الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 10

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 10


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي المتوفي سنة 682 ه‍ كلاهما على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان خلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء العاشر دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب القسامة وهي الايمان المكررة في دعوى القتل والقسامة مصدر أقسم قسامة ومعناه حلف حلفا، والمراد بالقسامة ههنا الايمان المكررة في دعوى القتل، وقال القاضي هي الايمان إذا كثرت على وجه المبالغة، قال وأهل اللغة يذهبون إلى انها القوم الذين يحلفون سموا باسم المصدر كما يقال رجل عدل ورضى، وأي الامرين كان فهو من القسم الذي هو الحلف، والاصل في القسامة ماروي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج ان محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن وأبناء عمه حويصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (كبر الكبر) أو قال

[ 3 ]

(ليبدأ الاكبر) فتكلما في أمر صاحبهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع اليكم برمته) فقالوا أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال (فتبرئكم يهود بايمان خمسين منهم) قالوا يا رسول الله قوم كفار ضلال قال فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله قال سهل فدخلت مربدا لهم فركضتني ناقة من تلك الابل) متفق عليه (مسألة) (ولا يثبت إلا بشروط أربعة: أحدها دعوى القتل ذكرا كان المقتول أو أنثى حرا أو عبدا مسلما أو ذميا وأما الجراح فلا قسامة فيها) دعوى القتل شرط في القسامة ولا تسمع الدعوى إلا محررة بأن يقول ادعي ان هذا قتل وليي فلان ابن فلان عمدا أو خطأ أو شبه عمد، ويصف القتل فان كان عمدا قال قصد إليه بسيف أو بما يقتل مثله غالبا. فان كانت الدعوى على واحد فأقر ثبت القتل فان أنكر وثم بينة حكم بها وإلا صار الامر إلى الايمان، وان كانت الدعوى على أكثر من واحد لم يخل من أربعة أحوال (أحدها) أن يقول قتله هذا وهذا تعمد قتله، ويصف العمد بصفته فيقال له عين واحدا فان القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد (الحال الثاني) أن يقول تعمد هذا وهذا كان خاطئا فهو يدعي قتلا غير. موجب للقود فيقسم عليهما ويأخذ نصف الدية من مال العامد ونصفها من مال الخاطئ (الحال الثالث) أن يقول عمد هذا ولا أدري أكان قتل الثاني عمدا أو خطأ فقيل لا تسوغ القسامة

[ 4 ]

ههنا لانه يحتمل أن يكون الآخر مخطئا فيكون موجبها الدية عليهما ويحتمل أن يكون عامدا فلا يسوغ ههنا ويجب تعيين واحد والقسامة عليه فيكون موجبها القود فلم تجز القسامة مع هذا، فان عاد فقال علمت ان الآخر كان عامدا فله أن يعين واجدا ويقسم عليه، وإن قال كان مخطئا ثبتت القسامة حينئذ ويسئل الآخر فان أنكر ثبتت القسامة وإن أقر ثبت عليه القتل ويكون عليه نصف الدية في ماله لانه ثبت باقراره لا بالقسامه، وقال القاضي يكون على عاقلته والاول أصح لان العاقلة لا تحمل اعترافا (الحال الرابع) أن يقول قتلاه خطأ أو شبه عمدا أو أحدهما خاطئا والآخر شبهه العمد فله أن يقسم عليهما، فان ادعى انه قتل وليه عمدا فسئل عن تفسيره العمد ففسره بعمد الخطأ قبل تفسيره وأقسم على ما فسره به لانه أخطأ في وصف القتل بالعمدية، ونقل المزني عن الشافعي لا يحلف عليه لانه بدعوى العمد برأ العاقلة فلم تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليهم المال ولنا ان دعواه قد تحررت وانما غلط في تسمية شبه العمد عمدا وهذا مما يشتبه فلا يؤاخذ به ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى وتبيين نوع القتل لم يعتد باليمين لان الدعوى لا تسمع غير محررة فكأنه أحلفه قبل الدعوى ولانه انما يحلفه ليوجب له ما يستحقه فإذا لم يعلم ما يستحقه بدعواه لم يحصل المقصود باليمين فلم يصح (فصل) قال القاضي يجوز للاولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم انه قتله وإن كانوا

[ 5 ]

غائبين عن مكان القتل لان النبي صلى الله عليه وسلم قال للانصار (تحلفون وتستحقون دم صاحبكم) وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر، ولان للانسان أن يحلف على غالب ظنه كما ان من اشترى من انسان شيئا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف انه لا يستحقه لان الظاهر انه ملك الذي باعه وكذلك إذا وجد شيئا بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز أن يحلف، وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه عيبا فادعى عليه المشتري انه معيب وأراد رده كان له ان يحلف انه باعه بريئا من العيب، ولا ينبغي أن يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبه ظن يقارب اليقين، وينبغي للحاكم أن يقول لهم اتقوا الله واستثبتوا ويعظهم ويحذرهم ويقرأ عليهم (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة وظلم البرئ وقتل النفس بغير الحق ويعرفهم ان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وهذا كله مذهب الشافعي (مسألة) (وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا مسلما أو ذميا) أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا فان الاصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فاتهم اليهود بقتله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة وأما ان كان المقتول كافرا أو عبدا وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله وهو المماثل له في حاله أو دونه ففيه القسامة، وهذا قول الشافعي واصحاب الرأي، وقال الزهري والثوري ومالك والاوزاعي لا قسامة في العبد لانه مال فلم تجب القسامة فيه كالبهيمة

[ 6 ]

ولنا انه قتل موجب للقصاص فأوجب القسامة كقتل الحر بخلاف البهيمة فانه لا قصاص فيها ويقسم على العبد سيده لانه المستحق لدمه، وأم الود والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة كالقن لان الرق ثابت فيهم، فان كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافرا والحر يقتل عبدا فلا قسامة فيه في ظاهر قول الخرقي وهو قول مالك لان القسامه انما تكون فيما يوجب القود وقال القاضي فيها القسامة وهو قول الشافعي واصحاب الرأي لانه قتل آدمي يوجب الكفارة فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم، ولان ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد والكافر كالبينة، ووجه قول الخرقي انه قتل لا يوجب القصاص فأشبه قتل البهيمة ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه بدليل ان العبد لو اتهم بقتل سيده وجبت القسامة إذا كان القتل موجبأ للقصاص ذكره القاضي لانه لا يجوز قتله قبل ذلك ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة (فصل) وإن قتل عبد المكاتب فللمكاتب أن يقسم على الجاني لانه مالك العبد يملك التصرف فيه وفي بدله وليس لسيده انتزاعه منه وله شراؤه منه، ولو اشترى المأذون له في التجارة عبدا فقتل فالقسامة لسيده دونه لان ما اشتراه المأذون يملكه سيده دونه ولهذا يملك انتزاعه منه، وإن عجز المكاتب قبل أن يقسم فلسيده أن يقسم لانه صاو المستحق لبدل المقتول بمنزلة ورثة الحر إذا مات قبل أن يقسم، ولو ملك السيد عبده أو أم ولده عبدا فقتل فالقسامة للسيد سواء قلنا يملك العبد

[ 7 ]

بالتمليك أولا يملك لانه ان لم يملك فالملك لسيده وان ملك فهو ملك غير ثابت ولهذا يملك سيده انتزاعه منه ولا يجوز له التصرف بغير اذن سيده بخلاف المكاتب، وان أوصى لام ولده ببدل العبد صحت الوصية وان كان لم يجب بعد كما تصح الوصية بثمرة لم تخلق والقسامة للورثة لانهم القائمون مقام الموصي في اثبات حقوقه فإذا حلفوا ثبت لها البدل بالوصية فان لم يحلفوا لم يكن لها أن تحلف كما إذا امتنع الورثة باليمين مع الشاهد لم يكن للغرماء أن يحلفوا معه (فصل) والمحجور عليه لسفه أو فلس كغير المحجور عليه في دعوى القتل والدعوى عليه لانه إذا أقر بمال أو لزمته الدية بالنكول عن اليمين لم تلزمه في حال حجره لان اقراره بالمال في الحال غير مقبول بالنسبة إلى أخذ شئ من ماله في الحال على ما عرف في موضعه (فصل) ولو جرح مسلم فارتد فمات على الردة فلا قسامة فيه لان نفسه غير مضمونة ولا قسامة فيما دون النفس ولان ماله يصير فيأ والفئ ليس له مستحق معين فتثبت القسامة له، وان مات مسلما فارتد وارثه قبل القسامة فقال أبو بكر ليس له أن يقسم وان أقسم لم يصح لان ملكه يزول عن ماله وحقوقه فلا يبقى مستحقا للقسامة وهذا قول المزني ولان المرتد قد أقدم على الكفر الذي لا ذنب أعظم منه فلا يستحق بيمينه دم مسلم ولا يثبت بها قتل، وقال القاضي الاولى أن تعرض عليه القسامة فان أقسم وجبت الدية وهذا قول الشافعي لان استحقاق المال بالقسامة حق له فلا يبطل

[ 8 ]

بردته كاكتساب المال بوجوه الاكتساب وكفره لا يمنع يمينه لان الكافر تصح يمينه ويعرض عليه في الدعاوى فان حلف ثبت القصاص أو الدية، فان عاد إلى الاسلام كان له وان مات كان فيئا والصحيح ان شاء الله ما قاله أبو بكر لان مال المرتد اما أن يكون ملكه قد زال عنه واما موقوف وحقوق المال حكمها حكمه، فان قلنا يزول ملكه فلا حق له وان قلنا هو موقوف فهو قبل انكشاف حاله مشكوك فيه فلا يثبت الحكم بشئ مشكوك فيه كيف وقتل المسلم أمر كبير لا يثبت مع الشبهات ولا يستوفى مع الشك؟ فأما ان ارتد قبل موت مورثه لم يكن وارثا ولا حق له وتكون القسامه لغيره من الوارث فان لم يكن للميت وارث سواه فلا قسامة فيه لما ذكرنا، فان عاد إلى الاسلام قبل قسامة غيره فقياس المذهب أنه يدخل في القسامة لانه متى رجع قبل قسم الميراث قسم له. وقال القاضي لا تعود القاسمة إليه لانها استحقت على غيره وان ارتد رجل فقتل عبده أو قتل عبده ثم ارتد فهل له أن يقسم؟ عل وجهين بناء على الاختلاف المتقدم فان عاد إلى الاسلام عادت القسامة لانه يستحق بدل العبد (مسألة) (فأما الجراح فلا قسامة فيها) لا قسامة فيما دون النفس من الاطراف والجراح لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي لان القسامة تثبت في النفس لحرمتها فاختصت بها دون الاطراف كالكفارة

[ 9 ]

ولانها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله ومن قطع طرفه يمكنه ذلك وحكم الدعوى فيه حكم الدعوى في سائر الحقوق، والبينه على المدعي واليمين على المنكر يمينا واحدة لانها دعوى لا قسامة فيها فلا تغلظ بالعدد كالدعوى في المال (الثاني) اللوث وهو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الانصار وأهل خيبر وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر في ظار المذهب، اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في اللوث فروي عنه أن العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه كنحو ما كان بين الانصار ويهود خيبر وما بين القبائل والاحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما بين البغاة وأهل العدل وما بين الشرطة واللصوص وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله نقل مهنا عن أحمد فيمن وجد قتيلا في المسجد الحرام ينظر من بينه وبينه في حياته شئ يعني ضغنا يؤخذون به ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة الا أنه قد قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل فاللوث على الطائفة التي القتيل من غيرها سواء كان القتال بالتحام أو مراماة بالسهام وان لم تبلغ السهام فاللوث على طائفة القتيل إذا ثبت هذا فانه لا يشترط مع العداوة ان لا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها وكلام الخرقي يدل عليه أيضا واشترط القاضي أن يوجد القتيل في موضع عدو

[ 10 ]

لا يختلط بهم غيرهم وهذا مذهب الشافعي لان الانصاري قتل في خيبر ولم يكن بها الا اليهود وجميعهم اعداء ولانه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير ثم ناقض قوله فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل فقال ان كان في القوم من بينه وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله لكونه بقربه فهو لوث فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الانصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها لانها كانت املاكا للمسلمين يقصدونها لاخذ غلات أملاكهم منها وعمارتها والاطلاع عليها والامتيار منها ويبعد ان تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها وقول الانصار ليس لنا بخيبر عدو الا اليهود يدل على أنها قد كان بها غيرهم ممن ليس بعدو ولان اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله فلان لا يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث فان اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه فلا ينافيه الاحتمال ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيح إلى الايمان ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة لاحتمال أن القاتل غيره ولا على الجماعة كلهم لانه يحتمل أن لا يشترك الجميع في قتله والرواية الثانية عن أحمد أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي ذلك من وجوه

[ 11 ]

(أحدها) العداوة المذكورة (الثاني) أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم فان ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع المجاعة فالقول قوله مع يمينه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لان الاصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة (الثالث) أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد بينهم قتيل فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث فانه قال فيمن مات من الزحام يوم الجمعة: فديته في بيت المال وهذا قول اسحاق وروي ذلك عن عمر وعلي فان سعيدا روى في سننه عن ابراهيم قال قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله فقال علي يا أمير المؤمنين لا تطل دم امرئ مسلم ان علمت قاتله والا فاعط ديته من بيت المال وقال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام ينظر من كان بينه وبينه شئ في حياته يعني عداوة فلم يجعل الحضور لوثا وانما جعل اللوث العداوة وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام ديته على من حضر لان قتله حصل منهم، وقال مالك دمه هدر لانه لا يعلم له قاتل ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة فيه وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه في رجل وجد قتيلا ولم يعرف قاتله فكتب إليهم إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها الافي الدار الآخر ة وهذا منها (الرابع) أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن قتله مثل أن يرى رجلا هاربا يحتمل انه قاتل أو سبعا يحتمل ذلك فيه

[ 12 ]

(الخامس) أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الاخرى. ذكره القاضي فان كانوا بحيث لا يصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل وهذا قول الشافعي، وروي عن احمد ان عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان الا أن يدعوا على واحد بعينه وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعا لانه يجتمل انه مات من فعل اصحابه فاستوى الجميع فيه وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم: فدية المقتولين على المجروحين يسقط منه دية الجراح وان كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شئ على وجهين ذكرهما ابن حامد (السادس) ان يشهد بالقتل عبيد ونساء ففيه عن احمد روايتان (إحداهما) انه لوث لانه يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه العداوة (والثانية) ليس بلوث لانها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به كفار وان شهد به فساق أو صبيان ففيه وجهان (أحدهما) ليس بلوث لانه لا يتعلق بشهادتهم حكم فلا يثبت اللوث بها كشهادة الاطفال والمجانين (والثاني) يثبت بها اللوث لانها شهادة فغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد وقول الصبيان معتبر في الادب في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها وهذا مذهب الشافعي. ويعتبر أن يجئ الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب. فهذه الوجوه قد ذكر عن احمد انها لوث لانها تغلب على الظن صدق المدعي اشبهت العداوة. وروي ان هذا ليس بلوث وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام

[ 13 ]

لان اللوث انما يثبت بالعداوة بقضية الانصاري القتيل بخيبر ولا يجوز القياس عليها لان الحكم ثبت بالمظنة ولا يجوز القياس على المظان لان الحكم انما يتعدى بتعدي سببه والقياس بالمظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم والظنون تختلف ولا تأتلف وتنخبط ولا تنضبط وتختلف باختلاف القرائن والاحوال والاشخاص فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته بتعديها ولانه يعتبر في التعدية والقياس التساوي بين الاصل والفرع والمقتضي ولا سبيل إلى تغير التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها. فعلى هذه الرواية حكم هذه الصور حكم غيرها مما لا لوث فيه (فصل) وان شهد رجلان على رجل انه قتل احد هذين القتيلين لم تثبت هذه الشهادة ولم يكن لوثا عند أحد علمنا قوله وان شهدا ان هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين أو شهد احدهما ان هذا قتله وشهد الآخر انه اقر بقتله أو شهد أحدهما انه قتله بسيف وشهد الآخر انه قتله بسكين لم تكمل الشهادة ولم يكن لوثا. هذا قول القاضي واختياره. والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد احدهما بقتله والآخر بالاقرار بقتله انه يثبت القتل واختار أبو بكر ثبوت القتل ههنا وفيما إذا شهد أحدهما انه قتله بسيف وشهد الآخر انه قتله بسكين لانهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته وقال الشافعي هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث لانها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد. ولنا انها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم تكن لوثا كالصورة الاولى

[ 14 ]

(فصل) وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر وبهذا قال مالك والشافعي. وعن احمد انه شرط وهذا قول حماد وأبي حنيفة والثوري لانه إذا لم يكن به أثر احتمل انه مات حتف أنفه ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الانصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ ولان القتل يحصل بما لا أثر له كغم الوجه والخنق وعصر الخصيتين وضربة الفؤاد فأشبه من به أثر، وم به اثر قد يموت حتف انفه لسقطته أو صرعته أو يقتل نفسه. فعلى قول من اعتبر الاثر ان خرج الدم من اذنه فهو لوث لانه لا يكون الا لخنق أو أمر اصيب به، وان خرج من انفه فهل يكون لوثا على وجهين (مسألة) (فاما قول القتيل فلان قتلني فليس بلوث) هذا قول اكثر اهل العلم منهم الثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي. وقال مالك والليث هو لوث لان قتيل بني اسرائيل قال قتلني فلان فكان حجة. ويروى هذا القول عن عبد الملك بن مروان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى، قوم دماء رجال وأموالهم) ولانه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت، ولانه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه فانه لا قسامة فيه فان ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام حيث احياه الله تعالى بعد موته وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه ولم يكن الله تعالى لينطقه بالكذب بخلاف الحي ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تبرئة المتهمين فلا يجوز تعديته إلى تهمة البريئين

[ 15 ]

(مسألة) (ومتى ادعى القتل مع عدم اللوث عمدا فقال الخرقي لا يحكم له بيمين ولاغيرها وعن احمد انه يحلف يمينا واحدة وهي الاولى. وان كان خطأ حلف يمينا واحدة) إذا ادعى القتل مع عدم اللوث لم يخل من حالين (احدهما) إذا وجد قتيل في موضع فادعى اولياؤه قتله على رجل أو جماعة ولم يكن بينهم عداوة ولا لوث فهي كسائر الدعاوى ان كانت لهم بينه حكم لهم بها وإلا فالقول قول المنكر وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر. وقال ابو حنيفة وأصحابه: إذا ادعى اولياؤه قتله على أهل المحلة أو على معين فللولي ان يختار من الموضع خمسين رجلا يحلفون خمسين يمينا والله ما قتلناه ولا علمنا قاتله فإذا نقصوا عن الخمسين كررت الايمان عليهم حتى تتم فإذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة فان لم يكن وجبت على سكان الموضع فان لم يحلفوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا لما روي ان رجلا وجد قتيلا بين حيين فحلفهم عمر رضي الله عنه خمسين يمينا وقضى بالدية على أقربهما يعني اقرب الحيين فقالوا: والله ما وقت أيماننا أموالنا ولا أموالنا ايماننا. فقال عمر حقنتم بأموالكم دماءكم ولنا حديث عبد الله بن سهل وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم وقول النبي صلى الله عليه وسلم (البينه على المدعي واليمين على من أنكر) ولان المدعى عليه الاصل براءة ذمته ولم يظهر كذبه فكان القول قوله كسائر الدعاوى

[ 16 ]

ولانه مدعى عليه فلم تلزمه اليمين والغرم كسائر الدعاوى وقول النبي صلى الله عليه وسلم اولى من قول عمر وأحق بالاتباع. ثم قضية عمر يحتمل انهم اعترفوا بالقتل خطأ وأنكروا العمد فأحلفوا على العمد ثم انهم لا يعلمون بخبر النبي صلى الله عليه وسلم المخالف للاصول وقد صاروا ههنا إلى ظاهر قول عمر المخالف للاصول وهو ايجاب الايمان على غير المدعى عليه وإلزامهم الغرم مع عدم الدعوى عليهم والجمع بين تحليفهم وتغريمهم وحبسهم على الايمان قال ابن المنذر: سن النبي صلى الله عليه وسلم البينه على المدعي واليمين على المدعى عليه وسن القسامة في القتيل الذي وجد بخيبر، وقول اصحاب الرأي خارج عن هذه السنن (فصل) ولا تسمع الدعوى على غير معين فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة أو واحد غير معين أو جماعة منهم بغير أعيانهم لم تسمع وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي تسمع ويستحلف خمسون منهم لان الانصار ادعوا القتل على يهود خيبر ولم يعينوا القاتل فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم ولنا انها دعوى في حق فلم تسمع على غير معين كسائر الدعاوى فأما الخبر فان دعوى الانصار التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها فان تلك من شرطها حضور المدعى عليه عليه عندهم أو تعذر حضوره عندنا وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ان الدعوى لا تصح الا على واحد بقوله (تقسمون على رجل منهم فيدفع اليكم برمته) وفي هذا بيان ان الدعوى لا تصح على غير معين

[ 17 ]

[ فصل ] فأما ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة فهي كسائر الدعاوى في اشتراط تعيين المدعى عليه وان القول قوله لا نعلم فيه خلافا (الحال الثاني) انه إذا ادعى القتل ولم يكن عداوة ولا لوث فانه لا يحكم على المدعى عليه بيمين ولا بشئ في احدى الروايتين ويخلى سبيله هذا الذي ذكره الخرقي، سواء كانت الدعوى خطأ أو عمدا لانها دعوى فيما لا يجوز بذله فلم يستحلف فيها كالحدود، ولانه لا يقضى في هذه الدعوى بالنكول فلم يحلف فيها كالحدود (والثانية) يستحلف وبه قال الشافعي وهو الصحيح لعموم قوله عليه السلام (اليمين على المدعى عليه) وقوله عليه السلام (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم ظاهر في ايجاب اليمين ههنا لوجهين (أحدهما) عموم اللفظ فيه (والثاني) ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في صدر الخبر بقوله (لا دعى قوم دماء رجال وأموالهم - ثم عقبه بقوله - ولكن اليمين على المدعى عليه) فيعود إلى المدعى عليه المذكور في الحديث، ولايجوز اخراجه منه الا بدليل أقوى منه، ولانها دعوى في حق آدمى فيستحلف كدعوى المال ولانها دعوى لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها فيجب اليمين فيها كالاصل المذكور. إذا ثبت هذا فالمشروع يمين واحدة وعن أحمد انه يشرع خمسون يمينا لانها دعوى في القتل فيشرع فيها خمسون يمينا كما لو كان بينهم لوث وللشافعي فيها كالروايتين

[ 18 ]

ولنا ان قوله عليه الصلاه والسلام (ولكن اليمين على المدعى عليه) ظاهر في أنها يمين واحدة لوجهين (أحدهما) أنه وحد اليمين فينصرف إلى واحدة (الثاني) انه لم يفرق في اليمين المشروعة في الدم والمال ولانها يمين يعضدها الظاهر والاصل فلم تغلظ كسائر الايمان، ولانها يمين مشروعة في جنبة المنكر ابتداء فلم تغلظ بالتكرير كسائر الايمان وبهذا فارق ما ذكروه (فصل) فان نكل المدعى عليه عن اليمين لم يجب القصاص بغير خلاف في المذهب، وقال أصحاب الشافعي ان نكل المدعى عليه ردت اليمين على المدعي فحلف خمسين يمينا واستحق القصاص أو الديه ان كانت الدعوى عمدا موجبا للقتل لان يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة أو الاقرار والقصاص يجب بكل واحد منهما ولنا أن القتل يثبت ببينة ولا اقرار ولم يعضده لوث فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل ولا يصح الحاق الايمان مع النكول ببينة ولا اقرار لانها أضعف منها بدليل انها لاتشرع الاعند عدمهما فتكون بدلا عنهما والبدل أضعف من المبدل ولا يلزم من ثبوت الحكم بالاقوى ثبوته بالاضعف ولا يلزم من وجوب الدية وجوب القصاص لانه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال ولا بالشاهد واليمين ويحتاط له ويدرأ بالشبهات والدية بخلافه، فاما الدية فتثبت بالنكول عند من يثبت المال به أو يرد اليمين على المدعي

[ 19 ]

فيحلف يمينا واحدة ويستحقها كما لو كانت الدعوى في مال وسواء كانت الدعوى عمدا أو خطأ فان العمد متى تعذر ايجاب القصاص فيه وجب به المال وتكون الدعوى ههنا كسائر الدعاوى والله علم (الثالث) اتفاق الاولياء في الدعوى فان ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة) من شرط ثبوت القسامة اتفاق الاولياء على الدعوى فان كذب بعضهم بعضا فقال أحدهم قتله هذا وقال الآخر لم يقتله هذا أو قال بل قتله هذا الآخر لم تثبت القسامة نص عليه أحمد، وسواء كان المكذب عدلا أو فاسقا، وعن الشافعي ان القسامة لا تبطل بتكذيب الفاسق لان قوله غير مقبول ولنا انه مقر على نفسه بتبرئة من ادعى عليه أخوه فقبل كما لو ادعيا دينا لهما وانما لا يقبل قوله على غيره وأما على نفسه فهو كالعدل لانه لا يتهم في حقها، فاما ان لم يكذبه ولم يوافقه في الدعوى مثل ان قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر لا نعلم قاتله فظاهر قوله ههنا ان القسامة لا تثبت وهو ظاهر كلام الخرقي لاشتراط دعاء الاولياء على واحد وهذا قول مالك، وكذلك ان كان أحد الوليين غائبا فادعى الحاضر دون الغائب أو ادعيا جميعا على واحد ونكل احدهما عن الايمان لم يثبت القتل في قياس قول الخرقي، ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ثبوت القسامة وكذلك مذهب الشافعي لان أحدهما لم يكذب الآخر فلم تبطل القسامه كما لو كان احد الوارثين امرأة أو صغيرا، فعلى قولهم يحلف المدعي خمسين يمينا ويستحق نصف الدية لان الايمان ههنا بمنزلة البينة لا يثبت

[ 20 ]

شئ من الحق الا بعد كمال البينة فأشبه ما لو ادعى أحدهما دينا لابيهما فانه لا يستحق نصيبه من الدين الا ان يقيم بينة كامله ولنا انهما لم يتفقا في الدعوى فلم تثبت القسامة كما لو كذبه ولان الحق في محل الوفاق انما ثبت بايمانهما التي اقيمت مقام البينة ولا يجوز ان يقوم أحدهما مقام الآخر في الايمان كما في سائر الدعاوى فعلى هذا ان قدم الغائب فوافق أخاه أو عاد من لم يعلم فقال قد عرفنه هو الذي عينه أخي اقسما حينئذ وان قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر قتله هذا وفلان فعلى قول الخرقي لا تثبت القسامة لانها لا تكون الاعلى واحد وعلى قول غيره يحلفان على من اتفقا عليه ويستحقان نصف الدية ولا يجب القود لانه انما يجب في الدعوى على واحد ويحلفان جميعا على هذا الذي اتفقا عليه على حسب دعواهما ويستحقان نصف الدية ولا يجب اكثر من نصف الدية لان أحدهما يكذب الآخر في النصف الآخر فبقي اللوث في حقه في نصف الدم الذي اتفقا عليه ولم يثبت في النصف الذي كذبه أخوه فيه، ولا يحلف الآخر على الآخر لان أخاه كذبه في دعواه عليه، وان قال أحدهما قتل أبي زيد وآخر لاأعرفه وقال الآخر قتله عمرو وآخر لا أعرفه لم تثبت القسامة في ظاهر قول الخرقي لانها لا تكون الا على واحد ولانهما ما اتفقا في الدعوى على أحد ولا يمكن ان يحلفا على من لم يتفقا على الدعوى عليه والحق انما يثبت في محل الوفاق بايمان الجميع فكيف يثبت في الفرع بيامان البعض؟ وقال أبو بكر والقاضي تثبت القسامة وهذا مذهب الشافعي لانه ليس ههنا تكذيب فانه يجوز ان يكون الذي جهله كل واحد منهما

[ 21 ]

هو الذي عرفه أخوه فيحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينا ويستحق ربع الدية وان عاد كل واحد منهما فقال قد عرفت الذي جهلته وهو الذي عينه أخي حلف أيضا على الذي حلف عليه أخوه وأخذ منه ربع الدية، ويحلف خمسا وعشرين يمينا لانه يبني على ايمان أخيه فلم يلزمه أكثر من خمس وعشرين كما لو عرفه ابتداء، وفيه وجه آخر يحلف خمسين لان أخاه حلف خمسين يمينا، وللشافعي في هذا قولان كالوجهين، ويجئ في المسألة وجه آخر ان الاول لا يحلف أكثر من خمس وعشرين يمينا لانه انما يحلف على ما يستحقه والذي يستحقه النصف فيكون عليه نصف الايمان كما لو حلف أخوه معه، وان قال كل واحد منهما الذي كنت جهلته غير الذي عينه أخي بطلت القسامة التى أقسماها لان التكذيب يقدح في اللوث فيرد كل واحد منهما ما أخذ من الدية، وان كذب احدهما اخاه ولم يكذبه الآخر بطلت قسامة المكذب دون الذي لم يكذب (فصل) إذا قال الولي بعد القسامة غلطت ما هذا الذي قتله، أو ظلمته بدعواى القتل عليه أو قال كان هذا المدعى عليه في بلد آخر يوم قتل وليي وكان بينهما بعد ولا يمكنه أن يقتله إذا كان فيه بطلت القسامة ولزمه رد ما أخذه لانه مقر على نفسه فقبل اقراره، وان قال ما أخذته حرام سئل عن ذلك فان قال أردت انني كذبت في دعواي عليه بطلت قسامته أيضا، فان قال أردت أن الايمان تكون في جنبه المدعى عليه كمذهب أبي حنيفة لم تبطل القسامة لانها تثبت باجتهاد الحاكم فيقدم على اجتهاده، وان قال هذا مغصوب وأقر بمن غصبه منه لزمه رده عليه ولا يقبل قوله على من

[ 22 ]

أخذ منه لان الانسان لا يقبل اقراره على غيره وان لم يقر به لاحد لم ترفع يده عنه لانه لم يتعين مستحقه وإن اختلفا في مراده فالقول قوله لانه أعرف بقصده (فصل) وإن أقام المدعى عليه بينة أنه كان يوم القتل في بلد بعيد من بلد المقتول لا يمكن مجيئه منه إليه في يوم واحد بطلت الدعوى، وان قالت البينة نشهد أن فلانا لم يقتله لم تسمع هذه الشهادة لانه نفي مجرد، فان قالا ما قتله فلان بل قتله فلان سمعت لانها شهدت باثبات ضتمن النفي فسمعت كما لو قالت ما قتله فلان لانه كان يوم القتل في بلد بعيد (فصل) فان جاء انسان فقال ما قتله المدعى عليه بل أنا قتلته فكذبه الولي لم تبطل دعواه وله القسامة ولا يلزمه رد الدية وإن كان أخذها لانه قول واحد ولا يلزم المقر شئ لانه أقر لمن يكذبه وان صدقه الولي أو طالبه بموجب القتل لزمه رد ما أخذ وبطلت دعواه على الاول لان ذلك جرى مجرى الاقرار ببطلان الدعوى وهل له مطالبة المقر؟ فيه وجهان (أحدهما) له مطالبته لانه أقر له بحق فملك مطالبته به كسائر حقوق (والثاني) ليس له مطالبته لان دعواه على الاول انفراده بالقتل ابراء لغيره فلا يملك مطالبة من أبرأه والمنصوص عن أحمد أنه يسقط القود عنهما وله مطالبة الثاني بالدية فانه قال في رجل شهد عليه شاهدان بالقتل فأخذ ليقاد منه فقام رجل فقال ما قتله هذا أنا قتلته فالقود يسقط عنهما والدية على الثاني، ووجه ذلك ما روي أن رجلا

[ 23 ]

ذبح رجلا في خربة وتركه وهرب وكان قصاب يذبح شاة وأراد ذبح أخرى فهربت منه إلى الخربة فتبعها حتى وقف على القتيل والسكين بيده عليها الدم فأخذ على تلك الحال وجئ به إلى عمر فأمر بقتله، فقال القاتل في نفسه يا ويله قتلت نفسا ويقتل بسبي آخر فقام فقال أنا قتلته لم يقتله هذا فقال عمر: ان كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا، ودرأ عنه القصاص، ولان الدعوى على الاول شبهة في درء القصاص عن الثاني وتجب الدية عليه لا قراره بالقتل الموجب لها، وهذا القول أصح وأعدل مع شهادة الاثر بصحته (الرابع) أن يكون في المدعين رجال عقلاء ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمدا كان القتل أو خطأ أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون سواء كانوا من الاولياء أو مدعى عليهم لان الايمان حجة على الحالف والصبي لا يثبت بقوله حجة، ولو أقر على نفسه لم يقبل فلان لا يقبل قوله في حق غيره أولى، والمجنون في معناه لانه غير مكلف فلا حكم لقوله وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والاوزاعي، وقال مالك لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد. قال ابن القاسم: ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا كما انه لا يقتل الا بشاهدين، وقال الشافعي يقسم كل وارث بالغ لانها يمين في دعوى فتشرع في حق النساء كسائر الايمان

[ 24 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون رجلا منكم ويستحقون دم صاحبكم) ولانها حجة يثبت بها قتل العمد فلم تسمع من النساء كالشهادة، ولان الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل ولا مدخل للنساء في اثباته وانما يثبت المال ضمنا، فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فان ذلك لا يثبت بشاهد ويمين ولا بشهادة رجل وامرأتين وان كان مقصودها المال، فأما ان كانت المرأة مدعى عليها القتل فان قلنا انه يقسم من العصبة رجال لم تقسم المرأة أيضا لان ذلك مختص بالرجال، وان قلنا يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف لانها لا تثبت بقولها حقا ولا قتلا وانما هي كتبرئتها منه فتشرع في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث، فعلى هذا إذا كان في الاولياء نساء ورجال اقسم الرجال وسقط حكم النساء، وإن كان منهم صبيان ورجال بالغون أو كان منهم حاضرون وغائبون فان القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب ويبلغ الصبي لان الحق لا يثبت الا بالبينة الكاملة، والبينة ايمان الاولياء كلهم والايمان لا تدخلها النيابة ولان الحق ان كان قصاصا فلا يمكن تبعيضه فلا فائدة في قسامة الحاضر والبالغ، وإن كان غيره فلا يثبت إلا بواسطة ثبوت القتل وهو لا يتبعض أيضا، وقال القاضي ان كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير ولا الحاضر حتى يقدم الغائب لان حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئا في الحال، وإن كان موجبا للمال كالخطأ وشبه العمد فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق قسطه من الدية وهذا قول

[ 25 ]

أبي بكر ومذهب الشافعي، واختلفوا في كم يقسم الحاضر؟ فقال ابن حامد يقسم بقسطه من الايمان وان كان الاولياء اثنين أقسم الحاضر خمسة وعشرين يمينا، وان كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يمينا، وان كانوا أربعة أقسم ثلاث عشرة يمينا وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه واستوفى حقه لانه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه فكذلك إذا غاب بعضهم كما في سائر الحقوق ولانه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية فلا يلزمه أكثر من قسطه من الايمان وقال أبو بكر يحلف الاول خمسين يمينا وهو قول الشافعي لان الحكم لا يثبت الا بالبينة الكاملة والبينة هي الايمان كلها، وكذلك لو ادعى أحدهما دينا لابيهما لم يستحق نصيبه منه الا بالبينة المثبتة لجميعه ولان الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، ولو ادعى مالا له فيه شركة له به شاهد يحلف يمينا كاملة فإذا قدم الثاني أقسم خمسا وعشرين يمينا وجها واحدا عند أبي بكر لانه يبني على أيمان أخيه المتقدمة وقال الشافعي فيه قول آخر يحلف خمسين يمينا أيضا لان أخاه انما استحق بخمسين فكذلك هو، وحكي ذلك عن أبي بكر والقاضي أيضا فإذا قدم ثالث وبلغ فعلى قول ابي بكر يحلف سبع عشرة يمينا لانه يبني على ايمان اخويه وكذلك على احد قولي الشافعي وعلى الثاني يقسم خمسين يمينا وان قدم رابع فهل يحلف ثلاثة عشر يمينا أو خمسين؟ فيه قولان

[ 26 ]

(فصل) والخنثى المشكل يحتمل أن يقسم لان سبب القسامة وجد في حقه وهو الاستحقاق من الدية ولم يتحقق المانع من يمينه ويحتمل أن لا يقسم لانه لا يحمل من العقل فلا يثبت القتل بيمينه كالمرأة (مسألة) (وذكر الخرقي من شروط القسامة أن تكون الدعوى عمدا يوجب القصاص إذا ثبت القتل وأن تكون الدعوى على واحد) لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد وبهذا قال الزهري ومالك وبعض اصحاب الشافعي وقال بعضهم يستحق بها قتل الجماعة لانها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة وقول ابي ثور نحو هذا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع اليكم برمته) فخص بها الواحد ولانها بينة ضعيفة خولف بها الاصول في قتل الواحد فيقتصر عليه ويبقى على الاصل فيما عداه وبيان مخالفة الاصل بها انها تثبت باللوث واللوث شبهة مغلبة على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها؟ ولان الايمان ثبتت ابتداء في سائر الدعاوى في جانب المدعى عليه وهذه بخلافه وبيان ضعفها انها تثبت بقول المدعي ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في اثبات حق لغيره فلان يمنع من قبول قوله وحده في اثبات حق له أولى وأحرى وفارق البينة فانها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين في كونهم لا يثبتون لانفسهم حقا ولا نفعا

[ 27 ]

فلا يدفعون عنها ضررا ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه ولهذا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات. إذا ثبت هذا فلا قسامة فيما لا قود فيه في قول الخرقي فيطرد قوله في أن القسامة لا تسوغ إلا في حق واحد، وعند غيره من أصحابنا أن القسامة تجري فيما لاقود فيه فيجوز أن يقسموا على جماعة وهذا قول مالك والشافعي فعلى هذا إذا ادعى على رجلين على أحدهما لوث دون الآخر حلف على من عليه اللوث خمسين يمينا واستحق الدية عليه وحلف على الآخر يمينا واحدة وبرئ، وإن نكل عن اليمين فعليه نصف الدية وإن ادعى على ثلاثة عليهم لوث ولم يحضر إلا أحدهم حلف على الحاضر منهم خمسين يمينا واستحق ثلث الدية فإذا حضر الثاني ففيه وجهان (أحدهما) يحلف عليه خمسين يمينا أيضا ويستحق ثلث الدية لان الحق لا يثبت على أحد الرجلين إلا بما يثبت على صاحبه كالبينة فانه يحتاج إلى إقامة البينة الكاملة على الثاني كاقامتها على الاول (والثاني) يحلف عليه خمسا وعشرين يمينا لانهما لو حضرا معا لحلف عليهما خمسينا حصة كل واحد منهما خمس وعشرون وهذا الوجه ضعيف فان اليمين لا تقسم عليهم إذا حضروا ولو حلف على كل واحد منفردا حصته من الايمان لم يصح ولم يثبت له حق وانما الايمان عليهم جميعهم وتتناولهم

[ 28 ]

تناولا واحدا ولانها لو قسمت عليهم بالحصص لوجب أن لا يقسم على الاول أكثر من سبع عشرة يمينا وإن قيل انما حلف بقدر حصته وحصة الثالث فينبغي أن يحلف أربعا وثلاثين يمينا، وإذا قدم الثالث ففيه وجهان (أصحهما) يحلف عليه خمسين يمينا ويستحق ثلث الدية (والآخر) يحلف سبع عشرة يمينا وإن حضروا جميعا حلف عليهم خمسين يمينا واستحق الدية عليهم أثلاثا وهذا التفريع يدل على اشتراط حضور المدعى عليه وقت الايمان وذلك أنها أقيمت مقام البينة فاشترط حضور من أقيمت عليه كالبينة وكذلك إن ردت الايمان على المدعى عليهم اشترط حضور المدعين وقت حلف المدعى عليهم لان الايمان له عليهم فيعتبر رضاه بها وحضوره إلا أن يوكل وكيلا فيقوم مقام الموكل (فصل) ويبدأ في القسامة بايمان المدعين فيحلفون خمسين يمينا، الكلام في هذا الفصل في أمرين (أحدهما) أن الايمان تشرع في حق المدعين أولا فيحلفون خمسين يمينا على المدعى عليه أنه قتلهم ويثبت حقهم فان لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ وهذا قول يحيى بن

[ 29 ]

سعيد وربيعة وأبي الزناد والليث ومالك والشافعي وقال الحسن يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا ويبرءون فان أبوا أن يحلفوا استحلف خمسين من المدعين أن حقنا قبلكم ثم يعطون الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم، وفي لفظ (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) رواه الشافعي في مسنده وروى ابو داود باسناده عن سليمان بن يسار عن رجال من الانصار ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهود وبدأ بهم (يحلف منكم خمسون رجلا) فأبوا فقال للانصار (استحقوا) قالوا نحلف على الغيب يارسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود ابتداء ولانه وجد بين أظهرهم ولانها يمين في دعوى فوجبت في جانب المدعى عليه ابتداء كسائر الدعاوى، وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ويغرمون الدية لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك ولم نعرف له في الصحابة مخالفا فكان اجماعا وتكلموا في حديث سهل بما روى ابو داود عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قنطى أحد بني حارثه قال ابن ابراهيم ويم الله ماكان سهل بأعلم منه ولكنه كان أسن منه قال والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (احلفوا على ما لا علم لكم به) ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الانصار انه وجد

[ 30 ]

بين أبنائكم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده ولنا حديث سهل وهو صحيح متفق عليه، ورواه مالك في موطئه وعمل به وما عارضه من الحديث لا يصح لوجوه (أحدها) انه نفي فلا يرد به قول المثبت (والثاني) أن سهلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد القصة وعرفها حتى انه قال: ركضتني ناقة من الابل والآخر يقول برأيه وظنه من غير ان يرويه عن أحد ولا حضر القصة (والثالث) ان حديثنا مخرج في الصحيحين وحديثهم بخلافه (الرابع) انهم لا يعلمون بحديثهم ولا حديثنا فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه

[ 31 ]

فيه؟ وحديث سليمان بن يسار عن رجال من الانصار لم يذكر لهم صحبة فهو أدنى حالا من حديث محمد ابن ابرايهم وقد خالف الحديثين جميعا فكيف يجوز أن يعتمد عليه وحديث اليمين على المدعى عليه لم يرد به هذه القضية لانه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم وههنا قد أعطوا بدعواهم على أن حديثنا أخص منه فيجب تقديمه وهو حجة عليهم لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم وقد رواه ابن عبد البر باسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة) وهذه الزيادة يتعين العمل بها لان الزيادة

[ 32 ]

من الثقة مقبولة ولانها أيمان مكررة فيبدأ فيها بأيمان المدعين كاللعان. إذا ثبت هذا فان أيمان القسامة خمسون على ما جاءت به الاحاديث الصحيحة. وأجمع عليه أهل العلم لا نعلم أحدا خالف فيه (الامر الثاني) أن الايمان تختص بالوارث دون غيرهم هذا ظاهر المذهب وظاهر قول الخرقي واختيار ابن حامد وهو قول الشافعي لانها يمين في دعوى حق فلا تشرع في حق غير المتداعيين كسائر الايمان فعلى هذه الرواية يقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر ارثهم ان كانوا جماعة وان كان واحدا حلفها فان انقسمت من غير كسر مثل أن يخلف المقتول

[ 33 ]

ابنين أو أخا وزوجا حلف كل واحد منهم خمسا وعشرين يمينا، وإن كان فيها كسر جبر عليهم مثل زوج وابن يحلف الزوج ثلاثة عشر يمينا والابن ثمانية وثلاثين يمينا لان تكميل الخمسين واجب ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم لها عن بعض فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم فان كانوا ثلاثة بنين أو جدا وأخوين جبر الكسر فحلف كل واحد سبع عشرة يمينا، وإن خلف أخا من أب وأخا من أم فعلى الاخ من الام سدس الايمان ثم يجبر الكسر فيكون عليه تسع أيمان وعلى الاخ من الاب اثنان وأربعون وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر يحلف كل

[ 34 ]

واحد من المدعين خمسين يمينا سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه لان ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى وعن مالك انه قال ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط عن الآخر ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للانصاريين (تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم) وأكثر ماروي عنه في الايمان خمسون ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين وهذا خلاف النص، ولانها حجة للمدعين فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة ويفارق اليمين

[ 35 ]

على المدعى عليه فانها ليست حجة للمدعي ولانها لم يمكن قسمتها فكملت في حق كل واحد كاليمين المنكسرة في القسامة فانها تجبر وتكمل في حق كل واحد لكونها لاتتبعض ومالا يتبعض يكمل كالطلاق والعتق، وما ذكره مالك لا يصح لانه اسقاط لليمين عمن عليه بعضها فلم يجز كما لو تساوى الكسران بأن يكون على كل واحد نصفها أو ثلثها إن كانوا ثلاثة وبالقياس على من عليه أكثرها، ولان اليمين في سائر الدعاوى تكمل في حق كل واحد ويستوي من له في المدعى قليل وكثير كذا ههنا ولانه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه عمن وجبت عليه فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الاكبر

[ 36 ]

(فصل) فان كان فيهم من لاقسامة عليه بحال وهو النساء سقط حكمه فإذا كان ابن وبنت حلف الابن الخمسين كلها وان كان اخ وأخت لام وأخ وأخت لاب قسمت الايمان بين الاخوين على احد عشر: على الاخ من الام ثلاثة وعلى الآخر ثمانية ثم يجبر الكسر عليهما فيحلف الاخ من الاب سبعا وثلاثين يمينا والاخ من الام أربع عشرة يمينا (فصل) فان مات المستحق انتقل إلى وارثه ما عليه من الايمان وكانت الايمان بينهم على حسب مواريثهم ويجبر الكسر فيها عليهم كما يجبر في حق ورثه القتيل. فان مات بعضهم قسم نصيبه من الايمان بين ورثته فلو كان للقتيل ثلاثة بنين كان على كل واحد سبع عشرة يمينا، فان مات بعضهم قبل

[ 37 ]

أن يقسم وخلف ثلاثة بنين قسمت أيمانه بينهم فكان على كل واحد منهم ستة أيمان، وان خلف اثنين حلف كل واحد تسعة أيمان. وانما قلنا هذا لان الوارث يقوم مقام الموروث في إثبات حججه كما يقوم مقامه في استحقاق ماله وهذا من حججه ولذلك يملك إقامة البينة والحلف في الانكار ومع الشاهد الواحد في دعوى المال، فان كان موته بعد شروعه في الايمان فحلف بعضها فان ورثته يستأنفون الايمان ولا يبنون على ايمانه لان الخمسين جرت مجرى اليمين الواحدة ولانه لا يجوز أن يستحق أحد شيئا بيمين غيره ولا يبطل هذا بما إذا حلف جميع الايمان ثم مات لانه لا يستحق المال إرثا عنه، لابيمينه ولا بما إذا حلف الوارثان كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا فان الدية تستحق

[ 38 ]

. بيمينهما لانهما يشتركان في الايمان ويستحق كل واحد بقدر أيمانه ولا يستحق بأيمان غيره وان كان اجتماع العدد شرطا في استحقاقها (فصل) ولو حلف بعض الايمان ثم جن ثم أفاق فانه يتمم ولا يلزمه الاستئناف لان ايمانه وقعت موقعها بخلاف الموت فان الموت يتعذر معه اتمام الايمان منه وغيره لايبني على يمينه وههنا يمكنه أن يتمها إذا أفاق ولا يبطل بالتفريق بدليل ان الحاكم إذا أحلفه بعض الايمان ثم تشاغل عنه لم يبطل ويتمها وما لا يبطله التفريق لا يبطله تخلل الجنون كالسعي بين الصفا والمروة. وان حلف بعض الايمان

[ 39 ]

ثم عزل الحاكم وولي غيره أتمها عند الثاني ولم يلزمه استئنافها لان الايمان وقعت موقعها، وكذلك لو حلف بعضها ثم سأل احاكم إنظاره فأنظره بنى على ما مضى ولم يلزمه الاستئناف لما ذكرنا (فصل) وإذا حلف الاولياء استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمدا الا أن يمنع منه مانع، روي ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر، وعن معاوية وابن عباس والحسن وإسحاق لا يجب بها لا الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود (إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله) ولان ايمان المدعين انما هي لغلبة الظن وحكم الظاهر فلا يجوز اشاطة الدم بها لقيام الشبهة المتمكنة ولانها حجة لا يثبت بها النكاح فلا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين وللشافعي قولان كالمذهبين

[ 40 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته وفي رواية مسلم ويسلم اليكم وفي لفظ وتستحقون دم صاحبكم) وأراد دم القاتل لان دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين، ولرمة الحبل الذي يربط به من عليه القود، ولانها حجة يثبت بها العمد فيجب بها القود كالبينة، وقد روى الاثرم باسناده عن عامر الاحول أن النبي صلى الله عليه وسلم اقاد بالقسامة بالطائف وهذا نص، ولان الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه احتياطا للدم فان لم يجب القود سقط هذا المعنى (مسألة) (وعن احمد يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلا كل واحد يمينا) اختلفت الرواية عن احمد فيمن تجب عليه ايمان القسامة فروي انها تختص بالذكور من الوارث وهو ظاهر المذهب وقد ذكرناه وروي عنه رواية ثانية انه يحلف من العصبة وغير الوارث خمسون

[ 41 ]

رجلا كل واحد يمينا واحدة وهذا قول لمالك فعلى هذا يحلف الوراث منهم الذين يستحقون دمه فان لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة يؤخذ الاقرب منهم فالاقرب من قبيلته التي ينتسب إليها ويعرف كيفية نسبه من المقتول، فأما من عرف انه من القبيلة ولم يعرف وجه النسب لم يقسم مثل أن يكون الرجل قرشيا والمقتول قرشي ولا يعرف كيفية نسبه منه فلا يقسم لاننا نعلم ان الناس كلهم من آدم ونوح وكلهم يرجعون إلى اب واحد، ولو قتل من لا يعرف نسبه لم يقسم عنه سائر الناس فان لم يوجد من نسبه خمسون رددت الايمان عليهم وقسمت عليهم فان انكسرت بينهم عليهم جبر كسرها

[ 42 ]

عليهم حتى تبلغ خمسين لقول النبي صلى الله عليه وسلم للانصار (يحلف خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم) وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم انه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلا وارثا فانه لا يرثه الا اخوة أو من هو في درجته) أو أقرب منه نسبا ولانه خاطب بهذا ابني عمه وهما غير وارثين (فصل) ويستحب أن يستظهر في ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدا فيقول: والله الذي لا إله الا هو عالم خائنة الاعين وما تخفي الصدور فان اقتصر على لفظة والله كفى ويقول والله أو بالله أو تالله بالجر كما تقتضيه العربية فان قاله مضموما أو منصوبا فقد لحن، قال القاضي ويجزئه تعمده أو لم يتعمده لانه لحن لا يحيل المعنى وهو قول الشافعي وما زاد على هذا تأكيد ويقول لقد قتل فلان بن فلان الفلاني ويشير إليه فلانا ابني أو اخي منفردا بقتله ما شركه غيره وان كنا اثنين قال منفردين بقتله ما شركهما غيرهما، ثم يقول عمدا أو خطأ وبأي اسم من أسماء الله سبحانه أو صفة من صفات ذاته

[ 43 ]

حلف أجزأ إذا كان اطلاقه ينصرف إلى الله تعالى، ويقول المدعى عليه في اليمين والله ما قتلته ولا شاركت في قتله ولافعلت سببا مات منه ولا كان سببا في موته ولا معينا على موته (مسألة) (فان لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ) هذا ظاهر المذهب وهو الذي ذكره الخرقي وبه قال يحيى الانصاري وربيعة وأبو الزناد والليث والشافعي وأبو ثور وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن احمد انهم يحلفون ويغرمون الدية لقضية عمر وخبر سليمان بن يسار وهو قول أصحاب الرأي ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم) اي يبرءون منكم وفي لفظ قال (فيحلفون خمسين يمينا ويبرءون من دمه) وقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود وانه اداها من عنده ولانها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه فيبرأ بها كسائر الايمان ولان ذلك إعطاء بمجرد

[ 44 ]

الدعوى فلم يجز للخبر ومخالفة مقتضى الدليل فان قول الانسان لا يقبل على غيره بمجرده كدعوى المال وسائر الحقوق ولان في ذلك جمعا ين اليمين والغرم فلم يشرع كغيره من الحقوق (فصل) وإذا ردت الايمان على المدعى عليهم وكان عمدا لم يجز على أكثر من واحد فيحلف خمسين يمينا وإن كانت على غير عمد كالخطأ وشبه العمد فلا قسامة في ظاهر كلام الخرقي لان القسامة من شرطها اللوث والعداوة وهي إنما تؤثر في تعمد القتل لا في خطئه فان احتمال الخطأ في العدو وغيره سواء وقال غيره ومن أصحابنا فيه قسامة وهو قول الشافعي لان اللوث يختص العداوة عندهم فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة فإذا ادعى على جماعة حلف كل واحد منهم خمسين يمينا وقال بعض أصحابنا تقسم الايمان بينهم بالحصص كقسمها بين المدعين إلا انها ههنا تقسم بالسوية لان المدعى

[ 45 ]

عليهم متساوون فيها فه كبني الميت وللشافعي قولان كالوجهين والحجة لهذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم (تبرئكم يهود بخمسين يمينا) وفي لفظ قال (فيحلفون لكم خمسين يمينا ويبرءون من دمه) ولانهم أحد المتداعبين في القسامة فنقسط الايمان على عددهم كالمدعين، وقال مالك يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا فان لم يبلغوا خمسين رجلا رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يمينا فان لم يجد أحدا يحلف إلا الذي ادعى عليه حلف وحده خمسين يمينا ولنا أن هذه أيمان يبرئ بها كل واحد نفسه من التقل فكان على كل واحد خمسون كما لو ادعى على كل واحد وحده قتيل ولانه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حالة الانفراد ولان كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه بخلاف المدعين فان أيمانهم على شئ واحد فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله ومقصوده

[ 46 ]

(مسألة) (فان لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الامام من بيت المال) يعني أدى ديته لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فأبى الانصار أن يحلفوا وقالوا كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده كراهية أن يطل دمه فان تعذر فداؤه من بيت المال لم يجب على المدعى عليهم شئ لان الذي توجه عليهم اليمين، وقد امتنع مستحقوها من استيفائها فلم يجب لهم شئ كدعوى المال (مسألة) (وإن طلبوا أيمانهم فنكلوا لم يحبسوا وهل تلزمهم الدية أو تكون في بيت المال؟ على روايتين) إذا امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا، وعن احمد رواية أخرى انهم يحبسون حتى يحلفوا وهو قول ابي حنيفة ولنا انها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الايمان. إذا ثبت هذا

[ 47 ]

فانه لا يجب القصاص بالنكول لانه حجة ضعيفة فلا يناط بها الدم كالشهاد واليمين قال القاضي ويديه الامام من بيت المال نص عليه احمد وروى عنه حرب بن اسماعيل أن الدية تجب عليهم وهذا و الصحيح وهو اختيار ابي بكر لانه حكم يثبت بالنكول فيثبت في حقهم ههنا كسائر الدعاوى ولان وجوبها في بيت المال يفضي إلى إهدار الدم وإسقاط حق المدعين مع إمكان جبره فلم يجز كما في سائر الدعاوى وههنا لو لم يجب على المدعى عليه مال بنكوله ولم يجبر على اليمين لخلا من وجوب شئ عليه بالكلية، وقال أصحاب الشافعي إذا نكل المدعى عليهم ردت الايمان على المدعين إن قلنا موجبها المال فان حلفوا استحقوا وإن نكلوا فلا شئ لهم، وإن قلنا موجبها القصاص فهل ترد على المدعين؟ فيه قولان وهذا القول لا يصح لان اليمين إنما شرعت في حق المدعى عليه إذا نكل عنها المدعي فلا ترد عليه كما لاترد على المدعى عليه إذا نكل المدعي عنها بعد ردها عليه في سائر الدعاوى ولانه يمين مردودة على أحد المتداعبين فلا ترد على من ردها كدعوى المال

[ 48 ]

(باب قتال أهل البغي) والاصل في هذا قول الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله - إلى قوله - انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم) ففيها خمس فوائد (أحدها) أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الايمان فانه سماهم مؤمنين (الثانية) انه أوجب قتالهم (الثالثة) أنه أسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله (الرابعة) أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله (الخامسة) ان الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقا عليه وروى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من أعطى اماما صفقة يده وثمرة قبله فليطعه ما استطاع فان جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر) رواه مسلم. وروى عرفجة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ستكون هنات وهنات (ورفع صوته) ألا من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان) فكل من ثبتت امامته وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقتاله لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم)

[ 49 ]

وروى عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الامر أهله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية)) رواه ابن عبد البر من حديث ابي هريرة وابي ذر وابن عباس كلها بمعنى واحد وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتال البغاة فان أبا بكر رضي الله انه قاتل ما نعي الزكاة، وعلي رضي الله عنه قاتل أهل الجمل وأهل صفين وأهل النهروان (مسألة) (وهم القوم الذين يخرجون على الامام بتأويل سائغ ولهم منعة وشوكة) الخارجون عن قبضة الامام أصناف أربعة (أحدها) قوم امتنعوا من طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل فهؤلاء قطاع الطريق ساعون في الارض بالفساد وقد ذكرنا حكمهم (الثاني) قوم لهم تأويل إلا أنهم نفر يسير لامنعة لهم كالعشيرة ونحوهم فهؤلاء حكمهم حكم الصنف الذي قبلهم في قول أكثر الاصحاب ومذهب الشافعي لان ابن ملجم لما جرح عليا قال للحسن إن برئت رأيت رأيي وإن مت فلا تمثلوا به فلم يثبت لفعله حكم البغاة، ولاننا لو أثبتنا للعدد اليسير

[ 50 ]

حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى إلى اتلاف أموال الناس، وقال ابو بكر لا فرق بين الكثير والقليل وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الامام (الثالث) الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عليا وعثمان وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم فظاهر قول الفقهاء المتأخرين من أصحابنا أنهم بغاة لهم حكمهم وهذا قول ابي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث وأما مالك فيرى استتابتهم فان تابوا وإلا قتلوا على افسادهم لاعلى كفرهم، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين تباح دماؤهم واموالهم فان تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار، وإن كانوا في قبضة الامام استتابهم كاستتابة المرتدين فان تابوا وإلا قتلوا وكانت أموالهم فيأ لا يرثهم ورثتهم المسلمون لما روى ابو سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق) وهو حديث صحيح ثابت الاسناد رواه البخاري ومالك في موطئه وفي لفظ قال (يخرج في آخر الزمان احداث الاسنان سفهاء الاحلام يقولون من خير قول الاية يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم

[ 51 ]

من الرمية فأينما لقيتهم فاقتلهم فان قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) رواه البخاري، وروي معناه من وجوه، يقول كما خرج هذا السهم نقيا خاليا من الدم والفرث لم يتعلق منهما شئ كذلك خروج هؤلاء من الدين يعني الخوارج وعن أبي امامة انه رأى رءوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال: كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) إلى آخر الآية فقيل له أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لو لم أسمعه الامرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه مالك عن سهل عن ابن عيينة عن أبي غالب أنه سمع أبا أمامة يقول شر قتلى تحت اديم السماء وخير قتلى من قتلوه، كلاب أهل النار كلاب أهل النار كلاب أهل النار كانوا مسلمين فصار واكفارا. قلت يا أبا امامة هذا شئ تقوله؟ قال بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن علي في قوله تعالى (قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا) قال هم أهل النهروان وعن أبي سعيد في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (هم شر الخلق والخليقة لئن أدركتهم لا قتلنهم قتل عاد) وقيل لا يجاوز ايمانهم حناجرهم، وأكثر الفقهاء على انهم بغاة ولا يرون تكفيرهم، قال ابن المنذر لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين، وقال ابن عبد البر في الحديث الذي رويناه قوله عليه السلام (يتمارى في الفوق) يدل على أنه لم يكفرهم لانهم علقوا من الاسلام بشئ بحيث يشك في

[ 52 ]

خروجهم: وروي أن عليا لما قاتل أهل النهر قال لاصحابه لا تبدوءهم بالقتال وبعث إليهم اقيدونا بعبد الله بن خباب قالوا كلنا قتله فحينئذ استحل قتالهم لا قرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم وذكر ابن عبد البر عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن أهل النهر اكفار هم؟ قال من الكفر فروا قيل فمنافقون؟ قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قال فماهم؟ قال هم قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا وبغوا علينا وقاتلونا فقاتلناهم، ولما جرحه ابن ملجم قال للحسن احسنوا اساره وان عشت فانا ولي دمي وان مت فضربة كضربتي وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم وكثير من العلماء، وقال شيخنا رحمه الله والصحيح ان شاء الله تعالى ان الخوارج يجوز قتلهم فان عليا رضي الله عنه قال لولا أن يتظروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ولان بدعتهم وسوء فعلهم يقتضي حل دمائهم بدليل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من عظم ذنبهم وانهم شر الخلق والخليقة وأنهم يمرقون من الدين وأنهم كلاب النار، وحثه على قتالهم واخباره بأنه لو ادركهم لقتلهم قتل عاد فلا يجوز الحاقهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم، وتورع كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم ولا بدعة فيهم

[ 53 ]

(الصنف الرابع) (قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الامام ويرومون خلعه لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش فهؤلاء البغاة الذين يذكر في الباب حكمهم) وجملة الامران من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت امامة ووجبت معونته لما ذكرنا من النص في أول الباب مع الاجماع على ذلك وفي معناه من ثبتت امامته بعهد من النبي صلى الله عليه وسلم أو بعهد امام قبله إليه، فان ابا بكر رضي الله عنه ثبتت امامته باجماع الصحابة على بيعته وعمر ثبتت امامته بعهد أبي بكر إليه واجماع الصحابة على قبوله، ولو خرج رجل على إمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتى اقروا له وأذعنوا بطاعته وبايعوه صار اماما يحرم قتاله والخروج عليه، فان عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها وصار إماما يحرم الخروج عليه، وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين إراقة دمائهم وذهاب اموالهم، ويدخل الخارج عليه في عموم قوله عليه الصلاة والسلام (من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان) فمن خرج على من ثبتت إمامته باحد هذه الوجوه باغيا وجب قتاله (مسألة) (وعلى الامام أن يراسلهم ويسألهم ما ينقمون منه ويزل ما يذكرونه من مظلمة ويكشف من شبهة فان فاؤا والا قاتلهم) وجملة ذلك أن الامام لا يجوز له قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب إلا

[ 54 ]

أن يخاف كلبهم فلا يمكن ذلك في حقهم، فأما إن أمكن تعريفهم عرفهم ذلك وأزال يذكرونه من المظالم وأزال حججهم فان لجوا قاتلهم حينئذ لان الله تعالى بدأ بالامر بالاصلاح قبل القتال فقال سبحانه (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) وروي أن عليا رضي الله عنه راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل ثم آمر أصحابه أن لا يبدء وهم بالقتال ثم قال: ان هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة ثم سمعهم يقولون الله أكبر يا ثارات عثمان فقال اللهم أكب قتلة عثمان لوجوهم. وروى عبد الله بن شداد بن الهادي أن عليا لما اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثه أيام فرجع منهم أربعه آلاف (فصل) فان ابوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال وانما كان ذلك لان المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما فيه من الضرر بالفريقين فان فاؤا والا قاتلهم لقوله سبحانه (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) (مسألة) (وعلى رعيته معونته على حربهم) للآية (مسألة) (فان استنظروه مدة رجا رجوعهم فيها أنظرهم ويكشف عن حالهم ويبحث عن أمرهم فان بان له أن قصدهم الرجوع إلى الطاعة ومعرفة الحق أمهلهم، قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (مسألة) (فان ظن أنها مكيدة لم ينظرهم وقاتلهم) إذا ظهر له أن اتسنظارهم مكيدة ليجتمعوا على قتاله وان لهم مددا ينتظرونه ليتقووا به أو خديعة

[ 55 ]

الامام ليأخذوه على غرة ويفترق عسكره عاجلهم بالقتال لانه لا يأمن أن يصير هذا طريقا إلى قهر أهل الحق والعدل، وهذا لا يجوز، وان أعطوه عليه مالا لانه لا يجوز أن يأخذ المال على اقرارهم على مالا يحل اقرارهم عليه، وان بذلوا له رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها لذلك ولان الرهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم عليه فلا يفيد شيئا، وان كان في أيديهم أسارى من أهل العدل وأعطوا بذلك رهائن منهم قتلهم الامام واستظهر للمسلمين فان اطلقوا أسرى المسلمين الذين عندهم أطلقت رهائنهم وان قتلوا من عندهم لم يجز قتل رهائنهم لانهم لا يقتلون بقتل غيرهم وإذا انقضت الحرب خلى الرهائن كما يخلى الاسارى منهم، وان خاف الامام على الفئة العادلة الضعف عنهم أخر قتالهم إلى أن تمكنه القوة عليهم لانه لا يأمن الاصطلام والاستئصال فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل ثم يقاتلهم وان سألوه أن ينظرهم أبداو يدعهم وماهم عليه ويكفوا عن المسلمين نظرت فان لم تعلم قوته عليهم وخاف قهرهم له ان قاتلهم تركهم وان قوى عليهم لم يجز اقرارهم على ذلك لانه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الامام لا يأمن قوة شوكتهم بحيث يفضي إلى قهر الامام العادل ومن معه، ثم ان أمكن دفعهم بدون القتل لم يجز قتلهم لان المقصود دفعهم ولان الدفع إذا حصل بغير القتل لم يجز القتل من غير حاجة وإن حضر معهم من لا يقاتل لم يجز قتله، وقال أصحاب الشافعي فيه وجه آخر يجوز

[ 56 ]

لان عليا رضي الله عنه نهى أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد وقال: اياكم وصاحب البرنس فقتله رجل وأنشا يقول: وأشعث قوام بآيات ربه * كثير التقى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم على غير ذنب غير أن ليس تابعا * عليا ومن لايتبع الحق يظلم يناشدني حم والرمح شاجر * فهلا تلاحم قبل التقدم وكان السجاد حامل راية أبيه ولم يكن يقاتل فلم ينكر علي قتله ولانه صار ردءا لهم ولنا قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) والاخبار الواردة في تحريم قتل المسلم والاجماع على تحريمه وانما خص من ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغي والصائل ففيما عداه يبقى على العموم والاجماع، ولهذا حرم قتل مدبرهم وأسرهم والاجهاز على جريحهم مع انهم انما تركوا القتال عجزا عنه ومتى ما قدر عليه عادو إليه، فمن لا يقاتل تورعا عنه مع قدرته عليه ولا يخالف منه القتال بعد ذلك أولى، ولانه مسلم لم يحتج إلى دفعه ولا صدر منه أحد الثلاثة فلم يحل دمه لقوله عليه الصلاة والسلام (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث) فأما حديث علي في نهيه عن قتل السجاد فهو حجة عليهم فان نهي علي أولى من فعل من خالفه ولم يمتثل قول الله تعالى ولا قول رسوله ولا قول امامه وقولهم فلم ينكر قتله قلنا لم ينقل الينا أن عليا علم حقيقة الحال في قتله ولا حضر قتله فينكره، وقد جاء أن عليا رضي الله عنه حين طاف في القتلى رآه فقال السجاد ورب الكعبة هذا الذي قتله بره بابيه وهذا يدل على انه لم يشعر بقتله ورأى كعب بن سور فقال: يزعمون انما خرج الينا الرعاع وهذا

[ 57 ]

الحبر بين أظهرهم ويجوز ان يكون تركه الانكار عليهم اجتزاء بالنهي المتقدم ولان القصد من قتالهم كفهم وهذا كاف لنفسه فلم يجز قتله كالمنهزم (فصل) وإذا قاتل معهم عبيد ونساء وصبيان فهم كالرجل الحر البالغ يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين لان قتالهم للدفع، ولو أراد أحد هؤلاء قتل انسان جاز دفعه وقتاله وان أتى على نفسه ولذلك قلنا في أهل الحرب إذا كان معهم النساء والصبيان قوتلوا وقتلوا (مسألة) (ولا يقاتلهم بما يعم اتلافه كالمنجنيق والنار إلا لضرورة) لانه لا يجوز قتل من لا يقاتل وما يعم اتلافه يقع على من لا يقاتل فان دعت إلى ذلك ضرورة مثل أن يحتاط بهم البغاة ولا يمكنهم المتخلص الابرميهم بما يعم اتلافه جاز وهذا قول الشافعي وقال ابو حنيفة إذا تحصن الخوارج واحتاج الامام إلى رميهم بالمجنيق فعل ذلك ما كان لهم عسكر وما لم ينهزموا وان رماهم البغاة بالمنجنيق والنار جاز رميهم بمثله (فصل) قال ابو بكر إذا اقتتلت طائفتان من أهل البغي فقدر الامام على قهرهما لم يعن واحدة منهما لانهما جميعا على الخطأ وإن عجز عن ذلك وخاف اجتماعهما على حربه ضم إليه أقربهما إلى الحق فان استويا اجتهد برأيه في ضم احداهما ولا يقصد بذلك معونة احداها بل الاستعانة على الآخر فإذا هزمها لم يقاتل من معه حتى يدعوهم إلى الطاعة لانهم قد حصلوا في أمانه وهذا مذهب الشافعي (مسألة) (ولا يستعين في حربهم بكافر ولا بمن يرى قتلهم مدبرين) وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا بأس ان يستعين عليهم بأهل الذمة والمستأمنين وصنف آخر منهم إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به

[ 58 ]

ولنا ان القصد كفهم وردهم إلى الطاعة لاقتلهم وهؤلاء يقصدون قتلهم فان دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم فان كان يقدر على كفهم عن فعل مالا يجوز استعان بهم وان لم يقدر لم يجز (مسألة) (وهل يجوز ان يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم؟ على وجهين) (احدهما) لا يجوز لانه لا يحل أخذ مالهم لكونه معصوما بالاسلام وانما أبيح قتالهم لردهم إلى الطاعة يبقى المال على العصمة كمال قاطع الطريق الا ان تدعو ضرورة فيجوز كما يجوز أكل مال الغير في المخمصة (والوجه الثاني) يجوز قياسا على اسلحة الكفار (مسألة) (وذكر القاضي ان احمد اومأ إلى جواز الانتفاع به حال الحرب) وهذا احد الوجهين الذين ذكرناهما ولايجوز في غير قتالهم وهو قول أبي حنيفة لان هذه الحال لا يجوز فيها اتلاف نفوسهم وحبس سلاحهم وكراعهم فجاز الانتفاع به كسلاح اهل الحرب، وقال الشافعي لا يجوز ذلك الامن ضرورة إليه لانه مال مسلم فلم يجز الانتفاع به بغير اذنه كغيره من اموالهم ومتى انقضت الحرب وجب رده إليهم كما ترد سائر اموالهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه) والله اعلم [ مسألة ] (ولا يتبع لهم مدبر ولا يجاز على جريح) وجملة ذلك ان أهل البغي إذا تركوا القتال إما بالرجوع إلى الطاعة وإما بالقاء السلاح أو بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير فئة وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فانه يحرم قتالهم واتباع مدبرهم وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا وان كانت لهم فئة يلجأون إليها جاز قتل مدبرهم وأسرهم والاجازة على جريحهم، فأما إذا لم تكن لهم فئة لا يقتلون ولكن يضربون ضربا وجيعا

[ 59 ]

ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه ويحدثوا توبة، ذكر هذا في الخوارج ويروى عن ابن عباس نحو هذا واختاره بعض أصحاب الشافعي لانه متى لم يقتلهم اجتمعوا وعادوا إلى المحاربة ولنا ماروي عن علي رضي الله عنه انه قال يوم الجمل (لا يذفف على جريح ولا يهتك ستر ولا يفتح باب ومن أغلق بابا - أو بابه - فهو آمن ولا يتبع مدبر) وروي نحو ذلك عن عمار وعن علي انه ودى قوما من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين. وعن أبي امامة قال شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وروى القاضي في شرحه عن عبد الله بن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (يا ابن أم عبد ماحكم من بغى على أمتي؟) فقلت الله ورسوله أعلم فقال (لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم) لان المقصود دفعهم وكفهم وقد حصل فلم يجز قتلهم كالصائل ولا يقتلون لما يخاف في ثاني الحال كما لو لم تكن لهم فئة، فعلى هذا إذا قتل انسانا منع من قتله ضمنه لانه قتل معصوما لم يؤمر بقتله ويجب عليه القصاص في أحد الوجهين لانه قتل مكافئا معصوما (والثاني) لا يجب لان في قتلهم اختلافا بين الائمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص لانه مما يندرئ بالشبهات، وأما أسيرهم فان دخل في الطاعة خلي سبيله (مسألة) (ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية) ولا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافا لما ذكرنا من حديث أبي امامة وابن مسعود ولانهم معصومون وانما ابيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم وما عداه يبقى على أصل التحريم وقد روي ان عليا يوم الجمل قال من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه وكان بعض أصحاب

[ 60 ]

علي قد اخذ قدرا وهو يطبخ فيها فجاء صاحبها ليأخذها فسأله الذي يطبخ فيها إمهاله حتى ينضج الطبيخ فأبى وكبه وأخذها وهذا من جملة مانقم الخوارج من علي فانهم قالوا انه قاتل ولم يسب ولم يغنم فان حلت له دماؤهم فقد حلت له أموالهم وان حرمت عليه أموالهم فقد حرمت عليه دماؤهم فقال لهم ابن عباس أفتسبون أمكم عائشة رضي الله عنها أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فان قلتم ليست أمكم كفرتم وان قلتم انها أمكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم يعني بقوله انكم ان جحدتم انها أمكم فقد قال الله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) فان لم تكن أما لكم لم تكونوا من المؤمنين، ولان قتال البغاة انما هو كدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم الا ما حصل ضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق ويبقى حكم المال والذرية على أصل العصمة وما أخذ من سلاحهم وكراعهم لم يرد إليهم حال الحرب لئلا يقاتلونا به (مسألة) (ومن أسر من رجالهم حبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل) وجملة ذلك ان حكم من أسر منهم انه يخلى سبيله ان دخل في الطاعة وان أبى ذلك وكان رجلا جلدا من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة فإذا انقضت الحرب خلي سبيله وشرط عليه أن لا يعود إلى القتال (مسألة) (وان أسر صبي أو امرأة فهل يفعل به ذلك أو يخلى سبيله في الحال؟ يحتمل وجهين) (أحدهما) يخلى سبيلهم في الحال (والثاني) يحبسون لان فيه كسر قلوب البغاة والاول أصح (فصل) فان أسر كل واحد من الفريقين أسارى من الفريق الآخر جاز فداء أسارى اهل العدل بأسارى البغاة فان قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لاهل العدل قتل أساراهم لانهم لا يقتلون بجناية غيرهم ولا يزرون وزر غيرهم فان أبى اهل البغي مفاداة الاسرى الذين معهم وحبسوهم

[ 61 ]

احتمل ان لا يجوز لاهل العدل حبس من معهم ليتوصلوا إلى تخليص أساراهم بحبس الاسارى الذين معهم واحتمل أن لا يجوز حبسهم ويطلقون لان الذنب في حبس أسارى اهل العدل لغيرهم مسألة (وإذا انقضى الحرب فمن وجد ماله في يد انسان أخذه) لما ذكرنا من قول علي: من عرف شيئا أخذه ولانه مال معصوم بالاسلام فأشبه مال غير البغاة مسألة (ولا يضمن أهل العدل ما أتلفوه عليهم حال الحرب من نفس أو مال وهل يضمن البغاة ما أتلفوه على اهل العدل في الحرب؟ على روايتين) وجملة ذلك انه إذا لم يمكن دفع اهل البغي إلا بقتلهم جاز ولا شئ على من قتلهم من اثم ولا ضمان ولا كفارة لانه فعل ما أمر به وقتل من احل الله قتله وكذلك ما أتلفه اهل العدل على اهل البغي حال الحرب من المال لا ضمان فيه لانهم إذا لم يضمنوا الانفس فالاموال اولى (فصل) وان قتل العادل كان شهيدا لانه قتل في قتال أمره الله تعالى به بقوله سبحانه (فقاتلوا التي تبغي) وهل يغسل ويصلى عليه؟ فيه روايتان [ إحداهما ] لا يغسل ولا يصلى عليه لانه شهيد معركة أمر بالقتال فيها فأشبه شهيد معركة الكفار [ والاخرى ] يغسل ويصلى عليه وهو قول الاوزاعي وابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالصلاة على من قال لا اله الا الله واستثنى قتيل الكفار في المركة ففيما عداه يبقى على الاصل ولان شهيد معركة الكفار اجره اعظم وفضله اكثر وقد جاء انه يشفع في سبعين من اهل بيته وهذا لا يلحق به في فضله فلا يثبت فيه مثل حكمه لان الشئ انما يقاس على مثله (فصل) وليس على أهل البغي ايضا ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال وبه قال ابو حنيفة والشافعي في احد قوليه وعن احمد رواية ثانية أنهم يضمنون وهو القول الثاني للشافعي

[ 62 ]

لقول ابي بكر رضي الله عنه لاهل الردة: تدون قتلانا ولاندي قتلاكم ولانها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح فوجب ضمانه كالذي تلف في غير حال الحرب ولنا ماروى الزهري انه قال كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على ان لايقام حد على رجل ارتكب فرجا حراما بتأويل القرآن ولا يلزم مالا اتلفه بتأويل القرآن. ولانها طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلم تضمن ما أتلفت على الاخرى كأهل العدل ولان تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يشرع كتضمين اهل الحرب. فأما قول ابي بكر رضي الله عنه فقد رجع عنه ولم يمضه فان عمر قال له اما ان يدوا قتلانا فلا فان قتلانا قتلوا في سبيل الله على ما امر الله فوافقه أبو بكر ورجع إلى قوله فصار إجماعا حجة ولم ينقل انه غرم أحدا شيئا من ذلك وقد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن ارقم ثم اسلم فلم يغرم شيئا ثم لو وجب التغريم في حق المرتدين لم يلزم مثله ههنا فان اولئك كفار لا تأويل لهم وهؤلاء طائفة من المسلمين لهم تأويل سائغ فكيف يصح إلحاقهم به؟ مسألة (ومن أتلف في غير حال الحرب شيئا ضمنه سواء كان قبل الحرب أو بعده) وبهذا قال الشافعي ولذلك لما قتل الخوارج عبد الله بن خباب ارسل إليهم علي اقيدونا من عبد الله بن حباب ولما قتل ابن ملجم عليا في غير المعركة قتل به وهل يتحتم قتل الباغي إذا قتل احدا من أهل العدل في غير المعركة؟ فيه وجهان [ احدهما ] يتحتم لانه قتل باشهار السلاح والسعي في الارض بالفساد فاشبه قطاع الطريق [ والثاني ] لا يتحتم وهو الصحيح لقول علي رضي الله عنه ان شئت اعفو وان شئت استقدت. فاما الخواجر فالصحيح على ما ذكرنا إباحة قتلهم فلا قصاص على واحد منهم ولاضمان عليه في ماله

[ 63 ]

(فصل) ومن قتل من اهل البغي غسل وصلي عليه وبهذا قال الشافعي وقال اصحاب الرأي ان لم يكن لهم فئة صلي عليهم وان كانت لهم فئة لم يصل عليهم لانه يجوز قتلهم في هذه الحالة فلم يصل عليهم كالكفار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على من قال لا إله إلا الله) رواه الخلال في جامعه ولانهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشهادة فيغسلون ويصلى عليهم كما لو لم تكن لهم فئة. وما ذكروه ينتقض بالزاني المحصن والمقتص منه والقاتل في المحاربة (فصل) ولم يفرق أصحابنا بين الخوارج وغيرهم في هذا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي وظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا يصلى على الخوارج فانه قال أهل البدع ان مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم، وقال أحمد رضي الله عنه الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بأقل من هذا وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقاتل خيبر ناحية من نواحيها فقاتل رجل من تلك الناحية فقتل فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له فان كان في قرية أهلها نصارى ليس فيها من يصلي عليه قال أنا لا أشهده يشهده من شاء وقال مالك: لا يصلى على الاباضية ولا القدرية وسائر أهل الاهواء ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم، والاباضية صنف من الخوارج نسبوا إلى عبد الله بن أباض صاحب مقالتهم والازارقة أصحاب نافع بن الازرق والنجدات أصحاب نجدة الحروري والبيهسية أصحاب بيهس والصفرية قيل انهم نسبوا إلى صفرة ألوانهم وأصنافهم كثيرة

[ 64 ]

والحرورية نسبوا إلى أرض يقال لها حروراء خرجوا بها قال أبو بكر بن عياش: لا أصلي على الرافضي لانه يزعم أن عمر كافر ولا على الحروري لانه يزعم أن عليا كافر، وقال الفريابي: من سب أبا بكر فهو كافر لا يصلى عليه، ووجه ترك الصلاة عليهم أنهم يكفرون أهل الاسلام ولا يرون الصلاة عليهم فلا يصلى عليهم كالكفار من أهل الذمة وغيرهم لانهم مرقوا من الدين فأشبهوا المرتدين (فصل) والبغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين وانما هم مخطئون في تأويلهم والامام وأهل العدل مصيبون في قتالهم فهم جميعا كالمجتهدين من الفقهاء في الاحكام من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلا وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافا فأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا على الامام لم تقبل شهادتهم لانهم فساق، وقال أبو حنيفة يفسقون بالبغي وخروجهم ولكن تقبل شهادتهم لان فسقهم من جهة الدين فلا ترد به الشهادة والاختلاف في ذلك يذكر في كتاب الشهادة ان شاء الله تعالى (فصل) ذكر القاضي أنه لا يكره للعادل قتل ذوي رحمه الباغين لانه قتل بحق أشبه اقامة الحد عليه وكرهت طائفة من أهل العلم القصد إلى ذلك قال شيخنا وهو الصحيح ان شاء الله تعالى

[ 65 ]

لقول الله تعالى (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) وقال الشافعي كف النبي صلى الله عليه وسلم أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه وقال بعضهم لا يحل ذلك لان الله تعالى أمر بمصاحبته بالمعروف وليس هذا من المعروف فان قتله فهل يرثه؟ على روايتين (احداهما) يرثه اختارها أبو بكر وهو مذهب أبي حنيفة لانه قتل بحق فلم يمنع الميراث كالقصاص والقتل في الحد (والثانية) لا يرثه وهو قول ابن حامد ومذهب الشافعي لعموم قوله عليه الصلاة والسلام (ليس لقاتل شئ) فأما الباغي إذا قتل العادل فلا يرثه وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يرثه لانه قتل بتأويل أشبه قتل العادل الباغي ولنا أنه قتله بغير حق فلم يرثه كالقتل خطأ، وفارق ما إذا قتله العادل لانه قتله بحق وقال قوم إذا تعمد العادل قتل قريبه فقتله ابتداء لم يرثه وان قصد ضربه ليصير غير ممتنع فجرحه ومات من هذا الضرب ورثه ولانه قتله بحق وهذا قول ابن المنذر وهو أقرب الاقاويل (مسألة) (وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج أو جزية لم يعد عليهم، ولا على صاحبه) إذا غلب أهل البغي على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه فإذا ظهر

[ 66 ]

أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغي لم يطالبوا بشئ مما جبوه ولم يرجع به على من أخذ منه وروي نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الاكوع وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي سواء كان من الخوارج أو من غيرهم وقال أبو عبيد على من أخذوا منه الزكاة الاعادة لان أخذها ممن لا ولاية له صحيحة فأشبه ما لو اخذها آحاد الرعية ولنا أن عليا رضي الله عنه لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشئ مما جبوه وكان ابن عمر إذا اتاه ساعي نجدة الحروري دفع إليه الزكاة وكذلك سلمة بن الاكوع ولان في ترك الاحتساب بها ضررا عظيما ومشقة كبيرة فانهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فلو لم يحتسب بما أخذوه ادى إلى ثنا الصدقات في تلك المدة كلها (مسألة) (ومن ادعى دفع زكاته إليهم قبل بغير يمين) قال أحمد لا يستخلف الناس على صدقاتهم (مسألة) (وان ادعى ذمي دفع جزيته إليهم لم يقبل الا ببينة) لانهم غير مأمونين ولان ما يجب عوض وليس بمواساة فلم يقبل قولهم فيه كأجرة الدار ويحتمل أن يقبل قولهم إذا مضى الحول لان الظاهر أن البغاة لا يدعون الجزية لهم فكان القول قولهم

[ 67 ]

لان الظاهر معهم ولانه إذا مضى لذلك سنون كثيرة شق عليهم اقامة البينة على كل عام فيؤدي ذلك إلى تغريمهم الجزية مرتين (مسألة) (وإن ادعى دفع خراجه إليهم فهل يقبل بغير بينة؟ على وجهين) (احدهما) يقبل لانه حق على مسلم فقبل قوله فيه كالزكاة (والثاني) لا يقبل لانه عوض فأشبه الجزية (مسألة) (وتجوز شهادتهم) لانهم أخطئوا في فروع الاسلام باجتهادهم فاشبه المجتهدين من الفقهاء في الاحكام وإذا لم يكونوا من اهل البدع قبلت شهادتهم كأهل العدل وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه خلافا (مسألة) (ولا ينقض من حكم حاكمهم الا ما ينقض من حكم غيره) إذا نصب اهل البغي قاضيا يصلح للقضاء فهو كقاضي اهل العدل ينفذ من احكامه ما ينفذ من احكام قاضي اهل العدل ويرد منه ما يرد فان كان ممن يستحل دماء أهل العدل واموالهم لم يجز قضاؤه لانه ليس بعدل وهذا قول الشافعي وقال ابو حنيفة لا يجوز قضاؤه بحال لان أهل البغي يفسقون ببغيهم والفسق ينافي القضاء

[ 68 ]

ولنا انه اختلاف في الفروع بتأويل سائغ فلم يمنع صحة القضاء ولم يفسق به كاختلاف الفقهاء إذا ثبت هذا فانه إذا حكم بما لا يخالف نصا ولا اجماعا نفذ حكمه وان خالف ذلك نقض حكمه كقاضي اهل العدل، فان حكم بسقوط الضمان على اهل البغي فيما اتلفوه حال الحرب جاز حكمه لانه موضع اجتهاد، وان كان حكمه فيما اتلفوه قبل قيام الحرب لم ينفذ لانه مخالف للاجماع، وان حكم على اهل العدل بوجوب الضمان فيما اتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للاجماع وان حكم بوجوب ضمان ما اتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه، وان كتب قاضيهم إلى قاضي اهل العدل جاز قبول كتابه لانه قاض ثابت القضايا نافذ الاحكام، والاولى انه لا يقبله كسرا لقلوبهم وقال اصحاب الرأي لا يجوز وقد سبق الكلام في هذا فأما الخوارج إذا ولوا قاضيا لم يجز قضاؤه لان أقل أحوالهم الفسق وهو يمنع القضاء ويحتمل أن يصح قضاؤه وتنفذ أحكامه لان هذا مما يتطاول وفي القضاء بفساد قضاياه وعقوده الانكحة وغيرها ضرر كثير فجاز دفعا للضرر كما لو أقام الحدود وأخذ الجزية والخراج والزكاة (فصل) وإذا ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب الحد ثم قدر عليهم أقيمت فيهم حدود الله تعالى ولا تسقط باختلاف الدار، وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة: إذا امتنعوا بدار لم يجب الحد على أحد منهم ولا على من تاجر أو أسر لانهم خارجون عن دار الامام فأشبهوا من دار الحرب ولنا عموم الآيات والاخبار ولان كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها تجب الحدود فيه

[ 69 ]

عند وجود أسبابها كدار أهل العدل، ولانه زان أو سارق ولا شبهة في زناه وسرقته فوجب عليه الحد كالذي في دار العدل، وهكذا القول فيمن أتى حدا في دار الحرب فانه يجب عليه لكن لا يقام الا في دار الاسلام على ما ذكرناه في موضعه (مسألة) (وإن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عندهم الا أن يدعوا أنهم ظنوا أنه تجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم) إذا استعان البغاة بأهل الذمة في قتال أهل العدل وقاتلوا معهم فقد ذكر أبو بكر فيهم وجهين (أحدهما) ينتقض عهدهم لانهم قاتلوا أهل الحق فانتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتالهم (والثاني) لا ينتقض لان أهل الذمة لا يعرفون المحق من المبطل فيكون ذلك شبهة لهم وللشافعي قولان كالوجهين فان قلنا ينتقض عدهم صاروا كاهل الحرب فيما نذكره وان قلنا لا ينتقض عهدهم فحكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم والكف عن اسريهم ومدبرهم وجريحهم، وان أكرههم البغاة على معونتهم أو ادعوا ذلك قبل منهم لانهم تحت ايديهم وقدرتهم، وكذلك ان قالو ظننا ان من استعان من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته لان ما ادعوه محتمل فلا ينتقض عهدهم مع الشبهة (فصل) ويغرمون ما أتلفو من نفس ومال حال القتال وغيره بخلاف أهل البغي فانهم لا يضمنون

[ 70 ]

ما اتلفوا حال الحرب لانهم اتلفوه بتأويل سائغ وهؤلاء لا تأويل لهم ولان سقوط الضمان عن المسلمين كيلا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة وأهل الذمة لا حاجة بنا إلى ذلك فيهم (مسألة) (وان استعانوا بأهل الحرب وآمنوهم لم يصح امانهم وابيح قتلهم) إذا استعان أهل البغي بالكفار لم يخل من ثلاثة أصناف (أحدها) أهل الذمة وقد ذكرنا حكمهم (الثاني) أهل الحرب فإذا استعانو بهم وآمنوهم وعقدوا لهم ذمة لم يصح واحد منهما لان الامان من شرط صحته التزام كفهم عن المسلمين وهؤلاء يشترطون عليهم قتال المسلمين فلا يصح ولاهل العدل قتلهم كمن لم يؤمنوه سواء وحكم اسيرهم حكم اسير سائر أهل الحرب قبل الاستعانة بهم فأما البغاة فلا يجوز لهم قتلهم لانهم آمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم (الثالث) المستأمنون فمتى استعانوا بهم فاعانوهم نقضوا عهدهم وصاروا كأهل الحرب لانهم تركوا الشرط وهو كفهم عن المسلمين، فان فعلوا ذلك مكرهين لم ينتقض أمانهم لان لهم عذر أو ان ادعو الاكراه لم يقبل الا ببينة لان الاصل عدمه فان ادعوا انهم ظنوا انه يجب عليهم معونة من

[ 71 ]

استعان بهم من المسلمين انتقض عهدهم ولم يكن ذلك عذرا لهم والفرق بينهم وبين أهل الذمة ان أن أهل الذمة أقوى حكما لان عهدهم مؤبد ولا يجوز نقضه بخوف الخيانة منهم ويلزم الامام الدفع عنهم والمستأمنون بخلاف ذلك (مسألة) (وان أظهر قوم رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لم يتعرض لهم) مثل تكفير من ارتكب كبيرة وترك الجماعة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم الا انهم لم يجتمعوا لحرب ولم يخرجوا عن قبضة الامام ولم يسفكوا الدم الحرام، فحكى القاضي عن أبي بكر انه لا يحل بذلك قتلهم ولا قتالهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور أهل الفقه روي ذلك عن عمر ابن عبد العزيز فعى هذا حكمهم في ضمان النفس والمسلمين (مسألة) (وان سبوا الامام عزرهم وكذلك إن سبوا غيره من أهل العدل) لانهم ارتكبوا محرما لا حد فيه وان عرضوا بالسب فهل يعزرون؟ على وجهين، وقال مالك في الاباضية وسائر أهل البدع يستتابون فان تابوا والا ضربت اعناقهم قال اسماعيل بن إسحاق رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد الداخل في الدين كقطاع الطريق فان تابوا والا

[ 72 ]

قتلوا على افسادهم لا على كفرهم، وأما من رأى تكفيرهم فمقتضى قوله انهم يستتابون فان تابوا والا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد، وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي انكر عليه وقال انها قسمة ما أريد بها وجه الله لابي بكر (اذهب فاقتله) ثم قال لعمر مثل ذلك فأمر بقتله قبل قتاله وهو الذي قال (يخرج من ضئضئ هذا قوم) يعني الخوارج وقول عمر لضبيع لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف يعني لقتلتك وانما يقتله لكونه من الخوارج فان النبي صلى الله عليه وسلم قال سيماهم التسبيد يعني حلق رؤوسهم واحتج الاولون بفعل علي رضي الله عنه فروي عنه انه كان يخطب يوما فقال رجل بباب المسجد لاحكم الا الله فقال علي كلمة حق اريد بها باطل ثم قال لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم معنا ولا نبدؤكم بقتال، وروى أبويحيى قال صلى علي صلاة فناداه رجل (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فأجابه علي (فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) وكتب علي بن ارطاة إلى عمر بن عبد العزيز ان الخوارج يسبونك فكتب إليه ان سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم وان شهروا السلاح فاشهروا وان ضربوا فاضربوا، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين معه في المدينة فلان يتعرض لغيرهم أولى

[ 73 ]

وقد روي في خبر الخارجي الذي أنكر عليه ان خالدا قال يا رسول الله الا أضرب عنقه قال (لا لعله يصلي؟) قال رب مصل لا خير فيه قال (أني لم اومر أن انقب على قلوب الناس) (مسألة) (وان جنوا جناية أو اتوا حدا أقامه عليهم) لان ابن ملجم جرح عليا فقال أطعموه واسقوه واحبسوه فان عشت فانا ولي دمي اعفوا ان شئت وان شئت استقدت وان مت فاقتلوه ولا تمثلوا به (مسألة) (وان اقتتلت طائفتان لعصبية أو طلب رئاسة فهما ظالمتان وتضمن كل واحدة منهما ما اتلفت على الاخرى) لانها اتلفت نفسها معصومة أو مالا معصوما هذا إذا لم تكن واحدة منهما في طاعة الامام فان كانت احداهما في طاعة الامام تقاتل بأمره فهي محقة وحكم الاخرى حكم من يقاتل الامام لانهم يقاتلون من اذن له الامام في قتالهم فاشبه المقاتل لجيش الامام فيكون حكمهم حكم البغاة

[ 74 ]

باب حكم المرتد المرتد هو الذي يكفر بعد اسلامه قال الله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد رضي الله عنهم وغيرهم فلم ينكر فكان اجماعا (مسألة) (فمن اشرك بالله تعالى أو جحد ربوبيته أو وحد وحدانيته أو صفة من صفاته أو اتخذ صاحبة أو ولدا أو جحد نبيا أو كتابا من كتب الله أو شيئا منه أو سب الله سبحانه وتعالى أو رسوله كفر) وجملة ذلك ان المرتد هو الراجع عن دين الاسلام إلى الكفر فمن أقر بالاسلام ثم انكره وانكر الشهادتين أو احداهما كفر بغير خلاف (مسألة) (فان جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئا منها أو احل الزنا أو الخمر أو شيئا من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها لجهل عرف ذلك فان كان ممن لا يجهل ذلك كفر) وجملة ذلك انه قد مضى شرح حكم وجوب الصلاة وغيرها من العبادات الخمس في كتاب

[ 75 ]

الصلاة ولا خلاف بين اهل العلم في كفر من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك فان كان ممن لايعرف الوجوب كحديث الاسلام والناشئ بغير دار الاسلام أو بادية بعيدة عن الامصار واهل العلم لم يحكم بكفره وعرف ذلك وثبتت له ادلة وجوبها فان جحدها بعد ذلك كفر واما ذا كان الجاحد ناشئا بين المسلمين في الامصار بين اهل العلم فان يكفر بمجرد جحدها وكذلك الحكم في مباني الاسلام كلها وهي الزكاة والصيام والحج لانها مباني الاسلام وادلة وجوبها لاتكاد تخفى إذا كان الكتاب والسنة مشحونين بادلتها والاجماع منعقد عليها فلا يجحدها الا معاند للاسلام ممتنع من التزام الاحكام غير قابل لكتاب الله تعالى وسنة رسوله واجماع الامة وكذلك من اعتقد حل شئ أجمع المسلمون على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا الخمر واشباه هذه مما لا خلاف فيه كفر إذا كان قد نشأ بين المسلمين وهو ممن لا يجهل مثله ذلك وقد ذكرناه في تارك الصلاة (فصل) ومن سب الله تعالى أو رسوله كفر سواء كان جادا أو مازحا وكذلك من استهزأ بالله سبحانه وتعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه لقوله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوص ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم) وينبغي أن لا يكتفي من الهازئ بذلك بمجرد الاسلام حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك لانه إذا لم يكتف ممن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوبة فهذا أولى

[ 76 ]

(فصل) فان استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر لما ذكرنا وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن كثيرا من العلماء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم وفعلهم ذلك متقربين إلى الله تعالى وكذلك لم يحكم بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه ولا يكفر الماذح له على ذلك أيضا المتمني مثل فعله وهو عمران بن حطان قال بمدحه لقتل علي يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ عند الله رضوانا اني لاذكره يوما فاحسبه * أوفي البرية عند الله ميزانا وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم وأموالهم واعتقادهم التقرب إلى ربهم بقتلهم ومع هذا لم يحكم أكثر الفقهاء بكفرهم لتأويلهم وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا فقد روي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا فأقام عمر عليه الحد ولم يكفره وكذلك ابو جندل بن سهيل وجماعة شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية فلم يكفروا وعرفوا تحريهما فتابوا وأقيم عليهم حدها فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم وكذلك كل جاهل بشئ يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك، وقد

[ 77 ]

قال احمد من قال الخمر حلال فهو كافر يستتاب فان تاب والاضربت عنقه وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه لما ذكرنا، فأما إن أكل لحم الخنزير أو ميتة أو شرب خمرا لم يحكم بردته بمجرد ذلك سواء فعله في دار الحرب أو دار الاسلام لانه يجوز أن يكون فعله معتقدا تحريمه كما يفعل غير ذلك من المحرمات (فصل) والاسلام شهادة ان لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت فمن أقر بهذا فهو مسلم وتجري عليه أحكام الاسلام ومن أنكر هذا أو شيئا منه كفر لان الاقرار بالجميع واجب بالاتفاق ولا يكون مسلما إلا بذلك فمن أنكر ذلك لم يكن مسلما ومن أنكر البعض كان كمن أنكر الجميع لانه إذا أنكر البعض كان البعض الآخر كالمعدوم والدليل على ذلك أن من ترك ركنا من أركان الصلاة عامدا بطلت وكان وجود باقي الاركان كالمعدوم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته (ارجع فصل فانك لم تصل) فجعل وجود صلاته كعدمها حيث ترك بعض أركانها وقال تعالى (كذبت قوم نوح المرسلين) وانما كذبوا نوحا وحده فكان تكذيبهم إياه كتكذيبهم جميع المرسلين، وعلى هذا لو جحد حكما من أحكام الاسلام مجمعا عليه كان كمن جحده جميعه

[ 78 ]

(مسألة) (ومن ترك شيئا من العبادات الخمس تهاونا لم يكفر وعنه يكفر) وقد ذكرنا توجيه الروايتين في باب من ترك الصلاة فأما الحج فلا يكفر بتأخيره بحال لان في وجوبه على الفور خلافا بين العلماء على ما ذكر في موضعه (مسألة) (ومن ارتد عن الاسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل دعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه فان لم يتب قتل) الكلام في هذه المسألة في خمسة فصول: (أحدها) أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل، وروي ذلك عن ابي بكر وعمر رضي الله عنهما وبه قال الحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد ومالك والليث والشافعي واسحاق وروي عن علي والحسن وقتادة انها تسترق ولا تقتل لان أبا بكر استرق نساء بني حنيفة وذراريهم وأعطى عليا امرأة منهم فولدت له محمد بن الحنفية وهذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان اجماعا وقال أبو حنيفة تجبر على الاسلام بالحبس والضرب ولا تقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقتلوا امرأة) ولانها لا تقتل بالكفر الاصلي فلا تقتل بالطارئ كالصبي ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري وأبو داود، وقال عليه الصلاة والسلام (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه

[ 79 ]

وروى الدارقطني ان امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الاسلام فبلغ أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن تستتاب فان تابت وإلا قتلت ولانها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل فتقتل كالرجل وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة فالمراد به الاصلية قال ذلك حين رأى امرة مقتولة وكانت كافرة أصلية وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيقق عن قتل النساء ولم يكن فيهم مرتد ويخالف الكفر الاصلي الطارئ بدليل أن الرجل يقر عليه ولا يقتل الشيوخ ولا المكافيف ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس والكفر الاصلي بخلافه والصبي غير مكلف بخلاف المرأة وأما بنو حنيفة فلم يثبت أن من استرق منهم تقدم له اسلام ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم وانما أسلم بعضهم والظاهر أن الذين أسلموا كانوا رجالا فمنهم من ثبت على اسلامه منهم ثمامة بن أثال ومنهم من ارتد منهم الدجال الحنفي (الفصل الثاني) ان الردة لا تصح الا من عاقل فأما الطفل الذي لا يعقل والمجنون ومن زال عقله بنوم أو إغماء أو شرب دواء مباح شربه فلا تصح ردته ولا حكم لكلامه بغير خلاف، قال ابن لمنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه مسلم على ما كان عليه قبل ذلك ولو قتله قاتل عمدا كان عليه القود إذا طلب أولياؤه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق) أخرجه

[ 80 ]

أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولانه غير مكلف فلم يؤاخذ بكلامه كما لو يؤاخذ به في اقراره ولا طلاقه ولا عتاقه. وأما السكران والصبي العاقل فيذكر حكمهما فيما بعد ان شاء الله تعالى (الصفل الثالث) أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعصاء والنخعي ومالك والثوري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي وهذا أحد قولي الشافعي، وعن احمد رواية أخرى لا تجب استتابته قيل تستحب وهو القول الثاني للشافعي وبه قال عبيد بن عمير وطاوس ويروى عن الحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر استتابته وروي أن معاذا قدم على أبي موسى فوجد عنده رجلا موثقا فقال ما هذا؟ قال رجل كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود فقال لا أجلسن حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فامر به فقتل. متفق عليه ولم يذكر استتابته، ولانه يقتل لكفره فلم تجب استتابته كالاصلي ولانه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن ولو حرم قتله قبله ضمن، وقال عطاء ان كان مسلما أصليا لم يستتب، وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب ولنا حديث أم مروان فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستتاب وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الله بن عبدالقاري عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر هل كان من معربة خيبر؟ قال نعم رجل كفر بعد اسلامه فقال ما فعلتم به؟ قال قربناه فضربنا

[ 81 ]

عنقه فقال عمر فهلا حبستموه ثلاثا فأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله اللهم لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني، ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم ولانه أمكن ستصلاحه فلم يجز اتلافه قبل استصلاحه كالثوب النجس، وأما الامر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة بدليل ما ذكرناه، وأما حديث معاذ فانه قد جاء فيه وكان قد استتيب، ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه وفي رواية فدعاه عشرين ليلة أو قريبا من ذلك فجاء معاذ فدعاه وابى فضربت عنقه رواهن أبو داود، ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم إذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام روي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال مالك وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر ان تاب والاقتل مكانه وهذا أصح قوليه وهو قول ابن المنذر لحديث أم مروان لانه مصر على كفره اشبه بعد الثلاث، وقال الزهري يدعى ثلاث مرات فان أبى ضربت عنقه وهذا يشبه قول الشافعي، وقال النخعي يستتاب أبدا وهذا يفضي إلى أنه لا يقتل أبدا وهو مخالف للسنة والاجماع وعن علي أنه استتاب رجلا شهرا ولنا حديث علي ولان الردة انما تكون لشبهة ولا تزول في الحال فوجب ان ينظر مدة؟ رتئي، فيها وأولى كل ذلك ثلاثة أيام للاثر فيها وانها مدة قريبة وينبغي أن يضيق عليه في مدة

[ 82 ]

لاستتابة ويحبس لقول عمر: هلا حبستموه وأطعمتوه كل يوم رغيفا؟ وتتكرر دعايته لعله ينعطف قلبه فيراجع دينه. (الفصل الرابع) ان لم يتب قتل لما تقدم ذكره وهو قول عامة الفقهاء (مسألة) (ويقتل بالسيف لانه آلة القتل ولا يحرق بالنار) وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق المرتدين وفعل ذلك بهم خالد والاولى أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله) يعني النار أخرجه البخاري وقال عليه الصلاة والسلام (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) (الفصل الخامس) أن مفهوم كلام المصنف في هذه المسألة إذا تاب قبلت توبته وسنذكره ان شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يقتله الا الامام أو نائبه حرا كان المرتد أو عبدا) وهذا قول عامة أهل العلم الا الشافعي في أحد الوجهين في العبد أن لسيده قتله، وعن أحمد رحمه الله أن له قتله في الردة وقطعه في السرقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) ولان حفصة قتلت جارية سحرتها وابن عمر قطع عبدا سرق ولانه حد لله تعالى فملك السيد إقامته كحد الزاني. ولنا أنه قتل لحق الله تعالى فكان إلى الامام كقتل الحر، فأما قوله (أقيموا الحدود على ما

[ 83 ]

ملكت أيمانكم) فلا يتناول القتل في الردة فانه قتل لكفره لا حدا في حقه، وأما خبر حفصة فان عثمان تغيظ عليها وشق عليه، فأما الجلد في الزنا فانه تأديب عبده بخلاف القتل وقد ذكرنا ذلك في الحدود (مسألة) (فان قتله غيره بغير إذنه اساء وعزر لاساءته وافتياته على الامام ولاضمان عليه) لانه محل غير معصوم وسواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها لذلك (مسألة) (وان عقل الصبي الاسلام صح اسلامه وردته وعنه يصح اسلامه دون ردته وعنه لا يصح منهما شئ حتى يبلغ) والمذهب الاول يصح اسلام الصبي في الجملة وبهذا قال أبو حنيفة واسحاق وابن ابي شيبة وابو ايوب، وقال الشافعي وزفر لا يصح اسلامه حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ) حديث حسن ولانه قول تثبت به الاحكام فلم يصح من الصبي كالهبة والعتق ولانه احد من رفع عنه القلم فلم يصح اسلامه كالنائم والمجنون ولانه غير مكلف اشبه الطفل ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام (من قال لا اله الا الله دخل الجنة) وقوله (امرت ان أقاتل الناس حق يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم الا بحقها وحسابهم على الله) وقال عليه الصلاة والسلام (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه حتى يعرب عنه لسانه اما شاكرا واما كفورا) وهذه الاخبار يدخل في عمومها الصبي ولان الاسلام عبادة محضة فصحت

[ 84 ]

من الصبي العاقل كالصلاة والحج، ولان الله تعالى دعا عباده إلى دار السلام وجعل طريقها الاسلام وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الاليم، فلا يجوز منع الصبي من اجابة دعوة الله تعالى مع اجابته إليها وسلوكه طريقها ولا الزامه بعذاب الله والحكم عليه بالنار وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها ولان ما ذكرناه اجماع فان عليا رضي الله عنه أسلم صبيا وقال سبقتكم إلى الاسلام طرا صبيا ما بغلت اوان حلمي ولهذا قيل: اول من اسلم من الرجال ابو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن العبيد بلال، وقال عروة أسلم على والزبير وهما ابنا ثمان سنين وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ابن الزبير لسبع أو ثمان سنين ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد اسلامه من صغير أو كبير، فأما قوله عليه السلام (رفع القلم عن ثلاثة) فلا حجة لهم فيه فانه يقتضي أن لا يكتب عليه ذنب والاسلام يكتب له لا عليه ويسعد به في الدنيا والآخرة فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه وكذلك غيرها من العبادات المحضة، فان قيل فالاسلام يوجب عليه الزكاة في ماله ونفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكفار ويفسخ نكاحه، قلنا اما الزكاة فانها نفع لانها سبب الزيادة والنماء وتحصين المال والثواب، واما الميراث والنفقة فأمر متوهم وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار ثم هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم منزل منزلة الضرر في أكل القوت المتضمن فوت ما يأكله وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه لم يعد ضررا والضرر في مسئلتنا في جنب ما يحصل من النفع أدنى من ذلك بكثير

[ 85 ]

(فصل) واشترط الخرقي لصحة اسلامه: أن يكون له عشر سنين لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضربه على الصلاة لعشر، وأن يكون ممن يعقل الاسلام ومعناه أن يعلم أن الله تعالى ربه لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وهذا لا خلاف في اشتراطه فان الطفل الذي لا يعقل لا يتحقق منه اعتقاد الاسلام وانما كلامه لقلقة بلسانه لا يدل على شئ، فأما اشتراط العشر فان أكثر المصححين لاسلامه لم يشترطوا ذلك ولم يحدوا له حدا من السنين، وحكاه ابن المنذر عن أحمد لان المقصود متى حصل لم يحتج إلى زيادة عليه، وروي عن أحمد إذا كان ابن سبع سنين فاسلامه اسلام وذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (مروهم بالصلاة لسبع) فدل على أن ذلك حد لامرهم وصحة عبادتهم فيكون حدا لصحة اسلامهم، وقال ابن أبي شيبة إذا أسلم وهو ابن خمس سنين جعل اسلامه اسلاما ولعله يقول ان عليا عليه السلام أسلم وهو ابن خمس لانه قد قيل انه قد مات وهو ابن ثمان وخمسين سنه فعلى هذا يكون اسلامه وهو ابن خمس لان مدة النبي منذ بعث إلى أن مات ثلاث وعشرون سنة وعاش علي بعده ثلاثين سنة فذلك ثلاث وخمسون فإذا ضممنا إليها خمسا كانت ثمانيا وخمسين وقال أبو أيوب أجيز اسلام ابن ثلاث سنين من اصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه وهذا لا يكاد يعقل الاسلام ولا يدري ما يقول ولا يثبت لقوله حكم فان وجد ذلك منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الاسلام وعقله اياه صح منه كغيره (مسألة) (وإن أسلم ثم قال لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله وأجبر على الاسلام) متى حكمنا بصحة اسلام الصبي لمعرفتنا بفعله بأدلته فرجع وقال لم أدر ما قلت لم يقبل قوله ولم يبطل اسلامه الاول، وروي عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الاسلام

[ 86 ]

قال أبو بكر هذا قول محتمل لان الصبي في مظنة النقص فيجوز أن يكون صادقا قال والعمل على الاول لانه قد ثبت عقله للاسلام ومعرفته به بأفعاله أفعال العقلاء وتصرفاته تصرفاتهم وتكلمه بكلامهم وهذا يحصل به معرفة عقله، ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله وتصرفاته، وعرفنا جنون المجنون وعقل العاقل بما يصدر عنه من أقواله وأفعاله وأحواله فلا يزول ما عرفناه بمجرد دعواه وهكذا كل من تلفظ بالاسلام أو اخبر عن نفسه ثم أنكر معرفته بما قال لم يقبل انكاره وكان مرتدا نص عليه أحمد في مواضع، فعلى هذا إذا ارتد صحت ردته وأجبر على الاسلام وهو قول أبي حنيفة والظاهر من مذهب مالك، وعند الشافعي لا يصح اسلامه ولا ردته وقد روي أنه يصح اسلامه ولا تصح ردته لقوله عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ) وهذا يقتضى أنه لا يكتب عليه ذنب ولا شئ ولو صحت ردته لكتبت، وأما الاسلام فلا يكتب عليه انما يكتب له ولان الردة أمر يوجب القتل فلم يثبت حكمه في حق الصبي كالزنا، ولان الاسلام إنما صح منه لانه تمحض مصلحة فأشبه الوصية والتدبير، والردة تمحضت مضرة ومفسدة فلم يلزم صحتها، منه فعلى هذا حكمه حكم من لم يرتد فإذا بلغ فان أصر على الكفر كان مرتدا حينئذ (مسألة) (ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه فان ثبت على كفره قتل) وجملة ذلك ان الصبي لا يقتل إذا ارتد سواء قلنا بصحة ردته أو لا لان الغلام لا يجب عليه عقوبة

[ 87 ]

بدليل انه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة وسائر الحدود ولا يقتل قصاصا فإذا بلغ وثبت على ردته ثبت حكم الردة حينئذ فيستتاب ثلاثا فان تاب والا قتل سواء قلنا انه كان مرتدا قبل بلوغه أو لم نقل وسواء كان مسلما اصليا فارتد أو كان كافرا فاسلم صبيا ثم ارتد [ مسألة ] (ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يصحو ويتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فان مات في سكره مات كافرا وعنه لا تصح ردته) اختلفت الرواية عن احمد في ردة السكران فروي عنه انها تصح قال ابو الخطاب وهو اظهر الروايتين عنه وهو مذهب الشافعي وعنه لا تصح ردته وهو قول أبي حنيفة لان ذلك يعلق بالاعتقاد والقصد والسكران لا يصح عقده فاشبه المعتوه ولانه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم والمجنون ولانه غير مكلف فاشبه المجنون. ووجه الرواية الاولى أن الصحابة قالوا في السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري وأوجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره وأقاموا مظنتها (مظلتها) مقامها ولانه يقع طلاقه فصحت ردته كالصاحي، وقولهم ليس بمكلف ممنوع فان الصلاة واجبة عليه وكذلك سائر اركان الاسلام، ويأثم بفعل المحرمات وهذا معنى التكليف، ولان السكران لا يزول عقله بالكلية ولهذا يتقى المحذورات ويفرح بما يسره ويساء بما يضره ويزول سكره عن قريب من الزمان فأشبه الناعس بخلاف المجنون، واما استتابته فتؤخر إلى حين صحوه فيكمل عقله ويفهم ما يقال له وتزول شبهته ان كان قد قال الكفر معتقدا له كما تؤخر استتابته إلى حين زوال شدة عطشه وجوعه ويؤخر الصبي

[ 88 ]

إلى حين بلوغه وكمال عقله ولان القتل جعل للزجر ولا يحصل في حال سكره وإن قتله قاتل في حال سكره لم يضمنه لان عصمته زالت بردته وإن مات أو قتل لم يرثه ورثته، ولا يقتل حتى يتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فان استمر سكره أكثر من ثلاث لم يقتل حتى يصحو ثم يستتاب عقيب صحوه فان تاب والا قتل في الحال (فصل) فان أسلم في سكره صح اسلامه كما صحت ردته ثم يسئل بعد صحوه فان ثبت على إسلامه فهو مسلم من حين أسلم لان إسلامه صح وانما يسئل استظهارا فان مات بعد إسلامه في سكره مات مسلما ويصح اسلامه في سكره سواء كان أصليا أو مرتدا لانه إذا صحت ردته مع أنها محض مضرة وقول باطل فلان يصح إسلامه الذي هو محض مصلحة أولى، ويتخرج أن لا يصح فان من لا تصح ردته لا يصح اسلامه كالمجنون (فصل) ولا تصح ردة المجنون ولا إسلامه لانه لا قول له فان ارتد في صحته ثم جن لم يقتل في حال جنونه لانه يقتل بالاصرار على الردة والمجنون لا يوصف بالاصرار ولا يمكن استتابته، ولو وجب عليه القصاص فجن قتل لان القصاص لا يسقط عنه بسبب من جهته وههنا يسقط برجوعه ولان القصاص انما يسقط بسبب من جهة المستحق له فنظير مسئلتنا ان يجن المستحق للقصاص فانه لا يستوفى في حال جنونه.

[ 89 ]

(مسألة) (وهل تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته أو من سب الله تعالى أو رسوله أو الساحر؟ على روايتين: (إحداهما) لاتقبل توبته ويقتل بكل حال والاخرى تقبل توبته كغيره) مفهوم كلام الشيخ رحمه الله أن المرتد إذا تاب تقبل توبته ولم يقتل أي كافر كان وهو ظاهر كلام الخرقي سواء كان زنديقا أو لم يكن وهذا مذهب الشافعي والعنبري ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وهو إحدى الروايتين عن احمد واختيار ابي بكر الخلال وقال إنه اولى على مذهب ابي عبد الله (والرواية الاخرى) لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته وهو قول مالك والليث واسحاق وعن ابي حنيفة روايتان كهاتين واختيار أبي بكر انها لا تقبل لقول الله تعالى (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) والزنديق لا يظهر منه ما يبين به رجوعه وتوبته لانه كان مظهرا للاسلام مسرا للكفر فإذا أظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الاسلام وأما من تكررت ردته فقد قال الله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) وروى الاثرم باسناده عن ظبيان بن عمارة ان رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرءون برجز مسيلمة فرجع إلى ابن مسعود فذكر ذلك له فبعث إليهم فاتي بهم فاستتابهم

[ 90 ]

فتابوا فخلى سبيلهم الا رجلا منهم يقال له ابن النواحة قال اتيت بك مرة فزعمت انك قد تبت واراك قد عدت فقتله ووجه الرواية الاولى قول الله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وروي ان رجلا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدر ماساره به فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اليس يشهد ان لا اله الا الله؟) قال بلى ولا شهادة له قال (أليس يصلي؟) قال بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) وقد قال الله تعالى (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا الا الذين تابوا) وروي ان محش بن حمير كان في النفر الذين انزل فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) فأتي النبي صلى الله عليه وسلم وتاب إلى إلى الله تعالى فقبل توبته وهو الطائفة التي عفا الله عنها بقوله سبحانه (ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة) وروي انه سأل الله تعالى ان يقتل شهيدا في سبيله ولا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يعلم موضعه ولان النبي صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين بما أظهروا من الشهادة مع اخبار الله تعالى له بباطنهم بقوله تعالى (يحلفون بالله انهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قوم يفرقون) وغيرها من الآيات وحديث ابن مسعود حجة في قبول توبتهم مع اسرارهم بكفرهم فأما قتل ابن النواحة فيحتمل انه قتله لظهور كذبه في توبته لانه أظهرها وتبين انه ما زال عما كان عليه من كفره ويحتمل انه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم له حين جاء رسولا لمسيلمة (لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتك) تحقيقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي انه قتله لذلك (فصل) فأما من سب الله سبحانه وتعالى ورسوله فروى القاضي عن أحمد انه قال لا توبة لمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبو الخطاب رواية أخرى ان توبته مقبولة لقول الله تعالى (قل للذين

[ 91 ]

كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولحديث محش ابن حمير ولان من زعم ان لله ولدا فقد سب الله تعالى بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن ربه تعالى انه قال (شتمني ابن آدم وما ينبغي له ان يشتمني اما شتمه اياي فزعم ان لي ولدا) وتوبته مقبولة بغير خلاف وإذا قبلت توبة من سب الله تعالى فمن سب نبيه صلى الله عليه وسلم اولى أن تقبل توبته (فصل) وهل تقبل توبة الساحر؟ فيه روايتان (احداهما) لا يستتاب وهو ظاهر ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم فانه لم ينقل عن أحد منهم انه استتاب ساحرا وفي الحديث الذي رواه هشام عن عروة عن عائشة ان امرأة جاءتها فقالت يا أم المؤمنين ان عجوز اذهبت بي إلى هاروت وماروت فقلت علماني السحر فقالا اتقي الله ولا تكفري فانك على رأس أمرك فقلت علماني السحر فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت فرأيت كأن فارسا مقنعا في الحديد خرج مني حتى طار فغاب في السماء فرجعت اليهما فاخبرتهما فقالا: ذلك ايمانك وذكرت باقي القصة إلى ان قالت والله يا أمير المؤمنين ما صنعت شيئا غير هذا ولا أصنعه أبدا فهل لي من توبة؟ قالت عائشة رأيتها تبكي بكاء شديدا فكانت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون تسألهم هل لها من توبة؟ فما افتاها أحد إلا ابن عباس قال ان كان احد من ابويك حيا فبريه وأكثري من عمل البر ما استطعت ولان السحر معنى في قلبه لا يزول بالتوبة فيشبه من لم يتب (والرواية الثانية) يستتاب فان تاب قبلت توبته فان الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون وجعلهم من أوليائه في ساعة ولان الساحر لو كان كافرا فأسلم صح اسلامه وتوبته فإذا صحت التوبة منهما صحت من احدهما كالكفر ولانه الكفر والقتل ما هو الا بعمله بالسحر بدليل الساحر إذا أسلم والعمل به تمكن التوبة منه وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده تمكن التوبة منه كالشرك

[ 92 ]

(فصل) والخلاف بين الائمة في قبول توبتهم انما هو في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوت أحكام الاسلام في حقهم فأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفران ذنوبهم لمن تاب وأقلع ظاهرا وباطنا فلا خلاف فيه فان الله تعالى قال في المنافقين (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما) [ مسألة ] (وتوبة المرتد اسلامه وهو أن يشهد ان لا إله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله الا أن تكون ردته بانكار فرض أو احلال محرم أو جحد نبي أو كتاب أو إلى دين من يعتقد أن محمدا بعث إلى العرب خاصة فلا يصح اسلامه حتى يقر بما جحده ويشهد أن محمدا بعث إلى العالمين أو يقول انا برئ من كل دين يخالف الاسلام) من ثبتت ردته باقرار أو بينة فتوبته أن يشهد أن لا إله الا الله ولا يكشف عن صحة ما شهد به عليه ويخلى سبيله ولا يكلف الاقرار لما نسب إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله) متفق عليه. ولان هذا يثبت به اسلام الكافر الاصلي فكذلك اسلام المرتد ولا حاجة مع ثبوت اسلامه إلى الكشف عن صحه ردته وهذا يكفي فيمن كانت ردته بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو جحدهما معا، فأما من كفر بغير هذا فلا يحصل اسلامه إلا بالاقرار بما جحده فمن أقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنكر انه مبعوث إلى العالمين فلا يثبت اسلامه حتى يشهد أن محمدا رسول الله

[ 93 ]

بعث إلى الخلق اجمعين أو تبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الاسلام، فان زعم ان محمدا رسول مبعوث بعد غير هذا لزمه الاقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله لانه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل انه أراد ما اعتقدوه وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده ويعيد الشهادتين لانه كذب الله ورسوله بما اعتقده وكذلك إن جحد نبيا أو آية من كتاب الله تعالى أو كتابا من كتبه أو ملكا من ملائكته الذين ثبت انهم ملائكة الله أو استباح محرما فلابد في اسلامه من الاقرار بما جحده، وأما الكافر بجحد الدين من أصله إذا شهد أن محمدا رسول الله واقتصر على ذلك ففيه روايتان (احداهما) يحكم باسلامه لانه روي ان يهوديا قال أشهد ان محمدا رسول الله ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على صاحبكم) ولانه يقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وقد جاء بتوحيده (والثانية) إن كان مقرا بالتوحيد كاليهود حكم باسلامه لان توحيد الله ثابت في حقه وقد ضم إليه الاقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكمل اسلامه وان كان غير موحد كالنصارى والمجوس وعبدة الاوثان لم يحكم باسلامه حتى يشهد ان لا إله إلا الله وبهذا جاءت أكثر الاخبار وهو الصحيح لان من يجحد شيئين لا يزول جحدهما الا باقراره بهما جميعا وإن قال أشهد ان النبي رسول الله لم يحكم باسلامه لانه يحتمل انه يريد غير نبينا. وان قال أنا مؤمن أو أنا مسلم فقال القاضي يحكم باسلامه

[ 94 ]

بهذا وإن لم يأت بلفظ الشهادتين لانهما اسمان لشئ معلوم معروف وهو الشهادتان فإذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بهما وروى المقداد انه قال يارسول الله: إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال اسلمت أفأقتله يارسول الله بعد أن قالها؟ قال (لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها) وعن عمر ان ابن حصين قال: أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اني مسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) رواهما مسلم ويحتمل أن هذا في الكافر الاصلي أو من جحد الوحدانية أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة أو نحو هذا فانه لا يصير مسلما بذلك لانه ربما اعتقد أن الاسلام ما هو عليه فان أهل البدع يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر [ مسألة ] (وإذا أتى الكافر بالشهادتين ثم قال لم أرد الاسلام صار بذلك مرتدا ويجبر على الاسلام) نص عليه أحمد في رواية جماعة ونقل عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الاسلام لانه يحتمل الصدق فلا يراق دمه بالشهادة والاول أولى لانه قد حكم باسلامه فلم يقبل إذا رجع كما لو طالت مدته [ مسألة ] (وإذا مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد الردة حكم باسلامه)

[ 95 ]

متى صلى الكافر حكم باسلامه أصليا كان أو مرتدا جماعة أو فرادى في دار الحرب أو في دار الاسلام، وقال الشافعي يحكم باسلامه إذا صلى في دار الحرب ولا نحكم باسلامه في دار الاسلام لانه يحتمل أنه صلى رياء وتقية. ولنا أن ما كان اسلاما في دار الحرب كان اسلاما في دار الاسلام كالشهادتين واحتمال التقية والرياء يبطل بالشهادتين وأما سائر أركان الاسلام من الزكاة والصيام والحج فلا يحكم باسلامه به فان المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منعهم فقال (لا يحج بعد العام مشرك) والزكاة صدقة وهم يتصدقون وقد فرض على نصارى بني تغلب من الزكاة مثلا ما يؤخذ من المسلمين فلم يصيروا بذلك مسلمين وأما الصيام فلكل أهل دين صيام ولان الصيام ليس بفعل انما هو امساك عن افعال مخصوصة وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقه من المسلم ولا عبرة بالنية فانها أمر باطن لا علم به بخلاف الصلاة فانها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الاسلام ولا يثبت بها الاسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود ولا يحصل بمجرد القيام لانهم يقومون في صلاتهم إذا ثبت هذا فانه متى مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد ردته حكم لهم بالميراث الا أن يثبت أنه ارتد بعد صلاته أو تكون ردته بجحد فريضة

[ 96 ]

أو كتاب أو نبي أو ملك أو نحو ذلك من البدع التي ينسب أهلها إلى الاسلام فانه لا يحكم باسلامه بصلاته لانه يعتقد وجوب الصلاة ويعتقدها مع كفره فأشبه فعله غيرها [ مسألة ] (ولا يبطل احصان المسلم بردته ولا عباداته التي فعلها في اسلامه إذا عاد إلى الاسلام) يعني إذا كان محصنا فارتد ثم أسلم لم يصر غير محصن بل متى زنا رجم لانه يثبت له حكم الاحصان والاصل بقاء ما كان على ما كان ولا تبطل عباداته التي فعلها في اسلامه إذا عاد إلى الاسلام لانه فعلها على وجهها وبرئت ذمته منها فلم تعد إلى ذمته كديون الآدميين وان كان قد حج حجة الاسلام قبل ردته لم يجب عليه اعادتها إذا عاد إلى الاسلام لما ذكرنا [ فصل ] قال الشيخ رحمه الله (ومن ارتد لم يزل ملكه بل يكون موقوفا وتصرفاته موقوفة فان أسلم ثبت ملكه وتصرفاته والا بطلت) لا يحكم بزوال ملك المرتد بردته في قول أكثر أهل العلم فعلى هذا ان قتل أو مات زال ملكه بموته وان راجع الاسلام فملكه باق له فعلى هذا تصرفاته في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوفة ان اسلم تبينا ان تصرفه كان صحيحا فان قتل أو مات كان باطلا وقال مالك يزول ملكه بردته فان راجع الاسلام رد إليه تمليكا مستأنفا لان عصمة نفسه وماله انما تثبت

[ 97 ]

باسلامه فزوال اسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب ولان المسلمين ملكوا اراقة دمه بردته فوجب أن يملكوا أمواله بها وقال أصحاب أبي حنيفة ماله موقوف ان أسلم تبينا بقاء ملكه وان مات أو قتل تبينا زواله من حين ردته، وقال الشريف ابو جعفر: هذا ظاهر كلام احمد وعن الشافعي الاقول ا؟ (الاقوال) الثلاثة ولنا ان الردة سبب يبيح دمه كزنا المحصن، وقتل من يكافئه عمدا لا يلزم منه زوال الملك بدليل الزاني المحصن والقاتل في المحاربة فان ملكهم ثابت مع عدم عصمتهم، ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح لكل احد قتله بغير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه لانه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب، ولو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة الامام زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم لان الكفار الاصليين لا عصمة لهم في دارهم فالمرتدون أولى (فصل) فأما على قول أبي بكر فتصرف المرتد باطل لانه ملكه قد زال بردته وهذ أحد أقوال الشافعي وعن الشافعي قول آخر انه ان تصرف قبل الحجر عليه انبنى على الاقوال الثلاثة وان تصرف بعد الحجر عليه لم يصح تصرفه كالسفيه ولنا ان ملكه تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه فكان تصرفه موقوفا كتبرع المريض

[ 98 ]

(فصل) وان تزوج لم يصح تزوجه لانه لا يقر على النكاح وما منع الاقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة وان زوج موليته لم يصح لان ولايته على موليته قد زالت بردته وكذلك ان زوج امته لان النكاح لا يكون موقوفا ولان النكاح وان كان في الامة فلابد في عقده من ولاية صحيحة بدليل ان المرأة لا يجوز ان تزوج امتها وكذلك الفاسق والمرتد لا ولاية له فانه أدنى حالا من الفاسق الكافر (فصل) ويوخذ مال المرتد فيترك عند ثقة من المسلمين فان كان له اماء جعلن عند امرأة ثقة لانهن محرمات عليه فلا يمكن منهن، وذكر القاضي انه يؤجر عقاره وعبيده واماءه، قال شيخنا والاولى ان لا يفعل ذلك لان مدة انتظاره قريبة ليس في انتظاره فيها ضرر فلا يفوت عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه من أجلها فانه ربما راجع الاسلام فيمتنع عليه التصرف في ماله باجارة الحاكم له، وان لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم له ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذي يحتاج إلى النفقة وغيره واجارة ما يرى ابقاءه والمكاتب يؤدي إلى الحاكم ويعتق بالاداء لانه نائب عنه (مسألة) (ويقضى ديونه واروش جناياته وينفق على من تلزمه مؤنته) يعني إذا مات أو قتل فانه يبدأ بقضاء ديونه وارش جنايته ونفقة زوجته واقاربه الذين تلزمه مؤنتهم لان هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها وأولى ما يؤخذ من ماله في الصحيح من المذهب وعنه

[ 99 ]

انه لورثته من المسلمين وعنه انه لورثته من أهل الدين الذي انتقل إليه وقد ذكرنا ذلك في الفرائض (فصل) وإذا وجد من المرتد سبب يقتضي الملك كالصيد والاحتشاش والاتهاب والشراء وايجار نفسه اجارة خاصة أو مشتركة ثبت الملك له لانه أهل للملك ولذلك بقيت أملاكه الثابتة له ومن قال ان ملكه يزول لم يثبت له ملكا لانه ليس بأهل للملك ولهذا زالت املاكه الثابتة، فان اسلم احتمل ان لا يثبت له شئ أيضا لان السبب لم يثبت حكمه واحتمل ان يثبت الملك له حينئذ لان السبب موجود وإنما امتنع ثبوت حكمه لعدم أهليته فإذا وجدت تحقق الشرط فيثبت الملك حينئذ كما تعود إليه املاكه التي زالت عنه عند عود أهليته، فعلى هذا ان مات أو قتل انتقل الملك إلى من ينتقل إليه ماله لان هذا في معناه (فصل) وان لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه حكم من هو في دار الاسلام الا ان ما كان معه من ماله يصير مباحا لمن قدر عليه كما أبيح دمه، واما املاكه وماله الذي في دار الاسلام فملكه ثابت فيه ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه وقال أبو حنيفة يورث ماله كما لو مات لانه قد صار في حكم الموتى بدليل حل دمه وماله الذي معه لكل من قدر عليه ولنا انه حي فلم يورث كالحربي الاصلي وحل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الاصلي وانما حل ماله الذي معه لانه زال العاصم له فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب واما الذي في دار الاسلام فهو باق على العصمة كمال الحربي الذي مع مضاربه في دار الاسلام أو عند مودعه (مسألة) (وما اتلف من شئ ضمنه ويتخرج في الجماعة الممتنعة ان لا يضمن ما اتلفه

[ 100 ]

إذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين لزم ضمان ما أتلفوه سواء تحيزوا وصاروا في منعة أو لم يصيروا ذكره أبو بكر قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد وقال الشافعي حكمهم حكم أهل البغي فيما اتلفوه من الانفس والاموال لان تضمينهم يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الاسلام فأشبهوا أهل البغي ولنا ما روي عن ابي بكر رضي الله عنه انه قال لاهل الردة حين رجعوا تردون علينا ما أخذتم منا ولا نرد عليكم ما اخذنا منكم وان تدوا قتلانا ولا ندي قتلاكم قالوا نعم يا خليفة رسول الله قال عمر كل ما قلت كما قلت الا أن يدوا ما قتل منافلا لانهم قوم قتلوا في سبيل الله واستشهدوا، ولانهم اتلفوه بغير تأويل فأشبهوا هل الذمة، فاما القتلى فحكمهم حكم اهل البغي لما ذكرنا من خبر ابي بكر وعمر ولان طليحة الاسدي قتل عكاشة بن محصن وثابت بن ارقم الاسديين فلم يغر مهما وبنو حنيفة قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة فلم يغرموا شيئا، ويحتمل ان يحمل قول احمد وكلامه في المال على وجوب رد ما هو في ايديهم دون ما اتلفوه وعلى من اتلف من غير ان تكون له منعة أو اتلف في غير الحرب وما اتلفوه حال الحرب فلا ضمان عليهم فيه لانه إذا سقط ذلك عن اهل البغي كيلا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلان يسقط ذلك كيلا يؤي إلى التنفير عن الاسلام اولى لانهم إذا امتنعوا صاروا كفارا ممتنعين بدارهم فأشبهوا اهل الحرب ويحمل قول ابي بكر على ما بقي في ايديهم من المال فيكون مذهب احمد ومذهب الشافعي في هذا سواء وهذا اعدل واصح ان شاء الله تعالى، فاما من لا منعة له

[ 101 ]

فيضمن ما اتلف من نفس ومال كالواحد من المسلمين أو اهل الذمه لانه لا منعة له ولا يكثر ذلك منه فبقي المال والنفس بالنسبة إليه على عصمته ووجوب ضمانه والله أعلم (مسألة) (وإذا اسلم فهل يلزمه قضاء ما ترك من العبادات؟ على روايتين) (احداهما) عليه القضاء لانها عبادة واجبة التزم بوجوبها واعترف به في زمن اسلامه فلزم قضاؤها عند فواتها كغير المرتد (والثانية) لا يلزمه قضاؤها لقول الله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولانه كافر اسلم فلم يلزمه قضاء العبادات التي كانت في كفره كالحربي ولان ابا بكر لم يأمر المرتدين حين اسلموا بقضاء ما فاتهم (مسألة) (وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق اولادهما الذين ولدوا في الاسلام ومن لم يسلم منهم قتل ويجوز استرقاق من ولد بعد الردة وهل يقرون على كفرهم؟ على روايتين) وجملة ذلك ان الرق لا يجرى على المرتد سواء كان رجلا أو امرأة وسواء لحق بدار الحرب أو اقام بدار الاسلام وبهذا قال الشافعي وقال ابو حنيفة إذا لحقت المرتدة بدار الحرب جاز استرقاقها لان ابا بكر سبى بني حنفية واسترق نساءهم وام محمد بن الحنفية منهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولانه لا يجوز اقراره على كفره فلم يجز استرقاقه كالرجل ولم ينقل ان الذين سباهم ابو بكر رضي الله عنه كانوا اسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة، فان قيل فقد روي عن علي رضي الله عنه ان المرتدة تسبى قلنا هذا الحديث ضعفه احمد، فأما اولاد المرتدين فان كانوا ولدوا قبل الردة فانهم محكوم باسلامهم تبعا لابائهم ولا يتبعونهم في الردة لان الاسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم

[ 102 ]

في الكفر فلا يجوز استرقاقهم صغارا لانهم مسلمون ولا كبارا لانهم ان ثبتوا على اسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق، وأما من حديث بعد الردة فهو محكوم بكفره لانه ولد بين أبوين كافرين، ويجوز استرقاقه لانه ليس بمرتد نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، ويحتمل أن لا يجوز استرقاقهم لان آباءهم لا يجوز استرقاقهم ولانهم لا يقرون بالجزية فلا يقرون بالاسترقاق وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن ولدوا في دار الاسلام لم يجز استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز استرقاقهم كولد الحربيين بخلاف آبائهم فعلى هذا إذا وقع في الاسر بعد لحوقه بدار الحرب فحكمه حكم سائر أهل الحرب وإن كان في دار الاسلام لم يقر بالجزية وكذلك لو بذل الجزية بعد لحوقة بدار الحرب لم يقر بها لانه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن، فأما من كان حملا حال ردته فظاهر كلام الخرقي أنه كالحادث بعد كفره وعند الشافعي هو كالمولود ولهذا يرث ولنا أن أكثر الاحكام انما تتعلق بعد الوضع فكذلك هذا الحكم، وهل يقر من ولد بعد الردة على كفره؟ فيه روايتان (احداهما) يقر كأولاد اهل الحرب (والثانية) لا يقرون فإذا أسلموا رقوا لانهم أولاد من لا يقر على كفره فلا يقرون على كفرهم كالموجودين قبل ردتهم (فصل) ومن لم يسلم من الذين كانوا موجودين قبل الردة فقدر عليهم أو على آبائهم استتيب منهم من كان بالغا عاقلا فمن لم يتب قتل ومن لم يبلغ انتظر بلوغه فان لم يتب قتل إذا استتيب وينبغي أن يحبس حتى لا يهرب (فصل) ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيهم أحكامهم صاروا دار خرب في اغتنام أموالهم وسبي

[ 103 ]

ذراريهم الحادثين بعد الردة، وعلى الامام قتالهم فان أبا بكر رضي الله عنه قاتل أهل الردة بجماعة من الصحابة ولان الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال لان تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم، وإذا قاتلهم قتل من قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجاز على جريحهم وتغنم أموالهم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى يجتمع فيها ثلاثة أشياء: ان تكون متاخمة لدار الحرب لا شئ بينهما من دار الاسلام (الثاني) لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن (الثالث) أن تجري فيها أحكامهم ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الحصال أو دار الكفرة الاصليين. (فصل) وإن قتل المرتد من يكافئه عمدا فعليه القصاص نص عليه احمد والولي مخير بين قتله والعفو عنه فان اختار القصاص قدم على قتل الردة سواء تقدمت الردة أو تأخرت لانه حق آدمي وان عفا على مال وجبت الدية في ماله وكذلك ان كان القتل خطأ تجب الدية في ماله أيضا لانه لا عاقلة له قال القاضي: وتؤخذ منه الدية في ثلاث سنين لانها دية الخطأ وإن قتل أو مات اخذت من ماله في الحال لان الدين المؤجل يحل بالموت في حق من لا وارث له ويحتمل ان تجب الدية حالة عليه لانها انما أجلت في حق العاقلة تخفيفا عليهم لانهم يحملون عن غيرهم على سبيل المواساة فأما لجاني فتجب عليه حالة لانها بدل عن متلف فكانت حالة كسائر ابدال المتلفات

[ 104 ]

(فصل) ومن اسلم من الابوين كان اولاده الاصاغر تبعا له وبهذا قال الشافعي وقال اصحاب الراي إذا اسلم ابواه أو احدهما وأدرك فأبى الاسلام أجبر عليه ولم يقتل، وقال مالك ان اسلم الاب تبعه اولاده وان اسلمت الام لم يتبعوها لان ولد الحرين يتبع أباه دون امه بدليل الموليين إذا كان لهما ولد كان ولاؤه لمولى ابيه دون أمه ولو كان الاب عبدا والام مولاة فأعتق العبد لجر ولاء ولده إلى مواليه، ولان الولد يشرف بشرف ابيه وينسب إلى قبيلته دون قبيلة امه فوجب ان يتبع اباه في دينه اي دين كان، وقال الثوري إذا بلغ خير بين دين ابيه ودين امه فأيهما اختاره كان على دينه ولعله يحتج بحديث الغلام الذي اسلم ابوه وابت أمه ان تسلم فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين أبيه وامه ولنا ان الولد يتبع ابويه في الدين فإذا اختلفا وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية ولان الاسلام يعلو ولا يعلى، ويترجح بأشياء (منها) انه دين الله الذي رضيه لعباده وبعث به رسله ودعا خلقه إليه (ومنها) انه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق واداء الجزية وفي الآخرة من سخط الله وعذابه (ومنها) أن الدار دار الاسلام يحكم باسلام لقيطها ومن لا تعرف حاله فيها، وإذا كان محكوما باسلامه أجبر عليه إذا امتنع منه بالقتل كولد المسلمين ولانه مسلم فإذا رجع عن اسلامه وجب قتله لقوله عليه الصلاة والسلام (من بدل دينه فاقتلوه) وبالقياس على غيره ولنا على مالك أن الام أحد الابوين فتبعها ولدها في الاسلام كالاب بل الام أولى لانها أخص به لانه مخلوق منها حقيقة وتختص بحمله ورضاعه ويتبعها في الرق والحرية والتدبير والكتابة ولان سائر الحيوانات يتبع الولد أمه دون أبيه وهذا يعارض ما ذكره، وأما تخيير الغلام فهو في الحضانة لا في الدين

[ 105 ]

(فصل) ومن مات من الابوين الكافرين على كفره قسم للولد الميراث وكان مسلما بموت من مات منهما وأكثر الفقهاء على أنه لا يحكم باسلامه بموتهما ولا بموت أحدهما لانه ثبت كفره تبعا ولم يوجد منه اسلام ولا ممن هو تابع له فوجب بقاؤه على ما كان عليه لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه أنه أجبر أحدا من أهل الذمة على الاسلام بموت أبيه مع أنه لم يخل زمنه عن موت بعض أهل الذمة عن بنيهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) متفق عليه فجعل كفره بفعل أبويه فإذا مات احدهما انقطعت التبعية فوجب ابقاؤه على الفطرة التي ولد عليها ولان المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الاسلام وقضية الدار الحكم باسلام اهلها وكذلك حكمنا باسلام لقيطها وانما ثبت الكفر للطفل الذي له ابوان فإذا عدما أو احدهما وجب ابقاؤه على حكم الدار لانقطاع تبعيته لمن يكفر بها وانما قسم له الميراث لان اسلامه انما ثبت بموت ابيه الذي استحق به الميراث فهو سبب لهما فلم يتقدم الاسلام المانع من الميراث على استحقاقه ولان الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد العبد له إذا مات ابوك فأنت حر فمات ابوه فانه يعتق ولا يرث فيجب ان يكون الاسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث وهذا فيما إذا كان في دار الاسلام لانه متى قطعت تبعيته لابويه أو احدهما ثبت له حكم الدار فأما دار الحرب فلا يحكم باسلام ولد الكافر فيها بموتهما ولا موت احدهما لان الدار لا يحكم باسلام اهلها ولذلك لم يحكم باسلام لقيطها

[ 106 ]

(فصل) وتثبت الردة بشيئين: الاقرار والبينة فمتى شهد بالردة على المرتد من ثبتت الردة بشهادته فأنكر لم يسمع انكاره واستتيب فان تاب وإلا قتل، وحكي عن بعض اصحاب ابي حنيفة ان انكاره يكفي في الرجوع إلى الاسلام ولا يلزمه النطق بالشهادة لانه لو اقر بالكفر ثم انكره قبل منه ولم يكلف الشهادتين فكذلك هذا ولنا ما روى الاثرم باسناده عن علي رضي الله عنه انه اتي برجل عربي فاستتابه فأبى ان يتوب فقتله واتى برهط يصلون وهم زنادقة وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين الا الاسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال: تدرون لم استتبت النصراني؟ استتبته لانه اظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة فانما قتلهم لانهم جحدوا وقد قامت عليهم البينة ولانه قد ثبت كفره فلم يحكم باسلامه بدون الشهادتين كالكافر الاصلي ولان انكاره تكذيب للبينة فلم يسمع كسائر الدعاوى فأما إذا اقر بالكفر ثم انكر فيحتمل ان القول فيه كمسئلتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما ان الحد وجب بقوله فقبل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه كالزنا و السرقة وتقبل الشهادة على الردة من عدلين في قول اكثر اهل العلم منهم مالك و الشافعي والاوزاعي واصحاب الرأي قال ابن المنذر ولا نعلم احدا خالفهم الا الحسن قال: لا يقبل في القتل إلا اربعة لانها شهادة بما يوجب القتل فلم يقبل فيها الا أربعة قياسا على الزنا. ولنا انها شهادة بغير الزنا فقبلت من عدلين كالشهادة على السرقة ولا يصح قياسه على الزنا فلم

[ 107 ]

يعتبر فيه إلا أربعة لعلة القتل بدليل اعتبار ذلك في زنا البكر ولا قتل فيه وانما العلة كونه زنا ولم يوجد ذلك في الردة ثم الفرق بينهما ان القذف بالزنا يوجب ثمانين جلدة بخلاف القذف بالردة (فصل) وإذا أكره على الاسلام من يجوز اكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم لم يثبت له حكم الاسلام حتى يوجد منه ما يدل على اسلامه طوعا مثل أن يثبت على الاسلام بعد زوال الاكراه عنه وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الاسلام وبهذا قال ابو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن يصير مسلما في الظاهر وإن رجع عنه قتل إذا امتنع من الاسلام لعموم قوله عليه السلام (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) ولانه أتى بقول الحق فلزمه حكمه كالحربي إذا أكره عليه. ولنا انه أكره على ما لا يجوز اكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الاكراه قول الله تعالى (لا إكراه في الدين) وأجمع أهل العلم على ان الذمي إذا قام على ما هو عليه والمستأمن لا يجوز نقض عهده ولا إكراهه على ما لم يلتزمه ولانه أكره على ما لا يجوز اكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالاقرار والعتق وفارق الحربي والمرتد فانه يجوز قتلهما واكراههما على الاسلام بان يقول ان أسلمت والا قتلناك فمتى أسلم حكم باسلامه ظاهر وإن مات قبل زوال الاكراه عنه فحكمه حكم المسلمين لانه أكره بحق فحكم بصحة ما يأتي به كما لو أكره المسلم على الصلاة فصلى. وأما في الباطن فبينهم وبين ربهم فمن اعتقد الاسلام بقلبه وأسلم فيما بينه وبين ربه فهو مسلم

[ 108 ]

عند الله موعود بما وعد به من أسلم طائعا ومن لم يعتقد الاسلام بقلبه فهو باق على كفره لاحظ له في الاسلام وسواء في هذا من يجوز اكراهه ومن لا يجوز فان الاسلام لا يحصل بدون اعتقاده من العاقل بدليل ان المنافقين كانوا يظهرون الاسلام ويقومون بفرائضه ولم يكونوا مسلمين (فصل) ومن أكره على الكفر لم يصر كافرا وبهذا قال مالك وابو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن هو كافر في الظاهر تبين منه امرأته ولا يرثه المسلمون إن مات ولا يغسل ولا يصلى عليه وهو مسلم فيما بينه وبين الله تعالى لانه نطق بكلمة الكفر فأشبه المختار ولنا قول الله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله) ويروى ان عمارا أكرهه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فأخبره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (ان عادوا فعد) وروي أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إلا أجلبهم الا بلالا فانه كان يقول أحد أحد وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولانه قول أكره عليه بغير حق فلم يثبت في حقه كما لو أكره على الاقرار وفارق ما إذا أكره بحق فانه خير بين أمرين يلزمه أحدهما فأيهما اختاره ثبت حكمه في حقه فإذا ثبت انه لم يكفر فمتى زال عنه الاكراه أمر باظهار اسلامه فان أظهره فهو باق على اسلامه وإن أظهر الكفر حكم انه كفر من حين نطق به لاننا تبينا بذلك انه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به مختارا له وإن قامت عليه بينة انه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسا عند الكفار ومقيدا عندهم في حالة خوف لم يحكم بردته

[ 109 ]

لان ذلك ظاهر في الاكراه، وإن شهدت انه كان آمنا حال نطقه بردته فان ادعى ورثته رجوعه إلى الاسلام لم يقبل إلا ببينة لان الاصل بقاؤه على ما هو عليه وإن شهدت البينة عليه بأكل لحم الخنزير لم يحكم بردته لانه قد يأكله معتقدا تحريمه كما يشرب الخمر من يعتقد تحريمها، وإن قال بعض ورثته أكله مستحلا له أو أقر بردته حرم ميراثه لانه مقر بانه لا يستحقه ويدفع إلى مدعي اسلامه قدر ميراثه لانه لا يدعي أكثر منه ويدفع الباقي إلى بيت المال لعدم من يستحقه فان كان في الورثة صغير أو مجنون دفع إليه نصيبه ونصيب المقر بردة الموروث لانه لم تثبت ردته بالنسبة إليه (فصل) ومن أكره على كلمة الكفر فالافضل أن يصبر ولا يقولها وإن أتى ذلك على نفسه لما روى خباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن كان الرجل ممن قبلكم ليحفر له في الارض فيجعل فيها فيجاء بمنشار فيوضع على شق رأسه ويشق باثنتين ما يمنعه ذلك عن دينه ويمشط بامشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه) وجاء في تفسير قوله تعالى (قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) ان بعض ملوك الكفار أخذ قوما من المؤمنين فحفر لهم أخدودا في الارض وأوقدوا فيها نارا ثم قال من لم يرجع عن دينه فالقوه في النار فجعلوا يلقونهم فيها حتى جاءت امرأة على كتفها صبي لها فتقاعست من أجل الصبي فقال يا أمه اصبري فانك على الحق فذكرهم الله تعالى في كتابه وروى الاثرم عن ابي عبد الله انه سئل عن رجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله ان يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة وقال ما يشبه هذا عندي الذي انزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

[ 110 ]

أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا وهؤلاء يريدونهم على الاقامة على الكفر وترك دينهم وذلك ان الذي يكره على الكلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها وهذا المقيم بينهم يلتزم باجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المنكرات والمحظورات وإن كانت امرأة يزوجونها ويستولدونها أولادا كفارا وكذلك الرجل وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الدين الحنيفي (فصل) ومن أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم اقيم عليه حده وبهذا قال الشافعي سواء لحق بدار الحرب في ردته أو لم يلحق بها، وقال قتادة في مسلم احدث حدثا ثم لحق بالروم ثم قدر عليه ان كان ارتد درئ عنه الحد وان لم يكن ارتد أقيم عليه ونحو هذا قال ابو حنيفة والثوري الا حقوق الناس لان ردته احبطت عمله فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى كمن فعل ذلك في حال شركه فانه لم يثبت حكمه في حقه. واما قوله الاسلام (يجب ما قبله) فالمراد به ما فعله في كفره لانه لو أراد ما قبل ردته أفضى إلى كون الردة التي هي اعظم الذنوب مكفرة للذنوب وان من كثرت ذنوبه ولزمته حدود يكفر ثم يسلم فتكفر ذنوبه وتسقط حدوده (فصل) فأما فعله في ردته فقد نقل مهنا عن احمد قال: سألته عن رجل ارتد عن الاسلام فقطع الطريق ثم لحق بدار الحرب وأخذه المسلمون قال تقام عليه الحدود و يقتص منه وسألته عن رجل ارتد فلحق بدار الحرب فقتل بها مسلما ثم رجع تائبا و قد أسلم فاخذه وليه يكون عليه القصاص؟ فقال قد زال عنه الحكم لانه انما قتل وهو مشرك ثم توقف بعد ذلك وقال لا أقول في هذا شيئا

[ 111 ]

وقال القاضي ما أصاب في ردته من نفس أو مال أو جرح فعليه ضمانه سواء كان في منعة وجماعة أو لم يكن لانه التزم حكم الاسلام باقراره فلم يسقط بجحده كما لا يسقط ما التزمه عند الحاكم بجحده. قال شيخنا والصحيح ان ما أصابه المرتد بعد لحوقه بدار الحرب أو كونه في جماعة ممتنعة لا يضمنه لما ذكرناه فيما تقدم في مسألة وما أتلف من شئ ضمنه وما فعله قبل هذا اخذ به إذا كان مما يتعلق به حق آدمي كالجناية على نفس أو مال لانه في دار الاسلام فلزمه حكم جنايته كالذمي والمستأمن واما من ارتكب حدا خالصا لله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة فانه ان قتل بالردة سقط ما سوى القتل من الحدود لانه متى اجتمع مع القتل حد انتفى بالقتل، وان رجع إلى الاسلام أخذ بحد الزنا والسرقة لانه من اهل دار الاسلام فأخذ بهما كالذمي والمستأمن. فأما حد الخمر فيحتمل انه لا يجب عليه لانه كافر فلا يقام عليه حد الخمر كسائر الكفار ويحتمل ان يجب لانه أقر بحكم الاسلام قبل ردته وهذا من أحكامه فلم يسقط بجحده بعده (فصل) ومن ادعى النبوة أو صدق من ادعاها فقد ارتد لان مسيلمة لما ادعى النبوة فصدقه قومه صاروا بذلك مرتدين وكذلك طليحة الاسدي ومصدقوه وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون كلهم يدعى انه رسول الله) (فصل) قال رحمه الله والساحر الذي يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه يكفر ويقتل فاما الذي يسحر بالادوية والتدخين ويتقي شيئا يضر فلا يكفر ولا يقتل ولكن يعذر ويقتص منه

[ 112 ]

ان فعل ما يوجب القصاص. وجملة ذلك ان السحر عقد ورقى وكلام يتكلم به ويكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له وله حقيقة فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يجب بين اثنين وهذا قول الشافعي وذهب بعض اصحابه إلى أنه لا حقيقة له انما هو تخييل قال الله تعالى (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) وقال أصحاب أبي حنيفة ان كان شيئا يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز ان يحصل منه ذلك فاما ان يحصل المرض والموت من غير ان يصل انى بدنه شئ فلا يجوز ذلك لانه لو جاز لبطلت معجزات الانبياء عليهم السلام لان ذلك يخرق العادات فإذا جاز من غير الانبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم ولنا قول الله تعالى (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد) يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن عليه ولولا ان السحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة منه وقال الله تعالى (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) إلى قوله (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وروت عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله وأنه قال لها ذات يوم (أشعرت ان

[ 113 ]

الله افتاني فيما استفتيته؟ إنه اتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال ما وجع الرجل؟ قال مطبوب قال من طبه؟ قال لبيد بن الاعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي اروان) ذكره البخاري وغيره جف الطلعة وعاؤها والمشاطة الشعر الذي يخرج من شعر الرأس أو غيره إذا مشط، فقد اثبت لهم سحرا، وقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على اتيانها وحل عقده فيقدر عليها بعد عجزه عنها حتى صار متوترا لا يمكن جحده، وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه، واما ابطال المعجزات فلا يلزم من هذا لانه لا يبلغ ما تأتي به الانبياء عليهم السلام وليس يلزم ان ينتهي إلى أن تسعى العصا والحبال (فصل) وتعليم السحر وتعلمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم قال أصحابنا ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو اباحته، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر فان حنبلا روى عنه قال قال عمي في العراف والكاهن والساحر: أرى ان يستتاب من هذه الافاعيل كلها فانه عندي في معنى المرتد فان تاب وراجع يعني خلي سبيله قلت له يقتل؟ قال لا لعله يراجع قلت له لم لا تقتله؟ قال إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع، وهذا يدل على أنه لم يكفره لانه لو كفره لقتله، وقوله في معنى المرتد

[ 114 ]

يعني في الاستتابة وقال أصحاب أبي حنيفة ان اعتقد ان الشياطين تفعل له ما يشاء كفر وان اعتقد أنه تخييل لم يكفر وقال الشافعي ان اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب السبعة انها تفعل ما يلتمس أو اعتقد حل السحر كفر لان القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والاجماع وإلا فسق ولم يكفر لان عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة لها سحرتها بمحضر من الصحابة ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها ولانه شئ يضر بالناس فلم يكفر بمجرده كاذاهم ووجه قول الاصحاب قول الله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان إلى قوله وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر) وقوله تعالى (وما كفر سليمان) أي ماكان ساحرا كفر بسحره وقولهما انما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تتعلمه فتكفر بذلك وقد ذكرنا حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ان الساحرة سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون هل لها من توبة فما افتاها أحد (فصل) وحد الساحر القتل روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز وهو قول أبي حنيفة، ومالك ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر وهو قول ابن المنذر ورواية عن أحمد وقد ذكرناها ووجهها ما ذكرنا من حديث عائشة في المدبرة التي سحرتها فباعتها، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث:

[ 115 ]

كفر بعد ايمان أو زنا بعد احصان أو قتل نفس بغير حق) ولم يصدر منه احد الثلاثة فوجب أن لا يحل دمه ولنا ما روى جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (حد الساحر ضربه بالسيف) قال ابن المنذر رواه اسماعيل بن مسلم وهو ضعيف وروى سعيد وابو داود في كتابيهما عن بجالة قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الاحنف بن قيس إذ جاء كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر فكان اجماعا وقتلت حفصة جارية لها سحرتها وقتل جندب بن كعب ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة ولانه كافر فقتل للخبر المروي (فصل) والسحر الذي ذكرنا حكمه هو الذي يعد في العرف سحرا مثل فعل لبيد بن الاعصم حين سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة، وروينا في مغازي الاموي ان النجاشي دعا السواحر فنفخن في احليل عمارة بن الويد فهام مع الوحش فلم يزل معها إلى امارة عمر بن الخطاب فامسكه انسان فقال خلني وإلا مت فلم يخله فمات من ساعته، وبلغنا ان بعض الامراء أخذ ساحرة فجاء زوجها كأنه محترق فقال قولوا لها تحل عني فقالت ائتوني بخيوط وباب فأتوها به فجلست على الباب وجعلت تعقد فطار بها الباب فلم يقدروا عليها، فهذا وأمثاله مثل ان يعقد الرجل المتزوج فلا يطيق وطئ امرأته هو السحر المختلف في حكم صاحبه

[ 116 ]

(مسألة) (فاما الذي يسحر بالاودية والتدخين وسقي شئ يضر فلا يكفر ولا يقتل) لان الله تعالى وصف الساحرين الكافرين بانهم يفرقون بين المرء وزوجه فيختص الكفر بهم ويبقى من سواهم من الذين يسحرون بالادوية والتدخين على أصل العصمة لا يجب قتلهم ولا يكفرون بسحرهم لكن يعزرون ان ارتكبوا معصية ويقتص منهم ما يوجب القصاص كما يقتص من غيرهم من المسلمين (مسألة) (واما الذي يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها فتطيعه فلا يكفر ولا يقتل)

[ 117 ]

وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون وكذلك ذكره القاضي. فاما الذي يحل بالسحر فان كان بشئ من القرآن أو شئ من الذكر والاقسام والكلام المباح فلا بأس به فان كان بشئ من السحر فقد توقف أحمد عنه، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل يزعم انه يحل السحر فقال قد رخص فيه بعض الناس، قيل لابي عبد الله انه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا فنفض يده كالمنكر وقال ما ادري ما هذا، قيل له فترى ان يؤتي مثل هذا يحل السحر؟ فقال ما ادري ما هذا، وروي عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة تعذبها السحرة فقال رجل اخط خطا عليها واغرز السكين عند مجمع الخط واقرأ القرآن فقال محمد ما أعلم بقراءة القرآن بأسا على حال ولا أدري

[ 118 ]

ما الخط والسكين، وروي عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته فيلتمس من يداويه فقال انما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع وقال أيضا ان استطعت ان تنفع أخاك فافعل فهذا من قولهم يدل على ان المعزم ونحوه لم يدخلوا في حكم السحرة لانهم لا يسمون به وهو مما ينفع ولا يضر (فصل) فأما الكافر الذي له رئي من الجن يأتيه بالاخبار، والعراف الذي يحدس ويتخرص فقد قال أحمد في رواية حنبل في العراف والساحر والكاهن أرى ان يستتاب من هذه الافاعيل، قيل له يقتل قال لا، يحبس لعله يرجع، قال والعرافة طرف من السحر والساحر اخبث لان السحر شعبة من الكفر وقال الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا لانهما يلبسان أمرهما وحديث عمر اقتلوا كل ساحر وكاهن وليس هو من أمر الاسلام، وهذا يدل على ان كل واحد فيه روايتان (إحداهما) أنه يقتل إذا لم يتب (والثانية) لا يقتل لان حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف فيه فهذا بدرء القتل عنه أولى (فصل) فأما ساحر أهل الكتاب فلا يقتل لسحره إلا ان يقتل به ويكون مما يقتل غالبا فيقتل قصاصا، وقال أبو حنيفة يقتل لعموم ما تقدم من الاخبار ولانه جناية أوجبت قتل المسلم فاوجبت قتل الذمي كالقتل قصاصا ولنا ان لبيد بن الاعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ولان الشرك أعظم من سحره فلا يقتل به والاخبار وردت في ساحر المسلمين لانه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي وقياسهم ينتقض باعتقاد الكفر والتكلم به وينتقض بالزنا من المحصن فانه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم والله أعلم

[ 119 ]

كتاب الحدود (مسألة) (ولا يجب الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم) أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الاقرار لانهما قد رفع القلم عنهما قال عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) رواه ابو داود والترمذي وقال حديث حسن، وفي حديث ابن عباس في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل قومه (أمجنون هو؟) قالوا ليس به بأس. وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر عنده (أبك جنون؟) وروى ابو داود باسناده قال اتي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناسا فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي بن أبي طالب فقال ما شأن هذه؟ فقالوا مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم، فقال ارجعوا بها ثم أتاه فقال يا أمير المؤمنين أما علمت ان القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يعقل؟ قال بلى، قال فما بال هذه؟ قال لا شئ، قال فأرسلها فأرسلها، قال فجعل عمر (يك؟) ولانه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والاثم في المعاصي فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى بالاسقاط (فصل) ولا يجب على النائم لما ذكرنا من الحديث، فلو زنى بنائمة أو استدخلت ذكر نائم

[ 120 ]

إن وجد منه الزنا حال نومه فلا حد عليه لانه مرفوع عنه القلم، ولو أقر حال نومه لم يلتفت إلى اقراره لان كلامه ليس بمعتبر ولا يدل على صحة مدلوله (فصل) فان كان يجن مرة ويفيق أخرى فأقر في افاقته انه زنى وهو مفيق أو قامت عليه بينة انه زنى في افاقته فعليه الحد لا نعلم فيه خلافا وبه قال الشافعي وابو ثور واصحاب الرأي لان الزنا الموجب للحد وجد منه في حال افاقته وهو مكلف والقلم غير مرفوع عنه واقراره وجد في حال اعتبار كلامه، فان اقر في افاقته ولم يضفه إلى حال أو شهدت عليه البينة بالزنى ولم تضفه إلى حال افاقته لم يجب الحد لانه يحتمل انه وجد في حال جنونه فلم يجب الحد مع الاحتمال، وقد روى ابو داود في حديث المجنونة التي أتي بها عمر أن عليا قال هذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها أتاها في بلائها، فقال عمر لا أدري فقال علي وأنا لا أدري (مسألة) (ولا يجب الحد إلا على عالم بالتحريم) قال عمر وعلي وعثمان لا حد إلا على من علمه وبهذا قال عامة اهل العلم، وقد روى سعيد بن المسيب قال ذكر الزنا بالشام فقال رجل زنيت البارحة، قالوا ما تقول؟ قال ما علمت ان الله حرمه فكتب بها إلى عمر فكتب إن كان يعلم ان الله حرمه فحدوه وإن لم يكن علم فاعلموه فان عاد

[ 121 ]

فارجموه، وسواء جهل تحريم الزنا أو تحريم عين المرأة مثل أن يزف إليه غير امرأته فيظنها زوجته أو يدفع إليه جارية فيظنها جاريته فيطؤها فلا حد عليه (مسألة) (ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الامام أو نائبه) لانه حق لله تعالى فيفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن من استيفائه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحد في حياته وخلفاؤه بعده ولا يلزم حضور الامام اقامته لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (واغد يا انيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) وأمر برجم ماعز ولم يحضر وأتي بسارق فقال (اذهبوا به فاقطعوه) وجميع الحدود في هذا سواء حد القذف وغيره لانه لا يؤمن فيه الحيف والزيادة على الواجب ويفتقر إلى الاجتهاد فأشبه سائر الحدود (مسألة) (إلا السيد فان له اقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن وهل له القتل في الردة والقطع في السرقة؟ على روايتين) وجمله ذلك ان للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن في قول اكثر العلماء، روي نحو ذلك علي وابن مسعود وابن عمر وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلقمة والاسود والزهري وهبيرة والحسن بن أبي مريم وأبي ميسرة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر

[ 122 ]

وقال ابن أبي ليلى أدركت بقايا الانصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا، وعن الحسن بن محمد أن فاطمة حدت جارية لها زنت وعن ابراهيم ان علقمة والاسود كانا يقيمان الحدود على من زنا من خدم عشائرهم روى ذلك سعيد في سننه، وقال اصحاب الرأي ليس له ذلك لان الحدود إلى السلطان ولان من لا يملك اقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد كالصبي ولان الحد لا يجب إلا ببينة أو اقرار وتعتبر لذلك شروط من عدالة الشهود ومجيئهم مجتمعين أو في مجلس واحد وذكر حقيقة الزنا وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها ويعرف الخلاف فيها وكذلك الاقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الامام أو نائبه كحد الاحرار ولانه حد هو حق الله تعالى فيفوض إلى الامام كالقتل والقطع ولنا ما روى سعيد ثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد بن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير) وقال حدثنا أبو الأحوص ثنا عبد الاعلى عن أبي جميلة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) ورواه الدارقطني ولان السيد يملك تأديب أمته وتزويجها فلمك اقامة الحد عليها كالسلطان وبهذا فارق الصبي إذا ثبت هذا فانما يملك الحد بشروط أربعة

[ 123 ]

(أحدها) أن يكون جلدا كحد الزنا والشرب وحد القذف، فأما القتل في الردة والقطع في السرقة فلا يملكهما الا الامام، وهذا قول أكثر أهل العلم وفيها رواية أخرى أن السيد يملكهما وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) وروي أن ابن عمر قطع عبدا سرق وكذلك عائشة، وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها ولان ذلك حدا يشبهه الجلد ولنا أن الاصل تفويض الحد إلى الامام لانه حق لله تعالى فيفوض إلى نائبه كما في حق الاحرار ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة لانه تأديب والسيد يملك تأديب عبده وضربه على الذنب وهذا من جنسه وإنما افترقا في أن هذا مقدر والتأديب غير مقدر، وهذا لا اثر له في منع السيد منه بخلاف القطع والقتل فانهما اتلاف لجملته أو بعضه الصحيح ولا يملك السيد هذا من عبده ولا شيئا من جنسه والخبر الوارد في حد السيد عبده انما جاء في الزنا خاصة وانما قسنا عليه ما يشبهه من الجلد وقوله (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) انما جاء في سياق الحد في الزنا فان أول الحديث عن علي رضي الله عنه قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمة له فجرت فأرسلني إليها فقال (اجلدها الحد - قال فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها فرجعت إليه فقال - أفرغت؟ فقلت وجدتها لم تجف من دمها قال - إذا جفت من دمها فاجلدها الحد وأقيموا الحدود على ما

[ 124 ]

ملكت أيمانكم) فالظاهر أنه انما أراد ذلك الحد وشبهه، وأما فعل حفصة فقد أنكره عثمان عليها وشق عليه، وما روي عن ابن عمر فلا نعلم ثبوته عنه (مسألة) (ولا يملك اقامته على من بعضه حر ولا أمته المزوجة) وقال مالك والشافعي يملك السيد اقامة الحد على الامة المزوجة لعموم الخبر ولانه مختص بملكها وانما يملك الزوج بعض منافعها فأشبهت المستأجرة ولنا ما روي عن ابن عمر أنه قال: إذا كانت الامة ذات زوج رفعت إلى السلطان، وإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ولا نعرف له مخالفا في عصره ولان نفعها مملوك لغيره مطلقا أشبهت المشتركة ولان المشترك انما منع من اقامة الحد عليه لانه يقيمه في غير ملكه لان الجزء الحر أو المملوك لغيره ليس بمملوك له وهذا شبهه لان محل الحد هو محل استمتاع الزوج وهو بدنها فلا يملكه والخبر مخصوص بالمشترك فنقيس عليه والمستأجرة اجارتها مؤقتة تنقضي، ويحتمل أن نقول لا يملك إقامة الحد عليها في حال اجارتها لانه ربما أفضى إلى تفويت حق المستأجر وكذلك الامة المرهونة يخرج فيها وجهان (فصل) ويشترط أن يكون السيد بالغا عاقلا عالما بالحدود وكيفية اقامتها لان الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات والجاهل بالحد لا يمكنه اقامته على الوجه الشرعي فلا يفوض إليه

[ 125 ]

(مسألة) (فان كان السيد فاسقا أو امرأة فله اقامته في ظاهر كلامه ويحتمل أن لا يملكه) في الفاسق وجهان (أحدهما) لا يملكه لان هذه ولاية فنافاها الفسق كولاية التزويج (والثاني) يملكه لانها ولاية استفادها بالملك فلم ينافها الفسق كبيع العبد وفي المرأة أيضا وجهان (أحدهما) لا تملكه لانها ليست من أهل الولايات (والثاني) تملكه لان فاطمة جلدت أمة لها وعائشة قطعت أمة لها سرقت وحفصة قتلت أمة لها سحرتها ولانها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات أشبهت الرجل وفيه وجه ثالث أن الحد يفوض إلى وليها لانه يزوج أمتها (مسألة) (ولا يملكه المكاتب لانه ليس من أهل الولاية، وفيه وجه أنه يملكه) لانه يستفاد بالملك فأشبه سائر تصرفاته (مسألة) (وسواء ثبت ببينة أو اقرار) إذا ثبت باعتراف فللسيد اقامته ان كان يعترف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه، وإن ثبت ببينة اعتبر ان تثبت عند الحاكم لان البينة تحتاج إلى البحث في العدالة ومعرفة شروط سماعها ولفظها ولا يقوم بذلك إلا الحاكم، وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد يحسن سماع البينة ويعرف شروط العدالة جاز أن يسمعها ويقيم الحد بها كما يقيمه بالاقرار وهذا ظاهر نص الشافعي لانها أحد ما يثبت به الحد فأشبهت الاقرار.

[ 126 ]

(مسألة) (وان ثبت بعلمه فله اقامته نص عليه، ويحتمل أن لا يملكه كالامام) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه أن السيد لا يقيمه بعلمه وهذا قول مالك لان الامام لا يقيمه بعلمه فالسيد أولى ولان ولاية الامام للحد أقوى من ولاية السيد لكونها متفقا عليها وثابتة بالاجماع فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم فههنا أولى، وعن أحمد رواية أخرى أنه يقيمه بعلمه لانه قد ثبت عنده فملك اقامته كما لو أقر به ولانه يملك تأديب عبده بعلمه وهذا يجري مجرى التأديب ويفارق الحاكم لان الحاكم متهم لا يملك محل اقامته وهذا بخلافه وهذا ظاهر المذهب (مسألة) (ولا يقيم الامام الحد بعلمه) هذا ظاهر المذهب روي ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبه قال مالك وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر: له اقامته بعلمه وهو قول أبي ثور وعن أحمد رحمه الله نحو ذلك لانه إذا جازت له اقامته بالبينة والاعترف (والاعتراف) الذي لا يفيد فبما يفيد العلم أولى ولنا قول الله تعالى (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقال سبحانه (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) وقال عمر أو كان الحبل أو الاعتراف ولانه لا يجوز له أن يتكلم

[ 127 ]

به ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يلزمه حد القذف فلم تجز اقامة الحد لقول غيره ولانه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى (مسألة) (ولا تقام الحدود في المساجد) لما روى حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد في المسجد وأن ينشد فيه الاشعار وأن تقام فيه الحدود لانه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شئ يتلوث به المسجد فان أقيم فيه سقط الفرض لحصول المقصود وهو الزجر ولان المرتكب للنهي غير الحدود فلم يمنع ذلك سقوط الفرض عنه كما لو اقتص في المسجد (مسألة) (ويضرب الرجل قائما) وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يضرب جالسا قال أبو الخطاب، وقد روى حنبل أنه يضرب قاعدا لان الله تعالى لم يأمر بالقيام ولانه مجلود في حد اشبه المرأة ولنا قول علي رضي الله عنه: لكل موضع من الحسد حظ الا الوجه والفرج، وقال للجلاد اضرب واوجع واتق الرأس والوجه ولان قيامه وسيلة إلى اعطاء كل عضو حظه من الضرب وقوله ان الله لم يأمر بالقيام قلنا ولم يأمر بالجلوس ولم يذكر الكيفية فعلمناها من دليل آخر ولا يصح قياس الرجل على المرأة في هذا لان المرأة يقصد سترها ويخشى هتكها. إذا ثبت هذا فانه يضرب

[ 128 ]

بسوط، وحكي عن بعضهم ان حد الشرب يقام بالايدي والنعال واطراف الثياب لما روى ابو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم اتي برجل قد شرب فقال (اضربوه) قال ابو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه رواه ابو داود ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا شرب الخمر فاجلدوه) والجلد انما يفهم من اطلاقه الضرب بالسوط والخلفاء الراشدون ضربوا فيه بالسياط وكذلك غيرهم فصار اجماعا ولانه جلد في حد فكان بالسوط كغيره فأما حديث أبي هريرة فكان في بدء الاسلام ثم جلد النبي صلى الله عليه وسلم واستقرت الامور فقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم جلد اربعين وجلد أبو بكر اربعين وجلد عمر ثمانين وفي حديث ابن عمر قال ائتوني بسوط فجاءه أسلم مولاه بسوط دقيق فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لاسلم ائتني بسوط غير هذا فأتاه به تاما فأمر عمر بقدامة فجلد. إذا ثبت هذا فان السوط يكون وسطا لا حديدا فيجرح ولا خلعا فلا يؤلم لما روي ان رجلا اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بسوط مسكور فقال فوق هذا مأتي بسوط حديد لم يكسر بموته فقال بين هذين رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا وروي عن أبي هريرة مسندا وقد روي عن علي رضي الله عنه انه قال ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين يعني وسطا لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع (مسألة) (ولا يمد ولا يربط ولا يجرد قال ابن مسعود ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد)

[ 129 ]

وجلد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد بل يكون عليه القميص والقميصان، وان كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت لانه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب قال أحمد لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب، وقال مالك يجرد لان الامر بجلده يقتضي مباشرة جسمه ولنا قول ابن مسعود ولم نعلم عن أحد من الصحابة خلافه والله تعالى لم يأمر بتجريده وانما أمر بجلده ومن جلد من فوق الثوب فقد جلد (مسألة) (ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد) لان المقصود ادبه لا هلاكه، ويفرق الضرب على اعضائه وجسده فيأخذ كل عضو منه حصته ويكثر منه في مواضع اللحم كالاليتين والفخذين ويتقى المقاتل وهي الرأس والوجه والفرج من المرأة والرجل جميعا لقول علي رضي الله عنه لكل موضع من الجسد حظ الا الوجه والفرج لان ما عدا الاعضاء الثلاثة ليس بمقتل فأشبه الظهر ولان الرأس مقتل فأشبه الوجه ولانه ربما ادى في رأسه إلى ذهاب سمعه أو بصره أو عقله أو قتله والمقصود ادبه لا قتله (مسألة) (والمرأة كذلك فيما ذكرنا من صفة الجلد الا انها تضرب جالسة وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها لئلا تنكشف) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وقال أبو يوسف تحد المرأة قائمة كاللعان

[ 130 ]

ولنا قول علي ويفارق اللعان فانه لا يؤدي إلى كشف العورة وما عدا الاعضاء الثلاثة (مسألة) (والجلد في الزنا أشد الجلد ثم جلد القذف ثم الشرب ثم التعزير) وكذلك قال أصحابنا وقال مالك كلها واحد لان الله تعالى أمر بجلد الزاني والقاذف أمرا واحدا ثم مقصود جميعها واحد وهو الزجر فيجب تساويها في الصفة، وعن أبي حنيفة التعزير اشدها ثم حد الزاني ثم الشرب ثم حد القذف ولنا ان الله تعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) فاقتضى مزيد تأكيد ولا يمكن ذلك في العدد فجعل في الصفة، ولان ما دونه أخف منه في العدد فلا يجوز ان يزيد عليه في ايلامه ووجعه وهذا دليل على ان ماخف في عدده كان أخف في صفته ولان ما دونه أخف منه عددا فلا يجوز ان يزيد عليه في ايلامه ووجعه لانه يفضي إلى التسوية أو زيادة القليل على الم الكثير (مسألة) (وان رأى الامام الجلد في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك) لما ذكرنا من حديث أبي هريرة قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب فقال (اضربوه) قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعلين والضارب بثوبه، رواه أبو داود (مسألة) (قال اصحابنا ولا يؤخر الحد للمرض فان كان جلدا وخشي عليه من السوط أقيم

[ 131 ]

باطراف الثياب والعثكول ويحتمل ان يؤخر للمرض المرجو زواله اما إذا كان الحد رجما لم يؤخر لانه لا فائدة فيه إذا كان قتله متحتما وإذا كان جلدا فالمريض على ضربين (احدهما) يرجى برؤه فقال اصحابنا يقام عليه الحد ولا يؤخر فان خشى عليه من السوط ضرب بسوط يؤمن معه التلف فان خيف من السوط أقيم بالعثكول وهذا قول أبي بكر وبه قال إسحاق وأبو ثور لان عمر رضي الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره وانتشر ذلك في الصحابة ولم ينكروه فكان اجماعا، ولان الحد واجب على الفور فلا يؤخر ما أوجبه الله تعالى بغير حجة قال القاضي ظاهر قول الخرقي تأخيره لقوله من يجب عليه الحد وهو صحيح عاقل وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لحديث علي رضي الله عنه في التى هي حديثة عهد بنفاس ولان في تأخيره اقامة الحد على الكمال من غير اتلاف فكان اولى، وأما حديث عمر في جلد قدامة فانه يحتمل انه كان مرضا خفيفا لا يمنع من اقامة الحد على الكمال ولهذا لم ينقل عنه انه خفف عنه في السوط وانما اختار له سوطا وسطا كالذى يضرب به الصحيح، ثم ان فعل النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على فعل عمر مع أنه اختيار علي وفعله وكذلك الحكم في تأخيره في الحر والبرد المفرط (الضرب الثاني) المريض الذى لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير

[ 132 ]

وشمراخ النخل فان خيف عليه من ذلك جمع ضغثا فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة وبهذا قال الشافعي وانكر مالك هذا وقال قد قال الله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهذا جلده واحدة ولنا ماروى ابو امامة بن سهل بن حنيف عن بعض اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان رجلا اشتكى حتى ضني فدخلت عليه امرأة فهش لها فوقع بها فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة، رواه أبو داود والنسائي وقال ابن المنذر في اسناده مقال، ولانه لا يخلو من ان يقام عليه الحد على ما ذكرنا أو لا يقام اصلا أو يضرب ضربا كاملا: لا يجوز تركه بالكلية لانه يخالف الكتاب والسنة ولا ان يجلد جلدا تاما لانه يفضي إلى اتلافه فتعين ما ذكرناه، وقولهم هذا جلده واحدة قلنا يجوز ان يقام ذلك في حال العذر كما قال الله تعالى في حق ايوب (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله بما لا يوجب القتل (فصل) وإذا وجب الحد على حامل لم يقم عليها حتى تضع سواء كان الحمل من زنا أو غيره قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على ان الحامل لا ترجم حتى تضع، وروى بريدة ان امرأة من بني غامد قالت يا رسول الله طهرني قال (وماذاك) قالت انها حبلى من زنا قال (انت) قالت نعم فقال (لها ارجعي حتى

[ 133 ]

تضعي ما في بطنك) قال فكفلها رجل من الانصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قال قد وضعت الغامدية فقال (إذا لا نرجمها وتدع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه) فقام رجل من الانصار فقال الي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها رواه مسلم وأبو داود، وروي ان امرأة زنت في أيام عمر رضي الله عنه فهم عمر برجمها وهي حامل فقال معاذ ان كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها فقال عجز النساء أن يلدن مثلك ولم يرجمها وعن علي مثله، ولان في اقامة الحد عليها في حال حملها اتلافا لمعصوم ولا سبيل إليه وسواء كان الحد رجما أو غيره لانه لا يؤمن تلف الولد من سراية الضرب وربما سرى إلى نفس المضروب فيفوت الولد بفواته، فإذا وضعت الولد فان كان الحد رجما لم ترجم حتى تسقيه اللبأ لان الولد لا يكاد يعيش الا به، ثم ان كان له من يرضعه أو تكفل احد برضاعه رجمعت والا تركت حتى تفطمه لما ذكرنا من حديث الغامدية ولما روى أبو داود باسناده عن بريدة ان امرأة اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت اني فجرت فوالله اني لحبلى فقال لها (ارجعي حتى تلدي) فرجعت فلما ولدت أتت بالصبي فقال (ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه) فجاءت به قد فطمته وفي يده شئ يأكله فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها وأمر بها فرجمت وأمر بها فصلي عليها ودفنت. وان لم يظهر حملها لم تؤخر لاحتمال ان تكون حملت من الزنا لان النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية والجهنية ولم يسأل عن استبرائهما وقال لانيس (اذهب إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) ولم يأمره بسؤالها عن استبرائها، ورجم علي رضي

[ 134 ]

الله عنه شراحة ولم يستبرئها، وان ادعت الحمل قبل قولها كما قبل قول الغامدية، فان كان الحد جلدا فإذا وضعت الولد وانقطع النفاس وكانت قوية يؤمن تلفها أقيم عليها الحد وان كانت في نفاسها أو ضعيفة يخاف تلفها لم يقم عليها الحد حتى تطهر وتقوى وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وذكر القاضي أنه ظاهر كلام الخرقي وقال أبو بكر يقام عليها الحد في الحال بسوط يؤمن معه التلف فان خيف عليها من السوط اقيم بالعثكول وأطراف الثياب لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب المريض الذي زنى فقال (خذوا له مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة) ولنا ماروى علي رضي الله عنه أنه قال ان امة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني ان اجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت ان انا جلدتها ان اقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (احسنت) رواه مسلم وأبو داود ولفظه قال فأتيته فقال يا علي (افرغت؟) فقلت اتيتها ودمها يسيل فقال (دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم اقم عليها الحد) وفي حديث أبي بكرة ان المرأة انطلقت فولدت غلاما فجاءت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها (انطلقي فتطهري من الدم) رواه أبو داود ولانه لو توالى عليه حدان فاستوفى أحدهما لم يستوف الثاني حتى يبرأ من الاول (مسألة) (وإذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله ولا يجب على أحد ضمانه جلدا كان أو غيره) لانه حد وجب لله عزوجل فلم يود من مات به كالقطع في السرقة وهذا قول مالك وأصحاب

[ 135 ]

الرأي وبه قال الشافعي إذا لم يزد في حد الخمر على الاربعين وان زاد على الاربعين فمات فعليه الضمان لان ذلك تعزير انما يفعله الامام برأيه، وفي قدر الضمان قولان (أحدهما) نصف الدية لانه تلف من فعلين مضمون وغير مضمون فكان عليه نصف الضمان (والثاني) تقسط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر زيادته على الاربعين روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ما كنت لاقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي الا صاحب الخمر لو مات وديته لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه ولنا أنه حد وجب لله تعالى فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود وما زاد على الاربعين فهو من الحد على ما نذكره، وان كان تعزيرا فالتعزير يجب فهو بمنزلة الحد، وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وثبت الحد بالاجماع فلم يبق فيه شبهة (فصل) ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في سائر الحدود أنه إذا أتي بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنه لا يضمن من تلف بها لانه فعلها بأمر الله وأمر رسوله فلا يؤاخذ به ولانه نائب عن الله تعالى فكان التلف منسوبا إلى الله سبحانه (مسألة) (وان زاد على الحد سوطا أو أكثر فتلف ضمنه وهل يضمن جميع الدية أو نصفها؟ على وجهين) إذا زاد على الحد فتلف المحدود وجب الضمان بغير خلاف نعلمه لانه تلف بعدوانه فاشبه ما لو ضربه في غير الحد، قال أبو بكر وفي قدر الضمان وجهان (أحدهما) كمال الدية لانه قتل حصل من جهة الله تعالى وعدوان الضارب فكان الضمان على العادي كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به ولانه

[ 136 ]

تلف بعدوان وغيره أشبه مالو القى على سفينة موقرة حجرا فغرقها (والثاني) عليه نصف الضمان لانه تلف بفعل مضمون وغير مضمون فوجب نصف الدية حسب كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في احد قوليه وقال في الآخر يجب من الدية بقدر ما تعدى به تقسط الدية على الاسواط كلها وسواء زاد خطأ أو عمدا لان الضمان يجب في الخطأ والعمد، ثم ينظر فان كان الجلاد زاده من عند نفسه بغير امر فالضمان على عاقلته لان العدوان منه وكذلك ان قال له الامام اضرب ما شئت، وان كان له من يعد عليه فزاد في العدد ولم يجبره فالضمان على من يعد سواء تعمد ذلك أو اخطأ في العدد لان الخطأ منه، وان امره الامام بالزيادة على الحد فزاد فقال القاضي الضمان على الامام، وقياس المذهب انه ان اعتقد وجوب طاعة الامام وجهل تحريم الزيادة فالضمان على الامام وان كان عالما بذلك فالضمان عليه كما لو امره الامام بقتل رجل ظلما فقتله، وكل موضع قلنا يضمن الامام فهل يلزم عاقلته أو بيت المال؟ فيه روايتان (إحداهما) هو في بيت المال لان خطأه يكثر فلو وجب ضمانه على عاقلته اجحف بهم قال القاضي هذا اصح (والثاني) هو على عاقلته لانها وجبت بخطائه فكانت على عاقلته كما لو رمى صيدا فقتل آدميا، ويحتمل ان تكون الروايتان فيما إذا وقعت الزيادة منه خطأ اما إذا تعمدها فهذا ظلم قصده فلا وجه لتعلق ضمان ببيت المال بحال كما لو تعمد جلد من لاحد عليه، واما الكفارة التي تلزم الامام فلا يحملها عنه غيره لانها عبادة فلا

[ 137 ]

تتعلق بغير من وجد منه سببها ولانها كفارة لفعله فلا تحصل إلا بتحمله إياها ولهذا لا يدخلها التحمل بحال (مسألة) (وإذا كان الحد رجما لم يحفر له رجلا كان أو امرأة في احد الوجهين) سواء ثبت ببينة أو اقرار اما إذا كان الزاني رجلا لم يوثق بشئ ولم يحفر له سواء ثبت الزنا ببينة أو اقرار لا نعلم فيه خلافا لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز قال ابو سعيد لما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع فو الله ما حفرنا له ولا اوثقناه ولكنه قام لنا رواه ابو داود ولان الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه فوجب ان لا يثبت (مسألة) (واما المرأة فان كان ثبت باقرارها لم يحفر لها وان ثبت ببينة حفر لها إلى الصدر) ظاهر كلام احمد ان المرأة لا يحفر لها ايضا وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف وذكر في المجرد انه ان ثبت الحد باقرارها لم يحفر لها وان ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر قال ابو الخطاب وهذا أصح عندي وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو بكرة وبريدة ان النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة رواه أبو داود ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف الثابت بالاقرار فانها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه لان رجوعها عن إقرارها مقبول

[ 138 ]

ولنا ان أكثر الاحاديث على ترك الحفر فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولا لليهوديين والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ولا يقولون به فان التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها باقرارها ولا خلاف بيننا فيها فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم إياه، إذا ثبت هذا فان ثياب المرأة تشد عليها لئلا تنكشف وقد روى أبو داود باسناده عن عمران بن حصين قال فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ولان ذلك استر لها (مسألة) (ويستحب ان يبدأ الشهود بالرجم وان ثبت بالاقرار استحب ان يبدأ الامام) السنة ان يدور الناس حول المرجوم فان كان الزنا ثبت ببينة استحب ان يبدأ الشهود بالرجم وان كان ثبت باقرار بدأ به الامام أو الحاكم ان كان ثبت عنده ثم يرجم الناس بعده وقد روى سعيد باسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال الرجم رجمان فما كان منه باقرار فاول من يرجم الامام ثم الناس وما كان ببينة فاول من يرجم البينة ثم الناس ولان فعل ذلك ابعد لهم من التهمة في الكذب عليه (مسألة) (ومتى رجع المقر بالحد عن اقراره قبل منه، وإن رجع في أثناء الحد لم يتمم) وجملة ذلك أن من شرط إقامة الحد بالاقرار البقاء عليه إلى تمام الحد فان رجع عن اقراره كف عنه وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد ومالك والثوري واسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى يقام عليه الحد لا يترك لان ماعزا هرب

[ 139 ]

فقتلوه، وروي أنه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قومي هم غروني من نفسي وأخبروني أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه رواه أبو داود ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته ولانه حق وجب باقراره فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق، وحكي عن الاوزاعي أنه إن رجع حد للفرية على نفسه، وإن رجع عن السرقة أو الشرب ضرب دون الحد. ولنا أن ماعزا هرب فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (هل لا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟) قال لما بن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن داهر وغيرهم أن ماعزا هرب فقال لهم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (فهلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟) ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه وعن بريدة قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلقهما وإنما رجمهما عند الرابعة رواه أبو داود ولان رجوعه شبهة والحد يدرأ بالشبهات ولان الاقرار أحد بينتي الحد فيسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل اقامة الحد وفارق سائر الحقوق فانها لا تدرأ بالشبهات وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هريه لانه ليس بصريح في الرجوع (مسألة) (وإن رجم ببينة فهرب لم يترك وإن كان باقرار ترك)

[ 140 ]

إذا ثبت الحد عليه باقراره فهرب لم يتبع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (هلا تركتموه؟) وإن لم يترك وقتل لم يضمن لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يضمن ماعزا من قتله ولان هربه ليس بصريح في رجوعه فان قال ردوني إلى الحاكم وجب رده ولم يجز اتمام الحد فان أتم فلا ضمان على من أتمه لما ذكرنا في هربه وإن رجع عن اقراره وقال كذبت في اقراري أو رجعت عنه أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه فان قتله قاتل بعد ذلك فعليه ضمانه لانه قد زال اقراره بالرجوع عنه فصار كمن لم يقر ولا قصاص على قاتله لان العلماء اختلفوا في صحة رجوعه فكان اختلافهم شبهة درئ به القصاص ولان صحة الرجوع ما يخفي فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب القصاص فأما إن رجم ببينة فهرب لم يترك لان زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه فلم يؤثر فيه هربه كسائر الاحكام والله أعلم (فصل) وإذا اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل استوفي وسقط سائرها إذا اجتمعت الحدود لم تخل من ثلاثة أقسام: (أحدها) أن تكون خالصة لله تعالى فهي نوعان (أحدها) أن يكون فيها قتل مثل أن يسرق ويزني وهو محصن ويشرب ويقتل في المحاربة فهذا يقتل ويسقط سائرها وهذا قول ابن مسعود وعطاء والشعبي والنخعي والاوزاعي ومالك وحماد وأبي حنيفة وقال الشافعي تستوفى جميعها لان ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كقطع اليد قصاصا ولنا قول ابن مسعود قال سعيد ثنا حسان بن منصور ثنا مجالد عن عامر عن مسروق عن

[ 141 ]

عبد الله قال: إذا اجتمع حدان أحدها القتل أحاط القتل بذلك، وقال ابراهيم يكفيه القتل وثنا هشيم انا حجاج عن ابراهيم والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك، وهذه أقوال انتشرت في عهد الصحابة والتابعين ولم يظهر لها مخالف فكان اجماعا ولانها حدود لله فيها قتل فسقط ما دونه كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فانه يكتفى بقتله ولان هذه الحدود تراد لمجرد الزجر ومع القتل لا حاجة إلى زجره لانه لا فائدة فلا يشرع فيه ويفارق القصاص فان فيه غرض التشفي والانتقام ولا يقصد فيه مجرد الزجر إذا ثبت هذا فانه إذا وجد ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة أو القتل للردة أو لترك الصلاة فينبغي أن يقتل للمحاربة ويسقط الرجم لان في القتل للمحاربة حق آدمي في القصاص، وانما اثرت المحاربة تحتمه وحق الآدمي يجب تقديمه (النوع الثاني) أن لا يكون فيها قتل فان كانت من جنس مثل أن زنى أو سرق أو شرب مرارا قبل اقامة الحد عليه أجزأ حد واحد بغير خلاف علمناه. قال ابن المنذر. أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم عطاء والزهري ومالك وأبو حنيفة وأحمد واسحاق وأبو يوسف وأبو ثور وهو مذهب الشافعي فان أقيم عليه الحد ثم حدثت منه جناية أخرى ففيها حدها لا نعلم فيه خلافا، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الامة تزني قبل أن تحيض فقال (اجلدوها ان زنت ثم ان زنت فاجلدوها ثم ان زنت فاجلدوها) ولان تداخل الحدود انما يكون مع اجتماعها والحد الثاني وجب بعد سقوط الحد الاول باستيفائه، وان كانت من أجناس استوفيت كلها من غير خلاف

[ 142 ]

ويبدأ وبالاخف فالاخف فإذا شرب وزنى وسرق حد للشرب أولا تم حد للزنا ثم قطع للسرقة وان أخذ المال في المحاربة قطع لذلك ويدخل فيه القطع للسرقة لان محل القطعين واحد فتداخلا كالقتلين، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يتخير بين البداءه بحد الزنا وقطع السرقة لان كل واحد منهما ثبت بنص القرآن ثم بحد الشرب ولنا أن حد الشرب أخف فيقدم كحد القذف ولا نسلم أن حد الشرب غير منصوص عليه فانه منصوص عليه في السنة ومجمع على وجوبه وهذا التقدير على سبيل الاستحباب ولو بدأ بغيره جاز ووقع الموقع ولا يوالي بين هذه الحدود لانه ربما أفضى إلى تلفه بل متى برأ من حد أقيم عليه الذي يليه (مسألة) (وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها سواء كان فيها قتل أو لم يكن) ويبدأ بغير القتل وهي القصاص وحد القذف فهذه تستوفى كلها ويبدأ بأخفها فيحد للقذف ثم يقطع ثم يقتل لانها حقوق لآدميين أمكن استيفاؤها فوجب كسائر حقوقهم وهذا قول الاوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة يدخل ما دون القتل فيه لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك رواه سعيد في سننه وقياسا على الحدود الخالصة لله تعالى ولنا أن ما دون القتل حق لآدمي فلم يسقط به كديونهم وفارق حق الله تعالى فانه مبني على المسامحة (مسألة) (فان اجتمعت مع حدود الله بدئ بها)

[ 143 ]

إذا اجتمعت حدود الله تعالى وحدود الآدميين فهذه ثلاثة أنواع (أحدها) أن لا يكون فيها قتل فهذه تستوفى كلها وبهذا قال ابو حنيفة والشافعي وعن مالك ان حد الشرب والقذف يتداحلان لاستوائهما فهما كالقتلين والقطعين ولنا انهما حدان من جنسين لا يفوت بهما المحل فلم يتداخلا كحد الزنا والشرب ولا نسلم استواءهما فان حد الشرب أربعون وحد القذف ثمانون وان سلم استواءهما لم يلزم تداخلهما لان ذلك لو اقتضى تداخلهما لوجب دخولهما في حد الزاني لان الاقل مما يتداخل يدخل في الاكثر وفارق القتلين والقطعين فان المحل يفوت بالاول فيتعذر استيفاء الثاني فهذا بخلافه فعلى هذا يبدأ بحد القذف لانه اجتمع فيه معنيان خفته وكونه حقا لادمي صحيح إلا إذا قلنا حد الشرب أربعون فانه يبدأ به لخفته ثم بحد القذف وايهما قدم فالآخر يليه ثم بحد الزنا لانه لا اتلاف فيه ثم بالقطع هكذا ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يبدأ بالقطع قصاصا لانه حق آدمي يتمحض فإذا بر أحد للقذف إذا قلنا هو حق آدمي ثم بحد الشرب فإذا برأ حد للزنا لان حق الآدمي يجب تقديمه لتأكده (النوع الثاني) ان تجتمع حدود الله تعالى وحدود لآدمي وفيها قتل فان حدود الله تعالى تدخل في القتل سواء كان من حدود الله تعالى كالرجم في الزنا والقتل في المحاربة أو الردة أو لحق آدمي كالقصاص لما قدمنا. واما حقوق الآدمي فتستوفى كلها ثم ان كان القتل حقا لله تعالى استوفيت

[ 144 ]

الحقوق كلها متوالية لانه لابد من فوات نفسه فلا فائدة في التأخير وان كان القتل حقا لآدمي انتظر باستيفاء الثاني برؤه من الاول لوجهين (أحدهما) ان الموالاة بينهما يحتمل ان تفوت نفسه قبل القصاص فيفوت حق الآدمي (والثاني) ان العفو جائز فتأخيره يحتمل ان يعفو الولي فيحيى بخلاف القتل حقا لله سبحانه (النوع الثالث) ان يتفق الحقان في محل واحد كالقتل والقطع قصاصا وحدا فاما القتل فان كان فيه ما هو خالص لحق الله تعالى كالرجم في الزنا وما هو حق لآدمي كالقصاص قدم القصاص لتأكد حق الآدمي وان اجتمع القتل في المحاربة والقصاص بدئ باسبقهما لان القتل في المحاربة فيه حق لآدمي أيضا فقدم اسبقهما فان سبق القتل في المحاربة استوفي ووجب لولي المقتول الآخر ديته في مال الجاني وان سبق القصاص قتل قصاصا ولم يصلب لان الصلب من تمام الحد وقد سقط الحد بالقصاص فسقط الصلب كما لو مات ويجب لولي المقتول في المحاربة ديته لان القتل تعذر استيفاؤه وهو قصاص فصار الوجوب إلى الدية وهكذا لو مات القاتل في المحاربة وجبت الدية في تركته لتعذر استيفاء القتل من القاتل ولو كان القصاص سابقا فعفى ولي المقتول استوفي القتل للمحاربة سواء عفى مطلقا أو إلى الدية وهذا مذهب الشافعي وأما القطع فإذا اجتمع وجوب القطع في يد أو رجل قصاصا

[ 145 ]

وحدا قدم القصاص على الحد المتمحض لله تعالى لما ذكرناه وسواء تقدم سببه أو تأخر، وان عفا ولي الجناية استوفى الحد فإذا قطع يدا وأخذ المال في المحاربة قطعت يده قصاصا وينتظر برؤه فإذا برأ قطعت رجله للمحاربة لانهما حدان وانما قدم القصاص في القطع دون القتل لان القطع في المحاربة حد محض وليس بقصاص والقتل فيهما يتضمن القصاص ولهذا لو فات القتل في المحاربة وجبت الدية ولو فات القطع لم يجب له بدل، وإذا ثبت أنه تقدم القصاص على القطع في المحاربة فقطع اليد قصاصا فان رجله تقطع وهل تقطع يده الاخرى؟ نظرنا فان كان المقطوع بالقصاص قد كان مستحق القطع بالمحاربة قبل الجناية الموجبة للقصاص فيه لم يقطع أكثر من العضو الباقي من العضوين اللذين استحق قطعهما لان محل القطع ذهب بعارض حادث فلم يجب قطع بدله كما لو ذهب بعدوان أو مرض، وعلى هذا لو ذهب العضوان جميعا سقط القطع عنه بالكلية، وان كان سبب القطع قصاصا سابقا على محاربته أو كان المقطوع غير العضو الذي وجب قطعه في المحاربة مثل ان وجب عليه القصاص في يساره بعد وجوب قطع يمناه في المحاربة فهل تقطع اليد الاخرى للمحاربة؟ على وجهين بناء على الروايتين في قطع يسرى السارق بعد قطع يمينه ان قلنا تقطع ثم قطعت ههنا وإلا فلا، وان سرق وأخذ المال في المحاربة قطعت يده اليمنى لاسبقهما فان كانت المحاربة سابقة قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا

[ 146 ]

وهل تقطع يسرى يديه للسرقة؟ على الروايتين فان قلنا تقطع انتظر برؤه من القطع للمحاربة لانهما حدان وان كانت السرقة سابقة قطعت يمناه للسرقة ولا تقطع رجله للمحاربة حتى تبرأ يده وهل تقطع يسرى يديه للمحاربة على وجهين (فصل) وان سرق وقتل في المحاربة ولم يأخذ المال قتل حتما ولم يصلب ولم تقطع يده لانهما حدان فيهما قتل فدخل ما دون القتل فيه ولم يصلب لان الصلب من تمام حد قاطع الطريق إذا أخذ المال مع القتل ولم يوجد وهذان حدان كل واحد منهما منفصل عن صاحبه فإذا اجتمعا تداخلا، وان قتل في المحاربة جماعة قتل بالاول حتما وللباقين ديات اوليائهم لان قتله استحق بقتل الاول وتحتم بحيث لا يسقط فتعينت حقوق الباقين في الدية كما لو مات (فصل) ومن قتل أو أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه الحد وجملة ذلك ان من قتل خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه، هذا قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه، واما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس فعن احمد فيه روايتان (إحداهما) لا يستوفى من الملتجئ إلى الحرم فيه (والثانية) يستوفى وهذا مذهب ابي حنيفة لان المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القتل بقوله

[ 147 ]

عليه السلام (فلا يسفك فيها دم) وحرمة النفس أعظم فلا يقاس عليها غيرها ولان الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده: والاولى ظاهر المذهب وظاهر قول الخرقي، قال أبو بكر هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه ان الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل والعمل على ان كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، وقال مالك والشافعي وابن المنذر يستوفى منه لعموم الامر بجلد الزاني وقطع السارق واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ان الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بجزية ولا دم) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وهو متعلق باستار الكعبة حديث صحيح ولانه حيوان ابيح قتله لعصيانه فاشبه الكلب العقور ولنا قول الله تعالى (ومن دخله كان آمنا) يعني الحرم بدليل قوله تعالى (فيه آيات بينات مقام ابراهيم) والخبر أريد به الامر لانه لو أريد الخبر لافضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ان يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرة فان أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا ان الله اذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما اذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد الغائب) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض وانما احلت لي

[ 148 ]

ساعة من نهار ثم عادت إلى حرمتها فلا يسفك فيه دم) متفق عليهما، والحجة فيه من وجهين (أحدهما) أنه حرم سفك الدم بها على الاطلاق وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فانه لو أراد سفك الدم الحرام لم تختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدا (والثاني) قوله (انما حلت لي ساعة من نهار) ثم عادت حرمتها ومعلوم أنه انما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم ثم احلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنه قياس غيره عليه والاقتداء به بقوله (فان أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم) وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن خطل فانه من رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبين أنها له على الخصوص وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الاشدق يرد به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح هذا الحديث وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع، وأما جلد الزاني وقطع السارق والامر بالقصاص فانما هو مطلق في الامكنة والازمنة فانه يتناول مكانا غير معين ضرورة أنه لابد من مكان فيمكن إقامته في مكان غير الحرم ثم لو كان عاما فانما رويناه خاصا يختص به مع أنه قد خص مما ذكروه الحامل والمريض المرجو برؤه فتأخر الحد عنه وتأخر قتل الحامل فجاز أن يخص أيضا بما ذكرناه، والقياس على الكلب العقور لا يصح فان ذلك طبعه الاذى فلم يحرمه الحرم ليدفع اذاه عن أهله، وأما الآدمي فالاصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من

[ 149 ]

المأكولات فان الحرم يعصمها. إذا ثبت هذا فانه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى ويقال له اتق الله واخرج إلى الحل يستوفى منك الحق الذي قبلك فإذا خرج استوفي حق الله منه وهذا قول جميع من ذكرناه، وانما كان كذلك لانه لو أطعم أو أووي لتمكن من الاقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع من ذلك كان وسيلة إلى خروجه فيقام فيه حق الله تعالى وليس علينا إطعامه كما أن الصيد لا يصاد في الحرم وليس علينا القيام به، قال ابن عباس رحمه الله من أصاب حدا فلجأ إلى الحرم فانه لا يجالس ولا يبايع ولا يؤوى ويأتيه الذي يطلبه فيقول أي فلان اتق الله فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد، رواه الاثرم، فان قتل من له عليه قصاص في الحرم أو أقام حد الجلد أو قتل أو قطع طرفا أساء ولا شئ عليه لانه استوفى حقه في حال لم يكن له استيفاؤه فيه فأشبه مالو اقتص في حر شديد أو برد مفرط. (مسألة) (فان فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه) وجملة ذلك أن من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدا أو قصاصا فانه يقام عليه حدها لا نعلم فيه خلافا، وقد روى الاثرم باسناده عن ابن عباس أنه قال من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شئ وقد امر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم فقال تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم) فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم، ولان

[ 150 ]

أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لانفسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لابد منها ولا يجوز الاخلال بها، ولان الجاني في الحرم هاتك لحرمته فلا تنتهض الحرمة لتحريم دمه وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك بخلاف الملتجئ إليها لجناية صدرت منه في غيرها. (فصل) فأما حرم مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنع إقامة حد ولا قصاص، لان النص انما ورد في حرم الله تعالى، وحرم المدينة دونه في الحرمة فلا يصح قياسه عليه وكذلك سائر البقاع لا تمنع من استيفاء حق ولا إقامة حد، لان أمر الله تعالى باستيفاء الحقوق وإقامة الحد مطلق في الامكنة والازمنة خرج منها الحرم لمعنى لا يلفى في غيره لانه محل الانساك وقبلة المسلمين وفيه بيت الله المحجوج وأول بيت وضع للناس ومقام ابراهيم وآيات بينات فلا يلحق به سواه ولا يقاس عليه لانه ليس في معناه والله سبحانه أعلم. (مسألة) (وان أتى حدا في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الاسلام فيقام عليه) وجملة ذلك أن من أتى حدا من الغزاة أو ما يوجب قصاصا في أرض الحرب لم يقم عليه حتى

[ 151 ]

يقفل فيقام عليه حده وبهذا قال الاوزاعي واسحاق وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يقام الحد في كل موضع، لان امر الله تعالى باقامته مطلق في كل مكان وزمان إلا أن الشافعي قال إذا لم يكن امير الجيش الامام أو امير اقليم ليس له اقامته يؤخر حتى يأتي الامام لان إقامة الحدود إليه وكذلك ان كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به أو شغل عنه أخر وقال ابو حنيفة لاحد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع ولنا على وجوب الحد امر الله تعالى ورسوله به وعلى تأخيره ماروى بسر بن ابي ارطاة انه اتى برجل في الغزاة قد سرق جنيبة فقال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تقطع الايدي في الغزاة) قطعتك اخرجه ابو داود وغيره، ولانه اجماع الصحابة رضي الله عنهم فروى سعيد باسناده عن الاحوص بن حكيم عن ابيه ان عمر كتب إلى الناس ان لا يجلدن امير جيش ولا سرية ولا رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار

[ 152 ]

وعن أبي الدرداء، مثل ذلك وعن علقمة قال كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا والوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة اتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ وأني سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال ابو محجن. كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا واترك مشدودا علي وثاقيا وقال لابنة حفصة امرأة سعد اطلقيني ولك الله علي ان سلمني الله ان ارجع حتى اضع رجلي في القيد وان قتلت استرحتم مني، قال فحلته حتى التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس قال وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة فوثب ابو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء ثم اخذ رمحا فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم وجعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع وجعل سعد يقول الصبر صبر البلقاء والطعن طعن

[ 153 ]

أبي محجن وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد فأخبرت ابنة حصفة سعدا بما كان من أمره فقال سعد لا والله لا أضرب اليوم رجلا ابلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم فخلى سبيله، فقال ابو محجن قد كنت أشربها إذ تقام علي الحد وأطهر منها فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها ابدا. وهذا اتفاق لم يظهر خلافه فأما إذا رجع فانه يقام عليه الحد لعموم الآيات والاخبار وإنما أخر لعارض كما يؤخر لمرض أو شغل فإذا زال العارض أقيم الحد لوجود مقتضيه وانتفاء معارضه ولهذا قال عمر حتى يقطع الدرب قافلا (فصل) وتقام الحدود في الثغور بغير خلاف نعلمه لانها من بلاد الاسلام والحاجة داعية إلى زجر أهلها كالحاجة إلى زجر غيرهم، وقد كتب عمر إلى أبي عبيدة أن يجلد من شرب الخمر ثمانين وهو بالشام وهو من الثغور. باب حد الزنا الزنا حرام وهو من الكبائر العظام بدليل قوله تعالى (ولا تقربو الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقال تعالى (والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) وعن عبد الله بن مسعود

[ 154 ]

قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب؟ اعظم قال (ان تجعل لله ندا وهو خلقك) قال قلت ثم أي قال (ان تقتل ولدك مخافة ان يطعم معك) قال قلت ثم أي قال (ان تزاني حليلة جارك) متفق عليه وكان حد الزاني في صدر الاسلام الحبس في البيت والاذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر لقوله سبحانه (واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فاذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما ان الله كان توابا رحيما) قال بعض أهل العلم المراد بقوله من نسائكم الثيب لان قوله من نسائكم اضافة إلى زوجية كقوله (للذين يؤلون من نسائهم) ولا فائدة في اضافته ههنا نعلمها الا اعتبار الثيوبة ولانه قد ذكر عقوبتين (احداهما) اغلظ من الاخرى فكانت الاغلظ للثيب والاخرى للبكر كالرجم والجلد ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) رواه مسلم فان قيل فكيف ينسخ القرآن بالسنة؟ قلنا قد ذهب اصحابنا إلى جوازه لان الكل من عند الله وان اختلفت طريقه ومن منع ذلك قال ليس هذا نسخا انما هو تفسير للقرآن وتبيين له لان النسخ رفع حكم ظاهره الاطلاق

[ 155 ]

فأما ما كان مشروطا بشرط وزال الشرط لا يكون نسخا وههنا شرط الله سبحانه حبسهن إلى ان يجعل الله لهن سبيلا فبينت السنة السبيل فكان بيانا لا نسخا ويمكن ان يقال ان نسخه حصل بالقرآن فان الجلد كان في كتاب الله تعالى والرجم كان فيه فنسخ رسمه وبقي حكمه (مسألة) (إذا زنى الحر المحصن فحده الرجم حتى يموت وهل يجلد قبل الرجم؟ على روايتين) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة (احدها) في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلا كان أو امرأة هذا قول عامة أعمل العلم من الصحابة والتابعين من بعدهم من علماء الامصار في جميع الاعصار ولا نعلم احدا خالف فيه الا الخوارج فانهم قالوا الجلد للبكر والثيب لقول الله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وقال لا يجوز ترك كتاب الله تعالى الثابت بالقطع واليقين لاخبار آحاد يجوز الكذب فيها ولان هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة وهو غير جائز ولنا انه قد ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في اخبار تشبه المتواتر واجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نذكره في اثناء الباب في موضعه ان شاء الله تعالى قد انزله الله تعالى في كتابه وانما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال ان الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وانزل عليه الكتاب فكان فيما انزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى ان طال بالناس زمان يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة انزلها الله تعالى فالرجم حق على من زنى إذا احصن من الرجال

[ 156 ]

والنساء إذا قامت به البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وقد قرأتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) متفق عليه وأما آية الجلد فنقول بها فان الزاني يجب جلده فان كان ثيبا رجم مع الجلد والآية لم تتعرض إلى كيفية والى هذا أشار علي رضي الله عنه حين جلد ثم رجمها جلدتها بكتاب الله ثم رجمتها بسنة رسول الله ثم لو قلنا ان الثيب لا تجلد لكان هذا شراحة تخصيصا للآية العامة وهذا سائغ بغير خلاف فان عمومات القرآن في الاثبات كلها مخصصة وقولهم ان هذ نسخ ليس بصحيح وانما هو تخصيص ثم لو كان نسخا لكان نسخا بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه وقد روينا ان رسل الخوارج جاءوا عمر بن عبد العزيز رحمه الله فكان من جملة ما عابوا عليه الرجم وقالوا ليس في كتاب الله الا الجلد وقالوا الحائض اوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة والصلاة اوكد فقال لهم عمر وانتم لا تأخذون الا بما في كتاب الله؟ قالوا نعم قال فأخبروني عن عدد الصلوات المفروضات وعدد ركعاتها واركنها وواجباتها اين تجدونه في كتاب الله؟ واخبروني عما تجب الزكاة فيه ونصبها ومقاديرها؟ قالوا انظرنا فرجعوا يومهم ذلك فلم يجدوا شيئا مما سألهم عنه في القرآن فقالوا لم نجده في القرآن قال فكيف ذهبتم إليه؟ قالوا لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله وفعله المسلمون بعده فقال لهم فكذلك الرجم وقضاء الصوم فان النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجم خلفاؤه بعده والمسلمون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم دون الصلاة وفعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه. إذا ثبت هذا فمعنى

[ 157 ]

الرجم ان يرمى بالحجارة وغيرها حتى يموت بذلك قال ابن المنذر اجمع أهل العلم على ان المرجوم يداوم عليه الرجم حتى يموت ولان اطلاق الرجم يقتضي القتل به لقوله تعالى (لتكونن من المرجومين) وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين للذين زنيا وماعزا والغامدية حتى ماتوا (الفصل الثاني) انه يجلد ثم يرجم في احدى الروايتين فعل ذلك علي رضي الله عنه وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر رضي الله عنهم واختاره وذكر ذلك أبو بكر عبد العزيز عنهم وبه قال الحسن وداود وابن المنذر (والرواية الثانية) يرجم ولا يجلد روي عن عمر وعثمان انهما رجما ولم يجلدا وروي عن ابن مسعود انه قال إذا اجتمع حدان لله فيهما القتل احاط القتل بذلك وبهذا قال النخعي والزهري والاوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي واختاره الجوزجاني والاثرم ونصراه في سننهما لان جابرا روى ان النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده ورجم الغامدية ولم يجلدها وقال (واغد يا أنيس إلى إمرأة هذا فان اعترفت فارجمها) متفق عليه ولم يأمره بجلدها وكان هذا آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب تقديمه، قال الاثرم سمعت ابا عبد الله يقول في حديث عبادة انه اول حديث نزل وان حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده وعمر رجم ولم يجلد ونقل عنه اسماعيل بن سعيد نحو هذا ولانه حد فيه قتل فلم يجتمع معه جلد كالردة ولان الحدود إذا اجتمعت

[ 158 ]

وفيها قتل سقط ما سواه فالحد الواحد اولى ووجه الرواية الاولى قوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائه جلدة) وهذا عام ثم جاءت السنة بالرجم في حق الثيب والتغريب في حق البكر فوجب الجمع بينهما والى هذا اشار علي بقوله جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث عبادة (والثيب بالثيب الجلد والرجم) وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك الا بمثله والاحاديث الباقية ليست صريحة فانه ذكر الرجم ولم يذكر الجلد فلا يعارض به الصريح بدليل ان التغريب يجب بذكره في هذا الحديث وليس بمذكور في الآية ولانه زان فيجلد كالبكر ولانه قد شرع في حق البكر عقوبتان الجلد والتغريب فيكون الجلد في مكان التغريب فعلى هذه الرواية يبدأ بالجلد اولا ثم يرجم فان والى بينهما جاز لان اتلافه مقصود فلا تضر الموالاة بينهما وان جلده يوما ثم رجمه في آخر جاز كما فعل علي رضي الله عنه جلد شراحة يوم الخميس ثم رجمها يوم الجمعة (الفصل الثالث) ان الرجم لا يجب الا على المحصن باجماع أهل العلم وفي حديث عمران (الرجم حق على من زني وقد احصن) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث) ذكر منها (أو زنا بعد احصان) (مسألة) (والمحصن من وطئ امرأته في قبلها في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران فان اختل شرط منها فلا احصان لواحد منهما) يشترط للاحصان شروط سبعة (احدها) الوطئ في القبل ولا خلاف في اشتراطه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (والثيب بالثيب الجلد والرجم) والثيابة تحصل بالوطئ في القبل فوجب اعتباره ولا خلاف في ان النكاح

[ 159 ]

الخالي عن الوطئ لا يحصل به احصان سواء حصلت فيه خلوة أو وطئ فيما دون الفرج أو في الدبر أو لم يحصل شئ من ذلك لان هذا لا تصير به المرأة ثيبا ولا تخرج به عن حد الابكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام بمقتضى الخبر ولابد ان يكون وطأ حصل به تغييب الحشفة في الفرج لان ذلك الوطء الذي تتعلق به أحكامه (الثاني) ان يكون في نكاح لان النكاح يسمى احصانا بدليل قوله تعالى (والمحصنات من النساء) يعني المتزوجات ولا خلاف بين اهل العلم في ان وطئ الزنا ووطئ الشبهه لا يصير به الواطئ محصنا ولا نعلم خلافا في ان التسري لا يحصل به الاحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكامه. (الثالث) ان يكون النكاح صحيحا وهو قول اكثر اهل العلم منهم عطاء وقتادة ومالك والشافعي واصحاب الرأي وقال ابو ثور يحصل الاحصان بالوطئ في نكاح فاسد، وحكي ذلك عن الليث والاوزاعي لان الصحيح والفاسد سواء في أكثر الاحكام من وجوب المهر والعدة وتحريم الربيبة وام المرأة ولحاق الولد فكذلك الاحصان ولنا أنه وطئ في غير ملك فلم يحصل به الاحصان كوطئ الشبهة ولا نسلم ثبوت ما ذكروه من الاحكام وانما ثبت بالوطئ فيه وهذه ثبتت في كل وطئ وليست مختصة النكاح الا ان النكاح ههنا صار شبهة فصار الوطئ فيه كوطئ الشبهة سواء

[ 160 ]

(الرابع) الحرية وهي شرط في قول جميع اهل العلم الا ابا ثور قال: العبد والامة هما محصنان يرجمان إذا زنيا الا ان يكون الاجماع يخالف ذلك، وحكي عن الاوزاعي في العبد تحته حرة هو محصن يرجم إذا زنى، وان كان تحته امة لم يرجم وهذه اقوال تخالف النص والاجماع فان الله تعالى قال (فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) والرجم لا يتنصف وايجابه كله يخالف النص مع مخالفة الاجماع المنعقد قبله الا أن يكون إذا عتقا بعد الاصابة فهذا فيه اختلاف سنذكره ان شاء الله، وقد وافق الاوزاعي على ان العبد إذا وطئ الامة ثم عتقا لم يصيرا محصنين وهو قول الجمهور وزاد فقال في المملوكين: إذا عتقا وهما متزوجان ثم وطئها الزوج لا يصيران محصنين بذلك، وهذا أيضا قول شاذ خالف أهل العلم به فان الوطئ وجد منهما حال كمالهما فحصنهما كالصبيين إذا بلغا (الشرط الخامس والسادس) البلوغ والعقل فلو وطئ وهو صبي أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنا. هذا قول اكثر أهل العلم وقول الشافعي ومن اصحابه من قال يكون محصنا وكذلك العبد إذا وطئ ثم عتق يصير محصنا لان هذا وطئ يحصل به الاحلال للمطلق ثلاثا فحصل به الاحصان كالموجود حال الكمال ولنا قوله عليه السلام (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله وهو خلاف الاجماع، ويفارق الاحصان

[ 161 ]

الاحلال لان اعتبار الوطئ في حق المطلق يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره لان هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس فاعتبره الشارع زجرا عن الطلاق الثلاث، وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون بخلاف الاحصان فانه اعتبر لكمال النعمة فان من كملت النعمة في حقه كانت جنايته افحش واحق بزيادة العقوبة والنعمة في العاقل البالغ اكمل (الشرط السابع) ان يوجد الكمال فيهما جمعا (جميعا) حال الوطئ فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري واسحاق قالوه في الرقيق، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها، ونحوه عن الاوزاعي، واختلف عن الشافعي فقيل له قولان (احدهما) كقولنا (والثاني) الكامل يصير محصنا وهو قول ابن المنذر، وذكر ابن ابي موسى نحو ذلك في الارشاد فقال: إذا وطئ الحر البالغ حرة صغيرة في نكاح صحيح صار محصنا دونها وإذا وطئ الصبي الحر الصغير الكبيرة صارت محصنة دونه كما أنه لا يجب على الصغير الحد ويجب على الكبير ولنا انه وطئ لم يحصن احد المتواطئين فلم يحصن الآخر كالتسري ولانه متى كان أحدهما ناقصا لم يكمل الوطئ فلا يحصل به الاحصان كما لو كانا غير كاملين وبهذا فارق ما قاسوا عليه (مسألة) (ويثبت الاحسان للذميين وهل تحصن الذمية مسلما؟ على روايتين)

[ 162 ]

لا يشترط الاسلام في الاحصان، وبه قال الزهري والشافعي فعلى هذا يكون الذميان محصنين فان تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين وفيه رواية أخرى ان الذمية لا تحصن المسلم، وقال عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري هو شرط في الاحصان فلا يكون الكافر محصنا ولا تحصن الذمية مسلما لان ابن عمر روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أشرك بالله فليس بمحصن) ولانه احصان من شروطه الحرية فكان الاسلام شرطا فيه كاحصان القذف وقال مالك كقولهم إلا ان الذمية تحصن المسلم بناء على أصله في انه لا يعتبر الكمال في الزوجين وينبغي ان يكون ذلك قولا للشافعي ولنا ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر انه قال: جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ان رجلا وامرأة زنيا وذكر الحديث فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما متفق عليه ولان الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمي فيجب ان يستويا في الحد، وحديثهم لم يصح ولا نعرفه في مسند وقيل هو موقوف على ابن عمر ثم يتعين حمله على إحصان القذف جمعا بين الحديثين فان راويهما واحد وحديثنا صريح في الرجم فيتعين حمل خبرهم على الاحصان الآخر فان قالوا انما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة بدليل انه راجعها فلما تبين له ان ذلك حكم الله تعالى عليهم اقامه فيهم وفيها انزل الله سبحانه (انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا

[ 163 ]

للذين هادوا) قلنا إنما حكم عليهم بما أنزل الله عزوجل إليه بدليل قوله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ولانه لا يسوغ للنبي صلى الله عليه وسلم الحكم بغير شريعته ولو ساغ ذلك له ساغ لغيره وانما راجع التوراة لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم وأنهم تاركون شريعتهم مخالفون لحكمهم ثم هذا حجة لنا فان حكم الله في وجوب الرجم ان كان ثابتا في حقهم يجب أن يحكم به عليهم فقد ثبت وجود الاحصان فيهم فانه لا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الاحصان فيه وإن منعوا ثبوت الحكم في حقهم فلم حكم به النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولا يصح القياس على احصان القذف لان من شرطه العفة وليست شرطا ههنا (مسألة) (وإن كان لرجل ولد من امرأة فقال ما وطئتها لم يثبت احصانه ولا يرجم إذا زنى) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يرجم لان الولد لا يكون إلا من وطئ فقد حكم بالوطئ ضرورة الحكم بالولد. ولنا ان الولد يلحق بامكان الوطئ واحتماله والاحصان لا يثبت الا بحقيقة الوطئ فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى فيه بالامكان وجود ما يعتبر فيه الحقيقة وهو أحق الناس بهذا فانه قال لو تزوج امرأة بحضرة الحاكم في مجلسه ثم طلقها فيه فأتت بولد لحقه مع العلم بأنه لم يطأها في الزوجية

[ 164 ]

فكيف يحكم بحقيقة الوطئ مع تحقق انتفائه؟ وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت ان يكون وطئها لم يثبت احصانها لذلك (فصل) ولو شهدت بينة الاحصان أنه دخل بزوجته فقال أصحابنا يثبت الاحصان به لان المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة (وقول) محمد بن الحسن لا يكتفى به حتى تقول جامعها أو باضعها أو نحوها لان الدخول يطلق على الخلوة بها ولهذا تثبت بها أحكامه قال شيخنا وهذا أصح القولين ان شاء الله تعالى، اما إذا قالت جامعها أو باضعها أو نحوه فلا نعلم خلافا في ثبوت الاحصان وكذلك ينبغي إذا قالت وطئها وان قالت باشرها أو مسها أو اصابها أو أتاها فينبغي ان لا يثبت به الاحصان لان هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيرا فلا يثبت به الاحصان الذي يندرئ بالاحتمال (فصل) وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصنا رجم لما روى جابر أن رجلا زنى بامرأة فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم به فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فرجم رواه أبو داود، ولانه ان وجب الجمع بينهما فقد أتى ببعض الواجب فيجب اتمامه وان لم يجب الجمع بينهما تبين أنه لم يأت بالحد الواجب (فصل) وإذا رجم الزانيان غسلا وصلي عليهما ودفنا إذا كانا مسلمين، اما غسلهما ودفنهما فلا خلاف فيه بين أهل العلم، وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما قال الامام أحمد سئل علي عن شراحة وكان رجمها فقال اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم وصلى علي عليها وقال مالك من قتله الامام في حد فلا

[ 165 ]

يصلى عليه لان جابرا قال في حديث ماعز فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ولم يصل عليه متفق عليه، ووجه الاول ماروى أبو داود باسناده عن عمران بن الحصين في حديث الجهنية فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت ثم أمرهم فصلوا عليها فقال عمر يارسول الله تصلي عليها وقد زنت؟ فقال والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت افضل من ان جادت بنفسها؟) ورواه الترمذي وفيه فرجمت وصلي عليها وقال حديث حسن صحيح وقال النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على من قال لا إله إلا الله) ولانه مسلم لو مات قبل الحد صلي عليه فصلي عليه بعده كالسارق واما حديث ماعز فيحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضره أو اشتغل عنه بأمر أو غير ذلك فلا يعارض مارويناه (مسألة) (وان زنى الحر غير المحصن جلد مائة وغرب عاما إلى مسافة القصر وان كان ثيبا) ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنا وقد جاء بيان ذلك في كتاب الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وجاءت لاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لما جاء به الكتاب، ويجب مع الجلد تغريبه عاما في قول الجمهور روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وعن أبي وأبي ذر وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم واليه ذهب عطاء وطاوس وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك والاوزاعي يغرب الرجل دون المرأة لان المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة ولانها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم: لا يجوز بغير محرم لقول رسول الله

[ 166 ]

صلى الله عليه وسلم (لا يحل لامرأه تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) ولان تغريبها بغير محرم اغراء لها بالفجور وتضييع لها وان غربت بمحرم افضى إلى تغريب من ليس بزان ونفي من لاذنب له وان كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص في التغريب انما هو في حق الرجل وكذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم والعام يجوز تخصيصه لانه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه فانه دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه وايجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك وفوات حكمه لان الحد وجب زجرا عن الزيادة وفي تغريبها اغراء به وتمكين منه مع أنه قد يخصص في حق الثيب باسقاط الجلد في قول الاكثرين فتخصيصه ههنا اولى قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يجب التغريب لان عليا رضي الله عنه قال حسبهما من الفتنة ان ينفيا وعن ابن المسيب ان عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا اغرب مسلما بعد هذا ابدا ولان الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب فايجاب التغريب زيادة على النص ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) وروى أبو هريرة وزيد بن خالد ان رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما ان ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وانني افتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب

[ 167 ]

عام والرجم على امرأة هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله: على ابنك جلد مائة وتغريب عام) وجلد ابنه وغربه عاما وأمر أنيسا الاسلمي يأتي امرأة الآخر فان اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه وفي الحديث فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا انما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، وهذا يدل على ان هذا كان مشهورا عندهم من حكم الله وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قيل ان الذي قال لهم هذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولان التغريب فعله الخلفاء الراشدون ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان اجماعا، ولان الخبر يدل على عقوبتين في حق الثيب فكذلك في حق البكر وما رووه عن علي لا يثبت لضعف روايه وإرساله وقول عمر لا اغرب بعده مسلما فلعله أراد تغريبه في الخمر الذي اصابت الفتنة ربيعة فيه. قال شيخنا وقول مالك يخالف عموم الخبر والقياس لان ماكان حدا في الرجل يكون حدا في المرأة كسائر الحدود، وقال مالك فيما يقع لي أصح الاقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم، والقياس على سائر الحدود لا يصح لانه يستوى الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها بخلاف هذا الحد ويمكن قلب هذا القياس بانه حد فلا تزاد فيه المرأة على ما على الرجل كسائر الحدود (فصل) ويغرب البكر الزاني حولا فان عاد قبل مضي الحول اعيد تغريبه حتى يكمل الحول مسافرا ويبني على ما مضى، ويغرب الرجل إلى مسافة القصر لان ما دونها في حكم الحضر بدليل انه لا يثبت في حقه احكام المسافرين ولا يستبيح شيئا من رخصهم

[ 168 ]

(مسألة) (وعنه ان المرأة تنفى إلى دون مسافة القصر) وقيل عنه ان خرج معها محرمها نفيت إلى مسافة القصر وان لم يخرج معها محرمها فنقل عن أحمد ان المرأة تغرب إلى مسافة القصر كالرجل وهذا مذهب الشافعي وروي عنه أنها تغرب إلى دون مسافة القصر لتقرب من أهلها فيحفظوها، ويحتمل كلام احمد ان لا يشترط في التغريب مسافة القصر فيهما فانه قال في رواية الاثرم ينفى من عمله إلى عمل غيره وقال أبو ثور وابن المنذر لو نفى من قرية إلى قرية اخرى بينهما ميل أو أقل جاز وقال إسحاق يجوز من مصر إلى مصر ونحوه قال ابن أبي ليلى لان النفي ورد مطلقا غير مقدر فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، والقصر يسمى سفرا تجوز فيه صلاة النافلة على الراحة ولا يحبس في البلد الذي نفى إليه وبهذا قال الشافعي وقال مالك يحبس ولنا أنها زيادة لم يرد بها الشرع فلم تشرع كالزيادة على العام (فصل) وإن زنى الغريب غرب إلى بلد غير وطنه وان زنى في البلد الذي غرب إليه غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه لان الامر بالتغريب حيث كان لانه قد انس بالبلد الذي يسكنه (فيبعد) عنه (مسألة) (ويخرج مع المرأة محرمها ليسكنها في موضع ثم ان شاء رجع إذا أمن عليها وان شاء اقام معها حتى يكمل حولها، وإن أبى الخروج معها بذلت له الاجرة) قال اصحابنا: وتبذل من مالها لان هذا من مؤونة سفرها ويحتمل ان لا يجب ذلك عليها لان الواجب عليها التغريب بنفسها فلم يلزمها زيادة عليه كالرجل ولان هذا من مؤونة اقامة الحد فلم يلزمها كأجرة الجلاد. فعلى هذا تبذل الاجرة من بيت المال وعلى قول اصحابنا إن لم يكن لها مال بذلت

[ 169 ]

من بيت المال فان ابى محرمها الخروج معها لم يجبر، وإن لم يكن لها محرم غربت مع نساء ثقات والقول في أجرة من يسافر معها منهن كالقول في أجرة المحرم فان اعوز فقال أحمد تنفى بغير محرم وهو قول الشافعي لانه لا سبيل إلى تأخيره فأشبه سفر الهجرة والحج إذا مات المحرم في الطريق، ويحتمل ان يسقط النفي إذا لم تجد محرما كما يسقط سفر الحج إذا لم يكن لها محرم فان تغريبها على هذه الحال اغراء لها بالفجور وتعريض لها للفتنة وعموم الحديث مخصوص بعوم النهي عن سفرها بغير محرم (فصل) ويجب ان يحضر الحد طائفة من المؤمنين لقول الله تعالى (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قال أصحابنا: والطائفة واحد فما فوقه وهذا قول ابن عباس ومجاهد، والظاهر أنهم أرادوا واحدا مع الذي يقيم الحد لان الذي يقيم الحد حاصل ضرورة فيتعين صرف الامر إلى غيره، وقال عطاء واسحاق اثنان فان اراد به واحدا مع الذي يقيم الحد فهو كالقول الاول وإن اراد اثنين غيره فوجهه ان الطائفة اسم لما زاد على الواحد واقله اثنان، وقال الزهري ثلاثة لان الطائفة جماعة وأقل الجمع ثلاثة، وقال مالك اربعة لانه العدد الذي يثبت به الزنا وللشافعي قولان كقولي الزهري ومالك، وقال ربيعة خمسة وقال الحسن عشرة وقال قتادة نفر واحتج اصحابنا بقول ابن عباس فان اسم الطائفة يقع على الواحد بدليل قول الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - ثم قال - فأصلحوا بين أخويكم) وقيل في قوله تعالى (ان نعف عن طائفة منكم) إنه محش بن حمير وحده ولا يجب

[ 170 ]

أن يحضر الامام ولا الشهود وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة ان ثبت الحد ببينة فعليها الحضور والبداءة بالرجم، وإن ثبت باعتراف وجب على الامام الحضور والبداءة بالرجم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: الرجم رجمان فما كان منه باقرار فأول من يرجم الامام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس رواه سعيد باسناده ولانه إذا لم يحضر البينة ولا الامام كان في ذلك شبهة والحد يسقط بالشبهات ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم امر برجم ماعز والغامدية ولم يحضرهما والحد ثبت باعترافهما وقال (يا أنيس اذهب إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) ولم يحضرها ولانه حد فلم يلزم ان يحضره الامام ولا البينة كسائر الحدود ولا نسلم ان تخلفهم عن الحضور ولا امتناعهم من البداءة بالرجم شبهة، وأما قول علي رضي الله عنه فهو على سبيل الاستحباب والفضيلة قال أحمد: سنة الاعتراف ان يرجم الامام ثم الناس ولا نعلم خلافا في استحباب ذلك والاصل فيه قول علي، وقد روي في حديث رواه ابو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة ثم رماها بحصاة مثل الحمصة ثم قال (ارموا واتقوا الوجه) رواه ابو داود (مسألة) (وإن كان الزاني رقيقا فحده خمسون جلدة بكل حال ولا يغرب) حد العبد والامة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر العلماء منهم

[ 171 ]

عمر وعلي وابن مسعود والحسن والنخعي ومالك والاوزاعي وابو حنيفة والشافعي والبتي والعنبري وقال ابن عباس وابو عبيد إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد ولا حد على غيرهما لقول الله تعالى (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فيدل بخطابه على انه لا حد على غير المحصنات، وقال داود، على الامة نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال وفي الامة إذا لم تتزوج روايتان (احداهما) لا حد عليها (والاخرى) تجلد مائة لان قول الله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) عام خرجت منه الامة المحصنة بقوله (فإذا احصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فيبقى العبد والامة التي لم تحصن على مقتضى العموم، ويحتمل دليل الامر في الخطاب ان لا حد عليها كقول ابن عباس وقال ابو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم لعموم الاخبار فيه ولانه حد لا يتبعض فوجب تكميله كالقطع في السرقة ولنا ما روى ابن شهاب عن عبيدالله بن عبد الله وزيد بن خالد قالوا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الامة إذا زنت ولم تحصن فقال (إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم ان زنت فبيعوها ولو بضفير) متفق عليه قال ابن شهاب: وهذا نص في جلد الامة إذا لم تحصن وهو حجة على ابن عباس وموافقيه وداود وجعل داود عليها مائة إذا لم تحصن وخمسين إذا كانت محصنة خلاف

[ 172 ]

ما شرع الله تعالى فان الله تعالى ضاعف عقوبة المحصنه على غيرها فجعل الرجم على المحصنة والجلد على الكبر وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة واتباع شرع الله تعالى أولى، واما دليل الخطاب فقد روي عن ابن مسعود أنه قال احصانها اسلامها وقرأها بفتح الالف ثم دليل الخطاب انما يكون دليلا إذا لم تكن (للتخصيص) بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم، ومتى كانت له فائدة أخرى لم يكن دليلا مثل ان يخرج مخرج الغالب أو للتنبيه أو لمعنى من المعاني ولهذا قال الله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ولم يختص التحريم باللائي في حجورهم وقال (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) وحرم حلائل الابناء من الرضاع وأبناء الابناء وقال (ليس عليكم ان تقصروا من الصلاة ان يفتنكم الذين كفروا) وابيح القصر بدون الخوف، وأما العبد فلا فرق بينه وبين الامة فالتنصيص على احدهما يثبت حكمه في حق الآخر كما ان قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أعتق شركا له في عبد ثبت حكمه في حق الامة) ثم المنطوق أولى منه على كل حال، واما ابو ثور فخالف نص قوله تعالى (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وعمل به فيما لم يتناوله النص وخرق الاجماع في ايجاب الرجم على المحصنات كما خرق داود الاجماع في تكميل الجلد على العبد وتضعيف حد الابكار على المحصنات (فصل) ولا تغريب على عبد ولا أمة وبهذا قال الحسن وحماد ومالك واسحاق وقال الثوري

[ 173 ]

وابو ثور يغرب نصف عام لقوله تعالى (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وجلد بن عمر مملوكا ونفاه إلى فدك، وعن الشافعي قولان، واحتج من أوجبه بعموم قوله عليه السلام (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) ولنا الحديث المذكور في حجتنا ولم يذكر فيه تغريبا ولو كان واجبا لذكره لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحديث علي رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس أقيموا على ارقائكم الحد من أحصن ومن لم يحصن فان امة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني ان اجلدها فذكر الحديث رواه ابو داود ولم يذكر انه غربها واما الآية فانها حجة لنا فان العذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير فينصرف التنصيف إليه دون غيره بدليل انه لم ينصرف إلى تنصيف الرجم ولان التغريب في حق العبد عقوبة لسيده دونه فلم يجب في الزنا كالتغريم ثم بيان ذلك أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه لانه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته والخطر بخروجه من تحت يده والكلفة في حفظه والانفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني والضرر على غير الجاني وما فعل ابن عمر ففي حق نفسه واسقاط حقه وله فعل ذلك من غير زنا ولا جناية فلا يكون حجة في حق غيره (فصل) إذا زنى العبد ثم عتق فعليه حد الرقيق لانه انما يقام عليه الحد الذي وجب عليه ولو زنى

[ 174 ]

حر ذمي ثم لحق بدار الحرب ثم سبي فاسترق حد حد الاحرار لانه وجب عليه وهو حر، ولو كان احد الزانيين رقيقا والآخر حرا فعلى كل واحد منهما حده لان كل واحد منهما انما تلزمه عقوبة جنايته، ولو زني بعد العتق وقبل العلم به فعليه حد الاحرار لانه زنى وهو حر وان اقيم عليه حد الرقيق قبل العلم بحريته ثم علمت بعد تمم عليه حد الاحرار وان عفى السيد عن عبده لم يسقط عنه الحد في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فانه قال يصح عفوه وليس بصحيح لانه حق لله تعالى فلا يسقط باسقاط سيده كالعبادات وكالحر إذا عفا عنه الامام (فصل) فان فجر بامة ثم قتلها فعليه الحد وقيمتها وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وقال أبو يوسف إذا وجبت عليه قيمتها اسقطت الحد عنه لانه يملكها بغرامته اياها فيكون ذلك شبهة في سقوط الحد ولنا ان الحد وجب عليه فلم يسقط بقتل المزني بها كما لو كانت حرة فغرم ديتها وقوله إنه يملكها غير صحيح لانه انما غرمها بعد قتلها ولم يبق محلا للملك ثم لو ثبت أنه ملكها فانما ملكها بعد وجوب الحد فلم يسقط عنه كما لو اشتراها (مسألة) (وان كان نصفه حرا فحده خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام ويحتمل ان لا يغرب اما الرجم فلا يجب عليه وان كان محصنا) لان الحرية لم تكمل فيه وعليه نصف حد الحر خمسون جلدة ونصف حد العبد خمس وعشرون

[ 175 ]

فيكون عليه خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام نص عليه أحمد ويحتمل ان لا يغرب لان حق السيد في جميعه في كل الزمان ونصيبه من العبد لا تغريب عليه فلا يلزمه ترك حقه في بعض الزمان بما لا يلزمه ولا تأخير حقه بالمهايأة من غير رضاه، وان قلنا بوجوب تغريبه فينبغي ان يكون زمن التغريب محسوبا على العبد من نصيبه الحر وللسيد نصف عام بدلا عنه وما زاد عن الحرية أو نقص عنها فبحساب ذلك، فان كان فيها كسر مثل ان يكون ثلثه حرا فيلزم بمقتضى ما ذكرنا ان يلزمه ثلثا حد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان فينبغي ان يسقط الكسر لان الحد متى دار بين الوجوب والاسقاط سقط، والمدبر والمكاتب وام الولد بمنزلة القن في الحد لانه رقيق كله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) (مسألة) (وحد اللوطي كحد الزاني سواء وعنه حده الرجم بكل حال) أجمع أهل العلم على تحريم اللواط وقد ذمه الله تعالى في كتابه وعاب من فعله وذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط) واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في حده فروي عنه ان حده الرجم بكرا كان أو ثيبا وهذا قول علي وابن عباس وجابر بن زيد وعبيدالله ابن معمر والزهري وأبى حبيب وربيعة ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي (والرواية الثانية)

[ 176 ]

ان حده حد الزنا وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعي وقتادة والاوزاعي وأبو يوسف ومحمد ابن الحسن وهو المشهور من قولي الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان) ولانه ايلاج في فرج آدمي لا ملك له فيه ولا شبهة ملك فكان زنا كالايلاج في فرج المرأة. إذا ثبت كونه زنا دخل في عموم الآية والاخبار فيه لانه فاحشة فكان زنا كالفاحشة بين الرجل والمرأة وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق اللوطي وهو قول ابن الزبير لما روى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر الصحابة فيه فكان علي أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذا إلا امة من الامم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها ارى ان يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه وقال الحكم وأبو حنيفة لا حد عليه لانه ليس بمحل للوطئ أشبه غير الفرج ووجه الرواية الاولى قول النبي صلى الله عليه وسلم (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أبو داود وفي لفظ فارجموا الاعلى والاسفل ولانه اجماع الصحابة رضي الله عنهم فانهم أجمعوا على قتله وانما اختلفوا في صفته واحتج أحمد بعلي رضي الله عنه أنه كان يرى رجمه ولان الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم فينبغي ان يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم وقول من اسقط الحد عنه يخالف النص والاجماع وقياس الفرج على غيره لا يصح لما بينهما من الفرق. إذا ثبت هذا فلا فرق بين ان يكون في مملوك له

[ 177 ]

أو أجنبي لان الذكر ليس بمحل لوطئ الذكر فلا يؤثر ملكه له، ولو وطئ زوجته أو مملوكته في دبرها كان محرما ولا حد فيه لان المرأة محل للوطئ في الجملة وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد بخلاف التلوط (مسألة) (ومن أتى بهيمة فحده حد اللوطي عند القاضي واختار الخرقي وأبو بكر أنه يعزر وتقتل البهيمة) اختلفت الرواية عن أحمد في الذي يأتي البهيمة فروي عنه أنه يعزر ولا حد عليه اختاره الخرقي وأبو بكر وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي والنخعي والحكم ومالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وهو قول الشافعي (والرواية الثانية) حكمه حكم اللائط سواء، وقال الحسن حده حد الزاني وعن ابي سلمة بن عبد الرحمن يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) رواه أبو داود. ووجه الرواية الاولى أنه لم يصح فيه نص ولا يمكن قياسه على الوطئ في فرج الآدمي لانه لاحرمة لها وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد فان النفوس تعافه وعامتها تنفر منه فيبقى على الاصل في انتفاء الحد والحديث يرويه عمر وبن أبي عمر ولم يثبته احمد وقال الطحاوي هو ضعيف ومذهب ابن عباس خلافه وهو الذي روى عنه قال ابو داود هذا يضعف الحديث عنه قال اسماعيل بن سعيد سألت

[ 178 ]

أحمد عن الرجل يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك ولان الحد يدرأ بالشبهات فلا يجوز ان يثت بحديث فيه هذه الشبهة والضعف لكنه يعزر ويبالغ في تعزيره لانه وطئ في فرج محرم لا شبهة له فيه لم يوجب الحد فاوجب التعزير كوطئ الميتة (فصل) وتقتل البهيمة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وأحد قولي الشافعي وسواء كانت مملوكة له أو لغيره مأكولة أو غير مأكولة، وذكر ابن أبي موسى في الارشاد في وجوب قتلها روايتين وقال أبو بكرالاختيار قتلها وان تركت فلا بأس، وقال الطحاوي ان كانت مأكولة ذبحت وإلا لم تقتل وهذا القول الثاني للشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة. ووجه الاول الحديث المذكور وفيه الامر بقتل البهيمة فلم يفرق بين كونها مأكولة وغير مأكولة ولا بين ملكه وملك غيره، فان قيل الحديث ضعيف ولم يعملوا به في قتل الفاعل الجاني ففي حق حيوان لا جناية منه اولى، قلنا إنما لم يعمل به في قتل الفاعل على إحدى الروايتين لوجهين (أحدهما) لانه حد والحد يدرأ بالشبهات وهذا اتلاف مال فلا تؤثر الشبهة فيه (الثاني) أنه اتلاف آدمي وهو أعظم المخلوقات حرمة فلم يجز التهجم على اتلافه إلا بدليل في غاية القوة ولا يلزم مثل هذا في اتلاف مال ولا حيوان سواه، فعلى هذا ان كان الحيوان للفاعل ذهبت هدرا وان كان لغيره فعلى الفاعل غرامته لانه سبب اتلافه فيضمنه كما لو نصب له شبكة فتلف بها

[ 179 ]

(مسألة) (وكره احمد أكل لحمها وهل يحرم؟ على وجهين) وللشافعي أيضا في ذلك وجهان (أحدهما) يحل أكلها لقول الله تعالى (احلت لكم بهيمة الانعام) ولانه حيوان ذبحه من هو أهل للذكاة يجوز اكله فاشبه ما لو لم يفعل به هذا الفعل ولكن يكره أكله لشبهة التحريم (والثاني) لا يحل أكلها لما روي عن ابن عباس أنه قيل له ما شأن البهيمة؟ قال ما اراه قال ذلك إلا انه كره أكلها وقد فعل بها هذا الفعل، ولانه حيوان يجب قتله لحق الله تعالى فلم يجز أكله كسائر المقتولات، واختلف في علة قتلها فقيل انما قتلت لئلا يعير فاعلها ويذكر برؤيتها وقد روى ابن بطة باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) قالوا يا رسول الله ما بال البهيمة. قال (لا يقال هذه وهذه) وقيل لئلا تلد خلقا مشوها وقيل لئلا تؤكل واليه اشار ابن عباس في تعليله ولا يجب قتلها حتى يثبت هذا العمل بها ببينة فاما ان اقر الفاعل فان كانت البهيمة له ثبت باقراره وان كانت لغيره لم يجز قتلها بقوله لانه اقرار على ملك غيره فلم يقبل كما لو اقر بها لغير مالكها وهل يثبت هذا بشاهدين عدلين واقرار مرة ويعتبر فيه ما يعتبر في الزنا على وجهين نذكرهما في موضعهما ان شاء الله تعالى (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ولا يجب الحد إلا بشروط ثلاثة (أحدها) أن يطأ في الفرج قبلا أو دبرا).

[ 180 ]

لا خلاف بين أهل العلم في أن من وطئ امرأة في قبلها حراما لاشبهة له في وطئها أنه يجب عليه حد الزنا إذا كملت شروطه والوطئ في الدبر مثله في كونه زنا لانه وطئ في فرج امرأة لا ملك له ولا شبهة ملك فكان زنا كالوطئ في القبل، ولان الله تعالى قال (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) الآية ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد جعل لهن سبيلا (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) والوطئ في الدبر فاحشة لقول الله تعالى في قوم لوط (أتأتون الفاحشة؟) يعني الوطئ في ادبار الرجال ويقال أول ما بدأ قوم لوط بوطئ النساء في أدبارهن ثم صاروا إلى ذلك في الرجال (مسألة) (وأقل ذلك تغييب الحشفة في الفرج) لان أحكام الوطئ تتعلق به ولا تتعلق بما دونه (مسألة) (وان وطئ دون الفرج فلا حد عليه) لما روى ابن مسعود أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني وجدت امرأة في البستان فأصبت منها كل شئ غير أني لم أنكحها فافعل بي ما شئت فقرأ عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات) الآية رواه النسائي وعليه التعزير لانه معصية ليس فيها حد ولا كفارة فأشبه ضرب الناس والتعدي عليهم وظاهر الحديث يدل على أنه لا تعزير عليه إذا جاء تائبا، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ويفارق ضرب الناس والتعدي عليهم لانه حق آدمي

[ 181 ]

(مسألة) (وان أتت المرأة المرأة فلا حد عليهما) إذا تدالكت امرأتان فهما ملعونتان لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) ولاحد عليهما لان لا يتضمن إيلاجا فأشبه المباشرة دون الفرج وعليهما التعزير لانه زنا لا حد فيه فأشبه مباشرة الرجل المرأة من غير جماع. (فصل) ولو وجد رجل مع امرأة يقبل كل واحد منهما صاحبه ولم يعلم هل وطئها أولا فلا حد عليهما، وفان قالا نحن زوجان واتفقا على ذلك فالقول قولهما، وبه قال الحكم وحماد والشافعي وأصحاب الرأي، فان شهد عليهما بالزنا فقالا نحن زوجان فقيل عليهما الحد ان لم تكن بينة بالنكاح وبه قال أبو ثور وابن المنذر لان الشهادة بالزنا تنفى كونهما زوجين فلا تبطل بمجرد قولهما ويحتمل ان لا يجب الحد إذا لم يعلم كونها أجنبية منه لان ما ادعياه محتمل فيكون ذلك شبهة كما لو شهد عليه بالسرقة فادعى أن المسروق ملكه. (فصل) الثاني انتفاء الشبهة فان وطئ (جارية) ولده أو جارية له فيها شرك أو لولده فلا حد عليه، وجملة ذلك أن من وطئ جارية ولده فانه لا حد عليه في قول أكثر اهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابو ثور وابن المنذر عليه الحد إلا ان يمنع منه اجماع لانه وطئ في غير ملك اشبه وطئ جارية ابيه

[ 182 ]

ولنا انه وطئ تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد كوطئ الامة المشتركة، والدليل على تمكن الشبهة قول النبي صلى الله عليه وسلم (انت ومالك لابيك) فأضاف مال ولده إليه وجعله له فإذا لم تثبت حقيقة الملك فلا اقل من جعله شبهة دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات ولان القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والاوزاعي ومن وافقهما قد اشتهر قولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان ذلك إجماعا وكذلك ان كان لولده فيها شرك لما ذكرنا ولا حد على الجارية لان الحد انتفى عن الواطئ لشبهة الملك فينتفي عن الموطوءة كوطئ الجارية المشتركة ولان الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في احد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته ولا يصح القياس على وطئ جارية الاب لانه لاملك للولد فيها ولا شبهة ملك بخلاف مسئلتنا وحكي عن ابن ابي موسى قول في وطئ جارية الاب والام انه لا يحد لانه لا يقطع بسرقة ماله اشبه الاب والاول اصح وعليه عامة اهل العلم فيما علمنا (فصل) ولا يجب الحد بوطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابو ثور يجب. ولنا انه فرج له فيه ملك فلا يجد بوطئه كالمكاتبة والمرهونة (مسألة) (أو وجد امرأة نائمة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو (دعا) الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها فلا حد عليه)

[ 183 ]

وجملة ذلك ان من زفت إليه غير زوجته وقيل له هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه لا نعلم فيه خلافا. وان لم يقل له هذه زوجتك أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته أو جاريته فوطئها أو دعا زوجته فجاءته غيرها فوطئها يظنها المدعوة أو اشتبه عليه ذلك لعماه يعتقدها زوجته فلا حد عليه وبه قال الشافعي، وحكي عن ابي حنيفة ان عليه الحد لانه وطئ في محل لا ملك له فيه ولنا انه وطئ اعتقد إباحته بما تعذر مثله فيه فأشبه مالو قيل له هذه زوجتك ولان الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها، فأما ان دعا محرمة عليه فأجابه غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد سواء كانت المدعوة ممن له شبهة كالجارية المشتركة أو لم يكن لانه لا يعذر بهذا فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه فبان اجنبيا. (مسألة) (أو وطئ في نكاح مختلف في صحته أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها) لا يجب الحد بالوطئ في نكاح مختلف في صحته كنكاح المتعة والشغار والنكاح بلا ولي والتحليل والنكاح بغير شهود ونكاح الاخت في عدة اختها والخامسة في عدة الرابعة والبائن: ونكاح المجوسية وهذا قول اكثر اهل العلم لان الاختلاف في إباحة الوطئ فيه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات وحكي عن ابن حامد وجوب الحد بالوطئ في النكاح بلا ولي والمذهب الاول قال ابن المنذر اجمع

[ 184 ]

كل من نحفظ عنه من اهل العلم ان الحدود تدرأ بالشبهات وكذلك ان وطئ امرأته في دبرها أو جاريته فهو محرم ولا يجب به الحد لان المرأة محل للوطئ في الجملة، وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد والوطئ في الحيض والنفاس صادف ملكا فكان شبهة (مسألة) (ولا حد على من لم يعلم بتحريم الزنا) قال عمر وعلي وعثمان لا حد إلا على من علمه وهو قول عامة اهل العلم فان ادعى الجهل بالتحريم وكان يحتمل ان يجهله كحديث العهد بالاسلام والناشئ ببادية قبل منه لانه يجوز ان يكون صادقا وان كان ممن لا يخفى عليه ذلك كالمسلم الناشئ بين المسلمين واهل العلم لم يقبل لان تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه فان ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله لان عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة ولان مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير اهل العلم. (مسألة) (أو اكره على الزنا فلا حد عليه وقال اصحابنا إن اكره الرجل فزنى حد) لا يجب الحد على مكرهة على الزنا في قول عامة أهل العلم روي ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري والشافعي واصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه النسائي وعن عبد الجبار بن وائل عن ابيه ان امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد رواه الاثرم قال واتي عمر باماء من اماء

[ 185 ]

الامارة استكرههن غلمان من غلمان الامارة فضرب الغلمان ولم يضرب الاماء، وروى سعيد باسناده عن طارق بن شهاب قال: اتي عمر بامرأة قد زنت قالت اني كنت نائمة فلم استيقظ الا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها ولان هذه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الاكراه بالالجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الاكراه بالتهديد بالقتل ونحوه نص عليه احمد في راع جاءته امرأة قد عطشت فسألته ان يسقيها فقال لها امكنيني من نفسك قال هذه مضطرة، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان امرأة استسقت راعيا فأبى ان يسقيها الا ان تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي ما ترى فيها؟ قال انها مضطرة فأعطاها عمر شيئا وتركها، فان اكره الرجل فزنى فقال اصحابنا عليه الحد وبه قال محمد بن الحسن وابو ثور لان الوطئ لا يكون الا بالانتشار والاكراه ينافيه فإذا وجد الانتشار انتفى الاكراه فيلزمه الحد كما لو اكره على غير الزنا فزنى، وقال ابو حنيفة ان اكرهه السلطان فلا حد عليه وان اكرهه غيره حد استحسانا، وقال الشافعي وابن المنذر لا حد عليه لعموم الخبر ولان الحدود تدرأ بالشبهات والاكراه شبهة فيمنع الحد كما لو كانت امرأة، يحققه ان الاكراه إذا كان بالتخويف أو بمنع ما تفوت حياته بمنعه كان الرجل فيه كالمرأة فإذا لم يجب عليها الحد لم يجب عليه، وقولهم ان التخويف ينافي الانتشار لا يصح لان التخويف بترك الفعل والفعل لا يخاف منه فلا يمنع ذلك وهذا أصح الاقوال ان شاء الله تعالى (مسألة) (وان وطئ ميتة أو ملك امة أو اخته من الرضاع فوطئها فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين)

[ 186 ]

إذا وطئ ميتة فعليه الحد في أحد الوجهين وهو قول الاوزاعي لانه وطئ في فرج آدمية أشبه وطئ الحية ولانه اعظم ذنبا واكثر اثما لانه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة (الثاني) لا حد عليه وهو قول الحسن، قال ابو بكر وبهذا اقول لان الوطئ في الميتة كلا وطئ لانه عوض مستهلك ولانها لا يشتهى مثلها وتعافها النفس فلا حاجة إلى تسرع (شرع) الزاجر عنها، واما إذا ملك أمة (أمه) أو أخته من الرضاع فوطئها فذكر القاضي عن أصحابنا ان عليه الحد لانه فرج لا يستباح بحال فوجب الحد بالوطئ فيه كفرج الغلام وقال بعض أصحابنا لا حد فيه وهو قول اصحاب الرأي، الشافعي لانه وطئ في فرج مملوك له يملك المعاوضة عنه وأخذ صداقه فلم يجب الحد عليه كالوط في الجارية المشتركة فاما ان اشترى ذات محرمه من النسب ممن يعتق عليه ووطئها فعليه الحد لا نعلم فيه خلافا لان الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة (مسألة) (وإن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه كنكاح المزوجة والمعتدة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع فعليه الحد) إذا تزوج ذات محرمه فالنكاح باطل بالاجماع فان وطئها فعليه الحد في قول اكثر أهل العلم منهم الحسن وجابر بن زيد ومالك والشافعي وابو يوسف ومحمد واسحاق، وقال ابو حنيفة والثوري لا حد عليه لانه وطئ تمكنت الشبهة منه فلم يوجب الحد كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها وبيان الشبهة انه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الذي هو سبب للاباحة فإذا لم يثبت

[ 187 ]

حكمه وهو الاباحة بقيت صورته دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات. ولنا انه وطئ في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك والواطئ من أهل الحد عالم بالتحريم فلزمه الحد كما لو لم يوجد العقد، وصورة المبيح انما تكون شبهة إذا كانت صحيحة والعقد ههنا باطل محرم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة كما لو اكرهها وعاقبها ثم زنى بها ثم يبطل بالاستيلاء عليها فان الاستيلاء سبب للملك في المباحات وليس بشبهة، وأما إذا اشترى أخته من الرضاع فهو ممنوع وإن سلمناه فان الملك المقتضي للاباحة صحيح ثابت وانما تخلفت الاباحة لمعارض بخلاف مسئلتنا فان المبيح غير موجود فان عقد النكاح باطل والملك به غير ثابت فالمقتضي معدوم فهو كما لو اشترى خمرا فشربه، إذا ثبت هذا فاختلف في الحد فروي عن احمد انه يقتل على كل حال وبهذا قال جابر بن زيد واسحاق وابو أيوب وابن أبي خيثمة، وروى اسماعيل بن سعيد عن احمد في رجل تزوج امرأة ابيه فقال يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت المال (والرواية (الثانية) حده حد الزنا وبه قال الحسن ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر، ووجه الاولى ما روى البراء قال: لقيت عمي ومعه الراية فقلت إلى أين تريد؟ فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة ابيه من بعده ان ضرب عنقه وآخذ ماله رواه ابو داود والجوزاني والترمذي، وقال حديث حسن وسمى الجوزجاني عمه الحارث بن عمرو، وروى الجوزجاني وابن ماجه باسنادهما إلى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب اخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من ههنا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله ابن ابي مطرف فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من تخطى المؤمنين فخطوا رأسه بالسيف) وهذه

[ 188 ]

الاحاديث مما ورد في الزنا فتقدم، والقول فيمن زنى بذات محرمه من غير عقد كالقول فيمن وطئها بعد العقد (فصل) وكل عقد اجمع على بطلانه كنكاح الخامسة أو مزوجة أو معتدة أو نكاح المطلقة ثلاثا إذا وطئ فيه عالما بالتحريم فهو زنا موجب للحد المشروع فيه قبل العقد، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه لا حد فيه لما ذكروه فيما إذا عقد على ذوات محارمه. وقال النخعي يجلد مائة ولا ينفى ولنا ما ذكرناه فيما مضى وروى ابو نصر المروزي باسناده عن عبيد بن نضيلة قال: رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها فقال هل علمتها؟ قالا لا قال لو علمتما لرجمتكما فجلده اسواطا ثم فرق بينهما، وروى ابو بكر باسناده قال: رفع إلى علي عليه السلام أمرأة تزوجت ولها زوج كتمته فرجمها وجلد زوجها الاخير مائة جلدة، فان لم يعلم تحريم ذلك فلا حد عليه لعذر الجهل ولذلك درأ عمر عنهما الحد لجهلهما. (مسألة) (أو استأجر امرأة للزنا أو لغيره فزنى بها أو زني بامرأة له عليها القصاص أو بصغيرة أو مجنونة أو بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها أو امكنت العاقلة البالغة من نفسها مجنونا أو صغيرا فوطئها فعليهم الحد) إذا استأجر امرأة لعمل شئ فزنى بها أو استأجرها ليزني بها وفعل ذلك أو زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها فعليهما الحد، وبه قال أكثر أهل العلم وقال ابو حنيفة لا حد عليهما في هذه المواضع إلا إذا استأجرها لعمل شئ لان ملكه لمنفعتها شبهة دارئة للحد ولا يحد بوطئ امزأة هو مالك لها.

[ 189 ]

ولنا عموم الآية والاخبار ووجود المعنى المقتضى لوجوب الحد، وقوله ان ملكه لمنفعتها شبهة لا يصح فانه إذا لم يسقط عنه الحد ببذلها نفسها له ومطاوعتها إياه فلان لا يسقط بملك محل آخر اولى وأما إذا استأجر امرأة للزنا لم تصح الاجارة فوجود ذلك كعدمه فأشبه وطئ من لم يستأجرها، وأما إذا زنى بامرأة له عليها قصاص فعليه الحد لانه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك أشبه ما لو لم يكن له عليها قصاص وكما لو كان له عليها دين، واما إذا زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها فانه ما وجب عليه الحد بوطئ مملوكته ولا زوجته وإنما وجب بوطئ اجنبية فتغير حالها لا يسقطه كما لو ماتت، وأما إذا أمكنت المكلفة من نفسها صغيرا أو مجنونا فوطئها أو استدخلت ذكر نائم فعليها الحد دونه، وقال ابو حنيفة لا حد عليها لان فعل الصبي والمجنون ليس زنا فلم يجب عليها الحد إذا أمكنته منه كما لو أمكنته من ادخال أصبعه في فرجها. ولنا أن سقوط الحد عن احد الواطئين لمعنى يخصه لا يوجب سقوطه عن الآخر كما لو زنى المستأمن بمسلمة أو زنى بمجنونة أو نائمة، وقولهم ليس بزنا لا يصح لانه لا يلحق به النسب وانما لم يجب الحد عليه لعذره وزوال تكليفه، وكذلك الحكم في الرجل يظن ان المرأة زوجته فيطؤها وهي تعلم أنه أجنبي وفي المرأة تظنه زوجها وهو يعلم أنها أجنبية (فصل) فأما الصغيرة فان كانت ممن يمكن وطؤها فهو زنا يوجب الحد لانها كالكبيرة في ذلك وان كانت ممن لا تصلح للوطئ ففيها وجهان كالميتة على ما ذكرنا، وقال القاضي لا حد على من وطئ صغيرة لم تبلغ تسعا لانها لا ينتهي مثلها أشبه ما لو أدخل اصبعه في فرجها، وكذلك لو استدخلت المرأة ذكر صبي لم يبلغ عشرا فلا حد عليها. قال شيخنا والصحيح انه متى وطئ من امكن وطؤها

[ 190 ]

أو امكنت المرأة من يمكنه الوطئ فوطئها أن الحد يجب على المكلف منهما ولا يصح تحديد ذلك بتسع ولا عشر لان التحديد انما يكون بالتوقيف ولا توقيف في هذا، وكون التسع وقتا لامكان الاستمتاع غالبا لايمنع وجوده قبله كما ان البلوغ يوجد في خمس عشرة عاما غالبا ولا يمنع من وجوده قبله (فصل) الثالث ان يثبت الزنا ولا يثبت الا بأحد شيئين (أحدهما) ان يقر اربع مرات في مجلس أو مجالس وهو بالغ عاقل ويصرح بذكر حقيقة الوطئ ولا ينزع عن اقراره حتى يتم الحد، لا يثبت الزنا الا باقرار أو بينة فان ثبت باقرار اعتبر اقرار اربع مرات وبهذا قال الحكم وابن ابي ليلى واصحاب الرأي، وقال الحسن وحماد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يحد باقراره مرة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) واعتراف مرة اعتراف وقد أوجب عليها الرجم به ورجم الجهنية وانما اعترفت مرة، وقال عمران الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ولانه حق فثبت باعتراف مرة كالاقرار بالقتل ولنا ما روى أبو هريرة قال اتى رجل من الاسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال يا رسول الله اني زنيت فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه فقال يا رسول الله اني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أبك جنون - قال لا - قال هل أحصنت؟ - قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ارجموه) متفق عليه

[ 191 ]

ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى، وروى نعيم بن هزال حديثه وفيه حتى قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انك قد قلتها أربع مرات فبمن؟) قال بفلانة رواه ابو داود وهذا تعليل منه يدل على أن اقرار الاربع هو الموجب، وروى ابو برزة الاسلمي ان ابا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم ان أقررت اربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يدل من وجهين (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لانه لا يقر على الخطأ (الثاني) أنه قد علم هذا من حكم النبي صلى الله عليه وسلم لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه، فأما أحاديثهم فان الاعتراف لفظ للمصدر يقع على القليل والكثير وحديثنا يفسره ويبين أن الاعتراف الذي يثبت به كان أربعا (فصل) وسواء كان في مجلس واحد أو مجالس متفرقة، قال الاثرم سمعت ابا عبد الله يسأل عن الزاني يردد أربع مرات؟ قال نعم على حديث ماعز هو احوط، قلت له في مجلس واحد أو في مجالس شتى؟ قال اما الاحاديث فليست تدل إلا على مجلس واحد إلا على ذلك الشيخ بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وذلك عندي منكر الحديث، وقال أبو حنيفة لا يثبت إلا باربع اقرارات في أربعة مجالس لان ماعزا أقر في أربعة مجالس ولنا ان الحديث الصحيح انما يدل أنه اقر أربعا في مجلس واحد وقد ذكرنا الحديث ولانه أحد حجتي الزنا فاكتفي به في مجلس واحد كالبينة (فصل) ويعتبر في صحة الاقرار ان يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة، لان الزنا يعبر به عن ما ليس بموجب للحد وقد روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز (لعلك قبلت أو غمزت؟) قال لا قال

[ 192 ]

(افنكتها؟) قال نعم قال (حتى غاب ذاك منك في ذاك منها؟) قال نعم قال (كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟) قال نعم قال (أتدري ما الزنا؟) قال نعم اتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا وذكر الحديث رواه أبو داود (فصل) وان اقر أنه زني بامرأة فكذبته فعليه الحد دونها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا حد عليه لانا صدقناها في انكارها فصار محكوما بكذبه ولنا ماروى أبو داود باسناده عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا اتاه فاقر عنده أنه زنى بامرأة فسماها له فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك فانكرت ان تكون زنت فجلده الحد وتركها، ولان انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل قراره كما لو سكتت أو كما لو لم تسأل ولان عموم الخبر يقتضي وجوب الحد عليه باعترافه وهو قول عمر إذا كان الحبل أو الاعتراف، وقولهم انا صدقناها في انكارها غير صحيح فانا لم نحكم بصدقها وانتفاء الحد انما كان لعدم المقتضى وهو الاقرار أو البينة لا لوجود التصديق بدليل مالو سكتت أو لم تكمل البينة. إذا ثبت هذا فان الحر والعبد والبكر والثيب في الاقرار سواء لانه أحد حجتي الزنا فاستوى الكل فيه كالبينة (فصل) ويشترط ان يكون المقر بالغا عاقلا ولا خلاف في اعتبار ذلك في وجوب الحد وصحة الاقرار لان الصي والمجنون قد رفع القلم عنهما ولا حكم لكلامهما لما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (فصل) والنائم مرفوع عنه القلم، فلو زنى بنائمة أو استدخلت امرأة ذكر نائم أو وجد منه

[ 193 ]

الزنى حال نومه فلا حد عليه لان القلم مرفوع عنه، ولو أقر في حال نومه لم يلتفت إلى اقراره لان كلامه غير معتبر ولا يدل على صحة مدلوله: واما السكران ونحوه فعليه حد الزنى والسرقة والشرب والقذف إذا فعله في حال سكره لان الصحابة رضي الله عنهم اوجبوا عليه حد الفرية لكون السكر مظنة لها ولانه تسبب إلى هذه المحرمات بسبب لا يعذر فيه فاشبه من لا عذر له، وفيه وجه آخر لا يجب عليه الحد لانه غير عاقل فيكون ذلك شبهة في درء ما يندري بالشبهات ولان طلاقه لا يقع في رواية فاشبه النائم، والاول اولى لان اسقاط الحد عنه يفضي إلى ان من أراد فعل هذه المحرمات شرب الخمر وفعل ما احب فلا يلزمه شئ ولان السكر مظنة لفعل المحارم وسبب إليه فقد تسبب إلى فعلها حال صحوه فاما ان اقر بالزنا وهو سكران لم يعتبر اقراره لانه لا يدري ما يقول ولا يدل قوله على صحة خبره فاشبه قول النائم والمجنون وقد روى بريدة ان النبي صلى الله عليه وسلم استنكه ماعزا، رواه ابو داود وانما فعل ذلك ليعلم هل هو سكران أو لا ولو كان السكران مقبول الاقرار لما احتيج إلى تعرف براءته منه (فصل) واما الاخرس فان لم تفهم اشارته فلا يتصور منه اقرار وان فهمت اشارته فقال القاضي عليه الحد وهو قول الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبو ثور وابن المنذر لان من صح اقراره بغير الزنا صح اقراره به كالناطق وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحد باقرار ولا بينة لان الاشارة تحتمل ما فهم منها وغيره فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه مما يندرئ بالشبهات ولا يجب بالبينة لاحتمال ان يكون له شبهة لم يمكنه التعبير عنها ولم يعرف كونها شبهة ويحتمل كلام الخرقي ان لا يلزمه الحد باقراره لانه شرط ان يكون صحيحا وهذا غير صحيح ولان الحد لا يجب بالشبهة فاما الاشارة فلا تنتفي معها الشبهات وأما البينة فيجب عليه بها الحد لان قوله معها غير معتبر

[ 194 ]

(فصل) ولا يصح الاقرار من المكره فلو ضرب الرجل ليقر بالزنى لم يجب عليه الحد ولم يثبت عليه الزنى ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في ان اقرار المكره لا يجب به حد، وروي عن عمر رضي الله عنه قال ليس الرجل مأمونا على نفسه إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته رواه سعيد وقال ابن شهاب في رجل اعترف بعد جلده ليس عليه حد ولان الاقرار انما يثبت به المقر به لوجود الداعي إلى الصدق وانتفاء التهمة عنه فان العاقل لايتهم بقصد الاضرار بنفسه ومع الاكراه يغلب على الظن ان اقراره لدفع ضرر الاكراه فانتفى ظن الصدق عنه فلم يقبل (فصل) وان اقر بوطئ امرأة وادعى أنها امرأته فانكرت المرأة الزوجية نظرنا فان لم تقر المرأة بوطئه اياها فلا حد عليه لانه لم يقر بالزنى ولا مهر لها لانها لا تدعيه، وان اعترفت بوطئه اياها أو اعترفت بانه زنى بها مطاوعة فلا مهر عليه أيضا ولا حد على واحد منهما الا ان يقر اربع مرات لان الحد لا يجب بدون اقرار اربع، وان ادعت أنه أكرهها عليه أو اشتبه عليه فعليه المهر لانه اقر بسببه وقد روى منها عن أحمد انه سأله عن رجل وطئ امرأة وزعم أنها زوجته وأنكرت هي ان يكون زوجها واقرت بالوطئ فقال هذه قد أقرت على نفسها بالزنا ولكن يدرأ عنه الحد بقوله انها امرأته ولا مهر عليه وادرأ عنها الحد حتى تعترف مرارا، قال احمد وأهل المدينة يرون عليها الحد يذهبون إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (واغد يا انيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) وقد تقدم الجواب عن قولهم (فصل) ولا ينزع عن اقراره حتى يتم الحد لان من شروط اقامة الحد بالاقرار البقاء عليه على تمام الحد فان رجع عن اقراره أو هرب كف عنه وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد ومالك والشافعي والثوري وإسحاق وابو حنيفة وابو يوسف وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن

[ 195 ]

ابي ليلى يقام الحد ولا يترك لان ماعزا هرب فقتلوه وروي انه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قومي هم غروني من نفسي واخبروني ان النبي صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه رواه ابو داود وقد ذكرنا ذلك في كتاب الحدود (مسألة) (ومتى رجع المقر بالحد عن اقراره قبل منه) وقد ذكرنا الخلاف فيه والله اعلم (الثاني) ان يشهد عليه اربعة رجال احرار عدول يصفون الزنا ويجيئون في مجلس واحد سواء جاءوا مجتمعين أو متفرقين يشترط في شهود الزنا سبعة شروط ذكرها الخرقي (احدها) ان يكونوا اربعة وهذا اجماع ليس فيه اختلاف بين اهل العلم لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وقال تعالى (لولا جاءوا عليه باربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون) وقال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا امهله حتى آتى باربعة شهداء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (نعم) رواه مالك في الموطأ وابو داود (الشرط الثاني) ان يكونوا رجالا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافا إلا شيئا يروى عن عطاء وحماد انه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان وهو قول شاذ لا يعول عليه لان لفظ الاربعة اسم لعدد المذكورين ويقتضي ان يكتفى فيه باربعة ولا خلاف في ان الاربعة إذا كان بعضهم نساء انه لا يكتفى بهم وان اقل ما يجزئ خمسة وهذا خلاف النص ولان في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال اليهن قال الله تعالى (ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى) والحدود تدرأ بالشبهات (الشرط الثالث) الحرية فلا تقبل شهادة العبيد ولا نعلم في ذلك خلافا الا رواية حكيت عن

[ 196 ]

احمد وهو قول ابي ثور لعموم النصوص فيه ولانه عدل مسلم ذكر فتقبل شهادته كالحر ولنا أنه مختلف في شهادته في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد لانه يندرئ بالشبهات (الشرط الرابع) العدالة ولا خلاف في اشتراطها فانها تشترط في سائر الشهادات فههنا مع مزيد الاحتياط فيها اولى فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز ان يكون فاسقا (الشرط الخامس) ان يكونوا مسلمين فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه سواء كانت الشهادة على مسلم أو ذمي لان أهل الذمة كفار لا تتحقق العدالة فيهم فلا تقبل روايتهم ولا أخبارهم الدينية ولا تقبل شهادتهم كعبدة الاوثان (الشرط السادس) ان يصفوا الزنى فيقولوا رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة والرشاء في البئر وهذا قول معاوية بن أبي سفيان والزهري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لما روينا في قصة ماعز أنه لما اقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنى فقال (انكتها؟ - فقال نعم قال - حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟) قال نعم وإذا اعتبر التصريح في الاقرار كان اعتباره في الشهادة اولى وروى أبو داود باسناده عن جابر قال جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ائتوني باعلم رجلين منكم) فأتوه بابني صوريا فنشدهما (كيف تجدان امر هذين في التوراة؟) قالا إذا شهد أربعة انهم راوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال (فما يمنعكم ان ترجموهما؟) قالوا ذهب سلطاننا وكرهنا القتل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود (فجاؤا له)

[ 197 ]

أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما ولانهم إذا لم يصفوا الزنا أحتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد فاعتبر كشفه قال بعض أهل العلم يجوز للشهود ان ينظروا إلى ذلك منهما لاقامة الشهادة عليهما فيحصل الردع بالحد فان شهدوا انهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى والتشبيه تأكيد (فصل) فأما تعيين المزني بها إن كانت الشهادة على رجل أو الزاني إن كانت الشهادة على امرأة ومكان الزنا فذكر القاضي أنه يشترط لئلا تكون المرأة ممن اختلف في إباحتها ويعتبر ذكر المكان لئلا تكون شهادة أحدهم على غير الفعل الذي شهد به الآخر ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم (إنك أقررت أربعا فبمن؟) وقال ابن حامد لا يعتبر ذكر هذين لانه لا يعتبر ذكرهما في الاقرار ولم يأت ذكرهما في الحديث الصحيح وليس في حديث الشهادة في رجم اليهوديين ذكر المكان ولان ما لا يشترط فيه ذكر الزمان لا يشترط فيه ذكر المكان كالنكاح ويبطل ما ذكروه بالزمان (الشرط السابع) مجئ الشهود كلهم في مجلس واحد ذكره الخرقي فقال: وإن جاءوا أربعة متفرقين والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي والبتي وابن المنذر لا يشترط ذلك لقول الله تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) ولم يذكر المجلس، وقال تعالى (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت) ولان كل شهادة مقبولة إذا اتفقت (وغير) مقبولة إذا افترقت في مجالس كسائر الشهادات ولنا أن أبا بكرة ونافعا وسهل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يشهد

[ 198 ]

زياد فحد الثلاثة ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر ولانه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم وبهذا فارق سائر الشهادات، وأما الآية فانها لم تتعرض للشروط ولهذا لم يذكروا العدالة وصفة الزنا ولان قوله (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا لا يجوز أن يكون مطلقا لانه يمنع من جواز جلدهم لانه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم ان كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به فيكون متناقضا، وإذا ثبت أنه مقيد بالمجلس لان المجلس كله بمنزلة الحالة الواحدة ولهذا ثبت فيه خيار المجلس واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه إذا ثبت هذا فانه لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم ولو جاءوا متفرقين واحدا بعد واحد في مجلس واحد قبل شهادتهم وقال مالك وأبو حنيفة إن جاءوا متفرقين فهم قذفة لانهم لم يجتمعوا في مجيئهم فلم تقبل شهادتهم كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد ولنا قصة المغيرة فان الشهود جاءوا واحدا بعد واحد وسمعت شهادتهم وانما حدوا لعدم كمالها في المجلس وفي حديثه أن أبا بكرة قال أرأيت لو جاء آخر يشهد أكنت ترجمه؟ قال عمر: اي والذي نفسي بيده ولانهم اجتمعوا في مجلس واحد أشبه مالو جاءوا مجتمعين ولان المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرنا وإذا تفرقوا في مجالس فعليهم الحد لان من شهد بالزنا ولم تكمل الشهادة يلزمه الحد لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (مسألة) (وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة

[ 199 ]

أو لم يكملها فهم قذفه وعليهم الحد) إذا لم يكمل شهود الزنا فعليهم الحد في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وذكر أبو الخطاب فيهم روايتين وحكي عن الشافعي فيهم قولان (أحدهما) لا حد عليهم لانهم شهود فلم يجب عليهم الحد كما لو كانوا أربعة أحدهم فاسق ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وهذا يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قال أربعة ولانه إجماع الصحابة فان عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة فلم ينكره احد وروى صالح باسناده عن ابي عثمان النهدي قال جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فاستنكر ذلك عمر ثم جاء شاب يخطر بيديه فقال عمر ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح به عمر صيحة فقال أبو عثمان: والله لقد كدت يغشى علي فقال يا أمير المؤمنين: رأيت أمرا قبيحا فقال الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد قال فأمر بأولئك النفر فجلدوا، وفي رواية أن عمر لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة وبقي زياد فقال عمر ارى شابا حسنا وارجو الا يفضح الله على لسانه رجلا من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا امير المؤمنين رأيت استا تنبو ونفسا يعلو ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار ولا ادري ما وراء ذلك فقال عمر: الله اكبر الله اكبر وامر بالثلاثة فضربوا، وقول عمر يا سلح العقاب معناه انه يشبه سلح العقاب الذي يحرق كل شئ اصابه كذلك هو يوقع العقوبة بأحد الفريقين لا محالة، إن كملت شهادته حد المشهود عليه وإن لم تكمل حد اصحابه، فان قيل فقد خالفهم ابو بكرة واصحابه الذين شهدوا قلنا لم يخالفوا في وجوب الحد عليهم إنما خالفوهم في صحة ما شهدوا به ولانه

[ 200 ]

رام بالزنا لم يأت بأربعة شهداء فيجب عليه الحد كما لو لم يأت بأحد (مسألة) (وان كانوا افساقا أو عميانا أو بعضهم فعليهم الحد وعنه انه لاحد عليهم) إذا كانوا اربعة غير مرضيين كالعبيد والفساق والعميان ففيهم ثلاث روايات (احداهن) عليهم الحد وهو قول مالك قال القاضي وهو الصحيح لانها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود كما لو لم يكمل العدد (والثانية) لا حد عليهم وهو قال الحسن والشعبي وابي حنيفة ومحمد لان هؤلاء قد جاءوا بأربعة شهداء فدخلوا في عموم الآية ولان عددهم قد كمل ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم (الثالث) إن كانوا عميانا أو بعضهم جلدوا وإن كانوا عبيدا أو فساقا فلا حد عليهم وهو قول الثوري واسحاق لان العميان معلوم كذبهم لكونهم شهدوا بما لم يروه يقينا والآخرون يجوز صدقهم وقد كمل عددهم فاشبهوا مستوري الحال. وقال أصحاب الشافعي إن كان رد الشهادة لمعنى ظاهر كالعمى والرق والفسق الظاهر ففيهم قولان وإن كان لمعنى خفي فلا حد عليهم لان ما يخفى يخفى على الشهود فلا يكون ذلك تفريطا منهم بخلاف ما يظهر، فان شهد ثلاثة رجال وامرأتان حد الجميع لان شهادة النساء في هذا الباب كعدمها وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وهذا يقوي رواية ايجاب الحد على الاولين وينبه على ايجاب الحد فيما إذا كانوا عميانا أو بعضهم لان المرأتين يحتمل صدقهما وهما من أهل الشهادة في الجملة والاعمى كاذب يقينا وليس من أهل الشهادة على الافعال فوجوب الحد عليهم وعلى من معهم أولى

[ 201 ]

(مسألة) (وإن كان أحدهم زوجا حد لثلاثة ولاعن الزوج ان شاء) لان الزوج لا تقبل شهادته على امرأته لانه بشهادته مقر بعداونه لها فلا تقبل شهادته عليها فيبقى الشهود ثلاثة فيحدون كما يحد شهود المغيرة بن شعبة ولان الله سبحانه قال (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (مسألة) (وإن شهد اثنان انه زنى بها في بيت أو بلد واثنان أنه زنا بها في بيت أو بلد آخر فهم فذفة وعليهم الحد وعنه يحد المشهود عليه وهو بعيد) وجملة ذلك أنه إذا شهد اثنان أنه زنا بها في هذا البيت واثنان انه زنا بها في بيت آخر وشهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد صاحباهما أو اختلفوا في اليوم فالجميع قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك والشافعي، واختار أبو بكر: أنه لا حد عليهم وبه قال النخعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لانهم كملوا أربعة ولنا انه لم يكمل اربعة على زنا واحد فوجب عليهم الحد كما لو انفرد بالشهادة اثنان واما المشهود عليه فلا حد عليه في قولهم جميعا، وقال أبو بكر عليه الحد، وحكاه قولا لاحمد وهو بعيد لانه لم يثبت زنا واحد بشهادة اربعة فلم يجب الحد ولان جميع ما يعتبر له البينة يعتبر كمالها في حق واحد فالموجب للحد اول لانه مما يحتاط له ويدرء بالشبهات وقد قال ابو بكر انه لو شهد اثنان انه زنى بامرأة بيضاء وشهد اثنان انه زنا بسوداء فهم قذفة ذكره القاضي وهذا ينقض قوله (مسألة) وإن شهد اثنان انه زنى بها في زاوية بيت وشهد اثنان انه زنى بها في زواية منه اخرى كملت شهادتهم ان كانت الزاويتان متقاربتين وحد المشهود عليه)

[ 202 ]

وبه قال ابو حنيفة وقال الشافعي لا حد عليه لان شهادتهم لم تكمل ولانهم اختلفو في المكان اشبه ما لو اختلفا في البيتين، فأما ان كانت الزاويتان متباعدتين فالقول فيهما كالقول في البيتين وعلى قول ابي بكر تكمل الشهادة سواء تقاربت الزاويتان أو تباعدتا ولنا أنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود بان يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الاخرى أو ينسبه كل اثنين إلى احدى الزوايتين لقربه منها فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين فانه لا يمكن كون المشهود به فعلا واحدا، فان قيل فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين فلم أوجبتهم الحد مع الاحتمال والحد يدرأ بالشبهات، قلنا ليس هذا شبهة بدليل ما لو اتفقوا على موضع واحد فان هذا يحتمل فيه والحد واجب والقول في الزمان كالقول في هذا متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه كطرفي النهار لم تكمل شهادتهم ومتى تقاربا كملت شهادتهم. (مسألة) (وان شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد آخران أنه زنى بها في قميص أحمر كملت شهادتهم ويحتمل أن لا تكمل كما لو شهد كل اثنان أنه زنى بها في بيت غير الذي شهد به صاحباهما) وكذلك ان شهد اثنان انه زنى بها في قميص كتان أو شهد اثنان أنه زنى بها في قميص خز تكمل الشهادة، وقال الشافعي لا تكمل لتنافي الشهادتين. ولنا انه لا تنافي بينهما فانه يمكن أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين واحدا وتركا ذكر الآخر ويمكن أن يكون عليه قميص أبيض وعليها قميص أحمر وإذا أمكن التصديق لم يجز التكذيب. (مسألة) (وان شهد أنه زنى بها مطاوعة وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة فلا حد عليها اجماعا، لان الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد وفي الرجل وجهان.

[ 203 ]

(أحدهما) لا حد عليه وهو قول أبي بكر والقاضي وأكثر الاصحاب وهو قول أبي حنيفة واحد الوجهين لاصحاب الشافعي، لان البينة لا تكمل على فعل واحد فان فعل المطاوعة غير فعل المكرهة ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين ولان كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين وذلك يمنع قبول الشهادة أو يكون شبهة في درء الحد ولا يخرج عن ان يكون كل واحد منهما مكذبا للآخر إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في احدهما ومكرهة في الآخر وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولان شاهدي المطاوعة قاذفان لها ولا تكمل البينة عليها فلا تقبل شهادتهم على غيرها والوجه الثاني يجب الحد على الرجل اختاره أبو الخطاب وهو قول أبي يوسف ومحمد ووجه ثان للشافعي، لان الشهادة كملت على وجود الزنا منه واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله فلا يمنع كمال الشهادة عليه. (مسألة) (وهل يحد الجميع أو شاهد المطاوعة؟ على وجهين) في الشهود ثلاثة أوجه (أحدها) لا حد عليهم وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم (والثاني) عليهم الحد لانهم شهدوا بالزنا فلم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم (والثالث) يجب الحد على شاهدي المطاوعة لانهما قذفا المرأة بالزنا فلم تكمل شهادتهما عليها ولا يجب على شاهدي الاكراه لانهما لم يقذفا المرأة وقد كملت شهادتهم على الرجل وانما انتفى عنه الحد للشبهة وعند أبي الخطاب يحد الزاني المشهود علية دون المرأة والشهود وقد ذكرناه. (مسألة) (وان شهد أربعة فرجع أحدهم فلا شئ على الراجع ويحد الثلاثة وان كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة ويغرم الرابع ربع ما أتلفوه).

[ 204 ]

وجملة ذلك أن الشهود إذا رجعوا عن الشهادة أو واحد منهم ففيهم روايتان (احداهما) يجب الحد على الجميع لانه نقص عدد الشهود فلزمهم الحد كما كانوا ثلاثة وان رجعوا كلهم فعليهم الحد لانهم يقرون انهم قذفة، وهو قول أبي حنيفة (والثانية) يحد الثلاثة دون الراجع اختارها ابو بكر وابن حامد لانه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله فيسقط عنه الحد لان في درء الحد عنه تمكينا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة الشهود وفي إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع خوفا من الحد فتفوت تلك المصلحة وتتحقق المفسدة فناسب ذلك نفي الحد عنه، وقال الشافعي يحد الراجع دون الثلاثة لانه أقر على نفسه بالكذب في قذفه واما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم وانما سقط بعد وجوبه برجوع الرابع ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد كما لو لم يرجع احد. ولنا انه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد فلزمهم الحد كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة وقولهم وجب الحد بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلهم وبالراجع وحده فان الحد وجب ثم سقط ووجب الحد بسقوطه ولان الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه باسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه واحيائه المشهود عليه بعد اشرافه على التلف فعلى غيره أولى فاما ان كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة لان إقامة الحد كحكم الحاكم الحاكم لا تسقط برجوع الشاهد بعده وعلى الراجع ربع ما تلف بشهادتهم ويذكر ذلك في الرجوع عن الشهادة ان شاء الله تعالى. (فصل) وإذا ثبتت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه لم يسقط الحد وقال ابو حنيفة يسقط لان صحة البينة يشترط لها الانكار وما كمل بالاقرار. ولنا قول الله (فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا)

[ 205 ]

وبين النبي صلى الله عليه وسلم (السبيل بالحد فتجب إقامته ولان البينة تمت عليه فوجب الحد كما لو لم يعترف ولان البينة احد حجتي الزنا فلم تبطل بوجود الحجة الاخرى وبعضها كالاقرار يحققه ان وجود الاقرار يؤكد البينة ويوافقها ولا ينافيها فلا يقدح فيها كتزكية الشهود والثناء عليهم ولا نسلم اشتراط الانكار وانما يكتفى بالاقرار في غير الحد إذا وجد بكماله وههنا لم يكمل فلم يجب الاكتفاء به ووجب سماع البينة والعمل بها وعلى هذا لو أقر مره أو دون الاربع لم يمنع ذلك سماع البينة عليه ولو تمت البينة وأقر على نفسه اقرارا تاما ثم رجع عن اقراره لم يسقط عنه الحد برجوعه وقوله يقتصي خلاف ذلك (فصل) فان شهد شاهدان واعترف هو مرتين لم تكمل البينة ولم يجب الحد لا نعلم في ذلك خلافا بين من اعتبر اقرار اربع مرات وهو قول أصحاب الرأي لان احدى الحجتين لم تكمل ولا تلفق أحداهما بالاخرى كاقرار بعض مرة. (فصل) فان كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا جاز الحكم بها وإقامة الحد، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقام الحد لجواز أن يكونوا رجعوا وهذا شبهة تدرأ الحد ولنا أن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز الحكم مع غيبتهم كسائر الشهادات واحتمال رجوعهم ليس بشبهة كما لو حكم بشادتهم. (فصل) وإن شهدوا بزنا قديم أو أقر به وجب الحد، وبهذا قال مالك والاوزاعي والثوري واسحاق وأبو ثور وقال ابو حنيفة لا أقبل بينة على زنا قديم واحده بالاقرار به وهذا قول ابن حامد وذكره ابن موسى مذهبا لاحمد لما روي عن عمر انه قال ايما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته فانما هم شهود ضغن ولان تأخيره للشهادة إلى هذا الوقت يدل على التهمة فيدرأ ذلك الحد ولنا عموم الآية وانه حق ثبت على الفور فيثبت بالبينة بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق والحديث

[ 206 ]

مرسل رواه الحسن ومراسيل الحسن ليست بالقوية والتأخير يجوز أن يكون لعذر أو غيبة والحد لا يسقط بمجرد الاحتمال فانه لو سقط بكل احتمال لم يجب حد أصلا. (فصل) وتجوز الشهادة بالحد من غير مدع لا نعلم فيه اختلافا ونص عليه احمد واحتج بقصة أبي بكرة حيث شهد هو وأصحابه على المغيرة من غير تقدم دعوى وشهد الجارود وصاحبه على قدامة بن مظعون بشرب الخمر ولم يتقدمه دعوى، ولان الحد حق لله تعالى لم تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى كسائر العبادات يبينه أن الدعوى في سائر الحقوق إنما تكون من المستحقين وهذا لا حق فيه لاحد من الآدميين فيدعيه فلو وقفت الشهادة به على الدعوى لامتنع اقامتها (مسألة) (وان شهد أربعة بالزنا بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا الشهود نص عليه) وبهذا قال الشعبي والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك عليها الحد، لان شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود فلا يسقط بشهادتهن ولنا ان البكارة تثبت بشهادة النساء ووجودها يمنع من الزنا ظاهرا لان الزنا لا يحصل بدون الايلاچ في الفرج ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة لان البكر هي التي لم توطأ في قبلها وإذا انتفى الزنا لم يجب الحد كما لو قامت البينة بان المشهود عليه بالزنا مجبوب وانما لم يجب الحد على الشهود لكمال عدتهم مع احتمال صدقهم بانه يحتمل ان يكون وطئها ثم عادت عذرتها فيكون ذلك شبهة في درء الحد عنهم غير موجب له عليها فان الحد لا يجب بالشهات ويكتفي بشهادة امرأة واحدة لان شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال فأما ان شهدت بأنها رتقاء أو ثبت ان الرجل المشهود عليه مجبوب فينبغي أن يجب الحد على الشهود لانه يتيقن كذبهم في شهادتهم بامر لا يعلمه كثير من الناس فوجب عليهم الحد.

[ 207 ]

(مسألة) (وان شهد اربعة انه زنى بامرأة وشهد أربعة آخرون أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه وهل يحد الشهود الاولون حد الزنا؟ على روايتين) (إحداهما) لا يجب الحد على واحد منهم، وهذا قول أبي حنيفة لان الاولين قد جرحهم الآخرون بشهادتهم عليهم والآخرون تتطرق إليهم التهمة (والثانية) يجب الحد على الشهود الاولين اختارها أبو الخطاب لان شهادة الآخرين صحيحة فيجب الحكم بها، وهذا قول أبي يوسف وذكر أبو الخطاب في صدر المسألة كلاما معناه لا يحد احد منهم حد الزنا وهل يحد الاولون حدالقذف؟ على وجهين بناء على القاذف إذا جاء مجئ الشاهد هل يحد على روايتين (فصل) وكل زنا أوجب الحد لا يقبل فيه إلا أربعة شهود باتفاق العلماء لتناول النص له بقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) ويدخل فيه اللواط ووطئ المرأة في دبرها لانه زنا وعند أبي حنيفة يثبت بشهاهدين بناء على أصله بانه لا يوجب الحد وقد بينا وجوب الحد به ويخص هذا بان الوطئ في الدبر فاحشة بدليل قوله تعالى (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين؟ وقال تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعه منكم) فإذا وطئت في الدبر دخلت في عموم الآية. واما وطئ البهيمة إن قلنا بوجوب الحد به لم يثبت الا بشهود أربعة، وإن قلنا لا يوجب الا التعزير ففيه وجهان: (احدهما) يثبت بشاهدين لانه لا يوجب الحد فيثبت بشاهدين كسائر الحقوق (والثاني) لا يثبت الا باربعة وهو قول القاضي لانه فاحشة ولانه ايلاج في فرج محرم فأشبه الزنا وعلى قياس هذا كل وطئ يوجب التعزير ولا يوجب الحد كوطئ الامة المشتركة وامته المزوجة فان لم يكن وطئا كالمباشرة دون الفرج ونحوها ثبت بشاهدين وجها واحدا لانه ليس بوطئ اشبه سائر الحقوق

[ 208 ]

(مسألة) (وان حملت امرة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده لكنها تسأل فان ادعت انها اكرهت ووطئت بشبهة أو لم تعرف بالزنا لم تحد) وهذا قول ابي حنيفة والشافعي، وقال مالك عليها الحد إذا كانت مقيمة غير غريبة الا أن تظهر امارات الاكراه بأن تأتي مستغيثة أو صارخة لقول عمر رضي الله عنه والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قلعت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، وروي ان عثمان اتى بامرأة ولدت لستة أشهر فامر بها عثمان ان ترجم فقال علي ليس لك عليها سبيل. قال الله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وهذا يدل على انه كان يرجمها بحملها، وعن عمر نحو من هذا وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال أيها الناس إن الزنا زناآن زنا سر وزنا علانية فزنا السر ان يشهد الشهود فيكون الشهود اول من يرمي وزنا العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف فيكون الامام أول من يرمي، وهذا قول سادة الصحابة لم يظهر لهم في عصرهم مخالف فيكون اجماعا ولنا أنه يحتمل انه من وطئ اكراه أو شبهة والحد يسقط بالشبهات وقد قيل ان المرأة تحمل من غير وطئ بأن يدخل ماء الرجل في فرجها اما بفعلها أو فعل غيرها ولهذا تصور حمل البكر وقد وجد ذلك، واما قول الصحابة فقد اختلفت الرواية عنهم فروى سعيد ثنا خلف بن خليفة ثنا أبو هشام ان امرأة رفعت إلى عمر رضي الله عنه ليس لها زوج وقد حملت فسألها عمر فقالت إني امرأة ثقيلة الرأس وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد، وروى النوال بن سبرة عن عمر انه أتي بامرأة حامل فادعت أنها اكرهت فقال خل سبيلها وكتب إلى امراء الاجناد أن لا يقتل أحد الا باذنه، وروي عن علي وابن عباس انهما قالا إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل وروى الدارقطني باسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم

[ 209 ]

قالوا إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت ولا خلاف ان الحد يدرأ بالشبهات وهي متحققه ههنا (فصل) ويستحب للامام أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالاقرار التعريض له بالرجوع إذا تم والوقوف عن اتمامه إذا لم يتم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه اعرض عن ماعز حين اقر عنده ثم جاءه من الناحية الاخرى فاعرض عنه حتى تمم اقراره أربعا ثم قال (لعلك قبلت لعلك لمست) وروي أنه قال للذي أقر بالسرقة (ما اخالك فعلت) رواه سعيد عن سفيان عن يزيد بن خصفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ثنا هشيم عن الحكم بن عتبة عن يزيد بن أبي كبشة عن ابي الدرداء انه اتي بجارية سوداء سرقت فقال لها اسرقت قولي لا فقالت لا فخلى سبيلها، ولا بأس ان يعرض بعض الحاضرين بالرجوع أو بان لا يقر وروينا عن الاحنف انه كان جالسا عند معاوية فاتي بسارق فقال له معاوية اسرقت؟ فقال له بعض الشرطة اصدق الامير فقال الاحنف الصدق في كل المواطن معجزة فعرض له بترك الاقرار وروي عن بعض السلف انه قال: لا يقطع ظريف يعني أنه إذا قامت عليه بينة ادعى شبهة فدفع عنه القطع فلا يقطع، ويكره لمن علم حاله أن يحثه على الاقرار لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لهزال وقد كان قال لماعز بادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان ينزل فيك قرآن (ألا سترته بثوبك كان خيرا لك؟) رواه سعيد وروى باسناده أيضا عن سعيد بن المسيب قال جاء ماعز بن مالك إلى عمر بن الخطاب فقال له إنه أصاب فاحشة فقال له أخبرت بهذا أحدا قبلي؟ قال لا قال فاستر يستر الله وتب إلى الله فان الناس يعيرون ولا يغيرون والله يغير ولا يعير فتب إلى الله ولا تخبر به أحدا فانطلق إلى ابي بكر فقال له مثل ما قال عمر فلم تقره نفسه حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك

[ 210 ]

(باب القذف) وهو الرمي بالزنا وهو محرم باجماع الامة والاصل في تحريمه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) وقال سبحانه (ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: وما هن يارسول الله؟ قال (الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله واكل الرابا واكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقدف المحصنات الغافلات المؤمنات) متفق عليه. (مسألة) (ومن قذف حرا محصنا فعليه جلد ثمانين جلدة ان كان القاذف حرا واربعين ان كان عبدا وقذف غير المحصن يوجب التعزير) المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان (احدها) العفائف وهو المراد ههنا. (الثاني) بمعنى المزوجات كقوله تعالى (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) وقوله تعالى (ومحصنات غير مسافحات). (والثالث) بمعنى الحرائر كقوله تعالى (فمن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات) وقوله تعالى (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) وقوله [ فعليهن نصف ما على المحصنات ] (والرابع) بمعنى الاسلام كقوله (فإذا أحصن) قال ابن مسعود إحصانها إسلامها. وأجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصنا إذا كان القاذف مكلفا

[ 211 ]

(مسألة) (والمحصن هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله، وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين) فهذه الخمسة شروط الاحصان وبه يقول جماعة الفقهاء قديما وحديثا سوى ماروي عن داود انه أوجب الحد على قاذف العبد. وقال ابن أبي موسى إذا قذف أم ولد رجل وله منها ولد حد. وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى قالوا إذا قذف ذمية لها ولد مسلم يحد، وقال ابن أبي موسى إذا قذف مسلم ذمية تحت مسلم أو لها منه ولد حد في إحدى الروايتين، والاول أولى لان ما لا يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد لا يحد وله ولد كالمجنونة واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط البلوغ فروي عنه انه شرط وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لانه احد شرطي التكليف فأشبه العقل، ولان زنا الصبي لا يوجب عليه الحد فلا يجب الحد بالقذف به كزنا المجنون (والثانية) لا يشترط لانه حر عاقل عفيف يتعير بهذا القول الممكن صدقه فأشبه الكبير وهذا قول مالك واسحاق، فعلى هذه الرواية لابد أن يكون كبيرا يجامع مثله وأدناه أن يكون للغلام عشر وللجارية سبع (فصل) ويجب بقذف المحصن ثمانون جلدة إذا كان القاذف حرا وأربعون ان كان عبدا كما ذكره وقد أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصنا وأن حده ثمانون ان كان حرا وقد دل عليه قوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وان كان القاذف عبدا فحده أربعون جلدة، وأجمعوا على وجوب الحد على العبد إذا قذف محصنا لدخوله في

[ 212 ]

عموم الآية وحده اربعون في قول اكثر العلماء فروي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة انه قال: ادركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف الا اربعين. وروى خلاس ان عليا قال في عبد قذف حرا عليه نصف الحد، وجلد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عبدا قذف حرا ثمانين وبه قال قبيصة وعمر بن عبد العزيز عملا بعموم الآية، والصحيح الاول للاجماع المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم ولانه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من حد الحر كحد الزنا وهذا يخص عموم الآية وقد عيب على ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم جلده العبد ثمانين فقال عبد الله بن عامر بن ربيعة ما رأيت أحدا جلد العبد ثمانين قبله وقال سعيد ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال حضرت عمر بن عبد العزيز جلد عبدا في فرية ثمانين فأنكر ذلك من حضره من الناس وغيرهم من الفقهاء فقال لي عبد الله بن عامر بن ربيعة اني رأيت والله عمر بن الخطاب فما رأيت احدا جلد عبدا في فرية فوق اربعين قال الخرقي ويكون بدون السوط الذي يجلد به الحر لانه لما خفف في عدده خفف في سوطه كما أن الحدود في نفسها كلما قل منها كان سوطه أخف، وظاهر ما ذكره شيخنا انه يكون بسوط الحر فيتساووا في الجلد ليتحقق التنصيف لانه انما يتحقق بذلك (مسألة) (وقذف غير المحصن يوجب التعزير فإذا قذف مشركا أو عبدا أو مسلما له دون عشر سنين أو مسلمة لها دون تسع أو من ليس بعفيف فعليه التعزير)

[ 213 ]

لانه لما انتفى وجوب الحد عن القاذف وجب التأديب ردعا له عن أعراض المعصومين وكفا له عن أذاهم (فصل) ويجب الحد على قاذف الخصي والمجبوب والمريض المدنف والرتقاء والقرناء. وقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لا حد على قاذف مجبوب. قال ابن المنذر وكذلك الرتقاء. وقال الحسن لا حد على قاذف الخصي لان العار منتف على المقذوف بدون الحد للمسلم بكذب القاذف، والحد انما يجب لنفي العار ولنا عموم قوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) والرتقاء داخلة في عموم الآية ولانه قاذف محصنا فيلزمه الحد كالقاذف للقادر على الوطئ ولان إمكان الوطئ أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد فيجب كقذف المريض (فصل) ويجب الحد على القاذف في غير دار الاسلام وبهذا قال الشافعي. وقال اصحاب الرأي لا حد عليه لانه في دار لا حد على أهلها. ولنا عموم الآية ولانه مسلم مكلف حر قذف محصنا فأشبه من في دار الاسلام (فصل) ويشترط لاقامة الحد على القاذف شرطان (أحدهما) مطالبة المقذوف لانه حق له فلا يستوفى قبل طلبه كسائر حقوقه (الثاني) ان لا يأتي ببينة لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) الآية ولذلك يشترط عدم إقرار المقذوف لانه في معنى البينة. وان كان القادف زوجا اعتبر شرط آخر وهو امتناعه من اللعان، ولا نعلم في هذا كله خلافا ويعتبر استدامة

[ 214 ]

الطلب إلى إقامة الحد فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال الحسن وأصحاب الرأي لا يسقط بعفوه لانه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود ولنا انه حد لا يستوفى إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص. وفارق سائر الحدود فانه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها، فأما حد السرقة فانما يعتبر فيه المطالبة بالمسروق لا استيفاء الحد ولانهم قالوا تصح دعواه ويستحلف فيه ويحكم الحاكم فيه بعلمه ولا يقبل رجوعه بعد الاعتراف فدل على انه حق لآدمي (فصل) وإذا قلنا بوجوب الحد بقذف من لم يبلغ لم تجز إقامته حتى يبلغ ويطالب به بعد بلوغه لان مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد لعدم اعتبار كلامه وليس لوليه المطالبة عنه لانه حق شرع للتشفي فلم يقم غيره مقامه في استيفائه كالقصاص فإذا بلغ وطالب اقيم حينئذ، ولو قذف غائبا لم يقم عليه الحد حتى يقدم ويطالب الا ان يثبت انه طالب في غيبته، ويحتمل أن لا تجوز إقامته في غيبته بحال لانه يحتمل ان يعفو بعد المطالبة فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه يندرئ بالشبهات، ولو جن المقذوف بعد قذفه وقبل طلبه لم تجز إقامته حتى يفيق ويطالب وكذلك إن اغمي عليه فان كان قد طالب به قبل جنونه وإغمائه جازت إقامته كما لو وكل في استيفاء القصاص ثم جن أو أغمي عليه قبل استيفائه (فصل) وإذا قذف ولده لم يجب عليه الحد وان نزل سواء كان القاذف رجلا أو امرأة وبهذا

[ 215 ]

قال الحسن وعطاء والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وأبو ثور وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية ولانه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنا ولنا انه عقوبة تجب حقا لآدمي فلا تجب للولد على الوالد كالقصاص أو نقول انه حق لا يستوفى الا بالمطالبة باستيفائه فأشبه القصاص ولان الحد يدرأ بالشبهات فلا يجب للابن على ابيه كالقصاص ولان الابوة معنى يسقط القصاص فمنعت الحد كالكفر وبهذا خص عموم الآية، ثم ما ذكروه ينتقض بالسرقة فان الاب لا يقطع بالسرقة من مال ابنه، والفرق بين القذف والزنا ان حد الزنا خالص لحق الله تعالى لا حق للآدمي فيه وحد القذف حق لآدمي فلا يثبت للابن على ابيه كالقصاص وعلى انه لو زنى بجارية ابنه لم يجب عليه حد إذا ثبت هذا فانه لو قذف ام ابنه وهي أجنبية منه فماتت قبل استيفائه لم يكن لابنه المطالبة لان ما منع ثبوته ابتداء أسقطه طارئا كالقصاص فان كان لها ابن آخر من غيره كان له استيفاؤه إذا ماتت بعد المطالبة به لان الحد يملك بعض الورثة استيفاءه كله بخلاف القصاص وأما قذف سائر الاقارب فيوجب الحد على القاذف في قولهم جميعا (مسألة) (وإن قال زنيت وأنت صغيرة وفسره بصغر عن تسع لم يحد والا خرج على روايتين) أما إذا فسره بصغر عن تسع سنين فانه لا يحد فانه لا يجب بقذفها الحد على ما ذكرنا وكذلك

[ 216 ]

ان قذف صغيرا له دون عشر سنين وإن لم يفسره بذلك وفسره بما زاد عليه خرج على الروايتين في اشتراط البلوغ فان قلنا هو شرط في الاحصان لم يحد وعليه التعزير وإن قلنا ليس بشرط لزمه الحد كالبالغ لانه قذف محصنا (فصل) فان اختلف القاذف والمقذوف فقال القاذف كنت صغيرا حين قذفتك وقال المقذوف كنت كبيرا فذكر القاضي أن القول قول القاذف لان الاصل الصغر وبراءة الذمة من الحد فان أقام كل واحد منهما بينة بدعواه وكانتا مطلقتين أو مؤرختين تاريخين مختلفين فهما قذفان موجب أحدهما التعزير والآخر الحد وان ثبنتا تاريخا واحدا وقالت احداهما وهو صغير وقالت الاخرى وهو كبير تعارضتا وسقطتا وكذلك لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف (مسألة) وإن قال لحرة مسلمة زنيت وأنت نصرانية أو أمة ولم تكن كذلك فعليه الحد) إذا قال زنيت إذ كنت مشركا أو إذ كنت رقيقا فقال المقذوف ما كنت رقيقا ولا مشركا نظرنا فان ثبت أنه كان مشركا أو رقيقا فهي كالتي قبلها وان ثبت أنه لم يكن كذلك فعليه الحد لانه يعلم كذبه في وصفه بذلك، وإن لم يثبت واحد منهما وجب عليه الحد في احدى الروايتين، لان الاصل عدم الشرك والرق ولان الاصل الحرية واسلام اهل دار الاسلام (والثانية) لا يجب لان الاصل براءة ذمته، وأما إذا قال زنيت وانت مشرك فقال المقذوف اردت قذفي بالزنا والشرك معا وقال القاذف بل أردت قذفك بالزنا إذ

[ 217 ]

كنت مشركا فقال أبو الخطاب القول قول القاذف وهو قول بعض الشافعية لان الخلاف في نيته وهو أعلم بها، وقوله وانت مشرك مبتدأ وخبر وهو حال لقوله زنيت كقوله تعالى (الا استموه وهم يلعبون) وقال القاضي: يجب الحد وهو قول بعض الشافعية لان قول زنيت خطاب في الحال والظاهر أنه أراد زناه في الحال وهكذا ان قال زنيت وانت عبد، فأما إن قال زنيت وقال اردت انه زنى وهو مشرك فقال الخرقي جيب عليه الحد، وكذلك ان كان عبدا لانه قذفه في حال كونه حرا مسلما محصنا وكذلك يقتضي وجوب الحد عليه لعموم الآية ووجود المعنى، فإذا ادعى ما يسقط الحد عنه لم يقبل منه كما لو قذف كبيرا ثم قال اردت انه زنى وهو صغير، فأما إن قال زنيت في شركك أو وأنت مشرك ففيه وجهان (احدهما) لا حد عليه وهو قول الزهري وأبي ثور واصحاب الرأي، وعن احمد رواية أخرى وعن مالك أنه يحد وهو قول الثوري لان القذف وجد في حال كونه محصنا. ووجه الاول أنه أضاف القذف إلى حال ناقصة أشبه مالو قذفه في حال الشرك ولانه قذفه بما لا يوجب الحد على المقذوف أشبه مالو قذفه بالوطئ دون الفرج، وهكذا الحكم لو قذف من كان رقيقا، فان قال زنيت وأنت صبي أو صغير سئل عن الصغر فان فسره بما لا يجامع مثله ففيها الوجهان، وإن فسره بصغر يجامع في مثله خرج على الروايتين في اشتراط البلوغ للاحصان (فصل) وان قذف مجهولا وادعى انه رقيق أو مشرك وقال المقذوف بل أنا حر مسلم

[ 218 ]

فالقول قوله، وقال ابو بكر القول قول القاذف في الرق لان الاصل براءة ذمته من الحد وهو يدرأ بالشبهات وما ادعاه محتمل فيكون شبهة وعن الشافعي كالوجهين ولنا أن الاصل الحرية وهو الظاهر فلم يلتفت إلى ما خالفه كما لو فسر صريح القذف بما يحيله (مسألة) (ومن قذف محصنا فزال احصانه قبل اقامة الحد عليه لم يسقط الحد عن القاذف) وبهذا قال الثوري وابو ثور والمزني وداود، وقال ابو حنيفة ومالك والشافعي لاحد عليه لان الشروط تجب استدامتها إلى حال اقامة الحد بدليل انه لو ارتد أو جن لم يقم الحد لان وجود الزنا يقوي قول القاذف ويدل على تقدم الفسق منه فأشبه الشهادة إذا طرأ الفسق بعد أدائها قبل الحكم بها ولنا ان الحد قد وجب وتم بشروطه فلم يسقط بزوال شرط الوجوب كما لو زنى بأمة ثم اشتراها أو سرق عينا فنقصت قيمتها أو ملكها أو كما لو جن المقذوف بعد المطالبة، وقولهم ان الشروط تعتبر استدامتها قلنا الشروط ههنا للوجوب فيعتبر وجودها إلى حين الوجوب وقد وجب الحد بدليل انه ملك المطالبة به وتبطل الاصول التي ذكروها بالاصول التي قسنا عليها، وأما إذا جن من وجب له الحد فلا يسقط الحد وانما يتأخر استيفاؤه لتعذر المطالبة فأشبه مالو غاب من له الحد، فان ارتد من وجب له الحد لم يملك المطالبة لان حقوقه واملاكه تزول أو تكون موقوفة، وفارق الشهادة فان العدالة شرط للحكم بها فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها بخلاف مسئلتنا فان العفة شرط للوجوب فلا تعتبر الا إلى حين الوجوب (فصل) ولو وجب الحد على ذمي أو مرتد ملحق بدار الحرب ثم عاد لم يسقط عنه وقال ابو حنيفة يسقط ولنا انه حد وجب فلم يسقط بدخول دار الحرب كما لو كان مسلما دخل بأمان (فصل) ويحد من قذف ابن الملاعنة نص عليه احمد، وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن

[ 219 ]

والشعيي وطاوس ومجاهد ومالك والشافعي وجمهور العلماء ولا نعلم فيه خلافا، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الملاعنة أن ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد رواه ابو داود ولان حضانتها لم تسقط باللعان ولا يثبت الزنا به ولذلك لم يلزمها به حد، ومن قذف ابن الملاعنة فقال هو ولد زنا فعليه الحد للخبر والمعنى، وكذلك ان قال هو من الذي رميت به، فاما ان قال ليس هو ابن فلان يعني الملاعن وأراد أنه منفي عنه شرعا فلا حد عليه لانه صادق (فصل) فاما ان ثبت زناه ببينة أو اقرار أو حد للزنا فلا حد على قاذفه لانه صادق ولان احصان المقذوف قد زال بالزنا. ولو قال لمن زنى في شركه أو من كان مجوسيا تزوج بذات محرم بعد أن أسلم يا زاني فلا حد عليه إذا فسره بذلك وقال مالك عليه الحد لانه قذف مسلما لم يثبت زناه في اسلامه ولنا انه قذف من ثبت زناه اشبه ما لو ثبت زناه في الاسلام لانه صادق ومقتضى كلام الخرقي وجوب الحد عليه لقوله ومن قذف من كان مشركا وقال اردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله وحد. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (والقذف محرم ما ذكرنا من الآية والخبر والاجماع إلا في موضعين (أحدهما) ان يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني فيجب عليه قذفها ونفيه لان ذلك يجري مجرى اليقين في ان الولد من الزاني لكونها أتت به لستة أشهر من حين الوطئ فإذا لم ينفه لحقه الولد وورثه وورث اقاربه وورثوا منه ونظر إلى بناته وأخواته وليس ذلك بجائز فيجب نفيه لازالة ذلك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ايما امرأة ادخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ ولن يدخلها جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الاولين والآخرين) رواه أبو داود وقوله (وهو ينظر إليه) يعني يراه منه فكما حرم على المرأة ان تدخل على قوم من ليس منهم فالرجل مثلها وكذا لو أقرت بالزنا ووقع في نفسه صدقها فهو كما لو رآها

[ 220 ]

(الثاني) ان لا تأتي بولد يجب نفيه مثل ان يراها تزني ولا تأتي بولد يلحقه نسبه أو يكون ثم ولد لكن لا يعلم أنه من الزنا أو استفاض زناها في الناس أو أخبره ثقة ورأي رجلا يعرف بالفجور يدخل عليها فيباح قذفها لانه يغلب على ظنه فجورها ولا يجب لانه يمكنه مفارقتها وقد روى علقمة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ارأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فذكر أنه يتكلم أو يسكت فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم والسكوت ههنا اولى ان شاء الله تعالى لانه استر ولان قذفها يلزم منه ان يحلف احدهما كاذبا أو يقر فيفتضح) (مسألة) (وان أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك وقال أبو الخطاب ظاهر كلامه اباحته) إذا اتت بولد يخالف لونه لونهما ويشبه رجلا غير والديه لم يبح نفيه بذلك لما روى أبو هريرة قال جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان امرأتي جاءت بولد اسود يعرض بنفيه - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (هل لك من ابل قال نعم قال - فما الوانها؟ - قال - حمر قال - هل فيها من اورق؟ قال ان فيها لورقا قال - فاني (فانى) أتاها ذلك؟ قال عسى ان يكون نزعه عرق قال - وهذا عسى ان يكون نزعه عرق) قال ولم يرخص له في الانتفاء منه متفق عليه ولان الناس كلهم من آدم وحواء والوانهم وخلقهم مختلفة ولولا مخالفتهم شبه والديهم لكانوا على صفة واحدة ولان دلالة الشبه ضعيفة ودلالة ولادته على الفراش قوية فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف ولذلك لما تنازع سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة ورأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة الحق الولد بالفراش وترك الشبه وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي وذكر القاضي وأبو الخطاب ان ظاهر كلام أحمد جواز نفيه وهو الوجه الثاني لاصحاب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث اللعان (ان جاءت به اورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو للذي رميت به) فاتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لولا الايمان لكان لي ولها شأن) فجعل الشبه دليلا على نفيه عنه والصحيح الاول وهذا الحديث انما يدل على نفيه

[ 221 ]

عنه مع ما تقدم من لعانه ونفيه اياه عن نفسه فجعل الشبه مرجحا لقوله دليلا على تصديقه وما تقدم من الاحاديث يدل على عدم استقلال الشبه بالنفي، ولان هذا كان في موضع زال الفراش وانقطع نسب الولد عن صاحبه فلا يثبت مع بقاء الفراش المقتضي لحوق النسب بصاحبه وان كان يعزل عن امرأته لم يبح له نفيه لما روى أبو سعيد أنه قال يا رسول الله انا نصيب النساء ونحب الاثمان افنعزل عنهن؟ فقال (ان الله إذا قضى خلق نسمة خلقها) ولانه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فيعلق) (فصل) ولا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق بخبره لانه غير مأمون على الكذب عليها ولا برؤيته رجلا خارجا من عندها من غير ان يستفيض زناها لانه يجوز ان يكون دخل سارقا أو هاربا أو لحاجة أو لغرض فاسد فلم تمكنه ولا لاستفاضة ذلك في الناس من غير قرينة تدل على صدقهم لاحتمال ان يكون اعداؤها اشاعوا ذلك عنها، وفيه وجه أنه يجوز لان الاستفاضة أقوى من خبر الثقة (فصل) قال رحمه الله والفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح قوله يا زاني يا عاهر زنى فرجك مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله لانه صريح فيه فاشبه التصريح بالطلاق (مسألة) (وان قال يا لوطي أو يا معفوج فهو صريح في المنصوص عن أحمد وعليه الحد) إذا قذفه بعمل قوم لوط اما فاعلا أو مفعولا به فعليه حد القذف وبه قال الحسن والنخعي والزهري ومالك وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وقال عطاء وقتادة وأبو حنيفة لا حد عليه لانه قذف بما لا يوجب الحد عنده، وعندنا هو موجب للحد وقد بيناه فيما مضى وكذلك لو قذف امراة أنها وطئت في دبرها أو قذف رجلا بوطئ امرأة في دبرها فعليه الحد عندنا وعند أبي حنيفة لا حد عليه، ومبني الخلاف ههنا على الخلاف في وجوب حد الزنى على فاعل ذلك وقد تقدم الكلام فيه، فان قذف رجلا باتيان بهيمة انبنى ذلك على وجوب الحد على فاعله فمن اوجب عليه الحد اوجب حد القذف على قاذفه ومن لا فلا، وكل مالا يجب الحد بفعله لا يجب الحد على القاذف به كما لو قذف انسانا بالمباشرة فيما دون الفرج أو بالوطئ بالشبهة أو قذف امرأة بالمساحقة أو بالوطئ مستكرهة لم يجب الحد على القاذف لانه رماه بما لا يوجب الحد فاشبه مالو قذفه باللمس والنظر وكذلك لو قال

[ 222 ]

يا كافر يا فاسق يا سارق يا منافق يا فاجر يا خبيث يا اعور يا اقطع يا اعمى يا مقعد يا ابن الزمن الاعمى الاعرج فلاحد في ذلك كله لانه قذفه بما لا يوجب الحد فهو كما لو قال يا كاذب يانمام ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم ولكنه يعزر لسب الناس وأذاهم فاشبه مالو قذف من لا يوجب قذفه الحد (مسألة) (فان قال اردت بقولي يا لوطي أنك تعمل عمل قوم لوط فقال الخرقي لا حد عليه وهو بعيد) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروى عنه جماعة أنه يجب عليه الحد بقوله يا لوطي ولا يسمع تفسيره بما يحيل القذف وهو اختيار أبي بكر ونحوه قال الزهري ومالك (والثانية) لا حد عليه نقلها المروذي ونحو هذا قال الحسن والنخعي، قال الحسن إذا قال نويت ان دينه دين لوط فلا حد عليه، وان قال اردت أنه يعمل عمل قوم لوط فعليه الحد. ووجه ذلك أنه فسر كلامه بما لا يوجب الحد فلم يجب عليه حد كما لو فسره به متصلا بكلامه. وعن احمد رواية ثالثة أنه إذا كان في غضبه قال انه لاهل ان يقام عليه الحد لان قرينة الغضب تبدل على ارادة القذف بخلاف حال الرضاء والصحيح في المذهب الرواية الاولى لان هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم لوط فكانت صريحة فيه كقوله يا زاني ولان قوم لوط لم يبق منهم أحد فلا يحتمل ان ينسب إليهم (مسألة) (فان قال اردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير اتيان الرجال احتمل وجهين) نحو ان يقول اردت أنك على دين لوط أو أنك تحب الصبيان وتقبلهم أو تنظر إليهم أو انك تتخلق باخلاق قوم لوط في انديتهم غير اتيان الفاحشة أو انك تنهى عن الفاحشة كنهي لوط عنها ونحو ذلك خرج في ذلك كله وجهان بناء على الروايتين المنصوصتين في المسألة المذكورة لان هذا في معناه (فصل) وان قال يا معفوج فالمنصوص عن أحمد ان عليه الحد وكلام الخرقي يقتضي انه يرجع إلى تفسيره فان فسره بغير الفاحشة مثل ان قال اردت يا مفلوج أو مصابا دون الفرج ونحو ذلك فلا حد عليه لانه فسره بما لا حد فيه، وان فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به ووجه القولين ما تقدم في التي قبلها

[ 223 ]

(مسألة) (وإن قال لست بولد فلان فقد قذف امه) إذا نفى رجلا عن أبيه فعليه الحد لانه قذف امه نص عليه احمد الا أنه يسأل عما اراد فان فسره بالقذف فهو قاذف وان كان منفيا باللعان ثم استلحقه أبوه فهو قذف أيضا نص عليه، وان لم يكن استلحقه فلا حد لان النبي صلى الله عليه وسلم نفى الولد المنفي باللعان عن أبيه الا أن يفسره بان امه زنت فيكون قاذفا وان لم يكن كذلك فهو قذف في الظاهر للام لانه لا يكون لغير أبيه الا بزنى امه ويحتمل ان لا يكون قذفا لانه يجوز أن يريد أنك لا تشبهه في كرمه وأخلاقه وكذلك ان نفاه عن قبيلته، وبهذا قال النخعي وإسحاق وبه قال أبو حنيفة والثوري وحماد إذا نفاه عن امه وكانت امه مسلمة حرة، وان كانت ذمية أو رقيقة فلا حد عليه لان القذف لها ووجه الاول ما روى الاشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول (لا اوتى برجل يقول ان كنانة ليست من قريش الا جلدته) وعن ابن مسعود أنه قال لا جلد الا في اثنين رجل قذف محصنة أو نفى رجلا عن أبيه وهذا لا يقوله الا توقيفا فاما ان نفاه عن امه فلا حد عليه لانه لم يقذف احدا بالزنى، وكذلك إن قال إن لم تفعل كذا فلست بابن فلان لان القذف لا يتعلق بالشرط قال شيخنا والقياس يقتضي ان لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته لان ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا فاشبه مالو قال للاعجمي إنك عربي (مسألة) (وإن قال لست بولدي فعلى وجهين) (احدهما) أنه يكون قذفا لها لانه إذا لم يكن ولده كان لغيره فأشبه مالو قال لاجنبي لست بولد فلان فانه يكون قذفا لامه كذا ههنا (والثاني) لا يكون قاذفا قاله القاضي لان للرجل أن يغلظ لولده في القول والفعل (مسألة) (وإن قال أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة فهو قاذف له لانه أضاف إليه الزنا بصفة المبالغة وهذا قول أبي بكر

[ 224 ]

وأما الثاني ففيه وجهان (احدهما) يكون قاذفا له اختاره القاضي لانه أضاف الزنا اليهما وجعل أحدهما فيه ابلغ من الآخر فان لفظة أفعل التفضيل تقتضي اشتراك المذكورين في أصل الفعل وتفضيل أحدهما على الآخر فيه كقوله أجود من حاتم (والثاني) يكون قاذفا للمخاطب خاصة لان لفظه أفعل تستعمل للمنفرد بالفعل كقوله تعالى (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى؟) وقال تعالى (فأي الفريقين أحق بالامن؟) وقال لوط (بناتي هن أطهر لكم) اي من أدبار الرجال ولا طهارة فيهم وقال الشافعي وأصحاب الرأي ليس بقذف للاول ولا للثاني إلا أن يريد به القذف وهو قول ابن حامد ولنا أن موضوع اللفظ يقتضي ما ذكرنا فحمل عليه كما لو قال أنت زان (مسألة) (وإن قال لرجل يا زانية أو لامرأة يازان أو قال زنت يداك ورجلاك فهو صريح في القذف في قول أبي بكر وليس بصريح عند ابن حامد) أما إذا قال لرجل يا زانية أو لامرأة يازان فاختار ابو بكر انه صريح في قذفهما وهو مذهب الشافعي واختار ابن حامد انه ليس بقذف الا ان يفسره به وهو قول ابي حنيفة لانه يحتمل انه يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا كما يقال للعالم علامة وللكثير الرواية راوية ولكثير الحفظ حفظة ولنا ان ما كان قذفا لاحد الجنسين كان قذفا للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وبكسرها لهما جميعا ولان هذا اللفظ خطاب لهما واشارة اليهما بلفظ الزنا وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها وكذلك لو قال للمرأة يا شخصا زانيا وللرجل يانسمة زانية كان قاذفا، وقولهم انه يريد بذلك انه علامة في الزنا لا يصح فان ما كان اسما للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة كقولهم حفظة وراوية للمبالغة في الرواية كذلك همزة ولمزة وصرعة ولان كثيرا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا بما يراد باللفظ الصحيح، وان قال زنت يداك أو رجلاك لم يكن قاذفا في ظاهر المذهب وهو قول ابن حامد لان زنا هذه الاعضاء لا يوجب الحد بدليل

[ 225 ]

قول النبي صلى الله عليه وسلم (العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي) ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه وفيه وجه آخر انه يكون قذفا لانه اضاف الزنى إلى عضو منه فأشبه مالو اضافه إلى الفرج والاولى ان يرجع إلى تفسيره (مسألة) (وإن قال زنأت في الجبل مهموزا فهو صريح عند ابي بكر، وقال ابن حامد ان كان يعرف العربية فليس بصريح) إذا قال زنات في الجبل بالهمز فهو صريح عند ابي بكر وابي الخطاب لان عامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف فكان قذفا كما لو قال زنيت وقال ابن حامد ان كان عاميا فهو قذف لانه لا يريد به إلا القذف وإن كان من اهل العربية لم يكن قذفا لان معناه في العربية طلعت كقول الشاعر * وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل * فالظاهر انه يريد موضوعه ولاصحاب الشافعي في كونه قذفا وجهان، وإن قال زنأت ولم يقل في الجبل فالحكم كالتي قبلها، وقال الشافعي ومحمد بن الحسن ليس بقذف، قال الشافعي ويستحلف على ذلك ولنا انه إذا كان عاميا لا يعرف موضوعه في اللغة تعين مراده في القذف ولم يفهم منه سواه فوجب ان يكون قذفا كما لو فسره بالقذف أو لحن لحنا غير هذا (فصل) إذا قال لرجل زنيت بفلانة كان قذفا لهما وقد نقل عن ابي عبد الله انه سئل عن رجل قال لرجل يا ناكح أمه ما عليه؟ قال إن كانت أمه حية فعليه للرجل حد ولامه حد، وقال مهنا: سألت أبا عبد الله إذا قال الرجل للرجل يا زاني ابن الزاني؟ قال: عليه حدان قلت أبلغك في هذا

[ 226 ]

شئ؟ قال مكحول قال فيه حدان، وإن أقر انسان أنه زنى بامرأة فهو قاذف لها سواء لزمه حد الزنا باقراره أو لم يلزمه، وبهذا قال ابن المنذر وأبو ثور ونسبه مذهبا للشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه حد القذف لانه يتصور منه الزنا بغير زناها لاحتمال أن تكون مكرهة أو موطوءة بشبهة ولنا ما روى ابن عباس أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة وكان بكرا ثم سأله البينة على المرأة فقال كذب والله يا رسول الله فجلده حد الفرية ثمانين، والاحتمال الذي ذكره لا ينافي الحد بدليل ما لو قال يا نايك أمه فانه يلزمه الحد مع احتمال أن يكون فعل ذلك بشبهة، وقد روي عن أبي هريرة أنه جلد رجلا قال لرجل ذلك ويتخرج لنا مثل قول أبي حنيفة بناء على ما إذا قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت، فان أصحابنا قالوا لا حد عليها في قولها: بك زنيت، لاحتمال وجود الزنا به مع كونه واطئا بشبهة ولا يجب الحد عليه لتصديقها إياه وقال الشافعي عليه الحد دونها وليس هذا باقرار صحيح ولنا أنها صدقته فلم يلزمه حد كما لو قال يا زانية أنت أزنى مني فقال أبو بكر هي كالتي قبلها في سقوط الحد ويلزمها له ههنا حد القذف بخلاف التي قبلها فانها أضافت الزنا إليه، وفي التي قبلها أضافته إلى نفسها. (مسألة) (والكنايات نحو قوله لامرأته قد فضحته وغطيت أو نكست رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه أو يقول لمن يخاصمه يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنا يا عفيفة أو يا فاجرة يا قحبة يا خبيثة أو يقول لعربي يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلا يقذف رجلا فيقول صدقت أو اخبرني فلان انك زنيت وكذبه الآخر فهذا كناية ان فسره بما يحتمله غير القذف قبل قوله في أحد الوجهين وفي الآخر هذا كله صريح)

[ 227 ]

ظاهر كلام الخرقي أن الحد لا يجب على القاذف إلا باللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير القذف وهو أن يقول يا زاني أو ينطق باللفظ الحقيقي في الجماع، فأما ما عداه من الالفاظ فيرجع فيه إلى تفسيره كما ذكر في قوله يا لوطي يا معفوج، فلو قال لرجل يا مخنث ولامرأة يا قحبة وفسره بما ليس بقذف نحو أن يريد بالمخنث أن فيه طباع التأنيث والتشبه بالنساء ويا قحبة أنها تستعد لذلك فلا حد عليه وكذلك إذا قال يا فاجرة يا خبيثة. وحكي أبو الخطاب في هذا رواية أخرى أنه كله صريح يجب به الحد، والصحيح الاول. قال احمد في رواية حنبل: لا ارى الحد إلا على من صرح بالقذف والشتيمة، وقال ابن المنذر الحد على من نصب الحد نصبا ولانه قول يحتمل غير الزنا فلم يكن صريحا في القذف كقوله: يا فاسق، وكذلك إذا قال أردت بالنبطي نبطي اللسان أو فارسي الطبع أو رومي الخلقة فانه لا حد عليه، وعنه فيمن قال يا فارسي أنه يحد لانه جعله لغير أبيه، والاول اصح لانه يحتمل ما ذكرناه فلا يكون قذفا وكذلك إن قال افسدت عليه فراشه اي خرقت فراشه أو اتلفته، وفي قوله علقت عليه اولادا من غيره أي التقطت ولدا وذكرت انه ولده فان فسر شيئا من ذلك بالزنا فلا شك في كونه قذفا. ومن صور التعريض أن يقول لزوجة الآخر قد فضحته وغطيت أو نكست رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه اولادا من غيره وأفسدت فراشه فذكر ابو الخطاب في جميع ذلك روايتين، وذكر أبو بكر عبد العزيز أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض (فصل) واختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في التعريض بالقذف مثل ان يقول لمن يخاصمه ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنا يا حلال ابن الحلال ويقول ما انا بزان ولا امي بزانية فروى عنه حنبل انه لا حد عليه وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار ابي بكر وبه قال عطاء وعمروبن دينار وقتادة والثوري والشافعي وابو ثور

[ 228 ]

واصحاب الرأي وابن المنذر لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل ان امرأتي ولدت غلاما اسود يعرض بنفيه فلم يلزمه بذلك حد ولاغيره، وقد فرق الله تعالى بين التعريض بالخطبة والتصريح بها فأباح التعريض وحرم التصريح وكذلك في القذف ولان كل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا كقوله يا فاسق. وروى الاثرم وغيره ان عليه الحد روي ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال اسحاق لان عمر حين شاورهم في الذي قال لصاحبه ما أبى بزان ولا أمي بزانية فقالوا قد مدح أباه وأمه فقال عمر قد عرض بصاحبه فجلده الحد وروى الاثرم أن عثمان جلد رجلا قال لآخر يا ابن سافة (1) الوذر يعرض له بزنا امه والوذر قدر اللحم يعرض بكمر الرجال ولان الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها كالتصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بها، فأما ان لم يكن في حال الخصومة ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف فلا شك في أنه لا يكون قذفا (فصل) فأما ان قال لرجل يا ديوث يا كشحان فقال أحمد يعزر قال ابراهيم الحربي الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته وقال ثعلب القرطبان الذي يرضى ان يدخل الرجال على نسائه وقال القرنان والكشحان لم ارهما في كلام العرب ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث أو قريبا منه فعلى القاذف به التعزيز على قياس قوله في الديوث لانه قذفه بما لا حد فيه وقال خالد بن يزيد عن أبيه في الرجل يقول للرجل يا قرنان إذا كان له أخوات أو بنات في الاسلام ضرب الحد يعني أنه قاذف لهن وقال خالد عن أبيه القرنان عند العامة من له بنات والكشحان من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان يدخل الرجال عليهن والقواد عند العامة السمسار في الزنا، والقذف بذلك كله يوجب التعزير لانه قذف بما لا يوجب الحد (مسألة) (أو يسمع رجلا يقذف فيقول صدقت أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه

[ 229 ]

الآخر فهو كناية إذا فسره بما يحتمله غير القذف قبل في قوله في احد الوجهين وفي الآخر صريح) إذا سمع رجلا يقذف فقال صدقت فالمصدق قاذف في أحد الوجهين لان تصديقه ينصرف إلى ما قاله، بدليل ما لو قال لي عليك الف فقال صدقت كان اقرارا بها، ولو قال اعطني ثوبي هذا قال صدقت كان اقرارا، وفيه وجه آخر لا يكون قاذفا وهو قول زفر لانه يحتمل أن يكون أراد تصديقه في غير القذف، ولو قال اخبرني فلان انك زنيت لم يكن قاذفا سواء صدقه المخبر عنه أو كذبه وبه قال الشافعي وابو ثور واصحاب الرأي، وفيه وجه آخر انه يكون قاذفا إذا كذبه الآخر وذكره ابو الخطاب وبه قال عطاء ومالك ونحوه عن الزهري لانه اخبر بزناه ولنا انه انما اخبر انه مقذوف فلم يكن قذفا كما لو شهد على رجل انه قذف رجلا (مسألة) (وان قذف اهل بلد أو جماعة لا يتصور الزنا من جميعهم عزر ولم يحد) لانه لا عار على المقذوف بذلك للقطع بكذب القاذف ويعزر على ما اتى به من المعصية والزور فهو كما لو سبهم بغير القذف (مسألة) (وإن قال لامرأته يا زانية قالت بك زنيت لم تكن قاذفة) لانها صدقته فيما قال فلم يجب عليه حد كما لو قالت صدقت، ولا يجب عليها حد القذف لانه يمكن الزنا منها به من غير أن يكون زانيا بأن يكون قد وطئها بشبهة ولا يجب عليها حد الزنا لانها لم تقر أربع مرات (مسألة) (وإن قال لرجل اقذفني فقذفه فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين) وهذا مبني على الاختلاف في حد القذف إن قلنا هو حق لله تعالى وجب عليه ولم يسقط بالاذن فيه كالزنا، وإن قلنا هو حق لآدمي لم يجب عليه الحد كما لو أذن في اتلاف ماله ويعزر لانه فعل محرما لا حد فيه.

[ 230 ]

(مسألة) (وإذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الام في الحياة، وان قذفت وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما ذكره الخرقي وقال أبو بكر لا يجب الحد بقذف ميتة) أما إذا قذفت وهي في الحياة فليس لولدها المطالبة لان الحق لها فلا يطالب به غيرها ولا يقوم غيرها مقامها سواء كان محجورا عليها أو غير محجور عليها لانه حق ثبت للتشفي فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص، وتعتبر حصانتها لان الحق لها فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد، وأما ان قذفت وهي ميتة فان لولدها المطالبة لانه قدح في نسبه لانه بقذف أمه ينسبه إلى أنه من زنا ولا يستحق ذلك بطريق الارث فلذلك تعتبر الحصانة فيه ولا تعتبر الحصانة في أمه لان القذف له، وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة بحال وهو قول أصحاب الرأي لانه قذف لمن لا تصح منه المطالبة فأشبه قذف المجنون، وقال الشافعي ان كان الميت محصنا فلوليه المطالبة وينقسم بانقسام الميراث، وان لم يكن محصنا فلا حد على قاذفه لانه ليس بمحصن فلا يجب الحد بقذفه كما لو كان حيا، وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من لم يقذف محصنا حيا ولا ميتا لانه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيا فلان لا يحد بقذفه بعد موته أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن الملاعنة (من رمى ولدها فعليه الحد) يعني من رماه بأنه ولد زنا، وإذا وجب بقذف ابن الملاعنة بذلك فبقذف غيره أولى، ولان أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن أبيه إذا كان أبواه حرين مسلمين وان كانا ميتين والحد انما وجب للولد لان الحد لا يورث عندهم، فأما ان قذفت أمه بعد موتها وهو مشرك أو عبد فلا حد عليه في ظاهر

[ 231 ]

كلام الخرقي سواء كانت الام حرة مسلمة أو لم تكن، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي إذا قال لكافر أو عبد لست لابيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد، وان قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد لست لابيك فعليه الحد، وان كان العبد للقاذف عند أبي ثور، وقال أصحاب الرأي يستقبح أن يحد المولى لعبده واحتجوا بأن هذا قذف لامه فيعتبر احصانها دون احصانه لانها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة ولان معنى هذا ان أمك زنت فأتت بك من الزنا وإذا كان الزنا منسوبا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها ولنا ما ذكرناه ولانه لو كان القذف لها لم يجب الحد لان الكافر لا يرث المسلم والعبد لا يرث الحر ولانهم لا يوجبون الحد بقذف ميتة بحال فثبت ان القذف له فيعتبر احصانه دون احصانها (فصل) فان قذفت جدته فقياس قول الخرقي أنه كقذف امه ان كانت حية فالحق لها وتعتبر حصانتها وليس لغيرها المطالبة عنها، وان كانت ميتة فله المطالبة إذا كان محصنا لان ذلك قدح في نسبه، فأما ان قذف أباه أو جده أو أحدا من أقاربه غير أمهاته بعد موته لم يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقي لانه انما وجب الحد بقذف أمه حقا له لنفي نسبه لا حقا للميت ولهذا لم يعتبر احصان المقذوفة واعتبر احصان الولد وإذا كان المقذوف من غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه فلم يجب الحد وهذا قول أبي بكر وأصحاب الرأي، وقال الشافعي ان كان الميت محصنا فلوليه المطالبة به وينقسم انقسام الميراث لانه قذف محصنا فيجب الحد على قاذفه كالحي ولنا أنه قذف من لا يتصور منه المطالبة فلم يجب الحد بقذفه كالمجنون أو نقول قذف من لا يجب الحد له فلم يجب كقذف غير المحصن وفارق قذف الحي فان الحد يجب له (مسألة) (وان مات المقذوف سقط الحد عن القاذف) إذا كان قبل المطالبة بالحد ولم يجب، وان مات بعد المطالبة قام وارثه مقامه ولانه حق له

[ 232 ]

يجب بالمطالبة أشبه رجوع الاب فيما وهب ولده وكالشفعة تسقط بموت الشفيع قبل المطالبة دون ما بعدها (مسألة) (وان قذف ام النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافرا) يعني ان حده القتل ولا تقبل توبته نص عليه أحمد، وحكي أبو الخطاب رواية أخرى أن توبته تقبل، وبه قال ابو حنيفة والشافعي مسلما كان أو كافرا لان هذا منه ردة والمرتد يستتاب وتصح توبته. ولنا أن هذا حد قذف فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي صلى الله عليه وسلم ولانه لو قبلت توبته وسقط حده لكان أخف حكما من قذف آحاد الناس لان قذف غيره لا يسقط بالتوبة ولابد من إقامته واختلفت الرواية فيما إذا كان القاذف كافرا فأسلم فروي انه لا يسقط باسلامه لانه حد قذف فلم يسقط بالاسلام كقذف غيرها، وروي أنه يسقط لانه لو سب الله سبحانه وتعالى في كفره ثم أسلم سقط عنه القتل فسب نبيه أولى ولان الاسلام يجب ما قبله والخلاف في سقوط القتل عنه، فأما توبته فيما بينه وبين الله تعالى فمقبولة فان الله تعالى يقبل التوبة من الذنوب كلها والحكم في قذف النبي صلى الله عليه وسلم كالحكم في قذف امه لان قذف امه إنما أوجب القتل لكونه قذفا للنبي صلى الله عليه وسلم وقدحا في نسبه. (فصل) وقذف النبي صلى الله عليه وسلم وقذف امه ردة عن الاسلام وخروج عن الملة وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالاسلام لان سب الله سبحانه وتعالى يسقط بالاسلام فسب النبي صلى الله عليه وسلم أولى وقد جاء في الاثر ان الله تعالى يقول (شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني أما شتمه إياي فقوله اني اتخذت ولدا وانا لم ألد ولم أولد) ولا خلاف في أن اسلام النصراني القائل لهذا القول يصح.

[ 233 ]

(مسألة) (ومن قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم وعنه ان طالبوا متفرقين حد لكل واحد حدا) أما إذا قذف الجماعة بكلمة واحدة فالمشهور في المذهب أنه لا يلزمه الا حد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم، وبهذا قال طاوس والزهري والشعبي والنخعي وقتادة وحماد ومالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وابن ابي ليلى واسحاق وعنه رواية ثانية أنه يحد لكل واحد حدا كاملا وبه قال الحسن وأبو ثور وابن المنذر، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات. ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) لم يفرق بين قذف واحد أو جماعة ولان الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة فلم يحدهم عمر الا حدا واحدا، ولانه قذف واحد فلم يجب الا حد واحد كما لو قذف واحدا ولان الحد انما وجب بادخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب ان يكتفي به بخلاف مااذا قذف كل واحد قذفا مفردا فان كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في الآخر ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده الآخر. إذا ثبت هذا فانهم ان طلبوا جملة حد لهم وان طلبه واحد أقيم الحد لان الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طالب به استوفي وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق المرأة على أوليائها في تزويجها إذا قام به واحد سقط عن الباقين وان أسقطه احدهم فلغيره المطالبة به واستيفاؤه لان المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه وليس للعافي الطلب به لانه قد اسقط حقه منه وعن احمد رواية ثالثة انهم ان طلبوه دفعة واحدة فحد واحد وكذلك ان طلبوه واحدا بعد

[ 234 ]

واحد الا انه ان لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد وان طلبه فأقيم له ثم طلبه آخر اقيم له وكذلك جميعهم وهذا قول عروة لانهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع استيفاؤه لجميعهم فإذا طلبه واحد منهم كان استيفاؤه له وحده فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ولا اسقاطهم. (مسألة) (وان قذفهم بكلمات حد لكل واحد حدا). وبهذا قال عطاء والشعبي وقتادة وابن ابي ليلى وابو حنيفة والشافعي وقال حماد ومالك لا يجب الا حد واحد لانها جناية توجب حدا فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء أو شرب أنواعا من المسكر ولنا انها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص وفارق ما قاسوا عليه فانه حق الله تعالى (فصل) إذا قال لرجل يا ابن الزانيين فهو قاذف لما بكلمة واحدة، فان كانا ميتين ثبت الحق لولدهما ولم يجب إلا حد واحد وجها واحدا، وان قال يا زاني ابن الزاني فهو قذف لهما بكلمتين فان كان أبوه حيا فلكل واحد منهما حد وان كان ميتا فالظاهر في المذهب انه لا يجب الحد بقذفه وان قال يا زاني ابن الزانية وكانت أمة (أمه) في الحياة فكل واحد حد، وان كانت ميتة فالقذفان جميعا له، وان قال زنيت بفلانة فهو قذف لهما بكلمة واحدة وكذلك إذا قال يا ناكح امه ويخرج فيها الروايات الثلاث (مسألة) (وان حد للقذف فأعاده لم يعد عليه الحد اما إذا قذف رجل مرات ولم يحد فحد واحد رواية واحدة سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات، وان قذفه فحد ثم أعاد قذفه وكان قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم وحكي عن ابن القسم انه اوجب حدا ثانيا وهذا يخالف إجماع الصحابة فان ابا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا فروى الاثرم باسناده عن ظبيان بن عمارة قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر انه زنى

[ 235 ]

فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة وجاء زياد فقال ما عندك؟ فلم يثبت فأمر بهم فجلدوا وقال شهود زور فقال أبو بكرة اليس ترضى ان اتاك رجل عدل يشهد برجمه؟ قال نعم والذي نفسي بيده قال أبو بكرة وأنا أشهد انه زان فأراد أن يعيد عليه الجلد فقال علي يا أمير المؤمنين انك ان اعدت عليه الجلد اوجبت عليه الرجم وفي حديث آخر فلا يعاد في فرية جلد مرتين قال الاثرم قلت لابي عبد الله قول علي ان جلدته فارجم صاحبك قال كأنه جعل شهادته شهادة رجلين قال أبو عبد الله وكنت انا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول إذا

[ 236 ]

جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر، فأما ان حد له ثم قذفه بزنا ثان نظرت فان قذفه بعد طول الفصل فحد ثان لانه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف ابدا بحيث يتمكن من قذفه بكل حال، وان قذفه عقيب حده ففيه روايتان. (احداهما) يحد ايضا لانه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد فيلزمه فيه حد كما لو طال الفصل ولان

[ 237 ]

سائر اسباب الحد إذا تكررت بعد ان حد للاول ثبت للثاني حكمه كالزنا والسرقة وغيرهما من الاسباب (والثانية) لا يحد لانه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقيبه كما لو قذفه بالزنا الاول (فصل) إذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجل فلا حد عليه في قول احد من اهل العلم وكذلك ان اختلف رجلان في شئ فقال احدهما الكاذب هو ابن الزانية فلا حد عليه، نص عليه احمد لانه لم يعين احدا بالقذف وكذلك ما اشبه هذا. (فصل) إذا ادعى على رجل انه قذفه فأنكر لم يستحلف وبه قال الشعبي وحماد والثوري

[ 238 ]

وأصحاب الرأي وعن احمد انه يستحلف حكاها ابن المنذر وهو قول الزهري ومالك والشافعي واسحاق وابي ثور وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه ولانه حق لآدمي فيستحلف فيه كالدين ووجه الاول انه حد فلا يستحلف فيه كالزنا والسرقة فان نكل عن اليمين لم يقم عليه الحد لان الحد يدرأ بالشبهات فلا يقضى فيه بالنكول كسائر الحدود.

[ 239 ]

باب القطع في السرقة الاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع، اما الكتاب فقول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) واما السنة فروت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (تقطع اليد في ربع دينار) فصاعدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم (انما هلك من كان قبلكم بانهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه) متفق عليه في أخبار سوى هذه نذكرها ان شاء الله تعالى في مواضعها، وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة (مسألة) (ولا يجب إلا بسبعة شروط) (أحدها) السرقة وهي أخذ المال على وجه الاختفاء ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك (مسألة) ولا قطع على منتهب ولا مختلس ولا غاصب ولا خائن ولا جاحد وديعة ولا عارية وعنه يقطع جاحد العارية) لا يقطع مختطف ولا مختلس عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية قال اقطع المختلس ولانه يستخفي باخذه فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الامصار على خلافه وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس على الخائن ولا المختلس قطع) وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس على

[ 240 ]

المنتهب قطع) وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال (ليس على الخائن والمختلس قطع) رواهما أبو داود وقال لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير ولان الواجب قطع السارق وهذا غير سارق ولان الاختلاس نوع من الخطف والنهب، انما استخفى في ابتداء اختلاسه بخلاف السارق (فصل) ولا يقطع جاحد الوديعة ولا غيرها من الامانات لا نعلم فيه خلافا فاما جاحد العارية فقد اختلف عن أحمد رحمه الله فيه فعنه أنه يقطع وهو قول إسحاق لما روت عائشة قالت كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فأتى اهلها اسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (الا اراك تكلمني في حد من حدود الله؟) ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال (انما هلك من كان من قبلكم بانه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) قالت فقطع يدها، قال أحمد لا اعرف شيئا يدفعه متفق عليه وعن أحمد رواية ثانية أنه لا قطع عليه وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لقول رسول صلى الله عليه وسلم (لا قطع على الخائن) ولان الواجب قطع السارق والخائن ليس بسارق فاشبه جاحد الوديعة فاما المرأة التي كانت تستعير المتاع فانما قطعت لسرقتها لا لجحدها: الا تسمع قوله (ذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه) وقوله (والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) وفي بعض الفاظ

[ 241 ]

رواة هذه القصة عن عائشة ان قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت وذكر القصة رواه البخاري وفي حديث أنها سرقت قطيفة فروى الاثرم باسناده عن مسعود بن الاسود قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعظمنا ذلك وكانت امرأة من قريش فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها باربعين اوقية فقال (تطهر خير لها) فلما سمعنا لين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم اتينا اسامة فقلنا كلم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث بنحو سياق حديث عائشة وهذا ظاهر في ان القصة واحدة وانها سرقت فقطعت لسرقتها وانما عرفتها عائشة بجحدها للعارية لكونها مشهورة بذلك ولا يلزم ان يكون ذلك سببا كما لو عرفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرناه جمع بين الاحاديث وموافقة لظاهر الاحاديث والقياس وفقهاء الامصار فيكون اولى (مسألة) (ويقطع الطرار وهو الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه وعنه لا يقطع) قال احمد الطرار سرا يقطع وان اختلس لم يقطع، ومعنى الطرار الذي يسرق من جيب الرجل أو كمه أو صفنه وسواء بط ما أخذ منه المسروق أو قطع الصفن فأخذه أو ادخل يده في الجيب فاخذ ما فيه فان عليه القطع، وروي عن احمد في الذي يأخذ من جيب الرجل وكمه لاقطع عليه وفي ذلك روايتان (إحداهما) يقطع لانه سرق من حرز (والثانية) لا يقطع كالمختلس

[ 242 ]

(فصل) الثاني ان يكون المسروق مالا محترما سواء كان مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة والبطيخ اولا وسواء كان ثمينا كالمتاع والذهب أو غير ثمين كالخشب والقصب وكذلك يقطع بسرقة الاحجار والصيد والنورة والجص والزرنيخ والتوابل والفخار والزجاج وغيره وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد كالفواكه والطبائخ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا قطع في ثمر ولا كثر) رواه أبو داود ولان هذا معرض للهلاك اشبه ما لم يحرز، ولا قطع فيما كان أصله مباحا في دار الاسلام كالصيود والخشب الا في الساج والابنوس والصندل والقنا والمعمول من الخشب فانه يقطع به وما عدا هذا لا يقطع به لانه يوجد كثيرا مباحا في دار الاسلام فاشبه التراب، ولا قطع في القرون وان كانت معمولة لان الصنعة لا تكون غالبة عليها بل القيمة لها بخلاف معمول الخشب ولا قطع عنده في التوابل والنورة والجص والزرنيخ والملح والحجارة واللبن والزجاج والفخار وقال الثوري ما يفسد في يومه كالثريد واللحم لا قطع فيه ولنا عموم قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فذكر الحديث ثم قال (ومن سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع) رواه أبو داود وغيره وروي ان عثمان رضي الله عنه أتي برجل قد سرق اترجة فأمر بها عثمان فاقيمت فبلغت قيمتها ربع دينار فأمر به عثمان فقطع رواه

[ 243 ]

سعيد ولان هذا مال يتمول عادة ويرغب فيه فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط كالمجفف ولان ما وجب القطع في معموله وجب فيه قبل العمل كالذهب والفضة، وحديثهم اراد به الثمر المعلق بدليل حديثنا فانه مفسر له وتشبيهه بغير المحرز لا يصح لان غير المحرز مضيع وهذا محفوظ ولهذا افترق سائر الاموال بالحرز وعدمه، وقولهم يوجد مباحا في دار الاسلام ينتقض بالذهب والفضة والحديد والنحاس وسائر المعادن (مسألة) (ويقطع بسرقة العبد الصغير في قول عامة أهل العلم) قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم الحسن ومالك والثوري والشافعي وابو ثور واصحاب الرأي، والصغير الذي يقطع بسرقته هو الذي لا يميز فان كان كبيرا لم يقطع سارقه الا ان يكون نائما أو مجنونا أو اعجميا لا يميز بين سيده وغيره في الطاعة فيقطع سارقه، وقال ابو يوسف لا يقطع سارق العبد وان كان صغيرا لان من لا يقطع بسرقته كبيرا لا يقطع بسرقته صغيرا كالحر ولنا انه سرق مالا مملوكا تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع عليه كسائر الحيوانات وفارق الحر فانه ليس بمال ولا مملوك وفارق الكبير لانه لا يسرق وانما يخدع بشئ فان كان المسروق في حال نومه أو جنونه ام ولد ففي قطع سارقها وجهان (أحدهما) لا يقطع لانها لا يحل بيعها ولا نقل الملك

[ 244 ]

فيها فاشبهت الحرة (والثاني) يقطع لانها مملوكة تضمن بالقيمة فاشبهت القن وحكم المدبر حكم القن لانه يجوز بيعه ويضمن بقيمته، فاما المكاتب فلا يقطع سارقه لان ملك سيده ليس بتام عليه لكونه لا يملك منافعه ولا استخدامه ولا اخذ ارش الجناية عليه ولو جنى السيد عليه لزمه له الارش ولو استوفى منافعه كرها لزمه عوضها ولو حبسه لزمه اجرة مدة حبسه أو انظاره مقدار تلك المدة، ولا يجب القطع لاجل ملك المكاتب في نفسه لان الانسان لا يملك نفسه فاشبه الحر فاما ان سرق مال المكاتب فعليه القطع لان ملك المكاتب ثابت في مال نفسه الا ان يكون السارق سيده فلا قطع عليه لان له في ماله حقا وشبهة تدرأ الحد ولذلك لو وطئ جاريته لم يحد (مسألة) (ولا يقطع بسرقة حر وان كان صغيرا وعنه انه يقطع بسرقة الصغير) ظاهر المذهب انه لا يقطع بسرقة الحر الصغير وبهذا قال الثوري والشافعي واصحاب الرأي وابن المنذر وعن احمد رواية ثانية انه يقطع بسرقة الصغير وذكرها ابو الخطاب وهو قول الحسن والشعبي ومالك وإسحاق لانه غير مميز اشبه العبد ولنا انه ليس بمال فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم (مسألة) (فان كان عليه حلي أو ثياب تبلغ نصابا لم يقطع وبه قال ابو حنيفة واكثر اصحاب الشافعي) وفيه وجه آخر انه يقطع حكاه ابو الخطاب وبه قال ابو يوسف وابن المنذر لظاهر الكتاب ولانه سرق نصابا من المال فأشبه مالو سرقه منفردا

[ 245 ]

ولنا انه تابع لما لا قطع في سرقته فأشبه ثياب الكبير ولان يد الصبي على ما عليه بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له وهكذا لو كان الكبير نائما على متاع فسرقه وثيابه لم يقطع لان يده عليه (فصل) وإن سرق ماء فلا قطع فيه قاله ابو بكر وابو إسحاق بن شاقلا لانه لا يتمول عادة ولا نعلم فيه خلافا فان سرق كلا أو ملحا فقال ابو بكر لاقطع عليه لانه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فأشبه المال، وقال ابو اسحاق عليه القطع لانه يتمول عادة فأشبه التبن والشعير، واما الثلج فقال القاضي هو كالماء لانه ماء جامد فأشبه الجليد قال شيخنا والاشبه انه كالملح لانه يتمول عادة فأشبه الملح المنعقد من الماء، واما التراب فان كان مما تقل الرغبات فيه كالمعد للتطيين والبناء فلا قطع فيه لانه لا يتمول وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الارمني الذي يعد للدواء أو المعد للغسل به أو الصبغ كالمغرة احتمل وجهين (احدهما) لا قطع فيه لانه من جنس ما لا يتمول اشبه الماء (والثاني) فيه القطع لانه يتمول عادة ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه فأشبه العود الهندي ولا يقطع بسرقة السرجين لانه إن كان نجسا فلا قيمة له وإن كان طاهرا فلا يتمول عادة ولا تكثر الرغبات فيه اشبه التراب الذي للبناء وما عمل من التراب كاللبن والفخار ففيه القطع لانه يتمول عادة (مسألة) (ولا يقطع بسرقة مصحف وعند ابي الخطاب يقطع)

[ 246 ]

قال ابو بكر والقاضي لا قطع فيه وهو قول ابي حنيفة لان المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى وهو مما لا يجوز اخذ العوض عنه، واختار ابو الخطاب وجوب قطعه، وقال هو ظاهر كلام احمد فانه سئل عمن سرق كتابا فيه علم لينظر فيه فقال كلما بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع، وهذا قول مالك والشافعي وابي ثور وابن المنذر لعموم الآية في كل سارق ولانه متقوم تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع بسرقته ككتب الفقه (مسألة) (ويقطع بسرقة سائر كتب العلم) ولا نعلم فيه خلافا بين اصحابنا في القطع بسرقة كتب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية لعموم الادلة (فصل) فان قلنا لا يقطع بسرقة المصحف وكان عليه حلية تبلغ نصابا خرج فيه وجهان (احدهما) لا يقطع وهو قياس قول ابي اسحاق بن شاقلا ومذهب ابي حنيفة لان الحلي تابع لما لا يقطع بسرقته فأشبهت ثياب الحر (والثاني) يقطع وهو قول القاضي لانه سرق نصابا من الحلي فأشبه مالو سرقه منفردا واصل هذين الوجهين من سرق صبيا عليه حلي (فصل) وإن سرق عينا موقوفة وجب القطع لانها مملوكة للموقوف عليه ويحتمل أن لا يقطع بناء على الوجه الذي يقول إن الموقوف لا يملكه الموقوف عليه، فعلى هذا إن كان وقفا غير معين لم يقطع بسرقته.

[ 247 ]

(مسألة) (ولا يقطع بسرقة آلة لهو ولا محرم كالخمر) لا يقطع بسرقة آلة لهو كالطنبور والمزمار والشبابة وإن بلغت قيمته مفصلا نصابا وبهذا قال أبو حنيفة، وقال أصحاب الشافعي إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصابا ففيه القطع وإلا فلا لانه سرق ما قيمته نصابا لاشبهة له فيه من حرز مثله وهو من أهل القطع فوجب قطعه كما لو كان ذهبا مكسورا ولنا انه آلة للمعصية بالاجماع فلم يقطع بسرقته كالخمر ولان له حقا في أخذها لكسرها فكان ذلك شبهه مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده فان كانت عليه حلية تبلغ نصابا فلا قطع فيه أيضا في قياس قول أبي بكر لانه متصل بما لا قطع فيه أشبه الخشب والاوتار وقال القاضي فيه القطع وهو مذهب الشافعي لانه سرق نصابا من حرزه أشبه المنفرد (فصل) ولا يقطع بسرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو كافر وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلما لانه مال لهم أشبه مالو سرق دراهمهم ولنا أنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير ولان ما لا يقطع بسرقته من المسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم، وما ذكروه ينتقص بالخنزير ولا اعتبار به فان الاعتبار بحكم الاسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم (مسألة) (وإن سرق آنية فيها الخمر أو صليبا أو صنم ذهب لم يقطع وعند أبي الخطاب يقطع)

[ 248 ]

إذا سرق إناء فيه خمر يقطع وهو مذهب الشافعي كما لو سرقه ولا شئ فيه، وقال غيره من أصحابنا لا يقطع لانه متصل بما لا قطع فيه فأشبه مالو سرق شيئا مشتركا بينه وبين غيره بحيث تبلغ قيمته بالشركة نصابا وقال ابن شاقلا لو سرق اداوة فيها ماء لم يقطع لاتصالها بما لا قطع فيه ووجه الاول أنه سرق نصابا من حرز لا شبهة له فيه أشبه مالو سرقه فارغا، وإن سرق صليبا أو صنما من ذهب أو فضة يبلغ نصابا متصلا فقال القاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة، وقال ابو الخطاب يقطع سارقه وهو مذهب الشافعي، ووجه الوجهين ما تقدم فيما إذا سرق آلة لهو محلاة والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها ان التي قبلها له كسره بحيث لا يبقى له قيمة تبلغ نصابا وههنا لو كسر الذهب والفضة بكل وجه لم تنقص قيمته عن النصاب ولان الذهب والفضة جوهرهما غالب على الصنعة المحرمة فكانت الصناعة فيها مغمورة بالنسبة إلى قيمة جوهرهما وغيرهما بخلافهما فتكون الصناعة غالبة عليه فيكون تابعا للصناعة المحرمة فأشبه الاوتار (فصل) ولو سرق اناء من ذهب أو فضة قيمته نصابا إذا كان منكسرا فعليه القطع لانه غير مجمع على تحريمه وقيمته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب وان سرق اناء معدا لحمل الخمر ووضعه فيه ففيه القطع لان الاناء لا تحريم فيه وإنما يحرم عليه نيته وقصده فأشبه مالو سرق سكينا معدة لذبح

[ 249 ]

الخنازير أو سيفا يعد لقطع الطريق ولو سرق منديلا في طرفه دينار مشدود يعلم به فعليه القطع وإن لم يعلم به فلا قطع فيه لانه لم يقصد سرقته فأشبه مالو تعلق بثوبه، وقال الشافعي يقطع لانه سرق نصابا فأشبه مالو سرق ما لا يعلم أن قيمته نصاب والفرق بينهما أنه علم بالمسروق ههنا وقصد سرقته بخلاف الدينار فانه لم يرده ولم يقصد أخذه فلا يؤاخذ به بايجاب الحد عليه (فصل) الثالث أن يسرق نصابا وهو ثلاثة دراهم أو قيمة ذلك من الذهب والعروض، وعنه أنه ثلاثة دراهم أو ربع دينار أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما وعنه لا تقوم العروض إلا بالدراهم فلا يجب القطع بسرقة دون النصاب في قول الفقهاء كلهم إلا الحسن وداود وابن بنت الشافعي والخوارج فانهم قالوا يقطع في القليل والكثير لعموم الآية ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده) متفق عليه ولانه سارق من حرز فتقطع يده كسارق الكبير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا) متفق عليه واجماع الصحابة على ما سنذكره وهذا يخص عموم الآية، والحبل يحتمل أن يساوي ذلك، وكذلك البيضة يحتمل أن يراد بها البيضة السلاح وهي تساوي ذلك، واختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في قدر النصاب الذي

[ 250 ]

يجب القطع بسرقته فروى عنه أبو إسحاق الجوزجاني أنه ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما وهذا قول مالك واسحاق وروى عنه الاثرم أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع وعنه أن الاصل الورق ويقوم الذهب به فان نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم لم يقطع سارقه وهذا يحكى عن الليث وأبي ثور وقالت عائشة لا قطع الا في ربع دينار فصاعدا، وروي هذا عن عمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم، وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والشافعي وابن المنذر لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا قطع الا في ربع دينار فصاعدا) وقال عثمان البتي تقطع اليد في درهم فما فوقه وعن أبي هريرة وأبي سعيد ان اليد تقطع في اربعة دراهم فصاعدا، وعن عمر رضي الله عنه ان الخمس لا تقطع الا في الخمس وبه قال سليمان بن يسار وابن ابي ليلى وابن شبرمة. وروي ذلك عن الحسن قال انس رضي الله عنه قطع ابو بكر في مجن قيمته خمس دراهم رواه الجوزجاني باسناده وقال عطاء وابو حنيفة واصحابه لا تقطع اليد الا في دينار أو عشرة دراهم لما روى الحجاج ابن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا قطع الا في عشرة دراهم) وروى ابن عباس قال قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم وعن النخعي لا تقطع اليد الا في اربعين درهما

[ 251 ]

ولنا ما روى ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه قيمته ثلاثة دراهم متفق عليه قال ابن عبد البر هذا اصح حديث يروى في هذا الباب لا يختلف اهل العلم في ذلك وحديث أبي حنيفة الاول يرويه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، والذي روي عن الحجاج ضعيف أيضا والحديث الثاني لا دلالة فيه على أنه لا يقطع بما دونه فان من اوجب القطع بثلاثة دراهم أوجبه بعشرة ويدل هذا الحديث على ان العرض يقوم بالدارهم لان المجن قوم بها ولان ما كان الذهب فيه أصلا كان الورق فيه اصلا كنصب الزكوات والديات وقيم المتلفات، وقد روى أنس أن سارقا سرق مجنا ما يسرني انه لي بثلاثة دراهم أو ما يساوي ثلاثة دراهم فقطعه أبو بكر وأتي عثمان برجل قد سرق أترجة فأمر بها عثمان فقومت فبلغت قيمتها ربع دينار فقطع (فصل) وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص ففيه القطع وان كان فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع دينار لان السبك ينقصه وان سرق ربع دينار قراضة أو تبرا خالصا أو حليا ففيه القطع نص عليه احمد في رواية الجوزجاني قال قلت له كيف يسرق ربع دينار فقال قطعة ذهب أو خاتما أو حليا وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين (احدهما) لا قطع عليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي لان الدينار اسم للمضروب

[ 252 ]

ولنا ان ذلك ربع دينار لانه يقال له دينار قراضه ومكسور أو دينار خلاص ولانه لا يمكنه سرقة ربع دينار مفرد في الغالب إلا مكسورا، وقد أوجب عليه القطع بذلك ولانه حق لله تعالى تعلق بالمضروب فتعلق بما ليس بمضروب كالزكاة والخلاف فيما إذا سرق من المكسور والتبر ما لا يساوي ربع دينار صحيح فان بلغ ذلك ففيه القطع، والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم وهو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله ولم يتغير وانما كانت الدراهم مختلفة فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها إذا كانت خالصة مضروبة كانت أو غير مضروبة على ما ذكرناه في الذهب وعند أبي حنيفة ان النصاب انما يتعلق بالمضروب منها، وقد ذكر مادل عليه ويحتمل ماقاله في الدراهم لان اطلاقها يتناول الصحاح المضروبة بخلاف ربع الدينار على اننا قد ذكرنا فيها احتمالا متقدما فههنا اولى وما قوم من غيرهما بهما فلا قطع فيه حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحا لان اطلاقها ينصرف إلى المضروب دون المكسر (مسألة) (وان سرق نصابا ثم نقصت قيمته أو ملكه ببيع أو هبة أو غيرهما لم يسقط القطع) إذا نقصت قيمة العين عن النصاب بعد إخراجها من الحرز لم يسقط القطع وبهذا قال مالك والشافعي وقال ابو حنيفة يسقط لان النصاب شرط فتعتبر استدامته ولنا قول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولانه نقص حدث في العين فلم يمنع

[ 253 ]

القطع كما لو حدث باستعماله، والنصاب شرط لوجوب القطع فلا تعتبر استدامته كالحرز وما ذكره يبطل بالحرز فانه لو زال الحرز لم يسقط عنه القطع وسواء نقصت قيمتها بعد الحكم أو قبله لان سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ. فأما ان نقص النصاب قبل الاخراج لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله. فان وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع لان الوجوب لا يثبت مع الشك في شرطه ولان الاصل عدمه (مسألة) (وان ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غير ذلك من أسباب الملك وكان ملكها قبل رفعه إلى الحاكم والمطالبة بها عنده لم يجب القطع) وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا، وان ملكها بعده لم يسقط القطع عند مالك والشافعي وإسحاق، وقال أصحاب الرأي يسقط لانها صارت ملكه فلا يقطع في عين هي ملكه كما لو ملكها قبل المطالبة بها ولان المطالبة شرط والشروط يعتبر دوامها ولم يبق لهذه العين مطالب ولنا ما روى الزهري عن ابن صفوان عن صفوان بن امية انه نام في المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ان يقطع فقال صفوان

[ 254 ]

يارسول الله لم ارد هذا، ردائي عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فهلا كان قبل ان تأتيني به؟) رواه ابن ماجه والجوزجاني وفي لفظ قال فأتيته فقلت اتقطعه من أجل ثلاثين درهم؟ انا ابيعه وانسئه ثمنها قال (فهلا كان قبل ان تأتيني به؟) رواه الاثرم وأبو داود فهذا يدل على انه لو وجد قبل رفعه إليه لدرأ القطع وبعده لا يسقطه، وقولهم ان المطالبة شرط قلنا هي شرط الحكم لا شرط القطع بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط القطع وقد زالت المطالبة (مسألة) (وإن دخل الحرز فذبح شاه قيمتها نصاب فنقصت عن النصاب ثم اخرجها لم يقطع) لان من شرط وجوب القطع أن يخرج من الحرز العين وهي نصاب ولم يوجد الشرط (مسألة) (وان سرق فرد خف قيمته منفردا درهمان وقيمته مع الآخر اربعة لم يقطع) لانه لم يسرق نصابا فلم يوجد الشرط (مسألة) (وان اشتركوا في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو اخرج كل واحد جزءا) إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا ذكره الخرقي وهو قول أصحابنا وبه قال مالك وابو ثور وقال الثوري وابو حنيفة والشافعي واسحاق لا قطع عليهم الا ان تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا لان كل واحد لم يسرق نصابا فلم يجب عليه قطع كما لو انفرد بدون النصاب. قال شيخنا: وهذا القول احب الي لان القطع ههنا لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه فلا يجب والاحتياط باسقاطه

[ 255 ]

أولى من الاحتياط بايجابه ولانه مما يدرأ بالشبهات، واحتج من اوجبه بأن النصاب احد شرطي القطع فإذا اشترك الجماعة كانوا كالواحد قياسا على هتك الحرز ولان سرقة النصاب فعل يوجب القطع فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلا يشترك الجماعة في حمله وبين ان يخرج كل واحد منهم جزءا ونص أحمد على هذا وقال مالك: ان انفرد كل واحد منهم بجزء لم يقطع واحد منهم كما لو انفرد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منها لم يجب القصاص. ولنا انهم اشتركوا في هتك الحرز واخراج النصاب فلزمهم القطع كما لو كان ثقيلا فحملوه وفارق القصاص فانه يعتمد المماثلة ولا توجد المماثلة الا ان توجد افعالهم في جميع اجزاء اليد وفي مسئلتنا القصد الزجر من غير اعتبار مماثلة والحاجة إلى الزجر عن اخراج المال موجودة وسواء دخلا الحرز معا أو دخل أحدهما فاخرج بعض النصاب ثم دخل الآخر فأخرج باقيه لانهما اشتركا في هتك الحرز واخراج النصاب فوجب عليهما القطع كما لو حملاه معا (فصل) فان كان أحد الشريكين مما لاقطع عليه كأبي المسروق منه قطع شريكه في أحد الوجهين كما لو شاركه في قطع يد ابنه والثاني لا يقطع وهو أصح لان سرقتهما جميعا صارت علة لقطعهما سرقة الاب لا تصلح موجبة للقطع لانه أخذ ماله اخذه بخلاف قطع يد ابنه فان الفعل تمحض

[ 256 ]

عدوانا وانما سقط القصاص لفضيلة الاب لا لمعنى في فعله وههنا فعله قد تمكنت الشبهه منه فوجب ان لا يجب القطع به كاشتراك العامد والخاطئ فأما ان أخرج كل واحد منهما نصابا وجب القطع على شريك الاب لانه انفرد بما يوجب القطع فان أخرج الاب نصابا وشريكه دون النصاب ففيه الوجهان، وان اعترف اثنان بسرقة نصاب ثم رجع احدهما فالقطع على الآخر لانه اختص بالاسقاط فيختص بالسقوط ويحتمل أن يسقط عن شريكه، لان السبب السرقة منهما وقد اختل أحد جزأيها وكذلك لو أقر بمشاركة آخر في سرقة نصاب ولم يقر الآخر ففي القطع وجهان. (مسألة) (وان هتك اثنان حرزا ودخلاه فأخرج أحدهما نصابا وحده أو دخل أحدهما فقدمه إلى باب النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه قطعا) أما إذا هتك اثنان حرزا ودخلاه فاخرج أحدهما نصابا وحده فقال أصحابنا القطع عليهما. وبه قال أبو حنيفة وصاحباه إذا أخرج نصابين وقال مالك والشافعي وابو ثور وابن المنذر يختص القطع بالمخرج لانه هو السارق، وان أخرج أحدهما دون النصاب والآخر أكثر من نصاب فما نصابين فعند أصحابنا وأبي حنيفة وصاحبيه يجب القطع عليهما وعند الشافعي وموافقيه لاقطع على من لم يخرج نصابا وان أخرج أحدهما نصابا والآخر دون النصاب فعند أصحابنا عليهما القطع وعند

[ 257 ]

الشافعي القطع على مخرج النصاب وحده وعند أبي حنيفة لا قطع على واحد منهما لان المخرج لم يبلغ نصبا بعدد السارقين وقد ذكرنا وجه ما قلنا فيما تقدم. (مسألة) (فان نقبا حرزا فدخل أحدهما فقرب المتاع من النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه فقال أصحابنا قياس قول أحمد أن القطع عليهما). وقال الشافعي القطع على الخارج لانه مخرج للمتاع وقال ابو حنيفة لا قطع على واحد منهما ولنا انهما اشتركا في هتك الحرز واخراج المتاع فلزمهما القطع كما لو حملاه معا فأخرجاه، وان وضعه في النقب فمد الآخر يده فأخرجه فأخذه فالقطع عليهما ونقل عن الشافعي في هذه المسألة قولان كالمذهبين في الصورة التي قبلها. (فصل) قال أحمد في رجلين دخلا دارا احدهما في سفلها جمع المتاع وشده بحبل والآخر في علوها مد الحبل فرمى به وراء الدار فالقطع عليهما لانهما اشتركا في اخراجه. (مسألة) (وان رماه الداخل إلى خارج فأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده) وان اشتركا في النقب، لان الداخل اخرج المتاع وحده فاختص القطع به. (مسألة) (وان نقب احدهما ودخل الآخر فأخرجه فلا قطع عليهما ويحتمل ان يقطعا)

[ 258 ]

وإنما لم يقطعا لان الاول لم يسرق والثاني لم يهتك الحرز وانما سرق من حرز هتكه غيره فأشبه مالو نقب رجل وانصرف وجاء آخر فصادف الحرز مهتوكا فسرق منه، ويحتمل ان يقطعا لانهما اشتركا في سرقة نصاب أشبه مالو دخلا معا فاخرج احدهما المتاع (مسألة) (إلا ان ينقب احدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق فلا قطع) لانه لم يهتك الحرز ومن شرط وجوب القطع هتكه فقد فات الشرط فيفوت المشروط. (فصل) فان اشترك رجلان في النقب ودخل احدهما فاخرج المتاع وحده أو اخذه وناوله لآخر خارجا من الحرز فالقطع على الداخل وحده لانه اخرج المتاع وحده مع مشاركته في النقب وبهذا قال الشافعي وابو ثور وابن المنذر وقال ابو حنيفة لاقطع عليهما، لان الداخل لم ينفصل عن الحزر ويده على السرقة فلم يلزمه القطع كما لو اتلفه داخل الحرز ولنا أن المسروق خرج من الحرز ويده عليه فوجب عليه القطع كما لو خرج به بخلاف مالو أتلفه لانه لم يخرجه من الحرز. (فصل) الرابع أن يخرجه من الحرز، يشترط أن يسرق من حرز ويخرجه منه وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والشعبي وأبو الاسود الديلي وعمر بن عبد العزيز والزهري وعمرو بن دينار

[ 259 ]

والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن احد من أهل العلم خلافهم إلا قولا حكي عن عائشة والحسن والنخعي فيمن جمع المتاع فلم يخرج به من الحرز: عليه القطع وعن الحسن مثل قول الجماعة وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز لان الآية لا تفصيل فيها وهذه أقوال شاذة غير ثابتة عمن نقلت عنه قال ابن المنذر ليس في خبر ثابت ولا مقال لاهل العلم إلا ما ذكرناه فهو كالاجماع والاجماع حجة على من خالفه وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر فقال (ما أخذ من غير اكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الجران ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن) رواه أبو داود وابن ماجه وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها في اعتبار النصاب. (مسألة) (فان سرق من غير حرز فلا قطع عليه) لفوات شرطه مثل أن يجد حرزا مهتوكا أو بابا مفتوحا فيأخذ منه فلا قطع عليه لذلك. (مسألة) (فان دخل الحرز فاتلف فيه نصابا ولم يخرجه فلا قطع عليه) لانه لم يسرق لكن يلزمه ضمانه لانه أتلفه ولا يقطع حتى يخرجه من الحرز فمتى أخرجه من الحرز فعليه القطع سواء حمله إلى منزله أو تركه خارجا من الحرز. (مسألة) (وان ابتلع جوهرا أو ذهبا فخرج به أو نقب ودخل فترك المتاع على بهيمة فخرجت به

[ 260 ]

أو في ماء جار فأخرجه أو قال لصغير أو معتوه ادخل فأخرجه ففعل فعليه القطع) أما إذا دخل الحرز فابتلع جوهرة أو ذهبا وخرج فان لم يخرج ما ابتلعه فلا قطع عليه لانه أتلفه في الحرز، وان خرج ففيه وجهان (أحدهما) يجب لانه أخرجها في وعائها فأشبه اخراجها في كمه (والثاني) لا يجب القطع لانه ضمنها بالبلع فكان اتلافا لها ولانه ملجأ إلى اخراجها لانه لا يمكنه الخروج بدونها، وان ترك المتاع على دابة فخرجت بنفسها من غير سوقها أو ترك المتاع في ماء راكد فانفتح فخرج المتاع أو على حائط في الدار فأطارته الريح ففي ذلك وجهان (أحدهما) عليه القطع لان فعله سبب خروجه فأشبه مالو ساق البهيمة أو فتح الماء وحلق الثوب في الهواء (والثاني) لا قطع عليه لان الماء لم يكن آلة للاخراج وإنما خرج المتاع بسبب حادث من غير فعله والبهيمة لها اختيار لنفسها، فأما ان ساق الدابة فخرجت بالمسروق أو تركه في ماء جار فخرج به فعليه القطع لانه هو المخرج اما بنفسه واما بآلته فوجب عليه القطع كما لو حمله فاخرجه وكذلك لو أمر صبيا لا يميز أو معتوها فأخرجه فعليه القطع لانه آلة له. (فصل) وسواء دخل الحرز فاخرجه أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا حد عليه إلا أن يكون البيت صغيرا لا يمكنه دخوله لانه لم يهتك الحرز بما أمكنه فأشبه المختلس. ولنا انه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وهو من أهل القطع فوجب عليه كما لو كان

[ 261 ]

البيت ضيقا ويخالف المختلس لانه يهتك الحرز، وان رمى المتاع فاطارته الريح فأخرجته فعليه القطع لانه متى كان ابتداء الفعل منه لم يؤثر فعل الريح كما لو رمى صيدا فأعانت الريح السهم حتى قتل الصيد حل، ولو رمى الجمار فأعانتها الريح حتى وقعت في المرمى احتسب به وصار هذا كما لو ترك المتاع في الماء فجرى به فأخرجه. (فصل) إذا أخرج المتاع من بيت في الدار أو الخان إلى الصحن فان كان باب البيت مغلقا ففتحه أو نقبه فقد أخرج المتاع من الحرز وإن لم يكن مغلقا فما أخرجه من الحرز، وقد قال احمد إذا أخرج المتاع من البيت إلى الدار يقطع وهو محمول على الصورة الاولى (فصل) إذا دخل السارق الحرز فاحتلب لبنا من ماشية وأخرجه فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لانه من الاشياء الرطبة وقد مضى الكلام معه في هذا وإن شربه في الحرز أو شرب منه فانتقص النصاب فلا قطع عليه لانه لم يخرج من الحرز نصابا، وان ذبح الشاة في الحرز أو شق الثوب ثم أخرجهما وقيمتهما بعد الشق والذبح نصاب فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال الثوري لا قطع عليه في الشاة لان اللحم لا يقطع بسرقته عنده والثوب ان شق أكثره فلا قطع فيه لان صاحبه مخير بين (1) أن يضمنه قيمة جميعه فيكون قد أخرجه وهو ملكه وقد تقدم الكلام معه في هذه الاصول، وان تطيب وخرج ولم يبق عليه من الطيب ما إذا جمع كان نصابا فلا قطع عليه


(1) كذا بالاصل ونسخ المغنى

[ 262 ]

لان ما لا يجتمع قد أتلفه باستعماله فأشبه ما لو أكل الطعام، وإن كان يبلغ نصابا فعليه القطع لانه أخرج نصابا وذكر فيه وجه آخر فيما إذا كان ما تطيب به يبلغ نصبا فعليه القطع وإن نقص ما يجتمع عن النصاب لانه أخرج نصابا والاول أولى لانه حين الاخراج ناقص عن النصاب، وإن جر خشبة فألقاها بعد أن خرج بعضها من الحرز فلا قطع عليه سواء خرج منها ما يساوي نصابا أو لا لان بعضها لا ينفرد عن البعض وكذلك لو أمسك الغاصب طرف عمامته والطرف الآخر في يد مالكها لم يضمنها وكذلك لو سرق ثوبا أو عمامة فأخرج بعضهما (فصل) فان نقب الحرز ثم دخل فأخرج ما دون النصاب ثم دخل فأخرج ما بقي من النصاب وكان في وقتين متباعدين أو ليلتين لم يجب القطع لان كل واحدة منهما سرقة منفردة لا تبلغ نصابا وكذلك إن كانا في ليلة واحدة وبينهما مدة طويلة وإن تقاربا وجب القطع لانها سرقة واحدة ولانه إذا بني فعل أحد الشريكين على فعل شريكه إذا سرقا نصابا فبناء فعل الواحد بعضه على بعض أولى (مسألة) (والحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه ويختلف باختلاف الاموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه) الحرز ما عدا حرزا في العرف فانه لم ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه علم انه

[ 263 ]

رد ذلك إلى أهل العرف لانه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فرجع إليه كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك. إذا ثبت ذلك فحرز الاثمان والجواهر والقماش في الدور والدكاكين في العمران وراء الابواب والاغلاق الوثيقة، وحرز الثياب وما خف من المتاع كالصفر والنحاس والرصاص في الدكاكين والبيوت المقفلة في العمران أو يكون فيها حافظ فيكون حرزا وإن كانت مفتوحة إن لم تكن مغلقة ولا فيها حافظ فليست بحرز وإن كانت فيها خزائن مغلقة فالخزائن حرز لما فيها وما خرج عنها فليس بحرز وقد روي عن احمد في البيت الذي ليس عليه غلق فسرق منه: أراه سارقا وهذا محمول على أن أهله فيه فاما البيوت التي في البساتين أو الطرق أو الصحراء فان لم يكن فيها أحد فليست حرزا سواء كانت مغلقة أو مفتوحة لان من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف عنه لا يعد حافظا له وإن أغلق عليه، وإن كان فيها أهلها أو حافظ فهو حرز سواء كانت مغلقة أو مفتوحة وإذا كان لابسا للثوب أو متوسدا له نائما أو مستيقظا أو مفترشا له أو متكئا عليه في أي موضع كان من البلد أو برية فهو محرز بدليل رداء صفوان سرق وهو متوسده فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه وان تدحرج عن الثوب زال الحرز ان كان نائما، وان كان الثوب بين يديه أو غيره من المتاع كبز

[ 264 ]

البزازين وقماش الباعة وخبز الخبازين بحيث يشاهده وينظر إليه فهو محرز وان نام أو كان غائبا عن موضع مشاهدته فليس بمرحز وان جعل المتاع في الغرائر وعكم عليها ومعها حافظ يشاهدها فهي محرزة والا فلا. (فصل) والخيمة والخركاة ان نصبت وكان فيها أحد نائما أو منتبها فهي محرزة وما فيها لانها هكذا تحرز في العادة وإن لم يكن فيها أحد ولا عندها حافظ فلا قطع على سارقها، وممن أوجب القطع في السرقة من الفسطاط الثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا: يقطع السارق من الفسطاط دون سارق الفسطاط. ولنا أنه محرز بما جرت به العادة أشبه ما فيه (مسألة) (وحرز البقل والباقلا ونحوه وقدوره وراء الشرائج إذا كان في السوق حارس) والشرائج تكون من القصب والخشب (مسألة) (وحرز الخشب الحطب الحظائر) وكذلك القصب وتعبئة بعضه على بعض وتقييده بقيد بحيث يعسر أخذ شئ منه على ما جرت العادة إلا أن يكون في فندق مغلق عليه فيكون محرزا وإن لم يقيد (مسألة) (وحرز المواشي الصير وحرزها في المراعى بالراعي ونظره إليها)

[ 265 ]

فما غاب منها عن مشاهدته فقد خرج عن الحرز لان الراعية هكذا تحرز (مسألة) (وحرز حمولة الابل بتقطيرها وقائدها وسائقها إذا كان يراها) الابل على ثلاثة أضرب: باركة وراعية وسائرة فأما الباركة فان كان معها حافظ لها وهي معقولة فهي محرزة وإن لم تكن معقولة وكان الحافظ ناظرا إليها أو مستيقظا بحيث يراها فهي محرزة وإن كان نائما أو مشغولا عنها فليست محرزة لان العادة أن الرعاة إذا أرادوا النوم عقلوا إبلهم ولان المعقولة تنبه النائم والمشتغل، وإن لم يكن معها أحد فهي غير محرزة سواء كانت معقولة أو لم تكن. وأما الراعية فحرزها بنظر الراعي إليها فما غاب عن نظره أو نام عنه فليس بمحرز لان الراعية انما تحرز بالراعي ونظره. وأما السائرة فان كان معها من يسوقها فحرزها بنظره إليها سواء كانت مقطرة أو غير مقطرة فما كان منها بحيث لا يراه فليس بمحرز وإن كان معها قائد فحرزها أن يكثر الالتفات إليها والمراعاة لها وتكون بحيث يراها إذا التفت وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحرز القائد إلا التي زمامها بيده لانه يوليها ظهره ولا يراها إلا نادرا فيمكن أخذها من حيث لا يشعر ولنا أن العادة في حفظ الابل المقطرة بمراعاتها بالالتفات وإمساك زمام الاول فكان ذلك حرزا

[ 266 ]

لها كالتي زمامها في يده فان سرق من احمال الجمال السائرة المحرزة متاعا قيمته نصاب قطع وكذلك إن سرق الحمل وإن سرق الجمل بما عليه وصاحبه نائم عليه لم يقطع لانه في يد صاحبه وإن لم يكن صاحبه عليه قطع وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه لان ما في الحمل محرز به فإذا اخذ جميعه لم يهتك حرز المتاع فصار كما لو سرق أجزاء الحرز ولنا أن الجمل محرز بصاحبه ولهذا لو لم يكن معه لم يكن محرزا فقد سرقه من حرز مثله فأشبه ما لو سرق المتاع ولا نسلم ان سرقة الحرز من حرزه لا توجب القطع فانه لو سرق الصندوق بما فيه من بيت هو محرز فيه وجب قطعه وهذا التفصيل في الابل التي في الصحراء فأما التي في البيوت والمكان المحصن على الوجه الذي ذكرناه في الثياب فهي محرزة والحكم في سائر المواشي كالحكم في الابل على ما ذكرنا من التفصيل فيها (مسألة) (وحرز الثياب في الحمام بالحافظ) فان سرق من الحمام ولا حافظ فيه فلا قطع عليه في قول عامتهم وان كان ثم حافظ فقال احمد ليس على سارق الحمام قطع. وقال في رواية ابن منصور لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع قاعد مثل ما صنع بصفوان وهذا قول أبي حنيفة لانه مأذون للناس في دخوله فجرى مجرى سرقة الضيف من البيت المأذون له في دخوله ولان دخول الناس إليه يكثر فلا يتمكن الحافظ من حفظ ما فيه، وفيه رواية اخرى انه يجب القطع إذا كان فيه

[ 267 ]

حافظ حكاها القاضي وهو قول مالك والشافعي واسحاق وابي ثور وابن المنذر لانه متاع له حافظ فيجب قطع سارقه كما لو كان في البيت. قال شيخنا: والصحيح الاول وهذا يفارق ما في البيت من الوجهين اللذين ذكرناهما، فأما ان كان صاحب الثياب قاعدا عليها أو متوسدا لها أو جالسا وهي بين يديه يحفظها قطع سارقها بكل حال كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسد له، وكذلك ان كان صاحب الثياب اما الحمامي واما غيره حافظا لها على هذا الوجه قطع سارقها لانها محرزة وان لم تكن كذلك فقال القاضي ان نزع الداخل ثيابه على ما جرت به العادة ولم يستحفظها لاحد فلا قطع على سارقها ولا غرم على الحمامي لانه غير مودع فيضمن ولا هي محرزة فيقطع سارقها، وان استحفظها الحمامي فهو مودع تلزمه مراعاتها بالنظر والحفظ فان تشاغل عنها وترك النظر إليها فسرقت فعليه الغرم لتفريطه ولا قطع على السارق لانه لم يسرق من حرز وإن تعاهدها الحمامي بالحفظ والنظر فسرقت فلا غرم عليه لعدم تفريطه وعلى السارق القطع لانها محرزة وهذا مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد أنه لا قطع عليه أيضا في هذه الصورة لما تقدم. قال ابن المنذر قال احمد ارجو ان لا قطع عليه لانه مأذون للناس في دخوله. ولو استحفظ رجل آخر متاعه في المسجد فسرق فان كان قد فرط في مراعاته ونظره إليه فعليه الغرم إذا كان التزم حفظه واجابه إلى ما سأله وان لم يجبه لكن سكت لم يلزمه غرم لانه ما قبل الاستيداع ولا قبض المتاع، ولا قطع على السارق في الموضعين لانه غير محرز، وإن حفظ المتاع بنظره إليه وقربه منه فسرق فلا غرم عليه وعلى السارق القطع لانه سرق من حرز

[ 268 ]

ويفارق المتاع في الحمام فان الحفظ فيه غير ممكن لان الناس يضع بعضهم ثيابه عند ثياب بعض ويشتبه على الحمامي صاحب الثياب فلا يمكنه منع اخذها لعدم علمه بمالكها (مسألة) (وحرز الكفن في القبر على الميت فلو نبش قبرا واخذ الكفن قطع) روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشعبي والنخعي وحماد ومالك والشافعي واسحاق وابو ثور وابن المنذر وقال ابو حنيفة والثوري لا قطع عليه لان القبر ليس بحرز لان الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ والكفن لا يوضع في القبر لذلك ولانه ليس بحرز لغيره فلا يكون حرزا لغيره، ولان الكفن لامالك له ولانه لا يخلو اما ان يكون ملكا للميت أو لوارثه وليس ملكا لواحد منهما لان الميت لا يملك شيئا ولم يبق اهلا للملك والوارث انما يملك ما فضل عن حاجة الميت ولانه لا يجب القطع الا بمطالبة المالك أو نائبه ولم يوجد ذلك ولنا قول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) وهذا سارق ولان عائشة رضي الله عنها قالت: سارق امواتنا كسارق احيائنا وما ذكروه لا يصح فان الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره ويكتفى به في حرزه الا ترى انه لا يترك الميت في غير القبر من غير ان يحفظ كفنه ويترك في القبر وينصرف عنه؟ وقولهم انه لا مالك له ممنوع بل هو مملوك للميت لانه كان مالكا

[ 269 ]

له في حياته ولا يزول ملكه الا عما لا حاجة به إليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة كقيام ولي الصبي في الطلب بماله. إذا ثبت هذا فلابد من اخراج الكفن من القبر لانه الحرز فان اخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع عليه فيه لانه لم يخرجه من الحرز فأشبه مالو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فان النبي صلى الله عليه وسلم سمى القبر بيتا (فصل) والكفن الذي يقطع بسرقته ما كان مشروعا فان كفن الرجل في اكثر من ثلاث لفائف أو المرأة في اكثر من خمس فسرق الزائد عن ذلك أو ترك في تابوت فسرق التابوت أو ترك معه طيبا مجموعا أو ذهبا أو فضة أو جوهرا لم يقطع بأخذ شئ من ذلك لانه ليس بكفن مشروع فتركه فيه سفه وتضييع فلا يكون محرزا ولا يقطع سارقه (فصل) وهل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة؟ يحتمل وجهين (أحدهما) يفتقر إلى المطالبة كسائر المسروقات فعلى هذا المطالب الوارث لانه يقوم مقام الميت في حقوقه وهذا من حقوقه (والثاني) لا يفتقر إلى طلب لان الطلب في السرقة من الاحياء شرط لئلا يكون المسروق مملوكا للسارق وقد يئس من ذلك ههنا

[ 270 ]

(فصل) وحرز جدار الدار كونه مبنيا فيها إذا كانت في العمران أو كانت في الصحراء وفيها حافظ فان أخذ من اجزاء الجدار أو خشبة تبلغ نصابا في هذه الحال وجب قطعه لان الحائط حرز لغيره فيكون حرزا لنفسه، وان هدم الحائط ولم يأخذه فلا قطع فيه كما لو تلف المتاع في الحرز ولم يسرقه وإن كانت الدار بحيث لا تكون حرزا لما فيها كدار في الصحراء لا حافظ لها فلا قطع على من اخذ من جدارها شيئا لانها إذا لم تكن حرزا لما فيها فلنفسها اولى (مسألة) (وحرز الباب تركيبه في موضعه) سواء كان مغلقا أو مفتوحا لانه هكذا يحفظ وعلى سارقه القطع إذا كانت الدار محرزة بما ذكرناه، واما ابواب الخزائن في الدار فان كان باب الدار مغلقا فهي محرزة سواء كانت مغلقة أو مفتوحة وان كان مفتوحا لم تكن محرزة الا ان تكون مغلقة أو يكون في الدار حافظ والفرق بين الدار وباب الخزانة أن ابواب الخزائن تحرز بباب الدار وباب الدار لا يحرز الا بنصبه ولا يحرز بغيره، وأما حلقة الباب فان كانت مسمورة فهي كحرزه والا فلا لانها تحرز بتسميرها (مسألة) (فلو سرق رتاج الكعبة أو باب مسجد أو تأزيره قطع) إذا سرق باب مسجد منصوبا أو باب الكعبة المنصوب أو سرق من سقفه شيئا أو تأزيره ففيه وجهان (احدهما) عليه القطع وهو مذهب الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبي ثور وابن المنذر

[ 271 ]

لانه سرق نصابا محرزا بحرز مثله لا شبهة له فيه فلزمه القطع كباب بيت الآدمي (والثاني) لا قطع عليه وهو قول أصحاب الرأي لانه لا مالك له من المخلوقين فلا يقطع كحصر المسجد وقناديله فانه لا يقطع بسرقة ذلك وجها واحدا ولانه مما ينتفع به الناس فيكون له فيه شبهة فلم يقطع به كالسرقة من بيت المال وقال احمد لا يقطع بسرقة ستارة الكعبة الخارجة منها قال القاضي: هذا محمول على ما ليست بمخيطة لانها انما تحرز بخياطتها وقال ابو حنيفة لا قطع فيها بحال لما ذكرنا في الباب (مسألة) (وإن سرق قناديل المسجد أو حصره فعلى وجهين) (احدهما) يقطع لان المسجد حرز لها فقطع بسرقتها كالباب (والثاني) لا يقطع وهو قول ابي حنيفة لان له فيه حقا وشبهة فأشبه السرقة من بيت المال. ولانه لا مالك له من المخلوقين، وهذا اصح ان شاء الله تعالى. وذكر شيخنا في كتاب المغني انه لا يقطع بسرقة ذلك وجها واحدا (مسألة) (وإن نام انسان على ردائه في المسجد فسرقه سارق قطع) لان النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق رداء صفوان، وإن مال رأسه عنه فسرقه لم يقطع لانه لم يبق محرزا (مسألة) (وإن سرق من السوق غزلا وثم حافظ قطع) لان حرزه بحافظه فإذا سرقه قطع كما يقطع بسرقة الثياب من الحمام إذا كان ثم حافظ (مسألة) (ومن سرق من النخل أو الشجر من غير حرز فلا قطع عليه ويضمن عوضهما مرتين

[ 272 ]

يعني بذلك الثمر في البستان قبل ادخاله الحرز. وهذا قول أكثر الفقهاء وكذلك جمار النخل ويسمى الكثر، وروي معنى هذا القول عن ابن عمر وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابو ثور ان كان من بستان محرز ففيه القطع وبه قال ابن المنذر إذا لم يصح خبر رافع ولا احسبه ثابتا واحتجا بظاهر الآية وبقياسه على سائر المحرزات ولنا ما روى رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا قطع في ثمرولا كثر) اخرجه ابو داود وابن ماجه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الثمر المعلق فقال (من اصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع) وهذا يخص عموم الآية ولان البستان ليس بحرز لغير الثمر فلم يكن حرزا له كما لو لم يكن محفوظا، فأما إن كانت شجرة في دار محرزة فسرق منها نصابا فعليه القطع والله أعلم (فصل) وإذا سرق من الثمر المعلق فعليه غرامة مثليه وبه قال اسحاق للخبر المذكور، قال أحمد لا أعلم شيئا يدفعه، وقال أكثر الفقهاء لا يجب أكثر من مثله قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من

[ 273 ]

من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذا الخبر بانه كان حين كانت العقوبة في الاموال ثم نسخ ذلك. ولنا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا تجوز مخالفته إلا بمعارضة مثله أو أقوى منه وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى للنسخ بالاحتمال من غير دليل عليه وهو فاسد بالاجماع ثم هو فاسد من وجه آخر لقوله ومن سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع فقد بين وجوب القطع مع إيجاب غرامة مثليه وهذا يبطل ما قاله وقد احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها روى الاثرم الحديثين في سننه قال أصحابنا وفي الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة: مثلا قيمتها لان في سياق حديث عمرو بن شعيب أن السائل قال الشاة الحريسة منهن يا نبي الله، قال (ثمنها ومثله معه والفكاك وما كان من المراح ففيه القطع إذا كان ما يأخذ من ذلك ثمن المجن) هذا لفظ رواية ابن ماجه وما عدا هذين لا يضمن بأكثر من قيمته أو مثله ان كان مثليا، وهذا قول أصحابنا وغيرهم إلا أبا بكر فانه ذهب إلى غرامة المسروق من غير حرز بمثيله قياسا على الثمر المعلق وحريسة الحبل واستدلا بحديث حاطب. ولنا أن الاصل وجوب غرامة المثلي بمثله والمتقوم بقيمته بدليل المتلف والمغصوب والمنتهب

[ 274 ]

والمختلس وسائر ما تجب غرامته خولف في هذين الموضعين للاثر ففيما عداهما يبقى على الاصل. (مسألة) (قال أبو بكر ما كان حرزا لمال فهو حرز لمال آخر قياسا لاحدهما على الآخر والصحيح خلاف ذلك) لانا إنما رجعنا في الحرز إلى العرف والعادة أن الجواهر والدراهم والدنانير لا تحرز في الصبر والحظائر ومن أحرزها أو نحوها في ذلك عد مفرطا فكان العمل بالمعروف أولى (فصل) وإذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئا نظرت، فان كان من الموضع الذي أنزل فيه أو موضع لم يحرزه عنه لم يقطع لانه لم يسرق من حرز وان سرق من موضع محرز دونه فان كان منعه فرآه سرق بقدره فلا قطع عليه أيضا وان لم يمنع فرآه فعليه القطع، وقد روي عن أحمد أنه لا قطع على الضيف وهو محمول على إحدى الحالتين الاوليين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه بحال لان المضيف بسطه في بيته وماله فأشبه ابنه. ولنا أنه سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه فلزمه القطع كالاجنبي وقوله انه بسطه فيه لا يصح فانه أحرز عنه هذا المال ولم يبسطه فيه وبسطه في غيره لا يوجب بسطه فيه كما لو تصدق على مسكين بصدقة أو أهدى إلى صديقه هدية فانه لا يسقط عنه القطع بالسرقة من غير ما تصدق به عليه أو اهدى إليه (فصل) وإذا أحرز المضارب مال المضاربة أو الوديعة أو العارية أو المال الذي وكل فيه فسرقه أجنبي فعليه القطع لا نعلم فيه مخالفا لانه ينوب مناب المالك في حفظ المال واحرازه ويده كيده وان

[ 275 ]

غصب عينا وأحرزها أو سرقها وأحرزها فسرقها سارق فلا قطع عليه وقال مالك عليه القطع لانه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وللشافعي قولان كالمذهبين وقال أبو حنيفة كقولنا في السارق وكقول مالك في الغاصب. ولنا أنه لم يسرق المال من مالكه ولا ممن يقوم مقامه فأشبه مالو وجده ضائعا فأخذه وفارق السارق من المالك أو نائبه فانه أزال يده الشرعية وسرق من حرزه. (فصل) فان غصب شيئا فأحرز فيه ماله فسرقه منه أجنبي فلا قطع عليه لانه لا حكم لحرزه إذا كان متعديا به ظالما فيه. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (الخامس انتفاء الشبه فلا يقطع بالسرقة من مال ابنه وان سفل ولا الولد من مال أبيه وان علا والاب والام في ذلك سواء). وجملة ذلك أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده وان سفل وسواء في ذلك الاب والام والابن والبنت والجد والجدة من قبل الاب والام هذا قول عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الراي وقال أبو ثور وابن المنذر القطع على كل سارق بظاهر الكتاب إلا أن يجمعوا على شئ فيستثنى. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لابيك) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن أطيب ما أكل الرجل من

[ 276 ]

كسبه وان ولده من كسبه) وفي لفظ (فكلوا من كسب أولادكم) ولا يجوز قطع الانسان بقطع ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذه ولا أخذ ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مالا له مضافا إليه ولان الحدود تدرأ بالشبهات وأعظم الشبهات أخذ الانسان من مال جعله الشرع له وأمره بأخذه وأكله. (فصل) ولا يقطع الابن وان سفل بسرقة مال والده وان علا وبه قال الحسن والشافعي واسحاق والثوري وأصحاب الرأي وظاهر قول الخرقي أنه يقطع لانه لم يذكره فيمن لا قطع عليه وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لظاهر الكتاب ولانه يقاد بقتله ويحد بالزنا بجاريته فيقطع بسرقته ماله كالاجنبي ووجه الاول أن بينهما قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه فلم يقطع بسرقة ماله كالاب ولان الفقة تجب في مال الاب لابنه حفظا له فلا يجوز اتلافه حفظا للمال وأما الزنا بجاريته ففيه منع وان سلم فانما وجب عليه الحد لانه لا شبهه له فيها. (مسألة) (ولا يقطع العبد بالسرقة من مال سيده في قول الجميع ووافقهم أبو ثور فيه وحكي عن داود انه يقطع لعموم الآية. ولنا ما روى السائب بن يزيد قال شهدت عمر بن الخطاب قد جاءه عبد الله بن عمر والحضرمي بغلام له فقال إن غلامي هذا سرق فاقطع يده فقال عمر ما سرق؟ قال سرق مرآة امرأتي ثمنها ستون درهما فقال ارسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيره قطع وفي لفظ

[ 277 ]

قال مالكم سرق بعضه بعضا لا قطع عليه رواه سعيد، وعن ابن مسعود ان رجلا جاءه فقال عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر فقال لا قطع مالك وسرق مالك وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد فتكون اجماعا وهذا يخص عموم الآية ولان هذا اجماع من أهل العلم لانه قول من سمينا من الائمة ولم يخالفهم في عصرهم أحد فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم كما لا يجوز ترك اجماع الصحابة بقول واحد من التابعين (فصل) وأم الولد والمدبر والمكاتب كالقن في هذا وبه قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي ولا يقطع سيد المكاتب بسرقة ماله لانه عبد ما بقي عليه درهم، وكل من لا يقطع الانسان بسرقة ماله لا يقطع عبده بسرقة ماله كآبائه وأولاده وغيرهم وقال أبو ثور يقطع بسرقة من عدا سيده ونحوه قول مالك وابن المنذر. ولنا حديث عمر رضي الله عنه، ولان مالهم ينزل منزلة ماله في قطعه فكذلك في قطع عبده. (مسألة) (ولا يقطع مسلم بالسرقة من بيت المال) يروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وبه قال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي وأصحاب الرأي، وقال حماد ومالك وابن المنذر يقطع لظاهر الكتاب. ولنا ماروى ابن ماجه باسناده عن ابن عباس أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه وقال (مال الله سرق بعضه بعضا) ويروى ذلك عن عمر رضي الله

[ 278 ]

عنه وسأل ابن مسعود عمر عمن سرق من بيت المال فقال أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق، وقال سعيد ثنا هشيم ثنا مغيرة عن الشعبي عن علي عليه السلام أنه كان يقول ليس على من سرق من بيت المال قطع ولان له في المال حقا فيكون شبهة تمنع وجوب القطع كما لو سرق من مال له فيه شركة (مسألة) (ولا يقطع بالسرقة من مال له فيه شرك أو لاحد ممن لا يقطع بالسرقة منه) كالاب لا يقطع بسرقة مال ابنه والعبد لا يقطع بسرقة مال سيده فكذلك إذا سرق من مال لابنه فيه شرك أو لسيده فلا قطع عليه لذلك. (فصل) ومن سرق من الوقف أو من غلته وكان من الموقوف عليهم كالمسكين يسرق من مال وقف المساكين أو من قوم معينين عليهم وقف لم يقطع لانه شريك، وان كان من غيرهم قطع لانه لا حق له فيه فان قيل فقد قلتم لا يقطع بالسرقة من بيت المال من غير تفريق بين غني وفقير فلم فرقتم ههنا؟ قلنا لان للغني في بيت المال حقا بدليل قول عمر رضي الله عنه ما من أحد إلا وله في هذا المال حق بخلاف وقف المساكين فانه لا حق للغني فيه. (مسألة) (ومن سرق من الغنيمة ممن له حق أو لولده أو لسيده لم يقطع) لما ذكرنا من المسألة قبلها.

[ 279 ]

وحكى عن ابن أبي موسى أنه يحرق رحله كالغال، وان لم يكن من الغانمين ولا أحد ممن ذكرنا فسرق منها قبل اخراج الخمس لم يقطع لان له في الخمس حقا، وان اخرج الخمس فسرق من أربعة الاخماس قطع وان سرق من الخمس لم يقطع لان له فيه شركة فان قسم الخمس خمسة أقسام فسرق من خمس الله ورسوله لم يقطع، وان سرق من غيره قطع الا ان يكون من أهل ذلك الخمس (مسألة) (وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين) (إحداهما) لا قطع عليه وهو اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لقول عمر رضي الله عنه لعبد الله بن عمرو الحضرمي حين قال له ان غلامي سرق مرآة امرأتي أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم، وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها فهو اولى ولان كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب ويسقط في مال الاخر عادة فاشبه الوالد والولد (والثانية) يقطع وهو مذهب مالك وابي ثور وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي لعموم الآية ولانه سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه فاشبه الاجنبي وللشافعي كالروايتين وقول ثالث ان الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة لانه لا حق له فيه ولا تقطع بسرقة ماله لان لها النفقة فيه، فاما ان لم يكن مال أحدهما محرزا عن الاخر لم يقطع رواية واحدة لانه لم يسرق من حرز (مسألة) (ويقطع سائر الاقارب بالسرقة من مال اقاربهم كالاخوة والاخوات ومن عداهم)

[ 280 ]

وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقطع بالسرقة من ذي رحم وحكاه ابن أبي موسى في الارشاد مذهبا لاحمد لانها قرابة تمنع النكاح وتبيح النظر وتوجب النفقة اشبه قرابة الولادة ولنا أنها قرابة لا تمنع الشهادة فلا تمنع القطع لغير ذي الرحم وبهذا فارق قرابة الولادة (مسألة) (ويقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي والمستأمن ويقطعان بسرقة ماله) اما قطع المسلم بالسرقة من مال الذمي وقطع الذمي بالسرقة من مال مسلم فلا نعلم فيه خلافا وبه قال الشافعي واصحاب الرأي واما الحربي إذا دخل الينا مستأمنا فسرق فانه يقطع أيضا وقال ابن حامد لا يقطع وهو قول أبي حنيفة ومحمد لانه حد لله تعالى فلا يقام الحد عليه كالزنا ونص احمد على أنه لايقام عليه حد الزنا وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا أنه حد يطالب به فوجب كحد القذف يحققه ان القطع يجب صيانة للاموال وحد القذف يجب صيانة للاعراض فإذا وجب في حقه أحدهما وجب الآخر، فاما الزنا فانما لم يجب لانه يجب به قتله لنقض العهد ولا يجب مع القتل حد سواه إذا ثبت هذا فان المسلم يقطع بسرقة ماله وعند أبي حنيفة لا يجب

[ 281 ]

ولنا أنه سرق مالا معصوما لا شبهة له فيه من حرز مثله فوجب قطعه كسرقة مال الذمي ويقطع المرتد إذا سرق فان أحكام الاسلام جارية عليه (مسألة) (ومن سرق عينا وادعى أنها ملكه لم يقطع وعنه يقطع وعنه لا يقطع الا ان يكون معروفا بالسرقة) من ثبتت عليه السرقة ببينة فانكر لم يسمع انكاره، وان قال أحلفوه لي أني سرقت منه لم يحلف لان السرقة قد ثبتت بالبينة وفي احلافه عليها قدح في الشهادة فان قال الذي أخذته ملكي كان لي عنده وديعة أو رهنا أو ابتعته منه أو وهبه لي أو اذن لي في أخذه أو غصبه مني أو من أبي أو بعضه لي فالقول قول المسروق منه مع يمينه لان اليد ثبتت له فان حلف سقطت دعوى السارق ولا قطع عليه لان صدقه محتمل ولهذا أحلفنا المسروق منه وان نكل قضينا عليه بنكوله وهذا إحدى الروايات عن احمد وهو منصوص الشافعي وعن احمد رواية أخرى أنه يقطع لان سقوط القطع بدعواه يؤدي إلى ان لا يجب قطع سارق فتفوت مصلحة الزجر وعنه رواية ثالثة أنه إن كان معروفا بالسرقة قطع لانه يعلم كذبه والا سقط عنه القطع والاولى اولى لان الحدود تدرأ بالشبهات وافضاؤه إلى سقوط القطع لا يمنع اعتباره كما ان الشرع اعتبر في شهادة الزنا شروطا لا يكاد يقع معها اقامة حد ببينة ابدا على أنه لا يفضي إليه لازما فان السراق لا يعلمون هذا ولا يهتدون إليه في الغالب وانما يختص بعلم هذا الفقهاء الذين لا يسرقون غالبا فان لم يحلف المسروق منه سقط القطع وجها واحدا لانه يقضى عليه بالنكول

[ 282 ]

(مسألة) (وإذا سرق المسروق منه مال السارق أو المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة لم يقطع وان سرق من غير ذلك أو سرق من مال من له عليه دين قطع الا ان يعجز عن اخذه منه فيسرق قدر حقه فلا يقطع وقال القاضي يقطع) إذا سرق من مال انسان أو غصبه فاحرزه فجاء المالك فهتك الحرز وأخذ ماله فلا قطع فيه عند أحده سواء أخذه سرقة أو غيرها لانه أخذ ماله وان سرق غيره ففيه وجهان (أحدهما) لا قطع عليه لان له شبهة في هتك الحرز واخذ ماله فصار كالسارق من غير حرز ولان له شبهة في أخذ قدر ماله لذهاب بعض أهل العلم إلى جواز أخذ الانسان قدر دينه من مال من هو عليه (والثاني) عليه القطع لانه سرق نصابا من حرزه لاشبهة له فيه وانما يجوز له أخذ قدر ماله إذا عجز عن أخذ ماله وهذا امكنه أخذ ماله فلم يجز له أخذ غيره وكذلك الحكم إذا أخذ ماله وأخذ نصابا من غيره متميزا عن ماله فان كان مختلطا بماله غير متميز منه فلا قطع عليه لانه أخذ ماله الذي له اخذه وحصل غيره ماخوذا ضرورة اخذه فيجب ان لا يضع فيه، ولان له في اخذه شبهة والحد يدرأ بالشبهات فاما ان سرق منه مالا من غير الحرز الذي فيه ماله أو كان له دين على انسان فسرق من ماله قدر دينه من حرزه نظرت فان كان الغاصب أو الغريم باذلا لما عليه غير ممتنع من ادائه أو قدر المالك على اخذ ماله فتركه وسرق مال الغاصب أو الغريم فعليه القطع لانه لا شبهة له فيه، وان عجز عن استيفاء

[ 283 ]

دينه أو ارش جنايته فسرق قدر دينه أو حقه فلا قطع عليه وقال القاضي عليه القطع بناء على اصلنا في انه ليس له اخذ قدر دينه ولنا ان هذا مختلف في حله فلم يجب الحد به كالوطئ في نكاح مختلف فيه وتحريم الاخذ لا يمنع الشبهة الناشئة عن الاختلاف والحدود تدرأ بالشبهات فان سرق اكثر من دينه فهو كالمغصوب منه إذا سرق اكثر من دينه على ما مضى (فصل) ومن قطع بسرقة عين فعاد فسرقها قطع، إذا سرق سارق فقطع ثم سرق ثانيا قطع ثانيا سواء سرق من الذي سرق منه أو من غيره وسواء سرق تلك العين التي قطع بسرقتها أو غيرها وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا قطع بسرقة عين مرة لم يقطع بسرقتها مرة ثانية الا ان يكون قد قطع بسرقه غزل ثم سرقه منسوجا أو قطع بسرقة رطب ثم سرقه تمرا واحتج بان هذا يتعلق استيفاؤه بمطالبة آدمي فإذا تكرر سببه في العين الواحدة لم يتكرر كحد القذف ولنا أنه حد يجب بفعل في عين فتكرره في عين واحدة كتكرره في الاعيان كالزنا وما ذكروه يبطل بالغزل إذا نسج وبالرطب إذا أتمر ولا نسلم حد القذف فانه متى قذفه بغير ذلك الزنا حد، وان قذفه بذلك الزنا حد، وان قذفه بذلك الزنا عقيب حده لم يحد لان الغرض اظهار كذبه وقد ظهر وههنا الغرض ردعه عن السرقة ولم يرتدع فيردع بالثاني كما لو سرق عينا أخرى

[ 284 ]

(فصل) فان سرق مرات قبل القطع اجزأ حد واحد عن جميعها وتداخلت حدودها لانه حد من حدود الله فإذا اجتمعت اسبابه تداخل كحد الزنا، وذكر القاضي فيما إذا سرق من جماعة وجاءوا متفرقين رواية أخرى أنها لا تتداخل ولعله يقيس ذلك على حد القذف والصحيح أنها تتداخل لان القطع خالص حق لله تعالى فيتداخل كحد الزنا والشرب، وفارق حد القذف فانه لآدمي ولهذا يتوقف على المطالبة باستيفائه ويسقط بالعفو عنه (مسألة) (ومن أجر داره أو اعارها ثم سرق منها مال المستعير أو المستأجر قطع) إذا سرق مال المستأجر من العين المستأجرة فعليه القطع وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة وقال صاحباه لا قطع عليه لان المنفعة تحدث في ملك المؤجر ثم تنقل إلى المستأجر ولنا انه هتك حرزا وسرق منه نصابا لا شبهة له فيه فوجب القطع كما لو سرق من ملك المستأجر وما قالاه غير مسلم (مسألة) (وان استعار دارا فنقبها المعير وسرق مال المستعير منها قطع ايضا) وبهذا قال الشافعي في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لان المنفعة ملك له فما هتك حرز غيره ولان له الرجوع متى شاء وهذا يكون رجوعا

[ 285 ]

ولنا ما تقدم في التي قبلها ولا يصح ما ذكروه لان هذا قد صار حرز المال غيره فلا يجوز له الدخول إليه وانما يجوز له الرجوع في العارية والمطالبة برده إليه (فصل) قال احمد رحمه الله لا قطع في المجاعة، يعني ان المحتاج إذا سرق ما يأكله لا قطع عليه لانه كالمضطر وروى الجوزجاني عن عمر انه قال لا قطع في عام سنة وقال سألت أحمد عنه فقلت تقول به؟ فقال أي لعمري إذا حملته الحاجة والناس في شده ومجاعة، وعن الاوزاعي مثل ذلك وهذا محمول على من لا يجد ما يشتري به ما يأكله وقد روي عن عمر رضى الله عنه ان غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني فامر عمر بقطعهم ثم قال لحاطب اني اراك تجيعهم فدرأ عنهم الحد لما ظنه يجيعهم فأما الواجد لما يأكله والواجد لما يشتري به فعليه القطع وان كان بالثمن الغالي ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي فصل ولا قطع على المرأة إذا منعها الزوج قدر كفايتها أو كفاية ولدها إذا أخذت من ماله سواء أخذت قدر ذلك أو أكثر منه لانها تستحتق قدر ذلك فالزائد يكون مشتركا بما يستحق أخذه (فصل) السادس ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو اقرار مرتين ولا ينزع عن اقراره حتى يقطع وجملة ذلك ان القطع انما يجب باحد شيئين بينة أو اقرار لا غير، فاما البينة فيشترط فيها ان يكونا رجلين مسلمين حرين عدلين سواء كان السارق مسلما أو ذيما وقد ذكرنا ذلك في شهود الزنا بما

[ 286 ]

يغني عن اعادته ههنا ويشترط ان يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه فيقولان نشهد أن هذا سرق كدا قيمته كذا من حرز ويصفا الحرز فان كان المسروق منه غائبا فحضر وكيله وطالب بالسرقة احتاج الشاهدان ان يرفعا في نسبه فيقولان من حرز فلان بن فلان ابن فلان بحيث يتميز عن غيره فإذا اجتمعت هذه الشروط وجب القطع في قول عامتهم، وقال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ان قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان ووصفا ما يوجب القطع وإذا وجب القطع بشهادتهما لم يسقط بغيبتهما ولا موتهما على ما مضى في الشهادة بالزنا وإذا شهد بسرقة مال غائب فان كان له وكيل حاضر فطالب به قطع السارق والا فلا وقال القاضي يحبس ولا يقطع حتى يحضر الغائب (فصل) وإذا اختلف الشاهدان في الوقت أو الزمان أو المسروق فشهد أحدهما انه سرق يوم الخميس والآخر انه سرق يوم الجمعة أو شهد احدهما أنه سرق من هذا البيت والآخر انه سرق من هذا البيت الآخر أو قال احدهما سرق ثورا وقال الاخر سرق بقرة أو قال الآخر سرق حمارا لم يقطع في قولهم جميعا وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وان قال احدهما سرق ثوبا أبيض وقال الآخر اسود أو قال احدهما سرق هرويا وقال الآخر سرق مرويا لم يقطع ايضا وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر لانهما لم يتفقا على الشهادة بشئ واحد فأشبه مالو اختلفا في الذكورية

[ 287 ]

والانوثية وقال أبو الخطاب يقطع وهو قول أصحاب الرأي لان الاختلاف لم يرجع إلى نفس الشهادة فيحتمل ان احدهما غلب على ظنه انه هروي والآخر انه مروي أو كان الثوب فيه سواد وبياض قال ابن المنذر اللون أقرب إلى الظهور من الذكورية والانوثية فإذا كان اختلافهم فيما يخفى يبطل شهادتهما ففيما يظهر أولى ويحتمل ان احدهما ظن المسروق ذكرا وظنه الآخر انثى وقد أوجب هذا رد شهادتهما فكذلك ههنا (الامر الثاني) الاعتراف ويشترط فيه ان يعترف مرتين روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال ابن أبي ليلي وأبو يوسف وزفر وابن شبرمة، وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن يقطع باعتراف مرة لانه حق يثبت بالاقرار فلم يعتبر فيه التكرار كحق الآدمي ولنا ماروى أبو داود باسناده عن أبي أمية المخزومي ان النبي صلى الله عليه وسلم اتي بلص قد اعترف فقال له (ما إخالك سرقت) قال بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع ولو وجب القطع باول مرة لما اخره وروى سعيد عن هشيم وسفيان وأبي الاحوص وأبي معاوية عن الاعمش عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال شهدت عليا واتاه رجل فاقر بالسرقة فرده وفي لفظ فانتهره وفي لفظ فسكت عنه وقال غير هؤلاء فطرده ثم

[ 288 ]

عاد بعد ذلك فأقر فقال له علي شهدت على نفسك مرتين وأمر به فقطع وفي لفظ قد اقررت على نفسك مرتين ومثل هذا يشتهر فلم ينكر ولانه يتضمن اتلافا في حد فكان من شرطه التكرار كحد الزنا ولانه أحد حجتي القطع فيعتبر فيه التكرار كالشهادة وقياسهم ينتقض بالزنا عند من اعتبر التكرار ويفارق حق الآدمي لان حقه مبني على الشح والضيق ولا يقبل رجوعه عنه بخلاف مسئلتنا (فصل) ويعتبر ان يذكر في اقراره شروط السرقة من النصاب والحرز واخراجه منه، والحر والعبد في هذا سواء نص عليه أحمد لعموم النص فيهما ولما روى الاعمش عن القاسم عن أبيه أن عليا قطع عبدا اقر عنده بالسرقة وفي رواية قال كان عبدا يعني الذي قطعه علي ويعتبر ان يقر مرتين. وروى منها عن احمد: إذا اقر العبد انه سرق أربع مرات قطع فظاهر هذا أنه اعتبر إقراره أربع مرات ليكون على النصف من الحر، والاول أصح لخبر علي ولانه اقرار بحد فاستوى فيه الحر والعبد كسائر الحدود (مسألة) (ولا ينزع عن اقراره حتى يقطع) هذا قول أكثر الفقهاء وقال ابن أبي ليلي وداود لا يقبل رجوعه لانه لو أقر لآدمي بحد قصاص لم يقبل رجوعه عنه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق (ما إخالك سرقت) يعرض له ليرجع ولان حديثه ثبت بالاعتراف فقبل رجوعه عنه كحد الزنا ولان الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعه شبهة لاحتمال ان يكون كذب

[ 289 ]

على نفسه في اعترافه ولانه أحد حجتي القطع فيبطل بالرجوع عنه كالشهادة ولان حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط كما لو رجع الشهود وفارق حق الآدمي لانه مبني على الشح والضيق، ولو رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم في حق الادمي لم يبطل برجوعهم ولم يمنع استيفاءها، إذا ثبت هذا فانه إذا رجع قبل القطع سقط القطع ولم يسقط غرم المسروق لانه حق آدمي، ولو أقر مرة واحدة لزمه غرامة المسروق دون القطع، وان كان رجوعه وقد قطع بعض المفصل لم يتممه ان كان يرجى برؤه لكونه قطع الاقل وان قطع الاكثر فالمقطوع بالخيار ان شاء قطعه ويستريح من تعليق كفه ولا يلزم القاطع قطعه لان قطعه تداو وليس بحد (فصل) قال احمد لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن اقراره وهذا قول عامة الفقهاء روي عن عمر انه اتي بسارق فسأله أسرقت؟ قل لا فقال لا فتركه وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهم وبه قال اسحاق وأبو ثور، وقد روينا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال للسارق (ما إخالك سرقت) وقال لماعز (لعلك قبلت أو لمست) وعن علي ان رجلا أقر عنده بالسرقة فانتهره. ولا بأس بالشفاعة في السارق إذا لم يبلغ الامام فانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد وجب) وقال الزبير بن العوام في الشفاعة في الحد يفعل ذلك دون السطان فإذا بلغ الامام فلا اعفاه الله ان أعفاه، وممن رأى ذلك عمار وابن عباس وسعيد بن جبير والزهري والاوزاعي وقال مالك ان لم يعرف بشر فلا باس ان يشفع له ما لم يبلغ الامام وأما من عرف بشر وفساد فلا أحب ان يشفع له ولكن يترك حتى يقام عليه الحد وأجمعوا على انه إذا بلغ

[ 290 ]

الامام لم تجز الشفاعة فيه لان ذلك اسقاط حق وجب لله تعالى وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين شفع اسامة في المخزومية التي سرقت وقال (أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟) وقال ابن عمر من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في حكمه (فصل) السابع مطالبة المسروق منه بما له وقال أبو بكر ليس ذلك بشرط وجملة ذلك ان السارق لا يقطع وان اعترف أو قامت بينة حتى يأتي مالك المسروق يدعيه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو بكر: ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة وهذا قول مالك وابي ثور وابن المنذر لعموم الآية ولان موجب القطع ثبت فوجب من غير مطالبة كحد الزنا ولنا ان المال يباح بالبذل والاباحة فيحتمل ان مالكه اباحه اياه أو وقفه على المسلمين أو على طائفة السارق منهم أو اذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة وعلى هذا يخرج الزنا فانه لا يباح بالاباحة ولان القطع أوسع في الاسقاط الا ترى انه إذا سرق مال ابيه لم يقطع ولو زنى بجاريته حد؟ ولان القطع شرع لصيانة مال الآدمي فله به تعلق فلم يستوف من غير حضور مطالب به والزنا حق لله تعالى محض فلم يفتقر إلى طلب به. إذا ثبت هذا فان وكيل الغائب يقوم مقامه في الطلب وقال القاضي إذا أقر بسرقة مال غائب حبس حتى يحضر الغائب لانه يحتمل ان يكون قد اباحه ولو اقر بحق مطلق لغائب لم يحبس لانه لا حق عليه لغير الغائب ولم يأمر بحبسه فلم يحبس وفي مسئلتنا تعلق به حق الله تعالى وحق الآدمي فحبس لما عليه من حق الله تعالى، فان كانت العين في يده أخذها الحكام وحفظها للغائب وإن لم يكن في يده شئ فإذا جاء الغائب كان الخصم فيها (فصل) ولو اقر بسرقة لرجل فقال المالك لم تسرق مني ولكن غصبتني أو كان لي قبلك وديعة فجحدتني لم يقطع لان اقراره لم يوافق دعوى المدعي، وهذا قال ابو ثور واصحاب الرأي وإن

[ 291 ]

أقر انه سرق نصابا من رجلين فصدقه احدهما دون الآخر أو قال الآخر بل غصبتنيه أو جحدتنيه لم يقطع وبه قال اصحاب الرأي وقال ابو ثور يقطع ولنا أنه لم يوافق على سرقة نصاب فلم يقطع كالتي قبلها وان وافقاه جميعا قطع وان حضر احدهما فطالب ولم يحضر الآخر لم يقطع لان ما حصلت المطالبة به لا يوجب القطع بمفرده، وإن أقر انه سرق من رجل شيئا فقال الرجل قد فقدته من مالي فينبغي ان يقطع لما روي عن عبد الرحمن بن ثعلبة الانصاري عن أبيه أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اني سرقت جملا لبني فلان فطهرني فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا انا افتقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده، قال ثعلبة انا انظر إليه حين وقعت يده وهو يقول الحمد لله الذي طهرني منك أردت ان تدخلي جسدي النار رواه ابن ماجه (مسألة) (وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت وهو ان تغمس في زيت مغلي فان عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكف وحسمت) لا خلاف بين اهل العلم في ان السارق اول ما يقطع منه يده اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع وفي قراءة عبد الله بن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) وهذا إن كان قراءة والا فهو تفسير، وقد روي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع ولا مخالف لهما في الصحابة ولان البطش بها أقوى فكانت البداءة بها اردع ولانها آلة السرقة فناسبت عقوبته باعدام آلتها، وإذا سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى وبذلك قال الجماعة الاعطاء حكي عنه أنه تقطع

[ 292 ]

يده اليسرى لقوله سبحانه (فاقطعوا أيديهما) ولانها آلة السرقة والبطش فكانت العقوبة بقطعها أولى، وروي ذلك عن ربيعة وداود وهذا شذوذ يخالف قول جماعة الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وقول ابي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السارق (إذا سرق فاقطعوا يده ثم ان سرق فاقطعوا رجله) ولانه في المحاربة الموجبة قطع عضوين انما تقطع يده ورجله ولا تقطع يداه فنقول جناية اوجبت قطع عضوين فكانا يدا ورجلا كالمحاربة ولان قطع يديه يفوت منفعة الجنس فلا تبقى له يد يأكل بها ولا يتوضأ ولا يستطيب ولا يدفع عن نفسه فيصير كالهالك فكان قطع الرجل الذى لا يشتمل على هذه المفسدة أولى، وأما الآية فالمراد بها قطع يد كل واحد منهما بدليل أنه لا تقطع اليد ان في المرة الاولى، وفي قراءة عبد الله (فاقطعوا أيمانهما) وانما ذكر بلفظ الجمع لان المثنى إذا أضيف إلى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله تعالى (فقد صغت قلوبكما) إذا ثبت هذا فانه تقطع رجله اليسرى لقول الله تعالى (أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) ولان قطع اليسرى أرفق به لانه يمكنه المشي على خشبة ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه المشي بحال، وتقطع الرجل من مفصل الكعب في قول اكثر اهل العلم وفعل ذلك عمر رضي الله عنه وكان علي رضي الله عنه بقطع من نصف القدم من معقد الشراك ويدع له عقبا يمشي عليها وهو قول ابي ثور ولنا أنه أحد العضوين المقطوعين في السرقة فيقطع من المفصل كاليد، وإذا قطع حسم وهو أن أن يغلى الزيت فإذا قطع غمس عضوه في الزيت لتنسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت وقد روي أن

[ 293 ]

النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال (اقطعوه واحسموه) وهو حديث فيه مقال قاله ابن المنذر وممن استحب ذلك الشافعي وأبو ثور وغيرهما من اهل العلم (فصل) ويقطع السارق بأسهل ما يمكن فيجلس ويضبط لئلا يتحرك فيجني على نفسه وتشد يده بحبل ويجر حتى يبين مفصل الكف من مفصل الذراع ثم توضع بينهما سكين حادة ويدق فوقها بقوة ليقطع في مرة واحدة أو توضع السكين على المفصل وتمد مدة واحدة وان علم قطع اوحى من هذا قطع به (فصل) ويسن تعليق اليد في عنقه لما روى فضالة بن عبيد ان النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه رواه أبو داود وابن ماجه وفعل ذلك علي رضي الله عنه ولان فيه ردعا وزجرا. (فصل) ولا يقطع في شدة حر ولا برد لان الزمان ربما اعان على قتله والغرض الزجر دون القتل، ولا يقطع مريض في مرضه لئلا يأتي ذلك على نفسه، ولو سرق فقطعت يده ثم سرق قبل اندمال يده لم يقطع ثانيا حتى يندمل القطع الاول وكذلك لو قطعت رجله قصاصا لم تقطع اليد في السرقة حتى تبرأ الرجل فان قيل أليس لو وجب عليه قصاص في اليد الاخرى لقطعت قبل الاندمال والمحارب تقطع يده ورجله دفعة واحدة وقد قلتم في المريض الذي وجب عليه الحد لا ينتظر برؤه فلم خالفتم ذلك ههنا؟ قلنا القصاص حق آدمي يخاف فوته وهو مبني على الضيق لحاجته إليه ولان القصاص قد يجب في يد ويجب في يدين واكثر في حالة واحدة فلهذا جاز ان يوالى بين قصاصين بخلاف الحد فان كل معصية لها حد مقدر ولا تجوز الزيادة عليه فإذا والى بين حدين صار

[ 294 ]

كالزيادة على الحد فلم يجز، فأما قطاع الطريق فان قطع اليد والرجل حد واحد بخلاف ما نحن فيه وأما تأخير الحد للمرض فممنوع وإن سلم فان الجلد يمكن تخفيفه فيؤتى به في المرض على وجه يؤمن معه التلف والقطع لا يمكن تخفيفه (مسألة) (فان عاد حبس ولم يقطع وعنه أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة ورجله اليمنى في الرابعة) وجملة ذلك أنه إذا سرق بعد قطع يديه ورجليه لم يقطع منه شئ آخر وحبس وبهذا قال علي رضي الله عنه والحسن والشعبي والنخعي والزهري وحماد والثوري وأصحاب الرأي، وعن أحمد أنه يقطع في الثالثه يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى وفي الخامسة يعزر ويحبس، وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا يد أقطع اليد والرجل وهو قول قنادة ومالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وروي عن عثمان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة ويقتل في الخامسة لان جابرا قال: جئ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقال (اقتلوه) قالوا يا رسول الله انما سرق قال (اقطعوه) قال فقطع ثم جئ به الثانية فقال (اقتلوه) فقالوا يا رسول الله انما سرق فقال (اقطعوه) قال فقطع ثم جئ به الثالثة فقال (اقتلوه) قالوا يارسول الله انما سرق قال (اقطعوه) قال ثم أتي به الرابعة فقال (اقتلوه)، قالوا يا رسول الله انما سرق قال (اقطعوه) ثم أتي به الخامسة فقال (اقتلوه) فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر رواه أبو داود والنسائي، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق (ان سرق فاقطعوا يده ثم ان سرق فاقطعوا رجله ثم ان سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله) ولان

[ 295 ]

اليسار تقطع قودا فجاز قطعها في السرقة كاليمني ولانه فعل أبي بكر رضي الله عنهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ولنا ماروى سعيد ثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه قال حضرت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لاصحابه ما ترون في هذا؟ قالوا اقطعه يا أمير المؤمنين قال قتلته إذا وما عليه القتل باي شئ يأكل الطعام؟ باي شئ يتوضأ للصلاة؟ بأي شئ يغتسل من جنابته؟ بأي شئ يقوم على حاجته؟ فرده إلى السجن أياما ثم أخرجه فاستشار أصحابه فقالوا مثل قولهم الاول وقال مثل ما قال أول مرة فجلده جلدا شديدا ثم أرسله وروي عنه أنه قال إني لاستحي من الله أن لا أدع له يدا يبطش بها ولا رجلا يمشي عليها ولان في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس فلم يشرع في حد كالقتل، ولانه لو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثالثة لانها آلة البطش كاليمني وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها لان ذلك بمنزلة الاهلاك فانه لا يمكنه أن يتوضأ ويغتسل ولا يستنجي ولا يحترز من نجاسة ولا يزيلها عنه ولا يدفع عن نفسه ولا يأكل ولا يبطش وهذه المفسدة حاصلة بقطعها في المرة الثالثة، فأما حديث جابر ففي حق رجل استحق القتل بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في أول مرة وفي كل مرة وقال النسائي فيه: حديث منكر وأما الحديث الآخر فلم يكره أصحاب السنن ولم نعلم صحته وفعل أبي بكر وعمر قد عارضه قول علي وروي عن عمر أنه رجع إلى قول علي فروى سعيد حدثنا ابو الاحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن

[ 296 ]

بن عائذ قال أتي عمر برجل أقطع اليد والرجل قد سرق فأمر به عمر أن تقطع رجله فقال علي انما قال الله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) إلى آخر الآية وقد قطعت يد هذا ورجله فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها اما ان تعزره أو تستودعه السجن فاستودعه السجن (مسألة) (ومن سرق وليس له يد يمنى قطعت رجله اليسرى وان سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع، وان ذهبت يده اليسرى لم تقطع اليمنى على الرواية الاولى وتقطع على الاخرى) إذا سرق ولا يمنى له قطعت رجله اليسرى كما تقطع في السرقة الثانية فان كانت يمناه شلاء ففيه روايتان (احداهما) تقطع رجله اليسرى لان الشلاء لا نفع فيها ولا جمال فأشبهت كفا لاأصابع عليه قال ابراهيم الحربي عن أحمد فيمن سرق ويمناه جافة تقطع رجله (والثانية) أنه يسئل أهل الخبرة فان قالوا إنها إذا قطعت رقأ دمها وانحسمت عروقها قطعت لانه أمكن قطع يمينه فوجب كما لو كانت صحيحة وان قالوا لا يرقأ دمها لم تقطع لانه يخاف تلفه وتقطع رجله وهذا مذهب الشافعي، وفان كانت أصابع اليمنى كلها ذاهبة ففيها وجهان (أحدهما) لا تقطع وتقطع الرجل لان الكف لا يجب فيه دية اليد فاشبه الذراع (والثاني) تقع لان الراحة بعض ما يقطع في السرقة فإذا كان موجودا قطع كما لو ذهب الخنصر أو البنصر، وان ذهب بعض الاصابع وكان الذاهب الخنصر أو البنصر أو واحدة سواهما قطعت لان معظم نفعها باق، وان لم يبق الا واحدة فهي كالتي ذهب جميع أصابعها وان بقي اثنتان فهل تلحق بالصحيحة أو بما قطع جميع أصابعها؟ على وجهين والاولى قطعها لان نفعها لم يذهب بالكلية (مسألة) (وان سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع) أما إذا سرق وله يمنى قطعت في قصاص أو ذهبت بأكلة أو تعدى عليها متعد فقطعها سقط القطع ولا شئ على العادي إلا الادب وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال قتادة يقتص من القاطع وتقطع رجل السارق وهذا غير صحيح فان يد السارق ذهبت والقاطع قطع عضوا غير معصوم، وان قطعها قاطع بعد السرقة وقبل ثبوتها والحكم بالقطع ثم ثبت ذلك فكذلك، ولو شهد بالسرقة فحبسه الحاكم ليعدل

[ 297 ]

الشهود فقطعه قاطع ثم عدلوا فكذلك وان لم يعدلوا وجب القصاص على القاطع، وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا قصاص عليه، لان صدقهم محتمل فيكون ذلك شبهة. ولنا أنه قطع طرفا ممن يكافئه عمدا بغير حق فلزمه القطع كما لو قطعه ولم تقم بينة. (مسألة) (وان ذهبت يده اليسرى أو كانت مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الاصابع أو شلت قبل قطع يمناه لم تقطع يمناه على الرواية الاولى وتقطع على الثانية. (فصل) وان قطع قاطع يسراه عمدا فعليه القود لانه قطع طرفا معصوما وان قطعه غير متعمد فعليه ديته ولا تقطع يمين السارق، وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي وفيه وجه آخر أنها تقطع بناء على قطعها في المرة الثالثة وان قلنا لا تقطع فهل تقطع رجله؟ فيه وجهان (أصحهما) لا يجب لانه لم يجب بالسرقة وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع رجليه كما لو كان المقطوع يمينه (والثاني) تقطع رجله لانه تعذر قطع يمينه فقطعت رجله كما لو كانت اليسرى مقطوعة حال السرقة وان كانت يمناه صحيحة ويسراه ناقصة نقصا يذهب بمعظم نفعها مثل أن تذهب منها الوسطى أو السبابة أو الابهام احتمل انه كقطعها وينتقل إلى رجله، وهذا قول أصحاب الرأي واحتمل أن تقطع يمناه لان له يدا ينتفع بها أشبه مالو قطعت خنصرها، وان كانت يداه صحيحتين ورجله اليمنى شلاء أو مقطوعة فقال شيخنا لا أعلم فيها قولا لاصحابنا ويحتمل وجهين (احدهما) تقطع يمينه وهو مذهب الشافعي ولانه سارق له يمنى فقطعت عملا بالكتاب والسنة ولانه سارق له يدان فقطعت يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى (والثاني) لا يقطع منه شئ وهو قول أصحاب الرأي، لان قطع يمناه يذهب بمنفعة المشي من الرجلين فأما ان كانت رجله اليسرى شلاء ويداه صحيحتان قطعت

[ 298 ]

يده اليمنى لانه لا يخشى تعدي ضرر القطع إلى غير المقطوع، وعلى قياس هذه المسألة لو سرق ويده اليسرى مقطوعة أو شلاء لم يقطع منه شئ لذلك وانكر هذا ابن المنذر، وقال: اصحاب الرأي بقولهم هذا خالفوا كتاب الله وسنة رسوله. (مسألة) (وإذا وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه بدلا عن يمينه أجزأت ولا شئ على القاطع إلا الادب) وهو قول الشعبي وأصحاب الرأي لان قطع يمنى السارق يفضي إلى تفويت منفعة الجنس وقطع يديه بسرقة واحدة فلا يشرع فإذا انتفى قطع يمينه حصل قطع يساره مجزئا عن القطع الواجب فلا يجب على فاعله قصاص، وقال اصحابنا في وجوب قطع يمنى السارق وجهان وللشافعي فيما إذا لم يعلم القاطع كونها يسار وظن أن قطعها يجزئ قولان (احدهما) لا تقطع يمين السارق كيلا تقطع يداه بسرقة واحدة (والثاني) تقطع كما لو قطعت يسراه قصاصا، فأما القاطع فاتفق اصحابنا وأصحاب الشافعي على أنه ان قطعها من غير اختيار من السارق أو كان السارق أخرجها دهشة أو ظنا منه انها تجزئ وقطعها القاطع عالما بأنها يسراه وانها لا تجزئ فعليه القصاص وإن لم يعلم أنها يسراه أو ظن أنها مجزئة فعليه ديتها، وان كان السارق اخرجها مختارا عالما بالامرين فلا شئ على القاطع لانه أذن في قطعها فأشبه غير السارق والذي اختاره شيخنا ما ذكرناه في أول الفصل. (مسألة) (ويجتمع القطع والضمان فترد العين المسروقة إلى مالكها وان كانت تالفة غرم قيمتها وقطع) لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية وإن كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثلية قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا، وهذا قول الحسن والنخعي وحماد والبتي والليث والشافعي واسحاق وأبي ثور وقال الثوري وأبو حنيفة لا يجتمع الغرم

[ 299 ]

والقطع، ان غرمها قبل القطع سقط القطع وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم وقال عطاء وابن سيرين والشعبي ومكحول لا غرم على السارق إذا قطع ووافقهم مالك في المعسر ووافقنا في الموسر. قال أبو حنيفة في رجل سرق مرات ثم قطع يغرم الكل الا الاخيرة، وقال أبو يوسف لا يغرم شيئا لانه قطع بالكل فلا يغرم شيئا منه كالسرقة الاخيرة واحتجا بما روي عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أقمتم الحد على السارق فلا غرم عليه) ولان التضمين يقتضي التمليك والملك يمنع القطع فلا يجمع بينهما ولنا أنها عين يجب ضمانها بالرد لو كانت باقية فيجب ضمانها إذا كانت تالفة كما لو لم يقطع ولان القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك وحديثهم ويرويه سعد بن ابراهيم عن ابن منصور وسعد بن ابراهيم مجهول قاله ابن المنذر، وقال ابن عبد البر الحديث ليس بالقوي ويحتمل انه أراد ليس عليه أجرة القاطع وما ذكروه فهو بناء على أصولهم ولا نسلمها لهم. (فصل) إذا فعل في العين فعلا نقصها به كقطع الثوب ونحوه وجب رده ورد نقصه ووجب القطع وقال أبو حنيفة ان كان نقصا لا يقطع حق المغصوب منه إذا فعله الغاصب رد العين ولا ضمان عليه وان كان يقطع حق المالك كقطع الثوب وخياطته فلا ضمان عليه ويسقط حق المسروق منه من العين وان كان زيادة في العين كصبغه احمر أو اصفر فلا يرد العين ولا يحل له التصرف فيها وقال أبو يوسف ومحمد يرد العين وبنى هذا على أصله في ان الغرم يسقط عنه القطع، وأما إذا صبغه فقال لا يرده لانه

[ 300 ]

لو رده لكان شريكا فيه بصبغه ولا يجوز ان يقطع فيما هو شريك فيه وهذا ليس بصحيح لان صبغه كان قبل القطع فلو كان شريكا بالصبغ لسقط القطع وإن كان يصير شريكا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو اشترى نصفه من مالكه بعد القطع، وقد سلم أبو حنيفة أنه لو سرق فضة فضربها دراهم قطع ولزمه ردها وقال صاحباه لا يقطع ويسقط حق صاحبها منها بضربها وهذا شئ بنيناه على أصولهما في ان تغيير اسمها يزيل ملك صاحبها وان ملك السارق لها يسقط القطع عنه وهو غير مسلم لهما. (فصل) ويستوي في وجوب الحد على السارق الحر والحرة والعبد والامة ولا خلاف في وجوب الحد على الحر والحرة لقول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولانهما استويا في سائر الحدود فكذلك في هذا وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارق رداء صفوان وقطع المخزومية التي سرقت القطيفة فاما العبد والامة فان جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على وجوب القطع عليهما بالسرقة الا ما حكي عن ابن عباس انه قال لا قطع عليهما لانه حد ولا يمكن تنصيفه فلم يجب في حقهما كالرجم ولانه حد فلا يساوي العبد فيه الحر كسائر الحدود ولنا عموم الآية وروى الاثرم أن رقيقا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها فامر كثير بن الصلت ان يقطع أيديهم ثم قال عمر والله اني لا أراك تجيعهم ولكن لاغرمنك

[ 301 ]

غرما يشق عليك ثم قال للمزني كم ثمن ناقتك؟ قال أربعمائة درهم قال عمر أعطه ثمانمائة درهم، وروى القاسم عن ابيه ان عبدا أقر بالسرقة عند علي فقطعه، وفي رواية قال كان عبدا يعني الذي قطعه علي رواه الامام احمد في مسنده وهذه قصص تنتشر وتشهر ولم تنكر فتكون إجماعا، وقولهم لا يمكن تنصيفه قلنا ولا يمكن تعطيله فيجب تكميله وقياسهم نقلبه عليهم فنقول حق فلا يتعطل في حق العبد والامة كسائر الحدود، وفارق الرجم فان حد الزنا لا يتعطل بتعطيله بخلاف القطع فان حد السرقة يتعطل بتعطيله (فصل) ويقطع الآبق بسرقته روي ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك والشافعي وقالا مروان وسعيد بن العاص وأبو حنيفة لا يقطع لان قطعه قضاء على سيده ولا يقضى على الغائب ولنا عموم الكتاب والسنة وأنه مكلف سرق نصابا من حرز مثله فيقطع كغير الآبق، وقولهم انه قضاء على سيده ممنوع فانه لا يعتبر فيه اقرار السيد ولا يضر انكاره وإنما يعتبر ذلك من العبد ثم القضاء على الغائب بالبينة جائز على ما ذكر في موضعه (مسألة) (وهل يجب الزيت الذي يحسم به من بيت المال أو من مال السارق؟ على وجهين) (أحدهما) من بيت المال لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر به القاطع في حديث سارق الشملة فقال (اقطعوه واحسموه) ولانه من المصالح وذلك يقتضي ان يكون من بيت المال فان لم يحسم فذكر القاضي أنه لا شئ عليه لان عليه القطع لا مداواة المحدود (والثاني) من مال السارق لانه مداواة له فكان في ماله كمداواته في مرضه، ويستحب للمقطوع حسم نفسه فان لم يفعل لم يأثم لانه ترك التداوي في المرض وهذا مذهب الشافعي

[ 302 ]

باب حد المحاربين (وهم قطاع الطريق) والاصل في حكمهم قول الله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض) وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن ابن عمر أنه قال نزلت هذه الآية في المرتدين وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعبد الكريم لان سبب نزولها قصه العرنيين وكانوا ارتدوا عن الاسلام وقتلوا الرعاة واستاقوا إبل الصدقة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم والقاهم في الحرة حتى ماتوا، قال أنس فانزل الله تعالى في ذلك (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية أخرجه أبو داود والنسائي ولان محاربة الله ورسوله انما تكون من الكفار لا من المسلمين ولنا قول الله تعالى (الا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فائذنوا (فأذنوا) بحرب من الله ورسوله)

[ 303 ]

(مسألة) (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة، فاما من يأخذه على وجه السرقة فليس بمحارب) المحاربون الذين تثبت لهم أحكام المحاربة التي نذكرها بعد ان شاء الله تعالى يعتبر لهم ثلاثة شروط: (أحدها) لا يكون ذلك في الصحراء (مسألة) (وان فعلوا ذلك في البنيان لم يكونا محاربين) في قول الخرقي وقد توقف أحمد رحمه الله فيهم فظاهر كلام احمد أنهم غير محاربين، وبه قال أبو حنيفة والثوري لان الواجب يسمى حد قطاع الطريق وقطع الطريق انما هو في الصحراء ولان من في المصر يلحق به الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه، وقال أبو بكر وكثير من اصحابنا حكمهم في المصر والصحراء واحد، وبه قال الاوزاعي والليث والشافعي وابو ثور لتناول الآية بعمومها كل محارب، ولان ذلك إذا وجد في المصر كان اعظم جورا واكثر ضررا فكان بذلك أولى، وذكر القاضي ان هذا إن كان في المصر بحيث لو كبسوا دارا فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا جاءهم الغوث فليس هؤلاء قطاع طريق لانهم في موضع يلحقهم الغوث عادة فان حضروا قرية أو بلدة ففتحوه وغلبوا على أهله أو محلة مفرده بحيث لا يلحقهم الغوث عادة فهم محاربون لانهم لا يلحقهم الغوث عادة فأشبه قطاع الطريق في الصحراء (الشرط الثاني) ان يكون معهم سلاح فان لم يكن سلاح فليسوا محاربين لانهم لا يمنعون من يقصدهم ولا نعلم في هذا خلافا، فان عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين لانهم لا سلاح معهم

[ 304 ]

ولنا ان ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف فاشبه الحد (الشرط الثالث) ان يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا، فاما ان أخذوه مختفين فهم سراق وان اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم وكذلك ان خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئا فليسوا بمحاربين لانهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وان خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق (مسألة) (فإذا قدر عليهم فمن كان منهم قد قتل من يكافئه وأخذ المال قتل حتما وصلب حتى يشتهر وقال أبو بكر يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب وعن أحمد أنه يقطع مع ذلك) وجملة ذلك ان المحارب إذا قتل من يكافئه وأخذ المال قتل حتما وصلب حتى يشتهر، روي نحو هذا عن ابن عباس وبه قال قتادة وأبو مجلز وحماد والليث والشافعي، وعن أحمد أنه إذا قتل واخذ المال قتل وقطع لان كل واحدة من الجنايتين توجب حدا منفردا فإذا اجتمعا وجب حدهما معا كما لو زنى وسرق وذهبت طائفة إلى ان الامام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي لان أو تقتضي التخيير كقوله تعالى (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) وهذا قول سعيد بن المسيب ومجاهد وعطا والحسن والضحاك والنخعي وأبي الزناد وأبي ثور وداود

[ 305 ]

وروي عن ابن عباس ما كان في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار وقال أصحاب الرأي إن قتل قتل وان أخذ المال قطع وان قتل وأخذ المال فالامام مخير بين قتله وصلبه وبين قتله وقطعه وبين أن يجمع ذلك كله لانه قد وجه منه ما يوجب القتل والقطع فكان للامام فعلهما كما لو قتل وقطع في غير قطع طريق، وقال مالك إذا قطع الطريق فرآه الامام جلدا ذا رأي قتله وان كان جلدا لا رأي له قطعه ولم يعتبر فعله ولنا على أنه لا يقتل إذا لم يقتل قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث: كفر بعد ايمان أو زنا بعد احصان أو قتل نفس بغير حق) فاما أو فقد قال ابن عباس مثل قولنا فاما ان يكون توقيفا أو لغة وأيهما كان فهو حجة يدل عليه أنه بدأ بالاغلظ فالاغلظ وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداءة بالاخف ككفارة اليمين وما أريد به الترتيب بدأ بالاغلظ ككفارة الظهار والقتل، ويدل عليه ايضا ان العقوبات تختلف باختلاف الاجرام ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق وقد سووا بينهم ههنا مع اختلاف جناياتهم، وهذا يرد على مالك فانه انما اعتبر الجلد والرأي دون الجنايات و هو مخالف للاصول التي ذكرناها، واما قول أبي حنيفة فلا يصح لان القتل لو وجب لحق الله تعالى لم يخير الامام فيه كقطع السارق وكما لو انفرد بأخذ المال ولان حدود الله تعالى إذا كان فيها قتل سقط سائرها كما لو سرق وزنى وهو محصن وقد روي عن ابن عباس قال وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا برزة (1) الاسلمي فجاء ناس يريدون الاسلام فقطع عليهم أصحابه فنزل جبريل عليه السلام بالحد فيهم ان من قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وقيل انه رواه أبو داود وهو كالمسند وهو نص. إذا


(1) في المعنى أبا بردة

[ 306 ]

ثبت هذا فان قاطع الطريق لا يخلو من خمسة أحوال (الاولى) إذا قتل وأخذ المال فانه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب وقتله متحتم لا يدخله عفو أجمع على هذا كل أهل العلم حكاه ابن المنذر وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال سليمان بن موسى والزهري ومالك واصحاب الرأي ولانه حد من حدود الله فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود (مسألة) (وان قتل من لا يكافئه فهفل يقتل؟ على روايتين) (احداهما) لا يعتبر بل يؤخذ الحر بالعبد والمسلم بالذمي والاب بالابن لان هذا القتل حق لله تعالى فلا تعتبر فيه المكافأة كالزنا والسرقة (والثانية) تعتبر المكافأة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يقتل مسلم بكافر) والحد فيه انحتامه بدليل أنه لو مات قبل القدرة عليه سقط عنه الانحتام ولم يسقط القصاص فعلى هذه الرواية إذا قتل المسلم ذميا والحر عبدا وأخذ ماله قطعت يده ورجله لاخذه المال وغرم دية الذمي وقيمة العبد وان قتله ولم يأخذ مالا غرم ديته ونفي، وذكر القاضي أنه انما يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال وان قتله لغير ذلك مثل ان يقصد قتله لعداوة بينهما فالواجب قصاص غير متحتم، وإذا قتل صلب لقول الله تعالى (أو يصلبوا) والكلام فيه في ثلاثة امور (أحدها) في وقته وهو بعد القتل وبهذا قال الشافعي وقال الاوزاعي ومالك والليث وابو حنيفة وأبو يوسف يصلب حيا ثم يقتل مصلوبا، يطعن بالحربة لان الصلب عقوبة وانما يعاقب الحي لا الميت ولانه جزاء على المحاربة فيشرع في الحياة كسائر الا جزية ولان الصلب بعد قتله يمنع دفنه وتكفينه فلا يجوز ولنا ان الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف فيجب تقديم الاول في اللفظ كقوله تعالى (ان الصفا والمروة من شعائر الله) ولان القتل إذا اطلق على لسان الشرع

[ 307 ]

كان قتلا بالسيف ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فاحسنوا القتل) وحسن القتل هو القتل بالسيف وفي صلبه حيا تعذيب له وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان، وقولهم انه جزاء على المحاربة قلنا لو شرع لردعه لسقط بقتله كما تسقط سائر الحدود مع القتل وانما شرع الصلب ردعا لغيره ليشتهر امره وهذا يحصل بصلبه بعد قتله، وقولهم يمنع تكفينه ودفنه قلنا هذا لازم لهم لانهم يتركونه بعد قتله مصلوبا (الثاني) في قدره ولا توقيت فيه الا قدر ما يشتهر امره هكذا ذكره الخرقي وقال ابو بكر يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب لان احمد لم يوقت في الصلب شيئا، والصحيح توقيته بما ذكره الخرقي من الشهرة لان المقصود يحصل به وقال الشافعي وأبو حنيفة يصلب ثلاثا وهذا توقيت بغير توقيف فلا يجوز مع انه في الظاهر يفضي إلى تغيره ونتنه واذى المسلمين برائحته ونظره ويمنع تغسيله وتكفينه ودفنه فلا يجوز بغير دليل (الثالث) في وجوبه وهو واجب حتم في حق من قتل واخذ المال لا يسقط بعفو ولا غيره وقال أصحاب الرأي ان شاء الامام صلب وان شاء لم يصلب ولنا حديث ابن عباس ان جبريل نزل بأن من قتل واخذ المال صلب ولانه شرع حدا فلم يتخير بين فعله وتركه كالقتل وسائر الحدود. إذا ثبت هذا فانه إذا اشتهر انزل ودفع إلى اهله فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن (فصل) فان مات قبل قتله لم يصلب لان الصلب من تمام الحد وقد فات الحد بموته فيسقط

[ 308 ]

ما هو من تمامه، وان قتل في المحاربة بمثقل قتل كما لو قتل بمحدد لا ستوائهما في وجوب القصاص بهما وان قتل بآلة لا يجب القصاص بالقتل بها كالسوط والعصا والحجر الصغير فالظاهر أنهم يقتلون ايضا لانهم دخلوا في العموم (مسألة) (وان جنى جناية توجب القصاص فيما دون النفس فهل يتحتم استيفاؤه؟ على روايتين) إذا جرح المحارب جرحا في مثله القصاص فهل يتحتم فيه القصاص؟ على روايتين (إحداهما) لا يتحتم لان الشرع لم يرد بشرع الحد في حقه بالجراح فان الله تعالى ذكر في حدود المحاربين القتل والصلب والقطع والنفي فلم يتعلق بالمحاربة غيرها فلا يتحتم بخلاف القتل فانه حد فتحتم كسائر الحدود فحينئذ لا يجب فيه أكثر من القصاص (والثانية) يتحتم لان الجراح تابعة للقتل فيثبت فيها مثل حكمه ولانه نوع قود اشبه القود في النفس والاولى اولى، فان جرحه جرحا لا قصاص فيه كالجائفة فليس فيه إلا الدية، وان جرح انسانا وقتل آخر اقتص منه للجراح وقتل للمحاربة وقال أبو حنيفة تسقط الجراح لان الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سوى القتل ولنا أنها جناية يجب بها القصاص في غير المحاربة فيجب بها في المحاربة كالقتل ولا نسلم أن القصاص في الجراح حد إنما هو قصاص متمحض فأشبه مالو كان الجرح في غير المحاربة، وان سلمنا أنه حد فانه مشروع مع القتل فلم يسقط به كالصلب وقطع اليد والرجل عندهم (مسألة) (وحكم الردء حكم المباشر.)

[ 309 ]

وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي ليس على الردء الا التعزير، ولان الحد يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلق بالمعين كسائر الحدود. ولنا أنه حكم يتعلق بالمحاربة فاستوى فيه الردء والمباشر كاستحقاق الغنيمة، ولان المحاربة مبنية على حصول المنفعة والمعاضدة والمناصرة فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء بخلاف سائر الحدود فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم فيجب قتل الكل وان قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم وصلبهم كما لو فعل الامرين كل واحد منهم. (فصل) وان كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه لم يسقط الحد عن غيره في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يسقط عن جميعهم ويصير القتل للاولياء ان شاءوا قتلوا وان شاءوا عفوا لان حكم الجميع واحد فالشبهة في فعل واحد شبهة في حق الجميع. ولنا أنها شبهة اختص بها واحد فلم يسقط الحد عن الباقين كما لو اشتركوا في وطئ امرأه وما ذكروه لا أصل له، فعلى هذا لا حد على الصبي والمجنون وان باشرا القتل واخذا المال لانهما ليسا من أهل الحدود وعليهما ضمان ما أخذا من المال في اموالهما ودية قتلهما على عاقلتهما ولا شئ على الردء لهما لانه إذا لم يثبت ذلك للمباشر لم يثبت لمن هو تبع له بطريق الاولى، وان كان المباشر غيرهما لم يلزمهما شئ لانهما لم يثبت في حقهما حكم المحاربة، (فصل) فان كان فيهم امرأة ثبت لها حكم المحاربة فمتى قتلت أو اخذت المال فحكمها حكم

[ 310 ]

قطاع الطريق، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب عليها الحد ولا على من معها لانها ليست من أهل المحاربة فأشبهت الصبي والمجنون. ولنا أنها تحد في السرقة فيلزمها حكم المحاربة كالرجل، وتخالف الصبي والمجنون لانها مكلفة يلزمها سائر القصاص وسائر الحدود فيلزمها هذا الحد كالرجل. إذا ثبت هذا فانها ان باشرت القتل أو أخذ المال ثبت حكم المحاربة في حق من معها لانهم ردء لها، وان فعل ذلك غيرها ثبت حكمه في حقها لانها ردء له كالرجل سواء، وان قطع أهل الذمة الطريق أو كان مع المسلمين المحاربين ذمي فهل ينتقض عهدهم بذلك؟ فيه روايتان، فان قلنا ينتقض عهدهم حلت دماؤهم وأموالهم بكل حال وان قلنا لا ينتقض عهدهم حكمنا عليهم بما يجب على المسلمين. (مسألة) (ومن قتل ولم يأخذ المال قتل وهل يصلب؟ على روايتين) (إحداهما) يصلبون لانهم محاربون يجب قتلهم فيصلبون كالذين أخذوا المال (والثانية) لا يصلبون وهي أصح لان الخبر المروي فيهم قال فيه (ومن قتل ولم يأخذ المال قتل) ولم يذكر صلبا ولان جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده فيجب أن تكون عقوبتهم اغلظ ولو شرع الصلب ههنا لاستويا والحكم في تحتم القتل وكونه حدا ههنا كالحكم فيه إذا قتل وأخذ المال (مسألة) (ومن اخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا) وهذا معنى قوله سبحانه (من خلاف) وإنما قطعنا يده اليمنى للمعنى الذي قطعنا به يمين السارق ثم قطعنا رجله اليسري لتتحقق المخالفة. ويكون أرفق به في امكان مشيه ولا ينتظر اندمال

[ 311 ]

اليد في قطع الرجل بل يقطعان معا يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم ثم برجله، لان الله تعالى بدأ بذكر الايدي، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين (مسألة) (ولا يذطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله). وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر للامام أن يحكم عليه حكم المحارب لانه محارب لله ورسوله يسارع في الارض بالفساد فيدخل في عموم الآية، ولانه لا يعتبر الحرز فكذلك النصاب. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا) ولم يفصل ولان هذه جناية تعلقت بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد كالقتل يغلظ بالانحتام كذلك ههنا يغلظ بقطع الرجل معها ولا يتغلظ بما دون النصاب، وأما الحرز فهو معتبر فانهم لو أخذوا مالا مضيعا لاحافظ له لم يجب القطع، فان اخذوا مالا يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا قطعوا على قياس قولنا في السرقة، وقياس قول الشافعي وأصحاب الرأي أنه لا يجب القطع حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا، ويشترط ايضا أن لا تكون لهم شبهة فيما يأخذونه من المال على ما ذكرنا في المسروق (مسألة) (فان كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى وهل تقطع يسرى يديه؟ ينبني على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة) إذا كان معدوم اليد أو الرجل اما لكونه قد قطع في قطع طريق أو سرقة أو قصاص أو بمرض أو تكون مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى كما لو كانت يمناه موجودة وكذلك

[ 312 ]

ان كانت يده اليمنى موجودة ورجله اليسرى معدومة فانا نقطع الموجود منهما حسب، ويسقط في المعدوم لان ما تعلق به الغرض معدوم فسقط كالغسل في الوضوء، وهل تقطع يسرى يديه ينبني؟ على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة، فان قلنا تقطع ثم قطعت ههنا، وان قلنا لا تقطع وهو المختار سقط قطعها لان قطعها يفضي إلى تفويت منفعة البطش وان كان ما وجب قطعه اشل فذكر اهل الطب ان قطعه يفضي إلى تلفه لم يقطع وكان حكمه حكم المعدوم وان قالوا لا يفضي إلى تلفه ففي قطعه روايتان ذكرناهما في قطع السارق. (مسألة) (ومن لم يقتل ولا اخذ المال نفي وشرد فلا يترك يأوي إلى بلد، وعنه ان نفيه تعزيره بما يردعه). وجملته ان المحاربين إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولا اخذوا المال فانهم ينفون من الارض لقوله سبحانه (أو ينفوا من الارض) يروى عن ابن عباس ان النفي يكون في هذا الحالة وهو قول النخعي وقتادة وعطاء الخراساني والنفي هو تشريدهم عن الامصار والبدان فلا يتركون يأوون بلدا، يروى نحو هذا عن الحسن والزهري وعن ابن عباس انه ينفى من بلده إلى غيره كنفي الزاني، وبه قال طائفة من اهل العلم. قال ابو الزناد كان منفى الناس إلى باضع من ارض الحبشة وذلك اقصى تهامة اليمن وقال مالك يحبس في البلد الذي نفي إليه كقوله في الزاني وقال ابو حنيفة يحبس حتى يحدث توبة ونحو هذا قال الشافعي فانه قال في هذه الحال يعزرهم الامام وان رأى ان يحبسهم حبسهم وقيل عنه النفي طلب الامام لهم ليقيم فيهم حدود الله وروي ذلك عن ابن عباس وقال ابن شريح يحبسهم في غير بلدهم وهذا مثل قول مالك، لان تشريدهم إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق

[ 313 ]

ويؤذون به الناس فكان حبسهم اولى وعن احمد رواية اخرى حكاها ابو الخطاب معناها ان نفيهم طلب الامام لهم فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم. ولنا ظاهر الآية فان النفي الطرد والابعاد والحبس إمساك وهما يتنافيان فأما نفيهم إلى مكان غير معين فلقوله تعالى (أو ينفوا من الارض) وهذا يتناول نفيه من جميعها وما ذكروه يبطل بنفي الزاني فانه ينفى إلى مكان يحتمل أن يوجد فيه الزنا ولم يذكر أصحابنا قدر مدة نفيهم فيحتمل أن تتقدر مدته بما يظهر فيه توبتهم وتحسن سيرتهم ويحتمل أن ينفوا عاما كنفي الزنا. (مسألة) (ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله تعالى من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل وأخذوا بحقوق الآدميين من الانفس والجراح والاموال الا أن يعفى له عنها) لا نعلم في هذا خلافا. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور، والاصل في هذا قول الله تعالى (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)) فاما إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شئ من الحدود للآية فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين بعد القدرة فمن عداهم يبقى على قضية العموم لانه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر انها توبة إخلاص، وبعدها الظاهر انها تقية من إقامة الحد عليه ولان في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيبا في توبته والرجوع عن محاربته وافساده فناسب ذلك الاسقاط عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه لانه قد عجز عن الفساد والمحاربة (فصل) فان فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص المحاربة كالزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة

[ 314 ]

فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة لانها حدود الله تعالى فسقطت التوبة كحد المحاربة إلا حد القذف فانه لا يسقط لانه حق آدمي ولان في إسقاطها ترغيبا في التوبة، ويحتمل أن لا تسقط لانها لا تختص المحاربة فكانت في حقه كهي في حق غيره، فان أتى حدا قبل المحاربة ثم حارب وتاب قبل القدرة لم يسقط الحد الاول لان التوبة إنما يسقط بها الذنب الذي تاب منه دون غيره (مسألة) (ومن وجب عليه حد سوى ذلك فتاب قبل إقامته لم يسقط عنه، وعنه أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إصلاح العمل) من تاب وعليه حد من المحاربين وأصلح ففيه روايتان (إحداهما) يسقط عنه لقول الله تعالى (واللذان يأتيانها منكم فأذوهما فان تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما) وذكر حديث السارق ثم قال (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فان الله يتوب عليه) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ومن لاذنب له لا حد عليه وقال في ماعز لما أخبر بهربه (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟) ولانه خالص حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب (والثانية) لا يسقط وهو قول مالك وابي حنيفة وأحد قولي الشافعي لقول الله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهو عام في التائب وغيره وقال الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولان النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة، وقد

[ 315 ]

جاءوا تائبين يطلبون التطهير باقامة الحد، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم فعلم توبة فقال في حق المرأة (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الحد، ولان الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل ولانه مقدور عليه فلم يسقط الحد عنه كالمحارب بعد القدرة عليه فان قلنا يسقط الحد بالتوبة فهل يسقط بمجرد التوبة أو بها مع إصلاح العمل؟ فيه وجهان (أحدهما) يسقط بمجردها وهو ظاهر قول أصحابنا لانها توبة مسقطة للحد فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه (والثاني يعتبر اصلاح العمل لقول الله تعالى (فان تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما) وقال تعالى (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فان الله يتوب عليه) فعلى هذا الوجه يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته وصلاح نيته وليست مقدرة بمدة معلومة، وقال بعض أصحاب الشافعي مدة ذلك سنة وهذا توقيت بغير توقيف فلا يجوز (مسألة) (ومن مات وعليه حد سقط عنه) لفوات محله كما يسقط غسل ما ذهب من أعضاء الطهارة في الوضوء والغسل (فصل) (ومن أريدت نفسه أو حرمته أو ماله فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يعلم دفعه به فان لم يحصل إلا بالقتل فله ذلك ولا شي عليه، وان قتل كان شهيدا، وهل يلزمه الدفع عن نفسه؟ على روايتين وسواء كان الصائل آدميا أو غيره، وان دخل رجل منزله متلصصا أو صائلا فحكمه حكم ما ذكرنا) وجملة ذلك أن الرجل إذا دخل منزل غيره بغير إذنه فلصاحب المنزل أمره بالخروج من منزله سواء كان معه سلاح أو لم يكن لانه متعد بدخول ملك غيره فكان لصاحب المنزل مطالبته بترك التعدي كما لو

[ 316 ]

غصب منه شيئا فان خرج بالامر لم يكن له ضربه لان المقصود إخراجه، وقد روي عن ابن عمر أنه رأي لصا فأصلت عليه السيف قال الراوي فلو تركناه لقتله، وجاء رجل إلى الحسن فقال لص دخل يبتي ومعه حديدة أقتله؟ قال نعم باي قتلة قدرت أن تقتله ولنا أنه أمكن إزالة العدوان بغير القتل فلم يجز القتل كما لو غصب منه شيئا فأمكن أخذه بغير القتل وفعل ابن عمر يحمل على قصد الترهيب لا على أنه قصد إيقاع الفعل، فان لم يخرج بالامر فله ضربه باسهل ما يعلم أنه يندفع به لان المقصود دفعه، فإذا اندفع بقليل فلا حاجة إلى أكثر منه، فان علم أنه يخرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد لان الحديد آلة للقتل بخلاف العصا، وإن ذهب هاربا لم يكن له قتله ولا اتباعه كالبغاة، وإن ضربه ضربة عصلته لم يكن له أن يثني عليه لانه كفي شره، وان ضربه فقطع يمينه فولى مدبرا فضربه فقطع فالرجل مضمونة بالقصاص أو الدية لانه في حال لا يحل له ضربه وقطع اليد غير مضمون، فان مات من سراية القطع فعليه نصف الدية كما لو مات من جراحة اثنين، وان عاد إليه بعد قطع رجله فقطع يده الاخرى فاليدان غير مضمونتين فان مات فعليه ثلث الدية كما لو مات من جراحة ثلاثة أنفس، وقياس المذهب أن يضمن نصف الدية لان الجرحين قطع رجل واحد فكان حكمهما واحدا كما لو جرح رجل رجلا جراحات وجرحه آخر جرحا واحدا ومات كانت ديته بينهما نصفين، ولا تقسم الدية على عدد الجراحات كذا هذا فان لم يمكنه دفعه إلا بالقتل أو خاف أن يبدره بالقتل ان لم يعاجله بالدفع فله ضربه بما يقتله ويقطع طرفه، وما أتلف منه فهو هدر لانه يتلف لدفع شره فلم يضمنه كالباغي ولانه اضطر صاحب المنزل إلى قتله فصار كالقاتل لنفسه

[ 317 ]

وإن قتل صاحب المنزل فهو شهيد لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد) رواه الخلال باسناده ولانه قتل لدفع ظالم فكان شهيدا كالعادل إذا قتله الباغي (فصل) وكل من عرض لانسان يريد ماله أو نفسه فحكمه ما ذكرنا فيمن دخل منزله من دفعهم بأسهل ما يمكن دفعه به، فان كان بينهما نهر كبير أو خندق أو حصن لا يقدرون على اقتحامه فليس له رميهم، فان لم يمكن إلا بقتالهم فله قتالهم وقتلهم. قال احمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك، وقال عطاء في المحرم يلقاه اللصوص يقاتلهم أشد القتال، وقال ابن سيرين ما أعلم احدا ترك قتال الحرورية واللصوص تأثما إلا ان يجبن، وقال الصلت بن طريف قلت للحسن إني أخرج في هذه الوجوه، أخوف شئ عندي يلقاني اللصوص يعرضون لي في مالي فان كففت يدي ذهبوا بمالي، وإن قاتلت اللص ففيه ما قد علمت، قال أي بني من عرض لك في مالك فان قتلته فالى النار، وإن قتلك فشهيد، ونحو ذلك عن أنس والنخعي والشعبي، وقال أحمد في امرأة أرادها رجل على نفسها فقتلته لتحصن نفسها قال إذا عملت أنه لا يريد إلا نفسها فقاتلته لتدفع عن نفسها فلا شئ عليها وذكر حديثا يرويه الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير أن رجلا أضاف ناسا من هذيل فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر فقتلته فقال عمر والله لا يودى أبدا، ولانه إذا جاز الدفع عن ماله الذي يجوز له بذله وإباحته فدفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة التي لا تباح بحال أولى. إذا ثبت هذا فانه يجب عليها أن تدفع عن نفسها ان أمكنها ذلك لان التمكين منها محرم وفي ترك الدفع نوع تمكين فاما من أريد ماله فلا يجب عليه الدفع لان بذل المال مباح

[ 318 ]

(مسألة) (فان أريدت نفسه لم يلزمه الدفع) لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة (اجلس في بيتك فان خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك) وفي لفظ (فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) وفي لفظ (كن كخير ابني آدم) ولان عثمان رضي الله عنه لم يدفع عن نفسه وترك القتال مع إمكانه، فان قيل قلتم في المضطر إذا وجد ما يدفع به الضرورة لزمه الاكل منه في أحد الوجهين، (1) قلنا الاكل تحيى به نفسه من غير تفويت غيره (2) فلزمه كالاكل في المخمصة (والثاني) لا يلزمه لانه دفع عن نفسه فلم يلزمه كالدفع بالقتال وفيه رواية أخرى يلزمه الدفع عن نفسه لانه لا يجوز إقرار المنكر مع إمكان دفعه. والاولى إن شاء الله أنه يلزمه الدفع عن حرمته ولا يلزمه الدفع عن ماله لانه يجوز له بذله، فان أريدت نفسه فالاولى في الفتنة ترك الدفع لما ذكرنا من الاحاديث والاثر في دفع اللصوص، وإذا صالت عليه بهيمة ففيه روايتان أولاهما وجوب الدفع إذا أمكنه كما لو خاف من سيل أو نار وأمكنه أن يتنحى عن ذلك، وإن أمكنه الهرب ففيه وجهان (أولاهما) يلزمه كالاكل في المخمصة (والثاني) لا يلزمه كالدفع بالقتال (فصل) وإذا صال على انسان صائل يريد نفسه أو ماله ظلما أو يريد امرأة ليفجر بها فلغير المصول عليه معونته في الدفع، ولو عرض اللصوص لقافلة جاز لغير أهل القافلة، الدفع عنهم لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (انصر اخاك ظالما أو مظلوما) وفي حديث (ان المؤمنين يتعاونون على القتال) ولانه لولا التعاون لذهبت اموال الناس وانفسهم لان قطاع الطريق إذا انفردوا باخذ مال انسان ولم يعنه غيره فانهم يأخذون اموال الكل واحدا واحدا وكذلك غيرهم (فصل) إذا وجد رجلا يزني بامرأته فقتله فلا قصاص عليه لما روي ان عمر رضي الله عنه بينما


(1) فلم لم تقولوا ذلك ههنا اه‍ من المغنى (2) وههنا في احياء نفسه فوات نفس غيره فلم يجب عليه فأما ان أمكنة الهرب فهل يلزمه؟ فيه وجهان أحدهما يلزمه لانه أمكنة الدفع عن نفسه من غير ضرر يلحق غيره اه‍ من المغنى

[ 319 ]

هو يتعدى يوما إذ أقبل رجل يعدو ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم فجاء حتى قعد مع عمر فجعل يأكل وأقبل جماعة من الناس فقالوا يا أمير المؤمنين ان هذا قتل صاحبنا مع امرأته فقال عمر ما يقول هؤلاء؟ قال ضرب الآخر فخذ امرأته بالسيف، فان كان بينهما أحد فقد قتله فقال لهم عمر ما يقول؟ قالوا ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته فأصاب وسط الرجل فقطعه باثنين فقال عمر إن عادوا فعد. رواه هشيم عن مغيرة عن ابراهيم أخرجه سعيد، فان كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها، وان كانت مكرهة فعليه القصاص، فأما ان قتل رجلا وادعى انه وجده مع امرأته فقتلها أو قتله فقال علي ان جاءوا باربعة شهداء والا فليعط برقبته، فعلى هذا يفتقر إلى أربعة شهود لحديث علي، وروي انه يكفى شاهدان لان البينة تشهد على وجوده مع المرأه وهذا يثبت بشاهدين وانما الذي يحتاج إلى أربعة الزنا وهذا لا يحتاج إلى اثبات الزنا، فان قبل فحديث عمر في الذي وجد مع امرأته رجلا ليس فيه بينة وكذلك روي ان رجلا من المسلمين خرج غازيا وأوصى بأهله رجلا فبلغ الرجل أن يهوديا يختلف إلى امرأته فكمن له حتى جاء فجعل ينشد واشعث غره الاسلام مني * خلوت بفرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويصحي * على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الرتلات منها * فئام ينهضون إلى فئام فقام إليه فقتله فرفع ذلك إلى عمر فاهدر دمه، فالجواب ان ذلك ثبت عنده باقرار الولي، وإن لم تكن بينة فادعى علم الولى بذلك فالقول قول الولى مع يمينه

[ 320 ]

(فصل) فان قتل رجل رجلا وادعى انه قد هجم منزله فلم يمكنه دفعه الا بالقتل لم يقبل قوله الا ببينة وعليه القود سواء كان المقتول يعرف بسرقه أو عيارة أو لا يعرف بذلك فان شهدت البينة انهم رأوا هذا مقبلا إلى هذا بسلاح مشهور فضربه هذا فقد هدر دمه وان شهدوا انهم رأوه داخلا داره ولم يذكروا سلاحا أو ذكروا سلاحا غير مشهور لم يسقط القود بذلك لانه قد يدخل لحاجة ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب اهدار دمه (مسألة) (وان عض انسان انسانا فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه ذهبت هدرا) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وروى سعيد عن هشيم عن محمد بن عبد الله ان رجلا عض رجلا فانتزع يده من فيه فسقطت بعض اسنان العاض فاختصما إلى شريح فقال شريح انزع يدك من في السبع وابطل اسنانه وحكي عن مالك وابن أبي ليلى عليه الضمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمس من الابل ولنا ماروى يعلى بن امية قال كان لي أجير فقاتل رجلا فعض احدهما يد الآخر قال فانتزع المعضوض يده من في العاض فانتزع احد ثنيتيه فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فاهدر ثنيته فحسبت انه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم افيدع يده في فمك تقضمها قضم الفحل) متفق عليه ولانه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه فلم يضمن كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه الا بقطع عضوه وحديثهم يدل على دية السن إذا قلعت ظلما وهذه لم تقلع ظلما وسواء كان المعضوض ظالما أو مظلوما لان العض محرم، الا ان يكون العض مباحا له مثل ان يمسكه في موضع يتضرر بامساكه أو يعصر يده بما لا يقدر على التخلص من ضرره الا بعضه فيعضه فما سقط من أسنانه ضمنه لانه عاد وكذلك لو عض احدهما يد الآخر ولم يمكن المعضوض تخليص يده الا بعضه فله عضه ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم وما تلف من الظالم كان هدرا وكذلك الحكم فيما إذا عضه في غير يده أو عمل به عملا غير العض افضى إلى تلف شئ من الفاعل لم يضمنه وقد روى محمد بن عبيد الله أن غلاما أخذ قمعا من اقماع الزياتين فادخله بين رجلي رجل ونفخ فيه فذعر الرجل من ذلك وخبط برجله فوقع على الغلام فكسر بعض اسنانه فاختصموا إلى شريح فقال شريح لا اعقل الكلب الهرار قال القاضي يخلص المعضوض يده بأسهل ما يمكنه، فان امكنه فك لحييه بيده

[ 321 ]

الاخرى فعل وان لم يمكنه لكمه على فكه فان لم يمكنه فله ان يبعج بطنه وان أتى على نفسه، قال شيخنا والصحيح ان هذا الترتيب غير معتبر وله ان يجذب يده اولا لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل ولانه لا يلزمه ترك يده في فم العاض حتى يتحيل بهذه الاشياء المذكورة ولان جذب يده تخليص وما حصل من سقوط الاسنان حصل ضرورة التخليص الجائز ولكم فكه جناية غير التخليص وربما تضمنت التخليص وربما اتلفت الاسنان التي لم يحصل العض بها فكانت البداءة بجذب يده اولى وينبغي انه متى امكنه جذب يده فعدل إلى لكم فكه فأتلف سنا ضمنه لامكان التخلص بما هو أولى منه (مسألة) (وان نظر في بيته من خصاص الباب أو نحوه فحذف عينه ففقأها فلا شئ عليه) وجملة ذلك أن من اطلع في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فرماه صاحب الدار بحصاة أو طعنه بعود فقلع عينه لم يكن عليه جناح ولا يضمنها، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يضمنها لانه لو دخل منزله ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه فبمجرد النظر أولى. ولنا ما روى ابو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لو أن امرأ اطلع عليك بغير اذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) وعن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في جحر من باب النبي صلى الله عليه وسلم يحك رأسه بمدرى في يده فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لو علمت أنك تنظرني لطمت - أو - لطعنت بها عينك) متفق عليهما، ويفارق ما قاسوا عليه لان من دخل المنزل يعلم به فيستتر منه بخلاف الناظر من ثقب فانه يرى من غير علم به ثم الخبر أولى من القياس، وظاهر كلام أحمد أنه لا يعتبر في هذا أنه

[ 322 ]

لا يمكنه دفعه إلا بذلك لظاهر الخبر، وقال ابن حامد يدفعه باسهل ما يمكنه دفعه يقول له أولا انصرف فان لم يفعل أشار إليه أنه يحذفه فان لم ينصرف فله حذفه حينئذ واتباع السنة أولى، فان ترك الاطلاع ومضى لم يجز رميه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف، ولانه ترك الجناية فأشبه من عض ثم ترك العض لم يجز قلع اسنانه وسواء كان المكان المطلع منه صغيرا كثقب أو شق أو واسعا كنقب كبير، وذكر بعض أصحابنا أن الباب المفتوح كذلك، والاولى انه لا يجوز حذف من نظر من باب مفتوح، لان التفريط من تارك الباب مفتوجا (مفتوحا) والظاهر أن من ترك الباب مفتوحا أنه يستتر لعلمه أن الناس ينظرون منه وبعلم بالناظر فيه والواقف عليه فلم (يجز رميه) كداخل الدار وان اطلع

[ 323 ]

فرماه صاحب الدار فقال المطلع ما تعمدته لم يضمنه على ظاهر كلام أحمد، لان الاطلاع قد وجد والرامي لا يعلم ما في قلبه وعلى قول ابن حامد يضمنه لانه لم يدفعه بما هو أسهل وكذلك لو قال لم أر شيئا حين اطلعت، وان كان المطلع أعمى لم يجز رميه لانه لا يرى شيئا ولو كان إنسان عريانا في طريق لم يكن له رمي من نظر إليه لانه المفرط، وان كان المطلع في الدار من محارم النساء اللائي فيها، فقال

[ 324 ]

بعض أصحابنا ليس لصاحب الدار رميه الا أن يكن متجردات فيصرن كالاجانب، وظاهر الخبر أن لصاحب الدار رميه سواء كان فيها نساء أو لم يكن لانه لم يذكر انه كان في الدار التي اطلع فيها على النبي صلى الله عليه وسلم نساء وقوله (لو ان امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته) عام في الدار التي فيها نساء وغيرها (فصل) وليس لصاحب الدار رمي الناظر بما يقتله ابتداء فان رماه بحجر يقتله أو حديدة تقتله ضمنه بالقصاص لانه إنما له ما يقلع به العين المبصرة التي حصل الاذى منها دون ما يتعدى إلى غيرها فان لم يندفع المطلع برميه بالشئ اليسير جاز رميه بأكبر منه حتى يأتي ذلك على نفسه وسواء كان الناظر في الطريق أو ملك نفسه أو غير ذلك.

[ 325 ]

باب حد المسكر الخمر محرم بالكتاب والسنة والاجماع. اما الكتاب فقول الله تعالى (يا ايها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) والآية التي بعدها إلى قوله (فهل أنتم منتهون) واما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مسكر خمر وكل خمر حرام) رواه الامام احمد وأبو داود، وروى عبد الله بن عمران النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) رواه أبو داود وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر واجمعت الامة على تحريمه، وإنما حكي عن قدامة ابن مظعون وعمرو بن معد يكرب وأبي جندل بن سهل أنهم قالوا هي حلال لقول الله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية فبين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية وتحريم الخمر واقاموا عليهم الحد لشربهم إياه فرجعوا إلى ذلك فانعقد الاجماع فمن استحلها الآن فقد كذب النبي صلى الله عليه وسلم لانه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه فيكفر بذلك ويستتاب فان تاب

[ 326 ]

والا قتل روى الجوزجاني باسناده عن ابن عباس ان قدامة بن مظعون شرب الخمر فقال له عمر: ما حملك على ذلك فقال ان الله عزوجل يقول [ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ] الآية واني من المهاجرين الاولين من أهل بدر وأحد فقال عمر للقوم أجيبوا الرجل فسكتوا عنه فقال لابن عباس اجبه فقال انما أنزلها الله عذرا للماضين لمن شربها قبل أن تحرم وأنزل (إنما الخمر والميسر) حجة على الناس، ثم سأل عمر عن الحد فيها فقال علي بن ابي طالب إذا شرب هذى وإذا هذى افترى فاجلدوا ثمانين فجلده عمر ثمانين: وروى الواقدي ان عمر قال له أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك، وروى الخلال باسناده عن محارب بن دثار أن اناسا شربوا بالشام الخمر فقال لهم يزيد بن ابي سفيان شربتم الخمر؟ قالوا نعم يقول الله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه ان أتاك كتابي هذا نهارا فلا تنتظر بهم إلى الليل وإن اتاك ليلا فلا تنتظر بهم نهارا حتى تبعث بهم إلي لئلا يفتنوا عباد الله فبعث بهم إلى عمر فشاور فيهم الناس فقال لعلي ما ترى؟ فقال ارى انهم

[ 327 ]

قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه فان زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد احلوا ما حرم الله وان زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا على الله وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري بعضنا على بعض قال فجلدهم عمر ثمانين ثمانين. إذا ثبت هذا فالمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده وما عداه من الاشربة المسكرة فهو محرم وفيه اختلاف نذكره ان شاء الله تعالى (مسألة) (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أي شئ كان ويسمى خمرا حكمه حكم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه) روي تحريم ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي ابن كعب وأنس وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والقاسم وقتادة وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد واسحاق، وقال أبو حنيفة في عصير العنب إذا طبخ وذهب ثلثاه ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ وان لم يذهب ثلثاه ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك نقيعا كان أو مطبوخا كل ذلك حلال الا ما بلغ السكر، فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده أو طبخ فذهب اقل من ثلثيه ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا محرم قليله وكثيره لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب)

[ 328 ]

ولنا ماروى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل مسكر خمر وكل خمر حرام) وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما أسكر كثيره فقليله حرام) رواهما ابو داود والاثرم وغيرهما وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فمل ء الكف منه حرام) رواه أبو داود وغيره وقال عمر رضي الله عنه نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والبر والشعير، والخمر ما خامر العقل متفق عليه، ولانه مسكر فأشبه عصير العنب فأما حديثهم فقال احمد ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح وحديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس قال والمسكر من كل شراب، وقال ابن المنذر جاء اهل الكوفة باحاديث معلولة ذكرناها مع عللها وذكر الاثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فضعفها كلها وبين عللها، وقد قيل ان خبر ابن عباس موقوف عليه مع انه يحتمل أنه أراد بالسكر المسكر من كل شراب فانه يروي هو وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (كل مسكر حرام) (مسألة) (ولا يجوز شربه للذة ولا للتداوي ولا لعطش ولا غيره إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غص بها فيجوز)

[ 329 ]

لا يجوز شربه للذة لما ذكرنا ولا للتداوي بها لذلك، فان فعل فعليه الحد وقال أبو حنيفة يباح شربها للتداوي، وللشافعي وجهان كالمذهبين، وله وجه ثالث يباح للتداوي دون العطش لانها حال ضرورة فابيح فيها كدفع الغصة وسائر ما يضطر إليه ولنا ماروى الامام احمد باسناده عن طارق بن سويد انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال انما أصنعها للدواء فقال (انه ليس بدواء ولكنه داء) وباسناده عن مخارق ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذا في جرة فخرج والنبيذ يهدر فقال (ما هذا؟) فقالت فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها فدفعه برجله فكسره وقال (ان الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء) ولانه محرم لعينه فلم يبح للتداوي كلحم الخنزير، ان شربها للعطش وكانت ممزوجة بما يروي من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة كما تباح الميتة عند المخمصة وكاباحتها لدفع الغصة، وقد روينا في حديث عبد الله بن حذافة أنه حبسه طاغية الروم في بيت فيه ماء ممزوج بخمر ولحم خنزير مشوي ليأكله ويشرب الخمر وتركه ثلاثة أيام فلم يفعل ثم اخرجوه حين خشوا موته فقال والله لقد كان الله احله لي فاني مضطر ولكن لم اكن

[ 330 ]

أشمتكم بدين الاسلام وان كانت صرفا أو ممزوجة بشئ يسير لا يروي من العطش لم تبح وعليه الحد وقال أبو حنيفة تباح وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه حال ضرورة ولنا أن العطش لا يندفع به فلم يبح كما لو تداوى بها فيما لا يصلح له فاما شربها لدفع الغصة فيجوز كما يجوز أكل الميتة في حال المخمصة ولا نعلم في ذلك خلافا (مسألة) (ومن شربه مختارا عالما أن كثيره يسكر قليلا كان أو كثيرا فعليه الحد ثمانين جلدة وعنه أربعون) ولا نعلم بينهم خلافا في عصير العنب غير المطبوخ، واختلفوا في سائرها فمذهب احمد التسوية بين عصير العنب وغيره من المسكرات وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والاوزاعي ومالك والشافعي، وقالت طائفة لا يحد إلا أن يسكر، منهم ابو وائل والنخعي وكثير من أهل الكوفة وأصحاب الرأي، وقال ابو ثور من شربه معتقدا تحريمه حد، ومن شربه متأولا فلا حد عليه لانه مختلف فيه فأشبه النكاح بلا ولي ولنا ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من شرب الخمر فاجلدوه) رواه ابو داود وغيره وقد

[ 331 ]

ثبت أن كل مسكر خمر فيتناول الحديث قليله وكثيره ولانه شراب فيه شدة مطربة فوجب الحد بقليله كالخمر والاختلاف فيها لا يمنع وجوب الحد فيها بدليل مالو اعتقد تحريهما، وبهذا فارق النكاح بلا ولي وغيره من المختلف فيه وقد حد عمر رضي الله عنه قدامة بن مظعون وأصحابه مع اعتقادهم حل ما شربوه والفرق بين هذا وبين سائر المختلف فيه من وجهين (أحدهما) أن فعل المختلف فيه ههنا داعية إلى فعل ما أجمع على تحريمه وفعل سائر المختلف فيه يصرف عن جنسه من المجمع على تحريمه (الثاني) ان السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد استفاضت بتحريم المختلف فيه فلم يبق فيه لاحد عذر في اعتقاد إباحته بخلاف غيره من المجتهدات. قال احمد بن القاسم سمعت ابا عبد الله يقول في تحريم المسكر عشرون وجها عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعضها (كل مسكر خمر) وبعضها (كل مسكر حرام) (فصل) وحده ثمانون في احدى الروايتين، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لاجماع الصحابة فانه روي ان عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن اجعله كأخف

[ 332 ]

الحدود ثمانين فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام، وروي أن عليا قال في المشورة إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما (والرواية الثانية) أن الحد أربعون وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي لان عليا رضي الله عنه جلد الوليد بن عقبة اربعين ثم قال جلد النبي صلى الله عليه وسلم اربعين وأبو بكر اربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي رواه مسلم، وعن أنس قال اتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فضربه بالنعال نحوا من اربعين ثم أتي به ابو بكر فصنع مثل ذلك ثم أتي به عمر فاستشار الناس في الحدود فقال ابن عوف أقل الحدود ثمانون فضربه عمر متفق عليه وفعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز تركه لفعل غيره ولا ينعقد الاجماع على ما خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعلي رضي الله عنهما فتحمل الزيادة على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآها الامام (فصل) وانما يلزم الحد من شربها مختارا لشربها فان شربها مكرها فلا حد عليه ولا اثم سواء أكره بالوعيد أو الضرب أو ألجئ إلى شربها بأن يفتح فوه وتصب فيه فان النبي صلى الله عليه وسلم قال

[ 333 ]

(عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه النسائي وكذلك من اضطر إليها لدفع غصة بها إذا لم يجد مائعا سواها فان الله تعالى قال في آية التحريم (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) وكذلك ان شربها لعطش شديد وكانت ممزوجة بما يروي من العطش فانها تباح بذلك عند الضرورة كما تباح الميتة في المخمصة (فصل) فإذا ثرد في الخمر أو اصطبغ به أو طبخ به لحما فأكل من مرقه فعليه الحد لان عين الخمر موجودة وكذلك ان لت به سويقا فأكله فان عجن به دقيقا فخبزه وأكله لم يحد لان النار أكلت أجزاء الخمر فلم يبق الا أثره، وإن احتقن بالخمر لم يحد لانه ليس بشرب ولا أكل ولانه لم يصل إلى حلقه فأشبه مالو داوى به جرحه فان استعط به فعليه الحد لانه أوصله إلى باطنه من حلقه ولذلك نشر الحرمة في الرضاع دون الحقنة، وحكي عن أحمد أن على من احتقن به الحد لانه اوصله إلى جوفه والاول أولى لما ذكرنا (فصل) ويشترط لوجوب الحد على من شربها ان يعلم ان كثيرها يسكر فان لم يعلم فلا حد عليه لانه غير عالم بالتحريم ولا قصد ارتكاب المعصية بها فأشبه من رفت إليه غير امرأته وهذا قول عامة

[ 334 ]

أهل العلم فأما من شربها غير عالم بتحريمها فلا حد فيه أيضا لان عمر وعثمان قالا لا حد الا على من علمه ولانه غير عالم بالتحريم أشبه من لم يعلم أنها خمر، ومتى ادعى الجهل بتحريمها وكان ناشئا ببلد الاسلام بين المسلمين لم تقبل دعواه لان هذا لا يكاد يخفى على مثله فلم تقبل دعواه فيه وإن كان حديث عهد بالاسلام أو ناشئا ببادية بعيدة عن البلد قبل منه لانه يحتمل ماقاله (مسألة) (والرقيق على النصف من ذلك) أي على النصف من حد الحر وهو أربعون ان قلنا إن الحد ثمانون ويستوي في ذلك العبد والامة وعلى الرواية الاخرى عشرون (فصل) ويجلد العبد والامة بدون سوط الحر ذكره الخرقي لانه لما خفف عنه في عدده خفف عنه في صفته كالتعزير مع الحد ويحتمل أن يكون سوطه كسوط الحر لانه انما يتحقق التنصيف إذا كان السوط مثل السوط، أما إذا كان نصفا في عدده وأخف منه في سوطه كان أقل من النصف والله سبحانه قد أوجب النصف بقوله (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (مسألة) (والذمي لا يحد بشربه في الصحيح عنه) لانه يعتقد حله فلم يحد بفعله كنكاح المجوس ذوات محارمهم، وعنه يحد لانه شرب مسكرا عالما به مختارا أشبه شارب النبيذ إذا اعتقد حله

[ 335 ]

(فصل) ولا يجب الحد حتى يثبت شربه باحد شيئين الاقرار أو البينة ويكفي الاقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم لانه لا يتضمن اتلافا فأشبه حد القذف، ومتى رجع عن اقراره قبل رجوعه لانه حد لله سبحانه فقبل رجوعه كسائر الحدود ولا يعتبر مع الاقرار وجود الرائحة وحكي عن أبي حنيفة لا حد عليه الا أن توجد رائحة ولنا انه أحد بينتي الشرب فلم يعتبر معه وجود الرائحة كالشهادة ولانه قد يقر بعد زوال الرائحة عنه ولانه اقرار بحد فاكتفي به كسائر الحدود (مسألة) (وهل يجب الحد بوجود الرائحة؟ على روايتين) لا يجب الحد برائحة الخمر من فيه في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي وعن أحمد أنه يحد بذلك رواها عنه أبو طالب وهو قول مالك لان ابن مسعود جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر، وروي عن عمر أنه قال اني وجدت من عبيد الله ريح شراب فأقر أنه شرب الطلاء فقال عمر اني سائل عنه فان كان ينكر جلدته، ولان الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الاقرار والاول أولى لان الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها أو ظنها لا تسكر أو كان مكرها أو أكل نبقا بالغا أو شرب شراب التفاح فانه يكون منه كرائحة الخمر وإذا

[ 336 ]

احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات وحديث عمر حجة لنا فانه لم يكتف بوجود الرائحة ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر (فصل) وإن وجد سكران أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه لاحتمال أن يكون مكرها أو لم يعلم أنها تسكر وهذا مذهب الشافعي، ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة تدل على وجوب الحد ههنا بطريق الاولى لان ذلك لا يكون الا بعد شربها فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها وقد روى سعيد ثنا هشيم ثنا المغيرة عن الشعبي قال لما كان من أمر قدامة ما كان جاء علقمة الخصي قال أشهد أني رأيته يتقيؤها فقال عمر من قاءها فقد شربها فضربه الحد، وروى حصين بن المنذر الرقاشي قال شهدت عثمان واتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر فشهد أحدهما أنه رآه شربها وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها فقال عثمان انه لم يتقيأها حتى شربها فقال لعلي أقم عليه الحد فأمر علي عبد الله بن جعفر فضربه رواه مسلم وفي رواية قال له عثمان لقد تنطعت في الشهادة وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم فلم ينكر فكان اجماعا ولانه يكتفى بالشهادة عليه أنه شربها ولا يتقايؤها أو لا يسكر منها حتى يشربها

[ 337 ]

(فصل) وأما البينة فلا تكون الا رجلين عدلين مسلمين يشهدان أنه شرب مسكرا ولا يحتاجان إلى بيان نوعه لانه لا ينقسم إلى ما يوجب الحد والى مالا يوجبه بخلاف الزنا فانه يطلق على الصريح وعلى دواعيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (العينان تزنيان واليدان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) فلهذا احتاج الشاهد إلى تفسيره وفي مسئلتنا لا يسمى غير المسكر مسكرا فلم يفتقر إلى ذكر نوعه، ولا يفتقر في الشهادة إلى ذكر عدم الاكراه ولا ذكر علمه أنه مسكر لان الظاهر الاختيار والعلم وما عداهما نادر فلم يحتج إلى إثباته ولذلك لم يعتبر في شئ من الشهادات ولم يعتبره عثمان في الشهادة على الوليد بن عقبة ولا عمر في الشهادة على قدامة بن مظعون ولا في الشهادة على المغيرة بن شعبة ولو شهد بعتق أو طلاق لم يفتقر إلى ذكر الاختيار كذا ههنا

[ 338 ]

(مسألة) (والعصير إذا اتت عليه ثلاثة أيام حرم إلا ان يغلى قبل ذلك فيحرم نص عليه) اما إذا غلي العصير كغليان القدر وقذف بزبده فلا خلاف في تحريمه، وان اتت عليه ثلاثة أيام ولم يغل فقال أصحابنا هو حرام وقال أحمد اشربه ثلاثا ما لم يغل فإذا اتت عليه أكثر من ثلاثة أيام فلا تشربه، وأكثر أهل العلم يقولون هو مباح ما لم يغل ويسكر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اشربوا في كل وعاء ولا تشربو مسكرا) اخرجه أبو داود، ولان علة تحريمه الشدة المطربة وانما ذلك في المسكر خاصة ووجه الاول ما روى أبو داود باسناده عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق، وروى الشالنجي باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل) وقال ابن عمر اشربه ما لم يأخذه شيطانه قيل وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال في ثلاث ولان الشدة تحصل في الثلاث غالبا وهي خفية تحتاج

[ 339 ]

إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطا لها، قال شيخنا ويحتمل ان يكون شربه بعد الثلاث إذا لم يغل مكروها غير محرم فان احمد لم يصرح بالتحريم وقال في موضع اكرهه وذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشربه بعد ثلاث (مسألة) (وقال أبو الخطاب عندي ان كلام احمد في ذلك محمول على عصير الغالب أنه يتخمر في ثلاثة أيام) (فصل) وكذلك النبيذ مباح ما لم يغل أو يأتي عليه ثلاثة أيام والنبيذ ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلوا به الماء وتذهب ملوحته فلا بأس به ما لم يغل أو يأتي عليه ثلاثة أيام لما روينا عن ابن عباس، وقال ابو هريرة علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم اتيته به فإذا هو ينش فقال (اضرب بهذا الحائط فان هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر) رواه أبو داود ولانه إذا بلغ ذلك صار مسكرا وكل مسكر حرام

[ 340 ]

(مسألة) (ولا يكره ان يترك في الماء تمر أو زبيب ونحوه ليأخذ ملوحته ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث لما ذكرنا في الفصل الذي قبله (مسألة) (ولا يكره الانتباذ في الدباء والختم (والحنتم) والنقير والمزفت) يجوز الانتباذ في الاوعية كلها وعن أحمد أن يكره الانتباذ في الدباء والختم (والحنتم) والنقير والمزفت لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ فيها والدباء اليقطين والختم (والحنتم) الجرار والنقير الخشب والمزفت الذي يطلى بالزفت والصحيح أنه لا يكره لما روى بريدة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (نهيتكم عن ثلاث وانا آمركم بهن نهيتكم عن الاشربة ان لا تشربوا الا في ظروف الادم فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا) رواه مسلم وهذا دليل على نسخ النهي ولا حكم للمنسوخ (فصل) وما طبخ من النبيذ والعصير قبل غليانه حتى صار غير مسكر كالدبس ورب الخروب وغيرهما من المربيات والسكر فهو مباح لان التحريم انما ثبت في المسكر ففيما عداه يبقى على اصل

[ 341 ]

الاباحة وما اسكر كثيره فقليله حرام سواء ذهب منه الثلثان أو اقل أو اكثر قال أبو داود سألت احمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثه وبقي ثلثه قال لا بأس به قيل لاحمد إنهم يقولون إنه يسكر قال لا يسكر لو كان يسكر ما احله عمر (مسألة) (ويكره الخليطان وهو ان ينبذ شيئين كالتمر والزبيب) لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين، وقال أحمد الخليطان حرام وقال في رجل ينقع الزبيب والتمر الهندي والعناب ونحوه ينقعه غدوة ويشربه عشية للدواء: اكرهه لانه نبيذ ولكن يطبخه ويشربه على المكان وقد روى أبو داود باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى ان ينبذ الرطب والبسر جميعا ونهى ان ينتبذ التمر والزبيب جميعا، وفي رواية انتبذوا كل واحد على حدة وعن أبي قتادة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم ان يجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب ولينتبذ كل واحد منهما على حدة متفق عليه قال القاضي يعني احمد بقوله هو حرام إذا اشتد وأسكر وإذا لم يسكر لم يحرم وهذا هو الصحيح ان شاء

[ 342 ]

الله وانا نهى النبي صلى الله عليه وسلم لعلة اسراعه إلى السكر المحرم فإذا لم يوجد لم يثبت التحريم كما أنه عليه السلام نهى عن الانتباذ في الاوعية المذكورة لهذه العلة ثم أمرهم بالشرب فيها ما لم توجد حقيقة الاسكار وقد دل على صحة هذا ماروي عن عائشة قالت كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحها فيه ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية وننبذه عشية فيشربه غدوة رواه أبو داود وابن ماجه فلما كانت مدة الانتباذ قريبة وهي يوم وليلة لا يتوهم الاسكار فيها لم يكره ولو كان مكروها لما فعل هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم له فعلى هذا لا يكره ما كان في المدة اليسيرة ويكره ماكان في مدة يحتمل افضاؤه إلى الاسكار ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضي عليه ثلاثة أيام (مسألة) (ولا بأس بالفقاع وبه قال اسحاق وابن المنذر) قال شيخنا ولا أعلم فيه خلافا لانه لا يسكر و إذا ترك يفسد بخلاف الخمر والاشياء على الاباحة ما لم يرد بتحريمها حجة (فصل) والخمرة إذا افسدت فصيرت خلا لم تحل، وان قلب الله عينها فصارت خلا فهي حلال

[ 343 ]

روي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال الزهري ونحوه قول مالك وقال الشافعي ان القي فيها شئ يفسدها كالملح فتخللت فهي على تحريمها وان نقلت من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس فتخللت ففي اباحتها قولان وقال أبو حنيفة تطهر في الحالين لان علة تحريمها زالت بتخليلها فطهرت كما لو تخللت بنفسها يحققه ان التطهير لا فرق فيه بين ما حصل بفعل الله تعالى وفعل الآدمي كتطهير الثوب والبدن والارض ونحو هذا قول عطاء وعمرو بن دينار والحارث العكلي وذكره أبو الخطاب وجها في مذهبنا

[ 344 ]

ولنا ماروى أبو سعيد قال كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنه ليتيم قال (اهريقوه) رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ايتخذ الخمر خلا؟ قال (لا) رواه مسلم والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي طلحة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ايتام ورثوا خمرا فقال (اهرقها) قال: افلا اخللها؟ قال (لا) رواه أبو داود وهذا نهي يقتضي التحريم ولو كان إلى استصلاحها سبيل لم تجز

[ 345 ]

اراقتها بل ارشدهم إليه سيما وهي لايتام يحرم التفريط في أموالهم ولانه إجماع الصحابة فروي ان عمر رضي الله عنه صعد المنبر فقال لا يحل خل خمر افسدت حتى يكون الله تعالى هو الذي تولى افسادها ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يتعمد لافسادها، رواه أبو عبيد في الاموال بنحو من هذا المعنى وهذا قول يشتهر لانه خطب به الناس على المنبر فلم ينكر، فاما إذا انقلبت بنفسها فانها تطهر وتحل في قول جميعهم فقد روي عن جماعة من الاوائل انهم اصطبغوا بخل خمر منهم علي وأبو الدرداء ورخص فيه الحسن وسعيد بن جبير وليس في شئ من أخبارهم أنهم اتخذوه خلا ولانه انقلب بنفسه لكن قد بينه عمر بقوله لا يحل خل خمرأفسدت حتى يكون الله تعالى هو الذي يتولى

[ 346 ]

إفسادها ولانها إذا انقلبت بنفسها فقد زالت علة تحريمها من غير علة خلفتها فطهرت كالماء إذا زال تغيره بمكثه، وإذا القي فيها شئ ينجس بها ثم انقلبت بقي ما القي فيها نجسا فنجسها وحرمها فاما ان نقلها من موضع إلى آخر فتخللت من غير ان يلقي فيها شيئا فان لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك لانها تخللت بفعل الله تعالى فيها، وان قصد بذلك تخليلها احتمل ان تطهر لانه لا فرق بينهما الا القصد فلا يقتضي تحريمها ويحتمل ان لا تطهر لانها خللت فلم تطهر كما لو القي فيها شئ

[ 347 ]

باب التعزير وهو التأديب وهو واجب في كل معصية لاحد فيها ولا كفارة كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد واتيان المرأة المرأة وسرقة مالا يوجب القطع و الجناية على الناس بما لاقصاص فيه والقذف بغير الزنا ونحوه والنهب والغصب والاختلاس، وسمي تعزيرا لانه يمنع من الجناية والاصل في التعزير المنع ومنه التعزير بمعني النصرة لانه منع لعدوه من اذاه

[ 348 ]

(مسألة) (ومن وطئ جارية امرأته فعليه الحد الا ان تكون قد احلتها له فيجلد مائة وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين) اما إذا وطئ جارية امرأته باذنها فانه يجلد مائة ولا يرجم ان كان ثيبا وان كان بكرا لم يغرب وان لم تكن احلتها له فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الاجنبي، وحكي عن النخعي انه يعزر ولا حد عليه لانه يملك امرأته فكانت له شبهة في مملوكتها، وعن عمر وعلي وعطاء وقتادة ومالك والشافعي

[ 349 ]

أنه كوطئ الاجنبية سواء احلتها له أو لم تحلها لانه لا شبهة له فيها فأشبه جارية اخته ولانه إباحة لوطئ محرمة عليه فلم تكن شبهة كاباحة سائر الملاك وعن ابن مسعود والحسن ان كان استكرهها فعليه غرم مثلها وتعتق وإن كانت طاوعته فعليه غرم مثلها ويملكها لان هذا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه ابن عبد البر وقال هذا حديث صحيح ولنا ماروى أبو داود باسناده عن حبيب بن سالم ان رجلا يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع

[ 350 ]

على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير الكوفة فقال لاقضين فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة وان لم تكن احلتها لك رجمتك بالحجارة فوجدوها احلتها له فجلدوه مائة

[ 351 ]

(مسألة) (وهل يلحقه نسب ولدها إذا حملت من هذا الوطئ؟ على روايتين) (احداهما) يلحق لانه وطئ لا يجب به الحد فلحق به النسب كوطئ الجارية المشتركة (والاخرى) لا يلحق به لانه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك أشبه الزنا المحض (مسألة) (ولا يسقط الحد بالاباحة في غير هذا الموضع) لعموم النصوص الدالة على وجوب الحد على الزاني وانما سقط الحد في هذا الموضع لحديث النعمان

[ 352 ]

(مسألة) (ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات في غير هذا الموضع) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في قدر التعزير فروي عنه انه لا يزاد على عشر جلدات نص عليه في مواضع وهو قول اسحاق لما روى أبو بردة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا يجلد احد فوق عشرة أسواط الا في حد من حدود الله) متفق عليه

[ 353 ]

(والرواية الثانية) لا يبلغ به الحد وهو الذي ذكره الخرقي فيحتمل انه اراد لا يبلغ به أدنى حد مشروع وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، فعلى هذا لا يبلغ به اربعين سوطا لانها حد العبد في الخمر وهذا قول أبي حنيفة وان قلنا ان حد الخمر اربعون لم يبلغ به عشرين سوطا في حق العبد وأربعين

[ 354 ]

في حق الحر وهذا مذهب الشافعي فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطا ولا الحر على تسعة وثلاثين وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ادنى الحدود ثمانون فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين ويحتمل كلام احمد والخرقي ان لا يبلغ بكل جناية حدا مشروعا في جنسها ويجوز ان يزيد على حد غير جنسها، فعلى هذا ماكان سببه الوطئ جاز ان يجلد مائة الا سوطا لينقص عن حد الزنا، وما كان سببه غير الوطئ لم يبلغ به ادنى الحدود لما ذكرنا من حديث النعمان بن بشير في الذي وطئ جارية امرأته باذنها انه يجلد

[ 355 ]

مائة وهذا تعزيز لانه في حق المحصن انما هو الرجم، وعن سعيد بن المسيب عن عمر في امة بين رجلين وطئها احدهما يجلد الحد الا سوطا واحدا رواه الاثرم واحتج به أحمد قال القاضي هذا عندي من نص أحمد لا يقتضي اختلافا في التعزير بل المذهب انه لا يزاد على عشر جلدات اتباعا للاثر الا في وطئ

[ 356 ]

جارية امرأته لحديث النعمان وفي الجارية المشتركة لحديث عمر وما عداهما يبقى على العموم لحديث أبي بردة وهذا قول حسن، إذا ثبت تقدير أكثره فليس اقله مقدرا لانه لو يقدر لكان حدا ولان النبي صلى الله عليه وسلم قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع فيه إلى اجتهاد الامام أو الحاكم فيما يراه وما يقتضيه

[ 357 ]

حال الشخص وقال مالك يجوز ان يزاد التعزير على الحد إذا رأى الامام لما روي ان معن بن زائدة عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالا فبلغ عمر رضي الله عنه فضربه مائة وحبسه وكلم فيه فضربه مائة أخرى فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه، وروى أحمد باسناده

[ 358 ]

ان عليا أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فضربه ثمانين الحد وعشرين سوطا لفطره في رمضان وروي ان ابا الاسود استخلفه ابن عباس على قضاء البصرة فأتي بسارق قد كان جمع المتاع في البيت ولم يخرجه فقال أبو الأسود اعجلتم المسكين فضربه خمسة وعشرين سوطا وخلى سبيله

[ 359 ]

ولنا حديث أبي بردة وهو صحيح متفق عليه وروى الشالنجي باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين) ولان العقوبة على قدر الاجرام والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها فلا يجوز ان يبلغ في اهون الامرين عقوبة اعظمهما وما قالوه يفضي إلى ان

[ 360 ]

من قبل امرأة حراما يضرب أكثر من حد الزنا وهذا غير جائز لان الزنا مع عظمه وفحشه لا يجوز ان يزاد على حده فما دونه اولى، فما حديث معن فلعله كانت له ذنوب كثيرة فادب على جميعها أو تكرر منه الاخذ أو كان ذنبه مشتملا على جنايات (أحدها) تزويره (والثاني) أخذه لمال بيت المال بغير حقه (والثالث) فتحه باب هذه الحيلة لغيره وغير هذا، واما حديث النجاشي فان عليا ضربه الحد لشربه ثم عزره عشرين لفطره فلم يبلغ بتعزيره حدا وقد ذهب احمد إلى هذا ورأى ان من

[ 361 ]

شرب الخمر في رمضان يحد ثم يعزر لجنايته من وجهين والذي يدل عل صحة ما ذكرناه ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى ان لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا (فصل) والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز قطع شئ منه ولا جرحه ولا أخذ ماله لان الشرع لم يرد بشئ من ذلك عن أحد يقتدى به ولان الواجب أدب والتاديب لا يكون بالاتلاف وإن رأى الامام العفو عنه جاز

[ 362 ]

(فصل) والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الامام وبه قال مالك وابو حنيفة وقال الشافعي ليس بواجب لان رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال (اني لقيت امرأة فاصبت منها ما دون أن أطأها فقال (أصليت معنا؟) قال نعم فتلى عليه (ان الحسنات يذهبن السيئات) وقال في الانصار (اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم في حكم حكم به للزبير: أن كان ابن عمتك؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعزره على مقالته وقال له رجل: ان هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله

[ 363 ]

ولنا ان ما كان من التعزير منصوصا عليه كوطئ جارية امرأته وجارية مشتركة فيحب امتثال الامر فيه، وما لم يكن منصوصا عليه إذا رأى الامام المصلحة فيه أو علم انه لا ينزجر الا به وجب فانه زجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد، وان رأى الامام العفو عنه جاز لما ذكرنا من النصوص والله أعلم وان كان التعزير لحق آدمي فطلبه لزم اجابته كسائر حقوق الآدميين (مسألة) (وان استمنى بيده لغير حاجة عزر) لانه معصية وان فعله خوفا من الزنا فلا شئ عليه لانه لو فعل ذلك خوفا على بدنه لم يلزمه شئ ففعله خوفا على دينه أولى

[ 364 ]

كتاب الجهاد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسولي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) متفق عليه ولمسلم (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم) وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري (مسألة) (وهو فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين) معنى فرض الكفاية الذي إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس وان لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض الاعيان ثم يختلفان في ان فرض الكفاية يسقط بفعل البعض وفرض الاعيان لا يسقط عن احد بفعل غيره، والجهاد من فروض الكفايات في قول عوام أهل العلم، وحكي عن ابن المسيب انه فرض عين لقوله تعالى (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله - ثم قال - إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) وقال سبحانه (كتب

[ 365 ]

عليكم القتال) وروى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى) وهذا يدل على ان القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ولان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه. فأما الآية التي احتجوا بها فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما نسخها قوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) رواه الاثرم وأبو داود. ويحتمل انه أراد حين استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم، وكذلك يجب على من استنفره الامام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من اجل ذلك أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو

[ 366 ]

(مسألة) (ولا يجب إلا على ذكر حر مكلف مستطيع وهو الصحيح الواجد لزاده وما يحمله إذا كان بعيدا) يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الاسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والسلامة من الضرر ووجود النفقة، فأما الاسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع، ولان الكافر غير مامون في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبي ضعيف البنية، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة: متفق عليه، وأما الحرية فتشترط لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الاسلام والجهاد ويبايع العبد على الاسلام دون الجهاد، ولان الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد كالحج، وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال (جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة) ولانها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها ولذلك لا يسهم لها، ولا يجب على خنثى مشكل لانه لا يعلم كونه ذكرا فلا يجب عليه مع الشك في شرطه، وأما السلامة من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض وذلك شرط لقول الله سبحانه (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج) ولان هذه الاعذار يمنعه من الجهاد، فاما العمى فمعروف، وأما العرج فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد

[ 367 ]

والركوب كالزمانة ونحوها، اما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وانما يتعذر عليه شدة العدو فلا يمنع وجوب الجهاد لانه ممكن منه فاشبه الاعور، والمرض المانع هو الشديد، فاما اليسير الذي لا يمنع الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب كالعور، وأما وجود النفقة فيشترط لقول الله تعالى [ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ] ولان الجهاد لا يمكن إلا بآلة فاعتبرت القدرة عليها، فان كان الجهاد على مسافة قريبة اشترط أن يجد الزاد ونفقة عياله في مدة غيبته وسلاحا يقاتل به، ولا تعتبر الراحلة لقرب السفر، وان كانت المسافة تقصر فيها الصلاة اعتبر مع ذلك الراحلة لقول الله تعالى [ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما احملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناألا يجدوا ما ينفقون ] (مسألة) (وأقل ما يفعل مرة في كل عام إلا ان تدعو الحاجة إلى تأخيره) أقل ما يفعل الجهاد في كل عام مرة لان الجزية تجب على أهل الذمة مرة في كل عام وهي بدل عن النصرة فكذلك مبدلها وهو الجهاد فان دعت الحاجة إلى تأخيره مثل ان يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة أو يكون متنظرا لمدد يستعين به أو يكون في الطريق إليهم مانع أو ليس فيها علف أو ماء أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الاسلام ويطمع في اسلامهم ان أخر قتالهم ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال فيجوز تركه بهدنة وبغير هدنة فان النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح قريشا عشر سنين واخر

[ 368 ]

قتالهم حتى نقضوا عهده واخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة، وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب لانه فرض كفاية فوجب منه ما تدعو الحاجة إليه (فصل) (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد أو حضر العدو بلده تعين عليه) وجملة ذلك ان الجهاد يتعين في ثلاثة مواضع (أحدها) إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان يحرم على من حضر الانصراف ويتعين عليه المقام لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا - وقوله - يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروازحفا فلا تولوهم الادبار) الآية (الثاني) إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم (الثالث) إذا استنفر الامام قوما لزمهم النفير معه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض؟) الآية ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه (مسألة) (وأفضل ما يتطوع به الجهاد) قال أحمد رحمه الله لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض افضل من الجهاد روى ذلك عنه جماعة من أصحابه قال الاثرم قال أحمد لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وذكر له أمر الغزو فجعل يبكي ويقول ما من أعمال البر افضل منه وقال عنه غيره ليس يعدل لقاء العدو شئ ومباشرة القتال بنفسه افضل الاعمال والذين يقاتلون العدو هم الذين

[ 369 ]

يدفعون عن الاسلام وعن حريمهم فاي عمل افضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم، وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم اي الاعمال أفضل؟ قال (الصلاة بمواقيتها - قلت ثم أي؟ قال - بر الوالدين - قلت - ثم أي؟ قال - الجهاد في سبيل الله) متفق على معناه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى ابو هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اي الاعمال افضل؟ اواي الاعمال خير؟ قال (الايمان بالله ورسوله - قيل ثم اي شئ؟ قال - الجهاد سنام العمل - قيل ثم اي قال - حج مبرور) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى ابو سعيد قال قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال (من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) متفق عليه وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (الا اخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى الخلال باسناده عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده مابين السماء والارض من عمل افضل من جهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لارفث فيها ولافسوق ولا جدال) ولان الجهاد بذل المهجة والمال ونفعه يعم المسلمين كلهم صغيرهم وكبيرهم وقويهم وضعيفهم ذكرهم وانثاهم وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله

[ 370 ]

(مسألة) [ وغزو البحر أفضل من البر ] غزو البحر مشروع وفضله كبير قال انس بن مالك نام رسول الله؟ صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت ام حرام فقلت ما يضحكك يارسول الله؟ قال (ناس من امتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبح هذا البحر ملوكا على الاسرة - أو - مثل الملوك على الاسرة) متفق عليه قال ابن عبد البر: ام حرام بنت ملحان أخت ام سليم خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ارضعته أخت لهما ثالثة ولم يرو هذا عن أحد سواه واظنه انما قال هذا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام في بيتها وينظر إلى شعرها ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب وروى ابو داود باسناده عن ام حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (المائد في البحر الذي يصيبه القئ له اجر شهيد والغرق له اجر شهيدين) وروى ابن ماجه باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وان الله وكل ملك الموت بقبض الارواح إلا شهيد البحر فانه يتولى قبض ارواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين) ولان البحر اعظم خطراومشقة فانه بين خطر العدو وخطر الغرق ولا يتمكن من الفرار إلا مع اصحابه فكان افضل من غيره [ فصل ] وقتال اهل الكتاب افضل من قتال غيرهم وكان ابن المبارك رضى الله عنه يأتي من مرو لغزو الروم فقيل له في ذلك فقال ان هؤلاء يقاتلون على دين وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لام خلاد (ان ابنك له اجر شهيدين) قالت ولم ذاك يا رسول الله؟ قال (لانه قتله اهل الكتاب) رواه ابو داود

[ 371 ]

(مسألة) (ويغزى مع كل بر وفاجر) يعني مع كل امام برا كان أو فاجرا وقد سئل أحمد عن الرجل يقول انا لا أغزو ويأخذه ولد العباس انما يوفر الفئ عليهم فقال سبحان الله هؤلاء قوم سوء هؤلاء القعدة مثبطون جهال فيقال ارأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الاسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ وقد روى أبو داود باسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا) وباسناده عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاث من أصل الايمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الاسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والايمان بالاقدار) ولان ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكافر وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض) (فصل) قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الامام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين فان كان يعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (مسألة) (ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو).

[ 372 ]

الاصل في هذا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ولان الاقرب أكثر ضررا وفي قتاله دفع ضرره عن المقاتل له وعمن وراءه ولان الاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه قيل لاحمد رحمه الله: يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له تركت قتال العدو عندك وجئت إلى ههنا قال؟ هؤلاء أهل كتاب؟ فقال أبو عبد الله سبحان الله ما أدري ما هذا القول يترك العدو عنده ويجئ إلى ههنا؟ أفيكون هذا؟ أو يستقيم هذا؟ وقد قال الله تعالى [ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ] ولو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد الترك أحد وهذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه متبرعا بالجهاد والكفاية حاصلة بغيره من أهل الديوان واجناد المسلمين والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية فكان له أن يجاهد حيث شاء ومع من شاء. إذا ثبت هذا فان كان له عذر في البداية بالابعد لكونه أخوف أو لمصلحة في البداية به لقربه وامكان الفرصة منه أو لكون الاقرب مهادنا أو يمنع مانع من قتاله فلا بأس بالبداية بالابعد للحاجة. (فصل) وأمر الجهاد موكول إلى الامام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك وينبغي أن يبتدئ بترتيب قوم في اطراف البلاد يكفون من بازائهم من المشركين ويأمر بعمل حصونهم وحفر خنادقم وجميع مصالحهم ويؤمر في كل ناحية أميرا يقلدهم امر الحرب وتدبير الجهاد ويكون ممن له راي وعقل ونجدة وبصر بالحرب ومكايدة العدو مع أمانة ورفق بالمسلمين ونصح لهم وإنما يبدأ

[ 373 ]

بذلك لانه لا يأمن عليها من المشركين، ويغزو كل قوم من يليهم إلا ان يكون في بعض الجهات من لا يكفيه من يليه فينجدهم بقوم آخرين ويكونون معهم ويوصي من يؤمره أن لا يحمل المسلمين على مهلكة ولا يامرهم بدخول مطمورة يخاف أن يقتلوا تحتها فان فعل ذلك فقد أساء ويستغفر الله تعالى ولا عقل عليه ولا كفارة إذا أصيب واحد منهم بطاعته لانه فعل ذلك باختياره، فان عدم الامام لم يؤخر الجهاد لان مصلحته تفوت بتأخيره، وان حصلت غنيمة قسموها على موجب الشرع، قال القاضي وتؤخر قسمة الاماء حتى يقوم إمام احتياطا للفروج فان بعث الامام جيشا وأمر عليهم اميرا فقتل أو مات فللجيش ان يؤمروا احدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم أمروا عليهم خالد بن الوليد فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فرضي امرهم وصوب رأيهم وسمى خالدا يومئذ (سيف الله) [ فصل ] قال احمد قال عمر رضي الله عنه وفروا الاظفار في ارض العدو فانه سلاح قال احمد يحتاج إليها في ارض العدو ألا ترى انه إذا اراد أن يحل الحبل أو الشئ فإذا لم يكن له اظفار لم يستطع وقال عن الحكم بن عمرو امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا نحفي الاظفار في الجهاد فان القوة الاظفار [ فصل ] قال احمد يشيع الرجل إذا خرج ولا يتلقونه شيع علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ولم يتلقه، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه انه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ويزيد راكب وأبو بكر رضي الله عنه يمشي فقال

[ 374 ]

له يزيد يا خليفة رسول اما ان تركب واما ان انزل انا فامشي معك فقال لا أركب ولا تنزل اني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله تعالى، وشيع أبو عبد الله أبا الحارث الصائغ ونعلاه في يديه وذهب إلى فعل أبي بكر رضي الله عنه اراد ان تغبر قدماه في سبيل الله وقال عن عوف بن مالك الخثعمي عن النبي صلى الله عليه وسلم (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) قال أحمد ليس للخثعمي صحبة وهو قديم (مسألة) (وتمام الرباط أربعون يوما وهو لزوم الثغر للجهاد) معنى الرباط الاقامة بالثغر مقويا للمسلمين على الكفار والثغر كل مكان يخيف أهل العدو ويخيفهم وأصله من رباط الخيل لان هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم كل يعد لصاحبه فسمي المقام بالثغر رباطا وان لم يكن خيل، وفيه فضل عظيم وأجر كبير قال أحمد ليس يعدل الجهاد والرباط شئ والرباط دفع عن المسليمن وعن حريمهم وقوة لاهل الثغر ولاهل الغزو فالرباط عندي أصل الجهاد وفرعه والجهاد افضل منه للعناء والتعب والمشقة وقد روي في فضل الرباط اخبار منها ما روى سلمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه فان مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن الفتان) رواه مسلم وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كل ميت يختم على عمله الا المرابط في سبيل الله فانه

[ 375 ]

ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن عثمان بن عثمان رضي الله عنه انه قال على المنبر: اني كنت كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني ثم بدا لي ان أحدثكموه ليختار امرؤ منكم لنفسه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (رباط يوم في سبيل الله خير من الف يوم فيما سواه من المنازل) رواه أبو داود والاثرم وغيرهما. إذا ثبت هذا فان الرباط يقل ويكثر فكل مدة اقامها بنية الرباط فهي رباط قلت أو كثرت ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (رباط يوم - ورباط ليلة) قال أحمد يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط وقال عن أبي هريرة رضي الله عنه من رابط يوما في سبيل الله كتب له أجر الصائم القائم ومن زاد زاده الله، وروى سعيد باسناده عن أبي هريرة قال رباط يوم في سبيل الله أحب الي من ان أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط وتمام الرباط أربعون يوما روي ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وقد ذكرنا خبر أبي هريرة، وروى أبو الشيخ في كتاب الثواب باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (تمام الرباط أربعون يوما) وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما انه قدم على عمر بن الخطاب من الرباط فقال له كم رابطت قال ثلاثين يوما قال عزمت عليك الا رجعت حتى تتمها أربعين يوما فان رابط أكثر فله أجره كما قال أبو هريرة ومن زاد زاده الله (فصل) وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفا لانهم أحوج ومقامه به انفع قال أحمد رحمه

[ 376 ]

الله: أفضل الرباط اشدهم كلبا وقيل لابي عبد الله فاين أحب اليك ان ينزل الرجل باهله؟ قال كل مدينة معقل للمسلمين مثل دمشق وقال أرض الشام أرض المحشر ودمشق موضع يجتمع الناس إليه إذا غلبت الروم، قيل لابي عبد الله فهذه الاحاديث التي جاءت (ان الله تكفل لي باهل الشام) ونحو هذا قال ما أكثر ما جاء فيه، وقيل له ان هذا في الثغور فأنكره وقال أرض القدس أين هي ولا يزال أهل الغرب ظاهرين؟ هم أهل الشام ففسر أحمد الغرب في هذا الحديث بالشام وهو صحيح رواه مسلم وانما فسره بذلك لان الشام يسمى مغربا لانه مغرب للعراق كما يسمى العراق مشرقا ولهذا قيل ولاهل المشرق ذات عرق وقد جاء في حديث مصرحا به (لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم بالشام) وفي حديث مالك بن يخامر عن معاذ رضي الله عنه قال (وهم بالشام) رواه البخاري وروى في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تزال طائفة بدمشق ظاهرين) وقد روي في الشام أخبار كثيرة منها حديث عبد الله بن حوالة الازدي رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (ستجندون أجنادا جندا بالشام وجندا بالعراق وجندا باليمن فقلت خرلي يا رسول الله قال عليك بالشام فانها خيرة الله من ارضه يجتبي إليها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق باليمن ويشق من غدره فان الله تكفل لي بالشام وأهله) رواه أبو داود بمعناه وكان أبو إدريس إذا روى هذا الحديث قال ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه وروي عن الاوزاعي قال اتيت المدينة فسألت من

[ 377 ]

بها من العلماء؟ فقيل محمد بن المنكدر ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقلت والله لابدأن بهذا قبلهم فدخلت إليه فأخذ بيدي وقال من أي اخواننا انت؟ قلت من أهل الشام قال من أيهم؟ قلت من أهل دمشق قال حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال (يكون للمسلمين ثلاث معاقل فمعقلهم في الملحمة الكبرى التي تكون بعمق انطاكية دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء)) رواه أبو نعيم في الحلية وعن أبي الدرداء رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ان فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام) رواه أبو داود (مسألة) (ولا يستحب نقل أهله إليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رباط يوم في سبيل الله خير من الف يوم فيما سواه من المنازل) قد ذكرنا هذا الحديث وهو صحيح رواه أبو داود وغيره واراد بالثغر ههنا الثغر المخوف وهذا قول الحسن والاوزاعي لما روى يزيد بن عبد الله قال قال: عمر رضي الله عنه لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر رواه الاثرم، ولان الثغور المخوفة لا يؤمن ظفر العدو بها وبمن فيها واستيلاؤهم على الذرية والنساء

[ 378 ]

قيل لابي عبد الله رحمه الله فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الاثم؟ قال كيف لا أخاف الاثم وهو يعرض ذريته للمشركين؟ وقال كنت آمر بالتحول بالاهل والعيال إلى الشام قبل اليوم فانا انهى عنه الآن لان الامر قد اقترب، وقال لابد لهؤلاء القوم من يوم قيل فذلك في آخر الزمان قال فهذا آخر الزمان قيل له فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها قال هذا للواحدة ليس الذرية قال الشيخ رحمه الله وهذا من كلام أحمد محمول على ان غير أهل الثغر لا يستحب لهم الانتقال بأهلهم إلى ثغر مخوف فأما أهل الثغر فلابد لهم من السكنى بأهلهم لولا ذلك لخربت الثغور وتعطلت وخص الثغر المخوف بالكراهة لان الخوف عليها أكثر ولان الغالب من غير المخوفة سلامتها وسلامة أهلها (فصل) ويستحب لاهل الثغر ان يجتمعوا في مسجد واحد بحيث إذا حضر النفير صادفهم مجتمعين فيبلغ الخبر جميعهم ويراهم عين الكفار فيعلم كثرتهم فيخوف بهم لانهم إذا كانوا متفرقين رأى الجاسوس قلتهم، وروي عن الاوزاعي انه قال في المساجد التي بالثغر لو ان لي عليها ولاية لسمرت أبوابها حتى تكون صلاتهم في مسجد واحد حتى إذا جاء النفير وهم متفرقون لم يكونوا مثلهم إذا كانوا في موضع واحد (فصل) في الحرس في سبيل الله وفيه ثواب عظيم وفضل كبير قال ابن عباس رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقول عينان لا تمسهما النار عين بكت من حشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وعن سهل بن الحنظلية أنهم سارو مع رسول

[ 379 ]

الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية قال من يحرسنا الليلة؟) قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله قال (فاركب) فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له (استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة) فلما اصبحنا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال (هل أحسستم فارسكم؟) قالوا لا فثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ابشروا قد جاء فارسكم) فإذا هو قد جاء حتى إذا وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اني انطلفت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم ار أحدا فقال له رسول الله (هل نزلت الليلة؟) قال لا إلا مصليا أو قاضي حاجة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها) رواه ابو داود، وعن عثمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها) رواه ابن سنجر (مسألة) (وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب وتستحب لمن قدر عليه) الهجرة هي الخروج من دار الكفر إلى دار الاسلام قال الله تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها؟) الآيات. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (أنا برئ من مسلم بين مشركين)

[ 380 ]

رواه أبو داود والنسائي والترمذي، ومعناه لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت في آي وأخبار سوى هذين كثير (فصل) وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة في قول عامة أهل العلم، وقال قوم قد انقطعت الهجرة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لاهجرة بعد الفتح) وقال (قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية) وروى ان صفوان بن أمية لما أسلم قيل له لا دين لمن لم يهاجر فأتى المدينة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (ما جاء بك أبا وهب؟) قال قيل انه لا دين لمن لم يهاجر قال (ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة أقروا على مساكنكم فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية) روى ذلك كله سعيد ولنا ما روى معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه أبو داود، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد) رواه سعيد وغيره مع إطلاق الآيات والاخبار الدالة عليها، وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان وأما الاحاديث الاول فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح، وقوله لصفوان (ان الهجرة قد انقطعت) يعني من مكة لان الهجرة الخروج من بلد الكفار فإذا فتح لم يبق بلد الكفار فلا تبقى منه هجرة، وهكذا كل بلد فتح لا تبقى منه هجرة إنما الهجرة النية

[ 381 ]

(فصل) والناس في الهجرة على ثلاثة أضرب [ أحدها ] من تجب عليه وهو ممن يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه أو لا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقول الله تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولان القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [ الثاني ] من لاهجرة عليه وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الاقامة أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) فهذه لا توصف باستحباب لعدم القدرة عليها (الثالث) من تستحب له ولا تجب عليه وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه مع إقامته في دار الكفار فيستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لامكان اقامة واجب دينه بدون الهجرة وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه مقيما بمكة مع إسلامه

[ 382 ]

وروي ان نعيم النحام حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي فقالوا له أقم عندنا وأنت على دينك ونحن نمنعك ممن يريد أذاك واكفنا ما كنت تكفينا وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد وقال له النبي صلى الله عليه وسلم (قومك كانوا خيرا لك من قومي لي: قومي أخرجوني وأرادوا قتلي وقومك حفظوك ومنعوك) فقال يا رسول الله قومك أخرجوك إلى طاعة الله وجهاد عدوه وقومي ثبطوني عن الهجرة وطاعة الله أو نحو هذا القول (مسألة) (ولا يجاهد من عليه دين لا وفاء له، ومن أحد أبويه مسلم إلا باذن غريمه وأبيه الا أن يتعين عليه الجهاد فانه لا طاعة لهما في ترك فريضة من كان عليه دين حال أو مؤجل لم يجز له الخروج إلى الغزو الا باذن غريمه الا أن يترك وفاء أو يقيم به كفيلا أو يوثقه برهن وبهذا قال الشافعي، ورخص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه لانه لا تتوجه عليه المطالبة به ولا حبسه من أجله فلم يمنع من الغزو كما لو لم يكن عليه دين ولنا أن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها، وقد روي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا يكفر عني خطاياي؟ قال (نعم إلا الدين فان جبريل قال لي ذلك) وأما إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لغريمه لانه تعلق بعينه فكان مقدما على ما في ذمته كسائر فروض الاعيان، ولكن يستحب له أن لا يتعرض لمظان القتل من المبارزة والوقوف في أول المقاتلة لان فيه تغريرا

[ 383 ]

بتفويت الحق، فان ترك وفاء أو اقام كفيلا فله الغزو بغير اذن نص عليه أحمد فيمن ترك وفاء لان عبد الله بن عمرو بن حرام خرج إلى احد وعليه دين كثير فاستشهد وقضاه عنه ابنه جابر بعلم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلمه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينكر فعله بل مدحه وقال (مازالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه) وقال لابنه جابر (أشعرت ان الله أحيا أباك وكلمه كفاحا) (فصل) ومن كان أبواه مسلمين لم يجاهد بغير اذنهما تطوعا روي نحو ذلك عمر وعثمان رضي الله عنهما وبه قال مالك والاوزاعي والثوري والشافعي وسائر أهل العلم لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أجاهد؟ قال (ألك أبوان؟) قال نعم قال (ففيهما فجاهد) وروى ابن عباس نحوه قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي رواية قال: جئت ابايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان قال (ارجع اليهما فاضحكهما كما ابكيتهما) وعن ابي سعيد ان رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (هل لك باليمن احد؟) قال نعم ابواي، قال (أذنا لك؟) قال لا، قال (فارجع فاستأذنهما فان أذنا لك فجاهد والا فبرهما) رواهن ابو داود، ولان بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين يقدم وكذلك ان كان أحدهما مسلما لم يجاهد بغير إذنه لان بره فرض عين فقدم على الجهاد كالابوين، فأما ان كانا غير مسلمين فلا اذن لهما وهذا قول الشافعي وقال الثوري لا يغزو إلا باذنهما لعموم الاخبار

[ 384 ]

ولنا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهدون وفيهم من أبواه كافران ولم يستأذنهما منهم أبو بكر الصديق وأبو حذيفة بن عتبة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأبوه رئيس المشركين يومئذ وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد فأنزل الله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر) الآية وهذا يخص عموم الاخبار فان كانا رقيقين فعموم كلامه ههنا يقتضي وجوب استئذانهما وهو ظاهر كلام الخرقي لظاهر الاخبار ولانهما مسلمان اشبها الحرين ويحتمل أن لا يعتبر اذنهما لانه لا ولاية لهما فان كانا مجنونين فلا اذن لهما لعدم اعتبار قولهما. (فصل) فان تعين عليه الجهاد سقط اذنهما وكذلك كل فرائض الاعيان لا طاعة لهما في تركها لان تركها معصية ولاطاعة لاحد في معصية الله وكذلك كل ما وجب كالحج وصلاة الجماعة والجمع والسفر للعلم الواجب لانها فرض عين فلم يعتبر إذن الابوين فيها كالصلاة ولان الله تعالى قال (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ولم يشترط اذن الوالدين. (فصل) فان خرج في جهاد تطوع باذنهما فمنعاه منه بعد سيره وقبل تعينه عليه فعليه الرجوع لانه معنى لو وجد في الابتداء منع فمنع إذا وجد في أثنائه كسائر الموانع إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع أو يحدث له عذر من مرض أو نحوه فان أمكنه الاقامة في الطريق وإلا مضى مع الجيش وإذا حضر الصف تعين عليه لحضوره وسقط اذنهما وان كان رجوعهما عن الاذن بعد تعين الجهاد عليه لم يؤثر

[ 385 ]

شيئا وان كانا كافرين فأسلما ومنعاه كان كمنعهما بعد اذنهما سواء، وحكم الغريم يأذن في الجاد ثم يمنع منه حكم الوالد على ما فصلناه، فأما ان حدث للانسان في نفسه مرض أو عمى أو عرج فله الانصراف سواء التقى الصفان أو لا لانه لا يمكنه القتال فلا فائدة في مقامه. (فصل) فان أذن له والداه في الجهاد وشرطا عليه أن لا يقاتل فحضر القتال تعين عليه وسقط شرطهما كذلك قال الاوزاعي وابن المنذر لانه صار واجبا عليه فلم يبق لهما في تركه طاعة ولو خرج بغير اذنهما فحضر القتال ثم بدا له الرجوع لم يجز له ذلك. (مسألة) (ولا يجوز للمسلمين الفرار من ضعفهم إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة فان زاد الكفار فلهم الفرار إلا أن يغلب على ظنهم الظفر) وجملة ذلك أنه إذا التقى المسلمون والكفار وجب الثبات وحرم الفرار لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا) وقوله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار) الآية، وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم الفرار من الزحف من الكبائر وحكي عن الحسن والضحاك أن هذا كان يوم بدر خاصة ولا يجب في غيرها.

[ 386 ]

ولنا أن الامر مطلق والخبر عام فلا يجوز التقييد والتخصيص إلا بدليل، وإنما يجب الثبات بشرطين (أحدهما) أن لا يزيد الكفار على ضعف المسلمين فان زادوا جاز الفرار لقول الله تعالى (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) وهذا وان كان لفظه لفظ الخبر فهو أمر بدليل قوله (الآن خفف الله عنكم) ولو كان خبرا على حقيقته لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفا ولان خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره وقد علم أن الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون فعلم انه أمر وفرض ولم يأت شئ ينسخ هذه الآية في كتاب ولا سنة فوجب الحكم بها، قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) فشق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم جاء تخفيف فقال (الآن خفف الله عنكم - إلى قوله - يغلبوا مائتين) فلما خفف الله عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد، رواه أبو دواد وقال ابن عباس من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فما فر (الثاني) ان لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة ولا التحرف لقتال فان قصد أحد هذين أبيح له لان الله تعالى قال (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) ومعنى التحرف للقتال أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما أو من نزول إلى علو أو من معطشة إلى موضع

[ 387 ]

ماء أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم أو تنفرد خيلهم من رجالتهم أو ليجد فيهم فرصة أو ليستند إلى جبل ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يوما في خطبته إذا قال يا سارية بن زنيم الجبل ظلم الذئب من استرعاه الغنم فانكرها الناس، فقال علي رضي الله عنه دعوه فلما نزل سألوه عما قال لهم فلم يعترف به وكان بعث سارية إلى ناحية العراق لغزوهم فلما قدم ذلك الجيش أخبروا أنهم لقوا عدوهم يوم الجمعة فظفر عليهم فسمعوا صوت عمر فتحيزوا إلى الجبل فنجوا من عدوهم وانتصروا عليهم وأما التحيز إلى فئة فهو ان يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم فيقوى بهم على عدوه وسواء بعدت المسافة أو قربت قال القاضي لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز جاز التحيز إليها ونحوه ذكر أصحاب الشافعي لان ابن عمر رضي الله عنهما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إني فئة لكم) كانوا بمكان بعيد عنه وقال عمر رضي الله عنه انا فئة كل مسلم وكانوا بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان رواهما سعيد، وقال عمر رضي الله عنه رحم الله أبا عبيد لو كان تحيز إلي لكنت له فئة. وإذا خشي الاسر فالاولى ان يقاتل حتى يقتل ولا يسلم نفسه للاسر لانه يفوز بالثواب والدرجة الرفيعة ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة، فان استأسر جاز لما روى أبو هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت فنفرت

[ 388 ]

إليهم هذيل بقريب من مائة رجل رام فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤا إلى فدفد فقالوا لهم انزلوا فاعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ان لا نقتل منكم أحدا فقال عاصم اما انا فلا أنزل في ذمه مشرك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما مع سبعة معه ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة فلما استمكنوا منهم اطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها متفق عليه فعاصم أخذ بالعزيمة وخبيب وزيد أخذا بالرخصة وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم (فصل) فان كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب عن ظن المسلمين الظفر فالاولى لهم الثبات لما في ذلك من المصلحة ويجوز لهم الانصراف لانهم لا يأمنون العطب والحكم علق على مظنته وهو كونهم أقل من نصف عدوهم ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف وان كان غلب عل ظنهم الهلاك فيه، ويحتمل ان يلزمهم الثبات إذا غلب على ظنهم الظفر لما فيه من المصلحة فان غلب على ظنهم الهلاك في الاقامة والسلامة في الانصراف فالاولى لهم الانصراف وان ثبتوا جاز لان لهم غرضا في الشهادة مع جواز الغلبة أيضا وان غلب على ظنهم الهلاك في الاقامة والانصراف فالاولى لهم الثبات لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين فيكونوا افضل من المولين ولانه يجوز ان يغلبوا أيضا فقد قال تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله) الآية ولذلك صبر عاصم وأصحابه فقاتلوا حتى أكرمهم الله بالشهادة

[ 389 ]

[ فصل ] فان جاء العدو بلدا فلاهله التحصن منهم وان كانوا أكثر من نصفهم ليلحقهم مدد أو قوة ولا يكون ذلك توليا ولا فرارا إنما التولي بعد اللقاء فان لقوهم خارج الحصن فلهم التحيز إلى الحصن لانه بمنزلة التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة، وان غزوا فذهبت دوابهم فليس ذلك عذرا في الفرار لان القتال ممكن للرجالة وان تحيزو إلى جبل ليقاتلوا فيه رجالة فلا بأس لانه تحرف للقتال وان ذهب سلاحهم فتحيزوا إلى مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة والتستر بالشجر ونحوه أولهم في التحيز إليه فائدة جاز (فصل) وان فروا قبل احراز الغنيمة فلا شئ لهم إذا أحرزها غيرهم لان ملكها لمن احرزها وان ادعوا أنهم فروا متحيزين إلى فئة أو متحرفين للقتال فلا شئ لهم أيضا لذلك وان فروا بعد احراز الغنيمة لم يسقط سهمهم منها لانهم ملكوا الغنيمة بحيازتها فلم يزل ملكهم عنها بفرارهم (مسألة) (فان القي في مركبهم نار فاشتعلت فيه فالذي يغلب على ظنهم السلامة فيه من المقام أو إلقاء أنفسهم في الماء فالاولى لهم فعله وان استوى عندهم الامران فقال أحمد رحمه الله كيف شاء صنع) قال الاوزاعي هما موتتان فاختر ايسرهما وعنه يلزمهم المقام ذكرها ابو الخطاب لانهم إذا رموا أنفسهم بالماء كان موتهم بفعلهم وإذا أقاموا فموتهم بفعل غيرهم (فصل) قال رضي الله عنه (ويجوز تبييت الكفار ورميهم بالمنجنيق وقطع المياه عنهم وهدم حصونهم) معنى تبييت الكفار كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارون قال أحمد لا بأس بالبيات وهل غزو

[ 390 ]

الروم الا بالبيات؟ قال ولا نعلم احدا كره بيات العدو وذلك لما روى الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسئل عن الديار من ديار المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال (هم منهم) متفق عليه وقد قال سلمة بن الاكوع رضي الله عنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر رضي الله عنه فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم رواه أبو داود، فان قيل فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والذرية، قلنا هذا محمول على التعمد قتلهم (لقتلهم) قال أحمد أما ان يتعمد قتلهم فلا قال وحديث الصعب بعد نهيه وعن قتل النساء لان نهيه عن قتل النساء حين بعث إلى ابن أبي الحقيق وعلى ان الجمع بينهما يحمل النهي على التعمد والاباحة على ما عداه ويجوز رميهم بالمنجنيق لان النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، وظاهر كلامه ههنا أنه يجوز مع الحاجة وعدمها للحديث وممن رأى ذلك الثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقد روي عن عمرو بن العاص انه نصب المنجنيق على الاسكندرية ولان القتال به معتاد اشبه الرمي بالسهام وبجوز رميهم بالنار وهدم حصونهم وقطع المياه عنهم وان تضمن ذلك اتلاف النساء والصبيان لحديث الصعب بن جثامة في البيات وهذا في معناه ولان النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق وهو يهدم الحصون عادة (مسألة) (ولا يجوز احراق نحل ولا تغريقه) هذا قول عامة أهل العلم منهم الاوزاعي والليث والشافعي وقيل لمالك انحرق بيوت نحلهم؟ فقال

[ 391 ]

ما النحل فلا ادري ما هو؟ ومقتضى مذهب ابي حنيفة اباحته لان فيه غيظا لهم واضعافا فاشبه قتل بهائمهم حال قتالهم ولنا ماروي عن ابي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال ليزيد بن ابي سفيان حين بعثه اميرا على على القتال بالشام ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قدم عليه ابن اخيه من غزاة غزاها فقال لعلك حرقت حرثا؟ قال نعم قال لعلك حرقت نحلا؟ قال نعم قال لعلك قتلت صبيا قال نعم قال ليكن غزوك كفافا اخرجهما سعيد ونحو ذلك عن ثوبان ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النحلة ولانه افساد فيدخل في عموم قوله تعالى (وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يجب الفساد) ولانه حيوان ذو روح فلم يجز قتله ليغيظهم كنسائهم وصبيانهم فاما أخذ العسل وأكله فمباح لانه من الطعام المباح، وهل يجوز أخذ الشهد كله؟ فيه روايتان [ إحداهما ] لا يجوز لان فيه هلاك النحل [ والثانية ] يجوز لان هلاكه انما يحصل ضمنا غير مقصود فاشبه قتل النساء في البيات (مسألة) (ولا يجوز عقر دابة ولا ذبح شاة إلا لاكل يحتاج إليه) اما عقر دوابهم في غير حال الحرب لمغايظتهم والافساد عليهم فلا يجوز سواء خفنا اخذهم لها أو

[ 392 ]

لم نخف وبهذا قال الليث والاوزاعي والشافعي وابو ثور وقال ابو حنيفة ومالك يجوز لان فيه غيظا لهم وإضعافا لقوتهم فاشبه قتلها حال قتالهم ولنا ان أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في وصيته ليزيد حين بعثه أميرا: يا يزيد لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شجرا مثمرا ولا دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تجبن فان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل شئ من الدواب صبرا، ولانه حيوان ذوحرمة فاشبه قتل النساء والصبيان، فاما حال الحرب فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن بخلاف حالهم إذا قدر عليهم ولهذا جاز قتل النساء والصبيان في البيات وفي المطمورة وإذا لم يتعمد قتلهم منفردين بخلاف حالة القدرة عليهم، وقتل بهائمهم حال القتال يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم وقد روي ان حنظلة بن الراهب عقر فرس أبي سفيان به يوم احد فرمت به فخلصه ابن شعوب وليس في هذا خلاف (فصل) فاما عقرها للاكل فان كانت الحاجة داعية إليه ولابد منه فمباح لان الحاجة تبيح مال المعصوم فمال الكفار اولى، وان لم تكن الحاجة داعية وكان الحيوان لا يراد إلا للاكل كالدجاج والحمام وسائر الطير والصيود فحكمه حكم الطعام في قول الجميع لانه لا يراد لغير الاكل وتقل قيمته فاشبه الطعام، وان كان مما يحتاج إليه في القتال كالخيل لم يجز ذبحه للاكل في قولهم جميعا وان كان غير

[ 393 ]

ذلك كالبقر والغنم لم يبح وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي ظاهر كلام أحمد اباحته لان هذا الحيوان في باب الاكل مثل الطعام فكان مثله في اباحته كالطير وإذا ذبح الحيوان أكل لحمه وليس له الانتفاع بجلده لانه انما ابيح له ما يأكله دون غيره قال عبد الرحمن بن معاذ كلوا لحم الشاة وردوا اهابها إلى المغنم. ووجه الاول ماروى سعيد عن أبي الاحوص عن سماك بن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال اصبنا غنما للعدو فانتهبناها فنصبنا قدورنا فمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور وهي تغلي فأمر بها فاكفئت ثم قال لهم (ان النهبة لا تحل) ولان هذه الحيوانات تكثر قيمتها وتشح بها انفس الغانمين ويمكن حملها إلى دار الاسلام بخلاف الطير والطعام لكن ان اذن الامير فيها جاز لما روى عطية بن قيس قال كنا إذا خرجنا في سرية فاصبنا غنما نادى منادي الامام الا من أراد ان يتناول شيئا من هذه الغنم فليتناول انا لا نستطيع سياقتها رواه سعيد وكذلك قسمها لما روى معاذ رضي الله عنه قال غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فاصبنا غنما فقسم بيننا النبي صلى الله عليه وسلم طائفة وجعل بقيتها في المغنم رواه أبو داود وروى سعيد باسناده ان رجلا نحر جزورا بارض الروم فلما بردت قال أيها الناس خذوا من لحم هذا الجزور فقد اذنا لكم فقال مكحول يا غساني ألا تأتينا من لحم هذا الجزور فقال يا أبا عبد الله ألا ترى ما عليها من النهي؟ قال محكول لا نهي في المأذون فيه

[ 394 ]

قال شيخنا ولم يفرق اصحابنا بين جميع البهائم في هذ المسألة، ويقوى عندي ان ما عجز المسلمون عن سياقته وأخذه ان كان مما يستعين به الكفار كالخيل جاز عقره واتلافه لانه مما يحرم إيصاله إلى الكفار بالبيع فتركه لهم بلا عوض اولى بالتحريم، وان كان مما يصلح للاكل فللمسلمين ذبحه والاكل منه مع الحاجة وعدمها، وما عدا هذين القسمين لا يجوز اتلافه لانه مجرد افساد واتلاف وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة (مسألة) (وفي حرق شجرهم، وزرعهم وقطعه روايتان (إحداهما) يجوز ان لم يضر بالمسلمين (والثانية) لا يجوز إلا ان لا يقدر عليهم الا به أو يكونوا يفعلونه بنا وكذلك رميهم بالنار وفتح الماء ليغرقهم وجملة ذلك ان الزرع والشجر ينقسم ثلاثة اقسام (احدها) ما تدعو الحاجة إلى اتلافه كالذي يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم أو يستترون به من المسلمين أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة الطريق أو تمكن من قتال أو سد شئ أو اصلاح طريق أو ستارة منجنيق أو غيره أو لا يقدر عليهم الا به أو يكونوا يفعلون ذلك بنا فيفعل ذلك بهم لينتهوا فهذا يجوز بغير خلاف نعلمه (الثاني) ما يتضرر المسلمون بقطعه لكونهم ينتفعون ببقائه لعلوفهم أو يستظلون به أو ياكلون

[ 395 ]

من ثمره أو تكون العادة لم تجر بذلك بيننا وبين عدونا فإذا فعلناه بهم فعلوه بنا فهذا يحرم لما فيه من الاضرار بالمسلمين (الثالث) ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه بالمسلمين فلا نفع سوى غيظ الكفار والاضرار بهم ففيه روايتان (احداهما) لا يجوز لحديث ابي بكر رضي الله عنه ووصيته وقد روي نحو ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولان فيه اتلافا محضا فلم يجز كعقر الحيوان، وبه قال الاوزاعي والليث وأبو ثور (والرواية الثانية) يجوز به قال مالك والشافعي واسحاق وابن المنذر، قال اسحاق التحريق سنة إذا كان أنكى في العدو ولقول الله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اصولها فباذن الله وليخزي الفاسقين ] وروى ابن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطعه وهي البويرة فانزل الله تعالى (ما قطعتهم من لينة) ولها يقول حسان وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير متفق عليه. وعن الزهري قال: فحدثني عروة قال فحدثني اسامة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليه فقال (أغر على أبناء صباحا وحرق) رواه أبو داود، قيل لابي مسهر أبناء؟ قال نحن أعلم هي ببنا فلسطين والصحيح انها أبناء كما جاءت الرواية وهي قريبة من أرض الكرك في أطراف الشام في الناحية التي قتل فيها أبوه، فأما ببنا فهي من أرض فلسطين ولم يكن اسامة ليصل إليها ولا أمره النبي صلى الله عليه وسلم

[ 396 ]

بالاغارة عليها لبعدها والخطر بالمصير إليها لتوسطها في البلاد وبعدها من أطراف الشام، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليأمره بالتغرير بالمسلمين فكيف يحمل الخبر عليها مع مخالفة لفظ الرواية وفساد المعنى؟ (فصل) ومتى قدر على العدو لم يجز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأمر بتحريق أهل الردة بالنار وفعله خالد بن الوليد بأمره. فأما اليوم فلا نعلم فيه خلافا بين الناس، وقد روى حمزة الاسلمي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امره على سرية قال فخرجت فيها فقال ان أخذتم فلانا فاحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت فقال (ان أخذتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فانه لا يعذب بالنار إلا رب النار) رواه أبو داود وسعيد، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث حمزة فأما رميهم بالنار قبل أخذهم فان أمكن أخذهم بدونها لم يجز لانهم في معنى المقدور عليه وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم منهم الاوزاعي والثوري والشافعي وقد روى سعيد باسناده عن صفوان بن عمرو وجرير بن عثمان ان جنادة بن أبي أمية الازدي و عبد الله بن قيس الفزاري وغيرهما من ولاة البحر ومن بعدهم كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار ويحرقونهم هؤلاء لهؤلاء وهؤلاء لهؤلاء، قال عبد الله بن قيس ولم يزل أمر المسلمين على ذلك

[ 397 ]

وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم لغرقهم وان قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا، وان لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك (فصل) قال الاوزاعي: إذا كان العدو في المطمورة فعلمت انك تقدر عليهم بغير النار فأحب الي ان يكف عن النار وان لم يمكن ذلك وأبوا أن يخرجوا فلا أرى بأسا وان كان معهم ذرية قد كان المسلمون يقاتلون بها ونحو ذلك قال سفيان وهشام ويدخن عليهم قال أحمد أهل الشام أعلم بهذا (مسألة) (وإذا ظفر بهم لم يقتل صبي ولا امرة ولا راهب ولا شيخ فان ولا أعمى، لا رأي لهم الا ان يقاتلوا) إذا ظفر بالكفار لم يجز قتل صبي لم يبلع بغير خلاف لما روى ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، متفق عليه ولان الصبي يصير رقيقا بنفس السبي ففي قتله إتلاف المال وإذا سبي منفردا صار مسلما فاتلافه اتلاف من يمكن جعله مسلما، والبلوغ يحصل بثلاثة أشياء الاحتلام وهو خروج المني من ذكر الرجل أو قبل المرأة في يقظة أو منام ولا خلاف فيه وقد دل عليه قوله تعالى (وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ (خذ من كل حالم دينارا) وقال (لا يتم بعد احتلام) رواهما ابو داود (الثاني) نبات الشعر الخشن حول القبل وهو علامة على البلوغ لما روى عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم

[ 398 ]

ينبت رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وعن كثير بن السائب قال حدثني أبناء قريظة انهم عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم فمن كان منهم محتلما أو نبتت عانته قتل، ومن لا ترك أخرجه الاثرم وحكي عن الشافعي أن هذا بلوغ في حق الكفار لانه لا يمكن الرجوع إلى قولهم في الاحتلام وعدد السنين وليس بعلامة عليه في المسلمين لامكان ذلك فيهم ولنا قول ابي بصرة وعقبة بن عامر رضي الله عنهما حين اختلف في بلوغ قرع المهري: انظروا فان كان قد أشعر فاقسموا له فنظر إليه بعض القوم فإذا هو قد أنبت فقسموا له ولم يظهر خلافه فكان إجماعا، ولان ما كان علما على البلوغ في حق الكفار كان علما عليه في حق المسلم كالاحتلام والسن وقولهم انه يتعذر في حق الكافر معرفة الاحتلام والسن. قلنا لا يتعذر معرفة السن في الذمي الناشئ بين المسلمين ثم تعذر المعرفة لا يوجب جعل ما ليس بعلامة علامة بغير الاثبات (الثالث) بلوغ خمس عشرة سنة لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني في المقاتلة قال نافع فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث فقال هذا فصل ما بين الرجل وبين الغلمان متفق عليه وهذه العلامات الثلاث في حق الذكر والانثى وتزيد الانثى بالحمل والحيض فمن لم يوجد فيه علامة منهن فهو صبي يحرم قتله

[ 399 ]

(فصل) ولا تقتل امرأة ولاشيخ فان وبذلك قال مالك وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق ومجاهد، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى (ولا تعتدوا) يقول تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير، وقال الشافعي في أحد قوليه وابن المنذر يجوز قتل الشيوخ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم) رواه ابو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولانه يدخل في عموم قوله تعالى (اقتلوا المشركين) ولانه كافر لا نفع في حياته فيقتل كالشاب ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة) رواه ابو داود، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه اوصى يزيد حين وجهه إلى الشام فقال: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولاهرما، وعن عمر رضي الله عنه أنه أوصي سلمة بن قيس فقال لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا شيخا هرما رواهما سعيد ولانه ليس من أهل القتال فلا يقتل كالمرأة، وقد أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العلة في المرأة فقال (ما بالها قتلت وهي لا تقاتل؟) والآية مخصوصة بما روينا ولانه قد خرج عن عمومها المرأة والشيخ الهرم في معناها وحديثهم أراد به الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال ومعونة عليه برأي أو تدبير جمعا بين الاحاديث، ولان حديثنا خاص في الشيخ الهرم، وحديثم عام في الشيوخ والخاص يقدم على العام. وقياسهم ينتقض بالعجوز التي لا نفع فيها، ولا يقتل خنثى مشكل لانه لا يعلم كونه رجلا

[ 400 ]

(فصل) ولا يقتل زمن ولا أعمى ولا راهب والخلاف فيهم كالخلاف في الشيخ وحجتهم فيه ولنا ان الزمن والاعمى ليسا من اهل القتال أشبها المرأة ولان في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وستمرون على أقوام في صوامع لهم احتبسوا أنفسهم فيها فدعهم يحتى يميتهم الله على ضلالتهم ولانهم لا يقاتلوه تدينا فأشبهوا من لا يقدر على القتال (فصل) ولا يقتل العبيد وبه قال الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أدركوا خالدا فمروه أن لا يقتل ذرية ولاعسيفا وهم العبيد) ولانهم يصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبي أشبهوا النساء والصبيان (فصل) ومن قاتل مما ذكرنا جميعهم جاز قتله. لا نعلم فيه خلافا لان النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم قريظة امرأة ألقت رحى على محمود بن سلمة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة مقتولة يوم الخندق فقال (من قتل هذه؟) قال رجل أنا يارسول الله قال (ولم؟) قال نازعتني قائم سيفي قال فسكت ولان النبي صلى الله عليه وسلم وقف على امرأة مقتولة فقال (ما بالها قتلت وهي لا تقاتل؟) وفيه دليل على انه انما نهى عن قتل المرأة اذالم تقاتل وكذلك من كان من هؤلاء الرجال المذكورين ذا رأي يعين به في الحرب جاز قتله لان دريد بن الصمة قتل يوم حنين وهو شيخ لا قتال فيه وكانوا خرجوا به معهم

[ 401 ]

يتيمنون به ويستعينون برأيه فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قتله ولان الرأي من أعظم المعونة في الحرب وربما كان أبلغ من القتال كما قال المتنبي الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة * بلغت من العلياء كل مكان ولربما طعن الفتى أقرانه * بالرأي قبل تطاعن الفرسان وقد جاء عن معاوية رضي الله عنه انه قال لمروان والاسود امددتما عليا بقيس بن سعد وبرأيه ومكايدته فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان باغيظ لي من ذلك، فأما المريض فيقتل إذا كان ممن لو كان صحيحا قاتل لانه كالاجهاز على الجريح فان كان مأيوسا من برئه فهو بمنزلة الزمن فلا يقتل لانه لا يخاف منه أن يصير إلى حال يقاتل فيها (فصل) فأما الفلاح الذي لا يقاتل فينبغي ان لا يقتل لما روي عن عمر رضي الله عنه انه قال (اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب) وقال الاوزاعي لا يقتل الحراث إذا علم انه ليس من المقاتلة وقال الشافعي يقتل الا أن يؤدي الجزية لدخوله في عموم المشريكن ولنا قول عمر ولان الصحابة رضي الله عنهم لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد ولانهم لا يقاتلون أشبهوا الشيوخ والرهبان

[ 402 ]

(مسألة) (فان تترسوا بهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة) إذا تترسوا في الحرب بالنساء والصبيان ومن لا يجوز قتله جاز رميهم ويقصد المقاتلة لان النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان ولان كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد لانهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم وسواء كانت الحرب ملتحمة أو لا لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب (فصل) ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا لما روى سعيد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها فقالت (ها دونكم فارموا) فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذاك منها ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها لانه من ضرورته وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال لانها في معنى المقاتل وكذلك الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منعنا قتله منهم (مسألة) (وان تترسوا بالمسلمين لم يجز رميهم إلا ان يخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار) إذا تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لامكان القدرة عليهم بدونه أو للامن من شرهم لم يجز رميهم فان رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه وان دعت الحاجة إلى

[ 403 ]

رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم للضرورة ويقصد الكفار فان لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي فقال الاوزاعي والليث لا يجوز رميهم وهو ظاهر كلامه في هذا الكتاب لقول الله تعالى (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) الآية قال الليث ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق وقال القاضي يجوز رميهم حال قيام الحرب لان تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد فعلى هذا ان قتل مسلما فعليه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان ووجههما يذكر في موضعه وقال أبو حنيفة لا دية ولا كفارة فيه لانه رمي أبيح مع العلم بحقيقه الحال فلم يوجب شيئا كرمي من أبيح رميه ولنا قوله تعالى (وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) ولانه قتل معصوما بالايمان وهو من أهل الضمان أشبه مالو لم يتترس به (مسألة) (ومن أسر أسيرا لم يجز له قتله حتى يأتي به الامام الا أن يمتنع من السير معه ولا يمكنه إكراهه) لا يجوز لمن أسر أسيرا قتله حتى يأتي به الامام فيرى فيه رأيه لانه إذا صار أسيرا فالخيرة فيه إلى الامام وقد روي عن أحمد كلام يدل على إباحة قتله فانه قال لا يقتل أسير غيره إلا أن يشاء الوالي

[ 404 ]

فمفهومه ان له قتل أسيره بغير إذن الوالي لان له ان يقتله ابتداء فكان له قتله دواما كما لو هرب منه أو قاتله، فان امتنع الاسير أن ينقاد معه فله إكراهه بالضرب وغيره فان لم يمكن إكراهه فله قتله وكذلك إن خافه أو خاف هربه وإن امتنع من الانقياد معه بجرح أو مرض فله قتله وتوقف احمد عن قتله والصحيح الاول كالتذفيف على الجريح ولان تركه حيا ضرر على المسلمين وتقوية للكفار فتعيين القتل كحالة الابتداء وكجريحهم إذا لم يأسره. فأما أسير غيره فلا يجوز قتله إلا ان يصير إلى حال يجوز قتله لمن اسره وقد روى يحيى بن أبي بكير ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يتعاطين احدكم اسير صاحبه إذا أخذه فيقتله) رواه سعيد فان قتل اسيره أو اسير غيره قبل ذلك اساء ولا ضمان عليه وبه قال الشافعي وقال الاوزاعي ان قتله قبل ان يأتي به الامام لم يضمنه وإن قتله بعد ذلك ضمنه لانه اتلف من الغنيمة ماله قيمة فضمنه بقيمته كما لو قتل امرأة ولنا ان عبد الرحمن بن عوف أسر امية بن خلف وابنه عليا يوم بدر فرأهما بلال فاستصرخ الانصار عليهما حتى قتلوهما ولم يغرموا شيئا ولانه اتلف ما ليس بمال فلم يغرمه كما لو اتلفه قبل ان يأتي به الامام ولانه اتلف ما لا قيمة له قبل ان يأتي به الامام فلم يغرمه كما لو اتلف كلبا فأما إن قتل امرأة أو صبيا ضمنه لانه صار رقيقا بنفس السبي

[ 405 ]

(فصل) ومن أسر أسيرا فادعى أنه كان مسلما لم يقبل قوله إلا ببينة لانه يدعي امرا الظاهر خلافه يتعلق به اسقاط حق تعلق برقبته، فان شهد له واحد حلف معه وخلي سبيله وقال الشافعي لا يقبل إلا شهادة عدلين لانه ليس بمال ولا يقصد منه المال ولنا ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر (لا يبقى منهم أحد الا أن يفدى أو يضرب عنقه) فقال عبد الله بن مسعود الا سهيل بن بيضاء فاني سمعته يذكر الاسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إلا سهيل بن بيضاء) فقبل شهادة عبد الله وحده (مسألة) (ويخير الامير في الاسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بمسلم أو بمال وعنه لا يجوز بمال إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان ولايجوز ان يختار الا الاصلح للمسلمين) وجملة ذلك ان من اسر من دار الحرب على ثلاثة أضرب (أحدها) النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم بغير خلاف ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبي لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والولدان متفق عليه وكان عليه الصلاة والسلام يسترقهم إذا سباهم (الثاني) الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيتخير الامام فيهم بين أربعة أشياء القتل والمن بغير عوض والمفاداة بهم واسترقاقهم (الثالث) الرجال ممن لايقر بالجزية فيخير الامام فيهم بين القتل والمن والفداء ولايجوز

[ 406 ]

استرقاقهم في إحدى الروايتين اختارها الخرقي وهو قول الشافعي [ والثانية ] يجوز استرقاقهم لانه كافر اصلي أشبه أهل الكتاب ويحتمل ان يكون جواز استرقاقهم مبنيا على أخذ الجزية منهم فان قلنا بجوازها جاز استرقاقهم وإلا فلا وقال أبو حنيفة يجوز في العجم دون العرب بناء على قوله في أخذ الجزية منهم ولنا أنه كافر لا يقر بالجزية فلم يجز استرقاقه كالمرتد، والدليل على أنه لا يقر بالجزية يذكر في باب عقد الذمة ان شاء الله تعالى (فصل) وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الاوزاعي والشافعي وأبو ثور وعن مالك كمذهبنا وعنه لا يجوز المن بغير عوض لانه لا مصلحة فيه وانما يجوز للامام فعل ما فيه المصلحة وحكي عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهية قتل الاسرى وقالوا لو من عليه أو فاداه كما صنع باسارى بدر ولان الله تعالى قال (فشدوا الوثاق فاما منا بعد واما فداء) فخيره بعد الاسربين هذين لا غير وقال أصحاب الرأي ان شاء قتلهم وان شاء استرقهم لاغير ولافداء لان الله تعالى قال (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) بعد قوله (فاما منا بعد واما فداء) وكان عمر بن عبد العزيز وعياض بن عقبة يقتلان الاسارى ولنا على جواز المن والفداء الآية المذكورة وان النبي صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن اثال وابي عزة الشاعر وأبي العاص بن الربيع وقال في أسارى بدر (لو كان مطعم بن عدي حيا ثم سألني هؤلاء

[ 407 ]

النتنى لا طلقتهم له) وفادى اسرى بدر وفادى يوم أحد رجلا برجلين وصاحب العضباء برجلين وأما القتل فان النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرا وقتل أبا عزة يوم أحد وهذه قصص اشتهرت وعلمت وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم مرات وهو دليل على جوازها، ولان كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الاسرى فان فيهم من له قوة ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه اصلح ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى اسلامه بالمن عليه أو معونته للمسلمين بتخليص اسراهم أو الدفع عنهم فالمن عليه أصلح ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان والامام أعلم بالمصلحة ففوض ذلك إليه. إذا ثبت ذلك فان هذا تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز اختيار غيرها لانه يتصرف لهم على سبيل النظر لهم فلم يجز له ترك ما فيه الحظ كولي اليتيم ومتى حصل عنده تردد في هذه الخصال فالقتل اولى قال مجاهد في اميرين (احدهما) يقتل الاسرى وهو افضل وكذلك قال مالك وقال اسحاق الاثخان احب إلى إلا ان يكون معروفا يطمع به في الكثير فمتى رأى القتل ضرب عنقه بالسيف لقول الله تعالى [ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ] ولان النبي صلى الله عليه وسلم امر بضرب اعناق الذين قتلهم ولا يجوز التمثيل به لما روى بريدة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا امر رجلا على جيش أو سرية قال (اغزوا

[ 408 ]

بسم الله قاتلوا من كفر بالله ولا تعذبوا ولا تمثلوا) وان اختار الفداء جاز ان يفدي بهم اسارى المسلمين وجاز بالمال لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل الامرين وفيه رواية اخرى انه لا يجوز بمال كمالا يجوز بيع رقيق المسلمين للكفار في إحدى الروايتين ولانه إذا لم يجز ان نبيعهم السلاح لما فيه من تقويتهم على المسلمين فبيع انفسهم اولى ومنع احمد رحمه الله من فداء النساء بالمال لان في بقائهن تعريضا لهن للاسلام لبقائهن عند المسلمين وجوز ان يفادى بهن اسارى المسلمين لان النبي صلى الله عليه وسلم فادى بالمرأة التي اخذها من سلمة بن الاكوع ولان في ذلك استنقاذ مسلم متحقق اسلاما فاحتمل تفويت غرضية الاسلام من أجله ولا يلزم من ذلك احتمال فدائها لتحصيل المال فأما الصبيان فقال احمد لا يفادى بهم لان الصبي يصير مسلما باسلام سابيه فلا يجوز رده إلى المشركين وكذلك المرأة إذا أسلمت لا يجوز ردها إلى الكفار لقول الله تعالى (فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) وان كان الصبي غير محكوم باسلامه كمن سبي مع أبويه فلا يجوز فداؤه بمال كالمرأة ويجوز فداؤه بمسلم في أحد الوجهين (فصل) ومن استرق منهم أو بلغ فودي بمال وكان الرقيق والمال للغانمين حكمه حكم الغنيمة. لا نعلم في هذا خلافا فان النبي صلى الله عليه وسلم قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين ولانه مال غنمه المسلمون أشبه الخيل والسلاح، فان قيل فالاسير لم يكن للغانمين فيه حق فكيف تعلق حقهم ببدله؟

[ 409 ]

قلنا انما يفعل الامام في الاسير ما يرى فيه المصلحة لانه لم يصر مالا فإذا صار مالا تعلق حق الغانمين به لانهم أسروه وقهروه وهذا غير ممتنع ألا ترى أن من عليه دين إذا قتل قتلا يوجب القصاص كان لورثته الخيار بين القتل والعفو إلى الدية فإذا اختاروا الدية تعلق حق الغرماء بها (فصل) فان سأل الاسارى من اهل الكتاب تخليتهم على إعطاء الجزية لم يجز ذلك في صبيانهم ونسائهم لانهم صاروا غنيمة بالسبي ويجوز في الرجال ولا يزول التخيير الثابت فيهم قال أصحاب الشافعي يحرم قتلهم كما لو أسلموا ولنا انه بدل تجوز الاجابة إليه فلم يحرم قتلهم كبدل عبدة الاوثان (فصل) وإذا أسر العبد صار رقيقا للمسلمين لانه مال لهم استولي عليه فكان للغانمين كالبهيمة فان رأى الامام قتله لضرر في ابقائه جاز لان مثل هذا لا قيمة له فهو كالمرتد، وأما من يحرم قتلهم غير النساء والصبيان كالشيخ والزمن والاعمى والراهب فلا يحل سبيهم لان قتلهم حرام ولا نفع في اقتنائه (فصل) ذكر ابو بكر ان الكافر إذا كان مولى مسلم لم يجز استرقاقه لان في استرقاقه تفويت ولاء المسلم المعصوم، وعلى قوله لا يسترق ولده أيضا إذا كان عليه ولاء لذلك، وان كان معتقه ذميا

[ 410 ]

جاز استرقاقه لان سيده يجوز استرقاقه فاسترقاق مولاه اولى وهذا مذهب الشافعي، وظاهر كلام الخرقي جواز استرقاقه لانه لا يجوز قتله وهو من أهل الكتاب فجاز استرقاقه كغيره، ولان سبب جواز الاسترقاق قد تحقق فيه وهو الاستيلاء عليه مع كون مصلحة المسلمين في استرقاقه ولانه ان كان السبي امرأة أو صبيا لم يجز فيه سوى الاسترقاق فيتعين ذلك فيه، وما ذكروه يبطل بالقتل فانه يفوت الولاء وهو جائز فيه، وكذلك يجوز استرقاق من عليه ولاء الذمي وقوله ان سيده الذمي يجوز استرقاقه غير صحيح فان الذمي لا يجوز استرقاقه ولا تفويت حقوقه وقد قال علي رضي الله عنه انما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كاموالنا (مسألة) (فان أسلموا رقوا في الحال) يعني إذا أسلم الاسير صار رقيقا في الحال وزال التخيير فيه وصار حكمه حكم النساء وبه قال الشافعي في أحد قوليه لانه أسير يحرم قتله فصار رقيقا كالمرأة وفيه قول آخر أنه يحرم قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث) ويتخير بين الخصال الثلاث الباقية المن والفداء والاسترقاق وهو القول الثاني للشافعي لانه إذا جاز المن عليه في حال كفره ففي حال اسلامه أولى لان الاسلام حسنه يقتضي اكرامه والانعام عليه لا منع ذلك في حقه وهذا هو الصحيح ان شاء الله تعالى، ولا يجوز رده إلى الكفار الا أن يكون له من يمنعه من المشركين

[ 411 ]

من عشيرة أو نحوها، وانما جاز فداؤه لانه يتخلص به من الرق، فاما ان أسلم قبل أسره حرم قتله واسترقاقه والمفاداة به سواء أسلم وهو في حصن أو جوف أو مضيق أو غير ذلك لانه لم يحصل في أيدي الغانمين (مسألة) (ومن سبي من أطفالهم منفردا أو مع أحد أبويه فهو مسلم. ومن سبي مع أبويه فهو على دينهما) المسبي من أطفال المشركين ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) أن يسبى منفردا عن ابويه فيصير مسلما بالاجماع لان الدين انما يثبت له تبعا، وقد انقطعت تبعيته لابويه لانقطاعه عنهما واخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الاسلام تبعا لسابيه المسلم فكان تابعا له في دينه (الثاني) أن يسبى مع أحد أبويه فيحكم باسلامه أيضا وبه قال الاوزاعي وقال ابو الخطاب يتبع أباه، وقال القاضي فيه روايتان أشهرهما أنه يحكم باسلامه [ والثانية يتبع أباه، وقال ابو حنيفة والشافعي يكون تابعا لابيه في الكفر لانه لم ينفرد عن أحد أبويه فلم يحكم باسلامه كما لو سبي معهما وقال مالك ان سبي مع أبيه تبعه لان الولد يتبع أباه في الدين كما يتبعه في النسب وان سبي مع أمه فهو مسلم لانه لا يتبعها في النسب فكذلك في الدين

[ 412 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) رواه مالك فمفهومه أنه لا يتبع أحدهما لان الحكم متى علق بشيئين لا يثبت باحدهما ولانه يتبع سابيه منفردا فيتبعه مع أحد ابويه قياسا على مالو أسلم أحد الابوين، تحقيقه ان كل شخص غلب حكم اسلامه منفردا غلب مع أحد الابوين كالمسلم من الابوين (الثالث) أن يسبى مع احد أبويه فيكون على دينهما وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقال الاوزاعي يكون مسلما لان السابي أحق به لكونه ملكه بالسبي وزالت ولاية أبويه عنه وانقطع ميراثهما منه وميراثه منهما فكان اولى به منهما ولنا قوله عليه الصلاة والسلام (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) وهما معه وملك السابي له لا يمنع اتباعه لابويه بدليل مالو ولد في ملكه من عبده وأمته الكافرين (مسألة) (ولا ينفسخ النكاح باسترقاق الزوجين وان سبيت المرأة وحدها انفسخ نكاحها وحلت لسابيها) إذا سبي المتزوج من الكفار لم يخل من ثلاثة احوال (احدها) أن يسبى الزوجان معا فلا ينفسخ نكاحهما وبهذا قال أبو حنيفة والاوزاعي ويحتمل أن ينفسخ وبه قال مالك والثوري والليث والشافعي

[ 413 ]

وأبو ثور لقول الله تعالى (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم) والمحصنات المتزوجات [ الا ما ملكت أيمانكم ] بالسبي قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه نزلت هذه الآية في سبي أوطاس، وقال ابن عباس رضي الله عنهما الا ذوات الازواج من المسبيات ولانه استولى على محل حق الكافر فزال ملكه كما لو سباها وحدها ولنا ان الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق، والآية نزلت في سبايا أو طاوس وكانوا أخذوا النساء دون أزواجهن، وعموم الآية مخصوص بالمملوكة المزوجة في دار الاسلام فيخص منه محل النزاع بالقياس عليه (الحال الثاني) أن تسبى المرأة وحدها فينفسخ النكاح بلا خلاف علمناه والآية دالة عليه وقد روى أبو سعيد الخدري قال أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت [ والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم ] رواه الترمذي وقال حديث حسن الا أن أبا حنيفة قال إذا سبيت المرأة وحدها ثم سبي زوجها بعدها بيوم لم ينفسخ النكاح، ولنا ان السبي المقتضي للفسخ وجد فانفسخ النكاح كما لو سبيت قبله بشهر (الحال الثالث) سبي الرجل وحده فلا ينفسخ النكاح لانه لانص فيه ولا القياس يقتضيه وقد سبى النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم وفادى بعضا فلم يحكم عليهم بفسخ

[ 414 ]

أنكحتهم، ولاننا إذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معا مع الاستيلاء على محل حقه فلان لا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء عليه أولى وقال ابو الخطاب إذا سبي احد الزوجين انفسخ النكاح ولم يفرق وبه قال ابو حنيفة لان الزوجين افترقت بهما الدار وطرأ الملك على احدهما فانفسخ النكاح كما لو سبيت المرأة وحدها، وقال الشافعي ان سبي واسترق انفسخ نكاحه وان من عليه أو فودي لم ينفسخ، ولنا ما ذكرناه وأن السبي لم يزل ملكه عن ماله في دار الحرب فلم يزل عن زوجته كما لو لم يزل عن امته (فصل) ولم يفرق اصحابنا في سبي الزوجين بين ان يسبيهما رجل واحد أو رجلان وينبغي ان يفرق بينهما فانهما إذا كانا مع رجلين كان مالك المرأة منفردا بها ولا زوج معها فتحل له لقوله تعالى (الا ما ملكت ايمانكم) وذكر الاوزاعي ان الزوجين إذا سبيا فهما على النكاح في المقاسم فان اشتراهما رجل فله أن يفرق بينهما إن شاء أو يقرهما على النكاح ولنا ان تجدد الملك في الزوجين لرجل لا يقتضي جواز الفسخ كما لو اشترى زوجين مسلمين، إذا ثبت هذا فانه لا يحرم التفريق بينهما في القسمة والبيع لان الشرع لم يرد بذلك

[ 415 ]

(مسألة) (وهل يجوز بيع من استرق منهم للمشركين؟ على روايتين) لا يجوز بيع شئ من رقيق المسلمين لكافر سواء كان مسلما أو كافرا وهذا قول الحسن، وقال احمد ليس لاهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون قال وكتب عمر بن الخطاب ينهى عنه امراء الامصار هكذا حكى اهل الشام، وعنه انه يجوز ذلك وهو قول ابي حنيفة والشافعي لانه لا يمنع من إثبات يده عليه فلا يمنع من ابتدائه كالمسلم، ولانه رد الكافر إلى الكفار فجاز كالمفاداة بهم قبل الاسترقاق والاول اولى لانه قول عمر رضي الله عنه ولم ينكره منكر فكان إجماعا ولان فيه تفويتا للاسلام الذي يظهر وجوده فانه إذا بقي رقيقا للمسلمين الظاهر انه يسلم فيفوت ذلك ببيعه لكافر بخلاف ما إذا كان رقيقا لكافر في ابتدائه فانه لم تثبت له هذه الغرضية (مسألة) (ولا فرق في البيع بين ذي رحم محرم إلا بعد البلوغ على احدى الروايتين) أجمع أهل العلم على ان التفريق بين الام وولدها الطفل غير جائز منهم مالك والاوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور واصحاب الرأي وغيرهم لما روى ابو أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا توله والدة عن ولدها) قال احمد لا يفرق بين الام وولدها وان

[ 416 ]

رضيت وذلك والله أعلم لما فيه من الاضرار بالولد ولان المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ثم يتغير قلبها فتندم، ولا يجوز التفريق بين الاب وولده هذا قول اصحاب الرأي والشافعي وقال مالك والليث يجوز وبه قال بعض الشافعية لانه ليس من اهل الحضانة بنفسه ولانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه لان الام أشفق منه ولنا انه أحد الابوين أشبه الام ولا نسلم انه ليس من اهل الحضانة، ولا فرق بين أن يكون الولد بالغا أو طفلا في ظاهر كلام الخرقي وإحدى الروايتين عن أحمد لعموم الخبر ولان الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير ولهذا حرم عليه الجهاد إلا باذنها (والثانية) يختص تحريم التفريق بالصغير وهو قول الاكثرين منهم مالك والاوزاعي والليث وأبو ثور وهو قول الشافعي لان سلمة بن الاكوع أتى بامرأة وابنتها فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه النبي صلى الله عليه وسلم فوهبها له ولم ينكر التفريق بينهما ولان الاحرار يتفرقون بعد الكبر فان المرأة تزوج ابنتها وتفارقها فالعبيد أولى، واختلفوا في حد الكبر الذي يجوز التفريق فعن أحمد رحمه الله حده بلوغ الولد وهو قول سعيد بن عبد العزيز واصحاب الرأي وقول للشافعي، وقال مالك إذا أثغر وقال الاوزاعي والليث إذا استغنى عن أمه ونفع نفسه وللشافعي قول إذا صار ابن سبع أو ثمان، وقال أبو ثور إذا كان يلبس وحده ويتوضأ وحده لانه

[ 417 ]

إذا كان كذلك استغنى عن أمه ولذلك خير الغلام بين أمه وأبيه إذا كان كذلك ولانه جاز التفريق بينهما بتخييره فجاز ببيعه وقسمته ولنا ما روي عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يفرق بين الوالدة وولدها) فقيل إلى متى؟ قال (حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية) ولان من دون البلوغ يولى عليه أشبه الطفل (فصل) فان فرق بينهما بالبيع فالبيع فاسد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح البيع لان النهي لمعنى في غير المعقود عليه فأشبه البيع في وقت النداء ولنا ماروى أبو داود في سننه عن علي رضي الله عنه انه فرق بين الام وولدها فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع والاصل ممنوع وما ذكروه لا يصح فانه نهي عنه لما يلحق المبيع من الضرر فهو لمعنى فيه (فصل) والجد والجدة في تحريم التفريق بينهما وبين ولد ولدهما كالابوين لان الجد أب والجدة أم ولذلك يقومان مقام الابوين في استحقاق الحضانة والميراث والنفقه فقاما مقامهما في تحريم التفريق ويستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الاب والام لان لهم ولاده ومحرمية فاستووا في ذلك كاستوائهم في منع شهادة بعضهم لبعض (فصل) ويحرم التفريق بين الاخوة في القسمة والبيع أيضا كما يحرم بين الولد ووالده وبهذا

[ 418 ]

قال أصحاب الرأي وقال مالك والليث والشافعي وابن المنذر لا يحرم لانها قرابة لا تمنع قبول شهادته فلم يحرم التفريق كابن العم ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه قال وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما فعل غلامك؟) فأخبرته فقال (رده رده) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وروى عبد الرحمن بن فروخ عن أبيه قال كتب الينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تفرقوا بين الاخوين ولا بين الام وولدها في البيع، ولانه ذو رحم محرم فحرم التفريق بينهما كالوالد والولد وانما يحرم التفريق بينهما في حال الصغر وما بعده فيه الروايتان كالاصل والاولى الجواز لان النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له مارية و أختها سيرين فأمسك مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت. (فصل) فأما سائر الاقارب فظاهر كلام الخرقي جواز التفريق بينهم وقال غيره من أصحابنا لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم كالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها لما ذكرنا من القياس والاولى جواز التفريق لان الاصل حل البيع والتفريق ولا يصح القياس على الاخوة لانهم أقرب

[ 419 ]

ولذلك يحجبون غيرهم عن الميراث وهم أقرب فيبقى من عداهم على الاصل، فأما من ليس بينهما رحم محرم فلا يمنع من التفريق بينهما عند أحد علمناه لعدم النص فيهم وامتناع قياسهم على المنصوص وكذلك يجوز التفريق بين الام من الرضاع وولدها والاخت وأخيها لما ذكرنا ولان قرابة الرضاع لا توجب عتق أحدهما على الآخر ولا نفقة ولا ميراثا فاشبهت الصداقة (مسألة) (وإذا حصر الامام حصنا لزمه مصابرته إذا رأى المصلحة فيها) إذا حصر الامام حصنا لزمه مصابرته ولا ينصرف عنه إلا بخصلة من خصال خمس (أحدها) أن يسلموا فيحرزوا بالاسلام دماءهم وأموالهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) (الثانية) أن يبذلوا مالا على الموادعة فيجوز قبوله منهم سواء أعطوه جملة أو جعلوه خراجا مستمرا يؤخذ منهم كل عام، فان كانوا ممن تقبل منهم الجزية فبذلوها لزم قبولها منهم وحرم قتالهم لقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فان بذلوا مالا على غير وجه الجزية فرأى المصلحة في قبوله له قبله ولا يلزمه إذا لم ير المصلحة (الثالثة) أن يفتحه (الرابعة) أن يرى المصلحة في الانصراف إما لضرر في الاقامة وإما لليأس منه أو لغير ذلك فينصرف عنهم لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فقال (إنا قافلون ان شاء الله غدا) فقال المسلمون أنرجع ولم نفتحه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اغدوا على القتال) فغدوا عليه فأصابهم الجراح، فقال لهم

[ 420 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنا قافلون غدا) فأعجبهم، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه (الخامسة) أن ينزلوا على حكم حاكم وسنذكره في موضعه ان شاء الله (مسألة) (ومن أسلم منهم أحرز دمه وماله وأولاده الصغار) متى أسلم أهل الحصن أو بعضهم أحرز دمه وماله واولاده الصغار كما ذكر لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور (فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) ويحرز أولاده الصغار من السبي لانهم تبع له ولذلك يحكم باسلامهم تبعا لاسلامه وكذلك كل من أسلم في دار الحرب وان دخل دار الاسلام فأسلم وله أولاد صغار في دار الحرب صاروا مسلمين ولم يجز سبيهم وبه قال مالك و الشافعي والاوزاعي وقال أبو حنيفة ما كان في يده من ماله ورقيقه ومتاعه وولده الصغار ترك له وما كان من أولاده وامواله بدار الحرب جاز سبيهم لانهم لم يثبت اسلامهم باسلامه لاختلاف الدارين بينهم ولهذا إذا سبي الطفل وأبواه في دار الكفر لم يتبعهما وتبع سابيه في الاسلام وما كان من أرض أو دار فهو فئ وكذلك زوجته إذا كانت كافرة وما على بطنها فئ ولنا ان اولاده اولاد مسلم فوجب ان يتبعوه في الاسلام كما لو كانوا معه في الدار ولان ماله مال مسلم ولايجوز اغتنامه كما لو كان في دار الاسلام، وبذلك يفارق مال الحربي واولاده وما ذكره ابو حنيفة لا يلزم فانا تجعله تبعا للسابي لانا لا نعلم بقاء ابويه فاما اولاده الكبار فلا يعصمهم لانهم لا يتبعونه ولا يعصم

[ 421 ]

زوجته لذلك فان سبيت صارت رقيقة ولم ينفسخ نكاحه برقها ولكن يكون حكمها في النكاح وفسخه حكم مالو لم تسب على ما نذكر في نكاح اهل الشرك فان كانت حاملا من زوجها لم يجز استرقاق الحمل وكان حرا مسلما وبه قال الشافعي وقال ابو حنيفة يحكم برقه مع امه لان ما سرى إليه العتق سرى إليه الرق كسائر اعضائها ولنا أنه محكوم بحريته واسلامه فلم يجز استرقاقه كالمنفصل بخلاف الاعضاء فانها لا تنفرد عن حكم الاصل (فصل) إذا أسلم الحربي في دار الحرب وله مال وعقار أو دخل إليها مسلم فابتاع عقارا ومالا فظهر المسلمون على ماله وعقاره لم يملكوه وكان له وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يغنم العقار وأما غيره فما كان في يده أو يد مسلم لم يغنم، واحتج بأنها بقعة من دار الحرب فجاز اغتنامها كما لو كانت لحربي. ولنا انه مال مسلم فاشبه مالو كانت في دار الاسلام (فصل) إذا استأجر المسلم أرضا من حربي ثم استولى عليها المسلمون فهي غنيمة ومنافعها للمستأجر لان المنافع ملك المسلم، فان قيل فلم أجزتم استرقاق الكفارة الحربية إذا كان قد أسلم زوجها وفي استرقاقها ابطال حق زوجها؟ قلنا يجوز استرقاقها لانها كافرة ولا أمان لها فجاز استرقاقها كما لو لم تكن زوجة مسلم ولا يبطل نكاحه بل هو باق ولان منفعة النكاح لا تجري مجرى الاموال بدليل انها لا تضمن باليد فلا يجوز أخذ العوض عنها بخلاف حق الاجارة (فصل) إذا أسلم عبد الحربي أو أمته وخرج الينا فهو حر وإن أسر سيده وأولاده وخرج الينا

[ 422 ]

فهو حر والمال له والسبي رقيقه، وإن أسلم وأقام بدار الحرب فهو على رقه، وإن أسلمت أم ولد الحربي وخرجت الينا عتقت واستبرأت نفسها وهذا قول أكثر العلماء، قال ابن المنذر وقال به كل من نحفظ عنه من أهل العلم إلا أن أبا حنيفة قال في أم الولد تزوج ان شاءت من غير استبراء وأهل العلم على خلافه لانها أم ولد عتقت فلم يجز أن تزوج قبل الاستبراء كما لو كانت لذمي، وروى سعيد بن منصور باسناده عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد إذا جاءوا قبل مواليهم وعن أبي سعيد الاعسم قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد وسيده قضيتين قضى ان العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده انه حر فان خرج سيده بعد لم يرد عليه، وقضى ان السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد على سيده رواه سعيد، وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد علينا أبا بكرة وكان عبدا لنا أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر ثقيف فأسلم فأبى أن يرده علينا وقال (هو طليق الله ثم طليق رسوله) فلم يرده علينا (مسألة) (وإن سألوا الموادعة بمال أو غيره جاز ان كانت المصلحة فيه) وقد ذكرنا ذلك (مسألة) (وان نزلوا على حكم حاكم جاز إذا كان حرا مسلما بالغا عاقلا من أهل الاجتهاد) إذا نزل أهل الحصن على حكم حاكم جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني قريظة ورضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأجابهم إلى ذلك، والكلام فيه في فصلين (أحدهما) في صفة

[ 423 ]

الحاكم (والثاني) في صفة الحكم، فأما الحاكم فيتعين فيه سبعة أوصاف: الاسلام والحرية والذكورية والعقل والبلوغ والعدالة والاجتهاد كما يشترط في حاكم المسلمين، ولا يشترط البصر لان عدمه لا يضر في مسئلتنا لان لمقصود (المقصود) رأيه ومعرفته المصلحة في أحد أقسام الحكم وهذا لا يضر عدم البصر فيه بخلاف القضاء فانه لا يستغني عن البصر ليعرف المدعي من المدعى عليه والشاهد من المشهود عليه والمقر من المقر له ويعتبر من الفقه ما يتعلق به هذا الحكم مما يجوز فيه ويعتبر له ويجوز ذلك ولا يحتاج ان يكون مجتهدا في جميع الاحكام التي لا تعلق لها بهذا وقد حكم سعد ابن معاذ ولم يثبت أنه كان عالما بجميع الاحكام، فان حكم رجلين جاز ويكون الحكم ما اجتمعا عليه وان جعلوا الحكم إلى رجل يعينه الامام جاز لانه لا يختار إلا من يصلح وان نزلوا على حكم رجل منهم أو جعلوا التعيين إليهم لم يجز لانهم ربما اختاروا من لا يصلح، وان عينوا رجلا يصلح. فرضيه الامام جاز لان بني قريظة عينوا سعد بن معاذ فرضيه النبي صلى الله عليه وسلم واجاز حكمه وتدل (لقد حكمت بحكم الله) وان مات من انفقوا عليه فاتفقوا على غيره ممن يصلح قام مقامه وان لم يتفقوا وطلبوا حكما لا يصلح ردهم إلى مأمنهم وكانوا على الحصار حتى يتفقوا وكذلك ان رضوا باثنين فمات أحدهما فاتفقوا على من يقوم مقامه جاز وإلا ردوا إلى مأمنهم وكذلك إذا رضوا بتحكيم من لا تجتمع الشرائط فيه ووافقهم الامام عليه ثم بان أنه لا يصلح لم يحكم ويردون إلى مأمنهم كما كانوا

[ 424 ]

(مسألة) (ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل والسبي والفداء فان حكم بالمن لزم قبوله في أحد الوجهين) إذا حكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم نفذ حكمه لان سعد بن معاذ حكم في قريظة بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة) وان حكم بالفداء جاز لان الامام يخير في الاسرى بين القتل والمن والفداء والاسترقاق فكذلك الحاكم، وإن حكم عليهم باعطاء الجزية لم يلزم حكمه لان عقد الذمة عقد معاوضة فلا يثبت إلا بالتراضي ولذلك لا يملك الامام إجبار الاسير على إعطاء الجزية، وان حكم بالمن على المقاتلة وسبي الذرية فقال القاضي يلزم حكمه وهو مذهب الشافعي لان الحكم إليه فيما يرى المصلحة فيه فكان له المن كالامام في الاسرى واختار أبو الخطاب ان حكمه لا يلزم لان عليه ان يحكم بما فيه الحظ ولا حظ في المن، وان حكم بالمن على الذرية فينبغي ان لا يجوز لان الامام لا يملك المن على الذرية إذا سبوا فكذلك الحاكم ويحتمل الجواز لان هؤلاء لا يتعين السبي فيهم بخلاف من سبي فانه يصير رقيقا بنفس السبي (مسألة) (وان حكم بقتل أو سبي فاسلموا عصموا دماءهم وفي استرقاقهم وجهان) إذا حكم عليهم بالقتل والسبي جاز للامام المن على بعضهم لان ثابت بن قيس سأل في الزبير ابن باطا من قريظة وماله وأولاده رسول الله صلى الله عليه فاجابه، ويخالف مال الغنيمة إذا حازه الامام لان ملكهم قد استقر عليه ومتى أسلموا قبل الحكم عليهم عصموا دماءهم وأموالهم لانهم

[ 425 ]

فلم يجز استرقاقهم بخلاف الاسير، وان أسلموا بعد الحكم عليهم بالقتل سقط لان من أسلم فقد عصم دمه ولم يجز استرقاقهم لانهم أسلموا قبل استرقاقهم قال أبو الخطاب ويحتمل ان يجوز كما لو أسلموا بعد الاسر ويكون المال على ما حكم فيه وان حكم بان المال للمسلمين كان غنمية لانهم أخذوه بالقهر والحصر (باب ما يلزم الامام والجيش) (مسألة) (يلزم الامام عند مسير الجيش تعاهد الخيل والرجال فما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول) يستحب للامام أو الامير إذا أراد الغزو ان يعرض الجيش ويتعاهد الخيل والرجال فلا يدع فرسا حطما وهو الكسير ولا قحما وهو الكبير ولا ضرعا وهو الصغير ولا هزيلا يدخل معه أرض العدو لئلا ينقطع فيها وربما كان سببا للهزيمة (مسألة) (ويمنع المخذل والمرجف) والمخذل هو الذي يفند الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال ومثل من يقول الحر أو البرد شديد والمشقة شديدة ولا يؤمن هزيمة هذا الجيش ونحو هذا والمرجف هو الذي يقول قد هلكت سرية المسلمين ومالهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت

[ 426 ]

لهم أحد واشباه هذا ولا يأذن لمن يعين على المسلمين بالتجسس للكفار واطلاعهم على عورات المسلمين ولا لمن يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد بينهم ولا لمن يعرف بالنفاق والزندقة لقول الله تعالى (فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا - وقوله تعالى - ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) قيل معناه لاوقعوا بينكم الاختلاف وقيل لاسرعوا في تفريق جمعكم ولان في حضورهم ضررا فيجب صيانة المسلمين عنه ولا يأذن لطفل ولا مجنون لان دخولهم تعرض للهلاك بغير فائدة ويجوز ان يأذن لمن اشتد من الصبيان لان فيهم معونة ونفعا (مسألة) (ويمنع النساء الا طاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحى) يكره دخول النساء الشواب أرض العدو لانهن لسن من أهل القتال وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء الجبن والخور عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن وقد روى حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه انها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر سادسة ست نسوة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث الينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال) (مع من خرجتن؟) فقلنا يارسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين به في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول

[ 427 ]

السهام ونسقي السويق فقال (قمن) حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال، قلت لها يا جدة ماكان ذاك؟ قالت تمرا قيل للاوزاعي هل كانوا يغزون معهم بالنساء في الصوائف؟ قال لا إلا بالجواري، فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء ومعالجة الجرحى فلا بأس به لما روينا من الخبر وقد كانت أم سليم ونسيبة بنت كعب تغروان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأما نسيبة فكانت تقاتل وقطعت يدها يوم اليمامة وقالت الربيع كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم لسقي الماء ومعالجة الجرحى. وقال أنس كان رسول الله (ص) يغزو بأم سليم ونسوة معها من الانصار يسقين الماء ويداوين الجرحى قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، فان قيل فقد كان النبي (ص) يخرج معه من تقع عليه القرعة من نسائه، قلنا تلك امرأة واحدة يأخذها للحاجة إليها ويجوز مثل ذلك للامير عند حاجته، ولا يرخص لسائر الرعية لئلا يفضي إلى ما ذكرنا (مسألة) (ولا يستعين بمشرك الا عند الحاجة إليه) لما روت عائشة قالت خرج رسول الله (ص) إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبر أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جراءة ونجدة فسر المسلمون به فقال يا رسول الله جئت لاتبعك وأصيب

[ 428 ]

معك فقال له رسول الله (ص) (أتؤمن بالله ورسوله؟) قال لا قال (فارجع فانا لا نستعين بمشرك) ثم مضى رسول الله (ص) حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله (ص) (أتؤمن بالله ورسوله؟) قال نعم قال (فانطلق) متفق عليه وروى الامام أحمد باسناده عن عبد الرحمن بن حبيب قال أتيت رسول الله (ص) وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم قال (فأسلمتما؟) قلنا لا قال (فانا لا نستعين بالمشركين على المشركين) قال فأسلمنا وشهدنا معه، وهذا اختيار ابن المنذر والجوزجاني في جماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة بهم، وكلام الخرقي يدل على جواز الاستعانة بهم عند الحاجة وهو الذي ذكره شيخنا في هذا الكتاب وبه قال الشافعي لما روى الزهري ان رسول الله (ص) استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم رواه سعيد، وروي ان صفوان بن أمية خرج مع النبي (ص) يوم حنين وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة، وذكر الحديث إذا ثبت هذا فيشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فان كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة بهم لاننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين كالمخذل والمرجف فالكافر أون

[ 429 ]

(فصل) ويستحب أن يخرج يوم الخميس لما روى كعب بن مالك قال قلما كان رسول الله [ ص ] يخرج في سفر الا يوم الخميس (مسألة) (ويرفق بهم في المسير فيسير بهم سير أضعفهم لئلا يشق عليهم فان دعت الحاجة إلى الجد في السير جاز) لان النبي [ ص ] جد في السير حين بلغه قول عبد الله بن أبي ليخرجن الاعز منها الاذل ليشغل الناس عن الخوض فيه، ويعدلهم الزاد لانه لابد منه في الغزو وفي غيره وبه قوامهم ويقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر لانه مما يطمعهم في عدوهم، ويعرف عليهم العرفاء وهو أن يكون لكل طائفة من يكون كالمقدم عليهم ينظر في حالهم ويفتقدهم ويعقد لهم الالوية والرايات، ويجعل لكل طائفة لواء لما روى ابن عباس ان أبا سفيان حين أسلم قال النبي (ص) للعباس احبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها قال فحبسته حيث امرني رسول الله [ ص [ ومرت به القبائل على راياتها وهو مخير في ألوانها لكنه يغاير ألوانها ليعرف كل قوم رايتهم ويجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به عند الحرب لئلا يقع بعضهم على بعض وهي علامة بينهم يعرفونها، ويتخير لهم من المنازل أصلحها لهم ويتتبع مكانها فيحفظها لئلا يؤتوا منها، ولا يغفل الحرس والطلائع ليحفظهم من البيات، ويبعث العيون على العدو حتى لا يخفى عليه امرهم فيحترز منهم ويتمكن

[ 430 ]

من الفرصة فيهم، ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي ومن التجارة المانعة لهم من القتال، ولان المعاصي من أسباب الخذلان، ويعد ذا الصبر بالاجر والنفل ترغيبا في الجهاد، ويخفي من أمره ما أمكن اخفاؤه لئلا يعلم به عدوه فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها ويشاور ذا الرأي منهم لقول الله تعالى (وشاورهم في الامر) وكان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشاورة لاصحابه (فصل) وإذا وجد رجل رجلا قد أصيبت فرسه ومعه فرس فضل استحب حمله ولم يجب نص عليه فان خاف تلفه فقال القاضي يجب عليه بذل فضل مركوبه ليحيي به صاحبه كما يلزمه بذل فضل طعامه للمضطر إليه وتخليصه من عدوه، ويصف جيشه لقول الله تعالى (ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) ويجعل في كل جنبة كفؤا لما روى أبو هريرة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خالدا على احدى الجنبتين وجعل الزبير على الاخرى وجعل ابا عبيدة على الساقة، ولان ذلك احوط للحرب وأبلغ في إرهاب العدو، ولا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره لئلا تنكسر قلوبهم فيخذلوه عند الحاجة ويراعي أصحابه ويرزق كل واحد بقدر حاجته (فصل) ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من

[ 431 ]

الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) والمجوس حكمهم في قبول الجزية منهم حكم أهل الكتاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذين القسمين. فاما من سواهم من الكفار كعبدة الاوثان ونحوهم فلا يقبل منهم إلا الاسلام في ظاهر المذهب وفيه اختلاف يذكر في باب عقد الذمة إن شاء الله تعالى (فصل) ومن بلغته الدعوة من الكفار يجوز قتاله من غير دعاء ومن لم تبلغه الدعوة يدعى قبل القتال، ولا يجوز قتالهم قبل الدعاء لما روى بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش امره بتقوى الله في خاصته وبمن معه من المسلمين، وقال (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الاسلام فان اجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فان هم أبوا فادعهم إلى اعطاء الجزية فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فان ابوا فاستعن بالله وقاتلهم) رواه مسلم وهذا والله أعلم كان في بدء الامر قبل انتشار الدعوة وظهور الاسلام فاما اليوم فقد انتشرت الدعوة واستغني بذلك عن الدعاء عند القتال قال احمد ان الدعوة قد بلغت وانتشرت لكن ان جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك بهذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة، ومن بلغته الدعوة يجوز قتالهم قبل ذلك، وان دعاهم فحسن لما ذكرنا من الحديث

[ 432 ]

وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا حين أعطاه الراية يوم خيبر وأمره بقتالهم ان يدعوهم وهم ممن قد بلغته الدعوة رواه البخاري ودعا خالد بن الوليد طليحة حين ادعى النبوة فلم يرجع فأظهره الله عليه ودعا سلمان أهل فارس (مسألة) (ويجوز أن يبذل جعلا لمن يدله على طريق أو قلعة أو ماء ويجب أن يكون معلوما إلا أن يكون من مال الكفار فيجوز أن يكون مجهولا) لا نعلم خلافا في أنه يجوز للامام ونائبه أن يبذل جعلا لمن يدله على ما فيه مصلحة للمسلمين مثل طريق سهل أو ماء في مغازة (مفازة) أو قلعة يفتحها أو مال يأخذه أو عدو يغير عليه أو ثغرة يدخل منها. لا نعلم في هذا خلافا لانه جعل في مصلحة فجاز كاجرة الدليل، وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر رضي الله عنه في الهجرة من دلهم على الطريق، ويستحق الجعل بفعل ما جعل له فيه سواء كان مسلما أو كافرا من الجيش أو من غيره، فان جعل له الجعل مما في يده وجب أن يكون معلوما لانها جعالة بعوض من مال معلوم فوجب أن يكون معلوما كالجعالة في رد الآبق، فان كان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا لا يمنع التسليم ولا يفضي إلى التنازع لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل للسرية الثلث والربع مما غنموه وهو مجهول لان الغنيمة كلها مجهولة ولانه مما تدعو الحاجة إليه، والجعالة انما تجوز بحسب الحاجة

[ 433 ]

(مسألة) (فان شرط له جارية معينة على قلعة يفتحها نحو أن يشرط له بنت فلان من أهل القلعة لم يستحق شيئا حتى يفتح القلعة) لان جعالة شئ منها اقتضت اشتراط فتحها فمتى فتحت القلعة عنوة سلمت إليه فان ماتت قبل الفتح أو بعده فلا شئ له لانه تعلق حقه بمعين وقد تلفت بغير تفريط فسقط حقه كالوديعة، وان أسلمت قبل الفتح فله قيمتها لانها عصمت نفسها باسلامها فتعذر دفعها إليه فاستحق القيمة لان النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل مكة عام الحديبية على ان من جاءه مسلما رده إليهم فجاءه نساء مسلمات فمنعه الله من ردهن وكذلك لو كان الجعل رجلا فأسلم قبل الفتح لانه عصم نفسه فلم يجز دفعه إليه وله قيمته كالجارية وان كان اسلامهما بعد الفتح سلما إليه ان كان مسلما لانهما أسلما بعد أسرهما فصارا رقيقين، وان كان كافرا فله قيمتهما لانه لا يجوز للكفار أن يبتدئ الملك على المسلم وانما لم. تجب له القيمة إذا ماتا وتجب إذا أسلما لان تسليمهما ممكن إذا أسلما لكن منع الشرع منه (مسألة) (وان فتحت صلحا ولم يشترطوا الجارية فله قيمتها ان رضي بها وإن أبى الا الجارية وأبى صاحب القلعة تسليمها فقال القاضي يفسخ الصلح)

[ 434 ]

لانه قد تعذر امضاء الصلح لان حق صاحب الجعل سابق ولا يمكن الجمع بينه وبين الصلح ونحو هذا مذهب الشافعي ولصاحب القلعة أن يحصنها مثلما كانت من غير زيادة ويحتمل أن لا يكون له إلا قيمتها ويمضي الصلح لانه تعذر دفعها إليه مع بقائها فدفعت إليه القيمة كما لو أسلمت قبل الفتح قولهم ان حق صاحب الجعل سابق قلنا الا ان المفسدة في فسخ الصلح أعظم لان ضرره يعود على الجيش كله وربما تعدى إلى غيره من المسلمين في كون هذه القلعة يتعذر فتحها بعد ذلك ويبقى ضررها على المسلمين ولا يجوز تحمل هذه المضرة لدفع ضرر يسير عن واحد فان ضرر صاحب الجعل انما هو في فوات عين الجعل وتفاوت ما بين عين الشئ وقيمته يسير لا سيما وهو في حق شخص واحد ومراعاة حق المسلمين بدفع الضرر الكثير عنهم أولى من دفع الضرر اليسير عن واحد منهم أو من غيرهم ولهذا قلنا لمن وجد ماله قبل قسمه انه أحق به فان وجده بعد قسمه لم يأخذه الا بثمن لئلا يؤدي إلى الضرر بنقض القسمة أو حرمان من وقع ذلك في سهمه (مسألة) وله ان ينفل في البداءة الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعده وذلك أنه إذا دخل الجيش بعث سرية تغير وإذا رجع بعث اخرى فما اتت به اخرج خمسه وأعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي للجيش والسرية معا) النفل الزيادة على السهم المستحق ومنه نفل الصلاة وهو ما زيد على الفرض وقول الله تعالى

[ 435 ]

(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) كأنه سأل الله ولدا فأعطاه ما سأل وزاده الله ولد الولد، والمراد بالبداءة هنا ابتداء دخول دار الحرب والرجعة رجوعه عنها، والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) هذا وهو ان الامام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سرية تغير على العد ويجعل لهم الربع بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معا فإذا قفل بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه ثم أعطى السرية ثلث ما بقي ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه وبهذا قال حبيب بن مسلمة والحسن والاوزاعي وجماعة من أهل العلم وروي عن عمرو بن شعيب انه لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله احتج بقوله تعالى (قل الانفال لله والرسول) فخصه بها، وكان ابن المسيب ومالك يقولان: لا نفل إلا من الخمس. وقال الشافعي يخرج من خمس الخمس لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلا كثيرا فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا متفق عليه. ولو أعطاهم من أربعة أخماس الغنيمة التي هي لهم لم يكن نفلا وكان من سهمانهم ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال شهدت رسول الله (ص) نفل الربع في البداءة والثلث

[ 436 ]

في الرجعة، وفي لفظ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل. رواهما أبو داود وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع وفي القفول الثلث، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وروى الاثرم باسناده عن جرير بن عبد الله البجلي أنه لما قدم على عمر في قومه قال له عمر هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشئ؟ فأما قول عمرو بن شعيب فان مكحولا قال له حين قال لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له حديث حبيب بن سلمة: شغلك أكل الزبيب بالطائف، وما ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم ثبت للائمة بعده ما لم يقم على تخصيصه به دليل وأما حديث ابن عمر فهو حجة عليهم فان بعيرا على اثني عشر يكون جزءا من ثلاثة عشر، وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين جزءا وجزء من ثلاثة عشر أكثر فلا يتصور أخذ الشئ من أقل منه فيتعين أن يكون من غيره أو ان النفل كان للسرية دون سائر الجيش، على ان ما رويناه صريح في الحكم ولا يعارض بشئ مستنبط يحتمل غير ما حمله عليه من استنبطه إذا ثبت هذا فظاهر كلام احمد انهم انما يستحقون هذا بالشرط السابق فان لم يكن شرطه لهم

[ 437 ]

فلا، قيل له أليس قد نفل النبي صلى الله عليه وسلم في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث؟ قال نعم ذاك إذا نفل وتقدم القول فيه، فعلى هذا إن رأى الامام أن لا ينفلهم فله ذلك، وان رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع فله ذلك لانه إذا جاز ترك النفل كله جاز ترك البعض ولا يجوز أن ينفل اكثر من الثلث نص عليه أحمد وهذا قول مكحول والاوزاعي وجمهور العلماء، وقال الشافعي لا حد للنفل بل هو موكول إلى اجتهاد الامام لان النبي (ص) نفل مرة الثلث ومرة الربع، وفي حديث ابن عمر نفل نصف السدس فهذا يدل على انه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الامام فينبغي أن يكون موكولا إلى اجتهاده ولنا ان نفل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الثلث فينبغي أن لا يتجاوزه، وما ذكره الشافعي يدل على انه ليس لاقل النفل حد وانه يجوز ان ينفل أقل من الثلث والربع ونحن نقول به، على أن هذا القول مع قوله ان النفل من خمس الخمس تناقض، فان شرط لهم الامام زيادة على الثلث ردوا إليه وقال الاوزاعي لا ينبغي أن يشترط النصف فان زادهم على ذلك فليف لهم به ويجعل ذلك من الخمس وإنما زيد في الرجعة على البداءة في النفل لمشقتها فان الجيش في البداءة ردء للسرية تابع لها والعدو خائف وربما كان غارا وفي الرجعة لا ردء للسرية لان الجيش منصرف عنهم والعدو مستيقظ كلب قال أحمد في البداءة إذا كان ذاهبا الربع في القفلة إذا كان في الرجوع الثلث لانهم يشتاقون إلى أهليهم فهنا (فهذا) أكثر

[ 438 ]

(القسم الثاني) ان ينفل الامام بعض الجيش لغنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش قال أحمد في الرجل يأمره الامير يكون طليعة أو عنده يدفع إليه رأسا من السبي أو دابة قال إذا كان رجل له غناء أو يقاتل فلا بأس ذلك أنفع لهم يحرض هو وغيره ويقاتلون ويغنمون وقال إذا نفذ الامام صبيحة المغار الخيل فيصيب بعضهم وبعضهم لا يأتي بشئ فللوالي ان يخص بعض هؤلاء الذين جاءوا بشئ دون هؤلاء وظاهر هذا ان له إعطاء من هذا حاله من غير شرط وحجة هذا حديث سلمة بن الاكوع أنه قال غار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعتهم فذكر الحديث فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل رواه مسلم وعنه ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر قال فبيتنا عدونا فقتلت ليلتئذ تسعة أهل ابيات وأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر فلما قدمت المدينة استوهبنيها النبي صلى الله عليه وسلم فوهبتها له رواه مسلم (القسم الثالث) ان يقول الامير من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا فله كذا أو من جاء باسير فله كذا فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري قال أحمد إذا قال من جاء بعشر دواب أو بقر أو غنم فله واحد فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم ومن جاء بشئ أعطاه بقدره قيل له إذا قال من جاء بعلج فله كذا وكذى فجاء بعلج يطيب له ما يعطى؟ قال نعم وكره مالك هذا القسم ولم يره وقال قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا وقال هو وأصحابه

[ 439 ]

لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة وقال مالك: ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا فله سلبه) إلا بعد أن برد القتال ولنا ما تقدم من حديث حبيب وعبادة وما شرطه عمر لجرير بن عبد الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا فله سلبه) ولان فيه تحريضا على القتال فجاز كاستحقاق الغنيمة وزيادة السهم للفارس واستحقاق السلب وما ذكره يبطل بهذه المسائل، وقوله ان النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل السلب للقاتل بعد ان برد القتال قلنا قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله فهو بالنسبة إليها كالمشروط في أول الغزاة، قال القاضي لا يجوز هذا إلا إذا كان فيه مصلحة للمسلمين فان لم تكن فيه فائدة لم يجز لانه إنما يخرج على وجه المصلحة فاعتبرت الحاجة فيه كاجرة الحمال والحافظ. إذا ثبت هذا فان النفل لا يختص بنوع من المال وذكر الخلال أنه لا نفل في الدراهم والدنانير وهو قول الاوزاعي لان القاتل لا يستحق شيئا منها فكذلك غيره لنا حديث حبيب بن مسلمة وعبادة فان النبي صلى الله عليه وسلم جعل لهم الثلث والربع وهو عام في كل ما غنمره ولانه نوع مال فجاز النفل فيه كسائر الاموال وأما القاتل فانما نفل السلب وليست الدراهم والدنانير من السلب فلم يستحق غير ما جعل له (فصل) نقل أبو داود عن أحمد أنه قال له: إذا قال من رجع إلى الساقة فله دينار والرجل

[ 440 ]

يعمل في سياقة الغنم قال لم يزل أهل الشام يفعلون هذا وقد يكون في رجوعهم إلى الساقة وسياقة الغنم منفعة، قيل له فان اغار على قرية فنزل فيها والسبي والدواب والخرثي معهم في القرية ويمنع الناس من جمعه الكسل لا يخافون عليه العدو فيقول الامام من جاء بعشرة أثواب فله ثوب ومن جاء بعشرة رؤوس فله رأس قال أرجو ان لا يكون به بأس، قيل له فان قيل من جاء بعدل من دقيق الروم فله دينار يريده لطعام السبي ما ترى في أخذ الدينار؟ فما رأى به بأسا، قيل فالامام يخرج السرية وقد نفلهم جميعا فلما كان يوم المغار نادى من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن جاء بكذا فله كذا فذهب الناس فطلبوا فما ترى في هذا النفل؟ قال لا بأس به إذا كان يحرضهم على ذلك ما لم يستغرق الثلث قلت لا بأس بنفلين في شئ واحد قال نعم ما لم يستغرق الثلث سمعته غير مرة يقول ذلك (فصل) قال أحمد والنفل من أربعة اخماس الغنيمة، هذا قول أنس بن مالك وفقهاء الشام منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبي مالك ويحيى بن جابر والاوزاعي وبه قال اسحاق وأبو عبيد قال أبو عبيد والناس اليوم على هذا، قال أحمد وكان سعيد بن المسيب ومالك بن أنس يقولان لا نفل الا من الخمس فكيف خفي عنهما هذا مع علمهما؟ وقال النخعي وطائفة ان شاء الامام نفلهم قبل الخمس وان شاء بعده وقال أبو ثور إنما النفل قبل الخمس واحتج من ذهب إلى هذا بحديث ابن عمر الذي أوردناه

[ 441 ]

ولنا ماروى معن بن يزيد السلمى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا نفل الا بعد الخمس) رواه أبو داود وابن عبد البر وهذا صريح وحديث حبيب بن أبي مسلمة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس وحديث جرير حين قال له عمر لك الثلث بعد الخمس ولان النبي صلى الله عليه وسلم نفل الثلث ولا يتصور إخراجه من الخمس ولان الله تعالى قال (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه) يقتضي ان يكون الخمس خارجا من الغنيمة كلها وأما حديث ابن عمر فقد رواه شعيب عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد وابتعث سرية من الجيش فكان سهمهمان الجيش اثني عشر بعيرا ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا فهذا يمكن ان يكون نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة دون بقية الجيش كما يفعل السرايا ويتعين حمل هذا الخبر على هذا لانه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلا وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة الاخماس وخو خلاف الآية والاخبار (فصل) وكلام أحمد في ان النفل من أربعة الاخماس عام لعموم الخبر فيه ويحتمل أن يحمل على

[ 442 ]

القسمين الاولين من النفل، فأما القسم الثالث وهو أن يقول من جاء بشئ فله كذا أو من جاء بعشرة رؤوس فله رأس منها فيحتمل ان يستحق ذلك من الغنيمة كلها لانه ينزل منزلة الجعل فأشبه السلب فانه غير مخموس ويحتمل في القسم الثاني وهو زيادة بعض الغانمين على سهمه أن يكون من خمس الخمس المعد للمصالح لان عطية هذا من المصالح والمذهب الاول لان عطية سلمة بن الاكوع سهم الفارس زيادة على سهمه انما كان من أربعة الاخماس (فصل) قال الخرقي ويرد من نفل على من معه في السرية إذ بقوتهم صار إليه ومعناه إذا بعث سرية ونفلها الثلث أو الربع فخص به بعضهم أو جاء بعضهم بشئ فنفله ولم يأت بعضهم بشئ فلم ينفله شارك من نفل من لم ينفل، وقد نص أحمد على هذا لان هؤلاء انما أخذوا بقوة هؤلاء ولانهم استحقوا النفل على وجه الاشاعة بينهم بالشرط السابق فلم يختص به واحد منهم كالغنيمة، فأما النفل في القسمين الاخيرين مثل أن يخص بعض الجيش بنفل لغنائه أو يجعله له كقوله من جاء بعشر رؤوس فله رأس فجاء واحد بعشرة دون سائر الجيش فيختص بنفله دون غيره لان النبي صلى الله عليه وسلم لما خص من قتل بسلب قتيله اختص به ولما خص سلمة بن الاكوع بسهم الفارس والراجل اختص به ولذلك اختص بالمرأة التي نفلها إياه أبو بكر دون الناس ولان هذا جعل تحريضا على القتال وحثا على فعل ما يحتاج المسلمون إليه لتحمل فاعله كلفة فعله رغبة فيما جعل له فلو لم يختص به فاعله ما خاطر أحد بنفسه فيه ولا حصلت مصلحة النفل فوجب أن يختص الفاعل لذلك بنفله كثواب الآخرة

[ 443 ]

(فصل) قال رضي الله عنه ويلزم الجيش طاعة الامير والنصح له والصبر معه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني) رواه النسائي. (مسألة) (ولا يجوز لاحد أن يتعلف ولا يحتطب ولا يبارز ولا يخرج من العسكر ولا تحدث حدثا إلا باذن الامير) يعني لا يحرج لتعلف وهو تحصيل العلف ولا احتطاب ولا غيره إلا باذن الامير لقول الله تعالى (انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) ولان الامير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم وقربهم وبعدهم فإذا خرج أحد بغير اذنه لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو أو طليعة لهم فيأخذوه أو يرحل الامير ويدعه فيهلك فإذا كان باذن الامير لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم (فصل) فأما المبارزة فتجوز باذن الامير في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فانه كرهها. ولنا ان حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر باذن النبي صلى الله عليه وسلم وبارز علي عمرو بن عبدود في غزوة الخندق وبارز مرحبا يوم خيبر وقيل بارزه محمد بن مسلمة وبارز البراء بن مالك مرزبان المرازبه فقتله

[ 444 ]

وأخذ سلبه فبلغ ثلاثين ألفا، وروي عنه انه قال قتلت تسعة وتسعين رئيسا من المشركين مبارزة سوى من شاركت فيهم ولم يزل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبارزون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم ينكره منكر فكان اجماعا وكان أبو ذر يقسم ان قوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة، بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة رواه البخاري. إذا ثبت هذا فانه ينبغي أن يستأذن الامير في المبارزة إذا امكن وبه قال الثوري وإسحاق ورخص فيها مالك والشافعي وابن المنذر لان أبا قتادة قال بارزت رجلا يوم حنين وقتلته ولم يعلم انه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك اكثر من حكينا عنهم المبارزة لم نعلم منهم استئذانا ولنا ان الامام اعلم بفرسانه وفرسان عدوه، ومتى برز الانسان لمن لا يطيقه كان معرضا نفسه للهلاك فتنكسر قلوب المسلمين فينبغي ان يفوض ذلك إلى الامام ليختار للمبارزة من يرضاه لها فيكون اقرب إلى الظفر وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب الكافرين، فان قيل فقد ابحتم له ان ينغمس في الكفار وهو سبب قتله قلنا إذا كان مبارزا تعلقت قلوب الجيش به وارتقبوا ظفره، فان ظفر جبر قلوبهم وسرهم وكسر قلوب الكافرين وان قتل كان بالعكس والمنغمس يطلب الشهادة لا يترقب منه ظفره ولا مقاومته

[ 445 ]

فافترقا وأمبارزة (وأما مبارزة) أبي قتادة فغير لازمة فانها كانت بعد التحام الحرب رأى رجلا يريد أن يقتل مسلما فضربه ابو قتادة فالتفت إلى أبي قتادة فضمه ضمة كاد يقتله وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها بل المبارزة المختلف فيها ان يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب يدعو إلى المبارزة فهذا هو الذي يتعين له اذن الامام لان أعين الطائفتين تمتد اليهما وقلوب الفريقين تتعلق بهما بخلاف غير ذلك. (مسألة) (فان دعى كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة أن يبارزه باذن الامير). المبارزة تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة ومباحة ومكروهة (فالمستحبة) إذا خرج كافر يطلب البراز فيستحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة أن يبارزه باذن الامير، لان فيه ردا عن المسلمين وإظهارا لقوتهم (والمباحة) أن يبتدئ الرجل الشجاع فيطلبها فتباح ولا تستحب لانه لا حاجة إليها ولا يؤمن ان يغلب فيكسر فلوب المسلمين الا أنه لما كان شجاعا واثقا من نفسه أبيحت له لانه بحكم الظاهر غالب، (والمكروهة) أن يبرز الضعيف البنية الذي لا يثق من نفسه فتكره له المبارزة لما فيه من كسر قلوب المسلمين بقتله ظاهرا. (مسألة) (فان شرط الكافر ان لا يقاتله غير الخارج إليه فله شرطه) إذا خرج كافر يطلب البراز فشرط ان لا يعين الذي يبارزه غيره فله شرطه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون عند شروطهم) ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة لانه كافر لاعهد له ولا امان فأبيح قتله كغيره الا أن تكون العادة جارية بينهم أن من خرج يطلب المبارزة لا يعرض له فيجري ذلك مجرى الشرط.

[ 446 ]

(مسألة) (فان انهزم المسلم أو اثخن بالجراح جاز الدفع عنه) إذا انهزم المسلم تاركا للقتال أو مثخنا بالجراح جاز لكل أحد قتال الكافر لان المسلم إذا صار إلى هذه الحال فقد انقضى قتاله والامان انما كان حال القتال وقد زال وان كان المسلم شرط عليه ان لا يقاتل حتى يرجع إلى صفه وفي له بالشرط الا أن يترك قتاله أو يثخنه بالجراح فيتبعه ليقتله أو يجهز عليه فيجوز ان يحولوا بينه وبينه، وان قاتلهم قاتلوه لانه إذا منعهم انقاذه فقد نقض أمانه وان أعان الكفار صاحبهم فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقاتلوا من أعان عليه ولا يقاتلون المبارز لانه ليس بسبب من جهته فان كان قد استنجدهم أو علم منه الرضا بفعلهم انتقض امانه وجاز قتله وذكر الاوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم وان أثخن بالجراح قيل له فخاف المسلمون على صاحبهم قال وان، لان المبارزة انما تكون هكذا ولكن لو حجزوا بينهما وخلوا سبيل العلج قال فان أعان العدو صاحبهم فلا بأس ان يعين المسلمون صاحبهم ولنا أن حمزة وعليا أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين ثخن عبيدة. (فصل) وتجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (الحرب خدعة وهو حديث حسن صحيح، وروي ان عمرو بن عبدود لما بارز عليا رضي الله عنه قال علي ما برزت لا قاتل اثنين فالتفت عمرو فوثب عليه فضربه فقال عمرو خدعتني فقال الحرب خدعة.

[ 447 ]

(فصل قال أحمد وإذا غزوا في البحر فأراد رجل ان يقيم بالساحل يستأذن الوالي الذي هو على جميع المراكب ولا يكفيه أن يستأذن الوالي الذي في مركبه. (مسألة) (وان قتله المسلم فله سلبه). اما استحقاق سلب القتيل في الجملة فلا نعلم فيه خلافا وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل كافرا فله سلبه، رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم انس وسمرة بن جندب وغيرهما، وروي ابو قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة فأدركه الموت ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) قال فقمت فقلت من يشهد لي؟ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالك يا أبا قتادة، فاقتصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول سلب ذلك القتيل عندي فارضه منه فقال أبو بكر الصديق لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسول الله يعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صدق فأسلمه إليه) قال فأعطانيه متفق عليه، وعن أنس قال قال رسول

[ 448 ]

الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين (من قتل قتيلا فله سلبه) فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فأخذ اسلابهم، رواه ابو داود. (مسألة) (وكل من قتل قتيلا فله سلبه غير مخموس إذا قتله حال الحرب منهمكا على القتال غير مثخن وغرر بنفسه في قتله وعنه لا يستحقه إلا من شرط له). الكلام في هذه المسألة في فصول (إحداها) في أن القاتل يستحق السلب وقد ذكرناه (الثاني) ان السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبي والمشرك وقال ابن أبي موسى من بارز بغير إذن الامام لم يستحق السلب ذكره في الارشاد وروي عن ابن عمر أن العبد إذا بارز باذن مولاه لم يستحق السلب ويرضخ له منه وللشافعي فيمن لا سهم له قولان (احدهما) لا يستحق السلب لان السهم آكد منه للاجماع عليه فإذا لم يستحقه فالسلب أولى ولنا عموم الخبر ولانه قاتل من أهل الغنيمة فاستحق السلب كذي السهم ولان الامير لو جعل جعلا لمن منع شيئا فيه نفع للمسلمين لاستحقه فاعله من هؤلاء فالذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أولى وفارق السهم لانه علق على المظنة ولهذا يستحق بالحضور ويستوي فيه الفاعل وغيره والسلب يستحق بحقيقة الفعل وقد وجد منه ذلك فاستحقه كالمجعول له جعلا على فعل إذا فعله فان كان القاتل ممن لا يستحق سهما ولا رضخا كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين لم يستحق السلب وان قل وهو قول الشافعي لانه

[ 449 ]

ليس من أهل الجهاد وكذلك ان بارز العبد بغير إذن مولاه لا يستحق السلب لانه عاص وكذلك كل عاص مثل من دخل بغير إذن الامير وعن أحمد فيمن دخل بغير إذن انه يؤخذ منه الخمس وباقيه له كالغنيمة ويخرج مثل ذلك في العبد المبارز بغير إذن سيده ويحتمل ان يكون سلب قتيل العبد له على كل حال لان ما كان له فهو لسيد ففي حرمانه حرمان سيده ولم يعص (الفصل الثالث) السلب للقاتل في كل حال إلا ان ينهزم العدو وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وقال مسروق إذا التقى الزحفان فلا سلب له انما النفل قبل وبعد ونحوه قول نافع وكذلك قال الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم: السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض فإذا كان كذلك فلا سلب لاحد ولنا عموم قوله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه ولان أبا قتادة انما قتل الذي أخذ سلبه في حال التقاء الزحفين الا تراه يقول فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين؟ وكذلك قول أنس قتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ اسلابهم وكان ذلك بعد التقاء الزحفين لان هوازن لقوا المسلمين فجأة فالحموا الحرب قبل تقدم مبارزة

[ 450 ]

(الفصل الرابع) انه انما يستحق السلب بشروط اربعة [ أحدها ] ان يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما ان قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فاينا أو ضعيفا مهينا ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافا وان كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه لجواز قتله ومن قتل أسيرا له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك [ الثاني ] ان يكون المقتول فيه منعة غير مثخن بالجراح فان كان مثخنا فليس لقاتله شئ من سلبه وبهذا قال مكحول وجرير بن عثمان والشافعي لان معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت ابا جهل وذفف عليه ابن مسعود فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ولم يعط ابن مسعود شيئا [ الثالث ] أن يقتله أو يثخنه بالجراح فيعجله في حكم المقتول فيستحق سلبه لحديث معاذ ابن عمرو بن الجموح [ الرابع ] ان يغرر بنفسه في قتله فان رماه بسهم من صف المسلمين فقتله فلا سلب له قال أحمد السلب للقاتل انما هو في المبارزة لا يكون في الهزيمة وان حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه فسلبه غنيمة لانهم لم يغرروا بانفسهم في قتله (فصل) وانما يستحق السلب إذا قتله حال الحرب فان انهزم الكفار كلهم فادرك انسانا منهزما

[ 451 ]

فقتله فلا سلب له لانه لم يغرر في قتله، وان كانت الحرب قائمة فانهزم أحدهم فقتله انسان فله سلبه لان الحرب كروفر وقد قتل سلمة بن الاكوع طليعة للكفار وهو منهزم وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من قتله؟) قالوا ابن الاكوع قال (له سلبه أجمع) وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وداود وابن المنذر السلب لكل قاتل لعموم الخبر واحتجاجا بحديث سلمة هذا ولنا ان ابن مسعود ذفف على أبي جهل فلم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم سلبه وأمر بقتل عقبه بن أبي معيط والنضر ابن الحارث صبرا ولم يعط سلبهما من قتلهما وقتل بني قريظة صبرا فلم يعط من قتلهم اسلابهم وانما أعطي السلب من قتل مبارزا وكفى المسلمين شره وغرر في قتله والمنهزم بعد انقضاء الحرب قد كفى المسلمين شر نفسه ولم يغرر قاتله بنفسه في قتله فهو كالاسير وأما الذي قتله سلمة فكان متحيزا إلى فئة وكذلك من قتل حال قيام الحرب فانه وان كان منهزما فهو متحيز إلى فئة وراجع إلى القتال فأشبه الكار فان القتال كر وفر. إذا ثبت هذا فانه لا يشترط في استحقاق السلب ان تكون المبارزة باذن الامير لان كل من قضي له بالسلب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من نقل الينا انه أذن له في المبارزة مع ان عموم الخبر يقتضي استحقاق السلب لكل قاتل الا من خصه الدليل (الفصل الخامس) ان السلب لا يخمس روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وبه قال الشافعي وابن المنذر وقال ابن عباس يخمس وبه قال الاوزاعي ومكحول لعموم قوله تعالى (واعلموا

[ 452 ]

أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه) وقال اسحاق ان استكثر الامام السلب خمسه وذلك إليه لما روى ابن سيرين ان البراء ابن مالك بارز مرزبان المرازبة بالبحرين فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره فقال إنا كنا لا نخمس السلب وان سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه، فكان أول سلب خمس في الاسلام سلب البراء. رواه سعيد في السنن وفيها ان سلب البراء بلغ ثلاثين ألفا ولنا ماروى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب. رواه أبو داود، وخبر عمر حجة لنا فانه قال إنا كنا لا نخمس السلب وقول الراوي كان أول سلب خمس في الاسلام يعني ان النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا واتباعهم أولى، قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لاحد في شئ سبق فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ الا اتباعه ولا حجة في قول احد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه يصلح ان يخصص به عموم الآية إذا ثبت هذا فان السلب من أصل الغنيمة، وقال مالك يحسب من خمس الخمس ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى به للقاتل مطلقا ولم ينقل عنه انه احتسب به من خمس الخمس، ولانه لو احتسب به من خمس الخمس احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك، ولان سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الامام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الراجل والفارس

[ 453 ]

(الفصل السادس) ان القاتل يستحق السلب قال الامام ذلك أو لم يقله وبه قال الاوزاعي والليث والشافعي واسحاق وأبو عبيد وابو ثور وقال ابو حنيفة والثوري لا يستحقه الا ان يشرطه الامام وكذلك قال مالك ولم ير أن يقول الامام ذلك إلا بعد انقضاء الحرب على ما تقدم من مذهبه في النفل وجعلوا السلب ههنا من جملة الانفال، وقد روي عن احمد مثل قولهم وهو اختيار ابي بكر لما روى عوف بن مالك ان مدديا تبعهم فقتل علجا فأخذ خالد بعض سلبه وأعطاه بعضه فذكر ذلك لرسول الله (ص) فقال (لا تعطه يا خالد) رواه سعيد وأبو داود بمعناه بأطول من هذا وروينا باسنادهما عن شبر بن علقمة قال بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه فأتيت به سعدا فخطب سعد أصحابه وقال ان هذا سلب شبر خير من اثني عشر الفا وانا قد نفلناه اياه ولو كان حقا لم يحتج أن ينفله ولان عمر أخذ الخمس من سلب البراء ولو كان حقا له لم يجز أن ياخذ منه شيئا ولان النبي (ص) دفع سلب ابي قتادة إليه من غير بينة ولا يمين ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا فله سلبه) وهذا من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة التي عمل بها الخلفاء بعده، وأخبارهم التي احتجوا بها تدل على ذلك فان عوف بن مالك احتج على خالد حين اخذ بعض سلب المددي فقال له عوف أما تعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال

[ 454 ]

بلى، وقول عمر إنا كنا لا نخمس السلب يدل على ان هذه قضية عامة في كل غزوة وحكم مستمر لكل قاتل وانما امر النبي صلى الله عليه وسلم خالدا ان لا يرد على المددي عقوبة حين اغضبه عوف بتقريعه خالدا بين يديه وقوله قد أنجزت لك ما ذكرت لك من امر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما خبر شبر فانما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه نفلا لانه في الحقيقة نفل لانه زيادة على سهمه، وأما ابو قتادة فان خصمه اعترف له به وصدقه فجرى مجرى البينة ولان السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الامام واجتهاده فلم يفتقر إلى شرطه كالسهم إذا ثبت هذا فان احمد قال لا يعجبني ان يأخذ السلب الا باذن الامام وهو قول الاوزاعي، وقال ابن المنذر والشافعي له اخذه بغير اذن لانه استحقه بجعل النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك ولا يأمن ان اظهره عليه ان لا يعطاه ووجه قول احمد انه فعل مجتهد فيه فلم ينفذ امره فيه الا باذن الامام كأخذ سهمه، ويحتمل ان يكون هذا من حمد على سبيل الاستحباب ليخرج من الخلاف لا على سبيل الايجاب، فعلى هذا ان اخذه بغير اذن ترك الفضيلة وله ما اخذه (مسألة) (وان قطع أربعته وقتله آخر فسلبه للقاطع دون القاتل) لان القاطع هو الذي كفى المسلمين شره ولان معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل وذفف عليه ابن مسعود فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ

[ 455 ]

(مسألة) (وان قتله اثنان فسلبه غنيمة) هذا ظاهر كلام أحمد فانه قال في رواية حرب له السلب إذا انفرد بقتله. وقال القاضي انهما يشتركان في سلبه لقوله (من قتل قتيلا فله سلبه) وهو يتناول الاثنين، ولانهما اشتركا في السبب فاشتركا في السلب ولنا ان السلب انما يستحق بالتغرير في قتله ولا يحصل ذلك بقتل الاثنين أشبه مالو قتله جماعة ولم يبلغنا ان النبي صلى الله عليه وسلم شرك بين اثنين في سلب، فان اشترك اثنان في ضربه وكان احدهما أبلغ في قتله من الآخر فالسلب له لان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل وأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح (مسألة) (وان أسره وقتله الامام فسلبه غنيمة) إذا أسر رجلا لم يستحق سلبه سواء قتله الامام أو لم يقتله، وقال مكحول: لا يكون السلب إلا لمن أسر علجا أو قتله وقال القاضي إذا اسر رجلا فقتله الامام صبرا فسلبه لمن اسره لان الاسر أصعب من القتل فإذا استحق سلبه بالقتل كان تنبيها على استحقاقه بالاسر قال وان استبقاه الامام كان له فداؤه أو رقبته وسلبه لانه كفى المسلمين شره ولنا ان المسلمين أسروا اسرى يوم بدر فقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة والنضر بن الحارث

[ 456 ]

واستبقى سائرهم فلم يعط من أسرهم اسلابهم ولا فداءهم وكان فداؤهم غنيمة ولان النبي صلى الله عليه وسلم أنما جعل السلب للقاتل وليس الاسر بقتل ولان الامام مخير في الاسرى ولو كان لمن اسره كان امره إليه دون الامام (مسألة) (وان قطع يده ورجله وقتله آخر فسلبه غنيمة وقيل هو للقاتل) إذا قطع يده ورجله وقتله آخر فالسلب للقاطع في أحد الوجهين لانه عطله فأشبه الذي قتله (والثاني) هو غنيمة لانه لم ينفرد احدهما بقتله ولا يستحقه القاتل لانه مثخن بالجراح وقيل هو للقاتل لعموم الخبر وكذلك ان قطع يديه أو رجليه وان قطع احدى يديه أو احدى رجليه ثم قتله آخر احتمل أن يكون سلبه غنيمية لانهما اشتركا في قتله فلم ينفرد به احدهما واحتمل انه للقاتل لانه قتل من لم يكتف المسلمون شره وان عانق رجلا فقتله آخر فالسلب للقاتل وبهذا قال الشافعي وقال الاوزاعي هو للمعانق ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا فله سلبه) ولانه كفى المسلمين شره اشبه ما لو لم يعانقه الآخر وكذلك لو كان الكافر مقبلا على رجل يقاتله فجاء آخر من ورائه فضربه فقتله فسلبه لقاتله بدليل قصة قتيل أبي قتادة

[ 457 ]

(فصل) ولا تقبل دعوى القتل الا ببينة وقال الاوزاعي يعطي السلب إذا قال انا قتلته ولا يسأل بينة لان النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول أبي قتادة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) متفق عليه وأما أبو قتادة فان خصمه اعترف له فاكتفي باقراره قال أحمد لا يقبل الا شاهدان وقالت طائفة من أهل الحديث يقبل شاهد ويمين لانها دعوى في المال ويحتمل ان يقبل شاهد بغير يمين لان النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول الذي شهد لابي قتادة من غير يميز ووجه الاول ان النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر البينة واطلاقها ينصرف إلى شاهدين ولانها دعوى للقتل فاعتبر شاهدان كدعوى قتل العمد (مسألة) (والسلب ما كان عليه من ثياب وحلي وسلاح والدابة بآلتها وعنه ان الدابة ليست من السلب ونفقته وخيمته ورحله غنيمة) سلب القتيل ما كان لابسه من ثياب وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية لان المفهوم من السلب اللباس وكذلك السلاح من السيف والرمح واللت والقوس ونحوه لانه يستعين به في قتال فهو أولى بالاخذ من اللباس فأما المال الذي معه في هميانه وخريطته فليس بسلب لانه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به في الحرب وكذلك

[ 458 ]

رحله وإناؤه وما ليست يده عليه من ماله وبه قال الاوزاعي ومكحول والشافعي الا أن الشافعي قال مالا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار والطوق والهميان الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لانه مما لا يستعان به في الحرب فأشبه المال الذي في خريطته ولنا ان البراء بارز مرزبان المرازبه فقتله فبلغ سواره ومنطقته ثلاثين ألفا فخمسه عمر ودفعه إليه وفي حديث عمرو بن معدي كرب انه حمل على سوار فطنعه فدق صلبه فصرعه فنزل إليه فقطع يده وأخذ سوارين كانا عليه ويلقا من ديباج وسيفا ومنطقة فسلم ذلك إليه ولانه من ملبوسه أشبه ثيابه ولانه داخل في اسم السلب اشبه الثياب والمنطقة ويدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم (فله سلبه) واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الدابه فنقل عنه انها ليست من السلب اختاره أبو بكر لان السلب ما كان على بدنه والدابة ليست كذلك فلا تدخل في الخبر وذكر أبو عبد الله حديث عمرو بن معدي كرب فأخذ سواريه ومنطقته يعنى ولم يذكر الدابة ونقل عنه انها من السلب وهو ظاهر المذهب وبه قال الشافعي لما روى عوف بن مالك قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فعلاه ققتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب قال عوف فأتيته فقلت يا خالد أما علمت ان

[ 459 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال بلى رواه الاثرم وفي حديث شبر بن علقمه انه أخذ فرسه كذلك قال أحمد كقوله فيه ولان الفرس يستعان بها في الحرب فأشبهت السلاح وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت فانها من السلب وليست ملبوسة إذا ثبت هذا فان الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتحقيبها وحلية ان كانت عليه وجميع آلتها من السلب لانه تابع لها ويستعان به في الحرب وانما تكون من السلب إذا كان راكبا عليها فان كانت في منزله أو مع غيره أو منقلبة لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وان كان عليها فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب وهذا قول الاوزاعي وان كان ممسكا بعنانها غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان (إحداهما) هي سلب وهو قول الشافعي لانه متمكن من القتال عليها فاشبهت سيفه ورمحه في يده (والثانية) ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي لانه ليس براكب عليها فاشبه مالو كانت مع غلامه وان كان على فرس وفي يده جنيبة لم تكن الجنيبة من السلب لان لا يمكنه ركوبهما معا (فصل) ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة وهذا قول الاوزاعي وكرهه الثوري وابن المنذر لما فيه من كشف عوراتهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في قتيل سلمة بن الاكوع له سلبه أجمع وقال (من قتل قتيلا فله سلبه) وهذا يتناول جميعه (فصل) ويكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد والمثلة بقتلاهم وتعذيبهم لما روى سلمة

[ 460 ]

ابن جندب قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة وعن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان أعف الناس قتلة أهل الايمان) رواهما أبو داود وعن شداد بن اوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة) رواه النسائي وعن عقبة بن عامر أنه قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه برأس بباق البطريق فانكر ذلك فقال يا خليفة رسول فانهم يفعلون ذلك بنا قال (فاستنان بفارس والروم) لا يحمل الي رأس فانما يكفي الكتاب والخبر وقال الزهري لم يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم رأس قط وحمل إلى أبي بكر فأنكره واول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير ويكره رميها في المنجنيق نص عليه أحمد وإن فعلوا ذلك لمصلحة جاز لما روينا ان عمرو بن العاص حين حاصر الاسكندرية ظفر أهلها برجل من المسلمين فاخذوا رأسه فجاء قومه عمرا متعصبين فقال لهم عمرو خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم في المنجنيق ففعلوا ذلك فرمى أهل الاسكندرية رأس المسلم إلى قومه (فصل) ولا يجوز الغزو إلا بأذن الامير الا ان يفجأهم عدو يخافون كلبه) إذا جاء العدو لزم جميع الناس ممن هو من اهل القتال الخروج إليهم إذا احتيج إليهم ولا يجوز لاحد التخلف إلا من يحتاج إلى التخلف لحفظ المكان والاهل والمال ومن يمنعه الامير الخروج ومن لا قدرة له على الخروج لقول الله تعالى (انفروا خفافا وثقالا) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا استنفرتم فانفروا) وقد ذم الله

[ 461 ]

تعالى الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الاحزاب فقال (ويستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيوتنا عورة وماهي بعورة ان يريدون إلا فرارا) ولانهم يصير الجهاد عليهم فرض عين إذا جاء العدو فلا يجوز لاحد التخلف عنه. إذا ثبت هذا فانهم لا يخرجون إلا بأذن الامير لان أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بقلة العدو وكثرتهم ومكامنهم وكيدهم فينبغي ان يرجع إلى رأيه لانه أحوط للمسلمين إلا ان يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم فلا يجب استئذانه حينئذ لان المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم ولذلك لما اغار الكفار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فصادفهم سلمة ابن الاكوع خارجا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير اذن فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال (خير رجالنا سلمة بن الاكوع) وأعطاه سهم فارس وراجل وكذلك ان عرضت لهم فرصة يخافون فوتها ان تركوها حتى يستأذنوا الامير فلهم الخروج بغير اذنه لئلا تفوتهم (فصل) وسئل أحمد عن الامام إذا غضب على الرجل فقال أحرج عليك ان لا تصحبني فنادى بالنفير يكون اذنا له؟ قال لا انما قصد له وحده فلا يصحبه حتى يأذن له، قال وإذا نودي بالصلاة والنفير فان كان العدو بالبعد انما جاءهم طليعة العدو صلوا ونفروا إليهم وإذا استغاثوهم وقد جاء العدو اغاثوا ونصروا وصلوا على ظهور دوابهم ويؤمون الغياث عندي أفضل من صلاة الجماعة والطالب والمطلوب في هذا الموضع يصلي على ظهر دابته وهو يسير ان شاء الله وإذا سمع النفير وقد أقيمت الصلاة يصلي ويخفف ويتم الركوع والسجود ويقرأ بسور قصار وقد نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو جنب

[ 462 ]

يعني حنظلة بن الراهب غسيل الملائكة قال ولا يقطع الصلاة إذا كان فيها، وإذا جاء النفير والامام يخطب يوم الجمعة لا نرى ان ينفروا قال ولا تنفر الخيل الا على حقيقة ولا تنفر على الغلام إذا أبق إذا نفروهم ولا يكون هلاك الناس بسبب غلام وإذا نادى الامام الصلاة جامعة لامر يحدث فيشاور فيه لم يتخلف عنه أحد الا لعذر (فصل) وسئل أحمد عن الرجلين يشتريان الفرس بينهما يغزوان عليه يركب هذا عقبة وهذا عقبة فقال ما سمعت فيه بشئ وأرجو أن لا يكون به بأس قيل له أيما أحب اليك يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال يرافق هذا أرفق يتعاونون وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره ولا بأس بالنهد قد تناهد الصالحون كان الحسن إذا سافر القى معهم ويزيد أيضا بعدما يلقي ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئا من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعا وكان الحسن يدفع إلى وكيلهم مثل واحد منهم ثم يعود فيأتي سرا بمثل ذلك يدفعه إليه قال أحمد ما أرى أن يغزو ومعه مصحف يعني لا يدخل به أرض العدو لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو رواه أبو داود والاثرم. (فصل) ومن أعطي شيئا يستعين به في غزاته فما فضل فهو له إذا كان قد أعطي لغزوة بعينها

[ 463 ]

هذا قول عطاء ومجاهد وسعيد بن المسيب وكان ابن عمر إذا أعطى شيئا في الغزو يقول لصاحبه إذا بلغت وادي القرى فشأنك به ولانه اعطاه على سبيل المعاونة والنفقة لا على سبيل الاجارة فكان الفاضل له كما لو وصى له أن يحج عنه فلان حجة بألف وان أعطاه شيئا لينفقه في سبيل الله أو في الغزو مطلقا ففضل منه فضل أنفقه في غزاة أخرى لانه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة فلزمه انفاق الجميع فيها كما لو وصى أن يحج عنه بالف. (فصل) ومن أعطي شيئا يستعين به في الغزو فقال احمد لا يترك لاهله منه شيئا لانه ليس بملكه إلا أن يصير إلى رأس مغزاة فيكون كهيئة ماله فيبعث إلى عياله منه ولا يتصرف فيه قبل الخروج لئلا يتخلف عن الغزو فلا يكون مستحقا لما انفقه الا أن يشتري منه سلاحا أو آلة الغزو فان قصد اعطاءه لمن يغزو به فقال أحمد لا يتخذ منها سفرة فيها طعام فيطعم منها أحدا لانه انما أعطيها لينفقها في جهة مخصوصة وهي الجهاد. (فصل) وإذا اعطي الرجل دابة ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه الا أن تكون عارية فتكون لصاحبها أو حبسا فيكون حبسا بحاله قال عمر رضي الله عنه حملت على فرس عتيق في سبيل الله فاضاعه صاحبه الذي كان عنده فأردت ان اشتريه وظنت انه بائعه برخص فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (لا تشتره ولا تعد في صدقتك وان اعطاكه بدرهم فان العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) متفق عليه، وهذا يدل على انه ملكه لولا ذلك ما باعه

[ 464 ]

ويدل على انه ملكه بعد الغزو لانه أقامه للبيع بالمدينة ولم يكن ليأخذه من عمر ثم يقيمه للبيع في الحال فدل على انه اقامه للبيع بعد غزوه عليه ذكر احمد نحو هذا الكلام وسئل متى تطيب له الفرس؟ قال إذا غزا عليه قيل له فان العدو جاءنا فخرج على هذا الفرس في الطلب إلى خمس فراسخ ثم رجع؟ قال لا حتى يكون غزا قيل له فحديث ابن عمر إذا بلغت وادي القرى فشأنك به قال ابن عمر كان يضع ذلك في ماله وروي انه انما يستحقه إذا غزا عليه وهذا قول اكثر اهل العلم منهم سعيد بن المسيب ومالك وسالم والقاسم والانصاري والليث والثوري ونحوه عن الاوزاعي قال ابن المنذر ولم اعلم ان احدا قال له ان يبيعه في مكانه وكان مالك لا يرى ان ينتفع بثمنه في غير سبيل الله إلا ان يقول له شأنك به ما اردت. ولنا ان حديث عمر ليس فيه ما اشترط مالك فأما ان قال هي حبس فلا يجوز بيعها وسنذكر ذلك في الوقف ان شاء الله تعالى، (فصل) قال احمد لا يركب دواب السبيل في حاجة ويركبها ويستعملها في سبيل الله ولا يركب في الامصار والقرى ولا بان يركبها ويعلفها واكره سباق الرمك على الفرس الحبس وسهم الفرس الحبيس لمن غزا عليه، وإذا أراد أن يشتري فرسا ليحمل عليه فقال أحمد يستحب شراؤها من غير الثغر ليكون توسعة على أهل الثغر في الجلب

[ 465 ]

(مسألة) (وان دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير اذن الامام فغنموا فعن أحمد فيها ثلاث روايات) [ إحداهن ] ان غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسه الامام ويقسم باقيه بينهم هذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي لعموم قوله سبحانه (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه) الآية، والقياس على ما إذا دخلوا باذن الامام [ والثانية ] هو لهم من غير أن يخمس وهو قول أبي حنيفة لانه اكتساب مباح من غير جهاد فأشبه الاحتطاب فان الجهاد باذن الامام أو من طائفة لهم منعة وقوة، فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب [ الثالثة ] انه لا حق لهم فيه قال أحمد في عبد أبق إلى الروم ثم رجع ومعه متاع: العبد لمولاه وما معه من المتاع والمال فهو للمسلمين، لانهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والاولى أولى قال الاوزاعي لما أقفل عمر بن عبد العزيز الجيش الذين كانوا مع مسلمة كسر مركب بعضهم فأخذ المشركون ناسا من القبط فكانوا خدما لهم فخرجوا يوما إلى عيد لهم وخلفوا القبط في مركبهم وشرب الآخرون ورفع القبط القلع وفي المركب متاع الآخرين وسلاحهم فلم يضعوا قلعهم حتى

[ 466 ]

أتوا بيروت فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب عمر نفلوهم القلع وكل شئ جاءوا به الا الخمس، رواه سعيد والاثرم، فان كانت الطائفة ذات منعة غزوا بغير اذن الامام ففيهم روايتان (إحداهما) لا شئ لهم وهو فئ المسلمين (والثانية) يخمس والباقي لهم وهي أصح، ووجه الروايتين ما تقدم ويخرج فيه وجه كالرواية الثالثة وهو ان الجميع لهم لكونه اكتسابا مباحا من غير جهاد (فصل) قال الخرقي ولا يتزوج في أرض العدو الا أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة ويعزل عنها ولا يتزوج منهم ومن اشترى جارية لم يطأها في الفرج وهو في أرضهم قال شيخنا رحمه الله تعالى يريد والله أعلم من دخل أرض العدو بأمان، فأما ان كان في جيش المسلمين فله ان يتزوج لما روي عن سعيد عن أبي هلال انه بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج أسماء بنت عميس أبا بكر وهم تحت الرايات، أخرجه سعيد ولان الكفار لا يد لهم عليه أشبه من في دار الاسلام، وأما الاسير فظاهر كلام احمد انه لا يحل له التزوج ما دام أسيرا لانه منعه من وطئ امرأته إذا أسرت معه مع صحة نكاحهما وهذا قول الزهري فانه قال لا يحل للاسير أن يتزوج ما كان في ارض المشركين ولان الاسير إذا ولد له ولد كان رقيقا لهم ولا يأمر ان يطأ امرأته غيره منهم، وسئل أحمد عن اسير أسرت معه امرأته أيطؤها؟ فقال كيف يطؤها ولعل غيره منهم يطؤها؟ قال الاثرم قلت له فلعلها تعلق بولد فيكون معهم فقال وهذا ايضا وأما الذي يدخل إليهم بأمان كالتاجر ونحوه فهو الذي اراد الخرقي ان شاء الله تعالى فلا ينبغي

[ 467 ]

له ان يتزوج لانه لا يأمن ان تاتي امرأته بولد فيستولي عليه الكفار وربما نشأ بينهم فيصير على دينهم فان غلبت عليه الشهوة ابيح له نكاح مسلمة لانه حال ضرورة ويعزل عنها كيلا تأتي بولد ولا يتزوج منهم لانها تغلبه على ولدها فيتبعها على دينها قال القاضي قول الخرقي هذا نهي كراهة لا نهي تحريم لان الله تعالى قال (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ولان الاصل الحل فلا يحرم بالشك والتوهم وانما كرهنا له التزوج منهم مخافة ان يغلبوا على ولده فيسترقوه ويعلموه الكفر ففي تزويجه تعريضه لهذا الفساد العظيم وازدادت الكراهة إذا تزوج منهم لان الظاهر ان امرأته تغلبه على ولدها فتكفره كما ان حكم الاسلام يغلب للاسلام فيما إذا اسلم احد الابوين أو تزوج مسلم ذمية، وإذا اشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج في ارضهم مخافة ان يغلبوه على ولدها فيسترقوه ويكفروه (مسألة) (ومن أخذ من دار الحرب طعاما أو علفا فله اكله وعلف دابته بغير اذن وليس له بيعه فان باعه رد ثمنه في المغنم) اجمع اهل العلم الا من شذ منهم على ان للغزاة إذا دخلوا ارض الحرب ان يأكلوا ما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من علفهم منهم سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والقاسم وسالم والثوري والاوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الزهري لا يؤخذ الا باذن الامام وقال سليمان بن موسى لا يترك الا أن ينهى عنه الامام فيتبع نهيه

[ 468 ]

ولنا ما روى عبد الله بن أبي أوفى قال اصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل ياخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف. رواه سعيد وأبو داود وروي ان صاحب جيش الشام كتب إلى عمر إنا اصبنا أرضا كثيرة الطعام والعلف وكرهت ان اتقدم في شئ من ذلك فكتب إليه دع الناس ياكلون ويعلفون فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين، رواه ابو سعيد وقد روى عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت والله لا اعطي احدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فاستحييت منه، متفق عليه، ولان الحاجة تدعو إلى هذا وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم فانه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الاسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه ولا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شئ ينتفع به ولا يدفع به حاجته فأبيح لهم ذلك فمن أخذ من الطعام شيئا مما يقتات أو يصلح به القوت من الادم أو غيره أو العلف لدابته فهو أحق به سواء كان له ما يستغني به عنه أولا. ويكون أحق بما يأخذه من غيره فان فضل منه مالا حاجة به إليه رده على المسلمين لانه انما أبيح له ما يحتاج إليه، وان اعطاه أحد من أهل الجيش ما يحتاج إليه جاز له أخذه وصار أحق به من غيره

[ 469 ]

وان باع شيئا من الطعام أو العلف رد قيمته في الغنيمة لما ذكرنا من حديث عمر وبه قال سليمان بن موسى والثوري والشافعي، وكره القاسم وسالم ومالك بيعه، وقال القاضي لا يخلو إما أن يبيعه من غاز أو غيره فان باعه لغيره فالبيع باطل لانه باع مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة فيجب رد المبيع ورفض البيع فان تعذر رده رد قيمته أو ثمنه ان كان اكثر من قيمته إلى المغنم وان باعه لغاز لم يخل من أن يبدله بطعام أو علف مما له الانتفاع به أو بغيره فان باعه بمثله فليس هذا بيعا في الحقيقة انما سلم إليه مباحا وأخذ مثله مباحا، ولكل واحد منهما الانتفاع بما أخذه وصار احق به من غيره لثبوت يده عليه، فعلى هذا لو باع صاعا بصاعين أو افترقا قبل القبض جاز، وان باعه به نسيئة أو أقرضه اياه فأخذه فهو أحق به ولا يلزمه ايفاؤه فان وفاه ورده إليه عادت اليد إليه وان باعه بغير الطعام والعلف فالبيع غير صحيح ويصير المشترى احق به لثبوت يده عليه ولا ثمن عليه وان أخذه منه وجب رده إليه (فصل) (وان وجد دهنا فهو كسائر الطعام) لما ذكرنا من حديث عبد الله بن مغفل ولانه طعام فاشبه البر والشعير وان كان غير مأكول فاحتاج ان يدهن به أو يدهن دابته فظاهر كلام أحمد جوازه إذا كان من حاجة قال في زيت الروم إذا كان من ضرورة أو صداع فلا بأس فاما التزين فلا يعجبني وقال الشافعي ليس له دهن دابته من جرب الا بالقيمة لان ذلك لا تعم الحاجة إليه ويحتمل

[ 470 ]

كلام أحمد مثل هذا لانه ليس بطعام ولا علف ووجه الاول ان هذا مما يحتاج إليه لاصلاح نفسه ودابته أشبه الطعام والعلف وله أكل ما يتداوى به ويشرب الشراب من الجلاب والسكنجبين وغيرهما عند الحاجة إليه لانه من الطعام وقال أصحاب الشافعي ليس له تناوله لانه ليس من القوت ولا يصلح به القوت ولانه لا يباح مع عدم الحاجة إليه فلم يبح مع الحاجة كغير الطعام ولنا أنه طعام احتيج إليه أشبه الفواكه وما ذكروه يبطل بالفاكهة وإنما اعتبرنا الحاجة ههنا لان هذا لا يتناول في العادة الا عند الحاجة إليه (فصل) وللغازي ان يطعم دوابه ورقيقه مما يجوز له الاكل منه سواء كانوا للقنية أو للتجارة قال أبو داود قلت لابي عبد الله يشتري الرجل السبي في بلاد الروم يطعمهم من طعام الروم؟ قال نعم وروى عنه ابنه عبد الله أنه قال سألت أبي عن الرجل يدخل بلاد الروم ومعه الجارية والدابة للتجارة أيطعمها يعني الجارية وعلف الدابة؟ قال لا يعجبني ذلك فان لم يكن للتجارة فلم ير به بأسا فظاهر هذا أنه لا يجوز إطعام ما كان للتجارة لانه ليس مما يستعين به على الغزو وقال الخلال رجع أحمد عن هذه الرواية وروى عنه جماعة بعد هذا أنه لا بأس به وذلك لان الحاجة داعية إليه فاشبه مالا يراد به التجارة (فصل) قال أحمد ولا يغسل ثوبه بالصابون لان ذلك ليس بطعام ولا علف ويراد للتحسين والزينة ولا يكون في معناهما ولو كان مع الغازي فهد وكلب للصيد لم يكن له اطعامه من الغنيمة

[ 471 ]

فان أطعمه غرم قيمة ما أطعمه لان هذا يراد للتفرج والزينة وليس مما يحتاج إليه في الغزو بخلاف الدواب (فصل) ولا يجوز لبس الثياب ولا ركوب دابة من دواب المغنم لما روى رويفع بن ثابت الانصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا اخلقه رده فيه) رواه سعيد (فصل) ولا يجوز الانتفاع بجلودهم واتخاذ النعل والجرب (والجورب) منها ولا الخيوط ولا الحبال وبهذا قال ابن محيريز ويحيى بن أبي كثير واسماعيل بن عياش والشافعي ورخص في اتخاد الجرب من جلود الغنم سليمان بن موسى ورخص مالك في الابرة وفي الحبل يتخذ من الشعر والنعل والخف يتخذ من جلود البقر. ولنا ماروى قيس بن أبي حازم ان رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكمنة شعر من المغنم فقال يا رسول الله انا نعمل الشعر فهبها لي فقال (نصيبي منها لك) رواه سعيد وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أدوا الخيط والمخيط فان الغلول نار وشنان يوم القيامة) ولان ذلك من الغنيمة ولا تدعو إلى أخذه حاجة عامة فاشبه الثياب (فصل) فاما كتبهم فان كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة وان كانت

[ 472 ]

مما لا ينتفع به ككتب التوراة والانجيل وأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله غسل وهو غنيمة وإلا فلا ولا يحوز بيعها (فصل) وان أخذوا من الكفار جوارح للصيد كالفهد والبزاة فهي غنيمة تقسم وان كانت كلابا لم يجز بيعها وان لم يردها أحد من الغانمين جاز إرسالها وإعطاوها غير الغانمين وان رغب فيها بعض الغانمين دون بعض دفعت إليه ولم تحسب عليه لانها لا قيمة لها وان رغب فيها الجميع أو جماعة كثيرة فامكن قسمتها قسمت عددا من غير تقويم، وإن تعذر ذلك أو تنازعوا في الجيد منها فطلبه كل واحد منهم أقرع بينهما وان وجدوا خنازير قتلوها لانها مؤذية ولا نفع فيها وان وجدوا خمرا اراقوه فان كان في أوعيته نفع للمسلمين أخذوها وإلا كسروها لئلا يعودوا إلى استعمالها (مسألة) فان فضل معه منه شئ فادخله البلد رده في الغنيمة إلا ان يكون يسيرا فله أكله في إحدى الروايتين) أما الكثير فيجب رده بغير خلاف علمناه لان ما كان مباحا له في حال الحرب فإذا أخذه على وجه ففضل منه كثير إلى دار الاسلام فقد أخذ مالا يحتاج إليه فيلزمه رده لان الاصل تحريمه لكونه مشتركا بين الغانمين فهو كسائر المال وإنما ابيح منه ما دعت الحاجة إليه فما زاد يبقى على أصل التحريم ولهذا لم يبح بيعه وأما اليسير ففيه روايتان

[ 473 ]

(إحداهما) يجب رده أيضا اختاره أبو بكر وهو قول أبي حنيفة وابن المنذر وأبي ثور وهو أحد قولي الشافعي لما ذكرنا في الكثير ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال (ادوا الخيط والمخيط) ولانه من الغنيمة ولم يقسم فلم يبح في دار الاسلام كالكثير وكما لو أخذه في دار الاسلام (والثانية) يباح وهو قول مكحول وخالد بن معدان وعطاء الخراساني ومالك والاوزاعي، قال أحمد اهل الشام يتساهلون في هذه وقد روى القاسم بن عبد بن الرحمن عن بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى ان كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا منه مملوءة رواه ابو داود وسعيد، وعن عبد الله بن يسار السلمي قال دخلت على رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم إلي تميرا من تمير الروم فقلت لقد سبقت الناس بهذا؟ قال ليس هذا من العام هذا من العام الاول رواه الاثرم في سننه، وقال الاوزاعي أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض لا ينكره امام ولا عامل ولا جماعة، وهذا نقل للاجماع ولانه أبيح امساكه عن القسمة فأبيح في دار الاسلام كمباحات دار الحرب التي لا قيمة لها فيها ويفارق الكثير لانه لا يجوز امساكه عن القسمة ولان اليسير تجري فيه المسامحة ونفعه قليل بخلاف الكثير

[ 474 ]

(فصل) وإذا جمعت المغانم وفيها طعام أو علف لم يجز لاحد أخذه إلا للضرورة لاننا انما أبحنا أخذه قبل جمعه لانه لم يثبت فيه ملك المسلمين بعد فأشبه المباحات من الحطب والحشيش فإذا جمعت ثبت ملك المسلمين فيها فخرجت عن حيز المباحات وصارت كسائر املاكهم فلم يجز الاكل منها إلا لضرورة وهو أن لا يجدوا ما يأكلونه فحينئذ يجوز لان حفظ نفوسهم ودوابهم اهم وسواء حيزت في دار الحرب أو في دار الاسلام، وقال القاضي يجوز الاكل منها ما كانت في دار الحرب، وإن حيزت لان دار الحرب مظنة الحاجة لعسر نقل الميرة إليها بخلاف دار الاسلام والاولى أولى لان ما ثبت عليه أيدي المسلمين وتحقق ملكهم له لا ينبغي أن يؤخذ إلا برضاهم كسائر املاكهم ولان حيازته في دار الحرب تثبت الملك فيه بدليل يجواز قسمته وثبوت احكام الملك فيه بخلاف ما قبل الحيازة فان الملك لم يثبت فيه بعد (مسألة) (ومن أخذ سلاحا فله ان يقاتل به حتى تنقضي الحرب ثم يرده وليس له ركوب الفرس في إحدى الروايتين) إذا دعت الحاجة إلى القتال بسلاحهم فلا بأس قال احمد إذا كان أبلى فيهم أو خاف على نفسه فنعم وذكر ما روي عن عبد الله بن مسعود قال انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله

[ 475 ]

فقلت الحمد لله الذي أخزاك يا أبا جهل فأضربه بسيف معي غير طائل فوقع سيفه من يده فأخذت سيفه فضربته به حتى برد رواه الاثرم ولانهم أجمعوا على انه يجوز ان يلتقط النشاب ثم يرمي به العدو وهذا أبلغ من الذي يقاتل بسيف ثم يرده إلى المغنم أو يطعن برمح ثم يرده لان النشاب يرمي به فلا يرجع إليه والسيف يرده في الغنيمة وفي ركوب الفرس للجهاد عليه روايتان (احداهما) يجوز كالسلاح (والثانية) لا يجوز لحديث رويفع بن ثابت ولانها تتعرض للعطب غالبا وقيمتها كثيرة بخلاف السلاح والله تعالى أعلم (باب قسمة الغنائم) الغيمة كل ما أخذ من المشركين قهرا بالقتال واشتقاقها من الغنم وهي الفائدة وخمسها لاهل الخمس وأربعة أخماسها للغانمين لقول الله تعالى (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه) فأضافها إليهم ثم جعل خمسها لله فدل على ان اربعة اخماسها لهم ثم قال (فكلوا مما غنتم حلالا طيبا) ولان النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم كذلك (فصل) ولم تكن الغنائم تحل لمن مضى بدليل قوله عليه السلام (أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي) فذكر منها (أحلت لي الغنائم) متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 476 ]

(لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس غيركم كانت تنزل نار من السماء تأكلها) متفق عليه ثم كانت في أول الاسلام لرسول الله بقوله تعالى (يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول) ثم صار أربعة أخماسها للغانمين وخمسها لغيرهم لما ذكرنا وقال تعالى (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) (مسألة) (وان أخذ منهم مال مسلم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به، وان أدركه مقسوما فهو أحق به بثمنه وعنه لا حق لهم فيه، وان اخذه منهم أحد الرعية بثمن فصاحبه أحق به بثمنه وان أخذه بغير عوض فصاحبه أحق به بغير شئ) إذا اخذ الكفار أموال المسلمين ثم أخذها المسلمون منهم قهرا فان علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شئ في قول عامة أهل العلم منهم عمر رضي الله عنه وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يرد إليه وهو للجيش ونحوه عن عمرو بن دينار لان الكفار ملكوه باستيلائهم فصار غنيمة كسائر أموالهم ولنا ما روى بن عمران غلاما له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر ولم يقسم وعنه قال ذهب فرس له فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رواهما أبو داود وعن رجاء بن حيوة ان أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثم ظهر المسلمون عليه بعد قال من وجد ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم رواه سعيد والاثرم

[ 477 ]

وكذلك ان علم الامام بمال مسلم قبل قسمه فقسمه وجب رده وصاحبه أحق به بغير شئ لان قسمته كانت باطلة من أصلها فهو كما لو لم يقسم فأما ان أدركه بعد القسم ففيه روايتان (احداهما) يكون صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على آخذه وكذلك ان بيع ثم قسم ثمنه فهو احق به بالثمن وهذا قول أبي حنيفة والثوري والاوزاعي ومالك لما روى ابن عباس ان رجلا وجد بعيرا له كان المشركون أصابوه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (ان أصبته قبل ان نقسمه فهو لك وان أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة) ولانه انما امتنع أخذه له بشئ كيلا يفضي إلى حرمان آخذه من الغنيمة أو تضييع الثمن على المشتري وحقهما ينجبر بالثمن فيرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع الا ان المحكي عن مالك وأبي حنيفة انه يأخذه بالقيمة ونحوه عن مجاهد (والرواية الثانية انه لا حق له فيه بعد القسم بحال نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره وهو قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث قال أحمد أما قول من قال فهو احق به بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد وقال الشافعي وابن المنذر يأخذه صاحبه قبل القسمة و؟ ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح لانه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب ان يستحق أخذه بغير شئ كما قبل القسمة ويعطي من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان أخذه حقه من الغنيمة وجعل من بهم؟ المصالح لان هذا منها

[ 478 ]

ولنا ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى السائب ايما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وان أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم فلا سبيل إليه وقال سلمان بن ربيعة إذا قسم فلا حق له فيه رواهما سعيد في سننه ولانه إجماع قال أحمد أنما قال الناس فيها قولين إذا اقتسم فلا شئ له وقال قوم إذا اقتسم فهو له بالثمن فاما ان يكون له بعد القسمة بغير ذلك فلم يقله أحد ومتى إنقسم أهل العصر على قولين في حكم لم يجز إحداث قول ثالث لمخالفته الاجماع وقد روى أصحابنا عن ابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أدرك ماله قبل ان يقسم فهو له) وان أدركه بعد ان قسم فليس له فيه شئ والمعول على ما ذكرنا من الاجماع وقولهم لم يزل ملك صاحبه ممنوع (فصل) فان أخذه أحد من الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شئ فصاحبه أحق به بغير شئ وقال أبو حنيفة لا يأخذه الا بقيمة لانه صار ملكا لواحد بعينه أشبه ما لو قسم ولنا ما روي ان قوما اغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فاخذوا ناقة وجارية من الانصار فاقامت عندهم اياما ثم خرجت في بعض الليل قالت فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجهت إلى المدينة ونذرت ان نجاني الله عليها ان انحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذها فقلت يا رسول الله أني نذرت ان انحرها

[ 479 ]

قال (بئس ما جازيتها لا نذر في معصية الله) وفي رواية (لا نذر فيما لا يملك ابن آدم) أخرجه مسلم ولانه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحق به بغير شئ كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة فاما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه الا بثمنه وقال القاضي وما حصل في يده بهبة أو سرقة أو شراء فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة هل يكون صاحبه احق به بالقيمة؟ على روايتين ولنا الحديث المذكور وما روى سعيد باسناده قال اغار أهل ماه وجلولا على العرب فأصابوا شيئا من سبايا العرب ورقيقا ومتاعا ثم ان السائب بن الاكوع عامل عمر غزاهم ففتح ماه فكتب إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب إليه عمر إن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يخذله فايما رجل من المسلمين اصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو احق به وان اصابه في ايدي التجار بعد ما انقسم فلا سبيل إليه وايما حر اشتراه التجار فانه يرد عليهم رؤوس أموالهم فان الحر لا يباع ولا يشتري (فصل) وحكم اموال اهل الذمة إذا استولى عليها الكفار ثم قدر عليها حكم اموال المسلمين فيما ذكرنا قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا واموالهم كاموالنا ولان اموالهم معصومة فاشبهت اموال المسلمين

[ 480 ]

(فصل) فان غنم المسلمون من المشركين شيئا عليه علامة المسلمين ولم يعلم صاحبه فهو غنيمة قال احمد في مركب يجئ من مصر يقطع عليها الروم فيأخذونها ثم يأخذها المسلمون منهم ان عرف صاحبها فلا يؤكل منها وهذا يدل على جواز الاكل منها إذا لم يعرف صاحبها ونحو هذا قول الثوري والاوزاعي قال في المصحف يحصل في الغنائم يباع وقال الشافعي يوقف حتى يجئ صاحبه وان وجد شئ موسوم عليه حبس في سبيل الله رد كما كان نص عليه احمد وبه قال الاوزاعي والشافعي وقال الثوري يقسم ما لم يأت صاحبه ولنا ان هذا قد عرف هذا مصرفه وهو الحبس فهو بمنزلة مالو عرف صاحبه قيل لاحمد فالجواميس تدرك قد ساقها العدو للمسلمين وقد ردت يؤكل منها؟ قال إذا عرف لمن هي فلا يوكل منها قيل فما حازه العدو للمسلمين فأصابه المسلمون أعليهم أن يقفوه حتى يبين صاحبه؟ قال إذا عرف فقيل هذا لفلان وكان صاحبه بالقرب قيل له أصيب غلام في بلاد الروم فقال أنا لفلان رجل بمصر؟ قال إذا عرف الرجل لم يقسم ورد على صاحبه قيل له أصبنا مركبا في بلاد الروم فيها النواتية قالوا هذا لفلان وهذا لفلان؟ قال هذا قد عرف صاحبه لا يقسم. (مسألة) (وبذلك الكفار أموال المسلمين بالقهر ذكره القاضي وقال ابو الخطاب ظاهر كلام أحمد انهم لا يملكونها، وروي عن أحمد في ذلك روايتان).

[ 481 ]

(احداهما) أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر هذا قول مالك وأبي حنيفة. (والرواية الثانية) لا يملكونها وهو قول الشافعي لحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو الخطاب وهو ظاهر كلام احمد حيث قال ان أدركه صاحبه قبل القسم فهو أحق به قال انما منعه أخذه بعد القسمة لان قسمة الامام له تجري مجرى الحكم ومتى صادف الحكم أمرا مجتهدا فيه نفذ حكمه ولانه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب ولان من لا يملك رقبة غيره بالقهر لا يملك ماله به كالمسلم مع المسلم. ووجه الاول أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك به الكفار مال المسلم كالبيع، فأما الناقة فانما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم لانه أدركها غير مقسومة ولا مشتراة فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دار الكفر وهو قول مالك، وذكر القاضي انهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم وهو قول أبي حنيفة وحكي عن أحمد في ذلك روايتان: ووجه الاول أن الاستيلاء سبب للملك فيثبت قبل الحيازة إلى الدار كاستيلاء المسلمين على مال الكافر، ولان ما كان سببا للملك أثبته حيث وجد كالهبة والبيع، وفائدة الخلاف في ثبوت الملك وعدمه ان من أثبت الملك للكافر في أموال المسلمين أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها قسمتها والتصرف فيها ما لم يعلم صاحبها وان الكافر إذا أسلم وهي في يده فهو أحق بها، ومن لم يثبت الملك اقتضى مذهبه عكس ذلك، قال الشيخ رحمه الله ولا أعلم خلافا

[ 482 ]

في أن الكافر الحربي إذا أسلم أو دخل الينا بامان بعد أن استولى على مال مسلم فاتلفه أنه لا يلزمه ضمانه فان أسلم وهو في يده فهو له بغير خلاف في المذهب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أسلم على شئ فهو له) وان كان أخذه من المستولي عليه بهبة أو سرقة أو شراء فكذلك لانه استولى عليه في حال كفره فأشبه ما لو استولى عليه بقهره المسلم، وعن احمد ان صاحبه يكون احق به بالقيمة وان استولى على جارية مسلم فاستولدها ثم اسلم فهي له وهي أم ولده، نص عليه أحمد لانها مال فأشبهت سائر الاموال وان غنمها المسلمون وأولادها قبل اسلام سابيها فعلم صاحبها ردت إليه وكان أولادها غنيمة لانهم أولاد كافر حدثوا بعد ملك الكافر لها. (فصل) وان استولوا على حر لم يملكوه مسلما كان أو ذميا، لا نعلم فيه خلافا لانه لا يضمن بالقيمة ولا تثبت عليه اليد بحال، وإذا قدر المسلمون على اهل الذمة بعد ذلك وجب ردهم إلى ذمتهم ولم يجز استرقاقهم في قول عامة العلماء منهم الشعبي ومالك والليث والاوزاعي والشافعي واسحاق ولا نعلم لهم مخالفا لان ذمتهم باقية ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها وكلما يضمن بالقيمة كالعروض يملكونه بالقهر وكذلك العبد القن والمدبر والمكاتب وام الولد، وقال ابو حنيفة لا يملكون المكاتب وأم الود لانه لا يجوز نقل الملك فيهما فهما كالحر. ولنا انهما يضمنان بالقيمة فملكوهما كالقن ويحتمل ان لا يملكوا ام الولد لانها لا يجوز نقل الملك فيها ولا يثبت فيها لغير سيدها، وفائدة الخلاف ان من قال بثبوت الملك فيهما قال متى قسما أو

[ 483 ]

اشتراهما انسان لم يكن لسيدهما اخذهما إلا بالثمن قال الزهري في ام الولد يأخذها سيدها بقيمة عدل وقال مالك يفديها الامام فان لم يفعل يأخذها سيدها بقيمة عدل ولا يدعها يستحل فرجها من لا تحل له، ومن قال لا يثبت الملك فيهما ردا إلى ما كانا عليه على كل حال كالحر وان اشتراهما انسان فالحكم فيهما كالحكم في الحر إذا اشتراه على ما نذكره ان شاء الله تعالى. (فصل) وإذا ابق عبد المسلم إلى دار الحرب فأخذوه ملكوه كالدابة وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يملكونه وعن احمد مثل ذلك لانه إذا صار في دار الحرب زالت يد مولاه عنه وصار في يد نفسه فلم يملك كالحر. ولنا أنه مال لو أخذوه من دار الاسلام ملكوه فإذا اخذوه من دار الحرب ملكوه كالبهيمة (مسألة) (وما اخذوا من دار الحرب من ركاز أو مباح له قيمة فهو غنيمة) اما الركاز إذا وجده في موضع يقدر عليه بنفسه فهو له كما لو وجده في دار الاسلام فيه الخمس وباقيه له، وان لم يقدر عليه الا بجماعة من المسلمين فهو غنيمة، ونحو هذا قول مالك والاوزاعي والليث وقال الشافعي ان وجده في مواتهم فهو كما لو وجده في دار الاسلام. ولنا ما روى عاصم بن كليب عن ابي الجوين الحرمي قال لقيت بارض الروم جرة فيها ذهب في

[ 484 ]

امرة معاوية وعلينا معن بن يزيد السلمي فاتيته بها فقسمها بين المسلمين وأعطاني مثل ما اعطى رجلا منهم ثم قال لولا اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا نفل الا بعد الخمس لاعطيتك) ثم اخذ يعرض علي من نصيبه فأبيت اخرجه ابو داود ولانه مال مشترك مظهور عليه بقوة جيش المسلمين فكان غنيمة كأموالهم الظاهرة. (فصل) ومن وجد في دارهم لقطة فان كانت من متاع المسلمين فهو كما وجده في غير دار الحرب وان كانت من متاع المشركين فهي غنيمة، وان احتمل الامرين عرفها حولا ثم جعلها في الغنيمة نص عليه احمد، ويعرفها في بلد المسلمين لانها تحتمل الامرين فغلب فيها حكم مال المسلمين في التعريف وحكم مال أهل الحرب في كونها غنيمة احتياطا (فصل) وأما غير الركاز من المباح فما كان له قيمة في دار الحرب كالصيود والحجارة والخشب فالمسلمون شركاؤه فيه وبه قال أبو حنيفة والثوري. وقال الشافعي ينفرد أخذه بملكه لانه لو أخذه من دار الاسلام ملكه فكذلك إذا اخذه من دار الحرب كالشئ التافه وهذا قول مكحول والاوزاعي ونقل ذلك عن القاسم وسالم

[ 485 ]

ولنا انه مال ذو قيمة مأخوذ من دار الحرب بقوة المسلمين فكان غنيمة كالمطعومات، وفارق ما أخذه من دار الاسلام لانه لا يحتاج إلى الجيش في أخذه فان احتاج إلى أكله والانتفاع به فله اكله ولا يرده لانه لو وجد طعاما مملوكا للكافر كان له اكله إذا احتاج إليه فما اخذه من الصيود والمباحات فهو أولى (فصل) فان أخذ ما لا قيمة له في أرضهم كالمسن والاقلام والادوية فله اخذه وهو أحق به وان صارت له قيمة بمعالجته أو نقله نص احمد رحمه الله على نحو هذا وبه قال مكحول والاوزاعي والشافعي، وقال الثوري إذا جاء به إلى دار الاسلام رده في المقسم وان عالجه فصار له ثمن اعطي بقدر علمه فيه وبقيته في المقسم، ولنا ان القيمة انما صارت له بعمله أو بنقله فلم يكن غنيمة كما لو لم تصر له قيمة (فصل) وان ترك صاحب المقسم شيئا من الغنيمة عجزا عن حمله فقال من اخذ شيئا فهو له فمن أخذ شيئا ملكه نص عليه احمد، وسئل عن قوم غنموا غنائم كثيرة فبقي خرثي المتاع مما لا يباع ولا يشترى فيدعه الوالي بمنزلة الفخار وما أشبه ذلك أيأخذه الانسان لنفسه؟ قال نعم إذا ترك ولم يشتر ونحو هذا قول مالك، ونقل عنه أبو الخطاب في المتاع لا يقدرون على حمله إذا حمله رجل: يقسم وهذا قول ابراهيم، قال الخلال روى ابو طالب هذه في ثلاثة مواضع في موضع منها وافق اصحابه وفي موضع خالفهم قال ولا اشك ان ابا عبد الله قال هذا أولا ثم تبين له بعد ذلك ان للامام ان يبيحه وان يحرمه وان لهم أن يأخذوه إذا تركه الامام إذا لم يجد من يحمله لانه إذا لم يجد من يحمله ولم يقدر على حمله بمنزلة ما لا قيمة له فصار كالذي ذكرناه في الفصل قبل هذا

[ 486 ]

(مسألة) وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب ويجوز قسمها فيها) والدليل على ثبوت الملك عليها في دار الحرب ثلاثة امور [ احدها ] ان سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد فان أيدينا قد ثبتت عليها حقيقة وقهرناهم ونفيناهم عنها والاستيلاء يدل على حاجة المستولي فيثبت به الملك كما في المباحات [ الثاني ] ان ملك الكفار قد زال عنها بدليل انه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين حصلوا في الغنيمة ولا ينفذ تصرفهم فيها ولا يزول ملكهم إلى غير مالك إذ ليست في هذه الحال مباحة علم ان ملكهم زال إلى الغانمين [ الثالث ] انه لو اسلم عبدالحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره (فصل) وإذا ثبت الملك فيها جازت قسمتها وبهذا قال مالك والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وقال اصحاب الرأي لا يقسم إلا في دار الاسلام لان الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء التام ولا يحصل إلا باحرازها في دار الاسلام فان قسمت أساء قاسمها وجازت قسمته لانها مسألة مجتهد فيها فإذا حكم فيها الامام بما يوافق قول بعض المجتهدين نفذ حكمه ولنا ماروى ابو إسحاق الفزاري قال قلت للاوزاعي هل قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنائم بالمدينة؟ قال لا أعلمه انما كان الناس يبتغون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم ولم يقفل

[ 487 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة قط اصاب فيها غنيمة إلا خمسه وقسمه من قبل ان يققل، ومن ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وخيبر، ولان كل دار صحت القسمة فيها جارت كدار الاسلام ولان الملك ثبت فيها بالقهر بما ذكرنا من الادلة فصحت قسمتها كما لو أحرزت بدار الاسلام، وبهذا يحصل الجواب عما ذكروه (مسألة) (وهي لمن شهد الوقعة من اهل القتال، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأجرائهم الذين يستعدون للقتال) قوله: وأجرائهم يعني اجراء التجار، وانما كانت الغنيمة لمن شهد الوقعة وان لم يقاتل لما روي عن عمر رضي الله عنه انه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة ولان غير المقاتل ردء له معين فشاركه كردء المحارب فصل والتاجر والصانع كالخياط والخباز والبيطار ونحوهم يسهم لهم إذا حضروا نص عليه احمد قال اصحابنا قاتلوا أو لم يقاتلوا وبه قال في التاجر الحسن وابن سيرين والثوري والاوزاعي والشافعي وقال مالك وابو حنيفة لا يسهم لهم الا ان يقاتلوا، وعن الشافعي لا يسهم لهم بحال

[ 488 ]

قال القاضي في التاجر والاجير إذا كانا مع المجاهدين وقصدهما الجهاد وإنما معه المتاع ان طلب؟ منه باعه والاجير قصده الجهاد أيضا فهذان يسهم لهما لانهما غازيان والصناع بمنزلة التجار متى كانوا مستعدين للقتال ومعهم السلاح فمتى عرض اشتغلوا به أسهم لهم لما ذكرنا من حديث عمر ولانهم في الجهاد بمنزلة غيرهم وإنما يشتغلون بغيره عند فراغهم منه، وان لم يكونوا مستعدين للقتال لم يسهم لهم لانهم لا نفع في حضورهم أشبهوا المخذل (مسألة) (فاما المريض العاجز عن القتال والمخذل والمرجف والفرس الضعيف العجيف فلا حق له) أما المريض الذي لا يتمكن من القتال فان خرج بمرضه عن أهلية الجهاد كالزمن والاشل والمفلوج فلا سهم له لانه لم يبق من أهل الجهاد، وان لم يخرج بمرضه عن ذلك كالمحموم ومن به الصداع فانه يسهم له ويعين برأيه وتكثيره ودعائه وكذلك المخذل والمرجف ومن في معناه ممن يدل على عوارات المسلمين وبؤوي جواسيس الكفار ويوقع بينهم العداوة لا يسهم له وان قاتل لان ضرره أكثر من نفعه، وكذلك لا يسهم لفرس ينبغي للامام منعه كالحطم والصدع والاعجف وان شهد عليه الوقعة وبهذا قال مالك وقال الشافعي يسهم له كما يسهم للمريض ولنا أنه لا ينتفع به فلم يسهم له كالمخذل والمرجف ولانه حيوان يتعين منعه من الدخول فلم يسهم له كالمرجف وأما المريض فانه يعين برأيه وتكثيره ودعائه بخلاف الفرس

[ 489 ]

(مسألة) (وإذا ألحق مدد وهرب أسير فادركوا الحرب قبل تقضيها أسهم لهم، وان جاءوا بعد إحراز الغنيمة فلا شئ لهم) وجملة ذلك ان الغنيمة إنما هي لمن شهد الوقعة لما ذكرنا من قول عمر رضي الله عنه لانهم إذا قدموا قبل انقضاء الحرب فقد شاركوا الغانمين في السبب فشاركوهم في الاستحقاق كما لو قدموا قبل الحرب فمن تجدد بعد ذلك من مدد يلحق بالمسلمين أو اسير ينفلت من الكفار فيلحق بجيش المسلمين أو كافر يسلم فلا حق له فيها وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة في المدد يلحقهم قبل القسمة أو احرازها بدار الاسلام: شاركهم لان ملكها لا يتم الا بتمام الاستيلا وهو الاحراز إلى دار الاسلام أو قسمها فمن جاء قبل ذلك فقد ادركها قبل ملكها فاستحق منها كما لو جاء في اثناء الحرب، وان مات احد من العسكر قبل ذلك فلا شئ له لما ذكرنا وقد روى الشعبي ان عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد أسهم لمن اتاك قبل ان تتفقأ قتلى فارس. ولنا ما روي ابو هريرة ان أبان بن سعيد بن العاص واصحابه قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد ان فتحها فقال ابان اقسم لنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اجلس يا أبان) ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابو داود وعن طارق بن شهاب أن اهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه فكتب عمر إن الغنيمة لمن شهد الوقعة، رواه سعيد

[ 490 ]

في سننه وروي نحوه عن عثمان رضي الله عنه في غزوة أرمينية ولانه مدد لحق بعد تقضي الحرب أشبه ما لو جاء بعد القسمة أو بعد احرازها بدار الاسلام وقولهم إن ملكها باحرازها إلى دار الاسلام ممنوع بل هو بالاستيلاء وقد استولى عليها الجيش قبل المدد وحديث الشعبي مرسل يرويه مجالد وقد تكلم فيه ثم هم لا يعملون به ولا نحن فقد حصل الاجماع على خلافه فكيف يحتج به؟ (فصل) وحكم الاسير يهرب إلى المسلمين حكم المدد سواء قاتل أو لم يقاتل في أنه يستحق من الغنيمة إذا هرب قبل تقضي الحرب، وقال ابو حنيفة لا يسهم له الا أن يقاتل لانه لم يأت للقتال بخلاف المدد. ولنا ان من استحق إذا قاتل استحق وان لم يقاتل كالمدد وسائر من حضر الوقعة. (فصل) فان لحقهم المدد بعد تقضي الحرب وقبل احراز الغنيمة أو جاءهم الاسير فظاهر كلام الخرقي انه يشاركهم لانه جاء قبل إحرازها، وقال القاضي تملك الغنيمة بانقضاء الحرب قبل حيازتها فعلى هذا لا يسهم لهم، وان حازوا الغنيمة ثم جاءهم قوم من الكفار يقاتلونهم فادركهم المدد فقاتلوا معهم فقد قال احمد إذا غنم المسلمون غنيمة فلحقهم العدو وجاء المسلمين مدد فقاتلوا العدو معهم حتى سلموا الغنيمة فلا شئ لهم في الغنيمة لانهم انما قاتلوا عن اصحابهم دون الغنيمة لان الغنيمة قد صارت في ايديهم وحووها قيل له فان اهل المصيصة غنموا ثم استنقذه منهم العدو فجاء اهل طرسوس فقاتلوا معهم حتى استنقذوه فقال احب إلى (إلي) ان يصطلحوا، اما في الصورة الاولى فان الاولين

[ 491 ]

قد أحرزوا الغنيمة وملكوها بحيازتها فكانت لهم دون من قاتل معهم وأما في الصورة الثانية فانما حصلت الغنيمة بقتال الذين استنقذوها في المرة الثانية فينبغي ان يشتركوا فيها لان الاحراز الاول قد زال باخذ الكفار لها ويحتمل ان الاولين قد ملكوها بالحيازة الاولى ولم يزل ملكهم باخذ الكفار لها منهم فلهذا أحب أحمد أن يصطلحوا على هذا. (فصل) ومن بعثه الامير لمصلحة الجيش مثل الرسول والدليل والجاسوس واشباههم فانه يسهم له وان لم يحضر لانه في مصلحة الجيش أشبه السرية ولانه إذا اسهم للمتخلف عن الجيش فهؤلاء أولى وبهذا قال أبو بكر بن أبي مريم وراشد بن سعد وعطية بن قيس قالوا وقد تخلف عثمان رضي الله عنه يوم بدر فاجرى له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من الغنيمة ويروى عن عمر رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يعني يوم بدر فقال (ان عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله وإني أبايع له) فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه ولم يضرب لاحد غاب غيره رواه أبو داود وعن ابن عمر قال انما تغيب عثمان عن بدر لانه كانت تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (ان لك أجر رجل ممن شهد بدار وسهمه) رواه البخاري (فصل) وسئل أحمد عن قوم خلفهم الامير في بلاد العدو وغزا وغنم ولم يمر بهم فرجعوا هل يسهم لهم؟ قال نعم يسهم لهم لان الامير خلفهم قيل له وان نادى الامير من كان صبيا فليتخلف فتخلف قوم

[ 492 ]

فصاروا إلى لؤلؤة وفيها المسلمون فأقاموا حتى فصلوا فقال إذا كانوا قد التجئوا إلى مأمن لهم لم يسهم لهم، ولو تخلفوا وأقاموا في موضع خوف اسهم لهم، وقال في قوم خلفهم الامير واغار في جلد الخيل فقال ان اقاموا في بلد العدو حتى رجع اسهم لهم، وان رجعوا حتى صاروا إلى مأمنهم فلا شئ لهم قيل له فان اعتل رجل أو اعتلت دابته وقد ادرب فقال له الامير اقم اسهم لك أو انصرف إلى اهلك أسهم لك فكرهه وقال هذا ينصرف إلى اهله فكيف يسهم له؟ (مسألة) (وإذا أراد القسمة بدأ بالاسلاب فدفعها إلى اهلها) وإن كان فيها مال لمسلم أو لذمي دفع إليه لان صاحبه متعين ولانه استحقه بسبب سابق ثم بمؤنة الغنيمة من اجرة النقال والجمال والحافظ والمخزن والحاسب لانه لمصلحة الغنيمة ثم بالرضخ في احد الوجهين لانه استحق بالمعاونة في تحصيل الغنيمة اشبه اجرة النقالين والحافظين في الآخر يبدأ بالخمس قبله لانه استحق بحضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين وهذا اقيس وللشافعي قولان كالروايتين (مسألة) (ثم يخمس الباقي فيقسم خمسة على خمسة اسهم سهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم يصرف مصرف الفئ وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطالب حيث كانوا للذكر مثل حظ الانثيين غنيهم وفقيرهم فيه سواء وسهم لليتامى الفقراء وسهم للمساكين وسهم لابناء السبيل من المسلمين) لا خلاف بين اهل العلم في ان الغنيمية مخموسة بقوله تعالى (واعلموا ان ما غنمتم من شئ فان لله

[ 493 ]

خمسه) الآية لكن اختلف في اشياء منها سلب القاتل والاكثرون على أنه مخموس ومنها إذا قال الامام من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن طلع الحصن فله كذا والظاهر ان هذا غير مخموس لانه في معنى السلب وقد ذكرنا الاختلاف في السلب ومنها إذا قال الامام من اخذ شيئا فهو له وقلنا بجواز ذلك فقد قيل لا خمس فيه لانه في معنى ما قبله قال شيخنا والصحيح ان الخمس لا يسقط ههنا لدخوله في عموم الآية وليس هو في معنى السلب والنفل لان ترك تخميسها لا يسقط خمس الغنيمة بالكلية وهذا يسقطه بالكلية فلا يكون تخصيصا للآية بل نسخا لحكمها ونسخا بالقياس غير جائز اتفاقا ومنها ان دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب فغنموا بغير إذن الامام وقد ذكرناه (فصل) والخمس مقسوم على خمسة أسهم كما ذكرنا ههنا وبه قال عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة وابن جريج والشافعي وقيل يقسم على سته أسهم سهم لله تعالى وسهم لرسوله لظاهر قوله تعالى (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فعد ستة وجعل الله تعالى لنفسه سهما سادسا وهو مردود على عباد الله أهل الحاجة، وقال ابو العالية سهم الله عزوجل هو أنه إذا عزل الخمس ضرب بيده فيه فما قبض عليه من شئ جعله للكعبة فهو الذي سمى الله لا تجعلوا لله نصبيا فان لله الدنيا والآخرة ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة أسهم وروي عن الحسن وقتادة في سهم ذوي القربى: كانت طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله وروى ابن عباس ان أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قسما الخمس على ثلاثة أسهم وهو قول أصحاب الرأي قالوا يقسم الخمس على ثلاثة اليتامى والمساكين وابن السبيل

[ 494 ]

واسقطوا سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته وسهم قرابته أيضا وقال مالك الفيئ والخمس واحد يجعلان في بيت المال قال ابن القاسم وبلغني عن من أثق به ان مالكا قال يعطي الامام أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى وقال الثوروي الخمس يضعه الامام حيث أراه الله ولنا قوله تعالى (واعلموا انما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) وسهم الله والرسول واحد كذا قال عطاء والشعبي، وقال الحسن بن محمد ابن الحنيفة وغيره قوله (فأن لله خمسه) افتتاح كلام يعني ان ذكر الله تعالى لافتتاح الكلام باسمه تبركا به لا لافراده بسهم فان لله تعالى الدنيا والآخرة وقد روي عن ابن عمر وابن عباس قالا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الخمس على خمسة، وما ذكره أبو العالية فشئ لا يدل عليه رأي ولا يقتضيه قياس فلا يصار إليه إلا بنص صحيح ولا نعلم في ذلك أثرا صحيحا سوى قوله، فلا يترك له ظاهر النص وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله من أجل قول أبي العالية، وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية فان الله تعالى سمى لرسوله وقرابته شيئا وجعل لهما في الخمس حقا كما سمى الثلاثة الاصناف الباقية فمن خالف ذلك فقد خالف نص الكتاب، وأما حمل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما سهم ذي القربى في سبيل الله فقد ذكر لاحمد فسكت ولم يذهب إليه ورأى ان قول ابن عباس ومن وافقه أولى لموافقته كتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم فان ابن عباس لما سئل عن سهم ذي القربى فقال إنا كنا نزعم انه لنا فأبى ذلك علينا قومنا، ولعله أراد

[ 495 ]

بقوله ابى ذلك علينا قومنا فعل ابي بكر وعمر في حملهما عليه في سبيل الله ومن تبعهما على ذلك، ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسنة كان اولى وقول ابن عباس موافق للكتاب والسنة فان جبير بن مطعم روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئا كما كان يقسم لبني هاشم وبني المطلب، وان ابا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير انه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يعطيهم وكان عمر يعطيهم وعثمان من بعده، رواه احمد في مسنده وقد تكلم في رواية ابن عباس عن أبي بكر وعمر انهما حملا على سهم ذي القربى في سبيل الله فقيل انه يرويه محمد بن مروان وهو ضعيف عن الكلبي وهو ضعيف أيضا ولا يصح عند أهل النقل فان قالوا فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس بباق فكيف يبقى سهمه؟ قلنا جهة صرفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة المسلمين والمصالح باقية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس وهو مردود عليكم) رواه سعيد (فصل) فسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف في مصالح المسلمين لما روى جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول بيده وبرة من بعير ثم قال (والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) فجعله لجميع المسلمين ولا يمكن صرفه إلى جميعهم إلا بصرفه في مصالحهم من سد الثغور

[ 496 ]

وكفاية أهلها وشراء الكراع والسلاح ثم الاهم فالاهم على ما نذكره في الفيئ ان شاء الله تعالى ونحوه قول الشافعي فانه قال أختار ان يضعه الامام في كل أمر خص به الاسلام وأهله من سد ثغر وإعداد كراع وسلاح وإعطائه أهل البلاء في الاسلام نفلا عند الحرب وغير الحرب وعن أحمد ان سهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم يختص بأهل الديوان لان النبي صلى الله عليه وسلم استحقه بحصول النصرة فيكون لمن يقوم مقامه في النصرة، وعنه انه يصرف في الكراع والسلاح لان ذلك يروى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا السهم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة حضر أو لم يحضر كما ان بقية أصحاب الخمس يستحقون وان لم يحضروا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء فلما توفي وليه أبو بكر ولم يسقط بموته، وقد قيل انما أضافه الله تعالى إلى نفسه وإلى رسوله ليعلم ان جهته جهة المصلحة وانه ليس بمختص بالنبي صلى الله عليه وسلم فيسقط بموته وقد زعم قوم انه سقط بموته ويرد على الانصباء الباقية من الخمس لانهم شركاؤه، وقال آخرون بل يرد على الغانمين لانهم استحلوها بقتالهم وحرمت منها سهام منها سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام حيا فلما مات وجب رده إلى من وجد فيه سبب الاستحقاق كما ان تركة الميت إذا خرج منها سهم بوصية ثم بطلت الوصية رد إلى التركة، وقالت طائفة هو للخليفة بعده لان أبا بكر رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (إذا أطعم الله نبيا طعمة ثم قبضه فهي للذي يقوم بها من بعده وقد رأيت أن أرده على المسلمين) والصحيح انه باق وانه يصرف في مصالح المسلمين لكن الامام يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في صرفه فيما يرى فان أبا بكر

[ 497 ]

قال لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه الا صنعته، متفق عليه، واتفق هو وعمر والصحابة رضي الله عنهم على وضعه في الخيل والعدة في سببل الله، هكذا روي عن الحسن بن محمد بن الحنفية (فصل) وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المغنم الصفي وهو شئ يخناره من المغنم قبل القسمة كالجارية والعبد والثوب والسيف ونحوه هذا قول محمد بن سيرين والشعبي وقتادة وغيرهم من أهل العلم وقال أكثرهم ان ذلك انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد الصفي إنما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصا لم يبق بعده لا نعلم مخالفا لهذا إلا أبا ثور فانه قال كان الصفي ثابتا للنبي صلى الله عليه وسلم فللامام ان يأخذه على نحو ماكان يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ويجعله مجعل سهم النبي صلى الله عليه وسلم من خمس الخمس فجمع بين الشك فيه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة الاجماع في ابقائه بعد موته، قال ابن المنذر لا أعلم أحدا سبق أبا ثور إلى هذا القول وقد أنكر قوم كون الصفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم واحتجوا بحديث جبير بن مطعم وقد روى أبو داود باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ولان الله تعالى قال (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه) فمفهومه ان باقيها للغانمين ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى بني زهير بن قيس (إنكم ان شهدتم ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وآتيتم الزكاة واديتم الخمس من المغنم وسهم الصفي إنكم آمنون بامان الله ورسوله)) رواه

[ 498 ]

أبو داود، وفي حديث وفد عبدالقبيس (عبد القيس) الذي رواه ابن عباس (وان تعطوا سهم النبي صلى الله عليه وسلم والصفي) وقالت عائشة رضي الله عنها كانت صفية من الصفي رواه أبو داود، وأما انقطاعه بعد النبي صلى الله عليه وسلم فثابت باجماع الامة قبل أبي ثور وبعده وكون الخلفاء الراشدين ومن بعدهم لم يأخذوه ولا يجمعون الاعلى الحق (فصل) (والسهم الثاني) لذي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا غنيهم وفقيرهم فيه سواء للذكر مثل حظ الانثيين وسهم ذوي القربى ثابت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا ذلك والخلاف فيه وقد دل عليه ماروى جبيربن مطعم قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وذكر الحديث وهو حديث صحيح رواه ابو داود ولم يأت لذلك نسخ ولا تغيير فوجب القول به والعمل بحكمه (فصل) وهم بنو هاشم وبنو المطلب ابنا عبد مناف دون غيرهم لما روى جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى من حنين بين بني هاشم وبني المطلب اتيت انا وعثمان بن عفان فقلنا يارسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم فما بال أخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال (إنهم لم يفارقوني في

[ 499 ]

جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد) وشبك بين اصابعه رواه أحمد وروى البخاري فراعى لهم النبي صلى الله عليه وسلم نصرتهم وموافقتهم بني هاشم، ولا يستحق من كانت أمه منهم وأبوه من غيرهم لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفع إلى أقارب أمه وهو بنو زهرة شيئا ولم يدفع أيضا إلى بني عماته كالزبير بن العوام وعبد الله بن جحش ونحوهم (فصل) ويستوي فيه الذكر والانثى لدخولهم في اسم القرابة واختلفت الرواية في قسمه بينهم فعن أحمد أنه يقسم للذكر مثل حظ الانثيين هذا اختيار الخرقي ومذهب الشافعي لانه سهم استحق بالقرابة من الاب شرعا ففضل فيه الذكر على الانثى كالميراث ويفارق الوصية وولد الام لان الوصية استحقت بقول الموصي وولد الام استحقوا الميراث بقرابة الام وعنه أنه يساوى بين الذكر والانثى وهو قول أبي ثور والمزني وابن المنذر لانهم أعطوا باسم القرابة والذكر والانثى فيها سواء فاشبه مالو وقف على قرابة فلان ألا ترى ان الجد يأخذ مع الاب وابن الاب يأخذ مع الابن وهذا يدل على مخالفة المواريث ولانه سهم من خمس الخمس لجماعة فاستوى فيه الذكر والانثى كسهم اليتامى ويسوى بين الصغير والكبير على الروايتين لاستوائهم في القرابة وقياسا على الميراث (فصل) ويفرق فيهم حيث كانوا ويجب تعميمهم به حسب الامكان وهذا قول الشافعي وقال قوم يختص كل أهل ناحية بخمس مغزاها الذي ليس لهم مغزى سواه فما يوجد من مغزى الروم لاهل الشام والعراق وما يوجد من مغزى الترك لمن في خراسان من ذوي القربى لما يلحق من المشقة في نقله ولانه بتعذر تعميمهم فلم يجب كأصناف الزكاة ووجه الاول أنه سهم مستحق بقرابة الاب فوجب

[ 500 ]

دفعه إلى كل المستحقين كالميراث فعلى هذا يبعث الامام إلى عماله في الاقاليم وينظر كم حصل من ذلك فان استوت فيه فرق كل خمس خمس فيمن قاربه وان اختلفت أمر بحمل الفضل ليدفع إلى مستحقه كالميراث وفارق الصدقة حيث لا تنقل لان كل بلد لا يكاد يخلو من صدقة تفرق على فقراء أهله والخمس يوجد في بعض الاقاليم فلو لم ينقل لادى إلى اعطاء البعض وحرمان البعض قال شيخنا والصحيح ان شاء الله أنه لا يجب التعميم لانه يتعذر فلم يجب كتعميم المساكين وما ذكر من بعث الامام عماله فهو متعذر في زماننا لان الامام لم يبق له حكم إلا في بعض بلاد الاسلام ولم يبق له جهة في الغزو ولا له فيه أمر ولان هذا سهم من سهام الخمس فلم يجب تعميمه كسائر سهامه فعلى هذا يفرقه كل سلطان فيما أمكن من بلاده (فصل) ويستوي فيه غنيهم وفقيرهم، وهذا قول الشافعي وأبي ثور. وقيل يختص بالفقير كبقية السهام. ولنا عموم قوله تعالى (ولذي القربى) وهو عام لا يجوز تخصيصه بغير دليل ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي أقاربه كلهم وفيهم الغني كالعباس وغيره ولم ينقل عنه تخصيص الفقراء منهم ولانه مال مستحق بالقرابة فاستوى فيه الغني والفقير كالميراث والوصية للاقارب ولان عثمان وجبيرا طلبا حقهما وسألا عن علة المنع لهما ولاقاربهما وهما موسران فعلله النبي صلى الله عليه وسلم بنصرة بني المطلب دونهم

[ 501 ]

وكونهم مع بني هاشم كالشئ الواحد ولو كان اليسار مانعا والفقر شرطا لم يطلبا مع عدمه ولعل النبي صلى الله عليه وسلم منعهما بيسارهما وانتفاء فقرهما (فصل) والسهم الثالث لليتامى واليتيم الذي لا أب له ولم يبلغ الحلم لقول النبي (لايتم بعد احتلام) قال بعض أصحابنا لا يستحقون الا مع الفقر وهو المشهور من مذهب الشافعي لان ذا الاب لا يستحق والمال أنفع من وجود الاب، ولانه صرف إليهم لحاجتهم فان اسم اليتيم يطلق عليهم في العرف للرحمة ومن كان اعطاؤه لذلك اعتبرت الحاجة وفارق ذوي القربى فانهم استحقوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرمة لهم والغني والفقير في القرب سواء فاستويا في الاستحقاق. قال شيخنا: ولم أعلم هذا نصا عن احمد والآية تقتضي تعميمهم وقال بعض أصحاب الشافعي له قول آحر أنه للغني والفقير لعموم النص في كل يتيم ولانه لو خص به الفقير لكان داخلا في جملة المساكين الذين هم اصحاب السهم الرابع وكان يستغنى عن ذكرهم وتسميتهم، وقال أصحابنا ويفرقه الامام في جميع الاقطار ولا يختص به أهل ذلك المغزى، والقول فيه كالقول في سهم ذي القربى وقد تقدم القول فيه: (فصل) والسهم الرابع للمساكين للآية وهم اهل الحاجة فيدخل فيهم الفقراء فالفقراء والمساكين صنفان في الزكاة وصنف واحد ههنا وفي سائر الاحكام وإنما يقع التميز بينهما إذا جمع بينهما بلفظين ولم يرد ذلك الا في الزكاة، وقد ذكرناهم في أصنافها. قال أصحابنا: ويعم بها جميعهم في جميع

[ 502 ]

البلاد كقولهم في سهم ذي القربى واليتامى وقد تقدم القول في ذلك ولان تعميمهم يتعذر فلم يجب كما لا يجب تعميمهم في الزكاة (فصل) والسهم الخامس لابناء السبيل وقد ذكرناه في الزكاة ويعطى كل واحد منهم قدر ما يصل به إلى بلده كما ذكرنا في الزكاة فان اجتمع في واحد أسباب كالمسكين واليتيم وابن السبيل استحق بكل واحد منهما لانها اسباب لاحكام فوجب أن تثبت أحكامها كما لو انفردت، فان أعطاه ليتمه فزال فقره لم يعط لفقره شيئا (فصل) ولا حق في الخمس لكافر لانه عطية من الله تعالى فلم يكن لكافر فيه حق كالزكاة ولا لعبد لان ما يعطاه لسيده فكانت العطية لسيده دونه (مسألة) (ثم يعطي النفل بعد ذلك) لانه حق ينفرد به بعض الغانمين فقدم على القسمة كالاسلاب والنفل من اربعة اخماس الغنيمة وفيه اختلاف ذكرناه فيما مضى (مسألة) (ويرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد والنساء والصبيان) ومعنى الرضخ أن يعطوا شيئا من الغنيمة دون السهم ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الامام فان رأى التسوية بينهم سوى، وان رأى التفضيل فضل وهذا قول اكثر العلماء منهم سعيد ابن المسيب والثوري والليث واسحاق والشافعي وبه قال مالك في المرأة والعبد وروي عن ابن عباس

[ 503 ]

وقال أبو ثور يسهم للعبد، وروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن والنخعي لما روي عن الاسود بن يزيد انه شهد فتح القادسية عبيد فضرب لهم سهامهم ولان حرمة العبد في الدين كحرمة الحر وفيه من الغناء مثل ما فيه فوجب ان يسهم له كالحر وحكي عن الاوزاعي ليس للعبيد سهم ولا رضخ الا ان يجيئوا بغنيمة أو يكون لهم غناء فيرضخ لهم قال ويسهم للمرأة لما روى جبير بن زياد عن جدته أنها حضرت فتح خيبر قالت فاسهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اسهم للرجال وأسهم أبو موسى في غزوة تستر لنسوة معه، وقال ابو بكر بن أبي مريم أسهم للنساء يوم اليرموك، وروى سعيد باسناده عن ابن شبل ان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لسهلة بنت عاصم يوم حنين فقال رجل من القوم أعطيت سهلة مثل سهمي. ولنا ماروى ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوا بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة واما سهم فلم يضرب لهن رواه مسلم، وروى سعيد عن يزيد بن هارون ان نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والمملوك يحضران الفتح الهما من الغنيمة شئ؟ وفي رواية ليس لهما سهم وقد يرضخ لهما وعن عمير مولى أبي اللحم قال شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبر أبي مملوك فأمر لي بشئ من خرثي المتاع رواه أبو داود واحتج به أحمد ولانهما ليسا من أهل وجوب القتال اشبها الصبي فأما ما روي في سهام النساء فيحتمل ان الراوي سمي الرضخ سهما بدليل ان في حديث حشرج انه جعل لهن نصيبا تمرا ولو كان سهما ما اختص التمر ولان خيبر قسمت على أهل

[ 504 ]

الحديبية نفر مخصوصين في غير حديثها ولم يذكرن منهم ويحتمل انه أسهم لهن مثل سهم الرجال من التمر خاصة أو من المتاع دون الارض وأما حديث سهلة فان في الحديث انها ولدت فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم لها ولولدها فبلغ رضخهما سهم رجل ولذلك عجب الرجل فقال اعطيت سهلة مثل سهمي ولو كان هذا مشهورا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما عجب منه (فصل) والمدبر والمكاتب كالقن لانهم عبيد فمن عتق منهم قبل تقضي الحرب أسهم له وكذلك ان قتل سيد المدبر قبل تقضي الحرب فخرج من الثلث فأما من بعضه حر فقال أبو بكر يرضخ له بقدر ما فيه من الرق ويسهم له بقدر ما فيه من الحرية فإذا كان نصفه حرا أعطي نصف سهم ونصف رضخ لان هذا مما يمكن تبعيضه فقسم على قدر ما فيه من الحرية والرق كالميراث وظاهر كلام أحمد انه يرضخ له لانه ليس من أهل وجوب القتال فأشبه الرقيق (فصل) والخنثى المشكل يرضخ له لانه لم يثبت انه رجل فيسهم له ولانه ليس من أهل وجوب الجهاد فأشبه المرأه ويحتمل أن يقسم له نصف سهم ونصف الرضخ كالميراث فان انكشف حاله فتبين انه رجل اتم له سهم رجل سواء انكشف قبل تقضي الحرب أو بعد أو قبل القسمة أو بعدها لانا تبينا انه كان مستحقا للسهم وانه أعطي دون حقه قأشبه مالو أعطى بعض الرجال دون حقه غلطا (فصل) والصبي يرضخ له وبه قال الثوري والليث وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وعن القاسم في الصبي يغزو انه ليس له شئ وقال مالك يسهم له إذا قاتل وأطاق ذلك ومثله قد بلغ القتال لانه حر

[ 505 ]

ذكر مقاتل فيسهم له كالرجل وقال الاوزاعي يسهم له وقال أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان بخيبر واسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد في أرض الحرب وروى الجوزجاني باسناده عن الوضين بن عطاء قال حدثتني جدتي قالت كنت مع حبيب بن سلمة وكان يسهم لامهات الاولاد لما في بطونهن ولنا ما روي عن سعيد بن المسيب قال كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الامة وروى الجوزجاني باسناده ان تميم بن قرع المهري كان في الجيش الذي فتح الاسكندرية في المرة الاخيرة قال فلم يقسم لي عمرو من الفئ شيئا وقال غلام لم يحتلم حتى كاد يكون بين قومي وبين اناس من قريش لذلك ثائرة فقال بعض القوم فيكم اناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسألوهم فسألوا أبا نضرة الغفاري وعقبة بن عامر فقالوا أنظروا فان كان قد أشعر فاقسموا له فنظر الي بعض القوم فإذا انا قد انبت فقسم لي قال الجوزجاني هذا من مشاهير حديث مضر وجيده ولانه ليس من أهل القتال فلم يسهم له كالعبد ولم يثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم قسم لصبي بل كان لا يجيزهم في القتال قال ابن عمر عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن اربع عشرة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وما ذكروه يحتمل ان الراوي سمي الرضخ سهما بدليل ما ذكرناه (فصل) فان انفرد بالغنيمة من لا يسهم له مثل عبيد دخلوا دار الحرب فغنموا أو صبيان أو

[ 506 ]

عبيد وصبيان أخذ خمسه وما بقي لهم فيحتمل ان يقسم بينهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لانهم تساووا فاشبهوا الرجال الاحرار ويحتمل ان يقسم بينهم على ما يراه الامام من المفاضلة لانه لا تجب التسوية بينهم مع غيرهم فلا تجب مع الانفراد قياسا لاحدى الحالتين على الاخرى، وان كان فيهم رجل حر أعطي سهما وفضل عليهم بقدر ما يفضل الاحرار على العبيد والصبيان في غير هذا الموضع ويقسم الباقي بين من بقي على ما يراه الامام من التفضيل لان فيهم من له سهم بخلاف التي قبلها (مسألة) (وفي الكافر روايتان احداهما يرضخ له والاخرى يسهم له) اختلفت الرواية في الكافر يغزو مع الامام باذنه فروي عن احمد أنه يسهم له كالمسلم وبهذا قال الزهري والاوزاعي والثوري واسحاق قال الجوزجاني هذا قول أهل الثغور وأهل العلم بالصوائف والبعوث وعن أحمد لا يسهم له وهو مذهب مالك وابي حنيفة والشافعي لانه من غير اهل الجهاد فلم يسهم له ولكن يرضخ له كالعبد ولنا ماروى الزهري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم رواه سعيد في سننه وروي ان صفوان بن أمية خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو على شركه فأسهم له واعطاه من سهم المؤلفة ولان الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق وبهذا فارق العبد فان نقصه في دنياه واحكامه، وان غزا بغير اذن الامام فلا سهم له لانه غير مأمون على الدين فهو كالمرجف وشر منه وان غزا جماعة من الكفار وحدهم فغنموا احتمل ان تكون غنيمتهم لهم لا خمس

[ 507 ]

فيها لان هذا اكتساب مباح لم يوجد على وجه الجهاد فكان لهم لا خمس فيه كالاحتشاش والاحتطاب ويحتمل ان يؤخذ خمسه والباقي لهم لائه غنيمة قوم من اهل دار الاسلام فأشبهت غنيمة المسلمين (مسألة) (ولا يبلغ بالرضخ للراجل سهم راجل ولا للفارس سهم فارس) كما لا يبلغ بالتعزير الحد ولا بالحكومة دية العضو، ويقسم الامام بين أهل الرضخ كما يرى فيفضل العبد المقاتل ذو البأس على من ليس مثله ويفضل المرأة المقاتلة والتي تسقي الماء وتداوي الجرحى وتنفع على غيرها، فان قيل هلا سويتم بينهم كما سويتم بين اهل السهمان؟ قلنا السهم منصوص عليه غير موكول إلى الاجتهاد فلم يختلف كالحد ودية الحر، والرضخ غير مقدر بل هو مجتهد فيه مردود إلى اجتهاد الامام فاختلف كالتعزير وقيمة العبد والرضخ بعد الخمس في أحد الوجهين، وفيه وجه آخر انه من أصل الغنيمة وقد ذكرناه (مسألة) (فان تغيرت حالهم قبل تقضي الحرب أسهم لهم) يعني ان بلغ الصبي أو عتق العبد أو اسلم الكافر أسهم لهم لانهم شهدوا الوقعة وهم من أهل القتال فأسهم لهم كغيرهم ولقول عمر رضي الله عنه: الغنيمة لمن شهد الوقعة (مسألة) (وان غزا العبد على فرس لسيده قسم لفرس ورضخ للعبد) أما الرضخ للعبد فلما تقدم. وأما الفرس الذي تحته فيستحق مالكها سهمها، فان كان معه فرسان

[ 508 ]

أو أكثر أسهم لفرسين كما لو كانتا مع السيد. ويرضخ للعبد نص على هذا أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يسهم للفرس لانه تحت من لا يسهم له فلم يسهم له كما لو كان تحت مخذل ولنا انه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السيد راكبه. إذا ثبت هذا فان سهم الفرس ورضخ العبد لسيده لانه مالكه ومالك فرسه وسواء حضر السيد القتال أو غاب عنه، وفارق فرس المخذل لان الفرس له فإذا لم يستحق شيئا بحضوره فلان لا يستحق بحضور فرسه أولى (فصل) فان غزا الصبي على فرس أو المرأة أو الكافر إذا قلنا لا يسهم له لم يسهم للفرس في ظاهر قول أصحابنا لانهم قالوا لا يبلغ بالرضخ للفرس سهم فارس وظاهر هذا انه يرضخ له ولفرسه ما لم يبلغ سهم الفارس، ولان سهم الفرس له فإذا لم يستحق السهم بحضوره فبفرسه أولى بخلاف العبد فان الفرس لغيره (فصل) وان غزا المخذل أو المرجف على فرس فلا شئ له ولا للفرس لما ذكرنا، وان غزا العبد بغير إذن سيده لم يرضخ له لانه عاص بغزوه فهو كالمخذل والمرجف، وان غزا الرجل بغير اذن والديه أو بغير اذن غريمه استحق السهم لان الجهاد تعين عليه بحضور الصف فلا يبقى عاصيا به بخلاف العبد (فصل) ومن استعار فرسا ليغزو عليه فسهم الفرس للمستعير وبهذا قال الشافعي لانه متمكن

[ 509 ]

من الغزو عليه باذن صحيح شرعي أشبه مالو استأجره وعن احمد ان سهم الفرس لمالكه لانه من نمائه فأشبه ولده وبهذا قال بعض الحنفية، وقال بعضهم لا سهم للفرس لان مالكه لم يستحق سهما فلم يستحق الفرس شيئا كالمخذل والمرجف، والاول أصح لانه فرس قاتل عليه من يستحق سهما وهو مالك نفعه فاستحق سهم الفرس كالمستأجر ولان سهم الفرس مستحق بمنفعته وهي للمستعير باذن المالك فيها، وفارق النماء فانه غير مأذون فيه، فأما ان استعاره لغير الغزو ثم غزا عليه فهو كالفرس المغصوب عليه ما سنذكره ان شاء الله تعالى (فصل) فان استأجر فرسا للغزو فغزا عليه فسهم الفرس له، لا نعلم فيه خلافا لانه مستحق لنفعه استحقاقا لازما أشبه المالك وان كان المستأجر والمستعير ممن لا سهم له إما لكونه لا شئ له كالمخذل والمرجف أو ممن يرضخ له كالصبي فحكمه حكم فرسه على ما ذكرنا، وان غزا على فرس حبيس فسهم الفرس له كما لو استأجره (فصل) ينبغي أن يقدم قسم أربعة الاخماس على قسم الخمس لان أهلها حاضرون وأهل الخمس غائبون ولان رجوع الغانمين إلى أوطانهم يقف على قسمة الغنيمة وأهل الخمس في اوطانهم، ولان الغنيمة حصلت بتحصيل الغانمين وتعبهم وأهل الخمس بخلاف ذلك فكان الغانمون أولى بالتقديم، ولان الغنيمة إذا قسمت بين الغانمين أخذ كل واحد نصيبه فكفى الامام همه ومؤنته بخلاف الخمس

[ 510 ]

فان الامام لا يكتفي مؤنته بقسمه فلا تحصل الفائدة به، ولان الخمس لا يمكن قسمه بين أهله كلهم لانه يحتاج إلى معرفتهم وعددهم ولا يمكن ذلك مع غيبتهم، ولان الغانمين ينتفعون بسهامهم ويتمكنون من التصرف فيها والله تعالى اعلم (مسألة) (ثم يقسم باقي الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه) اجمع اهل العلم على ان للغانمين أربعة أخماس الغنيمة، وقد دل النص على ذلك بقوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه) يفهم منه ان اربعة أخماسها الباقية لهم لانه اضافها إليهم ثم أخذ منها سهما لغيرهم فبقي سائرها لهم كقوله تعالى (وورثه أبواه فلامه الثلث) ففهم منه ان الباقي للاب وقال عمر رضي الله عنه الغنيمة لمن شهد الوقعة (فصل) (ويقسم بينهم للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه) هذا قول أكثر اهل العلم ان الغنيمة تقسم للفارس ثلاثة اسهم له سهم ولفرسه سهمان وللراجل سهم، قال ابن المنذر هذا مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعوام علماء الاسلام قي القديم والحديث منهم مالك ومن تبعه من أهل المدينة والثوري ومن وافقه من اهل العراق والليث ومن تبعه من اهل مصر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابو يوسف ومحمد، وقال ابو حنيفة للفرس سهم واحد لما روى مجمع بن حارثة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على اهل الحديبية فأعطى الفارس

[ 511 ]

سهمين وأعطى الراجل سهما، رواه ابو داود ولانه حيوان ذو سهم فلم يزد على سهم كالآدمي ولنا ما روى ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اسهم يوم خيبر للفارس ثلاثه أسهم سهمان لفرسه وسهم له متفق عليه وعن أبي رهم وأخيه أنهما كانا فارسين يوم خيبر فاعطيا ستة أسهم أربعة اسهم لفرسيهما وسهمين لهما رواه سعيد بن منصور وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الرجال سهما وقال خالد الحذاء لا يختلف فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم هكذا للفرس سهمين ولصاحبه سهما وللراجل سهما، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: أما بعد فان سهمان الخيل فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين للفرس وسهما للراجل ولعمري لقد كان حديثا ما أشعر ان أحدا من المسلمين هم بانتقاص ذلك والسلام عليك رواهما سعيد والاثرم وهذا يدل على ثبوت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا وأنه أجمع عليه فلا يعول على ما خالفه، فاما حديث مجمع فيحتمل أنه أراد أعطى الفارس سهمين لفرسه وأعطى الراجل سهما يعني صاحبه فيكون ثلاثة أسهم على ان حديث ابن عمر أصح منه وقد وافقه حديث أبي رهم وأخيه وابن عباس وهؤلاء أحفظ وأعلم وابن عمر وأبورهم وأخوه ممن شهدوا وأخذوا السهمان وأخبروا عن انفسهم فلا يعارض ذلك بخبر شاذ تعين غلطه أو حمله على ما ذكرنا وقياس الفرس على الآدمي لا يصح لان أثرها في الحرب أكثر وكلفتها اعظم فينبغي ان يكون سهما أكثر

[ 512 ]

(مسألة) (إلا ان يكون فرسه هجينا أو برذونا فيكون له سهم وعنه له سهمان كالعربي) الهجين الذي ابوه عربي وامه برذونة والعربي بالعكس قالت هند بنت النعمان ابن (1) بشير وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغسل فان ولدت مهرا كريما فبالحري وان يك اقراف فما اتجب الفحل وقد حكي عن احمد انه قال الهجين البرذون واختلفت الرواية عنه في سهمانها فقال الخلال تواترت الروايات عن ابي عبد الله في سهام البرذون انه سهم واحد واختاره ابو بكر والخرقي وهو قول الحسن، قال الخلال وروى عنه ثلاثة منقطعون انه يسهم للبرذون سهم العربي اختاره الخلال وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي والثوري لان الله تعالى قال (والخيل والبغال) وهذا من الخيل، ولان الرواة رووا ان النبي صلى الله عليه وسلم اسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما وهذا عام في كل فرس ولانه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي وحكى ابو بكر عن احمد رواية ثالثة ان البرازين ان ادركت ادراك العراب اسهم لها سهم العربي والا فلا وهذا قول ابن ابي شيبة وابن ابي خثيمة وأبي ايوب ولجوزجاني لانها من الخيل وقد عملت عمل العراب فاعطيت سهما كالعربي وحكى القاضي رواية رابعة أنها لا سهم لها وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي لانه حيوان لا يعمل عمل الخيل العراب فاشبه البغال ويحتمل ان تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها لما روى الجوزجاني باسناده عن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب انا وجدنا بالعراق خيلا عرابا دكنا فما


(1) لعله ابن المنذر

[ 513 ]

ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها؟ فكتب إليه تلك البراذين بما قارب العتاق منها فاجعل له سهما واحدا وألغ ما سوى ذلك ووجه الاولى ما روى سعيد باسناده عن أبي الاقمر قال اغارت الخيل على الشام فادركت العراب من يومها وأدركت الكوادن صحي الغدو على الخيل رجل من همدان يقال له المنذر ابن أبي حميضة فقال لا أجعل الذي أدرك من يومه مثل الذي لم يدرك ففضل الخيل العراب فقال عمر هبلت الوادعي امه امضوها على ما قال ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول وروى مكحول ان النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهما رواه سعيد ولان نفع العربي وأثره في الحرب أكثر فيكون سهمه أرجح كتفاضل من يرضخ له وأما قولهم إنه من الخيل قلنا الخيل في أنفسها تتفاضل فتتفاضل سهامها وقولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفرس سهمين من غير تفريق قلنا هذه قضية في عين لا عموم لها فيحتمل أنه لم يكن فيها برذون وهو الظاهر فانها من خيل العرب ولا براذين فيها ويدل على صحة ذلك أنهم لما وجدوا البراذين في العراق أشكل عليهم أمرها وان عمر فرض لها سهما واحدا وأمضى ما قال المنذر بن أبي حميضة في تفضيل العراب عليها ولو خالفه لما سكت الصحابة عن انكاره عليه سيما وابنه هو راوي الخبر فكيف يخفى عليه ذلك؟ ويحتمل أنه فضل العراب فلم يذكر الرواي ذلك لغلبة العراب وقلة البراذين وقد دل على ذلك التأويل خبر مكحول الذي رويناه

[ 514 ]

وقياسها على الآدمي لا يصح لان العربي منهم لا أثر له في الحرب زيادة على غيره بخلاف العربي من الخيل فانه يفضل على غيره والله أعلم (فصل) ويعطى الراجل سهما بغير خلاف لما ذكرنا من الاخبار ولان الراجل لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من النفقة ولا يغني كغنائه فاقتضى ان ينقص سهمه عن سهمه وسواء كانت الغنيمة من فتح مدينة أو حصن وبه قال الشافعي وقال الوليد بن مسلم سألت الاوزاعي عن اسهام الخيل من غنائم الحصون فقال كانت الولاة قبل عمر بن عبد العزيز لا يسهمون للخيل من الحصون ويجعلون الناس كلهم رجالة حتى ولي عمر فانكر ذلك وأمر باسهام الخيل من الحصون والمدائن ووجهه ان النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر ففضل الفارس وهي حصون ولان الخيل ربما احتيح إليها ان خرج أهلا الحصن ويلزم صاحبه مؤنة له فاشبه الغنيمة من غير الحصن (مسألة) (ولا يسهم لاكثر من فرسين). يعني إذا كان مع الرجل خيل أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما ولم يزد على ذلك، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يسهم لاكثر من فرس واحد لانه لا يمكن أن يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد على الفرسين. ولنا ما روى الاوزاعي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين

[ 515 ]

وان كانت معه عشرة أفراس، وعن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ان يسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهما فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهي جنائب رواهما سعيد ولان به إلى الثاني حاجة فان إدامة ركوب واحد تضعفه وتمنع القتال عليه فيسهم له كالاول بخلاف الثالث فانه مستغنى عنه. (مسألة) (ولا يسهم لغير الخيل، وقال الخرقي من غزا على بعير لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان). أما ما عدا الخيل والابل من البغال والحمير والفيلة وغيرها فلا سهم لها وان عظم غناؤها وقامت مقام الخيل، وذكر القاضي ان الفيلة حكمها حكم الهجين لها سهم ذكره في الاحكام السلطانية والاول أولى لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لها ولا أحد من خلفائه ولانها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم يسهم لها كالبقر، وأما الابل فقدروي عن احمد انه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره وحكي نحو هذا عن الحسن لان الله تعالى قال (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) ولانه خيل تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس. يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنما ابيح في ثلاثة أشياء دون غيرها لانها آلات الجهاد فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضا على رباطها وتعلم الاتقان فيها، وروي عن احمد مثل ما ذكر الخرقي وظاهر ذلك ان لا يسهم للبعير مع امكان الغزو

[ 516 ]

على فرس إذا ثبت ذلك فلا يزاد على سهم البرذون لانه دونه ولا يسهم له إلا أن يشهد الوقعة عليه ويكون مما يمكن القتال عليه فأما هذه الابل الثقيلة التي لا تصلح إلا للحمل فلا تستحق شيئا لان راكبها لا يكر ولا يفر فهو ادنى حالا من الراجل، واختار ابو الخطاب انه لا سهم له وهو قول الاكثرين قال ابن المنذر اجمع كل من تحفظ عنه من اهل العلم ان من غزا على بعير فله سهم راجل كذلك قال الحسن ومكحول والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه انه اسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا ولم تخل غزوة من غزواته من الابل بل هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل انه اسهم لها ولو اسهم لها لنقل وكذلك من بعد النبي صلى الله عليه وسلم من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن احد منهم فيما علمناه انه اسهم لبعير ولو اسهم لم يخف ذلك ولانه لا يمكن صاحبه الكر والفر فلم يسهم له كالبغل. (مسألة) (ومن دخل دار الحرب راجلا ثم ملك فرسا أو استعاره أو استأجره فشهد به الوقعة فله سهم فارس ومن دخل فارسا فنفق فرسه أو شرد حتى تقضى الحرب فله سهم راجل). قال احمد ارى ان كل من شهد الوقعة على اي حالة كان يعطى ان كان فارسا ففارس وان كان راجلا فراجل لان عمر رضي الله عنه قال الغنيمة لمن شهد الوقعة، وبهذا قال الاوزاعي والشافعي وابو ثور وإسحاق ونحوه قال ابن عمر وقال ابو حنيفة الاعتبار بدخول دار الحرب فان دخل

[ 517 ]

فارسا فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال وإن دخل راجلا فله سهم الرجال وإن استفاد فرسا فقاتل عليه وعنه رواية اخرى كقولنا قال احمد كان سليمان بن موسى يعرضهم إذا ادركوا الفارس فارس والراجل راجل لانه دخل في الحرب بنية القتال فلا يتغير سهمه بذهاب دابته أو حصول دابة له كما لو كان بعد القتال وقال الخرقي الاعتبار بحال احراز الغنيمة فان احرزت الغنيمة وهو راجل فله سهم راجل وإن احرزت وهو فارس فله سهم فارس فيحتمل انه أراد بحيازة الغنيمة الاستيلاء عليها فيكون كما ذكرنا ويحتمل أن يكون أراد جمع الغنيمة وضمها واحرازها وقد ذكرنا فيما إذا لحق مدد أو هرب اسير بعد تقضي الحرب وقبل احراز الغنيمة هل يسهم له منها؟ على وجهين فيخرج ههنا مثل ذلك والله اعلم. ولنا ان الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال فيسهم له مع الوجود فيه ولا يسهم له مع العدم كالآدمي والاصل في هذا أن حالة استحقاق السهم حال تقضي الحرب بدليل قول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولانها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك فان الاموال في أيدي أصحابها فلا ندري هل يظفر بهم أولى ولانه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء لم يستحق شيئا ولو وجد مددا في تلك الحال استحقوا السهم فدل على أن الاعتبار بحالة الاستيلاء فوجب اعتباره دون غيره

[ 518 ]

(مسألة) (ومن غصب فرسا فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه) نص عليه أحمد وقال بعض الحنفية لا سهم للفرس وهو وجه لاصحاب الشافعي وقال بعضهم سهم الفرس للغاصب وعليه أجرته لمالكه لانه آلة فكان الحاصل بها لمستعملها كما لو غصب منجلا فاحتش بها أو سيفا فقاتل به. ولنا أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم فاستحق السهم كما لو كان مع صاحبه فإذا ثبت أن له سهما كان لمالكه، لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما وما كان للفرس كان لصاحبه وفارق ما يحتش به فانه لا شئ له ولان السهم مستحق بنفع الفرس ونفعه لمالكه فوجب ان يكون ما يستحق به له. (فصل) فان الغاصب ممن لا سهم له اما لكونه لا شئ له كالمخذل أو ممن يرضخ له كالصبي احتمل أن يكون حكم فرسه حكمه على ما ذكرنا لان الفرس تتبع الفارس في حكمه فتتبعه إذا كان مغصوبا قياسا على فرسه واحتمل أن يكون سهم الفرس لمالكه لان الجناية من راكبه والنقص فيه فيخص المنع به وبما هو تابع له وفرسه تابعة له لان ما كان لها فهو له والفرس ههنا لغيره وسهمها لمالكها فلا ينقص سهمها بنقص سهمه كما لو قاتل العبد على فرس لسيده ولو قاتل العبد بغير إذن سيده على فرس لسيده خرج فيه الاحتمالان اللذان ذكرناهما فيما إذا غصب فرسا فقاتل عليه لانه ههنا بمنزلة المغصوب.

[ 519 ]

(مسألة) (وإذا قال الامام من أخذ شيئا فهو له أو فضل بعض الفانمين على بعض لم يجز في إحدى الروايتين ويجوز في الاخرى) إذا قال الامام من أخذ شيئا فهو له جاز في إحدى الروايتين وبه قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، قال أحمد في السرية تخرج فيقول الوالي من جاء بشئ فهو له ومن لم يجئ بشئ فلا شئ له: الانفال إلى الامام ما فعل من شئ جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في يوم بدر (من اخذ شيئا فهو له) ولانهم على هذا غزوا ورضوا به (والثانية) لا يجوز وهو القول الثاني للشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده ولان ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال وظفر العدو بهم فلا يجوز ولان الاغتنام سبب لاستحقاقهم لها على سبيل التساوي فلا يزول ذلك بقول الامام كسائر الاكتساب فأما قضية بدر فانها منسوخة فانهم اختلفوا فيها فانزل الله تعالى (يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول) الآية (فصل) فاما تفضيل بعض الغانمين على بعض فان كان على سبيل النفل لبعضهم زيادة على سهمه فقد ذكرناه في الانفال فاما غير ذلك فلا يجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وسوى بينهم ولانهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية بينهم كسائر الشركاء ولانه يفضي إلى إيقاع العداوة بينهم وافساد قلوبهم

[ 520 ]

(مسألة) (ومن استؤجر للجهاد ممن لا يلزمه من العبيد والكفار فليس له الا الاجرة إذا استأجر الامام قوما يغزون مع المسلمين لم يسهم لهم واعطوا ما استؤجروا به نص عليه احمد في رواية جماعة فقال في رواية عبد الله وحنبل في الامام يستاجر قوما يدخل بهم في بلاد العدو: لا يسهم لهم ويوفى لهم بما استؤجروا عليه وقال القاضي هذا محمول على استئجار من لا يجب عليه الجهاد كالعبيد والكفار، اما الرجال المسلمون الاحرار فلا يصح استئجارهم على الجهاد لان الغزو يتعين بحضوره على من كان من اهله، فإذا تعين عليه الفرض لم يجز أن يفعله عنه غيره كمن عليه حجة الاسلام لا يجوز ان يحج عنه غيره، وهذا مذهب الشافعي قال شيخنا ويحتمل ان يحمل كلام احمد على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو لمن لم يتعين عليه وهو ظاهر ما ذكره الخرقي لما روى ابو داود باسناده عن عبد الله بن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال للغازي اجره وللجاعل اجره وأجر الغازي وروى سعيد بن منصور عن جبير بن نفير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون به على عدوهم مثل ام موسى ترضع ولدها وتاخذ أجرها) ولانه امر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فصح الاستئجار عليه كبناء المساجد أو لم يتعين عليه الجهاد فصح أن يؤجر نفسه عليه كالعبد، ويفارق الحج حيث انه

[ 521 ]

ليست بفرض عين وان الحاجة داعية إليه، وفي المنع من أخذ الجعل عليه تعطيل له ومنع له مما للمسلمين فيه نفع وبهم إليه حاجة فينبغي أن يجوز بخلاف الحج إذا ثبت هذا فان قلنا بالاول فالاجارة فاسدة وعليه رد الاجرة وله سهمه لان غزوه بغير أجرة وان قلنا بصحة الاجارة فظاهر كلام أحمد والخرقي انه لا يسهم له لما روى أبو داود باسناده عن يعلى ابن منير قال أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم فالتمست أجيرا يكفيني وأجري له سهمه فوجدت رجلا فلما دنى الرحيل قال ما أدري ما السهمان؟ وما يبلغ سهمي؟ فسم لي شيئا كان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير فلما حضرت غنيمة أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أمره فقال (ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى) ولان غزوه بعوض فكأنه واقع من غيره فلم يستحق شيئا ويحتمل أن يسهم له وهذا اختيار الخلال قال وروى جماعة عن أحمد ان للاجير السهم إذا قاتل وروى عنه جماعة أن كل من شهد القتال فله السهم إذا قاتل قال وهذا أعتمد عليه من قول أبي عبد الله ووجهه ما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو وحديث جبير بن نفير وقول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولانه حضر الوقعة وهو من أهل القتال فيسهم له كغير الاجير

[ 522 ]

فأما الذين يعطون حقهم من الفئ فلهم سهامهم لان ذلك حق جعله الله لهم ليغزوا ولانه عوض عن جهادهم بل نفع جهادهم لهم لا لغيرهم، وكذلك من يعطى من الصدقات للغزو فانهم يعطون معونة لهم لاعوضا، وكذلك إذا دفع دافع إلى الغزاة ما يتقوون به ويستعينون به كان له فيه الثواب ولم يكن عوضا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من جهز غازيا كان له مثل أجره) (فصل) فأما الاجير للخدمة في الغزو والذي يكري دابة له ويخرج معها ويشهد الوقعة فعن أحمد فيه روايتان (إحداهما) لا سهم له وهو قول الاوزاعي وإسحاق قالا: المستأجر على خدمة القوم لا سهم له لحديث يعلى بن منبه (والثانية) يسهم له إذا شهد القتال مع المسلمين وهو قول مالك وابن المنذر وبه قال الليث إذا قاتل، وان اشتغل بالخدمة فلا سهم له واحتج ابن المنذر بحديث سلمه بن الاكوع انه كان أجيرا لطلحة حين أدرك عبد الرحمن بن عيينة حين أغار على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل وقال القاضي يسهم له إذا كان مع المجاهدين وقصد الجهاد فأما لغير ذلك فلا، وقال الثوري يسهم له إذا قاتل ويرفع عمن استأجره نفقة ما اشتغل عنه (فصل) ومن أجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة وحملها وسوق الدواب ورعيها أبيح له

[ 523 ]

أخذ الاجرة على ذلك ولم يسقط من سهمه شئ لان ذلك من مؤنة الغنيمة فهو كعلف الدواب وطعام السبي يجوز للامام بذله ويباح للاجير أخذ الاجرة عليه لانه أجر نفسه لفعل بالمسلمين إليه حاجة فحلت له الاجرة كالدلالة على الطريق ولا يجوز له ان يركب من دواب المغنم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها) قال أحمد لا بأس ان يؤجر الرجل نفسه على دابته وكره ان يستأجر القوم على سباق الرمك على فرس حبس لانه يستعمل الفرس الموقوفة للجهاد فيما يختص نفعه بنفسه فان آجر نفسه فركب الدابة الحبيس أو دابة من المغنم لم تطب له اجرة لان المعين له على العمل يختص نفع نفسه فلا يجوز ان يستعمل فيه دواب المغنم ولا دواب الحبس وينبغي ان يلزمه بقدر أجرة الدابة ترد في الغنيمة ان كانت من الغنيمة أو تصرف في نفقة دواب الجيش ان كانت جيشا فان شرط في الاجارة ركوب دابة من الحبس لم يجز لانها انما حبست على الجهاد وليس هذا بجهاد وانما هو نفع لاهل الغنيمة وان شرط ركوب دابة من الغنيمة جاز لان ذلك بمنزلة أجرة تدفع إليه من المغنم ولو أجر نفسه بدابة معينة من المغنم صح فإذا جعلت أجرته ركوبها كان أولى ويشترط ان يكون العمل معلوما فان كان مجهولا لم يجز لان من شرط صحة اجارتها كون عوضها معلوما

[ 524 ]

(مسألة) (ومن مات بعد انقضاء الحرب فسهمه لوارثه) إذا مات الغازي أو قتل قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له في ظاهر كلام الخرقي لانه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها وسواء مات حال القتال أو قبله وان مات بعد ذلك فسهمه لورثته لانه مات بعد ثبوت ملكه عليها فكان سهمه لورثته كسائر أمواله، وان مات بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة الغنيمة فقال الشافعي وأبو ثور متى حضر القتال اسهم سواء مات قبل حيازة الغنيمة أو بعدها وان لم يحضر فلا سهم له ونحوه قال مالك والليث، والذي ذكر شيخنا في هذا الكتاب أنه إذا مات بعد انقضاء الحرب انه يستحق السهم ويقتضيه كلام القاضي لانه قال في الاسير يهرب بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة الغنيمة لا يستحق شيئا فدل على انهم بملكونها بالاستيلاء عليها ونفي الكفار عنها ووجه الاول انه إذا مات قبل حيازتها فقد مات قبل ثبوت اليد عليها فلم يستحق شيئا كما لو مات قبل انقضاء الحرب، وقال أبو حنيفة ان مات قبل احراز الغنيمة في دار الاسلام أو قسهما (قسمها) في دار الحرب فلا شئ له لان ملك المسلمين لا يتم عليها الا بذلك، وقال الاوزاعي ان مات بعد ما يدرب فاصلا في سبيل الله قبل أو بعد أسهم له ولنا على أبي حنيفة انه مات بعد الاستيلاء عليها في حال لو قسمت صحت قسمتها وكان له سهمه منها فيجب ان يستحق سهمه فيها كما لو مات بعد احرازها في دار الاسلام وعلى الاوزاعي أنه مات

[ 525 ]

قبل الاستيلاء عليها فلم يتسحق شيئا كما لو مات قبل دخول الدرب وان أسر أو مات أو قتل قبل تقضى الحرب فلا شي له بغير خلاف في المذهب لانه لم يملك شيئا والله أعلم (مسألة) (ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم) وجملة ذلك ان الجيش إذا فصل غازيا فخرجت منه سرية أو أكثر فايهما غنم شاركه الآخر في قول عامة العلماء منهم مالك والثوري والاوزاعي والليث وحماد والشافعي واسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال النخعي ان شاء الامام خمس ما تأتي به السرية وان شاء نفلهم إياه كله ولنا ماروي ان النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنمت السرية فاشرك بينها وبين الجيش قال ابن المنذر روينا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (وترد سراياهم على قعدهم) رفي وفي تنفيل النبي صلى الله عليه وسلم في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك لانهم لو اختصوا بما غنموه لما كان ثلثه نفلا ولانهم جيش واحد وكل واحد منهم ردء لصاحبه فيشتركون كما لو غنم احد جانبي الجيش وان أقام الامير ببلاد الاسلام وبعث سرية أو جيشا فما غنمت السرية فهو لها وحدها لانه انما يشترك المجاهدون والمقيم في بلد الاسلام ليس بمجاهد، وان نفذ من بلد الاسلام جيشين أو سريتين فكل واحدة تنفرد بما غنمته لان كل واحدة منهما انفردت بالغزو فانفردت بالغنيمة بخلاف ما إذا فصل الجيش فدخل بجملته بلاد الكفار فان جميعهم اشتركوا في الجهاد فاشتركوا في الغنيمة

[ 526 ]

(مسألة) (وإذا قسمت الغنيمة في أرض الحرب فتبايعوها ثم غلب عليها العدو فهي مال المشتري في احدى الروايتين اختارها الخلال وصاحبه والاخرى هي من مال البائع اختارها الخرقي) يجوز للامير البيع في الغنيمة قبل القسمة للغانمين ولغيرهم إذا رأى المصلحة فيه لان الولاية ثابتة له عليها وقد تدعوا الحاجة إلى ذلك لازالة كلفة نقلها أو تعذر قسمتها بعينها ويجوز لكل واحد من الغانمين بيع ما يحصل له بعد القسم والتصرف فيه كيف شاء لان ملكه ثابت فيه فان باع الامير أو بعض الغانمين في دار الحرب شيئا فغلب عليه العدو قبل اخراجه إلى دار الاسلام فان كان التفريط من المشتري مثل ان يخرج به منه العسكر ونحو ذلك فضمانه عليه لان ذهابه حصل بتفريطه فكان من ضمانه كما لو اتلفه وان كان بغير تفريطه ففيه روايتان (احداهما) ينفسخ البيع ويرد الثمن إلى المشتري من الغنيمة ان باعه الامام أو من مال البائع وان كان الثمن لم يؤخذ من المشتري سقط عنه وهي اختيار الخرقي لان القبض لم يكمل لكون المال في دار الحرب غير محرز وكونه على خطر من العدو فأشبه الثمر المبيع على رؤوس النخل إذا تلف قبل الجذاذ (والثانية) هو من ضمان المشتري وعليه ثمنه وهذا أكثر الروايات عن أحمد رحمه الله واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر وهو مذهب الشافعي لانه مال مقبوض أبيح لمشتريه فكان عليه ضمانه كما لو أحرز إلى دار الاسلام ولان أخذ العدو له تلف فلم يضمنه البائع كسائر أنواع التلف ولان

[ 527 ]

نماءه للمشتري فكان ضمانه عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الخراج بالضمان) وان اشتراه مشتر من المشتري الاول وقلنا هو من ضمان البائع رجع البائع الثاني على البائع الاول بما رجع به عليه (فصل) قال أحمد في الرجل يشتري الجارية من المغنم معها الحلي في عنقها والثياب: يرد ذلك في المغنم إلا شيئا تلبسه من قميص ومقنعة وازار وهذا قول حكيم بن حزام ومكحول ويزيد بن أبي مالك وإسحاق وابن المنذر ويشبه قول الشافعي واحتج إسحاق بقول النبي صلى الله عليه وسلم (من باع عبدا وله مال فماله للبائع) وقال الشعبي يجعله في بيت المال وكان مالك يرخص في اليسير كالقرطين واشباههما ولا يرد ذلك في الكثير، قال شيخنا ويمكن التفصيل في ذلك فيقال ما كان ظاهرا يشاهده البائع والمشتري كالقرط والخاتم والقلادة فهو للمشتري لان الظاهر أن البائع انما باعها بما عليها والمشتري اشتراها بذلك فيدخل في البيع كثياب البذلة وحلية السيف، وما خفي فلم يعلم به البائع رده لان البيع وقع عليها بدونه فلم يدخل في البيع كجارية أخرى. (فصل) قال أحمد لا يجوز لامير الجيش أن يشتري من مغنم المسلمين شيئا لانه يحابى ولان عمر رضي الله عنه رد ما اشتراه ابنه في غزوة جلولاء وقال انه يحابى احتج به أحمد ولانه هو البائع أو وكيله فكأنه يشتري من نفسه أو من وكيله قال أبو داود قيل لابي عبد الله إذا قوم أصحاب المغانم شيئا معروفا فقالوا في جلود المعاعز بكذا وفي جلود الخرفان بكذا يحتاج إليه يأخذه بتلك القيمة ولا يأتي المغانم فرخص فيه

[ 528 ]

لانه يشق الاستئذان فيه فسومح فيه كما سومح في دخول الحمام وركوب سفينة الملاح من غير تقدير أجرة (فصل) ومن اشترى من المغنم اثنين أو أكثر أو حسبوا عليه بنصيبه بناء على أنهم أقارب يحرم التفريق بينهم فبان أنه لا نسب بينهم رد الفضل الذي فيهم على المغنم لان قيمتهم تزيد بذلك فان من اشترى اثنتين بناء على أن احداهما أم الاخرى لا يحل له الجمع بينهما في الوطئ ولا بيع إحداهما دون الاخرى كانت قيمتهما قليلة لذلك فإذا أبان ان إحداهما أجنبية من الاخرى أبيح له وطؤهما وبيع إحداهما فتكثر قيمتهما فيجب رد الفضل كما لو اشتراهما فوجد معهما حليا أو ذهبا وكما لو أخذ دراهم فبانت أكثر مما حسب عليه. (مسألة). (وإن وطئ جارية من المغنم ممن له فيها حق أو لولده أدب ولم يبلغ به الحد وعليه مهرها إلا أن تلد منه فيكون عليه قيمتها وتصير ام ولد له والولد حر ثابت النسب). إذا وطئ جارية من المغنم وكان له في الغنيمة حق أو لولده ادب لانه فعل ما لا يحل له ولم يبلغ به الحد، لان الملك ثبت للغانمين في الغنيمة فيكون للواطئ حق في الجارية الموطوءة وان قل فيدرأ عنه الحد للشبهة، وبه قال ابو حنيفة والشافعي وقال مالك وابو ثور عليه الحد لقول الله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهذا زان ولانه وطئ في غير ملك عامدا عالما بالتحريم

[ 529 ]

فلزمه الحد كما لو وطئ جارية غيره وقال الاوزاعي كل من سلف من علمائنا يقول عليه أدنى الحدين مائة جلدة ومنع بعض الفقهاء ثبوت الملك في الغنيمة وقال إنما يثبت بالاحتياز بدليل ان أحدهم لو قال اسقطت حقي سقط ولو ثبت ملكه لم يزل بذلك كالوارث. ولنا ان له فيها شبهة ملك فلم يجب عليه الحد كوطئ جارية له فيها شرك والآية مخصوصة بوطئ الجارية المشتركة وجارية ابنه فنقيس عليه هذا ومنع الملك لا يصح لان ملك الكفار قد زال ولا يزول إلا إلى مالك ولانه تصح قسمته ويملك الغانمون طلب قسمتها فأشبهت حال الوارث وإنما كثر الغانمون فقل نصيب الواطئ ولم يستقر في شئ بعينه وكان للامام تعيين نصيب كل واحد بغير اختياره فلذلك جاز ان يسقط بالاسقاط بخلاف الميراث وضعف الملك لا يخرجه عن كونه شبهة في الحد الذي يدرأ بالشبهات ولهذا أسقط الحد بادنى شئ وان لم يكن حقيقة الملك فهو شبهة. إذا ثبت هذا فانه يعزر ولا يبلغ بالتعزير الحد على ما نذكره ان شاء الله تعالى ويؤخذ منه مهرها فيطرح في المغنم، وبهذا قال الشافعي وقال القاضي إنه يسقط عنه من المهر قدر حصته منها وتجب عليه بقيته كالجارية المشتركة بينه وبين غيره ولا يصح ذلك لاننا إذا أسقطنا عنه حصته وأخذنا الباقي فطرحناه في المغنم ثم قسمناه على الجميع وهو فيهم عاد إليه سهمه من حصة غيره ولان حصته قد لا تمكن معرفتها

[ 530 ]

لقلة المهر وكثرة الغانمين ثم إذا أخذناه فان قسمناه مفردا على من سواه لم يمكن وان خلطناه بالغنيمة ثم قسمنا الجميع أخذ سهما مما ليس فيه حقه فان ولدت منه فالولد حر يلحقه نسبه، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو رقيق لا يلحقه نسبه، لان الغانمين إنما يملكون بالقسمة فقد صادف وطؤه غير ملكه ولنا انه وطئ سقط فيه الحد بشبهة الملك فيلحق فيه النسب كوطئ جارية ابنه وما ذكره غير مسلم ثم يبطل بوطئ جارية ابنه وفارق الزنا فانه يوجب الحد، وإذا ثبت ذلك فان الامة تصير أم ولد له في الحال وقال الشافعي لا تصير أم ولد له في الحال لانها ليست ملكا له فإذا ملكها بعد ذلك فهل تصير أم ولد له؟ فيها قولان ولنا انه وطئ يلحق به النسب لشبهة الملك فتصير به أم ولد كوطئ جارية ابنه وبه يبطل ما ذكروه ولا نسلم أنه ليس له فيها ملك فانا قد تبينا ان الملك قد ثبت في الغنيمة بمجرد الاغتنام وعليه قيمتها تطرح في المغنم لانه فرتها؟ عليهم بفعله فلزمته قيمتها كما لو قتلها فان كان معسرا كان في ذمته قيمتها وقال القاضي ان كان معسرا حسب قدر حصته من الغنيمة فصارت أم ولد وباقيها رقيق للغانمين لان كونها ام ولد إنما يثبت بالسراية إلى ملك غيره فلم يسر في حق المعسر كالاعتاق.

[ 531 ]

ولنا أنه استيلاء جعل بعضها ام ولد فيجعل جميعها ام ولد كاستيلاء جارية الابن وفارق العتق لان الاستيلاء أقوى لكونه فعلا وينفذ من المجنون فاما قيمة الولد فقال أبو بكر فيها روايتان (إحداهما) تلزمه قيمته حين وضعه تطرح في المغنم لانه فوت رقه فاشبه ولد المغرور (والثانية) لا تلزمه لانه ملكها حين علقت ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال فاشبه ولد الاب من جارية ابنه إذا وطئها ولانه يعتق حين علوقها به ولا قيمة حينئذ وقال القاضي إذا صار نصفها ام ولد يكون الولد كله حرا وعليه قيمة نصفه (مسألة) (ومن أعتق منهم عبدا عتق عليه قدر حصته وقوم عليه باقيه ان كان موسرا وكذلك ان كان فيهم من يعتق عليه) إذا أعتق بعض الغانمين اسيرا من الغنيمة وكان رجلا لم يعتق لان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وعم علي وعقيلا أخا علي كانا في اسرى بدر فلم يعتقا عليهما ولان الرجل لا يصير رقيقا بنفس السبي وان استرق وقلنا بجواز استرقاقه أو كان امرأة أو صبيا عتق منه قدر نصيبه وسرى إلى باقيه ان كان موسرا وان كان معسرا لم يعتق عليه الا ما ملكه منه ويؤخذ منه قيمة باقيه تطرح في المغنم إذا كان موسرا فان كان بقدر حقه من الغنيمة عتق ولم يأخذ شيئا وإن كان دون حقه أخذ باقي حقه فان أعتق عبدا ثانيا وفضل من حقه عن الاول شئ عتق بقدره من الثاني وان لم يفضل شئ لم يعتق من الثاني شئ وكذلك الحكم إذا كان فيهم من يعتق عليه لانه نسب إلى ملكه أشبه مالو اشتراه

[ 532 ]

وقال ابن أبي موسى في الارشاد لا يعتق إلا ان يحصل في سهمه أو بعضه وقال الشافعي لا يعتق منه شئ وهذا مقتضى قول أبي حنيفة لانه لا يملكه بمجرد الاغتنام ولو ملك لم يتعين ملكه فيه وان قسم وحصل في نصيبه واختار تملكه عتق عليه وإلا فلا وان جعل له بعضه فاختار تملكه عتق عليه وقوم عليه الباقي ولنا ما بيناه من ان الملك يثبت للغانمين لكون الاستيلاء التام وجد منهم وهو سبب للملك ولان ملك الكفار زال ولا يزول إلا إلى المسلمين (مسألة) (والغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا السلاح والمصحف والحيوان) الغال الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة ولا يطلع الامام عليه ولا يطرحه في الغنيمة فحكمه ان يحرق رحله كله وبه قال الحسن وفقهاء الشام منهم مكحول والاوزاعي والوليد بن هشام ويزيد بن يزيد بن جابر وأني سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله واحرقه وعمر بن عبد العزيز حاضر فلم يعبه وقال يزيد بن يزيد بن جابر السنة في الذي يغل ان يحرق رحله رواهما سعيد في سننه وقال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي لا يحرق لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرق فان عبد الله بن عمرو روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال يا رسول الله هذا فيما كنا اصبنا من الغنيمة فقال (سمعت بلالا ينادي

[ 533 ]

ثلاثا قال نعم قال (فما منعك ان تجئ به) فاعتذر فقال (كن انت تجئ به يوم القيامة فلن أقبله منك) رواه ابو داود ولان احراق المتاع اضاعة له وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال ولنا ماروى صالح بن محمد بن زائدة قال دخلت مع مسلمة أرض الروم فاتي برجل قد غل فسأل سالما عنه فقال سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه) قال فوجدنا في متاعه مصحفا فسأل سالما عنه فقال بعه وتصدق بثمنه رواه سعيد وابو داود والاثرم وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكر وعمر احرقوا متاع الغال رواه ابو داود فاما حديثهم فلا حجة لهم فيه فان الرجل لم يعترف انه اخذ ما اخذ على سبيل الغلول ولا اخذه لنفسه وإنما توانى في المجئ به وليس الخلاف فيه ولان الرجل جاء به من عند نفسه تائبا معتذرا والتوبة تجب ما قبلها وأما النهي عن اضاعة المال فانما نهي عنه إذا لم يكن فيه مصلحة فاما إذا كان فيه مصلحة فلا بأس ولا يعد تضييعا كالقاء المتاع في البحر عند خوف الغرق وقطع يد العبد السارق مع ان المال لا تكاد المصلحة تحصل به إلا بذهابه فأكله اتلافه وايقافه اذهابه ولا يعد شئ من ذلك تضييعا ولا افسادا ولا ينهى عنه. إذا ثبت ذلك فان السلاح لا يحرق لانه يحتاج إليه في القتال ولا نفقته لانه مما لا يحرق عادة ولا يحرق المصحف لحرمته ولما ذكرنا من حديث سالم فيه فعلى هذا يحتمل ان يباع ويتصدق بثمنه لما ذكرنا

[ 534 ]

من حديث سالم ويحتمل ان يكون له كالحيوان والسلاح وكذلك الحيوان لا يحرق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ان يعذب بالنار إلا ربها ولحرمة الحيوان في نفسه ولانه لا يدخل في اسم المتاع المأمور باحراقه وهذا لا خلاف فيه ولا تحرق آلة الدابة أيضا نص عليه أحمد لانه يحتاج إليها للانتفاع بها ولانها تابعة لما لا يحرق اشبه جلد المصحف وكيسه وقال الاوزاعي يحرق سرجه واكافه ولنا انه ملبوس حيوان فلا يحرق كثياب الغال فانه لا تحرق ثيابه التي عليه لانه لا يجوز ان يترك عريانا ولا يحرق ما غل لانه من غنيمة المسلمين قيل لاحمد فالذي أصاب في الغلول اي شئ يصنع به قال يرفع إلى المغنم وكذلك قال الاوزاعي وجميع ما لا يحرق وما ابقت النار من حديد أو غيره فهو لصاحبه لان ملكه كان ثابتا عليه ولم يوجد ما يلزمه وإنما عوقب باحراق متاعه فما لم يحترق يبقى على ما كان، وان كان معه شئ من كتب العلم والحديث فينبغي ان لا يحرق ايضا لان نفع ذلك يعود إلى الدين وليس المقصود الاضرار به في دينه وإنما القصد الاضرار به في بعض دنياه (فصل) فان لم يحرق رحله حتى استحدث متاعا آخر أو رجع إلى بلده أحرق ما كان معه حال الغلول، نص عليه أحمد في الذي يرجع إلى بلده قال ينبغي أن يحرق ما كان معه في أرض العدو فان مات قبل إحراق رحله لم يحرق نص عليه لانه عقوبة فيسقط بالموت كالحدود ولانه بالموت انتقل إلى ورثته وإحراقه عقوبة لغير الجاني

[ 535 ]

وان باع متاعه أو وهبه احتمل أن لا يحرق لانه صار لغيره أشبه انتقاله بالموت واحتمل أن ينقض البيع والهبة ويحرق لانه تعلق به حق سابق على البيع والهبة فوجب تقديمه كالقصاص في حق الجاني (فصل) وان كان العال صبيا لم يحرق متاعه وبه قال الاوزاعي لان الاحراق عقوبة وليس هو من أهلها فاشبه الحد، وان كان عبدا لم يحرق متاعه لانه لسيده فلا يعاقب سيده بجناية عبده، وان استهلك ما غله فهو في رقبته لانه من جنايته وان غلت المرأة أو ذمي أحرق متاعهما لانهما من أهل العقوبة ولذلك يقطعان في السرقة ويحدان في الزنا، وان أنكر الغلول وذكر انه ابتاع ما بيده لم يحرق متاعه حتى يثبت غلوله ببينة أو إقرار لانه عقوبة قلا يجب قبل ثبوته بذلك كالحد ولا يقبل في بينته إلا عدلان لذلك (فصل) ولا يحرم الغال سهمه، وقال أبو بكر في ذلك روايتان (احداهما) يحرم سهمه لانه قد جاء في الحديث يحرم سهمه فان صح فالحكم له، وقال الاوزاعي في الصبي يغل يحرم سهمه ولا يحرق متاعه ولنا ان سبب الاستحقاق موجود فيستحق كما لو لم يغل ولم يثبت حرمان سهمه في خبر ولا يدل عليه قياس فيبقى بحاله ولا يحرق سهمه لانه ليس من رحله (فصل) إذا تاب الغال قبل القسمة رد ما أخذه في المقسم بغير خلاف لانه حق تعين رده إلى اهله فان تاب بعد القسمة فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الامام ويتصدق بالباقي وهذا قول

[ 536 ]

الحسن والزهري ومالك والاوزاعي والثوري والليث. وقال الشافعي لا أعرف للصدقة وجها، وحديث الغال ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له (لا أقبله منك حتى تجئ به إلى يوم القيامة) ولنا ماروى سعيد بن منصور عن عبد الله بن المبارك عن صفوان بن عمرو عن حوشب بن سيف قال غزا الناس الروم وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فغل رجل مائة دينار فلما قسمت الغنيمة وتفرق الناس ندم فاتى عبد الرحمن فقال قد غللت مائة دينار فامضها فقال قد تفرق الناس فلن أقبضها منك حتى توافي الله بها يوم القيامة، فأتي معاوية فذكر ذلك له فقال له مثل ذلك فخرج وهو يبكي فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال ما يبكيك؟ فاخبره فقال إنا لله وإنا إليه راجعون أمطيع أنت يا عبد الله؟ قال نعم قال فانطلق إلى معاوية فقل له خذ مني خمسك فاعطه عشرين دينارا وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش فان الله تعالى يعلم أسماءهم ومكانهم وان الله يقبل التوبة عن عباده، فقال معاوية: أحسن والله لان أكون أنا أفتيته بهذا أحب إلي من أن يكون لي مثل كل شئ امتلكت وعن ابن مسعود رضي الله عنه انه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه فقد قال به ابن مسعود ومعاوية ومن بعدهم ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فيكون إجماعا، ولان تركه تضييع له وتعطيل لمنفعته التي خلق لها ولا يتخفف به شئ من اثم الغال، وفي الصدقة به نفع لمن يصل إليه من

[ 537 ]

المساكين، وما يحصل من أجر الصدقة يصل إلى صاحبه فيذهب به الاثم عن الغال فيكون أولى (مسألة) (وما أخذ من الفدية أو أهداه الكفار إلى أمير الجيش أو بعض قواده فهو غنيمة) ما أخذ من فدية الاسارى فهو غنيمة، لا نعلم فيه خلافا فأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين ولانه مال حصل بقوة الجيش أشبه الخيل والسلاح وأما الهدية للامام والقواد فان كان في حال الغزو فهي غنيمة وهكذا ذكر أبو الخطاب لان الظاهر انه لا يفعل ذلك الا لخوف من المسلمين فظاهر هذا يدل على أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له، وقال القاضي هو غنيمة لما ذكرنا، وان كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الاسلام فهي لمن أهديت له سواء كان الامام أو غيره لان النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس فكانت له دون غيره، وهذا قول الشافعي ومحمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة هو للمهدى له بكل حال لانه خص بها أشبه ما إذا كان في دار الاسلام، وحكي ذلك رواية عن أحمد ولنا انه أخذ ذلك بظهر الجيش أشبه مالو اخذه قهرا ولانه إذا أهدي إلى الامام أو أمير فالظاهر انه يداري عن نفسه به فاشبه ما أخذ منه قهرا، وأما الهدية لآحاد المسلمين فلا يقصد بها ذلك في الظاهر لعدم الخوف منه فيكون كما لو أهدى إليه إلى دار الاسلام، ويحتمل أن ينظر فان كانت بينهما مهاداة قبل ذلك فله ما أهدي إليه. وان تجدد ذلك بالدخول إلى دارهم فهو للمسلمين كقولنا في الهدية إلى القاضي

[ 538 ]

(باب حكم الارضين المغنومة) وهي على ثلاثة أضرب (أحدها) ما فتح عنوة وهي ما أجلي عنها اهلها بالسيف فيخير الامام بين قسمها ووقفها للمسلمين ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي في يده يكون أجرة لها. وعنه تصير وقفا بنفس الاستيلاء وعنه تقسم بين الغانمين الارضون المغنومة تنقسم قسمين عنوة وصلح (فالعنوة) ما أجلي عنها أهلها بالسيف وهي نوعان (أحدهما) ما فتح ولم يقسم بين الغانمين فتصير وقفا للمسلمين يضرب عليها خراج معلوم يؤخذ منها في كل عام يكون أجرة لها وتقر بايدي أربابها ما دامو يؤدون خراجها مسلمين كانوا أو من أهل الذمة لا يسقط خراجها باسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم لانه بمنزله اجرتها ولم نعلم ان شيئا مما فتح عنوة قسم بين الغانمين الا خيبر فان النبي صلى الله عليه وسلم قسم نصفها فصار لاهله لاخراج عليه وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر رضي الله عنه ومن بعده كارض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شئ فروى أبو عبيد في كتاب الاصول ان عمر رضي الله عنه قدم الجابية فأراد قسم الارض بين المسلمين فقال له معاذ رضي الله عنه والله إذا ليكونن ما تكره انك ان قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة ثم يأتي من بعدهم قوم يمدون من الاسلام

[ 539 ]

الاسلام مسداهم لا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم فصار عمر إلى قول معاذ وروى أيضا قال قال: الماجشون قال بلال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في القرى التي افتتحوها عنوة اقسمها بيننا وخذ خمسها فقال عمر لا هذا عن المال ولكني أحبسه فيئا يجري عليهم وعلى المسلمين فقال بلال وأصحابه اقسمها بيننا فقال عمر اللهم اكفني بلالا وذويه قال فما جاء الحول وفيهم عين تطرف وروى باسناده عن سفيان بن وهب الخولاني قال لما افتتح عمرو بن العاص مصر قال الزبير يا عمرو بن العاص اقسمها فقال عمرو لاأقسمها فقال الزبير لتقسمنها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال عمرو لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر فكتب إليه دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة قال القاضي ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن احد من الصحابة انه قسم ارضا عنوة الا خيبر (فصل) قال أحمد ومن يقوم على أرض الصلح وأرض العنوة؟ ومن أين هي؟ وإلى أين هي؟ وقال أرض الشام عنوة الا حمص وموضعا آخر وقال ما دون النهر صلح وما وراء عنوة وقال فتح المسلمون السواد عنوة إلا ما كان منه صلح وهي أرض الحيرة وأرض بانقيا وقال أرض الري خلطوا في أمرها فأما ما فتح عنوة فمن نهاوند وطبرستان خراج وقال أبو عبيد أرض الشام عنوة ما خلا مدنها فانها فتحت صلحا إلا قيسارية افتتحت عنوة وأرض السواد والجبل ونهاوند والاهواز ومصر والمغرب وقال موسي بن علي بن رباع عن أبيه: المغرب كله عنوة فأما أرض الصلح فارض هجر والبحر بن

[ 540 ]

وأيلة ودومة الجندل وأذرح فهذه القرى التي أدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية ومدن الشام ما خلا أرضيها الا قيسارية وبلاد الجزيرة كلها وبلاد خراسان كلها أو أكثرها صلح وكل موضع فتح عنوة فانه وقف على المسلمين (النوع الثاني) ما استأنف المسلمون فتحه عنوة ففيه ثلاث روايات (احداهما) أن الامام مخير بين قسمها على الغانمين وبين وقفها على جميع المسلمين ويضرب عليها خراجا مستمرا على ما ذكرنا هذا ظاهر المذهب لان كلا الامرين قد ثبت فيه حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم نصف خيبر ووقف نصفها لنوائبه ووقف عمو الشام والعراق ومصر وسائر ما فتحه وأقره على ذلك علماء الصحابة وأشاروا عليه به، وكذلك من بعده من الخلفاء ولم نعلم ان أحدا منهم قسم شيئا من الارض التي افتتحوها (والثانية) انها تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم عليه وقسمة النبي صلى الله عليه وسلم خيبر كانت قي بدء الاسلام وشدة الحاجة وكانت المصلحة فيه وقد تعينت المصلحة فيما بعد ذلك في وقف الارض فكان هو الواجب (والثالثة) ان الوجب قسمها وهو قول مالك وأبي ثور لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وفعله أولى من فعل غيره مع عموم قوله تعالى (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه يفهم من ذلك ان أربعة اخماسها للغانمين

[ 541 ]

(والرواية الاولى) أولى لما ذكرنا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولان عمر رضي الله عنه قال لولا آخر الناس لفسمت الارض كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فقد وقف الارض مع علمه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على ان فعله ذلك لم يكن متعينا كيف والنبي صلى الله عليه وسلم قد وقف نصف خيبر ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها، قال ابو عبيد تواترت الاخبار في افتتاح الارض عنوة بهذين الحكمين، حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر حين قسمها، وبه اشار بلال واصحابه على عمر في ارض الشام والزبير في ارض مصر وحكم عمر في ارض السواد وغيره حين وقفه، وبه اشار علي ومعاذ على عمر وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم رادا لفعل عمر لان كل واحد منهما اتبع آية محكمة قال الله تعالى (واعلموا انما غنمتم منه شئ فان لله خمسه - وقال - ما افاء الله على رسوله من اهل القرى) الآية فكان كل واحد من الامرين جائزا والنظر في ذلك إلى الامام فما رأى منه ذلك فعليه وهذا قول الثوري وأبي عبيد. إذا ثبت هذا فان التخيير المفوض إلى الامام تخيير مصلحة لا تخيير تشهي فيلزمه فعل ما يرى فيه المصلحة لا يجوز له العدول عنه كالخيرة في الاسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء ولا يحتاج إلى النطق بالوقف بل تركه لها من غير قسمة وقف لها كما أن قسمتها بين الغانمين لا يحتاج معه إلى لفظ ولان عمر وغيره لم ينقل عنهم في وقف الارض لفظ بالوقف ولان معنى وقفها

[ 542 ]

هاههنا أنها باقية لجميع المسلمين يؤخذ خراجها يصرف في مصالحهم ولا يخص أحد بملك شئ منها وهذا حاصل بتركها (فصل) وكلما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من وقف وقسمة أو فعله الائمة بعده فليس لاحد نقضه ولا تغييره وانما الروايات فيما استؤنف فتحه على ما ذكرنا والذي قسم بين الغانمين ليس عليه خراج، وكذلك ما أسلم أهله عليه كالمدينة ونحوها فهي ملك لاربابها لهم التصرف فيها كيف شاؤا، وكذلك ما صولح أهله على ان الارض لهم كأرض اليمن والحيرة وبانقيا وما أحياه المسلمون كأرض البصرة كانت سبخة أحياها عتبة بن غزوان وعثمان بن أبي العاص (مسألة) (الضرب الثاني) ما جلا عنها أهلها خوفا وفزعا فهذه تصير وقفا بنفس الظهور عليها لان ذلك يتعين فيها لانها ليست غنيمة فنقسم فكان حكمها حكم الفيئ يكون للمسلمين كلهم، وعنه يكون حكمها حكم العنوة قياسا عليها، فعلى هذا لا تصير وقفا حتى يقفها الامام لان الوقف لا يثبت بنفسه (الضرب الثالث) ما صولحوا عليه وهو قسمان (أحدهما) أن يصالحهم على أن الارض لنا ونقرها معهم بالخراج فهذه تصير وقفا ايضا حكمها حكم ما ذكرنا لان النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر وصالح أهلها على أن يعمروا ارضها ولهم نصف ثمرتها فكانت للمسلمين دونهم، وصالح بني النضير على أن يجليهم من المدينة

[ 543 ]

ولهم ما أقلت الابل من المتعة والاموال الا الحلقة يعني السلاح وكانت مما أفاء الله على رسوله (القسم الثاني) ان يصالحم على الارض لهم ويؤدون الينا خراجها معلوما فهذه ملك لاربابها وهذا الخراج في حكم الجزيه متى أسلموا اسقط عنهم لان الخراج الذي ضرب عليها انما كان من أجل كفرهم فهو كالجزية على رؤوسهم فإذا أسلموا سقط كما تسقط الجزية وتبقى الارض ملكا لهم لا خراج عليها يتصرفون فيها كيف شاءوا بالبيع والهبة والرهن، وان انتقل إلى مسلم فلا خراج عليه لما ذكرنا (مسألة) (ويقرون فيها بغير جزية) لانهم في غير دار الاسلام بخلاف التي قبلها (مسألة) (والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الامام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة وعنه يرجع إلى ما ضربه عمر رضي الله عنه لا يزاد ولا ينقص وعنه تجوز الزيادة دون النقص) ظاهر المذهب أن المرجع في الخراج إلى اجتهاد الامام وهو اختيار الخلال وعامة شيوخنا لانه أجرة فلم يقدر بمقدار لا يختلف كأجرة المساكن وفيه رواية ثانية انه يرجع إلى ما ضربه عمر رضي الله عنه لا يزاد عليه ولا ينقص منه لان اجتهاد عمر أولى من قول غيره كيف ولم ينكره أحد من الصحابة مع شهرته فكان اجماعا؟ وعنه رواية ثالثة أن الزيادة تجوز دون النقص لما روى عمر بن ميمون انه سمع عمر يقول لحذيفة وعثمان بن حنيف لعلكما حملتما الارض ما لا تطيق فقال عثمان والله لو زدت عليهم فلا تجهدهم فدل على اباحة الزيادة ما لم تجهدهم وأما الجزية فتذكر في باب عقد الذمة ان شاء الله تعالى

[ 544 ]

قال أحمد رضي الله عنه وأبو عبيد القاسم بن سلام: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون، ويعني ان عمر رضي الله عنه وضع على كل جريب درهما وقفيزا، وقدر القفيز ثمانية ارطال يعني بالمكي، نص عليه أحمد واختاره القاضي فيكون ستة عشر رطلا بالعراقي، وقال أبو بكر قد قيل ان قدره ثلاثون رطلا وينبغي أن يكون من جنس ما تخرجه الارض لانه روي عن عمر انه ضرب على الطعام درهما وقفيز حنطة وعلى الشعير درهما وقفيز شعير ويقاس عليه غيره من الحبوب. والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع بذراع عمر وهو ذراع وسط لا أطول ذراع ولا أقصرها وقبضة وإبهام قائمة، وما بين الشجر من بياض الارض تبع لها، فان ظلم في خراجه لم يحتسبه من العشر لانه ظلم فلم يحتسب به من العشر كالغصب، وعنه يحتسبه من العشر لان الاخذ لهما واحد اختاره أبو بكر وقد اختلف عن عمر رضي الله عنه قي قدر الخراج فروى أبو عبيد باسناده عن الشعبي ان عمر بعث ان حنيف إلى السواد فضرب الخراج على جريب الشعير درهمين وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب القضب وهو الرطبة ستة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب الزيتون اثني عشر درهما، هذا ذكره ابو الخطاب في كتاب الهداية وذكر بعده حديث عمرو بن ميمون الذي ذكرناه وهو أصح على ما ذكره أحمد وأبو عبيد

[ 545 ]

(مسألة) (وما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه فلا خراج عليه) لان الخراج أجرة الارض وما لا منفعة فيه لا أجرة له، وعنه يجب فيه الخراج إذا كان على صفة يمكن إحياؤه ليحييه من هو في يده أو يرفع يده عنه فيحييه غيره وينتفع به (مسألة) (فان أمكن زرعه عاما بعد عام وجب نصف خراجه في كل عام) لان نفع هذه الارض على النصف فكذلك الخراج لكونه في مقابلة النفع (مسألة) (ويجب الخراج على المالك دون المستأجر) لانه يجب على رقبة الارض فكان على مالكها كما تجب الفطرة على مالك العبد وعنه انه على المستأجر كالعشر والاول اصح (مسألة) (والخراج كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر) لانه أجرة أشبه أجرة المساكن (مسألة) (ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على اجارتها أو رفع يده عنها) من كانت في يده أرض فهو أحق بها بالخراج كالمستأجر وتنتقل إلى وارثه بعده على الوجه الذي كانت في يد موروثه فان آثر بها احدا صار الثاني أحق بها، فان عجز من هي في يده عن عمارتها

[ 546 ]

وأداء خراجها أجبر على رفع يده عنها باجارة أو غيرها ويدفعها إلى من يعمرها ويقوم بخراجها لان الارض للمسلمين فلا يجوز تعطيلها عليهم (فصل) ويكره للمسلم أن يشتري من ارض الخراج المزارع لان في الخراج معنى الذلة وبهذا وردت الاخبار عن عمر رضي الله عنه وغيره ومعنى الشراء ههنا ان يتقبل الارض بما عليها من خراجها لان شراء هذه الارض غير جائز أو يكون على الرواية التي اجازت شراءها لكونه استنقاذا لها فهو كاستنقاذ الاسير (فصل) ويجوز لصاحب الارض ان يرشو العامل ليدفع عنه الظلم في خراجه لانه يتوصل بماله إلى كف اليد العادية عنه ولا يجوز له ذلك ليدفع له شيئا من خراجه لانه رشوة لابطال حق فحرمت على الآخذ والمعطي كرشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق (مسألة) (وان رأى الامام المصلحة في اسقاط الخراج أو تخفيفه عن انسان جاز لانه فيئ فكان النظر فيه إلى الامام) ولانه لو أخذ الخراج وصار في يده جاز له ان يخص به شخصا إذا رأى المصلحة فيه فجاز له تركه بطريق الاولى

[ 547 ]

باب الفيئ وهو ما أخذ من مال المشركين بغير قتال كالجزية والخراج والعشر وما تركوه فزعا وخمس الغنيمة ومال من مات لا وارث له فهو معروف في مصالح المسلمين لهم كلهم فيه حق غنيهم وفقيرهم إلا العبيد هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وذكر أحمد رحمه الله الفيئ فقال فيه حق لكل المسلمين وهو بين الغني والفقير وقال عمر رضي الله عنه ما من أحد من المسلمين الا له في هذا المال نصيب إلا العبيد ليس لهم فيه شئ وقرأ عمر (ما افاء الله على رسوله من اهل القرى - حتى بلغ - والذين جاءوا من بعدهم) فقل استوعبت المسلمين عامة ولان عشت ليأتين الراعي بستر وحمير نصيبه منها لم تعرق فيه جبينه وذكر القاضي ان الفيئ مختص باهل الجهاد من المرابطين في الثغور وجند المسلمين ومن يقوم بمصالحهم لان ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته لحصول النصرة والمصلحة به فلما مات صارت مختصة بالجند ومن يحتاج إليه المسلمون فصار لهم ذلك دون غيرهم فاما الاعراب ونحوهم ممن لا يعد نفسه للجهاد فلا حق لهم فيه والذين يعرضون إذا نشطوا يعطون من سهم سبيل الله من الصدقة قال القاضي ومعنى كلام أحمد أنه بين الغني والفقير يعني الذي فيه مصلحة للمسلمين من المجاهدين والقضاة والفقهاء قال ويحتمل ان يكون معنى كلامه ان لجميع المسلمين الانتفاع بذلك المال لكونه يصرف إلى من يعود نفعه إلى جميع المسلمين وكذلك ينتفعون بالعبور على القناطر والجسور المعقودة بذلك المال وبالانهار

[ 548 ]

والطرقات التي أصلحت به وسياق كلام احمد يدل على أنه غير مختص بالجند وإنما هو معروف في مصالح المسلمين لكن يبدأ بجند المسلمين لانهم أهم المصالح لكونهم يحفظون المسلمين فيعطون كفاياتهم فما فضل قدم الاهم فالاهم من عمارة الثغور وكفايتها بالكراع والسلاح وما يحتاج إليه ثم الاهم فالاهم من عمارة المساجد والقناطر واصلاح الطرق وكراء الانهار وسد بثوقها وارزاق القضاة والائمة والمؤذنين والفقهاء وما يحتاج إليه المسلمون وكلما يعود نفعه على المسلمين ثم يقسم ما فضل على المسلمين لما ذكرنا من الآية وقول عمر رضي الله عنه وللشافعي قولان كنحو ما ذكرناه واستدلوا على ان أربعة اخماس الفيئ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بما روى مالك بن أوس بن الحدثان قال سمعت عمر بن الخطاب والعباس وعليا يختصمان إليه في أموال النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر كانت أموال بني النضير مما افاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل جعله في الكراع والسلاح ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فوليها أبو بكر بمثل ماوليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وليتها بمثل ماوليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر متفق عليه الا ان فيه فيجعل ما بقي اسوة المال قال شيخنا وظاهر أخبار عمر تدل على ان لجميع المسلمين في الفيئ حقا وهو ظاهر الآية فانه لما قرأ الآية التي في سورة الحشر قال هذه استوعبت جميع المسلمين وقال ما أحد إلا له في هذا المال نصيب فاما أموال

[ 549 ]

بني النضير فيحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفق منها على أهله لان ذلك من أهم المصالح فبدأ بهم ثم جعل باقيه اسوة المال ويحتمل ان تكون أموال بني النضير اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيئ وترك سائره لمن سمي في الآية وهذا مبين في قول عمر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين (مسألة) (ولا يخمس وقال الخرقي يخمس فيصرف خمسه إلى أهل الخمس وباقيه في المصالح) ظاهر المذهب ان الفيئ لا يخمس نقلها أبو طالب فقال إنما تخمس الغنيمة وعنه يخمس كما تخمس الغنيمة اختارها الخرقي وهو قول الشافعي لقول الله تعالى (ما افاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فظاهر هذا ان جميعه لهؤلاء وهو أهل الخمس وجاءت الاخبار دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه عن عمر رضي الله عنه مستدلا بالآيات التي بعدها فوجب الجمع بينهما كيلا تتناقض الاية والاخبار وتتعارض وفي ايجاب الخمس فيه جمع بينهما وتوقيف فان خمسه لمن سمي في الاية وسائره يصرف إلى ما ذكر في الآيتين الآخيرتين والاخبار وقد روى البراء بن عازب قال لقيت خالي ومعه الراية فقلت إلى اين؟ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل عرس بامرأة ابيه ان أضرب عنقه وأخمس ماله والرواية الاولى هي المشهورة قال القاضي لم أجد بما قال الخرقي من ان الفيئ مخموس نصا فاحكيه وانما نص على أنه غير

[ 550 ]

مخموس وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر لانحفظ عن أحد قبل الشافعي في ان في الفيئ خمسا كخمس الغنيمة والدليل على ذلك قوله تعالى (وما افاء الله على رسوله منهم فما اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) الايات إلى قوله (والذين جاءوا من بعدهم) فجعله كله لهم ولم يذكر خمسا ولما قرأ عمر هذه الاية قال هذه استوعبت جميع المسلمين (فصل) فان قلنا إنه يخمس صرف خمسه إلى أهل الخمس في الغنيمة عند من يرى تخميس الفيئ من أصحابنا وأصحاب الشافعي وحكمهما واحد لااختلاف بينهم في هذا لانه في معنى خمس الغنيمة ثم يصرف الباقي في مصالح المسلمين على ما ذكرنا ويبدأ بالاهم فالاهم من سد الثغور وارزاق الجند ونحو ذلك. (مسألة) (فان فضل منه فضلة قسمه بين المسلمين ويبدأ بالمهاجرين ويقدم الاقرب فالاقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم). ينبغي ان يبدأ في القسمة بالمهاجرين ويقدم الاقرب فالاقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما روى أبو هريرة قال قدمت على عمر رضي الله عنه ثمانمائة ألف درهم فلما أصبح أرسل إلي نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم قد جاء الناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الاسلام أشيروا علي بمن أبدأ؟ قالوا بك يا أمير المؤمنين إنك ولي ذلك قال لا ولكن ابدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم الاقرب فالاقرب

[ 551 ]

فوضع الديوان على ذلك وينبغي للامام أن يضع ديوانا يكتب فيه اسماء المقاتلة وقدر ارزاقهم ويجعل لكل طائفة عريفا يقوم بأمرهم ويجمعهم وقت العطاء ووقت الغزو لانه يروى ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل عام خيبر على كل عشرة عريفا ويجعل العطاء في كل عام مرة أو مرتين ولا يجعل في أقل من ذلك لئلا يشغلهم عن الغزو ويبدأ ببني هاشم لانهم أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكرنا من خبر عمر ثم ببني المطلب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما بنوا هاشم وبنوا المطلب شئ واحد) وشبك بين أصابعه ثم ببني عبد شمس لانه أخو هاشم لابيه وأمه ثم بني نوفل لانه اخو هاشم لابيه ثم يعطي بني عبد الدار وعبد العزى ويقدم عبد العزى لان فيهم اصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فان خديجة منهم وعلى هذا يعطى الاقرب فالاقرب حتى تنقضي قريش وهم بنو النضر بن كنانة وقيل بنو فهر بن مالك (مسألة) (ثم الانصار ثم سائر المسلمين وهل يفاضل بينهم؟ على روايتين). يقدم الانصار بعد قريش لفضلهم وسابقتهم وآثارهم الجميلة ثم سائر العرب ثم العجم والموالي فان استوى اثنان في الدرجة قدم أسنهما ثم أقدمهما هجرة وسابقة ويخص في كل ذا الحاجة. (فصل) واختلف الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في قسم الفئ بين أهله فذهب ابو بكر رضي الله عنه إلى التسوية بينهم وهو المشهور عن علي رضي الله عنه فروي ان أبا بكر سوى بين الناس في العطاء وأدخل فيه العبيد فقال له عمر يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتجعل الذين جاهدوا في سبيل

[ 552 ]

الله بأموالهم وانفسهم وهجروا ديارهم له كمن انما دخلوا في الاسلام كرها؟ فقال ابو بكر إنما عملوا لله وانما أجورهم على الله وانما الدنيا بلاغ فلما ولي عمر رضي الله عنه فاضل بينهم وأخرج العبيد فلما ولي علي رضي الله عنه سوى بينهم واخرج العبيد وذكر عن عثمان رضي الله عنه انه فضل بينهم في القسمة فعلى هذا مذهب اثنين منهم أبي بكر وعلي التسوية ومذهب اثنين عمر وعثمان التفضيل وقد روى عن احمد رحمه الله فروي عنه الحسن بن (علي) بن الحسن انه قال للامام أن يفضل قوما على قوم لان عمر قسم بينهم على السوابق وقال لا أجعل من قاتل على الاسلام كمن قوتل عليه، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قسم النفل بين أهله متفاضلا على قدر غنائهم وهذا في معناه وروي عنه انه لا يجوز التفضيل قال ابو بكر اختار أبو عبد الله ان لا يفضلوا وهو قول الشافعي لما ذكرنا من فعل ابي بكر رضي الله عنه قال الشافعي إني رأيت انه قسم المواريث على العدد يكون الاخوة متفاضلين في الغناء عن الميت والصلة في الحياة والحفظ بعد الموت فلا يفضلون وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعة أخماس الغنيمة على العدد ومنهم من يغني غاية الغناء ويكون الفتح على يديه ومنهم من يكون محضره إما غير نافع وإما ضرر ابا لجبن والهزيمة وذلك انهم استووا في سبب الاستحقاق وهو انتصابهم للجهاد فصاروا كالغانمين، قال شيخنا والصحيح ان شاء الله ان ذلك مفوض إلى اجتهاد الامام يفعل ما يراه من تسوية وتفضيل لما ذكرنا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الانفال وهذا في معناه وقد روي عن عمر رضي الله عنه انه فرض للمهاجرين من اهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ولاهل بدر من الانصار اربعة آلاف أربعه آلاف وفرض لاهل الحديبية ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ولاهل الفتح الفين الفين. (فصل) قال القاضي ويتعرف قدر حاجة اهل العطاء وكفايتهم ويزيد ذا الولد من اجل ولده

[ 553 ]

وذا الفرس من اجل فرسه وان كان له عبيد في مصالح الحرب حسبت مؤنتهم في كفايتهم وإن كانوا لزينة أو تجارة لم تحسب مؤنتهم وينظر في اسعارهم في بلدانهم لان اسعار البلاد تختلف والغرض الكفاية ولهذا تعتبر الذرية والولد فيختلف عطاؤهم لاختلاف ذلك وان كانوا سواء في الكفاية لا يفضل بعضهم على بعض وإنما تتفاضل كفايتهم ويعطون قدر كفايتهم في كل عام مرة وهذا والله أعلم على قول من رأى التسوية، فأما من رأى التفضيل فانه يفضل أهل السوابق والغناء في الاسلام على غيرهم بحسب ما يراه كما فعل عمر رضي الله عنه ولم يقدر ذلك بالكفاية والعطاء الواجب لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال ويكون عاقلا حرا بصيرا صحيحا ليس به مرض يمنعه القتال فان مرض الصحيح مرضا غير مرجو الزوال كالزمانة ونحوها خرج من المقاتلة وسقط سهمه فان كان مرضا مرجو الزوال كالحمى والصداع والبرسام لم يسقط عطاؤه لانه في حكم الصحيح ولذلك لا يستنيب في الحج كالصحيح. (مسألة) (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دفع إلى ورثته حقه لانه مات بعد الاستحقاق فانتقل حقه إلى وارثه كسائر الموروثات) (مسألة) (ومن مات من اجناد المسلمين دفع إلى امرأته وأولاده الصغار ما يكفيهم) لان فيه تطييب قلوب المجاهدين فمتى علموا ان عيالهم يكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على

[ 554 ]

الجهاد وإذا علموا خلاف ذلك توفروا على الكسب وآثروه على الجهاد مخافة الضيعة على عيالهم ولهذا قال ابو خالد الهناي: لقد زاد الحياة الي حبا بناتي انهن من الضعاف مخافة أن يرين الفقر بعدي وأن يشربن رنقا بعد صافي وأن يعرين ان كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف ولولا ذاك قد سومت مهري وفي الرحمن للضعفاء كافي ومتى تزوجت المرأة سقط حقها لانها خرجت عن عيال الميت (مسألة) (فإذا بلغ ذكورهم فاختاروا ان يكونوا في المقاتلة فرض لهم وان لم يختاروا تركوا سقط حقهم من عطاء المقاتلة

[ 555 ]

(باب الامان) يصح أمان المسلم المكلف ذكرا كان أو انثى حرا أو عبدا مطلقا أو أسيرا، وفي امان الصبي المميز روايتان) وجملة ذلك ان الامان إذا أعطي اهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم، ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار ذكرا كان أو انثى حرا أو عبدا وبهذا قال الثوري والشافعي والاوزاعي واسحاق وابن القاسم وأكثر اهل العلم وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه. وقال ابو حنيفة وأبو يوسف: لا يصح امان العبد الا ان يكون مأذونا له في القتال لانه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح امانه كالصبي ولانه مجلوب من دار الحرب فلا يؤمن ان ينظر لهم في تقديم مصلحتهم ولنا ما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منهم صرف ولا عدل) رواه البخاري والعبد إما أن يكون أدناهم فيصح امانه بالحديث أو يكون غيره أدنى منه فيصح امانه بطريق التنبيه. وروى فضيل بن يزيد الرقاشي قال جهز عمر بن الخطاب جيشا فكنت فيهم فحضرنا موضعا فرأينا انا نستفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح وبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه فكتب لهم الامان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم، رواه سعيد ولانه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر والمرأة، وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا أذن له في القتال فانه يصح أمانه وبالمرأة.

[ 556 ]

(فصل) ويصح أمان المرأة في قول الجميع. قالت عائشة رضي الله عنها ان كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز وعن ام هانئ انها قالت يارسول الله قد أجرت احمائي وأغلقت عليهم وان ابن أمي أراد قتلهم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ انما يجير على المسلمين أدناهم) رواهما سعيد. وأجارت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصل) ويصح امان الاسير إذا عقده غير مكره لدخوله في عموم الخبر، ولانه مسلم مكلف مختار أشبه غير الاسير، وكذلك يصح امان الاجير والتاجر في دار الحرب وبهذا قال الشافعي، وقال الثوري لا يصح أمان احد منهم ولنا عموم الحديث والقياس. فأما الصيي المميز ففيه روايتان (إحداهما) لا يصح امانه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانه غير مكلف ولا يلزمه بقوله حكم فلا يلزم غيره كالمجنون (والثانية) يصح امانه وهو قول مالك. قال أبو بكر يصح امانه رواية واحدة وحمل رواية المنع على غير المكلف واحتج بعموم الحديث ولانه مسلم عاقل فصح امانه كالبالغ بخلاف المجنون فانه لا قول له أصلا (فصل) ولا يصح امان كافر وان كان ذميا لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، ولانه تهم على الاسلام وأهله فأشبه الحربي ولا يصح امان مجنون ولا طفل لان كلامه غير معتبر فلا يثبت به حكم. ولا يصح امان زائل العقل بنوم أو سكر أو إغماء لذلك ولانه لايعرف المصلحة من غيرها أشبه المجنون. ولا يصح من مكره لانه قول اكره عليه بغير حق فلم يصح كالاقرار (مسألة) (ويصح أمان الامام لجميع الكفار وآحادهم)

[ 557 ]

لان ولايته عامة على المسلمين. ويصح امان الامير لمن جعل باذائه من الكفار فأما في حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين لان ولايته على قتال اولئك دون غيرهم، ويصح امان احد الرعية للواحد والعشرة والقافلة الصغيرة والحصن الصغير لان عمر رضي الله عنه اجاز أمان العبد لاهل الحصن الذي ذكرنا حديثه ولا يصح امانه لاهل بلدة ورستاق وجمع كثير لان ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الامام. ويصح امان الامام للاسير بعد الاستيلاء عليه لان عمر رضي الله عنه أمن الهرمزان وهو أسير. رواه سعيد. ولان الامان دون المن عليه وقد جاز المن عليه. فأما احد الرعية فليس له ذلك وهذا مذهب الشافعي وذكر ابو الخطاب انه يصح امانه لان زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم اجارت زوجها أبا العاص بعد اسره فأمضاه النبي صلى الله عليه وسلم وحكي عن الاوزاعي ولنا ان امر الاسير مفوض إلى الامام فلم يجز الافتيات عليه بما يمنعه ذلك كقتله. وحديث زينب رضي الله عنها في امانها انما صح باجازة النبي صلى الله عليه وسلم (فصل) وإذا شهد للاسير اثنان أو اكثر من المسلمين انهم امنوه قبل إذا كانوا بصفة الشهود وقال الشافعي لاتقبل شهادتهم لانهم يشهدون على فعل أنفسهم ولنا أنهم عدول من المسلمين غير متهمين شهدوا بامانه فوجب ان يقبل كما لو شهدوا على غيرهم أنه امنه وما ذكره لا يصح لان النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة المرضعة على فعلها في حديث عقبة بن الحارث فان شهد واحد: اني أمنته فقال القاضي قياس قول أحمد أنه يقبل كما لو قال الحاكم بعد عزله كنت حكمت لفلان على فلان بحق فانه يقبل قوله وعلى قول أبي الخطاب يصح امانه فقبل خبره لانه كالحاكم

[ 558 ]

في حال ولايته وهو قول الاوزاعي ويحتمل ان لا يقبل لانه ليس له ان يؤمنه في الحال فلم يقبل اقراره به كما لو أقر بحق على غيره وهذا قول الشافعي (مسألة) (ومن قال لكافر أنت آمن أو لا بأس عليك أو اجرتك أوقف أو الق سلاحك أو مترس نفذ أمنه) قد ذكرنا من يصح امانه وقد ذكرنا ههنا صفة الامان والذي ورد به الشرع لفظتان اجرتك وامنتك قال الله تعالى (وان أحد من المشركين استجارك فاجره) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (قد اجرنا من اجرت وامنا من امنت - وقال - من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وفي معنى ذلك قوله (لا تخف لا تذهل لا تخش لاخوف عليك لا بأس عليك) وقد روي عن عمر أنه قال إذا قلتم لا بأس أو لا تذهل أو مترس فقد امنتموهم فان الله تعالى يعلم الالسنة وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال للهرمزان تكلم ولا بأس عليك فلما تكلم أمر عمر بقتله فقال أنس بن مالك ليس لك إلى ذلك سبيل قد امنته قال عمر كلا قال الزبير إنك قد قلت تكلم ولا بأس عليك فدرأ عنه عمر القتل رواه سعيد وغيره ولا نعلم في هذا كله خلافا وأما ان قال له قف أو قم أو الق سلاحك فقال أصحابنا هو امان ايضا لان الكافر يعتقد هذا امانا فاشبه قوله امنتك وقال الاوزاعي ان ادعى الكافر أنه امان وقال

[ 559 ]

إنما وقفت لذلك فهو آمن وان لم يدع ذلك فلا يقبل قال شيخنا ويحتمل ان هذا ليس بامان لان لفظه لايشعر به وهو يستعمل للارهاب والتخويف فاشبه قوله لاقتلنك لكن يرجع إلى القائل فان قال نويت به الامان فهو امان وان قال لم أرد امانه نظرنا في الكافر فان قال اعتقدته أمانا رد إلى مأمنه ولم يجز قتله وان لم يعتقده امانا فليس بامان كما لو أشار إليهم بما اعتقدوه امانا (فصل) فان أشار إليهم بما اعتقدوه امانا وقال أردت به الامان فهو امان، وان قال لم أرد به الامان فالقول قوله لانه أعلم بنيته فان خرج الكفار من حصنهم بناء على ان هذه الاشارة امان لم يجز قتلهم ويردون إلى مأمنهم فقد قال عمر رضي الله عنه والله لو ان أحدكم أشار باصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل بامانه فقتله لقتلته به رواه سعيد وان مات المسلم أو غاب فانهم يردون إلى مأمنهم وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر فان قيل فكيف صححتم الامان بالاشارة مع القدرة على النطق بخلاف البيع والطلاق والعتق؟ قلنا تغليبا لحقن الدم كما حقن دم من له شبهة كتاب تغليبا لحقن دمه ولان الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين ولا يفهم المسلمون كلامهم فدعت الحاجة إلى الاشار بخلاف غيره ومن قال لكافر انت آمن فرد الامان لم ينعقد لانه ايجاب حق بقد (بعقد) فلم يصح مع الرد كالبيع وان قبله ثم رده انتقض لانه حق له فسقط باسقاطه كالرق (فصل) إذا سبيت كافرة وجاء ابنها يطلبها وقال ان عندي اسيرا مسلما فاطلقوها حتى احضره فقال الامام أحضره فاحضره لزم اطلاقها لان المفهوم من هذا اجابته إلى ما سأل فان قال الامام لم

[ 560 ]

أراد اجابته لم يجبر على ترك اسيره ورد إلى مأمنه وقال أصحاب الشافعي يطلق الاسير ولا تطلق المشركة لان المسلم حر لا يجوز ان يكون ثمن مملوكة ويقال ان اخترت شراءها فائت بثمنها ولنا ان هذا يفهم منه الشرط فوجب الوفاء به كما لو صرح به ولان الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه فاشبه ما لو فهم الامان من الاشارة وقولهم لا يكون الحر ثمن مملوكة قلنا لكن يصلح ان يفادى بها فقد فادى النبي صلى الله عليه وسلم بالاسيرة التي أخذها من سلمة بن الاكوع برجلين من المسلمين وفادى برجلين من المسلمين باسير من الكفار ووفى لهم برد من جاء مسلما وقال (انه لا يصلح في ديننا الغدر) وان كان رد المسلم إليهم ليس بحق لهم، ولانه التزم اطلاقها فلزمه ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون على شروطهم - وقوله - انه لا يصلح في ديننا الغدر) (مسألة) (ومن جاء بمشرك فادعى أنه أمنه فانكره فالقول قوله وعنه القول قول الاسير وعنه قول من يدل الحال على صدقه) إذا جاء المسلم بمشرك فادعى المشرك انه امنه وادعى المسلم اسره ففيه ثلاث روايات (إحداهن) القول قول المسلم لان الاصل اباحة دم الكافر وعدم الامان (والثانية) القول قول الاسير لان صدقه محتمل فيكون ذلك شبهة تمنع قتله وهذا اختيار أبي بكر (والثالثة) يرجع إلى قول من يدل ظاهر الحال على صدقه فان كان الكافر ذا قوة معه سلاحه فالظاهر صدقه وان كان ضعيفا مسلوب السلاح فالظاهر كذبه فلا يلتفت إلى قوله وقال أصحاب

[ 561 ]

الشافعي لا يقبل قوله وان صدقه المسلم لانه لا يقدر على امانه فلم يقبل اقراره به ولنا أنه كافر لم يثبت اسره ولا نازعه فيه منازع فقبل قوله في الامان كالرسول (فصل) ومن طلب الامان ليسمع كلام الله تعالى ويعرف شرائع الاسلام لزمه اجابتهم ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم فيه خلافا وبه قال قتادة ومكحول والاوزاعي والشافعي وكتب بذلك عمر بن عبد العزيز إلى الناس لقول الله تعالى (وان أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه) قال الاوزاعي هي إلى يوم القيامة (مسألة) (ومن أعطي امانا ليفتح حصنا ففتحه واشتبه علينا حرم قتلهم واسترقاقهم). إذا حصر المسلمون حصنا فناداهم رجل أمنوني أفتح لكم الحصن جاز أن يعطوه امانا فان زياد بن لبيد لما حصر النحير قال الاشعث بن قيس اعطوني الامان لعشرة افتح لكم الحصن ففعلوا فان أشكل عليهم وادعى كل واحد من الحصن انه الذي أمنوه لم يجز قتل واحد منهم، لان كل واحد منهم يحتمل صدقه وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لاضرورة إليه فحرم الكل كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة وأخته باجنبيات أو زان محصن بمعصومين، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا ويحرم استرقاقهم ايضا في أحد الوجهين وذكر القاضي ان احمد نص عليه وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا في تحريم

[ 562 ]

القتل فان استرقاق من لا يحل استرقاقه محرم (والوجه الثاني) يقرع فيخرج صاحب الامان بالقرعة ويسترق الباقون، قاله أبو بكر لان الحق لواحد منهم غير معلوم فأخرج بالقرعة كما لو أعتق عبدا من عبيده واشكل ويخالف القتل فانه إراقة دم يندرئ بالشبهات بخلاف الرق، ولهذا يمتنع القتل في النساء والصبيان دون الاسترقاق، وقال الاوزاعي إذا أسلم واحد من أهل الحصن قبل فتحه أشرف علينا ثم أشكل فادعى كل واحد منهم انه الذي أسلم سعى كل واحد منهم في قيمة نفسه ويترك له عشر قيمته وقياس المذهب أن فيها وجهين كالتي قبلها. (فصل) قال احمد إذا قال الرجل كف عني حتى أدلك على كذا فبعث معه قوما ليدلهم فامتنع من الدلالة فلهم ضرب عنقه لان أمانه بشرط ولم يوجد. قال أحمد إذا لقي علجا وطلب منه الامان فلا يؤمنه لانه يخاف شره وان كانوا سرية فلهم أمانه يعني أن السرية لا يخافون من غدر العلج بخلاف الواحد وان لقيت السرية اعلاجا فادعوا انهم جاءوا مستأمنين فان كان معهم سلاح لم يقبل منهم لان حملهم السلاح يدل على محاربتهم وان لم يكن معهم سلاح قبل قوله لانه دليل على صدقهم. (مسألة) (ويجوز عقد الامان للرسول والمستأمن ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية وعند أبي الخطاب لا يقيمون سنة إلا بجزية).

[ 563 ]

يجوز عقد الامان للرسول والمستأمن، لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمن رسل المشركين ولما جاءه رسولا مسليمة (مسيلمة) قال لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتكما ولان الحاجة تدعو إلى ذلك لاننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة ويجوز عقد الامان لكل واحد منهما مطلقا ومقيدا بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة فانها لا تجوز إلا مقيدة لان في جوازها مطلقة ترك للجهاد وهذا بخلافه ويجوز أن يقيموا مدة الهدنة بغير جزية، ذكره القاضي، قال أبو بكر هذا ظاهر كلام أحمد. وقال أبو الخطاب عندي أنه لا يجوز أن يقيم سنة بغير جزية وهو قول الاوزاعي والشافعي لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ووجه الاول انه كافر أبيح له الاقامة في دار الاسلام من غير التزام جزية فلم يلزمه كالنساء والصبيان ولان الرسول لو كان مما لا يجوز أخذ الجزية منه لاستوى في حقه السنة وما دونها في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين فإذا جازت له الاقامة في احداهما جازت في الاخرى قياسا لها عليها وقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون) أي يلتزمونها ولم يرد حقيقة الاعطاء وهذا مخصوص منها بالاتفاق فانه تجوز له الاقامة من غير التزام لها ولان الاية تخصصت بما دون الحول فنقيس على المحل المخصوص.

[ 564 ]

(مسألة) (ومن دخل دار الاسلام بغير أمان وادعى أنه رسول أو تاجر معه متاع يبيعه قبل منه). إذا دخل حربي دار الاسلام بغير أمان وادعى أنه رسول قبل منه ولم يجز التعرض له لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرسولي مسيلمة (لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتكما) ولان العادة جارية بذلك وان ادعى أنه تاجر وقد جرت العادة بدخول تجارهم الينا لم يعرض له إذا كان معه ما يبيعه لانهم دخلوا يعتقدون الامان أشبه مالو دخلوا باشارة مسلم. قال أحمد إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو ويريدون بلاد الاسلام لم يعرضوا لهم ولم يقاتلوهم وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع ولم يسأل عن شئ وإن لم يكن معه تجارة فقال جئت مستأمنا لم يقبل منه وكان الامام فيه مخيرا ونحو هذا قول الاوزاعي والشافعي وكذلك ان كان جاسوسا لانه حربي أخذ بغير أمان فأشبه المأخوذ في حال الحرب وان كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين لانه أخذ بغير قتال في دار الاسلام فكان لآخذه كالصيد والحشيش والاخرى يكون فيئا للمسلمين لانه أخذ بغير قتال أشبه مالو أخذ في دار الحرب، وقد روي عن أحمد رحمه الله انه سئل عن الدابة تخرج من بلد الروم أو تنفلت فتدخل القرية وعن القوم يضلون عن الطريق فيدخلون القرية من

[ 565 ]

قرى المسلمين فيأخذونهم فقال يكون لاهل القرية كلهم وسئل عن مركب بعث به ملك الروم وفيه رجاله فطرحته الريح إلى طرسوس فخرج إليه أهل طرسوس فقتلوا الرجالة وأخذوا الاموال فقال هذا فيئ للمسلمين مما أفاء الله عليهم، وقال الزهري هو غنيمة وفيه الخمس. (فصل) ومن دخل دار الحرب رسولا أو تاجرا بامانهم فخيانتهم محرمة عليه لانهم انما اعطوه الامان مشروطا بترك خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وان لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ فهو معلوم في المعنى وكذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا فهو ناقض لامانه ولان خيانتهم غدر ولا يصلح في ديننا الغدر فان خانهم أو سرق منهم أو أقترض شيئا وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه فان جاء أربابه إلى دار الاسلام بأمان أو ايمان رده إليهم والا بعث به إليهم لانه أخذه على وجه يحرم عليه أخذه فلزمه رده كما لو أخذه من مال مسلم. (مسألة) (وإذا أودع المستأمن ماله مسلما أو أقرضه إياه ثم عاد إلى دار الحرب بقي الامان في ماله يبعث إليه ان طلبه) وجملة ذك (ذلك) ان من دخل من أهل الحرب إلى دار الاسلام بأمان فأودع ماله مسلما أو ذميا أو أقرضهما إياه ثم عاد إلى دار الحرب لحاجة يقضيها أو رسولا ثم يعود إلى دار الاسلام فهو على أمانه في نفسه وماله لانه لم يخرج بذلك عن نية الاقامة بدار الاسلام فأشبه الذمي إذا دخل لذلك، وان دخل مستوطنا

[ 566 ]

أو محاربا بطل الامان في نفسه وبقي في ماله لانه بدخوله دار الاسلام بأمان ثبت الامان لماله الذي معه تبعا فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله لاختصاص المبطل في نفسه فيختص البطلان به، فان قيل انما يثبت الامان لماله تبعا فإذا بطل في المتبوع بطل في التبع قلنا بل يثبت له الامان لمعنى وجد فيه وهو إدخاله معه وهذا يقتضي ثبوت الامان له وان لم يثبت في نفسه بدليل مالو بعثه مع مضارب له أو وكيل فانه يثبت له الامان وان لم يثبت في نفسه ولم يوجد فيه ههنا ما يقتضي نقض الامان فيه فبقي على ما كان عليه فان أخذه معه إلى دار الحرب انتقض الامان فيه كما انتقض في نفسه لوجود المبطل فيهما. إذا ثبت هذا فإذا طلبه صاحبه بعث إليه وان تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما صح تصرفه لانه ملكه وان مات في دار الحرب انتقل المال إلى وارثه ولم يبطل الامان فيه، وقال أبو حنيفة يبطل وهو قول الشافعي لانه قد صار لوارثه ولم يعقد فيه أمانا فوجب ان يبطل فيه كسائر أمواله ولنا ان الامان حق واجب لازم متعلق بالمال فإذا انتقل إلى الوارث انتقل بحقه كسائر الحقوق من الرهن والضمين والشفعة وهذا اختيار المزني ولانه مال له أمان فينقل إلى وارثه مع بقاء الامان فيه كالمال الذي مع مضاربه وان لم يكن له وارث صار فيئا لبيت المال كمال الذمي إذا مات وليس له وارث فان كان له وارث في دار الاسلام لم يرثه ذكره القاضي لاختلاف الدارين والاولى انه يرثه

[ 567 ]

لان ملتهما واحدة فورثه كالمسلمين فان مات المستأمن في دار الاسلام فهو كموته في دار الحرب سواء لان المستأمن حربي تجري عليه أحكامهم وان رجع إلى دار الحرب فسبي واسترق فقال القاضي يكون أمره موقوفا حتى يعلم آخر أمره فان مات كان فيئا لان الرقيق لا يورث وان عتق كان له وان لم يسترق ولكن من عليه الامام أو فاداه فماله له وان قتله فماله لورثته كما لو مات ان لم يسب لكن دخل دار الاسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه لان ثبوت الامان لماله لا يثبت الامان لنفسه كما لو كان ماله وديعة بدار الاسلام وهو مقيم بدار الحرب (فصل) وان أخذ المسلم من الحربى في دار الحرب مالا مضاربة أو وديعة ودخل به دار الاسلام فهو في أمان حكمه حكم ما ذكرنا وان اخذه ببيع في الذمة أو قرض فالثمن في ذمته عليه أداؤه إليه وان اقترض حربي من حربي مالا ثم دخل الينا فأسلم فعليه رد البدل لانه أخذه على سبيل المعاوضة فأشبه ما لو تزوج حربية ثم أسلم لزمه مهرها (فصل) وإذا سرق المستأمن في دار الاسلام أو قتل أو غصب ثم عاد إلى دار الحرب ثم خرج مستأمنا مرة ثانية استوفي منه ما لزمه في أمانه الاول كما لو لم يدخل دار الحرب وان اشترى عبدا مسلما فخرج به إلى دار الحرب ثم قدر عليه لم يغنم لانه لم يثبت ملكه عليه لكون الشراء باطلا

[ 568 ]

ويرد بائعه الثمن إلى الحرب لانه حصل في أمان فان كان العبد تالفا فعلى الحربي قيمته ويترادان الفضل (فصل) وإذا دخلت الحربية الينا بأمان فتزوجت ذميا في دارنا ثم أرادت الرجوع لم تمنع إذا رضي زوجها أو فارقها وقال أبو حنيفة تمنع ولنا انه عقد لا يلزم الرجل به المقام فلا يلزم المرأة كعقد الاجارة (مسألة) (وإذا أسر الكفار مسلما فأطلقوه بشرط ان يقيم عندهم مدة لزمه الوفاء لهم ولم يكن له ان يهرب) نص عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون عند شروطهم) وقال الشافعي لا يلزمه، وان أطلقوه وأمنوه صاروا في أمان منه لان أمانهم له يقتضي سلامتهم منه فان أمكنه المضي إلى دار الاسلام لزمه وان تعذر عليه أقام وكان حكمه حكم من اسلم في دار الحرب فان خرج فادركوه وتبعوه قاتلهم وبطل الامان لانهم طلبوا منه الامان وهو معصية (مسألة) (فان لم يشترطوا شيئا أو شرطوا كونه رقيقا فله ان يقتل ويسرق ويهرب) اما إذا اطلقوه ولم يؤمنوه فله ان يأخذ منهم ما قدر عليه ويسرق ويهرب لم يؤمنهم ولم يؤمنوه وكذلك ان شرطوا كونه رقيقا فرضي بذلك أولم يرض لان كونه رقيقا حكم شرعي لا يثبت عليه بقوله ولو ثبت لم يقتض امانا له منهم ولا لهم منه وهذا مذهب الشافعي وان احلفوه على ذلك وكان مكرها لم تنعقد يمينه وان كان مختارا انعقدت يمينه ويحتمل ان تلزمه الاقامة إذا قلنا يلزمه الرجوع إليهم على ما نذكره في المسألة التي بعدها وهو قول الليث

[ 569 ]

(مسألة) (وان أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالا وإن عجز عنه عاد إليهم لزمه الوفاء لهم إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم وقال الخرقي لا يرجع الرجل أيضا) وجملة ذلك ان الاسير إذا أطلقه الكفار وشرطوا عليه ان يبعث إليهم بفدائه أو يعود إليهم واحلفوه فان كان مكرها لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (عفي لامتي عن الخطا والنسيان وما استكرهو عليه، وان لم يكره وقدر على الفداء الذي شرط على نفسه لزمه اداؤه وبه قال الحسن وعطاء والزهري والنخعي والثوري والاوزاعي ونص الشافعي على أنه لا يلزمه لانه حر لا يستحقون بدله ولنا قول الله تعالى (وأوفو بعهد الله إذا عاهدتم) ولما صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية على رد من جاءه مسلما وفي لهم وقال (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) ولان في الوفاء مصلحة للاسارى وفي الغدر مفسدة في حقهم لانهم لا يأمنون بعده والحاجة داعية إليه فلزمه الوفاء كما يلزمه الوفاء بعقد الهدنة ولانه عاهدهم على اداء مال فلزمه الوفاء لهم كثمن المبيع والمشروط في عقد الهدنة في موضع يجوز شرطه فان عجز عن الفداء وكانت امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لها ذلك لقول الله تعالى (فلا ترجعونهن إلى الكفار) ولان في رجوعها تسليطا لهم على وطئها حراما وقد منع الله رسوله رد النساء إلى الكفار

[ 570 ]

بعد صلحه على ردهن في قضية الحديبية وفيها فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله ان يردوهن رواه أبو دواد وغيره وان كان المفادى رجلا فقيه روايتان (احداهما) لا يرجع اختاره الخرقي وهو قول الحسن والنخعي والثوري والشافعي لان الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة وكما لو شرط قتل مسلم أو شرب الخمر (والثانية) يلزمه وهو قول عثمان والزهري والاوزاعي لما ذكرنا في بعث الفداء ولان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا على رد من جاءه مسلما فرد أبا بصير وأبا جندل وقال (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) وفارق رد المرأة فان الله تعالى فرق بينهما في هذا الحكم حين صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا على رد من جاءه منهم مسلما فامضى الله سبحانه ذلك في الرجال ونسخه في النساء وسنذكر الفرق بينهما في هذا الباب الذي بعده انشاء الله تعالى (فصل) فان اشترى الاسير شيئا مختارا أو اقترضه فالعقد صحيح ويلزمه الوفاء لهم لانه عقد معاوضة فأشبه مالو فعله غير الاسير وان كان مكرها لم يصح وان اكرهوه على قبضه لم يضمنه ولكن عليه رده إليهم إن كان باقيا لانهم دفعوه إليه بحكم العقد وإن قبضه باختياره ضمنه لانه قبضه باختياره عن عقد فاسد وان باعه والعين قائمة لزمه ردها وان عدمت رد قيمتها (فصل) وإذا اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو فان كان باذنه لزمه ان يؤدي إلى الذي اشتراه ما أداه فيه بغير خلاف علمناه لانه إذا أذن فيه كان نائبه في شراء نفسه فكان الثمن على الآمر كالوكيل، وان كان بغير اذنه لزم الاسير الثمن أيضا وبه قال الحسن والزهري والنخعي

[ 571 ]

ومالك والاوزاعي، وقال الثوري والشافعي وابن المنذر لا يلزمه لانه تبرع بما لا يلزمه ولم يؤذن له فيه أشبه ما لو عمر داره ولنا ما روى سعيد بن عثمان بن مطر ثنا ابو جرير عن الشبعي (الشعبي) قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا العرب فكتب السائب بن الاكوع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم فكتب عمر: أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما قسم فلا سبيل إليه. وأيما حر اشتراه التجار فانه يرد إليهم رؤوس أموالهم فان الحر لا يباع ولا يشترى. فحكم للتجار برؤوس أموالهم، ولان الاسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه حقا امتنع من أدائه، فعلى هذا إذا اختلفا في قدر الثمن فالقول قول الاسير وهو قول الشافعي إذا أذن له، وقال الاوزاعي القول قول المشتري لانهما اختلفا في فعله وهو اعلم به ولنا ان الاسير منكر للزيادة والقول قول المنكر ولان الاصل براءة ذمته من الزيادة فيرجح قوله بالاصل (فصل) ويجب فداء أسير المسلمين إذا أمكن وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق. ويروى عن ابن الزبير انه سأل الحسن بن علي رضي الله عنهما على من فكاك الاسير؟ قال على الارض التي يقاتل عليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (اطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني)

[ 572 ]

وروى سعيد باسناده عن حبان بن أبي جبلة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ان على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم) وفادى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل، وفادى بالمرأة التي استوهب من سلمة بن الاكوع رجلين. ويجب فداء اسير أهل الذمة سواء كانوا في معونتنا أو لا هذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث لاننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم فلزمنا المدافعة من ورائهم والقيام دونهم فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لزمنا ذلك كمن يحرم عليه إتلاف شئ فإذا اتلفه ضمن غرمه وقال القاضي انما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الامام في قتالهم فسبوا وجب عليه ذلك لان اسرهم كان لمعنى من جهته وهو المنصوص عن احمد، ومتى وجب فداؤهم فانه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم لان حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد وهو معرض لفتنته عن دينه الحق بخلاف اهل الذمة

[ 573 ]

(باب الهدنة) ومعناها أن يعقد الامام أو نائبه عقدا على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض ويسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة وهي جائزة لقوله تعالى (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) وقوله تعالى (فان جنحوا للسلم فاجنح لها) وروى مروان والمسور بن مخرمة ان النبي صلى الله عليه وسلم صالح سهيل بن عمرو على وضع القتال عشر سنين، ولانه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، وانما تجوز للنظر للمسلمين إما لضعفهم عن القتال أو للطمع في إسلامهم بهدنتهم أو في أدائهم الجزية أو غير ذلك من المصالح، وتجوز على غير مال لان النبي صلى الله عليه وسلم صالح يوم الحديبية على غير مال، وتجوز على مال يأخذه منهم فانها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى، فاما إن صالحهم على ما يبذله لهم فقد أطلق احمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لان فيه صغارا للمسلمين قال شيخنا وهذا محمول على غير حال الضرورة مثل أن يخاف على المسلمين الهلاك والاسر فيحوز لانه يجوز للاسير فداء نفسه بالمال كذا هذا. ولان بذل المال وان كان صغارا فانه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والاسر وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم

[ 574 ]

وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن الزهري قال أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبينة بن حصن وهو مع ابي سفيان يعني يوم الاحزاب (أرأيت ان جعلت لك ثلث ثمر الانصار أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الاحزاب؟) فأرسل إليه عبينة ان جعلت لي الشطر فعلت قال فحدثني ابن أبي نجيح ان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا يا رسول الله والله لقد كان يجر سرمه في الجاهلية في عام السنة حول المدينة ما يطيق أن يدخلها فالآن حين جاء الله بالاسلام نعطيهم ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (فنعم إذا) ولولا ان ذلك جائز لما بذله النبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (ولا يجوز عقد الهدنة إلا من الامام أو نائبه) لانه عقد مع جملة الكفار وليس ذلك لغيره ولانه يتعلق بنظر الامام وما يراد من المصلحة على ما قدمنا، ولان تجويزه لغير الامام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو إلى تلك الناحية وفيه افتيات على الامام، فان هادنهم غير الامام أو نائبه لم يصح، فان دخل بعضم دار الاسلام بهذا الصلح كان آمنا لانه دخل معتقدا للامان ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الاسلام لان الامان لم يصح، وإن عقد الامام الهدنة ثم مات أو عزل لم ينتقض عهده وعلى من بعده الوفاء به لان الامام عقده باجتهاده فلم يجز نقضه اجتهاد غيره كما لا يجوز للحاكم نقض احكام من قبله باجتهاده، وإذا عقد الهدنة لزمه الوفاء بها لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقال تعالى (فأتموا إليهم عهدهم إلى

[ 575 ]

مدتهم) ولانه إذا لم يف بها لم يسكن إلى عهده وقد يحتاج إلى عقدها (فصل) فان نقضوا العهد بقتال أو مظاهرة أو قتل مسلم أو اخذ مال انتقض عهدهم لان الهدنة تقتضي الكف فانتقضت بتركه ولا يحتاج في نقضها إلى حكم الامام لانه انما يحتاج إلى حكمه في امر محتمل وفعلهم لا يحتمل غير نقض العهد وإذا انتقض جاز قتالهم لقول الله تعالى (وان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) الآيتين. وقال تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) ولما نقضت قريش عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إليهم وقاتلهم وفتح مكة، وان نقض بعضهم دون بعض فسكت باقيهم عن الناقض ولم يوجد منهم إنكار ولا مراسلة الامام ولا تبرؤ فالكل ناقضون لان النبي صلى الله عليه وسلم لما هادن قريشا دخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم وبنو بكر في حلف قريش فعدت بنو بكر على خزاعة وأعانهم بعض قريش وسكت الباقون فكان ذلك نقص عهدهم وسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم ولان سكوتهم يدل على رضاهم كما ان عقد الهدنة مع بعضهم يدخل فيه جميعهم لدلالة سكوتهم على رضاهم كذلك في النقض، فان انكر من لم ينقض على الباقين بقول أو فعل ظاهر أو اعتزال أو راسل الامام بأني منكر لما فعله الناقض مقيم على العهد لم ينتقض في حقه ويامره الامام بالتمييز ليأخذ الناقض وحده فان امتنع من التميز أو إسلام الناقض صار ناقضا لانه منع من اخذ الناقض فصار بمنزلته، وان

[ 576 ]

لم يمكنه التميز لم ينتقض عهده لانه كالاسير. فان أسر الامام منهم قوما فادعى الاسير انه لم ينقض وأشكل ذلك عليه قبل قول الاسير لانه لا يتوصل إلى ذلك الا من قبله (مسألة) (فمتى رأى المصلحة جاز له عقدها مدة معلومة وان طالت وعنه لا يجوز في زيادة على العشر فان زاد على عشر بطل في الزيادة وفي العشر وجهان) إذا رأى الامام المصلحة في عقد الهدنة جاز عقدها لما ذكرنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشا ولا يجوز عقدها إذا لم يرى المصلحة فيه لانه يتصرف لهم على وجه النظر اشبه ولي اليتيم ولايجوز عقدها الا على مدة معلومة لان مهادنتهم مطلقا تفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية لكونها تقتضي التأييد فلم يجز ذلك وتجوز على المدة القصيرة والطويلة على حسب ما يراه الامام من المصلحة في إحدى الروايتين وبهذا قال أبو حنيفة لانه عقد يجوز في العشر فجاز في الزيادة عليها كعقد الاجارة (والرواية الثانية) لا يجوز على أكثر من عشر سنين قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد واختاره أبو بكر وهو مذهب الشافعي لان قوله تعالى (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبي صلى الله عليه وسلم قريشا يوم الحديبية عشرا فما زاد يبقى على مقتضى العموم فعلى هذا ان زاد على العشر يبطل في الزيادة وهل يبطل في العشر؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة وكذلك ان هادنهم أكثر من قدر الحاجة

[ 577 ]

(مسألة) (وان هادنهم مطلقا لم يصح) لان ذلك يقتضي التأبيد فيفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وذلك لا يجوز (مسألة) (وان شرط فيها شرطا فاسدا كنقضها متى شاء أو رد النساء إليهم أو صداقهن أو سلاحهم أو ادخالهم الحرم لم يصح الشرط وفي العقد وجهان) الشروط في عقد الهدنة تنقسم قسمين صحيح وفاسد فالفاسد مثل ان يشترط نقضها لمن شاء منهما فلا يصح ذلك لانه يفضي إلى ضد المقصود منها وان قال هادنتكم ما شئتم لم يصح لانه جعل الكفار متحكمين على المسلمين، وان قال ما شئنا أو شاء فلان أو شرط ذلك لنفسه دونهم لم يجز أيضا ذكره أبو بكر لانه ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح وقال القاضي يصح وهذا قول الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل خيبر على ان يقرهم ما اقرهم الله تعالى ولنا انه عقد لازم فلم يجز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمة ولم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل خيبر هدنة فانه فتحها عنوة وانما ساقاهم وقال لهم ذلك وانما يدل ذلك على جواز المساقاة وليس هو بهدنة اتفاقا، وقد واقفوا الجماعه في انه لو شرط في عقد الهدنة اني اقركم ما أقركم الله لم يصح فكيف يصح منهم الاحتجاج به مع الاجماع على انه لا يجوز اشتراط؟ وكذلك ان شرط رد النساء المسلمات إليهم

[ 578 ]

أو مهورهن أو رد سلاحهم أو إعطائهم شيئا من سلاحنا أو من آلة الحرب أو يشرط لهم مالا في موضع لا يجوز بذله أو يشترط رد الصبيان أو رد الرجال مع عدم الحاجة إليه فهذه كلها شروط فاسدة وكذلك ان شرط ادخالهم الحرم لقول الله تعالى (إنما المشركون نجس فلا يقربو المسجد الحرام بعد عامهم هذا) ولا يجوز الوفاء بشئ من هذه الشروط وإنما لم يصح شرط رد النساء المسلمات لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنونهن الله أعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله منع الصلح في النساء) وتفارق المرأة الرجل من ثلاثة أوجه (أحدها) أنها لا تأمن ان تزوج كافرا يستحلها أو يكرهها من ينالها واليه أشار الله سبحانه بقوله (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) (الثاني) أنها ربما فتنت عن دينها لانها أضعف قلبا وأقل معرفة من الرجل (الثالث) ان المرأة لا يمكنها الهرب عادة بخلاف الرجل ولا يجوز رد الصبيان العقلاء إذا جاءوا مسلمين لانهم بمنزلة المرأة في ضعف العقل والمعرفة والعجز عن التخلص والهرب، فاما الطفل الذي لا يصح اسلامه فيجوز شرط رده لانه ليس بمسلم وهل يفسد العقد بالشروط الفاسدة؟ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع إلا فيما إذا شرط ان لكل واحد منهما نقضها متى شاء فينبغي ان لا يصح العقد وجها واحدا لان طائفة الكفار يبنون على هذا الشرط فلا يحصل الامن منهم ولا أمنهم

[ 579 ]

منا فيفوت معنى الهدنة ومتى وقع العقد باطلا فدخل بعض الكفار دار الاسلام معتقدا للامان كان آمنا لانه دخل بناء على العقد ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الاسلام لان الامان لم يصح (فصل) وإذا عقد الهدنة من غير شرط فجاءنا منهم إنسان مسلما أو بأمان لم يجب رده إليهم ولم يجز ذلك سواء كان حرا أو عبدا أو رجلا أو امرأة ولا يجب رد مهر المرأة، وقال أصحاب الشافعي ان خرج العبد الينا لم يصر حرا لانهم في امان منا والهدنة تمنع من جواز القهر وقال الشافعي في قول له: إذا جاءت امرأة مسلمة وجب رد مهرها لقول الله تعالى (وآتوهم ما انفقوا) يعني رد المهر إلى زوجها إذا جاء يطلبها وان جاء غيره لم يرد إليه شئ ولنا أنه من غير أهل دار الاسلام خرج الينا فلم يجب رده ولا رد شئ عنه كالحر من الرجال وكالعبد إذا خرج ثم اسلم، قولهم إنهم في امان منا. قلنا انما امناهم ممن هو في دار الاسلام الذين هم في قبضة الامام فاما من هو في دارهم ومن ليس في قبضته فلا يمنع منه بدليل ما لو خرج العبد قبل اسلامه ولهذا لما قتل ابو بصير الرجل الذي جاء ليرده لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يضمنه ولما انفرد هو وابو جندل واصحابهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فقطعوا الطريق عليهم وقتلوا من قتلوا منهم وأخذوا المال لم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم برد ما أخذوه ولا غرامة ما أتلفوه وهذا الذي أسلم كان في دارهم وقبضتهم وقهرهم على نفسه فصار حرا كما لو أسلم بعد خروجه وأما المرأه فلا يجب رد مهرها لانها لم تأخذ منهم شيئا ولو أخذته كانت قد قهرتهم عليه في

[ 580 ]

دار القهر، ولو وجب عليها عوضه لوجب مهر المثل دون المسمى، وأما الآية فقد قال قتادة نسخ رد المهر، وقال عطاء والزهري والثوري لا يعمل بها اليوم، وعلى ان الآية إنما نزلت في قضية الحديبية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط رد من جاءه مسلما، فلما منع الله رد النساء وجب رد مهورهن، وكلامنا فيما إذا وقع الصلح من غير شرط فليس هو في معنى ما تناوله الامر، وان وقع الكلام فيما إذا شرط رد النساء لم يصح أيضا لان الشرط الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم شرطه كان صحيحا وقد نسخ فإذا شرط الآن كان باطلا ولا يجوز قياسه على الصحيح والالحاق به. (مسألة) (وإن شرط رد من جاء من الرجال مسلما جاز ولا يمنعهم أخذه ولا يجبره على ذلك وله ان يأمرهم بقتالهم والفرار منهم). قد ذكر قسم الشروط الفاسدة والشروط الصحيحة مثل أن يشترط عليهم مالا أو معونة المسلمين عند حاجتهم إليهم أو يشترط رد من جاء من الرجال مسلما أو بأمان فهذا صحيح وقال اصحاب الشافعي لا يصح شرط رد المسلم إلا ان تكون له عشيرة تحميه وتمنعه ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم شرط ذلك في صلح الحديبية ووفى لهم به فرد أبا جندل وأبا بصير ولم يخص بالشرط ذا العشيرة ولان ذا العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه فهو كمن لا عشيرة له لكن إنما يجوز هذا الشرط عند شدة الحاجة إليه وتعين المصلحة فيه ومتى شرط لهم ذلك لزم الوفاء به بمعنى انهم إذا جاءوا في طلبه لم يمنعهم أخذه ولا يجبره عل المضي معهم، وله أن يأمره سرا بالهرب.

[ 581 ]

منهم ومقاتلتهم فان ابا بصير لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الكفار في طلبه قال له النبي صلى الله عليه وسلم (إنا لا يصلح في ديننا الغدر وقد علمت ما عاهدناهم عليه ولعل الله ان يجعل لك فرجا ومخرجا) فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم وأنجاني الله منهم فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلمه بل قال (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال) فلما سمع ذلك ابو بصير لحق بساحل البحر وانحاز إليه ابو جندل بن سهيل ومن معه من المستضعفين بمكة، فجعلوا لا تمر عير لقريش إلا عرضوا لها فأخذوها وقتلوا من معها، فارسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم ان يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحدا جاءه ففعل، فيجوز حينئذ لمن أسلم من الكفار ان يتحيزوا ناحية ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار ويأخذوا اموالهم ولا يدخلون في الصلح، فان ضمهم الامام إليه باذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتل الكفار وأخذ اموالهم، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه لما جاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هاربا من الكفار يرسف في قيوده قام إليه ابوه فلطمه وجعل يرده قال عمر فقمت إلى جانب أبي جندل وقلت انهم الكفار وانما دم احدهم دم كلب وجعلت ادني منه قائم السيف لعله ان يأخذه فيضرب به أباه قال فضن الرجل بأبيه، (فصل) وإذا طلبت امرأة أو صبية مسلمة الخروج من عند الكفار جاز لكل مسلم إخراجها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة وقفت ابنة حمزة على الطريق فلما مر بها علي قالت يا ابن عم إلى من تدعني فتناولها فدفعها إلى فاطمة حتى قدم بها المدينة.

[ 582 ]

(مسألة) (وعلى الامام حماية من هادنه من المسلمين دون غيرهم وان سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم). وذلك أن الامام إذا عقد الهدنة لقوم فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة، لانه أمنه ممن هو في قبضته وتحت يده كما أمن من في قبضته منهم، ومن أتلف من المسلمين أو من أهل الذمة عليهم شيئا فعليه ضمانه ولا يلزمه حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض، لان الهدنة التزام الكف عنهم فقط، فان أغار عليهم قوم آخرون فسبوهم لم يلزمه استنقاذهم وليس للمسلمين شراؤهم لانهم في عهدهم ولا يجوز لهم شراؤهم ولا استرقاقهم، وذكر عن الشافعي ما يدل على هذا ويحتمل جواز ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة لانه لا يجب عليه من يدفع عنهم فلم يحرم استرقاقهم بخلاف أهل الذمة، فعلى هذا ان استولى المسلمون على الذين اشتروهم واخذوا اموالهم لم يلزم رده إليهم على هذا القول، ومقتضى القول الاول وجوب رده كما يجب رد أموال اهل الذمة. (مسألة) (وان خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم لقول الله تعالى (واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليم على سواء). أي أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن أمارة تدل عليه، ولا يفعل ذلك إلا الامام لان نقضها لخوف الخيانة يحتاج إلى نظر واجتهاد فافتقر إلى الحاكم ومتى

[ 583 ]

نقضها وفي دارنا منهم أحد وجب ردهم إلى مأمنهم لانهم دخلوا بأمان فوجب ردهم إلى مأمنهم كما لو افردهم بالامان، وان كان عليهم حق استوفي منهم، ولا يجوز ان يبدأهم بقتال ولا غارة قبل اعلامهم بنقض العهد للآية، ولانهم آمنون منه بحكم العهد فلا يجوز قتلهم ولا اخذ مالهم، فان قيل فقد قلتم ان الذمي إذا خيف منه الخيانة لم ينتقض عهده؟ قلنا عقد الذمة آكد لانه يجب على الامام اجابتهم إليه وهو نوع معاوضة وعقده مؤبد يخلاف الهدنة والامان، ولهذا لو نقض بعض أهل الذمة لم ينتقض عهد الباقين بخلاف الهدنة، ولان اهل الذمة في قبضة الامام وتحت ولايته ولا يخشى الضرر كثيرا من نقضهم بخلاف اهل الهدنة فانه يخشى منهم الغارة والضرر الكثير (فصل) ومن أتلف منهم شيئا على مسلم فعليه ضمانه وان قتله فعليه القصاص وإن قذفه فعليه الحد، لان الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم وأمانهم من المسلمين في النفس والمال والعرض فلزمهم ما يجب في ذلك ومن شرب منهم خمرا أو زنى لم يحد لانه حق لله تعالى ولم يلتزموه بالهدنة، وان سرق مال مسلم ففيه وجهان (احدهما) لا يقطع لانه حد خالص لله تعالى أشبه حد الزنا (والثاني) يقطع لانه يجب صيانة لحق الآدمي فهو كحد القذف (فصل) وإذا نقضوا العهد حلت دماؤهم واموالهم وسبي ذراريهم لان النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة حين نقضوا عهدهم وسبى ذراريهم واخذ اموالهم ولما هادن قريشا فنقضوا عهده حل له منهم ما كان حرم عليه منهم، ولان الهدنة عقد مؤقت ينتهي بانقضاء مدته فيزول بنقضه وفسخة كعقد الاجارة بخلاف عقد الذمة

[ 584 ]

(باب عقد الذمة) لا يجوز عقد الذمة الا من الامام أو نائبه وبهذا قال الشافعي، ولا نعلم فيه خلافا لان ذلك يتعلق بنظر الامام وما يراه من المصلحة، ولانه عقد مؤبد فلم يجز ان يفتات به على الامام، فان فعله غيرهما لم يصح لكن ان عقده على مال لا يجوز ان يطلب منهم اكثر منه لزم الامام اجابتهم إليه وعقدها عليه، والاصل في جواز عقد الذمة واخذ الجزية الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وأما السنة فما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية رواه البخاري: وعن بريدة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا وقال له إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى احدى خصال ثلاث ادعهم إلى الاسلام، فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فان أبوا فادعهم إلى اعطاء الجزية، فان أجابوك فاقبل منه وكف عنهم، فان أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) رواه مسلم في أخبار كثيرة وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة (مسألة) (ولا يجوز عقدها الا لاهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين

[ 585 ]

بالتوارة والانجيل كالسامرة والفرنج ومن له شبهة كتاب وهم المجوس وعنه يجوز عقدها لجميع الكفار الا عبدة الاوثان من العرب) وجملة ذلك ان الذين تقبل منهم الجزية صنفان أهل كتاب ومن له شبهة كتاب في ظاهر المذهب فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوارة ويعملون بشريعة موسى وانما خالفوهم في فروع دينهم وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والفرتج والروم والارمن وغيرهم ممن دان بالانجيل وانتسب إلى دين عيسى والعمل بشريعته فكلهم من أهل الانجيل ومن عدا هؤلاء من الكفار فليسوا من أهل الكتاب بدليل قوله تعالى (أن تقولوا انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) فأما أهل صحف ابراهيم وشيث وزبور داود فلا تقبل منهم الجزية لانهم من غير الطائفتين ولان هذه الصحف لم تكن فيها شرائع انما هي مواعظ وأمثال كذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم صحف ابراهيم وزبور داود في حديث ابي ذر، واما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فانه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع فصار بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم واخذ الجزية منهم ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم هذا قول اكثر اهل العلم ونقل عن ابي ثور انهم من اهل الكتاب وتحل ذبائحهم ونساؤهم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال انا اعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وان ملكهم سكر فوقع على ابنته أو اخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعي اهل مملكته وقال اتعلمون دينا خيرا من دين آدم وقد انكح بنيه بناته؟ فانا على دين آدم قال فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلوهم فأصبحوا وقد اسري بكتابهم ورفع العلم الذي

[ 586 ]

في صدورهم فهم اهل كتاب وقد اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر - واراه قال - وعمر منهم الجزية رواه الشافعي وسعيد وغيرهما ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة اهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (ان تقولوا إنما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) والمجوس من غير الطائفتين، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (سنوا بهم سنة اهل الكتاب) فدل على انهم غيرهم وروى البخاري باسناده عن بجالة انه قال: ولم يكن عمر رضي الله عنه اخذ الجزية من المجوس حتى قال له عبد الرحمن بن عوف ان النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ولو كانوا اهل كتاب لما وقف عمر في اخذ الجزية منهم مع امر الله تعالى بأخذ الجزية من اهل الكتاب. وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة كتاب. وما رووه عن علي فقد قال ابو عبيد لا أحسبه محفوظا ولو كان له اصل لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم نساءهم وهو كان أولى بعلم ذلك، ويحوز أن يصح هذا الذي ذكر عن علي مع تحريم نسائهم لان الكتاب المبيح لذلك هو الكتاب المنزل على احدى الطائفتين وليس هؤلاء منهم ولان كتابهم رفع فلم ينتهض للاباحة وثبت به حقن دمائهم، فاما قول ابي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم فيخالف الاجماع فلا يلتفت إليه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (سنو بهم سنة اهل الكتاب) اي في أخذ الجزية منهم إذا ثبت ذلك فان أخذ الجزية من أهل الكتابين والمجوس إذا لم يكونوا من العرب ثابت بالاجماع لا نعلم فيه خلافا فان الصحابة رضي الله عنه أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم مع دلاله الكتاب العزيز على اخذ الجزية من أهل الكتابين ودلالة السنة المذكورة على أخذها من المجوس فان كانوا من العرب فحكمهم حكم العجم فيما ذكرنا وبه قال مالك والشافعي والاوزاعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف لا تؤخذ الجزية من العرب لانهم شرفوا بكونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم

[ 587 ]

ولنا عموم الآية وان النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد الي دومة الجندل فاخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب رواه ابودواد واخذ الجزية من نصارى نجران وهم عرب وبعث معاذا إلى اليمن فقال إنك تأتي قوما من اهل كتاب وامره أن يأخذ من كل حالم دينارا ولو كانوا عربا ولان ذلك إجماع فان عمر اراد اخذ الجزية من نصارى بني تغلب وابوا ذلك وسألوه ان يأخذ منهم مثلما يأخذ من المسلمين فأبى ذلك عليهم حتى لحقوا بالروم ثم صالحهم على ما يأخذ منهم عوضا عن الجزية فالمأخوذ منهم جزية غير انه على غير صفة جزية غيرهم ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعا. وقد ثبت بطريق القطع ان كثيرا من نصارى العرب ويهودهم كانوا في عصر الصحابة في بلاد الاسلام ولايجوز إقرارهم فيها بغير جزية فثبت يقينا انهم أخذوا الجزية منهم (فصل) ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين (أحدهما) التزام إعطاء الجزية في كل حول (والثاني) التزام أحكام الاسلام وهو قبول ما يحكم به عليهم من اداء حق أو ترك محرم لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة (فادعهم إلى أداء الجزية فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) ولا تعتبر حقيقة الاعطاء ولا جريان الاحكام لان الاعطاء انما يكون في آخر الحول والكف عنهم في ابتدائه عند البذل. والمراد بقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد) أي يلتزموا وهذا كقوله (فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فان المراد به التزام ذلك فان الزكاة انما يجب أداؤها عند الحول

[ 588 ]

(فصل) فأما غير اليهود والنصارى والمجوس من الكفار فلا تقبل منهم الجزية ولا يقرون بها ولا يقبل منهم الا الاسلام أو القتل هذا ظاهر المذهب. وروى عنه الحسن بن ثواب انها تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الاوثان من العرب لان حديث بريدة يدل بعمومه على قبول الجزية من كل كافر الا انه خرج منه عبدة الاوثان من العرب لتغليظ كفرهم من وجهين (أحدهما) دينهم (والثاني) كونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس لكن في أهل الكتب غير اليهود والنصارى مثل أهل صحف ابراهيم وشيث وزبور داود ومن تمسك بدين آدم وجهان (أحدهما) يقرون بالجزية لانهم أهل كتاب فأشبهوا اليهود والنصارى. وقال أبو حنيفة تقبل من جميع الكفار إلا العرب لانهم رهط النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقرون على غير دينه وغيرهم يقر بالجزية لانه يقر بالاسترقاق فأقر بالجزية كالمجوس. وعن مالك انها تقبل من جميعهم إلا مشركي قريش لانهم ارتدوا. وعن الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز انها تقبل من جميعهم وهو قول عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر لحديث بريدة ولانه كافر فأقر بالجزية كأهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) وهذا عام خص منه جميع أهل الكتاب بالآية والمجوس بالسنة فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية العموم وقد بينا ان أهل الصحف من غير أهل الكتاب المراد بالآية

[ 589 ]

(فصل) وإذا عقد الذمة لكفار زعموا انهم أهل كتاب ثم تبين انهم عبدة أوثان فالعقد باطل من اصله وان شككنا فيهم لم ينتقض عهدهم بالشك لان الاصل صحته فان اقر بعضهم بذلك دون بعض قبل من المقر في نفسه فانتقض عهده وبقي فيمن لم يقر بحاله (مسألة) (فاما الصابئ فينظر فيه فان انتسب إلى احد الكتابين فهو من اهله وإلا فلا) اختلف اهل العلم في الصابئين فروي عن احمد انهم جنس من النصارى وقال في موضع آخر بلغني انهم يسبتون فإذا اسبتوا فهم من اليهود وروي عن عمر رضي الله عنه انه قال هم يسبتون وقال مجاهد هم بين اليهود والنصارى وقال السدي والربيع هم بين اهل الكتاب وتوقف الشافعي في امرهم والصحيح ما ذكر ههنا من انه ينظر فيهم فان كانوا يوافقون احد اهل الكتابين في نبيهم وكتابهم فهم منهم، وان خالفوهم في ذلك فليسوا منهم ويروى عنهم انهم يقولون الفلك حي ناطق وان الكواكب السبعة آلهة فان كانوا كذلك فهم كعبدة الاوثان (مسألة) (ومن تهود أو تنصر بعد بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو ولد بين ابوين لا يقبل الجزية من احدهما فعلى وجهين) (احدهما) انه لا فرق بين من دخل في دينهم قبل تبديل كتابهم أو بعده ولا بين ان يكون ابن كتابيين أو كتابي ووثني وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال ابو الخطاب من دخل في دينهم بعد تبديل كتابهم لم تقبل منهم الجزية لانه دخل في دين باطل ومن ولد بين ابوين احدهما تقبل من

[ 590 ]

الجزية والآخر لا تقبل منه ففيه وجهان وهذا مذهب الشافعي والصحيح الاول لعموم النص فيهم ولانهم من اهل دين تقبل منه الجزية فيقرون بها كغيرهم وانما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه من بذل الجزية والتزام احكام الملة لان الله تعالى امر بقتالهم حتى يعطوا الجزية اي يلتزموا اداءها فما لم يوجد ذلك يبقوا على اباحة دمائهم واموالهم (مسألة) (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب وتؤخذ الزكاة من اموالهم مثلي ما تؤخذ من اموال المسلمين) بنو تغلب بن وائل من العرب من ولد ربيعة بن نزار انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر رضي الله عنه إلى بذل الجزية فابوا وانفوا وقالوا نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة فقال عمر لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة يا أمير المؤمنين ان القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يانفون من الجزية فلا تعن عدوك عليك بهم وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر في طلبهم فردهم وضعف عليهم من الابل من كل خمس شاتين ومن كل ثلاثين بقره تبيعين ومن كل عشرين دينارا دينارا ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم وفيما

[ 591 ]

سقت السماء الخمس وفيما سقي بنضح أو غرب أو دولاب العشر فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه احد من الصحابة فكان اجماعا وقال به العلماء بعد الصحابة منهم ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ويروى عن عمر بن عبد العزيز انه أبى على نصارى بني تغلب إلا الجزية وقال لا والله إلا الجزية والا فقد آذنتكم بالحرب وحجته عموم الآية فيهم وروي عن علي رضي الله عنه انه قال لان تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي لاقتلن مقاتلتهم ولاسبين ذراريهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا اولادهم وذلك ان عمر رضي الله عنه صالحهم على ان لا ينصروا اولادهم والعمل على الاول لما ذكرنا من الاجماع وأما الآية فان هذا المأخوذ منهم جزية باسم الصدقة فان الجزية يجوز اخذها عروضا (مسألة) (ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم) كذلك قال اصحابنا تؤخذ الزكاة منهم مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما وبه قال ابو حنيفة وابو عبيد وذكر انه قول أهل الحجاز فعلى هذا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم. زمناهم ومكافيفهم وشيوخهم الا ان ابا حنيفة لا يوجب الزكاة في مال صبي ولا مجنون من المسلمين فكذلك الواجب في مال بني تغلب لا يجب على صبي ولا مجنون إلا في الارض خاصة وذهب الشافعي إلى ان هذا جزية تؤخذ باسم الصدقة فعنده لا تؤخذ ممن لا جزية عليه كالنساء والصبيان والمجانين قال وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم

[ 592 ]

وقال النعمان بن زرعة خذ منهم الجزية باسم الصدقة ولانهم أهل ذمة فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة كغيرهم من أهل الذمة ولانه مال يؤخذ من أهل الكتاب لحقن دمائهم فكان جزية كما لو أخذ باسم الجزية، يحققه ان الزكاة طهرة وهؤلاء لاطهرة لهم قال شيخنا وهذا اقيس وحجة اصحابنا أنهم سألوا عمر ان يأخذ منهم ما يأخذ بعضهم من بعض فأجابهم عمر إليه بعد الامتناع منه والذي يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة من كل مال زكوي لاي مسلم كان من صغير وكبير وصحيح ومريض كذلك المأخوذ من بني تغلب ولان نساءهم وصبيانهم صينوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه فجاز ان يدخلوا في الواجب به كالرجال والعقلاء وعلى هذا من كان منهم فقيرا أو له مال غير زكوي كالرقيق والدور وثياب البذلة فلا شئ عليه كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين ولا تؤخذ من مال لم يبلغ نصابا (مسألة) (ومصرفه مصرف الجزية اختاره القاضي) وهو مذهب الشافعي لانه مأخوذ من مشرك ولانه جزية مسماة بالصدقة وقال ابو الخطاب مصرفه مصرف الصدقات لانه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسلك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها والاول أقيس واصح لان معنى الشئ أخص به من اسمه ولهذا لو سمي رجل أسدا

[ 593 ]

لم يصر له حكم المسمى بذلك ولانه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراء من اخذت منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة (تؤخذ من اغنائهم فترد في فقرائهم) (فصل) فان بذل التغلبي أداء الجزية وتحط عنه الصدقة لم يقبل منه لان الصلح وقع على هذا فلا يغير، ويحتمل ان يقبل لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) أي يبذلوها وهذا قد أعطى الجزية وإن كان الذي بذلها منهم حربيا قبلت منه للآية وخبر بريدة ولانه لم يدخل في صلح الاولين فلم يلزمه حكمه وهو كتابي باذل للجزية فيحقن بها دمه فان اراد الامام نقض العهد وتجديد الجزية عليهم كفعل عمر بن عبد العزيز لم يكن له ذلك لان عقد الذمة على التأبيد وقد عقده معهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يكن لاحد نقضه ماداموا على العهد. (مسألة) (ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم، وقال القاضي تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم) وجملته ان سائر أهل الكتاب من اليهود والنصارى العرب وغيرهم تقبل منهم الجزية إذا بذلوها ولا يؤخذون بما يؤخذ به نصارى بني تغلب، نص عليه احمد رواه عن الزهري قال ونذهب إلى ان يأخذ من مواشي بني تغلب خاصة الصدقة وتضعف عليهم كما فعل عمر رضي الله عنه وذكر القاضي وابو الخطاب ان حكم من تنصر من تنوخ وبهرا وتهود من كنانة وحمير وتمجس من

[ 594 ]

تميم حكم بني تغلب سواء وذكر ان الشافعي نص عليه في تنوخ وبهرا لانهم من العرب فأشبهوا بني تغلب. ولنا عموم قوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وان النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال (خذ من كل حالم دينارا) وهم عرب وقبل الجزية من اهل نجران وكانوا نصارى واخذ الجزية من اكيدر دومة وهو عربي ولان حكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة في كل كتابي عربيا كان أو غير عربي الا ما خص به بنو تغلب لمصالحة عمر اياهم ففيما عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة ولم يكن بين غير بني تغلب وبين احد من الائمة صلح كصلح بني تغلب فيما بلغنا ولا يصح قياس غير بني تغلب عليهم لوجوه (أحدها) ان قياس سائر العرب عليهم يخالف النصوص التي ذكرناها ولا يصح قياس المنصوص عليه على ما يلزم منه مخالفة النص (الثاني) ان العلة في بني تغلب الصلح ولم يوجد في غيرهم ولا يصح القياس مع تخلف العلة (الثالث) ان بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة لحقوا بالروم وخيف منهم الضرر ان لم يصالحوا ولم يوجد هذا في غيرهم فان وجد في غيرهم فامتنعوا من أداء الجزية أو خيف الضرر بترك مصالحتهم فرأى الامام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة جاز إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم

[ 595 ]

من الجزية أو زيادة، وذكر هذا أبو إسحاق في كتابه المهذب والحجة في هذا قصة بني تغلب وقياسهم عليهم قال علي بن سعيد سمعت أحمد يقول أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة ولا في أموالهم إنما تؤخذ منهم الجزية، إلا ان يكونوا صولحوا على ان تؤخذ منهم كما صنع عمر بنصارى بني تغلب حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه اياهم إذا كانوا في معناهم، أما قياس من لم يصالح عليهم في جعل جزيتهم صدقة فلا يصح (مسألة) (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زمن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير يعجز عنها) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في ان الجزية لا تجب على صبي ولا امرأة ولا زائل العقل وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحاب الشافعي وأبي ثور وقال ابن المنذر لا أعلم من غيرهم خلافا وقد دل على هذا ان عمر رضي الله عنه كتب إلى امراء الاجناد ان اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى رواه سعيد وابو عبيد والاثرم والمجنون كالصبي لانه غير ملكف وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ (خذ من كل حالم دينارا) دليل على أنها لا تجب على غير بالغ ولان الجزية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها ولا تجب على خنثى مشكل لانه لا يعلم كونه رجلا (فصل) فان بذلت المرأة الجزية اخبرت أنها لا جزية عليها، فان قالت انا اتبرع بها أو انا أؤديها قبلت منها ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض فان شرطته على نفسها ثم رجعت فلها ذلك وان بذلت

[ 596 ]

الجزية لتصير إلى دار الاسلام مكنت من ذلك بغير شئ ولكن يشترط عليها التزام أحكام الاسلام وتعقد لها الذمة ولا يؤخذ منها شئ إلا ان تتبرع به بعد معرفتها ان لا شئ عليها وان أخذ منها على غير ذلك رد إليها لانها بذلته معتقدة أنه عليها وان دمها لا يحقن إلا به فاشبه من أدى مالا إلى من يعتقد أنه له فتبين أنه ليس له. ولو حاصر المسلمون حصنا ليس فيه الا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شئ وحرم استرقاقهن كالتي قبلها سواء، فان كان في الحصن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء والصبيان دون الرجال لم يصح لانهم جعلوها على غير من هي عليه وبرءوا من تجب عليه، وان بذلوا جارية عن الرجال ويؤدوا عن النساء والصبيان من أموالهم جاز وكان ذلك زيادة في جزيتهم وان كان من أموال النساء والصبيان لم يجز لانهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه فان كان القدر الذي بذلوه من أموالهم مما يجزئ في الجزية أخذوه وسقط الباقي (فصل) ولا تجب على زمن ولا أعمى ولا شيخ فان ولا على من هو في معناهم كمن به داء لا يستطيع معه القتال ولا يرجى برؤه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه تجب عليهم الجزية بناء على قتلهم وقد سبق قولنا في انهم لا يقتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والصبيان (فصل) وأما العبد فان كان لمسلم لم تجب عليه الجزية بغير خلاف علمناه لانه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا جزية على العبد) وعن ابن عمر مثله ولان ما لزم العبد إنما يؤديه سيده فيؤدي ايجابها على

[ 597 ]

العبد المسلم إلى ايجابها على المسلم وان كان لكافر فكذلك نص عليه أحمد وهو قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا جزية على العبد وذلك لما ذكرنا من الحديث ولانه محقون الدم أشبه النساء والصبيان، أو لا مال له اشبه الفقير العاجز ويحتمل كلام الخرقي وجوب الجزية عليه وروي ذلك عن أحمد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في ايديهم لانهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذا نفذه الله منه قال أحمد رضي الله عنه أراد عمر ان تتوفر الجزية لان المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه والذمي يؤدي عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم وروي عن علي مثل حديث عمر ولانه ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر والاول أولى (فصل) وإذا اعتق لزمته الجزية لما يستقبل سواء كان معتقه مسلما أو كافرا هذا الصحيح عن أحمد وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وبه قال سفيان والليث والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعنه يقر بغير جزية وروي نحوه عن الشعبي لان الولاء شعبة كشعبة الرق وهو ثابت عليه ووهن الخلال هذه الرواية وقال هذا قول قديم رجع عنه وعن مالك كقول الجماعة وعنه ان كان المعتق له مسلما فلا جزية عليه لان عليه الولاء لمسلم أشبه ما لو كان عليه الرق ولنا أنه حر مكلف موسر من أهل القتال فلم يقر في دارنا بغير جزية كالحر الاصلي. إذا ثبت

[ 598 ]

هذا فان حكمه فيما يستقبل من جزيته حكم من بلغ من صبيانهم أو افاق من مجانينهم على ما ذكرناه (فصل) ومن بعضه حر فقياس المذهب ان عليه من الجزية بقدر ما فيه من الحرية لانه حكم يختلف بالرق والحرية فينقسم على قدر ما فيه كالارث ولا جزية على أهل الصوامع من الرهبان ويحتمل ان تجب عليهم وهذا أحد قولي الشافعي وروي عن بن عبد العزيز أنه فرض على رهبان الديارات الجزية على كل راهب دينارا لعموم النصوص ولانه كافر صحيح حر قادر على أداء الجزية فاشبه الشماس. ووجه الاول أنهم محقونون بدون الجزية فلم تجب عليهم كالنساء وقد ذكرنا دليل تحريم قتلهم والنصوص مخصوصة بالنساء وهؤلاء في معناهن ولانه لا كسب له اشبه الفقير غير المعتمل (فصل) ولا تجب على فقير عاجز عنها وهذا أحد قولي الشافعي وله قول أنها تجب عليه لقوله عليه السلام (خذ من كل حالم دينارا) ولان دمه غير محقون فلا تسقط عنه الجزية كالقادر ولنا ان عمر رضي الله عنه جعل الجزية على ثلاث طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل فدل على أن غير المعتمل لا شئ عليه ولان الله تعالى قال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولانه مال يجب بحلول الحول فلم يلزم الفقير العاجز كالزكاة ولان الخراج ينقسم إلى خراج ارض وخراج رؤوس وقد ثبت ان خراج الارض على قدر طاقتها وما لا طاقة له لا شئ عليه كذلك خراج الرؤوس وأما الحديث فيتناول الاخذ ممن يمكن الاخذ منه والاخذ ممن لا يقدر على شئ مستحيل فكيف يؤمر به ويؤخذ منه بقدر ما ادرك؟

[ 599 ]

(مسألة) (ومن بلغ أو افاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الاول ويؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما ادرك) ولا يحتاج إلى استئناف عقد له وقال القاضي في موضع هو مخير بين التزام العقد وبين ان يرد إلى مأمنه فيجاب إلى ما يختار وهو قول الشافعي ولنا أنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه تجديد عقد لهؤلاء ولان العقد يكون مع سادتهم فدخل فيه سائرهم ولانه عقد مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه كذلك كالهدنة ولان الصغار والمجانين دخلوا في العقد فلم يحتج إلى تجديده له عند تغير أحوالهم كغيرهم. إذا ثبت هذا فان كان البلوغ والافاقة في أول أحوال قومه أخذ منه في آخره معهم، وان كان في اثناء الحول أخذ منه عند تمام الحول بقسطه ولم يترك حتى يتم لئلا يحتاج إلى افراده بحول وضبط حول كل انسان منهم وربما أفضى إلى أن يصير لكل واحد حول مفرد وذلك يشق. (مسألة) (ومن كان يجن ويفيق لفقت إفاقته فإذا بلغت حولا أخذت منه ويحتمل أن يؤخذ في آخر كل حول بقدر إفاقته منه). إذا كان يجن ويفيق لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون غير مضبوط مثل من يفيق ساعة من أيام أو من يوم أو يصرع ساعة من يوم أو من أيام فهذا يعتبر حاله بالاغلب لان هذه الافاقة غير ممكن ضبطها فلم تمكن مراعاتها.

[ 600 ]

(الثاني) أن يكون مضبوطا مثل من يجن يوما ويفيق يومين أو أقل من ذلك أو أكثر إلا انه مضبوط ففيه وجهان (أحدهما) يعتبر الاغلب من حاله وهذا مذهب ابي حنيفة لانه يجن ويفيق فاعتبر الاغلب من حاله كالاول. (والوجه الثاني) تلفق أيام إفاقته لانه لو كان مفيقا في الكل وجبت الجزية فإذا وجدت الافاقة في بعض الحول وجب فيه ما يجب به لو انفرد فعلى هذا الوجه في أخذ الجزية وجهان (أحدهما) أن الايام تلفق فإذا بلغت حولا أخذت منه لان أخذها قبل ذلك أخذ لجزيته قبل كمال الحول فلم يجز كالصحيح (والثاني) يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر ما أفاق منه كما لو أفاق في بعض الحول إفاقة مستمرة، وان كان يجن ثلث الحول ويفيق ثلثيه أو بالعكس ففيه الوجهان كما ذكرنا، فان استوت افاقته وجنونه مثل من يجن يوما ويفيق يوما أو يجن نصف الحول ويفيق نصفه عادة لفقت افاقته لانه تعذر اعتبار الاغلب لعدمه فتعين الوجه الآخر. (الحال الثالث) أن يجن نصف حول ثم يفيق افاقة مستمرة أو يفيق نصفه ثم يجن جنونا مستمرا فلا جزية عليه في الثاني وعليه في الاول من الجزية بقدر ما أفاق كما تقدم.

[ 601 ]

(مسألة) (وتقسم الجزية بينهم فيجعل على الغني ثمانية وأربعون درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى الفقير اثنا عشر). الكلام في هذه المسألة في فصلين (أحدهما) في تقدير الجزية (والثاني) في كمية مقدارها فأما الاول ففيه ثلاث روايات. (احداهن) أنها مقدرة بمقدار لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم فرضها مقدرة بقوله لمعاذ (خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر) وفرضها عمر بمحضر من الصحابة فلم ينكر فيكون اجماعا. [ والثانية ] أنها غير مقدرة بل يرجع فيها إلى اجتهاد الامام في الزيادة والنقصان قال الاثرم قيل لابي عبد الله فيزاد اليوم وينقص؟ يعني من الجزية قال نعم يزاد فيها وينقص على قدر طاقتهم على قدر ما يرى الامام وذكر انه زيد عليهم فيما مضى درهمان فجعله خمسين، قال الخلال العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة بانه لا بأس للامام ان يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك وهو قول الثوري وابي عبيد لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا ان يأخذ من كل حالم دينارا وصالح أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب، رواهما أبو داود، وعمر رضي الله عنه جعل الجزية على ثلاث طبقات على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط

[ 602 ]

أربعة وعشرين درهما وعلى الفقير اثني عشر درهما وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة وهذا يدل على انها إلى رأي الامام لولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع هذه المواضع ولم يجز ان يختلف فيها، قال البخاري قال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم اربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال جعل ذلك من قبل اليسار ولانها عوض فلم تتقدر كالاجرة. (والرواية الثالثة) ان أقلها مقدر بدينار وأكثرها غير مقدر وهو اختيار ابي بكر فتجوز الزيادة ولا يجوز النقص لان عمر زاد على ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقص منه وروي انه زاد على ثمانية واربعين فجعلها خمسين. (والفصل الثاني) أننا إذا قلنا بالرواية الاولى وانها مقدرة فقدرها في حق الموسر ثمانية واربعون درهما وفي حق المتوسط اربعة وعشرون وفي حق الفقير اثنا عشر وهذا قول ابي حنيفة، وقال مالك هي في حق الغني اربعون درهما أو اربعة دنانير وفي حق الفقير عشرة دراهم أو دينار وروي ذلك عن عمر وقال الشافعي الواجب دينار في حق كل احد لحديث معاذ الا ان المستحب جعلها على ثلاث طبقات كما ذكرناه لنخرج من الخلاف قالوا وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع من غيره. ولنا حديث عمر رضي الله عنه وهو حديث لا شك في صحته وشهرته بين الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم ولم ينكره منكر ولا خالف فيه وعمل به من بعده من الخلفاء رحمة الله عليهم فكان

[ 603 ]

إجماعا لا يجوز الخطأ عليه وقد وافق الشافعي على استحباب العمل به وأما حديث معاذ فلا يخلوا من وجهين (احدهما) انه فعل ذلك لغلبة الفقر عليهم بدليل قول مجاهد ان ذلك من أجل اليسار (والوجه الثاني) ان يكون التقدير غير واجب بل هو موكول إلى إجتهاد الامام ولان الجزية وجبت صغارا وعقوبة فتخلف (فتختلف) باختلاف احوالهم كالعقوبة في البدن منهم من يقتل ومنهم من يسترق ولا يصح كونها عوضا عن سكنى الدار لانها لو كانت كذلك لوجبت على النساء والصبيان والزمنى والمكافيف (مسألة) (والغني منهم من عده الناس غنيا في ظاهر المذهب) وليس ذلك بمقدر لان التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف في هذا فيرجع فيه إلى العادة والعرف (مسألة) (وإذا بذلوا الواجب عليهم لزم قبوله وحرم قتالهم) لقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) الآية إلى قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فجعل اعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتادة (قتالهم) للآية ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة (فادعهم إلى اداء الجزية فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) فان قلنا ان الجزية غير مقدرة الاكثر لم يحرم قتالهم حتى يجيبوا إلى بذل مالا يجوز طلب أكثر منه (فصل) وتجب الجزية في آخر كل حول وبه قال الشافعي وقال ابو حنيفة تجب بأوله ويطالب بها عقيب العقد وتجب الثانية في أول الحول الثاني لقول تعالى (حتى يعطوا الجزية) ولنا انه مال يتكرر بتكرر الحول أو يؤخذ في آخر كل حول فلم يجب بأوله كالزكاة والدية

[ 604 ]

وأما الآية فالمراد بها التزام إعطائها دون نفس الاعطاء ولهذا يحرم قتالهم بمجرد بذلها قبل أخذها (فصل) وتؤخذ الجزية مما يسر من اموالهم ولا يتعين أخذها من ذهب ولا فضة نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي عبيد وغيرهم لان النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن أمره ان يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر وكان النبي صلى الله عليه وسلم ياخذ من نصارى نجران الفي حلة وكان عمر رضي الله عنه يؤتى بنعم كثيرة يأخذها من الجزية وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه من صاحب الابر إبرا ومن صاحب المسال مسالا ومن صاحب الحبال حبالا ثم يدعوا الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول خذوا أو اقتسموا فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول اخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه. إذا ثبت هذا فانه يؤخذ بالقيمة لقوله عليه السلام (أو عدله معافر) ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم عن جزية رؤوسهم وخراج ارضهم لقول عمر رضي الله عنه ولوهم ببيعها وخذوا انتم من الثمن ولانها من أموالهم التي نقرهم على اقتنائها فجاز أخذ اثمانها كثيابهم (مسألة) (ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية وان مات أخذت من تركته وقال القاضي تسقط) إذا أسلم من عليه الجزية في اثناء الحول لم تجب الجزية عليه وان أسلم بعده سقطت عنه وهذا قول مالك والثوري وأبي عبيد وأصحاب الرأي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر ان اسلم بعد الحول

[ 605 ]

لم تقسط لانه دين استحقه صاحبه واستحق المطالبة به في حال الكفر فلم يسقط بالاسلام كالخراج وسائر الديون وللشافعي فيما إذا أسلم في أثناء الحول قولان (أحدهما) عليه من الجزيه بالقسط كما لو افاق بعض الحول ولنا قول الله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس على المسلمين جزية) رواه الخلال وذكر ان احمد سئل عنه فقال ليس يرويه غير جرير قال وقد روي عن عمر رضي الله عنه انه قال ان أخذها في كفه ثم اسلم ردها عليه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا ينبغي للمسلم ان يؤدي الخراج) يعني الجزية وروي ان ذميا اسلم فطولب بالجزية وقيل انما اسلم تعوذا قال ان في الاسلام معاذا فرفع إلى عمر فقال عمر ان في الاسلام معاذا وكتب ان لا تؤخذ منه الجزية رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى ولان الجزية صغار فلا تؤخذ منه كما لو اسلم قبل الحول ولان الجزية عقوبة تجب بسبب الكفر فيسقطها الاسلام كالقتل وبهذا فارق الخراج وسائر الديون (فضل) فان مات بعد الحول لم تسقط عنه الجزية في ظاهر كلام أحمد وهو مذهب الشافعي وحكي عن القاضي انها تسقط بالموت وهو قول أبي حنيفة ورواه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز لانها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود ولانها تسقط بالاسلام فسقطت بالموت كما قبل الحول ولنا انه دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين والحد انما سقط لفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف الجزية وفارق الاسلام فانه الاصل والجزية بدل عنه فإذا أتى بالاصل استغنى

[ 606 ]

عن البدل كمن وجد الماء لا يحتاج معه إلى التيمم بخلاف الموت ولان الاسلام قربة وطاعة يصلح ان يكون معاذا من الجزية كما ذكر عمر رضي الله عنه والموت بخلافه (مسألة) (وان اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت كلها ولم تتداخل) وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة تتداخل لانها عقوبة فتتداخل كالحدود. ولنا انها حق مال يجب في آخر كل حول فلم يتداخل كالدية (مسألة) (وتؤخذ الجزية منهم في آخر الحول ويمتهنون عند أخذها ويطال قيامهم وتجر ايديهم) وانما تؤخذ منهم في آخر الحول لانه مال يتكرر بتكرر الحول فلم يؤخذ قبل حولان الحول كالزكاة ويمتهنون عند اخذها منهم وهكذا ذكر أبو الخطاب، ويطال قيامهم وتجر أيديهم عند اخذها لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وقد قيل الصغار التزام الجزية وجريان احكامنا عليهم، ولا يقبل منهم إرسالها بل يحضر الذمي بنفسه ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس (فصل) ولا يعذبون في اخذها ولا يشط عليهم فان عمر رضي الله عنه أتي بمال كثير قال أبو عبيد أحسبه من الجزية فقال اني لاظنكم قد اهلكتم الناس، قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا قال فلا سوط ولا بوط؟ قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني، وقدم عليه سعيد بن عامر بن خريم فعلاه عمر بالدرة فقال سعيد سبق سيلك مطرك ان تعاقب نصبر وان

[ 607 ]

تعف نشكر وان تستعتب نعتب فقال ما على المسلمين إلا هذا مالك تبطئ بالخراج فقال امرتنا أن لا نزيد الفلاحين على اربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم فقال عمر: لا أعزلنك ماحييت. رواهما ابو عبيد وقال انما وجه التأخير إلى الغلة الرفق بهم، وقال ولم نسمع في استيداء الجزية والخراج وقتا غير هذا واستعمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلا على عكبرى فقال له على رءوس الناس لا تدعن لهم درهما من الخراج وشدد عليه القول ثم قال ائتني عند انتصاف النهار فأتا فقال اتي كنت امرتك بأمر واني أتقدم اليك الآن فان عصيتني نزعتك لا تبيعن لم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وارفق بهم وافعل بهم (مسألة) (ويجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين ويبين ايام الضيافة وقدر الطعام والادام والعلف وعدد من يضاف ولا يجب ذلك من غير شرط وقيل يجب) يجوز ان يشترط في عقد الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين لما روى الامام احمد رضي الله عنه باسناده عن الاحنف بن قيس ان عمر شرط على اهل الذمة ضيافة يوم وليلة وان يصلحوا القناطر وان قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته قال ابن المنذر وروي عن عمر انه قضى على اهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة ايام وعلف دوابهم وما يصلحهم. روي ان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصارى أيلة ثلثمائة دينار وكانوا

[ 608 ]

ثلثمائة نفس في كل سنة وان يضيفوا من يمر بهم من المسلمين ثلاثة ايام، ولان في هذا ضربا من المصلحة لانهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضرارا بهم فإذا شرطت عليهم الضيافة أمن ذلك فان لم يشرط عليهم الضيافة لم يجب ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي. ومن اصحابنا من قال تجب بغير شرط لوجوبها على المسلمين والاول اصح لانه اداء مال لم يجب بغير رضاهم كالجزية، فان شرطها عليهم فامتنعوا من قبولها لم تعقد لهم الذمة، وقال الشافعي لا يجوز قتالهم عليها (فصل) قال القاضي إذا شرط الضيافة فانه يشترط ان يبين ايام الضيافة وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان فيقول تضيفون في كل سنة مائة يوم في كل يوم عشرة من المسلمين من خبز كذا وادم كذا وللفرس من الشعير كذا ومن التبن كذا لانه من الجزية فاعتبر العلم به كالنقود فان شرط الضيافة مطلقا صح في الظاهر لان عمر رضي الله عنه شرط عليهم ذلك من غير عدد ولا تقدير قال ابو بكر وإذا أطلق مدة الضيافة فالواجب يوم وليلة لان ذلك الواجب على المسلمين ولا يكلفون الذبيحة ولا أن يضيفوهم بأرفع من طعامهم لانه يروى عن عمر رضي الله عنه انه شكى إليه اهل الذمة ان المسلمين يكلفونهم الذبيحة فقال أطعموهم مما تأكلون وقال الاوزاعي ولا يكلفون الذبيحة ولا الشعير، وقال القاضي إذا وقع الشرط مطلقا لم يلزمهم الشعير ويحتمل ان يلزمهم ذلك للخيل لان العادة جارية به فهو كالخبز للرجل. وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع فان عمر رضي الله عنه صالح أهل الشام على ان يوسعوا ابواب بيعهم وكنائسهم

[ 609 ]

لمن يجتاز بهم من المسلمين ليدخلوا ركبانا، فان لم يجدوا مكانا فلهم النزول في الافنية وفضول المنازل، وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه، والسابق إلى منزل أحق به ممن ياتي بعده فان امتنع بعضهم من القيام بما يجب عليه أجبر عليه، فان امتنع الجميع اجبروا، فان لم يكن إلا بالقتال قوتلوا فان قاتلوا انتقض عهدهم (فصل) وتقسم الضيافة بينهم على قدر جزيتهم فان جعل الضيافة مكان الجزية جاز لما روي ان عمر رضي الله عنه كتب لراهب من اهل الشام اني ان وليت هذه الارض اسقطت عنك خراجك فلما قدم الجابية وهو امير المؤمنين جاءه بكتابه فعرفه وقال اني جعلت لك ما ليس لي ولكن اختر ان شئت اداء الجزية وان شئت ان تضيف المسلمين فاختار الضيافة ويشترط ان تكون الضيافة يبلغ قدرها اقل الجزية إذا قلنا مقدرة الاقل لئلا ينقص خراجه عن اقل الجزية وذكر ان من الشروط الفاسدة لاكتفاء بضيافتهم عن جزيتهم لان الله تعالى امر بقتالهم حتى يعطوا الجزية فإذا لم يعطوها كان قتالهم مباحا. ولنا ان هذا اشتراط مال يبلغ قدر الجزية فجاز كما لو شرط عليهم عدل الجزية معافر. وإذا شرط في عقد الذمة شرطا فاسدا مثل ان يشترط ان لا جزية عليهم أو اظهار المنكر أو اسكانهم الحجاز أو ادخالهم الحرم أو نحو هذا فقال القاضي يفسد به العقد لانه شرط فعل محرم فافسد العقد كما لو شرط قتال المسلمين ويحتمل أن يبطل الشرط وحده بناء على الشروط الفاسدة في البيع والمضاربة.

[ 610 ]

(مسألة) (وإذا تولى امام فعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم اقرهم عليه، فان لم يعرف رجع إلى قولهم فان بان كذبهم رجع عليهم وعند ابي الخطاب انه يسأنف العقد معهم) إذا مات الامام أو عزل وتولى غيره فان عرف ما عقد عليه عقد الذمة الذي قبله وكان عقدا صحيحا اقرهم عليه ولم يحتج إلى تجديد عقد لان الخلفاء رضي الله عنهم اقروا عهد عمر ولم يجددوا عقدا سواه ولان عقد الذمة مؤبد، وان كان فاسدا رده إلى الصحة وان لم يعرف فشهد به مسلمان أو كان امره ظاهرا عمل به، وان اشكل عليهم سألهم فان ادعوا العقد بما يصلح ان يكون جزية قبل قولهم وعمل به، وان شاء استحلفهم استظهارا فان بان له بعد ذلك انهم نقصوا من المشروط رجع عليهم بما نقصوا، وان قالوا كنا نؤدي كذا وكذا جزية وكذا كذا هدية استحلفهم يمينا واحدة لان الظاهر فيما يدفعونه انه جزية وان قال بعضهم كنا نؤدي دينارا وقال بعضهم كنا نؤدي دينارين اخذ كل واحد منهم باقراره ولم يقبل قول بعضهم على بعض لان اقوالهم غير مقبولة واختار ابو الخطاب انه إذا لم يعرف ما عوهدوا عليه استأنف العقد معهم، لان عقد الاول لم يثبب عنده فصار كالمعدوم (فصل) وما يذكره بعض اهل الذمة من ان معهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم باسقاط الجزية عنهم لا يصح وسئل عن ذلك ابو العباس بن سريج فقال ما نقل ذلك احد من المسلمين وروي انهم طولبوا بذلك فأخرجوا كتابا وذكروا أنه بخط علي كتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه شهادة سعد بن معاذ

[ 611 ]

ومعاوية وتاريخه بعد موت سعد قبل اسلام معاوية فاستدل بذلك على بطلانه ولان قولهم غير مقبول ولم يرو ذلك من يعتمد على روايته. (مسألة) (وإذا عقد الذمة معهم كتب أسماءهم وأسماء آبائهم وعددهم وحلاهم ودينهم). فيقول فلان بن فلان الفلاني طويل أو قصير أو ربعة أسمر أو أبيض أدعج العين أقنى الانف مقرون الحاجبين ونحو هذا من صفاتهم التي يتميز بها كل واحد عن الآخر ويجعل لكل طائفة عريفا يجمعهم عند آداء الجزية ويعرف من يبلغ من غلمانهم ويفيق من مجانينهم ويقدم من غيابهم ومن يوت أو يسلم أو يستغني أو يسافر لانه أمكن لاستيفاء الجزية وأحوط ويبين حال من خرق شيئا من أحكام الذمة أو نقض العهد ليفعل فيه الامام ما يجب عليه ومن أخذت منه الجزية كتب له براءة لتكون له حجة إذا احتاج إليها. (باب أحكام الذمة) يلزم الامام أن يأخذهم باحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله. لا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين بذل الجزية والتزام أحكام الملة من حقوق الآدميين في العقود والمعاملات وأروش الجنايات وقيم المتلفات فان عقد على غير هذا من الشروط لم يصح لقول الله تعالى

[ 612 ]

(حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، قيل الصغار جريان أحكام المسلمين عليهم وتلزمه إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه في دينهم كالزنا والسرقة والقتل والقذف سواء كان الحد واجبا في دينهم أو لا لما روى أنس أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه وروى ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم أتي بيهوديين قد فجرا بعد احصانهما فرجمهما ولانه محرم في دينه وقد التزم حكم الاسلام فأما ما يعتقدون حله كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ونكاح ذوات المحارم للمجوس فيقرون عليه ولا حد عليهم فيه لانهم يعتقدون حله ولانهم يقرون على كفرهم وهو أعظم اثما من ذلك إلا أنهم يمنعون من إظهاره بين المسلمين لانهم يتأذون بذلك والمأخوذ من أحكام الذمة ينقسم خمسة أقسام. (أحدهما) ما لا يتم العقد إلا بذكره وهو التزام الجزية وجريان أحكامنا عليهم فان أخل بذكر واحد منها لم يصح العقد لما ذكرنا وفي معنى ذلك ترك قتال المسلمين فانه وان لم يذكر لفظه فذكر المعاهدة يقتضيه. (القسم الثاني) ما فيه ضرر على المسلمين في أنفسهم وذلك ثمانية خصال تذكر في نقض العهد ان شاء الله تعالى. (القسم الثالث) ما فيه غضاضة على المسلمين وهو ذكر ربهم أو كتابهم أو رسولهم بسوء (القسم الرابع) ما فيه إظهار منكر كاحداث الكنائس والبيع ورفع اصواتهم بكتابهم وإظهار

[ 613 ]

الخمر والخنزير والضرب بالنواقيس وتعلية البنيان على ابنية المسلمين والاقامة بالحجاز ودخول الحرم فيلزمهم الكف عنه سواء شرط عليهم أو لم يشرط في جميع هذه الاقسام الاربعة [ القسم الخامس ] التميز عن المسلمين في أربعة اشياء لباسهم وشعورهم وركوبهم وكناهم (مسألة) (ويلزمهم التميز عن المسلمين في شعورهم بحذف مقادم رؤوسهم وترك الفرق وكناهم فلا يتكنون بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبد الله وركوبهم بترك الركوب على السروج وركوبهم عرضا على الاكف، ولباسهم فيلبسون ثيابا تخالف ثيابهم كالعسلي والادكن، وتشد الخرق في قلانسهم وعمائمهم، ويؤمر النصارى بشد الزنار فوق ثيابهم ويجعل في رقابهم خواتيم الرصاص وجلجل يدخل معهم الحمام) ينبغي للامام إذا عقد الذمة أن يشرط عليهم شروطا نحو ما شرطه عمر رضي الله عنه، وقد رويت عن عمر رضي الله عنه أخبار منها ما رواه الخلال باسناده عن اسماعيل بن عياش قال حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: انا حين قدمنا بلادنا طلبنا اليك الامان لانفسنا وأهل ملتنا على انا شرطنا لك على أنفسنا وأهل ملتنا انا لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ماكان منها في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار وان نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا وأن لا نكتم أمر من غش المسلمين وان لا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر علينا صليبا

[ 614 ]

ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا في سوق المسلمين وان لا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع امواتنا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وان لانجاورهم بالخنازير ولا نبيع الخمور ولا نظهر شركا ولا نرغب في ديننا ولا ندعوا إليه احدا ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين وان لا نمنع احدا من أقربائنا إذا أرادوا الدخول في الاسلام، وان نلزم زينا حيثما كنا وان لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم، وان نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على اوساطنا ولاننقش خواتيمنا بالعربية ولا نركب السروج ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف وان نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشد الطريق ونقوم لهم عن المجالس إذا ارادوا المجالس ولا نطلع عليهم في منازلهم ولا نعلم اولادنا القرآن ولا يشارك احد منا مسلما في تجارة إلا ان يكون إلى المسلم أمر التجارة، وان نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة ايام ونطعمه من اوسط ما نجد، ضمنا ذلك على انفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا، وان نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الامان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لاهل المعاندة والشقاق. فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر أن امض لهم ما سألوا وألحق فيها حرفين اشترطها عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده. فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من اقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط

[ 615 ]

فهذه جملة شروط عمر رضي الله عنه فلذلك يلزمهم التميز عن المسلمين في شعورهم بحذف مقادم رؤوسهم ويجزون شعورهم ولا يفرقونها لان النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره وأما في الكني فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبد الله وأبي محمد وأبي بكر وأبي الحسن وشبهها. ولا يمنعون الكنى بالكلية فان احمد قال لطبيب نصراني يا أبا إسحاق وقال أليس النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على سعد بن عبادة قال (ألا ترى ما يقول أبو الحباب؟) وقال لاسقف نجران (أسلم يا أبا الحارث) وقال عمر لنصراني يا أبا حسان اسلم تسلم وأما الركوب فلا يركبون الخيل لان ركوبها عز، ولهم ركوب ما سواها، ولا يركبون السروج ويركبون عرضا، رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر لما روى الخلال ان عمر رضي الله عنه امر بجز نواصي اهل الذمة وان يشدوا المناطق وان يركبوا الاكف بالعرض وأما في اللباس فهو ان يلبسوا ما يخالف لونه لون سائر الثياب فعادة اليهود العسلي وعادة النصارى الادكن وهو الفاختي وبكون هذا في ثوب واحد لا في جميعها ليقع الفرق ويضيف إلى هذا شد الزنار فوق ثوبه إن كان نصرانيا أو علامة اخرى ان لم يكن نصرانيا كخرقة يجعلها في عمامته أو قلنسوة يخالف لونه لونها ويختم في رقبته خاتم رصاص أو حديد وجلجل يدخل معه الحمام ليفرق بينه وبين

[ 616 ]

المسلمين، ويلبس نساؤهم ثوبا ملونا وتشد الزنار تحت ثيابها وتختم في رقبتها، ولا يمنعون فاخر الثياب ولا العمائم ولا الطيلسان لحصول التميز بالغيار والزنار (مسألة) (ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا بداءتهم بالسلام فان سلم أحدهم قيل له عليكم) لا يتصدرون في المجالس عند المسلمين لان في كتاب عبد الرحمن بن غنم وان نوقر المسلمين في مجالسهم ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس ولا يبدؤون بالسلام وذلك لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى اضيقها) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (انا غادون غدا فلا تبدءوهم بالسلام وان سلموا عليكم فقولوا وعليكم) رواه الامام أحمد باسناده عن أنس رضي الله عنه أنه قال نهينا أو أمرنا ان لا نزيد أهل الكتاب على وعليكم وقال أبو داود قلت لابي عبد الله رحمه الله تكره ان يقول الرجل للذمي كيف أصبحت؟ أو كيف؟ أنت أو كيف حالك؟ قال نعم اكرهه هذا عندي أكثر من السلام وقال أبو عبد الله رحمه الله إذا لقيته في طريق فلا توسع له لما تقدم من حديث أبي هريرة وروي عن ابن عمر انه مر على رجل فسلم عليه فقيل انه كافر فقال رد علي ما سلمت عليك فرد عليه فقال اكثر الله مالك وولدك ثم التفت إلى اصحابه فقال اكثر للجزية وقال يعقوب بن يحيى سألت ابا عبد الله ققلت نعامل اليهود والنصارى وناتيهم في منازلهم وعندهم قوم

[ 617 ]

مسلمون انسلم عليهم قال نعم تنوي السلام على المسلمين وسئل عن مصافحة اهل الذمة فكرهه (فصل) ولا يجوز تمكينهم من شراء مصحف ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فقه وان فعل فالشراء باطل لان ذلك يتضمن ابتذاله وكره احمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله تعالى قال منها سألت ابا عبد الله هل يكره للمسلم ان يعلم غلاما مجوسيا شيئا من القرآن؟ قال ان اسلم فنعم والا فاكره ان يضع القرآن في غير موضعه قلت فنعلمه ان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم وقال الفضل ابن زياد سألت ابا عبد الله عن الرجل يرهن المصحف عند اهل الذمة قال لا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يسافر بالقرآن إلى ارض العدو مخافة ان يناله العدو (مسألة) (وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان) تهنئتهم وتعزيتهم تخرج على عيادتهم فيها روايتان (إحداهما) لا نعودهم لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بداءتهم بالسلام وهذا في معناه (والثانية) تجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم أتى غلاما من اليهود كان مريضا يعوده فقعد عند رأسه فقال (له أسلم) فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال أطع أبا القاسم فاسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) رواه البخاري (مسألة) (ويمنعون من تعلية البنيان على المسلمين وفي مساواتهم وجهان) لقولهم في شروطهم ولا نطلع عليهم في منازلهم ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الاسلام

[ 618 ]

يعلو ولا يعلى) ولان في ذلك رتبة على المسلمين فمنعوا منه كما يمنعون التصدير في المجالس وإنما يمنع من تعليته على المسلم المجاور له ولا يمنع من تعليتها على من ليس بمجاور له لان الضرر انما يحصل عليه دون غيره وفي المساواة وجهان (أحدهما) يجوز لانه لا يفضي إلى علو الكفر (والثاني) المنع لقوله عليه السلام (الاسلام يعلو ولا يعلى) ولانهم منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم وكذلك في بنيانهم فان كان للذمي دار عالية فملك المسلم دارا إلى جانبها أو بني المسلم إلى جنب دار الذمي دارا دونها أو اشترى ذمي دارا عالية من المسلم فله سكنى داره ولا يلزمه هدمها لانه ملكها على هذه الصفة ولانه لم يعل على المسلمين شيئا ويحتمل ان يلزمه لقوله عليه السلام (الاسلام يعلو ولا يعلى) فان انهدمت داره العالية ثم جدد بناءه لم تجز له تعليته على بناء المسلمين وان انهدم ما علا منها لم تكن له اعادته فان تشعث منه شئ ولم ينهدم فله رمه واصلاحه لانه ملك استدامته فملك رم شعثه كالكنيسة (مسألة) (وان ملكوا دارا عالية من مسلم لم يجب نقضها لانهم ملكوها على هذه الصفة) ويحتمل ان يجب لقولهم فيما شرطوا على انفسهم ولا نطلع عليهم في منازلهم ولقوله عليه السلام (الاسلام يعلو ولا يعلى) (مسألة) (ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع ولا يمنعون رم شعثها وفي بناء ما استهدم منها روايتان) امصار المسلمين ثلاثة أقسام (أحدها) ما مصره المسلمون كالبصرة والكوفة وبغداد وواسط فلا يجوز فيه إحداث كنيسة ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم ولا يجوز صلحهم على ذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم ان يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا رواه الامام احمد واحتج

[ 619 ]

به ولان هذا البلد ملك للمسلمين ولا يجوز ان يبنوا فيه مجامع للكفر وما وجد في هذه البلاد من البيع والكنائس مثل كنيسة الروم في بغداد فهذه كانت في قرى أهل الذمة فاقرت على ما كانت عليه (القسم الثاني) ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز احداث شئ من ذلك فيه لانها صارت ملكا للمسلمين وما فيه من ذلك ففيه وجهان (احدهما) يجب هدما (هدمها) وتحرم تبقينه (تبقيته) لانها بلاد مملوكة للمسلمين فلم يجز ان تكون فيها بيعة كالبلاد التي اختطها المسلمون (والثاني) يجوز لان في حديث ابن عباس ايما مصر مصرته العجم ثم فتحه الله على العرب فنزلوه فان للعجم ما في عهدهم ولان الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس ويشهد بصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة ومعلوم انها لم تحدث فلزم ان تكون موجودة فأبقيت، وقد كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عماله ان لا تهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار ولان الاجماع قد حصل على ذلك فانها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير (القسم الثالث) ما فتح صلحا وهو نوعان (احدهما) ان يصالحهم على ان الارض لهم، ولنا الخراج عنها فلم احداث ما يخنارون لان الدار لهم (الثاني) ان يصالحهم على ان الدار للمسلمين فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح من احداث ذلك وعمارته لانه إذا جاز ان يصالحهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن بعض البلد لهم ويكون موضع الكنائس والبيع معنا والاولى ان يصالحهم على ما صالحهم عليه عمر رضي الله

[ 620 ]

عنه ويشترط عليهم الشروط المذكورة في كتاب عبد الرحمن بن غنم وفيه ان لا تحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية، وان وقع الصلح مطلقا من غير شرط عمل على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه، فأما الذين صالحهم عمر وعقد معهم الذمة فهم على ما في كتاب عبد الرحمن بن غنم مأخوذون بشروطه كلها وما وجدوا في بلاد المسلمين من الكنائس والبيع فهي على ما كانت عليه في زمن من فتحها ومن بعدهم وكل موضع قلنا بجواز إقرارها لم يجز هدمها ولهم رم ما تشعث منها وإصلاحها لان المنع من ذلك يفضي إلى خرابها فجرى مجرى هدمها فأما ان أستهدمت كلها ففيها روايتان (احداهما) لا يجوز وهو قول بعض أصحاب الشافعي (والثانية) يجوز وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانه بناء لما استهدم اشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها ولان استدامتها جائزة وبناؤها كاستدامتها وحمل الخلال قول أحمد لهم ان يبنوا ما انهدم منها على ماذا انهدم بعضها ومنعه من بناء ما انهدم على ما إذا انهدمت كلها فجمع بين الروايتين. ووجه الرواية الاولى ان في كتاب أهل الجزيرة لعياض بن غنم ولا نجدد ما خرب من كنائسنا، وروى كثير بن مرة قال علي سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تبنى الكنيسة في الاسلام ولا يجدد ما خرب منها) ولانه بناء كنيسة في دار الاسلام فلم يجز كما لو ابتدأ بناءها وفارق رم ماشعث فانه إبقاء واستدامة وهذا إحداث (مسألة) (ويمنعون من إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم) يمنعون من إظهار المنكر كالخمر والخنزير وضرب الناقوس ورفع أصواتهم بكتابهم وإظهار أعيادهم

[ 621 ]

وصلبهم لان في شروطهم لعبد الدحمن بن غنم ان لا نضرب نواقيسنا الا ضربا خفيا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في صلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا في سوق المسلمين وأن لا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا وان لا نجاورهم بالخنازير ولا نظهر شركا وقد ذكرنا بقية الكتاب (مسألة) (وان صولحوا في بلادهم علي اعطاء الجزية لم يمنعوا شيئا من ذلك ولم يؤخذوا بغيار ولا زنار ولا تغيير شعورهم ولا مراكبهم) لانهم في بلدانهم فلم يمنعوا من اظهار دينهم كاهل الحرب في الهدنة (مسألة) (ويمنعون من دخول الحرم) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لهم دخوله كالحجاز ولا يستوطنون به ولهم دخول الكعبة والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف كالحجاز ولنا قوله تعالى (انما المشركون نجس فلا يقوبوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) والمراد به الحرم بدليل قوله (سبحانه سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى) وانما أسري به من بيت ام هانئ وهو خارج المسجد ويخالفه الحجاز لان الله تعالى منع منه مع إذنه في الحجاز فان هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز ولم يمنعوا الاقامة به وأول من اجلاهم عمر رضي الله عنه ولان الحرم اشرف لتعلق النسك به ويحرم شجره وصيده والملتجئ إليه فلا يصح قياس غيره عليه (مسألة) (فان قدم رسول لا بدله من لقاء الامام خرج إليه ولم يأذن له فان دخل عزر وهدد واخرج فان مرض أو مات أخرج وان دفن نبش واخرج الا ان يكون قد بلى)

[ 622 ]

إذا أراد كافر الدخول إلى الحرم منع على ما ذكرنا فان كانت معه تجارة أو ميرة خرج إليه من يشترى منه ولم يمكن من الدخول للآية وان كان رسولا إلى الامام بالحرم خرج إليه من يسمع رسالته فان قال لابد لي من لقاء الامام خرج إليه الامام ولم يأذن له فان دخل عالما بالمنع عزر وان دخل جاهلا هدد وأخرج فان مرض بالحرم أو مات أخرج ولم يدفن به لان حرمة الحرم أعظم ويفارق الحجاز من وجهين (أحدهما) ان دخوله إلى الحرم حرام واقامته به حرام بخلاف الحجاز (والثاني) ان خروجه من الحرم سهل ممكن لقرب الحل منه وخروجه من الحجاز في مرضه صعب ممتنع وان دفن نبش وأخرج لانه إذا لم يجز دخوله في حياته فدفن جيفته أولى أن لا يجوز فان كان قد بلي أو يصعب إخراجه لنتنه وتقطعه ترك للمشقة فيه (فصل) فان صالحهم الامام على دخول الحرم بعوض فالصلح باطل فان دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه لم يرد عليهم العوض لانهم قد استوفوا ما صالحهم عليه، وان وصلوا إلى بعضه أخذ من العوض بقدره، ويحتمل أن يرد عليهم العوض بكل حال لان ما استوفوه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض لبطلانه (مسألة) (ويمنعون من الاقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر وفدك وما والاها) وبهذا قال مالك والشافعي إلا أن مالكا قال أرى أن يجلوا من ارض العرب كلها لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) وروى ابو داود باسناده عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء قال (اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالث رواه ابو داود

[ 623 ]

وجزيرة العرب مابين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز، وقال الاصمعي وابو عبيد هي من ريف العراق إلى عدن طولا ومن تهامة وما وراها إلى أطراف الشام عرضا وقال ابو عبيدة هي من حفر ابي موسى إلى اليمن طولا ومن رمل تبرين إلى منقطع السماوة عرضا وقال الخيل انما قيل لها جزيرة العرب لان بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها ونسبت إلى العرب لانها أرضها ومسكنها ومعدنها. قال احمد جزيرة العرب المدينة وما والاها يعني ان الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها وهو مكة والمدينة وخيبر والينبع وقيل ومخاليفها وما والاها وهو قول الشافعي لانهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن، وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (اخرجوا اليهود من الحجاز) وأما إخراج أهل نجران منه فلان النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده فكأن جزيرة العرب في تلك الاحاديث أريد بها الحجاز وإنما سمي حجازا لانه؟ حجز بين تهامة ونجد (مسألة) (فان دخلوا بتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام) يجوز لهم دخول الحجاز لتجارة لان النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه وأتاه شيخ بالمدينة وقال: انا الشيخ النصراني وان عاملك عشرني مرتين فقال عمر وأنا الشيخ الحنيف، وكتب له عمر ألا يعشروا في السنة الا مرة فعلى هذا لا يأذن لهم في الاقامة أكثر من ثلاثة أيام على ماروى عمر رضي الله عنه ثم ينتقل عنه، وقال القاضي يقيمون أربعة ايام حد ما يتم المسافر الصلاة والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الاذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الاسلام لا يجوز الا باذن الامام فيأذن لهم إذا رأى المصلحة فيه (مسألة) (فان مرض لم يخرج حتى يبرأ وان مات دفن به) إذا مرض بالحجاز جازت له الاقامة لمشقة الانتقال على المريض وتجوز الاقامة

[ 624 ]

لمن يمرضه لانه لا يستغني عنه فان كان له دين حال أجبر غريمه على وفائه فان تعذر لمطل أو تغيب فينبغي أن تجوز له الاقامة ليستوفي دينه لان التعدي من غيره، وفي اخراجه ذهاب ماله، وان كان الدين مؤجلا لم يمكن من الاقامة ويوكل من يستوفيه له لان التفريط منه، وان دعت الحاجة إلى الاقامة ليبيع بضاعته احتمل الجواز لان في تكليفه تركها وحملها معه ضياع ماله وذلك مما يمنع من الدخول إلى الحجاز بالبضائع فتفوت مصلحتهم وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم، ويحتمل أن يمنع من الاقامة لان له من الاقامة بدا فان أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز ويقيم فيه أيضا ثلاثة أيام أو أربعة على الخلاف فيه وكذلك ان انتقل منه إلى مكان آخر، ولو حصلت الاقامة في الجميع شهرا، وإذا مات بالحجاز دفن لانه يشق نقله وإذا جازت الاقامة للمريض فدفن الميت أولى (مسألة) (ولا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما) لان عمر لم يمنعهم من ذلك (مسألة) (وهل لهم دخول المساجد باذن مسلم؟ على روايتين) لا يجوز لهم دخول مساجد الحل بغير إذن المسلمين لما روت أم عراب قالت رأيت عليا رضي الله عنه على المنبر وبصر بمجوسي فنزل فضربه وأخرجه من أبواب كندة، فان أذن لهم في دخولها جاز في الصحيح من المذهب لان النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد من أهل الطائف فأنزلهم في المسجد قبل اسلامهم وقال سعيد بن المسيب كان ابو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه وقدم عمير بن وهب فدخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم فيه ليفتك به فرزقه الله الاسلام وفيه رواية أخرى ليس لهم دخوله بحال لان أبا موسى دخل على عمر ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله فقال له عمر ادع الذي كتبه ليقرأه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم لا يدخل المسجد؟ قال انه نصراني فانتهره عمر وهذا اتفاق منهم على أنه لا يدخل المسجد وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم وتقريره عندهم لان حدث الحيض

[ 625 ]

والجنابة والنفاس يمنع الاقامة في المسجد فحدث الشرك اولى والاول اصح لانه لو كان محرما لما اقرهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم (فصل) قال احمد في الرجل له المرأة النصرانية لا يأذن لها أن تخرج إلى عيد أو تذهب إلى بيعة وله ان يمنعها ذلك وكذلك في الامة قيل له أله ان يمنعها من شرب الخمر؟ قال يأمرها فان لم تقبل فليس له منعها قيل له فان طلبت منه ان يشتري لها زنارا قال لا يشتري زنارا؟ تخرج هي تشتري لنفسها (فصل) قال رضي الله عنه وان اتجر ذمي إلى غير بلده ثم عاد فعليه نصف العشر وقال الشافعي ليس عليه الا الجزية الا ان يدخل ارض الحجاز فينظر في حاله فان كان لرسالة أو نقل ميرة اذن له بغير شئ وان كان لتجارة لا حاجة باهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا ان يشترط عليه عوضا بحسب ما يراه. والاولى أن يشترط نصف العشر لان عمر شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من أهل الذمة ولنا ما روى ابو داود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس على المسلمين عشور انما العشور على اليهود والنصارى) وعن أنس بن سيرين قال بعثني أنس بن مالك إلى العشور فقلت بعثتني إلى العشور من بين عمالك قال ألا ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر رواه الامام احمد وهذا كان بالعراق وروى ابو عبيد في كتاب الاموال باسناده عن لاحق بن عميد أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهما درهما وهذا كان بالعراق واشتهرت هذه القصص وعمل بها الخلفاء بعده ولم ينكر ذلك فكان اجماعا ولم يأت تخصيص الحجاز بنصف العشر في شئ من الاحاديث عن عمر ولا غيره فيما علمنا ولان ما وجب في الحجاز من الاموال وجب في غيره كالديون والصدقات إذا ثبت هذا فلا فرق في ذلك بين بني تغلب ولا غيرهم. وروي عن احمد ان التغلبي يؤخذ منه العشر ضعف ما يؤخذ من أهل الذمة لما روي باسناده عن زياد بن حدير ان عمر رضي الله عنه

[ 626 ]

بعثه مصدقا فأمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ومن نصارى اهل الذمة نصف العشر رواه ابو عبيد قال: والعمل على حديث داود بن كردوس والنعمان بن زرعة وهو أن يكون عليهم الضعف مما على المسلمين الا تسمعه يقول من كل عشرين درهما درهم؟ وانما يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهم فذلك ضعف هذا وهو ظاهر كلام الخرقي وهو أقيس فان الواجب في سائر أموالهم ضعف ما على المسلمين لا ضعف ما على أهل الذمة (فصل) ولا يؤخذ من غير مال التجارة شئ فلو مر بالعاشر منهم منتقل ومعه أمواله أو سائمة لم يؤخذ منه شئ نص عليه احمد رحمه الله الا أن تكون الماشية للتجارة فيؤخذ منها نصف العشر (فصل) واختلفت الرواية عن احمد في العاشر يمر عليه الذمي بخمر أو خنزير فقال عمر: قال في موضع ولو هم بيعها ولا يكون الا على الاخذ منها وروى باسناده عن سويد بن غفلة في قول عمر ولو هم بيع الخمر والخنزير لعشرها قال احمد اسناده جيد، وممن رأى ذلك مسروق والنخعي وابو حنيفة وبه قال محمد بن الحسن في الخمر خاصة وذكر القاضي ان احمد نص على أنه لا يؤخذ وبه قال عمر بن عبد العزيز وابو عبيد وابو ثور قال عمر بن عبد العزيز الخمر لا يعشرها مسلم. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان عتبة بن فرقد بعث إليه بأربعين الف درهم صدقة الخمر فكتب إليه عمر بعث إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين فأخبر بذلك الناس وقال والله لااستعملتك علي شئ بعدها قال فنزعه قال ابو عبيد معنى قول عمر ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن ان المسلمين كانوا يأخذون من اهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فأنكره عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها وروي باسناده عن سويد بن غفلة ان بلالا قال لعمر ان عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال لا تأخذوه ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن

[ 627 ]

(فصل) وإذا مر الذمي بالعشر وعليه دين بقدر ما معه أو ينقص ما معه عن النصاب فظاهر كلام احمد ان ذلك يمنع أخذ نصف العشر منه لانه حق يعتبر له النصاب والحول فمنعه الدين كالزكاة فان ادعى الدين احتاج إلى بينة مسلمين وان مر بجارية فادعى انها ابنته أو أخته قبل قوله في إحدى الروايتين لان الاصل عدم ملكه. (والثانية) لا يقبل لانها في يده اشبهت البهيمة ولانه تمكنه إقامة البينة. (مسألة) (فان انجر حربي الينا أخذ منه العشر ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير). هذا قول احمد رحمه الله وقال ابو حنيفة لا يؤخذ منهم شئ إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئا فنأخذ منهم مثله لما روي عن أبي مجلزقال قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم؟ قالوا العشر قال فكذلك خذوا منهم وعن زياد بن حدير قال كنا لانعشر مسلما ولا معاهدا قال من كنتم تعشرون؟ قال كفار أهل الحرب نأخذ منهم كما ياخذون منا، وقال الشافعي إن دخل الينا لتجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم ياذن له الامام إلا بعوض يشرطه وما شرطه جاز ويستحب ان يشرط العشر ليوافق فعل عمر رضي الله عنه، وإن أذن مطلقا من غير شرط فالمذهب أنه لا يؤخذ منهم شئ لانه أمان من غير شرط فلم يستحق به شئ كالهدنة ويحتمل أن يجب عشر لان عمر أخذه. ولنا ما رويناه في المسألة التي قبلها ولان عمر أخذ منهم العشر واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده والائمة في كل عصر من غير نكيرفاي إجماع يكون أقوى من هذا؟ ولم ينقل عنه انه شرط عليهم ذلك عند دخولهم ولا يثبت ذلك بالظن من غير نقل ولان مطلق الامر يحمل على المعهود في الشرع وقد اشتهر أخذ العشر منهم في زمن الخلفاء الراشدين فيجب أخذه فاما سؤال عمر عما ياخذون منا فانما كان لانهم سألوا عن كيفية الاخذ ومقداره ثم استمر الاخذ من غير سؤال، ولو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا لوحب أن يسأل عنه في كل وقت

[ 628 ]

(فصل) ويؤخذ منهم العشر لكل مال للتجارة في ظاهر كلامه ههنا وهو ظاهر قول الخرقي،. وقال القاضي ان دخلوا في نقل ميرة بالناس إليها حاجة اذن لهم في الدخول بغير عشر وهو قول الشافعي لان في دخولهم نفع المسلمين. ولنا عموم مارويناه، وقد روى صالح عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر انه كان يأخذ من النبط من القطنية العشر ومن الحنطة والزبيب نصف العشر ليكثر الحمل إلى المدينة فعلى هذا يجوز للامام التخفيف عنهم إذا رأى المصلحة فيه وله الترك أيضا إذا رأى المصلحة لانه فيئ فملك تخفيفه وتركه كالخراج. (فصل) ويؤخذ العشر من كل حربي تاجر ونصف العشر من كل ذمي تاجر ذكرا كان أو أنثى صغيرا أو كبيرا، وقال القاضي ليس على المرأة عشر ولا نصف عشر سواء كانت حربية أو ذمية لكن ان دخلت الحجاز عشرت لانها ممنوعة من الاقامة به، قال شيخنا ولا نعرف هذا التفصيل عن أحمد ولا يقتضيه مذهبه لانه يوجب الصدقة في أموال نساء بني تغلب وصبيانهم فكذلك يوجب العشر ونصفه في مال النساء وعموم الاحاديث المروية ليس فيها تخصيص للرجال دون النساء وليس هذا بجزية إنما هو حق يختص بمال التجارة لتوسعه في دار الاسلام وانتفاعه بالتجارة فيه فيستوي فيه الذكر والانثى كالزكاة في حق المسلمين. (فصل) واختلفت الرواية في القدر الذي يؤخذ منه العشر ونصف العشر فروى صالح عنه في نصف العشر من كل عشرين دينارا دينارا يعني فإذا نقصت عن العشرين فليس عليه شئ لان ما دون النصاب لا يجب فيه زكاة على مسلم ولا على تغلبي فلا يجب على ذمي كالذي دون العشرة وروى صالح أيضا أنه قال إذا مروا بالعاشر فان كانوا أهل الحرب أخذ منهم العشر من العشرة واحدا فان كانوا من اهل الذمة أخذ منهم نصف العشر من كل عشرين دينارا دينارا فإذا نقصت فليس عليه شئ وان نقص مال الحربي عن عشرة دنانير لم يؤخذ منه شئ ولا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة المسلم والذمي في ذلك سواء وروي عن احمد أن في العشرة نصف مثقال وليس فيما دون العشرة شئ، نص عليه

[ 629 ]

في رواية أبي الحارث قال قلت إذا كان مع الذمي عشرة دنانير قال نأخذ منه نصف دينار قلت فان كان معه أقل من عشرة دنانير، قال إذا نقصت لم يؤخذ منه شئ وذلك لان العشرة مال يبلغ واجبه نصف دينار فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم ولانه مال معشور فوجب في العشرة منه كمال الحربي وقال ابن حامد يؤخذ عشر الحربي ونصف عشر الذمي من كل مال قل أو كثر لان عمر قال خذ من كل عشرين درهما درهما ولانه حق عليه فوجب في قليله وكثيره نصيب المالك في أرضه التي عامله عليها. ولنا أنه عشر ونصف عشر وجب بالشرع فاعتبر له نصاب كزكاة الزرع والثمرة ولانه حق يقدر بالحول فاعتبر له النصاب كالزكاة، وأما قول عمر فالمراد به والله أعلم بيان قدر المأخوذ وانه نصف العشر ومعناه إذا كان معه عشرة دنانير فخذ من كل عشرين درهما درهما لان في صدر الحديث ان عمر أمر مصدقا وأمره ان يأخذ من المسلمين من كل اربعين درهما درهما ومن اهل الذمة من كل عشرين درهما درهما ومن اهل الحرب من كل عشرة واحدا، وانما يؤخذ ذلك من المسلم إذا كان معه نصاب فكذلك من غيرهم (مسألة) (ويؤخذ منه في كل عام مرة، وقال ابن حامد يؤخذ من الحربي كلما دخل الينا لا يعشر الذمي ولا الحربي في السنة إلا مرة، نص عليه احمد لما روى الامام احمد باسناده قال جاء شيخ نصراني إلى عمر فقال ان عاملك عشرني في السنة مرتين، قال ومن انت؟ قال انا الشيخ النصراني فقال وأنا الشيخ الحنيف ثم كتب إلى عامله لا تعشروا في السنة إلا مرة، ولان الجزية والزكاة انما تؤخذ في السنة مرة فكذلك هذا، ومتى اخذ منهم ذلك مرة كتب لهم حجة بأدائهم لتكون وثيقة لهم وحجة على من يمرون عليه فلا يعشرهم ثانية الا أن يكون معه اكثر من المال الاول فيأخد منه الزيادة لانها لم تعشر وحكي عن ابي عبد الله بن حامد ان الحربي يعشر كلما دخل الينا وهو قول بعض أصحاب الشافعي لاننا لو أخذنا منه واحدة لا يأمن أن يدخلوا فإذا جاء وقت السنة لم يدخلوا فيتعذر الاخذ منهم

[ 630 ]

ولنا انه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ في السنة إلا مرة كنصف العشر من الذمي، وقولهم يفوت لا يصلح فانه يؤخذ منه أول ما يدخل مرة ويكتب الآخذ له بما أخذ منه ثم لا يؤخذ منه شئ حتى تمضي تلك السنة فإذا جاء في العام الثاني أخذ منه في أول ما يدخل فان لم يدخل فما فات من حق السنة الاولي شئ (مسألة) (وعلى الامام حفظهم والمنع من أذاهم واستنقاذ من أسر منهم) تلزمه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لانه التزم بالعهد حفظهم ولهذا قال علي رضي الله عنه انما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا وقال عمر رضي الله عنه في وصيته للخليفة بعده وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرا أن يوفى لهم بعهدهم ويحاطوا من ورائهم ويجب فداء أسراهم سواء كانوا في معونتنا أو لم يكونوا وهذا ظاهر قول الخرقي وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث لاننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم فلزمنا القتال من ورائهم والقيام دونهم فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لزمنا ذلك وقال القاضي انما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الامام في قتال فسبوا وجب عليه فداءهم لان أسرهم كان لمعنى من جهته وهو المنصوص عن احمد ومتى وجب فداؤهم فانه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم ولان حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد وهو معرض الفتنة عن دين الحق بخلاف أهل الذمة (فصل) ومن هرب منهم إلى دار الحرب ناقضا للعهد عاد حربيا حكمه حكم الحربي سواء كان رجلا أو امرأة ومتى قدر عليه أبيح منه ما يباح من الحربي من القتل والاسر وأخذ المال فان هرب بأهله وذريته أبيح من الهاربين منهم ما يباح من أهل الحرب ولم يبح سبي الذرية لان النقض انما وجد من البالغين دون الذرية، وإن نقضت طائفة من أهل الذمة جاز غزوهم وقتالهم، وإن نقص بعضهم دون بعض اختص حكم النقض بالناقض وإن لم ينقضوا لكن خاف النقض منهم لم يجز أن ينبذ إليهم عهدهم لان عقد الذمة لحقهم بدليل ان الامام تلزمه اجابتهم بخلاف عقد الامان والهدنة فانه لمصلحة المسلمين ولان عقد الذمة آكد لانه مؤبد وهو معاوضة وكذلك إذا نقض بعض أهل الذمة العهد

[ 631 ]

وسكت بقيتهم لم يكن سكوتهم نقضا وفي عقد الهدنة يكون نقضا (مسألة) وإن تحاكموا إلى الحاكم مع مسلم لزمه الحكم بينهم وإن تحاكم بعضهم مع بعض أو استعدى بعضهم على بعض خير بين الحكم بينهم وبين تركهم) لان انصاف المسلم والانصاف منه واحب وطريقه الحكم لقول الله تعالى (فان جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم) ولانهما كافران فلم يجب الحكم بينهما كالمستأمنين ولا يحكم بينهم إلا بحكم الاسلام لقول الله تعالى (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) وعنه يلزمه الحكم بينهم لقول الله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله) ولان رفع الظلم عنهم واجب وطريقه الحكم فوجب كالحكم بين المسلمين (فان استعدت المرأة على زوجها في طلاق أو ايلاء أو ظهار فان شاء أعداهما وإن شاء تركهما على الرواية الاولى فان أحضرت زوجها حكم عليه بحكم المسلمين في مثل ذلك، فان كان قد ظاهر منها منعه وطأها حتى يكفر وتكفيره بالاطعام لانه لا يصح منه الصوم ولا يصح شراؤه للعبد المسلم ولا تملكه (مسألة) (وإن تبايعوا بيوعا فاسدة وتقابضوا لم ينقض فعلهم لانه عقدتم قبل اسلامهم على ما يجوز ابتداء العقد عليه فأقروا عليه ولم ينقض كأنكحتهم وإن لم يتقابضوا فسخه سواء كان قد حكم بينهم حاكمهم ام لا) لانه عقد لم يتم ولا يجوز الحكم باتمامه لكونه فاسدا فتعين نقضه وحكم حاكمهم وجوده كعدمه لان من شرط الحاكم النافذة أحكامه الاسلام ولم يوجد (فصل) سئل احمد رحمه الله عن الذمي يعامل بالربا ويبيع الخمر والخنزير ثم يسلم وذلك المال في يده فقال لا يلزمه أن يخرج منه شيئا لان ذلك مضى في حال كفره فأشبه نكاحه في الكفر إذا أسلم، وسئل عن المجوسيين يجعلان ولدهما مسلما فيموت وهو ابن خمس سنين، فقال يدفن في مقابر المسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فأبواه يهودانه أو ينصرانه اويمجسانه)) يعني ان هذين لم يمجساه فبقي على الفطر (الفطرة):، وسئل عن اطفال المشركين فقال: اذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (اعلم بما كانوا عاملين) قال وكان ابن عباس يقول (وأبواه يهودانه وينصرانه - حتى سمع - الله أعلم بما كانوا عاملين) فترك قوله وسأله ابن الشافعي فقال يا أبا عبد الله ذراري المشركين والمسلمين؟ فقال هذه مسائل أهل الزيغ وقال أبو عبد الله سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال المشركين فصاح به وقال

[ 632 ]

يا صبي أنت تسأل عن هذا؟ قال احمد ونحن نمر هذه الاحاديث على ما جاءت ولا نقول شيئا وسئل عن أطفال المسلمين فقال ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة وذكروا له حديث عائشة الذي قالت فيه عصفور من عصافير الجنة فقال وهذا حديث؟ وذكر فيه رجلا ضعفه طلحة وسئل عن الرجل يسلم بشرط أن لا يصلي إلا صلاتين فقال يصح إسلامه ويؤخذ بالخمس وقال معنى حديث حكيم بن حزام بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ألا أخر إلا قائما انه لا يركع في الصلاة بل يقرأ ثم يسجد من غير ركوع قال وحديث قتادة عن نصر بن عاصم ان رجلا منهم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يصلي طرفي النهار. (مسألة) (وان تهود نصراني أو تنصر يهودي لم يقر ولم يقبل منه إلا الاسلام أو الدين الذي كان عليه ويحتمل أن لا يقبل منه الا الاسلام فان أبي هدد ويحبس ويحتمل أن يقبل وعنه انه يقر) إذا انتقل الكتابي إلى دين آخر من دين اهل الكتاب ففيه ثلاث روايات (احداهن) لا يقر لانه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه فلم يقر عليه كالمرتد. فعلى هذا يجبر على الاسلام ولان ما سواه باطل اعترف ببطلانه قبل ينتقل إليه ثم اعترف ببطلان دينه حين انتقل عنه فلم يبق الا الاسلام (والثانية) لا يقبل منه الا الاسلام أو الدين الذي كان عليه لاننا أقررناه عليه اولا فنقره عليه ثانيا (والثالثة) يقر نص عليه احمد وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال وصاحبه وقول ابي حنيفة وأحد قولي الشافعي لانه لم يخرج عن دين اهل الكتاب فأشبه غير المنتقل ولانه دين أهل الكتاب فيقر عليه كأهل ذلك الدين وفي صفة اجباره على ترك ما انتقل إليه روايتان (احدهما) يجبر عليه بالقتل لعموم قوله عليه الصلاة والسلام (من بدل دينه فاقتلوه) ولانه ذمي نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام الذمة وهل يستتاب؟ يحتمل وجهين (أحدهما) يستتاب لانه استرجع عن دين باطل انتقل إليه فيستتاب كالمرتد (والثاني) لا يستتاب لانه كافر اصلي أبيح دمه فأشبه الحربي فعلى هذا ان بادر وأسلم أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه والا قتل (والثانية) أنه يجبر بالضرب والحبس فان احمد قال إذا دخل اليهودي في النصرانية رددته إلى اليهودية فقيل له اتفقله (اتقتله) قال لا ولكن يضرب ويحبس لانه لم يخرج عن دين اهل الكتاب فلم يقتل كالباقي على دينه ولانه مختلف فيه فلا يقتل للشبهة

[ 633 ]

(مسألة) (وان انتقل إلى غير دين أهل الكتاب أو انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر وأمر ان يسلم فان أبى قتل إذا انتقل الكتابي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه لا نعلم فيه خلافا لانه انتقل إلى دين لا يقر عليه بالجزية كعبدة الاوثان فالاصلي منهم لا يقر فالمنتقل أولى وان انتقل إلى المجوسية لم يقر لانه انتقل إلى ادنى من دينه فلم يقر كالمسلم إذا ارتد وكذلك الحكم في المجوسي إذا انتقل إلى إلى ادنى من دينه كعبادة الاوثان كذلك وإذا قلنا لا يقر ففيه ثلاث روايات (احداهن) لا يقبل منه الا الاسلام، نص عليه احمد واختاره الخلال وصاحبه وهو أحد قولي الشافعي لان غير الاسلام اديان باطلة فقد أقر ببطلانها فلم يقر عليها كالمرتد وإذا قلنا لا يقبل منه الا الاسلام فأبى أجبر عليه بالقتل لانه انتقل إلى دين ادنى من دينه أشبه المرتد. (والثانية) لا يقبل منه الا الاسلام أو الدين الذي كان عليه لان دينه الاول قد أقررناه عليه مرة ولم ينتقل إلى خير منه فنقره عليه ان رجع إليه ولانه انتقل من دين يقر عليه إلى دين لا يقر عليه فقبل رجوعه إلى دينه كالمرتد إذا رجع إلى الاسلام. (والثالثة) انه يقبل منه أحد ثلاثة أشياء الاسلام أو الدين الذي كان عليه أو دين أهل الكتاب لانه دين اهل الكتاب فيقر عليه كغيره من أهل ذلك الدين وإذا انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب ثم رجع إلى المجوسية اقر عليه في احدى الروايتين لانه أقر عليه أولا فيقر عليه ثانيا. (مسألة) (وان انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أقر ويحتمل أن لا يقبل منه الا الاسلام) إذا انتقل المجوسي إلى دين أهل الكتاب ففيه أيضا الروايات الثلاث (إحداهن) لا يقبل منه إلا الاسلام لما ذكرنا (والثانية) يقر على ما انتقل إليه لانه أعلى من دينه ولانه انتقل إلى دين يقر عليه أهله والثالثة لا يقبل منه إلا الاسلام أو دينه الذي كان عليه لما تقدم (مسألة) (وإن تمجس الوثني فهل يقر؟ على روايتين) إحداهما يقر لما ذكرنا والثانية لا يقر لانه انتقل إلى دين لا تحل ذبائح أهله ولا تنكح نساؤهم أشبه ما لو انتقل إلى دين لا يقر عليه أهله والاولى أولى (فصل) (في نقض العهد وإذا امتنع الذمي من بذل الجزية أو التزام أحكام الملة انتقض عهده)

[ 634 ]

إذا امتنع الذمي من بذل الجزية أو التزام احكام الملة إذا حكم بها حاكم انتقض عهده بغير خلاف في المذهب سواء شرط عليهم أو لا، وهو مذهب الشافعي لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) قيل الصغار التزام احكام المسلمين فأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة، فإذا امتنعوا من ذلك وجب قتالهم فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد وفي معنى هذين قتالهم للمسلمين منفردين أو مع الحرب لان اطلاق الامان يقتضي ذلك وقال أبو حنيفة لا ينتقض العهد الا بالامتناع من الامام بحيث يتعذر أخذ الجزية منهم ولنا ما ذكرناه ولانه ينافي الامان أشبه مالو امتنعوا من بذل الجزية (مسألة) وان تعدى على مسلم بقتل أو قذف أو زنا أو قطع طريق أو تجسس أو إيواء جاسوس أو ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بسوء فعلى روايتين) ويلتحق بذلك أو فتن مسلم عن دينه أو اصابة المسلمة باسم نكاح (احداهما) ينتقض عهده اختاره القاضي والشريف ابو جعفر سواء شرط عليهم أو لم يشرط ومذهب الشافعي نحو هذا فيما إذا شرط عليهم لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه رفع إليه رجل اراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال ما على هذا صالحناكم وامر به فصلب في بيت المقدس وقيل لابن عمر ان راهبا يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو سمعته لقتلته انا لم نعط الامان على هذا ولما روي عن عمر انه أمر عبد الرحمن بن غنم ان يلحق في كتاب صلح الجزيرة ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده ولان فيه ضررا على المسلمين فاشبه الامتناع من بذل الجزية ولانه لم يف بمقتضى الذمة وهو الامن من جانبه فانتقض عهده كما لو قاتل المسلمين (والثاينة) لا ينتقض العهد به لكن يقام عليه الحد فيما يوجب الحد أو يقتص منه فيما يوجب القصاص ويعذر فيما سوى ذلك بما ينكف به امثاله عن فعله لان ما يقتضيه العهد من التزام الجزية واحكام المسلمين والكف عن قتالهم باق فوجب بقاء العهد (مسألة) (وان أظهر منكرا أو رفع صوته بكتابه لم ينتض عهده) وظاهر كلام الخرقي أنه ينتقض إن كان مشروطا عليهم اما ما سوى الخصال المذكورة في المسألة

[ 635 ]

التي قبلها كالتميز عن المسلمين وترك اظهار المنكر ونحو ذلك فان لم يشرط عليهم لم ينتقض عهدهم به لان العقد لا يقتضيها ولا ضرر فيها على المسلمين وان شرطت عليهم فظاهر كلام الخرقي أن عهدهم ينتقض بمخالفتنا لقوله ومن نقض العهد بمخالفة شئ مما صولحوا عليه حل دمه وماله. ووجه ذلك أن في كتاب صلح الجزيرة لعبد الرحمن بن غنم بعد استيفاء الشروط: وان نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على انفسنا وقبلنا الامان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل من اهل المعاندة والشقاق ولانه عقد بشرط فزال بزوال الشرط كما لو امتنع من بذل الجزية وقال غيره من اصحابنا لا ينتقض العهد به لانه لا ضرر على المسلمين فيه ولا ينافي عقد الذمة اشبه ما لو لم يشرطه ولكنه يعزر ويلزم ما تركه (مسألة) (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده وإذا انتقض عهده خير الامام فيه كالاسير الحربي) لان النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه به قال شيخنا في كتاب العمدة الا ان يذهب بهم إلى دار الحرب وذكر في كتاب المغني انه لا يباح سبي الذرية وان ذهب بهم إلى دار الحرب وإذا انتقض عهده خير الامام فيه كالاسير الحربي فيخير فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء لان عمر رضي الله عنه صلب الذي اراد استكراه امرأة ولانه كافر لا امان له قدرنا عليه في دارنا بغير عقد ولا عهد ولا شبهة ذلك فاشبه اللص الحربي هذا اختيار القاضي، وقال بعض اصحابنا فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه يقتل بكل حال وذكر أن احمد نص عليه (مسألة) (وماله فيئ عند الخرقي وقال ابو بكر هو لورثته)

[ 635 ]

التي قبلها كالتميز عن المسلمين وترك اظهار المنكر ونحو ذلك فان لم يشرط عليهم لم ينتقض عهدهم به لان العقد لا يقتضيها ولا ضرر فيها على المسلمين وان شرطت عليهم فظاهر كلام الخرقي أن عهدهم ينتقض بمخالفتنا لقوله ومن نقض العهد بمخالفة شئ مما صولحوا عليه حل دمه وماله. ووجه ذلك أن في كتاب صلح الجزيرة لعبد الرحمن بن غنم بعد استيفاء الشروط: وان نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على انفسنا وقبلنا الامان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل من اهل المعاندة والشقاق ولانه عقد بشرط فزال بزوال الشرط كما لو امتنع من بذل الجزية وقال غيره من اصحابنا لا ينتقض العهد به لانه لا ضرر على المسلمين فيه ولا ينافي عقد الذمة اشبه ما لو لم يشرطه ولكنه يعزر ويلزم ما تركه (مسألة) (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده وإذا انتقض عهده خير الامام فيه كالاسير الحربي) لان النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه به قال شيخنا في كتاب العمدة الا ان يذهب بهم إلى دار الحرب وذكر في كتاب المغني انه لا يباح سبي الذرية وان ذهب بهم إلى دار الحرب وإذا انتقض عهده خير الامام فيه كالاسير الحربي فيخير فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء لان عمر رضي الله عنه صلب الذي اراد استكراه امرأة ولانه كافر لا امان له قدرنا عليه في دارنا بغير عقد ولا عهد ولا شبهة ذلك فاشبه اللص الحربي هذا اختيار القاضي، وقال بعض اصحابنا فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه يقتل به قال شيخنا في كتاب العمدة الا ان يذهب بهم إلى دار الحرب وذكر في كتاب المغني انه لا يباح سبي الذرية وان ذهب بهم إلى دار الحرب وإذا انتقض عهده خير الامام فيه كالاسير الحربي فيخير فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء لان عمر رضي الله عنه صلب الذي اراد استكراه امرأة ولانه كافر لا امان له قدرنا عليه في دارنا بغير عقد ولا عهد ولا شبهة ذلك فاشبه اللص الحربي هذا اختيار القاضي، وقال بعض اصحابنا فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه يقتل بكل حال وذكر أن احمد نص عليه (مسألة) (وماله فيئ عند الخرقي وقال ابو بكر هو لورثته) لانه إنما عصم بعقد الذمة فزال بزواله كالمرتد لان ماله كان معصوما فلا تزول عصمته بنقضه العهد كأولاده الصغار (آخر كتاب الجهاد والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) (تسليما كثيرا) (تم بحمد الله وعونه الجزء العاشر من كتابي المغني والشرح الكبير) (ويليه بمشيئة الله وتوفيقه الجزء الحادي عشر منهما وأوله (كتاب الصيد والذبائح)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية