وهو قول جماعة من اصحابنا ومذهب ابي عبيد وقال مالك كقول أصحابنا فيما عدا الجراح وكقول الباقين احتياطا للدماء واحتج اصحابنا بما روى أبو داود في سننه عن ابي هريرة رضي الله عنه عن

[ 71 ]

النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا تجوز شهادة بدوي على صحاب قرية) ولانه متهم حيث عدل إذا أشهد قرويا واشهد بدويا قال أبو عبيد ولا أرى شهادتهم ردت الا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله والجفاء في الدين (والثاني) تقبل لان من قبلت شهادته على أهل البلد وقبلت شهادته على البدو قبلت شهادته على اهل القرى ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته من اهل البدو ونخصه بهذا لان الغالب ان لا يكون له من يسأله الحاكم فيتعرف عدالته (باب موانع الشهادة) ويمنع قبول الشهادة ستة أشياء (أحدها) قرابه الولادة فلا تقبل شهادة والد لولده وان سفل ولا ولد لوالده وان علا. ظاهر المذهب أن شهادة الوالد لولده لا تقبل ولا لولد ولده وان سفل وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات ولا تقبل شهادة الولد لوالده ولا والدته ولا جده ولا جدته من قبل أبيه وأمه وان علوا وسواء في ذلك الآباء والامهات وآباؤهما وأمهاتهما وبه قال شريح والحسن والشعبي والنخعي ومالك والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وروي عن أحمد رواية ثانية تقبل شهادة الابن لابنه ولا تقبل شهادة الاب لابنه لان مال الابن في حكم مال الاب له أن يتملكه له إذا شاء فشهادته له شهادة لنفسه أو يجربها لنفسه نفعا قال النبي صلى الله عليه وسلم (انت ومالك لابيك) وقال (ان أطيب

[ 72 ]

ما أكل الرجل من كسبه وان أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم) ولا يوجد هذا في شهادة الابن لابيه وعنه رواية ثالثة تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه فيما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنى عنه لان كل واحد منهما لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك فلا تهمة في حقه وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة وروي ذلك عن شريح وبه قال عمر بن عبد العزيز وابو ثور والمزني وداود وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات ولانه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع فتقبل شهادته فيه كالاجنبي ولنا ما روى الزهري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة ولا ولاء) والظنين المتهم والاب متهم لولده لان ماله كما له بما ذكرنا ولان بينهما بعضية فكأنه يشهد لنفسه ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها) ولانه متهم في الشهادة على عدوه والخبر أخص من الآيات فتختص به (مسألة) (وتقبل شهادة بعضهم على بعض في أصح الروايتين) أما شهادة أحدهما على صاحبه فتقبل، نص عليه أحمد وهذا قول عامة اهل العلم، قال شيخنا ولم اجد عن احمد في الجامع فيه اختلافا وذلك لقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم أو الوالدين والاقربين) فأمر بالشهادة عليهم ولو لم تقبل لما امر بها ولانها

[ 73 ]

إنما ردت شهادته له للتهمة في ايصال النفع ولا تهمة في شهادته عليه فوجب ان تقبل كشهادة الاجنبي بل اولى فان شهادته لنفسه لما ردت للتهمة في ايصال النفع إلى نفسه كان اقراره عليها مقبولا وفيه رواية أخرى أن شهادة احدهما لا تقبل على صاحبه حكاها القاضي في المجرد لان شهادته غير مقبولة فلا تقبل عليه كالفاسق وقال بعض الشافعية لا تقبل شهادة الابن على ابيه في قصاص ولا حد قذف لانه لا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه فلا يلزمه ذلك والمذهب الاول لما ذكرنا ولانه يتهم له ولا يتهم عليه فشهادته عليه ابلغ في الصدق كشهادته على نفسه (فصل) فان شهد اثنان بطلاق ضرة أمها أو قذف زوجها لها قبلت شهادتهما لان حق امهما لا يزداد به وسواء كان المشهود عليه اباهما أو اجنبيا وتوفر الميراث لا يمنع قبول الشهادة بدليل قبول شهادة الوارث لموروثه (فصل) وتجوز شهادة الرجل لابنه من الرضاعة وابيه وسائر أقاربه منها لانه لا نسب بينهما يوجب الانفاق والصلة وعتق أحدهما على صاحبه وتبسطه في ماله بخلاف قرابة النسب (مسألة) ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه في احدى الروايتين) هذا الذي ذكره الخرقي وبه قال الشعبي والنخعي ومالك واسحاق وأبو حنيفة والرواية الاخرى يجوز هذا وقول شريح والحسن والشافعي وأبي ثور لانه عقد على منفعة فلا يمنع قبول الشهادة كالاجارة

[ 74 ]

وقال الثوري وابن أبي ليلى تقبل شهادة الرجل لامرأته لانه لا تهمة في حقه ولا تقبل شهادتهما له لان يساره وزيادة حقها من النفقة يحصل بشهادتها له بالمال فهي متهمة لذلك ولنا أن كل واحد من الزوجين يرث الآخر من غير حجب ويتبسط في ماله عادة فلم تقبل شهادته له كالابن مع أبيه ولان يسار الرجل يزيد نفقة امرأته ويسار المرأة يزيد في قيمة بضعها المملوك لزوجها فكان كل واحد منهما يضاف إلى الآخر قال الله تعالى (وقرن في بيوتكن) وقال (لا تدخلوا بيوت النبي) فاضاف البيوت اليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم اخرى وقال تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن) وقال عمر للذي قال له إن غلامي سرق مرآة امرأتي: لا قطع عليه عبدكم سرق مالكم ويفارق عقد الاجارة من هذه الوجوه كلها (مسألة) (ولا تقبل شهادة السيد لعبده ولا العبد لسيده) أما شهادة السيد لعبده فغير مقبولة لان مال العبد لسيده فشهادته له شهادة لنفسه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (من باع عبدا وله مال فماله للبائع الا أن يشترطه المبتاع) ولا نعلم في هذا خلافا ولا تقبل شهادته له أيضا بنكاح ولا لامته بطلاق لان في طلاق امته تخليصا له وإباحة بضعها في نكاح العبد نفع له ونفع مال الانسان نفع له ولا تقبل شهادة العبد لسيده لانه يتبسط في ماله وينتفع به ويتصرف فيه وتجب نفقته منه ولا يقطع بسرقته فلا تقبل شهادته له كالابن مع أبيه (مسألة) (وتقبل شهادة الاخ لاخيه وسائر الاقارب والصديق لصديقه والمولى لعتيقه)

[ 75 ]

قال ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن شهادة الاخ لاخيه جائزة وروي ذلك عن ابن الزبير وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكى ابن المنذر عن الثوري أنه لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم وعن مالك أنه لا تقبل شهادته لاخيه إذا كان منقطعا إليه في صلته وبره لانه متهم في حقه وقال ابن المنذر قال مالك لا تجوز شهادة الاخ لاخيه في النسب وتجوز في الحقوق ولنا عموم الايات ولانه عدل غير متهم فتقبل شهادته له كالاجنبي ولا يصح القياس على الوالد والولد لان بينهما بعضية وقرابة بخلاف الاخ (فصل) وشهادة العم وابنه والخال وابنه وسائر الاقارب اولى بالجواز فان شهادة الاخ إذا اجيزت مع قربه كان تنبيها على قبول شهادة من هو أبعد منه بطريق الاولى وتقبل شهادة أحد الصديقين للاخر في قول عامة العلماء إلا مالكا قال لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لانه يجر إلى نفسه نفعا بها فهو متهم فلم تقبل شهادته كشهادة العدو على عدوه ولنا عموم ادلة الشهادة وما قاله يبطل بشهادة الغريم للمدين قبل الحجر وان كان ربما قضاه دينه منه فجر إلى نفسه نفعا أعظم مما يرجى ههنا من الصديقين وأما العداوة فسببها محصور وفي الشهادة عليه شفاء غيظه منه فخالف الصداقة وتجوز شهادة المولى المعتق لعتيقه لانه لا تهمة فيه أشبه الاجنبي ولانه بمنزلة الاخ وشهادة الاخ لاخيه مقبولة كما ذكرنا

[ 76 ]

(فصل) الثاني ان يجر إلى نفسه نفعا بشهادته كشهادة السيد لمكاتبه والوارث لموروثه والعبد المأذون له في التجارة وكذلك لا تقبل شهادة الوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال لانه قد يسري الجرح إلى نفسه فتجب الدية لهم ولا تقبل شهادة الشفيع ببيع الشقص الذي له فيه الشفعة لانه يجر إلى نفسه نفعا ولا تقبل شهادة الغرماء بدين المفلس أو بعين ولا شهادتهم للميت بدين أو مال فانه لو ثبت للمفلس أو للميت دين أو مال تعلقت حقوقهم به ويفارق ما لو شهد الغرماء لحي لا حجر عليه بمال فان شهادتهم تقبل لان حقهم لا يتعلق بماله وانما يتعلق بذمته فان قيل إذا كان معسرا سقطت عنه المطالبة فإذا شهدا له بمال ملك مطالبته فجروا إلى أنفسهم نفعا قلنا لم تثبت المطالبة بشهادتهم انما ثبتت بيساره واقراره لدعوى الحق الذي شهدوا به قال القاضي ولا تقبل شهادة الاجير لمن استأجره نص عليه أحمد فان قيل فلم قبلتم شهادة الوارث لموروثه مع أنه إذا مات ورثه فقد جر إلى نفسه نفعا بشهادته قلنا لاحق له في ماله حين الشهادة وإنما يحتمل ان يتجدد له حق وهذا لا يمنع قبول الشهادة كما لو شهد لامرأة يحتمل ان يتزوجها أو لغريم بمال له يحتمل ان يوفيه أو يفلس فيتعلق حقه به وانما المانع ما يحصل به نفع حال الشهادة فان قيل فقد منعتم قبول شهادته لموروثه بالجرح قبل الاندمال لجواز ان يتجدد له حق وان لم يكن له حق في الحال فان قلتم قد انعقد سبب حقه قلنا يبطل بالشاهد لموووثه المريض فان شهادته تقبل مع انعقاد سبب استحقاقه بدليل ان عطيته له لا تنفذ وعطيته لغيره نقف على الخروج من الثلث

[ 77 ]

قلنا انما منعنا الشهادة لموروثه بالجرح لانه ربما افضى إلى الموت به فتجب الدية للوارث الشاهد به ابتداء فيكون شاهدا لنفسه موجبا له بها حقا ابتداء بخلاف الشاهد للمريض والمجروح بمال فانه انما يجب للمشهود له ثم يجوز أن ينتقل ويجوز أن لا ينتقل فلم يمنع الشهادة له كالشهادة لغريمه فان قيل فقد اجزتم شهادة الغريم لغريمه بالجرح قبل الاندمال كما أجزتم شهادته له بماله لنا إنما أجزناها لان الدية لا تجب للشاهد ابتداء انما تجب للقتيل أو لورثته ثم يستوفي الغريم منها فاشبهت الشهادة بالمال. (مسألة) (ولا تقبل شهادة الموصى له للميت والوكيل لموكله بما هو وكيل فيه والشريك لشريكه والغرماء للمفلس بالمال واحد الشفيعين بعفو الاخر عن شفعته وكذلك المضارب بمال المضاربة) لانه متهم ولان الشفعة إذا بطلت للمشهود عليه توفرت على الشاهد فيكون شاهدا لنفسه وممن رد شهادة الشريك لشريكه شريح والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا فاما ان شهد الشريك لشريكه في غير ما هو شريك فيه أو الوكيل لموكله في غير ما هو وكيل فيه أو العدو لعدوه أو الوارث لموروثه بمال أو بالجرح بعد الاندمال أو شهد احد الشفيعين بعد ان اسقط شفعته على الاخر باسقاط شفعته أو احد الوصيين بعد سقوط وصيته على الاخر بما يسقط وصيته أو كان احد الوصيتين لا يزاحم بها الاخرى ونحو ذلك مما لا تهمة فيه قبلت لان المقتضي لقبول الشهادة متحقق والمانع منتف فوجب قبولها عملا بالمقتضي (فصل) ولا تقبل شهادة الوصي للموصى عليهم ان كانوا في حجره وهذا قول اكثر اهل العلم منهم الشعبي والثوري ومالك والشافعي والاوزاعي وابو حنيفة وأجاز شريح وابو ثور شهادته لهم إذا كان الخصم غيره لانه اجنبي متهم فقبلت شهادته لهم كما بعد زوال الوصية

[ 78 ]

ولنا أنه شهد بشئ هو خصم فيه فانه الذي يطالب بحقوقهم ويخاصم فيها ويتصرف فيها فلم تقبل شهادته به كما لو شهد بمال نفسه ولانه يأكل من أموالهم عند الحاجة فيكون متهما بالشهادة به وقولهم في حجره احتراز، أما لو شهد لهم بعد زوال ولايته عنهم فانها تقبل والحكم في أمين الحاكم يشهد للايتام الذين هم تحت ولايته كالحكم في الوصي سواء قياسا عليه فاما شهادته عليهم فمقبولة لا نعلم فيه خلافا فانه لا يتهم عليهم ولا يجر بشهادته عليهم نفعا ولا يدفع بها عنهم ضررا فهو كالاجنبي (فصل) الثالث أن يدفع عن نفسه ضررا كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ والغرماء بجرح شهود الدين على المفلس والسيد بجرح من شهد على مكاتبه أو عبده بدين والوصي بجرح الشاهد على الايتام والشريك بجرح الشاهد على شريكه وسائر من لا تقبل شهادته لانسان إذا شهد بجرح الشاهد عليه. إنما لم تقبل شهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ لما فيه من دفع الدية عن انفسهم فان كان الشاهد ان بالجرح فقيرين احتمل قبول شهادتهما لانهما لا يحملان شيئا من الدية واحتمل ان لا تقبل لجواز أن يوسرا قبل الحول فيحملان وكذلك الخلاف في البعيد الذي لا يحمل لبعده لجواز أن يموت من هو أقرب منه قبل الحول فيحمل ولا تقبل شهادة الضامن للمضمون عنه بقضاء الحق أو الابراء منه ولا شهادة أحد الشفيعين على الآخر باسقاط شفعته ولا شهادة بعض غرماء المفلس على بعض باسقاط دينه أو استيفائه أو بعض من أوصي له بمال على آخر بما يبطل وصيته إذا كانت

[ 79 ]

وصيته تحصل بها مزاحمته إما لضيق الثلث عنهما أو لكون الوصيتين بمعين فهذا وأشباهه لا تقبل الشهادة فيه لان الشاهد به متهم لما يحصل بشهادته من دفع الضرر عن نفسه ونفعها فيكون شاهدا لنفسه، وقد قال الزهري مضت السنة في الاسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين والظنين المتهم، وروى طلحة بن عبد الله بن عوف قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن لا شهادة لخصم ولا ظنين) (فصل) الرابع العداوة كشهادة المقذوف على قاذفه والمقطوع عليه الطريق على قاطعه والزوج بالزنا على امرأته. وجملة ذلك ان شهادة العدو لا تقبل على عدوه في قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة والثوري واسحاق ومالك والشافعي والمراد بالعداوة ههنا العداوة الدنيوية مثل شهادة المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطع والمقتول وليه على القاتل والمجروح على الجارح والزوج يشهد بالزنا على امرأته فلا تقبل شهادته لانه يقر على نفسه بعداوته لها بافسادها فراشه، وأما العداوة في الدين كالمسلم يشهد على الكافر أو المحق من اهل السنة يشهد على المبتدع فلا ترد شهادته لان العداوة في الدين والدين يمنعه من ارتكاب محظور في دينه، وقال أبو حنيفة لا تمنع العداوة الشهادة لانها لا تخل بالعدالة فلا تمنع الشهادة كالصداقة لا تمنع الشهادة له

[ 80 ]

ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه) رواه أبو داود والغمر الحقد ولان العداوة تورث التهمة فتمنع الشهادة كالقرابة القريبة وتخالف الصداقة فان شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه وبيع آخرته بدنيا غيره وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا، فان قيل فلم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة؟ قلنا العدواوة ههنا دينية والدين لا يقتضي شهادة الزور ولا ان يترك دينه بموجب دينه (فصل) فان شهد على رجل بحق فقذفه المشهود عليه لم ترد شهادته بذلك لانا لو أبطلنا شهادته بهذا لتمكن كل مشهود عليه بابطال شهادة الشهاد بقذفه ويفارق ما لو طرأ الفسق بعد اداء الشهادة وقبل الحكم فان رد الشهادة فيه لا يفضي إلى ذلك بل إلى عكسه لان طريان الفسق يورث تهمة في حال اداء الشهادة لان العادة اسراره فظهوره بعد اداء الشهادة يدل على أنه كان يسره حال أدائها وههنا حصلت العداوة بأمر لا تهمة على الشاهد فيه، فأما المحاكمة في الاموال فليست عداوة تمنع الشهادة في غير ما حكم فيه (فصل) قال رحمه الله (الشرط الخامس ان يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب فيعيدها فانها لا تقبل للتهمة) وبهذا قال الشافعي واصحاب الرأي وقال أبو ثور والمزني وداود تقبل قال

[ 81 ]

ابن المنذر والنظر يدل على هذا لانها شهادة تقبل في غير هذه الشهادة فقبلت فيها قياسا على غيرها وكما لو شهد وهو كافر فردت شهادته ثم شهد بها بعد اسلامه ولنا أنه متهم في أدائها لانه يعير بردها وتلحقه غضاضة لكونها ردت بسبب نقص يتغير به وصلاح حاله بعد ذلك من فعله يزول به العار فتلحقه التهمة في أنه قصد اظهار العدالة واعادة الشهادة لتقبل فيزول ما حصل بردها ولان الفسق يخفى فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد فعند ذلك نقول شهادته مردودة بالاجتهاد فلا تقبل بالاجتهاد لان ذلك يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد وفارق ما لو إذا رد شهادة كافر لكفره أو صبي لصغره أو عبد لرقه ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي وعتق العبد واعادوا تلك الشهادة فانها لا ترد لانها لم ترد أولا بالاجتهاد وانما ردت باليقين ولان البلوغ والحرية ليسا من فعل الشاهد فيتهم انه فعلهما لتقبل شهادته والكافر لا يرى كفره عارا ولا يترك دينه من أجل شهادة ردت (مسألة) ولو لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا قبلت) وذلك لان التحمل لا تعتبر فيه العدالة ولا البلوغ ولا الاسلام لانه لا تهمة في ذلك وانما يعتبر ذلك للاداء فإذا رأى الفاسق شيئا أو سمعه ثم عدل وشهد به قبلت شهادته بغير خلاف نعلمه وهكذا

[ 82 ]

الصبي والكافر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يروون عنه بعد ان كبروا كالحسن والحسين وابن عباس وابن الزبير وابن جعفر والنعمان بن بشير، والرواية في معنى الشهادة تشترط لها العدالة وغيرها من الشروط المعتبرة للشهادة (مسألة) (ولو شهد وهو كافر أو صبي أو عبد فردت شهادتهم ثم أعادوها بعد زوال الكفر والصبا والرق قبلت) ولما ذكرنا في الفصل الذي قبلها وقد روي عن النخعي والزهري وقتادة وأبي الزناد ومالك انها ترد أيضا في حق من أسلم وبلغ وعن احمد رواية كذلك لانها شهادة مردودة فلم تقبل كشهادة من كان فاسقا وقد ذكرنا ما يقتضي فرقا بينهما فيفترقان، وروي عن أحمد في العبد إذا ردت شهادته لرقه ثم عتق واعاد تلك الشهادة روايتان وقد ذكرنا الاولى ان شهادته تقبل لان العتق من غير فعله وهو أمر يظهر بخلاف الفسق (مسألة) (وان شهد لمكاتبه أو لموروثه بجرح قبل برئه فردت ثم أعادها بعد عتق المكاتب وبرء الجرح ففي ردهما وجهان) (أحدهما) تقبل لان زوال المانع ليس من فعلهم فأشبه زوال الصبا والبلوغ ولان ردها بسبب لا عار فيه فلا يتهم في قصد نفي العار باعادتها بخلاف الفسق (والثاني) لا تقبل لان ردها باجتهاده فلا ينقضها باجتهاده والاول أصح فان الاصل قبول

[ 83 ]

شهادة العدل لم يمنع منه مانع ولا يصح القياس على الشهادة المردودة بالفسق لما ذكرنا بينهما من الفرق ويخرج على هذا كل شهادة مردودة إما للتهمة أو لعدم الاهلية إذا أعادوها بعد زوال التهمة ووجود الاهلية هل تقبل؟ على وجهين (مسألة) (وان شهد الشريك بعفو شريكه عن الشفعة ثم عفا الشاهد عن شفعته واعاد تلك الشهادة لم تقبل ذكره القاضي) لانه متهم فاشبه لفاسق والاولى أنها تخرج على الوجهين لانها إنما ردت لكونها يجر بها إلى نفسه نفعا وقد زال بعفوه والله أعلم. (باب أقسام المشهود به) والمشهود به ينقسم خمسة اقسام: (أحدها) الزنا وما يوجب حده فلا يقبل فيه إلا أربعة رجال أحرار. أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود وقد نص الله تعالى عليه بقوله (سبحانه لولا جاءوا عليه باربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون) وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أربعة وإلا حد في ظهرك) في أخبار سوى هذا وأجمعوا على أنه يشترط كونهم عدولا ظاهرا

[ 84 ]

وباطنا مسلمين سواء كان المشهود عليه مسلما أو ذميا وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالا أحرارا فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا العبيد وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وشذ أبو ثور فقال تقبل شهادة العبيد وحكاه أبو الخطاب والشريف رواية في المذهب، وحكي عن حماد وعطاء أنهما قالا تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين لانه نقص واحد من عدد الرجال فقام مقامه امرأتان كالاموال ولنا ظاهر الآية وان العبد مختلف في شهادته فكان ذلك شبهة في الحد لانه يندرئ بالشبهات ولا يصح قياس هذا على الاموال لخفة حكمها وشدة الحاجة إلى إتيانها لكثرة وقوعها والاحتياط في حفظها ولهذا زيد في عدد شهود الزنا على شهود المال (مسألة) (وهل يثبت الاقرار بالزنا بشاهدين أو لا يثبت الا باربعة؟ على روايتين) وللشافعي قولان (أحدهما) يثبت بشاهدين قياس على سائر الاقاربر (والثاني) لا يثبت الا بأربعة لانه موجب لحد الزنا فاشبه فعله (فصل) (الثاني القصاص وسائر الحدود فلا يقبل فيه إلا رجلان حران) الا ما روي عن عطاء وحماد انهما قالا يقبل فيه رجل وامرأتان قياسا على الشهادة في الاموال ولنا ان هذا مما يحتاط لدرئه واسقا له ولهذا يندرئ بالشبهات ولا تدعو الحاجة إلى اثباته وفي شهادة النساء شسبهة بدليل قوله تعالى (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى) وان شهادتهن

[ 85 ]

لا تقبل وان كثرت ما لم يكن معهن رجل فوجب ان لا تقبل شهادتهن فيه ولا ويصح قياس هذا على المال لما ذكرنا من الفرق وبهذا الذي ذكرناه قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وحماد والزهري وربيعة ومالك والشافعي وأبو عبيد وابو ثور وأصحاب الرأي واتفق هؤلاء كلهم على أنه يثبت بشهادة رجلين ما خلا الزنا إلا الحسن فانه قال الشهادة على القتل كالشهادة على الزنا لا يقبل فيها إلا أربعة، وروي ذلك عن أبي عبد الله لانها شهادة يثبت بها القتل فلم تثبت الا باربعة كالشهادة على زنا المحصن. ولنا أنه احد نوعي القصاص فيقبل فيه اثنان كقطع الطرف وفارق الزنا فانه مختص بهذا وليست العلة كونه قتلا بدليل وجوب الاربعة في زنا البكر ولا قتل فيه ولانه انفرد بايجابه الحد على لرامي به والشهود إذا لم تكمل شهادتهم فلم يجز ان يلحق به ما ليس مثله (فصل) ولا تقبل الشهادة على القتل الا مع زوال الشبهة في لفظ الشاهد نحو ان يقول ضربه فقتله وقد ذكرنا ذلك فان كانت الشهادة بالجرح فقالا ضربه فاوضحه أو فاتضح منه أو فوجدناه موضحا من الضربة قبلت شهادتهما فان قالا ضربه فاتضح رأسه أو فوجدناه موضحا أو فاسال دمه أو وجدنا في رأسه موضحة لم يثبت الايضاح لجواز أن يتضح عقيب ضربه بسبب آخر ولا بد من تعبير الموضحة في إيجاب القصاص لانه إن كان في رأسه موضحتان فيحتاجان إلى بيان ما شهدا به منهما وإن كانت

[ 86 ]

واحدة فيحتمل ان يكون قد أوسعها غير المشهود عليه فيجب ان يعينها الشاهدان فيقولان هذه فان قالا أوضحه في موضع كذا من رأسه موضحة قدر مساحتها كذا وكذا قبلت شهادتهما وإن قالا لا نعلم قدرها أو مرضعها لم يحكم بالقصاص لانه يتعذر مع الجهالة وتجب دية الموضحة لانها لا تختلف باختلافها وان قالا ضرب رأسه فأسال دمه في بازلة وان قالا فسال دمه لم يثبت شئ لجواز أن يسيل دمه بسبب آخر وان قالا نشهد أنه ضربه فقطع يده ولم يكن أقطع اليدين قبلت شهادتهما ويثبت القصاص لعدم الاشتباه وان كان أقطع اليدين ولم يعينا المقطوعة لم يجب قصاص لانهما لم يعينا اليد التي يجب فيها القصاص منهما وتجب دية اليد لانها تختلف باختلاف الايدي (فصل) فان شهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا والآخر أنه اقر بقتله ولم يقل عمدا ولا خطأ ثبت القتل لان البينة قد كملت عليه ولم تثبت صفته فنسأل المشهود عليه عن صفته فان أنكر أصل القتل لم يقبل انكاره لقيام البينة به وان أقر بقتل العمد ثبت باقراره وان أقر بالخطأ فانكر الولي فالقول قول القاتل وهل يستحلف على ذلك؟ يخرج فيه وجهان فان صدقه الولي على الخطأ ثبت عليه وان أقر بقتل العمد وكذبه الولي وقال بل كان خطأ لم يجب القود لان الولي لا يدعيه وتجب دية الخطأ ولا تحملها العاقلة في هذه المواضع كلها ولا شيئا منها وتكون في ماله لانها لم تثبت ببينة وفي بعضها القاتل مقر بانها في ماله دون مال عاقلته وان شهد أحدهما أنه قتله عمدا وشهد الآخر أنه قتله خطأ ثبت القتل

[ 87 ]

دون صفته ويطالب ببيان صفته على ما ذكرنا لان الفعل قد يعتقده أحدهما خطأ والآخر عمدا ويكون الحكم كما لو شهد احدهما أنه أقر بقتله خطأ. أن المشهود عليه يسأل على ما ذكرنا في أول الفصل فان شهد أحدهما أنه قتله غدوة والآخر انه قتله عشية أو شهد احدهما أنه قتله بسيف وقال الآخر بعصا لم تتم الشهادة ذكره القاضي لان كل واحد منهما يخالف صاحبه ويكذبه، وهو مذهب الشافعي وقال أبو بكر يثبت القتل لاتفاقهما عليه واختلافهما في الصفة فيثبت القتل كما لو شهد أحدهما بقتل العمد والآخر بقتل الخطأ والاول أصح لان القتل غدوة غير السيف عشية ولا يتصور أن يقتل غدوة ثم يقتل عشاء ولا ان يقتل بسيف ثم يقتل بعصا بخلاف الخطأ والعمد فان الفعل واحد والخلاف في نيته وقصده وقد يخفى ذلك على أحدهما دون الآخر فان شهد أحدهما أنه قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله ثبت القتل نص عليه أحمد واختاره أبو بكر واختار القاضي أنه لا يثبت وهو مذهب الشافعي لان أحدهما شهد بغير ما شهد به الآخر فلم تتفق شهادتهما على فعل واحد ولنا أن الذي أقر به هو القتل الذي شهد به الشاهد فلا تنافي بينهما فيثبت بشهادتهما كما لو شهد احدهما بالقتل عمدا وشهد الآخر بالقتل خطأ أو كما لو شهد أحدهما أن له عليه ألفا وشهد الآخر أنه أقر له بألف. (فصل) إذا قتل رجل عمدا قتلا يوجب القصاص فشهد أحد الورثة على واحد منهم أنه عفى

[ 88 ]

عن القصاص سقط القود سواء كان الشاهد عدلا أو فاسقا لان شهادته تضمنت سقوط حقه من القصاص وقوله مقبول في ذلك فان أحد الوليين إذا عفا عن حقه سقط القصاص كله ويشبه هذا ما لو كان عبد بين شريكين فشهد أحدهما ان شريكه أعنق نصيبه وهو موسر عتق نصيب الشاهد. وإن انكره الآخر فان كان الشاهد شهد بالعفو عن القصاص والمال لم يسقط المال لان الشاهد اعترف ان نصيبه سقط بغير اختياره فأما نصيب المشهود عليه فان كان الشاهد ممن لا تقبل شهادته فالقول قول المشهود عليه مع يمينه إذا حلف ثبتت حصته من الدية وان كان مقبول القول حلف الجاني معه وسقط حق المشهود عليه ويحلف الجاني انه عفا عن الدية ولا يحتاج إلى ذكر العفو عن القصاص لانه قد سقط بشهادة الشاهد فلا يحتاج إلى ذكره في اليمين لانه انما حلف على ما يدعى عليه ولا يدعى عليه غير الدية (فصل) إذا جرح رجل فشهد له رجلان من ورثته غير الوالدين والمولودين وكانت الجراج مندملة قبلت شهادتهما لانها. يجران إلى أنفسهما نفعا وان كانت غير مندملة لم يحكم بشهادتهما وقد ذكرناه وان شهد وارث المريض له بمال ففي قبول شهاداتهم وجهان (أظهرهما) قبولها كما لو شهدا له وهو صحيح (والثاني) لا تقبل لانه متى ثبت المال للمريض تعلق حق ورثته به ولهذا لا ينفذ تبرعه فيه فيما

[ 89 ]

زاد على الثلث وان شهد لمجروح بالجرح من لا يرثه لكونه محجوبا كالاخوين يشهد ان لاخيهما وله ابن سمعت شهادتهما فان مات ابنه نظرت فان كان الحاكم حكم بشهادتهما لم ينقض حكمه لان ما يطرأ بعد الحكم بالشهادة لا يؤثر فيها كالفسق، وان كان ذلك قبل الحكم بالشهادة لم يحكم بها لانهما صارا مستحقين فلا يحكم بشهادتهما كما لو فسق الشاهدان قبل الحكم بشهادتهما، وان شهد على رجل بالجرح الموجب للدية على العاقلة فشهد بعض عاقلة المشهود عليه بجرح الشهود لم تقبل شهادته وان كان فقيرا لانه قد يكون ذا مال وقت العقل فيكون دافعا عن نفسه ويحتمل ان تقبل لانهما لا يحملان شيئا من الدية وان كان الجرح مما لا تحمله العاقلة كجراحة العمد سمعت شهادتهما لانهما لا يدفعان عن أنفسهما ضررا، وان كان الشاهدان شهدا على اقراره بالجرح قبلت لان العاقلة لا تحمل الاعتراف وان كانت شهادتهما بجرح عقله دون ثلث الدية خطأ وكانت شهادتهما بالجرح قبل الاندمال لم تقبل لانها ربما صارت نفسا فتحملها وان كان بعده قبلت لانها لا تحمل ما دون ذلك (فصل) وإذا شهد رجلان على رجلين انهما قتلا رجلا ثم شهد المشهود عليهما على الاولين انهما اللذان قتلاه فصدق الولي الاولين وكذب الآخرين وجب القتل عليهما لان الولي يكذبهما وهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما ضررا وان صدق الجميع بطلت شهادتهم أيضا لانه بتصديق

[ 90 ]

الاولين مكذب للاخرين وتصديقه الاخرين تكذيب للاولين وهما متهمان لما ذكرناه فان قيل فكيف تتصور هذه المسألة والشهاة انما تكون بعد الدعوى فكيف يتصور فرض تصديقهم وتكذيبهم؟ قلنا يتصور ان يشهدا قبل الدعوى إذا لم يعلم الولي من قتله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (خير الشهداء الذي ياتي بشهادته قبل ان يسألها) وهذا معني ذلك (فصل) الثالث ما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال في غالب الاحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والنسب والعتق والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك فلا يقبل فيه الا رجلان وعنه في الرجعة والنكاح والعتق انه يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وعنه في العتق انه يقبل فيه شاهد ويمين المدعي وقال القاضي النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبت إلا بشاهدين رواية واحدة والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين) وجملة ذلك ان ما ليس بعقوبة ولا يقصد به المال كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والايلاء والظهار والنسب والتوكيل والوصية إليه والولاء والكتابة وأشباه هذا فقال القاضي المعول عليه في المذهب ان هذا لا يثبت الا بشاهدين ذكرين ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال وقد نص أحمد في رواية الجماعة على انه لا تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق وقد نقل عن أحمد في الوكالة ان كانت بمطالبة دين يعني يقبل فيها شهادة رجل وامرأتين فأما غير ذلك فلا ووجه ذلك ان الوكالة

[ 91 ]

في اقتضاء الدين يقصد منها المال فيقبل فيها شهادة رجل وامرأتين كالحوالة قال القاضي فيخرج من هذا ان النكاح وحقوقه من الرجعة وشبهها لا تقبل فيها شهادة النساء رواية واحدة وما عداه يخرج على روايتين وقال أبو الخطاب في النكاح والعتاق أيضا روايتان (أحدهما) لا يقبل فيه الا شهادة رجلين وهو قول النخعي والزهري ومالك وأهل المدينة والشافعي وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وربيعة في الطلاق (والثانية) تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين روي ذلك عن جابر بن زيد وإياس بن معاوية والشعبي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك في النكاح عن عطاء واحتجوا بانه لا يسقط بالشبهة فيثبت يرجل وامرأتين كالمال ولنا انه ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال فلم يكن للنساء في شهادته مدخل كالحدود والقصاص وما ذكروه لا يصح فان الشبهة لا مدخل لها في النكاح وان تصور بان تكون المرأة مرتابة بالحمل لم يصح النكاح (فصل) وقد نقل عن أحمد في الاعسار ما يدل على انه لا يثبت الا بثلاثة لحديث قبيصة بن مخارق وفيه (حتي يشهد ثلاثة من ذوي الحجي من قومه لقد اصابت فلانا فاقة) قال أحمد هكذا جاء الحديث

[ 92 ]

فظاهر هذا انه أخذ به وروي عنه لا يقبل انه وصى حتى يشهد له رجلان أو رجل عدل فظاهر هذا انه اثبت الوصية بشهادة النساء على الانفراد إذا لم يحضره الرجال قال القاضي المذهب في هذا كله لا يثبت الا بشاهدين وحديث قبيصة في حل المسألة لا في الاعسار (فصل) ولا يثبت شئ مما ذكرنا بشاهد ويمين المدعي لانه إذا لم يثبت بشهادة رجل وامرأتين فلان لا يثبت بشاهد واحد ويمين أولى قال أحمد ومالك في الشاهد واليمين انما يكون ذلك في الاموال خاصة لا يقع في حد ولا نكاح ولا طلاق ولا عتاقة ولا سرقة ولا قتل وعن أحمد في العتق انه يثبت بشاهد ويمين العبد ذكره الخرقي فقال إذا ادعى العبد ان سيده اعتقه وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا ونص عليه أحمد وقال في الشريكين في عبد ادعى كل واحد منهما ان شريكه أعتق حقه منه وكانا معسرين عدلين فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا فيخرج مثل هذا في الكتاب والولاء والوصية والوديعة والوكالة فيكون في الجميع روايتان ما خلا العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه فانه لا يثبت بشاهد ويمين قولا واحدا قال القاضي: المعمول عليه في جميع ما ذكرناه أنه لا يثبت الا بشاهدين وهو قول الشافعي وقد روى الدارقطني باسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (استشرت جبريل في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار علي في الاموال لا تعدو ذلك) وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نه قضى بالشاهد واليمين، قال نعم في الاموال، وتفسير الراوي أولى من تفسير غيره ورواه الامام أحمد باسناده وغيره

[ 93 ]

(فصل) الرابع المال وما يقصد به المال كالبيع والرهن والقرض والوصية له وجناية الخطأ يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين المدعي وهل يقبل في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص كالهاشمة والمنقلة شهادة رجل وامرأتين؟ على روايتين) وجملة ذلك أن المال كالقرض والرهون والديون كلها وما يقصد به المال كالبيع والوقف والاجارة والهبة والصلح والمساقاة والمصاربة والشركة والوصية له والجناية الموجبة للمال كالخطأ وعمد الخطأ والعمد الموجب للمال دون القصاص كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وقال أبو بكر لا تثبت الجناية في البدن بشهادة رجل وامرأتين لانها جناية فأشبهت ما يوجب القصاص والاول أصح لان موجبها المال فأشبهت البيع وفارق ما يوجب القصاص، لان القصاص لا تقبل فيه شهادة النساء كذلك ما يوجبه والمال يثبت بشهادة النساء فكذلك ما يوجبه ولا خلاف في أن المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال، وقد نص الله تعالى على ذلك في كتابه العزيز بقوله سبحانه (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) وأجمع أهل العلم على القول به. (فصل) وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين، روي ذلك عن أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز وشريح والحسن وإياس

[ 94 ]

وعبد الله بن عتبة وأبو سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأبو الزناد والشافعي وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والاوزاعي لا يقضى بشاهد ويمين وقال محمد بن الحسن من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه لان الله تعالى قال (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص والزيادة في النص نسخ، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فحصر اليمين في جانب المدعى عليه كما حصر البينة في جانب المدعي. ولنا ما روي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد، رواه سعيد بن منصور في سننه والائمة من أهل السنن والمسانيد، قال الترمذي هذا حديث غريب وفي الباب عن علي وابن عباس وجابر وقال النسائي إسناد ابن عباس في اليمين مع الشاهد اسناد جيد ولان اليمين تشرع فيمن ظهر صدقه وقوى جانبه ولذلك شرعت في حق صاحب اليد لقوة جنبته بها وفي حق المنكر لقوة جنبته فان الاصل براءة ذمته والمدعي ههنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع) اليمين في حقه ولا حجة لهم في الآية لانها دلت على مشروعية الشاهد والمرأتين ولا نزاع في هذا وقولهم إن الزيادة في النص نسخ غير صحيح لان النسخ الرفع والازالة والزيادة في الشئ تقرير له لا رفع والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه

[ 95 ]

ولان الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه ولم تكن نسخا فكذلك إذا انفصلت عنه ولان الآية واردة في التحمل دون الآداء ولهذا قال (ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى) والنزاع في الآداء وحديثهم ضعيف وليس هو للحصر بدليل أن اليمين تشرع في حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها في حق الامناء لظهور جانبهم وفي حق الاعن وفي القسامة وتشرع في حق البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة وقول محمد في نقض قضاء من قضى بالشاهد واليمين يتضمن القول بنقض قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الذين قضوا به وقد قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) والقضاء بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله أولى من قضاء محمد بن الحسن المخالف له. (فصل) قال القاضي يجوز أن يحلف على ما لا تجوز الشهادة عليه مثل ان يجد بخطه دينا له على إنسان وهو يعرف أنه لا يكتب إلا حقا ولم يذكره أو يجد رزمانج أبيه بخطه دينا له على إنسان ويعرف من أبيه الامانة وانه لا يكتب إلا حقا فله أن يحلف عليه ولا يجوز أن يشهد به ولو أخبره بحق أبيه ثقة فسكن إليه جاز أن يحلف عليه ولم يجز أن يشهد به، وبهذا قال الشافعي والفرق بين اليمين والشهادة من وجهين. (أحدهما) أن الشهادة لغيره فيحتمل أن من له الشهادة قد زور على خطه ولا يحتمل هذا فيما حلف عليه لان الحق إنما هو للحالف فلا يزور أحد عليه.

[ 96 ]

(الثاني) أن ما يكتبه الانسان من حقوقه يكثر فينسى بعضه بخلاف الشهادة والاولى التورع عن ذلك ان شاء الله تعالى. (فصل) وكل موضع قبل فيه الشاهد واليمين فلا فرق بين كون المدعي مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا رجلا أو امرأة، نص عليه احمد لان من شرعت في حقه اليمين لا يختلف حكمه باختلاف هذه الاوصاف كالمنكر إذا لم تكن بينة. (فصل) قال احمد مضت السنة أن يقضى باليمين مع الشاهد الواحد فان أبي أن يحلف استحلف المطلوب، وهذا قول مالك والشافعي وروي عن أحمد: فان أبى المطلوب أن يحلف ثبت الحق عليه. (فصل) ولا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي وبه قال الشافعي، وقال مالك يقبل ذلك في الاموال لانهما في الاموال أقيمتا مقام الرجل فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل ويحتمل لنا مثل ذلك. ولنا أن البينة على المال إذا خلت من رجل لم تقبل كما لو شهد أربعة نسوة وما ذكروه يبطل بهذه الصورة فانهما لو أقيمتا مقام رجل من كل وجه لكفى أربع نسوة مقام رجلين ولقبل في غير الاموال شهادة رجل وامرأتين، لان شهادة المرأتين ضعيفة تقوت بالرجل واليمين ضعيفة فيضم ضعيف إلى ضعيف فلا يقبل.

[ 97 ]

(فصل) ولا يشترط أن يقول في يمينه وان شاهدي صادق في شهادته وقيل يشترط وهل تقبل شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين في دعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه ودعوى الاسير إسلاما سابقا لمنع رقه؟ على روايتين من المحرر (الخامس) مالا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه فيقبل فيها شهادة امرأة واحدة وعنه لا يقبل فيها أقل من امرأتين وان شهد به لرجل كان أولى بثبوته ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة، قال القاضي والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء الولادة والاستهلال والرضاع والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والبكارة والثيابة والبرص وانقضاء العدة وعن أبي حنيفة لا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع لانه يجوز ان يطلع عليه محارم المرأة من الرجال فلم يثبت بالنساء منفردات كالنكاح. ولنا ما روي عقبة بن الحارث قال تزوجت ام يحيى بنت أبي اهاب فأتت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأعرض عني ثم أتيته فقلت يارسول الله انها كاذبة فقال (وكيف وقد زعمت ذلك؟) ولانها شهادة على عورة للنساء فيها مدخل فقبل فيها شهادة النساء كالولادة ويخالف عقد النكاح فانه ليس بعورة وحكي عن أبي حنيفة أيضا أن شهادة النساء المنفردات لا تقبل في الاستهلال لانها تكون بعد الولادة وخالفه صاحباه وأكثر أهل العلم لانها تكون حال الولادة

[ 98 ]

فيتعذر حضور الرجال فأشبهت الولادة نفسها وقد روي عن علي انه أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال رواه الامام أحمد وسعيد بن منصور من حديث جابر الجعفي وأجازه شريح والحسن والحارث العكلي وحماد فإذا ثبت هذا فكل موضع قلنا تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فانه يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، وقال طاوس تجوز شهادة المرأة في الرضاع وإن كانت سوداء، وعن احمد رواية أخرى لا يقبل فيه إلا امرأتان وهو قول الحكم وابن أبي ليلى وابن شبرمة واليه ذهب مالك والثوري لان كل جنس يثبت به الحق يكفي فيه اثنان كالرجال ولان الرجال أكمل منهن ولا يقبل منهن إلا اثنان وقال عثمان يكفي ثلاث لان كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل وقال أبو حنيفة تقبل شهادة المرأة الواحدة في ولادة الزوجات دون ولادة المطلقة، وقال عطاء الشعبي وقتادة لا يقبل فيها إلا أربع لانها شهادة من شرطها الحرية فلم تقبل فيها الواحدة كسائر الشهادات، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال (شهادة امرأتين بشهادة رجل) ولنا حديث عقبة بن الحارث الذي ذكرناه وروى حذيفة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (يجزي في الرضاع شهادة امرأة واحدة) ولانه معنى يثبت بقول النساء المنفردات فلا يشترط فيه العدد كالرواية واخبار الديانات، وما ذكره الشافعي من اشتراط الحرية غير مسلم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (شهادة امرأتين بشهادة رجل) في الموضع الذي تشهد فيه مع الرجل فان شهد الرجل بذلك قبل وحده وهو قول

[ 99 ]

ابي الخطاب لانه أكمل من المرأة فإذا اكتفى بها وحدها فلان يكتفى به أولى ولان ما قبل فيه قول المرأة الواحدة قبل فيه قول الرجل كالرواية (فصل) قال رحمه الله (وإذا شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لم يثبت قصاص ولا دية، وان شهدوا بالسرقة ثبت المال دون القطع) لان السرقة توجب القطع والمال فإذا قصرت عن أحدهما أثبتت الآخر. والقتل يوجب القصاص والمال بدل منه فإذا لم يثبت الاصل لم يجب بدله، وإن قلنا موجبه أحد شيئين لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار فلو أوجبنا الدية وحدها اوجبنا معينا، وقال ابن أبي موسي لا يجب المال فيما إذا شهدوا بالسرقة ولانها شهادة لا توجب الحد وهو أحد موجبها فإذا بطلت في أحدهما بطلت في الآخر (مسألة) (وإذا ادعى رجل الخلع قبل فيه رجل وامرأتان أو شاهد ويمين المدعي) لانه يدعي المال الذي خالعت به وان ادعته المرأة لم يقبل فيه إلا رجلان لانها لا تقصد منه إلا الفسخ وخلاصها من الزوج ولا يثبت ذلك بهذه البينة فاما ان اختلفا في عوض الخلع خاصة ثبت برجل وامرأتين وكذلك ان اختلفا في الصداق لانه مال (فصل) وان ادعى رجل انه ضرب أخاه بسهم عمدا فقتله ونفذ إلى أخيه الآخر فقتله خطأ وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أو شاهدا وحلف معه ثبت قتل الثاني لانه خطأ موجبه المال ولم يثبت

[ 100 ]

قتل الاول لانه عمد موجبه القصاص فهما كالجنايتين المفترقتين وعلى قول أبي بكر لا يثبت منهما شئ لان الجناية عنده لا تثبت إلا بشاهدين سواء كان موجبها المال أو غيره، ولو ادعى رجل على آخر انه سرق منه وغصبه مالا فحلف بالطلاق والعتاق ما سرق منه ولا غصبه، وأقام المدعي شاهدا أو امرأتين شهدا بالسرقة والغصب، أو شاهدا وحلف معه استحق المسروق والغصوب لانه أتى ببينة يثبت ذلك بمثلها ولم يثبت طلاق ولا عتق لان هذه البينة جحد في المال دون الطلاق والعتاق وظاهر مذهب الشافعي (مسألة) (وإذا شهد رجل وامرأتان لرجل بجارية انها أم ولده ولدها منه قضي له بالجارية ام الولد وهل تثبت حرية الولد ونسبه من مدعيه؟ على روايتين) أما الجارية فنحكم له بها لان ام الولد مملوكة له ولهذا يملك وطأها واجارتها واعارتها وتزويجها ويثبت لها حكم الاستيلاد باقراره لان إقراره ينفذ في ملكه ولذلك يثبت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين. ولا نحكم له بالولد لانه يدعي نسبه والنسب لا يثبت بذلك ويدعي حريته أيضا فعلى هذا نقول الولد في يد المنكر مملوكا له وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر يأخذها وولدها ويكون ابنه لان من يثبت له العين ثبتت له نماؤها والولد نماؤها وذكر فيها أبو الخطاب عن احمد روايتين كقول الشافعي

[ 101 ]

ولنا انه لم يدع الولد ملكا وإنما يدعي حريته ونسبه، وهذان لا يثبتان بهذه البينة فيبقيان على ما كانا عليه (فصل) فان ادعى انها كانت ملكه فأعتقها لم يثبت ذلك بشاهد وامرأتين لان البينة شهدت بملك قديم فلم يثبت والحرية لا تثبت إلا برجل وامرأتين ويحتمل أن تثبت كالتي قبلها (باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة) (تقبل الشهادة على الشهادة فيما يقبل فيه كتاب القاضي وترد فيما يرد فيه) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة (أحدها) جوازها (والثاني) في موضعها (والثالث) في شرطها. أما الاول فان الشهادة على الشهادة جائزة باجماع العلماء وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. قال أبو عبيد اجتمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على امضاء الشهادة على الشهادة في الاموال، ولان الحاجة داعية إليها فانها لو لم تقبل لبطلت الشهادة على الموقوف وما يتأخر اثباته عند الحاكم ثم يموت شهوده، وفي ذلك ضرر على الناس ومشقة شديدة فوجب أن تقبل كشهادة الاصل

[ 102 ]

(الفصل الثاني) انها تقبل في المال وما يقصد به المال كما ذكر أبو عبيد ولا تقبل في حد وهذا قول الشعبي والنخعي وابي حنيفة وقال مالك والشافعي في قول وابو ثور تقبل في الحدود وفي كل حق لان ذلك يثبت بشهادة الاصل فيثبت بالشهادة على الشهادة كالمال ولنا ان الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات والاسقاط بالرجوع عن الاقرار والشهادة على الشهادة فيها شبهة فانها يتطرق إليها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في شهود الاصل وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهود الاصل وهو معتبر بدليل انها لا تقبل مع القدرة على شهود الاصل فوجب أن لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات ولانها إنما تقبل للحاجة ولا حاجة إليها في الحد لان ستر صاحبه اولى من الشهادة عليه ولانه لا نص فيها ولا يصح قياسها على شهادة الاصل لما ذكرنا فيبطل اثباتها، وظاهر كلام احمد انها لا تقبل في القصاص أيضا ولا حد القذف لانه قال انما يجوز في الحقوق. اما الدماء والحد فلا وهذا قول ابي حنيفة وقال مالك والشافعي يقبل وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله في كل شئ إلا في الحدود ولانه حق آدمي لا يسقط بالرجوع عن الاقرار به ولا يستحب ستره فأشبه الاموال وذكر أصحابنا هذا رواية في الطلاق وليس هذا برواية فان الطلاق لا يشبه القصاص والمذهب انها لا تقبل فيه لانه عقوبة فيه تدرأ بالشبهات وتبني على الاسقاط فأشبهت الحدود فاما ما عدا الحدود والقصاص والاموال كالنكاح والطلاق وسائر ما لا يثبت إلا

[ 103 ]

بشاهدين فنص أحمد على قبولها في الطلاق والحقوق فدل على قبولها في جميع هذه الحقوق وهذا قول الخرقي، وقال ابن حامد لا تقبل في النكاح ونحوه قول أبي بكر فعلى قولهما لا تقبل الا في المال وما يقصد به المال وهو قول أبي عبيد لانه حق لا يثبت الا بشاهدين فاشبه حد القذف ووجه الاول أنه حق لا يدرأ بالشبهات فيثبت بالشهادة على الشهادة كالمال وبهذا فارق الحدود (الفصل الثالث) في شروطها وهي ثلاثة (أحدها) أن تتعذر شهادة شهود الاصل بموت أو مرض أو غيبة إلى مسافة القصر وعنه لا تقبل إلا أن يموت شاهد الاصل هذا أحد الشروط وهو تعذر شهادة الاصل لموت أو غيبة أو مرض أو حبس أو خوف من سلطان أو غيره، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحكي عن أبي يوسف ومحمد جوازها مع القدرة على شهادة الاصل قياسا على الرواية وأخبار الديانات وروي عن الشعبي أنها لا تقبل إلا ان يموت شاهد الاصل لانهما إذا كانا حيين رجي حضورهما فكانا كالحاضرين وعن احمد مثل ذلك الا ان القاضي تأوله على الموت وما في معناه من الغيبة البعيدة ونحوها ويمكن تأويل قول الشعبي على هذا فيزول هذا الخلاف ولنا على اشتراط تعذر شاهد الاصل انه إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهادة شاهدي الاصل يستغني عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع وكان احوط للشهادة فان سماعه منهما معلوم وصدق شاهدى الفرع عليهما مظنون والعمل باليمين مع امكانه أولى من اتباع الظن ولان شهادة الاصل

[ 104 ]

تثبت نفس الحق وهذا إنما تثبت الشهادة عليه ولان في شهادة الفرع ضعفا لانه يتطرق إليها احتمالان احتمال غلط شاهدي الفرع فيكون ذلك وهنا فيها ولذلك لم ينتهض لاثبات الحدود والقصاص فينبغي أن لا يثبت الا عند عدم شهادة الاصل كسائر الابدال ولا يصح قياسها على أخبار الديانات لانه خفف فيها وكذلك لا يعتير فيها العدد ولا الذكورية ولا الحرية ولا اللفظ والحاجة داعية إليها في حق عموم الناس بخلاف مسئلتنا. ولنا على قبولها عند تعذرها بغير الموت أنه قد تعذرت شهادة الاصل فتقبل شهادة الفرع كما لو مات شاهد الاصل ويخالف الحاضرين فان سماع شهادتهما ممكن فلم يجز غير ذلك. إذا ثبت هذا فذكر القاضي ان الغيبة المشروطة لسماع شهاد الفرع أن يكون شاهد الاصل بموضع لا يمكن أن يشهد ثم يرجع من يومه وهذا قاله أبو يوسف وأبو حامد من أصحاب الشافعي لان الشاهد تشق عليه المطالبة بمثل هذا السفر. وقد قال تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) وإذا لم يكلف الحضور تعذر سماع شهادته فاحتيج إلى سماع شهادة الفرع وقال أبو الخطاب تعتبر مسافة القصر. وهو قول أبي حنيفة وأبي الطيب الطبري مع اختلافهم في مسافة القصر كل على أصله لان ما دون ذلك في حكم الحاضر في الترخص وغيره بخلاف مسافة القصر ويعتبر دوام هذا الشرط إلى الحكم وسنذكره ان شاء الله تعالى

[ 105 ]

(مسألة) (ولا يجوز لشاهد الفرع ان يشهد حتى يسترعيه شاهد الاصل فيقول اشهد على شهادتي اني أشهد أن فلان بن فلان وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه أقر عندي أو أشهدني على نفسه طوعا بكذا أو شهدت عليه أو أقر عندي بكذا، وان سمعه يقول أشهد على فلان بكذا لم يجز أن يشهد إلا أن يسمعه يشهد عند الحاكم أو يشهد بحق يعزيه إلى سبب من بيع أو اجارة أو قرض فهل يشهد؟ به على وجهين) يشترط لجواز شهادة الفرع أن يسترعيه على ما ذكرنا فان سمع شاهدا يسترعي آخر شهادة يشهد عليها جاز لهذا السامع ان يشهد بها لحصول الاسترعاء ويحتمل أن لا يجوز له ان يشهد إلا ان يسترعيه بعينه وهو قول أبي حنيفة قال أحمد لا تكون شهادة الا ان يكون يشهدك فاما ان سمعه يتحدث فانما ذلك حديث وبما ذكرناه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد فاما ان سمع شاهدا يشهد عند الحاكم بحق أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سبب نحو ان يقول أشهد ان لفلان على فلان الفا من ثمن سبيع فهل يشهد به؟ فيه روايتان ذكرهما أبو الخطاب، وذكر القاضي أن له الشهادة وهو مذهب الشافعي لانه بالشهادة عند الحاكم ونسبة الحق إلى سببه يزول الاحتمال ويرتفع الاشكال فتجوز له الشهادة على شهادته كما

[ 106 ]

لو استرعاه والرواية الاخرى لا يجوز له ان يشهد على شهادته وهو قول أبي حنيفة وأبي عبيد لان الشهادة فيها معنى النيابة فلا ينوب عنه الا باذنه ومن نصر الاول قال هذا ينقل شهادته ولا ينوب عنه لانه لا يشهد مثل شهادته إنما شهد على شهادته، فاما ان قال اشهد اني أشهد على فلان بكذا فالاشبه أنه يجوز ان يشهد على شهادته وهو قول أبي يوسف لان معنى ذلك اشهد على شهادتي اني أشهد لانه إذا قال اشهد فقد امره بالشهادة ولم يسترعه وما عدا هذه المواضع لا يجوز ان يشهد فيها على الشهادة فإذا سمعه يقول أشهد ان لفلان على فلان ألف درهم لم يجز ان يشهد على شهادته لانه لم يسترعه الشهادة فيحتمل ان يكون وعده بها وقد يوصف الوعد بالوجوب مجازا فان النبي صلى الله عليه وسلم قال (العدة دين) ويحتمل أن يريد بالشهادة العلم فلم يجز لسامعه الشهادة به، فان قيل فلو سمع رجلا يقول لفلان على فلان الف درهم جاز ان يشهد بذلك فكذا هذا قلنا الفرق بينهما من وجهين: (أحدهما) ان الشهادة تحتمل العلم ولا يحتمل الاقرار ذلك (الثاني) أن الاقرار أوسع في لزومه من الشهادة بدليل صحته في المجهول وانه لا يراعى فيه العدد بخلاف الشهادة ولان الاقرار قول الانسان على نفسه وهو غير متهم عليها فيكون أقوى منها ولهذا لا تسمع الشهادة في حق المقر ولا يحكم بها ولو قال شاهد الاصل انا اشهد أن لفلان على فلان ألفا فاشهد به انت عليه لم يجز ان يشهد على

[ 107 ]

شهادته لانه ما استرعاه شهادته فيشهد عليها ولا هو شاهد بالحق لانه ما سمع الاعتراف به ممن هو عليه ولا شاهد سببه. (فصل) فأما كيفية الاداء إذا كان قد استرعاه الشهادة فانه يقول أشهد أن فلان بن فلان وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه وعدالته أشهدني أنه يشهد ان لفلان بن فلان كذا أو ان فلانا اقر عندي بكذا وان لم يعرف عدالته لم يذكرها وان سمعه يشهد غيره قال اشهد ان فلان بن فلان اشهد على شهادته ان لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا، وان كان سمعه يشهد عند الحاكم قال اشهد ان فلان بن فلان شهد على فلان بن فلان عند الحاكم بكذا، وان كان نسب الحق إلى سببه قال اشهد ان فلان بن فلان قال اشهد ان لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا من جهة كذا وكذا وإذا اراد الحاكم ان يكتب ذلك كتبه على ما ذكرناه (فصل) ويشترط ان يعينا شاهدي الاصل على ما ذكرنا ويسمياهما. وقال ابن جرير إذا قالا ذكرين حرين عدلين جازوان لم يسميا لان الغرض معرفة الصفات دون العين وليس بصحيح لجواز ان يكونا عدلين عندهما وهما مجروحان عند غيرهما ولان المشهود عليه ربما امكنه جرح الشهود فإذا لم يعرف أعيانهما تعذر عليه ذلك.

[ 108 ]

(مسألة) (وتثبت شهادة شاهدي الاصل بشهادة شاهدين يشهدان عليهما سواء شهدوا على كل واحد منهما أو شهد على كل واحد منهما شاهد من شهود الفرع وقال أبو عبد الله بن بطة لا يثبت حتى يشهد اربعة على كل شاهد أصل شاهدا فرع). وجملة ذلك انه يجوز أن يشهد على كل واحد من شاهدي الاصل شاهد فرع فيشهد شاهدا فرع على شاهدي اصل، قال القاضي لا يختلف كلام احمد في هذا. وهو قول شريح والشعبي والحسن وابن شبرمة وابن ابي ليلى والثوري واسحاق والبتي والعنبري وقال اسحاق لم يزل اهل العلم على هذا حتى جاء هؤلاء. قال احمد وشاهد على شاهد يجوز لم يزل الناس على ذا شريح فمن دونه إلا أن أبا حنيفة أنكره، وذهب أبو عبد الله بن بطة إلى أنه لا يقبل على كل شاهد أصل الا شاهدا فرع وهذا قول ابي حنيفة ومالك والشافعي لان شاهدي الفرع يثبتان شهادة شاهدي الاصل فلا تثبت شهادة كل واحد منهما بأقل من شاهدين كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد على كل واحد منها واحد ولنا ان هذا يثبت بشاهدين وقد شهد اثنان بما يثبته فيثبت كما لو شهدا بنفس الحق ولان شاهدي الفرع بدل من شاهدي الاصل فيكفي في عددها ما يكفي في شهادة الاصل ولان هذا اجماع

[ 109 ]

على ما ذكره احمد وإسحاق ولان شاهدي الفرع لا ينقلان عن شاهدي الاصل حقا عليهما فوجب أن يقبل فيه قول واحد كاخبار الديانات فانهما لا ينقلان الشهادة وليسقت حقا عليهما ولهذا لو انكراهما لم يعد الحاكم عليهما ولم يبطلها منهما وهذا الجواب عما ذكروه. إذا ثبت هذا فمن اعتبر لكل شاهد أصل شاهدي فرع أجاز ان يشهد شاهدان على كل واحد من شاهدي الاصل وبه قال مالك وأصحاب الرأي قال الشافعي رأيت كثيرا من الحكام والمفتين يجيزه وخرجه على قولين (أحدهما) جوازه (والآخر) لا يجوز حتى يكون شهود الفرع أربعة على كل شاهد اصل شاهدا فرع، واختاره المزني لان من يثبت به أحد طرفي الشهادة لا يثبت به الطرف لآخر كما لو شهد أصلا ثم يشهد مع آخر على شهادة شاهد الاصل الآخر ولنا انهما شهدا على قولين فوجب أن يقبل كما لو شهدا باقرار اثنين أو باقرارين بحقين وانما لم يجز أن يشهد شاهد الاصل فرعا لانه يؤدي إلى أن يكون بدلا أصلا بشهادة بحق وذلك لا يجوز ولانهم يثبتون بشهادتهم شهادة الاصل وليست شهادة أحدهما ظرفا لشهادة الآخر فعلى قول الشافعي إن يثبت الحق بشهادة رجل وامرأتين وجب أن يكون شهود الفرع ستة وإن كان ثبت بأربع نسوة وجب أن يكون شهود الفرع ثمانية وإن كان المشهود به زنا خرج فيه خمسة أقوال (أحدها) لا مدخل لشهادة

[ 110 ]

الفرع في اثباته (والثاني) يجوز ويجب أن يكون شهود الفرع ستة عشر فيشهد على كل واحد من شهود الاصل أربعه (الثالث) يكفي ثمانية (والرابع) يكون أربعة يشهدون على كل واحد (والخامس) يكفي شاهدان يشهدان على كل واحد من شهود الاصل وهذا اثبات لحد الزنا بشاهدين وهو بعيد (فصل) فان شهد بالحق شاهد أصل وشاهدا فرع يشهدان على شهادة أصل آخر جاز وإن شهد شاهد أصل وشاهد فرع خرج فيه ما ذكرنا من الخلاف من قبل (فصل) وان شهد شاهد أصل ثم شهد هو وآخر فرعا على شاهد أصل آخر لم تفد شهادته الفرعية شيئا وكان حكم ذلك حكم ما لو شهد على شهادته شاهد واحد (مسألة) (ولا مدخل للنساء في شهادة الفرع) عن احمدان الذكورية شرط فلا يقبل في شهود الفرع نساء بحال سواء كان الحق مما يقبل فيه شهادة النساء اولا. وهذا قول الشافعي ومالك والثوري لانهم يثبتون بشهادتهم شهود الاصل دون الحق وليس ذلك بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجل فأشبه القصاص والحد (والثانية) لهن مدخل فيما كان المشهود به يثبت بشهادتهن في الاصل قال حرب قيل لاحمد فشهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز؟ قال نعم يعني إذا كان معهما رجل، وذكر الاوزاعي قال: سمعت نمير بن أوس يجيز شهادة المرأة على شهادة المرأة. ووجهه ان المقصود بشهادتهن اثبات الحق الذي شهد به شهود الاصل فيدخل

[ 111 ]

النساء فيه فيجوز أن يشهد رجلان على رجل وامرأتين، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى ان النساء ليس لهن مدخل في الشهادة على الشهادة لان فيها ضعفا لما ذكرنا من قبل فلا مدخل لهن فيها لانها تزداد بشهادتهن ضعفا فاعتبرت تقويتها باعتبار الذكورية فيها فعلى هذه الرواية لا يكن أصولا ولا فروعا ولنا ان شهود الفرع ان كانوا يثبتون شهادة الاصول فهي تثبت بشهادتهم وان كانوا يثبتون نفس الحق فهو يثبت بشهادتهم ولان النساء يشهدن بالمال أو ما يقصد به المال فيثبت بشهادتهن كما لو أدينها عند الحاكم وما ذكر للرواية الاخرى لا أصل له (مسألة) (قال القاضي لا تجوز شهادة رجلين على شهادة رجل وامرأتين) نص عليه احمد وقال أبو الخطاب هذه الرواية سهو من ناقلها (مسألة) (ولا يحوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى تثبت عنده عدالتهما وعدالة شاهدي الاصل) وذلك لان الحكم ينبني على الشهادتين جميعا فاعتبرت الشروط في كل واحد منهما ولا نعلم في هذا خلافا فان عدل شهود الاصل شهود الفرع فشهدا بعدالتهما وعلى شهادتهما جاز بغير خلاف نعلمه وان لم يشهدا بعدالتهما جاز، ويتولى الحاكم ذلك فإذا علم عدالتهما حكم وان لم يعرفهما وهذا مذهب الشافعي

[ 112 ]

وقال الثوري وابو يوسف ان لم يعدل شاهد الفرع شاهدي الاصل لم يسمع الحاكم شهادتهما لان ترك تعديله يرتاب به الحاكم ولا يصح ذلك لانه يجوز أن لا يعرفا ذلك فيرجع فيه إلي بحث الحاكم ويجوز أن يعرفا عدالتهما ويتركانها اكتفاء بما يثبت عند الحاكم من عدالتهما (مسألة) (وان شهدوا عنده فلم يحكم حتى حضر شهود الاصل وقف الحكم على سماع شهادتهم) لانه قدر على الاصل قبل العمل بالبدل فأشبه المتيمم إذا قدر على الماء فلا تصح صلاته حتى يتوضأ (مسألة) (وان حدث منهم ما يمنع قبول شهادتهم لم يجز الحكم) لابد من اشتراط اسم العدالة في الجميع إلى استمرار الحكم لما ذكرنا في شاهد الاصل قبل هذا فعلى هذا ان رجعوا قبل الحكم لم يحكم بها لان الحكم ينبني عليها فأشبه ما لو فسق شهود الفرع أو رجعوا (مسألة) (فان حكم بشهادتهما ثم رجع شهود الفرع لزمهم الضمان) لان الاتلاف كان بشهادتهم فلزمهم الضمان كما لو اتلفوا بأيديهم (مسألة) (فان رجع شهود الاصل لم يضمنوا) لان الاتلاف كان بشهادة غيرهم فلا يلزمهم ضمان كالمتسبب مع المباشر ولانهم لم يلجئوا الحاكم إلي الحكم ويحتمل أن يضمنوا لان الحكم يضاف إليهم بدليل انه تعتبر عدالتهم فلزمهم الضمان كما لو حكم بشهادتهم ثم رجعوا ولانهم سبب في الحكم فيضمنون كالمزكين

[ 113 ]

(فصل) فان مات شهود الاصل أو الفرع لم يمنع الحكم وكذلك لو مات شهود الاصل قبل أداء الفروع الشهادة لم يمنع من أدائها والحكم بها لان موتهم من شرط سماع شهادة الفروع والحكم فلا يجوز جعله مانعا وكذلك ان جنوا لان جنونهم بمنزلة موتهم (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان ولم ينقض الحكم سواء كان المال قائما أو تالفا) وسواء كان قبل القبض أو بعده أما الرجوع به على المحكوم له فلا نعلم بين أهل العلم خلافا انه لا يرجع به عليه ولا ينقض الحكم في قول أهل الفتيا من علماء الامصار وحكي عن سعيد ابن المسيب والاوزاعي انهما قالا ينقض الحكم وان استوفى الحق ثبت بشهادتهما فإذا رجعا زال ما يثبت به الحكم كما لو تبين انهما كانا كافرين ولنا ان حق المشهود له وجب له فلا يسقط بقولهما كما لو ادعياه لانفسهما يحقق هذا ان حق الانسان لا يزول إلا ببينة أو اقرار ورجوعهما ليس بشهادة ولهذا لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ولا هو إقرار من صاحب الحق وفارق ما إذا تبين انهما كانا كافرين لاننا تبينا انه لم يوجد شرط الحكم وهو شهادة العدول وفي مسئلتنا لم يتبين ذلك بجواز أن يكونا عدلى صادقين في شهادتهما وانما كذبا في رجوعهما ويفارق العقوبات حيث لا تستوفى لانها تدرأ بالشبهات. وأما الرجوع على الشاهدين

[ 114 ]

به فهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأصحاب الرأي وقول الشافعي القديم وقال في الجديد لا يرجع عليهما بشئ إلا أن يشهدا بعتق عبد فيضمنا قيمته لانه لم يوجد منهما اتلاف للمال ولا يد عادية عليه فلم يضمنا كما لو ردت شهادتهما ولنا انهما انما أخرج ماله من يده بغير حق وحالا بينه وبينه فلزمهما الضمان كما لو شهدا بعتقه ولانهما أزالا يد السيد عن عبده بشهادتهما المرجوع عنها فأشبه ما لو شهدا بحريته ولانهما تسببا إلى اتلاف حقه بشهادتهما بالزور عليه فلزمهما الضمان كشاهدي القصاص يحقق هذا انه إذا لزمهما القصاص الذي يدرأ بالشبهات فوجوب المال أولى وقوله انهما ما أتلفا المال يبطل بما إذا شهدا بعتقه فان الرق في الحقيقة لا يزول بشهادة الزور وإنما حالا بين سيده وبينه وفي موضع اتلاف المال فهما تسببا إلى تلفه فلزمهما ضمان ما تلف بسببهما كشاهدي القصاص وشهود الزنا وحافر البئر وناصب السكين. (مسألة) (وان رجع شهود العتق غرموا القيمة) كالحكم في الشهادة بالمال على ما ذكرنا من الخلاف لانهما من جملة المال. وإن شهدا بالحرية ثم رجعا عن الشهادة لزمهما غرامة قيمتهما لسيدهما بغير خلاف بينهم فيه، فان المخالف في التي قبلها هو الشافعي وقد وافق ههنا وهو حجة عليه فيما خالف فيه ويغرما القيمة لان العبيد من المتقومات.

[ 115 ]

(مسألة) (وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى وان كان بعده لم يغرموا شيئا) إذا شهدا بطلاق امرأة تبين به فحكم الحاكم بالفرقة ثم رجعا عن الشهادة وكان قبل الدخول فالواجب عليهما نصف المسمى. وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه يجب مهر المثل لانهما تلفا عليه البضع فلزمها عوضه وهو مهر المثل وفي القول الآخر يلمزمهما نصف مهر المثل لانه إنما يملك نصف البضع بدليل انه إنما يجب عليه نصف المهر. ولنا أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم بدليل ما لو أخرجه من ملكه بردتها واسلامها أو قتلها نفسها فانها لا تضمن شيئا ولو فسخت نكاحها قبل الدخول برضاع من ينفسخ به نكاحها لم يغرم شيئا وإنما يجب نصف المسمى لانهما ألزماه للزوج بشهادتهما وقرراه عليه كما يرجع به على فسخ نكاحه برضاع أو غيره وقوله انه ملك نصف البضع غير صحيح فان البضع لا يجوز تمليك نصفه ولان العقد ورد على جميعه والصداق واجب جميعه ولهذا تملكه المرأة إذا قبضته ونماؤه لها وتملك طلبه إذا لم تقبضه وإنما يسقط نصفه بالطلاق واما ان يكون الحكم بالفرقة بعد الدخول فليس عليهما ضمان وبه قال أبو حنيفة وعن احمد رواية أخرى عليهما ضمان المسمى في الصداق لانهما فوتا عليه

[ 116 ]

نكاحا وجب عليه به عوض فكان عليهما ضمان ما وجب به كما قبل الدخول، وقال الشافعي يلزمهما له مهر المثل لانهما أتلفا البضع وقد سبق الكلام سعه في هذا ولا يصح القياس على ما قبل الدخول لانهما قررا عليه نصف المسمى وكان بعرض السقوط وههنا قد تقرر المهر كله بالدخول فلم يقررا عليه شيئا ولم يخرجا من ملكه متقوما فأشبه ما لو أخرجاه من ملكه بقتلها أو أخرجته هي بردتها. (مسألة) (وإن رجع شهود القصاص أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف وان كان بعده وقالوا أخطأنا فعليهم دية ما تلف ويقسط الغرم على عددهم فان رجع أحدهم غرم بقسطه). وجملة ذلك أن الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها لم تخل من ثلاثه أحوال (أحدها) أن يرجعوا قبل الحكم بها فلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم وحكى عن ابي ثور أنه شذ عن اهل العلم فقال يحكم بها، لان الشهادة قد أديت فلا تبطل برجوع من شهد بها كما لو رجعا بعد الحكم وهذا فاسد، لان الشهادة شرط الحكم فإذا زالت قبله لم يجز كما لو فسقا ولان رجوعهما يظهر به كذبهما فلم يجز به الحكم كما لو شهد بقتل رجل ثم علمت حياته ولانه زال ظنه في أن ما شهد به حق فلم يجز به الحكم كما لو تغير اجتهاده وفارق ما بعد الحكم فانه تم بشرطه ولان الشك لا يزيل ما حكم به كما لو تغير اجتهاده (الحال الثاني) أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فان كان المحكوم به عقوبة كالحد والقصاص ولم يجز استيفاؤه، لان

[ 117 ]

الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات ولان المحكوم به عقوبة لم يبق ظن استحقاقها ولا سبيل إلى خبرها فلم يجز استيفاؤها كما لو رجعا قبل الحكم وان كان المحكوم به مالا استوفي ولم ينقض الحكم وقد ذكرناه وفارق المال القصاص والحد فانه يمكن جبره بالزام الشاهد عوضه والحد والقصاص لا يجير بايجاب مثله على الشاهدين لان ذلك ليس بجبر ولا يحصل لمن وجب له منه عوض وإنما شرع لزجر والتشفي والانتقام لا للجبر، فان قيل فلم قلتم إنه إذا حكم بالقصاص ثم فسق الشاهد استوفي في أحد الوجهين قلنا الرجوع أعظم في الشبهة من طريان الفسق لانهما يقران أن شهادتهما زور وانهما كانا فاسقين حين شهدا وحين حكم الحاكم بشهادتهما وهذا الذي طرأ فسقه لا يتحقق كون شهادته كذبا ولا انه كان فاسقا حين أدى الشهادة ولا حين الحكم بها ولهذا لو فسق بعد الاستيفاء لم يلزمه شئ والراجعان تلزمهما غرامة ما شهدا به فافترقا، (الحال الثالث) أن يرجعا بعد الاستيفاء فانه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شئ سواء كان المشهود به مالا أو عقوبة لان الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه ويرجع به على الشاهدين فان كان المشهود اتلافا في مثله القصاص كالقتل والجرح وقالا عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص وبه قال ابن أبي ليلى والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد وقال أصحاب الرأي لاقود عليهما لانهما لم يباشرا الاتلاف فأشبها حافر البئر إذا تلف به شئ.

[ 118 ]

ولنا أن عليا رضي الله عنه شهد عنده رجلان على رجل بالسرقة فقطعه ثم عادا فقالا أخطأنا ليس هذا السارق فقال علي لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما ولا مخالف له في الصحابة ولانهما تسببا إلى قتله وقطعه بما يفضي إليه غالبا فلزمهما القصاص كالمكره وفارق الحفر فانه لا يفضي إلى القتل غالبا وقد ذكرنا هذه المسألة في الجنايات فان قالا عمدنا الشهادة عليه ولم نعلم أنه يقتل بهذا وكانا ممن يجوز أن يجهلا ذلك وجبت الدية في أموالهما مغلظة لانه شبه عمد ولم تحمله العاقلة لانه ثبت باعترافهما وان قال أحدهما عمدت قتله وقال الآخر أخطأت فعلى العامد نصف الدية مغلظة وعلى الآخر نصفها مخففة ولا قصاص في الصحيح من المذهب وان قال كل واحد منهما إنما اعترف بعمد شارك فيه مخطئا وهو لا يوجب القصاص والانسان إنما يؤاخذ باقراره لا باقرار غيره فعلى هذا تجب عليهما دية مغلظة وإن قال أحدهما عمدنا جميعا وقال الآخر عمدت وأخطأ صاحبي فعلى الاول القصاص وفي الثاني وجهان كالتي قبلها، وإن قالا أخطأنا فعليهما الدية مخففة في أموالهما لان العاقلة لا تحمل الاعتراف وان قال أحدهما عمدنا معا وقال الآخر اخطأنا معا فعلى الاول القصاص وعلى الثاني نصف الدية مخففة لان كل واحد منهما يؤاخذ باقراره، وان قال كل واحد منهما عمدت ولا أدري ما فعل صاحبي فعليهما القصاص لاقرار كل واحد منهما بالعمد ويحتمل أن لا يجب عليهما القصاص، لان اقرار كل واحد منهما لو انفرد

[ 119 ]

لم يجب عليه قصاص وإنما يؤاخذ الانسان باقراره لا باقرار صاحبه وان قال أحدهما عمدت ولا أدري ما قصد صاحبي سئل صاحبه فان قال مثل قوله فهي كالتي قبلها، وإن قال عمدنا معا فعليه القصاص وفي الاول وجهان وإن قال أخطأت أو أخطأنا فلا قصاص على كل واحد منهما وان جهل حال الآخر بجنون أو موت أو لم يقدر عليه فلا قصاص على المقر وعليه نصيبه من الدية المغلظة. (فصل) وان رجع أحد الشاهدين وحده فالحكم فيه كالحكم في رجوعهما في ان الحاكم لا يحكم بشهادتهما إذا كان رجوعه قبل الحكم ولا تستوفى العقوبة إذا رجع قبل استيفائها لان الشرط يختل برجوعه كاختلاله برجوعهما وان كان رجوعه بعد الاستيفاء لزم حكم اقراره وحده فان اقربما يوجب القصاص وجب عليه وان اقربما يوجب دية مغلظة وجب عليه قسطه منها وان أقر بالخطأ وجب عليه قسطه من الدية المخفقة وان كان الشهود أكثر من اثنين في الحقوق المالية أو القصاص ونحوه فيما يثبت بشاهدين أو أكثر من أربعة فرجع لزائد منهم قبل الحكم أو الاستيفاء لم يمنع ذلك الحكم ولا الاستيفا لان ما بقي من البينة كاف في اثبات الحكم واستيفائه وان رجع بعد الاستيفاء فعليه القصاص ان أقر بما يوجبه أو قسطه من الدية أو من المفوت بشهادتهم ان كان غير ذلك وفي ذلك اختلاف ذكرنا بعضه

[ 120 ]

(فصل) وكل موضع وجب الضمان على الشهود بالرجوع فانه يوزع بينهم على عددهم قلوا أو كثروا قال أحمد في روايه بن منصور إذا شهد بشهادة ثم رجع وقد اتلف مالا فانه ضامن بقدر ما كانوا في الشهادة فان كانوا ائنين فعليه النصف وان كانوا ثلاثة فعليه الثلث وعلى هذا لو كانوا عشرة فعليه العشر فان رجع أحدهم وحده غرم بقسطه على ما ذكرنا وفيه اختلاف يذكر إنشاء الله تعالى فإذا شهد اربعة بالقتل فقتل المشهود عليه ثم رجع واحد فعليه الربع ان قال أخطأنا وان رجع اثنان فعليهما النصف (مسألة) (فإذا شهد ستة بالزنا على محصن فرجم بشهادتهم ثم رجع واحد فعليه القصاص أو سدس الدية وان رجع اثنان فعليهما القصاص أو ثلث الدية) وبهذا قال أبو عبيد وقال أبو حنيفة ان رجع واحد أو اثنان فلا شئ عليهما لان بينة الزنا قائمة فدمه غير محقون وان رجع ثلاثة فعليهم ربع الدية وان رجع أربعة فعليهم نصف الدية وان رجع خمسة فعليهم ثلاثة ارباعها وان رجع الستة فعلى كل واحد منهم سدسها ومنصوص الشافعي فيما إذا رجع اثنان كمذهب أبي حنيفة واختلف أصحابه فيما إذا شهد بالقصاص ثلاثة فرجع أحدهم فقال أبو إسحاق لا قصاص عليه لان بينة القصاص قائمة وهل يجب عليه ثلث الدية؟

[ 121 ]

على وجهين قال ابن الحداد عليه القصاص وفرق بينه وبين الراجع من شهود الزنا إذا كان زائدا بان دم المشهود عليه بالزنا غير محقون وهذا دمه محقون وانما أبيح دمه لولي القصاص وحده واختلفوا فيما إذا شهد بالمال ثلاثة فرجع أحدهم على وجهين (أحدهما) يضمن الثلث (والثاني) لا شئ عليه ولنا ان الاتلاف حصل بشهادتهم فالراجع يقر بالمشاركة فيه عمدا عدوانا كمن هو مثله في ذلك فلزمه القصاص كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله ولانه أحد من قتل المشهود عليه بشهادته فأشبه الثاني من شهود القصاص والرابع من شهود الزنا ولانه أحد من حصل الاتلاف بشهادته فلزمه من الضمان بقسطه كما لو رجع الجميع، وقولهم ان دمه غير محقون غير صحيح فان الكلام فيما إذا قتل ولم يبق له دم يوصف بحقن ولا عدمه وقيام الشهادة لا يمنع وجوب القصاص كما لو شهدت لرجل باستحقاق القصاص فاستوفاه ثم أقرانه قتله ظلما وان الشهود شهود زور والتفريق بين القصاص

[ 122 ]

والرجم يكون دم القاتل غير محقون لا يصح لانه غير محقون بالنسبة إلى من قتله ولان كل واحد مؤاخذ باقراره ولا يعتبر قول شريكه ول هذا لو أقر أحد الشريكين بعمدها وقال الآخر أخطأنا وجب القصاص على المقر بالعمد (مسألة) (وان شهد اربعة بالزنا واثنان بالاحصان ثم رجع الجميع لزمتهم الدية اسداسا في أحد الوجهين وفي الاخرى على شهود الزنا النصف وعلى شهود الاحصان النصف فان شهد أربعة بالزنا وشهد اثنان منهم بالاحصان صحت الشهادة فان رجم ثم رجعوا عن الشهادة فعلى من شهد بالاحصان ثلثا الدية على الوجه الاول وعلى الوجه الثاني يلزمهم ثلاثة أرباعها) وجملة ذلك انه إذا شهد أربعة بالزنا واثنان بالاحصان فرجم ثم رجعوا عن الشهادة فالضمان على جميعهم وقال أبو حنيفة لا ضمان على شهود الاحصان لانهم شهدوا بالشرط دون السبب الموجب للقتل وانما يثبت ذلك بشهادة الزنا ولاصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين ولنا ان قتله حصل بمجموع الشهادة فتجب الغرامة على الجميع كما لو شهدوا جميعا على الزنا وفي كيفية الضمان وجهان

[ 123 ]

(أحدهما) يوزع عليهم على عدد رؤوسهم كشهود الزنا لان القتل حصل من جميعهم (والثاني) على شهود الزنا النصف وعلى شهود الاحصان النصف لانهما حزبان فلكل حزب نصف فان شهد أربعة بالزنا واثنان منهم بالاحصان ثم رجعوا فعلى الاول على شاهدي الاحصان الثلثان وعلى الاخر الثلث لان على شاهدي الاحصان الثلث لشهادتهما به والثلث بشهادتهما بالزنا وعلي الآخرين الثلث لشهادتهما بالزنا وحده وعلى الوجه الثاني على شهود الاحصان ثلاثة ارباع الدية لان عليهما النصف لشهادتهما بالاحصان ونصف الباقي لشهادتهما بالزنا ويحتمل ان لا يجب على شاهدي الاحصان الا النصف لان كل واحد منهما جنى جنايتين وجنى كل واحد من الاخرين جناية واحدة فكانت الدية بينهم على عدد رؤوسهم لا على عدد جنايتهم كما لو قتل اثنان واحدا جرحه أحدهما جرحا والآخر اثنين (فصل) وإذا حكم الحاكم في المال برجل وامرأتين ثم رجعوا عن الشهادة يوزع الضمان عليهم على الرجل نصفه وعلى كل امرأة ربعه وان رجع أحدهم وحده فعليه من الضمان حصته وان كان الشهود رجلا وعشر نسوة فرجعوا على شهادتهم فعلى الرجل السدس وعلى كل امرأة نصف السدس وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لان كل امرأتين كرجل فالعشر كخمسة رجال ويحتمل ان يجب عليهن النصف وعلى الرجل النصف وبهذا قال أبو يوسف ومحمد لان الرجل نصف البينة بدليل أنه

[ 124 ]

نصف البينة بدليل أنه لو رجع وحده قبل الحكم كان كرجوعهن كلهن فيكون الرجل حزبا والنساء حزبا فان رجع بعض النسوة وحده والرجل فعلى الراجع مثل ما عليه إذا رجع الجميع وعند ابي حنيفة وأصحابه متى رجع من النسوة معا زاد على اثنين فليس على الراجعات شئ وقد مضي الكلام معهم في هذا (فصل) وإذا شهد أربعة باربعمائة فحكم الحاكم بها ثم رجع واحد عن مائة وآخر عن مائتين والثالث عن ثلاثمائة والرابع عن اربعمائة فعلى كل واحد منهما ما رجع عنه بسقطه فعلى الاول خمسة وعشرون وعلى الثاني خمسون وعلى الثالث خمسة وسبعون وعلى الرابع مائة لان كل واحد منهم يقر بانه فوت على المشهود عليه وبع ما رجع عنه ويقتضي مذهب أبي حنيفة ان لا يلزم الراجع عن الثلاثمائة والاربعمائة أكثر من خمسين خمسين لان المائتين اللتين رجع عنهما قد بقى بهما شاهدان (مسألة) (وإذا حكم الحاكم بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غرم المال كله ويتخرج ان يغرم النصف) المنصوص عن أحمد رحمه الله انه يضمن المال كله في رواية جماعة ويتخرج ان يضمن النصف وبه قال مالك والشافعي لانه أحد حجتي الدعوى فكان عليه النصف كما لو كانا شاهدين

[ 125 ]

ولنا ان الشاهد حجة الدعوى فكان الضمان عليه كالشاهدين يحققه ان اليمين قول الخصم وقول الخصم لمس بحجة على خصمه وانما هو شرط الحكم فجرى مجرى مطالبته للحاكم بالحكم وبهذا ينفصل عما ذكروه، وان سلمنا انها حجة لكن انما جعلها حجة شهادة الشاهد ولهذا لم يجز تقديمها على شهادته بخلاف شهادة الشاهد الآخر قال أبو الخطاب ويتخرج ان لا يلزمه الا النصف إذا قلنا برد اليمين على المدعي (فصل) وإذا شهد شاهدان انه أعتق هذا العبد عن ضمان مائة درهم وقيمة العبد مائتان فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا رجع السيد على الشاهدين بمائة لانها تمام القيمة وكذلك ان شهدا على رجل انه طلق امرأته قبل الدخول على مائة ونصف المسمى مائتان غرما للزوج مائة لانهما فوتاها بشهادتهما المرجوع عنها، وان شهد رجلان على رجل بنكاح امرأة بصداق ذكراه وشهد آخران بدخوله بها ثم رجعوا بعد الحكم عليه بصداقها فعلى شهود النكاح الضمان لانهم الزموه المسمى ويحتمل أن يكون عليهم النصف وعلى الآخرين النصف لانهما قرراه وشاهدا النكاح أوجباه فيقسم بين الاربعة ارباعا، وان شهد مع هذا شاهدان بالطلاق لم يلزمهما شئ لانهما لم يفوتا عليه شيئا يدعيه ولا أوجبا عليه ما لم يكن واجبا.

[ 126 ]

(مسألة) (وان بان بعد الحكم ان الشاهدين كانا كافرين أو فاسقين نقض الحكم ويرجع بالمال أو ببدله على المحكوم له، وان كان المحكوم به اتلافا فالضمان على المزكين فان لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم، وعنه لا ينقض إذا كانا فاسقين) وجملة ذلك أن الحاكم إذا حكم بشهادة شاهدين ثم بانا فاسقين أو كافرين فان الامام ينقض حكمه ويرد المال ان كان قائما أو عوضه ان كان تالفا، فان تعذر ذلك لاعسارة أو غيره فعلى الحاكم ثم يرجع على المشهود له وعن احمد رواية أخرى لا ينقض حكمه إذا كانا فاسقين ويغرم الشهود المال وكذلك إذا شهد عنده عدلان أن الحاكم قبله حكم بشهادة فاسقين ففيه روايتان، واختلف أصحاب الشافعي فيه أيضا ولا خلاف بين الجميع انه ينقض حكمه إذا كانا كافرين وينقض حكم غيره إذا ثبت عنده انه حكم بشهادة كافرين فنقيس على ذلك إذا حكم بشهادة فاسقين فان شهادة الفاسقين مجمع على ردها وقد نص الله تعالى التبين فيها فقال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وأمر

[ 127 ]

وامر باشهاد العدول فقال سبحانه (وأشهدوا ذوي عدل منكر) وقال سبحانه (ممن ترضون من الشهداء) فيجب نقض الحكم لفوات العدالة كما يجب نقضه لفوات الاسلام ولان الفسق معنى لو ثبت عند الحاكم قبل الحكم منعه فإذا شهد شاهدان انه كان موجودا حال الحكم وجب نقض الحكم كالكفر والرق في العقوبات. إذا ثبت هذا فان ابا حنيفة قال لا يسمع الحاكم الشهادة بفسق الشاهدين قبل الحكم ولا بعده ومتى جرح المشهود عليه البينة لم تسمع بينته بالفسق لكن يسأل عن الشاهدين ولا يسمع على الفسق شهادة لان الفسق لا يتعلق به حق أحد فلا تسمع فيه الدعوى والبينة. ولنا أنه معنى يتعلق به الحكم فسمعت فيه الدعوى والبينة كالتزكية، وقوله لا يتعلق به حق أحد ممنوع فان المشهود عليه يتعلق حقه بفسقه في منع الحكم عليه قبل الحكم ونقضه بعد وتبرئته من اخذ ماله أو عقوبته بغير حق فوجب ان تسمع فيه الدعوى والبينة كما لو ادعى رق الشاهد ولم

[ 128 ]

يدعه لنفسه ولانه إذا لم تسمع البينة بالفسق أدى إلى ظلم المشهود عليه فإذا لم يسمع عليه شهادتهم وحكم عليه بشهادة الفاسقين كان ظالما له فأما ان قامت البينة انه حكم بشهادة والدين أو ولدين أو عدوين فان كان الحاكم الذي حكم بشهادتهما ممن يرى الحكم به لم ينقض حكمه لانه حكم باجتهاده فيما يسوغ فيه الاجتهاد ولم يخالف نصا ولا اجماعا، فان كل ممن لا يرى الحكم بشهادتهم نفضه لان الحاكم يعتقد بطلانه. (فصل) فان كان المحكوم به اتلافا كالقطع في السرقة والقتل ثم بان أنهما كافران أو فاسقان أو عبدان أو أحدهما فلا ضمان على الشاهدين لانهما مقيمان على أنهما صادقان فيما شهدا به وإنما الشرع منع قبول شهادتهما بخلاف الراجعين عن الشهادة فانهما اعترفا بكذبهما فان لم يكن ثم مزكون فالضمان على الحاكم أو الامام الذي تولى ذلك لانه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بشهادته ولا قصاص عليه لانه مخطئ وتجب الدية وفي محلها روايتان (احداهما) في بيت المال (والثانية) على العاقلة وقد ذكرنا ذلك فيما مضى وللشافعي قولان كالروايتين، فان قلنا الدية على العاقلة لم تحمل إلا الثلث فما زاد ولا تحمل الكفارة لانها لا تحمل ذلك في محل الوفاق كذى ههنا وتكون الكفارة في مال القاتل، وان قلنا في بيت المال فينبغي أن يكون فيه القليل والكثير لانه يكثر فيه خطؤه فجعل الضمان عليه يجحف به وان قل ولان جعله في بيت المال لعلة انه نائب عنهم وخطأ النائب على مستنيبه وسواء تولى الحاكم الاستيفاء بنفسه أو أمر من يتولاه، قال أصحابنا وان كان الولي استوفاه فهو كما لو استوفاه الحاكم لان الحاكم سلطه على ذلك ومكنه منه والولي يدعي انه حقه فان قيل فإذا

[ 129 ]

كان الولي استوفى حقه فينبغي أن يكون الضمان عليه كما لو حكم له بمال فقبضه ثم بان فسق الشهود كان الضمان على المستوفي دون الحاكم كذا ههنا قلنا ثم حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حق فوجب عليه رده أو ضمانه ان تلف وههنا لم يحصل في يده شي وانما أتلف شيئا بخطأ الامام وتسليطه عليه فافترقا. (فصل) فان كان ثم مزكون مثل أن يشهد بالزنا أربعة فيزكيهم اثنان فرجم المشهود عليه ثم بان الشهود فسقة أو عبيد أو بعضهم فلا ضمان على الشهود لانهم يزعمون أنهم محقون ولم يعلم كذبهم يقينا والضمان على المزكين، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال القاضي الضمان على الحاكم لانه حكم بقتله من غير تحقيق شرطه ولا ضمان على المزكين لان شهادتهما شرط وليست الموجبة، وقال ابو الخطاب في رءوس المسائل الضمان على الشهود بالزنا ولنا ان المزكين شهدوا بالزور شهادة أفضت إلى قتله فلزمهم الضمان كشهود الزنا إذا رجعوا ولا ضمان على الحاكم لانه أمكن احالة الحكم على الشهود فاشبه ما إذا رجعوا عن الشهادة وقولهم إن شهادتهم شرط لا يصح لان من أصلنا ان شهود الاحصان يلزمهم الضمان وان لم يشهدوا بالسبب

[ 130 ]

وقد نص عليه احمد وقول ابي الخطاب لا يصح لان شهود الزنا لم يرجعوا ولا علم كذبهم بخلاف المزكين فانه تبين كذبهم وانهم شهدوا بالزور فأما ان تبين فسق المزكين فالضمان على الحاكم لان التفريط منه حيث قبل شهادة فاسق من غير تزكية ولا بحث فلزمه الضمان كما لو قبل شهادة شهود الزنا من غير تزكية ثم تبين كذبهم (فصل) ولو جلد امام انسانا تشهادة شهود ثم بان أنهم فسقة أو كفرة أو عبيد فعلى الامام ضمان ما حصل بسبب الضرب) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه ولنا انها جناية صدرت عن خطأ الامام فكانت مضمونة عليه كما لو قطعه أو فتله (مسألة) (وإذا شهدوا عند الحاكم بحق ثم ماتوا حكم بشهادتهم إذا ثبتت عدالتهم) لانهم أدوا الشهادة، أشبه ما لو كانوا أحياء وكذلك ان جنوا لان جنونهم بمنزلة موتهم (مسألة) (وإذا علم الحاكم بشاهد الزور عزره وطاف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال انا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه) شهادة الزور من اكبر الكبائر وقد نهى تعالى عنه في كتابه مع نهيه عن الاوتان فقال سبحانه (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور) وروى أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا أنبئكم باكبر الكبائر؟) قالوا بلى يارسول الله قال (الاشراك بالله وعقوق الوالدين)

[ 131 ]

وكان متكئا فجلس فقال (ألا وقول الزور وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه وروى أبو حنيفة عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار) فمتى ثبت عند الحاكم أن رجلا شهد بزور عمدا عزره وشهره في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه وهو قول شريح والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والاوزاعي وابن ابي ليلى ومالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يعزر ولا يشهر ولانه قول منكر وزور فلا يعزر به كالظهار، وروى عنه الطحاوي انه يشهر وانكره المتأخرون ولنا انه قول محرم يضر به الناس فأوجب العقوبة على قائله كالسب والقذف ويخالف الظهار من وجهين (أحدهما) انه يختص بضرره (والثاني) انه اوجب كفارة شاقة هي يشد من التعزير ولانه قول عمر رضي الله عنه ولا نعلم له في الصحابة مخالفا. إذا ثبت ذلك فان عقوبته غير مقدرة وإنما ذلك مفوض إلى رأي الحاكم ان راى ذلك بالجلد فعل وإن رآه بحبس أو كشف راسه وتوبيخه فعل ولا يزيد في جلده على عشر جلدات وقال الشافعي لا يزيد على تسع وثلاثين وقال ابن ابي ليلى يجلد خمسا وسبعين سوطا. وهذا احد قولي ابي يوسف وقال الاوزاعي في شاهدي الطلاق يجلدان مائة ويغرمان الصداق. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حد من من حدود الله) متفق عليه

[ 132 ]

وقال القاسم وسالم يخفق سبع خفقات فأما شهرته بين الناس فانه يوقف في سوقه ان كان من اهل السوق أو في قبيلته ان كان من اهل القبائل أو في مسجده إن كان من أهل المساجد ويقول الموكل به ان الحاكم يقرأ عليكم السلام ويقول هذا شاهد زور فاعرفوه، وهذا مذهب الشافعي وأتي الوليد بن عبد الملك بشاهد زور فأمر بقطع لسانه وعنده القاسم وسالم فقالا سبحان الله بحسبه أن يخفق سبع خفقات ويقام بعد العصر فيقال هذا أبو قبيس وجدناه شاهد زور ففعل ذلك به، ولا يسخم وجهه ولا يركب ولا يكلف أن ينادي على نفسه، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه يجلد أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطال حبسه رواه الامام احمد وقال سوار يلبب ويدار به على حلق المسجد فيقول من رأني فلا يشهد بزور وروي عن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه امر بحلق بعض رؤوسهم وتسخيم وجوههم ويطاف بهم في السوق والذي شهدوا له معهم. ولنا أن هذا مثلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة وما روي عن عمر فقد روي عنه خلافه وانه حبسه يوما وخلى سبيله وفي الجملة ليس في هذا تقدير شرعي فما فعل الحاكم مما رآه لم يخرج عن مخالفة نص أو معنى نص فله ذلك ولا يفعل به شئ من هذا حتى يتحقق أنه شاهد زور وتعمد ذلك أو يشهد على رجل بفعل في الشام ويعلم ان المشهود عليه في ذلك الوقت في العراق أو يشهد بقتل رجل وهو حي وأن هذه البهيمة في يد هذا منذ ثلاثة أعوام وسنها اقل من ذلك أو يشهد على رجل

[ 133 ]

انه فعل شيئا وقد مات قبل ذلك وأشباه هذا مما يعلم به كذبه ويعلم تعمده لذلك فأما تعارض البينتين أو ظهور فسقه أو غلطه في شهادته فلا يؤدب لان الفسق لا يمنع الصدق والتعارض لا يمنع أنه كذب احدى البينتين بعينها والغلط قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده فيعفى عنه قال الله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) (فصل) ومتى علم ان الشاهدين شهدا بالزور تبين ان الحكم كان باطلا ولم نقضه لانا تبينا كذبهما وان كان المحكوم به مالا رد إلى صاحبه وإن كان اتلافا فعلى الشاهدين ضمانه لانهما سبب اتلافه إلى أن يثبت ذلك باقرارهما على أنفسهما من غير موافقة المحكوم له فيكون ذلك رجوعا منهما عن شهادتهما وقد مضى حكم ذلك. (فصل) وان تاب شاهد الزور ومضى على ذلك مدة تظهر فيها توبته وتبين صدقه فيها وعدالته قبلت شهادته، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا تقبل شهادته أبدا لان ذلك لا يؤمن منه.

[ 134 ]

ولنا انه تائب من ذنبه فقبت توبته كسائر التائبين وقوله لا يؤمن منه ذلك. قلنا مجرد الاحتمال لا يمنع قبول الشهادة بدليل سائر التائبين فانه لا يؤمن معاودة ذنوبهم وشهادتهم مقبولة (مسألة) (ولا تقبل الشهادة الا بلفظ الشهادة فان قال أعلم أو احق لم يحكم به) وجملة ذلك أن لفظ الشهادة معتبر في أدائها فيقول أشهد أنه اقر بكذا ونحوه ولو قال أعلم أو احق أو اتيقن أو اعرف لم يعتد به لان الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة فلا بد من الاتيان بفعلها المشتق منها ولان فيها معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات بدليل انها تستعمل في اللعان ولا يحصل ذلك من غيرها وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم في ذلك خلافا. (فصل) وإذا عين العدل شهادته بحضرة الحاكم فزاد فيها أو نقص قبلت منه ما لم يحكم بشهادته ذكره الخرقي مثل ان يشهد بمائة ثم يقول بل هي مائة وخمسون أو بل هي تسعون فانه يقبل منه رجوعه ويحكم بما شهد به أخيرا وبهذا قال أبو حنيفة والثوري واسحاق وقال الزهري لا تقبل شهادته الاولى ولا الاخيرة لان كل واحدة منهما ترد ولان الاولى مرجوع عنها (والثانية) غير موثوق بها لانها من مقر بغلطه وخطئه في شهادته فلا يؤمن أن تكون في الغلط كالاولى وقال مالك يؤخذ باقل قوليه لانه أدى الشهادة وهو غير متهم فلا يقبل رجوعه عنها كما لو اتصل بها الحكم

[ 135 ]

ولنا ان شهادته الآخرة شهادة من عدل غير متهم لم يرجع عنها فوجب الحكم بها كما لو لم يتقدمها ما يخالفها ولا تعارضها الاولى لانها قد بطلت برجوعه عنها ولا يجوز الحكم بها لانها شرط الحكم فوجب استمرارها إلى انقضائه ويفارق رجوعه بعد الحكم لان الحكم قد تم باستمرار شرطه فلا ينقض بعد تمامه. (باب اليمين في الدعاوى) وهي مشروعة في حق المنكر في كل حق لآدمي وجملة ذلك أن الحقوق على ضربين (احدهما) ما هو حق لآدمي (والثاني) ما هو حق لله تعالى وحق الآدمي ينقسم قسمين: (أحدهما) ما هو مال أو المقصود منه المال كالبيع والقرض والصلح والغصب والجناية الموجبة للمال فيستحلف فيه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) متفق عليه ولحديث الحضرمي والكندي

[ 136 ]

(القسم الثاني) ما ليس بمال ولا المقصود منه المال وهو كل ما لا يثبت الا بشاهدين كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق والرجعة والعتق والنسب والاستيلاء والولاء والرق ففيه روايتان: (احداهما) لا يستحلف المدعى عليه ولا تعرض عليه اليمين قال احمد ولم أسمع من مضى جوز الايمان إلا في الاموال والعروض خاصة، وهذا قول مالك ونحوه قول أبي حنيفة فانه قال لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به من دعوى الرجعة والفيئة في الايلاء ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاء والولاء والنسب لان هذه الاشياء لا يدخلها البدل وانما تعرض اليمين فيما يدخلها البدل فان المدعى عليه مخير بين ان يحلف أو يسلم ولان هذه الاشياء لا تثبت الا بشاهدين ذكرين فلا تعرض فيها اليمين كالحدود. (والرواية الثانية) يستحلف في الطلاق والقصاص والقذف وقال الخرقي إذا قال ارتجعتك فقالت انقضت عدتي قبل رجعتك فالقول قولها مع يمينها وإذا اختلفا في مضي الاربعة الاشهر في الايلاء فالقول قوله مع يمينه فيخرج في هذا أنه يستحلف في كل حق لآدمي وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد

[ 137 ]

لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قول دماء رجال وأموالهم) ولان اليمين على المدعى عليه وهذا عام في كل مدعى وهو ظاهر في دعوى الدماء لذكرها في الدعوى مع عموم الاحاديث ولانها دعوى صحيحة في حق آدمي فجاز أن يحلف عليه كدعوى المال وهذا أولى إن شاء الله تعالى. وقال أبو بكر عبد العزيز تشرع اليمين في كل حق لآدمي إلا في النكاح والطلاق لان هذا مما لا يحل بذله فلم يستحلف كحقوق الله سبحانه وانما كان كذلك لان الابضاع مما يحتاط لها فلا تستباح بالنكول لان النكول ليس بحجة قوية لانه سكوت مجرد يحتمل أن يكون للخوف من اليمين ويحتمل أن يكون للجهل بحقيقة الحال، ويحتمل أن يكون لعلمه بصدق المدعي ومع هذه الاحتمالات لا نيبغي أن يقضى به فيما يحتاط له، وقال أبو الخطاب تشرع اليمين في كل حق لآدمي إلا في تسعة أشياء النكاح والرجعة والطلاق والرق والاستيلاء والنسب والقذف والقصاص لان البدل لا يدخل هذه الاشياء ثم يستحلف فيها كحقوق الله سبحانه، وقال القاضي في الطلاق والقصاص والقذف روايتان (احداهما) لا يستحلف فيها لذلك (والثانية) يستحلف فيها لانها دعوى صحيحة يستحلف فيها كدعوى المال. وأما الستة الباقية فلا يستحلف فيها رواية واحدة لما سبق وقال الخرقي لا يستحلف

[ 138 ]

في القصاص ولا المرأة إذا أنكرت النكاح وتحلف إذا ادعت انقضاء عدتها لما سبق وإذا أقام العبد شاهدا بعتقه حلف مع شاهده وعتق وهي إحدى الروايتين عن احمد وقد ذكرنا ذلك (مسألة) (ولا يستحلف في حقوق الله سبحانه) وهي نوعان (أحدهما) الحدود فلا تشرع فيها يمين لا نعلم في هذا خلافا لانه لو أقر ثم رجع عن اقراره قبل منه وخلي من غير يمين فلان لا يستحلف مع عدم الاقرار اولى ولانه يستحب ستره والتعريض للمقر به بالرجوع عن إقراره وللشهود ترك الشهادة والستر عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم لهزال في قصة ماعز (ياهزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك) فلا تشرع فيه يمين بحال (النوع الثاني) الحقوق المالية كدعوى الساعي الزكاة على رب المال وان الحول قد تم وكمل النصاب فقال احمد القول قول رب المال بغير يمين ولا يستحلف الناس على صدقاتهم وقول الشافعي وابو يوسف يستحلف لانها دعوى مسموعة يتعلق بها حق آدمي اشبه حق الآدمي، ووجه الاول انه حق لله تعالى اشبه الحد ولان ذلك عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة ولو ادعي عليه ان عليه كفارة يمين أو ظهار أو نذر أو صدقة أو غيرها فالقول قوله في نفي ذلك من غير يمين ولا تسمع الدعوى في هذا ولا في حد لله تعالى ولانه لا حق للمدعي فيه ولا ولاية له عليه فلا تسمع منه دعواه

[ 139 ]

كما لو ادعى حقا لغيره من غير اذنه ولا ولاية له عليه فان تضمنت دعواه حقا له مثل ان يدعي سرقة ماله لتضمين السارق أو يأخذ منه ما سرق أو يدعي عليه الزنا بجاريته ليأخذ مهرها منه سمعت دعواه ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي دون حق الله تعالى (مسألة) (ويجوز الحكم في المال وما يقصد به المال بشاهد ويمين المدعي) روي ذلك عن الخلفاء الاربعة رضي الله عنهم، وقد سبق ذكر ذلك ولا تقبل فيه شهادة امرأتين ويمين لان شهادة النساء ناقصة وانما اجيزت بانضمام الذكر اليهن فلا يقبلن منفردات وان كثرن ويحتمل ان يقبل لان المرأتين في المال مقام رجل فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل وهو مذهب مالك ويبطل ذلك بشهادة اربع نسوة فانه لا يقبل اجماعا (مسألة) (وهل يثبت العتق بشاهد ويمين؟ على روايتين) (أحداهما) يثبت وهو اختيار الخرقي وأبي بكر لانه ازالة ملك فيقبل فيه شاهد ويمين كالبيع أو اتلاف مال فيقبل فيه شاهد ويمين كالاتلاف بالفعل (والرواية الثانية) لا تثبت الحرية إلا بشاهدين عدلين ذكرين لانه ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الاحوال فأشبه الحدود والقصاص.

[ 140 ]

(مسألة) (ولا يقبل في النكاح والرجعة وسائر ما لا يستحلف فيه كالطلاق والوصية شاهد ويمين) لقول الله تعالى في الرجعة (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقسنا عليه سائر ما ذكرنا لانه ليس بمال ولا يقصد به المال أشبه العقوبات وفيه رواية اخرى يقبل فيه رجل وامرأتان أو يمين لانه ليس بعقوبة ولا يسقط بالشبهة أشبه المال وقال القاضي النكاح لا يثبت الا بشاهدين والثاني يخرج فيه روايتان ذكرنا وجههما (مسألة) (ومن حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه في الاثبات حلف على البت) معنى البت القطع أي يحلف بالله ما له علي شئ والايمان كلها على البت والقطع الا على نفي فعل الغير فانها على نفي العلم وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال الشعبي والنخعي كلها على العلم وذكره ابن أبي موسى رواية عن أحمد وذكر حديث البستاني عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تضطروا الناس في ايمانهم ان يحلفوا على ما لا يعلمون) ولانه لا يحلف على ما لا علم له به وقال ابن ابي ليلى كلها علي البت كما يحلف على فعل نفسه ولنا حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال (قل والله الذي لا اله الا هو ماله عليك حق) وروى الاشعث بن قيس ان رجلا من كندة ورجلا من نضر موت اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ارض من اليمين فقال الحضرمي يارسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا وهي في يده

[ 141 ]

قال (هل لك بينة؟) قال لا ولكن أحلفه: والله ما يعلم انها ارضي اغتصبنيها ابوه فتهبأ الكندي لليمين رواه أبو داود ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكروه لا يصح لانه يمكنه الاحاطة بفعل نفسه ولا يمكنه ذلك في فعل غيره فافترقا في اليمين كما لو افترقت الشهادة فأنها تكون بالقطع فيما يمكن القطع فيه من العقود وعلى الظن فيما لا يمكن فيه القطع من الاملاك والاسباب وعلى نفي العلم فيما لا تمكن الاحاطة بانتفائه كالشهادة علي انه لا وارث له الا فلان وفلان وحديث القاسم بن عبد الرحمن محمول على اليمين على نفي فعل الغير إذا ثبت هذا فانه يحلف فيما عليه على البت نفيا كان أو اثباتا، وأما ما يتعلق بفعل غيره فان كان اثباتا مثل ان يدعي انه اقرض أو باع ويقيم شاهدا بذلك فانه يحلف مع شاهده على البت والقطع، وان كان على نفي مثل ان يدعى عليه دين أو غصب أو جناية فانه يحلف على نفي العلم لا غير، وان حلف عليه على البت كفاه وكان التقدير فيه العلم كما في الشاهد إذا شهد بعدد الورثة وقال ليس له وارث غيرهم سمع ذلك وكان التقدير فيه علمه ولو ادعى ان عبده استدان أو جنى فأنكر ذلك فيمينه على نفي العلم لانها يمين على فعل الغير فاشبهت يمين الوارث على نفي فعل الموروث (فصل) ذكر ابن أبي موسى أنه اختلف قوله فيمن باع سلعة فظهر المشتري على عيب بها فانكره البائع هل اليمين على البتات أو على علمه؟ على روايتين ولو ابق عبد المشتري فادعى على البائع أنه ابق عنده فانكر هل يلزمه أن يحلف انه لم يأبق قط أو على نفي علمه؟ على روايتين الا أن يكون ولده

[ 142 ]

فيلزمه ان يجلف أنه لم يأبق قط، ووجه كون اليمين على نفي علمه انها على نفي فعل الغير فاشبه ما لو ادعى عليه ان عبده جنى، ووحه الاخرى أنه ادعى عليه انه باعه معيبا يستحق رده عليه فلزمته اليمين على البت كما لو كان اثباتا (مسألة) (ومن توجهت عليه يمين الجماعة فقال احلف يمينا واحدة فرضوا جاز وان ابوا حلف لكل واحد يمينا) إذا كان الحق لجماعة فرضوا بيمين واحدة صح وسقطت دعواهم باليمين لانها حقهم ولانه لما جاز ثبوت الحق ببينة واحدة لجماعة جاز سقوطه بيمين واحدة قال القاضي: ويحتمل ان لا يصح حتى يحلف لكل واحد يمينا وهو احد الوجهين لاصحاب الشافعي لان اليمين حجة في حق الواحد فإذا رضي بها اثنان صارت الحجة في حق كل واحد منهما ناقصة لا يعمل برضى الخصم كما لو رضي ان يحكم عليه بشاهد واحد والصحيح الاول لان الحق لهما فإذا رضيا به جاز ولا يلزم من رضاهما بيمين واحدة ان يكون لكل واحد بعض اليمين كما ان الحقوق إذا قامت بها بينة واحدة لا تكون لكل حق بعض البينة فاما ان حلفه الحاكم لجميعهم يمينا واحدة فخطأه أهل عصره (1) (فصل) قال (الشيخ رحمه الله واليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه في قول عامة


(1) كذا بالاصل

[ 143 ]

أهل العلم الا ان مالكا أحب بالله الذي لا اله الا هو وان استحلف حاكم بالله أجزأ) قال ابن المنذر وهذا أحب إلي لان ابن عباس روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال (قل والله الذي لا اله الا هو ماله عندك شئ) رواه أبو داود وفي حديث عمر حين حلف لابي قال والله الذي لا اله الا هو ان النخل لتخلي وما لابي فيها شئ وقال الشافعي ان كان المدعى قصاصا أو عتاقا أو حدا أو مالا يبلغ نصابا غلظت اليمين فحلف بالله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية وقال في القسامة عالم خائنة الاعين وما تخفي الصدور وهذا اختيار أبي الخطاب وذكر القاضي ان هذا في ايمان القسامة خاصة وليس بشرط ولنا قول الله تعالى (فيقسمان بالله ان ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربي) وقال تعالى (فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما) وقال تعالى في اللعان (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) وقال سبحانه (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) قال بعض المفسرين من اقسم بالله فقد أقسم بالله جهد اليمين واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد في الطلاق فقال (آالله ما أردت الا واحدة؟) وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه ولان فيه كفاية فوجب ان يكتفى باسمه في اليمين كالمواضع التي سلموها فأما حديث ابن عباس وابن عمر فانه يدل على جواز الاستحلاف لذلك وما ذكرناه يدل على

[ 144 ]

الاكتفاء ببسم الله وحده وما ذكره الباقون تحكم لا نص فيه ولا قياس يقتضيه إذا ثبت هذا فان اليمين في حق المسلم والكافر جميعا بالله تعالى لا يحلف أحد بغيره لقول الله تعالى (فيقسمان بالله) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (مسألة) (وان رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمن أو مكان جاز) ففي اللفظ يقول والله الذي لا اله الا هو عالم الغيب وشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور واليهودي والله الذي انزل التوراة على موسى وفلق له البحر وانجاه من فرعون وملائه والنصراني يقول والله الذي انزل الانجيل على عيسى وجعله يحى الموتى ويبرئ الاكمه والايرص والمجوسي يقول والله الذي خلقني وصورني ورزقني، والزمان يحلفه بعد العصر وبين الاذانين والمكان يحلفه بمكة بين الركن والمقام وفي الصخرة ببيت المقدس وفي سائر البلدان عند المنبر ويحلف أهل الذمة في المواضع التي يعظمونها وهذا الذي ذكره شيخنا اختيار أبي الخطاب قال وقد أومأ إليه أحمد في رواية الميموني وذكر التغليظ في حق المجوسي قال قل والله الذي خلقني ورزقني وان كان وثنيا حلفه بالله وحده وكذلك ان كان لا يعبد الله لانه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) ولان

[ 145 ]

هذا ان لم يكن يعد هذه يمينا فانما يزداد بها اثما وعقوبة وربما عجلت عقوبته فيتعظ بذلك ويعتبر به غيره وهذا كله ليس بشرط في اليمين وانما للحاكم فعله إذا رأى، وظاهر كلام الخرقي ان اليمين لا تغلظ الا في حق أهل الذمة ولا تغلظ في حق المسلم وبه قال أبو بكر وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني (لليهود نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى؟) رواه أبو داود وكذلك قال الخرقي تغلظ في المكان فيحلف في المواضع التي يعظمونهما ويتوقى الكذب فيها ولم يذكر التغليظ بالزمان، وممن قال يستحلف أهل الكتاب بالله وحده مسروق وأبو عبيدة بن عبد الله وعطاء وشريح والحسن وابراهيم وكعب بن سور ومالك والثوري وأبو عبيد وممن قال لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم أبو حنيفة وصاحباه وقال مالك والشافعي تغلظ ثم اختلفا فقال مالك يحلف في المدينة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف قائما ولا

[ 146 ]

يحلف قائما الا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستحلفون في غير المدينة في مساجد الجماعات ولا يحلف عند المنبر الا على ما يقطع فيه السارق فصاعدا وهو ثلاثة دراهم وقال الشافعي يستحلف المسلم بين الركن والمقام بمكة وفي المدينة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سائر البلدان في الجوامع عند المنبر وعند الصخرة ببيت المقدس وتغلظ في الزمان في الاستحلاف بعد العصر على نحو ما ذكرناه في صدر المسألة ولا تغلظ في المال الا في نصاب فصاعدا وتغلظ في الطلاق والعتاق والحد والقصاص وقال ابن حزم تغلظ بالقليل والكثير واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار) فثبت انه يتعلق بذلك تأكيد اليمين، وروى مالك قال اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع في دار كانت بينهما إلى مروان بن الحكم فقال زيد أحلف له مكاني فقال مروان لا

[ 147 ]

والله الا عند منقطع الحقوق قال فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ويأبى ان يحلف عند المنبر فجعل مروان يعجب. ولنا قول الله تعالى (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما) ولم يذكر مكانا ولا زمانا ولا زيادة في اللفظ، واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة في الطلاق فقال (آالله ما أردت إلا واحدة؟) قال آالله ما أردت الا واحدة ولم يغلظ يمينه بزمن ولا مكان ولا زيادة لفظ، وحلف عمر لابي حين تحاكما إلى زيد في مكانه وكانا في بيت زيد وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه وفيما ذكروه من التغليظ تقييد لهذه النصوص ومخالفة للاجماع فان ما ذكر عن الخليفتين عمر وعثمان مع من حضرهما لم ينكر وهو في الشهرة فكان إجماعا وقوله تعالى (تحبسونهما من بعد الصلاة) إنما كان في حق أهل الكتاب والوصية في السفر وهي قضية خولف فيها القياس في مواضع، منها قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين، ومنها استحلاف الشاهدين، ومنها استحلاف خصومهما عند العثور على استحقاقهما الاثم وهم لا يعلمون بها أصلا فكيف

[ 148 ]

يحتجون بها؟ ولما ذكر ايمان المسلمين أطلق اليمين ولم يقيدها والاحتجاج بهذا أولى من المصير إلى ما خولف فيه القياس وترك العمل به. وأما حديثهم فليس فيه دليل على مشروعية اليمين عند المنبر إنما فيه دليل على تغليظ الاثم على الحالف. وأما قضية مروان فمن العجب احتجاجهم بها وذهابهم إلى قول مروان في قضية خالفه زيد فيها وقول زيد فقيه الصحابة وقارئهم وأفرضهم أحق أن يحتج به من قول مروان الذي لو انفرد ما جاز الاحتجاج به فكيف يجوز مع مخالفة اجماع الصحابة وقول أئمتهم وفقهائهم ومخالفة فعلى النبي صلى الله عليه وسلم واطلاق كتاب الله سبحانه وتعالى؟ فهذا مما لا يجوز إنما ذكر الخرقي التغليظ بالمكان واللفظ في حق الآدمي لاستحلاف النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بقوله (نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى) وروي عن كعب بن سور في النصراني قال: اذهبوا به إلى المذبح واجعلوا الانجيل في حجره والتوراة على رأسه، وقال الشعبي في نصراني: اذهب إلى البيعة فاستحلفه بما يستحلف به مثله. وقال ابن المنذر لا أعلم حجة توجب أن يستحلف في مكان بعينه ولا يمينا يستحلف بها غير التي يستحلف بها المسلمون، وفي الجملة لا خلاف بين المسلمين في أن التغليظ بالمكان والزمان والالفاظ غير

[ 149 ]

واجب الا أن ابن الصباغ ذكر في وجوب التغليظ بالمكان قولين للشافعي وخالفه ابن القاص فقال لا خلاف بين أهل العلم أن القاضي حيث استحلف المدعى عليه في عمله وبلد قضائه جاز وانما التغليظ بالمكان اختيار منه فيكون التغليظ عند من رآه اختيارا واستحبابا. (فصل) قال ابن المنذر ولم أجد أحدا يوجب اليمين بالمصحف وقال الشافعي رأيتهم يؤكدون بالمصحف ورأيت ابن مازن وهو قاض بصنعاء يغلظ اليمين بالمصحف قال أصحابه فيغلظ عليه بالحضار المصحف لانه يشتمل على كلام الله وأسمائه وهذه زيادة على ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين وعلى ما فعله الخلفاء وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه لفعل ان مازن ولا غيره (مسألة) (ولا تغلظ اليمين الا فيما له خطر كالجنايات والعتاق والطلاق وما تجب فيه الزكاة من المال عند من يرى التغليظ)

[ 150 ]

وقيل ما يقطع فيه السارق روي ذلك عن مالك لان التغليظ زيادة على اليمين التي ورد الشرع بوجوبها فلا تجب الا بزيادة على مطلق الحق وترك التغليظ أولى على ما اختاره شيخنا ودل عليه الا في موضع ورد الشرع به وصح كتحليف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود بقوله (نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى) ونحوه (مسألة) (وان رأى الحاكم ترك التغليظ فتركه كان مصيبا) لموافقته مطلق النص وهو قوله عليه الصلاة والسلام (ولكن اليمين على المدعى عليه) (فصل) ومن توجهت عليه يمين وهو فيها صادق أو توجهت له أبيح له الحلف ولا شئ عليه من اثم ولا غيره لان الله تعالى شرع اليمين ولا يشرع محرما وقد أمر الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقسم على الحق في ثلاثة مواضع من كتابه منها قوله تعالى (زعم الذين كفروا أن لن

[ 151 ]

يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن)) وحلف عمر لابي على نخل ثم وهبه إياه وقال خفت ان لم احلف ان يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم فيصير سنة قال حنبل بلي أبو عبد الله بمثل هذا جاء إليه ابن عمه فقال لي قبلك حق من ميراث أبي وأطالبك بالقاضي وأحلفك فقيل لابي عبد الله ما ترى؟ قال أحلف له، إذا لم يكن له في قبلي حق وأنا غير شاك في ذلك حلفت له وكيف لا أحلف وابن عمر قد حلف؟ وانا من أنا؟ وعزم أبو عبد الله على اليمين فكفاه الله ذلك ورجع الغلام عن تلك المطالبة واختلف في الاولى فقال قوم الحلف أولى من افتداء يمينه لان عمر حلف ولان في الحلف فائدتين (أحداهما) حفظ ماله عن الضياع وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعته (والثانية) تخليص أخيه الظالم من مظلمته وأكل المال بغير حقه وهذا من نصحه ونصرته بكفه عن ظلمه وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم على رجل ان يحلف ويأخذ حقه وقال أصحابنا الافضل افتداء يمينه فان عثمان افتدى يميمنه وقال خفت ان يصادف قدرا فيقال حلف وعوقب، أو هذا شؤم يمينه. وروى الخلال باسناده ان حذيفة عرف جملا سرق

[ 152 ]

له فخاصم إلى قاضي المسلمين فصارت اليمين على حذيفة فقال لك عشرة دراهم فابى فقال لك عشرون فأبى فقال لك ثلاثون فأبى فقال لك أربعون فأبى فقال حذيفة أتراني أترك جملي؟ فحلف بالله انه ما باع ولا وهب، ولان في اليمين عند الحاكم تبذلا ولا يأمن أن يصادف قدرا فينسب إلى الكذب وانه عوقب بحلفه كاذبا وفي ذهاب ماله أجر وليس هذا تضيبعا للمال فان أخاه المسلم ينتفع به في الدنيا ويغرمه له في الآخرة، وأما عمر فانه خاف لاستنان به وترك الناس الحلف على حقوقهم فيدل على أنه لولا ذلك لما حلف قال شيخنا وهذا أولى والله تعالى أعلم (فصل) والحلف الكذب ليقتطع به مال أخيه فيه اثم كبير وقيل انه من الكبائر لان الله تعالى وعده عليه العذاب الاليم فقال سبحانه (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان) متفق عليه وقد روي في حديث أن يمين الغموس تدع الدبار بلاقع.

[ 153 ]

(فصل) ومن ادعي عليه دين وهو معسر به لم يحل له ان يحلف انه لا حق له علي وبهذا قال المزني وقال أبو ثور له ذلك لان الله تعالى قال (وإن كانوا ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ولانه لا يستحق مطالبته في الحال ولا يجب عليه اداؤه إليه. ولنا أن الدين في ذمته وهو حق له عليه ولو لم يكن عليه حق لم يجز انظاره به (فصل) ويمين الحالف على حسب جوابه فإذا ادعى عليه انه غصبه أو استودعه أو اقترض منه نظرنا في جواب المدعى عليه فان قال ما غصبتك ولا استودعتني ولا أقرضتني كلف ان يحلف على ذلك، وإن قال مالك علي شئ أو لا تستحق علي شيئا أو لا تستحق علي ما ادعيته ولا شيئا منه كان جوابا صحيحا ولا يكلف الجواب عن الغصب والوديعة والقرض لانه يجوز أن يكون غصب منه ثم رده عليه فلو كلف جحد ذلك كان كاذبا، وإن أقر به ثم ادعى الرد لم يقبل منه فإذا طلبت منه اليمين حلف

[ 154 ]

على حسب ما أجاب ولو ادعى أنني ابتعتك الدار التي في يدك فانكره وطلب يمينه فان كان أجاب بانك لا تستحقها حلف على ذلك

[ 155 ]

قال احمد في رجل ادعى على رجل انه أودعه فانكره هل يحلف ما أودعتك؟ قال إذا حلف مالك عندي ولا في يدي شئ فهو يأتي على ذلك؟ وهذا يدل على انه لا يلزمه أن يحلف على حسب الجواب

[ 156 ]

وانه متى حلف مالك قبلي حق برئ بذلك ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (فصل) ولا تدخل اليمين النيابة ولا يحلف أحد عن غيره فلو كا ن المدعى عليه صغيرا أو مجنونا

[ 157 ]

لم يحلف عنه حتى يبلغ الصبي أو يعقل المجنون ولم يحلف عنه وليه ولو ادعى الاب لابنه الصغير حقا أو ادعاه الوصي أو الامين له وأنكر المدعى عليه فالقول قوله مع يمينه فان نكل قضي عليه ومن لم ير

[ 158 ]

القضاء بالنكول ورأى رد اليمين على المدعي لم يحلف الولي عنهما ولكن تقف اليمين ويكتب الحاكم محضرا بنكول المدعى عليه، وان ادعى على العبد دعوى وكانت مما يقبل قول العبد فيها على نفسه

[ 159 ]

كالقصاص والطلاق والقذف والخصومة معه دون سيده فان قلنا ان اليمين تشرع في هذا حلف العبد دون سيده وان نكل لم يحلف غيره. وان كان مما لا يقبل قول العبد فيه كاتلاف مال أو

[ 160 ]

جنياة توجب المال فالخصم السيد واليمين عليه ولا يحلف العبد فيها بحال، وإن نكل من توجهت عليه اليمين عنها وقال لي بينة أقيمها أو حساب أستثبته لاحلف على ما أتيقنه فذكر أبو الخطاب انه لا يمهل وان لم يحلف جعل ناكلا. وقيل لا يكون ذلك نكولا ويمهل مدة قريبة كما لو ادعى قضاء أو إبراء (فصل) ولو ادعى على رجل دينا أو حقا فقال قد أبرأتني منه واستوفيته مني فالقول قول

[ 161 ]

المنكر الابراء والاستيفاء مع يمينه ويكفيه ان يحلف بالله ان هذا الحق ويسميه تسمية يصير بها معلوما - برئت ذمتك منه ولا من شئ منه، أو ما برئت ذمتك من ذلك الحق ولا من شئ منه وان ادعى استيفاءه أو البراءة بجهة معلومة كفاه الحلف على تلك الجهة وحدها

[ 162 ]

باب الدعاوى والبينات الدعوى إضافة الانسان إلى نفسه شيئا أو ملكا أو استحقاقا أو نحوه. وهو في الشرع إضافته إلى نفسه استحقاق شئ في يد غيره أو في ذمته والمدعى عليه من يضاف إليه استحقاق شئ عليه. وقال ابن عقيل الدعوى الطلب قال الله تعالى (ولهم ما يدعون) (مسألة) (والمدعي من إذا ترك سكت والمنكر من إذا سكت لم يترك) وقيل المدعي من يلتمس بقوله أخذ شئ من يد غيره وإثبات حق في ذمته والمدعى عليه من ينكر ذلك وقد يكون كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه بأن يختلفا في العقد فيدعي كل واحد منهما ان اليمين غير الذي ذكره صاحبه. والاصل في الدعوى قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قول دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم وفي حديث (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) (مسألة) (ولا تصح الدعوى والانكار الا من جائز التصرف) لان من لا يصح تصرفه لا قول له في المال ولا يصح إقراره ولا تصرفه فلا تسمع دعواه ولا إنكاره كما لا يسمع إقراره

[ 163 ]

(مسألة) (وان تداعيا عينا لم تخل من ثلاثة أقسام (أحدها) أن تكون في يد أحدهما فهي له مع يمينه انه لا حق للآخر فيها إذا لم تكن بينة) لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) متفق عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الحصرمي والكندي (شاهداك أو يمينه ليس لك الا ذلك) ولان الظاهر من اليد الملك (مسألة) (ولو تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل والآخر آخذ بزمامها فهي للاول) لان تصرفه أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعتها، فان كان لاحدهما عليها حمل والآخر راكبها فهي للراكب لانه اقوى تصرفا فان اختلفا في الحمل فادعاه الراكب وصاحب الدابة فهو للراكب لان يده على الدابة والحمل معا فأشبه ما لو اختلف الساكن وصاحب الدار في قماش فيها. وإن تنازع الراكب وصاحب الدابة في السرج فهو لصاحب الدابة لان السرج في العادة يكون لصاحب الفرس. ولو تنازع اثنان في ثياب عبد لاحدهما فهي لصاحب العبد لان يد العبد عليها وإن تنازع صاحب الثياب وآخر في العبد اللابس لها فهما سواء لان نفع الثياب يعود إلى العبد لا إلى صاحب الثياب ومذهب الشافعي في هذا الفصل كالذي ذكرنا

[ 164 ]

(فصل) وان تنازعا قميصا أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه لان تصرفه أقوى وهو المستوفي لمنفعته، فان كان كمه في يد احدهما وباقيه مع الآخر أو تنازعا عمامة طرفها في يد أحدهما وباقيها في يد الآخر فهما سواء فيها لان يد الممسك بالطرف عليها بدليل انه لو كان باقيها على الارض فنازعه فيها غيره كانت له وإذا كانت في أيديهما تساويا فيها (فصل) ولو كانت دار فيها أربعة ابيات في احد أبياتها ساكن وفي الثلاثة الباقية ساكن آخر فاختلفا فيها فان لكل واحد ما هو ساكن فيه لان كل بيت منفصل عن صاحبه ولا يا شرك الخارج منه الساكن فيه في ثبوت اليد عليه وإن تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت فهي بينهما نصفان لاشتراكهما في ثبوت اليد عليها فأشبهت العمامة فيما ذكرنا (مسألة) (وإن تنازع صاحب الدار والخياط الابرة والمقص فهما للخياط) لان تصرفه فيهما أكثر وأظهر، والظاهر ان الانسان إذا دعى خياط يخيط له فالعادة انه يحمل معه ابرته ومقصه. وإن اختلفا في القميص فهو لصاحب الدار إذ ليست العادة أن يحمل القميص معه يخيطه في دار غيره وإنما العادة ان يخيط قميص صاحب الدار فيها وإن اختلف صاحب الدار والنجار في القدوم والمنشار وآلة النجارة فهي النجار وإن اختلفا

[ 165 ]

في الخشبة المنشورة والابواب والرفوف المنجورة فهي لصاحب الدار وإن اختلف النجاد ورب الدار في قوس الندف فهو للنجاد، وان اختلفا في الفرش والقطن والصوف فهو لصاحب الدار (مسألة) (وإن تنازع هو والقراب القربة فهي للقراب) وإن اختلفا في الخابية والجرار فهي لصاحب الدار، ومذهب الشافعي في هذه المسائل على ما ذكرناه (مسألة) (وان تنازعا عرصة فيها شجر أو بناء لاحدهما فهي له) لانه استوفى لمنفعتها (مسألة) (وإن تنازعا حائطا معقودا ببناء أحدهما أو وحده أو متصلا به اتصالا لا يمكن إحداثه أو له عليه ازج فهو له وإن كان محلولا من بنائهما أو معقودا بهما فهو بينهما) وجملة ذلك ان الرجلين إذا تنازعا حائطا بين ملكهما وتساويا في كونه معقودا ببنائهما معا وهو أن يكون متصلا بهما اتصالا لا يمكن إحداثه بعد بناء الحائط مثل اتصال البناء بالطين كهذه معطائر التي لا يمكن إحداث اتصال بعضها ببعض أو تساويا في كونه محلولا من بنائهما أي غير متصل القنائهما الاتصال المذكور بل بينهما شق مستطيل كما يكون بين الحائطين اللذين ألصق أحدهما بالآخر فهما سواء في الدعوى إن لم تكن لواحد منهما بينة تحالفا فيحلف كل واحد منهما على نصف الحائط انه له وتكون بينهما نصفين لان كل واحد منهما يده على نصف الحائط لكون الحائط في أيديهما. وإن حلف كل واحد منهما على جميع الحائط انه له وما هو لصاحبه جاز وبهذا قال أبو حنيفة وأبو ثور وابن

[ 166 ]

المنذر ولا أعلم فيه مخالفا لان المختلفين في العين إذا لم تكن لواحد منهما بينة فالقول قول من هي في يده مع يمينه، وإذا كانت في أيديهما كانت يد كل واحد منهما على نصفها فيكون القول قوله في نصفها مع يمينه، وإن كان لاحدهما بينة حكم له بها وإن كان لكل واحد منهما بينة تعارضتا وصارا كمن لا بينة لهما فان لم تكن لهما بينة ونكلا عن اليمين كان الحائط في أيديهما على ما كان وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي على الناكل فكان الكل للآخر، وإن كان متصلا بببناء أحدهما دون الاخر فهو له مع يمينه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو ثور لا يرجح بالعقد ولا ينظر إليه ولنا أن الظاهر ان هذا البناء بني كله بناء واحدا فإذا كان بعضه لرجل كان باقيه له والبناء الآخر الظاهر انه بني وحده فانه لو بني مع هذا كان متصلا به فالظاهر انه لغير صاحب هذا الحائط المختلف فيه فوجب أن يرجح بهذا كاليد فان قيل فلم لا تجعلوه له بغير يمين لذلك؟ قلنا لان ذلك ظاهر وليس بيقين إذا يحتمل ان أحدهما بنى الحائط لصاحبه تبرعا مع حائطه أو كان له فوهبه إياه أو بناه بأجرة فشرعت اليمين من أجل الاحتمال كما شرعت في حق صاحب اليد وسائر من وجبت عليه اليمين. فأما إن كان معقودا ببناء أحدهما عقد يمكن إحداثه كالبناء باللبن والآجر فانه يمكن أن ينزع من الحائط المبني نصف لبنة أو آجرة ويجعل مكانها لبنة صحيحة أو آجرة صحيحة تعقد الحائطين فقال القاضي: لا يرجح بهذا لاحتمال أن يكون فعل هذا ليتملك الحائط المشترك، وظاهر كلام الخرقي أنه يرجح بهذا الاتصال كما يرجح بالاتصال الذي لا يمكن احداثه لان الظاهر أن صاحب الحائط لا يدع غيره يتصرف فيه.

[ 167 ]

بنزع آجره وتغيير بنائه وفعل ما يدل على ملكه له فوجب ان يرجح كما يرجح باليد مع أنها تحتمل أن تكون يدا عادية حدثت بالغصب أو بالعارية أو الاجارة ولم يمنع ذلك الترجيح بها فان كان لاحدهما عليه بناء كحائط مبني عليه أو عقد معتمد عليه أو قبة ونحو هذا فهو له، وبهذا قال الشافعي لان وضع بنائه عليه بمنزلة اليد الثابتة لكونه منتفعا به فجرى مجرى حمله على البهيمة وزرعه في الارض ولان الظاهر ان الانسان لا يترك غيره يبني على حائط وكذلك إن كانت عليه سترة أو كان في أصل الحائط خشبة أو طرفها بجنب حائط منفرد به احدهما أو له عليه أزج معقود فالحائط المختلف فيه له لان الظاهر في الخشبة أنها لمن ينفرد بوضع بنائه عليها فيكون الظاهر أن ما عليها من البناء له (مسألة) ولا ترجح الدعوى بوضع خشب احدهما عليه ولا بوجوه الآجر والتزويق والتجصيص ومعاقد القمط في الخمص) قال أصحابنا لا ترجح دعوى أحدهما بوضع خشبة على الحائط وهو قول الشافعي لان هذا مما يسمح به الجار وقد ورد في الخبر النهي عن المنع منه وهو عندنا حق يجب التمكين منه فلا ترجح به الدعوى كاسناد متاعه إليه وتجصيصه وتزويقه ويحتمل ان ترجح به الدعوى وهو قول مالك لانه

[ 168 ]

ينتفع به بوضع ماله عليه فاشبه الباني عليه والزارع في الارض وورود الشرع بالنهي عن المنع منه لا يمنع كونه دليلا على الاستحقاق بدليل اننا استدللنا بوضعه على كون الوضع مستحقا على الدوام حتى متى زال جازت إعادته ولان كونه مستحقا تشترط له الحاجة إلى وضعه ففيما لا حاجة إليه له منعه من وضعه، وأما السماح به فان أكثر الناس لا يسامحون به، ولهذا لما روى أبو هريرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم طأطئوا رؤوسهم كراهة لذلك فقال مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لا رمين بها بين اكتافكم وأكثر الفقهاء لا يوجبون التمكين من هذا ويحملون الحديث على كراهة المنع لا على تحريمه ولان الحائط يبنى لذلك فيرجح به كالازج وقال أصحاب أبي حنيفة لا ترجح الدعوى بالجذع الواحد لان الحائط لا يبنى له وترجح بالجذعين لان الحائط يبنى لهما ولنا أنه موضوع على الحائط فاستوى في ترجيح الدعوى قليله وكثيره كالبناء (فصل) ولا ترجح الدعوى بكون الدواخل إلى أحدهما والخوارج ووجوه الاجر والحجارة ولا كون الاجرة الصحيحة مما يلي أحدهما وقطع الآجر مما يلي ملك الآخر ولا بمعاقد القمط في الخص يعني عقد الخيوط التي يشد بها الخص، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يحكم به لمن إليه وجه الحائط ومعاقد القمط لما روى نمران بن حارثة التميمي عن ابيه أن قوما اختصموا

[ 169 ]

إلى النبي صلى الله عليه وسلم في خص فبعث حذيفة بن اليمان يحكم بينهم فحكم لمن تليه معاقد القمط ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره فقال (أصبت وأحسنت) رواه ابن ماجه وروي نحوه عن علي ولان العرف جار بأن من بنى حائطا جعل وجه الحائط إليه ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولان وجه الحائط ومعاقد القمط إذا كانا شريكين فيه لا بد من ان يكون إلى أحدهما إذ لا يمكن كونه اليهما جميعا فبطلت دلالته كالتزويق، ولانه براد للزينة فهو كالتزويق، وحديثهم لا يثبته أهل النقل واسناده مجهول قاله ابن المنذر قال الشالنجي ذكرت هذا الحديث لاحمد فلم يقنعه وذكرته لاسحاق بن راهويه فقال ليس هذا حديثا ولم يصححه وحديث علي فيه مقال وما ذكروه من العرف ليس بصحيح فان العادة جعل وجه الحائط إلى خارج ليراه الناس كما يلبس الرجل احسن ثيابه أعلاها الظاهر للناس ليروه فيتزين به فلا دليل فيه (فصل) ولا ترجح الدعوى بالتزويق والتحسين ولا بكون أحدهما له الآجر وسترة غير مبنية عليه لانه مما يتسامح به ويمكن إحداثه.

[ 170 ]

(مسألة) وان تنازع صاحب العلو والسفل في السلم والدرجة فهي لصاحب العلو الا أن يكون تحت الدرجة مسكن لصاحب السفل فيكون بينهما وان تنازعا في السقف الذي بينهما فهو بينهما) إذا تنازع صاحب العلو والسفل في الدرجة التي يصعد منها ولم يكن تحتها مرفق لصاحب السفل كسلم مستمر أو دكة فهي لصاحب العلو وحده لان له اليد والتصرف وحده لكونها مصعد صاحب العلو لا غير والعرصة التي عليها الدرجة له أيضا لانتفاعه بها وحده وان كان تحتها بيت بنيت لاجله وليكون مدرجا للعلو فهي بينهما لان يدهما عليه ولانها سقف للسفلاني وموطئ للفوقاني فهي كالسقف وان كان تحتها طباق صغيرة لم تبن الدرجة لاجله وانما جعل مرفقا يجعل فيه حب الماء ونحوه فهي لصاحب العلو لانها بنيت لاجله وحده، ويحتمل ان تكون بينهما لان يدهما وانتفاعهما حاصل بها فهي كالسقف (فصل) فان تنازعا السقف الذي بينهما تحالفا وكان بينهما وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة هو لصاحب السفل لان السقف على ملكه فكان القول قوله فيه كما لو تنازعا سرجا على دابة أحدهما كان القول قول صاحبها وحكي عن مالك أنه لصاحب السفل وحكي عنه أنه لصاحب العلو لانه يجلس عليه ويتصرف فيه ولا يمكنه السكنى الا به ولنا انه حاجز بين ملكيهما ينتفعان به غير متصل ببناء أحدهما اتصال البنيان فكان بينهما

[ 171 ]

كالحائط بين الملكين وقولهم هو على ملك صاحب السفل يبطل بحيطان العلو ولا يشبه السرج على الدابة لانه لا ينتفع به غير صاحبها ولا يراد إلا لهذا فكان في يده وهذا السقف ينتفع به كل واحد منهما لانه سماء صاحب السفل يظله وأرض صاحب العلو يقله فاستويا فيه، وان تنازعا حوائط العلو فهي لصاحب العلو لما ذكرنا (مسألة) (وان تنازع المؤجز والمستأجر في رف مقلوع أو مصراع له شكل منصوب في الدار فهو لصاحبها والا فهو بينهما) وجملة ذلك ان المكتري والمكري إذا اختلفا في شئ في الدار فان كان مما ينقل ويحول كالاثاث والاواني والكتب فهو للمكتري لان العادة أن الانسان يكري داره فارغة من رحله وقماشه وإن كان في شئ مما يتبع في البيع كالابواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرفوف المسمرة والسلاليم المستمرة والرحا المنصوبة وحجرها الفوقاني فهو للمكري لانه من توابع الدار فاشبه الشجرة المغروسة فيها وان كانت الرفوف موضوعة على أوتاد فقال احمد إذا اختلفا في الرفوف فهي لصاحب الدار فظاهر هذا العموم في الزفوف كلها، وقال القاضي هي بينهما إذا تحالفا لانها لا تتبع في البيع فاشبهت القماش فهذا ظاهر يشهد للمكتري وللمكري ظاهر يعارض هذا وهو أن المكري يترك الرفوف في الدار ولا ينقلها عنها فإذا تعارض الظاهر من الجانبين استويا وهذا مذهب الشافعي فعلى هذا إن

[ 172 ]

تحالفا كانت بينهما وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي لمن حلف وذكر شيخنا في الكتاب المشروح أنه ان كان للرف شكل منصوب في الدار فهو لصاحب الدار مع يمينه وان لم يكن له شكل فهو بينهما إذا تحالفا لانه إذا كان له شكل منصوب في الدار فالمنصوب تابع للدار فهو لصاحبها والظاهر أن احد الرفين لمن له الآخر وكذلك إذا اختلفا في مصراع باب مقلوع فالحكم فيه كما ذكرنا هكذا ذكره أبو الخطاب وذكره القاضي في موضع لان احدهما لا يستغني عن صاحبه فكان أحدهما لمن له الآخر كالحجر الفوقاني من الرحا والمفتاح مع السكرة (مسألة) وان تنازعا دارا في أيديهما فادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها جعل بينهما نصفين واليمين على مدعي النصف نص عليه احمد ولا يمين على الآخر لان النصف المحكوم له به لا منازع له فيه ولا أعلم في هذا خلافا الا انه حكي عن ابن شبرمة ان لمدعي الكل ثلاثة أرباعها لان النصف له لا منازع له فيه والنصف الآخر يقسم بينهما على حسب دعواهما فيه ولنا ان مدعي النصف على ما يدعيه فكان القول قوله فيه مع يمينه كسائر الدعاوى فان لكل واحد منهما بينة بما يدعيه فقد تعارضت بينتاهما في النصف فيكون النصف لمدعي الكل والنصف الآخر ينبني على الخلاف في أي البينتين تقدم، وظاهر المذهب تقديم بينة المدعي الكل وعلى قول

[ 173 ]

أبي حنيفة وصاحبيه إن كانت الدار في يد ثالث لا يدعيها فالنصف لصاحب الكل لا منازع له فيه ويقرع بينهما في النصف الآخر فمن خرجت له القرعة حلف وكان له، وان كان لكل واحد بينة تعارضتا وسقطتا وصارا كمن لا بينة لهما، وإن قلنا تستعمل البينتان اقرع بينهما وقدم من تقع له القرعة في أحد الوجهين والثاني يقسم بينهما النصف فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباعها (فصل) فان كانت دار في يد ثلاثة ادعى أحدهم نصفها وادعى الآخر ثلثها وادعى الثالث سدسها فهذا اتفاق منهم على كيفية ملكهم وليس ههنا اختلاف ولا تجاحد، وإن ادعى كل واحد منهم ان بقية الدار وديعة أو عارية كانت لكل واحد منهما بما ادعاه من الملك بينة قضي له بها لان بينته تشهد بما ادعاه ولا معارض لها وان لم تكن لواحد منهم بينة حلف كل واحد منهم وأقرفي يده ثلثها (فصل) فان ادعى أحدهم جميعها والآخر نصفها والآخر ثلثها فان لم يكن لواحد منهم بينة قسمت بينهم أثلاثا وعلى كل واحد منهم اليمين على ما حكم له به لان يد كل واحد منهم على ثلثها وإن كانت لاحدهم بينة نظرت فان كانت لمدعي الجميع فهي له وإن كانت لمدعي النصف أخذه والباقي بين الآخرين نصفين لصاحب الكل السدس بغير يمين ويحلف على نصف السدس ويحلف الآخر على الربع الذي يأخذه جميعه وإن كانت البينة لمدعي الثلث أخذه والباقي بين الآخرين لمدعي الكل السدس بغير يمين ويحلف على السدس الآخر ويحلف الاخر على جميع ما يأخذه وان كانت لكل

[ 174 ]

واحد بما يدعيه بينة فان قلنا تقدم بينة صاحب اليد قسمت بينهم أثلاثا لان يد كل واحد منهم على الثلث وإن قلنا تقدم بينة الخارج فينبغي أن تسقط بينة صاحب الثلث لانها داخلة ولمدعي النصف السدس لان بينته خارجة فيه ولمدعي الكل خمسة أسداس لان له السدس بغير بينة لكونه لا منازع له فيه لان أحدا لا يدعيه وله الثلثان لكون بينته خارجة فيهما وقيل بل لمدعي الثلث السدس لان بينته تدعي الكل وتدعي النصف تعارضتا فيه وتساقطتا وبقي لمن هو في يده ولا شئ لمدعي النصف لعدم ذلك فيه وسواء كان لمدعي الثلث بينة أو لم تكن، وان كانت العين في يد غيرهم واعترف انه لا يملكها ولا بينة لهم فالنصف لمدعي الكل لانه ليس منهم من يدعيه ويقرع بينهم في النصف الباقي فان خرجت القرعة لصاحب الكل أو صاحب النصف حلف وأخذه وإن خرجت لصاحب الثلث حلف وأخذ الثلث ثم يقرع بين الآخرين في السدس فمن قرع صاحبه حلف وأخذه وان أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه فالنصف لمدعي الكل لما ذكرنا والسدس الزائد يتنازعه مدعي الكل ومدعي النصف والثلث يدعيه الثلاثة وقد تعارضت البينات فيه فان قلنا تسقط البينات قرعنا بين المتنازعين فيما تنازعوا فيه فمن قرع صاحبه حلف وأخذه ويكون الحكم فيه كما لو لم تكن لهم بينة وهذا قول أبي عبيد وقول الشافعي إذ كان بالعراق وعلى الرواية التي تقول إذا تعارضت البينتان قسمت العين بين المتداعيين فلمدعي الكل النصف ونصف السدس الزائد وثلث الثلث ولمدعي النصف نصف

[ 175 ]

السدس وثلث الثلث ولمدعي الثلث ثلثه وهو التسع فتخرج المسألة من ستة وثلاثين لمدعي الكل النصف ثمانية عشر ونصف السدس ثلاثة والتسع أربعة فذلك خمسة وعشرون سهما ولصاحب النصف سبعة ولمدعي الثلث أربعة وهو التسع وهذا قياس قول قتادة والحارث العكلي وابن شبرمة وحماد وأبي حنيفة وهو قول الشافعي وقال أبو ثور يأخذ مدعي الكل النصف ويوقف الباقي حتى يتبين وروي هذا عن مالك وهو قول الشافعي وقال ابن أبي ليلى وقوم من أهل العراق تقسم العين بينهم على حسب عول الفرائض لصاحب الكل ستة ولصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث اثنان فصح من احد عشر سهما. وسئل سهل بن عبد الله بن أويس عن ثلاثة ادعوا كيسا وهو بأيديهم ولا بينة لهم وحلف كل واحد منهم على ما ادعاه ادعى أحدهم جميعه وادعى الآخر ثلثيه وادعى آخر نصفه فأجاب فيها بشعر: نظرت أبا يعقوب في الحسب التي طرت * فأقامت منهم كل قاعد فللمدعي الثلثين ثلث وللذي * استلاط جميع المال عند التحاشد من المال نصف غير ماسيغو به * وحصته من نصف ذا المال زائد وللمدعي نصفا من المال ربعه * ويؤخذ نصف السدس من كل واحد وهذا قول من قسم المال بينهم على حسب العول فكأن المسألة عالت إلى ثلاثة عشر وذلك

[ 176 ]

انه أخذ مخارج الكسور وهي ستة فجعلها لمدعي الكل وثلثاها اربعة لمدعي الثلثين ونصفها ثلاثة لمدعي النصف صارت ثلاثة عشر (فصل) فان كانت الدار في أيدي أربعة فادعى أحدهم جميعها والثاني ثلثيها والثالث نصفها والرابع ثلثها ولا بينة لهم حلف كل واحد منهم وله ربعها لانه في يده والقول قول صاحب اليد مع يمينه، وإن أقام كل واحد منهم بما ادعاه بينة قسمت بينهم أرباعا أيضا لاننا ان قلنا تقدم بينة الداخل فكل واحد منهم داخل في ربعها فتقدم بينته فيه، وإن قلنا تقدم بينة الخارج فان الرجلين إذا ادعيا عينا في يد غيرهما فأنكرهما وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعارضتا وأقر الشئ في يد من هو في يده، وإن كانت الدار في يد خامس لا يدعيها ولا بينة لواحد منهم بما ادعاه فالثلث لمدعي الكل لان أحدا لا ينازعه فيه ويقرع بينهم في الباقي، فان خرجت القرعة لصاحب الكل أو مدعي الثلثين أخذه وإن وقعت لمدعي النصف أخذه وأقرع بين الباقين في الباقي فان وقعت لصاحب الثلث أخذه وأقرع بين الثلاثة في الثلث الباقي وهذا قول أبي عبيد والشافعي إذ كان بالعراق إلا انهم عبروا عنه بعبارة أخرى فقالوا لمدعي الكل الثلث ويقرع بينه وبين مدعي النصف في السدس الزائد عن الثلث ثم يقرع بين الاربعة في الثلث الباقي ويكون الاقرار في ثلاثة مواضع، على الرواية الاخرى الثلث لمدعي الكل ويقسم السدس الزائد عن النصف بينه وبين مدعي الثلثين ثم يقسم السدس الزائد عن الثلث بينهما وبين مدعي النصف أثلاثا ثم يقسم الثلث الباقي بين الاربعة أرباعا وتصح المسألة من

[ 177 ]

ستة وثلاثين سهما لصاحب الكل ثلئها اثنا عشر ونصف السدس الزائد عن النصف ثلاثة وثلث السدس الزائد عن الثلث سهمان وربع الثلث الباقي ثلاثة فيحصل له عشرون سهما وذلك خمسة أتساع الدار، ولمدعي الثلثين ثمانية أسهم تسعان وهي مثل ما لمدعي الكل بعد الثلث الذي انفرد به ولمدعي النصف خمسة أسهم تسع وربع تسع، ولمدعي الثلث ثلاثة نصف سدس وعلى قول من قسمها على العول من خمسة عشر لصاحب الكل ستة ولصاحب الثلثين أربعة ولصاحب الثلث سهمان ولصاحب النصف ثلاثة وعلى قول أبي ثور لصاحب الكل الثلث ويوقف الباقي (مسألة) (وان تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت فما كان يصلح للرجال فهو للرجل وما كان يصلح للنساء فهو للمرأة وما كان يصلح لهما فهو بينهما) إذا اختلف الزوجان في قماش البيت أو في بعضه فقال كل واحد منهما جميعه لي أو قال كل واحد منهما هذه العين لي وكانت لاحدهما بينة ثبت له بلا خلاف، وان لم تكن لواحد منهما بينة فالمنصوص عن أحمد ان ما يصلح للرجال من العمائم وقمصانهم وجبابهم والاقبية والطيالسة والسلاح وأشباه ذلك القول فيه قول الرجل مع يمينه وما يصلح للنساء كحليهن وقمصهن ومقانعهن ومغازلهن

[ 178 ]

فالقول قول المرأة مع يمينها وما يصلح لهما كالمفارش والاواني فهو بينهما وسواء كان في أيديهما من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة وسواء اختلفوا في حال الزوجية أو بعد البينونة وسواء اختلفا أو اختلف ورثتهما أو أحدهما وورثه الآخر قال احمد في رواية الجماعة منهم يعقوب بن بختان في الرجل يطلق زوجته أو يموت فتدعي المرأة المتاع: فما كان يصلح للرجال فهو للرجل وما كان من متاع النساء فهو للنساء وما استقام أن يكون للرجال وللنساء فهو بينهما، فان كان المتاع على يدي غيرهما فمن أقام البينة دفع إليه وان لم تكن لهما بينة اقرع بينهما فمن كانت له القرعة حلف وأعطي المتاع وقال في رواية مهنا وكذلك ان اختلفا وأحدهما مملوك وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى لان أيديهما جميعا على قماش البيت بدليل ما لو نازعهما فيه اجنبي كان القول قولهما وقد يرجح احدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب تقديمه كما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر آخذ بزمامهما أو قميصا احدهما لابسه والآخر آخذ بكمه أو جدارا متصلا بجداريهما معقودا ببناء احدهما (مسألة) (وان اختلف صانعان في قماش دكان لهما حكم بآلة كل صناعة لصاحبها في ظاهر كلام أحمد والخرقي) لما ذكرنا فيما إذا اختلف الزوجان في قماش البيت فألة العطار له وآلة النجارين للنجار فان لم يكونا في دكان واحد ولكن اختلفا في عين لم يرجح احدهما بصلاحية العين المختلف له فيها كما يذكر في مسألة الزوجين بعد وقال القاضي هذا انما هو إذا كانت ايديهما عليه من طريق

[ 179 ]

الحكم أما ما كان في يد أحدهما من طريق المشاهدة فهو له مع يمينه، وان كان في ايديهما قسم بينهما نصفين سواء كان يصلح لهما أو لاحدهما وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الا أنهما قالا ما يصلح لهما ويدهما عليه من طريق الحكم فالقول فيه قول الرجل مع يمينه، وإذا اختلف احدهما وورثه الاخر فالقول قول الباقي، لان اليد المشاهدة أقوى من اليد الحكمية بدليل ما لو تنازع الخياط وصاحب الدار في الابرة والمقص كانت للخياط وقال أبو يوسف القول قول المرأة فيما جرت العادة انه قدر جهاز مثلها وقال مالك ما صلح لكل واحد منهما فهو له وما صلح لهما كان للرجل سواء كان في أيديهما من طريق المشاهدة أو من طريق الحكم لان البيت للرجل ويده عليه أقوى لان عليه السكنى وقال الشافعي وزفر والبتي ما كان في البيت فهو لهما نصفين فيحلف كما واحد منهما على نصفه ويأخذه وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لانهما تساويا في ثبوت يدهما على المدعى وعدم البينة فلم يقدم احدهما على صاحبه كالذي يصلح لهما أو كما لو كان في يدهما من حيث المشاهدة عند من سلم ذلك ولنا أن يديهما جميعا على متاع البيت بدليل ما لو نازعهما فيه اجنبي كان القول قولهما وقد يرجح احدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب أن يقدم كما لو تنازعا دابة احدهما راكبها والآخر آخذ بزمامها أو جدارا متصلا بداريهما معقودا ببناء احدهما اوله أزج ولنا على أبي حنيفة والقاضي انهما تنازعا فيما في ايديهما اشبه إذا كان في اليد الحكمية، فاما ما كان

[ 180 ]

يصلح لهما فانه في أيديهما ولا مزية لاحدهما على صاحبه أشبه إذا كان في ايديهما من جهة المشاهدة والدلالة على انه ليس للباقى منهما ان وارث الميت قائم مقامه اشبه ما لو جعل احدهما لنفسه وكيلا (فصل) فأما إذا لم تكن لاحدهما يد حكمية بل تنازع رجل وامرأة في عين غير قماش بينهما فلا يرجح احدهما بصلاحية ذلك له بل ان كانت في ايديهما فهي بينهما وان كانت في يد احدهما فهي له وان كانت في يد غيرهما اقترعا عليها فمن خرجت له القرعة فهي له واليمين على من حكمنا له بها في كل المواضع لانه ليس لهما يد حكمية فاشبها سائر المختلفين (مسألة) (وكل من قلنا هو له فهو له مع يمينه إذا لم تكن بينة) لاحتمال ما ادعاه خصمه (مسألة) (وان كان لاحدهما بينة حكم له بها) وجملة ذلك ان البينة إذا كانت للمدعي وحده وكانت العين في يد المدعى عليه حكم باليمين للمدعي بغير خلاف ولم يحلف وهو قول اهل الفتيا من اهل الامصار منهم الزهري والثوري وابو حنيفة ومالك والشافعي وقال شريح وعون بن عبد الله والنخعي والشعبي وابن ابي ليلي يستحلف الرجل مع بينته قال شريح لو أثبت كذا وكذا شهداء عندي ما قضيت لك حتى تحلف ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البنية على المدعي واليمين على المدعى عليه) ولان البينة احد حجتي الدعوى

[ 181 ]

فيكتفى بها كاليمين إذا ثبت ذلك فقال اصحابنا لا فرق بين الحاضر والغائب والحي والميت والعاقل والمجنون والصغير والكبير وقال الشافعي إذا كان المشهود عليه لا يعبر عن نفسه احلف المشهود له لانه لا يعبر عن نفسه في دعوى القضا والابراء فيقوم الحاكم مقامه في ذلك لنزول الشبهة قال شيخنا وهذا حسن فان قيام البينة للمدعي بثبات حقه لا بنفي احتمال القضاء والابراء بدليل ان المدعى عليه لو ادعاه سمعت دعواه وبينته فإذا كان حاضرا مكلفا فسكوته عن الدعوى دليل على انتفائه فيكتفى بالبينة فان كان غائبا أو ممن لا قول له بقي احتمال ذلك من غير دليل يدل على انتفائه فتشرع اليمين لنفيه وان لم تكن للمدعي بينة وكانت للمنكر بينة سمعت بينته ولم يحتج إلى الحلف معها لانا ان قلنا بتقديمها مع التعارض وانه لا يحلف معها فمع افرادها اولي، وان قلنا بتقديم بينة المدعى عليه فيجب ان يكتفى بها عن اليمين لانها اقوى من اليمين فإذا اكتفي باليمين فيما هو اقوى منها اولى ويحتمل ان تشرع ايضا لان البينة ههنا يحتمل أن يكون مستندها اليد والتصرف فلا تفيد الا ما افادته اليد والتصرف لا يغني عن اليمين فكذلك ما قام مقامه (مسألة) (وان كان لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي في ظاهر المذهب، وعنه إن

[ 182 ]

شهدت بينة المدعى عليه أنها له نتجت في ملكه أو قطيعة من الامام قدمت بينته وإلا فهي للمدعي ببينته وقال القاضي فيهما إذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يحكم بها رواية واحدة وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنها مقدمة بكل حال) وجملة ذلك ان من ادعى عينا في يده غير فأنكره وأقام كل واحدة منهما بينة حكم بها للمدعي ببينته وتسمى بينة الخارج وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل وقد اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيما إذا تعارضتا فالمشهور عنه تقديم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال وهذا اختيار الخرقي وهو قول اسحاق وعنه رواية ثانية ان شهدت بينة الداخل بسبب الملك فقالت نتجت في ملكه أو اشتراها أو نسجها أو كانت بينته اقدم تاريخا قدمت وإلا قدمت بينة المدعي وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور في النتاج والنساج فيما لا يتكرر نسجه، وأما ما يتكرر نسجه كالخز والصوف فلا تسمع بينته لانها إذا شهدت بالسبب فقد افادت مالا تفيده اليد وقد روى جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير فقام كل واحد منهما البينة أنه أنتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده، وذكر أبو الخطاب رواية ثالثة ان بينة المدعى عليه تقدم بكل حال وهو قول شريح والشعبي والحكم والشافعي وأبي عبيد وقال هو قول أهل المدينة وأهل الشام وروي ذلك عن طاوس وأنكر القاضي كون هذا رواية عن أحمد وقال لا تقدم بينة الداخل إذا لم تفد الا ما افادته يده رواية واحدة واحتج من ذهب الي تقديم بينة المدعى عليه بان جنبته أقوى لان الاصل معه ويمينه تقدم

[ 183 ]

على يمين المدعي فإذا تعارضت البيتان وجب ابقاء يده على ما فيها وتقديمه كما لو لم تكن بينة لواحد منهما وحديث جابر يدل على هذا فانه انما قدم بينته ليده ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) فجعل جنس البينة من جنبة المدعي فلا يبقي في جنبة المدعى عليه بينة ولان بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح والتعديل ودليل كثرة فائدتها أنها تثبت شيئا لم يكن وبينة المنكر انما تثبت ظاهرا تدل اليد عليه فلم تكن مفيدة ولان الشهادة بالملك يجوز ان يكون مستندها رؤية اليد والتصرف فان ذلك جائز عند كثير من أهل العلم فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فقدم عليه بينة المدعي كما تقدم اليد كما ان شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الاصل لم تكن لهما مزية عليهما (فصل) وأي البينتين قدمناها لم يحلف صاحبها وقال الشافعي في أحد قوليه يستحلف صاحب اليد لان البينتين سقطتا بتعارضهما فصارتا كمن لا بينة لهما فيحلف الداخل كما لو لم تكن لواحد منهما بينة ولنا ان إحدى البينتين راجحة فيجب الحكم بها منفردة كما لو تعارض خبران خاص وعام أو أحدهما ارجح بوجه من الوجوه ولا نسلم ان البينة الراجحة تسقط وانما ترجح ويعمل بها وتسقط المرجوحة (مسألة) (وان اقام الداخل ببينة أنه اشتراها من الخارج وأقام الخارج بينة انه اشتراها

[ 184 ]

من الداخل فقال القاضي تقدم بينة الداخل لانه الخارج في المعنى وقيل تقدم بينة الخارج) لقول النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي) (فصل) إذا ادعى الخارج ان العين ملكه وأنه أودعها الداخل أو اعاره اياها أو اجرها منه ولم تكن لواحد منهما بينة فالقول قول المنكر مع يمينه لا نعلم فيه خلافا وان كان لكل واحد منهما بينة قدمت بينة الخارج وهو قول الشافعي وقال القاضي بينة الداخل مقدمة لانه هو الخارج في المعنى كالمسألة قبلها لانه ثبت ان المدعي صاحب اليد فان يد الداخل نائبة عنه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) فتكون البينة للمدعي كما لو لم يدع الايداع. يحققه ان دعواه الايداع زيادة في حجته وشهادة البينة بها تقوية لها فلا يجوز ان تكون مبطلة لبينته، وان ادعى الخارج ان الداخل غصبه اياها وقام بينتين قضي للخارج ويقتضي قول القاضي انها للداخل والاولى ما ذكرناه (فصل) فان كان في يد رجل جلد شاة مسلوخة ورأسها وسواقطها وباقيها في يد آخر فادعاها كل واحد منهما جميعها ولا بينة لهما ولا لاحدهما فلكل واحد منهما ما في يده مع يمينه وان اقاما بينتين وقلنا تقدم بينة الداخل فلكل واحد منهما ما في يده من غير يمين وان كان في يد كل واحد منهما شاة فادعى كل واحد منهما ان الشاة التي في يد صاحبه له ولا بينة لهما حلف كل واحد منهما

[ 185 ]

لصاحبه وكانت الشاة التي في يده له وان اقاما بينتين فلكل واحد منهما شاة التي في يد صاصبه ولا تعارض بينهما وان كان كل واحد قال هذه الشاة التي في يدك لي من نتاج شاتي هذه فالتعارض في النتاج لا في الملك وان ادعى واحد منهما ان الشاتين له دون صاحبه واقاما بينتين تعارضتا وانبنى ذلك على القول في بينة الداخل والخارج فمن قدم بينة الخارج جعل لكل واحد منهما ما في يد الآخر ومن قدم بينة الداخل أو قدمها إذا شهدت بالنتاج جعل لكل واحد منهما ما في يده (فصل) إذا ادعى زيد شاة في يد عمرو واقام بها بينة فحكم له بها حاكم ثم ادعاها عمرو على زيد واقام بها بينة فان قلنا بينة الخارج مقدمة لم تسمع بينة عمرو لان بينة زيد مقدمة عليها وان قلنا بينة الداخل مقدمة نظرنا في الحكم كيف وقع؟ فان كان حكم بها لزيد لان عمرا لا بينة له ردت إلى عمرو لانه قد قامت له بينة واليد كانت له وان كان حكم بها لزيد لانه يرى تقديم بينة الخارج لم ينقض حكمه لانه حكم بما يسوغ الاجتهاد فيه وان كانت بينة عمرو قد شهدت له ايضا وردها الحاكم لفسقها ثم عدلت لم ينقض الحكم ايضا لان الفاسق إذا شهد عند الحاكم بشهادة فردها لفسقه ثم اعادها بعد لم تقبل وان لم يعلم الحكم كيف كان لم ينقض لانه حكم حاكم الاصل جريانه على الصحة والعدل فلا ينقض بالاحتمال وان جاء ثالث فادعاها واقام بها بينة فبينته وبينة زيد متعارضتان ولا

[ 186 ]

يحتاج زيد إلى اقامة بينة لانها قد شهدت مرة وهما سواء في الشهادة حال التنازع فلم يحتج إلى اعادتها كالبينة إذا شهدت ووقف الحكم على البحث عن حالها ثم بانت عدالتها فانها تقبل ويحكم بها من غير إعادة شهادتهما كذا ههنا (فصل) وإذا كان في يد رجل شاة فادعاها رجل انها له منذ سنة واقام بذلك بينة وادعى الذي هي في يده انها في يديه منذ سنتين واقام بذلك بينة فهي للمدعي بغير خلاف لان بينته تشهد له بالملك وبينة الداخل تشهد باليد خاصة فلا تعارض بينهما لامكان الجمع بينهما بان تكون اليد عن غير ملك فكانت بينة الملك اولى وان شهدت بينته بانها ملكه منذ سنتين فقد تعارض ترجيحان تقديم التاريخ من بينة الداخل وكون الاخرى بينة الخارج ففيه روايتان (إحداهما) تقدم بينة الخارج وهو قول ابي يوسف ومحمد وابي ثور ويقتضيه عموم كلام الخرقي لقوله عليه الصلاة والسلام (البينة على المدعي) ولان بينة الداخل يجوز ان يكون مستندها اليد فلا تفيد أكثر مما تفيده اليد فاشبهت الصورة الاولى (والثانية) تقدم بينة الداخل وهو قول ابي حنيفة والشافعي لانها تضمنت زيادة وان كانت بالعكس فشهدت بينة الداخل انه يملكها منذ سنة وشهدت بينة الخارج انه يملكها منذ سنتين قدمت بينة الخارج الا على الرواية التي تقدم فيها بينة الداخل فيخرج فيها وجهان بناء على الروايتين في التي قبلها وظاهر مذهب الشافعي تقديم بينة الداخل على كل حال وقال بعضهم فيها

[ 187 ]

قولان فان ادعى الخارج انها ملكه منذ سنة وادعي الداخل انه اشتراها منه منذ سنتين واقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة الداخل ذكره القاضي وهو قول ابي ثور فان اتفق تاريخ البينتين إلا ان بينة الداخل تشهد بنتاج أو شراء أو غنيمة أو ارث أو هبة من مالك أو قطيعة من الامام أو سبب من اسباب الملك ففي أيهما يقدم روايتان ذكرناهما فان ادعى انه اشتراها من الآخر قضي له بها لان بينة الابتياع شهدت بأمر حادث خفي على البينة الاخرى فقدمت عليها كما تقدم بينة الجرح على التعديل (فصل) قال رحمه الله (القسم الثاني أن تكون العين في يديهما فيتحالفان وتقسم بينهما) وجملة ذلك انه إذا تنازع نفسان في عين في أيديهما فادعى كل واحد منهما انها له دون صاحبه ولم تكن لهما بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وجعلت بينهما نصفين لا نعلم في هذا خلافا لان يد كل واحد منهما على نصفها والقول قول صاحب اليد مع يمينه وإن نكلا جميعا عن اليمين فكذلك لان كل واحد منهما يستحق ما في يد الآخر بنكوله، وان نكل أحدهما وحلف الآخر قضي له بجميعها لانه يستحق ما في يده بيمينه وما في يد الآخر بنكوله أو بيمينه التي ردت عليه بنكول صاحبه، وان كان لاحدهما بينة دون الآخر حكم له بها بغير خلاف علمناه لانه يرجح بالبينة (مسألة) (وان تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وارض الآخر تحالفا وهي بينهما) لانها حاجز بين ملكيهما فكانت يدهما عليه كما لو تنازعا حائطا بين داريهما وفي كل موضع قلنا

[ 188 ]

هو بينهما نصفين انما يحلف كل واحد منهما على النصف الذي يجعله له دون ما لا يحصل له (مسألة) (وان تنازعا صبيا في يديهما فكذلك) لان يديهما عليه واليد دليل الملك والطفل لا يعبر عن نفسه فهو كالبهيمة والمتاع إلا أن يعترف أن سبب يده غير الملك مثل ان يلتقطه فلا تقبل دعواه لرقه لان اللقيط محكوم بحريته فاما غيره فقد وجد فيه دليل الملك من غير معارض فيحكم برقه فعلى هذا إذا بلغ فادعى الحرية لم تسمع دعواه لانه محكوم برقه قبل دعواه فاما ان كان مميزا فقال إني حر منعا منه إلا ان تقوم بينة برقه لان الظاهر الحرية وهي الاصل في بني آدم والرق طارئ عليها فان كان له بينة قدمت البينة لانها تقدم على الاصل لانها تشهد بزيادة ويحتمل أن يكون كالطفل فيكون بينهما لانه غير مكلف أشبه الطفل والاول أولى لان المميز يصح تصرفه بالوصية ويلزم بالصلاة أشبه البالغ ولانه يعرب عن نفسه في دعوى الحرية أشبه البالغ فاما البالغ إذا ادعى رقه فأنكر لم يثبت رقه الا ببينة وان لم تكن له بينة فالقول قوله مع يمينه في الحرية لانها الاصل وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي فان ادعى رقه اثنان فاقر لهما بالرق ثبت رقه فان ادعاه كل واحد منهما لنفسه فاعترف لاحدهما فهو لمن اعترف له وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكون بينهما نصفين لان يدهما عليه فاشبه الطفل والثوب ولنا أنه انما ثبت رقه باعترافه فكان مملوكا لمن اعترف له كما لو لم تكن يده عليه ويخالف الثوب

[ 189 ]

والطفل فان الملك حصل فيهما باليد وقد تساويا فيها وههنا حصل بالاعتراف وقد اختص به أحدهما فكان مختصا به فان أقام كل واحد بينة أنه مملوكه تعارضتا وسقطتا ويقرع بينهما أو يقسم بينهما على ما مر من التفصيل فان قلنا بسقوطهما ولم يعترف لهما بالرق فهو حر وان اعترف لاحدهما فهو لمن اعترف له وإن أقر لهما معا فهو بينهما لان البينتين سقطتا فصارتا كالمعدومتين وان قلنا بالقرعة أو بالقسمة فانكرهما لم يلتفت إلى إنكاره فان اعترف لاحدهما لم يلتفت إلى اعترافه لان رقه ثابت بالبينة فلم يبق له يد على نفسه كما قلنا فيما إذا ادعى رجلان دارا في يد ثالث وأقام كل واحد بينة أنها ملكه واعترف أنها ليست له ثم أقر أنها ليست له ثم أقر انها لاحدهما لم يرجح باقراره (مسألة) (وان كان لاحدهما بينة حكم له بها لانه ترجح بالبينة وإن كان لكل واحد منهما بينة قدم اسبقهما تاريخا فان وقتت احداهما وأطلقت الاخرى فهما سواء ويحتمل تقديم المطلقة) أما إذا أقام كل واحد منهما بينة وتساوتا تعارضتا وقسمت العين بينهما نصفين وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى أبو موسى أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعير بينهما نصفين رواه ابو داود ولان كل واحد منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها فتقدم بينة كل واحد منهما

[ 190 ]

فيما في يده عند من يقدم بينة الداخل وفيما في يد صاحبه عند من يقدم بينة الخارج فيستويان على كل واحد من القولين. (مسألة) (وان كانت إحداهما متقدمة التاريخ وحكم بها له مثل أن تشهد احداهما أنها له منذ سنة وتشهد الاخرى أنها للآخر منذ سنتين فيقدم أسبقهما تاريخا) قال القاضي هو قياس المذهب وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لان المتقدمة التاريخ أثبتت الملك له في وقت لم تعارضه فيه البينة الاخرى فيثبت الملك فيه ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان وتعارضت البينتان في الملك في الحال فسقطتا وبقي ملك السابق تحت استدامته وأن لا يثبت لغيره ملك الا من جهته وظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما وهو أحد قولي الشافعي ووجهه أن الشاهد بالملك الحادث أحق بالترجيح لجواز أن يعلم به دون الاول بدليل انه لو ذكر أنه اشتراه من الآخر أو وهبه إياه لقدمت بينته اتفاقا فإذا لم يرجح بها فلا أقل من التساوي وقولهم إنه يثبت الملك في الزمان الماضي من غير معارضة قلنا إنما يثبت تبعا لثبوته في الحال ولو انفرد بان يدعي الملك في الماضي لم تسمع دعواه ولا بينته (مسألة) (فان وقتت إحداهما وأطلقت الاخرى فهما سواء) ذكره القاضي ويحتمل أن يحكم به لمن يوقت قاله أبو الخطاب وهو قول أبي يوسف ومحمد

[ 191 ]

ولنا انه ليس في إحداهما ما يقتضي الترجيح من تقدم الملك ولا غيره فوجب استواؤهما كما لو أطلقا أو استوى تاريخهما (مسألة) (وان شهدت احداهما بالملك والاخرى بالملك والنتاج أو سبب من اسباب الملك فهل يرجح بذلك؟ على وجهين) (احداهما) لا يرجح به وهو اختيار الخرقي لانهما تساوتا فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن فوجب تساويهما في الحكم (والثاني) تقدم بينة النتاج وما في معناه وهو مذهب أبي حنيفة لانها تتضمن زيادة علم وهو معرفة السبب والاخرى خفي عليها ذلك فيحتمل ان تكون شهادتها مستندة إلى مجرد اليد والتصرف فتقدم الاولى عليها كتقديم بينة الجرح على التعديل، وهذا قول القاضي فيما إذا كانت العين في يد غيرهما. (مسألة) ولا تقدم احداهما بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة ولا الرجلان على الرجل وامرأتين ويقدم الشاهدان على الشاهد واليمين في أحد الوجهين) لا ترجح احدى البينتين بكثرة العدد واشتهار العدالة وهو قول أبي حنيفة والشافعي ويتخرج أن يرجح بذلك مأخوذا من قول الخرقي ويقدم الاعمى أوثقهما في نفسه وهذا قول مالك لان احد الخبرين يرجح بذلك فكذلك الشهادة ولانها خبر ولان الشهادة إنما اعتبرت لغلبة الظن بالمشهود به

[ 192 ]

وإذا كثر العدد أو قويت العدالة كان الظن أقوى وقال الاوزاعي تقسم على عدد الشهود فإذا شهد لاحدهما شاهدان وللآخر اربعة قسمت العين بينهما أثلاثا لان الشهادة سبب الاستحقاق فتوزع الحق عليها ولنا ان الشهادة مقدرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية بخلاف الخبر فانه مجتهد في قبول خبر الواحد دون العدد فرجح بالزيادة والشهادة متفق فيها على خبر الاثنين فصار الحكم متعلقا بهما دون اعتبار الظن ألا ترى أنه لو شهد النساء منفردات لا تقبل شهادتهن وان كثرن حتى صار الظن بشهادتهن أغلب من شهادة الذكرين؟ وعلى هذا لا ترجح شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين في المال لان كل واحدة من البينتين حجة في المال فإذا اجتمعتا تعارضتا فاما ان كان لاحدهما شاهدان وللآخر شاهد فبذل يمينه معه ففيه وجهان: (احدهما) يتعارضان لان كل واحد منهما حجة بمفرده فاشبه الرجلين مع الرجل والمرأتين (والثاني) يقدم الشاهدان لانهما حجة متفق عليها والشاهد واليمين مختلف فيهما ولان اليمين قوله لنفسه والبينة الكاملة شهادة الاجنبيين فوجب تقديمها كتقديمها على يمين المنكر وهذا الوجه أصح ان شاء الله تعالى وللشافعي قولان كالوجهين (مسألة) وان تساوتا تعارضتا وقسمت العين بينهما بغير يمين وعنه أنهما يتحالفان كمن لا بينة لهما وعنه أنه يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها)

[ 193 ]

وجملة ذلك ان البينتين إذا تساوتا تعارضتا وقسمت العين نصفين لما ذكرنا من حديث أبي موسى وما ذكرناه من المعنى. واختلفت الرواية هل يحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به أو يكون له من غير يمين؟ روي انه يحلف وهو الذي ذكره الخرقي لان البينتين لما تعارضتا من غير ترجيح وجب اسقاطهما كالخبرين إذا تعارضا وتساويا وإذا سقطا صار المختلفان كمن لا بينة لهما ويحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به وهذا أحد قولي الشافعي بناء على ان اليمين تجب على الداخل مع بينته ويحلف معها والرواية الاخرى: تقسم بينهما العين من غير يمين وهو قول مالك وأبي حنيفة والقول الثاني للشافعي وهو أصح ان شاء الله للخبر والمعنى الذي ذكرناه ولا يصح قياس هاتين البينتين على الخبرين المتساوييين لان كل بينة راجحة في نصف العين على كل واحد من القولين وقد ذكرنا ان البينة يحكم بها من غير يمين وفيه رواية أخرى أنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنها له لا حق للآخر فيها وكانت العين له كما لو كانت في يد غيرهما ذكر هذه الرواية أبو الخطاب والاولى أصح ان شاء الله تعالى للخبر والمعنى. (مسألة) (وإن ادعى أحدهما انه اشتراها من زيد لم تسمع البينة على ذلك حتى تقول وهو ملكه وتشهد البينة به)

[ 194 ]

وجملة ذلك انه متى كان في يد رجل عين فادعى آخر أنه اشتراها من زيد وهي ملكه واقام بذلك بينة حكم له بها لانه ابتاعها من مالكها وكذا ان شهدت أنه باعه اياها وسلمها إليه حكم له بها لانه لم يسلمها إليه إلا وهي في يده وإن لم يذكر إلا التسليم لم يحكم بها لانه يمكن أن يبيعه مالا يملكه فلا يزال صاحب اليد فان ادعي أحدهما انه اشتراها من زيد وهي ملكه وادعى الآخر انه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقاما بذلك بينتين تعارضتا فان كانت في يد أحدهما انبنى ذلك على الروايتين في تقديم بينة الخارج والداخل فان كانت في أيديهما قسمت بينهما لان بينة كل واحد منهما داخلة في أحد النصفين خارجة عن النصف الآخر وإن كانت في يد أحد البائعين فأنكرهما وادعاها لنفسه فان قلنا تسقط البينتان حلف وكانت له وإن أقر بها لاحدهما صار الداخل إلا أن يقر بعد أن يحلف انها له وإن قلنا يقدم أحدهما بالقرعة فهي لمن تخرج له القرعة مع يمينه وإن قلنا تقسم بينهما قسمت ورجع كل احد منهما بنصف ثمنها فان كان المبيع مما يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد أو كان المشتري مقرا بقبضه فلا خيار لو حد منهما ولا الرجوع بشئ من الثمن لاعترافه بسقوط الضمان على البائع وإن كان من

[ 195 ]

المكيل والموزون ولم يقبض فلكل واحد منهما الخيار في الفسخ والامضاء فان اختار أحدهما الفسخ لم يتوفر المبيع على الآخر لان البائع اثنان والله أعلم (مسألة) (وإن أقام أحدهما بينة انها ملكه وأقام الآخر بينة انه اشتراها أو أعتقه قدمت بينة الثاني) لانها تشهد بأمر حادث على الملك خفي على بينة الملك ولا تعارض بينهما فيثبت الملك للاول والشراء منه للثاني. (مسألة) (وان أقام رجل بينة ان هذه الدار لابي خلفها تركة وأقامت امرأته بينة ان أباه أصدقها اياها فهي للمرأة) لما ذكرنا (فصل) قال رضي الله عنه (القسم الثالث تداعيا عينا في يد غيرهما فان يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف انها له وأخذها) وجملة ذلك ان الرجلين إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ولا بينة لهما فأنكرهما فالقول قوله مع يمينه بغير خلاف، وان اعترف أنه لا يملكها وقال لا أعرف صاحبها أو قال هي لاحدكما لا أعرفه عينا اقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف انها له وسلمت إليه لما روى أبو هريرة ان رجلين تداعيا عينا لم تكن لواحد منهما بينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها رواه أبو داود، ولانهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولايد والقرعة تميز عند التساوي كما لو اعتق عبيدا الا مال له غيرهم في مرض موته

[ 196 ]

(مسألة) (فان كان المدعى عبدا فأقر لاحدهما لم يرجح باقراره) لانه محجور عليه أشبه الطفل فان كانت لاحدهما بينة حكم له بها بغير خلاف نعلمه (مسألة) (وان كانت لكل واحد منهما بينة ففيه روايتان ذكرهما أبو الخطاب) (إحداهما) تسقط البينتان ويقترع لتداعيان على اليمين كما لو لم تكن بينة هذا الذي ذكره القاضي وهو ظاهر كلام الخرقي لانه ذكر القرعة ولم يفرق بين ان تكون معها بينة أو لم تكن روي هذا عن ابن عمر وابن الزبير وبه قال اسحاق وأبو عيبد وهو رواية عن مالك وقديم قولي الشافعي لما روى ابن المسيب ان رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي صلى الله عليه وسلم بينهما رواه الشافعي في مسنده ولان البينتين حجتان تعارضتا من غير ترجيح لاحداهما على الاخرى فسقطتا كالخبرين (والرواية الثانية) تستعمل البينتان وفي كيفية استعمالهما روايتان (احداهما) تقسم العين بينهما وهو قول الحارث العكلي وقتادة وابن شبرمة وحماد وأبي حنيفة وقول للشافعي لما ذكرنا من حديث أبي موسى ولانهما تساويا في دعواه فتساويا في قسمته (والرواية الثانية) تقدم إحداهما وهو قول للشافعي وله قول رابع يوقف الامر حتى يتبين وهو قول أبي ثور لانه اشتبه الامر فوجب التوقف كالحاكم إذا لم يتضح الحكم له في قضية

[ 197 ]

ولنا خبر أبي موسى وخبر ابن المسيب ولان تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما ورجعنا إلى دليل غيرهما إذا ثبت هذا. فأما إذا أسقطنا البينتين أقرعنا بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها كما لو لم تكن لهما بينة، وان قلنا يعمل بالبينتين ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة أخذها من غير يمين وهذا قول الشافعي لان البينة تغني عن اليمين، وقال أبو الخطاب عليه اليمين مع بينته ترجيحا لها وعلى هذا القول تكون هذه الرواية كالاولى وانما يظهر اختلاف الحكم في شئ آخر سنذكره ان شاء الله تعالى (فصل) وان أنكرهما من العين في يده وكانت لاحدهما بينة حكم له بها وإن أقام كل واحد منهما بينة فان قلنا تستعمل البينتان أخذت العين من يده وقسمت بينهما على قول من يرى القسمة وتدفع إلى من تخرج له القرعة عند من يرى ذلك، وان قلنا تسقط البينتان حلف صاحب اليد وأقرت في يده كما لو لم تكن لهما بينة (مسألة) (وان أقر صاحب اليد لاحدهما لم يرجح باقراره إذا قلنا لا تسقط البينتان) لانه قد ثبت زوال ملكه فصار كالاجنبي وان قلنا بسقوطهما فأقر بها لهما أو لاحدهما قبل اقراره، فأما ان أقر بها في الابتداء لاحدهما صار المقر له صاحب اليد لان من هي في يده مقر بأن يده نائبة عن يده، وان أقر لهما جميعا فاليد لكل واحد منهما في الجزء الذي أقر له به لذلك

[ 198 ]

(مسألة) (وان ادعاها صاحب اليد لنفسه وقلنا يسقوط البينتين حلف لكل واحد منهما وهي له وهو قول القاضي) لانه صاحب اليد وهو منكر فلزمته اليمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (اليمين على من أنكر) وقال أبو بكر بل يقرع بين المدعبين فتكون لمن تخرج له القرعة وهذا ينبني على ان البينتين إذا تعارضتا لا يسقطان فرجحت احدى البينتين بالقرعة كما لو أقر صاحب اليد انها لاحدهما لا يسلمه بعينه (فصل) إذا تداعيا عينا في يد غيرهما فقال هي لاحدكما لاعرفه عينا أو قال لا أعرف صاحبها أو هو أحدكما أو غيركما أو قال أودعنيها أحدكما أو رجل لا أعرفه عينا فادعى كل واحد منهما انك تعلم اني صاحبها أو اني أنا الذي أودعتكها وطلب يمينه لزمه أن يحلف له لانه لو أقر له لزمه تسليمها إليه ومن لزمه الحق مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار ويحلف على ما ادعاه من نفي العلم وإن صدقاه فلا يمين عليه، وان صدقه أحدهما حلف الآخر وإن أقر بها لاحدهما أو لغيرهما صار المقر له صاحب اليد فان قال غير المقر له احلف لي ان العين ليست ملكي أو اني لست الذي أودعكها لزمته اليمين على ما ادعاه من ذلك لما ذكرنا وإن نكل عن اليمين قضي عليه بقيمتها وإن اعترف لهما كان الحكم فيها كما لو كانت في أيديهما ابتداءا وعليه اليمين لكل واحد منهما في النصف المحكوم به لصاحبه وعلى كل واحد منهما اليمين لصاحبه في الصنف المحكوم له به. (فصل) إذا كان في يد رجل دار فادعاها نفسان فقال أحدهما أجرتكها وقال الآخر هي داري

[ 199 ]

أعرتكها أو قال هي داري ورثتها من أبي أو قال هي داري ولم يذكر شيئا آخر فأنكرهما صاحب اليد فالقول قوله مع يمينه، وان كان لاحدهما بينة حكم له بها فان اقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه تعارضتا وكان الحكم على ما ذكرنا فيما مضي إلا على الرواية التي تقدم فيها البينة الشاهدة بالسبب فان بينة من ادعى انه ورثها مقدمة لشهادتها بالسبب، وان أقام احدهما بينة انه غصبه إياها واقام الاخر بينة انه اقر له بها فهي للمغصوب منه ولا تعارض بينهما لان الجمع بينهما ممكن بأن يكون غصبها من هذا واقر بها لغيره واقرار الغاصب باطل وهذا مذهب الشافعي فتدفع إلى المغصوب منه (فصل) نقل ابن منصور عن احمد في رجل اخذ من رجلين ثوبين احدهما بعشرة والاخر بعشرين ثم لم يدر أيهما ثوب هذا من هذا فادعى احدهما ثوبا من هذين الثوبين وادعاه الاخر يقرع بينهما فأيهما اصابته الفرعة حلف واخذ الثوب الجديد والآخر للآخر وانما قال ذلك لانهما تنازعا عينا في يد غيرهما. (فصل) إذا تداعيا عينا فقال كل واحد منهما هذه العين لي استدنتها من زيد بمائة ونقدته اياها ولا بينة لواحد منهما فان أنكرهما زيد فهي له مع يمينه وان أقر بها لاحدهما سلمها إليه وحلف للآخر وان أقر لكل واحد منهما بنصفها سلمت إليهما وحلف لكل واحد منهما على نصفها وان قال لا أعلم لمن هي اقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واخذها وان حلف البائع له ثم أقربها لاحدهما سلمت إليه وان أقربها للآخر

[ 200 ]

لزمته غرامتها وان أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه وكانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين مثل ان يدعي احدهما انه اشتراها في المحرم وادعى الآخر انه اشتراها في صفر وشهدت بينة كل واحد منهما للآخر بدعواه فهي للاول لتقدم بينته بانه باعها منه أولا وزال ملكه عنها فيكون بيع الثاني باطلا لكونه باع ما لا يملكه ويطالب برد الثمن وان اتفق تاريخهما أو كانتا مطلقتين أو أحدهما مطلقة والآخري مؤرخة تعارضتا لتعذر الجمع فينظر في العين فان كانت في يد أحدهما انبنى ذلك على بينة الداخل والخارج فمن قدم بينة الداخل جعلها لمن هي في يده ومن قدم بينة الخارج جعلها له وان كانت في يد البائع وقلنا تسقط البينتان رجع إلى البائع فان أنكرهما حلف لهما وكانت له وان أقر لاحدهما سلمت إليه وحلف للآخر وان أقر لهما فهي بينهما ويحلف لكل واحد منهما على نصفها كما لو لم يكن لهما بينة وان قلنا لا تسقط البينتان لم يلتفت إلى انكاره ولا اعترافه وهذا قول القاضي وأكثر أصحاب الشافعي لانه قد ثبت زوال ملكه وان يده لا حكم لها فلا حكم لقوله فمن قال يقرع بينهما اقرع بينهما فمن خرجت له القرعة فهي له مع يمينه وهذا قول القاضي لم يذكر غيره وقال أبو الخطاب يقسم بينهما وقد نص عليه أحمد في رواية الكوسج في رجل أقام بينة انه اشترى سلعة بمائة وأقام الاخر بينة انه اشتراها بمائتين فكل واحد منهما يستحق نصف السلعة بنصف الثمن ويكونان شريكين وحمل القاضي هذه الرواية على ان العين في أيديهما أو على ان البائع أقر لهما

[ 201 ]

جميعا واطلاق والرواية يدل على صحة قول أبي الخطاب فعلى هذا ان كان البيع مما لا يدخل في ضمان المشتري الا بقبضه فلكل واحد منهما الخيار لان الصفقة تبعضت عليه فان اختار الامساك رجع كل واحد منهما بنصف الثمن وان اختار الفسخ رجع كل واحد منهما بجميع الثمن وان اختار أحدهما الفسخ توفرت السلعة كلها على الآخر الا ان يكون الحاكم قد حكم بنصف السلعة ونصف الثمن فلا يعود النصف الاخر إليه وهذا قول الشافعي في كل موضع (فصل) ولو كان في يد رجل دار فادعى عليه رجلان كل واحد منهما يزعم انه غصبها منه واقام بذلك بينة فالحكم فيه كالحكم فيما إذا ادعي كل واحد منهما: إني اشتريتها منه على ما مضى من التفصيل فيه (مسألة) (وان كان في يد رجل عبد فادعى انه اشتراه من زيد فادعى العبد ان زيدا أعتقه وأقام كل واحد بينة انبني على بينة الداخل والخارج فان كان العبد في يد زيد فالحكم فيه كالحكم فيما إذا ادعيا عينا في يد غيرهما) إذا ادعي رجل عبدا في يد آخر انه اشتراه منه وادعى العبد ان سيده اعتقه ولا بينة لهما فانكرهما حلف لهما والعبد له فان أقر لاحدهما ثبت ما أقر به ويحلف للاخر وان أقام احدهما بينة بما ادعاه ثبت وان اقام كل واحد منهما بينة بدعواه وكانتا مؤرختين بتاريخين

[ 202 ]

مختلفين قدمنا الاولى وبطلت الاخرى لانه ان سبق العتق لم يصح البيع وان سبق البيع لم يصح العتق لانه أعتق عبد غيره فان قيل يحتمل انه عاد إلى ملكه فاعتقه قلنا قد ثبت الملك للمشتري فلا يبطله عتق البائع، وان كانتا مؤرختين بتاريخ واحد أو مطلقتين أو احداهما مطلقه تعارضتا لانه لا ترجيح لاحداهما على الاخرى فان كان في يد المشتري انبني ذلك على الخلاف في تقديم بينة الداخل والخارج فان قدمنا بينة الداخل فهو للمشتري وان قدمنا بينه الخارج قدم العتق لانه خارج وان كان في يد البائع وقلنا ان البينتين تسقطان بالتعارض صارا كمن لا بينة لهما فان انكرهما حلف لهما وإن اقر بالعتق ثبت ولم يحلف العبد لانه لو اقر بأنه ما اعتقه لم يلزمه شئ فلا فائدة في احلافه وان قلنا ترجح احدى البينتين بالقرعة قرعنا بينهما فمن خرجت قرعته قدمناه قال أبو بكر هذا قياس قول ابي عبد الله فعلى هذا يحلف من خرجت له القرعة في احد الوجهين وان قلنا يقسم قسمنا العبد فجعلنا نصفه مبيعا ونصفه حرا ويسري العتق إلى جميعه ان كان البائع موسرا لان البينة عليه انه اعتقه مختارا وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما (مسألة) (وان كان في يده عبد وادعى عليه رجلان كل واحد منهما انه اشتراه بثمن سماه فصدقهما لزمه الثمن لكل واحد منهما وان أنكرهما حلف لهما وبرئ وان صدق أحدهما لزمه ما ادعاه وحلف للآخر

[ 203 ]

وان كان لاحدهما بينة فله الثمن ويحلف للآخر وإن كان لكل واحد منهما بينة وأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما أو اطلاقهما أو اطلاق إحداهما وتاريخ الاخرى ععمل بهما وان اتفق تاريخهما تعارضتا والحكم على ما تقدم وان كان في يد انسان عين فادعى عليه رجلان كل واحد منهما انك اشتريته مني بألف وأقام بذلك بينة واتفق تأريخهما مثل ان يقول اشتراها مني مع الزوال يوم كذا ليوم واحد فهما متعارضتان فان قلنا يسقطان رجع إلى قول المدعى عليه فان أنكرهما حلف لهما وبرئ وان أقر لاحدهما فعليه له الثمن يحلف للآخر وان أقر لهما فعليه لكل واحد منهما الثمن لانه يحتمل ان يشتريها من أحدهم ثم يهبها للآخر ويشتريها منه وإن قال اشتريتها منكما صفقة واحدة بألف فقد أقر لكل واحد منهما بنصف الثمن وله ان يحلف على الباقي وان قلنا يقرع بينهما وجب الثمن لمن تخرج له القرع ويحلف للاخر ويبرأ وان قلنا يقسم قسم الثمن بينهما ويحلف لكل واحد منهما على الباقي فان كان التاريخان مختلفين أو كانتا مطلقتين أو أحداهما مطلقة ثبت العقدان ولزمه الثمنان لانه يمكن ان يشتريها من أحدهما ثم يملكها الآخر فيشتريها منه وإذا أمكن صدق البينتين والجمع بينهما وجب تصديقهما فان قيل فلم قلتم ان البائع إذا كان واحدا والمشتري اثنان فأقام أحدهما بينة انه اشتراه في المحرم وأقام الاخر بينة انه اشتراه في صفر يكون الشراء الثاني باطلا؟ قلنا انه إذا ثبت الملك للاول لم يبطله بان يبيعه للثاني ثانيا

[ 204 ]

وفي مسئلتنا ثبوت شرائه من كل واحد منها يبطل ملكه لانه لا يجوز ان يشتري ثانيا ملك نفسه ويجوز ان يبيع البائع ما ليس له فافترقا فان قيل فإذا كانت البينتان مطلقتين أو احداهما مطلقة احتمل ان يكون تاريخهما واحدا فيتعارضان والاصل برائة ذمة المشهود عليه فلا تشغل بالشك قلنا متى امكن صدق البينتين وجب تصديقهما ولم يكن ثم شك وانما يبقى الوهم والوهم لا تبطل به البينة لانها لو بطلت به لم يثبت بها حق اصلا لانه ما من بينة الا ويحتمل ان تكون كاذبة أو غير عادلة أو متهمة أو معارضة ولم يلتفت إلى الوهم كذا ههنا (مسألة) (وان ادعي كل واحد منهما انه باعني اياه بألف وأقام بنية قدم اسبقهما تاريخا لما ذكرنا فان لم تسبق أحدهما تعارضنا (مسألة) (وان قال أحدهما غصبني اياه وقال الاخر ملكنيه أو أقر لي به فان اقام كل واحد منهما بينة فهو للمغصوب منة ولا يغرم للاخر شيئا) لانه لا تعارض بينهما لجواز ان يكون غصبه من هذا ثم ملكه الاخر والله أعلم (مسألة) (وإذا ادعى رجل زوجية امرأة فأقرت بذلك قبل اقرارها) لانها اقرت على نفسها وهي غير متهمة لانها لو ارادت ابتداء النكاح لم تمنع منه فان ادعاها اثنان فاقرت لاحدهما لم يقبل اقرارها لان الآخر يدعي ملك بضعها وهي معترفة ان ذلك قد ملك

[ 205 ]

عليها فصار اقرارها بحق غيرها ولانها متهمة فانها لو ارادت ابتداء تزويج احد المتداعيين لم يكن لها ذلك قبل الانفصال من دعوى الاخر فان قيل فلو تداعيا عينا في يد ثالث فأقر لاحدهما قبل قلنا لا يثبت الملك باقراره في العين إنما يجعله كصاحب اليد فيحلف والنكاح ولا يستحق باليمين فلم ينفع الاقرار بها ههنا فان كان احد المتداعيين له بينة حكم له بها لان البينة حجة في النكاح وغيره وان اقاما بينتين تعارضتا وسقطا وحيل بينهما وبينها ولا يرجح أحد المتداعيين باقرار المرأة لما ذكرنا ولا بكونها في بيته ويده لان اليد لا تثبت على حرة ولا سبيل إلى القسمة ههنا ولا إلى القرعة لانه لابد مع القرعة من اليمين ولا مدخل لها ههنا (باب في تعارض البينتين) إذا قال لعبده متى قتلت فانت حر فادعى العبد أنه قتل وأنكر لورثة فالقول قولهم لان الاصل عدم القتل فان أقام بينة بدعواه عتق وان أقام الورثة بينة بموته قدمت بينة العبد في أحد الوجهين لانها تشهد بزيادة وهي القتل (والثاني) يتعارضان لان إحداهما تشهد بضد ما شهدت به الاخرى فيبقى على الرق

[ 206 ]

(مسألة) (وان قال ان مت في المحرم فسالم حر وان مت في صفر فغانم حر واقام كل واحد منهما بينة بدعواه بموجب عتقه قدمت بينة سالم في أحد الوجوه) لان معها زيادة علم فانها اثبتت ما يجوز ان يختفي على البينة الاخرى (والثاني) يتعارضان ويبقى العبد على الرق لانهما سقطا فصارا كمن لا بينة لهما (والثالث) يقرع بينهما فيعتق من تقع له القرعة فاما ان لم تقم لواحد منهما بينة وأنكر الورثة فالقول قولهم لانه يجوز ان يموت في غير هذين الشهرين وان اقروا لاحدهم عتق باقرارهم وكذلك ان أقام بينة (مسألة) (وان قال ان مت من مرضي هذا فسالم حر وان برئت فغانم حر فاقاما بينتين تعارضتا وبقيا على الرق ذكره أصحابنا والقياس ان يعتق أحدهما بالقرعة ويحتمل ان يعتق غانم وحده لان بينته تشهد بزيادة) إذا قال ان مت من مرضي هذا فسالم حر وان برئت فغانم حر فمات وادعى كل واحد منهما موجب عتقه اقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق لانه لا يخلو من ان يكون برأ أو لم يبرأ فيعتق أحدهما على كل حال ولم تعلم عينه فيخرج بالقرعة كما لو اعتق احدهما فاشكل علينا ويحتمل ان يقدم قول سالم لان الاصل عدم البرء وان أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه فقال أصحابنا يتعارضان ويبقى العبدان على الرق وهذا مذهب الشافعي لان كل واحدة منهما تكذب الاخرى وتثبت زيادة

[ 207 ]

تنفيها الاخرى وهذا قول لا يصح وهو ظاهر الفساد لان التعارض أثر في اسقاط البينتين ولو لم يكونا أصلا لعتق أحدهما فكذلك إذا سقطا وذلك لانه لا يخلو من احدى الحالتين اللتين علق على كل واحدة منهما عتق احدهما فيلزم وجوده كما لو قال ان كان هذا الطائر غرابا فسالم حر وان لم يكن غرابا فغانم حر ولم يعلم حاله ولكن يحتمل وجهين (احدهما) يقرع بينهما كما في مسألة الطائر ولان البينتين إذا تعارضنا قدمت احداهما بالقرعة في رواية (والثاني) تقدم بينة غانم لانها شهدت بزيادة وهي البرء وان اقر الورثة لاحدهم عتق باقرارهم ولم يسقط حق الآخر مما ذكرنا الا ان يشهد عدلان منهم بذلك مع انتفاء التهمة فيعتق وحده إذا لم تكن للآخر بينة (مسألة) (وان اتلف ثوبا فشهدت بينة ان قيمته عشرون وشهدت أخرى ان قيمته ثلاثون لزمته أقل القيمتين) وجملة ذلك أنه إذا شهد شاهد أنه غصبه ثوبا قيمته درهمان وشهد آخر ان قيمته ثلاثة ثبت ما اتفقا عليه وهو درهمان فله ان يحلف مع الآخر على درهم لانهما اتفقا على درهمين وانفرد احدهما بدرهم فاشبه ما لو شهد احدهما بالف والآخر بخمسمائة وإذا شهد شاهدان ان قيمته درهمان وشاهدان ان قيمته ثلاثة ثبت له درهمان وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له ثلاثة لانه قد شهد بها شاهدان

[ 208 ]

وهما حجة فيؤخذ بهما كما يؤخذ بالزيادة في الاخبار وكما لو شهد شاهدان بالف وشاهدان بالفين فانه يجب له الفان قال القاضي ويتوجه لنا مثل ذلك كما لو شهد له شاهدان بالف وشاهدان بخمسمائة ولنا ان من شهد ان قيمته درهمان ينفي ان قيمته ثلاثة فقد تعارضت البينتان في الدرهم ويخالف الزيادة في الاخبار فان من يروي الناقص لا ينفي الزيادة وكذلك من شهد بالف لا ينفي ان عليه الفا آخر فان قيل فلم قلتم إنه إذا شهد بواحدة من القيمتين شاهدان تعارضتا وان شهد شاهد لم يتعارضا وكان له ان يحلف من الشاهد بالزيادة عليها؟ قلنا لان الشاهدين حجة وبينة وإذا كملت من الجانبين تعارضت الحجتان لتعذر الجمع بينهما اما الشاهد الواحد فليس بحجة وحده وانما يصير حجة مع اليمين فإذا حلت مع احدهما كملت الحجة مع يمينه ولم يعارضها ما ليس بحجة كما لو شهد باحدهما شاهدان وبالآخر شاهد واحد (مسألة) (ولو ماتت امرأة وابنها فقال زوجها ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته وقال أخوها بل مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لابيه وميراث المرأة لاخيها وزوجها نصفين وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعارضتا وسقطتا أيضا وقياس مسائل الخرقي ان يجعل للاخ سدس مال الابن والباقي للزوج) وجملة ذلك أنه إذا مات جماعة برث بعضهم بعضا واختلف الاحياء من ورثتهم في السابق

[ 209 ]

بالموت في المسألة المذكورة فقال الزوج ماتت المرأة أولا فصار ميراثها كله لي ولابني ثم مات ابني فصار ميراثه لي وقال أخوها مات ابنها أولا فورثت ثلث ماله ثم ماتت فكان ميراثها بيني وبينك نصفين حلف كل واحد منهما على ابطال دعوى صاحبه وجعلنا ميراث كل واحد منهما للاحياء من ورثته دون من مات معه لان سبب استحقاق الحي من موروثه موجود وانما يمتنع لبقاء موروث الاخر بعده وهذا الامر مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك فيكون ميراث الابن لابيه لا مشارك له فيه وميراث المرأة بين أخيها وزوجها نصفين وهذا مذهب الشافعي فان قيل فقد اعطيتم الزوج النصف وهو لا يدعي إلا الربع قلنا بل هو مدع لجميعه ربعه بميراثها منه وثلاثة أرباعه بميراثه من أبيه قال أبو بكر قد ثبتت البنوة بيقين فلا يقطع ميراث الاب فيه إلا ببينة تقوم للاخ وهذا تعليل لقول الخرقي في هذه المسألة وذكر قولا آخر يحتمل ان الميراث بينهما نصفين قال شيخنا وهذا ما يدرى ما أراد به ان اراد ان مال المرأة بينهما نصفين لم يصح لانه يفضي إلى إعطاء الاخ ما لا يدعيه ولا يستحقه يقينا لانه لا يدعي من مال الابن أكثر من سدسه ولا يمكن ان يستحق أكثر منه وان أراد ان ثلث مال الابن يضم إلى مال المرأة فيقسمانه نصفين لم يصح لان نصف ذلك إلى الزوج باتفاق منهما لا ينازعه الاخ فيه وانما النزاع بينهما في نصفه ويحتمل ان يكون هذه مراده كما لو تنازع رجلان دارا في ايديهما فادعاها احدهما كلها وادعى الاخر نصفها فانها تقسم بينهما نصفين وتكون اليمين على مدعي النصف الا ان الفرق بين هذه المسألة وتلك ان الدار في ايديهما فكل واحد منهما في يد

[ 210 ]

نصفها فمدعى النصف يدعيه وهو في يده فقبل قوله فيه مع يمينه وفي مسئلتنا يعترفان أن هذا ميراث عن البنين فلا يد لاحدهما عليه لاعترافهما بانه لم يكن لهما وانما هو ميراث يدعيانه من غيرهما وان اراد ان سدس مال الابن يضم إلى نصف مال المرأة فيقسم بينهما نصفين فله وجه لانهما تساويا في دعواه فيقسم بينهما كما لو تنازعا دابة في أيديهما وعلى كل واحد منهما اليمين فيما حكم له به والذي يقتضيه قول أصحابنا في الغرقى والهدمي أن يكون سدس الابن للاخ وباقي ميراثهما للزوج لانا نقدر ان المرأة ماتت أولا فيكون ميراثها لابنها وزوجها ثم مات الابن فورثه أبوه وهو الزوج فصار ميراثها كله لزوجها ثم نقدر ان الابن مات أولا فورثه أبواه لامه الثلث ثم ماتت فصار الثلث بين أخيها وزوجها نصفين لكل واحد منهما السدس فلم يرث الاخ الا سدس مال لابن كما ذكرنا قال شيخنا ولعل هذا القول يختص بمن جهل موتهما واتفق وراثهما على الجهل به والقولان المتقدمان قول الخرقي وقول أبي فيما إذا ادعى ورثة كل ميت ان مات أخيرا وان الاخر مات قبله فان كان لاحدهما بينة بما ادعاه حكم له بها وان اقاما بينتين تعارضتا وهل يسقطان أو يقرع بينهما أو يقسمان ما اختلفا فيه؟ يخرج على الروايات الثلاث. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا شهدت بينة على ميت انه وصي بعتق سالم وهو ثلث ماله وشهدت بينة أخرى أنه وصى بعتق غانم وهو ثلث ماله أقرع بينهما فمن تقع له القرعة عتق دون

[ 211 ]

صاحبه الا ان يجيز الورثة لان الوصيتين ثبتا بشهادة العدول فهما سواء فيقرع بينهما سواء اتفق تاريخهما أو اختلف لان الوصية يستوي فيها المتقدم والمتأخر فمن خرجت له القرعة عتق جميعه وقال أبو بكر وابن ابي موسى يعتق نصف كل واحد منهما بغير قرعة لان القرعه إنما تجب إذا كان أحدهما عبدا والآخر حرا ولا كذلك ههنا فيجب ان يقسم بينهما ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر وصيته كما لو أوصى لاثنين بمال والاول قياس المذهب لان الاعتاق بعد الموت كالاعتاق في مرض الموت وقد ثبت في الاعتاق في مرض الموت أنه يقرع بينهما لحديث عمران بن حصين كذلك بعد الموت ولان المعنى المقتضي في أحدهما في الحياة موجود بعد الممات فيثبت فلما ان صرح فقال إذا مت فنصف كل واحد من سالم وغانم حر أو كان في لفظه ما يقتضيه أو دلت عليه قرينة ثبت ما اقتضاه وان أجاز الورثة عتقهما عتقا لان الحق لهم فأشبه ما لو أعتقوهما بعد موته (مسألة) وان شهدت بينة سالم أنه رجع عن عتق غانم عتق سالم وحده سواء كانت بينته وارثة أو لم تكن) لانهما لم يجران بشهادتهما إلى أنفسهما نفعا ولا يدفعان عنها ضررا فان قيل فهما يثبتان لانفسهما ولاء سالم قلنا وهما يسقطان ولاء غانم أيضا على أن الولاء إنما هو اثبات سبب الميراث ومثل ذلك لا ترد الشهادة فيه كما يثبت النسب بالشهادة وان كان الشاهد يجوز أن يرث المشهود له وتقبل شهادته لاخيه بالمال وان جاز ان يرثه

[ 212 ]

(مسألة) (وان كانت قيمة غانم سدس المال وبينته أجنبية قبلت) لانها بينة غير متهمة فتقبل شهادتها كما لو كانت قيمته ثلث المال وان كانت بينته وارثة عتق العبدان لان البينة الوارثة متهمة في شهادتها لكونها ترد إلى الرق من كثرت قيمته وترد شهادتها في الرجوع كما لو كانت فاسقة ويعتق سالم كله بالبينة العادلة ويعتق غانم لان سالما لما عتق بشهادة الاجنبيين صار كالمغصوب فصار غانم ربع التركة فيعتق جميعه لنقصه عن ثلث الباقي لان الباقي يصير كانه التركه جميعها وإنما يعتق باقرارهم لا بشهادتهم قال أبو بكر، ويحتمل ان يقرع بينهما فان خرجت القرعة لسالم عتق وحده وان خرجت لغانم عتق هو ونصف سالم كما لو لم تشهد بالرجوع فان الشهادة بالرجوع لم تقبل فكان وجودها كعدمها فانه في هذه الصورة يعتق فيها ثلث المال وتكمل في احدهما فإذا وقعت القرعة لسالم عتق جميعه لانه ثلث المال وان وقعت لغانم عتق جميعه ونصف سالم لان ذلك ثلث المال (مسألة) وان شهدت بينة أنه أعتق سالما في مرضه وشهدت أخرى أنه وصى بعتق غانم وكل واحد منهما ثلث المال عتق سالم وحده) لانه لا ينفذ تصرفه في مرضه الا في الثلث إذا لم تجز الورثة وعتق سالم منجز وعتق غانم وصية فيقدم عتق سالم على الوصية

[ 213 ]

(مسألة) وان شهدت بينة غانم أنه اعتقه في مرضه أيضا عتق اقدمهما تاريخا فان جهل السابق عتق أحدهما بالقرعة) وجملة ذلك أنه إذا ادعى سالم أنه أعتقه في مرض موته وادعى عبده غانم انه اعتقه في مرض موته وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه فلا تعارض بينهما لان ما شهدت به كل بينة لا ينفي ما شهدت به الاخرى ولا يكذبها فيثبت اعتاقه لهما فان كانت البينتين مؤرختين بتاريخين متخلفين عتق الاول منهما ورق الثاني الا ان يجيز الورثة لان المريض إذا تبرع تبرعا يعجز ثلثه قدم الاول فالاول وان اتفق تاريخهما أو اطلقتا أو احداهما فهما سواء لانه لا مزية لاحداهما على الاخرى فيستويان ويقرع بينهما فيعتق من تخرج له القرعة ويرق الآخر الا أن يجيز الورثة لانه لا يخلو اما أن يكون أعتقهما معا فيقرع بينهما كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العبيد الستة الذين أعتقهم سيدهم عنه موته ولم يكن له مال سواهم أو يكون اعتق احدهما قبل صاحبه واشكل علينا فيخرج بالقرعه كما في مسألة الطائر وقيل يعتق من كل واحد نصفه. وهو قول الشافعي لانه أقرب إلى التعديل منهما فان في القرعه قد يرق السابق المستحق للعتق ويعتق الثاني المستحق للرق وفي القسمة لا يخلو المستحق للعتق من حرية ولا المستحق للرق من رق ولذلك قسمنا المختلف فيه على إحدى الروايتين إذا تعارضت بينتان والاول المذهب لانه لا يخلو من شبهة باحدى

[ 214 ]

الصورتين اللتين ذكرناهما والقرعة ثابتة في كل واحد منهما وقولهم ان في القرعة احتمال ارفاق الحر قلنا وفي القسمة ارقاق نصف الحر يقينا وتحرير نصف الرقيق يقينا وهو أعظم ضررا (مسألة) (فان كانت بينة أحدهما وارثة ولم تكذب الاجنبية فكذلك وان قالت ما أعتق سالما انما أعتق غانما عتق غانم كله وحكم سالم كحكمه لو لم يطعن في بينته في انه يعتق ان تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة وإلا فلا، وان كانت الوراثة فاسقة ولم تطعن في بينة سالم عتق سالم كله وينظر في بينة غانم فان كان تاريخ عتقه سابقا أو خرجت القرعه له عتق كله، وإن كان متأخرا أو خرجت القرعه لسالم لم يعتق منه شئ. وقال القاضي: يعتق من غانم نصفه وإن كذبت بينة سالم عتق العبدان) وجملة ذلك ان المريض إذا خلف ابنين لا وارث له سواهما فشهدا انه اعتق سالما في مرض موته وشهد اجنبيان انه اعتق غانما في مرض موته وكل واحد ثلث ماله ولم يطعن الاثنان في شهادتهما وكانت البينتين عادلتين فالحكم فيه كالحكم فيما إذا كانتا اجنبيتين سواء لانه قد ثبت ان الميت اعتق العبدين، وان طعن الاثنان في شهادة الاجنبيين وقالا ما اعتق غانما انما اعتق سالما لم يقبل قولهما في رد شهادة الاجنبية لانها بينه عادلة مثبته والاخرى نافيه وقول المثبت يقدم على قول النافي ويكون حكم ما شهدت به إذا لم تطعن الوارثة في شهادتها انه يعتق ان تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة ويرق

[ 215 ]

إذا تأخر تاريخه أو خرجت القرعه لغيره. واما الذي شهد به الابنان فيعتق كله لاقرارهما باعتاقه وحده واستحقاقه الحرية. وهذا قول القاضي وقيل يعتق ثلثاه إن حكم بعتق سالم وهو ثلث الباقي لان العبد الذي شهد به الاجنبيان كالمغصوب من التركة والذاهب من التركة بموت أو تلف فيعتق ثلث الباقي وهو ثلثا غانم والاول أصح لان المعتبر خروجه من الثلث حال الموت وحال الميت في قول الابنين لم يعتق سالم انما عتق بالشهادة بعد الموت فيكون ذلك بمنزلة موته بعد موت سيده فلا يمنع من عتق من خرج من الثلث قبل موته فان كان الاثنان فاسقين ولم يردا شهادة لاجنبية ثبت العتق لسالم ولم يزاحمه من شهد له الاثنان لفسقهما فلا يقبل قولهما في اسقاط حق ثبت ببينة عادلة وقد أقر الابنان بعتق غانم فينظر فان تقدم تاريخ عتقه أو أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق كله كما قلنا في التي قبلها وإن تأخر تاريخ عتقه أو خرجت القرعة لغيره لم يعتق منه شئ لان الاثنين لو كانا عدلين لم يعتق منه شئ فإذا كانا فاسقين أولى وقال القاضي وبعض اصحاب الشافعي يعتق نصقه في الاحوال كلها لانه استحق العتق باقرار الورثة مع ثبوت عتق الاخر بالبينة العادلة فصار بالبينة كأنه أعتق العبدين فيعتق منه نصفه. قال شيخنا: وهذا لا يصح فانه لو أعتق العبدين لاعتقنا أحدهما بالقرعة ولانه في حال تقديم تاريخ من شهدت له البينة لا يعتق منه شئ وكانت بينة عادلة فمع فسوقها أولى وان كذبت الوارثة

[ 216 ]

الاجنبية فقالت ما أعتق سالما انما أعتق غانما عتق العبدان وقيل يعتق من غانم ثلثاه والاول أولى. (فصل) إذا شهد عدلان أجنبيان انه وصى بعتق سالم وفهد عدلان وارثان انه رجع عن الوصية بعتق سالم ووصى بعتق غانم وقيمتهما سواء أو كانت قيمة غانم أكثر قبلت شهادتهما وبطلت وصية عتق سالم وقد ذكرناه فان كان الوارثان فاسقين لم تقبل شهادتهما في الرجوع ويلزمهما اقرارهما لغانم فيعتق سالم بالبينة العادلة ويعتق غانم باقرار الورثة بالوصية باعتاقه وحده، وذكر القاضي واصحاب الشافعي انه انما يعتق ثلثاه لانه لما أعتق سالم بشهادة الاجنبيين صار كالمغصوب فصار غانم نصف التركة فيعتق ثلثاه وهو ثلث التركة ولنا ان الوارثة لقر بأنه حين الموت ثلث التركة وان عتق سالم انما كان بشهادتهما بعد الموت فسار كالمغصوب بعد الموت ولو غصب بعد الموت لم يمنع عتق غانم كله فكذلك الشهادة بعتقه، وقد ذكر القاضي فيما إذا شهدت بينة عادلة باعتاق سالم في مرضه ووارثة فاسقة باعتاق غانم في مرضه وانه لم يعتق سالما ان غانما يعتق كله وهذا مثله، فأما ان كانت قيمة غانم أقل من قيمة سالم فالوارثة متهمة لكونها ترد إلى الرق من كثرت قيمته فترد شهادتهما في الرجوع كما ترد شهادتهما بالرجوع عن الوصية بعتق سالم ويعتق غانم كله أو ثلث الباقي على ما ذكرنا من الاختلاف فيما إذا كانت فاسقة

[ 217 ]

فان لم تشهد الوارثة بالرجوع عن عتق سالم لكن شهدت بالوصية بعتق غانم وهي بينة عادلة ثبتت الوصيتان سواء كانت قيمتهما سواء أو مختلفة إن خرجا من الثلث وإن لم يخرجا من الثلث أقرع بينهما فيعتق من خرجت له القرعة ويعتق تمام الثلث من الاخر سواء تقدمت احدى الوصيتين عن الاخرى أو استوتا لان المتقدم والمتأخر من الوصايا سواء (فصل) ولو شهدت بينة عادلة انه وصى لزيد بثلث ماله وشهدت بينة أخرى انه رجع عن الوصية لزيد ووصى لعمرو بثلث ماله وشهدت بينة ثالثة انه رجع عن الوصية لعمرو ووصى لبكر بثلث ماله صحت الشهادة كلها وكانت الوصية لبكر سواء كانت البينات من الورثة أو لم تكن لانه لا تهمة في حقهم وإن كانت شهادة البينة الثالثة انه رجع عن احدى الوصيتين لم تفد هذه الشهادة لانه قد ثبت بالبينة الثانية انه رجع عن الوصية لزيد وهي احدى الوصيتين، فعلى هذا تثبت الوصية لعمرو، وان كانت البينة شهدت بالوصية لعمرو ولم تشهد بالرجوع عن وصية زيد فشهدت الثالثة برجوعه عن احدى الوصيتين لا بعينها فقال القاضي لا تصح الشهادة وهو مذهب الشافعي لانهما لم يعينا المشهود عليه وتصير كما لو قالا نشهد ان لهذا على هذين ألفا أو ان لاحد هذين على هذا ألفا فيكون الثلث بين الجمع أثلاثا، وقال أبو بكر قياس قول أبي عبد الله انه يصح الرجوع عن احدى الوصيتين ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة بالرجوع عن وصيته بطلت وهذا قول ابن أبي موسى وإذا صح

[ 218 ]

الرجوع عن احدهما بغير تعيين صحت الشهادة به لذلك، ووجه ذلك ان الوصية تصح بالمجهول وتصح الشهادة فيها بالمجهول فجازت في الرجوع من غير تعيين الرجوع عن وصيته (فصل) إذا شهد شاهدان انه وصى لزيد بثلث ماله وشهد واحد انه وصى لعمرو بثلث ماله انبنى هذا على الشاهد واليمين هل يعارض الشاهدين؟ فيه وجهان (أحدهما) يتعارضان فيحلف عمر مع شاهد ويقسم الثالث بينهما لان الشاهد واليمين حجة في المال فأشبه الشاهدين (والثاني) لا يعارضهما لان الشاهدين أقوى فعلى هذا ينفرد زيد بالثلث وتقف وصية عمرو على اجازة الورثة. فاما إن شهد واحد انه رجع عن وصية زيد ووصى لعمرو بثلثه فلا تعارض بينهما ويحلف عمرو مع

[ 219 ]

شاهده وتثبت الوصية له والفرق بين المسئلتين ان في الاول تقابلت البينتان فقدمنا اقرارهما، وفي الثانية لم يتقابلا وانما يثبت بالرجوع وهو يثبت بالشاهد واليمين لان المقصود به المال وهذا مذهب الشافعي (فصل) إذا اختلفا في دار في يد أحدهما فأقام المدعي بينة ان هذه الدار كانت أمس ملكه أو منذ شهر فهل تسمع هذه البينة ويقضى بها؟ على وجين (أحدهما) تسمع ويحكم بها لانها تثبت الملك في الماضي وإذا ثبت استديم حتى يعلم زواله (والثاني) لا يحكم بها، قال القاضي وهو الصحيح لان الدعوى لا تسمع ما لم يدع المدعي الملك في الحال فلا تسمع بينته على ما لم يدعه، لكن ان انضم إلى شهادتهما بيان سبب يد الثاني وتعريف تعديهما فقالا نشهد انها كانت ملكه أمس فغصبها هذا منه أو سرقها أو ضلت منه فالتقطها هذا ونحو ذلك سمعت وقضي بها لانها إذا لم تبين السبب فاليد دليل الملك ولا تنافي بين ما شهدت به البينة وبين دلالة اليد لجواز أن تكون ملكه أمس ثم تنتقل

[ 220 ]

إلى صاحب اليد، فإذا ثبت ان سبب اليد عدوان خرجت عن كونها دليلا فوجب القضاء باستدامة الملك السابق، وان أقر المدعى عليه انها كانت ملكا للمدعي أمس أو فيما مضى سمع اقراره وحكم به في الصحيح لانه حينئذ يحتاج إلى بيان سبب انتقالها إليه فيصير هو المدعي فيحتاج إلى البينة ويفارق البينة من وجهين (أحدهما) انه اقوى من البينة لكونها شهادة من الانسان على نفسه ويزول به النزاع بخلاف البينة ولهذا تسمع في المجهول ويقضى به بخلاف البينة (والثاني) ان البينة لا تسمع إلا على ما ادعاه والدعوى يجب أن تكون معلقة بالحال والاقرار يسمع ابتداءا، وإن شهدت البينة انها كانت في يده أمس ففي سماعها الوجهان وان أقر المدعى عليه بذلك، والصحيح انه يسمع ويقضى به لما ذكرنا (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا مات رجل وخلف ولدين مسلما وكافرا فادعى كل واحد

[ 221 ]

منهما انه مات على دينه فان عرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه وان لم يعرف فالميراث للكافر لان المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الاسلام) إذا مات رجل لا يعرف دينه وخلف تركة وابنين أحدهما مسلم والآخر كافر فادعى كل واحد منهما انه مات على دينه وان الميراث له دون أخيه فالميراث للكافر ذكره الخرقي لان دعوى المسلم لا تخلو من أن يدعي كون الميت مسلما أصليا فيجب كون اولاده مسلمين ويكون اخوه الكافر مرتدا وهذا خلاف الظاهر فان المرتد لا يقر على ردته في دار الاسلام أو يقول ان أباه كان كافرا فأسلم قبل موته فهو معترف بأن الاصل ما قاله اخوه مدع زواله وانتقاله والاصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت زواله، وذكر ابن أبي موسى عن احمد رواية أخرى انهما في الدعوى سواء فالميراث

[ 222 ]

بينهما نصفين كما لو تنازع اثنان عينا في يديهما ويحتمل أن يكون الميراث للمسلم منهما وهو قول أبي حنفة لان الدار دار الاسلام يحكم باسلام لقيطها ويثبت للميت فيها إذا لم يعرف اصل دينه حكم الاسلام في الصلاة عليه ودفنه وتكفينه من الوقف الموقوف على تكفين اموات المسلمين ولانه يدفن في مقابر المسلمين ويغسل فيثبت فيه سائر أحكام المسلمين فكذلك في ميراثه ولان الاسلام يعلو ولا يعلى ويجوز ان يكون أخوه الكافر مرتدا لم تثبت عند الحاكم ردته ولم ينته إلى الامام خبره وظهور الاسلام بناء على هذا أظهر من ثبوت الكفر بناء علي كفر أبيه ولهذا جعل الشرع أحكامه أحكام المسلمين فيما عدا المتنازع فيه وقال القاضي قياس المذهب اننا ننظر فان كانت التركة في أيديهما اقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف واستحق كما قلنا فيما إذا تداعيا عينا ويقتضي كلامه انها إذا كانت في يد أحدهما فهي له مع يمينه وهذا قول لا يصح لان كل واحد منهما يقر بأن هذه التركة تركة هذا الميت وانه انما يستحقها بالميراث فلا حكم ليده، وقال أبو الخطاب يحتمل ان يقف الامر حتى يعرف أصل دينه أو بصطلحا وهذا قول الشافعي وقد ذكرنا الدليل على ظهور كفره فأما ظهور حكم الاسلام في الصلاة عليه وغسله وغير ذلك فان هذا لا ضرر فيه على أحد وأما قوله ان الاسلام يعلو ولا يعلى فانما يعلو إذا ثبت والنزاع في ثبوته وهذا إذا لم يثبت أصل دينه فان ثبت اصل دينه فالقول قول من ينفيه مع يمينه وهذا قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة القول قول المسلم على كل حال لما ذكرنا في التى قبلها ولنا ان الاصل بقاء ما كان عليه فكان القول قول من يدعيه كسائر المواضع وأما ان لم يعترف

[ 223 ]

المسلم أنه أخوه وادعى كل واحد منهما ان الميت أبوه دون الآخر فهما سواء في الدعوى لتساوي أيديهما عليه ودعاويهما فان المسلم والكافر في الدعوى سواء ويقسم المال بينهما نصفين كما لو كان في ايديهما دار فادعي كمل واحد منهما اتها له ولا بينة لهما ويحتمل ان يقدم قول المسلم لان حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه وسائر أحكامه، وقال القاضي يقرع بينهما كما إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ولم يدعها لنفسه ويحتمل ان يقف الامر حتي يعرف أصل دينه وهو قول الشافعي الا ان يصطلحا (مسألة) (وإن أقام كل واحد بينة انه مات على دينه تعارضتا وان قال شاهدان نعرفه مسلما وقال شاهدان نعرفه كافرا فالميراث للمسلم إذا لم تؤرخ الشهود معرفتهم) اما إذا أقاما بينتين كل واحد بينة انه مات على دينه ولم يعرف اصل دينه تعارضتا وان عرف اصل دينه نظرنا في لفظ الشهادة فان شهدت كل واحدة منهما انه كان آخر كلامه التلفظ بما شهدت به فهما

[ 224 ]

متعارضتان وان شهدت احداهما انه مات على دين الاسلام وشهدت الاخرى انه مات على دين الكفر قدمت بينة من يدعي انتقاله عن دينه لان المبقية له على اصل دينه ثبتت شهادتها على الاصل الذي تعرفه لانهما إذا عرفا اصل دينه ولم يعرفا انتقاله عنه جاز لهما ان يشهدا أنه مات على دينه الذي عرفاه والبينة الاخرى معها علم لم تعلمه الاولى فقدمت عليها كما لو شهدا ان هذا العبد كان ملكا لفلان إلى ان مات وشهد آخران انه اعتقه أو باعه قبل موته قدمت بينة العتق والبيع فأما ان قال شاهدان نعرفه مسلما وقال شاهدان نعرفه كافرا نظرنا في تاريخهما فان اختلف تاريخيهما عمل بالاخرة منهما لانه ثبت انه انتقل عما شهدت به الاولى إلى ما شهدت به الاخرى وان كانتا مطلقتين أو احداهما مطلقة قدمت بينة المسلم لان المسلم لا يقر على الكفر في دار الاسلام وقد يسلم الكافر فيقر وإن كانتا مؤرختين

[ 225 ]

بتاريخ واحد نظرنا في شهادتهما فان كانت على اللفظ فهما متعارضتان وإن لم تكن على اللفظ ولم يعرف أصل دينه فهما متعارضتان وإن عرف أصل دينه قدمت الناقلة له عن أصل دينه وكل موضع تعارضت البينتان فقال الخرقي تسقط البينتان ويكونان كمن لا بينة لهما وقد ذكرنا روايتين أخريين (احداهما) يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذ (والثانية) يقسم بينهما ونحو هذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تقدم بينة الاسلام على كل حال وقد مضى الكلام معه وقد قال الخرقي إذا قال شاهدان نعرفه كان مسلما وقال شاهدان نعرفه كان كافرا فالميراث للمسلم إذا لم يؤرخ الشهود معرفتهم وهو محمول على

[ 226 ]

من لم يعلم أصل دينه أو على أن أصل دينه الكفر اما من كان مسلما في الاصل فينبغي ان تقدم بينة الكفر لان بينة الاسلام يجوز أن تستند إلى ما كان عليه في الاصل (فصل) وان خلف ابنا مسلما وأخا كافرا فاختلفا في دينه حال موته فالحكم فيها كالتي قبلها وهكذا سائر الاقارب. (مسألة) (وان خلف ابوين كافرين وابنين مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الابوين ويحتمل أن القول قول الابنين)

[ 227 ]

ظاهر المذهب أن القول قول الابوين لان كون الابوين كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه لان الولد قبل بلوغه محكوم له بدين ابويه فيثبت انه كان كافرا في صغره. ويحتمل أن القول قول الابنين لان كفر ابويه يدل على أصل دينه في صغره واسلام ابنيه يدل على اسلامه في كبره فيعمل بهما جميعا يحمل كل واحد منهما على مقتضاه فهو كما لو قال شاهدان نعرفه كافرا في صغره وقال شاهدان نعرفه مسلما في كبره (فصل) وان خلف ابنا كافرا وأخا وامرأة مسلمين واختلفوا في دينه فالقول قول الابن على

[ 228 ]

قول الخرقي. ووجهه ما سبق فيما إذا خلف ابنين مسلما وكافرا وقال القاضي يقرع بينهما وقد سبق تعليله في مسألة الابنين. وقال أبو بكر قياس المسألة أن تعطى المرأة الربع ويقسم الباقي بين الاخ) والابن نصفين لانها تدعي زيادة عليه فيدخل في عموم قوله تعالى (ولهن الربع مما تركتم فلا يخرج الا بدليل تخصيصها ولا يخرج بالشك ويقسم الباقي بين الاخوين لتساويهما في الدعوى وهو في أيديهما. (فصل) ولو مات مسلم وخلف زوجة وورثة سواها وكانت الزوجة كافرة ثم اسلمت وادعت

[ 229 ]

أنها اسلمت قبل موته وانكرها الورثة فالقول قولهم لان الاصل عدم ذلك فان لم يثبت أنها كافرة فادعى عليها الورثة أنها كانت كافرة وانكرتهم فالقول قولها لان الاصل عدم ما ادعوه وان ادعوا انه طلقها قبل موته فأنكرتهم فالقول قولها فان اعترفت بالطلاق وانقضاء العدة وادعت أنه راجعها فالقول قولهم وان اختلفوا في انقضاء عدتها فالقول قولهما في أنها لم تنقض لان الاصل بقاؤها ولا نعلم في هذا كله خلافا. وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولو خلف ولدين مسلمين اتفقا على ان أحدهما كان مسلما حين

[ 230 ]

موت ابيه وادعى الآخر أنه أسلم في حياة أبيه وجحده أخوه فالميراث للمتفق عليه لان الاصل بقاء الكفر الا ان يعلم زواله وعلى أخبه اليمين وتكون على نفي العلم لانها على نفي فعل أخيه الا ان يكون ثبت أنه اسلم قبل قسم التركة فيرث فان من اسلم على ميراث قبل القسمة قسم له وان كان أحدهما حرا والآخر رقيقا ثم عتق واختلفا في حريته عند الموت فالقول قول من ينفيها وان لم يثبت أنه كان رقيقا ولا كافرا فادعي عليه أنه كذلك فانكر فالقول قوله والميراث بينهما لان الاصل الحرية والاسلام وعدم ما سواهما.

[ 231 ]

(فصل) إذا اسلم احد الابنين في غرة شعبان والآخر في غرة رمضان واختلفا في موت ابيهما فقال الاول مات في شعبان فورثته وحدي وقال الآخر مات في رمضان فالميراث بينهما لان الاصل بقاء حياته حتى يعلم زوالها وان أقام واحد منهما بينة بدعواه ففيه وجهان (أحدهما) يتعارضان (والثاني) نقدم بينة موته في شعبان لانها معها زيادة علم لانه ثبت موته في شعبان ويجوز ان يخفى ذلك على البينة الاخرى (مسألة) ولو مات مسلم وخلف ولدين مسلما وكافرا فأسلم الكافر وقال اسلمت قبل موت ابى وقال أخوه بل بعده فلا ميراث له لان الاصل بقاء الكفر حتى يعلم زواله وعلى أخيه اليمين وتكون على نفي العلم لانها على نفي فعل الغير وقد ذكرناه

[ 232 ]

(مسألة) وان قال اسلمت في المحرم ومات أبي في صفر فلي الميراث وقال أخوه بل مات في ذي الحجة فله الميراث مع أخيه لان الاصل بقاء الحياة فان أقام كل واحد بينة بدعواه فهل يتعارضان أو تقدم بينة من ادعى تقديم موته؟ فيه وجهان ذكرناهما في الفصل قبل هاتين المسئلتين والله أعلم. الله أكبر

[ 233 ]

كتاب العتق العتق في اللغة الخلوص ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير اي خالصتها وسمي البيت احرام عتيقا لخلوصه من أيدي الجبابرة وهو في الشرع تحرير الرقبة وتخليصها من الرق يقال عتق العبد واعتقته أنا وهو عتيق ومعتق والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (فتحرير رقبة) وقال تعالى (فك رقبة) وأما السنه فما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من اعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج) متفق عليه في أخبار كثيرة سوى هذا وأجمع الامة على صحة العتق وحصول القربة به (مسألة) (وهو من افضل القرب) لان الله تعالى جعله كفارة للقتل والوطئ في رمضان والايمان وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فكاكا لمعتقه من النار ولان فيه تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه وتكميل احكامه وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه على حسب إرادته واختياره واعتاق الرجل افضل من اعتاق المرأة لما روى كعب بن مرة البهزي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان فكاكه منه النار يجزى بكل عظم من عظامه عظما من عظامه، وايما رجل مسلم اعتق امرأتين مسلمتين

[ 234 ]

كانتا فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامهما عظما من عظامه، وأيما امرأة اعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجرى بكل عظم من عظامها عظما من عظامها) وقيل عتق المرأة للمرة أفضل. (مسألة) (والمستحب عتق من له كسب ودين ينتفع بالعتق) فأما من لا قوة له ولا كسب فلا يستحب عتقه ولا كتابته لسقوط نفقتة عن سيده باعتاقه فيضيع أو يصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة فلا يستحب عتقه ولا كتابته فان كان ممن يخاف عليه الرجوع إلى دار الحرب وترك اسلامه أو يخاف عليه الفساد كمن يخاف أنه إذا أعتق فاحتاج سرق أو فسق أو قطع الطريق أو جارية يخاف عليها الزنا والفساد كره اعتاقه فان غلب على الظن إفضاؤه إلى هذا كان محرما لان التوسل إلى الحرام حرام فان اعتقه صح لانه اعتاق صدر من اهله في محله فصح كعتق غيره (مسألة) (ويحصل العتق بالقول والملك ولا يحصل بالنية المجردة) لانه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة كالطلاق والفاظه تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح لفظ العتق والحرية كيف صرفا نحو انت حر أو محرر أو عتيق أو معتق أو اعتقتك لان هذين اللفظين وردا في الكتاب والسنة وهما يستعملان في العتق عرفا فمتى اتى بشئ من هذه الالفاظ حصل به العتق سواء نواه

[ 235 ]

أو لم ينوه قال احمد في رجل لقي امرأة في الطريق فقال تنحي يا حرة فإذا هي جاريته قال قد عتقت عليه وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة مروا أنتم أحرارا وكانت معهم أم ولده لم يعلم بها قال هذا عندي تعتق أم ولده ويحتمل ان لا تعتق في هذين الموضعين لانه قصد باللفظة الاولى غير العتق فلم تعتق به كما لو قال عبدي حر بريد انه عفيف كريم الاخلاق واللفظة الثانية أراد غير أم ولده فأشبه ما لو نادى امرأة من نسائه فأجابته غيرها فقال انت طالق يظنها المناداة فانها لا تطلق في رواية فكذا ههنا، وأما ان قصد غير العتق كالرجل يقول عبدي هذا حر يريد عفته وكرم أخلاقه أو يقول لعبده ما أنت الا حر أي انك لا تطيعني ولا ترى لي حقا ولا طاعة فلا يعتق في ظاهر المذهب قال حنبل سئل أبو عبد الله عن رجل قال لغلامه انت حر وهو يعاتبه قال إذا كان لا يريد به العتق يقول كأنك حر ولا يريد ان يكون حرا أو كلاما شبه هذا رجوت ان لا يعتق وأنا اهاب المسألة لانه نوى بكلامه ما يحتمله فانصرف إليه كما لو نوى بكناية العتق العتق قال وان طلب استحلافه حلف وبيان احتمال اللفظ لما اراده ان المرأة تمدح بهذا يقال امرأة حرة يعنون عفيفة وتمدح المملوكة به أيضا ويقال للحيي الكريم الاخلاق حر قالت سبيعة ترثي عبد المطلب ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة * ويوم على حر كريم الشمائل وأما الكناية فنحو قوله خليتك والحق باهلك واذهب حيث شئت ونحوها وكذلك قوله حبلك

[ 236 ]

على غاربك فهذا ان نوى به العتق عتق وان لم ينوه لم يعتق لانه يحتمل غيره ولم يرد به كتاب ولا سنة ولا عرف استعمال وفي قوله لا سبيل لي عليك ولا ملك لي عليك ولا رق لي عليك وفككت رقبتك وانت مولاي وأنت لله وانت سائبة روايتان (احداهما) انه صريح (والاخرى) كناية ذكر القاضي وأبو الخطاب في قوله لا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك: روايتين (احداهما) أنه صريح (والاخرى) كناية قال شيخنا والصحيح أنه كناية لما ذكرناه، فأما قوله لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك وانت لله فقال القاضي هو صريح نص عليه احمد وذكر أبو الخطاب فيه روايتين لانه يحتمل غير العتق ولا خلاف في المذهب انه يعتق به إذا نوى وممن قال يعتق بقوله انت لله إذا نوى الشعبي والمسيب بن رافع وحماد والشافعي وقال أبو حنيفة لا يعتق به لان مقتضاه انت عبد الله أو مخلوق لله وهذا لا يقتضي العتق ولنا انه يحتمل انت حر لله أو عتيق لله أو عبد لله وحده لست بعبد لي ولا لاحد سوى الله فإذا نوى الحرية به وقعت كسائر الكنايات وما ذكروه لا يصح لان احتماله لما ذكروه لا يمنع احتماله لما ذكرناه بدليل سائر الكنايات فانها تحتمل العتق وغيره ولو لم تحتمل الا العتق لكانت صريحة فيه وما احتمل امرين انصرف إلى احدهما بالنية وهذا شأن الكنايات وما ذكروه من الاحتمال يدل على ان هذا ليس بصريح وانما هو كناية وقوله لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك

[ 237 ]

خبر عن انتفاء ملكه ولم يرد به شرع ولا عرف استعمال في العتق فلم يكن صريحا فيه كقوله ما انت عبدي ولا مملوكي وقوله لامرأته ما انت امرأتي ولا زوجتي وفي قوله فككت رقبك وأنت سائبة وانت مولاي روايتان (احداهما) هو صريح في العتق لانها تتضمنه وقد جاء في كتاب الله تعالى (فك رقبة) يعني العتق فكانت صريحة كقوله اعتقتك (والثاني) هو كناية لانه يحتمل غير العتق (مسألة) (وفي قوله لامته أنت طالق وانت حرام روايتان) (أحداهما) هي كناية والاخرى لا تعتق به وهو قول ابي حنيفة لان الطلاق لفظ وضع لازالة الملك عن المنفعة فلم يزل به الملك عن الرقبة كفسخ الاجارة ولان ملك الرقبة لا يستدرك بالرجعة فلا ينحل كسائر الاملاك (والثانية) هو كناية تعتق به إذا نواه وهو قول مالك والشافعي لان الرق احد الملكين على الآدمي فيزول بلفظ الطلاق كالآخر أو فيكون للفظ الموضوع لازالة احدهما كناية في ازالة الآخر كالحرية في ازالة النكاح ولان فيه معنى الاطلاق فإذا نوى به اطلاقها من ملكه فقد نوى بلفظه ما يحتمله فتحصل به الحرية كسائر كنايات العتق (فصل) وان قال لامته انت حرام ينوي به العتق عتقت، وذكر أبو الخطاب ان فيها رواية

[ 238 ]

أخرى لا تعتق كقوله لها أنت طالق والصحيح انها تعتق به لانه يحتمل انك حرام علي لكونك حرة فتعتق به كقوله لا سبيل لي عليك (مسألة) (وان قال لعبده وهو اكبر منه انت ابني لم يعتق ذكره القاضي ويحتمل ان يعتق) إذا قال لا كبر منه أو لمن لا يولد لمثله: هذا ابني مثل ان يقول من لم عشرون سنة لمن له خمسة عشرة سنة: هذا ابني لم يعتق ولم يثبت نسبه، وقال أبو حنيفة يعتق وخرجه أبو الخطاب وجها لنا لانه اعترف بما تثبت به حريته فاشبه ما لو اقر بها ولنا أنه قول يتحقق كذبه فيه فلم يثبت الحرية كما لو قال لطفل هذا ابي أو لطفلة هذه أمي، قال ابن المنذر هذا من قول النعمان شاذ لم يسبقه احد إليه ولا تبعه احد عليه وهو محال من الكلام وكذب يقينا ولو جاز هذا لجاز ان يقول الرجل لطفل هذا ابي ولانه لو قال لزوجته وهي أسن منه: هذه ابنتي أو قال لها وهي أسن منه هذه أمي لم تطلق كذا هذا (مسألة) (وان اعتق حاملا عتق جنينها الا ان يستثنيه) لانه يتبعها في البيع والهبة ففي العتق أولى فان استثناه لم يعتق روي ذلك عن ابن عمر وابي هريرة والنخعي واسحاق وابن المنذر وقال ابن سيرين له ما استثنى وقال عطاء والشعبي إذا استثنى ما في بطنها فله ثنياه وقال مالك والشافعي لا يصح استثناء الجنين لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا الا ان تعلم وقياسا على استثنائه في البيع اشبه بعض اعضائها

[ 239 ]

ولنا انه قول ابن عمر وأبي هريرة قال أحمد اذهب إلى حديث ابن عمر في العتق ولا أذهب إليه في البيع ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم) ولانه يصح افراده بالعتق فصح استثناؤه كالمنفصل وخبرهم نقول به والحمل معلوم فصح استثناؤه للحديث ويفارق البيع لانه عقد معاوضة يعتبر فيه العلم بصفات العوض ليعلم هل هو قائم مقام لعوض أم لا؟ والعتق تبرع لا تتوقف صحته على معرفة صفات المعتق ولا تنافيه الجهالة ويكفي العلم بوجوده وقد وجد ولذلك صح افراد الحمل بالعتق ولم يصح بالبيع ولان استثناءه في البيع إذا بطل بطل البيع كله وههنا إذا بطل استثناؤه لم يبطل العتق في الامة ويسري الاعتاق إليه فكيف يصح إلحاقه به مع تضاد الحكم فيها؟ ولا يصح قياسه على بعض اعضائها لانه يصح انفراده بالحرية عن امه فيما إذا اعتقه دونها وفي ولد المغرور بحرية أمة وفيما إذا وطئ بشبهة وفي ولد ام الولد وغير ذلك ولا يصح ذلك في بعض أعضائها ولان الولد يرث ويورث ويوصى به فكيف يصح قياسه على بعض الاعضاء؟ وروى الاثرم عن ابن عمر أنه اعتق أمة واستثنى ما في بطنها ولانها ذات حمل فصح استثناء حملها كما لو باع نخلة لم تؤبر واشترط ثمرتها وقال القاضي يخرج على الروايتين فيما إذا استثنى ذلك في البيع والمنصوص عنه ما ذكرنا من انه يصح استثناؤه في العتق ولا يصح في البيع لم ذكرنا من الفرق بينهما

[ 240 ]

(مسألة) (وان اعتق ما في بطنها دونها عتق وحده) لا نعلم في ذلك خلافا وهو قول سفيان واحمد واسحاق لان حكمه حكم الانسان المنفرد ولهذا يورث الجنين إذا ضرب بطن امرأة فاسقطت جنينا وجب فيه غرة موروثة عنه كأنه سقط حيا وتصح الوصية به وله ويرث إذا مات موروثه قبل ان يولد ثم ولد بعده فصح عتقه كالمنفصل (فصل) ولا يصح العتق الا من جائز التصرف فلا يصح عتق الصبي والمجنون قال ابن المنذر هذا قول عامة اهل العلم منهم الحسن والشعبي والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) ولانه تبرع بالمال فلم يصح كالهبة ولا يصح عتق المحجور عليه للسفه وهو قول القاسم بن محمد وعنه يصح قياسا على طلاقه وتدبيره ولنا أنه محجور عليه في ماله لحظ نفسه فلم يصح عتقه كالصبي ولانه تصرف في المال في حياته أشبه هبته وبيعه ويفارق الطلاق لان الحجر عليه في ماله والطلاق ليس بتصرف فيه ويفارق التديبر لانه تصرف فيه بعد موته وغناه عنه بالموت ولهذا صحت وصيته ولم تصح هبته المنجزة وعتق السكران مبني على طلاقه وفيه من الخلاف ما فيه ولا يصح عتق المكره كما لا يصح بيعه ولا تصرفاته ولا يصح

[ 241 ]

عتق الموقوف لان فيه ابطالا لحق البطن الثاني منه وليس له ذلك (فصل) ولا يصح العتق من غير المالك بغير إذنه فلو اعتق عبد ولده الصغير أو يتيمه الذي في حجره لم يصح، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال مالك يصح عتق عبد ولده الصغير لقوله عليه الصلاة والسلام (أنت ومالك لابيك) ولان له عليه ولاية وله فيه حق فسح اعتاقه كما له ولنا انه عتق من غير مالك فلم يصح كاعتاق عبد ولده الكبير قال ابن المنذر لما روث الله الاب من مال ابنه السدس مع ولده دل على أنه لا حق له في سائره وقوله عليه السلام (أنت ومالك لابيك) لم يرد به حقيقة الملك وإنما أراد المبالغة في وجوب حقه عليك وامكان الاخذ من مالك وامتناع مطالبتك إياه بما أخذ منه ولهذا لم ينفذ اعتاقه لعبده ولده الكبير الذي ورد الخبر فيه وثبوت الولاية له على مال ولده أبلغ في امتناع اعتاق عبده لانه انما أثبت عليه الولاية لحظ الصبي ليحفظ ماله عليه وينميه له ويقوم بمصالحه التي يعجز الصبي عن القيام بها. وإذا كان مقصود الولاية الحفظ اقتضت منع التفريط والتضييع باعتاق رقيقه والتبرع بماله ولو قال رجل لعبد انت حر من مالي فليس بشئ فان اشتراه بعد ذلك فهو مملوكه ولا شئ عليه وبه قال مالك والشافعي وعامة للفقهاء ولو بلغ رجلا أن رجلا قال لعبده أنت حر من مالي فقال قد رضيت فليس بشئ وبه قال الثوري واسحاق (مسألة) (وأما الملك فمن ملك ذا رحم محرم عتق عليه وعنه لا يعتق الا عمودا النسب) ذو الرحم المحرم القريب الذي يحرم نكاحه عليه لو كان أحدهما رجلا والآخر امرأة وهم الولدان

[ 242 ]

وان علوا من قبل الاب والام جميعا والولد وإن سفل من ولد البنين والبنات والاخوة والاخوات وأولادهم وان سفلوا والاعمام والعمات والاخوال والخالات وان علوا دون أولادهم فمتى ملك أحدا منهم عتق عليه روي ذلك عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وجابر بن زيد وعطاء والحكم وابن أبي ليلى والثوري والليث وأبو حنيفة والحسن بن صالح وشريك ويحيى بن آدم واعتق مالك الوالدين والمولودين وان بعدوا والاخوة والاخوات دون أولادهم ولم يعتق الشافعي الا عمودي النسب وعن احمد كذلك ولم يعتق داود واهل الظاهر احدا حتى يعتقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجزي ولد والده الا ان يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه) رواه مسلم ولنا ما روى الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ملك ذا رحم محرم فهو حر) رواه ابو داود والترمذي وقال حديث حسن ولانه ذو رحم محرم فعتق عليه بالملك كعمودي النسب وكالاخوة والاخوات عند مالك فأما قوله (حتى يشتريه فيعتقه) فيحتمل أنه أراد فيشتريه فيعتقه بشرائه كما يقال ضربه فقتله والضرب هو القتل وذلك لان الشراء لما كان يحصل به العتق تارة دون أخرى جاز

[ 243 ]

عطف صفته عليه كما يقال ضربه فأطار رأسه وسواء ملكه بشراء أو هبة أو غنيمة أو ارث أو غيره لا نعلم بين اهل العلم فيه خلافا (فصل) ولا خلاف في ان المحارم من غير ذوي الارحام لا يعتقون على سيدهم كالام من الرضاعة والاخ منها والربيبة وام الزوجة وابنتها إلا انه حكي عن الحسن وابن سيرين وشريك انه لا يجوز بيع الاخ من الرضاعة وروي عن ابن مسعود انه كرهه والاول اصح قال الزهري جرت السنة بان يباع الاخ والاخت من الرضاعة ولانهم لا نص في عتقهم ولا هم في معنى المنصوص عليه فيبقون على الاصل ولانهما لا رحم بينهما ولا توارث ولا تلزمه نفقته فاشبه الربيبة وام الزوجة. (مسألة) (وان ملك ولده من الزنا لم يعتق عليه في ظاهر كلام أحمد) لان أحكام الولد غير ثابتة فيه وهي الميراث والحجب والمحرمية ووجوب الانفاق وثبوت الولاية عليه ويحتمل أن يعتق لانه جزؤه حقيقة وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين عتق عليه مع انتفاء هذه الاحكام. (مسألة) وان ملك سهما ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله وعليه قيمة نصيب شريكه وإن كان معسرا لم يعتق عليه الا ما ملك وان ملكه بالميراث لم يعتق منه إلا ما ملك موسرا كان أو معسرا وعنه أنه يعتق عليه نصيب الشريك إن كان موسرا.

[ 244 ]

وجملة ذلك أن من ملك سهما ممن يعتق عليه فانه يعتق عليه ما ملك منه سواء ملكه بعوض أو بغير عوض كالاغتنام والوصية وسواء ملكه باختياره كالذي ذكرنا أو بغير اختياره كالميراث لان كل ما يعتق به الكل يعتق به البعض كالاعتاق بالقوم ثم ينظر فان كان معسرا لم يسر العتق واستقر في ذلك الجزء ورق الباقي لانه لو اعتقه بقوله لم يسر اعتاقه بتصريحه بالعتق وقصده إياه فههنا أولى وان كان موسرا وكان الميراث باختياره كالملك بغير الميراث سرى إلى باقيه قعتق جميع العبد ولزمه لشريكه قيمة باقيه لانه فوته عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف وقال قوم لا يعتق عليه الا ما ملك سواء ملكه بشراء أو غيره لان هذا لم يعتقه وانما عتق عليه بحكم الشرع عن غير اختيار فلم يسر كما لو ملكه بالميراث وفارق ما أعتقه لانه فعله باختياره قاصدا إليه ولنا انه فعل سبب العتق اختيارا منه وقصد إليه فسرى ولزمه الضمان كما لو وكل من اعتق نصيبه وفاروق الميراث فانه حصل بغير فعله ولا قصده ولان من باشر سبب السراية اختيارا لزمه الضمان كمن جرح إنسانا فسرى جرحه ولان مباشرة ما يسري ونسبته إليه في لزوم حكم السراية واحدة بدليل استواء الحافر والدافع في ضمان الواقع فاما ان ملكه بالميراث لم يسر العتق فيه واستقر فيما ملكه ورق الباقي موسرا كان أو معسرا لانه لم يتسبب إلى اعتاقه وانما حصل بغير اختياره وبه قال مالك والشافعي وابو يوسف وعن احمد ما يدل على أنه أنه يسري إلى نصيب الشريك إذا كان موسرا

[ 245 ]

لانه عتق عليه بعضه وهو موسر فسرى إلى باقيه كما لو وصى له به فقبله والمذهب الاول لانه لم يعتقه ولا تسبب إليه فلم يضمن ولم يسر كالاجنبي وفارق ما تسبب إليه (فصل) وان ورث الصبي والمجنون جزءا ممن يعتق عليهما عتق ولم يسر إلى باقيه لانه إذا لم يسر في حق المكلف ففي حقهما أولى وان وهب لهما أو وصي لهما به وهما معسران فعلى وليهما قبوله لانه نفع لهما باعتاق قريبهما من غير ضرر يلحق قريبهما وان كانا موسرين ففيه وجهان مبنيان على أنه هل يقوم عليهما باقيه إذا ملكا بعضه؟ فيه وجهان (احدهما) لا يقوم ولا يسري العتق إليه لانه يدخل ملكه بغير اختياره اشبه ما لو ورثه (والثاني) يقوم عليه لان قبول وليه يقوم مقام قبوله فاشبه الوكيل فعلى هذا الوجه ليس لوليه قبوله لما فيه من الضرر، وعلى الاول يلزمه قبوله لانه نفع بغير ضرر إذا كان ممن لا تلزمه نفقته وإذا قلنا ليس له ان يقبله فقبله احتمل أن لا يصح القبول لانه فعل ما لم يأذن له الشرع فيه فاشبه ما لو باع ماله بغبن واحتمل ان يصح وتكون الغرامة عليه لانه الزمه هذه الغرامة فكانت عليه كنفقة الحج إذا حجه (فصل) وان باع عبدا لذي رحمه واجنبي صفقة واحدة عتق كله إذا كان ذو رحمة موسرا وضمن لشريكه قيمة حقه منه وقال أبو حنيفة لا يضمن لشريكه شيئا لان ملكه لم يتم الا بقبول شريكه فصار كانه اذن له في اعتاق نصيبه بملكه باختياره فوجب ان يقوم عليه باقيه مع يساره كما لو انفرد بشرائه ولا نسلم انه لا يصح قبوله الا بقبول شريكه.

[ 246 ]

(فصل) إذا كانت مزوجة ولها ابن موسر فاشتراها هو وزوجها وهي حامل منه صفقة واحدة عتق نصيب الابن من امه وسرى إلى نصيب الزوج ويقوم عليه وعتق الحمل عليهما معا لانه ابن الزوج واخو الابن ولا يجب لاحدهما على الآخر منه شئ لانه عتق عليهما في حال واحدة ولو كانت المسألة بحالها فوهبت لهما أو وصي لهما بها فقبلاها في حال واحدة فكذلك وان قبلها احدهما قبل الآخر نظرنا فان قبل الابن اولا عتقت الام وحملها وعليه قيمة باقيهما للزوج وإن قبل الزوج أو لا عتق عليه الحمل كله ثم إذا قبل الابن عتقت عليه الام كلها ويتقاصان ويرد كل واحد منهما الفضل على صاحبه ومن قال في الوصية ان الملك لا يثبت فيها بالموت فالحكم فيه كما لو قبلاها دفعة واحدة (مسألة) (وان مثل بعبده فجدع انفه واذته أو نحو ذلك عتق نص عليه) لما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان زنباعا ابا روح وجد غلاما له مع جاريته فقطع ذكره وجدع انفه فأتى العبد النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما حملك على ما فعلت؟) قال فعل كذا وكذا قال (اذهب فأنت حر) قال القاضي والقياس ان لا يعتق لان سيده لم يعتقه بلفظ صريح ولا كناية وإذا ثبت الحديث وجب العمل به وترك القياس (مسألة) (وإذا أعتق العبد فماله لسيده) روي هذا عن ابن مسعود وأبي ايوب وأنس ابن مالك وبه قال قتادة والحكم والثوري والشافعي

[ 247 ]

وأصحاب الرأي وروي ذلك عن حماد والبتي وداود بن أبي هند وحميد وعنه رواية أخري أنه للعبد وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك وأهل المدينة يبيعه لما روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من اعتق عبدا وله مال فالمال للعبد) رواه الامام أحمد وغيره وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر انه كان إذا اعتق عبدا لم يعرض لماله ولنا ما روى الاثرم باسناده عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير يا عمير إني أريد ان اعتقك عتقا هنيئا فاخبرني بمالك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ايما رجل اعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده ولان العبد وماله كانا للسيد فازال ملكه عن احدهما فبقي ملكه في الآخر كما لو باعه وقد دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من باع عبدا وله مال فماله للبائع الا ان يشترطه المبتاع) فأما حديث ابن عمر فقال أحمد يرويه عبد الله بن أبي جعفر من أهل مصر وهو ضعيف في الحديث كان صاحب فقه فاما في الحديث فليس هو فيه بالقوي وقال أبو الوليد هذا الحديث خطأ فاما فعل ابن عمر فهو تقضل منه على معتقه قيل لاحمد كان هذا عندك على التفضل؟ فقال أي لعمري على التفضل قيل له فكأنه عندك للسيد؟ فقال نعم للسيد مع البيع سواء (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وإذا اعتق جزءا من عبده معينا أو مشاعا عتق كله) أما إذا اعتق عبده وهو صحيح جائز التصرف فانه يصح عتقه باجماع أهل العلم فان اعتق بعضه

[ 248 ]

عتق كله في قول جمهور العلماء روي ذلك عن عمر وابنه رضي الله عنهما وبه قال الحسن والحكم والاوزاعي والثوري والشافعي قال ابن عبد البر عامة العلماء بالحجاز والعراق قالوا يعتق كله إذا اعتق نصفه وقال طاوس يعتق في عتقه ويرق في رقه وقال حماد وابو حنيفة يعتق منه ما اعتق ويسعى في باقيه وخالف أبا حنيفة أصحابه فلم يروا عليه معايه وروي عن مالك في رجل اعتق نصف عبد ثم غفل عنه حتى مات فقال أرى نصفه حرا ونصف رقيقا لانه تصرف في بعضه فلم يسر إلى باقيه كالبيع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من اعتق شركا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمنه قوم عليه قيمة عدل وعتق عليه جميع العبد) وإذا عتق عليه نصيب شريكه كان تنبيها على عتق جميعه إذا كان كله ملكا له وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من اعتق شقصا له من مملوك فهو حر من ماله) ولانه ازالة ملك عن بعض مملوكه الآدمي فزال عنه جميعه كالطلاق ويفارق البيع فانه لا يحتاج إلى السعاية ولا ينبى على التغليب والسراية. إذا ثبت هذا فلا فرق بين ان يعتق جزءا كبيرا كنصفه أو ثلثه أو صغيرا كعشره أو عشر عشره ولا نعلم في هذا خلافا بين القائلين بسراية العتق إذا كان مشاعا (فصل) قان اعتق جزءا معينا كرأسه أو يده أو أصبعه عتق كله أيضا وبه قال قتادة والشافعي وإسحاق وقال اصحاب الرأي ان اعتق رأسه أو ظهره أو بدنه أو بطنه أو جسده أو نفسه أو فرجه عتق كله لان حياته لا تبقى بدون ذلك وان اعتق يده أو عضوا تبقى حياته بدونها لم يعتق لانها يمكن ازالة ذلك مع بقائه فلم يعتق كاعتاقه شعره

[ 249 ]

ولنا أنه اعتق عضوا من اعضائه فعتق جميعه كرأسه فاما إذا اعتق شعره أو سنه أو ظفره لم يعتق وقال قتادة والليث في الرجل يعتق ظفر عبده يعتق اكله لانه من اجزائه أشبه أصبعه ولنا ان هذه الاشياء تزول ويخرج غيرها فاشبهت الشعر والريق وسنذكر ذلك في الطلاق والعتق مثله (مسألة) (وان اعتق شركا له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه عتق كله وعليه قيمة باقيه يوم العتق لشريكه) وجملته ان الشريك إذا اعتق نصيبه من العبد عتق عليه لا نعلم فيه خلافا لما ذكرنا من الاثر وإذا عتق نصيبه سرى العتق إلى جميعه فصار جميعه حرا وعلى المعتق قيمة انصباء شركائه ولولاء له هذا قول مالك وابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري والشافعي وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وقال البتي لا يعتق الا حصة المعتق ونصيب الباقين باق على الرق ولا شئ على المعتق لما روى التلب عن أبيه ان رجلا اعتق شقصا له في مملوك فلم يضمنه النبي صلى الله عليه وسلم رواه الامام أحمد ولانه لو باع نصيبه لاختص البيع به فكذلك العتق الا ان تكون جارية نفيسة يغالى فيها فيكون ذلك بمنزلة الجاية من المعتق للضرر الذي أدخله على شريكه وقال أبو حنيفة لا يعتق الا حصة المعتق ولشريكه الخيار في ثلاثة أشياء ان شاء اعتق وان شاء استسعى العبد وان شاء ضمن شريكه فيعتق حينئذ

[ 250 ]

ولنا الحديث الذي روينا وهو صحيح متفق عليه ورواه مالك في موطئه عن نافع عن ابن عمر فاثبت النبي صلى الله عليه وسلم العتق في جميعه وأوجب قيمة نصيب المعتق عليه ولم يجعل له خيرة ولا لغيره ورورى قتادة عن أبي المليح عن أبيه ان رجلا من قومه اعتق شقصا له في مملوك فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خلاصه عليه في ماله وقال (ليس لله شريك) قال أبو عبد الله الصحيح أنه عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وليس فيه عن أبيه هذا معنى كلامه وقول البتي شاذ يخالف الاخبار كلها فلا يعول عليه وحديث التلب يتعين حمله على المعسر جمعا بين الاحاديث وقياس العتق على البيع لا يصح فان البيع لا يسري فيما إذا كان العبد كله له والعتق يسري فانه لو باع نصف عبده لم يسر ولو أعتقه عتق كله. إذا ثبب هذا فان ولاءه يكون له لانه عتق باعتاقه من ماله ولا خلاف في هذا عند من يرى عتقه عليه (فصل) ولا فرق في هذا بين أن يكون الشركاء مسلمين أو كافرين أو بعضهم مسلما وبعضهم كافرا ذكره القاضي وهو قول الشافعي وذكر أبو الخطاب في الكافر وجها أنه إذا اعتق نصيبه من مسلم أنه لا يسري إلى باقيه ولا يقوم عليه لانه لا يصح شراء الكافر عبدا مسلما ولنا عموم الخبر ولان ذلك يثبت لازالة الضرر فاستوى فيه الكافر والمسلم كالرد بالعيب والغرض ههنا تكميل العتق ودفع الضرر عن الشريك دون التمليك بخلاف الشراء ولو قدر ان ههنا تمليكا لكان تقديرا في أدنى زمان حصل ضرورة تحصيل العتق لا ضرر فيه فان قدر فيه ضرر فهو مغمور

[ 251 ]

بالنسبة إلى ما يحصل من العتق فوجوده كالعدم وقياس هذا على الشراء غير صحيح لما بينهما من الفرق (مسألة) (فان اعتقه الشريك بعد ذلك وقبل أخذ القيمة لم يثبت له فيه عتق) لانه قد صار حرا بعتق الاول له لان عتقه حصل باللفظ لا يدفع القيمة وصار جميعه حرا واستقرت القيمة على المعتق الاول فلا ينعتق بعد ذلك بعتق غيره وبهذا قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وابن المنذر والشافعي في قول له اختاره المزني وقال الزهري وعمرو ابن دينار ومالك والشافعي في قول لا يعتق الا بدفع القيمة ويكون قبل ذلك ملكا لصاحبه ينفذ عتقه فيه ولا ينفذ تصرفه فيه بغير العتق واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (قوم عليه قيمة عدل لاوكس ولا شطط ثم يعتق) فجعله عتيقا بعد دفع القيمة ولان العتق إذا ثبت بعوض ورد الشرع به مطلقا لم يعتق إلا بالاداء كالمكاتب وللشافعي قول ثالث ان العتق مراعى، فان دفع القيمة تبينا ان العتق كان حصل من حين اعتق نصيبه، وان لم يدفع القيمة تبينا أنه لم يكن عتق لان فيه احتياطا لهما جميعا ولنا حديث ابن عمر فانه روي بالفاظ مختلفة تجتمع في الدلالة على الحرية باللفظ فروى أبو أيوب عن نافع عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق) رواه أبو داود والنسائي وفي لفظ رواه ابن أبي مليكة عن نافع عن ابن عمر (فكان له مال

[ 252 ]

فقد عتق كله) وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر (وكان للذي يعتق ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل يعتق كله) وروى أبو داود باسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من اعتق شقصا في مملوك فهو حر من ماله) وهذه نصوص في محل النزاع فانه جعله حرا وعتيقا باعتاقه مشروطا بكونه موسرا ولانه عتيق بالسراية فكانت حاصلة من لفطه عقيبه كما لو أعتق جزءا من عبده ولا القيمة معتبرة وقت الاعتاق ولا ينفذ تصرف الشريك فيه بغير الاعتاق وعند الشافعي لا ينفذ بالاعتاق أيضا فدل على ان العتق حصل فيه بالاعتاق الاول فاما حديثهم فلا حجة لهم فيه فان الواو لا تقتضي ترتيبا وأما العطف بثم في اللفظ الآخر فلم يرد بها الترتيب فانها قد ترد لغير الترتيب كقوله سبحانه (ثم الله شهيد على ما يفعلون) فاما العوض فانما وجب عن المتلف بالاعتاق بدليل اعتباره بقيمته حين الاعتاق وعدم اعتبار التراضي فيه ووجوب القيمة من يغر وكس ولا شطط بخلاف الكتابة. إذا ثبت هذا فان الشريك إذا أعتقه بعد عتق الاول وقبل أخذ القيمة لم يثبت له فيه عتق ولا له عليه ولاء وولاؤه كله للمعتق الاول وعليه القيمة لانه قد صار حرا باعتاقه وعند مالك يكون ولاؤه بينهما على قدر ملكهما فيه ولا شئ على المعتق الاول من القيمة ولو ان المعتق الاول لم يؤد القيمة حتى أفلس عتق العبد وكانت القيمة في ذمته دينا يزاحم بها الشريك عندنا وعند مالك لا يعتق منه الا ما عتق ولو كان المعتق جارية حاملا فلم يؤد القيمة حتى وضعت حملها فليس على المعتق الا قيمتها حين

[ 253 ]

أعتقها لانه حينئذ حررها وعند مالك يقوم ولدها أيضا ولو أتلف العبد قبل اداء القيمة تلف حرا والقيمة على المعتق لانه فوت رقه، وعند مالك لا شئ على المعتق وما لم يقوم ويحكم بقيمته فهو في جميع أحكامه عبد (فصل) والقيمة معتبرة حين اللفظ بالعتق لانه حين الاتلاف وهو قول الشافعي على أقواله كلها فان اختلفا في قدره رجع إلى قول المقومين فان كان العبد قد مات أو غاب أو تأخر تقويمه زمنا تختلف فيه القيم ولم تكن بينة فالقول قول المعتق لانه منكر للزيادة والاصل براءة ذمته منها وهذا أحد قولي الشافعي فان اختلفا في صناعة في العبد توجب زيادة في القيمة فالقول قول المعتق كذلك الا أن يكون العبد يحسن الصناعة في الحال ولم يمض زمن يمكن تعلمها فيه فيكون القول قول الشريك لعلمنا بصدقه وان مضى زمن يمكن حدوثها فيه ففيه وجهان (أحدهما) القول قول المعتق لان الاصل براءة ذمته (والثاني) القول قول الشريك لان الاصل بقاء ما كان وعدم الحدوث وان احتلفا في عيب ينقص قيمته كسرقة أو اباق فالقول قول الشريك لان الاصل السلامة فبالجهة التي رجحنا قول المعتق في نفي الصناعة يرجح قول الشريك في نفي العيب وان كان العيب فيه حال الاختلاف واختلفا في حدوثه فالقول قول المعتق لان الاصل براءة ذمته وبقاء ما كان على ما كان وعدم حدوث العيب فيه ويحتمل ان يكون القول قول الشريك لان الاصل براءته من العيب حين الاعتاق

[ 254 ]

(فصل) والمعتبر في اليسار في هذا أن يكون له فضل عن قوت يومه وليلته وما يحتاج إليه من حوائجه الاصلية من الكسوة وسائر ما لابد منه ما يدفعه إلى شريكه ذكره أبو بكر في التنبيه وان وجد بعض ما يفي بالقيمة قوم عليه قدر ما يمكنه منه ذكره احمد في رواية ابن منصور وهو قول مالك وقال احمد لا يباع فيه دار ولا رباع ومقتضى هذا ان لا يباع له أصل مال، وقال مالك والشافعي يباع عليه سوار بيته وماله بال من كسوته ويقضى عليه في ذلك كما يقضى عليه في سائر الدعاوى والمعتبر في ذلك حال تلفظه بالعتق لانه حال الوجوب فان أيسر المعسر بعد ذلك لم يسر اعتاقه، وإن أعسر الموسر لم يسقط ما وجب عليه لانه وجب عليه فلم يسقط باعساره كدين الاتلاف نص عليه احمد (مسألة) (وان كان معسرا لم يعتق الا نصيبه وبقي حق شريكه فيه وعنه يعتق كله ويستسعى العبد في قيمة باقيه غير مشقوق عليه) ظاهر المذهب ان المعسر إذا اعتق نصيبه من العبد استقر فيه العتق ولم يسر إلى نصيب شريكه بل يبقى على الرق فإذا أعتق شريكه عتق عليه نصيبه وهذا قول اسحاق وأبي عبيد وابن المنذر وداود وابن جرير وهو قول مالك والشافعي على ما بيناه فيما مضى، وروي عن عروة انه اشترى عبدا اعتق نصفه فكان عروة يشاهره شهر عبد وشهر حر، وروي عن احمد ان المعتق إذا أعتق نصيبه استسعى العبد في قيمة باقيه حتى يؤديها فيعتق وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى والاوزاعي

[ 255 ]

وابي يوسف ومحمد لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أعتق شقصا له في مملوك فعليه أن يعتقه كله ان كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه) متفق عليه، ورواه أبو داود قال ابن ابي ليلى وابن شبرمة فإذا استسعي في نصف قيمته ثم أيسر معتقه رجع عليه بنصف القيمة لانه هو أجلاه إلى هذا وكلفه إياه، وعن ابي يوسف ومحمد انهما قالا يعتق جميعه وتكون قيمة نصيب الشريك في ذمته لان العتق لا يتبعض فإذا وجد في البعض سرى إلى جميعه كالطلاق وتلزم المعتق القيمة لانه المتلف لنصيب صاحبه باعتاقه فوجبت قيمته في ذمته كما لو أتلفه وقال أبو حنيفة لا يسري فيه العتق وانما يستحق به اعتاق النصيب الباقي فيخير شريكه بين اعتاق نصيبه ويكون الولاء بينهما وبين أن يستسعى العبد في قيمة نصيبه فإذا أداه إليه عتق والولاء بينهما ولنا حديث ابن عمر وهو صحيح ثابت عند جميع العلماء بالحديث ولان الاستسعاء اعتاق بعوض فلم يجبر عليه كالكتابة ولان في الاستسعاء اضرارا بالشريك والعبد أما الشريك فانا نحيله على سعاية قد لا يحصل منها شئ أصلا وإن حصل فالظاهر انه يكون متفرقا ويفوت عليه ملكه وأما العبد فانه يجبره على سعاية لم يردها وكسب لم يختره وهذا ضرر في حقهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وقال سليمان بن حرب اليس الزم المعتق ثمن ما بقي من العبد لئلا يدخل على شريكه ضرر فإذا أمروه بالسعي واعطاء كل شهر درهمين ولم يقدر على تملكه فأي ضرر أعظم من ذلك؟

[ 256 ]

فاما حديث الاستسعاء فقام الاثرم ذكره سليمان بن حرب فطعن فيه وضعفه، وقال أبو عبد الله ليس في الاستسعاء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ابي هريرة يرويه ابن ابي عروبة واما شعبة وهشام الدستوائي فلم يذكره وحدث به معمر ولم يذكر فيه السعاية قال أبو داود وهمام أيضا لا يقوله قال المروذي وضعف أبو عبد الله حديث سعيد وقال ابن المنذر لا يصح حديث الاستسعاء وذكر همام ان ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة وفرق بين الكلام الذي هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول قتادة قال بعد ذلك فكان قتادة يقول: ان لم يكن له مال استسعي قال ابن عبد البر حديث ابي هريرة يدور على قتادة، وقد اتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكره وهم الحجة في قتادة ولقول قولهم فيه عند جميع اهل العلم إذا خالفهم غيرهم فاما قول ابي حنيفة وقول صاحبيه الاخير فلا شئ معهم يحتجون به من حديث قوي ولا ضعيف بل هو محرد رأي وتحكم يخالف الحديثين جميعا قال ابن عبد البر لم يقل أبو حنيفة وزفر بحديث ابن عمر ولا بحديث أبي هريرة على وجهه وكل قول خالف السنة فمردود على قائله، والله المستعان. (فصل) وإذا قلنا بالسعاية احتمل أن يعتق كله وتكون القيمة في ذمة العبد دينا يسعى في أدائها وتكون أحكامه احكام الاحرار فان مات وفي يده مال كان لسيده بقية السعاية وباقى ماله موروث ولا يرجع العبد على أحد وهذا قول أبي يوسف ومحمد ويحتمل أن لا يعتق حتى يؤدي السعاية فيكون

[ 257 ]

حكمه قبل ادائها حكم من بعضه رقيق ان مات فللشريك الذي لم يعتق من ماله مثل ما يكون له على قول من لم يقل بالسعاية لانه اعتاق باداء مال فلم يعتق قبل ادائه كالكاتب، وقال ابن ابي ليلى وابن شبرمة يرجع العبد على المعتق إذا أيسر لانه كلفه السعاية باعتاقه ولنا انه حق لزم العبد في مقابلة حريته فلم يرجع به على أحد كمال الكتابة ولانه لو رجع به على السيد لكان هو الساعي في العوض كسائر الحقوق الواجبة عليه (مسألة) وإذا كان العبد الثلاثة لاحدهم نصفه ولآخر ثلثه ولثالث سدسه فأعقت صاحب النصف وصاحب السدس معا وهما موسران عتق عليهما وضمنا حق شريكهما فيه نصفين وصار ولاؤه بينهما أثلاثا ويحتمل أن يضمناه على قدر ملكهما فيه) إذا كان العبد مشتركا بين جماعة فاعتق اثنان منهم وهو موسرون معاسرى عتقهم إلى باقى العبد ويكون الضمان بينهم على عدد رؤوسهم يتساوون في ضمانه وولائه وبهذا قال الشافعي ويحتمل ان يقسم بينهم على قدر أملاكهم وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه لان السراية جعلت باعتاق ملكهما وما وجب بسبب الملك كان على قدره كالنفقة واستحقاق الشفعة ولنا ان عتق النصيب اتلاف لرق الباقي وقد اشتركا فيه فيتساويان في الضمان كما لو جرح أحدهما

[ 258 ]

جرحا والآخر جرحين فمات بهما أو القى أحدهما جزءا من النجاسة في مائع والقى الآخر جزأين ويفارق الشفعة فانها ثبتت لازالة الضرر عن نصيب الشريك الذي لم يبع فكان استحقاقه على قدر نصيبه ولان الضمان ههنا لدفع الضرر منهما وفي الشفعة لدفع الضرر عنهما والضرر منهما يستويان في ادخاله على الشريك وفي الشفعة ضرر صاحب النصف اعظم من ضرر صاحب السدس فاختلفا إذا ثبت هذا كان ولاؤه بينهما ثلاثا لاننا إذا حكمنا بان الثلث معتق عليهما نصفين فنصفه سدس إذا ضممناه إلى النصف الذي لاحدهما صار ثلثين وإذا ضممنا السدس الآخر إلى سدس المعتق صار ثلثا وعلى الوجه الآخر يصير الولاء بينهما أرباعا لصاحب السدس ربعه ولصاحب النصف ثلاثة أرياعه والضمان كذلك ويشترط عتقهما معا بان يوكلا من يعتقه عنهما أو يوكل احدهما الآخر في عتق نصيبه ويتلفظا به معا لانه لو سبق احدهما صاحبه عتق عليه جميعه على ما ذكرنا ويشترط اليسار أيضا فيهما فان كان أحدهما موسرا وحده قوم عليه نصيب من لم يعتق لان المعسر لا يسري عتقه فيكون الضمان على المعسر خاصة فان كان أحدهما موسرا ببعض ما يخصه قوم عليه ذلك القدر وباقيه على الآخر مثل ان يجد صاحب السدس قيمة نصف السدس فيقوم عليه ويقوم الربع على صاحب النصف ويصير ولاؤه بينهم أرباعا لصاحب السدس ربعه وباقيه لمعتق النصف لانه لو كان احدهما معسرا قوم الجميع على الآخر فإذا كان موسرا ببعضه قوم الباقي على صاحب النصف لانه مرسر وفيه اختلاف ذكرناه من قبل

[ 259 ]

(مسألة) (وإذا اعتق الكافر نصيبه من مسلم وهو موسر سرى إلى باقيه في أحد الوجهين) ذكره القاضي وهو قول الشافعي لانه تقويم متلف فاستوى فيه المسلم والكافر كتقويم المتلفات والوجه الثاني لا يسري ذكره أبو الخطاب لان فيه تقدير الملك والكافر لا يجوز ان يتملك المسلم والاول أصح ان شاء الله تعالي (مسألة) (وان ادعى كل واحد من الشريكين ان شريكه اعتق نصيبه وهما موسران فقد صار العبد حرا باعتراف كل واحد منهما وصار مدعيا على شريكه قيمة حقه منه ولا ولاء عليه لواحد منهما) وجملة ذلك ان الشريكين الموسرين إذا ادعى كل واحد منهما ان شريكه اعتق نصيبه فكل واحد منهما معترف بحرية نصيبه شاهد على شريكه بحرية نصفه الآخر لانه يقول لشريكه اعتقت نصيبك فسرى العتق إلى نصيبي فعتق كله عليك ولزمك لي قيمة نصيبي فصار العبد حرا لاعترافهما بحريته وبقي كل واحد منهما يدعي قيمة حصته على شريكه فان كانت لاحدهما بينة حكم له بها وان لم تكن بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وبرئا فان نكل احدهما قضي عليه وان نكلا جميعا تساقط حقاهما لتماثلهما ولا ولاء عليه لواحد منهما لانه لا يدعيه ولا فرق في هذه الحال بين العدلين والفاسقين والمسلمين والكافرين لتساوي العدل والفاسق والمسلم والكافر في الاعتراف والدعوى فان اعترف أحدهما به بعد ذلك ثبت له لانه لا مستحق له سواه وانما لم يثبت له لانكاره له فإذا اعترف به زال الانكار فثبت له ولزمته قيمة نصيب شريكه لاعترافه بها

[ 260 ]

(مسألة) (وان كانا معسرين لم يعتق على واحد منهما) لانه ليس في دعوى احدهما على صاحبه أنه اعتق نصيبه اعتراف بحرية نصيبه ولا ادعاء استحقاق قيمتها على المعتق لكن عتق العسر لا يسري إلى غيره فلم يكن في دعواه أكبر من انه شاهد على صاحبه باعتاق نصيبه فان كانا فاسقين فلا أثر لكلامهما في الحال ولا عبرة بقولهما لان غير العدل لا تقبل شهادته، وإن كانا عدلين فشهاتهما مقبولة لان كل واحد منهما لا يجر إلى نفسه بشهادته نفعا ولا يدفع عنها ضررا وقد حصل للعبد بحرية كل نصف منه شاهد عدل فان حلف معهما عتق كله وان حلف مع احدهما عتق نصفه على الرواية التي تقول ان العتق يثبت بشاهد ويمين وان لم يحلف لم يعتق منه شئ لان العتق لا يحصل بشاهد من غير يمين وان كان أحدهما عدلا دون الآخر فله ان يحلف مع شهادة العدل ويصير نصفه حرا والآخر رقيقا (فصل) ومن قال بالاستسعاء فقد اعترف بان نصيبه خرج عن يده فيخرج العبد كله ويستسعى في قيمته لاعتراف كل واحد منهما بذلك في نصيبه (مسألة) (وان اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق عليه ولم يسر إلى النصف الذي كان له) لان عتقه حصل باعترافه بحريته باعتاق شريكه ولا يثبت له عليه ولاء لانه لا يدعي اعتاقه بل

[ 261 ]

يعترف ان المعتق غيره وانما هو مخلص له ممن يسترقه ظلما فهو كمخلص الاسير من ايدي الكافر وقال أبو الخطاب يسري لانه شراء حصل به الاعتاق فاشبه شراء بعض ولده فان أكذب نفسه في شهادته على شريكه ليسترق ما اشتراه منه لم يقبل لانه رجوع عن الاقرار بالحرية فلم يقبل كما لو أقر بحرية عبده ثم كذب نفسه وهل يثبت له الولاء عليه ان اعتقه؟ فيه احتمالان (احدهما) لا يثبت لما ذكرناه (والثاني) يثبت لانا نعلم ان على العبد ولاء ولا يدعيه أحد سواه ولا ينازعه فيه فوجب ان يقبل قوله فيه وان اشترى كل واحد منهما نصيب صاحبه صار العبد كله حرا ولا ولاء عليه لواحد منهما فان اعتق كل واحد منهما ما اشتراه ثم أكذب نفسه في شهادته فهل يثبت له ولاء ما اعتقه؟ على وجهين وان أقر كل واحد منهما بانه كان اعتق نصيبه وصدق الآخر في شهادته بطل البيعان وثبت لكل واحد منهما الولاء على نصفه لان احدا لا ينازعه فيه وكل واحد منهما يصدق الآخر في استحقاق الولاء ويحتمل أن يثبت الولاء لهما وان لم يكذب واحد منهما نفسه لانا نعلم ان الولاء ثابت عليه لهما ولا يخرج عنهما وانه بينهما اما بالعتق الاول واما بالثاني لانهما ان كانا صادقين في شهادتهما فقد ثبت الولاء لكل واحد منهما على النصف الذي اعتقه اولا وان كانا كاذبين فقد اعتق كل واحد منهما نصفه بعد ان اشتراه وان كان احدهما صادقا والآخر كاذبا فلا ولاء للصادق منهما لانه لم يعتق النصف الذي كان له ولا صح عتقه في الذي اشتراه لانه كان حرا قبل شرائه والولاء كله للكاذب لانه اعتق النصف الذي كان له ثم اشترى النصف الذي لشريكه وكل واحد منهما يساوي صاحبه في الاحتمال فيقسم بينهما

[ 262 ]

(فصل) وكل من شهد على سيد عبد بعتق عبده ثم اشتراه عتق عليه وان شهد اثنان عليه بذلك فردت شهادتهما ثم اشترياه أو احدهما عتق وبهذا قال مالك والاوزاعي والشافعي وابن المنذر وهو قياس قول أبي حنيفة ولا يثبت للمشتري ولاء على العبد لانه لا يدعيه ولا للبائع لانه ينكر عتقه ولو كان العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما ان شريكه اعتق حقه منه وكانا موسرين فعتق عليهما أو كانا معسرين عدلين فحلف العبد مع كل واحد منهم وعتق العبد أو ادعى عبد ان سيده اعتقه فانكر وقامت البينة بعتقه عتق ولا ولاء على العبد في هذه المواضع كلها لان احدا لا يدعيه ولا يثبت لاحد حق ينكره فان عاد من ثبت اعتاقه فاعترف به ثبت له الولاء لانه لا مستحق له سواه وانما لم يثبت له لانكاره له فإذا اعترف زال الانكار وثبت له وأما الموسران إذا عتق عليهما فان صدق أحدهما صاحبه في أنه أعتق نصيبه وحده أو أنه سبق بالعتق فالولاء له وعليه غرامة نصيب الآخر وان اتفقا على ان كل واحد منهما اعتق نصيبه دفعة واحدة فالولاء بينهما وان ادعى كل واحد منهما أن المعتق وحده أو أنه السابق فانكر الآخر تحالفا والولاء بينهما نصفين (مسألة) (وان كان احدهما موسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر وحده) لاعترافه بان نصيبه قد صار حرا باعتاق شريكه الموسر الذي يسري عتقه ولم يعتق نصيب الموسر لانه يدعي ان المعسر الذي لا يسري عتقه اعتق نصيبه فعتق وحده ولا تقبل شهادة المعسر عليه لانه يجر إلى نفسه نفعا لكونه يجب عليه بشهادته قيمة حصته فعلى هذا ان لم تكن للعبد بينة

[ 263 ]

سواه حلف الموسر وبرئ من القيمة والعتق جميعا ولا ولاء للمعسر في نصيبه لانه لا يدعيه ولا للموسر أيضا لذلك فان عاد المعسر فاعتقه وادعاه ثبت له وان اقر الموسر باعتاق نصيبه وصدق المعسر عتق نصيبه أيضا وعليه غرامة نصيب المعسر ويثبت له الولاء وان كان للعبد بينة تشهد باعتاق الموسر وكانت عدلين ثبت العتق ووجبت القيمة للمعسر عليه وان كانت عدلا واحدا وحلف العبد معه ثبت العتق في احدى الروايتين والاخرى لا يثبت العتق وللمعسر ان يحلف معه ويستحق قيمة نصيبه سواء حلف العبد أو لم يحلف لان الذي يدعيه مال يقبل فيه شاهد ويمين (فصل) وإذا ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وأنكر الآخر وكان المدعى عليه موسرا عتق نصيب المدعي وحده لاعترافه بحريته بسراية عتق شريكه وصار مدعيا نصف القيمة على شريكه ولا يسري لانه لا يعترف أنه المعتق له وانما عتق باعترافه بحريته لا باعتاقه له ولا ولاء عليه لانكاره له قال القاضي وولاؤه موقوف وان كان المدعي عدلا لم تقبل شهادته لانه يدعي نصف قيمته على شريكه فيجر بشهادته إليه نفعا ومن شهد بشهادة يجر بها إليه نفعا بطلت كلها وأما ان كان المدعى عليه معسرا فالقول قوله مع يمينه ولا يعتق منه شئ فان كان المدعي عدلا حلف العبد مع شهادته وصار نصفه حرا وقال حماد ان كان المشهود عليه موسرا سعى له. وان كان معسرا سعى لهما وقال أبو حنيفة ان كان معسرا استسعى العبد وولاؤه بينهما وان كان موسرا فولاء نصفه موقوف فان اعترف انه اعتق استحق الولاء والا كان الولاء لبيت المال

[ 264 ]

(مسألة) (وإذا قال أحد الشريكين إذا اعتقت نصيبك فنصيبي حر فاعتق الاول وهو موسر عتق كله عليه هذا اختيار الاصحاب أنه يعتق على الاول ويقوم عليه نصيب الشريك ان كان موسرا ولا يقع اعتاق شريكه لان السراية سبقت فمنعت عتق الشريك قال شيخنا ويحتمل ان يعتق عليهما جميعا لان عتق نصيبه سبب السراية وشرط لعتق نصيب الشريك فلم يسبق أحدهما الآخر لوجودهما في حال واحدة وقد يرجح وقوع عتق الشريك لانه تصرف منه في ملكه والسراية تقع في غير ملك على خلاف الاصل فكان نفوذ عتق الشريك أولى ولان سراية العتق على خلاف الاصل لكونها اتلافا لملك المعصوم بغير رضاه والزاما للمعتق غرامة لم يلتزمها بغير اختياره وانما ثبت لمصلحة تكميل العتق فإذا حصلت هذه المصلحة باعتاق الملك كان أولى. (مسألة) (وان كان معسرا لم يعتق عليه الا نصيبه) لما ذكرنا من ان عتق المعسر لا يسري إلى نصيب شريكه ويعتق نصيب شريكه بالشرط (مسألة) (وان قال إذا اعتقت نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فاعتق نصيبه عتق عليهما موسرا كان أو معسرا ولم يلزم المعتق شئ لان العتق وجد منهما معا فهو كما لو وكلا رجلا في اعتاقه عنهما فاعتقهما وقيل يعتق كله على المعتق لان اعتاق نصيبه شرط عتق نصيب شريكه فيلزم ان يكون سابقا عليه والاول أولى لانه أمكن

[ 265 ]

العمل بمقتضى شرطه فوجب العمل به لما ذكرنا. (فصل) فان قال إن اعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل اعتاقك وقعا معا إذا اعتق نصيبه هذا مقتضى قول أبي بكر والقاضي ومقتصى قول ابن عقيل أن يعتق كله على المعتق ولا يقع اعتاق شريكه لانه اعتاق في زمن ماض ومقتضى قول ابن شريح ومن وافقه ممن قال بسراية العتق أن لا يصح اعتاقه لانه يلزم من عتق نصيبه تقدم عتق الشريك وسرايته فيمتنع اعتاق نصيبه هذا ويمتنع عتق نصيب الشريك ويفضي إلى الدور فيمتنع الجميع وسنذكر ذلك في الطلاق ان شاء الله تعالى فصل إذا كان لرجل نصف عبدين متساويين في القيمة لا يملك غيرهما فاعتق احدهما في صحته عتق وسرى إلى نصيب شريكه لانه موسر بالنصف الذي له من العبد الآخر فان اعتق النصف الآخر عتق لان وجوب القيمة في ذمته لا يمنع صحة عتقه ولم يسر لانه معسر وان اعتق الاول في مرض موته لم ييسر لانه انما ينفذ عتقه في ثلث ماله وثلث ماله هو الثلث من العبد الذي أعتق نصفه وإذا اعتق الثاني وقف على اجازة الورثة وان اعتق الاول في صحته واعتق الثاني في مرضه لم ينفذ عتق الثاني لان عليه دينا يستغرق قيمته فيمنع صحة عتقه الا أن يجيز الورثة. (فصل) إذا شهد شاهدان على رجل انه اعتق شركا له في عبد فسرى إلى نصيب الشريك

[ 266 ]

غرم له قيمة نصيبه ثم رجعا عن الشهادة غرما قيمة العبد جميعه، وقال بعض أصحاب الشافعي تلزمهما غرامة نصيبه دون نصيب شريكه لانهما لم يشهدا إلا بعتق نصيبه فلم تلزمهما غرامة ما سواه ولنا أنهما فوتا عليه نصيبه وقيمة نصيب شريكه فلزمهما ضمانه كما لو فوتاه بفعلهما وكما لو شهدا عليه بجرح ثم سرى الجرح ومات المجروح فضمن الدية ثم رجعا عن شهادتهما (فصل) وان شهد شاهدان على ميت بعتق عبد في مرض موته وهو ثلث ماله فحكم الحاكم بشهادتهما وعتق العبد ثم شهد آخران بعتق آخر وهو ثلث ماله ثم رجع الاولان عن الشهادة نظرنا في تاريخ شهدتهما فان كانت سابقة ولم يكذب الورثة رجوعهما عتق الاول ولم يقبل رجوعهما ولم يغرما شيئا ويحتمل أن يلزمهما شراء الثاني واعتاقه لانهما منعا عتقه بشهادتهما المرجوع عنها وان صدقوهما في رجوعهما وكذبوهما في شهادتهما عتق الثاني ورجعوا عليهما بقيمة الاول لانهما فوتا رقه عليهم بشهادتهما المرجوع عنها وان كان تاريخها متأخرا عن الشهادة الاخرى بطل حكم عتق المحكوم بعتقه لاننا تبينا أن الميت قد أعتق ثلث ماله قبل اعتاقه ولم يغرم الشاهدان شيئا لانهما ما فوتا شيئا وان كانتا مطلقتين أو احداهما أو اتفق تاريخهما أقرع بينهما فان خرجت على الثاني عتق وبطل عتق الاول ولا شئ على الشاهدين لان الاول باق على الرق وان خرجت قرعة الاول عتق

[ 267 ]

ونظرنا في الورثة فإذا كذبوا الشاهدين الاولين في شهادتهما عتق الثاني ورجعوا على الشاهدين بقيمة الاول لانهما فوتا رقه بغير حق وان كذبوهما في رجوعهما لم يرجعوا عليهما بشئ لانهم يقرون بعتق المحكوم بعتقه. (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه ويصح تعليق العتق بالصفات كدخول الدار ومجئ الامطار لانه عتق بصفة فصح كالتدبير وإذا علق عتقه على مجئ وقت كقوله أنت حر في رأس الحول لم يعتق حتى يجئ رأس الحول وله بيعه وهبته واجارته ووطئ الامة كالتدبير وبه قال الاوزاعي والشافعي وابن المنذر قال احمد إذا قال لغلامه أنت حر إلى أن يقدم فلان ويجئ فلان والى رأس السنة والى رأس الشهر إنما يريد إذا جاء رأس السنة أو جاء رأس الهلال وإذا قال أنت طالق إذا جاء الهلال إنما يريد إذا جاء رأس الهلال وقال اسحاق كما قال احمد وحكي عن مالك أنه قال إذا قال لعبده أنت حر في رأس الحول عتق في الحال والذي حكاه ابن المنذر عنه أنها إذا كانت جارية لم يطأها لانه لا يملكها ملكا تاما ولا يهبها ولا يبيعها وان مات السيد قبل الوقت كانت حرة عند الوقت من رأس المال وقد روي عن احمد أنه لا يطؤها لان ملكه غير تام عليها والاول أصح لما روي عن أبي ذر أنه قال لعبده أنت عتيق إلى رأس الحول فلولا ان العتق يتعلق بالحول لم يعلقه عليه ولانه علق العتق بصفة فوجب أن يتعلق بها كما لو قال إذا اديت إلي ألفا فانت حر واستحقاقه للعتق لا يمنع اباحة الوطئ كالاستيلاد وأما المكاتبة فانما لم يبح وطؤها لانها اشترت نفسها من سيدها بعوض وزال ملكه عن اكسابها بخلاف مسئلتنا، ومتى جاء الوقت وهو في ملكه

[ 268 ]

عتق بغير خلاف نعلمه فان خرج عن ملكه ببيع أو ميراث لم يعتق. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال النخعي وابن ابي ليلى إذا قال لعبده ان فعلت كذا فأنت حر فباعه بيعا صحيحا ثم فعل ذلك عتق وانتقض البيع قال ابن أبي ليلى إذا حلف بالطلاق لا كلمت فلانا ثم طلقها طلاقا بائنا ثم كلمه حنث وعامة أهل العلم على خلاف هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا طلاق ولا عتاق ولا بيع فيما لا يملك ابن آدم) ولانه لا ملك له فلم يقع طلاقه وعتاقه كما لو لم يكن له مال متقدم. (فصل) وإذا قال لعبده إن لم أضربك عشرة اسواط فانت حر ولم ينو وقتا بعينه لم يعتق حتى يموت وان باعه قبل ذلك صح بيعه ولم يفسخ في قول أكثر اهل العلم وقال مالك ليس له بيعه فان باعه فسخ البيع. ولنا انه باعه قبل وجود الشرط فلم يفسخ كما لو قال ان دخلت الدار فانت حر وباعه قبل دخولها (مسألة) (وإذا علق عتق عبده بشرط كقوله ان أديت إلي الفا فأنت حر أو ان دخلت الدار فأنت حر فهي صفة لازمة الزمها نفسه ولا يملك ابطالها بالقول قياسا على النذر) ولذلك ان اتفق السيد والعبد على ابطالها لم تبطل لذلك ولو أبرأه السيد من الالف لم يعتق بذلك ولم يبطل التعليق لانه لا حق له في ذمته يبرئه منه

[ 269 ]

(فصل) ولا يعتق قبل وجود الصفة بكمالها فلو قال لعبده إذا أديت إلي الفا فأنت حر لم يعتق حتى يؤدي الالف جميعها، وذكر القاضي ان من أصلنا ان العتق المعلق بصفة يوجد بوجود بعضها كما لو قال أنت حر ان أكلت رغيفا فأكل نصفه ولا يصح ذلك لوجوه (أحدها) ان أداء الالف شرط العتق وشروط الاحكام يعتبر وجودها بكمالها لثبوت الاحكام وتنتفي بانتفائها كسائر شروط الاحكام (الثاني) انه إذا علقه على وصف ذي عدد فالعدد وصف في الشرط ومن علق الحكم على شرط ذي وصف لم يثبت ما لم توجد الصفة كقوله لعبده ان خرجت عاريا فأنت حر فخرج لابسا لم يعتق فكذلك العدد (الثالث) انه متى كان في اللفظ ما يدل على الكل لم يحنث بفعل البعض كما لو حلف لا صليت صلاة أو لا صمت صياما لم يحنث حتى يفرغ مما سمي صلاة ويصوم يوما، ولو قال لامرأته ان حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر من الحيضة، وذكر الالف ههنا يدل على انه أراد الفا كاملة (الرابع) ان الاصل الذي ذكره فيما - إذا قال ان أكلت رغيفا فأنت حر انه يعتق بأكل بعضه - ممنوع وإنما إذا حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه يحنث في رواية في موضع يحتمل إرادة البعض ويتناوله اللفظ كمن حلف لا يصلي فشرع في الصلاة أو لا يصوم فشرع في الصيام أو لا يشرب ماء هذا الاناء فشرب بعضه ونحو هذا لان الشارع في الصلاة والصيام قد صلى وصام ذلك الجزء

[ 270 ]

الذي شرع فيه والقدر الذي شربه من الاناء هو ماء الاناء وقرينة حاله تقتضي المنع من الكل فتقتضي الامتناع من الكل ومتى فعل البعض فما امتنع من الكل فحنث لذلك ولو حلف على فعل شئ لم يبر إلا بفعل الجميع وفي مسئلتنا تعليق الحرية على أداء الالف يقتضي وجود أدائها فلا يثبت الحكم المعلق عليها دون أدائها كمن حلف ليؤدين الفا لا يبر حتى يؤديها (الخامس) ان موضع الشرط في الكتاب والسنة وأحكام الشريعة على انه لا يثبت المشروط بدون شرطه كقول النبي صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فلو قال بعضها لم يستحق إلا العقوبة وقوله (من أحيا أرضا ميتة فهي له) لا تكون له بشروعه في الاحياء، ولو قال في المسابقة من سبق إلى خمس اصابات فهو سابق لم يكن سابقا إذا سبق إلى اربع ولو قال من رد ضالتي فله دينار لم يستحقه بالشروع في ردها فكيف يخالف موضوعات الشرع واللغة بغير دليل؟ وإنما الرواية التي جاءت عن احمد في الايمان فيمن حلف أن لا يفعل شيئا ففعل بعضه: يحنث لان اليمين على الترك يقصد بها المنع فنزلت منزلة النهي والنهي عن فعل شئ يقتضي المنع من بعضه بخلاف تعليق المشروط على الشرط (فصل) وما يكتسبه العبد قبل وجود الشرط فهو لسيده لانه لا يوجد عقد يمنع كون كسبه لسيده إلا انه إذا علق عتقه على أداء مال معلوم فما أخذه السيد حسبه من المال فإذا كمل أداء المال عتق، وما فضل في يده لسيده لانه كسب عبده، وإن كان المعلق عتقه أمة فولدت لم يتبعها ولدها في أحد

[ 271 ]

الوجهين لانها أمة قن فأشبه ما لو قال ان دخلت الدار فأنت حرة ولا تجب عليها قيمة نفسها لانه عتق من السيدد فأشبه ما لو باشر العتق (فصل) إذا علق عتقه بصفة ثم باعه ثم اشتراه ووجدت الصفة عتق وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي فيها قولان (أحدهما) لا يعتق لان ملكه قيه متأخر عن عقد الصفة فلم يقع العتق فيه كما لو عقد الصفة في حال زوال ملكه عنه ولنا انه علق الصفة في ملكه وتحقق الشرط في ملكه فوجب أن يعتق كما لو لم يزل ملكه عنه، وفارق ما إذا علقها في حال زوال ملكه لانه لو نجز العتق لم يقع. فإذا علقه كان اولى بعدم الوقوع بخلاف مسئلتنا (مسألة) (إلا أن تكون الصفة وجدت منه في حال زوال ملكه فهل تعود بعوده؟ على روايتين) (إحداهما) لا تعود لانها انحلت بوجودها فلم تعد كما لو انحلت بوجودها في ملكه (والثانية) تعود لانه لم توجد الصفة التي يعتق بها فأشبه ما لو عاد إلى ملكه قبل وجود الصفة ولان الملك مقدر في الصفة فكأنه قال إذا دخلت الدار وأنت في ملكي فأنت حر ولم يوجد ذلك وقد روي عن احمد في الطلاق انه يقع لان التعليق والشرط وجدا في ملكه فاشبه ما لو لم يتخللهما دخول ومن نصر الرواية الاولى قال ان العتق معلق بشرط لا يقتضي التكرار فإذا وجد مرة انحلت اليمين وقد

[ 272 ]

وجد الدخول في ملك غيره فانحلت اليمين فلم يقع العتق به بعد ذلك ويفارق العتق الطلاق من حيث ان النكاح الثاني ينبني على النكاح الاول بدليل أن طلاقه في النكاح الاول يحتسب عليه في النكاح الثاني وينقص به عدد طلاقه والملك باليمين بخلافه (مسألة) (وتبطل الصفة بالموت) لان ملكه يزول بموته فتبطل تصرفاته بزواله كالبيع (مسألة) (وان قال ان دخلت الدار فأنت حر بعد موتي أو أنت حر بعد موتي بشهر فهل يصح ويعتق بذلك؟ على روايتين) إذا قال ان دخلت الدار بعد موتي فانت حر لم تنعقد هذه لانه علق عتقه على صفة توجد بعد زوال ملكه فلم يصح كما لو قال ان دخلت الدار بعد بيعي إياك فانت حر ولانه اعتاق له بعد قرار ملك غيره عليه فلم يعتق به كالمنجز (والثانية) يعتق ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لانه صرح بذلك فحمل عليه كما لو وصى باعتاقه وكما لو وصى ببيع سلعة ويتصدق بثمنها ويفارق التصرف بعد البيع فان الله تعالى جعل للانسان التصرف بعد موته في ثلثه بخلاف ما بعد البيع والاول أصح ان شاء الله تعالى ويفارق الوصية بالعتق وبيع السلعة لان الملك لا يستقر للورثة فيه ولا يملكون التصرف فيه بخلاف مسئلتنا وسنذكر ذلك بابسط من هذا في التدبير ان شاء الله تعالى وعنه يصح لانه اعتاق

[ 273 ]

بعد الموت فصح كما لو قال أنت حر بعد موتي، وان قال أنت حر بعد موتي بشهر فقد روي عن احمد في رواية مهنا انه لا يعتق ولا تصح هذه الصفة، وقال أيضا سألت احمد عن رجل قال انت حر بعد موتي بشهر بالف درهم فقال هذا كله لا يكون شيئا بعد موته وهذا اختيار ابي بكر، وذكر القاضي وابن ابي موسي رواية أخرى انه يعتق إذا وجدت الصفتين بعد الموت ومضت المدة المذكورة وهذا قول الثوري وابي يوسف واسحاق ووجههما ما تقدم وقال أصحاب الرأي لا يعتق حتى يعتقه الوارث وعلى قول من قال يعتق يكون قبل العتق ملكا للوارث وكسبه له كام الولد والمدبر في حياة السيد وان كان امة فولدت قبل وجود الصفة فولدها يتبعها في التدبير ويعتق بوجود الصفة كما تعتق هي والله سبحانه أعلم (فصل) إذا قال لعبد له مقيد هو حر ان حل قيده ثم قال هو حر ان لم يكن في قيده عشرة ارطال فشهد شاهدان عند الحاكم ان وزن قيده خمسة أرطال فحكم بعتقه وأمر بحل قيده فوزن فوجد وزنه عشرة أرطال عتق العبد بحل قيده وتبينا انه ما عتق بالشرط الذي حكم الحاكم بعتقه به وهل يلزم الشاهدين ضمان قيمته؟ فيه وجهان (أحدهما) يلزمهما لان شهادتهما الكاذبة سبب عتقه

[ 274 ]

واتلافه فضمنا كالشهادة المرجوع عنها ولان عتقه حكم بحكم الحاكم المبني على الشهادة الكاذبة فاشبه الحكم بالشهادة التي يرجعان عنها وهذا قول ابي حنيفة (والثاني) لا ضمان عليهما وهو قول ابي يوسف ومحمد لان عتقه لم يحصل بالحكم المبني على شهادتهما وإنما حصل بحل قيده ولم يشهدا به فوجب أن لا يضمنا كما لو لم يحكم الحاكم (فصل) وان قال لعبده أنت حر متى شئت لم يعتق حتى يشاء بالقول فمتى شاء عتق سواء كان الفور أو التراخي وان قال أنت حر ان شئت فكذلك ويحتمل أن يقف على المجلس لان ذلك بمنزلة التخيير ولو قال لامرأته اختاري نفسك لم يكن لها الاختيار إلا على الفور فان تراخى ذلك بطل خيارها كذا تعليقه بالمشيئة وان قال أنت حر كيف شئت احتمل أن يعتق في الحال وهو قول ابي حنيفة لان كيف الا تقتضي شرطا ولا وقتا ولا مكانا فلا تقتضي توقيف العتق انما هي صفة للحال فتقتضي وقوع الحرية على أي حال كان ويحتمل أن لا يعتق حتى يشاء وهو قول ابي يوسف ومحمد لان المشيئة تقتضي الخيار فتقتضي أن يعتق قبل اختياره كما لو قال أنت حرمتي شئت لان كيف تعطي ما تعطي حتى وأي فحكمهما حكمها وقد ذكر أبو الخطاب في الطلاق أنه إذا قال لزوجته أنت طالق متى شئت وكيف شئت وحيث شئت لم تطلق حتى تشاء فيجئ ههنا مثله (مسألة) (وان قال ان دخلت الدار فانت حر بعد موتي فدخل في حياة السيد صار مدبرا)

[ 275 ]

لانه وجد شرط التدبير وهو دخول الدار وان لم يدخل حتى مات بطلت الصفة لانه يزول به الملك ولم يوجد التدبير لعدم شرطه وسنذكره في التدبير ان شاء الله تعالى (مسألة) (وان قال ان ملكت فلانا فهو حرا أو كل مملوك أملكه فهو حر فهل يصح؟ على روايتين) (أحداهما) لا يصح ولا يعتق روي ذلك عن ابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وعروة والشافعي وابن المنذر ورواه الترمذي عن علي وجابر بن عبد الله وعلي بن الحسين وشريح وغير واحد من التابعين قال وهو قول اكثر أهل العلم لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا عتق فيما لا يملك ولا طلاق لابن آدم فيما لا يملك) قال الترمذي وهو حديث حسن وهو أحسن ما روي في هذا الباب، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا طلاق فيما لا يملك ابن آدم وان عينها) رواه الدارقطني، وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا طلاق قبل نكاح) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا طلاق قبل ملك) رواه أبو داود الطيالسي قال أحمد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من الصحابة ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا فكان اجماعا وهذا ظاهر المذهب ولانه لا يملك بتخيير العتق فلم يملك تعليقه (والثانية) يعتق إذا ملكه لانه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه فيه فأشبه ما لو كان التعليق في ملكه، وروى أبو طالب عن أحمد أنه قال ان اشتريت هذا الغلام فهو حر فاشتراه عتق

[ 276 ]

قال أبو بكر في كتاب الشافعي لا يختلف قول أبي عبد الله ان العتاق يقع الا ما روى محمد بن الحسن ابن هارون في العتق أنه لا يقع وما اراه الا غلطا فان كان قد حفظ فهو قول آخر ولانه لو قال لامته أول ولد تلدينه فهو حر فانه يصح كذلك هذا وهو قول الثوري وأصحاب الرأي ولانه يصح تعليقه على الاخطار فصح تعليقه على حدوث الملك كالوصية والنذر واليمين وقال مالك ان خص جنسا من الاجناس أو عبدا بعينه عتق إذا ملكه وان قال كل عبد املكه لم يصح والاول أصح ان شاء الله تعالى لانه تعليق للعتق قبل الملك فأشبه ما لو قال لامة غيره: ان دخلت الدار فأنت حرة ثم ملكها ودخلت الدار ولما ذكرنا من الاحاديث (مسألة) (فان قال العبد ذلك ثم عتق وملك عتق في أحد الوجهين قياسا على الحر (والثاني) لا يعتق وهو الصحيح) لان العبد لا يصح العتق منه حين التعليق لكونه لا يملك وإن ملك فهو ملك ضعيف غير مستقر لا يتمكن من التصرف فيه وللسيد انتزاعه منه بخلاف الحر (فصل) إذا قال الحر أول غلام أملكه فهو حر انبنى ذلك على العتق قبل الملك وفيه روايتان ذكرناهما فان قلنا يصح عتق اول من يملكه لوجود الشرط فان ملك اثنين معا عتق احدهما بالقرعة في قياس قول احمد فانه قال في رواية مهنا إذا قال اول من يطلع من عبيدي فهو حر فطلع اثنان منهم أو جميعهم فانه يقرع بينهم ويحتمل ان يعتقا جميعا لان الاولية وجدت فيهما جميعا فثبتت الحرية

[ 277 ]

فيهما كما لو قال في المسابقة من سبق فله عشرة فسبق اثنان اشتركا في العشرة، وقال النخعي يعتق أيهما شاء وقال أبو حنيفة لا يعتق واحد منهما لانه لا أول فيهما لان كل واحد منهما مساو للآخر ومن شرط الاولية سبق الاول ولنا ان هذين لم يسبقهما غيرهما فكانا أول كالواحد وليس من شرط الاول ان يأتي بعده ثان بدليل ما لو ملك واحدا ولم يملك بعده شيئا، وإذا وجدت الصفة فيهما فاما ان يعتقا جميعا أو يعتق أحدهما وتعينه القرعة على ما نذكره، وكذلك الحكم فيما إذا قال أول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين خرجا معا (مسألة) (وان قال آخر مملوك أشتريه فهو حر فملك عبيدا لم يعتق واحد منهم حتى يموت) لانه ما دام حيا فانه يحتمل ان يشتري عبدا يكون هو الآخر فإذا مات عتق آخرهم وتبينا أنه كان حرا حين ملكه فتكون اكسابه له وإن كان أمة كان اولادها احرارا من حين ولدتهم لانهم أولاد حرة وإن كان وطئها فعليه مهرها لانه وطئ حرة أجنبية ولا يحل له أن يطأها إذا اشتراها حتي يشتري بعدها غيرها لانه ما لم يشتر بعدها غيرها فهي آخر في الحال وإنما يزول ذلك بشراء غيرها فوجب أن يحرم الوطئ وإن اشترى اثنين دفعة واحدة ثم مات فالحكم في عتقهما كالحكم فيما إذا ملك اثنين في الفصل الذي قبله

[ 278 ]

(فصل) إذا قال اول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين واشكل أولهما خروجا اخرج بالقرعة كالتي قبلها فان علم أولهما خروجا عتق وحده وهو قول مالك والثوري وابي هاشم والشافعي وابن المنذر وقال الحسن والشعبي وقتادة إذا ولدت ولدين في بطن فهما حران ولنا انه انما اعتق الاول والذي خرج سابقا هو الاول من المولودين فاختص العتق به فهو كما لو ولدتهما في بطنين فان ولدت الاول ميتا والثاني حيا فذكر الشريف أنه يعتق الحي منهما وبه قال أبو حنيفة وقال ابو يوسف ومحمد والشافعي لا يعتق واحد منهما وهو الصحيح قاله شيخنا لان شرط العتق انما وجد في الميت وليس محلا للعتق فانحلت اليمين به وانما قلنا ان شرط العتق وجد فيه لانه أول ولد بدليل أنه إذا قال لامته إذا ولدت فأنت حرة فولدت ولدا ميتا عتقت، ووجه الاول ان العتق يستحيل في الميت فتعلقت اليمين بالحي كما لو قال ان ضربت فلانا فعبدي حر فضربه حيا عتق وان ضربه ميتا لم يعتق ولانه معلوم من طريق العادة أنه قصد عقد يمينه على ولد يصح العتق فيه وهو أن يكون حيا فتصير الحياة مشروطة فيه فكأنه قال أول ولد تلدينه حيا (فصل) فان قال لامته كل ولد تلدينه فهو حر عتق كل ولد ولدته في قول جمهور العلماء منهم مالك والاوزاعي والليث والثوري والشافعي قال ابن المنذر لا أحفظ عن غيرهم خلافهم فان باع الامة ثم ولدت لم يعتق ولدها لانها ولدتهم بعد زوال ملكه

[ 279 ]

(مسألة) (فان قال لامته آخر ولد تلدينه فهو حر فولدت حيا ثم ميتا لم يعتق الاول) لانه لم يوجد شرط عتقه وعلى قياس قول الشريف وابي حنيفة فيما إذا قال أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ميتا ثم حيا يعتق الحي وان ولدت ميتا ثم حيا عتق الثاني لوجود شرطه وان ولدت توأمين فأشكل الآخر منهما فان أحدهما استحق العتق ولم يعتق بعينه فوجب اخراجه بالقرعة وسيأتي ذلك ان شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يتبع ولد المعتقة بالصفة أمه في العتق في أصح الوجهين الا أن تكون حاملا به حال عتقها أو حال تعليق عتقها) إذا علق عتق أمة بصفة وهي حامل تبعها ولدها في ذلك لانه كعضو من أعضائها فان وضعته قبل وجود الصفة ثم وجدت الصفة عتق لانه تابع في الصفة فأشبه ما لو كان في البطن وان كانت حائلا حين التعليق ثم وجدت الصفة وهي حامل عتقت هي وحملها لان العتق وجد فيها وهي حامل فتبعها ولدها كالمنجز فان حملت بعد التعليق وقبل وجود الصفة ثم وجدت بعد ذلك لم يعتق الولد لان الصفة لم تتعلق به في حال التعليق، وفيه وجه آخر أنه يتبعها في العتق لا في الصفة فإذا ولم توجد فيها لم توجد فيه بخلاف ولد المدبرة فانه يتبعها في التدبير وإذا بطل فيها بقي فيه

[ 280 ]

(مسألة) وإذا قال لعبده أنت حر وعليك ألف أو على الف عتق ولا شئ عليه وعنه ان لم يقبل لم يعتق) إذا قال لعبده أنت حر وعليك الف عتق ولا شئ عليه لانه أعتقه بغير شرط وجعل عليه عوضا لم يقبله فعتق ولم يلزمه الالف هكذا ذكر المتأخرون من أصحابنا ونقل جعفر بن محمد قال سمعت ابا عبد الله قيل له إذا قال انت حر وعليك ألف درهم فقال جيد قيل له فان لم يرض العبد قال لا يعتق إنما قال له على ان يؤدي إليه الفا فان لم يود فلا شئ فان قال انت حر على الف فكذلك في احدى الروايتين لان على ليست من أدوات الشرط ولا البدل فاشبه قوله وعليك ألف والثانية ان قبل العتق عتق ولزمته الالف وإن لم يقبل لم يعتق وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وهذه الرواية هي الصحيحة لانه أعتقه بعوض فلم يعتق بدون قبوله كما لو قال انت حر بالف ولان على تستعمل للشرط والعوض قال الله تعالى (قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) وقال (فهل نجعل لك خرجا على ان تجعل بيننا وبينهم سدا) وقال (اني أريد أن أنكحك احدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) ولو قال في النكاح زوجتك ابنتى على خمسمائة درهم وقال الآخر قبلت صح النكاح ووجب الصداق

[ 281 ]

(مسألة) (وان قال على ان تخدمني سنة فكذلك) وقيل ان لم يقعل لم يعتق رواية واحدة فعلى هذا إذا قبل العبد عتق في الحال ولزمته خدمته سنة وان مات السيد قبل كمال السنة رجع على العبد بقيمة ما بقي من الخدمة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تسقط قيمة العبد على خدمة السنة فيسقط منها بقدر ما مضى ويرجع عليه بما بقي من قيمته ولنا ان العتق عقد لا يلحقه الفسخ فإذا تعذر فيه استيفاء العوض رجع إلى قيمته كالخلع في النكاح والصلح في دم العبد فإذا قال انت حر على ان تعطيني الفا فالصحيح أنه لا يعتق حتى يقبل فإذا قبل عتق ولزمه الالف فاما ان قال أنت حر بالف لم يعتق حتى يقبل ويلزمه الالف (فصل) قال رضي الله عنه وإذا قال كل مملوك لي حر عتق عليه مكاتبوه ومدبروه وأمهات أولاده وشقص يملكه لان اللفظ عام فيهم فعتقوا كما لو عينهم وذكر ابن أبي موسى في الارشادان الشقض لا يعتق الا ان ينوبه لانه لا يملكه كله والاول المذهب

[ 282 ]

(مسألة) (وان قال أحد عبدي حر اقرع بينهما فمن وقعت له القرعة فهو حر من حين اعتقه) إذا قال أحد عبدي حر ولم ينو واحدا بعينه عتق أحدهم بالقرعة وليس للسيد التعيين ولا للوارث بعده، فان قال اردت هذا بعينه قبل منه وعتق لان ذلك انما يعرف من جهته وقال أبو حنيفة والشافعي للمعتق التعيين ويطالب بذلك فيعتق من عينه وان لم يكن نواه حالة القول وإذا عتق بتعيينه فليس لسائر العبيد الاعتراض عليه لان له تعيين العتق ابتداء فإذا أوقعه غير معين كان له تعيينه كالطلاق ولنا ان مستحق العتق غير معين فلم يملك تعيينه ووجب ان يميز بالقرعة كما لو اعتق الجميع في مرضه ولم يخرجوا من الثلث وكما لو اعتق معينا ثم نسيه والطلاق كمسئلتنا فان مات المعتق ولم يعين

[ 283 ]

فالحكم عندنا لا يختلف وليس للورثة التعيين بل يخرج المعتق بالقرعة وقد نص الشافعي على هذا إذا قالوا لا ندري ايهم اعتق وقال أبو حنيفة لهم التعيين لانهم يقومون مقام موروثهم وقد سبق الكلام في المعتق وقوله من حين اعتقه يريد ان العبد ان كان اكتسب مالا بعد العتق فهو له دون سيده لانا تبينا أنه اكتسبه في حال الحرية (فصل) ولو اعتق احدى امائه غير معينه ثم وطئ احداهن لم يتعين الرق فيها وبه قال ابو حنيفة

[ 284 ]

وقال الشافعي يتعين الرق فيها لان الحرية عنده تتعين بتعيينه ووطؤه دليل على تعيينه وقد سبق الكلام معه (مسألة) (وان مات أحد العبدين أقرع بينه وبين الحي فان وقعت على الميت حسبناه من التركة وقومناه حيت الاعتاق سواء مات في حياة سيده أو بعده قبل القرعة) وبهذا قال الشافعي وقال مالك ان مات قبل موت سيده فالحي جميع التركة ولا يعتق الا ثلثه ولا يعتبر الميت لانه ليس بمحسوب من التركة ولهذا لو اعتق الحي بعد موته لاعتقنا ثلثه

[ 285 ]

ولنا ان الميت احد المعتقين فوجب ان يقرع بينه وبين الحي كما لو مات بعد سيده ولان المقصود من العتق تحصيل ثوابه وهو يحصل في حق الميت فيدخل في القرعة كالذي مات بعد سيده فعلى هذا ان خرجت القرعة على الميت حسبناه من التركة وقومناه حين الاعتاق لانه حين الاتلاف وان وقعت على الحي نظرت في الميت فان كان موته قبل موت سيده أو بعده قبل قبض الوارث له لم نحسبه من التركة لانه لم يصل إلى الوارث فتكون التركة الحي وحده فيعتق ثلثه وتعتبر قيمته حين الاعتاق لانه حين اتلافه وتعتبر قيمة التركة باقل الامرين من حين الموت إلى حين قبض

[ 286 ]

الوارث لان الزيادة تجددت على ملك الوارث فلم تحسب عليه من التركة والنقصان قبل القبض فلم يحصل له فاشبه الشارد والآبق وانما يحسب عليه ما حصل في يديه ولا يحسب الميت من التركة لانه وصل إليهم وجعلناه كالحي في تقويمه معه والحكم باعتاقه ان وقعت القرعة عليه أو من الثلثين ان وقعت القرعة على غيره وتحسب قيمته أقل الامرين من حين موت سيده إلى حين قبضه

[ 287 ]

(فصل) فان دبر ثلاثة اعبد أو وصى بعتقهم فمات أحدهم في حياته بطل تدبيره والوصية فيه واقرع بين الحيين واعتق من أحدهما ثلثهما لان الميت لا يمكن الحكم بوقوع العتق فيه لكونه مات قبل الوقت الذي يعتق فيه، وقبل تحقق شرط العتق بخلاف التي قبلها فان العتق حصل من حين الاعتاق وانما القرعة تبينه وتكشفه ولهذا يحكم بعتقه من حين الاعتاق ويكون كسبه له وحكمه حكم الاحرار في سائر أحواله، وإن مات المدبر بعد موت سيده أقرع بينه وبين الاحياء لان العتق حصل من حين موت السيد (مسألة) (وإن أعتق عبدا أو نسيه أخرج بالقرعة) هذا قياس قول احمد وهو قول الليث، وقال الشافعي يقف الامر حتى يذكر فان مات قبل أن يبين أقرع الورثة بينهم، وقال ابن وهب يعتقون كلهم، وقال مالك ان أعتق عبدا له ومات ولم يبين وكانوا ثلاثة عتق منهم بقدر ثلثهم وان كانوا اربعة عتق منهم بقدر ربع قيمتهم وعلى هذا فيقرع بينهم فان خرجت القرعة على من قيمته أقل من الربع أعيدت القرعة حتى يكمل وقال اصحاب الرأي ان قال الشهود نشهد ان فلانا أعتق بعض عبيده ونسيناه فشهادتهم باطلة ونحو هذا قول الشعبي والاوزاعي ولم يذكروا ما ذكره اصحاب الرأي في الشهادة

[ 288 ]

ولنا أن مستحق العتق غير معين فأشبه ما لو أعتق جميعهم في مرض موته (مسألة) (فان علم بعد ان المعتق غيره عتق وهل يبطل عتق الاول؟ على وجهين) (أحدهما) يبطل ويرد إلى الرق ويعتق الذي عينه لانه تبين له المعتق فيعتق دون غيره كما لو لم يقرع (والثاني) يعتقان معا قاله الليث ومقتضى قول ابن حامد لان الاول ثبتت الحرية فيه بالقرعة فلا تزول كسائر الاحرار، ولان قول العتق ذكرت من كنت نسيته يتضمن اقراره بحرية من ذكره واقرارا على غيره فقبل اقراره على نفسه دون غيره. اما إذا لم يقرع فانه يقبل قوله فيعتق من عينه ويرق غيره فإذا قال اعتقت هذا عتق ورق الباقون، وان قال أعتقت هذا لا بل هذا عتقا جميعا لانه أقر بعتق الاول فلزمه ثم اقر بعتق الثاني فلزمه ولم يقبل رجوعه عن اقراره الاول وكذلك الحكم في اقرار الوارث (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وان أعتق في مرض موته ولم يجز الورثة اعتبر من ثلثه) إذا اعتق في مرض الموت المخوف اعتبر من الثلث إذا لم يجز الورثة وكذلك التدبير والوصية بالعتق لانه تبرع بمال أشبه الهبة ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز من عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه الا ثلثهم وما زاد على الثلث ان أجازوه فان ردوه بطل لان الحق لهم فجاز باجازتهم وبطل بردهم

[ 289 ]

(مسألة) (وان أعتق جزءا من عبده أو دبره وهو ان يقول إذا مت فنصف عبدي حر ثم مات فان كان النصف المدبر ثلث ماله من غير زيادة عتق ولم يسير) لانه لو دبره كله لم يعتق منه الا ثلثه فإذا لم يدبر الا ثلثه كان اولى، وان كان العبد كله يخرج من الثلث ففي تكميل الحرية روايتان (إحداهما) تكمل وهو قول أكثر الفقهاء منهم ابو حنيفة واصحابه لانهم يرون التدبير كالعتق في السراية وهو أحد قولي الشافعي لانه اعتق البعض عبده فعتق جميعه كما لو أعتقه في حياته (والثانية) لا يكمل العتق فيه لانه لا يمنع جواز البيع قلم يسير كتعليقه بالصفة في الحياة فاما ان اعتق بعض عبده في مرضه فهو كعتق جميعه ان خرج من الثلث عتق جميعه والا عتق منه بقدر الثلث لان الاعتاق في المرض كالاعتاق في الصحة الا في اعتباره من الثلث، وتصرف المريض في ثلثه في حق الاجنبي كتصرف الصحيح في جميع ماله وعنه لا يعتق منه الا ما أعتق كما لو أعتق شركا له في عبد وثلثه يحتمل جميعه (فصل) وإذا دبر أحد الشريكين نصيبه صح ولم يلزمه لشريكه في الحال شئ وهذا قول الشافعي فإذا مات عتق الجزء المدبر إذا خرج من ثلثه وفي سرايته إلى نصيب الشريك ما ذكرنا في المسألة قبلها وقال مالك إذا دبر نصيبه تقاوماه فان صار للمدبر صار مدبرا كله وان صار للآخر صار

[ 290 ]

رقيقا كله وقال الميث يغرم المدبر لشريكه قيمة نصيبه ويصير العبد كله مدبرا فان لم يكن له مال سعى العبد في قيمة نصيب الشريك فإذا أداها صار مدبرا كله، وقال ابو يوسف ومحمد يضمن المدبر للشريك قيمة حقه موسرا كان أو معسرا ويصير المدبر له، وقال أبو حنيفة الشريك بالخيار إن شاء دبر وان شاء أعتق وان شاء استسعى العبد وان شاء ضمن صاحبه ان كان موسرا، ولنا انه تعليق المعتق على صفة فصح في نصيبه كما لو علقه بموت شريكه (مسألة) وان اعتق في مرضه شركا له في عبد أو دبره وثلثه يحتمل باقيه أعطي الشريك وكان جميعه حرا في إحدى الروايتين والاخرى لا يعتق الا ما ملك منه) وجملته أنه إذا ملك شقصا من عبد فاعتقه في مرض موته أو دبره أو وصى بعتقه ثم مات ولم يف ثلث ماله بقيمة نصيب الشريك لم يعتق إلا نصيبه بغير خلاف نعلمه الا قولا شاذا أو قول من يرى السعاية وذلك لانه ليس له من ماله إلا الثلث الذي استغرقته قيمة الشقص فيبقى معسرا بمنزلة من اعتق في صحته شقصا وهو معسر فان كان ثلث ماله يفي بقيمة حصة شريكه سرى إلى نصيب الشريك في إحدى الروايتين فيعتق العبد كله ويعطى الشريك قيمة نصيبه من الثلث لان ملك المعتق لثلث المال تام له انتصرف فيه بالتبرع وغيره فهو كمال الصحيح فأشبه عتق الصحيح الموسر والثانية لا يعتق الا حصته لان ملكه يزول إلى ورثته بموته فلا يبقى شئ يقضى منه الشريك وبه قال الاوزاعي

[ 291 ]

وقال القاضي ما اعتقه في مرض موته سرى وما دبره أو وصى بعتقه لم يسر فالرواية في سراية العتق في حال الحياة أصح والرواية في وقوفه في التدبير أصح وهذا مذهب الشافعي لان العتق في الحياة ينفذ في حال ملك المعتق وصحة تصرفه وتصرفه في ثلثه كتصرف الصحيح في ماله كله وأما التدبير والوصية فانما يحصل العتق به في حال زوال ملك المعتق وتصرفاته. (مسألة) (وان اعتق في مرضه ستة أعبد قيمتهم سواء وثلثه يحتملهم ثم ظهر عليه دين يستغرقهم بيعوا في دينه ويحتمل ان يعتق ثلثهم) وجملة ذلك ان المريض إذا اعتق عبيده في مرضه أو دبرهم أو وصى بعتقهم وهم يخرجون من ثلثه في الظاهر فاعتقناهم ثم مات فظهر عليه دين يستغرقهم تبينا بطلان عتقهم وبقاء رقهم فيباعون في الدين ويكون عتقهم وصية والدين يقدم على الوصية قال علي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضي بالدين قبل الوصية ولان الدين يقدم على الميراث بالاتفاق ولهذا تباع التركة في قضاء الدين وقد قال الله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين) والميراث مقدم على الوصية في الثلثين فما يقدم على الميراث يجب ان يقدم على الوصية، وبهذا قال الشافعي ورد ابن أبي ليلى عبدا اعتقه سيده عند الموت وعليه دين قال احمد أحسن ابن ابي ليلى وذكر أبو الخطاب رواية أخرى في الذي يعتق عبده في مرضه وعليه دين أنه يعتق منه بقدر الثلث ويرد الباقي لان تصرف المريض في ثلثه

[ 292 ]

كتصرف الصحيح في جميع ماله وكما لو لم يكن عليه دين، وقال قتادة وأبو حنيفة واسحاق بسعي العبد في قيمته. ولنا انه تبرع في مرض موته بما يعتبر خروجه من الثلث فقدم عليه الدين كالهبة ولانه معتبر من الثلث فقدم عليه الدين كالوصية وخفاء الدين لا يمنع ثبوت حكمه ولهذا يملك الغريم استيفاءه فيتبين انه اعتقهم وقد استحقهم الغريم بدينه فلم ينفذ عتقه كما لو أعتق ملك غيره فان قال الورثة نحن نقضي الدين ونمضي العتق لم ينفذ في أحد الوجهين حتى يبتدئوا العتق لان الدين كان مانعا منه فيكون باطلا ولا يصح بنوال المانع بعده (والثاني) ينفذ العتق لان المانع منه انما هو الدين فإذا سقط وجب نفوذه كما لو اسقط الورثة حقوقهم من ثلثي التركة بعد العتق في الجميع ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين وقيل ان أصل الوجهين إذا تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره وعلى الميت دين وقضي الدين هل ينفذ؟ فيه وجهان: (فصل) فان أعتق المريض ثلاثة اعبد لا مال له غيرهم فاقرع الورثة فاعتقوا واحدا وارقوا اثنين ثم ظهر عليه دين يستغرق نصفهم ففيه وجهان: (أحدهما) تبطل القرعة لان الدين شريك في الاقراع فإذا حصلت القسمة مع عدمه كانت باطلة

[ 293 ]

كما لو قسم شريكان دون شريكهما الثالث (والثاني) يصح الاقراع لانه لا يمكن امضاء القسمة وافراد حصة الدين من كل واحد من النصيبين لان القرعة دخلت لاجل العتق دون الدين فيقال للورثة اقضوا ثلثي الدين وهو بقدر قيمة نصف العبدين اللذين بقيا اما من العبيد واما من غيرهم ويجب رد نصف العبد الذي عتق فان كان الذي اعتق عبدين اقرعنا بينهما فإذا خرجت القرعة على احدهما وكان بقدر السدس من التركة عتق وبيع الآخر في الدين وان كان اكثر منه عتق منه بقدر السدس وان كان أقل عتق وعتق من الآخر تمام السدس. (مسألة) (وان أعتقهم فاعتقنا ثلثهم ثم ظهر له مال يخرجون من ثلثه عتق من ارق منهم) وجملته أنه إذا أعتق عبيده في مرضه أو دبرهم أو وصى بعتقهم لم يعتق منهم الا الثلث ويرق الثلثان إذا لم يجز الورثة عتقهم فإذا فعلنا ذلك ثم ظهر له مال بقدر ثلثيهم تبينا انهم قد عتقوا من حين أعتقهم أو من حين موته إن كان دبرهم أو وصى بعتقهم لان تصرف المريض في ثلث ماله نافذ وقد بان أنهم ثلث ماله وخفا ذلك علينا لا يمنع كونه موجودا فلا يمنع كون العتق واقعا فعلى هذا يكون حكمهم حكم الاحرار من حين اعتقهم فيكون كسبهم لهم وان كانوا قد تصرف فيهم ببيع أو هبة أو رهن أو تزويج بغير إذن كان باطلا وان كانوا قد تصرفوا فحكم تصرفهم حكم تصرف الاحرار فلو تزوج عبد منهم بغير اذن سيده كان نكاحه صحيحا ووجب عليه المهر وان ظهر له مال

[ 294 ]

بقدر قيمتهم عتق ثلثاهم لانه ثلث جميع المال فيقرع بين الذين وقفوا فيعتق من تقع له القرعة ان وفى الثلثان بقيمته وقيمة الاول والا عتق منه تمام الثلثين وان ظهر له مال بقدر نصفهم عتق نصفهم وان كان بقدر ثلثهم عتق أربعة اتساعهم وعلى هذا الحساب (فصل) وان وصى بعتق عبد له يخرج من الثلث وجب على الوصي اعتاقه فان وصى بذلك ورثته لزمهم اعتاقه فان امتنعوا أجبرهم السلطان أو من ينوب منابه كالحاكم لان هذا حق لله تعالى وللعبد ومن وجب عليه ذلك ناب السلطان عنه أو نائبه كالزكاة والديون فإذا اعتقه الوارث أو السلطان عتق وما اكتسبه في حياة الموصي فهو للموصي يكون من تركته ان بقي بعده لانه كسب عبده القن وما كسبه بعد موته وقبل اعتاقه فهو للوارث وقال القاضي هو للعبد لانه كسبه بعد استقرار سبب العتق فكان له ككسب المكاتب وقال بعض أصحاب الشافعي فيه قولان مبنيان على القولين في كسب العبد الموصى به قبل قبول الوصية. ولنا انه عبد قن فكان كسبه للورثة كغير الموصى بعتقه وكالمعلق عتقه بصفة وفارق المكاتب فانه يملك كسبه قبل عتقه فكذلك بعده ويبطل ما ذكروه بام الولد فان عتقها قد استقر سببه في حياة سيدها وكسبها له والموصى به ممنوع وان سلمناه فالفرق بينهما أن الموصى به قد تحقق فيه سبب الملك وانما وقف على شرط هو القبول فإذا وجد الشرط استند الحكم إلى ابتداء السبب وفي الوصية

[ 295 ]

بالعتق ما وجد السبب وانما اوصى بايجاده وهو العتق فإذا وجد لم يجز أن يثبت حكمه سابقا عليه ولهذا يملك الموصى له القبول بنفسه والعبد ههنا لا يملك أن يعتق نفسه فان مات العبد قبل موت سيده وقبل اعتاقه فما كسبه للورثة على قولنا ولا نعلم قول مخالفينا فيه (فصل) فان علق عتق عبده على شرط في صحته فوجد في مرضه اعتبر خروجه من الثلث قاله أبو بكر وقد نص احمد على مثل هذا في الطلاق وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر انه يعتق من رأس المال وهو مذهب الشافعي لانه يتهم فيه أشبه العتق في صحته ولنا أنه عتق في حال تعلق حق الورثة بثلثي ماله فاعتبر من الثلث كالمنجز وقولهم لا يتهم فيه قلنا وكذلك العتق المنجز لا يتهم فيه فان الانسان لا يتهم بمحاباة غير الوارث وتقديمه على وارثه وانما منع منه لما فيه من الضرر بالورثة وهو حاصل ههنا ولو قال إذا قدم زيد وانا مريض فانت حر فقدم وهو مريض كان معتبرا من الثلث وجها واحدا (مسألة) وان لم يظهر له مال جزأنا لهم ثلاثة اجزاء كل اثنين جزءا وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق فمن خرج له سهم الحرية عتق ورق الباقون وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان ومالك والشافعي

[ 296 ]

واسحاق وداود وابن جرير وقال أبو حنيفة يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في باقيه وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وشريح الشعبي والنخعي وقتادة وحماد لانهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون في الاستحقاق كما لو كان لا يملك إلا ثلثهم وحده وهو ثلث ماله أو كما لو وصى بكل واحد منهم لرجل، وأنكر أصحاب أبي حنيفة القرعة وقالوا هي من القمار وحكم الجاهلية ولعلهم يردون الخبر الوارد في هذه المسألة لمخالفته قياس الاصول وذكر الحديث لحماد فقال هذا قول الشيخ - يعنى ابليس - فقال له محمد بن ذكوان وضع القلم عن ثلاثة (أحدهم) المجنون حتى يفيق يعني - أنك مجنون - فقال له حماد ما دعاك إلى هذا؟ فقال محمد وأنت ما دعاك إلى هذا وهذا قليل في جواب حماد وكان حريا أن يستتاب عن هذا، فان تاب وإلا ضربت عنقه. ولنا ما روى عمران بن حصين ان رجلا من الانصار أعتق ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أجزاء فأعتق اثنين وارق أربعة وهذا نص في محل الننزاع وحجة لنا في الامرين المختلف فيهما وهما جمع الحرية واستعمال القرعة، وهو حديث صحيح رواه مسلم وابو داود وسائر أصحاب السنن، ورواه عن عمران بن الحصين الحسن وابن سيرين وابو المهلب ثلاثة أئمة ورواه الامام أحمد عن اسحاق بن عيسى عن هشيم عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابي زيد الانصاري

[ 297 ]

رجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وروي نحوه عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولانه حق في تفريقه ضرر فوجب جمعه بالقرعة كقسمة الاجبار إذا طلبها أحد الشركاء ونظيره من القسمة ما لو كانت دار بين اثنين لاحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها وفيها ثلاثة مساكن متساوية لا ضرر في قسمتها فطلب أحدهما القسمة فانه يجعل كل بيت سهما ويقرع بينهم بثلاثة اسهم لصاحب الثلث سهم وللآخر سهمان وقولهم ان الخبر يخالف قياس الاصول نمنع ذلك بل هو موافق لما ذكرناه وقياسهم فاسد لانه إذا كان ملكهم ثلثهم وحده لم يكن جميع نصيبه والوصية لا ضرر في تفريقها بخلاف مسئلتنا وان سلمنا مخالفته قياس الاصول فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع سواء وافق القياس أو خالفه لانه قول المعصوم الذي جعل الله عزوجل قوله حجة على الخلق أجمعين وأمر باتباعه وطاعته وحذر العقاب في مخالفة أمره وجعل الفوز في طاعته والضلال في معصيته وتطرق الخطأ إلى القائس في قياسه أغلب من تطرق الخطأ إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والائمة بعدهم في روايتهم على أنهم قد خالفوا قياس الاصول باحاديث ضعيفة فأوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر ونقضوا الوضوء بالقهقهة في الصلاة دون خارجها وقولهم في مسئلتنا في مخالفة القياس والاصول أشد وأعظم والضرر في مذهبهم أعظم وذلك لان الاجماع منعقد على ان صاحب الثلث في الوصية وما في معناها لا يحصل له شئ حتى

[ 298 ]

يحصل للورثة مثلاه وفي مسئلتنا يعتقون الثلث ويستسعون العبد في الثلثين فلا يحصل للورثة شئ في الحال ويحيلونهم على السعاية فربما لا يحصل منها شئ أصلا وربما لا يحصل منها في الشهر الا اليسير كالدرهم والدرهمين فيكون هذا كمن لم يحصل له شئ وفيه ضرر على العبيد لانهم يجبرونهم على الكسب والسعاية من غير اختيارهم وربما كان المجبر جارية فيحملها ذلك على البغاء أو عبدا فيسرق أو يقطع الطريق وفيه ضرر على الميت حيث أفضوا بوصيته إلى الظلم والاضرار وتحقيق ما يوجب له العقاب من ربه والدعاء عليه من عبيده وورثته، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه في حق الذي فعل هذا قال (لو شهدته لم يدفن في مقابر المسلمين) قال ابن عبد البر في قول الكوفيين ضروب من الخطأ والاضطراب مع مخالفة السنة الثابتة وأشار إلى ما ذكرناه وأما انكارهم القرعة فقد جاءت في الكتاب والسنة والاجماع، قال الله تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ايهم يكفل مريم) وقال سبحانه (فساهم فكان من المدحضين) وأما السنة فقال احمد في القرعة خمس سنن أقرع بين نسائه وأقرع في ستة مملوكين وقال لرجلين (استهما) وقال (مثل القائم بحدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة) وقال (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول لاستهموا عليه) وفي حديث الزبير ان صفية جاءت بثوبين ليكفن فيهما حمزة فوجدنا إلى جنبه قتيلا فقلنا لحمزة ثوب وللانصاري ثوب فوجدنا احد الثوبين اوسع من الآخر فأقرعنا عليهما ثم

[ 299 ]

كفنا كل واحد في الثوب الذي طار له وتشاح الناس يوم القادسية في الاذان فاقرع بينهم سعد واجمع العلماء على استعمالها في القسمة ولا نعلم بينهم خلافا في ان الرجل يقرع بين نسائه إذا اراد السفر باحداهن وإذا اراد البداية في القسمة بينهن وبين الاولياء إذا تشاموا فيمن يتولى التزويج أو من يتولى استيفاء القصاص واشباه هذا. (فصل) في كيفية القرعة قال احمد قال سعيد بن جبير يقرع بينهم بالخواتيم اقرع بين اثنين في ثوب فاخرج خاتم هذا وخاتم هذا ثم قال يخرجون بالخواتيم ثم تدفع إلى رجل فيخرج منها واحدا قال احمد بأي شئ خرجت مما يتفقان عليه وقع الحكم به سواء كان رقاعا أو خواتيم، وقال اصحابنا المتأخرون الاولى ان يقطع رقاعا صغارا مستوية ثم تجعل في بنادق شمع أو غيره متساوية القدر والوزن ثم تلقى في حجر رجل لم يحضر ويغطى عليها بثوب ثم يقال له ادخل يدك فاخرج بندقة فنفضها ونعلم ما فيها، وهذا قول الشافعي وفي كيفية القرعة والعتق ست مسائل. (احدها) ان يعتق عددا من العبيد لهم ثلث صحيح كثلاثة أو تسعة أو ستة (أو قيمتهم متساوية) ولا مال له غيرهم فيجزءون ثلاثة اجزاء جزءا للحرية وجزأين للرق ويكتب ثلاث رقاع في واحد حرية وفي اثنين رق وتترك في ثلاث بنادق وتغطى بثوب ويقال لرجل لم يحضر اخرج على اسم هذا الجزء فان خرجت قرعة الحرية عتق ورق الجزآن الآخران وان خرجت رق رق وأخرجت

[ 300 ]

اخرى على جزء آخر فان خرجت رقعة الحرية عتق ورق الجزء الثالث وان خرجت قرعة الرق رق وعتق الجزء الثالث لان الحرية تعينت فيهم وان شئت كتبت اسم كل جزء في رقعة ثم اخرجت رقعة على الحرية فإذا اخرجت رقعة عتق المسمون فيها ويرق الباقون وان اخرجت رقعة على الرق رق المسمون فيها ثم تخرج اخرى على الرق فيرق المسمون فيها ويعتق الجزء الثالث وان اخرجت الثانية على الحرية عتق المسمون فيها ورق الثالث (المسألة الثانية) أن تمكن قسمتهم أثلاثا وقيمتهم مختلفة يمكن تعديلهم بالقيمة كستة قيمة اثنين منهم ثلاثة آلاف وقيمة اثنين ألفان وقيمة اثنين الف فتجعل الاثنين الاوسطين جزءا وتجعل اثنين قيمة أحدهما ثلاثة آلاف مع آخر قيمته الف جزءا والآخرين جزءا فتكون ثلاثة اجزاء متساوية في العدد والقيمة على ما قدمناه في المسألة الاولى قيل لاحمد لم يستووا في القيمة؟ قال يقومون بالثمن. (المسألة الثالثة) أن يتساووا في العدد ويختلفوا في القيمة ولا يمكن الجمع بين تعديلهم بالعدد والقيمة معا ولكن يمكن تعديلهم بكل واحد منهما منفردا كستة أعبد قيمة أحدهم الف وقيمة اثنين الف وقيمة ثلاثة ألف فانهم يعدلون بالقيمة دون العدد نص عليه احمد فقال إذا كانت قيمة واحد مثل اثنين قوم لانه لا يجوز أن يقع العتق في أكثر من الثلث ولا أقل وفي قسمته بالعدد تكرار القرعة وتبعيض العتق حتى يكمل الثلث فكان التعديل بالقيمة أولى بيان ذلك انا لو جعلنا مع الذي قيمته

[ 301 ]

ألف آخر فخرجت قرعة الحرية لهما احتجنا أن نعيد القرعة بينهما فإذا خرجت على القليل القيمة عتق وعتق من الذي قيمته ألف تمام الثلث وان وقعت قرعة الحرية على اثنين قيمتهما دون الثلث عتقا ثم أعيدت لتكميل الثلث فإذا وقعت على واحد كملت الحرية منه فحصل ما ذكرناه من التبعيض والتكرار، ولان قسمتهم بين المشتركين فيهم إنما يعدلون فيها بالقيمة دون الاجزاء فعلى هذا تجعل الذي قيمته ألف جزءا والاثنين اللذين قيمتهما ألف جزءا والثلاثة الباقين جزءا ثم يقرع بينهم على ما ذكرنا. (المسألة الخامسة) أمكن تعديلهم بالعدد دون القيمة كستة أعبد قيمة اثنين الف وقيمه اثنين سبعمائة وقيمة اثنين خمسمائة فههنا تجزئهم بالعدد لتعذر تجزئتهم بالقيمة فتجعل كل اثنين جزءا وتضم كل واحد ممن قيمتهما قليلة إلى واحد ممن قيمتهما كثيرة وتجعل المتوسطين جزءا وتقرع بينهم فان وقعت قرعة الحرية على حر قيمته أكثر من الثلث أعيدت القرعة بينهما فعتق من تقع له قرعة الحرية ويعتق من الآخر تتمة الثلث ويرق باقيه والباقون وان وقعت الحرية على جزء أقل من الثلث عتقا جميعا ثم يكمل الثلث من الباقين بالقرعة (المسألة السادسة) لم يمكن تعديلهم بالعدد ولا بالقيمة كخمسة اعبد قيمة أحدهم الف واثنان

[ 302 ]

الف واثنان ثلاثة آلاف فيحتمل ان تجزئهم ثلاثة اجزاء فتجعل اكثرهم قيمة جزءا وتضم إلى الثاني أقل الباقين قيمة وتجعلهما جزءا والباقين جزءا وتقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق لان هذا أقرب إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ويعدل الثلث بالقيمة على ما تقدم ويحتمل ان لا يجزئهم بل يخرج القرعة على واحد واحد حتى يستوفي الثلث فيكتب خمس رقاع باسمائهم ثم يخرج رقعة على الحرية فمن خرج اسمه فيها عتق ثم يخرج الثانية فمن خرج اسمه فيها عتق منه تمام الثلث (مسألة) (وان كانوا ثمانية فان شاء أقرع بينهم بسهمي حرية وخمسة رق وسهم لمن ثلثاه حر وان شاء جزأهم أربعة اجزاء فاقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق ثم اعاد القرعة لاخراج من ثلثاه حر وان فعل غير ذلك جاز بان يجعل ثلاثة جزءا وثلاثة جزءا واثنين جزءا فان خرجت على الاثنين عتقا وكمل الثلث بالقرعة من الباقين وان خرجت الثلاثة اقرع بينهم بسهمي حرية وسهم رق فان كان جميع ماله عبدين اقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق على كل حال (فصل) قد ذكرنا أنه إذا كان للمعتق مال غير العبيد مثلا قيمة العبيد عتقوا جميعهم لخروجهم من الثلث وان كان اقل من مثليهم عتق من العبيد قدر ثلث المال كله فإذا كان العبيد نصف المال عتق ثلثاهم وان كانوا ثلثي المال عتق نصفهم وان كانوا ثلاثة أرباعه عتق أربعة اتساعهم وطريقه ان تضرب

[ 303 ]

قيمة العبيد في ثلاثة ثم تنسب إليه مبلغ التركة فما خرج بالنسبة عتق من العبيد مثلها فإذا كانت قيمة العبيد الفا وباقي التركة الفين ضربت قيمة العبيد في ثلاثة تكن ثلاثه آلاف ثم تنسب إليها الالفين تكن ثلثيها فيعتق ثلثاهم وان كانت قيمة العبيد ثلاثة آلاف وباقي التركة الف ضربنا قيمتهم في ثلاثة تكن تسعة وتنسب إليها التركة كلها تكن أربعة اتساعها وان كانت قيمتهم أربعة آلاف وباقي التركة الف ضربت قيمتهم في ثلاثة تكن اثنى عشر وتنسب إليها خمسة آلاف تكن ربعها وسدس فيعتق ربعهم وسدسهم (فصل) فان كان على الميت دين يحيط ببعض التركة قدم الدين لان العتق وصية وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الدين قبل الوصية ولان قضاء الدين واجب وهذا تبرع وتقديم الواجب متعين فان كان الدين بقدر نصف العبيد جعلوا جزأين وكتب رقعتان رقعة للدين ورقعة للتركة ويخرج واحد منهما على أحد الجزأين فمن خرجت عليه رقعة الدين بيع فيه وكان الباقي جميع التركة يعتق ثلثهم بالقرعة على ما تقدم وان كان الدين بقدر ثلثهم كتب ثلاث رقاع رقعة للدين واثنتان للتركة وان كان بقدر ربعهم كتب أربع رقاع رقعة للدين وثلاث للتركة ثم يقرع بين من خرجت له رقاع التركة وان كتب رقعة للدين ورقعة للحرية ورقعتين للتركة جاز وقيل لا يجوز لئلا تخرج رقعة الحرية قبل قضاء الدين والاول أصح لانه انما إنما يمنع من قبل قضاء الدين إذا لم يكن له وفاء فاما إن كان له وفاء لم يمنع منه بدليل ما لو كان العتق في أقل من ثلث الباقي بعد وفاء الدين فانه لا يمنع من العتق قبل وفائه

[ 304 ]

(مسألة) (وان اعتق عبدين قيمة أحدهما مائتان والآخر ثلثمائة فاجاز الورثة عتقهما عتقا وان لم يجز الورثة عتق ثلثهما وكمل الثلث في أحدهما فتجمع قيمتهما فتكون خمسمائة ثم يقرع بينهما فمن خرج له سهم الحرية ضربنا قيمته في ثلاثة ونسبنا قيمتهما إلى المرتفع بالضرب فما خرج من النسبة عتق من العبد بقدره فان وقعت على الذي قيمته مائتان ضربنا في ثلاثة صار ستمائة ونسبنا قيمتهما إلى ذلك تكن خمسة اسداسه فيعتق منه كذلك وان وقعت على الآخر ضربنا قيمته في ثلاثة تكن تسعمائة ونسبنا قيمتهما وهي خمسمائة إلى ذلك نجدها خمسة اتساعه فيعتق منه ذلك وهو ثلث الجميع) لاننا إذا ضربنا قيمة العبدين وهي خمسمائة في ثلاثة كانت الفا وخمسمائة وهي جميع المال فالخمسمائة بالنسبة إليها ثلث وبالنسبة إلى الذي قيمته مائتان خمسة اسداسه بعد الضرب والى الآخر خمسة اتساعه وكل شئ أتى من هذا فسبيله ان يضرب في ثلاثة ليخرج بلا كسر وهذا قول من يرى جميع العتق في بعض العبيد بالقرعة وعند أبي حنيفة ومن وافقه يعتقان فيستسعيان في باقي قيمتهما وقد مضى الكلام معهم والله أعلم (مسألة) (وان اعتق واحدا من ثلاثة اعبد غير معين فمات احدهم في حياة السيد اقرع بينه وبين الحيين فان وقعت رقعة العتق على الميت رق الآخران) لان القرعة يبين بها من وقع عليه العتق فوجب ان يقرع بيتهم كما لو كانوا احياء فإذا وقعت القرعة على الميت تبين رق الآخرين لان الحرية إنما تقع على المعتق وهذان لم يعتق واحد منهما وان وقعت على أحد الحيين عتق ان خرج من الثلث وقد سبق شرح هذا فيما إذا قال أحد عبدي حر وذكرنا الخلاف فيه وان اعتق الثلاثة في مرضه فمات أحدهم في حياة السيد فكذلك في قول أبي بكر لان الحرية انما تنفذ في الثلث فاشبه ما لو اعتق واحدا منهم قال شيخنا والاولى ان يقرع بين الحيين ويسقط حكم الميت لانه اعتق الثلاثة والاعتبار في خروجه من الثلث بحالة الموت وحالة الموت انما كان له

[ 305 ]

العبد ان الحيان وهما كل ما له فيقرع بينهما فمن وقعت عليه القرعة عتق ان خرج من الثلث والا عتق منه بقدر الثلث وان بقي من الثلث شئ بعد عتقه عتق من الآخر بقدر ما بقي من الثلث وصار بمنزلة ما لو اعتق العبدين في مرضه ولم يكن له مال غيرهم (فصل) إذا دفع العبد إلى رجل مالا فقال اشترني من سيدي بهذا المال فاعتقني ففعل لم يخل من ان يشتريه بعين المال أو في ذمته ثم ينقد المال فان اشتراه في ذمته ثم اعتقه صح الشراء ونفذ العتق لانه ملكه بالشراء فنفذ عتقه له وعلى المشتري اداء الثمن الذي اشتراه به لانه لزمه الثمن بالبيع والذي دفعه إلى السيد كان ملكا له لا يحتسب له به من اليمن فبقي الثمن واجبا عليه يلزمه اداؤه وكان العتق من ماله والولاء له وبه قال الشافعي وابن المنذر فاما ان اشتراه بعين المال فالشراء باطل ولا يصح العتق لانه اشترى بعين مال غيره شيئا بغير اذنه فلم يصح الشراء ولم ينفذ العتق لانه اعتق مملوك غيره بغير اذنه ويكون السيد قد أخذ ماله لان ما في يد العبد محكوم به لسيده فاما على الرواية التي تقول ان النقود لا تتعين بالتعيين فانه يكون الحكم فيه كما لو اشتراه في ذمته ونحو هذا قال النخعي وإسحاق فانهما قالا الشراء والعتق جائزان ويرد المشتري مثل الثمن من غير تفريق وقال الحسن البيع والعتق باطلان وقال الشعبي لا يجوز ذلك ويعاقب من فعله من غير تفريق أيضا وقد ذكرنا ما يقتضي التفريق وفيه توسط بين المذهبين فكان أولى أو شاء الله تعالى (فصل) ولو كان العبد بين شريكين فأعطى العبد لاحدهما خمسين دينارا على ان يعتق نصيبه منه فاعتقه عتق وسرى إلى باقيه ان كان موسرا ورجع عليه شريكه بنصف الخمسين وبنصف قيمة العبد لان ما في يد العبد يكون بين سيديه لا ينفرد به أحدهما عن الاخر الا ان نصيب المعتق ينفذ فيه

[ 306 ]

العتق وان كان العوض مستحقا إذ لم يقع العتق على عينها وانما سمى خمسين ثم دفعها إليه وان أوقع العتق على عينها يجب ان يرجع على العبد بقيمة ما اعتقه بالعوض المستحق ويسري العتق إلى نصيب شريكه ويكون ولاؤه للمعتق (فصل) ولو وكل أحد الشريكين شريكه في عتق نصيبه فقال الوكيل نصيبي حر عتق وسرى إلى نصيب شريكه والولاء له وان اعتق نصيب الموكل عتق وسرى إلى نصيبه ان كان موسرا والولاء للموكل فان اعتق نصف العبد ولم ينو شيئا احتمل ان ينصرف إلى نصيبه لانه لا يحتاج إلى نية ونصيب شريكه يفتقر إلى النية ولم ينو ويحتمل أن ينصرف إلى نصيب شريكه لانه أمره بالاعتاق فانصرف إلى ما أمر به، ويحتمل أن ينصرف اليهما لانهما تساويا وأيهما حكمنا بالعتق عليه ضمن نصيب شريكه، ويحمل أن لا يضمن لان الوكيل إذا أعتق نصيبه فسرى إلى نصيب شريكه لم يضمنه لانه مأذون له في العتق، وقد اعتق بالسراية فلم يضمن كمن أذن له في اتلاف شئ فانه لا يضمنه وان أتلفه بالسراية، وإذا عتق نصيب شريكه لم يلزم شريكه الضمان لانه مباشر لسبب الاتلاف فلم يجب له ضمان ما تلف به كما لو قال له أجنبي اعتق عبدك فأعتقه

[ 307 ]

(باب التدبير) وهو تعليق العتق بالموت وسمي تدبيرا لان الوفاة دبر الحياة يقال دابر الرجل يدابر مدابرة إذا مات فسمي العتق بعد الموت تدبيرا والاصل فيه السنة والاجماع أما السنة فما روى جابر أن رجلا أعتق مملوكا له عن دبر فاحتاج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يشتريه مني؟) فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال (انت احوج منه) متفق عليه وقال ابن النمذر أجمع كل من أحفظ عنه من اهل العلم على ان من دبر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات والمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء دين ان كان عليه وانفاذ وصاياه ان كان وصى وكان السيد بالغا جائز الامر انه تجب له لحرية اولها (مسألة) (ويعتبر من الثلث) انما يعتق المدبر إذا خرج من الثلث في قول أكثر اهل العلم يروى ذلك عن علي وابن عمر وبه قال شريح وابن سيرين والحسن وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وقتادة وحماد ومالك وأهل المدينة والثوري واهل العراق والشافعي واسحاق وابو ثور وأصحاب الرأي

[ 308 ]

وروى ابن مسعود ومسروق ومجاهد والنخعي وسعيد بن جبير انه يعتق من رأس المال قياسا على ام الولد وكما لو أعتق في الصحة ولنا انه تبرع بعد الموت فكان من الثلث كالوصية ويفارق العتق في الصحة فانه لم يتعلق به حق غير المعتق فنفذ في الجميع كالهبة المنجزة والاستيلاد أقوى من التدبير لانه ينفذ من المجنون بخلاف التدبير، ونقل حنبل عن احمد انه يعتق من رأس المال ولا عمل عليها قال أبو بكر هذا قول قديم رجع عنه إلى ما رواه الجماعة (فصل) فان اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق لانه أسبق فان اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا لانهما جميعا عتق بعد الموت ويحتمل أن يقدم التدبير لان الحرية تقع فيه عقيب الموت من غير تأخر والوصية تقف على الاعتاق بعده (مسألة) (ويصح من كل من تصح وصيته) لانه تبرع بالمال بعد الموت أشبه الوصية وقال الخرقي يصح تدبيره إذا جاوز العشر وكان بعرف التدبير وكذلك الجارية إذا جاوزت التسع وقال الشاففي في أحد قوليه يصح تدبير الصبي المميز قال بعض اصحابه هو اصح قوليه وهو إحدى الروايتين عن مالك وروي ذلك عن شريح وعبد الله بن عتبة وقال الحسن وابو حنيفة لا يصح تدبيره وهو إحدى الروايتين عن مالك والقول الثاني للشافعي لانه لا يصح اعتاقه فلم يصح تدبيره كالمجنون

[ 309 ]

ولنا ان عمر رضي الله عنه أجاز وصية غلام من الانصار لاخواله من غسان بارض يقال لها بئر جشم قومت ثلاثين الفا رواه سعيد بن منصور وكان الغلام ابن عشر سنين وروي اثنتي عشرة ولم يعرف له مخالف والتدبير في معنى الوصية وقد ذكرنا ذلك في كتاب الوصايا ويخالف التدبير العتق في الحياة لان فيه تفويتا لماله في حياته ووقت حاجته والوصية والتدبير لا ضرر عليه فيهما فانه ان عاش لم يذهب شئ من ماله وان مات فهو غير مستغن عن الثواب فيكون ذلك زيادة في رفع درجته وانما خص الخرقي ابن عشر سنين لانه يؤمر بالصلاة والجارية بتسع لقول عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة ولانه سن يمكن بلوغها فيه ويتعلق به أحكام غير ذلك فأما المجنون فلا يصح شئ من تصرفاته فلذلك لم يصح تدبيره ويصح تدبير المحجور عليه للسفه لما ذكرنا في الصبي بل هو اولى بالصحة من الصبي لانه مكلف وحاجته إلى الثواب اكثر من حاجة الصبي وصحة تدبير السكران مبنية على صحة وصيته وقد ذكرناه وكل من صح تدبيره فهو كالمكلف في صحة رجوعه قياسا علته (فصل) ويصح تدبير الكافر ذميا كان أو حربيا في دار الاسلام وغيرها لان له ملكا صحيحا فصح تصرفه فيه كالمسلم فان قيل لو كان ملكه صحيحا لم يملك عليه بغير اختياره قلنا هذا لا ينافي الملك بدليل أنه يملك في النكاح وتملك عليه زوجته بغير اختياره، وحكم تدبيره حكم تدبير المسلم على ما نذكره

[ 310 ]

(مسألة) وصريحة لفظ العتق والحرية المعلقين بالموت كقوله انت حر أو عتيق أو معتق أو محرر بعد موتي فيصير بذلك مدبرا بلا خلاف نعلمه) وكذلك ان قال انت مدبر أو قد دبرتك فانه يصير مدبرا بمجرد اللفظ وان لم ينوه هذا منصوص الشافعي وقال اصحابه فيه قول آخر انه ليس بصريح يفتقر إلى النية لانهما لفظان لم يكثر استعمالهما فافتقرا إلى النية كالكنايات ولنا أنهما لفظان وضعا لهذا العقد فلم يفتقر إلى النية كالبيع بخلاف الكنايات فانها غير موضوعة له ويشاركها فيه غيرها فافتقرت إلى النية للتعيين وترجيح احد المحتملين بخلاف الموضوع فانه لا يفتقر إلى النية كلفظ العتق (مسألة) (ويصح مطلقا ومقيدا) فالمطلق تعليق العتق بالموت من غير شرط آخر والمقيد ضربان احدهما خاص مثل ان يقول ان مت من مرضى هذا أو في بلدي هذا أو في عامي هذا فأنت حر فهذا جائز على ما قال ان مات على الصفة التي شرطها عتق العبد والا فلا وقال مهنا سألت أحمد عمن قال لعبده انت مدبر قال يكون مدبرا ذلك اليوم فان مات في ذلك اليوم صار حرا يعني إذا مات السيد (الثاني) ان يعلق التدبير على صفة مثل ان يقول ان دخلت الدار فلت مدبر أو ان قدم زيد أو ان شفى الله مريضي فانت حر بعد موتى فهذا لا يصير مدبرا في الحال لانه علق التدبير على شرط

[ 311 ]

فإذا وجد صار مدبرا وعتق بموت سيده وان لم يوجد في حياة السيد ووجد بعد موته لم يعتق لان اطلاق الشرط يقتضي وجوده في الحياة بدليل ما لو علق عليه عتقا منجزا فقال إذا دخلت الدار فانت حر فدخلها بعد موته لم يعتق ولان المدير من علق عتقه بالموت وهذا قبل الموت لم يكن مدبرا وبعد الموت لا يمكن حدوت التدبير فيه (فصل) فان قال لعبد إذا قرأت القرآن فأنت حر بعد موتي فقرأ القرآن جميعه صار مدبرا وان قرأ بعضه لم يصر مدبرا، وان قال إذا قرأت قرآنا فانت حر بعد موتي فقرأ بعض القرآن صار مدبرا لانه في الاولى عرفه بالالف واللام المقتضية للاستغراق فعاد إلى جميعه وههنا نكره فاقتضي بعضه فان قيل فقد قال الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم - وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) ولم يرد القرآن جميعه قلنا قضية اللفظ تتناول جميعه لان الالف واللام للاستغراق وانما حمل على بعضه بدليل فلا يحمل على البعض في غير ذلك الموضع بغير دليل ولان قرينة الحال تقتضي قراءة جميعه لان الظاهر انه أراد ترغيبه في قراءة القرآن فتتعلق الحرية به أو مجازاته على قراءته بالحرية والظاهر انه لا يجازى بهذا لامر الكثير ولا يرغب به إلا فيما يشق اما قراءة آية أو آيتين فلا (مسألة) (وان قال متى شئت فأنت مدبر أو انت حر بعد موتي أو إذا شئت أو أي وقت شئت فهو تدبير بصفة فمتى شاء في حياة سيده صار مدبرا يعتق بموته) لان المشيئة هنا على التراخي فمتى وجدت المشيئة وجد الشرط فهو كما لو قال ان دخلت الدار فانت حر بعد موتي فدخلها في حياة السيد وان مات السيد قبل مشيئته بطلت الصفة كما لو مات في

[ 312 ]

في المسألة الاخرى قبل دخول الدار وان قال متى شئت بعد موتي فانت حر أو أي وقت شئت بعد موتي فهو تعليق للعتق على صفة بعد الموت وقد ذكرنا انه لا يصح، وقال القاضي يصح فعلى قوله يكون ذلك التراخي فمتى شاء بعد موت سيده عتق وما كسب قبل مشيئته فهو لورثة سيده لانه عبد قبل ذلك بخلاف الموصى به فان في كسبه قبل القبول وجهين (احدهما) يكون للموصى له لانا تبينا ملكه حين الموت وههنا لا يثبت الملك قبل المشيئة وجها واحدا لانه عتق معلق على شرط فلا يثبت العتق قبل الشرط وجها واحدا (مسألة) (وان قال ان شئت فانت مدبر فقياس المذهب انه على التراخي كقوله متى شئت) وقال أبو الخطاب ان شاء في المجلس صار مدبرا والا فلا وكذلك قال القاضي في قوله إذا شئت وإن شئت فانت حر بعد موتي على انه على الفور ان شاء في المجلس صار مدبرا والا بطلت الصفة ولم يصر مدبرا بالمشيئة بعده بناء على قوله اختاري نفسك فانه يقف على المجلس وهذا في معناه، وإن قال إن شئت بعد موتي أو إذا شئت بعد موتي فانت حر كان على الفور أيضا فمتى شاء عقيب موت سيده أو في المجلس صار حرا وان تراخت مشيئته عن المجلس لم يثبت فيه حرية وذكر في الطلاق أنه إذا قال أنت طالق إن شئت وشاء أبوك فشاءا معا وقع الطلاق سواء شاء على الفور أو التراخي أو شاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي وهذا مثله فيخرج في كل مسألة مثل ما ذكره في الاخرى

[ 313 ]

(فصل) وإذا قال لعبده إذا مت فأنت حر اولا؟ أو قال فأنت حر؟ أو لست بحر؟ لم يصر مدبرا لانه استفهام ولم يقطع بالعتق فهو كما لو قال لزوجته انت طالق أولا؟ وسنذكر ذلك في الطلاق (مسألة) (وإذا قال قد رجعت في تدبيري أو ابطلته لم يبطل لانه تعليق للعتق بصفة وعنه أنه يبطل كالوصية) اختلفت الرواية عن احمد في بطلان التدبير بالرجوع فيه قولا فالصحيح انه لا يبطل لانه علق العتق بصفة فلا يبطل كما لو قال ان دخلت الدار فانت حر (والثانية) يبطل لانه جعل له نفسه بعد موته فكان ذلك وصية فجاز الرجوع فيه بالقول كما لو وصى له بعبد آخر وهو قول الشافعي القديم وقوله الجديد كالرواية الاولى وهو الصحيح كتعليقه بصفة في الحياة ولا يصح القول بأنه وصية به لنفسه لانه لا يملك نفسه وانما تحصل فيه الحرية ويسقط عنه الرق ولهذا لا تقف الحرية على قبوله واختياره وتنجز عقيب الموت كتنجيزها عقيب سائر الشروط ولانه غير ممتنع أن يجمع الامرين فيثبت فيه حكم التعليق في امتناع الرجوع ويجتمعان في حصول العتق بالموت.

[ 314 ]

(فصل) إذا قال السيد لمدبره إذا أديت إلى ورثتي كذا فانت حر فهو رجوع عن التدبير وينبني على الروايتين إن قلنا ان له الرجوع بالقول بطل التدبير وإن قلنا ليس له الرجوع لم يؤثر هذا القول شيئا، وان دبره كله ثم رجع في نصفه صح إذا قلنا بصحة الرجوع في جميعه لانه لما صح أن يدبر نصفه ابتداء صح أن يرجع في تدبير نصفه وان غير التدبير فكان مطلقا فجعله مقيدا ان قلنا يصح الرجوع والا فلا فان كان مقيدا فاطلقه صح على كل حال لانه زيادة فلا يمنع منها وإذا دبر الاخرس وكانت اشارته أو كتابته معلومة صح تدبيره ويصح رجوعه ان قلنا بصحة الرجوع في التدبير لان اشارته وكتابته تقوم مقام نطق الناطق في احكامه وان دبر وهو ناطق ثم خرس صح رجوعه باشارته المعلومة أو كتابته وان لم تفهم إشارته فلا عبرة بها لانه لا يعلم رجوعه (فصل) وإذا رهن المدبر لم يبطل تدبيره لانه تعليق للعتق بصفة فان مات السيد وهو رهن عتق وأخذ من تركته قيمته فتكون رهنا مكانه لان عتقه بسبب من جهة سيده فاشبه ما لو باشره بالعتق ناجزا. (فصل) وان ارتد المدبر ولحق بدار الحرب لم يبطل تدبيره لان ملك سيده باق عليه ويصح تصرفه فيه بالعتق والهبة والبيع ان كان مقدورا عليه فان سباه المسلمون لم يملكوه لانه مملوك لمعصوم ويرد إلى سيده ان علم به قبل قسمه ويستتاب فان تاب والا قتل وان لم يعلم به حتى قسم لم يرده

[ 315 ]

إلى سيده في إحدى الروايتين والاخرى ان اختار سيده أخذه بالثمن الذي حسب به على آخذه أخذه وان لم يختر أخذه بطل تدبيره ومتى عاد إلى سيده بوجه من الوجوه عاد تدبيره وان لم يعد إلى سيده بطل تدبير كما لو بيع وكان رقيقا لمن هو في يده وان مات سيده قبل سبيه عتق فان سبي بعد هذا لم يرد إلى ورثة سيده لان ملكه زال عنه بحريته فصار كاحرار دار الحرب ولكن يستتاب فان تاب وأسلم صار رقيقا يقسم بين الغانمين وان لم يتب قتل ولم يجز استرقاقه لانه لا يقر على كفره. وقال القاضي لا يجوز استرقاقه إذا أسلم. وهو قول للشافعي لان في استرقاقه ابطال ولاء المسلم الذي أعتقه ولنا ان هذا لا يمنع قتله واذهاب نفسه وولائه لا يمنع تملكه أولى ولان المملوك الذي لم يعتقه سيده يثبت الملك فيه للغانمين إذا لم يعرف مالكه بعينه ويثبت فيه إذا قسم قبل العلم بمالكه والملك آكد من الولاء فلان يثبت مع الولاء وحده أولى فعلى هذا لو كان المدبر ذميا فلحق بدار الحرب ثم مات سيده أو اعتقه ثم قدر عليه المسلمون فسبوه ملكوه وقسموه، وعلى قول القاضي وقول الشافعي لا يملكوه فان كان سيده ذميا جاز استرقاقه في قول القاضي ولاصحاب الشافعي في استرقاقه وجهان: (احدهما) يجوز وهذا حجة عليهم لان عصمة مال الذمي كعصمة مال المسلم بدليل قطع سارقه سواء كان مسلما أو ذميا ووجوب ضمانه وتحريم تملك ماله إذا أخذه الكفار ثم قدر عليه المسلمون

[ 316 ]

فادركه صاحبه قبل قسمه قال القاضي الفرق بينهما أن سيده ههنا لو لحق بدار الحرب جاز تملكه فجاز تملك عتيقه بخلاف المسلم قلنا انما جاز استرقاق سيده لزوال عصمته وذهاب عاصمه وهو ذمته وعهده واما إذا ارتد مدبره فان عصمة ولائه ثابتة بعصمة من له ولاؤه وهو والمسلم في ذلك سواء فإذا جاز ابطال احدهما جاز في الآخر مثله (فصل) فان ارتد سيد المدبر فذكر القاضي ان المذهب أنه يكون موقوفا فان عاد إلى الاسلام فالتدبير باق بحاله والا تبينا ان ملكه لم يزل وان قتل أو مات على ردته لم يعتق المدبر لانا تبينا أن ملكه زال بردته وقال أبو بكر قياس قول أبي عبد الله أن تدبيره يبطل بالردة فان عاد إلى الاسلام استأنف التدبير وقال الشافعي التدبير باق ويعتق بموت سيده لان تدبيره سبق ردته؟ فهو كبيعه وهبته قبل ارتداده وهذا ينبني على القول في مال المرتد هل هو باق على ملكه أو قد زال بردته، وسيذكر في باب المرتد، فأما ان دبر في حال ردته فتدبيره مراعى، وان عاد إلى الاسلام تبينا ان تدبيره وقع صحيحا وان قتل أو مات تبينا أنه وقع باطلا ولم يعتق المدبر، وقال ابن أبي موسى تدبيره باطل وهو قول أبي بكر لان المال يزول بالردة وإذا أسلم رد إليه تملكا مستأنفا (مسألة) (وله بيع المدبر وهبته وان عاد إليه عاد التدبير وعنه لا يباع إلا في الدين وعنه لاتباع الامة خاصة) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في بيع المدبر فنقل عنه جماعة جواز بيعه مطلقا في الدين

[ 317 ]

وغيره مع الحاجة وعدمها قال اسماعيل بن سعد سألت أحمد عن بيع المدبر إذا كان بالرجل حاجة إلى ثمنه فقال له أن يبيعه محتاجا كان أو غير محتاج قال شيخنا وهذا هو الصحيح. وروي مثل هذا عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد وهو قول الشافعي وكره بيعه ابن عمر وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وابن سيرين والزهري والثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي ومالك لان ابن عمر روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يباع المدبر ولا يشترى) ولانه استحق العتق بموت سيده أشبه ام الولد؟ ولنا ما روى جابر ان رجلا اعتق مملوكا له عن دبر فاحتاج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يشتريه مني؟) فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه وقال (أنت احوج منه) متفق عليه قال جابر عبد قبطي مات عام أول في أمارة بن الزبير قال أبو إسحاق الجوزجاني صحت أحاديث بيع لمدبر ستقامة الطرق والخبر إذا ثبت استغني به عن غيره من رأي الناس ولانه عتق بصفة ثبت بقول المعتق فلم يمنع البيع كما لو قال ان دخلت الدار فانت حر ولانه تبرع بمال بعد الموت فلم يمنع البيع في الحياة كالوصية قال أحمد هم يقولون من قال غلامي حر رأس الشهر فله بيعه قبل رأس الشهر فان قال غدا فله بيعه اليوم وان قال إذا مت قال لا يبيعه فالموت أكثر من الاجل ليس هذا قياسا ان جاز ان يبيعه قبل رأس الشهر فله أن يبيعه قبل محئ الموت وهم يقولون في من قال ان مت

[ 318 ]

من مرضي هذا فعبدي حر ثم لم يمت من مرضه ذلك فليس بشئ فان قال ان مت فهو حر لا يباع هذا متناقض إنما اصله الوصية من الثلث فله ان يغير وصيته ما دام حيا فاما خبرهم فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم انما هو من قول ابن عمر قال الطحاوي هو عن ابن عمر وليس بمسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل انه أراد بعد الموت أو على الاستحباب ولا يصح قياسه على أم الولد لان عتقها ثبت بغير اختيار سيدها وليس بتبرع ويكون من جميع المال ولا يمكن إبطاله بحال والتدبير بخلافه والهبة كالبيع لانها تمليك في الحياة فاشبهت البيع وروي عنه رواية ثانية أنه لا يباع إلا في الدين وهو ظاهر كلام الخرقي وقال مالك لا يباع إلا في دين يغلب رقبة العبد فإذا كان العبد يساوي الفا وكان عليه خمسمائة لم يبع وروي عن أحمد انه قال انا أرى بيع المدبر في الدين وإذا كان فقيرا لا يملك شيئا رأيت ان أبيعه لان النبي صلى الله عليه وسلم باع المدبر لما علم ان صاحبه لا يملك شيئا غيره، باعه النبي صلى الله عليه وسلم لما علم من حاجته وهذا قول إسحاق وأبي أيوب وابي خيثمة وقال ان باعه من غير حاجة أجزناه وهذا مثل الرواية الاولى. ووجه قول الخرقي والرواية التي قال أحمد إنه يرى بيعه في الدين وإذا كان صاحبه فقيرا لا يملك غيره حديث جابر المذكور فان النبي صلى الله عليه وسلم انما باع المدبر عند الحاجة فلا يتجاوز به موضع الحاجة وعن أحمد رواية رابعة ان الامة لا تباع خاصة قال شيخنا لا نعلم هذا

[ 319 ]

التفريق بين المدبر والمدبرة عن غير امامنا رحمه الله وانما احتاط في رواية المنع من بيعها لان فيه اباحة فرجها وتسليط مشتريها على وطئها مع الخلاف في بيعها وحلها فكره الاقدام على ذلك مع الاختلاف فيه والظاهر ان المنع منه كان على سبيل الورع لا على التحريم فانه انما قال لا يعجبني بيعها والصحيح جواز بيعها فان عائشة باعت مدبرة لها سحرتها ولان المدبرة في معنى المدبر فما ثبت فيه ثبت فيها (مسألة) (وان عاد إليه عاد التدبير) لانه علق عتقه بصفة فإذا باعه ثم عاد إليه عادت الصفة كما لو قال انت حر ان دخلت الدار فباعه ثم اشتراه وذكر القاضي ان هذا مبني على ان التدبير تعليق بصفة وفيه رواية أخرى أنه وصية فيبطل بالبيع ولا يعود لانه لو وصى بشئ ثم باعه بطلت الوصية ولم تعد بشرائه وهذا مذهب الشافعي إلا ان عود الصفة بعد الشراء له فيه قولان والصحيح ان الصفة تعود بعوده إلى ملكه لان التدبير وجد فيه التعليق بصفة فلا يزول حكم التعليق بوجود معنى الوصية فيه بل هو جامع لامرين وغير ممتنع وجود الحكم بسببين فيثبث حكمهما فيه (مسألة) (وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها فهو بمنزلتها ولا يتبعها ولدها من قبل التدبير) وجملة ذلك ان الولد الحادث من المدبرة بعد تدبيرها لا يخلو من حالين (أحدهما) ان يكون موجودا حال تدبيرها ويعلم ذلك بان تأتي به لاقل من ستة أشهر من حين التدبير فهذا يدخل معها في

[ 320 ]

التدبير بغير خلاف لانه كعضور من أعضائها فان بطل التدبير في الام لبيع أو موت أو رجوع بالقول لم يبطل في الولد لانه ثبت أصلا (الحال الثاني) ان تحمل به بعد التدبير فهذا يتبع أمه في التدبير ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري والحمن ابن صالح وأصحاب الرأي وذكر القاضي أن حنبلا نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشرط المولى قال فظاهر هذا أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وللشافعي قولان كالمذهبين (احدهما) لا يتبعها وهو اختيار المزني لان عتقها يتعلق بصفة ثبت بقول المعتق وحده فاشبهت من عاق عتقها بدخول الدار قال جابر بن زيد انما هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت فان ثمرته لك ما عشت ولان التدبير وصية وولد الموصى بها قبل الموت لسيدها ولنا ما روي عن عمر وابن عمر وجابر أنهم قالوا ولد المدبرة بمنزلتها ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفا فكان اجماعا ولان الام استحقت الحرية بموت سيدها فيتبعها ولدها كام الولد ويفارق التعليق بصفة في الحياة والوصية لان التدبير آكد من كل واحد منهما لانه اجتمع فيه الاحرار وما وجد فيه سببان آكد مما وجد فيه أحدهما ولذلك لا يبطل بالموت ولا بالرجوع عنه فعلى هذا ان بطل التدبير في الام لمعنى اختص بها من بيع أو موت أو رجوع لم يبطل في ولدها ويعتق بموت سيدها كما لو كانت

[ 321 ]

أمه باقية على التدبير فان لم يتسع الثلث لهما جميعا أقرع بينهما قايهما خرجت القرعة له عتق ان احتمله الثلث والا عتق منه بقدر الثلث وان فضل من الثلث بعد عتقه شئ كمل من الآخر كما لو دبر عبدا أو أمة معا فاما الولد الذي وجد قبل التدبير فلا يتبعها فانه لا يتبع في العتق المنجز ولا في حكم الاستيلاد ولا في الكتابة فان لا يتبع في التدبير أولى قال الميموني قلت لاحمد ما كان من ولد المدبرة قبل ان تدبر قال لا يتبعها من ولدها ما كان قبل ذلك انما يتبعها ما كان بعد ما دبرت وذكر أبو الخطاب رواية أخرى أنه يتبعها في التدبير كالموجود بعده لان حنبلا قال سمعت عمي يقول في الرجل يدبر الجارية ولها ولد قال ولدها معها قال شيخنا وهذا بعيد والظاهر ان أحمد انما أراد ولدها بعد التدبير على ما صرح به في غير هذه الرواية فان ولدها لا يتبعها في شئ من الاسباب التي تنقل الملك في الرقبة من البيع والهبة والوقف ولا يتبعها في الاستيلاد الذي هو آكد من التدبير فان لا يتبعها في التدبير أولى (فصل) فاما ولد المدبر فحكمه حكم امه بغير خلاف علمناه وهو قول ابن عمر وعطاء والزهري والاوزاعي والليث لان الولد يتبع الام في الرق والحرية فان تسرى المدبر باذن سيده فولد له فروي عن أحمد أنهم يتبعونه في التدبير وروي ذلك عن مالك وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان اباحة التسري تبنى على ثبوت الملك وولد الحر من امته يتبعه في الحرية دون امه كذلك ولد المدبر

[ 322 ]

امته يتبعه دونها ولانه ولد من يستحق الحرية من امته فيتبعه في ذلك كولد المكاتب من امته (فصل) وإذا ولدت المدبرة فرجع في تدبيرها وقلنا بصحة الرجوع لم يتبعها ولدها لان الولد المنفصل لا يتبع في الحرية ولا في التدبير ففي الرجوع أولى فان رجع في تدبيرهما جاز كما لو دبرها وابنه المنفصل وان دبرها حاملا ثم رجع في تدبيرها حال حملها لم يتبعها الولد في الرجوع لان التدبير اعتاق والاعتاق مبني على التغليب والسراية والرجوع عنه بعكس ذلك فلم يتبع الولد فيه وهذا كما لو ولد له توأمان فاقر باحدهما لحقاه جميعا وان نفى أحدهما لم ينتف الآخر وان رجع في احدهما دون الآخر جاز وان دبر الولد دون امه أو الام دون ولدها جاز لانه يجوز ان يعتق كل واحد منهما دون صاحبه فجواز ان يدبر أحدهما دون صاحبه أولى ولانه تعليق العتق بصفة فجاز في أحدهما دون الآخر كالتعليق بدخول الدار وان دبر امته ثم قال ان دخلت الدار فقد رجعت في تدبيري لم يصح لان الرجوع لا يصح تعليقه بصفة وان قال كلما ولدت ولدا فقد رجعت في تدبيره لم يصح لذلك (فصل) إذا اختلفت المدبرة وورثة سيدها في ولدها فقالت ولدتهم بعد تدبيري فعتقوا معي وقال الورثة بل ولدتهم قبل تدبيرك فهم مملوكون لنا فالقول قول الورثة مع ايمانهم لان الاصل بقاء رقهم وانتفاء الحرية عنهم فإذا لم تكن بينة فالقول قول من يوافق قوله الاصل (فصل) وكسب المدبر في حياة سيده لسيده لم أخذه منه لان التدبير لا يخرج عن شبهه بالوصية بالعتق أو بالتعليق له على صفة أو بالاستيلاد وكل هؤلاء كسبهم لسيدهم فكذلك المدبر فان اختلف

[ 323 ]

هو وورثة سيده فما بيده بعد عتقه فقال كسبته بعد حريتي وقالوا بل قبلها فالقول قوله لانه في يده ولم يثبت ملكهم عليه بخلاف الولد فانه كان رقيقا لهم فان أقام كل واحد منهما بينة بدعواه قدمت بينة الورثة عند من يرى تقديم بينة الخارج وبينة المدبر عند من يقدم بينة الداخل فان أقر المدبر أن ذلك كان في يده في حياة سيده ثم تجدد ملكه عليه بعد موته فالقول قول الوارث لان الاصل معهم وان اقام المدبر بينة بدعواه قبلت وتقدم على بينة الورثة ان كانت لهم بينة لان بينته تشهد بزيادة وان لم يقر المدبر بانه كان له في حياة سيده فاقام الورثة بينة به فهل تسمع بينتهم؟ على وجهين (مسألة) (وله إصابة مدبرته فان أولدها بطل تدبيرها). يباح وطئ أمته المدبرة، وقد روي عن ابن عمر انه دبر امتين وكان يطؤهما وممن رأى ذلك ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري ومالك والليث والاوزاعي والشافعي قال أحمد لا أعلم أحدا كره ذلك غير الزهري وحكي عن الاوزاعي انه كان يقول ان كان يطؤها قبل تدبيرها فلا بأس بوطئها بعده وان كان لا يطؤها قبله لم يطأها بعد التدبير. ولنا أنها مملوكته لم تشتر نفسها منه فحل له وطؤها لقول الله تعالى (أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) وقياسا على أم الولد.

[ 324 ]

(فصل) وابنة المدبرة مثلها في حل وطئها ان لم يكن وطئ أمها وعنه ليس له وطؤها لان حق الحرية ثبت لها تبعا أشبه ولد المكاتبة ولنا ان ملك سيدها تام فيها فحل له وطؤها للآية وكأمها واستحقاقها الحرية لا تزيد على استحقاق أمها ولم يمنع ذلك وطأها وأما ولد المكاتبة فألحقت بامها وأمها يحرم وطؤها فكذلك ابنتها وأم هذه يحل وطؤها فيجب الحاقها بها وكلام احمد محمول على انه وطئ أمها. (فصل) فان اولدها بطل تدبيرها لان مقتضى التدبير العتق من الثلث بعد الموت والاستيلاد يقتضي ذلك معه تأكده وقوته فانها تعتق من رأس المال وان لم يملك غيرها ولا يمنع الدين عتقها فوجب ان يبطل به التدبير كملك الرقبة إذا طرأ على ملك النكاح ابطله. (مسألة) (وان كاتب المدبر أو دبر المكاتب جاز). اما تدبير المكاتب فهو صحيح، لا نعلم فيه خلافا لانه تعليق لعتقه بصفة وهو يملك اعتاقه فملك التعليق وان كان وصية فهو وصية بما ملك وهو الاعتاق وتصح كتابة المدبر، نص عليه احمد وهو قول ابن مسعود وأبي هريرة والحسن ولفظ حديث ابي هريرة عن مجاهد قال دبرت امرأة من قريش خادما لها ثم أرادت ان تكاتبه قال فكنت الرسول إلى أبي هريرة فقال كاتبيه فان أدى كتابته فذاك وان حدث بك حدث عتق وأراه قال ما كان عليه له، ولان التدبير ان كان عتقا بصفة

[ 325 ]

لم يمنع الكتابة كالذي علق عتقه بدخول الدار وإن كان وصية لم يمنعها كما لو وصى بعتقه ثم كاتبه ولان التدبير والكتابة سببان للعتق فلم يمنع احدهما الآخر كتدبير المكاتب، وذكر القاضي أن التدبير يبطل بالكتابة إذا قلنا هو وصية كما لو وصى به لرجل ثم كاتبه وهذا يخالف ظاهر كلام احمد وهو غير صحيح في نفسه، ويفارق التدبير الوصية به لرجل، لان مقصود الكتابة والتدبير لا يتنافيان إذ كان المقصود منهما جميعا العتق فإذا اجتمعا كانا آكد لحصوله فانه متى فات عتقه باحدهما حصل بالآخر وأيهما وجد قبل صاحبه حصل العتق به ومقصود الوصية به والكتابة يتنافيان لان الكتابة تراد للعتق والوصية تراد لحصول الملك فيه للموصى له ولا يجتمعان. (مسألة) (فان أدى عتق بالكتابة وبطل التدبير وان مات سيده قبل الاداء عتق ان حمل الثلث ما بقي من كتابة وبطلت الكتابة وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث وسقط من الكتابة بقدر ما عتق منه وكان على الكتابة فيما بقي. (فصل) ومتى عتق بالتدبير كان ما في يده لسيده لانه كان له قبل العتق فيكون له بعد العتق كما لو لم يكن مكاتبا وبطلت الكتابة ذكره أصحابنا ومذهب الشافعي ان ما في يده له إذا لم يكن عجز، قال شيخنا وعندي انه ينبغي ان يعتق ويتبعه ولده واكسابه لان السيد لا يملك ابطال كتابته لكونها عقدا لازما من جهته وإنما يملك اسقاط حقه عليه فأما ما يستحقه المكاتب من أولاده واكسابه

[ 326 ]

فلا يتمكن السيد من أخذه ويصير كما لو ابرأه من مال الكتابة ويحتمل ان يريد بالبطلان زوال العقد دون سقوط احكامه. (مسألة) (وإذا دبر شركا له في عبد لم يسر إلى نصيب شريكه وإن اعتق شريكه سرى إلى المدبر وغرم قيمته لسيده ويحتمل أن يسري في الاول دون الثاني). وجملة ذلك انه إذا دبر أحد الشريكين نصيبه لم يسر التدبير إلى نصيب شريكه موسرا كان أو معسرا، وذكر أبو الخطاب وجها انه يسري تدبيره إذا كان موسرا ويقوم عليه نصيب شريكه، وهو قول أبي حنيفة، لانه استحق العتق بموت سيده فسرى ذلك فيه كالاستيلاد وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا انه تعليق للعتق بصفة فلم يسر كتعليقه بدخول الدار ويفارق الاستيلاد فانه آكد ولهذا يعتق من جميع المال ولو قتلت سيدها لم يبطل حكم استيلادها والمدبر بخلاف ذلك فعلى هذا ان مات المدبر عتق نصيبه ان خرج من الثلث وهل يسري إلى نصيب شريكه ان كان موسرا فيه روايتان ذكرناهما في كتاب العتق فان اعتق الشريك نصيبه قبل موت السيد وهو موسر عتق وسرى إلى نصيب المدبر، وذكر القاضي وابو الخطاب فيه وجهين وللشافعي فيها قولان. (أحدهما) كقولنا (والثاني) لا يسري عنقه وهو قول ابي حنيفة، لان في المدبر قد انعقد سبب الولاء على العبد فلم يكن للآخر ابطاله.

[ 327 ]

ولنا حديث ابن عمر الذي ذكرناه في سراية العتق إلى نصيب الشريك إذا كان موسرا ولانه إذا سرى إلى ابطال الملك الذي هو آكد من الولاء فالولاء أولى وما ذكروه لا أصل له ويبطل بما إذا علق عتق نصيبه بصفة. (فصل) إذا دبر كل واحد من الشريكين نصيبه فمات احدهما عتق نصيبه وبقي نصيب الآخر على التدبير ان لم يف ثلثه بقيمة حصة شريكه وان كان يفي به فهل يسري؟ على روايتين ذكرناهما وإن قال كل واحد منهما إذا متنا فأنت حر فقال أبو بكر قال احمد إذا مات أحدهما فنصيبه حر فظاهر هذا أن احمد جعل هذا اللفظ تدبيرا من كل واحد منهما لنصيبه ومعناه إذا مات كل واحد منا فنصيبه حر فانه قابل الجملة بالجملة فينصرف إلى مقابلة البعض بالبعض كقوله ركب الناس دوابهم ولبسوا ثيابهم وأخذوا رماحهم يريد لبس كل انسان ثوبه وركب دابته وكذلك لو قال اعتقوا عبيدهم كان معناه أعتق كل واحد عبده، وقال القاضي هذا تعليق للحرية بموتهما جميعا وإنما قال أحمد يعتق نصيبه بناء على ان وجود بعض الصفة يقوم مقام جميعها قال شيخنا ولا يصح هذا لانه لو كانت هذه العلة لعتق العبد كله لوجود بعض صفة كل منهما وسنبين هذا القول بما نذكر من بعد، ومقتضى قول القاضي أن لا يعتق شئ منه قبل موتهما جميعا، فان قال كل واحد منهما اردت ان العبد حر بعد آخرنا موتا انبنى هذا على تعليق الحرية على صفة توجد بعد الموت وقد ذكرنا الخلاف في ذلك فان قلنا يجوز ذلك عتق بعد موت الآخر منهما عليهما جميعا، وإن فلنا لا يصح عتق نصيب الآخر منهما بالتدبير وفي سرايته إلى باقيه ان كان ثلثه يحتمل ذلك روايتان، وان قال كل واحد منهما إذا مت قبل شريكي فنصيبي له فإذا مات فهو حر وان مت بعده فنصيبي حر فقد وصى كل واحد منهما للآخر فإذا مات أحدهما صار العبد كله للآخر فإذا مات عتق كله عليه وصار ولاؤه له كله ان قلنا لا يصح تعليق العتق على صفة بعد الموت وان قلنا يصح عتق عليهما وولاؤه بينهما. (مسألة)) وإذا أسلم مدبر الكافر لم يقر في يده وترك في يد عدل ينفق عليه من كسبه وما فضل لسيده وان أعوز فعليه تمامه الا أن يرجع في التدبير ونقول بصحة رجوعه فيجبر على بيعه) وجملته انه إذا أسلم مدبر الكافر أمر بازالة ملكه عنه لئلا يبقى الكافر مالكا لمسلم كغير

[ 328 ]

المدبر إذا قلنا بجواز بيعه ويحتمل ان يترك في يد عدل وينفق عليه من كسبه فان لم يكن له كسب أجبر سيده على الانفاق عليه لانه ملكه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه بناء على أن المدبر لا يجوز بيعه ولان في بيعه ابطال سبب العتق فكان ابقاؤه أصلح كأم الولد فان قلنا ببيعه فباعه بطل تدبيره وان قلنا يترك في يد عدل فانه يستنيب من يتولى استعماله واكتسابه وينفق عليه من كسبه وما فضل فلسيده وان لم يف كسبه بنفقته فالباقي على سيده وان اتفق هو وسيده على المخارجة جاز وينفق على نفسه مما فضل من كسبه فإذا مات سيده عتق ان خرج من الثلث والا عتق منه بقدر الثلث وبيع الباقي على الورثة ان كانوا كفارا وان اسلموا بعد الموت ترك فان رجع سيده في تدبيره، وقلنا بصحة رجوعه بيع عليه وان كان المدبر مستأمنا فأراد الرجوع به إلى دار الحرب ولم يكن، اسلم لم نمنعه منه وان كان قد اسلم منع لاننا نحول بينه وبينه في دار الاسلام فأولى ان يمنع من التمكن منه في دار الحرب. (مسألة) (ومن انكر التدبير لم يحكم عليه الا بشاهدين وهل يحكم بشاهد وامراتين أو شاهد ويمين العبد؟ على روايتين) إذا ادعى العبد على سيده انه دبره صحت دعواه لانه يدعي استحقاق العتق ويحتمل ان لا تصح الدعوى لان السيد إذا انكر التدبير كان بمنزلة النكار الوصية وانكار الوصية رجوع عنها في احد الوجهين

[ 329 ]

فيكون انكار التدبير رجوعا عنه والرجوع عنه يبطله في احدى الروايتين والصحيح ان الدعوى صحيحة لان الرجوع عن التدبير لا يبطله في الصحيح من المذهب ولو أبطله فما ثبت كون الانكار رجوعا ولو ثبت ذلك فلا يتعين الانكار جوابا للدعوى فانه يجوز ان يقرا إذا ثبت هذا فان أقر السيد فلا كلام وان انكر ولم تكن للعبد بينة فالقول قول السيد مع يمينه لان الاصل عدمه فان كانت للعبد بينة حكم بها ويقبل فيها شاهدان عدلان بغير خلاف فان لم يكن الا شاهد واحد وقال انا احلف معه أو شاهد وامرأتان لم يحكم له به في احدى الروايتين وهو مذهب الشافعي لان الثابت به الحرية وكمال الاحكام وهذا ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الاحوال اشبه النكاح والطلاق (والثانية) بثبت بذلك لانه لفظ يزول به ملكه عن مملوكه فاشبه البيع وهذا أجود لان البينة انما تراد لاثبات الحكم على المشهود عليه وهو في حقه ازالة ملكه عن ماله فيثبت بهذا وان حصل به غرض آخر للمشهود له فلا يمنع ذلك من ثبوته بهذه البينة ولان العتق مما يتشوف إليه وينبني على التغليب والسراية فينبغي ان يسهل طريق اثباته وان كان الاختلاف بين العبد وورثة السيد بعد موته فهو كما لو كان الاحتلاف مع السيد الا ان الدعوى صحيحة بغير خلاف لانهم لا يملكون الرجوع وايمانهم

[ 330 ]

على نفي العلم لان الخلاف في فعل موروثهم وايمانهم على نفي فعله وتجب اليمين على كل واحد من الورثة ومن نكل منهم عتق نصيبه ولم يسر إلى باقيه وكذلك ان أقر لان اعتاقه بفعل الموروث لا بفعل المقر ولا الناكل (فصل) إذا دبر عبده ومات وله مال سواه يفي بثلثي ماله الا انه غائب أو دين في ذمة انسان لم يعتق من المدبر الا ثلثه لجواز ان يتلف الغائب أو يتعذر استيفاء الدين فيكون العبد جميع التركة وهو شريك الورثة فيها له ثلثها ولهم ثلثاها فلا يجوز ان يحصل على جميعها لكنه يستحق عتق ثلثه ويبقى ثلثاه موقوفين لان ثلثه حر على كل حال لان اسوأ الاحوال ان لا يحصل من سائر المال شئ فيكون العبد جميع التركة فيعتق ثلثه وفي ذلك خلاف ذكرناه في باب الموصى به فيما إذا وصى له بمعين ولم يكن له سوى المعين الا مال غائب أو دين وهذا مثله في اعتباره من الثلث إذا ثبت هذا فان العبد إذا عتق كله بقدوم الغائب أو استيفاء الدين تبينا انه كان حرا حين الموت فيكون كسبه له لانه انما عتق بالتدبير ووجود الشرط الذي علق عليه السيد حريته وهو الموت وانما اوقفناه للشك في خروجه من الثلث فإذا زال الشك تبينا انه كان حاصلا قبل زوال الشك وان تلف المال تبينا انه كان ثلثاه رقيقا ولم يعتق منه سوى ثلثه وان تلف بعض المال رق من المدبر ما زاد على قدر ثلث الحاصل من المال (فصل) فان دبر عبدين وله دين يحرجان من ثلث المال إذا حصل أقرعنا بينهما فعتق ممن تخرج له القرعة قدر ثلثهما وكان باقيه والعبد الاخر موقوفا فإذا استوفي من الدين شئ كمل من

[ 331 ]

عتق من وقعت له القرعه قدر ثلثه وما فضل عتق من الآخر كذلك حتى يعتقا جميعا أو مقدار الثلث منهما فان تعذر استيفاء الدين لم يزد العتق على مقدار ثلثهما فان خرج الذي وقعت له القرعة مستحقا بطل العتق فيه وعتق من الآخر ثلثه (فصل) إذا دبر عبدا قيمته مائة وله مائة دينا عتق ثلثه ورق ثلثه ووقف ثلثه على استفياء الباقي وان كانت له مائة حاضرة مع ذلك عتق من المدبر ثلثاه ووقف عتقه على استيفاء الدين (فصل) وان دبر عبده وقيمته مائة وله ابنان ومائتان دينا على احدهما عتق من المدبر ثلثاه لان حصة الذي عليه الدين منه كالمستوفى ويسقط عن الذي عليه الدين منه نصفه لانه قدر حصته من الميراث ويبقى للآخر عليه مائة كلما استوفى منها شيئا عتق قدر ثلثه فان كانت المائتان دينا على الاثنين بالسوية عتق المدبر كله لان كل واحد منهما عليه قدر حقه وقد حصل له ذلك بسقوطه من دينه (فصل) إذا دبر عبدا قيمته مائة وخلف ابنين ومائتي درهم دينا له على احدهما ووصى لرجل بثلث ماله عتق من المدبر ثلثه وسقط عن الغريم مائة وكان للوصي سدس العبد وللابن ئلثه ويبقى سدس العبد موقوفا لان الحاصل من المال ثلثاه وهو العبد والمائه الساقطة عن الغريم وثلث ذلك

[ 332 ]

مقسوم بين المدبر والوصي نصفين فحصة المدبر منه ثلثه يعتق في الحال ويبقى له سدسه موقوفا فكلما اقتضي من المائة الباقية شئ عتق من المدبر قدر سدسه ويكون المستوفى بين الابن والوصي اثلاثا فإذا استوفيت كلها حصل للابن ثلثاها وثلث العبد وهو قدر حقه وكمل للمدبر عتق نصفه وحصل للوصي ثلث المائة وسدس العبد وهو قدر حقه وان كان الدين على أجنبي لم يعتق من المدبر الا سدسه لان الحاصل من التركة هو العبد وثلثه بينه وبين الوصي الآخر وللوصي سدسه ولكل ابن سدسه ويبقى ثلثه موقوفا فكلما اقتضي من الدين شئ عتق من المدبر قدر سدسه وكان المستوفى بين الابنين والوصي اسداسا للوصي سدسه ولهما خمسة اسداسه فيحصل لكل واحد نصف المائة وثلثها وسدس العبد وهو قدر حقه ويحصل للوصي سدس العبد وهو قدر حقه ويعتق من المدبر نصفه وهو قدر حقه (مسألة) (وإذا قتل المدبر سيده بطل تدبيره لامرين) (أحدهما) انه قصد استعجال العتق بالقتل المحرم فعوقب بنقيض قصده وهو إبطال التدبير كمنع الميراث بقتل الموروث ولان العتق فائدة تحصل بالموت فتنتفي بالقتل كالارث والوصية (والثاني) ان التدبير وصية فيبطل بالقتل كالوصية بالمال ولا يلزم على هذا عتق ام الولد لكونها آكد فانها صارت بالاستيلاد بحال لا يمكن نقل الملك فيها ولذلك لم يجز بيعها ولا هبتها ولا رهنها

[ 333 ]

ولا الرجوع عن ذلك القول ولا غيره والارث نوع من النقل فلو لم تعتق بموت سيدها انتقل الملك فيها إلى الوارث ولا سبيل إليه بخلاف المدبر ولان سبب حرية ام الولد الفعل والبعضية الذي حصلت بينها وبين سيدها بواسطة ولدها وهو آكد من القول ولهذا نبذ استيلاد المجنون ولم ينفذ اعتاقه ولا تدبيره وسرى حكم استيلاد المعسر إلى نصيب شريكه بخلاف الاعتاق وعتقت من رأس المال والتدبير لا ينفذ الا في الثلث ولا يملك الغرماء ابطال عتقها وان كان سيدها مفلسا بحلاف المدبر ولا يلزم الحكم في موضع تأكد الحكم فيما دونه كما يلزم الحاقه به في هذه المواضع إلتى افترقا فيها. إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونه عمدا أو خطأ كما لا فرق في ذلك في حرمان الارث وابطال وصية القاتل (فصل) فأما سائر جناياته غير قتل سيده فلا تبطل تدبيره لكن ان كانت جناية موجبة للمال أو للقصاص فعفا الولي إلى المال تعلق المال برقبته فمن جوز بيعه جعل سيده بالخيار بين تسليمه فيباع في الجناية وبين فدائه فان سلمه في الجناية فبيع فيها بطل تدبيره وان عاد إلى سيده عاد تدبيره وان اختار فداءه وفداه يما يفدى به فهو مدبر بحاله ومن لم يجز بيعه أوجب فداءه على سيده كام الولد وان كانت الجناية موجبة للقصاص فاقتص منه في النفس بطل تدبيره وان اقتص منه في الطرف فهو مدبر بحاله وإذا مات سيده بعد جنايته وقبل استيفائها عتق على كل حال سواء كانت موجبة للمال أو للقصاص لان صفة العتق وجدت فيه فأشبه ما لو باشره به فان الواجب قصاصا استوفي سواء كانت

[ 334 ]

جنايته على عبد أو حر لان القصاص قد استقر وجوبه عليه في حال رقه فلا يسقط بحدوث الحرية فيه وان كان الواجب عليه مالا في رقبته فدي باقل الامرين من قيمته أو ارش جناينه وان جني على المدبر فارش الجناية لسيده فان كانت الجناية على نفسه وحبت قيمته لسيده وبطل التدبير بهلاكه فان قيل فهلا جعلتم قيمته قائمة مقامه كالعبد المرهون والموقوف

[ 335 ]

قلنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه (احدها) ان كل واحد من الوقف والرهن لازم فتعلق الحق يبدله والتدبير غير لازم لانه يمكن ابطاله بالبيع وغيره فلم يتعلق الحق ببدله (الثاني) ان الحق في التدبير للمدبر فبظل حقه بفوات مستحقه والبدل لا يقوم مقامه في

[ 336 ]

الاستحقاق والحق في الوقف للموقوف عليه وفي الرهن للمرتهن وهو باق فثبت حقه في بدل محل حقه (الثالث) ان المدبر انما ثبت حقه بوجود موت سيده فإذا هلك قبل سيده فقد هلك قبل ثبوت الحق له فلم يكن له بدل بخلاف الرهن والوقف فان الحق ثابت فيهما فقام بدلهما مقامهما وبين الرهن والمدبر فرق رابع وهو ان الواجب القيمة ولا يمكن وجود التدبير فيها ولا قيامها مقام

[ 337 ]

المدبر فيه وان أخذ عبدا مكانه فليس هو البدل انما هو بدل القيمة بخلاف الرهن فان القيمة يجوز ان تكون رهنا فان قيل فهذا يلزم عليه الموقوف فانه إذا قتل اخذت قيمته فاشتري بها عبد يكون وقفا مكانه قلنا قد حصل الفرق بين المدبر والرهن من الوجوه الثلاثة وكونه لا يحصل الفرق بينه وبين الوقف من هذا الوجه لا يمنع ان يحصل الفرق بينه وبين الرهن به والله أعلم

[ 338 ]

(باب الكتابة) الكتابة اعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدى في نجوم، سميت كتابة لان السيد يكتب بينه وبينه كتابا بما اتفقا عليه وقيل سميت كتابة من الكتب وهو الضم لان المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض ومنه سمي الخرز كتابا لانه يضم احد طرفيه إلى الآخر بخرزه قال الحريري وكاتبين وما خطت أناملهم * حرفا ولا قرأوا ما خط في الكتب وقال ذو الرمة: وفراء عرفتة أنأى خوارزها * مشلشل صنعته بينها الكتب يصف قربة يسيل الماء من بين خرزها وسميت الكتيبة كتيبة لانضمام بعضها إلى بعض والمكاتب يضم نجومه بعضها إلى بعض والنجوم ههنا الاوقات المختلفة لان العرب كانت لا تعرف الحساب وانما تعرف الاوقات بطلوع النجوم كما قال بعضهم إذا سهيل أول الليل طلع * فابن اللبون الحق والحق جذع فسميت الاوقات نجوما والاصل في الكتابة الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكانبوهم ان علمتم فيهم خيرا) وأما السنة فروى

[ 339 ]

سعيد عن سفيان عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا كان لاحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) رواه أبو داود وابن ماجه وروى سهل بن حنيف ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أعان غارما أو غازيا أو مكاتبا في كتابته أظله الله يوم لا ظل الا ظله) في أحاديث كثيرة سواهما واجمعت الامة على مشروعية الكتابة (مسألة) (وهي مستحبة لمن يعلم فيه خير وهو الكسب والامانة وعنه انها واجبة إذا ابتغاها من سيده أجبر عليها) إذا سأل العبد سيده مكاتبته استحب له اجابته إذا علم فيه خيرا ولم يجب ذلك في ظاهر المذهب وهو قول عامة اهل العلم منهم الحسن والشعبي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنها واجبة إذا دعى العبد المكتسب سيده إليها وهو قول عطاء والضحاك وعمرو بن دينار وداود وقال اسحاق اخشى ان يأتم ان لم يفعل ولا يجبر عليها. ووجه ذلك قول الله تعالى (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا) وظاهر الامر الوجوب وروي ان سيرين أبا محمد بن سيرين كان عبدا لانس بن مالك فسأله أن يكاتبه فأبى فأخبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك فرفع الدرة على أنس وقرأ عليه (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا) فكاتبه أنس

[ 340 ]

ولنا انه اعتاق بعوض فلم يجب عليه كالاستسعاء والآية محمولة على الندب وقول عمر يخالفه فعل أنس قال أحمد الخير صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة ونحو هذا قال ابراهيم وعمرو بن دينار وغيرهما وعبارتهم في ذلك مختلفة وقيل قوة على الكسب والامانة قال الشافعي وقال ابن عباس غنى واعطاء المال، وقال مجاهد غني وأداء، وقال النخعي صدق ووفاء ولا خلاف بينهم في أن من لا خير فيه لا تجب اجابته (مسألة) (وهل تكره كتابة من لا كسب له؟ على روايتين) قال القاضي ظاهر كلام أحمد كراهته وكان ابن عمر يكرهه وهو قول مسروق والاوزاعي وعن أحمد أنه لا يكره ولم يكرهه الشافعي واسحاق وابن المنذر وطائفة من أهل العلم لان جويرية بنت الحارث كاتبها ثابت بن قيس بن شماس فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها فادى عنها كتابتها وتزوجها واحتج ابن المنذر بأن بريرة كاتبت ولا حرفة لها فلم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجه الاول ما ذكرنا في عتقه قال شيخنا وينبغي ان ينظر في المكاتب فان كان ممن يتضرر بالكتابة ويضيع لعجزه عن الانفاق على نفسه ولا يجد من ينفق عليه كرهت كتابته وان كان يجد من يكفيه مؤنته لم تكره كتابته لحصول النفع بالحرية من غير ضرر فأما جويرة فانها كانت ذات أهل وكانت ابنة سيد قومه فإذا عتقت رجعت إلى أهلها فاخلف الله لها خيرا من أهلها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 341 ]

وصارت احدى أمهات المؤمنين وأعتق الناس ما كان بايديهم من قومها حين بلغهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وقالوا اصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تر امرأة أعظم بركة على قومها منها واما بريره فان كتابتها تدل على اباحة ذلك وأنه ليس بمنكر ولا خلاف فيه وإنما الخلاف في كراهته قال مسروق إذا سأل العبد مولاه المكاتبة فان كان له مكسبة أو كان له مال فليكاتبه وإن لم يكن له مال ولا مكسبة فليحسن ملكته ولا يكلفه الا طاقته (مسألة) (ولا يصح إلا من جائز التصرف فاما المجنون والطفل فلا تصح مكاتبتهما لرقيقهما ولا مكاتبة سيدهما لهما لان الكتابة نقل الملك بعوض فلا تصح منها كالبيع (مسألة) (فان كاتب المميز عبده باذن وليه صح ويحتمل أن لا يصح بناء على قولنا إنه لا يصح بيعه باذن وليه ولانه عقد اعتاق فلم يصح منه كالعتق بغير مال ولا يصح بغير اذن وليه بحال (مسألة) (وان كاتب السيد عبده المميز صح وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح فيها جميعها بحال لانه ليس بمكلف أشبه المجنون ولنا أنه يصح تصرفه وبيعه باذن وليه فصحت منه الكتابة بذلك كالمكلف ودليل صحة تصرفه قول الله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) والابتلاء الاختبار له بتفويض التصرف إليه ليعلم هل يقع منه على وجه المصلحة أو لا؟ وهل يغبن في بيعه وشرائه أو لا؟ وايجاب السيد لعبده

[ 342 ]

المميز المكاتبة أذن له في قبولها. إذا ثبت هذا فان كان السيد المكاتب طفلا أو مجنونا فلا حكم لتصرفه ولا قوله وان كاتب المكلف عبده المكلف أو المجنون لم يثبت لهذا التصرف حكم المكاتبة الصحيحة ولا الفاسدة لانه لا حكم لقولهما لكن ان قال ان أديتما الي فأنتما حران فاديا عتقا بالصفة لا بالكتابة وما في ايديهما لسيدهما وان لم يقل ذلك لم يعتقا ذكره أبو بكر وقال القاضي يعتقان وهو مذهب الشافعي لان الكتابة تتضمن معنى الصفة فيحصل العتق ههنا بالصفة المحضة كما لو قال ان أديت الي فانت حر ولنا انه ليس بصفة صريحا ولا معنى وانما هو عقد باطل فاشبه البيع الباطل (فصل) إذا كاتب الذمي عبده ثم أسلما صح لانه عقد معاوضة أو عتق بصفة وكلاهما يصح منه فإذا ترافعا إلى الحاكم بعد الكتابة نظر في العقد فان كان موافقا للشرع امضاه وان كانت كتابته فاسدة مثل ان يكون العوض خمرا أو خنزيرا أو غير ذلك من انواع الفساد ففيه ثلاث مسائل (أحدها) ان يكونا قد تقابضا حال الكفر فتكون الكتابة ماضية والعتق حاصلا لان ما تم في حال الكفر لا ينقضه الحاكم ويحكم بالعتق سواء ترافعا قبل الاسلام أو بعده (الثانية) تقابضا بعد الاسلام ثم ترافعا إلى الحاكم فانه يعتق لان هذه كتابة فاسدة ويكون حكمها حكم الكتابة الفاسدة المعقودة في الاسلام على ما سنذكره ان شاء الله تعالى

[ 343 ]

(والثالثة) ترافعا قبل قبض العوض الفاسد أو قبض بعضه فان الحاكم يرفع هذه الكتابة ويبطلها لانها كتابة فاسدة لم يتصل بها قبض تنبرم به ولا فرق بين اسلامهما أو اسلام أحدهما فيما ذكرناه من التغليب بحكم الاسلام وقال أبو حنيفة إذا كاتبه على خمر ثم أسلما لم يفسد العقد ويؤدي قيمة الخمر لان الكتابة كالنكاح ولو مهرها خمرا ثم أسلما لم يفسد العقد ويبطل الخمر ولنا ان هذا عقد لو عقده المسلم كان فاسدا فإذا أسلما قبل التقابض أو احدهما حكم بفساده كالبيع الفاسد ويفارق النكاح فانه لو عقده المسلم بخمر كان صحيحا وان أسلم مكاتب الذمي لم تنفسخ الكتابة لانها وقعت صحيحة ولا يجبر على إزالة ملكه لانه خارج بالكتابة عن تصرف الكافر فيه فان عجز أجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ فان اشترى مسلما فكاتبه لم تصح الكتابة لان الشراء باطل لم يثبت له به ملك وان أسلم عبده فكاتبه بعد إسلامه لم تصح كتابته لان الكتابة لا تزيل الملك. وقال القاضي له ذلك وقد ذكرناه في كتاب البيع فان عجز عاد رقيقا قنا واجبة على إزالة ملكه عنه (فصل) وتصح كتابة الحربي عبده في دار الحرب وفي دار الاسلام، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تصح لان ملكه ناقص وحكي عن مالك أنه لا يملك ذلك بدليل أن للمسلم تملكه عليه ولنا قوله تعالى (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) وهذه الاضافة إليهم تقتضي صحة أملاكهم فتقتضي صحة تصرفاتهم. إذا ثبت هذا فإذا كاتب عبده فدخلا مستأمنين الينا لم يتعرض الحاكم لهما وان ترافعا إليه نظر بينهما فان كانت كتابتهما صحيحة ألزمهما حكمها وان كانت فاسدة بين لهما فسادها

[ 344 ]

وان جاءا وقد قهر أحدهما صاحبه بطلت الكتابة لان العبد ان قهر سيده ملكه فبطلت كتابته بخروجه عن ملك سيده وان قهره السيد على ابطال الكتابة ورده رقيقا بطلت لان دار الفكر دار قهر وإباحة ولهذا لو قهر حر حرا على نفسه ملكه وإن دخلا من غير قهر فقهر أحدهما الآخر في دار الاسلام لم تبطل الكتابة وكانا على ما كانا عليه قبله لان دار الاسلام دار حظر لا يؤثر فيها القهر الا بالحق وان دخلا مستأمنين ثم أرادا الرجوع إلى دار الحرب لم يمنعا وان أراد السيد الرجوع وأخذ المكاتب معه فأبى المكاتب الرجوع معه لم يجبر لانه بالكتابة زال سلطانه وانما له في ذمته حق ومن له دين في ذمة غيره لا يملك اجباره على السفر معه لاجله ويقال للسيد ان أردت الاقامة في دار الاسلام لتستوفى مال الكتابة فاعقد الذمة وأقم ان كانت مدتها طويلة وان اردت توكيل من يقبض لك نجوم الكتابة فافعل فإذا ادى نجوم الكتابة عتق وهو مخير ان أحب المقام في دار الاسلام عقد على نفسه الذمة وان أحب الرجوع لم يمنع وان عجز وفسخ السيد كتابته عاد رقيقا ويرد إلى سيده والامان باق لانه من مال سيده وسيده عقد الامان لنفسه وماله فإذا اتنقض الامان في في نفسه بعوده لم ينتقض في ماله وان كاتبه في دار الحرب فهرب ودخل الينا بطلت الكتابة لان ملكه زال بقهره على نفسه فاشبه ما لو قهره على غيره من ماله وسواء جاءنا مسلما أو غير مسلم وان جاء باذن سيده فالكتابة بحالها لانه لم يقهر سيده فإذا دخل الينا بامان باذن سيده ثم سبى المسلمون سيده

[ 345 ]

وقتل انتقلت الكتابة إلى ورثته كما لو مات حتف أنفه وان من عليه الامام أو فاداه أو هرب فالكتابة بحالها وان استرقه الامام فالمكاتب موقوف ان عتق السيد فالكتابة بحالها وان مات أو قتل فالمكاتب للمسلمين مبقى على ما بقي من كتابته يعتق بالاداء إليهم وولاؤه لهم وان عجز فهو رقيق لهم فان أراد المكاتب الاداء قبل عتق سيده وموته ادى إلى الحاكم أو إلى أمينه وكان المال المقبوض موقوفا على ما ذكرناه ويعتق المكاتب بالاداء وسيده رقيق لا يثبت له ولاء قال أبو بكر يكون الولاء للمسلمين وقال القاضي يكون موقوفا فان عتق سيده فهو له وان مات رقيقا فهو للمسلمين وان كان استرقاق سيده بعد عتق المكاتب وثبوت الولاء عليه فقال القاضي يكون ولاؤه موقوفا فان عتق السيد كان الولاء له وان قتل أو مات على رقه بطل الولاء لانه رقيق لا يورث فبطل الولاء لعدم مستحقه وينبغي أن يكون للمسلمين لان مال من لا وارث له للمسلمين فكذلك الولاء والله أعلم (فصل) وان كاتب المرتد عبده فعلى قول ابي بكر الكتابة باطلة لان ملكه زال بردته وعلى ظاهر المذهب كتابته موقوفة ان أسلم تبينا انها كانت صحيحة وان مات على ردته أو قبل بطلت وان أدى في ردته لم يحكم بعتقه ويكون موقوفا فان اسلم سيده تبينا صحة الدفع إليه وعتقه وان مات على ردته

[ 346 ]

أو قتل فهو باطل والعبد رقيق وان كاتبه وهو مسلم وارتد وحجر عليه لم يكن للعبد الدفع إليه ويؤدي إلى الحاكم ويعتق بالاداء وان دفع إلى المرتد كان موقوفا كما ذكرنا وان كاتب المسلم عبده المرتد صحت كتابته لانه يصح بيعه فان أدى عتق وان أسلم فهو على كتابته (فصل) وكتابة المريض صحيحة فان كان مرض الموت المخوف اعتبر من الثلث لانه بيع ماله بماله فجرى مجرى الهبة ولذلك ثبت الولاء على المكاتب لكونه معتقا فان خرج من الثلث كانت الكتابة لازمة وان لم يخرج من الثلث لزمت في قدر الثلث وباقيه موقوف على اجازة الورثة يصح باجازته ويبطل برده وهذا قول الشافعي وقال أبو الخطاب في رءوس المسائل تجوز الكتابة من رأس المال لانه عقد معاوضة أشبه البيع والاول أولى (مسألة) ولا يصح الا بالقول وينعقد بقوله كاتبتك على كذا) لانه لفظها الموضوع لها فانعقدت بمجرده كلفظ النكاح فيه (مسألة) ولا يفتقر إلى قوله وان أديت إلي فانت حر بل متى أدى عتق) وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يعتق حتى يقول ذلك أو ينوي بالكتابة الحرية ويحتمل مثل ذلك عندنا لان لفظ الكتابة يحتمل المخارجة ويحتمل العتق بالاداء فلابد من تمييز أحدهما عن الآخر ككنايات العتق

[ 347 ]

ولنا ان الحرية موجب عقد الكتابة فثبتت عند تمامه كسائر أحكامه ولان الكتابة عقد وضع للعتق فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته كالتدبير وما ذكروه من استعمال الكتابة في المخارجة إن ثبت فليس بمشهور فلم يمنع وقوع الحرية به كسائر الالفاظ الصريحة على ان اللفظ المحتمل ينصرف بالقرائن إلى أحد محتمليه كلفظ التدبير فانه يحتمل التدبير في معاشه وغيره وهو صريح في الحرية كذلك هذا. (مسألة) ولا يصح الا على عوض معلوم منجم بنجمين فصاعدا) لا تصح الا على عوض معلوم لانها عقد معاوضه أشبهت البيع ولا تجوز الا منجمة مؤجلة هذا ظاهر المذهب وبه قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة تجوز حالة لانه عقد على عين فإذا كان عوضه في الذمة جاز ان يكون حالا كالبيع ولنا أنه قد روي عن جماعة من الصحابة انهم عقدوا الكتابة ولم ينقل عن واحد منهم عقدها حالة ولو جاز ذلك لم يتفقوا على تركه ولان الكتابة عقد معاوضة يعجز عن اداء عوضها في الحال فكان من شرطها التأجيل كالسلم على أبي حنيفه ولانها عقد معاوضة يلحقه الفسخ من شرطه ذكر العوض فإذا وقع على وجه يتحقق فيه العجز عن العوض لم يصح كما لو أسلم في شئ لا يوجد عند محله ويفارق البيع لانه لا يتحقق فيه العجز عن العوض لان المشتري يملك المبيع والعبد لا يملك شيئا

[ 348 ]

وما في يده لسيده وفي التنجيم إذا كان اكثر من نجم حكمتان احداهما ترجع إلى المكاتب وهو التخفيف عليه لان الاداء مفرقا أسهل ولهذا تقسط الديون على المعسرين عادة تخفيفا عليهم والاخرى للسيد وهي ان مدة الكتابة تطول غالبا فلو كانت على نجم واحد لم يظهر عجزه الا في آخر المدة فإذا عجزه عاد إلى الرق وفاتت منافعه في مدة الكتابة كلها على سيده من غير نفع حصل له وإذا كانت منجمة نجوما فعجز عن النجم الاول فمدته يسيرة وان عجز عما بعده فقد حصل للسيد نفع بما أخذ من النجوم قبل عجزه إذا ثبت ذلك فأقله نجمان فصاعدا، وهذا مذهب الشافعي ونقل عن احمد أنه قال من الناس من يقول نجم واحد ومنهم من يقول نجمان ونجمان أحب الي وهذا يحتمل ان يكون معناه اني أذهب إلى أنه لا يجوز الا نجمان ويحتمل ان يكون المستحب نجمين ويجوز نجم واحد، قال ابن أبي موسى هذا على طريق الاختيار وان جعل المال كله في نجم واحد جاز لانه عقد يشترط فيه التأجيل فجاز ان يكون إلى اجل واحد كالسلم ولان اعتبار التأجيل ليتمكن من تسليم العوض وهذا يحصل بنجم واحد، ووجه الاول ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال الكتابة على نجمين والايتاء من الثاني وهذا يقتضي ان هذا أقل ما تجوز عليه الكتابة لان اكثر من نجمين جائز بالاجماع، وروي عن عن عثمان أنه غضب على عبد له فقال لاعاقبنك ولاكاتبنك على نجمين ولو جاز اقل من هذه لعاقبه به في الظاهر، وفي حديث بريرة انها أتت عائشة فقالت يا أم المؤمنين إني كاتبت أهلي على تسع

[ 349 ]

أواق في كل عام أوقية فأعينيني ولان الكتابة مشتقة من الضم وهو ضم نجم إلى نجم فدل ذلك على افتقارها إلى نجمين والاول أقيس (مسألة) (ويشترط علم ما يؤدي إليه في كل نجم كالثمن في البيع ولئلا يفضي إلى النزاع والاختلاف) ولا يشترط تساوي النجوم فإذا قال كاتبتك على الف إلى عشر سنين تؤدي عند انقضاء كل سنة مائه أو قال تؤدي منها مائه عند انقضاء خمس سنين وباقيها عند تمام العشرة أو قال تؤدي في آخر العام الاول مائة وتسعمائة عند انقضاء السنة العاشرة فكل ذلك جائز فان قال تؤدي في كل عام مائه جاز ويكون أجل كل مائه عند انقضاء السنة، وظاهر قول القاضي وأصحاب الشافعي انه لا يصح لانه لا يبين وقت الاداء من العام ولنا قول بريرة كاتبت اهلي على تسع أواق في كل عام أوقية ولان الاجل إذا علق بمدة تعلق بأحد طرفيها فان كان بحرف إلى تعلق بأولها كقوله إلى شهر رمضان وان كان بحرف في كان إلى آخرها لانه جعل جميعها وقت الادائها فإذا أدى في آخرها كان مؤديا لها في وقتها فلم يتعين عليه الاداء قبله كتأدية الصلاة في آخر وقتها وان قال تؤديها في عشر سنين أو إلى عشر سنين لم يجز لانه نجم واحدا ومن اجاز الكتابة على نجم واحد أجازه وان قال تؤدي بعضها في نصف المدة وباقيها في آخرها

[ 350 ]

لم يجز لان البعض يقع على القليل والكثير فيكون مجهولا (فصل) وتجوز الكتابة على مال يجوز السلم فيه لانه مال يثبت في الذمة مؤجلا في معاوضة فجاز ذلك فيه كعقد السلم فان كان من الاثمان وكان في البلد نقد واحد جاز إطلاقه لانه ينصرف إليه فاشبه البيع وان كان فيه نقود بعضها اغلب في الاستعمال جاز للاطلاق ايضا وانصرف إليه عند الاطلاق كما لو انفرد وان كانت مختلفة متساوية في الاستعمال وجب بيانه بما يتميز به من غيره من النقود وان كان من غير الاثمان وجب وصفه بما يوصف به في السلم فأما مالا يصح السلم فيه فلا يجوز أن يكون عوضا في الكتابة لانه عقد معاوضة يثبت عوضه في الذمة فلم يجز بعوض مجهول كالسلم، وقال القاضي يصح على عبد مطلق وله الوسط إذا كاتبه على عبد مطلق لم يصح، ذكره أبو بكر وهو قول الشافعي يجوز في أحد الوجهين، وهو قول أبي حنيفة ومالك لان العتق لا يلحقه الفسخ فجاز أن يكون الحيوان المطلق عوضا فيه كالعقل. ولنا أن ما لا يجوز أن يكون عوضا في البيع والاجارة لا يجوز أن يكون عوضا في الكتابة كالثوب المطلق ويفارق العقل لانه بدل متلف مقدر في الشرع وههنا عوض في عقد أشبه البيع ولان الحيوان الواجب في العقل ليس بحيوان مطلق بل هو مقيد بجنسه وسنه فلم يصح الالحاق به ولان الحيوان المطلق لا تجوز الكتابة عليه بغير خلاف علمناه وإنما الخلاف في العبد المطلق ولم يرد الشرع به بدلا

[ 351 ]

في موضع علمناه. إذا ثبت هذا فان من صحح الكتابة به أوجب له عبدا وسطا وهو السندي ويكون وسطا من السنديين في قيمته كقولنا في الصداق ولا تصح الكتابة على حيوان مطلق غير العبد فيما علمنا ولا على ثوب ولا دار ولذلك لا تجوز على ثوب من ثيابه ولا عمامة من عمائمه ولا غير ذلك من المجهولات وممن اختار الكتابة على العبد الحسن وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن سيرين، وروي عن أبي برزة وحفصة رضي الله عنهما. (مسألة) (وتصح على مال وخدمة سواء تقدمت الخدمة أو تأخرت). تجوز الكتابة على المنافع المباحة لانها أحد العوضين في الاجارة فجاز أن تكون عوضا في الكتابة كالاثمان ويشترط العلم بها كما يشترط في الاجارة فان كاتبه على خدمة شهر ودينار صح ولا يحتاج إلى ذكر الشهر وكونه عقيب العقد لان الاجارة تقتضيه فان عين الشهر بوقت لا يتصل بالعقد مثل أن يكاتبه في المحرم على خدمته في رجب ودينار صح أيضا كما يجوز أن يؤجره داره شهر رجب في المحرم، وقال أصحاب الشافعي لا يجوز على شهر لا يتصل بالعقد ويشترطون ذكر ذلك ولا يجوزون اطلاقه بناء على قولهم في الاجارة وقد سبق الكلام فيه والخلاف في باب الاجارة ويشترط كون الدينار المذكور مؤجلا لان الاجل شرط في عقد الكتابة فان جعل محل الدينار بعد الشهر بيوم أو أكثر صح بغير خلاف نعلمه وان جعل محله في الشهر أو بعد انقضائه صح أيضا وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وقال

[ 352 ]

القاضي لا يصح لانه يكون نجا واحدا وهذا لا يصح لان الخدمة كلها لا تكون في وقت محل الدينار وانما يوجد جزء منها يسير مقاربا له وسائرها فيما سواه ولان الخدمة بمنزلة العوض الحاصل في ابتداء مدتها ولهذا يستحق عوضها جميعه ويكون محلها غير محل الدينار وإنما جازت له حالة لان المنع من الحلول في غيرها لاجل العجز عنه في الحال وهذا غير موجود في الخدمة فجازت حالة وان جعل محل الدينار قبل الخدمة وكانت الخدمة غير متصلة بالعقد بحيث يكون الدينار مؤجلا والخدمة بعده جاز وان كانت الخدمة متصلة بالعقد لم يتصور كون الدنيار قبله ولم يجز في أوله، لانه يكول حالا ومن شرطه التأجيل. (فصل) إذا كاتب السيد عبده على خدمة مفرده في مدة واحدة مثل ان يكاتبه على خدمة شهر بعينه أو سنة معينة فحكمه حكم الكتابة على نجم واحد على ما مضى من القول فيه ويحتمل أن يكون كالكتابة على انجم لان الخدمة تستوفى في أوقات مفرقة بخلاف المال وان جعله على شهر بعد شهر كأن كاتبه في أول المحرم على خدمته فيه وفي رجب صح لانه على نجمين وان كاتبه على منفعة في الذمة معلومة كخياطة ثوب عينه أو بناء حائط وصفه صح أيضا إذا كانت على نجمين وإن قال كاتبتك على أن تخدمني هذا الشهر وخياطة كذا على عقيب الشهر صح في قول الجميع وان قال على أن تخدمني شهرا من وقتي هذا وشهرا عقيب هذا الشهر صح أيضا وعند الشافعي لا يصح.

[ 353 ]

ولنا انه كاتبه على نجمين فصح كالتي قبلها. (فصل) وإذا كاتب العبد وله مال فماله لسيده الا ان يشترطه المكاتب فان كان له سرية أو ولد فهو لسيده، وبه قال الثوري والحسن بن صالح وابو حنيفة وأبو يوسف والشافعي وقال الحسن وعطاء والنخعي وسليمان بن موسى وعمرو بن دينار ومالك وابن أبي ليلى في المكاتب ماله له ووافقنا عطاء وسليمان بن موسى والنخعي وعمرو بن دينار ومالك في الولد واحتج لهم بما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أعتق عبدا وله مال فالمال للعبد. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) متفق عليه والكتابة بيع ولانه باعه نفسه فلم يدخل معه غيره كولده وأقاربه ولانه هو وماله كانا لسيده فإذا وقع العقد على احدهما بقي الآخر على ما كان عليه كما لو باعه لاجنبي وحديثهم ضعيف قد ذكرنا ضعفه. (مسألة) (وإذا أدى ما كوتب عليه أو أبرئ منه عتق لانه لم يبق لسيده عليه شئ ولا يعتق قبل أداء جميع الكتابة). هذا ظاهر كلام الخرقي، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

[ 354 ]

(المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) رواه أبو داود دل بمنطوقه على انه لا يعتق حتى يؤدي جميع كتابته وبمفهومه على انه إذا أدى كتابته لا يبقى عبدا قال أحمد في عبد رجلين كاتباه على ألف فأدى تسعمائة ثم أعتق أحدهما نصيبه قال يعتق الا نصف المائة وقد روي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت وعائشة وسعيد بن المسيب والزهري انهم قالوا المكاتب عبد ما بقي عليه درهم رواه عنهم الاثرم وبه قال القاسم وسليمان بن يسار وعطاء وقتادة والثوري وابن شبرمة ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك عن ام سلمة وروى سعيد باسناده عن ابي قلابة قال كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه درهم وباسناده عن عطاء ان ابن عمر كاتب غلاما على ألف دينار فأدى إليه تسعمائة دينار وعجز عن مائة دينار فرده ابن عمر في الرق. (مسألة) (وما فضل في يده فهو له). لانه كان له قبل العتق فبقي على ما كان وعنه انه إذا ملك ما يؤدي صار حرا لما روت ام سلمة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا كان لاحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه)، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح فامرهن بالحجاب بمجرد ملكه لما يؤديه ولانه مالك لمال الكتابة اشبه ما لو أداه فعلى هذا متى امتنع من الاداء أجبره الحاكم عليه كسائر الديون الحالة على

[ 355 ]

القادر عليها فان هلك ما في يديه قبل الاداء صار دينا في ذمته وقد صار حرا والصحيح انه لا يعتق حتى يؤدي وهذا قول أكثر اهل العلم لما ذكرنا من حديث عمرو بن شعيب وروي سعيد باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ايما عبد كانت عليه مائة أوقية فأداها إلا عشرة اواق فهو عبد) وفي رواية (من كاتب عبده على مائة اوقية فأداها إلا عشر اواق) أو قال (الا عشرة دراهم ثم عجز فهو رقيق) رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب ولانه عتق علق بعوض فلم يعتق قبل ادائه كما لو قال إذا اديت إلي الفا فأنت حر فعلى هذه الرواية إذا ادى عتق وان لم يؤد لم يعتق فان امتنع من الاداء فقال أبو بكر يؤديه الامام عنه ولا يكون ذلك عجزا ولا يملك السيد الفسخ وهو قول ابي حنيفة ويحتمل انه إذا لم يؤد عجزه السيد ان احب وعاد عبدا غير مكاتب ونحوه قال الشافعي فانه قال ان شاء عجز نفسه وامتنع من الاداء. ووجه ذلك ان العبد لا يجبر على اكتساب ما يؤديه في الكتابة فلا يجبر على الاداء كسائر العقود الجائزة. ووجه الاول انه قد ثبت للعبد استحقاق الحرية بملك ما يؤدي فلم يملك ابطالها كما لو ادى فان تلف المال قبل ادائه جاز تعجيزه واسترقاقه وجها واحدا. (فصل) إذا ابرأه السيد من مال الكتابة برئ وعتق لان ذمته خلت من مال الكتابة فاشبه ما لو أداه وان ابرأه من بعضه برئ منه وهو على الكتابة فيما بقي لان الابراء كالاداء فان كاتبه على دنانير فابرأه من دراهم أو بالعكس لم تصح البراءة لانه ابرأه مما لا يجب عليه الا ان يريد بقدر ذلك مما لي عليك فان اختلفا فقال المكاتب انما

[ 356 ]

أردت من قيمة ذلك وقال السيد بل ظننت ان لي عليك النقد الذي ابرأتك منه فلم تقع البراءة موضعها فالقول قول السيد مع يمينه لانه اعرف بنيته فان مات السيد واختلف المكاتب والورثة فالقول قولهم مع أيمانهم ويحلفون على نفي العلم وان مات المكاتب واختلف ورثته وسيده فالقول قول السيد لما ذكرنا (مسألة) (فلو مات قبل الاداء كان ما في يده لسيده في الصحيح عنه وعلى الرواية الاخرى لسيده بقية كتابته والباقي لورثته) هذه المسألة تشبه ان تكون مبنية على المسألة التي قبلها ان قلنا انه لا يعتق بملك ما يؤدي فقد مات رقيقا وانفسخت كتابته بموته وكان ما في يده لسيده وان قلنا انه عتق بملك ما يؤدي فقد مات حرا وعليه لسيده بقية كتابته لانه دين له عليه والباقي لورثته قال القاضي الاصح ان الكتابة تنفسخ بموته ويموت عبدا وما في يده لسيده رواه الاثرم باسناده عن عمر وزيد والزهري وبه قال ابراهيم وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشافعي لما ذكرناه في التي قلبها ولانه مات قبل اداء مال الكتابة فوجب ان تنفسخ كما لو لم يكن له مال وكما لو علق عتقه بأداء ألف فمات قبل أدائها وعنه انه يعتق ويموت حرا فيكون لسيده بقية كتابته والباقي لورثته روي ذلك عن على وابن مسعود ومعاوية وبه قال عطاء والحسن وطاوس وشريح والنخعي والثوري والحسن بن صالح ومالك واسحاق وأصحاب

[ 357 ]

الرأي الا ان ابا حنيفة قال يكون حرا في آخر جزء من حياته وهذا قول القاضي ووجه هذا الرواية ما تقدم في التي قبلها. لانها معاوضة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين فلا تنفسخ بموت الآخر كالبيع ولان العبد أحد من تمت به الكتابة فلم تنفسخ بموته كالسيد والاول اولى وتفارق الكتابة البيع لان كل واحد من المتعاقدين غير معقود عليه ولا يتعلق العقد بعينه فلم ينفسخ بتلفه والمكاتب هو المعقود عليه والعقد متعلق يعينه فإذا تلف قبل تمام الاداء انفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل قبضه ولانه مات قبل وجود شرط حريته ويتعذر وجودها بعد موته، فأما ان مات ولم يخلف وفاء فلا خلاف في المذهب ان الكتابة تنفسخ بموته ويموت عبدا وما في يده لسيده وهو قول أهل الفتاوى من أئمة الامصار الان يموت بعد أداء ثلاثة ارباع الكتابة عند أبي بكر والقاضي ومن وافقهما فانه يموت حرا في مقتضى قولهم وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى وقال مالك ان كان له ولد حرا انفسخت الكتابة وان كان مملوكا في كتابته اجبر على دفع المال إن كان له مال وان لم يكن له اجبر على الاكتساب والاداء (فصل) ولا تنفسخ الكتابة بالجنون لانها عقد لازم فلم تنفسخ بالجنون كالرهن وفارق الموت لان العقد على العين والموت يفوت العين بخلاف الجنون ولان القصد من الكتابة العتق والموت ينافيه ولهذا لا يصح عتق الميت والجنون لا ينافيه بدليل صحة عتق المجنون فعلى هذا إن أدى إليه المال عتق لان السيد إذا قبض منه فقد استوفى حقه الذي كان عليه وله أخذ المال من يده فيتضمن

[ 358 ]

ذلك براءته من المال فيعتق بحكم العقد وان لم يؤد إليه كان للسيد ان يحضره عند الحاكم وتثبت الكتابة بالبينة فيبحث الحاكم عن ماله فان وجد له مالا سلمه في الكتابة وعتق وان لم يجد له مالا جعل له أن يعجزه ويلزمه الانفاق عليه لانه عاد قنا ثم ان وجد له الحاكم بعد ذلك مالا يفي بمال الكتابة أبطل فسخ السيد لان الباطل بخلاف ما حكم به فبطل حكمه كما إذا أخطأ النص وحكم بالاجتهاد إلا أنه يرد على السيد ما انفقه من حين الفسخ لانه لم يكن مستحقا عليه في الباطن وان أفاق وأقام البينة أنه كان قد دفع إليه مال الكتابة بطل أيضا ولا يرد عليه ما انفقه لانه انفق عليه مع علمه بحريته فكان متطوعا بذلك فلم يرجع به وينبغي أن يستحلف الحاكم السيد انه ما استوفى مال الكتابة وهذا قول أصحاب الشافعي ولم يذكره أصحابنا وهو حسن لانه يحتمل أنه استوفاه والمجنون لا يعبر عن نفسه فيدعيه فيقوم الحاكم مقامه في استحلافه عليه (فصل) وقتل المكاتب كموته في انفساخ الكتابة على ما اسلفنا من الخلاف سواء كان القاتل السيد أو الاجنبي ولا قصاص على قاتله الحر لان المكاتب عبد ما بقي عليه درهم للحديث فان كان القاتل سيده ولم يخلف وفاء انفسخت الكتابة وعاد ما في يده إلى سيده ولم يجب عليه شئ لانه لو وجب لوجب له فان قيل فالقاتل لا يستحق بالقتل شيئا من تركة المقتول قلنا ههنا لا يرجع إليه مال المكاتب ميراثا بل بحكم ملكه عليه لزوال الكتابة وانما يمنع القاتل الميراث خاصة الا ترى أن

[ 359 ]

من له دين مؤجل إذا قتل من عليه الحق حل الدين في رواية وأم الولد إذا قتلت سيدها عتقت وان كان المكاتب قد خلف وفاء وقلنا ان الكتابة تنفسخ بموته فالحكم كذلك وان قلنا لا تنفسخ فله القيمة على سيده تصرف إلى ورثته كما لو كانت الجناية على بعض اطرافه في حياته وان كان الوفاء يحصل بايجاب القيمة ولا يحصل بدونها وجب كما لو خلف وفاء لان دية المقتول كتركته في قضاء ديونه منها وانصرافها إلى ورثته بينهم على فرائض الله تعالى ولا فرق فيما ذكرنا بين ان يخلف وارثا أو لا يخلف وارثا وذكر القاضي انه إذا لم يخلف وارثا سوى سيده لم تجب القيمة عليه بحال ولنا أن من لا وارث له يصرف ماله إلى المسلمين ولا حق لسيده فيه لان صرفه إلى سيده بطريق الارث والقاتل لا ميراث له وان كان القاتل أجنبيا وجبت القيمة للسيد الا في الموضع الذي لا تنفسخ الكتابة تجب لورثته (مسألة) (وإذا عجلت الكتابة قبل محلها لزم السيد الاخذ وعتق) هذا المنصوص عن احمد ويحتمل ان لا يلزمه ذلك إذا كان في قبضه ضرر، وذكر أبو بكر فيه رواية أخرى انه لا يلزمه قبول المال الا عند نجومه لان بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حق له ولم يرض بزواله فلم يزل كما لو علق عتقه على شرط لم يعتق والصحيح في المذهب الاول وهو مذهب الشافعي الا ان القاضي قال أطلق احمد والخرقي هذا القول وهو مقيد بما لا ضرر في قبضه قبل محلة

[ 360 ]

كالذي لا يفسد ولا يختلف قديمه وحديثه ولا يحتاج إلى مؤنة في حفظه ولا يدفعه في حال خوف يخاف ذهابه فان اختل أحد هذه الامور لم يلزمه قبضه مثل ان يكون مما يفسد كالعنب والرطب والبطيخ أو يخاف تلفه كالحيوان فانه ربما تلف قبل المحل ففاته مقصوده، وان كان مما يكون حديثه خيرا من قديمه لم يلزمه أيضا أخذه لانه ينقص إلى حين الحلول وإن كان مما يحتاج إلى مخزن كالطعام والقطن لم يلزمه أيضا لانه يحتاج في ابقائه إلى وقت المحل إلى مؤنة فيتضرر بها ولو كان غير هذا إلا ان البلد مخوف لم يلزمه أخذه لان في أخذه ضررا لم يرض بالتزامه وكذلك لو سلمه إليه في طريق مخوف أو في موضع يتضرر بقبضه في لم يلزمه قبضه ولم يعتق المكاتب قال القاضي والمذهب عندي أن فيه تفصيلا على حسب ما ذكرناه في السلم ولانه لا يلزم الانسان التزام ضرر لم يقتضه العقد ولا رضي بالتزامه وأما ما لا ضرر في قبضه فإذا عجله لزم السيد أخذه وذكر أبو بكر انه يلزمه قبوله من غير تفصيل اعتمادا على اطلاق احمد القول في ذلك وهو ظاهر اطلاق الخرقي لما روى الاثرم باسناده عن ابي بكر بن حزم ان رجلا أتى عمر فقال يا أمير المؤمنين اني كاتبت على كذا وكذا واني أيسرت بالمال وأتيته به فزعم انه لا يأخذها الا نجوما فقال عمر رضي الله عنه يايرفا خذ المال فاجعله في بيت المال واد إليه نجوما في كل عام وقد عتق هذا فلما رأى ذلك سيده أخذ المال، وعن عثمان رضي الله عنه نحو هذا

[ 361 ]

ورواه سعيد بن منصور في سنه عن عمر وعثمان جميعا، وثنا هشيم عن ابن عون عن محمد بن سيرين ان عثمان قضى بذلك ولان الاجل حق لمن عليه الدين فإذا قدمه فقد رضي باسقاط حقه فسقط كسائر الحقوق فان قيل إذا علق عتق عبده على فعل في وقت ففعله في غيره لم يعتق قلنا تلك صفة مجردة لا يعتق الا بوجودها والكتابة معاوضة يبدأ فيها باداء العوض فافترقا ولذلك لو أبرأه من العوض في الكتابة عتق ولو أبرأه من المال في الصفة المجردة لم يعتق قال شيخنا والاولى ما قاله القاضي في ان ما كان في قبضه ضرر لم يلزمه قبضه ولم يعتق ببذله لما ذكره من الضرر الذي لم يقتضه القعد وخبر عمر لا دلالة فيه على وجوب قبض ما فيه ضرر ولان اصحابنا قالوا لو لقيه في بلد اخر فدفع إليه نجوم الكتابة أو بعضها فامتنع من أخذها لضرر فيه من خوف أو مؤنة حمل لم يلزمه قبوله لما عليه من الضرر فيه وان لم يكن فيه ضرر لزمه قبضه كذا ههنا وكلام احمد محمول على ماذا لم يكن في قبضه ضرر وكذلك قول الخرقي وأبي بكر

[ 362 ]

(فصل) إذا أحضر المكاتب مال الكتابة أو بعضه ليسلمه فقال السيد هذا حرام أو غصب لا أقبله منك سئل العبد عن ذلك فان أقر به لم يلزم السيد قبوله لانه لا يلزمه أخذ المحرم ولا يجوز له وان أنكر وكانت للسيد بينة بدعواه لم يلزمه قبوله وتسمع بينته لان له حقا في ان لا يقتضي دينه من حرام ولا يأمن أن يرجع صاحبه عليه به وان لم تكن له بينة فالقول قول العبد مع يمينه فان نكل عن اليمين لم يلزم السيد قبوله أيضا وان حلف قيل للسيد اما أن تقبضه واما أن تبرئه ليعتق فان قبضه وكان تمام كتابته عتق ثم ينظر فان ادعى أنه حرام مطلقا لم يمنع منه لانه لم يقربه لاحد وانما تحريمه فيما بينه وبين الله تعالي وان ادعى انه غصبه من فلان لزمه دفعه إليه لان قوله وان لم يقبل في حق المكاتب فانه يقبل في حق نفسه كما لو قال رجل لعبد في يد غيره هذا حر وأنكر ذلك من العبد في يده لم يقبل قوله عليه فان انتقل إليه بسبب من الاسباب لزمته حريته فان ابرأه من مال الكتابة لم يلزمه قبضه لانه لم يبق له عليه حق وان لم يبرئه ولم يقبضه كان له دفع ذلك إلى الحاكم ويطالبه بقبضه فينوب الحاكم في قبضه عنه ويعتق العبد كما رويناه عن عمر وعثمان رضي الله عنهما في قبضهما مال الكتابة حين امتنع المكاتب من قبضه (فصل) إذا كاتبه على جنس لم يلزمه قبض غيره فلو كاتبه على دنانير لم يلزمه قبض دراهم ولا عرض وان كانت على عرض موصوف لم يلزمه قبض غيره وان كانت على نقد فأعطاه من جنسه خيرا منه وكان

[ 363 ]

ينفق فيما ينفق فيه الذي كاتيه عليه لزمه أخذه لانه زاده خيرا وان كان لا ينفق في بعض البلدان التي ينفق فيها ما كاتبه عليه لم يلزمه قبوله لان عليه فيه ضرارا (مسألة) ولا بأس ان يجعل المكاتب لسيده ويضع عنه بعض كتابته مثل ان يكاتبه على الف في نجمين إلى سنة ثم قال عجل لي خمسمائة حتى أضع عنك الباقي أو حتى ابرئك من الباقي أو قال صالحني منه على خمسمائة معجلة جاز ذلك. وبه يقول طاوس والزهري والنخعي وأبو حنيفة وكرهه الحسن وابن سيرين والشعبي، وقال الشافعي لا يجوز لان هذا بيع الف بخمسمائة وهو ربا الجاهلية وهو أن يزيد في الدين لاجل الاجل وهذا أيضا هبة لان هذا لا يجوز بين الاجانب والربا يجري بين المكاتب وسيده فلم يجز هذا بينهما كالاجانب. ولنا أن مال الكتابة غير مستقر ولا هو دين صحيح بدليل أنه لا يجبر على ادائه وله ان يمتنع من أدائه ولا تصح الكفالة به وما يؤديه إلى سيده كسب عبده وانما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق وأوجب فيه التأجيل مبالغة في تحصيل العتق وتخفيفا على المكاتب فإذا أمكنه التعجيل على وجه يسقط عنه يعض ما عليه كان أبلغ في حصول العتق واخف على العبد ويحصل من السيد اسقاط بعض

[ 364 ]

ماله على عبده ومن الله تعالى اسقاط بعض ما اوجبه عليه من الاجل لمصلحته ويفارق سائر الديون بما ذكرنا ويفارق الاجانب من حيث ان هذا عبده فهو أشبه بعبده القن وأما قولهم إن الربا يجري بينهما فيمنعه ما ذكره ابن أبي موسى وان سلمنا فان هذا مفارق لسائر الربا بما ذكرناه وهو يخالف ربا الجاهلية فانه اسقاط لبعض الدين وربا الجاهلية زيادة في الدين تفضي إلى نفاد مال المدين وتحمله ما يعجز عن وفائه من الدين فيحبس من اجله وهذا يفضي إلى تعجيل عتق المكاتب وخلاصه من الرق والتخفيف عنه فافترقا (فصل) فان اتفقا على الزيادة في الاجل والدين مثل ان يكاتبه على الف في نجمين إلى سنة يؤدي خمسمائة في نصفها والباقي في آخرها فيجعلانها إلى سنتين بالف ومائتين في كل سنة ستمائة أو مثل ان يحل عليه نجم فيقول أخرني إلى كذا وأزيدك كذا فلا يجوز لان الدين المؤجل إلى وقت لا يتأخر اجله عن وقته باتفاقهما عليه ولا يتغير أجله بتغييره وإذا لم يتأخر عن وقته لم تصح الزيادة التي في مقابلته ولان هذا يشبه ربا الجاهلية المحرم وهو الزيادة في الدين للزيادة في الاجل ويفارق المسألة الاولى من هذين الوجهين فان قيل فكما أن الاجل لا يتأخر فكذلك لا يتعجل ولا يصير المؤجل حالا فلم يجاز في المسألة الاولى قلنا إنما جاز في المسألة الاولى بالتعجيل فعلا فانه إذا دفع إليه الدين

[ 365 ]

المؤجل قبل محله جاز وجاز للسيد اسقاط باقي حقه عليه وفي هذه المسألة يأخذ أكثر مما وقع عليه العقد فهو ضد المسألة الاولى وهو ممتنع من وجه آخر لان في ضمن الكتابة انك متى اديت الي كذا فأنت حر فإذا أدى إليه ذلك فينبغي أن يعتق فان قيل فإذا غير الاجل والعوض فكأنهما فسخا الكتابة الاولى وجعلا كتابة ثانية قلنا لم يجر بينهما فسخ وانما قصدا تغيير العوض والاجل على وجه لا يصح فبطل التغيير وبقي العقد بحاله ويحتمل ان يصح ذلك كما في المسألة الاولى فعلى هذا لو اتفقا على ذلك ثم رجع احدهما قبل التعجيل فله الرجوع لما ذكرنا من أن الدين المتأخر لا يتأخر عن أجله ولا يتقدم وانما له أن يؤديه قبل محله ولمن له الدين ترك قبضه في محله وذلك إلى اختياره فإذا وعد به ثم رجع قبل الفعل فله ذلك (فصل) وان صالح المكاتب سيده عما في ذمته بغير جنسه مئل ان يصالح عن النقود بحنطة أو شعير جاز الا أنه لا يجوز أن يصالحه على شئ مؤجل لانه يكون بيع دين بدين وان صالحه عن الدراهم بدنانير أو عن الحنطة بشعير لم يجز التفرق قبل القبض لان هذا بيع في الحقيقة فيشترط له القبض في المجلس، وقال القاضي يحتمل ان لا تصح هذه المصالحة مطلقا لان هذا دين من شرطه التأجيل فلم تجز المصالحة عليه بغير ولانه دين غير مستقر فهو كدين السلم، وقال ابن أبي موسى لا يجري الربا بين المكاتب وسيده فعلى قوله تجوز المصالحة كيفما كانت كما تجوز بين العبد القن وسيده والاولى ما ذكرنا ويفارق دين الكتابة دين السلم فانه يفارق سائر الديون بما ذكرنا في هذه المسألة فمفارقته لدين السلم أعظم

[ 366 ]

(مسألة) وإذا أدى وعتق فوجد السيد بالعوض عيبا فله ارشه أو قيمته ولا يرتفع العتق) وجملة ذلك أن المكاتب إذا دفع العوض في الكتابة فبان مستحقا تبين انه لم يعتق وكان وجود هذا الدفع كعدمه لانه لم يؤد الواجب عليه وقيل له ان أديت الآن والا فسخت كتابتك وان كان قد مات بعد الاداء فقد مات عبدا فان بان معيبا مثل ان كاتبه على عروض موصوفة فقبضها فأصاب بها عيبا بعد قبضها نظرت فان رضي بذلك وأمسكها استقر العتق فان قيل يستقر العتق ولم يعطه جميع ما وقع عليه العقد فان ما يقابل العيب لم يقبضه فأشبه ما لو كاتبه على عشرة فأعطاه تسعة قلنا امساكه العيب راضيا به رضا منه باسقاط حقه فجرى مجرى ابرائه من بقية كتابته وان اختار امساكه واخذ أرش العيب أو رده فله ذلك. قال أبو بكر وقياس قول احمد أنه لا يبطل العتق وليس له الرد وله الارش لان العتق اتلاف واستهلاك فإذا حكم بوقوعه لم يبطل كعقد الخلع ولانه ليس المقصود منه المال فأشبه الخلع. وقال القاضي يتوجه أن له الرد ويحكم بارتفاع العتق الواقع لان العتق انما يستقر باستقرار الاداء وقد ارتفع الاداء فارتفع العتق، وهذا مذهب الشافعي لان الكتابة عقد معاوضة يلحقه الفسخ بالتراضي فوجب أن يفسخ بوجود العيب كالبيع وان اختار امساكه وأخذ الارش فله ذلك وتبين أن العتق لم يقع لاننا تبينا أن ذمته لم تبرأ من مال الكتابة ولا يعتق قبل ظن وقوع

[ 367 ]

العتق لا يوقعه إذا بان الامر بخلافه كما لو بان العوض مستحقا وان تلفت العين عند السيد أو حدث بها عده عيب استقر أرش العيب والحكم في ارتفاع العتق على ما ذكرنا فيما مضى ولو قال السيد لعبده ان أعطيتني عبدا فأنت حر فاعطاه عبدا فبان حرا أو مستحقا لم يعتق بذلك لان معناه ان أعطيتنيه ملكا ولم يعطه إياه ملكا ولم يملكه إياه. (فصل) وإذا دفع إليه مال الكتابة ظاهرا فقال له السيد أنت حر أو قال هذا حر ثم بان العوض مستحقا لم يعتق بذلك لان ظاهره الاخبار عما حصل له بالاداء فلو ادعى المكاتب أن السيد قصد بذلك عتقه وأنكر السيد فالقول قول السيد مع يمينه لان الظاهر معه وهو أخبر بما نوى. (فصل) قال رضي الله عنه ويملك المكاتب اكتسابه ومنافعه والشراء والبيع والاجارة والاستئجار والسفر وأخذ الصدقة والانفاق على نفسه وولده ورقيقه وكل ما فيه صلاح المال يملك المكاتب اكسابه ومنافعه والشراء والبيع باجماع أهل العلم لان عقد الكتابة لتحصيل العتق ولا يحصل إلا بأداء عوضه ولا يمكنه الاداء إلا بالاكتساب، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب فانه قد جاء في بعض الآثار أن تسعة أعشار الرزق في التجارة ويملك الاجارة والاستئجار قياسا على البيع والشراء ويملك السفر قريبا كان أو بعيدا، وهذا قول الشعبي والنخعي والحسن بن صالح وأبي حنيفة وقد

[ 368 ]

أطلق أصحابنا القول في ذلك ولم يفرقوا بين السفر الطويل وغيره وقياس المذهب ان له منعه من سفر تحل نجوم كتابته قبل لانه يتعذر معه استيفاء النجوم في وقتها والرجوع في رقه عند عجزه فمنع منه كالغريم الذي يحل الدين عليه قبل مدة سفره واختلف قوله فقال في موضع له السفر وقال في موضع ليس له السفر إذا كان قصيرا لانه في حكم الحاضر والموضع الذي منع منه إذا كان بعيدا يتعذر معه استيفاء نجومه والرجوع في رقه عند عجزه. ولنا ان المكاتب في يد نفسه وانما للسيد عليه دين أشبه الحر الدين وما ذكروه لا أصل له ويبطل بالحر الغريم وله أخذ الصدقة الواجبة والمستحبة لان الله تعالى جعل للمكاتبين الاخذ من الواجبة وإذا جاز الاخذ من الواجبة فالمستحبة أولى. (مسألة) (وان شرط عليه أن لا يسافر ولا يأخذ الصدقة فهل يصح الشرط؟ على وجهين. إذا شرط السيد على مكاتبه أن لا يسافر، فقال القاضي الشرط باطل، وهو قول الحسن وسعيد ابن جبير والشعبي والنخعي وأبي حنيفة لانه ينافي مقتضى العقد فلم يصح شرطه كشرط ترك الاكتساب ولانه غريم فلم يصح ترك السفر عليه كما لو اقرض لرجل قرضا بشرط أن لا يسافر وقال ابو الخطاب يصح الشرط وله منعه من السفر وهو قول مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم)

[ 369 ]

ولانه شرط له فيه فائدة فلزم كما لو شرط نقدا معلوما وبيان فائدته أنه لا يأمن اباقه وانه لا يرجع إلى سيده فيفوت العبد والمال الذي عليه ويفارق القرض فانه عقد جائز من جانب المقرض متى شاء طالب باخذه ومنع الغريم السفر قبل إيفائه فكان المنع من السفر حاصلا بدون شرطه بخلاف الكتابة فانه لا يمكن السيد منعه من السفر إلا بشرطه وفيه حفظ عبده وماله فلا يمنع من تحصيله وهذا أصح ان شاء الله تعالى فعلى هذا الوجه لسيده منعه من السفر فان سافر بغير اذنه فله رده ان أمكنه وان لم يمكنه رده احتمل أن له تعجيزه ورده إلى الرق لانه لم يف بما شرط عليه أشبه ما لو لم يف بأداء الكتابة واحتمل أن لا يملك ذلك لانه مكاتب كتابة صحيحة لم يظهر عجزه فلم يملك تعجيزه كما لو لم يشترط عليه. (فصل) وان شرط عليه ان لا يسأل الناس فقال أحمد قال جابر بن عبد الله هم على شروطهم ان رأيته يسأل تنهاه فان قال لا أعود لم يرده عن كتابته في مرة فظاهر هذا ان الشرط صحيح لازم وانه ان خالف مرة لم يعجزه وان خالف مرتين أو أكثر فله تعجيزه قال أبو بكر إذا رآه يسأل مرة في مرة عجزه كما إذا حل نجم في نجم عجزه فاعتبر المخالفة في مرتين كحلول نجمين وانما صح الشرط لقول عليه الصلاة والسلام (المسلمون على شروطهم) ولان له في هذا فائدة وغرضا صحيحا وهو أن

[ 370 ]

لا يكون كلا على الناس ولا يطعمه من صدقتهم وأوساخهم وذكر أبو الخطاب انه لا يصح الشرط لان الله تعالى جعل للمكاتب سهما عن الصدقة بقوله تعالى (وفي الرقاب) وهم المكاتبون فلا يصح اشتراط ترك طلب ما جعل الله له. (مسألة) (وله الانفاق على نفسه وولده ورقيقه وكل ما فيه صلاح المال). لان له التصرف في المال بما يعود بمصلحته ومصلحة ماله والانفاق على نفسه وولده ورقيقه من أهم المصالح فينفق عليهم ما يحتاجون إليه من مأكلهم ومشربهم وكسوتهم بالمعروف مما لا غنى لهم عنه والحيوان الذي له وله تأديب عبيده وتعزيرهم إذا فعلوا ما يستحقون ذلك لانه من مصلحة ملكه فملكه كالنفقة عليهم ولا يملك إقامة الحد عليهم لانه موضع ولاية وما هو من أهلها وله ان يختنهم لانه من مصلحتهم وله المطالبة بالشفعة والاخذ بها لانه نوع شراء فان كان المشتري للشقص سيده فله أخذه منه لان له أن يشتري منه وان اشترى المكاتب شقصا لسيده فيه شركة فله أخذه من المكاتب بالشفعة لانه مع سيده في باب البيع والشراء كالاجنبي وان وجبت للسيد على مكاتبه شفعة فادعى المكاتب أن سيده عفا عنها سمعت دعواه وان انكره السيد كان عليه اليمين وان أذن السيد لمكاتبه في البيع بالمحاباة صح منه وكان لسيده الاخذ بالشفعة، لان بيعه بالمحاباة مع سيده فيه صحيح ويصح اقرار المكاتب بالبيع والشراء والعيب والدين لانه يصح تصرفه فيه بذلك ومن ملك شيئا ملك الاقرار به.

[ 371 ]

(مسألة) (وليس له ان يتزوج ولا يتسرى ولا يتبرع ولا يقرض ولا يحابي ولا يقتص من عبده الجاني على بعض رقيقه ولا يعتق ولا يكاتب إلا باذن سيده). وجملة ذلك أن المكاتب ليس له أن يتزوج الا باذن سيده، وهو قول الحسن ومالك والليث وابي حنيفة والشافعي وأبي يوسف، وقال الحسن بن صالح له ذلك، لانه عقد معاوضة أشبه البيع. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر) ولان على السيد ضررا لانه ان عجز رجع عليه ناقص القيمة ويحتاج ان يؤدي المهر والنفقة من كسبه فيعجز عن أداء نجومه فيمنع من ذلك كالتبرع به فعلى هذا إذا تزوج لم يصح وقال الثوري نكاحه موقوف ان ادى تبينا انه كان صحيحا وان عجز فنكاحه باطل. ولنا الخبر ولانه تصرف منع منه للضرر فلم يصح كالهبة. إذا ثبت هذا فانه يفرق بينهما ولا مهر لها ان كان قبل الدخول وان كان بعده فعليه مهر المثل يؤدى من كسبه كجنايته فان أتت بولد لحقه نسبه لانه من وطئ في نكاح فاسد فان كانت المرأة حرة فهو حر وان كانت امه فهو رقيق لسيدها، فان أذن له سيده في النكاح صح في قول الجميع فان الخبر يدل بمفهومة على انه يصح إذا اذن له لان المنع من نكاحه لحق السيد فإذا اذن فيه زال المانع وقياسا على ما إذا اذن لعبده القن.

[ 372 ]

(فصل) وليس له التسري بغير اذن سيده لان ملكه ناقص. وقال الزهري لا ينبغي لاهله ان يمنعوه من التسري. ولنا ان على السيد فيه ضررا فمنع منه كالتزويج وبيان الضرر انه ربما احبلها والحمل عيب في بنات آدم وربما تلفت وربما ولدت فصارت ام ولد يمتنع عليه بيعها في اداء كتابته فان عجز رجعت إلى سيده ناقصة وإذا منع من التزويج لضرره فهذا اولى فان اذن له سيده جاز وقال الشافعي لا يجوز في احد القولين لانه امر يضر به وربما افضى إلى منعه من العتق فلم يجز باذن السيد. ولنا انه لو اذن لعبده القن في التسري جاز فللكاتب اولى ولان المنع كان لاجل الضرر بالسيد فجاز باذنه كالتزويج إذا ثبت هذا فانه ان تسرى باذن سيده أو غير اذنه فلا حد عليه لشبهة الملك ولا مهر عليه لانه لو وجب لوجب له ولا يجب على الانسان شئ لنفسه فان ولدت فالنسب لاحق به لان الحد إذا سقط للشبهة لحقه النسب ويكون الولد مملوكا له لانه ابن امته ولا يعتق عليه لان ملكه غير تام وليس له بيعه لانه ولده ويكون موقوفا على كتابته فان ادى عتق وعتق الولد لانه ملك لابيه الحر وان عجز وعاد إلى الرق فولده رقيق أيضا ويكونان مملوكين للسيد (فصل وليس له ان يزوج عبيده واماءه بغير اذن سيده وهذا قول الشافعي وابن المنذر وذكر عن مالك ان له ذلك إذا كان على وجه النظر لانه عقد على منفعة فملكه كالاجارة وحكي

[ 373 ]

عن القاضي انه في الخصال له تزويج الامة دون العبد لانه يأخذ عوضا عن تزويجها بخلاف العبد ولانه عقد على منافعها اشبه اجارتها ولنا ان على السيد فيه ضررا لانه ان زوج العبد لزمته نفقة امرأته ومهرها وشغله بحقوق النكاح ونقص قيمته وان زوج الامة ملك الزوج بضعها ونقصت قيمتها وقلت الرغبات فيها وربما امتنع بيعها بالكلية وليس ذلك من جهات المكاسب فربما اعجزه ذلك عن أداء نجومه وان عجز عاد رقيقا للسيد مع ما تعلق بهم من الحقوق ولحقهم من النقص وفارق الاجارة فانها من جهات المكاسب عادة فعلى هذا ان وجب تزويجهم لطلبهم ذلك وحاجتهم إليه باعهم فان العبد متى طلب التزويج حين سيده بين بيعه وتزويجه وان اذن السيد في ذلك جاز لان الحق له والمنع منه (فصل) وليس له استهلاك ماله ولا هبته وبه قال الحسن ومالك والثوري والشافعي والثوري وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا لان حق سيده لم ينقطع عنه لانه قد يعجز فيعود إليه ولان القصد من الكتابة تحصيل العتق بالاداء وهبة ماله تفوت ذلك وتجوز باذن سيده وقال أبو حنيفة لا تجوز لانه يفوت المقصود بالكتابة وعن الشافعي كالمذهبين ولنا ان الحق لا يخرج عنهما فجاز باتفاقهما كالراهن والمرتهن ولا تصح الهبة بالثواب وقال الشافعي في أحد قوليه تصح لان فيها معاوضة

[ 374 ]

ولنا أن الاختلاف في تقدير الثواب يوجب الغرر ولان عوضها يتأخر فهو كالبيع نسيئة وان اذن السيد فيها جازت ولذلك ان وهب لسيده أو لابن سيده الصغير جاز لان قبوله للهبة إذن فيها وليس له ان بحابي في البيع ولا يزيد في الثمن الذي اشترى به لانه اتلاف للمال على سيده فأشبه الهبة ولا يجوز له ان يعير دابته ولا يهدي هدية وأجاز ذلك اصحاب الرأي ويحتمل جواز اعارة دابته وهدية المأكول ودعائه إليه كالمأذون له لان المكاتب لا ينحط عن درجته ووجه الاول انه تبرع بماله فلم يجز كالهبة وليس له ان يوصي بماله ولا يحط عن المشتري شيئا ولا يقرض لانه يعرضه للاتلاف ولا يضمن ولا يتكفل با؟؟ وبه قال الشافعي واصحاب الرأي لان ذلك تبرع بماله فهو كالهبة ولا يقتص من عبده الجاني على بعض رقيقه ذكره أبو بكر لان فيه اتلاف المال على سيده وقال القاضي له ان يقتص من الجناة عليه وعلي رقيقه ويأخذ الارش لان فيه مصلحته (فصل) ولا يعتق رقيقه الا باذن سيده وبه قال الحسن والاوزاعي ومالك والشافعي وأبو حنيفة لان فيه ضررا على سيده بتفويت ماله فيما لا يحصل له به مال اشبه الهبة فان اعتق لم يصح اعتاقه ويتخرج ان يصح ويقف على اذن سيده وقال أبو بكر هو موقوف على آخر امر المكاتب فان ادى عتق معتقه وان لم يؤد رق قال القاضي هذا قياس المذهب كقولنا في ذوي الارحام انهم موقوفون ولنا انه تبرع بماله بغير اذن سيده فكان باطلا كالهبة ولانه تصرف تصرفا منع منه لحق سيده

[ 375 ]

فكان باطلا كسائر ما منع منه ولا يصح قياسه على ذوي ارحامه لان عتقهم ليس بتصرف منه وانما يعتقهم الشرع على مالكهم بملكهم والمكاتب ملكه ناقص فلم يتقوا به فإذا عتق كمل ملكه فعتقوا حينئذ والمعتق انما يعتق بالاعتاق الذي كان باطلا فلا تتبين صحته إذا كمل الملك لان كمال الملك في في الثاني لا يوجب كونه كاملا حين الاعتاق ولذلك لا يصح سائر تبرعاته بادائه فان اذن فيه سيده صح وقال الشافعي في احد قوليه لا يصح لان تبرعه بماله يفوت المقصود من كتابته وهو العتق الذى هو حق لله تعالى أو فيه حق له فلا يجوز تفويته ولان العتق لا ينفك من الولاء وليس من أهله ولان ملك المكاتب ناقص والسيد لا يملك اعتاق ما في يده ولا هبته فلم يصح إذنه فيه ولنا ان الحق لا يخرج عنهما فإذا اتفقا على التبرع به جاز كالراهن والمرتهن وما ذكروه يبطل بالنكاح فانه لا يملكه ولا يملكه السيد عليه وإذا اذن فيه جاز وأما الولاء فانه يكون موقوفا فان عتق المكاتب لان له والا فهو لسيده كما يرق مماليكه من ذوي ارحامه هذا قول القاضي وقال أبو بكر يكون لسيده كان اعتاقه انما صح باذن سيده فكان كنائبه (فصل) قال شيخنا وليس له ان يحج إذا احتاج إلى انفاق ماله فيه وذكر في كتاب الاعتكاف ان له ان يحج بغير إذن سيده لانه كالحر المدين ونقل الميموني عن احمد للمكاتب ان يحج من المال الذي جمعه إذا لم يأت نجمه قال شيخنا وذلك محمول على انه يحج باذن سيده أما بغير إذنه فلا يجوز

[ 376 ]

لانه تبرع بما ينفق ماله فيه فلم يجز كالعتق فاما ان أمكنه الحج من غير انفاق ماله كالذى يتبرع له انسان باحجاجه أو يخدم من ينفق عليه فيجوز إذا لم يأت نجمه لان هذا يجرى مجرى تركه المكسب وليس ذلك مما يمنع منه (فصل) وليس للمكاتب ان يكاتب الا باذن سيده وهذا قول الحسن والشافعي لان الكتابة نوع اعتاق فلم تجز من المكاتب كالمنجر ولانه لا يملك الاعتاق فلم يملك الكتابة كالماذون واختيار القاضي جواز الكتابة وهو الذى ذكره أبو الخطاب في رءوس المسائل وهو قول مالك وابي حنيفة والثوري والاوزاعي لانه نوع معاوضة فأشبه البيع وقال أبو بكر هو موقوف كقوله في العتق المنجز فان اذن فيها السيد صحت، وقال الشافعي فيها قولان وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم (مسألة) (وولاء من يعتقه ويكاتبه لسيده) إذا كاتب عبده فعجزا جميعا صارا رقيقين للسيد وان ادى المكاتب الاول ثم أدى الثاني فولاء كل واحد منهما لمكاتبه وإن أدى الاول وعجز الثاني صار رقيقا للاول وان عجز الاول وأدى الثاني فولاؤه للسيد الاول وإن أدى الثاني قبل عتق الاول عتق قال أبو بكر وولاؤه للسيد وهو قول أبي حنيفة لان العتق لا ينفك عن الولاء والولاء لا يوقف لانه سبب يورث به فهو كالنسب

[ 377 ]

ولان الميراث لا يقف كذلك سببه، وقال القاضي هو موقوف ان أدى عتق والولاء له وإلا فهو للسيد، وهذا أحد قولي الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الولاء لمن اعتق) ولان العبد ليس بملك له ولا يجوز ان يثبت له الولاء على من لم يعتق في ملكه وقولهم لا يجوز ان يقف كما لو يقف النسب والميراث ليس كذلك فان النسب يقف على بلوغ الغلام وانتسابه إذا لم تلحقه القافة باحد الواطئين وكذلك الميراث يوقف على ان الفرق بين النسب والميراث وبين الولاء أن الولاء يجوز أن يقع لشخص ثم ينتقل وهو ما يجره مولى الاب من مولى الام فجاز ان يكون موقوفا والنسب والميراث بخلاف ذلك فان مات المعتق قبل عتق المكاتب وقلنا الولاء للسيد ورثه، وإن قلنا هو موقوف فميراثه أيضا موقوف. (مسألة) (وليس له ان يبيع نسيئة وان باعا لسلعة باضعاف قيمتها وهذا مذهب الشافعي) لان فيه تغريرا بالمال وهو ممنوع منه لتعلق حق السيد به. قال القاضي ويتخرج الجواز بناء على المضارب ان له البيع نسيئة في إحدى الروايتين فيخرج ههنا مثله وسواء أخذ ضمينا أو رهينا أو لم يأخذ لان الغرر باق لانه يحتمل ان يتلف الرهن ويفلس الغريم والضمين، ويحتمل ان يجوز مع الرهن والضمين لان الوثيقة قد حصلت به والعوارض نادرة على خلاف الاصل فان باع

[ 378 ]

باكثر من قيمته حالا وجعل الزيادة مؤجلة جاز لان الزيادة ربح وان اشتري نسيئة جاز لانه لا غرر فيه ولا يجوز ان يدفع به رهنا لان الرهن امانة وقد يتلف أو يجحده الغريم وليس له ان يدفع ماله سلما لانه في معنى البيع نسيئة وله أن يستسلف في ذمته لانه في معني الشراء نسيئة وله أن يقترض لانه ينتفع بالمال وليس له أن يدفع ماله مضاربة لانه يسلمه إلى غيره فيغرر به وفي الرهن والمضاربة وجه آخر انه لا يجوز وله أن ياخذ قراضا لانه من انواع الكسب ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على ما ذكرنا (مسألة) (ولا يكفر بالمال وعنه له ذلك باذن سيده) إذا لزمت المكاتب كفارة ظاهر أو جماع في رمضان أو قتل أو كفارة يمين لم يكن له التكفير بالمال لانه عبد ولانه في حكم المعسر بدليل أنه لا تلزمه زكاة ولا نفقة قريب وله أخذ الزكاة لحاجته وكفارة العبد والمعسر الصيام وان اذن له سيده في التكفير بالمال جاز لانه بمنزلة التبرع ولان المنع لحقه وقد أذن فيه ولا يلزمه التكفير بالمال وان اذن فيه السيد لان عليه ضررا لما يفضي إليه من تفويت حريته كما أن التبرع لا يلزمه باذن سيده وقال القاضي المكاتب كالعبد القن في التكفير ومتى أذن له سيده في التكفير بالمال انبنى على ملك العبد بالتمليك فان قلنا لا يملك لم يصح تكفيره بغير الصيام سواء أذن فيه أو لم يأذن لانه يكفر بما ليس بمملوك له وإن قلنا يملك بالتمليك صح تكفيره بالاطعام إذا أذن فيه السيد وان أذن

[ 379 ]

له في تكفير بالعتق فهل يصح؟ على روايتين نذكرهما في تكفير العبد ان شاء الله تعالى قال شيخنا والصحيح أن هذا التفصيل لا يتوجه في المكاتب لانه يملك المال بغير خلاف وانما ملكه ناقص لتعلق حق سيده به فإذا أذن له سيده فيه صح كالتبرع (مسألة) (وهل له أن برهن أو يضارب؟ يحتمل وجهين) (أحدهما) لا يجوز لان في دفع ماله إلى غيره تغريرا به وفي الرهن خطر لانه قد يتلف أو يجحده الغريم وهذا مذهب الشافعي (والثاني) يجوز لانه قد يرى الحظ فيه بدليل أن لولي اليتيم أن يفعله في مال اليتيم فجاز كاجارته (مسألة) (وليس له شراء ذوي رحمه الا باذن سيده) لانه تصرف يؤدي إلى اتلاف ماله لانه يخرج من ماله ما يجوز التصرف فيه في مقابلة ما لا يجوز له التصرف فيه أشبه الهبة وهذا قول الشافعي وقال القاضي له ذلك وهو قول الثوري واسحاق وأصحاب الرأي لانه اشترى مملوكا لا ضرر على السيد في شرائه فصح كالاجنبي وبيانه انه يأخذ كسبهم وإن عجز صاروا رقيقا لسيده ولانه يصح ان يشتريه غيره فصح شراؤه له كالاجنبي ويفارق الهبة لانها تفوت المال بغير عوض ولا نفع يرجع إلى الكاتب ولاء السيد ولان السبب تحقق وهو صدور التصرف من أهله في محله ولم يتحقق المانع لان ما ذكروه لا نص فيه ولا له أصل يقاس عليه فان أذن

[ 380 ]

فيه سيده جاز وهو قول مالك لان المنع لحق سيده فجاز باذنه وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم فيه قولان (مسألة) (وله أن يقبلهم إذا وهبوا له أو وصي له بهم) لانه إذا ملك شراءهم مع ما فيه من بذل ماله فلان يجوز بغير عوض اولى وعند من لا يرى جواز شرائهم بغير اذن السيد لا يجوز قبولهم الا إذا لم يكن فيه ضرر بماله كما قالوا في ولي اليتيم إذا وصى لليتيم بمن يعتق عليه (مسألة) (وإذا ملكهم فليس لهم بيعهم ولا هبتهم ولا اخراجهم عن ملكه) وقال أصحاب الرأي له بيع من عدا الوالدين والمولودين لانهم ليست قرابتهم قرابة جزئية ولا بعضية فأشبهوا الاجانب ولنا انه ذو رحم يعتق عليه إذاعته فلا يجوز بيعه كالوالدين والمولودين ولانه لا يملك بيعهم إذا كان حرا فلا يملكه مكاتبا كوالديه (فصل) ولا يعتقون بمجرد ملكه لهم لانه لو باشرهم بالعتق أو أعتق غيرهم لم يقع العتق فلان لا يقع بالشراء الذى اقيم مقامه اولى ومتى أدى وهم في ملكه عتقوا لانه كمل ملكه فيهم وزال تعلق حق سيده عنهم فعتقوا حينئذ وولاؤهم له دون سيده لانهم عتقوا عليه بعد زوال ملكه سيده عنه

[ 381 ]

فصاروا بمنزلة ما لو اشتراهم بعد عتقه وان عجز ورد في الرق صاروا عبيدا للسيد لانهم من ماله فيصيرون للسيد بعجزه كعبيده الاجانب وله كسبهم لانهم مماليكه اشبه الاجانب ونفقتهم عليه بحكم الملك لا بحكم القرابة وكذلك الحكم في ولده من امته قياسا عليهم (فصل) فان أعتقهم السيد لم يعتقوا لانه لا يملكهم فلم يملك التصرف فيهم، وان اعتقهم المكاتب بغير إذن سيده لم يعتقوا لتعلق حق سيده بهم وان اعتقهم باذنه عتقوا كما لو اعتق غيرهم من عبيده وان اعتقه سيده عتق وصاروا رقيقا للسيد كما لو عجز لان كتابته تبطل بعتقه كما تبطل بموته وعلى ما اختاره شيخنا يعتقون لانه عتق قبل فسخ الكتابة فوجب ان يعتقوا كما لو عتق بالابراء من مال الكتابة أو بأدائه يحقق هذا ان الكتابة عقد لازم يستفيد بها المكاتب ملك رقيقه واكسابه ويبقى حقه السيد في ملك رقبته على وجه لا يزول الا بالاداء أو ما يقوم مقامه فلا يتسلط السيد على إبطالها فيما يرجع إلى إبطال حق المكاتب وانما يتسلط على إبطال حقه من رقبة المكاتب فينفذ في ماله دون مال الكاتب وقد ذكرنا مثل هذا فيما مضى وان مات المكاتب ولم يخلف وفاء عادوا رقيقا وقال أبو يوسف ومحمد يسعون في الكتابة على نجومها وكذلك ام وولده وقال أبو حنيفة في

[ 382 ]

الولد خاصة ان جاء بالكتابة حالة قبلت منه وعتق ولنا انه عبد للمكاتب فصار بموته لسيده إذا لم يخلف وفاء كالاجنبي وان خلف وفاء انبنى على الروايتين في فسخ الكتابة على ما تقدم (مسألة) (وولد المكاتبة الذي ولدته في الكتابة يتبعها) تصح كتابة الامة كما تصح كتابة العبد بغير خلاف وقد دل عليه حديث بريرة وحديث جويرة بنت الحارث ولانها داخلة في عموم قوله تعالى (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا) فإذا اتت المكاتبة بولد من غير سيدها من نكاح أو غيره فهو تابع لها فان عتقت بالاداء أو بالابراء عتق وان فسخت كتابتها وعادت إلى الرق عاد رقيقا قنا وهذا قول شريح ومالك والثوري وابي حنيفة واسحاق وسواء في هذا ما كان حملا حال الكتابة أو حدث بعدها وقال أبو ثور وابن المنذر هو عبد قن لا يتبع امه وللشافعي قولان كالمذهبين واحتجوا بان الكتابة غير لازمة من جهة العبد فلا تسري إلى الولد كالتعليق بالصفة ولنا ان الكتابة سبب ثابت للعتق لا يجوز ابطاله فسرى إلى الولد كالاستيلاد ويفارق التعليق بالصفة فان السيد يملك ابطاله بالبيع إذا ثبت هذا فالكلام في الولد في فصول اربعة في قيمته إذا تلف وفي كسبه وفي نفقته وفي

[ 383 ]

عتقه، أما قيمته إذا تلف فقال أبو بكر هي لامه تستعين بها على كتابتها لان السيد لا يملك التصرف فيه مع كونه عبدا فلا يستحق قيمته لانه بمنزلة جزء منها ولو جنى على جزء منها كان ارشه لها كذلك ولدها وإذا لم يستحقها هو كانت لامه لان الحق لا يخرج عنهما ولان ولدها لو ملكته بهبة أو شراء فقتل كانت قيمته لها فكذلك إذا تبعها يحققه انه إذا تبعها صار حكمه حكمها فلا يثبت ملك السيد في منافعه ولا في اروش الجناية عليه كما لا يثبت له ذلك فيها وقال الشافعي في أحد قوليه تكون القيمة لسيدها لانها لو قتلت كانت قيمتها لسيدها فكذلك ولدها والفرق بينهما ان الكتابة تبطل بقتلها فيصير مالها لسيدها بخلاف ولدها فان العقد باق بعد قتله فنظير هذا اتلاف بعض أعضائها والحكم في اتلاف بعض أعضائه كالحكم في اتلافه، وأما كسبه وارش الجناية عليه فينبغي ان يكون لامه ايضا لان ولدها جزء منها تابع لها فأشبه بقية أجزائها ولان اداءها لكتابتها سبب لعتقه وحصول الحرية له فينبغي ان يصرف ذلك فيه بمنزلة صرفه إليه إذ في عجزها رقه وفوات كسبه عليه، واما نفقته فعلى امه لانها تابعة لكسبه وكسبه لها ونفقته عليها واما عتقه فانه يعتق بادائها أو ابرائها ويرق بعجزها لانه تابع لها وان ماتت المكاتبة في كتابتها بطلت كتابتها وعاد رقيقا قنا لا ان يخلف وفاء فيكون على الروايتين، وان اعتقها سيدها لم يعتق ولدها لانه انما تبعها في حكم الكتابة وهو العتق بالاداء وما حصل الاداء انما حصل عتقها بأمر لا يتبعها

[ 384 ]

فيه فأشبه ما لو لم تكن مكاتبة ومقتضى قول أصحابنا الذين قالوا تبطل كتابتها بعتقها ان يعود ولدها رقيقا ومقتضى قول شيخنا أنه يبقى على حكم الكتابة ويعتق بالاداء لان العقد لم يوجد ما يبطله وانما سقط الاداء عنها لحصول الحرية بدونه فإذا لم يكن لها ولد يتبعها في الكتابة ولا في يدها مال يأخذه لم يظهر حكم بقاء العقد ولم يكن في بقائه فائدة فانتفى لانتفاء فائدته وفي مسئلتنا في بقائه فائدة لافضائه إلى عتق ولدها فينبغي أن يبقى ويحتمل أن يعتق باعتاقها لانه جرى مجرى ابرائها من المال والحكم فيما إذا عتقت باستيلاد أو تدبير أو تعليق بصفة كالحكم فيما إذا أعتقها لانها عتقت بغير الكتابة وان اعتق السيد الولد دونها صح عتقه نص عليه احمد في رواية مهنا لانه مملوك له فصح عتقه كامه ولانه لو أعتقه معها صح عتقه ومن صح عتقه مع غيره صح مفردا كسائر مماليكه. قال القاضي: وقد كان يجب ان لا ينفذ عتقه لان فيه ضررا بامه لتفويت كسبه عليها فانها كانت تسعين به في كتابتها ولعل احمد نفذ عتقه تغليبا للعتق والحصيح أنه يعتق وما ذكره القاضي من الضرر لا يصح لوجوه (أحدها) أن الضرر انما يحصل في حق من له كسب يفضل عن نفقته فاما من لا كسب له فتخليصها من نفقته نفع محض ومن له كسب لا يفضل عن نفقته فلا ضرر في اعتاقه لانه لا يفضل لها من كسبه شئ تنتفع به فكان ينبغي أن يقيد الحكم الذي ذكره بهذا القيد (الثاني) أن النفع بكسبه ليس بواجب لها لانها لا تملك اجباره على الكسب فلم يكن الضرر بفواته معتبرا في حقها

[ 385 ]

(الثالث) أن مطلق الضرر لا يكفي في منع العتق الذي يحقق مقتضيه ما لم يكن له أصل يشهد له بالاعتبار ولم يذكر له أصلا ثم هو ملغي بعتق المفلس والراهن وسراية العتق إلى ملك الشريك فانه يعتق مع وجود الضرر بتفويت الحق اللازم فهذا أولى. (فصل) فاما ولد ولدها فان ولد ابنها حكمه حكم امه لان ولد المكاتب لا يتبعه وأما ولد بنتها فهو كبنتها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تسري الكتابة إليه لان السراية إنما تكون مع الاتصال وهذا ولد منفصل فلا يسري إليه بدليل ان أم الولد قبل ان يستولدها لا يسري إليه الاستيلاد وهذا الولد اتصل بامه دون جدته ولنا ان ابنتها ثبت لها حكمها تبعا فيجب ان يثبت لابنتها حكمها تبعا كما ثبت لها حكم أمها ولان البنت تبعت امها فيجب ان يتبعها ولدها لان علة اتباعها لامها موجودة في ولدها ولان البنت تعلق بها حق العتق فيجب ان يسري إلى ولدها كالمكاتبة وهذا الخلاف في ولد البنت التابعة لامها في الكتابة فاما المولودة قبل الكتابة فلا تدخل في الكتابة فابنتها أولى (مسألة) (وان اشترى زوجته صح وانفسخ نكاحها) يجوز للمكاتب شراء امرأته وللمكاتبة شراء زوجها لان ذلك يجوز لغير المكاتب فجاز للمكاتب كشراء الاجانب وينفسخ النكاح بذلك وقال الشافعي لا ينفسخ لان المكاتب لا يملك بدليل أنه لا يجوز له الشراء ولا يعتق والده وولده إذا اشتراه فاشبه العبد القن

[ 386 ]

ولنا أن المكاتب يملك ما اشتراه بدليل أنه تثبت له الشفعة على سيده ولسيده عليه ويجري الربا بينة وبينه وإنما منع لتسري لتعلق حق سيده بما في يده كما يمنع الراهن من الوطئ مع ثبوت ملكه ولذلك لم يعتق عليه ذوو رحمه وإذا اشترى أحدهما الآخر فله التصرف فيه لانه أجنبي منه. (مسألة) (وان استولد أمته فهل تصير أم ولد يمتنع عليه بيعها؟ على وجهين) إذا استولد المكاتب امته قبل عتقه وعجزه فانها تصير أم ولد للمكاتب وليس له بيعها نص عليه أحمد لان ولدها له حرمة الحرية ولا يجوز بيعه ويعتق بعتق أبيه وكذلك أمه فعلى هذا لا يجوز بيعها وتكون موقوفة مع المكاتب ان اعتق فهي أم ولده وإن رق رقت، وقال القاضي في موضع لا تصير أم ولد بحال وله بيعها لانها حملت بمملوك في ملك غير تام وللشافعي قولان كهذين الوجهين (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ولا يملك السيد شيئا من كسبه ولا بيعه درهما بدرهمين) لا يملك شيئا من كسب المكاتب لانه اشترى نفسه من سيده ليملك ماله وكسبه ومنافعه فلا

[ 387 ]

يبقى ذلك لبائعه كسائر المبيعات ويجري الربا بينه وبين سيده لانه معه في باب المعاوضة كالاجنبي وقال ابن ابي موسى لا ربا بينهما لانه عبد في الاظهر من قوله ولا ربا بين العبد وسيده ولهذا جاز ان يعجل لسيده ويضع عنه بعض كتابته وله وطئ مكاتبته إذا شرط ولو حملت منه صارت له بذلك أم ولد، ووجه الاول أن السيد مع مكاتبه في باب المعاملة كالاجنبي بدليل ان لكل واحد منهما الشفعة على صاحبه ولا يملك كل واحد منهما التصرف فيما بيد صاحبه وانما يتعلق لسيده حق فيما بيده لكونه بعرضية أن يعجزه فيعود إليه وهذا لا يمنع جريان الربا بينهما كالاب مع ابنه فعلى هذا القول لا يجوز التفاضل بينهما فيما يحرم التفاضل فيه بين الاجنبيين ولا النساء فيما يحرم فيه النساء بين الاجانب. (فصل) فان كان لكل واحد منهما على صاحبه دين مثل ان كان للسيد على مكاتبه دين من الكتابة أو غيرها وللمكاتب على سيده دين وكانا نقدا من جنس واحد حالين أو مؤجلين أجلا واحدا تقاصا وتساقطا لانهما إذا تساقطا بين الاجانب فمع السيد ومكاتبه أولى وان كانا نقدا من جنسين كدراهم ودنانير فقال ابن أبي موسى لو كان له على سيده الف درهم ولسيده على مائة دينار فجعلها قصاصا بها جاز بخلاف الحرين. وقال القاضي لا يجوز هذا لانه بيع دين بدين وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين ولانه

[ 388 ]

لا يجوز بين الاجنبيين فلم يجز بين المكاتب وسيده كسائر المحرمات وفارق العبد القن فانه باق في تصرف سيده وما في يده ملك خالص لسيده أخذه والتصرف فيه فعلى هذا لا يجوز وان تراضيا به وعلى قول ابن أبي موسى يجوز إذا تراضيا بذلك وتبايعاه ولا يثبت التقاص قبل تراضيهما به لانه بيع فان كانا عرضين أو عرضا ونقدا لم تجز المقاصة فيهما بغير تراضيهما بحال سواء كان العوض من جنس حقه أو من غير جنسه وان تراضيا بذلك لم يجز ايضا لانه بيع دين بدين وان قبض احدهما من الآخر حقه ثم دفعه إلى الآخر عوضا عن ماله في ذمته جاز إذا لم يكن الثابت في الذمة عن سلم فان كان ثبت عن سلم لم يجز أخذ عوضه قبل قبضه وفي الجملة ان حكم المكاتب مع سيده في هذا حكم الاجانب الا على قول ابن أبي موسى الذي ذكرناه. (مسألة) وان ججنى عليه فعليه ارش جنايته) إذا جنى السيد على مكاتبه فلا قصاص عليه لامرين (أحدهما) أنه حر والمكاتب عبد (والثاني) أنه ملكه ولا يقتص من المالك لمملوكه ولكن يجب الارش ولا يجب الا باندمال الجرح لانه قبل الاندمال لا تؤمن سرايته إلى نفسه فيسقط ارشه ومتى سرى الجرح إلى نفسه انفسخت الكتابة وكان كقتله فإذا ندمل الجرح وجب له ارشه حينئذ فان كان من جنس مال الكتابة وقد حل عليه نجم تقاصا وان كان من غير جنس مال الكتابة أو كان النجم لم يحل لم يتقاصا ولكل واحد

[ 389 ]

منهما مطالبة صاحبه بما يستحقه فان رضي المكاتب بتعجيل الواجب له عما لم يحل من نجومه جاز إذا كان من جنس مال الكتابة (مسألة) وان حبسه مدة فعليه أرفق الامرين به من انظاره مثل تلك المدة أو اجرة مثله) إذا حبسه سيده فقد اساء ولا يحتسب عليه بمدته في أحد الوجوه (والثاني) يحتسب عليه بمدته لان مال الكتابة دين مؤجل فيحتسب بمدة الحبس من الاجل كسائر الديون المؤجلة فعلى هذا الوجه يلزمه أجر مثله في المدة التي حبسه فيها والاول أصح لان على سيده تمكينه من التصرف مدة كتابته فإذا حبسه مدة وجب عليه تأخيره مثل تلك المدة ليستوفي الواجب له ولان حبسه يقضي إلى ابطال الكتابة وتفويت مقصودها ورد، إلى الرق ولان عجزه عن اداء نجومه في محلها بسبب من سيده فلم يستحق به فسخ العقد كما لو منع البائع المشتري من أداء الثمن لم يستحق فسخ البيع لذلك ولو منعت المرأة زوجها من الانفاق عليها لم تستحق فسخ العقد لذلك (والثالث) يلزم سيده أرفق الامرين به من انظاره مثل تلك المدة أو اجرة مثله فيها لانه وجد سببهما فكان للمكاتب أنفعهما. (مسألة) (وليس له ان يطأ مكاتبته الا ان يشترط) وطئ المكاتبة من غير شرط حرام في قول اكثر اهل العلم منهم سعيد بن المسيب والحسن والزهرى

[ 390 ]

ومالك والليث والثوري والشافعي وأصاب الرأي وقيل له وطؤها في الوقت الذى لا يشغلها الوطئ عن السعي عما هي فيه لانها ملك يمينه فتدخل في عموم قوله تعالى (أو ما ملكت ايمانهم) ولنا ان الكتابة عقد أزال ملك استخدامها وملك عوض منفعة بضعها فيما إذا وطئت بشبهة فأزال حل وطئها كالبيع والآية مخصوصة بالمزوجة فنقيس عليها محل النزاع ولان الملك ههنا ضعيف لانه قد زال عن منافعها جملة ولهذا لو وطئت بشبهة كان المهر لها وتفارق أم الولد فان ملكه باق عليها وانما يزول بموته فاشبهت المدبرة والموصى بها وانما امتنع البيع لانها ستحقت العتق بموته استحقاقا لازما لا يمكن زواله. (فصل) فان شرط وطأها فله ذلك، وبه قال سعيد بن المسيب وقال سائر من ذكرنا ليس له وطؤها لانه لا يملكه مع اطلاق العقد فلم يملكه بالشرط كما لو زوجها أو أعتقها، وقال الشافعي إذا شرط ذلك في عقد الكتابة فسد لانه شرط فاسد فأفسد العقد كما لو شرط عوضا فاسدا وقال مالك لا يفسد العقد به لانه لا يخل بركن العقد ولا شرطه فلم يفسد كالصحيح. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون عند شروطهم) ولانها مملوكة له شرط نفعها فصح كشرط استخدامها. يحقق هذا ان منعه من وطئها مع بقاء ملكه عليها ووجود المقتضي لحل وطئها انما كان لحقها فإذا اشترطه عليها جاز كالخدمة ولانه استثنى بعض ما كان له فسح كاشتراط الخدمة وفارق البيع فانه يزيل ملكه عنها.

[ 391 ]

(مسألة) (وإن وطئها من غير أن يشترط أو وطئ امتها أدب ولم يبلغ به الحد). إذا وطئها من غير شرط لم يجب عليه الحد لشبهة الملك في قول عامة الفقهاء، وروي عن الحسن والزهري أنهما قالا عليه الحد لانه عقد عليها عقد معاوضة يحرم الوطئ فأوجب الحد بوطئها كالبيع. ولنا أنها مملوكته فلم يجب عليه الحد بوطئها كالمرهونة والمستأجرة ويخالف البيع فانه يزيل الملك والكتابة لا تزيله بدليل قوله عليه السلام (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) وعليه مهرها إذا وطئها بغير شرط، لانه استوفى منفعتها الممنوع من استيفائها فأشبه منافع بدنها فان كانا عالمين عزرا وان كانا جاهلين عزرا وان كان أحدهما عالما والآخر جاهلا عزر العالم وعزر الجاهل ولا تخرج بالوطئ عن الكتابة وقال الليث ان طاوعته فقد فسخت كتابتها وعادت قنا ولنا انه عقد لازم عقد لازم فلم ينفسخ بالمطاوعة على الوطئ كالاجارة والبيع بعد لزومه ويجب لها المهر مطاوعة كانت أو مكرهة وبه قال الحسن والثوري والحسن بن صالح والشافعي وقال قتادة يجب إذا أكرهها ولا يجب إذا طاوعته ونقله المزني عن الشافعي لان المطاوعة بذلت نفسها بغير عوض فصارت كالزانية ومنصوص الشافعي وجوبه في الحالين وانكر أصحابه ما نقله المزني وقالوا لا يعرف وقال مالك لا شئ عليه لانها ملكه

[ 392 ]

ولنا انه عوض منفعتها فوجب لها كعوض بدنها ولان المكاتبة في يد نفسها ومنافعها لها ولهذا لو وطئها أجنبي كان المهر لها وانما وجب في حال المطاوعة لان الحد سقط عنه للشبهة فوجب لها المهر كما لو وطئ امرأة بشبهة عقد مطاوعة، فان تكرر وطؤها وكان قد ادى مهر الوطئ الاول فللثاني مهر أيضا لان الاداء قطع حكم الوطئ وان لم يكن أدى عن الاول لم يجب الا مهر واحد لان هذا عن وطئ الشبهة فلم يجب الا مهر واحد كالوطئ في النكاح الفاسد (فصل) فأما ان وطئها مع الشرط فلا حد عليه ولا مهر ولا تعزير لانه وطئ يملكه ويباح له فأشبه وطأها قبل كتابتها، وإذا وجب لها المهر بالوطئ فان كان لم يحل عليها نجم فلها المطالبة وان كان قد حل عليها وكان المهر من غير جنسه فلها المطالبة أيضا به وان كان من جنسه تقاصا وأخذ ذو الفضل فضله. (مسألة) (فان أولدها صارت ام ولد له سواء وطئها بشرط أو بغير شرط) لانه أحبلها بحر في ملكه فكانت أم ولد كغير المكاتبة والولد حر لانه ولده من مملوكته ويلحقه نسبه لذلك ولانه من وطئ سقط فيه الحد للشبهة فأشبه ولد المغرور ولا تلزمه قيمته لانها وضعته في ملكه

[ 393 ]

(فصل) وليس له وطئ بنت مكاتبته لانها تابعة لها موقوفة معها فلم يبح وطؤها كأمها ولا يباح ذلك بالشرط لان حكم الكتابة ثبت فيها تبعا ولم يكن وطؤها مباحا حال العقد فيشترط فان وطئها فلا حد عليه ويأثم ويعزر لانه وطئ وطئها محرما ولها المهر حكمه حكم كسبها يكون لامها تسعتين به في كتابتها لان ذلك سبب حريتها فان احبلها صارت أم ولد له والولد حر لانه أحبلها بحر في ملكه ويلحقه نسبه ولا تجب عليها قيمتها لان امها لا تملكها ولا قيمة ولدها لانها وضعته في ملكه (فصل) وليس له وطئ جارية مكاتبه ولا مكاتبته اتفاقا فان فعل اثم وعزر ولا حد عليه لشبهة الملك لانه يملك مالكها وعليه مهرها لسيدها وولده منها حر يلحقه نسبه لان الحد سقط لشبهة الملك وتصير أم ولد له وعليه قيمتها لسيدها لانه أخرجها بوطئه عن ملكه ولا تجب عليه قيمة الولد لانها وضعته في ملكه ويحتمل أن تلزمه قيمته لانه أخرجه بوطئه عن أن يكون مملوكا لسيدها فأشبه ولد المغرور (فصل) ولا يملك السيد اجبار مكاتبته ولا ابنتها ولا امتها على التزويج لانه زال ملكه بعقد الكتابة عن نفعها ونفع بعضها وعن عوضه وليس لواحدة منهن التزويج بغير إذنه لان عليه ضررا في ذلك فانه يثبت حقا للزوج فيها فربما عجزت وعادت إليه على وجه لا يملك وطأها فان تراضيا بذلك

[ 394 ]

جاز لان الحق لا يخرج عنهما وهو وليها وولي ابنتها وجاريتها جميعا لان الملك له فأشبه الجارية القن والمهر للمكاتبة على ما ذكرنا في مهرهن إذا وطئهن السيد (مسألة) (فان أدت عتقت وان مات سيدها قبل أدائها عتقت وسقط ما بقي من كتابتها وما في يدها لها إلا ان يكون بعد عجزها وقال أصحابنا هو لورثة سيدها وكذلك الحكم فيما إذا اعتق المكاتب سيده) قذ ذكرنا أن السيد إذا استولد مكاتبته صارت أم ولد له والولد حر ونسبه لاحق به ولا تبطل كتابتها بذلك لانها عقد لازم من جهة سيدها وقد اجتمع لها سببان يقتضيان العتق أيهما سبق صاحبه ثبت حكمه هذا قول الزهري ومالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الحاكم تبطل كتابتها لانها سبب للعتق فتبطل بالاستيلاد كالتدبير ولنا أنها عقد معاوضة فلا تبطل بالوطئ كالبيع ولانها سبب للعتق لا يملك السيد الرجوع عنه فلم يبطل بذلك كالتعليق بصفة وما ذكره يبطل بالتعليق بالصفة وتفارق الكتابة التدبير من وجوه (أحدها) أن حكم التديبر والاستيلاد واحد وهو العتق عقيب الموت والاستيلاد أقوى لانه يعتبر من رأس المال ولا سبيل إلى ابطاله بحال فاستغني به عن التدبير والكتابة سبب يتعجل به العتق بالاداء ويكون ما فضل من كسبها لها وتملك بها منافعها وكسبها وتخرج عن تصرف سيدها وهذا لا يحصل بالاستيلاد فيجب أن تبقى لبقاء فائدتها

[ 395 ]

(الثاني) ان الكتابة أقوى من التدبير للزومها وكونها لا تبطل بالرجوع عنها ولا بيع المكاتب ولا هبته (الثالث) ان التدبير تبرع والكتابة عقد معاوضة لازم. إذا ثبت هذا فانه يجتمع لها سببان كل واحد منهما يقتضي الحرية فأيهما تم قبل صاحبه ثبتت الحرية به كما لو انفرد لان انضمام أحدهما إلى الآخر مع كونه لا ينافيه لا يمنع ثبوت حكمه فان ادت عتق بالكتابة وما فضل من كسبها فهو لها لان المعتق بالكتابة له ما فضل من نجومه وإن عجزت وردت في الرق بطل حكم الكتابة وبقي لها حكم الاستيلاد منفردا كما لو لم تكن مكاتبة وله وطؤها وتزويجها واجارتها وتعتق بموته وما في يدها لورثة سيدها فان مات سيدها قبل عجزها عتقت بانها ام ولد وسقطت الكتابة لان الحرية حصلت فسقط العوض المبذول في تحصيلها كما لو باشرها سيدها بالعتق وما في يدها لورثة سيدها في قول الخرقي وأبي الخطاب لانها عتقت بحكم الاستيلاد فبطل حكم الكتابة فاشبهت غير المكاتبة وقال القاضي في المجرد وابن عقيل في الفصول ما فضل في يدها لها وهو قول الشافعي لان العتق إذا وقع في الكتابة لا يبطل حكمها كالابراء من مال الكتابة ولان ملكها كان ثابتا على ما في يدها ولم يحدث الا ما يزيل حق سيدها عنها فيقتضى زوال حقه عما في يدها يدها وتقرير ملكها وخلوصه لها كما اقتضى ذلك في نفسها وهذا أصح

[ 396 ]

(مسألة) (وكذلك الحكم فيما إذا اعتق المكاتب سيده يكون كسبه له في قول القاضي ومن وافقه، وعلى قياس قول الخرقي ومن وافقه يكون لسيده كما لو عتقت الامة المكاتبة ويحتمل ان يكون لسيدها ايضا على قول الخرقي ومن وافقه لان السيد اعتقه برضاه فيكون رضا منه باعطائه ماله بخلاف العتق بالاستيلاد فانه حصل بغير رضا الورثة واختيارهم ولانه لو كان مال المكاتب يصير إلى السيد اعتاقه لتمكن السيد من أخذ مال المكاتب متى شاء فمتى كان له غرض في اخذ ماله اما لكونه يفضل عن نجوم الكتابة واما الغرض له في بعض اعيان ماله أو لكونه يتعجله قبل ان تحل نجوم الكتابة أعتق واخذ ماله وهذا ضرر على المكاتب لم يرد الشرع به ولا يقتضيه عقد الكتابة فوجب ان لا يشرع (فصل) وان أتت المكاتبة بولد من غير سيدها بعد استيلادها فله حكمها بالعتق بكل واحد من السببين أيهما سبق عتق به كالام سواء لانه تابع لها فيثبت له ما ثبت لها وان ماتت المكاتبة بقي للولد سبب الاستيلاد وحده فان اختلفا في ولدها فقالت ولدته بعد كتابتي أو بعد ولادتي وقال السيد بل قبله فقال أبو بكر القول قول السيد مع يمينه وهذا قول الشافعي لان الاصل كون الامة وولدها رقيقا لسيدها له التصرف فيهما وهو يدعي ما يمنع التصرف ثم، وان زوج مكاتبه أمته ثم باعها منه واختلفا في ولدها فقال السيد هو لي لانها ولدته قبل بيعها لك وقال المكاتب بل بعده فالقول قول المكاتب لانهما اختلفا في ملكه ويد المكاتبة عليه فكان القول قول صاحب اليد مع يمينه كسائر الاموال ويفارق ولد المكاتب لانها لا تدعي ملكه

[ 397 ]

(فصل) وان كاتب اثنان جاريتهما ثم وطئها أحدهما أدب فوق أدب الواطئ المكاتبة الخالصة له لان الوطئ ههنا حرم من وجهين الشركة والكتابة فهو آكد واثمه أعظم وعليه لها مهر مثلها على ما اسلفناه فيما إذا كان السيد واحدا فان لم يكن حل نجم قبضت المهر فإذا حل نجمها سلمته اليهما وان حل نجمها وهو من جنس مال الكتابة وكان في يدها بقدره دفعته إلى الذي لم يطأها واحتسب على الواطئ بالمهر وان لم يكن في يدها شئ وكان بقدر نجمها أو دونه أخذت من الواطئ نصفه وسلمته إلى الآخر وان لم يكن من جنس مال الكتابة فاتفقا على أخذه عوضا عن مال الكتابة فالحكم فيه كما لو كان من جنسها وان لم يتفقا قبضت ودفعت ما عليها من مال الكتابة من عوضه أو غيره وان عجرت ففسخا الكتابة وكان في يدها بقدر المهر أخذه الذي لم يطأ وسقط المهر من ذمة الواطئ وان لم يكن في يدها شئ كان للذي لم يطأ ان يرجع على الواطئ بنصفه لانه وطئ جارية مشتركة بينهما فان حبلت منه صارت أم ولد له وعليه نصف قيمتها لشريكه مع نصف المهر الواجب لها موسرا كان أو معسرا فان كان موسرا اداه في الحال وان كان معسرا فهو في ذمته هذا ظاهر كلام الخرقي فعلى هذا تصير أم ولد للواطئ ومكاتبة له كأنه اشتراها وتكون مبقاة على ما بقي من كتابتها وتعتبر قيمتها مكاتبة مبقاة على ما بقي من كتابتها واختار القاضي أنه ان كان معسرا لم يسر الاحبال لانه بمنزلة

[ 398 ]

لا عتاق بالقول يعتبر اليسار في سرايته ونصيب الواطئ قد ثبت له حكم الاستيلاد وحكم الكتابة ونصيب شريكه لم يثبت له الا حكم الكتابة فان أدت اليهما عتقت وبطل حكم الاستيلاد ونصفها قن لا يقوم على الوارث وان كان موسرا لانه ليس بعتق وان مات الواطئ قبل عجزها عتق نصيبه وسقط حكم الكتابة فيه وكان الباقي مكاتبا وان كان الواطئ موسرا فقد ثبت لنصفها حكم الاستيلاد ونصفها الآخر موقوف فان أدت اليهما عتقت كلها وولاؤها لهما وان عجزت وفسخت الكتابة قومناها حيئنذ على الواطئ فيدفع إلى شريكه قيمة نصيبه ويصير جميعها ام ولد له فان مات التقت عليه وكان ولاؤها له وهذا مذهب الشافعي وله قول آخر أنها تقوم على الموسر وتبطل عكتابة في نصف الشريك ويصير جميعها أم ولد ونصفها مكاتبا للواطئ فان أدت نصيبه إليه عتقت وسرى إلى الباقي لانه ملكه وعتق جميعها وان عجزت ففسخت الكتابة كانت ام ولد له خاصة فإذا مات عتقت كلها ولنا ان بعضها أم ولد فكان جميعها كذلك كما لو كان الشريك موسرا يحقق هذا ان الولد حاصل من جميعها وهو كله من الواطئ ونسبه لاحق به فينبغي ان يثبت ذلك لجميعها ويفارق الاعتاق فانه أضعف على ما بينا من قبل ولنا على ان الكتابة لا تبطل بالتقويم أنها عقد لازم فلا تبطل مع بقائها بفعل صدر منه كما لو

[ 399 ]

استولدها وهو في ملكه أو كما لو لم تحبل منه وأما الولد فهو حر لانه من وطئ فيه شبهة ونسبه لاحق به لذلك ولا تلزمه قيمته لانها وضعته في ملكه وروي عن أحمد في هذا روايتان (إحداهما) لا تجب قيمته لان نصيب شريكه انتقل إليه من حين العلوق وفي تلك الحال لم تكن له قيمة فلم يضمنه (والثانية) عليه نصف قيمته لانه كان من سبيل هذا النصف ان يكون مملوكا لشريكه فقد أتلف رقه عليه فكان عليه نصف قيمته قال القاضي هذا الرواية أصح في المذهب وذكر هاتين الروايتين أبو بكر وذكر أنها ان وضعته بعد التقويم فلا شئ على الواطئ وان وضعته قبل التقويم غرم نصف قيمته فان ادعى الواطئ لها لاستبراء فاتت بالولد لاكثر من ستة أشهر من حين الاستبراء لم يلحق به ولم تصر أم ولد وكان حكم ولدها حكمها وان أتت به لاقل من ستة أشهر من حين الاستبراء لحق به كما لو كان قبل الاستبراء لانا تبينا أنها كانت حاملا وقت الاستبراء فلم يكن ذلك استبراء (مسألة) (وان وطئاها جميعا فقد وجب لها على كل واحد منهما مهر مثلها) فان كانت في الحالين على صفة واحدة فهما سواء في الواجب عليهما وان كانت بكرا حين وطئها الاول فعليه مهر بكر وعلى الآخر مهر ثيب فان كان نجمها لم يحل فلها مطالبتهما بالمهرين وان كان قد حل وهو من جنس المهر تقاصا على ما ذكرنا في المقاصة فان أدت اليهما عتقت وكان لها المطالبة بالمهرين وان عجزت نفسها وفسخا الكتابة بعد قبضها المهرين وكانا سواء لم يملك أحدهما

[ 400 ]

مطالبة الاخر بشئ لانها قبضتهما وهي مستحقة لذلك فان كانا في يدها اقتسماهما وان تلفا أو بعضهما فلا شئ لهما لان السيد لا يثبت له دين على مملوكه وان كان الفسخ قبل قبض المهرين وهما سواء سقط عن كل واحد ما عليه وان كان أحدهما أقل من الاخر تقاضا منهما بقدر أقلهما ويرجع من عليه أقلهما على الاخر بنصف الزيادة وان قبضت من أحدهما دون الاخر رجع المقبوض منه على الاخر بنصف ما عليه وان قبضت البعض من أحدهما دون الاخر أو قبضت من أحدهما أكثر من الاخر رجع من قبض منه الاكثر على الاخر بنصف الزيادة التي اداها فان افضاها أحدهما بوطئه فعليه لها ثلث قيمتها لان الافضاء في الحرة يوجب ثلث ديتها فيوجب في الامة ثلث قيمتها وهو مذهب الشافعي وهذا الخلاف مبني على الواجب في افضاء الحرة وسنذكره ان شاء الله تعالى فان فسخت الكتابة رجع من لم يفضها على الاخر بنصف قيمة الافضاء على الخلاف المذكور فان ادعى كل واحد منهما على الاخر انه الذي افضاها أو وطئها حلف كل واحد منهما وبرئ وان نكل احدهما قضي عليه وان كان الخلاف قبل عجزها فادعت على احدهما فالقول قوله مع يمينه وان ادعت على احدهما غير معين لم تسمع الدعوى (مسألة) (وان ولدت من احدهما صارت ام ولد له) ويغرم لشريكه نصف قيمتها وهل يغرم نصف قيمة ولدها؟ على روايتين

[ 401 ]

وقد ذكرنا ذلك والخلاف فيه فيما إذا وطئها احدهما (مسألة) (وان اتت بولد والحق بهما صارت ام ولد لهما يعتق نصفها بموت احدهما وباقيها بموت الاخر كما لو كان سيدها واحدا واستولدها فانها تعتق بموته وعند القاضى لا يسري استيلاد احدهما إلى نصيب شريكه) لانه انعقد له سبب استحقاقه للولاء على نصيبه بالكتابة فلم يجز ابطاله بالسراية الا ان يعجز فينظر حينئذ فان كان موسرا قوم عليه نصيب شريكه وإلا فلا وقد ذكرنا قول القاضى واجبنا عنه فيما سبق (فصل) فاما ان اولدها كل واحد منهما واتفقا على السابق منهما فعلى قول الخرقي تصير ام ولد له وولده حر يلحقه نسبه والخلاف في ذلك كالخلاف فيما إذا انفرد بايلادها سواء، واما الثاني فقد وطئ ام ولد غيره بشبهة واولدها فلا تصير ام ولد له لانها مملوكة غيره فاشبه ما لو باعها ثم اولدها وعليه مهرها لها لان الكتابة لم تبطل والولد حر لانه من وطئ شبهة وعليه قيمته للاول لانه فوت رقه عليه وكان من سبيله ان يكون رقيقا له حكمه حكم امه فتلزمه قيمته على هذه الصفة وقد ذكرنا في وجوب نصف قيمة الاول خلافا فان قلنا بوجوبها تقاصا بما لو احد منهما على صاحبه في القدر الذي تساويا فيه ويرجع ذو الفضل بفضله وتعتبر القيمة يوم الولادة لانها اول حال امكن التقويم فيها وذكر القاضي في المسألة اربعة احوال

[ 402 ]

(أحدها) ان يكونا موسرين فالحكم على ما ذكرنا الا انه جعل المهر الواجب على الثاني للاول وهذا مذهب الشافعي ولا يصح هذا لان الكتابة لا تبطل بالاستيلاد ومهر المكاتبة لها دون سيدها ولان سيدها لو وطئها وجب عليه المهر لها فلان لا يملك المهر الواجب على غيره أولى ولانه عوض نفعها فكان لها كأجرتها (الثاني) ان يكون الاول موسرا والثاني معسرا فيكون الحال الاول سواء قال القاضي الا ان ولده يكون مملوكا لاعساره بقيمته وهذا غير صحيح لان الولد لا يرق باعسار والده بدليل ولد المغرور من امة والواطئ بشبهة وكل موضع حكمنا بحرية الولد لا يختلف بالاعسار واليسار وانما يعتبر اليسار في سراية العتق وليس عتق هذا بطريق السراية انما هو لاجل الشبهة في الوطئ فلا وجه لاعتبار التساوي فيه والصحيح انه حر وتجب قيمته في ذمة ابيه (الحال الثالث) ان يكونا معسرين فانها تصير أم ولد للاول ونصفها للثاني قال وعلى كل واحد منهما نصف مهرها لصاحبه وفي ولد كل واحد منهما وجهان (أحدهما) ان يكون كله حرا وفي ذمة أبيه نصف قيمته لشريكه (والثاني) نصف حر وباقيه عبد لشريكه الا ان نصف الولد الاول عبد قن لانه تابع للنصف الباقي من الام وأما النصف الباقي من ولد الثاني فحكمه حكم أمه لانه ولد منها بعد ان ثبت لنصفها حكم الاستيلاد للاول فكان نصفه الرقيق تابعا لها في ذلك ولعل القاضي أراد

[ 403 ]

ما إذا عجزت وفسخت الكتابة، فأما إذا كانت باقية على الكتابة فلها المهر كاملا على كل واحد منهما إذا حكم برق نصف ولدها وجب ان يكون له حكمها في الكتابة لان ولد المكاتبة يكون تابعا لها (الحال الرابع) ان يكون الاول معسرا والثاني موسرا فحكمه حكم الثالث سواء الا ان ولد الثاني حر لان الحرية تثبت لنصفه بفعل أبيه وهو موسر فسرى إلى جميعه وعلى نصف قيمته لشريكه ولم تقوم عليه الام لان نصفها ام ولد للاول ولو صح هذا لوجب ان لا يقوم عليه نصف الولد لان حكمه حكم امه في هذا فإذا منع حكم الاستيلاد السراية في الام منعه فيما هو تابع لها ومذهب الشافعي في هذا الفصل قريب مما ذكر القاضي (فصل) وإن اختلفا في السابق منهما فادعى كل واحد منهما أنه السابق فعلى قولنا لها المهر على كل واحد منهما وكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف قيمة الجارية لانه يقول صارت أم ولد لي باحبالي اياها ووجب لشريكي علي نصف قيمتها ولي عليه قيمة ولده لانه يقول اولدتها بعد أن صارت ام ولد لي وهل يكون مقرا لها بنصف قيمة ولدها؟ على وجهين سبق ذكرهما فعلى هذا ان استوى ما يدعيه وما يقر به تقاصا وتساقطا ولا يمين على صاحبه لانه يقول لي عليك مثل مالك علي والجنس واحد فتساقطا وان زاد ما يقر به فلا شئ عليه لان خصمه يكذبه في اقراره وان زاد ما يدعيه فله اليمين على صاحبه في الزيادة ويثبت للامة حكم العتق في نصيب كل واحد منهما بموته لاقراره بذلك ولا يقبل قوله على شريكه في اعتاق نصيبه

[ 404 ]

وقال أبو بكر في الامة قولان (أحدهما) ان يقرع بينهما فتكون أم ولد لمن تقع القرعة له (والثاني) تكون أم ولد لهما ولا يطؤها واحد منهما قال وبالاول اقول وأما القاضي فاختار انهما ان كانا موسرين فكل واحد منهما يدعي المهر على صاحبه ويقر له بنصفه وهذا مذهب الشافعي لان المهر عندهم لسيدها دونها ولا يعتق شئ منها بموت الاول لاحتمال ان تكون ام ولد للآخر فإذا مات الآخر عتقت لان سيدها قد مات يقينا وان كانا معسرين فكل واحد منهما يقر بان نصفها أم ولده ويصدقه الاخر لان الاستيلاد لا يسري مع الاعسار وكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف المهر والاخر يصدقه فيتقاصان ان تساويا وان فضل احدهما صاحبه نظرت فان كان كل واحد منهما يدعي الفضل تحالفا وسقط وان كان كل واحد منهما يقر بالفضل سقط لتكذيب المقر له به وفي الولد وجهان (أحدهما) يكون حرا فيكون كل واحد منهما يدعي على الآخر نصف قيمة الولد (والوجه الثاني) نصفه حر فيقربان نصف الولد مملوك لشريكه فيكون الولد بينهما من غير يمين وعلى الوجه الاول يتقاصان ان استوت قيمة الولدين ولا يمين في الموضعين وأيهما مات عتقه نصيبه وولاؤه له وان كان أحدهما موسرا والآخر معسرا فالموسر يقر للمعسر بنصف قيمة الامة ونصف مهر مثلها ويدعي عليه جميع المهر وقيمة الولد والمعسر يقر للموسر بنصف المهر ونصف قيمة الولد فيسقط إقرار الموسر للمعسر بنصف قيمة الجارية لكونه لا يدعيه ولا يصدقه فيه ويتقاصان بالمهر لاستواءهما فيه ويدفع المعسر إلى الموسر نصف قيمة الولد لاقراره به ويحلف على ما يدعيه عليه من الزيادة لانه ادعى عليه

[ 405 ]

جميع قيمة الولد فاقر له بنصفها ويحلف له الموسر على نصف قيمة الولد الذي ادعاه المعسر عليه وأما الجارية فان نصيب الموسر منها أم ولد بغير خلاف بينهما فيه وباقيه يتنازعانه فان مات الموسر أولا عتق نصيبه وولاؤه لورثته فإذا مات المعسر عتق باقيها وان مات المعسر أولا لم يعتق منها شئ فإذا مات الموسر عتق جميعها ويجئ على قول أبي بكر ان يقرع بينهما في النصف المختلف فيه (فصل) فان وطئاها معا فاتت بولد لم تخل من ثلاثة أقسام (أحدها) ان لا يمكن ان يكون من واحد منهما مثل أن تأتي به بعد استبرائها منهما أو بعد أربع سنين منذ وطئها كل واحد منهما فيكون منفيا عنهما مملوكا لهما حكمه حكم امه في العتق بادائها وتقبل دعوى الاستبراء من كل واحد منهما لان دعوى الاستبراء في الامة كاللعان في الحرة (القسم الثاني) أن يكون من أحدهما بعينه دون صاحبه والحكم فيه حكم ما إذا ولدت من أحدهما بعينه من وجوب المهر لها وقيمة نصفها لشريكه مع الخلاف في ذلك فاما الذي لم تحبل من وطئه فان كان الاول فعليه المهر لها وان كان الثاني فقد وطئ ام ولد غيره فان كانت الكتابة باقية فعليه المهر لها أيضا وان كانت قد فسخت فالمهر للذي استولدها وقد وجب للثاني على الاول نصف قيمتها وفي قيمة نصف الولد روايتان فان كان المهر للاول تقاصا بقدر أقل الحقين وان كان المهر لها رجع بحقه على الذي أحبلها وأما القاضي فقال في هذا القسم الحكم في الاول كالحكم فيه إذا انفرد بالوطئ على ما مضى من التفصيل وأما الثاني فان وطئها بعد ولادتها من الاول نظرنا فان وطئها بعد الحكم بكونها ام ولد للاول فعليه مهر مثلها فان كان فسخ الكتابة في حق نفسه لعجزها فالمهر له لانها ام ولده وان

[ 406 ]

كان لم يفسخ فالمهر بينه وبينها نصفين وان وطئها بعد زوال الكتابة في حقه وقبل الحكم بأنها أم ولد للاول سقط عنه نصف مهر لان نصفها قن له وعليه النصف لها ان لم يكن الاول فسخ الكتابة أوله ان فسخ وإن كان الاول معسرا فنصيبه منها أم ولد له ولها عليهما المهران والحكم فيما إذا عجزت أو أدت قد تقدم فأما ان كان الولد من الثاني فالحكم في وطئ الاول كالحكم فيه إذا وطئ منفردا ولم يحبلها، وأما الثاني فان كان موسرا قوم عليه نصيب شريكه عند العجز فان فسخا الكتابة قومناها عليه وصارت ام ولد له وان رضي الثاني بالمقام على الكتابة قومنا عليه نصيب الاول وصارت كلها ام ولد له ونصفها مكاتب ويرجع الاول على الثاني بنصف المهر ونصف قيمة الولد على احدى الروايتين ويرجع الثاني على الاول بنصف المهر فيتقاصان به ان كان باقيا عليهما وان كان الثاني معسرا فالحكم فيه كما لو ولدت من الاول وكان معسرا لا فصل بين المسلتين (القسم الثالث) أمكن ان يكون الولد من كل واحد منهما فيرى القافة معهما فيلحق بمن الحقوه به منهما فمن الحق به فحكمه حكم ما لو عرف أنه منه بغير قافة (مسألة) (ويجوز بيع المكاتب ومشتريه يقوم مقام المكاتب) وممن قال يجوز بيع المكاتب عطاء والنخعي والليث وابن المنذر وهو قديم قولي الشافعي قال ولا وجه لقول ما قال لا يجوز وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنه لا يجوز بيعه وهو قول مالك وأصحاب الرأي والجديد من قولي الشافعي لانه عقد يمنع استحاق كسبه فمنع بيعه كبيعه

[ 407 ]

لاجنبي وعتقه، وقال الزهري وابو الزناد يجوز بيعه برضاه ولا يجوز بغيره وحكي ذلك عن ابي يوسف لان بريرة انما بيعت برضاها وطلبها ولان لسيده استيفاء منافعه برضاه ولا يجوز بغير رضاه كذلك بيعه ولنا ما روى عروة عن عائشة انها قالت جاءت بريرة الي فقالت يا عائشة اني كاتبت اهلي على تسع اواق في كل عام أوقية فأعينيني ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة ونقست فيها ارجعي إلى أهلك ان أحوا أن أعطيهم ذلك جميعا فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فعرضت عليهم ذلك فأبوا وقالوا ان شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لا يمنعك ذلك منها ابتاعي واعتقي إنما الولاء لمن أعتق " فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال (اما بعد فما بال ناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرطه أوثق وانما الولاء لمن أعتق) متفق عليه، قال ابن المنذر بيعت بريرة بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وهي مكاتبة لم ينكر ذلك ففي ذلك ابين البيان ان بيعه جائز ولا أعلم خبرا يعارضه ولا أعلم في شئ من الاخبار دليلا على عجزها وتاوله الشافعي على انها كانت قد عجزت وكان بيعها فسخا لكتابتها وهذا التأويل بعيد يحتاج إلى دليل في غاية القوة وليس في الخبر ما يدل عليه بل قولها اعينيني على كتابتي دليل على بقائها على الكتابة ولانها أخبرتها ان نجومها في كل عام أوقية فالعجز إنما يكون بمضي عامين عند من لا يرى العجز إلا بحول

[ 408 ]

نجمين أو بمضي عام عند الآخرين والظاهر ان شراء عائشة لها كان في اول كتابتها ولا يصح قياسه على أم الولد لان سبب حريتها مستقر على وجه لا يمكن فسخه بحال فأشبه الوقف والمكاتب يجوز رده إلى الرق وفسخ كتابته إذا عجز فافترقا قال ابن أبي موسى هل للسيد أن يبيع المكاتب باكثر مما كان عليه؟ على روايتين ولان المكاتب عبد مملوك لسيده لم يتحتم عتقه فجاز بيعه كالمعلق عتقه بصفة والدليل على انه مملوك قول النبي صلى الله عليه وسلم (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) ولان مولاته لا يلزمها أن تحتجب منه إذا لم يملك ما يؤدي لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كان لاحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه يدل بمفهومه على أنها لا تحتجب منه قبل ذلك وإنما سقط الحجاب عنه لكونه مملوكها ولانه يصح عتقه ولا يصح عتق من ليس بمملوك ولانه يرجع عند العجز إلى كونه قنا ولو صار حرا ما عاد إلى الرق ويفارق اعتاقه لانه يزيل الرق بالكلية وليس بعقد انما هو اسقاط للملك فيه وأما بيعه فلا يمنع للمشترى بيعه وأما البائع فلم يبق له فيه ملك بخلاف مسئلتنا. (فصل) وتجوز هبته والوصية به وقد روي عن احمد انه منع هبته لان الشرع انما ورد ببيعه والصحيح جوازها لان ما كان في معنى المنصوص عليه يثبت الحكم فيه. (فصل) ومشتريه يقوم فيه مقام المكاتب. وجملة ذلك أن الكتابة لا تنفسخ بالبيع ولا يجوز ابطالها لا نعافي هذا خلافا قال ابن المنذر

[ 409 ]

أجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم على ان بيع السيد مكاتبه على أن يبطل كتابته ببيعه إذا كان ماضيا فيها مؤديا ما يجب عليه من نجومه في أوقاتها غير جائز وذلك لانها عقد لازم فلا يبطل بالبيع كالاجارة والنكاح ويبقى على كتابته عند المشتري وعلى نجومه كما كان عند البائع مبقى على ما بقي من كتابته يؤدي إلى المشتري ما كان يؤدي إلى البائع (مسألة) (فان أدى عتق وولاؤه له وان عجز عاد قنا له، وإن لم يعلم انه مكاتب فله الرد والارش) إذا أدى إلى المشتري عتق لان حق المكاتب فيه انتقل إلى المشتري فصار المشتري هو المعتق وولاؤه له لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما الولاء لمن اعتق) وقد دل عليه حديث بريرة لانه جعل ولاءها لعائشة حين اشترتها واعتقتها وان عجز عاد قنا له لانه صار سيده فقام مقام المكاتب وان لم يعلم انه مكاتب ثم علم ذلك فله فسخ البيع أو أخذ الارش لان الكتابة عيب لكون المشتري لا يقدر على التصرف فيه ولا يستحق كسبه ولا استخدامه ولا الوطئ ان كانت أمة فملك الفسخ كشراء الامة المزوجة فيخير حينئذ بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين الامساك مع الارش على ما ذكرنا في البيع

[ 410 ]

(فصل) فاما بيع الدين الذي على المكاتب من نجومه فلا يصح وبهذا قال ابو حنيفة والشافعي وابو ثور وقال عطاء وعمرو بن دينار ومالك يصح لان السيد يملكها في ذمة المكاتب فجاز بيعها كسائر أمواله ولنا انه دين غير مستقر فلم يجز بيعه كدين السلم ودليل عدم الاستقرار انه معرض للسقوط بعجز المكاتب ولانه لا يملك السيد اجبار العبد على أدائه ولا الزامه بتحصيله فلم يجز بيعه كالعدة بالتبرع ولانه غير مقبوض وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض فان باعه فالبيع باطل وليس للمشتري مطالبة المكاتب بتسليمه إليه وله الرجوع بالثمن على البائع ان كان دفعه إليه وان سلم المكاتب إلى المشتري نجومه ففيه وجهان (احدهما) يعتق لان البيع يضمن الاذن في القبض فاشبه قبض الوكيل (والثاني) لا يعتق لانه لم يستنبه في القبض وانما قبض لنفسه بحكم البيع الفاسد فكان القبض فاسدا فلم يعتق بخلاف وكيله فانه استنابه ولو صرح بالاذن لم يكن مستنيبا له في القبض وانما اذنه في القبض بحكم المعاوضة فلا فرق بين التصريح وعدمه فان قلنا يعتق بالاداء برئ المكاتب من مال الكتابة ويرجع السيد على المشتري بما قبضه لانه كالنائب عنه فان كان من جنس الثمن وكان قد تلف تقاصا بقدر أقلهما ورجع ذو الفضل بفضله وان قلنا لا يعتق بذلك فمال الكتابة باق في ذمة المكاتب ويرجع المكاتب على المشتري بما

[ 411 ]

دفعه إليه ويرجع المشتري على البائع فان سلمه المشتري إلى البائع لم يصح تسليمه لانه قبضه بغير اذن المكاتب فأشبه ما لو أخذه من ماله بغير اذنه وان كان من غير جنس مال الكتابة تراجعا بما لكل واحد منهما على الآخر وان باعه ما أخذه بماله في ذمته وكان مما يجوز البيع فيه جاز إذا كان ما قبضه السيد باقيا وان كان قد تلف ووجبت قيمته وكان من جنس مال الكتابة تقاصا وإن كان المقبوض من جنس مال الكتابة فتحاسبا به جاز (فصل) وإذا كان للمكاتب ولد تبعه في الكتابة فباعهما صح لانهما ملكه ولا مانع من بيعهما ويكونان عند المشتري كما كانا عند البائع سواء وان باع أحدهما دون صاحبه أو باع احدهما الرجل وباع الآخر لغيره لم يصح لوجهين (احدهما) انه لا يجوز التفريق بين الوالد وولده في البيع إلا بعد البلوغ على احدى الروايتين (والثاني) ان الولد تابع لوالده وله كسبه وعليه نفقته فصار في معنى مملوكه فلم يجز التفريق بينهما وعلى الرواية الاخرى يحتمل أن يجوز بيعه بعد البلوغ لانه محل للبيع صدر فيه التصرف من اهله ويكون عند من هو عنده على ما كان عليه قبل بيعه لوالده كسبه وعليه نفقته وأرش جنايته ويعتق بعتقه كما لو بيع مع والده (فصل) وتصح الوصية لمكاتبه لانه مع سيده في المعاملة كالاجنبي ولذلك جاز دفع زكاته

[ 412 ]

إليه فان قال ضعوا عن مكانبي بعض كتابته أو بعض ما عليه وضعوا ما شاءوا قليلا كان أو كثيرا وقد ذكرنا نحوه في الوصايا (مسألة) (وإن اشترى كل واحد من المكاتبين الآخرين صح شراء الاول وبطل شراء الثاني وسواء كانا لواحد أو لاثنين) لا خلاف في ان المكاتب يصح شراؤه للعبيد والمكاتب يجوز بيعه على ما ذكرنا في الصحيح من المذهب فإذا اشترى احدهما الآخر صح شراؤه وملكه لان التصرف صدر من اهله في محله وسواء كانا مكاتبين لسيد واحد أو لاثنين فان عاد الثاني فاشترى الذي اشتراه لم يصح لانه سيده ومالكه وليس للملوك أن يملك مالكه لانه يفضي إلى تناقض الاحكام إذ كل واحد منهما يقول لصاحبه أنا سيدك ولي عليك مال الكتابة تؤديه الي وان عجزت فلي فسخ كتابتك وردك إلى ان تكون رقيقا وهذا تناقض وإذا تناقض بملك المرأة زوجها ملك اليمين لثبوت ملكه عليها في النكاح فههنا أولى ولانه لو صح هذا لتقاصا الدينين إذا تساويا وعتقا جميعا إذا ثبت هذا فشراء الاول صحيح والمبيع منهما باق على كتابته فان ادى عتق وولاؤه موقوف فان ادى سيده كتابته كان الولاء له لانه عتق بادائه إليه وان عجز فولاؤه لسيده لان العبد لا يثبت له ولان السيد يأخذ ماله فكذلك حقوقه هذا مقتضى قول القاضي ومقتضى قول ابي بكر ان الولاء

[ 413 ]

لسيده لان المكاتب عبد لا يثبت له الولاء فيثبت لسيده ذكر ذلك فيما إذا أعتق باذن سيده أو كاتب عبده فأدى كتابته وهذا نظيره، ويحتمل ان يفرق بينهما لكون العتق ثم باذن السيد فيحصل الانعام عنه باذنه فيه وههنا لا يفتقر إلى اذنه فلا نعمة له عليه فلا يكون له عليه ولاء ما لم يعجز سيده (مسألة) (فان لم يعلم السابق منهما فسد البيعان) وهذا قول أبي بكر ويرد كل واحد منهما إلى كتابته لان كل واحد منهما مشكوك في صحة بيعه فيرد إلى اليقين وذكر القاضي انه يجري مجرى ما إذا زوج الوليان فأشكل الاول منهما فيقتضي هذا ان يفسخ البيعان كما يفسخ النكاحان، وعلى قول أبي بكر لا يحتاج إلى الفسخ لان النكاح انما احتيج فيه إلى الفسخ من اجل المرأة فانها منكوحة نكاحا صحيحا لواحد منهما يقينا فلا يزول الا بفسخ وفي مسئلتنا لم يثبت يقين البيع في واحد بعينه فلم يفتقر إلى فسخ (مسألة) (وان اسر العدو المكاتب فاشتراه رجل فأحب سيده اخذه بما اشتراه والا فهو عند مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته يعتق بالاداء وولاؤه له) إذا اسر الكفار مكاتبا ثم استنقذه المسلمون فالكتابة بحالها فان اخذ في الغنائم فعلم بحاله أو ادركه سيده قبل قسمه اخذه بغير شئ وهو على كتابته كمن لم يؤسر وان لم يدركه حتى قسم وصار في سهم بعض الغانمين أو اشتراه رجل من الغنيمة قبل قسمه أو من المشركين واخرجه إلى سيده

[ 414 ]

فان السيد أحق به بالثمن الذي ابتاعه به وفيما إذا كان غنيمة رواية اخرى انه إذا قسم فلا حق لسيده فيه بحال فيخرج في المشتري مثل ذلك وعلى كل تقدير فان سيده ان اخذه فهو مبقى على ما بقي من كتابته وان تركه فهو في يد مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته يعتق بالاداء في الموضعين وولاؤه لمن يؤدي إليه كما لو اشتراه من سيده وقال أبو حنيفة والشافعي لا يثبت عليه ملك للكفار ويرد إلى سيده بكل حال ووافق أبو حنيفة والشافعي في المكاتب والمدبر خاصة لانهما عنده لا يجوز بيعهما ولا نقل الملك فيهما فأشبها أم الولد وقد تقدم الكلام في الدلالة على ان ما ادركه صاحبه مقسوما لا يستحق صاحبه أخذه بغير شئ وكذلك ما اشتراه مسلم من دار الحرب وفي ان المكاتب والمدبر يجوز بيعهما بما يغني عن اعادته ههنا (فصل) وهل يحتسب عليه بالمدة التي كان فيها عند الكفار؟ على وجهين (احدهما) لا يحتسب عليه بها لان الكتابة اقتضت تمكينه من التصرف والكسب في هذه المدة فإذا لم يحصل ذلك لم يحتسب كما لو حسبه سيده فعلى هذا يبني على ما مضى من المدة قبل الاسر وتلغى مدة الاسر كأنها لم توجد (والثاني) يحتسب عليه بها لانها من مدة الكتابة مضت بغير تفريظ من سيده فاحتسب عليه بها كمرضه ولانه مدين مضت مدة من اجل دينه في حبسه فاحتسب عليه كسائر الغرماء وفارق ما إذا حبسه سيده بما ذكرناه فعلى هذا إذا حل عليه نجم عند استنقاذه جازت مطالبته به وان حل ما يجوز تعجيزه بترك ادائه فلسيده تعجيزه ورده إلى الرق وهل له ذلك بنفسه أو بحكم الحاكم؟ فيه وجهان

[ 415 ]

(احدهما) له ذلك لانه تعذر عليه الوصول إلى المال في وقته اشبه ما لو كان حاضرا والمال غائبا يتعذر احضاره واداؤه في مدة قريبة كان لسيده الفسخ والمال ههنا اما معدوم واما غائب يتعذر اداؤه وفي كلا الحالتين يجوز الفسخ (والثاني) ليس له ذلك الا بحكم الحاكم لانه مع الغيبة يحتاج إلى أن يبحث هل له مال أم لا؟ وليس كذلك إذا كان حاضرا فانه يطالبه فان ادى والا فقد عجز نفسه فان فسخ الكتابة بنفسه أو بحكم الحاكم ثم خلص المكاتب وادعى ان له مالا في وقت الفسخ يفي بما عليه واقام بذلك بينة بطل الفسخ ويحتمل ان لا يبطل حتى يثبت أنه كان يمكنه اداؤه لانه إذا كان متعذر الاداء كان وجوده كعدمه (فصل) (قال الشيخ رضي الله عنه وان جنى على سيده أو اجنبي فعليه فداء نفسه مقدما على الكتابة وقال أبو بكر يتحاصان) وجملة ذلك ان المكاتب إذا جنى جناية موجبة للمال تعلق ارشها برقبته ويؤدي من المال الذي في يده وبهذا قال الحسن والحكم وحماد والاوزاعي ومالك والحسن بن صالح والشافعي وابو ثور وقال عطاء والنخعي وعمرو بن دينار جنايته على سيده وقال عطاء ويرجع سيده بها عليه وقال الزهري إذا قتل رجلا خطأ كانت كتابته وولاؤه لولي المقتول الا ان بفديه سيده ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجني جان الا على نفسه) ولانها جناية عبد فلم تجب في ذمة سيده كالقن

[ 416 ]

إذا ثبت هذا فانه يبدأ باداء الجناية قبل الكتابة سواء حل عليه نجم أو لم يحل نص عليه أحمد وهو المعمول به في المذهب وذكر أبو بكر قولا آخر ان السيد يشارك ولي الجناية فيضرب بما حل من نجوم كتابته لانهما دينان فيتحاصان قياسا على سائر الديون ولنا ان ارش الجناية من العبد يقدم على سائر الحقوق المتعلقة به ولذلك قدمت على حق المالك وحق المرتهن وغيرهما فوجب ان تقدم ههنا. يحققه ان ملك الكتابة مقدم على ملك السيد في عبده فيجب تقديمه على عوض وهو مال الكتابة بطريق الاولى لان الملك فيه قبل الكتابة كان مستقرا ودين الكتابة غير مستقر فإذا قدم على المستقر فعلى غيره اولى. إذا ثبت هذا فانه يفدي نفسه باقل الامرين من قيمته أو ارش جنايته لانه ان كان ارش الجناية أقل فلا يلزمه اكثر من موجب جنايته وهو ارشها، وان كان أكثر لم يكن عليه اكثر من قيمته لانه لا يلزمه اكثر من بذل المحل الذي تعلق به الارش فان بدأ بدفع المال إلى ولي الجناية فوفى بارش الجناية والا باع الحاكم منه بما يفي من ارشها وباقيه باق على كتابته وان اختار السيد الفسخ فله ذلك ويعود عبدا قنا مشتركا بين السيد والمشتري وان أبقاه السيد على الكتابة فأدى عتق بالكتابة وسرى العتق إلى باقيه ان كان المكاتب موسرا ويقوم عليه وان كان معسرا عتق منه ما عتق وباقيه رقيق فان لم يكن في يده مال ولم يف بالجناية الا قيمته كلها بيع كله فيها وبطلت كتابته

[ 417 ]

(فصل) وان بدأ بدفع المال إلى سيده وكان ولي الجناية سأل الحاكم فحجر على المكاتب ثبت الحجر عليه وكان النظر فيه إلى الحاكم فلا يصح دفعه إلى سيده ويرتجعه الحاكم ويسلمه إلى ولي الجناية فان وفى والا كان الحكم فيه على ما ذكرنا من قبل وان لم يكن الحاكم حجر عليه صح دفعه إلى السيد لانه يقضي حقا عليه فجاز كما لو قضى بعض غرمائه قبل الحجر عليه فان كان ما دفعه إليه جميع مال الكتابة عتق (مسألة) (وعليه فداء نفسه ويكون الارش في ذمته فيضمن ما كان عليه قبل العتق ويفديه بأقل الامرين من قيمته أو ارش جنايته) لانه لا يلزم اكثر مما كان واجبا عليه بالجناية فان اعتقه السيد فعليه فداؤه بذلك لانه أتلف محل الاستحقاق فأشبه ما لو قتله (مسألة) (وان عجز فلسيده تعجيزه ويفديه أيضا بما ذكرناه وقال أبو بكر فيه رواية أخرى أنه يفديه بارش الجناية بالغة ما بلغت) لانه لو سلمه احتمل أن يرغب فيه راغب باكثر من قيمته فقد فوت تلك الزيادة باعتاقه (فصل) فان كانت الجناية على سيده فيما دون النفس فالسيد خصمه فيها فان كانت موجبة للقصاص فلسيده القصاص كما يجب على عبده القن لان القصاص يجب للزجر فيحتاج إليه العبد في حق سيده

[ 418 ]

وان عفا على مال أو كانت موجبة للمال وجب له لان المكاتب مع سيده كالأجنبي يصح أن يبايعه ويثبت له في ذمته المال والحقوق كذلك الجناية ويفدي نفسه بأقل الامرين كالجناية على الاجنبي وعنه يفديه بارش الجناية كله فان وفى ما في يده بما عليه فلسيده مطالبته به وان لم يف به فلسيده تعجيزه فإذا عجزه وفسخ الكتابة سقط عنه مال الكتابة وارش الجناية وعاد عبدا قنا ولا يثبت للسيد على عبده القن مال وان أعتقه سيده ولا مال في يده سقط الارش لانه متعلق برقبته وقد أتلفها وان كان في يده مال لم يسقط لان الحق كان متعلقا بالذمة وما في يده من المال فإذا تلفت الرقبة بقي الحق متعلقا بالمال فاستوفي منه كما لو عتق بالاداء وهل يجب أقل الامرين أو ارش الجناية كله؟ على وجهين ويستحق السيد مطالبته بارش الجناية قبل أداء مال الكتابة لما ذكرنا من قبل في حق الاجنبي وان اختار تأخير الارش والبداية بقبض مال الكتابة جاز ويعتق إذا قبض مال الكتابة كله وقال أبو بكر لا يعتق بالاداء قبل ارش الجناية لوجوب تقديمه على مال الكتابة ولنا ان الحقين ان الحقين جميعا للسيد فإذا تراضيا على تقديم أحدهما على الآخر جاز لان الحق لهما لا يخرج عنهما ولانه لو بدأ باداء مال الكتابة في حق الاجنبي عتق ففي حق السيد أولى ولان أرش الجناية لا يلزم أداؤه قبل اندمال الجرح فيمكن تقديم وجوب الاداء عليه إذا ثبت هذا فانه إذا أدى عتق ويلزمه أرش الجناية سواء كان في يده مال أو لم يكن لان عتقه بسبب من جهته فلم يسقط ما عليه بخلاف ما

[ 419 ]

إذا اعتقه سيده فانه اتلف محل حقه بخلاف هذا وهل يلزمه اقل الامرين أو جميع الارش؟ على وجهين وان كانت جنايته على نفس سيده فلورثته القصاص في العمد والعفو على مال وفي الخطأ المال وحكم الورثة مع المكاتب حكم سيده معه لان الكتابة انتقلت إليهم والعبد لو عاد قنا كان لهم وان جنى على موروث سيده فورثه سيده فالحكم فيه كما لو كانت الجناية على سيده فيما دون النفس على ما مضى (فصل) وان جنى المكاتب جنايات تعلقت برد رقبته واستوى الاول والآخر في الاستيفاء ولم يقدم الاول على الثاني ان كانت موجبة للمال لانها تعلقت بمحل واحد وكذا ان كان بعضها في حال كتابته وبعضها بعد تعجيزه فهي سواء ويتعلق جميعها بالرقبة فان كان فيها ما يوجب القصاص فالولي الجناية استيفاؤه وتبطل حقوق الآخرين فان عفا إلى مال صار حكمه حكم الجناية الموجبة للمال فان ابرأه بعضهم استوفى الباقون لان حق كل واحد يتعلق برقبته يستوفيه إذا انفرد فإذا اجتمعوا تزاحموا فإذا ابرأه بعضهم سقط حقه وتزاحم الباقون كما لو انفردوا كما في الوصايا وديون الميت فان ادى وعتق فالضمان عليه وان اعتقه سيده فعليه الضمان وأيهما ضمن فالواجب عليه أقل الامرين كما ذكرنا في الجناية الواحدة ولانه لو عجزه الغرماء وعاد قنا بيع وتحاصوا في ثمنه كذلك ههنا فاما ان عجزه سيده وعاد قنا خير بين فدائه وتسليمه فان اختار فداءه فداه باقل الامرين كما لو أعتقه أو قتله

[ 420 ]

وفيه رواية اخرى أنه يلزمه أرش الجناية كله لانه لو سلمه احتمل ان يرغب فيه راغب باكثر من قيمته فقد فوت تلك الزيادة باختياره امساكه فكان عليه جميع الارش ويفارق ما إذا أعتقه أو قتله لان المحل تلف فتعذر تسليمه فلم يجب أكثر من قيمته والمحل ههنا باق يمكن تسليمه وبيعه وقد ذكرناه فان أراد المكاتب فداء نفسه قبل تعجيزه أو اعتقه ففيما تفدى به نفسه وجهان بناء على ما إذا عجزه سيده والله أعلم (مسألة) وان لزمته ديون تعلقت بذمته بيع بها بعد العتق) إذا اجتمع على المكاتب ثمن مبيع أو عوض قرض أو غيرهما من الديون مع مال الكتابة وفي يده ما يفي بها فله أداؤها ويبدأ بايها شاء كالحر وان لم يف بها ما في يده وكلها حالة ولم يحجر الحاكم عليه فخص بعضهم بالقضاء صح كالحر وان كان فيها مؤجل فعجله بغير إذن سيده لم يجز لان تعجيله تبرع فلم يجز بغير اذن سيده كالهبة وان كان باذن سيده جاز كالهبة وان كان التعجيل للسيد فقبوله بمنزلة اذنه وان كان الحاكم قد حجر عليه بسؤال غرمائه فالنظر إلى الحاكم وانما يحجر عليه بسؤالهم فان حجر عليه بغير سؤالهم لم يصح لان الحق لهم فلا يستوفى بغير اذنهم وان سأله سيده الحجر عليه لم يجبه إلى ذلك لان حقه غير مستقر فلا يحجر عليه من أجله وإذا حجر عليه بسؤال الغرماء فقال القاضي عندي انه يبدأ بقضاء ثمن المبيع وعوض القرض يستوي بينهما ويقدمهما على ارش الجناية ومال الكتابة لان ارش الجناية محله الرقبة فإذا لم يحصل مما في يده استوفي من رقبته

[ 421 ]

وهذا مذهب الشافعي وقد ذكرنا أن اصحابنا والشافعي اتفقوا على تقديم ارش الجناية على مال الكتابة فيما مضى وإذا لم يحجر عليه ودفع إلى السيد مال الكتابة عتق وبقيمة الديون في ذمته يتبع بها بعد العتق لانه صار حرا فهو كالاحرار ولان المداين رضي بذمته حين أدائه فكان له ما رضي به كالحر. (فصل) وإذا جنى بعض عبيد المكاتب جناية توجب القصاص فللمجني عليه الخيار بين القصاص والمال فان اختار المال أو كانت الجناية خطأ أو شبه عمد أو اتلاف مال تعلق ارشها برقبته وللمكاتب فداؤه باقل الامرين من قيمته أو ارش جنايته لانه بمنزلة شرائه وليس له فداؤه باكثر من قيمته كما لا يجوز له ان يشتريه بذلك الا ان يأذن فيه سيده فان كان الارش أقل من قيمته لم يكن له تسليمه لانه تبرع بالزائد وان زاد الارش على قيمته فهل يلزمه تسليمه أو يفديه باقل الامين؟ على روايتين: (فصل) فان ملك المكاتب ابنه أو بعض ذوي رحمه المحرم أو ولد له ولد من أمته فجنى جناية تعلق ارشها برقبته فللمكاتب فداؤه بغير اذن سيده كما يفدي غيره من عبيده. وقال القاضي في المجرد ليس له فداؤه بغير اذنه وهو مذهب الشافعي لانه اتلاف لا له فان ذوي رحمه ليسوا بمال له ولا يتصرف فيهم فلم يجز له اخراج ماله في مقابلتهم ولا شراؤهم كالتبرع ويفارق

[ 422 ]

العبد الاجنبي فانه ينتفع به وله صرفه في كتابته وكان له فداؤه وشراؤه كسائر أمواله ولكن ان كان لهذا الجاني كسب فدي منه وان لم يكن له كسب بيع في الجناية ان استغرقت قيمته وان لم تستغرقها بيع بعضه فيها وما بقي للمكاتب. ولنا انه عبد له حي فملك فداءه كسائر عبيده ولا نسلم انه لا يملك شراءه وقولهم لا يتصرف فيه قلنا الا ان كسبه له فان عجز المكاتب صار رقيقا معه لسيده وإن أدى المكاتب لم يتضرر السيد بعتقهم وانتفع به المكاتب وإذا دار أمره بين نفع وانتفاء ضرر وجب ان لا يمنع منه وفارق التبرع فانه يفوت المال على السيد فان قيل فيه ضرر وهو منعه من اداء الكتابة فانه إذا صرف المال فيه ولم يقدر على صرفه في الكتابة عجز عنها قلنا هذا الضرر لا يمنع المكاتب منه بدليل ما لو ترك الكسب مع إمكانه أو امتنع من الاداء مع قدرته عليه فانه لا يمنع منه ولا يجبر على كسب ولا أداء فكذلك لا يمنع مما هو في معناه ولا مما يفضي إليه ولان غاية الضرر في هذا المنع من اتمام الكتابة وليس اتمامها واجبا عليه فأشبه ترك الكسب بل هذا أولى لوجهين (احدهما) ان هذا فيه نفع للسيد لمصيرهم عبيدا له (والثاني) أن فيه نفعا للمكاتب باعتاق ولده وذوي رحمه ونفعا لهم بالاعتاق على تقدير الاداء فإذا لم يمنع مما يساويه في المضرة من غير نفع فيه فلان لا يمنع مما فيه نفع لازم لاحدى الجهتين أولى وولد المكاتبة يدخل في كتابتها والحكم في جنايته كالحكم في ولد المكاتب سواء

[ 423 ]

(فصل) وان جنى بعض عبيد المكاتب على بعض جناية موجبها المال لم يثبت لها حكم لانه لا يجب للسيد على عبده مال وان كان موجبها القصاص فقال أبو بكر ليس له القصاص لانه اتلاف لماله باختياره وهذا الذي ذكره شيخنا في الكتاب المشروح وذكره أبو الخطاب في رءوس المسائل، وقال القاضي له القصاص لانه من مصلحة ملكه فانه لو لم يقتص أفضى إلى إقدام بعضهم على بعض وليس له العفو على مال لما ذكرنا ولا يجوز بيعه في ارش الجناية لان الارش لا يثبت له في رقبة عبده فان كان الجاني من عبيده ابنه لم يجز بيعه لذلك وقال اصحاب الشافعي يجوز بيعه في أحد الوجهين لانه لا يملك بيعه قبل جنايته فيستفيد بالجناية ملك بيعه. ولنا أنه عبده فلم يجب له عليه أرش كالاجنبي وما ذكروه ينتقض بالرهن إذا جني على راهنه (فصل) فان جنى عبدالمكاتب عليه جناية موجبها المال كانت هدرا لما ذكرنا وان كان موجبها القصاص فله ان يقتض فيما دون النفس لان العبد يقتص منه لسيده وان عفا على مال سقط القصاص ولم يجب المال فان كان الجاني أباه لم يقتص منه لان الوالد لا يقتل بولده وان جنى المكاتب عليه لمى يقتص منه لان السيد لا يقتص منه لعبده وقال القاضي فيه وجه آخر أنه يقتص منه لان حكم الاب معه حكم الاحرار بدليل أنه لا يملك بيعه والتصرف فيه وجعلت حريته موقوفة على حريته قال القاضي ولا نعلم موضعا يقتص فيه المملوك من مالكه غير هذا الموضع

[ 424 ]

(فصل) وان جنى على المكاتب فيما دون النفس فارش الجناية له دون سيده لثلاثة معان (أحدهما) ان كسبه له وذلك عوض عما يتعطل بقطع يده من كسبه (والثاني) ان المكاتبة تستحق المهر في النكاح لتعلقه بعضو من أعضائها كذلك بدل العوض (الثالث) ان السيد أخذ مال الكتابة بدلا عن نفس المكاتب فلا يجوز ان يستحق عنه عوضا آخر ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدهما) ان يكون الجاني سيده فلا قصاص عليه لامرين (أحدهما) أنه حر والمكاتب عبد (والثاني) انه ملكه ولا يقتص من المالك لمملوكه ولكن يجب الارش إذا اندمل الجرح على ما يذكر في الجنايات ولانه قبل الاندمال لا تؤمن سرايته إلى نفسه فيسقط ارشه فإذا ثبت هذا فسرى الجرح إلى نفسه انفسخت الكتابة وكان الحكم فيه كما لو قتله فان اندمل لجرح وجب له أرشه على سيده ويتقاصان ان كان من جنس مال الكتابة وقد حل عليه نجم وان كان من غير جنس مال الكتابة أو لم يحل عليه نجم لم يتقاصا ويطالب كل واحد منهما بما يستحقه فان اتفقا على ان يجعل احدهما عوضا عن الآخر وكانا من جنسين لم يجز لانه بيع دين بدين فان قبض أحدهما حقه ثم دفعه إلى الآخر عوضا عن حقه جاز وان رضي المكاتب بتعجيل الواجب له عما لم يحل من نجومه جاز إذا كان من جنس مال الكتابة

[ 425 ]

(الحال الثانية) إذا كان الجاني أجنبيا حرا فلا قصاص، لا يقتل بالعبد فان سرى الجرح إلى نفسه انفسخت كتابته وعلى الجاني قيمته لسيده وان اندمل الجرح فعليه أرشه له فان أدى الكتابة وعتق ثم سرى الجرح إلى نفسه وجبت ديته لان اعتبار الضمان بحالة الاستقرار ويكون ذلك لورثته فان كان الجاني السيد أو غيره من ورثته لم يرث منه شيئا لان القاتل لا يرث ويكون لبيت المال ان لم يكن له وارث ومن اعتبر الجناية بحالة ابتدائها أوجب على الجاني قيمته ويكون أيضا لورثته (الحال الثالث) إذا كان الجاني عبدا أو مكاتبا فان كان موجب الجناية القصاص وكانت على النفس انفسخت الكتابة وسيده بالخيار بين القصاص والعفو على مال يتعلق برقبة الجاني وان كانت فيما دون النفس كقطع يده فللمكاتب استيفاء القصاص وليس لسيده منعه كما ان المريض يقتص ولا يعترض عليه ورثته والمفلس يقتص ولا يعترض عليه غرماؤه وان عفا على مال ثبت له وان عفا مطلقا انبنى على الروايتين في موجب العمد وان قلنا موجبه القصاص عينا صح ولم يثبت له مال وليس لسيده مطالبته باشتراط مال لان ذلك تكسب ولا يملك اجباره على الكسب وان قلنا الواجب أحد أمرين ثبت له دية الجرح لانه لما ثبت القصاص تعين المال ولا يصح عفوه عن المال لانه لا يملك التبرع بغير إذن سيده وان صالح على بعض الارش فحكمه حكم العفو إلى غير مال (فصل) وإذا مات المكاتب وعليه ديون وأروش جنايات ولم يكن ملك ما يؤدي في كتابته

[ 426 ]

انفسخت الكتابة وسقط أرش الجنايات لانها متعلقة برقبته وقد تلفت ويستوفي ديوته مما كان في يده فان لم يف بها سقط الباقي قال أحمد ليس على سيده قضاء دينه هذا كان يسعى لنفسه وان كان قد ملك ما يؤدي في كتابته انبنى ذلك على الروايتين في عتق المكاتب بملك ما يؤديه وقد ذكرنا فيه روايتين الظاهر منهما أنه لا يعتق بذلك فتنفسخ الكتابة أيضا ويبدأ بقضاء الدين على ما ذكرنا في الحال الاول وهذا قول زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن وشريح وعطاء وعمرو بن دينار وأبي الزناد ويحيى الانصاري وربيعة والاوزاعي وأبي حنيفة والشافعي (والثانية) انه إذا املك ما يؤدي صار حرا فعلى هذا يضرب السيد مع الغرماء بما حل من نجومه روي نحو هذا عن شريح والنخعي والشعبي والحكم وحماد وابن أبي ليلى والثوري والحسن ابن صالح لانه دين حال فيضرب به كسائر الديون ويجئ على قول من قال ان الدين يحل بالموت ان يضرب بجميع مال الكتابة لانه فدحل بالموت والمذهب الاول الذي نقله الجماعة عن أحمد وقد روي سعيد في سننه ثنا هشيم ثنا منصور وسعيد عن قتادة قال ذكرت لسعيد بن المسيب قول شريح في المكاتب إذا مات وعليه دين وبقية من مكاتبته فقلت ان شريحا قضى ان مولاه يضرب مع الغرماء فقال سعيد اخطأ شريح قضى زيد بالدين قبل المكاتبة (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وهي عقد لازم من الطرفين لا يدخلها خيار ولا يملك احدهما فسخها

[ 427 ]

وجملة ذلك ان الكتابة عقد لازم من الطرفين لانها عقد معاوضة أشبه عقد النكاح والبيع ولا يدخلها خيار لان الخيار شرع لدفع الغين عن المال والسيد دخل على بصيرة ان الحظ لعبده فلا معنى للخيار ولا يملك احدهما فسخها قياسا على سائر العقود اللازمة وعنه ان العبد يملك ذلك وسنذكره ولا يجوز تعليقها على شرط مستقبل كسائر عقود المعاوضات (مسألة) (ولا تنفسخ بموت السيد لا نعلم في ذلك خلافا ولا تنفسخ بجنونه ولا الحجر عليه لانه عقد لازم اشبه البيع) (مسألة) (ويعتق بالاداء إلى سيده وقد ذكرنا ذلك وبالاداء إلى الورثة) لانه انتقل إليهم مع بقاء الكتابة فهو كالاداء إلى موروثهم ويكون مقسوما بينهم على قدر مواريثهم كسائر ديونه فإذا كان له أولاد ذكور واناث فللذكر مثل حظ الانثيين ولا يعتق حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه فان أدى إلى بعضهم دون بعض لم يعتق كما لو كان بين شركاء فأدى إلى بعضهم فان كان بعضهم غائبا وله وكيل دفع نصيبه إلى وكيله وان لم يكن له وكيل دفع نصيبه إلى الحاكم وعتق وان كان موليا عليه دفع إلى وليه إما أبيه أو وصيه أو الحاكم أو أمينه فان كان له وصيان لم يبرأ إلا بالدفع اليهما معا وان كان الوارث رشيدا قبض لنفسه ولا تصح الوصية ليقبض له لان الرشيد ولي نفسه وان كان بعضهم رشيدا وبعضهم موليا عليه فحكم كل واحد منهم حكمه

[ 428 ]

وانفرد فان إذن بعضهم في الاداء إلى الآخر وكان الدي اذن رشيدا فأذى إلى الآخر جميع حقه عتق نصيبه ولا يسري إلى نصيبه شريكه ان كان معسرا ويسري إليه ان كان موسرا ويقوم عليه نصيب شريكه كله كما لو كان بين شريكين فاعتق احدهما نصيبه وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو أحد قولي الشافعي وقال القاضي لا يسري عتقه وان كان موسرا وهذا القول الثاني للشافعي وقال أبو حنيفة لا يعتق إلا باداء جميع مال الكتابة لانه أدى بعض مال الكتابة فاشبه ما لو اداه إلى السيد فان ابرأوه من مال الكتابة برئ منه وعتق وان ابرأه بعضهم عتق نصيبه وكذلك ان اعتق نصيبه منه عتق والخلاف في هذا كله كالخلاف فيما إذا أدى إلى بعضهم باذن الآخر ولنا على أنه يعتق نصيب من ابرأ من حقه عليه أو استوفى نصيبه باذن شركائه انه ابرأه من جميع ماله عليه فوجب ان يلحقه العتق كما لو أبرأه سيده من جميع مال الكتابة وفارق ما إذا أبرأه سيده من بعض مال الكتابة لانه ما أبرأه من جميع حقه ولنا على سراية عتقه انه اعتاق لبعض العبد الذي يجوز اعتاقه من موسر جائز التصرف غير محجور عليه فوجب ان يسري عتقه كما لو كان قنا ولانه عتق حصل بفعله واختياره فسرى كمحل الوفاق فان قيل في السراية اضرار بالشركاء لانه قد يعجز فيرد إلى الرق قلنا إذا كان العتق في محل الوفاق يزيل الرق المتمكن الذي لا كتابة فيه فلان يزيل عرضية ذلك بطريق الاولى

[ 429 ]

(فصل) وإذا عتق بالاداء إلى الورثة فولاؤه لسيده في احدى الروايتين وهو اختيار الخرقي يختص به عصباته دون اصحاب الفروض وهذا قول اكثر الفقهاء واختاره أبو بكر ونقله إسحاق ابن منصور عن أحمد وإسحاق وروى حنبل وصالح بن أحمد عن أبيه قال اختلف الناس في المكاتب يموت سيده وعليه بقية من كتابته قال بعض الناس الولاء للرجال والنساء وقال بعضهم لا ولاء للنساء لان هذا انما هو دين على المكاتب ولا يرث النساء من الولاء إلا ما كاتبن أو أعتقن والذي يغلب علي انهن يرثن ولو عجز المكاتب بعد وفاة السيد رد رقيقا، وهذا قول طاوس والزهري لان المكاتب انتقل إلى الورثة بموت السيد بدليل انهم لو أعتقوه بعد عتقهم لكان ولاؤه لهم كما لو انتقل بالشراء ولانه يؤدي إلى الورثة فكان ولاؤه لهم كما لو أدى إلى المشتري ووجه الاول ان السيد هو المنعم بالعتق فكان الولاء له كما لو أدى إليه ولان الورثة إنما ينتقل إليهم ما بقي للسيد وإنما بقي له دين في ذمة المكاتب والفرق بين الميراث والشراء أن السيد نقل حقه في البيع باختياره فلم يبق له فيه حق من وجه والوارث يخلف الموروث ويقوم مقامه ويلي على موروثه ولا ينتقل إليه شئ امكن بقاؤه لموروثه والولاء مما أمكن بقاؤه للموروث فوجب أن لا ينتقل عنه وقذ ذكرنا ذلك في باب الولاء (فصل) وان اعتقه الورثة صح عتقهم لانه ملك لهم فصح عتقهم له ولان السيد لو أعتقه نفذ عتقه وهم يقومون مقام موروثهم وولاؤه لهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الولاء لمن أعتق) وإن أعتق

[ 430 ]

بعضهم نصيبه فعتق عليه كله بالسراية قوم عليه نصيب شركائه وكان ولاؤه له وان لم يسر لكونه معسرا أو لغير ذلك فله ولاء ما أعتقه للخبر ولانه منعم عليه فكان الولاء له كغير المكاتب وقال القاضي ان أعتقوه كلهم قبل عجزه كان الولاء للسيد وان أعتق بعضهم لم يسر عتقه ثم ينظر فان أدي إلى الباقين عتق كله وكان ولاؤه للسيد وان عجز فردوه إلى الرق كان ولاء نصيب المعتق له لانه لولا اعتاقه لعاد سهمه رقيقا كسهام سائر الورثة فلما أعتقه كان هو المنعم عليه فكان الولاء له دونهم فأما ان ابرأه الورثة كلهم عتق وكان ولاؤه على الروايتين اللتين ذكرناهما فيما إذا أدى إليهم لان الابراء جرى مجرى أداء ما عليه ويحتمل ان يكون الولاء لهم لانهم أنعموا عليه بما عتق به أشبه ما لو أعتقوه وان أبرأه بعضهم من نصيبه كان في ولائه ما ذكرنا من الخلاف (فصل) إذا باع الورثة المكاتب أو وهبوه صح بيعهم وهبتهم لانهم يقومون مقام موروثهم وهو يملك بيعه وهبته كذلك ورثته ويكون عند المشتري الموهوب له مبقى على ما بقي من كتابته ان عجز فعجزه عاد رقيقا له، وان أدى عتق وكان ولاؤه لمن يؤدي إليه على الرواية التي نقول إن ولاءه للورثة إذا أدى إليهم وأما على الرواية الاخرى فيحتمل أن لا يصح بيعه ولا هبته لان ذلك يقتضي ابطال سبب ثبوت الولاء للسيد الذي كاتبه وليس ذلك للورثة ويحتمل أن يصح ويكون الولاء للسيد ان اعتق بالكتابة، لان السيد عقدها فعتق بها فكان ولاؤه له ويفارق ما باعه

[ 431 ]

السيد، لان السيد ببيعه أبطل حق نفسه وله ذلك بخلاف الورثة فانهم لا يملكون ابطال حق موروثهم (فصل) إذا وصى السيد بمال الكتابة صح فان سلم مال الكتابة إلى الموصى له أو وكيله أو وليه ان كان محجورا عليه برئ منه وعتق وولاؤه لسيده الذي كاتبه لانه المنعم عليه وان ابرأه من المال عتق لانه برئ من مال الكتابة فأشبه ما لو ادى وان أعتقه لم يعتق لانه لا يملك رقبته وانما وصى له بالمال الذي عليه وإن عجز ورد في الرق صار عبدا للورثة وما قبضه الموصى له من المال فهو له لانه قبضه بحكم الوصية الصحيحة والامر في تعجيزه إلى الورثة لان الحق يثبت لهم بتعجيزه ويصير عبدا لهم فكانت الخيرة في ذلك إليهم وتبطل وصية الموصى له بتعجيزه وان وصى بمال الكناية للمساكين ووصى إلى من يقبضه ويفرقه بينهم صح ومتى سلم المال إلى الوصي برئ وعتق وان أبرأه منه لم يبرأ لان الحق لغيره فان دفعه المكاتب إلى المساكين لم يبرأ منه ولم يعتق لان التعيين إلى الوصي دونه وان وصى بدفع المال إلى غرمائه تعين القضاء منه كما لو وصى به عطية لهم فان كان انما وصى بقضاء ديونه مطلقا كان على المكاتب ان يجمع بين الورثة والوصي بقضاء الدين ويدفعه إليهم بحضرته لان المال للورثة ولهم قضاء الدين منه ومن غيره وللوصي في قضاء الدين حق لان له منعهم من التصرف في التركة قبل قضاء الدين

[ 432 ]

(فصل) إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدا فادعى العبد ان سيده كاتبه فصدقاه ثبتت الكتابة لان الحق لهما وان انكراه وكانت له بينة ثبتت الكتابة وعتق بالاداء اليهما وان عجز فلهما رده إلى الرق وان لم يعجزاه وصبرا عليه لم يملك الفسخ وان عجزه أحدهما وأبى الآخر تعجيزه بقي نصفه على الكتابة ورق النصف الآخر فان لم تكن له بينة فالقول قولهما مع ايمانهما لان الاصل بقاء الرق وعدم الكتابة وتكون ايمانهما على نفي العلم لانها يمين على نفي فعل الغير فان حلفا ثبت رقه وإن نكلا قضي عليهما أوردت اليمين عليه عند من يرى ردها فيحلف العبد وتثبت الكتابة وان حلف أحدهما ونكل الآخر قضي برق نصفه وكتابة نصفه وان صدقه أحدهما وكذبه الآخر ثبتت الكتابة في نصفه وعليه البينة في نصفه الآخر فان لم تكن بينة وحلف المنكر صار نصفه مكاتبا ونصف رقيقا قنا فان شهد المقر على أخيه قبلت شهادته لانه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا فان كان معه شاهد آخر كملت الشهادة وثبتت الكتابة في جميعه وان لم يشهد غيره فهل يحلف العبد معه؟ على روايتين وان لم يكن عدلا أو لم يحلف العبد معه وحلف المنكر كان نصفه مكاتبا ونصفه رقيقا ويكون كسبه بينه وبين المنكر نصفين ونفقته من كسبه لانها على نفسه وعلى مالك نصفه فان لم يكن له كسب كان على المنكر نصف نفقته ثم ان اتفق هو ومالك نصفه على المهايأة مياومة أو مشاهرة أو كيفما كان جاز فان طلب أحدهما ذلك وامتنع الآخر اجبر عليها في ظاهر كلام احمد وهو قول أبي حنيفة، لان

[ 433 ]

المنافع مشتركة بينهما فإذا أراد أحدهما حيازة نصيبه من غير ضرر لزم الآخر اجابته كالاعيان ويحتمل ان لا يجبر وهو قول الشافعي لان المهايأة تأخير حقه الحال لكون المنافع في هذا اليوم مشتركة بينهما فلا تجب الاجابة إليه كتأخير دينه الحال فان اقتسما الكسب مناصفة أو مهايأة جاز فان لم يف بأداء نجومه فللمقر رده في الرق وما في يده له خاصة لان المنكر قد اخذ حقه من الكسب وان اختلف المنكر والمقر فيما في يد المكاتب فقال المنكر هذا كان في يده قبل دعوى الكتابة أو كسبه في حياة ابينا وأنكر ذلك المقر فالقول قوله مع يمينه لان المدعي يدعي كسبه في وقت الاصل عدمه فيه ولانه لو اختلف هو والمكاتب في ذلك كان القول قول المكاتب فكذلك من يقوم مقامه وان ادى الكتابة عتق نصيب المقر خاصة ولم يسر إلى نصيب شريكه لانه لم يباشر العتق ولم ينسب إليه وانما كان السبب من أبيه وهذا حاك عن أبيه مقر بفعله فهو كالشاهد ولان المقر بزعم أن نصيب أخيه حر أيضا لانه قد قبض من العبد مثل ما قبض فقد حصل اداء مال الكتابة اليهما فعتق كله بذلك وولاء النصف للمقر لان أخاه لا يدعيه والمقر يدعي انه كله عتق بالكتابة وهذا الولاء الذي على هذا النصف من نصيبي من الولاء وقال أصحاب الشافعي في ذلك وجهان (أحدهما) كقولنا (والثاني) ان الولاء بين الابنين لانه يثبت لموروثهما فكان لهما بالميراث

[ 434 ]

قال شيخنا والصحيح ما قلناه لما ذكرنا ولا يمتنع ثبوت الولاء للاب واختصاص أحد الابنين به كما لو ادعى أحدهما دينا لابيه على انسان وأنكره الاخر فان المدعي يأخذ نصيبه من الدين ويختص به دون اخيه وان كان يرثه عن الاب ولذلك لو ادعياه معا وأقاما به شاهدا واحدا فحلف أحدهما مع الشاهد وأبى الاخر فان اعتق أحدهما حصته عتق وسرى إلى باقيه ان كان موسرا هذا قول الخرقي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أعتق شركا له في عبد وكان له ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة العدل واعطى شركاؤه حصصهم) ولانه موسر عتق نصيبه من عبد مشترك فسرى إلى باقيه كغير المكاتب وقال أبو بكر والقاضي لا يعتق الا حصته لانه ان كان المعتق المقر فهو منفذ وان كان المنكر لم يسر إلى نصيب المقر لانه مكاتب لغيره وفي سراية العتق إليه ابطال سبب الولاء عليه فلم يجز ذلك (مسألة) (وان حل نجم فلم يؤده فللسيد الفسخ وعنه لا يعجز حتى يحل نجمان وعنه لا يعجز حتى يقول قد عجزت) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيما يجوز به للسيد فسخ الكتابة فروي عنه انه يجوز له الفسخ إذا عجز عن نجم واحد وهو قول الحارث العكلي وابي حنيفة والشافعي لان السيد دخل على ان يسلم له مال الكتابة على الوجه الذي كاتبه عليه ويدفع إليه المال في نجومه فإذا لم يسلم له لم يلزمه

[ 435 ]

عتقه لانه عجز عن اداء النجم في وقته فجاز في وقته فجاز فسخ كتابته كالنجم الاخير ولانه تعذر العوض في عقد معاوضة ووجد عين ماله فكان له الرجوع كما لو باع سلعة فافلس المشتري قبل نقد ثمنها (والرواية الثانية) ان السيد لا يملك الفسخ حتى يحل نجمان قبل ادائها وهو ظاهر كلام الخرقي قال القاضي وهو ظاهر كلام اصحابنا روي ذلك عن الحكم وابن ابي ليلى وابي يوسف والحسن بن صالح لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا يرد المكاتب في الرق حتي يتوالى عليه نجمان ولان ما بين النجمين محل الاداء الاول فلا يتحقق العجز عنه حتى يفوت محله بحلول الثاني (والراية الثالثة) أنه لا يعجز حتى يقول قد عجزت رواها عنه ابن ابي موسى وروي عنه أنه إذا أدى اكثر مال الكتابة لم يرد إلى الرق واتبع بما بقي وإذا قلنا للسيد الفسخ لم تنفسخ الكتابة بالعجز بل له مطالبة المكاتب بل حل من نجومه لانه دين له حل فاشبه دينه على الاجنبي وله الصبر عليه وتأخيره به سواء كان قادرا على الاداء أو عاجزا لانه حق له سمع بتأخيره أشبه الدين على الاجنبي فان اختار الصبر عليه لم يملك العبد الفسخ بغير خلاف نعلمه قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم على ان المكاتب إذا حل عليه نجم ونجم أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما ثابتين على العقد الاول وان اجله به ثم بدا له الرجوع فله ذلك لان الحال لا يتأجل بالتأجيل كالقرض وان اختار

[ 436 ]

السيد فسخ كتابته ورده إلى الرق فله ذلك بغير حضور حاكم ولا سلطان ولا يلزمه الاستبناء به، فعل ذلك ابن عمر وهو قول شريح والنخعي وابي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي ليلى لا يكون عجزه الا عند قاض، وحكي نحوه عن مالك، وقال الحسن إذا عجز استؤني بعد العجز سنتين، وقال الاوزاعي شهرين ولنا ما روى سعيد باسناده عن ابن عمر أنه كاتب عبدا له على الف دينار وعجز عن مائة دينار فرده في الرق وباسناده عن عطية العوفي عن ابن عمر أنه كاتب عبده على عشرين الفا فأدى عشرة آلاف ثم اتاه فقال اني طفت العراق والحجاز فردني في الرق فرده وروي عنه انه كاتب عبدا له على ثلاثين الفا فقال له انا عاجز فقال له امح كتابتك فقالي امح انت وروى سعيد باسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال (أيما رجل كاتب غلامه على مائة أوقية فعجز عن عشر أواق فهو رقيق) ولانه عقد عجز عن عوضه فملك فسخه كالمسلم إذا تعذر المسلم فيه فان قيل فلم كانت الكتابة لازمة من جهة السيد غير لازمة من جهة العبد؟ قلنا بل هي لازمة من الطرفين ولا يملك العبد فسخها وانما له ان يعجز نفسه ويمتنع من الكسب وانما جاز له ذلك لوجهين (أحدهما) أن الكتابة تتضمن اعتاقا بصفة ومن علق عتقه بصفة لم يملك ابطالها ويلزم وقوع العتق بالصفة ولا يلزم العبد الاتيان بها ولا الاجبار عليها

[ 437 ]

(الثاني) ان الكتابة لحظ العبد دون سيده فكان لازما لمن ألزم نفسه حظ غيره وصاحب الحظ بالخيار فيه كمن ضمن لغيره شيئا أو كفل له أو رهن عنده رهنا (فصل) وإذا حل النجم على المكاتب وماله حاضر عنده طولب به ولم يجز الفسخ قبل الطلب كما لا يجوز فسخ البيع والسلم بمجرد وجوب الدفع قبل الطلب فان طلب منه فذكر انه غائب عن المجلس في ناحية من نواحي البلد أو قريب منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يمكن احضاره قريبا لم يجز فسخ الكتابة وامهل بقدر ما يأتي به إذا طلب الامهال لان هذا يسير لا ضرر فيه وان كان معه مال من غير جنس مال الكتابة فطلب الامهال ليبيعه بجنس مال الكتابة امهل وان كان المال غائبا اكثر من مسافة القصر لم يلزم الامهال وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة ان كان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه استؤني يومين وثلاثة لا ازيده على ذلك لان الثلاثة آخر حد القلة والقرب لما بيناه فيما مضى وما زاد عليها في حد الكثرة وهذا كله قريب بعضه من بعض فأما إذا كان قادرا على الاداء واجدا لما يؤديه فامتنع من أدائه أو قال قد عجزت فقال الشريف ابو جعفر وجماعة من أصحابنا المتأخرين بملك السيد الفسخ وهذا الذي ذكره شيخنا في الكتاب المشروح وظاهر كلام

[ 438 ]

الخرقى وهذا مذهب الشافعي وقال أبو بكر بن جعفر ليس له ذلك ويجبر على تسليم العوض وهو قول أبي حنيفة ومالك والاوزاعي وقد ذكر ذلك في كتاب البيع وفيه رواية اخرى أنه إذا قدر على اداء المال كله أنه يصير حرا بملك ما يؤدي وقد ذكرناها (فصل) فان حل النجم والمكاتب غائب بغير اذن سيده فله الفسخ وان كان غاب باذنه لم يكن له ان يفسخ لانه اذن في السفر المانع من الاداء لكن يرفع الامر إلى الحاكم ليجعل للسيده فسخ الكتابة وان كان قادرا على الاداء طالبه بالخروج إلى البلد الذي فيه السيد ليؤدي مال الكتابة أو يوكل من يفعل ذلك فان فعله في أول حال الامكان عند خروج القافلة ان كان لا يمكنه الخروج الا معها لم يجز الفسخ وان اخره مع الامكان ومضى زمن المسير ثبت للسيد خيار الفسخ وان كان قد جعل للوكيل الفسخ عند امتناع المكاتب من الدفع إليه جاز وله الفسخ إذا ثبتت وكالته ببينة بحيث يأمن المكاتب انكار السيد فان لم يثبت ذلك لم يلزم المكاتب الدفع إليه وكان له عذر يمنع جواز الفسخ لانه لا يأمن ان يسلم إليه فينكر السيد وكالته ويرجع على المكاتب بالمال وسواء صدقه في انه وكيل أو كذبه فان كتب حاكم البلد الذي فيه السيد إلى حاكم البلد الذي فيه المكاتب ليقبض منه المال لم يلزمه ذلك لان هذا توكيل لا يلزم الحاكم الدخول فيه فان الحاكم لا يكلف القبض للبالغ الرشيد فان اختار القبض جرى مجرى الوكيل ومتى قبض منه المال عتق

[ 439 ]

(مسألة) (وليس للعبد فسخها بحال) لانها عقد لازم ومقصودها ثبوت الحرية في العبد وذلك حق لله تعالى فلا يملك العبد فسخه وان كان له فيه حظ وعنه له ذلك لان العقد لحظه فملك فسخه كالمرتهن له فسخ الرهن دون الراهن وان اتفق هو والسيد على فسخها جاز لان الحق لهما فجاز باتفاقهما كفسخ البيع والاجارة (مسألة) (ولو زوج ابنته من مكاتبه ثم مات انفسخ النكاح) إذا زوج السيد ابنته من مكاتبه برضاها ثم مات السيد وكانت من الورثة انفسخ النكاح وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن لا ينفسخ حتى يعجز وبه قال أبو حنيفة لانها لا ترثه وانما تملك نصيبها من الدين الذي عليه بدليل أن الوارث لو ابرأ المكاتب من الدين عتق وكان الولاء للميت لا للوارث فان عجز وعاد رقيقا قلنا انفسخ النكاح حينئذ لانها ملكت نصيبها منه ولنا أن المكاتب مملوك لسيده ولا يعتق بموته فوجب ان ينتقل إلى ورثته كسائر أملاكه ولانها لا يجوز لها ابتداء نكاحه لاجل الملك فانفسخ نكاحها بتجدد ذلك فيه كالعبد القن، وأما كون الولاء للميت فلان السبب وجد منه فنسب العتق إليه وثبت الولاء له إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن ترثه كله أو ترث بعضه لانها إذا ملكت منه جزءا انفسخ النكاح فيه فبطل في باقيه لانه لا ينجز فان كانت لا ترث أباها لمانع من موانع الميراث فنكاحها

[ 440 ]

باق بحاله والحكم في سائر الورثة من النساء كالحكم في البنت وكذلك لو تزوج رجل مكاتبة فورثها أو بعضها انفسخ نكاحه لذلك (مسألة) (ويجب على السيد ان يؤتيه ربع مال الكتابة ان شاء وضعه عنه وان شاء قبضه ثم دفعه إليه) الكلام في الايتاء في خمسة فصول وجوبه وقدوه وجنسه ووقت جوازه ووقت وجوبه (الفصل الاول) انه يجب على السيد إيتاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الشافعي واسحاق وقال بريدة والحسن والنخعي والثوري ومالك وابو حنيفة ليس بواجب لانه عقد معاوضة فلا يجب فيه الايتاء كسائر عقود المعاوضات ولنا قول الله تعالى (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) وظاهر الامر الوجوب قال علي رضي الله عنه: ضعوا عنه ربع مال الكتابة وعن ابن عباس قال ضعوا عنهم مكاتبتهم شيئا وتفارق الكتابة سائر العقود فان القصد بها رفق العبد بخلاف غيرها ولان الكتابة يستحق بها الولاء على العبد مع المعاوضة فكذلك يجب ان يستحق العبد على السيد شيئا فان قيل المراد بالايتاء إعطاؤه سهما من الصدقة والندب إلى التصدق عليه وليس ذلك واجبا بدليل ان العقد يوجب العوض عليه فكيف يقتضي اسقاط شئ منه؟ قلنا أما الاول فان عليا وابن عباس فسراه بما ذكرنا وهما أعلم بتأويل القرآن وحمل

[ 441 ]

الامر على الندب يخالف مقتضى الامر فلا يصار إليه إلا بدليل وقولهم ان العقد يوجب عليه فلا يسقط عنه قلنا إنما يجب الرفق به عند آخر كتابته رفقا به ومواساة له وشكرا لنعمة الله تعالى كما تجب الزكاد مواساة من النعمة التي أنعم الله تعالى بها على عبده ولان العبد ولي جمع هذا المال وتعب فيه فاقتضى الحال مواساته منه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم باطعام عبده من الطعام الذي ولي حره ودخانه واختص هذا بالوجوب لان فيه معونة على العتق واعانة لمن يحق على الله تعالى عونه فان أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاثة حق على الله تعالى عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الاداء والناكح الذي يريد العفاف) قال الترمذي هذا حديث حسن (الفصل الثاني) في قدره وهو الربع ذكره الخرقي وأبو بكر وغيرهما من أصحابنا روي ذلك عن علي وقال قتادة العشر وقال الشافعي وابن المنذر يجزي ما يقع عليه الاسم وهو قول مالك إلا أنه عنده مستحب لقول الله تعالى (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ومن للتبعيض والقليل بعض فيكتفى به وقال ابن عباس ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا ولانه قد ثبت أن المكاتب لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة بما ذكرنا من الاخبار ولو وجب إيتاؤه الربع لوجوب ان يعتق إذا ادى ثلاثة أرباع الكتابة ولا يجب عليه أداء مال يجب رده إليه وقد روي عن ابن عمر انه كاتب عبدا له على خمسة وثلاثين ألفا فأخذ منه ثلاثين وترك له خمسة

[ 442 ]

ولنا ما روي أبو بكر باسناده عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) قال (ربع المكاتبة) وروي موقوفا عن علي ولانه مال يجب إيتاؤه مواساة بالشرع فكان مقدرا كالزكاة ولان حكمة إيجابه الرفق بالمكاتب واعانته على تحصيل العتق وهذا لا يحصل باليسير الذي هو أقل ما يقع عليه الاسم فلم يجز أن يكون هو الواجب وقول الله تعالى (وآتوهم من مال الله) إذا ورد غير مقدر فيه فان السنة بينته وقدرته كالزكاة (الفصل الثالث) في جنسه ان قبض مال الكتابة ثم أعطاه منه أجزأ لان الآية تقتضيه، وان وضع عنه مما وجب عليه جاز لان الصحابة رضي الله عنهم فسروا الآية بذلك ولانه ابلغ في النفع وأعون على حصول العتق فيكون افضل من الايتاء وتدل الآية عليه من طريق التنبية وان أعطاه من جنس مال الكتابة من غيره جاز ويحتمل أن لا يلزم المكاتب قبوله، وهو ظاهر كلام الشافعي لان الله تعالى أمر بالايتاء منه ولنا انه لا فرق في المعنى بين الايتاء منه والايتاء من غيره إذا كان من جنسه فوجب أن يتساويا في الاجزاء كالزكاة وغير المنصوص إذا كان في معناه الحق به ولذلك جاز الحط عنه وليس هو بايتاء لما كان في معناه وان آتاه من غير جنسه مثل أن يكاتبه على دراهم فيعطيه دنانير أو عروضا لم يلزمه قبوله لانه لم يؤته منه ولا من جنسه ويحتمل اللزوم لحصول الرفق به فان رضي المكاتب بها جاز

[ 443 ]

(الفصل الرابع) في وقت جوازه وهو من حين العقد لقول الله تعالى (فكاتبوتهم ان علمتم فيهم خيرا وآتوهم) وذلك يحتاج إليه من حين العقد وكلما عجله كان أفضل لانه يكون أنفع كالزكاة (الفصل الخامس) في وقت وجوبه وهو حين العتق لان الله تعالى أمر بايتائه من المال الذي آتاه وإذا آتى المال عتق فيجب ايتاؤه حينئذ قال علي رضي الله عنه الكتابة على نجمين والايتاء من الثاني فان مات السيد قبل ايتائه فهو دين في تركته لانه حق واجب فهو كسائر ديونه فان ضاقت التركة عنه وعن غيره من الديون تحاصوا في التركة بقدر حقوقهم ويقدم على الوصايا لانه دين وقد قضي النبي صلى الله عليه وسلم ان الدين قبل الوصية (مسألة) (فان أدى ثلاثة أرباع الكتابة وعجز عن الربع عتق ولم تنفسخ الكتابة في قول القاضي وأصحابه) وهو قول ابي بكر لانه يجب رده إليه فلا يرد إلى الرق لعجزه عنه لانه عجز عن اداء حق هو له لا حق للسيد فيه فلا معنى لتعجيزه فيما يجب رده إليه وقال علي رضي الله عنه يعتق بقدر ما أدى لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (إذا أصاب المكاتب حدا وميراثا ورث بحساب ما عتق منه ويؤدى المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية عبد) رواه الترمذي وقال حديث حسن، وروي عن عمر وعلي انه إذا أدى الشطر فلا رق عليه وروي ذلك عن النخعي

[ 444 ]

وقال عبد الله بن مسعود إذا أدى قدر قيمته فهو غريم وظاهر كلام الخرقي انه لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة وروى الاثرم عن عمر وابنه وزيد بن ثابت وعائشة وسعيد بن المسيب والزهري انهم قالوا: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وهو قول القاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء وقتادة والثوري وابن شبرمة ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن أم سلمة لما روى سعيد ثنا هشيم عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أيما رجل كاتب غلامه على مائة أوقية فعجز عن عشر أواق فهو رقيق) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) رواه أبو داود ولانه عوض عن المكاتب فلا يعتق قبل ادائه كالقدر المتفق عليه ولانه لو عتق بعضه لسرى إلى باقيه كما لو باشره بالعتق فأما حديث ابن عباس فمحمول على مكاتب لرجل مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بكتابته وأنكر الآخر فأدى إلى المقر وما أشبهها من الصور جمعا بين الاخبار وتوفيقا بينها وبين القياس، ولان قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كان لاحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) دليل على اعتبار جميع ما يؤدي وروى سعيد باسناده عن ابي قلابة قال: كن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من

[ 445 ]

ما بقي عليه دينار ويجوز ان يتوقف العتق على اداء الجميع وإن وجب رد البعض إليه كما لو قال ااذا أديت إلي فانت حر ولله علي رد ربعها اليك فانه لا يعتق حتى يؤديها وإن وجب عليه رد بعضها (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وإذا كاتب عبيدا له كتابة واحدة بعوض واحد صح) مثل أن يكاتب ثلاثة أعبد له بالف فيصح في قول اكثر أهل العلم منهم عطاء وسليمان بن موسى وابو حنيفة ومالك والحسن بن صالح واسحاق وهو المنصوص عن الشافعي وقال بعض أصحابه فيه قول آخر أنه لا يصح لان العقد مع ثلاثة كعقود ثلاثة عوض كل واحد منهم مجهول فلم يصح كما لو باع كل واحد منهم لواحد صفقة واحدة بعوض واحد ولنا أن جملة العوض معلومة وانما جهل تفصيله فلم يمنع صحة العقد كما لو باعهم لواحد وعلى قول من قال إن العوض يكون بينهم على السواء فقد علم أيضا تفصيل العوض وعلى كل واحد منهم ثلث وكذا يقول فيما لو باعهم لثلاثة إذا ثبت هذا فكل واحد منهم مكاتب بحصته من الالف يقسم بينهم على قدر قيمتهم حين العقد لانه حين المعاوضة وزوال سلطان السيد عنهم فإذا أداه عتق، وهذا قول عطاء وسليمان بن موسى والحسن بن صالح والشافعي واسحاق وقال أبو بكر عبد العزيز يتوجه لابي

[ 446 ]

عبد الله قول آخر أن العوض بينهم على عدد رؤوسهم فيتساوون فيه لانه أضيف إليهم اضافة واحدة فكان بينهم بالسوية كما لو أقر لهم بشئ ولنا ان هذا عوض فيتقسط على المعوض كما لو اشترى شقصا وسيفا وكما لو اشترى عبيدا فرد واحدا منهم بعيب أو تلف أحدهم ورد الآخر ويخالف الاقرار فانه ليس بعوض إذا ثبت هذا فأيهم أدى حصته عتق وهذا قول الشافعي وقال ابن أبي موسى لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع الكتابة وحكي ذلك عن أبي بكر وهو قول مالك وحكي عنه أنه إذ امتنع أحدهم من الكسب مع القدرة عليه أجبر عليه الباقون واحتجوا بان الكتابة واحدة بدليل أنه لا يصح من كل واحد منهم الكتابة بقدر حصته دون الباقين ولا يحصل العتق إلا باداء جميع الكتابة كما لو كان المكاتب واحدا وقال أبو حنيفة ان لم يقل لهم السيد ان اديتم عتقتم فايهم أدى بحصته عتق وان ادوا جميعها عتقوا كلهم ولم يرجع على صاحبه بشئ وان قال لهم ان اديتم عتقتم لم يعتق واحد منهم حتى يؤدي الكتابة كلها ويكون بعضهم حميلا عن بعض ويأخذ ايهم شاء بالمال وايهم أداها عتقوا كلهم ويرجع على صاحبيه بحصتهما ولنا أنه عقد معاوضة مع ثلاثة فيبرأ كل واحد منهم باداء حصته كما لو اشتروا عبيدا وكما لو لم يقل لهم ان اديتم عتقتم على أبي حنيفة فان قوله ذلك لا يؤثر لان استحقاق العتق باداء العوض لا بهذا القول بدليل أنه يعتق بالاداء بدون هذا القول ولم يثبت كون هذا القول مانعا من العتق وقوله ان

[ 447 ]

هذا العقد كتابة واحدة ممنوع فان العقد مع جماعة عقود بدليل البيع ولا يصح القياس على كتابة الواحد لان ما قدره في مقابلة عتقه وههنا في مقابلة عتقه ما يخصه فافترقا إذا ثبت هذا فانه ان شرط عليهم في العقد ان كان واحد منهم ضامن عن الباقين فسد الشرط والعقد صحيح وقال ابو الخطاب فيه رواية اخرى ان الشرط صحيح وخرجه ابن حامد وجها بناء على الروايتين في ضمان الحر لمال الكتابة وقال الشافعي العقد والشرط فاسدان لان الشرط فاسد ولا يمكن تصحيح العقد بدونه لان السيد انما رضي بالعقد بهذا الشرط فإذا لم يثبت لم يكن راضيا بالعقد وقال مالك وأبو حنيفة العقد والشرط صحيحان لانه من مقتضى العقد عندهما ولنا ان مال الكتابة ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم فلم يصح ضمانه كما لو جعل المال صفة مجردة في العتق فقال ان اديت الي الفا فانت حر ولان الضامن لا يلزمه أكثر من المضمون عنه ومال الكتابة لا يلزم المكاتب فلا يلزم الضامن ولان الضمان تبرع وليس للمكاتب التبرع ولان لا يملك الضمان عن حر ولا عمن ليس معه في الكتابة فكذلك من معه وأما العقد فصحيح بدليل ان الكتابة لا تفسد بفساد الشرط بدليل خبر بريرة (فصل) إذا مات بعض المكاتبين سقط قدر حصته نص عليه أحمد في رواية حنبل وكذلك ان اعتق بعضهم وعن مالك ان اعتق السيد أحدهم وكان مكتسبا نفذ عتقه لعدم الضرر فيه وهذا مبني على أنه لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع مال الكتابة وقد مضى الكلام فيه

[ 448 ]

(فصل) فان أدى احد المكاتبين عن صاحبه أو عن مكاتب آخر قبل اداء ما عليه بغير علم سيده لم يصح لان هذا تبرع وليس له التبرع بغير اذن سيده فان كان قد حل نجم صرف ذلك فيه وان لم يكن حل عليه نجم فله الرجوع فيه وان علم السيد بذلك ورضي بقبضه عن الآخر صح لان قبضه له راضيا مع العلم دليل على الاذن فيه فجاز كما لو اذن فيه صريحا وان كان الاداء بعد ان عتق صح سواء علم السيد أو لم يعلم فإذا أراد الرجوع على صاحبه بما أدى عنه وكان قد قصد التبرع عليه لم يرجع به وان اداه محتسبا بالرجوع عليه باذن المؤدى عنه رجع عليه لانه قرض وان كان بغير اذنه لم يرجع عليه لانه تبرع عليه باداء ما لا يلزمه اداؤه بغير اذنه فلم يرجع عليه كما لو تصدق عنه صدقة تطوع وبهذا فارق سائر الديون وان كان باذنه وطلب استيفاءه قدم على اداء مال الكتابة كسائر الديون وان عجز عن أدائه فحكمه حكم سائر الديون وهذا كله مذهب الشافعي (مسألة) (وان اختلفوا بعد الاداء في قدر ما أدى كل واحد منهم فالقول قول من يدعي أداء قدر الواجب عليه) وهذا إذا ادوا وعتقوا فقال من كثرت قيمته ادينا على قدر قيمنا وقال الآخر بل ادينا على السواء فبقيت لنا على الاكثر بقيمة فمن جعل العوض بينهم على عددهم قال القول قول من يدعي التسوية ومن جعل على كل واحد قدر حصته فعنده فيه وجهان (أحدهما) القول قول من يدعي

[ 449 ]

التسوية لان ايديهم على المال فيتساوون فيه (والثاني) قول من يدعي أداء قدر الواجب عليه لان الظاهران الانسان لا يؤدي الا ما عليه (فصل) فان جنى بعضهم فجنايته عليه دون صاحبه وبهذا قال الشافعي وقال مالك يؤدون كلهم ارشه فان عجزوا رقوا ولنا قول الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجني جان إلا على نفسه) ولانه لو اشترك رجلان وتعاقدا لم يحمل أحدهما جناية صاحبه فكذا ههنا ولان ما لا يصح لا يتضمنه عقد الكتابة ولا يجب على أحدهما بفعل الاخر كالقصاص وقد بينا ان كل واحد منهما مكاتب بقدر حصته فهو كالمنفرد بعقده (فصل) إذا شرط المكاتب في كتابته ان يوالي من شاء فالشرط بالطل والولاء لمن أعتق لا نعلم في بطلان الشرط خلافا لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كانت في بريرة ثلاث قضيات اراد أهلها ان يبيعوها ويشترطوا الولاة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال (اشتريها واشترطي لهم الولاء فانما الولاء لمن أعتق) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وانثى عليه ثم قال (أما بعد

[ 450 ]

فما بال اناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط، قضاء الله احق وشرط الله اوثق انما الولاء لمن اعتق) متفق عليه ولان الولاء لا يصح نقله بدليل ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته وقال (انما الولاء لمن اعتق) ولانه لحمة كلحمة النسب فلم يصح اشتراطه لغير صاحبه كالقرابة ولانه حكم العتق فلم يصح اشتراطه لغير المعتق كما لا يصح اشتراط حكم النكاح لغير الناكح ولا حكم البيع لغير العاقد وسواء شرط ان يوالي من شاء أو شرط لبائعه أو لرجل آخر بعينه ولا تفسد الكتابة بهذا الشرط نص عليه أحمد وقال الشافعي تفسد به كما لو شرط عوضا مجهولا ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على الشروط الفاسدة في البيع ولنا حديث بريرة فان أهلها شرطوا لهم الولاء فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشرائها مع هذا الشرط وقال (انما الولاء لمن أعتق) ويفارق جهالة العوض فانه ركن العقد لا يمكن تصحيح العقد الا به وربما افضت جهالته إلى التنازع والاختلاف وهذا شرط زائد فإذا حذفناه بقي العقد صحيحا بحاله فان قيل المراد بقوله عليه السلام (اشترطي لهم الولاء) أي عليهم لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالشرط الفاسد واللام تستعمل بمعنى على كقوله تعالى (وان أسأتم فلها) قلنا لا يصح لثلاث وجوه (أحدها) أنه مخالف وضع اللفظ والاستعمال (والثاني) ان أهل بريرة أبو هذا الشرط فكيف يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بشرط لا يقبلونه؟

[ 451 ]

(الثالث) ان ثبوت الولاء لها لا يحتاج إلى شرط لانه مقتضى العتق وحكمه ولان في بعض الالفاظ (لا يمنعنك هذا الشرط منها، ابتاعي واعتقي) وانما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرط تعريفا لنا ان وجود هذا الشرط كعدمه وانه لا ينقل الولاء عن المعتق (فصل) فان شرط السيد على المكاتب ان يرثه دون ورثته أو مزاحمتهم في مواريثهم فهو شرط فاسد في قول عامة العلماء منهم الحسن وعطاء وشريح وعمر بن عبد العزيز والنخعي واسحاق واجاز اياس بن معاوية ان يشرط شيئا من ميراثه ولا يصح لانه يخالف كتاب الله وكل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وروى سعيد ثنا هشيم عن منصور عن ابن سيرين باسناده أن رجلا كاتب مملوكه واشترط ميراثه فلما مات المكاتب خاصم ورثته إلى شريح فقضى شريح بميراث المكاتب لورثته فقال الرجل ما يغني شرطي منذ عشرين سنة؟ فقال شريح كتاب الله أنزله على نبيه قبل شرطك بخمسين سنة ولا تفسد الكتابة بهذا الشرط كالذي قبله (فصل) فان شرط عليه خدمة معلومة بعد العتق جاز وبه قال عطاء وابن شبرمة وقال مالك والزهري لا يصح لانه ينافي مقتضى العقد أشبه ما لو شرط ميراثه ولنا أنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه أعتق كل من يصلي من سبي العرب وشرط عليهم: أن تخدمو الخليفة من بعدي ثلاث سنوات ولانه اشترط خدمة في عقد الكتابة أشبه ما لو شرطها قبل

[ 452 ]

العتق ولانه شرط نفعا معلوما أشبه ما لو شرط عوضا معلوما ولا نسلم ان ينافي مقتضى العقد فان مقتضاه العتق عند الاداء وهذا لا ينافيه (فصل) إذا كاتبه على الفين في رأس كل شهر الف وشرط أن يعتق عند أداء الاول صح في قياس المذهب ويعتق عند أدائه لان السيد لو أعتقه بغير أداء شئ صح فكذلك إذا أعتقه عند أذاء البعض ويبقى الآخر دينا عليه بعد عتقه كما لو باعه نفسه به (مسألة) وتجوز كتابة بعض عبده فإذا أدى عتق كله قاله أبو بكر) لانها معاوضة فصحت في بعضه كالبيع فإذا أدى جميع كتابته عتق كله لانه إذا سرى العتق فيه إلى ملك غيره فالى ملكه أولى ويجب أن يؤدي إلى سيده مثلي كتابته لان نصف كسبه يستحقه سيده بما فيه من الرق ونصفه يؤدى في الكتابة إلا أن يرضى سيده بتأدية الجميع في الكتابة فيصح وإذا استوفى المال كله عتق نصفه بالكتابة وباقيه بالسراية (مسألة) وتجوز كتابة حصته من العبد المشترك بغير إذن شريكه) إذا كان لرجل نصف عبد فكاتبه صح سواء كان باقيه حرا أو مملوكا لغيره وسواء أذن الشريك أو لم يأذن وهذا ظاهر قول الخرقي وأبي بكر وهو قول الحكم وابن أبي ليلى وحكي عن الحسن البصري والحسن بن صالح ومالك والعنبري وكره الثوري وحماد كتابته بغير إذن شريكه، وقال

[ 453 ]

الثوري ان فعل رددته إلا أن يكون بعده فيضمن لشريكه نصف ما في يده وقال أبو حنيفة يصح باذن الشريك ولا يصح بغير إذنه وهو أحد قولي الشافعي إلا أن أبا حنيفة قال الاذن في ذلك اذن في تأدية مال الكتابة من جميع كسبه ولا يرجع الاذن بشئ منه، وقال ابو يوسف ومحمد يكون جميعه مكاتبا، وقال الشافعي في أحد قوليه ان كان باقيه حرا صحت كتابته وان كان ملكا لم يصح سواء أذن فيه الشريك أم لم يأذن لان كتابته تقتضي اطلاقه في الكسب والسفر وملك نصفه يمنع ذلك ويمنعه أخذ نصيبه من الصدقات لئلا يصير كسبا فيستحق سيده نصفه ولانه إذا أدى عتق جميعه فيفضي إلى أن يؤدي نصف كتابته ثم يعتق جميعه ولنا أنه عقد معاوضة على نصيبه فصح كبيعه ولانه ملك لم يصح بيعه وهبته فصحت كتابته كما لو ملك جميعه ولانه ينفذ اعتاقه فصحت كتابته كالعبد الكامل وكما لو كان باقيه حرا عند الشافعي أو أذن فيه الشريك عند الباقين وقولهم إنه يقتضي المسافرة والكسب واخذ الصدقة قلنا أما المسافرة فليست من المقتضيات الاصلية فوجود مانع منها لا يمنع اصل العقد، وأما الكسب وأخذ الصدقة فانه لا يمنع كسبه واخذه الصدقة بجزئه المكاتب ولا يستحق الشريك شيئا منه لانه انما يستحق ذلك بالجزء المكاتب ولا حق للشريك فيه فكذلك ما حصل به كما لو ورث شيئا بجزئه الحر، وأما الكسب فان هايأه مالك نصفه فكسب في نوبته شيئا لم يشاركه فيه أيضا وان لم يهايئه فكسب

[ 454 ]

بجملته شيئا كان بينهما له بقدر ما فيه من الجزء المكاتب ولسيده الباقي لانه كسبه بجزئه المملوك فيه فأشبه ما لو كسب قبل كتابته فقسم بين سيديه وقولهم انه يفضي إلى ان يؤدي بعض الكتابة فيعتق جميعه قلنا يبطل هذا بما لو علق عتق نصيبه على اداء مال فانه يؤدي عوض البعض ويعتق الجميع على انا نقول لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة فان جميع الكتابة هو الذي كاتبه عليه مالك نصفه ولم يبق منها شئ فلا يعتق حتى يؤدي جميعها ولانه لا يعتق الجميع بالاداء وانما يعتق الجزء المكاتب لا غير وباقيه ان كان المكاتب معسرا لم يعتق وان كان موسرا عتق بالسراية لا بالكتابة ولا يمتنع هذا كما لو اعتق بعضه عتق جميعه وإذا جاز عتق جميعه باعتاق بعضه بطريق السراية جاز ذلك فيما يجرى مجرى العتق (مسألة) (وإذا أدى ما كوتب عليه ومثله لسيده الآخر عتق كله ان كان الذي كاتبه موسرا وعليه قيمة حصة شريكه) وجملة ذلك ان احد الشريكين إذا كاتب نصيبه لم تسر الكتابة ولم يتعد الجزء الحر الذي كاتبه لان الكتابة عقد معاوضة فلم تسر كالبيع وليس للعبد ان يؤدي إلى مكاتبه شيئا حتى يؤدي إلى شريكه مثله سواء اذن الشريك في كتابته أو لم يأذن لانه انما اذن في كتابة نصيب شريكه وذلك يقتضي ان يكون نصيبه باقيا له هذا إذا كان الكسب لجميعه فان ادى الكتابة من جميع كسبه لم

[ 455 ]

يعتق لان الكتابة الصحيحة تقتضي العتق ببراءته من العوض وذلك لا يحصل بدفع ما ليس له وان ادى اليهما جميعا عتق كله لان نصفه يعتق بالاداء فإذا عتق سرى إلى سائره ان كان الذي كاتبه موسرا وتلزمه قيمة نصيب شريكه لان عتقه بسبب من جهته أشبه ما لو باشره بالعتق أو علق عتق نصيبه بصفة فعتق بها فأما ان ملك شيئا بجزئه المكاتب كمن هايأه سيده فكسب شيئا في نوبته أو أعطي من الصدقة من سهم الرقاب فلا حق لسيده فيه وله أداء جميعه في كتابته لانه يستحق ذلك بما فيه من الكتابة فأشبه النصف الباقي بعد اعطاء الشريك حقه ولو كان ثلثه حرا وثلثه مكاتبا وثلثه رقيقا فورث بجزئه الحر ميراثا وأخذ بجزئه المكاتب من سهم الرقاب فله دفع ذلك كله في كتابته لانه ما استحق بجزئه الرقيق شيئا منه فلا يستحق مالكه منه شيئا وإذا أدى جميع كتابته عتق فان كان الذي كاتبه معسرا لم يسر العتق ولم يتعد نصيبه كما إذا واجهه بالعتق إلا على الرواية التي نقول فيها بالاستسعاء فانه يستسعى في نصيب الذي لم يكاتب وان كان موسرا سرى إلى باقيه (مسألة) (وان أعتق الشريك قبل أدائه عتق عليه كله إن كان موسرا وعليه قيمة نصيب المكاتب وقال أبو بكر والقاضي لا يسري إلى النصف المكاتب) لانه قد انعقد للمكاتب سبب الولاء فلا يجوز ابطاله الا أن يعجز فيقوم عليه حينئذ، وقال ابن أبي ليلى عتق الشريك موقوف حتى تنظر ما يصنع في الكتابة فان أداها عتق وكان المكاتب

[ 456 ]

ضامنا لقيمة نصيب شريكه وولاؤه كله للمكاتب وان عجز سرى عتق الشريك وضمن نصف القيمة للمكاتب وولاؤه كله له وأما الشافعي فلا يجوز كتابته الا باذن شريكه في أحد قوليه فان كاتبه باذن شريكه فأعتق الذي لم يكاتب فهل يسري في الحال أو يقف على العجز؟ فيه قولان ولنا أنه عتق لجزء من العبد من موسر غير محجور عليه فسرى إلى باقيه كالقن وقولهم انه يفضي إلى ابطال الولاء قلنا إذا كان العتق يؤثر في ابطال الملك الثابت الذي الولاء من بعض آثاره فلان يؤثر في نقل الولاء بمفرده أولى ولانه لو أعتق عبدا له اولاد من معتقة قوم نقل ولاءهم إليه فإذا نقل ولاءهم الثابت باعتاق غيرهم فلان ينقل ولاء لم يثبت بعد باعتاق من عليه الولاء أولى ولانه نقل الولاء عمن لم يغرم له عوضا فلان ينقله بالعوض اولى فانتقال الولاء في موضع جر الولاء ينبه على سراية العتق وانتقال الولاء إلى المعتق لكونه أولى من ثلاثة أوجه (أحدها) أن الولاء ثم ثابت وهذا بعرض الثبوت (الثاني) أن النقل حصل ثم يا عتاق غيره وههنا باعتاقه (الثالث) أنه انتقل بغير عوض وههنا بعوض (فصل) وإن كان المعتق معسرا لم يسر عتقه وكان نصيبه حرا وباقيه على الكتابة فان ادى عتق عليهما وكان ولاؤه بينهما وان عجز عاد الجزء المكاتب رقيقا قنا إلا على الرواية التي تقول يستسعى العبد فانه يستعى عند عجزه في قيمة باقيه ولا يستسعى في حال الكتابة لان الكتابة سعاية فيما اتفقا

[ 457 ]

عليه فاستغني بها عن السعاية فيما يحتاج إلى التقويم فإذا عجز وفسخت الكتابة بطلت ورجع إلى السعاية في القيمة وحديث ابن عمر حجة لما ذهبنا اله وهو ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اعتق شركا له في عبد فان كان معه ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة العدل واعطي شركاؤه حصصهم وعتق جميع العبد والا فقد عتق منه ما عتق) متفق عليه ورواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر وهذا الحديث حجة على من خالفه وهذا قول الخرقي والله تعالى أعلم (مسألة) (وإن كاتبا عبدهما جاز سواء كان على التساوي أو التفاضل ولا يجوز أن يؤدي اليهما إلا على التساوي) إذا كان العبد لرجلين فكاتباه معا سواء تساويا في العوض أو اختلفا فيه وسواء اتفق نصيباهما فيه أو اختلفا وسواء كان في عقد واحد أو عقدين صح وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يجوز أن يتفاضلا في المال مع التساوي في الملك ولا التساوي في المال مع التفاضل في الملك لان ذلك يؤدى إلى أن ينتفع أحدهما بمال الآخر لانه إذا دفع إلى أحدهما أكثر من قدر ملكه ثم عجز رجع عليه الآخر بذلك

[ 458 ]

ولنا أن كل واحد منهما يعقد على نصيبه عقد معاوضة فجاز أن يختلفا في العوض كالبيع وما ذكره لا يلزم لان انتفاع أحدهما بمال الآخر انما يكون عند العجز وليس ذلك من مقتضيات العقد وانما يكون عند زواله فلا يضر ولانه انما يؤدي اليهما على التساوي فإذا عجز قسم ما كسبه بينهما على قدر الملكين فلم يكن أحدهما منتفعا الا بما يقابل ملكه وعاد الامر بعد زوال الكتابة إلى حكم الرق كأنه لم يزل فان قيل فالتساوي في الملك يقتضي التساوي في أدائه اليهما ويلزم منه وفاء كتابة أحدهما قبل الآخر فيعتق نصيبه ويسري إلى نصيب صاحبه ويرجع الآخر عليه بنصف قيمته قلنا يمكن أداء كتابته اليهما دفعة واحدة فيعتق عليهما ويمكن ان يكاتب أحدهما على مائة في نجمين في كل نجم خمسون ويكاتب الآخر على مائتين في نجمين في الاول خمسون وفي الثاني مائة وخمسون فيكون وقتهما واحدا فيؤدي إلى كل واحد منهما حقه على أن أصحابنا قد قالوا لا يسري العتق إلى نصيب الآخر ما دام مكاتبا فلا يفضي إلى ما ذكروه وان قدر افضاؤه إليه فلا مانع فيه من صحة الكتابة فانه لا يخل بمقصود الكتابة وهو العتق بها ويكون سراية العتق من غير ضرر بأن يكاتبه على مثلي قيمته فإذا عتق عليه غرم لشريكه نصف قيمته وسلم إليه باقي المال وحصل له ولاء العبد ولا ضرر في هذا ثم لو كان فيه ضرر لكنه قد رضي به حين كتابته على أقل مما كاتبه به شريكه والضرر المرضي به من جهة المضرور لا عبرة به كما لو باشره بالعتق أو أبرأه من مال الكتابة فانه يعتق عليه ويسري عتقه ويغرم لشريكه وهو جائز فهذا أولى بالجواز

[ 459 ]

(فصل) ولا يجوز ان يختلفا في التنجيم ولا ان يكون لاحدهما في النجوم قبل النجم الآخير أكثر من الاخر في أحد الوجهين لانه لا يجوز ان يؤدي اليهما إلا على السواء ولا يجوز تقديم أحدهما بالوفاء على الآخر واختلافهما في ميقات النجوم وقدر المؤدى يفضي إلى ذلك (والثاني) يجوز لانه يمكن ان يعجل لمن تأخر نجمه قبل محله ويعطي من قل نجمه أكثر من الواجب له ويمكن ان يأذن له أحدهما في الدفع إلى الآخر قبله أو أكثر منه ويمكن ان ينظره من حل نجمه أو يرضى من له الكثير بأخذ دون حقه وإذا أمكن افضاء العقد إلى مقصوده فلا يبطله باحتمال عدم الافضاء إليه (فصل) وليس للمكاتب ان يؤدي إلى احدهما أكثر من الآخر ولا يقدم أحدهما على الآخر ذكره القاضي وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي قال شيخنا لا أعلم فيه خلافا لانهما سواء فيه فيستويان في كسبه وحقهما متعلق بما في يده تعلقا واحدا فلم يكن له ان يخص احدهما بشئ منه دون الاخر ولانه ربما عجز فيعود إلى الرق ويتساويان في كسبه فيرجع احدهما على الآخر بما في يده من الفضل بعد انتفاعه به مدة فان قبض احدهما دون الآخر شيئا لم يصح القبض وللاخر ان يأخذ منه حصته إذا لم يكن اذن في القبض فان اذن فيه ففيه وجهان ذكرهما أبو بكر (أحدهما) يصح لان المنع لحقه فجاز باذنه كما لو اذن المرتهن للراهن في التصرف فيه أو اذن المشتري للبائع في قبض المبيع قبل أن يوفيه

[ 460 ]

ثمنه أو اذنا للمكاتب في التبرع ولانهما لو اذنا له في الصدقة بشئ صح قبض المصدق عليه له كذلك ههنا (والثاني) لا يجوز وهو اختيار أبي بكر ومذهب ابي حنيفة وأحد قولي الشافعي واختيار المزني لان ما في يد المكاتب ملك له فلا ينفذ اذن غيره فيه وانما حق سيده في ذمته والاول أصح ان شاء الله تعالى لان الحق لهم لا يخرج عنهم فإذا اتفقوا على شئ فلا وجه للمنع وقولهم إنه ملك للمكاتب تعليق على العلة ضد ما تقتضيه لان كونه ملكا له يقتضي جواز تصرفه فيه على حسب اختياره وانما المنع لتعلق حق سيده به فإذا اذن زال المانع فصح التقبيض لوجود مقتضيه وخلوه من المانع ثم يبطل بما ذكرنا من المسائل فعلى هذا الوجه إذا دفع إلى احدهما مال الكتابة باذن صاحبه عتق نصيبه من المكاتب لانه استوفى حقه ويسري العتق إلى باقيه ان كان موسرا وعليه قيمة حصة شريكه لان عتقه بسببه وهذا قول الخرقي ويضمنه في الحال بنصف قيمته مكاتبا مبقى على ما بقي من كتابته وولاؤه كله له وما في يده من المال للذي لم بقبض منه بقدر ما قبضه صاحبه والباقي بين العبد وبين سيده الذي عتق عليه لان نصفه عتق بالكتابة ونصفه بالسراية فحصة ما عتق بالكتابة للعبد وحصة ما عتق بالسراية للسيد وعلى ما اختاره شيخنا يكون الباقي كله للعبد لان الكسب كان ملكا له فلا يزول ملكه عنه بعتقه كما لو عتق بالاداء وقال أبو بكر والقاضي لا يسري العتق في الحال وانما يسري عند عجزه فعلى قولهما يكون باقيا على الكتابة فان ادى إلى الاخر عتق عليهما وولاؤه لهما

[ 461 ]

وما يبقى في يده من كسبه فهو له وان عجز وفسخت الكتابة قوم على الذي ادى إليه وكان ولاؤه كله له وتنفسخ الكتابة في نصفه، وان مات فقد مات ونصفه حر ونصفه رقيق ولسيده الذي لم يعتق نصيبه ان يأخذ مما خلفه مثلما أخذه شريكه من مال الكتابة وله نصف ما يبقى والباقي لورثة العبد فان لم يكن له وارث من نسبه فهو للذي أدى إليه بالولاء وان قلنا لا يصح القبض فما أخذه القابض بينه ويين شريكه ولا تعتق حصته من المكاتب لانه لم يستوف عوضه ولغير القابض مطالبة القابض بنصيبه مما قبضه كما لو قبض بغير اذنه وان لم يرجع غير القابض بنصيبه حتى أدى المكاتب إليه كتابته صح وعتق عليهما جميعا، وان مات العبد قبل استيفاء الاخر حقه فقد مات عبدا ويستوفي الذي لم يقبض من كسبه بقدر ما أخذ صاحبه والباقي بينهما قال أحمد في رواية ابن منصور في عبد بين رجلين كاتباه فأدى إلى أحدهما كتابته ثم مات وهو يسعى للآخر لمن ميراثه؟ قال أحمد كل ما كسب العبد في كتابته فهو بينهما ويرجع هذا على الآخر بنصيبه مما أخذ وميراثه بينهما قال ابن منصور: قال اسحاق بن راهويه كما قال (فصل) عجز مكاتبهما فلهما الفسخ والامضاء فان فسخا جميعا أو امضيا الكتابة جاز ما اتفقا عليه وان فسخ احدهما وأمضى الاخر جاز وعاد نصفه رقيقا قنا ونصفه مكاتبا وقال القاضي تنفسخ الكتابة في جميعه وهو مذهب الشافعي لان الكتابة لو بقيت في نصفه لعاد ملك الذي فسخ الكتابة إليه ناقصا

[ 462 ]

ولنا أنها كتابة عن ملك أحدهما فلم تنفسخ بفسخ الاخر كما لو انفرد بكتابته ولانهما عقدان مفردان فلم ينفسخ احدهما بفسخ الاخر كالبيع وما حصل من القبض لا يمنع لانه إنما حصل ضمنا لتصرف الشريك في نصيبه فإذا لم يمنع العقد في ابتدائه فلان لا يبطله في دوامه أولى ولان ضرره حصل بعقده وفسخه فلا يزال بفسخ عقد غيره ولان في فسخ الكتابة ضررا بالمكاتب وسيده وليس دفع الضرر عن الشريك الذي فسخ بأولى من دفع الضرر عن الذي لم يفسخ لوجوه ثلاثة (احدهما) ان ضرر الذي فسخ حصل ضمنا لبقاء عقد شريكه في ملك نفسه وضرر شريكه يزول بزوال عقده وفسخ تصرفه في ملكه (الثاني) ان ضرر الذي فسخ لم يعتبره الشرع في موضع ولا أصل لما ذكروه من الحكم ولا يعرف له نظير فيكون بمنزلة المصالح المرسلة التي وقع الاجماع على اطراحها وضرر شريكه بفسخ عقده معتبر في سائر عقوده من بيعه وهتبه وغير ذلك فيكون أولى (الثالث) ان ضرر الفسخ يتعدى إلى المكاتب فيكون ضررا باثنين وضرر الفاسخ لا يتعداه، ثم لو قدر تساوي الضررين لوجب ابقاء الحكم على ما كان عليه ولا يجوز احداث الفسخ من غير دليل راجح (فصل) وإذا عجز المكاتب ورد في الرق وكان في يده مال فهو لسيده سواء كان من كسبه أو صدقة تطوع أو وصية وما كان من صدقة مفروضة ففيه روايتان (احداهما) هو لسيده وهو قول

[ 463 ]

أبي حنيفة وقال عطاء يجعله في السبيل أحب إلي وإن أمسكه فلا بأس (والرواية الثانية) يؤخذ ما بقي في يده فيجعل في المكاتبين نقلها حنبل وهو قول شريح والنخعي والثوري واختار أبو بكر والقاضي انه يرد إلى أربابه وهو قول إسحاق لانه انما دفع إليه ليصرف في العتق فإذا لم يصرف فيه وجب رده كالعازي والغارم وابن السبيل ووجه الرواية الاولى ان ابن عمر رد مكاتبا في الرق فأمسك ما أخذه منه ولانه يأخذ لحاجته فلم يرد ما أخذه كالفقير والمسكين، وأما الغازي فانه يأخذ لحاجتنا إليه بقدر ما يكفيه لغزوه. فأما الغارم فان غرم لاصلاح ذات البين فهو كالغازي يأخذ لحاجتنا إليه وإن غرم لمصلحة نسفه فهو كمسئلتنا لا يرده (فصل) فأما ما أداه إلى سيده قبل عجزه فلا يجب رده بحال لان المكاتب صرفه في الجهة التي أخذه لها وثبت ملك سيده عليه ملكا مستقرا فلم يزل ملكه عنه كما لو عتق المكاتب ويفارق ما في يد المكاتب فان ملك سيده لم يثبت عليه قبل هذا والخلاف في ابتداء ثبوته وما تلف في يد المكاتب لم يرجع به عليه سواء عجز أو أدى لان ماله تلف في يده اشبه ما لو تلف في يد سائر أصناف الصدقة وإن اشترى به عرضا وعجز والعرض في يده ففيه من الخلاف مثل ما لو وجده بعينه لان العرض عوضه وقائم مقامه فأشبه ما لو أعطى الغازي من الصدقة ما اشترى به فرسا وسلاحا ثم فضل عن حاجته (فصل) وموت المكاتب قبل الاداء كعجزه فيما ذكرنا لان سيده يأخذ ما في يده قبل حصول

[ 464 ]

مقصود الكتابة وإن أدى وبقي في يده شئ فحكمه في رده واخذه حكم سيده في ذلك عند عجزه لانه مال لم يؤده في كتابته بقي بعد زوالها، فان كان قد استدان ما أداه في الكتابة وبقي عنده من الصدقة ما يقضي به دينه لم يلزمه رده لانه محتاج إليه بسبب الكتابة فاشبه ما يحتاج إليه في ادائها (فصل) إذا قال السيد لمكاتبه متى عجزت بعد موتي فأنت حر فهذا تعليق للحرية على صفة تحدت بعد الموت وفيه اختلاف ذكرناه، فان قلنا لا يصح فلا كلام وإن قلنا يصح فمتى عجز بعد الموت صار حرا بالصفة، فان ادعى العجز قبل حلول النجم لم يعتق لانه لم يجب عليه شئ يعجز عنه. وإن كان بعد حلوله ومعه ما يؤديه لم يقبل قوله لانه غير عاجز وإن لم يكن معه مال ظاهر فصدقه الورثة عتق وإن كذبوه فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم المال وعجزه فإذا حلف عتق وإذا عتق بهذه الصفة كان ما في يده له إن لم تكن كتابته فسخت لان العجز لا تنفسخ به الكتابة وانما يثبت به استحقاق الفسخ والحرية تحصل به بأول وجوده فتكون الحرية قد حصلت له في حال كتابته فيكون ما في يده له كما لو عتق بالابراء من مال الكتابة ومقتضى قول بعض اصحابنا أن كتابته تبطل ويكون ما في يده لورثة سيده (فصل) إذا كاتب عبدا في صحته ثم اعتقه في مرض موته أو أبرأه من مال الكتابة فان كان يخرج من ثلثه الاقل من قيمته أو مال كتابته عتق مثل أن يكون له سوى المكاتب مائتان وقيمة

[ 465 ]

المكاتب مائة ومال الكتابة مائة وخمسة فانا نعتير قيمته دون مال الكتابة وهي تخرج من الثلث وإن كان بالعكس اعتبرنا مال الكتابة ونفذ العتق ويعتبر الباقي من مال الكتابة دون ما أدي منها وانما اعتبرنا الاقل لان قيمته إن كانت أقل فهي قيمة ما اتلف بالاعتاق ومال الكتابة ما استقر عليه فان للعبد إسقاطه بتعجيز نفسه أو يمتنع من ادائه فلا يجبر عليه فلم يحتسب له به وإن كان عوض الكتابة أقل اعتبرناه لانه يعتق بأدائه ولا يستحق السيد عليه سواه وقد ضعف ملكه فيه وصار عوضه وإن كان كل واحد منهما لا يخرج من الثلث مثل أن يكون ماله سوى المكاتب مائة فانا نضم الاقل من قيمته أو مال الكتابة ونعمل بحسابه قيعتق منه ثلثاه ويبقى ثلثه بثلث مال الكتابة فان أداه عتق وإلا رق منه ثلثه ويحتمل أنه إذا كان مال الكتابة مائة وخمسين فيفي ثلثه بخمسين فأداها أن نقول قد زاد مال الميت لانه حسب على الورثة بمائة وحصل لهم ثلثه خمسون فقد زاد مال الميت فينبغي أن يزيد ما يعتق منه لان هذا المال يحصل لهم بعقد السيد والارث عنه ويجب أن يكون المعتبر من مال الكتابة ثلاثة أرباعه لان ربعه يجب ايتاؤه للمكاتب فلا يحسب من مال الميت فان كان ثلاثة أرباع مال الكتابة مائة وخمسين وقيمة العبد مائة وللميت مائة أخرى عتق من العبد ثلثاه وحصل للورثة من كتابة البعد خمسون عن ثلث العبد المحسوب عليهم ثلث المائة فقد زاد لهم ثلث الخمسين فيعتق من العبد قدر ثلثها وهو تسع الخمسين وذلك نصف تسعه فصار العتق ثابتا في ثلثيه ونصف تسعه

[ 466 ]

وحصل للورثة المائة وثمانية أتساع الخمسين وهو مثلا ما عتق منه. فان قيل لم أعتقتم بعضه وقد بقي عليه بعض مال الكتابة؟ قلنا انما أعتقنا بعضه ههنا باعتاق سيده لا الكتابة، ولما كان العتق في مرض موته نفذ في ثلث ماله وبقي باقيه لحق الورثة، والموضع الذي لا يعتق إلا باداء جميع الكتابة إذا كان عتقه بها لانه إذا بقي عليه شئ فما حصل لاستيفاء يخص المعاوضة فلم تثبت الحرية في العوض (فصل) فان وصى سيده باعتاقه أو ابرائه من الكتابة وكان يخرج من ثلثه اقل الامرين من قيمته أو مال الكتابة فالحكم فيه كالحكم فيما إذا أعتقه في مرضه أو أبرأه إلا انه لا يحتاج ههنا إلى ايقاع العتق لانه أوصى به وإن لم يخرج الاقل منهما من ثلثه عتق منه بقدر الثلث ويسقط من الكتابة بقدر ما عتق ويبقى باقيه على باقي الكتابة فإذا أداه عتق جميعه وإن عجز عتق منه بقدر الثلث ورق الباقي. وقياس المذهب أن يتنجز عتق ثلثه في الحال وان لم يحصل للورثة في الحال شئ لان حق الورثة متحقق الحصول فانه ان أدى وإلا عاد الباقي قنا وذكر القاضي فيه وجها آخر انه لا يتنجز عتق شئ منه إذا لم يكن للميت مال سواه لئلا يتنجز للوصية ما عتق ويتأخر حق الوارث ولذلك لو كان له مال غائب أو دين حاضر لم يتنجز وصيته من الحاضر والاول أصح لما ذكرناه وأما الحاضر والغائب فانه إن كان موصى له بالحاضر أخذ ثلثه في الحال ووقف الباقي على قدوم الغائب فقد حصل

[ 467 ]

للموصى له ثلث الحاضر ولم يحصل للورثة شئ في الحال فهي كسمئلتنا ولم تكمل له جميع وصيته لان الغائب غير موثوق بحصوله فانه ربما تلف بخلاف ما نحن فيه. فأما الزيادة الحاصلة بزيادة مال الكتابة فانها تقف على أدائه (فصل) قال الخرقي وإذا كان العبد لتلاثة فجاءهم بثلثمائة درهم فقال بيعوني نفسي بها فأجابوه فلما عاد إليهم ليكتبوا له كتابا أنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا وشهد الرجلان عليه بالاخذ فقد صار العبد حرا بشهادة الشريكين إذا كانا عدليل ويشاركهما فيما أخذا من المال وليس على العبد الشئ، اعترض على الخرقي في هذه المسألة حيث أجاز له شراء نفسه بعين ما في يده مع انه قد ذكر في باب العتق: إذا قال العبد لرجل اشترني من سيدي بهذا المال واعتقني فاشتراه بعين المال كان الشراء والعتق باطلا ويكون السيد قد أخذ ماله. فأجاب القاضي عن هذا الاشكال بوجوه: منها ان يكون مكاتبا وقوله بيعوني نفسي بهذه أي اعجل لكم الثلاثمائة وتضعون عني ما بقي من كتابتي ولهذا ذكرها في باب المكاتب (الثاني) أن يكون العبد لاجنبي قال له اشتر نفسك بها من غير ان يملكه اياها (الثالث) أن يكون عتقا بصفة تقديره إذا قبضنا منك هذه الدراهم فأنت حر (الرابع) أن يكون سادته رضوا ببيعه نفسه بما في يده وفعلهم ذلك معه اعتاق منهم مشروط بتأدية ذلك إليهم فتكون صورته صورة البيع ومعناه العتق بشرط الاداء كما لو قال بعتك نفسك بخدمتي سنة فان منافعه مملوكة لسيده وقد صح

[ 468 ]

هذا فيها فكذا ههنا قال شيخنا وهذا الوجه أظهر ان شاء الله تعالى لانه لا يحتاج إلى تأويل ومتى أمكن حمل الكلام على ظاهره لم يجز تأويله بغير دليل. إذا تقرر هذا فمتى اشترى العبد نفسه من سادته عتق لان البيع يخرجه عن ملكهم ولا يثبت عليه ملك آخر الا أنه ههنا لا يعتق الا بالقبض لانا جعلناه عتقا مشروطا به ولهذا قال الخرقي وقد صار العبد حرا بشهادة الشريكين اللذين شهدا بالقبض ولو عتق بالبيع لعتق باعترافهم به لا بالشهادة بالقبض ومتى أنكر أحدهم اخذ نصيبه من الثمن فشهد عليه شريكاه وكانا عدلين قبلت شهادتهما لانهما شهدا للعبد باداء ما يعتق به فقبلت شهادتهما كالاجنبيين ويرجع المشهود عليه عليهما فيشاركهما فيما أخذاه لانهما اعترفا بأخذ مائتين من ثمن العبد والعبد مشترك بينهم فثمنه يجب أن يكون بينهم ولان ما في يد العبد لهم والذي أخذاه كان في يده فيجب ان يشترك فيه الجميع ويكون بينهم بالسوية وشهادتهما فيما لهما فيه نفع غير مقبولة ودفع مشاركته لهما فيه نفع لهما فلم تقبل شهادتهما فيه وقبلت بما ينتفع به العبد دون ما ينتفعان به كما لو اقر بشئ لغيرهما فيه نفع فان اقرارهما يقبل فيما عليهما دون مالهما وقياس المذهب ان لا تقبل شهادتهما على شريكهما بالقبض لانهما يدفعان بها عن أنفسهما ضررا ومغرما ومن شهد بشهادة يجر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل وانما يقبل ذلك في الاقرار لان العدالة غير معتبرة فيه والتهمة لا تمنع من صحته بخلاف الشهادة فعلى هذا القياس يعتق نصيب الشاهدين باقرارهما ويبقى نصيب المشهود عليه موقوفا على

[ 469 ]

القبض وله مطالبته بنصيبه أو مشاركة صاحبيه بما أخذ فان شاركهما أخذ منهما ثلثي مائة ورجع على العبد بتمام المائة ولا يرجع المأخوذ منه على الآخر بشئ لانه ان أخذ من العبد فهو يقول ظلمني واخذ مني مرتين وإن أخذ من الشاهدين فهما يقولان ظلمنا وأخذ منا ما لا يستحقه علينا ولا يرجع المظلوم على غير ظالمه وان كانا غير عدلين فكذلك سواء قلنا ان شهادة العدلين مقبولة أو لا لان غير العدل لا تقبل شهادته وانما يؤاخذ باقراره وان أنكر الثالث البيع فنصيبه باق على الرق. إذا حلف الا ان يشهدا عليه بالبيع ويكونان عدلين فتقبل شهادتهما لانهما لا يجران إلى نفسهما بهذه الشهادة نفعا (فصل) وإذا كان العبد بين شريكين فكاتباه بمائة فادعى دفعها اليهما وصدقاه عتق وان أنكراه ولم تكن بينة فالقول قولهما مع أيمانهما وان اقر أحدهما وأنكر الآخر عتق نصيب المقر، وأما المنكر فعلى قول الخرقي تقبل شهادة شريكيه عليه إذا كانا عدلا فيحلف العبد مع شهادتهما ويصير حرا ويرجع المنكر على الشاهد فيشاركه فيما أخذه، وأما القياس فيقتضي أن لا تسمع شهادة شريكه عليه لانه يدفع بشهادته عن نفسه مغرما والقول قول السيد مع يمينه فإذا حلف فله مطالبة شريكه بنصف ما اعترف به وهو خمسة وعشرون لان ما قبضه كسب العبد وهو مشترك بينهما فان قيل فالمنكر ينكر قبض شريكه فكيف يرجع عليه؟ قلنا انما ينكر قبض نفسه وشريكه مقر بالقبض ويجوز أن يكون قد قبض فلم يعلم به وإذا أقر بمتصور لزمه حكم اقراره ومن حكمه جواز رجوع شريكه عليه

[ 470 ]

فان قيل لو كان عليه دين لاثنين فوفى أحدهما لم يرجع الآخر على شريكه فلم رجع ههنا؟ قلنا ان كان الدين ثابتا بسبب واحد فما قبض أحدهما منه رجع به الآخر عليه كمسئلتنا وعلى ان هذا يفارق الدين لكون الدين لا يتعلق بما في يد الغريم انما يتعلق بذمته حسب والسيد يتعلق حقه بما في يد المكاتب فلا يدفع شيئا منه إلى أحدهما الا كان حق الآخر ثابتا فيه. إذا ثبت هذا فانه ان رجع على العبد بخمسين إستقر ملك الشريك على ما أخذه ولم يرجع العبد عليه بشئ لانه انما قبض حقه، وإن رجع على الشريك رجع عليه بخمسة وعشرين وعلى العبد بخمسة وعشرين ولم يرجع أحدهما على الآخر بما أخذه منه لما ذكرنا من قبل، وان عجز العبد باداء ما رجع به عليه فله تعجيزه واسترقاقه ويكون نصفه حرا ونصفه رقيقا ويرجع على الشريك بنصف ما أخذه ولا تسري الحرية فيه لان الشريك والعبد يعتقدان أن الحرية ثابتة في جميعه وان المنكر غاصب لهذا النصف الذي استرقه ظالما باسترقاقه والمنكر يدعي رق العبد جميعه ولا يعترف بحرية شئ منه لانه يزعم أنه ما قبضت نصيبي من كتابته وشريكي ان قبض شيئا استحق نصفه بغير اذني فلا يعتق شئ منه بهذا القبض وسراية العتق ممتنعة على كلا القولين والسراية انما تكون فيما إذا أعتق بعضه وبقي بعضه رقيقا وجميعهم متفقون على خلاف ذلك وهذا منصوص الشافعي (فصل) فان ادعى العبد أنه دفع المائة إلى احدهما ليدفع إلى شريكه حقه ويأخذ الباقي فأنكر

[ 471 ]

المدعى عليه حلف وبرئ فان قال انما دفعت الي حقي والى شريكي حقه ولا بينة للعبد فالقول قول المدعى عليه في أنه لم يقبض الا قدر حقه مع يمينه ولا نزاع ببن العبد وبين الآخر لانه لم يدع عليه شيئا وله مطالبة العبد بجميع حقه وله مطالبته بنصفه ومطالبة القابض بنصف ما قبضه فان اختار مطالبة العبد فله القبض منه بغير يمين وان اختار الرجوع على شريكه بنصفه فللشريك عليه اليمين أنه لم يقبض من المكاتب شيئا لانه لو اقر بذلك لسقط حقه من الرجوع فإذا انكره لزمته اليمين فان شهد القابض على شريكه بالقبض لم تقبل شهادته لمعنيين (أحدهما) أن المكاتب لم يدع عليه شيئا وإنما تقبل البينة إذا شهدت بصدق المدعي (الثاني) أنه يدفع عن نفسه مغرما فان عجز العبد فلغير القابض ان يسترق نصفه ويقوم عليه نصيب شريكه لان العبد معترف برقه غير مدع لحرية هذا النصيب بخلاف التي قبلها ويحتمل أن لا يقوم أيضا لان القابض يدعي حرية جميعه والمنكر يدعي ما يوجب رق جميعه فانهما يقولان ما قبضه قبضه بغير حق فلا يعتق حتى يسلم إلي مثل ما سلم إليه وإذا كان أحدهما يدعي جميعه والآخر يدعي جزأه فما اتفقا على حرية البعض دون البعض (فصل) وان اعترف المدعي بقبض المائة على الوجه الذى ادعاه المكاتب وقال قد دفعت إلى شريكي نصفها فأنكر الشريك فالقول قوله مع يمينه وله مطالبة من شاء منهما بجميع حقه وللمرجوع عليه ان يحلفه فان رجع على الشريك فأخذ منه خمسين كان له ذلك لانه اعترف بقبض المائة كلها

[ 472 ]

ويعتق المكاتب لانه وصل إلى كل واحد منهما قدر حقه من الكتابة ولا يرجع الشريك عليه بشئ لانه يعترف له باداء ما عليه وبراءته منه وانما يزعم أن شريكه ظلمه فلا يرجع على غير ظالمه وان رجع على العبد فله أن يأخذ منه الخمسين لانه يزعم أنه ما قبض شيئا من كتابته وللعبد الرجوع على القابض بها سواء صدقه في دفعها إلى المنكر أو كذبه لانه وان دفعها فقد دفعها دفعا غير مبر فكان مفرطا ويعتق العبد بأدائها فان عجز عن أدائها فله أن يأخذها من القابض ثم يسلمها فان تعذر ذلك فله تعجيزه واسترقاق نصفه ومشاركة القابض في الخمسين التي قبضها عوضا عن نصيبه ويقوم على الشريك القابض إن كان موسرا إلا أن يكون العبد يصدقه في دفع الخمسين إلى شريكه فلا يقوم لانه يعترف أنه حر وان هذا ظلمه باسترقاق نصفه الحر وان أمكن الرجوع على القبض بالخمسين ودفعها إلى المنكر فامتنع من ذلك فهل يملك المنكر تعجيزه واسترقاق

[ 473 ]

نصفه؟ على وجهين بناء على القول في تعجيز العبد نفسه مع القدرة على الاداء ان قلنا له ذلك فللمنكر استرقاقه، وان قلنا ليس له ذلك فليس للمنكر استرقاقه لانه قادر على الاداء فان قيل فلم لا يرجع المنكر على القابض بنصف ما قبضه إذا استرق نصف العبد؟ قلنا لانه لو رجع بها لكان قابضا جميع حقه من مال الكتابة فيعتق المكاتب بذلك الا ان يتعذر قبضها في نجومها فتنفسخ الكتابة ثم يطالب بها بعد ذلك فيكون له الرجوع بنصفها كما لو كانت غائبة في بلد آخر وتعذر تسليمها حتى فسخت الكتابة والله أعلم (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وان اختلفا في الكتابة فالقول قول من ينكرها) لان الاصل معه (مسألة) (وان اختلفا في عوضها فالقول قول السيد في احدى الروايتين) إذا اختلفا في عوض الكتابة فقال السيد كاتبتك على الفين وقال المكاتب على الف فعنه ثلاث روايات (أحدها) القول قول السيد ذكره الخرقي قال القاضي هذا المذهب نص عليه أحمد

[ 474 ]

في رواية الكوسج وهو قول الثوري والاوزاعي واسحاق وقال أبو بكر اتفق أحمد والشافعي على أنهما يتحالفان ويترادان وهو قول أبي يوسف ومحمد لانهما اختلفا في عوض العقد القائم بينهما فيتحالفان إذا لم تكن بينة كالمتبايعين وحكي عن احمد رواية ثالثة ان القول قول المكاتب وهو قول أبي حنيفة لانه منكر للالف الزائد والقول قول المنكر لانه مدعى عليه فيدخل في عموم قوله عليه السلام (ولكن اليمين على المدعى عليه) ووجه الاولى أنه اختلاف في الكتابة فالقول قول السيد فيه كما لو اختلفا في أصلها ويفارق البيع من وجهين (احدهما) ان الاصل في البيع عدم ملك كل واحد منهما لما صار إليه والاصل في المكاتب وكسبه أنه لسيده فالقول قوله فيه (الثاني) ان التحالف في البيع مفيد ولا فائدة في التحالف في الكتابة فان الحاصل منه يحصل بيمين السيد وحده وبيان ذلك ان الحاصل بالتحالف فسخ الكتابة ورد العبد إلى الرق إذا لم يرض بما حلف عليه سيده وهذا يحصل عند من جعل القول قول السيد مع يمينه فلا يشرع التحالف مع عدم فائدته

[ 475 ]

وانما قدمنا قول المنكر في سائر المواضع لان الاصل معه والاصل ههنا مع السيد لان الاصل ملكه للعبد وكسبه. إذا ثبت هذا فمتى حلف السيد ثبتت الكتابة بالفين كما لو اتفقا عليها وسواء كان اختلافهما قبل العتق أو بعده مثل ان يدفع إليه الفين فيعتق ثم يدعي المكاتب ان احدهما عن الكتابة والاخر وديعة ويقول السيد بل هي جميعا مال الكتابة ومن قال بالتحالف قال إذا تحالفا فلكل واحد منهما فسخ الكتابة الا ان يرضى بقول صاحبه وان كان التحالف بعد العتق في مثل الصورة التي ذكرناها لم ترتفع الحرية لانها لا يمكن رفعها بعد حصولها ولا اعادة الرق بعد رفعه ولكن يرجع السيد بقيمة ويرد إليه ما أدى إليه فان كانا من جنسن واحد تقاصا بقدر أقلهما وأخذ ذو الفضل فضله (مسألة) (وان اختلفا في وفاء مالها فقال العبد اديت وعتقت وأنكر السيد فالقول قول السيد مع يمينه) لانه منكر والقول قول المنكر وان اختلفا في ابرائه من مال الكتابة أو شئ منه فالقول قول السيد مع يمينه لذلك

[ 476 ]

(فصل) إذا كاتب عبدين واستوفى من احدهما ولم يدر أيهما استوفى فقياس المذهب ان يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر كما لو اعتق عبدا من عبيده وأنسيه وان ادعى الآخر عليه أنه ادى فعليه اليمين أنه ما أدى فان نكل عتق الآخر وان مات السيد قبل القرعة أقرع الورثة فان ادعى الآخر عليهم أنه المؤدي فعليهم اليمين أنهم لا يعلمون انه أدى لانها يمين على نفي فعل الغير فان أقام احد العبدين بينة أنه أدى عتق سواء كان قبل القرعة أو بعدها في حياة سيده أو بعد موته وإن كان ذلك قبل القرعة تعينت الحرية فيه ورق الآخر فان كان بعدها فكذلك لان القرعة ليست عتقا وإنما هي معينة للعتق والبينة أقوى منها فيثبت بها خطأ القرعة فيتبين بقاء الرق في الذي ظننا حريته كما تبينا حرية من ظننا رقه ولان من لم يؤد لا يصير مؤديا بوقوع القرعة له فلا يوجد حكمه الذي هو العتق ويتخرج على قول ابي بكر وابن حامد ان يعتقا على ما نذكر في الطلاق، وكذلك الحكم فيما إذا ذكر السيد المؤدي منهما ومتى ادعى الآخر انه أدى فله اليمين على المدعى عليه من

[ 477 ]

السيد والورثة الا ان السيد يحلف على البت، وأما الورثة فان ادعى أنه دفع إلى موروثهم حلفوا على نفي العلم وإن ادعى أنه دفع إليهم حلفوا على البت وعلى كل واحد من الورثة يمين لان كل واحد منهم مدعى عليه فلزمته اليمين كما لو انفرد بالدعوى (فصل) إذا كان للمكاتب أولاد من معتقة غير سيده فقال سيده قد أدى الي وعتق فانجر ولاء ولده الي فأنكر ذلك مولى امهم وكان المكاتب حيا صار حرا بهذا القول لانه اقرار من سيده بعتقه وينجر ولاء ولده إليه وإن كان ميتا فالقول قول مولى أمهم لان الاصل بقاء الرق وبقاء ولائهم له فيحلف ويبقى ولاؤهم له (مسألة) (وإن اقام العبد شاهدا وحلف معه أو شاهد وامرأتين ثبت الاداء وعتق وهذا قول الشافعي) لان النزاع بينهما في اداء المال والمال يقبل فيه الشاهد واليمين والرجل والمرأتان فان قيل القصد من هذه الشهادة العتق وهو لا يثبت بشاهد ويمين قلنا بل يثبت بشاهد

[ 478 ]

ويمين في رواية، وان سلمنا ان الشهادة لا تثبت لكن الشهادة ههنا باداء المال والعتق يحصل عند أدائه بالعقد الاول ولم يشهد الشاهد به ولا بينهما فيه نزاع ولا يمتنع أن يثبت بشهادة الواحد ما يترتب عليه أمر لا يثبت الا بشاهدين كما ان الولادة تثبت بشهادة النساء ويترتب عليها ثبوت النسب الذي لا يثبت بشهادة النساء ولا بشاهد واحد (فصل) فان لم يكن للعبد شاهد وأنكر السيد فالقول قوله فان قال لي شاهد غائب انظر ثلاثا فان جاء وإلا حلف السيد ثم متى جاء شاهده وأدى الشهادة ثبتت حريته وان جرح شاهده فقال لي شاهد آخر أنظر ثلاثا لما ذكرناه (فصل) وإن أقر السيد بقبض مال الكتابة عتق العبد إذا كان ممن يصح اقراره وإن أقر بذلك في مرض موته قبل لانه اقرار لغير وارث فيقبل وإن قال استوفيت كتابتي كلها عتق العبد وإن قال استوفيتها كلها إن شاء الله أو ان شاء زيد عتق ولم يؤثر الاستثناء لان هذا الاستثناء لا

[ 479 ]

مدخل له في الاقرار قال احمد في رواية أبي طالب إذا قال له الف إن شاء الله كان مقرا بها ولان هذا الاستثناء تعليق بشرط والذي يتعلق بالشرط انما هو المستقبل، وأما الماضي فلا يمكن تعليقه لانه قد وقع على صفة لا يتغير عنها بالشرط وانما يدل الشرط على الشك فيه فكأنه قال استوفيت كتابتي وانا اشك فيه فيلغو الشك ويثبت الاقرار وان قال استوفيت آخر كتابتي وقال انما أردت أني استوفيت النجم الآخر دون ما قبله وادعى العبد اقراره باستيفاء الكل فالقول قول السيد لانه أعرف بمراده والله أعلم (فصل) قال رضي الله عنه (والكتابة الفاسدة مثل أن يكاتبه على خمر أو خنزير تغلب فيها حكم الصفة في أنه إذا أدى عتق ولا يعتق بالابراء) إذا كاتبه كتابة فاسدة على عوض مجهول أو حال أو محرم كالخمر والخنزير فقد روي عن أحمد رحمه الله ما يدل عليه ان الكتابة على العرض المحرم باطلة لا يعتق بالاداء فيها اختاره أبو بكر فانه

[ 480 ]

روي عن احمد أنه قال: إذا كاتبه كتابة فاسدة فأدى ما كوتب عليه عتق ما لم تكن الكتابة محرمة فحكم بالعتق بالاداء الا في المحرمة واختار القاضي انه يعتق بالاداء كسائر الكتابات الفاسدة ويمكن حمل كلام القاضي على ما إذا جعل السيد الاداء شرطا للعتق فقال إذا اديت لي فأنت حر فأدى فانه يعتق بالصفة المجردة لا بالكتابة ويثبت في هذه الكتابة حكم الصفة في العتق بوجودها لا حكم الكتابة فأما ان شرط في في الكتابة شرطا فاسدا فالمنصوص أنه لا يفسدها لكن يلغو الشرط وتصح الكتابة ويتخرج ان يفسدها بناء على الشروط الفاسدة في البيع وهو مذهب الشافعي وقد ذكرناه فاما الكتابة الفاسدة التي لا تكون عوضا محرما فانها تساوي الصحيحة في أربعة أحكام (أحدها) أنه يعتق ما كوتب عليه سوا صرح بالصفة بان يقول إذا اديت الي فانت حر أو لم يقل لان معنى الكتابة يقتضي هذا فيصير كالمصرح به فيعتق بوجوده كالصحيحة (الثاني) إذا اعتقه بالاداء لم تلزمه قيمة نفسه ولم يرجع على سيده بما أعطاه ذكره أبو بكر وهو

[ 481 ]

ظاهرا كلام أحمد وقال الشافعي يتراجعان فيجب على العبد قيمته وعلى السيد ما أخذه فيتقاصان بقدر اقلهما ان كانا من جنس واحد ويأخذ ذو الفضل فضله لانه عقد معاوضة فاسد فوجب التراجع فيه كالبيع الفاسد ولنا أنه عقد كتابة حصل العتق فيه بالاداء فلم يجب التراجع كما لو كان العقد صحيحا ولان ما يأخذه السيد فهو من كسب عبده الذي يملك كسبه فلم يجب رده والعبد عتق بالصفة فلم تجب عليه قيمته كما لو قال ان دخلت الدار فانت حر وأما البيع الفاسد فانه ان كان بين هذا وسيده فلا رجوع على السيد بما أخذه وان كان بينه وبين غيره فانه أخذ مالا يستحقه ودفع إلى الآخر ما لا يستحقه بعقد المقصود منه المعاوضة بخلاف هذا في مسئلتنا (الثالث) ان المكاتب يملك التصرف في كسبه لان عقد الكتابة تضمن الاذن في ذلك وله أخذ الصدقات والزكوات لانه مكاتب يعتق بالاداء اشبه الكتابة الصحيحة (الرابع) أنه إذا كاتب جماعة كتابة فاسدة فادى أحدهم حصتهم عتق على قول من قال إنه يعتق

[ 482 ]

بالكتابة الصحيحة باداء حصته لان معنى العقد ان كل واحد منهم مكاتب بقدر حصته متى أدى الي كل واحد منكم قدر حصته فهو حر ومن قال لا يعتق في الصحيحة الا ان يؤدي جميعهم فههنا أولى (فصل) وتفارق الصحيحة في ثلاثة أحكام (أحدها) ان السيد إذا أبرأه من المال لم تصح البراءة ولم يعتق بذلك لان المال غير ثابت في العقد بخلاف الكتابة الصحيحة وصار هذا كالصفة المجردة في قوله إذا اديت الي الفا فانت حر (الثاني) ان لكل واحد من السيد والمكاتب فسخها سواء كان ثم صفة أو لم تكن وهذا قول أصحاب الشافعي لان الفاسد لا يلزم حكمه والصفة ههنا مبنية على المعاوضة وتابعة لها لان المعاوضة هي المقصودة فلما أبطل المعاوضة التي هي الاصل بطلت الصفة المبنية عليها بخلاف الصفة المجردة ولان السيد لم يرض بهذه الصفة الا بان يسلم له العوض المسمى فإذا لم يسلم كان له إبطالها بخلاف الصحيحة فان العوض سلم له فكان العقد لازما له

[ 483 ]

(الثالث) أنه لا يلزم السيد ان يؤدي إليه شيئا من الكتابة لان العتق ههنا بالصفة المجردة فاشبه ما لو قال إذا اديت الي الفا فانت حر (مسألة) (وتنفسخ بموت السيد وجنونه والحجر للسفه) اختلف في انفساخها بموت السيد فذهب القاضي وأصحابه إلى بطلانها به وهو قول الشافعي لانه عقد جائز من الطرفين لا يئول إلى اللزوم فبطل بالموت كالوكالة ولان المغلب فيها حكم الصفة المجردة والصفة تبطل بالموت كذلك هذه الكتابة وقال أبو بكر لا تبطل بالموت ويعتق بالاداء إلى الوارث وهو قول أبى حنيفة لانه مكاتب يعتق بالاداء إلى السيد فيعتق بالاداء إلى الوارث كالكتابة الصحيحة في باب العتق بالاداء فكذلك في هذا واختلف في انفساخها بجنون السيد والحجر عليه والخلاف فيه كالخلاف في بطلانها بموته قال شيخنا والاولى أنها لا تبطل ههنا الا بالصفة المجردة لا بذلك والمغلب في هذه الكتابة حكم الصفة المجردة فلا تبطل به فعلى هذا لو أدي إلى سيده

[ 484 ]

بعد ذلك عتق ولا يعتق عند من أبطالها (فصل) ويملك السيد أخذ ما في يده وان فضل من الاداء فضل فهو لسيده هذا قول أبي الخطاب لان كسب العبد لسيده بحكم الاصل والعقد ههنا فاسد لم يثبت الحكم في وجوب العوض في ذمته فلم ينقل الملك في المعوض كسائر العقود الفاسدة ولان المغلب فيها حكم الصفة المجردة وهي

[ 485 ]

لا تثبت له في كسبه فكذا ههنا وفارق الكتابة الصحيحة فانها اثبتت الكتابة في العوض فاثبتته في المعوض وقال القاضي ما في يد المكاتب وما يكسبه وما يفضل في يده بعد الاداء وهو مذهب

[ 486 ]

الشافعي لانها كتابة يعتق بالاداء فيها فيثبت هذا الحكم فيها كالصحيحة والاول اصح لما بين الفاسدة والصحيحة من الفروق (مسألة) (وهل يتبع المكاتبة ولدها فيها؟ على وجهين)

[ 487 ]

(أحدها) يتبعها لانها كتابة تعتق فيها بالاداء فيعتق ولدها به كالكتابة الصحيحة (والثاني) لا يتبعها وهو اقيس وأصح لان الاصل بقاء الرق فيه فلا يزول الا بنص أو معنى نص وما وجد واحد منهما ولا يصح القياس على الكتابة الصحيحة لما ذكرنا من الفرق بينهما فيما تقدم فيبقى على الاصل (مسألة) (وقال أبو بكر لا تنفسخ بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه للسفه) وقد ذكرناه

[ 488 ]

(باب أحكام أمهات الاولاد) أم الولد هي التي ولدت من سيدها في ملكه ولا خلاف في اباحة التسري ووطئ الاماء لقول الله تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) وقد كانت مارية القبطية أم ولد للنبي صلى الله عليه وسلم وهي أم ابراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم (اعتقها ولدها) وكانت هاجر سرية ابراهيم عليه الصلاة والسلام ام اسماعيل عليه السلام وكان لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه أمهات اولاد أوصى لكل واحدة منهن باربعمائة وكان لعلي رضي الله عنه أمهات أولاد ولكثير من الصحابة وكان علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله من أمهات أولاد ويروى ان الناس لم يكونوا يرغبون في أمهات الاود حتى ولد هؤلاء الثلاثة فرغب الناس فيهن وروي عن سالم بن عبد الله قال كان لابن رواحة جارية وكان يريد الخلوة بها وكانت امرأته ترصده فخلا البيت فوقع عليها فندرت به امرأته وقالت افعلتها؟ قال ما فعلت قالت فاقرا إذا فقال شهدت بان وعد الله حق * وان النار مثوى الظالمينا وان العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا ويحمله ملائكة شداد * ملائكة الآله مسومينا

[ 489 ]

قالت أما إذا أقرأت فاذهب فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال فلقد رأيته يضحك حتى تبدو نواجذه ويقول (هيه كيف قلت؟) فأكرره عليه فيضحك (مسألة) (إذا حملت الامة من سيدها فوضعت ما يتبين فيه خلق الانسان صارت له بذلك ام ولد فإذا مات عتقت وان لم يملك غيرها) ذكر ههنا لمصير الامة ام ولد شرطين (احدهما) ان تحمل به في ملكه سواء كان من وطئ مباح أو محرم كالوطئ في الحيض والنفاس والاحرام والظهار فاما ان علقت منه في غير ملكه لم تصر بذلك ام ولد سواء علقت منه بمملوك مثل ان يطأها في ملك غيره بنكاح أو زنا أو علقت بحر مثل أن يطأها بشبهة أو غر من امة فنزوجها على انها حرة فاستولدها أو اشترى جارية فاستولدها ثم ظهرت مستحقة فان الولد حر ولا تصير الامة ام ولد في هذه المواضع بحال فان ملكها بعد ذلك ففيه اختلاف نذكره ان شاء الله تعالى (الشرط الثاني) ان تضع ما يتبين فيه شئ من خلق الانسان من رأس أو يد أو رجل أو تخطيط سواء وضعته حيا أو ميتا وسواء أسقطته أو كان تاما قال عمر رضي الله عنه إذا ولدت الامة من سيدها فقد عتقت وان كان سقطا وروى الاثرم باسناده عن ابن عمر انه قال اعتقها ولدها وان كان سقطا وقال الاثرم قلت لابي عبد الله ام الولد إذا اسقطت لا تعتق فقال إذا تبين فيه يد أو

[ 490 ]

رجل أو شئ أو خلقة فقد عتقت هذا قول الحسن والشافعي وقال الشعبي إذا نكس في الخلق الرابع فكان مخلقا انقضت به عد الحرة وعتقت به الامة قال شيخنا ولا اعلم في هذا خلافا بين من قال بثبوت حكم الاستيلاد، فاما ان القت نطفة أو علقة لم يثبت به شئ من احكام الولادة لانه ليس بولد وروى يوسف بن موسى ان ابا عبد الله قيل له ما تقول في الامة إذا ألقت مضغة أو علقة؟ قال تعتق وهذا قول ابراهيم النخعي وذكر الخرقي لمصيرها أم ولد شرطا ثالثا وهو ان تحمل بحر ويتصور ذلك في الملك في موضعين (أحدهما) في العبد إذا ملكه سيده وقلنا إنه يملك فوطئ أمته فاستولدها فولده مملوك ولا تصير الامة به أم ولد يثبت لها حكم الاستيلاد بذلك وسواء اذن له سيده في التسري بها أو لم يأذن (الثاني) إذا استولد المكاتب أمته فان ولد مملوك له ولا يثبت للامة أحكام أم الولد في العتق بموته في الحال لان المكاتب ليس بحر وكذلك ولده منها فاولى ان لا تتحرر هي ومتى عجز المكاتب وعاد إلى الرق أو مات قبل أداء كتابته فهي أمة قن كالعبد القن وهل يملك المكاتب بيعها؟ فيه اختلاف ذكرناه في باب المكاتب

[ 491 ]

(مسألة) (وتعتق بموت سيدها من رأس المال وان لم يملك سواها) وهذا قول كل من رأى عتقهن لا نعلم بينهم خلافا في ذلك وسواء ولدت في الصحة أو المرض لانه حاصل بالنذاذه وشهوته وما يتلفه في لذاته يستوي فيه حال الصحة والمرض كالذي يأكله ويلبسه ولان عتقها بعد الموت وما يكون بعد الموت يستوي فيه المرض والصحة كقضاء الدين والتدبير والوصية قال سعيد ثنا عن يحيى بن سعيد عن نافع قال أدرك ابن عمر رجلان فقالا انا تركنا هذا الرجل يبيع أمهات الاولاد يعنيان ابن الزبير فقال ابن عمر اتعرفان أبا حفص؟ فانه قضى في أمهات الاولاد ان لا يبعن ولا يوهبن يستمتع بها صاحبها فإذا مات فهي حرة وقال ثنا عتاب عن حصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال قال عمر ما من رجل كان يقر بانه كان يطأ جاريته يموت الا اعتقتها وان كان سقطا وروى ابن ماجة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ايما امة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه) (فصل) وإذا عتقت بموت سيدها فما كان في يدها من شئ فهو لورثة سيدها لان ام الولد أمة وكسبها لسيدها وسائر ما في يدها له فإذا مات سيدها فعتقت انتقل ما في يدها إلى ورثته كسائر

[ 492 ]

ماله وكما في يد المدبرة بخلاف المكاتبة فان كسبها في حياة سيدها لها فإذا عتقت بقي لها كما كان لها قبل العتق (فصل) ولا فرق بين المسلمة والكافرة والعفيفة والفاجرة ولا بين المسلم والكافر والعفيف والفاجر في هذا في قول أهل الفتاوى من أهل الامصار لان ما يتعلق به العتق يستوي فيه المسلم والكافر كالتدبير والكتابة ولان عتقها بسبب اختلاط دمها بدمه ولحمها بلحمه فإذا استويا في حكمه وقد روى سعيد ثنا هشيم ثنا منصور عن ابن سيرين عن أبي عطية الهمداني عن عمر بن الخطاب قال في أم الولد: ان اسلمت وأحصنت وعفت اعتقت وان كفرت وفجرت وغدرت رقت وقال هشيم حدثنا يحيى بن آدم عن أم ولد رجل ارتدت عن الاسلام فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب عمران بيعوها ليسبيها أحد من أهل دينها فعلى هذا الحديث ينبغي ان يختص العتق بالمسلمة العفيفة وترق الكافرة الفاجرة والله أعلم (مسألة) (وان وضعت جسما لا تخطيط فيه فعلى روايتين) أما إذا وضعت مضغة لم يظهر فيها شئ من خلق الآدمي فشهد ثقات من القوابل ان فيها صورة خفية تعلقت بها الاحكام لانهن اطلعن على الصورة التي خفيت على غيرهن وان لم يشهدن

[ 493 ]

بذلك لكن علم أنه مبتدأ خلق آدمي بشهادتهن أو غير ذلك ففيه روايتان (إحداهما) لا تصير به الامة أم ولد ولا تنقضي به عدة الحرة ولا يجب على الضارب المتلف له غرة ولا كفارة وهذا ظاهر كلام الخرقي والشافعي وظاهر ما نقله الاثرم عن أحمد وظاهر قول الحسن والشعبي وسائر من اشترط ان يتبين فيه شئ من خلق الآدمي (والثانية) تتعلق به الاحكام الاربعة لانه مبتدأ خلق آدمي أشبه إذا تبين وخرج أبو عبد الله ابن حامد رواية ثالثة وهي ان الامة تصير ام ولد ولا تنقضي به عدة الحرة لانه روي عن أحمد إذا وضعت شيئا فمسته القوابل فعلمن أنه لحم ولم يتبين لحمه فيحتاط في العدة باخرى ويحتاط بعتق الامة فظاهر هذا أنه حكم بعتق الامة ولم يحكم بانقضاء العدة لان عتق الامة تحصيل للحرية فاحتيط بتحصيلها والعدة يتعلق بها تحريم التزويج وحرمة الفرج فاحتيط بابقائها وقال بعض الشافعيا بالعكس لا تجب العدة ولا تصير الامة ام ولد لان الاصل عدم كل واحد منهما فيبقى على أصله ولا يصح لان العدة كانت ثابتة والاصل بقاؤها على ما كانت عليه والاصل في الآدمي الحرية فتغلب على ما يفضي إليها (مسألة) (وان اصابها في ملك غيره بنكاح أو غيره ثم ملكها حاملا عتق الجنين ولم تصر أم ولد له وعنه تصير)

[ 494 ]

وسواء ملكها حاملا فولدت في ملكه أو ملكها بعد ولادتها وبه قال الشافعي لانها علقت منه بمملوك فلم يثبت لها حكم الاستيلاد كما لو زنى بها ثم اشتراها لان الاصل بقاء الرق وانما خولف هذا الاصل فيما إذا حملت منه في ملكه بقول الصحابة رضي الله عنهم ففيما عداه يبقى على الاصل ونقل ابن أبي موسى عن أحمد أنها تصير ام ولد في الحالين وهو قول الحسن وأبي حنيفة لانها أم ولده وهو مالك لها فيثبت لها حكم الاستيلاد كما لو حملت في ملكه قال شيخنا ولم أجد هذه الرواية عن أحمد فيما إذا ملكها بعد ولادتها انما نقل عنه التوقف عنها في رواية مهنا فقال لا اقول فيها شيئا وصرح في رواية سواه بجواز بيعها فقال لا أرى بأسا ان يبيعها انما الحسن وحده قال إنها أم ولد وقال أكثر ما سمعنا فيه من التابعين يقولون انها لا تصير أم ولد حتى تلد عنده وهو يملكها، كان عبيدة السلماني يقول ببيعها وشريح وابراهيم والشعبي اما إذا ملكها حاملا فظاهر كلام أحمد أنها تصير ام ولد وهو مذهب مالك لانها ولدت منه في ملكه فاشبه ما لو أحبلها في ملكه وقد صرح أحمد في رواية اسحاق بن منصور أنها لا تكون ام ولد حتى تحدث عنده حملا وروى عنه ابنه صالح قال سألت أبي عن الرجل ينكح الامة فتلد منه ثم يبتاعها قال لا تكون ام ولد له قلت فان اشتراها وهي حامل منه قال إذا كان الوطئ يزيد في الولد وكان يطؤها بعد ما اشتراها وهي حامل كانت ام ولد له قال ابن حامد ان وطئها في ابتداء حملها أو بواسطة صارت له بذلك ام

[ 495 ]

ولد لان الماء يزيد في سمع الولد وبصره وقال القاضي ان ملكها حاملا فلم يطأها حتى وضعت لم تصر ام ولد وان وطئها حال حملها نظرنا فان كان بعد ان كمل الولد وصار له خمسة اشهر لم تصر بذلك ام ولد وان وطئها قبل ذلك صارت له بذلك ام ولد لان عمر قال ابعد ما اختلطت دماؤكم ودماؤهن ولحومكم ولحومهن بعتموهن؟ فعلل بالمخالطة والمخالطة ههنا حاصلة لان الماء يزيد في الولد ولان لحرية البعض اثرا في تحرير الجميع بدليل ما لو اعتق احد الشريكين نصيبه من العبد وقال ابو الخطاب ان وطئها بعد الشراء فهي ام ولد وكلام الخرقي يقتضي ان لا تكون ام ولد الا ان تحبل منه في ملكه وهو الذي رواه اسحاق بن منصور عن احمد وهو ظاهر المذهب لانها لم تعلق منه بحر فلم يثبت له حكم لاستيلاد كما لو زنى بها ثم اشتراها ولان حملها منه إذا لم يفد الحرية لولدها فلان لا يفيدها الحرية اولى ويفارق هذا ما إذا حملت منه في ملكه فان الولد حر فتحرر بتحريره وما ذكروه من ان الولد يزيد فيه الوطئ غير مستيقن فلا يثبت الحكم بالشك ولو ثبت انه زاد لم يثبت الحكم بهذه الزيادة بدليل ما لو ملكها وهي حامل منه من زنا أو غيره فوطئها لم تصر أم ولد وان زاد الولد به ولان حكم الاستيلاد انما ثبت بالاجماع

[ 496 ]

في حق من حملت منه في ملكه وما عداه ليس في معناه وليس فيه نص ولا إجماع فوجب ان لا يثبت هذا الحكم ولان الاصل الرق فتبقى على ما كانت عليه (فصل) قال أحمد فيمن اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها فان الولد لا يلحق بالمشتري ولا يبيعه لكن يعتقه لانه قد شرك فيه لان الماء يزيد في الولد، وقد روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال (لعله يريد أن يلم بها؟) قالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد هممت ان ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له؟ أم كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟) رواه أبو داود يعني أنه لو استلحقه وشركه في ميراثه لم يحل له لانه ليس بولده فان اتخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له لانه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في الولد. (فصل) إذا وطئ الرجل جارية ولده فان كان قد تملكها وقبضها ولم يكن الولد وطئها ولا تعلقت بها حاجته فقد ملكها الاب بذلك وصارت جاريته والحكم فيه كما لو اشتراها وان وطئها قبل تملكها فقد فعل محرما لقول الله تعالى (والذين هو لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) وهذه ليست زوجته ولا ملك يمينه فان قيل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لابيك) فأضاف مال الابن إلى أبيه بلام الملك والاستحقاق فيدل على أنه ملكه قلنا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الملك بدليل أنه اضاف إليه الولد وليس بمملوك وأضاف

[ 497 ]

إليه ماله في حال اضافته إلى الولد ولا يكون الشئ ملكا لمالكين حقيقة بدليل انه يحل له وطئ إمائه والتصرف في ماله وصحة بيعه وهبته وعتقه ولان الولد لو مات لم يرث ابوه منه الا ما قدر له ولو كان ماله لاختص به ولو مات الاب لم يرث ورثته مال ابنه ولا يجب على الاب حج ولا زكاة ولا جهاد بيسار ابنه فعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم انما أراد التجوز بتشبيهه بما له في بعض أحكامه. إذا ثبت هذا فانه لاحد على الاب للشبهة لانه إذا لم يثبت له حقيقة الملك فلا أقل من أن يكون شبهة تدرأ الحد فان الحد يدرأ بالشبهات ولكن يعزر لانه وطئ وطئها محرما فأشبه وطئ الجارية المشتركة وفيه وجه آخر أنه لا يعزر لان مال ولده كماله ولا يصح لان ماله مباح له غير ملوم عليه بخلاف وطئ الاب فانه عاد فيه ملوم عليه فان علقت منه فالولد حر لانه من وطئ درئ فيه الحد لشبهة الملك فكان حرا كولد الجارية المشتركة ولا يلزمه قيمته لان الجارية تصير ملكا له بالوطئ فيحصل علوقها بالولد وهي ملكه وتصير ام ولد له تعتق بموته وتنتقل إلى ملكه فيحل له وطؤها بعد ذلك وبهذا قال ابو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر لا تصير ام ولد له ولا يملكها لانه استولدها في غير ملكه فأشبه الاجنبي ولان ثبوت احكام الاستيلاد انما كان بالاجماع فيما إذا استولد مملوكته وهذه ليست مملوكته ولا في معنى مملوكته لانها محرمة عليه فوجب ان لا يثبت لها هذا الحكم لان

[ 498 ]

الاصل الرق فتبقى على الاصل ولان الوطئ المحرم لا ينبغي أن يكون سببا للملك الذي هو نعمة وكرامة لانه يفضي إلى تعاطي المحرمات. ولنا أنها علقت منه بحر لاجل الملك فصارت أم ولد له كالجارية المشتركة وبهذا فارق وطأ الاجنبي. إذا ثبت هذا فانه لا يلزمه مهرها ولا قيمتها، وقال أبو حنيفة لا يلزمه مهرها وتلزمه قيمتها لانه أخرجها عن ملك سيدها بفعل محرم أشبه ما لو قتلها وانما لم يلزمه مهرها لانه إذا ضمنها فقد دخلت قيمة البضع في ضمانها فلم يضمنه ثانيا كما لو قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها فانه يضمن قيمة النفس دون قيمة اليد، وقال الشافعي يلزمه مهرها لانه وطئ جارية غيره وطئا محرما فلزمه مهرها كالاجنبي وتلزمه قيمتها على القول بكونها أم ولد كما يلزم أحد الشريكين نصيب شريكه إذا استولد الجارية المشتركة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لابيك) ولانه لا يلزمه قيمة ولدها فلم يلزمه مهرها ولا قيمتها كمملوكته ولانه وطئ صارت به الموطوءة أم ولد لامر لا يختص ببعضها فاشبه استيلاد مملوكته (فصل) فان كان الابن قد وطأ جاريته ثم وطئها أبوه فأولدها فقد روي عن احمد فيمن وقع على جارية ابنه ان كان الاب قابضا لها ولم يكن الابن وطئها فهي أم ولده فليس للابن فيها شئ قال القاضي: فظاهر هذا أن الابن ان كان قد وطئها لم تصر أم ولد للاب باستيلادها لانها تحرم عليه تحريما مؤبدا بوطئ ابنه ولا تحل له بحال فأشبه وطئ الاجنبي فعلى هذا القول لا يملكها

[ 499 ]

ولا تعتق بموته فاما ولدها فيعتق على أخيه لانه ذو رحمه كما لو استولد مملوكته التي وطئها ابنه فانها تصير أم ولد له مع تحريمها عليه على التأبيد فكذلك ههنا لانه وطئ يدرأ فيه الحد لشبهة الملك فصارت به أم ولد كما لو لم يطأها الابن (فصل) فان وطئ الابن جارية ابيه فهو زان عليه الحد إذا كان عالما بالتحريم ولا تصير أم ولد له ويلزمه مهرها ويعتق ولده على جده لانه ابن ابنه إذا قلنا انه ولد الزنا يعتق على ابيه وتحرم الجارية على الاب على التأبيد ولا تجب قيمتها على الابن لانه لم يخرجها عن ملك ابيه ولم يمنعه بيعها ولا التصرف فيها بغير الاستمتاع فان استولدها الاب بعد ذلك فقد فعل محرم ولا حد عليه لانه وطئ صادف ملكا وتصير أم ولد له لانه استولد مملوكته فاشبه ما لو وطئ امته المرهونة (فصل) فان وطئ أمته وهي مزوجة فقد فعل محرما ولا حد عليه لانها مملوكته ويعزر قال احمه يجلد ولا برجم يعني انه يعزر بالجلد لانه لو وجب عليه الحد لوجب الرجم إذا كان محصنا فان أولدها صارت أم ولد له لانه استولد مملوكته وتعتق بموته وولده حر وما ولدت بعد ذلك من الزوج فحكمه حكم أمه.

[ 500 ]

(فصل) ولو ملك رجل امه من الرضاع أو اخته أو ابنته لم يحل له وطؤها فان وطئها فلا حد عليه في اصح الروايتين لانها مملوكته ويعزر وان ولدت منه فالولد حر ونسبه لاحق به وهي ام ولده ولذلك لو ملك امة مجوسية أو وثنية فاستولدها أو ملك الكافر امة مسلمة فاستولدها فلا حد عليه ويعزر ويلحقه نسب ولده وتصير ام ولد تعتق بموته لما ذكرنا وكذلك لو وطئ امته المرهونة أو وطئ رب المال امة من مال المضاربة فأولدها صارت له بذلك ام ولد وخرجت من الرهن والمضاربة وان كان فيها ربح جعل الربح في مال المضاربة وعليه قيمتها للمرتهن تجعل مكانها رهنا أو يوفيه عن دين الرهن والله اعلم (مسألة) واحكام ام الولد احكام الامة في الاجارة والاستخدام والوط وسائر امورها الا فيما ينقل الملك في رقبتها كالبيع والهبة والوقف أو ما يراد له كالرهن وعنه ما يدل على جواز بيعها مع الكراهة ولا عمل عليه) وجملة ذلك ان الامة إذا حملت من سيدها وولدت منه ثبت لها حكم الاستيلاد وحكمها حكم الاماء في حل وطئها لسيدها واستخدامها وملك كسبها وتزويجها واجارتها وعتقها وتكليفها وحدها

[ 501 ]

وعورتها، وهذا قول اكثر اهل العلم وحكي عن مالك انه لا يملك اجارتها وتزويجها لانه لا يملك بيعها فلا يملك تزويجها واجارتها كالحرة ولنا انها مملوكة ينتفع بها فيملك سيدها تزويجها واجارتها كالحرة وانما منع بيعها لانها استحقت ان تعتق بموته وبيعها يمنع ذلك بخلاف التزويج والاجارة ويبطل دليلهم بالموقوفة والمدبرة عند من منع بيعها. إذا ثبت هذا فانها تخالف الامة القن في انها تعتق بموت سيدها من رأس المال ولا يجوز بيعها ولا التصرف فيها بما ينقل الملك من الهبة والوقف ولا ما يراد للبيع وهو الرهن ولا تورث لانها تعتق بموت سيدها ويزول الملك عنها روي هذا عمر وعثمان وعائشة وعامة الفقهاء وروي عن علي وابن عباس وابن الزبير اباحة بيعهن واليه ذهب داود قال ثنا سعيد ثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس في أم الولد قال بعها كما تبيع ثيابك أو بعيرك قال وثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي عن عبيدة قال خطب علي الناس فقال شاورني عمر في أمهات الاولاد فرأيت انا وعمر ان اعتقهن فقضى به عمر حياته وعثمان حياته فلما وليت رأيت ان ارقهن قال عبيدة فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب الينا من رأي علي وحده وقد روى صالح بن أحمد قال قلت لابي إلى أي

[ 502 ]

شئ تذهب في بيع أمهات الاولاد؟ قال اكرهه وقد باع على بن ابي طالب وقال في رواية اسحاق ابن منصور لا يعجبني بيعهن، قال أبو الخطاب وظاهر هذا أنه يصح بيعهن مع الكراهة فجعل هذا رواية ثانية عن احمد قال شيخنا والصحيح ان هذا ليس برواية مخالفة لقوله انهن لا يبعن لان السلف رحمة الله عليهم كانوا يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا ومتى كان التحريم والمنع مصرحا به في سائر الروايات عنه وجب حمل هذا اللفظ المحتمل على المصرح به ولا يجعل ذلك اختلافا وحجة من أجاز بيعهن ما روى جابر قال بعنا امهات الاولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا وما كان جائزا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وابي بكر لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره ولان نسخ الاحكام انما يجوز في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لان النص انما ينسخ بنص، وأما قول الصحابي فلا ينسخ ولا ينسخ به وان اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتركون اقوالهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتركونه بأقوالهم وانما تحمل مخالفة عمر لهذا النص على أنه لم يبلغه ولو بلغه لم يعده إلى غيره ولانها مملوكة لم يعتقها سيدها ولا شيئا منها ولا قرابة بينه وبينها فلم تعتق كما لو ولدت منه ابنه في نكاح أو غيره ولان الاصل الرق ولم يرد بزواله نص ولا اجماع ولا ما في معنى ذلك فوجب البقاء عليه ولان ولادتها لو كانت موجبة لعتقها لثبت العتق بها حين وجودها كسائر اسبابه

[ 503 ]

وروي عن ابن عباس رواية اخرى انها تجعل في سهم ولدها لتعتق عليه قال سعيد ثنا سفيان ثنا الاعمش عن زيد بن وهب قال: مات رجل منا وترك أم ولد فأراد الوليد بن عقبة أن يبيعها في دينه فأتينا عبد الله بن مسعود فذكرنا ذلك له فقال ان كان ولابد فاجعلوها من نصيب أولادها ولنا ما روى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ايما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه) وقال ابن عباس ذكرت أم ابراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أعتقها ولدها) رواهما ابن ماجه، وذكر الشريف ابو جعفر في مسائله عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع امهات الاولاد ولا يبعن ولا يرهن ولا يرثن يستمتع بها سيدها ما بداله فان مات فهي حرة قال شيخنا وهذا فيما اظن عن عمر ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولانه اجماع الصحابة رضي الله عنهم بدليل قول علي كان رأيي ورأي عمر ان لا تباع امهات الاولاد وقوله فقضي به عمر حياته وعثمان حياته وقول عبيدة رأي علي في الجماعة احب الينا من رأيه حده وروى عكرمة عن ابن عباس قال قال عمر ما من رجل يقر بأنه يطأ جارية ثم يموت الا اعتقها إذا ولدت وان كان سقطا فان قيل فكيف تصح دعوى الاجماع مع مخالفة علي وابن عباس وابن الزبير قلنا قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة فروى عبيدة قال بعث الي علي والى شريح فقال لي اقضوا كما كنتم تقضون فاني أبغض الاختلاف

[ 504 ]

وابن عباس قال: ولد أم الولد بمنزلتها وهو الراوي لحديث عتقهن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر فيدل على موافقته لهم ثم قد ثبت الاجماع باتفاقهم قبل المخالفة واتفاقهم معصوم عن الخطأ فان الامة لا تجمع على ضلالة ولا يجوز ان يخلو من زمن عن قائم لله بحجته ولو جاز ذلك في بعض العصر لجاز في جميعه ورأي الموافق في زمن الاتفاق خير من رأيه في الخلاف بعده فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم كما هو حجة على غيره فان قيل فلو كان الاتفاق في بعض العصر اجماعا حرمت مخالفته فكيف خالفه هؤلاء الائمة الذين لا تجوز نسبتهم إلى ارتكاب الحرام قلنا الاجماع ينقسم إلى مقطوع به ومظنون وهذا من المظنون فتمكن المخالفة منهم مع كونه حجة كما وقع منهم مخالفة النصوص الظنية ولم تخرج مخالفتهم عن كونها حجة كذا ههنا فأما قول جابر بعنا امهات الاولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابي بكر فليس فيه تصريح بأنه كان بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا علم ابي بكر فيكون ذلك واقعا منهم على انفرادهم فلا تكون فيه حجة ويتعين حمل الامر على هذا لانه لو كان هذا واقعا بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابي بكر واقرا عليه لم تجز مخالفته ولم يجمع الصحابة

[ 505 ]

بعدهما على مخالفتهما ولو فعلوا ذلك لم يخل من منكر عليهم ويقول كيف تخالفون فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل صاحبيه؟ وكيف تتركون سنتهما وتحرمون ما احلا ولانه لو كان ذلك واقعا بعلمهما لاحتج به علي حين رأي بيعهن واحتج به كل من وافقه على بيعهن ولم يجر شئ من هذا فوجب أن يحمل الامر على ما حملناه عليه فلا يكون فيه إذا حجة ويحتمل انهم باعوا امهات الاولاد في النكاح لا في الملك (فصل) ومن اجاز بيعهن فعلى قوله ان لم يبعها سيدها حتى مات ولم يكن له وارث إلا ولدها عتقت عليه وان كان له وارث سوى ولدها حسبت منه نصيبه فعتقت وكان له ما بقي من ميراثه وان لم يبق شئ فلا شئ له وان كانت اكثر من نصيبه عتق منها قدر نصيبه وباقيها رقيق لسائر الورثة إلا على قول من قال انه إذا ورث سهما ممن يعتق عليه سرى العتق إلى باقيه فانه يعتق ان كان موسرا وإن لم يكن لها ولد من سيدها ورثها ورثته كسائر رقيقه (مسألة) (وإن ولدت من غير سيدها فلولدها حكمها في العتق بموت سيدها سواء عتقت أو ماتت) إذا ولدت ام الولد بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها من غير سيدها من زوج أو غيره فحكمه حكمها في أنه يعتق بموت سيدها ويجوز فيه من التصرفات ما يجوز فيها ويمتنع فيه ما يمتنع فيها قال

[ 506 ]

احمد قال عمر وبن عباس وغيرهما ولدهما بمنزلتها ولا نعلم في هذا خلافا بين القائلين بثبوت حكم الاستيلاد إلا أن عمر بن عبد العزيز قال هم عبيد فيحتمل أنه اراد انهم لا يثبت لهم حكم أمهم لان الاستيلاد يختص بها فتختص بحكمه كولد من علق عتقها بصفة ويحتمل انه أراد انهم عبيد حكمهم حكم أمهم مثل قول الجماعة لان الولد يتبع امه في الرق والحرية فيتبعها في سببه إذا كان متاكدا كولد المكاتبة والمدبرة بل ولد أم الولد اولى لان سبب العتق فيها مستقر لا سبيل إلى ابطاله بحال وإن ماتت أم الولد قبل سيدها لم يبطل حكم الاستيلاد في الولد وتعتق بموت سيدها لان السبب لم يبطل وانما لم تثبت الحرية فيها لانها لم تبق محلا وكذلك ولد المدبرة لا يبطل الحكم فيه بموت أمه وأما ولد المكاتبة إذا ماتت فانه يعود رقيقا بموتها فلم يبق حكمه فيه وفي ذلك اختلاف ذكرناه في بابه فان أعتق السيد أم الولد أو المدبرة لم يعتق ولدها لانها عتقت بغير السبب الذي تبعها فيه ويبقى عتقه موقوفا على موت سيده وكذلك ان اعتق ولدهما لم يعتقا بعتقه وان أعتق المكاتبة

[ 507 ]

فقد قال أحمد وسفيان واسحاق المكاتبة إذا أدت أو أعتقت عتق ولدها وأم الولد والمدبرة إذا أعتقت لم يعتق ولدها حتى يموت السيد فظاهر هذا أن ولد المكاتبة إذا أعتقها سيدها أنه يتبعها في العتق لانه في حكم مالها تستحق كسبه فيتبعها في العتق كمالها ولان اعتاقها منع أداءها بسبب من السيد فأشبه ما لو أبرأها من مال الكتابة (فصل) فاما ولد ام الولد قبل استيلادها وولد المدبرة قبل تدبيرها وولد المكاتبة قبل كتابتها فلا يتبعها لوجوده قبل انعقاد السبب فيها وزوال حكم التبعية عنه قبل تحقق السبب في امه ولهذا لا يتبعها في العتق المنجز ففي السبب أولى وذكر أبو الخطاب في ولد المدبرة قبل التدبير روايتين فيخرج ههنا مثله وهذا بعيد لان الولد المنفصل لا يتبعها في عتق ولا بيع ولا هبة ولا في شئ من الاحكام سوى الاسلام بشرط كونه صغيرا فيكف يتبع في التدبير؟ ولانه لا نص فيه ولا قياس يقتضيه فيبقى بحاله (مسألة) (وان مات سيدها وهي حامل فهل تستحق النفقة لمدة حملها؟ على روايتين) هذا يشبه ما إذا مات عن امرأة حامل هل تستحق النفقة لمدة حملها؟ على روايتين ومبنى الخلاف على الخلاف في نفقة الحامل هل هي للحمل أو للحامل؟ فان قلنا هي للحمل فلا نفقة لها ولا للامة الحامل لان الحمل

[ 508 ]

له نصيب في الميراث فتجب نفقته في نصيبه لا في انصباء شركائه، وان قلنا للحامل فالنفقة على الزوج والسيد لانهما شغلاها بحملها فكان عوض ذلك عليهما كما لو استأجرا دارا كانت اجرتها عليهما (مسألة) (وإذا جنت ام الولد فداها سيدها بقيمتها أو دونها وعنه يفديها بارش الجناية كله) إذا جنت أم الولد تعلق أرش جنايتها برقبتها وعلى السيد ان يفديها باقل الامرين من قيمتها أو دونها وبهذا قال الشافعي وحكى أبو بكر عبد العزيز قولا آخر انه يفديها بارش جنايتها بالغة ما بلغت لانه لم يسلمها في الجناية فلزمه أرش جنايتها بالغة ما بلغت كالقن وقال أبو ثور وأهل الظاهر ليس عليه فدؤاها وجنايتها في ذمتها تتبع بها إذا عتقت لانه لا يملك بيعها فلم يكن عليه فداؤها كالحرة ولنا أنها مملوكة له يملك كسبها لم يسلمها فلزمه أرش جنايتها كالقن ولا تلزمه زيادة على قيمتها لانه لم يمتنع من تسليمها وانما الشرع منع ذلك لكونها لم تبق محلا للبيع ولا لنقل الملك فيها وأما القن إذا لم يسلمها فلنا فيه منع وان سلم فلان القن أمكن ان يسلمها للبيع فربما زاد فيها راغب أكثر

[ 509 ]

من قيمتها فإذا امتنع مالكها من تسليمها أوجبنا عليه الارش بكماله بخلاف ام الولد فان ذلك لا يحتمل فيها لانه لا يجوز بيعها فلم يكن عليه أكثر من قيمتها (فصل) فان ماتت قبل فدائها فلا شئ على سيدها لانه لم يتعلق بذمته شئ وانما تعلق برقبتها فإذا ماتت سقط الحق لتلف متعلقه وان نقصت قيمتها قبل فدائها وجب فداؤها بقيمتها يوم الفداء لانها لو تلفت جميعها لسقط الفداء فيجب ان يسقط بعضه بتلف بعضها وان زادت قيمتها زاد فداؤها لان متعلق الحق زاد فزاد الفداء بزيادته كالقن وينبغي ان تجب قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد لان ذلك ينقصها فاعتبر كالمرض وغيره من العيوب ولان الواجب قيمتها في حال فدائها وقيمتها ناقصة عن قيمة ام الولد فيجب ان ينقص فداؤها وان يكون مقدرا بقيمتهما في حال كونها ام ولد والحكم في المدبرة كالحكم في ام الولد ان قلنا لا يجوز بيعها وان قلنا يجوز بيعها فيمكن تسليمها للبيع ان اختار كيدها فان امتنع منه فهل يفديها بقيمتها أو ارش الجناية بالغة ما بلغت يخرج على روايتين (فصل) فان كسبت بعد جنايتها شيئا فهو لسيدها لان الملك ثابت له دون المجني عليه وكذلك ولدها لانه منفصل عنها فاشبه الكسب ان فداها في حال حملها فعليه قيمتها حاملا لان الولد متصل بها أشبه سمنها وان اتلفها سيدها فعليه قيمتها لانه اتلف حق غيره أشبه اتلاف الرهن وان نقصها فعليه نقصها لانه لما ضمن العين ضمن اجزاءها

[ 510 ]

(مسألة) (فان عادت فجنب فداها أيضا وعنه يتعلق ذلك بذمتها) فاما ان جنت جنايات فان كانت الجنايات كلها قبل فداء شئ منها تعلق أرش الجميع برقبتها ولم يكن عليه فيها كلها الا قيمتها أو ارش جميعها وعليه الاقل منهما ويشترك المجني عليهم في الواجب لهم فان لم يف بها تحاصوا فيها بقدر اروش جناياتهم وان كانت الجناية الثانية بعد فدائه من الاولى فعليه فداؤها من التي بعدها كالاولى وحكى أبو الخطاب رواية ثانية عن أحمد أنه إذا فداها بقيمتها مرة لم يلزمه فداؤها بعد ذلك لانها جانية فلم يلزمه أكثر من قيمتها كما لو لم يكن فداها وقال الشافعي في أحد قوليه لا يضمنها ثانيا ويشارك الثاني الاول فيما أخذه كما لو كانت قبل فدائها ولنا أنها أم ولد جانية فلزمه فداؤها كالاولى ولان ما أخذه الاول عوض جنايته أخذه بحق فلم يجز ان يشاركه غيره فيه كارش جناية الحر أو الرقيق القن وفارق ما قبل الفداء لان ارش الجنايات

[ 511 ]

تعلق برقبتها في وقت واحد فلم يلزم السيد أكثر من قيمة واحدة كما لو كانت الجنايات على واحد (فصل) فان أبرأ بعضهم من حقه توفر الواجب على الباقين إذا كانت كلها قبل الفداء وان كانت المعفو عنها بعد فدائه توفر ارشها على سيدها (فصل) وللسيد تزويجها وان كرهت وبهذا قال أبو حنيفة وهو احد قولي الشافعي واختيار المزني وقال في القديم ليس له تزويجها الا برضاها لانه قد ثبت لها حكم الحرية على وجه لا يملك السيد ابطالها فلم يملك تزويجها بغير رضاها كالمكاتبة وقال في الثالث ليس له تزويجها وان رضيت لان ملكه فيها قد ضعف وهي لم تكمل فلم يملك تزويجها كاليتيمة وهل يزوجها الحاكم على هذا القول؟ فيه خلاف وقد روي عن أحمد أنه قيل له ان مالكا لا يرى تزويجها فقال وما يصنع مالك؟ هذا ابن عمر وابن عباس يقولان إذا ولدت من غيره كان لولدها حكمها ولنا أنها أمة يملك الاستمتاع منها واستخدامها فملك تزويجها كالقن وفارق المكاتبة فانه لا يملك ذلك منها والقول الثالث فاسد لذلك ولانه يفضي إلى منع النكاح لامرأة بالغة محتاجة إليه وقولهم يزوجها الحاكم لا يصح فان الحاكم لا يزوج الا عند عدم الولي أو غيبته أو عضله ولم يوجد واحد منهما. إذا ثبت هذا فانه إذا زوجها فالمهر له لانه بمنزلة كسبها وكسبها له

[ 512 ]

(مسألة) (وان قتلت سيدها عمدا فعليها القصاص وان عفوا على مال أو كانت الجناية خطأ فعليها قيمة نفسها وتعتق في الموضعين) إذا قتلت ام الولد سيدها عمدا فعليها القصاص لورثة سيدها ان لم يكن له منها ولد كما لو لم تكن ام ولد وان كان له منها ولد وهو الوارث وحده لم يجب عليها القصاص لانه لو وجب لوجب لولدها ولا يجب للولد على امه قصاص وقد توقف احمد عن هذه المسألة في رواية مهنا وقال دعنا من هذه المسائل وقياس مذهبه ما ذكرناه وان كان مع ولده منها اولاد له من غيرها لم يجب القصاص ايضا لان حق ولدها من القصاص يسقط فيسقط كله ونقل مهنا عن احمد انه يقتلها اولاده من غيرها وهذه الرواية تخالف اصول مذهبه والصحيح انه لا قصاص عليها وإذا لم يجب القصاص فعليها قيمة نفسها وهذا قول ابي يوسف وقال الشافعي عليها الدية لانها تصير حرة ولذلك لزمها موجب جنايتها والواجب على الحر بقتل الحر ديته. ولنا انها جناية من ام ولد فلم يجب بها اكثر من قيمتها كما لو وجب على اجنبي ولان اعتبار

[ 513 ]

الجناية في حق الجاني بحال الجناية بدليل ما لو جنى عبد فاعتقه سيده وهي في حال الجناية امة فانها انما عتقت بالموت الحاصل بالجناية فيكون عليها فداء نفسها بقيمتها كما يفديها سيدها إذا قتلت غيرها ولانها ناقصة بالرق اشبهت القن وتفارق الحر فانه جنى وهو كامل وانما تعلق موجب الجناية بها لانها فوتت رقها بقتلها سيدها فاشبه ما لو فوت المكاتب الجاني رقه بادائه (مسألة) (ولا حد على قاذفها وعنه عليه الحد) والاول قول أكثر أهل العلم وروي عن أحمد ان عليه الحد لان ذلك يروى عن ابن عمر ولان قذفها قذف لولدها الحر وفيها معنى منع بيعها اشبهت الحرة والاول أصح لانها أمة حكمها حكم الاماء في اكثر أحكامها ففي الحد أولى لان الحدود تدرأ بالشبهات ويحتاط لاسقاطها ولانها أمة تعتق بالموت اشبهت المدبرة وتفارق والحرة فانها كاملة (فصل) ولا يجب القصاص على الحرة بقتلها لعدم المكافأة فان كان القاتل رقيقا وجب القصاص عليه لانها اكمل منه وان جنت على عبد أو امة جناية فيها القصاص لزمها القصاص لانها أمة احكامها أحكام الاماء واستحقاقها العتق لا يمنع القصاص كالمدبرة

[ 514 ]

(فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وإذا اسلمت أم ولد الكافر منع من غشيانها وحيل بينه وبينها واجبر على نفقتها ان لم يكن لها كسب فان مات قبل ذلك عتقت وعنه أنها تستسعى في حياته وتعتق يصح استيلاد الكافر لامته كما يصح منه عتقها وإذا استولد أمته ثم اسلمت لم تعتق في الحال، وبه قال الشافعي وقال مالك تعتق إذ لا سبيل إلى بيعها ولا إلى اقرار ملكه عليها لما فيه من اثبات ملك كافر على مسلمة فلم يجز كالامة القن ونقل مهنا عن احمد مثل ذلك، وعن احمد رواية أخرى انها تستسعى فان أدت عتقت، وهو قول أبي حنيفة لان فيه جمعا بين الحقين حقها في ان لا يبقى ملك الكافر عليه وحقه في حصول عوض ملكه فأشبه بيعها إذا لم تكن أم ولد. ولنا انه اسلام طرأ على ملك فلم يوجب عتقا ولا سعاية كالعبد القن وما ذكروه حكمة لم يعرف من الشارع اعتبارها ويقابلها ضرر فان في اعتاقها مجانا اضرارا بالمالك بازالة ملكه بغير عوض وفي الاستسعاء الزامها الكسب بغير رضاها وتضييع لحق سيدها لان فيه إحالة على سعاية لا يدرى هل يحصل منها شئ أولا؟ وان حصل فالظاهر انه يكون يسيرا في أوقات متفرقة وجوده قريب من عدمه والاولى أن يبقى الملك على ما كان عليه ويمنع من وطئها والتلذذ بها كيلا يفعل ذلك وهو مشرك ويحال بينه وبينها ويمنع الخلوة بها لئلا يفضي إلى الوطئ المحرم ويجبر على نفقتها على التمام لانها مملوكته ومنعه من وطئها بغير معصية منها فأشبهت الحائض والمريضة وتسلم إلى امرأة ثقة تكون عندها لتحفظها وتقوم بامرها، وان احتاجت إلى آجر أو اجر مسكن فعلى سيدها وذكر

[ 515 ]

القاضي أن نفقتها في كسبها والفاضل منه لسيدها فان عجز كسبها عن نفقتها فهل يلزم سيدها تمام نفقتها؟ على روايتين، ونحو هذا مذهب الشافعي قال شيخنا والصحيح أن نفقتها عل سيدها وكسبها له يصنع به ما شاء وعليه نفقتها على التمام سواء كان لها كسب أو لم يكن لانها مملوكته ولم يجر بينهما عقد يسقط نفقتها ولا تملك به كسبها فهي كامته القن أو ما قبل اسلامها ولان الملك سبب لهذين الحكمين والحادث منهما لا يصلح مانعا لان الاستيلاد لا يمنع منها بدليل ما قبل اسلامها والاسلام لا يمنع بدليل ما لو وجد قبل ولادتها واجتماعهما لا يمنع لانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه لانه إذا لم تلزمه نفقتهه ولم يكن لها كسب أفضى إلى هلاكها وضياعها ولانه يملك فاضل كسبها فلزمه فضل نفقتها كسائر مماليكا (مسألة) (وإذا وطئ احد الشريكين الجارية واولدها صارت أم ولد له وولده حر وعليه قيمة نصيب شريكه فان كان معسرا كان في ذمته) وطئ الجارية المشتركة محرم بغير خلاف علمناه بين أهل العلم ولا حد فيه في قول اكثر اهل العلم، وقال أبو ثور يجب عليه الحد لانه وطئ محرم فاشبه وطئ الامة الاجنبية. ولنا انه وطئ صادف ملكه فلم يجب الحد كوطئ زوجته الحائض ويفارق مالا ملك له فيه فانه لا شبهة له فيها ولهذا لو سرق عينا له فيها شرك لم يقطع ولو لم يكن له فيها ملك قطع ويجب عليه التعزير بغير خلاف نعلمه لما ذكرنا في حجة أبي ثور فان وطئها ولم تحمل منه فهي باقية على ملكهما وعليه نصف مهر مثلها لانه وطئ سقط فيه الحد للشبهة فاوجب مهر المثل كما لو وطئها يظنها امرأته وسواء طاوعته أو اكرهها لان وطئ جارية الغير يوجب المهر وان طاوعت لان المهر لسيدها لا يسقط

[ 516 ]

بمطاوعتها كما لو أذنت في قطع بعض أعضائها والواجب عليه من المهر بقدر ملك الشريك فيها، فاما ان أحبلها ووضعت ما يتبين فيه بعض خلق الانسان فانها تصير بذلك أم ولد للواطئ كما لو كانت خالصة له وتخرج بذلك عن ملك الشريك كما تخرج بالاعتاق موسرا كان الواطئ أو معسرا لان الايلاد أقوى من الاعتاق. وهذا قول الخرقي ويلزمه نصف قيمتها لانه أخرج نصفها من ملك الشريك فلزمته قيمته كما لو أخرجه بالاعتاق أو الاتلاف فان كان موسرا أداه وان كان معسرا فهو في ذمته كما لو أتلفها والولد حر يلحق نسبه بوالده لانه من وطئ في محل له فيه ملك فأشبه ما لو وطئ زوجته فعلى هذا القول ان وطئها الثاني بعد ذلك فأولدها فعليه مهرها لانه وطئ صادف ملك الغير فاشبه وطئ الامة الاجنبية فان كان عالما فولده رقيق لانه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك فهو كوطئ مملوكة غيره وان جهل ايلاد شريكه وانها صارت أم ولد له فولده حر لانه من وطئ شبهة وعليه فداؤه بقيمته يوم الولادة لانه الوقت الذي يمكن التقويم فيه ذكره الخرقي. وقال القاضي الصحيح عندي أن الاول لا يسري استيلاده إذا كان معسرا ولا يقوم عليه نصيب شريكه بل يصير نصفها أم ولد ونصفها قن باق على ملك الشريك لان الاحبال كالعتق ويجري مجراه في التقويم والسراية واعتبر في سرايته اليسار كالعتق وهو قول أبي الخطاب ومذهب الشافعي فعلى هذا إذا ولدت يحتمل ان يكون الولد كله حرا، واحتمل ان يكون نصفه حرا ونصفه رقيقا كامه وكولد المعتق بعضها وبهذا يتبين انه لم يستحل انعقاد الاول من حر وقن، ووجه القول الاول أن الاستيلاد أقوى من العتق ولهذا ينفذ من رأس المال من المريض ومن المجنون بخلاف الاعتاق

[ 517 ]

(فصل) وهل يلزمه نصف قيمة الولد؟ على وجهين ذكرهما أبو الخطاب (احدهما) لا يلزمه وهو ظاهر كلام الخرقي لان الولد خلق حرا فلم يلزمه قيمة ولده الحر (والثاني) يلزمه نصف قيمته لشريكه لان الوطئ صادف ملك غيره وانما انتقلت بالوطئ الموجب للمهر فيكون الوطئ سبب الملك ولا يثبت الحكم الا بعد تمام سببه فيلزم حينئذ تقدم الوطئ على ملكه فيكون في ملك غيره وفعله ذلك مع انخلاق الولد على ملك الشريك فيجب عليه نصف قيمته كولد المغرور، وقال القاضي ان وضعت الولد بعد التقويم فلا شئ على الواطئ لانها وضعته في ملكه ووقت الوجوب حالة الوضع ولا حق للشريك فيها ولا في ولدها، وان وضعته قبل التقويم فهل تلزمه قيمة نصفه؟ على روايتين ذكرهما أبو بكر واختار انه لا يلزمه (مسألة) وعند القاضي وابي الخطاب ان كان الاول معسرا لم يسر استيلاده وتصير ام ولد لهما يعتق نصفها بموت احدهما) لانها ام ولد له وقد ذكرنا ذلك وان اعتق احدهما نصيبه بعد ذلك وهو موسر فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ على وجهين (احدهما) لا يسري عتقه لانه يبطل حقه صاحبه من الولاء الذي قد انعقد سببه بالاستيلاد (والثاني) يقوم عليه لحديث ابن عمر وهو اولى واصح ان شاء الله تعالى. (فصل) ولا فرق بين ان يكون في الامة ملك قليل أو كثير فالحكم في ذلك واحد لان مالك اليسير يملك بعضها اشبه الكثير والله سبحانه وتعالى اعلم * (تم الجزء الثاني عشر من كتابي.. والشرح الكبير وبه تم الكتاب) *

[ 518 ]

خاتمة الطبع الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المصلح الاعظم بالآيات البينات، والعلم النافع والحكم الباهرات، محمد رسول الله وخاتم النبيين، وآله الطاهرين، وأصحابه الهداة المهديين، ومن تبعهم إلى يوم الدين أما بعد فانه قد تم طبع كتاب (المغني) في فقه الاسلام، ومدارك المجتهدين من أئمته الاعلام، مع كتاب الشرح الكبير المقتبس منه مع زيادة بعض الفوائد والاستدراكات، وقد بينا مزايا الكتابين ووجوه الحاجة اليهما وترجمة مؤلفيهما في المقدمة التي نشرناها في الجزء الاول، وقد بلغت أجزاؤهما 12 مجلدا كبيرا ولا يسعنا الا أن نعود في هذه الخاتمة إلى الثناء على مسدي هذا الخير العظيم إلى الامة الاسلامية بالامر بطبعه والانفاق عليه من ماله الخاص به، امام السنة، ومحيي عدل الخلفاء وعلوم الائمة، مؤسس المملكتين، وخادم الحرمين الشريفين، عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز ونجد، وعاهل العرب في كل غور ونجد، أعزه الله تعالى وأعز به العرب والاسلام، ونفع به الانام، وقد كان أمرنا أولا بطبع خمسمائة نسخة منه فقط ليوزعها على علماء نجد، وأذن لنا أن نطبع منه ما شئنا على حسابنا لاجل نشره في سائر الامصار، وبعد صدور عدة أجزاء منه وكان قد استولى على الحجاز، واتسع الباب لنشر مطبوعاته فيه وفي غيره من الاقطار، فاشترى منا أكثر النسخ التي طبعناها لاجل البيع، وكان قد اشتهر الكتاب في مصر وغيرها، وصار يزيد عدد طالبيه فاضطررنا إلى زيادة ما كنا نطبعه لمكتبتنا عما تحتاج إليه لتكملة نسخ الذين اشتروا الاجزاء الاولى وما زالوا يكثرون حتى اضطررنا إلى إعادة طبع الاجزاء الاولى، ولا شك أن لهذا الامام والملم الهمام ثواب الالوف من النسخ التي يوزعها على العلماء مجانا وثواب سائر النسخ التي يشتريها منا المنتفعون بهذا الكتاب الجليل لانه هو السبب في وجوده، ولولاه لما أقدمنا ولا أقدم غيرنا على الاعلام، مع كتاب الشرح الكبير المقتبس منه مع زيادة بعض الفوائد والاستدراكات، وقد بينا مزايا الكتابين ووجوه الحاجة اليهما وترجمة مؤلفيهما في المقدمة التي نشرناها في الجزء الاول، وقد بلغت أجزاؤهما 12 مجلدا كبيرا ولا يسعنا الا أن نعود في هذه الخاتمة إلى الثناء على مسدي هذا الخير العظيم إلى الامة الاسلامية بالامر بطبعه والانفاق عليه من ماله الخاص به، امام السنة، ومحيي عدل الخلفاء وعلوم الائمة، مؤسس المملكتين، وخادم الحرمين الشريفين، عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز ونجد، وعاهل العرب في كل غور ونجد، أعزه الله تعالى وأعز به العرب والاسلام، ونفع به الانام، وقد كان أمرنا أولا بطبع خمسمائة نسخة منه فقط ليوزعها على علماء نجد، وأذن لنا أن نطبع منه ما شئنا على حسابنا لاجل نشره في سائر الامصار، وبعد صدور عدة أجزاء منه وكان قد استولى على الحجاز، واتسع الباب لنشر مطبوعاته فيه وفي غيره من الاقطار، فاشترى منا أكثر النسخ التي طبعناها لاجل البيع، وكان قد اشتهر الكتاب في مصر وغيرها، وصار يزيد عدد طالبيه فاضطررنا إلى زيادة ما كنا نطبعه لمكتبتنا عما تحتاج إليه لتكملة نسخ الذين اشتروا الاجزاء الاولى وما زالوا يكثرون حتى اضطررنا إلى إعادة طبع الاجزاء الاولى، ولا شك أن لهذا الامام والملم الهمام ثواب الالوف من النسخ التي يوزعها على العلماء مجانا وثواب سائر النسخ التي يشتريها منا المنتفعون بهذا الكتاب الجليل لانه هو السبب في وجوده، ولولاه لما أقدمنا ولا أقدم غيرنا على طبعه، لان التجار لا يقدمون على طبع اثني عشر مجلدا في الفقه لاحد فقهاء مذهب الامام أحمد بن حنبل مع قلة الحنابلة في الامصار وفقرهم، وقلة من يعلم ان هذا الكتاب هو في فقه الاسلام في جملته لا فقه الحنابلة وحدهم وقد بذلت مطبعتنا الجهد في تصحيح الكتاب بالمقابلة على أحسن النسخ الخطية المحفوظة في خزائن المكتبة المصرية الكبرى العامة وهذه النسخ من وقف الملك المؤيد رحمه الله تعالى ونسأل الله تعالى أن يثيبنا على ذلك وينفعنا نحن وسائر علماء المسلمين بهذا الكتاب النفيس. ولله الحمد أولا وآخرا. *. صاحب مطبعة المنار ومكتبتها بمصر محمد رشيد رضا

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية