الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 11

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 11


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة 682 ه‍ كلاهما على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الحادي عشر دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصيد الاصل في إباحة الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقال سبحانه (وإذا حللتم فاصطادوا) وقال سبحانه (يسئلونك ماذا أحل لهم؟ قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) وأما السنة فروى أبو ثعلبة الخشني قال اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله انا بارض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فاخبرني ماذا يصلح لي؟ " قال اما ما ذكرت أنكم بارض

[ 3 ]

صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم والذي ليس بمعلم فادركت ذكاته فكل " متفق عليه وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله انا نرسل الكلب المعلم فيمسك علينا قال " كل " قلت فان قتل؟ قال " وان قتل ما لم يشركه كلب غيره " قال وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض قال " ما خرق فكل وما قتل بعرضه فلا تأكل " متفق عليه أيضا وأجمع أهل العلم على اباحة الاصطياد والاكل من الصيد * (مسألة) * (ومن صاد صيدا فادركه حيا حياة مستقرة لم يحل إلا بالذكاة) اما ما ادرك ذكاته من الصيد فلا يشترط في اباحته سوى صحة التذكية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام " وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فادركت ذكاته فكل " فاما ان ادركه وفيه حياة مستقرة فلم يذبحه حتى مات نظرت، فان كان الزمان لا يتسع لذكاته فمات فانه يحل أيضا قال قتادة يأكله ما لم يتوان في ذكاته أو يتركه عمدا وهو قادر على ذكاته ونحوه قول مالك والشافعي وروي ذلك عن الحسن والنخمي، وقال أبو حنيفة لا يحل لانه أدركه وفيه حياة مستقرة فتعلقت اباحته بتذكيته كما لو اتسع الزمان

[ 4 ]

ولنا أنه لم يقدر على ذكاته كالذي قتله الصائد، ويفارق ما قاسوا عليه لانه أمكنه ذكاته وفرط بتركها، لو أدركه وفيه حياة مستقرة يعيش بها زمنا طويلا وأمكنه ذكاته ولم يذكه حتى مات لم يبح سواء كان به جرح يعيش معه اولا وبه قال مالك والليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لان ما كان كذلك فهو في حكم الحي بدليل ان عمر رضى الله عنه كانت جراحاته موجبة فأوصى واجيزت وصاياه وأقواله في تلك الحال ولم تسقط عنه الصلاة ولا العبادات ولانه ترك تذكيته مع القدرة عليها فاشبه غير الصيد * (مسألة) * (فان لم يجد ما يذكيه به أرسل الصائد له عليه حتى يقتله في إحدى الروايتين) واختاره الخرقي * (مسألة) * (فان لم يفعل وتركه حتى مات لم يحل وقال القاضي يحل والاخرى لا يحل الا ان يذكيه) اختلف قول أحمد في هذه المسألة فعنه مثل قول الخرقي وهو قول الحسن وابراهيم وقال في موضع إني لاقشعر من هذا يعني أنه لا يراه وهو قول أكثر أهل العلم لانه مقدور عليه فلم يبح بقتل الجارح كالانعام وكما لو أخذه سليما. ووجه الاول أنه صيد قتله الجارح له من غير امكان ذكاته فابيح كما لو ادركه ميتا ولانها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالبا فجاز ان تكون ذكاته على حسب الامكان

[ 5 ]

كالمتردية في بئر، وحكي عن القاضي أنه قال في هذا يتركه حتى يموت فيحل لانه صيد تعذرت تذكيته فابيح بموته من غير عقر الصائد له كالذي تعذرت تذكيته لقلة لبثه، والاول أصح لانه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة فلم يبح بغيرها إذا لم تكن آلة كسائر المقدور على تذكيته، ومسألة الخرقي محمولة على ما يخاف موته ان لم يقتله الحيوان أو يذكى فان كان به حياة يمكن بقاؤه إلى ان يأتي به منزله فليس فيه اختلاف لانه لا يباح الا بالذكاة * (مسألة) * (وان رمى صيدا فاثبته ثم رماه آخر فقتله لم يحل ولمن اثبته قيمته مجروحا على قاتله الا ان يصيب الاول مقتله دور الثاني أو يصيب الثاني مذبحه فيحل وعلى الثاني ما خرق من جلده) إذا رمى صيدا فاثبته ثم رماه آخر فأصابه لم تخل رمية الاول من قسمين (أحدهما) ان تكون موجئة مثل ان ينحره أو يذبحه أو تقع في خاصرته أو قلبه فينظر في رمية الثاني فان كانت غير موجئة فهو حلال ولا ضمان على الثاني الا ان ينقصه برميه شيئا فيضمن ما نقصه وبالرمية الاولى صار مذبوحا، وان كانت رمية الثاني موجئة فقال القاضي وأصحابه يحل كالتي قبلها وهو مذهب الشافعي

[ 6 ]

ويجئ على قول الخرقي ان يكون حراما كما لو ذبح حيوان فغرق في ماء أو ولئ عليه شئ فقتله وقد ذكرناه (القسم الثاني) ان يكون جرح الاول غير موجئ فينظر في رمية الثاني فان كانت موجئة فهو محرم لما ذكرنا الا ان تكون رمية الثاني ذبحته أو نحرته (فصل) فان لم تكن جراحة الثاني موجئة فله ثلاث صور (أحدها) ان يذكى بعد ذلك فيحل (الثانية) لم يذك حتى مات فهو حرام لانه مات من جرحين مبيح ومحرم فحرم كما لو مات من جرح مسلم ومجوسي وعلى الثاني ضمان جميعه لان جرحه هو الذي حرمه فكان جميع الضمان عليه (الثانية) قدر على ذكاته فلم يذكه حتى مات فيحرم لمعنيين (أحدهما) أنه ترك ذكاته مع امكانه (الثاني) أنه مات من جرحين مبيح ومحرم ويلزم الثاني الضمان وفي قدره احتمالان (أحدهما) يضمن جميعه كالتي قبلها (الاحتمال الثاني) يضمن بقسط جرحه لان الاول إذا ترك الذبح مع إمكانه كان جرحه حاضرا أيضا بدليل ما لو انفرد وقتل الصيد فيكون الضمان منقسما عليهما، وذكر القاضي في قسمه عليهما ان يقسط ارش جرح الاول وعلى الثاني ارش جراحته ثم يقسم ما بقي من القيمة بينهما نصفين، وفرض المسألة في صيد قيمته عشرة دراهم نقصه جرح الاول درهما ونقصه جرح الثاني درهما فعليه درهم

[ 7 ]

ويقسم الباقي وهو ثمانية بينهما نصفين فيكون على الثاني خمسة دراهم درهم بالمباشرة وأربعة بالسراية وتسقط حصة الاول وهي خمسة، وان كان ارش جرح الثاني درهمين لزماه ويلزمه نصف السبعة الباقية ثلاثة ونصف وذلك خمسة ونصف وتسقط حصة الاول اربعة ونصف، فان كانت جنايتهما مملوكة لغيرهما قسم الضمان عليهم كذلك، قال شيخنا: ويتوجه على هذه الطريقة انه سوى بين الجنايتين مع ان الثاني جنى عليه وقيمته دون قيمته يوم جنى عليه الاول وإن لم يدخل ارش الجناية في بدل النفس كما يدخل في الجناية على الآدمي قال شيخنا والجواب عن هذا ان كل واحد منهما انفرد باتلاف ما قيمته درهم وتساويا في اتلاف الباقي بالسراية وتساويا في الضمان وانما يدخل ارش الجناية في بدل النفس التي لا ينتقص بدلها باتلاف بعضها وهو الآدمي، أما البهائم فإذا جنى عليها جناية ارشها درهم نقص ذلك من قيمتها فإذا سرى إلى النفس اوجبنا ما بقي من قيمة النفس ولم يدخل الارش فيها وذكر أصحاب الشافعي في قسمة الضمان طرقا ستة (أصحها) عندهم ان يقال ان الاول اتلف نصف نفس قيمتها تسعة فيلزمه أربعة ونصف فيكون المجوع تسعة ونصفا وهي أقل من قيمته لانها عشرة فتقسم العشرة على تسعة ونصف فيسقط عن الاول ما يقابل اربعة ونصفا، ويتوجه على هذا ان كل

[ 8 ]

واحد منهما يلزمه أكثر من قيمة نصف الصيد حين جنى عليه، وان كانت الجراحات من ثلاثة فان كان الاول اثبته فعلى طريقة القاضي على كل واحد ارش جرحه وتقسم السراية عليهم اثلاثا وان كان المثبت له الثاني فجراحة الاول هدر لا عبرة بها والحكم في جرجي الآخرين كما ذكرنا وعلى الطريقة الاخرى الاول اتلف ثلث نفس قيمتها عشرة فيلزمه ثلاثة وثلث والثاني اتلف ثلثها وقيمتها تسعة فيلزمه ثلاثة (والثالث) اتلف ثلثها وقيمتها ثمانية فيلزمه درهمان وثلثان فمجموع ذلك تسعة تقسم عليها العشرة حصة كل واحد منهم ما يقابل ما اتلفه، وان اتلفوا شاة مملوكة لغيره ضمنوها كذلك (فصل) فان رمياه معا فقتلاه كان حلالا وملكاه لا نهما اشتركا في سبب الملك والحلل تساوى الجرحان أو تفاوتا لان موته كان بهما فان كان أحدهما موجئا والآخر غير موجئ ولا يثبته مثله فهو لصاحب الجرح الموجئ لانه الذي اثبته وقتله، ولا شئ على الآخر لان جرحه كان قبل ثبوت ملك الاخر فيه وان اصابه أحدهما بعد صاحبه فوجدناه ميتا لم نعلم هل صار بالاول ممتنعا اولا؟ حل لان الاصل الامتناع ويكون بينهما لان ايديهما عليه، فان قال كل واحد منهما انا اثبته ثم قتلته أنت حرم لانهما اتفقا على تحريمه ويتخالفان لاجل الضمان، ان اتفقا على الاول منهما فادعى الاول أنه اثبته

[ 9 ]

ثم قتله الاخر وأنكر الثاني اثبات الاول له فالقول قول الثاني لان الاصل امتناعه ويحرم على الاول لاقراره بتحريمه والقول قول الثاني في عدم الامتناع مع يمينه، وان علمت جراحة كل واحد منهما نظر فيها فان علم ان جراحة الاول لا يبقى معها امتناع مثل ان كسر جناح الطير أو ساق الظبي فالقول قول الاول بغير يمين، وان علم أنه لا يزيل الامتناع مثل خدش الجلد فالقول قول الثاني وان احتمل الامرين فالقول قول الثاني لان الاصل معه وعليه اليمين لان ما ادعاه الاول محتمل * (مسألة) * (وان ادرك الصيد متحركا كحركة المذبوح فحكمه حكم الميت لا يحتاج إلى ذكاة) لان عقره كذكاته، ومتى أدركه ميتا حل بشروط أربعة (أحدها) ان يكون من أهل الذكاة وهو ان يكون مسلما عاقلا أو كتابيا فان كان وثنيا أو مجوسيا أو مرتدا أو من غير المسلمين وأهل الكتاب أو مجنونا لم يبح صيده لان الاصطياد اقيم مقام الذكاة والجارح مقام الآلة كالسكين وعقره للحيوان بمنزلة افراء الاوداج قال النبي صلى الله عليه وسلم " فان أخذ الكلب له ذكاة " والصائد بمنزلة المذكي فتشترط الاهلية فيه

[ 10 ]

(فصل) فاما ما لا يفتقر إلى الذكاة كالحوت والجراد فيباح إذا صاده المجوسي ومن لا تباح ذبيحته وقد أجمع على ذلك أهل العلم غير ان مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن الجماعة وافرطوا فقال مالك والليث لا نرى ان يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك، واباح أبو ثور صيد المجوسي وذبيحته وقد ذكرنا ذلك في باب الذكاة * (مسألة) * (فان رمى مسلم ومجوسي صيدا أو ارسلا عليه جارحا أو شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله لم يحل، وان اصاب أحدهما المقتل دون الآخر حل ويحتمل أن لا يحل) متى رمى مسلم ومجوسي أو من ليس من أهل الذكاة صيدا أو ارسلا عليه جارحا فمات بذلك لم يحل لانه اجتمع في قتله مبيح ومحرم فغلب التحريم كالمتدلد بين ما يؤكل وبين مالا يؤكل، وكذلك ان شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله لما ذكرنا ولان الاصل الحظر، والحل موقوف على شرط وهو ان يذكيه من هو من أهل الذكاة أو صيده الذي حصلت التذكية به ولم يتحقق ذلك وكذلك ان رمياه بسهميهما فاصاباه فمات لما ذكرناه ولا فرق بين ان يقع سهماهما فيه دفعة واحدة أو يقع أحدهما قبل الآخر، فان اصاب احدهما مقتله دون الاخر مثل ان يكون قد عقره (1) عقرا موحيا مثل ان ذبحه أو جعله في حكم المذبوح ثم اصابه الثاني وهو غير موح ويجئ، على قول الخرقي ان لا يباح فانه قال


(1) هذا نقص ونصه مذبوح فيكون الحكم للاول فان كان الاول المسلم أبيح وان كان المجوسي لم يبح وان كان الثاني موحيا أيضا فقال أكثر أصحابنا الحكم للاول أيضا لان الاباحة حصلت به فأشبه ما لو كان الثاني غير اه‍ من المعني

[ 11 ]

إذا ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء لم تؤكل ولان الروح خرجت بالجرحين فاشبه ما لو جرحاه معا وان كان الاول ليس بموح فالحكم للثاني في الحظر والاباحة (فصل) فان ارسل مسلمان كلبيهما على صيد وسمى احدهما دون الآخر وكان احد الكلبين غير معلم فقتلا صيدا لم يحل، وكذلك ان ارسل كلبه المعلم فاستهل معه معلم اخر بنفسه فقتلا الصيد في قول اكثر اهل العلم منهم ربيعة ومالك والشافعي وابو ثور واصحاب الرأي وقال الاوزاعي يحل ههنا ولنا أن ارسال الكلب على الصيد شرط لما نذكره ولم يوجد في أحدهما. (فصل) إذا أرسل جماعة كلابا وسموا فوجدوا الصيد قتيلا لا يدرون من قتله حل أكله فان اختلفوا في قاتله وكانت الكلاب متعلقة به فهو بينهم على السواء لان الجميع مشتركة في امساكه فأشبه ما لو كان في أيدي الصيادين وعبيدهم، وان كان البعض متعلقا به دون باقيها فهو لمن كلبه معلق

[ 12 ]

به وعلى من حكمنا له به اليمين في المسئلتين، لان دعواه محتملة فكانت اليمين عليه كصاحب، اليد وان كان قتيلا والكلاب ناحية وقف الامر حتى يصطلحوا ويحتمل أن يقرع بينهم فمن قرع صاحبه حلف وكان له، وهذا قول أبي ثور قياسا على ما لو تداعيا دابة في يد غيرهما وعلى الاول إذا خيف فساده قبل اصطلاحهم عليه باعوه ثم اصطلحوا على ثمنه. * (مسألة) * (وان رد كلب المجوسي إلى كلب المسلم فقتله حل أكله) وهذا قول الشافعي وأبي ثور وقال أبو حنيفة لا يحل لان كلب المجوسي عاون في اصطياده فأشبه إذا عقره. ولنا أن جارحة المسلم انفردت بقتله فابيح كما لو رمى المجوسي سهمه فرد الصيد فأصابه سهم المسلم فقتله أو أمسك مجوسي شاة فذبحها مسلم وبهذا يبطل ما قاله. * (مسألة) * (وان صاد المسلم بكلب المجوسي حل صيده). وعنه لا يحل صيد المسلم بكلب المجوسي في الصحيح من المذهب، وبه قال سعيد بن المسيب والحكم ومالك والشافعي وأبو ثور واسحاق وأصحاب الرأي وعنه لا يباح وكرهه جابر والحسن ومجاهد والنخعي والثوري لقول الله تعالى (وما علمتم من الجوارح) وهذا لم يعلمه وعن الحسن انه كره الصيد بكلب اليهودي والنصراني لهذه الآية.

[ 13 ]

ولنا انه آلة صاد بها المسلم فحل صيده كالقوس والسهم، وقال ابن المسيب هو بمنزلة شفرته والآية دلت على إباحة الصيد بما علمناه وما علمه غيرنا فهو فيثبت الحكم بالقياس الذي ذكرناه، يحققه أن التعليم انما أثر في جعله آلة ولا تشترط الاهلية في ذلك هنا كعمل القوس والسهم وانما أثر فيما أقيم مقام الزكاة وهو ارسال الآلة من الكلب والسهم وقد وجد الشرط هنا. * (مسألة) * (وان صاد المجوسي بكلب المسلم لم يحل صيده في قول الجميع) * (مسألة) * (وان ارسل المسلم كلبا فزجره المجوسي حل صيده لان الصائد هو المسلم وان ارسله مجوسي فزجره مسلم لم يحل لان الصائد هو المجوسي). (فصل) الثاني الآلة وهي نوعان: محدد فيشترط له ما يشترط لآلة الذكاة ولابد أن يجرحه فان قتله بثقله لم يحل لانه وقذ فيدخل في عموم قوله تعالى (والموقوذة) * (مسألة) * (وان أصاب بالمعراض اكل ما قتل بحده دون عرضه) المعراض عود محدد وربما جعل في رأسه حديدة. قال احمد المعراض يشبه السهم يحذف به الصيد فربما اصاب الصيد بحده فخرق وقتل فيباح.

[ 14 ]

وربما اصاب بعرضه فقتل بثقله فيكون موقوذا فلا يباح وهذا قول علي وسليمان وعمار وابن عباس وبه قال النخعي والحكم ومالك والثوري والشافعي وابو حنيفة واسحاق وابو ثور وقال الاوزاعي والحكم واهل الشام يباح ما قتل بحده وعرضه وقال ابن عمر ما رمي من الصيد بحلاهق أو معراض فهو من الموقوذة وبه قال الحسن. ولنا ما روى عدي بن حاتم قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال " ما خرق فكل وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل " متفق عليه، وهذا نص صريح ولان ما قتل بحده بمنزلة ما طعنه برمحه أو رماه بسهمه، ولانه محدد خرق وقتل بحده وما قتل بعرضه انما يقتله بثقله فهو موقوذ كالذي رماه بحجر أو بندق ويحمل قول ابن عمر في تحريم ما قتل بالمعراض على ما قتل بعرضه ولانه شبهه بالبندق. (فصل) وحكم آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله أو الرمح والحربة والسيف يضرب به صفحا فيقتل فكل ذلك حرام، وكذا ان أصاب بحده فلم يجرح وقتل بثقله لم يبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما خرق فكل " ولانه إذا لم يجرحه فانما يقتل بثقله فأشبه ما أصاب بعرضه.

[ 15 ]

* (مسألة) * (وان نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيدا أبيح فان بان منه عضو فحكمه حكم البائن بضربة الصائد على ما نذكره). وروي نحو هذا عن ابن عمر وهو قول الحسن وقتادة، وقال الشافعي لا يباح بحال لانه لم يذكه أحد وانما قتلت المناجل بنفسها ولم يوجد من الصائد إلا السبب فجرى ذلك مجرى من نصب سكينا فذ بحث شاة ولانه لو رمى سهما وهو لا يرى صيدا فقتل صيدا لم يحل فذا أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " كل ما ردت عليك يدك " ولانه قصد قتل الصيد بما له حد جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرنا والتسبب يجري مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في إباحة الصيد، وفارق ما إذا نصب سكينا فان العادة لم تجر بالصيد بها وإذا رمى سهما ولم يرم صيدا فليس ذلك بمعتاد والظاهر انه لا يصيب صيدا فلم يصح قصده بخلاف هذا. * (مسألة) * (وإذا قتله بسهم مسموم لم يبح إذا غلب على الظن أن السم أعان على قتله) إنما كان كذلك لان ما قتله السم محرم وما قتله السهم مباح فإذا مات بسبب مباح ومحرم حرم كما لو مات بسهمي مسلم، فأما ان علم أن السم لم يعن على قتله لكون السهم أوحى منه فهو مباح.

[ 16 ]

* (مسألة) * (وان رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل أو وطئ عليه شئ فقتله لم يبح إلا أن تكون الجراح موحية كالذكاة فهل يحل؟ على روايتين). إذا وقع في ماء يقتله مثله أو تردى ترديا يقتله مثله فلا يحل إذا لم تكن الجراح موحية فان كانت الجراح موحية كالذكاة ففيه روايتان (احداهما) لا يحل وهو الذي ذكره الخرقي، وهي المشهورة عن أحمد وهو ظاهر قول ابن مسعود وعطاء وأصحاب الرأي (والرواية الثانية) يحل وهو قول أكثر أصحابنا المتأخرين ولا يضر وقوعه في الماء ولا ترديه، هو قول الشافعي ومالك والليث وقتادة وأبي ثور لان هذا صار في حكم الميت بالذبح فلا يؤثر فيه ما أصابه. ووجه الاولى قوله عليه الصلاة والسلام " وان وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " ولانه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير موحية ولا خلاف في تحريمه إذا كانت الجراح غير موحية، فاما ان وقع في الماء على وجه لا يقتله مثل أن يكون رأسه خارجا من الماء أو يكون من طير الماء الذي لا يقتله الماء أو كان التردي لا يقتل مثل ذلك الحيوان فلا خلاف في إباحته، لان قول النبي صلى الله عليه وسلم

[ 17 ]

" وان وجدته غريقا في الماء فلا تأكله " يقتضي أن يغرق جميعه، ولان الوقوع في الماء والتردي إنما حرم خشية أن يكون قاتلا أو معينا على القتل وهذا منتف فيما ذكرناه * (مسألة) * (فان رماه في الهواء فوقع على الارض فمات حل) إذا رمى طائرا في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع على الارض فمات به حل وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك لا يحل إلا أن تكون الجراح موحية أو يموت قبل سقوطه وحكي ابن أبي موسى عن أحمد رواية نحو ذلك لقوله تعالى (والمتردية) ولانه اجتمع المبيح والحاظر فغلب الحاظر كما لو غرق. ولنا أنه صيد سقط بالاصابة سقوطا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه فوجب أن يحل كما لو أصاب الصيد فوقع على جنبه ويخالف ما ذكروه فان الماء يمكن التحرز عنه بخلاف الارض. * (مسألة) * (وان رمى صيدا فغاب ثم وجده ميتا لا اثر به غير سهمه حل وعنه ان كانت الجراح موحية حل وإلا فلا وعنه ان جده في يومه حل وإلا فلا وان وجد به غير أثر سهمه مما يحتمل انه اعان على قتله لم يبح)

[ 18 ]

متى رمى صيدا فغاب عن عينه فوجده ميتا وسهمه فيه لا أثر به غيره حل أكله. هذا المشهور عن أحمد وكذلك لو ارسل كلبه على صيد فغاب عن عينه ثم وجده ميتا ومعه كلبه حل وهذا قول الحسن وقتادة عن أحمد ان كانت الجراح موحية حل والا فلا لانها إذا كانت موحية لم يتأخر الموت عنها ولم تجز نسبة الموت إلى غيرها الا بوجود مثلها أو أوحى بخلاف غيرها، وعنه ان وجده في يومه حل والا فلا قال احمد ان غاب نهارا فلا بأس وان غاب ليلا لم يأكله وعن مالك كالروايتين وعن أحمد ما يدل على انه ان غاب مدة طويلة لم يبح وان كانت يسيرة أبيح قيل له ان غاب يوما؟ قال يوم كثير، ووجه ذلك قول ابن عباس إذا رميت فاقعصت فكل وان رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فكل وان غاب عنك ليلة فلا تأكل فانك لا تدري ما حدث به بعدك. وكره عطاء والثوري أكل ما غاب وعن أحمد مثل ذلك وللشافعي فيه قولان لان ابن عباس قال: كل ما اصميت وما انميت فلا تأكل، قال الحكم الاصماء الاقعاص يعني انه يموت في الحال والانماء ان يغيب عنك يعني انه لا يموت في الحال قال الشاعر فهو لا تنمي رميته * ماله لا عد من نفره وقال أبو حنيفة يباح ان لم يكن ترك طلبه وان تشاغل عنه ثم وجده لم يبح

[ 19 ]

ولنا ما روى عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الا أثر سهمك فكل، وان وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " متفق عليه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله افتني في سهمي قال " ما رد عليك سهمك فكل " قال وان تغيب عني؟ قال " وان تغيب عنك ما لم تجد فيه اثرا غير سهمك أو تجده قد صل " رواه أبو داود وعن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا رميت الصيد فادركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن " ولان جرحه سبب إباحته وقد وجد يقينا والمعارض له مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك ولانه جده وسهمه فيه ولم يجد به أثرا آخر فاشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة أو كما لو غاب نهارا أو مدة يسيرة أو كما لو لم يغب. إذا ثبت هذا فانه يشترط لحله شرطان (احدهما) ان يجد سهمه فيه أو اثره ويعلم انه أثر سهمه لانه إذا لم يكن كذلك فهو شاك في وجود المبيح فلا يثبت بالشك (والثاني) ان لا يجد به أثرا غير أثر سهمه مما يحتمل انه أعان على قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما لم تجد فيه اثرا غير سهمك " وفي لفظ " ان وجدت فيه اثر غير سهمك فلا تأكله فانك لا تدري أقتلته أنت أو غيرك " رواه الدارقطني وفي لفظ " إذا وجدت فيه سهمك ولم يأكل منه سبع فكل منه " رواه النسائي وفي حديث عدي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " فان رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الا أثر سهمك فكل وان وقع في

[ 20 ]

الماء فلا تأكل " رواه البخاري ولانه إذا وجد به أثرا يصلح ان يكون قد قتله أو أعان على قتله فقد تحقق المعارض فلم يبح كما لو جد مع كلبه كلبا سواه، فأما ان كان الاثر مما لا يقتل مثله مثل أكل حيوان ضعيف كالسنور والثعلب من حيوان قوي فهو مباح لان هذا يعلم انه لم يقتله فهو كما لو تهشم من وقعته * (مسألة) * (وان ضربه فأبان منه عضو أو بقيت فيه حياة مستقرة لم يبح ما أبان منه وان بقي معلقا بجلده حل وان أبانه ومات في الحال حل الجميع وعنه لا يباح ما أبان منه) وجملة ذلك انه إذا رمى صيدا أو ضربه فأبان منه بعضه لم يخل من ثلاثة أقسام (احدها) ان يقطعه قطعتين أو يقطع رأسه فيحل جميعه سواء كانت القطعتان متساويتين أو متفاوتتين وبهذا قال الشافعي وروي ذلك عن عكرمة والنخعي وقتادة، قال أبو حنيفة ان كانتا متساويتين أو التي مع الرأس أقل حلتا وإن كانت الاخرى أقل لم تحل وحل الرأس وما معه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أبين من حي فهو ميت " ولنا أنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده فأبيح كما لو تساوت القطعتان (والثاني) ان يبين منه عضو وتبقى فيه حياة مستقرة فالبائن محرم بكل حال سواء بقي الحيوان حيا أو أدركه فذكاه أو رماه

[ 21 ]

بسهم آخر فقتله الا أنه ان ذكاه حل بكل حال دون ما أبان منه، وان ضربه في غير مذبحه فقتله نظرت، فان لم يكن اثبته بالضربة الاولى حل دون ما أبان منه، وان كان اثتبه لم يحل شئ منه لان ذكاة المقدور في الحلق واللبة (الثالث) أبان منه عضوا ولم تبق فيه حياة مستقرة ففيها روايتان (اشهرهما) عن أحمد إباحتها قال أحمد انما حديث النبي صلى الله عليه وسلم " ما قطعت من الحي ميتة إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب " اما إذا كانت البينونة والموت جميعا أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا باس به الا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت، وهذا مذهب الشافعي وروي ذلك عن علي وعطاء والحسن وقال قتادة وابراهيم وعكرمة ان وقعا معا أكلهما وان مشى بعد قطع العضو اكله ولم يأكل العضو (والرواية الثانية) لا يباح ما بان منه وهو مذهب ابي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما ابين من حي فهو ميت " ولان هذه البينونة لا تمنع بقاء الحيوان في العادة فلم يبح أكل البائن كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة والاولى المشهورة لان ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه كما لو قده نصفين والخبر يقتضي ان يكون الباقي حيا حتى يكون المنفصل منه ميتا وكذا نقول قال فان بقي معلقا بجلده حل رواية واحدة ذكره أبو الخطاب لانه لم يبن

[ 22 ]

(فصل) قال أحمد ثنا هشيم عن منصور عن الحسن انه كان لا يرى بالطريدة بأسا كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم واستحسنه أبو عبد الله قال والطريدة الصيد يقع بين القوم فيقطع ذامنه بسيفه قطعة ويقطع الآخر أيضا حتى يؤتى عليه وهو حي قال وليس هو عندي الا ان الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فيقطعونه قطعا * (مسألة) * (وان اخذ قطعة من حوت وافلت حيا أبيح ما أخذ منه) لان أقصى ما فيه انه ميت وميتته حلال لقوله عليه الصلاة والسلام في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " * (مسألة) * (وأما ما ليس بمحدد كالبندق والعصي والحجر والشبكة والفخ فلا يباح ما قتل به) لانه وقيذ أما ما قتلته الشبكة والحبل فهو محرم لا نعلم فيه خلافا الا عن الحسن انه مباح إذا قتله الحبل إذا سمى فدخل فيه وجرحه وهذا قول شاذ يخالف عوام اهل العلم ولانه قتل بما ليس له حد اشبه ما قتله بالبندق (فصل) فأما ما قتل البندق والحجر الذي لا حد له فلا يؤكل وهذا قول عامة الفقهاء فأما الحجر المحدد كالصوان فهو كالمعراض ان قتل بحده ابيح وان قتل بعضره أو ثقله فهو وقيذ لا يباح قال

[ 23 ]

ابن عمر في المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة وكره ذلك سالم والقاسم ومجاهد وعطاء والحسن وابراهيم ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور. ورخص فيما قتل بها ابن المسيب أيضا وعمار وعبد الرحمن ابن أبي ليلى ولنا قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - والموقوذة) وروى سعيد باسناده عن ابراهيم عن عدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا تأكل من البندقة الا ما ذكيت " وقال عمر رضي الله عنه ليتق أحدكم ان يحذف الارنب بالعصا والحجر ثم قال ولتذك لكم الاسل الرماح والنبل. إذا ثبت هذا فسواء شدخه أو لم يشدخه حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه أو أطارت رأسه لم يحل ومثله لو فعل ذلك بحجر غير محدد (فصل) أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي إذا لم يذكه من هو من أهل الذكاة الا مالا ذكاة له كالسمك والجراد، الا ان مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن الجماعة وأفرطوا، فاما مالك والليث فقالا لا نرى يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك، وأبا ثور اباح صيده لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " وهذا قول يخالف الاجماع فلا عبرة به والحديث انما أريد به قبول الجزية منهم لا تحليل ذبائحهم ونسائهم لمخالفته الاجماع

[ 24 ]

(النوع الثاني) الجارحة فيباح ما قتلته ان كانت معلمة الا الكلب الاسود البهيم فلا يباح صيده، ولا خلاف في اعتبار شرط التعليم في الجارحة لقوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم) فاما الكلب الاسود البهيم فلا يباح صيده، والبهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه قال أحمد الذي ليس فيه بياض قال ثعلب وابراهيم الحربي كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم قيل لهما من كل لون؟ قال نعم، وممن كره صيده الحسن والنخعي وقتادة واسحاق قال احمد ما اعرف أحدا يرخص فيه يعني من السلف واباح صيده أبو حنيفة ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر والقياس على غيره من الكلاب ولنا أنه كلب محرم اقتناؤه فلم يبح صيده كغير المعلم ودليل تحريم اقتنائه قول النبي صلى الله عليه وسلم " فاقتلوا منها كل أسود بهيم " رواه سعيد وغيره وروى مسلم في صحيحه باسناده عن عبد الله بن المغفل قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها فقال " عليكم بالاسود البهيم ذي النكتتين فانه شيطان " فأمر بقتله وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه فلم يبح صيده كغير المعلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم سماه شيطانا ولا يجوز اقتناء الشيطان، واباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم

[ 25 ]

كسائر الرخص والعمومات مخصوصة بما ذكرناه، وان كان فيه نكتتان فوق عينيه لم يخرج بذلك عن كونه بهيما لما ذكرنا من الخبر * (مسألة) * (والجوارح نوعان ما يصيد بنابه كالكلب والفهد فتعليمه بثلاثة أشياء، ان يسترسل إذا ارسل وينزجر إذا زجر وإذا أرسل لم يأكل) * (مسألة) * (ولا يعتبر تكرر ذلك منه) هذا قول الشريف أبي جعفر وأبي الخطاب بل يحصل ذلك بالمرة لانه تعلم صنعة فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع، وقال القاضي يعتبر تكرار ذلك منه مرة بعد اخرى حتى يصير معلما في العرف وأقل ذلك ثلاث وهو قول أبي يوسف ومحمد ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات لان التقدير بالتوقيف ولا توقيف في هذا بل قدره بما يصير به في العرف معلما، وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا تكرر مرتين صار معلما لان التكرار يحصل بمرتين وانما اشترطنا التكرار لان تركه للاكل يحتمل ان يكون لشبع ويحتمل ان يكون لتعليم فلا يتميز ذلك الا بالتكرار وما اعتبر فيه التكرار

[ 26 ]

اعتبر ثلاثا كالمسح في الاستحمار والاقرار والشهود في العدة والغسلات في الوضوء. ويفارق الصنائع فانه لا يتمكن من فعلها الا من تعلمها فإذا فعلها علم أنه تعلمها وعرفها، وترك الاكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره فيوجد من الصنفين جميعا فلا يتميز به أحدهما من الاخر حتى يتكرر (فصل) قد ذكرنا ان ترك الاكل شرط لكون الجارح المذكور معلما وحكي عن ربيعة ومالك أنه لا يشترط ترك الاكل لما روى أبو ثعلبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ارسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وان أكل " ذكره الامام أحمد ورواه أبو داود ولنا ان العادة في المعلم ترك الاكل فاعتبر شرطا كالانزجار إذا زجر وحديث أبي ثعلبة معارض بما روي عدي بن حاتم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فان أكل فلا تأكل فاني اخاف ان يكون انما امسك على نفسه " وهذا اولى بالتقديم لانه اصح وهو متفق عليه ولانه متضمن للزيادة وهو ذكر الحكم معللا ثم ان حديث أبي ثعلبة محمول على جارحة ثبت تعليمها لقوله " إذا ارسلت كلبك المعلم " ولا يثبت التعليم حتى يترك الاكل، إذا ثبت هذا فان الانزجار بالزجر انما يعتبر قبل إرساله على الصيد أو رؤيته أما بعد ذلك فانه لا يعتبر الانزجار بحال قال شيخنا ولا أحسب هذه الخصال تعتبر في

[ 27 ]

غير الكلب فانه الذي يجيب صاحبه إذا دعاه وينزجر إذا زجره والفهد لا يكاد يجيب داعيا وان عد متعلما فيكون التعليم في حقه ترك الاكل خاصة أو بما يعده به أهل العرف معلما * (مسألة) * (فان أكل بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده ولم يبح ما اكل منه في احدى الروايتين والاخرى يحل) أصح الروايتين ان ما اكل منه لا يباح ويروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وبه قال عطاء وطاوس وعبيد بن عمير والشعبي والنخعي وسويد بن عفلة وأبو بردة وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك وقتادة واسحاق وأبو حنيفة وأصحابه (والثانية) يباح روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسلمان وأبي هريرة وابن عمر حكاه عنهم الامام احمد وبه قال مالك وللشافعي قولان كالمذهبين واحتج من أباحه بعموم قوله تعالى (فكلوا مما امسكن عليكم) ولحديث أبي ثعلبة ولانه صيد جارح معلم فابيح كما لو لم يأكل فان الاكل يحتمل ان يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم " إذا ارسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما امسك عليك " قلت وان قتل؟ قال " وان قتل الا ان يأكل الكلب فان أكل فلا

[ 28 ]

تأكل فاني اخاف ان يكون انما امسك على نفسه " متفق عليه ولان ما كان شرطا في الصيد الاول كان شرطا في سائر صيوده كالارسال والتعليم فاما الآية فلا تتناول هذا الصيد لانه قال (مما أمسكن عليكم) وهذا انما امسك على نفسه واما حديث أبي ثعلبة فقال احمد يختلفون عن هشيم فيه وحديثنا اصح لانه متفق عليه وحديث عدي أضبط ولفظه ابين لانه ذكر الحكم والعلة، قال احمد حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الشعبي يقول كان جاري وربيطي فحدثني والعمل عليه ويحتمل أنه أكل منه بعد ان قتله وانصرف عنه (فصل) ولا يحرم ما تقدم من صيده في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يحرم لانه لو كان معلما ما اكل ولنا عموم الآية والاخبار وانما خص ما أكل منه ففيما عداه يجب العمل بالعموم ولان اجتماع شروط التعليم حاصل فوجب الحكم به ولهذا حكمنا بحل صيده فإذا وجد الاكل احتمل ان يكون لنسيان أو فرط جوع فلا يترك ما ثبت يقينا بالاحتمال

[ 29 ]

(فصل) ولا يحرم ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه ويحتمل كلام الخرقي أنه يخرج عن ان يكون معلما فتعتبر له شروط التعليم ابتداء والاول اولى لما ذكرنا في صيده قبل الاكل (فصل) فان شرب من دمه ولم يأكل منه لم يحرم نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وكرهه الشعبي والثوري لانه في معنى الاكل ولنا عموم الآية والاخبار وإنما خرج منه ما اكل منه لحديث عدي وهو قوله " فان اكل منه فلا تأكل " وهذا لم يأكل ولان الدم لا يقصده الصائد منه ولا ينتفع به فلا يخرج بشربه عن ان يكون ممسكا على صائده (فصل) وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم كالفهد وجوارح الطير فحكمه حكم الكلب في اباحة صيده قال ابن عباس في قوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) هي الكلاب المعلمة وكل طير تعلم الصيد والفهود والصقور واشباهها وبمعنى ذلك قال طاووس ويحيى ابن أبي كثير والحسن ومالك والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وأبو ثور وحكي عن ابن عمر ومجاهد انه لا يجوز الصيد الا بالكلب لقول الله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) يعني علمتم من الكلاب

[ 30 ]

ولنا ما روي عن عدي قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال " إذا امسك عليك فكل " ولانه جارح يصاد به عادة ويقبل التعليم فاشبه الكلب، فاما الآية فان الجوارح الكواسب قال الله تعالى (ويعلم ما جرحتم) أي كسبتم وفلان جارحة أهله أي كاسبهم (مكلبين) من التكليب وهو الاغراء (النوع الثاني) ذو المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين فتعليمه بان يسترسل ويجيب إذا دعي ولا يعتبر ترك الاكل، فعلى هذا يباح صيده وان أكل منه وبهذا قال ابن عباس واليه ذهب النخعي وحماد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ونص الشافعي على أنه كالكلب في تحريم ما أكل منه من صيده، لان مجالدا روى عن الشعبي عن عدي عن النبي صلى الله عليه وسلم " فان أكل الكلب والبازي

[ 31 ]

فلا تأكل " ولانه جارح أكل مما صاده عقيب قتله فأشبه سباع البهائم. ولنا إجماع الصحابة فروي الخلاف باسناده عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل وان أكل الصقر فكل لانك تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب وخالفهم ابن عباس ووافقهم في الصقر ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم ولان جوارح الطير تعلم بالاكل ويتعذر تعليمها بترك الاكل فلم يقدح في تعليمها بخلاف الكلب والفهد، وأما الخبر فلا يصح برواية مجالد وهو ضعيف قال أحمد مجالد يضير القصة واحدة كم من أعجوبة لمجالد؟ والرواية الصحيحة تخالفه، ولا يصح قياس الطير على السباع لما بينهما من الفرق وعلى هذا كل ما امكن تعليمه والاصطياد به من جوارح الطير كالبازي والصقر والعقاب والباشق ونحوه حل صيدها على ما ذكرنا. * (مسألة) * (ولابد أن يجرح الصيد فان قتله بصدمته أو خنقه لم يبح) قال الشريف وبه قال أكثرهم وقال ابن حامد يباح وهو قول للشافعي لعموم الآية والخبر. ولنا أنه قتله بغير جرح أشبه ما لو قتله بالحجر والبندق، ولان الله تعالى حرم الموقوذة وهذا

[ 32 ]

كذلك وهو يخص ما ذكروه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " يدل على أنه يباح ما لم ينهر الدم. * (مسألة) * (وما أصابه فم الكلب هل يجب غسله؟ على وجهين) [ أحدهما ] لا يجب، لان الله تعالى ورسوله أمرا بأكله ولم يأمرا بغسله [ والثاني ] يجب لان نجاسته قد ثبتت فيجب غسل ما أصابه كبوله. * (فصل) * قال رحمه الله (الثالث أن يرسل الآلة قاصدا للصيد فان استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح صيده وان زجره إلا أن يزيد عدوه بزجره فيحل، وبهذا قال ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور واصحاب الرأي وقال عطاء والاوزاعي يؤكل صيده إذا جرح الصيد، وقال اسحاق إذا

[ 33 ]

سمى عند انفلاته أبيح وروى باسناده عن ابن عمر أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد الصيد قال إذا ذكر اسم الله فكل قال اسحاق فهذا الذي اختار إذا لم يتعمد ارساله من غير اسم الله عليه قال الخلال هذا قول أبي عبد الله. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، ولان ارسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه فان استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره فزاد عدوه بزجره ابيح صيده، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يباح وعن مالك كالمذهبين. ولنا أن زجره أثر في عدوه فصار كما لو أرسله، لان فعل الآدمي إذا انضاف إلى فعل البهيمة كان الاعتبار بفعل الانسان بدليل أنه لو عدا على إنسان فأغراه آدمي فأصابه ضمن الآدمي، وان لم يزد عدوه بزجره لم يبح لانه لم يؤثر شيئا فهو كما لو لم يزجره

[ 34 ]

(فصل) وان أرسله بغير تسمية ثم سمى وزجره فزاد عدوه فظاهر كلام أحمد أنه يباح فانه قال إذا أرسل ثم سمى فانزجر أو أرسل وسمى فالمعنى قريب من السواء وظاهر هذا الاباحة لانه انزجر بتسميته وزجره فأشبه التي قبلها، وقال القاضي لا يباح لان الحكم يتعلق بالارسال الاول بخلاف ما إذا استرسل بنفسه ولانه لا يتعلق به حظر ولا إباحة. * (مسألة) * (وان أرسل كلبه إلى هدف فقتل صيدا أو أرسله يريد الصيد ولا يرى صيدا لم يحل صيده إذا قتله) لان قصد الصيد شرط ولم يوجد وكذلك ان قصد إنسانا أو حجرا أو رمى عينا غير قاصد صيدا فقتله لم يحل لانه لم يقصد صيدا لكون القصد لا يتحقق إلا بعلمه، وبهذا قال الشافعي في الكلب وقال الحسن ومعاوية بن قرة يأكله لعموم الآية والخبر ولانه قصد الصيد فحل له ما صاده كما لو رآه ولنا أن قصد الصيد شرط ولا يصح مع عدم العلم فأشبه ما لو لم يقصد الصيد.

[ 35 ]

* (مسألة) * (فان رمى حجرا يظنه صيدا فأصاب صيدا لم يحل ويحتمل أن يحل ذكره أبو الخطاب) لانه لم يقصد شيئا على الحقيقة ويحتمل أن يحل اختاره شيخنا لانه قصد الصيد أشبه ما لو رآه، ولان صحة القصد تبنى على الظن وقد وجد وصح قصده فينبغي أن يحل صيده، فأما ان شك هل هو صيد أم لا؟ وغلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يبح، لان صحة القصد تنبني على العلم ولم يوجد ذلك. (فصل) فان رأى سوادا أو سمع حسا فظنه آدميا أو بهيمة أو حجرا فرماه فقتله فإذا هو صيد لم يبح، وبهذا قال مالك ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة والشافعي يباح ان كان المرسل سهما ولا يباح ان كان جارحا واحتج من أباحه بعموم الآية والخبر، ولانه قصد الاصطياد وسمى فاشبه ما لو علمه صيدا. ولنا انه لم يقصد فلم يبح كما لو رمى هدفا فاصاب صيدا أو كما في الجارح عند الشافعي وان ظنه كلبا أو خنزيرا لم يبح لذلك وقال محمد بن الحسن يباح لانه مما يباح قتله، ولنا ما تقدم

[ 36 ]

* (مسألة) * (وان رمى صيدا فقتل غيره أو رمى صيدا فقتل جماعة حل) إذا رمى صيدا فأصابه هو وغيره حلا جميعا والجارح في هذا بمنزلة السهم. نص احمد على ذلك وبه قال الثوري وقتادة وأبو حنيفة والشافعي إلا أن الشافعي قال إذا أرسل الكلب على صيد فأخذ آخر في طريقه حل وان عدل عن طريقه إليه ففيه وجهان، وان ارسله على صيد فقتل غيره أبيح وقال مالك إذا أرسل كلبه على صيد بعينه فاخذ غيره لم يبح لانه لم يقصد صيده إلا ان يرسله على صيود فتفرق عن صغار فانها تباح إذا اخذها. ولنا عموم قوله تعالى (فكلوا مما امسكن عليكم) وقوله عليه السلام " إذا ارسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل مما امسك عليك " وقوله عليه السلام " كل ما ردت عليك قوسك " ولانه ارسل آلة الصيد على صيد فحل ما صاده كما لو ارسلها على كبار فتفرقت عن صغار فاخذها عند مالك أو كما لو اخذ صيدا في طريقه عند الشافعي ولانه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد فسقط اعتباره.

[ 37 ]

* (مسألة) * (وان أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتلته ولولاها ما وصل حل) لانه قتل الحيوان بسهمه ورميه فحل كما لو وقع سهمه في حجر فرده إلى الصيد فقتله * (مسألة) * (وان رمى صيدا فاثبته ملكه، فان تحامل فأخذه غيره لزمه رده كما يلزمه رد الشاة) * (مسألة) * (وان لم يثبته فذخل خيمة إنسان فأخذه فهو لآخذه) لان الاول لم يملكه لكونه ممتنعا فملكه الثاني باخذه، ولو رمى طيرا على شجرة في دار قوم فطرحه في دارهم فأخذوه فهو للرامي دونهم لانه ملكه بازالة امتناعه. * (مسألة) * (وان وقع صيد في شبكة انسان فخرقها وذهب بها فصاده آخر فهو للثاني) أما إذا تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته ملكه لانه أثبته بآلته ذكره أصحابنا فان أخذه انسان لزمه رده عليه لان آلته اثبتته فاشبه ما لو اثبته بسهمه وان لم تمسكه الشبكة بل انفلت منها في الحال أو

[ 38 ]

بعد حين لم يملكه لانه لم يثبته وان أخذ الشبكة وذهب بها فصاده انسان ملكه ويرد الشبكة على صاحبها دون الصائد لانه لم يثبته، وان كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها لانها ازالت امتناعه، فاما ان امسكه الصائد وثبتت يده عليه ثم انفلت منه لم يزل ملكه عنه لانه امتنع منه بعد ثبوت ملكه عليه فلم يرد ملكه عنه. كما لو شردت فرسه أو ند بعيره. (فصل) فان اصطاد صيدا فوجد عليه علامة مثل قلادة في عنقه أو في اذنه قرطا لم يملكه لان الذي صاده ملكه فلا يزول ملكه بالانفلات، وكذلك ان وجد طائرا مقصوص الجناح ويكون لقطة فان قيل يحتمل ان الذي أمسكه أولا محرم لم يملكه أو انه أرسله على سبيل التخلية وازالة الملك عنه كالقاء الشئ التافه قلنا أما الاول فنادر وهو مخالف للظاهر لان ظاهر حال المحرم انه لا يصيد ما حرم الله تعالى عليه، وأما الثاني فخلاف الاصل فان الاصل بقاء ملكه عليه وما ذكروه محتمل فلا يزول الملك بالشك * (مسألة) * (ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حجره فهي له دون صاحب السفينة) وذلك لان السمك من الصيد المباح فملك بالسبق إليه وهذه حصلت في يد الذي هي في حجره

[ 39 ]

وحجره له ويده عليه دون صاحب السفينة ألم تر انهما لو تنازعا كيسا في حجره كان أحق به من صاحب السفينة؟ كذا ههنا، فأما ان وقعت السمكة في السفينة فهي لصاحبها ذكره ابن أبي موسى وهو مفهوم كلام الخرقي لان السفينة ملكه ويده عليها فما حصل من المباح فيها كان أحق به كحجره (فصل) فان كانت السمكة وثبت بفعل انسان لقصد الصيد كالصياد الذي يجعل في السفينة ضوأ بالليل وبدق بشئ كالجرس ليثب السمك في السفينة فهذا للصياد دون من وقع في حجره لان الصائد اثبتها بذلك فصار كمن رمى طائرا فألقاه في دار قوم وان لم يقصد الصيد بهذا بل حصل اتفاقا كانت لمن وقعت في حجرة * (مسألة) * (وان صنع بركة ليصيد بها السمك فما حصل فيها ملكه وان لم يقصد بها ذلك لم يملكه) كما لو توحل الصيد في أرضه وكذلك لو حصل في أرضه سمك من مد الماء، وان عشش فيها طائر لم يملكه ولغيره أخذه كما يجوز له أخذ الماء والكلا) * (مسألة) * (ويكره صيد السمك بالنجاسة) وهو أن يترك في الماء شئ نجس كالعذرة والميتة وشبههما ليأكله السمك ليصيد به، كره أحمد

[ 40 ]

ذلك وقال هو حرام لابصادبه وانما كره لما يتضمن من أكل السمك للنجاسة فيشبه الجلالة وسواء في هذا ما يتفرق كالدم ومالا يتفرق كقطعة من الميتة، وكره أحمد الصيد ببنات وردان وقال ان مأواها الحشوش وكره الصيد بالضفادع وقال نهي عن قتل الضفدع * (مسألة) * [ ويكره صيد الطير بالشباش ] وهو طير يخيط عينيه أو يربطه وكره أحمد الصيد بالخراطيم وكل شئ فيه روح لما فيه من تعذيب الحيوان فان صاده فالصيد مباح ولم ير بأسا بالصيد بالشبكة والشرك وبالدبق الذي يمنع الحيوان من الطيران وان يطعم شيئا إذا أكله سكر واخذ * (مسألة) * [ وان أرسل صيدا وقال أعتقتك لم يزل ملكه عنه ويحتمل ان يزول وهو لمن أخذه ] ظاهر المذهب انه لا يزول ملكه عنه بالارسال والاعتاق قاله أصحابنا كما لو أرسل البعير والبقرة ويحتمل ان يزول الملك لان الاصل الاباحة والارسال يرده إلى أصله ويفارق بهيمة الانعام من وجهين [ أحدهما ] ان الاصل ههنا الاباحة وبهيمة الانعام بخلافه (الثاني) ان الارسال ههنا يفيد وهو رد الصيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين وحبسهم ولهذا روي عن أبي الدرداء انه اشترى عصفورا من صبي فأرسله ولانه يجب ارسال الصيد عل المحرم إذا أحرم بخلاف بهيمة الانعام فان ارساله تضييع له وربما هلك إذا لم يكن له من يقوم به * (فصل) * قال رضي الله عنه (الرابع التسمية عند ارسال السهم أو الجارحة فقان تركها لم يبح سواء تركها عمدا أو سهوا في ظاهر المذهب وعنه ان نسيها على السهم أبيح وان نسيها على الجارحة لم يبح)

[ 41 ]

ظاهر المذهب ان التسمية شرط لاباحة الصيد وانها لا تسقط بالسهو وهو قول الشعبي وأبي ثور وداود وروى حنبل عن أحمد أن التسمية تسقط بالنسيان قال الخلال سها أحمد في نقله، وممن اباح متروك التسمية في النسيان دون العمد أبو حنيفة ومالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولان ارسال الجارحة جرى مجرى التذكية فعفي عن النسيان فيه كالذكاة، وعن أحمد ان التسمية تشترط على ارسال الكلب والعمد والنسيان بخلاف السهم فان السهم آلة خفيفة وليس له اختيار فهو بمنزلة السكين بخلاف الحيوان فانه يفعل باختياره وقال الشافعي يباح متروك التسمية عمدا وسهوا لان البراء روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم " وعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له أرأيت الرجل منا يذبح وينسى ان يسمي الله؟ فقال " اسم الله في قلب كل مسلم " وقد روي عن أحمد مثل ذلك ولنا قوله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وقال (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل " قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال " لا تأكل فانك انما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر " متفق عليه وفي لفظ " إذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل " وفي حديث أبي ثعلبة " وما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل " وهذه نصوص صحيحة فلا يعرج على ما خالفها وقوله " عفي لامتي عن

[ 42 ]

الخطأ والنسيان يقتضي نفي الاثم لا جعل الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شرط الصلاة والفرق بين الصيد والذبيحة ان الذبح وقع في محله فجاز ان يتسامح فيه بخلاف الصيد وأحاديث أصحاب الشافعي لم يذكرها أصحاب السنن المشهورة وان صحت فهي في الذبيحة ولا يصح قياس الصيد على الذبيحة لما ذكرنا مع ما في الصيد من النصوص الخاصة والله أعلم [ فصل ] إذا سمى الصائد على صيد فاصاب غيره حل وإن سمى على سهم ثم القاه وأخذ غيره فرمى به لم يبح ما صاد به لانه لما لم يمكن اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على الآلة التي يصيد بها بخلاف الذبيحة ويحتمل ان يباح قياسا على ما لو سمى على سكين ثم ألقاها وأخذ غيرها وسقوط اعتبار تعيين الصيد لمشقته لا يقتضي اعتبار تعيين الآلة فلا يعتبر. باب الذكاة * (مسألة) * (ولا يباح من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة الا الجراد وشبهه وسائر مالا يعيش الا في الماء فلا ذكاة له، وعنه في السرطان وسائر البحري أنه يباح بلا ذكاة) أما الحيوان المقدور عليه من الصيد والانعام فلا يباح الا بالذكاة بغير خلاف بين أهل العلم لقول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - الا ما ذكيتم) فاما السمك وشبهه مما لا يعيش الا في

[ 43 ]

الماء فانه يباح بغير ذكاة لا نعلم في هذا خلافا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وقد صح ان أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر فأكلوا منها شهرا حتى سمنوا وادهنوا فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبروه فقال " هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شئ تطعمونا؟ " متفق عليه (فصل) ولا فرق في ذلك بين ما مات بسبب أو بغير سبب لما ذكرنا من الحديثين وقد أجمع أهل العلم على اباحة ما مات بسبب مثل ان صاده انسان أو نبذه البحر أو جزر عنه وكذلك ما حبس في الماء بحظيرة حتى يموت فانه يحل، قال أحمد في الطافي يؤكل وما جزر عنه الماء أجود والسمك الذي نبذه البحر لم يختلف فيه، وانما اختلفوا في الطافي وليس به بأس وممن اباح الطافي من السمك أبو بكر الصديق وأبو أيوب رضي الله عنهما وبه قال مالك والشافعي وروي ذلك عن عطاء ومكحول والثوري والنخعي وكره الطافي جابر وطاوس وابن سيرين وجابر بن زيد وأصحاب الرأي لما روي ان جابرا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه " رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) وقال ابن عباس طعامه ما مات فيه وأيضا ما ذكر من الحديثين، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الطافي حلال

[ 44 ]

ولانه لو مات في البر أبيح كالجراد واما حديث جابر فانما هو موقوف عليه وكذلك قال أبو داود رواه الثقات فأوقفوه على جابر وقد اسنه من وجه ضعيف فان صح فنحمله على نهي الكراهة لانه إذا مات رسب في أسفله فإذا انتن طفا فكرهه لنتنه لا لتحريمه. * (مسألة) * (وعنه في السرطان وسائر البحري انه يحل بلا ذكاة) قال أحمد السرطان لا بأس به قيل له يذبح؟ قال لا وذلك ان مقصود الذبح انما هو اخراج الدم منه وتطيب اللحم بازالته عنه فما لا دم فيه لا حاجة إلى ذبحه، فان قلنا يذكى فذكاته ان يفعل به ما يموت فاما ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر من دواب البحر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل الا ان يذبح هذا الصحيح من المذهب، قال أحمد كلب الماء نذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح، والرق نذبحه وفيه رواية أخرى أنه يحل بغير ذكاة وذهب إليه قوم من أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولانه من حيوان الماء فابيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه كل ما في البحر قد ذكاه الله لكم وروى الامام احمد باسناده عن شريح رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل شئ في البحر مذبوح " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ان الله سبحانه ذبح كل شئ في البحر لابن آدم " والاولى أصح فيما سوى السرطان لانه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة كالطير، قال شيخنا ولا

[ 45 ]

خلاف فيما علمناه في الطير والاخبار محمولة على مالا يعيش الا في البحر كالسمك وشبهه لانه لا يتمكن من تذكيته لانه لا يذبح الا بعد اخراجه من الماء ومتى خرج مات * (مسألة) * (وعنه في الجراد لا يؤكل الا ان يموت بسبب ككبه وتغريقه) لا خلاف في اباحة الجراد وقد روى عبد الله بن أبي أوفى قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد متفق عليه، ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب في قول عامة أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وابن المنذر، وعن أحمد إذا قتله البرد لم يؤكل وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سبب وهو قول مالك ويروى عن سعيد بن المسيب ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام " احلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان السمك والجراد " رواه ابن ماجه ولم يفصل ولانه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك ولانه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وآلة كبهيمة الانعام (فصل) يجوز أكل الجراد بما فيه وكذلك السمك يجوز ان يقلى من غير ان يشق جوفه وقال أصحاب الشافعي في السمك لا يجور لان رجيعه نجس ولنا عموم النص في اباحته وما ذكروه غير مسلم وان بلع انسان منه شيئا وهو حي كره لان فيه تعذيب الحيوان (فصل) وسئل احمد عن السمك يلقى في النار فقال ما يعجبني والجراد فقال ما يعجبني والجراد

[ 46 ]

اسهل فان هذا له دم، ولم يكره أكل السمك إذا ألقي في النار انما كره تعذيبه بالنار وأما الجراد فسهل في إلقائه لانه لا دم ولان السمك لا حاجة إلى القائه في النار لامكان تركه حتى يموت بسرعة، والجراد لا يموت في الحال بل يبقي مدة طويلة، وفي مسند الشافعي ان كعبا كان محرما فمرت به رجل من جراد فنسي وأخذ جرادتين فألقاهما في النار فشواهما وذكر ذلك لعمر فلم ينكر عمر تركهما في النار، وذكر له حديث ابن عمر كان الجراد يقلى له فقال انما يؤخذ الجراد فتقطع اجنحته فيلقى في الزيت وهو حي * (مسألة) * (ويشترط للذكاة شروط أربعة (أحدها) أهلية الذابح وهو أن يكون عاقلا مسلما أو كتابيا فتباح ذبيحته ذكرا كان أو أنثى وعنه لا تباح ذبيحة نصارى بني تغلب ولا من أحد أبويه غير كتابي) أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقول الله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) يعني ذبائحهم، قال البخاري قال ابن عبسا طعامهم ذبائحهم وكذلك قال مجاهد وقتادة وروي معناه عن ابن مسعود وهذا قول مالك والشافعي واصحاب الرأي، ولا فرق بين العدم والفاسق من المسلمين واهل الكتاب وعن أحمد لا تباح ذبيحة الاقلف وروي عن ابن عباس، والصحيح اباحته فانه مسلم أشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف والزاني وشارب الخمر مع تحقق فسقه وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف فالمسلم أولى (فصل) ولا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم وتحريم ذبيحة من سواه وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب فقال لا بأس بها حديث عبد الله بن مغفل قال إسحاق أجاد قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من اهل العلم منهم مجاهد والثوري والشافعي واحمد واسحاق واصحاب الرأي ولا فرق بين الكتابي العربي وغيره إلا ان في نصارى العرب اختلافا ذكرناه في باب الجزية وسئل مكحول عن ذبائح نصارى العرب فقال اما بهرا وتنوخ فلا بأس

[ 47 ]

وأما بنو تغلب فلا خير في ذبائحهم لانه يروى عن علي رضي الله عنه وهو مذهب الشافعي ولا ذبائح العرب من اهل الكتاب كلهم، والصحيح اباحته لعموم الآية فيهم، فاما من أحد ابويه غير كتابي ممن لا تحل ذبيحته فقال اصحابنا لا تحل ذبيحته وبه قال الشافعي وإذا كان الاب كتابيا ففيه قولان (أحدهما) تباح وهو قول مالك وابي ثور (والثاني) لا تباح لانه وجد ما يقتضي الاباحة والتحريم فغلب ما يقتضي التحريم كما لو جرحه مسلم ومجوسي، وبيان وجود ما يقتضي التحريم ان كونه ابن مجوسي أو وثني يقتضي تحريم ذبيحته وعنه تباح ذبيحته مطلقا وهو قول ابي حنيفة لعموم النص ولانه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته كما لو كان ابن كتابيين، فان كان ابن وثنيين أو مجوسيين فمقتضى قول اصحابنا والشافعي ومالك تحريمه، ومقتضى قول أبي حنيفة حله لان الاعتبار بدين الذابح لا بدين أبيه بدليل ان الاعتبار في قبول الجزية بذلك ولعموم النص والقياس * (مسألة) * (ولا تباح ذكاة مجنون ولا سكران ولا طفل غير مميز ولا مجوسي ولا وثني ولا مرتد) أما المجنون والطفل والسكران فلا تحل ذبيحتهم لانه لا يصح مع القصد أشبه ما لو ضرب انسانا بالسيف فقطع عنق شاة ولانه أمر يعتبر له الدين فاعتبر له العقل كالغسل وبهذا قال مالك وقال الشافعي لا يعتبر العقل والاولى أولى لان الذكاة يعتبر لها العقل كالعبادة ومن لا عقل له لا يصح منه القصد فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها (فصل) فأما ذكاة المجوسي فلا تحل في قول أهل العلم وشذ أبو ثور فأباح صيده وذبيحته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ولانهم يقرون بالجزية فتباح ذبيحتهم وصيدهم كاليهود والنصارى وهذا قول يخالف الاجماع فلا عبرة به قال ابراهيم الحربي خرق أبو ثور الاجماع، قال

[ 48 ]

احمد ههنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسا ما أعجب هذا؟ يفرض بأبي ثور، وممن كره ذبائحهم ابن مسعود وابن عباس وعلي وجابر وابو بردة وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن بن محمد وعطاء ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومالك والثوري والشافعي واصحاب الرأي قال أحمد ولا اعلم أحدا يقول بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة ولان الله تعالى قال (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار لانهم لا كتاب لهم فلم تحل ذبائحهم كأهل الاوثان، وقد روى الامام احمد باسناده عن قيس بن سكن الاسدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انكم قد تركتم بفارس من النبط فإذا اشتريتم لحما فان كان من يهودي أو نصراني فكلوا وإن كان من ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا " ولان كفرهم مع كونهم غير اهل كتاب يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم بدليل سائر الكفار من غير اهل الكتاب وإنما أخذت منهم الجزية لان شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم فلما غلبت في التحريم لدمائهم فوجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء احتياطا للتحريم في الموضعين، ولانه اجماع فانه قول من سمينا ولا مخالف لهم في عصرهم ولا فيمن بعدهم إلا رواية عن سعيد بن المسيب روي عنه خلافها (فصل) وسائر الكفار من عبدة الاوثان والزنادقة وغيرهم حكمهم حكم المجوس في تحريم ذبائحهم قياسا عليهم بل هم شر من المجوس لان المجوس لهم شبهة كتاب بخلاف هؤلاء، قال احمد وطعام المجوس ليس به بأس أن يؤكل، وإذا أهدي إليه أن يقبل انما كره ذبائحهم أو شيئا فيه دسم. يعني من اللحم ولم ير بالسمن والجبن بأسا، وسئل عما تصنع المجوس لامواتهم ويزمزمون عليهم أياما عشرا ثم يقسمون ذلك في الجيران قال لا بأس بذلك وعن الشعبي قال كل مع المجوسي وإن

[ 49 ]

زمزم، وروى احمد ان سعيد بن جبير كان يأكل من كواميخ المجوس فأعجبه ذلك، وروى هشام عن الحسن انه كان لا يرى بأسا بطعام المجوس في المصر ولا بشواريزهم ولا بكواميخهم (فصل) ولا تباح ذبيحة المرتد وإن كانت ردته إلى دين اهل الكتاب وهذا قول مالك والشافعي واصحاب الرأي، وقال إسحاق إن تدين بدين اهل الكتاب حلت ذبيحته ويحكى ذلك عن الاوزاعي لان عليا رضي الله عنه قال: من تولى قوما فهو منهم ولنا انه كافر لا يقر على دينه فلم تحل ذبيحته كالوثني ولانه لا تثبت له احكام اهل الكتاب إذا تدين بدينهم فانه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل له نكاح المرتدة، وأما قول علي فهو منهم لم يرد انه منهم في جميع الاحكام بدليل ما ذكرنا ولانه لم يكن يرى حل ذبائح نصارى بني تغلب ولا نكاح نسائهم مع توليهم للنصاري ودخولهم في دينهم ومع اقرارهم على ما صولحوا عليه فلا يعتقد ذلك في المرتدين. إذا ثبت هذا فانه إذا ذبح حيوانا لغيره بغير اذنه ضمنه بقيمته حيا لانه أتلفه وحرمه ولا يضمنه إذا كان باذنه لانه أذن في اتلافه * (مسألة) * قال رحمه الله (الثاني الآلة وهو أن يذبح بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره إلا السن والظفر) الآلة لها شرطان (أحدها) أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها (والثاني) أن لا تكون سنا ولا ظفرا فإذا اجتمع هذان الشرطان في شئ حل الذبح به حديدا كان أو حجرا أو خشبا أو قصبا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر "

[ 50 ]

متفق عليه. وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ان أحدنا صاد صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال " امرر الدم بما شئت واذكر اسم الله عليه " والمروة الصوان، وعن رجل من بني حارثة انه كان يرعى لقحة فأخذها الموت فلم يجد شيئا ينحرها به فوجد وتدا فوجأها به في لبتها حتى أهريق دمها ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها رواهما أبو داود وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور ونحوه قول مالك وعمرو بن دينار وهو قول أبي حنيفة إلا في السن والظفر فانه قال إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما وإن كان منفصلين جاز ولنا عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا إلا السن والظفر " ولان ما لم تجز الذكاة به متصلا لم تجز منفصلا كغير المحدد (فصل) فأما العظم غير السن فمقتضى اطلاق قول أحمد والشافعي وأبي ثور إباحة الذبح به وهو قول مالك وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي وقال ابن جريج يذكي بعظم الحمار ولا يذكى بعظم القرد لانك تصلي على الحمار وتسقيه في جفنتك وعن أحمد لا يذكى بعظم ولا ظفر، وقال النخعي لا يذكى بالعظم والقرن. ووجهه قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة " فعلله بكونه عظما فكل عظم فقد وجدت فيه العلة والاول أصح ان شاء الله تعالى قاله شيخنا، لان العظم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثنى السن والظفر خاصة فتبقى سائر العظام داخلة فيما يباح الذبح به والمنطوق مقدم على التعليل ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة ولا يحرم الذبح بالسكين وان كانت مدية لهم ولان العظام يتناولها سائر الاحاديث العامة ويحصل بها المقصود فأشبهث سائر الآلات.

[ 51 ]

* (مسألة) * (فان ذبح بآلة مغصوبة حل في أصح الوجهين). لان الذكاة وجدت ممن له أهلية الذبح أشبه ما لو ذبح شاة مغصوبة (والثاني) لا يحل له لانه منهي عنه لان الآلة محرمة فلم يحصل مقصودها كما لو استجمر بالروث والرمة. * (فصل) * (الثالث أن يقطع الحلقوم والمرئ وعنه يشترط مع ذلك قطع الودجين) وجملة ذلك أن محل الذبح الحلق واللبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق الصدر ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالاجماع وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الذكاة في الحلق واللبة " وقال أحمد الذكاة في الحلق واللبة واحتج بحديث عمر وهو ما روى سعيد والاثرم باسنادهما عن الفرافصة قال كنا عند عمر فنادى إن النحر في اللبة والحلق لمن قدر وانما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لانه مجمع العروق فينسفح الدم بالذبح فيه ويسرع زهوق النفس فيكون اطيب للحم وأخف على الحيوان قال أحمد لو كان حديث أبي العشراء حديثا يعني ما روى أبو العشراء عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أما تكون الزكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو طعنت في فخذها اجزأ عنك " قال أحمد أبو العشراء هذا ليس بمعروف. إذا ثبت ذلك فيشترط قطع الحلقوم والمرئ، وبهذا قال الشافعي وعن أحمد رواية أخرى يشترط مع ذلك قطع الودجين، وبه قال مالك وأبو يوسف لما روى أبو هريرة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الاوداج ثم تترك حتى تموت رواه أبو داود، وقال أبو حنيفة يعتبر قطع الحلقوم والمرئ وأحد الودجين ولا خلاف في أن الاكمل قطع الاربعة الحلقوم والمرئ والودجين فالحلقوم مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والشراب والودجان هما عرقان محيطان بالحلقوم لانه اسرع لخروج روح الحيوان فيخف عليه ويخرج من الخلاف فيكون أولى والاول يجزئ لانه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الاربعة والحديث محمول على من لم يقطع المرئ.

[ 52 ]

* (مسألة) * (وان نحره أجزأ وهو أن يطعنه بمحدد في لبته، ويستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه) ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الابل وذبح ما سواها قال الله تعالى (فصل لربك وانحر) وقال تعالى (ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة) قال مجاهد أمرنا بالنحر وأمر بنو اسرائيل بالذبح فان النبي صلى الله عليه وسلم بعث في قوم ماشيتهم الابل فسن النحر وبنو إسرائيل ماشيتهم البقر فأمروا بالذبح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بدنة وضحى بكبشين اقرنين ذبحهما بيده متفق عليه، والنحر أن يطعنها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين عنقها وصدرها. (فصل) فان ذبح الابل ونحر ما سواها أجزأه وهذا قول اكثر اهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث وابو حنيفة والشافعي واسحاق وابو ثور، وحكي عن داود أن الابل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح غيرها إلا بالذبح لان الله تعالى قال (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) والامر يقتضي الوجوب وقال تعالى (فصل لربك وانحر) ولان النبي صلى الله عليه وسلم نحر البدن وذبح الغنم وإنما نأخذ الاحكام من جهته، وحكي عن مالك أنه لا يجزئ في الابل إلا النحر لان أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه وحكى ابن أبي موسى عن احمد انه توقف عن أكل البعير إذا ذبح ولم ينحر قال ابن المنذر انما كرهه ولم يحرمه. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " امرر الدم بما شئت " وقالت اسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه، عن عائشة قالت نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة ولانه ذكاة في محل الذكاة فجاز اكله كالحيوان الآخر. (فصل) وتصح ذبيحة المرأة حرة كانت أو امة إذا أطاقت الذبح ووجدت الشروط وكذلك ذبح الصبي العاقل إذا أطاق حرا كان أو عبدا لا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر اجمع كل من

[ 53 ]

نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي وقد روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فادركتها فذكتها بحجر فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال " خذوها " متفق عليه وفي هذا الحديث فوائد سبع (أحدها) إباحة ذبيحة المرأة (والثانية) إباحة ذبيحة الامة (والثالثة) إباحة ذبيحة الحائض لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل (الرابعة) إباحة الذبح بالحجر (الخامسة) اباحة ذبح ما خيف عليه الموت (السادسة) حل ما يذبحه غير مالكه بغير اذنه (السابعة) اباحة ذبحه لغير مالكه * (مسألة) * (فان عجز عن ذلك اي عن قطع الحلقوم والمرئ مثل ان يند البعير أو يتردى في بئر فلا يقدر على ذبحه صار كالصيد إذا جرحه في أي موضع امكنه فقتله حل أكله إلا أن يموت بغيره مثل ان يكون رأسه في الماء فلا يباح) هذا قول أكثر الفقهاء وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال مسروق والحسن والاسود وعطاء وطاوس واسحاق والشعبي والحكم وحماد والثوري وابو حنيفة والشافعي وابو ثور وقال مالك لا يجوز اكله إلا أن يذكى وهو قول ربيعة والليث قال أحمد لعل مالكا لم يسمع حديث رافع بن خديج، واحتج مالك بان الحيوان الا نسي إذا توحش لم يثبت له حكم الوحشي بدليل انه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله ولا يصير الحمار الاهلي مباحا إذا توحش. ولنا ما روى رافع بن خديج قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فاعياهم فاهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ان لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا " متفق عليه وحرب ثور في بعض دور الانصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه فسئل عنه علي فقال ذكاة وحية فامر باكله، وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهما فأخذ ابن عمر عشره بدرهمين، ولان الاعتبار في الذكاة بحال

[ 54 ]

الحيوان وقت ذبحه لا باصله بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة فكذلك الاهلي إذا توحش اعتبر بحاله وبهذا فارق ما ذكره، فإذا تردى فلم يقدر على تذكيته فهو معجوز عن تذكيته فأشبه الوحشي، فاما ان كان رأس المتردي في الماء لم يبح لان الماء يعين على قتله فيحصل قتله بمبيح وحاظر فيحرم كما لو جرحه مسلم ومجوسي. * (مسألة) * (وان ذبح من قفاها وهو مخطئ فاتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت، وان فعله عمدا فعلى وجهين) قال القاضي معنى الخطأ أن تلتوي الذبيحة عليه فتأتي السكين على القفا لانها مع التوائها معجوز عن ذبحها في محل الذبح فسقط اعتبار المحل كالمتردية في بئر، فاما مع عدم التوائها فلا تباح بذلك لان الجرح في القفا سبب للزهوق وهو في غير محل الذبح فإذا اجتمع مع الذبح منع حله كما لو بقر بطنها وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا المعنى فان الفضل بن زياد قال سألت أبا عبد الله عمن ذبح في القفا فقال عامدا أو غير عامد؟ قلت عامدا قال لا تؤكل فإذا كان غير عامد كأن التوى عليه فلا بأس (فصل) فان ذبحها من قفاها اختيارا فقد ذكرنا عن أحمد انها لا تؤكل وهو مفهوم كلام الخرقي وحكي هذا عن علي وسعيد بن المسيب ومالك واسحاق وقال ابراهيم والنخعي تسمى هذه الذبيحة القفينة وقال القاضي ان بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ حلت والا فلا ويعتبر ذلك بالحركة القوية وهذا مذهب الشافعي وهذا أصح لان الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة احله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة وعنه ما يدل على اباحتها مطلقا، ولو ضرب عنقا بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك فان أحمد قال لو ان رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك

[ 55 ]

الذبيحة كان له ان يأكله، وروي عن علي رضي الله عنه انه قال تلك ذكاة وحية وافتي بأكلها عمران بن حصين وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري، وقال أبو بكر: لابي عبد الله فيها قولان الصحيح انها مباحة لانه اجتمع قطع مالا تبقي الحياة معه مع الذبح فأبيح كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف (فصل) فان ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ ام لا؟ نظرت فان كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع فالاولى اباحته لانه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف وان كانت الآلة كالة وابطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح لانه مشكوك في وجود ما يحله فيحرم كما لو أرسل كلبا على الصيد فوجد معه كلبا آخر لا يعرفه * (مسألة) * (وكل ما وجد فيه سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أدرك ذكاتها وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح حلت وان صارت حركتها كحركة المذبوح لم تحل) وجملة ذلك ان المنخنقة الموقوذة وسائر ما ذكر في هذه المسألة وما أصابها مرض فماتت بذلك فهي محرمة الا ان تدرك ذكاتها لقول الله تعالى (الا ما ذكيتم) وفي حديث جارية كعب انها كانت ترعى غنما بسلع فاصيبت شاة من غنمها فادركتها فذبحتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " كلوها " فان كانت لم يبق من حياتها الا مثل حركة المذبوح لم تبح الذكاة لانه لو ذبح ما ذبحه المجوسي لم يبح وإن أدركها وفيها حياة مستقرة بحيث يمكنه ذبحها حلت لعموم الآية والخبر وسواء كانت قد انهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل ولم يستفصل وقد قال ابن عباس في ذئب عدا على شاة فعقرها فوضع قصبها بالارض فأدركها فذبحها بحجر قال يلقي ما أصاب الارض ويأكل سائرها قال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت الا أن فيه الروح يعني فذبحت فقال إذا مصعت بذنبها وطرفت بعينها وسال الدم فأرجو ان شاء الله ان لا يكون بأكلها بأس وروي ذلك باسناده عن عقيل بن عمير وطاوس وقالا تحركت ولم يقولا سال الدم

[ 56 ]

وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم قال لا بأس، وقال ابن أبي موسى إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة ونص عليه أحمد فقال إذا شق الذئب بطنها وخرج قصبها فذبحها لا تؤكل وقال ان كان يعلم انها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وان ذكاها وقد خاف على الشاة الموت من العلة والشئ يصيبها فبادرها فذبحها يأكلها وليس هذا مثل هذه لا ندري لعلها تعيش والتي قد خرجت امعاؤها نعلم انها لا تعيش وهذا قول أبي يوسف، والاول اصح لان عمر رضي الله عنه انتهى به الجرح إلى حد علم انه لا يعيش معه فوصى فقبلت وصاياه ووجبت العبادة عليه، وفيما ذكرنا من عموم الآية والخبر وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل في جارية كعب ما يرد هذا، وتحمل نصوص أحمد على شاة خرجت امعاؤها وبانت منها فتلك لا تحل بالذكاة لانها في حكم الميت ولا تبقى حركتها الا كحركة المذبوح، فأما ما خرجت امعاؤها وبانت منها فهي في حكم الحياة تباح بالذبح ولهذا قال الخرقي فيمن شق بطن رجل فأخرج حشوته فقطعها فأبانها ثم ضرب عنقه آخر: فالقاتل هو الاول، ولو شق بطن رجل وضرب عنقه آخر فالقاتل هو الثاني وقال بعض أصحابنا إذا كانت تعيش معظم اليوم حلت بالذكاة وهذا التحديد بعيد يخالف ظواهر النصوص ولا سبيل إلى معرفته، وقوله في حديث جارية كعب فذكتها بحجر يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها في ساعتها، والصحيح انها إذا كانت تعيش زمنا يكون الموت بالذبح اسرع منه حلت بالذبح وانها متى كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة انها متى تحركت وسال دمها حلت والله أعلم * (فصل) * (الشرط الرابع أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وهو ان يقول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها) فهذه التسمية المعتبرة عند الذبح لان اطلاق التسمية ينصرف إليها وقد ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال " بسم الله والله أكبر " وكان ابن عمر يقوله ولا خلاف أن قول بسم الله يجزئه وان قال اللهم اغفر لي لم يكف لان ذلك طلب حاجة وان هلل أو سبح أو كبر الله أو حمد الله

[ 57 ]

احتمل الاجزاء لانه ذكر اسم الله تعالى على وجه التعظيم واحتمل المنع لان اطلاق التسمية لا يتناوله وان ذكر اسم الله بغير العربية اجزأه وان أحسن العربية لان المقصود ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير والسلام فان المقصود لفظه * (مسألة) * (الا الاخرس فانه يومئ برأسه إلى السماء) قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على اباحة ذبيحة الاخرس منهم الليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وهو قول الشعبي وقتادة والحسن بن صالح. إذا ثبت هذا فانه يشير إلى السماء برأسه لان إشارته تقوم مقام نطق الناطق واشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء ونحو هذا قال الشعبي وقد دل على هذا حديث أبي هريرة ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين الله؟ " فأشارت إلى السماء فقال " من أنا؟ " فأشارت باصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى السماء أي انت رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اعتقها فانها مؤمنة " رواه الامام أحمد والقاضي البرتي في مسنديهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايمانها باشارتها إلى السماء تريد ان الله سبحانه فيها فاولى ان يكتفى بذلك علما على التسمية ولو أنه اشار اشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا (فصل) وإن كان المذكي جنبا جازت له التسمية لانه انما منع من القرآن لا من الذكر ولهذا تشرع التسمية عند الاغتسال وليست الجناية أعظم من الكفر والكافر يذبح ويسمي وممن رخص في ذبح الجنب الحسن والليث والحكم والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر لا اعلم أحدا كره ذلك ولا منع منه، وتباح ذبيحة الحائض لانها في معنى الجنب * (مسألة) * (فان ترك التسمية عمدا لم تبح وان تركها ساهيا ابيحت وعنه تباح في الحالين وعنه لا تباح فيهما)

[ 58 ]

المشهور من مذهب أحمد ان التسمية علي الذبيحة شرط في اباحة أكلها مع الذكر وتسقط بالسهو وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة واسحاق وممن اباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن ابي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة وعن احمد انها مستحبة وليست شرطا في عمد ولا سهو وبه قال الشافعي لان البراء روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم " وعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل أرأيت الرجل منا يذبح وينسى ان يذكر اسم الله؟ فقال " اسم الله في قلب كل مسلم " قال أحمد انما قال الله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) يعني الميتة وذكر ذلك عن ابن عباس، وعن احمد رواية ثالثة أنها تجب في العمد والسهو لقوله سبحانه (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وهو عام في العمد والسهو، ودليل الرواية الاولى ما روى راشد بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد " أخرجه سعيد فأما الآية فمحمولة على ما إذا ترك التسمية عمدا بدليل قوله تعالى (وانه لفسق) والاكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان ". إذا ثبت هذا فالتسمية مع العمد شرط سواء كان الذابح مسلما أو كتابيا فان ترك الكتابي التسمية عمدا وذكر اسم غير الله لم تبح ذبيحته روى ذلك علي وبه قال الشافعي والنخعي وحماد واسحاق وأصحاب الرأي، وقال عطاء ومكحول إذا ذبح الكتابي باسم المسيح حل لان الله تعالى أحل لنا ذبيحتهم وقد علم أنهم يقولون ذلك ولنا قول الله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وقوله (وما أهل لغير الله به) والآية أريد بها ما ذبحوه بشرطه كالمسلم، وإن لم يعلم اسمى الذابح أم لا؟ أو ذكر اسم غير الله أو لا؟ فذبيحته حلال لان الله تعالى أباح لنا كل ما ذبحه المسلم والكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح

[ 59 ]

وقد روي عن عائشة أنهم قالوا يا رسول الله ان قوما حديثو عهد بشرك يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله أم لم يذكروا؟ قال " سموا أنتم وكلوا " أخرجه البخاري (فصل) والتسمية على الذبيحة معتبرة حال الذبح أو قريبا منه كما تعتبر، في الطهارة وإن سمى على شاة ثم أخذ أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يجز سواء ارسل الاولى أو ذبحها لانه لم يقصد الثانية بهذه التسمية، فان رأى قطيعا من الغنم فقال باسم الله ثم أخذ شاة فذبحها بغير تسمية لم تحل فان جهل كون ذلك لا يجزئ لم يجر مجرى النسيان لان النسيان يسقط المؤاخذة والجاهل مؤاخذ ولذلك يفطر الجاهل بالاكل في الصوم دون الناسي وإن أضجع شاة ليذبحها وسمى ثم ألقى السكين وأخذ أخرى أو رد سلاما أو كلم انسانا أو استسقى ماء حل لانه سمى على تلك الشاة بعينها ولم يفصل بينهما إلا بفصل يسير فاشبه ما لو لم يتكلم * (مسألة) * (وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا خرج ميتا أو متحركا كحركة المذبوح وإن كانت فيه حياة مستقرة لم يبح الا بذبحه وسواء أشعر أو لم يشعر) وجملة ذلك ان الجنين إذا خرج ميتا من بطن أمه بعد ذبحها أو وجد ميتا في بطنها أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال روي هذا عن عمر وعلي وبه قال سعيد بن المسيب والنخعي والشافعي واسحاق وابن المنذر وقال ابن عمر ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر، وروي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد والزهري والحسن وقتادة ومالك والليث والحسن بن صالح وأبي ثور لان عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وهذا اشارة إلى جميعهم فكان اجماعا، وقال أبو حنيفة لا يحل إلا أن يخرج حيا فيذكى لانه حيوان ينفرد بحياته فلا يتذكى بذكاة غيره كما بعد الوضع، قال ابن المنذر وكان الناس على اباحته لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوا إلى ان جاء النعمان فقال لا يحل لان ذكاة نفس لا تكون ذكاة لنفسين ولنا ما روى أبو سعيد قال قيل يا رسول الله إن أحدنا ينحر الناقة ويذبح البقرة والشاة فيجد

[ 60 ]

في بطنها الجنين أيأكله أم يلقيه؟ قال " كلوه إن شئتم فان ذكاته ذكاة أمه " وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ذكاة الجنين ذكاة أمه " رواه أبو داود ولان هذا اجماع من الصحابة ومن بعدهم فلا يعول على ما خالفه ولان الجنين متصل بها اتصال خلقة يتغذى بغذائها فتكون ذكاته ذكاتها كاعضائها، ولان الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الامكان فيه والقدرة بدليل الصيد الممتنع والمقدور عليه والمتردية والجنين لا نتوصل إلى ذبح باكثر من ذبح أمه فيكون ذكاة له، فأما إن خرج حيا حياة مستقرة يمكن ان يذكى فلم يذكه حتى مات فليس بذكي قال أحمد إن خرج حيا فلابد من ذكاته لانه نفس أخرى (فصل) واستحب أبو عبد الله أن يذبحه وإن خرج ميتا ليخرج الدم الذي في جوفه ولان ابن عمر كان يعحبه أن يريق من دمه وإن كان ميتا * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة وأن يذبح بآلة كالة وأن يحد السكين والحيوان يبصره) وجملة ذلك أنه يستحب ان يستقبل بها القبلة روي ذلك عن ابن عمر وابن سيرين وعطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وكره ابن عمر وابن سيرين أكل ما ذبح لغير القبلة والاكثرون على أنه لا يكره لان أهل الكتاب يذبحون لغير القبلة، وقد أحل الله سبحانه ذبائحهم، ويكره أن يذبح بآلة كالة لما روى أبو داود باسناده عن شداد بن اوس قال خصلتان سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " ويكره أن يحد السكين والحيوان يبصره، ورأى عمر رجلا قد وضع رجليه على شاة وهو يحد السكين فضربه حتى أفلت الشاة، ويكره أن يذبح شاة والاخرى تنظر إليه كذلك * (مسألة) * (ويكره أن يكسر عنق الحيوان أو يسلخه حتى يبرد أي حتى تزهق نفسه)

[ 61 ]

وقد قال عمر رضي الله عنه لا تعجلوا الانفس حتى تزهق، ولان في ذلك تعذيب الحيوان فأشبه قطع عضو منه، وممن كره قطع عضو منه قبل الزهوق عطاء وعمرو بن دينار ومالك والشافعي ولا نعلم لهم مخالفا * (مسألة) * (فان فعل اساء وأكلت لان ذلك حصل بعد ذبحها وحلها) وقد سئل احمد عن رجل ذبح دجاجة فأبان رأسها فقال يأكلها قيل له والذي بان منها أيضا؟ قال نعم قال البخاري قال ابن عمر وابن عباس إذا قطع الرأس فلا بأس به وهو قول الحسن والنخعي والشعبي والزهري والشافعي وإسحاق وابي ثور وأصحاب الرأي وذلك لان قطع ذلك العضو بعد حصول الذكاة فأشبه ما لو قطعه بعد الموت، فاما ان قطع من الحيوان شئ وفيه حياة مستقرة فهو ميتة لما روى أبو واقد الليثي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " رواه أبو داود ولان إباحته انما تحصل بالذبح وليس هذا بذبح * (مسألة) * (وان ذبح الحيوان ثم غرق في ماء أو وطئ عليه شئ يقتله مثله فهل يحل؟ على روايتين) (احداهما) لا يحل وهو الذي ذكره الخرقي ونص عليه أحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي ابن حاتم في الصيد " وان وقعت في الماء فلا تأكل " وقال ابن مسعود من رمى طائرا فوقع في ماء فغرق فيه فلا يأكله ولان الغرق سبب يقتل فإذا اجتمع مع الذبح فقد اجتمع ما يبيح ويحرم فيغلب الحظر ولانه لا يؤمن ان يعين على خروج الروح فيكون قد خرجت بفعلين مبيح ومحرم فاشبه ما لو وجد الامران في حال واحدة أو رماه مسلم ومجوسي فمات (والثانية) لا يحرم وبه قال أكثر أصحابنا المتأخرين وهو قول أكثر الفقهاء لانها إذا ذبحت فقد صارت في حكم الميت وكذلك لو ابين رأسها بعد الذبح لم يحرم نص عليه أحمد ولانه لو ذبح انسان ثم ضربه آخر أو غرقه لم يلزمه قصاص ولا دية * (مسألة) * (وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر لم يحرم علينا)

[ 62 ]

وذو الظفر قال قتادة هي الابل والانعام والبط وما ليس بمشقوق الاصابع، وإذا ذبح حيوانا غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهي شحم الثرب والكليتين في ظاهر كلام احمد رحمه الله واختاره ابن حامد فان أحمد حكى عن مالك في اليهودي يذبح الشاة قال لا تأكل من شحمها قال أحمد هذا مذهب دقيق وظاهر أنه لم يره صحيحا وهذا اختيار ابن حامد وأبي الخطاب وذهب ابو الحسن التميمي والقاضي إلى تحريمها وحكاه التميمي عن الضحاك ومجاهد وهو قول مالك لان الله تعالى قال (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وليس هذا من طعامهم ولانه جزء من البهيمة لم يبح لذابحها فلم يبح لغيره كالدم ولنا ما روى عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فنزوت لآخذه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم الي متفق عليه، ولانها ذكاة اباحت اللحم فاباحت الشحم كذكاة المسلم والآية حجة لنا فان معنى طعامهم ذبائحهم كذلك فسره العلماء وقياسهم ينتقض بما ذبحه الغاصب، وان ذبح شيئا يزعم انه يحرم عليه ولم يثبت أنه محرم عليه حل لعموم الآية وقوله إنه حرام غير معقول * (مسألة) * (وان ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شئ مما يعظمونه لم يحرم عليه لانه من طعامهم فيدخل في عموم الآية) وجملة ذلك ان ما ذبحوه لكنائسهم ينظر فيه فان ذبح مسلم فهو مباح نص عليه وقال أحمد وسفيان في المجوسي يذبح لآلهته ويدفع الشاة إلى المسلم فيذبحها فيسمي: يجوز الاكل منها وقال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عما يقرب لآلهتم يذبحه رجل مسلم قال لا بأس به وان ذبحها الكتابي وسمى الله وحده حلت أيضا لان شرط الحل وجد، وان علم انه ذكر غير اسم الله عليها أو ترك التسمية عمدا لم تحل، قال حنبل سمعت ابا عبد الله قال لا تؤكل يعني ما ذبح لاعيادهم وكنائسهم لانه أهل لغير الله به وقال في موضع يدعون التسمية عمدا انما يذبحون للمسيح، فاما ما سوى ذلك فرويت عن أحمد الكراهة فيما ذبح لكنائسهم وأعيادهم مطلقا وهو قول ميمون بن مهران لانه ذبح لغير الله وروي عن أحمد اباحته وسئل عنه العرباض بن سارية فقال كلوا وأطعموني وروي مثل ذلك عن أبي امامة الباهلي وأبي مسلم الخولاني وأكله أبو الدرداء

[ 63 ]

وجبير بن نفير ورخص فيه عمر بن الاسود ومكحول وضمرة بن حبيب لقول الله تعالى (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) وهذا من طعامهم قال القاضي ما ذبحه الكتابي لعيده أو نجم أو صنم أو نبي فسماه على ذبيحته حرم لقول الله تعالى (وما أهل لغير الله به) وان سمى الله وحده حل لقول الله تعالى (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) لكنه يكره لقصده بقلبه الذبح لغير الله تعالى (فصل) قال أحمد لا تؤكل المصبورة ولا المجثمة وبه قال اسحاق والمجثمة هي الطائر والارنب يجعل غرضا يرمى حتى يقتل والمصبورة مثله الا ان المجثمة لا تكون الا في الطائر أو الارنب واشباهها والمصبورة كل حيوان وأصل الصبر الحبس، والاصل في تحريمه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر البهائم وقال " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا " وروى سعيد باسناده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المجثمة وعن أكلها ولانه حيوان مقدور عليه فلم يبح بغير الذكاة كالبعير والبقرة * (مسألة) * (ومن ذبح حيوانا فوجد في بطنه جرادا أو طائرا فوجد في حوصلته حبا أو وجد الحب في بعر الجمل لم يحرم وعنه يحرم) قال أحمد في السمكة توجد في بطن سمكة أخرى أو حوصلة طائر أو يوجد في حوصلته جراد فقال في موضع: كل شئ أكل مرة لا يؤكل لانه مستخبث وقال في موضع: الطافي أشد من هذا وقد رخص فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال شيخنا وهذا هو الصحيح وهو مذهب الشافعي فيما في بطن السمكة دون ما في حوصلة الطائر لانه كالرجيع ورجيع الطائر عنده نجس ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " احلت لنا ميتتان ودمان " ولانه حيوان طاهر في محل طاهر لا تعتبر له ذكاة فابيح كالطافي من السمك وهذا يخرج في الشعير يوجد في بعر الجمل وخثي الجواميس ونحوها

[ 64 ]

كتاب الاطعمة * (والاصل فيها الحل) * لقول الله تعالى (وخلق لكم ما في الارض جميعا) وقوله (ويحل لهم الطيبات) وقوله سبحانه (أحلت لكم بهيمة الانعام) * (مسألة) * (فيحل كل طعام طاهر لا مضرة به كالحبوب والثمار لانه من الطيبات) فأما النجاسات كالميتة والدم وغيرهما فحرام لانها من الخبائث لقول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم) وقوله (ويحرم عليهم الخبائث) ويحرم ما فيه مضرة من السموم ونحوها لمضرتها وأذيتها لانها تقضي إلى هلاك النفس وقد قال الله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (مسألة) * (والحيوانات مباحة لعموم النص الدال على الاباحة إلا الحمر الاهلية) أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الاهلية قال احمد خمسة وعشرون من اصحاب رسول الله

[ 65 ]

صلى الله عليه وسلم وكرهوها، قال ابن عبد البر لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها، وحكي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما انهما كانا يقولان بظاهر قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) وتلاها ابن عباس وقال ما خلا هذا فهو حلال، وسئلت عائشة عن الفأرة فقالت ما هي بحرام وتلت هذه الآية، ولم ير عكرمة وأبو وائل بأكل لحم الخنزير بأسا، وروي عن غالب بن الحر قال أصابتنا سنة فقلت يا رسول الله أصابتنا سنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وأنت حرمت لحوم الحمر الاهلية قال " أطعم أهلك من سمين حمرك فانما حرمتها من أجل حوالي القرية "

[ 66 ]

ولنا ما روى جابر بن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في لحوم الخيل متفق عليه، قال ابن عبد البر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الحمر الاهلية علي وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن عمر وجابر والبراء و عبد الله بن أبي أوفى وانس وزاهر الاسلمي باسانيد صحاح حسان وحديث غالب بن الحر لا يعرج على مثله مع ما عارضه، ويحتمل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهم في مجاعتهم وبين علة تحريمها المطلق لكونها تأكل العذرات، قال عبد الله بن أبي أوفي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة من أجل انها تأكل العذرة (فصل) وألبان الحمر محرمة في قول اكثرهم ورخص فيها عطاء وطاوس والزهري والاول أصح

[ 67 ]

* (مسألة) * (وما له ناب يفرس به كالاسد والتمر والذئب والفهد والكلب والخنزير وابن آوى والسنور وابن عرس والنمس والقرد إلا الضبع) ذكر شيخنا في هذه المسألة الخنزير ولان له ناب يفرس به وهو محرم بالنص وقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ولا خلاف في تحريمه بين أهل العلم، فأما ما سوى الخنزير مما ذكرنا فأكثر اهل العلم يرون تحريم كل ذي ناب قوي من السباع يعدو ويكسر إلا الضبع منهم مالك والشافعي - إلا ان الشافعي لا يحرم ابن عرس - وأبو ثور واصحاب الحديث، وقال سعيد بن جبير والشعبي وبعض اصحاب مالك هو مباح لعموم قوله (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما - إلى قوله الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير)

[ 68 ]

ولنا ما روى أبو ثعلبة الخشني قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع متفق عليه، وقال أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " قال ابن عبد البر هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته وهو نص صريح يخص عموم الآيات فيدخل فيه الاسد والنمر والذئب والفهد والكلب، وقد روي عن الشعبي انه سئل عن رجل يتداوى بلحم الكلب فقال لا شفاه الله وهذا يدل على انه رأى تحريمه (فصل) والقرد محرم كرهه ابن عمر وعطاء والحسن ولم يجيزوا بيعه، قال ابن عبد البر لا أعلم خلافا بين علماء المسلمين في ان القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه، وروي عن الشعبي ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحم القرد ولانه سبع له ناب فيدخل في عموم التحريم وهو مسخ أيضا فيكون من الخبائث المحرمة

[ 69 ]

(فصل) وابن آوى وابن عرس والنمس حرام وسئل عن ابن آوى وابن عرس فقال كل شئ ينهش بأنيابه فهو من السباع وبهذا قال أبو حنيفة واصحابه، وقال الشافعي ابن عرس مباح لانه ليس له ناب قوي فأشبه الضب ولاصحابه في ابن آوى وجهان ولنا انها من السباع فتدخل في عموم النهي ولانها مستخبثة غير مستطابة فان ابن آوى يشبه الكلب ورائحته كريهة فيدخل في عموم قوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) * (مسألة) * (وما له مخلب من الطير يصيد به كالبازي والصقر والشاهين والحدأة والبومة) هذا قول أكثر اهل العلم منهم الشافعي وابو ثور واصحاب الرأي وقال مالك والليث والاوزاعي ويحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شئ، قال مالك لم أر أحدا من اهل العلم يكره سباع الطير،

[ 70 ]

واحتجوا بعموم الآيات المبيحة وقول أبي الدرداء وابن عباس ما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه ولنا ما روى ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير رواهما أبو داود، وهذا يخص عموم الآيات ويقدم على ما ذكروه فيدخل في هذا كل ماله مخلب يعدو به كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة وأشباهها * (مسألة) * (وما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق وغراب البين والابقع) قال عروة ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا؟ والله ما هو من الطيبات ولعله أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والفارة والعقرب والكلب العقور " فهذه الخمس محرمة لان النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد

[ 71 ]

مأكول في الحرم لان ما يؤكل لا يجوز قتله إذا قدر عليه بل يذبح ويؤكل، وسئل أحمد عن العقعق فقال إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به، قال أصحابنا هو يأكل الجيف فيكون على هذا محرما (فصل) ويحرم الخطاف والخشاف والخفاش وهو الوطواط قال الشاعر: مثل النهار يزيد أبصار الورى * نورا ويعمى أعين الخفاش قال أحمد ومن يأكل الخشاف؟ وسئل عن الخطاف فقال ما أدري، وقال النخعي كل الطير حلال إلا الخفاش، وانما حرمت هذه لانها مستخبثة لا تستطيبها العرب ولا تأكلها، ويحرم الزنابير واليعاسيب والنحل وأشباهها لانها مستخبثة غير مستطابة * (مسألة) * (وما يستخبث كالقنفذ والفار والحيات والحشرات كلها)

[ 72 ]

القنفذ حرام قال أبو هريرة هو حرام وكرهه مالك وأبو حنيفة ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور ولنا ما روي عن أبي هريرة قال ذكر القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " هو خبيثة من الخبائث " رواه أبو داود ولانه يشبه المحرمات ويأكل الحشرات فاشبه الجرذ (فصل) وما استطابته العرب فهو حلال لقول الله تعالى (ويحل لهم الطيبات) يعني ما يستطيبونه وما استخبثته العرب فهو محرم لقول الله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الامصار لانهم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به وبالسنة فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادي لانهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون فقال: ما دب ودرج إلا أم حبين قال لتهن أم حبين

[ 73 ]

العافية وما وجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز فان لم يشبهه شئ منها فهو مباح لدخوله في عموم قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما) الآية ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه " فعلى هذا من المستخبثات الحشرات كالديدان والجعلان وبنات وردان والخنافس والفأر والاوزاغ والحرباء والعضا والجراذين والعقارب والحيات وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ورخص مالك وابن أبى ليلى، والاوزاعي في ذلك كله إلا الاوزاغ فان ابن عبد البر قال هو مجمع على تحريمه، وقال مالك الحية حلال إذا ذكيت واحتجوا بعموم الآية المبيحة، ولنا قول الله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " خمس فواسق يقتلن في

[ 74 ]

الحل والحرم العقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور " وفي الحديث " الحية " مكان الفأرة ولو كانت من الصيد المباح لم يبح قتلها لان الله تعالى قال (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقال سبحانه (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ولانها مستخبثة فحرمت كالاوزغ ومأمور بقلتها فاشبهت الوزغ (فصل) والسنور الاهلي محرم وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل الهر. * (مسألة) * (وما تولد من مأكول وغيره كالبغل والسمع، والسمع ولدا الضبع من الذئب وقيل سمي العسبار، والعسبار ولد الذئب من الذيخ ذكره صاحب الصحاح)

[ 75 ]

البغال محرمة عند كل من حرم الحمار الاهلي لانها متولدة منه والمتولد من شئ حكمه حكمه في التحريم وهكذا ان تولد بين الوحشي والانسي ولد فهو محرم تغليبا للتحريم، والسمع المتولد بين الذئب والضبع محرم وكذا العسبار ولد الذئبة من الذيخ قال قتادة ما البغل إلا شئ من الحمار، وعن جابر قال ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل * (مسألة) * (وفي الثعلب والوبر وسنور البر واليربوع روايتان) اختلفت الرواية عن احمد في الثعلب فأكثر الروايات عن احمد تحريمه وهذا قول أبي هريرة ومالك وأبي حنيفة لانه سبع فيدخل في عموم النهي، وروي عن احمد رحمه الله اباحته اختاره

[ 76 ]

الشريف أبو جعفر ورخص فيه عطاء وقتادة وطاوس والليث وسفيان بن عيينة والشافعي لانه يفدى في الحرم والاحرام، قال احمد وعطاء كل ما يودى إذا أصابه المحرم فانه يؤكل، واختلفت الرواية في سنور البر كاختلافها في الثعلب والقول فيه كالقول في الثعلب وللشافعي في سنور البر وجهان. فأما الوبر فمباح وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف قال القاضي هو محرم وهو قول أبي حنيفة واصحابه إلا أبا يوسف ولنا انه يفدى في الاحرام والحرم وهو كالارنب يأكل النبات والبقول وليس له ناب يفرس به ولا هو من المستخبثات فكان مباحا كالارنب ولان الاصل الاباحة وعموم النص يقتضيها ولم يرد فيه تحريم فتجب اباحته. فأما اليربوع فسئل احمد عنه فرخص فيه وهذا قول عروة وعطاء الخراساني والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وفيه رواية أخرى انه محرم وروي ذلك عن ابن سيرين والحكم وحماد واصحاب الرأي لانه يشبه الفأر

[ 77 ]

ولنا ان عمر رضي الله عنه حكم فيه بجفرة ولان الاصل الاباحة ما لم يرد فيه تحريم. وأما السنجاب فقال القاضي هو محرم لانه ينهش بنابه فأشبه الجرد، ويحتمل انه مباح لانه يشبه اليربوع ومتى تردد بين الاباحة والتحريم غلبت الاباحة لانها الاصل وعموم النصوص يقتضيها (فصل) والفيل محرم قال احمد ليس هو من أطعمة المسلمين وقال الحسن هو مسخ وكرهه أبو حنيفة والشافعي ورخص الشعبي في أكله ولنا أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وهو من أعظمها نابا ولانه مستخبث فيدخل في عموم الآية المحرمة

[ 78 ]

(فصل) فأما الدب فينظر فيه فان كان ذا ناب يفرس به فهو محرم وإلا فهو مباح، قال احمد إن لم يكن له ناب فلا بأس به وقال اصحاب أبي حنيفة هو سبع لانه اشبه شئ بالسباع فلا يؤكل ولنا ان الاصل الاباحة ولم يتحقق وجود المحرم فيبقى على الاصل وشبهه بالسباع انما يعتبر في وجود العلة المحرمة وهو كونه ذا ناب يصيد به ويفرس فإذا لم يوجد ذلك كان داخلا في عموم النصوص المبيحة * (مسألة) * (وما عدا هذا فمباح كبهيمة الانعام والخيل والدجاج) لعموم النصوص الدالة على الاباحة كبهيمة الانعام وهي الابل والبقر والغنم قال الله تعالى (أحلت لكم بهيمة الانعام) والخيل كلها عرابها وبراذينها، نص أحمد على ذلك وبه قال ابن سيرين وروي ذلك عن ابن الزبير والحسن وعطاء والاسود بن يزيد وبه قال حماد بن زيد والليث وابن المبارك

[ 79 ]

والشافعي وأبو ثور، وقال سعيد بن جبير ما أكلت شيئا أطيب من معرفة برذون، وحرمها أبو حنيفة وكرهها مالك والاوزاعي وابو عبيد لقول الله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) وعن خالد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حرام عليكم الحمر الاهلية وخيلها وبغالها " ولانه ذو حافر أشبه الحمار ولنا قول جابر نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في لحوم الخيل متفق عليه، وقالت أسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه ولانه حيوان طاهر مستطاب ليس بذي ناب ولا مخلب فيحل كبهيمة الانعام ولانه داخل في عموم الآيات والاخبار المبيحة، وأما الآية فانهم انما يتعلقون بدليل خطابها وهم لا يقولون به، وحديث خالد ليس له اسناد جيد قاله احمد قال وفيه رجلان لا يعرفان يرويه ثور عن رجل ليس

[ 80 ]

بمعروف فلا نترك أحاديثنا لمثل هذا الحديث المنكر، والدجاج مباح قال أبو موسى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الدجاج متفق عليه * (مسألة) * (والوحشي من البقر والظباء والحمر يباح) بقر الوحش على اختلاف أنواعها من الابل والتيتل والوعل والمها وكذلك الظباء وحمر الوحش من الصيود كلها مباحة وتفدي في الاحرام وهذا كله مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا إلا ما روى طلحة بن مصرف ان الحمار الوحشي إذا أنس واعتلف فهو بمنزلة الاهلي، قال احمد وما ظننت انه روي في هذا شئ وليس الامر عندي كما قال وأهل العلم على خلافه لان الظباء إذا تأنست لم تحرم والاهلي إذا توحش لم يحل ولا يتغير منها شئ عن أصله وما كان عليه، قال عطاء في حمار الوحش

[ 81 ]

إذا تناسل في البيوت لا تزول عنه اسماء الوحش، فأما الزرافة فسئل احمد عنها تؤكل؟ قال نعم وهي دابة تشبه البعير إلا ان عنقها أطول من عنقه وجسمها ألطف من جسمه وأعلى منه ويداها أطول من رجليها وهي مباحة لعموم النصوص المبيحة ولانها مستطابة ليس لها ناب ولا هي من المستخبثات أشبهت الابل وحرمها أبو الخطاب والاول أصح لما ذكرنا، والنعامة مباحة وقد قضى فيها الصحابة رضي الله عنهم ببدنة إذا قتلها المحرم ولا نعلم في اباحتها خلافا * (مسألة) * (والارنب مباحة) أكلها سعد بن أبي وقاص ورخص فيها أبو سعيد وعطاء وابن المسيب والليث ومالك والشافعي وأبا ثور وابن المنذر ولا نعلم قائلا بتحريمها إلا شيئا روي عن عمرو بن العاص وقد صح عن أنس

[ 82 ]

انه قال أنفجنا أرنبا فسعى القوم فلعبوا فأخذتها وجئت بها أبا طلحة فذبحها فبعث بوركها أو قال فخذها إلى النبي صلى الله عليه فقبله متفق عليه، وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد قال صدت أرنبين فذبحتهما بمروة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بأكلهما رواه أبو داود ولانها حيوان مستطاب ليس بذي ناب فأشبه الضب * (مسألة) * (وسائر الوحش لعموم النص والضبع والضب) رويت الرخصة في الضبع عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق، قال عروة ما زالت العرب تأكل الضبع لا ترى بأكلها بأسا، وقال أبو حنيفة والثوري ومالك هي

[ 83 ]

حرام وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب فانها من السباع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وهي من السباع فتدخل في عموم النهي، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الضبع فقال " ومن يأكل الضبع؟ " ولنا ما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل الضبع فقلت صيد هي؟ قال " نعم " احتج به أحمد، وفي لفظ قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال " هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم " رواه أبو داود، وعن عبد الرحمن بن أبي عمار قال قلت لجابر الضبع أصيد هي؟ قال نعم، قلت أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم رواه النسائي وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح قال ابن عبد البر هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي

[ 84 ]

ناب من السباع لانه أقوى منه قلنا هذا تخصيص لا معارض ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب باخبار الاحاد، فأما الخبر الذى فيه " ومن يأكل الضبع؟ " فهو حديث طويل يرويه عبد الملك بن المخارق تفرد به وهو متروك الحديث، وقد قيل ان الضبع ليس لها ناب فعلى هذا لا تدخل في عموم النهي (فصل) والضب مباح في قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو سعيد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو سعيد كنا معشر أصحاب محمد لان يهدى إلى احد ناضب أحب إليه من دجاجة وقال عمر ما يسرني أن مكان كل ضب دجاجة سمينة ولوددت أن في كل جحر ضب ضبين وبهذا قال مالك والليث والشافعي وابن المنذر وقال الثوري وأبو حنيفة هو حرام لما روي

[ 85 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن اكل لحم الضب وروي نحوه عن علي ولانه ينهش فاشبه ابن عرس ولنا ما روى ابن عباس قال دخلت انا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فقيل هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت احرام هو يا رسول الله؟ قال " لا ولكن لم يكن بارض قومي فأجدني اعافه " قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر متفق عليه قال ابن عباس ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الضب تقذرا وأكل على مائدته ولو كان حرما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكنه قذره ولو كان عندي لاكلته ولان الاصل الحل ولم يوجد المحرم فبقي على الاباحة ولم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي ولا تحريم ولان اباحته قول من سمينا من الصحابة رضي الله عنهم ولم يثبت عنهم خلافه فيكون اجماعا * (مسألة) * (والزاغ مباح)

[ 86 ]

وبذلك قال الحكم وحماد ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه ويباح غراب الزرع وهو الاسود الكبير الذي يأكل الزرع ويطير مع الزاغ لان مرعاهما الزرع والحبوب فأشبها الحجل وسائر الطير كالحمام وأنواعه من الفواخت والجوازل والرقاطي والدباسي والعصافير والقنابر والقطا والحبارى والحجل لما روى سفينة قال أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى رواه أبو داود، والكركي والكروان والبط والاوز وما اشبهه مما يلتقط الحب أو يفدى في الاحرام مباح لانه مستطاب ويفدى في حق المحرم فكان مباحا كبقية ما يفدى وكذلك الغرانيق والطواويس وطير الماء كله وأشباه ذلك لا نعلم فيه خلافا

[ 87 ]

(فصل) واختلفت الرواية عن أحمد في الهدهد والصرد فعنه انهما حلال لانهما ليسا من ذوات المخلب ولا مستخبثات وعنه تحريمهما لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الهدهد والصرد والنملة والنحلة وكل ما كان لا يصيد بمخلبه ولا يأكل الجيف ولا يستخبث فهو حلال * (مسألة) * (وجميع حيوان البحر مباح لقول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر طعامه متاعا لكم) الا الضفدع والحية والتمساح وقال ابن حامد الا الكوسج) كل صيد البحر مباح الا الضفدع وهذا قول الشافعي وقال الشعبي لو أكل أهلي الضفادع لاطعمتهم ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن قتل الضفدع رواه النسائي فيدل على تحريمه ولانها

[ 88 ]

مستخبثة، وكذلك الحية وقد ذكرنا الخلاف فيها، فاما التمساح فقال ابن حامد لا يؤكل التمساح ولا الكوسج لانهما يأكلان الناس وذكر ابن أبي موسى في التمساح رواية انه مكروه غير محرم للآية وروي عن ابراهيم النخعي أو غيره انهم كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وقال أبو علي النجاد لا يباح من البحري ما يحرم نظيره في البر كخنزير الماء وانسانه وهو قول الليث الا في كلب الماء فانه يرى اباحة كلب البر والبحر وقال أبو حنيفة لا يباح الا السمك وقال مالك كل ما في البحر مباح لعموم قوله سبحانه (أحل لكم صيد البحر وطعامه) (فصل) وكلب الماء مباح وركب الحسن بن علي سرجا عليه جلد من جلود كلاب الماء

[ 89 ]

وهذا قول مالك والشافعي والليث ويقتضيه قول الشعبي والاوزاعي ولا يباح عند أبي حنيفة وهو قول أبي علي النجاد وبعض أصحاب الشافعي ولنا عموم الآية والخبر قال عبد الله سألت أبي عن كلب الماء فقال ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عمر وبن دينار وأبي الزبير سمعا شريحا رجلا ادرك النبي صلى الله عليه وسلم يقول " كل شئ في البحر فهو مذبوح " فذكرت ذلك لعطاء فقال أما الطير فنذبحه وقال أبو عبد الله كلب الماء نذبحه (فصل) قال أحمد لا أكره الجري وكيف لنا بجري ورخص فيه علي والحسن ومالك والشافعي

[ 90 ]

وأبو ثور وأصحاب الرأي وسائر أهل العلم وقال ابن عباس الجري لا نأكله ورافقهم الرافضة ومخالفتهم صواب (فصل) وتحرم الجلالة التي أكثر علفها النجاسة وبيضها ولبنها وعنه يكره ولا يحرم قال أحمد أكره لحوم الجلالة والبانها قال القاضي هي التى تأكل العذرة فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها وفي بيضها روايتان وان كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها قال شيخنا وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد ولا هو ظاهر كلامه لكن يمكن تحديده بان يكون كثيرا في ماكولها ويعفى عن اليسير وقال الليث انما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها الا الرجيع وما أشبهه وقال ابن أبي موسى في الجلالة روايتان

[ 91 ]

(احداهما) هي محرمة (والثانية) هي مكروهة غير محرمة وهذا قول الشافعي وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس ورخص العمل في لحومها وألبانها لان الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات بدليل ان شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسا ولو نجس لما طهر بالاسلام ولا الاغتسال ولو تنجست الجلالة لما طهرت بالحبس ولنا ما روى ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها، رواه أبو داود وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الابل الجلالة ان يؤكل لحمها ولا يحمل عليها الا الادم ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة رواه الخلال باسناده

[ 92 ]

ولان لحمها يتولد من النجاسة فيكون نجسا كرماد النجاسة وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه وانما يتغذى الطاهرات وكذلك الكافر في الغالب * (مسألة) * (حتى تحبس وتزول الكراة بحبسها اتفاقا) واختلف في قدره فروي انها تحبس ثلاثا سواء كانت طائرا أو بهيمة وكان ابن عمر إذا اراد أكلها حبسها ثلاثا وهذا قول أبي ثور لان ما طهر حيوانا يطهر الآخر كالذي نجس ظاهره، والاخرى تحبس الدجاجة ثلاثا والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين يوما وهذا قول عطاء في الناقة والبقرة لحديث عبد الله ابن عمر ولانهما أعظم جسما وبقاء علفهما فيهما اكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير وعنه تحبس الشاة سبعا لانها اكبر من الطائر ودون البعير والبقرة، ويكره ركوب الجلالة وهو قول عمر

[ 93 ]

وابنه وأصحاب الرأى لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوبها ولانها ربما عرقت فتلوث بعرقها * (مسألة) (وما يسقي بالماء النجس من الزرع والثمار محرم وكذلك ما سمد به وقال ابن عقيل يحتمل ان يكره ذلك ولا يحرم ولا يحكم بتنجيسها) لان النجاسة تستحيل في بطنها فتطهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما ويصير لبنا وهذا قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة والشافعي وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة ويقول مكيل عرة مكيل بر والعرة عذرة الناس ولنا ما روى ابن عباس قال كنا نكري اراضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليهم ان لا يدملوها بعذرة الناس ولانها تتغذى بالنجاسات وتسري فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة إذا حبست واطعمت الطاهرات

[ 94 ]

* (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ومن اضطر إلى محرم مما ذكرنا فله ان يأكل منه ما يسد رمقه وهل له الشبع؟ على روايتين) أجمع العلماء على تحريم الميتة والخنزير حالة الاختيار وعلى إباحة الاكل منها في الاضطرار وكذلك سائر المحرمات والاصل في ذلك قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) وقوله (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) ويباح له أكل ما يسد رمقه ويأمن معه الموت بالاجماع ويحرم ما زاد على الشبع بالاجماع أيضا وفي الشبع روايتان

[ 95 ]

(احداهما) لا يباح وهو قول أبي حنيفة واحدى الروايتين عن مالك واحد القولين للشافعي قال الحسن يأكل قدر ما يقيمه لان الآية دلت على تحريم الميتة واستثني ما اضطر إليه فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الاكل كحالة الابتداء ولانه بعد سد الرمق غير مضطر ولم يبح له الاكل كذا ههنا (والثانية) أبيح له النشبع اختارها أبو بكر لما روى جابر ابن سمرة ان رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقالت له امرأته اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال " هل عندك غنى يغنيك؟ " قال لا قال " فكلوها " ولم يفرق رواه أبو داود ولان ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح ويحتمل ان يفرق بينما إذا كانت الضرورة مستمرة وبينما إذا كانت مرجوة الزوال فما كانت مستمرة كحال الاعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جز الشبع لانه إذا

[ 96 ]

اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قريب ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه وربما ادى ذلك إلى تلفه بخلاف التى ليست مستمرة فانه يرجى الغنى فيها بما يحل له. إذ ثبت هذا فان الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها ان ترك الاكل قال احمد إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من جوع أو يخاف ان ترك الاكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك ولا يتقيد ذلك بزمن محصور (فصل) وهل يجب الاكل من الميتة أو غيرها من الحرمات على المضطر؟ فيه وجهان (احدهما) يجب وهو قول مسروق واحد الوجهين لاصحاب الشافعي قال الاثرم سئل أبو عبد الله

[ 97 ]

عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل فذكر مسروق من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات. دخل النار وهذا اختيار ابن حامد لقول الله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وترك الاكل مع امكانه في هذه الحال إلقاء بيده إلى التهلكة وقال الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما) ولانه قادر على احياء نفسه بما أحله الله له فلزمه كما لو كان معه طعام حلال (والثاني) لا يلزمه لما روي عن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته فاخرجوه فال قد كان الله احله لي لانني مضطر ولكن لم أكن لاشمتك بدين الاسلام، ولان اباحة الاكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص ولان له غرضا في اجتناب النجاسة والاخذ بالعزيمة وربما لم تطلب نفسه تناول الميتة وفارق الحلال في الاصل من هذه الوجوه (فصل) وتباح المحرمات عند الاضطرار في الحضر والسفر جميعا لان الآية مطلقة غير مقيدة باحدى الحالتين وقوله سبحانه (فمن اضطر) لفظ عام في كل مضطر ولان الاضطرار يكون في الحضر

[ 98 ]

في سنة المجاعة وسبب الاباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك لكون هذه المصلحة اعظم من مصلحة اجتناب النجاسات والصيانة عن تناول المستخبثات وهذا المعنى عام في الحالين وظاهر كلام احمد أن الميتة لا تحل لمن يقدر على دفع ضرورته بالمسألة وروي عن أحمد أنه قال اكل الميتة انما يكون في السفر يعني انه في الحضر يمكنه السؤال وهذا عن أحمد خرج مخرج الغالب فان الغالب ان الحضر يوجد فيه الطعام الحلال ويمكن دفع الضرورة بالسؤال ولكن الضرورة امر معبر بوجود حقيقته لا يكتفى فيه بالمظنة بل متى وجدت الضرورة اباحت سواء وجدت المظنة أو لم توجد ومتى انتفت لم يبح الاكل لوجود مظنتها بحال (فصل) قال أصحابنا ليس للمضطر في سفر المعصية الاكل من الميتة كقاطع الطريق والآبق

[ 99 ]

القول الله تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) قال مجاهد (غير باغ) على المسلمين (ولا عاد) عليهم وقال سعيد بن جبير إذا خرج يقطع الطريق فلا رخصة له فان تاب واقلع عن معصيته حل له الاكل (فصل) وهل للمضطر التزود من الميتة، على روايتين (اصحهما) له ذلك وهو قول مالك لانه لا ضرر في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته ولا يأكل منها الا عند ضرورته (والثانية) لا يجوز لانه توسع فيما لم يبح الا للضرورة فان استصحبها فلقيه مضطر لم يجز له بيعه اياه لانه انما يبح له منها ما يدفع به الضرورة ولا ضرورة إلى البيع لانه لا يملكه ويلزمه إعطاء الآخر بعير عوض

[ 100 ]

إذا لم يكن هو مضطرا في الحال إلى منعه لان ضرورة الذي لقيه موجودة وحاملها يخاف الضرر في ثاني الحال * (مسألة) * (وان وجد طعاما لا يعرف مالكه وميتة أو صيدا وهو محرم فقال أصحابنا ياكل الميتة) ويحتمل ان يحل له الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة وكقول اصحابنا قال سعيد بن المسيب وزيد بن اسلم، وقال مالك ان كانوا يصدقونه انه مضطر اكل من الزرع والثمرة وشرب اللبن وان خاف ان تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولاصحاب الشافعي وجهان (احدهما) يأكل الطعام وهو قول عبد الله بن ينار لانه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذل له صاحبه ولنا ان أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه فكان العدول إلى المنصوص

[ 101 ]

عليه أولى لان حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة وحق الآدمي مبني على الشح والضيق ولان حق الادمي تلزمه غرامته وحق الله تعالى لا عوض له ويحتمل ان يحل له أكل الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة لانه قادر على الطعام الحلال فاشبه ما لو بذله له صاحبه (فصل) وإذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له الامتناع من الاكل والشرب ولا العدول إلى الميتة الا ان يخاف ان يسمه فيه أو يكون الطعام الذي يطعمه مما يضره ويخاف ان يهلكه أو يمرضه (فصل) وإن وجد طعاما مع مالكه وامتنع من بذله أو بيعه منه ووجد ثمنه لم يجز له مكابرته عليه وأخذه منه وعدل إلى الميتة سواء كان قويا يخاف من مكابرته التلف أو لم يخف فان بذله بثمن مثله وقدر على الثمن لم يحل له أكل الميتة لانه قادر على طعام حلال، وان بذله بزيادة على ثمن المثل لا تجحف بماله لزمه شراؤه أيضا

[ 102 ]

لما ذكرناه وان كان عاجزا عن الثمن فهو في حكم العادم وان امتنع من بذله الا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه المضطر بذلك لم يلزمه أكثر من ثمن مثله لان الزيادة احوج إلى بذلها بغير حق فلم يلزم كالمكره (فصل) وان وجد المحرم ميتة وصيدا أكل الميتة وبه قال الحسن ومالك وأبو حنيفة واصحابه وقال الشافعي في واحد قوليه يأكل الصيد ويفديه وهو قول الشعبي لان الضرورة تبيحه ومع القدرة عليه لا تحل الميتة لعناه عنها قال شيخنا ويحتمل ان يحل أكل الصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة ووجه الاول ان اباحة المية منصوص عليها واباحة الصيد مجتهد فيها وتقديم المنصوص عليه أولى فان لم يجد ميتة ذبح الصيد واكله نص عليه احمد لانه مضطر إليه عينا، وقد قيل ان في الصيد تحريمات ثلاثا تحريم قتله وتحريم أكله وتحريم الميتة لان ما ذبحه المحرم من الصيد يكون ميتة فقد ساوى الميتة في هذا وفضل هذا بتحريم القتل

[ 103 ]

والاكل لكن يقال على هذا ان الشارع إذا اباح له أكله لم يصر ميتة ولذا لو لم يجد الميتة فذبحه كان ذكيا طاهرا وليس بنجس ولا ميتة ولهذا يتعين عليه ذبحه في محل الذبح وتعتبر شروط الذكاة فيه ولا يجوز قتله ولو كان ميتة لم يتعين ذلك عليه (فصل) إذا ذبح المحرم الصيد عند الضرورة جاز له ان يشبع منه لانه لحم ذكي ولا حق فيه لآدمي سواه فأبيح له الشبع منه كما لو ذبحه حلال لا من أجله (فصل) فان لم يجد المضطر شيئا لم يبح له بعض أعضائه، وقال بعض أصحاب الشافعي له ذلك لان له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الاكلة. ولنا أن اكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلا لنفسه ولا يتيقن حصول البقاء بأكله، أما قطع الاكلة فانه يخاف الهلاك بذلك فأبيح له ابعاده ودفع الضرر المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يبح له قتله ليأكله.

[ 104 ]

* (مسألة) * (فان لم يجد إلا طعاما لم يبذله مالكه فان كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به وإلا لزمه بذله فان أبى فللمضطر أخذه قهرا ويعطيه قيمته فان منعه فله قتاله على ما يسد رمقه أو قدر شبعه على اختلاف الروايتين، فان قتل صاحب الطعام لم يجب ضمانه وان قتل المضطر فعليه ضمانه). وجملة ذلك انه إذا اضطر إلى طعام فان لم يجد إلا طعاما لغيره فان كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به ولا يجوز لاحد أخذه منه لانه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة وان اخذه منه أحد فمات فعليه ضمانه لانه قتله بغير حق، وان لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله للمضطر لانه يتعلق به احياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله كما يلزمه بذل منافعه في انجائه من الغرق والحرق فان لم يفعل فللمضطر أخذه منه لانه يستحقه دون مالكه فجاز له أخذه كعين ماله فان

[ 105 ]

احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه على ما يسد رمقه لانه الذي اضطر إليه وعنه له قتاله على قدر الشبع والاول أولى وذكر ابن أبي موسى في الارشاد انه لا يجوز قتاله على شئ منه كما ذكر في دفع الصائل فان قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه وان آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر لانه ظالم بقتاله فأشبه الصائل الا ان يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لامكان الوصول إليه دونها، فان لم يبعه إلا بأكثر من ثمنه لم يلزمه الا ثمن مثله وقد ذكرناه ويلزمه عوضه في كل موضع أخذه فان لم يكن معه في الحال لزمه في ذمته ولا يباح للمضطر من مال اخيه إلا ما يباح من الميتة، قال أبو هريرة قلنا يا رسول الله ما يحل لاحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال " ياكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل "

[ 106 ]

* (مسألة) * (فان لم يجد إلا آدميا مباح الدم كالمرتد والزاني المحصن حل له قتله وأكله). وجملة ذلك أن المضطر إذا لم يجد الا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله اجماعا ولا اتلاف عضو منه مسلما كان أو كافرا لانه مثله فلا يجوز ان يقي نفسه باتلاقه وهذا لا خلاف فيه، وان كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي ان له قتله واكله، لان قتله مباح وهكذا قال أصحاب الشافعي لانه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع وان وجده ميتا ابيح أكله لان اكله مباح قبله فكذلك بعد موته وان وجد معصوما ميتا لم يبح اكله في قول أكثر الاصحاب وقال الشافعي وبعض الحنفية يباح قال شيخنا وهو اولى، لان حرمة الحي أعظم قال أبو بكر بن داود اباح الشافعي أكل لحوم الانبياء واحتج أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم " كسر عظم الميت ككسره وهو حي " واختار أبو الخطاب ان له اكله وقال لا حجة في الحديث ههنا لان الاكل من اللحم لا من العظم والمراد من الحديث التشبيه

[ 107 ]

في اصل الحرمة لا بمقدارها بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص ووجوب صيانة الحي بما لا تجب به صيانة الميت. (فصل) وإذا اشتدت المخمصة في سنة المجاعة واصابت الضرورة خلقا كثيرا وكان عند بعض الناس قدر كفايته من غير فضلة لم يلزمه بذل ما معه للمضطرين ولم يفرق اصحابنا بين هذه الحال وبين كونه لا يتضرر بدفع ما معه إليهم في ان ذلك واجب عليه لكونه غير مضطر في الحال والآخر مضطر فوجب تقديم حاجة المضطر. ولنا ان هذا مفض به إلى هلاك نفسه وعياله فلم يلزمه كما لو امكنه انجاء الغريق بتغريق نفسه وليس في بذله القاء بيده إلى التهلكة وقد نهى عزوجل عن ذلك وهذا اختيار شيخنا رحمه الله

[ 108 ]

(فصل) والترياق محرم وهو دواء يعالج به من السم يجعل فيه لحوم الحيات ويعجن بالخمر لا يحل اكله ولا شربه لان الخمر ولحوم الحيات حرام، وممن كرهه الحسن وابن سيرين ورخص فيه الشعبي ومالك ويقتضيه مذهب الشافعي لاباحته التداوي ببعض المحرمات. ولنا ان لحم الحية حرام على ما ذكرنا فيما مضى وكذلك الخمر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله لم يجعل شفاء امتي فيما حرم عليها ". (فصل) ولا يجوز التداوي بشئ محرم ولا بشئ فيه محرم مثل ألبان الاتن ولحم شئ من المحرمات ولا شرب الخمر للتداوي لما ذكرنا من الخبر، ولان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له النبيذ يصنع للدواء فقال " انه ليس بدواء ولكنه داء "

[ 109 ]

(فصل) (ومن مر بثمرة في شجر لا حائط عليه ولا ناظر فله ان يأكل ولا يحمل وعنه لا يحل ذلك إلا لحاجة) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في ذلك فروي عنه أنه قال إذا لم يكن عليها حافظ أكل إذا كان جائعا وإذا لم يكن جائعا فلا يأكل وقال قد فعله غير واحد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا كان عليه حائط لم يأكل لانه قد صار شبه الحريم وقال في موضع انما الرخصة للمسافر إلا انه لم يعتبر ههنا الاضطرار لان الاضطرار يبيح ما وراء الحائط، ورويت عنه الرخصة في الاكل من غير المحفوظ مطلقا من غير اعتبار رجوع ولا غيره وهذا المشهور في المذهب لما روي عن أبي زينب التيمي قال سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي برزه فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم وهو قول عمر وابن عباس وابي برزة قال عمر يأكل ولا يتخذ خبنة، وروي عن احمد انه قال يأكل مما تحت الشجر فإذا لم يكن تحت الشجر فلا

[ 110 ]

يأكل ثمار الناس وهو غني عنه ولا يضرب بحجر ولا يرمي لان هذا يفسد وروي عن نافع عن عبد الله بن عمر قال كنت ارمي نخل الانصار فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " يا نافع لم ترمي نخلهم؟ " فقلت يا رسول الله الجوع قال " لا ترم وكل ما وقع اشبعك الله وأرواك "، أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح، وقال أكثر الفقهاء لا يباح الاكل إلا في الضرورة لما روى العرباض بن سارية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الا وان الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت اهل الكتاب إلا باذن ولا ضرب نسائهم ولا اكل ثمارهم إذا اعطوكم الذي عليهم " رواه ابو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم " ان دماءكم واموالكم واعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا " متفق عليه.

[ 111 ]

ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الثمر المعلق فقال " ما اصاب منه من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ومن اخرج منه شيئا فعليه غرامة مثليه والعقوبة " وقال الترمذي هذا حديث حسن وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا أتيت على حائط بستان فناد صاحب البستان ثلاثا فان اجابك وإلا فكل من غير ان تفيد " وروى سعيد باسناده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولانه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف فكان اجماعا، فان قيل فقد ابى سعد أن ياكل قلنا امتناع سعد من اكله ليس مخالفا لهم فان الانسان قد يترك المباح غنى عنه أو تورعا أو تقذرا كترك النبي صلى الله عليه وسلم اكل الضب فاما احاديثهم فهي مخصوصة بما رواه من الحديث

[ 112 ]

والاجماع فان كانت محوطة لم يجز الدخول إليها لقول ابن عباس إن كان عليها حائط فهي حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، ولان إحرازه بالحائط يدل على شح صاحبه به وعدم المسامحة، قال بعض أصحابنا إذا كان عليه ناطور فهو كالمحوط في أنه لا يدخل إليه ولا يأكل منه إلا في الضرورة. * (مسألة) * (وفي الزرع وشرب لبن الماشية روايتان) اختلفت الرواية عن أحمد في الزرع فروي عنه أنه قال: لا يأكل انما رخص في الثمار ليس الزرع،

[ 113 ]

وقال ما سمعنا في الزرع أن يمس منه وجهه ان الثمار خلقها الله تعلى للاكل رطبة والنفوس تتوق إليها والزرع بخلافها. (والثانية) قال يأكل من الفريك لان العادة جارية بأكله رطبا أشبه الثمر، وكذلك الحكم في الباقلا والحمص وشبهه مما يؤكل رطبا، فأما الشعير وما لم تجر العادة بأكله فلا يجوز الاكل منه والاولى في الثمار وغيرها ان لا يأكل منها الا باذن لما فيها من الخلاف والاخبار الدالة على التحريم. وكذلك روي عن أحمد رحمه الله في حلب لبن الماشية روايتان (احداهما) يجوز له أن يحلب ويشرب ولا يحمل لما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا أتى أحدكم

[ 114 ]

على ماشية فان كان فيها صاحبها فليستأذنه فان أذن فليحلب وليشرب ولا يحمل " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والعمل عليه عند بعض أهل العلم وهو قول اسحاق (والرواية الثانية) لا يجوز له ان يحلب ولا يشرب لما روى ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحلبن احد ماشية احد الا باذنه ايحب احدكم ان تؤتى مشربته وتكسر خزانته وينقل طعامه فانما تخزن لهم ضروع مواشيهم اطعمتهم فلا يحلبن احد ماشية احد الا باذنه " وفي لفظ " فان ما في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم " متفق عليه (فصل) قال احمد اكره اكل الطين ولا يصح فيه حديث الا أنه يضر بالبدن يقال إنه ردي وتركه خير من أكله وانما كرهه أحمد من أجل مضرته فان كان منه ما يتداوى به كالطين الارمني

[ 115 ]

فلا يكره وان كان مما لا مضرة فيه ولا نفع كالشئ اليسير جاز أكله لان الاصل الاباحة والمعنى الذي لاجله كره منتف ههنا فلم يكره (فصل) ويكره أكل البصل والثوم والكراث والفجل وكل ذي رائحة كريهة من أجل رائحته سواء أراد دخول المسجد أو لم يرد لما روى ابن ماجه ان النبي صلى الله عليه وسلم " قال ان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس " فان اكله لم يقرب المسجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا " وفي رواية " فلا يقربنا في مساجدنا " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وليس أكلها محرما لما روى أبو أيوب ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه بطعام

[ 116 ]

فلم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال " فيه الثوم " فقال يا رسول الله أحرام هو؟ قال " لا ولكني اكرهه من أجل ريحه " رواه الترمذي وقال حديث حسن وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي " كل الثوم فلولا ان الملك يأتيني لاكلته " وانما منع أكلها لئلا يؤذي الناس برائحته ولذلك نهى عن قربان المسجد فان أتى المسجد كره له ذلك ولم يحرم لما روى المغيرة بن شعبة قال أكلت ثوما وأتيت مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقت بركعة فلما دخلت المسجد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريح الثوم فلما قضى صلاته قال من " أكل من هذه

[ 117 ]

الشجره فلا يقربنا حتى يذهب ريحها " فجئت فقلت يا رسول الله لتعطني يدك قال فادخلت يده في كم قميصي إلى صدري فإذا أنا معصوب الصدر فقال " ان لك عذرا " رواه أبو داود وقد روي عن أحمد أنه يأثم لان ظاهر النهي التحريم ولان أذى المسلمين حرام وهذا فيه اذاهم (فصل) ويكره أكل الغذة واذن القلب لما روي عن مجاهد قال كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة ستا وذكر هذين ولان النفس تعافهما وتستخبثهما قال الشيخ ولا اظن أحمد كرههما الا لذلك لا للخبر لانه قال فيه حديث منكر ولان في الخبز ذكر الطحال وقد قال أحمد لا بأس به ولا أكره منه شيئا (فصل) قيل لابي عبد الله الجبن؟ قال يؤكل من كل وسئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس قال

[ 118 ]

وما أدري الا أن أصح حديث فيه حديث الاعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال سئل عمر عن الجبن وقيل له تعمل فيه الانفحة الميتة فقال سموا انتم وكلوا رواه أبو معاوية عن الاعمش وقال أليس الجبن الذي يأكله عامتهم يصنعه المجوس (فصل) ولا يجوز ان يشتري الجوز الذي يتقامر به الصبيان ولا البيض الذي يتقامرون به يوم العيد لانهم يأخذونه بغير حق والله أعلم * (مسألة) * (ويجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به يوما وليلة فان أبى فللضيف طلبه به عند الحاكم) قال أحمد الضيافة على المسلمين كل من نزل به ضيف كان عليه ان يضيفه قيل ان ضاف الرجل

[ 119 ]

ضيف كافر يضيفه؟ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم " ولما أضاف المشرك دل على ان المسلم يضاف وما أراه كذلك والضيافة معناها معنى صدقة التطوع على المسلم والكافر، واليوم والليلة حق واجب وقال الشافعي ذلك مستحب وليس بواجب لانه غير مضطر إلى طعامه فلم يجب عليه بذله كما لو لم يضفه ولنا ما ذكرناه من الحديث وروى المقدام ابن أبي كريمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليلة الضيف حق واجب فان أصبح بفنائه فهو دين عليه ان شاء اقتضى وان شاء ترك " حديث صحيح وفي لفظ " ايما رجل ضاف قوما فاصبح الضيف محروما فان نصره على كل مسلم حتى

[ 120 ]

يأخذ بحقه من زرعه وماله " رواه أبو داود، والواجب يوم وليلة والكمال ثلاثة أيام وذكر ابن أبي موسى ان الواجب ثلاثة أيام لما روى أبو سريج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة لا يحل لمسلم ان يقيم عند أخيه حتى يؤثمه " قالوا يا رسول الله كيف يؤثمه؟ قال " يقيم عنده وليس عنده ما يقريه " متفق عليه قال أحمد معنى قوله عليه السلام " جائزته يوم وليلة " كأنه أوكد من سائر الثلاثة ولم يرد يوما وليلة سوى الثلاثة لانه يصير أربعة أيام وقد قال وما زاد على الثلاثة فهو صدقة، فان امتنع من ضيافته فللضيف بقدر ضيافته قال أحمد يطالبهم بحقه الذي جعله له النبي صلى الله

[ 121 ]

عليه وسلم ولا يأخذ شيئا الا بعلم أهله وعنه رواية أخرى له ان يأخذ ما يكفيه بغير اذنهم لما روى عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا قال " إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فان لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " متفق عليه * (مسألة) * (وتستحب ضيافته ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة) وعن أحمد ان الضيافة على أهل القرى دون أهل الامصار قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل إلى أي شئ تذهب فيها؟ قال هي مؤكدة وكأنها على أهل القرى والطرق الذين يمر بهم الناس أوكد

[ 122 ]

فاما مثلنا الآن فكأنه ليس مثل أولئك وذلك أهل القرى والله أعلم ليس عادتهم بيع القوت فلو لم تلزمهم الضيافة بقي المسافر ليس له ما يقتات بخلاف أهل الامصار فان عادتهم ذلك فيجد المسافر ما يشتري ويقتات فلا تلزمهم الضيافة * (مسألة) * (وليس له انزال الضيف في بيته) لما فيه من الحراج الا ان لا يجد مسجدا أو رباطا يبيت فيه فيبيت عنده للضرورة ولان الخبر انما ورد في الضيافة لا غير فكان خاصا فيها دون غيرها (فصل) قال المروذي سألت أبا عبد الله قلت تكره الخبز الكبار؟ قال نعم اكرهه ليس فيه بركة انما البركة في الصغار وقال مرهم ان لا يخبزوا كبارا قال ورأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده

[ 123 ]

وان كان على وضوء وقال مهنا ذكرت ليحيى بن معين حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم " بركة الطعام الوضوء قبله وبعده " وذكرت الحديث لاحمد فقال ما حدث به الا قيس بن الربيع وهو منكر الحديث قلت بلغني عن يحى بن سعيد قال كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام لم كره سفيان ذلك؟ قال لانه من زي العجم قلت بلغني عن يحيى بن سعيد قال كان سفيان يكره ان يكون تحت القصعة الرغيف لم كرهه سفيان؟ قال كره ان يستعمل الطعام قلت تكرهه أنت؟ قال نعم وروى ابن عقيل قال حضرت مع ابن شهاب وليمة ففرشوا المائدة بالخبز فقال لا تتخذوا الخبز بساطا وقال المروذي قلت لابي عبد الله ان ابا معمر قال ان ابا اسامة قدم إليهم خبزا فكسره فقال هذا لئلا تعرفوا كم تأكلون قيل لابي عبد الله يكره الاكل

[ 124 ]

متكئا؟ قال أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا آكل متكئا " رواه أبو داود عن شعيب بن عبد الله بن عمرو عن أبيه قال ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا قط رواه أبو داود وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يأكل الرجل منبطحا رواه أبو داود (فصل) وتستحب التسمية عند الطعام وحمد الله تعالى عند آخره لما روى عمر بن أبي سلمة قال اكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال " بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " فما زالت اكلتي متفق عليه وروى الامام احمد باسناده عن أبي هريرة قال لا اعلمه الا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " اطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر " قال معناه إذا اكل وشرب بشكر الله ويحمده على ما رزقه " وعن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا اكل أحدكم فليذكر اسم الله فان نسي ان يذكر اسم الله في اوله فليقل بسم الله اوله وآخره " رواه أبو داود وعن معاذ بن انس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اكل طعاما فقال الحمد لله الذي اطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه " وعن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 125 ]

إذا اكل طعاما قال الحمد لله الذي اطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين " وعن أبي امامة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع طعامه، أو ما بين يديه قال " الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع " رواهن ابن ماجه (فصل) ويأكل بيمينه ويشرب بها روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فان الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " رواه مسلم وأبو داود ويستحب الاكل بثلاث اصابع لما روى كعب بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها رواه الامام أحمد وذكر له حديث ترويه ابنة الزهري ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير إلا ثلاث اصابع وروي عن أحمد انه أكل خبيصا بكفه كلها وروي عن عبد الله بن بريدة انه كان ينهى بناته ان يأكلن بثلاث اصابع وقال لا تشبهن بالرجال (فصل) قال مهنا سألت احمد عن حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تقطعوا اللحم بالسكين فان ذلك صنيع الاعاجم " فقال ليس بصحيح لا يعرف هذا وقال حديث عمرو بن امية الضمري خلاف هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة فقام إلى الصلاة وطرح السكين وحديث مسعر عن جامع بن شداد عن المغيرة اليشكري عن المغيرة ابن شعبة ضفت برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فامر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يجز فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فالقى الشفرة قال وسألت أحمد عن حديث أبي جحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اكفف جشاءك يا أبا جحيفة فان اكثركم شبعا اليوم اكثركم جوعا يوم القيامة " فقال هو ويحيى جميعا ليس بصحيح

[ 126 ]

(فصل) وروي عن ابن عباس قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفخ في طعام ولا شراب ولا يتنفس في الاناء وعن أنس قال: ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة. قال قتادة فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على السفر. حديث صحيح وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقام عن الطعام حتى يرفع وعن نبيشة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة " وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يمسح أحدكم يده حتى يلعقها فانه لا يدري في أي طعامه البركة " رواهن ابن ماجه (فصل) وسئل أبو عبد الله عن غسل اليد بالخالة قال: لا بأس به نحن نفعله وسئل عن الرجل يأتي القوم وهم على طعام فجأة لم يدع إليه فلما دخل إليهم دعوه يأكل؟ قال نعم وما بأس وسئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه ادخر لاهله قوت سنة هو صحيح؟ قال نعم ولكنهم يختلفون في لفظه (فصل) روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الابرار وصلت عليكم الملائكة " وعن جابر قال صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما فرغوا قال " أثيبوا أخاكم - قالوا: يا رسول الله وما اثابته؟ قال - ان الرجل إذا دخل بيته وأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك اثابته " رواهما أبو داود

[ 127 ]

باب السبق * (مسألة) * (تجوز المسابقة على الدواب والخيل والاقدام والسفن والمزاريق وسائر الحيوانات) والاصل في ذلك السنة والاجماع. أما السنة فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. متفق عليه قال موسى بن عقبة بين الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة اميال، وقال سفيان من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عوض ومسابقة بعوض، فأما المسابقة بغير عوض فتجوز مطلقا من غير تقييد بشئ معين كالمسابقة على الاقدام والسفن والطيور والبغال والحمر والفيلة والمزاريق وتجوز المصارعة ورفع الحجارة ليعرف الاشد وغير هذا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان مع عائشة في سفر فسابقته على رجلها فسبقته قالت فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال " هذه بتلك " رواه أبو داود وسابق سلمة بن الاكوع رجلا من الانصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ذي قرد، وصارع النبي

[ 128 ]

صلى الله عليه وسلم ركانة فصرعه، ورواه الترمذي، ومر بقوم يربعون حجرا يعني يرفعونه ليعرفوا الاشد منهم فلم ينكر عليهم، وسائر المسابقة يقاس على هذا * (مسألة) * (ولا تجوز بعوض إلا في الخيل والابل والسهام) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر " رواه أبو داود، فالسبق بسكون الباء المسابقة والسبق بفتحها الجعل المخرج في المسابقة، اختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها لانها من آلات الحرب المأمور بتعلمها وإحكامها والتفوق فيها، وهي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد فيها والاحكام لها وقد ورد الشرع بالامر بها والترغيب في فعلها، قال الله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) قال النبي صلى الله عليه وسلم " ألا ان القوة الرمي ألا ان القوة الرمي وروى سعيد في سننه عن خالد بن زيد قال كنت رجلا راميا وكان عقبة بن عامر الجهني يمر فيقول يا خالد اخرج بنا نرمي فلما كان ذات يوم أبطأت عنه فقال هلم أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان الله عزوجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة:

[ 129 ]

صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله، ارموا واركبوا وان ترموا أحب إلي من أن تركبوا وليس من اللهو الا ثلاث: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فانها نعمة تركها " رواه أبو داود وعن مجاهد قال قال رسول الله [ ص ] " ان الملائكة لا تحضر من لهوكم الا الرهان والنضال " قال الازهري النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما. وقال مجاهد أدركت ابن عمر يشتد بين الهدفين إذا أصاب خصلة قال أنا بها أنا بها، وعن حذيفة مثله، فلا تجوز المسابقة بعوض الا في هذه الثلاثة وبهذا قال الزهري ومالك وقال أهل العراق نحو ذلك في المسابقة على الاقدام والمصارعة لورود الاثر بهما فان النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة وصارع ركانة ولاصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين، ولهم بالمسابقة بالطيور والسفن وجهان بناء على الوجهين في المسابقة على الاقدام والمصارعة ولنا ما ذكرنا من الحديث فنفى السبق في غير هذه الثلاثة ويحتمل انه أراد به نفي الجعل أي لا يجوز الجعل الا في هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد به نفي المسابقة بعوض فانه يتعين حمل الخبر على

[ 130 ]

أحد الامرين للاجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة، وعلى كل تقدير فالحديث حجة لنا، ولان غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إلى الثلاثة فلم تجز المسابقة عليها بعوض كالرمي بالحجارة ورفعها إذا ثبت هذا فالمراد بالنصل السهام من النشاب والنبل وغيرها وبالحافر الخيل وحدها وبالخف الابل خاصة. وقال أصحاب الشافعي تجوز المسابقة بكل ماله فصل من المزاريق وفي الرمح والسيف وجهان وفي الفيل والبغال والحمير وجهان لان للمزاريق والرماح والسيوف نصلا وللفيل خف وللبغال والحمير حوافر فتدخل في عموم الخبر ولنا ان هذه الحيوانات المختلف فيها لا تصلح للكر والفر ولا يقاتل عليها ولا يسهم لها، والفيل لا يقاتل عليه أهل الاسلام، والرماح والسيوف لا يرمى بها فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس، والخبر ليس بعام فيما تجوز المسابقة به لانه نكرة في اثبات وانما هو عام في نفي ما لا تجوز المسابقة به بعوض لكونه نكرة في سياق النفي ثم لو كان عاما لحمل على ما عهدت المسابقة عليه، وورود الشرع بالحث على تعلمه وهو ما ذكرناه

[ 131 ]

* (مسألة) * (ولا تصح الا بشروط خمسة) (أحدها) تعيين المركوب والرماة لان القصد معرفة جوهر الدابتين وسرعة عدوهما معرفة حذق الرماة ولا يحصل الا بالتعيين لان المقصود معرفة حذق رام بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة فلو عقد اثنان نضالا على أن مع كل واحد منهما ثلاثة غير متعينين لم يجز لذلك * (مسألة) * (ولا يشترط تعيين الراكبين ولا القوسين) لا يشترط تعيين القوس ولا السهام في المناضلة ولو عينها لم تتعين لان القصد معرفة الحذق وهو لا يختلف إلا بالرمي دون القوس والسهام، وفي الرهان يشترط تعيين الحيوان الذي يسابق به لما ذكرنا ولا يعتبر تعيين الراكب لان المقصود معرفة عدو الفرس لا حذق الراكب وكل ما يتعين لا يجوز إبداله كالمتعين في البيع، وما لا يتعين يجوز إبداله لعذره وغيره، فعلى هذه ان شرطا أن لا يرمى بغير هذا القوس ولا بغير هذا السهم ولا يركب غير هذا الراكب فهي شروط فاسدة وهي تنافي مقتضى العقد فهو كما لو شرط إصابة باصابتين (فصل) ويجوز عقد النضال على اثنين وعلى جماعة لان النبي صلى الله عليه وسلم مر على اصحاب له ينتضلون

[ 132 ]

فقال " ارموا وأنا مع ابن الادرع - فأمسك الآخرون وقالوا كيف نرمي وأنت مع ابن الادرع؟ فقال - ارموا وأنا معكم كلكم " رواه البخاري، ولانه إذا جاز أن يكونا اثنين جاز أن يكونا جماعتين لان المقصود معرفة الحذق وهو يحصل في الجماعتين وكذلك في سباق الخيل وقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة وبين الخيل التي لم تضمر * (مسألة) * (الثاني أن يكون المركوبان والقوسان من نوع واحد فلا يجوز بين عربي وهجين ولا بين قوس عربية وفارسية ويحتمل الجواز) إذا كانا من جنسين كالفرس والبعير لم يجز لان البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة فان كانا من نوعين كالعربي والهجين والبختي والعرابي ففيه وجهان [ أحدهما ] لا يصح ذكره أبو الخطاب لان التفاوت بينهما في الجري معلوم بحكم العادة فأشبها الجنسين [ والثاني ] يصح ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي (فصل) ولا بأس بالرمي بقوس فارسية في ظاهر كلام أحمد، وقد نص على جواز المسابقة بها وقال أبو بكر يكره لانه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه رأى مع رجل قوسا فارسية فقال " القها فانها ملعونة ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح القنا فبها يؤيد الله الدين وبها يمكن الله لكم في الارض " رواه الاثرم.

[ 133 ]

ولنا انعقاد الاجماع على الرمي بها وإباحة حملها فان ذلك جار في أكثر الاعصار وهي التي يحصل الجهاد بها في عصرنا هذا وأما الخبر فيحتمل انه لعنها، لان حملتها في ذلك العصر العجم ولم يكونوا أسلموا بعد ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم بها ولهذا أمر برماح القنا ولو حمل انسان رمحا غيرها لم يكن مذموما وحكى أحمد ان قوما استدلوا على القسي الفارسية بقوله تعالى (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة) لدخوله في عموم الآية. * (مسألة) * (الثالث تحديد المسافة والغاية ومدى الرمي بما جرت به العادة) يشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة وان يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها لان الغرض معرفة اسبقهما ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية، لان أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وبالعكس فيحتاج إلى غاية تجمع حالتيه ومن الخيل ما هو أصبر والقارح أصبر من غيره وروى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية، رواه أبو داود فان استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف اولا لم يجز لانه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى تنقطع فرسه ويتعذر الاشهاد على السبق فيه، ولذلك يشترط معرفة مدى الرمي إما بالمشاهدة أو بالذرعان نحو مائة ذراع أو مائتي ذراع لان الاصابة به نختلف بالقرب والبعد ويجوز ما يتفقان عليه إلا ان يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الاصابة في مثلها غالبا وهو ما زاد على ثلثمائة ذراع فلا يصح، لان الغرض يفوت بذلك وقد قيل ما رمى في اربعمائة ذراع الا عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه.

[ 134 ]

* (مسألة) * (الشرط الرابع كون العوض معلوما لانه مال في عقد فوجب العلم به كسائر العقود) إما بالمشاهدة أو بالقدر أو بالصفة على ما تقدم في غير موضع وبجوز أن يكون حالا ومؤجلا وبعضه حالا وبعضه مؤجلا فلو قال ان فضلتني فلك دينار حال وقفيز حنطة بعد شهر جاز لان ما جاز ان يكون حالا ومؤجلا جاز ان يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا كالبيع غير انه يحتاج إلى صفة الحنطة بما تعلم به كالسلم * (مسألة) * (الشرط الخامس الخروج عن شبه القمار بان لا يخرج جميعهم) متى استبق اثنان والجعل منهما فاخرج كل واحد منهما لم يجز وكان قمارا، لان كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم وهذا قمار. * (مسألة) * (فان كان الجعل من الامام أو احد غيرهما أو احدهما على ان من سبق أخذه جاز). وجملة ذلك ان المسابقة إذا كانت بين اثنين أو حزبين لم بخل اما ان تكون منهما أو من غيرهما فان كان من غيرهما وكان من الامام جاز سواء كان من ماله أو من بيت المال لان في ذلك مصلحة وحثا على تعلم الجهاد ونفعا للمسلمين، وان كان غير الامام فله بذل العوض من ماله، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز، لان هذا مما يحتاج إليه في الجهاد فاختص به الامام كتولية الولايات وتأمير الامراء

[ 135 ]

ولنا انه بذل لماله فيما فيه مصلحة وقربة فجاز كا لو اشترى به خيلا أو سلاحا فاما ان كان منهما اشترط كون الجعل من احدهما فيقول ان سبقتني فلك عشرة وان سبقتك فلا شئ عليك فهو جائز وحكي عن مالك انه لا يجوز لانه قمار. ولنا ان احدهما يختص بالسبق فجاز كما لو اخرجه الامام ولا يصح ما ذكره لان القمار لا يخلو كل واحد منهما ان يغنم أو يغرم وههنا لا خطر احدهما فلا يكون قمارا. * (مسألة) * (فان جاءا معا فلا شئ لهما) لانه لا سابق فيهما وان سبق المخرج احرز سبقه ولا شئ له على صاحبه لانه لو اخذ منه شيئا كان قمارا وان سبق الآخر احرز سبق المخرج فملكه وكان كسائر امواله لانه عوض في الجعالة فملك فيها كالعوض المجهول في رد الضالة، فان كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ويجبر على تسلميه ان كان موسرا وان افلس ضرب به مع الغرماء. * (مسألة) * (وان اخرجا معا لم يجز إلا ان يدخلا بينهما محللا يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رمييهما فان سبقهما احرز سبقهما وان سبقاه احرز اسبقيهما ولم يأخذا منه شيئا وان سبق احدهما احرز السبقين وان سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما) السبق بفتح الباء الجعل الذي يسابق عليه ويسمى الخطر والندب والقرع والرهن ويقال سبق

[ 136 ]

إذا اخذ وإذا أعطى وهو من الاضداد، متى استبق اثنان فاخرج كل واحد منهما لم يجز وكان قمارا، لان كل واحد منهما لا يخلو من ان يغنم أو يغرم وسواء كان ما اخرجاه متساويا أو متفاوتا مثل ان أخرج أحدهما عشرة والآخر خمسة ولو قال ان سبقتني فلك عشرة وان سبقتك فلي عليك قفيز حنطة أو قال ان سبقتني فلك علي عشرة ولي عليك قفيز حنطة لم يجز لما ذكرناه. فإذا ادخلا بينهما محللا وهو ثالث لم يخرج شيئا جاز، وبهذا قال سعيد بن المسيب والزهري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي، وحكى أشهب عن مالك انه قال في المحلل لا أحبه وعن جابر بن زيد انه قيل له ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يرون بالدخيل بأسا قال هم أعف من ذلك. ولنا ما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن ان يسبق فليس بقمار ومن ادخل فرسا بين فرسين وقد امن ان يسبق فهو قمار " رواه أبو داود فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق لانه لا يخلو كل واحد منهما ان يغنم أو يغرم وإذا لم يؤمن أن يسبق لم يكن قمارا، لان كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك. ويشترط أن يكون فرس المحلل مكافئا لفرسيهما أو بعيره لبعيريهما أو رميه لرمييهما فان لم يكن مكافئا مثل ان تكون فرساهما اجود من فرسه فيكونا

[ 137 ]

جوادين وهو بطئ فهو قمار للخبر ولانه مأمون سبقه فوجوده كعدمه، وان كان مكافئا جاز فان جاءوا الغاية دفعة واحدة أحرز كل واحد منهما سبق نفسه ولا شئ للمحلل لانه لا سابق فيهم وكذلك إن سبقا المحلل وان سبق المحلل أحرز السبقين بالاتفاق وان سبق احد المستبقين وحده احرز سبق نفسه واخذ سبق صاحبه ولم يأخذ من المحلل شيئا وان سبق احد المستبقين والمحلل احرز السابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحل نصفين وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر حتى لو كانوا مائة وبينهم محلل لا سبق منه جاز ولذلك لو كان المحلل جماعة جاز لانه لا فرق بين الاثنين والجماعة وهذا مذهب الشافعي. * (مسألة) * (وان قال المخرج من سبق فله عشرة ومن صلى فله ذلك لم يجز إذا كانا اثنين وإن قال من صلى فله خمسة جاز) وجملة ذلك انه إذا كان المخرج غير المتسابقين فقال لهما أو لجماعة ايكم سبق فله عشرة جاز لان كل واحد منهم يطلب ان يكون سابقا فأيهم سبق استحق العشرة فان جاؤا جميعا فلا شئ لواحد

[ 138 ]

منهم لانه لا سابق فيهم وان قال لاثنين أيكما سبق فله عشرة وايكما صلى فله ذلك لم يصح لانه لا فائدة في طلب السبق فلا يحرص عليه، وان قال ومن صلى فله خمسة صح لان كل واحد منهما يطلب السبق لفائدته فيه بزيادة الجعل، وان كانوا أكثر من اثنين فقال من سبق فله عشرة ومن صلى فله ذلك صح لان كل واحد منهم يطلب ان يكون سابقا أو مصليا والمصلي هو الثاني لان رأسه عند صلي الآخر والصلوان هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب وفي الاثر عن علي انه قال: سبق أبو بكر وصلى عمر وخبطتنا فتنة قال الشاعر: إن تبتدر غاية يوما لمكرمة * تلق السوابق منا والمصلينا فان قال للمجلي وهو الاول مائة، وللمصلي وهو الثاني تسعون، وللتالي. هو للثالث ثمانون، وللنازع وهو الرابع سبعون، وللمرتاح وهو الخامس ستون، وللحظي وهو السادس خمسون، وللعاطف وهو السابع أربعون، وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون، وللطيم وهو التاسع عشرون، وللسكيت وهو العاشر عشرة، وللفسكل وهو الاخير خمسة صح لان كل واحد يطلب السبق فإذا فاته طلب ما يلي السابق

[ 139 ]

والفسكل اسم وللآخر ثم استعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزا كما روي ان أسماء بنت عميس كانت تزوجت جعفر بن ابي طالب فولدت له عبد الله ومحمدا وعونا، ثم تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر، ثم تزوجها علي بن ابي طالب فقالت له ان ثلاثة أنت آخرهم لاخيار، فقال لولدها فسكلتني أمكم، وإن جعل للمصلي أكثر من السابق أو جعل للتالي أكثر من المصلي أو لم يجعل للمصلي شيئا لم يجز لان ذلك يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر فيفوت المقصود (فصل) وإذا قال لعشرة من سبق منكم فله عشرة صح فان جاءوا معا فلا شئ لهم لانه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم، وإن سبقهم واحد فله العشرة لوجود الشرط فيه، وإن سبق اثنان فلهما العشرة وإن سبق تسعة وتأخر واحد فالعشرة للتسعة لان الشرط وجد فيهم فكان الجعل بينهم كما لو قال من رد عبدي الآبق فله كذا فرده تسعة ويحتمل ان يكون لكل واحد من السابقين عشرة لان كل واحد منهم سابق فيستحق الجعل بكماله كما لو قال من رد عبدا لي فله عشرة فرد كل واحد عبدا وفارق ما لو قال من رد عبدي فرده تسعة لان كل واحد منهم لم يرده انما

[ 140 ]

رده حصل من الكل ويصير هذا كما لو قال من قتل قتيلا فله سلبه فان قتل كل واحد واحدا فلكل واحد سلب قتيله كاملا، وإن قتل الجماعة واحدا فلجميعهم سلب واحد وههنا كل واحد له سبق مفرد فكان له الجعل كاملا، فعلى هذا لو قال من سبق فله عشرة ومن صلى فله خمسة فسبق خمسة وصلى خمسة فعلى الوجه الاول للمسابقين عشرة لكل واحد منهم درهمان وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم وعلى الوجه الثاني لكل واحد من السابقين عشرة فيكون لهم خمسون ولكل واحد من المصلين خمسة فيكون لهم خمسة وعشرون، ومن قال بالوجه الاول احتمل على قوله ان لا يصح العقد على هذا الوجه لانه يحتمل ان يسبق تسعة فيكون لهم عشرة لكل واحد منهم درهم وتسع ويصلي واحد فيكون له خمسة فيكون للمصلي من الجعل أكثر مما للسابق فيفوت المقصود * (مسألة) * (وإن شرطا ان السابق يطعم السبق أصحابه أو غيرهم لم يصح الشرط) وفي صحة المسابقة وجهان لانه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق لا يفسد العقد وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفسد

[ 141 ]

ولنا انه عقد لا تتوقف صحته على تسمية بدل فلم يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح، وذكر القاضي أن الشروط الفاسدة في المسابقة تنقسم قسمين - (أحدهما) ما يخل بشرط صحة العقد نحو ان يعود إلى جهالة العوض أو المسافة ونحوهما فيفسد العقد لان العقد لا يصح مع فوات شرطه (والثاني) ما لا يخل بشرط العقد نحو ان يشرط ان يطعم السبق أصحابه أو غيرهم أو يشترط انه إذا نضل لا يرمي أبدا أو لا يرمي شهرا أو شرطا ان لكل واحد منهما أو لاحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل وأشباه هذا فهذه شروط باطلة في نفسها وفي العقد المقترن بها وجهان (أحدهما) حصته لان العقد تم باركانه وشروطه فإذا حذف الزائد الفاسد بقي العقد صحيحا (والثاني) لا يبطل لانه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل له غرضه لا يلزمه العوض وكل موضع فسدت المسابقة فان كان السابق المخرج أمسك سبقه وإن كان الآخر فله أجر عمله لانه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالاجارة الفاسدة * (فصل) * قال رحمه الله (والمسابقة جعالة لكل واحد منهما فسخها إلا أن يظهر الفضل لاحدهما فيكون له الفسخ دون صاحبه

[ 142 ]

ذكره ابن حامد وهو قول ابي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر هو لازم إن كان العوض منهما وجائز إن كان من أحدهما أو من غيرهما وذكر القاضي احتمالا لانه عقد من شرطه ان يكون العوض والمعوض معلوما فكان لازما كالاجارة ولنا انه عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه فكان جائزا كرد الآبق وذلك لانه عقد على الاصابة ولا يدخل تحت قدرته وبهذا فارق الاجارة. فعلى هذا لكل واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشروع في المسابقة، وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان منها لم يلزم الآخر اجابته، فاما بعد الشروع فيها فان لم يظهر لاحدهما فضل مثل ان يسبقه بفرسه في بعض المسافة أو يصيب بسهامه أكثر منه فللفاضل الفسخ دون المفضول لانه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة فلا يحصل ا؟ قصود، وقال أصحاب الشافعي إذا قلنا العقد جائز ففي جواز الفسخ وجهان * (مسألة) * (وتنفسخ بموت أحد المتعاقدين) إذا قلنا انها عقد جائز قياسا على العقود الجائزة من الوكالة والشركة والمضاربة ونحوها وإن قلنا

[ 143 ]

بلزومها انفسخت بموت أحد المركوبين والراميين لان العقد تعلق بعين المركوب والرامي فانفسخ بتلفه كما لو تلف المعقود عليه في الاجارة، ولا تبطل بموت الراكبين ولا تلف أحد القوسين لانه غير المعقود عليه فلم ينفسخ العقد بتلفه كموت أحد المتبايعين، فعلى هذا يقوم وارث الميت مقامه كما لو استأجر شيئا ثم مات، فان لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته كما لو أجر نفسه لعمل معلوم ثم مات * (مسألة) * (والسبق في الخيل بالرأس إذا تماثلت الاعناق وفي مختلفي العنق والابل بالكتف) وجملته انه يشترط في المسابقة ارسال الفرسين والبعيرين دفعة واحدة فان أرسل أحدهما قبل الآخر ليعلم هل يدركه الآخر اولا؟ لم يجز هذا في المسابقة بعوض لانه قد لا يدركه مع كونه أسرع منه لبعد المسافة بينهما ويكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما ويرتبهما وعند الغاية من يضبط السابق منهما لئلا يختلفا في ذلك ويحصل السبق في الخيل بالرأس إذا تماثلث الاعناق فان اختلفا في طول العنق أو كان ذلك في الابل اعتبر السبق بالكتف لان الاعتبار بالرأس متعذر فان طويل العنق قد يسبق رأسه لطول عنقه لا بسرعة عدوه وفي الابل ما يرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا بسبقه فلذلك اعتبر بالكتف

[ 144 ]

فان سبق رأس قصير العنق فهو سابق بالضرورة وان سبق رأس طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق وان كان بقدره لم يسبق وان كان أقل فالآخر سابق ونحو هذا كله قول الشافعي وقال الثوري إذا سبق احدهما بالاذن كان سابقا ولا يصح ذلك لان احدهما قد يرفع رأسه ويمد عنقه فيسبق باذنه لذلك لا لسبقه، وان شرط السبق باقدام معلومة كثلاثة أو أكثر أو أقل لم يصح وقال بعض أصحاب الشافعي يصح ويتخاطان ذلك كما في الرمي ولا يصح لان هذا لا ينضبط ولا يقف الفرسان عند الغاية بحيث يعرف مساحة ما بينهما، وقد روى الدار قطني باسناده عن علي رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس فخرج علي فدعا سراقة ابن مالك فقال يا سراقة اني قد جعلت اليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك فإذا اتيت الميطان - قال أبو عبد الرحمن الميطان مرسلها من الغاية - فصف الخيل ثم ناد هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل فإذا لم يجبك احد فكبر ثلاثا ثم خلها عند الثالثة فيسعد الله بسبقه من شاء من خلقه وكان علي يقعد عند منتهى الغاية يخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفيه بين ابهامي ارجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ويقول لهما إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف اذنيه أو اذن أو عذار فاجعلا السبقة له وإن شككتما فاجعلا سبقهما نصفين وهذا الادب الذي ذكره

[ 145 ]

في هذا الحديث في ابتداء الارسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا مع كونه مرويا عن امير المؤمنين علي رضي الله عنه في قضية أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوضها إليه فينبغي ان تتبع ويعمل بها * (مسألة) * (ولا يجوز ان يجنب احدهما مع فرسه فرسا يحرضه على العدو ولا يصيح به في وقت سباقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا جلب ولا جنب " رواه أبو داود) معنى الجنب ان يجنب المسابق إلى فرسه فرسا لا راكب عليه يحرض الذى تحته على العدو ويحثه عليه وقال القاضي معناه ان يجنب فرسا يتحول عند الغاية عليها لكونها أقل كلالا واعياء قال ابن المنذر كذا قيل ولا أحسب هذا يصح لان الفرس التي يسابق بها لابد من تعيينها فان كانت التي يتحول عنها فما حصل السبق بها وان كانت التي يتحول إليها فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة ومن شرط السابق ذلك، ولان هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به فربما سبق باشتغاله لا بسرعة غيره ولان المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها، فمتى كان انما يركبه في آخر الحلبة فما حصل

[ 146 ]

المقصود. وأما الجلب فهو ان يتبع الرجل فرسه تركض خلفه ويجلب عليه ويصيح وراءه يستحثه بذلك على العدو هكذا فسره مالك وقال قتاده الجلب والجنب في الرهان وعن أبي عبيد كقول مالك وحكي عنه ان الجلب ان يحشر الساعي أهل الماشية ليصدقهم قال ولا يفعل ليأتهم على مياههم فيصدقهم والتفسير الاول اصح لما روى عمران بن حصين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا جلب ولا جنب في الرهان " رواه أبو داود ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من اجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا " (فصل في المناضلة) قال الشيخ رحمه الله وهي المسابقة في الرمي بالسهام والمناضلة مصدر ناضلته مناضلة ونضالا وسمي الرمي نضالا لان السهم التام يسمى نضلا فالرمي به عمل بالنضل فسمي نضالا ومناضلة مثل جادلته جدالا ومجادلة ويشترط لها شروط اربعة (احدها) ان تكون على من يحسن الرمي فان كان في احد الحزبين من لا يحسنه بطل العقد فيه) واخرج من الحزب الآخر من جعل بازائه لان كل واحد من الزعيمين يختار واحدا ويختار الاخر في مقابلته آخر كما لو بطل العقد في بعض المبيع بطل في ثمنه وهل يبطل

[ 147 ]

في الباقين؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة فان قلنا لا يبطل فلكل حزب الخيار لتبعيض الصفقة في حقهم فان كان يحسن الرمي لكنه قليل الاصابة فقال حزبه ظنناه كثير الاصابة أو لم نعلم حاله وان بان كثير الاصابة فقال الحزب الآخر ظنناه قليل الاصابة لم يسمع ذلك منهم لان شرط دخوله في العقد ان يكون من أهل الصنعة دون الحذق كما لو اشترى عبدا على انه كاتب فبان حاذقا أو ناقصا فيها لم يؤثر (الثاني معرفة عدد الرشق وعدد الاصابة) الرشق بكسر الراء عدد الرمى وأهل العربية يقولون هو عبارة عما بين العشرين والثلاثين والرشق بفتح الراء الرمي مصدر رشقت رشقا وانما اشترط علمه لانه لو كان مجهولا لافضى إلى الاختلاف لان احدهما قد يريد القطع والآخر الزيادة ولابد من معرفة عدد الاصابة فيقولان الرشق عشرون والاصابة خمسة أو ستة أو ما يتفقا عليه الا انه لا يصح اشتراط اصابة تندر كاصابة جميع الرشق أو تسعة من عشرة ونحو هذا لان الظاهر انه لا يوجد فيفوت الغرض وانما اشترط العلم بعدد الاصابة ليتبين حذقهما (فصل) ويشترط استواؤهما في عدد الرشق والاصابة وصفتها وسائر احوال الرمي فان جعلا رشق احدهما عشرا والآخر عشرين أو شرطا أن يصيب احدهما خمسة والآخر ثلاثة أو شرطا إصابة

[ 148 ]

احدهما خواسق والآخر خواصل أو شرطا ان يحط احدهما من إصابته سهمين أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه أو شرط ان يرمي أحدهما من بعد والآخر من قرب أو ان يرمي احدهما وبين أصابعه سهم والآخر بين أصابعه سهمان أو ان يرمي احدهما وعلى رأسه شئ والآخر خال عن شاغل أو ان يحط عن أحدهما واحدا من خطئه لا عليه ولا له واشباه هذا مما تفوت به المساواة لم يصح لان موضوعها على المساواة والغرض معرفة الحذق وزيادة أحدهما على الآخر فيه ومع التفاضل لا يحصل فانه ربما أصاب احدهما لكثرة رميه لا لحذقه فاعتبر المساواة كالمسابقة بالحيوان (فصل) ويشترط ان تكون المسابقة على الاصابة لا على البعد فلو قال السبق لابعدنا رميا لم يجز لان الغرض من الرمي الاصابة لا بعد المسافة فان المقصود من الرمي إما قتل العدو أو جرحه أو الصيد ونحو ذلك وكل هذا انما يحصل من الاصابة لا من الابعاد (فصل) إذا عقد النضال ولم يذكرا قوسا صح في ظاهر كلام القاضي ويستويان في القوس اما بالعربية أو الفارسية وقال غيره لا يصح حتى يذكرا نوع القوس الذي يرميان عليه في الابتداء لان اطلاقه ربما افضى إلى الاختلاف وقد امكن التحرز عنه بالتعيين للنوع فيجب ذلك، وان اتفقا على انهما يرميان بالنشاب في الابتداء صح وينصرف إلى القوس الاعجمية لان سهامها هو المسمى بالنشاب وسهام العربية يسمى نبلا فان عينا نوعا لم يجز العدول عنها إلى غيرها لان احدهما قد يكون احذق بالرمي باحد النوعين دون الآخر (الثالث معرفة الرمي هل هو مفاضلة أو مبادرة؟) المناضلة على ثلاثة أضرب (أحدها) يسمى المبادرة وهي ان يقولا من سبق إلى خمس اصابات من عشرين رمية فهو السابق فايهما سبق إليها مع تساويهما في الرمي فقد سبق فإذا رميا عشرة عشرة فاصاب أحدهما خمسا ولم يصب الآخر خمسا

[ 149 ]

فالمصيب خمسا هو السابق لانه قد سبق إلى خمس وسواء أصاب الآخر أربعا أو ما دونها أو لم يصب شيئا ولا حاجة إلى تمام الرمي لان السبق قد حصل بسبقه إلى ما شرطا السبق إليه فان أصاب كل واحد منها من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان الرشق لان جميع الاصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها فان رمى أحدهما عشرا فاصاب خمسا ورمى الآخر تسعا فاصاب اربعا لم يحكم بالسبق ولا بعدمه حتى يرمي العاشر فان اصاب به فلا سابق فيهما وان اخطأ به فقد سبق الاول فان لم يكن اصاب من التسعة الا ثلاثا فقد سبق ولا يحتاج إلى رمي العاشر لان أكثر ما يحتمل ان يصيب به ولا يخرجه عن كونه مسبوقا (الثاني) المفاضلة وهو ان يقول أينا فضل صاحبه باصابة أو اصابتين أو ثلاث من عشرين رمية فقد سبق وتسمى محاطة لان ما تساويا فيه من الاصابة محطوط غير معتد به ويلزم إكمال الرشق إذا كان فيه فائدة، فإذا قالا أينا فضل صاحبه بثلاث فهو سابق فرميا اثني عشر سهما فاصاب بها احدهما واخطأ الآخر كلها لم يلزم إتمام الرشق لان أكثر ما يمكن أن يصيب الآخر الثمانية الباقية ويحطئها الاول ولا يخرج الاول بهذا عن كونه سابقا، وان كان الاول انما أصاب من الاثني عشرة عشرا لزمهما ان يرميا الثالثة عشرة فان أصابا بها أو أخطأ أو أصابها الاول وحده فقد سبق ولا يحتاج إلى اتمام الرشق وان اصابها الآخر وحده فعليهما أن يرميا الرابعة عشرة والحكم فيها وفيما بعدها كالحكم في الثالثة عشر فانه متى ما اصاباها أو اخطآ أو أصابها الاول فقد سبق ولا يرميان ما بعدها وان أصابها الآخر وحده رميا بعدها وكذا كل موضع يكون في اتمام الرشق فائدة لاحدهما يلزم اتمامه

[ 150 ]

وان يئس من الفائدة لم يلزم أتمامه فإذا بقي من العدد ما يمكن ان يسبق احدهما به صاحبه أو يسقط به سبق صاحبه لزم الاتمام والا فلا، فإذا كان السبق يحصل بثلاث اصابات من عشرين فرميا ثماني عشرة فأخطأها أو أصاباها أو تساويا في الاصابة فيها لم يلزم الاتمام لان أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئهما الآخر ولا يحصل السبق بذلك وكذلك ان فضل أحدهما الآخر بخمس اصابات فما زاد لم يلزم الاتمام لان اصابة الآخر السهمين الباقيين لا يخرج الآخر عن كونه فاضلا بثلاث اصابات وان لم يفضله الا باربع رميا السهم الآخر فان اصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر فان أصابه المفضول ايضا أسقط سبق الاول وان أخطا في احد السهمين أو أصاب الاول في احدهما فهو سابق (الثالث) ان يقول أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق فمتى أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالاول سابق وان أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما وهذه في معنى المحاطة في انه يلزم اتمام الرمي ما كان فيه فائدة ولا يلزم إذا خلا عنها ومتى أصاب كل واحد منهما خمسا لم يلزم اتمامه ولم يكن فيهما سابق وان رميا ست عشرة رمية فلم يصب واحد منهما شيئا لم يلزم اتمامه ولا سابق فيهما لان اكثر ما يحتمل ان يصيبها احدهما وحده ولا يحصل السبق بذلك، واختلف اصحابنا فقال أبو الخطاب لابد من معرفة الرمي هل هو مبادرة أو محاطة أو مفاضلة لان غرض الرماة يختلف فمنهم من تكثر اصابته في الابتداء دون الانتهاء ومنهم بالعكس فوجب بيان ذلك ليعلم ما دخل فيه وهذا الذي ذكره شيخنا في الكتاب المشروح وظاهر كلام القاضي انه لا يحتاج إلى اشتراط ذلك لان مقتضى النضال المبادرة وان من بادر إلى الاصابة فهو

[ 151 ]

السابق فانه إذا شرط السبق لمن اصاب خمسة من عشرين فسبق إليها واحد فقد وجد الشرط، ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (فصل) وإن شرطا اصابة موضع من الهدف على ان يسقط ما قرب من اصابة أحدهما ما بعد من اصابة الآخر ففعل ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه كان سابقا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لانه نوع من المحاطة فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الآخر موضعا بينه وبين الغرض أقل من شبر سقط الاول، وإن أصاب الاول الغرض أسقط الثاني وإن اصاب الثاني الدائرة التي في الغرض لم يسقط الاول لان الغرض كله موضع الاصابة فلا يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه إلا أن يشترطا ذلك، وإن شرطا ان يحتسب كل واحد منهما خاسقه باصابتين جاز لان أحدهما لم يفضل صاحبه بشئ فقد استويا (فصل) فان عقد النضال جماعة ليتناضلوا حزبين فذكر القاضي انه يجوز وهو مذهب الشافعي ويحتمل ان لا يجوز لان التعيين شرط وقبل التفاضل لم يتعين من في كل واحد من الحزبين فعلى هذا إذا تفاضلوا عقدوا الناضل بعده، وعلى قول القاضي يجوز العقد قبل التفاضل ولا يجوز ان يقتسموا بالقرعة لانها قد تقع على الحذاق في أحد الحزبين وعلى الكوادن في الآخر فيبطل مقصود النضال بل يكون لكل حزب زعيم فيختار أحدهما واحدا ثم يختار الآخر واحدا كذلك حتى يتفاضلوا جميعا ولا يجوز ان يجعل الخيار إلى أحدهما في الجميع ولا ان يختار جميع حزبه أولا لانه يختار الحذاق في حزبه ولا يجوز ان يجعل رئيس الحزبين واحدا لانه يميل إلى حزبه فتلحقه التهمة ولا يجوز ان يختار كل

[ 152 ]

واحد من الرئيسين أكثر من واحد واحد لانه أبعد من التساوي وإذا اختلفا في المبتدئ بالخيار أقرع بينهما، ولو قال أحدهما انا أختار اولا واخرج السبق أو يخرجه اصحابي لم يجز لان السبق انما يستحق بالسبق لا في مقابلة تفضل احدهما بشئ (فصل) وإذا أخرج احد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه لم يكن على حزبه شئ لانه جعله على نفسه دونهم وإن شرطه عليهم فهو عليهم بالسوية ويقسم على الحزب الآخر بالسوية من أصاب ومن أخطأ في احد الوجهين كما انه على الحزب الآخر بالسوية وفي الوجه الآخر يقسم بينهم على قدر الاصابة ولا شئ لمن لم يصب لان استحقاقه بالاصابة فكان على قدرها واختص بمن وجدت فيه بخلاف المسبوقين فانه وجب عليهم لالتزامهم به وقد استووا في ذلك (فصل) ومتى كان النضال بين حزبين اشترط كون الرشق يمكن قسمه بينهم بغير كسر ويتساووا فيه فان كانوا ثلاثة وجب ان يكون له ثلث، وكذلك ما زاد لانه إذا لم يكن كذلك بقي سهم أو اكثر بينهم لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه (فصل) ولا يجوز ان يقولوا نقرع فمن خرجت قرعته فهو السابق ولا ان من خرجت قرعته فالسبق عليه ولا ان يقولوا نرمي فأينا أصاب فالسبق على الآخر لانه عوض في عقد فلا يستحق بالقرعة ولا بالاصابة، وإن شرطوا ان يكون فلان مقدم حزب وفلان مقدم الآخر ثم فلان ثانيا في الحزب الاول وفلان ثانيا من الحزب الثاني كان فاسدا لان تقديم كل واحد من الحزبين يكون إلى زعيمه وليس للحزب الاخر مشاركته في ذلك فإذا شرطوه كان فاسدا (فصل) إذا تناضل اثنان واخرج احداهما السبق فقال اجنبي انا شريكك في الغرم والغنم ان

[ 153 ]

نضلك فنصف السبق علي وإن نضلته فنصفه لي لم يجز وكذلك لو كان المتناضلون ثلاثة منهما محلل فقال رابع للمستبقين انا شريككما في الغنم والغرم كان باطلا لان الغنم والغرم انما يكون من المناضل. فأما من لا يرمي فلا يكون له غنم ولا عليه غرم ولو شرطا في النضال انه إذا جلس المستبق كان عليه السبق لم يصح لان السبق على النضال وهذا الشرط يخالف مقتضى النضال فكان فاسدا (فصل) ولو فضل أحد المتناضلين صاحبه فاقل المفضول اطرح فضلك وأعطيك دينارا لم يجز لان المقصود معرفة الحذق وذلك يمنع منه وإن فسخا العقد وعقدا عقدا آخر جاز وإن لم يفسخاه ولكن رميا تمام الرشق فتمت الاصابة له مع ما اسقطه استحق السبق ورد الدينار إن كان أخذه * (مسألة) * (وإذا أطلقا الاصابة تناولها على أي صفة كانت) لانها اصابة وذكر شيخنا صفة الاصابة شرطا لصحة المناضلة في كتاب المغني فان قالا خواصل كان تأكيدا لها لانه اسم لها كيفما كانت. قال الازهري يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلا ويسمى ذلك القرع والقراطسة يقال قرطس إذا أصاب * (مسألة) * (فان قالا خواسق وهو ما خرق الغرض وثبت فيه أو خوازق وهو ما خزقه ووقع بين يديه أو موارق وهو ما نفذ الغرض ووقع وراءه أو خوارم وهو ما خرم جانب الغرض أو حوابي وهو ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب إليه ومنه يقال حبا الصبي أو خواصر وهو ما كان في أحد جانبي الغرض ومنه قيل الخاصرة لانها في جانب الانسان تقيدت المناضلة بذلك) لان المرجع في المسابقة إلى شرطهما فيقيد بما شرطاه ههنا وان شرطا الخواسق والحوابي معا صح

[ 154 ]

* (مسألة) * (وان شرط اصابة موضع من الغرض كالدائرة فيه تفيد به) لما ذكرنا (الرابع معرفة قدر الغرض طوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الارض) الغرض ما يقصد اصابته من قرطاس أو جلد أو خشب أو فرع أو غيره سمي غرضا لانه يقصد ويسمى شارة وشنا قال الازهري ما نصب في الهدف فهو القرطاس وما نصب في الهواء فهو الغرض ويجب ان يكون قدره معلوما بالمشاهدة أو بتقدير بشبر أو نحوه بحسب الشرط فان الاصابة تختلف باختلاف صغره وكبره وغلظه ورقته فوجب اعتبار ذلك * (مسألة) * (وان تشاحا في المبتدئ منهما أقرع بينهما وقيل يقدم من له مزية باخراج السبق) وجملة ذلك انه لابد في المناضلة من أن يبتدئ احدهما بالرمي لانهما لو رميا معا أفضى إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما، فان كان المخرج اجنبيا قدم من يختاره منهما فان لم يختر وتشاحا اقرع بينهما لانهما تساويا في استحقاق هذا فصارا إلى القرعة كما لو تنازع المتقاسمان في استحقاق سهم معين أو في المبتدئ بالاخذ وأيهما كان أحق بالتقديم فبدره الآخر فرمى لم يعتد له بسهمه اصاب ام اخطأ. * (مسألة) * (وإذا بدأ احدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني تعديلا بينهما فان شرطا البداءة لاحدهما في كل الوجوه لم يصح) لان موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل فان فعلا ذلك من غير شرط برضاهما جاز لان البداءة لا اثر لها في الاصابة ولا في جودة الرمي، وان شرطا ان يبدأ كل واحد منهما وجهين متواليين

[ 155 ]

جاز لتساويهما ويحتمل ان يكون اشتراط البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم ولا يؤثر في العقد لانه لا اثر له في تجويد رمي ولا كثرة اصابة وكثير من الرماة يختار التأخر على البداية فيكون وجود هذا الشرط كعدمه، وإذا رمى البادئ بسهم رمى الثاني بسهم كذلك حتى يقضيا رمييهما لان اطلاق المناضلة يقتضي المراسلة ولانه اقرب إلى التساوي وانجز للرامي، لان احدهما يصلح فرسه ويعدل سهمه حتى يرمي الآخر، وان رميا سهمين سهمين فحسن وان شرطا أن يرمي احدهما رشقه ثم يرمي الاخر أو يرمي احدهما عددا ثم يرمي الآخر مثله جاز لانه لا يؤثر في مقصود المناضلة وان خالف مقتضى الاطلاق كما يجوز ان يشترط في البيع ما لا يقتضيه الاطلاق من النقود والخيار والاجل لما كان غير مانع من المقصود. * (مسألة) * (والسنة يكون لهما غرضان يرميان أحدهما ثم يمضيان إليه فيأخذان السهام يرميان الآخر) لان هذا كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة " وقال ابراهيم التيمي رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول أنابها أنابها في قميص وعن ابن عمر مثل ذلك، والهدف ما ينصب الغرض عليه اما تراب مجموع أو حائط ويروى ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشتدون بين الاغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهبانا فان جعلوا غرضا واحدا جاز لان المقصود يحصل به وهو عادة أهل عصرنا (فصل) وإذا تشاحا في الوقوف فان كان الموضع الذي طلبه أحدهما أولى مثل ان يكون في أحد الموقفين يستقبل الشمس أو ريحا يؤذيه استقبالها ونحو ذلك والآخر يستدبرها قدم قول من طلب استدبارها لانه العرف إلا ان يكون في شرطهما استقبال ذلك فالشرط اولى كما لو اتفقا على الرمي ليلا فان كان الموقفان سواء كان ذلك إلى الذي يبدأ فيتبعه الآخر فإذا كان في الوجه الثاني وقف الثاني حيث شاء ويتبعه الاول

[ 156 ]

(فصل) فان أراد أحدهما التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك إرادة التطويل على صاحبه لعله ينسى القصد الذي أصاب به أو يفتر منع من ذلك وطولب بالرمي ولا يزعج بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحري الاصابة، ويمنع كل واحد منهما من الكلام الذي يغيظ به صاحبه مثل ان يرتجز ويفتخر ويتبجح بالاصابة ويعنف صاحبه على الخطأ أو يظهر له أنه يعلمه وهكذا الحاضر معهما مثل الامين والشاهدين يكره لهم مدح المصيب وتعنيف المخطئ وزجره لان فيه كسر قلب أحدهما وغيظه * (مسألة) * (وإذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فان كان شرطهما خواصل احتسب له به) لعلمنا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه) * (مسألة) * (وإن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له به ولا عليه) وهذا قول أبي الخطاب لانا لا ندري هل يثبت في الغرض ان كان موجودا اولا؟ وقال القاضي ينظر فان كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في الهدف احتسب له به لانه لو بقي مكانه لثبت فيه كثبوته في الهدف وان لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه أو كان رخوا لم يحتسب السهم له ولا عليه لاننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو بقي مكانه اولا وهذا مذهب الشافعي فان وقع السهم في غير موضع الغرض احتسب به على راميه لانه اخطأ ولو وقع في الغرض في الموضع الذي طار إليه حسب عليه أيضا إلا ان يكونا اتفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه وكذلك الحكم إذا القت الريح الغرض وجهه (فصل) إذا كان شرطهما خواصل فاصاب بنصل السهم حسب له كيفما كان فان أصاب بعرضه أو بفوقه نحو ان ينقلب السهم بين يدي الغرض فيصيب فوقه الغرص لم يعتد به لان هذا من سيئ الخطأ فان انقطع السهم قطعتين فاصابت القطعة الاخرى لم يعتد به وان كان الغرض جلدا خيط عليه

[ 157 ]

شنبر كشنبر المنخل وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى فاصاب الشنبر أو العرى نظرت في شرطهما فان شرطا اصابة الغرض اعتدله لان ذلك من الغرض فاما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتد له باصابتها على كلا الشرطين لانها ليست من الجلدة ولا من الغرض فهي كالهدف (فصل) فان كان شرطهما خواسق وهو ما نقب الغرض وثبت فيه فمتى أصاب الغرض بنصله وثبت فيه احتسب به وان خدشه ولم ينقبه لم يحتسب له وحسب عليه وان مرق منه احتسب له به لان ذلك لقوة رميه فهو أبلغ من الخاسق وان خرقه ووقع بين يديه احتسب له به في أحد الوجهين لانه نقب نقبا يصلح للخسق وانما لم يثبت السهم لسبب آخر من سعة النقب أو غيره (والثاني) لا يحتسب له وهو اولى لان الخاسق ما ثبت وهذا لم يثبت وثبوته يكون لحذق الرامي وقصده برميه ما اتفقا عليه الا ان يكون امتناع السهم من الثبوت لوجود ما يمنع الثبوت من حصاة أو حجر أو عظم أو ارض غليظة ففيه الوجهان أيضا الا أنه إذا لم يحتسب له لم يحتسب عليه لكون العارض منعه من الثبوت أشبه ما لو منعه عارض من الاصابة، فان اختلفا في وجود العارض فان عرف موضع النقب باتفاقهما أو ببينة نظر في الموضع فان لم يكن فيه ما يمنع فالقول قول المنكر وان كان فيه ما يمنع فالقول قول المدعي بغير يمين لان الحال تشهد بصدق ما ادعاه وان لم يعلما موضع النقب الا أنهما اتفقا على انه خرق الغرض ولم يكن وراءه شئ يمنع فالقول قول المنكر بغير يمين أيضا لانه لا مانع وان كان وراءه ما يمنع وادعى المصاب عليه انه لم يكن السهم في موضع وراءه ما يمنع فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم الاصابة مع احتمال ما يقوله المصيب وان أنكر أن يكون خرق فالقول قوله أيضا مع يمينه لما ذكرنا (فصل) إذا شرطا خاسقا فوقع السهم في نقب في الغرض أو موضع بال فنقبه وثبت في الهدف

[ 158 ]

معلقا في الغرض فان كان الهدف صلبا كصلابة الغرض حسب له لانه علم أنه لو كان الغرض صحيحا لثبت فيه وان كان الهدف ترابا أهيل لم يحسب له ولا عليه لانا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو اصاب موضعا منه قويا أولا؟ وان صادف السهم في نقب الغرض قد ثبت في الهدف مع قطعة من الغرض فقال الرامي خسقت وهذه الجلدة قطعها سهمي لشدة الرمية فانكر الآخر وقال بل كانت مقطوعة فان علم ان الغرض كا ن صحيحا فالقول قول الرامي وان اختلفا فذكر القاضي أنها كالتي قبلها ان كان الهدف رخوا وان كان قويا صلبا اعتد به، وان وقع سهمه في سهم ثابت في الغرض اعتدله به إن كان شرطهما خواصل وان كان خواسق لم يحسب له ولا عليه لانا لا نعلم يقينا انه لولا فوق السهم الثابت لخسق وان أصاب السهم ثم سبح عنه فخسق احتسب له به * (مسألة) * (وان عرض عارض من كسر قوس أو قطع وتر أو ريح شديدة لم يحسب عليه بالسهم) إذا أخطأ لعارض مما ذكرنا أو حيوان اعترض بين يديه أو ريح شديدة ترد السهم عرضا يحسب عليه بذلك السهم لان خطأه للعارض لا لسوء رميه قال القاضي ولو أصاب لم يحسب لانه إذا لم يحسب عليه لم يحسب له لان الريح الشديدة كما يجوز ان تصرف الرمي الشديد فيخطئ يجوز ان تصرف السهم المخطئ عن خطئه فيقع مصيبا فتكون إصابته بالريح لا بحذق رميه، فأما ان وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض فمرقه وأصاب الغرض حسب له لان اصابته لسداد رميه ومروقه لقوته فهو أولى من غيره وان كانت الريح لينة لا ترد السهم عادة لم يمنع لان الجو لا يخلو من ريح ولان الريح اللينة لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا ينتفع به (فصل) إذا قال رجل لآخر ارم هذا السهم فان أصبت به فلك درهم صح وكان جعالة لانه بذل مالا في فعل له فيه غرض صحيح ولم يكن نضالا لان النضال يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا ويكون الجعل لبعضهم إذا كان سابقا، وإن قال ان أصبت به فلك درهم وان أخطأت فعليك درهم لم يصح لانه قمار وان قال ارم عشرة أسهم فان كان صوابك اكثر من خطئك فلك درهم صح لانه جعل الجعل في مقابلة اصابة معلومة فان اكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك مجهولا لانه بالاقل يستحق

[ 159 ]

الجعل، وإن قال ان كان صوابك اكثر فلك بكل سهم أصبت به درهم صح وكذلك ان قال ارم عشرة ولك بكل سهم أصبت به منها درهم. أو قال فلك بكل سهم زائد على النصف من المصيبات درهم لان الجعل معلوم بتقديره بالاصابة فاشبه ما لو قال استق لي من هذا البئر ولك بكل دلو تمرة أو قال من رد عبدا من عبيدي فله بكل عبد درهم، وان قال إن كان خطؤك اكثر فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لانه قمار وان قال ارم عشرة فان أخطأتها فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لان الجعل يكون في مقابلة عمل ولم يوجد من القابل عمل فيستحق به شيئا ولذلك لو قال الرامي لاجنبي إن أخطأت فلك درهم لم يجز لذلك (فصل) وإن شرط ان يرميا أرشاقا كثيرة جاز لانه إذا جاز على القليل جاز على الكثير ولابد أن تكون معلومة فان شرطا ان يرميا منها كل يوم قدرا اتفقا عليه جاز لان الغرض في ذلك صحيح فانهما أو احدهما قد يضعف عن الرمي كله مع حذقه، وان أطلقا العقد جاز وحمل على التعجيل والحلول كسائر العقود فيرميان من اول النهار إلى آخره الا ان يعرض عذر يمنع من مرض أو عذر كريح يشوش السهام أو لحاجة إلى طعام أو شراب أو صلاة أو قضاء حاجة لان هذه مستثناة بالعرف وإذا جاء الليل تركاه لان العادة ترك الرمى بالليل فحمل العقد عليه مع الاطلاق الا ان يشترطاه ليلا فيلزم فان كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفي بذلك والا رميا بضوء شمعة أو مشعل * (مسألة) * (وان عرض مطر أو ظلمة جاز تأخير الرمي) لان المطر يرخي الوتر ويفسد الريش وان عرض ظلمة كمجئ الليل تركا الرمي إلى الغد لان العادة الرمي نهارا الا أن يشترطا الرمي ليلا فيأخذ احدهما صاحبه بذلك وقد ذكرناه في الفضل قبله ويكره للامين والشهود مدح أحدهما وزهرهته إذا أصاب وعيبه إذا أخطأ لما فيه من كسر قلب صاحبه وقد ذكرناه

[ 160 ]

كتاب الايمان والاصل في مشروعيتها وثبوت حكمها الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقول الله سبحانه (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) الآية. وقال تعالى (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها) وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثه مواضع فقال (ويستنبئونك أحق هو؟ قل إي وربي انه لحق) وقال سبحانه (قل بلى وربي لتأتينكم) وقال (قل بلى وربي لتبعثن) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " اني والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " متفق عليه. وكان أكثر قسم النبي صلى الله عليه وسلم " ومصرف القلوب - ومقلب القلوب " ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آي واخبار سوى هذين كثير، وأجمعت الامة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها ووضعها في الاصل لتوكيد المحلوف عليه (فصل) وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين ولا تصح من غير مكلف كالصبي والمجنون والنائم كالاقرار وفي السكران وجهان بناء على ان هذا مكلف أو غير مكلف، ولا تنعقد يمين مكره وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تنعقد لانها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار ولنا ما روى أبو أمامة وواثلة بن الاسقع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس على مقهور يمين " ولانه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر (فصل) وتصح من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في كفره أو بعد اسلامه،

[ 161 ]

وبه قال الشافعي وابو ثور وابن المنذر إذا حنث بعد اسلامه وقال الثوري واصحاب الرأي لا تنعقد يمينه لانه ليس بمكلف ولنا ان عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره ولانه من اهل القسم بدليل قوله تعالى (فيقسمان بالله) ولا نسلم انه غير مكلف وانما تسقط عنه العبادات باسلامه لان الاسلام يجب ما قبله. فأما ما التزمه بنذره أو يمينه فينبغي أن يبقى حكمه في حقه لانه من جهته. (فصل) والايمان تنقسم خمسة أقسام (أحدها) واجب وهي التي ينجي بها انسانا معصوما من هلكة كما روي عن سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدوله فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنا انه أخي فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدقت المسلم أخو المسلم " رواه أبو داود فهذا وأشباهه واجب لان انجاء المعصوم واجب وقد تعين في اليمين فيجب وكذلك انجاء نفسه مثل أن تتوجه ايمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو برئ (الثاني) مندوب وهو الحلف الذي تتعلق به مصلحة من اصلاح بين متخاصمين أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو في دفع شر فهذا مندوب لان فعل هذه الامور مندوب إليه واليمين مفضية إليه، وإن حلف على فعل طاعة أو ترك معصية ففيه وجهان (احدهما) انه مندوب إليه وهو قول بعض اصحابنا واصحاب الشافعي لان ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات وترك المعاصي

[ 162 ]

(والثاني) ليس بمندوب إليه لان النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك في الاكثر الاغلب ولا حث النبي صلى الله عليه وسلم أحدا عليه ولا ندبهم إليه ولو كان ذلك طاعة لم يخلوا به ولان ذلك يجري مجرى النذر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال " انه لا يأتي بخير وانما يستخرج به من البخيل " متفق عليه. (الثالث المباح الحلف على فعل مباح أو تركه والحلف على الخبر بشئ هو صادق فيه أو يظن انه فيه صادق فان الله تعالى قال (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ومن صور اللغو ان يحلف على شئ يظنه كما حلف ويتبين بخلافه (الرابع) المكروه وهو الحلف على مكروه أو ترك مندوب قال الله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) وروي ان أبا بكر الصديق رضي الله عنه حلف لا ينفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال وكان من أهل الافك فأنزل الله تعالى (ولا يأتل أولو الفضل منكم) الآية، قيل المراد بقوله (ولا يأتل) أي لا يمتنع ولان اليمين على ذلك مانعة من فعل الطاعة أو حاملة على فعل المكروه فتكون مكروهة، فان قيل لو كانت مكروهة لانكر النبي صلى الله عليه وسلم على الاعرابي الذي سأله عن الصلوات فقال هل علي غيرها؟ فقال " لا إلا أن تتطوع " فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل قال " أفلح الرجل إن صدق " قلنا لا يلزم هذا فان اليمين على تركها لا تزيد على تركها ولو تركها لم ينكر عليه ويكفي في ذلك بيان ان ما تركه تطوع وقد بينه له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " إلا أن تتطوع " ولان هذه اليمين إن تضمنت ترك المندوب فقد تناولت فعل الواجب والمحافظة عليه كله بحيث لا ينقص منه

[ 163 ]

منه شيئا وهذا في الفضل يزيد على ما قابله من ترك التطوع فيترجح جانب الاتيان بها على تركها فيكون من قبل المندوب فكيف ينكر؟ ولان في الاقرار على هذه اليمين بيان حكم يحتاج إليه وهو بيان أن ترك التطوع غير مؤاخذ به ولو أنكر على الحالف هذا لحصل ضد هذا وتوهم كثير من الناس لحوق الاثم بتركه فيفوت الغرض، ومن قسم المكروه الحلف في البيع فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الحلف منفق للسلعة ممحق للبركة " رواه ابن ماجه (القسم الخامس) المحرم وهو الحلف الكاذب فان الله تعالى ذمه بقوله سبحانه (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) ولان الكذب حرام فإذا كان محلوفا عليه كان أشد في التحريم وان أبطل به حقا واقتطع به مال معصوم كان أشد فانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " متفق على معناه وأنزل الله تعالى في ذلك (ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) ومن هذا القسم الحلف على معصية أو ترك واجب فان المحلوف عليه حرام فكان الحلف حراما لانه وسيلة إليه والوسيلة تأخذ حكم المتوسل إليه (فصل) ومتى كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم كان حلها محرما لان حلها بفعل المحرم وهو محرم وإن كانت على مندوب أو ترك مكروه فحلها مكروه وإن كانت على مباح فحلها مباح، فان قيل فكيف يكون حلها مباحا وقد قال الله سبحانه وتعالى (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها - إلى قوله - تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) والعهد يجب الوفاء به بغير تمين فمع اليمين أولى فان الله تعالى قال (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) وقال (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ولهذا نهى عن نقض اليمين والنهي يقتضي التحريم وذمهم عليه وضرب لهم مثل التي

[ 164 ]

نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، ولا خلاف في ان المحل المختلف فيه لا يدخله شئ من هذا؟ وإن كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب فحلها مندوب إليه فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " وقال عليه السلام " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها وإن كانت اليمين على فعل محرم أو ترك واجب فحلها واجب لان حلها بفعل الواجب وفعله واجب * (مسألة) * (واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته) أجمع أهل العلم على ان من حلف بالله تعالى فقال والله أو بالله أو تالله فحنث ان عليه الكفارة، قال ابن المنذر وكان مالك وابو عبيد والشافعي وابو ثور واصحاب الرأي يقولون من حلف باسم من اسماء الله تعالى فحنث فعليه الكفارة ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان من أسماء الله الذي لا يسمى بها سواه * (مسألة) * (وأسماء الله تعالى قسمان) (أحدهما) مالا يسمى به غيره ونحو والله والقديم الازلي والاول الذي ليس قبله شئ والآخر الذي ليس بعده شئ وخالق الخلق ورزاق العالمين، فهذا القسم به يمين بكل حال وكذلك قوله ورب العالمين، ورب السموات، والحي الذي لا يموت (الثاني) ما يسمى به غيره واطلاقه ينصرف إلى الله تعالى كالعظيم والرحيم والرب والمولى والرازق ونحوه. فأما الرحمن فذكره شيخنا من هذا القسم في الكتاب المشروح وذكره في كتاب المغني من القسم الاول وهو أولى لان ذلك انما كان يسمى به غير الله تعالى مضافا كقولهم في مسيلمة رحمان اليمامة أما إذا أطلق فلا ينصرف إلا إلى الله تعالى، فهذا القسم الذي يسمى به غير الله مجازا بدليل قوله تعالى (ارجع إلى ربك - واذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه) وقال (فارزقوهم منه) وقال (بالمؤمنين رئوف رحيم)

[ 165 ]

* (مسألة) * (فهذا إن نوى بالقسم به اسم الله تعالى أو اطاق كان يمينا لانه باطلاقه ينصرف إليه بالنية) وهذا مذهب الشافعي، وقال طلحة العاقولي إذا قال والرب والخالق والرازق كان يمينا على كل حال كالاول لا يستعمل مع التعريف باللام إلا في اسم الله تعالى فأشبهت القسم الاول * (مسألة) * (وأما مالا يعد من اسمائه كالشئ والموجود والحي والعالم والمؤمن والكريم والشاكر فان لم ينو به الله تعالى أو نوى غيره لم يكن يمينا وإن نواه كان يمينا) فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الاطلاق ففي الاول يكون يمينا وفي الثاني لا يكون يمينا، وقال القاضي والشافعي في هذا القسم لا يكون يمينا أيضا وإن قصد به اسم الله تعالى لان اليمين انما تنعقد لحرمة الاسم فمع الاشتراك لا يكون له حرمة والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين ولنا انه أقسم بالله قاصدا به الحلف فكان يمينا مكفرة كالقسم الذي قبله، وقولهم ان النية المجردة لا تنعقد بها اليمين نقول به وما انعقد بالنية المجردة وانما انعقد بالاسم المحتمل المراد به اسم الله تعالى فان النية تصرف اللفظ المحتمل إلى احد محتملاته فيصير كالمصرح به كالكنايات ولهذا لو نوى بالقسم الذي قبله غير الله لم يكن يمينا لنيته * (مسألة) * (وإن قال وحق الله وعهد الله وايم الله وأمانة الله وميثاقه وقدرته وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته ونحو ذلك فهو يمين) وإن قال والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يضفه إلى الله تعالى لم يكن يمينا إلا أن ينوي صفة الله تعالى وعنه يكون يمينا، وإن قال وحق الله فهي يمين مكفرة وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا كفارة لها لان حق الله طاعته ومفروضاته وليست صفة له ولنا ان لله حقوقا يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة والجلال والعزة وقد اقترن عرف الاستعمال

[ 166 ]

بالحلف بهذه الصفة فينصرف إلى صفة الله تعالى كقوله وقدر الله، وإن نوى بذك القسم بمخلوق فالقول فيه كالقول في الحلف بالعلم والقدرة الا ان احتمال المخلوق بهذا اللفظ أظهر، وإن قال وعهد الله وكفالته فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها وبهذا قال الحسن وطاوس والشعبي والحارث العكلي وقتادة الحكم والاوزاعي ومالك، وقال عطاء وابن المنذر وأبو عبيد لا يكون يمينا الا ان ينوي وقال الشافعي لا يكون يمينا إلا ان ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته، وقال أبو حنيفة ليس بيمين ولعلهم ذهبوا إلى ان العهد من صفات الفعل فلا يكون الحلف به يمينا كما لو قال وحق الله، وقد وافقنا أبو حنيفة في أنه إذا قال علي عهد الله وميثاقه ثم حنث انه تلزمه الكفارة ولنا ان عهد الله يحتمل كلامه الذي أمرنا به ونهانا عنه لقوله (ألم أعهد اليكم يا بني آدم؟) وكلامه قديم صفة له، ويحتمل انه استحقاقه لما تعبدنا به وقد ثبت له عرف الاستعمال فيجب أن يكون يمينا باطلاقه كما لو قال وكلام الله. إذا ثبت هذا فانه إذا قال علي عهد الله وميثاقه لافعلن أو قال وعهد الله ميثاقه لاأفعلن فهو يمين * (مسألة) * (وإن قال وايم الله أو وايم الله فهي يمين موجبة للكفارة) وهو كالحلف بعمر الله على ما نذكره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم به وانضم إليه عرف الاستعمال فوجب ان ينصرف إليه، واختلف في اشتقاقه فقيل هو جمع يمين وحذفت النون فيه في البعض تخفيفا لكثرة الاستعمال وقيل هو من اليمن فكأنه قال ويمن الله لافعلن والفه الف وصل * (مسألة) * (وإن قال وأمانة الله فقال القاضي لا يختلف المذهب في ان الحلف بأمانة الله يمين مكفرة وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا تنعقد اليمين بها الا أن ينوي الحلف بصفة الله) لان الامانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق قال الله تعالى (انا عرضنا الامانة على

[ 167 ]

السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان) وقال تعالى (ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) يعني الودائع والحقوق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " اد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " وإذا كان اللفظ محتملا لم يصرف إلى أحد محتملاته الا ببينة أو دليل صارف إليه ولنا ان أمانة الله صفة من صفاته بدليل وجوب الكفارة على من حلف بها إذا نوى حملها على ذلك عند الاطلاق لوجوه (أحدها) أن حملها على غير ذلك صرف ليمين المسلم إلى المعصية أو المكروه لكونه قسما بمخلوق والظاهر من حال المسلم خلافه (الثاني) ان القسم في العادة يكون بالمعظم المحترم دون غيره وصفة الله أعظم حرمة وقدرا (الثالث) ان ما ذكروه من الفرائض والودائع لم يعهد القسم بها ولا يستحسن ذلك لو صرح به فلذلك لا يقسم بما هو عبارة عنه (الرابع) ان امانة الله المضافة إليه هي صفته وغيرها يذكر غير مضاف إليه كما ذكر في الآيات والخبر (الخامس) ان اللفظ عام في كل امانة الله لان اسم الجنس إذا أضيف إلى معرفة افاد الاستغراق فتدخل فيه أمانه الله التي هي صفته فتنعقد اليمين بها موجبة للكفارة كما لو نواها (فصل) والقسم بصفات الله تعالى كالقسم باسمائه، وصفاته ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها كعزة الله وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي لان هذه من صفات ذاته ولم يزل موصوفا بها، وقد ورد الاثر بالقسم ببعضها فروي " ان النار تقول قط قط وعزتك " رواه

[ 168 ]

البخاري والذي يخرج من النار يقول " وعزتك لا أسألك غيرها " وفي كتاب الله تعالى قال (فبعزتك لاغوينهم أجمعين) (الثاني) ما هو صفة للذات الا أنه يعبر به عن غيرها مجازا كعلم الله وقدرته فهذه صفة للذات لم يزل موصوفا بها، وقد تستعمل في المعلوم والمقدور أقساما كقولهم اللهم اغفر لنا علمك فينا ويقال اللهم قد اريتنا قدرتك فارنا عفوك ويقال انظروا إلى قدرة الله أي مقدوره فمتى أقسم بهذا كان يمينا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال وعلم الله لا يكون يمينا لانه يحتمل المعلوم ولنا أن العلم من صفات الله تعالى فكانت اليمين به يمينا موجبة للكفارة كالعظمة والعزة والقدرة وينتقض ما ذكروه بالقدرة فانه قد سلموها وهي قرينتها، فأما ان نوى القسم بالمعلوم والمقدور احتمل أن لا يكون يمينا وهو قول أصحاب الشافعي لانه نوى بالاسم غير صفة الله تعالى مع احتمال اللفظ ما نواه فأشبه ما لو نوى القسم بمخلوق في الاسماء التي يسمى بها غير الله تعالى، وقد روي عن أحمد أن ذلك يكون يمينا بكل حال ولا يقبل منه نية غير صفة الله كالعظمة وقد ذكر طلحة العاقولي أن أسماء الله تعالى المعرفة بلام التعريف كالخالق والرازق أنها تكون يمينا بكل حال لانها لا تنصرف الا إلى اسم الله تعالى كذا هذا (الثالث) ما لا ينصرف باطلاقه إلى صفة الله تعالى لكن ينصرف باضافته إلى الله سبحانه لفظا

[ 169 ]

أو نية كالعهد والميثاق والامانة فهذا لا يكون يمينا مكفرة الا باضافته أو نيته وسنذكره ان شاء الله * (مسألة) * (وان قال والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يضفه إلى الله تعالى لم يكن يمينا الا أن ينوي صفة الله تعالى وعنه يكون يمينا) إذا قال والعهد والميثاق والامانة والعظمة والكبرياء والقدرة والجلال ونوى عهد الله كان يمينا وكذلك في سائرها لانه نوى الحلف بصفة من صفات الله، وان أطلق فقال القاضي فيه روايتان [ أحداهما ] يكون يمينا لان لام التعريف ان كانت للعهد يجب أن تصرف إلى عهد الله تعالى لانه الذي عهدت اليمين به وان كانت للاستغراق دخل فيه ذلك [ والثانية ] لا تكون يمينا لانه يحتمل غير ما وجبت به الكفارة ولم يصرفه إلى ذلك بنيته فلا تجب الكفارة لان الاصل عدمها (فصل) ويكره الحلف بالامانة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من حلف بالامانة فليس منا " رواه أبو داود، وروى زياد بن خدير أن رجلا حلف عنده بالامانة فجعل يبكي بكاء شديدا فقال له الرجل هل كان هذا يكره؟ قال نعم كان عمر ينهى عن الحلف بالامانة أشد النهي * (مسألة) * (وان قال لعمر الله كان يمينا وقال أبو بكر لا يكون يمينا إلا أن ينوي). ظاهر المذهب أن ذلك يمين موجبة للكفارة وان لم ينو وبه قال أبو حنيفة وقال أبو بكر ان قصد اليمين فهو يمين وإلا فلا وهو قول الشافعي لانها إنما تكون يمينا بتقدير خبر محذوف فكأنه قال لعمر الله ما أقسم به فيكون مجازا والمجاز لا ينصرف إليه الاطلاق. ولنا انه أقسم بصفة من صفات الله فكانت يمينا موجبة للكفارة كالحلف ببقاء الله وحياته

[ 170 ]

ويقال العمر والعمر واحد وقيل معناه وحق الله وقد ثبت له عرف الشرع والاستعمال قال الله تعالى (لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون). وقال النابغة: فلا لعمر الذي قد زرته حججا * وما أريق على الانصاب من جسد وقال آخر: إذا رضيت كرام بني قشير * لعمر الله أعجبني رضاها وهذا في الشعر والكلام كثير، واما احتياجه إلى التقدير فلا يضر فان اللفظ إذا اشتهر في العرف صار من الاسماء العرفية ويجب حمله فيه عند الاطلاق دون موضوعه الاصلي على ما عرف من سائر الاسماء العرفية ومتى احتاج اللفظ إلى التقدير وجب التقدير له ولم يجز اطراحه ولهذا يفهم مراد المتكلم به ومن غير اطلاع على نية قائله وقصده كما يفهم ان مراد المتكلم من المتقدمين القسم ويفهم من القسم بغير حرف القسم في اشعارهم في مثل قولهم. فقلت يمين الله أبرح قاعدا ويفهم من القسم الذي حذف في جوابه حرف لانه مقدر مراد لهذا لبيت ويفهم من قول الله تعالى (واسئل القرية - وأشربوا في قلوبهم العجل) التقدير فكذا ههنا وان قال عمرك الله كما في قوله. أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك الله كيف يلتقيان؟ فقد قيل هو مثل قوله نشدتك الله ولهذا ينصب اسم الله فيه وان قال لعمري أو لعمرك أو عمرك فليس بيمين في قول أكثرهم، وقال الحسن في قوله لعمري عليه الكفارة. ولنا انه اقسم بحياة مخلوق فلم تلزمه كفارة كما لو قال وحياتي وذلك لان هذا اللفظ يكون قسما بحياة الذي أضيف إليه العمر فان التقدير لعمرك قسمي أو ما أقسم به والعمر الحياة والبقاء.

[ 171 ]

* (مسألة) * (وان حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فهي يمين فيها كفارة واحدة وعنه عليه بكل آية كفارة.) وجملة ذلك ان الحلف بكلام الله أو بالقرآن أو بآية منه يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها، وبه قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك والشافعي وأبو عبيد وعامة أهل العلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس بيمين ولا تجب به كفارة فمنهم من زعم انه مخلوق ومنهم من قال لا تعهد اليمين به. ولنا أن القرآن كلام الله تعالى وصفة من صفات ذاته فتنعقد اليمين به كما لو قال وجلال الله وعظمته وقولهم هو مخلوق قلنا هذا كلام المعتزلة وانما الخلاف مع الفقهاء وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " القرآن كلام الله غير مخلوق " وقال ابن عباس في قوله تعالى (قرآنا عربيا غير ذي عوج) أي غير مخلوق وأما قولهم لا تعهد اليمين به فيلزمهم قولهم: وكبرياء الله وعظمته وجلاله إذا ثبت هذا فان الحلف بآية منه كالحلف بجميعه لانها من كلام الله تعالى وكذلك الحلف بالمصحف تنعقد به اليمين وكان قتادة يحلف بالمصحف ولم يكره ذلك امامنا واسحاق، لان الحلف بالمصحف انما قصد الحلف بالمكتوب فيه وهو القرآن فانه بين دفتي المصحف باجماع المسلمين. (فصل) فان حلف بالقرآن أو بحق القرآن أو بكلام الله لزمته كفارة واحدة، ونص أحمد على أنه تلزمه بكل آية كفارة وهو الذي ذكره الخرقي وهو قول ابن مسعود والحسن، وقياس المذهب أنه تلزمه كفارة واحدة وهو قياس مذهب الشافعي وأبي عبيد، لان الحلف بصفات الله تعالى وتكرر اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة فالحلف بصفة من صفات الله أولى أن تجزئه كفارة واحدة. ووجه الاول ما روى مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حلف بسورة من

[ 172 ]

القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين صبر فمن شاء بر ومن شاء فجر " رواه الاثرم، ولان ابن مسعود قال ذلك ولم نعرف له مخالفا في الصحابة قال أحمد وما أعلم شيئا يدفعه، قال شيخنا ويحتمل كلام احمد ان في كل آية كفارة على الاستحباب لمن قدر عليه فانه قال عليه بكل آية كفارة لمن قدر عليها فان لم يمكنه فكفارة واحدة ورده إلى واحدة عند العجز دليل على ان ما زاد عليه غير واجب وكلام ابن مسعود أيضا يحمل على الاختيار لكلام الله والمبالغة في تعظيمه كما روي عن عائشة انها اعتقت أربعين رقبة حين حلفت بالعهد وليس ذلك بواجب، فعلى هذا تجزئه كفارة واحدة لقول الله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) فكفارته اطعام عشرة مساكين وهذه يمين فتدخل في عموم الايمان المنعقدة وإنها يمين واحدة فلم توجب كفارات كسائر الايمان، ولان إيجاب كفارات بعدد الآيات يفضي إلى المنع من البر والتقوى والاصلاح بين الناس، لان من علم أنه بحنثه تلزمه هذه الكفارات كلها يترك المحلوف عليه كائنا ما كان وقد يكون برا وتقوى واصلاحا فتمنعه يمينه وقد نهى الله تعالى عنه بقوله (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) وان قلنا بوجوب كفارات بعدد الآيات فلم يطق ذلك اجزأته كفاره واحدة نص عليه احمد. * (مسألة) * (وان قال أحلف بالله أو اشهد بالله أو اقسم بالله أو اعزم بالله كان يمينا، وان لم يذكر اسم الله لم يكن يمينا إلا ان ينوي وعنه يكون يمينا). هذا قول عامة الفقهاء لا نعلم فيه خلافا وسواء نوى اليمين أو اطلق لانه لو قال بالله ولم يقل أقسم ولا اشهد ولم يذكر الفعل كان يمينا وانما كان يمينا بتقدير الفعل قبله، لان

[ 173 ]

الباء تتعلق بفعل مقدر على ما ذكرناه فان اظهر الفعل ونطق بالمقدر كان اولى بثبوت حكمه وقد ثبت له عرف الاستعمال، قال الله تعالى (فيقسمان بالله) وقال تعالى (واقسموا بالله) وقال (فشهادة احدهم اربع شهادات بالله انه لمن الصادقين) ويقول الملاعن في لعانه اشهد بالله اني لمن الصادقين وتقول المرأة اشهد بالله انه لمن الكاذبين وانشد اعرابي * اشهد بالله لتفعلنه * وكذلك الحكم ان ذكر الفعل بلفظ الماضي فقال اقسمت أو شهدت بالله قال عبد الله بن رواحة * أقسمت بالتنزلنه * ان أراد بقوله اقسمت بالله الخبر عن قسم ماض أو بقوله اقسم بالله الخبر عن قسم يأتي به فلا كفارة عليه وان ادعى ذلك قبل منه، وقال القاضي لا يقبل في الحكم وهو قول بعض اصحاب الشافعي لانه خلاف الظاهر. ولنا ان هذا حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإذا علم من نفسه انه نوى شيئا واراده مع احتمال اللفظ إياه لم يلزمه شئ وان قال شهدت بالله اني آمنت بالله فليس بيمين وذكر أبو بكر في قوله أعزم بالله انه ليس بيمين مع الاطلاق وهو قول الشافعي لانه لم يثبت له عرف الشرع ولا الاستعمال فظاهره غير اليمين، لان معناه اقصد الله لافعلن، ووجه الاول انه يحتمل اليمين وقد اقترن به ما يدل عليه وهو جوابه بجواب القسم فيكون يمينا فأما ان نوى بقوله غير اليمين لم يكن يمينا. (فصل) وان قال أولي بالله أو حلفت بالله أو آليت بالله أو الية بالله أو حلفا بالله أو قسما بالله فهو يمين سواء نوى به اليمين أو أطلق لما ذكرناه في اقسم بالله وحكمه حكمه في تفصيله لان الايلاء والحلف والقسم واحد قال الله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) وقال سعد بن معاذ أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به وقال الشاعر: أولي برب الراقصات إلى منى * ومطارح الاكوار حيث تبيت وقال ابن دريد: الية باليعملات ترتمي * بها النجاء بين اجواز الفلا

[ 174 ]

وقال: بل قسما من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى؟ (فصل) فأما ان قال أقسمت أو آليت أو شهدت لافعلن ولم يذكر اسم الله فعن أحمد روايتان (احداهما) انها يمين سواء نوى اليمين أو اطلق وروي ذلك عن عمر وابن عباس والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وعن أحمد ان نوى اليمين بالله كان يمينا والا فلا وهو قول مالك واسحاق وابن المنذر لانه يحتمل القسم بالله وبغيره فلم يكن يمينا حتى يصرفه بنيته إلى ما تجب به الكفارة وقال الشافعي ليس بيمين وان نوى، وروي نحو ذلك عن عطاء والحسن والزهري وقتادة وأبي عبيد لانها عريت عن اسم الله تعالى وصفته فلم تكن يمينا كما لو قال أقسمت بالبيت ولنا انه قد ثبت لها عرف الشرع والاستعمال فان أبا بكر قال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما اصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقسم يا أبا بكر " رواه أبو داود وقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال " أبررت قسم عمي ولا هجرة " وفي كتاب الله تعالى (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله - إلى قوله - اتخذوا ايمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله) فسماها يمينا وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وقالت عاتكة بنت عبد المطلب حلفت لئن عادوا لنصطلمنهم * لجاءو تردي حجرتيها المقانب وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل فآليت لا تنفك عيني حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا وقولهم يحتمل القسم بغير الله قلنا انما يحمل على القسم المشروع ولهذا لم يكن مكروها ولو حمل

[ 175 ]

على القسم بغير الله كان مكروها ولو كان مكروها لم يفعله أبو بكر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبر النبي صلى الله عليه وسلم قسم العباس حين اقسم عليه (فصل) وان قال أعزم أو عزمت لم يكن قسما نوى به القسم أو لم ينوه لانه لم يثبت لهذا اللفظ عرف في الشرع ولا هو موضوع للقسم ولا فيه دلالة عليه، ولذلك ان قال استعين بالله أو أعتصم بالله أو أتوكل على الله أو علم الله أو عز الله أو تبارك الله أو نحو هذا لم يكن يمينا نوى أو لم ينو لانه ليس بموضوع للقسم لغة ولا ثبت له عرف في شرع ولا استعمال فلم يجب به شئ كما لو قال سبحان الله وبحمده ولا اله الا الله والله أكبر (فصل) وحروف القسم ثلاثة: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة والاصل في حروف القسم الباء وتدخل على المظهر والمضر جميعا كقولك بالله وبك والواو وهي بدل من الباء تدخل على المظهر دون المضمر وهي أكثر استعمالا ولانها جاءت في أكثر الاقسام في الكتاب والسنة، وانما كانت الباء الاصل لانها الحرف الذي تصل به الافعال القاصرة عن التعدي إلى مفعولاتها والتقدير في القسم أقسم بالله كما قال الله سبحانه (وأقسموا بالله جهد ايمانهم) والتاء بدل من الواو وتختص باسم واحد من أسماء الله تعالى وهو الله ولا تدخل على غيره فيقال تالله ولو قال تالرحمن أو تالرحيم لم يكن قسما فإذا اقسم باحد هذه الحروف الثلاثة في موضعه كان قسما صحيحا لانه موضوع له وقد جاء في كتاب الله تعالى وكلام العرب قال الله تعالى (تالله لتسئلن عما كنتم تفترون - تالله لقد آثرك الله علينا - تالله تفتؤ تذكر يوسف - تالله لاكيدن اصنامكم) وقال الشاعر: تالله يبقى على الايام ذو حيد * بمشمخر به الضيان والآس

[ 176 ]

وان قال ما أردت به القسم لم يقبل قوله لانه اتى باللفظ الصريح في القسم واقترنت به قرينة دالة عليه وهو الجواب بجواب القسم فيمنع صرفه إلى غيره * (مسألة) * (ويجوز القسم بغير حرف القسم فيقول الله لافعلن بالجر والنصب فان قال الله لافعلن بالرفع كان يمينا الا ان يكون عربيا ولا ينوى به اليمين) إذا اقسم بغير حرف القسم فقال الله لاقومن بالجر والنصب فهو يمين وقال الشافعي لا يكون يمينا الا ان ينوي لان ذكر الله تعالى بغير حرف القسم ليس بصريح في القسم فلا ينصرف الا بالنية ولنا انه سائغ في العربية وقد ورد به عرف الاستعمال في الشرع فروي ان عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه قتل ابا جهل فقال " الله انك قتلته؟ " قال الله اني قتلته ذكره البحاري وقال لركانة ابن عبد يزيد " الله ما أردت الا واحدة " قال الله ما أردت الا واحدة وقال امرؤ القيس * فقلت يمين الله أبرح قاعدا * - وقال أيضا * فقالت يمين الله مالك حيلة * وقد اقترنت به قرينتان تدلان عليه (احداهما) الجواب بجواب القسم (والثانية) الجر والنصب واسم الله تعالى فوجب ان يكون يمينا كما لو قال والله، فان قال الله لافعلن بالرفع ونوى اليمين فهو يمين الا ان يكون قد لحن كما لو قال والله بالرفع ولم ينو اليمين فقال أبو الخطاب تكون يمينا لان قرينة الجواب بجواب القسم كافية والعامي لا يعرف الاعراب فيأتي به الا ان يكون من أهل العربية فان عدوله عن إعراب القسم دليل على انه لم يرده، قال شيخنا ويحتمل ان لا يكون قسما في حق العامي لانه ليس بقسم في حق أهل العربية فلم يكن قسما في حق غيرهم كما لو لم يجبه بجواب القسم ويجاب القسم بأربعة احرف: حرفان للنفي وهما ما ولا وحرفان للاثبات وهما ان واللام المفتوحة وتقوم ان الخفيفة المكسورة مقام ما النافية مثل قوله (وليحلفن ان أردنا الا الحسنى) وان قال والله افعل بغير حرف فالمحذوف ههنا لا

[ 177 ]

ويكون يمينه على النفي لان موضوعه في العربية لذلك قال الله تعالى (تفتؤ تذكر يوسف) اي لا تفتؤ وقال الشاعر: * تالله تبقى على الايام ذو حيد * وقال آخر: * فقلت يمين الله أبرح قاعدا * أي لا أبرح (فصل) وان قال لاها لله ونوى اليمين كان يمينا لان ابا بكر رضي الله عنه قال في سلب قتيل أبي قتادة لاها لله إذا تعمد إلى أسد من اسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدق " وان لم ينو اليمين فالظاهر انه لا يكون يمينا لانه لم يقترن به صرف ولا نية ولا في جوابه حرف يدل على القسم وهذا مذهب الشافعي * (مسألة) * (ويكره الحلف بغير الله تعالى ويحتمل ان يكون محرما وذلك نحو أن يحلف بأبيه أو بالكعبة أو بصحابي أو امام أو غيره قال الشافعي أخشى ان يكون معصية قال ابن عبد البر هذا أمر مجتمع عليه وقيل لا يكره ذلك لان الله تعالى أقسم بمخلوقاته فقال (والصافات صافا - والمرسلات عرفا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي الذي سأل عن الصلاة " افلح وأبيه ان صدق " وقال في حديث أبي العشراء " وأبيك لو طعنت في فخذها لاجزأك " ولنا ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم ادركه وهو يحلف بابيه فقال " ان الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " قال عمر فو الله ما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا متفق عليه يعني ولا حاكيا عن غيري

[ 178 ]

وعن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من حلف بغير الله فقد اشرك " قال الترمذي هذا حديث حسن فاما قسم الله بمصنوعاته فانما أقسم دالا على قدرته وعظمته ولله تعالى ان يقسم بما شاء ولا وجه للقياس على إقسامه وقد قيل ان في إقسامه اضمار القسم برب هذه المخلوقات فقوله (والضحى) أي ورب الضحى وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي " افلح وأبيه ان صدق " فقال ابن عبد البر هذا اللفظ غير محفوظ من وجه صحيح وحديث أبي العشراء قال أحمد لو كان يثبت يعني انه لم يثبت، ثم ان لم يكن الحلف بغير الله محرما فهو مكروه لان من حلف بغير الله فقد عظم غيره تعظيما يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى ولهذا سمي شركا لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به، فعلى هذا يستغفر الله إذا اقسم بغير الله قال الشافعي من حلف بغير الله فليقل استغفر الله * (مسألة) * (ولا تجب به الكفارة سواء أضافه إلى الله تعالى مثل قوله ومعلوم الله وخلقه ورزقه وبيته أو لم يضفه كقوله والكعبة وأبي) ويعني لا تجب الكفارة بالحنث فيها وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر الفقهاء * (مسألة) * (وقال أصحابنا تجب الكفارة بالحنث برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة) وروي عن أحمد أنه قال إذا حلف بحق رسول الله فحنث فعليه الكفارة ولانه أخذ شرطي الشهادة فالحلف به موجب للكفارة كالحلف بالله تعالى والاول اولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " ولانه حلف بغير الله تعالى فلم توجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الانبياء ولانه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كالحلف بابراهيم عليه السلام ولانه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة وكلام أحمد يحمل على الاستحباب

[ 179 ]

(فصل) ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط (أحدها) ان تكون اليمين منعقدة وهي التي يمكن فيها البر والحنث وذلك الحلف على مستقبل ممكن قال ابن عبد البر اليمين التي فيها الكفارة باجماع المسلمين هي التي على المستقبل من الافعال كمن حلف ليضربن غلامه أو لا يضربه فان فعل فعليه الكفارة وذهبت طائفة إلى أن الحنث إذا كان طاعة لم يوجب كفارة، وقال قوم من حلف على فعل معصية فكفارتها تركها، وقال سعيد بن جبير اللغو أن يحلف فيما لا ينبغي له يعني فلا كفارة عليه في الحنث وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فان تركها كفارة " رواه أبو داود ولان الكفارة انما تجب لدفع الاثم ولا اثم في الطاعة ولان اليمين كالنذر ولا نذر في معصية الله ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " وقال " اني والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فارى غيرها خيرا منها الا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " اخرجه البخاري وحديثهم لا يعارض حديثنا لان حديثنا اصح منه واثبت ثم انه يحتمل ان تركها كفارة لاثم الحلف والكفارة المختلف فيها كفارة المخالفة وقولهم ان الحنث طاعة قلنا فاليمين غير طاعة فتلزمه الكفارة للمخالفة ولتعظيم اسم الله عزوجل إذا حلف به ولم تبر يمينه، إذا ثبت ذلك نظرنا في يمينه فان كان على ترك شئ ففعله حنث ووجبت الكفارة، وإن كانت على فعل شئ فلم يفعله وكانت يمينه مؤقتة بلفظ أو بنية أو قرينة حاله ففات الوقت حنث، وإن كانت مطلقة لم يحنث إلا بفوات وقت الامكان لانه مادام في الوقت والفعل ممكن فيحتمل أنه يفعل فلا يحنث * (مسألة) * (فأما اليمين على الماضي فليست منعقدة وهي نوعان: الغموس وهي التى يحلف بها

[ 180 ]

كاذبا عالما بكذبه وعنه فيها الكفارة، ومثلها الحلف على مستحيل كقتل الميت واحيائه وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه) ظاهر المذهب ان يمين الغموس لا كفارة فيها نقله الجماعة عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والاوزاعي والثوري والليث وابو عبيد وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة. وانما سميت هذه يمين الغموس لانها تغمس صاحبها في الاثم قال ابن مسعود كنا نعد اليمين التي لا كفارة لها اليمين الغموس، وعن سعيد بن المسيب قال هي من الكبائر وهي أعظم من أن تكفر، وروي عن احمد ان فيها الكفارة وروي ذلك عن عطاء والزهري والحكم والبتي وهو قول الشافعي لانه وجدت منه اليمين بالله والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة ولنا انها يمين غير منعقدة فلا توجب الكفارة كاللغو أو يمين على ماض أشبهت اللغو، وبيان انها غير منعقدة كونها توجب برا ولا يمكن فيها ولانه قارنها ما ينافيها فلم تنعقد كالنكاح الذي قارنه الرضاع ولان الكفارة لا ترفع إثمها فلا تشرع فيها، ودليل انها كبيرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من الكبائر الاشراك بالله عقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس " رواه البخاري وروي فيه " خمس من الكبائر لا كفارة لهن: الاشراك بالله والفرار من الزحف وبهت المؤمن وقتل النفس بغير حق والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم " ولا يصح القياس على المستقبلة لانها يمين منعقدة يمكن حلها والبر فيها وهذه غير منعقدة فلا حل لها وقول النبي صلى الله عليه وسلم " فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير " يدل على ان الكفارة انما تجب على فعل يفعله فيما يستقبله قاله ابن المنذر (فصل) والمستحيل نوعان (أحدهما) مستحيل عقلا كقتل الميت واحيائه وشرب ماء الكوز

[ 181 ]

ولا ماء فيه فقال أبو الخطاب لا تنعقد يمينه ولا تجب بها كفارة وهذا مذهب مالك لانها يمين قارنها مالا يتصور فلم تنعقد كيمين الغموس لان اليمين انما تنعقد على متصور أو متوهم التصور وليس ههنا واحد منهما وقال القاضي ينعقد موجبا للكفارة في الحال وهذا قول أبي يوسف والشافعي لانه حلف على فعل نفسه في المستقبل ولم يفعل فهو كما لو حلف ليطلقن امرأته فمات قبل طلاقها وبالقياس على المستحيل عادة، ولا فرق بين أن يعلم أو لا يعلم مثل أن يحلف ليشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه فالحكم واحد فيمن علم انه لا ماء فيه ومن لم يعلم، ذكر شيخنا في الكتاب المشروح احياء الميت وقتله في المستحيل عقلا واحياء الميت متصور عقلا وانما هو مستحيل عادة فهو من النوع الثاني. فأما قتل الميت فان أراد قتله حال موته فهو من المستحيل عقلا فيه من الخلاف ما ذكرنا، وإن حلف ليقتلن فلانا وهو ميت فهو كالمستحيل عادة فانه يتصور أن يحييه الله فيقتله فتنعقد يمينه على ما نذكره في المستحيل عادة (النوع الثاني) المستحيل عادة كصعود السماء والطيران وقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة فإذا حلف على فعله انعقدت يمينه ذكره القاضي وابو الخطاب لانه يتصور وجوده فإذا حلف عليه انعقدت يمينه ولزمته الكفارة في الحال لانه مأيوس من البر فيها فوجبت الكفارة كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت. (فصل) إذا قال والله ليفعلن فلان كذا أو لا يفعل كذا أو حلف على حاضر فقال والله لتفعلن كذا فأحنثه ولم يفعل فالكفارة على الحالف كذلك قال ابن عمر وأهل المدينة وعطاء وقتادة والاوزاعي وأهل العراق والشافعي لان الحالف هو الحانث فكانت الكفارة عليه كما لو كان هو الفاعل لما يحنثه

[ 182 ]

ولان سبب الكفارة إما اليمين أو الحنث أو هما وأي ذلك قدر فهو موجود في الحالف، وإن قال أسألك بالله لتفعلن وأراد اليمين فهي كالتي قبلها وإن أراد الشفاعة إليه بالله فليس بيمين ولا كفارة على واحد منها، وإن قال بانه لتفعلن فهي يمين لانه أجاب بجواب القسم إلا أن ينوي ما يصرفها وإن قال بالله أفعل فليست يمينا لانه لم يجبها بجواب القسم ولذلك لا يصلح أن يقول والله افعل ولا تالله أفعل وانما صلح ذلك في الباء لانه لا تختص القسم فيدل على انه سؤال فلا تجب به كفارة * (الثاني) * لغو اليمين وهو أن يحلف على شئ يظنه حقا فيبين بخلافه فلا كفارة فيها أكثر أهل العلم على ان هذه اليمين لا كفارة فيها قاله ابن المنذر يروى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وأبي حنيفة والثوري وممن قال هذا لغو اليمين مجاهد وسليمان بن يسار والاوزاعي والثوري وابو حنيفة وأصحابه، واكثر اهل العلم على ان لغو اليمين لا كفارة فيه وقال ابن عبد البر اجمع المسلمون على هذا وقد حكي عن النخعي في اليمين على شئ يظنه حقا فيبين بخلافه انه من لغو اليمين وفيه الكفارة وهو احد قولي الشافعي وروي عن احمد ان فيه الكفارة وليس هو من لغو اليمين لان اليمين بالله وجدت مع المخالفة فاوجبت الكفارة كاليمين على مستقبل. ولنا قول الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم) ولانها يمين غير منعقدة فلم تجب فيها كفارة كيمين الغموس ولانه غير قاصد للمخالفة فاشبه ما لو حلف ناسيا، وفي الجملة لا كفارة في يمين على ماض لانها تنقسم ثلاثة أقسام ما هو صادق فيه فلا كفارة فيه إجماعا وما تعمد الكذب فيه فهو يمين

[ 183 ]

الغموس لا كفارة فيها لانها أعظم من ان تكون فيها كفارة وقد ذكرنا الخلاف فيها وما يظنه حقا فيبين بخلافه فلا كفارة فيها لانها من لغو اليمين * (فصل) * (الشرط الثاني ان يحلف مختارا، فان حلف مكرها لم تنعقد يمينه) وبه قال مالك والشافعي وذكر فيها أبو الخطاب روايتين [ احداهما ] تنعقد وهو قول أبي حنيفة لانها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار ولان هذه الكفارة لا تسقط بالشبهة فوجبت مع الاكراه ككفارة الصيد ولنا ما روى أبو امامة وواثلة بن الاسقع ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس على مقهور يمين " ولانه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح مع الاكراه ككلمة الكفر، واما كفارة لصيد فلا تجب مع الاكراه فهي كمسئلتنا. * (مسألة) * (وان سبقت اليمين على لسانه كقوله لا والله وبلى والله في عرض حديثه فلا كفارة عليه) هذا قول أكثر أهل العلم لانها من لغو اليمين نقل عبد الله عن ابيه انه قال اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى انها كذلك والرجل يحلف فلا يعقد قلبه على شئ وممن قال ان اللغو اليمين التي لا ينعقد عليها قلبه عمر وعائشة رضي الله عنهما وبه قال عطاء والقاسم وعكرمة والشعبي والشافعي لما روي عن عطاء قال قالت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعني في اللغو في اليمين " هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله " اخرجه أبو داود قال ورواه الزهري وعبد الله بن ابي سليمان ومالك بن

[ 184 ]

مغول عن عطاء عن عائشة موقوفا، وروى الزهري أن عروة حدثه عن عائشة قالت إنما اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب، وأيمان الكفارة كل يمين حلف عليها على وجه من الامر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذاك عقد الايمان التي فرض الله عزوجل فيها الكفارة ولان اللغو في كلام العرب غير المعقود عليه وهذا كذلك، وممن قال لا كفارة في هذا ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وهو قول من قال إنه من لغو اليمين ولا نعلم في هذا خلافا ووجه ذلك قول الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين) فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها ونفى المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة ولان المؤاخذة يحتمل ان يكون معناها إيجاب الكفارة بدليل انها تجب في الايمان التي لا يأتم فيها وإذا كانت المؤاخذة ايجاب الكفارة فقد نفاها في اللغو فلا تجب لانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان إجماعا ولان قول عائشة في تفسير اللغو وبيان الايمان التي فيها الكفارة خرج منها تفسيرا لكلام الله تعالى وتفسير الصحابي مقبول: * (فصل) * (الشرط الثالث في الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف عن تركه أو يترك ما حلف عن فعله مختارا ذاكرا وان فعله مكرها أو ناسيا فلا كفارة عليه وعنه على الناسي كفارة) إذا حلف لا يفعل شيئا ففعله ناسيا فلا كفارة عليه، نقله عن أحمد الجماعة إذا كان في غير الطلاق والعتاق وهذا ظاهر المذهب، اختاره الخلال وصاحبه فأما الطلاق والعتاق فانه يحنث فيهما في ظاهر المذهب وعنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضا، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار واسحاق وهو ظاهر مذهب الشافعي لقوله تعالى (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم

[ 185 ]

" إن الله تجاوز عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولانه غير قاصد للمخالفة فلم يحنث كالنائم والمجنون لانه أحد طرفي اليمين فاعتبر فيه القصد كحالة الانتهاء بها وعن أحمد رواية أخرى أنه يحنث وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والزهري وقتادة وربيعة ومالك وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي لانه خالف ما حلف عليه قاصدا لفعله فلزمه الحنث كالذاكر وكما لو كانت اليمين بالطلاق والعتاق ولنا على أن الكفارة لا تجب في اليمين المكفر (1) ما تقدم من الآية والخبر، ولانها تجب لمحو الاثم ولا اثم على الناسي، وأما الطلاق والعتاق فهو معلق بشرط فيقع بوجود شرطه من غير قصد كما لو قال أنت طالق ان طلعت الشمس أو قدم الحاج (فصل) فان فعله غير عالم بالمحلوف عليه كرجل حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه يحسبه أجنبيا أو حلف لا يفارقه حتى يستوفي حقه فأعطاه ففارقه ظنا منه أنه قد برأ فوجده معيبا أو رديئا أو حلف لا بعت لزيد ثوبا فوكل زيد من يدفعه إلى من يبيعه فدفعه إلى الحالف فباعه من غير علمه فهو كالناسي لانه غير قاصد للمخالفة أشبه الناسي (فصل) والمكره على الفعل ينقسم قسمين (أحدهما) أن يلجأ إليه مثل من حلف لا يدخل دارا فحمل فادخلها أو لا يخرج منها فاخرج محمولا ولم يمكنه الامتناع فلا يحنث في قول الاكثرين وبه قال أصحاب الرأي وقال مالك ان دخل مربوطا لم يحنث وذلك لانه لم يفعل الدخول والخروج فلم يحنث كما لو لم يوجد ذلك (الثاني) أن يكره بالضرب والتهديد بالقتل ونحوه فقال أبو الخطاب فيه روايتان كالناسي وللشافعي قولان وقال أبو حنيفة ومالك يحنث لان الكفارة لا تسقط بالشبهة فوجبت مع الاكراه والنسيان ككفارة الصيد


(1) أي في النسيان

[ 186 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولانه نوع اكراه فلم يحنث به كما لو حمل ولم يمكنه الامتناع لان الفعل لا ينسب إليه فاشبه من لم يفعله ولا نسلم الكفارة في الصيد بل انما تجب على المكره * (مسألة) * (فان حلف فقال ان شاء الله لم يحنث فعل أو ترك إذا كان متصلا بيمينه) وجملة ذلك أن الحالف إذا قال ان شاء الله مع يمينه فهذا يسمى استثناء. قال ابن عمر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث فعل أو ترك " رواه أبو داود، وأجمع العلماء على تسميته استثناء وانه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " رواه الترمذي وروى أبو داود " من حلف فاستثنى فان شاء رجع وان شاء ترك " ولانه متى قال لافعلن ان شاء الله فقد علمنا انه متى شاء الله فعل ومتى لم يفعل لم يشاء الله ذلك فان ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. إذا ثبت هذا فانه يشترط أن يكون الاستثناء متصلا باليمين بحيث لا يفصل بينهما بكلام اجنبي ولا يسكت بينهما سكوتا يمكنه الكلام فيه فاما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أوعي أو عارض من عطشة أو شئ غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه وبهذا قال مالك والثوري وأبو عبيد واسحاق وأصحاب الرأي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من حلف فاستثنى " وهذا يقتضي كونه عقيبه ولان الاستثناء من تمام الكلام فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوابه وخبر المبتدأ والاستثناء بالا، ولان الحالف إذا سكت ثبت حكم يمينه وانعقدت موجبة لحكمها وبعد ثبوته لا يمكن رفعه ولا تغييره، قال أحمد حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك " ولم يقل فاستثن ولو جاز الاستثناء في كل حال لم

[ 187 ]

يحنث حالف به، وعن أحمد رواية أخرى انه يجوز الاستثناء إذا لم يطل الفصل بينهما قال في رواية المروذي حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " والله لاغزون قريشا " ثم سكت ثم قال " إن شاء الله " انما هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره، ونقل عنه إسماعيل بن سعيد مثل هذا وزاد ولا أقول فيه بقول هؤلاء يعني لم ير ذلك إلا متصلا ويحتمله كلام الخرقي فانه قال إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء كلام ولم يشترط اتصال الكلام وعدم السكوت وهذا قول الاوزاعي قال في رجل قال لا أفعل كذا كذا ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء فقال له انسان قل إن شاء الله أيكفر عن يمينه؟ قال أراه قد استثنى وقال قتادة له أن يستثني قبل أن يقوم أو يتكلم، ووجه ذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم استثنى بعد سكوته إذ قال " والله لاغزون قريشا " ثم سكت ثم قال " إن شاء الله " احتج به أحمد ورواه أبو داود، وقال الوليد بن مسلم لم يغزهم، ويشترط على هذا الرواية أن لا يطيل الفصل بينهما ولا يتكلم بينهما بكلام أجنبي، وحكي ابن أبي موسى عن بعض اصحابنا انه قال يصح الاستثناء مادام في المجلس وحكي ذلك عن الحسن وعطاء. وعن عطاء انه قال قدر حلب الناقة العزوزة، وعن ابن عباس ان له أن يستثني بعد حين وهو قول مجاهد وهذا القول لا يصح لما ذكرناه وتقديره بمجلس أو غيره لا يصح لان التقديرات بابها التوقيف فلا يصار إليه بالتحكم (فصل) ويشترط أن يستثني بلسانه ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والنخعي ومالك والثوري والاوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وابو ثور وابو حنيفة وابن المنذر ولا نعلم فيه مخالفا لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " والقول هو النطق ولان اليمين لا تنعقد بالنية وكذلك الاستثناء، وقد روي عن أحمد ان كان مظلوما فاستثنى

[ 188 ]

في نفسه رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه فهذا في حق الخائف على نفسه لان يمينه غر منعقدة أو لانه بمنزلة المتأول وأما في حق غيره فلا (فصل) واشترط القاضي قصد الاستثناء فلو أراد الجزم فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد أو كانت بمادته جاربة بالاستثناء فجرى على لسانه من غير قصد لم يصح لان اليمين لما لم تنعقد من غير قصد فكذلك الاستثناء وهذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم انه لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتدائه، فلو حلف غير قاصد للاستثناء ثم عرض له بعد فراغه من اليمين فاستثنى لم ينفعه وهذا القول يخالف عموم الخبر هو قوله عليه السلام " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " فلا يصح ولان لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه فكذلك نيته (فصل) ويصح الاستثناء في كل يمين مكفرة كاليمين بالله تعالى والظهار والنذر قال ابن أبي موسى من استثنى في يمين تدخلها كفارة فله ثنياه لانها ايمان مكفرة فدخلها الاستثناء كاليمين بالله تعالى فلو قال أنت علي كظهر أمي ان شاء الله أو لله علي أن أتصدق بمائة درهم ان شاء الله لم يلزمه شئ لانها ايمان فتدخل في عموم قوله " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " (فصل) فان قال والله لاشربن اليوم إلا أن يشاء الله أو لا أشرب إلا أن يشاء الله لم يحنث بالشرب ولا تركه لما ذكرنا في الاثبات ولا فرق بين تقديم الاستثناء وتأخيره في هذا كله، فإذا قال والله إن شاء الله لا أشرب اليوم أو لا أشربن ففعل أو ترك لم يحنث لان تقديم الشرط وتأخيره سواء قال الله تعالى (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) (فصل) فان قال والله لاشربن اليوم إن شاء زيد فشاء زيد ولم يشرب حتى مضى اليوم حنث

[ 189 ]

وان لم يشأ زيد تلزمه يمين، فان لم تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت انحلت اليمين لانه لم يوجد الشرط، وان قال والله لا أشرب إلا أن يشاء زيد فقد منع نفسه الشرب إلا أن توجد مشيئة زيد فان شاء فله الشرب وان لم يشأ لم يشرب، وإن خفيت مشيئته لغيبة أو موت أو جنون لم يشرب وان شرب حنث لانه منع نفسه الا أن توجد المشيئة (1) فيكذب ولكن غفر الله له بتوحيده، وأما الافراط في الحلف فانه انما كره لانه لا يكاد يخلو من الكذب والله أعلم وأما قوله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) فمعناه لا تجعلوا ايمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والاصلاح بين الناس وهو ان يحلف بالله أن لا يفعل برا ولا تقوى ولا يصلح بين الناس ثم يمتنع من فعله ليبر في يمينه ولا يحنث فيها فنهوا عن المضي فيها، قال احمد وذكر حديث ابن عباس باسناده في قوله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) الرجل يحلف أن لا يصل قربته وقد جعل الله له مخرجا في التكفير فأمره أن لا يعتل بالله وليكفر وليبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لان يستلج أحدكم في يمينه آثم له عند الله من أن يؤدي الكفارة التي فرض الله عليه " وان كان النهي عاد إلى اليمين فالمنهي عنه الحلف على ترك البر والتقوى والاصلاح بين الناس لا على كل يمين فلا حجة فيها لهم إذا * (مسألة) * (فان دعي إلى الحلف عند الحاكم وهو محق استحب له افتداء يمينه فان حلف فلا بأس) قال أصحابنا تركه أولى فيكون مكروها وبه قال أصحاب الشافعي لما روي ان المقداد وعثمان تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد فجعل عمر اليمين على المقداد فردها على عثمان فقال عمر: لقد أنصفك فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف وقال خفت أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمين عثمان. والصحيح انه لا يكره بل مباح فعله كتركه لان الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه السلام بالحلف على الحق في ثلاثة


(1) كذا في الاصل وفيه نقص يراجع في المغني في مظنته

[ 190 ]

مواضع فقال (ويستنبئونك أحق هو؟ قل اي وربي انه لحق) والثاني قوله (قل بلى وربي لتأتينكم) والثالث (قل بلى وربي لتبعثن) وروى محمد بن كعب القرظي ان عمر قال على المنبر وفي يده عصا يا أيها الناس لا يمنعكم اليمين من حقوقكم فو الذي نفسي بيده ان في يدي لعصا، وروى الشعبي ان عمرو أبيا احتكما إلى زيد في نخل ادعاه أبي فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد اعف أمير المؤمنين فقال عمر ولم يعفي أمير المؤمنين؟ ان عرفت شيئا استحققته بيميني وإلا تركته والذي لا إله إلا هو ان النخل لنخلي وما لابي فيه حق فلما خرجا وهب النخل لابي فقيل له يا أمير المؤمنين هلا كان هذا قبل اليمين؟ فقال خفت أن لا أحلف فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدي فتكون سنة ولانه حلف صدق على حق فأشبه الحلف عن غير الحاكم * (فصل) * قال رحمه الله: وإن حرم أمته أو شيئا من الحلال لم يحرم وعليه كفارة يمين ان فعله ويحتمل أن يحرم تحريما تزيله الكفارة وقال أبو حنيفة يحرم لقول الله تعالى (لم تحرم ما أحل الله لك؟) وقوله (قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم) ولانه تحريم للحلال فحرم كتحريم الزوجة ولنا انه إذا أراد التكفير فله فعل المحلوف عليه وحل فعله مع تركه محرما تناقض، والعجب ان أبا حنيفة لا يجيز التكفير إلا بعد الحنث وقد فرض الله تعالى تحلة اليمين، فعلى قوله يلزم كون المحرم مفروضا أو من ضرورة المفروض لانه لا تحصل التحلة إلا بفعل المحلوف وهو عنده محرم وهذا غير جائز، ولانه لو كان محرما لوجب تقديم الكفارة عليه كالظهار ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " فأمر بفعل المحلوف عليه ولو كان محرما لم يأمر بفعله وسماه خيرا والمحرم ليس بخير

[ 191 ]

واما الآية فالمراد بها قوله هو علي حرام أو منع نفسه منه وذلك ليس يسمى تحريما قال الله تعالى (يحلونه عاما ويحرمونه عاما) وقال (وحرموا ما رزقهم الله) ولم يثبت فيه التحريم حقيقة ولا شرعا فإذا قال هذا حرام علي إن فعلت وفعل أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت ثم فعل فهو مخير ان شاء ترك ما حرمه على نفسه وإن شاء كفر، وإن قال هذا الطعام حرام علي فهو كالحالف على تركه، ويروي نحو هذا عن ابن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة واسحاق وأهل العراق وقال سعيد بن جبير فيمن قال الحل علي حرام يمين من الايمان يكفرها، وقال الحسن هي يمين إلا أن ينوي امرأته، وعن ابراهيم مثله، وعنه إن نوى طلاقا وإلا فليس بشئ، وعن الضحاك أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا الحرام يمين، وقال طاوس هو ما نوى، وقال مالك والشافعي ليس بيمين ولا شئ عليه لانه قصد تغيير المشروع فلغا ما قصده كما لو قال هذه ابنتي ولنا قوله الله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) سمى تحريم ما أحل الله يمينا وفرض له تحلة وهو الكفارة. وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت انا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل اني اجد منك ريح مغافير فدخل على أحدانا فقالت له ذلك فقال " لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود " فنزلت (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك؟) متفق عليه فان قيل انما نزلت الآية في تحريم مارية القبطية كذلك قال الحسن وقتادة قلنا ما ذكرناه أصح فانه متفق عليه وقول عائشة صاحبة القصة الحاضرة للتنزيل المشاهدة للحال أولى والحسن وقتادة لو سمعا قول عائشة لم يعدلا به شيئا ولم يصيرا إلى غيره فكيف يصار إلى قولهما ويترك قولها؟

[ 192 ]

وقد روي عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه جعل تحريم الحلال يمينا ولو ثبت ان الآية نزلت في تحريم مارية كان حجة لنا لانها من الحلال الذي حرم وليست زوجة فوجوب الكفارة بتحريمها يقتضي وجوبها بتحريم كل حلال بالقياس عليها لانه حرم الحلال فأوجب الكفارة كتحريم الامة المزوجة وما ذكروه يبطل بتحريمها. إذا ثبت هذا فعليه ان فعله كفارة يمين لقوله عليه السلام " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " متفق عليه ولان النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم العسل أو مارية أنزل الله سبحانه (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) قال الحسن سمي تحريم ما أحل الله يمينا وفرض له تحلة وهي الكفارة ويحتمل أن يحرم تحريما تزيله الكفارة لانه تحريم يوجب الكفارة بالفعل فحرم ما حرمه كالظهار * (مسألة) * (وإن قال هو يهودي أو نصراني أو برئ من الله تعالى أو من القرآن أو الاسلام أو النبي عليه السلام) إن فعل ذلك فقد فعل محرما لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حلف على ملة غير الاسلام كاذبا معتمدا فهو كما قال " متفق عليه، وفي لفظ " من حلف انه برئ من الاسلام فان كان قد كذب فهو كما قال، وإن كان صادقا لم يرجع إلى الاسلام سالما " * (مسألة) * (وعليه كفارة إن فعل في إحدى الروايتين) اختلفت الرواية عن احمد في الحالف بالخروج من الاسلام مثل أن يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعل كذا، وهو برئ من الاسلام أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقول هو يعبد الصليب أو يعبد غير الله إن فعل أو نحو هذا إن فعل فعن احمد عليه الكفارة. إذا حنث يروى هذا عن

[ 193 ]

طاوس والحسن والشعبگ‍ والثوري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن زيد ابن ثابت رضي الله عنه (والثانية) لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي والليث وابي ثور وابن المنذر لانه لم يحلف باسم الله ولا صفته فلم تلزمه كفارة كما لو قال عصيت الله فيما أمرني به ويحتمل أن يحمل كلام احمد في الرواية الاولى على الندب دون الايجاب فانه قال في رواية حنبل إذا قال أكفر بالله أو أشرك بالله فاحب إلي أن يكفر كفارة يمين إذا حنث - ووجه الرواية الأولى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الرجل يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئ من الاسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الاشياء؟ قال " عليه كفارة يمين " أخرجه أبو بكر، ولا البراءة من هذه الاشياء توجب الكفر بالله فكان الحلف بها يمينا كالحلف بالله تعالى. قال شيخنا والرواية الثانية أصح ان شاء الله تعالى فان الوجوب من الشارع ولم يرد في هذه اليمين نص ولا هي في قياس المنصوص فان الكفارة انما وجبت بالحلف باسم الله تعظيما لاسمه واظهارا لشرفه وعظمته ولا تتحقق التسوية * (مسألة) * (وإن قال أنه أستحل الزنا ونحوه فعلى وجهين) وكذلك إن قال انا أستحل ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام فهو كالحلف بالبراءة من الاسلام لان استحلال ذلك يوجب الكفر فيخرج على الروايتين في المسألة قبلها * (مسألة) * (وإن قال عصيت الله أو انا أعصي الله في كل ما أمرني به أو محوت المصحف إن فعلت كذا وحنث فلا كفارة)

[ 194 ]

نص عليه احمد وبه قال عطاء والثوري وابو عبيد وأصحاب الرأي، وقال طاوس والليث عليه الكفارة وبه قال الاوزاعي إذا قال عليه لعنة الله ولنا ان هذا لا يوجب الكفر أشبه ما لو قال محوت المصحف، وإن قال لا يراني الله في موضع كذا إن فعلت وحنث فقال القاضي عليه كفارة، وذكر ان احمد نص عليه والصحيح ان هذا لا كفارة فيه لان إيجابها في هذا ومثله تحكم بغير نص. لا قياس صحيح * (مسألة) * (وإن قال عبد فلان حر لافعلن فليس بشئ وعنه عليه كفارة ان حنث) أما إذا قال عبد فلان حر من غير تعليق لم يلزمه شئ وكذلك إن علقه لان تعليق الشئ بالشرط أثره في أن يصير عند الشرط كالمعلق فإذا كان المعلق لا يوجب شيئا فكذلك المعلق، ولا يعتق العبد إذا حنث بغير خلاف لانه لا يعتق بغير تنجيز العتق فالتعليق أولى وهل تلزمه كفارة؟ فيه روايتان عن احمد ذكرهما ابن ابي موسى (احداهما) عليه كفارة لانه حلف بالعتق فيما لا يقع بالحنث فلزمته كفارة كما لو قال فلله علي ان أعتق فلانا (والثانية) لا كفارة عليه لانه حلف باخراج مال غيره فلم يلزمه شئ كما لو قال مال فلان صدقة إن دخلت الدار ولانه تعليق للعتق على صفة فلم تجب به كفارة كسائر التعليق، أما إذا قال لله علي ان أعتق عبدا فانه نذر فاوجب الكفارة بكون النذر كاليمين وتعليق العتق خلافه (فصل) وإن قال إن فعلت كذا فمال فلان صدقة أو فعلى فلان حجة أو فمال فلان حرام عليه

[ 195 ]

أو هو برئ من الاسلام وأشباه هذا فليس ذلك بيمين ولا تجب به كفارة لا نعلم بين أهل العلم فه خلافا لانه لم يرد الشرع فيه بكفارة ولا هو في معنى ما ورد الشرع به * (مسألة) * (وإن قال أيمان البيعة تلزمني فهي يمين رتبها الحجاج تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال فان كان الحالف يعرفها ونواها انعقد يمينه بما فيها والا فلا شئ عليه، ويحتمل أن لا تنعقد إلا في الطلاق والعتاق) قال أبو عبد الله بن بطة كنت عند ابي القاسم الخرقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة فقال لست أفتي فيها بشئ ولا رأيت أحدا من شيوخنا يفتي في هذه اليمين قال وكان ابي رحمه الله يعني الحسين يهاب الكلام فيها، قال أبو القاسم إلا أن يلتزم الحالف بها بجميع ما فيها من الايمان فقال له السائل عرفها ام لم يعرفها؟ قال نعم وكانت اليمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصافحة فلما ولي الحجاج رتبها ايمانا تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال فمن لم يعرفها لم تنعقد يمينه بشئ مما فيها لان هذا ليس بصريح في القسم والكناية لا تصح إلا بالنية ومن لم يعرف شيئا لم يصح أن ينويه وإن عرفها ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم يصح أيضا لما ذكرناه ومن عرفها ونوى اليمين بما فيها انعقد في الطلاق والعتاق لان اليمين بها تنعقد بالكناية، وما عدا الطلاق والعتاق كاليمين بالله تعالى وصدقة المال فقال القاضي تنعقد يمينه ههنا أيضا لانها يمين فتنعقد بالكناية المنوية كالطلاق والعتاق وكما لو لفظ بكل واحدة وحدها وقال في موضع لا تنعقد اليمين بالله بالكناية، وهو مذهب الشافعي، لان الكفارة إنما وجبت فيها لما ذكر فيها من اسم الله تعالى المعظم المحترم ولا يوجد ذلك في الكناية. * (مسألة) * (وان قال علي نذر أو يمين ان فعلت كذا وفعله فقال أصحابنا عليه كفارة يمين).

[ 196 ]

لما روى ابن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين " قال الترمذي هذا حديث صحيح. * (فصل) * في كفارة اليمين قال الشيخ رحمه الله: والاصل في كفارة اليمين الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون اهيكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) الآية، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " في اخبار سوى هذا، واجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى. * (مسألة) * (وهي تجمع تخييرا وترتيبا فيخير بين ثلاثة أشياء اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة) لما ذكرنا في الآية. وقد سبق شرح العتق والاطعام في كفارة الظهار، كسوة المساكين للرجل ثوب يجزئه ان يصلي فيه وللمرأة درع وخمار ولا خلاف في أن كسوة أحد أصناف الكفارة لنص الله عليها في كتابه بقوله (أو كسوتهم) وتتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه على ما ذكرنا، وهذا قول مالك، وممن قال لا تجزئه السراويل وحدها الاوزاعي وأبو يوسف وقال ابراهيم ثوب جامع، وقال الحسن كل مسكين حلة ازار ورداء، وقال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وأصحاب الرأي يجزئه ثوب ثوب ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة، وروى الحسن قال تجزئ العمامة، وقال سعيد بن المسيب عباءة وعمامة، وفي القلنسوة وجهان، واحتجوا بان ذلك يقع عليه اسم الكسوة فأجزأ كالذي تجوز الصلاة فيه.

[ 197 ]

ولنا أن الكسوة أحد أنواع الكفارة فلم يجز فيه ما يقع عليه الاسم كالاطعام والاعتاق ولان التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة فلم يجز فيه اقل مما ذكرناه كالصلاة ولانه مصروف للمساكين في الكفارة فيقدر كالاطعام، ولان اللابس ما لا يستر عورته يسمى عريانا فلم يجزئه لقول الله تعالى (أو كسوتهم) إذا ثبت هذا فانه إذا كسا امرأة اعطاها درعا وخمارا على ما ذكرنا لانه اقل ما يستر عورتها وتجزئها الصلاة فيه، وان اعطاها ثوبا واسعا يمكنها أن تستر به بدنها ورأسها أجزأه ذلك والرجل يجزئه إذا كساه ثوب أو قميص يمكنه ان يستر به عورته ويجعل على عاتقه منه شيئا أو ثوبين يأتزر باحدهما ويرتدي بالآخر، ولا يجزئه مئزر وحده ولا سراويل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يصلي احدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شئ " ويجوز ان يكسوهم من جميع أصناف الكسوة من القطن والكتان والصوف والشعر والوبر والخز والحرير، لان الله تعالى امر بكسوتهم ولم يعين جنسها فاي جنس كساهم منه خرج عن العهدة لوجود الكسوة المأمور بها، ويجوز ان يكسوهم جديدا ولبيسا إلا أن يكون قد بلي وذهبت منفعته فلا يجوز لانه معيب فهو كالحب المعيب والرقبة إذا ذهبت منفعتها وسواء كان ما أعطاهم مصبوغا أولا أو خاما أو مقصورا لانه تحصل به الكسوة المأمور بها والمنفعة المقصودة بها. (فصل) والذي تجزئ كسوتهم هم المساكين الذين يجزئ اطعامهم، لان الله تعالى قال (فاطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم) فينصرف الضمير إليهم. و * (مسألة) * (فان لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة ان شاء قبل الحنث وان شاء بعده ولا يجوز تقديمها على اليمين). إذا عجز عن العتق والاطعام والكسوة أجزأه صيام ثلاثة أيام للآية وقد ذكرنا صفة العجز

[ 198 ]

في كفارة الظهر في العجز عن الرقبة، ويشترط التتابع في صوم الايام الثلاثة وعنه لا يشترط لان الامر بصومها مطلق فلم يجز بغير دليل والاول ظاهر المذهب لان في قراءة أبي وابن مسعود (فصيام ثلاثة ايام متتابعات) والظاهر انهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون خبرا ولانه صوم في كفارة فلا ينتقل عنه إلا بعد العجز عن العتق فوجب التتابع كصوم المظاهر. * (مسألة) * (وهو مخير في التكفير ان شاء قبل الحنث وان شاء بعده) سواء كان صوما أو غيره فيما سوى الظهار في قول اكثر اهل العلم منهم مالك وممن روي عنه تقديم التكفير على الحنث عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وسلمان الفارسي ومسلمة بن مخلد رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وابن سيرين وربيعة والاوزاعي والثوري وابن المبارك واسحاق وابو عبيد وأبو خيثمة وسليمان بن داود، وقال اصحاب الرأي لا تجزئ الكفارة قبل الحنث لانه تكفير قبل وجود سببه فاشبه ما لو كفر قبل اليمين، ودليل ذلك ان سبب التكفير الحنث وهو هتك الاسم المعظم المحترم ولم يوجد وقال الشافعي كقولك في الاعتاق والاطعام والكسوة وكقولهم في الصيام من أجل انه عبادة بدنية فلم يجز فعله قبل وجوبه لغير مشقة كالصيام. ولنا ما روى عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير " رواه أبو داود وقد روى أبو هريرة وابو الدرداء وعدي بن حاتم رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، رواه الاثرم وعن ابي موسى عن النبي

[ 199 ]

صلى الله عليه وسلم انه قال " اني ان شاء الله لا احلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها لا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذى هو خير وكفرت عن يميني " رواه البخاري ولانه كفر بعد وجود السبب فأجزأ كما لو كفر بعد الجرح وقبل الزهوق والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وقوله سبحانه (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " وكفرت عن يميني فكفر عن يمينك " وتسمية الكفارة كفارة اليمين وبهذا ينفصل عما ذكروه وعلى هذا فالحنث شرط وليس بسبب، ولان تعجيل حق الله تعالى في المال بعد وجود سببه قبل وجود شرطه جائز بدليل تعجيل الزكاة بعد وجوب النصاب وقبل الحول وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق، قال ابن عبد البر العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تعجيل الزكاة من غير ان يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة وأبوا تقديم الكفارة ههنا مع كثرة الرواية الواردة فيها والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها، فاما أصحاب الشافعي فهم محجوجون بالاحاديث مع انهم قد احتجوا بها في البعض وخالفوها في البعض، وفرقوا ما جمع بينه النص ولان الصيام نوع تكفير فجاز قبل الحنث كالتكفير بالمال، وقياس الكفارة على الكفارة أولى من قياسها على الصلاة المفروضة باصل الوضع، أما تقديمها على اليمين فلا يجوز عند أحد من العلماء لانه تقديم للحكم قبل سببه فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب وكفارة القتل قبل الجرح. (فصل) والتكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة، وقال ابن أبي موسى بعده أفضل عند احمد وهو قول مالك والثوري والشافعي لما فيه من الخروج من الخلاف وحصول النفس ببراءة الذمة. ولنا ان الاحاديث الواردة فيه فيها التقديم مرة والتأخير أخرى وهذا دليل التسوية، ولانه

[ 200 ]

تعجيل مال يجوز تعجيله قبل وجوبه فلم يكن التأخير أفضل كتعجيل الزكاة وكفارة القتل وما ذكروه معارض بتعجيل النفع للفقراء والتبرع بما لم يجب عليه، والخلاف المخالف لا يوجب تفضيل المجمع عليه كترك الجمع بين الصلاتين. (فصل) فان كان الحنث في اليمين محظورا فجعل الزكاة قبله ففيه وجهان (احدهما) يجزئه لانه عجل الكفارة قبل سببها فأجزأته كما لو كان الحنث مباحا (والثاني) لا يجزئه لان التعجيل رخصة فلا يستباح بالمعصية كالقصر في سفر المعصية والحديث لم يتناول المعصية فانه قال " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها " ولاصحاب الشافعي في هذا وجهان كما ذكرنا * (مسألة) * (ومن كرر ايمانا قبل التكفير فكفارة واحدة وعنه لكل يمين كفارة) وإذا كرر أيمانا قبل التكفير مثل ان قال والله لاغزون قريشا والله لاغزون قريشا والله لاغزون قريشا فحنث فليس عليه الا كفارة واحدة، وكذلك ان حلف بايمان كقوله والله وعهد الله وميثاقه وقدرته وكلامه وكبريائه على شئ واحد روي نحو هذا عن ابن عمر وبه قال الحسن وعروة واسحاق، وروي أيضا عن عطاء وعكرمة والنخعي وحماد والاوزاعي، وقال أبو عبيد فيمن قال علي عهد الله وميثاقه وكفالته ثم حنث فعليه ثلاث كفارات، وقال اصحاب الرأي عليه لكل يمين كفارة الا ان ينوي التأكيد أو التفهيم ونحوه عن الثوري وأبي ثور، وعن أحمد مثل ذلك وعن الشافعي قولان كالمذهبين، وعن عمرو بن دينار إن كان في مجلس واحد كقولنا وإن كان في مجالس كقولهم، واحتجوا بأن أسباب الكفارات تكررت فتكرر في الكفارات كالقتل لآدمي أو صيد حربي ولان اليمين الثانية مثل الاولى فتقتضي ما تقتضيه ولنا أنه حنث واحد أوجب جنسا واحدا من الكفارات فلم يجب به أكثر من كفارة كما

[ 201 ]

لو قصد التأكيد، قولهم انها اسباب تكررت ممنوع فان السبب الحنث وهو واحد سلمنا فينتقض بما إذا كرر الوطئ في رمضان في أيام وبالحدود إذا تكررت أسبابها، ولا يصح القياس على الصيد الحرمي لان الكفارة بدل ولذلك تزداد بكبر الصيد وتقدر بقدرة فهي كدية القتل ولا على كفارة قتل الآدمي لانها اجريت مجرى البدل أيضا لحق الله تعالى لانه لما اتلف آدميا عابدا لله تعالى ناسب ان يوجد عبدا يقوم مقامه في العبادة فلما عجز عن الايجاد لزمه اعتاق رقبة لان العتق ايجاد للعبد بتخليصه من رق العبودية وشغلها إلى فراغ البال للعبادة بالحريه التي حصلت بالاعتاق ثم الفرق ظاهر لان السبب ههنا تكرر بكماله وشروطه وفي محل النزاع لم يوجد ذلك لان الحنث، اما ان يكون هو السبب أو جزءا منه أو شرطا له بدليل توقف الحكم على وجوده وأياما كان فلم يتكرر فلم يجز وإن صح القياس فقياس كفارة اليمين على مثلها اولى من قياسها على القتل لبعد ما بينهما * (مسألة) * (والظاهر فيما إذا كرر الايمان انها ان كانت على فعل واحد فكفارة واحدة وان كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفارة) ولانها إذا كانت على فعل واحد كان سببها واحدا فالظاهر أنه اراد التوكيد لذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم " والله لاغزون قريشا " قالها ثلاثا وإن كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفاره وهو ظاهر كلام الخرقي ورواه المروذي عن أحمد وهو قول أكثر اهل العلم وقال أبو بكر تجزئه كفارة واحدة رواها ابن منصور عن احمد قال القاضي هي الصحيحة وقال أبو بكر ما نقله المروذي عن أحمد قول لابي عبد الله، ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئه وهو قول اسحاق لانها كفارات من

[ 202 ]

جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس واحد وان اختلفت محالها بان سرق من جماعة أو زنى بنساء ولنا أنهن ايمان لا يحنث في احداهن بالحنث في الاخرى فلم تكفر احداهما بكفارة الاخرى كما لو كفر عن احداهما قبل الحنث في الاخرى وكالايمان المختلفة الكفارة وبهذا فارق الايمان على شئ واحد فانه متى حنث في احداهما كان حانثا في الاخرى فلما كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة وههنا تعذر الحنث فتعذرت الكفارات، وفارق الحدود فانها وجبت للزجر وتندرئ بالشبهات بخلاف مسئلتنا ولان الحدود عقوبة بدنية والموالاة بينها ربما افضى إلى التلف فاجتزئ باحداها وههنا اخراج مال يسير أو صيام ثلاثة أيام فلا يلزم الضرر الكبير بالموالاة فيه ولا يخشى منه التلف (فصل) إذا حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة فقال والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست فحنث في الجميع فكفارة واحدة لا نعلم فيه خلافا لان اليمين واحدة والحنث واحد فانه يحنث بفعل واحد من المحلوف عليه وتنحل يمينه، وإن حلف أيمانا على أجناس فقال والله لا أكلت والله لا شربت والله لا لبست فحنث في واحدة منها فعليه كفارة، فان أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى لا نعلم في هذا خلافا لان الحنث في الثاني تجب به الكفارة بعد ان كفر عن الاولى فاشبه ما لو وطئ في رمضان فكفر ثم وطئ مرة أخرى فان حنث في الجميع قبل التكفير ففيه روايتان ذكرناهما في المسألة قبل هذا الفصل * (مسألة) * (وان كانت الايمان مختلفة الكفارة كالظهار واليمين بالله فلكل يمين كفارتها مثل ان يحلف بالله تعالى وبالظهار وبعتق عبده فإذا وجبت فعليه كفارة يمين وكفارة ظهار ويعتق العبد)

[ 203 ]

لان تداخل الاحكام انما يكون مع اتحاد الجنس كالحدود من جنس فأما الكفارات فمن أجناس وأسبابها مختلفة فلم تتداخل كحد الزنا والسرقة والقذف والشرب * (مسألة) * (وكفارة العبد الصيام وليس لسيده منعه منه ومن بعضه حر فحكمه في الكفارة حكم الاحرار) لا خلاف في ان العبد يجزئه الصيام في الكفارة ولان ذلك فرض المعسر من الاحرار وهو أحسن حالا من العبد فانه لم يملك في الجملة ولان العبد داخل في قول الله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) (فصل) فان أذن السيد لعبده في التكفير بالمال لم يلزمه لانه ليس يملك لما أذن له فيه وهل يجزئه باذن السيد؟ فيه روايتان [ احداهما ] لا يجزئه وهو ظاهر كلام الخرقي ولا يجزئه الا الصيام [ والثانية ] يجزئه لان المنع لحق السيد وقد اذن اشبه ما لو اذن له ان يتصدق بالمال وقد ذكرنا ذلك في الظهار والاختلاف فيه، وذكر القاضي ان أصل هذين عنده الروايتان في ملك العبد بالتمليك فان قلنا يملك بالتمليك فملكه سيده وأذن له بالتكفير بالمال جاز لانه مالك لما يكفر به وإن قلنا لا يملك بالتمليك ففرضه الصيام لانه لا يملك شيئا يكفره، وكذلك ان قلنا انه يملك ولم يأذن له سيده في التكفير بالمال ففرضه الصيام وإن ملك لانه محجور عليه ممنوع من التصرف فيما في يديه قال أصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقا سواء قلنا يملك أو لا يملك ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال له ان يطعم،

[ 204 ]

وهل له أن يعتق؟ على روايتين [ احداهما ] ليس له ذلك لان العتق يقتضي الولاء والولاية والارث وليس ذلك للعبد وهذا رواية عن مالك وبه قال الشافعي على القول الذي يجيز له التكفير بالمال أو الثانية له التكفير بالعتق لان من صح تكفيره بالمال صح تكفيره بالعتق كالحرية ولانه يملك العبد فصح تكفيره باعتاقه كالحر، وقولهم ان العتق يقتضي الولاء والولاية ممنوع إذا عتق في الكفارة على ما أسلفناه وإن سلمنا فتخلف بعض الاحكام لا يمنع ثبوت المقتضي فان الحكم يتخلف لتخلف سببه لا لتخلف أحكامه كما أنه يثبت لوجود سببه، ولان تخلف بعض الاحكام مع وجود المقتضي انما يكون لمانع ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها وهذا السبب المقتضي لهذه الاحكام ولا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق على أن الولاء يثبت اعتاق العبد لكن لا يرث به كما لو اختلف ديناهما وهذا اختيار أبي بكر ويفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه ففيه قولان [ احدهما ] يجزئه لانه رقبة تجزئ عن غيره فأجزأت عنه كغيره [ والآخر ] لا يجزئه لان الاذن له في الاعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره وهذا التعليل يدل على أن سيده إذا أذن له في اعتاق نفسه عن كفارته جاز ومتى اطلق الاذن في الاعتاق فليس له أن يعتق إلا أقل قبة تجزئ عن الواجب وليس له اعتاق نفسه إذا كان مما يجزئ وهذا من ابي بكر يقتضي أن لا يعتبر في التكفير أن يملكه سيده ما يكفر به لانه لا يملك نفسه بل متى أذن له في التكفير بالاطعام أو الاعتاق اجزأه لانه لو اعتبر التمليك لما صح له أن يعتق نفسه لانه لا يملكها ولان التمليك لا يكون إلا في معين فلا يصح ان يأذن فيه مطلقا

[ 205 ]

(فصل) إذا أعتق العبد عبدا عن كفارته باذن سيده وقلنا ان الاعتاق في الكفارة يثبت به الولاء، لمعتقه ثبت ولاؤه للعبد الذي اعتقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الولاء لمن أعتق " ويرث به لانه ليس من أهل الميراث وانتفاء الارث لا يمنع ثبوت الولاء كما لو اختلف ديناهما أو قتل المعتق عتيقه فانه لا يرثه مع ثبوت الولاية عليه فان عتق المعتق ورث بالولاء لزوال المانع كما إذا كانا مختلفي الدين فأسلم الكافر منها ذكر هذا طلحة العاقولي، ومقتضى هذا ان سيد العبد لا يرث عتيقه في حياة عبده كما لا يرث ولد عبده وان أعتق عبده ثم مات ورث السيد مولى عبده لانه مولى مولاه كما انه لو أعتق العبد وله ولد عليه الولاء لمولى امه يجر ولاءه ويرثه سيده إذا مات أبوه * (مسألة) * (وليس للسيد منع عبده من التكفير بالصيام سواء كان الحنث والحلف باذنه أو بغير اذنه وسواء أضربه الصيام أو لم يضربه) وقال الشافعي ان حنث بغير اذنه والصوم يضربه فله منعه لان السيد لم يأذن له فيما ألزم نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد فكان له منعه وتحليله كما لو احرم بالحج بغير اذنه ولنا انه صوم واجب لحق الله تعالى فلم يكن لسيده منعه كصيام رمضان وقضائه، ويفارق الحج لان ضرره كثير لطول مدته وغيبته عن سيده وتفويت خدمته ولهذا ملك تحليل زوجته منه ولم يملك منعها صوم الكفارة، فأما صوم التطوع فان كان فيه ضرر عليه فللسيد منعه منه لانه يفوت حقه وليس بواجب عليه وان كان لا يضر به لم يكن لسيده منعه منه لانه يعبد ربه بما لا مضرة فيه فأشبه ذكر الله تعالى وصلاة النافلة في غير وقت خدمته، وللزوج منع زوجته منه في كل حال لانه يفوت حقه من الاستمتاع ويمنعه منه

[ 206 ]

(فصل) ومن نصفه حر فحكمه في الكفارة حكم الاحرار، متى ملك لجزئه الحر ما يكفر به لم يجز له الصيام وله التكفير بأحد الامور الثلاثة وظاهر كلام الشافعي ان له التكفير بالاطعام والكسوة دون الاعتاق لانه لا يثبت له الولاء ومنهم من قال لا يجزئه الا الصيام لانه منقوص بالرق اشبه القن ولنا قول الله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) وهذا واجد ولانه يملك ملكا تاما فأشبه الحر الكامل ولا نسلم أنه لا يثبت له الولاء ثم ان امتناع بعض احكامه لا يمنع صحته كعتق المسلم رقيقة الكافر [ فصل ] والكفارة في حق الحر والعبد والمسلم والكافر سواء لان الله تعالى ذكر الكفارة بلفظ عام في جميع المخاطبين فدخل الكل في عمومه الا ان الكافر لا يصح منه التكفير بالصيام لانه عبادة وليس هو من أهلها ولا بالاعتاق لان من شرطه الايمان في الرقبة ولا يجوز لكافر شراء مسلم الا ان يتفق اسلامه في يديه أو يرث مسلما فيعتقه فيصح اعتاقه وان لم يتفق ذلك فتكفيره بالاطعام أو الكسوة فإذا كفر ثم أسلم لم تلزمه اعادة التكفير وإن أسلم قبل التكفير كفر بما يجب عليه في تلك الحال من اعتاق أو اطعام أو كسوة أو صيام ويحتمل على قول الخرقي انه لا يجزئه الصيام لانه انما يكفر بما وجب عليه حين الحنث ولم يكن الصيام مما وجب عليه [ فصل ] إذا حلف رجل بالله لا يفعل شيئا فقال له آخر يميني في يمينك لم يلزمه شئ لان يمين

[ 207 ]

الاول ليست ظرفا ليمين الثاني، وان نوى انه يلزمني من اليمين ما يلزمك لم يلزمه حكمها قاله القاضي وهو مذهب الشافعي لان اليمين بالله لا تنعقد بالكناية لان تعليق الكفارة بها لحرمة اللفظ باسم الله المحترم أو صفة من صفاته ولا يوجد ذلك بالكناية. فأما ان حلف بطلاق فقال آخر يميني في يمينك ينوي أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك انعقدت يمينه نص عليه أحمد وسئل عن رجل حلف بالطلاق لا يكلم رجلا فقال رجل وانا على مثل يمينك فقال عليه مثل الذي حلف لان الكناية تدخل في الطلاق، وكذلك يمين العتق وان لم ينو شيئا لم تنعقد يمينه لان الكناية لا تقبل بغير نية وليس قوله هذا بصريح وان كان المقول له لم يحلف بعد وانما أراد انه يلزم الاخر يمينا يحلف بها فحلف المقول لم تنعقد يمين القائل وان كان في الطلاق والعتاق لانه لابد ان يكون هناك ما يكنى عنه وليس ههنا ما يكنى عنه (فصل) وإذا قال حلفت ولم يكن حلف فقال أحمد هي كذبة وليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لانه أقر على نفسه والاول المذهب لانه حكم فيما بينه وبين الله فان كذب في الخبر به لم يلزمه حكمه كما لو قال ما صليت وقد صلى، ولو قال علي يمين فهي كالتي قبلها وان نوى القسم فقال أبو الخطاب هي يمين وهو قول أصحاب الرأي وقال الشافعي ليس بيمين لانه لم يأت باسم الله المعظم ولا صفته فلم يكن يمينا كما لو قال حلفت وهذا أصح ان شاء الله تعالى فان هذه ليست صيغة اليمين والقسم وانما هي صيغة الخبر فلا يكون بها حالفا وان قدر ثبوت حكمها لزمه أقل ما تناوله الاسم وهو يمين ما وليست كل يمين موجبة للكفاره فلا يلزمه شئ، ووجه الاول انه كناية عن اليمين وقد نوى بها اليمين فتكون يمينا كالصريح [ فصل ] وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه أمر بابرار المقسم أو القسم رواه البخاري وهذا والله

[ 208 ]

أعلم على سبيل الندب لا سبيل الايجاب بدليل ان أبا بكر رضي الله عنه قال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقسم يا أبا بكر " ولم يخبره ويحتمل ان يجب ابراره إذا لم يكن فيه ضرر ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من ابرار أبي بكر لما علم من الضرر فيه، وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى فحسن فانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " قال العباس أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في يده فقال " ابررت قسم عمي ولا هجرة " فأجابه إلى صورة المبايعة دون ما قصد بيمينه [ فصل ] وتستحب اجابة من حلف بالله لما روى ابن عمر قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فاعطوه ومن استجار بالله فاجيروه ومن أتى اليكم معروفا فكافئوه فان لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا ان قد كافأتموه " وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله: أما الذين يحبهم الله فرجل سأل قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فتخلف رجل باعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته الا الله عزوجل والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو كتابي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فاقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم " رواهما النسائي

[ 209 ]

* (باب جامع الايمان) * * (مسألة) * (ويرجع في الايمان إلى النية فان لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها) الايمان مبنية على نية الحالف فإذا نوى بيمينه ما يحتمله انصرفت يمينه إليه سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا له، فالموافق للظاهر ان ينوي باللفظ موضوعه الاصلي مثل ان ينوي باللفظ العام العموم وبالمطلق الاطلاق وبسائر الالفاظ ما يتبادر إلى الافهام منها. والحالف يتنوع أنواعا (احدها) ان ينوي بالعام الخاص مثل ان يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة يريد لحما بعينه وفاكهة بعينها (ومنها) ان يحلف على فعل شئ أو تركه مطلقا وينوي فعله أو تركه في وقت بعينه مثل أن يحلف لا يتغدى ويريد اليوم أولا أكلت يعني الساعة (ومنها) ان ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع منه كما ذكرنا في المعاريض في مسألة إذا تأول في يمينه فله تأويله (ومنها) أن يريد بالخاص العام مثل أن يحلف لا شربت لفلان الماء من العطش يعني قطع كل ماله فيه منة أو لا يأوي مع امرأته في دار يريد حفاءها بترك اجتماعه بها في جميع الدور أو حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع منتها به فتعلق يمينه بالانتفاع به أو بثمنه منها مما لها فيه منة عليه وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه لان الحنث مخالفة ما وقعت عليه اليمين واليمين لفظة فلو أحنثناه على ما سواه لاحنثناه على ما نوى لا على ما حلف ولان النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها ولنا انه نوى بكلامه ما يحتمل ويسوغ في اللغة التعبير عنه فتنصرف يمينه إليه كالمعاريض،

[ 210 ]

وبيان احتمال اللفظ له انه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام قال الله تعالى (ما يملكون من قطمير - ولا يظلمون فتيلا - وإذا لا يؤتون الناس نقيرا) والقطمير لفافة النواة والفتيل ما في شقها والنقير النقرة التي في ظهرها ولم يرد ذلك بعينه بل نفى كل شئ، وقال الحطيئة يهيج بني العجلان: * ولا يظلمون الناس حبة خردل * ولم يرد الحبة بعينها انما أراد لا يظلمونهم شيئا وقد يذكر العام ويراد به الخاص كقوله تعالى (الذين قال لهم الناس) أراد رجلا واحدا (ان الناس قد جمعوا لكم) يعني أبا سفيان وقال (تدمر كل شئ بأمر ربها) ولم تدمر السماء والارض ولا مساكنهم، وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه إذا نواه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وانما لامرئ ما نوى " ولان كلام الشارع يحمل على مراده به إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره. قولهم ان الحنث مخالفة ما عقد اليمين عليه قلنا وهذا كذلك فان اليمين انما انعقدت على ما نواه ولفظه مصروف إليه وليست هذه نية مجردة بل لفظ منوي به ما يحتمله (فصل) ومن شرائط انصراف اللفظ إلى ما نواه احتمال اللفظ له فان نوى ما لا يحتمله اللفظ مثل أن يحلف لا يأكل خبزا يعنى به لا يدخل بيتا فان يمينه لا تنصرف إلى المنوي لانها نية مجردة لا يحتملها اللفظ فأشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين * (مسألة) * [ فان لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها ] إذا عدمت البينة نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالتها على النية فإذا حلف ليقضينه حقه غدا فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد أن لا يتجاوزه أو كان السبب لا يقتضيه وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد

[ 211 ]

وأبو ثور وقال الشافعي يحنث إذا قضاه قبله لانه يترك ما حلف عليه مختارف فحنث كما لو قضاه بعده ولنا ان مقضتى اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد فإذا قضاه قبله فقد قضي قبل خروج الغد وزاده خيرا ولان مبنى الايمان على هذا ونية هذا بيمينه تعجيل القضاء قبل خروجه فتعلقت يمينه بهذا المعنى كما لو صرح به، فان لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين فان كان يقتضي التعجيل فهو كما لو نواه لان السبب يدل على النية، وان لم ينو ذلك ولا كان السبب يقتضيه فظاهر كلام الخرقي انه لا يبر إلا بقضائه قبله وقال القاضي يبر على كل حال لان اليمين للحنث على الفعل فمتى عجله فقد أتى بالمقصود فيه فيبر كما لو نوى ذلك، والاول أصح ان شاء الله تعالى لانه ترك فعل ما تناولته يمينه لفظا ولم تصرفها عنه نية ولا سبب فحنث كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجبا ويحتمل أن ما قاله القاضي في القضاء خاصة لان عرف هذه اليمين في القضاء التعجيل فتنصرف اليمين المطلقة إليه. [ فصل ] فأما غير قضاء الحق كأكل شئ أو شربه أو بيع شئ أو شرائه أو ضرب عبده أو نحوه فمتى عين وقتا ولم ينو ما يقتضي تعجيله ولا كان سبب يمينه يقتضيه لم يبر إلا بفعله في وقته، وذكر القاضي انه يبر بتعجيله عن وقته وحكي ذلك عن بعض أصحاب أبي حنيفة. ولنا انه لم يفعل المحلوف عليه في وقته من غير نية تصرف يمينه ولا سبب فيحنث كالصيام، ولو فعل بعض المحلوف عليه قبل وقته وبعضه في وقته لم يبر لان اليمين في الاثبات لا يبر فيها إلا بفعل جميع المحلوف عليه، فترك بعضه في وقته كترك جميعه إلا أن ينوي أن لا يجاوز ذلك الوقت أو يقتضي ذلك سببها.

[ 212 ]

* (مسألة) * (وان حلف أن لا يبيع ثوبه الا بمائة فباعه بأكثر لم يحنث ان باعه بأقل حنث) لان قصده أن لا يبيعه بأقل منها فحنث إذا باعه بالاقل ولا يحنث إذا باعه بأكثر لان قرينة الحال تدل على ذلك والعرف فهو كما لو حلف ليقضينه حقه غذا فقضاه اليوم، ومقتضى مذهب الشافعي انه يحنث إذا باعه بأكثر لمخالفته اللفظ * (مسألة) * (ومن حلف لا يبيع ثوبه بعشره فباعه بها أو بأقل حنث وان باعه بأكثر لم يحنث) وقال الشافعي لا يحنث إذا باعه بأقل لانه لم تتناوله يمينه ولنا ان العرف في هذا أن لا يبيعه بها ولا بأقل منها بدليل انه لو وكل في بيعه انسانا وأمره أن لا يبيعه بعشرة لم يكن له بيعه بأقل منها، وإن هذا تنبيه على امتناعه من بيعه بما دون العشرة والحكم يثبت بالتنبيه كثبوته باللفظ، وان حلف لا أشتريه بعشرة فاشتراه بأقل لم يحنث وان اشتراه بها أو باكثر منها حنث لما ذكرنا، ومقتضى مذهب الشافعي أن لا يحنث إذا اشتراه بأكثر منها لان يمينه لم تتناوله لفظا ولنا انها تناولته عرفا وتنبيها فكان حانثا كما لو حلف أن ماله علي حبة فانه يحنث إذا كان عليه أكثر منها، قيل لاحمد رجل حلف لا ينقص هذا الثوب من كذا قال قد أخذته ولكن هب لي كذا؟ قال هذا حيلة، قيل له فان قال البائع أبيعك بكذا وأهب لفلان شيئا آخر؟ قال هذا كله ليس بشئ وكرهه. * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل دارا ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره)

[ 213 ]

لان قصده يتعلق باليوم فاختص الحنث بالدخول فيه دون غيره * (مسألة) * (وان دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إذا قصده لما ذكرنا) * (مسألة) * (وان حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع منته حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه المنة) لان ذلك للتنبيه على ما هو أعلى منه كقول الله تعالى (ولا يظلمون فتيلا) يريد لا يظلمون شيئا وقال الشاعر: * ولا يظلمون الناس حبة خردل * * (مسألة) * (وان حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يقصد قطع منتها فباعه واشترى بثمنه ثوبا فلبسه حنث وكذلك ان انتفع بثمنه) هذه المسألة أصل فرع قد تقدم ذكره في أول الباب وهو ان الاسباب معتبرة في الايمان بتعدى الحكم بتعديها فإذا امتن عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه لتنقطع المنة به حنث بالانتفاع به في غير اللبس لانه نوع انتفاع به تلحق المنة به، فان لم يقصد قطع المنة ولا كان سبب يمينه يقتضي ذلك لم يحنث الا بما تناولته يمينه وهو لبسه خاصة، فلو أبدله بثوب غيره ثم لبسه أو باعه وأخذ ثمنه لم يحنث لعدم تناول اليمين له لفظا ونية وسببا (فصل) فان فعل شيئا لها فيه منة عليه سوى الانتفاع بالثوب وبعوضه مثل ان سكن دارها أو أكل طعاما أو لبس ثوبها لها غير الثوب المحلوف عليه لم يحنث لان المحلوف عليه الثوب فتعلقت يمينه به أو بما حصل به فلم يتعد إلى غيره لاختصاص اليمين والسبب به

[ 214 ]

(فصل) وان امتنت امرأته عليه بثوب فحلف ان لا يلبسه قطعا لمنتها فاشتراه غيرها ثم كساه إياه أو اشتراه الحالف ولبسه على وجه لا منة لها فيه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لمخالفته يمينه لفظا ولان لفظ الشارع إذا كان أعم من السبب وجب الاخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذا في اليمين ولانه لو خاصمته امرأة له فقال نسائي طوالق طلقن كلهن وان كان سبب الطلاق واحدة كذا ههنا (والثاني) لا يحنث لان السبب اقتضى تقييد لفظه بما وجد فيه السبب فصار كالمنوي أو كما لو خصصه بقرينة لفظية: * (مسألة) * (فان حلف لا يأوي معها في دار يرد جفاءها ولم يكن للدار سبب يهيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث) وهذه المسألة أيضا من فروع اعتبار النية وذلك أنه متى قصد جفاءها بترك الاوي معها ولم يكن للدار أثر في يمينه كان ذكر الدار كعدمه وكأنه حلف لا يأوي معها فإذا أوى معها في غيرها حنث لمخالفته ما حلف على تركه وصار هذا بمنزلة سؤال الاعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعت أهلي نهار رمضان فقال " اعتق رقبة " لما كان ذكره أهله لا أثر له في ايجاب الكفارة حذفناه من السبب وصار السبب الوقاع سواء كان للاهل أو لغيره، وان كان للدار أثر في يمينه مثل ان يكره سكناها أو خوصم من أجلها أو امتن عليه بها لم يحنث إذا أوى معها في غيرها لانه قصد بيمينه الجفاء في الدار بعينها فلم يخالف ما حلف عليه

[ 215 ]

وان عدم السبب والنية لم يحنث إلا بفعل ما تناوله لفظه وهو الاوي معها في تلك الدار بعينها لانه لم يجب اتباع لفظه إذا لم يكن سبب ولا نية تصرف اللفظ عن مقتضاه أو تقتضي زيادة عليه ومعنى الاوي الدخول فمن حلف لا يأوي معها فدخل معها الدار حنث قليلا كان لبثهما أو كثيرا قال الله تعالى مخبرا عن فتى موسى (إذ اوينا إلى الصخرة) قال أحمدكم كان ذلك إلا ساعة أو ما شاء الله يقال اويت انا واويت غيري قال الله تعالى (إذ أوى الفتية إلى الكهف) وقال تعالى (وآويناهما إلى ربوة) (فصل) وان برها بهدية أو غيرها أو اجتمع معها فيما ليس بدار ولا بيت لم يحنث سواء كان للدار سبب في يمينه أو لم يكن لانه قصد جفاءها بهذا النوع فلم يحنث بغيره فان حلف ان لا يأوي معها في دار لسبب فزال السبب الموجب ليمينه مثل ان كان السبب امتنانها بها عليه فملك الدار أو صارت لغيرها فأوى معها فيها فهل يحنث؟ على وجهين مضى ذكرهما وتعليلهما (فصل) وان حلف لا يدخل عليها بيتا فدخل عليها فيما ليس ببيت فحكمه حكم المسألة التي قبلها ان قصد جفاءها ولم يكن للبيت سبب هيج يمينه حنث والا فلا وان دخل على جماعة هي فيهم يقصد الدخول عليها معهم حنث وكذلك ان لم يقصد شيئا، وان استثناها بقلبه ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث كما لو حلف ان لا يسلم عليها فسلم على جماعة هي فيهم يقصد بقلبه السلام على غيرها فانه لا يحنث (والثاني) يحنث لان الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالقصد وقد وجد في حق الكل على السواء وهي منهم فحنث به كما لو لم يقصد استثناءها، وفارق السلام فانه قول يصح تخصيصه بالقصد ولهذا يصح ان يقال السلام عليكم الا فلانا ولان السلام قول يتناول ما يتناوله الضمير في عليكم

[ 216 ]

والضمير عام يصح ان يراد به الخاص فصح ان يراد به من سواها والفعل لا يتأتى فيه هذا وان دخل بيتا لم يعلم أنها فيه فوجدها فيه فهو كالدخول عليها ناسيا ففيه روياتان فان قلنا لا يحنث بذلك فخرج حين علم بها لم يحنث وكذلك ان حلف لا يدخل عليها فدخلت هي عليه فخرج في الحال لم يحنث وان اقام معها فهل يحنث؟ على وجهين بناء على من حلف لا يدخل دارا هو فيه فاستدام المقام فهل يحنث؟ على وجهين * (مسألة) * (وان حلف لعامل لا يخرج الا بأذنه فعزل أو على زوجته فطلقها أو على عبده فاعتقه ونحوه يريد ما دام كذلك انحلت يمينه وان لم تكن له نية انحلت يمينه أيضا) ذكره الخرقي لان الحال تصرف اليمين إليه وذكر في موضع آخر ان السبب إذا كان يقتضي التعميم عممناها به وان اقتضى الخصوص مثل من نذر لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال أحمد النذر يوفي به، قال شيخنا والاول اولى لان السبب يدل على النية فصار كالمنوي سواء، وان حلف لا رأيت منكرا الا رفعته إلى فلان القاضي فعزل انحلت يمينه ان نوى مادام قاضيا وان لم ينو احتمل وجهين وقد ذكرنا في أول الباب ان النية إذا عدمت نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالته على النية فإذا حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار وكان سبب يمينه غيظا من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها اختصت يمينه بها، وان كان لغيظ لحقه من المرأة يقتضي جفاءها لا أثر للدار فيه تعلق باويه معها في كل دار، ومثله إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها ان كان سببه المنة عليه منها فكيفما انتفع به أو بثمنه حنث، وان كان سبب يمينه خشونة غزلها أو رداءته لم تتعد يمينه لبسه وقد دللنا على تعلق اليمين بما نواه والسبب دليل على النية فيتعلق اليمين به وقد ثبت ان كلام الشارع إذا

[ 217 ]

كان خاصا في شئ لسبب عام تعدى إلى ما وجد فيه السبب لنصه على تحريم التفاضل في أعيان ستة ثبت الحكم في كل ما وجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي مثله، فاما ان كان اللفظ عاما والسبب خاصا مثل من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى أو حلف ان لا يقعد فان كانت له نية فيمينه على ما نوى وان لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين (إحداهما) ان اليمين محمولة على العموم لان أحمد سئل عن رجل نذر لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال النذر يوفى به يعني لا يدخله. ووجه ذلك ان لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب خاص وجب الاخذ بعوم اللفظ لا بخصوص السبب كذلك يمين الحالف وذكر القاضي فيمن حلف على زوجته أو عبده ان لا يخرج الا بأذنه فعتق العبد وطلقت المرأة وخرجا بغير أذنه لا يحنث لان قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وانما يملك منع الزوجة أو العبد مع ولايته عليهما فكأنه قال ما دمتما في ملكي، ولان السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم ولو نوى الخصوص لاختصت يمينه به فكذلك إذا وجد ما يدل عليها. ولو حلف لعامل لا يخرج الا باذنه فعزل أو حلف لا يرى منكرا الا رفعه إلى فلان القاضي فعزل ففيه وجهان بناء على ما تقدم (أحدهما) لا تنحل اليمين بعزله قال القاضي هذا قياس المذهب لان اليمين إذا تعلقت بيمين موصوفة تعلقت بالعين وان تغيرت الصفة وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي (والوجه الآخر) تنحل اليمين بعزله وهو مذهب أبي حنيفة لانه لا يقال رفعه إليه الا في حال ولايته. فعلى هذا ان رأى المنكر في ولايته فامكنه رفعه فلم يرفعه إليه حتى عزل لم يبر برفعه إليه في حال العزل وهل يحنث بعزله؟ فيه وجهان

[ 218 ]

(أحدها) يحنث لانه قد فات رفعه إليه فاشبه ما لو مات (والثاني) لا يحنث لانه لم يتحقق فواته لاحتمال ان يلي فيرفعه إليه بخلاف ما لو مات فانه يحنث لانه قد تحقق فواته، وإن مات قبل إمكان رفعه إليه حنث أيضا لانه قد فات فاشبه ما لو حلف ليضر بن عبده في غد فمات العبد اليوم ويحتمل ان لا يحنث لانه لم يتمكن من فعل المحلوف عليه فاشبه المكره، وان قلنا لا تنحل يمينه فعزل فرفعه إليه بعد عزله بر بذلك (فصل) وان اختلف السبب والنية مثل ان امتنت عليه امرأته بغزلها فحلف ان لا يلبس ثوبا من غزلها ينوي اجتناب اللبس خاصة دون الانتفاع بثمنه وغيره قدمت النية على السبب وجها واحدا لان النية وافقت مقتضى اللفظ وان نوى بيمينه ثوبا واحدا فكذلك في ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي يقدم السبب لان اللفظ، ظاهر في العموم والسبب يؤكد ذلك الظاهر ويقويه لان السبب هو الامتنان وظاهر حاله قصد قطع المنة فلا يلتفت إلى نيته المخالفة للظاهرين والاول أصح لان السبب انما اعتبر لدلالته على القصد فإذا خالف حقيقة القصد لم يعتبر فكان وجوده كعدمه فلم يبق الا اللفظ بعمومه والنية تخصه على ما بيناه فيما مضى * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (فان عدم ذلك رجع إلى التعيين - يعني إذا عدمت النية والسبب رجع إلى التعيين - فإذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاء أو حماما أو مسجدا أو باعها فلان، أو لالبست هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا أو امرأة فلان أو صديقة فلان أو غلامه سعدا فطلقت الزوجة وزالت الصداقة وعتق العبد فكلمهم، أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشا أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمرا أو دبسا أو خلا أو لا اكلت هذا اللبن فتغير أو عمل منه شئ فأكله حنث في ذلك كله ويحتمل أن لا يحنث)

[ 219 ]

وجملة ذلك أنه إذا حلف على شئ عينه بالاشارة مثل أن حلف لا يأكل هذا الرطب لم يخل من حالين (أحدهما) أن يأكله رطبا فيحنث بلا خلاف بين الجميع لكون فعل ما حلف على تركه صريحا (الثاني) أن تتغير صفته فذلك خمسة أقسام (أحدها) أن تستحيل أجزاؤه ويتغير اسمه مثل ان حلف لا أكلت هذه البيضة فصارت فرخا أو لا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعا فأكله فلا يحنث لانه زال اسمه واستحالت أجزاؤه وعلى قياسه لا شربت هذا الخمر فصار خلا وشربه (القسم الثاني) وتغيرت صفته وزال اسمه مع بقاء أجزائه مثل ان حلف لا أكلت هذا الرطب فصار تمرا، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا، أو لا أكلت هذا الحمل فصار كبشا، أو لا دخلت هذه الدار فدخلها بعد تغيرها (1) وقاله أبو يوسف في الحنطة إذا صارت دقيقا وللشافعي في الرطب إذا صار تمرا والصبي إذا صار شيخا والحمل إذا صار كبشا وجهان وقالوا في سائر الصور لا يحنث لان اسم المحلوف عليه وصورته زالت فلم يحنث كما لو حلف لا يأكل هذه البيضة فصارت فرخا ولنا ان عين المحلوف عليه باقية فحنث كما لو حلف لا أكلت هذا الحمل فأكل لحمه أو لا لبست هذا الغزل فصار ثوبا ولبسه أو لا لبست هذا الرداء فلبسه بعد أن صار قميصا أو سراويل، وفارق البيضة إذا صارت فرخا لان أجزاءها استحالب فصارت عينا أخرى ولم تبق عينها ولانه لا اعتبار بالاسم مع التعيين كما لو حلف لا كلمت زيدا هذا فغير اسمه أو لا كلمت صاحب الطيلسان


(1) سقط من الاصل هنا كلام كثير يراجع في المغني

[ 220 ]

فكلمه بعد بيعه ولانه متى اجتمع التعيين مع غيره فما يعرف به كان الحكم للتعيين كما لو اجتمع مع الاضافة (القسم الثالث) تبدلت الاضافة مثل ان حلف لا كلمت زوجة زيد هذه ولا عبده هذا ولا دخلت داره هذه فعلق الزوجة وباع العبد والدار فكلمهما ودخل حنث وبه قال مالك والشافعي ومحمد وزفر، وقال أبو حنيفة وابو يوسف لا يحنث الا في الزوجة لان الدار لا توالى ولا تعادى وانما الامتناع لاجل مالكها فتعلقت اليمين بها مع بقاء ملكه عليه وكذلك العبد في الغالب ولنا أنه إذا اجتمع في اليمين التعيين والاضافة كان الحكم للتعيين كما لو قال والله لا كلمت زوجة فلان ولا صديقه. وما ذكروه لا يصح في العبد لانه يوالى ويعادي ويلزمه في الدار إذا أطلق ولم يذكر مالكها فانه يحنث بدخولها بعد بيع مالكها اياها (القسم الرابع) إذا تغيرت صفته بما يزيل اسمه ثم عادت كمقص انكسر ثم أعيد وقلم كسر ثم بري وسفينة نقضت ثم أعيدت فانه يحنث لان أجزاءها واسمها موجودان فأشبه ما لو لم يتغير (القسم الخامس) إذا تغيرت صفته بما لا يزيل اسمه كلحم شوي وعبد بيع ورجل مرض فانه يحنث به بلا خلاف نعلمه لان الاسم الذي علق عليه اليمين لم يزل، ولا زال التغيير فحنث به كما لو لم يتغير حاله (فصل) وان قال والله لا كلمت سعدا زوج هند أو سيد صبيح أو صديق عمرو أو مالك هذا الدار أو صاحب الطيلسان، أو لا كلمت هندا امرأة سعد أو صبيحا عبده أو عمرا صديقه ف‍؟ لق الزوجة وباع العبد والدار والطيلسان وعادى عمرا وكلمهم حنث لانه متى اجتمع الاسم والاضافة غلب الاسم بجريانه مجرى التعيين في تعريف المحل (فصل) ولو حلف لا يلبس هذا الثوب وكان رداء في حال حلفه فارتدى به أو اتزر أو اعتم به

[ 221 ]

أو جعله قميصا أو سراويل أو قباء فلبسه حنث، وكذلك ان كان قميصا فارتدى به أو سراويل فاتزر بها وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي لانه قد لبسه، وان قال في يمينه لا لبسته وهو رداء فغيره عن كونه رداء ولبسه لم يحنث لان اليمين وقعت على ترك لبسه رداء، وكذلك ان نوى بيمينه في شئ من هذه الاشياء مادام على تلك الصفة والاضافة وما لم يتغير في هذه المسائل المذكورة في هذا الفصل والذي قبله لقوله عليه السلام " وانما لا مرئ ما نوى) * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (فان عدم ذلك رجعنا إلى ما يتناوله الاسم. والاسماء تنقسم ثلاثة أقسام شرعية وحقيقية وعرفية) وجملة ذلك أن الاسماء تنقسم على ستة أقسام (أحدها) ماله مسمى واحد كالرجل والمرأة والانسان والحيوان فهذا تنصرف اليمين إلى مسماه بيغر خلاف (والثاني) ماله موضوع شرعي وموضوع لغوي كالوضوء والصلاة والطهارة والزكاة والصوم والحج والعمرة والبيع فهذا ينصرف اليمين عند الاطلاق إلى الموضوع الشرعي دون اللغوي لا نعلم أيضا فيه خلافا إلا ما ذكره فيما يأتي إن شاء الله (الثالث) ماله موضوع حقيقي ومجاز لم يستعمل أكثر من الحقيقة كالاسد والبحر فيمين الحالف ينصرف عند الاطلاق إلى الحقيقة دون المجاز لان كلام الشارع إذا ورد مثل هذا حمل على حقيقته دون مجازه كذلك اليمين (الرابع) الاسماء العرفية، وهي ما يشتهر مجازه حتى تصير الحقيقة مغمورة فيه فهذا على ضروب (أحدها) ما يغلب على الحقيقة بحيث لا يعلمها أكثر الناس كالرواية وهي في العرف اسم للمزادة

[ 222 ]

وفي الحقيقة اسم لما يستقى عليه من الحيوانات، والظعينة في العرف المرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها، والعذرة والغائط في العرف الفضلة المستقذرة، وفي الحقيقة العذرة فناء الدار ولذلك قال علي رضي الله عنه لقوم ما لكم لا تنظفون عذراتكم؟ يريد أفنيتكم، والغائط المطمئن من الارض. فهذا وأشباهه يصرف يمين الحالف إلى المجاز دون الحقيقة لانه الذي يريده بيمينه ويفهم من كلامه فأشبه الحقيقة في غيره (الضرب الثاني) أن يخص عرف الاستعمال بعض الحقيقة بالاسم الموضوع ويتنوع أنواعا نذكرها إن شاء الله في المسائل كادابة والريحان وغير ذلك * (فصل) * في الاسماء الشرعية، إذا حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا أو لا ينكح فنكح نكاحا فاسدا لم يحنث إلا أن يضيف اليمين إلى شئ لا تتصور فيه الصحة مثل أن يحلف أن لا يبيع الحر أو الخمر فيحنث بصورة البيع إذا حلف أن لا يبيع ولا ينكح انصرف إلى الصحيح دون الفاسد وبهذا قال الشافعي، وقال ابو حنيفة إذا قال لعبده ان زوجتك أو بعتك فأنت حر فزوجه تزويجا فاسدا لم يعتق، وان باعه بيعا فاسدا يملك به حنث لان البيع ينصرف إلى الصحيح بدليل قول الله تعالى (وأحل الله البيع) وأكثر ألفاظه في البيع انما تنصرف إلى الصحيح فلا يحنث بما دونه كما في النكاح وكالصلاة وغيرهما وما ذكروه من ثبوت الملك به ممنوع، وقال ابن أبي موسى لا يحنث بالنكاح الفاسد وهل يحنث بالبيع الفاسد؟ على

[ 223 ]

روايتين، وقال أبو الخطاب ان نكحها نكاحا مختلفا فيه مثل أن يتزوجها بلا ولي ولا شهود أو باع في وقت النداء فعلى وجهين، وقال ابن أبي موسى ان تزوجها زواجا مختلفا فيه أو ملك ملكا مختلفا فيه حنث فيهما جميعا ولنا أنه نكاح فاسد وبيع فاسد فلم يحنث بهما كالمتفق على فسادهما (فصل) والماضي والمستقبل سواء في هذا وقال محمد بن الحسن إذا حلف ما تزوجت ولا صليت ولا بعت وكان قد فعله فاسدا حنث لان الماضي لا يقصد منه الا الاسم والاسم يتناوله، والمستقبل بخلافه فانه يراد بالنكاح والبيع الملك وبالصلاة القربة ولنا أن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي وكغير المسمى وما ذكره لا يصح لان الاسم لا يتناول الا الشرعي ولا يحصل (فصل) فان حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار حنث، وقال أبو حنيفة لا يحنث لان الملك لا يثبت في مدة الخيار فأشبه البيع الفاسد ولنا أنه بيع صحيح شرعي فيحنث به كالبيع اللازم وما ذكره ممنوع فان بيع الخيار يثبت الملك به بعد انقضاء الخيار بالاتفاق وهو سبب له فكذلك قبله (فصل) وإن حلف لا يبيع أو لا يزوج فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المتزوج والمشتري لم يحنث وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول فلم يقع الاسم على الايجاب بدونه فلم يحنث به

[ 224 ]

(فصل) وإن أضاف اليمين في البيع والنكاح إلى ما تتصور فيه الصحة كالخمر والخنزير والحر حنث كصورة البيع لانه يتعذر حمل يمينه على عقد صحيح فتعين محملا له ويحتمل أن لا يحنث لانه ليس ببيع في الشرع * (مسألة) * (وذكر الفاضي فيمن قال لامرأته ان سرقت مني شيئا ويعينه فأنت طالق ففعلت لم تطلق) لان البيع الشرعي لم يوجد (1) والاول أولى لان صورة البيع وجدت (فصل) وإن حلف لا يتزوج حنث بمجرد الايجاب والقبول الصحيح لا نعلم فيه خلافا لان ذلك يحصل به المسمى الشرعي فتناولته يمينه، وإن حلف ليتزوجن بر بذلك سواء كانت له امرأة أو لم تكن وسواء تزوج نظيرتها أو أعلى منها الا ان يحتال على حل يمينه بتزوج لا يحصل المقصود مثل ان يواطئ امرأته على نكاح لا يغيظها به فلا يبر وبهذا قال أصحابنا إذا حلف ليتزوجن على امرأته لا يبر حتى يتزوج نظيرتها ويدخل بها وهو قول مالك لانه قصد غيظ زوجته ولا يحصل الا بذلك ولنا أنه تزوج تزويجا صحيحا فبر به كما لو تزوج نظيرتها والدخول غير مسلم فان الغيظ يحصل بمجرد الخطبة وان حصل بما ذكروه زيادة في الغيظ فلا يلزمه الزيادة على الغيظ الذي يحصل بما تناولته يمينه كما أنه لا يلزمه نكاح اثنين ولا ثلاثة ولا أعلى من نظيرتها والذي تناولته يمينه مجرد التزويج ولذلك لو حلف لا يتزوج على امرأة حنث بهذا فكذلك يحصل البر به لان المسمى واحد فما تناوله النفي تناوله في الاثبات وانما لا يبر إذا زوج تزويجا لا يحصل به الغيظ كما ذكرناه من الصورة ونظائرها لان مبنى الايمان على المقاصد والنيات ولم يحصل مقصوده ولان التزويج يحصل ههنا حيلة على التخلص من

[ 225 ]

يمينه بما لا يحصل مقصودها فلم تقبل منه حيلته وقد نص أحمد على هذا فقال إذا حلف ليتزوجن على امرأته فتزوج بعجوز أو زنجية لا يبر لانه أراد ان يغيظها ويغيرها ويغمها وبهذا لا تغار ولا تغتم فعلله أحمد بما يغيظ به الزوجة ولان الغيظ لا يتوقف على ذلك، ولو قدر ان تزوج العجوز يغيظها والزنجية لبر به وانما ذكره أحمد لان الغالب أنه لا يغيظها لانها تعلم انه انما فعل ذلك حيلة لئلا يغيظها ويبر به (فصل) وإن حلف لا تسريت فوطئ جاريته حنث ذكره أبو الخطاب وقال القاضي لا يحنث حتى يطأ فينزل فحلا كان أو خصيا وقال أبو حنيفة لا يحنث حتى يحصنها ويحجبها عن الناس لان التسري مأخوذ من السر وهو الوطئ لانه يكون في السر قال الله تعالى (ولكن لا تواعدوهن سرا) وقال الشاعر: فلن تطلبوا سرها للغنى * ولن تسلموها لازهادها وقال الآخر لقد زعمت بسباسة القوم أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ولان ذلك حكم تعلق بالوطئ فلم يعتبر فيه الانزال ولا التحصن كسائر الاحكام * (مسألة) * (إذا حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوما) هذا إذا لم يسم عددا ولم ينوه وأقل ذلك صوم يوم لا خلاف فيه لانه ليس في الشرع صوم مفردا أقل من يوم فلزمه لانه اليقين

[ 226 ]

* (مسألة) * (وإن حلف لا يصلي لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة) وفيه روايتان (احداهما) يجزئه ركعة نقلها اسماعيل بن سعيد لان أقل الصلاه ركعة فان الوتر صلاة مشروعة وهي ركعة واحدة وروي عن عمر رضي الله عنه انه تطوع بركعة واحدة (والثانية) لا يجزئه إلا ركعتان وبه قال أبو حنيفة لان اقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان فوجب حمل اليمين عليه وقد قيل انما يجب ركعتان في النذر لانه واجب، أما الوتر فهو نفل ولان الركعة لا تجزئ في الفرض فلا تجزئ في النفل قياسا عليه وكالسجدة وللشافعي قولان كالروايتين وقال القاضي ان حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ من أقل ما يقع عليه اسم الصلاة على ما ذكرنا وإن حلف لا يصلي حنث بالتكبير وهذا اشبه ما إذا قال لزوجته ان حضت حيضة فأنت طالق فانها لا تطلق حتى تحيض ثم تطهر، ولو قال ان حضت طلقت بأول الحيض لانه إذا شرع في الصلاة يسمى مصليا. قال شيخنا: يحتمل أن يخرج على هذا الروايتين فيمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه (فصل) وإن حلف لا يهب زيدا شيئا ولا يوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث إذا حلف لا يهب زيدا شيئا أو لا يعيره فأوجب ذلك ولم يقبل زيد حنث ذكره القاضي وهو قول أبي حنيفة وابن شريح لان الهبة والعارية لا عوض فيهما فكان مسماهما الايجاب والقبول شرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيجب بمجرد الايجاب فيه كالوصية وقال الشافعي لا يحنث بمجرد الايجاب لانه عقد لا يتم الا بالقبول فلم يجب بمجرد الايجاب كالنكاح والبيع، فأما الهدية والوصية والصدقة

[ 227 ]

فتجب بمجرد الايجاب وذكره أبو الخطاب قال شيخنا ولا أعلم قولا للشافعي الا ان الظاهر انه لا يخالف في الوصية والهدية لان الاسم يقع عليها بدون القبول ولهذا لما قال الله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) إنما اراد الايجاب دون القبول ولان الوصية تصح قبل موت الموصي ولا قبول لها حينئذ * (مسألة) * (وإن حلف لا يتصدق عليه فوهبه لم يحنث لان التصدق نوع من الهبة ولا يحنث الحالف على نوع آخر ولا يثبت للجنس حكم النوع ولهذا حرمت الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحرم الهبة ولا الهدية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تصدق به على بريرة " هو عليها صدقة ولنا هدية " وان حلف لا يهبه شيئا فأسقط عنه دينا لم يحنث الا ان ينوي لان الهبة تمليك عين وليس له الا دين في ذمته * (مسألة) * (وان حلف لا يهبه فتصدق عليه حنث وكذلك ان اهدى له أو أعمره) لان ذلك من أنواع الهبة وان أعطاه من الصدقة الواجبة يحنث لان ذلك حق لله تعالى عليه يجب اخراجه فليس هو هبة منه فان تصدق عليه تطوعا حنث قال القاضي هو مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب لا يحنث وهو قول اصحاب الرأي لانهما يختلفان اسما وحكما بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " هو عليها صدقة ولنا هدية " وكانت الصدقة محرمة عليه والهدية حلال له ويقبل الهدية

[ 228 ]

ولا يقبل الصدقة ومع هذا الاختلاف لا يحنث في احدهما بفعل الآخر، ووجه الاول انه تبرع بعين في الحياة فحنث به كالهدية ولان الصدقة تسمى هبة فلو تصدق بدرهم قيل وهب درهما وتبرع بدرهم واختلاف التسمية لكون الصدقة نوعا من الهبة فتخص باسم دونها كاختصاص الهدية والعمرى باسمين ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة وكذلك اختلاف الاحكام فانه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس كما يثبت للآدمي من الاحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان * (مسألة) * (وان أعاره لم يحنث الا عند ابي الخطاب) لان العارية هبة المنفعة وقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي وهو الصحيح لان الهبة تمليك الاعيان وليس في العارية تمليك عين ولان المستعير لا يملك المنفعة وانما يستحقها ولهذا يملك المعير الرجوع ولا يملك المستعير اجارتها * (مسألة) * [ وان وقف عليه حنث قاله أبو الخطاب ] لانه تبرع له بعين في الحياة، ويحتمل ان لا يحنث لان الوقف لا يملك في رواية ولانه لا يطلق عليه اسم الهبة * (مسألة) * (وان وصى له لم يحنث) لان الهبة تمليك في الحياة والوصية انما تملك بالقبول بعد الموت. * (مسألة) * (وان باعه وحاباه حنث في أحد الوجهين).

[ 229 ]

لانه ترك له بعض المبيع بغير عوض أو هبة بعض الثمن، والوجه الآخر أنه لا يحنث وهو أولى لانها معاوضة يملك الشفيع أخذ جميع المبيع ولو كان هبة أو بعضه لم يملك أخذه كله وان أضافه لم يحنث لانه لا يملكه شيئا وانما اباحه الاكل ولهذا لا يملك التصرف بغيره. * (فصل) * قال رحمه الله (القسم الثاني الاسماء الحقيقية، فإذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الالية أو الدماغ أو القانصة لم يحنث) وجملة ذلك ان الحالف على أكل اللحم لا يحنث باكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ وهو الذي في العظام والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يحنث بأكل هذا كله لانه لحم حقيقة ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ. ولنا أنه لا يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء لحم فاشترى هذا لم يكن ممتثلا لامره ولا ينفذ الشراء للموكل فلم يحنث باكله كالبغل، وقد دل على أن الكبد والطحال ليسا لحما قول النبي صلى الله عليه وسلم " أحلت لنا ميتتان ودمان أما الدمان فالكبد والطحال " ولا نسلم أنه لحم حقيقة بل هو من الحيوان كالعظم والدم فأما ان قصد اجتناب الدسم حنث بأكل الشحم، لان له دسما وكذلك المخ وكل ما فيه دسم ولا يحنث بأكل الالية، قال بعض أصحاب الشافعي يحنث لانها نابتة في اللحم وتشبهه في الصلابه ولا يصح ذلك لانها لا تسمى لحما ولا يقصد منها ما يقصد منه وتخالفه

[ 230 ]

في اللون والذوب والطعم فلم يحنث بأكلها كشحم البطن فأما الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم فلا يحنث في أكله في ظاهر كلام الخرقي فانه قال اللحم لا يخلو من الشحم يشير إلى ما يخالط اللحم مما تذيبه النار وهذا كذلك وهو قول طلحة العاقولي وممن قال هذا شحم أبو يوسف ومحمد، وقال القاضي هو لحم يحنث باكله من حلف لا يأكل شحما وهو مذهب الشافعي لانه لا يسمى شحما ولا بائعه شحاما ولا يفرد عن اللحم مع الشحم ويسمى بائعه لحاما ويسمى لحما سمينا ولو وكل في شراء لحم فاشتراه الوكيل لزمه ولو اشتراه الوكيل في شراء الشحم لم يلزمه. ولنا قول الله تعالى (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) ولانه يشبه اللحم في صفته وذوبه ويسمى دهنا فكان شحما كالذي في البطن ولا نسلم أنه لا يسمى شحما ولا انه يسمى بمفرده لحما وانما يسمى اللحم الذي هو عليه لحما سمينا ولا يسمى بائعه شحاما لانه لا يباع بمفرده وإنما يباع تبعا للحم وهو تابع له في الوجود والبيع فلذلك سمي بائعه لحاما ولم يسم شحاما لانه سمي بما هو الاصل دون التبع. * (مسألة) * (وان أكل المرق لم يحنث). وقد قال أحمد لا يعجبني قال أبو الخطاب هذا على سبيل الورع وقال ابن موسى والقاضي يحنث لان المرق لا يخلو من اجزاء اللحم الذائبة فيه، وقد قيل المرق أحد اللحمين. ولنا انه ليس بلحم حقيقة ولا يطلق عليه اسم اللحم فلا يحنث به كالكبد ولا نسلم ان اجزاء اللحم

[ 231 ]

فيه وانما فيه ماء اللحم ودهنه وليس ذلك بلحم وأما المثل فانما اريد به المجاز كما في نظائره من قولهم الدعاء أحد الصدقتين وقلة العيال أحد اليسارين وهذا دليل على أنها ليست بلحم لانه جعلها غير اللحم الحقيقي. (فصل) فان أكل رأسا أو كراعا لا يحنث إلا أن ينوي لا يشتري من الشاة شيئا، قال القاضي لان اطلاق اسم اللحم لا يتناول الرؤوس والكوارع، ولو وكله في شراء لحم فاشترى رأسا أو كارعا لم يلزمه ويسمى بائع ذلك رواسا ولا يسمى لحاما، وقال أبو الخطاب يحنث بأكل لحم الخد لانه لحم حقيقة وحكي عن ابن أبي موسى انه لا يحنث حتى ينويه باليمين، وان أكل اللسان احتمل وجهين [ أحدهما ] يحنث لانه لحم حقيقة [ والثاني ] لا يحنث لانه منفرد عن اللحم باسمه وصفته فأشبه القلب. * (مسألة) * [ وان حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث ]. ظاهر هذا أن الشحم كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان وهو ظاهر كلام الخرقي وظاهر الآية والعرف يشهد لذلك، وهو ظاهر قول ابي الخطاب وطلحة العاقولي، وهو قول ابي يوسف ومحمد ابن الحسن، وقال القاضي الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره وان اكل من كل شئ من الشاة من لحمها الاحمر والابيض والالية والكبد والطحال والقلب فقال شيخنا يعني

[ 232 ]

ابن حامد لا يحنث لان اسم الشحم لا يقع عليه وهو قول ابي حنيفة والشافعي وقد سبق الكلام في ان شحم الظهر والجنب شحم فيحنث به، فأما ان أكل اللحم الاحمر وحده ولم يظهر فيه شئ من الشحم فقال الخرقي يحنث لانا قد ذكرنا ان الشحم كل ما يذوب بالنار ولا يكاد اللحم يخلو من شئ منه وان قل فيحنث به ولانه يظهر في الطبخ فيبين على وجه المرق وان قل وهذا يفارق من حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه فان هذا يظهر الدهن فيه، وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث وهو الصحيح لانه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذى كان فيه. (فصل) ويحنث بالاكل من الالية في ظاهر كلام الخرقي وموافقيه لانها دهن تذوب بالنار وتباع مع الشحم ولا تباع مع اللحم، وعلى قول القاضي وموافقيه ليست شحما ولا لحما فلا يحنث به الحالف على تركهما. (فصل) إذا حلف لا يأكل لحما حنث باكل اللحم المحرم كالميتة والخنزير والمغصوب وبه قال ابو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه لا يحنث باكل اللحم المحرم باصله لان يمينه تنصرف إلى ما يحل دون ما يحرم فلا يحنث بما لا يحل كما لو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا. ولنا ان هذا لحم حقيقة وعرفا فحنث به كالمغصوب وقد سماه الله تعالى لحما فقال (ولحم الخنزير)

[ 233 ]

وما ذكروه يبطل بما إذا حلف لا يلبس ثوبا فلبس ثوب حرير، واما البيع الفاسد فلا يحنث به لانه ليس ببيع في الحقيقة. * (مسألة) * (وان حلف لا يأكل لبنا فأكل زبدا أو سمنا أو كشكا أو بصلا أو جبنا لم يحنث وان حلف على الزبد والسمن فأكل لبنا لم يحنث) إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل من لبن الانعام أو الصيد أو لبن آدمية حنث لان الاسم يتناوله حقيقة وعرفا وسواء كان حليبا أو رائبا أو مائعا أو مجمدا لان الجميع لبن. ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والبصل والاقط والكشك، وان أكل زبدا فكذلك نص عليه وقال القاضي يحتمل ان يقال في الزبد ان ظهر فيه لبن حنث بأكله والا فلا كما لو حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن وهذا مذهب الشافعي، وان حلف لا يأكل زبدا فأكل سمنا أو لبنا لم يظهر فيه الزبد لم يحنث وان كان الزبد فيه ظاهرا حنث وان أكل لبنا لم يحنث وكذلك سائر ما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث وان أكل السمن منفردا أو في عصيدة أو حلواء أو طبيخ يظهر فيه طعمه حنث وكذلك إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل طبيخا فيه لبن أو لا يأكل خلا فأكل طبيخا فيه خل يظهر فيه طعمه حنث وبهذا قال

[ 234 ]

الشافعي وقال بعض أصحابنا لا يحنث لانه لم يفرده بالاكل ولا يصح لانه أكل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث كما لو أكله وأكل غيره * (مسألة) * (وان حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كالجوز واللوز والتمر والرمان حنث وان أكل البطيخ حنث ويحتمل ان لا يحنث) إذا حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل ما يسمى فاكهة وذلك كل ثمرة تخرج من الشجر يتفكه بها من العنب والرطب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ والمشمش والاترج والتوت والنبق واللوز والجميز وبهذا قال الشافعي وأبويوسث ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو ثور لا يحنث باكل ثمرة النخل والرمان لقول الله تعالى (فيهما فاكهة ونخل ورمان) والمعطوف يغاير المعطوف عليه ولنا انها ثمرة شجرة يتفكه بها فكانا من الفاكهة كسائر الاثمار ولانهما فاكهة في عرف الناس ويسمى بائعهما فاكهانيا وموضع بيعهما دار الفاكهة والاصل في العرف الحقيقة والعطف لتشريفها وتخصيصهما كقوله تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) وهما من الملائكة، فأما يابس هذه الفواكه كالزبيب والتمر والتين والمشمش اليابس والاجاص ونحوها فهو من الفاكهة لانه ثمر شجرة يتفكه به ويحتمل انه ليس منها لانه يدخر ومنه ما يقتات فأشبه الحبوب، والزيتون ليس بفاكهة لانه لا يتفكه بأكله وانما المقصود منه الادم لا التفكه والبطم في معناه لان

[ 235 ]

المقصود زيته ويحتمل انه فاكهة لانه ثمر شجرة يؤكل غضا ويابسا على جهته اشبه التوت، والبلوط ليس بفاكهة لانه لا يتفكه به وانما يؤكل عند المجاعة أو للتداوي وكذلك سائر ثم الشجر البري الذي لا يستطاب كالزعرور الاحمر وثمر القيقب والعفص وحب الآس ونحوه ان كان فيها ما يستطاب كحب الصنوبر والبندق فهو فاكهة لانه ثمر شجرة يتفكه به وفي البطيخ وجهان (احدهما) هو من الفاكهة ذكره القاضي وهو قول الشافعي وأبي ثور لانه ينضج ويحلو اشبه ثمر الشجر (والثاني) لا يحنث بأكله لانه ثمر بقلة اشبه الخيار * (مسألة) * [ ولا يحنث بأكل القثاء والخيار ونحوه والقرع والباذنجان ] لانه من الخضر وليس من الفاكهة وكذلك ما يكون في الارض كالجزر واللفت والفجل والقلقاس والسوطل ونحوه، ليس شئ من ذلك فاكهة لانه لا يسمى بها ولا هو في معناها * (مسألة) * [ وان حلف لا يأكل رطبا فأكل مذنبا حنث ] وهو الذي بدأ فيه الارطاب من ذنبه وباقيه بسر أو منصفا وهو الذي بعضه بسر وبعضه رطب أو حلف لا يأكل بسرا فأكل ذلك حنث وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد والشافعي وقال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي لا يحنث لانه لا يسمى رطبا ولا تمرا

[ 236 ]

ولنا انه أكل رطبا وبسرا فحنث كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردين وما ذكروه لا يصح فان القدر الذي ارطب رطب والباقي بسر ولو انه حلف لا يأكل البسر فأكل البسر الذي في المنصف حنث وان أكل البسر من يمينه على الرطب وأكل الرطب من يمينه على البسر لم يحنث واحد منهما وان حلف واحد ليأكلن رطبا وآخر ليأكلن بسرا فأكل الحالف على أكل الرطب ما في المنصف من الرطب وأكل الآخر باقيها برا جميعا وان حلف ليأكلن رطبة أو بسرة أو لا يأكل ذلك فأكل منصفا لم يبر ولم يحنث لانه ليس فيه رطبة ولا بسرة * (مسألة) * (وان أكل تمرا أو بسرا لم يحنث) لانه ليس برطب [ فصل ] وان حلف لا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث لانه لم يتناوله الاسم وكذلك لو أكل بسرا أو بلحا وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا [ فصل ] فان حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو دبسا أو خلا أو ناطفا أو لا يكلم شابا فكلم شيخا أو لا يشترى جديا فاشترى تيسا أو لا يضرب عبدا فضرب عتيقا لم يحنث بغير خلاف لان اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها فأما ان عين المحلوف عليه ففيه خلاف ذكرناه فيما مضى * (مسألة) * [ وان حلف لا يأكل ادما حنث باكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يصطبغ به وفي التمر وجهان ]

[ 237 ]

إذا حلف على ترك الادم حنث بأكل ما جرت العادة بأكل الخبز به لان هذا معنى التأدم وسواء في هذا ما يصطبغ به كالطبيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن قال الله تعالى (وصبغ للآكلين) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " نعم الادام الخل - وقال - ائتدموا بالزيت وادهنوا به فانه من شجرة مباركة " رواه ابن ماجه - أو من الجامدات كالشواء والجبن والباقلا والزيتون والبيض وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما لا يصطبغ به فليس بأدم لان كل واحد منهما يرفع إلى الفم مفردا ولنا ما روي عن البني صلى الله عليه وسلم انه قال " سيد الادام اللحم - وقال - سيد أدمكم الملح " رواه ابن ماجه ولانه يؤكل به الخبز عادة فكان ادما كالذي يصطبغ به ولان كثير مما ذكرنا لا يؤكل في العادة وحده انما يعد للتأدم به فكان ادما كالخل واللبن وقولهم انه يرفع إلى الفم مفردا عنه جوابان (احدهما) ان منه ما يرفع مع الخبز كالملح ونحوه (والثاني) انهما يجتمعان في الفم والمضغ والبلع الذى هو حقيقة الاكل فلا يضر افتراقهما قبله وأما التمر ففيه وجهان (احدهما) انه أدم لما روى يوسف عن عبد الله بن سلام قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة وقال " هذا إدام هذه " رواه أبو داود وذكره الامام احمد (والثاني) ليس بأدم لانه

[ 238 ]

لا يؤتدم به عادة وانما يؤكل قوتا وحلاوة ولانه فاكهة فأشبه الزبيب [ فصل ] إذا حلف لا يأكل طعاما حنث بأكل كل ما يسمى طعاما من قوت وأدم وحلواء وجامع ومائع قال الله تعالى (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه - وقال تعالى - ويطعمون الطعام على حبه) يعني على محبة الطعام وحاجتهم إليه وقيل على حب الله تعالى وقال تعالى (قل لاجد فيما أوحي الي محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) وسمى النبي صلى الله عليه وسلم اللبن طعاما فقال " انما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم " وفي الماء وجهان (أحدهما) هو طعام لقوله تعالى (ومن لم يطعمه فانه مني) والطعام ما يطعم ولان النبي صلى الله عليه وسلم سمى اللبن طعاما وهو مشروب فكذلك الماء. [ والثاني ] ليس بطعام لانه لا يسمى طعاما ولا يفهم من اطلاقه اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب الا اللبن " رواه ابن ماجه ويقال باب الاطعمة والاشربة ولانه إن كان طعاما في الحقيقة فليس بطعام في العرف فلا يحنث بشربه لان مبنى الايمان على العرف لكون الحالف في الغالب لا يريد بلفظه إلا ما يعرفه، فان أكل دواء ففيه وجهان:

[ 239 ]

(احدهما) يحنث لانه يطعم حال الاختيار وهو مذهب الشافعي (والثاني) لا يحنث لانه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام ولا يوكل الا عند الضرورة، فان اكل من نبات الارض ما جرت العادة باكله حنث وان أكل ما لم تجر به عادة كورق الشجر ونشارة الخشب والتراب احتمل وجهين (احدهما) يحنث لانه قد اكله فأشبه ما جرت العادة باكله ولانه روي عن عتبة بن غزوان انه قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى قرحت أشداقنا (والثاني) لا يحنث لانه لا يتناوله اسم الطعام في العرف (فصل) وان حلف لا يأكل قوتا فأكل خبزا أو تمرا أو تينا أو لحما أو لبنا حنث لان كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان، ويحتمل ان لا يحنث الا بما يقتاته أهل بلده لان يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف عندهم وفي بلدهم ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين وان اكل سويقا أو استف دقيقا حنث لانه يقتات كذلك، ولهذا قال بعض اللصوص لا تخبزا خبزا وبسابسا * ولا تطيلا بمقام حبسا وان اكل حبا يقتات خبزه حنث ولذلك روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت عياله سنة وانما يريد الحب، ويحتمل ان لا يحنث لانه لا يقتات كذلك وان أكل عنبا أو حصرما أو خلا لم يحنث لانه لم يصر قوتا. * (مسألة) * (وان حلف لا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا أو جوشنا أو خفا أو نعلا حنث) وكذلك ان لبس عمامة أو قلنسوة)

[ 240 ]

وقال أصحاب الشافعي في الخف والنعل وجهان (احدهما) لا يحنث ولنا انه ملبوس حقيقة وعرفا فحنث كالثياب وفي الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه النجاشي خفين فلبسهما. وقيل لابن عمر: إنك تلبس هذه النعال فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسهما. فان ترك القلنسوة في رجله أو ادخل يده في الخف أو النعل لم يحنث لان ذلك ليس بلبسه لهما * (مسألة) * (وان حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث وان لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين) إذا حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة حنث فان لبس خاتما من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده حنث وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لانه ليس بحلي وحده ولنا قول الله تعالى (وتستخرجون منه حلية تلبسونها) وقال تعالى [ يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ] وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر انه قال: قال الله تعالى للبحر الشرقي إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولان الفضة حلي إذا كانت سوارا أو خلخالا فكانت حليا إذا كانت خاتما كالذهب والجوهر، واللؤلؤ حلي مع غيره فكان حليا وحده كالذهب وان لبس عقيقا أو سبجا لم يحنث

[ 241 ]

وقال الشافعي إن كان من اهل السواد حنث وفي غيرهم وجهان لان هذا حلي في عرفهم (ولنا) ان هذا ليس بحلي فلا يحنث به كالودع وخرز الزجاج وما ذكروه ويبطل بالودع، وان لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين (أحدهما) لا يحنث لانه ليس بحلي إذا لم يلبسه فكذلك إذا لبسه [ والثاني ] يحنث لانه ذهب وفضة لبسه فكان حليا كالسوار والخاتم وان لبس سيفا محلى لم يحنث لان السيف ليس بحلي، وان لبس منطقة محلاة ففيه وجهان [ أحدهما ] لا يحنث لان الحلية لها دونه فاشبهت السيف المحلى [ والثاني ] يحنث لانها من حلي الرجال ولا يقصد بلبسها محلاة في الغالب إلا التجمل بها، وان حلف لا يلبس خاتما فلبسه في غير الخنصر من أصابعه حنث وقال الشافعي لا يحنث لان اليمين تقتضي لبسا معتادا وليس هذا معتادا فأشبه ما لو أدخل القلنسوة في رجله ولنا انه لابس لما حلف على ترك لبسه فاشبه ما لو اتزر بالسراويل. وأما إدخال القلنسوة في رجله فهو عبث وسفه بخلاف هذا فانه لا فرق بين الخنصر وغيرها الا من حيث الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر

[ 242 ]

* (مسألة) * (وان حلف لا يركب دابة فلان ولا يلبس ثوبه ولا يدخل داره فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره أو فعل ذلك فيما استأجره فلان حنث وان ركب دابة استعارها لم يحنث) إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار مملوكة له أو دارا يسكنها باجرة أو عارية أو غصب حنث وبذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث الا بدخول دار يملكها لان الاضافة في الحقيقة إلى المالك بدليل أنه لو قال هذه الدار لفلان كان مقرا له بملكها ولو قال انه يسكنها لم يقبل ولنا أن الدار تضاف إلى ساكنها كاضافتها إلى مالكها قال الله تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن) وأراد بيوت أزواجهن اللائي يسكنها وقال تعالى (وقرن في بيوتكن) ولان الاضافة للاختصاص ولذلك يضاف الرجل إلى أخيه بالاخوة والى امه بالبنوة والى والده بالابوة والى امرأته بالزوجية وساكن الدار مختص بها فكانت إضافتها إليه صحيحة وهي مستعملة في العرف فوجب ان يحنث بدخولها كالمملوكة له، وقولهم هذه الاضافة مجاز ممنوع بل هي حقيقة لما ذكرناه ولو كانت مجازا لكنه مشهور فيتناوله اللفظ كما لو حلف لا شربت من رواية فلان فانه يحنث بالشرب من مزادته. أما الاقرار فانه لو قال هذه دار زيد وفسر إقراره بسكناها احتمل ان لا يقبل تفسيره، وان سلمنا

[ 243 ]

فان قرينة الاقرار تصرفه إلى الملك وكذلك لو حلف لا دخلت مسكن زيد حنث بدخوله الدار التي يسكنها، ولو قال هذا المسكن لزيد كان مقرا له به ولا خلاف في هذه المسألة وهي نظيرة مسئلتنا [ فصل ] وان ركب دابة عبده أو لبس ثوبه أو دخل داره حنث لان ما في يد العبد لسيده فهو كالذي في يده، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان دار العبد ملك للسيد فان حلف لا يلبس ثوب السيد ولا يركب دابته فلبس ثوب عبده وركب دابته حنث وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لان العبد بهما أخص ولنا أنهما مملوكان للسيد فتناولتهما يمين الحالف كالدار وما ذكروه يبطل بالدار * (مسألة) * (وان حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استعارها لم يحنث وان ركب دابة استأجرها حنث) لانه ملك منافعها بخلاف المستعير وهكذا ذكره أبو الخطاب ولو ركب دابة غصبها فلان لم يحنث، وفارق مسألة الدار فانه لم يحنث في الدار لكونه استعارها ولا غصبها وانما حنث لسكناه فيها فاضيفت الدار إليه لذلك ولو غصبها أو استعارها من غير ان يسكنها لم تصح إضافتها إليه فلا يحنث الحالف فيكون كمستعير الدابة وغاصبها * (مسألة) * (وان حلف لا يركب دابه عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث)

[ 244 ]

وكذلك ان حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يلبس ثوبه وعند الشافعي لا يحنث لانه لا يملك شيئا من ذلك والاضافة تقتضي الملك وقد قدمنا الكلام معه فيما مضى ويخص هذا الفصل بان الملكية لا تمكن ههنا فلا تصح الاضافة بمعناها فتعين حمل الاضافة ههنا على إضافة الاختصاص دون الملك * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث وان دخل طاق الباب احتمل وجهين) إذا حلف لا يدخل دارا فرقى سطحها حنث، وبه قال مالك وابو ثور واصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث ولاصحابه فيما إذا كان السطح محجرا وجهان واحتجوا بان السطح يقيها الحر والبرد ويحرزها فهو كحيطانها، ولنا ان سطح الدار منها وحكمه حكمها فحنث بدخوله كالمحجر أو كما لو دخل بين حيطانها ودليل ذلك أن الاعتكاف يصح في سطح المسجد ويمنع الجنب من اللبث فيه، ولو حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها لم يبر ولو حلف ان لا يخرج منها فصعد سطحها لم يحنث، ولانه داخل في حدود الدار ومملوك لصاحبها ويملك بشرائها ويخرج منها من ملك صاحبها ببيعها، والبائت عليه يقال بات في داره وبهذا يفارق ما وراء حائطها، فان كان في اليمين قرينة لفظية أو حالية تقتضي اختصاص الارادة بداخل الدار مثل ان يكون بسطح الدار طريق وسبب يمينه يقتضي ترك وصلة أهل الدار لم يحنث بالمرور على سطحها وكذلك

[ 245 ]

ان نوى بيمينه باطن الدار تقيدت يمينه بما نواه لانه ليس المرء الا ما نواه، وان دخل طلق الباب احتمل وجهين (أحدهما) يحنث لانه دخل في حدها (والثاني) لا يحنث لانه لا يسمى داخلا وقال القاضي إذا قام على العتبة لم يحنث لان الباب إذا أغلق حصل خارجا منها ولا يسمى داخلا فيها (فصل) فان تعلق بغصن شجرة في الدار لم يحنث لانه لم يدخلها فان صعد حتى صار في مقابلة سطحها بين حيطانها حنث وان لم ينزل بين حيطانها احتمل ان لا يحنث لانه في هوائها وهواؤها ملك لصاحبها فاشبه ما لو قام على سطحها واحتمل ان لا يحنث لانه لا يسمى داخلا ولا هو على شئ من اجزائها وكذلك لو كانت الشجرة في غير الدار فتعلق بفرع ماد على الدار في مقابلة سطحها وان قام على حائط احتمل وجهين (أحدهما) يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لانه داخل في حدها فاشبه القائم على سطحها (والثاني) لا يحنث لانه لا يسمى دخولا (فصل) وان حلف لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكبا أو ماشيا أو حافيا أو منتعلا حنث كما لو حلف لا يدخلها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور ان دخلها راكبا لم يحنث لانه لم يضع قدمه فيها ولنا أنه قد دخل الدار فيحنث كما لو دخلها ماشيا ولا نسلم أنه لم يضع قدمه فيها فان قدمه

[ 246 ]

موضوعة على الدابة فيها فاشبه ما لو دخلها منتعلا وعلى ان هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فتحمل عليه يمينه، فان قيل هذا مجاز لا يحمل اليمين عليه قلنا المجاز إذا اشتهر صار من الاسماء العرفية فينصرف اللفظ باطلاقه إليه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما * (مسألة) * (وان حلف لا يكلم انسانا حنث بكلام كل انسان - لانه فعل المحلوف عليه - فان زجره فقال تنح أو اسكت حنث) لانه كلمه وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحنث بالقليل لان هذا تمام الكلام الاول والذي يقتضيه يمينه ان لا يكلمه كلاما مستأنفا ولنا ان هذا القليل كلام منه له حقيقة وقد وجد بعد يمينه فيحنث به كما لو فصله ولان ما يحنث به إذا فصله يحنث به إذا وصله كالكبير، وقولهم ان اليمين تقتضي خطابا مستأنفا قلنا هذا خطاب مستأنف وهو غير الاول بدليل أنه لو قطعه حنث به قال شيخنا وقياس المذهب ان لا يحنث لان قرينة صلته هذا الكلام بيمينه تدل على ارادة كلام يستأنفه بعد انقضاء هذا الكلام المتصل فلم يحنث كما لو وجدت النية حقيقة ولو نوى كلاما غير هذا لم يحنث بهذا في المذهبين (فصل) فان صلى بالمحلوف عليه إماما ثم سلم من الصلاة لم يحنث نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي يحنث لانه شرع له ان ينوي السلام على الحاضرين

[ 247 ]

ولنا أنه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامه واجبة في السلام وان أرتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لان ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين * (مسألة) * (وان حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معا حنث) لان كل واحد منهما مبتدئ إذ لم يتقدم كلامه كلام سواه (فصل) وان كاتبه أو أرسل إليه رسولا حنث الا ان يكون اراد ان لا يشافهه وهذا قول الاصحاب ومذهب مالك والشافعي في القديم وقد روى الاثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف ان لا يكلم رجلا فكتب إليه كتابا فقال وأي شئ كان سبب ذلك؟ انما ننظر إلى سبب يمينه ولم حلف؟ ان الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات وهذا يدل على أنه لا يحنث بالكتاب الا ان تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وترك صلته فان لم يكن كذلك لم يحنث بكتاب ولا رسول لان ذلك ليس بتكليم في الحقيقة وهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته انما كاتبته أو راسلته ولذلك قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله - وقال - يا موسى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه، وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي لقد كان فيه أنس

[ 248 ]

وما كلمته قط وقد كانت بينهما مراسلة وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد، واحتج اصحابنا بقول الله تعالى (وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) فاستثنى الرسول من التكلم والاصل ان يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ولانه موضوع لافهام الآدميين أشبه الخطاب والصحيح ان هذا ليس بتكليم وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الآية الاخرى (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا) والرمز ليس بتكليم لكن ان نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه حنث ولذلك قال أحمد الكتاب يجرى مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام فلم يجعله كلاما انما قال هو بمنزلته في بعض الحالات إذا كان السبب يقتضي ذلك وان اطلق احتمل ان لا يحنث لانه لم يكلمه واحتمل ان يحنث لان الغالب من الحالف بهذه اليمين قصد المواصلة فتعلق يمينه بما يراد في الغالب (فصل) وان اشار إليه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث قاله القاضي لانه ليس بكلامه قال الله تعالى لمريم عليها السلام (فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا - إلى قوله - فاشارت إليه) وقال في زكريا (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا - إلى قوله - فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ان سبحوا بكرة وعشيا) ولان الكلام حروف وأصوات ولا يوجد في الاشارة ولان

[ 249 ]

الكلام شئ مسموع وتبطل به الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم " ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس " والاشارة خلاف هذا، فان قيل فقد قال الله تعالى (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) قلنا هذا استثناء من غير الجنس بدليل ما ذكرنا ولصحة نفيه عنه فيقال ما كلمه وإنما أشار إليه. (فصل) فان ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث نص عليه أحمد فانه سئل عن رجل حلف ان لا يكلم انسانا فناداه والمحلوف عليه لا يس‍؟ ع قال يحنث وهذا لكون ذلك يسمى تكليما يقال فلم يسمع (فصل) وان سلم على المحلوف عليه حنث لان السلام كلام تبطل به الصلاة فحنث به كغيره من الكلام * (مسألة) * (وان حلف لا يكلمه حينا فذلك ستة أشهر نص عليه) وجملة ذلك انه إذا حلف لا يكلمه حينا فقيد ذلك بلفظه أو نيته بزمن تقيد به وان اطلق انصرف

[ 250 ]

إلى ستة أشهر روي ذلك عن ابن عباس وبه قال أصحاب الرأي وقال مجاهد والحكم وحماد ومالك هو سنة لقوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين باذن ربها) اي كل عام وقال الشافعي وأبو ثور ليس هو مقدرا ويبر بادنى زمن لان الحين اسم مبهم يقع على الكثير والقليل، قال الله تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) قيل اراد يوم القيامة، وقال (هل أتى على الانسان حين من الدهر؟ - وقال - فذرهم في غمرتهم حتى حين - وقال - حين تمسون وحين تصبحون) ويقال جئت منذ حين وإن كان اتاه من ساعة ولنا ان الحين المطلق في كلام الله تعالى اقله ستة اشهر قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين باذن ربها) إنه ستة أشهر فيحمل مطلق كلام الآدمي على مطلق كلام الله تعالى ولانه قول ابن عباس ولا نعلم له في الصحابة مخالفا وما استشهدوا به من المطلق في كلام الله تعالى فما ذكرناه أقله فيحمل عليه لانه اليقين * (مسألة) * (وان قال زمنا أو دهرا أو بعيدا أو مليا أو الزمان رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ) وكذلك وقتا أو طويلا أو بعيدا أو قريبا في قول أبي الخطاب وهو مذهب الشافعي لان هذه الاشياء لا حد لها في اللغة وتقع على القليل والكثير فوجب حمله على أقل ما تناوله اسمه وقد يكون القريب بعيدا بالنسبة إلى ما هو أقرب منه أو قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه ولا يجوز التحديد بالتحكم

[ 251 ]

وانما يصار إليه بالتوقيف ولا توقيف ههنا فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما تناوله الاسم وقال ابن أبي موسى الزمان ثلاثة أشهر وقيل هو كالابد والدهر وهو اقيس لانه بالالف واللام فهو على معناهما وقال طلحة العاقولي: الحين والعمر والزمان واحد لانهم لا يفرقون في العادة بينها والناس يقصدون بذلك البعيد فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف، ودهر يحتمل أنه كالحين أيضا لهذا المعنى وقال في بعيد وطويل وملي هو على أكثر من شهر وهذا قول أبي حنيفة لان ذلك ضد القليل فلا يجوز حمله على ضده * (مسألة) * (وان قال عمرا احتمل أنه كذلك واحتمل أن يكون أربعين عاما) واحتمل ان يكون كالحين وهو قول طلحة العاقولي واحتمل ان يكون أربعين عاما لقول الله تعالى (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) وكان ذلك أربعين سنة فيجب حمل الكلام عليه ولان العمر في الغالب لا يكون الا مدة طويلة فلا يحمل على خلاف ذلك وهذا قول حسن قاله شيخنا وقال القاضي هذه الالفاظ كلها مثل الحين قياسا الا بعيدا ومليا فانه على أكثر من شهر لانه يقتضي البعيد * (مسألة) * (وان قال الابد والدهر فذلك على الزمان كله) لان الالف واللام للاستغراق تقتضي الدهر كله وكذلك الزمان في الصحيح وقد ذكرناه

[ 252 ]

* (مسألة) * (والحقب ثمانون عاما وقال مالك أربعون يوما) لان ذلك يروى عن ابن عباس وقال القاضي وأصحاب الشافعي هو أدنى زمان لانه لم ينقل عن أهل اللغة فيه تقدير ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى (لابثين فيها أحقابا) الحقب ثمانون سنة وما ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لا يصح لان قول ابن عباس حجة لان ما ذكروه يفضي إلى حمل كلام الله تعالى (لابثين فيها أحقابا - وقول موسى - أو أمضي حقبا) إلى اللكنة لانه أخرج ذلك مخرج التكثير فإذا صار معنى ذلك لابثين فيها ساعات أو لحظات أو أمضي لحظات أو ساعات صار مقتضى ذلك التقليل وهو ضد ما أراد الله تعالى بكلامه وضد المفهوم منه ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به * (مسألة) * والشهور اثنا عشر عند القاضي وعند أبي الخطاب ثلاثة كالاشهر) أما الاشهر فهي ثلاثة لانها أقل الجمع وأما الشهور فاختار أبو الخطاب أنها ثلاثة أيضا لذلك ولان جمع الكثرة يستعمل بمعنى القلة كقوله تعالى (ثلاثة قروء) وقال القاضي وغيره هي اثنا عشر شهرا ولان الشهور جمع الكثرة وأقله عشرة فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة * (مسألة) * (والايام ثلاثة) لانها أقل الجمع قال الله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات) وهي أيام التشريق)

[ 253 ]

(فصل) وان حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام لم يكن له ان يتكلم في الايام التي بين الليالي ولا في الليالي التي بين الايام الا ان ينوي قال الله تعالى (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا) وفي موضع آخر ثلاث ليال سويا فكان كل واحد من اللفظين عبارة عن الزمانين جميعا وقال تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة واتممناها بعشر) فدخل فيه الليل والنهار * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث) إذا حلف لا يدخل هذه الدار من بابها فدخلها من غير الباب لم يحنث لان يمينه لم تتناول غير الباب ويتخرج ان يحنث إذا أراد بيمينه اجتناب الدار ولم يكن الباب سبب هيج يمينه كما لو حلف لا يأوي مع زوجته في دار فاوى معها في غيرها وان حول بابها إلى مكان آخر فدخل منه حنث لانه دخلها من بابها وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي. وان حلف لا دخلت من باب هذه الدار فكذلك وان جعل لها باب آخر مع بقاء الاول فدخل منه حنث لانه دخل من باب الدار وان قلع الباب ونصب في دار أخرى وبقي الممر حنث بدخوله ولم يحنث بالدخول من الموضع الذي نصب فيه الباب لان الدخول في الممر لا من المصراع * (مسألة) * (وان حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه باوله)

[ 254 ]

لان إلى لانتهاء الغاية فتنتهي عند أول الغاية كقوله سبحانه (ثم اتموا الصيام إلى الليل) ويحتمل ان تتناول جميع مدته لان إلى تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (ويزدكم قوة إلى قوتكم - وقوله - ولا تأكلوا أموالهم إلى اموالكم - وقوله - وأيديكم إلى المرافق) * (مسألة) * (وان حلف لا مال له وله مال غير زكوي أو دين على الناس حنث) إذا حلف لا يملك مالا حنث بملك كل ما يسمى مالا سواء كان من الاثمان أو غيرها من العقار والاثاث والحيوان وبهذا قال الشافعي وعن أحمد أ؟؟ إذا نذر الصدقة بجميع ماله انما يتناول نذره الصامت من ماله ذكرها ابن أبي موسى لان اطلاق المال ينصرف إليه وقال أبو حنيفة لا يحنث الا ان يملك مالا زكويا استحسانا لان الله تعالى قال (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) فلا يتناول الا الزكوي ولنا ان غير الزكوية أموال قال الله تعالى (أن تبتغوا باموالكم) وهي مما يجوز ابتغاء النكاح بها وقال أبو طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم ان أحب أموالي الي ببرحا يريد حديقة وقال عمر أصبت ارضا بخيبر لم اصب مالا قط هو انفس عندي منه وقال أبو قتادة اشتريت مخرفا فكان اول مال تأثلته وفي حديث آخر " المال سكة مأثورة أو مهرة مأمورة " ويقال خير المال عين خرارة في ارض خوارة ولانه يسمى مالا فحنث به؟ لزكوي واما قوله تعالى (وفي اموالهم حق) فالحق ههنا غير الزكاة لان هذه الآية

[ 255 ]

مكية نزلت قبل فرض الزكاة لان الزكاة انما فرضت بالمدينة ثم لو كان لحق الزكاة فلا حجة فيها فان الحق إذا كان في بعض المال كان في المال كما ان من هو في بيت في بلدة فهو في البيت وفي البلدة قال الله تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون) ولا يلزم ان يكون في جميع اقطارها، ثم لو اقتضى هذا العموم لوجب تخصيصه فان ما دون النصاب مال ولا زكاة فيه وان كان له دين حنث وهكذا ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لانه لا ينتفع به ولنا أنه ينعقد عليه حول الزكاة ويصح اخراجها عنه ويصح التصرف فيه بالابراء والحوالة والمعاوضة عنه لمن هو في ذمته والتوكيل في استيفائه فحنث به كالمودع (فصل) وان كان له مال مغصوب حنث لانه باق على ملكه وان كان له مال ضائع ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لان الاصل بقاؤه على ملكه (والثاني) لا يحنث لانه لا يعلم بقاؤه فان ضاع على وجه قد أيس من عوده كالذي سقط في بحر لم يحنث لان وجوده كعدمه، ويحتمل ان لا يحنث في كل موضع لا يقدر على أخذ ماله كالمجحود والمغصوب والدين على غير ملئ لانه لا نفع فيه وحكمه حكم المعدوم في جواز الاخذ من الزكاة وانتفاء وجوب ادائها عنه وان تزوج لم يحنث لان ما ملكه ليس بمال وكذلك ان وجب له حق شفعة لانه لم يثبت له الملك به وان استأجر عقارا أو غيره لم يحنث لانه لا يسمى مالكا لمال * (مسألة) * (وان حلف لا يفعل شيئا فوكل من يفعله حنث الا ان ينوي)

[ 256 ]

لان الفعل ينسب إلى الموكل كما ينسب إلى الوكيل فيحنث به كما لو حلف لا يحلق رأسه فامر من يحلقه فانه يحنث لان الفعل منسوب إليه ولذلك تجب الفدية على من حلق رأسه باذنه في الاحرام وان كانت نيته ان لا يباشر بنفسه لم يحنث لان الايمان مبناها على النية (فصل) فاما الاسماء العرفية فهي اسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة كالرواية والظعينة والدابة والغائط والعذرة ونحوها فيتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة لان الحقيقة صارت فيها مغمورة لا يعرفها أكثر الناس كالراوية للمزادة في العرف وفي الحقيقة الجمل الذي يستقى عليه، والغائط والعذرة في العرف للخارج المستقذر وفي الحقيقة الغائط المكان المطمئن والعذرة فناء الدار، والظعينة في العرف للمرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها والدابة في الحقيقة لكل ما يدب قال الله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على اربع) وفي العرف اسم للبغال والخيل والحمير فلهذا قلنا اليمين تنصرف إلى العرف دون الحقيقة لانه لا يعلم أن الحالف لا يريد غيره فصار كالمصرح به * (مسألة) * (وان حلف على وطئ امرأة تعلقت يمينه بجماعها) لانه الذي يصرف اللفظ في العرف إليه وكذلك إذا حلف على وطئ زوجته صار موليا منها

[ 257 ]

* (مسألة) * (وان حلف على وطئ دار تعلقت يمينه بدخولها راكبا أو ماشيا أو حافيا أو منعلا) لان هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فيحمل اليمين عليه باطلاقه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما * (مسألة) * (وان حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين أو لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد فالقياس انه لا يحنث وقال بعض أصحابنا يحنث) إذا حلف لا يشم الريحان فانه في العرف اسم يختص الريحان الفارسي وفي الحقيقة اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح مثل الورد والبنفسج والنرجس وقال القاضي لا يحنث الا بشم الريحان الفارسي وهو مذهب الشافعي لان الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه وقال أبو الخطاب يحنث بشم ما يسمى في الحقيقة ريحانا ولا يحنث بشم الفاكهة وجها واحدا وان حلف لا يشم وردا ولا بنفسجا فشم دهنهما أو ماء الورد فقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي لانه لم يشم وردا ولا بنفسجا وقال أبو الخطاب يحنث لان الشم انما هو للرائحة دون الذات ورائحة الورد والبنفسج موجودة فيهما

[ 258 ]

وقال أبو حنيفة يحنث بشم دهن البنفسج لانه يسمى وردا والاول أقرب إلى الصحة ان شاء الله تعالى فان شم الورد والبنفسج اليابس حنث وقال بعض اصحاب الشافعي لا يحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل تمرا ولنا ان هذا اسمه وحقيقته باقية فيحنث به كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل قديدا وفارق ما ذكروه فان التمر ليس برطب ولا يسمى رطبا * (مسألة) * (وان حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا حنث عند الخرقي ولم يحنث عند ابن أبي موسى) إذا حلف لا يأكل لحما ولم يرد لحما بعينه فأكل من الانعام أو الصيد أو الطير حنث في قول عامة علماء الامصار وأما السمك فظاهر المذهب أنه يحنث بأكله وبهذا قال قتادة والثوري ومالك وأبو يوسف وقال ابن أبي موسى في الارشاد لا يحنث الا ان ينويه وهذا قول أبي نيفة والشافعي لانه لا ينصرف إليه اطلاق اسم اللحم ولو وكل وكيلا في شراء اللحم فاشترى له سمكا لم يلزمه ويصح ان ينفى عنه الاسم فيقول ما أكلت لحما انما أكلت سمكا فلم يتعلق به الحنث عند الاطلاق كما

[ 259 ]

لو حلف لاقعدت تحت سقف فانه لا يحنث بقعوده تحت السماء وقد سماه الله سقفا محفوظا لانه مجاز كذا ههنا ولنا قول الله تعالى (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا) ولانه من جسم حيوان ويسمى لحما فحنث بأكله كلحم الطير وما ذكروه يبطل بلحم الطائر، وأما السماء فان الحالف لا يقعد تحت سقف لا يمكنه التحرز من القعود تحتها فيعلم انه لم يردها بيمينه ولان التسمية ثم مجاز وههنا حقيقة لكونه من جسم حيوان يصلح للاكل فكان الاسم فيه حقيقة كلحم الطير حيث قال الله تعالى (ولحم طير مما يشتهون) * (مسألة) * (وان حلف لا يأكل رأسا ولا بيضا حنث يأكل رءوس الطير والسمك والجراد عند القاضي وعند أبي الخطاب لا يحنث الا بأكل رأس كل حيوان جرت العادة بأكله منفردا أو بيض بزايل بائضه في حال الحياة) إذا حلف لا يأكل رأسا فانه يحنث باأكل رأس كل حيوان من الابل والصيود والحيتان والجراد ذكره القاضي وقال أبو الخطاب لا يحنث الا بأكل رأس جرت العادة ببيعه للاكل منفردا

[ 260 ]

وقال الشافعي لا يحنث الا بأكل رءوس بهيمة الانعام دون غيرها الا ان يكون ببلد تكثر فيه الصيود وتميز رؤوسها فيحنث باكلها، وقال أبو حنيفة لا يحنث بأكل روس الابل لان العادة لم تجر ببيعها للاكل منفردة وقال صاحباه لا يحنث الا بأكل رءوس الغنم لانها التى تباع في الاسواق دون غيرها فيمينه تنصرف إليها، ووجه الاول ان هذه رءوس حقيقة وعرفا وهي مأكولة فيحنث بأكلها كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم النعام والزرافة وما يندر وجوده وبيعه، وأما إذا حلف لا يأكل بيضا فيحنث بأكل بيض كل حيوان كثر وجوده كبيض الدجاج أو قل كبيض النعام وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا يحنث بأكل بيض النعام وقال أبو ثور لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج وما يباع في السوق ولنا ان هذا كله بيض حقيقة وعرفا وهو مأكول فيحنث بأكله كبيض الدجاج ولانه أو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء البحر أو ماء نجسا أو لا يأكل خبزا فأكل خبز الارز والذرة في مكان لا يعتاد أكله فيه حنث، فأما ان أكل بيض السمك والجراد فقال القاضي يحنث لانه بيض حيوان اشبه بيض النعام وقال أبو الخطاب لا يحنث الا بأكل بيض يزايل بائضه حال الحياة وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وهو الصحيح لان هذا لا يفهم من اطلاق

[ 261 ]

اسم البيض ولا يذكر الا مضافا إلى بائضه ولا يحنث بأكل شئ يسمى بيضا غير بيض الحيوان ولا شئ يسمى رأسا غير رءوس الحيوان لان ذلك ليس برأس ولا بيض في الحقيقة * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو حماما أو بيت شعر أو أدم أو لا يركب فركب سفينة حنث عند اصحابنا ويحتمل ان لا يحنث) وجملة ذلك انه إذا حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو حماما حنث نص عليه أحمد ويحتمل ان لا يحنث وهو قول أكثر الفقهاء لانه لا يسمى بيتا في العرف والاول المذهب لانهما بيتان حقيقة وقد سمى الله عزوجل المساجد بيوتا فقال (في بيوت اذن الله ان ترفع - وقال - ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) وروي في حديث " المسجد بيت كل تقي " وروي في الحديث " بئس البيت الحمام " فإذا كان في الحقيقة بيتا وفي عرف الشرع حنث بدخوله كبيت الانسان وان دخل بيت شعر أو أدم حنث سواء كان الحالف حضريا أو بدويا فان اسم البيت يقع عليه حقيقة وعرفا قال الله تعالى (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها) وأما مالا يسمى في العرف بيتا كالخيمة فالاولى ان لا يحنث بدخوله من لا يسميه بيتا لان يمينه لا تنصرف إليه وإن دخل دهليز دار وصفتها لم يحنث وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة يحنث لان جميع الدار بيت

[ 262 ]

ولنا انه لا يسمى بيتا ولهذا يقال ما دخل البيت وانما وقف في الصحن فان حلف لا يركب فركب سفينة حنث وهو قول أبي الخطاب لانه ركوب قال الله تعالى (اركبوا فيها بسم الله مجريها) وقال (فإذا ركبوا في الفلك) ويحتمل ان لا يحنث لانه لا يسمى في العرف ركوبا. * (مسألة) * (وان حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر الله تعالى لم يحنث). إذا حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان قرأ في الصلاة لم يحنث وان قرأ خارجا منها حنث لانه يتكلم بكلام الله تعالى وان ذكر الله تعالى لم يحنث ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنه يحنث ولانه كلام الله قال الله تعالى (والزمهم كلمة التقوى) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " ولنا ان الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله يحدث من أمره ما شاء وانه قد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " لم يتناول المختلف فيه وقال زيد بن ارقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقال الله تعالى (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) وقال (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا - واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار) فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه ولان مالا

[ 263 ]

يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجا منها كالاشارة وما ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة وذكر الله المشروع فيها وان استأذن عليه إنسان فقال (ادخلوها بسلام آمنين) يقصد القرآن لم يحنث، لان هذا من القرآن فلا يحنث به ولذلك لا تبطل الصلاة به وان لم يقصد القرآن حنث لانه من كلام الناس. * (مسألة) * (وان حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضها حنث) لانه يقصد ترك تأليمها وقد آلمها فاما ان عضها بتلذذ ولم يقصد تاليمها لم يحنث وان حلف ليضربنها ففعل ذلك بر لوجود المقصود بالضرب. * (مسألة) * (وان حلف ليضربنه مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه). وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال ابن حامد يبر، لان احمد قال في المريض عليه الحد يضرب بعثكال النخل ويسقط عنه الحد، وبهذا قال الشافعي إذا علم أنها مسته كلها وان علم انها لم تمسه كلها لم يبر وان شك لم يحنث في الحكم لان الله تعالى قال (فخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المريض الذي زنى " خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة " ولانه ضرب بمائة سوط فبر في يمينه كما لو فرق الضرب.

[ 264 ]

ولنا ان معنى يمينه أن يضربه مائة ضربة ولم يضربه إلا ضربة واحدة، الدليل على هذا أنه لو ضربه مائة ضربة بسوط بر بغير خلاف ولو عاد العدد إلى السوط لم يبر بالضرب بسوط واحد كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط ولان السوط ههنا آلة أقيمت مقام المصدر وانتصب انتصابه لان معنى كلامه لاضربنه مائة ضربة بسوط وهذا هو المفهوم من يمنيه والذي يقتضيه لغة فلا يبر بما يخالف ذلك، وأما ايوب عليه السلام فان الله تعالى أرخص له رفقا بامرأته لبرها به واحسانها إليه ليجمع له بين بره في يمينه ورفقه بامرأته ولذلك امتن عليه بهذا وذكره في جملة ما من به عليه من معافاته من بلائه واخراج الماء له فيختص هذا به كاختصاصه بما ذكر معه ولو كان هذا الحكم عاما بكل أحد لما خص ايوب بالمنة عليه، وكذلك المريض الذي يخاف تلفه ارخص له بذلك في الحد دون غيره وإذا لم يتعده هذا الحكم في الحد الذي ورد النص به فيه فلان لا يتعداه إلى اليمين أولى ولو خص بالبر من له عذر يبيح العدول في الحد إلى الضرب بالعثكال لكان له وجه اما بعد تعديته إلى غيره فبعيد جدا. [ فصل ] ولو حلف ان يضربه بعشرة اسواط فجمعها فضربه بها بر لانه قد فعل ما حلف عليه وان حلف ليضربنه عشر ضربات فكذلك إلا وجها لاصحاب الشافعي انه يبر وليس بصحيح لان

[ 265 ]

هذه ضربة واحدة باسواط ولهذا يصح ان يقال ما ضربته واحدة ولو حلف لا يضربه أكثر من ضربة واحدة ففعل هذا لم يحنث في يمينه. و [ فصل ] ولا يبر حتى يضربه ضربا يؤلمه، وبهذا قال مالك وقال الشافعي يبر بما لم يؤلم لان الاسم يتناوله فوقع البر به كالمؤلم. ولنا ان هذا يقصد به في العرف التأليم فلا يبر بغيره وكذلك كل موضع وجب الضرب في الشرع في حد أو تعزير كان من شرطه التأليم كذا ههنا. * (فصل) * إذا حلف لا يأكل شيئا فأكله مستهلكا في غيره مثل ان لا يأكل لبنا فاكل زبدا أو لا ياكل سمنا فاكل خبيصا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه أو لا ياكل بيضا ناطفا أو لا ياكل شحما فاكل اللحم الاحمر أو لا ياكل شعيرا فاكل حنطة فيها حبات شعير لم يحنث وان ظهر طعم السمن أو طعم شئ من المحلوف عليه حنث وقال الخرقي يحنث بأكل اللحم الاحمر وحده وقال غيره يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير) اما إذا حلف لا ياكل لبنا فاكل زبدا لا يظهر فيه طعم اللبن لم يحنث لانه لم ياكل لبنا فاشبه ما لو أكل كشكا وكذلك ان حلف لا ياكل سمنا فاكل خبيصا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه لا يحنث لذلك، فاما ان ظهر طعم شئ من المحلوف عليه حنث كما لو أكل كل واحد منفردا، وان حلف لا ياكل بيضا فاكل ناطفا لم يحنث لانه لا يسمى بيضا.

[ 266 ]

(مسألة) وان حلف لا ياكل شحما فاكل اللحم الاحمر فقال الخرقي يحنث لان الشحم ما يذوب بالنار مما في الحيوان والعرف يشهد لقوله وهو ظاهر قول أبي الخطاب واللحم لا يكاد يخلو من شئ منه فيحنث به، وان قل لانه يظهر في الطبيخ فيبين على وجه المرق وفارق، من حلف لا ياكل سمنا فاكل خبيصا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه، لان هذا قد يظهر الدهن فيه وقال غير الخرقي من اصحابنا لا يحنث، قال شيخنا وهو الصحيح لانه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث باكل اللحم الذي كان فيه فان حلف لا ياكل شعيرا فاكل حنطة فيها حبات شعير فقال غير الخرقي يحنث لانه أكل شعيرا فأشبه ما لو أكله منفردا أو حلف لا ياكل رطبا فاكل منصفا والاولى ان لا يحنث لانه مستهلك في الحنطة اشبه السمن في الخبيص الذي لا يظهر طعمه، وان نوى بيمينه ان لا ياكل الشعير منفردا أو كان السبب يقتضي ذلك أو يقتضي اكل شعير يظهر اثر اكله لم يحنث بذلك * (فصل) * قال رضي الله عنه (فان حلف لا ياكل سويقا فشربه أو لا يشربه فاكله فقال الخرقي يحنث وقال أحمد من حلف لا يشرب نبيذا فثرد فيه وأكله لا يحنث فيخرج في كل ما حلف لا يأكله فشربه أو لا يشربه فأكله وجهان وقال القاضي ان عين المحلوف عليه حنث وإلا فلا)

[ 267 ]

وجملة ذلك ان من حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله فقد نقل عن احمد ما يدل على روايتين (احداهما) يحنث لان اليمين على ترك أكل شئ أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشئ فحملت اليمين عليه ألا ترى إلى قوله تعالى (ولا تأكلوا اموالهم - وان الذين ياكلون أموال اليتامى) لم يرد به الاكل على الخصوص؟ ولو قال طبيب لمريض لا تأكل العسل لكان ناهيا عن شربه (والثانية) لا يحنث وهو مذهب الشافعي وأبي ثور واصحاب الرأي، لان الافعال انواع كاليمين ولو حلف على نوع من الاعيان لم يحنث بغيره كذلك الافعال، وقال القاضي انما الروايتان فيمن عين المحلوف عليه مثل من حلف لا أكلت هذا السويق فشربه أو لا يشربه فاكله أما إذا اطلق فقال لا أكلت سويقا فشربه أو لا يشربه فاكله لم يحنث رواية واحدة لا يختلف المذهب فيه وهذا يخالف ما ذكرنا ههنا من الاطلاق ومخالف لما أطلقه الخرقي، وليس للتعيين اثر في الحنث وعدمه فان الحنث في المعين إنما كان لتناوله ما حلف عليه وإجراء معنى الاكل والشرب على التناول العام فيهما وهذا لا فرق فيه بين التعيين وعدمه وعدم الحنث معلل بانه لم يفعل الفعل الذي حلف على تركه وانما فعل غيره وهذا في المعين كهو في المطلق لعدم الفارق بينهما، ولان الرواية في الحنث أحدث من كلام الخرقي وليس فيه تعيين ورواية عدم الحنث احدث من رواية مهنا عن احمد فيمن حلف لا يشرب هذا النبيذ فاكله لا يحنث لانه لا يسمى شربا وهذا في المعين فان عديت كل رواية

[ 268 ]

إلى محل الاخرى وجب أن يكون في الجميع روايتان، وان قصرت كل رواية على محلها كان الامر على خلاف ما قال القاضي وهو ان يحنث في المطلق ولا يحنث في المعين. (فصل) فان حلف ليشربن شيئا فأكله أو ليأكلنه فشربه خرج فيه وجهان بناء على الروايتين في الحنث إذا حلف على الترك ومتى تقيدت يمينه بنية أو سبب يدل عليها كانت يمينه على ما نواه أو دل عليه السبب لان الايمان على النية (فصل) فان حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى به فقد روي عن أحمد فيمن حلف لا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وقال ابن ابي موسى إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وهذا قول أصحاب الرأي فانهم قالوا إذا حلف فمص حب رمان ورمى بالتفل لا يحنث لانه ليس بأكل ولا شرب ويجئ على قول الخرقي أنه يحنث لانه قد تناوله فوصل إلى حلقه وبطنه فيحنث به على ما قلناه فيمن حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله وان حلف لا يأكل سكرا فتركه في فيه حتى ذاب وابتلعه خرج على الروايتين * (مسألة) * (فان حلف لا يطعم شيئا حنث بأكله وشربه ومصه) لان ذلك كله طعم قال الله تعالى في النهر (من ولم يطعمه)

[ 269 ]

* (مسألة) * (وان ذاقة ولم يبتلعه لم يحنث) في قولهم جميعا لانه ليس بأكل ولا شرب ولذلك لا يفطر به الصائم، وان حلف لا يذوقه فأكله أو شربه أو مصه حنث لانه ذوق وزيادة وكذلك ان مضغه ورمى به لانه قد ذاقه * (مسألة) * (وان حلف لا يأكل مائعا فأكله بالخبز حنث) لان ذلك يسمى اكلا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " كلوا الزيت وادهنوا به " (فصل) وان حلف ليأكلن أكلة بالفتح لم يبر حتى يأكل ما يعده الناس أكلة وهي المرة من الاكل والاكلة بالضم اللقمة ومنه " فليناوله في يده أكلة أو أكلتين " * (فصل) * وان حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لم يحنث) في قولهم جميعا لانه لا يطلق اسم الفعل على مستديم هذه الثلاثة فلا يقال تزوجت شهرا ولا تطهرت شهرا ولا تطيبت شهرا وإنما يقال منذ شهر ولم ينزل الشارع استدامة التزويج والطيب منزلة ابتدائهما في تحريمه في الاحرام * (مسألة) * (وان حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك حنث) من حلف لا يلبس ثوبا هو لابسه فنزعه في الحال والا حنث وكذلك ان حلف لا يركب دابة هو راكبها فنزل في أول حالة الامكان والاحنث وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور

[ 270 ]

لا يحنث باستدامة اللبس والركوب حتى يبتدئه لانه لو حلف ان لا يتزوج ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث كذا ههنا ولنا ان استدامة اللبس والركوب تسمى لبسا وركوبا ويسمى لابسا وراكبا ولذلك يقال لبست هذا الثوب شهرا وركبت دابتي يوما فحنث باستدامته كما لو حلف لا يسكن فاستدام السكنى وقد اعتبر الشرع هذا في الاحرام حيث حرم لبس المخيط وأوجب الكفارة في استدامته كما أوجبها في ابتدائه، وفارق التزويج فانه لا يطلق على الاستدامة فلا يقال تزوجت شهرا وانما يقال منذ شهر ولهذا لم تحرم استدامته في الاحرام ويحرم ابتداؤه * (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل دارا هو داخلها فاقام فيها حنث عند القاضي ولم يحنث عند أبي الخطاب) وجه قول القاضي ان استدامة المقام في ملك الغير كابتدائه في التحريم قال أحمد في رجل حلف على امرأته لا دخلت انا وانت هذه الدار وهما جميعا فيها قال أخاف ان يكون قد حنث [ والثاني ] لا يحنث اختاره أبو الخطاب وهو قول أصحاب الرأي لان الدخول لا يستعمل في الاستدامة ولهذا يقال دخلتها منذ شهر ولا يقال دخلتها شهرا فجرى مجرى التزويج ولان الدخول الانفصال من خارج إلى داخل ولا يوجد في الاقامة وللشافعي قولان كالوجهين، ويحتمل أن من أحنثه

[ 271 ]

انما كان لان ظاهر حال الحالف أنه يقصد هجران الدار ومباينتها والاقامة فيها تخالف ذلك فجرى مجرى الحالف على ترك السكنى بها (فصل) وان حلف لا يضاجع امرأته على فراش وهما متضاجعان فاستدام ذلك حنث لان المضاجعة تقع على الاستدامة ولهذا يقال اضطجع على الفراش ليلة وان كان هو مضطجعا على الفراش وحده فاضطجعت عنده عليه نظرت، فان قام لوقته لم يحنث وان استدام حنث لما ذكرنا، وان حلف لا يصوم وهو صائم فأتم يومه فقال القاضي لا يحنث ويحتمل ان يحنث لان الصوم يقع على الاستدامة يقال صام يوما، ولو شرع في صوم يوم العيد حرمت عليه استدامته وان حلف لا يسافر وهو مسافر فاخذ في العود أو اقام لم يحنث وان مضى في سفره حنث لان الاستدامة سفر ولهذا يقال سافرت شهرا * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل على فلان بيتا فدخل فلان عليه فاقام معه فعلى الوجهين) * (مسألة) * (وان حلف لا يمكن دارا ولا يساكن فلانا وهما متساكنان ولم يخرج في الحال حنث إلا ان يقيم لنقل متاعه أو يخشى على نفسه الخروج فيقيم إلى ان يمكنه) وجملة ذلك انه إذا حلف لا يسكن دارا هو ساكنها خرج من وقته فان أقام فيها بعد يمينه زمنا يمكنه الخروج حنث لان استدامة السكنى سكنى كابتدائها في وقع السكنى عليها الا تراه

[ 272 ]

يقول سكنت في هذه الدار شهرا كما يقول لبست هذا الثوب وبهذا قال الشافعي، فان اقام لنقل رحله وقماشه لم يحنث لان الانتقال لا يكون الا بالاهل والمال فيحتاج إلى ان ينقل ذلك معه حتى يكون منتقلا وحكي عن مالك أنه ان أقام دون اليوم والليلة لم يحنث لان ذلك قليل يحتاج إليه في الانتقال فلم يحنث به وعن زفر أنه يحنث وان انتقل في الحال لانه لابد ان يكون ساكنا عقيب يمينه ولو لحظة فحنث بها وليس بصحيح فانه لا يمكن الاحتراز منه لانه لا يراد باليمين ولا تقع عليه اما إذا اقام زمنا يمكنه الانتقال فيه فانه يحنث لانه فعل ما يقع عليه اسم السكنى فحنث به كموضع الاتفاق الا ترى أنه لو حلف لا يدخل الدار فدخل إلى اول جزء منها يحنث وان كان قليلا * (مسألة) * (وان أقام لنقل أهله ومتاعه لم يحنث) وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يحنث ولنا ان الانتقال انما يكون بالاهل والمال على ما سنذكره فلا يمكنه التحرز من هذه الاقامة فلا يقع اليمين عليها وعلى هذا لو خرج بنفسه وترك أهله وماله في المسكن مع إمكان نقلهم عنه حنث وقال الشافعي لا يحنث إذا خرج بنية الانتقال لانه إذا خرج بنية الانتقال فليس بساكن لانه يجوز أن يريد السكنى وحده دون أهله وماله

[ 273 ]

ولنا ان السكنى تكون بالاهل والمال ولهذا يقال فلان ساكن في البلد الفلاني وهو غائب عنه بنفسه، وإذا نزل بلدا بأهله وماله يقال سكنه، وقولهم انه نوى السكنى بنفسه لا يصح فان من خرج إلى مكان لينقل اهله إليه ولم ينو السكنى به بنفسه منفردا عن اهله الذي في الدار لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى ذكره القاضي وعن مالك انه اعتبر نقل عياله دون ماله والاولى ان شاء الله انه إذا انتقل بأهله فسكن في موضع آخر انه لا يحنث وان بقي متاعه في الاولى لان مسكنه حيث حل اهله به ونوى الاقامة به ولهذا لو حلف

[ 274 ]

لا يسكن دارا لم يكن ساكنا بها فنزلها بأهله ناويا للسكني بها حنث وقال القاضي ان نقل إليها ما يتأثث به ويستعمله في منزله فهو ساكن وان سكنها بنفسه * (مسألة) * (وان خرج دون اهله ومتاعه حنث) لما ذكرنا في المسألة قبلها الا ان يودع متاعه أو بعيره أو تأبى امرأته الخروج معه ولا يمكنه اكراهها فيخرج وحده فلا يحنث

[ 275 ]

(فصل) وان أكره على المقام لم يحنث لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وكذلك ان كان في جوف الليل في وقت لا يجد منزلا يتحول إليه أو تحول بينه وبين المنزل أبواب مغلقة لا يمكنه فتحها أو خوف على نفسه أو اهله أو ماله فاقام في طلب النقلة أو انتظار الزوال المانع منها أو خرج طالبا للنقلة فتعذرت عليه اما لكونه لم يجد مسكنا يتحول إليه لتعذر الكراء أو غيره. أو لم يجد بهائم ينتقل عليها ولا يمكنه النقلة بدونها فأقام ناويا للنقلة متى قدر

[ 276 ]

عليها لم يحنث وان أقام أياما وليالي، لان اقامته من غير اختيار منه لعدم تمكنه من النقلة فانه إذا لم يجد مسكنا لا يمكنه ترك أهله أو القاء متاعه في الطريق فلم يحنث به كالمقيم للاكراه، فان أقام في هذا الوقت غيرنا وللنقلة حنث ويكون نقله لما يحتاج إلى نقله على ما جرت العادة فلو كان ذا متاع كثير فنقله قليلا قليلا على العادة بحيث لا يترك النقل المعتاد لم يحنث وان أقام أياما، ولا يلزمه

[ 277 ]

جمع دواب البلد لنقله. ولا النقل بالليل ولا وقت الاستراحة عند التعب، ولا أوقات الصلوات لان العادة لم تجر بالنقل فيها (فصل) ولو وهب رحله أو أودعه أو أعاره وخرج وحده لم يحنث لان يده زالت عن المتاع وكذلك ان أبت امرأته الخروج معه ولم يمكنه اكراهها أو كان له عائلة فامتنعوا من الخروج والانتقال، ولم يمكنه اخراجهم فتركهم لم يحنث لان هذا مما لم يمكنه فأشبه ما لم يمكنه نقله من

[ 278 ]

رحله، وان تردد إلى الدار لنقل المتاع أو عائدا أو زائرا لصديق لم يحنث، وقال القاضي ان دخلها ومن رأيه الجلوس عنده حنث والا فلا ولنا ان هذا ليس بسكنى ولذلك لو حلف ليسكنن دارا لم يبر بالجلوس فيها على هذا الوجه، ولا يسمى ساكنا بها بهذا القدر فلم يحنث كما لو لم ينو الجلوس

[ 279 ]

(فصل) وان حلف لا يساكن فلانا وهو مساكنه فالحكم في الاستدامة علي ما ذكرنا في الحلف على السكنى وان انتقل أحدهما وبقي الآخر لم يحنث لزوال المساكنة * (مسألة) * (وان حلف لا يساكن فلانا فبنيا بينهما حائط وهما متساكنان حنث وان كان في الدار حجرتان كل حجرة تختص ببابها وطريقها فسكن كل واحد حجرة لم يحنث) إذا كان في دار واحدة حالة اليمين فخرج أحدهما منها وقسماها حجرتين وفتحا لكل واحدة

[ 280 ]

منهما بابا وبينهما حاجز ثم سكن كل واحد منهما في حجرة لم يحنث لانهما غير متساكنين، وإن بنيا الحاجز بينهما وهما متساكنان حنث لانهما تساكنا قبل انفراد إحدى الدارين من الاخرى وهذا قول الشافعي ولا نعمل فيه خلافا (فصل) وان سكنا في دار واحدة كل واحد في بيت ذي باب وغلق رجع إلى نيته بيمينه

[ 281 ]

أو إلى سببها، وما دلت عليه قرائن أحواله في المحلوف على المساكنة فيه. فان عدم ذلك حنث وهذا قول مالك، وقال الشافعي إن كانت الدار صغيرة فهما متساكنان، وان كانا في بيتين كل واحد منهما له غلق أو كانا في خان فليسا متساكنين. لان كل واحد منهما ينفرد بمسكنه دون الآخر فأشبها المتجاورين

[ 282 ]

(فصل) وان حلف لا ساكنت فلانا في هذه الدار فقسماها ججرتين وبنيا بينهما حائطا وفتح كل واحد منهما بابا لنفسه وسكناها لم يحنث كما ذكرنا في التي قبلها وهذا قول الشافعي وابن المنذر وابي ثور وأصحاب الرأي وقال مالك لا يعجبني ذلك ويحتمله قياس المذهب لكونه عين الدار فلا تنحل يمينه بتغييرها كما لو حلف لا يدخلها فصارت فضاء والاول أصح لانه لا يساكنه فيها لكون المساكنة في الدار لا تحصل مع كونها دارين وفارق الدخول فانه دخلها متغيرة

[ 283 ]

* (مسألة) * (وان حلف ليخرجن من هذه البلدة فخرج دون أهله لم يحنث وان حلف ليخرجن من هذه الدار فخرج دون أهله لم يبر) إذا حلف ليخرجن من هذه الدار اقتضت يمينه الخروج بنفسه وأهله كما لو حلف لا يسكنها وإن حلف ليخرجن من هذه البلدة تناولت يمينه الخروج بنفسه لان الدار يخرج منها صاحبها

[ 284 ]

في اليوم مرات عادة فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد، وانما أراد الخروج الذي هو النقلة. والخروج من البلد بخلاف ذلك * (مسألة) * (وان حلف ليخرجن من هذه البلدة أو ليرحلن عن هذه الدار ففعل فهل له العودة إليها؟ على روايتين (إحداهما) لا شئ عليه في العود ولا يحنث به لان يمينه على الخروج، وقد خرج فانحلت يمينه لفعل ما حلف عليه فلم يحنث فيها بعد

[ 285 ]

(والثانية) يحنث بالعود لان ظاهر حاله قصد هجران ما حلف على الرحيل منه ولا يحصل ذلك بالعود ويمكن حمل هذه الرواية على ان المحلوف عليه شئ هيج يمينه أو دلت قرينة حاله على إرادة هجرانه أو نوى ذلك بيمينه فاقتضت يمينه دوام اجتنابها فان لم يكن كذلك لم يحنث بالعود لان اليمين عند عدم ذلك على مقتضى اللفظ ومقتضاه ههنا الخروج وقد فعله فانحلت يمينه به وكذلك الحكم إذا حلف على الرحيل من بلد لم يبر إلا بالرحيل بأهله

[ 286 ]

(فصل) (إذا حلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها أو يمكنه الامتناع فلم يمتنع أو حلف لا يستخدم رجلا فخدمه وهو ساكت فقال القاضي يحنث) إذا حلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها فلم يمكنه الامتناع لم يحنث نص عليه احمد في رواية ابي طالب، وبه قال الشافعي وابو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا لان الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه فان حمل بأمره فأدخلها حنث لانه دخل مختارا فأشبه ما لو دخل راكبا. فان حمل بغير أمره لكنه أمكنه الامتناع فلم يمتنع حنث أيضا

[ 287 ]

اختاره القاضي لانه دخلها غير مكره فأشبه ما لو حمل بأمره، وقال أبو الخطاب في الحنث وجهان (أحدهما) لا يحنث لانه لم يفعل الدخول ولم يأمر به فأشبه ما لو لم يمكنه الامتناع، ومتى دخل باختياره حنث سواء كان ماشيا أو راكبا أو محمولا أو القى سفينة في ماء فجره إليها أو سبح فيها

[ 288 ]

فدخلها، وسواء دخل من بابها أو تسور حائطها أو دخل من طاقة فيها أو نقب حائطها أو دخل من ظهرها أو غير ذلك (فصل) فان أكره بالضرب وتحوه فدخلها لم يحنث في أحد الوجهين وهذا أحد قولي الشافعي (والثاني) يحنث وهو قول أصحاب الرأي ونحوه عن النخعي لانه دخلها وفعل ما حلف على تركه

[ 289 ]

والصحيح لاول لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولانه دخلها مكرها أشبه ما لو حمل فأدخلها مكرها وكذلك ان حلف لا يستخدم رجلا فخدمه وهو ساكت فيه من الخلاف ما ذكرناه في دخول الدار لانه في معناه (فصل) وان حلف لا يستخدم عبدا فخدمه وهو ساكت لم يامره ولم ينهه فقال القاضي ان كان عبده حنث وان كان عبد غيره لم يحنث وهو قول ابي حنيفة لان عبده يخدمه عادة بحكم استحقاقه

[ 290 ]

ذلك عليه ويكون معنى يمينه لا منعتك خدمتي فإذا لم ينهه لم يمنعه وعبد غيره بخلافه وقال أبو الخطاب يحنث في الحالين لان اقراره على الخدمة استخدام ولهذا يقال فلان يستخدم عبده إذا خدمه وان لم يأمره ولانه ما حنث به في عبده حنث به في عبد غيره كسائر الاشياء وقال الشافعي لا يحنث في الحالين لانه حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل غيره كسائر الافعال * (مسألة) * (وان حلف ليشربن هذا الماء أو ليضربن عبده غدا فتلف المحلوف عليه قبل الغد حنث عند الخرقي ويحتمل أن لا يحنث وان مات الحالف لم يحنث)

[ 291 ]

أما إذا مات الحالف من يومه فلا حنث عليه لان الحنث انما يحصل بفوات المحلوف عليه وفي وقته وهو الغد والحالف قد خرج عن أهلية التكليف قبل الغد فلا يمكنه حنثه وكذلك ان جن الحالف من يومه فلم يفق إلا بعد خروج الغد لانه خرج عن كونه من أهل التكليف، وان هرب العبد أو مرض هو أو الحالف أو نحو ذلك فلم يقدر على ضرب العبد حنث لانه لم يفعل ما حلف عليه مع كونه من أهل التكليف وان لم يمت الحالف ففيه سبع مسائل

[ 292 ]

(أحدها) أن يضرب العبد في غد أي وقت كان منه فانه ببر في يمينه بلا خلاف. (الثانيه) أمكنه ضربه في غد فلم يضربه حتى مضى الغد وهما في الغد فيحنث بلا خلاف أيضا (الثالثة) مات العبد من يومه فانه يحنث وهو أحد قولي الشافعي ويتخرج أن لا يحنث وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي لانه قد ضربه بغير اختياره فمل يحنث كالمكره والناسي ولنا انه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان وهو من أهل الحنث فحنث

[ 293 ]

كما لو أحلفه باختياره وكما لو حلف ليحجن العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم النفقة وفارق الاكراه والنسيان فان الامتناع لمعنى في الحلف وههنا الامتناع لمعنى في المحل فأشبه ما لو ترك ضربه لصعوبته أو ترك الحالف الحج لصعوبة الطريق وبعدها عليه فاما ان كان تلف المحلوف عليه بفعله واختياره حنث وجها واحدا لانه فوت الفعل على نفسه قال القاضي ويحنث الحالف ساعة موته لان يمينه انعقدت من حين حلفه وقد تعذر عليه الفعل فحنث في الحال كما لو لم يؤقت ويتخرج ان لا يحنث قبل الغد لان الحنث مخالفة ما عقد يمينه عليه فلا يحصل المخالفة الا بترك الفعل في وقته

[ 294 ]

(الرابعة) مات العبد في غد قبل التمكن من ضربه فهو كما لو مات في يومه (الخامسة) مات العبد في غد بعد التمكن من ضربه قبل ضربه فانه يحنث وجها واحدا وهو قول بعض اصحاب الشافعي وقال بعضهم فيه قولان ولنا انه تمكن من ضربه في وقته فلم يضربه فحنث كما لو مضى الغد قبل ضربه

[ 295 ]

(السادسة) مات الحالف في غد بعد التمكن من ضربه فلم يضربه حنث وجها واحدا لما ذكرنا (السابعة) ضربه في يومه فانه لا يبر وهذا قول اصحاب الشافعي وقال القاضي واصحاب أبي حنيفة يبر لان يمينه للحنث على ضربه فإذا ضربه اليوم فقد فعل المحلوف عليه وزيادة فأشبه ما لو حلف ليقضيه غدا فقضاه اليوم

[ 296 ]

ولنا انه لم يفعل المحلوف عليه في وقته فلم يبر كما لو حلف ليصومن يوم الجمعة فصام يوم الخميس وفارق قضاء الدين فالمقصود تعجيله لا غير وفي قضاء الدين زيادة في التعجيل فلا يحنث فيها لانه علم من قصده ارادة ان لا يتجاوز غدا بالقضاء فصار كالملفوظ به إذا كان مبنى الايمان على النية ولا يصح

[ 297 ]

قياس ما ليس مثله عليه وسائر المحلوفات لا يعلم منها ارادة التعجيل عن الوقت الذي وقته لها فامتنع الالحاق وتعين التمسك باللفظ (الثامنة) ضربه بعد موته فلا يبر لان اليمين تنصرف إلى ضربه حيا يتألم بالضرب وقد زال هذا بالموت

[ 298 ]

(التاسعة) ضربه ضربا لا يؤلمه لا يبر لما ذكرناه (العاشرة) خنقه أو نتف شعره أو عصر ساقه بحيث يؤلمه فانه يبر لانه يسمى ضربا لما تقدم ذكرنا له (الحادية عشر) جن العبد فضربه فانه يبر لانه حي يتألم بالضرب وان لم يضربه حنث وان

[ 299 ]

حلف لا يضربه في غد ففيه نحو هذه المسائل ومتى فات ضربه بموته أو غيره لم يحنث لانه لم يضربه * (مسألة) * (وان قال والله لاشربن ماء هذا الكوز غدا فاندفق اليوم أو لآكلن هذا الخبز غدا فتلف فهو على ما نحو ما ذكرنا في العبد)

[ 300 ]

قال صالح سألت أبي عن الرجل يحلف أن يترب الماء ف‍؟ نصب فقال يحنث وكذا لو حلف ان يأكل هذا الرغيف فأكله كلب قال يحنث لان ذا لا يقدر عليه (فصل) ومن حلف لا يتكفل بمال فكفل ببدن فقال أصحابنا يحنث لان المال يلزمه بكفالته إذا تعذر احضار المكفول به قال شيخنا والقياس أنه لا يحنث لانه لم يكفل بمال انما يلزمه المال لتعذر احضار المكفول به وأما قبل ذلك فلا يلزمه، ولان هذا لا يسمى كفالة بالمال ويصح نفيها عنه فيقال

[ 301 ]

ما تكفل بمال انما تكفل بالبدن وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي * (مسألة) * (وان حلف ليقضينه حقه فأبرأه فهل يحنث؟ على وجهين) وذلك مبني على ما إذا حلف على فعل شئ فتلف قبل فعله وفيه وجهان

[ 302 ]

(احدهما) يحنث لانه لم يفعل ما حلف عليه (والثاني) لا يحنث لانه منع من فعله فاشبه المكره على فعل ما حلف على تركه وقد ذكرنا ذلك فيمن حلف ليضربن غلامه فتعذر ضربه * (مسألة) * (وان مات المستحق فقضى ورثته لم يحنث ذكره أبو الخطاب لان قضاء ورثته يقوم مقام قضائه في ابراء ذمته فكذلك في البر في يمينه)

[ 303 ]

وحكي عن القاضي أنه يحنث لانه تعذر قضاؤه فأشبه ما لو حلف ليضربن عبده غدا فمات العبد اليوم ومن نصر قول أبي الخطاب قال موت العبد يخالف ذلك لان ضرب غيره لا يقوم مقام ضربه وقال أصحاب الرأي وأبو ثور تنحل اليمين بموت المستحق ولا يحنث سواء قضى ورثته أو لم يقضهم لانه تعذر عليه فعل ما حلف عليه بغير اختياره أشبه المكره وقد سبق الكلام على هذا في مسألة من حلف ليضربن عبده غدا فمات العبد اليوم

[ 304 ]

* (مسألة) * (وان باعه بحقه عرضا لم يحنث عند ابن حامد لانه قد قضاه حقه) وقال القاضي يحنث لانه لم يقض الحق الذي عليه بعينه * (مسألة) * (وان حلف ليقضينه حقه عند رأس الهلال أو مع رأسه أو إلى رأس الهلال أو إلى

[ 305 ]

استهلاله أو عند رأس الشهر أو مع رأسه فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر بر في يمينه وان أخر ذلك مع امكانه حنث وان شرع في عده أو وكيله أو وزنه فتأخر القضاء لم يحنث) لانه لم يترك القضاء وكذلك إذا حلف ليأكلن هذا الطعام في هذا الوقت فشرع في أكله

[ 306 ]

فيه وتأخر الفراغ لكثرة لم يحنث لان أكله كله غير ممكن في هذا الوقت للعلم بالعجز عن غير ذلك ومذهب الشافعي في هذا كما ذكرنا

[ 307 ]

* (مسألة) * (وان حلف لا فارقتك حتى استوفي حقي منك فهرب منه حنث نص عليه وقال الخرقي لا يحنث وان فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه خرج على روايتين) وإذا حلف لا فارقتك ففيه عشر مسائل

[ 308 ]

(أحدها) ان يفارقه الحالف مختارا فيحنث سواء ابرأه من الحق أو فارقه والحق عليه لانه فارقه قبل استيفاء حقه منه

[ 309 ]

(الثانية) فارقه مكرها فينظر فان كان حمل مكرها حتى فارقه لم يحنث وان أكره بالضرب والتهديد لم يحنث وفي قول أبي بكر يحنث وفي الناسي تفصيل ذكرناه فيما مضى (الثالثة) هرب منه الغريم بغير اختياره فلا يحنث وبهذا قال مالك وابو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن أحمد انه يحنث لان معنى يمينه ان لا تحصل بينهما فرقة وقد حصلت

[ 310 ]

ولنا انه حلف على فعل نفسه في الفرقة ولا فعل باختياره فلم يحنث كما لو حلف لا قمت فقام غيره (الرابعة) اذن له الحالف في الفرقة ففارقه فمفهوم كلام الخرقي انه يحنث وقال الشافعي لا يحنث قال القاضي وهو قول الخرقي لانه لم يفعل الفرقة التى حلف أنه لا يفعلها ولنا أن معنى يمينه لالزمنك فإذا فارقه باذنه فما لزمه ويفارق ما إذا هرب منه لانه فر بغير اختياره وليس هو قول الخرقي لان الخرقي قال فهرب منه ففهومه انه إذا فارفه بغير هرب انه يحنث

[ 311 ]

(الخامسة) فارقه من غير اذن ولا هرب على وجه تمكنه ملازمته والمشي معه أو امساكه فهي كالتي قبلها

[ 312 ]

(السادسة) قضاه قدر حقه ففارقة ظنا منه انه قد وفاه فخرج رديئا أو بعضه فيخرج في الحنث روايتان بناء على الناسي وللشافعي قولان كالروايتين (أحدهما) يحنث وهو قول مالك لانه فارقه قبل استيفاء حقه مختارا (والثانية) لا يحنث وهو قول أبي ثور واصحاب الرأي إذا وجدها زيوفا وان وجد أكثرها

[ 313 ]

نحاسا انه يحنث وان وجدها مستحقة فاخذها صاحبها خرج أيضا على الروايتين في الناسي لانه ظان انه مستوف حقه فأشبه ما لو وجدها رديئة وقال أبو ثور وأصحاب الرأي لا يحنث وان علم بالحال ففارقه حنث لانه لم يوفه حقه

[ 314 ]

(السابعة) فلسه الحاكم ففارقه فان الزمه الحاكم فهو كالمكره وان لم يلزمه مفارقته لكن فارقه لعلمه بوجوب مفارقته حنث لانه فارقه من غير اكراه فحنث كما لو حلف لا يصلي فوجبت عليه صلاة فصلاها

[ 315 ]

(الثامنة) احاله الغريم بحقه ففارقه فانه يحنث وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وقال أبو حنيفة ومحمد لا يحنث لانه قد برئ إليه منه

[ 316 ]

ولنا انه ما استوفى حقه منه بدليل انه لم يصل إليه شئ ولذلك يملك المطالبة به فحنث كما لو لم يحله فان ظن أنه قد يريد بذلك مفارقته ففارقه خرج على الروايتين ذكره أبو الخطاب، قال شيخنا

[ 317 ]

والصحيح انه يحنث لان هذا جهل بحكم الشرع فيه فلا يسقط الحنث كما لو جهل كون اليمين موجبة للكفارة فاما ان كانت يمينه لا فارقتك ولي قبلك حق فاحاله ففارقه لم يحنث لان هذا لم

[ 318 ]

يبق له قبله حق فان أخذ به ضمينا أو كفيلا أو رهنا ففارقه حنث بلا إشكال لانه يملك مطالبة الغريم (التاسعة) قضاه عن حق عوضا عنه ثم فارقه فقال ابن حامد لا يحنث وهو قول أبي حنيفة

[ 319 ]

لانه قد قضاه حقه وبرئ إليه منه بالقضاء وقال القاضي يحنث لان يمينه على نفس الحق وهذا بدله والاول أولى ان شاء الله تعالى لحصول المقصود به فان كانت يمينه لا فارقتك حتى تبرأ من حقي أو

[ 320 ]

ولي قبلك حق لم يحنث وجها واحدا لانه لم يبق قبله حق وهذا مذهب الشافعي (العاشرة) وكل وكيلا يستوفي له حقه فان فارقه قبل استيفاء الوكيل حنث لانه فارقه قبل

[ 321 ]

استيفاء حقه، وان استوفى الوكيل ثم فارقه لم يحنث لان استيفاء وكيله استيفاء له ببراءة غريمه ويصير

[ 322 ]

في ضمان الموكل فاما ان قال لا فارقتني حتى استوفي حقي منك ففارقه المحلوف عليه مختارا حنث وان

[ 323 ]

أكره على فراقه لم يحنث وان فارقه الحالف مختارا حنث الا على ما ذكره القاضي في تأويل كلام الخرقي

[ 324 ]

وهو مذهب الشافعي وسائر الفروع تأتي ههنا على نحو ما ذكرنا

[ 325 ]

* (مسألة) * (فان حلف لا فترقنا فهرب منه حنث)

[ 326 ]

إذا هرب من المحلوف عليه لان يمينه تقتضي أن لا تحصل بينهما فرقة بوجه وقد حصلت الفرقة

[ 327 ]

بهربه وان أكرها على الفرقة لم يحنث الا على قول من لا يرى الاكراه عذرا

[ 328 ]

(فصل) وان حلف لا فارقتك حتى اوفيك حقك فابراه الغريم منه فهل يحنث؟ على وجهين بناء على المكره، وان كان الحق عينا فوهبها له الغريم فقبلها حنث لانه ترك ايفاءها له باختياره

[ 329 ]

وان قبضها منه ثم وهبها إياه لم يحنث، وإن كانت يمينه لا أفارقك ولك قبلي حق لم يحنث إذا أبرأه أو وهب العين له

[ 330 ]

* (مسألة) * (وقدر الفرقة ما عده الناس فراقا كفرقة البيع وقد ذكرناه في البيع) وما نواه بيمينه عما تحتمله لفظه فهو على ما نواه

[ 331 ]

باب النذر الاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع. اما الكتاب فقول الله تعالى (يوفون بالنذر) وقال سبحانه (وليوفوا نذورهم) واما السنة فروت عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " رواه البخاري وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن " رواه البخاري وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ووجوب الوفاء به (فصل) ولا يستحب النذر لان ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال " انه لا يأتي بخير وانما يستخرج به من البخيل " متفق عليه وهذا نهي كراهة لا نهي تحريم لانه لو كان حراما لما مدح الموفين به لان ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه ولان النذر لو كان مستحبا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأفاضل أصحابه * (مسألة) * (وهو أن يلزم نفسه لله تعالى شيئا فقول: لله علي أن افعل كذا، وان قال علي

[ 332 ]

نذر كذا لزمه ايضا) لانه صرح بلفظ النذر ولا يصح الا من مكلف مسلما كان أو كافرا لانه قول يوجب على المكلف عبادة أو مالا فلم يصح من غير المكلف كالاقرار ولانه غير مكلف أشبه الطفل، ويصح من الكافر لحديث عمر حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني نذرت ان أعتكف ليلة في المسجد الحرام: قال " أوف بنذرك " متفق عليه * (مسألة) * (ولا يصح إلا بالقول فان نواه من غير قول لم يصح) لانه موجب للكفارة في أحد طرفيه فلم ينعقد بالنية كاليمين * (مسألة) * (ولا يصح في محال ولا واجب فلو قال لله علي صوم أمس أو صوم رمضان لم ينعقد) لا ينعقد نذر المستحيل كصوم امس ولا يوجب شيئا لانه لا يتصور انعقاده ولا الوفاء به لانه لو حلف على فعله لم تلزمه كفارة فالنذر اولى قال شيخنا وعقد الباب في الصحيح من المذهب ان النذر كاليمين وموجبه موجبها الا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة وأمكنه فعله، ودليل هذا الاصل قول النبي صلى الله عليه وسلم لاخت عقبه لما نذرت المشي ولم تطقه " ولتكفر يمينها " وفي رواية " فلتصم ثلاثة أيام " قال احمد إليه اذهب، وعن عقبة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كفارة النذر كفارة اليمين " أخرجه مسلم وقول ابن عباس في التي نذرت

[ 333 ]

ذبح ابنها كفري يمينك ولانه قد ثبت ان حكمه حكم اليمين في احد اقسامه وهو نذر اللجاج فكذلك في سائره سوى ما استثناه الشرع فان نذر واجبا كالصلاة المكتوبة فقال اصحابنا لا ينعقد نذره وهو قول اصحاب الشافعي لان النذر التزام ولا يصح التزام ما هو لازم له ويحتمل أن ينعقد نذره موجبا لكفارة يمين ان تكره كما لو حلف لا يفعله ففعله فان النذر كاليمين وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم يمينا ولذلك لو نذر معصية أو مباحا لم يلزمه ويكفر إذا لم يفعله * (مسألة) * (والنذر المنعقد على خمسة أقسام (أحدها) النذر المطلق وهو أن يقول لله علي نذر فيجب به كفارة يمين في قول أكثر اهل العلم) روي ذلك عن ابن مسعود وبان عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم وبه قال الحسن وطاوس وسالم والقاسم والشعبي والنخعي وعكرمة وسعيد بن جبير ومالك والثوري ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه محالفا الا الشافعي قال: لا ينعقد نذره ولا كفارة فيه وأما ما روى عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كفارة النذر إذا لم يسم كفاره يمين " رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب وهذا نص ولانه قول من سمينا من الصحابة والتابعين ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفا فيكون اجماعا

[ 334 ]

(الثاني) اللجاج والغضب وهو ما يقصد به المنع من شئ أو الحمل عليه كقوله ان كلمتك فلله علي الحج أو صوم سنة أو عتق عبدي أو الصدقة بمالي فهذا يمين يخير بين فعله وبين كفاره يمين لما روى عمران بن حصين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين " رواه سعيد في سننه، وعن احمد ان الكفارة تتعين عليه ولا يجزئه غيرها للخبر والاول ظاهر المذهب لانها يمين فيخير فيها بين الامرين كاليمين بالله تعالى ولان هذا جمع الصفتين فيخرج عن العهدة بكل واحدة منهما (الثالث) نذر المباح كقوله لله علي ان البس ثوبي أو أركب دابتي فهذا كاليمين يتخير بين فعله وبين كفارة يمين لما روي ان امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت اني نذرت أن اضرب على رأسك بالدف فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أوف بنذرك " رواه أبو داود ولانه لو حلف على فعل مباح بر بفعله فكذلك إذا نذره لان النذر كاليمين، وان شاء تركه وعليه كفارة يمين كما لو حلف ليفعلنه فلم يفعل ويتخرج ان لا كفارة فيه فان أصحابنا قالوا من نذر أن يعتكف في مسجد معين أو يصلي فيه كان له أن يصلي ويعتكف في غيره ولا كفارة عليه ومن نذر أن يتصدق بماله كله أجزأته الصدقة بثلثه بلا كفارة وهذا مثله وقال مالك والشافعي لا ينعقد نذره لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا نذر الا فيما يبتغى به وجه الله " وروى ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو اسرائيل نذر ان يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " مروه فليجلس ويستظل وليتكلم وليتم صومه " رواه البخاري

[ 335 ]

وعن أنس قال نذرت امرأة ان تمشي إلى بيت الله فسئل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " إن الله لغني عن مشيها مروها فلتركب "، قال الترمذي هذا حديث صحيح ولم يامر بكفارة وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يهادى بين اثنين فسال عنه فقالوا نذر ان يحج ماشيا فقال " ان الله لغني عن تعذيب هذا نفسه مروه فليركب " متفق عليه ولم يامره بكفارة ولانه نذر غير واجب لفعل ما نذره فلم يوجب كفارة كنذر المستحيل، ولنا ما تقدم في قسم نذر اللجاج ولا غضب فاما حديث التي نذرت المشي فقد امر فيه بالكفارة في حديث آخر فروى عقبة بن عامر ان اخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فسال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " مروها فلتركب ولتكفر عن يمينها " اخرجه أبو داود وهذه زيادة يجب الاخذ بها ويجوز أن يكون الراوي للحديث روى البعض وترك البعض أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذكر الكفارة في بعض الحديث إحالة على ما علم من حديثه في موضع آخر. * (مسألة) (فان نذر مكروها كالطلاق فانه مكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " استحب ان يكفر ولا يفعله) لان ترك المكروه اولى من فعله فان فعله فلا كفارة عليه والخلاف فيه كالذي قبله (الرابع)

[ 336 ]

نذر المعصية كشرب الخمر وصوم يوم الحيض ويوم العيد فلا يجوز الوفاء به ويكفر لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من نذر ان يعصي الله فلا يعصه " ولان معصية الله لا تباح في حال ويجب على الناذر كفارة يمين، روي نحو هذا عن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن احمد ما يدل على انه لا كفارة عليه وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. * (مسألة) * (إلا ان ينذر ذبح ولده ففيه روايتان (احداهما) انه كذلك (والثانية) يلزمه ذبح كبش اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله فيمن قال ان فعلت كذا فلله علي نحر ولدي أو يقول ولدي نحير ان فعلت كذا أو نذر ذبح ولده مطلقا غير معلق بشرط فعن احمد عليه كفارة يمين وهذا قياس المذهب لان هذا نذر معصية أو نذر لجاج وكلاهما يوجب الكفارة وهو قول ابن عباس فانه قال لامرأة نذرت ان تذبح ابنها لا تنحري ابنك كفري عن يمينك (والرواية الثانية) كفارته ذبح كبش ويطعمه المساكين وهو قول أبي حنيفة ويروى ذلك عن ابن عباس أيضا، لان نذر ذبح الولد جعل في الشرع كنذره ذبح شاة بدليل أن الله تعالى أمر ابراهيم عليه السلام بذبح ولده وكان أمرا بذبح شاة وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه ودليل انه أمر بذبح شاة ان الله لا يأمر بالفحشاء ولا بالمعاصي وذبح الولد من كبائر المعاصي، قال الله

[ 337 ]

تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قيل ثم أي؟ قال " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك "، وقال الشافعي ليس هذا بشئ ولا يجب به شئ لانه نذر معصية لا يجوز الوفاء به ولا يجوز ولا تجب به كفارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين " رواه سعيد في سننه ولان النذر حكمه حكم اليمين بدليل قوله عليه الصلاة والسلام " النذر حلفة " وكفارته كفارة يمين فيكون بمنزلة من حلف ليذبحن ولده وقولهم ان النذر لذبح الولد كناية عن ذبح كبش لا يصح لان ابراهيم عليه السلام لو كان مأمورا بذبح كبش لم يكن الكبش فداء ولا كان مصدقا للرؤيا قبل ذبح الكبش وانما أمر بذبح ابنه ابتلاء ثم فدي بذبح الكبش وهذا أمر اختص به ابراهيم عليه السلام لا يتعداه إلى غيره لحكمة علمها الله تعالى فيه ثم لو كان ابراهيم مأمورا بذبح كبش فقد ورد شرعنا بخلافه فان نذر ذبح الابن ليس بقربة في شرعنا ولا مباح بل هو معصية فتكون كفارته كفارة سائر نذور المعاصي. (فصل) فان نذر ذبح نفسه أو اجنبي ففيها أيضا عن أحمد روايتان فنقل ابن منصور عن احمد

[ 338 ]

فيمن نذر ذبح نفسه إذا حنث يذبح شاة وكذلك ان نذر ذبح أجنبي لان ذلك يروى عن ابن عباس والذي قال أنا أنحر فلانا فقال عليه كبش ولانه نذر ذبح آدمي فكان عليه ذبح كبش كنذر ذبح ابنه (والثانية) عليه كفارة يمين لانه نذر معصية فكان موجبه كفارة لما ذكرنا فيما تقدم وروى الجوزجاني باسناده عن الاوزاعي قال حدثني أبو عبيد قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال إني نذرت ان أنحر نفسي فتجهمه ابن عمر واقف منه ثم أتي ابن عباس فقال اهد مائة بدنة ثم أتي عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال أرأيت لو نذرت ان لا تكلم أباك أو أخاك؟ انما هذه خطوة من خطوات الشيطان استغفر الله وتب إليه فرجع إلى ابن عباس فأخبره نقال أصاب عبد الرحمن ورجع ابن عباس عن قوله والصحيح ان هذا نذر معصية حكمه حكم سائر المعاصي لا غير. (فصل) قال أحمد في امرأة نذرت نحر ولدها ولها ثلاثة أولاد تذبح عن كل واحد كبشا وتكفر عن يمينها وهذا على قولنا ان كفارة نذر ذبح الولد كبش فجعل عن كل واحد لان لفظ الواحد إذا أضيف اقتضى التعميم فكان عن كل واحد كبش فان عينت بنذرها واحدا فانما عليه كبش واحد بدليل ابراهيم عليه السلام لما أمر بذبح ابنه الواحد فدى بكبش واحد ولم يفد غير من أمر بذبحه من أولاده كذا ههنا وعبد المطلب لما نذر ذبح ابن من بنيه ان يبلغوا عشرة لم يفد منهم إلا واحدا وسواء نذرت معينا أو عينت واحدا غير معين، فأما قول أحمد وتكفر يمينها فيحتمل

[ 339 ]

انه أراد ان تذبح الكباش كفارة ويحتمل انه كان مع نذرها يمين فأما على الرواية الاخرى تجزئها كفارة يمين على ما سبق. * (مسألة) * (ويحتمل ان لا ينعقد نذر المباح ولا المعصية ولا تجب به كفارة ولهذا قال أصحابنا من نذر الاعتكاف أو الصلاة في مكان معين فله فعله في غيره ولا كفارة وقد روي عن احمد ما يدل على ذلك فانه قال فيمن نذر ليهدمن دار غيره لبنة لبنة لا كفارة عليه) وهذا في معناه وروي هذا عن مسروق والشعبي وهو مذهب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد " رواه مسلم والمذهب ان عليه الكفارة وقد ذكرناه في نذر المباح ووجهه ما روت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين " رواه الامام احمد وأبو داود والترمذي وقال هذا حديث غريب (فصل) وان نذر فعل طاعة وليس بطاعة لزمه فعل الطاعة كالذي في خبر ابي اسرائيل فان النبي صلى الله عليه وسلم امره باتمام الصوم وترك ما سواه لكونه ليس بطاعة وفي وجوب الكفارة لما تركه روايتان على ما ذكرناه وقد روى عقبة بن عامر ان أخته نذرت ان تمشي إلى بيت الله الحرام حافية غير مختمرة فذكر عقبة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مر اختك فلتركب ولتختمر ولتعصم ثلاثة

[ 340 ]

أيام "، رواه الجوزجاني والترمذي فان كان المتروك خصالا كثيرة اجزأته كفارة واحدة لانه نذر واحد فتكون كفارته واحدة كاليمين الواحدة على افعال ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم اخت عقبة بن عامر في ترك التحفي والاختمار باكثر من كفاة. * (مسألة) * (ولو نذر الصدقة بكل ماله فله الصدقة بثلثه ولا كفارة عليه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لابي لبابة حين قال ان من توبتي يا رسول الله ان انخلع من مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزيك الثلث " وبهذا قال الزهري ومالك وقال ربيعة يتصدق منه بقدر الزكاة لان المطلق يحمل على معهود الشرع ولا يجب في الشرع إلا قدر الزكاة وعن جابر بن زيد قال ان كان كثيرا وهو ألفان تصدق بعشره وان كان متوسطا وهو الف تصدق بسبعه، وان كان قليلا وهو خمسمائة تصدق بخمسه وقال أبو حنيفة يتصدق بالمال الزكوي كله وعنه في غيره فيه روايتان. [ احداهما ] يتصدق به (والثانية) لا يلزمه منه شئ وقال النخعي والبتي والشافعي يتصدق بماله كله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نذر ان يطيع الله فليطعه " ولانه نذر طاعة فلزمه الوفاء به كنذر الصلاة والصيام ولنا حديث ابي لبابة المذكور وعن كعب ابن مالك قال قلت يا رسول الله ان من توبتي ان انخلع من مالي صدقه إلى الله والى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " امسك عليك بعض مالك فهو خير لك " متفق عليه ولابي داود يجزئ عنك الثلث قالوا ليس هذا بنذر وإنما أراد الصدقة

[ 341 ]

بجميعه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم؟ الاقتصار على الثلث وليس هذا محل النزاع انما النزاع فيمن نذر الصدقة بجميعه فلنا عنه جوابان (احدهما) أن قوله " يجزئك الثلث " دليل على انه اتى بلفظ يقتضي الايجاب لانها انما تستعمل غالبا في الواجبات ولو كان مخيرا بارادة الصدقة لما لزمه شئ يجزئ عنه بعضه (الثاني) ان منعه من الصدقة بزيادة على الثلث دليل على انه ليس بقربة لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع أصحابة من القرب ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به ولنا على أبي حنيفة ان غير الزكوي مال فتناوله النذر كغير الزكوي وما قاله ربيعة لا يصح فان هذا ليس بزكاة ولا في معناها فان الصدقة وجبت لاغناء الفقراء ومواساتهم وهذه صدقة تبرع بها صاحبها تقربا إلى الله تعالى ثم ان المحمول على معهود الشرع المطلق وهذه صدقة معينة غير مطلقة ثم تبطل بما لو نذر صياما فانه لا يحمل على صوم رمضان وكذلك الصلاة وما ذكره جابر بن زيد فهو تحكم بغير دليل * (مسألة) * (وان نذر الصدقة بألف لزمه جميعه) وعنه يجزئه ثلثه إذا نذر الصدقة بمعين من ماله أو بمقدر كألف فروي عن أحمد انه يجزئه ثلثه لانه مال نذر الصدقة به فأجزأه ثلثه كجميع المال والصحيح في المذهب لزوم الصدقة بجميعه لانه

[ 342 ]

منذور هو قربة فلزمه الوفاء به كسائر المنذورات ولعموم قوله سبحانه (يوفون بالنذر) وانما خولف هذا في جميع المال للاثر فيه ولما في الصدقة بالمال كله من الضرر اللاحق به اللهم الا ان يكون المنذور ههنا يستغرق جميع المال فيكون كنذر ذلك ويحتمل انه ان كان المنذور ثلث المال فما دون لزمه وفاء نذره وان زاد على الثلث لزمه الصدقة بقدر الثلث منه لانه حكم يعتبر فيه الثلث فأشبه الوصية به (فصل) إذا نذر الصدقة بقدر من المال فابرأ غريمه من قدره يقصد به وفاء النذر لم يجزئه وإن كان الغريم من أهل الصدقة قال أحمد لا يجزئه حتى يقبضه وذلك لان الصدقة تقتضي التمليك وهذا إسقاط فلم يجزئه كما في الزكاة قال أحمد فيمن نذر ان يتصدق بمال وفي نفسه انه الف أجزأه ان يخرج ما قلنا وذلك لان اسم المال يقع على القليل وما نواه زيادة على ما تناوله الاسم والنذر لا يلزم بالنية والقياس انه يلزمه ما نواه لانه نوى بكلامه ما يحتمله فتعلق الحكم به كاليمين وقد نص أحمد فيمن نذر صوما أو صلاة وفي نفسه أكثر مما تناوله لفظه انه يلزمه ذلك وهذا كذلك * (فصل) * قال رحمه الله (الخامس نذر التبرر كنذر الصلاة والصيام والصدقة والاعتكاف والحج والعمرة ونحوها من القرب سواء نذره مطلقا أو علقه بشرط يرجوه فقال ان شفى الله مريضي أو سلم الامالي فلله علي كذا فمتى وجد شرطه انعقد نذره ويلزمه الوفاء به) نذر التبرر يتنوع ثلاثة أنواع (أحدها) هذا الذي ذكرناه إذا كان في مقابلة نعمة استجلبها أو نقمة

[ 343 ]

استدفعها كقوله ان شفي الله مريضي فعلي صوم شهر وتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الشرع كالصوم والصلاة والصدقة والحج فهذا يلزم الوفاء به باجماع أهل العلم (والنوع الثاني) التزام طاعة من غير شرط كقوله ابتداء لله علي صوم شهر فيلزم الوفاء به في قول أكثر أهل العلم وهو قول أهل العراق وظاهر مذهب الشافعي وقال بعض أصحابه لا يلزم الوفاء به لان أبا عمر غلام ثعلبة قال النذر عند العرب وعد بشرط ولان ما التزمه الآدمي بعوض يلزمه كالبائع والمستأجر وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد كالهبة (النوع الثالث) نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب كالاعتكاف وعيادة المريض فيلزم الوفاء به عند عامة أهل العلم وحكى عن أبي حنيفة انه لا يلزمه الوفاء به لان النذر فرع على المشروع فلا يجب به ما لا يجب له مالا نظير له باصل الشرع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من نذر ان يطيع الله فليطعه " رواه البخاري وذمه الذين ينذرون. ولا يوفون وقول الله تعالى (ومنهم من عاهد الله لان آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين) الآيات إلى قوله (بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) وقال عمر اني نذرت ان أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أوف بنذرك " ولانه الزم نفسه قربة على وجه التبرر فلزمه كموضع الاجماع وكالعمرة فانهم سلموها وهي غير واجبة عندهم كالاعتكاف وما ذكروه يبطل بهذين الاصلين وما حكوه عن أبي عمر لا يصح فان العرب تسمى الملتزم نذرا وان لم يكن بشرط قال جميل

[ 344 ]

فليت رجالا فيك قد نذروا دمي * وهموا بقتلي يابثين لقوني والجعالة وعد بشرط وليست بنذر * (مسألة) * (وان نذر صوم سنة لم يدخل في نذره رمضان ويوما العيد وفي أيام التشريق روايتان وعنه ما يدل على انه يقضي يومي العيدين وأيام التشريق) إذا نذر صوم سنة معينة لم يدخل في نذره رمضان، ويوما العيدين لا يصح صومهما فلم يدخلا في نذره كالليل وفي أيام التشريق روايتان (احداهما) لا يدخل في نذره لانه منهى عن صومها اشبهت يومي العيدين (والثانية) تدخل في نذره ويصومها كالمتمتع إذا لم يجد الهدي وفيه رواية اخرى ان يومي العيدين وأيام التشريق يدخل في نذره فعلى هذا لا يصومها ويقضي بدلها وعليه كفارة يمين لقوله عليه السلام " لا نذر في معصية " وكفارته كفارة يمين رواه أبو داود وان قلنا يجوز صيام أيام التشريق عن نذره فصامها فلا كفارة عليه لانه أتى بالمنذور اشبه ما لو نذر غيرها مما يصح صومه * (مسألة) * (وان نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد أو حيض افطر وقضي وكفر) لان مثل هذا النذر ينعقد لانه نذر نذرا يمكن الوفاء به غالبا فكان منعقدا كما لو وافق غير

[ 345 ]

يوم العيد أو غير يوم الحيض والنفاس ولا يجوز ان يصوم يوم العيد ان وافقه لان الشرع حرم صومه فاشبه زمن الحيض ويلزمه القضاء لانه نذر منعقد قد فاته الصيام بالعذر فلزمته الكفارة كما لو فاته لمرض وعنه يكفر من غير قضاء لانه وافق يوم صومه معصية فأوجب الكفارة من غير قضاء كما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها * (مسألة) * (ونقل عنه ما يدل على انه ان صام يوم العيد صح صومه) لانه وفي بما نذر، فأما ان وافق نذره يوم حيض أو نفاس لم يصمه بغير خلاف نعلمه بين أهل العلم ويتخرج في القضاء والكفارة مثل ما في يوم العيد قياسا عليه * (مسألة) * (وان وافق ايام التشريق فهل يصومها؟ على روايتين) (احداهما) يصومها لقول عائشة لم يرخص في هذه الايام ان يصمن الا للمتمتع إذا لم يجد الهدي فسنا عليه سائر الواجبات (والثانية) لا يصومها للنهي عن ذلك * (مسألة) * (وان نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم ليلا فلا شئ عليه وان قدم نهارا فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره ولا يلزمه الا صيام ذلك اليوم ان لم يكن افطر وعنهه أنه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم وان وافق قدومه يوما من رمضان فقال الخرقي يجزئه صياما لرمضان ونذره وقال غيره عليه القضاء وفي الكفارة روايتان)

[ 346 ]

وجملة ذلك أنه إذا نذر ان يصوم يوم يقدم فلان صح نذره وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الاخر لا يصح نذره لانه لا يمكن صومه بعد وجود شرطه فلم يصم كما لو قال لله علي ان اصوم اليوم الذي قبل اليوم الذي يقدم فيه زيد ولنا أنه زمن يصح فيه صوم التطوع فانعقد نذره لصومه كما لو أصبح صائما تطوعا وقال لله علي أن أصوم يومي وقولهم لا يصح صومه لا يصح لانه قد يعلم اليوم الذي يقدم فيه قبل قدومه فينوي صومه من الليل ولانه قد يجب عليه مالا يمكنه كالصبي يبلغ في أثناء يوم من رمضان والحائض تطهر فيه ولا نسلم ما قاسوا عليه: إذا ثبت ذلك لم يخل من اقسام خمسة (أحدهما) ان يقدم ليلا فلا شئ عليه في قول الجميع لانه لم يقدم في اليوم ولا في وقت يصح فيه الصيام (الثاني) أن يعلم قدومه من الليل فينوي صومه ويكون يوما يجوز فيه صوم النذر فيصح صومه ويجزئه وفاء بنذره (الثالث) أن يقدم يوم فطر أو أضحى فاختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة فعنه لا يصح ويقضي ويكفر نقله عن أحمد جماعة وهو قول أكثر أصحابنا ومذهب الحكم وحماد (والرواية الثانية) يقضي ولا كفارة عليه وهو قول الحسن والاوزاعي وأبي عبيد وقتادة وأبي ثور وأحد قولي الشافعي لانه فاته الصوم الواجب بالنذر فلزمه قضاؤه كما لو تركه نسيانا ولم تلزمه كفارة لان الشرع منعه

[ 347 ]

من صومه فهو كالمكره وعن أحمد رواية ثالثة ان صامه صح صومه وهو مذهب أبي حنيفة لانه قد وفي بما نذر فأشبه ما لو نذر معصية ففعلها ويتخرج أن يكفر من غير قضاء لانه وافق يوما صومه حرام فكان موجبه الكفارة كما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها ويتخرج ان لا يلزمه شئ من كفارة ولا قضاء بناء على من نذر المعصية. ووجه قول الخرقي ان النذر ينعقد لانه نذر نذرا يمكن الوفاء به غالبا فكان منعقدا كما لو وافق غير يوم العيد ولا يجوز أن يصوم يوم العيد لان الشارع حرم صومه فأصبه زمن الحيض ولزمه القضاء لانه نذر منعقد قد فاته الصيام بالعذر فلزمته الكفارة لفواته كما لو فاته بمرض، وان وافق يوم حيض أو نفاس فهو اكما لو وافق يوم فطر أو أضحى الا انها لا تصومه بغير خلاف بين أهل العلم (الرابع) ان يقدم في يوم يصح صومه والناذر مفطر ففيه روايتان (احداهما) يلزمه القضاء والكفارة لانه نذر صوما نذرا صحيحا ولم يف به فلزمه القضاء والكفارة كسائر المنذورات ويتخرج ان لا تلزمه كفارة وهو مذهب الشافعي لانه ترك المنذر لعذر (والثانية) لا يلزمه شئ من قضاء ولا غيره وهو قول ابي يوسف وأصحاب الرأي وابن المنذر لانه قدم في زمن لا يصح صومه فيه فلم يلزمه شئ كما لو قدم ليلا

[ 348 ]

(الخامسة) قدم والناذر صائم فلا يخلو من أن يكون تطوعا أو فرضا فان كان تطوعا فقال القاضي يصوم بقيته ويعقده عن نذره ويجزئه ولا قضاء ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة لانه يمكن صوم يوم بعضه تطوع وبعضه واجب كما لو نذر في صوم التطوع اتمام صوم ذلك اليوم وإنما وجد سبب الوجوب في بعضه وذكر القاضي احتمالا آخر أنه يلزمه القضاء والكفارة لانه صوم واجب فلم يصح بنية من النهار كقضاء رمضان وذكر أبو الخطاب هذين الاحتمالين روايتين وعند الشافعي عليه القضاء فقط كما لو قدم وهو مفطر ويتخرج لنا مثله، وأما ان كان الصوم واجبا مثل ان يوافق يوما من رمضان فقال الخرقي يجزئه لرمضان ونذره لانه نذر صومه وقد وفى به وقال غيره عليه القضاء لانه لم يصمه عن نذره وفي الكفارة روايتان (إحداهما) يجب لتأخر النذر (والثانية) لا يجب لانه أخر أشبه ما لو أخر صوم رمضان لعذر * (مسألة) * (وان وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء عليه ولا كفارة) لانه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر أشبه ما لو فاته (فصل) وان قال لله علي صوم يوم العيد فهذا نذر معصية على ناذر الكفارة لا غير نقلها حنبل عن أحمد وفيه رواية أخرى ان عليه القضاء مع الكفارة كما لو نذر يوم الخميس فوافق يوم العيد والاولى هي الصحيحة قاله القاضي لان هذا نذر معصية فلم يوجب قضاء كسائر المعاصي وفارق ما

[ 349 ]

إذا نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم العيد لانه لم يقصد بنذره المعصية وإنما وقع اتفاقا وههنا وتعمدها بالنذر فلم ينعقد نذره ويدخل في قوله عليه الصلاة والسلام " لا نذر في معصية " ويتخرج ألا يلزمه شئ بناء على نذر المعصية فيما تقدم * (مسألة) * (وان نذر صوم شهر معين فلم يصمه لغير عذر فعليه القضاء وكفارة يمين) لانه صوم واجب معين أخره فلزمه قضاؤه كرمضان وتلزمه كفارة يمين لتأخير النذر عن وقته لانه يمين وان لم يصمه لعذر فعليه القضاء لانه واجب أشبه رمضان وفي الكفارة روايتان (إحداهما) تلزمه لتأخير النذر والاخرى لا تلزمه لانه أخره لعذر أشبه تأخير رمضان ل‍؟ ذر * (مسألة) * (وان صام قبله لم يجزئه) وكذلك ان نذر الحج في عام فحج قبله وقال أبو يوسف يجزئه كما لو حلف ليقضينه حقه في وقت فقضاه قبله ولنا ان المنذر محمول على المشروع ولو صام قبل رمضان لم يجزئه فكذلك إذا صام المنذور قبله ولانه لم يأت بالمنذور في وقته فلم يجزئه كما لو لم يفعله أصلا * (مسألة) * (وان افطر في اثنائه لغير عذر لزمه استئنافه ويكفر ويحتمل ان يتم باقيه ويقضي ويكفر) إذا نذر صوم شهر معين فافطر في أثنائه لم يخل من حالين احدهما الفطر لغير عذر ففيه روايتان (إحداهما) ينقطع صومه ويلزمه استئنافه لانه صوم يجب متتابعا بالنذر فابطله الفطر لغير عذر وفارق

[ 350 ]

رمضان فانه تتابعه بالشرع لا بالنذر وههنا اوجبه عل نفسه ثم فوته فأشبه ما لو شرطه متتابعا (الثانية) لا يلزمه الاستئناف الا أن يكون قد شرط التتابع وهذا قول الشافعي لان وجوب التتابع ضرورة التعيين لا بالشرط فلم يبطله الفطر في أثنائه كشهر رمضان ولان الاستئناف يجعل الصوم في غير الوقت الذي عينه والوفاء بنذره في غير وقته وتفويت البعض لا يوجب تفويت الجميع فعلى هذا يكفر عن فطره ويقضي أيام فطره بعد اتمام صومه وهذا أ؟ يس إن شاء الله تعالى واصح وعلى الرواية الاولى يلزمه الاستئناف عقيب الايام التي أفطر فيها ولا يجوز تأخيره لان باقي الشهر منذور فلا يجوز ترك الصوم فيه وتلزمه كفارة أيضا لا خلاله بصوم الايام التي أفطرها (الحال الثاني) أفطر لعذر فانه يبني على ما مضى من صيامه ويكفر هذا قياس المذهب وفيه رواية أخرى انه لا كفارة عليه وهو مذهب مالك والشافعي وابي ثور وابن المنذر لان النذر محمول على المشروع ولو أفطر رمضان لعذر لم يلزمه شئ ولنا انه فات ما نذره فلزمته كفارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لاخت عقبة بن عامر " ولتكفر بمينها " وفارق رمضان فانه لو أفطر لغير عذر لم تجب عليه كفارة إلا في الجماع بخلاف هذا (فصل) وان جن جميع الشهر المعين لم يلزمه قضاء ولا كفارة وقال أبو يوسف يلزمه القضاء لانه

[ 351 ]

من اهل التكليف في وقت الوجوب فلم يلزمه القضاء كما لو كان في شهر رمضان وان حاضت المرأة جميع الزمن المعين فعليها القضاء وفي الكفارة وجهان وقال الشافعي لا كفارة عليها وفي القضاء وجهان (أحدهما) لا يلزمها لان زمن الصوم لا يمكن الصوم فيه فلا يدخل في النذر كزمن رمضان ولنا ان المنذور يحمل على المشروع ابتداء ولو حاضت في شهر رمضان لزمها القضاء فكذلك المنذور (فصل) وان قال على الحج في عامي هذا فلم يحج لعذر أو غيره فعليه القضاء والكفارة ويحتمل أن لا كفارة عليه إذا كان معذورا وقال الشافعي ان تعذر عليه الحج لاحد الشرائط السبعة أو منعه منع سلطان أو عدو فلا قضاء عليه وان حدث به مرض أو اخطأ أو تواني قضاه ولنا انه فاته الحج المنذور فلزمه قضاؤه كما لو مرض ولان المنذور محمول على المشروع ابتداء ولو فاته المشروع لزمه قضاؤه فكذلك المنذور * (مسألة) * (وان نذر صوم شهر لزمه التتابع) إذا نذر صوم شهر فهو مخير بين أن يصوم شهرا بالهلال فيجزئه وبين أن يصومه بالعدد ثلاثين يوما ويلزمه التتابع في احد الوجهين وهو قول ابي ثور لان اطلاق الشهر يقتضي التتابع (والثاني) لا يلزمه التتابع

[ 352 ]

وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن لان الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يوما ولا خلاف في انه يجزئه ثلاثون يوما فلم يلزمه التتابع كما لو نذر ثلاثين يوما * (مسألة) * (وان نذر أياما معدودة لم يلزمه التتابع الا أن يستر له) نص عليه أحمد وروي عنه فيمن قال لله علي صيام عشرة أيام يصومها متتابعا وهذا يدل على وجوب التتابع في الايام المنذورة وهو اختيار القاضي وحمل بعض أصحابنا كلام احمد على من شرط التتابع أو نواه لان لفظ العشرة لا يقتضي تتابعا والنذر لا يقتضيه ما لم يكن في لفظه أو نيته وقال بعضهم كلام أحمد على ظاهره ويلزمه التتابع في نذر العشرة دون الثلاثين لان الثلاثين شهر فلو أراد التتابع لقال شهرا فعدوله إلى العدد دليل على ارادة التفريق بخلاف العشرة والصحيح أنه لا يلزمه التتابع فان عدم ما يدل على التفريق ليس بدليل على التتابع فان الله تعالى قال في رمضان (فعدة من أيام أخر) ولم يذكر تفريقها ولا تتابعها ولم يجب التتابع فيها بالاتفاق وقال بعض أصحابنا ان نذر اعتكاف ايام لزمه التتابع ولا يلزم مثل ذلك في الصيام لان الاعتكاف يتصل بعضه ببعض من غير فصل الصوم يتخلله الليل فيفل بعضه من بعض ولذلك لو نذر اعتكاف يومين متتابعين لدخل فيه الليل والصحيح التسوية لان الواجب ما اقتضاه لفظه ولا يقتضي التتابع بدليل نذر الصوم وما ذكروه ومن قال يلزمه التتابع لزمته الليالي التي بين أيام الاعتكاف كما لو قال متتابعة

[ 353 ]

* (مسألة) * (وان نذر صياما متتابعا فافطر لمرض أو حيض قضى لا غير وان افطر لغير عذر لزمه الاستيفاء وإن افطر لسفر أو ما يبيح الفطر فعلى وجهين) وجملته ان من نذر صياما متتابعا غير معين لم يخل من حالين (احدهما) ان يفطر لعذر من حيض أو مرض أو نحوه فهو مخير بين ان يبتدئ الصوم ولا شئ عليه لانه أتى بالمنذور على وجهه وبين أن يبني على صيامه ويكفر لان الكفارة تلزم لتركه المنذور وان كان عاجزا بدليل ان النبي صلى الله عليه وسلم امر اخت عقبة بن عامر بالكفارة لعجزها عن المشي ولان النذر كاليمين، ولو حلف ليصومن صياما متتابعا ثم لم يأت به متتابعا لزمته الكفارة، وانما جوزنا له البناء ههنا لان الفطر لعذر لا يقطع التتابع حكما كما لو افطر في صيام الشهرين المتتابعين لعذر كان له البناء والذي ذكره شيخنا في الكتاب المشروح انه لا كفارة عليه إذا افطر لعذر فانه قال: قضاه لا غير وهي إحدى الروايتين عن احمد، كما لو ترك التتابع في الشهرين المتتابعين لعذر فانه لا كفارة عليه كذا ههنا (الحال الثاني) ان يفطر لغير عذر فهذا يلزمه استئناف الصيام ولا كفارة عليه لانه ترك التتابع المنذور لغير عذر مع امكان الاتيان به فلزمه فعله كما لو نذر صوما معينا فصام قبله فان أفطر لعذر يبيح الفطر

[ 354 ]

كالسفر لم يقطع التتابع في أحد الوجهين لانه عذر في فطر رمضان فأشبه المرض (والثاني) يفطر لانه أفطر باختياره أشبه ما لو أفطر لغير عذر (فصل) إذا نذر صوم شهر متتابع فصام من اول الهلال أجزأه تاما كان الشهر أو ناقصا لان ما بين الهلالين شهر ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " الشهر تسع وعشرون " وإن بدأ من أثناء شهر لزمه شهر بالعدد ثلاثون يوما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غم علكيم فاكملوا ثلاثين " لانه بدأ من أثنائه، ان كان ناقصا قضى يومين وان كان تاما أتم يوما واحدا وان صام ذا الحجة أفطر يوم الاضحى وأيام التشريق ولم ينقطع تتابعه كما لو أفطرت المرأة لحيض، وعليه كفارة ويقضي أربعة أيام إن كان تاما وخمسة ان كان ناقصا والاولى أن لا يلزمه إلا أربعة إذا كان ناقصا لانه بدأ من اوله فيقضي المتروك منه حسب، وان صام من اول شهر فمرض فيه أياما معلومة أو حاضت المرأة فيه ثم طهرت قبل خروجه قضى ما افطر منه بعدته إن كان الشهر تاما وان كان ناقصا فهل يلزمه الاتيان بيوم آخر؟ على وجهين بناء على ما ذكرنا فيما إذا أفطر يوم العيد وأيام التشريق. (فصل) إذا نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان فقدم في أول شهر رمضان فظاهر كلام الخرقي ان هذا نذر منعقد يجزئ صيامه عن النذر ورمضان وهو قول أبي يوسف وقياس قول ابن عباس وعكرمة لانه نذر صوما في وقت وقد صام فيه، وقال القاضي في شرحه ظاهر كلام الخرقي انه غير

[ 355 ]

منعقد لان نذره وافق زمنا يستحق صومه فلم ينعقد نذره كنذر صوم رمضان قال والصحيح عندي صحة النذر لانه نذر طاعة يمكن الوفاء به غالبا فانعقد كما لو وافق شعبان فعلى هذا يصوم رمضان ثم يقضي ويكفر وهذا اختيار أبي بكر ونقل جعفر بن محمد عن احمد ان عليه القضاء وقول الخرقي: أجزأه صيامه لرمضان ونذره دليل على ان نذره انعقد عنده لولا ذلك ما كان صومه عن نذره وقد نقل أبو طالب عن احمد في من نذر ان يحج وعليه حجة مفروضة فاحرم عن النذر: وقعت عن المفروض ولا يجب عليه شئ آخر وهذا مثل قول الخرقي وروي عكرمة عن ابن عباس في رجل نذر ان يحج ولم يكن حج الفريضة قال يجزئ لهما جميعا، وعن عكرمة انه سئل عن ذلك فقال عكرمة يقتضي حجة عن نذره وعن حجة الاسلام ارأيتم لو ان رجلا نذر ان يصلي اربع ركعات فصلى العصر أليس ذلك يجزئه من العصر والنذر؟ قال فذكرت قولي لابن عباس فقال أصبت وأحسنت وقال ابن عمر وأنس يبدأ بحجة الاسلام ثم يحج لنذره وفائدة انعقاد ونذره لزوم الكفارة بتركه وانه لو لم ينوه لنذره لزمه قضاؤه وعلى هذا لو وافق نذره بعض رمضان وبعض شهر آخر اما شعبان وإما شوال لزمه صوم ما خرج عن رمضان ويتمه، ولو قال لله علي صوم رمضان فعلى قياس قول الخرقي يصح نذره ويجزئه صيامه عن الامرين ولزمته الكفارة ان اخل به وعلى قول القاضي لا ينعقد نذره وهو مذهب الشافعي لانه لا يصح صومه عن النذر أشبه الليل.

[ 356 ]

ولنا أن النذر يمين فينعقد في الواجب موجبا للكفارة كاليمين بالله تعالى وقد نقل عن أحمد فيمن نذر أن يحج العام وعليه حجة الاسلام روايتان. (إحداهما) تجزئه حجة الاسلام عنها وعن نذره نقلها أبو طالب (والثانية) ينعقد نذره موجبا لحجة غير الاسلام ويبدأ بحجة الاسلام ثم يقضي نذره نقلها ابن منصور لانهما عبادتان تجبان بسببين مختلفين فلم تسقط إحداهما بالاخرى كما لو نذر حجتين. ووجه الاولى انه نذر عبادة في وقت معين وقد أتى بها فيه فأشبه ما لو قال لله علي ان أصوم رمضان. (فصل) فأما ان قال لله علي ان أصوم شهرا فنوى صيام شهر رمضان لنذره ورمضان لم يجزئه لان شهر رمضان واجب يفرض الله تعالى ونذره يقتضي إيجاب شهر فيجب شهران بسببين فلا يجزئ أحدهما عن الآخر كما لو نذر صوم شهرين وكما لو نذر أن يصلي ركعتين لم تجزئه صلاة الفجر عن نذره وعن الفجر * (مسألة) * (وان نذر صياما فعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم عنه لكل يوم مسكينا ويحتمل أن يكفر ولا شئ عليه) من نذر طاعة لا يطيقها أو كان قادار عليها فعجز عنها فعليه كفارة يمين لما روى عقبة بن عامر قال نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته

[ 357 ]

فقال " لتمش ولتركب " متفق عليه ولابي داود " ولتكفر يمينها " وللترمذي " ولتصم ثلاثة أيام " وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " قال " ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين " رواه أبو داود وقال وقفه من رواه عن ابن عباس وقال ابن عباس من نذر نذرا يطيقه فليف بما نذر فإذا كفر وكان المنذور غير الصيام لم يلزمه شئ آخر وان كان صياما فعن احمد روايتان (احداهما) يلزمه لكل يوم اطعام مسكين قال القاضي وهذا أصح لانه صوم وجد سبب ايجابه عبثا فإذا عجز عنه لزمه ان يطعم عن كل يوم مسكينا كصوم رمضان ولان المطلق من كلام الادمي يحمل على المطلق من كلام الله تعالى، ولو عجز عن الصوم المشروع اطعم عن كل يوم مسكينا كذلك إذا عجز عن الصوم المنذور (والثانية) لا يلزمه شئ آخر من اطعام ولا غيره لقوله من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين وهذا يقتضي أن تكون كفارة اليمين جميع كفارته ولانه نذر عجز عن الوفاء به فكان الواجب فيه كفارة يمين كسائر النذر ولان موجب النذر موجب اليمين الا مع إمكان الوفاء به إذا كان قربة ولا يصح قياسه على صوم رمضان لوجهين (أحدهما) ان رمضان يطعم عنه عند العجز بالموت فكذلك في الحياة (الثاني) ان قياس المنذور على المنذور أولى من قياسه على المفروض باصل الشرع لان هذا قد وجبت فيه كفارة فاجزأت عنه بخلاف المشروع

[ 358 ]

(فصل) وان عجز عن الصوم لعارض يرجى زواله من مرض أو نحوه انتظر زواله ولا تلزمه كفارة ولا غيرها لانه لم يفت الوقت فيشبه المريض في شهر رمضان فان استمر عجزه إلى ان صار غير مرجو الزوال صار إلى الكفارة والفدية على ما ذكرنا من الخلاف فيه، فان كان العجز المرجو الزوال عن صوم معين فات وقته انتظر الامكان ليقضيه وهل تلزمه لفوات الوقت كفارة، على روايتين ذكرهما أبو الخطاب (إحداهما) تجب الكفارة لاته اخل بما نذره على وجهه فلزمته الكفارة كما لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام فعجز ولان النذر كاليمين ولو حلف ليصومن هذا الشهر لزمته الكفارة كذا ههنا (والثانية) لا يلزمه لانه أتى بصيام اجزأ عن نذره من غير تفريطه فلم تلزمه كفارة كما لو صام عينه (فصل) فان نذر غير الصيام فعجز عنه كالصلاة ونحوها فليس عليه الا الكفارة لان الشرع لم يجعل لذلك حدا يصار إليه فوجبت الكفارة لمخالفته نذره فقط وان عجز عنه لعارض فحكمه حكم الصيام سواء فيما فصلناه (فصل) وان نذر صياما ولم يسم عددا ولم ينوه اجزأه صوم يوم لا خلاف فيه لانه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم فلزمه لانه اليقين فان نذر صلاة مطلقة ففيها روايتان (إحداهما) تجزئه ركعة نقلها اسماعيل بن سعيد لان أقل الصلاة ركعة فان الوتر صلاة مشرعة وهي ركعة واحدة وروي عن عمر رضي الله عنه أنه تطوع بركعة واحدة

[ 359 ]

(والثانية) لا يجزئه إلا ركعتان ذكرها الخرقي وبه قال أبو حنيفة لان أقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان فوجب حمل النذر عليه، وأما الوتر فهو نفل والنذر فرض فحمله على المفروض أولى ولان الركعة لا تجزئ في الفرض ولا تجزئ في النفل كالسجدة وللشافعي قولان كالروايتين فاما ان عين بنذره عددا لزمه قل أو كثر لان النذر يثبت بقوله فكذلك عدده فان نوى عددا فهو كما لو سماه لانه نوى بلفظه ما يحتمله فلزمه حكمه كاليمين (فصل) وان نذر صوم الدهر لزمه ولم يدخل في نذره رمضان ولا أيام العيد والتشريق فإذا افطر لعذر أو غيره لم يقضه لان الزمن مستغرق بالصوم المنذور لكن تلزمه كفارة لتركه وان لزمه قضاء لرمضان أو كفارة قدمه على النذر لانه واجب باصل الشرع فيقدم على ما اوجبه على نفسه لتقديم حجة الاسلام على المنذورة وإذا لزمته كفارة لتركه صوم يوم أو أكثر وكانت كفارته الصيام احتمل ان يجب لانه لا يمكن التكفير الا بترك الصوم المنذور وتكره يوجب كفارة فيفضي إلى التسلسل وترك المنذور بالكلية ويحتمل ان تجب الكفارة ولا يجب بفعلها كفارة لان ترك النذر لعذر لا يوجب كفارة فلا يفضي إلى التسلسل والله أعلم * (مسألة) * (وان نذر المشي إلى بيت الله الحرام أو موضع من الحرم لم يجزئه إلا المشي في حج أو عمرة فان ترك المشي لعجز أو غيره فعليه كفارة يمين وعنه عليه دم) وجملة ذلك ان من نذر المشي إلى بيت الله عزوجل لزمه الوفاء بنذره وبهذا قال مالك

[ 360 ]

والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر ولا نعلم فيه خلافا لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من نذر ان يطيع الله فليطعه - وقال - لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى " ولا يجزئه المشي الا في حج أو عمرة وبه يقول الشافعي ولا نعلم فيه خلافا وذلك لان المشي إليه في الشرع هو المشي في حج أو عمرة فإذا اطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي ويلزمه المشي لنذره اياه فان عجز عن المشي ركب وعليه كفارة يمين وعن احمد رواية أخرى أنه يلزمه دم وهو قول الشافعي وبه قال عطاء لما روى ابن عباس ان أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ان تركب وتهدي هديا رواه أبو داود وفيه ضعف لانه أخل بواجب في الاحرام فلزمه هدي كتارك الاحرام من المقيات وعن ابن عمر وابن الزبير قالا يحج من قابل ويركب ما مشي ويمشي ما ركب ونحوه قال ابن عباس وزاد ويهدي وعن الحسن مثل الاقوال الثلاثة وعن النخعي روايتان (إحداهما) كقول ابن عمر (والثانية) كقول ابن عباس وهذا قول مالك وقال أبو حنيفة يلزمه هدي سواء عجز عن المشي أو قدر عليه وأقل الهدي شاة وقال الشافعي لا تلزمه مع العجز كفارة بحال الا ان يكون النذر إلى بيت الله فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان وأما غيره فلا يلزم مع العجز شئ ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لاخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت الله " لتمش ولتركب

[ 361 ]

ولتكفر يمينها " وقول النبي صلى الله عليه وسلم " كفارة النذر كفارة اليمين " ولان المشي مما لا يوجبه الاحرام فلم يجب الدم يتركه كما لو نذرت صلاة ركعتين فتركتهما وحديث الهدي ضعيف وهذا حجة على الشافعي حيث أوجب الكفارة عليها من غير ذكر العجز فان قيل ان النبي صلى الله عليه وسلم أوجب عليه الكفارة من غير ذكر العجز قلنا يتعين حمله على حالة العجز لان المشي قربة لكونه مشيا إلى عبادة والمشي إلى العبادة أفضل ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة فلو كانت قادرة على المشي لامرها به ولم يأمرها بالتكفير ولان المشي المقدور عليه لا يخلو من ان يكون واجبا أو مباحا فان كان واجبا لزم الوفاء به وان كان مباحا لم تجب الكفارة بتركه عند الشافعي وقد أوجب الكفارة ههنا وترك ذكره في الحديث إما لعلم النبي صلى الله عليه وسلم بحالها وعجزها وإما لان الظاهر من حال المرأة العجز عن المشي إلى مكة أو يكون قد ذكر في الخبر فترك الراوي ذكره وقول أصحاب أبي حنيفة إنه اخل بواجب في الحج قلما المشي لم يوجبه الاحرام ولا هو من مناسكه فلم يجب بتركه هدي كما لو نذر صلاة ركعتين في الحج فلم يصلهما فاما ان ترك المشي مع إمكانه فقد اساء وعليه كفارة لتركه صفة النذر وقياس المذهب ان يلزمه استئناف الحج ماشيا لتركه صفة المنذور كما لو نذر صوما متتابعا فأتى به متفرقا، فان عجز عن المشي بعد الحج كفر واجزأه وان مشي بعض الطريق وركب بعضا فعلى هذا القياس يحتمل ان يكون كقول

[ 362 ]

ابن عمر وهو ان يحج فيمشي ما ركب ويركب ما مشي ويحتمل ان لا يجزئه الا حج يمشي في جميعه لان ظاهر النذر يقتضي هذا ووجه القول الاول وهو الا يلزمه بترك المشي المقدور عليه أكثر من كفارة ان المشي ليس بمقصود في الحج ولا ورد الشرع باعتباره في موضع فلم يلزمه بتركه أكثر من كفارة كما لو نذر النحفي وشبهه وفارق التتابع في الصيام فانه صفة مقصودة فيه اعتبرها الشرع في صيام كفارتي الظهار والقتل * (مسألة) * (فان نذر الركوب فمشى فعلى الروايتين) إذا نذر الحج راكبا لزمه الحج كذلك لان فيه انفاقا في الحج فان ترك الركوع فعليه كفارة وقال أصحاب الشافعي يلزمه دم لترفهه بترك الانفاق وعن احمد مثل ذلك وقد بينا ان الواجب بترك النذر الكفارة دون الهدي الا ان هذا إذا مشى ولم يركب مع امكانه لم يلزمه أكثر من كفارة لان الركوب في نفسه ليس بطاعة ولا قربة، وكل موضع نذر المشي فيه أو الركوب فانه يلزمه الاتيان بذلك من ديرة أهله إلا أن ينوي موضعا بعينه فيلزمه من ذلك الموضع لان النذر محمول على أصله في الفرض، والحج المفروض يجب كذلك ويحرم للمنذور من حيث يحرم للواجب وقال بعض الشافعية يجب الاحرام من دويرة أهله لان اتمام الحج كذلك ولنا ان المطلق محمول على المعهود في الشرع، والاحرام الواجب انما هو من الميقات ويلزمه

[ 363 ]

المنذور من المشي أو الركوب في الحج والعمرة إلى ان يتحلل لان ذلك انقضاء الحج والعمرة. قال احمد يركب في الحج إذا رمى وفي العمرة إذا سعى لانه لو وطئ بعد ذلك لم يفسد حجه ولا عمرته، وهذا يدل على أنه انما يلزمه في الحج التحلل الاول (فصل) وإذا نذر المشي إلى البيت الحرام أو بقعة منه كالصفا والمروة وابي قبيس، أو موضع من الحرم لزمه حج أو عمرة نص عليه احمد وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه إلا أن ينذر المشي إلى الكعبة أو إلى مكة، وقال أبو يوسف ومحمد ان نذر المشي إلى الحرم أو المسجد الحرام كقولنا وفي باقي الصور كقول ابي حنيفة ولنا أنه نذر المشي إلى موضع من الحرم أشبه النذر إلى مكة فاما ان نذر المشي إلى غير الحرم كعرفة ومواقيت الاحرام وغير ذلك لم يلزمه ذلك ويكون كنذر المباح وكذلك ان نذر اتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة لم يلزمه اتيانه، وان نذر الصلاة فيه لزمه الصلاة دون المشي ففي أي موضع صلى أجزأه لان الصلاة لا تختص مكانا دون مكان فلزمته الصلاة دون الموضع ولا نعلم في هذا خلافا الا عن الليث فانه قال لو نذر صلاة أو صياما بموضع لزمه فعله في ذلك الموضع ومن نذر المشي إلى مسجد مشى إليه قال الطحاوي ولم يوافقه على ذلك أحد من الفقهاء لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى " متفق عليه ولو لزمه المشي إلى مسجد بعيد لشد الرحل إليه وقد ذكرناه في الاعتكاف

[ 364 ]

(فصل) فان نذر المشي إلى بيت الله ولم ينو شيئا ولم يعينه انصرف إلى بيت الله الحرام لانه المخصوص بالقصد دون غيره، واطلاق بيت الله ينصرف إليه دون غيره في العرف فينصرف إليه في النذر (فصل) إذا نذر المشي إلى بيت الله والركوب إليه ولم يرد بذلك حقيقة المشي انما أراد اتيانه لزمه اتيانه في حج أو عمرة وعن ابي حنيفة لا يلزمه شئ لان مجرد اتيانه ليس بقربة ولا طاعة ولنا انه علق نذره بوصول البيت فلزمه كما لو قال لله علي المشي إلى الكعبة إذا ثبت هذا فانه مخير في المشي والركوب، وكذلك إذا نذر أن يحج البيت أو يزوره لان الحج يحصل بكل واحد من الامرين فلم يتبين أحدهما وان قال لله علي ان آتي البيت الحرام غير حاج ولا معتمر لزمه الحج أو العمرة وسقط شرطه وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان قوله لله علي ان آتي البيت يقتضي حجا أو عمرة وشرط سقوط ذلك يخالف نذره فسقط حكمه. (فصل) إذا نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الاقصى لزمه ذلك وبهذا قال مالك والاوزاعي وابو عبيد وابن المنذر وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يتبين لي وجوب المشي اليهما لان البر باتيان بيت الله فرض والبر باتيان هذين نفل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا

[ 365 ]

والمسجد الاقصى " ولانه أحد المساجد الثلاثة فيلزم النذر بالمشي إليه كالمسجد الحرام ولا يلزم ما ذكروه فان كان قربة تجب بالنذر، وان لم يكن لها أصل في الوجوب كعيادة المرضى وشهود الجنائز ويلزمه بهذا النذر أن يصلي في الموضع الذي أتاه ركعتين لان القصد بالنذر القربة والطاعة وانما يحصل ذلك بالصلاة فتضمن ذلك نذره كما يلزم ناذر المشي إلى بيت الله الحرام أحد النسكين ونذر الصلاة في أحد المسجدين كنذر المشي إليه كما ان نذر أحد النسكين في المسجد الحرام كنذر المشي وقال أبو حنيفة لا تتعين عليه الصلاة في موضع بالنذر سواء كان في المسجد الحرام أو غيره لان مالا أصل له في الشرع لا يجب بالنذر بدليل نذر الصلاة في سائر المساجد ولنا ما روي ان عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله اني نذرت أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال " اوف بنذرك " متفق عليه، روي عنه عليه الصلاة والسلام " صلاة في المسجد الحرام بمائة الف صلاة " وان كانت فضيلة وقربة لزمت بالنذر كما لو نذر طول القراءة وما ذكروه ويبطل بالعمرة فانها تلزم بالنذر وهي غير واجبة عندهم (فصل) إذا نظر الصلاة في المسجد الحرام لم تجز الصلاة في غيره لانه أفضل المساجد واكثرها ثوابا للمصلي فيها وان نذر الصلاة في المسجد الاقصى أجزأته الصلاة في المسجد الحرام لما روى جابر ان رجلا قام يوم الفتح فقال يا رسول الله اني نذرت ان فتح الله عليك ان أصلي في بيت المقدس

[ 366 ]

ركعتين قال " صل ههنا " ثم أعاد عليه قال " صل ههنا " ثم اعاد عليه قال " صل ههنا " ثم أعاد عليه قال " شأنك " رواه الامام احمد ولفظه " والذي نفسي بيده لو صليت ههنا لاجزأ عنك كل صلاة في بيت المقدس " وقد سبق هذا في باب الاعتكاف (فصل) وان أفسد الحج المنذور ماشيا وجب القضاء مشيا لان القضاء يكون على صفة الاداء وكذلك ان فاته الحج لكن ان فاته الحج سقط توابع الوقوف من المبيت بمزدلفة ومنى والرمي وتحلل للعمرة ويمضي في الحج الفاسد ماشيا حتى يحل منه * (مسألة) * (فان نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها) إذا نذر رقبة فهي التي تجزئ في الكفارة وهي المؤمنة السليمة من العيوب المضرة بالعمل على ما ذكرنا في بابا الظهار لان النذر المطلق تحمل على المعهود في الشعر والواجب باصل الشرع كذلك وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي (والثاني) تجزئه أي رقبة كانت صحيحة أو معيبة مسلمة أو كافرة لان الاسم يتناول جميع ذلك ولان المطلق يحمل على معهود الشرع وهو الواجب في الكفارة وما ذكروه يبطل بنذر المشي إلى بيت الله الحرام فانه لا يحمل على ما تناوله الاسم فاما ان نوى رقبة بعينها أجزأه عتقها اي رقبة كانت لانه نوى بلفظه ما يحتمله، وان نوى ما يقع عليه الاسم الرقبة أجزأه ما نواه لما ذكرنا فان المطلق يتقيد

[ 367 ]

بالنية كما يتقيد بالقرينة اللفظية، وقال احمد فيمن نذر رقبة معينة فمات قبل أن يعتقها تلزمه كفارة يمين ولا يلزمه عتق عبد لان هذا شئ فاته على حديث عقبة بن عامر واليه ذهب في الفائت وما عجز عنه (فصل) ومن نذر حجا أو صياما أو صدقة أو عتقا أو اعتكافا أو صلاة أو غيرها من الطاعات ومات قبل فعله فعله الولي عنه وعن احمد في الصلاة لا يصلي عن الميت لانها لا بدل لها بحال واما سائر الاعمال فيجوز أن ينوب الولي عنه فيها وليس بواجب عليه لكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة له والمعروف وافتى بذلك ابن عباس في امرأة نذرت أن تمشي إلى قباء فماتت ولم تقضه أن تمشي ابنتها عنها، وروى سعيد عن سفيان عن عبد الكريم بن ابي أمية انه سأل ابن عباس عن نذر كان على أمه من اعتكاف قال صم عنها واعتكف عنها وقال ثنا أبو الاحوص عن ابراهيم بن مهاجر عن عامر ابن شعيب ان عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعدما مات وقال مالك لا يمشي أحد عن احد ولا يصوم عنه ولا يصلي وكذلك سائر أعمال البدن قياسا على الصلاة، وقال الشافعي يقضي عنه الحج ولا يقضي الصلاة قولا واحدا ولا يقضي الصوم في أحد الوجهين ويطعم عنه في كل يوم مسكين لان ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه عن كل يوم مسكين " أخرجه ابن ماجة

[ 368 ]

وقال أهل الظاهر يجب القضاء على وليه بظاهر الاخبار الواردة فيه وجمهور أهل العلم على أن القضا ليس بواجب على الولي الا أن يكون حقا في المال ويكون للميت تركة فامر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا محمول على الندب والاستحباب بدليل قرائن في الخبر منها ان النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين وقضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث ما لم يخف تركة يقضي منها، ومنها ان السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يفعل ذلك أولا؟ وجوابه يختلف باختلاف مقتضى سؤاله فان كان مقتضاه السؤال عن الاباحة فالامر في جوابه يقتضي الاباحة وان كان السؤال عن الاجزاء فأمره يقتضي الاجزاء كقولهم أنصلي في مرابض الغنم؟ قال " صلوا في مرابض الغنم " وان كان السؤال عن الوجوب فأمره يقتضي الوجوب كقولهم انتوضأ من لحوم الابل؟ قال " نعم توضئوا منها " وسؤال السائل في مسئلتنا كان عن الاجزاء فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل يقتضيه لا غير ولنا على جواز الصيام عن الميت ما روت عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من مات

[ 369 ]

وعليه صيام صام عنه وليه " وعن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان امي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال " لو كان على امك دين اكنت قاضيه عنها؟ " قال نعم قال " فدين الله أحق ان يقضي " وفي رواية قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان امي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ قال " أرأيت لو كان على امك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ " قالت نعم قال " فصومي عن امك " متفق عليهن وعن ابن عباس ان سعد بن عبادة استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان على امه فتوفيت قبل ان تقضيه فأفتاه ان يقضيه فكانت سنة بعد وعنه ان رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان أمي نذرت ان تحج وانها ماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ "

[ 370 ]

قال نعم قال " فاقض الله فهو أحق بالقضاء " رواه البخاري وهذا صريح في الصوم والحج ومطللق في النذر وما عدا المذكور في الحديث فمقاس عليه وحديث ابن عمر في الواجب بأصل الشرع ويتعين حمله عليه جميعا بين الحديثين ولو قدر التعارض لكانت أحاديثنا أصح وأكثر وأولى بالتقديم. إذا ثبت هذا فان الاولى ان يقضي النذر عنه وارثه وان قضاه غيره اجزأ عنه كما لو قضى عنه دينه فان النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين وقاسه عليه ولان ما يقضيه الوارث انما هو تبرع منه وغيره مثله في التبرع وان كان النذر في مال تعلق بتركته * (مسألة) * (وان نذر ان يطوف على اربع طاف طوافين) نص عليه قال ذلك ابن عباس لما روى معاوية ابن خديج الكندي انه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 371 ]

ومعه امه كبشة بنت معدي كرب عمة الاشعث بن قيس فقالت يا رسول الله اني آليت ان اطوف بالبيت حبوا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " طوفي على رجليك سبعين سبعا عن يديك وسبعا عن رجليك " أخرجه الدارقطني باسناده وقال ابن عباس في امرأة نذرت ان تطوف بالبيت على أربع قال تطوف عن يديها سبعا وعن رجلها سبعا رواه سعيد والقياس ان يلزمه طواف واحد على رجليه ولا يلزمه على يديه لانه غير مشروع فسقط كما ان اخت عقبة بن عامر نذرت ان تحج غير مختمرة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم

[ 372 ]

ان تحج وتختمر وروى عكرمة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فحانت منه نظرة فإذا امرأة ناشرة شعرها قال " فمروها فلتختمر " ومر برجلين مقرونين فقال " أطلقا قرانكا وقد ذكرنا حديث أبي اسرائل الذي نذر ان يصوم ويفعل أشياء فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصوم وحده ونهاه عن سائر نذوره وهل تلزمه كفارة؟ يخرج فيه وجهان بناء على ما تقدم وقياس المذهب لزوم الكفارة لا خلاله بصفة نذره وان كان غير مشروع كما لو كان أصل النذر غير مشروع وأما وجه الاول فان من نذر الطواف على أربع فقد نذر الطواف على يديه ورجليه فأقيم الطواف الثاني مقام طوافه على يديه

[ 373 ]

كتاب القضاء الاصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (وان احكم بينهم بما أنزل الله) وقوله (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) وقال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم خرجا مما قضيت) وأما السنة فروي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " متفق عليه في آي وأخبار سوى ذلك كثيرة واجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس * (مسألة) * (وهو فرض كفاية) لان أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجبا عليهم كالجهاد والامامة قال أحمد رحمه الله لابد للناس من حاكم اتذهب حقوق الناس؟ وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به واداء الحق فيه ولذلك جعل الله فيه اجرا على الخطأ واسقط عنه حكمه ولان فيه أمرا بالمعروف ونصرة للمظلوم واداء الحق إلى مستحقه ورد الظالم عن ظلمه واصلاحا بين الناس وتخليصا لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب ولذلك تولاه النبي صلى الله عليه وسلم والانبياء قبله فكانوا يحكمون لاممهم وبعث عليا إلى اليمن قاضيا وبعث معاذا قاضيا، وعن عقبة بن عامر قال جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله صلى

[ 374 ]

الله عليه وسلم فقال " اقض بينهما " قلت انت أولى بذلك قال " وان كان " قلت علام اقضي؟ قال " اقض فان صبت فلك عشرة أجور وان أخطأت فلك أجر واحد " رواه سعيد في سننه، وولى عمر شريحا قضاء الكوفة وكعب بن سور قضاء البصرة (فصل) وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه ولذلك كان السلف يمتنعون منه أشد الامتناع ويخشون على أنفسهم خطره قال خاقان بن عبد الله اريد أبو قلابة على قضاء البصرة فهرب إلى اليمامة فأريد على قضائها فهرب إلى الشام فأريد على قضائها وقيل ليس هناك غيرك قال فانزلوا الامر على ما قلتم فان مثلي مثل سابح وقع في البحر فسبح يومه فانطلق ثم سبح اليوم الثاني فمضى أيضا فلما كان اليوم الثالث فترت يداه، وكان يقال اعلم الناس بالقضاء اشدهم له كراهة ولعظم خطره قال النبي صلى الله عليه وسلم " من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين " قال الترمذي هذا حديث حسن قيل في هذا الحديث إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء وانما وصفه بالمشقة فكأن من وليه قد حمل على مشقة كمشقة الذبح * (مسألة) * (فيجب على الامام ان ينصب في كل إقليم قاضيا ويختار لذلك أفضل من يجد وأورعهم) لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا قاضيا إلى اليمن وبعث معاذا قاضيا أيضا وقال " بم تحكم؟ " قال بكتاب الله قال " فان لم تجد؟ " قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فان لم تجد؟ " قال اجتهد رأيي قال " الحمد

[ 375 ]

لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وولى عمر شريحا قضاء الكوفة وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاء في الشام ولان أهل كل بلد يتحاجون إلى القاضي ولا يمكنهم المصير إلى الامام ومن أمكنه ذلك شق عليه فوجب اغناؤهم عنه * (مسألة) * (ويختار لذلك افضل من يجد وأورعهم ويأمر بتقوى الله تعالى وايثار طاعته في سره وتحري العدل والاجتهاد في اقامة الحق) إذا اراد الامام تولية قاض فان كان له خبرة بالناس ويعرف من يصلح للقضاء ولاه وان لم يعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس واسترشدهم عنما يصلح وان ذكر له رجل لا يعرف احضره وسأله فان عرف عدالته والا بحث عن عدالته فإذا عرفها ولاه قال علي رضي الله عنه لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الرأي، ويكتب له الامام عهدا يأمره فيه بتقوى الله والتثبت في القضاء ومشاورة أهل العلم وتصفح حال الشهود وتأمل الشهادات وتعاهد اليتامى وحفظ أموالهم وأموال الوقوف وغير ذلك مما يحتاج إلى مراعاته وان يستخلف في كل صقع أصلح من يقدر عليه ليكون قيما بما يتولاه * (مسألة *) (وهل يجب على من يصلح له إذا طلب ولم يوجد غيره الدخول فيه وعنه أنه سئل هلى يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره ممن يوثق به؟ قال لا يأثم وهذا يدل على أنه ليس بواجب) الناس في القضاء على ثلاثة أضرب (منهم) من لا يجوز له الدخول فيه وهو من لا يحسنه ولم

[ 376 ]

تجتمع فيه شروطه فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " القضاة ثلاثة " ذكر منهم رجالا قضى بين الناس بجهل فهو في النار ولان من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه فيأخذ الحق من مستحقه ويدفعه إلى غيره (ومنهم) من يجوز له ولا يجب عليه وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته ولا يجب عليه لانه لم يتعين له فظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر وفي تركه من السلامة ولما ورد فيه من التشديد والذم ولان طريقة السلف الامتناع منه والتوقي وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه وقال أبو عبد الله ابن حامد إن كان رجلا خاملا يرجع إليه في الاحكام فالاولى له توليه ليرجع إليه في الاحكام ويقوم به الحق وينتفع به المسلمون، وان كان مشهورا في الناس بالعلم يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى فالاولى الاشتغال بذلك لما فيه من النفع مع الامن من الغرر هذا قول أصحاب الشافعي وقالوا أيضا إذا كان ذا حاجة وله في القضاء رزق فالاولى له الاشتغال به فيكون أولى من سائر المكاسب لانه قربة وطاعة (والثالث) من يجب عليه وهو من يصلح للقضاء ولا يوجد سواه فهذا يتعين عليه لانه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه وقد نقل عن احمد ما يدل على أنه لا يتعين عليه فانه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال لا يأثم فهذا يحتمل أن يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه لما فيه من الخطر فلا يلزمه الاضرار بنفسه لنفع غيره ولذلك امتنع أبو قلابة منه وقد قيل له ليس ههنا غيرك ويحتمل ان يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره فان أحمد قال لابد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟

[ 377 ]

* (مسألة) * (وان وجد غيره كره له طلبه بغير خلاف في المذهب). لان أنسا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عزوجل ملكا يسدده " قال الترمذي حديث حسن غريب وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة " يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فانك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة اعنت عليها " متفق عليه. * (مسألة) * (وإن طلب فالافضل ألا يجيب في ظاهر كلام أحمد). وقال ابن حامد الافضل الاجابة إذا أمن نفسه وقد ذكرنا أن ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن الافضل والاولى له ألا يجيب إذا طلب ووجد غيره لما فيه من الخطر والغرر وفي تركه من السلامة ولما ورد فيه من التشديد والذم ولان طريقة السلف الامتناع منه والتوفي لذلك وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه وقد ذكرنا قول ابن حامد مفصلا وهو قول أصحاب الشافعي. * (مسألة) * (ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الامام أو نائبه لانها من المصالح العامة فلم تجز إلا من جهة الامام كعقد الذمة). * (مسألة) * (ومن شرط صحتهما معرفة المولي كون المولى على صفة تصلح للقضاء). لان مقصود القضاء لا يحصل إلا بذلك فان كان يعرف صلاحيته للقضاء ولاه وإن لم يعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس واسترشدهم فان عرف ذلك ولاه.

[ 378 ]

* (مسألة) * (ويعين ما يوليه الحكم فيه من الاعمال والبلدان ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها واشهاد شاهدين على توليته وقال القاضي تثبت بالاستفاضة إذا كان بلده قريبا يستفيض فيه أخبار بلد الامام) يشترط تعيين ما يوليه من الاعمال والبلدان ليعلم محمل ولايته فيحكم فيه ولا يحكم في غيره وقد ولى النبي صلى الله عليه وسلم عليا قضاء اليمن وولى عمر شريحا قضاء الكوفة وكعب بن سور قضاء البصرة وبعث في كل مصر قاضيا وواليا، ويشافهه الامام بالولاية ان كان حاضرا أو يكاتبه بها إن كان غائبا لان التولية تحصل بالمشافهة في الحضرة وبالمكاتبة في الغيبة كالتوكيل فان كان البلد الذي لا قضاة فيه غير بلد الامام كتب له العهد بما ولاه، لان النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمر وبن حزم حين بعثه إلى اليمن وكتب عمر إلى أهل الكوفة، أما بعد فاني قد بعثت عليكم عمارا أميرا وعبد الله قاضيا فاسمعوا لهما وأطيعوا، فان كان البلد الذي ولاه بعيدا لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الامام احضر شاهدين عدلين وقرأ عليهما العهد وأشهدهما على توليته ليمضيا معه إلى بلد ولايته فيقيما له الشهادة ويقول لهما اشهدا على اني قد وليته قضاء البلد الفلاني وتقدمت إليه بما يشتمل هذا العهد عليه، وإن كان البلد قريبا من بلد الامام يستفيض إليه ما يجري في بلد الامام نحو ان يكون بينهما خمسة ايام أو ما دونها جاز أن يكتفى بالاستفاضة دون الشهادة، لان الولاية تثبت بها وبهذا قال الشافعي إلا ان عنده في ثبوت الولاية بالاستفاضة في البلد القريب وجهين، وقال أصحاب أبي حنيفة تثبت بالاستفاضة ولم يفرقوا بين البلد القريب والبعيد

[ 379 ]

لان النبي صلى الله عليه وسلم ولى عليا قضاء اليمن وهو بعيد من غير شهادة وولى الولاة في البلدان البعيدة وفوض إليهم الولاية والقضاء ولم يشهد وكذلك خلفاؤه ولم ينقل عنهم الاشهاد على تولية القضاء مع بعد بلدانهم. ولنا أن القضاء لا يثبت إلا باحد أمرين وقد بعدت الاستفاضة في البلد البعيد لعدم وصولها إليه فيتعين الاشهاد ولا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهد على توليته، فان الظاهر انه لم يبعث واليا إلا ومعه جماعة الظاهر انه أشهدهم وعدم نقله لا يلزم منه عدم فعله، وقد قام دليله فيتعين وجوبه. * (مسألة) * (وهل تشترط عدالة المولي على روايتين). (إحداهما) تشترط كما تشترط في المتولي (والثانية) لا تشترط لان ولاية الامامه الكبرى تصح من كل بر وفاجر فصحت ولايته كالعدل ولاننا لو اعتبرنا العدالة في المولي أفضى إلى تعذرها بالكلية فيما إذا كان الامام غير عدل. * (مسألة) * (وألفاظ التولية الصريحة سبعة وليتك الحكم وقلدتك أو استنبتك واستخلفتك ورددت اليك وفوضت اليك الحكم فإذا وجد لفظ منها والقبول من المولى انعقدت الولاية) لانها لا تحتمل الا ذلك فمتى أني بواحدة منها واتصل بها القبول صحت الولاية كالبيع والنكاح وغير ذلك والكناية أربعة اعتمدت عليك وعولت عليك ووكلت اليك واسندت اليك الحكم فلا

[ 380 ]

تنعقد حتى يقترن بها قرينة نحو فاحكم أو تول ما عولت عليك فيه وما أشبهه نحو وانظر فيما اسندت اليك واحكم فيما وكلت اليك، ولان هذه الالفاظ تحتمل التولية وغيرها من كونه يأخذ برأيه وغير ذلك فلم تنصرف إلى التولية الا بقرينة تنفي الاحتمال. (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه وإذا ثبتت الولاية وكانت عامة اسنفاد بها النظر عشرة أشياء: فصل الخصومات واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إلى ربه والنظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس والنظر في الوقوف في عمله باجرائها على شرط الواقف وتنفيذ الوصايا وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن وإقامة الحدود واقامة الجمعة والنظر في مصالح عمله بكف الاذى عن طرقات المسلمين وافنيتهم وتصفح حال شهوده وامنائه والاستبدال بمن يثبت جرحه منهم وانما تثبت هذه الولايات له لان العادة من القضاة توليها فعند اطلاق تولية القضاء تنصرف إلى ولاية ما جرت العادة بولايته لها فاما جباية الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين (أحدهما) تدخلان فيه قياسا على سائر الخصال المذكورة وفي الآخر لا يدخلان فيه لان العادة لم تثبت بتولية القضاء لهما لان الاصل عدم ذلك فلا يثبت * (مسألة) * (وله طلب الرزق لنفسه وامنائه وخلفائه مع الحاجة فاما مع عدمها فعلى وجهين) يجوز للقاضي أخذ الرزق ورخص فيه شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم وروي

[ 381 ]

عن عمر رضي الله عنه انه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا ورزق شريحا في كل شهر مائة درهم وبعث إلى الكوفة عمارا وابن مسعود وعثمان وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلمهم وكتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام ان انظرا رجالا من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على القضاء واوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله وقال أبو الخطاب يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة فاما مع عدمها فعلى وجهين، وقد روي عن أحمد أنه قال ما يعجبني ان يأخذ على القضاء اجرا وان كان فبقدر عمله مثل مال اليتيم وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الاجر على القضاء وكان ابن مسعود وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن لا يأخذان عليه أجرا وقالا لا نأخذ أجرا على ان نعدل بين اثنين وقال أصحاب الشافعي ان لم يكن متعينا جاز له أخذ الرزق وان تعين لم يجز الا مع الحاجة والصحيح جواز الاخذ عليه مطلقا لان أبا بكر رضي الله عنه لما ولي الخلافة فرضوا له رزقا كل يوم درهمين ولما ذكرنا ان عمر رزق زيدا وشريحا وابن مسعود وأمر بفرض الرزق لمن ولي من القضاة ولان بالناس حاجة إليه ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل وضاعت الحقوق فاما الاستئجار عليه فلا يجوز قال عمر رضي الله عنه لا ينبغي لقاضي المسلمين ان يأخذ على القضاء اجرا وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا لانه قربة يختص فاعله ان يكون من أهل القربة فاشبه الصلاة ولانه لا يعمله الانسان عن غيره وإنما يقع عن نفسه فاشبه الصلاة ولانه عمل غير معلوم فان لم يكن القاضي رزق فقال للخصمين لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي عليه جعلا جاز ويحتمل الا يجوز

[ 382 ]

(فصل) قال رضي الله عنه ويجوز ان يوليه عموم النظر في عموم العمل ويجوز ان يوليه خاصا في أحدهما أو فيهما ويوليه النظر في بلد أو محلة خاصة فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إليه ويجعل إليه الحكم في المداينات خاصة أو في قدر من المال لا يتجاوزه أو يفرض إليه عقود الانكحة دون غيرها لان ذلك جميعه إلى الامام وله الاستنابة في الكل فتكون له الاستنابة في البعض فان من ملك في الكل ملك في البعض وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يستنيب أصحابه كلا في شئ فولى عمر القضاء وبعث عليا قاضيا على اليمين وكان يرسل أصحابه في جمع الزكاة وغيرها وكذلك الخلفاء بعده ولانه نيابة فكان على حسب الاستنابة * (مسألة) * (فان جعل اليهما عملا واحدا جاز) وعند أبي الخطاب لا يجوز وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه يؤدي إلى إيقاف الاحكام والخصومات لانهما يختلفان في الاجتهاد ويرى أحدهما مالا يرى الآخر (والثاني) يجوز وهو قول أصحاب أبي حنيفة وهو أصح ان شاء الله تعالى لانه يجوز ان يستخلف في البلد الذي هو فيه فيكون فيه قاضيان فجاز ان يكون فيها قاضيان أصلبان لان الغرض فصل الخصومات وإيصال الحق إلى مستحقه وهذا يحصل فاشبه القاضي وخلفاءه ولانه يجوز للقاضي ان يستخلف خليفتين في موضع واحد فالامام أولى لان توليته أقوى وقولهم يفضي إلى ايقاف الاحكام لا يصح فان كل حاكم يحكم باجتهاده بين المتحاكمين إليه وليس للآخر الاعتراض عليه ولا نقض حكمه فيما خالف اجتهاده

[ 383 ]

(فصل) ولا يجوز ان يقلد القضاء لواحد على ان يحكم بمذهب بعينه وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان الله تعالى قال (فاحكم بين الناس بالحق) والحق لا يتعين في مذهب وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب فان قلده على هذا الشرط بطل الشرط وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع (فصل) إذا فرض الامام إلى انسان تولية القاضي جاز لانه يجوز ان يتولى ذلك فجاز له التوكيل فيه كالبيع فان فوض إليه اختيار قاض جاز ولا يجوز له اختيار نفسه ولا والده ولا ولده كما لو وكله في الصدقة بمال لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى هذين ويحتمل ان يجوز له اختيارهما إذا كانا صالحين للولاية لانهما يدخلان في عموم من اذن له في الاختيار منه مع اهليتهما اشبها الاجانب * (مسألة) * (إذا مات المولي أو عزل المولى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين وتبطل في الاخر) إذا ولى الامام قاضيا ثم مات لم ينعزل القاضي لان الخلفاء رضي الله عنهم ولو أحكاما في زمنهم فلم ينعزلوا بموتهم ولان في عزله بموت الامام ضربرا على المسلمين فان البلد يتعطل من الحكام وتقف أحكام الناس إلى ان يولي الامام الثاني حاكما وفيه خطر عظيم وكذلك لا ينعزل القاضي إذا عزل الامام لما ذكرنا فاما ان عزله الامام الذي ولاه أو غيره ففيه وجهان (احدهما) لا ينعزل وهو مذهب الشافعي لانه عقد لمصلحة المسلمين فلم يملك عزله مع سداد حاله كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه (والثاني) ينعزل لما روي عن عمر رضي الله عنه انه قال لاعزلن ابا مريم

[ 384 ]

واولين رجلا إذا رآه الفاجر فرقه فعزله عن قضاء البصرة وولى كعب بن سور مكانه، وولى علي رضي الله عنه ابا الاسود ثم عزله فقال له لم عزلتني وما خنت قال اني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين ولانه يملك عزل امرائه وولاته على البلدان فكذلك قضاته وقد كان عمر رضي الله عنه يولي ويعزل فعزل شر حبيل ابن حسنة عن ولايته في الشام وولى معاوية فقال له شر حبيل أمن جبن عزلتني أو خيانة؟ قال من كل لا ولكن اردت رجلا اقوى من رجل وعزل خالد بن الوليد وولى ابا عبيدة وقد كان يولي بعض الولاة الحكم مع الامارة فولى ابا موسى البصرة قضاءها وامارتها ثم كان يعزلهم هو ومن لم يعزله عزله عثمان بعده الا القليل منهم فعزل القاضي أولى ويفارق عزله بموت من ولاه أو عزله لان فيه ضررا وههنا لا ضرر فيه لانه لا يعزل قاضيا حتى يولي آخر مكانه ولهذا لا ينعزل القاضي بموت الامام وينعزل بعزله وقد ذكر شيخنا في عزله بالموت في الكتاب المشروح وجهين وحكاهما أبو الخطاب والاولى ان شاء الله ما ذكرنا فاما ان تغيرت حال القاضي بفسق أو زوال عقل أو مرض يمنعه من القضاء أو اختل فيه بعض شروطه فانه ينعزل بذلك ويتعين على الامام عزله وجها واحدا، وأما إذا استخلف القاضي خليفة فانه ينعزل بموته وعزله لانه نا؟؟ اشبه الوكيل * (مسألة) * (وهل ينعزل قبل العلم بالعزل على روايتين بناء على الوكيل) وقد مضى ذلك في كتاب الوكالة

[ 385 ]

(فصل) وللامام تولية القضاء في بلده وغيره لان النبي صلى الله عليه وسلم ولى عمر بن الخطاب القضاء وولى عليا ومعاذا وقال عثمان لابن عمر ان اباك كان يقضي وهو خير منك فقال ان ابي قد كان يقضي فان اشكل عليه شئ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث رواه عمرو بن شيبة في قضاة البصرة وروى سعيد في سننه عن عمرو بن العاص قال: جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي " يا عمرو اقض بينهما " قال قلت انت أولى بذلك مني يا رسول الله قال " ان أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات وان أخطأت فلك حسنة " وعن عقبة بن عامر مثله، ولان الامام يشتغل باشياء كثيرة من مصالح المسلمين فلا يتفرع للقضاء بينهم فإذا ولى قاضيا استحب أن يجعل له أن يستخلف لانه قد يحتاج إلى ذلك فإذا أذن له في الاستخلاف جاز له بلا خلاف نعلمه، وان نهاه لم يكن له أن يستخلف لان ولايته باذنه فلم يكن له ما ذكرناه كالوكيل، وان أطلق فله الاستخلاف، ويحتمل أن لا يكون له ذلك لانه يتصرف بالاذن فلم يكن له ما لم يأذن فيه كالوكيل ولاصحاب الشافعي في هذا وجهان ووجه الاول ان الغرض من القضاء الفصل بين المتخاصمين إذا فعله بنفسه بخلاف الوكيل فان استخلف في موضع ليس له الاستخلاف فحكمه حكم من لم يول * (مسألة) * (وإذا قال المولي من نظر في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي أو قد وليته لم تنعقد الولاية لمن ينظر) لانه علقها على شرط ولم يعين بالولاية أحدا منهم، ويحتمل أن تنعقد لمن نظر لان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 386 ]

قال " زيد فان قتل فأميركم جعفر فان قتل فأميركم عبد الله بن رواحة " فعلق ولاية الامارة بعد زيد على شرط فكذلك ولاية الحكم * (مسألة) * (وان قال وليت فلانا وفلانا فمن نظر منهما فهو خليفتي انعقدت الولاية) لمن ينظر منهما لانه عقد الولاية لهما جميعا (فصل) قال الشيخ رحمه الله ويشترط في القاضي عشر صفات ان يكون بالغا عاقلا حرا ذكرا مسلما عدلا سميعا بصير متكلما مجتهدا وهل يشترط كونه كاتبا؟ على وجهين وجملة ذلك انه يشترط للقاضى أن يكون بالغا عاقلا مسلما لان هذه شروط العدالة فأولى أن تشترط للقضاء (الرابع) الذكورية فلا تصح تولية المرأة، وحكي عن ابن جرير ان الذكورية لا تشترط لان المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضيا، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود لانه يجوز أن تكون شاهدة فيه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " ولان القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأي ليست من اهل الحضور في محافل الرجال ولا تقبل شهادتها ولو كان معها الف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله سبحانه (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى) ولا تصلح للامامة العظمى ولا لتولية البلدان ولهذا لم يول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه

[ 387 ]

ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالبا (الخامس) الحرية فلا تصح تولية العبد لانه منقوص برقه مشغول بحقوق سيده لا تقبل شهادته في جميع الاشياء فلم يكن اهلا للقضاء كالمرأة [ السادس ] أن يكون سميعا (السابع) أن يكون بصيرا [ الثامن ] أن يكون متكلما لان الاصم لا يسمع قول الخصمين والاعمى لا يعرف المدعي من المدعي عليه والمقر من المقر له، والاخرس لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم الناس جميع إشارته وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز أن يكون أعمى لان شعيبا عليه السلام كان اعمى ولهم في الاخرس الذي تفهم إشارته وجهان ولنا ان هذه الحواس تؤثر في الشهادة فيمنع فقدها ولاية القضاء كالسمع وهذا لان منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في اشياء يسيرة يحتاج إليه فيها وربما أحاط بحقيقة علمها والقاضي ولايته عامة فيحكم في قضايا الناس عامة فإذا لم تقبل منه الشهادة فالقضاء اولى، وما ذكر عن شعيب عليه السلام فممنوع فانه لم يثبت انه كان اعمى ولو ثبت فيه ذلك فلا يلزم ههنا فان شعيبا عليه السلام كان من آمن معه من الناس قليلا، وربما لا يحتاجون إلى الحكم بينهم لقلتهم وتناصفهم فلا يكون حجة في مسئلتنا (التاسع) العدالة فلا يجوز تولية فاسق ولا من فيه نقص يمنع الشهادة وسنذكر ذلك في الشهادة إن شاء الله تعالى، وحكي عن الاصم انه قال يجوز ان يكون القاضي فاسقا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن اوقاتها فصلوها لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة "

[ 388 ]

ولنا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فأمر بالتبيين عند قول الفاسق ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبيين عند حكمه، ولان الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا فلئلا يجوز أن يكون قاضيا اولى فاما الخبر فاخبر بوقوع ذلك مع كونهم أمراء لا بمشروعيته والنزاع في صحة توليته لا في وجودها (العاشر) أن يكون مجتهدا وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، وقال بعضهم يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد لان الغرض منه فصل الخصومات فاما إذا أمكنه ذلك جاز كما يحكم بقول المقومين ولنا قول الله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله - وقال - وان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) وروى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال " القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل جار في الحكم فهو في النار " رواه ابن ماجة والعامي يقضي على جهل ولان الحكم آكد من الفتيا لانه فتيا والزام ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحكم اولى فان قيل فالمفتي يجوز أن يخبر بما يسمع قلنا نعم إلا انه لا يكون مفتيا في تلك الحال وانما هو مخبر فيحتاج أن يجبر عن رجل بعينه من اهل الاجتهاد فيكون معمر لا بخبره لا بفتياه ويخالف قول المقومين لان ذلك لا تمكن الحاكم معرفته بنفسه بخلاف الحكم * (مسألة) * (وليس من شرط الحاكم أن يكون كاتبا وفيه وجه آخر انه يشترط ذلك ليعلم ما يكتبه كاتبه ولا يتمكن من اخفائه عنه)

[ 389 ]

ولنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا وهو سيد الحكام وليس من ضرورة الحكم الكتابة فلا تعتبر شرطا فان احتاج إلى ذلك جاز توليته لمن يعرفه كما انه قد يحتاج إلى القسمة بين الناس وليس من شرطه معرفة المساحة ويحتاج إلى التقويم وليس من شروط القضاء أن يكون عالما بقيم الاشياء * (مسألة) * (والمجتهد من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقيقة والمجاز والامر والنهي والمجمل والمبين والمحكم والمتشابة والخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمستثنى والمستثنى منه ويعرف من السنة صحيحها من سقيمها وتواترها من آحادها ومرسلها ومتصلها ومسندها ومنقطعها مما له تعلق بالاحكام خاصة وهي في كتاب الله تعالى نحو خمسمائة آية ولا يلزمه معرفة سائر القرآن، ومن السنة ما يتعلق بالاحكام دون سائر الاخبار ومن خبر الجنة والنار ونحوهما مما يتعلق بالاحكام وانما كان المجتهد من يعرف هذه الاشياء المذكورة لان المجتهد هو من يمكنه تعرف الصواب بدليله كالمجتهد في القبلة ومن لا يعرفه بدليله يكون مقلدا لكون يقبل قول غيره من غير معرفة بصوابه كالذي يقبل قول الدليل على الطريق من غير معرفة بصوابه وقول من يعرف جهة القبلة من غير معرفة. وادلة الاحكام الكتاب والسنة والاجماع والقياس وجهة دلالة الكتاب والسنة من هذه الوجوه فالكلام باطلاقه يحمل على الحقيقة دون المجاز والعام الخاص إذا تعارضا قدم الخاص ويجوز تخصيص العام ولا يدخل الخاص تخصيص، والمطلق يحمل على المقيد والمقصود ان لكل واحد مما ذكرنا دلالة لا تمكن

[ 390 ]

معرفتها الا بمعرفته فوجب معرفة ذلك ليعرف دلاله ووقف الاجتهاد على معرفته لذلك ومثاله ان المجتهد في القبلة يحتاج في معرفة النجوم إلى معرفتها باعيانها وجهاتها فإذا عرف القطب احتاج إلى معرفة كونه في الجهة الشمالية وكذلك إذا عرف الشمس احتاج إلى معرفة الجهة التي تكون فيها في حال طلوعها وحال غروبها وتوسطها وهذا كذلك والمسند من السنة والمتصل واحد والمرسل الذي يكون بين الراوي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل غير مذكور والمنقطع الذي يكون بينهما أكثر من واحد وقيل الذي يرويه من لم يدرك الصحابة عنهم. * (مسألة) * (ويعرف ما أجمع عليه مما اختلف فيه والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباط الاحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة) وقد نص احمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه، وإنما اشترطوا معرفة ما أجمع عليه لان الاجتهاد إنما شرع فيما اختلف فيه أما المجمع عليه فيجب الرجوع إلى ما أجمع عليه دون غيره فيجب معرفة ذلك ليرجع في المجمع عليه إلى الاجماع وفي غيره إلى الاجتهاد وأما معرفة استنباط القياس وهو أحد أدلة الاحكام فانه لا يمكن معرفتها الا بذلك فكان معرفة ذلك من ضرورة معرفة الاحكام وأما معرفة اللغة والعربية فان أدلة الاحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله والكتاب عربي مبين نزل به الروح الامين بلسان عربي مبين والسنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقوم مقامه وقد قال الله سبحانه (وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه) فيعتبر معرفة اللغة التي هي لسان الكتاب والسنة ليعرف

[ 391 ]

مقتضاها فان قيل فهذه الشروط لا تجتمع في أحد فكيف يجوز اشتراطها؟ قلنا ليس من شرطه ان يكون محيطا بهذه المعلوم احاطة تجمع أقصاها وانما يحتاج ان يعرف من ذلك ما يتعلق بالاحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب ولا ان يحيط بجميع الاخبار الواردة في هذا فقد كان أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيراه وخير الناس بعده في حال امامتهما يسئلان الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة حتى يسألا الناس فيخبرا فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة فقال مالك في كتاب الله شئ ولا أعلم لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولكن ارجعي حتى أسال الناس ثم قام فقال انشد الله من يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجدة فقام المغيرة بن شعبة فقال اشهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس وسأل عمر عن املاص المرأة فأخبره المغيرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بفرة ولا تشترط معرفة المسائل التي عرفها المجتهدون في كتبهم فان هذه فروع فرعها الفقهاء بعد حيازة منصب الاجتهاد فلا تكون شرطا له وهو سابق وليس من شرط الاجتهاد في مسألة ان يكون مجتهدا في كل المسائل بل من عرف ادلة مسألة وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها وان جهل غيرها كمن عرف الفرائض وأصولها ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع ولذلك ما من امام الا وقد توقف في مسائل، وقيل من يجيب في كل مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم لا أدرى اصيبت مقاتله وحكي عن مالك انه سئل عن اربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين لا أدري ولم يخرجه ذلك عن كونه مجتهدا وانما المعتبر أصول هذه الامور وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهدا وصلح للفتيا والقضاء وبالله التوفيق.

[ 392 ]

* (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (وإذا تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء وحكماه بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان (أحدهما) لا يلزمه حكمه إلا بتراضيهما لان حكمه إنما يلزم بالرضى به فلا يكون الرضى إلا بعد المعرفة بحكمه. ولنا ما روى ابو شريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " إن الله هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ " قال ان قومي إذا اختلفوا في شئ أتوني فحكمت بينهم فرضي علي الفريقان " قال ما أحسن هذا فمن أكبر ولدك؟ " قال شريح قال " فأنت أبو شريح " أخرجه النسائي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون " ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم، ولان عمر وأبيا تحاكما إلى زيد وحاكم عمر اعرابيا إلى شريح قبل أن يوليه القضاء وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ولم يكونوا قضاة فان قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا؟ قلنا لم ينقل عنهما الا الرضا بتحكيمه خاصة وبهذا لا يعتبر قاضيا وما ذكروه يبطل بما إذا رضي بتصرف وكيله فانه يلزمه قبل المعرفة به إذا ثبت هذا فانه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض فيه حكم من له ولاية، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة للحاكم نقضه إذا خالف رأيه، لان هذا عقد في حق الحاكم فملك فسخه كالعقد الموقوف في حقه. ولنا ان هذا حكم صحيح لازم فلم يجز فسخه لمخالفة رأيه كحكم من له ولاية وما ذكروه لا يصح فان حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفا؟ ولو كان كذلك لملك فسخه وان لم يخالف رأيه ولا نسلم الوقوف في العقود إذا ثبت هذا فان لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه

[ 393 ]

في الحكم لانه لا يثبت إلا برضاه فاشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان. (أحدهما) له ذلك لان الحكم لم يتم أشبه قبل الشروع (والثاني) ليس له ذلك لانه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم مالا يوافقه رجع فبطل المقصود به واختلف أصحابنا فيمن يجوز فيه التحكيم فقال أبو الخطاب ظاهر كلام احمد أن تحكيمه يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان قياسا على قاضي الامام وقال القاضي يجوز حكمه في الاموال خاصة فاما النكاح واللعان والقذف والقصاص فلا يجوز التحكيم فيها لان لهذه الاحكام مزية على غيرها فاختص حاكم الامام بالنظر فيها كالحدود وذكر صاحب المحرر فيها روايتين ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين، وإذا كتب هذا القاضي بما حكم به كتابا إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه لانه حاكم نافذ الاحكام فلزم قبول كتابه كحاكم الامام

[ 394 ]

* (باب أدب القاضي) * ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ويكون حليما متأنيا ذا فطنة وتيقظ لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة صحيح السمع والبصر عالما بلغات أهل ولايته عفيفا ورعا نزها بعيدا من الطمع صدوق اللهجة ذا رأي ومشورة لكلامه لين إذا قرب وهيبة إذا أوعد ووفاء إذا وعد ولا يكون جبارا ولا عسوفا فيقطع ذا الحجة عن حجته قال علي رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الالباب لا يخاف في الله لومة لائم، وقال عمر بن عبدالعزير ينبغي للقاضي أن يكون فيه سبع خلال ان فاتته واحدة كانت فيه وصمة: العقل، والعفة، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنين، والحلم، ورواه سعيد وفيه ويكون فهما حليما عفيفا صلبا سآلا عما لا يعلم وفي رواية محتملا للائمة ولا يكون ضعيفا مهينا لان ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر والتشائم بين يديه قال عمر رضي الله عنه لاعزلن فلانا عن القضاء ولاستعملن رجلا إذا رآه الفاجر فرقه. (فصل) وله ان ينتهر الخصم إذا التوى ويصيح عليه وان استحق التعزير عزره بما يرى من أدب أو حبس وإن افتات عليه بان يقول حكمت علي بغير حق وارتشيت فله تأديبه وله وان يعفو

[ 395 ]

وان بدأ المنكر باليمين قطعها عليه وقال البينة على خصمك فان عاد نهره فان عاد عزره ان رأى وأمثال ذلك مما فيه اساءة الادب فله مقابلة فاعله وله العفو. * (مسألة) * (وإذا ولى في غير بلده سال عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول وينفذ عند مسيره من يعلمهم يوم دخوله ليتقوه) وجملة ذلك إذا ولي في غير بلده فاراد المسير إلى بلد ولايته بحث عن قوم من أهل ذلك البلد ليسألهم عنه ويتعرف منهم ما يحتاج إلى معرفته فان لم يجد سال في طريقه فان لم يجد سال إذا دخل عن اهله ومن به من العلماء والفضلاء واهل العدالة والسير وسائر ما يحتاج إلى معرفته وإذا قرب من البلد بعث من يعلمهم بقدومه ليتلقوه. * (مسألة) * (ويجعل دخوله يوم الاثنين أو الخميس أو السبت ان امكنه لقوله عليه الصلاة السلام بورك لامتي في سبتها وخميسها) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذا قدم من سفر قدم يوم الخميس ويكون لابسا اجمل ثيابه فيأتى الجامع فيصلي فيه ركعتين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا دخل المدينة ويستقبل القبلة لانه روي " افضل المجالس ما استقل به القبلة " * (مسألة) * (فإذا اجتمع الناس أمر بعهده فقرئ عليهم ليعلموا توليته وامر من ينادي من له حاجة فليحضر يوم كذا ثم ينصرف إلى منزله الذي قد اعد له)

[ 396 ]

وأول ما يبدأ به ان يبعث إلى الحاكم المعزول فيأخذ منه ديوان الحكم وهو ما فيه وثائق الناس من المحاضر وهو نسخ ما يثبت عند الحاكم والسجلات نسخ ما حكم به وما كان عنده من حجج الناس ووثائقهم مودعة في ديوان الحكم وكانت عنده بحكم الولاية فإذا انتقلت الولاية إلى غيره كان عليه تسليمها إليه فتكون مودعة عنده في ديوانه * (مسألة) * (ثم يخرج في اليوم الذي وعد الجلوس فيه على اعدل احواله غير غضبان ولا جائع ولا شبعان ولا حاقن ولا مهموم بأمر يشغله عن الفهم) كالعطش الشديد والفرح الشديد والحزن الكبير والهم العظيم والوجع المؤلم والحر المزعج والنعاس الذي يغمر القلب ليكون اجمع لقلبه واحضر لذهنه وابلغ في تيقظه للصواب وفطنته لموضع الرأي ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان " فنص على الغضب ونبه على ما في معناه مما ذكرنا ويسلم على من يمر به ثم يسلم على من هو في مجلسه وبصلى تحية المسجد ان كان في المسجد ويجلس على بساط ولا يجلس على التراب ولا على حصر المسجد لان ذلك يذهب بهيبته من أعين الخصوم وهذه الآداب المذكورة في هذه المسألة ليست شرطا في الحكم الا الخلو من الغضب وما في معناه وفي اشتراطه روايتان وما ذكر ههنا من الجلوس على بساط ولا يجلس على التراب ولا حصر المسجد لم نعلم انه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن احد من خلفائه والاقتداء بهم اولى ان شاء الله تعالى فيكون وجوده وعدمه سواء

[ 397 ]

* (مسألة) * (ويستعين بالله تعالى ويتوكل عليه ويدعوه سرا ان يعصمه من الزلل ويوفقه للصواب ولما يرضيه من القول والعمل ويجعل مجلسه في مكان فسيح كالجامع والقضاء الواسع في وسط البلدان امكن ليساوي فيه الناس) (فصل) ولا يكره القضاء في الجامع والمساجد فعل ذلك شريح والحسن والشعبي ومحار ابن دثار ويحيى بن يعمر وابن أبي ليلى وابن خلدة قاض لعمر بن عبد العزيز، وروي عن عمر وعلي وعثمان انهم كانوا يقضون في المسجد قال مالك القضاء في المسجد من أمر الناس القديم وبه قال مالك واسحاق وابن المنذر، وقال الشافعي يكره ذلك الا ان ينفق خصمان عنده في المسجد لما روي ان عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن لا تقض في المسجد لانه يأتيك الحائض والجنب والذمي وتكثر غاشيته ويجري بينهم اللغط والتكاذب والتجاحد وربما أدي إلى السب وما لم تبن له المساجد ولنا اجماع الصحابة بما قد روينا عنهم وقال الشعبي رأيت عمر مستندا إلى القبلة يقضي بين الناس ولان القضاء قربة وطاعه وانصاف بين الناس ولا نعلم صحة ما رووه وقد روي عنه خلافه وأما الحائض فان عرضت لها حاجة إلى القضاء وكلت أو أتته في منزله والجنب يغتسل ويدخل والذمي يجوز دخوله باذن مسلم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من حوائجهم وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد وربما رفعوا اصواتهم فقد روي عن كعب ابن مالك قال تقاضيت ابن أبي حدرد دينا في المسجد حتى ارتفعت اصواتنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأشار الي ضع من ديتك الشطر فقلت نعم يا رسول الله فقال " قم فاقضه "

[ 398 ]

* (مسألة) * (ولا يتخذ حاجبا ولا بوابا يحجب الناس عن الوصول إليه) لما روى القاسم بن مخيمرة عن أبي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال " من ولي من أمور الناس شيئا واحتجب دون حاجتهم احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره " رواه الترمذي ولان حاجبه ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم لغرض له وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم ولا بأس باتخاذ حاجب في غير مجلس القضاء لانه يحتاج إلى الخلوة بنفسه * (مسألة) * (ويعرض القصص فيبدأ بالاول فالاول) لان الاول سبق فقدم كما لو سبق إلى موضع مباح ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة واحدة لئلا يستوعب المجلس بدعاويه فيضر بغيره فان حضروا دفعة واحدة وتشاحوا اقرع بينهم فقدم من تقع له القرعة ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه والدخول عليه الا ان يكون احدهما كافرا فيقدم المسلم عليه في الدخول ويرفعه في الجلوس لحرمة الاسلام فان الله تعالى قال (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) ووجه وجوب العدل بين الخصمين فيما ذكرنا ما روى عمرو بن شبة في كتاب القضاة باسناده عن ام سلمة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه سلم قال " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه واشارته ومقعده ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ولا يرفعه على الاخر " وفي رواية " فليسو بينهم في النظر والمجلس والاشارة " ولانه إذا ميز احد الخصمين عن الآخر حصر وانكسر وربما لم يقم حجته فادى ذلك إلى ظلمه وقيل يسوي بين المسلم والكافر لان العدل يقتضي ذلك ولا يسار

[ 399 ]

(احداهما) ولا يلقنه حجته لما فيه من الضرر ولا يضيفه لانه يكسر قلب صاحبه وروي مثل ذلك عن علي الا ان يضيف صاحبه معه لما روي عن علي كرم الله وجهه انه نزل به رجل فقال له انك خصم قال نعم قال تحول عنا فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تضيفوا أحد الخصمين الا وخصمه معه " * (مسألة) * (ولا يعلمه كيف يدعي في احد الوجهين لما ذكرنا وفي الآخر له تحرير الدعوى إذا لم يحسن تحريرها). لانه لا ضرر على خصمه وله ان يشفع إلى خصمه لينظره أو يضع عنه ويزن عنه لان النبي صلى الله عليه وسلم شفع إلى كعب بن مالك في ان يحط عن ابن أبي حدرد بعض دينه وله ان يزن عن المدعى عليه ما وجب عليه لانه نفع لخصمه ولا يكون الا بعد انقضاء الحكم * (مسألة) * (ويحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب) حتى إذا حدثت حادثه يفتقر إلى سؤالهم عنها سألهم ليذكروا ادلتهم فيها وجوابهم عنها فانه اسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه وان حكم باجتهاده فليس لاحد منهم الاعتراض عليه وان خالف اجتهاده ولان فيه افتياتا عليه الا ان يحكم بما يخالف نصا أو اجماعا ويستحب ان يشاورهم فيما يشكل عليه لقول الله سبحانه (وشاورهم في الامر) قال الحسن ان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لغنيا عن مشورتهم وانما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في اسارى بدر وفي مصالحة الكفار يوم الخندق وشاور أبو بكر رضي الله عنه الناس في ميراث الجدة وعمر في دية الجنين وشاور

[ 400 ]

في حد الخمر وروي ان عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف إذا نزل به الامر شاورهم فيه ولا مخالف في استحباب ذلك قال أحمد لما ولي سعد بن ابراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم ويشاورهما وولي محارب بن دثار قضاء الكوفه فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما، ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه يشاورون ويتتظرون لانه يتنبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة ولان الاحاطة بجميع العلوم متعذرة وقد يتنبه لاصابة الحق ومعرفة الحادثة من من هو دون القاضي فكيف بمن يساويه؟ فقد روي أن ابا بكر الصديق رضي الله عنه جاءته الجدتان فورث ام الام واسقط ام الاب فقال له عبد الرحمن ابن سهل يا خليفه رسول الله لقد اسقطت التي لو ماتت ورثها وورثت التي لو ماتت لم يرثها فرجع أبو بكر فاشرك بينهما. إذا ثبت هذا فانه يشاور اهل العلم والامانة لان من ليس كذلك لا قول له في الحادثة ولا يسكن إلى قوله قال سفيان وليكن اهل مشورتك اهل التقوي واهل الامانة ويشاور الموافقين والمخالفين ويسألهم عن حججهم يبين له الحق * (مسألة) * (والمشاورة ههنا لاستخراج الادلة وتعرف الحق بالاجتهاد) * (مسألة) * فان اتضح له الحكم حكم وإلا اخره ولا يقلد غيره وان كان اعلم منه لا يجوز تقليد غيره سواء ظهر الحق فخالفه غيره فيه أو لم يظهر له شئ وسواء ضاق الوقت أو لم يضق وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد وبهذا قال الشافعي وابو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة إذا كان الحاكم من اهل الاجتهاد جاز له ترك رأيه لرأي من هو افقه منه عنده إذا صار إليه فهو ضرب من الاجتهاد لانه يعتقد أنه افقه منه بطريق الاجتهاد

[ 401 ]

ولنا أنه من أهل الاجتهاد فلم يجز له تقليد غيره كما لو كان مثله كالمجتهدين في القبلة وما ذكروه لا يصح فان هو أفقه منه يجوز عليه الخطأ فإذا اعتقد ان ما قاله خطأ لم يجز له ان يعمل به وان كان لم يبن له الحق فلا يجوز له ان يحكم بما يجوز ان يبين له خطؤه إذا اجتهد * (مسألة) * (ولا يقضي وهو غضبان ولا حاقن ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج فان خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه وقال القاضي لا ينفذ وقيل ان عرض له ذلك بعد فهم الحكم جاز وإلا فلا) لا خلاف بين أهل العلم فيما علمنا في ان القاضي لا ينبغي له ان يقضي وهو غضبان كره ذلك شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والشافعي لما روي ان ابا بكرة كتب إلى ابنه عبد الله وهو قاض بسجستان لا تحكم بين اثنين وانت غضبان فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يحكم احد بين اثنين وهو غضبان " متفق عليه وروي عن عمر انه كتب إلى ابي موسى اياك والقلق والغضب والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة فإذا رأيت الخصم يتعمد فاوجع رأسه، ولانه إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه وفكره وفي معنى الغضب كلما يشغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والجوع المزعج ومدافعة احد الاخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح فهذه كلها تمنع الحكم لانها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى اصابة الحق في الغالب فهي في معنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه فان خالف وحكم في الغضب أو ما شاكله فوافق الحق نفذ قضاؤه

[ 402 ]

ذكره القاضي في المجرد وهو مذهب الشافعي وحكي عن القاضي انه لا ينفذ لانه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه الزبير ورجل من الانصار في شراج الحرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اسق ثم ارسل إلى جارك " فقال الانصاري أن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزبير " اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر " متفق عليه فحكم في حال غضبه وقال بعض اهل العلم انما يمنع الغضب الحكم إذا كان قبل أن يتضح حكم المسألة للحاكم لانه يشغله عن استيفاء النظر فيها فاما ما حدث بعد اتضاح الحكم فلا يمنعه لان الحق قد استبان قبله كغضب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الزبير * (مسألة) * (ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إلا ممن كان يهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة) اما الرشوة في الحكم ورشوة العالم فحرام على الآخذ بلا خلاف قال الله تعالى (أكالون للسحت) قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره هو الرشوة، وقال إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به الكفر، وروى عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ورواه أبو هريرة وزاد في الحكم رواه أبو بكر في زاد المسافر وزاد والرائش وهو السفير بينهما ولان المرتشي انما يرتشي ليحكم بغير الحق أو يتوقف الحكم عنه وذلك من أعظم الظلم قال مسروق سألت بن مسعود عن السحت اهو الرشوة في الحكم؟ قال لا (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (الظالمون) و (الفاسقون) وانما السحت أن يستعينك على مظلمة فيهدي لك فلا تقبل. وقال

[ 403 ]

قتادة قال كعب الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم. فاما الراشي فان رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه فهو ملعون وإن رشاه ليدفع ظلمه ويجزئه على واجبه فقال عطاء وجابر بن زيد والحسن لا بأس أن يصانع عن نفسه قال جابر: ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا ولانه يستنقذ ماله كما يستنفذ الرجل أسيره. (فصل) ولا يقبل الحاكم هدية وذلك لان الهدية يقصد بها في الغلب استمالته ليعتني به في الحكم فيشبه الرشوة قال مسروق إذا قبل القاضي الهدية اكل السحت وإذا قبل الرشوة بلغت به لكفر وقد روى أبو حميد الساعدي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الازد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فقال هذا لكم وهذا اهدي الي فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " ما بال العامل نبعثه فيقول هذا لكم وهذا اهدي الي؟ الا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر ايهدى إليه ام لا؟ والذي نفس محمد بيده لا نبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا الا جاء يوم القيامة يحمله ان كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغر " فرفع يده حتى رأيت عفرة ابطيه فقال " اللهم هل بلغت ثلاثا؟ " متفق عليه ولان حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه فلم يجز قبولها كالرشوة فاما ان كان يهدي إليه قبل ولايته جاز قبولها منها بعد الولاية لانها لم تكن من أجل الولاية لوجود سببها قبلها بدليل وجودها قبل الولاية قال القاضي ويستحب له التنزه عنها فان أحس انه يقدمها بين يدي خصومة أو فعلها حال

[ 404 ]

الحكومة حرم أخذها في هذه الحال لانه كالرشوة وهذا كله مذهب الشافعي وروي عن أبي حنيفة وأصحابه ان قبول الهدية مكروه غير محرم وفيما ذكرناه دلالة على التحريم * (مسألة) * (فان ارتشى الحاكم أو قبل هدية ليس له قبولها ردها إلى اربابها) لانه أخذها منهم بغير حق فاشبه المأخوذ بعقد فاسد ويحتمل ان يجعلها في بيت المال لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية بردها إلى أربابها وقد قال أحمد إذا اهدى البطريق لصاحب الجيش عينا أو فضة لم تكن له دون سائر الجيش قال أبو بكر يكونون فيه سواء * (مسألة) * (ويكره ان يتولى البيع والشراء بنفسه ويستحب ان يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله) لما روى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما عدل ولي اتجر في رعيته أبدا " ولانه يعرف فيحابى فيكون كالهدية ولان ذلك يشغله عن النظر في أمور الناس وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه لما بويع أخذ الذراع وقصد السوق فقالوا يا خليفة رسول الله لا يسعك ان تشتغل عن أمور المسلمين فقال " فاني لا أدع عيالي يضيعون " قالوا فنحن نفرض لك ما يكفيك ففرضوا له كل يوم درهمين فان باع واشترى صح البيع وتم بشروطه وأركانه ان احتاج إلى مباشرته ولم يكن له ما يكفيه لم يكره لان أبا بكر رضي الله عنه قصد السوق ليتجر حتى فرضوا له ما يكفيه ولان القيام بعياله فرض عين فلا يتركه لوهم مضرة وإنما إذا استغنى عن مباشرته ووجد من يكفيه ذلك كره لما ذكرناه من المعنيين وينبغي ان يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله لئلا يحابى

[ 405 ]

وهذا مذهب الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه قال لا يكره له البيع والشراء وتوكيل من لا يعرف لما ذكرنا من قضية أبي بكر رضي الله عنه ولما ذكرناه وروي عن شريح أنه قال شرط علي عمر حين ولاني القضاء ان لا أبيع ولا أبتاع ولا ارتشي ولا اقضي وانا غضبان وقضية أبي بكر حجة لنا فان الصحابة انكروا عليه فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع فلما اغنوه عن البيع والشراء بما فرضوا له قبل قولهم وترك التجارة فحصل الاتفاق منهم على تركها عند الغنى عنها * (مسألة) * (وتستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم تشغله عن الحكم وزيارة الاخوان والصالحين من الناس لانه قربة وطاعة وان كثر ذلك فليس له الاشتغال به عن الحكم) لان هذا تبرع فلا يشتغل به عن الفرض وله حضور البعض لان هذا يفعله لنفع نفسه بتحصيل الاجر والقربة له بخلاف الولائم لانه يراعى فيها حق الداعي فيكسر قلب من لم يجب إذا اجيب غيره * (مسألة) * (وله حضور الولائم) لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضرها ويأمر بحضورها وقال من لم يجب فقد عصى الله ورسوله فان كثرت وازدحمت تركها كلها ولم يجب أحدا لان هذا يشغله عن الحكم الذي تعين عليه لكنه يعتذر إليهم ويسألهم التحليل ولا يجيب بعضا دون بعض لان في ذلك كسرا لقلب من لم يجبه الا ان يختص بعضها بعذر يمنعه دون بعض مثل ان يكون في إحداها منكر أو تكون في مكان بعيد أو يشتغل

[ 406 ]

بها زمنا طويلا والاخرى بخلاف ذلك فله الاجابة إليها دون الاولى لان عذره ظاهر في التخلف عن الاولى * (مسألة) * (ويوصي الوكلاء والاعوان على بابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع ويجتهد ان يكونوا شيوخا أو كهولا من أهل الدين والعفة والصيانة) لانهم أقل شرا فان الشباب شعبة من الجنون ولان الحاكم يأتيه النساء وفي اجتماع الشباب بهن ضرورة * (مسألة) * (ويتخذ كاتبا مسلما مكلفا عدلا حافظا عالما يجلسه حيث يشاهد ما يكتبه ويجعل القمطر مختوما بين يديه) وجملة ذلك أنه يستحب للحاكم ان يتخذ كاتبا لان النبي صلى الله عليه وسلم استكتب زيد بن ثابت وغيره ولان الحاكم تكثر اشغاله ونظره فلا يمكنه تولي الكتابة بنفسه وان أمكنه الكتابة بنفسه جاز والاستنابة فيه أولى ولا يجوز ان يستنيب في ذلك الا عدلا لان الكتابة موضع أمانة ويستحب ان يكون فقيها ليعرف مواقع الالفاظ التي تتعلق بها الاحكام ويفرق بين الجائز والواجب وينبغي ان يكون وافر العقل نزها ورعا لئلا يستمال بالطمع ويكون مسلما لان الله تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) وقد روي أن أبا موسى قدم على عمر ومعه كاتب نصراني فاحضر أبو موسى شيئا من مكتوباته عند عمر فاستحسنه وقال قل لكاتبك يجئ ويقرأ كتابه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم؟ قال إنه نصراني فانتهره عمر وقال لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى ولا تقربوهم وقد ابعدهم الله ولا تعزوهم وقد اذلهم الله ولان الاسلام من شروط العدالة والعدالة شرط وقال أصحاب الشافعي في

[ 407 ]

اشراط عدالته واسلامه وجهان (أحدهما) يشترط لما ذكرنا (والثاني) لا يشترط لان ما يكتبه لابد من وقوف القاضي عليه فهو من الخيانة ويستحب ان يكون جيد الخط لانه أكمل وان يكون حرا ليخرج من الخلاف وان كان عبدا جاز لان شهادة العبد جايزة ويكون القاسم على الصفة التي ذكرنا في الكاتب ولابد من كونه حاسبا لانه عمله وبه يقسم فهو كالخط للكاتب والفقه للحاكم ويستحب للحاكم ان يجلس الكاتب بين يديه ليشاهد ما يكتبه ويشافهه بما يملى عليه وان قصد ناحية جاز لان المقصود يحصل لان ما يكتبه يعرض على الحاكم فيستبرئه ويجعل القمطر مختوما بين يديه ليترك فيه ما يجتمع من المحاضر والسجلات ويتحرز من ان يدخله كتاب مزور أو يؤخذ منه شئ * (مسألة) * (ويستحب ان لا يحكم الا بحضرة الشهود) ليستوفى بهم الحقوق ويثبت بهم الحجج والمحاضر فان كان ممن يحكم بعلمه فان شاء ادناهم إليه وان شاء أبعدهم منه بحيث إذا احتاج إلى إشهادهم على حكمه استدعاهم ليشهدوا بذلك وان كان ممن لا يحكم بعلمه اجلسهم بالقرب حتى يسمعوا كلام المتحاكمين لئلا يقر منهم مقر ثم ينكر ويجحد فيحفظوا عليه اقراره * (مسألة) * (ولا يحكم لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له ويحكم بينهم بعض خلفائه) أو بعض رعيته فان عمر حاكم أبيا إلى زيد وحاكم رجلا عراقيا إلى شريح وحاكم علي يهوديا إلى شريح وحاكم عثمان طلحة إلى جبير بن مطعم وان عرضت حكومة لوالديه أو ولده أو من لا تقبل شهادته له ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز له الحكم فيها بنفسه وان حكم لم ينفذ حكمه له كنفسه

[ 408 ]

(والثاني) ينفذ حكمه اختاره أبو بكر وهو قول أبي يوسف وابن المنذر وأبي ثور لانه حكم لغيره أشبه الاجانب وعلى القول الاول متى عرضت لهؤلاء حكومة حكم بينهم الامام أو حاكم آخر أو بعض خلفائه فان كانت الحكومة بين والديه أو ولديه أو والده وولده لم يجز الحكم بينهما على أحد الوجهين لانه لا تقبل شهادته لاحدهما على الاخر فلم يجز الحكم بينهما كما لو كان خصمه اجنبيا وفي الآخر يجوز وهو قول بعض أصحاب الشافعي لانهما سواء عنده فارتفعت تهمة الميل فاشبها الاجنبيين (فصل) قال رضي الله عنه وأول ما ينظر في أمر المحبسين فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه؟ وفيم حبسه؟ في رقعة منفردة ثم ينادي في البلدان القاضي ينظر في أمر المحبسين غدا فمن له منهم خصيم فليحضر إنما بدأ بالنظر في أمر المحبسين لان الحبس عذاب وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فينفذ إلى حبس القاضي الذي كان قبله ثقة فيكتب اسم كل محبوس وفيم حبس؟ ولمن حبس؟ وتحمل الرقاع إليه ويأمر مناديا ينادي في البلد ثلاثة أيام ان القاضي فلان بن فلان ينظر في أمر المحبسين يوم كذا فمن كان له محبوس فليحضر فإذا احضر الناس في ذلك اليوم جعل الرقاع بين يديه فيمد يده إليها فما وقع في يده منها نظر إلى اسم المحبوس وقال من خصم فلان المحبوس؟ فإذا قال خصمه انا بعث ثقة إلى الحبس فاخرج خصمه وحضر معه مجلس الحكم ويفعل ذلك في قدر ما يعلم انه يتسع زمانه للنظر في ذلك المجلس ولا يخرج غيرهم فإذا حضر المحبوس وخصمة لم يسأل خصمه لم حبسه؟ لان الظاهر

[ 409 ]

ان الحاكم إنما حبسه بحق لكن يسار المحبوس بم حبست؟ ولا يخلو جوابه من خمسة اقسام (أحدها) أن يقول حبسني بحق له حال انا ملئ به فيقول له الحاكم اقض‍؟ والا رددتك إلى الحبس (الثاني) ان يقول له على دين انا معسر به فيسأل خصمه فان صدقه فلسه الحاكم وأطلقه وان كذبه نظر في سبب الدين فان كان سببا حصل له به مال كقرض أو شراء لم يقبل قوله في الاعسار إلا ببينة بان ماله تلف أو نفد أو ببينة انه معسر فيزول الاصل الذي ثبت ويكون القول قوله فيما يدعيه عليه من المال، وان لم يثبت له أصل مال ولم يكن لخصمه بينة بذلك فالقول قول المحبوس مع يمينه انه معسر لان الاصل الاعسار، وان شهدت لخصمه بينة بان له مالا لم تقبل حتى يبين ذلك المال بما يتميز به فان شهدت عليه البينة بدار معينة أو غيرها فصدقها فلا كلام وان كذبها وقال ليس هذا لي وانما هو في يدي لغيري لم يقبل الا أن يعزوه إلى معين فان كان الذي اقر له حاضرا سئل فان كذبه في إقراره سقط وقضى من المال دينه، وان صدقه وكانت له بينة فهو أولى لان له بينة وصاحب اليد يقر له به وان لم تكن له بينة فذكر القاضي أنه لا يقبل قولهما ويقضي الدين منه لان البينة شهدت لصاحب اليد بالملك فتضمنت شهادتها وجوب القضاء منه فإذا لم تقبل شهادتها في حق نفسه قبلت فيما تضمنته لانه حق لغيره ولانه متهم في إقراره لغيره لانه قد يفعل ذلك ليخلص ماله ويعود إليه فتلحقه تهمة فلم تبطل البينة بقوله وفيه وجه آخر يثبت الاقرار وتسقط البينة لانها تشهد بالملك لمن لا يدعيه وينكره

[ 410 ]

(القسم الثالث) أن يقول حبسني لان البينة شهدت علي لخصمي بحق ابتحث عن حال الشهود فهذا ينبني على اصل وهو ان الحاكم هل له ذلك اولا؟ وفيه وجهان (أحدهما) ليس له ذلك لان الحبس عذاب فلا يتوجه عليه قبل ثبوت الحق عليه فعلى هذا لا يرده إلى الحبس ان صدقة خصمه في هذا (والثاني) يجوز حبسه لان المدعي قد أقام ما عليه وانما بقي ما على الحاكم من البحث ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين يرده إلى الحبس حتى يكشف عن حال شهوده وان كذبه خصمه وقال بل عرف الحاكم عدالة شهودي وحكم عليه بالحق فالقول قوله لان الظاهر ان حبسه بحق (القسم الرابع) أن يقول حبسني الحاكم بثمن كل أو قيمة خمر أرقته لذمي لانه كان يرى ذلك فان صدقه خصمه فذكر القاضي انه يطلقه لان غرم هذا ليس بواجب وفيه وجه آخر ان الحاكم ينفذ حكم الحاكم الاول لانه ليس له نقض حكم غيره باجتهاده وفيه وجه ثالث انه يتوقف ويجتهد ان يصطلحا على شئ لانه لا يمكنه فعل أحد الامرين وللشافعي قولان كالوجهين الآخرين فان كذه خصمه وقال بل حبست لحق واجب غير هذا فالقول قوله لان الظاهر حبسه لحق * (مسألة) * (وان كان حبس في تهمة أو افتيات على القاضي قبله خلى سبيله) لان المقصود بحبسه التأديب وقد حصل)

[ 411 ]

* (مسألة) * (وان لم يحضر له خصم فقال حبست ظلما ولا حق علي ولا خصم نادى بذلك ثلاثا فان حضر له خصم والا أحلفه وخلى سبيله) لان الظاهر انه لو كان له خصم لظهر * (مسألة) * (ثم ينظر في امر المجانين واليتامى والوقوف) والنظر في ذلك بالنظر في امر الاوصياء ونظار الوقوف لانهم يكونون ناظرين في أموال اليتامى والمجانين وتفرقة الوصية بين المساكين لان المنظور عليه ان كان من الايتام والمجانين لم تمكنهم المطالبة لانهم لا قول لهم وان كانوا مساكين لم يتعين الاخذ منهم فإذا قدم إليه الوصي فان كان الحاكم قبله نفذ وصيته لم يعزله لان الحاكم ما نفذ وصيته إلا بعد معرفته اهليته في الظاهر ولكن نراعيه فان تغيرت حاله بفسق أو ضعف اضاف إليه امينا قويا يعينه وان كان الاول ما نفذ وصيته نظر فيه فان كان امينا قويا أقره، وان كان أمينا ضعيفا ضم إليه من يعينه، وان كان فاسقا عزله واقام غيره، وعلى قول الخرقي يضم إليه امين ينظر عليه فان كان قد تصرف أو فرق الوصية وهو أهل الوصية نفذ تصرفه، فان كان ليس باهل وكان الموصى لهم بالغين عاقلين معينين صح الدفع إليهم لانهم قبضوا حقوقهم، وان كانوا غير معينين كالفقراء والمساكين ففيه وجهان (أحدهما) عليه الضمان ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لانه ليس له التصرف (والثاني) لا ضمان عليه لانه اوصله إلى أهله، وكذلك ان فرق الوصية غير الموصى إليه بتفريقها فعلى الوجهين (فصل) وينظر في أمناء الحاكم وهم من رد إليهم الحاكم النظر في امر الاطفال وتفرقة الوصايا

[ 412 ]

التي لم يتعين لها وصي فان كانوا بحالهم أقرهم لان الذي قبله ولاهم، ومن تغير حاله عزله ان فسق، وان ضعف ضم إليه أمينا (فصل) ثم ينظر في امر الضوال واللقطة التي يتولى الحاكم حفظها فان كانت مما يخاف تلفه كالحيوان أو في حفظه مؤنة كالاموال الحافية باعها وحفظ ثمنها لاربابها، وان لم تكن كذلك كالاثمان حفظها لاربابها ويكتب عليها ليعرفها * (مسألة) * (ثم ينظر في حال القاضي قبله فان كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو اجماعا) ولا يجب على الحاكم تتبع قضايا من كان قبله لان الظاهر صحتها وصوابها وانه لا يتولى القضاء الا من هو من اهل الولاية فان تتبعها نظر في الحاكم قبله فان كان ممن يصلح للقضاء فما وافق من احكامه الصواب أو لم يخالف كتابا ولا سنة ولا اجماعا لم يجز نفضه، وان كان مخالفا لاحد هذه الثلاثة وكان في حق الله تعالى كالعتاق والطلاق نقضه لان له النظر في حقوق الله تعالى، وان كان يتعلق بحق آدمي لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه لان الحاكم لا يستوفي حقا لمن لا ولاية عليه بغير مطالبته فان طلب صاحبه ذلك نقضه وبهذا قال الشافعي وزاد إذا خالف قياسا جليا نقضه وعن مالك وابي حنيفة انهما قالا لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الاجماع ثم ناقضا قولهما فقال مالك إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه، وقال أبو حنيفة إذا حكم ببيع متروك التسمية أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه، وقال محمد بن الحسن إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه وهذه

[ 413 ]

مسائل خلاف موافقة للسنة، واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الاجماع بانه يسوع فيه الخلاف فلم ينقض حكمه كما لا نص فيه وحكي عن ابي داود انه ينقض جميع ما بان له خطؤه لان عمر رضي الله عنه كتب إلى ابي موسى لا يمنعك قضاء قضيته بالامس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك ان تراجع فيه الحق فان الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ولانه خطأ فوجب الرجوع عنه كما لو خالف الاجماع، وحكي عن مالك انه وافقهما في قضاء نفسه ولنا على نقضه إذا خالف نصا أو اجماعا أنه قضاء لم يصادف شرطه فوجب نقضه كما لو خالف الاجماع وبيان مخالفته للشرط. ان شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص بدليل خبر معاذ، ولانه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرط فوجب نقض حكمه كما لو خالف الاجماع أو كما لو حكم بشهادة كافرين وما قالوه يبطل بما حكيناه عنهم فان قيل إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم بان له الخطأ لم يعد قلنا القرق بينهما من ثلاثة اوجه (احدها) ان استقبال القبلة يسقط حال العذر في حال المسايفة، والخوف من عدو أو سبع أو نحو مع العلم ولا يجوز له ترك الحق إلى غيره مع العلم بحال الثاني ان الصلاة من حقوق الله تعالى تدخلها المسامحة (الثالث) ان القبلة يتكرر فيها الاشتباه فيشق القضاء وههنا إذا بان له الخطاء لا يعود الاشتباه بعد ذلك. وأما إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصا ولا اجماعا أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقضه لمخالفته لان الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ذلك فان أبا بكر حكم في مسائل

[ 414 ]

باجتهاده وخالفه عمر فلم ينقض أحكامه وعلي خالف عمر في اجتهاده فلم ينقض أحكامه وخالفهما علي فلم ينقض أحكامهما فان أبا بكر سوى بين الناس في العطاء وأعطى العبيد وخالفه عمر ففاضل بين الناس وخالفهما علي فسوى بين الناس وحرم العبيد ولم ينقض أحد منهم ما فعله من قبله وجاء اهل نجران إلى علي فقالوا يا أمير المؤمنين كتابك بيدك وشفاعتك بلسانك فقال ويحكم ان عمر كان رشيد الامر ولن ارد قضاء قضي به عمر رواه سعيد وروي ان عمر حكم في المشركة باسقاط الاخوة من الابوين ثم شكر بينهم بعد وقال تلك على ما قضينا هذه على ما قضينا، وقضى في الجد بقضايا مختلفة، ولم يرد الاولى ولانه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت الحكم أصلا لان الحكم الثاني يخالف الذي قبله والثالث يخالف الثاني فلا يثبت الحكم فان قيل فقد روي ان شريحا حكم في ابني عم أحدهما أخ للام ان المال للاخ فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال: علي بالعبد فجئ به فقال في اي كتاب الله وجدت ذلك؟ فقال قال الله تعالى (وألو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) فقال له علي قد قال الله تعالى (وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس) ونقض حكمه قلنا لم يثبت عندنا ان عليا نقض حكمه ولو ثبت فيحتمل أن يكون على اعتقاد انه خالف نص الكتاب في الآية التي ذكرها فنقض حكمه لذلك (فصل) إذا تغير اجتهاده قبل الحكم فانه يحكم بما تغير اجتهاده إليه ولا يجوز أن يحكم باجتهاده الاول

[ 415 ]

لانه إذا حكم به فقد حكم بما يعتقد انه باطل وهذا كما قلنا فيمن تغير اجتهاده في القبلة بعدما صلى لا يعيد وان كان قبل أن يصلي صلى إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها وكذلك إذا بان فسق الشهود قبل الحكم بشهادتهم لم يحكم بها ولو بان بعد الحكم لم ينقضه * (مسألة) * (وان كان ممن لا يصلح نقض أحكامه وان وافقت الصحيح ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها) أما إذا كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء نقض قضاياه كلها ما أخطأ فيها وما أصاب ذكره أبو الخطاب وهو مذهب الشافعي لان وجود قضائه كعدمه، قال شيخنا تنقض قضاياه المخالفة للصواب كلها سواء كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أو لا يسوغ لان حكمه غير صحيح وقضاؤه كلا قضاء لعدم شرط القضاء فيه وليس في نقض قضاياه نقض الاجتهاد بالاجتهاد، لان الاول ليس باجتهاد ولا ينقض ما وافق الصواب لعدم الفائدة في نقضه فان الحق وصل إلى مستحقه ولو وصل الحق إلى مستحقه بطريق القهر من غير حكم لم يغير ذلك فكذلك إذا كان بقضاء وجوده كعدمه * (مسألة) * (وإن استعداه أحد على خصم له أحضره وعنه لا يحضره حتى يعلم ان لما ادعاه أصلا) هذه المسألة فيها روايتان (احداهما) انه يلزم القاضي أن يعديه ويستدعي خصمه سواء عما بينهما معاملة أو لم يعلم وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه أو لا يعامله كالفقير يدعي على ذي ثروة وهيئة نص على هذا في رواية الاثرم في الرجل يستعدي على الحاكم انه يحضره ويستحلفه، وهذا اختيار أبي بكر ومذهب

[ 416 ]

أبي حنيفة والشافعي لان في تركه تضييعا للحقوق واقرارا للظلم فانه قد يثبت له الحق على من هو أرفع منه بغصب أو يشتري منه شيئا ولا يوفيه أو يودعه شيئا أو يعيره إياه فلا يرده ولا تعلم بينهما معاملة فإذا لم يعد عليه سقط حقه وهذا أعظم ضررا من حضور مجلس الحاكم فانه لا يقبضه وقد حضر عمر وأبي عند زيد وحضر هو وآخر عند شريح وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبيدالله (والثانية) لا يستعديه إلا أن تعلم بينهما معاملة ويبين أن لما أعاده أصلا روي ذلك عن علي رضي الله عنه هو مذهب مالك لان في اعدائه على كل أحد بتذيل أهل المروءات وإهانة ذوى الهيآت فانه لا يشاء أحد أن يتبذلهم عند الحاكم إلا فعل وربما فعل هذا من لا حق له ليفتدي المدعى عليه من حضوره وشر خصمه بطائفة من ماله والاولى أولى لان ضرر تضييع الحق أعظم من هذا وللمستعدى عليه ان يوكل من يقوم مقامه ان كره الحضور. * (مسألة) * (وان استعداه على القاضي قبله سأله عما يدعيه فان قال لي عليه دين من معاملة أو رشوة راسله بذلك، فان اعترف أمره بالخروج منه وإن انكر وقال انما يريد تبذيلي فان عرف أن لما ادعاه أصلا أحضره وإلا فهل يحضره؟ على روايتين) وجملة ذلك انه إذا استعدي على الحاكم المعزول لم يعده حتى يعرف ما يدعيه فيسأله عنه صيانة للقاضي عن الامتهان فان ذكر انه يدعي عليه حقا من دين أو غصب اعداه عليه وحكم بينهما كغير القاضي وكذلك ان ادعى انه أخذ منه رشوة على الحكم لان أخذ الرشوة عليه لا يجوز فهي كالغصب وان ادعى عليه الجور في الحكم وكان المدعي بينة أحضره وحكم بالبينة وان لم تكن معه بينة ففيه

[ 417 ]

وجهان (أحدهما) لا يحضره لان في احضاره وسؤاله امتهانا له وأعداء القاضي كثير وإذا فعل هذا معه لم يؤمن أن لا يدخل في القضاء أحد خوفا من عاقبته (والثاني) يحضره لجواز أن يعترف فان حضر واعترف حكم عليه وان أنكر فالقول قوله من غير يمين لان قول القاضي مقبول بعد العزل كما تقبل ولايته، وإن ادعى عليه انه قتل ابنه ظلما فهل يستحضره من غير بينة؟ فيه وجهان فان أحضره فاعترف حكم عليه وإلا فالقول قوله، وان ادعى انه أخرج عينا من يده بغير حق فالقول قول الحاكم من غير يمين ويقبل قوله للمحكوم له على ما سنذكره ان شاء الله تعالى. * (مسألة) * (وإن قال حكم علي بشهادة فاسقين فالقول قوله بغير يمين) لان القول قوله في حكمه فلو قال حكمت على فلان بكذا قبل قوله بغير يمين فكذا في هذه المسألة لانه شاهد على فعل نفسه أشبه المرضعة إذا شهدت بالرضاع لم يلزمها يمين وكذلك القاسم إذا شهد بالقسمة لان الشاهد لا يمين عليه. * (مسألة) * (وإن قال الحاكم المعزول كنت حكمت في ولايتي لفلان على لفلان بحق قبل قوله وبه قال اسحاق ويحتمل أن لا يقبل قوله). ذكره أبو الخطاب قال شيخنا وقول القاضي في فروع هذه المسألة يقتضي ان لا يقبل قوله ههنا وهو قول اكثر الفقهاء لان من لا يملك الحكم لا يملك الاقرار به كمن أقر بعتق عبد بعد بيعه، ثم اختلفوا فقال الاوزاعي وابن أبي ليلى هو بمنزلة الشاهد إذا كان معه شاهد آخر قبل

[ 418 ]

وقال أصحاب الرأي لا يقبل إلا شاهدان سواه يشهدان بذلك، وهو ظاهر مذهب الشافعي لان شهادته على نفسه لا تقبل. ولنا انه لو كتب إلى غيره ثم عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبول كتابه فكذلك هذا ولانه اخبر بما حكم به وهو غير متهم فيجب قبوله كحال ولايته. (فصل) فأما ان قال في ولايته كنت حكمت لفلان بكذا قبل قوله سواء قال قضيت عليه بشاهدين عدلين أو قال سمعت بينته وعرفت عدالتهم أو قال قضيت عليه بنكوله أو قال أقر فلان عندي لفلان بحق فحكمت به، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وابو يوسف، وحكي عن محمد بن الحسن انه لا يقبل حتى يشهد معه رجل عدل، لانه اخبار بحق على غيره فلم يقبل فيه قول واحد كالشهادة. ولنا انه يملك الحكم فملك الاقرار به كالزوج إذا أخبر بالطلاق والسيد إذا أخبر بالعتق ولانه لو اخبر أنه رأى كذا وكذا فحكم به قبل كذا ههنا وفارق الشهادة فان الشاهد لا يملك اثبات ما أخبر به فأما ان قال حكمت بعلمي أو بالنكول أو بشاهدين ويمين في الاموال فانه يقبل أيضا وقال الشافعي لا يقبل قوله في القضاء بالنكول وينبني قوله حكمت عليه بعلمي على القولين في جواز القضاء بعلمه لانه لا يملك الحكم بذلك فلا يملك الاقرار به. ولنا انه اخبر بحكمه فيما لو حكم به لنفذ حكمه فوجب قبوله كالصور التي تقدمت ولانه حاكم أخبر يحكمه في ولايته فوجب قبوله كالذي سلمه ولان الحاكم إذا حكم في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد لم يسغ

[ 419 ]

نقض حكمه ولزم غيره امضاؤه والعمل به فصار بمنزلة الحكم بالبينة العادة ولا نسلم ما ذكره وان قال حكمت لفلان على فلان بكذا ولم يضف حكمه إلى بينة ولا غيرها وجب قبوله وهو ظاهر ما ذكره شيخنا في الكتاب المشروع وظاهر قول الخرقي لانه لم يذكر ما ثبت به الحكم وذلك لان الحاكم متى ما حكم بحكم يسوغ فيه الاجتهاد وجب قبوله وصار بمنزلة ما اجتمع عليه. (فصل) فان أخبر القاضي بحكمه في غير موضع ولايته قبل وهو ظاهر كلام الخرقي لانه إذا قبل قوله بحكمه بعد العزل وزوال ولايته بالكلية فلان يقبل مع بقائها في غير موضع ولايته أولى وقال القاضي لا يقبل قوله وقال لو اجتمع قاضيان في غير ولايتهما كقاضي دمشق وقاضي مصر اجتمعا في بيت المقدس فاخبر أحدهما الآخر بحكم حكم به أو شهادة ثبتت عنده لم يقبل أحدهما قول صاحبه ويكونان كشاهدين اخبر أحدهما صاحبه بما عنده وليس له أن يحكم به إذا رجع إلى عمله لانه خبر من ليس بقاض في موضعه، وإن كانا جميعا في عمل أحدهما كأنهما اجتمعا في دمشق فان قاضي دمشق لا يعمل بما يخبره به قاضي مصر لانه يخبره في غير عمله وهل يعمل قاضي مصر بما أخبره به قاضي دمشق إذا رجع إلى مصر؟ فيه وجهان بناء على القاضي هل له أن يحكم بعلمه؟ على روايتين لان قاضي دمشق اخبره به في عمله ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي ههنا. * (مسألة) * (فان ادعى على امرأة غير برزة لم يحضرها وامرها بالتوكيل فان وجبت عليها اليمين ارسل إليها من يحلفها). إذا كان المدعى عليه امرأة فان كانت برزة وهي التي تبرز لقضاء حوائجها امرت بالتوكيل فان

[ 420 ]

توجهت اليمين عليها بعث الحاكم امينا معه شاهدان فيستحلفها بحضرتهما، فان أقرت شهدا عليها، وذكر القاضي أن الحاكم يبعث من يقضي بينها وبين خصمها في دارها وهو مذهب الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها " فبعث إليها ولم يستدعها، وان أحضروا عندها كان بينهم وبينها ستر تتكلم من ورائه فان اعترفت للمدعي انها خصمه حكم بينهما وإن أنكرت ذلك جئ بشاهدين من ذوي رحمها يشهدان أنها المدعى عليها ثم يحكم بينهما وان لم تكن بينه التحفت بجلبابها وأخرجت من وراء الستر لموضع الحاجة وما ذكرناه أولى ان شاء الله لانه أستر لها وإذا كانت خفرة منعها الحياء من النطق بحجتها والتعبير عن نفسها سيما مع جهلها بالحجة وقلة معرفتها بالشرع وحججه * (مسألة) * (وإن ادعى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه كتب إلى ثقات من أهل ذلك البلد ليتوسطوا بينهما فان لم يقبلوا قيل للخصم حقق ما تدعيه ثم يحضره وإن بعدت المسافة) إذا استعدي على غائب وكان الغائب في غير ولاية القاضي لم يكن له ان يعدي عليه فان كان في ولايته وله في بلده خليفة فان كانت له بينة ثبت الحق عنده وكتب إلى خليفته ولم يحضره وإن لم تكن بينة حاضرة نفذ إلى خصمه ليحاكمه عند خليفته وإن لم يكن له فيه خليفة وكان فيه من يصلح للقضاء قيل له حرر دعواك لانه يجوز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده كالشفعة للجار وقيمة الكلب أو خمر الذمي فلا يكلف الحضور لما لا يقضى عليه به مع المشقة فيه بخلاف الحاضر فانه لا مشقة في

[ 421 ]

حضوره فإذا تحررت بعث فأحضر خصمه بعدت المسافة أو قربت وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف إن كان يمكنه أن يحضر ويعود فيأوى إلى موضعه أحضره وإلا لم يحضره ويوجه من يحكم بينهما، وقيل إن كانت المسافة دون مسافة القصر أحضره وإلا فلا ولنا أنه لابد من فصل الخصومة بين المتخاصمين فإذا لم تمكن إلا بمشقة فعل ذلك كما لو امتنع من الحضور فانه يؤدب ولان الحاق المشقة به أولى من الحاقها بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما وإن كانت امرأة برزة لم يشترط في سفره هذا محرم نص عليه أحمد لانه حق آدمي وحق الآدمي مبني على الشح والضيق (باب طريق الحكم وصفته) إذا جلس إليه خصمان فله أن يقول من المدعي منكما؟ وله أن يسكت حتى يبتدئا ويستحب أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم رواه أبو داود وروى سعيد باسناده عن الشعبي قال كان بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب مداراة في شئ فجعلا بينهما زيد بن ثابت فاتياه في منزله فقال له عمر أتيناك لتحكم بيننا في بينة تؤتي الحكم فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال ههنا يا أمير المؤمنين فقال له عمر جرت في أول القضاء لكن أجلس مع خصمي فجلسا بين يديه فادعى ابي فانكر عمر فقال زيد لابي اعف أمير المؤمنين

[ 422 ]

من اليمين فحلف عمر ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء وقال علي رضي الله عنه حين خاصم اليهودي على درعه إلى شريح لو أن خصمي مسلم لجلست معه بين يديك ولان ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما والاقبال عليهما والنظر في خصومتهما (فصل) فإذا جلسا بين يديه فان شاء قال من المدعي منكما؟ لانهما حضرا لذلك، وإن شاء سكت ويقول القائم على رأسه من المدعي منكما؟ ان سكتا جميعا ولا يقول الحاكم ولا صاحبه لاحدهما تكلم لان في افراده بذلك تفضيلا له وتركا للانصاف قال عمرو بن قيس شهدت شريحا إذا جلس إليه الخصمان ورجل قائم على رأسه يقول أيكما المدعي فليتكلم؟ فان ذهب الآخر يشغب نهره حتى يفرغ المدعي ثم يقول تكلم فان بدأ احدهما فادعي فقال خصمه أنا المدعي لم يلفت إليه وقال أجب عن دعواه ثم ادع بما شئت فان ادعيا معا فقياس المذهب ان يقرع بينهما وهو قياس قول الشافعي لان احدهما ليس بأولى من الآخر وقد تعذر الجمع بينهما فيقرع بينهما كالمرأتين إذا زفتا في ليلة واحدة واستحسن ابن المنذر ان يسمع منهما جميعا وقيل يرجئ أمرهما حتى يتبين من المدعي منها؟ وما ذكرناه أولى لانه لا يمكن الجمع بين الحكم في القضيتين معا وارجاء امرهما اضرار بهما وفيما ذكرناه دفع للضرر بحسب الامكان وله نظير في مواضع من الشرع فكان أولى * (مسألة) * (ثم يقول للخصم ما تقول فيما ادعاه) لان شاهد الحال يدل على طلب المطالبة لان احضاره والدعوى انما يراد ليسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغني ذلك عن سؤاله ويحتمل ألا يملك سؤاله عن ذلك لانه حق المدعي فلا يتصرف فيه بغير اذنه كالحكم له * (مسألة) * (وإن أقر لم يحكم له حتى يطالبه المدعي بالحكم) إذا أقر المدعي عليه لزمه ما ادعي عليه وليس للحاكم ان يحكم عليه الا بمسألة المقر له لان الحكم

[ 423 ]

عليه حق له فلا يستوفيه الا بمسألة مستحقة هكذا ذكره اصحابنا قال شيخنا: ويحتمل ان يجوز له الحكم قبل مسألة المدعي لان الحال تدل على ارادته ذلك فاكتفى بها كما اكتفى في مسألة المدعى عليه الجواب ولان كثيرا من الناس لا يعرف مطالبة الحاكم بذلك فيترك مطالبته به لجهله فيضيع حقه فعلى هذا يجوز له الحكم قبل مسألته، وعلى القول الاول ان سأله الخصم الحكم له حكم على المقر والحكم ان يقول ألزمتك ذلك أو قضيت عليك له أو يقول اخرج إليه منه فمتى قال له أحد هذه الثلاثة كان حكما بالحق * (مسألة) * (وإن أنكر مثل ان يقول المدعي اقرضته الفا أو بعته فيقول ما أقرضني ولا باعني أو ما يستحق علي ما ادعاه ولا شيئا منه أو لا حق له علي صح الجواب) * (مسألة) * (وللمدعي ان يقول لي بينة؟ وهذا موضع البينة فان لم يقل قال الحاكم ألك بينة؟ لما روي ان رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي فقال الحضرمي يا رسول الله ان هذا غلبني على ارض لي فقال الكندي هي أرضي في يدي ليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي " ألك بينة؟ - قال لا قال - فلك يمينه " وهو حديث حسن صحيح وإن كان المدعي عارفا بانه موضع البينة فالحاكم مخير بين ان يقول ألك بينة؟ وبين ان يسكت فإذا قال لي بينة حاضرة أمره باحضارها ذكره شيخنا في الكتاب المشروح وذكر في كتاب المغني ان المدعي إذا قال لي بينة لم يقل له الحاكم احضرها لان ذلك حق له فله ان يفعل ما يرى فإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عما عندها حتى يسأله المدعي ذلك لانه حق له فلا يتصرف فيه

[ 424 ]

من غير اذنه فإذا سأله المدعي سؤالها قال من كانت عنده شهادة فليذكر إن شاء ولا يقول لهما اشهدا لانه أمر وكان شريح يقول للشاهدين ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما ان ترجعا وما يقضي على هذا المسلم غيركما واني بكما أقضي اليوم وبكما اتقي يوم القيامة * (مسألة) * (وإذا سمع الحاكم الشهادة وكانت صحيحة حكم بها إذا سأله المدعي) فيقول للمدعى عليه قد شهدا عليك فان كان عندك ما يقدح في شهادتهم فبينه عندي فان لم يظهر ما يقدح فيهما حكم عليه إذا سأل الحاكم لان الحكم بالبينة حق له فلا يستوفيه الا بمسالة مستحقه * (مسألة) * (ولا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالاقرار والبينة في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان فان لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد فله الحكم نص عليه) لان الاقرار أحد البيتين فجاز الحكم به في مجلسه كالشهادة وقال القاضي لا يحكم به حتى يسمعه معه شاهدان لانه إذا لم يسمعه معه أحد كان حكما بعلمه * (مسألة) * (وليس له الحكم بعلمه فيما رآه أو سمعه في غير مجلسه نص عليه وهو اختيار الاصحاب وعنه ما يدل على جواز ذلك سواء كان في حد أو غيره) ظاهر المذهب ان الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره وسواء في ذلك ما علمه قبل الولاية أو بعدها وهذا قول شريح والشعبي ومالك وأسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وهو أحد قولى الشافعي وعن احمد رواية اخرى يجوز له ذلك وهو قول أبي يوسف وأبي ثور وهو القول للشافعي واختيار المزني لان النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند ان أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من

[ 425 ]

النفقة ما يكفيني وولدي قال " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها وروى ابن عبد البر في كتابه ان عروة ومجاهد رويا ان رجلا من بني مخزوم استعدى عمر ابن الخطاب على أبي سفيان بن حرب انه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا فقال عمر اني لاعلم الناس بذلك وربما لعبت انا وانت فيه ونحن غلمان فاتي بابي سفيان فأتاه به فقال عمر يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ههنا فضعه ههنا فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال والله لا أفعل فعلاه بالدرة وقال خذه لا أم لك فضعه ههنا فانك ما علمت قدم الظلم فأخذ أبو سفيان الحجر فوضعه حيث قال عمر ثم ان عمر استقبل القبلة فقال اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه واذللته لي بالاسلام فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الاسلام ما أذل به لعمر قال فحكم بعلمه ولان الحاكم يحكم بالشاهدين لانهما يغلبان على الظن فما تحققه وقطع به كان أولى ولانه يحكم في تعديل الشهود وجرحهم فكذلك في ثبوت الحق قياسا عليه وقال أبو حنيفة ما كان من حقوق الله تعالى لا يحكم فيه بعلمه لان حقوق الله تعالى مبينة على المساهلة والمسامحة وأما حقوق الادميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علمه في ولايته حكم به لان ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما انا بشر وانكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ان يكون ألحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو ما اسمع منه " فدل على انه لم يقضي بما يسمع لا بما يعلم وقال النبي

[ 426 ]

صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي " شاهداك أو يمينه ليس لك منه الا ذاك " وروي عن عمر رضي الله عنه انه تداعى عنده رجلان فقال له احدهما انت شاهدي فقال ان شئتما شهدت ولم أحكم أو أحكم ولا أشهد وذكر ابن عبد البر عن عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابا جهم على على الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاعطاهم الارش ثم قال " اني خاطب الناس ومخبرهم انكم قد رضيتم ارضيتم؟ قالوا نعم فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر القصة وقال - ارضيتم؟ - قالوا لا وهم بهم المهاجرون فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فاعطاهم ثم صعد فخطب الناس فقال - ارضيتم؟ " قالوا نعم وهذا يبين انه لم يأخذ بعلمه وروى عن أبي بكر رضي الله عنه قال لو رأيت حدا على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة ولان تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله على علمه فأما حديث ابي سفيان فلا حجة فيه لانه فتيا لا حكم بدليل ان النبي صلى الله عليه وسلم افتى في حكم أبي سفيان من غير حضوره ولو كان حكما عليه لم يحكم عليه في غيبته وحديث عمر الذي رووه كان انكارا لمنكر رآه لا حكم بدليل انه ما وجدت منهم دعوى ولا انكار بشروطهما ودليل ذلك ما رويناه عنه ثم لو كان حكما كان معارضا بما رويناه عنه ويفارق الحكم بالشهادة فانه لا يفضي إلى تهمة بخلاف مسئلتنا، وأما الجرج والتعديل فانه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف لانه لو لم يحكم فيه بعلمه لتسلسل فان المزكيين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مزكيين ثم كل واحد منهما يحتاج إلى مزكيين فيتسلسل وما نحن فيه بخلافه * (مسألة) * (وان قال المدعي مالي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه فيعلمه ان له اليمين على خصمه فان سأله احلافه احلفه)

[ 427 ]

لان الحق له فإذا أحلفه خلى سبيله وليس له استحلافه قبل مسألة المدعي لان اليمين حق له فلم يجز استيفاؤها قبل مطالبة مستحقها كنفس الحق وسقطت الدعوى لما روى وائل بن حجر ان رجلا من حضرموت ورجلا من كندة اتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي ان هذا غلبني علي ارض لي ورثتها من أبي وقال الكندي ارضي وفي يدي لا حق له فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " شاهداك أو يمينه " قال انه لا يتورع من شئ قال " ليس لك الا ذلك " رواه مسلم بمعناه * (مسألة) * (وان احلفه أو حلف من غير سؤال المدعي لم يعتد بيمينه) لانه أتي بها في غير وقتها فان سألها المدعي اعادها له لان الاولى لم تكن يمينه وان أمسك المدعي عن إحلاف خصمه الدعي عليه ثم اراد احلافه بالدعوى المتقدمة جاز لانه لم يسقط حقه منها وانما أخرها وان قال أبرأتك من هذه اليمين سقط حقه منها في هذه الدعوى أوله ان يستأنف الدعوى لان حقه لا يسقط بالابراء من اليمين وإن استأنف الدعوى وانكر المدعي عليه فله ان يحلفه لان هذه الدعوى غير الدعوى التي ابرأه بها من اليمين فان حلف سقطت الدعوي ولم يكن للمدعي ان يحلفه يمينا اخرى لا في هذا المجلس ولا في غيره * (مسألة) * (وان نكل قضى عليه بالنكول) نص عليه واختاره عامة شيوخنا فيقول له ان حلفت والا قضيت عليك ثلاثا فان لم يحلف قضى عليه إذا سأل المدعي ذلك لما روى أحمد ان ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدا فادعى عليه زيد انه باعه اياه عالما بعيبه فانكره ابن عمر فتحاكما إلى عثمان رضي الله عنه فقال عثمان احلف بانك ما علمت به عيبا فأبى ابن عمر ان يحلف فرد عليه العبد ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " اليمين على المدعي عليه "

[ 428 ]

فحصرها في جنبته فلم تشرع لغيره وهذا مذهب أبي حنيفة واختار أبو الخطاب أنه لا يحكم بالنكول ولكن يرد اليمين على خصمه وقال قد صوبه أحمد وقال ما هو ببعيد يحلف ويستحق فيقول الحاكم لخصمه لك رد اليمين على المدعي فان ردها حلف المدعي وحكم له لما روى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على صاحب الحق رواه الدار قطني وروي ان المقداد اقترض من عثمان مالا فقال عثمان هو سبعة آلاف وقال المقداد هو أربعة آلاف فقال المقداد لعثمان احلف أنه سبعة آلاف فقال له عمر انصفك فان حلف حكم له * (مسألة) * (فان نكل أيضا صرفهما) إذا نكل المدعي سئل عن سبب نكوله لانه لا يجب بنكوله لغيره حق بخلاف المدعى عليه فان قال امتنعت لان لي بينة اقيمها أو حسابا انظر فيه فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه في اليمين لانه لا يتأخر بتركه الا حقه بخلاف المدعى عليه وان قال لا أريد ان أحلف فهونا كل فان عاد احدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس لانه اسقط حقه منها حتى يحتكما في مجلس آخر فإذا استأنف الدعوى أعيد الحكم بينهما كالاول * (مسألة) * (وان قال المدعي لي بينة بعد قوله مالي ببينة لم يسمع ذكره الخرقي) لانه أكذب بينته لكونه اقر أنه لا يشهد له أحد فان شهد له إنسان كان تكذيبا له ويحتمل ان يقبل لانه يجوز ان ينسى ويكون الشاهدان سمعا منه وصاحب الحق لا يعلمه فلا يثبت ذلك أنه كذب نفسه * (مسألة) * (وان قال لا أعلم لي بينة ثم قال علمت لي بينة سمعت) لانه يجوز ان تكون له بينة لم يعلمها ثم علمها

[ 429 ]

* (مسألة) * (وان قال شاهدان نحن نشهد لك فقال هذان بينتي سمعت) قاله أبو الخطاب لما ذكرنا * (مسألة) * (وان قال ما أريد أن تشهد الي لم يكلف إقامة البينة) لانه أسقط حقه منها * (مسألة) * (وان قال لي بينة وأريد يمينه فان كانت غائبة فله احلافه وان كانت حاضرة فهل له ذلك؟ على وجهين) إذا قال المدعي لي بينة غائبة قال الحاكم لك يمينه فان شئت فاستحلفه وان شئت اخرته إلى ان تحضر بينتك وليس لك مطالبته بكفيل ولا ملازمته حتى تحضر البينة نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " شاهداك أو يمينه ليس لك الا ذلك " فان أحلفه ثم حضرت بينته حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق لان اليمين إنما يصار إليها عند عدم البينة فادا وجدت البينة بطلت اليمين وتبين كذبها، فان قال لي بينة حاضرة وأريد يمينه ثم أقيم بينتي لم يملك ذلك في أحد الوجهين وفي الآخر له احلافه وهو قول أبي يوسف كما لو كانت البينة غائبة ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " شاهداك أو يمينه ليس لك الا ذلك " وأو للتخيير بين شيئين فلا يكون الجمع بينهما لانه أمكن فصل الخصومة بالبينة فلم يشرع غيرها معها مع إرادة المدعي اقامتها وحضورها كما لو يطلب يمينه ولان اليمين بدل فلم يجب الجمع بينها وبين مبدلها كسائر الابدال مع مبدلاتها وان قال المدعي لا أريد إقامتها وإنما أريد يمينه اكتفي بها واستحلف لان البينة حقه فإذا رضي باسقاطها وترك اقامتها فله ذلك كنفس الحق فان حلف المدعي عليه ثم أراد المدعي اقامة

[ 430 ]

بينة لم يملك ذلك في أحد الوجهين لانه قد أسقط حقه من اقامتها ولان تجويز اقامتها يفتح باب الحيلة لانه يقول لا أريد اقامتها ليحلف خصمه ثم يقيمها (والثاني) له ذلك لان البينة لا تبطل بالاستحلاف كما لو كانت غائبة فان كان له شاهد واحد في المال عرفه الحاكم ان له ان يحلف مع شاهده ويستحق فان قال لا أحلف أنا وارضى بيمينه استحلف فإذا حلف سقط الحق عنه فان عاد المدعي بعدها وقال أنا احلف مع شاهدي لم يستحلف ولم يسمع منه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لان اليمين فعله وهو قادر عليها فامكنه ان يسقطها بخلاف البينة وان عاد قبل ان يحلف المدعى عليه فبذل اليمين لم يكن له ذلك في هذا المجلس وكل موضع قلنا يستحلف المدعى عليه فان الحاكم يقول له ان حلفت والا جعلتك ناكلا وقضيت عليك ثلاثا فان حلف والا حكم عليه بنكوله إذا سأله المدعي ذلك * (مسألة) * (فان سكت عن جواب المدعي فلم يقر ولم ينكر حبسه الحاكم حتى يجيب ولا يجعله بذلك ناكلا) ذكره القاضي في المحرر وقال أبو الخطاب يقول له الحاكم ان اجبت والا جعلناك ناكلا وحكمت عليك ويكرر ذلك ثلاثا فان أجاب والا جعله ناكلا وحكم عليه لانه ناكل عما توجه الجواب فيه فيحكم عليه بالنكول عنه باليمين * (مسألة) * (وان حلف المنكر ثم احضر المدعي بينة حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق) وجملة ذلك ان المدعي إذا ذكر ان له بينة بعيدة ولا يمكنة إحضارها أو لا يريد اقامتها فطلب اليمين من المدعى عليه احلف له فإذا حلف ثم أحضر المدعي بينة حكم له وبهذا قال شريح والشعبي ومالك والثوري والليث والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وإسحاق وحكي عن ابن أبي ليلى وداود

[ 431 ]

ان بينته لا تسمع لان اليمين حجة المدعى عليه فلا تسمع بعدها حجة المدعي كما لا تسمع يمين المدعى عليه بعد بينة المدعي ولنا قول عمر رضي الله عنه البينة الصادقة أحب الي من اليمين الفاجرة، وظاهر هذه البينة الصدق ويلزم من صدقها فجوز اليمين المتقدمة فتكون اولى ولان كل حالة يجب عليه الحق فيها باقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين وما ذكراه لا يصح لان البينة الاصل واليمين بدل عنها ولهذا لا تشرع الا عند تعذرها والبدل يبطل بالقدرة على المبدل كبطلان التيمم بالقدرة على الماء ولا يبطل الاصل بالقدرة على البدل ويدل على الفرق بينهما أنهما حال اجتماعهما وامكان سماعهما تسمع البينة ويحكم بها ولا تسمع اليمين ولا يسأل عنها (فصل) فان طلب المدعي حبس المدعى عليه واقامة كقيل به إلى اقامة ببيته البعيدة لم يقبل منه ولم تكن له ملازمة خصمه نص عليه أحمد لانه لم يثبت له قبله حق يحبس به ولا يقيم به كفيلا ولان الحبس عذاب فلا يلزم معصوما لم يتوجه عليه حق ولو جاز ذلك لتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بغير حق وان كانت ببيته قريبة فله ملازمته حتى يحضرها لان ذلك من ضرورة اقامتها فانه لو لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم ولا تمكن اقامتها الا بحضرته ولانه لما تمكن من احضاره مجلس الحكم حتى يقيم فيه البينة تمكن من ملازمته فيه حتى تحضر البينة ويفارق البينة البعيدة ومن لا يمكن حضورها فان الزامه الاقامة إلى حين حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه (فصل) ولو أقام المدعي شاهدا واحدا ولم يحلف معه وطلب يمين المدعى عليه أحلف له ثم ان أحضر شاهدا آخر بعد ذلك كملت بينته وقضي بها لما ذكرنا في التي قبلها والله أعلم

[ 432 ]

* (مسألة) * (وان قال لي مخرج مما ادعاه لم يكن مجيبا) لان الجواب أحد أمرين اقرار أو إنكار وليس هذا واحدا منهما * (مسألة) * (وان قال لي حساب أريد ان أنظر فيه لم يلزم المدعي انظاره) لان حق الجواب يثبت له حالا فلم يلزمه انظاره كما لو ثبت عليه الدين وذكر شيخنا في كتاب الكافي أنه ينظر ثلاثا ولا يهمل أكثر منها لانه كثير وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لانه يحتاج إلى ذلك لمعرفة قدر دينه أو يعلم أهل عليه شئ اولا والثلاث مدة يسيرة * (مسألة) * (وان قال قضيته أو ابرأني ولي ببينة بالقضاء أو الابراء وسأل الانظار انظر ثلاثا) لانها قريبة وللمدعي ملازمته لئلا يهرب أو يتغيب ولا يؤخر الحق عن المدة التي انظر فيها فان عجز عن اقامة البينة حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق لانه يصير منكرا واليمين على المنكر (فصل) فان شهدت البينة للمدعي فقال المدعى عليه احلفوه أنه يستحق ما شهدت به البينة لم يحلف لان في ذلك طعنا على البينة * (مسألة) * (وان ادعي عليه عينا في يده فاقربها لغيره جعل الخصم فيها وهل يحلف المدعى عليه على وجهين فان كان المقر له حاضرا مكلفا سئل فان ادعاها لنفسه ولم تكن بينة وأخذها وان اقر بها للمدعي سلمت إليه وان قال ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ سلمت إلى المدعي في أحد الوجهين في الآخر لا تسلم إليه الا ببينة ويجعلها الحاكم عند امين، وان اقر بها لغائب أو صبي أو مجنون سقطت عنه الدعوى، ثم ان كان للمدعي بينة سلمت إليه وهل يحلف؟ على وجهين وان لم تكن له بينة حلف المدعي عليه انه لا يلزمه

[ 433 ]

تسليمها إليه واقرت في يده الا ان يقيم بينة انها لمن سمى فلا يحلف وجملة ذلك ان الانسان إذا ادعى دارا في يد غيره فقال الذي هي في يده ليست لي إنما هي لفلان وكان المقر بها له حاضرا سئل عن ذلك فان صدقه صار الخصم فيها وكان صاحب اليد لان من هي في يده اعترف ان يده بائنة عن يده واقرار الانسان بما في يده اقرار صحيح فيصير خصما للمدعي فان كانت للمدعي بينة حكم له بها، وان لم تكن له بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، وان قال المدعي احلفوا المقر الذي كانت العين في يده انه لا يعلم انها لي فعليه اليمين لانه لو أقر بها لزم الغرم كما لو قال هذه العين لزيد ثم قال هي لعمرو فانها تدفع إلى زيد ويغرم قيمتها لعمرو ومن لزمه الغرم مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار، وفيه وجه انه لا يحلف لانه أقام المقر له مقام نفسه فيقوم مقامه في اليمين وتجزئ اليمين عنهما فان رد المقر له الاقرار فقال ليست لي وانما هي للمدعي حكم له بها، وان لم تكن له بينة ففيه وجهان (أحدهما) تدفع إلى المدعي لانه يدعيها ولا منازع له فيها ولان من هي في يده لو ادعاها ثم نكل قضينا له بها فمع عدم ادعائه لها اولى (والثاني) لا تدفع إليه لانه لم يثبت لها مستحق لان المدعي لا يد له ولا بينة وصاحب اليد معترف انها ليست له فيأخذها الامام فيحفظها لصاحبها وهذا الوجه الذي ذكره القاضي والاول أصح لما ذكرنا من دليله ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين ووجه ثالث ان المدعي يحلف انها له وتسلم إليه ويتخرج لنا مثله

[ 434 ]

بناء على القول برد اليمين إذا نكل المدعى عليه وان قال المقر له هي لثالث انتقلت الخصومة إليه وصار بمنزلة صاحب اليد لانه أقر له بها من له اليد حكما * (مسألة) * (وان أقر بها الغائب أو لغير مكلف معين كالصبي والمجنون صارت الدعوى عليه فان لم تكن للمدعي بينة لم يقض له بها) لان الحاضر يعترف انها ليست له، ولا يقضى على الغائب بمجرد الدعوى ويقف الامر حتى يقدم الغائب ويصير غير المكلف مكلفا وتكون الخصومة معه، فان قال المدعي احلفو إلى المدعي عليه أحلفناه لما تقدم، وان اقر بها للمدعي لم تسلم إليه لانه اعترف انها لغيره ويلزمه ان يغرم له قيمتها لانه فوتها عليه باقراره بها لغيره، وان كان مع المدعي بينة سمعها الحاكم وقضى بها وكان الغائب على خصومته متى خطر له ان يقدح في بينة المدعي وان يقيم بينة تشهد بانتقال الملك إليه من المدعي، وان أقام بينة انها ملكه فهل يقضي به؟ على وجهين بناء على تقديم بينة الداخل والخارج فان قلنا تقدم بينة الخارج فأقام الغائب بينة تشهد له بالملك والنتاج أو لسبب من أسباب الملك فهل تسمع بينته ويقضى بها؟ على وجهين فان كان مع المقر بينة تشهد بها للغائب سمعها الحاكم ولم يقض بها لان البينة للغائب والغائب لم يدعها هو ولا وكيله وانما سمعها الحاكم لما فيها من الفائدة وهو زوال التهمة عن الحاضر وسقوط اليمين عنه إذا ادعى عليه أنك تعلم انها لي ويتخرج ان يقضى بها إذا قلنا بتقديم بينة الداخل وان للمودع المحاكمة في الوديعة إذا غصبت لانها بينة مسموعة فيقضى بها كبينة المدعي إذا لم تعارضها بينة أخرى فان ادعى من هي في يده انها معه باجارة أو عارية وأقام بينة بالملك للغائب لم يقض بها لوجهين (احدهما) ان ثبوت الاجارة والعارية يترتب على ثبوت الملك للمؤجر ولا يمكن ثبوت الملك

[ 435 ]

للمؤجر بهذه البينة فلا تثبت الاجارة المترتبة عليها (والثاني) ان بينة الخارج مرتبة على بينة الداخل ويتخرج القضاء بها على تقديم بينة الداخل وكون الحاضر له فيها حق ومتى عاد المقر بها لغيره فاعادها لنفسه لم تسمع دعواه لانه اقر بانه لا يملكها فلا يسمع منه الرجوع عن اقراره والحكم في غير المكلف كالحكم في الغائب على ما ذكرناه. * (مسألة) * (وان أقر بها لمجهول قيل له اما ان تعرفه واما أن نجعلك ناكلا وقضينا عليك فان أصر قضي عليه بالنكول). لانه لا تمكن الدعوى على مجهول فيضيع الحق باقراره هذا فيجب ان لا يقبل كما لو يسكت. * (فصل) * قال رحمه الله (ولا تصح الدعوى إلا محررة تحريرا يعلم به المدعى إلا في الوصية والاقرار فانه يصح بالمجهول) أما في غير ذلك فلا يصح لان الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه المدعي فان اعترف به لزمه ولا يمكن ان يلزمه مجهولا ويفارق الاقرار فان الحق عليه فلا يسقط بتركه اثباته وانما صحت الدعوى في الوصية مجهولة فانها تصح مجهولة فانه لو وصى له بشئ أو سهم صح فلا يمكنه ان يدعيها إلا مجهولة كما يثبت وكذلك الاقرار لما صح ان يقر بمجهول صح لخصمه ان يدعي عليه انه أقر له بمجهول. إذا ثبت هذا فان كان المدعي أثمانا فلابد من ذكر ثلاثة أشياء الجنس والنوع والقدر فيقول عشرة دنانير مصرية وان اختلفت بالصحاح والمكسرة. * (مسألة) * (فان كان المدعى عينا حاضرة عينها بالاشارة لانها تعلم بذلك وان كانت غائبة ذكر صفاتها ان كانت تنضبط بها وإلا ذكر قيمتها) لانها لا تتميز ولا تصير معلومة إلا بذلك فان تعذر ذلك رجعنا إلى القيمة كما لو تلفت العين.

[ 436 ]

* (مسألة) * (وان كانت تالفة من ذوات الامثال ذكر قدرها وجنسها وصفتها). لان المثل واجب في ذوات الامثال فوجبت فيه هذه الصفات لانه لا يتحقق المثل بدونها وان ذكر قيمتها كان أولى لانه احصر، وإن كان مما لا مثل له كالنبات والحيوان ذكر قيمته لانها تجب بتلفه وكذلك ان كان جوهرا تعين ذكر قيمته لانها تجب بتلفه لانها لا تنضبط إلا بذلك فان كان المدعى دارا فلابد من بيان موضعها وحدودها فيدعي ان هذا بحدودها وحقوقها لي وانها في يده ظلما وأنا أطالبه بردها وان ادعى عليه ان هذه الدار لي وانه يمنعني منها صحت الدعوى وان لم يقل انها في يده لانه يجوز ان ينازعه ويمنعه وان لم تكن في يده وان ادعى جراحة فيها أرش معلومة كالموضحة من الحر لم يحتج إلى ذكر أرشها لانه معلوم وان كانت من عبد أو كانت من حر لا مقدر فيها فلابد من ذكر أرشها وان ادعى على أبيه دينا لم تسمع الدعوى حتى يدعي ان اباه مات وترك في يده مالا لان الولد لا يلزمه قضاء دين والده ما لم يكن كذلك ويحتاج ان يذكر تركة ابيه ويحررها ويذكر قدرها كما يصنع في قدر الدين هكذا ذكره القاضي، قال شيخنا والصحيح انه يحتاج إلى ذكر ثلاثة أشياء قدر دينه وموت ابيه وانه وصل إليه من تركة ابيه ما فيه وفاء لدينه ان قال ما فيه وفاء لبعض دينه احتاج ان يذكر ذلك القدر والقول قول المدعى عليه في نفي تركة الاب مع يمينه وكذلك ان انكر موت أبيه ويكفيه أن يحلف على نفي العلم لانه على نفي فعل الغير وقد يموت ولا يعلم به ابنه، ويكفيه ان يحلف انه ما وصل إليه من تركة أبيه شئ ولا يلزمه ان يحلف ان أباه لم يخلف شيئا لانه قد يخلف تركة لا تصل إليه فلا يلزمه الايفاء منه.

[ 437 ]

* (مسألة) * (وان ادعى نكاحا فلابد من ذكر المرأة بعينها إن حضرت وإلا ذكر اسمها ونسبها وذكر شروط النكاح وانه تزوجها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها في الصحيح من المذهب ان كانت ممن يعتبر رضاها). وهذا منصوص الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يحتاج إلى ذكر شرائطه لانه نوع ملك فأشبه ملك العبد الا انه لا يحتاج أن يقول وليست معتدة ولا مرتدة. ولنا ان الناس اختلفوا في شرائط النكاح فمنهم من يشترط الولي والشهود ومنهم من لا يشترط إذن البكر البالغ لابيها في تزويجها ومنهم من يشترطه وقد يدعي نكاحا يعتقده صحيحا والحاكم لا يرى صحته ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها ولا يعلمها ما لم يذكر الشروط وتقوم البينة بها ويفارق المال فان أسبابه لا تنحصر وقد يخفى على المدعي سبب ثبوت حقه والعقود تكثر شروطها ولذلك اشترطنا لصحة البيع شروطا سبعة فربما لا يحسن المدعي عددها ولا يعرفها والاموال مما يتساهل فيها ولذلك افترقا في اشتراط الولي والشهود في عقوده فافترقا في الدعوى وأما الردة والعدة فالاصل عدمهما ولا يختلف الناس فيه ولا تخ‍؟ لف به الاغراض فان كانت المرأة امة والزوج حرا فقياس ما ذكرناه انه يحتاج إلى عدم الطول وخوف العنت لانهما من شرائط صحة نكاحهما فأما ان ادعى استدامة الزوجية ولم يدع العقد لم يحتج إلى ذكر شروطه في أحد الوجهين لانه يثبت بالاستفاضة ولو اشترط ذكر الشروط لاشترطت الشهادة به ولا يلزم ذلك في شهادة الاستفاضة وفي الثاني يحتاج إلى ذكر الشروط لانه دعوى نكاح أشبه دعوى العقد.

[ 438 ]

* (مسألة) * (وإذا ادعى بيعا أو عقدا سواه فهل يشترط ذكر شروطه؟ يحتمل وجهين) أما سائر العقود من البيع والاجارة والصلح وغيرها فلا يفتقر إلى الكشف وذكر الشروط في أصح الوجهين لانه لا يحتاط لها ولا يفتقر إلى الولي والشهود فلم يفتقر إلى الكشف كدعوى العين وسواء كان المبيع حارية أو غيرها لانها مبيع فأشبهت العبد وكذلك إذا كان المدعى عبدا أو دينا لم يحتج إلى ذكر السبب لان أسباب ذلك تكثر ولا تنحصر وربما خفي على المستحق سبب استحقاقه فلا يكلف بيانه ويكفيه ان يقول استحق هذه العين التي في يده وأستحق كذا وكذا في ذمته ويقول في البيع اني اشتريت هذه الجارية بألف درهم أو بعتها منه بذلك ولا يحتاج ان يقول وهي ملكه أو وهي ملكي ونحن جائز الامر وتفرقنا عن تراض، وذكر أبو الخطاب في العقود وجها آخر انه يشترط ذكر شروطها قياسا على النكاح وذكر أصحاب الشافعي هذين الوجهين ووجها ثالثا ان كان المبيع جارية اشترط ذكر شروط البيع لانه عقد يستباح به الوطئ أشبه النكاح، وإن كان المبيع غيرهما لم يشترط لعدم ذلك والاول أولى لانها دعوى فيما لا يشترط فيه الولي والشهود أشبه دعوى العين وما لزم ذكره في الدعوى فلم يذكر سأله الحاكم عنه لتصير الدعوى معلومة فيمكن الحاكم الحكم بها. * (مسألة) * (وإن ادعت المرأة نكاحا على رجل وادعت معها نفقه أو مهرا سمعت دعواها وإن لم تدع سوى النكاح فهل تسمع دعواها؟ على وجهين) إذا ذكرت المرأة مع دعوى الزوجية حقا من حقوق النكاح كالمهر والنفقة ونحوها فان دعواها تسمع بغير خلاف نعلمه لانها تدعي حقا لها تضيفه إلى سببه فتسمع دعواها كما لو ادعت اضافته إلى الشراء

[ 439 ]

وان افردت دعوى النكاح فقال القاضي تسمع دعواها أيضا لانه سبب لحقوق لها فتسمع دعواها كالبيع وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر انه لا تسمع دعواها لان النكاح حق للزوج عليها فلا تسمع دعواها حقا لغيرها وان قلنا بالاول سئل الزوج فان أنكر ولم تكن بينة فالقول قوله بغير يمين لانه إذا لم تستحلف المرأة والحق عليها فلالا لا يستحلف من الحق له وهو ينكره أولى ويحتمل ان يستحلف لان دعواها انما سمعت لتضمنها دعوى حقوق مالية تشرع فيها اليمين وان أقامت البينة بالنكاح ثبت لها ما تضمنه النكاح من حقوقها وأما اباحتها فتبنى على باطن الامر فان علم انها أمرأته حلت له لان انكاره النكاح ليس بطلاق ولا نوى به الطلاق وان علم انها ليست امرأته إما العدم العقد أو لبينونتها لم تحل له وهل يمكن منها في الظاهر؟ يحتمل وجهين (احدهما) يمكن منها لان الحاكم قد حكم بالزوجية (والثاني) لا يمكن منها لاقراره على نفسه بتحريمها عليه فيقبل قوله في حق نفسه دون ما عليه كما لو تزوج امرأة ثم قال هي اختي من الرضاعة فإذا ثبت هذا فان دعواها النكاح كدعوى الزوج فيما ذكرناه من الكشف عن سبب النكاح وشرائط العقد ومذهب الشافعي قريب مما ذكرنا في هذا الفصل * (مسألة) * (وان ادعى قتل موروثه ذكر القاتل وانه انفرد به أو شاركه فيه غيره وانه قتله عمدا أو خطأ أو شبه عمد ويصفه) ويذكر صفة العمد لانه قد يعتقد ما ليس بعد عمدا فلا يؤمن ان يقتص ممن لا يجب له القصاص عليه وهو مما لا يمكن تلافيه فوجب الاحتياط فيه

[ 440 ]

* (مسألة) * (وان ادعى الارث ذكر سببه) لان اسبابه تختلف ولابد في الشهادة من ان تكون على سبب معين فكذلك في الدعوى * (مسألة) * (وان ادعى سيفا محلى يذهب قومه بغير جنس حليته وان كان محلى يذهب وفضة قومه بما شاء منهما للحاجة) * (فل) * قال الشيخ رحمه الله (وتعتبر في البينة العدالة ظاهرا وبالنا في اختيار الخرقي والقاضي وعنه نقبل شهادة كل مسلم لم يظهر منه ريبة اختارها أبو بكر فان جهل اسلامه رجع إلى قوله والمذهب الاول) وجملة ذلك ان الحاكم إذا شهد عنده شاهدان فان عرف عدالتهما حكم بشهادتهما وان عرف فسقهما لم يقبل قولهما وان لم يعرف حالهما سأل عنهما لان معرفة العدالة شرط في جميع الحقوق وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وعن أحمد رواية أخرى يحكم بشهادتهما إذا عرف اسلامهما بظاهر الحال الا ان يقول الخصم هما فاسقان وهذا قول الحسن والمال والحد في ذلك سواء لان الظاهر من المسلمين العدالة ولهذا قال عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض وروي ان اعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد برؤية الهلال فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اتشهد ان لا إله إلا الله؟ " قال نعم فصام وأمر الناس بالصيام، ولان العدالة امر خفي سببها الخوف من الله عزوجل ودليل ذلك الاسلام فإذا وجد فليكتف به ما لم يقم على طلاقه دليل وقال أبو حنيفة في الحدود والقصاص كالرواية الاولى وفي سائر الحقوق كالثانية لان الحدود والقصاص مما يحتاط لهما وتندرئ بالشبهات بخلاف غيرها

[ 441 ]

ولنا ان العدالة شرط فوجب العلم بها كالاسلام وكما لو طعن الخصم فيهما فأما الاعرابي المسلم فانه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبتت عدالتهم بثناء الله تعالى عليهم فان من ترك دينه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إيثار الدين الاسلام وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت عدالته وأما قول عمر فالمراد به الظاهر العدالة ولا يمنع ذلك وجوب البحث ومعرفة حقيقة العدالة فقد روي عنه انه اتي بشاهدين فقال لست اعرفكما ولا يضركما ان لم اعرفكما جيئا بمن يعرفكما فأتيا برجل فقال له عمر تعرفهما؟ فقال نعم فقال عمر صحبتهما في السفر الذي تبين فيه جواهر الناس؟ قال لا قال عاملتهما في الدراهم والدنانير التي تقطع فيها الرحم؟ قال لا قال كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال لا قال يا ابن أخي لست تعرفهما جيئا بمن يعرفكما وهذا بحث يدل على انه لا يكتفى بدونه. إذا ثبت هذا فان الشاهد يعتبر فيه أربعة شروط الاسلام والبلوغ والعقل والعدالة وليس فيها ما يحفى ويحتاج إلى البحث الا العدالة فيحتاج إلى البحث عنها لقول الله تعالى (ممن ترضون من الشهداء) ولا يعلم انه مرضي حتى يعرفه أو يخبر عنه فيأمر الحاكم بكتب اسمائهم وكناهم ونسبهم ويرفع فيها ما يتميزون به عن غيرهم ويكتب صنائعهم ومعائشهم وموضع مساكنهم وصلاتهم ليسأل عنهم جيرانهم وأهل سوقهم ومسجدهم ومحلتهم ويحكيهم فيكتب اسودا وأبيض أو انزع أو أغم أو أشهل أو أكحل اقني الانف أو افطس رقيق الشفتين أو غليظهما طويل أو قصير أو ربعة ونحو هذا التمييز ولا يقع اسم على اسم ويكتب اسم المشهود له وقدر الحق ويكتب ذلك كله لاصحاب مسائله لكل واحد رقعة وانما ذكرنا المشهود له لئلا يكون بينه وبين الشاهد عدواة وذكرنا قدر الحق لانه ربما كان ممن يرون قبوله في اليسير دون الكثير فتطيب نفس المزكي به إذا كان يسيرا ولا تطيب إذا كان كثيرا

[ 442 ]

وينبغي للقاضي ان يخفي عن كل واد من أصحاب مسائله ما يعطي الآخر من الرقاع لئلا يتواطئوا، وان شاء الحاكم عين لصاحب مسائله من يسأله ممن يعرفه من جيران الشاهد وأهل الخبرة به وان شاء أطلق ولم يعين المسئول ويكون السؤال سرا لئلا يكون فيه هتك المسئول عنه وربما يخاف المسؤل من الشاهد والمشهود له والمشهود عليه ان يخبر بما عنده أو يستحي وينبغي ان يكون أصحاب مسائله غير معروفين لئلا يقصدوا بهدية أو رشوة وان يكونوا أصحاب عفاف في الطعمة والانفس ذوي عقول وافرة ايرياء من الشحناء والبغضة لئلا يطعنوا في الشهود ويسألوا عن الشاهد عدوه فيطعن فيه فيضيع حق المشهود له ولا يكونوا من أهل الاهواء والعصبية يميلون إلى من وافقهم على من خالفهم ويكونون امناء ثقات لان هذا موضع أمانة وإذا رجع أصحاب مسائله فأخبر اثنان بالعدالة قبلت شهادته وان أخبر بالجرح رد شهادته وان أخبر احدهما بالجرح والآخر بالتعديل بعث آخرين فان عادا فأخبرا با التعديل تمت بينة التعديل وسقط الجرح لان بينته لم تتم وان أخبرا بالجرح ثبت ورد الشهادة وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل لم تتم البينتان ويقدم الجرح ولا يقبل الجرح والتعديل الا من اثنين ويقبل قول أصحاب المسائل وقيل لا تقبل شهادة المسؤولين ويكلف اثنين منهم ان يشهدوا بالتزكية والجرح عنده على شرط الشهادة واللفظ وغيره ولا يقبل من صاحب المسألة لان ذلك شهادة على شهادة مع حضور شهود الاصل ووجه القول الاول ان شهادة أصحاب المسائل شهادة استفاضة لا شهادة على شهادة فيكتفى بمن يشهد بها كسائر شهادات الاستفاضة ولانه موضع حاجة فانه لا يلزم المزكي الحضور للتزكية وليس للحاكم اجباره عليها فصار كالمرض والغيبة في سائر الشهادات ولاننا لو لم نكتف بشهادة أصحاب المسائل لتعذرت التزكية لانه قد لا يكون في جيران الشاهد من يعرفه للحاكم فلا يعرفه الحاكم فيفوت الجرح والتعديل (فصل) ولا بد للحاكم من معرفة اسلام الشاهد قاله القاضي ويحصل ذلك باحد أمور أربعة

[ 443 ]

(أحدها) إخباره عن نفسه أنه مسلم وإتيانه بكلمة الاسلام وهي شهادة ألا اله الا الله وأن محمدا رسول الله لانه لو لم يكن مسلما صار بذلك مسلما (الثاني) اعتراف المشهود عليه باسلامه لانه حق عليه (الثالث) خبرة الحاكم لاننا اكتفينا بذلك في عدالته فكذلك في اسلامه (الرابع) ان تقوم به بينة ولا بد من معرفة الحرية في موضع تعتبر فيه ويكفي في ذلك أحد امور ثلاثة البينة أو اعتراف المشهود عليه أو خبرة الحاكم ولا يكفي اعتراف الشاهد لانه لا يملك ان يصير حرا فلا يملك الاقرار به (فصل) إذا شهد عند الحاكم مجهول الحال فقال المشهود عليه هو عدل ففيه وجهان (احداهما) يلزم الحاكم بشهادته لان البحث عن عدالته لحق المشهود عليه وقد اعترف بها ولانه إذا أقر بعدالته فقد أقر بما يوجب الحكم لخصمه عليه فيؤخذ اقراره كسائر أقاريره (والثاني) لا يجوز الحكم بشهادته لان الحكم بها تعديل فلا يثبت بقول واحد ولان اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى ولهذا لو رضي الخصم بان يحكم عيه بقول فاسق لم يجز الحكم به لانه لا يخلوا اما ان يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه، لا يجوز ان يقال مع تعديله لان التعديل لا يثبت بقول الواحد ولا يجوز مع انتفاء تعديله لان الحكم بشهادة غير العدل لا يجوز بدليل شهادة من ظهر فسقه ومذهب الشافعي مثل هذا فان قلنا بالاول فلا يثبت تعديله في غير المشهد عليه لانه لم يوجد منه التعديل وانما حكم عليه لاقراره بوجود شرط الحكم، واقراره يثبت في حقه دون غيره * (مسألة) * (وإن علم الحاكم عدالتهما عمل بعلمه وحكم بشهادتهما) لا نعلم فيه خلافا وإذا عرف عدالة الشهود قال للمشهود قد شهدا عليك فان كان عندك ما يقدح

[ 444 ]

في شهادتهم فبينه عندي فان لم يقدح في شهادتهم حكم عليه لان الحق قد صح على وجه لا اشكال فيه * (مسألة) * (الا أن يرتاب بهما فيفرقهما ويسال كل واحد منهما كيف تحملت الشهادة؟ ومتى؟ وفي أي موضع؟ وهل كنت وحدك أو انت وصاحبك؟ فان اختلفا لم يحكم بشهادتهما وإن اتفقا وعظهما وخوفهما فان ثبتا حكم بها إذا ساله المدعي) وجملة ذلك ان الحاكم إذا ارتاب بشهادة الشهود احتاج إلى البحث عنهم لقول الله تعالى (ممن ترضون من الشهداء) ولا نعلم أنه مرضي حتى نعرفه أو نخبر عنه فيفرقهما ليظهر له حالهما فيفرقهم ويسال كل واحد عن شهادته وصفتها فيقول كنت أول من شهد أو كتب أو لم يكتب وفي أي مكان شهدت؟ وفي اي شهر؟ واي يوم؟ وهل كنت وحدك أو مع غيرك؟ فان اختلفوا سقطت شهادتهم لانه قد ظهر له ما يمنع قبولها ويقال أول من فعل هذا دانيال وقيل سليمان عليهما السلام وهو صغير وروي عن علي رضي الله عنه ان سبعة نفر خرجوا فقد واحد منهم فاتت زوجته عليا تدعي على الستة فسألهم علي فانكروا وفرقهم وأقام كل واحد منهم عند سارية ووكل به من يحفظه فدعا واحدا منهم فسأله فانكر فقال الله أكبر فظن الباقون أنه قد اعترف فدعاهم فاعترفوا فقال للاول قد شهدوا عليك وأنا قاتلك فاعترف فقلتهم * (مسألة) * (وان اتفقوا وعظهم وخوفهم كما روي عن شريح أنه كان يقول للشاهدين إذا حضرا يا هذان الا تريان؟ اني لم ادعكما ولست أمنعكما ان ترجعا وانما يقضي على هذا أنتما وأنا متق بكما فاتقيا وفي لفظ فاني بكما اقضي وبكما اتقي يوم القيامة)

[ 445 ]

وروى أبو حنيفة قال كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة فجاء رجل فادعى على رجل حقا فانكره فاحضر المدعي شاهدين فشهدا له فقال المشهود عليه والذي تقوم به السماء والارض لقد كذبا علي في الشهادة وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان الطير لتخفق باجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة وان شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار " فان صدقتما فاثبتا وان كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا * (فصل) * قال رحمه الله (ينبغي للقاضي ان يسال عن شهوده كل قليل لان الرجل ينتقل من حال إلى حال وهل هذا مستحب أو واجب؟ فيه وجهان) (أحدهما) مستحب لان الاصل بقاء ما كان فلا يزول حتى يثبت الجرح (والثاني) يجب البحث كلما مضت مدة يتغير الحال فيها لان العيب يحدث وذلك على ما يراه الحاكم، ولاصحاب الشافعي وجهان مثل هذين * (مسألة) * (وليس للحاكم ان يرتب شهودا لا يقبل غيرهم) لان الله تعالى قال (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ولان فيه اضرارا بالناس وتضيبقا عليهم لان كثيرا من الوقائع التي يحتاج إلى البينة فيها تقع عند غير المرتبين فمتى ادعى انسان شهادة غير المرتبين وجب على الحاكم سماع بينته والنظر في عدالة شاهديه ولا يجوز ردهما بكونهما من غير المرتبين

[ 446 ]

لان ذلك يخالف الكتاب والسنة والاجماع لكن له ان يرتب شهود اشهدهم الناس فيستغنون باشهادهم عن تعديلهم ويستغني الحاكم عن الكشف عن احوالهم فيكون فيه تخفيف من وجه ويكونون ايضا يزكون من عرفوا عدالته من غيرهم إذا شهد * (مسألة) * (فان ثبتا حكم بشهادتهما لان الظاهر صدقهما ولا يحكم حتى يسأله المدعي لان الحق وقد ذكرناه) (فصل) إذا اتصلت به الحادثة واستنارت به الحجة لاحد الخصمين حكم إذا سأله لما بينا وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح فان ابيا أخرهما إلى البيان فان عجلها قبل البيان لم يصح حكمه، وممن رأى الاصلاح بين الخصوم شريح وعبد الله بن عتبة وأبو حنيفة والشعبي والعنبري وروي عن عمر أنه قال ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فان فصل القضاء يحدث بين القوم الضغئن قال أبو عبيد انما يسعه الصلح في الامور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة لاحد الخصمين وتبين له موضع الظلم فليس له أن يحمله على الصلح ونحوه قول عطاء واستحسنه ابن المنذر، وروي عن شريح أنه ما أصلح بين متحاكمين إلا مرة واحدة (فصل) وإذا حدثت حادثة نظر في كتاب الله والا نظر في سنة رسول الله فان لم يجدها نظر في القياس فالحقها باشبه الاشياء بها لما روى عمرو بن الحارث بن أخي المغيرة بن شعبة عن رجل من أصحاب معاذ من اهل حمص عن معاذ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " بم تحكم؟ - قال بكتاب الله قال - فان لم تجد - قال بسنة رسول الله قال - فان لم تجد؟ - قال اجتهد رأيي ولا آلو قال - الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله " فان قيل عمرو بن

[ 447 ]

أخي المغيرة والرجال مجهولون قلنا قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ ثم انه حديث مشهور في كتب اهل العلم رواه سعيد بن منصور والامام أحمد وغيرهما وتلقاه العلماء بالقبول وجاء عن الصحابة من قولهم ما يوافقه فروى سعيد ان عمر قال لشريح انظر ما تبين لك في كتاب الله فاتبع فيه السنة وما لم يتبين ذلك في السنة فاجتهد فيه رأيك وعن ابن مسعود مثل ذلك * (مسألة) * (وإن جرحهما المشهود عليه كلف البينة بالجرح فان سال الانظار وانظر ثلاثا ليجرحهما) لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في كتابه إلى أبي موسى: واجعل لمن ادعى حقا غائبا امدا ينتهي إليه، فان أحضر بينة أخذت له حقه وإلا استحللت القضية عليه فانه انفي للشك وأجلى للعمى * (مسألة) * وللمدعي ملازمته الا ان يقيم بينة بالجرح) لان الحق قد ثبت في الظاهر فإذا لم يقم بينة بالجرح حكم عليه لظهور الحق * (مسألة) * (ولا يسمع الجرح الا مفسرا بما يقدح في العدالة ويعتبر فيه اللفظ فيقول أشهد اني رأيته يشرب الخمر أو سمعته يقذف أو رأيته يظلم الناس باخذ أموالهم أو ضربهم أو يعامل بالربا أو يعلم ذلك بالاستفاضة في الناس ولا بد من ذكر السبب وتعيينه) وبهذا قال الشافعي وسوار وعنه يكفي ان يشهد أنه فاسق وليس بعدل وبه قال أبو حنيفة لان التعديل يسمع مطلقا وكذلك الجرح لان التصريح بالسبب يجعل الجارح فاسقا يوجب عليه الحد في بعض الحالات وهو ان يشهد عليه بالزنا فيفضي الجرح إلى جرح الجارح وتبطل شهادته ولا يتجرح بها المجروح

[ 448 ]

ولنا أن الناس يختلفون في أسباب الجرح كاختلافهم في شارب يسير النبيذ فوجب ان لا يقبل بمجرد الجرح لئلا يجرحه بما لا يراه القاضي جرحا ولان الجرح ينقل عن الاصل فان الاصل في المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها فلا بد ان يعرف الناقل لئلا يعتقد نقله بما لا يراه الحاكم ناقلا وقولهم إنه يفضي إلى جرح الجارح وايجاب الحد عليه قلنا ليس كذلك لانه يمكنه التعريض من غير تصريح فان قيل ففي بيان السبب هتك المجروح قنا لا بد من هتكه فان الشهادة عليه بالفسق هتك ولكن جاز ذلك للحاجة الداعية إليه كما جازت الشهادة عليه به لاقامة الحد عليه بل ههنا أولى فان فيه دفع الظلم عن المشهود عليه وهو حق آدمي فكان أولى بالجواز لان هتك عرضه بسببه لانه تعرض للشهادة مع ارتكابه ما يوجب جرحه فكان هو الهاتك لنفسه إذ كان فعله المحوج للناس إلى جرحه فان صرح الجارح بقذفه بالزنا فعليه الحد إن لم يأت بتمام أربعة شهداء وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا حد عليه إذا كان بلفظ الشهادة لانه لم يقصد ادخال المعرة عليه ولنا قول الله سبحانه (والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) ولان أبا بكرة ورفيقه شهدوا على المعيرة بالزنا ولم يكمل زياد شهادته فجلدهم عمر حد القذف بمحضر من الصحابة ولم ينكره منكر فكان اجماعا ويبطل ما ذكروه بما شهدوا عليه لاقامة الحد عليه (فصل) فان أقام المدعي بينة ان هذين الشاهدين شهدا بذا الحق عند حاكم فردت شهادتهما لفسقهما بطلت شهادتهما لان الشهادة إذا ردت لفسق لم تقبل مرة ثانية (فصل) ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء وقال أبو حنيفة يقبل لانه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فاشبه الرواية وأخبار الديانات

[ 449 ]

ولنا أنها شهادة فيما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال في غالب الاحوال فاشبه الشهادة في القصاص وما ذكروه ممنوع (فصل) ولا يقبل الجرح من الخصم بلا خلاف بين العلماء فلو قال المشهود عليه هذان فاسقان أو عدوان أو أبا المشهود له لم يقبل قوله لانه متهم في قوله ويشهد بما يجر إلى نفسه نفعا فاشبه الشهادة لنفسه ولاننا لو قبلنا قوله لم يشأ أحد ان يبطل شهادة من شهد عليه إلا أبطلها فتضيع الحقوق وتذهب حكمة البينة (فصل) ولا تقبل شهادة المتوسمين، وذلك إذ حضر مسافران فشهدا عند حاكم لا يعرفهما لم تقبل شهادتهما، وقال مالك يقبلهما إذا رأى منها سيما الخير لانه لا سبيل إلى معرفة عدالتهما ففي التوقف عن قولهما تضييع الحقوق فوجب الرجوع فيهما إلى السيماء الجميلة ولنا ان عدالتهما مجهولة فلم يجز الحكم بشهادتهما كشاهدي الخضر وما ذكروه معارض بأن قبول شهادتهما يفضي إلى القضاء بشهادتهما في دفع الحق إلى غير مستحقه * (مسألة) * (وإن شهد عنده فاسق يعرف حاله قال للمدعي زدني شهودا) ولا يقبل قوله لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ويقول للمدعي زدني شهودا لئلا يفضحه

[ 450 ]

* (مسألة) * (وإن جهل حاله طالب المدعي بتزكيته) لانه روي عن عمر رضي الله عنه أنه أتي بشاهدين فقال لهما اني لا أعرفكما ولا يضركما ان لم أعرفكما جيئا بمن يعرفكما ولان العدالة شرط في قبول الشهادة على ما ذكرنا فإذا شك في وجودها كانت كعدمها كشروط الصلاة * (مسألة) * (ويكفي في التزكية شاهدان يشهدان أنه عدل رضي ولا يحتاج في التزكية ان يقول علي ولي) وهذا قول اكثر اهل العلم وبه يقول شريح وأهل العراق ومالك وبعض الشافعية وقال اكثرهم لا يكفيه الا أن يقول علي ولي واختلفوا في تعليله فقال بعضهم لئلا تكون بينهم عداوة أو قرابة وقال بعضهم لئلا يكون عدلا في شئ دون شئ ولنا قوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فان شهدا أنه عدل ثبت ذلك بشهادتهما فيدخل في عموم الآية ولانه إذا كان عدلا لزم أن يكون له وعليه وفي حق سائر الناس وفي كل شئ فلا يحتاج إلى ذكره ولا يصح ما ذكروه فان الانسان لا يكون عدلا في شئ دون شي؟ ء ولا في حق شخص دون شخص فانها لا توصف بهذا ولا تنتفي أيضا بقوله علي ولي فان من ثبتت عدالته لم تزل بقرابة ولا عداوة وانما ترد شهادته للتهمة مع كونه عدلا ثم ان هذا إذا كان معلوما انتفاؤه بينهما لم يحتج إلى ذكره ولا نفيه عن نفسه ولان العداوة لا تمنع من شهادته له بالتزكية وانما تمنع الشهادة عليه وهذا شاهد له بالتزكية والعدالة فلا حاجة إلى نفي العداوة (فصل) ولا يكفي ان يقول ما أعلم منه إلا الخير وهذا مذهب الشافعي وقال أبو يوسف يكفي لانه إذا كان من أهل الخبرة به ولا يعلم منه الا الخير فهو عدل

[ 451 ]

ولنا أنه لم يصرح بالتعديل فلم يكن تعديلا كما لو قال أعلم منه خيرا وما ذكروه لا يصح لان الجاهل بحال أهل الفسق لا يعلم منهم الا الخير لانه يعلم اسلامهم وهو لا يعلم منهم غير ذلك وهم غير عدول، قال أصحابنا ولا يقبل التعديل الا من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة وهو مذهب الشافعي لخبر عمر الذي قدمناه، ولان عادة الناس اظهار الطاعات وإسرار المعاصي فان لم يكن ذا خبرة باطنة فربما اغتر بحسن ظاهره وهو فاسق في الباطن وهذا يحتمل ان يريد الاصحاب بما ذكروه ان الحاكم إذا علم ان المعدل لا خبرة له لم تقبل شهادته بالتعديل كما فعل عمر رضي الله عنه ويحتمل أنهم أرادوا أنه لا تجوز للمعدل الشهادة بالعدالة إلا ان تكون له خبرة باطنة، فاما الحكم إذا شهد عنده العدل بالتعديل ولم يعرف حقيقة الحال فله ان يقبل الشهادة من غير كشف، وان استكشف الحال كما فعل عمر رضي الله عنه فحسن * (مسألة) * (وان عدله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك ينظرا أيهما أعدل الذان جرحاه أو الذان عدلاه؟ فيؤخذ بقول أعدلهما ولنا ان الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدل فوجب تقديمه لان التعديل متضمن ترك الريب والجارح مثبت لوجود ذلك والاثبات مقدم على النفي ولان الجارح يقول رأيته يفعل والمعدل مستنده أنه لم يره يفعل ويمكن صدقهما والجمع بين قوليهما بان يراه الجارح يفعل المعصية ولا يراه المعدل فيكون مجروحا

[ 452 ]

* (مسألة) * (وان سأل المدعي حبس المشهود عليه حتى يزكي شهوده فهل يحبس؟ على وجهين) (أحدهما) يحبس لان الظاهر العدالة وعدم السبق ولان الذي على الغريم قد أتى به وإنما بقي ما كان على الحاكم وهو الكشف عن عدالة الشهود (والثاني) لا يحبس لان الاصل براءة الذمة وقيل يحبس في المال فقط * (مسألة) * (وان اقام شاهدا وسأل حبسه حتى يقيم الاخر حبسه ان كان في المال) لان الشاهد حجة فيه وإنما اليمين معونه له، وان كان في غيره لم يحبس لانه لا يكون حجة في اثباته أشبه ما لو لم يقم شاهدا وفيه وجه آخر أنه يحبس كالتي قبلها والاول أولى لانه إن حبس ليقيم شاهدا آخر لتتم بهما البينة فهو كالحق الذي لا يثبت الا بشاهدين، وان حبس ليحلف معه فلا حاجة إليه لان الحلف ممكن في الحال، فان حلف ثبت حقه وإلا لم يجب شئ، ويحتمل ان يقال ان كان المدعي بازلا لليمين والتوقف لاثبات عدالة الشاهدين حبس كما ذكرنا في التي قبلها، وان كان التوقف عن الحكم لغير ذلك لم يحبس لما ذكرناه قال القاضي وكل موضع حبس فيه بشاهدين دام الحبس حتى تثبت عدالة الشهود أو فسقهم، وكل موضع حبس لشاهد واحد فانه يقال للمشهود له ان جئت بشاهد آخر إلى بكيت والا اطلقناه، وان اقام شاهدين فحبس حتى يزكي شهوده فقيل يمهل ثلاثة أيام أيضا كالتي قبلها وهو أولى ان شاء الله تعالى لان الحبس عقوبة فإذا قلنا يحبس حتى يزكي شهوده فكل من أراد حبس خصمه أقام شاهدين مجهولين لا يعرفهما الحاكم ويبقى خصمه في الحبس دائما وهذا ضرر كثير مع ان الاصل براءة الذمة فاما الثلاثة أيام فهي يسيره

[ 453 ]

(فصل) إذا ادعى العبد ان سيده اعتقه وأقام شاهدين لم يعدلا فسأل الحاكم ان يحول بينه وبين سيده إلى ان يبحث الحاكم عن عدالة الشهود فعل الحاكم ذلك ويؤجره من ثقة ينفق عليه من كسبه ويحبس الباقي فان عدل الشاهدان ان أسلم إليه الباقي من كسبه وان فسقا رد إلى سيده وإنما حلنا بينهما لما ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا، ولاننا لو لم نحل بينهما افضى إلى ان تكون امة يطؤها وان أقام شاهدا واحدا وسأل ان يحال بينهما ففيه وجهان (فصل) وان أقامت المرأة شاهدين يشهدان بطلاقها ولم تعرف عدالة الشهود حيل بينه وبينها وان أقامت شاهدا واحدا لم يحل بينهما لان البينة لم تتم وهذا مما لا يثبت الا بشاهدين * (مسألة) * (وان حاكم إليه من لا يعرف لسانه ترجم له من يعرف لسانه) إذا تحاكم إلى القاضي العربي اعجميان أو أعجمي وعربي فلا بد من مترجم عنهما * (مسألة) * (ولا يقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة الا قول عدلين) وبهذا قال الشافعي وعن أحمد انه يقبل واحد وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز وابن المنذر وقول أبي حنيفة قال ابن المنذر في حديث زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم امره ان يتعلم كتاب يهود قال فكنت أكتب له إذا كتب إليهم وأقرأ له إذا كتبوا ولانها مما لا تفتقر إلى لفظ الشهادة فاجزأ فيها الواحد كاخبار الديانات ولانه نقل ما خفي عن الحاكم إليه فيما يتعلق بالمتحاكمين فوجب فيه العدد كالشهادة ولان ما لا يفهمه الحاكم وجوده عنده كغيبته فإذا ترجم له كان كنقل الاقرار إليه من غير مجلسه ولا يقبل ذلك الا من شاهدين كذا ههنا فعلى هذه الرواية تكون الترجمة شهادة تفتقر إلى العدد

[ 454 ]

والعدالة ويعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في الشهادة على الاقرار بذلك الحق فان كان مما يتعلق بالحدود والقصاص اعتبر فيه الحرية ولم يكف الا شاهدان ذكران ان كان مما لا يكفي فيه ترجمة رجل وامرأتين ولم تعتبر الحرية فيه وإن كان في حد زنا خرج في الترجمة وجهان (احدهما) لا يكفي فيه أقل من أربعة رجال احرار عدول (والثاني) يكفي فيه اثنان بناء على الروايتين في الشهادة على الاقرار بالزنا ويعتبر فيه لفظ الشهادة لانه شهادة وإن قلنا يكفي فيه واحد فلا بد من عدالته ولا يقبل من كافر ولا فاسق ويقبل من العبد لانه من أهل الشهادة ولرواية وقال أبو حنيفة لا يقبل من العبد لكونه ليس من أهل الشهادة ولنا انه خبر يكفي فيه قول الواحد فيقبل فيه خبر العبد كاخبار الديانات ولا نسلم ان هذه شهادة ولان العبد ليس من أهل الشهادة ولا يعتبر فيه لفظ الشهادة كالرواية وعلى هذا الاصل ينبغي ان يقبل فيه ترجمة المرأة إذا كانت من أهل العدالة لان روايتها مقبولة، فأما الجرح والتعديل فلا يكون الا من اثنين وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وابن المنذر وعن أحمد يقبل ذلك من واحد وهو اختيار أبي بكر وقول أبي حنيفة لانه خبر ولا يعتبره فيه لفظ الشهادة فيقبل من واحد كالرواية ولنا انه إثبات صفة من يبني الحاكم حكمه على صفته فاعتبر العدد كالحضانة وفارق الرواية فانها على المساهلة ولا نسلم انها لا تفتقر إلى لفظ الشهادة (فصل) والحكم في التعريف والرسالة كالحكم في الترجمة وفيها من الخلاف ما فيها، ذكره شيخنا في الكتاب المشروح وذكره الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب

[ 455 ]

* (مسألة) * (ومن ثبتت عدالته مرة فهل يحتاج إلى تجديد البحث عن عدالته مرة أخرى؟ على وجهين) وجملة ذلك أن من ثبتت، عدالته ثم شهد عند الحاكم بعد ذلك بزمن قريب حكم بشهادته وعدالته لان عدالته ثبتت وان كان بعده بزمن طويل ففيه وجهان (احدهما) لا يحتاج إلى ذلك (والثانى) يحتاج لان من طول الزمان تتغير الاحوال * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (وإن ادعى على غائب أو مستتر في البلد أو ميت أو صبي أو مجنون وله بينة سمعها الحاكم وحكم بها) من ادعى حقا على غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه فعلى الحاكم إجابته إذا كملت الشروط وبهذا قال إبن شبرمة ومالك والشافعي والاوزاعي والليث وسوار وأبو عبيد وإسحاق وإبن المنذر وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب وعن أحمد مثله وبه قال ابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن القاسم والشعبي إلا ان أبا حنيفة قال إذا كان له خصم حاضر من وكيل أو شفيع جاز الحكم عليه واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعل " إذا تقاضي اليك رجلان فلا تقض للاول حتى تسمع كلام الآخر فانك تدري بما تقضي " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولانه قضاء لاحد الخصمين وحده فلم يجز كما لو كان الآخر في البلد ولانه يجوز ان يكون الغائب مما يبطل البينة ويقدح فيها فلم يجز الحكم عليه

[ 456 ]

ولنا ان هندا قالت يا رسول الله ان أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي قال " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " متفق عليه ففضى عليه لها ولم يكن حاضرا، ولان هذا بينة مسموعة وعادلة فجاز الحكم بها كما لو كان الخصم حاضرا يقدم عليه إذا كان غائبا كسماع البينة وأما حديثهم فنقول به إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين ويفارق الحاضر الغائب فان البينة لا تسمع على حاضر الا بحضرته والغائب بخلافه، وقد ناقض أبو حنيفة أصله فقال إذا جاءت امرأة فادعت ان لها زوجا غائبا وله مال في يد رجل وتحتاج إلى النفقة فاعترف لها بذلك فان الحاكم يقضي عليه بالنفقة، ولو ادعى على حاضر أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة وأقام بينة بذلك حكم بالبيع والاخذ بالشفعة ولو مات المدعى عليه فحضر بعض ورثته أو حضر وكيل الغائب وأقام المدعي بينة حكم له بما ادعاه، والغيبة المعتبرة إلى مسافة القصر لانها التي تبنى عليها الاحكام (فصل) وكذلك الحكم في المستتر في البلد لانه تعذر حضوره اشبه الغائب بل أولى فان الغائب معذور ولا عذر للمستتر نص عليه أحمد في رواية حرب وروى حرب باسناده عن أبي موسى قال كان الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتعدا الموعد فوفى أحدهما ولم يوف الآخر قضى للذي وفى ولانه لو لم يحكم عليه لجعل الاستتار وسيلة إلى تضييع الحقوق * (مسألة) * (والميت المدعى عليه كالغائب بل أولى) لان الغائب قد يحضر بخلاف الميت

[ 457 ]

قال الشاعر: وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب وكذلك الصبي والمجنون المدعى عليهما يجوز سماع البينة عليهما والحكم عليهما لانه لا يعبر عن نفسه فهو كالغائب وفي المستتر قول آخر يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. * (مسألة) * (وهل يحلف المدعى عليه إذا لم يبرأ إليه منه ولا من شئ منه؟ على روايتين) وجملة ذلك ان البينة إذا قامت على غائب أو غير مكلف كالصبي والمجنون لم يستحلف المدعي مع يمينه في أشهر الروايتين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " ولانها بينة عادلة فلم تجب اليمين معها كما لو كانت على حاضرة والثانية يستحلف معها وقول الشافعي لانه يجوز ان يكون استوفى ما قامت به البينة أو ملكه العين التي قامت بها البينة، ولو كان حاضرا فادعى ذلك لوجبت اليمين فإذا تعذر ذلك منه لغيبته أو عدم تكليفه يجب ان يقوم الحاكم مقامه فيما يمكن دعواه ولان الحاكم مأمور بالاحتياط في حق الصبي والمجنون والغائب لان كل ولاحد منهم لا يعبر عن نفسه وهذا من الاحتياط والاولى ظاهر المذهب * (مسألة) * (ثم إذا قدم الغائب أو بلغ الصبى أو أفاق المجنون فهو على حجته) أما إذا قدم الغائب عن الحكم فان الحكم يقف على حضوره وان جرح الشهود لم يحكم عليه وان استنظر الحاكم أجله ثلاثا فان أقام البينة بجرحهم والا حكم عليه وان ادعى القضاء أو الابراء وكانت له بينة به برئ والا حلف المدعي وحكم، له وان قدم بعد الحكم فجرح الشهود بأمر كان قبل الشهادة

[ 458 ]

بطل الحكم لفوات شرطه، وان جرحهم بأمر بعد اداء الشهادة أو مطلقا لم يبطل الحكم ولم يقبله الحاكم لجواز ان يكون بعد الحكم فلا يقدح فيه (فصل) ولا يقضي على الغائب الا في حقوق الآدميين فأما في الحدود التي لله تعالى فلا يقضي بها عليه لان مبناها على المساهلة والاسقاط فان قامت بينة على غائب بسرقة مال حكم بالمال دون القطع (فصل) ظاهر كلام احمد انه إذا قضى على الغائب بعين سلمت إلى المدعي وإن قضى عليه بدين ووجد له مال احذ منه فانه قال في رواية حرب في رجل أقام بينة ان له سهما من ضيعة في ايدي قوم فتواروا عنه يقسم عليهم شهدوا أو غابوا ويدفع إلى هذا حقه ولانه ثبت حقه بالبينة فيسلم إليه كما لو كان خصمه حاضرا ويحتمل ألا يدفع إليه شئ حتى يقيم كفيلا انه متى حضر خصمه وابطل دعواه فعليه ضمان ما اخذه لئلا ياخذ المدعي ما حكم له به ثم يأتي خصمه فيبطل حجته أو يقيم بينة بالقضاء والابراء أو يملك العين التي قامت بها البينة بعد ذهاب المدعي أو موته فيضيع مال المدعى عليه، وظاهر كلام احمد الاول فانه قال في رجل عنده دابة مسروقة فقال هي عندي وديعة إذا اقيمت البينة انها له تدفع إلى الذي اقام البينة حتى يجئ صاحب الوديعة فيثبت. * (مسألة) * (وإن كان الخصم في البلد غائبا عن المجلس لم تسمع البينة حتى يحضر فان امتنع من الحضور سمعت البينة وحكم بها في إحدى الروايتين، وفي الاخرى لا تسمع حتى يحضر فان أبي بعث إلى صاحب الشرطة ليحضره فان تكرر منه الاستتار أقعد على بابه من يضيق عليه في دخوله وخروجه حتى يحضر). وجملة ذلك أن الحاضر في البلد أو قريبا منه إذا لم يمتنع من الحضر لم يحكم عليه قبل

[ 459 ]

حضوره في قول أكثر أهل العلم ولاصحاب الشافعي وجه أنه يقضي عليه في غيبته لانه غائب أشبه الغائب البعيد. ولنا انه أمكن سؤاله فان امتنع من الحضور أو توارى فظاهر كلام أحمد جواز القضاء عليه لما ذكرنا عنه في رواية حرب وروى عنه ابو طالب في رجل وجد غلامه عند رجل فأقام البينة انه غلامه فقال الذي عنده الغلام أودعني هذا رجل فقال احمد أهل المدينة يقضون على الغائب ويقولون انه لهذا الذي أقام البينة وهو مذهب حسن وأهل البصرة يقضون على غائب يسمونه الاعذار وهو إذا ادعى على رجل الفا وأقام بينة فاختفى المدعى عليه يرسل إلى بابه فينادي الرسول ثلاثا فان جاء والا فقد أعذروا إليه فهذا يقوي قول أهل المدينة وهو مذهب حسن، قد ذكر الشريف ابو جعفر وابو الخطاب انه يقضى عى الغائب الممنع وهو مذهب الشافعي لانه تعذر حضوره وسؤاله فجاز القضاء عليه كالغائب البعيد بل هو أولى لان البعيد معذور وهذا لا عذر له وعلى القول الآخر إذا امتنع من الحضور بعث إلى صاحب الشرطة ليحضره فان تكرر منه الاستتار أقعد على بابه من يضيق عليه في دخوله وخروجه حتى يحضر لان ذلك طريق إلى حضوره وتخليص الحق منه. * (مسألة) * (وان ادعى ان أباه مات عنه وعن أخ له غائب وله مال في يد فلان أو دين عليه فاقر المدعى عليه أو ثبتت بينته سلم إلى المدعي نصيبه وأخذ الحاكم نصيب الغائب فحفظ له ويحتمل انه إذا كان المال دينا ان يترك نصيب الغائب في ذمة الغريم حتى يقدم). وجملة ذلك أن من ادعى أن أباه مات وخلفه وأخا غائبا لا وارث له سواهما وترك في يد انسان

[ 460 ]

دارا أو عينا منقوله فأقر له صاحب اليد أو أنكر فثبت ما ادعاه ثبت ما في يد المدعي للميت وانتزع من يد المنكر فدفع نصفها إلى المدعي وجعل النصف الآخر في يد أمين للغائب تكرمة له ان كان يمكن كراؤه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان كان مما لا ينقل ولا يحول ومما ينحفظ ولا يخاف هلاكه لم ينزع نصيب الغائب من يد المدعى عليه لان الغائب لم يدعه هو ولا وكيله فلم ينزع من يد من هو فيه كما لو ادعى أحد الشريكين دارا مشتركة بينه وبين أجنبي فانه يسلم إلى المدعي نصيبه ولا ينزع نصيب الغائب كذا ههنا. ولنا انها تركة ميت ثبتت ببينة فوجب ان ينزع نصيب الغائب كالنقول وكما لو كان أخوه صغيرا أو مجنونا ولان في بقائه له ضررا لانه قد يتعزر على الغائب اقامة البينة وقد يموت الشاهدان أو يغيبا أو تزول عدالتهما ويعزل الحاكم فيضيع حقه فوجب أن يحفظ بانتزاعه كالمنقول ويفارق الشريك للاجنبي اجمالا وتفصيلا، أما الاجمال فان المنقول ينتزع نصيب شريكه في الميراث ولا ينزع نصيب الاجنبي وأما التفصيل فان البينة ثبت بها الحق للميت بدليل انه تقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه ولان الاخ يشاركه فيما أخذه إذا تعذر عليه اخذ الباقي فأما ان كان دينا في ذمة انسان فهل يقبض الحاكم نصيب الغائب؟ فيه وجهان. (أحدهما) يقبضه كما يقبض العين (والثاني) لا يقبضه لانه إذا كان في ذمة من هو عليه كان أحوط من أن يكون امانة في يد الامين لانه لا يؤمن عليه التلف إذا قبضه والاول أولى لان في الذمة يعرض التلف بالفلس والموت وعزل الحاكم وتعذر البينة إذا ثبت هذا فاننا إذا دفعنا إلى الحاضر نصف العين أو الدين لم نطالبه بضمين لاننا دفعناه بقول الشهود والمطالبة بالضمين طعن عليهم قال أصحابنا سواء كان الشاهدان من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا، ويحتمل ان لا تقبل شهادتهما في نفي وارث آخر حتى يكونا من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة لانه ليس من أهل المعرفة لان جهله بالوارث دليل على عدمه فلا يكتفى به وهذا قول الشافعي فعلى هذا تكون الدار موقوفة فلا يسلم إلى الحاضر نصفها حتى يسأل الحاكم ويكشف عن المواضع التي كان يطرقها وينادي مناديا ينادي ان فلانا مات فان كان له وارث فليأت فإذا غلب على ظنه انه لو كان له وارث ظهر دفع إلى الحاضر نصيبه وهل يطلب منه ضمين يحتمل وجهين وكذلك الحكم إذا كانا من أهل الخبرة الباطنة لكن لم يقولا ولا نعلم له وارثا سواه.

[ 461 ]

(فصل) فان كان مع الابن ذو فرض فعلى ظاهر المذهب يعطى فرضه كاملا وعلى هذا التخريج يعطى اليقين فان كانت له زوجة أعطيت ربع الثمن عائلا فيكون ربع التسع لجواز أن يكون له اربع زوجات وان كانت له جدة ولم يثبت موت أمه لم يعط شيئا وان علم موتها أعطيت ثلث السدس لجواز أن يكون له ثلاث جدات وتعطاه عائلا فيكون ثلث العشر ولا يعطى العصبة شيئا لجواز ان يكون وارث يحجبه وان كان زوجا أعطي الربع عائلا وهو الخمس لجواز أن تكون المسألة عائلة فيعطى اليقين فإذا كشف الحاكم أعطى الزوج نصيبه وكمل لذوي الفروض فروضهم. (فصل) إذا اختلفا في دار في يد أحدهما فأقام المدعي بينة ان الدار كانت ليست ملكه أو منذ شهر فهل تسمع البينة ويقضي بها على وجهين. (أحدهما) تسمع ويحكم بها لانها تثبت الملك في الماضي وإذا ثبت استديم حتى يعلم زواله (والثاني) لا تسمع، قال القاضي هو الصحيح لان الدعوى لا تسمع ما لم يدعي المدعي الملك في الحال فلم يسمع ما لم يدعه لكن ان انضم إلى شهادتهما بيان سبب يد الثاني وتعريف تعديها فقالا نشهد انها كانت ملكه أمس فغصبها هذا منه أو سرقها أو ضلت منه فالتقطها هذا ونحو ذلك سمعت وقضي بها لانه إذا لم يتبين السبب فاليد دليل الملك ولا تنافي بين ما شهدت به البينة وبين دلالة اليد لجواز أن يكون ملكه أمس ثم ينتقل إلى صاحب اليد فإذا ثبت أن سبب اليد عدوان خرجت عن كونها دليلا فوجب القضاء باستدامة الملك السابق، فان أقر المدعى عليه انها كانت للمدعي أمس أو فيما مضى سمع اقراره في الصحيح وحكم به لانه حينئذ يحتاج إلى سبب انتقالها إليه فيصير هو المدعي فيحتاج إلى بينة ويفارق البينة من وجهين. (احدهما) انه أقوى من البينة لكونها شهادة الانسان على نفسه ويزول به النزاع بخلاف البينة (الثاني) أن البينة لا تسمع إلا على ما ادعاه والدعوى يجب ان تكون معلقة بالحال والاقرار يسمع ابتداء، فان شهدت البينة أنها كانت في يده أمس ففي سماعها وجهان، وإن أقر المدعى عليه بذلك فالصحيح أنها تسمع ويقضي بها لما ذكرنا. * (مسألة) * (وإن ادعى انسان أن الحاكم حكم له بحق فصدقه قبل قول الحاكم وحده) وان لم يذكر الحاكم ذلك فشهد عدلان انه حكم له به قبل شهادتهما وأمضى القضاء وكذلك

[ 462 ]

ان شهدا أن فلانا وفلانا شهدا عندك بكذا قبل شهادتهما) إذا ادعى انسان على الحاكم إنك حكمت لي بهذا الحق على خصمي فذكر الحاكم حكمه أمضاه وألزم خصمه ما حكم به عليه وليس هذا حكما بالعلم انما هو امضاء لحكمه السابق وان لم يذكره القاضي فشهد عنده شاهدان على حكمه لزمه قبولهما وامضاء القضاء وبه، قال ابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن قال القاضي هذا قياس قول أحمد لانه قال يرجع الامام إلى قول اثنين فصاعدا من المأمومين وقال أبو حنيفة وابو يوسف والشافعي لا يقبل لانه لا يمكنه الرجوع إلى الاحاطة والعلم فلا يرجع إلى الظن كالشاهد إذا نسي شهادته نشهد عنده شاهدان انه شهد لم يكن له ان يشهد. ولنا انهما لو شهدا عنده بحكم غيره قبل فكذلك إذا شهدا عنده بحكمه فانهما شهدا بحكم حاكم وما ذكروه لا يصح لان ذكر ما نسيه إليه ويخالف الشاهد لان الحاكم يمضي ما حكم به إذا ثبت عنده والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته وإنما يمضيها الحاكم وكذلك ان شهدا ان فلانا وفلانا شهدا عندك بكذا قبل شهادتهما على الشاهدين كما يقبل شهادتهما على الحق نفسه * (مسألة) * (وإن لم يشهد به أحد لكن وجده في قمطره في صحيفة تحت ختمه بخطه فهل ينفذه؟ على روايتين) (إحداهما) لا ينفذه إلا أن يذكره نص عليه احمد في الشهادة قاله بعض أصحابنا وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن (والثانية) انه يحكم به وبه قال ابن أبي ليلى قال شيخنا وهذا الذي رأيته عن احمد في الشهادة لانه إذا كان في قمطره تحت ختمه لم يحتمل أن يكون إلا صحيحا ووجه الاولى انه حكم حاكم لم يعلمه فلم يجز انفاذه إلا ببينة كحكم غيره ولانه يجوز أن يزور عليه وعلى خطه وختمه والخط يشبه الخط فان قيل فلو وجد في دفتر أبيه حقا على انسان جاز له أن يدعيه ويحلف عليه فلنا هذا يخالف الحكم والشهادة بدليل الاجماع على أنه لو وجد خط أبيه بشهادة لم يجز أن يحكم بها ولا يشهد بها ولو وجد حكم أبيه مكتوبا بخطه لم يجز له انفاذه ولانه يمكنه الرجوع فيما حكم به إلى نفسه لانه فعله فروعي ذلك، وأما ما كتبه ابوه فلا يمكنه الرجوع فيه إلى نفسه فكفى فيه الظن * (مسألة) * (وكذلك الشاهد إذا وجد خطه بشهادة في كتاب ولم يذكرها فهل له أن يشهد بها؟ على روايتين)

[ 463 ]

(إحداهما) له أن يشهد بها لان الظاهر انه خطه (والثانية) لا يشهد بها إلا أن يذكرها لانها قد تتزور على خطه وقد وجد ذلك (فصل) قال الشيخ رحمه الله ومن كان له على انسان حق ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على مال لم يجز أن يأخذ قدر حقه نص عليه احمد واختاره عامة شيوخنا وجملة ذلك انه إذا كان لرجل على غيره حق وهو مقر به باذل له لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه بلا خلاف بين أهل العلم فان أخذ من ماله شيئا بغير إذنه لزمه رده إليه وإن كان قد حقه لانه لا يجوز أن يملك عليه عينا من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة وإن كانت من جنس حقه لانه قد يكون للانسان غرض في العين فان أتلفها أو تلفت فصارت دينا في ذمته وكان الثابت في ذمته من جنس حقه تقاصا في قياس المذهب والمشهور من مذهب الشافعي وان كان مانعا له لامر يبيح المنع كالتأجيل والاعسار لم يجز أخذ شئ من ماله بغير خلاف، وان أخذ شيئا لزمه رده ما كان باقيا أو عوضه ان كان تالفا ولا يحصل التقاص ههنا لان الدين الذي له لا يستحق أخذه في الحال بخلاف التي قبلها، وإن كان ماله بغير حق وقدر على استخلاصه بالحاكم والسلطان لم يجز له الاخذ أيضا بغير خلاف لانه قدر على استيفاء حقه ممن يقوم مقامه فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله، وان لم يقدر على ذلك لكونه جاحدا له ولا بينة به ولكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه إجباره على ذلك أو نحو هذا فالمشهور في المذهب انه ليس له أخذ قدر حقه وهو إحدى الروايتين عن مالك قال ابن عقيل قد جعل أصحابنا المحدثون بجواز الاخذ وجها في المذهب أخذا من حديث هند حين قال لها النبي صلى الله عليه وسلم " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " وقال أبو الخطاب ويتخرج لنا جواز الاخذ فان كان المقدور عليه قدر حقه من جنسه أخذه وإن كان من غير جنسه تحرى واجتهد في تقويمه لما ذكرنا من حديث هند، ومن قوله الرهن يركب ويحلب بقدر ما ينفق والمرأة تأخذ مؤنتها، وبائع السلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضاه وقال الشافعي إن لم يقدر على استخلاص حقه ببينة فله أخذ قدر حقه من جنسه أو من غير جنسه وان كان له بينة وقدر على استخلاصه ففيه وجهان والمشهور من مذهب مالك انه إن لم يكن لغيره عليه دين فله أن يأخذ بقدر حقه وإن كان عليه دين لم يجز لانهما يتحاصان في ماله إذا أفلس وقال أبو حنيفة له أن يأخذ بقدر حقه إن كان عينا أو ورقا أو من جنس حقه، وإن كان المال عرضا لم يجز لان أخذ العرض عن حقه اعتياض ولا تجوز المعاوضة إلا برضاء من المتعاوضين قال الله

[ 464 ]

تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) واحتج من أجاز الاخذ بحديث هند حين جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان أبا سفيان رجل صحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " متفق عليه وإذا جاز لها أن تأخذ من مالها ما يكفيها بغير إذنه جاز للرجل الذي له الحق على الرجل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " أد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " رواه الترمذي وقال حديث حسن ومتى أخذ منه قدر حقه من ماله بغير إذنه فقد خانه فيدخل في عموم الخبر وقال عليه الصلاة والسلام " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " ولانه إن أخذ من غير جنسه كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق بغير رضاء صاحبه فان التعيين إليه ألا ترى انه لا يجوز له أن يقول لا آخذ حقي إلا من هذا الكيس دون هذا ولان كل ما لا يجوز له تملكه إذا لم يكن له دين لا يجوز له أخذه إذا كان له دين كما لو كان باذلا له فاما حديث هند فان احمد اعتذر عنه بأن حقها واجب عليه في كل وقت وهذا اشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كل وقت والمخاصمة كل يوم تجب فيه النفقة بخلاف الدين، وفرق أبو بكر بينهما بفرق آخر وهو ان قيام الزوجية كقيام البينة فكأن الحق صار معلوما بعلم قيام مقتضيه وبينهما فرقان آخران (احداهما) ان للمرأة من البسط في ماله بحكم العادة ما يؤثر في إباحة أخذ الحق وبذل اليد فيه بالمعروف بخلاف الاجنبي (الثاني) ان النفقة تراد لاحياء النفس وابقاء المهجة وهذا مما لا يصبر عنه ولا سبيل إلى تركه فجاز أخذ ما تندفع به هذه الحاجة بخلاف الدين حتى يقول لو صارت النفقة ماضية لم يكن لها أخذها ولو وجب لها عليه دين آخر لم يكن لها أخذه فعلى هذا ان أخذ شيئا لزمه رده ان كان باقيا وان كان تالفا وجب مثله ان كان مثليا أو قيمته ان كان متقوما فان كان من جنس دينه تقاصا وتساقطا في قياس المذهب وان كان من غير جنسه غرمه، ومن جوز من أصحابنا الاخذ فانه ان وجد جنس حقه جاز له الاخذ بقدر حقه من غير زيادة وليس له الاخذ من غير جنسه مع قدرته على جنس حقه، وان لم يجد الا من جنس غير حقه فيحتمل أن لا يجوز له تملكه لانه لا يجوز له أن يبيعه من نفسه وهذا يبيعه من نفسه وتلحقه فيه تهمة، ويحتمل أن يجوز له ذلك كما قالوا الرهن ينفق عليه إذا كان محلوبا أو مركوبا

[ 465 ]

يحلب ويركب بقدر النفقة وهي من غير الجنس. واختلف أصحاب الشافعي في هذا فمنهم من جوزه له ومنهم من قال: يواطئ رجلا يدعي عليه عند الحاكم دينا فيقر له بملك الشي المأخوذ الذي أخذه فيمتنع من عليه الدعوى من قضاء الدين ليبيع الحاكم الشئ المأخوذ ويدفعه إليه * (مسألة) * (وحكم الحاكم لا يزيل الشئ عن صفته في الباطن وذكر ابن أبي موسى عنه رواية أخرى انه يزيل العقود والفسوخ) ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم الحاكم لا يزيل الشئ عن صفته في الباطن منهم مالك والاوزاعي والشافعي واحمد وإسحاق وابو ثور وداود ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة إذا حكم بعقد أو فسخ أو طلاق نفذ حكمه ظاهرا وباطنا، فلو ان رجلين تعمدا الشهادة على رجل انه طلق امرأته فقبلهما القاضي بظاهر عدالتهما ففرق بين الزوجين لجاز لاحد الشاهدين نكاحها بعد قضاء عدتها وهو عالم بتعمد الكذب، ولو ان رجلا ادعى نكاح امرأه وهو يعلم انه كاذب وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم حلت له بذلك وصارت زوجته قال ابن المنذر وتفرد أبو حنيفة فقال لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها وهما يعلمان كذبها وتزويرها فحكم الحاكم بطلاقها يحل لها أن تتزوج وحل لاحد الشاهدين نكاحها، واحتج بما روي عن علي رضي الله عنه ان رجلا ادعى على امرأة نكاحا فرفعها إلى علي رضي الله عنه فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينها وبالزوجية فقالت والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين اعقد بيننا عقدا حتى أحل له فقال شاهداك زوجاك فدل على أن النكاح ثبت بحكمه ولان اللعان يفسخ به النكاح وان كان أحدهما كاذبا فالحكم أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما انا بشر مثلكم وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له بشئ من حق اخيه فلا ياخذ منه شيئا فانما اقطع له قطعة من النار " متفق عليه وهذا يدخل فيه ما إذا دعى انه اشترى منه شيئا فحكم له ولانه

[ 466 ]

حكم له بشهادة زور فلا يحل له ما كان محرما عليه كالمال المطلق، واما الخبر عن علي ان صح فلا حجة لهم فيه لانه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه ولم يجبها إلى التزويج لان فيه طعنا على الشهود فاما اللعان فانما حصلت الفرقة به لا بصدق الزوج ولهذا لو قامت البينة به لم ينفسخ النكاح. إذا ثبب هذا فإذا شهد على امرأة بنكاح وحكم به الحاكم ولم تكن زوجته فانها لا تحل له ويلزمها في الظاهر وعليها ان تمتنع منه ما أمكنها فان أكرهها فالاثم عليه دونها، وان وطئها الرجل فقال أصحابنا وبعض الشافعية عليه الحد لانه وطئها وهو يعلم أنها أجنبية، وقيل لاحد عليه لانه وطئ مختلف في حكمه فيكون شبهة وليس لها ان تتزوج غيره وقال أصحاب الشافعي تحل لزوج ثان غير أنها ممنوعة منه في الحكم وقال القاضي يصح النكاح ولنا ان هذا يفضي إلى الجمع بين الوطئ للمرأة من اثنين أحدهما يطؤها بحكم الظاهر والآخر بحكم الباطن وهذا فساد فلا يشرع ولانها منكوحة لهذا الذي قامت به البينة في قول بعض الائمة فلم يجز تزويجها لغيره كالمنكوحة بغير ولي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى مثل مذهب أبي حنيفة كما حكى ابن أبي موسى في ان حكم الحاكم يزيل العقود والفسوخ والاول هو المذهب (فصل) قال ابن المنذر ويكره للقاضي ان يفتي في الاحكام كان شريح، يقول انا اقضي ولا افتي أما الفتيا في الطهارة وسائر ما لا يحكم في مثله فلا بأس بالفتيا فيه.

[ 467 ]

باب حكم كتاب القاضى إلى القاضى الاصل في كتاب القاضي والامير إلى الامير الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم أن لا تعلوا علي وأئتوني مسلمين) وأما السنة فان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وإلى ملوك الاطراف وكان يكتب إلى ولاته وعماله وسعاته وكان في كتابه إلى قيصر " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم أما بعد فاسلم تسلم واسلم يؤتك الله أجرك مرتين وان توليت فان عليك اثم الاريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم " وروى الضحاك بن سفيان قال كتب الي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اورث امرأة اشيم الضبابي من دية زوجها وأجمعت الامة على كتاب القاضي إلى القاضي ولان الحاجة إلى قبوله داعية فان من له حق في بلد غير بلده لا يمكنه اثباته والمطالبة به الا بكتاب القاضي فوجب قبوله * (مسألة) * (يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في المال وما يقصد به المال كالقرض والغصب والبيع والرهن والصلح والوصية له والجناية الموجبة للمال ولا يقبل في حد لله تعالى وهل يقبل فيما عدا ذلك مثل القصاص والنكاح والطلاق والخلع والعتق والنسب والكتابة والتوكيل والوصية إليه؟ على روايتين فاما حد القذف فان قلنا هو حق لله تعالى فلا يقبل فيه وان قلنا هو حق آدمي فهو كالقصاص)

[ 468 ]

وجملة ذلك ان كتاب القاضي إلى القاضي يقبل في المال بغير خلاف علمناه ولا يقبل في الحدود كحق الله تعالى وهل يقبل فيما عدا هذا؟ على وجهين وبهذا قال أصحاب الرأي وقال الشافعي يقبل كل حق لآدمي من الجراح وغيرها وهل يقبل في الحدود التي لله تعالى؟ على قولين (أحدهما) يقبل وهو قول مالك وأبي ثور وحد القذف ينبني على الخلاف فيه على ما ذكرنا ولنا على أنها لا تقبل في الحدود أنها مبنية على الستر والدرء بالشبهات والاسقاط بالرجوع عن الاقرار وكتاب القاضي إلى القاضي شهادة وفيه شبهة فانه يتطرق إليه احتمال الغلط أو السهو في شهود الفرع مع احتمال ذلك في شهود الاصل وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهادة الاصل وهو معتبر بدليل أنها لا تقبل مع القدرة على شهود الاصل فوجب ان لا تقبل فيما يندرئ بالشهبات ولان كتاب القاضي إلى القاضي إنما يقبل للحاجة ولا حاجة إلى ذلك في الحد لان ستر صاحبه أولي من الشهادة عليه ولانه لا نص في ذلك ولا يصح قياسه على الاموال لما بينهما من الفرق والتساهل وظاهر كلام احمد رحمه الله ان كتاب القاضي إلى القاضي لا يقبل في القصاص أيضا ولا حد القذف لانه قال إنما يجوز في الحقوق أما الدماء والحد فلا وهذا قول أبي حنيفة، وظاهر كلام الخرقي أنه يقبل وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور ولانه حق آدمي لا يسقط بالرجوع عن الاقرار به أشبه الاموال وذكر أصحابنا عن أحمد هذا رواية لانه قال شهادة رجل في

[ 469 ]

الطلاق جائزة قال أحمد ما أحسن ما قال فجعله أصحابنا رواية في القصاص قال شيخنا وليس هذا برواية فان الطلاق لا يشبه القصاص والمذهب أنها لا تقبل فيه لانه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهاب وتبنى على الاسقاط فاشبهت الحد فاما ما عدا الحدود ولاموال كالنكاح والطلاق وسائر ما لا يثبت الا بشاهدين فنص أحمد على قبولها في الطلاق والحقوق فدل على جميعها في قبول هذا الحقوق وهو قول الخرقي وقال ابن حامد لا يقبل في النكاح ونحوه قول ابي بكر فعلى قولهما لا تقبل الشهادة على الشهادة الا في المال وما يقصد به وهو قول ابي عبيد لانه حق لا يثبت الا بشاهدين فاشبه حد القذف ووجه الاول انه حق لا يدرأ بالشبهات فيثبت بالشهادة على الشهادة كالمال وبهذا فارق الحدود وكتابة القاضي إلى القاضي حكمها حكم الشهادة على الشهادة لانه شهادة على شهادة * (مسألة) * (ويجوز كتاب القاضي فيما حكم به لينفذه في المسافة القريبة ومسافة القصر ويجوز فيما ثبت عنده ليحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة) وجملة ذلك ان كتاب القاضي على ضربين (أحدهما) أن يكتب بما حكم به وذلك مثل أن يحكم على رجل بحق فيتغيب قبل وفائه أو يدعي حقا على غائب ويقيم به بينة ويسأل الحاكم الحكم عليه فيحكم عليه ويسأله أن يكتب له كتابا بحكمه إلى قاضي البلد الذي فيه الغائب فيكتب إليه أو تقوم البينة على حاضر فيهرب قبل الحكم عليه فيسأل صاحب الحكم الحاكم الحكم عليه وأن يكتب له كتابا بحكمه ففي هذه

[ 470 ]

الصور الثلاث تلزم الحاكم اجابته إلى الكتابة ويلزم المكتوب إليه قوله سواء كان بينهما مسافة قريبة أو بعيدة حتى لو كانا في جانبي البلد أو مجلس الحاكم لزمه قبوله وامضاؤه وسواء كان حكما على حاضر أو غائب لا نعلم في هذا خلافا لان حكم الحاكم يجب امضاؤه على كل حاكم (الضرب الثاني) ان يكتب بعلمه شهادة شاهدين عنده بحق لفلان مثل ان تقوم البينة عنده بحق لرجل على آخر ولم يحكم به فيسأل صاحب الحق ان يكتب له كتابا بما حصل عنده فانه يكتب له أيضا، قال القاضي ويكون في كتابه شهد عندي فلان وفلان بكذا ليكون المكتوب إليه هو الذي يقضي به ولا يكتب ثبت عندي لان قوله ثبت عندي حكم بشهادتهما فهذا لا يقبله المكتوب إليه إلا في المسافة البعيدة التي هي مسافة القصر ولا يقبله فيما دونها لانه نقل شهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشهادة ونحو هذا قول الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يجوز ان يقبله في بلده وحكي عن أبي حنيفة مثل هذا وقال بعض المتأخيرين من أصحابه الذي يقتضيه مذهبه أنه لا يجوز كما لا يجوز ذلك في الشهادة على الشهادة واحتج من اجازه لانه كتاب الحاكم بما ثبت عنده فجاز قبوله مع القرب ككتابة حكمه ولنا ان ذلك نقل الشهادة إلى المكتوب إليه فلم يجز مع القرب كالشهادة على الشهادة ويفارق كتابه بالحكم فليس هو نقل إنما هو خبر

[ 471 ]

(فصل) ويقبل الكتاب من قاضي مصر إلى قاضي مصر وإلى قاضي قرية ومن قاضي قرية إلى قاضي قرية وإلى قاضي مصر * (مسألة) * (ويجوز ان يكتب إلى قاض معين وإلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم من غير تعيين ويلزم من وصله قبوله) وبهذا قال أبو ثور واستحسنه أبو يوسف وقال أبو حنيفة لا يجوز ان يكتب إلى غير معين ولنا أنه كتاب حاكم من ولايته وصل إلى حاكم فلزم قبوله كما لو كان الكتاب إليه بعينه * (مسألة) * (ولا يقبل الكتاب الا أن يشهد به شاهدان يحضرهما القاضي الكاتب فيقرؤه عليهما ثم يقول اشهدكما ان هذا كتابي إلى فلان بن فلان ويدفعه اليهما فإذا وصلا إلى المكتوب إليه دفعا إليه الكتاب وقالا نشهد أن هذا كتاب فلان اليك كتبه من عمله وأشهدنا عليه، والاحتياط ان يشهد عليه بما فيه ويختمه ولا يشترط ختمه وان كتب كتابا وادرجه وختمه وقال هذا كتابي إلى فلان اشهدا علي بما فيه لم يصح لان احمد قال فيمن كتب وصيته وختمها ثم اشهد على ما فيها فلا حتى يعلمه ما فيها ويتخرج الجواز لقوله إذا وجدت وصية الرجل مكتوبة عند رأسه من غير ان يكون اشهد

[ 472 ]

أو اعلم أحدا بها عند موته وعرف خطه وكان مشهورا فانه ينفذ ما فيها فعلى هذا عرف المكتوب إليه انه خط القاضي الكاتب وختمه جاز قبوله والعمل على الاول) وجملته انه يشترط لقبول كتاب القاضي شروط ثلاثه (أحدها) أن يشهد به شاهدان عدلان ولا يكفي معرفة المكتوب إليه خط الكاتب وختمه ولا يجوز له قبوله بذلك في قول الجمهور وحكي عن الحسن وسوار العنبري انهم قالوا إذا كان يعرف خطه وختمه قبله وهو قول أبي ثور والاصطخري ويتخرج لنا مثل ذلك لانه تحصل به غلبة الظن فأشبه شهادة الشاهدين ولنا ان ما أمكن اثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار على الظاهر كاثبات العقود ولان الخط يشبه الخط والختم يمكن التزوير عليه ويمكن الرجوع إلى الشهادة فلم يعول على الخط كالشاهد لا يعول في الشهادة على الخط وفي هذا انفصال عما ذكروه. إذا اثبت هذا فان القاضي إذا كتب الكتاب دعا رجلين يخرجان إلى البلد الذي فيه القاضي المكتوب إليه فيقرأ عليهما الكتاب أو يقرؤه غيره عليهما والاحوط أن ينظرا معه فيما يقرؤه فان لم ينظرا جاز لانه لا يستقرأ الا ثقة فإذا قرأ عليهما قال اشهدا علي ان هذا كتابي إلى فلان وان قال اشهدا على بما فيه كان اولى فان اقتصر على قوله هذا كتابي إلى فلان فظاهر كلام الخرقي انه لا يجزئ لانه يحملها الشهادة فاعتبر ان يقول اشهدا علي كالشهادة

[ 473 ]

على الشهادة وقال القاضي يجزئ وهو مذهب الشافعي ثم ان كان ما في الكتاب قليلا اعتمدا على حفظه وان كان كثيرا فلم يقدرا على حفظه كتب كل واحد منهما مضمونه وقابل بها لتكون معه يذكر بهاما يشهد به ويقبضان الكتاب قبل أن يغيبا لئلا يدفع اليهما غيره فإذا وصل الكتاب معهما إليه قرأه الحاكم أو غيره عليهما فإذا سمعاه قالا نشهد أن هذا كتاب فلان لانها أداء شهادة فلا بد فيها من لفظ الشهادة، ويجب أن يقولا من عمله لان الكتاب لا يقبل الا إذا وصل من مجلس عمله وسواء وصل الكتاب مختوما أو غير مختوم مقبولا أو غير مقبول لان الاعتماد على شهادتهما لا على الخط والختم فان امتحى الكتاب وكانا يحفظان ما فيه جاز لهما أن يشهدا بذلك، وان لم يحفظاه لم يمكنهما الشهادة، وقال أبو حنيفة وابو ثور لا يقبل الكتاب حتى يشهد شاهدان على ختم القاضي ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى قيصر ولم يختمه فقيل له انه لا يقرأ كتابا غير مختوم فاتخذ الخاتم واقتصاره على الكتاب دون الختم دليل على ان الختم ليس بشرط في القبول وانما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليقرءوا كتابه ولانهما لو شهدا بما في الكتاب وعرفا ما فيه لوجب قبوله كما لو وصل مختوما وشهدا بالختم. إذا ثبت هذا فانه انما يعتبر ضبطهما لمعنى الكتاب وما يتعلق به الحكم قال الاثرم سمعت أبا

[ 474 ]

عبد الله يسأل عن قوم شهدوا على صحيفة وبعضهم ينظر فيها وبعضهم لا ينظر قال إذا حفظ فليشهد قيل كيف وهو كلام كثير؟ قال يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع قلت يحفظ المعنى؟ قال نعم قيل له والحدود والثمن وأشباه ذلك؟ قال نعم * (مسألة) * (ولو أدرج الكتاب وختمه وقال هذا خطي اشهدا علي بما فيه أو قد أشهدتكما على نفسي بما فيه لم يصح هذا التحمل) وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو يوسف إذا ختمه بختمه وعنونه جاز أن يتحملا الشهادة عليه مدرجا فإذا وصل الكتاب شهدا عنه انه كتاب فلان ويتخرج لنا مثل هذا فانهما شهدا بما في الكتاب فجاز، وان لم يعلما تفصيله كما لو شهدا بما في هذا الكيس من الدراهم جازت شهادتهما وان لم يعرفا قدرها ولنا انهما شهدا بمجهول لا يعلمانه فلم تصح شهادتهما كما لو شهد أن لفلان على فلان مالا، وفارق

[ 475 ]

ما ذكره فان تعيينه الدراهم التي في الكيس أغنى عن معرفة قدرها، وههنا الشهادة على ما في الكتاب دون الكتاب وهما لا يعرفانه (الشرط الثاني) أن يكتبه القاضي من موضع عمله وولايته فان كتبه من غير ولايته لم يسغ قبوله لانه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو فيه كالعامي (الشرط الثالث) أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته فان وصله في غيره لم يكن له قبوله حتى يصير إلى موضع ولايته، ولو ترافع إليه خصمان في غير محل ولايته لم يكن له الحكم بينهما بحكم ولايته إلا إذا تراضيا عليه فيكون حكمه حكم غير القاضي إذا تراضيا به، وسواء كان الخصمان من أهل عمله أو لم يكونا، ولو ترافع إليه خصمان وهو في موضع ولايته من غير أهل ولايته كان له الحكم بينهما لان الاعتبار بموضعهما إلا أن يأذن الامام لقاض أن يحكم بين أهل ولايته حيث كانوا ويمنعه من الحكم بين غير أهل ولايته حيثما كان فيكون الامر على ما أذن فيه ومنع منه لان الولاية بتوليته فيكون الحكم على وفقها * (مسألة) * (وإذا وصل الكتاب فأحضر المكتوب إليه الخصم المحكوم عليه في الكتاب فقال لست فلان بن فلان فالقول قوله مع يمينه إلا أن تقوم به بينة فان ثبت انه فلان من فلان ببينة أو إقرار فقال: المحكوم عليه غيري لم يقبل إلا ببينة تشهد ان في البلد من يساويه فيما سمي ووصف به فيتوقف حتى يعلم المحكوم عليه منهما) وجملة ذلك أنه إن أنكر وقف الحاكم ويكتب إلى الحاكم الكاتب يعلمه الحال وما وقع من الاشكال حتى يحضر الشاهدين فيشهدا عنه بما يتميز به المشهود عليه منهما فان ادعي المسمي انه كان في البلد من

[ 476 ]

يشاركه في الاسم والصفة وقد مات نظر فان كان موته قبل وقوع المعاملة التي وقع الحكم بها أو كان ممن لم يعاصره المحكوم عليه أو المحكوم له لم يقع إشكال وكان وجوده كعدمه، وان كان موته بعد الحكم أو بعد المعاملة وكان ممن أمكن أن تجري بينه وبين المحكوم له معاملة فقد وقع الاشكال كما لو كان حيا لجواز أن يكون الحق على الذي مات (فصل) وإذا كتب بثبوت بينة أو إقرار بدين جاز وحكم به المكتوب إليه وأخذ المحكوم عليه وان كان ذلك عينا كنقار محدود أو عينا مشهورة لا تشتبه بغيرها كعبد معروف مشهورا ودابة كذلك حكم المكتوب إليه أيضا والزم تسليمه إلى المحكوم له به، وإن كان عينا لا تتميز إلا بالصفة كعبد غير مشهور أو غيره من الاعيان التي لا تتميز إلا بالوصف ففيه وجهان (أحدهما) لا يقبل كتابه به وهو قول ابي حنيفة وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان الوصف لا يكفي بدليل انه لا يجوز أن يشهد لرجل بالوصف والتحلية كذلك المشهود به (والثاني) يجوز لانه يثبت في الذمة بالعقد على هذه الصفة فأشبه الدين ويخالف المشهود له فانه لا حاجة إلى ذلك فيه فان الشهادة له لا تثبت إلا بعد دعواه ولان المشهود عليه يثبت بالصفة والتحلية فكذلك المشهود به فعلى هذا الوجه ينفذ العين مختومة وان كان عبدا أو أمة ختم في عنقه وبعثه إلى القاضي الكاتب ليشهد الشاهدان على عينه فان شهدا عليه دفع إلى المشهود له به وان لم يشهدا على عينه وقالا: المشهود به غير هذا وجب على آخذه رده إلى صاحبه ويكون حكمه حكم المغصوب

[ 477 ]

في ضمانه وضمان نقصه ومنفعته فلزمه أجره إن كان له أجر من يوم أخذه إلى أن يصل إلى صاحبه لانه أخذه من صاحبه قهرا بغير حق (فصل) وان تغيرت حال القاضي الكاتب بعزل أو موت لم يقدح في كتابه، وان تغيرت بفسق لم يقدح فيما حكم به، وبطل فيما ثبت عنده ليحكم به، وان تغيرت حال المكتوب إليه فلمن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به وجملة ذلك انه لا يخلو من ان تتغير حال القاضي الكاتب أو المكتوب إليه أو حالهما معا فان تغيرت حال الكاتب بموت أو عزل بعد ان كتب الكتاب واشهد على نفسه لم يقدح في كتابه وكان على من وصله الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من بلده أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يعمل به في الحالين. وقال أبو يوسف إن مات قبل خروجه من يده لم يعمل به، وان مات بعد خروجه من يده عمل به لان كتاب الحاكم بمنزلة الشهادة على الشهادة لانه ينقل شهادة شاهدي الاصل فإذا مات قبل وصول الكتاب صار بمنزلة موت شاهدي الفرع قبلي آداء شهادتهما ولنا ان المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيان فيجب ان ينقل كتابه كما لو لم يمت ولان كتابه ان كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بموته وعزله وان كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو اصل واللذان شهدا عليه فرع ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهدي الاصل وما ذكروه

[ 478 ]

حجة عليهم لان الحاكم قد اشهد على نفسه وانما يشهد عند المكتوب إليه شاهدان عليه وهما حيان وهما شاهدا الفرع وليس موته مانعا من شهادتهما فلا يمنع قبولها كموت شاهدي الاصل وان تغيرت بفسق قبل الحكم بكتابه لم يحكم به لان حكمه لا يصح فكذلك لا يجوز الحكم بكتابه ولان بقاء عدالة شاهدي الاصل شرط في الحكم بشاهدي الفرع فكذلك بقاء عدالة الحاكم لانه بمنزلة شاهدي الاصل وإن فسق بعد الحكم بكتابه لم يتغير كما لو حكم بشئ ثم بان فسقه فانه لا ينقض ما مضى من أحكامه كذا ههنا وأما ان تغيرت حال المكتوب إليه بأي حال كان من موت أو عزل أو فسق فلمن وصل إليه الكتاب ممن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به وبه قال الحسن حكي عنه أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس ابن معاوية قاضي البصرة كتابا فوصل وقد عزل وولي الحسن فعمل به وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يعمل به لان كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة عند المكتوب إليه وإذا شهد شاهدان عند قاض لم يحكم بشهادتهما غيره. ولنا ان المعول على شهادة الشاهدين بحكم الاصل أو ثبوت الشهادة عنده وقد شهدا عند الثاني فوجب أن يقبل كالاول وقولهم إنها شهادة عند الذي مات ليس بصحيح فان الحاكم الكاتب ليس

[ 479 ]

بفرع وقد أديا الشهادة عند المحدود ولو ضاع الكتاب فشهدا بذلك عند الحاكم المكتوب إليه قبل فدل ذلك على ان الاعتبار بشهادتهما دون الكتاب، وقياس ما ذكرناه ان الشاهدين إذا حملا الكتاب إلى غير المكتوب إليه في حال حياته وشهدا عنده عمل به لما بيناه فان كان المكتوب إليه خليفة المكاتب فمات الكالب أو عزل انعزل المكتوب إليه لانه نائب عنه فينعزل بعزله وموته كوكلائه، وقال بعض أصحاب الشافعي لا ينعزل خليفته كما لا ينعزل القاض الاصلي بموت الامام ولا عزله. ولنا ما ذكرناه ويفارق الامام فان الامام يعقد القضاء والامارة للمسلمين فلم يبطل ما عقده لغيره كولاية النكاح فإذا مات الولي لم يبطل النكاح بخلاف نائب الحكم فانه تنعقد ولايته لنفسه نائبا عنه فيملك عزله ولان القاضي لو انعزل بموت الامام لدخل الضرر على المسلمين لانه يفضي إلى عزل القضاة في جميع بلاد الاسلام وتتعطل الاحكام، وإذا ثبت انه ينعزل فليس له قبول الكتاب لانه حنيئذ ليس بقاض. * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (وإذا حكم عليه فقال اكتب لي إلى الحاكم الكاتب انك حكمت علي حتى لا يحكم علي ثانيا لم يلزمه ذلك ولكنه يكتب له محضرا بالقضية

[ 480 ]

لان المحكوم عليه إذا استوفى الحق منه فقال للحاكم اكتب لي محضرا بما جرى لئلا يلقاني خصمي في موضع آخر فيطالبني ثانيا ففيه وجهان. (أحدهما) تلزمه اجابه ليتخلص من المحذور الذي يخافه (والثاني) لا تلزمه لان الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به فاما استئناف ابتداء فيكفي فيه الاشهاد فيطالبه أن يشهد على نفسه بقبض الحق لان الحق ثبت عليه بالبينة. * (مسألة) * (وكل من ثبت له عند حاكم حق أو ثبتت براءته مثل ان أنكر وحلفه الحاكم أن يكتب له محضرا بما جرى ليثبت حقه أو براءته لزمته إجابته) أما إذا ثبت له حق باقرار فسأله المقر له أن يشهد على نفسه شاهدين لزمه ذلك لان الحاكم لا يحكم بعلمه فربما جحد المقر لا يمكنه الحكم عليه ولو قلنا يحكم بعلمه احتمل أن ينسى فان الانسان عرضة النسيان فلا يمكنه الحكم باقراره وان ثبت عليه حق بنكول المدعى عليه أو بيمين المدعي بعد النكول فسأله المدعي ان يشهد على نفسه لزمه ذلك لانه لا حجة للمدعي سواء الاشهاد فاما إن ثبت عنده ببينة فلا يجب جعل بينة أخرى (والثاني) يجب لان في الاشهاد فائدة جديدة وهي اثبات تعديل بينته والزام خصمه وان حلف المنكر وسأل الحاكم الاشهاد على براءته لزمه ليكون حجة له

[ 481 ]

في سقوط المطالبة مرة أخرى وفي جميع ذلك إذا سأله أن يكتب له محضرا بما جرى ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه ذلك لانه وثيقة له فهو كالاشهاد لان الشاهدين ربما نسيا الشهادة أو نسيا الخصمين فلا يذكرهما إلا رؤية خطهما (والثاني) لا يلزمه لان الاشهاد يكفيه والاول اصح لان الشهود تكثر عليهم الشهادات ويطول عليهم الامد فالظاهر انهما لا يتحققان الشهادة تحققا يحصل به اداؤها فلا يفيد إلا بالكتاب. * (مسألة) * (وان سال من ثبت محضره عند الحاكم ان يسجل به فعل ذلك وجعله نسختين نسخة يدفعها إليه ونسخة يحبسها عنده والورق من بيت المال فان لم يكن فمن مال المكتوب له). ينبغي أن يجعل من بيت المال شئ برسم الكاغد الذي يكتب فيه المحاضر والسجلات لانه من المصالح فانه يحفظ به الوثائق ويذكر الحاكم حكمه والشاهد شهادته ويرجع بالدرك على من يرجع عليه فان أعوز ذلك لم يلزم الحاكم ذلك ويقول لصاحب الحق ان شئت جئت بكاغد أكتب لك فيه فانه حجة لك ولست اكرهك عليه فان اختار ان يكتب له محضرا فصفته: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان قاضي عبد الله الامام فلان على كذا وكذا وإن كان خليفة القاضي قال خليفة القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي الامام بمجلس حكمه وقضائه بكذا فان كان يعرف المدعي والمدعى عليه باسمائهما وانسابهما قال فلان بن فن؟ الوللافلاني حضر معه فلان بن فلان الفلاني ويرفع في نسبهما

[ 482 ]

ويذكر حليتهما لان الاعتماد عليها فربما استعار النسب فادعى عليه كذا وكذا فاقر له ولا يحتاج أن يقول بمجلس حكمه لان الاقرار يصح في غير مجلس الحكم وان كتب انه يشهد على اقراره شاهدان كان آكد ويكتب الحاكم على رأس المحضر: الحمد لله رب العالمين أو ما أحب فأما ان أنكر المدعى عليه وشهدت عليه بينة قال: فادعى عليه كذا وكذا فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة؟ فاحضرها وسأل الحاكم سماعها ففعل وسأله ان يكتب له محضرا بما جرى فأجابه إليه وذلك في وقت كذا ويحتاج ههنا ان يذكر مجلس حكمه وقضائه بخلاف الاقرار لان البينة لا تسمع إلى في مجلس الحكم والاقرار بخلافه، ويكتب الحاكم في آخر المحضر شهدا عندي بذلك ويكتب علامته في رأس المحضر وإن اقتصر على ذلك دون المحضر جاز لئلا يحلف ثانيا وكتب له مثل ما تقدم إلا انه يقول فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة؟ قال لا قال فلك يمينه وسأل احلافه فاحلفه في مجلس حكمه وقضائه في وقت كذا وكذا ولابد من ذكر تحليفه لان الاستحلاف لا يكون إلا بمجلس الحكم ويعلم في أوله خاصة ويعلم في الاقرار والاحلاف على رأس المحضر جرى الامر على ذلك فان نكل المدعى عليه عن اليمين قال فعرض اليمين على المدعى عليه فنكل عنها فسأل خصمه الحاكم ان يقضي عليه بالحق في وقت كذا وان رد اليمين على المدعي فحلف وحكم له بذلك ذكره، ويعلم في آخره ويذكر ان ذلك في مجلس حكمه وقضائه وهذه صفة المحضر وأما السجل. فهو لا نفاذ ما ثبت عنده والحكم به وصفته بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أشهد

[ 483 ]

عليه القاضي فلان بن فلان ويذكر ما تقدم في اول المحضر ومن حضره من الشهود اشهدهم انه ثبت عنده بشهاة فلان وفلان وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خصمين ويذكرهما ان كانا معروفين والا قال مدع ومدعى عليه عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر معرفة فلان بن فلان ويذكر المشهود عليه وإقراره طوعا في صحة منه وجواز أمر الجميع ما سمى ووصف به في كتاب نسخته وينسح الكتاب المثبت ألو المحضر جميعه حرفا بحرف فإذا فرغ منه قال وان القاضي امضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد ان سأله ذلك والاشهاد به الخصم المدعي ويذكر اسمه ونسبه ولم يدفعه الخصم الحاضر بحجة وجعل كل ذي حجة حجته على واشهد القاضي فلان على أنفاسه وحكمه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ في أعلاه وأمر يكتب هذا السجل نسختين متساويتين تخلد نسخة منهما في ديوان الحكم والاخرى تدفع إلى من كتبها له ولك واحد منهما حجة وثيقة فيما أنفذه منهما وهذا يذكر ليخرج من الخلاف ولو

[ 484 ]

قال إنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ما في كتاب نسخته كذا ولم يذكر الاعاء عليه جاز وساغ لجواز القضاء على الغائب وما يجتمع عنده من المحاضر والسجلات في كل أسبوع أو شهر بضم بعضها إلى بعض ويكتب عليه محاضر وقت كذا في سنة كذا. * (فصل في صفة الكتاب لى القاضي) * بسم الله الرحمن الرحيم سبب هذه المكاتبة أطال الله بقاء من يصل إليه من قضاء المسلمين وحكامهم انه ثبت عندي في مجلس حكمي وقضائي الذي اتولاه بمكان كذا وان كان نائبا قال

[ 485 ]

الذي انوب فيه عن القاضي فلان بمحضر من خصمين مدع ومدعى عليه جاز سماع الدعوى بينهما وقبول البينة من احدهما على الآخر بشهادة فلان وفلان وهما من الشهود المعدلين عندي عرفتهما وقبلت شهادتهما بما رأيت معه قبولها معرفة فلان بن فلان الفلاني بعينه واسمه ونسبه فان كان في إثبات أسر أسير قال وان الفرنج خذلهم الله أسروه من مكان كذا في وقت كذا وحملوه إلى مكان كذا وهو مقيم تحت حوطتهم أبادهم الله وإنه فقير من فقراء المسلمين ليس له شئ من الدنيا لا يقدر على فكاك نفسه ولا شئ منه وانه مستحق للصدقة على ما يقتضيه كتاب المحضر المشار إليه المتصل أوله بآخر كتابي المؤرخ بكذا وإن كان في إثبات دين قال وانه يستحق في ذمة فلان بن فلان الفلاني ويرفع

[ 486 ]

في نسبه ويصفه بما يتميز به من الدين كذا وكذا دينا عليه حالا وحقا واجبا لازما وإنه يستحق مطالبته واستيفاءه منه وإن كان في إثبات عين كتب: وانه مالك لما في أيدي فلان من الشئ الفلاني ويصفه صفة يتميز بها، مستحق لاخذه وتسلمه على ما يقتضيه كتاب المحضر المتصل بآخر كتابي المؤرخ بتاريخ كذا وقال الشاهدان المذكوران انهما بما شهدا به عالمان وله محققان وانهما لا يعلمان خلاف ما شهدا به إلى حين أقاما الشهادة عندي فأمضيت ما ثبت عندي من ذلك وحكمت بموجبه بسؤال من جازت مسألته وسألني من جاز سؤاله وسوغت الشريعة المطهرة اجابته المكاتبة إلى القضاة والحكام فأجبته إلى ملتمسه لجوازه شرعا وتقدمت بهذا فكتب وبالصاق المحضر المشار إليه فالصق فمن وقف عليه منهم وتأمل ما ذكرته وتصفح ما سطرته واعتمد في انفاذه والعمل بموجبه ما وجبه الشرع المطهر أحرز من الاجر أجز له وكتب في مجلس الحكم المحروس من مكان كذا في وقت كذا ولا يشترط ان يذكر القاضي اسمه في العنوان ولا ذكر المكتوب إليه في باطنه وبهذا قال

[ 487 ]

الشافعي وقال أبو حنيفة إذا لم يذكر اسمه فلا يقبله لان الكتاب ليس إليه ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه لان ذلك لم يقع على وجه المخاطبة ولنا ان المعول فيه على شهادة الشاهدين على الحاكم الكاتب بالحكم ولا يقدح ولو ضاع الكتاب وامتحى سمعت شهادتهما وحكم بها

[ 488 ]

* (باب القسمة) * قسمة الاملاك جائزة والاصل في القسمة قول الله تعالى (ونيتهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) وقوله تعالى (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " وقسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وكان يقسم الغنائم وأجمعت الامة على جواز القسمة ولان بالناس؟ حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على ايثاره ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الايدي * (مسألة) * (وهو نوعان قسمة تراض وهي ما فيها ضرر ورد عوض من أحدهما كالدور الصغار والحمام والعضائد المتلاصعة اللاتي لا يمكن قسمة كل عين منفردة والارض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بلاجزا والتعديل إذا رضوا بقسمتها أعيانا بالقيمة جاز لان الحق لهم لا يخرج عنهم وقد رضوا بقسمته وهذا جارية مجرى البيع لا يجبر عليها الممتنع لا يجوز فيها الا ما يجوز في البيع) وجملة ذلك ان الشريكين والشركاء في شئ ربعا كان أو غيره والربع هو العقار من الدور ونحوها إذا طلبها من الحاكم ان يقسمه بينهما اجابهما إليه وان لم يثبت عنده ملكهما وبهذا قال أبو

[ 489 ]

يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة ان كان عقارا نسبوه إلى ميراث لم يقسمه حتى يثبت الموت والورثة لان الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه احتياطا للميت وما عدا العقار يقسمه وان كان ميراثا لانه يثوى ويهلك وقسمته تحفظه وكذلك العقار الذي لا ينسب إلى الميراث وظاهر قول الشافعي انه لا يقسم عقارا كان أو غيره ما لم يثبت ملكهما لان قسمه بقولهم لو دفع بعد ذلك إلى حاكم آخر سهل ان يجعله حكما لهم ولعله ان يكون لغيرهم ولنا ان اليد تدل على الملك ولا منازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر ولهذا يجوز لهم التصرف فيه ويجوز شراؤه منهم واتهابه واستئجاره وما ذكره الشافعي يندفع إذا ثبت في القصة إني قسمته بينهم باقرارهم لا عن بينة شهدت لهم انه ملكهم وكل ذي حجة على حجته وما ذكره أبو حنيفة لا يصح لان الظاهر تملكهم ولا حق للميت فيه الا ان يكون عليه دين وما ظهر والاصل عدمه ولهذا اكتفينا به في غير العقار وفيما لم ينسبوه إلى الميراث * (مسألة) * (وهذه القسمة جارية مجرى البيع لما فيها من الرد وبهذا يصير بيعا) لان صاحب الرد بذل المال عوضا عما حصل له من حق شريكه وهذا هو البيع ولا يجبر عليها الممتنع منها لما روى مالك في موطئه عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال

[ 490 ]

" لا ضرر ولا ضرار " ولانه لا يجير على بيع ملكه فلا يجبر على قسمته لانها بيع ولا يجوز فيها الا ما يجوز في البيع كذلك (فصل) وهل تلزم قسمة التراضي بالقرعة إذا قسمها الحاكم أو رضوا بقاسم يقسم بينهم؟ فيه وجهان (احدهما) تلزم كقسمة الاجبار لان القاسم كالحاكم وقرعته كحكمه (والثاني) لا تلزم الا في البيع والبيع لا يلزم الا بالتراضي لا بالقرعة وانما القرعة فيه لتعريف البائع من المشتري، فأما ان تراضيا على ان يأخذ كل واحد منهما من السهمين بغير قرعة فانه يجوز لان الحق لهما لا يخرج عنهما وكذلك لو خير احدهما صاحبه فاختار ويلزم ههنا بالتراضي والتفرق كما يلزم البيع. * (مسألة) * (والضرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسم في ظاهر كلام احمد ولا ينتفعان به مقسوما في ظاهر كلام الخرقي) اختلفت الرواية في الضرر المانع من القسمة ففي قول الخرقي هو ما لا يمكن أحدهما معه الانتفاع بنصيبه مفردا فيما كان ينتفع به مع الشركة مثل أن تكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت أصاب كل واحد منهما موضعا ضيقا لا ينتفع به ولو أمكن ان ينتفع به في شئ غير الدار لم يجبر على القسمة أيضا لانه ضرر يجري مجرى الاتلاف

[ 491 ]

(والرواية الاخرى) ان المانع من القسمة هو ان ينقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشركة سواء انتفعوا به مقسوما أو لم ينتفعوا. قال القاضي هذا ظاهر كلام أحمد لانه قال في رواية الميموني إذا قال بعضهم يقسم وبعضهم لا يقسم فان كان فيه نقصان من ثمنه بيع وأعطي الثمن فاعتبر نقصان الثمن وهذا الظاهر من كلام الشافعي لان نقص قيمته ضرر والضرر منفي شرعا وقال مالك يجبر الممتنع وان استضر قياسا على ما لا ضرر فيه ولا يصح لقوله عليه السلام " لا ضرر ولا ضرار " من المسند ولان في قسمته ضررا فلم يجبر عليه كقسمة الجوهرة بكسرها ولان في قسمته اضاعة المال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ولا يصح القياس على ما لا ضرر فيه لما بينهما من الفرق * (مسألة) * (وان كان الضرر على أحدهما دون الآخر كرجلين لاحدهما الثلثان وللآخر الثلث ينتفع صاحب الثلثين بقسمها ويتضرر الاخر فطلب من لا يتضرر القسم لم يجبر الآخر عليه وان طلبه الآخر اجبر الاول وقال القاضي ان طلبه الاول اجبر الاخر وان طلبه المضرور لم يجبر الآخر) أما إذا طلب القسمة من لا يتضرر لم يجبر الاخر ذكره أبو الخطاب وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل قال كل قسمة فيها ضرر لا أرى قسمها وهذا قول ابن أبي ليلى وابي ثور وقال القاضى يجبر

[ 492 ]

الآخر عليها وهو قول الشافعي وأهل العراق لانه طلب إفراد نصيبه الذي لا يستضر بتميزه فوجبت اجابته إليه كما لو كانا لا يستضران بالقسمة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " ولانها قسمة يضر بها صاحبه فلم يجبره عليها كما لو استضرا معا ولان فيه اضاعة المال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعته وإذا حرم عليه اضاعة ماله فاضاعة مال غيره أولى وقد روى عمرو بن جميع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تعصبة على أهل الميراث الا ما حصل القسم " قال أبو عبيدة هو ان يخلف شيئا إذا قسم كان فيه ضرر على بعضهم أو على جميعهم ولاننا اتفقنا على ان الضرر مانع من القسمة وان الضرر في حق أحدهما مانع ولا يجوز ان يكون المانع هو ضرر الطالب لانه مرضي به من جهته فلا يجوز كونه مانعا كما لو تراضيا عليها مع ضررهما أو ضرر أحدهما فتعين الضرر من المانع في جهة المطلوب ولانه ضرر غير مرضي به من جهة صاحبه فمنع القسمة كما لو استضرا معا، فاما إذا طلب القسمة المستضر بها كصاحب الثلث في المسألة المفروضة اجبر الاخر عليها هذا مذهب أبي حنيفة ومالك لانه طلب دفع ضرر الشركة عنه بامر لا ضرر على صاحبه فيه فاجبر عليه كما لا ضرر فيه يحققه ان ضرر الطالب مرضي به من جهته فسقط حكمه والاخر لا ضرر عليه فصارت كما لا ضرر فيه، وذكر أصحابنا ان المذهب أنه لا يجبر الممتنع عن القسمة لنهي

[ 493 ]

النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ولان طلب القسمة من المستضر سفه فلا تجب اجابته إلى السفه قال الشريف متى كان أحدهما يستضر لم تجب القسمة، وقال أبو حنيفة متى كان أحدهما ينتفع بها وجبت وان استضر بها الغالب فعل وجهين وقال مالك تجب على كل حال (فصل) ولو كانت دار بين ثلاثة لاحدهم نصفها وللاخرين نصفها لكل واحد منهما ربعها فإذا قسمت استضر كل واحد منهما ولا يستضر صاحب النصف فطلب صاحب النصف القسمة وجبت اجابته لانه يمكن قسمتها نصفين من غير ضرر فيصير حقهما لهما دارا وله النصف فلا يستضر واحد منهما ويحتمل الا تجب عليهما الاجابة لان كل واحد منهما يستضر بافراد نصيبه وان طلبا المقاسمة فامتنع صاحب النصف أجبر لانه لا ضرر على واحد منهم، وان طلبا افراد نصيب كل واحد منهما أو طلب أحدهما أفراد نصيبه لم تجب القسمة على قياس المذهب لانه إضرار بالطالب وسفه وعلى الوجه الذي ذكرناه تجب القسمة لان المطلوب منه لا ضرر عليه * (مسألة) * (وان كان بينهما عبيد أو بهائم أو ثياب ونحوها فطلب أحدهما قسمها اعيانا بالقيمة لم يجبر الاخر عليه وقال القاضي يجبر) أما إذا اتفقا على القسمة جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم يوم بدر ويوم خيبر ويوم حنين وهي تشتمل على أجناس المال وسواء اتفقا على قسمة كل جنس بينهما أو اتفقا على قسمتها اعيانا بالقيمة وان

[ 494 ]

طلب أحدهما قسمة كل نوع على حدته ان أمكن وان طلب أحدهما القسمة وأبى الاخر وكان مما لا تمكن قسمته الا بأخذ عوض من غير جنسه أو قطع ثوب في قطعه نقص أو كسر اناء أو رد عوض لم يجبر الممتنع وان أمكن قسمة كل نوع على حدته من غير ضرر ولا رد عوض فقال القاضي يجبر الممتنع وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب لا أعرف في هذا عن امامنا رحمه الله رواية ويحتمل ان لا يجبر الممتنع عليه وهو قول بن خيران من أصحاب الشافعي لان هذا إنما يقسم اعيانا بالقيمة فلم يجبر الممتنع عليه كما لا يجبر على قسمة الدور بان يأخذ هذا دارا وهذا دارا كالجنسين المختلفين ووجه الاول ان الجنس الواحد كالدار الواحدة وليس اختلاف الجنس أو احد في القيمة باكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة فان أرض القرية تختلف لا سيما إذا كانت ذات أشجار مختلفة وأرض متنوعة والدار ذات بيوت واسعة وضيقة وحديثة وقديمة ثم هذا الاختلاف لا يمنع الاجبار على القسمة كذلك الجنس الواحد وفارق الدور فانه أمكن قسمة كل دار على حدتها وههنا لا يمكن قسمة كل ثوب منها اثوابا على حدته فان كانت الثياب انواعا كالحرير والقطن والكتان فهي كالاجناس فكذلك سائر المال والحيوان كغيره من الاموال ويقسم النوع الواحد

[ 495 ]

منه وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يقسم الرقيق قسم اجبار لان منافعه تختلف ويقصد منه العقل والدين والفطنة وذلك لا يقع فيه التعديل ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم جزأ العبيد الذين اعتقهم الانصاري في مرضه ثلاثة اجزاء ولانه نوع حيوان يدخله التقويم فجازت قسمته كسائر الحيوان وما ذكروه غير صحيح لان القيمة تجمع ذلك وتعدله كسائر الاشياء المختلفة * (مسألة) * (وان كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمته وان استهدم لم يجبر على قسم عرصته وقال أصحابنا ان طلب قسمته طولا بحيث يكون له نصف الطول في كمال العرض اجبر الممتنع وان طلب قسمه عرضا وكانت تسع حائطين اجبر الا فلا) وجملة ذلك ان الشريكين إذا كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمه لان قسمه إفراد حق أحد الشريكين من حق الآخر على وجه يمكن كل واحد منهما الانتفاع بحقه مفردا ولا يمكن ذلك في الحائط لانه ان طلب قسمته طولا في كمال العرض فقطع الحائط ففيه اتلاف فان لم يقطعه افضى إلى الضرر لان في ذلك تحميل احدهما ثقلا على نصيب صاحبه وان طلب قسمته عرضا في كمال الطول لم يجبر الممتنع لان فيه افسادا وفيه وجه آخر انه يجبر لانه لا ضرر في قسمته وان اسهدم لم يجبر على قسم عرصته وقال اصحابنا ان طلب قسمه عرضا ليحصل لكل واحد منهما نصف الطول في كمال

[ 496 ]

العرض اجبر الممتنع لانه لا ضرر ويحتمل ان لا يجبر لانه يفضي إلى الا يبقى ملكه الذي يلي نصيب صاحبه بغير حائط وان طلب قسمه عرضا ليحصل لكل واحد نصف العرض في كمال الطول وكان يحصل لكل واحد منهما ما لا يمكن ان يبني فيه حائطا لم يجبر الممتنع لانه يتضرر بذلك وان حصل له ما يمكن بناء حائط فيه اجبر الممتنع لانه ملك مشترك يمكن كل واحد منهما الانتفاع به مقسوما ويحتمل ألا يجبر لانه لا تدخله القرعة خوفا من ان يحصل لكل واحد منهما ما يلي ملك الاخر * (مسألة) * (وان كان بينهما دار لها علو وسفل فطلب أحدهما قسمها لاحدهما العلو وللآخر السفل أو كان بينهما منافع لم يجبر الممتنع من قسمها وان تراضيا على قسمها كذلك وعلى قسم المنافع بالمهايأة جاز) إذا كانت دار بين اثنين سفلها وعلوها فطلبا قسمها نظرت فان طلب احدهما قسمة السفل والعلو بينهما ولا ضرر في ذلك اجبر الآخر عليه لان البناء في الارض يجري مجرى الغرس يتبعها في البيع والشفعة ولو طلب قسمة أرض فيها غراس اجبر شريكه عليه كذلك البناء وان طلب احدهما جعل السفل لاحدهما والعلو للآخر ويقرع بينهما لم يجبر عليه الآخر لثلاثة معان (احدهما) ان العلو تبع السفل ولهذا إذا بيعا ثبتت الشفعة فيهما وإذا افرد العلو بالبيع لم تثبت الشفعة فيه وإذا كان تبعا له لم يجعل المتبوع بينهما والتبع بينهما فيصير التبع اصلا (الثاني) ان السفل والعلو يجريان مجرى

[ 497 ]

الدارين المتلاصقتين لان كل واحد منهما يسكن منفردا ولو كان بينهما دارن لم يكن لاحدهما المطالبة يجعل كل دار نصيبا كذلك ههنا (الثالث) ان صاحب القرار يملك قرارها وهواءها فإذا جعل السفل نصيبا للفرد صاحبه بالهواء وليست هذه قسمة عادلة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يقسم الحاكم فيجعل ذراعا من السفل بذراعين من العلو وقال أبو يوسف ذراع بذراع. وقال محمد يقسمها بالقيمة واحتجوا بانها دار واحدة فإذا قسمها على ما يراه جاز كالتي لا علو لها ولنا ما ذكرناه من المعاني الثلاثة وفيها رد ما ذكروه وما يذكرونه من كيفية القسمة تحكم وبعضه يرد بعضا، وإن طلب أحدهما قسمة العلو وحده أو السفل وحده لم يجب إليه لان القسمة تراد للتمييز ومع بقاء الاشاعة لا يحصل التمييز، وإن طلب أحدهما قسمة العلو منفردا والسفل منفردا لم يجب إليه لانه قد يحصل لكل واحد منهما علو سفل الآخر فيستضر كل واحد منهما ولا يتميز الحقان (فصل) وان كان بينهما منافع فطلب أحدهما قسمها بالمهايأة لم يجبر الآخر لان قسمة المنافع إنما تكون بقسمة الزمان والزمان انما يقسم بأن يأخذ أحدهما قبل الآخر وهذا لا تسوية فيه فان الآخر يتأخر حقه فلا يجبر على ذلك فاما ان تراضيا على قسمة العلو لاحدهما والسفل للآخر أو تراضيا على

[ 498 ]

قسمه المنافع بالمهايأة جاز لان الحق لا يخرج عنهما فيجوز تراضيهما، وذكر ابن البناء في كتاب الخصال أن الشركاء إذا اختلفوا في منافع دار بينهما ان الحاكم يجبرهم على قسمها بالمهايأة أو يؤجرها عليهم * (مسألة) * (وان كان بينهما أرض ذات زرع فطلب أحدهما قسمتها دون الزرع قسمت لانه لا ضرر في قسمها ويجبر الممتنع) لان الزرع في الارض كالقماش في الدار فلم يمنع القسمة وسواء خرج الزرع أو كان بذرا لم يخرج فإذا قسماها بقي الزرع بينهما مشتركا كما لو باعا الارض لغيرهما، وان طلب أحدهما قسمة الزرع منفردا لم يجبر الآخر عليه لان القسمة لا بد فيها من تعديل المقسوم وتعديل الزرع بالسهام لا يمكن لانه يشترط بقاؤه في الارض المشتركة * (مسألة) * (وان طلب قسمتها مع الزرع لم يجبر الآخر) هكذا ذكره في الكتاب المشروح وهو قول الشافعي، وذكر في كتابه المغني والكافي انه يجبر إذا كان الزرع قد خرج لان الزرع كالشجر في الارض والقسمة افراز حق وليست بيعا وان قلنا هي بيع لم يجز إذا اشتد الحب لانه يتضمن بيع السنبل بعضه ببعض، ويحتمل الجواز لان السنبل ههنا داخل تبعا للارض، وليس بمقصود فأشبه بيع النخلة المثمرة بمثلها، وقال الشافعي لا يجبر الممتنع من قسمها مع الزرع لان الزرع مودع في الارض للنقل عنها فلم تجب قسمته معها كالقماش فيها

[ 499 ]

ولنا انه ثابت فيها للنماء والنفع فأشبه الغراس وفارق القماش فانه غير متصل بالدار ولا ضرر في نقله * (مسألة) * (وان تراضوا عليه والزرع قصيل أو قطن جاز) لان الحق لهم لا يخرج عنهم، وان كان بذرا أو سنابل قد اشتد حبها ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز في البذر لجهالته وكونه لا يمكن افرازه وهذا مذهب الشافعي (والثاني) يجوز لانه يدخل تبعا للارض فأشبه أساسات الحيطان وكذلك القول فيما إذا اشتد حبه فيه الوجهان (أحدهما) لا يجوز لافضائه إلى بيع السنبل بعضه ببعض (والثاني) يجوز لانه يدخل تبعا وقال القاضي يجوز في السنابل ولا يجوز في البذر لجهالته ووجه الجواز انه يدخل تبعا فلا يكون مانعا من الصحة كما لو اشترى أرضا فيها زرع واشترطه فانه يملكه بالشرط، وان كان بذرا مجهولا * (مسألة) * (وان كان بينهما نهر أو قناة أو عين ينبع ماؤها فالماء بينهما على ما اشترطا عند استخراج ذلك) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمنون على شروطهم) فان اتفقا على قسمه بالمهايأة جاز لان الحق لهما لا يخرج عنهما، ولان المنافع ملكهما فجاز قسمها كالاعيان والمهايأة أن يكون في يد كل واحد منهما مدة معلومة على قدر حقه من ذلك)

[ 500 ]

* (مسألة) * (وان أراد قسم ذلك بنصب خشبة أو حجر في مصدم الماء فيه ثقبان على قدر حق كل واحد منهما جاز ويسمى المرار) لان ذلك طريق إلى التسوية بينهما فجاز كقسم الارض بالتعديل، وان أراد أحدهما أن يسقي بنصيبه أرضا ليس لها رسم شرب من هذا النهر جاز لانه من نصيبه فجاز التصرف فيه كيف شاء كسائر ماله وكما لو لم يكن له شريك، ويحتمل أن لا يجوز لانه إذا جعل لهذه الارض حقا في الشرب من هذا النهر المشترك فربما أفضي إلى أن يجعل لها حقا في نصيب شريكه لانه إذا طال الزمان يظن ان لهذه الارض حقا من السقي من النهر المشترك فيأخذ لذلك أكثر من حقه ويجئ على أصلنا ان الماء لا يملك وينتفع بها كل واحد منهما على قدر حاجته * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (النوع الثاني قسمة الاجبار وهي ما لا ضرر فيها ولا رد عوض كالارض الواسعة والقرى والبساتين والدور الكبار والدكاكين الواسعة والمكيلات والموزونات من جنس واحد سواء كان مما مسته النار كالدبس وخل التمر أو لم تمسه كخل العنب والالبان والادهان فإذا طلب أحدهما قسمها وابى الآخر أجبر عليه) أما المكيلات والموزونات من المطعومات وغيرها فيجوز قسمها لان جواز قسم الارض مع اختلافها يدل على جواز ما لا يختلف بطريق التنبيه وسواء في ذلك الحبوب والثمار والنورة والاشنان

[ 501 ]

والحديد والرصاص ونحوها من الجامدات والعصير والخل واللبن والعسل والسمن والدبس والزيت والرب ونحوها من المائعات وسواء قلنا ان القسمة بيع أو افراز حق لان بيعه جائز وافرازه جائز فان كان فيها أنواع كحنطة وشعير وتمر وزبيب فطلب أحدهما قسمها كل نوع على حدته أجبر الممتنع وان طلب قسمها أعيانا لم يجبر الممتنع لان هذا بيع نوع بنوع آخر، وليس بقسمة فلم يجبر عليه كغير الشريك فان تراضيا عليه جاز وكان بيعا يعتبر له التقابض قبل التفرق فيما يعتبر التقابض فيه، وسائر شروط البيع (فصل) إذا طلب أحد الشركاء القسمة وامتنع بعض الشركاء في الارض والدور ونحوهما مما ذكرنا أجبر الممتنع على القسمة بثلاثة شروط (أحدها) أن يثبت عند الحاكم ملكهم ببينة لان في الاجبار عليها حكما على الممتنع منها فلا يثبت الا بما يثبت به الملك لخصمه بخلاف حالة الرضاء فانه لا يحكم على أحدهما انما يقسم بقولهما ورضاهما (الشرط الثاني) ألا يكون فيها ضرر فان كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجة، وفي لفظ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ألا ضرر ولا ضرار (الشرط الثالث) أن يمكن تعديل السهام من غير شئ يجعل معها فان لم يكن ذلك لم يجبر الممتنع لانها تصير بيعا والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين، ومثال ذلك أرض قيمتها مائة فيها شجرة

[ 502 ]

وبئر يساوي مائتين فإذا جعلت الارض سهما كانت الثلث فيحتاج أن يجعل معها خمسون يردها عليه من لم تخرج له البئر أو الشجرة ليكونا نصفين متساويين فهذه فيها بيع. ألا ترى ان آخذ الارض قد باع نصيبه من الشجرة والبئر بالثمن الذي أخذه. والبيع لا يجبر عليه لقول الله تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة أجبر الممتنع من القسمة عليها لانها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما وحصول النفع لهما لان نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره ويتمكن من إحداث الغراس والبناء فيه والاجارة والعارية، ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك فوجب أن لا يجبر الآخر عليه لقوله عليه السلام " لا ضرر ولا ضرار " وقد اختلف في الضرر المانع من القسمة وقد ذكرناه * (مسألة) * (وهذه القسمة افراز حق (أحدهما) من الآخر وليست بيعا) وهذا أحد قولي الشافعي وفى الآخر هي بيع وحكي ذلك عن أبي عبد الله بن بطة لانه يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر وهذا حقيقة البيع ولنا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك ولا يجب فيها شفعة ويلزم باخراج القرعة ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر والبيع لا يجوز فيه شئ من ذلك ولانها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامه فلم تكن بيعا كسائر العقود وفائدة الخلاف أنها إذا لم تكن بيعا جازت قسمة الثمار خرصا والمكيل وزنا

[ 503 ]

والموزون كيلا والتفرق قبل القبض فيما يشترط فيه القبض في البيع إذا حلف لا يبيع فقسم لم يحنث وإذا كان العقار أو بعضه وقفا جازت قسمته وان قلنا هي بيع انعكست هذه الاحكام، هذا إذا خلت من الرد فان كان فيها رد عوض فهي بيع لان صاحب الرد يبدل المال عوضا عما حصل له من مال شريكه وهذا هو البيع فان فعلا ذلك في وقف لم يجز لان بيعه غير جائز وان كان بعضه طلقا وبعضه وقفا والرد من صاحب الطلق لم يجز لانه يشتري بعض الوقف، وان كان من أهل الوقف جاز لانهم يشترون بعض الطلق وذلك جائز * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويجوز للشركاء ان ينصبوا قاسما يقسم بينهم وان يسألوا الحاكم نصب قاسم فان نصب الحاكم قاسما فمن شرطه ان يكون عدلا عالما بالحساب ليوصل إلى ذي حق حقه كما يلزم ان يكون الحاكم عالما بالحكم ليحكم بالحق) وهذا قول الشافعي الا أنه يشترط ان يكون حرا وان نصبوا قاسما بينهم فكان على صفة قاسم الحاكم في العدالة والمعرفة فهو كقاسم الحاكم في لزوم قسمته بالقرعة وان كان كافرا أو فاسقا أو جاهلا بالقسمة لم تلزم قسمته الا بتراضيهم بها ويكون وجوده فيما يرجع إلى لزوم القسمة كعدمه * (مسألة) * (فمتى عدلت السهام وأخرجت القرعة لزمت القسمة) لانها كالحكم من الحاكم ويحتمل ان لا تلزم فيما فيه رد بخروج القرعة حتى يرضيا بذلك لان

[ 504 ]

ما فيه رد بيع حقيقة لان صاحب الرد يبدل عوضا لما حصل له من حق شريكه وهذا هو البيع والبيع لا يلزم بالقرعة * (مسألة) * (وإذا كان في القسمة تقويم لم يجز أقل من قاسمين لانها شهادة بالقيمة فلم يقبل فيها أقل من اثنين كسائر الشهادات وان لم يكن فيها تقويم اجزأ قاسم واحد) لان القاسم يجتهد في التقويم وهو يعمل باجتهاده؟ أشبه الحاكم ومتى اقتسما بانفسهما واقترعا لم تلزم القسمة الا بتراضيهما * (مسألة) * (وإذا سألوا الحاكم قسمة عقار لم يثبت عنده أنه لهم قسمه وذكر في كتاب القسمة أنه قسمة بمجرد دعواهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم) لان اليد دليل الملك وقال الشافعي لا يقسمه حتى يثبت عنده ملكهم وفي ذلك اختلاف ذكرناه في أول باب القسمة ولا يجب عليه ان يقسم بينهم في هذه الحال بل يجوز له ذلك وقد ذكرناه * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويعدل القاسم السهام بالاجزاء ان كانت متساوية وبالقيمة ان كانت مختلفة وبالرد ان كانت تقتضيه) القسمة على ضربين قسمة إجبار وقسمة تراض وقسمة الاجبار ما أمكن التعديل فيها من غير رد

[ 505 ]

ولا تخلو من أربعة أقسام: (أحدهما) ان تكون السهام متساوية وقيمة الاجزاء متساوية (الثاني) ان تكون السهام متساوية وقيمة الاجزاء مختلفة (الثالث) ان تكون السهام مختلفة وقيمة الاجزاء مستاوية (الرابع) ان تكون السهام مختلفة والقيمة مختلفة فاما الاول فمثل ارض بين ستة لكل واحد منهم سدسها وقيمة اجزاء الارض متساوية فهذه تعدلها بالمساحة ستة أجزاء متساوية لانه يلزم من تعديلها بالمساحة تعديلها بالقيمة لتساوي اجزائها في القيمة ثم يقرع بينهم وكيفما أقرع بينهم جاز في ظاهر كلام احمد فانه قال في رواية أبي داود ان شاء رقاعا وان شاء خواتيم يطرح ذلك في حجر من لم يحضر ويكون لكل واحد خاتم معين ثم يقال أخرج خاتما على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له وعلى هذا لو اقرع بالحصى أو غيرها جاز واختار أصحابنا في القرعة ان يكتب رقاعا متساوية بعدد السهام وهو ههنا مخير بين ان يخرج السهام على الاسماء أو يخرج الاسماء على السهام فان اخرج الاسماء على السهام كتب في كل رقعة اسم واحد من الشركاء وتترك في بنادق شمع أو طين متساوية القدر والوزن وتترك في حجر رجل لم يحضر القسمة ويقال له أخرج بندقة على هذا السهم فإذا أخرجها كان ذلك السهم لمن خرج اسمه في البندقة ثم يخرج على سهم آخر كذلك حتى يبقى الاخير فيتعين لمن بقي وان اختار إخراج السهام على الاسماء في الرقاع اسماء السهام فيكتب في رقعة الاول مما يلي جهة كذا وفى الآخر الثاني حتى يكتب الستة ثم يخرج القرعة على واحد بعينه فيكون له السهم الذي في الرقعة ويفعل ذلك حتى يبقي الاخير فيتعين لمن بقي وذكر

[ 506 ]

أبو بكر ان البنادق تجعل طينا وتطرح في ماء ويعين واحدا فأي البنادق انحل الطين عنها وخرجت رقعتها على الماء فهي له وكذلك الثاني والثالث وما بعده فان خرج اثنان معا اعيد الاقراع والاول أولى وأسهل (القسم الثاني) ان تكون السهام متفقة والقيمة مختلفة فان الارض تعدل بالقيمة وتجعل ستة أسهم متساوية القيمة ويفعل في إخراج السهام مثل الذي قبله سواء لا فرق بينهما الا ان التعديل ثم بالسهام وههنا بالقيمة (القسم الثالث) ان تكون القيمة متساوية والسهام مختلفة كارض بين ثلاثة لاحدهم النصف وللآخر الثلث وللثالث السدس واجزاؤها متساوية القيم فانها تجعل سهاما بقدر أقلها وهو السدس فيجعل ستة أسهم ويعدل بالاجزاء ويكتب ثلاث رقاع باسمائهم وبخرج رقعة على السهم الاول فان خرجت لصاحب السدس أخذه ثم يخرج أخرى على الثاني فان خرجت لصاحب الثلث أخذ الثاني والثالث وكانت الثلاثة الباقية لصاحب النصف بغير قرعة وان خرجت القرعة الثانية لصاحب النصف أخذ الثاني والثالث والرابع وكان الخامس والسادس لصاحب الثلث وان خرجت القرعة الاولى لصاحب النصف أخذ الثلاثة الاول وتخرج الثانية على الرابع فان خرجت لصحاب الثلث أخذه والذي يليه وكان السادس لصاحب السدس وان خرجت الثانية لصاحالب السدس أخذه وأخذ الآخر الخامس والسادس وان خرجت الاولى لصاحب الثلث أخذ الاول والثاني ثم تخرج الثانية على الثالث فان خرجت لصاحب النصف أخذ الثالث والرابع والخامس وأخذ الآخر السادس فان

[ 507 ]

خرجت الثانية لصاحب السدس اخذه واخذ صاحب النصف ما بقي وقيل يكيب ست رقاع باسم صاحب النصف ثلاث وباسم صاحب الثلث اثنان وباسم صاحب السدس واحدة وهذا لا فائدة فيه فان المقصود خروج اسم صاحب النصف وإذا كتب ثلاث رقاع حصل المقصود فاغنى ولا يصح ان كتب رقاعا باسماء السهام ويخرجها على اسماء الملاك لانه إذا اخرج واحدة فيها السهم الثاني لصاحب افيسدس ثم اخرج اخرى لصاحب النصف والثلث فيها السهم الاول احتاج ان يأخذ نصيبه متفرقا الستضر بذلك (القسم الرابع) إذا اختلفت السهام والقيمة فان القاسم يعدل السهام بالقيمة ويجعلها ستة اسهم متساوية القيم ثم يخرج الرقاع فيها الاسماء على السهام كما ذكرنا في القسم الثالث سواء لا فضل بينهما الا ان التعديل ههنا بالقيم وفي التي قبلها بالمساحة (فصل) إذا كان بينهما دار أو خان كبير فطلب احدهما قسمة ذلك ولا ضرر في قسمته اجبر الممتنع على القسمة وتفرد بعض المساكن عن بعض وان كثرت المساكن وان كان بينهما داران أو خانان أو أكثر فطلب احدهما ان يجمع نصيبه في احدى الدارين ويجعل الباقي نصيبا للآخر لم يجبر الممتنع وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يجبر إذا رأى الحاكم ذلك فله فعله سواء تقاربتا أو تفرقتا لانه انفع واعدل وقال مالك وان كانت متجاورتين اجبر الممتنع من ذلك عليه لان

[ 508 ]

المتجاورتين تتفاوت منفعتهما بخلاف المتباعدتين وقال أبو حنيفة ان كانت احداهما احجزة الاخرى اجبر وإلا فلا لانهما يجريان مجرى الدار الواحدة ولنا انه نقل حقه من عين إلى عين اخرى فلم يجبر عليه كالمتفرقتين عند مالك وكما لو لم تكن حجزتها عند ابي حنيفة وكما لو كانتا دارا أو دكانا مع ابي يوسف ومحمد الحكم في الدكاكين كالحكم في الدور ولو كانت لهما عضائد صغار لا يمكن قسمة كل واحدة منهما منفردة لم يجبر الممتنع من قسمتها عليها (فصل) وإن كان أرض واحدة تمكن قسمتها ويؤخذ فيها الشروط التي ذكرناها أجبر الممتنع على قسمتها سواء كانت فارغة أو ذات شجر وبناء فان كان فيها نخل وكرم وشجر مختلف وبناء فطلب أحدهما قسمة كل عين على حدتها وطلب الآخر قسمة الجميع بالتعديل بالقيمة فقال أبو الخطاب تقسم كل عين على حدتها وهو ظاهر كلام شيخنا في الكتاب المشروح وكذلك كل مقسوم إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه كان أولى ونحو هذا قال أصحاب الشافعي فمنهم قالوا إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه بان يكون الجيد في مقدمها والردئ في مؤخرها فإذا قسمناها صار لكل واحد من الجيد والردئ مثل ما للآخر وجبت القسمة واجبر الممتنع عليها وان لم تمكن القسمة بأن تكون العمارة والشجر والجيد لا يمكن قسمته وحده وأمكن التعديل بالقيمة

[ 509 ]

عدلت بالقيمة واجبر الممتنع من القسمة عليها وقال الشافعي في أحد القولين لا الممتنع من القسم عليها وقالوا إذا كانت الارض ثلاثين جزءا قيمة عشرة منها كقيمة عشرين لم تجبر الممتنع من القسمة عليها لتعذر التساوي في الذرع ولانه لو كان حقلان متجاوران لم يجبر الممتنع من القسمة إلا بان يجعل كل واحد منهما سهما كذا ههنا. ولنا انه مكان واحد أمكنت قسمته وتعديله من غير ضرر ولا دعوض فوجبت قسمته كالدور ولان ما ذكروه يفضي إلى منع وجوب القسمة في البساتين كلها والدور فانه لا يمكن تساوي الشجر وبناء الدور ومساكنها إلا بالقيمة ولانه مكان لو بيع بعضه وجبت فيه الشفعة لشريك البائع فوجبت قسمته كما لو أمكنت التسوية فاما ان كان بستانان لكل واحد منهما طريق أو حقلان أو داران أو دكانان متجاوران أو متباعدان فطلب أحد الشريكين قسمته بجعل كل واحد منهما سهما لم يجبر الآخر على هذا سواء كانا متساويين أو مختلفين وهذا ظاهر مذهب الشافعي لانهما شيئان متميزان لو بيع أحدهما لم تجب الشفعة فيه لمالك الآخر بخلاف البستان الواحد والارض الواحدة وان عظمت فانها إذا بيع بعضها وجبت الشفعة لمالك البعض الباقي والشفعة كالقسمة لان كل واحد منهما يراد لازالة ضرر الشركة ونقصان التصرف فما لا تجب قسمته لا تجب الشفعة فيه فكذلك ما لا شفعة فيه لا تجب

[ 510 ]

قسمته وعكس هذا ما تجب قسمته يجب فيه الشفعة وما تجب الشفعة فيه تجب قسمته ولانه لو بدا الصلاح في بعض البستان كان صلاحا لباقيه ان كان كثيرا ولم يكن صلاحا لما جاوزه وان كان صغيرا. (فصل) إذا كان بينهما أرض قيمتها مائة في أحد جانبيها بئر قيمتها مائة وفى الآخر شجرة قيمتها مائة عدلت بالقيمة وجعلت البئر مع نصف الارض نصيبا والشجرة مع النصف نصيبا، فان كانت بين ثلاثة أو أكثر نظرت في الارض، فان كانت قيمتها مائة أو أقل لم تجب القسمة لانها إذا كانت أقل لم يمكن التعديل الا بقسمة البئر أو الشجرة وذلك مما لا تجب قسمته وان كانت قيمتها مائة فجعلناها سهما والشجرة سهما لم يحصل مع البئر والشجرة شئ من الارض فتصير هذه كقسمة الشجر وحده وقسمة ذلك وحده ليست قسمة اجبار، وان كانت الارض كثيرة القيمة بحيث يأخذ بعض الشركاء سهامهم منها ويبقي منها شئ مع البئر والشجرة وجبت القسمة ومثاله أن تكون قيمة الارض مائتين وخمسين فتجعل مائة وخمسين سهما ويصير إلى البئر ما قيمته خمسون وإلى الشجرة مثل ذلك فتصير ثلاثة سهام متساوية وفي كل سهم جزء من أجزاء الارض فتجب القسمة حينئذ، وكذلك لو كانوا أربعة وقيمة الارض أربعمائة وجبت القسمة لاننا نجعل ثلثمائة منها سهمين ومائة مع البئر والشجرة سهمين فتعدلت السهام ولو كانت الارض لاثنين فأرادا قسمة البئر والشجر دون الارض لم تكن قسمة اجبار ولو قسماها بشجرها كانت قسمة اجبار لان الشجر يدخل تبعا للارض فيصير الجميع كالشئ الواحد ولهذا تجب فيه الشفعة إذا بيع شئ من الارض بشجره وإذا قسم ذلك

[ 511 ]

دون الارض صار أصلا في القسمة ليس بتابع لشئ واحد فيصير كأعيان مفردة من الدور والدكاكين المفرقة ولهذا لا تجب فيه الشفعة. (فصل) وعلى الامام ان يرزق القاسم من بيت المال لان هذا من المصالح، وقد روي أن عليا رضي الله عنه اتخذ قاسما وجعل له رزقا من بيت المال، فان لم يرزقه الامام قال الحاكم للمتقاسمين ادفعا إلى قاسم أجرة ليقسم بينكما، فان استأجره كل منهما بأجر معلوم ليقسم نصيبه جاز، وان استأجروه جميعا أجارة واحدة ليقسم بينهم بأجر واحد معلوم لزم كل واحد منهم من الاجر بقدر نصيبه من المقسوم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يكون عليهم على عدد رؤوسهم لان عمله في نصيب أحدهما مثل عمله في نصيب الآخر، وسواء تساوت سهامهم أو اختلفت فكان الاجر بينهم سواء. ولنا أن أجر القسمة يتعلق بالملك فكان بينهم على قدر الاملاك كنفقة العبد، وما ذكروه لا يصح لان العمل في أكبر النصيبين أكثر ألا ترى أن المقسم إذا كان مكيلا أو موزونا كان كيل الكثير أكثر عملا من كيل القليل وكذلك الوزن والذرع، وعلى انه يبطل بالحافظ فان حفظ القليل والكثير سواء ويختلف أجره باختلاف المال. (فصل) وأجرة القسمة بينهما وان كان احدهما الطالب لها، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة هي على الطالب للقسمة لانها حق له ولنا أن الاجرة تجب بافراز الانصباء وهم سواء فيها فكانت الاجرة عليهما كما لو تراضوا عليها * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (إذا ادعى بعضهم غلطا فيما تقاسموه بانفسهم وأشهدوا على يراضيهم به لم يلتفت إليه، وان كان فيما قسمه قاسم الحاكم فعلى المدعي البينة والا فالقول قول المنكر

[ 512 ]

مع يمينه وان كان فيما قسمه حاكمهم الذي نصبوه وكان فيما اعتبرنا فيه الرضى بعد القرعة لم تسمع دعواه والا فهو كقاسم الحاكم. وجملة ذلك انه إذا ادعى بعض المتقاسمين غلطا في القسمة وانه أعطي دون حقه وكانت قسمة تلزم بالقرعة من غير تراض منهم فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ولا يقبل قول المدعي إلا ببينة، فان أقام شاهدين عدليل نقضت القسمة وأعيدت، وان لم تقم بينة عادلة وطلب يمين شريكه انه لا فضل معه أحلف له، وإنما قدمنا قول المدعى عليه لان الظاهر صحة القسمة وأداء الامانة فيها، وإن كان مما لا يلزم إلا بالتراضي كالذي قسماها بانفسهما ونحوه لم تسمع دعوى ادعاء الغلط وهو الذي ذكره الاصحاب وهو مذهب الشافعي لانه قد رضي بذلك ورضاؤه بالزيادة في نصيب شريكه يلزمه، قال شيخنا والصحيح عندي أن هذه كالتي قبلها وانه متى أقام البينة بالغلط نقضت القسمة لان ما ادعاه محتمل ثبت ببينة عادلة فأشبه ما لو أشهد على نفسه بقبض الثمن أو المسلم فيه ثم ادعى غلطا في كيله، وقولهم ان حقه في الزيادة سقط برضائه ممنوع فانه إنما يسقط إذا علمه، اما إذا ظن اعطي حقه فرضي بناء على هذا ثم بان له الغلط فلا يسقط به حق كالثمن والمسلم فيه فانه لو قبض المسلم فيه بناء على انه عشرة أقفزة راضيا بذلك ثم تعين له ثمانية وادعى المسلم إليه انه غلط فأعطاه اثني عشر وثبت ذلك ببينة لم يسقط حق واحد منهما بالرضا به ولا يمتنع سماع دعواه وبينته ولان المدعى عليه في مسئلتنا لو فرط بالغلط لنقضت القسمة ولو سقط حق المدعي بالرضا لما نقضت القسمة باقراره كما لو وهبه الزائد وقد ذكر أصحابنا وغيرهم فيمن باع دارا على أنها عشرة أذرع فبانت تسعة أو أحد عشر ان البيع باطل في احد الوجهين، وفى الآخر تكون الزيادة للبائع والنقص عليه والبيع انما يلزم بالتراضي فلو كان التراضي يسقط حقه من الزيادة لسقط حق البائع من الزيادة وحق المشتري من النقص، ولان من رضي بشئ بناء على ظن تبين خلافه لم يسقط به حقه كما لو اقتسما شيئا وتراضيا به ثم بان نصيب احدهما مستحقا

[ 513 ]

فان قيل فلم لم يعط المظلوم حقه في هاتين المسئلتين ولا تنقض القسمة كما لو تبين الغلط في الثمن أو المسلم؟ قلنا لان الغلط ههنا في نفس القسمة بتفويت شرط من شروطها وهو تعديل السهام فتبطل لفوات شرطها وفي المسلم والثمن الغلط في القبض دون العقد فان العقد قديم بشروطه فلا يؤثر الغلط في قبض عوضه في صحته بخلاف مسئلتنا. * (مسألة) * (وان تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهم شئ معين بطلت القسمة وان كان شائعا فيهما فعلى وجهين) إذا اقتسم الشريكان شيئا فبان بعضه مستحقا وكان معينا في نصيب أحدهما بطلت القسمة، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تبطل بل يخير من ظهر المستحق في نصيبه بين الفسخ والرجوع بما بقي من حقه كما لو وجد عيبا فيما أخذه ولنا انها قسمة لم تعدل فيها السهام فكانت باطلة كما لو فعلا ذلك مع علمهما بالحال، وأما إذا بان عيب نصيب أحدهما فيحتمل ان تمنع المسألة ونقول بطلان القسمة لعدم التعديل بالقيمة ويحتمل ان ان يفرق بينهما فان العيب لا يمكن التحرز منه فلم يؤثر في البطلان كالبيع وان كان المستحق في نصيبهما على السواء لم تبطل القسمة لان ما يبقى لكل واحد منهما بعد المستحق قدر حقه ولان القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر وقد أفرز كل واحد منهما حقه الا ان يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر مثل ان يسد طريقه أو مجرى مائه أو ضوئه ونحو هذا فتبطل القسمة لان هذا

[ 514 ]

يمنع التعديل فان كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من الآخر بطلت القسمة لما ذكرناه، وان كان مشاعا فيهما بطلت لان الثالث شريكهما ولم يحضر ولا اذن فاشبه ما لو كان لهما شريك يعلمانه فاقتسما دونه، وفيه وجه آخر انها لا تبطل لانه يأخذ من كل واحد منهما مثل ما يأخذ من الآخر ويصير مع كل واحد قدر حقه فأشبه ما لو كان المستحق معينا في نصيبهما على السواء * (مسألة) * (وان اقتسما دارين قسمة تراض فبنى أحدهما في نصيبه ثم خرجت الدار مستحقة فقلع بناؤه رجع بنصف قيمته على شريكه) هكذا ذكره الشريف أبو جعفر وحكاه أبو الخطاب عن القاضي وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن ليس له الرجوع عليه بشئ لانه غرس وبنى باختياره فلم يرجع بنقص ذلك على غيره كما لو بنى في ملك نفسه ولنا ان هذه القسمة بمنزلة البيع فان الدارين لا تقتسمان قسمة اجبار على ان يكون كل واحد منهما نصيبا وانما يقتسمان كذلك بالتراضي فتكون جارية مجرى البيع ولو باعه الدار جميعها ثم انت مستحقة رجع عليه بالبناء كله وان باعه نصفها رجع عليه بنصفه وكذلك يخرج في كل قسمة جارية مجرى البيع وهي قسمة التراضي كالذي فيه رد عوض وما لا يجبر على قسمته لضرر فيه ونحو ذلك فأما قسمة الاجبار إذا ظهر نصيب احدهما مستحقا بعد البناء والغرس فيه فينقض البناء ويقلع الغرس فان قلنا القسمة بيع فكذلك وان قلنا ليست بيعا لم يرجع لان شريكه لم يضره ولم ينتقل إليه من جهته بيع وانما فرز حقه من حقه فلم يضمن له ما غرم فيه هذا الذي يقتضيه قول الاصحاب * (مسألة) * (وان خرج في نصيب أحدهما عيب فله فسخ القسمة إذا لم يعلمه أو الرجوع بارش العيب) لانه نقص في نصيبه فملك ذلك كالمشتري ويحتمل أن تبطل القسمة لان التعديل فيها شرط ولم يوجد بخلاف البيع

[ 515 ]

* (مسألة) * (وإذا اقتسم الورثة العقار ثم ظهر على الميت دين فان قلنا هو إفراز حق لم تبطل القسمة، وان قلنا هي بيع انبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين هل يجوز؟ على وجهين) وجملة ذلك ان تركة الميت يثبت فيها الملك لورثته سواء كان عليه دين أو لم يكن نص عليه أحمد فيمن أفلس ثم مات فقال قد انتقل المبيع إلى الورثة وحصل ملكا لهم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ان كان الدين يستغرق التركة منع نقلها إلى الورثة وان كان لا يستغرقها لم يمنع انتقال شئ منها، وقال أبو سعيد الاصطخري يمنع بقدره وقد أوما إليه أحمد فانه قال في أربعة بنين ترك أبوهم دارا وعليه دين فقال أحد البنين انا أعطي ودعوا لي الربع فقال أحمد هذه الدار للغرماء لا يرثوا شيئا حتى يؤدوا الدين وهذا يدل على أنها لم تنقل إليهم عنده لانه منع الوارث من إمساك بدفع قيمته لان الدين لم يثبت في ذمة الورثة فيجب ان يتعلق بالتركة والمذهب الاول ولهذا قلنا ان الغريم لا يحلف على دين الميت لان الدين محله الذمة وانما يتعلق بالتركة فيتخير الورثة بين قضاء الدين منها أو من غيرها كالرهن والجاني ولهذا لا يلزم الغرماء نفقة العبد ولا يكون نماء التركة لهم ولانه لا ينتقل إلى الورثة أو إلى الغرماء أو يبقى للميت أو لا يكون لاحد، لا يجوز ان ينتقل إلى الغرماء لانها لو انتقلت إليهم لزمهم نفقة الحيوانات وكان نماؤها لهم غير محسوب من دينهم، ولا يجوز ان يبقى للميت لانه لم يبق أهلا للملك، ولا يجوز ان يكون لاحد لانها مال مملوك فلا بد من مالك، ولانها لو بقيت بغير مالك لابيحت لان يتملكها كسائر المباحات فثبت انها انتقلت إلى الورثة فعلى هذا إذا تمت التركة ثم إن غلبت الدار أو أثمرت النخيل أو نتجت الماشية فهو للوارث ينفرد به لا يتعلق به حق الغرماء لانه نماء ملكه اشبه كسب الجاني ويحتمل ان يتعلق به حق الغرماء كنماء الرهن ومن اختار الاول قال تعلق حق الغرماء بالرهن آكد لا يثبت باختيار المالك ورضاه ولهذا منع المتصرف فيه وهذا يثبت بغير رضاء المالك فلم يمنع التصرف لانه اشبه الجاني وعلى الرواية الاخرى يكون حكمه حكم

[ 516 ]

التركة وما يحتاج إليه من المؤنة منها فعلى هذا ان تصرف الورثة في التركة ثم ان غلت الدار أو اثمرت النخيل أو نتجت الماشية فهو للوارث ينفرد به لا يتعلق به حق الغرماء لانه نماء ملكه اشبه كسب الجاني ويحتمل ان يتعلق به حق الغرماء كنماء الرهن ومن اختار الاول قال تعلق حق الغرباء بالرهن آكد لا يثبت باختيار المالك ورضاه ولهذا منع التصرف فيه وهذا يثبت بغير رضاء المالك فلم يمنع التصرف لانه أشبه الجاني وعلاى لرواية الاخرى يكون حكمه حكم التركة وما يحتاج إليه من المؤنة منها فعلى هذا ان تصرف الورثة في التركة ببيع أو هبة فعلى الرواية الاولى تصرفهم صحيح فان قضوا الدين والا نقضت تصرفاتهم كما إذا تصرف السيد في العبد الجاني ولم يود الجناية وعلى الروية الاخرى تصرفاتهم فاسدة لانهم تصرفوا فيما لم يملكوه والاول أولى ان شاء الله تعالى (فصل) وان اقتسم الورثة تركة الميت ثم ظهر عليه دين لا وفاء له الا ما اقتسموه لم تبطل القسمة إذا قلنا هي افراز حق لان تعلق الدين بالتركة لا يمنع تصرف الوارث فيها كما لا يمنع تصرف السيد في العيد الجاني لكن ان امتنعوا من وفاء الدين بيعت في الدين وبطلت القسمة لان الدين يقدم على الميراث لقوله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فان وفي أحدهما دون الآخر صح في نصيبه وبيع نصيب الآخر فان قلنا ان القسمة بيع انبنى على بيع التركة وفيه وجهان ذكرنا دليلهما في المسألة قبل هذا فان قلنا يجوز لم تبطل القسمة وان قلنا لا يجوز فالقسمة باطلة لانه بيع فان قضوا الدين أعادوها والا بيع في قضائه والخلاف في ذلك بني على الخلاف في انتقال التركة إلى الورثة إذا كان على الميت دين وفيه روايتان ذكرناهما والمختار منهما والله أعلم (فصل) قال أحمد في قوم اقتسموا دار أو حصل لبعضهم فيها زيادة اذرع ولبعضهم نقصان ثم باعوا الدار جملة قسمت الدار بينهم على قدر الاذرع يعني ان الثمن يقسم بينهم على قدر ملكهم فيها

[ 517 ]

وهذا محمول على ان زيادة أحدهما في الاذرع لزيادة ملكه فيها مثل ان يكون لاحدهما الخمسان فيحصل له أربعون ذراعا وللآخر ثلاثة أخماس فيحصل له ستون ذراعا فان الثمن يقسم بينهم اخماسا على قدر ملكهما في الدار، فأما إن كانت زيادة الاذرع لرداءة ما أخذ صاحبها كدار تكون بينهما نصفين فأخذ أحدهما بنصيبه من جيدها أربعين ذراعا واخذ الآخر من رديئها ستين فلا ينبغي ان يقسم الثمن على قدر الاذرع بل يقسم بينهما نصفين لان الستين ههنا معدولة بالاربعين فلذلك تعدل بها في الثمن، وقال أحمد رحمه الله في قوم اقتسموا دارا كانت اربعة أسطحة يجري عليها الماء من أحد الاسطحة فلما اقتسموا أراد أحدهما منع جريان لآخر عليه وقال هذا شئ قد صار لي قال ان كان بينهما شرط برد الماء فله ذلك وان لم يشترط فليس له منعه ووجه ذلك انهم اقتسموا الدار واطلقوا فاقتضى ذلك أن يملك كل واحد حصته بحقوقها كما لو اشتراها بحقوقها ومن حقها جريان مائها فيما كان يجري إليه معتادا له وهو على سطح المانع فلهذا استحقه حالة الاطلاق فان تشارطا على رده فالشرط أملك والمؤمنون على شروطهم * (مسألة) * (وان اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة) لان القسمة تقتضي التعديل. والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له الا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل، ولان من شرط الاجبار على القسمة أن يكون ما أخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع فيحصل له أربعون ذراعا وللآخر ثلاثة أخماس فيحصل له ستون ذراعا فان الثمن يقسم بينهم اخماسا على قدر ملكهما في الدار، فأما إن كانت زيادة الاذرع لرداءة ما أخذ صاحبها كدار تكون بينهما نصفين فأخذ أحدهما بنصيبه من جيدها أربعين ذراعا واخذ الآخر من رديئها ستين فلا ينبغي ان يقسم الثمن على قدر الاذرع بل يقسم بينهما نصفين لان الستين ههنا معدولة بالاربعين فلذلك تعدل بها في الثمن، وقال أحمد رحمه الله في قوم اقتسموا دارا كانت اربعة أسطحة يجري عليها الماء من أحد الاسطحة فلما اقتسموا أراد أحدهما منع جريان لآخر عليه وقال هذا شئ قد صار لي قال ان كان بينهما شرط برد الماء فله ذلك وان لم يشترط فليس له منعه ووجه ذلك انهم اقتسموا الدار واطلقوا فاقتضى ذلك أن يملك كل واحد حصته بحقوقها كما لو اشتراها بحقوقها ومن حقها جريان مائها فيما كان يجري إليه معتادا له وهو على سطح المانع فلهذا استحقه حالة الاطلاق فان تشارطا على رده فالشرط أملك والمؤمنون على شروطهم * (مسألة) * (وان اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة) لان القسمة تقتضي التعديل. والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له الا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل، ولان من شرط الاجبار على القسمة أن يكون ما أخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع به، وهذا لا ينتفع به آخذه، فان كان قد أخذه راضيا عالما بأنه لانون على شروطهم * (مسألة) * (وان اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة) لان القسمة تقتضي التعديل. والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له الا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل، ولان من شرط الاجبار على القسمة أن يكون ما أخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع به، وهذا لا ينتفع به آخذه، فان كان قد أخذه راضيا عالما بأنه لا طريق له جاز لان قسمة التراضي بيع وشراؤه على هذا الوجه جائز. قال شيخنا وقياس المسألة التي قبل هذا ان الطريق تبقى بحالها في نصيب الآخر ما لم يشترط صرفها عنه كجري الماء * (مسألة) * (ويجوز للاب والوصي قسم مال المولى عليه مع شريكه) لان القسمة اما افراز حق أو بيع وكلاهما جائز لهما. ولان في القسمة مصلحة للصبي فجازت كالشراء له، ويجوز لهما قسمة التراضي من غير زيادة في العوض لان فيه دفعا لضرر الشركة فأشبه ما لو باع لضرر الحاجة إلى قضاء الدين أو النفقة والله أعلم

[ 518 ]

* (تم بحمد الله وعونه الجزء الحادي عشر من كتابي المغني والشرح الكبير) * * (ويليه بمشيئة الله وتوفيقه الجزء الثاني عشر منهما وأوله (كتاب الشهادات)) *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية