الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 6

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 6


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين ابي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن احمد بن قدامه المقدسي المتوفي سنة 682 ه‍ كلاهما على مذهب امام الائمة (ابي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء السادس (تنبيه) وضعنا كتاب المغني في أعلى الصحائف والشرح الكبير في أدناها مفصولا بينهما بخط عرضي دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (باب الاجارة) والاصل في جوازها الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (فان أرضعن لكم فاتوهن أجورهن) وقال تعالى قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين * قال اني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) وروى ابن ماجه في سننه عن عتبة بن الندر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ (طس) حتى إذا بلغ قصة موصى قال " ان موسى عليه السلام أجر نفسه ثماني حجج أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه " وقال الله تعالى (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) وهذا يدل على جواز أخذ الاجرة على إقامة الجدار وأما السنة فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا رجلا من بنى الديل هاديا خريتا. وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عزوجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل

[ 3 ]

أعطى بى ثمن غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " وأجمع أهل العلم في كل عصر على جواز الاجارة إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الاصم انه قال: لا يجوز ذلك لانه غرر يعني انه يعقد على منافع لم تخلق. وهذا غلط لا يمنع انعقاد الاجماع الذي سبق في الاعصار وسائر الامصار. والعبرة أيضا دالة عليها فان الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الاعيان فلما جاز العقد على الاعيان وجب أن تجوز الاجارة على المنافع، ولا تخقى حاجة النا س إلى ذلك فانه ليس لكل أحد دار يملكها ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها ولا يلزم أصحاب الاملاك إسكانهم وحملهم تطوعا، وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر ولا يمكن كل احد عمل ذلك ولا يجد متطوعا به، فلابد من الاجارة لذلك بل ذلك مما جعله الله تعالى طريقا إلى الرزق حتى ان أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة فان العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها لانها تتلف بمضي الاوقات فاحتيج إلى العقد عليها قبل وجودها كالسلم في الاعيان. واشتقاق الاجارة من الاجر وهو العوض، قال الله تعالى (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) ومنه سمي الثواب أجرا لان الله تعالى يعوض العبد به على طاعته، أو صبره على مصيبته * (مسألة) * (وهي عقد على المنافع تنعقد بلفظ الاجارة والكراء وما في معناهما، وفي لفظ البيع وجهان) الاجارة عقد على المنافع في قول أكثر العلماء منهم أبو حنيفة ومالك وأكثر الشافعية، وذكر

[ 4 ]

بعضهم ان المعقود عليه العين لانها الموجودة والعقد يضاف إليها فيقول أجرتك داري ولنا أن المعقود على المستوفى بالعقد وذلك هو المنافع دون الاعيان ولان الاجر في مقابلة المنفعة وبهذا يضمن دون العين وما كان العوض في مقابلته فهو المعقود عليه وإنما أضيف العقد إلى العين لانها محل المنفعة، وكما يضاف عقد المساقاة إلى البستان والمعقود عليه الثمرة، ولو قال أجرتك منفعة داري جاز (فصل) وهي نوع من البيع لانها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه فهي بيع المنافع والمنافع كالاعيان لانها يصح تمليكها في الحياة وبعد الموت وتضمن باليد والاتلاف وتكون عوضا عينا ودينا وإنما اختصت باسم كالصرف والسلم مع كونه بيعا، فعلى هذا تنعقد بلفظ الاجارة والكراء لانهما موضوعان لها، وكذلك كل ما يؤدي معناهما لحصول المقصود به، وهل تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان [ أحدهما ] تنعقد به لانها بيع فانعقدت بلفظه كالصرف [ والثاني ] لا تنعقد به لان فيها معنى خاصا فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى، ولان الاجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة فاحتيج إلى لفظ يعرف ويفرق بينهما كالعقود المتباينة. ولانها عقد يخالف البيع في الحكم والاسم أشبه النكاح (فصل) ولا تصح إلا من جائز التصرف لانه عقد تمليك في الحياة أشبه البيع

[ 5 ]

* (مسألة) * (ولا تصح إلا بشروط ثلاثة (أحدها) معرفة المنفعة إما بالعرف كسكنى الدار شهرا وخدمة العبد سنة وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين أو بناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته) وجملة ذلك انه لابد من معرفة المنفعة في الاجارة لانها المقعود عليها فاشترط العلم بها كالمبيع فان معرفته شرط في صحة البيع فكذلك معرفة المنفعة في الاجارة فان بيع المجهول لا يصح اجماعا، فان كان لها عرف كسكنى الدار شهرا لم يحتج إلى ذكرها لانه لا يكترى الا لذلك فاستغني عن ذكرها كالبيع بثمن مطلق في موضع فيه نقد معروف، وخدمة العبد سنة كسكنى الدار لانها معلومة بالعرف، وأما إن اكترى لحمل زبرة حديد إلى موضع معين فلابد من ذكر الوزن ههنا والمكان الذي تحمل إليه لان المنفعة انما تعرف بذلك * (مسألة) * (أو بناء حائط بذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته واجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم) وجملة ذلك انه يجوز الاستئجار للبناء ويقدر بالزمان والعمل، فان قدر بالعمل فلابد من معرفة موضعه لانه يختلف بقرب الماء وسهولة التراب ولابد من ذكر طوله وعرضه وسمكه وآلة البناء من طين أو لبن أو آجر أو حجارة أو شيد أو غير ذلك. قال ابن أبي موسى: وإذا استأجره لبناء الف لبنة

[ 6 ]

في جدار أو استأجره يبني له فيه يوما فعمل ما استؤجر عليه ثم سقط الحائط فله أجره لانه وفى العمل فان قال ارفع لي هذا الحائط عشرة أذرع فرفع بعضه فسقط فعليه اعادة ما سقط وإتمام ما وقعت عليه الاجارة من الذرع، هذا إذا لم يكن سقوطه في الاول لامر من جهة العامل فأما ان فرط أو بناه محلولا أو نحو ذلك فسقط فعليه اعادتة وغرامة ما تلف به (فصل) ويجوز الاستئجار لتطيبن السطوح والحيطان وتجصيصها ولا يجوز على عمل معين لان الطين يختلف في الرقة والغلط، والارض تختلف منها العالي والنازل، وكذلك الحيطان فلذلك لم يجز الا على مدة (فصل) وإذا استأجر دارا جاز اطلاق العقد ولم يحتج إلى ذكر السكنى ولا صفتها لما ذكرنا، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور لا يجوز حتى يقول أبيت تحتها أنا وعيالي لان السكنى تختلف، ولو اكتراها ليسكنها فتزوج امرأة لم يكن له أن يسكنها معه ولنا أن الدار لا تكترى الا للسكنى فاستغني عن ذكره كاطلاق الثمن في بلد فيه نقد معروف والتفاوت في السكنى يسير فلم يحتج إلى ضبطه لما ذكرنا. وما ذكروه لا يصح فان الضرر لا يكاد يختلف بكثرة من يسكن وقلتهم ولا يمكن ضبط ذلك فاجتزئ فيه بالعرف كما في دخول الحمام وشبهه، ولو اشترط ما ذكره لوجب أن يذكر عدد السكان وأن لا يبيت عنده ضيف ولا غير من ذكره ولكان ينبغي أن يعلم صفة الساكن كما يعلم ذلك فيها إذا اكترى للركوب

[ 7 ]

(فصل) قد ذكرنا انه يجوز الاستئجار للخدمة كل شهر بشئ معلوم وسواء كان الاجير رجلا أو امرأة حرا أو عبدا وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور لانه يجوز النيابة فيه ولا يختص فاعله بكونه من أهل القربة. قال أحمد أجير المشاهرة يشهد الاعياد والجمعة وان لم يشترط ذلك، قيل له فيتطوع بالركعتين قال ما لم يضر صاحبه، وانما أباح ذلك لان أوقات الصلاة مستثناة من الخدمة ولهذا وقعت مستثناة في حق المعتكف لترك معتكفه لها، وقال ابن المبارك لا بأس أو يصلي الاجير ركعات من السنة وقال أبو ثور وابن المنذر ليس له منعه منها، قال أحمد يجوز أن يستأجر الامة والحرة للخدمة ولكن يصرف وجهه عن النظر ليست الامة مثل الحرة ولا يخلو معها في بيت ولا ينظر إليها متجردة ولا إلى شعرها انما قال ذلك لان حكم النظر بعد الاجارة كحكمه قبلها وفرق بين الحرة والامة لانهما يختلفان قبل الاجارة فكذلك بعدها (فصل) إذا استأجر أرضا احتاج إلى ذكر ما تكترى له من غراس أو بناء أو زرع لانها تكترى لذلك كله وضرره يختلف فوجب بيانه، وفي إجارة الارض للزرع اختلاف ذكرناه في باب المساقاة (فصل) ويجوز الاستئجار لضرب اللبن لما ذكرنا ويكون على مدة أو عمل فان قدره بالعمل احتاج إلى تعيين عدده وذكر قالبه وموضع الضرب لان الارض تختلف باختلافه لكون التراب في بعض الاماكن أسهل والماء أقرب فان كان هناك قالب معروف لا يختلف جاز كما إذا كان المكيال معروفا، وان قدره بالطول

[ 8 ]

والعرض والسمك جاز ولا يكتفى بمشاهدة قالب الضرب إذا لم يكن معروفا لان فيه غرار وقد يتلف القالب فلا يصح كما لو أسلم في مكيال بعينه * (مسألة) * (وان استأجر للركوب ذكر المركوب فرسا أو بعيرا أو نحوه) لان منافعها تختلف وتشترط معرفته برؤية أو صفة لانه يصح بيعه بهما وذكر المهمليج والقطوف لان سيرهما يختلف ومعرفة ما يركب به من سرج أو غيره لانه يختلف بالركوب والراكب ولا يحتاج إلى ذكر الذكورة والانوثة لان التفاوت بينهما يسير وقال القاضي يفتقر لتفاوتهما ولابد من معرفة الراكب برؤية أو صفة ذكره الخرقي وقال الشريف لا يجزئ فيه الا بالرؤية لان الصفة لا تأتي عليه ولابد من معرفة المحامل والاوطئة والاغطية والمعاليق كالقدر والسطحة ونحوهما أما برؤية أو صفة أو وزن * (مسألة) * (فان كان للحمل لم يحتج إلى ذكره) لعدم الغرض في معرفته فان اتفق وجود غرض في الحمولة مثل أن يكون المحمول شيأ تضره كثرة الحركة كالفاكهة والزجاج أو كون الطريق مما يعسر على بعضها دون بعض فينبغي أن يذكره في الاجارة ذكره شيخنا، وتشترط معرفة المتاع برؤية أو صفة ويذكر جنسه من حديد أو قطن أو نحوه لان ضرره يختلف وقدره بالوزن ان كان موزونا أو بالكيل ان كان مكيلا لان البيع يصح بكلا الامرين، ويحصل بالمشاهدة لانها من أعلى طرق العلم وبالصفة إذا ذكر القدر والجنس، وذكر ابن عقيل انه إذا قال أجرتكها لتحمل عليها

[ 9 ]

ثلثمائة رطل مما شئت جاز وملك ذلك لكن لا يحمله حملا يضر بالحيوان فلو أراد حمل حديد أو زئبق ينبغي أن يفرقه على ظهر الحيوان فلا يجتمع في موضع واحد من ظهره ولا يجعله في وعاء يموج فيه فيكد البهيمة ويتعبها وان اكترى ظهرا للحمل موصوفا بجنس فاراد حمله على غير ذلك الجنس وكان الطالب لذلك المستأجر لم يقبل منه لانه لا يملك المطالبة بما لم ينعقد عليه، ان طلبه المؤجر وكان يقوت به غرض المستأجر مثل أن يكون غرضه الاستعجال في السير أو أن لا ينقطع عن القافلة فيتعين الخيل أو البغال أو يكون غرضه السكون لكون المحمول مما يضره الهز أو قوتها وصبرها لطول الطريف وثقل الحمولة فيعين الابل لم يجز العدول عنه لانه يفوت غرض المستأجر فلم يجز ذلك كما في المركوب، وان لم يفوت غرضا جاز كما يجوز لمن اكترى على حمل شئ حمل مثله، فان اكترى بهيمة لحمل ما شاء لم يصح لانه يدخل فيه ما يقتل البهيمة وكذلك ان شرط طاقتها لانه لا ضابط له * (فصل) * قال رضى الله عنه (الثاني معرفة الاجرة بما يحصل به معرفة الثمن قياسا عليه ولا نعلم في ذلك خلافا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من استأجر اجيرا فليعلمه أجره " ويعتبر العلم بالرؤية أو بالصفة كالبيع، فان كان العوض معلوما بالمشاهدة دون القدر كالصبرة جاز في أحد الوجهين كالثمن في البيع والثاني لا يجوز لانه قد ينفسخ العقد بعد تلف الصبرة فلا يدرى بكم يرجع فاشترط معرفة قدره كعوض السلم والاول أولى لما ذكرنا، وما قاسوا عليه ممنوع ثم الفرق بينهما ان المنفعة ههنا أجريت مجرى الاعيان

[ 10 ]

لانها متعلقة بعين حاضرة والسلم يتعلق بمعدوم فافترقا وللشافعي نحو ما ذكرنا في هذا الفصل (فصل) وكل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز عوضا في الاجارة لانه عقد معاوضة أشبه البيع (1) * (مسألة) * (يجوز أن يستأجر الاجير بطعامه وكسوته وكذلك الظئر) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل له أجرا وشرط طعامه وكسوته فروي عنه جواز ذلك وهو مذهب مالك وإسحاق، وروي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى رضي الله عنهم انهم استأجروا الاجراء بطعامهم وكسوتهم. وروي عنه ان ذلك جائز في الظئر دون غيرها. اختاره القاضي وهو مذهب أبي حنيفة لان ذلك مجهول وانما جاز في الظئر لقول الله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) أوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع ولم يفرق بين المطلقة وغيرها بل في الآية قرينة تدل على طلاقها لان الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وان لم ترضع، ولان الله تعالى قال (وعلى الوارث مثل ذلك) والوارث ليس بزوج. ولان المنفعة في الرضاع والحضانة غير معلومة فجاز أن يكون عوضها كذلك. وروي عنه رواية ثالثة ان ذلك لا يجوز بحال في الظئر ولا في غيرها وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر لان ذلك يختلف اختلافا كثيرا متباينا فيكون مجهولا والاجر من شرطه أن يكون معلوما ولنا ما روى ابن ماجه عن عتبة بن الندر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ (طس) حتى إذا


(1) هذا الفصل بنصه مكرر مع ما ينافي له في صحيفة 17 ولا معنى لذكره ههنا

[ 11 ]

بلغ قسة موسى عليه السلام قال " ان موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه " وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. وعن أبي هريرة انه قال كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي أحطب لهم إذا نزلوا وأحدوا بهم إذا ركبوا. رواه الاثرم وابن ماجه، ولانه فعل من ذكرنا من الصحابة فلم ينكر فكان اجماعا، ولانه قد ثبت في الظئر في الآية فيثبت في غيرها بالقياس عليها، ولانه عوض منفعة فقام العرف فيه مقام التسمية كنفقة الزوجة، ولان للكسوة عرفا وهي كسوة الزوجات وللاطعام عرف وهو الاطعام في الكفارات فجاز اطلاقه كنقد البلد. ونخص أبا حنيفه بأن ما جاز عوضا في الرضاع جاز في الخدمة كالاثمان إذا ثبت هذا وتشاحا في قدر الطعام والكسوة رجع في القوت إلى الاطعام في الكفارة وفي الملبوس إلى أقل ملبوس مثله لان الاطلاق فيه يجزئ فيه أقل ما يتناوله اللفظ كالوصية. ويحتمل أن يحمل على الملبوس في الكفارة كالمطعوم. قال أحمد إذا تشاحا في الطعام حكم به بمد كل يوم ذهب به إلى ظاهر ما أمر الله من إطعام المساكين ففسرت ذلك السنة بأنه مد لكل مسكين، ولان الاطعام مطلق في الموضعين فما فسر به أحدهما يفسر به الآخر، وليس له اطعام الاجير الا ما يوافقه من الاغذية لان عليه ضررا ولا يمكنه استيفاء الواجب له منه (فصل) فان شرط الاجير كسوة ونفقة معلومة موصوفة كصفتها في السلم جاز عند الجميع وان لم يشرط

[ 12 ]

طعاما ولا كسوة فنفقته وكسوته على نفسه وكذلك الظئر، قال ابن المنذر لا أعلم عن أحد خلافا فيما ذكرت وان شرط للاجير طعام غيره وكسوته موصوفا جاز لانه معلوم فهو كما لو شرط دراهم معلومة ويكون ذلك للاجير ان شاء أطعمه وان شاء تركه، وان لم يكن موصوفا لم يجز لان ذلك مجهول احتمل فيما إذا شرطه للاجير للحاجة إليه وجري العادة به فلا يلزم احتمالها مع عدم ذلك ولو استأجر دابة بعلفها أو باجر مسمى وعلفها لم يجز لانه مجهول ولا عرف له يرجع إليه ولا نعلم أحدا قال بجوازه الا أن يشترطه موصوفا فيجوز (فصل) فان استغني الاجير عن طعام المستأجر بطعام نفسه أو غيره أو عجز عن الاكل بمرض أو غيره لم تسقط نفقته وكان له المطالبة بها لانه عوض فلا يسقط بالغنى عنه كالدراهم، وان احتاج إلى دواء لمرضه لم يلزم المستأجر لانه لم يشترط له الا طعام الاصحاء لكن يلزمه بقدر طعام الصحيح لان ما زاد على ذلك لم يقع العقد عليه فلم يلزم كالزائد في القدر (فصل) فان قبض الاجير طعامه فأحب أن يستفضل بعضه لنفسه وكان المستأجر دفع إليه أكثر من الواجب له ليأكل منه قدر حاجته ويفضل الباقي أو كان في تركه لاكله كله ضرر على المستأجر بان يضعف عن العمل أو يقل لان الظئر منع منه لانه في الصورة الاولى لم يملكه وانما أباحه قدر حاجته وفي الثانية على المستأجر ضرر بتفويت بعض منفعته عليه فمنع منه كالجمال إذا امتنع من علف الجمال وان دفع إليه قدر الواجب فقط أو أكثر منه فملكه إياه ولم يكن في تفضيله لبعضه ضرر بالمستأجر جاز لانه ضرر لاحق فيه

[ 13 ]

على المستأجر أشبه الدراهم (فصل) فان قدم إليه طعاما ما فنهب أو تلف قبل أكله وكان على مائدة لا يخصه فيها بطعامه فهو من ضمان المستأجر لكونه لم يسلم إليه وان خصه بذلك وسلمه إليه فهو من مال الاجير لانه يسلم عوضه على وجه التمليك أشبه البيع (فصل) قال أحمد في رواية مهنا لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه وهو أحب إلي من المقاطعة إنما جاز ههنا لانه معلوم بالمشاهدة وهي أعلى طرق العلم ومن علم شيئا علم جزأه المشاع فيكون أجرا معلوما. واختاره على المقاطعة مع وجودها لانه ربما يخرج من الزرع مثل الذي قاطع عليه وههنا هو أقل منه يقينا (فصل) يجوز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها وفيه خلاف ذكرناه. وقد أجمع أهل العلم على استئجار الظئر وهي المرضعة لقول الله تعالى [ فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ] واسترضع النبي صلى الله عليه وسلم لولده ابراهيم. ولان الحاجة تدعو إليه أكثر من الحاجة إلى غيره فان الطفل في العادة انما يعيش بالرضاع وقد يتعذر رضاعه من أمه فجاز ذلك كالاجارة في سائر المنافع، فان استأجرها للرضاع دون الحضانة أو للحضانة دون الرضاع أو لهما جاز، وان أطلق العقد على الرضاع دخلت فيه الحضانة في أحد الوجهين وهو قول أصحاب الرأي لان العرف جار بأن المرضعة تحضن الصبي فحمل الاطلاق عليه

[ 14 ]

[ الثاني ] لا تدخل وهو قول أبي ثور وابن المنذر لان العقد ما تناولها ولاصحاب الشافعي كهذين الوجهين، والحضانة تربية الصبي وحفظه وجعله في سريره وربطه ودهنه وكحله وتنظيفه وغسل خرقه أشباه ذلك واشتقاقه من الحضن وهو ما تحت الابط وما يليه وسميت التربية حضانة تجوزا من حضانة الطير لبيضه وفراخه لانه يجعلها تحت جناحه فسميت تربية الصبي بذلك أخذا من فعل الطائر (فصل) ولهذا العقد أربعة شروط أحدها العلم بمدة الرضاعة لانه لا يمكن تقديره الا بها لان السقي والعمل فيها يختلف (الثاني) معرفة الصبي بالمشاهدة لان الرضاع يختلف بكبر الصبي وصغره وتهمته وقناعته وقال القاضي يعرف بالصفة كالراكب (الثالث) موضع الرضاع لانه يختلف فيشق عليها في بيته ويسهل في بيتها (الرابع) معرفة العوض لما ذكرنا (فصل) والمعقود عليه في الرضاع خدمة الصبي وحمله ووضع الثدي في فيه واللبن تبع كالصبغ في اجارة الصباغ وماء البئر في الدار لان اللبن عين فلا يعقد عليه في الاجارة كلبن غير الآدمي، وقيل هو اللبن قال القاضي وهو أشبه لانه المقصود دون الخدمة ولهذا لو أرضعته ولم تخدمه استحقت الاجرة ولو خدمته ولم ترضعه لم تستحق شيئا ولان الله تعالى قال (فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) فجعل الاجر مرتبا على الرضاع فيدل على أنه المعقود عليه ولان العقد لو كان على الخدمة لما لزمها سقيه لبنها وانما جاز العقد عليه مع كونه عينا رخصة لان غيره لا يقول مقامه ولا ضرورة تدعوا إلى استيفائه وانما جاز في الآدميين

[ 15 ]

دون سائر الحيوان للضرورة إلى حفظ الآدمى والحاجة إلى بقائه (فصل) وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر لبنها ويصلح به وللمكتري مطالبتها بذلك لانه من تمام التمكين من الرضاع وفي تركه اضرار بالصبي فان لم ترضعه لكن سقته لبن الغنم أو أطعمته فلا أجر لها لانها لم توف المعقود عليه أشبه ما لو استاجرها لخياطة ثوب فلم تخطه فان دفعته إلى خادمها فارضعته فكذلك وبه قال أبو ثور وقال أصحاب لها أجرها لان رضاعه حصل بفعلها ولنا أنها لم ترضعه أشبه ما لو سقته لبن الغنم فان قالت أرضعته فانكر المسترضع فالقول قولها لانها مؤتمنة * (مسألة) * (ويستحب أن تعطى عند الفطام عبدا أو وليدة إذا كان المسترضع موسرا) لما روى أبو داود باسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج الاسلمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما يهب عني مذمة الرضاع قال " الغرة أو الامة " قال الترمذي حسن صحيح المذمة بكسر الذال من الذمام وبفتحها من الذم قال ابن عقيل انما خص الرقبة بالمجازاة دون غيرها لان فعلها من الرضاعة والحضانة سبب حياة الولد وبقائه وحفظ رقبته فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة للتناسب بين النعمة والشكر ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أما فقال سبحانه (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه " وان كانت المرضعة مملوكة استحب اعتاقها لانه يحصل أخص الرقاب بها لها وتحصل به المجازاة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم مجازاة للوالد من النسب

[ 16 ]

(فصل) ويجوز للرجل ان يؤجر أمته ومدبرته وأم ولده والمعلق عتقها بصفة والمأذون لها في التجارة للارضاع لانه عقد على منفعتها أشبه اجارتها للخدمة وليس لواحدة منهن اجارة نفسها لان منفعتها لسيدها فان كان لها ولد لم يجز إجارتها للارضاع الا أن يكون فيها فضل عن ريه لان الحق لولدها ليس لسيدها الا الفاضل عنه فان كانت مزوجة لم تجز اجارتها لذلك الا باذن الزوج لانه يفوت حقه لاشتغالها عنه بالرضاع والحضانة فان أجرها للرضاع ثم زوجها صح النكاح ولا تنفسخ الاجارة وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغها من الرضاع والحضانة وقال مالك ليس لزوجها وطؤها الا برضى المستاجر لانه ينقص اللبن وقد يقطعه ولنا أن وطئ الزوج مستحق فلا يسقط لامر مشكوك فيه، وليس للسيد اجارة مكاتبته لان منافعها لها ولذلك لا يمكن تزويجها ولا وطؤها ولا اجارتها لغير الرضاع ولها أن تؤجر نفسها لانه من الاكتساب * (مسألة) * (وان دفع ثوبه إلى خياط أو قصار ليعملاه ولهما عادة باجرة صح ولهما ذلك وان لم يعقدا عقد اجارة وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح) إذا دفع ثوبه إلى خياط ليخيطه أو قصار ليقصره من غير عقد ولا شرط ولا تعريض باجر مثل أن يقول خذ هذا فاعمله وأنا أعلم انك انما تعمله باجر وكان الخياط والقصار منتصبين لذلك ففعلا ذلك فلهما الاجر وقال أصحاب الشافعي لا أجر لهما لانهما فعلا ذلك من غير عوض جعل لهما أشبه ما لو تبرعا بعمله

[ 17 ]

ولنا ان العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول فصار كنقد البلد وكما لو دخل حماما أو جلس في سفينة ملاح ولان شاهد الحال يقتضيه فصار كالتعريض فأما ان لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا أجرا الا بعقد أو شرط العو ض أو تعريض به لانه لم يجر عرف يقوم مقام العقد فهو كما لو تبرع به أو عمله بغير اذن مالكه وكذلك لو دفع ثوبه إلى رجل ليبيعه وكان منتصبا يبيع للناس بأجر مثله فهو كالقصار والخياط فيما ذكرنا له الاجر نص عليه أحمد، وان لم يكن كذلك فلا شئ له لما تقدم، ومتى دفع ثوبه إلى أحد هؤلاء ولم يقاطعه على أجر فله أجر المثل لان الثياب يختلف أجرها ولم يعين شيأ فجرى مجرى الاجارة الفاسدة، فان تلف الثوب من حرزه أو بغير فعله فلا ضمان عليه لان ما لا يضمن في العقد الصحيح لا يضمن في الفاسد (فصل) إذا استأجر رجلا ليحمل له كتابا إلى مكة أو غيرها إلى انسان فحمله فوجد المحمول إليه غائبا فرده استحق الاجر لحمله في الذهاب والرد لانه حمله في الذهاب باذن صاحبه صريحا وفي الرد تضمنا لان تقدير كلامه وان لم تجد صاحبه فرده إذ ليس سوى رده الا تضييعه وقد علم أنه لا يرضى تضييعه فتعين رده * (مسألة) * (ويجوز إجارة دار بسكنى دار وخدمة عبد وتزويج امرأة) وجملة ذلك ان كل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز عوضا في الاجارة لانه عقد معاوضة أشبه البيع فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينا أو منفعة أخرى سواء كان الجنس واحدا كمنفعة دار بمنفعة أخرى ومختلفة كمنفعة دار بمنفعة عبد قال أحمد لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم وبه قال الشافعي قال

[ 18 ]

الله تعالى إخبارا عن شعيب انه قال (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) فجعل النكاح عوض الاجارة، وقال أبو حنيفة فيما حكي عنه لا تجوز إجارة دار بسكني أخرى ولا يجوز الا أن يختلف جنس المنفعة كسكنى دار بمنفعة بهيمة لان الجنس الواحد عنده يحرم النساء فيه، وكره الثوري الاجارة بطعام موصوف والصحيح جوازه وهو قول اسحاق وأصحاب الرأي وقياس قول الشافعي لانه عوض يجوز في البيع فجاز في الاجارة كالذهب والفضة وما قاله أبو حنيفة لا يصح لان المنافع في الاجارة ليست في تقدير النسيئة ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين لانه يكون بيع دين بدين * (مسألة) * (وتجوز إجارة الحلي باجرة من جنسه وقيل لا يصح) تجوز اجارة الحلي نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله وبه قال الثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي عن أحمد انه قال في اجارة الحلي ما أدري ما هو؟ قال القاضي هذا محمول على اجارته باجرة من جنسه فاما بغير جنسه فلا بأس لتصريح أحمد بجوازه وقال مالك في إجارة الحلي والثياب هو من المشتبهات ولعله يذهب إلى أن المقصود بذلك الزينة وليس ذلك من المقاصد الاصلية ومن منع ذلك بأجر من جنسه احتج بانها تحتك بالاستعمال فيذهب منه اجزاء وان كانت بسيرة فيحصل الاجر في مقابلتها ومقابلة الانتفاع بها فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشئ آخر ولنا انها عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقاء عينها فاشبهت سائر ما يجوز اجارته والزينة من

[ 19 ]

المقاصد الاصلية فان الله تعالى امتن بها علينا بقوله (لتركبوها وزينة) وقوله (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) وأباح الله تعالى من التحلي واللباس ما حرم على الرجال لحاجتهن إلى التزين للازواج وأسقط الزكاة عن حليهن معونة لهن على اقتنائه، وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح لان ذلك يسير لا يقابل بعوض ولا يكاد يظهر في وزن ولو ظهر فالاجر في مقابلة الانتفاع لا في مقابلة الاجزاء لان الاجر في الاجارة انما هو عوض المنفعة كما في سائر المواضع ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز اجارة أحد النقدين بالآخر لافضائه إلى التفرق في معاوضة أحدهما بالآخر قبل القبض (فصل) ولو استأجر من يسلخ له بهيمة بجلدها لم يجز لانه لا يعلم هل يخرج الجلد سليما أو لا وهل هو ثخين أو رقيق؟ ولانه لا يجوز أن يكون عوضا في البيع فلا يجوز أن يكون عوضا في الاجارة كسائر المجهولات فان سلخه بذلك فله أجر مثله وان استأجره لطرح ميتة بجلدها فهو أبلغ في الفساد لان جلد الميتة نجس لا يجوز بيعه وقد خرج بموته عن كونه ملكا وله أجر مثل ان فعل (فصل) ولو استأجر راعيا لغنم بثلث درها وصوفها وشعرها ونسلها أو نصفه أو جميعه لم يجز نص عليه أحمد في رواية سعيد بن محمد النسائي لان الاجر غير معلوم ولا يصلح عوضا في البيع، قال اسمعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل على أن يعلفها ويحفظها وولدها بينهما فقال اكره ذلك وبه قال ابو ايوب وأبو خيثمة ولا أعلم فيه مخالفا لان العوض معدوم مجهول لا يدرى ايو جدام لا، والاصل عدمه

[ 20 ]

ولا يصلح أن يكون ثمنا، فان قيل فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف مغلها قلنا انما جاز ثم تشبيها بالمضاربة ولانها عين تنمي بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء كالمضاربة والمساقاة وفي مسئلتنا لا يمكن ذلك لان النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يمكن الحاقه بذلك، وذكر صاحب المحرر رواية أخرى انه يجوز بناء على ما إذا دفع دابته أو عبده يجزء من كسبه والاول ظاهر المذهب لما ذكرنا من الفرق، وعلى قياس ذلك إذا دفع نحله إلى من يقوم عليه بجزء من عسله وشمعه يخرج على الروايتين فان اكتراه على رعيها مدة معلومة بجزء معلوم منها صح لان العمل والمدة والاجر معلوم فصح كما لو جعل الاجر دراهم ويكون النماء الحاصل بينهما بحكم الملك لانه ملك الجزء المجعول له منها في الحال فكان له نماؤه كما لو اشتراه * (مسألة) * وان قال ان خطت الثوب اليوم فلك درهم وان خطته غدا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين) (إحداهما) لا يصح وله أجر المثل نقلها أبو الحارث عن أحمد وهو مذهب ملك والثوري والشافعي واسحاق وابو ثور لانه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير فلم يصح كما لو قال بعتك بدرهم نقدا وبدرهمين نسيئة (والثانية) يصح وهو قول الحارث العكلي وابي يوسف ومحمد لانه سمى لكل عمل عوضا معلوما فصح كما لو قال كل دلو بتمرة، وقال أبو حنيفة ان خاطه اليوم فله درهم وان خاطه غدا لم يزد على درهمين وقد ينقص عن نصف درهم لان المؤجر قد جعل له نصف درهم فلا ينقص منه وقد رضي في أكثر العمل

[ 21 ]

بدرهم فلا يزاد عليه وهذا لا يصح لانه ان صح العقد فله المسمى وان فسد فوجوده كعدمه فيجب أجر المثل كسائر العقود الفاسدة * (مسألة) * (وإن قال ان خطته روميا فلك درهم، وان خطته فارسيا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على وجهين) بناء على التي قبلها والخلاف فيها كالتي قبلها الا أن أبا حنيفة وافق صاحبيه في الصحة ههنا ولنا أنه عقد معاوضة لم يتعين فيه العوض ولا المعوض فلم يصح كما لو قال بعتك هذا بدرهم أو هذا بدرهمين، وفارق هذا كل دلو بتمرة من وجهين (أحدهما) أن العمل الثاني ينضم إلى العمل الاول ولكل واحد منهما عوض مقدر فأشبه ما لو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وههنا الخياطة واحدة يشرط فيها عوضا إن وجدت على صفة وعوضا ان وجدت على أخرى أشبه ما لو باعه بعشرة صحاح أو احدى عشرة مكسرة (والثاني) أنه وقف الاجارة على شرط بقوله ان خطته كذا فلك كذا وان خطته كذا فلك كذا بخلاف قوله كل دلو بتمرة (فصل) نقل مهنا عن أحمد فيمن استأجر من جمال إلى مصر بأربعين دينارا فان نزل دمشق فكراؤه ثلاثون فان نزل الرقة فكراؤه عشرون، فقال إن اكترى إلى الرقة بعشرة واكترى إلى دمشق بعشرة والى مصر بعشرة جاز ولم يكن للجمال أن يرجع فظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة العقد الاول

[ 22 ]

لانه في معنى بيعتين في بيعة لكونه خيره بين ثلاثة عقود، ويتخرج فيه أن يصح بناء على المسئلتين قبل هذا، ونقل عن احمد في رجل استأجر رجلا يحمل له كتابا إلى الكوفة وقال ان أوصلت الكتاب يوم كذا فلك عشرون وان تأخرت بعد ذلك بيوم فلك عشرة فالاجارة فاسدة وله أجر مثله مثل الذي قبله * (مسألة) * (وان أكراه دابة وقال ان رددتها اليوم فكراؤها خمسة وان رددتها غذا فكراؤها عشرة فقال أحمد لا بأس به نقل عبد الله فيمن اكترى دابة وقال ان رددتها غدا فكراؤها عشرة، وان رددتها اليوم فكراؤها خمسة لا بأس به، وهذه الرواية تدل على صحة الاجارة والظاهر عن أحمد برواية الجماعة فيما ذكرنا فساد العقد على قياس بيعتين في بيعه، وقال القاضي يصح في اليوم الاول دون الثاني وقياس حديث علي والانصاري صحته فان عليا أجر نفسه ليهودي يستقي له كل دلو بتمرة وكذلك الانصاري وسنذكره * (مسألة) * (وان أكراه دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فما زاد فله بكل يوم درهم فقال احمد في رواية أبي الحارث هو جائز) ونقل ابن منصور عنه فيمن اكترى دابة من مكة إلى جدة بكذا فان ذهب إلى عرفات بكذا فلا بأس، ونقل عبد الله عنه لو قال اكتريتها بعشرة فما حبسها فعليه في كل يوم عشرة أنه يجوز وهذه الروايات تدل على أن مذهبه أنه متى قدر لكل عمل معلوم أجرا معلوما صح، وتأول القاضي هذا كله على أنه يصح في الاول ويفسد في الثاني لان مدته

[ 23 ]

غير معلومة فلم يصح العقد فيه كما لو قال استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم وما زاد فبحساب ذلك. قال شيخنا: والظاهر عن احمد خلاف هذا فان قوله فهو جائز عاد إلى جميع ما قبله وذلك قوله لا بأس، ولان لكل عمل عوضا معلوما فيصح كما لو استقى له كل دلو بتمرة وقد ثبت الاصل بالخبر الوارد فيه ومسائل الصبرة لا نص فيها عن الامام وقياس نصوصه صحة الاجارة وإن سلم فسادها فلان القفزان التي شرط عملها غير معلومة بتعيين ولا صفة وهي مختلفة فلم يصح العقد لجهالتها بخلاف الايام فانها معلومة * (مسألة) * (ونص أحمد على أنه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته) وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك قد عرف وجه ذلك وأرجو أن يكون خفيفا ولنا أن المدة مجهولة والعمل مجهول فلم يجز كما لو اكتراها لمدة سفره في تجارته ولان مدة الغزاة تطول وتقصر ولا حد لها تعرف به والعمل فيها يقل ويكثر ونهاية سفرهم تقرب وتبعد فلم يجز التقدير بها كغيرها من الاسفار المجهولة فان فعل ذلك فله أجر المثل كالاجارات الفاسدة * (مسألة) * (وان سمى لكل يوم شيئا معلوما فجائز)

[ 24 ]

وقال الشافعي لا يصح لان مدة الاجارة مجهولة. ولنا أن عليا رضي الله عنه أجر نفسه كل دلو بتمرة وكذلك الانصاري فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولان كل يوم معلوم مدت وأجره فصح كما لو أجره شهرا كل يوم بدرهم أو استأجره لنقل صبرة معلومة كل قفيز بدرهم. إذا ثبت هذا فلا بد من تعيين ما يستأجر له من ركوب أو حمل معلوم، ويستحق الاجر المسمى لكل يوم سواء أقامت أو سارت لان المنافع ذهبت في مدتة أشبه ما لو اكترى دارا وغلقها ولم يسكنها * (مسألة) * (وان أكراه كل شهر بدرهم أو كل دلو بتمرة فالمنصوص عن أحمد أنه يصح وكلما دخل شهر لزمهما حكم الاجارة ولكل واحد منهما الفسخ عند انقضاء كل شهر، وقال أبو بكر وابن حامد لا يصح) اختلف أصحابنا في ذلك فقال القاضي يصح ونص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهو اختيار الخرقي لان الشهر الاول تلزم الاجارة فيه باطلاق العقد لانه معلوم يلي العقد وأجره معلوم وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به وهو السكنى في الدار ان أجره دارا لانه مجهول حال العقد فإذا تلبس به تعين الدخول فيه فصح بالعقد الاول، وان لم تتلبس به أو فسخ العقد عند انقضاء الاول انفسخ وكذلك حكم كل شهر يأتي وهذا مذهب أبي ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك نحو هذا الا أن الاجارة لا تكون لازمة عنده لان المنافع مقدرة بتقدير الاجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة الا في اللزوم واختار أبو بكر عبد العزيز وابن حامد وابن عقيل أن العقد لا يصح وهو قال الثوري والصحيح

[ 25 ]

من قولي الشافعي لان كل اسم للعدد فإذا لم يقدره كان مجهولا فيكون فاسدا كقوله أجرتك أشهرا وحمل أبو بكر وابن حامد كلام أحمد على أنه وقع على أشهر معينة، ووجه الاول أن عليا استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه قال كنت أدلو الدلو بتمرة واشترطها جلدة وعن رجل من الانصار انه قال ليهودي أسقي نخلك؟ قال نعم كل دلو بتمرة فاشترط الانصاري أن لا يأخذه خدرة ولا تارزة ولا حشفة ولا يأخذ الا جلدة فاستقى بنحو من صاعين فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. رواهما ابن ماجه وهو نظير مسألة اجارة الدار، ونص في المسألة الاخرى، ولان شروعه في كل شهر مع ما تقدم العقد من الاتفاق على تقدير أجره والرضى ببذله به جرى مجرى ابتداء العقد عليه وصار كالبيع بالمعاطاة إذا وجد من المساومة مادل على التراضي بها. فعلى هذا متى ترك التلبس به في شهر لم تلزم الاجارة فيه لعدم العقد وكذلك ان فسخ وليس بفسح في الحقيقة لان العقد الثاني ما ثبت والقياس يقتضي عدم الصحة لان العقد تناول جميع الاشهر وذلك مجهول ثم لا وجه لاعتبار الشروع في الشهر الذي يلي الاول مع كون الشهور كلها داخلة في اللفظ، فأما أبو حنيفة فذهب إلى أنهما إذا تلبسا بالشهر الثاني فقد اتصل القبض بالعقد الفاسد، قال شيخنا ولا يصح هذا العذر لان العقد الفاسد في الاعيان لا يلزم بالقبض ولا يضمن بالمسمى تم ثم لم يحصل القبض ههنا الا فيما استوفاه وقول مالك لا يصح لان الاجارة من العقود اللازمة فلا يجوز أن تكون جائزة

[ 26 ]

(فصل) إذا قال أجرتك داري عشرين شهرا كل شهر بدرهم جاز بغير خلاف لان المدة معلومة والاجر معلوم وليس لواحد منهما فسخ بحال لانها مدة واحدة فأشبه ما لو قال أجرتك عشرين شهرا بعشرين درهما، فان قال أجرتكها شهرا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك صح في الشهر الاول لانه أفرده بالعقد وبطل في الزائد لانه مجهول، ويحتمل أن يصح في كل شهر تلبس به كما لو قال اجرتكها كل شهر بدرهم لان معناهما واحد، ولو قال أجرتكها هذا الشهر بدرهم وكل شهر بعد ذلك بدرهم أو بدرهمين صح في الاول وفيما بعده وجهان لما ذكرنا (فصل) في مسائل الصبرة وهي عشر مسائل (احداها) أن يقول استأجرتك لحمل هذه الصبرة إلى مصر بعشرة فهي صحيحة بغير خلاف نعلمه لان الصبرة معلومة بالمشاهدة فجاز الاستئجار عليها كما لو علم كيلها (الثانية) قال استأجرتك لتحملها كل قفيز بدرهم فيصح وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح في قفيز ويبطل فيما زاد، ومبنى الخلاف على الخلاف في بيعها وقد ذكرناه (الثالثة) قال لتحملها لي نفيرا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك فيجوز كما لو قال كل قفيز بدرهم وكذلك كل لفظ يدل على ارادة حمل جميعها كقوله لتحمل قفيزا منها بدرهم وسائرها أو باقيها بحساب ذلك أو قال وما زاد بحساب ذلك يريد باقيها كله إذا فهما ذلك من اللفظ لدلالته عندهما عليه أو لقرينة صرفت إليه (الرابعة) قال لتحمل قفيزا منها بدرهم وما زاد فبحساب ذلك يريد مهما حملته من باقيها فلا يصح ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لان المعقود عليه بعضها وهو مجهول. ويحتمل أن يصح لانه في معنى كل دلو بتمرة (الخامسة) قال لتنقل لي منها كل

[ 27 ]

قفيز بدرهم فهي كالرابعة سواء (السادسة) قال لتحمل لي منها قفيزا بدرهم على أن تحمل الباقي بحساب ذلك فلا يصح لانه في معنى بيعتين في بيعة. ويحتمل أن يصح لان معناه لتحمل لي كل قفيز منها بدرهم (السابعة) قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وتنقل لي صبرة أخرى في البيت بحساب ذلك، فان كانا يعلمان الصبرة التي في البيت بالمشاهدة صح فيهما لانهما كالصبرة الواحدة وإن جهل أحدهما صح في الاولى وبطل في الثانية لانهما عقدان أحدهما على معلوم والثاني على مجهول فصح في المعلوم وبطل في المجهول كما لو قال بعتك عبدي هذا بعشرة وعبدي الذي في البيت بعشرة [ الثامنة ] قال لتحمل لي هذه الصبرة والتي في البيت بعشرة فان كانا يعلمان التي في البيت صح فيهما وإن جهلاها بطل فيهما لانه عقد واحد بعوض واحد على معلوم ومجهول بخلاف التي قبلها، فان كانا يعلمان التي في البيت لكنها مغصوبة أو امتنع تصحيح العقد فيها لمانع اختص بها بطل العقد فيها، وفي صحته في الاخرى وجهان بناء على تفريق الصفقة الا أنها إن كانت قفزانها معلومة أو قدر إحداهما معلوم من الاخرى فالاولى صحته لان قسط لاجر فيها معلوم، وان لم يكن كذلك فالاولى بطلانه لجهالة العوض فيها (التاسعة) قال لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم فان زادت على ذلك فالزائد بحساب ذلك صح في العشرة لانها معلومة ولم يصح في الزيادة لانها مشكوك فيها ولا يجوز العقد على ما يشك فيه (العاشرة) قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فان قدم لي طعام فحملته فبحساب ذلك صح أيضا في الصبرة وفسد في الزيادة لما ذكرنا

[ 28 ]

* (فصل) * قال المصنف رحمه الله [ الثالث أن تكون المنفعة مباحة مقصودة فلا يجوز على الزنا والزمر والغناء ولا اجارة دار ليجعلها كنيسة أو بيت نار، أو لبيع الخمر أو القمار ] وجملة ذلك ان من شرط صحة الاجارة أن تكون المنفعة مباحة فان كانت محرمة كالزنا والزمر والنوح والغناء لم يجز الاستئجار لفعله وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه وأبو ثور، وكره ذلك الشعبي والنخعي لانه محرم فلم يجز الاستئجار عليه كاجارة الامة للزنا. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ابطال إجارة النائحة والمغنية (فصل) ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناء أو نوحا، وقال أبو حنيفة يجوز. ولنا انه انتفاع بمحرم أشبه ما ذكرنا، ولا يجوز الاستئجار على كتب شعر محرم ولا بدعة ولا شئ محرم لذلك (فصل) ولا تجوز اجارة داره لمن يتخذها كنيسة أو بعية أو لبيع الخمر أو القمار وبه قال الجماعة، وقال أبو حنيفة ان كان بيتك في السواد فلا بأس وخالفه صاحباه، واختلف أصحابه في تأويل قوله ولنا انه فعل محرم فلم تجز الاجارة عليه كاجارة عبده للفجور، ولو اكترى ذمي من مسلم دارا فأراد بيع الخمر فيها فلصاحب الدار منعه، وبذلك قال الثوري. وقال أبو حنيفة إن كان بيتك في السواد والجبل فله أن يفعل ما يشاء. ولنا انه محرم جاز المنع منه في المصر فجاز في السواد كقتل النفس المحرمة

[ 29 ]

* (مسألة) * (ولا يجوز الاستئجار على حمل الميتة والخمر وعنه يصح للحر أكل أجرته) لا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشتريها أو يأكل الميتة ولا على حمل خنزير لذلك، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي. وقال أبو حنيفة يجوز لان العمل لا يتعين عليه بدليل انه لو حمله مثله جاز لانه لو قصد إراقته أو طرح الميتة جاز. وقد روي عن أحمد فيمن حمل خنزيرا لذمية أو خمرا لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يقضى للحمال بالكراء فإذا كان لمسلم فهو أشد. قال القاضي: هذا محمول على انه استأجره ليريقها فأما للشرب فمحظور لا يحل أخذ الاجر عليه قال شيخنا: وهذا تأويل بعيد لقوله: أكره أكل كراة وإذا كان لمسلم فهو أشد والمذهب خلاف هذه الرواية لانه استئجار لفعل محرم فلم يصح كالزنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ صلى الله عليه وسلم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ والمحمولة إليه. وقول أبي حنيفة لا يتعين يبطل بما لو استأجر أرضا ليتخذها مسجدا، فأما حمل الخمر لاراقتها والميتة لطرحها والاستئجار لكسح الكنيف فجائر لان ذلك مباح، وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طيبة فحجمه. وقال أحمد في رواية ابن منصور فيمن يؤاجر نفسه لنظارة كرم نصراني: يكره ذلك لان الاصل في ذلك راجع إلى الخمر (فصل) قد ذكرنا ان الاستئجار لكسح الكنيف جائز الا انه يكره له أكل أجرته كأجرة الحجام بل هذا أولى. وقد روى سعيد بن منصور ان رجلا حج وأتى ابن عباس فقال له اني رجل أكنس فما ترى في مكسبي؟ قال أي شئ تكنس؟ قال العذرة، قال: ومنه حججت ومنه تزوجت؟ قال نعم. قال أنت خبيث وحجك خبيث وما تزوجت خبيث. ونحو هذا. ولان فيه دناءة فكره

[ 30 ]

كالحجامة. وانما قلنا بجواز الاجارة عليه لدعو الحاجة إليه ولا يندفع ذلك الا بالاباحة فجاز كالحجامة (فصل) ويشترط أن تكون المنفعة مقصودة فلا يجوز استئجار شمع ليتجمل به وبرده ولا طعام ليتجمل به على مائدته ثم يرده ولا النقود ليتجمل بها الدكان لانها لم تخلق لذلك ولا تراد له فبذل العوض فيه سفه وأخذه من أكل المال بالباطل، وكذلك استئجار ثوب ليوضع على سرير الميت لما ذكرنا * (فصل) * (قال الشيخ رحمه الله) والاجارة على ضربين (أحدهما) إجارة عين. فتجوز إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها) كالارض والدار والعبد والبهيمة والثياب والفساطيط والحبال والخيام والمحامل والسرج واللجام والسيف والرمح وأشباه ذلك. وقد ذكرنا بعض ذلك في مواضعه * (مسألة) * (ويجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه) إذا كان الخشب معلوما والمدة معلومة وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة لا يجوز. ولنا أن هذه منفعة مقصودة مقدور على تسليمها واستيفائها فجازت الاجارة عليها كاستئجار السطح للنوم عليه * (مسألة) * (ويجوز استئجار حيوان ليصيد به إلا الكلب) يجوز استئجار الفهد والبازى والصقر ونحوه للصيد في مدة معلومة لان فيه نفعا مباحا تجوز إعارته فجازت إجارته له كالدابة، فأما إجارة سباع البهائم والطير التي لا تصلح للصيد فلا تجوز اجارتها لانه لا نفع فيها وكذلك اجارة الكلب والخنزير لانه لا يجوز بيعه. ويتخرج جواز اجارة الكلب الذي يباح اقتناؤه لان فيه نفعا مباحا تجوز اعارته له فجاز اجارته له كغيره. ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين

[ 31 ]

* (مسألة) * (ويجوز استئجار كتاب ليقرأ فيه الا المصحف في أحد الوجهين) تجوز اجارة كتب العلم التي يجوز بيعها للانتفاع بها من القراءة فيها والنسخ منها والرواية وغير ذلك من الانتفاع المقصود المحتاج إليه. وهذا مذهب الشافعي، ومقتضى قول أبي حنيفة أنه لا تجوز اجارتها لانه علل منع اجارة المصحف بأنه ليس في ذلك أكثر من النظر إليه ولا تجوز الاجارة لمثل ذلك كما يجوز أن يستأجر سقفا لينظر إلى عمله ولنا أن فيه نفعا مباحا يحتاج إليه تجوز الاعارة له فجازت الاجارة له كسائر المنافع. وفارق النظر إلى السقف فانه لا حاجة إليه ولا جرت العادة بالاعارة من أجله، وتجوز اجارة كتاب فيه خط حسن ينقل منه ويكتب عليه على قياس ذلك (فصل) وفي اجارة المصحف وجهل [ أحدهما ] لا يصح اجارته لانه لا يصح بيعه إجلالا لكتاب الله تعالى وكلامه عن المعاوضة به وابتذاله بالثمن في البيع والاجرة في الاجارة [ والثاني ] يصح وهو مذهب الشافعي لانه انتفاع مباح تجوز الاعارة من أجله فجازت اجارته كسائر الكتب، ولا يلزم من عدم جواز البيع عدم جواز الاجارة كالحر (فصل) والذي يحرم بيعه تحرم اجارته الا الحر والوقف وأم الولد فانه يجوز اجارتها وان حرم بيعها، وما عدا ذلك لا تجوز اجارته، وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى

[ 32 ]

* (مسألة) * (ويجوز استئجار النقد للتحلي والوزن لا غير) إذا كان في مدة معلومة وبه قال أبو حنيفة وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي والوجه الآخر انه لا تجوز اجارتها لان هذه المنفعة ليست المقصود منها ولذلك لا نضمن منفعتها بعصبها فاشبهت الشمع ولنا انها عين أمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها منفعة مباحة فاشبهت الحلي، وفارق الشمع فانه لا ينتفع به إلا بما يتلف عينه * (مسألة) * (فان أطلق الاجارة لم يصح في أحد الوجهين ويصح في الآخر وينتفع بها في ذلك) وهذا اختيار أبي الخطاب لان منفعتها في الاجارة متعينة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن نحمل الاجارة عند الاطلاق عليهما كاستئجار الدار مطلقا فانه يتناول السكني ووضع المتاع فيها، فعلى هذا ينتفع بها فيما شاء منهما، وقال القاضي لا تصح الاجارة وتكون قرضا وهذا مذهب أبي حنيفة لان الاجارة تقتضي الانتفاع والانتفاع المعتاد بالدراهم والدنانير انما هو باعيانها فإذا أطلق الانتفاع حمل على الانتفاع المعتاد، وقال أصحاب الشافعي لا تصح الاجارة ولا تكون قرضا لان التحلي ينقصها والوزن لا ينقصها فقد اختلفت جهة الانتفاع فلم يجز اطلاقها، ولا يجوز أن يعبر بها عن القرض لان القرض تمليك للعين والاجارة تمليك المنفعة تقتضي الانتفاع مع بقاء العين فلم يجز التعبير باحدهما عن الآخر، ولان التسمية والالفاظ تؤخذ نقلا ولم يعهد في اللسان التعبير بالاجارة عن القرض، قال شيخنا وقول أبي الخطاب أصح

[ 33 ]

ان شاء الله تعالى لان العقد متى أمكن حمله على الصحة كان أولى من إفساده وقد أمكن حملها على إجارتها للجهة التي تجوز اجارتها فيها، وقول القاضي لا يصح لما ذكرنا، وما ذكر أصحاب الشافعي من نقص العين بالاستعمال في التحلي فبعيد فان ذلك يسير لا أثر له فوجوده كعدمه (فصل) ويجوز أن يستأجر نخلا ليجفف عليه الثياب ويبسطها عليه ليستظل بظلها ولاصحاب الشافعي في ذلك وجهان لما ذكروه في الاثمان ولنا انها لو كانت مقطوعة لجاز استئجارها لذلك فكذلك النابتة وذلك لان الانتفاع يحصل بهما على السواء في الحالتين فما جاز في إحداهما يجوز في الاخرى ولانها شجرة فجاز استئجارها لذلك كالمقطوعة ولانها منفعة مقصودة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين فجاز العقد عليها كما لو كانت مقطوعة (فصل) ويجوز استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وقطع الكافور والند لشمه للمرضى وغيرهم مدة ثم يرده لانها منفعة أشبهت الوزن والتحلي مع انه لا ينفك من اخلاق وبلى (فصل) يجوز استئجار دار يتخذها مسجدا يصلي فيه وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز لان فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الاجارة بحال فلا تجوز الاجارة لذلك ولنا ان هذه منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من العين مع بقائها فجاز استئجار العين لها كالسكنى ويفارق الصلاة فانها لا تدخل النيابة فيها بخلاف المسجد * (مسألة) * (ويجوز استئجار ولده لخدمته وامرأته لرضاع ولده وحضانته)

[ 34 ]

يجوز استئجار ولده لخدمته كالاجنبي واستئجار أمه وأخته وابنته لرضاع ولده وكذلك سائر أقاربه بغير خلاف كالاجانب، فأما استئجار امرأته لرضاع ولده منها فيجوز في الصحيح من المذهب قال الخرقي ان أرادت الام أن ترضع ولدها باجرة مثلها فهي أحق به من غيرها سواء كانت في جبال الزوج أو مطلقة وقال القاضي لا يجوز وتأول كلام الخرقي على انها في حبال زوج آخر وهو قول أصحاب الرأي وحكي عن الشافعي لانه قد استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض فلا يجوز أن يلزمه آخر لذلك ولنا ان كل عقد يصح أن تعقده مع غير الزوج يصح أن تعقده معه كالبيع ولان منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج بدليل انه لا يملك إجبارها على ذلك ويجوز أن تأخذ عليها العوض من غيره فجاز لها أخذه منه كثمن مالها، قولهم انها استحقت عوض الحبس والاستمتاع قلنا هذا غير الحضانة واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر كما لو استأجرها ثم تزوجها، وتأويل القاضي كلام الخرقي يخالف الظاهر من وجهين (أحدهما) أن الالف واللام في الزوج للمعهود وهو أبو الطفل (الثاني) انها إذا كانت في حبال زوج آخر لا تكون أحق به بل يسقط حقها من الحضانة ثم ليس لها أن ترضع الا باذن زوجها ففسد التأويل * (مسألة) * (ولا تصح الاجارة الا بشروط خمسة أحدها أن يعقد على نفع العين دون أجزائها)

[ 35 ]

لان الاجارة بيع المنافع فأما الاجزاء فلا تدخل في الاجارة فلا يصح اجارة الطعام للاكل ولا الشمع ليشعله لان هذا لا ينتفع به الا باتلاف عينه فلم يجز كما لو استأجر دينارا لينفقه، فان استأجر شمعة ليسرجها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب وأجر الباقي فهو فاسد لانه يشمل بيعا واجارة وما وقع عليه البيع مجهول وإذا جهل البيع جهل المستأجر أيضا فيفسد العقدان * (مسألة) * (ولا يجوز استئجار حيوان ليأخذ لبنه) كاستئجار الابل والبقر والغنم ليأخذ لبنها أو ليسترضعها لسخالها ونحوها ولا ليأخذ صوفها وشعرها ووبرها ولا استئجار شجرة ليأخذ ثمرتها أو شيئا من عينها لما ذكرناه * (مسألة) * (الا في الظئر ونفع البئر يدخل تبعا) أما الظئر فقد سبق ذكرها، وأما نفع البئر فقال ابن عقيل يجوز استئجار البئر ليستقي منه أياما معلومة ودلاء معلومة لان هواء البئر وعمقها فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فهى، فأما الماء فيؤخذ على أصل الاباحة (فصل) ولا يجوز استئجار الفحل الضرب وهو ظاهر مذهب الشافعي وأصحاب الرأي

[ 36 ]

وخرج أبو الخطاب وجها في جوازه بناء على إجارة الظئر للرضاع لان الحاجة تدعو إليه وهو قول الحسن وابن سيرين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل متفق عليه ولان المقصود الماء الذي يخلق منه الولد فيكون عقد الاجارة لاستيفاء عين فهو كاجارة الغنم لاخذ لبنها، ولان الماء محرم لا قيمة له فلم يجز أخذ العوض عنه كالميتة، فأما من أجازه فينبغي أن يوقع العقد على العمل ويقدره بمرة أو مرتين، وقيل يقدره بالمدة وهو بعيد فان من أراد إطراق فرسه مرة فقدره بمدة تزيد على قدر الفعل لم يكن استيعابها به وربما لا يحصل الفعل في المدة ويتعذر ضبط مقدار الفعل فيتعين التقدير بالفعل الا أن يكتري فحلا لاطراق ماشية كثيرة كتيس يتركه في غنمه فانه انما يكتريه مدة معلومة. والمذهب أنه لا يجوز اجارته لما ذكرنا فان احتاج إلى ذلك ولم يجد من يطرق له جاز له أن يبذل الكراء، وليس للمطرق أخذه لان ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها فجاز كشراء الاسير ورشوة الظالم ليدفع ظلمه، وان أطرق انسان فحله بغير اجارة ولا شرط فأهديت له هدية أو أكرم بكرامة لذلك فلا بأس لانه فعل معروفا فجازت مجازاته عليه كما لو أهدى هدية فجوزي عليها * (مسألة) * (الثاني معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين ويصح في الآخر بدونه وللمستأجر خيار الرؤية)

[ 37 ]

يشترط معرفة العين المستأجرة بالمشاهدة إن كانت لا تنضبط بالصفات، أو بالصفة ان كانت تنضبط قياسا على البيع، وفيه وجه آخر أنه لا يشترط ويثبت للمستأجر خيار الرؤية وهو قول أصحاب الرأي، والخلاف ههنا مبني على الخلاف في البيع، وقد ذكرناه والمشهور الاول. فعلى هذا إذا كانت مما لا ينضبط بالصفة كالدور والحمام فلابد من رؤيتها كالبيع لان الغرض يختلف بصغرها وكبرها ومرافقها ومشاهدة قدر الحمام ليعلم كبرها من صغرها ومعرفة مائه ومشاهدة الايوان ومطرح الرماد وموضع الزبل ومصرف ماء الحمام، فمتى أخل بهذا أو بعضه لم يصح للجهالة بما يختلف به الغرض، وقد كره أحمد كراء الحمام لانه يدخله من يكشف عورته فيه قال ابن حامد هو على طريق كراهة التنزيه دون التحريم فاما العقد فصحيح في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن كراء الحمام جائز إذا حدده وذكر جميع آلته شهورا مسماة وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لان المكتري انما يأخذ الاجر عوضا عن دخول الحمام والاغتسال بمائه وأحوال المسلمين محمولة على السلامة وان وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز لم يحرم الاجر المأخوذ منه كما لو اكترى دارا ليسكنها فشرب فيها خمرا * (مسألة) * (الثالث القدرة على التسليم فلا تصح اجارة الآبق والشارد والمغصوب من غير غاصبه إذا لم يقدر على أخذه منه) لانه لا يمكن تسليم المعقود عليه فلم تصح إجارته كبيعه * (مسألة) * (ولا تجوز اجارة المشاع مفردا لغير شريكه وعنه ما يدل على الجواز

[ 38 ]

قال أصحابنا لا تجوز اجارة المشاع لغير الشريك إلا أن يؤجر الشريكان معا وهذا قول أبي حنيفة وزفر لانه لا يقدر على تسليمه فلم تصح اجارته كالمغصوب، يحقق ذلك أنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب الشريك ولا ولاية له على مال شريكه، واختار أبو حفص العكبري جوازه، وقد أومأء إليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد لانه معلوم يجوز بيعه فجازت إجارته كالمفرد ولانه عقد في ملكه يجوز مع شريكه فجاز مع غيره كالبيع، ومن نصر الاول فرق بين محل النزاع وبين ما إذا أجره الشريكان أو أجره لشريكه فانه يمكن التسليم إلى المستأجر فأشبه اجارة المغصوب من غاصبه دون غيره، وان كانت لواحد فاجر نصفها صح لانه يمكنه تسليمه ثم ان أجر نصفها الآخر للمستأجر الاول صح لامكان تسليمه إليه، وان أجره لغيره ففيه وجهان كالمسألة التي قبلها لانه لا يمكنه تسليم ما اجره إليه، وان أجر الدار لاثنين لكل واحد منهما نصفها فكذلك لانه لا يمكنه تسليم نصيب كل واحد إليه (فصل) ولا تجوز اجارة المسلم للذمي لخدمته نص عليه أحمد في رواية الاثرم فقال ان أجر نفسه من الذي في خدمته لم يجز، وان كان في عمل شئ جاز وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر تجوز لانه يجوز له اجارة نفسه في غير الخدمة فجاز فيها كاجارته من المسلم ولنا أنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر واذلاله له واستخدامه أشبه البيع، يحققه أن عقد

[ 39 ]

الاجارة للخدمة يتعين فيها حبسه مدة الاجارة واستخدامه، والبيع لا يتعين فيه ذلك فإذا منع فالمنع من الاجارة أولى، فاما ان أجر نفسه منه في عمل معين في الذمة كخياطة ثوب جاز بغير خلاف نعلمه لان عليا رضي الله عنه أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكره، وكذلك الانصاري ولانه عقد معاوضة لا يتضمن اذلال المسلم ولا استخدامه فأشبه مبايعته فان أجر نفسه منه لغير الخدمة مدة معلومة جاز أيضا في ظاهر كلام أحمد لقوله: وان كان في عمل شئ جاز ونقل عنه أحمد بن سعيد لا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي وهذا مطلق في نوعي الاجارة، وذكر بعض أصحابنا أن ظاهر كلام أحمد منع ذلك وأشار إلى ما رواه الاثرم واحتج بانه عقد يتضمن حبس المسلم أشبه البيع، والصحيح ما ذكرنا فان كلام أحمد يدل على خلاف ما قاله، وانه خص المنع بالاجارة للخدمة وأجاز اجارته للعمل وهذا اجارة للعمل، ويفارق البيع فان فيه إثبات الملك على المسلم ويفارق إجارته للخدمة لتضمنها الاذلال (فصل) نقل ابراهيم الحربي أنه سئل عن الرجل يكتري الديك ليوقظه لوقت الصلاة لا يجوز لان ذلك يقف علي فعل الديك، ولا يمكن استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره وقد يصيح وقد لا يصيح وربما صاح بعد الوقت * (مسألة) * (الشرط الرابع اشتمال العين على المنفعة)

[ 40 ]

فلا يجوز استئجار بهيمة زمنة للحمل ولا أرض لا تنبت الزرع لان الاجارة عقد على المنفعة ولا يمكن تسليم هذه المنفعة من هذه العين فلا تجوز اجارتها كالعبد الآبق * (مسألة) * (الخامس كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونا له فيها) لانه تصرف فيما لا يملكه ولا اذن فيه مالكه فلم يجز كبيعه، ويحتمل أن يجوز ويقف على اجازة المالك بناء على بيع العين بغير إذن مالكها * (مسألة) * (يجوز للمستأجر اجارة العين لمن يقوم مقامه من المؤجر وغيره) يجوز للمستأجر اجارة العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وابن سبرين ومجاهد وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن والمنافع لم تدخل في ضمانه، ولانه عقد على ما لم يدخل في ضمانه فلم يجز كبيع المكيل والموزون قبل قبضه، والاول أصح لان قبض العين قام مقام قبض المنافع بدليل أنه يجوز التصرف فيها فجاز العقد عليها كبيع الثمرة على الشجرة وبهذا الاصل يبطل قياس الرواية الاخرى. إذا ثبت هذا فانه لا تجوز إجارته إلا لمن يقوم مقامه أو دونه في الضرر لان هذه المنفعة صارت مملوكة له فله أن يستوفيها بنفسه وبنائه، والمستأجرة لا يجوز أجارتها لمن هو أكثر ضررا منه ولا لمن يخالف ضرره ضرره لما نذكره

[ 41 ]

(فصل) فاما اجارتها قبل قبضها فتجوز من غير المؤجر في أحد الوجهين وهو قول بعض الشافعية لان قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه فلم يقف جواز التصرف عليه، والثاني لا يجوز وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من قولي الشافعي لان المنافع مملوكة بعقد معاوضة فاعتبر في جواز العقد عليها القبض كالاعيان، وأما اجارتها للمؤجر قبل القبض فإذا قلنا لا يجوز من غير المؤجر ففيها ههنا وجهان (أحدهما) لا يجوز كغيره (والثاني) يجوز لان القبض لا يتعذر عليه بخلاف الاجنبي وأصلهما بيع الطعام قبل قبضه وهل يصح من بائعه؟ على روايتين وتجوز اجارتها من المؤجر بعد قبضها وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجوز لانه يؤدي إلى تناقض الاحكام لان التسليم مستحق من المكري فإذا اكتراها صار مستحقا له فيصير مستحقا لما يستحق عليه وهو تناقض ولنا أن كل عقد جاز مع الاجنبي جاز مع العاقد كالبيع وما ذكروه لا يصح لان التسليم قد حصل وهذا المستحق له تسليم آخر ثم يبطل بالبيع فانه يستحق عليه تسليم العين، فإذا اشتراها استحق تسليمها فان قبل التسليم ههنا مستحق في جميع المدة قلنا المستحق تسليم العين، وقد حصل وليس عليه تسليم آخر غير أن العين من ضمان المؤجر فإذا تعذرت المنافع بتلف الدار أو غصبها رجع عليها لانها تعذرت بسبب كان في ضمانه

[ 42 ]

* (مسألة) * (وتجوز إجارتها بمثل الاجرة وزيادة، وعنه لا تجوز بزيادة، وعنه ان جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا) إذا قلنا بجواز إجارة العين المستأجرة جازت بمثل الاجرة وزيادة نص عليه أحمد، وروي عن عطاء والحسن والزهري وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وعن أحمد لا تجوز بزيادة تروى كراهة ذلك عن ابن المسيب وأبي سلمة وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي وعنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا فان فعل تصدق بالزيادة روي ذلك عن الشعبي وبه قال الثوري وأبو حنيفة لانه يربح بذلك فيما لم يضمن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن ولانه يربح فيما لم يضمن فلم يجز كما لو ربح في الطعام قبل قبضه ويخالف ما إذا عمل فيها فان الربح في مقابلة العمل، وعن أحمد رواية أخرى ان أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا لم يجز ولنا أنه عقد يجوز برأس المال فجاز بزيادة كبيع المبيع بعد قبضه وكما لو أحدث فيها عمارة لا يقابلها جزء من الاجر، وأما الخبر فان المنافع قد دخلت في ضمانه من وجه بدليل أنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه، والقياس على بيع الطعام قبل قبضه لا يصح فانه لا يجوز وان لم يربح فيه، وتعليلهم بأن الربح في مقابلة عمله ملغي بما إذا كنس الدار ونظفها فان ذلك يزيد في أجرها عادة والله أعلم

[ 43 ]

(فصل) وسئل أحمد عن الرجل يتقبل العمل من الاعمال فيقبله بأقل من ذلك أيجوز له الفضل؟ قال ما أدري هي مسألة فيها بعض الشئ، قلت أليس كان الخياط أسهل عندك إذا قطع الثوب أو غيره إذا عمل في العمل شيئا؟ قال إذا عمل فهو أسهل. قال النخعي لا بأس أن يتقبل الخياط الثياب بأجر معلوم ثم يقبلها بعد ذلك بعد أن يعين فيها أو يقطع أو يعطيه سلوكا أو إبرا فان لم يعين فيها بشئ فلا يأخذن فضلا. وهذا يحتمل أن يكون النخعي قاله بناء على مذهبه في أن من استأجر شيئا لا يؤجره بزيادة، وقياس المذهب جواز ذلك سواء أعان فيها بشئ أو لم يعن لانه إذا جاز أن يقبله بمثل الاجر الاول جاز بزيادة عليه كالبيع وكاجارة العين * (مسألة) * (وللمستعير اجارتها إذا أذن له المعير مدة بعينها) لانه لو أذن له في بيعها جاز فكذلك إذا أذن له في اجارتها ولان الحق له فجاز باذنه ولابد من تعيين المدة في الاذن لان الاجارة عقد لازم لا تجوز الا مدة معينة * (مسألة) * (وتجوز اجارة الوقف) لان منافعه مملوكة للموقوف عليه فجاز اجارتها كالمستأجر * (مسألة) * (فان مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تفسخ الاجارة في أحد الوجهين) وللثاني حصته من الاجر لانه أجر ملكه في زمن ولايته فلم تبطل بموته كما لو أجر ملكه الطلق

[ 44 ]

(والثاني) تنفسخ الاجارة فيما بقي من المدة لانا تبينا أنه أجر ملكه وملك غيره فصح في ملكه دون ملك غيره كما لو أجر دارين احداهما له والاخرى لغيره بخلاف الطلق فان المالك يملك من جهة الموروث فلا يملك إلا ما خلفه، وما تصرف فيه في حياته لا ينتقل إلى الوارث والمنافع التي أجرها قد خرت عن ملكه بالاجارة فلا تنتقل إلى الوارث، والبطن الثاني في الوقف يملكون من جهة الواقف فما حدث فيها بعد البطن الاول كان ملكا لهم فقد صادف تصرف المؤجر في ملكهم من غير اذنهم ولا ولاية له عليهم ويتخرج أن تبطل الاجارة كلها بناء على تفريق الصفقة وهذا التفصيل مذهب الشافعي فعلى هذا إن كان المؤجر قبض الاجر كله وقلنا تنفسخ الاجارة فلمن انتقل إليه الوقف أخذه ويرجع المستأجر على ورثة المؤجر بحصة الباقي من الاجر. وان قلنا لا تنفسخ رجع من انتقل إليه الوقف على التركة بحصته * (مسألة) * (وإن أجر الولي اليتيم أو ماله مدة فبلغ في أثنائها فليس له فسخ الاجارة ذكره أبو الخطاب) لانه عقد لازم عقده بحق الولاية فلم يبطل بالبلوغ كما لو باع داره أو زوجه، ويحتمل أن تبطل الاجارة فيما يعد البلوغ لزوال الولاية لما ذكرنا في إجارة الوقف. ويحتمل انه إذا أجره مدة يتحقق فيها بلوغه وهو أن يؤجر ابن أربع عشره سنتين فيبطل في السادس عشر لاننا نتيقن انه أجره فيها بعد بلوغه، وهل يصح في الخامس عشر؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة، وإن لم يتحقق فيها بلوغه

[ 45 ]

كالذي أجره الخامس عشر وحده فبلغ في أثنائه فيكون فيه ما ذكرنا في صدر الفصل، لانا لو قلنا يلزم الصبي بعقد الولي مدة يتحقق فيها بلوغه أفضى إلى أن يعقد على منافعه طول عمره وإلى أن يتصرف فيه في غير زمن ولايته عليه، ولا يشبه النكاح لانه لا يمكن تقدير مدته فانه انما يعقد للابد، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا بلغ لصبي فله الخيار لانه عقد على منافعه في حال لا يملك التصرف في نفسه فإذا ملك ثبت له الخبيار كالامة إذا عتقت تحت زوج ولنا انه عقد لازم عقد عليه قبل أن يملك التصرف فإذا ملكه لم يثبت له الخيار كالاب إذا زوج ولده والامة إنما ثبت لها الخيار إذا عتقت تحت عبد لاجل العيب لا لما ذكره، بدليل انها لو عتقت تحت حر لم يثبت لها الخيار، إن مات الولي المؤجر للصبي أو ماله أو عزل وانتقلت الولاية إلى غيره لم يبطل عقده لانه تصرف وهو من أهل التصرف في محل ولايته فلم يبطل تصرفه بموته أو عزله كما لو مات ناظر الوقف أو عزل أو مات الحاكم بعد تصرفه فيما له النظر فيه، ويفارق ما لو أجر الموقوف عليه الوقف مدة ثم مات في أثنائها لانه أجر ملك غيره بغير اذنه في مدة لا ولاية له فيها، وههنا انما يثبت للوالي الثاني التصرف فيما لم يتصرف فيه الاولى وهذا العقد قد تصرف فيه الاول فلم يثبت للثاني ولاية على ما تناوله الخبر * (مسألة) * (فان أجر السيد عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها صح العتق) ولم يبطل عقد الاجاره في قياس المذهب ولا يرجع العبد على مولاه بشئ. وهذا أحد قولي

[ 46 ]

الشافعي، وقال في القديم يرجع على مولاه بأجر المثل لانه المنافع تستوفى منه بسبب كان من جهة السيد فرجع عليه كما لو أكرهه بعد عتقه على ذلك العمل ولنا انها منفعة استحقت بالعقد قبل العتق فلم يرجع ببدلها كما لو زوج أمته ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها فان ما يستوفيه السيد لا يرجع به عليه. ويخالف المكره فانه تعدى بذلك، وقال أبو حنيفة للعبد الخيار في الفسخ أو الامضاء كالصبي إذا بلغ للمعنى الذي ذكره. ثم ولنا انه عقد لازم على ما يملك فلم ينفسخ بالعتق ولا يزول ملكه عنه كما لو زوج أمته ثم باعها إذا ثبت هذا فان نفقة العبد إذا لم تكن مشروطة على المستأجر فهي على معتقه لانه كالباقي في ملكه لكونه يملك عوض نفعه، ولان العبد عاجز عن نفقته لانه مشغول بالاجارة ولم تجب على المستأجر لانه استحق منفعته بعوض غير نفقته لم يبق الا انها على المولى، ويتخرج ان تنفسخ الاجاره كالصبي والله أعلم * (فصل) * قال رحمه الله (واجارة العين تنقسم إلى قسمين (أحدهما) أن تكون على مدة كاجارة الدار شهرا والارض عاما والعبد للخدمه أو للرعي مدة معلومة ويسمى الاجير فيها الاجير الخاص) تكون في الآدمي وغيره، فأما غير الآدمي فمثل اجارة الدار شهرا والارض عاما. وأما اجارة الآدمي فمثل أن يستأجر رجلا يبني معه يوما أو يخيط له شهرا فهذا يسمى الاجير الخاص لان المستأجر يختص بمنفعته في مدة الاجارة لا يشاركه فيها غيره * (مسألة) * (ويشترط أن تكون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها وان طالت)

[ 47 ]

أما ضبطها بالشهر والسنة فلا نعلم فيه خلافا وإنما اشترط العلم بالمدة لانها هي الضابطة فاشترط معرفتها كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل، فان قدر المدة بسنة مطلقة حمل على السنة الهلالية لانها المعهودة قال الله تعالى (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فوجب أن يحمل العقد عليه، فان قال هلالية كان توكيدا، وإن قال عددية أو سنة بالايام فهي ثلثمائة وستون يوما لان الشهر العددي ثلاثون يوما. وان استأجر سنة هلالية في أولها عد اثني عشر شهرا بالاهلة سواء كان الشهر تاما أو ناقصا لان الشهر الهلالي ما بين هلالين ينقص مرة ويزيد أخرى. وكذلك إن كان العقد على أشهر دون السنة، وإن جعلا المدة سنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وهما يعلمانها جاز وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وإن جهلا ذلك أو أحدهما لم يصح (فصل) فان أجره إلى العيد انصرف إلى الذي يليه وتعلق بأول جزء منه لانه جعل غاية فتنتهي مدة الاجارة بأوله. وقال القاضي: لابد من تعيين العيد فطرا أو أضحى من هذه السنة أو من سنة كذا. وكذلك الحكم ان علقه بشهر يقع اسمه على شهرين كجمادى وربيع يجب على قوله أن يذكر الاول أو الثاني من سنة كذا. وان علقه بشهر مفرد كرجب فلابد أن يبينه من أي سنة، وإن علقه بيوم بينه من أي أسبوع، وإن علقه بعيد من أعياد الكفار وهما يعلمانه صح وإلا لم يصح (فصل) ولا تتقدر أكثر مدة الاجارة بل يجوز أجرة العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها

[ 48 ]

وإن طالت. وهذا قول عامة أهل العلم، غير أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه فمنهم من قال له قولان (أحدهما) كما ذكرنا وهو الصحيح (والثاني) لا يجوز أكثر من سنة لان الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها ومنهم من قال له قول ثالث انها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة. وحكى القاضى في كتاب الخلاف عن ابن حامد ان أصحابنا اختلفوا في مدة الاجارة فمنهم من قال لا تجوز أكثر من سنة. واختاره ومنهم من قال إلى ثلاثين سنة لان الغالب ان الاعيان لا تبقى اكثر منها وتتغير الاسعار والاجر ولنا قوله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام انه قال (على أن تأجرني ثماني حجج) وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل. ولان ما جاز العقد عليه سنة جاز أكثر منها كالبيع والنكاح والمساقاة والتقدير بسنة وثلاثين تحكم لا دليل عليه وليس هو بأولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه (فصل) إذا استأجر سنين لم يحتج إلى تقسيط الاجر على كل سنة في ظاهر كلام احمد كما لو استأجر سنة لم يحتج إلى تقسيط أجر كل شهر بالاتفاق، وكذلك لا يفتقر إلى تقسيط أجر كل يوم إذا استأجر شهرا، ولان المنفعة كالاعيان في البيع، ولو اشتملت الصفقة على اعيان لم يلزمه تقدير ثمن كل عين كذلك، ههنا وقال الشافعي في أحد قوليه يفتقر إلى تقسيط أجر كل سنة لان المنافع تختلف باختلاف السنين فلا يأمن أن ينفسخ العقد فلا يعلم بم يرجع وهذا يبطل بالشهور فانه لا يفتقر إلى تقسيط الاجر على كل شهر مع الاحتمال الذي ذكروه

[ 49 ]

* (مسألة) * (ولا يشترط أن تلي العقد فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح) سواء كانت العين مشغولة وقت العقد أو لم تكن وكذلك ان أجره شهر رجب في المحرم وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارة، ففيه قولان لانه عقد على ما يمكن تسليمه في الحال فأشبه إجارة العين المغصوبة قال ولا يجوز أن يكتري بعيرا بعينه إلا عند خروجه لذلك ولنا انها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس كالتي تلي العقد وإنما تشترط القدرة على التسليم عند وجوبه كالسلم فانه لا يشترط وجود القدرة عليه حين العقد، ولا فرق بين كونها مشغولة أو غير مشغولة لما ذكرناه، وما ذكره يبطل بما إذا أجرها من المكتري فان يصح مع ما ذكروه. إذا ثبت هذا فان الاجارة ان كانت على مدة تلي العقد لم يحتج إلى ذكر ابتدائها من حين العقد وان كانت لا تليه فلابد من ذكره لانها أحد طرفي العقد فاحتيج إلى معرفتة كالانتهاء، وان أطلق فقال أجرتك سنة أو شهرا صح وكان ابتداؤها من حين العقد وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي وبعض اصحابنا لا يصح حتى يسمي الشهر ويذكر أي سنة هي قال أحمد في رواية اسماعيل ابن سعيد إذا استأجر أجيرا شهرا فلا يجوز حتى يسمي الشهر ولنا قول الله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام قال (على أن تأجرني ثماني حجج) لم يذكر ابتداءها ولانه تقدير بمدة ليس فيها قربة فإذا اطلقها وجب أن تلي السبب كمدة السلم والايلاء وتفارق النذر فانه قربة

[ 50 ]

(فصل) إذا تمت الاجارة وكانت على مدة ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدة وتحدث على ملكه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة تحدث على ملك المؤجر ولا يملكها المستأجر بالعقد لانها معدومة فلا تكون مملوكة كالولد والتمرة ولنا ان الملك عبارة عن حكم يحصل به تصرف مخصوص وقد ثبت أن المنفعة المستقبلة كان لمالك العين أن يتصرف فيها كتصرفه في العين فلما أجرها كان المستأجر مالكا للتصرف فيها كما كان يملكه المؤجر فثبت انها كانت مملوكة لمالك العين ثم انتقلت إلى المستأجر بخلاف الولد والتمرة فان المستأجر لا يملك التصرف فيها قولهم إن المنفعة معدومة قلنا هي مقدرة الوجود لانها جعلت موردا للفعل والقدر لا يرد إلا على موجود * (مسألة) * (وإذا أجره في اثناء شهر سنة استوفى شهرا بالعدد وسائرها بالاهلة) لانه تعذر اتمامه بالهلال فتممناه بالعدد وامكن استيفاء ما عداه بالهلال فوجب ذلك لانه الاصل وعنه يستوفي الجميع بالعدد لانها مدة يستوفي بعضها بالعدد فوجب استيفاء جميعها به كما لو كانت المدة شهرا واحدا ولان الشهر الاول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في اثنائه وكذلك كل شهر يأتي بعده ولابي حنيفة والشافعي كالروايتين، وكذلك الحكم في كل ما يعتبر فيه الاشهر كعدة الوفاة وشهري صيام الكفارة

[ 51 ]

(فصل) ومن اكترى دابة إلى العشاء فآخر المدة غروب الشمس وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو ثور آخرها زوال الشمس لان العشاء آخر النهار وآخره النصف الآخر من الزوال وكذلك جاء في حديث ذي اليدين عن أبي هريرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احدى صلاة العشي يعني الظهر أو العصر هكذا تفسيره ولنا قوله تعالى (من بعد صلاة العشاء) يعني العتمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لاخرت العشاء إلى ثلث الليل " وإنما تعلق الحكم بغروب الشمس لان هذه الصلاة تسمى العشاء الآخرة فيدل على أن الاولى المغرب وهو في العرف كذلك فوجب أن يتعلق الحكم به لان المدة إذا جعلت إلى وقت تعلقت بأوله كما لو جعلتا إلى الليل، وما ذكروه لا يصح لان لفظ العشي غير لفظ العشاء فلا يجوز الاحتجاج بأحدهما على الآخر حتى يقوم دليل على أن معنى اللفظين واحد ثم لو ثبت أن معناهما واحد غير أن أهل العرف لا يعرفون غير ما ذكرنا، فان اكتراها إلى الليل فهو إلى أوله وكذلك ان اكتراها إلى النهار فهو إلى أوله، ويتخرج أن يدخل الليل في المدة الاولى والنهار في الثانية لما ذكرنا في مدة الخيار، وان اكتراها نهارا فهو إلى غروب الشمس وان اكتراها ليلة فهي إلى طلوع الفجر في قول الجميع لان الله تعالى قال في ليلة القدر (سلام هي حتى مطلع الفجر) وقال (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ثم قال (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا

[ 52 ]

واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (فصل) وان اكترى فسطاطا إلى مكة ولم يقل متى اخرج فالكراء فاسد وبه قال أبو ثور وهو قياس قول الشافعي وقال أصحاب الرأي يجوز استحسانا بخلاف القياس ولنا انها مدة غير معلومة الابتداء فلم يجز كما لو قال أجرتك داري من حين يخرج الحاج إلى رأس السنة وقد اعترفوا بمخالفته الدليل وما ادعوه دليلا تمنع كونه دليلا (القسم الثاني) إجارتها العمل معلوم كاجارة الدابة للركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث مكان أو دياس زرع واستئجار عبد ليدله على طريق أو رحى لطحن قفزان معلومة فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف لان الاجارة عقد معاوضة فوجب أن يكون العوض فيها معلوما لئلا يفضي إلى الاختلاف والتنازع كقولنا في البيع، والعلم بمقدار المنفعة إما أن يحصل بتقدير المدة كما ذكرنا في اجارة الدار وخدمة العبد مدة معلومة وإما بتقدير العمل ووصف ما يعمله وضبطه بما لا يختلف فيه كالمبيعات (فصل) يجوز أن يكتري بقرا لحرث مكان لان البقر خلقت للحرث ولذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم " بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها فقالت إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث " متفق عليه، ويحتاج إلى معرفة الارض وتقدير العمل، فأما الارض فلا تعرف إلا بالمشاهدة فانها تختلف فتكون صلبة تتعب

[ 53 ]

البقر والحراث وتكون فيها حجارة تتعلق فيها السكة وتكون رخوة يسهل حرثها، ولا تنضبط بالصفة فتحتاج إلى الرؤية. وأما تقدير العمل فيجوز بأحد شيئين إما بالمدة كيوم وإما بمعرفة الارض كهذه القطعة أو من ههنا إلى ههنا أو بالمساحة كجريب أو جريبين أو كذا ذراعا في كذا كل ذلك جائز لحصول العلم به فان قدره بالمدة فلابد من معرفة البقر التي يعمل عليها لان الغرض يختلف باختلافها بالقوة والضعف ويجوز أن يستأجر البقر مفردة ليتولى رب الارض الحرث بها ويجوز أن يستأجرها مع صاحبها ويجوز استئجارها بآلتها وبدونها وتكون الآلة من عند صاحب الارض ويجوز استئجار البقر وغيرها لدواس الزرع لانها منفعة مباحة مقصودة اشبهت الحرث ويجوز على مدة أو زرع معين أو موصوف كما ذكرنا في الحرث، ومتى كان على مدة احتيج إلى معرفة الحيوان لان الغرض يختلف به فمنه ما روثه ظاهر ومنه نجس، ولا يحتاج إلى معرفة عين الحيوان ويجوز أن يستأجر الحيوان بآلته وغيرها مع صاحبه ومنفردا كما ذكرنا في الحرث (فصل) ويجوز استئجار غنم لتدوس له طينا أو زرعا ولاصحاب الشافعي فيه وجه انه لا يجوز لانها منفعة غير مقصودة من هذا الحيوان. ولنا انها منفعة مباحة يمكن استيفاؤها اشبهت سائر المنافع المباحة وكالتي قبلها (فصل) وان اكترى حيوانا لعمل لم يخلق له كمن استأجر البقر للركوب أو الحمل أو الابل

[ 54 ]

والحمير للحرث جاز لانها منفعة مقصودة أمكن استيفاؤها من الحيوان لم يرد الشرع بتحريمها فجاز كالتي خلقت له، ولان مقتضى الملك جواز التصرف بكل ما تصلح له العين المملوكة ويمكن تحصيلها منها ولا يمتنع ذلك الا بمعارض راجح أو ما ورد بتحريمه نص أو قياس صحيح أو رجحان مضرة على منفعة ولم يوجد شئ منها، كثير من الناس يحملون على البقر ويركبونها وفي بعض البلاد يحرث على الابل والبغال والحمير فيكون معنى خلقها للحرث ان شاء الله تعالى انه معظم نفعها ولا يمنع ذلك الانتفاع بها في شئ آخر كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة ويباح أكلها، واللؤلؤ خلف للحلية ويجوز استعماله في الادوية وغيرها (فصل) ويجوز استئجار بهيمة لادارة الرحى ويفتقر لشيئين معرفة الحجر بالمشاهدة أو الصفة لان عمل البهيمة يختلف فيه بثقله وخفته فيحتاج صاحبها إلى معرفته (الثاني) تقدير العمل بالزمان كيوم أو يومين أو بالطعام فيقول قفيزا أو قفيزين وذكر جنس المطحون ان كان يختلف لان منه ما يسهل طحنه ومنه ما يشق، وان اكتراها لادارة دولاب فلابد من مشاهدته ومشاهدة دلائه لاختلافها وتقدير ذلك بالزمان أو مل ء، هذا الحوض، وكذلك ان اكتراها للسقي بالغرب فلابد من معرفته ولانه يختلف بكبره وصغره، ويقدر بالزمان أو الغروب أو بمل ء بركة، يجوز تقدير ذلك بسقي أرض لان ذلك يختلف فقد تكون الارض شديدة العطش لا يرويها القليل وتكون قريبة العهد بالماء فيرويها

[ 55 ]

اليسير، وان قدره بسقي ماشية احتمل أن لا يجوز لذلك ويحتمل الجواز لان شربها يتقارب في الغالب ويجوز استئجار دابة ليستقي عليها ماء، ولابد من معرفة الآلة التي يسقي فيها من راوية أو قرب أو جرار اما بالرؤية والماء بالصفة، ويقدر العمل بالزمان أو بالعدد أو بمل ء شئ معين، فان قدره بعدد المرات احتاج إلى معرفة المكان الذي يستقي منه والذي يذهب إليه لان ذلك يختلف بالقرب والبعد والسهولة والحزونه، وان قدره إلى شئ معين احتاج إلى معرفته ومعرفة ما يستقي منه، ويجوز أن يكتري البهيمة بآلتها وبدونها مع صاحبها ووحدها، فان اكتراها لبل تراب معروف جاز لانه يعلم بالعرف وكل موضع وقع العقد على مدة فلابد من معرفة الظهر الذي يعمل عليه لان الغرض يختلف باختلافها في القوة والضعف وان وقع على عمل معين لم يحتج إلى ذلك لانه لا يختلف ويحتمل أن يحتاج إلى ذلك في استقاء الما عليه لان منه ما روثه وجسمه طاهر كالخيل والبقر ومنه ما روثه نجس وفي جسمه اختلاف كالبغال فربما نجس يد المستقي أو دلوه فيتنجس الماء به فيختلف الغرض بذلك فاحتيج إلى معرفته * (مسألة) * (يجوز استئجار رجل ليدله على طريق) لان النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا عبد الله بن الاريقط هاديا خريتا وهو الماهر بالهداية ليدلهما على الطريق إلى المدينة

[ 56 ]

* (مسألة) * (ويصح استئجار رحى لطحن قفزان معلومة) ويحتاج إلى معرفة جنس المطحون برا أو شعيرا أو ذرة أو غيره لان ذلك يختلف فمنه ما يسهل طحنه ومنه ما يعسر فاحتيج إلى معرفتة لتزول الجهالة (فصل) يجوز استئجار كيال أو وزان لعمل معلوم أو في مدة معلومة وبه قال مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لا نعلم فيه خلافا، وقد روي في حديث سويد بن قيس أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترى رجل منا سراويل وثم رجل يزن بأجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " زن وأرجح " رواه أبو داود (فصل) ويجوز استئجار رجل ليلازم غريما تستحق ملازمته وقد روي عن احمد انه كره ذلك وقال: غير هذا أعجب إلي وانما كرهه لانه يؤول إلى الخصومة وفيه تضييق على المسلم ولا يأمن ان يكون ظالما فيساعده على ظلمه وروي عنه انه قال لا بأس به لان الظاهر انه بحق فان الحاكم في الظاهر لا يحكم الا بحق ولهذا أجزنا للموكل فعله (فصل) ويجوز الاستئجار لحفر الآبار والانهار والقني لانها منفعة معلومة يجوز التطوع بها فجاز الاستئجار عليها كالخدمة ولابد من تقدير العمل بمدة أو عمل معين فان قدره بمدة نحو أن يستأجره شهرا ليحفر له بئرا أو نهرا لم يحتج إلى معرفة القدر وعليه الحفر في ذلك الشهر قليلا حفر أو كثير

[ 57 ]

قال شيخنا ويفتقر إلى معرفة الارض التى يحفر فيها وقال بعض أصحابنا لا يحتاج إلى ذلك لان الغرض لا يختلف بذلك والاول أولى ان شاء الله تعالى لان الارض الصلبة يشق حفرها واللينة يسهل، وان قدره بالعمل فلابد من معرفة الموضع بالمشاهدة لكونها تختلف بالسهولة والصلابة وذلك لا ينضبط بالصفة، ويعرف دور البئر وعمقها وطول النهر وعرضه وعمقه لان العمل يختلف بذلك، وإذا حفر بئرا فعليه شيل التراب لانه لا يمكنه الحفر الا بذلك فقد تضمنه العقد، فان تهور تراب من جانبيها أو سقطت فيه بهيمة أو نحو ذلك لم يلزمه شيله وكان على صاحب البئر لانه سقط فيها من ملكه ولا يتضمن عقد الاجارة رفعه، وان وصل إلى صخرة أو جماد يمنع الحفر لم يلزمه حفره لان ذلك مخالف لما شاهده من الارض وانما اعتبرت مشاهدة الارض لانها تختلف فإذا ظهر فيها ما يخالف المشاهدة كان له الخيار في الفسخ فان فسخ كان له الاجر بحصة ما عمل فيقسط الاجر على ما بقي وما عمل، فيقال كم أجر ما عمل وكم أجر ما بقي؟ فيقسط الاجر المسمى عليهما ولا يجوز تقسيطه على عدد الاذرع، لان أعلى البئر يسهل نقل التراب منه وأسفله يشق ذلك فيه، وان نبع منه ما منعه من الحفر فهو كالصخرة على ما ذكرنا (فصل) ويجوز استئجار ناسخ ينسخ له كتبا من الفقه والحديث والشعر المباح وسجلات نص عليه في رواية مثنى ابن جامع، وسأله عن كتابة الحديث بالاجر فلم ير به بأسا، ولابد من التقدير بالمدة

[ 58 ]

أو العمل فان قدره بالعمل ذكر عدد الورق وقدره وعدد السطور في كل ورقة وقدر الحواشي ودقة القلم وغلظ فان عرف الخط بالمشاهدة جاز وان أمكن ضبطه بالصفة ضبطه والا فلابد من المشاهدة لان الاجر يختلف باختلافه، ويجوز تقدير الاجر بأجزاء الفرع وبأجزاء الاصل، وان قاطعه على نسخ الاصل بأجر واحد جاز فان أخطأ بالشئ اليسير عفي عنه لانه لا يمكن التحرز منه، وان كان كثيرا بحيث يخرج عن العادة فهو عيب يرد به، قال ابن عقيل ليس له محادثة غيره حال النسخ ولا التشاغل بما يشغل سره ويوجب غلطه ولا لغير تحديثه وشغله، وكذلك الاعمال التي تختل بشغل السر والقلب كالقصارة والنساجة ونحوهما، ويجوز أن يستأجر على نسخ مصحف في قول أكثر أهل العلم، منهم جابر بن زيد ومالك بن دينار وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابو ثور وابن المنذر، وقال ابن سيرين لا بأس أن يستأجر الرجل شهرا ويستكتبه مصحفا، وكره علقمة كناية المصحف بالاجر ولعله يرى ذلك مما يختص كون فاعله من أهل القربة فكره الاجر عليه كالصلاة ولنا انه فعل مباح يجوز أن ينوب فيه الغير عن الغير فجاز أخذ الاجرة عليه ككتابة الحديث، وقد جاء في الخبر " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " (فصل) يجوز أن يستأجر لحصاد زرعه لا نعلم فيه خلافا وكان ابراهيم بن أدهم يؤجر نفسه لحصاد الزرع، ويجوز تقديره بمدة وبعمل مثل أن يقاطعه على حصاد زرع معين، ويجوز أن يستأجر رجلا لسقي

[ 59 ]

زرعه وتنقيته ودياسه ونقله إلى موضع معين، ويجوز ان يستأجر رجلا يحتطب له لانه عمل مباح تدخله النيابة أشبه حصاد الزرع. قال احمد في رجل استأجر أجيرا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم فكان الرجل ينقل عليهما وعلى حمير لرجل آخر ويأخذ منه الاجرة فان كان يدخل عليه ضرر يرجع عليه بالقيمة، وظاهر هذا أن المستأجر يرجع على الاجير بقيمة ما استضر باشتغاله عن عمله لقوله ان كان يدخل عليه ضرر رجع بالقيمة فاعتبر الضرر. وظاهر هذا انه إذا لم يستضر لا يرجع بشئ لانه اكتراه لعمل فوفاه على التمام فلم يلزمه شئ كما لو استأجره بعمل فكان يقرأ القرآن في حال عمله فان ضر المستأجر رجع عليه بقيمة ما فوت عليه. ويحتمل أنه أراد أنه يرجع عليه بقيمة ما عمله لغيره لانه صرف منافعه المعقود عليها إلى عمل غير المستأجر فكان عليه قيمتها كما لو عمل لنفسه. وقال القاضي معناه انه يرجع عليه بالاجر الذي أخذه من الآخر لان منافعها في هذه المدة مملوكة لغيره فما حصل في مقابلتها يكون الذي استأجره (فصل) يجوز الاستئجار لاستيفاء القصاص في النفس وما دونها، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة لا يجوز في النفس لان عدد الضربات يختلف وموضع الضربات غير متعين إذ يمكن أن يضرب مما يلى الرأس ومما يلي الكتف فكان مجهولا ولنا انه حق يجوز التوكيل في استيفائه لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فجاز الاستئجار

[ 60 ]

عليه كالقصاص في الطرف. وقوله ان عدد الضربات يختلف وهو مجهول يبطل بخياطة الثوب فان عدد الغرزات مجهول، وقوله ان محله غير متعين، قلنا هو متقارب فلا يمنع ذلك صحته كموضع الخياطة من حاشية الثوب (فصل) ويجوز أن يستأجر سمسارا يشتري له ثيابا، ورخص فيه ابن سيرين وعطاء والنخعي، وكرهه الثوري وحماد ولنا انها منفعة مباحة تجوز النيابة فيها فجاز الاستئجار عليها كالبناء، وتجوز على مدة معلومة مثل أن يستأجره عشرة أيام يشتري له فيها لان المدة معلومة والعمل معلوم فأشبه الخياط والقصار، وان عين العمل دون الزمان فجعل له من كل الف درهم شيئا معلوما صح أيضا، وان قال كلما اشتريت ثوبا فلك درهم أجرا وكانت الثياب معلومة بصفة أو مقدرة بثمن جاز، وان لم تكن كذلك فظاهر كلام أحمد انه لا يجوز لان الثياب تختلف باختلاف أثمانها والاجر يختلف باختلافها فان اشترى فله أجر مثله، وهذا قول أبي ثور وابن المنذر لانه عمل عملا بعوض لم يسلم له فكان له أجر المثل كسائر الاجارات الفاسدة (فصل) وان استأجره ليبيع له ثيابا بعينها صح وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يصح لان ذلك يتعذر عليه فأشبه ضراب الفحل وحمل الحجر الكبير ولنا انه عمل مباح معلوم تجوز النيابة فيه فجاز الاستئجار عليه كشراء الثياب، ولانه يجوز الاستئجار

[ 61 ]

عليه مقدرا بزمن فجاز مقدرا بالعمل كالخياطة وقولهم انه يتعذر ممنوع فان الثياب لا تنفك عن راغب فيها ولذلك صحت المضاربة ولا تكون الا بالبيع والشراء بخلاف ما قاسوا عليه فانه يتعذر، وان استأجره على شراء ثياب معينة من رجل معين احتمل أن لا يصح لانه قد يتعذر لامتناع صاحبها من البيع فيتعذر تحصيل العمل بحكم الظاهر بخلاف البيع ويحتمل أن يصح لانه ممكن في الجملة فان حصل من ذلك شئ استحق الاجر وإلا بطلت الاجارة كما لو لم يعين البائع ولا المشتري * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (الضرب الثاني عقد على منفعة في الذمة مضبوطة بصفات السلم كخياطة ثوب وبناء دار وحمل إلى موضع معين ولا يكون الاجير فيها إلا آدميا جائز التصرف، ويسمى الاجير المشترك) يجوز للآدمي أن يؤجر نفسه بغير خلاف وقد أجر موسى عليه السلام نفسه لرعاية الغنم، واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه رجلا ليدلهما على الطريق ولانه يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه أشبه الدور، ثم ان اجارته تقع على مدة بعينها وعمل بعينه كاجارة موسى عليه السلام نفسه للرعي، وتقع على عمل موصوف في الذمة كالسلم، ومتى كان على عمل موصوف في الذمة لم يكن الاجير فيها إلا آدميا جائز التصرف لان الذمة لا تكون لغير الآدمي ولا تثبت المعاوضة لعمل في الذمة لغير جائز التصرف، ولابد أن يكون العمل الذي يتعلق بالذمة مضبوطا بصفات السلم ليحصل العلم به

[ 62 ]

ويسمى الاجير فيها الاجير المشترك مثل الخياط الذي يتقبل الخياطة لجماعة وكذلك القصار ومن في معناه فتكون منفعة مشتركة بينهم * (مسألة) * (ولا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كقوله استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم، وعنه يجوز) لا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كقوله استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم أو تبني هذه الدار في شهر وهو قول أبي حنيفة والشافعي لان الجمع بينهما بزبد الاجارة غررا لا حاجة إليه لانه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة فان استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد وان لم يعمل كان تاركا للعمل في بعض المدة، فهذا غرر قد أمكن التحرز منه ولم يوجد مثله في محل الوفاق فلم يجز العقد معه، وروي عن أحمد فيمن اكترى دابة إلى موضع على أن يدخله في ثلاث فدخله في ست قال قد أضربه فقيل يرجع عليه بالقيمة؟ قالا لا ويصالحه، وهذا يدل على جواز تقديرهما جميعا وهو قول أبي يوسف ومحمد لان الاجارة معقودة على العمل فالمدة انما ذكرت للتعجيل فلا تمنع ذلك، فعلى هذا إذا تم العمل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها لانه وفى ما عليه قبل مدته فلم يلزمه شئ آخر كما لو قضى الدين قبل أجله، وان مضت المدة قبل العمل فللمستأجر فسخ الاجارة لان الاجير لم يف له بشرطه، فان رضي بالبقاء عليه لم يملك الاجير الفسخ لان الاخلال بالشرط منه فلا يكون ذلك وسيلة

[ 63 ]

له إلى الفسخ كما لو تعذر المسلم فيه في وقته لم يملك المسلم إليه الفسخ وملكه المسلم، فان اختار امضاء العقد طالبه بالعمل لا غير كالمسلم إذا صبر عند تعذر المسلم فيه إلى حين وجوده لم يكن له أكثر من المسلم فيه وان فسخ العقد قبل العمل سقط الاجر والعمل، وان كان بعد عمل بعضه فله أجر المثل لان العقد قد انفسخ فسقط المسمى ورجع إلى أجر المثل * (مسألة) * (ولا تجوز الاجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كالحج والاذان، وعنه تجوز) معنى قوله يختص فاعله أن يكون من أهل القربة أنه يكون مسلما، وقد اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الاستئجار على عمل يختص فاعله أن يكون مسلما كالامامة والحج والاذان وتعليم القرآن فروي عنه انها لا تصح وبه قال عطاء والضحاك بن قيس وأبو حنيفة والزهري، وكره إسحاق تعليم القرآن بأجر، قال عبد الله بن شقيق: هذه الزغفان التي يأخذها المسلمون من السحت، وكره أجر المعلم مع الشرط الحسن وابن سيرين وطاوس والشعبي والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى انه يجوز حكاها أبو الخطاب، ونقل أبو طالب عن احمد انه قال: التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله بأمانات الناس التعليم أحب إلي، وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم

[ 64 ]

وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر لان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلا بما معه من القرآن متفق عليه، فإذا جاز تعليم القرآن عوضا في النكاح وقام مقام المهر جاز أخذ الاجرة عليه في الاجارة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " حديث صحيح، وفي حديث أبي سعيد أن رجلا رقى رجلا بفاتحة الكتاب على جعل فبرأ وأخذ أصحابه الجعل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وسألوه فقال " لعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق، كلوا واضربوا لي معكم بسهم " حديث صحيح. وإذا جاز أخذ الجعل جاز أخذ الاجر لانه في معناه، ولانه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال فجاز أخذ الاجر عليه كبناء المساجد ولان الحاجة تدعو إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه وعجز عن فعله ولا يكاد يوجد متبرع بذلك فيحتاچ إلى بذل الاجر فيه ووجه الرواية الاولى ما روى عثمان بن أبي العاص قال إن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا. قال الترمذي هذا حديث حسن. وروى عبادة بن الصامت قال

[ 65 ]

علمت أناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوسا قال قلت قوس وليست بمال قال قلت أتقلدها في سبيل الله وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقص عليه القصة قال ان سرك أن يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها " وعن أبي بن كعب أنه علم رجلا سورة من القرآن فاهدى له خميصة أو ثوبا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " لو انك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار " وعن أبي قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد احتبس في بيته أقرئه القرآن فكان عند فراغه مما أقرئه يقول لجارية له هلمي طعام أخي فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة فحاك في نفسي منه شئ فذكرته للنبى صلى الله عليه وسلم فقال " ان كان ذاك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وان كان يتحفك به فلا تأكله " وعن عبد الرحمن بن شبل الانصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكتروا به " روى هذه الاحاديث كلها الاثرم في سننه، ولان من شرط صحة هذه الافعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يجز أخذ الاجر عليها كما لو استأجر قوما يصلون خلفه الجمعة أو التراويح. فاما الاخد على الرقية فان احمد اختار جوازه وقال لا بأس، وذكر حديث أبي سعيد، والفرق بينه وبين ما اختلف فيه أن الرقية نوع مداواة والمأخوذ عليها جعل والمداواة يباح أخذ الاجر عليها والجعالة أوسع من الاجارة ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة وقوله عليه السلام " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " يعني الجعل أيضا في الرقية لانه ذكر ذلك في سياق خبر

[ 66 ]

الرقية، وأما جعل تعليم القرآن صداقا فعنه فيه اختلاف، وليس في الخبر تصريح بأن التعليم صداق انما قال " زوجتكها بما معك من القرآن " فيحتمل أنه زوجها إياه بغير صداق اكراما له كما زوج أبا طلحة أم سليم على اسلامه ونقل عنه جوازه، والفرق بين المهر والاجر أن المهر ليس بعوض محض وانما وجب نحلة ووصلة ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح مع فساده بخلاف الاجر في غيره (فصل) فأما الرزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الامور لان بيت المال من مصالح المسلمين فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجا إليه كان من المصالح وكان له أخذه لانه من أهله وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح بخلاف الاجر (فصل) فأن أعطى المعلم شيئا من غير شرط جاز في ظاهر كلام أحمد فانه قال في رواية أيوب ابن سافرى لا يطلب ولا يشارط فان أعطي شيئا أخذه، وقال في رواية أحمد بن سعيد اكره أجر المعلم إذا شرط، وقال إذا كان المعلم لا يشارط ولا يطلب من أحد شيئا ان أتاه شئ قبله كانه يراه أهون، وكرهه طائفة من أهل العلم لما تقدم من حديث الفرس والخميصة التي أعطيها أبي وعبادة من غير شرط، ولان ذلك قربة فلم يجز أخذ العوض عنه بشرط ولا بغيره كالصلاة والصيام ووجه الاول قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه وتموله فانه رزق ساقه الله اليك " وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكل طعام الذي كان يعلمه إذا كان طعامه وطعام أهله ولانه إذا

[ 67 ]

كان بغير شرط كان هبة مجردة فجاز كما لو لم يعلمه شيئا، فاما حديث القوس والخميصة فقضيتان في عين فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنهما فعلا ذلك خالصا فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى، ويحتمل غير ذلك، فاما ان أعطي المعلم أجرا على تعليم الخط وحفظه جاز نص عليه أحمد فقال: ان كان المعطي ينوي أنه يعطيه لحفظ الصبي وتعليمه فأرجو إذا كان كذا ولان هذا مما يجوز أخذ الاجر عليه مفردا فجاز مع غيره كسائر ما يجوز الاستئجار عليه وهكذا لو كان امام المسجد قيما يكنسه ويسرج قناديله ويغلق بابه ويفتحه فأخذ أجرا على خدمته، أو كان النائب في الحج يخدم المستنيب له في طريق الحج وليشد له ويحج عن قريبه فدفع إليه أجرا لخدمته جاز ذلك انشاء الله تعالى (فصل) فأما ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم الخط والحساب والشعر وشبهه وبناء المساجد والقناطر فيجوز أخذ الاجرة عليه لانه يقع تارة قربة وتارة غير قربة فلم يمنع من الاستئجار لفعله كغرس الاشجار وبناء البيوت وكذلك في تعليم الفقه والحديث ذكره شيخنا، وذكر القاضى في الخلاف أنهما من القسم الاول، والاولى ما ذكره شيخنا لكون فاعله لا يختص أن يكون من أهل القربة، وأما ما لا يتعدى نفعه فاعله من العبادات المحضة كالصيام وصلاة الانسان لنفسه وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه فلا يجوز أخذ الاجرة عليه بغير خلاف لان الاجر عوض للانتفاع ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع فأشبه إجارة الاعيان التي لا نفع فيها

[ 68 ]

* (مسألة) * وان استأجر من بحجمه صح، ويكره للحر أكل أجرته ويطعمه الرقيق والبهائم، وقال القاضي لا يصح) يجوز أن يستأجر حجاما ليحجمه وأجره مباح اختاره أبو الخطاب وهو قول ابن عباس قال أنا آكله وبه قال عكرمة والقاسم ومحمد بن علي بن الحسين وربيعة ويحيي الانصاري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال القاضي لا يجوز وذكر أن أحمد نص عليه قال وان أعطي شيئا من غير عقد ولا شرط فله أخذه وبصرفه في علف دابته وطعم عبيده ومؤنة صناعته ولا يحل أكله وممن كره كسب الحجام عثمان وأبو هريرة والحسن والنخعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كسب الحجام خبيث " متفق عليه وقال أطعمه ناضحك ورقيقك ولنا ما روى ابن عباس قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ولو علمه حراما لم يعطه متفق عليه، وفي لفظ ولو علمه خبيثا لم يعطه ولانها منفعة مباحة لا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة فجاز الاستئجار عليها كالختان ولان بالناس حاجة إليها ولا يجد كل أحد متبرعا بها فجاز الاستئجار عليها كالرضاع ولان قول النبي صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام " أطعمه رقيقك " دليل على اباحته إذ غير جائز أن يطعم رقيقه ما يحرم أكله فان الرقيق آدمي يحرم عليه أكل ما حرم على الحر وتخصيص ذلك بما

[ 69 ]

أعطيه من غير استئجار تحكم لا دليل عليه، فعلى هذا تسمية كسبه خبيثا لا يلزم منه التحريم فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الثوم والبصل خبيثين مع إباحتهما وانما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للحر تنزيها له لدناءة صناعته وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام ولا استئجاره عليها وانما قال نحن نعطيه كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ونقول له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكله نهاه، وقال " أعلفه الناضح والرقيق " هذا معنى كلامه في جميع الروايات وليس هذا صريحا في تحريمه بل فيه دليل على إباحته كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم على ما بينا، فان إعطاءه للحجام دليل اباحته إذ لا يعطيه ما يحرم عليه وهو عليه السلام يعلم الناس وينهاهم عن المحرمات فكيف يعطيهم أياها؟ فعلى هذا يكون نهيه عليه السلام عن أكله نهي كراهة لا نهي تحريم وكذلك قول الامام أحمد فانه لم يخرج عن قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله بل قصد اتباعه، وكذلك سائر من كرهه من الائمة يتعين حمل قولهم على الكراهة فلا يكون في المسألة قائل بالتحريم. إذا ثبت هذا فانه يكره للحر أكل أجرة الحجام ويكره تعلم صناعة الحجامة وإجارة نفسه لها لما ذكرنا من الاخبار ولان فيها دناءة فكره الدخول فيها كالكسح، وفيما ذكرناه إن شاء الله جمع بين الاخبار وتوفيق بين الادلة الدالة عليها فعلى هذا يطعمه الرقيق والبهائم كما جاء في الاخبار الصحيحة والله أعلم (فصل) فأما استئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشعر وتقصيره والختان وقطع شئ من الجسد للحاجة إليه فجائز لان قول النبي صلى الله عليه وسلم " كسب الحجام خبيث " يريد بالحجامة كما نهى عن مهر البغي

[ 70 ]

أي في البغاء، ولذلك لو كسب في بضاعة أخرى لم يكن خبيثا بغير خلاف وهذا النهي يخالف القياس فيختص بالمحل الذي ورد فيه ولان هذه الامور تدعو الحاجة إليها، ولا تحريم فيها فجازت الاجارة فيها كسائر المنافع المباحة (فصل) ويجوز أن يستأجر كحالا ليكحل عينه لانه عمل جائز ويمكن تسليمه ويقدر على ذلك بالمدة لان العمل غير مضبوط ويحتاج إلى بيان عدد ما يكحله في كل يوم مرة أو مرتين فان قدرها بالبرء فقال القضي لا يجوز لانه غير معلوم، وقال ابن أبي موسى لا بأس بمشارطة الطبيب على البرء، لان أبا سعيد حين رقى الرجل شارطه على البرء، قال شيخنا والصحيح إن شاء الله جواز ذلك لكي يكون جعالة لا إجارة فان الاجارة لابد فيها من مدة معلومة أو عمل معلوم والجعالة تجوز على عمل مجهول كرد اللقطة والآبق وحديث أبى سعيد في الرقية انما كان جعالة فيجوز ههنا مثله. إذا ثبت هذا فان الكحل ان كان من العليل جاز لان آلات العمل تكون من المستأجر كاللبن في البناء والطين والآجر ونحوها وان شرطه على الكحال جاز، وقال القاضي يحتمل أن لا يجوز لان الاعيان لا تملك بعقد الاجارة فلا يصح اشتراطه على العامل كلبن الحائط ولنا ان العادة جارية به ويشق على العامل تحصيله وقد يعجز عنه بالكلية فجاز ذلك كالصبغ من الصباغ والحبر والاقلام من الوراق وما ذكره ينتقض بهذين الاصلين، وفارق لبن الحائط لان العادة تحصيل

[ 71 ]

المستأجر إياه ولا يشق ذلك بخلاف مسئلتنا، وقال أصحاب مالك يجوز أن يستأجر من يبني له جدارا والآجر من عنده لانه اشترى ما تتم به الصنعة التي عقد عليها فإذا كان معروفا جاز كما لو استأجره ليصبغ له ثوبا والصبغ من عنده ولنا ان عقد الاجارة عقد على المنفعة فإذا شرط بيع العين صار كبيعتين في بيعة ويفارق الصبغ من حيث ان الحاجة داعية إليه، لان تحصيل الصبغ يشق على صاحب الثوب وقد يكون الصبغ لا يحصل الا في خنب يحتاج إلى مؤنة كثيرة لا يحتاج إليها في صبغ هذا الثوب فجاز لمسيس الحاجة إليه بخلاف مسئلتنا (فصل) فان استأجره مدة فكحله فيها فلم تبرأ عينه استحق الاجر وبه قال الجماعة، وحكي عن مالك انه لا يستحق أجرا حتى تبرأ عينه ولم يحك ذلك أصحابه وهو فاسد لان المستأجر قد وفى العمل الذي وقع العقد عليه فوجب له الاجر وان لم يحصل الغرض كما لو استأجره لبناء حائط يوما أو لخياطة قميص فلم يتمه فيه فان برأت عينه في أثناء المدة انفسخت الاجارة فيما بقي من المدة لتعذر العمل فهو كما لو حجز عنه أمر غالب وكذلك لو مات فان امتنع عن الاكتحال مع بقاء المرض استحق الكحال الاجر بمضي المدة كما لو استأجره يوما للبناء فلم يستعمله فيه، فأما ان شارطه على البرء فهي جعالة لا يستحق شيئا حتى يوجد البرء سواء وجد قريبا أو بعيدا فان برئ بغير كحله أو تعذر الكحل

[ 72 ]

لموته أو غير ذلك من الموانع التي من جهة المستأجر فله أجر مثله كما لو عمل العامل في الجعالة ثم فسخ العقد فان امتنع لامر من جهة الكحال أو غير المستأجر فلا شئ له وان فسخ الجاعل الجعالة بعد عمل الكحال فعليه أجر عمله وان فسخ الكحال فلا شئ له على ما يذكر في باب الجعالة ان شاء الله تعالى (فصل) ويصح ان يستأجر طبيبا لمداواته والكلام فيه كالكلام في الكحال سواء لانه لا يجوز اشتراط الدواء على الطبيب لانه انما جاز في الكحال على خلاف الاصل للحاجة إليه وجري العادة به ولم يوجد ذلك المنع ههنا فيثبت الحكم فيه على وفق الاصل (فصل) ويجوز أن يستأجر من يقلع ضرسه لانها منفعة مباحة مقصودة فجاز ذلك عليها كالختان فان أخطأ فقلع غير ما أمر بقلعه ضمنه لانه من جنايته وان برأ الضرس قبل قلعه انفسخت الاجارة لان قلعه لا يجوز وان لم يبرأ لكن امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر عليه لان اتلاف جزء الآدمي محرم في الاصل وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررا وذلك مفوض إلى كل انسان في نفسه إذا كان أهلا لذلك فصاحب الضرس اعلم بمضرته ونفعه وقدر ألمه * (فصل) * قال رضي الله عنه (وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله فإذا اكترى دارا للسكنى فله أن يسكنها مثله لانه لم يزد على استيفاء حقه ولانه حقه فجاز أن يستوفيه بنفسه وبوكيله إذا كان مثله في الضرر أو دونه كقبض المبيع واستيفاء الدين ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به من الرحل

[ 73 ]

والطعام ويخزن فيه الثياب وغيرها مما لا يضر بها ولا يسكنها من يضر بها كالقصارين والحدادين ولا يجعل فيها الدواب لانها تروث فيها وتفسدها، ولا يجعل فيها السرجين ولا رحى ولا ما يضر بها ولا شيئا ثقيلا فوق سقف لانه يثقله وقد يكسر خشبه فان شرط ذلك جاز وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا ولا يملك فعل ما يضر بها لانه فوق المعقود عليه فلم يكن له فعله كما لو اشترى شيئا لم يملك أخذ أكثر منه فان جعل الدار مخزنا للطعام فقال أصحابنا يجوز ذلك لانه يجوز أن يجعلها مخزنا لغيره ويحتمل أن لا يجوز لانه يفضي إلى تخريق الفار أرضها وحيطانها وذلك ضرر لا يرضى به صاحب الدار (فصل) وان اكترى ظهرا ليركبه فله أن يركبه مثله ومن هو أخف منه ولا يركبه من هو أثقل منه لان العقد اقتضى استيفاء منفعة مقدرة بذلك الراكب فكان له أن يستوفي ذلك بنفسه ونائبه وله استيفاء أقل منه لانه بعض حقه وليس له استيفاء أكثر منه لانه أكثر مما عقد عليه ولا يشترط التساوي في الطول والقصر ولا المعرفة بالركوب، وقال القاضي يشترط أن يكون مثله في هذه الاوصاف كلها لان قلة المعرفة بالركوب يثقل على المركوب ويضر به قال الشاعر لم يركبوا الخيل إلا بعدما كبروا * فهم ثقال على أكفالها عنف

[ 74 ]

ولنا ان التفاوت في هذه الامور مع التساوي في الثقل يسير فعفي عنه ولهذا لا يشترط ذكره في الاجارة ولو اعتبر ذلك لاشتترطت معرفته في الاجارة كالثقل والخفة (فصل) فان شرط أن لا يستوفى المنفعة بمثله ولا بمن دونه فقياس قول أصحابنا صحة العقد وبطلان الشرط فانهم قالوا فيمن شرط أن يزرع في الارض حنطة ولا يزرع غيرها يبطل الشرط ويصح العقد، يحتمل أن يصح الشرط وهو أحد الوجهين للشافعية لان المستأجر يملك المنافع من جهة المؤجر فلا يملك ما لم يرض به ولانه قد يكون له غرض في تخصيصه باستيفاء هذه المنفعة وقالوا في الوجه الآخر يبطل الشرط لانه ينافي موجب العقد إذ موجبه ملك المنفعة والتسليط على استيفائها بنفسه ونائبه واستيفاء بعضها بنفسه وبعضها بنائبه والشرط ينافي ذلك فكان باطلا ولا يبطل به العقد في أصح الوجهين لانه لا يؤثر في حق المؤجر نفعا ولا ضرا فألغي وبطل العقد على مقتضاه والآخر يبطله لانه ينافي مقتضاه أشبه ما لو شرط أن لا يستوفي المنافع * (مسألة) * (وله استيفاء المنفعة وما دونها في الضرر من جنسها) قال احمد إذا استأجر دابة ليحمل عليها تمرا فحمل عليها حنطة أرجو أن لا يكون به بأس إذا كان الوزن واحدا وان كانت المنفعة التي يستوفيها أكثر ضررا أو مخالفة للمعقود عليها في الضرر لم يجز لانه يستوفي أكثر من حقه أو غير ما يستحقه

[ 75 ]

* (مسألة) * (فإذا استأجر أرضا لزرع الحنطة فله زرع الشعير ونحوه وليس له زرع الدخن ونحوه ولا يملك الغرس ولا البناء ولو اكتراها لاحدهما لم يملك الآخر) وجملة ذلك ان اجارة الارض صحيحة وقد ذكرناه ولا يصح حتى يرى الارض لان المنفعة تختلف باختلافها ولا تعرف إلا بالرؤية لكونها لا تنضبط بالصفة ولا يصح حتى يذكر ما يكتري له من زرع أو غرس أو بناء لان الارض تصلح لذلك كله وتأثيره في الارض يختلف فوجب بيانه فان قال أجرتكها لتزرعها أو تغرسها لم يصح لانه لم يعين أحدهما لانه أشبه ما لو قال بعتك أحد هذين العبدين، فان قال لتزرعها ما شئت وتغرسها ما شئت صح وهذا منصوص الشافعي وخالفه أكثر أصحابه فقالوا لا يجوز لانه لا يدري كم يزرع ويغرس وقال بعضهم يصح ويزرع نصفها ويغرس نصفها ولنا أن العقد اقتضى إباحة هذين الشيئين فصح كما لو قال لتزرعها ما شئت ولان اختلاف الجنسين كاختلاف النوعين، وقوله لتزرعها ما شئت اذن في نوعين وأنواع وقد صح فكذلك في الجنسين وله أن يغرسها كلها وأن يزرعها كلها كما لو أذن له في أنواع الزرع كله كان له زرعها نوعا واحدا وزرعها جميعها من نوعين وكذلك ههنا (فصل) فان اكراها للزرع وحده ففيه أربع مسائل (احداهن) اكراها للزرع مطلقا أو قال لتزرع ما شئت فيصح وله زرع ما شاء وهذا مذهب الشافعي وحكي عن ابن سريج أنه لا يصح

[ 76 ]

حتى يبين الزرع لان ضرره يختلف فلم بصح بدون البيان كما لو لم يذكر ما يكترى له من زرع أو غرس أو بناء ولنا أنه يجوز استئجارها لاكثر الزرع ضررا ويباح له جميع الانواع لانها دونه فإذا عمم أو أطلق تناول الاكثر وكان له ما دونه، ويخالف الاجناس المختلفة فانه لا يدخل بعضها في بعض، فان قيل فلو اكترى دابة للركوب لوجب تعيين الراكب قلنا لان اجارة المركوب لاكثر الركاب ضررا لا تجوز بخلاف المزروع ولان للحيوان حرمة في نفسة فلم يجز اطلاق ذلك فيه بخلاف الارض، فان قيل فلو استأجر دارا للسكنى مطلقا لم يجز أن يسكنها من يضر بها كالقصار والحداد فلم قلتم انه يزرعها ما يضر بها؟ قلنا السكنى لا تقتضي ضررا فلذلك منع من اسكان من يضر بها لان العقد لم يقتضه والزرع يقتضي الضرر فإذا أطلق كان راضيا بأكثره فلهذا جاز، وليس له أن يغرس في هذه الارض ولا يبني لان ضرره أكثر من المعقود عليه (المسألة الثانية) اكراها لزرع حنطة أو نوع بعينه فان له زرع ما عينه وما ضرره كضرره أو دونه ولا يتعين ما عينه في قول عامة أهل العلم الا أهل الظاهر فانهم قالوا لا يجوز له زرع غير ما عينه حتى لو وصف الحنطة بانها سمراء لم يجز أن يزرع بيضاء لانه عينه بالعقد فلم يجز العدول عنه كما لو عين المركوب أو عين الدراهم في الثمن ولنا أن المعقود عليه منفعة الارض دون القمح ولهذا يستقر عليه الاجر بمضي المدة إذا تسلم الارض ولم يزرعها وانما ذكر القمح لتقدر به المنفعة فلم يتعين كما لو استأجر دارا ليسكنها فله أن

[ 77 ]

يسكنها غيره، وفارق المركوب والدراهم في الثمن فانه معقود عليهما فتعينا والمعقود عليه ههنا منفة مقدرة وقد تعينت أيضا ولم يتعين ما قدرت به كما لا يتعين المكيال والميزان في المكيل والموزون، فعلى هذا يجوز له زرع القمح والشعير والباقلا لانه أقل ضررا وليس له زرع الدخن والذرة والقطن لانه اما أن يكون أكثر ضررا فيأخذ فوق حقه أو يكون ضرره مخالفا لضرر القمح فيأخذ ما لم يتناوله العقد ولا شيئا من جنسه (المسألة الثالثة) قال ازرعها حنطة وما ضرره كضررها أو دونه فهذه كالتي قبلها الا أنه لا مخالف فيها لانه شرط ما اقتضاه الاطلاق وبين ذلك بصريح نصه فزال الاشكال (المسألة الرابعة) قال ازرعها حنطة ولا تزرع غيرها فذكر القاضي أن الشرط باطل لمنافاته مقتضى العقد لانه يقتضي استيفاء المنفعة كيف شاء فلم يصح الشرط كما لو شرط عليه استيفاء المبيع بنفسه والعقد صحيح لانه لا ضرر فيه ولا غرض لاحد المتعاقدين لان ما ضرره مثله لا يختلف في غرض المؤجر فلم يؤثر في العقد فأشبه شرط استيفاء المبيع أو الثمن بنفسه وقد ذكرنا فيما إذا اشترط مكتري الدار أن لا يسكنها غيره وجها في صحة الشرط ووجها في فساد العقد فيخرج ههنا مثله (فصل) فان أكراها للغراس ففيه ما ذكرنا من المسائل إلا أن يزرعها لان ضرر الزرع أقل من ضرر الغراس وهو من جنسه لان كل واحد منهما يضر بباطن الارض وليس له البناء لان ضرره مخالف لضرره فانه يضر بظاهر الارض وان اكتراها للزرع لم يملك الغراس ولا البناء لان ضرر الغرس أكثر

[ 78 ]

وضرر البناء مخالف لضرره، وان اكتراها للبناء لم يكن له الغرس ولا الزرع لان ضررهما يخالف ضرره (فصل) ولا تخلو الارض من قسمين (أحدهما) أن يكون لها ماء دائم اما من نهر لم تجر العادة بانقطاعه أو لا ينقطع الا مدة لا تؤثر في الزرع أو من عين تنبع أو بركة من مياه الامطار يجتمع فيها الماء ثم تسقى به أو من بئر يقوم بكفايتها أو ما يشرب بعروقه لنداوة الارض وقرب الماء الذي تحت الارض فهذا كله دائم ويصح استئجاره للغرس والزرع وكذلك الارض التي تشرب من مياه الامطار ويكتفي بالمعتاد منها لان ذلك بحكم العادة لا تنقطع الا نادرا فهي كسائر الصور المذكورة (والثاني) أن لا يكون لها ماء دائم وهي نوعان (أحدهما) ما يشرب من زيادة معتادة تأتي وقت الحاجة كارض مصر الشاربة من زيادة النيل وما يشرب من زيادة الفرات وأشباه وأرض البصرة الشاربة من المد والجزر وأرض دمشق الشاربة من زيادة برد أو ما يشرب من الاودية الجارية من ماء المطر فتصح اجارتها قبل وجود الماء الذي تسقى به وبعده وحكى ابن الصباغ ذلك مذهبا للشافعي وقال أصحابه ان أكراها بعد الزيادة صح ولا تصح قبلها لانها معدومة لا يعلم هل يقدر عليها أو لا ولنا أن هذا معتادا لظاهر وجوده فجازت اجارة الارض الشاربة منه كالشاربة من مياه الامطار ولان ظن القدرة على التسليم في وقته يكفي في صحة العقد كالسلم في الفاكهة إلى أوانها (النوع الثاني) أن يكون مجئ الماء نادرا أو غير ظاهر كالارض التى لا يكفيها الا المطر الشديد الكثير الذي يدر

[ 79 ]

وجوده أو يكون شربها من فيض ماء وجوده نادر أو من زيادة نادرة في نهر أو عين غالبة فهذه ان أجرها بعد وجود ما يسقيها به صح لانه أمكن الانتفاع بها وزرعها فجازت اجارتها كذات الماء الدائم، وان أجرها قبله لم يصح لانه يتعذر الزرع غالبا أو يتعذر المعقود عليه في الظاهر فلم تصح اجارتها كالآبق والمغصوب، وان اكتراها على أنها لا ماء لها جاز لانه يتمكن من الانتفاع بها بالنزول فيها ووضع رحله وجمع الحطب فيها وله أن يزرعها رجاء الماء وان حصل له ماء قبل زرعها فله زرعها لان ذلك من منافعها الممكن استيفاؤها، وليس له أن يبني ولا يغرس لان ذلك يراد للتأبيد وتقدير الاجارة بمدة يقتضي تفريغها عند انقضائها، فان قيل فلو استأجرها للغراس والبناء صح مع تقدير المدة؟ قلنا التصريح بالبناء والغراس صرف التقدير عن مقتضاه بظاهره في التفريغ عند انقضاء المدة الا أن يشترط قلع ذلك عند انقضاء المدة فيصرف الغراس والبناء عما يراد له بظاهره بخلاف مسئلتنا، وان أطلق اجارة هذه الارض مع العلم بحالها وعدم مائها صح لانهما دخلا في العقد على أنها لا ماء لها فأشبه ما لو شرطاه، وان لم يعلم عدم مائها أو ظن المكتري انه يمكن تحصيل ماء لها بوجه من الوجوه لم يصح العقد لانه ربما دخل في العقد بناء على أن المالك يحصل لها ماء وأنه يكتريها للزراعة مع تعذرها وقيل لا يصح العقد على الاطلاق وان علم حالها لان اطلاق كراء الارض يقتضي الزراعة والاولى صحته لان العلم بالحال يقوم مقام الاشتراط كالعلم بالعيب يقوم مقام شرطه، ومتى كان لها ماء غير

[ 80 ]

دائم أو الظاهر انقطاعه قبل الزرع أو لا يكفي الزرع فهي كالتي لا ماء لها ومذهب الشافعي في هذا كله كما ذكرنا (فصل) وان اكترى أرضا غارقة بالماء لا يمكن زرعها قبل انحساره عنها وقد ينحسر ولا ينحسر فالعقد باطل لان لانتفاع بها في الحال غير ممكن ولا يزول المانع غالبا، وان كان ينحسر عنها وقت الحاجة إلى الزراعة كأرض مصر في وقت مد النيل صح لان المقصود يتحقق بحكم العادة المستمرة، فان كانت الزراعة فيها ممكنة ويخاف غرقها والعادة غرقها لم تجز اجارتها لانها في حكم الغارقة بحكم العادة المستمرة (فصل) ومتى زرع فغرق الزرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غيره فلا ضمان على المؤجر ولا خيار للمكتري نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا وهو مذهب الشافعي، لان التالف غير المعقود عليه وانما تلف مال المكتري فيه فأشبه من اكترى دكانا فاحترق متاعه فيه ثم إن أمكن المكتري الانتفاع بالاض بغير الزرع أو بالزرع في بقية المدة فله ذلك، وان تعذر ذلك لزمه الاجر لان تعذره لفوات وقت الزراعة بسبب غير مضمون على المؤجر لا لمعنى في العين، وان تعذر الزرع بسبب غرق الارض وانقطاع مائها فللمستأجر الخيار لانه لمعنى في العين، وان تلف الزرع بذلك فليس على المؤجر ضمانه لانه لم يتلف بمباشرة ولا سبب، وان قل الماء بحيث لا يكفي الزرع فله الفسخ لانه عيب فان كان ذلك بعد الزرع فله الفسخ أيضا ويبقى الزرع في الارض إلى أن يستحصد وعليه من المسمى بحصته إلى

[ 81 ]

حين الفسخ وأجر المثل لما بقي من المدة لارض لها مثل ذلك الماء وكذلك ان انقطع الماء بالكلية أو حدث بها عيب من غرق يهلك به بعض الزرع أو تسوء حالته به * (مسألة) * (وان اكترى دابة للركوب أو الحمل لم يملك الآخر، وان اكتراها لحمل الحديد أو القطن لم يملك الآخر) إذا اكترى دابة للركوب لم يملك الحمل عليها لان الراكب يعين الظهر بحركته، وان اكتراها ليحمل عليها فليس له ركوبها لان الراكب يقعد في موضع واحد فيشتد على الظهر والمتاع يتفرق على جنبيها، وان اكتراها ليركبها عريا لم يجز أن يركب بسرج لانه يحمل عليه أكثر مما عقد عليه، وإن اكتراها ليركبها بسرج فليس له ركوبها عريا لان الركوب بغير سرج يحمى به الظهر فربما عقرها، وان اكتراها ليركب بسرج لم يجز أن يركب بأثقل منه فان اكترى حمارا بسرج لم يجز أن يركبه بسرج البرذون ان كان أثقل من سرجه، وإن اكترى دابة بسرج فركبها بأثقل منه أو أضر منه لم يجز، وان كان أخف أو أقل ضررا فلا بأس، وإن اكترى دابة ليحمل عليها حديدا لم يحمل عليها قطنا لانه يتجافى وتهب فيه الربح فيتعب الظهر، وإن اكتراها لحمل القطن فليس له حمل الحديد لانه يجتمع في موضع واحد فيثقل عليه والقطن يتفرق ويكثر ضرره ومتى فعل ما ليس له فعله كان ضامنا وعليه أجر المثل وهذا كله مذهب الشافعي وأبي ثور

[ 82 ]

(فصل) وإن اكترى دابة ليركبها في مسافة معينة معلومة أو يحمل عليها فيها فاراد العدول بها إلى ناحية أخرى مثلها في القدر وهي أضر منها أو يخالف ضررها ضررها بأن تكون إحداهما أخوف والاخرى أخشن لم يجز وان كانت مثلها في السهولة والحزونة والامن أو التي يعدل إليها أقل ضررا فذكر القاضي أنه يجوز وهو قول أصحاب الشافعي لان المسافة عينت ليستوفي بها المنفعة ويعلم قدرها بها فلم تتعين كنوع المحمول والراكب قال شيخنا ويقوى عندي أنه متى كان للمكتري غرض في تلك الجهة المعينة لم يجز العدول إلى غيرها مثل من يكري جماله إلى مكة ليحج معها فلا يجوز له أن يذهب بها إلى غيرها، ولو أكراها إلى بغداد لكون أهله بها أو ببلد العراق فليس له الذهاب إلى مصر، ولو أكرى جماله جملة إلى بلد لم يجز التفريق بينها بالسفر ببعضها إلى جهة وبباقيها إلى غيرها وذلك لانه عين المسافة لغرض في فواته ضرر فلم يجز تفويته كما في حق المكتري فانه لو أراد حمله إلى غير المكان الذي اكترى إليه لم يجز وكما لو عين طريقا سهلا أو آمنا فأراد سلوك ما يخالفه في ذلك (فصل) إذا اكترى قميصا ليلبسه جاز لان الانتفاع به ممكن مع بقاء عينه ويجوز بيعه أشبه العقار ولابد من تقدير المنفعة بالمدة فان كانت العادة في بلده نزع ثيابهم عند نوم الليل فعليه نزعه لان الاطلاق يحمل على العادة وله لبسه فيما سوى ذلك ولا يلزمه نزعه إذا نام نهارا لانه العرف ويلبس القميص على ما جرت العادت به لا أن يتزر به لانه يعتمد عليه فيشقه، وفي اللبس لا يعتمد ويجوز

[ 83 ]

الارتداء به لانه أخف من اللبس ومن ملك شيئا ملك ما هو أخف منه وقيل لا يجوز لانه استعمال له بما لا تجري العادة به في القميص أشبه الاتزار به والله أعلم * (مسألة) * (وإن فعل ما ليس له فعله فعليه أجر المثل) لانه استوفى منفعة غير التي عقد عليها لا يجوز له استيفاؤها فلزمه أجر المثل كالغاصب * (مسألة) * (وإن اكتراها لحمولة شئ فزاده أو إلى موضع فجاوزه فعليه الاجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد، وقال أبو بكر عليه أجرة المثل للجميع) وجملة ذلك أن من اكترى دابة لحمولة شئ فزاد عليه كمن اكترى لحمل قفيزين فحمل ثلاثة أو إلى موضع فجاوزه مثل أن يكتريها من دمشق إلى القدس فيركبها إلى مصر وجب عليه الاجر المسمى وأجر المثل لما زاد وضمانها ان تلفت وهذا مذهب الشافعي ونص عليه أحمد فيما إذا استأجرها إلى موضع فجاوزه واليه ذهب ابن شبرمة والحكم، والظاهر من قول الفقهاء السبعة، وقال الثوري وأبو حنيفة لا أجر عليه لما زاد لان منافع الغصب غير مضمونة عندهما، وحكي عن مالك أنه إذا تجاوز بها إلى مسافة بعيدة خير صاحبها بين أجر المثل وبين المطالبة بقيمتها يوم التعدي لانه متعدى بامساكها فكان لصاحبها تضمينها إياه ولنا أن العين باقية بحالها يمكن أخذها فلم تجب قيمتها كما لو كانت المسافة قريبة وما ذكروه تحكم

[ 84 ]

لا دليل عليه ولا نظير له فلا يجوز المصير إليه وسيأتي الكلام مع أبي حنيفة في باب الغصب إن شاء الله وحكى القاضي أن قول أبي بكر فيما إذا اكترى لحمولة شئ فزاد عليه وجوب أجر المثل للجميع آخذا من قوله فيمن استأجر أرضا ليزرعها شعيرا فزرعها حنطة ان عليه أجر المثل للجميع لانه عدل عن المعقود عليه إلى غيره فأشبه ما لو استأجر أرضا فزرع أخرى فجمع القاضى بين مسألة الخرقي ومسألة أبي بكر وقال ينقل قول كل واحد من إحدى المسئلتين إلى الاخرى لتساويهما في أن الزيادة لا تتميز فيكون في المسئلتين وجهان، وليس الامر كذلك فان بين المسئلتين فرقا ظاهرا فان الذي حصل التعدي فيه في الحمل متميز عن المعقود عليه وهو القفيز الزائد بخلاف الزرع، ولانه في مسألة الحمل استوفى المنفعة المعقود عليها وزاد وفي الزرع لم يزرع ما وقع العقد عليه ولهذا علله أبو بكر بأنه عدل عن المعقود عليه ولا يصح هذا القول في مسألة الحمل فانه قد حمل المعقود عليه وزاد عليه بل الحاق هذه المسألة بما إذا اكترى إلى مسافة فزاد عليها أشد وشبهها بها أشد لانه في مسألة الحمل متعد بالزيادة وحدها وفي مسألة الزرع متعد بالزرع كله فأشبه الغاصب (فصل) فاما مسألة الزرع فيما إذا اكترى لزرع الشعير فزرع حنطة فقد نص أحمد في رواية عبد الله فقال: ينظر ما يدخل على الارض من النقصان ما بين الحنطة والشعير فيعطى رب الارض فجعل هذه المسألة كمسئلتي الخرقي في إيجاب المسمى وأجر المثل المزائد ووجهه أنه لما عين الشعير لم يتعين

[ 85 ]

ولم يتعلق العقد بعينه كما سبق ذكره ولهذا قلنا له زرع مثله وما هو دونه في الضرر فإذا زرع حنطة فقد استوفى حقه وزيادة أشبه ما لو اكتراها إلى موضع فجاوزه، وقد ذكرنا قول أبي بكر ان له أجر المثل لانه عدل عن المعقود فان الحنطة ليست بشعير وزيادة، وإن قلنا إنه قد استوفى المعقود عليه وزبادة غير أن الزبادة ليست متميزة عن المعقود عليه بخلاف مسئلتي الخرقي، وقال الشافعي المكري مخير بين أخذ الكراء وما نقصت الارض عما ينقصها الشعير وبين أخذ كراء مثلها للجميع لان هذه المسألة أخذت شبها من أصلين (أحدهما) إذا ركب دابة فجاوز بها المسافة المشترطة لكونه استوفى المعقود عليه وزيادة (والثاني) إذا استأجر أرضا فزرع غيرها لانه زرع متعديا فلهذا خيره بينهما ولانه وجد سبب يقتضي كل واحد من الحكمين وتعذر الجمع بينهما فكان له أوفرهما وفوض اختياره إلى المستحق كقتل العمد، والاولى إن شاء الله قول أبي بكر فان هذا متعد بالزرع كله فكان عليه أجر المثل كالغاصب ولهذا ملك رب الارض منعه من زرعه ويملك أخذه بنفقته إذا زرعه، ويفارق من زاد على حقه زيادة متميزة في كونه لم يتعد بالجميع إنما تعدى بالزبادة فقط ولهذا لا يملك المكري منعه من الجميع، ونظير هاتين المسئلتين من اكترى غرفة ليجعل فيها أقفزة حنطة فجعل أكثر منها ومن اكتراها ليجعل فيها قنطار قطن فجعل فيها قنطار حديد ففي الاولى له المسمى وأجر الزيادة، وفي الثانية يخرج فيها من الخلاف كقولنا في مسألة الزرع وحكم المستأجر الذي يزرع أضر مما اكترى له

[ 86 ]

حكم الغاصب لرب الارض منعه في الابتداء لما يلحقه من الضرر فان زرع فرب الارض مخير بين ترك الزرع بالاجر وبين أخذه ودفع النفقة، وان لم يعلم حتى أخذ المستأجر زرعه فله الاجر على ما نذكر في الغصب (فصل) وان اكترى دابة إلى مسافة فسلك أشق منها فهي كمسألة الزرع يخرج فيها وجهان وقياس منصوص أحمد ان له الاجر المسمى وزيادة لكون المسافة لا تتعين على قول أصحابنا وقياس قول أبي بكر ان له أجر المثل لان الزيادة غير متميزة ولانه متعد بالجميع بدليل ان لرب الدابة منعه من سلوك تلك الطريق كلها بخلاف من سلك تلك الطريق وجاوزها فانه انما يمنعه الزيادة لا غير، وان اكترى لحمل قطن فحمل بوزنه حديدا أو بالعكس فعليه أجر المثل لان ضرر أحدهما مخالف لضرر الآخر فلم يتحقق كون المحمول مشتملا على المستحق بعقد الاجارة وزيادة عليه بخلاف ما قبلها من المسائل وسائر مسائل العدوان يقاس على ما ذكرنا من المسائل ما كان متميزا وما لم يكن متميزا فتلحق كل مسألة بنظيرتها (فصل) وان اكتراه لحمل قفيزين فحملهما فوجدهما ثلاثة فان كان المكتري تولى الكيل ولم يعلم المكري بذلك فهو كمن اكترى لحمولة شئ فزاد عليه وان كان المكري تولى كيله وتعبيته ولم يعلم المكتري فهو غاصب لا أجر له في حمله الزائد وان تلفت دابته فلا ضمان لها لانها تلفت بعدوان صاحبها

[ 87 ]

وحكمه في ضمان الطعام حكم من غصب طعام غيره، وان تولى ذلك أجنبي ولم يعلما فهو متعد عليهما عليه لصاحب الدابة الاجر ويتعلق به ضمانها وعليه لصاحب الطعام ضمان طعامه وسواء كاله أحدهما ووضعه الآخر على ظهر الدابة أو كان الذي كاله وعباه وضعه على ظهرها، وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين إذا كاله المكتري ووضعه المكري على ظهر البهيمة لا ضمان على المكتري لان المكري مفرط في حمله ولنا ان التدليس من المكتري إذ أخبره بكيلها بخلاف ما هو به فلزمه الضمان كما لو أمر أجنبيا بتحميلها، فأما ان كالها المكتري ووضعها المكري على الدابة عالما بكيلها لم يضمن المكتري الدابة إذا تلفت لانه فعل ذلك من غير تدليس ولا تغرير وله أجر القفيز الزائد في أحد الوجهين لانهما اتفقا على حمله على سبيل الاجارة فجرى مجرى المعاطاة في البيع ودخول الحمام من غير تقدير أجر (والثاني) لا أجر له لان المكتري لم يجعل له على ذلك أجرا، وإن كاله المكري وحمله المكتري على الدابة عالما بذلك من غير أن يأمره بحمله فعليه أجر القفيز الزائد وان أمره بحمله ففي وجوب الاجر وجهان كما لو حمله المكري عليها لانه إذا أمر به كان كفعله، وإن كاله أحدهما وحمله أجنبي فهو كما لو حمله الذي كاله وإن كان بامر الاخر فهو كما لو حمله الاخر وإن حمله بغير أمرهما فهو كما لو كاله ثم حمله * (مسألة) * (وإن تلفت ضمنها إلا ان تكون في يد صاحبها فيضمن نصف قيمتها في أحد الوجهين) إذا تلفت الدابة التي تعدى فيها إما بزيادة على الحمل أو زيادة على المسافة ضمنها بقيمتها سواء

[ 88 ]

تلفت في الزبادة أو بعد ردها إلى المسافة وسواء كان صاحبها مع المكتري أو لم يكن هذا ظاهر كلام الخرقي والفقهاء السبعة إذا تلفت حال التعدي، وقال القاضي ان كان المكتري نزل عنها وسلمها إلى صاحبها ليمسكها أو يسقيها فتلفت فلا ضمان على المكتري وان هلكت والمكتري راكب عليها أو حمله عليها ضمنها، وقال أبو الخطاب ان كانت يد صاحبها عليها احتمل أن يلزم المكتري جميع قيمتها واحتمل أن يلزمه النصف، وقال أصحاب الشافعي ان لم يكن صاحبها معها لزم المكتري جميع القيمة وان كان معها فتلفت في يد صاحبها لم يضمنها المكتري لانها تلفت في يد صاحبها أشبه ما لو تلفت بعد مدة التعدي، وإن تلفت تحت الراكب ففيه قولان (أحدهما) يلزمه نصف القيمة لانها تلفت بفعل مضمون أشبه ما لو تلفت بجراحته وجراحة مالكها (والثاني) تقسط القيمة على المسافتين فما قابل مسافة الاجارة سقط ووجب الباقي ونحو هذا قول أبي حنيفة فانه قال فيمن اكترى جملا لحمل تسعة فحمل عشرة فتلف فعلى المكتري عشر قيمته، قال شيخنا وموضع الخلاف في لزوم كمال القيمة إذا كان صاحبها مع راكبها أو تلفت في يد صاحبها، فاما ان تلفت حال التعدي ولم يكن صاحبها مع راكبها فلا خلاف في ضمانها بكمال قيمتها لانها تلفت في يد عادية فوجب ضمانها كالمغصوب، وكذلك إذا تلفت تحت الراكب أو تحت حمله وصاحبها معها لان اليد للراكب وصاحب الحمل بدليل ما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل والاخر آخذ بزمامها كانت لصاحب الحمل والراكب ولان الراكب متعد

[ 89 ]

بالزيادة وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان كمن خرق ثياب انسان وهو ساكت ولانها ان تلفت بسبب تعبها فالضمان على المتعدي كمن القى حجرا في سفينة موقرة فغرقها، فأما ان تلفت في يد صاحبها بعد نزول الراكب عنها وكان تلفها بسبب تعبها بالحمل والسير فهو كتلفها تحت الحمل والراكب، وان كان بسبب آخر من افراس سبع أو سقوط في هوة فلا ضمان فيها لانها لم تتلف في يد عادية ولا بسبب عدوان، وقولهم تلفت بفعل مضمون وغير مضمون أشبه ما لو تلفت بجراحين يبطل بما إذا قطع السارق ثم قطع آخر يده عدوانا فمات منهما، وفارق ما لو جرح نفسه وجرحه غيره لان الفعلين عدوان فقسم الضمان عليهما (فصل) ولا يسقط الضمان بردها إلى المسافة وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي وقال محمد يسقط كما لو تعدى في الوديعة ثم ردها ولنا انها يد صارت ضامنة فلا يزول الضمان عنها إلا باذن جديد ولم يوجد والاصل ممنوع إلا أن يردها إلى مالكها أو يجدد لها إذنا * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويلزم المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه وشد الاحمال والمحامل والرفع والحط ولزوم البعير لينزل لصلاة الفرض ومفاتيح الدار وعمارتها وكل ما جرت عادته به

[ 90 ]

يلزم المكري كل ما جرت العادة أن يوطئ به للركوب من الحداجة للجمل والقتب وما يتمكن به الراكب من النفع كزمام الجمل والبرة التي في أنفه ان كانت العادة جارية بها والسرج واللجام للفرس والبردعة والاكاف للبغل والحمار على ما يقتضيه العرف يحمل الاطلاق عليه، وما زاد على ذلك من المحمل والمحارة والحبل الذي يشد به بين المحملين على المكتري لانه من مصلحة الحمل وكذلك الوطاء الذي يشد فوق الحداجة تحت المحمل وعلى المكري رفع المحمل وحطه وشده على الحمل ورفع الاحمال وشدها وحطها لان هذا هو العرف وبه يتمكن من الركوب، ويلزمه القائد والسائق هذا إذا كان الكراء على أن يذهب مع المكتري، فان كان على أن يتسلم الراكب البهيمة ليركبها بنفسه فكل ذلك عليه لان الذي على المكري تسليم البهيمة وقد سلمها، فأما الدليل فهو على المكتري لان ذلك خارج عن البهيمة المكتراة وآلتها فاشبه الزاد وقيل ان كان اكترى منه بهيمة بعينها فأجرة الدليل على المكتري لان الذي عليه تسليم الظهر وقد سلمه، وان كانت الاجارة على حمله إلى مكان معين في الذمة فهو على المكتري لانه من مؤنة إيصاله إليه وتحصيله فيه، فان كان الراكب ممن لا يقدر على الركوب والبعير قائم كالمرأة والشيخ والضعيف والسمين فعلى الجمال أن يبرك الجمل لركوبه ونزوله لانه لا يتمكن منها إلا به وإن كان ممن يمكنه الركوب والنزول مع قيام البعير لم يلزم الجمال أن يبرك الجمل لامكان استيفاء المعقود عليها، فان كان قويا حال العقد فتجدد له الضعف أو بالعكس فالاعتبار بحال الركوب لان العقد اقتضى ركوبه بحسب العادة، ويلزم الجمال أن يقف البعير لينزل لصلاة الفرض وقضاء حاجة الانسان والطهارة ويدع البعير واقفا حتى يفعل ذلك لانه لا يمكنه فعل شئ من هذا على ظهر البعير، وما يمكنه فعله عليه

[ 91 ]

من الاكل والشرب وصلاة النافلة لا يلزمه ان يقفه له من أجله فان أراد المكتري اتمام الصلاة وطالبه الجمال بقصرها لم يلزمه ذلك بل تكون خفيفة في تمام (فصل) إذا اكترى ظهرا في طريق العادة فيه النزول والمشي عند اقتراب المنزل والراكب امرأة أو ضعيف لم يلزمه ذلك لانه اكترى جميع الطريق كالمتاع، وان كان جلدا قويا احتمل أن لا يلزمه أيضا لانه عقد على جميع الطريق ولم تجر له عادة بالمشي فلزم حمله في جميع الطريق أشبه الضعيف ويحتمل ان يلزمه لانه متعارف والمتعارف كالمشروط (فصل) فان كان المكترى دارا أو حماما فعلى المكري ما يتمكن به من الانتفاع كتسليم مفاتيح الدار والحمام لان عليه التمكين من الانتفاع وتسليم مفاتيحها تمكين من الانتفاع، فان ضاعت أو تلفت بغير تفريط المستأجر فعلى المؤجر بدلها لكونها أمانة في يد المستأجر فأشبه حيطان الدار وأبوابها وان سقط حائط أو خشبة أو انكسرت فعليه ابدالها وبناء الحائط، وعليه تبليط الحمام وعمل الابواب والبرك ومجرى الماء لان بذلك يحصل الانتفاع ويتمكن منه وما كان لاستيفاء المنافع كالحبل والدلو والبركة فعلى المكتري فاما التحسين والتزويق فلا يلزم واحدا منهما لان الانتفاع ممكن بدونه * (مسألة) * (فاما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا سلمها فارغة) إن احتيج إلى تفريغ البالوعة والكنيف عند الكراء فعلى المكري لانه مما يتمكن به من الانتفاع

[ 92 ]

وان امتلات بفعل المستأجر فتفريغها عليه وهذا قول الشافعي، وقال أبو ثور هو على رب الدار لان به يتمكن من الانتفاع أشبه ما لو اكتراها وهي ملاى، وقال أبو حنيفة القياس أنه على المكتري والاستحسان أنه على رب الدار لان ذلك عادة الناس ولنا أن ذلك حصل بفعل المكتري فكان عليه تنظيفه كما لو طرح فيها قماشا، والقول في تفريغ جية الحمام التي هي مصرف مائه كالقول في بالوعة الدار، وان انقضت الاجارة وفي الدار زبل أو قمامة من فعل الساكن فعليه نقله وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي (فصل) فان شرط على مكتري الحمام أو غيره أن مدة تعطيله عليه لم يصح لانه لا يجوز أن يؤجر مدة لا يمكنه الانتفاع في بعضها ولا يجوز أن يشرط أن يستوفي بقدرها عند انقضاء مدته لانه يؤدي إلى أن يكون انتهاء مدة الاجارة مجهولا فان أطلق وتعطل فهو عيب حادث والمكتري بالخيار بين الامساك بكل الاجر وبين الفسخ ويتخرج أن له ارش العيب، كالمبيع المعيب فان لم يعلم بالعيب حتى انقضت مدة الاجارة فعليه جميع الاجر لانه استوفى المعقود عليه فأشبه ما لو علم العيب بعد العقد فرضيه ويتخرج أن له أرش العيب كما لو اشترى معيبا فلم يعلم عيبه حتى تلف في يده أو أكله (فصل) وإن شرط على المكتري النفقة الواجبة على المكري كعمارة الحمام فالشرط فاسد لان العين ملك للمؤجر فنفقتها عليه، فان انفق بناء على هذا الشرط احتسب به على المكتري لانه أنفقه

[ 93 ]

على ملكه بشرط العوض فان اختلفا في قدر ما أنفق ولا بينة فالقول قول المكري لانه منكر فان لم يشرط لكن أذن له في الانفاق ليحتسب له به من الاجر ففعل ثم اختلفا فالقول قول المكري أيضا، وإن أنفق من غير اذنه لم يرجع بشئ لانه أنفق على ماله بغير إذنه نفقة غير واجبة على المالك أشبه ما لو عمر له دارا أخرى (فصل) ولا خلاف بين أهل العلم في جواز كراء الابل وغيرها من الدواب إلى مكة وغيرها قال الله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) ولم يفرق بين المملوكة والمستأجرة، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) أن يحج ويكري ونحوه عن ابن عمر ولان بالناس حاجة إليه، وقد فرض الله تعالى الحج على الناس وليس لكل أحد بهيمة يملكها ولا يحسن القيام بها والشد عليها فدعت الحاجة إلى استئجارها فجاز ذلك دفعا للحاجة. إذا ثبت هذا فمن شرط صحة العقد معرفة المتعاقدين المعقود عليه لانه عقد معاوضة أشبه البيع فأما الجمال فيحتاج إلى معرفة الراكبين بالرؤية أو بالصفة من المعرفة بالصفة تقوم مقام الرؤية إذا وصفهما بالطول والقصر والهزال والسمن والصغر والكبر والذكورية والانوثية، وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب لا يكفي في ذلك الصفة لانه يختلف بثقله وخفته وسكونه وحركته ولا ينضبط بالوصف فيجب تعيينه وهذا مذهب الشافعي ولهم في المحمل وجه أنه لا يكتفى فيه بالصفة ويجب تعيينه

[ 94 ]

ولنا أنه عقد معاوضة مضاف إلى حيوان فاكتفي فيه بالصفة كالبيع وكالمركوب في الاجارة ولانه لو لم يكتف فيه بالصفة لما جاز للراكب أن يقيم غيره مقامه لانه انما يعلم كونه مثله لتساويهما في الصفات فما لا تأتي عليه الصفات لا يعلم تساويهما فيه ولان الوصف يكتفى به في البيع فاكتفي به في الاجارة كالرؤية والتفاوت بعد ذكر الصفات يسير تجري المسامحة فيه كالمسلم فيه ويحتاج إلى معرفة الآلة التي يركبان فيها من محمل ومحارة وقتب وغير ذلك، وهل يكون مغطى أو مكشوفا؟ فان كان مغطى احتاج إلى معرفة الغطاء ويحتاج إلى معرفة الوطاء ومعرفة المعاليق التي معه من قربة وسطيحة وقدر وسفرة ونحوها وذكر سائر ما يحمل معه وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إلا أن الشافعي قال: يجوز اطلاق غطاء المحمل لانه لا يختلف اختلافا كثيرا متباينا، وحكي عنه في المعاليق قول أنه يجوز اطلاقها ويحمل على العرف وحكي عن مالك أنه يجوز اطلاق الراكبين لان أجسام الناس متقاربة في الغالب، وقال أبو حنيفة إذا قال في المحمل رجلان وما يصلحهما من الوطاء والدثر جاز استحسانا لان ذلك يتقارب في العادة فحمل على العادة كالمعاليق، وقال القاضي في غطاء المحمل كقول الشافعي ولنا أن هذا يختلف ويتباين كثيرا فاشترطت معرفته كالطعام الذي يحمله معه وقول مالك إن أجسام الناس متقاربة لا يصح فان منهم الكبير والصغير والطويل والقصير والسمين والهزيل والذكر والانثى ويختلفون بذلك ويتباينون كثيرا ويتفاوتون أيضا في المعاليق منهم من يكثر الزاد والحوائج

[ 95 ]

ومنهم من يقنع باليسير ولا عرف له يرجع إليه فاشترطت معرفته كالمحمل والاوطئة، وكذلك غطاء المحمل من الناس من يختار الواسع النقيل الذي يشد على المحمل في الهواء ومنهم من يقنع بالضيق الخفيف فتجب معرفته كسائر ما ذكرنا، فان رأى الراكبين أو وصفا له وذكر الباقي بارطال معلومة جاز ذكره الخرقي، وأما الراكب فيحتاج إلى معرفة الدابة التي يركب عليها لان الغرض يختلف بذلك ويحصل بالرؤية لانها أعلى طرق العلم إلا أن يكون مما يحتاج إلى معرفة صفة المشي كالرهوال وغيره، واما أن يجربه فيعلم ذلك برؤيته ويحصل بالصفة فإذا وجدت اكتفي بها لانه يمكن ضبطه بالصفة فجاز العقد عليه كالبيع، فإذا استأجر بالصفة للركوب احتاج إلى ذكر الجنس فرسا أو بعيرا أو بغلا أو حمارا أو النوع فيقول في الابل بختي أو عرابي وفي الخيل عرابي أو برذون وفي الحمير مصري أو شامي وان كان في النوع ما يختلف كالمهملج من الخيل والقطوف احتيج إلى ذكره لان الغرض يختلف به، وقد ذكرنا ذلك والخلاف فيه، قال شيخنا ومتى كان الكراء إلى مكة فالصحيح انه لا يحتاج إلى ذكر الجنس ولا النوع لان العادة أن الذي يحمل عليه في طريق مكة الجمال العراب دون البخاتي (فصل) إذا كان الكراء إلى مكة أو طريق لا يكون السير فيه إلى اختيار المتكاريين فلا وجه لذكر تقدير السير فيه لان ذلك ليس اليهما ولا مقدور عليه لهما وان كان في طريق السير فيه اليهما استحب ذكر قدر السير في كل يوم فان اطلق وللطريق منازل معروفة جاز لانه معلوم بالعرف، ومتى

[ 96 ]

اختلفا في ذلك وفي وقت السير ليلا أو نهارا أو في موضع المنزل إما في داخل البلد أو. خارج منه حملا على العرف كما لو أطلقا الثمن في بلد فيه نقد معروف، وان لم يكن للطريق عرف فقال القاضي لا يصح كما لو اطلقا الثمن في بلد لا عرف فيه، والاولى أن هذا ليس بشرط لانه لو كان شرطا لما صح العقد بدونه في الطريق المخوف لانه لم تجر العادة بتقدير السير في الطريق فان اختلفا رجع إلى العرف في غير ملك الطريق (فصل) فان شرط حمل زاد مقدر كمائة رطل وشرط انه يبدل منها ما نقص بالاكل أو غيره فله ذلك وان شرط أن ما نقص بالاكل لا يبدله فليس له ابداله فان ذهب بغير الاكل كسرقة أو سقوط فله ابداله لان ذلك لم يدخل في شرطه، وان اطلق العقد فله ابدال ما ذهب بسرقة أو سقوط أو اكل غير معتاد بغير خلاف وان نقص بالاكل المضاد فله ابداله أيضا لانه استحق حمل مقدار معلوم فملك ابدال ما نقص منه كما لو نقص بسرقة ويحتمل أن لا يملك ذلك لان العرف جار بأن الزاد ينقص ولا يبدل فحمل العقد عليه عند الاطلاق وصار كالمصرح به، وقال الشافعي القياس ان له ابداله ولو قيل ليس له ابداله كان مذهبا لان العادة أن الزاد لا يبقى جميع المسافة ولذلك يقل اجره عن أجر المتاع (فصل) إذا اكترى جملا ليحج عليه فله الركوب عليه إلى مكة ومن مكة إلى عرفة والخروج

[ 97 ]

عليه إلى منى لان ذلك من تمام الحج، وقيل ليس له الركوب إلى منى لانه بعد التحلل من الحج، والاولى أن له ذلك لانه من تمام الحج وتوابعه ولذلك وجب على من وجب عليه دون غيره فدخل في قول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت) ولو اكترى إلى مكة فقط فليس له الركوب إلى الحج لانها زيادة ويحتمل أن له ذلك لان الكراء إلى مكة عبارة عن الكراء للحج لكونها لا يكترى إليها إلا للحج غالبا فكان بمنزلة المكتري للحج (فصل) قال أصحابنا يصح كراء العقبة وهو مذهب الشافعي، ومعناها الركوب في بعض الطريق يركب شيئا ويمشي شيئا لانه إذا جاز اكتراؤها في الجميع جاز في البعض ولابد من العلم بها إما بالفراسخ واما بالزمان مثل أن يركب ليلا ويمشي نهارا ويعتبر في هذا زمان السير دون زمان النزول، وإن شرط أن يركب يوما ويمشي يوما جاز فان أطلق احتمل الجواز واحتمال أن لا يصح لانه يختلف وليس له ضابط فيكون مجهولا، وإن اتفقا على أن يركب ثلاثة أيام ويمشي ثلاثة أو ما زاد ونقص جاز وإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما لان فيه ضررا على كل واحد منهما الماشي لدوام المشي عليه والدابة لدوام الركوب عليها لانه إذا ركب بعد شدة التعب كان أثقل على البعير، وان اكترى اثنان جملا يتعاقبان عليه جاز ويكون كراؤه كل الطريق والاستيفاء بينهما على ما يتفقان عليه، وإن تشاحا قسم بينهما لكل

[ 98 ]

واحد منهما فراسخ معلومة أو لاحدهما بالليل وللآخر بالنهار، وإن كان لذلك عرف رجع إليه وان اختلفا في البادئ منهما أقرع، ويحتمل أن لا يصح كراؤها إلا أن يتفقا على ركوب معلوم لكل واحد منهما لانه عقد على مجهول بالنسبة إلى كل واحد منهما فلم يصح كما لو اشتريا عبدين على أن لكل واحد منهما عبدا معينا منهما * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (والاجارة عقد لازم من الطرفين ليس لاحدهما فسخها) وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لانها عقد معاوضة فكانت لازمة كالبيع ولانها نوع من البيع وانما اختصت باسم كالصرف والسلم لا أن يجد العين معيبة عيبا لم يكن علم به فله الفسخ بغير خلاف نعلمه قال ابن المنذر إذا اكترى دابة بعينها فوجدها جموحا أو عضوضا أو نفورا أو بها عيب غير ذلك مما يفسد ركوبها فللمكتري الخيار ان شاء ردها وفسخ الاجارة، وإن شاء أخذها وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي لانه عيب في المعقود عليه فأثبت الخيار كالعيب في بيوع الاعيان، والعيب الذي يرد به ما تنقص به المنفعة كتعثر الظهر في المشي والعرج يتأخر به عن القافلة وربض البهيمة بالحمل وكونها جموحا أو عضوضا ونحو ذلك، وفي المكترى للخدمة ضعف البصر والجنون والجذام والبرص، وفي الدار انهدام الحائط والخوف من سقوطها وانقطاع الماء من بئرها أو تغيره بحيث يمنع الشرب والوضوء

[ 99 ]

وأشباه ذلك من النقائص، فان رضي بالمقام ولم يفسخ لزمه جميع الاجرة لانه رضي به ناقصا أشبه ما لو رضي بالمبيع معيبا، وان اختلفا في الموجود هل هو عيب أو لا؟ رجع فيه إلى أهل الخبرة مثل أن تكون الدابة خشنة المشي أو انها تتعب راكبها لكونها لا تركب كثيرا فان قالوا هو عيب فله الفسخ والا فلا هذا إذا كان العقد تعلق بعينها فان كانت موصوفة في الذمة لم ينفسخ العقد وعلى المكري إبدالها كالمسلم فيه إذا وجده معيبا أو على غير صفته فان عجز عن إبدالها أو امتنع منه ولم يمكن إجباره فللمكتري الفسخ أيضا * (مسألة) * (وان بدا له قبل تقضي المدة فعليه الاجرة) قد ذكرنا أن الاجارة عقد لازم يقتضي تمليك المؤجر الاجر والمستأجر المنافع فإذا فسخ المستأجر الاجارة قبل انقضاء مدتها وترك الانتفاع اختيارا منه لم تنفسخ الاجارة وتلزمه الاجرة ولا يزول ملكه عن المنافع كما لو اشترى شيئا وقبضه ثم تركه: قال الاثرم قلت لابي عبد الله رجل اكترى بعيرا فلما قدم المدينة قال له فاسخني؟ قال ليس ذلك له قد لزمه الكراء قلت فان مرض المستكري بالمدينة؟ فلم يجعل له فسخا لانه عقد لازم من الطرفين فلم يملك أحد المتعاقدين فسخه، وإن فسخه لم يسقط العوض الواجب كالبيع (فصل) قد ذكرنا أن المستأجر يملك المنافع بالعقد كما يملك المشتري المبيع بالبيع ويزول ملك المؤجر عنها كما يزول ملك البائع عن المبيع فلا يجوز له التصرف فيها لانها صارت مملوكة لغيره فان

[ 100 ]

تصرف فيها وكان ذلك في حال يد المستأجر قبل تقضي المدة مثل أن يكتري دارا سنة فيسكنها شهرا ويتركها فيسكنها المالك بقية السنة أو يؤجرها لغيره احتمل أن ينفسخ العقد فيما استوفاه المالك لانه تصرف فيه قبل قبض المكتري له أشبه ما لو أتلف المكيل قبل تسليمه وسلم باقيه، فان تصرف في بعض المدة دون بعض انفسخ العقد في قدر ما تصرف فيه خاصة، وعلى المستأجر أجر ما بقي فان سكن المستأجر شهرا وسكن المالك عشرة أشهر لزم المستأجر أجر شهرين، وان سكنها شهرا وسكن المالك شهرين ثم تركها فعلى المستأجر أجر عشرة أشهر واحتمل أن يلزم المستأجر أجر جميع المدة وله على المالك أجر المثل لما سكن أو تصرف فيه يسقط ذلك مما على المستأجر من الاجر ويلزمه الباقي لانه تصرف فيما ملكه المستأجر عليه بغير إذنه أشبه ما لو تصرف في المبيع بعد قبض المشتري إياه وقبض الدار ههنا قام مقام قبض المنافع بدليل أنه يملك التصرف في المنافع بالسكنى والاجارة وغيرها، فعلى هذا لو كان أجر المثل الواجب على المالك بقدر الاجر المسمى في العقد لم يجب على المستأجر شئ، وان فضلت منه فضلة لزم المالك أداؤها إلى المستأجر، والاول أولى وهو ظاهر مذهب الشافعي وان تصرف المال قبل تسليمه العين أو امتنع من تسليمها حتى انقضت مدة الاجارة انفسخت الاجارة وجها واحدا لان العاقد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه فانفسخ العقد كما لو باعه طعاما فأتلفه قبل تسليمه، وان سلمها إليه في أثناء المدة انفسخت فيما مضى، ويجب أجر الباقي بالحصة كالمبيع إذا سلم بعضه وأتلف بعضا

[ 101 ]

* (مسألة) * (وان حوله المالك قبل تقضيها فليس له أجر لما سكن نص عليه ويحتمل أن له من الاجرة بقسطه) إذا استأجر مدة فسكنه بعضها ثم أخرجه المالك ومنعه تمام السكنى فلا شئ له من الاجر نص عليه أحمد وذكره الخرقي ويحتمل أن له من الاجر بقسطه وهو قول أكثر الفقهاء لانه استوفى ملك غيره على وجه المعاوضة فلزمه عوضه كالمبيع إذا استوفى بعضه ومنعه المالك بقيته ولنا أنه لم يسلم إليه ما تناوله عقد الاجارة فلم يستحق شيئا كما لو استأجره لحمل كتاب إلى بلد فحمله بعض الطريق أو ليحفر له عشرين ذراعا فحفر له عشرا وامتنع من حفر الباقي وقياس الاجارة على الاجارة أولى من قياسها على البيع، والحكم فيمن اكترى دابة فامتنع المكترى من تسليمها في بعض المدة أو أجر نفسه أو عبده للخدمة مدة وامتنع من إتمامها أو أجر نفسه لبناء حائط أو خياطة أو حفر بئر أو حمل شئ إلى مكان وامتنع من اتمام العمل مع القدرة عليه كالحكم في العقار يمتنع من تسليمه وانه لا يستحق شيئا لما ذكرنا * (مسألة) * (وان هرب الاجير حتى انقضت المدة انفسخت الاجارة، وان ان كانت على عمل خير للمستأجر بين الصبر والفسخ)

[ 102 ]

وجملة ذلك أنه إذا هرب الاجير أو شردت الدابة أو أخذ المؤجر العين وهرب بها أو منعه استيفاء المنفعة منها من غير هرب لم تنفسخ الاجارة لكن يثبت للمستأجر خيار الفسخ فان انفسخ فلا كلام، وان لم يفسخ وكانت الاجارة على مدة انفسخت بمضي المدة يوما فيوما فان عادت العين في أثناء المدة استوفى ما بقي منها، وان انقضت المدة انفسخت الاجارة لفوات المعقود عليه وان كانت الاجارة على موصوف في الذمة كخياطة ثوب أو بناء حائط أو حمل إلى موضع معين استؤجر من ماله من يعمله كما لو أسلم إليه في شئ فهرب بيع من ماله فان تعذر فللمستأجر الفسخ فان لم يفسخ وصبر إلى أن يقدر عليه فله مطالبته بالعمل لان ما في الذمة لا يفوت بهربه، وكل موضع امتنع الاجير من العمل فيه أو منع المؤجر المستأجر من الانتفاع إذا كان بعد عمل البعض فلا أجر له فيه على ما سبق الا أن يرد العين قبل انقضاء المدة أو يتم العمل ان لم يكن على مدة قبل فسخ المستأجر فيكون له أجر ما عمل فاما ان شردت الدابة أو تعذر استيفاء المنفعة بغير فعل المؤجر فله من الاجر بقدر ما استوفى بكل حال * (مسألة) * (فان هرب الجمال أو مات وترك الجمال انفق عليها الحاكم من مال الجمال أو أذن للمستأجر في الانفاق فإذا قدم باعها ووفى المنفق وحفظ باقي ثمنها لصاحبه) إذا هرب الجمال في بعض الطريق أو قبل الدخول فيها لم يخل من حالين (أحدهما) أن يهرب بجماله فان لم يجد المستأجر حاكما أو وجد حاكما لم يمكن إثبات الحال عنده أو أمكن ولم يحصل

[ 103 ]

له ما يستوفي به حقه منه فللمستأجر الفسخ لانه تعذر عليه قبض المعقود عليه أشبه ما إذا أفلس المشتري فان فسخ العقد وكان الجمال قد قبض الاجر كان دينا في ذمته وان اختار المقام على العقد وكانت الاجارة على عمل في الذمة فله ذلك، ومتى قدر على الجمال طالبه به وان كان العقد على مدة انقضت في هربه انفسخت الاجارة وان أمكن اثبات الحال عند الحاكم وكان العقد على موصوف غير معين لم ينفسخ العقد ويرفع الامر إلى الحاكم ويثبت عنده حاله فان وجد الحاكم للجمال مالا اكترى به وان لم يجد له مالا وامكنه أن يقترض عليه ما يكتري له به فعل فان دفع الحاكم المال إلى المكتري ليكتري به لنفسه جاز في ظاهر كلام أحمد، وان كان القرض من المكتري جاز وصار دينا في ذمة الجمال وان كان العقد على معين لم يجز ابداله ولا اكتراء غيره لان العقد تعلق بعينه فيخير المكتري بين الفسخ أو الصبر إلى أن يقدر عليه فيطالبه بالعلم (الحال الثاني) إذا هرب وترك جماله فان المكتري يرفع الامر إلى الحاكم فان وجد للجمال مالا استأجر به من يقوم مقامه في الانفاق على الجمال والشد عليها وفعل ما يلزم الجمال فان لم يجد له غير الجمال وكان فيها فضلة عن الكراء باع بقدر ذلك وان لم يكن فيها فضل أو لم يكن بيعه افترض عليه الحاكم كما ذكرنا، وان ادان من المكتري وانفق جاز، وان أذن للمكتري في الانفاق من ماله بالمعروف ليكون دينا على الجمال جاز لانه موضع حاجة فإذا رجع واختلفا فيما انفق وكان الحاكم قدر النفقة قبل قول

[ 104 ]

المكتري في ذلك دون ما زاد، وان لم يقدر له قبل قوله في قدر النفقة بالمعروف لانه أمين فاشبه الوصي إذا ادعى النفقة على الايتام بالمعروف وما زاد لا يرجع به لانه متطوع به، وإذا وصل المكتري رفع الامر إلى الحاكم فيفعل ما يرى الحظ فيه من بيع الجمال فيوفي عن الجمال ما لزمه من الدين للمكتري أو لغيره ويحفظ باقي الثمن له وان رأى بيع بعضها وحفظ باقيها والانفاق على الباقي من ثمن ما باع جاز، وان لم يجد حاكما أو عجز عن استئذانه فله أن ينفق عليها ويقيم مقام الجمال فيما يلزمه ولا يرجع بذلك ان فعله متبرعا وان نوى الرجوع واشهد على ذلك رجع به لانه حال ضرورة وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، وان لم يشهد ونوى الرجوع ففي الرجوع وجهان (أحدهما) يرجع به لان ترك الجمال مع العلم بأنها لابد لها من نفقة اذن في الانفاق (والثاني) لا يرجع به لانه يثبت لنفسه حقا على غيره وكذلك ان لم يشهده وأنفق محتسبا بالرجوع، قال شيخنا وقياس المذهب أن له الرجوع كقولنا يرجع بما انفق على الآبق وعلى عيال الغائب وزوجاته والدابة المرهونة، فان قدر على استئدان الحاكم فانفق من غير استئذانه واشهد على ذلك ففي رجوعه وجهان أيضا، وحكم موت الجمال حكم هربه وقال أبو بكر مذهب احمد أن الموت لا يفسخ الاجارة وله أن يركبها ولا يسرف في علفها ولا يقصر ويرجع بذلك في مال المتوفى، فان لم يكن في يد المستأجر ما ينفق لم يجز أن يبيع منها شيئا لان البيع إنما يجوز من المالك أو نائبه أو ممن لا ولاية عليه

[ 105 ]

* (مسألة) * (وتنفسخ الاجارة بتلف العين المعقود عليها) وجملته ان من استأجر عينا مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها لم يخل من أقسام [ أحدها ] ان تتلف العين كدابة تنفق أو عبد يموت فتلك على ثلاثة أضرب [ أحدها ] أن تتلف قبل قبضها فان الاجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه لان المعقود عليه تلف قبل قبضه فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه [ الثاني ] أن تتلف عقيب قبضها فان الاجارة تنفسخ ايضا ويسقط الاجر في قول عامة الفقهاء إلا أبا ثور حكي عنه انه قال يستقر الاجر لان المعقود عليه تلف بعد قبضه أشبه المبيع. وهذا غلط لان المعقود عليه المنافع وقبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين [ الثالث ] أن تتلف بعد مضي شئ من المدة فان الاجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى ويكون للمؤجر من الاجر بقدر ما استوفى من المنفعة، قال أحمد في رواية ابراهيم بن الحارث: إذا اكترى بعيرا بعينه فنفق يعطيه بحساب ما ركب وذلك لما ذكرنا من أن المعقود عليه المنافع وقد تلف بعضها قبل قبضه فبطل العقد فيها تلف دون ما قبض كما لو اشترى صبرتين فقبض احداهما وتلفت الاخرى قبل قبضها، ثم ننظر فان كان أجر المدة متساويا فعليه بقدر ما مضى ان كان قد مضى النصف فعليه نصف الاجر وان كان قد مضى الثلث فعليه الثلث كما يقسم الثمن على المبيع المتساوي، وان كان مختلفا كدار أجرها في الشتاء أكثر من أجرها في الصيف وأرض أجرها في الصيف اكثر من الشتاء،

[ 106 ]

أو دار لها موسم كدور مكة رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة ويسقط الاجر المسمى على حسب قيمة المنفعة كقسمة الثمن على الاعيان المختلفة في البيع، وكذلك لو كان الاجر على قطع مسافة كبعير استأجره على حمل شئ إلى مكان معين وكانت متساوية الاجزاء أو مختلفة وهذا ظاهر مذهب الشافعي * (مسألة) * (وموت الصبي المرتضع) إذا مات الصبي المرتضع انفسخ العقد لانه يتعذر استيفاء المعقود عليه لانه لا يمكن اقامة غيره مقامه لاختلاف الصبيان في الرضاع واختلاف اللبن باختلافهم فانه قد يدر على أحد الولدين دون الآخر وهذا منصوص الشافعي، وإذا انفسخ العقد عقيبه بطلت الاجارة من أصلها ورجع المستأجر بالاجر كله وان كان في أثناء المدة رجع بحصة ما بقي وتنفسخ الاجارة بموت المرضعة لفوات المنفعة بهلاك محلها، وحكي عن أبي بكر انها لا تنفسخ ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت لانه كالدين ولنا انه هلك المعقود عليه أشبه ما لو هلكت البهيمة المستأجرة. * (مسألة) * (وموت الراكب إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة) إذا مات المكتري ولم يكن له وارث يقوم مقامه في استيفاء المنفعة أو كان غائبا كمن يموت في طريق مكة ويخلف جمله الذي اكتراه وليس له عليه شئ يحمله ولا وارث له حاضر يقوم مقامه فظاهر كلام أحمد ان الاجارة تنفسخ فيما بقي

[ 107 ]

من المدة لانه قد جاء أمر غالب يمنع المستأجر منفعة العين فأشبه ما لو غصبت ولان بقاء القعد ضرر في حق المكري والمكتري لان المكتري يجب عليه الكراء من غير نفع والمكري يمتنع عليه التصرف في ماله مع ظهور امتناع الكراء عليه، وقد نقل عن أحمد في رجل اكترى بعيرا فمات المكتري في بعض الطريق فان رجع البعير خاليا فعليه بقدر ما وجب له، وان كان عليه ثقله ووطاؤه فله الكراء إلى الموضع، وظاهر هذا أنه حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة إذا مات المستأجر ولم يبق له به انتفاع لانه تعذر استيفاء المنفعة بأمر من الله تعالى فأشبه ما لو اكترى من يقلع له ضرسه فبرأ أو انقلع قبل قلعه أو اكترى كحالا ليكحل عينه فبرأت أو ذهبت، ويجب أن يقدر انه لم يكن ثم من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع لان الوارث يقوم مقام الموروث وتأولها القاضي على أن المكري قبض البعير ومنع الورثة الانتفاع ولولا ذلك لما انفسخ العقد لانه لا ينفسخ بعذر في المستأجر مع سلامة المعقود عليه كما لو حبس مستأجر الدار ومنع من سكناها، ولا يصح هذا لانه لو منع الوارث الانتفاع لما استحق شيئا من الاجر، ويفارق هذا ما لو حبس المستأجر لان المعقود عليه انتفاعه وهذا لم يؤبس منه بالحبس لانه يمكن خروجه في كل وقت من الحبس وانتفاعه ويمكن أن يستنيب من يستوفي المنفعة له إما بأجره أو غيره بخلاف الميت فانه قد فات انتفاعه بنفسه ونائبه أشبه ما ذكرنا من الصور

[ 108 ]

* (مسألة) * (وانقلاع الضرس الذي اكتري لقلعه أو برؤه) وكذلك ان اكترى كحالا ليكحل عينه فبرأت أو ذهبت انفسخ العقد لانه تعذر استيفاء المعقود عليه أشبه ما لو تعذر بالموت * (مسألة) * (فان اكترى دارا فانهدمت أو أرضا للزرع فانقطع ماؤها انفسخت الاجارة فيما بقي من المدة في أحد الوجهين وفي الآخر يثبت للمستأجر خيار الفسخ) وجملة ذلك انه إذا حدث في العين المكتراة ما يمنع نفعها كدار انهدمت أو أرض غرقت أو انقطع ماؤها فهذه ينطر فيها فان لم يبق فيها نفع أصلا فهي كالتالفة سواء، وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له مثل أن يمكن الانتفاع بعرصة الدار أو الارض لوضع حطب فيها أو وضع خيمة في الارض الذي استأجرها للزرع أو صيد السمك من الارض التي غرقت انفسخت الاجارة أيضا لان المنفعة التي وقع العقد عليها تلفت فانفسخت الاجارة كما لو استأجر دابة ليركبها فزمنت بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى. وقال القاضي في الارض التي انقطع ماؤها لا تنفسخ الاجارة فيها وهو منصوص الشافعي، لان المنفعة لم تبطل جملة لانه يمكن الانتفاع بعرصة الارض بنصب خيمة أو جمع حطب فيها فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه، فعلى هذا يخير المستأجر بين الفسخ والامضاء، فان فسخ فحكمه حكم العبد إذا مات، وإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الاجرة لان ذلك عيب فإذا

[ 109 ]

رضي به سقط حكمه فان لم يختر الفسخ ولا الامضاء إما لجهله بان له الفسخ أو لغير ذلك فله الفسخ بعد ذلك والاول أصح لان بقاء غير المعقود عليه لا يمنع انفساخ العقد بتلف المعقود عليه كالاعيان في البيع، ولو كان النفع الباقي في العين مما لا يباح استيفاؤه بالعقد كدابة استأجرها للركوب فصارت لا تصلح الا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجها واحدا لان المنفعة الباقية لا يملك استيفاءها مع سلامتها فلا يملكها مع تعيبها كبيعها، فاما ان أمكن الانتفاع بالعين وفيما اكتراها له على نعت من القصور مثل أن يمكنه زرع الارض بغير ماء أو كان الماء منحسرا عن الارض التى عرفت على وجه يمنع بعض الزراعة أو يسوء الزرع أو كان يمكنه سكنى ساحة الدار إما في خيمة أو غيرها لم تنفسخ الاجارة لان المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية فأشبه ما لو تعيبت وللمستأجر خيار الفسخ على ما ذكرنا إلا في الدار إذا انهدمت ففيها وجهان (أحدهما) لا تنفسخ الاجارة (والثاني) تنفسخ لانه زال اسمها بهدمها وذهبت المنفعة التي تقصد منها ولذلك لا يستأجر أحد عرصة دار ليسكنها فاما إن كان الحادث في العين لا يضرها كغرق الارض بما ينحسر عن قريب بحيث لا يمنع الزرع ولا يضره وانقطاع الماء عنها إذا ساق المؤجر إليها ماء من مكان آخر أو كان انقطاعه في زمن لا يحتاج إليه فيه فليس للمستأجر الفسخ لان هذا ليس بعيب، وإن حدث الغرق المضر أو انقطاع الماء أو الهدم ببعض العين المستأجرة فلذلك البعض حكم نفسه في الفسخ أو ثبوت الخيار وللمكتري الخيار في بقية

[ 110 ]

العين لان الصفقة تبعضت عليه فان اختار الامساك أمسك بالحصة من الاجر كما إذا تلف أحد القفيزين من الطعام في يد البائع * (مسألة) * (ولا تنفسخ بموت المكتري أو المكري) وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق والتي وأبي ثور وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي والليث تنفسخ لاجارة بموت أحدهما لان استيفاء المنفعة يتعذر بالموت لانه استحق بالعقد استيفاءها على ملك المؤجر فإذا مات زال ملكه عن العين فانتقلت إلى ورثته فالمنافع تحدث على ملك الوارث فلا يستحق المستأجر استيفاءها لانه ما عقد مع الوارث، وإذا مات المستأجر لم يمكن إيجاب الاجر في تركته ولنا أنه عقد لازم فلم ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه كما لو زوج أمته ثم مات، وما ذكروه لا يصح لانا قد بينا أن المستأجر قد ملك المنافع، وان الاجرة قد ملكت عليه كاملة في وقت العقد على ما نذكره، ويلزمهم ما لو زوج أمته ثم مات ولو صح ما ذكروه لكن وجوب الاجر ههنا بسبب من المستأجر فوجب في تركته بعد موته كما لو حفر بئرا فوقع فيها شئ بعد موته ضمنه في ماله لان سبب ذلك كان منه في حياته كذا ههنا * (مسألة) * (ولا تنفسخ بعذر لاحدهما مثل أن يكتري للحج فتضيع نفقته أو دكانا فيحترق متاعه) وبهذا قال مالك والشافعي وابو ثور، وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز للمكتري فسخها لعذر

[ 111 ]

في نفسه مثل أن يكتري جملا ليحج عليه فيمرض فلا يتمكن من الخروج أو تضيع نفقته، أو يكتري دكانا للبز فيحترق متاعه وما أشبه هذا لان هذا العذر يتعذر معه استيفاء المنفعة المعقود عليها فملك به الفسخ كما لو استأجر عبدا فابق ولنا انه عقد لا يجوز فسخه لغير عذر فلم يجز لعذر في غير المعقود عليه كالبيع ولانه لو جاز فسخه لعذر المكتري لجاز لعذر المكري تسوية بين المتعاقدين ودفعا للضرر عن كل واحد منهما ولم يجز ثم فلا يجرز ههنا، ويفارق الاباق فانه عذر في المعقود عليه * (مسألة) * (وإن غصبت العين خير المستأجر بين الفسخ والامضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل) إذا غصبت العين المستأجرة فللمستأجر الفسخ لان فيه تأخر حقه فان فسخ فالحكم كما لو انفسخ العقد بتلف العين وإن لم يفسخ حتى انقضت مدة لاجارة فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجر المثل لان المعقود عليه لم يفت مطلقا بل إلى بدل وهو القيمة فأشبه ما لو أتلف الثمرة لمبيعة آدمي قبل قطعها، ويتخرج افساخ العقد بكل حال على الرواية التي تقول إن منافع الغصب لا تضمن وهو قول أصحاب الرأي ولاصحاب الشافعي في ذلك اختلاف فان ردت العين في أثناء المدة ولم يكن فسخ استوفى ما بقي منها ويكون فيما مضى من المدة

[ 112 ]

مخيرا كما ذكرنا، وإن كانت الاجارة على عمل كخياطة ثوب أو حمل شئ إلى موضع معين فغصب جمله الذي يحمل عليه أو عبده الذي يخيط له لم ينفسخ العقد، وللمستأجر مطالبة الاجير بعوض المغصوب وإقامة من يعمل العمل لان العقد على ما في الذمة كما لو وجد بالمسلم فيه عيبا فرده فان تعذر البدل ثبت للمستأجر الخيار بين الفسخ والصبر إلى أن يقدر على العين المغصوبة فيستوفي منها (فصل) فان حدث خوف عام يمنع من سكنى المكان الذي فيه العين المستأجرة أو يحصر البلد فيمتنع خروج المستأجر إلى الارض المستأجرة للزرع ونحو ذلك ثبت للمستأجر خيار الفسخ لانه أمر غالب يمنع من استيفاء المنفعة فأثبت الخيار كغصب العين، ولو اكترى دابة ليركبها أو يحمل عليها إلى موضع معين فانقطعت الطريق إليها لخوف حادث أو اكترى إلى مكة فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق ملك كل واحد منهما فسخ الاجارة، وان اختار ابقاها إلى حين امكان استيفاء المنفعة جاز لان الحق لهما، فاما ان كان الخوف خاصا بالمستأجر كمن خاف وحده لقرب أعدائه من الموضع المستأجر أو خلوهم في طريقه لم يملك الفسخ لانه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية أشبه مرضه، وكذلك لو حبس أو مرض لانه ترك استيفاء المنفعة لمعنى من جهته فلم يمنع ذلك وجوب أجرها عليه كما لو تركها اختيارا. قال الخرقي: فان جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الاجرة بقدر مدة انتفاعه وقد شرحناه

[ 113 ]

* (مسألة) * (ومن استؤجر لعمل شئ فمرض أقيم مقامه من يعمله والاجرة عليه) لا خلاف بين أهل العلم في جواز استئجار الآدمي، وقد أجر موسى عليه السلام نفسه لرعيه الغنم واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا ليدلهما على الطريق، ولانه يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه فجازت اجارته كالدور. ثم إجارته تنقسم قسمين (أحدهما) استئجاره مدة بعينها لعمل معين كاجارة موسى عليه السلام نفسه ثماني حجج لرعي الغنم (والثاني) استئجاره على معنى في الذمة كاستئجار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رجلا ليدلهما على الطريق، واستئجار رجل لخياطة قميص أو بناء حائط، ويتنوع ذلك بنوعين (أحدهما) أن تقع الاجارة على عين كاجارة عبده لرعاية الغنم أو ولده لعمل معين (والثاني) أن تقع على عمل في الذمة كخياطة قميص وبناء حائط. فمتى كانت على عمل في ذمته فمرض وجب عليه أن يقيم مقامه من يعمله لانه حق وجب في ذمته فوجب عليه إيفاؤه كالمسلم، فيه ولا يلزم المستأجر انظاره لان العقد باطلاقه يقتضي التعجيل وفي التأخير إضرار به، فاما إن كانت الاجارة على عينه في مدة أو غيرها فمرض لم يقم غيره مقامه لان الاجارة وقعت على عمله بعينه لا على شئ في ذمته وعمل غيره ليس بمعقود عليه فأشبه ما لو اشترى معينا لم يجز أن يدفع إليه غيره ولا يبدله له بخلاف ما لو وقع في الذمة فانه يجوز ابدال المعيب ولا ينفسخ العقد بتلف ما يسلمه والمبيع المعين بخلافه فكذلك الاجارة فان كانت الاجارة على عمل في الذمة لكن لا يقوم غير الاجير مقامه كالنسخ فانه يختلف القصد فيه باختلاف الخطوط لم يكلف اقامة

[ 114 ]

غيره مقامه ولا يلزم المستأجر قبول ذلك ان بذله الاجير لان العوض لا يحصل من غير الناسخ كحصوله منه فأشبه ما لو أسلم إليه في نوع فسلم إليه غيره وكذلك كل ما يختلف باختلاف الاعيان * (مسألة) * (وان وجد العين معيبة فله الفسخ) كما لو وجد المبيع معيبا وقد ذكرناه، وان حدث بها عيب فله الفسح وأجرة ما مضي لان البائع لا يحصل قبضها إلا بالاستيفاء فهي كالمكيل يتعيب قبل قبضه فان بادر المكري إلى إزالة العيب من غير ضرر يلحق المستأجر كدار تشعثت فأصلحها، ولا خيار للمستأجر لعدم الضرر والا فله الفسخ، وان سكنها مع عيبها فعليه الاجرة علم أو لم يعلم لانه استوفى جميع المعقود عليه معيبا فلزمه البدل كالمبيع المعيب إذا رضيه * (مسألة) * (ويجوز بيع العين المستأجرة ولا تنفسخ الاجارة إلا أن يشتريها المستأجر فتنفسخ في إحدى الروايتين) يصح بيع العين المستأجرة نص عليه أحمد سواء باعها للمستأجر أو لغيره وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر ان باعها لغير المستأجر لم يصح لان يد المستأجر تمنع التسليم إلى المشتري فمنعت الصحة كما في بيع المغصوب ولنا أن الاجارة عقد على المنافع فلم تمنع الصحة كبيع الامة إذا زوجها، قولهم يد المستأجر تمنع

[ 115 ]

التسليم لا يصح لان يد المستأجر انما هي على المنافع والبيع على الرقبة فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر كما لو باع الامة المزوجة ولانها منعت التسليم في الحال فلا تمنع في الوقت الذي يجب التسليم فيه وهو عند انقضاء الاجارة ويكفي القدرة على التسليم حينئذ كالمسلم فيه وقال أبو حنيفة البيع موقوف على اجازة المستأجر فان أجازه جائز وبطلت الاجارة وان رده بطل ولنا أن البيع على غير المعقود عليه في الاجارة فلم تعتبر اجازته كبيع الامة المزوجة. إذا ثبت هذا فان المشتري يملك المبيع مسلوب المنفعة إلى حين انقضاء الاجارة ولا يستحق تسليم العين إلا حينئذ لان تسليم العين انما يراد لاستيفاء نفعها وانما يستحق نفعها إذا انقضت الاجارة فهو كمن اشترى عينا في مكان بعيد لا يستحق تسليمها إلا بعد مضي مدة يمكن احضارها فيه وكالمسلم إلى وقت لا يستحق تسليم المسلم فيه الا في وقته، فان لم يعلم المشتري بالاجارة خير بين الفسخ وامضاء البيع بكل الثمن لان ذلك عيب ونقص (فصل) ويصح بيعها للمستأجر لانه إذا صح بيعها لغيره فله أولى لان العين في يده وهل تبطل الاجارة؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تبطل لانه ملك المنفعة ثم ملك الرقبة المسلوبة بعقد آخر فلم يتنافيا كما يملك الثمرة بعقد ثم يملك الاصل بعقد آخر، ولو أجر الموصى له بالمنفعة مالك الرقبة صحت الاجارة فدل على أن ملك المنفعة لا ينافي العقد على الرقبة ولذلك لو استأجر المالك العين المستأجرة من مستأجرها جاز، فعلى هذا يكون الاجر باقيا على المشتري وعليه الثمن ويجتمعان للبائع كما لو كان المشتري غيره

[ 116 ]

(والثاني) تبطل الاجارة فيما بقي من المدة لانه عقد على منفعة العين فبطل بملك العاقد الرقبة كما لو تزوج أمة ثم اشتراها بطل نكاحه ولان ملك الرقبة يمنع ابتداء الاجارة فمنع استدامتها كالنكاح، فعلى هذا يسقط عن المشتري الاجر فيما بقي من مدة الاجارة كما لو بطلت الاجارة بتلف العين وان كان المؤجر قد قبض الاجر كله حسبه عليه من الثمن ان كان من جنس الثمن (فصل) فان رد المستأجر العين المستأجرة فالحكم فيه كما لو اشتراها في بطلان الاجارة وبقائها فلو استأجر انسان من أبيه دارا ثم مات الاب وخلف ابنين (أحدهما) المستأجر فالدار بينهما نصفين والمستأجر أحق بمنفعتها لان النصف الذي لاخيه الاجارة باقية فيه والنصف الذي ورثه يستحقه اما بحكم الملك أو بحكم الاجارة وما عليه من الاجرة بينهما نصفين، فان كان ابوه قد قبض الاجر لم يرجع على أخيه بشئ منه ولا على تركة أبيه ويكون ما خلفه أبوه بينهما نصفين لانه لو رجع بشئ أفضى إلى أن يكون قد ورث النصف بمنفعته وورث أخوه نصفا مسلوب المنفعة والله سبحانه قد سوى بينهما في الميراث ولانه لو رجع بنصف أجر النصف الذي انتقضت الاجارة فيه لوجب أن يرجع أخوه بنصف المنفعة التي بطلت الاجارة فيها إذ لا يمكن أن يجمع له بين المنفعة وأخذ عوضها من غيره (فصل) فان اشترى المستأجر العين فوجدها معيبة فردها فان قلنا لا تنفسخ الاجارة بالبيع فهي باقية بعد رد العين كما كانت قبل البيع، وان قلنا قد انفسخت فالحكم فيها كما لو انفسخت بتلف العين

[ 117 ]

فان كان المشتري أجنبيا فرد المستأجر الاجارة لعيب فينبغي أن تعود المنفعة إلى البائع لانه يستحق عوضها على المستأجر وإذا سقط العوض عاد إليه المعوض، ولان المشتري ملك العين مسلوبة المنفعة مدة الاجارة فلا يرجع إليه ما لم يملكه، وقال بعض أصحاب الشافعي يرجع إلى المشتري لان المنفعة تابعة للرقبة وإنما استحقت بعقد الاجارة فإذا زالت عادت إليه كما لو اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قال شيخنا ولا يصح هذا القياس لان منفعة البضع قد استقر عوضها للبائع بمجرد دخول الزوج بها ولا ينقسم العوض على المدة ولهذا لا يرجع الزوج بشئ من الصداق فيما إذا انفسخ النكاح أو وقع الطلاق بخلاف الاجر في الاجارة فان المؤجر يستحق الاجر في مقابلة المنفعة مقسوما على مدتها فإذا كان له عوض المنفعة المستقبلة فزال بالفسخ رجع إليه بعوضها وهو المنفعة، ولان منفعة البضع لا يجوز أن تملك بغير ملك الرقبة أو النكاح فلو رجعت إلى البائع لملكت بغيرهما ولانها مما لا يجوز الزوج نقلها إلى غيره ولا المعاوضة عنها ومنفعة البدن بخلافها (فصل) وإذا وقعت الاجارة على عين كمن استأجر عبدا للخدمة أو للرعي فتلف انفسخ العقد وقد ذكرناه وإن خرجت العين مستحقة تبينا أن العقد باطل وان وجد بها عيبا فردها انفسخ العقد أيضا ولم يملك إبدالها لان العقد على معين فتثبت هذه الاحكام كمن اشترى عينا، وإن وقعت على عين موصوفة في الذمة انعكست هذه الاحكام فمن سلم إليه عينا فتلفت أو خرجت مغصوبة أو وجد بها عيبا فردها لم تنفسخ الاجارة

[ 118 ]

ولزم المؤجر ابدالها لان المعقود عليه غير هذه العين وهذه بدل عنه فلم يؤثر ذلك في ابطال العقد كما لو اشترى بثمن في الذمة على ما قرر في موضعه، فان قيل فقد قلتم فيمن اكترى جملا ليركبه جاز أن يركبه من هو مثله ولو اكترى أرضا لزرع شئ بعينه جاز له زرع ما هو مثله أو دونه في الضرر فلم قلتم إذا اكترى جملا بعينه لا يجوز أن يبدله؟ قلنا: المعقود عليه منفعة العين فلم يجز أن يدفع إليه غير المعقود عليه كما لو اشترى عينا لا يجوز ان يأخذ غيرها والراكب غير معقود عليه انما هو مستوف للمنفعة وانما يشترط معرفته ان تقدر به المنفعة لا لكونه معقودا عليه وكذلك الزرع في الارض فانما يعين ليعرف به قدر المنفعة المستوفاة فيجوز الاستيفاء بغيرها كما لو وكل المشتري غيره في استيفاء المبيع ألا ترى أنه لو تلف البعير أو الارض انفسخت الاجارة ولو مات الراكب أو تلف البذر لم تنفسخ وجاز أن يقوم غيره مقامه فافترقا. * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (ولا ضمان على الاجير الخاص وهو الذي يسلم نفسه إلى المستأجر فيما تلف في يده الا ان يتعدى) وجملته ان الاجير على ضربين خاص ومشترك: فالخاص الذي يقع العقد عليه في مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها كمن استؤجر لخدمة أو خياطة أو رعاية شهرا أو سنة، سمي خاصا لان المستأجر يختص بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس والمشترك الذي يقع العقد معه على عمل معين

[ 119 ]

كخياطة ثوب أو بناء حائط وحمل شئ إلى مكان معين أو على عمل في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها كالكحال والطبيب سمي مشتركا لانه يتقبل أعمالا لاثنين أو أكثر في وقت واحد ويعمل لهم فيشتركون في منفعته فسمي مشتركا لاشتراكهم في منفعته، فاما الاجير الخاص فلا ضمان عليه ما لم يتعد قال أحمد في رواية مهنا في رجل أمر غلامه يكيل لرجل بزرا فسقط الرطل من يده فانكسر لا ضمان عليه، فقيل أليس هو بمنزلة القصار؟ قال لا القصار مشترك قيل فرجل اكترى رجلا يستقي ماء فكسر الجرة؟ فقال لا ضمان عليه قيل له فان اكترى رجلا يحرث له على بقرة فكسر الذي يحرث به؟ قال لا ضمان عليه وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه وظاهر مذهب الشافعي وله قول آخر أن جميع الاجراء يضمنون وروى في مسنده ان عليا كان يضمن الاجراء ويقول لا يصلح للناس الا هذا ولنا أن عمله غير مضمون عليه فلم يضمن ما تلف به كالقصاص وقطع يد السارق وخبر علي مرسل والصحيح فيه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وان روي مطلقا حمل على هذا فان المطلق يحمل على المقيد ولان الاجير الخاص نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به فلم يضمن من غير تعد كالوكيل والمضارب. فأما ما لف بتعديه فعليه ضمانه مثل الخباز الذي يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته أو يتركه بعد وقته حتى يحترق لانه تلف بتعديه فضمن كغير الاجير (فصل) وان استأجر الاجير المشترك أجيرا خاصا كالخياط في دكان يستأجر أجيرا مدة يستعمله

[ 120 ]

فيها فيقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه إلى أجير فخرقه أو أفسده لم يضمنه لانه أجير خاص ويضمنه صاحب الدكان لانه أجير مشترك * (مسألة) * (ويضمن الاجير المشترك ما جنت يده من تخريق الثوب وغلطه في تفصيله) قد ذكرنا ان الاجير المشترك هو الصانع الذي لا يختص المستأجر بنفعه فيضمن ما جنت يده كالحائك إذا أفسد حياكته فهو ضامن لما أفسد نص عليه أحمد في رواية ابن منصور والقصار ضامن لما يتخرق من دقه أو مده أو عصره أو بسطه والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه والخباز ضامن لما أفسد من خبزه والحمال يضمن لما يسقط من حمله عن دابته أو تلف من عثرته والجمال يضمن ما تلف بقود وسوقه وانقطاع حبله الذي يشد به حمله والملاح يضمن ما تلف من مدة أو جذفه أو ما يعالج به السفينة، روي ذلك عن عمر وعلى وعبد الله بن عتبة وشريح والحسن والحكم، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يضمن ما لم بتعد قال الربيع هذا مذهب الشافعي وان لم يبح به يروى ذلك عن عطاء وطاوس وزفر ولانها عين مقبوضة بعقد الاجارة فلم تصر مضمونة كالعين المستأجرة ولنا ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وقال لا يصلح الناس الا على ذلك وروى الشافعي باسناده عن علي أنه كان يضمن الاجراء ويقول لا يصلح الناس الا هذا

[ 121 ]

ولان عمل الاجير المشترك مضمون عليه فما تولد منه يجب أن يكون مضمونا كالعدوان بقطع عضو بخلاف الاجير الخاص والدليل على أن عمله مضمون عليه أنه لا يستحق العوض الا بالعمل وان الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجر فيما عمل فيه وكان ذهاب عمله. من ضمانه بخلاف الخاص فانه إذا أمكن المستأجر من استعماله استحق العوض بمضي المدة وان لم يعمل وما عمل فيه من شئ فتلف من حرزه لم يسقط أجره بتلفه (فصل) ذكر القاضي ان الاجير المشترك انما يضمن إذا كان يعمل في ملك نفسه كالخباز يخبز في تنوره والقصار والخياط في دكانيهما قال ولو دعا الرجل خبازا فخبز له في داره أو خياطا أو قصارا ليقصر ويخيط عنده لا ضمان عليه فيما أتلف ما لم يفرط لانه سلم نفسه إلى المستأجر فصار كالاجير الخاص ولو كان صاحب المتاع مع الملاح في السفينة أو راكبا على الدابة فوق حمله فعطب الحمل لا ضمان على الملاح والمكاري لان يد صاحب المتاع لم تزل، ولو كان رب المتاع والجمال راكبين على الحمل فتلف حمله لم يضمن الجمال لان رب المتاع لم يسلمه إليه ومذهب مالك والشافعي نحو هذا قال أصحاب الشافعي لو كان العمل في دكان الاجير والمستأجر حاضر أو اكتراه ليعمل له شيئا وهو معه لم يضمن لان يده عليه فلم يضمن من غير جناية ويجب له أجر عمله لان يده عليه فكلما عمل شيئا صار مسلما إليه، وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين كونه في ملك نفسه أو ملك مستأجره أو كان صاحب العمل

[ 122 ]

حاضرا عنده أو غائبا أو كونه مع الملاح أو الجمال أو لا ولذلك قال ابن عقيل ما تلف بجناية الملاح بجذفه أو بجناية المكاري بشده المتاع ونحوه فهو مضمون عليه سواء كان صاحب المتاع معه أو لم يكن لان وجوب الضمان عليه لجناية يده فلا فرق بين حضور المالك وغيبته كالعدوان، ولان جناية الجمال والملاح إذا كان صاحب المتاع راكبا معه تعم المتاع وصاحبه وتفريطه يعمهما فلم يسقط ذلك الضمان كما لو رمى انسانا متترسا فكسر ترسه وقتله، ولان الطبيب والختان إذا جنت يداهما ضمنا مع حضور المطبب والمختون، وقد ذكر القاضي أنه لو كان حمالا يحمل على رأسه ورب المتاع معه فعثر فسقط المتاع فتلف ضمن وان سرق لم يضمن لانه في العثار تلف بجنايته والسرقة ليست من جنايته ورب المال لم يحل بينه وبينه وهذا يقتضي أن تلفه بجنايته مضمون عليه سواء حضر رب الما أو غاب بل وجوب الضمان في محل النزاع أولى لان الفعل في ذلك المكان مقصود لفاعله والسقطة من الحمال غير مقصودة له فإذا وجب الضمان ههنا فثم أولى (فصل) وذكر القاضي أنه إذا كان المستأجر على حمله عبيدا صغارا أو كبارا فلا ضمان على المكاري فيما تلف من سوقه وقوده إذ لا يضمن بني آدم من جهة الاجارة لانه عقد على منفعة، والاولى وجوب الضمان لان الضمان ههنا من جهة الجناية فوجب أن يعم بني آدم وغيرهم كسائر الحيوانات وما ذكره ينتقض بجناية الطبيب والخاتن

[ 123 ]

* (مسألة) * (ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله ولا أجرة له فيما عمل فيه وعنه يضمن) اختلفت الرواية عن أحمد في الاجير المشترك إذا تلفت العين من حرزه من غير تعد منه ولا تفريط فروي عنه لا يضمن في رواية ابن منصور وهو قول طاوس وعطئ وأبي حنيفة وزفر وقول للشافعي، وروي عن أحمد ان كان هلاكه بما يستطاع ضمنه وان كان غرقا أو عدوا غالبا فلا ضمان عليه قال أحمد في رواية أبي طالب إذا جنت يده أو ضاع من بين متاعه ضمنه وان كان عدوا أو غرقا فلا ضمان ونحو هذا قال أبو يوسف، والصحيح في المذهب الاول وهذه الرواية تحتمل أنه انما أوجب عليه الضمان إذا تلف من بين متاعه خاصة لانه يتهم ولهذا قال في الوديعة في رواية إنه يضمن إذا ذهبت من بين ماله فاما في غير ذلك فلا ضمان عليه لان تخصيصه التضمين بما إذا أتلف من بين ماله يدل على أنه لا يضمن إذا تلف مع متاعه، ولانه إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان لم يجب عليه الضمان كما لو تلف بأمر غالب، وقال مالك وابن أبي ليلى يضمن بكل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " ولانه قبض العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فلزمه ضمانها كالمستعير ولنا أنها عين مقبوضة بعقد الاجارة لم يتلفها بفعله فلم يضمنها كالعين المستأجرة ولانه قبضها باذن مالكها لنفع يعود اليهما فلم يضمنها كالمضارب والشريك والمستأجر ويخالف العارية فانه ينفرد بنفعها والخبر مخصوص بما ذكرنا من الاصول فنخص محل النزاع بالقياس عليها. إذا ثبت هذا

[ 124 ]

فانه لا أجر له فيما عمل فيها لانه لم يسلم عمله إلى المستأجر فلم يستحق عوضه كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد البائع قبل تسليمه * (مسألة) * (ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا نزاع ولا طبيب إذا علم منهم حذق ولم تجن أيديهم) وجملة ذلك أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين (أحدهما) أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم لانه إذا لم يكن كذلك لم تحل له مباشرة القطع فإذا قطع مع هذا كان فعلا محرما فضمن سرايته كالقطع ابتداء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " من تطبب بغير علم فهو ضامن " رواه أبو داود (والثاني) أن لا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع. فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا لانهم قطعوا قطعا مأذونا فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الامام يد السارق، فاما ان كان حاذقا وجنت يده مثل أن يجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها أو يقطع في غير محل القطع أو قطع سلعة من انسان فتجاوز بها موضع القطع أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها أو في وقت لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ضمن فيه كله لانه اتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ فأشبه اتلاف المال ولانه فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء، وكذلك الحكم في النزاع والقاطع في القصاص وقاطع يد السارق وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا (فصل) فان ختن صبيا بغير اذن وليه أو قطع سلعة من انسان بغير اذنه أو من صبي بغير

[ 125 ]

إذن وليه فسرت جنايته ضمن لانه قطع غير مأذون فيه وإن فعل ذلك الحاكم أو وليه أو فعله من أذنا له لم يضمن لانه ماذون فيه شرعا * (مسألة) * (ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) يصح استئجار الراعي بغير خلاف علمناه وقد أجر موسى عليه السلام نفسه لرعاية الغنم. إذا ثبت ذلك فانه لا يضمن ما تلف من الماشية إذا لم يتعد أو يفرط في حفظها لا نعلم فيه خلافا إلا ما روي عن الشعبي انه كان يضمن الراعي ولنا أنه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غير تعد ولا تفريط كالمودع ولانه قبض العين بحكم الاجارة فلم يضمنها من غير تعد كالعين المستأجرة، فاما ما تلف بتعديه فيضمنه بغير خلاف مثل أن ينام عن الماشية أو يغفل عنها أو يتركها تتباعد عنه أو تغيب عن نظره وحفظه أو يسرف في ضربها أو يضربها في غير موضع الضرب أو من غير حاجة إليه أو يسلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف وأشباه هذا مما يعد تفريطا وتعديا فتتلف به فيضمنها لانها تلفت بعدوانه فضمنها كالمودع إذا تعدى، فان اختلفا في التعدي وعدمه فالقول قول الراعي لانه أمين وإن فعل فعلا اختلفا في كونه تعديا رجع إلى أهل الخبرة، ولو جاء بجلد شاة وقال ماتت قبل قوله ولم يضمن وعن أحمد انه لا يقبل قوله ويضمن والصحيح الاول لان الامناء يقبل قولهم كالمودع، ولانه يتعذر عليه إقامة البينة في الغالب أشبه المودع وكذلك إذا ادعى موتها ولم يأت بجلدها

[ 126 ]

(فصل) ولا يصح العقد في الرعي إلا على مدة معلومة لان العمل لا ينحصر، ويجوز العقد على رعي ماشية معينة وعلى جنس في الذمة فان عقد على معينة كمائة شاة معينة فذكر أصحابنا أنه يتعلق بأعيانها كما لو استأجره لخياطة ثوب بعينه فلا يجوز ابداله، ويبطل العقد بتلفها فان تلف بعضها بطل العقد فيه وله أجر ما بقي بالحصة، وإن ولدت لم يكن عليه رعي سخالها لانها زيادة لا يتناولها العقد ويحتمل أن لا يتعلق باعيانها لانها ليست المعقود عليها انما لتستوفى المنفعة بها فأشبه ما لو استأجر ظهرا ليركبه فله أن يركب غيره مكانه، ولو استأجر دارا ليسكنها فله أن يسكنها مثله وانما المعقود عليه منفعة الراعي ولهذا تجب له الاجرة إذا سلم نفسه وإن لم يرع، ويفارق الثوب في الخياطة لان الثياب في مظنة الاختلاف في سهولة خياطتها ومشقتها بخلاف الرعي. فعلى هذا له ابدالها بمثلها وإن تلف بعضها لم ينفسخ العقد فيه وكان له ابداله. (فصل) فان وقع العقد على موصوف في الذمة فلابد من ذكر جنس الحيوان ونوعه ابلا أو بقرا أو غنما أو ضأنا أو معزا وان أطلق ذكر البقر والابل لم يتناول الجواميس والبخاتي لان اطلاق الاسم لا يتناولها عرفا إلا أن يقع العقد في مكان يتناولها الاسم فيحتاج إلى ذكر نوع ما يرعاه منها كالغنم لان كل نوع له أثر في اتعاب الراعي ويذكر الكبر والصغر فيقول كبارا أو صغارا أو عجاجيل أو فصلانا إلا أن يكون ثم قرينة أو عرف صارف إلى بعضها فيكتفي بذلك، ومتي عقد على عدد موصرف كالمائة لم يجب عليه رعي زيادة من سخالها ولا من غيرها، وان أطلق ولم يذكر

[ 127 ]

عددا لم يجز وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وقال القاضي يصح ويحمل على ما جرت به العادة كالمائة من الغنم ونحوها، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، والاول أصح لان العادة في ذلك تختلف وتتباين كثيرا والعمل يختلف باختلافه * (مسألة) * (وإذا حبس الصانع الثوب على أجرته فتلف ضمنه) لانه لم يرهنه عنده ولا اذن له في امساكه فلزمه الضمان كالغاصب * (مسألة) * (فان أتلف الثوب بعد عمله خير المالك بين تضمينه اياه غير معمول ولا أجرة له وبين تضمينه اياه معمولا ويدفع إليه الاجرة) وكذلك لو وجب عليه ضمان المتاع المحمول فصاحبه مخير بين تضمينه قيمته في الموضع الذي سلمه إليه ولا أجرة له، وبين تضمينه اياه في الموضع الذي أفسده ويعطيه الاجرة إلى ذلك المكان، وانما كان كذلك لانه إذا أحب تضمينه معمولا أو في المكان الذي أفسده فيه فله ذلك لانه ملكه في ذلك الموضع على تلك الصفة فملك المطالبة بعوضه حينئذ، وان أحب تضمينه قبل ذلك فلان أجر العمل لا يلزمه قبل تسليمه وما سلم إليه فلا يلزمه (فصل) إذا أخطأ القصار فدفع الثوب إلى غير مالكه فعليه ضمانه لانه فوته على مالكه قال أحمد يغرم القصار ولا يسع المدفوع إليه لبسه إذا علم أنه ليس بثوبه ويرده إلى القصار ويطالبه بثوبه فان لم

[ 128 ]

يعلم القابض حتى قطعه ولبسه ثم علم رده مقطوعا وضمن أرش القطع وله مطالبته بثوبه ان كان موجودا وان هلك عند القصار ضمنه في إحدى الروايتين لانه أمسكه بغير إذن صاحبه بعد طلبه فضمنه كما لو علم (والثانية) لا يضمنه لانه لا يمكنه رده فأشبه ما لو عجز عن دفعه لمرض (فصل) والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر ان تلفت بغير تفريط لم يضمنها قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن الذين يكرون الخيمة إلى مكة فتذهب من المكتري بسرق هل يضمن قال أرجو أن لا يضمن وكيف يضمن؟ إذا ذهب لا يضمن ولا نعلم في هذا خلافا لانه قبض العين لاستيفاء منفعة يستحقها منها فكانت أمانة كما لو قبض لعبد الموصى له بخدمته سنة أو قبض الزوج امرأته الامة ويخالف العارية فانه لا يستحق منفعتها وإذا انقضت المدة فعليه رفع يده عنها وليس عليه الرد أومأ إليه في رواية ابن منصور قيل له إذا اكترى دابة أو استعار أو استودع فليس عليه أن يحملها فقال أحمد من استعار شيئا فعليه رده من حيث أخذه فأوجب الرد في العارية ولم يوجبه في الاجارة والوديعة ووجه ذلك أنه عقد لا يقتضي الضمان فلا يقتضي رده ومؤنته كالوديعة بخلاف العارية فان ضمانها يجب فكذلك ردها. وعلى هذا متى انقضت المدة كانت العين في يده أمانة كالوديعة ان تلفت من غير تفريط فلا ضمان عليه وهو قول بعض الشافعية، وقال بعضهم يضمن لانه بعد انقضاء الاجارة غير مأذون له في امساكه أشبه العارية المؤقتة بعد وقتها

[ 129 ]

ولنا أنها أمانة أشبهت الوديعة ولانه لو وجب ضمانها لوجب ردها، أما العارية فانها مضمونة بكل حال بخلاف مسئلتنا ولانه يجب ردها ومتى طلبها صاحبها وجب تسليمها إليه فان امتنع من ذلك لغير عذر صارت مضمونة كالمغصوبة (فصل) فان شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد لانه ينافي مقتضى العقد وتفسد به الاجارة في أحد الوجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع قال أحمد فيما إذا اشترط ضمان العين الكراء والضمان مكروه، روي الاثرم باسناده عن ابن عمر قال لا يصلح الكراء بالضمان، وعن فقهاء المدينة أنهم كانوا يقولون لا يكري بضمان إلا أنه من شرط على كري الا ينزل بمتاعه بطن واد ولا يسير به ليلا مع اشباه هذه الشروط فتعدى ذلك فتلف شئ مما حمل في ذلك التعدي فهو ضامن فاما غير ذلك فلا يصح شرط الضمان فيه، وان شرطه لم يصح لان ما لا يجب ضمانه لا يصير مضمونا بالشرط وعن أحمد أنه سئل عن ذلك فقال: المسلمون على شروطهم وهذا يدل على وجوب الضمان بشرطه وسنذكر ذلك في العارية فاما ان أكراه عينا وشرط أن لا يسير بها في الليل أو وقت القائلة أو لا يتاخر بها عن القافلة أو لا يجعل سيره في آخرها وأشباه هذا مما فيه غرض مخالف ضمن لانه متعد لشرط كريه فضمن ما تلف به كما لو شرط عليه ألا يحمل الا قفيزا فحمل قفيزين، وحكم الاجارة الفاسدة حكم الصحيحة في أنه لا يضمن إذا تلفت العين من غير تفريط ولا تعد لانه عقد لا يقتضي

[ 130 ]

الضمان صحيحه فلا يقتضيه فاسده كالوكالة وحكم كل عقد فاسد في وجوب الضمان وعدمه حكم صحيحه فما وجب الضمان في صحيحه وجب في فاسده ومالا فلا * (مسألة) * (إذا ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة أو كبحها أو الرائض الدابة لم يضمن) وجملة ذلك ان للمستأجر ضرب الدابة بما جرت به العادة ويكبحها باللجام للاستصلاح ويحثها على السير ليلحق القافلة فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نخس بعير جار وضربه وكان أبو بكر رضي الله عنه يحرش بعيره بمحجنه، وللرائض ضرب الدابة للتأدب وترتيب المشي والعد واليسير * (مسألة) * (وكذلك المعلم إذا ضرب الصبي للتاديب) قال الاثرم سئل أحمد عن ضرب المعلم الصبيان قال على قدر ذنوبهم ويتوقى بجهده الضرب، وإذا كان صغيرا لا يعقل فلا يضربه ومتى ضرب من هؤلاء كلهم الضرب المأذون فيه لم يضمن ما تلف في الدابة وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابو يوسف ومحمد، وقال الثوري وابو حنيفة يضمن لانه تلف بجنايته فضمن كغير المستأجر، وكذلك قال الشافعي في المعلم يضرب الصبي لانه يمكنه تأديبه بغير الضرب ولنا أنه تلف من فعل مستحق فلم يضمن كما لو تلف تحت الحمل ولان الضرب معنى تضمنه الاجارة فإذا تلف منه لم يضمن كالركوب وفارق غير المستأجر لانه متعد، وقول الشافعي يمكن التأديب بغير

[ 131 ]

الضرب لا يصح فان العادة خلافه ولو أمكن التأديب بغير الضرب لما جاز الضرب إذ فيه ايلام لا حاجة إليه فان أسرف في هذا كله أو زاد على ما يحصل الغنى به أو ضرب من لا عقل له من الصبيان فعليه الضمان لانه متعد حصل التلف بعدوانه، وحكم ضرب الرجل امرأته في النشوز على ما ذكرنا قياسا على الصبي * (مسألة) * (وان قال أذنت لي في تفصيله قباء قال بل قميصا فالقول قول الخياط نص عليه) إذا اختلف المؤجر والمستأجر فقال أذنت لي في قطعه قميص امرأة قال أذنت لك في قطعه قميص رجل أو قال أذنت لي في قطعه قميصا قال بل قباء أو قال الصباغ أمرتني بصبغه أحمر قال بل أسود فالقول قول الخياط والصباغ نص عليه احمد في رواية ابن منصور وهذا قول ابن أبي ليلى وقال مالك وابو حنيفة وابو ثور القول قول صاحب الثوب واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال له قولان كالمذهبين ومنهم من قال له قول ثالث انهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن ومنهم من قال الصحيح ان القول قول رب الثوب لانهما اختلفا في صفة اذنه والقول قوله في أصل الاذن فكذلك في صفته ولان الاصل عدم الاذن المختلف فيه فالقول قول من ينفيه ولنا أنهما اتفقا على الاذن واختلفا في صفته فكان القول قول المأذون له كالمضارب إذا قال: أذنت لي في البيع نساء فأنكره ولانهما اتفقا على ملك الخياط القطع والصباغ الصبغ والظاهر أنه فعل ما ملكه واختلفا في لزوم الغرم له والاصل عدمه فعلى هذا يحلف الخياط والصباغ: لقد أذنت لي

[ 132 ]

في قطعه قباء وصبغه أحمر، ويسقط عنه الغرم ويستحق أجر المثل لانه ثبت وجود فعله المأذون فيه بعوض ولا يستحق المسمى لان المسمى ثبت بقوله ودعواه فلا يجب بيمينه، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " أخرجه مسلم فاما المسمى في العقد فانما يعترف رب الثوب بتسميته أجرا لقطعه قميصا أو صبغه أسود، وأما من قال القول قول رب الثوب فانه يحلف بالله ما أذنت في قطعه قباء ولا صبغه أحمر ويسقط عنه المسمى ولا يجب للخياط والصباغ أجر لانهما فعلا غير ما أذن لهما فيه، وذكر ابن أبي موسي رواية أخرى عن احمد أن صاحب الثوب إذا لم يكن ممن يلبس الاقبية والسواد فالقول قوله وعلى الصانع غرم ما نقص بالقطع وضمان ما أفسد ولا أجر له لان قرينة حال رب الثوب تدل على صدقه فترجح دعواه بها كما لو اختلف الزوجان في متاع البيت رجحنا دعوى كل واحد منهما فيما يصلح له ولو اختلف صانعان في الآلة التي في دكانهما رجحنا قول كل واحد منهما في آلة صناعته فعلى هذا يحلف رب الثوب ما اذنت لك في قطعه قباء ويكفي هذا لانه ينتفي به الاذن فيصير قاطعا لغير ما أذن فيه فإذا كان القباء مخيطا بخيوط لمالكه لم يملك الخياط فتقه وكان لمالكه أخذه مخيطا بلا عوض لانه عمل في ملك غيره عملا مجردا عن عين مملوكة له فلم يكن له إزالته كما لو نقل ملك غيره من موضع إلى موضع لم يكن له رده إذا رضي صاحبه بتركه فيه وإن كانت الخيوط للخياط فله نزعها لانها عين ماله ولا يلزمه

[ 133 ]

أخذ قيمتها لانها ملكه ولا يتلف بأخذها ماله حرمة فان اتفقا على تعويضه عنها جاز لان الحق لهما وإن قال رب الثوب أنا أشد في كل خيط خيطا حتى إذا سلمه عاد خيط رب الثوب في مكانه لم يلزم الخياط الاجابة إلى ذلك لانه انتفاع بملكه وحكم الصباغ في قلع الصبغ إن اختاره وفي غير ذلك من أحكامه حكم صبغ الصباغ على ما يأتي في بابه قال شيخنا " والذي يقوى عندي أن القول قول رب الثوب لما ذكرنا في دليلهم وما قاسوا عليه فيما إذا قال المضارب أذنت لي في البيع نساء فأنكر رب المال ان القول قول المشارب ممنوع (فصل) إذا دفع إلى خياط ثوبا فقال: ان كان يقطع قميصا فاقطعه، فقال: هو يقطع وقطعه، فلم يكف ضمنه، أو قال أنظر هذا يكفيني قميصا؟ قال نعم، قال اقطعه فقطعه فلم يكفه، لم يضمن وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور لا ضمان عليه في المسئلتين لانه لو كان غره في الاولى لكان قد غره في الثانية. ولنا أنه انما أذن له في الاولى بشرط كفايته فقطعه بدون شرطه، وفي الثانية اذن له من غير شرط فافترقا ولم يجب عليه الضمان في الاولى لتغريره بل لعدم الاذن في قطعه لان اذنه مقيد بشرط كفايته فلا يكون اذنا في غير ما وجد فيه الشرط بخلاف الثانية. (فصل) فان أمره أن يقطع الثوب قميص رجل فقطعه قميص امرأة فعليه غرم ما بين قيمته صحيحا

[ 134 ]

ومقطوعا لان هذا قطع غير مأذون فيه فأشبه ما لو قطعه من غير إذن وقيل يغرم ما بين قميص رجل وقميص امرأة لانه مأذون في قميص في الجملة والاول أصح لان المأذون فيه قميص موصوف بصفة فإذا قطع قميصا غيره لم يكن فاعلا لما أذن فيه فكان متعديا بابتداء القطع ولذلك لا يستحق على القطع أجرا ولو فعل ما أمر به لاستحق أجره (فصل) إذا دفع إلى حائك غزلا فقال انسجه لي عشرة أذرع في عرض ذراع فنسجه زائدا على ما قدر له في الطول والعرض فلا أجر له في الزيادة لانه غير مأمور بها وعليه ضمان ما نقص الغزل المنسوج فيها فاما ما عدا الزائد فينظر فيه فان كان جاءه زائدا في الطول وحده ولم ينقص الاصل بالزيادة فله ما سمى له من الاجر كما لو استأجره أن يضرب له مائة لبنة فضرب له مائتين وإن جاء به زائدا في العرض وحده أو فيهما ففيه وجهان (أحدهما) لا أجر له لانه مخالف لامر المستأجر فلم يستحق شيئا كما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض ذراعين (والثاني) له المسمى لانه زاد على ما أمره به فاشبه زيادة الطول ومن قال بالوجه الاول فرق بين الطول والعرض بأنه يمكن قطع الزائد في الطول ويبقى الثوب على ما أراد ولا يمكن ذلك في العرض فاما ان جاء به ناقصا في الطول والعرض أو في أحدهما ففيه أيضا وجهان (أحدهما) لا أجر له وعليه ضمان نقص الغزل لانه مخالف لما أمر به فاشبه ما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض نصف ذراع (والثاني) له بحصته

[ 135 ]

من المسمى كمن استؤجر على ضرب لبن فضرب بعضه ويحتمل انه ان جاء به ناقصا في العرض فلا شئ له وإن كان ناقصا في الطول فله بحصته من المسمى لما ذكرنا من الفرق بين الطول والعرض وإن جاء به زائدا في أحدهما ناقصا في الآخر فلا أجر له في الزائد وهو في الناقص على ما ذكرنا من التفصيل فيه. وقال محمد بن الحسن في الموضعين يتخير صاحب الثوب بين دفع الثوب إلى النساج ومطالبته بثمن غزله وبين أن يأخذه ويدفع إليه المسمى في الزائد وبحصة المنسوج في الناقص لان غرضه لم يسلم له لانه ينتفع بالطويل ما لا ينتفع بالقصير وينتفع بالقصير ما لا ينتفع بالطويل فكأنه أتلف عليه غزله ولنا انه وجد عين ماله فلم يكن له مطالبته بعوض كما لو جاء به زائدا في الطول وحده فأما إن أثرت الزيادة أو النقص في الاصل مثل أن يأمره بنسج عشرة أذرع ليكون الثوب صفيقا فنسجه خمسة عشر فصار خفيفا أو بالعكس فلا أجر له بحال وعليه ضمان نسج الغرل لانه لم يأت بشئ مما أمر به (فصل) إذا اختلف المتكاريان في قدر الاجر فقال أجرتنيها سنة بدينار قال بل بدينارين تخالفا ويبدأ بيمين الآجر نص عليه أحمد وهو قول الشافعي لان الاجارة نوع من البيع فإذا تحالفا قبل مضي شئ من المدة فسخا العقد ورجع كل واحد منهما في ماله وان رضي أحدهما بما حلف عليه الآخر أقر العقد وان فسخا العقد بعد المدة أو شئ منها سقط المسمى ووجب أجر المثل كما لو اختلفا في المبيع

[ 136 ]

بعد تلفه وهذا قول الشافعي وبه قال أبو حنيفة إن لم يكن عمل العمل وان كان عمله فالقول قول المستأجر فيما بينا وبين أجر مثله، وقال أبو ثور القول قول المستأجر لانه منكر للزيادة في الاحر والقول قول المنكر ولنا ان الاجارة نوع من البيع فيتحالفان عند اختلافهما في عرضها كالبيع وكما قبل أن يعمل العمل عند أبي حنيفة، وقال ابن أبي موسى القول قول المالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اختلفا المتبايعان فالقول ما قال البائع " وهذا يحتمل أن يتناول ما إذا اختلفا في المدة وأما إذا اختلفا في العوض فالصحيح أنهما يتحالفان لما ذكرناه (فصل) فان اختلفا في المدة فقال أجرتكها سنة بدينار فقال بل سنتين بدينارين فالقول قول المالك لانه منكر للزيادة فكان القول قوله فيما أنكره كما لو قال بعتك هذا العبد بمائة فقال بل هذين العبدين بمائتين، وإن قال أجرتكها سنة بدينار فقال بل سنتين بدينار فههنا قد اختلفا في قدر العوض والمدة فيتحالفان لانه لم يوجد الاتفاق منهما على مدة بعوض فصار كما لو اختلفا في العوض مع اتفاق المدة وان قال المالك أجرتكها سنة بدينار فقال الساكن بل استأجرتني على حفظها بدينار، فقال احمد القول قول رب الدار الا أن تكون للساكن بينة وذلك لان سكنى الدار قد وجد من الساكن واستيفاء منفعتها وهي ملك صاحبها والقول قوله في ملكه والاصل عدم استئجاره للساكن في الحفظ فكان القول قول من ينفيه ويجب على الساكن أجر المثل

[ 137 ]

(فصل) فان اختلفا في التعدي في العين المستأجرة فالقول قول المستأجر لانه أمين فاشبه المودع ولان الاصل عدم العدوان والبراءة من الضمان وان ادعى أن العبد أبق من يده وان الدابة شردت أو نفقت وأنكر المؤجر فالقول قول المستأجر لما ذكرنا ولا أجر عليه إذا حلف أنه ما انتفع بها لان الاصل عدم الانتفاع وعنه القول قول المؤجر لان الاصل السلامة فأما ان ادعى أن العبد مرض في يده فان جاء به صحيحا فالقول قول المالك سواء وافقه العبد أو خالفه نص عليه أحمد وان جاء به مريضا فالقول قول المستأجر وهذا قول أبي حنيفة لانه إذا جاء به صحيحا فقد ادعى ما يخالف الاصل وليس معه دليل عليه وان جاء به مريضا فقد وجد ما يخالف الاصل يقينا فكان القول قوله في مدة المرض لانه أعلم بذلك لكونه في يده وكذلك لو ادعى اباقه في حال اباقه ونقل اسحاق بن منصور عن احمد أنه يقبل قوله في اباق العبد دون مرضه، وبه قال الثوري واسحاق قال أبو بكر وبالاول أقول لانهما سواء في تفويت منفعته فكانا سواء في دعوى ذلك وان هلكت العين فاختلفا في وقت هلاكها أو أبق العبد أو مرض واختلفا في وقت ذلك فالقول قول المستأجر لان الاصل عدم العمل ولان ذلك حصل في يده وهو أعلم به * (فصل) * قال المصنف رحمه الله (وتجب الاجرة بنفس العقد الا أن يتفقا على تأخيرها) متى أطلق العقد في الاجارة ملك المؤجر الاجرة بنفس العقد كما يملك البائع الثمن بالبيع

[ 138 ]

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يملكها ولا يستحق المطالبة بها الا يوما بيوم الا أن يشترط تعجيلها قال أبو حنيفة الا أن تكون معينة كالثوب والدار والعبد لان الله تعالى قال (فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) امر بايتائهن بعد الرضاع وقال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عزوجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " فتوعده على الامتناع من دفع الاجر بعد العمل دل على انها حالة الوجوب وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " أعطوا الاجير أجره قبل ان يجف عرقه " رواه ابن ماجه ولانه عوض لم يملك معوضه فلم يجب تسليمه كالعوض في العقد الفاسد فان المنافع معدومة لم تلك ولو ملكت فلم يتسلمها لانه يتسلمها شيئا فشيئا فلا يجب عليه العوض مع تعذر التسليم في العقد ولنا أنه عوض أطلق ذكره في عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد كالثمن والصداق أو نقول عوض في عقد يتعجل بالشرط فوجب أن يتعجل بمطلق العقد كالذي ذكرنا فأما الآية فيحتمل أنه أراد الايتاء عند الشروع في الارضاع أو تسليم نفسها كقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) أي إذا أردت القراءة ولان هذا تمثيل بدليل الخطاب ولا يقولون به وكذلك الحديث يحققه أن الامر بالايتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله كقوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) والصداق يجب قبل الاستمتاع وهذا هو الجواب عن الحديث ويدل عليه أنه انما توعد على ترك الايفاء بعد الفراغ من العمل وقد

[ 139 ]

قلتم يجب الاجر شيئا فشيئا ويحتمل أنه توعده على ترك الوفاء في الوقت الذي تتوجه المطالبة فيه عادة جواب آخر أن الاية والاخبار انما وردت فيمن استؤجر على عمل فأما ان وقعت الاجارة فيه على مدة فلا تعرض لها به * (مسألة) * (ولا يجب تسليم اجرة العمل في الذمة حتى يتسلمه) إذا استؤجر على عمل فان الاجر يملك بالعقد أيضا لكن لا يستحق تسليمه إلا عند تسليم العمل وقال ابن أبي موسى من استؤجر لعمل معلوم استحق الاجر عند إيفاء العمل، وان استؤجر كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه، وقال أبو الخطاب الاجر يملك بالعقد ويستحق التسليم ويستقر بمضي المدة وإنما توقف استحقاق تسليمه على العمل لانه عوض فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق والثمن في البيع وفارق الاجارة على الاعيان لان تسليمها أجري مجرى تسليم نفعها ومتى كانت على منفعة في الذمة لم يحصل تسليم المنفعة ولا ما يقوم مقامها فتوقف استحقاق تسليم الاجر على تسليم العمل وقولهم لم يملك المنافع قد سبق الجواب عنه فان قيل فان المؤجر إذا قبض الاجر انتفع به كله بخلاف المستأجر فانه لا يحصل له استيفاء المنفعة كلها قلنا لا يمنع هذا كما لو شرط التعجيل وكانت الاجرة عينا فاما ان شرط التأجيل في الاجر فهو على ما شرط وان شرط منجما يوما يوما أو شهرا شهرا فهو على ما شرطاه لان إجارة العين كبيعها وبيعها يصح بثمن حال ومؤجل كذلك إجارتها، وفيه وجه آخر ان الاجارة على المنفعة في الذمة لا يجوز تأجيل عوضها كالسلم

[ 140 ]

(فصل) إذا استوفى المستأجر المنافع استقر الاجر لانه قبض المعقود عليه فاستقر عليه البدل كما لو قبض المبيع وان تسلم العين المستأجرة ومضت المدة لا مانع له من الانتفاع استقرت الاجرة أيضا وان لم ينتفع لان المعقود عليه تلف تحت يده وهي حقه فاستقر عليه بدلها كثمن المبيع إذا تلف في يد البائع فان كانت الاجارة على عمل فسلم المعقود عليه ومضت مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها مثل أن يكتري دابة ليركبها إلى حمص فقبضها ومضت مدة يمكن ركوبها فيها فقال أصحابنا يستقر عليه الاجر وهو مذهب الشافعي لان المنافع تلفت تحت يده باختياره فاستقر الضمان عليه كما لو تلفت العين في يد المشتري وكما لو كانت الاجارة على مدة فمضت وقال أبو حنيفة لا يستقر الاجر عليه حتى يستوفى المنفعة لانه عقد على المنفعة غير مؤقتة بزمن فلم يستقر بدلها قبل استيفائها كالاجر في الاجير المشترك وان بذل تسليم العين فلم يأخذها المستأجر حتى انقضت المدة استقر الاجر عليه لان المنافع تلفت باختياره في مدة الاجارة فاستقر عليه الاجر كما لو كانت في يده وان بذل تسليم العين وكانت الاجارة على عمل فقال أصحابنا إذا مضت مدة يمكن الاستيفاء فيها استقر عليه الاجر وبهذا قال الشافعي لان المنافع تلفت باختياره وقال أبو حنيفة لا أجر عليه قال شيخنا وهو الصحيح عندي لانه عقد على ما في الذمة فلم يستقر عوضه ببذل التسليم كالمسلم فيه ولانه عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن فلم يستقر عوضها بالبذل كالصداق إذا بذلت تسليم نفسها وامتنع الزوج من أخذها

[ 141 ]

* (مسألة) * (وإذا انقضت الاجارة وفي الارض غراس أو بناء لم يشترط قلعه عند انقضاء الاجل فللمالك أخذه بالقيمة وتركه بالاجرة أو قلعه وضمان نقصه وان اشترط القلع لزمه ذلك ولا يلزمه تسويق الارض إلا بشرط) إذا استأجر أرضا للغراس أو للبناء سنة صح لانه يمكنه تسليم منفعتها المباحة المقصودة فأشبهت سائر المنافع وسواء شرط قلع الغراس والبناء عند انقضاء المدة أو أطلق وله أن يغرس قبل انقضاء المدة فإذا انقضت لم يكن له أن يغرس ولا أن يبني لزوال عقده فإذا انقضت السنة وكان قد شرط القطع عند انقضائها لزمه ذلك وفاء بموجب شرطه وليس على صاحب الارض غرامة نقصه ولا على المستأجر تسوية الحفر واصلاح الارض لانهما دخلا على هذا لرضاهما بالقلع واشتراطهما عليه وان اتفقا على إبقائه بأجرة أو غيرها جاز إذا شرطا مدة معلومة وكذلك لو اكترى الارض سنة بعد سنة كلما انقضى عقد جدد آخر، وان أطلق العقد فللمكتري القلع لانه ملكه فله أخذه كطعامه في الدار التي باعها وإذا قلع فعليه تسوية الحفر لانه نقص دخل على ملك غيره بغير إذنه وهكذا ان قلعه قبل انقضاء المدة هاهنا وفي التي قبلها لان القلع قبل الوقت لم يأذن فيه المالك ولانه تصرف في

[ 142 ]

الارض تصرفا نقصها لم يقتضه عقد الاجارة وان أبى القلع لم يجبر عليه الا أن يضمن له المالك النقص فيخير حينئذ وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك عليه القلع من غير ضمان النقص له لان تقدير المدة في الاجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها كما لو استأجرها للزرع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس لعرق ظالم حق " مفهومه ان غير الظالم له حق وهذا غير ظالم ولانه غرس باذن المالك ولم يشرط قلعه فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقص كما لو استعار منه أرضا للغرس مدة فرجع قبل انقضائها ويخالف الزرع فانه لا يقتضي التأبيد فان قيل فان كان اطلاق العقد في الغراس يقتضي التأبيد فشرط القلع ينافي مقتضى العقد فينبغي أن يفسده قلنا إنما اقتضى التأبيد من حيث أن العادة في الغراس التبقية فإذا أطلقه حمل على العادة وإذا شرط خلافه جاز كما إذا باع بغير نقد البلد أو شرط في الاجارة سيرا يخالف العادة إذا ثبت هذا فان رب الارض يخير بين ثلاثة أشياء (أحدها) أن يدفع قيمة الغراس والبناء فيملكه مع أرضه لان الضرر يزول عنهما به أشبه الشفيع في غراس المشتري (الثاني) أن يقلع الغراس والبناء ويضمن أرش نقصه لذلك (الثالث) أن يقر الغراس والبناء ويأخذ منه أجر المثل، وبهذا قال الشافعي لان الضرر يزول عنهما بذك وقال

[ 143 ]

مالك يتخير بين دفع قيمته فيملكه وبين مطالبته بالقلع من غير ضمان وبين تركه فيكونان شريكين والاول أصح فان اتفقا على بيع الغرس والبناء للمالك جاز وان باعهما صاحبهما لغير مالك الارض جاز ومشتريهما يقوم مقام البائع فيهما وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين: ليس له بيعهما لغير مالك الارض لان ملكه ضعيف بدليل ان لصاحب الارض تملكه عليه بالقيمة بغير رضاه ولنا انه ملك له يجوز بيعه لمالك الارض فجاز لغيره كالشقص المشفوع وبهذا يبطل ما ذكروه فان للشفيع تملك الشقص بغير رضى المشترى ويجوز بيعه لغيره (فصل) فان شرط في العقد تبقية الغراس فذكر القاضي أنه صحيح وحكمه حكم ما لو أطلق العقد سواء وهو قول أصحاب الشافعي، ويحتمل أن يبطل العقد لانه شرط ما ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في الزرع االذي لا يكمل قبل انقضاء المدة ولان الشرط باطل بدليل أنه لا يجب الوفاء به وهو مؤثر فأبطله كشرط تبقية الزرع بعد مدة الاجارة * (مسألة) * (وان كان فيها زرع بقاؤه بتفريط المستأجر فللمالك أخذه بالقيمة وتركه بالاجرة وان كان بغير تفريط لزم تركه بالاجرة)

[ 144 ]

إذا استأجر أرضا للزراعة مدة فانقضت وفيها زرع لم يبلغ حصاده لم يخل من حالين (أحدهما) أن يكون لتفريط المستأجر مثل أن يزرع زرعا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة فحكمه حكم زرع الغاصب، يخير المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بالاجرة لما زاد على المدة لانه أبقى زرعه في أرض غيره بعدوانه وان اختار المستأجر قطع زرعه في الحال وتفريغ الارض فله ذلك لانه يزيل الضرر ويسلم الارض على الوجه الذي اقتضاه العقد، وذكر القاضي أن على المستأجر نقل الزرع وتفريغ الارض وان اتفقا على تركه بعوض أو غيره جاز وهذا مذهب الشافعي بناء على قوله في الغاصب وقياس المذهب ما ذكرناه (الحال الثاني) أن يكون بقاؤه بغير تفريطه مثل أن يزرع زرعا ينتهى في المدة عادة فأبطأ لبرد أو غيره فيلزم المؤجر تركه بالاجرة إلى أن ينتهي وله المسمى وأجر المثل لما زاد وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي (والوجه الثاني) يلزمه نقله لان المدة ضربت لنقل الزرع فلزم العمل بموجبه وقد وجه منه تفريط لانه كان يمكنه أن يستظهر في المدة فلم يفعل ولنا ان الزرع حصل في أرض غيره باذنه من غير تفريط فله تركه كما لو أعاره أرضا فزرعها ثم رجع المالك قبل كمال الزرع وقولهم إنه مفرط لا يصح لان هذه المدة التى جرت العادة بكمال الزرع فيها

[ 145 ]

وفي زيادة المدة تفويت زيادة الاجر بغير فائدة وتضييع زيادة متيقنة لتحصيل شئ متوهم على خلاف العادة هو التفريط فلم يكن تركه تفريطا ومتى أراد المستأجر زرع شئ لا يدرك مثله في مدة الاجارة فللمالك منعه لانه سبب لوجود زرعه في أرضه بغير حق، فان زرع لم يملك مطالبته بقلعه قبل المدة لانه في أرض يملك نفعها ولانه لا يملك ذلك بعد المدة فقبلها أولى، ومن أوجب عليه قطعه بعد المدة قال إذا لم يكن بد من المطالبة بالنقل فليكن عند المدة التي يستحق تسليمها إلى المؤجر فارغة (فصل) إذا اكترى الارض لزرع مدة لا يكمل فيها مثل أن اكترى خمسة أشهر لزرع لا يكمل إلا في ستة نظرنا فان شرط تفريغها عند انقضاء المدة ونقله عنها صح لانه لا يفضي إلى الزيادة على مدته وقد يكون له غرض في ذلك لاخذه إياه قصيلا أو غيره ويلزمه ما التزم، وإن أطلق العقد ولم يشرط شيئا احتمل أن يصح لان الانتفاع في هذه المدة ممكن واحتمل انه أمكن أن ينتفع بالارض في زرع ضرره كضرر الزرع المشروط ودونه مثل أن يزرعها شعيرا يأخذه قصيلا صح لان الانتفاع بها في بعض ما اقتضاه العقد ممكن وإن لم يكن كذلك لم يصح لانه اكترى للزرع مالا ينتفع بالزرع فيه فأشبه إجارة السبخة له، فان قلنا يصح فإذا انقضت المدة ففيه وجهان: أحدهما حكمه حكم زرع المستأجر لما لا تكمل مدته لانه ههنا مفرط واحتمل أن يلزم المكري تركه لان التفريط منه حيث أكراه مدة لزرع لا يكمل فيها، وإن شرط تبقيته حتى يكمل فالعقد فاسد لانه جمع بين متضادين فان تقدير المدة

[ 146 ]

يقتضي النقل فيها وشرط التبقية يخالفه ولان مدة التبقية مجهولة فان زرع لم يطالب بنقله كالتي تقدمت * (مسألة) * (وإذا تسلم العين بالاجارة الفاسدة فعليه أجرة المثل سكن أو لم يسكن) إذا قبض العين في الاجارة الفاسدة ومضت المدة أو مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها أو لا يمكن ففيه روايتان: إحداهما عليه أجرة المثل لمدة بقائها في يده وهذا مذهب الشافعي لان المنافع تلفت تحت يده بعوض لم يسلم له فرجع إلى قيمتها كما لو استوفاها (والثانية) لا شئ له وهو قول أبي حنيفة لانه عقد فاسد على منافع لم يستوفها فم يلزمه عوضه كالنكاح الفاسد. فأما إن بذل له التسليم في الاجارة الفاسدة فلم يتسلمها فلا أجر عليه لان المنافع لم تتلف تحت يده ولا في ملكه، وإن استوفى المنفعة في العقد الفاسد فعليه أحر المثل وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجب أقل الامرين من المسمى أو أجر المثل بناء منه على ان المنافع لا تضمن إلا بالعقد. ولنا ان ما ضمن بالمسمى في العقد الصحيح وجب ضمانه بجميع القيمة في الفاسد كالاعيان وما ذكروه غير مسلم * (مسألة) * (إذا اكترى بدراهم وأعطاه عنها دنانير ثم انفسخ العقد رجع المستأجر بالدراهم) لان العقد إذا انفسخ رجع كل واحد من المتعاقدين في العوض الذي بذله وعوض العقد هو الدراهم فكان الرجوع بها والدنانير انما أخذها المؤجر بعقد آخر سوى الاجارة ولم ينفسخ فأشبه ما إذا قبض الدراهم ثم صرفها بالدنانير.

[ 147 ]

باب احياء الموات وهي الارض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت والموات الارض الدارسة تسمى ميتة ومواتا وموتانا بفتح الميم والواو والموتان بضم الميم وسكون الواو الموت الذريع ورحل موتان القلب بفتح الميم وسكون الواو يعنى عمي القلب لا يفهم والاصل في إحياء الموات ما روي جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أحيا ارضا ميتة فهي له " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروي سعيد ابن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أحيا ارضا ميتة فهي له " قال الترمذي هذا حديث حسن وروى مالك في موطئه وأبو داود في سننه عن عائشة مثله قال ابن عبد البر وهو مسند صحيح متلقى بالقبول عند ففهاء المدينة وغيرهم وروى أبو عبيد في الاموال عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحيا أرضا ليست لاحد فهو أحق بها " قال عروة وقضى بذلك عمر بن الخطاب في خلافته وعامة فقهاء الامصار على أن الموات يملك بالاحياء وان اختلفوا في شروطه * (مسألة) * (فان كان فيها آثار الملك ولا يعلم لها مالك ففيه روايتان) وجملة ذلك أن الموات قسمان (أحدهما) ما لم يجر عليه ملك لاحد ولم يوجد فيه أثر عمارة فهذا يملك بالاحياء بغير خلاف بين القائلين بالاحياء لان الاخبار المروية متناولة له (القسم الثاني) ما جرى

[ 148 ]

عليه ملك وهو ثلاثة أنواع (أحدهما) ماله مالك معين وهو ضربان (أحدهما) ما ملك بشراء أو عطية فهذا لا يملك بالاحياء بغير خلاف قال ابن عبد البر اجمع العلماء أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز احياؤه لاحد غير أربابه (الثاني) ما ملك بالاحياء ثم ترك حتى دثر وعاد مواتا فهو كالذي قبله سواء وقال مالك تملك لعموم قوله " من أحيا أرضا ميتة فهي له " ولان أصل هذه الارض مباح فإذا تركت حتى تصير مواتا عادت إلى الاباحة كمن أخذ ماء من نهر ثم رده فيه ولنا أن هذه أرض يعرف مالكها فلم تملك بالاحياء كالتي ملكت بشراء أو عطية والخبر مقيد بغير المملوك بقوله في الرواية الاخرى " من أحيا أرضا ميتة ليست لاحد " وقوله " من غير حق مسلم " وهذا يوجب تقييد مطلق حديثه وقال هشام بن عروة في تفسير قوله عليه السلام " ليس لعرق ظالم حق " الظالم أن يأتي الرجل الارض الميتة لغيره فيغرس فيها رواه سعيد بن منصور وفي سننه ثم الحديث مخصوص بما ملك بشراء أو عطية فقيس عليه محل النزاع ولان سائر الاموال لا يزول الملك عنها بالترك بدليل سائر الاملاك إذا تركت حتى تشعثت وما ذكروه يبطل بالموات إذا أحياه إنسان ثم باعه فتركه المشتري حتى عاد مواتا وباللقطة إذا ملكها ثم ضاعت منه ويخالف ماء النهر فانه استهلك (النوع الثاني) ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوهم فهذا يملك بالاحياء في أظهر الروايتين لما ذكرنا من الاحاديث ولان ذلك الملك لا حرمة له لما روي طاوس عن

[ 149 ]

النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عادي الارض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد " رواه سعيد في سننه وأبو عبيد في الاموال وقال عادي الارض التى كان بها ساكن في آباد الدهر فاقرضوا فلم يبق منهم أنيس وإنما نسبها إلى عاد لانهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة وبطش وأثار كثيرة فينسب كل أثر قديم إليهم والرواية الثانية لا تملك لانها إما لمسلم أو ذمي أو بيت المال أشبه ما لو تعين مالكه قال شيخنا ويحتمل أن كل ما فيه أثر الملك ولم يعلم زواله قبل الاسلام أنه لا يملك لانه يحتمل أن المسلمين أخذوه عامرا فاستحقوه فصار موقوفا بوقف عمر له فلم يملك كما لو علم مالكه (النوع الثالث) ما جرى عليه الملك في الاسلام لمسلم أو ذمي غير معين فظاهر كلام الخرقي أنه لا يملك بالاحياء وهو احدى الروايتين عن أحمد نقلها عنه أبو داود وأبو الحرث لما روي كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أحيا أرضا مواتا في غير حق مسلم فهي له " فقيده بكونه في غير حق مسلم ولان هذه الارض لها مالك فلم يجز احياؤها كما لو كان معينا فان مالكها ان كان له ورثة فهي لهم وان لم يكن له ورثة ورثه المسلمون (والثانية) أنها تملك بالاحياء نقلها صالح وغيره وهي مذهب أبي حنيفة ومالك لعموم الاخبار ولانها أرض موات لا حق فيها لقوم باعيانهم أشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك ولانها ان كانت في دار الاسلام فهي كلقطة دار الاسلام وان كانت في دار الكفر فهي كالركاز * (مسألة) * (ومن أحيا أرضا ميتة فهي له للاخبار التي رويناها مسلما كان أو كافرا في دار الاسلام وغيرها)

[ 150 ]

لعموم الاخبار ولان عامر دار الحرب انما يملك بالقهر والغلبة كسائر أموالهم فاما ما عرف أنه كان مملوكا في دار الحرب ولم يعلم له مالك معين فهو على الروايتين فان قيل هذا ملك كافر غير محترم فأشبه ديار عاد وقد دل عليه قوله عليه السلام " عادي الارض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد " ولان الركاز من أموالهم ويملكه واجده فهذا أولى قلنا قوله " عادي الارض " يعني ما تقدم ملكه ومضت عليه الازمان وما كان كذلك فلا حكم لمالكه فاما ما قرب ملكه فيحتمل أن له مالكا باقيا وان لم يتعين فلهذا قلنا لا يملك على احدى الروايتين وأما الركاز فانه ينقل ويحول وهذا يخالف الارض بدليل أن لقطة دار الاسلام تملك بعد التعريف بخلاف الارض (فصل) ولا فرق بين المسلم والذمي في الاحياء نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال مالك لا يملك الذمي بالاحياء في دار الاسلام قال القاضي وهذا مذهب جماعة من أصحابنا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " موتان الارض لله ولرسوله ثم هي لكم مني " فجمع المرتان ثم جعله للمسلمين ولان موتان الارض من حقوقها والدار للمسلمين فكان مواتها لهم كمرافق المملوك ولنا عموم قوله عليه السلام " من احيا أرضا ميتة فهي له " ولان هذه جهة من جهات التمليك فاشترك فيها المسلم والذمي كسائر جهاته وحديثهم لا نعرفه انما نعرف قوله " عادي الارض لله ورسوله ثم هي لكم بعد ومن احيا مواتا من الارض فله رقبتها " هكذا روي سعيد بن منصور وهو مرسل ورواه طاوس

[ 151 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يمتنع أن يريد بقوله " هي لكم " أي لاهل دار الاسلام والذي من أهل الدار تجري عليه أحكامها وقولهم إنها من حقوق دار الاسلام قلنا هو من أهل الدار فيملكها كما يملكها بالشراء ولانه يملك مباحاتها من الحشيش والحطب والصيود والركاز والمعدن واللقطة وهي من مرافق دار الاسلام فكذلك الموات * (مسألة) * (ويملكه باذن الامام وغير اذنه) وجملة ذلك أن احياء الموات لا يفتقر إلى اذن الامام وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يفتقر إلى اذنه لان للامام مدخلا في النظر في ذلك بدليل من تحجر موانا فلم يحيه فانه يطالبه بالاحياء أو الترك فافتقر إلى اذنه كمال بيت المال ولنا عموم قوله عليه السلام " من أحيا أرضا ميتة فهي له " ولان هذه عين مباحة فلا يفتقر تملكها إلى اذن الامام كأخذ الحشيش والحطب ونظر الامام في ذلك لا يدل على اعتبار اذنه ألا ترى أن من وقف في مشرعة طالبه الامام أن يأخذ حاجته وينصرف ولم يفتقر ذلك لى اذنه وأما مال بيت المال فهو مملوك للمسلمين وللامام تعيين مصارفه وترتيبها فافتقر إلى اذنه بخلاف مسئلتا فان هذا مباح فمن سبق إليه كان أحق الناس به كسائر المباحات * (مسألة) * (الا ما أحياه مسلم من أرض الكفار التي صولحوا عليها)

[ 152 ]

وجملة ذلك أن جميع البلاد فيما ذكرنا سواء المفتوح عنوة كأرض الشام والعراق وما أسلم أهله عليه كالمدينة، وما صولح أهله على أن الارض للمسلمين كأرض خيبر إلا الذي صولح أهله على أن الارض لهم ولنا الخراج عنها فان أصحابنا قالوا لو دخل إليها مسلم فاحيا فيها مواتا لم يملكه لانهم صولحوا في بلادهم فلا يجوز التعرض لشئ منها عامرا كان أو مواتا لان الموات تابع للبلد فإذا لم يملك عليهم البلد لم يملك مواته ويفارق دار الحرب حيث يملك مواتها لان دار الحرب على أصل الاباحة وهذه صالحناهم على تركها لهم ويحتمل أن يملكها من أحياها لعموم الخبر، ولانها من مباحات دارهم فجاز أن يملكها من وجد منه سبب تملكها كالحشيش والحطب وقد روي عن أحمد أنه ليس في السواد موات يعني سواد العراق قال القاضي هو محمول على العامر، ويحتمل أن أحمد قال ذلك لكون السواد كان معمورا كله في زمن عمر بن الخطاب حين أخذه المسلمون من الكفار حتى بلغنا أن رجلا سأل أن يعطى خربة فلم يجدوا له خربة فقال أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا وإذا لم يكن فيها موات حين ملكها المسلمون لم يصر فيها موات بعده لان ما دثر من أملاك المسلمين لم يصر مواتا على إحدى الروايتين * (مسألة) * (وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لا يملك بالاحياء فان لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين)

[ 153 ]

كل ما تعلق بمصالح العامر من طرقه ومسيل مائه ومطرح قمامته ولقى ترابه وآلاته لا يجوز احياؤه بغير خلاف في المذهب وكذلك ما تعلق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مائها لا يملك بالاحياء لا نعلم فيه أيضا خلافا بين أهل العلم وكذلك حريم البئر والنهر والعين وكل مملوك لا يجوز احياء ما تعلق بمصالح لقوله عليه السلام " من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " مفهومه أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالاحياء ولانه تابع للمملوك ولو جوزنا احياءه لبطل الملك في العامر على أهله، وذكر القاضي أن هذه المرافق لا يملكها المحيي بالاحياء لكن هو أحق بها من غيره لان الاحياء الذي هو سبب الملك لم يوجد فيها: وقال الشافعي تملك بذلك وهو ظاهر قول الخرقي في حريم البئر لانه مكان استحقه بالاحياء فملكه كالمحيى، ولان معنى الملك موجود فيه لانه يدخل مع الدار في البيع ويختص به صاحبها، فأما ما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه فيجوز احياؤ في إحدى الروايتين. قال أحمد في رواية أبي الصقر في رجلين أحييا قطعتين من موات وبقيت بينهما رقعة فجاء رجل ليحييها فليس لهما منعه، وقال في جبانة بين قريتين: من أحياها فهي له وهذا مذهب الشافعي لعموم قوله عليه السلام " من أحيا أرضا ميتة فهي له " ولان النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق وهو يعلم أنه من عمارة المدينة، ولانه موات لم تتعلق به مصلحة العامر فجاز احياؤه كالبعيد (والثانية) لا يجوز احياؤه وبه قال أبو حنيفة والليث لانه في مظنة تعلق المصلحة به فانه يحتمل

[ 154 ]

أن يحتاج إلى فتح باب في حائطه إلى فنائه ويجعله طريقا أو يخرب حائطه فيجعل آلات البناء في فنائه وغير ذلك فلم يجز تفويت ذلك عليه بخلاف البعيد. إذا ثبت هذا فانما يرجع في القريب والبعيد إلى العرف، وقال الليث حده غلوة وهو خمس خمس الفرسخ، وقال أبو حنيفة حد البعيد هو الذي إذا وقف الرجل في أدناه فصاح بأعلى صوته لم يسمع أدنى أهل المصر إليه (والثاني) أن التحديد لا يعرف إلا بالتوقيف ولا يعرف بالرأي والتحكم ولم يرد من الشرع تحديد له فوجب أن يرجع في ذلك إلى العرف كالقبض والاحراز فقول من حدد بهذا تحكم بغير دليل وليس ذلك بأولى من تحديده بشئ آخر كميل أو نصف ميل وهذا التحديد الذي ذكره والله أعلم يختص بما قرب من المصر أو القرية، ولا يجوز أن يكون حدا لكل ما قرب من عامر لانه يفضي إلى أن من أحيا أرضا في موات حرم احياء شئ من ذلك الموات على غيره ما لم يخرج عن ذلك الحد * (مسألة) * (ولا تملك المعادن الظاهرة كالملح والقار، والكحل والجص، والنفظ بالاحياء وليس للامام اقطاعه) وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة وهي التي يوصل إلى ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والموميا والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا يملك بالاحياء ولا يجوز اقطاعه لاحد من الناس ولا احتجاره دون المسلمين لان فيه ضررا

[ 155 ]

بالمسلمين وتضييقا عليهم، ولما روى أبو عبيد وأبو داود والترمذي باسنادهم عن أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح الذي بمأرب فلما ولى قيل يا رسول الله أتدري ما أقطعت له انما أقطعته الماء العد فرجعه منه، قال قلت يارسول الله ما يحمى لي من الاراك؟ قال " ما لم تنله أخفاف الابل " وهو حديث غريب ورواه سعيد قال حدثني اسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس المأربي عن أبيه عن أبيض بن حمال المأربي قال: استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح بمأرب فاقطعنيه فقيل يا رسول الله انه بمنزلة الماء العد يعني انه لا ينقطع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلا اذن " ولان هذا يتعلق به مصالح المسلمين العامة فلم يجز احياؤه ولا اقطاعه كمشارع الماء وطرقات المسلمين. قال ابن عقيل هذا من مواد الله الكريم وفيض جوده الذي لا غناء عنه، ولو ملكه أحد بالاحتجار ملك منعه فضاق على الناس، فان أخذ العوض عنه أعلاه فخرج عن الوضع الذي وضعه الله به من تعميم ذوي الحوائج من غير كلفة وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا (فصل) فأما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصل إليها إلا بالعمل والمؤنة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج فان كانت ظاهرة لم تملك أيضا بالاحياء لما ذكرنا في التي قبلها، وإن لم تكن ظاهرة فحفرها انسان وأظهرها لم يملكها بذلك في ظاهر المذهب وظاهر مذهب

[ 156 ]

الشافعي ويحتمل أن يملكها بذلك وهو قول للشافعي لانه موات لا ينتفع به إلا بالعمل والمؤنة فملك الاحياء كالارض ولانه باظهاره تهيأ للانتفاع به من غير حاجة إلى تكرار ذلك العمل فأشبه الارض إذا أحياها بماء أو حاطها ووجه الاول أن الاحياء الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيي للانتفاع من غير تكرار عمل وهذا حفر وتخريبه يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فان قيل فلو احتفر بئرا ملكها وملك حريمها قلنا البئر تهيأت للانتفاع بها من غير تجديد حفر ولا عمارة وهذه المعادن تحتاج عند كل انتفاع إلى عمل وعمارة فافترقا، قال أصحابنا وليس للامام اقطاعها لانها لا تملك بالاحياء والصحيح جواز ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية جلسيها وغوريها. رواه أبو داود وغيره * (مسألة) * (فان كان بقرب الساحل موضع) إذا حصل فيه الماء صار ملحا ملك بالاحياء وللامام اقطاعه لا يضيق على المسلمين باحداثه بل يحدث نفعه بفعله فلم يمنع منه كبقية الموات وأحياء هذا تهيئته لما يصلح له من حفر ترابه وتمهيده وفتح قناة إليه تصب الماء فيه لانه يتهيأ بهذا للانتفاع به * (مسألة) * (وإذا ملك المحيي ملك ما فيه من المعادن الباطنة كمعادن الذهب والفضة) إذا ملك الارض بالاحياء فظهر فيها معدن جامد ملكه ظاهرا كان أو باطنا لانه ملك الارض

[ 157 ]

بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها ويفارق الكنز فانه مودع فيها وليس من أجزائها ويفارق ما إذا كان ظاهرا قبل احيائها لانه قطع على المسلمين نفعا كان واصلا إليهم ومنعهم انتفاعا كان لهم وههنا لم يقطع عنهم شيئا لانه انما ظهر باظهاره، ولو تحجر الارض أو أقطعها فظهر فيها المعدن قبل احيائها كان له احياؤها ويملكها بما فيها لانه صار أحق بتحجره واقطاعه فلم يمنع من اتمام حقه * (مسألة) * (وإن ظهر فيه عين ماء أو معدن جار أو كلا أو شجر فهو أحق به لانه في ملكه) ويملكه في إحدى الروايتين لانه خارج من أرضه أشبه المعادن الجامدة والزرع (والثانية) لا يملكه وهي أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلا والنار " رواه الخلال ولانها ليست من أجزاء الارض فلم يملكها بملك الارض كالكنز * (مسألة) * (ويلزمه بذل ما فضل من مائه لبهائم غيره) لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا منعه الله فضل رحمته " وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين (احداهما) لا يلزمه لان الزرع لا حرمة له في نفسه (والثانية) يلزمه لما روى إياس بن عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء وعن بهنسة عن أبيها أنه قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال " الماء " رواه أبو داود (فصل) ولو شرع انسان في حفر معدن ولم يصل إلى النيل صار أحق به كالمتحجر الشارع في

[ 158 ]

الاحياء فإذا وصل إلى النيل صار أحق بالاخذ منه ما دام مقيما على الاخذ منه وهل يملكه بذلك؟ فيه ما قد ذكرنا من قبل فان حفر آخر من ناحية أخرى لم يكن له منعه وإذا وصل إلى ذلك العرق لم يكن له منعه سواء قلنا إن المعدن يملك بحفره أو لم نقل لانه إن ملكه فانما يملك المكان الذي حفره. وأما العرق الذي في الارض فلا يملكه بذلك ومن وصل إليه من جهة أخرى فله أخذه، ولو ظهر في ملكه معدن بحيث يخرج النيل عن أرضه فحفر انسان من خارح أرضه كان له أن يأخذ ما خرج عن أرضه منه لانه لم يملكه انما ملك ما هو من أجزاء أرضه وليس لاحد أن يأخذ ما كان داخلا في أرضه من أجزاء الارض الباطنة كما لا يملك أخذ أجزائها الظاهرة، ولو حفر كافر في دار الحرب معدنا فوصل إلى النيل ثم فتحها المسلمون عنوة لم يصر غنيمة وكان وجود عمله وعدمه واحدا لان عامره لم يملك بذلك ولو ملكه فان الارض تصير كلها وقفا للمسلمين وهذا ينصرف إلى مصلحة من مصالحهم فتعين لها كما لو ظهر بفعل الله تعالى (فصل) ومن ملك معدنا فعمل فيه غيره بغير اذنه فما حصله منه فهو لمالكه ولا أجر للغاصب على عمله لانه عمل في ملك غيره بغير اذنه فهو كما لو حصد زرع غيره، وإن قال مالكه اعمل فيه ولك ما يخرج منه فله ذلك وليس لصاحب المعدن فيه شئ لانه اباحة من مالكه فملك ما أخذه كما لو أباحه الاخذ من بستانه، وإن قال اعمل فيه على أن ما رزق الله من نيل كان بيننا نصفين فعمل ففيه وجهان

[ 159 ]

(أحدهما) يجوز وما يأخذه يكون بينهما كما لو قال احصد هذا الزرع بنصفه أو ثلثه ولانها عين تنمي بالعمل عليها فصح العمل فيها ببعضه كالمضاربة في الاثمان (والثاني) لا يصح لان ما يحصل منه مجهول ولانه لا يصح أن يكون اجارة لان العوض مجهول والعمل مجهول ولا جعالة لان العوض مجهول ولا مضاربة لان المضاربة انما تصح بالاثمان على أن يرد رأس المال ويكون له حصة من الربح وليس ذلك ههنا وفارق حصاد الزرع بنصفه أو جزء منه لان الزرع معلوم بالمشاهدة وما علم جميعه علم جزؤه بخلاف هذا، وإن قال اعمل فيه كذا ولك ما يحصل منه بشرط أن تعطيني ألفا أو شيئا معلوما لم يصح لانه بيع لمجهول ولا يصح أن يكون معلوما كالمضاربة لما ذكرنا ولان المضاربة تكون بجزء من النماء لا دراهم معلومة، قال أحمد إذا أخذ معدنا من قوم على أن يعمره ويعمل فيه ويعطيهم ألفي من أو ألف من صفر فذلك مكروه ولم يرخص فيه (فصل) إذا استأجر رجلا ليحفر له عشرة أذرع في دور كذا بدينار صح لانها اجارة معلومة وإن ظهر عرق ذهب فقال استأجرتك لتخرجه بدينار لم يصح لان العمل مجهول، وإن قال ان استخرجته فلك دينار صح وتكون جعالة لان الجعالة تصح على عمل مجهول إذا كان العوض معلوما (فصل) وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يملك بالاحياء. قال أحمد في رواية العباس بن موسى إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل لم يبن فيها لان فيه ضررا وهو أن الماء يرجع يعني أنه

[ 160 ]

يرجع إلى ذلك المكان فإذا وجده مبنيا رجع إلى الجانب الآخر فاضر باهله ولان الجزائر منبت الكلا والحطب فجرى مجرى المعادن الظاهرة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا حمي الا في الاراك " قال أحمد في رواية حرب يروى عن عمر أنه أباح الجزائر يعني أباح ما ينبت في الجزائر من النبات وقال إذا نضب الفرات عن شئ ثم نبت فيه نبات فجاء رجل يمنع الناس منه فليس له ذلك فأما ان غلب الماء على ملك انسان ثم عاد فنضب عنه فله أخذه ولا يزول ملكه بغلبة الماء عليه فان كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره رجل عمارة لا ترد الماء مثل ان يجعله مزرعة فهو أحق به من غيره لانه متحجر لما ليس للمسلم فيه حق فأشبه التحجر في الموات * (فصل) * قال رحمه الله (وإحياء الارض أن يحوزها بحائط أو يجري لها) ظاهر كلامه ههنا أن تحويط الارض إحياء لها سواء أرادها للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو الخشب وهو ظاهر كلام الخرقي نص عليه أحمد في رواية علي بن سعيد فقال الاحياء أن يحوط عليها حائطا أو يحفر فيها بئرا أو نهرا ولا يعتبر في ذلك تسقيف وذلك لما روي الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أحاط حائطا على أرض فهي له " رواه أبودواد والامام أحمد في مسنده وروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولان الحائط حاجر منيع فكان احياء أشبه ما لو جعلها حظيرة للغنم ويبين هذا أن القصد - لا اعتبار به بدليل ما لو أرادها حظيرة للغنم كما لو جعلها حظيرة للغنم فبناها بجص وآجر وقسمها بيوتا فانه يملكها وهذا لا يصنع للغنم مثله ولابد أن يكون الحائط منيعا يمنع

[ 161 ]

ما وراءه ويكون مما جرت العادة بمثله ويختلف باختلاف البلدان فان كان ممن جرت عادتهم بالبناء بالحجر وحده كأهل حوران أو بالطين كأهل الغوطة بدمشق أو بالخشب أو القصب كأهل الغور كان ذلك احياء وان بناه بأقوى مما جرت به عادتهم كان أولى، وقال القاضي في صفة الاحياء روايتان (احداهما) ما ذكرنا (والثانية) الاحياء ما تعارفه الناس احياء لان الشرع ورد بتعليق الملك عليه ولم يبينه ولا ذكر كيفيته فيجب الرجوع فيه إلى ما كان احياء في العرف كما أنه لما ورد باعتبار القبض والحرز ولم يبين كيفيته كان المرجع فيه إلى العرف ولان الشارع لو علق الحكم على مسمى باسم لتعلق بمسماه عند أهل اللسان فلذلك يتعلق الحكم بالمسمى احياء عند أهل العرف ولان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلق الحكم على ما ليس إلى معرفته طريق فلما لم يبينه تعين العرف طريقا لمعرفته إذ ليس له طريق سواه إذا ثبت هذا فان الارض تحيا دارا للسكنى وحظيرة ومزرعة، فاحياء كل واحدة من ذلك بما تتهيأ به للانتفاع الذي أريدت له، فأما الدار فبأن يبني حيطانها بما جرت به العادة ويسقفها لانها لا تصلح للسكنى الا بذلك، والحظيرة احياؤها بحائط جرت به العاده لمثلها، وليس من شرطها التسقيف لان العاده لم تجر به وسواء أرادها حظيرة للماشية أو للخشب أو للحطب أو نحو ذلك فان جعل عليها خندقا لم يكن احياء لانه ليس بحائط ولا عمارة انما هو حفر تخريب ووكذلك ان حاطها بشوك وشبهه لا يكون

[ 162 ]

احياء ويكون تحجرا لان المسافر قد ينزل منزلا ويحوط على رحله بنحو من ذلك ولو نزل منزلا فنصب فيه بيت شعر أو خيمة لم يكن احياء. وان أرادها للزراعة فبأن يهيئها لامكان الزرع فيها فان كانت لا تزرع الا بالماء فبأن يسوق إليها ماء من نهر أو بئر وان كان المانع من زرعها كثرة الاحجار كأرض الحجاز فاحياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها حتى تصلح للزرع وان كانت غياضا أو أشجارا كارض الشعرى فبأن يقلع أشجارها ويزيل عروقها المانعة من الزرع، وان كانت مما لا يمكن زرعه الا بحبس الماء عنه كارض البطائح فاحياؤها بسد الماء عنها وجعلها بحال يمكن زرعها لان بذلك يمكن الانتفاع بها فيما أرادها له من غير حاجة إلى تكرار ذلك في كل عام فكان احياء كسوق الماء إلى أرض لا ماء لها ولا يعتبر في احياء الارض حرثها ولا زرعها لان ذلك مما يتكرر كلما أراد الانتفاع بها فلم يعتبر في الاحياء كسقيها وكالسكنى في البيوت ولا يحصل الاحياء بذلك إذا فعله بمجرده لما ذكرنا، ولا يعتبر في احياء الارض للسكنى نصب الابواب على البيوت وبه قال الشافعي فيما ذكرنا في الرواية الثانية الا أن له وجها في أن حرثها وزرعها احياء لها وأن ذلك معتبر في احيائها لا يتم بدونه وكذلك نصب الابواب على البيوت لانه مما جرت العادة به أشبه السقف ولا يصح هذا لما ذكرنا ولان السكنى ممكنة بدون نصب الابواب فأشبه تطيين سطوحها وتبيضها * (مسألة) * (وان حفر بئرا عادية ملك حريمها خمسين ذراعا وان لم تكن عادية فحريمها خمسة وعشرون) البئر العادية بتشديد الياء القديمة منسوبة إلى عاد ولم يرد عادا بعينها لكن لما كانت عاد

[ 163 ]

في الزمن الاول وكانت لها آثار في الارض نسب إليها كل قديم، فكل من سبق إلى بئر عادية كان أحق بها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " وله حريمها خمسون ذراعا من كل جانب، وان حفر بئرا في موات للتمليك فله حريمها خمسة وعشرون ذراعا من كل جانب نص أحمد على هذا في رواية حرب وعبد الله واختاره أكثر أصحابنا، وقال القاضي وأبو الخطاب ليس هذا على طريق التحديد بل حريمها في الحقيقة ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها فان كان بدولاب فقدر مد الثور أو غيره وان كان بساقية فبقدر طول البئر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حريم البئر مد رشائها " أخرجه ابن ماجه ولانه المكان الذي تمشي إليه البهيمة، وان كان يستقي منها بيده فبقدر ما يحتاج إليه الواقف عندها، وان كان المستخرج عينا فحريمها القدر الذي يحتاج إليه صاحبها للانتفاع ولا يستضر باخذه منه ولو كان الف ذراع، وحريم النهر من جانبيه ما يحتاج إليه لطرح كرايته بحكم العرف وذلك ان هذا إنما ثبت للحاجة فينبغي أن تراعى فيه الحاجة دون غيرها، وقال أبو حنيفة حريم البئر أربعون ذراعا وحريم العين خمسمائة ذراع لان أبا هريرة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حريم البئر أربعون ذراعا لاعطان الابل والغنم " وعن الشعبي مثله رواه أبو عبيد. ولنا ما روي أن الدارقطني والخلال باسنادهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا وحريم البئر العادي خمسون ذراعا " وهذا نص وروى أبو عبيد باسناده

[ 164 ]

عن يحي بن سعيد الانصاري أنه قال السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعا والبدي خمس وعشرون ذراعا وباسناده عن سعيد بن المسيب قال حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا من نواحيها كلها وحريم بئر الزرع ثلثمائة ذراع من نواحيها كلها وحريم البئر العادي خمسون ذراعا من نواحيها كلها، ولانه معنى يملك به الموات فلا يقف على قدر الحاجة كالحائط ولان الحاجة إلى البئر لا تنحصر في ترقية الماء فانه يحتاج إلى ما حوله عطنا لا بله وموقفا للدوابه وغنمه وموضعا يجعل فيه أحواضا يسقي منها ماشيته وموقفا لدابته التي يستقي عليها واشباه ذلك فلم يختص الحريم بما يحتاج إليه في ترقية الماء فأما حديث أبي حنيفة فحديثنا أصح منه ورواهما أبو هريرة فيدل على ضعفه * (مسألة) * (وقيل حريمها قدر مد رشائها من كل جانب) لما ذكرنا من الحديث إذا ثبت ذلك فان ظاهر كلامه في هذا الكتاب وظاهر كلام الخرقي أنه يملك حريم البئر ونقل عن الشافعي وقال القاضي بل يكون أحق به * (مسألة) * (وقيل احياء الارض ما عد إحياء وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها) وقد ذكرنا ذلك وقيل ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث فليس باحياء وما لا يتكرر فهو احياء لان العرف ان حرث الارض مرة ليس باحياء وان عمل الحائط عليها ونحوه احياء وللشافعي وجه في أن الزرع والحرث احياء وقد ذكرناه، فان كانت كثيرة الدغل والحشيش كالمروج التي لا يمكن زرعها إلا بتكرار حرثها وتنقية دغلها وحشيشها المانع من زرعها كان احياء على قياس ما ذكرنا أولا

[ 165 ]

(فصل) ولابد ان يكون البئر فيها ماء فان لم تصل إلى الماء فهو كالمتحجر الشارع في الاحياء على ما نذكره، وقوله ومن حفر بئرا عادية يحمل على البئر التي انطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمارتها أو انقطع ماؤها فاستخرجه ليكون ذلك احياء لها فاما البئر التي لها ماء ينتفع به المسلمون فليس لاحد احتجاره ومنعه لانه بمنزلة المعادن الظاهرة التي يرتفق بها الناس وهكذا العيون النابعة ليس لاحد ان يختص بها ولو حفر رجل بئرا للمسلمين ينتفعون بها أو ينتفع بها مدة إقامته عندها ثم يتركها لم يملكها وكان له الانتفاع بها فإذا تركها كانت للمسلمين كلهم كالمعادن الظاهرة وهو أحق بها ما دام مقيما عندها لانه سابق إليها فهو كالمتحجر الشارع في الاحياء (فصل) وإذا كان لانسان شجرة في موات فله حريمها قدر ما تمد إليه اغصانها حواليها وفي النخلة مد جريدها لما روى أبو سعيد قال اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حريم نخلة فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت فكانت سبعة أذرع أو خسمة أذرع فقضى بذلك رواه أبو داود، وان غرس شجرة في موات فهي له وحريمها وان سبق إلى شجر مباح كالزيتون والخروب فسقاه وأصحه فهو له كالمتحجر الشارع في الاحياء فان طعمه ملكه بذلك وحريمه لانه تهيأ للانتفاع به لما يراد منه فهو

[ 166 ]

كسوق المال إلى الارض الوات ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " (فصل) ومن كانت له بئر فيها ماء فحفر آخر قريبا منها بئرا ينسرق إليها ماء البئر الاولى فليس له ذلك سواء كان محتفر الثانية في ملكه مثل رجلين متجاورين في دارين حفر أحدهما في داره بئرا ثم الآخر بئرا اعمق منها فسرى إليها ماء الاولى أو كانتا في موات فسبق احدهما فحفر بئرا ثم جاء آخر فحفر قريبا منها بئرا يجتذب ماء الاولى، ووافق الشافعي في هذه الصورة الثانية لانه ليس له ان يبتدئ ملكه على وجه يضر بالمالك قبله، وقال في الاولى له ذلك لانه تصرف مباح في ملكه فجاز له فعله كتعلية داره وهكذا الخلاف في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره مثل ان يجعل داره مدبغة أو حماما يضر بعقار جاره بحمي ناره ورماده ودخانه أو يحفر في اصل حائطه حشا يتأذى جاره برائحته وغيرها أو يجعل داره مخبزا في وسط العطارين ونحوه مما يؤذي جاره وقال الشافعي له ذلك كله وروي ذلك عن احمد وهو قول بعض الحنفية لانه تصرف مباح في ملكه اشبه بناءه ونقضه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا اضرار " ولانه احداث ضرر بجاره فلم يجز كالدق الذي يهز الحيطان ويخربها وكالقاء السماد والتراب في اصل حائطه على وجه يضر به ولو كان

[ 167 ]

لرجل مصنع فأراد جاره غرس شجر مما تسري عروقه فتشق حائط مصنع جاره وتتلفه لم يملك ذلك وكان لجاره منعه وقلعها ان غرسها، ولو كان هذا الذي حصل منه الضرر سابقا مثل من له في ملكه مدبغة أو مقصرة فاحيا إنسان إلى جانبه مواتا وبناه دارا فتضرر بذلك لم يلزمه ازالة الضرر بغير خلاف نعلمه لانه لم يحدث ضررا * (مسألة) * (ومن تحجر مواتا لم يملكه وهو احق به وورثته من بعده ومن ينقله إليه وليس له بيعه وقيل له ذلك) تحجر الموات المشروع في احيائه مثل ان يدير حول الارض ترابا أو احجارا أو حاطها بجدار صغير لم يملكها بذلك لان الملك بالاحياء وليس هذا احياء لكن يصير أحق الناس به لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو احق به " رواه أبو داود، فان مات فوارثه احق به لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ترك حقا أو مالا فهو لورثته " فان نقله إلى غيره صار الثاني احق به لان صاحبه اقامه مقامه، وليس له بيعه فان باعه لم يصح لانه لا يملكه فلم يملك بيعه كحق الشفعة قبل الاخذ به وكمن سبق إلى معدن أو مباح قبل اخذه وقيل له بيعه لانه احق به * (مسألة) * (فان لم يتم احياءه قيل له اما ان تحييه واما ان تتركه) إذا طالت المدة بعد التحجر ولم يحييه فينبغي ان يقول السلطان اما ان تحييه أو تتركه ليحييه غيرك لانه ضيق على الناس في حق مشترك

[ 168 ]

بينهم فلم يمكن من ذلك كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع به ولا يدع غيره * (مسألة) * (فان طلب الامهال امهل مدة قريبة) كالشهرين والثلاثة ونحوها لانه يسير فان بادر غيره فأحياه في مدة المهلة أو قبل ذلك ملكه بالاحياء في احد الوجهين لان الاحياء يملك به والتحجر لا يملك به فيثبت الملك بما يملك به دون ما لا يملك به كمن سبق إلى معدن أو مشرعة فجاء غيره فأزاله وأخذ ولعموم الحديث في الاحياء (والثاني) لا يملكه لان مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام " من احيا ارضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " انها لا تكون له إذا كان لمسلم فيها حق وكذلك قوله " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو احق به " وروي سعيد في سننه أن عمر قال من كانت له ارض - يعني من تحجر ارضا - فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم يعمرونها فهم أحق بها وهذا يدل على أن من عمرها قبل ثلاث سنين لا يملكها ولان الثاني احيا في حق غيره فلم يملكه كما لو احيا ما تتعلق به مصالح ملك غيره ولان حق المتحجر اسبق فكان اولى كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري (فصل) فان ضربت للمتحجر مدة فانقضت المدة ولم يعمر فلغيره أن يعمره ويملكه لان المدة ضربت له لينقطع حقه بمضيها وسواء اذن له السلطان في عمارتها أو لم يأذن، وان لم يكن للمتحجر عذر في ترك العمارة قيل له اما ان تعمر واما ان ترفع يدك فان لم يعمرها كان لغيره عمارتها، فان لم يقل له شئ واستمر تعطيلها فقد ذكرنا حديث عمر في المسألة قبلها ومذهب الشافعي في هذا الفصل والمسألة قبلها على نحو ما ذكرنا

[ 169 ]

(فصل) وللامام اقطاع موات لمن يحييه ولا يملك بالاقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الاحياء على ما ذكرنا، ولا ينبغي ان يقطع الا ما قدر على احيائه لان اقطاعه اكثر منه ادخال ضرر على المسلمين بلا فائدة فيه فان فعل ثم تبين عجزه عن احيائه استرجعه منه كما استرجع عمر رضي الله عنه من بلال ابن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق الذي أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم فروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع وإن عمر قال لبلال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحجبه عن الناس إنما أقطعك لتعمر فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي رواه أبو عبيد في الاموال، وذكر سعيد في سننه عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة قال سمعت الحارث بن بلال بن الحارث يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطع بلال بن الحارث العقيق فلما ولي عمر قال ما أقطعته لتحجبه فاقطعه الناس، وروى علقمة بن وائل عن ابيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اقطعه أرضا بحضر موت قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، قال سعيد ثنا سفيان عن ابن أبى نجيح عن عمرو ابن شعيب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع ناسا من جهينة أو مزينة أرضا فعطلوها فجاء قوم فاحيوها فخاصمهم الذين أقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن الخطاب فقال عمر لو كانت قطيعة مني أو من ابي بكر لم أردها ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانا أردها

[ 170 ]

(فصل) وقد روى وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا فأرسل معاوية أن اعطه اياه أو أعلمه اياه. حديث صحيح، واقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه فقال " أعطوه من حيث وقع السوط " رواه سعيد وأبو داود، وذكر البخاري عن أنس قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار ليقطع لهم بالبحرين فقالوا يا رسول الله ان فعلت فاكتب لاخواننا من قريش بمثلها، وروي أن أبا بكر أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا، وأقطع عثمان خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وسعدا وابن مسعود وأسامة بن زيد وخباب بن الارت وروي عن نافع أبي عبد الله أنه قال لعمران قبلنا ارضا بالبصرة ليست من ارض الخراج ولا تضر بأحد من المسلمين فان رايت ان تقطعنيها اتخذ فيها قصيلا لخيلي قال فكتب عمر إلى ابي موسى ان كانت كما يقول فاقطعها اياه. روى هذه الآثار كلها أبو عبيد في الاموال. إذا ثبت هذا فان من اقطعه الامام شيئا من الموات لم يملكه بذلك لكن يصير أحق به كالمتحجر الشارع في الاحياء على ما ذكرنا من حديث بلال بن الحارث حيث استرجع منه عمر ما عجز عن احيائه، ولو ملكه لم يجز استرجاعه ورد عمر ايضا قطيعة ابي بكر لعيينة بن حصن فسأل عيينة بن حصن ابا بكر ان يجدد له كتابا فقال والله لا اجدد شيئا رده عمر رواه أبو عبيد. فعلى هذا يكون المقطع أحق بها من سائر الناس واولى باحيائه وحكمه حكم المتحجر الشارع سواء وقد مر ذكره ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا * (مسألة) * (وله اقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ورحاب المساجد ما لم يضيق على الناس) القطائع ضربان (احدهما) اقطاع موات لمن يحييه وقد ذكرناه (والثاني) اقطاع ارفاق وذلك كاقطاع مقاعد الاسواق والطرق الواسعة ورحاب المساجد فللامام اقطاعها لمن يجلس فيها لان له في ذلك اجتهادا

[ 171 ]

من حيث إنه لا يجوز الجلوس الا فيما لا يضر بالمارة فكان للامام ان يجلس فيها من لا يرى انه يتضرر بجلوسه، ولا يملكها المقطع بذلك بل يكون احق بالجلوس فيها من غيره بمنزلة السابق إليها من غير اقطاع الا في ان السابق إذا نقل متاعه عنها فلغيره الجلوس فيها لان استحقاقه لها بسبقه إليها ومقامه فيها فإذا انتقل عنها زال استحقاقه لزوال المعنى الذي استحق به وهذا استحق باقطاع الامام فلا يزول حقه بنقل متاعه ولا لغيره الجلوس فيه، وحكمه في التظليل على نفسه بما ليس بيتا ومنعه من البناء ومنعه إذا طال مقامه حكم السابق على ما نذكره * (مسألة) * فان لم يقطعها فلمن يسبق إليها الجلوس فيها ويكون احق بها ما لم ينقل قماشه عنها) ما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين العمران فليس لاحد احياؤه سواء كان واسعا أو ضيقا وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق لان ذلك يشترك فيه المسلمون وتتعلق به مصلحتهم اشبه مساجدهم ويجوز الارتفاق بالقعود في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على احد ولا يضر بالمارة لاتفاق اهل الامصار في جميع الاعصار على اقرار الناس على ذلك من غير انكار، ولانه ارتفاق بمباح من غير اضرار فلم يمنع منه كالاجتياز قال احمد في السابق إلى دكاكين السوق غدوة فهو له إلى الليل وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " منى مناخ من سبق " وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من بارية وكساء ونحوه لان الحاجة تدعو إليه من غير مضرة فيه، وليس له أن يبني دكة ولا غيرها لانه يضيق على الناس وتعثر به المارة بالليل والضرير في الليل والنهار وتبقى على الدوام وربما ادعى ملكه بذلك والسابق أحق به ما كان فيه فان قام وترك متاعه فيه لم يجز لغيره ازالته لان يد الاول

[ 172 ]

عليه وان نقل متاعه كان لغيره أن يقعد فيه لان يده قد زالت * (مسألة) * (فان طال مقامه منع في أحد الوجهين) لانه يصير كالملك ويختص بنفع يساويه غيره في استحقاقه (والثاني) لا يمنع لانه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم * (مسألة) * (وان سبق اثنان إليه احتمل أن يقرع بينهما واحتمل أن يقدم الامام من يرى منهما فان كان الجالس يضيق على المارة لم يحل له الجلوس فيه وليس للامام تمكينه بعوض ولا غيره) قال أحمد ما كان ينبغي لنا أن نشتري من هؤلاء الذين يبيعون على الطريق قال القاضي هذا محمول على أن الطريق ضيق أو يكون يؤذي المارة لما تقدم وقال لا يعجبني الطحن في العروب إذا كانت في طريق الناس وهي السفن التي يطحن فيها في الماء الجاري انما كره ذلك لتضييقها طريق السفن المارة في الماء قال احمد ربما غرقت السفن فأرى للرجل ان يتوقى الشراء مما يطحن بها (فصل) وإن سبق إلى معدن فهو احق بما ينال منه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو احق به " وسواء كان المعدن ظاهرا أو باطنا إذا كان في موات فان اخذ قدر حاجته واراد الاقامة فيه بحيث يمنع غيره منع من ذلك لانه يضيق على الناس بما لا نفع فيه له اشبه ما لو وقف في مشرعة الماء لغير حاجة * (مسألة) * (وهل يمنع إذا طال مقامه للاخذ؟ على وجهين) (احدهما) يمنع لانه يصير كالمتملك والآخر لا يمنع لاطلاق الحديث، وإن استبق إليه اثنان أو اكثر وضاق المكان عنهما اقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الاخر ويحتمل ان يقسم بينهما لانه يمكن قسمته وقد

[ 173 ]

تساويا فقسم بينهما كما لو تداعيا عينا في ايديهما ولا بينة لاحدهما ويحتمل ان يقدم الامام من يرى منهما لان له نظرا وذكر القاضي وجها رابعا وهو ان الامام ينصب من يقسم بينهما وهذا التفصيل مذهب الشافعي * (مسألة) * (ومن سبق إلى مباح كصيد أو عنبر وحطب وثمر ولقطة ولقيط وما ينبذه الناس رغبة عنه أو يضيع منهم مما لا تتبعه النفس وما يسقط من البلح وسائر المباحات فهو أحق به باذن الامام وغير اذنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " وان سبق إليه اثنان قسم بينهما لان قسمته ممكنة فلا يؤخر حق أحدهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر، وان سبق إلى موات أو بئر عادية فهو أحق بها لما ذكرنا * (مسألة) * (وإذا كان الماء في نهر غير مملوك كمياه الامطار فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى الكعب ثم يرسل إلى من يليه) وجملة ذلك انه لا يخلو الماء من حالين إما أن يكون جاريا أو واقفا والجاري ضربان (أحدهما) أن يكون في نهر غير مملوك وهو قسمان [ أحدهما ] أن يكون نهرا عظيما كالنيل والفرات الذي لا يستضر أحد بالسقي منهما فهذا لا تزاحم فيه ولكل أحد أن يسقي منها متى شاء وكيف شاء [ القسم الثاني ] أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائه أو سيل يتشاح فيه أهل الارضين الشاربة منه فيبدأ بمن في أول النهر فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ الكعب ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك وعلى هذا حتى تنتهي الاراضي كلها فان لم يفضل عن الاول شئ أو عن

[ 174 ]

الثاني أو عمن يليهما فلا شئ للباقين لانهم ليس لهم إلا ما فضل فهم كالعصبة في الميراث وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا لما روى عبد الله بن الزبير ان رجلا من الانصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم " اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك " فغضب الانصاري فقال يا رسول الله أن كان ابن عمنك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال " يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " فقال الزبير فوالله اني لاحسب هذه الآية نزلت فيه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) متفق عليه، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال نظرنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم " ثم احبس حتى يبلغ الجدر " وكان ذلك إلى الكعبين، قال أبو عبيد: الشراج جمع شرج والشرج نهر صغير والحرة أرض ملتبسة بحجارة سود، والجدر الجدار وانما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير أن يسقي ثم يرسل تسهيلا على غيره فلما قال الانصاري ما قال استوفى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وروى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم انه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزوز ومذينيب " يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الاعلى على الاسفل " قال ابن عبد البر: هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة يعملون به عندهم. قال عبد الملك بن حبيب: مهزوز ومذينيب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر يتنافس أهل الحوائط في سيلهما وروى أبو داود باسناده عن ثعلبة بن أبي مالك انه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهزوز السيل الذي يقتسمون ماءه فقضى بينهم

[ 175 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الماء إلى الكعبين لا يحبس الاعلى على الاسفل، ولان من أرضه قريبة من رأس النهر سبق إلى المكان فكان أولى به كالسابق إلى المشرعة فان كانت أرض صاحب الاعلى مختلفة منها عالية ومنها مستفلة سقى كل واحدة منها على حدتها، فان استوى اثنان في القرب من أول النهر اقتسما الماء بينهما ان أمكن وإلا أقرع بينهما فقدم من تقع له القرعة فان كان الماء لا يفضل عن أحدهما سقى من تقع له القرعة بقدر حقه من الماء ثم تركه للآخر، وليس له السقي بجميع الماء لمساواة الآخر له في استحقاق الماء وانما القرعة للتقديم في استيفاء الحق لا في أصل الحق بخلاف الاعلى مع الاسفل فانه ليس للاسفل حق الا في الفاضل عن الاعلى فان كانت أرض إحداهما أكبر من أرض الآخر قسم الماء بينهما على قدر الارض لان الزائد من أرض أحدهما مساو في القرب فاستحق جزءا من الماء كما لو كان لثالث * (مسألة) * (فان أراد انسان احياء أرض ليسقيها من ماء النهر جاز ما لم يضر بأهل الارض الشاربة منه) إذا كان لجماعة رسم شرب من نهر غير مملوك أو سيل فجاء انسان ليحيي مواتا أقرب من رأس النهر من أرضهم لم يكن له أن يسقي قبلهم لانهم أسبق إلى النهر منه ولان من ملك أرضا ملكها بحقوقها ومرافقها ولا يملك غيره إبطال حقوقها وهذا من حقوقها، وهل لهم منعه من إحياء ذلك الموات؟ فيه وجهان (أحدهما) ليس لهم منعه لان حقهم في النهر لا في الموات (والثاني) لهم منعه لئلا يصير ذلك ذريعة إلى منعهم حقهم من السقي لتقديمه عليهم في القرب إذا طال الزمان وجهل الحال، فإذا قلنا ليس لهم منعه فسيق إلى مسيل ماء أو نهر غير مملوك فأحيا في أسفله مواتا ثم أحيا آخر فوقه ثم أحيا ثالث فوق الثاني كان للاسفل السقى أولا ثم الثاني ثم الثالث، ويقدم السبق الي الاحياء على السبق إلى أول النهر لما ذكرنا

[ 176 ]

(فصل) الضرب الثاني الجارى في نهر مملوك وهو قسمان (أحدهما) أن يكون الماء مباح الاصل مثل أن يحفر انسان نهرا صغيرا يتصل بنهر كبير مباح فما لم يتصل الحفر لا يملكه وانما هو تحجر وشروع في الاحياء فإذا اتصل الحفر ملكه لان الملك بالاحياء ان تنتهي العمارة إلى قصدها بحيث يتكرر الانتفاع بها على صورتها وهذا كذلك وسواء أجرى فيه الماء أو لم يجره لان الاحياء يحصل بهيئته للانتفاع به دون حصول المنفعة فيصير مالكا لقرار النهر وحافتيه، وهواؤه حق له وكذلك حريمه وهو ملقى الطين من جوانبه، وعند القاضي ان ذلك غير مملوك لصاحب النهر وانما هو حق من حقوق الملك، وظاهر قول الخرقي انه مملوك لغير صاحبه قياسا على قوله في حريم البئر انه يملكه. إذا تقرر ذلك فكان النهر لجماعة فهو بينهم على حسب العمل والنفقة لانه انما ملك بالعمارة والعمارة بالنفقة، فان كفى جميعهم فلا كلام وإن لم يكفهم فتراضوا على قسمته بالمهايأة أو غيرها جاز لان حقهم لا يخرج عنهم، وان تشاحوا فيه قسمه الحاكم بينهم على قدر أملاكهم لان كل واحد منهم يملك من النهر بقدر ذلك فتؤخذ خشبة أو حجر مستوى الطرفين والوسط فتوضع على موضع مستو من الارض في مصدم الماء فيه حزوز أو ثقوب متساوية في السعة على قدر حقوقهم من كل حز أو ثقب ساقية مفردة لكل واحد منهم فإذا حصل الماء في ساقيته انفرد به فان كانت أملاكهم مختلفة قسم على قدر ذلك، فإذا كان لاحدهم نصفه وللثاني ثلثه وللثالث سدسه جعل فيه ستة ثقوب: لصحاب النصف ثلاثة نصب في ساقيته ولصاحب الثلث اثنان ولصاحب

[ 177 ]

قسدس واحد، فان كان لواحد الخمسان والباقي لاثنين على السواء جعل عشرة ثقوب: لصاحب الخمسين أربعة نصب في ساقيته ولكل واحد من الآخرين ثلاثة، فان كان النهر لعشرة - لخمسة منهم أراض الريبة من أول النهر ولخمسة أراض بعيدة جعل لاصحاب القريبة خمسة ثقوب لكل واحد ثقب وجعل للباقين خمسة تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم، ثم تقسم بينهم قسمة أخرى فان أراد أحدهم أن يجري ماءه في ساقية غيره ليقاسمه في موضع آخر لم يجز بغير رضاه لانه يتصرف في ساقيته ويخرب حابتيها بغير إذنه ويخلط حقه بحق غيره على وجه لا يتميز فلم يجز ذلك، ويجئ على قولنا إن الماء لا يملك ان حكم الماء في هذا النهر حكمه في نهر غير مملوك وان الاسبق أحق بالسقي ثم الذي يليه على ما ذكرنا، ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحو ما ذكرنا (فصل) وإذا حصل نصيب انسان في ساقية فله أن يسقي به ما شاء من الارض سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر أو لم يكن، وله أن يعطيه من يسقي به، وقال القاضي وأصحاب الشافعي ليس له سقي أرض ليس لها رسم شرب من هذا الماء لان ذلك دال على ان لها قسما من هذا الماء فربما جعل سقيها منه دليلا على استحقاقها لذلك فيستضر الشركاء ويصير هذا كما لو كان له دار بابها في درب لا ينفذ ودار بابها في درب آخر ظهرها ملاصق لظهر داره الاولى فأراد تنفيذ إحداهما إلى الاخرى لم يجز لانه يجعل لنفسه استطراقا من كل واحدة من الدارين ولنا أن هذا ماء انفرد باستحقاقه فكان له أن يسقي منه ما شاء كما لو انفرد به من أصله ولا نسلم

[ 178 ]

ما ذكره في الدارين وان سلمنا فالفرق بينهما ان كل دار يخرج منها إلى درب مشترك لان الظاهر أن لكل دار سكانا فيجعل لسكان كل واحدة منهما استطراقا إلى درب غير نافذ لم يكن لهم حق في استطراقه وههنا انما يسقي من ساقيته المفردة التي لا يشاركه غيره فيها، فلو صار لتلك الارض رسم من الشرب من ساقيته لم يتضرر بذلك أحد، ولو كان يسقي من هذا النهر بدولاب فأحب أن يسقي بذلك الماء أرضا لا رسم لها في الشرب من ذلك النهر فالحكم في ذلك على ما ذكرنا من الخلاف، وان كان الدولاب يغرف من نهر غير مملوك جاز أن يسقى بنصيبه من الماء أرضا لا رسم لها في الشرب منه بغير خلاف نعلمه فان ضاق الماء قدم الاسبق فالاسبق على ما مضى (فصل) ولكل واحد منهم أن يتصرف في ساقيته المختصة به بما أحب من إجراء ماء غير هذا الماء فيها أو عمل رحى عليها أو دولاب أو عبارة وهي خشبة تمد على طرفي النهر أو قنطرة يعبر فيها الماء أو غير ذلك من التصرفات لانها ملكه ولا حق فيها لغيره فاما النهر المشترك فليس لواحد منهم أن يتصرف فيه بشئ من ذلك لانه تصرف في النهر المشترك أو في حريمه بغير إذن شركائه وقال القاضي في العبارة هذا ينبني على الروايتين فيمن أراد أن يجري ماءه في أرض غيره والصحيح أنه

[ 179 ]

لا يجوز ههنا ولا يصح قياس هذا على إجراء الماء في أرض غيره لان اجراء الماء في أرض ينفع صاحبها لانه يسقي عروق شجره ويشربه أولا وآخرا وهذا لا ينفع النهر بل ربما أفسد حافته ولا يسقي له شيئا، ولو أراد أحد الشركاء أن يأخذ من النهر قبل قسمته شيئا يسقي به أرضا في أول النهر أو في غيره أو أراد إنسان غيرهم ذلك لم يجز لانهم صاروا أحق بالماء الخاص في نهرهم من غيرهم ولان الاخذ من الماء ربما احتاج إلى تصرف في حافة النهر المملوك لغيره أو المشترك بينه وبين غيره، ولو فاض ماء هذا النهر إلى أرض إنسان فهو مباح كالطائر يعشش في ملك إنسان ومذهب الشافعي في ذلك على نحو ما ذكرنا. (فصل) وان قسموا ماء النهر المشترك بالمهايأة جاز إذا تراضوا به وكان حق كل واحد منهم معلوما مثل أن يجعلوا لكل حصة يوما وليلة، وان قسموا النهار فجعلوا لواحد من طلوع الشمس إلي الزوال وللآخر من الزوال إلى الغروب ونحو ذلك جاز، وان قسموه ساعات وأمكن ضبط ذلك بشئ معلوم جاز فإذا حصل الماء لاحدهم في نوبته فأراد أن يسقي به أرضا ليس لها رسم شرب من هذا أو بؤثر به إنسانا أو يقرضه إياه على وجه لا يتصرف في حافة النهر جاز وعلى قول القاضي وأصحاب الشافعي ينبغي أن لا يجوز لما تقدم، وان أراد صاحب النوبة أن يجري مع مائه ماء له آخر يسقي

[ 180 ]

به أرضه التي لها رسم شرب من النهر أو أرضا له أخرى أو سأله إنسان أن يجري له ماء مع مائه في هذا النهر ليقاسمه إياه في موضع آخر على وجه لا يضر بالنهر ولا باحد جاز ذلك في قياس قول أصحابنا فانهم قالوا فيمن استأجر أرضا جاز أن يجري فيها ماء في نهر محفور إذا كان فيها ولانه مستحق لنفع النهر في نوبته باجراء الماء فأشبه ما لو استأجرها لذلك. (فصل) القسم الثاني أن يكون منبع الماء مملوكا مثل ان اشترك جماعة في استنباط عين وإجرائها فانهم يملكونها أيضا لان ذلك احياء لها، ويشتركون فيها وفي ساقيتها على حسب ما أنفقوا عليها وعملوا فيها كما ذكرنا في النهر في القسم الذى قبله الا أن الماء غير مملوك ثم لانه مباح دخل ملكه فأشبه ما لو دخل بستانه صيد، وههنا يخرج على روايتين أصحهما أنه غير مملوك أيضا وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع وعلى كل حال فلكل أحد أن يستقي من الماء الجاري لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وينتفع به في اشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير إذنه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه ولا يحصل لصاحبه المنع من ذلك لما روي أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان يفضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل " رواه البخاري وعن بهيسة عن أبيها أنه قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال الماء قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال

[ 181 ]

" الملح " قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال " أن تفعل الخير خير لك " رواه أبو داود ولان ذلك لا يؤثر في العادة وهو فاضل عن حاجة صاحب النهر، واما ما يؤثر كسقي الماشية الكثيرة فان فضل عن حاجته لزمه بذله والا لم يلزمه وقد ذكرناه (فصل) إذا كان النهر أو الساقية مشتركا بين جماعة فأرادوا اكراءه أو سد بثق فيه أو اصلاح حائطه أو شئ منه كان ذلك عليهم على حسب ملكهم فيه فان كان بعضهم أدنى إلى أوله من بعض اشترك الكل في إصلاحه وأكرائه إلى ان يصلوا إلى الاول ثم لا شئ على الاول ويشترك الباقون حتى يصلوا إلى الثاني ثم يشترك من بعده كذلك كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم لم يكن عليه فيما بعده شئ وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يشترك جميعهم في اكرائه كله لانهم ينتفعون بجميعه فان ما جاوز الاول مصب لمائه وان لم يسق أرضه ولنا أن الاول إنما ينتفع بالماء الذي في موضع شربه وما بعده إنما يختص بالانتفاع به من دونه فلا يشاركهم في مؤنته كما لا يشاركهم في نفعه فان كان يفضل عن جميعهم منه ما يحتاج إلى مصرف فمؤنته على جميعهم لاشتراكهم في الحاجة إليه والانتفاع به فكانت مؤنته عليهم كلهم كأوله

[ 182 ]

* (مسألة) * (وللامام أن يحمي أرضا من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ما لم يضيق على الناس، ولا يجوز ذلك لغيره) معنى الحمى أن يحمى أرضا يمنع الناس رعى جشيشها ليختص بها وكانت العرب في الجاهلية تعرف ذلك فكان منهم من إذا انتجع بلدا أقام كلبا على نشز ثم استعواه ووقف له من كل ناحية من يسمع صوته بالعواء فحيث انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ويرعى مع الناس فيما سواه فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الانتفاع بشئ لهم فيه حق فروى الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا حمى إلا لله ولرسوله " رواه أبو داود وقال عليه الصلاة والسلام " الناس شركاء في ثلاث في الماء والنار والكلا " رواه الخلال فليس لاحد من الناس أن يحمي سوى الائمة لما ذكرنا من الخبر والمعنى، فاما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان له أن يحمي لنفسه وللمسلمين لقوله " لا حمى إلا لله ولرسوله " ولم يحم لنفسه شيئا وانما حمى للمسلمين فروى ابن عمر قال حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين رواه أبو عبيد والنقيع بالنون موضع ينتقع فيه الماء فيكثر فيه الخصب لمكان الماء الذي يصير فيه، وأما سائر أئمة المسلمين فليس لهم أن يحموا لانفسهم شيئا ولكن لهم أن يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين ونعم الجزية وإبل الصدقة وضوال

[ 183 ]

الناس التى يقوم الامام بحفظها وماشية الضعيف من الناس على وجه لا يستضر به من سواه من الناس وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في صحيح قوليه، وقال في الآخر ليس لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمي لقوله " لا حمى إلا لله ولرسوله " ووجه الاول أن عمر وعثمان حميا واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر عليهما فكان اجماعا فروى أبو عبيد باسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحسبه عن أبيه قال أتى اعرابي عمر فقال يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الاسلام علام؟ تحميها قال فاطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ فلما رأى الاعرابي ما به جعل يردد ذلك فقال عمر المال مال الله والعباد عباد الله والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الارض شبرا في شبر. قال خالك بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين الفا من الظهر، وعن أسلم قال سمعت عمر يقول لهني حين استعمله على حمى الربذة يا هني اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فانها مجابة وأدخل رب الصريمة والغنيمة ودعني من نعم ابن عوف ونعم ابن عفان فانهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع وان هذا المسكين ان هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين فالكلا أهون علي أم غرم الذهب والورق انها أرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الاسلام وانهم ليرون أنا نظلمهم ولولا النعم التي نحمل عليها في سبيل الله

[ 184 ]

لما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا وهذا اجماع؟؟؟؟؟؟ ولان ما كان لمصالح المسلمين قامت الائمة فيه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما أطعم الله لنبي طعمة الا جعلها طعمة من بعده " والخبر مخصوص وما حماه لنفسه يفارق حمى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه لان صلاحه يعود إلى صلاح المسلمين وماله كان يرده على المسلمين، وليس لهم أن يحموا الا قدرا لا يضيق عن المسلمين ويضر بهم لانه انما جاز لما فيه من المصلحة لما يحمى وليس من المصلحة ادخال الضرر على أكثر الناس * (مسألة) * (وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لاحد نقضه ولا تغييره مع بقاء الحاجة إليه) لان ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم نص لا يجوز نقضه بالاجتهاد ومن احيا منه شيئا لم يملكه وان زالت الحاجة إليه ففيه وجهان أصحهما أنه لا يجوز نقضه لما ذكرنا، فأما ما حماه غيره من الائمة فغيره هو أو غيره من الائمة جاز، وان أحياه انسان ملكه في أحد الوجهين لان حمى الائمة اجتهاد وملك الارض بالاسياء نص والنص يقدم على الاجتهاد والوجه الآخر لا يملكه لان اجتهاد الامام لا يجوز نقضه كما لا يجوز نقض حكمه والاول أولى لان الاجتهاد في حماء في تلك المدة دون غيره ولهذا ملك الحامي نقضه ومذهب الشافعي في هذا على نحو ما ذكرنا

[ 185 ]

كتاب الوقف وهو تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وهو مستحب، والاصل فيه ما روى عبد الله بن عمر قال أصاب عمر أرضا بخير فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال يا رسول الله انى أصبت أرضا بخيبر لم أصب قط مالا أنفس عندي منه فما تأمرني فيه؟ قال " ان شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " قال فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا بالمعروف غير متاثل فيه أو غير متمول فيه متفق عليه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولده صالح يدعو له " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه مسلم (فصل) والقول بصحة الوقف قول أكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم، قال جابر لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف ولم يره شريح وقال لا حبس عن فرائض الله قال احمد هذا مذهب أهل الكوفة وحديث ابن عمر حجة على من خالفه وهو صريح في الحكم مع صحته وقول جابر نقل للاجماع فلا يلتفت إلى خلاف ذلك

[ 186 ]

* (مسألة) * وفيه روايتان احداهما أنه يحصل بالقول والفعل الدال عليه مثل أن يبني مسجدا ويأذن للناس في الصلاة فيه أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن لهم في الدفن فيها أو سقاية ويشرعها لهم) ظاهر المذهب ان الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه التي ذكرناها قال احمد في رواية أبي داود وأبي طالب فيمن أدخل بيتا في المسجد واذن فيه: لم يرجع فيه وكذلك إذا اتخذ المقابر واذن للناس والسقاية فليس له الرجوع هذا قول أبي حنيفة، الرواية الاخرى لا يصح الا بالقول ذكرها القاضي وهو مذهب الشافعي وأخذه القاضي من قول احمد إذ سأله الاثرم عن رجل أحاط حائط على أرض ليجعلها مقبرة ونوى بقلبه ثم بدا له العود فقال ان كان جعلها لله فلا يرجع قال شيخنا وهذا لا ينافي الرواية الاولى فانه ان أراد بقوله ان كان جعلها لله أي نوى بتحويطها جعلها لله فهذا تأكيد للرواية الاولى وزيادة عليها إذ منعه من الرجوع بمجرد التحويط مع النية وان أراد بقوله جعلها لله أي اقترنت بفعله قرائن دالة على ارادة ذلك مع اذنه للناس في الدفن فيها فهو الرواية الاولى بعينها وان أراد إذا وقفها بقوله فيدل بمفهومه على أن الوقف لا يحصل بمجرد التحويط والنية وهذا لا ينافي الرواية الاولى لانه في الاولى انضم إلى فعله، اذنه للناس في الدفن ولم يوجد ههنا فلا تنافي بينهما ولم يعلم مراده من هذه الاحتمالات فانتفت هذه الرواية وصار المذهب رواية واحدة واحتجوا بان هذا تحبيس على وجه القربة فوجب أن لا يصح بدون اللفظ كالوقف على الفقراء

[ 187 ]

ولنا أن العرف جار بذلك وفيه دلالة على الوقف فجاز ان يثبت به كالقول وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعاما كان اذنا في أكله ومن ملا خابية ماء على الطريق كان تسبيلا له ومن نثر نثارا كان اذنا في أخذه كذلك دخول الحمام واستعمال مائه من غير اذن مباح بدلالة الحال وقد ذكرنا في البيع أنه يصح بالمعاطاة وكذلك الهبة والهدية لدلالة الحال كذلك هذا وأما الوقف على المساكين فلم تجر به عادة بغير لفظ ولو كان شئ جرت به العادة أو دلت الحال عليه كان كمسئلتنا * (مسألة) * وصريحه وقفت وسبلت وحبست فمتى أتى بواحدة منها صار وقفا من غير انضمام أمر زائد لان هذه الالفاظ ثبت لها عرف الاستعمال بين الناس وانضم إلى ذلك عرف الشرع بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر " ان شئت حبست أصلها وسلبت ثمرتها " فصارت هذه الالفاظ في الوقف كلفظ التطليق في الطلاق والكناية تصدقت وحرمت وأبدت فليست صريحة لان لفظة الصدقة والتحريم مشتركة فان الصدقة تستعمل في الزكاة والهبات والتحريم يستعمل في الظهار والايمان ويكون تحريما على نفسه وعلى غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم وتأييد الوقف فلم يثبت لهذه الالفاظ عرف الاستعمال فلا يصح الوقف بمجردها ككنايات الظاهر فإذا انضم إليها أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها (أحدها) أن ينوي الوقف فيكون على ما نوى إلا أن النية تجعله وقفا في الباطن دون الظاهر لعدم الاطلاع عليها فان اعترف بما نواه لزم في الحكم لظهوره، وإن قال ما أردت الوقف فالقول قوله لانه أعلم بما نوى

[ 188 ]

(الثاني) أن يضيف إليها لفظة تخلصها من الالفاظ الخمسة فيقول صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو مؤبدة أو محرمة أو يقول هذه محرمة موقوفة أو محتبسة أو مسبلة أو مؤبدة (الثالث): أن يصفها بصفات الوقف فيقول صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث لان هذه القرينة تزيل الاشتراك. * (مسألة) * (ولا يصح الوقف إلا بشروط أربعة: (أحدها) أن يكون في عين يجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها دائما مع بقاء عينها كالحيوان والعقار والاثاث والسلاح) وجملة ذلك أن الذي يصح وقفه ما جاز بيعه مع بقاء عينه وكان أصلا يبقى بقاء متصلا كالعقار والحيوان والسلاح والاثاث وأشباه ذلك قال احمد في رواية الاثرم انما الوقف في الدور والارضين على ما وقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به، وهذا قول الشافعي، وقال أبو يوسف لا يجوز وقف الحيوان ولا الرقيق ولا العروض الا الكراع والسلاح والغلمان والبقر والآلة في الارض الموقوفة تبعا لها لان هذا حيوان لا يقاتل عليه فلم يجز وقفه كما لو كان الوقف إلى مدة، وعن مالك في الكراع والسلاح روايتان ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أما خالد فانه قد احتبس أدراعه واعتاده في سبيل الله " متفق

[ 189 ]

عليه وفي رواية أعتده أخرجه البخاري قال الخطابي الاعتاد ما يعده الرجل من مركوب وسلاح وآلة الجهاد، وروي أن أم معقل جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان أبا معقل جعل ناصحه في سبيل الله واني أريد الحج أفأركبه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اركبيه فان الحج والعمرة من سبيل الله " ولانه يحصل فيه تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة فصح وقفه كالعقار والفرس الحبيس أو نقول يصح وقفه مع غيره فصح وحده كالعقار (فصل) قال احمد رحمه الله في رجل له دار في الربض أو قطيعة فاراد التنزه منها قال يقفها وقال القطائع ترجع إلى الاصل أراد جعلها للمساكين فظاهر هذا اباحة وقف السواد وهو في الاصل وقف ومعناه أن وقفها يطابق الاصل لا انها تصير بهذا القول وقفا * (مسألة) * (ويصح وقف المشاع وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف، وقال محمد بن الحسن لا يصح وبناه على أصله في أن القبض شرط وهو لا يصح في المشاع ولنا أن في حديث عمر انه أصاب مائة سهم من خيبر فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيها فأذن له في وقفها وهذا صفة المشاع ولانه عقد يجوز على بعض الجملة مقررا فجاز عليه مشاعا كالبيع ولان الوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وهذا يحصل في المشاع كحصوله في المقرر ولا نسلم اعتبار القبض وان سلمها

[ 190 ]

(فصل) وان وقف داره على جهتين مختلفتين مثل أن يقفها على أولاده وعلى المساكين نصفين أو أثلاثا أو كيفما كان جاز وسواء جعل مآل الموقوف على أولاده على المساكين أو على جهة سواهم لانه إذا جاز وقف الجزء مفردا جاز وقف الجزئين، وان أطلق الوقف فقال وقفت داري هذه على أولادي وعلى المساكين فهي بينهما نصفين لان اطلاق الاضافة اليهما يقتضي التسوية بين الجهتين ولا تتحقق الا بالتنصيف وان قال وقفتها على زيد وعمرو والمساكين فهي بينهم اثلاثا * (مسألة) * (ويصح وقف الحلي على اللبس والعارية) لان ذلك نفع مباح مقصود يجوز أخذ الاجرة عليه فصح الوقف عليه كوقف السلاح في سبيل الله ولما روى نافع قال ابتاعت حفصة حليا بعشرين الفا فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته رواه الخلال باسناده ولانه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائما فصح وقفها كالعقار وهو قول الشافعي وروي عن احمد انه لا يصح وقفها عليه وأنكر الحديث عن حفصة في وقفه ووجه هذه الرواية أن التحلي ليس هو المقصود الاصلي من الاثمان فلم يصح وقفها عليه كما لو وقف الدنانير والدراهم والمذهب الاول لما ذكرنا، والتحلي من المقاصد المهمة والعادة جارية به وقد اعتبره الشرع في اسقاط الزكاة عن متخذه وجوز اجارته لذلك ويفارق الدراهم والدنانير فان العادة لم تجر بالتحلي بها ولا اعتبر الشرع ذلك في اسقاط زكاة ولا ضمان نفعه في الغصب بخلاف مسئلتنا

[ 191 ]

* (مسألة) * (ولا يصح الوقف في الذمة كعبد ودار وسلاح غير معين) لان الوقف ابطال لمعنى الملك فيه فلم يصح في غير معين كالعتق * (مسألة) * (ولا يصح في غير معين كأحد هذين العبدين) لانه انقل للملك على وجه القربة فلم يصح في غير معين كالهبة * (مسألة) * (ولا يصح وقف ما لا يجوز بيعه كام الولد والكلب والمرهون وكذلك الخنزير وسائر سباع البهائم التي لا تصلح للصيد وجوارح الطير التي لا يصاد بها) لانه نقل للملك فيها في الحياة فلم يجز كالبيع ولان الوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وما لا منفعة فيه مباحة فلا يحصل فيه تسبيل المنفعة والكلب أبيح الانتفاع به على خلاف الاصل للضرورة فلم يجز التوسع فيها، والمرهون في وقفه ابطال حق المرتهن منه فلم يجز ابطاله ولا يصح وقف الحمل المنفرد لانه لا يجوز بيعه. (فصل) ولا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقائه دائما كالاثمان والطعوم والرياحين) ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدراهم والدنانير والمشروب وأشباهه من الرياحين لا يجوز وفقه في قول عامة الفقهاء وأهل العلم الا شيئا حكي عن مالك والاوزاعي في وقف الطعام انه يجوز ولم يحكه أصحاب مالك وليس بصحيح لان الوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وما لا ينتفع به إلا بالاتلاف لا يصح ذلك

[ 192 ]

فيه وقيل في الدراهم والدنانير يصح وقفها عند من أجاز اجارتها ولا يصح لان تلك المنفعة ليست المقصود الذي خلقت له الاثمان ولهذا لا تضمن في الغصب فلم يجز الوقف له كوقف الشجر على نشر الثياب والغنم على دوس الطين والشمع ليتجعل به ولذلك لا يصح وقف الشمع للاشعال لانه يتلف بالانتفاع به فهو كالمأكول (الثاني) أن يكون على بر كالمساكين والمساجد والقناطر والاقارب مسلمين كانوا أو من أهل الذمة. وجملة ذلك ان الوقف لا يصح إلا على بر أو معروف لولده وأقاربه والمساجد والقناطر وكتب الفقه والعلم والقرآن والسقايات والمقابر وسبيل الله وإصلاح الطرق ونحو ذلك من القرب ويصح على أهل الذمة لانهم يملكون ملكا محترما وتجوز الصدقة عليهم قال الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) وإذا جازت الصدقة عليهم جاز الوقف عليهم كالمسلمين، وروي ان صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقفت على أخ لها يهودي ولان من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف المسلم عليه كالمسلم ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين من أهل الذمة وغيرهم صح لان الوقف عليهم لا على الموضع * (مسألة) * (ولا يصح على الكنائس وبيوت النار والبيع وكتب التوراة والانجيل) لان ذلك معصية فان هذه المواضع بنيت للكفر وكتبهم مبدلة منسوخة ولذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم على عمر حين رأى معه صحيفة فيها شئ من التوراة وقال " أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي " ولو لا ان ذلك معصية ما غضب منه. وحكم

[ 193 ]

الوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ومن يعمرها كالوقف عليها لانه يراد لتعظيمها والمسلم والذمي في ذلك سواء، قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعا وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم وهذا مذهب الشافعي قال شيخنا ولا نعلم فيه مخالفا لان ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح وقف الذي كغير المعين فان قيل فقد قلتم ان أهل الكتاب إذا عقدوا عقودا فاسدة وتقابضوا ثم أسلموا وترافعوا الينا لم ننقض ما فعلوه فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه علي كنائسهم؟ قلنا الوقف ليس بعقد معاوضة انما هو إزالة ملك في الموقوف على وجه القربة فإذا لم يقع صحيحا لم يزل الملك بحاله كالعتق، وقد روي عن أحمد رحمه الله فيمن أشهد في وصيته ان غلامه فلانا يخدم البيعة خمس سنين ثم هو حر ثم مات مولاه وخدم سنة ثم أسلم ما عليه؟ قال هو حر ويرجع على الغلام بأجر خدمة مبلغ أربع سنين، وروي عنه قال هو حر ساعة مات مولاه لان هذه معصية وهذه الرواية أصح وأوفق لاصوله، ويحتمل ان قوله يرجع عليه بخدمة أربع سنين لم يكن لصحة الوظيفة بل لانه انما أعتقه بعوض يعتقدان صحته فإذا تعذر العوض باسلامه كان عليه ما يقوم مقامه كما لو تزوج الذمي ذمية على ذلك ثم أسلم فانه يجب عليه المهر كذا ههنا يجب عليه العوض والاول أولى

[ 194 ]

* (مسألة) * (ولا يصح الوقف على حربي ولا مرتد) لان أموالهم مباحة في الاصل تجوز إزالتها فما يتجدد لهم أولى والوقف يجب أن يكون لازما لانه تحبيس الاصل * (مسألة) * (ولا يصح على نفسه في إحدى الروايتين، فان وقف على غيره واستثنى الاكل منه مدة حياته صح) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن وقف على نفسه ثم على المساكين أو على ولده فقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن هذا فقال لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى أو في سبيله فإذا وقفه عليه حتي يموت فلا أعرفه، فعلى هذه الرواية يكون الوقف عليه باطلا وهل يبطل على من بعده؟ على وجهين بناء على الوقف المنقطع الابتداء وهذا مذهب الشافعي لان الوقف تمليك للرقبة أو للمنفعة ولا يجوز أن يملك الانسان نفسه من نفسه كما لو يجوز أن يبيع ماله من نفسه ولان الوقف على نفسه انما حاصله منع نفسه من التصرف في رقبة الملك فلم يصح ذلك كما لو أفرده بأن يقول لا أبيع هذا ولا أهبه ولا أورثه، ونقل جماعة ان الوقف صحيح اختاره ابن أبي موسى. قال ابن عقيل وهو أصح وهو قول ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي يوسف وابن شريح لما نذكره في المسألة بعدها ولانه يصح أن يقف وقفا عاما فينتفع به كذلك إذا خص نفسه بانتفاعه والاول أقيس (فصل) ومن وقف وقفا صحيحا على انسان فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه وزال ملكه

[ 195 ]

عن الوقف وملك منافعه فلم يجز أن ينتفع بشئ منها فأما ان وقف شيئا للمسلمين دخل في جملتهم مثل أن يقف مسجدا فله أن يصلي فيه أو مقبرة فله الدفن فيها أو بئر للمسليمن فله أن يسقي منها أو سقاية أو شيئا يعم المسلمين فكيون كأحدهم لا نعلم في ذلك خلافا وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سبل بئر رومة وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين * (مسألة) * (وان وقف على غيره واستثنى الاكل منه مدة حياته صح) إذا وقف وقفا على غيره وشرط أن ينفق منه على نفسه صح الوقف والشرط نص عليه أحمد قال الاثرم قيل لابي عبد الله اشترط في الوقف اني أنفق على نفسي وأهلي؟ قال نعم واحتج قال سمعت ابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه عن حجر المدري أن في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر قال القاضي يصح الوقف رواية واحدة لان أحمد نص عليها في رواية جماعة وبذلك قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف والزبيري وابن شريح وقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن لا يصح الوقف لانه ازالة الملك فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه كالبيع والهبة وكما لو اعتق عبدا واشترط أن يخدمه ولان ما ينفقه على نفسه مجهول فلم يصح اشتراطه كما لو باع شيئا واشترط أن ينتفع به. ولنا ان الخبر الذي ذكره الامام أحمد ولان عمر رضي الله عنه لما وقف قال لا بأس على من

[ 196 ]

وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا غير متمول منه وكان الوقف في يده إلى ان مات ولانه إذا وقف وقفا عاما كالمساجد والسقايات والمقابر كان له الانتفاع به وكذلك ههنا ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته أو مدة معلومة معينة وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه فان عمر لم يقدر ما يأكله الوالي ويطعم الا بقوله بالمعروف وفي حديث صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرط أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر إلا أنه إذا شرط أن ينتفع بها مدة معينة فمات فيها فينبغي أن يكون ذلك لورثته كما لو باع دارا واشترط أن يسكنها سنة فمات في اثنائها (فصل) ويصح أن يشترط ان يأكل منها أهله لان النبي صلى الله عليه شرط ذلك في صدقته وان شرط أن يأكل منه من وليه ويطعم صديقا صح لان عمر شرط ذلك في صدقته التي استأمر فيها رسول الله عليه وسلم فان وليها الواقف كان له أن يأكل ويطعم صديقا لان عمر ولي صدقته وان وليها أحد من أهله فله ذلك لان حفصة بنت عمر كانت تلي صدقته بعد موته ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر (فصل) فان اشترط أن يبيعه متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه بطل الوقف والشرط لا نعلم في بطلان الشرط خلافا لانه ينافي مقتضى الوقف ويحتمل أن يبطل الشرط ويصح الوقف بناء على الشروط الفاسدة في البيع وان شرط الخيار في الوقف فسد نص عليه أحمد وبه قال الشافعي وقال أبو يوسف في رواية عنه يصح لان الوقف تمليك المنافع فجاز شرط الخيار فيه كالاجارة

[ 197 ]

ولنا أنه شرط ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ان له بيعه متى شاء ولانه إزالة ملك لله تعالى فلم يصح شرط الخيار فيه كالعتق ولانه ليس بعقد معاوضة فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالهبة بخلاف الاجارة فانها عقد معاوضة وههنا لو ثبت الخيار لثبت مع ثبوت حكم الوقف فافترقا (فصل) وان شرط في الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف ويدخل من شاء من غيرهم لم يصح لانه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده كما لو شرط أن لا ينتفع به فأما ان شرط للناظر ان يعطي من يشاء من اهل الوقف ويمنع من يشاء جاز لان ذلك ليس باخراج للموقوف عليه من الوقف وإنما علق استحقاق الوقف بصفة فكأنه جعل له حقا في الوقف إذا اتصف بارادة الناظر عطيته ولم يجعل له حقا إذا انتفت تلك الصفة فيه فأشبه ما لو وقفه على المشتغلين بالعلم من ولده فانه يستحق منهم من اشتغل دون من لم يشتغل فمتى ترك المشتغل الاشتغال زال استحقاقه فان عاد إليه عاد استحقاقه * (فصل) * إذا جعل علو داره مسجدا دون أسفلها أو أسفلها دون علوها صح وقال أبو حنيفة لا يصح لان المسجد يتبعه هواؤه ولنا أنه يصح بيعها كذلك فصح وقفها كالدار جميعها ولانه تصرف يزيل الملك إلى من يثبت له حق الاستقرار والتصرف فجاز فيما ذكرنا كالبيع * (فصل) * فان جعل وسط داره مسجدا ولم يذكر الاستطراق صح وقال أبو حنيفة لا يصح حتى يذكر الاستطراق

[ 198 ]

ولنا أنه عقد يبيح الانتفاع من ضرورته الاستطراق فصح وإن لم يذكره كما لو أجر بيتا من داره * (مسألة) * (الثالث أن يقفه على معين يملك ولا يصح على مجهول كرجل ومسجد) لانه تمليك أشبه البيع ولان الوقف تمليك للعين أو للمنفعة فلا يصح على غير معين كالاجارة * (مسألة) * (ولا يصح على حيوان لا يملك كالعبد القن وأم الولد والمدبر والميت والحمل والملك والبهيمة والجن) قال أحمد فيمن وقف على مماليكه لا يصح الوقف حتى يعتقهم وذلك لان الوقف تمليك فلا يصح على من لا يملك فان قيل فقد جوزتم الوقف على المساجد والسقايات وأشباهها وهي لا تملك قلنا الوقف هناك على المسلمين الا أنه عين في نفع خاص لهم فان قيل فينبغي أن يصح الوقف على الكنائس ويكون الوقف على أهل الذمة والوقف عليهم جائز قلنا على الجهة التي عين صرف الوقف فيها ليست نفعا بل هي معصية محرمة يزدادون بها عقابا واثما بخلاف المساجد فان قيل فلم لا يصح الوقف على العبد إذا قلنا إنه يملك بالتمليك؟ قلنا لان الوقف يقتضي تحبيس الاصل والعبد لا يملك ملكا لازما ولا يصح على المكاتب وان كان يملك لان ملكه غير مستقر * (مسألة) * (الرابع أن يقف ناجزا فإذا علقه على شرط لم يصح إلا أن يقول هو وقف بعد

[ 199 ]

موتي فيصح في قول الخرقي وعند أبي الخطاب لا يصح) لا يصح تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة مثل أن يقول إذا جاء رأس الشهر قداري وقف أو فرسي حبيس أو إذا ولد لي ولد أو إذا قدم غائب ونحو ذلك ولا نعلم في هذا خلافا لانه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية فلم يجز تعليقه على شرط في الحياة كالهبة (فصل) فأما إذا قال هو وقف بعد موتي فظاهر كلام الخرقي أنه يصح ويعتبر من الثلث كسائر الوصايا وهو ظاهر كلام أحمد وقال القاضي لا يصح هذا لانه تعليق للوقف على شرط فلم يصح كما لو علقه على شرط في حياته وحمل كلام الخرقي على أنه قال قفوا بعد موتي فتكون وصية بالوقف لا اياقفا ولنا على صحة الوقف المعلق بالموت ما احتح به أحمد أن عمرا وصى فكان في وصيته هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين ان حدث به حدث ان ثمنا صدقة والعبد الذي فيه والسهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة وسق الذي أطعمني محمد صلى الله عليه وسلم تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهله لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم وذوي القربى ولا حرج على من وليه ان أكل أو اشتري رقيقا رواه أبو داود بنحو من هذا وهذا نص في مسئلتنا ووقفه هذا كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولانه اشتهر في الصحابة ولم ينكر فكان إجماعا ولان هذا تبرع معلق بالموت فصح كالهبة والصدقة المطلقة أو نقول صدقة معلقة بالموت فأشبهت غير الوقف وفارق هذا التعليق على شرط في الحياة

[ 200 ]

بدليل الصدقة المطلقة أو الهبة وغيرهما وذلك لان هذا وصية والوصية أوسع من التصرف في الحياة بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم وللمجهول وللحمل وغير ذلك وبهذا يبين فساد قياس من قاس على هذا الشرط بقية الشروط وسوى المتأخرون من أصحابنا بين تعليقه بالموت وتعليقه بشرط في الحياة ولا يصح لما ذكرنا من الفرق بينهما (فصل) ولا يشترط القبول الا أن يكون على آدمي معين ففيه وجهان أحدهما يشترط فان لم يقبل أو رده بطل في حقه دون من بعده وصار كما لو وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز يصرف في الحال إلى من بعده وجملة ذلك أن الوقف إذا كان على غير معين كالمساكين أو من لا يتصور منه القبول كالمساجد والقناطر لم يفتقر إلى القبول ون كان على آدمي معين ففيه وجهان أحدهما لا يشترط اختاره القاضي لانه أحد نوعي الوقف فلم يشترط له القبول كالنوع الآخر ولانه إزالة ملك تمنع البيع والهبة والميراث فلم يعتبر فيه قبول كالعتق والثاني يشترط لانه تبرع لآدمي معين فكان من شرطه القبول كالهبة والوصية يحققه أن الوصية إذا كانت لادمي معين وقفت على قبوله وان كانت لغير معين كالمساكين أو لمسجد أو نحوه لم تفتقر إلى قبول كذا هاهنا والاول أولى والفرق بينه وبين الهبة والوصية أو الوقف لا يختص المعين بل يتعلق به حق من يأتي من البطون في المستقبل فيكون الوقف على جميعهم الا أنه مرتب فصار بمنزلة الوقف

[ 201 ]

على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم ولا يقف على قبوله والوصية للمعين بخلافه وهذا مذهب الشافعي وإذا قلنا لا يفتقر إلى القبول لم يبطل بالرد كالعتق وإن قلنا يفتقر إلى القبول فرده بطل في حقه دون من بعده وصار كالوقف المنقطع الابتداء يخرج في صحته في حق من سواه وبطلانه وجهان بناء على تفريق الصفقة * (فصل) * إذا وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز فهو وقف منقطع الابتداء كالوقف على عبده وأم ولده أو مجهول فان لم يذكر له مآلا فالوقف باطل وكذلك ان جعل له مآلا لا يجوز الوقف عليه لانه أخل بأحد شرطي الوقف فبطل كما لو وقف ما لا يجوز وقفه، وإن جعل له مآلا يجوز الوقف عليه كمن يقف على عبده ثم على المساكين ففي صحته وجهان بناء على تفريق الصفقة، وللشافعي قولان كالوجهين، فإذا قلنا يصح وهو قول القاضي وكان من لا يجوز الوقف عليه لا يمكن اعتبار انقراضه كالميت والمجهول والكنائس صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه لاننا لما صححنا الوقف مع ذكر ما لا يجوز الوقف عليه فقد ألغيناه لتعذر التصحيح مع اعتباره، وان كان من لا يجوز الوقف عليه يمكن اعتبار انقراضه كأم ولده وعبد معين فكذلك ذكره أبو الخطاب وفيه وجه آخر أنه يصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع إلى أن ينقرض من لا يجوز الوقف عليه فإذا انقرض صرف إلى من يجوز ذكره القاضي وابن عقيل لان الواقف انما جعله وقفا على من يجوز بشرط انقراض هذا فلا يثبت بدونه، ويفارق ما لا يمكن اعتبار انقراضه لتعذر اعتباره ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين * (فصل) * فان كان الوقف صحيح الطرفين منقطع الوسط كمن وقف على ولده ثم على عبيده ثم على

[ 202 ]

المساكين خرج في صحة الوقف وجهان على ما نذكره في الوقف المنقطع الانتهاء، ثم ينظر فيما لا يجوز الوقف عليه فان لم يمكن اعتبار انقراضه ألغيناه إذا قلنا بالصحة وان أمكن اعتبار انقراضه فهل يعتبر أو يلغى؟ على وجهين كما تقدم، فان كان منقطع الطرفين صحيح الوسط كمن وقف على عبده ثم على اولاده ثم على الكنيسة خرج في صحته أيضا وجهان ومصرفه بعد من يجوز الوقف عليه إلى مصرف الوقف المنقطع * (مسألة) * (وان وقف على جهة تنقطع ولم يذكر له مآلا أو وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز أو قال وقفت وسكت انصرف بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى ورثة الواقف وقفا عليهم في احدى الروايتين، والاخرى إلى اقرب عصبته وهل يختص به فقراءهم؟ على وجهين، وقال القاضي في موضع يكون وقفا على المساكين) وجملة ذلك أن الوقف الذي لا اختلاف في صحته عند القائلين بصحة الوقف ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع مثل أن يجعل علي المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم، وان كان معلوم الانتهاء مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة ولم يجعل آخره للمساكين ولا لجهة غير منقطعة فهو صحيح أيضا وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي في أحد قوليه، وقال محمد بن الحسن لا يصح وهو القول الثاني للشافعي لان الوقف مقتضاه التأبيد فإذا كان منقطعا صار وقفا على مجهول فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء

[ 203 ]

ولنا أنه تصرف معلوم المصرف فصح كما لو صرح بمصرفه المتصل ولان الاطلاق إذا كان له عرف حمل عليه كنقد البلد وعرف الصرف ههنا أولى الجهات به فكأنه عينهم. إذا ثبت هذا فانه ينصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف وبه قال الشافعي إلا أنه قال يكون وقفا على أقرب الناس إلى الواقف الذكر والانثى فيه سواء، وعن أحمد أنه يصرف إلى المساكين اختاره القاضي والشريف أبو جعفر لانهم مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى من الكفارات ونحوها فإذا وجدت صدقة غير معينة الصرف انصرفت إليهم كما لو نذر صدقة مطلقة، وعن أحمد رواية ثالثة انه يجعل في بيت مال المسلمين لانه مال لا مستحق له فأشبه مال من لا وارث له وقال أبو يوسف يرجع إلى الواقف وإلى ورثته الا أن يقول صدقة موقوفة ينقق منها على فلان وفلان فإذا انقرض المسمى كانت على الفقراء والمساكين لانه جعلها صدقة على مسمى فلا تكون على غيره، ويفارق ما إذا كان ينفق منها على فلان وفلان فانه جعل الصدقة مطلقة. ولنا أنه أزال ملكه لله تعالى فلم يجز أن يرجع إليه كما لو أعتق عبدا، والدليل على صرفه إلى أقارب الواقف أنهم أولى الناس بصدقته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صدقتك على غير ذي رحمك صدقة وصدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة " وقال " انك ان تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " ولانهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات فكذلك صدقته المنقولة. إذا ثبت فانه يكون

[ 204 ]

للفقراء منهم والاغنياء في احدى الروايتين عن أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي لان الوقف لا يخص الفقراء ولانه لو وقف على أولاده تناول الاغنياء والفقراء كذا ههنا، وفيه وجه آخر أنه يختص الفقراء منهم لانهم أهل الصدقات دون الاغنياء ولاننا خصصنا الاقارب بالوقف لكونهم أولى الناس بالصدقة وأولى الناس بالصدقة الفقراء دون الاغيناء، واختلفت الرواية فيمن يستحق الوقف من أقرباء الواقف ففي احدى الروايتين يختص بالورثة منهم لانهم الذين صرف الله إليهم ماله بعد موته واستغنائه عنه فكذلك يصرف إليهم من ماله ما لم يذكر له مصرفا، فعلى هذا يكون بينهم على حسب ميراثهم ويكون وقفا عليهم نص عليه أحمد وذكره القاضي لان الوقف يقتضي التأبيد، وإنما صرفناه إلى هؤلاء لانهم أحق الناس بصدقته فيصرف إليهم مع بقائه صدقة ويحتمل أن يصرف إليهم على سبيل الارث على ما ذكره الخرقي ويبطل الوقف فيه كقول أبي يوسف والرواية الثانية يكون وقفا على أقرب غصبة الواقف دون بقية الوراث ودون البعيد من العصبات فيقدم الاقرب فالاقرب على حسب استحقاقهم لولاء الموالي لانهم خصوصا بالعقل عنه وبميراث مواليه فخصوا بهذا أيضا، قال شيخنا وهذا لا يقوى عندي فان استحقاقهم لهذا دون غيرهم من الناس لا يكون إلا بدليل من نص أو إجماع ولا نعلم فيه نصا ولا اجماعا ولا يصح قياسه على ميراث ولاء الموالي لان علته لا تتحقق ههنا، وأقرب الاقوال فيه صرفه إلى المساكين لانهم مصارف مال الله وحقوقه فان كان في أقارب الواقف مساكين كانوا أولى

[ 205 ]

به لا على سبيل الوجوب كما أنهم أولى بزكاته وصلاته مع جواز الصرف إلى غيرهم ولانا إذا صرفناه إلى أقاربه على سبيل التعيين فهي أيضا جهة منقطعة فلا يتحقق اتصاله الا بصرفه إلى المساكين فان لم يكن للواقف أقارب أو كان له أقارب فانقرضوا صرف إلى الفقراء أو المساكين وقفا عليهم لان القصد به الثواب الجاري عليه على وجه الدوام، وإنما قدمنا الاقارب على المساكين لكونهم أولى فإذا لم يكونوا فالمساكين أهل لذلك فصرف إليهم إلا على قول من قال انه يصرف إلى ورثة الواقف ملكا لهم فانه يصرف عند عدمهم إلى بيت المال لانه بطل الوقف فيه بانقطاعه فصار ميراثا لا وارث له فكان بيت المال أولى به (فصل) وان وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز كمن وقف على أولاده ثم على البيع صح الوقف أيضا ويرجع بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى من يصرف إليه الوقف المنقطع كالمسألة قبلها لان ذكر من لا يجوز الوقف عليه وعدمه واحد ويحتمل أن لا يصبح الوقف لانه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز فأشبه تفريق الصفقة (فصل) فان قال وقفت هذا وسكت أو قال صدقة موقوفة ولم يذكر سبيله فلا نص فيه وقال ابن حامد يصح الوقف قال القاضي هو قياس قول أحمد فانه قال في النذر المطلق ينعقد موجبا لكفارة اليمين وهو قول مالك والشافعي في أحد قوليه لانه إزالة ملك على وجه القربة فوجب أن يصح

[ 206 ]

مطلقا كالاضحية والوصية، ولو قال وصيت بثلث مالي صح وإذا صح صرف إلى مصارف الوقف المنقطع عند انقراض الموقوف عليه كما ذكرنا * (مسألة) * (وان قال وقفت داري سنة أو إلى يوم يقدم الحاج لم يصح في أحد الوجهين) لان مقتضى الوقف التأبيد وهذا ينافيه (والوجه الآخر) يصح لانه منقطع الانتهاء فهو كما لو وقف على منقطع الانتهاء فان قلنا يصح فهو كمنقطع الانتهاء يصرف إلى مصرف الوقف المنقطع الانتهاء (فصل) فان قال هذا وقف على ولدي سنة ثم على المساكين صح وكذلك ان قال وقف على ولدي مدة حياتي ثم هو بعد موتي للمساكين صح لانه وقف متصل الابتداء والانتهاء، وان قال وقف على المساكين ثم على أولادي صح ويكون وقفا على المساكين ويلغو قوله على أولادي لان المساكين لا انقراض لهم * (مسألة) * (ولا يشترط اخراح الوقف عن يده في إحدى الروايتين) ظاهر المذهب أن الوقف يزول به ملك الواقف ويلزم بمجرد اللفظ لان الوقف يحصل به وعن أحمد أنه لا يلزم الا بالقبض واخراج الوقف عن يده فانه قال الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره يوكل فيه من يقوم به اختاره ابن أبي موسى وهو قول محمد بن الحسن لانه تبرع بما لم يخرجه عن المالية فلم يلزمه بمجرده كالهبة والوصية

[ 207 ]

ولنا ما رويناه من حديث عمر ولانه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فيلزم بمجرده كالعتق، ويفارق الهبة فانها تمليك مطلق والوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة فهو بالعتق أشبه والحاقه به أولى. * (فصل) * قال رضي الله عنه (ويملك الموقوف عليه الوقف وعنه لا يملكه) ظاهر المذهب أن الملك ينتقل في الموقوف إلى الموقوف عليه قال أحمد إذا وقف داره على ولد أخيه صارت لهم وهذا يدل على أنهم ملكوه وروي عن أحمد أنه لا يملك فان جماعة نقلوا عنه فيمن وقف على ورثته في مرضه يجوز لانه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكا للورثة وإنما ينتفعون بغلتها وهذا يدل بظاهره على أنهم لا يملكون، ويحتمل أن يريد بقوله لا يملكون أي لا يملكون التصرف في الرقبة فان فائدة الملك وآثاره ثابتة في الوقف وعن الشافعي من الاختلاف نحو ما حكيناه وقال أبو حنيفة لا ينتقل الملك في الوقف اللازم بل يكون حق الله تعالى لانه إزالة ملك عن العين والمنفعة على وجه القربة بتمليك المنفعة فانتقل إلى الله تعالى كالعتق ولنا أنه سبب يزيل ملك الواقف وجه إلى من يصح تمليكه على وجه لم يخرج المال عن ماليته فوجب أن ينقل الملك إليه كالهبة والبيع ولانه لو كان تمليك المنفعة المجردة لم يلزم كالعارية والسكنى ولم يزل ملك الواقف عنه كالعارية، ويفارق العتق فانه أخرجه عن المالية وامتناع التصرف في الرقبة لا يمنع الملك كام الولد

[ 208 ]

* (مسألة) * (ويملك صوفه ولبنه وثمرته ونفعه) لانه نماء ملكه ولا نعلم في ذلك خلافا * (مسألة) * (وليس له وطئ الجارية فان فعل فلا حد عليه ولا مهر) لا يجوز للموقوف عليه وطئ الامة الموقوفة لانا لا نأمن حبلها فتنقص أو تتلف أو تخرج من الوقف بكونها أم ولد ولان ملكه ناقص فان وطئ فلا حد عليه للشبهة ولا مهر عليه لانه لو وجب لوجب له ولا يجب للانسان شئ على نفسه * (مسألة) * (وان ولدت فالولد حر) لانه من وطئ شبهه وعليه قيمته يوم الوضع يشترى بها عبد مكانه لانه فوت رقه وتصير آم ولد له لانه أحبلها بحر في ملكه فإذا مات عتقت وتجب قيمتها في تركته لانه أتلفها على من بعده من البطون فيشتري بها جارية تكون وقفا مكانها، وإن قلنا لا يملكها الموقوف عليه لم تصر أم ولد له بذلك لانها أجنبية * (مسألة) * (فان أعتقها لم ينفذ عتقه) لانه يتعلق به حق غيره ولان الوقف لازم فلا يمكن من إبطاله فان كان نصف العبد وقفا ونصفه طلقا فاعتق صاحب الطلق لم يسر عتقه إلى الوقف لانه إذا لم يعتق بالمباشرة فبالسراية أولى * (مسألة) * (وان وطئها أجنبي بشبهة فالولد حر)

[ 209 ]

لاعتقاده أنه يطأ في ملكه وإن كان الواطئ عبدا وعليه المهر لاهل الوقف لانه وطئ جاريتهم في غير ملك أشبه الامة المطلقة، وتجب قيمته لانه كان من سبيله أن يكون مملوكا فمنعه اعتقاد الحرية من الرق فوجبت قيمته يشتري بها عبدا يكون وقفا وتعتبر قيمته يوم تضعه حيا لانه لا يمكن تقويمه قبل ذلك وان وطئها مكرهة أو طاوعته فعليه الحد إذا انتفت الشبهة والمهر لاهل الوقف لانه وطئ جارية غيره ويكون ولدها وقفا معها لانه تبع لها * (مسألة) * (وان تلفت فعليه قيمتها يشترى بها مثلها) سواء أتلفها أجنبي أو الواقف كما لو أتلف غير الوقف، وان أتلفه الموقوف عليه فعليه قيمته أيضا يشترى بها مثله يقوم مقامه لانه لا يملك التصرف في رقبته انما له نفعه ويحتمل أن يملك الموقوف عليه قيمة الولد فيما إذا وطئها أجنبي بشبهة فأتت بولد ولا يلزمه قيمته ان أولدها لذلك * (مسألة) * (وله تزويج الامة وأخذ مهرها وولدها وقف معها ويحتمل أن يملكه) يجوز للموقوف عليه تزويج الامة الموقوفة لانه عقد على منفعتها أشبه الاجارة ولان الموقوف عليه لا يملك استيفاء هذه المنفعة فلا يتضرر بتمليك غيره إياها والمهر للموقوف عليه لانه بدل نفعها أشبه الاجرة، ويحتمل أن لا يجوز تزويجها لانه عقد على منفعتها في العمر فيفضى إلى تفويت منفعتها في حق البطن الثاني، ولان النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني فان طلبت التزويج وجب تزويجها لانه حق لها طلبته فنعينت

[ 210 ]

الاجابة إليه وما فات من الحق به يفوت تبعا لابقائها حقها فلا يكون مانعا من تزويجها كغير الموقوفة إذا طلبت ذلك وإذا زوجها فولدت من الزوج فولدها وقف معها لان ولد كل ذات رحم حكمه حكمها كأم الولد والمكاتبة ويحتمل أن يملك الموقوف عليه ولدها لانه من نمائها * (مسألة) * (وان جنى الوقف خطأ فالارش على الموقوف عليه ويحتمل أن يكون في كسبه) إذا جنى الوقف جناية موجبة للمال لم يتعلق أرشها برقبته لانه لا يمكن بيعها ويجب أرشها على الموقوف عليه لانه ملكه تعذر تعلق أرشه برقبته فكان على مالكه كجناية أم الولد ولا يلزمه أكثر من قيمته كأم الولد، فان قلنا إن الوقف لا يملك فالارش في كسبه لانه تعذر تعلقه برقبته لكونها لا تباع وبالموقوف عليه لانه لا يملكه فكان في كسبه كالحر، ويحتمل أن يكون في بيت المال كارش جناية الحر المعسر. قال شيخنا: وهذا احتمال ضعيف فان الجناية انما تكون في بيت المال في صورة تحملها العاقلة عند عدمها وجناية العبد لا تحملها العاقلة، وإن كان الوقف على المساكين فينبغي أن يكون الارض في كسبه لانه ليس له مستحق معين يمكن ايجاب الارش عليه ولا يمكن تعلقه برقبته فتعين في كسبه، ويحتمل أن يكون في بيت المال، وإن جني جناية توجب القصاص وجب سواء كانت على الموقوف عليه أو على

[ 211 ]

غيره، فان قتل بطل الوقف فيه وإن قطع كان باقيه وقفا كما لو تلف بفعل الله تعالى (فصل) وإن جني على الوقف جناية موجبة للمال وجب لان ماليته لم تبطل ولو بطلت ماليته لم يبطل ارش الجناية عليه فان الحر يجب ارش الجناية عليه فان قتل وجبت قيمته وليس للموقوف عليه العفو عنها لانه لا يختص بها ويشترى مثل المجني عليه يكون وقفا، وقال بعض الشافعية يختص الموقوف عليه بالقيمة إن قلنا انه يملك الموقوف لانها بدل ملكه ولنا انه ملك لا يختص به فلم يختص ببدله كالعبد المشترك والمرهون، وبيان عدم الاختصاص ظاهر فانه يتعلق به حق البطن الثاني فلم يجز إبطاله ولا نعلم قدر ما يستحق هذا منه فيعفو عنه فلم يصح العفو عن شئ منه كما لو أتلف رجل رهنا أخذت منه قيمته فجعلت رهنا ولم يصح عفو واحد منهما عنه، وإن كانت الجناية عمدا محضا من مكافئ له فالظاهر انه لا يجب القصاص لانه محل لا يختص الموقوف عليه فلم يجز أن يقتص من قاتله كالعبد المشترك، وقال بعض أصحاب الشافعي يكون ذلك إلى الامام فان قطعت يد العبد أو بعض أطرافه فله استيفاء القصاص لانه حق لا يشاركه فيه غيره، وان كان القطع لا يوجب القصاص أو يوجبه فعفا عنه وجب نصف قيمته، فان أمكن أن يشترى بها عبد كامل وإلا اشتري شقص من عبد * (مسألة) * (وإذا وقف على ثلاثة ثم على المساكين فمن مات منهم رجع نصيبه إلى الاخرين فإذا ماتا رجع إلى المساكين) لانه جعله لهم مشروطا بانقراض الثلاثة فوجب اتباع شرطه في ذلك

[ 212 ]

كسائر شروطه وكما لو وقف على ولده ثم على المساكين فانه لا يصرف إلى المساكين شئ من الوقف إلا بعد انقراض الولد كذا ههنا * (فصل) * قال رضي الله عنه (ويرجع إلى شرط الواقف في قسمه على الموقوف عليهم في التقديم والتأخير والجمع والترتيب والتسوية والتفضيل واخراج من شاء بصفة وادخاله بصفة وفي الناظر فيه والايقاف عليه وسائر أحواله لانه ثبت بوقفه فوجب أن يتبع فيه شرطه ولان ابتداء الوقف مفوض إليه فكذلك تفضيله وترتيبه، وكذلك إن شرط إخراج بعضهم بصفة ورده بصفة مثل أن يقول من تزوج منهم فله ومن فرق فلا شئ له أو عكس ذلك أو من حفظ القرآن فله ومن نسيه فلا شئ له، أو من اشتغل بالعلم فله ومن تركه فلا شئ له أو من كان على مذهب كذا فله ومن خرج منه فلا شئ له، وكذلك إن وقف علي أولاده على ان للانثى سهما وللذكر سهمين أو على حسب ميراثهم أو بالعكس أو على ان للكبير ضعف ما للصغير أو للفقير ضعف ما للغني أو عكس ذلك أو عين بالتفضيل واحدا معينا أو ولده أو ما أشبه هذا فهو على ما قال لما ذكرنا فكل هذا صحيح وهو على ما شرط، وقد روى هشام بن عروة ان الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا توهب وان للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها فان استغنت بزوج فلا حق لها في الوقف وليس هذا تعليقا للوقف بصفة بل وقف مطلق والاستحقاق له بصفة وكل هذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا

[ 213 ]

* (مسألة) * (فان لم يشرط ناظرا فالنظر للموقوف عليه وقيل للحاكم ينفق عليه من غلته) النظر في الموقف لمن شرطه الواقف لان عمر رضي الله عنه جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهلها، ولان مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف فكذلك النظر فان جعل النظر لنفسه جاز وإن جعله إلى غيره صح، فان لم يجعله إلى أحد أو جعله لانسان فمات فالنظر للموقوف عليه لانه ملكه يختص بنفعه فكان نظره إليه كملكه المطلق، ويحتمل أن ينظر فيه الحاكم اختاره ابن أبي موسى قال شيخنا ويحتمل أن يكون ذلك مبنيا على ان الملك فيه هل ينتقل إلى الموقوف عليه أو إلى الله تعالى فان قلنا هو للموقوف عليه فالنظر له فيه لانه يملك عينه ونفعه، وإن قلنا هو لله تعالى فالحاكم يتولاه ويصرفه إلى مصارفه لانه مال الله فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين كالوقف على المساكين. فأما الوقف على المساكين والمساجد ونحوها أو على من لا يمكن حصرهم واستيعابهم فالنظر فيه إلى الحاكم لانه ليس له مالك معين ينظر فيه وللحاكم أن يستنيب فيه لان الحاكم لا يمكنه تولى النظر بنفسه (فصل) ومتى كان النظر للموقوف عليه إما بجعل الواقف النظر له أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر سواه أو كان واحدا مكلفا رشيدا فهو أحق بذلك رجلا كان أو امرأة عدلا أو فاسقا لانه ينظر لنفسه فكان له ذلك في هذه الاحوال كملكه المطلق ويحتمل أن يضم إلى الفاسق أمين حفظا لاصل الوقف عن البيع والتضييع، وان كان الوقف لجماعة رشيدين فالنظر للجميع لكل انسان في حصته

[ 214 ]

فان كان الموقوف عليه صغيرا أو مجنونا أو سفيها قام وليه في النظر مقامه كملكه المطلق، وان كان النظر لغير الموقوف عليه بتولية الواقف أو الحاكم أو لبعض الموقوف عليهم لم يجز أن يكون إلا أمينا فان لم يكن أمينا لم تصح ولايته إن كانت من الحاكم وأزيلت يده، وإن ولاه الواقف وهو فاسق أو كان عدلا ففسق ضم إليه أمين لحفظ الوقف ولم تزل يده لانه أمكن الجمع بين الحقين، ويحتمل أن لا تصح تولية الفاسق وينعزل إذا فسق لانها ولاية على حق غيره فنافاها الفسق كما لو ولاه الحاكم وكما لو لم يكن حفظ الوقف منه مع بقاء ولايته فان يده تزال لان مراعاة حفظ الوقف أهم من ابقاء ولاية الفاسق عليه (فصل) ونفقة الوقف من حيث شرط الواقف لانه لما اتبع شرطه في مصرفه وجب اتباعه في نفقته فان لم يكن شرطه فمن غلته لان الوقف اقتضى تحبيس أصله وتسبيل نفعه ولا يحصل ذلك إلا بالانفاق عليه فهو من ضرورته، وكذك عمارة الوقف قياسا على نفقته فان تعطلت منافع الحيوان الموقوف فنفقته على الموقوف عليه لانه ملكه ويحتمل وجوبها في بيت المال ويجوز بيعه على ما نذكره * (مسألة) * (وان وقف على ولده ثم على المساكين فهو لولده الذكور والاناث والحبالى بالسوية) وكذلك إن قال وقفت على أولادي أو على ولد فلان لانه شرك بينهم وإطلاق التشريك يقتضي التسوية كما لو أقر لهم بشئ وكولد الام في الميراث حين شرك الله تعالى بينهم فيه فقال (فهم شركاء في الثلث) تساووا فيه ولم يفضل بعضهم على بعض وليس كذك في ميراث ولد الابوين وولد الاب

[ 215 ]

فان الله تعالى قال (فان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين) ولا نعلم في هذا خلافا * (مسألة) * (ولا يدخل فيه ولد البنات وهل يدخل فيه ولد البنين؟ على روايتين) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه ما يدل عى انه يكون وفقا على أولاده وأولاد بنيه الذكور والاناث ما لم تكن قرينة تصرفه عن ذلك دون أولاد البنات. قال المروذي: قلت لابي عبد الله ما تقول في رجل وقف ضيعة على ولده فمات الاولاد وتركوا النسوة حوامل؟ فقال كل ما كان من أولاد الذكور بنات كن أو بنين فالضيعة موقوفة عليهم وما كان من أولاد البنات فليس لهم فيه شئ لانهم من رجل آخر، ووجه ذلك ان الله تعالى لما قال (يوصيكم الله في أولادكم) دخل فيه ولد البنين وإن سفلوا، ولما قال (ولابويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد) تناول ولد البنين فالمطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينه ينبغي أن يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ويفسر بما يفسر به ولان ولد الولد ولد بدليل قوله تعالى (يا بني آدم، ويا بني اسرائيل) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " ارموا يا بني اسماعيل فان أباكم كان راميا " وقال " نحن بنو النضر بن كنانة " ولانه لو وقف على ولد فلان وهم قبيلة دخل فيه ولد البنين فكذلك إذا لم يكونوا قبيلة (والرواية الثانية) لا يدخل فيه ولد الولد بحال وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات اختاره القاضي وأصحابه لان الولد حقيقة وعرفا انما هو ولده لصلبه وانما سمي ولد الولد ولدا مجازا ولهذا يصح نفيه فيقال ما هذا ولدي

[ 216 ]

انما هو ولد ولدي. فأما ولد البنات فلا يدخلون بغير خلاف لانهم لم يدخلوا في قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الاباعد (فصل) فان قال على ولد ولدي لصلبي فهو آكد في اختصاصه بالولد دون ولد الولد، وإن قال على ولدي وولد ولدى ثم على المساكين دخل فيه البطن الاول والثاني ولم يدخل فيه البطن الثالث وإن قال على ولدي وولد ولدي ولد ولد ولدي دخل فيه ثلاثة بطون دون من بعدهم، وموضع الخلاف المطلق، فأما مع وجود دلالة تصرف إلى أحد المحملين فانه يصرف إليه بغير خلاف، مثل أن يقول على ولد فلان وهم قبيلة ليس فيهم ولد من صلبه أو قال ويفضل الولد الاكبر أو الافضل أو الاعلم على غيرهم أو قال فإذا خلت الارض من عقبي عاد إلى المساكين أو قال على ولد ولدي غير ولد البنات أو غير ولد فلان أو قال يفضل البطن الاعلى على الثاني أو قال الاعلى فالاعلى وأشباه ذلك فهذا يصرف لفظه إلى جميع نسله وعقبته، فان اقترنت به قرينة تقتضي تخصيص أولاده لصلبه بالوقف مثل أن يقول على ولدي لصلبي أو الذين يلونني ونحو هذا فانه يختص بالبطن الاول دون غيرهم، وإذا قلنا بتعميمهم اما بالقرينة واما لقولنا ان المطلق يقتضي التعميم ولم يكن في لفظه ما يقتضي تشريكا ولا ترتيبا احتمل ان يكون بين الجميع على التشريك لانهم دخلوا في اللفظ دخولا واحدا فوجب أن يشتركوا

[ 217 ]

فيه كما لو أقر لهم بدين، ويحتمل أن يكون على الترتيب على حسب الترتيب في الميراث، وهذا ظاهر كلام أحمد لقوله فيمن وقف على ولد علي بن اسماعيل ولم يقل ان مات ولد علي بن اسماعيل دفع إلى ولد ولده فمات ولد علي بن اسماعيل وترك ولدا فقال ان مات ولد علي بن اسماعيل: دفع إلى ولده أيضا لان هذا من ولد علي بن اسماعيل فجعله لولد من مات من ولد على بن اسماعيل عند موت أبيه وذلك لان ولد البنين لما دخلوا في قول الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) لم يستحق ولد البنين شيئا مع وجود آبائهم واستحقوا عند فقدهم كذا ههنا فأما ان وصى لولد فلان وهم قبيلة فلا ترتيب ويستحق الاعلى والاسفل على كل حال (فصل) وان رتب فقال وقفت هذا على ولدي وولد ولدي ما تناسلوا وتعاقبوا الاعلى فالاعلى والاقرب فالاقرب أو الاول فالاول أو البطن الاول ثم البطن الثاني أو على أولادي ثم على أولاد أولادي أو على اولادي فإذا انقرضوا فعلى أولاد أولادي فعلى هذا الترتيب لا يستحق البطن الثاني شيئا حتي ينقرض البطن الاول كله ومتى بقي واحد من البطن الاول كان الجميع له لان الوقف ثبت بقوله فيتبع مقتضى كلامه وان قال على أولادي وأولادهم ما تعاقبوا وتناسلوا على أنه من مات منهم عن ولد كان ما كان جاريا عليه جاريا على ولده كان دليلا على الترتيب لانه لو اقتضى التشريك لا اقتضى

[ 218 ]

التسوية ولو جعلنا لولد الولد سهما مثل سهم أبيه ثم دفعنا إليه سهم أبيه صار له سهمان ولغيره سهم وهذا ينافي التسوية ولانه يفضي إلى تفضيل ولد الابن على الابن والظاهر من إرادة الواقف خلاف هذا فإذا ثبت الترتيب فانه يترتب بين كل والد وولده وإذا مات عن ولد انتقل إلى ولد سهمه سواء بقي من البطن الاول أحد أو لم يبق (فصل) وان رتب بعضهم دون بعض فقال وقفت على ولدي وولد ولدي ثم على أولادهم أو على أولادي ثم على أولاد أولادي وأولادهم ما تناسلوا وتعاقبوا أو قال على أولادي وأولاد أولادي ثم على أولادهم وأولاد اولادهم ما تناسلوا فهو على ما قال من شرك بينهم بالواو المقتضية للجمع والتشريك ويرتب من رتبه بحرف الترتيب ففي المسألة الاولى يشترك الولد وولد الولد فإذا انقرضوا صار لمن بعدهم وفي الثانية يختص به الولد فإذا انقرضوا صار مشتركا بين من بعدهما وفي الثالثة يشترك فيه البطنان الاولان دون غيرهم فإذا انقرضوا اشترك فيه من بعدهم (فصل) فان قال وقفت على اولادي ثم على أولاد أولادي على أنه من مات من أولادي عن ولد فنصيبه لولده أو فنصيبه لاخوته أو لولد ولده أو لولد أخيه أو لاخواته أو لولد اخواته فهو على ما شرطه، وان قال: ومن مات منهم عن ولد فنصيبه لولده ومن مات منهم عن غير ولد فنصيبه لاهل الوقف وكان له ثلاثة بنين فمات أحدهم عن ابنين انتقل نصيبه اليهما ثم مات الثاني عن

[ 219 ]

غير ولد فنصيبه لاخيه وابني أخيه بالتسوية لانهم أهل الوقف فان مات أحد ابني الابن عن غير ولد انتقل نصيبه إلى أخيه وعمه لانهما أهل الوقف، ولو مات أحد البنين الثلاثة عن غير ولد وخلف اخويه وابني أخ له فنصيبه لاخويه دون ابني أخيه لانهما ليسا من أهل الوقف ما دام أبوهما حيا فادا مات أبوهما صار نصيبه لهما فإذا مات الثالث كان نصيبه لابني أخيه بالتسوية ان لم يخلف ولدا فان خلف ابنا واحدا فله نصيب أبيه وهو النصف ولابني عمه النصف بينهما نصفين، وان قال: من مات منهم عن غير ولد كان ما كان جاريا عليه جاريا على من هو في درجته وكان الوقف مرتبا بطنا بعد بطن كان نصيب الميت عن غير ولد لاهل البطن الذي هو منه وان كان مشتركا بين البطون كلها احتمل أن يكون نصيبه بين جميع أهل الوقف لانهم في استحقاق الوقف سواء فكانوا في درجته من هذه الجهة ولاننا لو صرفنا نصيبه إلى بعضهم أفضى إلى تفضيل بعضهم على بعض والتشريك يقتضي التسوية فعلى هذا يكون وجود هذا الشرط كعدمه لانه لو سكت عنه كان الحكم كذلك ويحتمل أن يعود نصيبه إلى سائر البطن الذي هو منه لانهم في درجته في القرب إلى الحد الذي يجمعهم ويستوي في ذلك اخوته وبنو عمه وبنو عم أبيه لانهم سواء في القرب ولاننا لو شركنا بين أهل الوقف كلهم في نصيبه لم يكن في هذا الشرط فائدة والظاهر أنه قصد سببا يفيد فعلى هذا إن لم يكن في درجته أحد بطل هذا الشرط وكان الحكم فيه كما لو لم يذكره وان كان الوقف على البطن الاول على أنه من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده ومن مات عن غير ولد انتقل نصيبه إلى من في درجته ففيه ثلاثة اوجه:

[ 220 ]

(أحدهما) أن يكون نصيبه بين أهل الوقف كلهم يتساوون فيه سواء كانوا من بطن واحد أو من بطون وسواء تساوت انصباؤهم في الوقف أو اختلفت لما ذكرنا من قبل (والثاني) أن يكون لاهل بطنه سواء كانوا من أهل الوقف أو لم يكونوا مثل أن يكون البطن الاول ثلاثة فمات أحدهم عن ابن ثم مات الثاني عن ابنين فمات أحد الابنين وترك أخاه وابن عمه وعمه وابنا لعمه الحي فكيون نصيبه بين أخيه وابني عمه (والثالث) أن يكون لاهل بطنه من اهل الوقف فيكون على هذا لاخيه وابن عمه الذي مات أبوه، فان كان في درجته في النسب من ليس من أهل الاستحقاق بحال كرجل له أربعة بنين وقف على ثلاثة منهم على هذا الوجه المذكور وترك الرابع فمات أحد الثلاثة عن غير ولد لم يكن للرابع فيه شئ لانه ليس من أهل الاستحقاق فأشبه ابن عمهم (فصل) وإن وقف على بنيه وهم ثلاثة على ان من مات من فلان وفلان وأولادهم عن ولد فنصيبه لولده وإن مات فلان فنصيبه لاهل الوقف فهو على ما شرط، وكذلك إن كان بنون وبنات فقال: من مات من الذكور فنصيبه لولده، ومن مات من البنات فنصيبها لاهل الوقف فهو على ما قال، وإن قال على أولادي على أن يصرف إلى البنات منه ألف والباقي للبنين لم يستحق البنون شيئا حتى يستوفي البنات الالف لانه جعل للبنات مسمى وجعل للبنين الفاضل عنه والحكم فيه على ما قال لانه

[ 221 ]

جعل البنات كذوي الفروض وجعل البنين كالعصبات الذين لا يستحقون إلا ما فضل عن ذوي الفروض (فصل) فان كان له ثلاثة بنين فقال وقفت على ولدي فلان وفلان وعلى ولد ولدي كان الوقف على الابنين المسمين وعلى أولادهما وأولاد الثالث ولا شئ للثالث، وقال القاضي يدخل الثالث في الوقف وذكر أن أحمد قال في رجل قال: وقفت هذه الضيعة على ولدي فلان وفلان وعلى ولد ولدي وله ولد غير هؤلاء قال يشتركون في الوقف واحتج القاضي بأن قوله ولدي يستغرق الجنس فيعم الجميع وقوله فلان وفلان تأكيد لبعضهم ولا يوجب اخراج بقيتهم كالعطف في قوله (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) ولنا انه أبدل بعض الولد من اللفظ المتناول للجميع فاختض بالبعض المبدل كما لو قال على ولدي فلان وذلك لان بدل البعض يوجب اختصاص الحكم به كقول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) لما خص المستطيع بالذكر اختص الوجوب به، ولو قال ضربت زيدا رأسه أو رأيت زيدا وجهه اختص الضرب بالرأس والرؤية بالوجه، ومنه قول القائل: طرحت الثياب بعضها فوق بعض، فان الفوقية تختص بالبعض مع عموم اللفظ الاول كذا ههنا وفارق العطف فان عطف الخاص على العام يقتضي تأكيده لا تخصيصه وكلام أحمد: هم شركاء يحتمل أن يعود إلى أولاد أولاده أي يشترك أولاد الموقوف عليهما وأولاد غيرهم لعموم لفظ الواقف فيهم ويتعين حمل كلامه عليه لقيام

[ 222 ]

الدليل عليه، ولو قال على ولدي فلان وفلان ثم على المساكين خرج فيه من الخلاف مثل ما ذكرنا قال شيخنا ويحتمل أن يدخل في الوقف ولد ولده لاننا قد ذكرنا من قبل ان ظاهر كلام أحمد أن قوله وقفت على ولد ولدي يتناول نسله وعاقبته كلها (فصل) ومن وقف على أولاده أو أولاد غيره وله حمل لم يستحق شيئا قبل انفصاله لانه لم تثبت له أحكام الدنيا قبل انفصاله، وقال أحمد في رواية جعفر بن محمد فيمن وقف نخلا على قوم ما توالدوا ثم ولد مولود: فان كانت النخل قد أبرت فليس له فيه شئ وهي للاول، وإن لم تكن قد أبرت فهو مفهم، وانما قال ذلك لانها قبل التأبير تتبع الاصل في البيع وهذا الموجود يستحق نصيبه من الاصل فتتبعه حصته من الثمرة كما لو اشترى ذلك النصيب من الاصل وبعد التأبير لا تتبع الاصل ويستحقها من كان له الاصل فكانت للاول لان الاصل كان كله له فاستحق ثمرته كما لو باع هذا النصيب منها ولم يستحق المولود منها شيئا كالمشتري وهكذا الحكم في سائر الثمر الظاهر على الشجر لا يستحق المولود منها شيئا ويستحق مما ظهر بعد ولادته، وان كان الوقف أرضا فيها زرع يستحقه البائع فهو للاول، وان كان مما يستحقه المشتري فللمولود حصته منه لان المولود يتجدد استحقاقه للاصل كتجدد ملك المشتري فيه * (مسألة) * (وان وقف على عقبه أو ولد ولده أو ذريته أو نسله دخل فيه ولد البنين بغير خلاف علمناه)

[ 223 ]

وأما ولد البنات فقال الخرقي لا يدخلون فيه وقد قال أحمد فيمن وقف على ولده: ما كان من ولد البنات فليس لهم فيه شئ فهذا النص يحتمل أن يعدى إلى هذه المسألة ويحتمل أن يكون مقصودا فيمن وقف على ولده ولم يذكر ولد ولده وممن قال لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي على أولاده وأولاد أولاده مالك ومحمد بن الحسن، وكذلك إذا قال على ذريته ونسله وروي عن أحمد أنهم يدخلون في الوصية وذهب إليه بعض أصحابنا وهذا مثله وقال أبو بكر وابن حامد يدخل فيه ولد البنات وهو مذهب الشافعي وأبي يوسف لان البنات أولاده فأولادهن أولاد أولاده حقيقة فيجب أن يدخلوا في اللفظ لتناوله لهم بدليل قوله تعالى (ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان) إلى قوله (وعيسى) وهو ولد بنته فجعله من ذريته ولذلك ذكر الله تعالى قصة ابراهيم وعيسى وموسى واسماعيل وادريس ثم قال (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ابراهيم واسرائيل) وعيسى معهم ولما قال الله تعالى (وحلائل أبنائكم) دخل في التحريم حلائل أبناء البنات وقال النبي صلى الله عليه وسلم للحسن " ان ابني هذا سيد " ووجه الرواية الاولى أنهم لم يدخلوا في قول الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) ولانه لو وقف على ولد فلان وقد صاروا قبيلة دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات وكذلك قبل أن يصيروا قبيلة لان ولد البنات منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم قال الشاعر بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الاباعد

[ 224 ]

وقولهم انهم أولاده أولاده حقيقة قلنا لانهم ينتسبون إلى الواقف عرفا وكذلك لو قال أولاد أولادي المنتسبين الي لم يدخلوا في الوقف ولان ولد الهاشمية من غير الهاشمي ليس بهاشمي ولا ينتسب إلى أبيها وأما عيسى عليه السلام فلم يكن له نسب ينسب إليه فنسب إلى الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن " ان ابني هذا سيد مجاز بالاتفاق " بدليل قول الله تعالى (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) والقول بأنهم يدخلون يصح وأقوى دليلا لانهم أولاد أولاده حقيقة فأما قياسهم على ما إذا كانوا قبيلة فيفارق ما إذا وقف على ولد فلان وليسوا قبيلة لانه لو وقف على بني فلان وهم قبيلة دخل فيه البنات بخلاف ما إذا وقف على بني انسان حي أو ميت وليسوا قبيلة وقياسهم على ما إذا قال وقفت على ولد ولدي المنتسبين إلي لا يصح لانهم خرجوا من الوقف لكونهم لا ينتسبون وباقي الادلة ضعيفة جدا * (مسألة) * (فان قال على ولد ولدي لصلبي أو المنتسبين إلي لم يدخل ولد البنات) والخلاف إنما هو إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحد الامرين فأما إن وجد ما يصرف اللفظ إلى أحدهما انصرف إليه فلو قال على أولادي وأولاد أولادي على أن لولد البنات سهما ولولد البنين سهمين أو قال فإذا خلت الارض ممن يرجع نسبه إلي من قبل أب أو أم كان للمساكين أو كان البطن الاول من أولاده الموقوف عليهم كلهم بنات ونحو هذا ما يدل على ارادة ولد البنات بالوقف دخلوا في الوقف وان قال على أولادي وأولاد أولادي المنتسبين أو غير ذوي الارحام أو نحو ذلك لم يدخل

[ 225 ]

فيه ولد البنات وان قال على ولدي فلان وفلانة وفلانة وأولادهم دخل فيه ولد البنات وكذلك ان قال على أن من مات منهم عن ولد فنصيبه لولده وان قال الهاشمي وقفت على أولادي وأولاد أولادي الهاشمين لم يدخل في الوقف من أولاد بناته من كان غير هاشمي فأما من كان هاشميا من غير أولاد بنيه فهل يدخلون؟ على وجهين (أولهما) أنهم يدخلون لانه اجتمع فيهم الصفتان جميعا كونهم من أولاد أولاده وكونهم هاشميين (والثاني) لا يدخلون لانهم لم يدخلوا في مطلق أولاد أولاده فأشبه ما لو لم يقل الهاشمين وان قال على أولادي وأولاد أولادي ممن ينتسب إلى قبيلتي فكذلك (فصل) والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم للذكر مثل حظ الانثيين وقال القاضي المستحب التسوية بين الذكر والانثى لان القصد القربة على وجه الدوام وقد استووا في القرابة ولنا أنه إيصال للمال إليهم فينبغي أن يكون بينهم على حسب الميراث كالعطية ولان الذكر في مظنة الحاجة أكثر من الانثى لان كل واحد منهما في العادة يتزوج ويكون له الولد فالذكر تجب عليه نفقة امرأته وأولاده والمرأة ينفق عليها زوجها ولا تلزمها نفقة أولادها وقد فضل الله تعالى االذكر على الانثى في الميراث على وفق هذا المعنى فيصح تعليله به ويتعدى إلى الوقف والعطايا والصلات وما ذكره

[ 226 ]

القاضي لا أصل له وهو ملغي بالميراث والعطية وإن خالف فسوى بين الذكر والانثى أو فضلها عليه أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض أو خص بعضهم بالوقف دون بعض فقال احمد في رواية محمد بن الحكم ان كان على طريق الاثرة فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة يعني فلا بأس به. ووجه ذلك أن الزبير خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته وعلى قياس قول احمد لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضا لهم على طلبه، أو ذا الدين دون الفساق أو المريض أو من له فضيلة من أجل فضيلته فلا بأس وقد دل على ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا دون بسائر ولده وحديث عمر أنه كتب (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث ان ثمغا وصرمة بن الاكوع لعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه الذي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالواد تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى لا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه رواه أبو داود فيه دليل على تخصيص حفصة دون اخوتها وأخواتها * (مسألة) * (وان وقف على بنيه أو بني فلان فهو للذكور خاصة دون الاناثي والخناثي عند المجهور) وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال الحسن واسحق وأبو ثور هو للذكر والانثي جميعا لانه لو وقف على

[ 227 ]

بني فلان أو أوصى لهم وهم قبيلة دخل فيه الذكر والانثى وقال الثوري ان كانوا ذكورا وإناثا فهو بينهم وإن كن بنات لا ذكر معهن فلا شئ لهن لانه متى اجتمع الذكور والاناث غلب لفظ التذكير ودخل فيه الاناث كلفظ المسلمين ولنا أن لفظ البنين يختص الذكور قال الله تعالى (أصطفى البنات على البنين) وقال تعالى (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين؟) وقال تعالى (زين الله للناس حب الشهوات من النساء والبنين) وقال تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وقد أخبر أنهم لا يشتهون البنات فقال (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) وانما دخلوا في الاسم إذا صاروا قبيلة لان الاسم نقل فيهم عن الحقيقة إلى العرف ولهذا تقول المرأة انا من بني فلان إذا انتسبت إلى القبيلة ولا تقول ذلك إذا انتسبت إلى ابيها، فاما ان رقف على بناته أو وصى لهن دخل فيه البنات دون غيرهن ولا يدخل فيهن الخنثى المشكل لانه لا يعلم كونه انثى لا نعلم في ذلك خلافا * (مسألة) * الا ان يكونوا قبيلة فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم أما إذا وقف على بنى فلان أو ولد فلان وهم قبيلة كبني هاشم وتميم فانه يدخل فيه الذكر والانثى والخنثي ويدخل ولد الرجل معه ولا يدخل فيه ولد بناتهم من غيرهم لان اسم القبيلة يشتمل ذكرها وانثاها قال الله تعالى (يا بني آدم - ولقد كرمنا بني آدم) يريد الجميع وروي ان جواري بني النجار ولمن نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار ويقال امرأة من بنى هاشم ولا يدخل ولد البنات فيهم لانهم لا ينتسبون إلى القبيلة.

[ 228 ]

* (مسألة) * (وان وقف على قرابته أو قرابة فلان فهو للذكر والانثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى) وجملة ذلك ان الرجل إذا وقف على قرابته أو قرابة فلان صرف الوقف إلى الذكر والانثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه ويستوي فيه الذكر والانثى ولا ينصرف إلى من هو أبعد منهم شئ لان الله تعالى لما قال (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى) يعني قربى النبي صلى الله عليه وسلم أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أولاده وأولاد عبد المطلب وأولاد هاشم ذكرهم وأنثاهم ولم يعط من هو أبعد منهم كبني عبد شمس وبني نوفل شيئا الا أنه أعطى بني المطلب بن عبد مناف وعلل عطيتهم بانهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام ولم يعط قرابة أمه وهم بنو زهرة شيئا ولم يعط منهم الا مسلما فحمل مطلق كلام الوقف على ما حمل عليه المطلق من كلام الله تعالى وفسر بما فسر به ويسوي بين قريبهم وبعيدهم وذكرهم وأنثاهم لان اللفظ يشملهم وبين الكبير والصغير والغني والفقير لذلك ولا يدخل فيه الكفار لانهم لم يدخلوا في المستحق من قربى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا اختيار الخرقي وقد نقل عبد الله وصالح عن أبيهما رواية أخرى أنه يصرف إلى قرابة أمه ان كان يصلهم في حياته كاخوته من أمه وأخواله وخالاته، وان كان لا يصلهم في حياته لم يعطوا شيئا لان صلته إياهم في حياته قرينة دالة على ارادتهم بصلته هذه

[ 229 ]

وعنه رواية ثالثة أنه يجاوز بها أربعة آباء ذكرها ابن أبي موسى في الارشاد وهي تدل على أن لفطه لا يتقيد بالقيد الذي ذكرناه فعلى هذا يعطي كل من يعرف بقرابته من قبل أبيه وأمه الذين ينتسبون إلى الاب الادنى، وهذا مذهب الشافعي لانهم قرابة فيتناولهم الاسم ويدخلون في عمومه واعطاء النبي صلى الله عليه وسلم بعض قرابته تخصيصا لا يمنع من العمل بالعموم في غير هذا الموضع وقال أبو حنيفة قرابته كل ذي رحم محرم فيعطي من أدناهم اثنان فصاعدا فإذا كان له عم وخالان أعطى عمه النصف وخاليه النصف. هكذا روي عنه فيما إذا أوصى لقرابته. وقال قتادة: للاعمام الثلثان وللاخوال الثلث وهو قول الحسن، قال ويزاد الاقرب بعض الزيادة، وقال مالك يقسم على الاقرب فالاقرب بالاجتهاد ولنا أن هذا له عرف في الشرع وهو ما ذكرناه فيجب حمله عليه وتقديمه على العرف اللغوي كالوضوء والصلاة والصوم والحج ولا وجه لتخصيصه بذي الرحم المحرم فان اسم القرابة يقع على غيرهم عرفا وشرعا وقد يحرم على الرجل ربيبته وأمهات نسائه ولا قرابة لهم وتحل له ابنة عمه وخاله وهن من أقاربه وما ذكروه من التفضيل لا يقتضيه اللفظ ولا يدل عليه دليل فالمصير إليه تحكم. فأما ان كان في لفظه ما يدل على ارادة قرابة أمه كقوله وتفضل قرابتي من جهة أبي على قرابتي من جهة أمي أو قوله إلا ابن خالتي فلانا أو نحو ذلك أو قرينة تخرج بعضهم عمل بما دلت عليه القرينة لانها تصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره

[ 230 ]

* (مسألة) * (وأهل بيته بمنزلة قرابته وقال الخرقى بعطى من قبل أبيه وأمه) المنصوص عن احمد رحمه الله ان أهل بيته بمنزلة قرابته فانه قال في رواية عبد الله إذا أوصى بثلث ماله لاهل بيته فهو بمثابة قوله لقرابتي، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وقال أحمد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة لي ولاهل بيتي " فجعل سهم ذوي القربى لهم عوضا عن الصدقة التي حرمت عليهم فكان ذوي القربى الذين سماهم الله تعالى هم اهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة وذكر حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أذكركم الله في اهل بيتي " قال قلنا من أهل بيته نساؤه؟ قال لا أصله وعشيرته الذين حرمت عليهم الصدقة بعده آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال القاضي قال ثعلب أهل البيت عند العرب آباء الرجل واولادهم كالاجداد والاعمام وأولادهم ويستوي فيه الذكور والاناث وذكر القاضي أن اولاد الرجل لا يدخلون في اسم القرابة والا أهل بيته وليس هذا بشئ فان ولد النبي صلى الله عليه وسلم من اهل بيته واقاربه الذين حرموا الصدقة وأعطوا من سهم ذي القربى وهم أقرب أقاربه فكيف لا يكونون من أقاربه؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وولديها وزوجها " اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " ولو وقف على أقارب رجل أو وصى لاقاربه دخل فيه وولده بغير خلاف علمناه والخرقي قد عدهم في القربة بقوله لا يجاوز به اربعة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي

[ 231 ]

القربى فجعل؟؟؟؟؟ الاب الرابع ولا يكون رابعا الا ان يعد النبي صلى الله عليه وسلم ابا لان هاشما انما هو رابع النبي صلى الله عليه وسلم ووجه قول الخرقى ان امه من اهل بيته فكذلك اقاربها من اولادها وابويها واخوتها واخواتها * (مسألة) * (وقومه ونسباؤه كقرابته لان قوم الرجل قبيلته وهم نسباؤه) قال الشاعر: فقلت لها أما رفيقي فقومه تميم * وأما أسرتي فيمان وقال أبو بكر هو بمثابة أهل بيته لان أهل بيته أقاربه وأقاربه قومه ونسباؤه وقال القاضي إذا قال لرحمي أو لارحامي أو لنسبائي أو لمناسبي صرف إلى قرابته من قبل أبيه وأمه ويتعدى ولد الاب الخامس فعلى هذا يصرف إلى كل من يرث بفرض أو تعصيب أو بالرحم في حال من الاحوال قال شيخنا وقول أبي بكر في المناسبين أولى من قول القاضي لان ذلك في العرف على من كان من العشيرة التي ينتسبان إليها وإذا كان كل واحد منهما ينتسب إلى قبيلة غير قبيلة صاحبه فليس بمناسب له. (فصل) وآله مثل قرابته فان في بعض الفاظ حديث زيد بن أرقم من آل رسول صلى الله عليه وسلم؟ قال أصله وعشيرته الذين حرموا الصدقة بعده آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل والاصل في آل أهل فقلبت الهاء همزة كما قالو هرقت الماء وارقته ومدت لئلا يحتمع همزتان

[ 232 ]

* (مسألة) * (والعترة هم العشيرة الادنون في عرف الناس وولده الذكور والاناث وإن سفلوا فسره ابن قتيبة وقد توقف أحمد في ذلك وقال ثعلب وابن الاعرابي العترة الاولاد وأولاد الاولاد ولم يدخلا في ذلك العشيرة والاول أصح وأشهر في عرف الناس ووجه الاول قول أبي بكر رضي الله عنه في محفل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيضته التي تفقأت عنه فلم ينكره أحد وهم أهل اللسان فلا يعول على ما خالفه * (مسألة) * (وذوو رحمه كل قرابة له من جهة الآباء والامهات) قال القاضي ينصرف إلى قرابته من جهة أبيه وأمه ويتعدى ولد الاب الخامس وقد ذكرنا ذلك في مسألة القوم والنسباء * (مسألة) * (والايامى والعزاب من لا زوج له من الرجال والنساء) ذكره أصحابنا قال شيخنا ويحتمل أن يختص اسم الايامى النساء اللاتي لا أزواج لمن قال الله تعالى (وأنكحوا الايامى منكم) وفي الحديث " أعوذ بالله من بوار الايم " ووجه الاول ما روى سعيد بن المسيب أنه قال: آمت حفصة بنت عمر من زوجها وآم عثمان من رقية قال الشاعر: فان تنكحي انكح وان تتأيمي * وان كنت أفتى منك أنايم وقول شيخنا أولى لان العرف يختص النساء بهذا الاسم والحكم للاسم العرفي ولان قول النبي

[ 233 ]

صلى الله عليه وسلم " أعوذ بالله من بوار الايم " انما أراد به النساء وأما العزاب فهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء يقال رجل عزب وامرأة عزبة قاله ثعلب وانما سمي عزبا لانفراده ويحتمل أن يختص الايامى بالنساء والعزاب بالرجال ولذلك يقال امرأة أيم بغير هاء ولا يقال أيمة ولو كان الرجل مشاركا لها لقيل أيم وأيمة مثل قائم وقائمة ولان العرف ان العزب يختص بالرجل * (مسألة) * (فأما الارامل فهن النساء اللاتي فارقهن ازواجهن بموت أو غيره قال أحمد في رواية حرب وقد سئل عن رجل وصى لارامل بني فلان فقال قد اختلف الناس فيها فقال قوم للرجال والنساء والذي يعرف من كلام الناس أن الارامل النساء وقال الشعبي واسحق هو للرجال والنساء وانشد هذي الارامل قد قضيت حاجتها * فمن لحاجة هذا الارمل الذكر؟ وقال آخر أحب أن اصطاد ضبا سحبلا * رعى الربيع والشتاء أرملا ووجه الاول أن المعروف من كلام الناس أنه للنساء فلا يحمل اللفظ الا عليه ولان الارامل جمع أرملة فلا يكون جمعا للذكر لان ما يختلف لفظ الذكر والانثى في واحده يختلف في جمعه وقد أنكر ابن الانباري على قائل القول الاول وخطأه فيه والشعر الذي احتج به حجة عليه فانه لو كان لفظ

[ 234 ]

الارامل يشمل الذكر والانثى لقال حاجتهم إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن اللفظ متى كان للذكر والانثى ثم رد عليه ضمير غلب فيه لفظ التذكير وضميره فلما رد الضمير على الاناث علم أنه موضع لهن على الانفراد وسمي نفسه أرملا تجوزا وتشبيها بهن ولذلك وصف نفسه بانه ذكر وكذلك الشعر الآخر ويدل على ارادة المجاز أن اللفظ عند اطلاقه لا يفهم منه الا النساء ولا يسمى به في العرف غيرهن وهذا دليل على أنه لم يوضع لغيرهن، ثم لو ثبت أنه في الحقيقة للنساء والرجال لكن أهل العرف قد خصوا به النساء وتركت الحقيقة حتى صارت مهجورة لا تفهم من لفظ المتكلم ولا يتعلق بها حكم كسائر الالفاظ العرفية (فصل) وان وقف على اخواته فهو للاناث خاصة وان وقف على اخوته دخل فيه الذكر والانثى جميعا لان الله تعالى قال (وان كانوا اخوة رجالا ونساء) وقال (فان كان له اخوة فلامه السدس) واجمع العلماء على حجبها بالذكر والانثى وان قال لعمومته فالظاهر أنه مثل الاخوة لا يشمل الذكر والانثى لانهم اخوة أبيه وان قال لبني اخوته أو لبنى عمه فهو للذكور دون الاناث إذا لم يكونوا قبيلة والفرق بينهما أن الاخوة والعمومة ليس لهما لفظ موضوع يشمل الذكر والانثى سوى هذا اللفظ وبنو الاخوة والعم لهم لفظ يشمل الجميع وهو لفظ الاولاد فإذا عدل عن اللفظ العام إلى لفظ البنين دل على ارادة الذكور ولان لفظ العمومة اشبه بلفظ الاخوة ولفظ بني الاخوة والعم يشبه بني فلان وقد دللنا عليهما والحكم في تناول اللفظ للبعيد من العمومة وبني العم والاخوة حكم ما ذكرنا في ولد الولد مع القرينة وعدمها في المسائل المتقدمة

[ 235 ]

* (مسألة) * (وان وقف على أهل قريته أو قرابته لم يدخل فيهم من يخالف دينه وفيه وجه آخر أن المسلم يدخل فيه وان كان الواقف كافرا) وجملة ذلك أن الانسان إذا وقف على اهل قريته أو قرابته أو اتى بلفظ عام يدحل فيه المسلمون والكفار والواقف مسلم فهو للمسلمين خاصة ولا شي للكفار وقال الشافعي يدخل فيه الكفار، لان اللفظ يتناولهم بعمومه ولنا أن الله تعالى قال (يوصيكم الله في أولادكم) فلم يدخل فيه الكفار إذا كان الميت مسلما وإذا لم يدخلوا في لفظ القرآن مع عمومه لم يدخلوا في لفظ الواقف ولان ظاهر حاله لا يريد الكفار لما بينه وبينهم من عداوة الدين وعدم الوصلة المانع من الميراث ووجوب النفقة ولذلك خرجوا من عموم اللفظ في الاولاد والاخوة والازواج وسائر الالفاظ العامة في الميراث فكذا ههنا، فان صرح بهم دخلوا لان إخراجهم بترك به صريح انقال وهو أقوى من قرينة الحال، وان وقف عليهم وأهل القرية كلهم كفار أو وقف على قرابته وكلهم كفار دخلوا لانه لا يمكن تخصيصهم إذ في اخراجهم رفع اللفظ بالكلية، فان كان فيها مسلم واحد والباقي كفار دخلوا أيضا لان اخراجهم ههنا بالتخصيص بعيد وفيه مخالفة الظاهر من وجهين (أحدهما) مخالفة لفظ العموم (والثاني) حمل اللفظ الدال على الجمع على المفرد، وإن كان الاكثر كفارا فهو للمسين في ظاهر كلام الخرقي لانه أمكن حمل اللفظ عليهم وصرفه إليهم والتخصيص يصح وإن كان باخراج الاكثر ويحتمل أن يدخل الكفار في الوصية لان التخصيص في مثل هذا بعيد فان تخصيص الصورة النادرة قريب وتخصيص الاكثر بعيد يحتاج إلى دليل قوي

[ 236 ]

والحكم في سائر الفاظ العموم كالاخوة والاعمام وبني عمه واليتامى والمساكين كالحكم في أهل قريته فاما إن كان الواقف كافرا فانه يتناول أهل دينه لان لفظه يتناولهم والقرينة تدل على ارادتهم فأشبه وقف المسلم يتناول أهل دينه، وهل يدخل فيه المسلمون؟ ينظر فان وجدت قرينة دالة على دخولهم مثل أن لا يكون في القرية الا مسلمون دخلوا وكذلك ان لم يكن فيها الا كافر واحد وباقي أهلها مسلمون وان انتفت القرائن ففي دخولهم وجهان (أحدهما) لا يدخلون كما لو لم يدخل الكفار في وقف المسلم (والثاني) يدخلون لان عموم اللفظ يتناولهم وهم أحق بوصيته من غيرهم فلا يصرف اللفظ عن مقتضاه ومن هو أحق بحكمه إلى غيره، فان كان في القرية كافر من غير أهل دين الواقف لم يدخل لان قرينة، الحال تخرجه ولم يوجد فيه ما وجد في المسلم من الاولى فبقي خارجا بحاله ويحتمل أن لا يخرج بناء على توريث. الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف دينهم * (مسألة) * (وان وقف على مواليه وله موال من فوق وموال من أسفل تناول جميعهم، وقال ابن حامد يختص الموالي من فوق) إذا وقف على مواليه وله موال من فوق حسب وهم معتقوه اختص الوقف بهم لان الاسم يتناولهم وقد تعينوا بوجودهم دون غيرهم، وان لم يكن له الاموال من أسفل فهو لهم لذلك وان

[ 237 ]

اجتمعوا فهو لهم جميعا يستوون فيه لان الاسم يشملهم جميعا، وقال اصحاب الرأي الوصية باطلة لانها لغير معين وقال أبو ثور يقرع بينهما لان احدهما ليس باولى من الآخر وقال ابن القاسم هو للموالي من اسفل، ولاصحاب الشافعي أربعة اوجه كقولنا وكقول أصحاب الرأي (والثالث) هو للموالي من فوق لانهم اقوى لكونهم عصبته ويرثونه بخلاف عتقائه وهو قول ابن حامد (والرابع) يقف الامر حتى يصطلحوا ولنا ان الاسم يتناول الجميع فدخلوا فيه كما لو وقف على اخوته وقولهم انها لغير معين غير صحيح فان التعميم يحصل مع التعين ولذلك لو حلف لا كلمت مولاي حنث بكلام أيهم كان وقولهم ان المولى من فوق اقوى قلنا مع شمول الاسم لهم يدخل فيه الاقوى والاضعف كاخوته ولا يدخل فيه ولد العم ولا المساكين ولا الحليف ولا غير من ذكرنا لان الاسم ان تناولهم حقيقة لم يتناولهم عرفا والاسماء العرفية تقدم على الحقيقة ولا يستحق مولى الله مع وجود مواليه وقال زفر يستحق ولنا ان مولى الله ليس بمولى له حقيقة إذا كان له مولى سواه فان لم يكن له مولى فقال الشريف ابو جعفر إذا وصى لمواليه وليس له مولى فهو لمولى الله وقال أبو يوسف ومحمد لا شئ له لانه ليس بمولى، واحتج الشريف بان الاسم يتناولهم مجازا فإذا تعذرت الحقيقة وجب صرف الاسم إلى المجاز والعمل به تصحيحا لكلام المكلف عند إمكان تصحيحه ولان الظاهر ارادته المجاز لكونه محملا صحيحا وإرادة الصحيح أغلب من إرادة الفاسد فان كان له موالى أب حين الوقف ثم انقرض مواليه

[ 238 ]

لم يكن الموالى الاب على مقتضى ما ذكرناه لان الاسم يتناول غيرهم فلا يعود إليهم إلا بعقد ولم يوجد ولا يشبه هذا قوله أوصيت لاقرب الناس إلي وله ابن وابن ابن فمات الابن حيث يستحق ابن الابن وان كان لا يستحق في حياة الابن شيئا لان الوصية ههنا الموصوف وجدت الصفة في ابن الابن كوجودها في الابن حقيقة، وفي المولى يقع الاسم على مولى نفسه حقيقة وعلى مولى الله مجازا فمع وجودهما جميعا لا يحمل اللفظ إلا على الحقيقة وهذه الصفة لا توجد في مولى الله * (مسألة) * (وان وقف على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم) لان اللفظ يقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاء به فوجب العمل بمقضاه كقوله سبحانه (فهم شركاء في الثلث) فانه يجب تعميم الاخوة من الام والتسوية بينهم، ولان اللفظ يقتضي التسوية أشبه ما لو أقر لهم * (مسألة) * (فان لم يمكن حصرهم كالمساكين والقبيلة الكثيرة كبني هاشم وبني تميم صح الوقف عليهم) وكذلك يصح الوقف على المسلمين كلهم وعلى أهل اقليم ومدينة كالشام ودمشق، ويجوز للرجل أن يقف على عشريته وأهل مدينته، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يصح الوقف على من لا يمكن استيعابهم وحصرهم في غير المساكين ونحوهم لانه تصرف في حق الآدمي فلم يصح مع الجهالة كما لو قال وقفت على قوم ولنا أن من صح الوقف عليهم إذا كانوا محصورين صح، وان لم يحصوا كالفقراء وقياسهم يبطل بالوقف على المساكين

[ 239 ]

(فصل) ولا يجب تعميمهم إجماعا لانه غير ممكن ويجوز تفضيل بعضهم على بعض لان من جاز حرمانه جاز تفضيل غيره عليه ويجوز الاقتصار على واحد منهم ويحتمل أن لا يجرئه أقل من ثلاثة وهو مذهب الشافعي ووجه القول قد ذكر في الزكاة والاول ظاهر المذهب (فصل) فان كان الوقف في ابتدائه على من يمكن استيعابه فصار مما لا يمكن استيعابه كرجل وقف على ولده وولد ولده وعقبه ونسله فصاروا قبيلة كثيرة تخرج عن الحصر مثل وقف علي رضي الله عنه على ولده ونسله فانه يجب تعمم من أمكن منهم والتسوية بينهم لان التعميم كان واجبا وكذلك التسوية فإذا تعذر وجب منه ما أمكن كالواجب الذي يعجز عن بعضه، ولان الواقف ههنا أراد التعميم والتسوية لامكانه وصلاح لفظه لذلك فيجب العمل بما أمكن بخلاف ما إذا كانوا حال الوقف ممن لا يمكن ذلك فيهم * (مسألة) * (ولا يعطى كل واحد أكثر من القدر الذي يعطى من الزكاة يعني إذا كان الوقف على صنف من أصناف الزكاة) وجملة ذلك أن من وقف على سبيل الله أو ابن السبيل أو الرقاب أو الغارمين - فهم الذين يستحقون السهم من الصدقات - لا يدخل معهم غيرهم لان المطلق من كلام الآدميين يحمل على المعهود

[ 240 ]

في الشرع فينظر من كان يستحق السهم من الصدقات فالوقف مصروف إليه وقد مضى شرح ذلك في الزكاة فان وقف على الاصناف الثمانية الذين يأخذون الصدقات صرف إليهم ويعطى كل واحد منهم من الوقف مثل القدر الذي يعطى من الزكاة لا يزاد عليه وقد ذكرنا ذلك، وقد اختلف في العقد الذي يحصل به الغنى فقال احمد في رواية علي بن سعيد في الرجل يعطى من الوقف خمسين درهما فقال إن كان الواقف ذكر في كتابة المساكين فهو مثل الزكاة وإن كان متطوعا أعطى من شاء وكيف شاء فقد نص على الحاقه بالزكاة فيكون الخلاف فيه كالخلاف في الزكاة، واختار أبو الخطاب وابن عقيل زيادة المسكين على خمسين درهما لان لفظ أحمد لا تقييد فيه. قال أبو الخطاب وفي المسألة وجهان وجههما ما سبق (فصل) فان وقف على الاصناف كلها أو على صنفين أو أكثر فهل يجوز الاقتصار على صنف واحد أو يجب إعطاء بعض كل صنف؟ فيه وجهان بناء على الزكاة * (مسألة) * (والوصية كالوقف في هذا التفصيل لان مبناها على لفظ الموصي أشبهت الوقف) (فصل) والوقف عقد لازم لا يجوز فسخه باقالة ولا غيرها ويلزم بمجرد القول لانه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق وعنه لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الوقف عن يده اختاره ابن أبي موسى كالهبة والصحيح الاول وقد ذكرناه، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصي به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم وحكاه بعضهم عن علي

[ 241 ]

وابن مسعود وابن عباس وخالف أبا حنيفة صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم واحتج بعضهم بما روي أن عبد الله بن زيد صاحب الاذان جعل حائطه صدقة وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبواه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ماتا فورثهما رواه المحاملي في أماليه ولانه إخراج ماله على وجه القربة من ملكه فلا يلزم بمجرد القول كالصدقة، قلنا هذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في وقفه " لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " قال الترمذي العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافا، قال الحميدي تصدق أبو بكر بداره على ولده وعمر بزيعه عند المروة على ولده وعثمان برومة وتصدق علي بأرضه بينبع وتصدق الزبير بداره بمكة وداره بمصر وأمواله بالمدينة على ولده وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوهط وداره بمكة على ولده وحكيم ابن حزام بدره بمكة والمدينة على ولده فذلك كله إلى اليوم، وقال جابر لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف وهذا اجماع منهم فان الذي قدر على الوقف منهم وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان ذلك اجماعا ولانه ازالة ملك يلزم بالوصية فإذا نجزه في حال الحياة لزم من غير حكم كالعتق، وحديث عبد الله بن زيد ان ثبت فليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله صدقة غير

[ 242 ]

موقوف استناب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى والديه أحق الناس بصرفها اليهما ولهذا لم يردها إليه انما دفعها اليهما ويحتمل أن الحائط كان لهما وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما فتصرف بهذا التصرف بغير اذنها فلم ينفذاه وأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فرده اليهما والقياس على الصدقة لا يصح لانها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم وانما يفتقر إلى القبض والوقف لا يفتقر إليه فافترقا * (مسألة) * (ولا يجوز بيعه الا أن تتعطل منافعه فيباع ويصرف ثمنه في مثله وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد وكذلك المسجد إذا لم ينتفع به في موضعه وعنه لا تباع المساجد لكن تنقل آلتها إلى مسجد آخر) وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع الوقف ولا هبته لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر " غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " فان تعطلت منافعه بالكلية كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتا لا يمكن عمارتها أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه فان أمكن بيع بعضه ليعمر به بقيته جاز بيع البعض وان لم يمكن الانتفاع بشئ منه بيع جميعه قال أحمد في رواية أبي داود إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه وقال في رواية صالح يحول المسجد خوفا من اللصوص وإذا كان موضعه قذرا قال القاضي يعني إذا كان ذلك يمنع الصلاة فيه ونص على جواز بيع عرصته في رواية عبد الله وتكون الشهادة في ذلك على الامام. قال أبو بكر وقد روى على بن سعيد أن المساجد لا تباع وانما تنقل آلتها قال وبالقول الاول أقول لاجماعهم على بيع الفرس الحبيس يعني الموقوفة على الغزو إذا كبرت فلم تصلح للغزو وأمكن الانتفاع بها في شئ آخر مثل أن تدور في الرحا أو يحمل عليها تراب أو تكون الرغبة في نتاجها أو حصانا يتخذ للطراق فانه يجوز بيعها ويشتري بثمنها ما يصلح للغزو نص عليه أحمد وقال محمد بن الحسن إذا خرب المسجد

[ 243 ]

والوقف عاد إلى ملك واقفه لان الوقف انما هو تسبيل المنفعة فإذا زالت منفعته زال حق الموقوف عليه منه فزال ملكه عنه وقال مالك والشافعي لا يجوز بيع شئ من ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " ولان ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز مع تعطلها كالمعتق والمسجد أشبه الاشياء بالمعتق ولنا ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة أن انقل المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد فانه لن يزال في المسجد مصل وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان اجماعا ولان فيما ذكرناه استبقاء للوقف بمعناه عند تعذر ابقائه بصورته فوجب ذلك كما لو استولد الجارية الموقوفة أو قبلها أو قبلها غيره قال ابن عقيل الوقف مؤبد فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى وايصال الابدال جرى مجرى الاعيان وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض ويقرب هذا من الهدي إذا عطب فانه يذبح في الحال وان كان يختص بالموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفي منه ما أمكن وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره لان مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع به بالكلية وهكذا الوقف المعطل المنافع. ولنا على محمد بن الحسن انه إزالة ملك على وجه القربة فلا يعود إلى مالكه باخنلاله وذهاب منافعه كالعتق * (مسألة) * (ويجوز بيع بعض آلته وصرفها في عمارته) كما يجوز بيع الفرس الحبيس عند تعذر الانتفاع به وصرف ثمنه فيما يقوم مقامه ولانه إذا جاز بيع الجميع عند الحاجة إلى بيعه فبيع بعضه مع بقاء البعض أولى. (فصل) وإذا بيع الوقف فأي شئ اشترى بثمنه مما يرد على أهل الوقف جاز، وإن كان من غير جنسه في ظاهر كلام الخرقي لكن تكون المنفعة مصروفة إلى المصلحة التي كانت الاولى تصرف

[ 244 ]

فيها لانه لا يجوز تغيير المصرف مع امكان المحافظة عليه كما لا يجوز تغيير الوقف بالبيع مع إمكان الانتفاع به (فصل) فان لم يكف ثمن الفرس الحبيس لشراء فرس أخرى أعين به في شراء حبيس يكون بعض الثمن نص عليه أحمد لان المقصود استيفاء منفعة الوقف الممكن استيفاؤها وصيانتها عن الضياع ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريق (فصل) فان لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية لكن قلت وكان غيره أنفع منه وأكثر ردا على أهل الوقف لم يجز بيعه لان الاصل تحريم البيع وانما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ومع الانتفاع ما يضيع المقصود وإن قل اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعا فيكون وجوده كالعدم (فصل) قال أحمد في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله رفعه من الارض ويجعل تحته سقاية وحوانيت فامتنع بعضهم من ذلك ينظر الي قول أكثرهم واختلف أصحابنا في تأويل كلام أحمد فذهب ابن حامد إلى ان هذا مسجد أراد أهله انشاءه ابتداءا واختلفوا كيف يعمل، وسماه مسجدا قبل بنائه تجوزا لان مآله إليه، أما بعد بنائه لا يجوز جعله سقاية ولا حوانيت وذهب القاضي إلى ظاهر اللفظ وهو انه كان مسجدا فأراد أهله رفعه وجعل ما تحته سقاية لحاجتهم إلى ذلك والاول أصح وأولى، وان خالف الظاهر فان المسجد لا يجوز نقله وإبداله وبيع ساحته وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع به والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا تعطل نفع المسجد فلا يجوز صرفه في ذلك ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجدا في موضع آخر، وقال أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه في مسجد ليس بحصين من الكلاب وله منارة فرخص في نقضها وبناء حائط المسجد بها للمصلحة * (مسألة) * (وما فضل من حصره وزيته عن حاجته جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين) وكذلك إن فضل من قصبه أو شئ من نقضه، قال أحمد في مسجد يبنى فيبقى من خشبه أو قصبه أو شئ من نقضه قال يعان به في مسجد آخر أو كما قال، وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن بواري المسجد إذا فضل منه الشئ أو الخشبة قال يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تخرقت

[ 245 ]

تصدق بها، وقال في موضع آخر قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة. وروى الخلال باسناده عن علقمة عن أمه ان شيبة بن عثمان الحجبي جاء إلى عائشة رضي الله عنها فقال يا أم المؤمنين ان ثياب الكعبة تكثر عليها فننزعها فنحفر لها آبارا فندفنها فيها حتى لا تلبسها الحائض والجنب قالت عائشة بئس ما ضعت ولم تصب ان ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب ولكن لو بعتها وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين. فقال فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة، وهذه قضية مثلها ينتشر ولم تنكر فتكون إجماعا ولانه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصرف إلى المساكين كالوقف المنقطع * (مسألة) * (ولا يجوز غرس شجرة في المسجد) نص عليه أحمد فقال إن كانت غرست النخلة بعد أن صار مسجدا فهذه غرست بغير حق فلا أحب الاكل منها، ولو قلعها الامام لجاز، وذلك لان المسجد لم يبن لهذا انما بنى لذكر الله والصلاة وقواءة القرآن ولان الشجرة تؤذي المسجد وتمنع المصلين من الصلاة في موضعها ويسقط ورقها في المسجد وثمرها ويسقط عليها الطير وتبول في المسجد وربما اجتمع الصبيان في المسجد من أجلها ورموها بالحجارة ليسقط ثمرها * (مسألة) * (فان كانت مغروسة جاز الاكل منها) يعني إذا كانت الشجرة في أرض فجعلها صاحبها مسجدا والشجرة فيها فلا بأس، قال أحمد في موضع لا بأس يعني أن يبيعها من الجيران، وقال في رواية أبي طالب في النفقة لا تباع وتجعل للمسلمين وأهل الدرب يأكلونها وذلك والله أعلم، لان صاحب الارض لما جعلها مسجدا والشجرة فيها فقد وقف الارض والشجرة معا ولم يعين مصرفها فصارت كالوقف المطلق الذي لم يعين له مصرف. وقد ذكرنا انه للمساكين في بعض الروايات. فأما إن قال صاحبها هذه وقف على المسجد فينبغي أن تباع ثمرتها وتصرف إليه كما لو وقفها على المسجد وهي في غيره. وقال أبو الخطاب عندي ان السجد إذا احتاج إلى ثمن ثمرة الشجرة بيعت وصرفت في عمارته، وقال أحمد يأكلها الجيران محمول على انهم يعمرونه فان استعنى المسجد عنها فلا بأس بالاكل منها والله سبحانه وتعالى أعلم

[ 246 ]

باب الهبة والعطية وهي تمليك في الحياة بغير عوض، الهبة والعطية والهبة والصدقا معانيهما متقاربة وهي تمليك في الحياة بغير عوض، واسم الهبة والعطية شامل لجميعها، فأما الصدقة والهدية فهما متتغايران وإن دخلا في مسمى الهبة والعطية فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وقال في اللحم الذي تصدق به على بربرة " هو عليها صدقة ولنا هدية " فالظاهر ان من أعطى شيئا ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة، ومن دفع إلى انسان شيئا للتقرب إليه والمحبة له فهو هدية وجميع ذلك مندوب إليه فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " تهادوا تحابوا " وأما الصدقة فما ورد في فضلها كثير، وقد قال الله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتؤها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيأتكم * (مسألة) * (فان شرط فيها عوضا معلوما صارت بيعا وعنه يغلب فيها حكم الهبة) وجملة ذلك ان الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا سواء كانت لمثله أو دونه أو أعلى منه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي كقولنا فيما إذا كانت لمثله أو دونه وإن كانت لاعلى منه اقتضت الثواب في أحد القولين وهو قول مالك لقول عمر رضي الله عنه من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها

[ 247 ]

ولنا انها عطية على وجه التيرع فلم تقتض ثوابا كهة المنل والوصية، وقول عمر قد خالفه ابنه وابن عباس فلا يبقى حجة فان عوضه عن الهبة كانت هبة مبتدأة لا عوضا أيهما أصاب عيبا لم يكن له الرد وإن خرجت مستحقة أخذها صاحبها ولم يرجع الموهوب له ببدلها، فان شرط في الهبة ثوابا معلوما صح نص عليه، لانه تمليك بعوض معلوم فهو كالهبة وحكمها حكم البيع في ثبوت الخيار والشفعة وبه قال أصحاب الرأي ولاصحاب الشافعي قول انها لا تصح لانه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها. ولنا انه تمليك بعوض فصح كما لو قال ملكتك هذا بدرهم فانه لو أطلق التمليك كان هبة فإذا ذكر العوض صار بيعا وفيه رواية أخرى ذكرها أبو الخطاب انه يغلب عليها حكم الهبة فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به * (مسألة) * (وان شرط ثوابا مجهولا لم تصح الهبة) وحكمها حكم البيع اللفاسد لانه عوض مجهول في معاوضة فلم يصح كالبيع ويردها الموهوب له بزيادتها المتصلة والمنفصلة لانه نماء ملك الواهب، وإن كانت تالفة رد قيمتها وهذا قول الشافعي وأبي ثور وعنه انه قال يرضيه بشي وظاهر كلام أحمد انها تصح فإذا أعطاه عنها عوضا رضيه لزم العقد بذلك، قال أحمد في رواية محمد ابن الحكم إذا قال الواهب هذا لك على أن تثيبني فله أن يرجع إذا لم يثيه لانه شرط، وقال في رواية اسماعيل بن سعيد إذا وهب له على وجه الاثابة فلا يجوز إلا أن يثيبه منها فعلى هذا عليه أن

[ 248 ]

يعطيه حتي يرضيه، فان لم يفعل فللواهب الرجوع فيها أو عوضها إن كانت تالفة لانه عقد معاوضة فاسد فلزم ضمان العين إذا تلفت كالبيع الفاسد ويحتمل أن يعطيه قدر قيمتها والاول أصح لان هذا بيع فيعتبر له التراضي إلا انه بيع بالمعاطاة فإذا عوضه عوضا رضيه حصل البيع بما حصل من المعاطاة مع التراضي بها وإن لم يحصل التراضي لم يصح لعدم العقد فانه لم يوجد الايجاب والقبول ولا المعاطاة ولا التراضي والاصل في هذا قول عمر رضي الله عنه: من أوهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها، وروي معنى ذلك عن علي وفضالة بن عبيد ومالك بن أنس وهو قول الشافعي على القول الذي يرى ان الهبة المطلقة تقتضي ثوابا، وقد روى أبو هريرة ان أعرابيا وهب النبي صلى الله عليه وسلم ناقة فأعطاء ثلاثا فأبى فزاده ثلاثا فلما كملت تسعا قال رضيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لقد هممت أن لا اتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي " من المسند، فان تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان أو لم يثبه منها فقال أحمد لا أرى عليه نقصان ما نقصه عنده إذا رده الي صاحبه إلا أن يكون ثوبا لبسه أو جارية استخدمها، فأما غير ذلك إذا نقص فلا شئ عليه فكان عندي مثل الرهن الزيادة والنقصان لصاحبه * (مسألة) * (وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الايجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها) فالايجاب أن يقول وهبتك أو أهديت اليك أو ملكتك أو هذا لك ونحوه من الالفاظ

[ 249 ]

الدالة على هذا المعنى، والقبول أن يقول قبلت أو رضيت أو نحو هذا، وتصح بالمعاطاة المقترنة بما يدل عليهما وإن لم يحصل ايجاب أو قبول، ذكر القاضي وأبو الخطاب أن الهبة والعطية لابد فيها من الايجاب والقبول، ولا تصح بدونه سواء وجد القبض أو لم يوجد وهو قول أكثر أصحاب الشافعي لانه عقد تمليك فافتقر إلى الايجاب والقبول كالنكاح، والصحيح ان المعاطاة والافعال الداله على الايجاب والقبول كافية ولا يحتاج إلى لفظ اختاره ابن عقيل فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي ويهدى إليه ويعطي ويعطى ويفرق الصدقات ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها وكان أصحابه يفعلون ذلك ولم ينقل عنهم في ذلك ايجاب ولا قبول ولا أمر به ولا تعليمه لاحد ولو كان ذلك شرطا لنقل عنهم نقلا مشتهرا، وقد كان ابن عمر على بعير لعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر " بعنيه " فقال هو لك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت " ولم ينقل قبول النبي صلى الله عليه وسلم من عمر ولا قبول ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان شرطا لفعله النبي وعلمه ابن عمر ولم يكن ليأمره أن يصنع به ما شاء قبل أن يقبله، وروى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي بطعام سأل عنه فان قالوا صدقة قال لاصحابه " كلوا " ولم يأكل وإن قالوا هدية ضرب بيده فأكل معهم، ولا خلاف بين العلماء فيما علمنا في ان تقديم الطعام بين يدي الضيفان والاذن في أكله ان ذلك لا يحتاج إلى ايجاب ولا قبول ولانه وجد ما يدل على التراضي بنقل الملك فاكتفى به كما لو وجد الايجاب والقبول، قال ابن عقيل انما يشترط الايجاب مع الاطلاق وعدم العرف القائم من المعطي والمعطى لانه إذا لم يكن عرف يدل

[ 250 ]

على الرضي فلابد من قول دال عليه، أما مع قرائن الاحوال والدلال فلا وجه لتوقفه على اللفظ، ألا ترى أنا اكتفينا بالمعاطاة في البيع واكتفينا بدلالة الحال في دخول الحمام وهو اجارة وبيع أعيان فإذا اكتفينا في المعاوضات مع تأكدها بدلالة الحال فانها تنقل الملك من الجانبين فلان نكتفي بها في الهبة أولى. وأما النكاح فانه يشترط فيه ما لا يشترط في غيره من الاشهاد ولا يقع إلا قليلا فلا يشق اشتراط الايجاب والقبول فيه بخلاف الهبة والله سبحانه وتعالى أعلم * (مسألة) * (وتلزم بالقبض وعنه تلزم في غير المكيل والموزون بمجرد الهبة) أما الميكل والموزون الذي لا يتميز إلا بالكيل والوزن فلا تلزم الهبة فيه إلا بالقبض وعلى قياس ذلك المعدود والمذروع، وهو قول أكثر الفقهاء منهم النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة والشافعي وقال مالك وأبو ثور تلزم بمجرد العقد لعموم قوله عليه السلام " العائد في هبته كالعائد في قيئه " ولانه إزالة ملك بغير عوض فلزم بمجرد العقد كالوقف والعتق ولانه تبرع فلا يعتبر فيه القبض كالوصية والوقف ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فانه مروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم نعرف لهما في الصحابة مخالفا، وقد روى عروة عن عائشة رضي الله عنها ان أبا بكر رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية فلما مرض قال: يا بنية ما أحد أحب غنى منك بعدي ولا أحد أعز علي فقرا منك وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا ووددت انك حزتيه أو قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختاك فاقتسموا على كتاب الله عزوجل، رواه مالك في موطئه. وروى ابن عيينة عن

[ 251 ]

الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري ان عمر بن الخطاب قال: ما بال قوم ينحلون أولادهم فإذا مات أحدهم قال مالي وفي يدي فإذا مات هو قال قد كنت نحلت ولدي، لانحلة لانحلة يحوزها الولد دون الوالد، فان مات ورثه قال المروذي اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ان الهبة لا تجوز إلا مقبوضة ولانها هبة غير مقبوضة فلم تلزم كما لو مات الواهب قبل أن يقبض فان مالكا يقول لا يلزم الورثة التسليم والخبر محمول على المقبوض ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق لان الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى فخالف التمليكات والوصية تلزم في حق الوارث والعتق إسقاط حق وليس بتمليك ولان الوقف والعنق لا يكون في محل النزاع لان النزاع في المكيل والموزون (فصل) وفي غير المكيل والموزون روايتان (إحداهما) ان حكمه حكم المكيل والموزون في انه لا يلزم إلا بالقبض وهو قول أكثر أهل العلم، قال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ان الهبة لا تجوز إلا مقبوضة روي ذلك عن النخعي والثوري والعنبري والحسن بن صالح والشافعي وأصحاب الرأي لما ذكرنا في المكيل والموزون (والثانية) انها تلزم بمجرد العقد وثبت الملك في الموهوب فيه قبل قبضه فروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما انهما قالا الهبة جائزة إذا كانت معلومة قبضت أو لم تقبض وهو قول مالك وأبي ثور لان الهبة أحد نوعي التمليك فكان منها ما لا يلزم قبل القبض ومنها ما يلزم قبله كالبيع فان منه ما لا يلزم إلا بقبض وهو الصرف وبيع الربويات ومنه

[ 252 ]

ما يلزم قبله وهو ما عدا ذلك، فأما حديث أبي بكر في هبته لعائشة فان جذاذ عشرين وسقا يحتمل انه أراد به عشرين وسقا مجذوذة فيكون مكيلا غير معين وهذا لابد فيه من القبض، وإن أراد نخلا بجذ عشرين وسقا فهو أيضا غير معين فلا تصح الهبة فيه قبل تعيينه فيكون معناه وعدتك بالنحلة، وقول عمر أراد به النهي عن التحيل بنحلة الوالد ولده نحلة موقوفة على الموت فيظهر اني نحلت ولدي شيئا ويمسكه في يده يستغله فإذا مات أخذه ولده بحكم النحلة التي أظهرها، وإن مات ولده أمسكه ولم يعط ورثته شيئا وهذا على هذا الوجه محرم فنهاهم عن هذا حتى يحوزها الولد دون والده، فان مات ورثها ورثته كسائر ماله، وإذا كان المقصود هذا اختص بهبة الولد وشبهه، على انه قد روي عن علي وابن مسعود خلاف ذلك فتعارضت أقوالهم (فصل) قوله في المكيل والموزون ان الهبة لا تلزم فيه الا بالقبض محمول على عمومه في كل ما يكال ويوزن وخصه أصحابنا المتأخرون بما ليس بمتعين منه كقفيز من صبرة ورطل من دن وقد ذكرنا ذلك في البيع ورجحنا العموم * (مسألة) * (ولا يصح القبض إلا باذن الواهب الا ما كان في يد المتهب فيكفي مضي زمن يتأتى قبضه فيه وعنه لا يصح حتى يأذن في القبض

[ 253 ]

إذا قلنا ان الهبة لا تلزم الا بالقبض لم يصح القبض إلا باذن الواهب لانه قبض غير مستحق عليه ولانه أمر تلزم به الهبة فلم يصح الا باذن الواهب كأصل العقد لان قبضه مستدام فأغنى عنه الابتداء كما لو باعه سلعة في يده وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، فأما ما كان في يد المتهب كالوديعة والمغصوب فظاهر كلام أحمد أنها تلزم من غير قبض ولا مضي مدة يتأتى فيها القبض فانه قال في رواية ابن منصور إذا وهب امرأته شيئا ولم تقبضه فليس بينه وبينها خيار هي معه في البيت فظاهر هذا أنه لم يعتبر قبضا ولا مضي مدة يتأتى فيها لكونها معه في البيت فيدها على ما فيه لان قبضه مستدام اغنى عن الابتداء كما لو باعه سلعة في يده وهو الصحيح ان شاء الله تعالى. قال القاضي لابد من مضي مدة يتأتى القبض فيها، وهل يفتقر إلى اذن في القبض؟ فيه روايتان (احداهما) يفتقر كغير المقبوض (والثانية) لا يفتقر لانه مقبوض فلا معنى لتجديد الاذن فيه وقد ذكرنا ذلك في الرهن ومذهب الشافعي في الاختلاف في اعتبار الاذن واعتبار مضي مدة يتأتى القبض فيها كمذهبنا (فصل) والواهب بالخيار قبل القبض ان شاء أقبضها وان شاء رجع فيها فان قبضها المتهب بغير اذن الواهب لم يصح القبض ولم تتم الهبة وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في المجلس صح وان لم يأذن له لان الهبة قامت مقام الاذن في القبض لكونها دالة على رضاه بالتمليك الذي لا يتم الا بالقبض

[ 254 ]

ولنا أنه قبض الهبة بغير اذن الواهب فلم يصح كما بعد المجلس وكما لو نهاه ولان التسليم غير مستحق على الواهب فلم يصح التسليم الا باذنه كما لو أخذ المشتري المبيع من البائع قبل قبض ثمنه، ولا يصح جعل الهبة إذنا في القبض كما بعد المجلس ويحتمل أنه إذا قبضها بحضرة الواهب أن يقوم ذلك مقام الاذن كما جعلنا أخذ المتهب لها باذن الواهب دليلا على القبول فان أذن الواهب في القبض ثم رجع عن الاذن أو رجع في الهبة صح رجوعه لان ذلك ليس بقبض وان رجع بعد القبض لم يصح رجوعه لان الهبة تمت * (مسألة) * (فان مات الواهب قام وارثه مقامه في الاذن والرجوع) وجملة ذلك أنه إذا مات الواهب أو المتهب قبل القبض بطلت الهبة سواء كان قبل الاذن في القبض أو بعده ذكره القاضي في موت الواهب لانه عقد جائز فبطل بموت أحد المتعاقدين كالوكالة قال أحمد في رواية أبى طالب وأبي الحارث في رجل أهدى هدية فلم تصل إلى المهدى إليه حتى مات فانها تعود إلى صاحبها ما لم يقبضها وروى باسناده عن أم كلثوم بنت أبي سلمى قالت لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال لها " اني أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي مسك ولا أرى النجاشي الا قد مات ولا أرى هديتي الا مردودة علي فان ردت فهي لك " فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وردت عليه هديته فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة وان

[ 255 ]

مات المهدي قبل أن تصل إلى المهدي إليه رجعت إلى ورثة المهدي وليس للرسول حملها إلى المهدى إليه الا أن يأذن الوارث والهبة كالهدية، وقال أبو الخصاب قام وارثه مقامه في الاذن في القبض والفسخ وهذا يدل على أن الهبة لم تنفسخ بموته وهو قول أكثر أصحاب الشافعي لانه عقد مآله إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت كالبيع في مدة الخيار وكذلك يخرج فيما إذا مات الموهوب له بعد القبول وان مات أحدهما قبل القبول أو ما يقوم مقامه بطلت وجها واحدا لان العقد لم يتم فهو كما لو مات المشتري بعد الايجاب وقبل القبول فان قلنا ان الهبة لا تبطل فمات أحدهما بعد الاذن في القبض بطل الاذن لان الميت ان كان هو الواهب فقد انتقل حقه في الرجوع في الهبة إلى وارثه وان كان المتهب فلم يوجد الاذن لوارثه فلم يملك القبض بغير اذن والله أعلم * (مسألة) * (وان أبرأ الغريم غريمه من دينه أو وهبه له أو أحله منه برئ وان رد ذلك ولم يقبله) لانه اسقاط فلم يفتقر إلى القبول كاسقاط القصاص والشفعة وحد القذف وكالعتق والطلاق وكذلك إن قال تصدقت به عليك فان القرآن ورد في الابراء بلفظ الصدقة قال الله تعالى (ودية مسلمة إلى أهله الا أن يصدقوا) وان قال عفوت لك عنه صح قال الله تعالى (الا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) يريد به الابراء من الصداق، فان قال اسقطته عنك صح لانه اتى بحقيقة اللفظ وكذلك ان قال ملكتك لانه بمنزلة هبته اياه فان وهب الدين لغير من هو في ذمته لم يصح قياسا على البيع

[ 256 ]

ويحتمل ان يصح لانه لا غرر فيها على المتهب ولا الواهب فصح كهبة الاعيان (فصل) وتصح البراءة من المجهول إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته وقال أبو حنيفة تصح مطلقا وقال الشافعي لا تصح الا انه إذا اراد ذلك فقال ابراتك من درهم إلى الف لان الجهالة انما منعت لاجل الغرر فإذا رضي بالجملة فقد زال الغرر وصحت البراءة ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما إليه في مواريث درست " اقتسما وتوخيا ثم استهما ثم تحالا " رواه ابو داود ولانه اسقاط فصح في المجهول كالطلاق والعتاق وكما لو قال من درهم إلى الف، ولان الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة ولا سبيل إلى العلم بما فيها فلو وقفت صحة البراءة على العلم لكان سدا لباب عفو الانسان عن اخيه المسلم وتبرئة ذمته فلم يجز ذلك كالمنع من العتق، فأما ان كان من عليه الحق يعلمه ويكتمه المستحق خوفا من انه إذا علمه لم يسمح بابرائه منه فينبغي ان لا تصح البراءة فيه لان فيه تغريرا بالمبرئ وقد امكن التحرز منه، وقال اصحابنا لو ابراه من مائة وهو يعتقد انه لا شئ عليه وكان له عليه مائة ففي صحة البراءة وجهان (احدهما) صحتها لانها صادفت ملكه فأسقطته كما لو علمها (والثاني) لا يصح لانه ابرأه مما لا يعتقد انه عليه فلم يكن ذلك ابراء في الحقيقة، واصل الوجهين ما لو باع ما لا كان لموروثه يعتقد انه باق لموروثه وكان موروثه قد مات وانتقل ملكه إليه فهل يصح؟ فيه وجهان وللشافعي قولان في البيع وفي صحة الابراء وجهان

[ 257 ]

(فصل) فان كان الموهوب له طفلا أو مجنونا لم يصح قبضه ولا قبوله لانه من غير اهل التصرف ويقبض له ابوه ان كان امينا لانه اشفق عليه واقرب إليه، فان لم يكن له اب قبض له وصي إليه لان الاب اقامه مقام نفسه فجرى مجرى وكيله، وان كان الاب غير مأمون أو كان مجنونا أو كان لا وصي له قبل الحاكم، ولا يلي ماله غير هؤلاء الثلاثة وامين الحاكم يقوم مقامه وكذلك وكيل الاب الامين ووصيه يقوم كل واحد منهما مقام الصبي والمجنون في القبول والقبض ان احتيج إليه لانه قبول لما للصبي أو المجنون فيه حظ فكان إلى الولي كالبيع والشراء ولا يصح القبض من غير هؤلاء قال احمد في رواية صالح في صبي وهبت له هبة أو تصدق عليه بصدقة فقبضت الام ذلك وابوه حاضر فقال لا اعرف للام قبضا ولا يكون الا للاب، وقال عثمان رضي الله عنه احق من يحوز للصبي ابوه وهذا مذهب الشافعي لا اعلم فيه خلافا لان القبض انما يكون من المتهب أو نائبه والولي نائب بالشرع فصح قبضه له، اما غيره فلا نيابة له، قال شيخنا ويحتمل ان يصح القبول والقبض من غيرهم عند عدمهم لان الحاجة داعية إلى ذلك فان الصبي قد يكون في مكان لا حاكم فيه وليس له اب ولا وصي ويكون

[ 258 ]

فقيرا لا غنى به عن الصدقات فان لم يصح قبض غيرهم له انسد باب وصولها إليه فيضيع ويهلك ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية، فعلى هذا للام القبض له وكل من يليه من اقاربه وغيرهم (فصل) فان كان الصبي مميزا فحكمه حكم الطفل في قيام وليه مقامه لان الولاية لا تزول عنه قبل البلوغ إلا أنه إذا قبل لنفسه وقبض لها صح لانه من أهل التصرف فانه يصح بيعه وشراؤه باذن الولي فههنا أولى، ولا يحتاج إلى إذن الولي ههنا لانه مصلحة لا ضرر فيه فصح من غير إذن وليه كوصيته وكسبه المباحات، ويحتمل أن يقف صحة القبض منه على إذن وليه دون القبول لان القبض يحصل به مستوليا على المال فلا يؤمن تضييعه له وتفريطه فيه فيتعين حفظه عن ذلك بتوقفه على إذن وليه كقبضه أوديغته بخلاف القبول فانه يحصل له به الملك من غير ضرر فجاز من غير إذن كاحتشاشه واصطياده. (فصل) فان وهب الاب لولده الصغير شيئا قام مقامه في القبض والقبول ان احتيج إليه قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها أو عبدا بعينه وقبضه له من نفسه وأشهد عليه أن الهبة تامة، هذا قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروي معنى ذلك عن شريح وعمر بن عبد العزيز، فان كان الموهوب مما يفتقر إلى قبض اكتفى

[ 259 ]

بقوله قد وهبت هذا لابني وقبضته له لانه يغني عن القبول كما ذكرنا ولا يكفي قوله قد قبلته لان القبول لا يغني ن القبض، وإن كان مما لا يفتقر اكتفى بقوله قد وهبت هذا لابني ولا يحتاج إلى ذكر قبض ولا قبول، قال ابن المنذر أجمع الفقهاء على أن هبة الاب لولده الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض وان الاشهاد فيها يغني عن القبض وان وليها أبوه لما رواه مالك عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان قال من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلة فاعلن ذلك وأشهد على نفسه فهي جائزة وان وليها أبوه، وقال القاضي لابد في هبة الولد من أن يقول قبلته وهذا مذهب الشافعي لان الهبة عندهم لا تصح الا بالايجاب والقبول وقد ذكرنا من قبل ان قرائن الاحوال ودلالتها تغني عن لفظ القبول ولا أدل على القبول من كون القابل هو الواهب فاعتبار لفظ لا يفيد معنى من غير ورود الشرع به تحكم لا معنى له مع مخالفته لظاهر حال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وليس هذا مذهبا لاحمد فقد قال في رواية حرب في رجل أشهد بسهم من ضيعته وهي معروفة لابنه وليس له ولد غيره فقال أحب أن يقول عند الاشهاد قد قبضته له قال له فان سها قال إذا كان مفرزا رجوت فقد ذكر أحمد أنه يكتفي بقوله قد قبضته له وان يرجو أن يكتفي مع التمييز بالاشهاد فحسب وهذا موافق للاجماع المذكور عن سائر العلماء، وقال بعض أصحابنا يكتفى بأحد لفظين اما أن يقول قد قبلته أو قد قبضت لان القبول يغني عن القبض وظاهر كلام احمد ما ذكرناه ولا فرق بين الاثمان وغيرها فيما

[ 260 ]

ذكرنا وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك ان وهب له مالا يعرف بعينه كالاثمان لم يجز الا ان يضعها على يد غيره لان الاب قد يتلف ذلك أو يتلف بغير سببه فلا يمكن ان يشهد على شئ بعينه فلا ينفع القبض شيئا ولنا ان ذلك مما يصح هبته فإذا وهبه لابنه الصغير وقرضه له صح كالعروض (فصل) فان كان الواهب للصبي غير الاب من اوليائه فقال أصحابنا لابد أن يوكل من يقبل للصبي ويقبض له ليكون الايجاب منه والقبول والقبض من غيره كما في البيع بخلاف الاب فانه يجوز أن يوجب ويقبل ويقبض لكونه يجوز أن يبيع لنفسه، قال شيخنا والصحيح عندي أن الاب وغيره في هذا سواء لانه عقد يجوز أن يصدر منه ومن وكيله فجاز ان يتولى طرفيه كالاب. وفارق البيع فانه يجوز ان يوكل من يشتري له ولان البيع عقد معاوضة ومرابحة فيتهم في عقده لنفسه والهبة محض مصلحة لا تهمة فيها وهو ولي فجاز ان يتولى طرفي العقد كالاب، ولان البيع انما منع منه لما يأخذه من العوض لنفسه من مال الصبي وهو ههنا يعطي ولا يأخذ فلا وجه لمنعه من ذلك وتوقيفه على توكيل غيره ولاننا قد ذكرنا انه يستغنى بالايجاب والاشهاد عن القبض والقبول فلا حاجة إلى التوكيل فيهما مع غناه عنهما

[ 261 ]

(فصل) فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح سواء اذن فيها الولي أو لم يأذن لانه محجور عليه لحظ نفسه فلا يصح تبرعه كالسفيه، فأما العبد فلا يجوز ان يهب الا باذن سيده لانه مال لسيده وماله مال لسيده فلا يجوز له ازالة ملك سيده عنه بغير اذنه كالاجنبي وقد ذكرنا في جواز الصدقة من قوته بالرغيف ونحوه رواية ان ذلك جائز وذكرنا دليله في الحجر وللعبد ان يقبل الهدية والهبة بغير اذن سيده نص عليه احمد لانه تحصيل للمال للسيد فلم يعتبر اذنه فيه كالالتقاط والاصطياد ونحوه: (فصل) والقبض في الهبة كالقبض في البيع وقد ذكرنا ذلك والاختلاف فيه في كتاب البيع وهذا مقيس عليه * (مسألة) * (وتصح هبة المشاع وبه قال مالك والشافعي وسواء في ذلك ما أمكن قسمته أو لم يمكن وقال اصحاب الرأي لا تصح هبة المشاع الذي يمكن قسمته لان القبض شرط في الهبة ووجوب القسمة يمنع صحة القبض وتمامه وتصح هبة ما لا يمكن قسمته لعدم ذلك فيه فان وهب واحد اثنين شيئا مما ينقسم لم يجز عند أبي حنيفة وجاز عند صاحبيه وان وهب اثنان اثنين شيئا مما ينقسم لم يصح في قياس قولهم لان كل واحد من المتهبين قد وهب له جزء مشاع

[ 262 ]

ولنا أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ما غنمه منهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " رواه البخاري وهو هبة مشاع وروي عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء رجل ومعه كبة من شعر فقال أخذت هذه من الغنم لاصلح بها برذعة لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك " وروى عمير بن سلمة الضمري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الروحاء فرأينا حمار وحش معقورا فأردنا أخذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعوه فانه يوشك أن يجئ صاحبه " فجاء رجل من بهز وهو الذي عقره فقال يا رسول الله شأنكم بالحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بين الناس رواه الامام أحمد والنسائي ولانه يجوز بيعه فجازت هبته كالذي لا ينقسم، وقولهم ان وجوب القسمة يمنع صحة القبض لا يصح لانه لا يمنع صحته في البيع فكذا ههنا، ومتى كانت الهبة لاثنين فقبضاه باذنه ثبت ملكهما فيه وإن قبضه أحدهما ثبت الملك في نصيبه دون صاحبه * (مسألة) * (وتصح هبة ما يجوز بيعه لانه تمليك في الحياة فصح كالبيع وتصح هبة الكلب وما يباح الانتفاع به من النجاسات لانه تبرع فجاز في ذلك كالوصية، ومتى قلنا ان القبض شرط في الهبة

[ 263 ]

لم تصح الهبة فيما لا يمكن تسليمه كالعبد الآبق والجمل الشارد والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه منه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لانه عقد يفتقر إلى القبض أشبه البيع فان وهب المغصوب لغاصبه أو لمن يتمكن من أخذه منه صح لامكان قبضه، وليس لغير الغاصب القبض الا باذن الواهب فان وكل المالك الغاصب في تقبيضه صح وان وكل المتهب الغاصب في القبض له فقبل في زمن يمكن قبضه فيه صار مقبوضا وملكه المتهب وبرئ الغاصب من ضمانه وان قلنا القبض ليس شرطا في الهبة فما لا يعتبر فيه القبض من ذلك يحتمل أن لا يعتبر في صحة هبته القدرة على التسليم وهو قول أبي ثور لانه تمليك بلا عوض أشبه الوصية ويحتمل أن لا تصح هبته لانه لا يصح بيعه أشبه الحمل في البطن وكذلك يخرج في هبة الطير في الهواء أو السمك في الماء إذا كان مملوكا * (مسألة) * (ولا تصح هبة المجهول كالحمل في البطن واللبن في الضرع) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور لانه مجهول معجوز عن تسليمه فلم تصح هبته كما لا يصح بيعه وفي الصوف على الظهر وجهان بناء على صحة بيعه، ومتى أذن له في جز الصوف وحلب الشاة كان إباحة وإن وهب دهن سمسمه قبل عصره أو زيت زيتونه أو جفته لم يصح وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا، ولا تصح هبة المعدوم كالذي تحمل امته أو شجرته لان الهبة عقد تمليك في الحياة فلم تصح في هذا كله كالبيع (فصل) قد ذكرنا أن هبة المجهول لا تصح نص عليه احمد في رواية أبي داود وحرب وبه قال الشافعي، قال شيخنا ويحتمل أن الجهل إذا كان من الواهب منع الصحة لانه غرر في حقه وإن كان من الموهوب له لم يمنعها لانه لا غرر في حقه فلم يعتبر في حقه العلم بما يوهب له كالوصية، وقال مالك: تصح هبة المجهول لانه تبرع فصح في المجهول كالنذر والوصية

[ 264 ]

ولنا أنه عقد تمليك لا يصح تعليقه بالشروط فلم يصح في المجهول كالبيع بخلاف النذر والوصية فاما ما لا يقدر على تسليمه فتصح هبته في أحد الاحتمالين إذا قلنا إن القبض ليس بشرط في صحة الهبة وقد ذكرناه. * (مسألة) * (ولا يجوز تعليقها على شرط ولا شرط ما ينافي مقتضاها نحو أن لا يبيعها ولا يهبها) لا يصح تعليق الهبة على شرط لانها تمليك لعين في الحياة فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع، فان علقها على شرط كقول النبي صلى الله عليه وسلم لام سلمه " ان رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك " كان وعدا لا هبة ومتى شرط شرطا ينافي مقتضاها نحو أن لا يبيعها ولا يهبها أو بشرط أن يبيعه أو يهبه أو أن يهب فلانا شيئا لم يصح الشرط رواية واحدة، وفي صحة الهبة وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع. * (مسألة) * (ولا توقيتها كقوله وهبتك هذا سنة) إذا وقت الهبة كقوله وهبتك هذا سنة ثم يعود الي لم يصح لانه عقد تمليك لعين فلم تصح مؤقتا كالبيع (فصل) وان وهب امة واستثنى ما في بطنها صح في قياس قول احمد فيمن اعتق امة واستثنى ما في بطنها لانه تبرع بالام واستثنى ما في بطنها أشبه العتق، وبه يقول في العتق النخعي واسحاق وأبو ثور، ويتخرج أن لا يصح كما لو باع أمة واستثنى ما في بطنها، وقد ذكرناه في البيع، وقال أصحاب الرأي تصح الهبة ويبطل الاستثناء، ولنا أنه لم يهب الولد فلم يملكه الموهوب له كالمنفصل وكالموصى به. * (مسألة) * (الا في العمرى والرقبى وهو أن يقول أعمرتك هذه الدار أو أرقبتكها أو جعلتها لك عمرك أو حياتك فانه يصح وتكون للمعمر ولورثته من بعده) العمرى والرقبى نوعان من أنواع الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الايجاب والقبول والقبض أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبره، وصورة العمرى أن يقول أعمرتك داري هذه أو هي لك عمرك أو ما عشت أو مدة حياتك أو ما حييت أو نحو هذا، سميت عمرى لتقييدها بالعمر، والرقبى

[ 265 ]

أن يقول أرقبتك هذه الدار أو هي لك حياتك على أنك ان مت قبلي عادت الي وان مت قبلك فهي لك ولعقبك فكأنه يقول هي لآخرنا موتا، ولذلك سميت رقبى لان كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، وهما جائزان في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن بعضهم أنها لا تصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تعمروا ولا ترقبوا " ولنا ما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العمرى جائزة لاهلها والرقبى جائزة لاهلها " رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن، فاما النهي فانما ورد على وجه الاعلام لهم انكم ان أعمرتم أو أرقبتم يعد للمعمر والمرقب ولم يعد اليكم منه شئ، وسياق الحديث يدل عليه فانه قال " فمن أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا وعقبه " ولو أريد به حقيقة النهي لم يمنع ذلك صحتها فان النهي انما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه فائدة، أما إذا كان صحة المنهي ضررا على مرتكبه لم يمنع صحته كالطلاق في زمن الحيض، وصحة العمرى ضرر على المعمر فان ملكه يزول بغير عوض. إذا ثبت ذلك فان العمرى تنقل الملك إلى المعمر، وبهذا قال جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وشريح ومجاهد وطاوس والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن علي، وقال مالك والليث: العمرى تمليك المنافع لا تملك بها رقبة المعمر بحال ويكون للمعمر السكنى فيه فان مات عادت إلى المعمر وان قال له ولعقبه كان سكناها لهم فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر، واحتجا بما روى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال سمعت مكحولا يسأل القاسم بن محمد عن العمرى ما يقول الناس فيها فقال القاسم ما أدركت الناس الا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا، وقال ابراهيم الحربي عن ابن الاعرابي لم يختلف العرب في العمرى والرقبى والافقار والمنحة والعارية والكسنى والاطراق انها على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له ولان التمليك لا يتأقت كما لو باعه إلى مدة فإذا كان لا يتأقت حمل قوله على تمليك المنافع لانه يصح توقيته ولنا ما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " امسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها

[ 266 ]

فانه من آعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه " رواه المسلم وفي لفظ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن وهبت له متفق عليه، وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا رقبى، فمن أرقب شيئا فهو له حياته وموته " وعن زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل العمرى للوارث وقد روى مالك حديث العمرى في موطئه وهو صحيح رواه جابر وابن عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وقول القاسم لا يقبل في مخالفة من سمينا من الصحابة والتابعين فكيف يقبل في مخالفة سيد المرسلين، ولا يصح دعوى اجماع اهل المدينة لكثرة من قال بها منهم وقضى بها طارق بالمدينة بأمر عبد الملك بن مروان وقول ابن الاعرابي انها عند العرب تمليك المنافع لا يضر إذا نقلها الشرع إلى تمليك الرقبة كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الافعال المنظومة ونقل الظهار والايلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة، قولهم ان التمليك لا يتأقت قلنا فلذلك أبطل الشرع تأقيتها وجعلها تمليكا مطلقا فان قال في العمرى انها للمعمر وعقبه كان توكيدا لحكمها وتكون للمعمر ولورثته وهو قول جميع القائلين بها * (مسألة) * (وان شرط رجوعها إلى المعمر عند موته أو قال هي لآخرنا موتا صح الشرط وعنه لا يصح وتكون للمعمر ولورثته من بعده) أما إذا شرط رجوعها إلى المعمر عند موته أو قال هي لآخرنا موتا أو إذا مت عادت الي إن كنت حيا أو إلى ورثتي ففيه روايتان (احداهما) صحة العقد والشرط ومتى مات المعمر رجعت إلى المعمر، وبه قال القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والزهري وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب ومالك وأبو ثور وداود وهو أحد قولي الشافعي لما روى جابر قال إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك فلما إذا قال هي لك ما عشت فانها ترجع إلى صاحبها متفق عليه، وروى مالك في موطئه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ايما رجل اعمر عمرى له ولعقبه فانها للذي أعطيها لا ترجع إلى من أعطاها " لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمنون على شروطهم وقال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم.

[ 267 ]

(والثانية) أنها تكون للمعمر أيضا ولورثته ويبطل الشرط وهو قول الشافعي في الجديد وأبي حنيفة، قال شيخنا وهو ظاهر المذهب نص عليه احمد في رواية أبي طالب للاحاديث المطلقة التي ذكرناها ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا رقبى، فمن أرقب شيئا فهو له حياته وموته "، قال مجاهد والرقبى هو أن يقول هي للآخر مني ومنك موتا قال مجاهد سميت بذلك لان كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، وروى الامام احمد باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته وموته " وهذا صريح في ابطال الشرط لان الرقبى يشترط فيها عودها إلى المرقب ان مات الآخر قبله فاما حديثهم الذي احتجوا به فمن قول جابر نفسه وانما نقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم قال " امسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فانه من اعمر عمرى فهي للذي اعمرها حيا وميتا ولعقبه " ولاننا لو أجزنا هذا الشرط كانت هبة مؤقتة والهبة لا يجوز فيها التأقيت وانما لم يفسدها الشرط لانه ليس بشرط على المعمر وانما شرط ذلك على ورثته ومتى لم يكن الشرط مع المعقود معه لم يؤثر فيه ولنا قوله في الحديث الآخر لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فهذه الزيادة من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن كذلك رواه ابن أبي ذئب، وفصل هذه الزيادة فقال عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قضى فيمن اعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا مثنوية قال أبو سلمة لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث (فصل) والرقبي كالعمرى قال أحمد هي أن يقول هي لك حياتك فإذا مت فهي لفلان أو هي راجعة الي وهي كالعمرى فيما إذا شرط عودها إلى المعمر قال علي رضي الله عنه العمرى والرقبى سواء وقال طاوس من ارقب شيئا فهو سبيل الميراث وقال الزهري الرقبى وصية يعني ان معناها إذا مت فهذا لك وقال الحسن ومالك وأبو حنيفة الرقبى باطلة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز العمرى وأبطل الرقبي لان

[ 268 ]

معناها انها للآخر منا وهذا تمليك معلق بخطر ولا يجوز تعليق التمليك بالخطر ولنا ما ذكرنا من الاحاديث وحديثهم لا نعرفه ولا نسلم ان معناها ما ذكروه بل معناها انها لك حياتك فان مت رجعت إلي فتكون كالعمرى سواء لانه زاد شرطها لورثة المرقب ان مات المرقب قبله وهذا يبين تأكيدها على العمرى (فصل) وتصح العمرى في الحيوان والثياب لانها نوع هبة فصحت في ذلك كسائر الهبات وقد روي عن احمد في الرجل يعمر الجارية أنه قال لا أرى له وطأهأ قال القاضي لم يتوقف أحمد في وطئ الجارية لعدم الملك فيها لكن على طريق الورع لكون الوطئ استباحة فرج وقد اختلف في العمرى فجعلها بعضهم تمليك المنافع فلم ير له وطأها لهذا ولو وطئها جاز (فصل) وقد ذكرنا أنه لو وقت الهبة في غير العمرى والرقبي كقوله (وهبتك هذا سنة) أو إلى ان يقدم الحاج أو إلى ان يبلغ ولدي أو مدة حياة فلان ونحو هذا لم يصح لانها تمليك للرقبة فلم تصح موقنة كالبيع وتفارق العمرى والرقبي لان الانسان انما يملك الشئ عمره فإذا ملكه عمره فقد وقته بما هو موقت به في الحقيقة فصار ذلك كالمطلق (فصل) فاما ان قال سكناها لك عمرك فله اخذها في أي وقت أحب وكذلك ان قال اسكنها أو أسكنتكها عمرك أو نحو ذلك فليس هذا عقدا لازما لانه في التحقيق هبة المنافع والمنافع انما تستوفى بمضي الزمان شيئا فشيئا فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منها واستوفاه بالسكنى فعلى هذا للمسكن الرجوع متى شاء وتبطل بموت من مات منهما وبه قال اكثر اهل العلم منهم الشعبى والنخعي والثوري والشافعي واسحاق واصحاب الرأي وقال الحسن وعطاء وقتادة هي كالعمرى يثبت فيها مثل حكمها وحكي عن الشعبي أنه قال إذا قال هي لك اسكن حتى تموت فهي له حياته وموته، وان قال داري هذه اسكنها حتى تموت فانها ترجع إلى صاحبها لانه إذا قال لك فقد جعل له رقبتها فتكون عمرى، وإذا قال اسكن داري هذه فانما جعل له نفعها دون رقبتها فتكون عارية

[ 269 ]

ولنا ان هذا اباحة المنافع فلم يقع لازما كالعارية وفارق العمرى فانها هبة الرقبة فأما قوله هذه لك اسكنها حتى تموت فانه يحتمل لك سكناها حتى تموت وتفسيرها بذلك دليل على انه أراد السكنى فأشبه ما لو قال هذه لك سكناها وإذا احتمل أنه يريد به الرقبة واحتمل ان يريد السكنى فلا نزيل ملكه بالاحتمال. (فصل) إذا وهب هبة فاسدة أو باع بيعا فاسدا ثم وهب تلك العين أو باعها بعقد صحيح مع علمه بفساد الاول صح العقد الثاني لانه تصرف في ملكه، عالما بأنه ملكه، وان اعتقد صحة العقد الاول ففي الثاني وجهان (احدهما) صحته لانه تصرف صادف ملكه وتم بشروطه فصح كما لو علم فساد الاول (والثاني) لا يصح لانه تصرف تصرفا يعتقد فساده ففسد كما لو صلى يعتقد انه محدث فبان متطهرا وهكذا لو تصرف في عين يعتقد انها لابيه فبان أنه قد مات وملكها الوارث أو غصب عينا فباعها يعتقدها مغصوبة فبان انها ملكه فعلى الوجهين. قال القاضي: اصل الوجيهن من باشر امرأة بالطلاق يعتقدها أجنبية فبانت امرأته أو باشر بالعتق من يعتقدها حرة فبانت امته ففي وقوع الطلاق والحرية روايتان وللشافعية في هذه المسألة وجهان كما حكينا والله أعلم * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (والمشروع في عطية الاولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم) ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية بينهم وكراهية التفضيل قال ابراهيم كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القبل، إذا ثبت هذا فالتسوية المستحبة ان يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث للذكر مثل حظ الانثيين، وبه قال عطاء وشريح واسحاق ومحمد بن الحسن قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: أرددهم إلى سهام الله وفرائضه وقال عطاء ما كانوا يقسمون الا على كتاب الله تعالى، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المبارك يعطي الانثى مثل ما يعطي الذكر لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير بن سعد " سو بينهم " وعلل ذلك بقوله " أيسرك ان يستوا في برك " فقال نعم قال " فسو بينهم " والبنت كالابن في استحقاق برها فكذلك في عطيتها وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 270 ]

" سووا بين اولادكم في العطية ولو كنت مؤثرا أحدا لا ترث النساء على الرجال " رواه سعيد في سننه ولانها عطية في الحياه فاستوى فيها الذكر والانثى كالنفقة والكسوة ولنا أن الله تعالى قسم بينهم فجعل للذكر مثل حظ الانثيين وأولى ما اقتدى به قسمة الله تعالى ولان العطية في الحياة إحدى حالتي العطية فيجعل للذكر منها مثل حظ الانثيين كحالة الموت يعني الميراث يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي أن تكون على حسبه كما ان معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة ادائها بعد وجوبها وكذلك الكفارات المعجلة ولان الذكر أحوج من الانثى من قبل انهما إذا تزوجا جميعا فالصداق والنفقة ونفقة الاولاد على الذكر، والانثى لها ذلك فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته وقد قسم الله الميراث ففضل الذكر مقرونا بهذا المعنى فيعلل به ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة وحديث بشير قضية عين وحكاية حال لا عموم لها انما يثبت حكمها في مثلها ولا نعلم حال اولاد بشير هل كان فيهم انثى أو لا؟ ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قد علم انه ليس له الا ولد ذكر ثم تحمل التسوية على القسمة على كتاب الله تعالى ويحتمل انه أراد التسوية في اصل العطاء لا في صفته فان التسوية لا تقتضي التسوية من كل وجه وكذلك الحديث الآخر ودليل ذلك قول عطاء: ما كانوا يقسمون الا على كتاب الله تعالى وهذا خبر عن جميعهم على ان الصحيح في خبر ابن عباس أنه مرسل * (مسألة) * (فان خص بعضهم أو فضله فعليه التسوية بالرجوع أو إعطاء الآخر حتى يستووا) قد ذكرنا ان المشروع أن يسوي بين أولاده في العطية على قدر ميراثهم فان خص بعضهم بعطيته أو فاضل بينهم اثم إذا لم يختص بمعنى يبيح التفضيل ووجب عليه التسوية اما برد ما فضل به البعض أو اعطاء الآخر حتى يتم نصيبه قال طاوس لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك وروي معناه عن مجاهد وعروة وكان الحسن يكرهه ويخيره في القضاء وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي يجوز ذلك وروي معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح لان أبا بكر

[ 271 ]

رضي الله عنه نحل عائشة ابنته جداد عشرين وسقا دون سائر ولده واحتج الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير " أشهد علي هذا غيري " فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها ولانها عطية تلزم بموت الاب فكانت جائزة كما لو سوي بينهم ولنا ما روى النعمان بن بشير قال تصدق علي أبي ببعض ماله فسالت أمي عمرة بنت رواحة لا ارضى حتى تشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهده علي صدقتي فقال " اكل ولدك اعطيت مثله " قال لا قال " فاتقوا الله واعدلوا بين اولادكم " قال فرجع ابي فرد تلك الصدقة وفي لفظ قال " فاردده " وفي لفظ " لا تشهدني على جور " وفي لفظ " فلا تشهدني إذا " وفي لفظ " فاشهد على هذا غيري " وفي لفظ " سو بينهم " متفق عليه وفيه دليل على التحريم لانه اسماه جورا وأمره برده وامتنع من الشهادة عليه والجور حرام والامر يقتضي الوجوب ولان تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه كترويج المرأة على عمتها وخالتها وقول أبي بكر لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحتج به معه ويحتمل ان أبا بكر رضي الله عنه خصها لحاجتها وعجزها عن الكسب والسبب مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين وغير ذلك من فضائلها ويحتمل أن يكون نحلها ونحل غيرها من ولده أو نحلها وهو يريد ان ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه لان حمله على مثل محل النزاع منهي عنه واقل احواله الكراهة والظاهر من حال أبي بكر رضي الله عنه اجتناب المكروهات وقول النبي صلى الله عليه وسلم " فاشهد على هذا غيري " ليس بأمر لان ادنى أحوال الامر الاستحباب والندب ولا خلاف في كراهة هذا وكيف يجوز ان يأمره بتأكيده مع أمره برده وتسميته اياه جورا وحمل الحديث على هذا حمل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على التناقض ولو أمر النبي صلى الله عليه وسلم باشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرده وانما هو تهديد له فيفيد ما أفاده النهي عن اتمامه

[ 272 ]

(فصل) فأما ان خص بعضهم لمعنى يقتضيه تخصيصه من حاجة أو زمانة أو عمي أو كثرة عائلة أو لاشتغاله بالعلم أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته ولكونه يعصي الله تعالى بما يأخذه فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك فانه قال في تخصيص بعضهم بالوقف لا بأس إذا كان لحاجة واكرهه إذا كان على سبيل الاثرة والعطية في معناه ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل على كال حال لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل بشيرا في عطيته قال شيخنا والاول أولى ان شاء الله لحديث أبي بكر ولان بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها وترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال فان قيل لو علم الحال لما قال " ألك ولد غيره؟ " قلنا يجوز أن يكون السؤال ههنا لبيان العلة كما قال عليه الصلاة والسلام الذي سأله عن بيع الرطب بالتمر " أينقص الرطب إذا يبس قال نعم " قال " فلا إذا " وقد علم أن الرطب ينقص لكن نبه السائل بهذا على علة المنع والله أعلم (فصل) والام في المنع من المفاضلة بين أولادها كالاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " ولانها أحد الوالدين أشبهت الاب ولان ما يحصل بتخصيص الاب بعض ولده من الحسد والتباغض يوجد مثله في تخصيص الام فيثبت لها مثل حكمه في ذلك * (مسألة) * (وان مات قبل ذلك ثبت للمعطى وعنه لا يثبت وللباقين الرجوع اختاره أبو عبد الله بن بطة) إذا فاضل بين ولده في العطايا أو خص بعضهم بعطية ثم مات قبل أن يسترده ثبت ذلك للموهوب له ولزم وليس لبقية الورثة الرجوع هذا المنصوص عن أحمد في رواية محمد بن الحكم والميموني واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أهل العلم وهو الذي ذكره الخرقي، وفيه رواية أخرى أن لباقي الورثة أن يرتجعوا ما وهبه اختاره أبو عبد الله بن بطة وأبو حفص العكبريان وهو قول عروة بن الزبير واسحاق قال أحمد: عروة قد روى الاحاديث الثلاثة حديث

[ 273 ]

عائشة وحديث عمر وحديث عثمان وتركها وذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم " يرد في حياة الرجل وبعد موته " وهو قول اسحاق إلا انه قال إذا مات الرجل فهو ميراث بينهم لا يسع أن يننفع أحد بما أعطى دون اخوته وأخواته لان النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك جورا بقوله لبشير " لا نشهدني على جور " والجور لا يحل للفاعل فعله ولا للمعطى تناوله والموت لا يغيره عن كونه جورا حراما فيجب رده ولان أبا بكر وعمر أمرا قيس بن سعد يرد قسمة أبيه حين ولد له ولد لم يكن علم به ولا أعطاه شيئا وكان ذلك بعد موت سعد فروى سعيد باسناده من طريقين أن سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها ثم ولد له بعد ذلك ولد فمشى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى قيس بن سعد فقالا إن سعد قسم ماله ولم يدر ما يكون وإنا نرى أن ترد هذه القسمة فقال لم أكن لاغير شيئا صنعه سعد ولكن نصيبي له وهذا معنى الخبر، ووجه الرواية الاولى قول أبي بكر لعائشة رضي الله عنهما لما نحلها نحلا وددت أنك كنت حزتيه فيدل على انها لو كانت حازته لم يكن لهم الرجوع وقال عمر لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد ولانها عطية لولده فلزمت بالموت كما لو انفرد ولانه حق للاب يتعلق بمال الولد فسقط بموته كالاخذ من ماله (فصل) وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه ولا اعطاؤهم على قد ميراثهم سواء كانوا من جهة واحدة كاخوة وأخوات وني عم أو من جهات كبنات وأخوات وغيرهم وقال أبو الخطاب المشروع في عطية سائر الاقارب أن يعطيهم على قدر ميراثهم كالاولاد فان خالف فعليه أن يرجع أو يعمهم بالنحلة لانهم في معنى الاولاد فثبت فيهم حكمهم ولنا أنها عطية لغير الاولاد في صحته فلم تجب عليه التسوية كما لو كانوا غير وارثين ولان الاصل إباحة الانسان التصرف في ماله كيف شاء وإنما وجبت التسوية بين الاولاد للخبر وليس غيرهم في معناهم لانهم استووا في بر والدهم فاستوا في عطيته وبهذا علل النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لبشير " أيسرك

[ 274 ]

أن يستوا في برك " قال نعم قال " فسو بينهم " ولم يوجد هذا في غيرهم ولان للوالد الرجوع فيما أعطى ولده فيمكنه أن يسوي بينهم في الرجوع بما أعطاه لبعضهم ولا يمكن ذلك في غيرهم ولان الاولاد لشدة محبة الوالد لهم وصرفه ماله إليهم عادة يتنافسون في ذلك ويشتد عليهم تفضيل بعضهم ولا يساويهم في ذلك غيرهم فلا يصح قياسه عليهم ولان النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن لبشير زوجة ولم يأمره باعطائها شيئا حين أمره بالتسوية بين أولاده ولم يسأله هل لك وارث غير ولدك؟ (فصل) فان أعطى أحدا بنيه في صحته والآخر في مرضه فقد توقف أحمد فيه فانه سئل عمن زوج ابنه فاعطى عنه الصداق ثم مرض الاب وله ابن آخر هل يعطيه في مرضه كما اعطي الآخر في صحته؟ فقال لو كان أعطاه في صحته فيحتمل وجهين (أحدهما) لا يصح لان عطيته في مرضه كوصية له ولو وصى له لم يصح فكذلك إذا أعطاه (والثاني) يصح وهو الصحيح ان شا الله تعالى لان التسوية بينهما واجبة ولا طريق لها في هذا الموضع إلا بعطية الآخر فتكون واجبة فصح كقضاء دينه (فصل) قال أحمد أحب إلي أن لا يقسم ماله ويدعه إلى فرائض الله تعالى لعله أن يولد له فان اعطى ولده ماله ثم ولد له ولد فاعجب إلى أن يرجع فيسوي بينهم بعني يرجع في الجميع أو يرجع في بعض ما اعطى كل واحد منهم ليدفعه إلى هذا الولد الحادث ليساوي اخوته فان اعطى ولده ثم مات ثم ولد له ولد استحب للمعطي أن يساوي المولود الحادث بعد أبيه (1) * (مسألة) * (فان سوى بينهم في الوقف أو وقف ثلثه في مرضه على بعضهم جاز نص عليه وقياس المذهب أن لا يجوز) إذا سوى بين أولاده في الوقف الذكر والاثى جاز ذكره القاضي وقال هو المستحب لان القصد القربة على وجه الدوام وقد استووا في القرابة وقال شيخنا المستحب أن يقسم الوقف على أولاده


(1) قال الشيخ رحمه الله هذه المسألة مذكورة في الوقف فلا حاجة إلى اعادتها

[ 275 ]

كقسمة الميراث للذكر مثل حظ الانثيين كما قسم الله تعالى بينهم الميراث لانه إيصال المال إليهم فينبغي أن يكون بينهم على حسب الميراث كالوصية ولان الذكر في مظنة الحاجة أكثر من الانثى لان الذكر تجب عليه نفقة زوجته وأولاده والمرأة ينفق عليها زوجها ولا تلزمها نفقة ولدها إذا كان لهم أب وقد فضل الله سبحانه الذكر على الانثى في الميراث على وفق هذا المعني فيصح تعليله به فينبغي أن يتعدى إلى الوقف وما ذكره القاضي لا اصل له وهو ملغي بالميراث فان خالف فسوى بين الذكر والانثى أو فضلها عليه أو فضل بعض البنين على بعض في الوقف أو بعض البنات أو خص بعضهم بالوقف فقد روي عن أحمد في رواية محمد بن الحكم: ان كان على طريق الاثرة فاكرهه وان كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة فلا بأس به وذلك لان الزببر خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته (1) (فصل) وأما إذا وقف ثلثه في مرضه على بعض ورثته فقد اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك فروي عنه عدم الحواز فان فعل وقف على إجازة الورثة فانه قال في رواية اسحاق بن ابراهيم فيمن وصى لاولاد بنته بارض توقف عليهم فقال ان لم يرثوه فجائز فظاهر هذا انه لا يجوز الوقف عليهم في المرض اختاره أبو حفص العكبري وابن عقيل واليه ذهب الشافعي (والثانية) يجوز أن يقف عليهم ثلثه كالاجانب فانه قال في رواية جماعة منهم الميموني يجوز للرحل أن يقف في مرضه على ورثته فقيل له أليس تذهب إلى انه لا وصية لوارث؟ فقال نعم والوقف غير الوصية ولانه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكا للورثه بل ينتفعون بغلتها وقال في رواية احمد بن الحسن انه صرح في مسئلته بوقف ثلثه على بعض ورثته دون بعض فقال جائز قال الخبري وأجاز هذا الاكثرون واحتج احمد بحديث عمر رضي الله عنه انه قال: هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المومنين أن حدث به حدث


(1) قد ذكرنا ذلك في الوقف

[ 276 ]

ان ثمغا صدقة والعبد الذي فيه والسهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة وسق الذي أطعمني محمد صلى الله عليه وسلم تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهله لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقا رواه أبو داود بنحو من هذا فالحجة فيه انه جعل حفصة تلي وقفه وتأكل منه وتشتري رقيقا، قال الميموني قلت لاحمد انما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بالايقاف وليس في الحديث الوارث، قال فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمره وهوذا قد وقفها على ورثته وحبس الاصل عليهم جميعا ولان الوقف ليس في معنى المال لانه لا يجوز التصرف فيه فهو كعتق الوارث ولنا انه تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه فمنع منه كالهبات ولان كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز له بالمنفعة كالاجنبي فيما زاد على الثلث، وأما خبر عمر فانه لم يخص بعض الورثة بوقفه والنزاع انما هو في تخصيص بعضهم وأما جعل الولاية إلى حفصة فليس ذلك وقفا عليها فلا يكون ذلك واردا في محل النزاع وكونه انتفاعا بالغلة لا يقتضي جواز التحصيص بدليل ما لو وصى لوارثه بمنفعة عبد لم يجز، ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية الجماعة على انه وقف على جميع الورثة ليكون على وفق حديث عمر وعلى وفق الدليل الذي ذكرناه والله أعلم (فصل) فان وقف داره وهي تخرج من ثلثه بين ابنه وبنته نصفين في مرض موته صح على رواية الجماعة ولزم لانه لما كان يجوز تخصيص البنت بوقف الدار كلها فنصفها أولى وعلى الرواية التي نصرناها إن أجازه الابن جاز وإن رده بطل الوقف فيما زاد على نصيب الابن وهو السدس ويرجع إلى الابن ملكا فيكون له النصف وقفا والسدس ملكا طقا والثلث جميعه للبنت وقفا، ويحتمل أن يبطل الوقف في نصف ما وقف على البنت وهو المربع ويبقى ثلاثة أرباع الدار وقفا نصفها للابن وربعها للبنت والربع الذي بطل الوقف فيه بينهما أثلاثا، وتصح المسألة من اثنى عشر للابن ستة أسهم وقفا وسهمان ملكا

[ 277 ]

وللبنت ثلاثة أسهم وقفا وسهم ملكا، ولو وقفها على ابنه وزوجته نصفين وهي تخرج من ثلثه فرد الابن صح الوقف على الابن في نصفها وعلى المرأة في ثمنها، وللابن ابطال الوقف في ثلاثة اثمانها وترجع إليه ملكا على الوجه الاول، وعلى الوجه الثاني يصح الوقف على الابن في نصفها وهو أربعة أسباع نصيبه ويرجع إليه باقي نصيبه ملكا، ويصح الوقف في أربعة أسباع الثمن الذي للمرأة وباقيه يكون لها ملكا فاضرب سبعة في ثمانية تكن ستة وخمسين للابن ثمانية وعشرون وقفا وإحدى وعشرون ملكا وللمرأة أربعة أسهم وقفا وثلاثة ملكا وهكذا ذكر أصحاب الشافعي، فأما إن كانت الدار جميع ملكه فوقفها كلها فعلى ما اخترناه الحكم فيها كما لو كانت تخرج من الثلث فان الورث في جميع المال كالاجنبي في الزائد عن الثلث، وأما على ما رواه الجماعة فان الوقف يلزم في الثلث من غير اختيار الورثة وما زاد فلهما ابطال الوقف فيه وللابن ابطال التسوية فان اختار ابطال التسوية دون ابطال الوقف خرج فيه وجهان (أحدهما) انه يبطل الوقف في التسع ويرجع إليه ملكا فيصير له النصف وقفا والتسع ملكا وللبنت الثلث وقفا ونصف التسع ملكا لئلا تزداد البيت على الابن في الوقف، وتصح المسألة في هذا الوجه من ثمانية عشر للابن تسعة وقفا وسهمان ملكا وللبنت ستة وقفا وسهم ملكا، وقال أبو الخطاب له إبطال الوقف في الربع كله ويصير له النصف وقفا والسدس ملكا ويكون للبنت الربع وقفا ونصف السدس ملكا كما لو كانت الدار تخرج من الثلث وتصح من اثنى عشر * (مسألة) * (ولا يجوز لواهب أن يرجع في الهبة) لا يختلف المذهب ان غير الاب والام لا يجوز له الرجوع في الهبة والهدية وبه قال الشافعي، وقال النخعي والثوري وإسحق وأصحاب الرأي: من وهب لغير ذي رحم فله الرجوع ما لم يثب عليها ومن وهب لذي رحم فليس له الرجوع، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " رواه ابن ماجة لقول عمر رضي الله عنه: من وهب هبة يرى انه أراد بها صلة الرحم أو على وجه صدقة فانه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها رواه مالك في الموطا ولانه لم يحصل عنها عوض فجاز له الرجوع فيها كالعارية

[ 278 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " العائد في هبته كالعائد في قيئه وفي لفظ " كالكلب يعود في قيئه " وفي رواية " ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " متفق عليه، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يرجع واهب في هبته إلا الوالد من ولده " ولانه واهب لا ولاية له في المال فلم يرجع في هبته لذي الرحم المحرم وأحاديثنا أصح من حديثهم وأول، وقول عمر قد روي عن ابنه وابن عباس خلافه، وأما العارية فهي هبة المنافع ولم يحصل القبض فيها فان قبضها باستيفائها فنظير مسئلتنا ما استوفى من منافع العارية فانه لا يجوز الرجوع فيها وقياسهم منقرض بهة الاجنبي فان فيها ثوابا وقد جوزوا فيها الرجوع فحصل الاتفاق على ان ما وهب الانسان لذوي رحمه المحرم غير الوالدين لا رجوع فيها وكذلك ما وهب الزوج امرأته والخلاف فيما عدا هذا فعندنا لا يرجع إلا الوالد وعندهم لا يرجع إلا الاجنبي (فصل) فأما الاب فله الرجوع فيما وهب لولده في ظاهر المذهب سواء قصد برجوعه التسوية بين أولاده أولا وبه قال مالك والشافعي والاوزاعي وإسحق وأبو ثور، وعن أحمد رواية أخرى ليس له الرجوع وبها قال أصحاب الرأي والثوري وللعنبري لقول النبي صلى الله عليه وسلم " العائد في هبته كالعائد في قيئه " متفق عليه، ولما ذكرنا من حديث عمر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لقيس بن سعد " فاردده " وروي " فارجعه " رواه كذلك عن مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن النعمان فأمره بالرحوع في هبته وأقل أحوال الامر الجواز، وقد امتثل بشير بن سعد ذلك فرجع في هبته لولده، ألا تراه قال في الحديث: فرجع أبي فرد تلك الصدقة؟ فان قيل يحمل الحديث على انه لم يكن أعطاه شيئا قلنا هذا يخالف ظاهر الحديث لقوله تصدق أبي علي بصدقة، وقول بشير اني نحلت ابني غلاما يدل على انه كان قد أعطاه وقول النبي صلى الله عليه وسلمه " فاردده " وروى طاوس عن ابن عمر وابن عباس يرفعان الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم انه قال

[ 279 ]

" ليس لاحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده " رواه الترمذي وقال حديث حسن وهذا يخص عموم ما رووه وقياسهم منقرض بهبة الاجنبي فان فيها أجرا وثوابا فان النبي صلى الله عليه وسلم ندب إليها وعندهم له الرجوع فيها والصدقة على الولد كمسئلتنا، وقد دل حديث النعمان بن بشير على جواز الرجوع في الصدقة قول تصدق علي ابي بصدقة (فصل) فأما الام فظاهر كلام أحمد انه ليس لها الرجوع، قال الاثرم: قلت لابي عبد الله الرجوع للمرأة فيما أعطت ولدها كالرجل؟ قال ليس هي عندي كالرجل لان للاب أن يأخذ من مال ولده والام لا تأخذ وذكر حديث عائشة " أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه " أي كأنه الرجل، ولا يصح قياس الام على الاب لان للاب ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث بخلاف الام، ويحتمل ان لها الرجوع وهو ظاهر كلام الخرقي فانه قال: وإذا فاضل بين أولاده أمر برده فيدخل فيه الام وهذا مذهب الشافعي لانها داخلة في قوله إلا الولد فيما يعطي ولده ولانها دخلت في قول النبي صلى الله عليه وسلم " سووا بين أولادكم " فينبغي أن يتمكن من الرجوع في الهبة ولانه طريق إلى التسوية وربما لا يكون لها طريق غيره إذا لم يمكن أعطت الآخر كما أعطت لاول لانها ساوت الاب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضلته به تخليصا لها من الاثم وإزلة التفضيل المحرم كالاب وهذا الصحيح ان شاء الله تعالى، وقال مالك للام الرجوع فيما وهبت ولدها ما كان أبوه حيا فان كان ميتا فلا رجوع لها لانها هبة ليتيم وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع، ومن مذهبه انه لا يرجع في صدقة التطوع (فصل) وحكم الصدقة حكم الهبة فيما ذكرنا وهو مذهب الشافعي، وفرق مالك وأصحاب الرأي بينهما فلم يجيزوا الرجوع في الصدقة بحال واحتجوا بحديث عمر: من وهب هبة أراد بها صلة الرحم أو على وجه صدقة فانه لا يرجع

[ 280 ]

ولنا حديث النعمان فانه قال: تصدق أبي علي بصدقة فرجع أبي فرد تلك الصدقة، وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إلا الوالد فيما يعطي ولده " وهذا يقدم على قول عمر ثم هو خاص في الولد، وحديث عمر فيجب تقديم الخاص عليه (فصل) وللرجوع في هبة الولد شروط أربعة (أحدها) أن يبقى ملك الابن فيها فان خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو غير ذلك لم يكن له الرجوع فيها لانه ابطال لملك غير الولد فاشبه غير الموهوب للولد (الثاني) أن تكون العين باقية في تصرف الولد يلك التصرف في رقبتها فان استولد الامة لم يملك الرجوع لان الملك فيها لا يجوز نقله إلى غير سيدها وكذلك ان أفلس وحجر عليه أو رهن العين لانه يفضي إلى ابطال حق غير الولد فان زال المانع من التصرف فله الرجوع لان ملك الابن لم يزل وان اطرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك فمنع لرجوع فإذا زال زال المنع والصحيح في التدبير أنه لا يمنع الرجوع فان قلنا يمنع البيع منع الرجوع كالاستيلاد، وكل تصرف لا يمنع الابن التصرف في الرقبة كالوصية والهبة قبل القبض فيما يفتقر إليه والوطئ والتزويج والاجارة والمزارعة عليها وجعلها مضاربة أو في عقد شركة فكل ذلك لا يمنع الرجوع لانه لا يمنع تصرف الابن في رقبتها وكذلك تعليق العتق بصفة وإذا رجع وكان التصرف لازما كالاجارة والتزويج والكتابة فهو باق بحاله لان الابن لا يملك ابطاله وأما التدبير والمعلق عتقه بصفة فلا يبقى حكمها في حق الاب ومتى عاد إلى الابن عاد حكمها والبيع الذى للابن فيه خيار اما بالشرط أو عيب في الثمن أو غير ذلك فيمنع الرجوع لان الرجوع يتضمن فسخ ملك الابن في عوض المبيع ولم يثبت ذلك من جهته (فصل) فان تعلق بها رغبة لغير الولد مثل ان يهب ولده شيئا فيرغب الناس في معاملته ويداينونه أو في مناكحته فيزوجوه أو يهب بنته فتتزوج لذلك فعن احمد روايتان (أولاهما ليس له الرجوع قال أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهب ابنه مالا فله الرجوع الا ان يكون غر به قوما فان غر به

[ 281 ]

فليس له الرجوع، وهذا مذهب مالك لانه تعلق بها حق غير الابن ففي الرجوع ابطال حقه وقد قال عليه الصلاة والسلام " لا ضرر ولا اضرار " وفي الرجوع ضرر ولان في هذا تحيلا على الحاق الضرر بالمسلمين ولا يجوز ذلك (والثانية) له الرجوع لعموم الخبر ولان حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال فلم يمنع الرجوع فيه وان داينه الناس فافلس ولم يحجر عليه فعلى الروايتين * (مسألة) * (وان نقصت العين أو زادت زيادة مفصلة لم تمنع الرجوع والزيادة للابن ويحتمل أنها للاب وهل تمنع المتصلة الرجوع؟ على روايتين) أما الزيادة المنفصلة كالولد وثمرة الشجرة وكسب العبد فلا تمنع الرجوع بغير خلاف نعلمه والزيادة للولد لانها حادثة في ملكه ولا تتبع في الفسوخ فلا تتبع ههنا، ويحتمل انها للاب ذكره القاضي كالرد بالعيب، فان كانت لزيادة ولد أمة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه منع الرجوع لانه يلزم منه التفريق بينه وبين أمه وهو محرم الا أن نقول ان الزيادة المنفصلة للاب فلا تمنع الرجوع لانه يرجع فيهما جميعا أو يرجع في الام ويتملك الولد من مال ولده (فصل) فان تلف بعض العين أو نقصت قيمتها لم يمنع الرجوع فيها ولا ضمان على الابن فيما تلف منها لانه تلف على ملكه سواء تلف بفعل الابن أو بغير فعله وان جنى العبد جناية تعلق أرشها برقبته فهو كنقصانه بذهاب بعض أجزائه وللاب الرجوع فيه فان رجع فيه ضمن أرش الجناية وان جنى على العبد فرجع الاب فيه فارش الجناية عليه للابن لانه بمنزلة الزيادة المنفصلة فان قيل فلو أراد الاب الرجوع في الرهن وعليه فككه لم يملك ذلك فكيف يملك الرجوع في العبد الجاني إذا أدى ارش الجناية؟ قلنا الرهن يمنع التصرف في العين بخلاف الجناية ولان فك الرهن فسخ لعقد عقده الموهوب له وههنا لم يتعلق الحق به من جهة العقد فافترقا (فصل) فاما الزيادة المتصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة إذا زادت بها القيمة فعن أحمد فيها روايتان

[ 282 ]

(احداهما) لا تمنع الرجوع وهو مذهب الشافعي لانها زيادة في الموهوب فلم تمنع الرجوع كالزيادة قبل القبض والمنفصلة (والثانية) تمنع وهو مذهب أبى حنيفة لان الزيادة للموهوب له لكونها نماء ملكه ولم تنتقل إليه من جهة أبيه فلم يملك الرجوع فيها كالمنفصلة وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع في الاصل لئلا يفضي إلى سوء المشاركة وضرر التشقيص ولانه فسخ استرجاع المال يفسخ عقد لغير عيب في عوضه فمنعه الزيادة المتصلة كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح أو نصفه بالطلاق ورجوع البائع في المبيع لفلس المشتري وفارق الرد بالعيب من جهة ان الرد من المشتري وقد رضي ببذل الزيادة وان فرض الكلام فيما إذا باع عرضا بعرض فراد أحدهما ووجد المشتري بالآخر عيبا قلنا بائع المعيب سلط المشتري على الفسخ ببيعه المعيب فكان الفسخ وجد منه ولهذا قلنا فيما إذا فسخ لزوج النكاح لعيب المرأة قبل الدخول سقط صداقها كما لو فسخته وعلى هذا لا فرق بين الزيادة في العين كالسمن والطول ونحوهما أو في المعاني كتعلم صناعة أو كتابة أو قران أو علم أو اسلام أو قضاء دين عنه وبهذا قال محمد بن الحسن وقال أبو حنيفة الزيادة بتعلم القرآن وقضاء دين عنه لا تمنع الرجوع ولنا أنها زيادة لها مقابل من الثمن فمنعت الرجوع كالسمن وتعلم صنعة وان زاد ببرئه من مرض أو صمم منع الرجوع كسائر الزيادات وان كانت زيادة العين أو التعلم لا تزيد في قيمته شيئا أو تنقص منها لم تمنع الرجوع لانه ليس بزيادة في المالية (فصل) فان قصر العين أو فصلها فهي زيادة متصلة هل تمنع الرجوع اولا؟ مبني على الروايتين في السمن قال شيخنا ويحتمل ان تمنع هذه الزيادة الرجوع بكل حال لانها حاصلة بفعل الابن فجرت مجرى العين الحاصلة بفعله بخلاف السمن فانه يحتمل أن يكون للاب فلا يمنع الرجوع لانه نماء العين فيكون نابعا لها وان وهبه حاملا فولدت في يد الابن فهي زيادة متصلة في الولد ويحتمل أن يكون الولد زيادة منفصلة إذا قلنا الحمل لا حكم له وان وهبه حاملا ثم رجع فيها حاملا جاز إذا لم تزد قيمتها

[ 283 ]

وان زادت قيمتها فهي زيادة متصلة، وان وهب حائلا فحملت فهي زيادة منفصلة وله الرجوع فيها دون حملها وان قلنا ان الحمل لا حكم له فزادت به قيمتها فهي زيادة متصلة وان لم تزد جاز الرجوع فيها وان وهبه نخلا فحملت فهي قبل التأبير زيادة متصلة وبعده زيادة منفصلة * (مسألة) * (وان باعه المتهب ثم رجع إليه بفسخ أو اقالة فهل له الرجوع؟ على وجهين) إذا خرجت العين عن ملك الابن ببيع أو هبة ثم عادت إليه بسبب كبيع أو هبة أو وصية أو ارث أو نحوه لم يملك الاب الرجوع فيها لانها عادت بملك جديد لم يستفده من قبل ابيه فلا يملك فسخه وازالته كالذي لم يكن موهوبا وان عادت إليه بفسخ العيب أو اقالة أو فلس المشتري ففيها وجهان (احدهما) يملك الرجوع لان السبب المزيل ارتفع وعاد الملك بالسبب الاول فاشبه ما لو فسخ البيع بالخيار (والثاني) لا يملك الرجوع لان الملك عاد إليه بعد استقرار ملك من انتقل إليه عليه اشبه ما لو عاد إليه بالهبة فاما ان عاد إليه بخيار الشرط أو خيار المجلس فله الرجوع لان الملك لم يستقر عليه. * (مسألة) * (وان وهبه المتهب لابنه لم يملك أبوه الرجوع الا ان يرجع هو) لان رجوعه ابطال لملك غير ابنه فان رجع الابن في هبته احتمل ان يملك الاب الرجوع في هبته لانه فسخ هبته برجوعه فعاد إليه الملك بالسبب الاول ويحتمل ان لا يملك الاب الرجوع لانه رجع إلى ابنه بعد استقرار ملك غيره عليه فاشبه ما لو وهبه ابن الابن لابنه. * (مسألة) * (وان كاتبه أو رهنه لم يملك ابوه الرجوع الا ان ينفك الرهن وينفسخ) اما إذا رهنه الابن فليس للاب الرجوع قبل انفكاك الرهن لان في ذلك ابطال حق غير الولد فان انفك الرهن فله الرجوع لزوال المانع ولانه عاد إلى صحة تصرف الابن فيه اشبه غير المرهون وحكم الكتابة كذلك عند من لا يرى بيع المكاتب وهو مذهب الشافعي وجماعة غيره فاما من اجاز بيع المكاتب فحكمه عنده كالعين المستأجرة والمزوج على ما ذكرناه

[ 284 ]

(فصل) والرجوع في الهبة ان يقول قد رجعت فيها أو ارتجعتها أو رددتها أو نحو ذلك من الالفاظ الدالة على الرجوع ولا يفتقر إلى حكم حاكم، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح الرجوع الا بقضاء قاض لان ملك الموهوب له مستقر ولنا انه خيار في فسخ عقد فلم يفتقر إلى قضاء كالفسخ بخيار الشرط فان أخذ ما وهبه لولده ونوى به الرجوع كان رجوعا والقول قوله في نيته لان ذلك لا يعلم إلا منه، فان مات الاب ولم يعلم هل نوى الرجوع أو لا؟ ولم توجد قرينة تدل على الرجوع لم نحكم بأنه رجوع لان الاخذ يحتمل الرجوع وغيره، فلا نزيل حكما يقينيا بأمر مشكوك فيه فان اقترنت به قرائن دالة على الرجوع كان رجوعا في أحد الوجهين اختاره ابن عقيل لاننا اكتفينا في العقد بدلالة الحال في الفسخ ولان لفظ الرجوع إنما كان رجوعا لدلالته عليه فكذلك كل ما دل عليه، والآخر لا يكون رجوعا، وهو مذهب الشافعي لان الملك ثابت للموهوب له يقينا فلا يزول إلا بالصريح، قال شيخنا ويمكن أن ينبني هذا على نفس العقد فمن أوجب الايجاب والقبول فيه لم يكتف ههنا إلا بلفظ يقتضي زواله، ومن اكتفى في العقد بالمعاطاة الدالة على الرضى به فههنا أولى، فان نوى الرجوع من غير فعل ولا قول لم يحصل الرجوع وجها واحدا لانه إثباتا لملك على مال مملوك لغيره فلم يحصل بمجرد النية كسائر العقود، وإن علق الرجوع بشرط فقال إذا جاء رأس الشهر فقد رجعت في الهبة لم يصح لان الفسخ للعقد لا يقف على شرط لا يقف العقد عليه * (مسألة) * (وعن احمد في المرأة تهب زوجها مهرها إن كان سألها ذلك رده إليها رضيت أو كرهت لانها لا تهبه له إلا مخافة غضبه أو اضرار بها بأن يتزوج عليها) اختلفت الرواية عن احمد في هبة المرأة زوجها، فعنه لا رجوع لها، وهذا ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي وربيعة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور

[ 285 ]

وأصحاب الرأي وعطاء وقتاده لقول الله تعالى (إلا أن يعفون) وقال تعالى (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) الآية، وعموم الاحاديث وعنه رواية ثانية لها الرجوع. قال الاثرم سمعت احمد يسئل عن المرأة تهب ثم ترجع فرأيته يجعل النساء غير الرجال ثم ذكر الحديث " انما يرجع في المواهب النساء وشرار الناس " وذكر حديث عمر: إن النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة فايما امرأة أعطت زوجها شيئا ثم أرادت أن تعتصره فهي أحق، رواه الاثرم، وهذا قول شريح والشعبي وحكاه الزهري عن القضاة. وعنه رواية ثالثة نقلها عنه أبو طالب: إذا وهبت له مهرها فان كان سألها ذلك رده إليها رضيت أو كرهت لانها لا تهب إلا مخافة غضبه أو اضرار بأن يتزوج عليها، وإن لم يكن سألها وترغب به فهو جائز فظاهر هذه الرواية أنه متى كانت مع الهبة قرينة من مسألته لها أو غضب عليها أو ما يدل على خوفها منه فلها الرجوع لان شاهد الحال يدل على أنها لم تطب به نفسا وانما أباحه الله تعالى عند طيب نفسها بقوله تعالى (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فيكون فيها ثلاث روايات (إحداها) ليس لها الرجوع كالاجنبي (والثانية) لها الرجوع مطلقا لحديث عمر (والثالثة) التفصيل الذي ذكرناه. * (فصل) * (قال رضي الله عنه) وللاب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه مع حاجته وعدمها في صغره وكبره ما لم تتعلق حاجة الابن به) إنما يجوز ذلك بشرطين (أحدهما) أن لا يجحف بالابن ولا يضر به ولا يأخذ شيئا تعلقت به حاجته (الثاني) أن لا يأخذ من مال ولد فيعطيه الآخر نص عليه احمد في رواية اسماعيل بن سعيد لانه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه فلان يمنع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أولى وقد روي أن مسروقا زوج ابنته بصداق، عشرة آلاف فأخذها فأنفقها في

[ 286 ]

سبيل الله وقال للزوج جهز امرأتك وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " متفق عيه وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل أحد أحق بكسبه من ولده ووالده والناس أجمعين " رواه سعيد في سننه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه " رواه الدارقطني ولان لك لابن تام على مال نفسه فلم يجز انتزاعه منه كالذي تعلقت به حاجته ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم " أخرجه سعيد والترمذي وقال حديث حسن، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي احتاج مالي فقال " أنت ومالك لابيك " رواه الطبراني في معجمه مطولا، ورواه ابن ماجه وروى أبو داود نحوه ورواه غيره وزاد " وان أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم " وروى محمد بن المنكدر والمطلب بن حنطب قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان لي مالا وعيالا ولابي مال وعيال وأبي يريد أن يأخذ مالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لابيك " رواه سعيد في سننه ولان الله تعالى جعل الولد موهوبا لابيه فقال (ووهبنا له اسحاق ويعقوب) وقال (ووهبنا له يحيى) وقال زكريا (هب لي من لدنك وليا) وقال براهيم (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق) وما كان موهوبا له كان له أخذ ماله كعبده قال سفيان بن عيينه في قوله تعالى (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) ثم ذكر بيوت سائر القرابات الا الاولاد لم يذكرهم لانهم دخلوا في قوله من بيوتكم فلما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم لم يذكر بيوت أولادهم ولان الرجل يلي مال ولده من غير تولية فكان له التصرف فيه كمال نفسه، وأما أحاديثهم فأحاديثنا تخصها وتفسرها فان النبي صلى الله عليه وسلم جعل مال الابن مالا لابيه بقوله " أنت ومالك لابيك " ولا تنافي بينهما وقوله عليه السلام " أحق به من والده وولده " الحديث مرسل ثم هو يدل على ترجيح حقه على حق

[ 287 ]

أبيه لا على نفي الحق بالكلية والولد أحق من الوالد فيما تعلقت به حاجته. * (مسألة) * (فان تصرف فيه قبل تملكه ببيع أو عتق أو إبراء من دين لم يصح تصرفه فيه) نص عليه احمد قال لا يجوز عتق الاب لعبد ابنه ما لم يقبضه، فعلى هذا لا يصح ابراؤه من دينه ولا هبته لماله ولا بيعه له لان ملك الابن تام على مال نفسه يصح تصرفه فيه، وذكر ابن أبي موسى في الارشاد قال إذا وهب الابن من ماله شيئا فليس لابيه الاعتراض عليه الا أن يكون للولد عقار يكفيه ويكفي أباه ولا مال له غيره ولا مال لابيه فان احمد قال ان اعترض عليه الوالد رأيت أن يرده الحاكم على الاب ولا يبقى فقيرا لا حيلة له، ويحل له وطئ جواريه ولو كان الملك مشتركا لم يحل له الوطئ كما لا يحل وطئ الجارية المشتركة وإنما للاب انزاعه منه كالعين التي وهبها إياه فقبل انتزاعها لا يصح تصرفه لانه تصرف في ملك غيره بغير ولاية، وان كان الابن صغيرا لم يصح أيضا لانه لا يملك التصرف بما لا حظ للصغير فيه وليس من الحظ اسقاط دينه وعتق عبده وهبة ماله قال احمد بين الرجل وبين ولده ربا لما ذكرنا من أن ملك الابن على ماله تام * (مسألة) * (وان وطئ جارية ابنه فأحبلها صارت أم ولد له وولده حر لا تلزمه قيمته ولا حد عليه ولا مهر وفي التعزير وجهان) قال احمد لا يطأ جارية الابن إلا أن يقبضها يعني يتملكها لانه إذا وطئها قبل تملكها فقد وطئها وليست زوجة ولا ملك يمين فان تملكها لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها لانه ابتداء ملك فوجب الاستبراء فيه كما لو اشتراها، فان كان الابن قد وطئها لم تحل له بحال فان وطئها قبل تملكها ولم يكن الابن وطئها كان محرما من وجهين (أحدهما) أنه وطئها قبل تملكها (والثاني) أنه وطئها قبل استبرائها وإن كان الابن وطئها حرمت بوجه ثالث وهو أنها صارت بمنزلة حليلة ابنه فان فعل فلا حد عليه لشبهة الملك فان النبي صلى الله عليه وسلم أضاف مال الولد إلى أبيه فقال " أنت ومالك لابيك "

[ 288 ]

وإن ولدت منه صارت أم ولد له وولده حر لانه من وطئ سقط فيه الحد للشبهة وليس للابن مطالبته بشئ من قيمتها ولا قيمة ولدها ولا مهر ويجب تعزيره في أحد الوجهين لانه وطئ وطأ محرما أشبه وطئ الجارية المشتركة. والثاني لا يعزر لانه لا يقتص منه بالجناية على ولده فلا يعزر بالتصرف في ماله، والاول أولى لان التعزير ههنا حق لله تعالى بخلاف الجناية على ولده لانها حق للولد (فصل) وليس لغير الاب الاخذ من مال غيره بغير اذنه للاحاديث التي ذكرناها لان الخبر ورد في الاب بدليل قوله عليه السلام " أنت ومالك لابيك " ولا يصح قياس غيره عليه لان للاب ولاية على ولده وماله إذا كان صغيرا وله شفقة تامة وحق متاكد، ولا يسقط ميراثه بحال والام لا تأخذ لانها لا ولاية لها والجد أيضا لا يلي على مال ولد ابنه وشفقته قاصرة عن شفقة الاب ويحجب به في الميراث وفي ولاية النكاح، وغيرهما من الاقارب والاحانب ليس لهم الاخذ بطريق التنبيه لانه إذا امتنع الاخذ في حق الام والجد مع مشاركتهما للاب في بعض المعاني فغيرهما ممن لا يشارك في ذلك أولى ويحتمل أن يجوز للام لدخول ولدها في قول الله تعالى (وأولادكم) * (مسألة) * (وليس للابن مطالبة أبيه بدين ولا قيمة متلف ولا ارش جناية ولا غير ذلك) وبه قال الزبير بن بكار ومقتضى قول سفيان بن عيينة وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي له ذلك لانه دين ثابت فجازت المطالبة به كغيره ولنا ان رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأبيه يقتضيه دينا عليه فقال " أنت ومالك لابيك " رواه الخلال باسناده وروى الزبير بن بكار في الموفقيات أن رجلا استقرض من أبيه مالا فحبسه فأطال حبسه فاستعدى عليه الابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر قصته في شعر فأجابه أبوه بشعر أيضا فقال علي رضي الله عنه

[ 289 ]

قد سمع القاضي ومن ربى الفهم * المال للشيخ جزاء بالنعم يأكله برغم أنف من رغم * من قال قولا غير ذا فقد ظلم وجار في الحكم وبئس ما جرم قال الزبير إلى هذا نذهب ولان المال أحد نوعي الحقوق فلم يملك مطالبة أبيه به كحقوق الابدان ويفارق الاب غيره بما يثبت له من الحق على ولده فان مات الابن فانتقل الدين إلى ورثته لم يملكوا مطالبة الاب لان موروثهم لم يكن له المطالبة فهم أولى، فان مات الاب فقيل يرجع الابن في تركته بدينه لان دينه عليه لم يسقط عن الاب وانما تأخرت المطالبة وعن أحمد إذا مات الاب بطل دين الابن وقال فيمن أخذ من مهر ابنته شيئا فأنفقه ليس عليه شئ ولا يؤخذ من بعده وما أصابت من المهر من شئ بعينه أخذته وتأول أصحابنا كلام أحمد على أنه أخذه على سبيل التمليك لان أخذه له وانفاقه دليل على قصد التمليك فيثبت الملك له بذلك الاخذ والله أعلم * (مسألة) * (والهدية والصدقة نوعان من الهبة) والعطية تشمل الكل وكذلك النحلة ومعانيها كلها متقاربة إلا أنه في الغالب من أعطى شيئا ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاجين سمي صدقة وان دفع إلى غير محتاج للتقرب والمحبة فهي هبة، ومن بعث على هذا إلى إنسان مع غيره سمي هدية وكل ذلك مستحب مندوب إليه وأحكام ذلك أحكام الهبة ويشترط لها ما يشترط من الشروط على ما سبق. * (فصل) * في عطية المريض قال الشيخ رحمه الله (أما المريض غير مرض الموت أو مرضا غير مخوف كالرمد ووجع الضرس والصداع ونحوه فعطاياه كعطايا الصحيح سواء تصح من جميع ماله) وجملة ذلك أن عطايا المريض إذا برأ من مرضه أو كان مرضا غير مخوف كالذي ذكره وكذلك ما في معناه كالجرب والحمى اليسيرة ساعة أو نحوها والاسهال اليسير من غير دم فعطاياه مثل عطايا الصحيح لانه لا يخاف منه في العادة

[ 290 ]

* (مسألة) * (وإن كان مرض الموت المخوف كالبرسام وهو بخار يرتقي إلى الرأس ويؤثر في الدماغ فيختل عقل صاحبه، وذات الجنب وهو قرح بباطن الجنب ووجع القلب والرئة فانها لا تسكن حركتها فلا يندمل جرحها والرعاف الدائم فانه يصفي الدم فيذهب القوة والقولنج وهو أن ينعقد الطعام في بعض الاعضاء ولا ينزل عنه فهذه مخوفة، وإن لم يكن معها حمى وهي مع الحمى أشد خوفا وان ثار الدم واجتمع في عضو كان مخوفا لانه من الحرارة المفرطة، وان هاجت به الصفراء فهي مخوفة لانها تورث يبوسة وكذلك البلغم إذا هاج لانه من شدة البرودة وقد تغلب على الحرارة الغريزية فتطفيها، والطاعون مخوف لانه من شدة الحرارة إلا أنه يكون في جميع البدن، وأما الاسهال فان كان متحرقا لا يمكنه إمساكه فهو مخوف وإن كان ساعة لان من لحقه ذلك أسرع في هلاكه، وان كان يجري تارة وينقطع أخرى فان كان يوما أو يومين فليس بمخوف لان ذلك قد يكون من فضلة الطعام. إلا أن يكون معه زحير أو تقطيع كأن يخرج متقطعا فانه يكون مخوفا لان ذلك يضعف وان دام الاسهال فهو مخوف سواء كان معه ذلك أو لم يكن، وكذلك الفالج في ابتدائه والسل في انتهائه والحمى المطبقة، وما أشكل من ذلك رجع فيه إلى قول عدلين من الاطباء لانهم أهل الخبرة بذلك ولا يقبل قول واحد لانه يتعلق به حق الوارث والمعطي، وقياس قول الخرقي أنه يقبل قول واحد عدل إذا لم يقدر على طبيبين. فهذا الضرب وما أشبهه عطاياه صحيحه لان عمر رضي الله عنه أوصى حين جرح فسقاه الطبيب لبنا فخرج من جرحه فقال له الطبيب اعهد إلى الناس فعهد إليهم ووصى فاتفق الصحابة على قبول عهده ووصيته وكذلك أبو بكر رضي الله عنه عهد إلى عمر حين اشتد مرضه فنفذ عهده. (فصل) فان كان المريض يتحقق تعجيل موته فان كان عقله قد اختل مثل من ذبح أو أبينت حشوته فلا حكم لكلامه ولا لعطيته وان كان ثابت العقل كمن خرقت حشوته واشتد مرضه ولم يتغير عقله صح تصرفه وعطيته لما ذكرنا من حديث عمر وكذلك علي رضي الله عنهما بعد ضرب ابن

[ 291 ]

ملجم وصى وأمر ونهى ولم يختلف في صحة ذلك * (مسألة) * (فعطاياه كالوصية في أنها لا تصح لوارث ولا لاجنبي بزيادة على الثلث الا باجازة الورثة كالهبة والعتق والكتابة والمحاباة) وجملة ذلك أن التبرعات المنجزة كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة والوقف والابراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال والكتابة إذا كانت في الصحة فهي من رأس المال لا نعلم في هذا خلافا، وان كانت في مرض مخوف اتصل به الموت فهي من ثلث المال في قول الجمهور وحكي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنها من رأس المال ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم رواه ابن ماجه وهذا يدل بمفهومه على أنه ليس له أكثر من الثلث، وروى عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم فاستدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة رواه مسلم وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى ولان هذه الحال الظاهر منها الموت فكانت عطيته فيها في حق ورثته لا يتجاوز الثلث كالوصية (فصل) وحكم العطايا في مرض الموت حكم الوصية في خمسة أشياء (أحدها) أن يقف نفوذها على خروجها من الثلث واجازة الورثة (الثاني) أنها لا تصح للوارث الا باجازة الورثة (الثالث) أن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة قال " أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " متفق عليه (الرابع) أن العطايا تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كتزاحم الوصايا فيه (الخامس) أن خروجها من الثلث يعتبر حال الموت لا قبله ولا بعده

[ 292 ]

* (مسألة) * (فأما الامراض الممتدة كالجذام وحمى الربع والسل في ابتدائه والفالج في دوامه فان صار صاحبها صاحب فراش فهي مخوفة والا فلا) قال القاضي إذا كان يذهب ويجئ فعطاياه من جميع المال هذا تحقيق المذهب وقد روى حرب عن أحمد في وصية المجذوم والمفلوج من الثلث وهو محمول على أنه صار صاحب فراش وبه يقول الاوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وأبو، ثور وذكر أبو بكر وجها آخر أن عطايا هؤلاء من المال كله وهو مذهب الشافعي لانه لا يخاف تعجيل الموت فيه وان كان لا يبرأ منه فهو كالهرم. ولنا أنه مريض صاحب فراش يخشى التلف أشبه صاحب الحمى الدائمة وأما الهرم فان صار صاحب فراش فهو كمسئلتنا * (مسألة) * (ومن كان بين الصفين عند التحام الحرب أو في؟؟؟؟ البحر عند هيجانه أو وقع الطاعون ببلده أو قدم ليقتص منه والحامل عند المخاض فهو كالمريض) وجملة ذلك أن الخوف يحصل في هذه المواضع الخمسة المذكورة فيقوم مقام المرض (أحدها) إذا التحم الحرب واختلطت الطائفتان للقتال وكانت كل واحدة منهما مكافئة للاخرى أو مقهورة فأما القاهرة منهما بعد ظهورها فليست خائفة وكذلك إذا لم يختلطوا بل كانت كل واحدة منهما متميزة سواء كان بينهما رمي السهام أو لم يكن فليست حالة خوف، ولا فرق بين كون الطائفتين متفقتين في الدين أو لا وبه مالك والثوري والاوزاعي ونحوه عن مكحول وعن الشافعي قولان (احدهما) كقول الجماعة (والثاني) ليس بخوف لانه ليس بمرض ولنا أن توقع التلف ههنا كتوقع المرض أو أكثر فوجب أن يلحق به ولان المرض انما جعل مخوفا لخوف صاحبه التلف وهذا كذلك قال أحمد إذا حضر القتال كان عتقه من الثلث وعنه إذا التحم الحرب فوصيته من المال كله لكن يقف الزائد عن الثلث على إجازة الورثة فان حكم وصية الصحيح وخائف التلف واحد فيحتمل أن يجعل هذا رواية ثانية وسمى العطية وصية تجوز لكونها في حكم الوصية ويحتمل أن يحمل على حقيقته في صحة الوصية من المال كله (الثانية) إذا قدم ليقتل فهي حالة خوف سواء أريد قتله

[ 293 ]

للقصاص أو لغيره، وللشافعي فيه قولان أحدهما مخوف والثاني ان جرح فهو مخوف وإلا فلا لانه صحيح البدن والظاهر العفو عنه. ولنا أن التهديد بالقتل جعل اكراها يمنع وقوع الطلاق وصحة البيع ويبيح كثيرا من المحرمات ولولا الخوف لم تثبت هذه الاحكام، وإذا حكم للمريض وحاضر الحرب بالخوف مع ظهور السلامة وبعد وجود التلف فمع ظهور التلف وقربه أولى، ولا عبرة بصحة البدن فان المرض لم يكن مثبتا لهذا الحكم لعينه بل لخوف افضائه إلى التلف فيثبت الحكم ههنا بطريق التنبيه لظهور التلف (الثالثة) إذا ركب البحر فان كان ساكنا فليس بمخوف وان اضطرب وهبت الريح العاصف فهو مخوف، وقد وصفهم الله تعالى بشدة الخوف فقال تعالى (هو الذي يسيركم في البر والبحر) الآية إلى قوله (جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم) (الرابع) الاسير والمحبوس إذا كان من عادتهم القتل فهو خائف عطيته من الثلث وإلا فلا وهذا قول أبي حنيفة ومالك وابن أبى ليلى وأحد، قولي الشافعي وقال الحسن لما حبس الحجاج إياس بن معاوية ليس له من ماله إلا الثلث وقال أبو بكر عطية الاسير من الثلث ولم يفرق وبه قال الزهري والثوري واسحاق وحكاه ابن المنذر عن أحمد وتأول القاضي ما روي وهو على ما ذكرناه من التفصيل ابتداء وقال الشعبي ومالك الغازي عطيته من الثلث وقال مسروق إذا وضع رجله في الغرز وقال الاوزاعي المحصور في سبيل الله والمحبوس ينتظر القتل هو في ثلثه والصحيح ان شاء الله ما ذكرناه من التفصيل لان مجرد الحبس والاسر من غير خوف القتل ليس بمرض ولا هو في معنى المرض في الخوف فلم يجز الحاقه به وإذا كان المريض الذي لا يخاف التلف عطيته من رأس ماله فغيره أولى (الخامسة) إذا وقع الطاعون ببلده فعن أحمد أنه مخوف ويحتمل أنه ليس بمخوف فانه ليس بمريض وإنما يخاف المرض (فصل) وكذلك الحامل عند المخاض لانه يحصل لها ألم شديد يخاف منه التلف أشبهت سائر أصحاب الامراض المخوفة وما قبل ذلك فلا ألم بها فلا يكون مخوفا، وقال الخرقي وكذلك الحامل إذا صار لها ستة أشهر يعنى عطيتها من الثلث وبه قال مالك وقال اسحاق إذا ثقلت لا يجوز لها إلا الثلث ولم

[ 294 ]

يحد حدا وحكاه ابن المنذر عن أحمد وقال سعيد بن المسيب وعطاء وقتادة عطية الحامل من الثلث وقال أبو الخطاب عطيتها من المال كله ما لم يضر بها المخاض فإذا ضر بها المخاض فعطيتها من الثلث وبه قال النخعي ومكحول ويحيى الانصاري والاوزاعي والثوري والعنبري وابن المنذر وهو ظاهر مذهب الشافعي لانها لا تخاف إلا إذا ضر بها الطلق فاشبهت صاحب الامراض الممتدة قبل أن يصير صاحب فراش وقال الحسن والزهري عطيتها كعطية الصحيح وهو القول الثاني للشافعي لان الغالب سلامتها ووجه قول الخرقي أن ستة الاشهر وقت يمكن الولادة فيه وهو من أسباب التلف، والصحيح ان شاء الله تعالى ما ذكرناه من أنه إذا ضر بها الطلق كان مخوفا بخلاف ما قبل ذلك لانه لا ألم بها واحتمال وجوده خلاف العادة فلا يثبت الحكم باحتماله البعيد مع عدمه كالصحيح وقيل عن أحمد ما يدل على أن عطايا هؤلاء من المال كله لانه لا مرض بهم وقد ذكرنا الخلاف في ذلك (فصل) فأما بعد الولادة فان بقيت المشيمة معها فهو مخوف وان مات الولد معها فهو مخوف لانه يصعب خروجه فان وضعت الولد وخرجت المشيمة فحصل ثم ورم أو ضربان شديد فهو مخوف وان لم يكن شئ من ذلك فقد روي عن أحمد في النفساء ان كانت ترمي الدم فعطيتها من الثلث فيحتمل أنه أراد بذلك إذا كان معه ألم للزومه ذلك في الغالب ويحتمل أن يحمل على ظاهره فانها إذا كانت ترمي الدم كانت كالمريض وحكمها بعد السقط مثل حكمها بعد الولد التام فان اسقطت مضغة أو علقة فلا حكم لها إلا أن يكون ثم مرض أو ألم وهذا كله مذهب الشافعي إلا أن مجرد الدم عنده ليس بمخوف (فصل) وما لزم المريض في مرضه من حق لا يمكنه دفعه واسقاطه كأرش جنايته وجناية عبده وما عاوض عليه بثمن المثل وما يتغابن الناس بمثله فهو من رأس المال لا نعلم فيه خلافا وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وكذلك النكاح بمهر المثل يجوز من رأس المال لانه صرف ماله في حاجة

[ 295 ]

نفسه فقدم بذلك على وارثه وكذلك لو اشترى أمة للاستمتاع بها كثيرة الثمن بثمن مثلها أو اشترى من الاطعمة التي لا يأكل مثله مثلها جاز وصح شراؤه له لانه صرف ماله في حاجته وان كان عليه دين أو مات وعليه دين قدم بذلك على وارثه لقول الله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين) (فصل) فاما ان قضى المريض بعض غرمائه ووفت تركته بسائر الديون صح قضاؤه ولم يكن لسائر الغرماء الاعتراض عليه، وان لم يف بها ففيه وجهان (أحدهما) أن لسائر الغرماء الرجوع عليه ومشاركته فيما أخذه وهو قول أبي حنيفة لان حقهم تعلق بماله بمرض فمنع تصرفه فيه بما ينقص ديونهم كتبرعه ولانه لو وصى بقضاء بعض ديونه لم يجز فكذلك إذا قضاها (والثاني) لا يملكون الاعتراض عليه ولا مشاركته وهو قياس قول أحمد ومنصوص الشافعي لانه أدى واجبا عليه فصح كما لو اشترى شيئا فأدى ثمنه أو باع بعض ماله وسلمه ويفارق الوصية فانه لو اشترى ثيابا مثمنة صح ولو وصى بتكفينه بثياب مثمنة لم يصح يحقق هذا أن إيفاء ثمن المبيع قضاء لبعض غرمائه وقد صح عقيب البيع فكذلك إذا تراخى إذ لا أثر لتراخيه (فصل) وإذا تبرع المريض أو أعتق ثم أقر بدين لم يبطل تبرعه نص عليه أحمد فيمن أعتق عبده في مرضه ثم أقر بدين عتق العبد ولم يرد إلى الرق لان الحق ثبت بالتبرع في الظاهر فلم يقبل اقراره فيما يبطل به حق غيره * (مسألة) * (وان لم يف الثلث بالتبرعات المنجزة بدئ بالاول فالاول سواء كان الاول عتقا أو غيره) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة الجميع سواء إذا كانت من جنس واحد وان كانت من أجناس وكانت المحاباة متقدمة قدمت وان تأخرت سوي بينها وبين العتق وانما كان كذلك لان المحاباة حق آدمي على وجه المعاوضة فقدمت إذا تقدمت كقضاء الدين وإذا تساوى جنسها سوي بينها لانها عطايا من جنس واحد تعتبر من الثلث فسوى بينها كالوصية وقال أبو يوسف ومحمد يقدم العتق تقدم أو تأخر

[ 296 ]

ولنا أنهما عطيتان منجزتان فكانت أولاهما أولى كما لو كانت الاولى محاباة عند أبي حنيفة أو عتقا عند صاحبه ولان العطية المنجزة لازمة في حق المعطي فإذا كانت خارجة من الثلث لزمت في حق الورثة فلو شاركتها الثانية لمنع ذلك لزومها في حق المعطي لانه يملك الرجوع في بعضها بعطية أخرى بخلاف الوصايا فانها غير لازمة في حقه وانما تلزم بالموت في حال واحدة فاستويا لاستوائهما في حال لزومها بخلاف المنجزتين وما قاله في المحاباة لا يصح فانها بمنزلة الهبة ولو كانت بمنزلة المعاوضة أو الدين لما كانت من الثلث * (مسألة) * (وان تساوت قسم بين الجميع بالحصص وعنه يقدم العتق) أما إذا وقعت دفعة واحدة بان وكل جماعة في هذه التبرعات فاوقعوها دفعة واحدة فان كانت كلها عتقا أقرعنا بينهم فكملنا العتق في بعضهم وان لم يكن فيها عتق قسمنا الثلث بينهم على قدر عطاياهم لانهم تساووا في الاستحقاق فقسم بينهم على قدر حقوقهم كغرماء المفلس وانما خولف هذا الاصل في العتق لحديث عمران بن حصين وسنذكر ذلك في موضعه، وان كان فيها عتق وغيره ففيه روايتان (احداهما) يقدم العتق لتأكده (والثانية) يسوى بين الكل لانها حقوق تساوت في استحقاقها فتساوت في تنفيذها كنما لو كات من جنس واحد لان استحقاقها حصل في حال واحدة (فصل) إذا قال المريض إذا أعتقت سعدا فسعيد حر ثم أعتق سعدا عتق سعيد ان خرج من الثلث وان لم يخرج من الثلث الا أحدهما عتق سعد وحده ولم يقرع بينهما لوجهين (أحدهما) أن سعدا سبق بالعتق (والثاني) ان عتقه شرط لعتق سعيد فلو رق بعضه فات اعتاق سعيد أيضا لفوات شرطه وان بقي من الثلث ما يعتق به بعض سعيد عتق تمام الثلث منه، وان قال ان أعتقت سعدا فسعيد وعمرو حران ثم أعتق سعدا ولم يخرج من الثلث الا أحدهم عتق سعد وحده لما ذكرنا وان خرج من الثلث اثنان أو واحد وبعض آخر عتق سعد وأقرع بين سعيد وعمرو فيما بقي من الثلث لان عتقهما في حال

[ 297 ]

واحدة وليس عتق أحدهما شرطا في عتق الآخر، ولو خرج من الثلث اثنان وبعض الثالث أقرعنا بينهما لتكميل الحرية في أحدهما وحصول التشقيص في الآخر وان قال ان أعتقت سعدا فسعيد حر أو فسعيد وعمرو حران في حال اعتاقي سعدا فالحكم سواء لا يختلف لان عتق سعد شرط لعتقهما فلو رق بعضه لفات شرط عتقهما فوجب تقديمه فان كان الشرط في الصحة والاعتاق في المرض فالحكم على ما ذكرناه (فصل) فان قال ان تزوجت فعبدي حر فتزوج في مرضه باكثر من مهر المثل فالزيادة محاباة تعتبر من الثلث فان لم يخرج من الثلث الا المحاباة أو العبد قدمت المحاباة لانها وجبت قبل العتق لكون التزويج شرطا في العتق فقد سبقت العتق ويحتمل ان يتساويا لان التزويج سبب لثبوت المحاباة وشرط للعتق فلا يسبق وجود أحدهما صاحبه فيكونان سواء، ثم هل يقدم العتق على المحاباة؟ على روايتين وهذا فيما إذا ثبتت المحاباة بأن لا ترث المرأة الزوج اما لوجود مانع من الارث أو لمفارقته اياها في حياته اما بموتها أو طلاقها أو نحوه، فاما ان ورثته تبينا ان المحاباة لا تثبت لها الا باجازة الورثة فينبغي أن يقدم العتق عليها لانه لازم غير موقوف على الاجازة فيكون متقدما وان قال أنت حر في حال تزويجي فتزوج بأكثر من مهر المثل فعلى القول الاول يتساويان لان التزويج جعل حالة لايقاع العتق كما في عتق سعد وسعيد وبطلان المحاباة لا يبطل التزويج ولا يؤثر فيه وعلى الاحتمال المذكور يكون العتق سابقا لان المحاباة انما تثبت بتمام التزويج والعتق قبل تمامه فيكون سابقا على المحاباة فيتقدم لهذا المعنى سيما إذا تأكد بقوته. وكونه غير وارث (فصل) إذا أعتق المريض شقصا من عبد ثم أعتق شقصا من آخر ولم يخرج من الثلث الا العبد الاول عتق وحده لانه يعتق حين تلفظه باعتاق بعضه وان خرج الاول وبعض الثاني عتق ذلك وان أعتق الشقصين معا فلم يخرج من الثلث الا الشقصان عتقا ورق باقي العبدين وان لم يخرج الا أحدهما أقرع بينهما وان خرج الشقصان وباقئ أحد العبدين ففيه وجهان (أحدهما) تكميل العتق من أحدهما

[ 298 ]

بالقرعة بينهما كما لو أعتق العبدين فلم يخرج من الثلث الا أحدهما (والثاني) يقسم ما بقي من الثلث بينهما بغير قرعة لانه أوقع عتقا مشقصا فلم يكمله بخلاف ما لو أعتق العبدين ولهذا إذا لم يخرج من الثلث الا الشقصان اعتقناهما بغير قرعة ولم نكمله من أحدهما ولو وصى باعتاق النصيبين وان يكمل عتقهما من تلثه ولم يخرج من الثلث الا النصيبان وقيمة باقي أحدهما أقرعنا بينهما فمن خرجت قرعته كمل العتق فيه لان الموصي أوصى بتكميل العتق فجرى مجرى اعتاقهما بخلاف التى قبلها * (مسألة) * (وأما معاوضة المريض بثمن المثل فتصح من رأس المال وان كانت مع وارث) لانه ليس بوصية لان الوصية تبرع وليس هذا تبرعا فاستوى فيه الوارث وغيره ويحتمل أن لا يصح لوارث لانه خصه بعين المال أشبه ما لو حاباه * (مسألة) * (وان حابى وارثه فقال القاضي يبطل في قدر ما حاباه ويصح فيما عداه) مثل أن يبيع شيئا بنصف ثمنه فله نصفه بجميع الثمن لانه تبرع له بنصف الثمن فبطل التصرف فيما تبرع له به وللمشتري الخيار لان الصفقة تبعضت في حقه * (مسألة) * (فان كان له شفيع فله أخذه فان أخذه فلا خيار للمشتري) لزوال الضرر عنه لانه لو فسخ البيع رجع بالثمن وقد حصل له الثمن من الشفيع (فصل) فان باع اجنبيا وحاباه لم يمنع ذلك صحة العقد عند الجمهور وقال أهل الظاهر يبطل العقد. ولنا عموم قوله تعالى (وأحل الله البيع ولانه تصرف صدر من أهله في محله فصح كغير المريض فعلى هذا لو باع عبدا لا يملك غيره قيمته ثلاثون بعشرة فقد حابى المشتري بثلثي ماله وليس له المحاباة بأكثر من الثلث فان أجاز الورثة ذلك لزم البيع وان ردوا فاختار المشترى فسخ البيع فله ذلك لان الصفقة تبعضت في حقه فان اختار امضاء البيع فقال شيخنا عندي أنه يأخذ نصف المبيع بنصف

[ 299 ]

الثمن ويفسخ البيع في الباقي وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي والوجه الثاني أنه يأخذ ثلثي المبيع بالثمن كله والى هذا أشار القاضي في نحو هذه المسألة لانه يستحق الثلث بالمحاباة والثلث الآخر بالثمن وقال أهل العراق يقال له ان شئت أديت عشرة أخرى وأخذت المبيع وان شئت فسخت ولا شئ لك وعند مالك له أن يفسخ ويأخذ ثلث المبيع بالمحاباة ويسميه أصحابه خلع الثلث ولنا أن ما ذكرناه مقابلة بعض المبيع بقسطه من الثمن عند تعذر أخذ جميعه بجميعه فصح ذلك كما لو اشترى سلعتين بثمن فانفسخ البيع في احداهما لعيب أو غيره أو كما لو اشترى شقصا وسيفا فأخذ الشفيع الشقص أو كما لو اشترى قفيزا يساوي ثلثين بقفيز قيمته عشرة، وأما الوجه الثاني الذي اختاره القاضي فلا يصح لانه أوجب له المبيع بثمن فيأخذ بعضه بالثمن كله فلا يصح كما لو قال بعتك هذا بمائة فقال قد قبلت نصفه بها ولانه إذا فسخ البيع في بعضه وجب أن يفسخه بقدره من ثمنه ولا يجوز فسخ البيع فيه مع بقاء ثمنه كما لا يجوز فسخ البيع في الجميع مع بقاء ثمنه، وأما قول أهل العراق فان فيه اجبارا للورثة على المعاوضة على غير الوجه الذي عاوض موروثهم، وأما قول مالك فلا يصح لانه ذا فسخ البيع لم يستحق شيئا لان المحاباة إنما حصلت في ضمن البيع فإذا بطل البيع بطلت كما لو وصى لرجل بعينه أن يحج عنه بمائة وأجر المثل خمسون فطلب الخمسين الفاضلة بدون الحج. وإن اشترى عبدا يساوي عشرة بثلاثين فانه يأخذ نصفها بنصفها وان باع العبد الذي يساوي ثلاثين بخمسة عشر جاز البيع في ثلثيه بثلثي الثمن في قول شيخنا وعلى قول القاضي للمشتري خمسة أسداسه بكل الثمن، وطريق هذا أن ينسب الثمن وثلث المبيع إلى قيمته فيصح البيع في مقدار تلك النسبة وهو خمسة اسداسه وعلى الوجه الاول يسقط الثمن من قيمة المبيع وينسب الثلث إلى الباقي فيصح البيع في

[ 300 ]

قدر تلك النسبة وهو ثلثاه بثلثي الثمن فان خلف البائع عشرة أخرى فعلى الوجه الاول يصح في ثمانية اتساعه بثمانية أتساع الثمن وعلى الوجه الثاني يأخذ المشترى نصفه وأربعة أتساعه بجميع الثمن * (مسألة) * (وان باع المريض اجنبيا وحاباه وكان شفيعه وارثا فله الاخذ بالشفعة) لان المحاباة لغيره يعني إذا باع شقصا تجب فيه الشفعة لان المحاباة انما وقعت للاجنبي فأشبه ما لو وصى لغريم وارثه ويحتمل أن لا يملك الوارث الشفعة ههنا لافضائه إلى جعل سبيل للانسان إلى اثبات حق وارثه في المحاباة وقد ذكرنا ذلك والخلاف فيه في الشفعة * (مسألة) * (ويعتبر الثلث عند الموت لانه وقت لزوم الوصية واستحقاقها وتثبت له ولاية القبول والرد فلو أعتق عبدا لا يملك غيره ثم ملك مالا يخرج من ثلثه تبينا أنه عتق كله لخروجه من الثلث عند الموت وان صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شئ لان الدين يقدم على الوصية لما روي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ويحتمل أن يعتق ثلثه لان تصرف المريض في الثلث كتصرف الصحيح في الجميع * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (وتفارق العطية الوصية في أربعة أشياء (أحدها) انه يبدأ بالاول فالاول منها والوصايا سوى بين المتقدم والمتأخر منها) أما العطايا فقد ذكرنا حكمها والخلاف فيها، وأما الوصايا فانها تبرع بعد الموت فتؤخذ دفعة واحدة ولذلك استوى فيها المتقدم والمتأخر، (الثاني) انه لا يجوز الرجوع في العطية بخلاف الوصية لان العطية تقع لازمة في حق المعطي تنتقل إلى المعطى في الحياة إذا اتصل بها القبول والقبض وإن كثرت فلم يكن له الرجوع فيها كالهبة وانما منع المريض من التبرع بزيادة على الثلث لحق الورثة لا لحقه فلم يملك اجازتها ولا ردها بخلاف الوصية لان التبرع بها مشروط بالموت ففيما قبل الموت لم يوجد التبرع ولا العطية فهي كالهبة قبل القبول،

[ 301 ]

(الثالث) انه يعتبر قبوله للعطية عند وجودها ويفتقر إلى شروط الهبة المذكورة لانها هبة منجزة فاعتبر لها القبول عند وجودها كعطية الصحيح بخلاف الوصية فانه لا حكم لقبولها ولا ردها إلا بعد الموت على ما يأتي (فصل) والعطية تقدم على الوصية وهو قول الشافعي وجمهور العلماء وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر إلا في العتق فانه حكي عنهم تقديمه لان العتق يتعلق به حق الله تعالى ويسري وينفذ في ملك الغير فيجب تقديمه. ولنا ان العطية لازمة في حق المريض فقدمت على الوصية كعطية الصحة أو فقدمت على العتق كعطية الصحة (الرابع) ان الملك يثبت في العطية من حينها ويكون مراعى فإذا خرج من الثلث عند الموت تبينا ان الملك كان ثابتا من حينه لان العطية في المرض تمليك في الحال لانها إن كانت هبة فمقتضاها تمليكه الموهوب في الحال ولهذا يعتبر قبولها في المجلس كما لو كانت في الصحة، وكذلك إن كانت محاباة أو اعتاقا وأما كونها مراعاة فلانا لا نعلم هل هذا مرض الموت أو لا ولا نعلم هل يستفيد مالا أو يتلف شئ من ماله أو لا فتوقفنا لنعلم عاقبة أمره فنعمل عليها فإذا انكشف الحال علمنا حينئذ ما ثبت حال العقد، ومثل ذلك ما لو أسلم أحد الزوجين بعد الدخول فانا لا ندري هل يسلم الثاني أم لا فنقف الامر حتى تنقضي العدة فان أسلم الآخر في العدة تبينا ان النكاح كان صحيحا باقيا وإن انقضت العدة قبل اسلامه تبينا ان النكاح انفسخ من حين اختلف دينهما * (مسألة) * (فلو أعتق في مرضه عبدا أو وهبه لانسان ثم كسب في حياة سيده شيئا ثم مات سيده فخرج من الثلث كان كسبه له إن كان معتقا وللموهوب إن كان موهوبا، وإن خرج بعضه فلهما من كسبه بقدر ذلك) إذا أعتق عبدا لا مال له سواه فكسب مثل قيمته قبل موت سيده فللعبد من كسبه بقدر ما عتق منه وباقيه لسيده فيزداد به مال السيد وتزداد الحرية لذلك ويزداد حقه من كسبه فينقص به حق السيد من الكسب وينقص بذلك قدر المعتق منه فيدخل الدور فيستخرج ذلك بالجبر فيقال عتقق من العبد شئ وله من كسبه شئ لان كسبه مثله وللورثة من العبد شيئان لان لهم مثلي ما عتق منه وقد عتق منه شئ ولا يحسب على العبد ما حصل له من كسبه لان استحقه بجزئه الحر لا من جهة سيده فصار للعبد شيئان

[ 302 ]

وللورثة شيئان من العبد وكسبه فيقسم العبد وكسبه نصفين فيعتق منه نصفه وله نصف كسبه وللورثة نصفهما، وإن كسب مثلي قيمته فله من كسبه شيئان صار له ثلاثة أشياء ولهم شيئان فيقسم العبد وكسبه أخماسا يعتق منه ثلاثة أخماس وله ثلاثة أخماس كسبه وللورثة خمساه وخمسا كسبه وإن كسب ثلاثة أمثال قيمته فله من كسبه ثلاثة أشياء مع ما عتق منه وللورثة شيئان فيعتق منه ثلثاه وله ثلثا كسبه وللورثة ثلثهما، وإن كسب نصف قيمته عتق منه شئ وله من كسبه نصف شئ ولهم شيئان فالجميع ثلاثة أشياء ونصف شئ فإذا بسطها انصافا صارت سبعة فله ثلاثة أسباعها فيعتق منه ثلاثة أسباعه وله ثلاثة أسباع كسبه والباقي للورثة وذلك مثلا ما عتق منه * (مسألة) * (وإن كان موهوبا لانسان فللموهوب له من العبد بقدر ما عتق منه وله من كسبه بقدر ذلك) فان كانت قيمته مائة فكسب تسعة فاجعل له من كل دينار شيئا فقد عتق منه مائة وله من كسبه تسعة أشياء ولهم مائتا شئ فيعتق منه مائة جزء وتسعة أجزاء من ثلثمائة وتسعة وله من كسبه مثل ذلك ولهم مائتا جزء من كسبه، فان كان على السيد دين يستغرق قيمته وقيمة كسبه صرفا في الدين ولم يعتق منه شئ لان الدين مقدم على التبرع وإن لم يستغرق فقيمته وقيمة كسبه صرف من العبد وكسبه ما يقضى به الدين وما بقي منهما يقسم على ما يمل في العبد الكامل وكسبه، فعلى هذا لو كان على الميت دين بقيمة العبد صرف فيه نصف العبد ونصف كسبه وقسم النصف الباقي بين الورثة والعتق نصفين وكذلك بقية الكسب، فان كسب العبد مثل قيمته وللسيد مال بقدر الكسب قسمت العبد ومثل قيمته على الاشياء الاربعة لكل شئ ثلاثة أرباع فيعتق من العبد ثلاثة أرباعه وله ثلاثة أرباع كسبه (فصل) وإن أعتق عبدا قيمته عشرون ثم أعتق عبدا قيمته عشرة فكسب كل واحد منهما مثل قيمته أكملت الحرية في العبد الاول فيعتق منه شئ وله من كسبه شئ وللورثة شيئان ويقسم العبدان وكسبهما على الاشياء الاربعة لكل شئ خمسة عشر فيعتق منه بقدر ذلك وهو ثلاثة أرباعه وله ثلاثة أرباع كسبه والباقي للورثة، وإن بدأ بعتق الادنى عتق كله وأخذ كسبه ويستحق الورثة من العبد الآخر وكسبه مثلي العبد الذي عتق وهو نصفه ونصف كسبه ويبقى نصفه ونصف كسبه

[ 303 ]

بينهما نصفين فيعتق ربعه وله ربع كسبه ويرق ثلاثة أرباعه ويتبعه ثلاثة أرباع كسبه وذلك مثلا ما عتق منهما، وإن أعتق العبدين دفعة واحدة أقرعنا بينهما فمن خرجت له قرعة الحرية فهو كما لو بدأ باعتاقه (فصل) فان أعتق ثلاثة أعبد قيمتهم سواء وعليه دين بقدر قيمة أحدهم وكسب أحدهم مثل قيمته أقرعنا بينهم لاخراج الدين، فان وقعت على غير المكتسب عتق كله والمكتسب وماله للورثة وإن وقعت قرعة الحرية على المكتسب عتق منه ثلاثة أرباعه وله ثلاثة أرباع كسبه وباقيه وباقي كسبه والعبد الآخر للورثة كما قلنا فيما إذا كان للسيد مال بقدر قيمته، ولو وقعت قرعة الدين ابتداء على المكتسب لقضينا الدين بنصفه ونصف كسبه ثم أقرعنا؟ ين باقيه وبين العبدين الآخرين في الحرية فان وقعت على غيره عتق كله وللورثة ما بقي، فان وقعت على المكتسب عتق باقيه وأخذنا باقي كسبه ثم يقرع بين العبدين لاتمام الثلث فمن وقعت عليه القرعة عتق ثلثه ويبقى ثلثاه والعبد الآخر للورثة (فصل) رجل أعتق عبدين متساويي القيمة بكلمة واحدة لا مال له غيرهما ثم مات أحدهما في حياته أقرع بين الحي والميت، فان وقعت على الميت فالحي رقيق وتبين ان الميت نصفه حر لان مع الورثة مثلي نصفه، وإن وقعت على الحي عتق ثلثه ولا يحسب المي‍؟؟؟؟ على الورثة لانه لم يصل إليهم (فصل) رجل أعتق عبدا لا مال له سواء قيمته عشره فمات قبل سيده وخلف عشرين فهي لسيده بالولاء وتبين انه مات حرا، وكذلك إن خلف أربعين وبنتا وإن خلف عشرة عتق منه شئ وله من كسبه شئ ولسيده شيئان وقد حصل في يد سيده عشرة تعدل ستين فتبين ان نصفه حر وباقيه رقيق والعشرة يستحقها السيد نصفها بحكم الرق ونصفها بالولاء، فان خلف العبد ابنا فله من رقبته شئ ومن كسبه شئ لابنه بالميراث ولسيده شيئان فتقسم العشرة على ثلاثة للابن ثلثها وللسيد ثلثاها ونتبين انه عتق من العبد ثثه، وإن خلف بنتا فلها نصف شئ وللسيد شيئان فصارت العشرة على خمسة، للبنت خمسها وللسيد أربعة أخماسها تعدل ستين فتبين ان خمسي العبد مات حرا، وإن خلف العبد عشرين وابنا فله من كسبه شيئان يكونان لابنه ولسيده شيئان فصارت العشرون بين السيد وبين ابنه نصفين وتبين انه عتق منه نصفه فان مات الابن قبل موت السيد كان ابن معتقة

[ 304 ]

ورثه السيد لاننا تبينا أن أباه مات حرا لكون السيد ملك عشرين وهي مثلا قيمته فعتق وجر ولاء ابنه إلى سيده فورثه، وإن لم يكن الابن ابن معتقه لم ينجر ولاؤه ولم يرثه سيد أبيه، وكذلك الحكم لو خلف هذا الابن عشرين ولم يخلف أبوه شيئا أو ملك السيد عشرين من أي جهة كانت وإن لم يملك عشرين لم ينجر ولاء الابن إليه لان الاب لم يعتق، وإن عتق بعضه جر من ولاء ابنه بقدره، فلو خلف الابن عشرة وملك السيد خمسة فانك تقول عتق من العبد شئ ويجر من ولاء ابنه مثل ذلك ويحصل له من ميراثه شئ مع خمسة وهما يعدلان شيئين وباقي العشرة لمولى أمه فيقسم بين السيد وبين مولى الام نصفين ونتبين انه قد عتق من العبد نصفه ويحصل للسيد خمسة من ميراث ابنه وكانت له خمسة وذلك مثلا ما عتق من العبد، فان مات الابن في حياة أبيه قبل موت سيده وخلف مالا وحكمنا بعتق الاب أو عتق بعضه ورث مال أبيه إن كان حرا أو بقدر ما فيه من الحرية إن كان بعضه حرا ولم يرث سيده منه شيئا، وفي هذه المسائل خلا ف تركنا ذكره مخافة التطويل * (مسألة) * (وان أعتق جارية لا مال له غيرها ثم وطئها ومهر مثلها نصف قيمتها فهو كما لو كسبت نصف قيمتها) يعتق منها ثلاثة أسباعها وقد ذكرناه * (فصل) * وان وهبها مريضا آخر لا مال له غيرها ثم وهبها الثاني للاول وماتا جميعا فنقول صحت هبة الاول في شئ وعاد إليه بالهبة الثانية ثلثه بقي لورثة الثاني ثلثا شئ ولورثة الاول شيئان فاضر بها في ثلثه لزوال الكسر يكن ثمانية أشياء تعدل الامة الموهوبة فلورثة الواهب الاول ثلاثة أرباعها ستة ولورثة الثاني ربعها شيئان وان شئت قلت المسألة من ثلاثة لان الهبة صحت في ثلث المال وهبة الناني صحت في ثلث الثلث فتكون من ثلاثة اضر بها في أصل المسألة تكن تسعة أسقط السهم الذي صحت فيه الهبة الثانية لاننا لو رددناه على الاول لوجب رده على جميع السهام الباقية إذ يلزم من زيادة الباقي للواهب الاول زيادة الجزء الذي صحت فيه الهبة الاولى فيسقط كما يسقط الباقي في مسألة الرد إذ العلة في إسقاطه ثم أننا لو رددناه لرددناه على جميع السهام بالسوية فإذا أسقطنا ذكره عاد على جميع السهام كذلك ههنا إذا أسقطنا هذا السهم بقيت المسألة من ثمانية كما ذكرنا

[ 305 ]

(فصول في هبة المريض) رجل وهب أخاه مائة لا يملك غيرها فقبضها ثم مات وخلف بنتا فقد صحت الهبة في شئ والباقي للواهب ورجع إليه بالميراث نصف الشئ الذي جازت الهبة فيه صار معه مائة الا نصف شئ يعدل شيئين فالشئ خمسا ذلك رجع إلى الواهب نصفها عشرون صار معه ثمانون وبقي لورثة الموهوب له عشرون وطريقها بالباب ان يأخذ عددا لثلثه نصف وهو ستة فيأخذ ثلثه اثنين ويلغى نصفه سهما يبقى سهم فهو للموهوب له ويبقى للواهب أربعة فتقسم المائة بينهما على خمسة والسهم الذي أسقطته لا يذكر لانه يرجع على جميع السهام الباقية بالتسوية فيجب اطراحه كالسهام الفاضلة عن الفروض في مسألة الرد ولو ترك ابنتين ضربت ثلاثة في ثلاثة صارت تسعة وأسقطت منهما سهما يبقى سهمان فهي التي تبقى لورثة الموهوب له وتبقى ستة للواهب وهي مثلا ما جازت الهبة فيه وان خلف امرأة وبنتا فمسئلتها من ثمانية نضربها في ثلاثة تكن اربعة وعشرين يسقط منهما الثلاثة التي ورثها الواهب يبقى أحد وعشرون فهي المال ويأخذ ثلث الاربعة والعشرين وهي ثمانية يلغى منها الثلاثة يبقى خمسة في الباقية لورثة الموهوب له والباقي للواهب فتقسم المائة على هذه السهام (فصل) وان وهب رجلا جارية فقبضها الموهوب له ووطئها ومهرها ثلث قيمتها ثم مات الواهب ولا شئ له سواها وقيمتها ثلاثون ومهرها عشرة فقد صحت الهبة في شئ وسقط عنه من مهرها ثلث شئ وبقي للواهب أربعون الا شيئا وثلثا يعدل شيئين أجبر وقائل يخرچ الشئ خمس ذلك وعشرة وهو اثنا عشر وذلك خمسا الجارية فقد صحت الهبة فيه ويبقى للوارث ثلاثة أخماسها وله على الموهوب له ثلاثة أخماس مهرها وهو ستة ولو كان الواطئ أجنبيا فكذلك ويكون عليه مهرها ثلاثة أخماسه للواهب وخمساه للموهوب له الا أن تعود الهبة فيما زاد على الثلث منها موقوف على حصول المهر من الوطئ فان لم يحصل منه شئ لم تزد الهبة على ثلثها وكلما حصل من شئ نفذت الهبة في الزيادة بقدر

[ 306 ]

ثلثه فان وطئها الواهب فعليها من عقرها بقدر ما جازت الهبة فيه وهو ثلث شئ يبقى معه ثلاثون إلا شيئا وثلثا يعدل شيئين فالشئ تسعة وهو خمس الجارية وعشرها وسبعة أعشارها لورثة الواطئ وعليه عقر الذي جازت الهبة فيه ئلاثة فان أخذ من الجارية بقدرها صار له خمساها (فصل) وان وهب مريض عبدا لا يملك غيره فقتل العبد الواهب قيل للموهوب له اما أن تفديه واما أن تسلمه فان اختار تسلميه سلمه كله نصفه بالجناية ونصفه لانتقاص الهبة وذلك لان العبد كله قد صار إلى ورثة الواهب وهو مثلا نصفه فتبين ان الهبة جازت في نصفه فان اختار فداه ففيه روايتان احداهما يفديه باقل الامرين من قيمة نصيبه فيه اوراش جنايته والاخرى يفديه بقدر ذلك من ارش جنايته بالغة ما بلغت فان كانت قيمته دية فانك تقول صحت الهبة في شئ ويدفع إليهم نصف العبد وقيمة نصفه وذلك يعدل شيئين فتبين ان الشي نصف العبد وان كانت قيمته ديتين واختار دفعه فان الهبة تجوز في شئ ويدفع إليهم نصفه يبقى معهم عبد الا نصف شئ يعدل شيئين فالشئ خمساه ويرد إليهم ثلاثة اخماسه لانتقاض الهبة وخمسا من اجل جنايته فيصير لهم اربعة اخماسه وذلك مثلا ما جازت الهبة فيه وان اختار فداءه فداه بخمسي الدية أو اقل وقلنا يفديه بأرش جنايته نفذت الهبة في جميعه لان ارشها أكثر من مثلي قيمته وان كانت قيمته ثلاثة اخماس الدية فاختار فداءه بالدية فقد صحت الهبة في شئ ويفديه بشئ وثلثين فصار مع الورثة عبد وثلثا شئ يعدل شيئين فالشئ يعدل ثلاثة ارباع فتصح الهبة في ثلاثة ارباع العبد ويرجع إلى الواهب ربعه مائة وخمسون وثلاثة ارباع الدية سبعمائة وخمسون صار الجميع تسعمائة وهو مثلا ما صحت الهبة فيه فان ترك الواهب مائة دينار فاضممها إلى قيمة العبد فان اختار دفع العبد دفع ثلثه وربعه وذلك قدر نصف جميع المال بالجناية وباقيه لانتقاص الهبة فيصير للورثة العبد والمائة وذلك ما جازت الهبة فيه وان اختار الفداء فقد علمت انه يفدي ثلاثة ارباعه إذا لم يترك شيئا فزد على ذلك ثلاثة أرباع المائة يصر ذلك سبعة أثمان العبد فيفديه سبعة أثمان الدية (فصل) في إعتاق المريض: مريض أعتق عبدا لا مال سواه قيمته مائة فقطع أصبع سيده خطأ فانه يعتق نصفه وعليه نصف قيمته ويصير للسيد نصفه ونصف قيمته وذلك مثلا ما عتق منه وأوجبنا

[ 307 ]

نصف قيمته عليه لان عليه من ارش جنايته بقدر ما عتق منه وحسابها أن تقول عتق منه شئ وعليه شئ للسيد فصار مع السيد عبد إلا شيئا وشئ يعدل شيئين فأسقط بشئ بقي ما معه من العبيد يعدل شيئا مثل ما عتق منه، وإن كانت قيمة العبد مائتين عتق خمساه لانه يعتق منه شئ وعليه نصف شئ للسيد فصار للسيد نصف شئ وبقية العبد تعدل شيئين فتكون بقية العبد تعدل شيئا ونصفا وهو ثلاثة أخماسه والشئ الذي عتق خمساه، وإن كانت قيمته خمسين أو أقل عتق كله لانه يلزمه مائة وهي مثلاه أو أكثر، وإن كانت قيمته شيئين قلنا عتق منه شئ وعليه شئ وثلثا شئ للسيد مع بقية العبد تعدل شيئين فبقية العبد إذا ثلث شئ فيعتق منه ثلاثة أرباعه وعلى هذا القياس إلا ان ما زاد من العتق على الثلث ينبغي أن يقف على أداء ما يقابله من القيمة كما إذا ما دبر عبدا وله دين في ذمة غريم له فكلما اقتضى من القيمة شيئا عتق من الموقوف بقدر ثلثه (فصل) فان أعتق عبدين دفعة واحدة قيمة أحدهما مائة والآخر مائة وخمسون فجنى الادنى على الا رفع جناية نقصته ثلث قيمته وأرشها كذلك في جناية السيد ثم مات أقرعنا بين العبدين فان وقعت على الجاني عتق منه أربعة أخماسه وعليه من أرش الجناية مثل ذلك وبقي لورثة سيده خمسه وأرش جنايته والعبد الآخر وذلك مائة وستون وهو مثلا ما عتق منه وحسابها أن تقول عتق منه شئ وعليه نصف شئ لان جنايته بقدر نصف قيمته بقي للسيد نصف شئ وبقية العبد تعدل شيئين فعلمت ان بقية العبدين تعدل شيئا ونصفا فإذا أضفت إلى ذلك الشئ الذي عتق صارا جميعا يعدلان شيئين ونصفا، فالشئ الكامل خمساهما وذلك أربعة أخماس أحدهما، وإن وقعت قرعة الحرية على المجني عليه عتق ثلثه وله ثلث ارش جنايته يتعلق برقبة الجاني وذلك تسع الدية لان الجناية على من ثلثه حر تضمن بقدر ما فيه من الحرية والرق، والواجب من الارش يستغرق قيمة الجاني فيستحقة بها ولا يبقى لسيده مال سواه فيعتق ثلثه ويرق ثلثاه فان أعتق عبدين قيمة أحدهما خمسون والآخر قيمته ثلاثون فجنى الادنى على الا رفع فنقصه حتى صارت قيمته أربعين أقرعنا بينهما فان خرجت القرعة للادنى عتق منه شئ وعليه ثلث شئ فبعد الجبر تبين أن العبدين شيئان وثلثان فالشئ ثلاثة أثمانهما وقيمتهما

[ 308 ]

سبعون فثلاثة أثمانهما ستة وعشرون وربع وهي من الادنى نصفه وربعه وثمنه، وان وقعت على الآخر عتق ثلثه وحقه من الجناية أكثر من قيمة الجاني فيأخذه بها أو يفديه المعتق وقد ثبتت فروع كثيرة وفيما ذكرنا ما يستدل به على غيره إن شاء الله تعالى وكل موضع زاد المعتق على ثلث العبدين من أجل وجوب الارش للسيد تكون الزيادة موقوفة على أداء الارش كما ذكرنا من قبل والله أعلم * (مسألة) * (وان باع مريض قفيزا لا يملك غيره يساوي ثلاثين بقفيز يساوي عشرة وهما جنس واحد فيحتاج إلى تصحيح البيع في جزء منه مع التخلص من الربا لكونه يحرم التفاضل بينهما فالطريق في ذلك أن يسقط قيمة الردئ من قيمة الجيد ثم ينسب الثلث إلى ما بقي وهو عشرة من عشرين وذلك نصفها فيصح البيع في نصف الجيد بنصف الردئ ويبطل فيما بقي) وطريق الجبر أن تقول يصح البيع في شئ من الا رفع بشئ من الادنى وقيمته ثلث شئ فتكون المحاباة بثلثي شئ ألقها من الا رفع يبق قفيز الا ثلثي شئ يعدل مثلي المحاباة وذلك شئ وثلث فإذا جبر به عدل شيئين والشئ نصف القفيز فان كانت قيمة الادنى خمسة عشر فإذا أسقطت قيمة الردئ من قيمة الجيد يبقى خمسة عشر إذا نسبت اليهما الثلث يكن ثلثيها فيصح البيع في ثلثي الجيد بثلثي الردئ فحصلت المحاباة بعشرة وذلك ثلث المال. فان كان الادنى يساوي عشرين صحت في جميع الجيد بجميع الردئ * (مسألة) * (وان أصدق امرأة عشرة في مرضه لا مال له غيرها) وصداق مثلها خمسة ثم ماتت قبله ومات بعدها ولا مال لها سوى ما أصدقها دخلها الدور فنقول لها خمسة بالصداق وشئ بالمحاباة ويبقى لورثة الزوج خمسة الاشياء ورجع إليهم بموتها نصف ذلك وهو اثنان ونصف ونصف شي صار لهم سبعة ونصف الا نصف شئ يعدل شيئين أجبرها بنصف شئ وقابل فزد على الشيئين نصف شئ يبقى سبعة ونصف تعدل شيئين ونصفا فالشئ ثلاثة فلورثته ستة ولورثتها اربعة لانها كان لها خمسة وشئ وذلك ثمانية رجع إلى ورثته نصفها وهي أربعة صار لهم ستة ولورثتها أربعة على ما ذكرنا فان ترك الزوج خمسة اخرى قلت يبقى مع ورثة الزوج اثنا عشر ونصف الا نصف شئ تعدل شيئين فالشئ خمسة فجازت لها المحاباة جميعها ورجع جميع ما حاباها به إلى ورثة

[ 309 ]

الزوج وبقي لورثتها صداق مثلها فان كان للمرأة خمسة ولم يكن للزوج شئ قلت يبقى مع ورثة الزوج عشرة إلا نصف شئ يعدل شيئين فالشئ أربعة فيكون لها بالصداق تسعة مع خمستها أربعة عشر رجع إلى ورثة الزوج نصفها مع الدينار الذي بقي لهم صار لهم ثمانية ولورثتها سبعة، وان كان عليها دين ثلاثة قلت يبقى مع ورثة الزوج ستة إلا نصف شئ يعدل شيئين فالشئ ديناران وخمسان والباب في هذا أن ينظر ما بقي في يد ورثة الزوج فخمساه هو الشئ الذي صحت المحاباة فيه وذلك لانه بعد الجبر يعدل شيئين ونصفا، والشئ هو خمساها، وان شئت أسقطت خمسة وأخذت نصف ما بقي * (مسألة) * (وان مات قبلها ورثته وسقطت المحاباة) لان حكمها في المرض حكم الوصية في أنها لا تصح لوارث وعنه تعتبر المحاباة من الثلث لانها محاباة لمن تجوز له الصدقة عليه فاعتبرت من الثلث كمحاباة الاجنبي الا أن أبا بكر قال هذا قول قديم رجع عنه (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه ولو ملك ابن عمه فأقر في مرضه انه أعتقه في صحته وهو وارثه عتق ولم يرث ذكره أبو الخطاب لانه لو ورثه كان اقراره لوارث فيبطل عتقه لانه مرتب على صحة الاقرار ولا يصح الاقرار للوارث وإذا بطل عتقه سقط الارث فعلى هذا نثبت الحرية ولا يرث لان توريثه يفضي إلى اسقاط توريثه ويحتمل أن يرث لانه حين الاقرار لم يكن وارثا فوجب أن يرث كما لو لم يصر وارثا وعلى قياس ذلك لو اشترى دار حمه المحرم في مرضه وهو وارثه أو وصى له به أو وهب له فقبله في مرضه فالحكم في ذلك كالمسألة قبلها سواء لما ذكرنا وذكر شيخنا أنه إذا ملكه بغير عوض كالهبة والميراث انه يعتق ويرث المريض إذا مات وبه قال مالك وأكثر أصحاب الشافعي وقال بعضهم يعتق ولا يرث كما قال أبو الخطاب لان عتقه وصية فلا تجتمع مع الميراث وهذا لا يصح لانه لو كان وصية لاعتبر من الثلث كما لو اشتراه وجعل أهل العراق عتق الموهوب وصية يعتبر خروجه من الثلث، وان خرج من الثلث عتق وورث، وان لم يخرج من الثلث سعى في قيمة باقيه ولم يرث في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يحتسب بقيمته من ميراثه فان فضل من قيمته شئ سعى فيه

[ 310 ]

ولنا أن الوصية هي التبرع بعطية أو اتلاف أو السبب إلى ذلك ولم يوجد واحد منهما لان العتق ليس من فعله ولا يقف على اختياره، وقبول الهبة ليس بعطية ولا اتلاف لماله انما هو تحصيل لشئ يتلف بتحصيله فأشبه قبوله لشئ لا يمكنه حفظه أو لما يتلف ببقائه في وقت لا يمكنه التصرف فيه وفارق الشراء فانه تضييع لماله في ثمنه قال القاضي هذا المذكور قياس قول احمد لانه قال في مواضع إذا وقف في مرضه على ورثته صح ولم تكن وصية لان الوقف ليس بمال لانه لا يباع ولا يورث قال الخبري هذا قول احمد وابن الماجشون وأهل البصرة ولم يذكر فيه عن احمد خلافه فاما ان اشترى من يعتق عليه فقال القاضي ان حمله الثلث عتق وورثه وهذا قول مالك وأبي حنيفة، وان لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث ويرث بقدر ما فيه من الحرية وباقيه على الرق فان كان الوارث ممن يعتق عليه إذا ملكه عتق عليه إذا ورثه، وقال أبو يوسف ومحمد لا وصية لوارث ويحتسب بقيمته من ميراثه وان فضل من قيمته شئ سعي فيه، وقال بعض أصحاب مالك يعتق من رأس المال ويرث كالموهوب والموروث وهو قياس قول احمد لكونه لم يجعل الوقف وصية واجازه للوارث فهذا أولى لان العبد لا يملك رقبته فيجعل ذلك وصية له ولا يجوز أن يجعل الثمن وصية له لانه لم يصل إليه ولا وصية للبائع لانه قد عاوض عنه وانما هو كبناء مسجد وقنطرة في أنه ليس بوصية لمن ينتفع به فلا يمنعه ذلك الميراث واختلف أصحاب الشافعي في قياس قوله فقال بعضهم إذا حمله الثلث عتق وورث لان عتقه ليس بوصية له على ما ذكرنا، وقيل يعتق ولا يرث لانه لو ورث لصارت وصية لوارثه فتبطل وصيته ويبطل عتقه وارثه فيفضي توريثه إلى إبطال توريثه فكان ابطال توريثه أولى، وقيل على مذهبه شراؤه باطل لان ثمنه وصية والوصية يقف خروجها من الثلث أو اجازة الورثة، والبيع عنده لا يجوز أن يكون موقوفا، ومن مسائل ذلك مريض وهب له ابنه فقبله وقيمته مائة وخلف مائتي درهم وابنا آخر فانه يعتق وله مائة ولاخيه مائة وهذا قول ابي حنيفة ومالك والشافعي، وقيل على قول الشافعي لا يرث والمئتان كلها للابن الآخر، وقال أبو يوسف ومحمد يرث نصف نفسه ونصف المائتين ويحتسب بقيمة نصفه الباقي من ميراثه، وإن كانت قيمته مائتين وبقية التركة مائة عتق من رأس المال والمائة

[ 311 ]

بينه وبين أخيه وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يعتق منه نصفه لانه قدر ثلث التركة ويسعى في قيمة باقيه ولا يرث لان المستسعى عنده كالعبد لا يرث إلا في أربعة مواضع الرجل يعتق أمته على أن تتزوجه، والمرأة تعتق عبدها على أن يتزوجها فيأبيان ذلك، والعبد المرهون يعتقه سيده والمشترى للعبد نصفه قبل قبضه وهما معسران ففي هذه المواضع يسعى كل واحد في قيمته وهو حر يرث وقال أبو يوسف ومحمد يرث نصف التركة وذلك ثلاثة أرباع رقبته ويسعى في ربع قيمته لاخيه فان وهب له ثلاث أخوات متفرقات لا مال له سواهن ولا وارث عتقن من رأس المال وهذا قول مالك وان كان اشتراهن فكذلك فيما ذكره الخبري عن أحمد وهو قول ابن الماجشون وأهل البصرة وبعض أصحاب مالك وعلى قول القاضي يعتق ثلثهن في أحد الوجهين وهو قول مالك وفي الآخر يعنقن كلهن لكون وصية من لا وارث له جائزة في جميع ماله في أصح الروايتين، وان ترك مالا يخرجن من ثلثه عتقن وورثن، وقال ابو حنيفة إذا اشتراهن أو وهبن له ولا مال له سواهن ولا وارث عتقن وتسعى كل واحدة من الاخت للاب والاخت من الام في نصف قيمتها للاخت للابوين وانما لم يرثا لانهما لو ورثتا لكان لهما خمس وذلك رقبة وخمس بينهما نصفين فكان يبقى عليهما سعاية وإذا بقيت عليهما سعاية لم يرثا وكانت لهما الوصية وهي رقبة بينهما نصفين وأما الاخت للابوين فإذا ورثت عتقت لان لها ثلاثة أخماس الرقاب وذلك أكثر من قيمتها فورثت وبطلت وصيتها وقال أبو يوسف ومحمد يعتقن وتسعى كل واحدة من الاخت للاب والاخت للام للاخت من الابوين في خمسي قيمتها لان كل واحدة ترث ثلاثة أخماس رقبة وعلى قول الشافعي لا يعتقن (فصل) وإذا اشترى المريض أباه بالف لا مال له سواه ثم مات وخلف ابنا فعلى القول الذي حكاه الخبري يعتق كله على المريض وله ولاؤه وعلى قول القاضي يعتق ثلثه بالوصية ويعتق الباقي على الابن لانه جده ويكون ثلث ولائه للمشتري وثلثاه لابنه، وهذا قول مالك وقيل هو مذهب للشافعي، وقال أبوحينفة يعتق ثلثه بالوصية ويسعى للابن في قيمة ثلثيه وقال أبو يوسف ومحمد يعتق سدسه لانه ورثه ويسعى في خمسة أسداس قيمته للابن ولا وصية له وقيل على قول الشافعي ينفسخ البيع الا ان يجيز الابن عتقه وقيل ينفسخ في ثلثيه ويعتق ثلثه وللبائع الخيار لتفريق الصفقة عليه وقيل لا خيار له لانه متلف فان ترك الفين سواه عتق كله وورث سدس الالفين والباقي للابن، وبهذا قال مالك

[ 312 ]

وأبو حنيفة وقيل نحوه قول الشافعي وقيل على قوله يعتق ولا يرث وقيل شراؤه مفسوخ وقال أبو يوسف ومحمد يرث الاب سدس التركة وخمسمائة يحتسب بها من رقبته ويسعى في نصف قيمته ولا وصية له فان اشترى ابنه بألف لا يملك غيره ومات وخلف أباه عتق كله بالشراء في الوجه الاول وفي الثاني يعتق ثلثه بالوصية وثلثاه على جده عند الموت وولاؤه بينهما أثلاثا، وبهذا قال مالك وقول الشافعي فية على ما ذكرنا في مسألة الاب، وقال أبو حنيفة يعتق ثلثه بالوصية ويسعى في قيمة ثلثيه للاب ولا يرث، وقال أبو يوسف ومحمد يرث خمسة أسداسه ويسعى في قيمة سدسه فان ترك الفين سواه عتق كله وورث خمسة أسداس الالفين وللاب السدس، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد للاب سدس التركة خمسمائة وباقيها للابن يعتق منها ويأخذ الفا وخمسمائة وان خرج مالا يخرج المبيع من ثلثه فعلى الوجه الاول يعتق كله ويرث منه كأنه حر الاصل على الوجه الثاني يعتق منه بقدر ثلث التركه ويرث بقدر ما فيه من الحرية فان لم يخلف المشتري الا اخا حرا ولم يترك مالا عتق من رأس المال على الوجه الاول ويعتق ثلثه على الثاني ويرث الاخ ثلثيه ثم يعتق عليه وقال أبو حنيفة يعتق ثلثه ويسعى لعمه في قيمة ثلثيه وقال أبو يوسف ومحمد يعتق كله ولا سعاية وان خلف الفين سواه عتق وورث الالفين ولا شئ للاخ في الاقوال الا فيما قيل على قول الشافعي انه يعتق ولا يرث وقيل شراؤه باطل فان اشترى ابنه بألف لا يملك غيره وقيمته ثلثا الالف وخلف ابنا آخر فعلى الوجه الاول يعتق من رأس المال ويستقر ملك البائع على قدر قيمته من الثمن وله ثلث الباقي لان المشتري حاباه ولم يبق من التركه سواه فيكون له ثلثه وهي تسع الف ويرد التسعين فتكون بين الاثنين، وعلى الوجه الثاني يعتق ثلثه ويرث اخوه ثلثيه ويعتق عليه وللبائع ثلث المحاباة ويرد ثلثيها فيكون ميراثا، وقال أبو حنيفة الثلث للبائع ويسعى المشتري في قيمته لاخيه وقال أبو يوسف ومحمد يسعى في نصف رقبتة ويرث نصفها وقال الشافعي المحاباة مقدمة لتقدمها ويرث الابن الحر اخاه فيملكه وقيل يفسخ البيع في ثلثيه ويعتق ثلثه ولا تقدم المحاباة لان في تقديمها تقرير ملك الاب على ولده وقيل يفسخ البيع في جميعه فان كانت قيمته ثلاثة آلاف فعلى الوجه الاول يعتق من رأس المال وتنفذ

[ 313 ]

المحاباة في ثلث الباقي وهو تسعا الالف ويرد البائع أربعة اتساع الالف فتكون بين الابنين وعلى الوجه الآخر يحتمل وجهين (أحدهما) يقدم العتق على المحاباة فيعتق جميعه ويرد البائع ثلثي الالف فيكون بينهما (والثاني) يعتق ثلثه ويكون للبائع تسعا ألف ويرد أربعة أتساعها كما قلنا في الوجه الاول، وقال أبو حنيفة للبائع بالمحاباة الثلث ويرد الثلث ويسعى الابن في قيمته لاخيه في قول أبى يوسف ومحمد يرد البائع ثلث الالف فيكون ذلك مع المشتري للابن الحر وقيل غير ذلك وان اشتراه بألف لا يملك غيره وقيمته ثلاثة آلاف فمن أعتقه من رأس المال جعله حرا ومن جعل ذلك وصية أعتق ثلثه بالشراء ويعتق باقيه على أخيه إلا في قول الشافعي ومن وافقه فان الحر يملك بقية أخيه فيملك من رقبته قدر ثلثي الثمن وذلك تسعا رقبته لانه يجعل ثمنه من الثلث دون قيمته وقيل يفسخ البيع في ثلثيه وقيل في جميعه، وقال أبو حنيفة يسعى لاخيه في قيمة ثلثيه وقال أبو يوسف ومحمد يسعى له في نصف قيمته فان ترك الفين سواه عتق كله لان التركة هي الثمن مع الالفين والثمن يخرج من الثلث فيعتق ويرث نصف الالفين وهو قول للشافعي وقيل يعتق ولا يرث وعند أبي حنيفة وأصحابه التركة قيمته مع الالفين وذلك خمسة آلاف فعلى قول أبي حنيفة يعتق منه قدر ثلث ذلك وهو الف وثلثا الف ويسعى لاخيه في الف وثلث ألف وفى قول صاحبيه يعتق منه نصف ذلك وهو خمسة أسداسه ويسعى لاخيه في خمسمائة والالفان لاخيه في قولهم جميعا (فصل) ولو اشترى المريض ابني عم له بالف لا يملك غيره وقيمة كل واحد منهما الف فاعتق احدهما ثم وهبه اخاه ثم مات وخلفهما وخلف مولاه فان قياس قول القاضي ان شاء الله انه يعتق ثلثا المعتق الا ان يجيز المولى عتق جميعه ثم يرث بثلثيه ثلثي بقية التركة فيعتق منه ثمانية اتساعه يبقى تسعة وثلث اخيه للمولى ويحتمل ان يعتق كله ويرت اخاه فيعتقان جميعا لانه يصير بالاعتاق وارثا لثلثي التركة

[ 314 ]

فتنفذ اجازته في اعتاق باقيه فتكمل له الحرية ثم يكمل له الميراث وفي قياس قول ابي الخطاب يعتق ثلثاه ولا يرث لانه لو ورث لكان اعتاقه وصية له فيبطل اعتاقه ثم يبطل ارثه فيؤدي توريثه إلى ابطال توريثه وهذا قول الشافعي ويبقى ثلثه وابن العم الآخر للمولى وقال أبو حنيفة يعتق ثلثا المعتق ويسعى في قيمة ثلثه ولا يرث، وقال أبو يوسف ومحمد يعتق كله ويعتق عليه أخوه بالهبة ويكون أحق بالميراث من المولى فان كان للميت مال سواهما أخذا ذلك المال بالميراث ويغرم المعتق لاخيه الموهوب نصف قيمة نفسه ونصف قيمة أخيه لان عتق الاول وصية ولا وصية لوارث وقد صار وارثا مع أخيه فورث نصف قيمة رقبته ونصف قيمة أخيه وورث أخوه الباقي وكان أخوه الموهوب له هبة من المريض له فيعتق بقرابته له ولم يعتق من المريض فلم يكن عتقه وصية بل استهلكها بالعتق الذي جرى فيها فيغرم الاول نصف قيمته ونصف قيمة أخيه لاخيه وأما قول أبي حنيفة فان كان الميت لم يدع وارثا غيرهما عتق وغرم الاول لاخيه نصف قيمة أخيه ولم يغرم له نصف قيمة نفسه لانه إذا لم يدع وارثا جازت وصيته لانهما لا يرثان ولا يعتقان حتى تجوز وصية الاول لانه متى بقيت عليه سعاية لم يرث واحد منهما ولم يعتق فلابد من ان تنفذ للمعتق وصية ليصير حرا فيعتق أخوه بعتقه وقد جازت له الوصية في جميع رقبته لان الميت إذا لم يدع وارثا جازت وصيته بجميع ماله ويرثان جميعا ويرجع الثاني على الاول بنصف قيمته لانه يقول قد صرت أنا وانت وارثين فلا تأخذ من الميراث شيئا دوني وقد كانت رقبتي لك وصية فعتقت من قبلك فاضمن لي نصف رقبتي فان كان معسرا أو هناك مال غيرهما أخذ الثاني نصفه ثم اخذ من النصف الثاني نصف قيمة نفسه وكان ما بقي ميراثا لاخيه الاول * (مسألة) * (ولو اعتق امته وتزوجها في مرضه فنقل المروذي عن احمد انها ترث اختاره القاضي، وقال الشافعي لا ترث لان ترويثها يفضي إلى ابطال عتقها لانه وصية وابطال عتقها يبطل توريثها. ولنا أن العتق في هذه الحال وصية بما لا يلحقه الفسخ فيجب تصحيحه للوارث كالعفو عن العمد في مرضه فانه لا يسقط ميراثه ولا تبطل الوصية

[ 315 ]

* (مسألة) * (ولو أعتقها وقيمتها مائة ثم تزوجها وأصدقها مائتين لا مال له سواهما وهما مهر مثلها ثم مات صح العتق ولم تستحق الصداق لئلا يفضي إلى بطلان عتقها ثم يبطل صداقها وقال القاضي تستحق المائتين وتعتق) لان العتق وصية لها وهي غير وارثة والصداق استحقته بعقد المعاوضة وهي تنفذ من رأس المال فهو كما لو تزوج أجنبية وأصدقها المائتين وقال أصحاب الشافعي يسقط مهرها ولا ترث لكونها لا تخرج من الثلث وسقوط العتق في بعضها يبطل مهرها ويسقط نكاحها فأسقطنا المهر والميراث وأنفذنا العتق والنكاح قال شيخنا وهذا أولى من القول بصحة العتق والصداق جميعا لانه يفضي إلى القول بصحة العتق في مرض الموت من جميع المال ولا خلاف في فساد ذلك ولو أصدق المائتين أجنبية صح وبطل العتق في ثلثي الامة لان الخروج من الثلث معتبر بحالة الموت وحالة الموت لم يبق له مال وهكذا لو تلفت المائتان قبل موته لم ينفذ من عتق الامة الا الثلث وإذا بطل بعض عتقها بذهاب المائتين إلى غيرها فأولى أن يبطل بذهابها إليها وبطلان عتقها يبطل نكاحها فالقول بسقوط المهر وحده أولى * (مسألة) * (وان تبرع بالثلث ثم اشترى أباه من الثلثين وله ابن فعلى قول من قال: ليس الشراء بوصية يعتق الاب وينفذ من التبرع قدر ثلث المال حال الموت وما بقي فللاب سدسه وباقيه للابن وعلى قول القاضي ومن جعله وصية لا يعتق الاب لان تبرع المريض انما ينفذ في الثلث ويقدم الاول فالال وإذا قدم التبرع لم يبق من الثلث شئ ويرثه الابن فيعتق عليه ولا يرث لانه انما عتق بعد الموت وان وهب له أبوه عتق وورث لان الهبة ليست بوصية وكذلك ان ورثه وان اشترى أباه ثم أعتقه لم يعتق على قول القاضي لانه إذا لم يعتق بالملك وهو أقوى من الاعتاق بالقول بدليل نفوذه في حق الصبي والمجنون فاولى أن لا ينفذ بالقول والله سبحانه وتعالى أعلم فصول في تصرف المريض (فصل) إذا أعتق أمة لا يملك غيرها ثم تزوجها فالنكاح صحيح في الظاهر فإذا مات ولم يملك شيئا آخر تبين أن نكاحها باطل ويسقط مهرها ان كان لم يدخل بها وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ويعتق منها ثلثها ويرق ثلثاها فان كان قد دخل بها ومهرها نصف قيمتها عتق منها ثلاثة أسباعها ويرق أربعة أسباعها وحساب ذلك أن تقول عتق منها شئ ولها بصداقها نصف شئ وللورثة شيئان فيجمع

[ 316 ]

ذلك فيكون ثلاثة أشياء ونصفا نبسطها فتكون سبعة لها منها ثلاثة ولهم أربعة ولا شئ للميت سواها فنجعل لنفسها منها ثلاثة اسباعها يكون حرا والباقي للورثة وان أحب لورثة أن يدفعوا إليها حصتها من مهرها وهو سبعاه ويعق منها سبعاها ويسترقوا خمسة أسباعها فلهم ذلك وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة يحسب مهرها من قيمتها ولها ثلث الباقي ويسعي فيما بقي وهو ثلث قيمتها فان كان يملك مع الجارية قدر نصف قيمتها ولم يدخل بها عتق منها نصفها ورق نصفها لان نصفها هو ثلث المال وان دخل بها عتق منها ثلاثة أسباعها ولها ثلاثة أسباع مهرها وانما قل العتق فيها لانها لما أخذت ثلاثة أسباع مهرها نقص المال به فيعتق منها ثلث الباقي وهو ثلاثة أسباعها وطريق حسابها أن تقول عتق منها شئ ولها بمهرها نصف شئ وللورثة شيئان يعدل ذلك الجارية ونصف قيمتها فالشئ سبعاها وسبعا نصف قيمتها وهو ثلاثة أسباعها وهو الذي عتق منها ويأخذ نصف ذلك من المال بمهرها وهو ثلاثة أسباعه فان كان يملك معها مثل قيمتها ولم يدخل بها عتق ثلثاها ورق ثلثها وبطل نكاحها وان كان دخل بها عتق أربعة أسباعها ولها أربعة أسباع مهرها ويبقى للورثة ثلاثة أسباعها وخمسة أسباع قيمتها وهو يعدل مثلي ما عتق منها وحسابها أن تجعل السبعة الاشياء معادلة لها ولقيمتها فيعتق منها بقدر سبعي الجميع وهو أربعة أسباعها وتستحق سبع الجميع بمهرها وهو أربعة أسباع مهرها فان كان يملك معها مثلي قيمتها عتقت كلها وصح نكاحها لانها تخرج من الثلث ان أسقطت مهرها وان أبت أن تسقطه لم ينفذ عتقها وبطل نكاحها فان كان لم يدخل بها فينبغي أن يقضي بعتقها ونكاحها ولا مهر لها لان ايجابه يفضي إلى اسقاطه واسقاط عتقها ونكاحها فاسقاطه وحده اولى وان كان دخل بها عملنا فيها على ما تقدم فيعتق ستة أسباعها ولها ستة أسباع مهرها ويبطل عتق سبعها ونكاحها ولو أعتقها ولم يتزوجها ووطئها كان العمل فيها في هذه المواضع كما لو تزوجها وهذا مذهب الشافعي وذكر القاضي في هذه المسألة التي قبل الاخيرة ما يقتضى صحة نكاحها وعتقها مع وجوب مهرها فيما إذا عتق في مرضه أمة قيمتها مائة وأصدقها مائتين لا مال له سواهما وهو مهر مثلها وهو مذكور في هذا الباب وقال أبو حنيفة فيما إذا ترك مثلي قيمتها وكان مهرها نصف قيمتها تعطي مهرها وثلث الباقي يحسب ذلك من قيمتها وهو نصفها وثلثها فيعتق ذلك وتسعى في سدسها الباقي ويبطل نكاحها فان خلف أربعة أمثال قيمتها صح عتقها ونكاحها وصداقها في قول الجميع لان ذك يخرج من الثلث وترث من الباقي في قول أصحابنا وهو

[ 317 ]

قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا ترث وهو مقتضى قول الخرقي لانها لو ورثت لكان عتقها وصية لوارث واعتبار الوصية بالموت (فصل) ولو أن امرأة مريضة أعتقت عبدا قيمته عشرة وتزوجها بعشرة في ذمته ثم ماتت وخلفت مائة اقتضي قول أصحابنا أن تضم العشرة التي في ذمته إلى المائة فيكون ذلك هو التركة وترث نصف ذلك ويبقى للورثة خسمة وخمسون وهذا مذهب أبي حنيفة وقال صاحباه يحسب عليه قيمته أيضا ويضم إلى التركة ويبقى للورثة ستون وقال الشافعي لا ترث شيئا وعليه أداء العشرة التي في ذمته لئلا يكون اعتاقه وصية لوارث وهذا مقتضى قول الخرقي ان شاء الله تعالى (فصل) فأما ان أعتق أمته في صحته ثم تزوجها في مرضه صح وورثته بغير خلاف علمناه فأما ان أعتقها في مرضه ثم تزوجها وكانت تخرج من ثلثه عتقت وورثت في اختيار أصحابنا وقول أبي حنيفة ونقله المروذي عن أحمد كما لو كان عتقها في صحته وقال الشافعي لا ترث وقد ذكرناه

[ 318 ]

باب اللقطة وهي المال الضائع من ربه يلتقطه غيره قال الخليل بن احمد اللقطة بفتح القاف اسم للملتقط لان ما جاه على فعلة فهو اسم لفاعل كالصحلة والصرعة، واللقطة بسكون القاف المال الملقوط مثل الصحلة الذي يصحل منه والهزأة الذي يهزأ به، وقال الاصمعي وابن الاعرابي والفراء هي بفتح القاف اسم المال المقوط أيضا والاصل فيها ما روى زيد بن خالد الجهنى قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال " اعرف وكاها وعفاصها ثم عرفها سنة فان لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فان جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه " وسأله عن ضالة الابل فقال " مالك ولها دعها فان معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها " وسأله عن الشاة فقال " خذها فانا هي لك أو لاخيك أو للذئب " متفق عليه الوكاء الخيط الذي يشد به المال في الخرقة، والعفاص الوعاء الذي هي فيه من خرقة أو قرطاس أو غيره، قاله أبو عبيد والاصل في العفاص أنه الجلد الذي يلبسه رأس القارورة، وقوله " معها حذاءها " يعني خفها لانه لقوته وصلابته يجري مجرى الحذاء وسقاؤها بطنها تأخذ فيه ماء كثيرا فيبقى معها يمنعها العطش والضالة، اسم للحيوان خاصة دون سائر اللقطة والجمع ضوال ويقال لها ايضا الهوامي والهوامل.

[ 319 ]

* (مسألة) * (وتنقسم ثلاثة أقسام (أحدها): مالا تتبعه الهمة كالسوط والشع والرغيف فيملكه بأخذه بلا تعريف) لما روى جابر قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل فينتفع به رواه أبو داود وكذلك التمرة والكسرة والخرقة ومالا خطر له يجرز الانتفاع به من غير تعريف لان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على واجد التمرة حيث أكلها بل قال له " لو لم تأتها لاتتك " ورأى النبي صلى الله عليه وسلم تمرة فقال " لو لا اني أخشى أن تكون من الصدقة لاكلتها " ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة اليسير والانتفاع به روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة وبه قال عطاء وجابر بن زيد وطاووس والنخعي ويحيي بن أبي كثير ومالك والشافعي وأصحاب الرأي قال شيخنا وليس عن احمد تحديد اليسير الذي يباح، وروى عن احمد أبو بكر بن صدقة إذا أخذ درهما عرفه سنة وقال في رواية عبد الله ما كان نحو التمرة والكسرة والخرقة ومالا خطر له فلا بأس، ونحو ذلك قول الشافعي وذكر القاضي ذلك في كتاب الخلاف ويحتمل أن لا يجب تعريف ما لا يقطع به السارق وهو ربع دينار عند مالك وعشرة دراهم عند أبي حنيفة لان ما دون ذلك تافه فلا يجب تعريفه كالكسرة والتمرة بدليل قول عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون في الشئ

[ 320 ]

التافه وروي عن علي رضي الله عنه أنه وجد دينارا فتصرف فيه، وروى الجوزجاني عن سلمى بنت كعب قالت وجدت خاتما من ذهب في طريق مكة فسألت عائشة عنه فقالت تمتعي به، ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحبل في حديث جابر وقد تكون قيمته دراهم، وعن سويد بن غفلة قال خرجت مع سلمان بن ربيعة وزيدان بن صوحان حتى إذا كنا بالعذيب التقطت سوطا فقال لي ألقه فأبيت فلما قدمنا المدينة أتيت أبي بن كعب فذكرت ذلك له فقال أصبت قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وللشافعية ثلاثة أوجه كالمذاهب الثلاثة ولنا على ابطال تحديده بما ذكره عموم حديث زيد بن خالد في كل لقطة فيجب ابقاؤه على عمومه الا ما خرج منه لدليل ولم يرد بما ذكروه نص ولا هو في معني ما ورد به النص ولان التحديد لا يعلم بالقياس وانما يؤخذ من نص أو اجماع وليس فيما ذكروه نص ولا اجماع فاما حديث على فهو ضعيف رواه أبو داود وقال طرقه كلها مضطربة ثم هو مخالف لمذهبهم ولسائر المذاهب فتعين حمله على وجه من الوجوه غير اللقطة اما لكونه مضطرا إليه أو غير ذلك وحديث عائشة قضية في عين لا يدرى كم قدر الخاتم؟ ثم هو قول صحابي وهم لا يرون ذلك حجة وسائر الاحاديث ليس فيها تقدير لكن يباح ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ورخص فيه من السوط والعصا والحبل وما قيمته كقيمة ذلك (فصل) والذي يجوز التقاطه والانتفاع به من غير تعريف كالكسرة والتمرة والعصا ونحو ذلك

[ 321 ]

إذا التقطه انسان وانتفع به وتلف فلا ضمان فيه ذكره صاحب المستوعب وكذلك ما قيمته كقيمة ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم رخص فيه ولم يذكر عليه ضمانا ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وكذلك يخرج في السوط والحبل وشبهه المذكور في حديث جابر وقدره الشيخ ابو الفرج بما دون القيراط ولا يصح تحديده لما ذكرناه وذكره القاضي انه لا يجب تعريف الدافق * (القسم الثاني) * (الضوال التي تمتنع من صغار السباع كالابل والبقر والخيل والبغال والظباء والطير والفهود ونحوها لا يجوز التقاطها) كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه سواء كان لكبر جثته كالابل والخيل أو لطيرانه كالطيور كلها أو لعدوه كالظباء أو أنيابه كالكلاب والفهود قال عمر رضي الله عنه من أخذ الضالة فهو ضال أي مخطئ وبهذا قال الشافعي وابو عبيد، وقال مالك والليث في ضالة الابل من وجدها في الصحراء لا يقر بها ورواه المزني عن الشافعي وكان الزهري يقول من وجد بدنة فليعرفها فان لم يجد صاحبها فلينحرها قبل ان تنقضي الايام الثلاثة وقال أبو حنيفة يباح التقاطها لانها لقطة اشبهت الغنم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها " مالك ولها دعها فان معها حذاءها وسقاءها ترد الما وتأكل الشجر حتى يجدها ربها وسئل صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله انا نجد هوامي الابل فقال " ضالة المسلم حرق النار " وعن جرير بن عبد الله انه امر بطرد بقرة لحقت ببقره حتى توارت وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

[ 322 ]

" لا يؤرى الضالة لا ضال " رواه ابودواد بمعناه وقياسهم يعارض صريح النص وكيف يجوز ترك نص النبي صلى الله عليه وسلم وصريح قوله بقياس نصه في موضع آخر؟ على ان الابل تفارق الغنم لضعفها وقلة صبرها عن الماء والخوف عليها من الذئب (فصل) فان كانت الصيود مستوحشة إذا تركت رجعت إلى الصحراء وعجز عنها صاحبها جاز التقاطها لان تركها اضيع لها من سائر الاموال والمقصود حفظها لصاحبها لا حفظها؟ ي نفسها ولو كان المقصود حفظها في نفسها لما جاز التقاط الاثمان فان الدنيار دينار حيث كان (فصل) والبقر كالابل نص عليه احمد وهو قول الشافعي وابي عبيد وحكي عن مالك ان البقرة كالشاة ولنا خبر جرير فانه طرد البقرة ولم يأخذها ولانها تمتنع من صغار السباع وتجزئ في الاضحية عن سبعة فاشبهت الابل، وكذلك الحكم في الخيل والبغال، فاما الحمر فجعلها اصحابنا من هذا الفسم الذى لا يجوز التقاطة لكبر اجسامها فاشبهت الخيل والبغال، قال شيخنا والاولى الحاقها بالشاة لان النبي صلى الله عليه وسلم علل الابل بان معها سقاءها يريد شدة صبرها عن الماء لكثرة ما توعي في بطونها منه وقوتها على وروده وفي اباحته ضالة الغنم بانها معرضة لاخذ الذئب اياها بقوله " هي لك أو لاخيك أو للذئب " والحمر مساوية للشاة في علتها فانها لا تمتنع من الذئب وتفارق الابل في علتها لكونها لا صبر لها عن الماء ولهذا يضرب المثل بقلة صبرها عن الماء فيقال ما بقى من مدته الا ظمأ حمار والحاق الشئ بما ساواه في علة الحكم وفارقه في الصورة اولى من الحاقه بما قاربه في الصورة وفارقه في العلة

[ 323 ]

(فصل) فأما غير الحيوان فما كان منه ينحفظ بنفسه كأحجار الطواحين والكبير من الخشب وقدور النحاس فهو كالابل في تحريم اخذه بل اولى منه لان الابل معرضة للتلف في الجملة بالاسد وبالجوع والعطش وغير ذلك وهذه بخلاف ذلك ولان هذه لا تكاد تضيع عن صاحبها ولا تبرح من مكانها بخلاف الحيوان فإذا حرم اخذ الحيوان فهذه اولى (فصل) فان اخذ الحيوان الذى لا يجوز أخذه على سبيل الالتقاط ضمنه اماما كان أو غيره لانه اخذ ملك غيره بغير اذنه ولا اذن الشارع له فهو كالغاصب، فان رده إلى موضعه لم يبرأ من الضمان وبهذا قال الشافعي وقال مالك يبرأ لان عمر رضى الله عنه قال ارسله إلى الموضع الذى اصبته فيه وجرير طرد البقرة التي لحقت ببقره ولنا ان ما لزمه ضمانه لا يزول عنه الا برده إلى صاحبه أو نائبه كالمسروق والمغصوب واما حديث جرير فانه لم يأخذ البقرة انما لحقت بالبقر فطردها فاشبه ما لو دخلت داره فاخرجها واما عمر فهو كان الامام فأمره بردها إلى مكانها كاخذها، فعلى هذا متى لم يأخذها بحيث نثبت يده عليها لا يلزمه ضمانها سواء طردها أو لم يطردها فان دفعها إلى نائب الامام زال عنه الضمان لان له نظرا في ضوال الناس بدليل ان له اخذها فكان نائبا عن اصحابها فيها

[ 324 ]

(فصل) وللامام أو نائبه أخذ الضالة ليحفظها لصاحبها لان عمر رضي الله عنه حمى موضعا يقال له النقيع لخيل المجاهدين والضوال ولان للامام نظرا في حفظ مال الغائب وفي أخذ هذه حفظ لها عن الهلاك ولا يلزمه تعريفها لان عمر رضي الله عنه لم يكن يعرف الضوال ولانه إذا عرف ذلك فمن كانت له ضالة فانه يجئ إلى موضع الضوال فإذا عرف ضالته أقام البينة عليها وأخذها، ولا يكتفى فيها بالصفة لانها ظاهرة بين الناس فيعرف صفاتها من رآها من غير أهلها فلم تكن الصفة دليلا على ملكه لها ولان الضالة كانت ظاهرة للناس حين كانت في يد مالكها فلا يختص هو بمعرفة صفاتها دون غيرها فلم يكن ذلك دليلا ويمكنه اقامة البينة عليها لظهورها للناس ومعرفة خلطائه وجيرانه تملكه إياها (فصل) وإن أخذها غير الامام أو نائبه ليحفظها لصاحبها لم يجز له ذلك ولزمه ضمانها لانه لا ولاية له على صاحبها، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ولاصحابه وجه أن له أخذها لحفظها كالامام أو نائبه ولا يصح القياس على الامام لان له ولاية وهذا لا ولاية له، فان وجدها في موضع يخاف عليها به كأرض مسبعة يغلب على الظن أن الاسد يفترسها إن تركت به أو قريبا من دار الحرب يخاف عليها من أهلها أو بموضع يستحل أهله أموال المسلمين أو في برية لا ماء بها ولا مرعى فالاولى جواز أخذها للحفظ ولا ضمان على آخذها لان فيه انقاذها من الهلاك فأشبه تخليصها من غرق أو

[ 325 ]

حريق وإذا أخذها سلمها إلى نائب الامام وبرئ من ضمانها ولا يملكها بالتعريف لان الشرع لم يرد بذلك فيها. (فصل) ويسم الامام ما يحصل عنده من الضوال بانها ضالة ويشهد عليها ثم إن كان له حمى ترعى فيه تركها فيه إن رأى ذلك وان رأى المصلحة في بيعها أو لم يكن له حمى باعها بعد أن يحليها ويحفظ صفاتها ويحفظ ثمنها لصاحبها فان ذلك أحفظ لها لان تركها يفضي إلى أن تأكل جميع ثمنها (فصل) ومن ترك دابة بمهلكة فأخذها انسان فأطعمها وسقاها وخلصها ملكها وبه قال الليث والحسن بن صالح واسحاق الا أن يكون تركها لترجع إليه أو ضلت منه وقال مالك هي لمالكها ويغرم ما انفق عليها وقال الشافعي وابن المنذر هي لمالكها والآخر متبرع بالنفقة لا يرجع بشئ لانه ملك غيره فلم يملكه بغير عوض من غير رضاه كما لو كانت في غير مهلكة ولا يملك الرجوع بما أنفق لانه أنفق على مال غيره بغير اذنه فلم يرجع به كما لو بنى داره. ولنا ما روى الشعبى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها فأخذها فأحياها فهى له، قال عبد الله بن عبد الرحمن فقلت - يعني للشعبي - من حدثك بهذا؟ قال غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود، وفي لفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من ترك دابة بمهلكة فأحياها رجل فهى لمن أحياها " ولان في الحكم بملكها إحياؤها وانقاذها من

[ 326 ]

الهلاك ومحافظة على حرمة الحيوان وفي القول بانها لا تملك تضييع لذلك كله من غير مصلحة تحصل ولانه نبذ رغبة عنه وعجز عن أخذه فملكه آخذه كالساقط من السبيل وسائر ما ينتبذه الناس رغبة عنه، فأما ان ترك متاعا فخلصه انسان لم يملكه لانه لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كالخشية على الحيوان فان الحيوان يموت إذا لم يطعم ويسقى وتأكله السباع والمتاع يبقى حتى يرجع إليه صاحبه وان كان المتروك عبدا لم يأخذه لان العبد في العادة يمكنه التخلص إلى الاماكن التي يعيش بها بخلاف البهيمة، وله أخذ العبد والمتاع ليخلصه لصاحبه وله أجر مثله في تخليص المتاع نص عليه، وكذلك العبد على قياسه، قال القاضي يحب أن يحمل قوله في وجوب الاجر على أنه جعل له ذلك أو أمره به فاما ان لم يجعل له شيئا فلا شئ له لانه عمل في مال غيره بغير جعل فلم يستحق شيئا كالملتقط وهذا خلاف ظاهر كلام أحمد فانه لو جعل له جعلا لاستحقه ولم يجعل له أجر المثل، ويفارق هذا الملتقط فانه لم يخلص اللقطة من الهلاك، ولو تركها أمكن أن يرجع صاحبها فيطلبها في مكانها فيجدها وههنا ان لم بخ‍؟ جه هذا ضاع وهلك ولم يرجع إليه صاحبه ففي جعل الاجر فيه حفظ الامول من الهلاك من غيره مضرة فجاز كالجعل في الآبق ولان اللفطة جعل فيها الشاع ما يحث على أخذها وهو ملكها ان لم يج‍؟؟ صا؟؟ ها فاكتفي به عن الاجر فينبغي أن يشرع في هذا ما يحث على تخليصه يطريق الاولى وليس إلا الاجر كرد الآبق

[ 327 ]

(فصل) فاما ما لقاه ركاب البحر فيه خوفا من الغرق فلم أعلم لاصحابنا فيه قولا سوى عموم قولهم الذي ذكرناه ويحتمل أن يملك هذا من أخذه وهو قول الليث وبه قال الحسن فيما أخرجه، قال وما نضب عنه الماء فهو لاهله، وقال ابن المنذر يرده على أصحابه ولا شئ له ويقتضيه قول الشافعي والقاضي لما تقدم في الفصل قبله ويقتضي قول الامام أبي عبد الله ان لمن أنقذه أجر مثله لما ذكرنا، قال شيخنا ووجه ما ذكرنا من الاحتمال ان هذا مال ألقاه أصحابه فيما يتلف ببقائه فيه اختيارا منهم فملكه من أخذه كالذي القوة رغبة عنه، ولان فيما ذكروه تحقيقا لاتلافه فلم يجز كمباشرته بالاتلاف، فاما ان انكسرت السفينة فأخرجه قوم فقال مالك يأخذ أصحاب المتاع متاعهم ولا شئ للذين أصابوه وهذا قول الشافعي وابن المنذر والقاضي. وعلى قياس نص أحمد يكون لمستخرجه ههنا أجر المثل لان ذلك وسيلة إلى تخليصه وحفظه لصاحبه وصيانته عن الغرق فان الغواص إذا علم أنه يدفع إليه الاجر بادر إلى التخليص ليخلصه، وان علم أنه يؤخذ منه بغير شئ لم يخاطر بنفسه في استخراجه فينبغي أن يقضى له بالاجر كجعل رد الآبق (فصل) ذكر القاضي فيما إذا التقط عبدا صغيرا أو جارية ان قياس المذهب أنه لا يملك بالتعريف وقال الشافعي يملك العبد دون الجارية ولان التمليك بالتعريف عنده افتراض والجارية عنده لا تملك بالقرض. قال شيخنا وهذه المسألة فيما نظر فان اللفيط محكوم بحريته، وإن كان ممن يعبر عن نفسه

[ 328 ]

فأقر بأنه مملوك لم يقبل اقراره لان الطفل لا قول له ولو اعتبر قوله في ذلك لاعتبر في تعريفه لسيده * (الثالث) * سائر الاموال كالاثمان والمتاع والغنم والفصلان والعجاجيل وإلا فلا فيجوز التقاطها لمن بقصد تعريفها وتملكها بعده لحديث زيد بن خالد في لقطة الذهب والورق وقوله في الشاة " خذها فانما هي لك أو لاخيك أو للذئب " ثبت في الذهب والفضة وقسنا عليه المتاع وقسنا على الشاة كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع وهي الثعلب وابن آوى والذئب وولد الاسد ونحوها ومنه الدجاج والاوز ونحوها يجوز التقاطها، وروي عن أحمد رواية أخرى ليس لغير الامام التقاطها يعني الشاة ونحوها من الحيوان، وقال الليث بن سعد لا اختار أن يقر بها إلا أن يحرزها لصاحبها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يؤوي الضالة إلا ضال " ولانه حيوان أشبه الابل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الشاة " خذها فانما هي لك أو لاخيك أو للذئب " متفق عليه ولانه يخشى عليه التلف والضياع أشبه لقطه غير الحيوان وحديثنا أخص من حديثهم فنخصه به ولو قدر التعارض قدم حديثنا لانه أصح ولا يصح قياسه على الابل فان النبي صلى الله عليه وسلم علل منع التقاطها بأن معها حذاءها وسقاءها وهذا معدوم في الغنم، ثم قد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في خبر واحد فلا يجوز الجمع بين ما فرق الشارع بينهما ولا قياس ما أمن بالتقاطه على ما منع منه (فصل) ولا فرق بين أن يجدها بمصر أو مهلكة وقال مالك وابو عبيد وابن المنذر في الشاة

[ 329 ]

وجد في الصحراء اذبحها وكلها وفي المصر ضمها حتى يجدها صاحبها لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " هي لك أو لاخيك أو للذئب " ولا يكون الذئب في المصر ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأخذها ولم يفرق ولم يستقصل ولو افترق الحال لاستفصل ولانها لقطة فاستوى فيها المصري وغيره كسائر اللقطات، وقولهم لا يكون الذئب في المصر قلنا كونها للذئب في الصحراء لا يمنع كونها لغيره في المصر، ومتى عرفها حولا ملكها، وذكر القاضي وابو الخطاب عن أحمد رواية أنه لا يملكها ولعلها الرواية التي منع من التقاطها فيها ولنا قوله عليه السلام " هي لك " أضافها إليه بلام التمليك ولان التقاطها مباح فملكت بالتعريف كالاثمان، وقد حكاه ابن المنذر اجماعا * (مسألة) * (فمن لا يأمن نفسه عليها ليس له أخذها فان أخذها لزمه ضمانها ولا يملكها وان عرفها) إذا التقط لقطة عازما على تملكها بغير تعريف فقد فعل محرما ولا يحل له أخذها بهذه النية فان أخذها لزمه ضمانها سواء تلفت بتفريط أو بغير تفريط، ولا يملكها وان عرفها لانه أخذ مال غيره على وجه ليس له أخذه فهو كالغاصب نص عليه أحمد، ويحتمل أن يملكها لان ملكها بالتعريف والالتقاط وقد وجدا فيملكها بذلك كالاصطياد والاحتشاش إذا دخل ملك غيره بغير اذنه فاصطاد أو احتش

[ 330 ]

منه ملك الصيد والحشيش وان كان دخوله محرما كذا ههنا، ولان عموم النص يتناول هذا الملتقط فيثبت حكمه فيه ولانا لو اعتبرنا نية لتعريف وقت الالتقاط لافترق الحال بين العدل والفاسق والصبي والسفيه لان الغالب على هؤلاء الالتقاط للتمليك لا للتعريف * (مسألة) * (ومن أمن نفسه عليها وقوي على تعريفها فله أخذها) لما ذكرنا والافضل تركها قاله أحمد روي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وبه قال جابر بن زيد والربيع بن خثم وعطاء، وقال أبو الخطاب إذا وجدها بمضيعة وأمن نفسه عليها فالافضل أخذها وهذا قول للشافعي وعنه أنه يجب أخذها لقول الله تعالى (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) وإذا كان وليه وجب عليه حفظ ماله كولي اليتيم، وممن رأى أخذها سعيد بن المسيب والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأخذها أبي بن كعب وسويد بن غفلة وقال مالك ان كان شيئا له بال يأخذه أحب إلي ويعرفه ولان فيه حفظ مال المسلم عليه فكان أولى من تضييعه كتخليصه من الغرق ولنا قول ابن عمر وابن عباس ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة ولانه يعرض نفسه لاكل الحرام وتضييع الواجب من تعريفها وأداء الامانة فيها فكان تركه أولى وأسلم كولاية مال اليتيم وما ذكروه يبطل بالضوال فانه لا يجوز أخذها مع ما ذكروه وكذلك ولاية مال الايتام * (مسألة) * (ومتى أخذها ثم ردها إلى موضعها ضمنها)

[ 331 ]

روي ذلك عن طاوس وبه قال الشافعي، وقال مالك لا ضمان عليه لانه روي عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرا أرسله حيث وجدته رواه الاثرم ولما روي عن جرير بن عبد الله أنه رأى في بقره بقرة قد لحقت بها فأمر بها فطردت حتى توارت ولنا أنها امانة حصلت في يده لزمه حفظها وتركها تضييعها فأما حديث عمر فهو في الضالة التي لا يحل أخذها، فإذا أخذه احتمل ان له رده إلى مكانه ولا ضمان عليه لهذا الآثار ولانه كان واجبا عليه تركه في مكانه ابتداء فكان له ذلك بعد اخذه ويحتمل ان لا يبرأ من ضمانه برده لانه دخل في ضمانه فلم يبرأ برده إلى مكانه كالمسروق وما يجوز التقاطه، فعلى هذا لا يبرأ الا برده إلى الامام أو نائبه وأما عمر فهو كان الامام فإذا أمر برده فهو كأخذه منه وحديث جرير لا حجة فيه لانه لم يأخذ البقرة ولا اخذها غلامه إنما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره ولذلك يلزمه ضمانها إذا فرط فيها لانها امانة فهي كالوديعة. (فصل) فان ضاعت اللقطة من ملتقطها في حول التعريف بغير تفريط فلا ضمان عليه لانها أمانة في يده فهي كالوديعة، فان التقطها آخر فعلم أنها ضاعت من الاول فعليه ردها إليه لانه قد ثبت له حق التمول وولاية التعريف والحفظ فلا يزول بالضياع فان لم يعلم الثاني بالحال حتى عرفها حولا ملكها لان سبب الملك وجد منه من غير عدوان فثبت الملك به كالاول ولا يملك الاول انتزاعها منه لان الملك

[ 332 ]

مقدم على حق التملك فإذا جاء صاحبها أخذها من الثاني وليس له مطالبة الاول لانه لم يفرط، وان علم الثاني بالاول فردها إليه فأبى اخذها وقال عرفها انت فعرفها ملكها أيضا لان الاول ترك حقه فسقط، وإن قال عرفها ويكون ملكها لي ففعل فهو نائبه في التعريف ويملكها الاول لانه وكله في التعريف فصح كما لو كانت في يد الاول، وإن قال عرفها وتكون بيننا ففعل صح أيضا وكانت بينهما لانه أسقط حقه من نصفها ووكله في الباقي، وإن قصد الثاني بالتعريف تملكها لنفسه دون الاول احتمل وحيهن (أحدهما) يملكها الثاني لان سبب الملك وجد منه فملكها كما لو أذن له الاول في تعريفها لنفسه (والثاني) لا يملكها لان ولاية التعريف للاول أشبه ما لو غصبها من الملتقط غاصب فعرفها وكذلك الحكم إذا علم الثاني بالاول فعرفها ولم يعلمه بهاء ويشبه هذا من تحجر مواتا إذا سبقه غيره إلى ما حجره فأحياه بغير إذنه، فأما إن غصبها غاصب من الملتقط فعرفها لم يملكها وجها واحدا لانه تعدى بأخذها ولم يوجد منه سبب تملكها فان الالتقاط من جملة السبب ولم يوجد منه، ويفارق هذا إذا التقطها ثان فانه وجد منه الالتقاط والتعريف (فصل) ومن اصطاد سمكة من البحر فوجد فيها درة أو عنبرة أو شيئا مما يكون في البحر فهو للصياد لان ذلك يكون في البحر، قال الله تعالى (وتستخرجون حلية تلبسونها) ولان الاصل عدم ملكها لغيره، فان باعها الصياد ولم يعلم فوجده المشتري في بطنها فهو للصياد نص عليه أحمد لانه إذا لم

[ 333 ]

يعلم به فما باعه ولا رضي بزوال ملكه عنه فأشبه من باع دارا له مال مدفون فيها، فان وجد دراهم أو دنانير فهي لقطة لان ذلك لا يخلق في البحر ولا يكون إلا للآدمي فكان لقطة كما لو وجده في البحر وكذلك الحكم في الدرة والعنبرة إذا كان فيها أثر لآدمي كالمثقوبة والمتصلة بذهب أو فضة أو غيرهما أو كانت العنبرة تفاحة ونحو ذلك مما لا يخلق عليه في البحر تكون لقطة لانها لم تقع في البحر حتى تثبت اليد عليها فهي كالدينار فمنى وجدها الصياد فعليه تعريفها لانه ملتقطها، وإن وجدها المشتري فالتعريف عليه لانه واجدها ولا حاجة إلى البداية بالبائع فانه لا يحتمل أن تكون المسكة ابتلعت ذلك بعد اصطيادها وملك الصياد لها فاستوى هو وغيره، فأما إن اشترى شاة ووجد في بطنها درة أو عنبرة أو دنانير أو دراهم فهو لقطة يعرفها ويبدأ بالبائع لانه يحتمل أن تكون ابتلعتها من ملكه فيبدا به كقولنا فيمن اشترى دارا فوجد فيها مالا مدفونا، وإن اصطاد السمكة من غير البحر كالنهر والعين فحكمها حكم الشاة في أن ما وجد في بطنها من ذلك فهو لقطة لان ذلك لا يكون إلا في البحر عادة، ويحتمل ان النهر إذا كان متصلا بالبحر فهو كما لو صادها منه لانها قد تبتلع ذلك في البحر ثم تخرج إلى النهر وإن لم يكن متصلا به فهو لقطة ويحتمل أن يكون للصياد لقول الله تعالى (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها) (فصل) وإن وجد عنبرة على الساحل فهي له لانه يمكن ان البحر ألقاها والاصل عدم الملك

[ 334 ]

فيها فكانت مباحة لآخذها كالصيد، وقد روى سعيد عن اسماعيل بن عياش عن معاوية بن عمرو الصدري قال ألقى بحر عدن عنبرة مثل البعير فأخذها ناس بعدن فكتب إلى عمر بن عبد العزيز فكتب الينا أن خذوا منها الخمس وادفعوا إليهم سائرها وإن باعوكموها فاشتروها فأردنا أن نزنها فلم نجد ميزانا يخرجها فقطعناها ثنتين ووزناها فوجدناها ستمائة رطل فأخذنا خمسها ودفعنا سائرها إليهم ثم اشتريناها بخمسة آلاف دينار وبعثنا بها إلى عمر فلم يلبث إلا قليلا حتى باعها بثلاثة وثلاثين ألف دينار (فصل) وإن صاد غزالا فوجده مخضوبا أو في عنقه خرزا أو في أذنه قرط ونحو ذلك مما يدل على ثبوت اليد عليه فهو لقطة لان ذلك يدل على انه كان مملوكا، قال أحمد فيمن ألقى شبكة في البحر فوقعت فيها سمكة فجذبت الشبكة فمرت بها في البحر فصادها رجل فان السمكة له والشبكة يعرفها ويدفعها إلى صاحبها فجعل الشبكة لقطة لانها مملوكة لآدمي والسمكة لمن صادها لانها كانت مباحة ولم يملكها صاحب الشبكة لكون شبكته لم تثبتها فبقيت على الاباحة، وهكذا لو نصب فخا أو شركا فوقع فيه صيد من صيود البر فأخذه وذهب به فصاده آخر فهو لمن صاده ويرد الآلة إلى صاحبها فان لم يعرف صاحبها فهي لقطة، وقال أحمد في رجل انتهى إلى شرك فيه حمار وحش أو ظبي قد شارف الموت فخلصه وذبحه فهو لصاحب الحبالة وما كان من الصيد في الحبالة فهو لمن نصبها، وإن كان بازيا أو

[ 335 ]

صقرا أو عقابا وسئل عن بازي أو صقر أو كلب معلم أو فهد ذهب عن صاحبه فدعاه فلم يجبه ومر في الارض حتى أتى لذلك أيام فأتى قرية فسقط على حائط فدعاه رجل فأجابه قال يرده على صاحبه، قيل له فان دعاه فلم يجبه فنصب له شركا فصاده به؟ قال يرده على صاحبه فجعله لصاحبه لانه قد ملكه أفلم يزل ملكه عنه بذهابه، والسمكة في الشبكة لم يكن ملكها ولا حازها، وكذلك جعل ما وقع في الحبالة من الصقر والعقاب لصاحب الحبالة ولم يجعله ههنا لمن وقع في شركه لان هذا فيما علم انه قد كان مملوكا لانسان فذهب وانما يعلم هذا بالخبر أو بوجود ما يدل على الملك فيه كوجود السير في رجله أو آثار التعليم مثل استجابته للذي يدعوه ونحو ذلك فان لم يوجد ما يدل على انه مملوك فهو لمن صاده ولان الاصل إباحته وعدم الملك فيه (فصل) ومن أخذت ثيابه في الحمام ووجد بدلها أو أخذ مداسه وترك له بدله لم يملكه بذلك قال أحمد فيمن سرقت ثيابه ووجد غيرها لم يأخذها فان أخذها عرفها سنة ثم تصدق بها انما قال ذلك لان آخذ الثياب لم يقع بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عن ثيابه فإذا أخذها قد أخذ مال غيره ولا يعرف صاحبه فيعرفه ويتصدق به كالصدقة باللقطة، قال شيخنا ويحتمل أن ينظر في هذا فان كانت ثم قرينة تدل على السرقة بأن تكون ثيابه أو مداسه خيرا من المتروك له وكانت مما لا يشتبه على الآخذ بثيابه ومداسه فلا حاجة إلى التعريف لان التعريف انما جعل على المال الضائع من ربه ليعلم به ويأخذه، وتارك هذا عالم به راض ببذله عوضا عما أخذه ولا يعترف انه له فلا يحصل من

[ 336 ]

تعريفه فائدة فإذا ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص، وفيما يصنع به ثلاثة أوجه (أحدها) يتصدق بها على ما ذكرنا (والثاني) انه يباح له أخذها لان صاحبها في الظاهر تركها له بادلا إياها عوضا عما أخذه فصار كالمبيح له أخذها بلسانه فصار كمن قهر إنسانا على أخذ ثوبه ودفع إليه درهما (والثالث) يرفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها عوضا عن ماله، والوجه الثاني أقرب إلى الرفق بالناس لان فيه نفعا لمن سرقت ثيابه بحصول عوض عنها ونفعا للسارق بالتخفيف عنه من الاثم وحفظا لهذه الثياب المتروكة من الضياع، وقد أباح بعض أهل العلم فيمن له على انسان حق من دين أو غصب أن ياخذ من ماله بقدر حقه إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك فههنا مع رضا من عليه الحق بأخذه أولى، وان كانت ثم قرينة دالة على أن الآخذ للثياب انما أخذها ظنا منه انها ثيابه مثل أن تكون المتروكة مثل المأخوذة أو خيرا منها وهي مما تشتبه بها فينبغي أن يعرفها ههنا لان صاحبها لم يتركها عمدا فهي بمنزلة الضائعة، والظاهر أنه إذا علم بها أخذها ورد ما كان أخذه فتصير كاللقطة في المعنى، وبعد التعريف إذا لم تعرف ففيها الاوجه الثلاثة المذكورة لا أننا إذا قلنا يأخذها أو يبيعها الحاكم ويدفع إليه ثمنها فانما يأخذ بقدر قيمة ثيابه من غير زيادة لان الزائد فاضل عما يستحقه ولم يرض صاحبها بتركها عوضا عما أخذه فانه لم يأخذ غيرها اختيارا منه لتركها ولا رضي بالمعارضة بها وإذا قلنا إنه يدفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها فله أن يشتريها بثمن في ذمته ويسقط عنه من ثمنها ما قابل ثيابه ويتصدق بالباقي

[ 337 ]

(فصل) نقل الفضل ابن زياد عن احمد إذا تنازع صاحب الدار والساكن في دفن في الدار فقال كل منهما انا دفنته يبين كل واحد منهما ما الذي دفن فكل من اصاب الوصف فهو له وذلك لان ما يوجد من الدفن في الارض مما عليه علامة المسلمين فهو لقطة واللقطة تستحق بوصفها ولان المصيب للوصف في الظاهر هو من كان ذلك في يده فكان احق به كما لو تنازعه اجنبيان فوصفه احدهما (فصل) ومن وجد لقطة في دار الحرب فكان في جيش فقال احمد يعرفها سنة في دار الاسلام ثم يطرحها في المقسم انما عرفها في دار الاسلام لان اموال اهل الحرب مباحة ويجوز ان تكون لمسلم وقد لا يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها ومعناه والله اعلم انه يتم التعريف في دار الاسلام فاما ابتداء التعريف فيكون الجيش الذي هو فيه لانه يحتمل ان تكون لاحدهم فإذا قفل اتم التعريف في دار الاسلام فأما ان دخل دارهم بأمان فينبغي ان يعرفها في دارهم لان اموالهم محرمة عليه فإذا لم تعرف ملكها كما يملكها في دار الاسلام وان كان في الجيش طرحها في المقسم بعد التعريف لانه وصل إليها بقوة الجيش فأشبهت مباحات دار الحرب إذا اخذ منها شيئا فان دخل إليهم متلصصا فوجد لقطة عرفها في دار الاسلام لان اموالهم مباحة له ثم يكون حكمها حكم غنيمته ويحتمل ان تكون غنيمة له لا تحتاج إلى تعريف لان الظاهر انما اموالهم واموالهم غنيمة والله اعلم

[ 338 ]

* (مسألة) * وهي على ثلاثة اضرب (حيوان) فيخير بين أكله في الحال وعليه قيمته وبين بيعه وحفظ ثمنه وبين تركه والانفاق عليه من ماله وهل يرجع به؟ على وجهين وجملة ذلك ان ملتقط الشاة وما كان مثلها مما يباح أكله يتخير ملتقطها بين ثلاثة اشياء (احدها) اكلها في الحال وبه قال مالك وابو حنيفة والشافعي وغيرهم قال ابن عبد البر اجمعوا على ان ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له اكلها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " هي لك أو لاخيك أو للذئب " جعلها له في الحال وسوي بينه وبين الذئب والذئب لا يؤخر أكلها ولان في أكلها في الحال اغناء عن الانفاق عليها وحراسته لماليتها على صاحبها إذا جاء فانه يأخذ قيمتها بكمالها وفي ابقائها تضييع للمال بالانفاق عليها والغرامة في علفها فكان اكلها اولى وإذا اراد اكلها حفظ صفتها فمتى جاء صاحبها غرمها له في قول عامة أهل العلم وقال مالك كلها ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف لها القول رسول الله صلى الله عليه وسلم " هي لك " ولم يوجب فيها تعريفا ولا غرما ولانه سوى بينه وبين الذئب والذئب لا يعرف ولا يغرم قال ابن عبد البر لم يوافق مالكا احد من العلماء على قوله وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله ابن عمر " ورد على أخيك ضالته " دليل على ان الشاة على ملك صاحبها ولانها لقطة لها قيمة وتتبعها النفس فتجب غرامتها لصاحبها إذا جاء كغيرها ولانها ملك لصاحبها فلم يجز تملكها عليه بغير عوض من غير رضاه كما لو كانت بين البنيان ولانها عين يجب ردها مع بقائها فوجب غرمها إذا أتلفها كلقطة الذهب وكون النبي صلى الله عليه وسلم قال " هي لك " لا يمنع وجوب غرامتها فانه قد اذن في لقطة

[ 339 ]

الذهب والورق بعد تعريفها في اكلها وانفاقها وقال " هي كسائر مالك " ثم اجمعنا علي وجوب غرامتها كذلك الشاة ولا فرق في اباحة اكلها بين وجدانها في الصحراء أو في المصر وقال مالك وابو عبيد وابن المنذر واصحاب الشافعي ليس له أكلها في المصر لانه يمكن بيعها بخلاف الصحراء ولنا أن ما جاز أكله في الصحراء جاز في المصر كسائر المأكولات ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال هي لك ولم يستفصل ولان أكلها مطل بما ذكرنا من الاستغناء عن الانفاق عليها وهذا في المصر أشد منه في الصحراء (الثاني) تركها والانفاق عليها من ماله ولا يتملكها فان تركها ولم ينفق عليها ضمنها لانه فرط فيها وان أنفق عليها متبرعا لم يرجع على صاحبها فان أنفق بنية الرجوع علي صاحبها واشهد على ذلك رجع عليه بما أنفق في إحدى الروايتن نص عليه احمد في رواية المروذي في طيرة أفرخت عند قوم فقضى أن الفراخ لصاحب الطيرة ويرجع بالعلف إذا لم يكن متطوعا وقضى عمر بن عبد العزيز فيمن وجد ضالة فأنفق عليها فجاء ربها فانه يغرم له ما أنفق وذلك أنه أنفق على اللقطة لحفظها فكان من مال صاحبها كمؤنة تجفيف الرطب والعنب، (والثانية) لا يرجع بشئ وهو قول الشعبي والشافعي ولم يعجب الشعبي قضاء عمر بن عبد العزيز لانه أنفق على مال غيره بغير اذنه فلم يرجع به كما لو بنى داره ويفارق العنب والرطب فانه قد يكون تجفيفه والانفاق عليه أحظ لصاحبه لان النفقة عليه لا تتكرر والحيوان يتكرر الانفاق عليه فربما استغرق ثمنه فكان بيعه واكله احظ فلذلك لم يرجع

[ 340 ]

المنفق عليها بما انفق (الثالث) بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها وله ان يتولى ذلك بنفسه وقال بعض اصحاب الشافعي يبيعها باذن الامام ولنا انه إذا جاز له اكلها من غير اذن فبيعها اولى ولم يذكر اصحابنا لها تعريفا في هذه المواضع وهو قول مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " خذها فانما هي لك أو لاخيك أو للذئب " ولم يأمر بتعريفها كما أمر في لقطة الذهب والورق ولنا انها لقطة لها خطر فوجب تعريفها كالمطعوم الكثير وانما ترك ذكر تعريفها لانه ذكرها بعد بيان التعريف فيما سواها فاستغني بذلك عن ذكره فيها ولا يلزم من جواز التصرف فيها في الحول سقوط تعريفها كالمطعوم وإذا أراد بيعها أو أكلها لزمه حفظ صفتها لحديث زيد بن خالد وسنذكره ان شاء الله (فصل) وإذا اكلها ثبتت قيمتها في ذمته ولا يلزمه عزلها لعدم الفائدة فيه فانها لا تنقل من الذمة في المال المعزول ولو عزل شيئا ثم افلس كان صاحب اللقطة اسوة الغرماء ولم يختص بالمال المعزول فأما ان باعها وحفظ ثمنها وجاء صاحبها اخذه ولم يشاركه فيه احد من الغرماء لانه عين ماله ولا شئ للمفلس فيه فهو كالوديعة * (مسألة) * (الثاني) ما يخشى فساده فيخير بين بيعه وأكله ان كان مما لا يمكن تجفيفه كالفاكهة التي لا تجفف والطبيخ والبطيخ والخضروات فهو مخير بين اكله وبيعه وحفظ ثمنه ولا يجوز ابقاؤه لانه يتلف

[ 341 ]

فان تركه حتي تلف ضمنه لانه فرط في حفظه فهو كالوديعة فان أكله ثبتت القيمة في ذمته على ما ذكرنا في الشاة وهذا ظاهر مذهب الشافعي وله ان يتولى بيعه بنفسه وقال اصحاب الشافعي ليس له بيعه الا باذن الحاكم فان عجز عنه جاز البيع بنفسه لانه حال ضرورة فأما مع القدرة على استئذانه فلا يجوز من غير اذنه لانه مال معصوم لا ولاية عليه فلم يجز لغير الحاكم بيعه كغير الملتقط ولنا انه مال ابيح للملتقط اكله فأبيح له بيعه كماله ومتي اراد بيعه أو أكله حفظ صفاته ثم عرفه عاما على ما نذكره فان تلف الثمن قبل تملكه من غير تفريط أو نقص أو تلفت العين أو نقصت من غير تفريط فلا ضمان عليه وان تلف أو نقص بتفريطه أو تلفت اللقطة بتفريطه فعليه ضمانه وكذلك ان تلف بعد تملكه أو نقص وان كان مما يمكن تجفيفه كالعنب والرطب فينظر ما فيه الحظ لمالكه فان كان في التجفيف فعله ولم يكن له الا ذلك لانه مال غيره فلزمه ما فيه الحظ لصاحبه كولي اليتيم * (مسألة) * (وغرامة التجفيف منه وله بيع بعضه في ذلك) لانه موضع حاجة فان انفق من ماله رجع به لان النفقة ههنا لا تكرر بخلاف نفقة الحيوان فانها تكرر فربما استوعبت قيمته فلا يكون لصاحبها حظ في امساكها الا باسقاط النفقه وان كان الحظ في بيعه باعه وحفظ ثمنه كالطعام الرطب فان تعذر بيعه ولم يمكن تجفيفه تعين اكله كالطبيخ وإن كان اكله انفع لصاحبه فله اكله ايضا قال شيخنا ويقتضي قول اصحابنا ان العروض لا تملك بالتعريف وان هذا كله لا يجوز له اكله لكن يخير بين

[ 342 ]

الصدقة به وبين بيعه وقد قال احمد فيمن وجد في منزله طعاما لا يعرفه: يعرفه ما لم يخش فساده فان خشي فساده تصدق به فان جاء صاحبه غرمه وكذلك قال مالك واصحاب الرأي في لقطة ما لا يبقى سنة يتصدق به وقال الثوري يبيعه ويتصدق بثمه ولنا على جواز اكله قول النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الغنم " خذها فانما هي لك أو لاخيك أو للذئب " وهذا تجويز للاكل فإذا جاز أكل ما هو محفوظ بنفسه فما يفسد ببقائه اولى وعن احمد انه يبيع اليسير ويرفع الكثير إلى الحاكم لان الكثير مال لغيره لم يأذن له في بيعه فيكون امره إلى الحاكم واما اليسير فتدخله المسامحة ويشق رفعه إلى السلطان وربما تضيع عند السلطان * (مسألة) * (الثالث) سائر المال فيلزمه حفظه ويعرف الجميع بالنداء عليه في مجامع الناس كالاسواق وابواب المساجد في اوقات الصلوات حولا كاملا من ضاع منه شئ أو نفقة واجرة المتادي عليه) وجملة ذلك ان في التعريف فصولا ستة في وجوبه وقدره وزمانه ومكانه ومن يتولاه وكيفيته اما وجوبه فهو واجب على كل ملتقط سواء اراد تملكها أو حفظها لصاحبها الا في اليسير الذي لا تتبعه النفس وقد ذكرناه وقال الشافعي لا يجب على من اراد حفظها لصاحبها ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم امر به زيد بن خالد وأبي بن كعب ولم يفرق ولان حفظها لصاحبها انما فائدته ايصالها إليه وطريقه التعريف اما بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها فهو وهلاكها سيان ولان امساكها

[ 343 ]

من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها فلم يجز كردها الي موضعها أو القائها في غيره ولانه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط لان بقاءها في مكانها إذا اقرب إلى وصولها إلى صاحبها اما ان يطلبها في الموضع الذي ضاعت منه فيجدها واما بان يأخذها من يعرفها واخذ لها يفوت الامرين فيحرم فلما جاز الالتقاط لزم وجوب التعريف كيلا يحصل هذا الضرر ولان التعريف واجب على من اراد تملكها وكذلك من اراد حفظها فان التملك غير واجب فلا تجب الوسيلة إليه فيلزم ان يكون الوجوب في المحل المتفق عليه لصيانتها عن الضياع عن صاحبها وهذا موجود في محل النزاع (الفصل) الثاني في قدر التعريف وذلك سنة روي ذلك عن عمر وعلى وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي ومالك والشافعي واصحاب الراي وروي عن عمر رواية اخري يعرفها ثلاثة اشهر وعنه ثلاثة اعوام لان ابي ابن كعب روي ان النبي صلى الله عليه وسلم امره بتعريف مائة الدنيار ثلاثة اعوام وقال ابو ايوب الهاشمي ما دون الخمسين درهما يعرفها ثلاثة ايام إلى سبعة ايام وقال الحسن بن صالح ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة ايام وقال الثوري في الدرهم يعرفه اربعة ايام وقال اسحق ما دون الدنيار يعرفه جمعة أو نحوها وروي ابو اسحق الجوزجاني باسناده عن يعلى بن امية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من التقط درهما أو حبلا أو شبه ذلك فليعرفه ثلاثة ايام فان كان فوق ذلك فليعرفه سبعة ايام ولنا حديث زيد بن خالد الصحيح فان النبي صلى الله عليه وسلم امره بعام واحد ولان السنة لا تتأخر عنها

[ 344 ]

القوافل ويمضي فيها الزمان الذي تقصد فيه البلاد من الحر والبرد والاعتدال فصلحت قدرا كمدة اجل العنين فاما حديث ابي فقد قال الراوي لا ادري ثلاثة اعوام أو عام واحد قال أبو داود شك الراوي في ذلك وحديث يعلى لم يقل به قائل على وجهه وحديث زيد وابي أصح منه وأولى إذا ثبت هذا فانه يجب ان تكون هذه السنة تلي الالتقاط وتكون متوالية لان النبي صلى الله عليه وسلم امر بتعريفها حين سئل عنها والامر يقتضي الفور ولان القصد بالتعريف وصول الخبر إلى صاحبها وذلك يحصل بالتعريف عقيب ضياعها متواليا لان صاحبها في الغالب انما يطلبها عقيب ضياعها فيجب تخصيص التعريف به (الفصل الثالث) في زمانه وهو النهار دون الليل لان النهار مجمع الناس وملتقاهم بخلاف الليل ويكون ذلك في اليوم الذي وجدها والاسبوع لان الطلب فيه اكثر ولا يجب فيما بعد ذلك متواليا وقد روي الجوزجاني باسناده عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني قال نزلنا مناخ ركب فوجدت خرقة فيها قريب من مائة دينار فجئت بها إلى عمر فقال عرفها ثلاثة ايام على باب المسجد ثم امسكها حتى قرن السنة ولا يقدمن ركب الا انشدتها وقلت الذهب بطريق الشام ثم شأنك بها (الفصل الرابع) في مكانه وهو الاسواق وابواب المساجد والجوامع في الوقت الذي يجتمعون فيه كادبار الصلوات في المساجد وكذلك في مجامع الناس لان المقصود اشاعة ذكرها واظهارها ليظهر عليها صاحبها فيجب تحري مجامع الناس ولا ينشدها في المسجد ولان المسجد لم يبن لهذا وروى

[ 345 ]

أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فان المساجد لم تبن لهذا " وامر عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد (الفصل الخامس) في كيفية تعريفها فيذكر جنسها لا غير فيقول من ضاع منه ذهب أو فضة أو أو دراهم أو دنانير أو ثياب ونحو ذلك لقول عمر رضي الله عنه لواجد الذهب قل الذهب بطريق الشام ولا تصفها لانه لو وصفها لعلم صفتها من يسمعها فلا تبقى صفتها دليلا على ملكها لمشاركة من يسمعه للمالك في ذلك ولانه لا يأمن ان يدعيها من سمع صفتها ويذكر صفتها التي يجب دفعها به فيأخذها فتفوت على مالكها (الفصل السادس) فيمن يتولى تعريفها وللملتقط تولي ذلك بنفسه وان يستنيب فيه فان وجد متبرعا بذلك والا استأجر والاجرة على الملتقط وبهذا قال الشافعي واصحاب الرأي واختار ابو الخطاب انه ان قصد حفظها لمالكها دون تملكها رجع بالاجرة عليه وكذلك قال ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف لانه من مؤنة ايصالها إلى مالكها فكان على مالكها كمؤنه تجفيفها واجرة مخزنها ولنا ان هذا اجر واجب على المعرف ولانه لو وليه بنفسه لم يكن له اجر على صاحبها فكذلك

[ 346 ]

إذا استأجر عليه ولانه سبب لملكها فكان على الملتقط كما لو قصد تملكها، وقال مالك ان اعطى منها شيئا لمن عرفها فلا غرم عليه كما لو دفع منها شيئا لمن حفظها وقد ذكرنا الدليل على ذلك (فصل) إذا أخر التعريف عن الحول الاول مع امكانه اثم لان النبي صلى الله عليه وسلم امر به فيه والامر يقتضي الوجوب وقال في حديث عياض ابن حمار " لا تكتم ولا تغيب " ولان ذلك وسيلة إلى ان لا يعرف صاحبها لان الظاهر انه بعد الحول يسلو عنها وييأس فيترك طلبها ويسقط التعريف بتأخيره عن الحول الاول في المنصوص عن احمد لان حكمة التعريف لا تحصل بعده فان تركه في بعض الحول عرف بقيته ويتخرج ان لا يسقط التعريف بتأخيره لانه واجب فلا يسقط بتأخيره عن وقته كالعبادات وسائر الواجبات ولان التعريف في الحول الثاني يحصل به المقصود على نعت من القصور فيجب الاتيان به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " فعلى هذا إذا أخر التعريف بعض الحول اتى بالتعريف في بقيته واتمه من الحول الثاني وعلى كلا القولين لا يملكها بالتعريف فيما عد الحول الاول لان شرط الملك التعريف فيه ولم يوجد ولذلك لو ترك التعريف في بعض الحول الاول لا يملكها بالتعريف بعده لان الشرط لم يكمل وعدم بعض الشرط كعدم جميعه كما لو اختل بعض الطهارة في الصلاة فأما إن ترك التعريف في الحول الاول لعجزه عنه كالمريض والمحبوس أو لنسيان ونحوه ففيه وجهان (احدهما) حكمه

[ 347 ]

حكم من تركه لغير عذر لان تعريفه في الحول الاول سبب الملك والحكم ينتفي لانتقا سببه سواء انتفي لعذر أو لغيره والثاني يملكها بالتعريف في الحول الثاني لانه لم يؤخره عن وقت امكانه اشبه تعريفها في الحول الاول * (مسألة) * فان لم تعرف دخلت في ملكه بعد الحول حكما كالميراث نص عليه احمد في رواية الجماعة وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله والا كانت كسائر ماله وعند ابي الخطاب لا تدخل ملكه حتي يختار واختلف اصحاب الشافعي فقال بعضهم كقولنا وقال قوم يملكها بالنية ومنهم من قال يملكها بتموله اخترت ملكها ومنهم من قال لا يملكها الا بقوله والتصرف فيها لان هذا تملك بعوض فلم يحصل الا باختيار التملك كالقرض ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فان جاء صاحبها والا فهي كسائر مالك " وقوله " فاستنفقها " ولو وقف ملكها على تملكها لبينه له ولم يجوز له التصرف قبله وفي لفظ " كلها " وهذه الالفاظ كلها تدل على ما قلنا ولان الالتقاط والتعريف سبب للتملك فإذا ثم وجب أن يثبت به الملك حكما كالاحياء والاصطياد ولانه سبب يملك به فلم يقف الملك بعده على قوله ولا اختياره كسائر الاسباب وذلك لان المكلف ليس إليه

[ 348 ]

الا مباشرة الاسباب فإذا انى بها ثيت الحكم قهرا وجبرا من الله عزوجل غير موقوف على اختيار المكلف فأما الاقتراض فهو السبب في نفسه فلم يثبت الملك بدونه فعلى هذا لو التقطها اثنان فعرفاها حولا ملكاها جميعا فان قلنا يقف الملك على الاختيار فاختار احدهما دون الآخر ملك المختار نصفها وحده (فصل) فان رأياها معا فأخذها أحدهما وحده أو رآها أحدهما فأعمل بها صاحبه فأخذها فهي لآخذها لان استحقاقها بالاخذ لا بالرؤية كالاصطياد وان قال أحدهما لصاحبه هاتها فأخذها لنفسه فهي له دون الآمر وان أخذها الآمر فهي له كما لو وكله في الاصطياد له (فصل) ومتى عرف اللقطة حولا فلم تعرف ملكها غنيا كان أو فقيرا روي ذلك عن عمرو ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم وبه قال عطاء والشافعي واسحق وابن المنذر وروي عن علي وابن عباس والشعبي والنخعي وطاوس وعكرمة نحو ذلك، وقال مالك والحسن بن صالح والثوري وأصحاب الرأى: يتصدق بها فإذا جاء صاحبها خير بين الاجر والغرم لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن اللقطة فقال " عرفها حولا " وروي ثلاثة أحوال " فان جاء ربها والا تصدق بها فإذا جاء ربها فرضي بالاجر والا غرمها " ولانها مال لمعصوم لم يرض بزوال ملكه عنها ولا يوجد منه سبب يقتضي ذلك فلم يزل ملكه عنه كغيرها قالوا وليس له أن يتملكها الا أن أبا حنيفة قال له ذلك ان كان فقيرا من غير ذوي القربى

[ 349 ]

لما روي عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فان وجد صاحبها فليردها عليه والا فهي مال الله يؤتيه من يشاء " رواه النسائي قالوا وما يضاف إلى الله تعالى انما يتملكه من يستحق الصدقة ونقل حنبل عن أحمد مثل هذا القول فأنكره الخلال وقال ليس هذا مذهبا لاحمد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد " فان لم تعرف فاستنفقها " وفي لفظ " وإلا فهي كسائر مالك " وفي لفظ " ثم كلها " وفي لفظ " فانتفع بها " وفي لفظ " فشأنك بها " في حديث أبي بن كعب وفي لفظ " فاستمتع بها " وهو حديث صحيح ولان من ملك بالقرض ملك اللقطة كالفقير ومن جاز له الالتقاط ملك به بعد التعريف كالفقير وحديثهم عن أبي هريرة لم يثبت ولا نقل في كتاب يعتمد عليه ولا به ودعواهم في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملكه الا من يستحق الص‍؟؟؟؟؟

[ 350 ]

لها وبطلانها ظاهر فان الاشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقا وملكا قال الله تعالى (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * (مسألة) * (وعن أحمد لا يملك الا الاثمان وهو ظاهر المذهب وهل له الصدقة بغيرها؟ على روايتين) كلما جاز التقاطه ملك بالتعريف عند تمامه أثمانا كان أو غيرها وهو ظاهر كلام الخرقي ونقل ذلك عن أحمد فروى عنه محمد بن الحكم في الصياد يقع في شبكته الكيس أو النحاس يعرفه سنة فان جاء صاحبها وإلا فهو كسائر ماله وهذا نص في النحاس وقال ابن أبي موسى هل حكم العروض في التعريف وجواز التصرف بعد ذلك حكم الاثمان؟ على روايتين أظهرهما أنها كالاثمان قال شيخنا ولا أعلم بين أكثر أهل العلم فرقا بين الاثمان والعروض في ذلك وقال أكثر أصحابنا لا تملك العروض بالتعريف قال القاضي نص عليه أحمد في رواية الجماعة واختلفوا فيما يصنع بها فقال أبو بكر وابن عقيل يعرفها أبدا وقال القاضي هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجئ صاحبها وبين دفعها إلى الحاكم ليري رأيه فيها وهل له بيعها بعد الحول والصدقة بها؟ على روايتين (احداهما) يجوز كما تجوز الصدقة بالغصوب التي لا يعرف أربابها (والثانية) لا يجوز لانه يحتمل أن يظهر صاحبها فيأخذها وقال الخلال كل من روى عن أحمد روى عنه أنه يعرفه سنة ويتصدق به والذي روي عنه أنه يعرفها أبدا

[ 351 ]

قول قديم رجع عنه واحتجوا بانه قد روي عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود مثل قولهم ولانها لقطة لا تملك في الحرم فلا تملك في غيره كالابل ولان الخبر ورد في الاثمان وغيرها لا يساويها لعدم الغرض المتعلق بعينها فمثلها لا يقوم مقامها من كل وجه ولنا عموم الاحاديث في اللقطة فان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال " عرفها سنة " ثم قال في آخره " فشأنك بها - أو - فانتفع بها " وفي حديث عياض بن حمار " من وجد لقطة " وهو لفظ عام وقد روى الجوزجاني والاثرم في كتابيهما ثنا أبو نعيم ثنا هشام بن سعد قال حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ترى في متاع يوجد في الطريق المعتاد أو في قرية مسكونة؟ قال " عرفه سنة فان جاء صاحبه والا فشأنك به " ورويا ان سفيان بن عبد الله وجد عيبة فأتى بها عمر بن الخطاب فقال عرفها سنة فان عرفت والا فهي لك زاد الجوزجاني فلم تعرف فلقيه بها العام فذكرها له فقال عمر هي لك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ورواه النسائي وهذا نص في غير الاثمان وروى الجوزجاني باسناده عن الحر بن الصباح قال كنت عند ابن عمر بمكة إذ جاءه رجل فقال اني وجدت هذا البرد وقد نشدته وعرفته فلم يعرفه أحد وهذا يوم التروية يوم

[ 352 ]

يتفرق الناس فقال ان شئت قومته قيمة عدل ولبسته وكنت له ضامنا متى جاء صاحبه دفعت إليه ثمنه وان لم يجئ له طالب فهو لك ان شئت ولان ما جاز التقاطه ملك بالتعريف كالاثمان وما حكوه عن الصحابة ان صح فقد حكينا عن عمر وابنه خلافه وقولهم انها لقطة لا تملك في الحرم ممنوع ثم هو منقوض بالاثمان وقياسها على الابل لا يصح لان معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها ولا يوجد ذلك في غيرها ولان الابل لا يجوز التقاطها فلا تملك وههنا يجوز التقاطها فملك به كالاثمان وقولهم ان النص خاص في الاثمان قلنا بل هو عام في كل لقطة فيجب العمل بعمومه وان ورد فيها نص خاص فقد روي خبر عام فيعمل بها ثم قد رويناه في العوض فيجب العمل به كما وجب العمل بالخاص في الاثمان ثم لو اختص الخبر بالاثمان لوجب أن يقاس عليها ما في معناها كسائر النصوص التي عقل في معناها ووجد غيرها وههنا قد وجد المعنى فيجب قياسه على المنصوص عليه بل المعنى ههنا أكد فيثبت الحكم فيه بطريق البينة، بيانه أن الاثمان لا تتلف بمضي الزمان عليها وانتظار صاحبها بها أبدا والعروض تتلف بذلك ففي النداء عليها دائما هلاكها وضياع ماليتها على صاحبها وملتقطها وسائر الناس وفي إباحة الانتفاع بها وملكها بعد التعريف حفظ لماليتها علي صاحبا بدفع

[ 353 ]

قيمتها إليه ونفع لغيره فيجب ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ولما فيه من المصلحة والحفظ لمال المسلم عليه ولان في اثبات الملك حثا على التقاطها وحفظها وتعريفها لكونه وسيلة إلى الملك المقصود للآدمي وفي نفي ملكها تضييع لها لما في التقاطها من الخطر والمشقة والكلف من غير نفع يصل إليه فيؤدي إلى أن لا يلتقطها أحد فتضيع وما ذكره في الفرق ملغي في الشاة فقد ثبت الملك فيها مع هذا الفرق ثم يمكننا أن نقيس على الشاة فلا يحصل هذا الفرق بين الفرع والاصل ثم نقلب دليلهم فنقول لقطة لا تملك في الحرم فما أبيح التقاطه منها ملك إذا كان في الحل وما لا يباح لا يملك كالابل * (مسألة) * (وعن احمد أن لقطة الحرم لا تملك بحال) المشهور عن أحمد وفي المذهب أن لقطة الحرم والحل سواء وهو ظاهر كلام الخرقي روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب وهو مذهب مالك وابي حنيفة وروي عن أحمد أنه لا يجوز التقاط لقطة الحرم للتمليك ويجوز لحفظها لصاحبها فان التقطها عرفا أبدا حتى يأتي صاحبها وهو قول عبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وعن الشافعي

[ 354 ]

كالمذهبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في مكة " لا تحل ساقطتها الا لمنشد " متفق عليه والمنشد المعرف قاله أبو عبيد والناشد الطالب وينشد * اصاخة الناشد للمنشد * فيكون معناه لا تحل لقطة مكة الا لمن يعرفها لانها خصت بهذا من بين سائر البلدان وروى أبو داود باسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج قال ابن وهب يعني يتركها حتي يجدها صاحبها، ووجه الرواية الاولى عموم الاحاديث، ولانه أحد الحرمين أشبه حرم المدينة ولانها أمانة فلم يختلف حكمها بالحل والحرم كالوديعة وقول النبي صلى الله عليه وسلم " الا لمنشد " يحتمل أنه يريد الا لمن عرفها عاما وتخصيصها بذلك لتأكيدها لقوله عليه السلام " ضالة المؤمن حرق النار " وضالة الذمي مقيسة عليها والله أعلم (فصل) ولا يجوز له التصرف في اللقطة حتى يعرف وعاءها ووكاءها وقدرها وجنسها وصفتها، ويستحب ذلك عند وجدانها والاشهاد عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد " اعرف وكاها وعفاصها " وقال في حديث أبي بن كعب " اعرف عفاصها ووكاءها وعددها ثم عرفها سنة " وفي لفظ عن أبي ابن كعب أنه قال وجدت مائة دينار فأتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال " عرفها حولا " " فعرفها حولا فلم تعرف فرجعت إليه فقال اعرف " عدتها ووعاءها ووكاءها واخلطها بمالك فان جاء

[ 355 ]

ربها فأدها إليه " ففي هذا الحديث أمره بمعرفة صفاتها بعد التعريف وفي غيره أمره بمعرفتها بعين التقاطها قبل تعريفها وهو الاولى ليحصل عنده علم ذلك فمتى جاء صاحبها فنعتها غلب على ظنه صدقه فدفعها إليه وان أخر معرفة ذلك إلى حين مجئ باغيها جاز لان المقصود يحصل حينئذ فان لم يجئ طالبها فأراد التصرف فيها بعد الحول لم يجز له حتى يعرف صفاتها لان عينها تنعدم بالتصرف فلا يبقى له سبيل إلى معرفة صفاتها إذا جاء طالبها ولذلك ان خلطها بماله على وجه لا تتميز منه فيكون أمر النبي صلى الله عليه وسلم لابي بمعرفة صفاتها عند خلطها بماله أمر ايجاب مضيق وأمره لزيد بن خالد بمعرفة ذلك حين الالتقاط أمر استحباب، قال القاضي ينبغي أن يعرف جنسها ونوعها وان كانت ثيابا عرف لفافتها وجنسها ويعرف قدرها بالكيل أو الوزن أو العدد أو الذرع ويعرف العقد عليها هل هو عقد واحد أو أكثر؟ أنشوطة أو غيرها؟ ويعرف صمام القارورة الذي يدخل رأسها وعفاصها الذي يلبسه ويستحب ان شهد عليها حين يجدها، قال أحمد لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها. فظاهر هذا انه مستحب غير واجب وانه لا ضمان عليه إذا لم يشهد وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يضمنها إذا لم يشهد عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل " وهذا أمر يقتضي الوجوب ولانه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه ولنا خبر زيد بن خالد وأبي بن كعب فانه أمرهما بالتعريف دون الاشهاد ولو كان واجبا لبينه

[ 356 ]

فانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة سيما وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها فيتعين حمل الامر في حديث عياض على الاستحباب ولانه أخذ أمانة فلم يفتقر إلى الاشهاد كالوديعة، والمعنى الذي ذكروه غير صحيح فانه إذا حفظها وعرفها لم يأخذها لنفسه وفائدة الاشهاد صيانة نفسه من الطمع فيها وحفظها من ورثته ان مات ومن غرمائه ان أفلس وإذا أشهد عليها لم يذكر للشهود صفاتها كما قلنا في التعريف لكن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع. قال أحمد في رواية صالح وقد سأله إذا أشهد عليها هل يبين كم هي؟ قال لا، ولكن يقول قد أصبت لقطة، ويستحب أن يكتب صفاتها ليكون أثبت له مخافة أن ينساها ان اقتصر على حفظها بقلبه فان الانسان عرضة النسيان * (مسألة) * (فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه بنمائها المتصل وزيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحلول ولو أخذها بعده في أصح الوجهين) إذا جاء طالب اللقطة فوصفها وجب دفعها إليه بغير بينة سواء غلب على ظنه صدقه أو لم يغلب. وبهذا قال مالك وأبو عبيد وداود وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجبر على ذلك الا ببينة

[ 357 ]

ويجوز له دفعها إليه إذا غلب على ظنه صدقه، وقال أصحاب الرأي ان شاء دفعها إليه وأخذ كفيلا بذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " البينة على المدعي " ولان صفة المدعي لا يستحق بها كالمغصوب ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فان جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فادفعها إليه " وظاهر الامر الوجوب، وفي حديث زيد " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فان لم تعرف فاستنفقها وإن جاء طالبها يوما من الدهر فادها إليه " يعني إذا ذكر صفاتها لان ذلك هو المذكور في صدر الحديث ولم يذكر البينة ولو كانت شرطا للدفع لذكرها لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولان اقامة البينة على اللقطة تتعذر لانها انما تسقط حال الغفلة فتوقف دفعها على البينة منع لوصولها إلى صاحبها أبدا وهذا يفوت مقصود الالتقاط ويفضي إلى تفويت أموال الناس وما هذا سبيله يسقط اعتبار البينة فيه كالانفاق على اليتيم، والجمع بين هذا القول وبين تفصيل الالتقاط على تركه متناقض لان الالتقاط حينئذ يكون تضييعا لمال المسلم واتعابا لنفسه بالتعريف الذي لا يفيد والمخاطرة بدينه يتركه

[ 358 ]

الواجب من تعريفها وما هذا سبيله يجب أن يكون حراما فكيف يكون فاضلا، وعلى هذا نقول لو لم يجب دفعها بالصفة لم يجز التقاطها لما ذكرناه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " البينة على المدعي " يعني إذا كان ثم منكر لقوله في سياقه " واليمين على من أنكر " ولا منكر ههنا على ان البينة تختلف وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بينة مدعي اللقطة وصفها فإذا وصفها فقد أقام بينته وقياس اللقطة على المغصوب غير صحيح فان النزاع ثم في كونه مغصوبا والاصل عدمه وقول المنكر يعارض دعواه فاحتيج إلى البينة وههنا قد ثبت كون هذا المال لقطة وإن له صاحبا غير من هو في يده ولا مدعي له إلا الواصف وقد يرجح صدقه فينبغي أن يدفع إليه. (فصل) ويدفعها إليه بزيادتها المتصلة والمنفصلة إذا كان قبل الحول لانها ملكها فان وجدها زائدة بعد الحول أخذها بزيادتها المتصلة لانها تتبع في الرد بالعيب والاقالة فتبعت ههنا وان حدث بعد الحول لها نماء منفصل فهو للملتقط لانه نماء ملكه متميز لا يتبع في الفسوخ فكان له كنماء المبيع إذا رد بعيب

[ 359 ]

وذكر أبو الخطاب فيه وجها آخر أنه يكون لصاحب اللقطة بناء على المفلس إذا استرجعت منه العين بعد أن زادت زيادة متميزة والولد إذا استرجع أبوه ما وهبه له بعد زيادته المنفصلة والصحيح ان الزيادة للملتقط لما ذكرناه وكذلك الصحيح في الموضعين اللذين ذكرهما ان الزيادة لمن حدثت في ملكه ثم الفرق بينهما انه في مسئلتنا يضمن النقص فتكون الزيادة له ليكون الخراج بالضمان وثم لا ضمان عليه فأمكن أن لا يكون الخراج ومتى اختلفا في القيمة أو المثل فالقول قول الملتقط مع يمينه إذا كانت اللقطة قد استهلكت في يد الملتقط لانه غارم * (مسألة) * (وإن تلفت أو نقصت قبل الحول لم يضمنها وبعده يضمنها) لانها أمانة في يده الا أن تكون تلفت أو نقصت بتفريطه كالوديعة وان أتلفها الملتقط أو تلفت بتفريطه ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الامثال أو بقيمتها ان لم تكن مثلية، قال شيخنا لا أعلم فيه خلافا

[ 360 ]

وان تلفت بعد الحول ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال لانها دخلت في ملكه وتلفت من ماله وسواء فرط أو لم يفرط وان وجد العين ناقصة بعد الحول أخذ العين وارش النقص لان جميعها مضمون إذا تلف فكذلك ارش نقصها، وهذا قول أكثر العلماء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول التعريف، فاما من قال لا يملكها إلا باختياره لم يضمنه اياها حتى يتملكها وحكمها قبل ذلك كحكمها قبل مضي حول التعريف، ومن قال لا يملك اللقطة بحال لم يضمنه اياها وبهذا قال الحسن والنخعي وأبو مجلز والحارث العكلي ومالك وأبو يوسف قالوا لا يضمن، وان ضاعت بعد الحول وقد ذكرنا فيما تقدم دليل دخولها في ملكه وقال داود إذا تملك العين وأتلفها لم يضمنها وحكى ابن أبي موسى عن احمد انه لوح إلى مثل هذا القول لحديث عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " فان جاء ربها والا فهو مال الله يؤتيه من يشاء " وقوله في حديث أبي بن كعب " فان جاء من يعرفها وإلا فهي كسبيل مالك " وفي حديث زيد " فان جاء صاحبها والا فشأنك بها " وروي " فهي لك " ولم يأمره برد بدلها.

[ 361 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فان لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فان جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه " قال الاثرم قال أحمد اذهب إلى حديث الضحاك بن عثمان جوده ولم يروه أحد مثل ما رواه ان جاء صاحبها بعد سنة وقد أنفقها ردها إليه ولانها عين يلزمه ردها لو كانت باقية فيلزمه ضمانها إذا أتلفها كما قبل الحول ولانه مال معصوم فلم يجز اسقاط حقه منه مطلقا كما لو اضطر إلى مال غيره (فصل) فان وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو نحوهما لم يكن له أخذها وله أخذ بدلها لان تصرف الملتقط وقع صحيحا لانه ملكها فان صادفها وقد عادت إلى الملتقط بفسخ أو شراء أو غير ذلك فله أخذها لانه وجد عين ماله في يد ملتقطه فكان له أخذها كالزوج إذا طلق

[ 362 ]

قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة وسائر الرجوع ههنا كحكم رجوع الزوج على ما نذكره ان شاء الله تعالى. * (مسألة) * (وان وصفها اثنان قسمت بينهما في أحد الوجهين ذكره أبو الخطاب) لانهما تساويا فيما يستحق به الدفع فتساويا فيها كما لو كانت في أيديهما، والوجه الثاني أنه يقرع بينهما فمن وقعت له القرعة حلف وسلمت إليه ذكره القاضي وهكذا إن أقاما بينتين وهذا الوجه أشبه باصولنا فيما إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ولانهما تداعيا عينا في يد غيرهما وتساويا في البينة أو عدمها فتكون لمن وقعت له القرعة كما لو ادعيا وديعة في يد إنسان فقال هي لاحدكما لا أعرف عينه، وفارق ما إذا كانت في أيديهما لان يد كل واحد منهما على نصفه فرجح قوله فيه

[ 363 ]

* (مسألة) * (فان أقام آخر بينة أنها له قدم لان البينة أقوى من الوصف فان كان الواصف قد أخذها ردت إلى صاحب البينة لاننا تبينا أنها له، فان كانت قد هلكت فلصاحبها تضمين من شاء من الواصف والدافع وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ويتخرج أن لا يلزم الملتقط شئ إذا قلنا بوجوب الدفع عليه لانه فعل ما أمر به ولم يفرط وهو أمين فلم يضمن كما لو دفعها بامر الحاكم ولانه إذا كان الدفع واجبا عليه يأثم بتركه فكأنه دفع بغير اختياره فلم يضمن كما لو أخذت منه كرها، ووجه الاول أنه دفع مال غيره إلى غير مستحقه اختيارا منه فضمنه كما لو دفع الوديعة الي غير مالكها إذا غلب على ظنه أنه مالكها. * (مسألة) * (الا أن يدفعها بحكم الحاكم فلا يملك صاحبها مطالبته) لانها مأخوذة منه على سبيل القهر فلم يضمنها كما لو غصبها غاصب ومتى ضمن الواصف لم يرجع على أحد لان العدوان منه والتلف عنده وان ضمن الدافع رجع على الواصف لانه كان سبب تغريمه الا أن يكون الملتقط قد أقر للواصف

[ 364 ]

أنها له فانه لا يرجع عليه لانه أقر انه مالكها ومستحقها وان صاحب البينة ظلمه بتضمينه فلا يرجع على غير ظالمه، وان كانت اللقطة قد تلفت عند الملتقط فضمنه اياها رجع على الواصف بما غرمه وليس لمالكها تضمين الواصف لان الذي قبضه انما هو مال الملتقط لا مال صاحب اللقطة بخلاف ما إذا سلم العين فأما ان وصفها انسان فأخذها ثم جاء آخر فوصفها وادعاها لم يستحق شيئا لان الاول استحقها لوصفه اياها وعدم المنازع فيها وثبتت يده عليها ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه فوجب ابقاؤها في يده كسائر ماله. (فصل) ولو جاء مدعي اللقطة فلم يصفها ولا أقام بينة أنها له لم يجز دفعها إليه سواء غلب على ظنه صدقه أو كذبه لانها أمانة فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أنه صاحبها كالوديعة، فان دفعها فجاء آخر فوصفها أو أقام بها بينة لزم الدافع غرامتها له لانه فوتها على مالكها بتفريطه وله الرجوع على مدعيها لانه أخذ مال غيره ولصاحبها تضمين آخذها فإذا ضمنه لم يرجع على أحد وان لم يأت أحد يدعيها

[ 365 ]

فللملتقط مطالبة آخذها لانه لا يأمن مجئ صاحبها فيغرمه إياها ولانها أمانة في يده فملك الاخذ من غاصبها كالوديعة. (فصل) فان كان الملتقط قد مات واللقطة موجودة قام وارثه مقامه في تعريفها أو اتمامه ان مات قبل اتمام الحول ويملكها بعد إتمام التعريف وان مات بعد تمام الحول ورثها الوارث كسائر أموال الميت، ومتى جاء صاحبها أخذها من الوارث كما يأخذها من الموروث وان كانت معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثلها ان كانت من ذوات الامثال أو بقيمتها ان لم تكن كذلك فيأخذ ذلك من تركته ان اتسعت لذلك فان ضاقت التركة زاحم الغرماء ببدلها سواء تلفت بعد الحول بفعله أو بغير فعله لانها قد دخلت في ملكه بمضي الحول، وان علم أنها تلفت قبل الحول بغير تفريط فلا ضمان عليه ولا شئ لصاحبها لانها أمانة في يده تلفت بغير تفريط فلم يضمنها كالوديعة وكذلك ان تلفت بعد الحول قبل تملكها بغير تفريط عند من يرى أنها لا تدخل في ملكه حتى يتملكها أو أنها لا تملك بحال وقد

[ 366 ]

مضى الكلام في ذلك، فأما ان لم يعلم تلفها ولا وجدت في تركته فظاهر كلام الخرقي أنه غريم بها سواء كان قبل الحول أو بعده ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شئ ويسقط حق صاحبها لان الاصل براءة ذمة الملتقط منها لانه يحتمل أن تكون قد تلفت بغير تفريط فلا تشتغل ذمته بالشك ويحتمل أنه ان كان الموت قبل الحول فلا شئ عليه لانها كانت امانة عنده ولم تعلم خيانته فيها والاصل براءة ذمته منها وان مات بعد الحول فهي في تركته لان الاصل بقاؤها إلى ما بعد الحول ودخولها في ملكه ووجوب بدلها عليه. فان قيل فقد قلتم ان صاحبها لو جاء بعد بيع الملتقط إياها أو هبته لم يكن له إلا بدلها فلم قلتم انها إذا انتقلت إلى الوارث يملك صاحبها أخذها؟ قلنا لان الوارث خليفة الموروث وانما ثبت له الملك فيها على الوجه الذي كان ثابتا لموروثه وملك موروثه فيها كان مراعى مشروطا بعدم مجئ صاحبها فكذلك ملك وارثه بخلاف ملك المشتري والمتهب فانهما يملكان ملكا مستقرا

[ 367 ]

* (فصل) * قال رحمه الله (ولا فرق بين كون الملتقط غنيا أو فقيرا مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا يأمن نفسه عليها وقيل يضم إلى الفاسق أمين في تعريفها وحفظها) إذا التقط الغني لقطة وعرفها حولا ملكها كالفقير روي نحو ذلك عن عمر وابن مسعود وعائشة وعلي وابن عباس وعطاء والشعبى والنخعي وطاوس وعكرمة وبه قال الشافعي واسحاق وابن المنذر وقال أبو حنيفة ليس له أن يتملكها الا أن يكون فقيرا من غير ذوي القربى لما روى عياض بن حمار المجاشعي ان النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال " من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فان وجد صاحبها فليردها عليه والا فهي مال الله يؤتيه من يشاء " رواه النسائي، قالوا وما يضاف إلى الله تعالى انما يتملكه من يستحق الصدقة ونقل حنبل عن أحمد مثل هذا القول وأنكره الخلال وقال ليس هذا مذهبا لاحمد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد " فان لم تعرف فاستنفقها - وفي لفظ - فشأنك بها - وفي لفظ - والا فهى كسبيل مالك " ولان من ملك بالقرض ملك اللقطة كالفقير ومن جاز له الالتقاط

[ 368 ]

ملك به بعد التعريف كالفقير ودعواهم في حديث عياض ان ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملكه الا من يستحق الصدقة لا دليل عليه وبطلانها ظاهر فان الاشياء كلها تضاف إلى الله تعالى ملكا وخلقا قال الله تعالى (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (فصل) ويملك الذمي بالالتقاط كالمسلم وقال بعض أصحاب الشافعي ليس له الالتقاط في دار الاسلام لانه ليس من أهل الامانة ولنا أنه نوع اكتساب فكان من أهله كالاحتشاش والاحتطاب وما ذكروه يبطل بالصبي والمجنون فانه يصح التقاطهما مع عدم الامانة ومتى عرف اللقطة حولا ملكها كالسلم، وان علم بها الحاكم أقرها في يده وضم إليه مشرفا عدلا يشرف عليه ويعرفها لاننا لا نأمن الكافر على تعريفها ولا نأمن أن نحل في التعريف بشئ من الواجب عليه فيه وأجر المشرف عليه فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط ويحتمل أن تنزع من يد الذمي وتوضع على يدي عدل لانه غير مأمون عليها

[ 369 ]

(فصل) ويصح التقاط الفاسق لانها جهة من جهات الكسب فصح التقاطه كالعدل ولانه إذا صح التقاط الكافر فالمسلم أولى الا أن الاولى له ألا يأخذها لانه يعرض نفسه للامانة وليس من أهلها وإذا التقطها فعرفها حولا ملكها كالعدل، وان علم الحاكم أو السلطان بها أقرها في يده وضم إليه مشرفا يشرف عليه ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال في الآخر ينزعها من يده ويدعها في يد عدل ولنا أن من خلي بينه وبين الوديعة لم تزل يده عن اللقطة كالعدل والحفظ يحصل بضم المشرف إليه فأما ان لم يكن المشرف حفظها منه انتزعت من يده وتركت في يد العدل فإذا عرفها ملكها الملتقط لوجود سبب الملك منه * (مسألة) * (وان وجدها صبي أو سفيه قام وليه بتعريفها فإذا عرفها فهي لواجدها) وجملة ذلك أن الصبى والسفيه والمجنون إذا التقط أحدهم لقطة ثبتت يده عليها لعموم الاخبار ولانه نوع تكسب فصح منه كالاصطياد والاحتطاب فان تلفت في يده بغير تفريط فلا ضمان عليه وان تلفت بتفريطه ضمنها في ماله وإذا علم بها وليه لزمه أخذها منه لانه ليس من أهل الحفظ والامانة فان تركها في يده ضمنها لانه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبى وهذا يتلف به حقه فإذا تركها في يده كان مضيعا لها، ويعرفها الولي إذا أخذها لان واجدها ليس من اهل التعريف فإذا انقضت مدة

[ 370 ]

التعريف دخلت في ملك واجدها لان سبب التملك تم بشرطه فثبت الملك له كما لو اصطاد صيدا وهذا مذهب الشافعي الا ان أصحابه قالوا إذا انقضت مدة التعريف فكان الصبي والمجنون بحيث يستقرض لهما يملكه لهما وإلا فلا وقال بعضهم يتملكه لهم بكل حال لان الظاهر عدم ظهور صاحبه فيكون تملكه مصلحة له. ولنا عموم الاخبار ولو جرى هذا مجرى الاقتراض لما صح التقاط صبي لا يجوز الاقتراض له لانه يكون تبرعا بحفظ مال غيره من غير فائدة (فصل) قال احمد في رواية العباس بن موسى في غلام له عشر سنين التقط لقطة ثم كبر فان وجد صاحبها دفعها إليه والا تصدق بها قد مضى اجل التعريف فيما تقدم من السنين ولم ير عليه استقبال اجل التعريف قال وقد كنت سمعته قبل هذا أو بعده يقول في انقضاء اجل التعريف إذا لم يجد صاحبها ايتصدق بمال الغير؟ وهذه المسألة قد مضى نحوها فيما إذا لم يعرف الملتقط اللقطة في حولها الاول فانه لا يملكها وإن عرفها فيما بعد ذلك لكون التعريف بعده لا يفيد ظاهرا لكون صاحبها ييأس منها ويترك طلبها، وهذه المسألة تدل على أنه إذا ترك التعريف لعذر فهو كتركه لغير عذر لكون الصبي من أهل العذر وقد ذكرنا فيه وجهين فيما تقدم، وقال أحمد في غلام لم يبلغ أصاب عشرة دنانير فذهب بها إلى

[ 371 ]

منزله فضاعت فلما بلغ أراد ردها فلم يعرف صاحبها تصدق بها فان لم يجد عشرة وكان يجحف به تصدق قليلا قليلا قال القاضي هذا محمول على انها تلفت بتفريط الصبي وهو أنه لم يعلم وليه حتى يقوم بتعريفها * (مسألة) * (وإن التقطها عبد فلسيده أخذها منه وتركها معه يتولى تعريفها ان كان عدلا فان لم يأمن العبد سيده عليها لزمه سترها عنه فان أتلفها قبل الحول فهي في رقبته وان أتلفها بعده فهي في ذمته) يصح التقاط العبد بغير اذن سيده وبه قال أبو حنيفة والشافعي في احد قوليه وقال في الآخر لا يصح التقاطه لان اللقطة في الحول الاول امانة وولاية وفي الثاني تملك والعبد ليس من اهل الولايات ولا التملك. ولنا عموم الخبر ولان الالتقاط سبب يملك به الصبي ويصح منه فصح من العبد كالاصطياد والاحتطاب ولان من جاز له قبول الوديعة صح منه الالتقاط كالحر قولهم ان العبد ليس من أهل الولايات والامانات يبطل بالصبي والمجنون فانهما أدنى حالا منه في هذا، وقولهم ان العبد لا يملك ممنوع وان سلما فانه يتملك لسيده كما يحصل بسائر الاكتسابات ولان الالتقاط تخليص مال من الهلاك فجاز من العبد بغير اذن سيده كانقاذ المال الغريق والمغصوب. إذا ثبت هذا فان اللقطة تكون أمانة في يد العبد ان تلفت بغير تفريط في حول التعريف لم يضمن فان عرفها صح تعريفه لان له قولا

[ 372 ]

صحيحا فصح تعريفه كالحر فإذا تم حول التعريف ملكها سيده لان الالتقاط كسب العبد وكسبه لسيده فان علم السيد بلقطة عبده كان له انتزاعها منه لانها من كسب العبد وللسيد انتزاع كسبه من يده فان انتزعها بعد أن عرفها العبد ملكها وان كان لم يعرفها عرفها سيده حولا وان كان العبد عرفها بعض الحول عرفها السيد تمامه وللسيد اقرارها في يد العبد ان كان أمينا ويكون مستعينا بعبده في حفظها كما يستعين به في حفظ ماله، فان كان العبد غير أمين كان السيد مفرطا باقرارها في يده ولزمه ضمانها كما لو أخذها من يده وردها لان يد العبد كيده وما يستحق بها لسيده وان أعتق العبد بعد الالتقاط فله انتزاع اللقطة من يده لانها من كسبه واكسابه لسيده، ومتى علم العبد أن سيده غير مأمون عليها لزمه سترها عنه ويسلمها إلى الحاكم ليعرفها ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان، فان أتلفها العبد في الحول الاول فهي في رقبته كجناياته وكذلك ان تلفت بتفريطه وان أتلفها بعده فهي في ذمته ان قلنا ان العبد يملكها بعد التعريف وان قلنا لا يملكها فهو كما لو أتلفها في حول التعريف ويصح ان ينبني ذلك على استدانة العبد هل تتعلق برقبته أو ذمته؟ على روايتين وقد مر ذكره في الحجر * (مسألة) * (والمكاتب كالحر في اللقطة) لان المال له في الحال واكتسابه له دون سيده وهي من اكتسابه فان عجز عاد عبدا وصار حكمه في لقطته حكم العبد، وام الولد والمدبر والمعلق عتقه بصفة كالقن ومن بعضه حر إذا التقط لقطة فهي بينه وبين سيده إذا لم يكن بينهما مهايأة كالحرين إذا

[ 373 ]

التقطا لقطة وان كان بينهما مهايأة لم تدخل في المهايأة في احد الوجهين لانها كسب نادر لا يعلم وجوده ولا يظن فلم يدخل في المهايأة كالارث. فعلى هذا يكون بينهما والثاني يدخل في المهايأة لانها من كسبه اشبهت سائر اكسابه فيكون لمن يوجد في يومه وكذلك الحكم في الهدية والوصية وسائر الاكساب النادرة فيها الوجهان، فان كان العبد بين اثنين شركة فلقطته بينهما على ما ذكرنا فيمن بعضه حر والله اعلم.

[ 374 ]

باب اللقيط وهو الطفل المنبوذ اللقيط بمعنى الملقوط كالقتيل والجريح والتقاطه واجب لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ولان فيه إحياء نفسه فكان واجبا كاطعامه إذا اضطر وانجائه من الغرق، وهو من فروض الكفايات إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإن تركه الجماعة أثموا كلهم إذا تركوه مع امكان أخذه، وقد روي عن سنين أبي جميلة قال: وجدت ملقوطا فأتيت به عمر رضي الله عنه فقال عريفي يا أمير المؤمنين انه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال نعم قال: فاذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته، رواه سعيد عن سفيان عن الزهري سمع سنينا أبا جميلة بهذا وقال وعلينا رضاعه. * (مسألة) * (وهو حر) اللقيط حر في قول عامة أهل العلم إلا النخعي قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر، روي هذا القول عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وبه قال عمر بن عبد العزيز والشعبي والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأى ومن تبعهم وقال النخعي: ان التقطه للحسبة فهو حر وإن كان أراد أن يسترقه فذلك له، وهذا قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء ولا يصح في النظر فان الاصل في الآدميين الحرية فان الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا وانما الرق لعارض فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الاصل

[ 375 ]

* (مسألة) * (ينفق عليه من بيت المال إن لم يوجد معه ما ينفق عليه) إذا لم يوجد مع اللقيط شئ لم يلزم الملتقط الانفاق عليه في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملنقط، كوجوب نفقة الولد، وذلك لان أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك والولاء منفية فالالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك وتبرع بحفظه فلا يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط، تجب نفقته في بيت المال لقول عمر رضي الله عنه في حديث أبي جميلة: اذهب فهو حر ولك ولاؤه، وعلينا نفقته، وفي رواية: من بيت المال ولان بيت المال وارثه وماله مصروف إليه فكانت نفقته عليه كقرابته ومولاه. فان تعذر الانفاق عليه من بيت المال لسكونه لا مال فيه أو كان في مكان لا امام فيه أو لم يعط شيئا فعلى من علم حاله من المسلمين الانفاق عليه لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ولان في ترك الانفاق عليه هلاكه، وحفظه من ذلك واجب كانقاذه من الغرق وهو فرض كفاية، ومن أنفق عليه متبرعا فلا شئ له سواء كان الملتقط أو غيره، وإن لم يتبرع أحد بالانفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا ايسر وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي والشافعي، فان أنفق بغير أمر الحاكم محتسبا بالرجوع

[ 376 ]

عليه فقال احمد تؤدى النفقة من بيت المال، وقال شريح والنخعي يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه يحلف ما أنفق احتسابا فان حلف استسعي، وقال الشعبي ومالك والثوري والاوزاعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وابن المنذر لا يرجع بشئ لانه أنفق عليه من غير اذنه ولا اذن وليه ولا اذن الحاكم فلم يرجع بشئ كما لو تبرع به. ولنا أنه أداء مال وجب على غيره فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه. * (مسألة) * (ويحكم باسلامه إلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافرا فان كان فيه مسلم فعلى وجهين). إذا وجد اللقيط في دار الاسلام فهو محكوم باسلامه وإن كان فيها أهل الذمة تغليبا للاسلام ولظاهر الدار ولان الاسلام يعلو ولا يعلى ودار الاسلام قسمان: (أحدهما) ما اختطه المسلمون كبغداد والبصرة فلقيطها محكوم باسلامه على ما ذكرنا (الثاني) دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه ان كان فيها مسلم حكم باسلام لقيطها لانه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للاسلام وان لم يكن فيها مسلم بل كان أهلها أهل ذمة حكم بكفره لان تغليب حكم الاسلام إنما يكون مع الاحتمال. فاما بلد الكفار فضربان أحدهما بلد كان للمسلمين فغلب الكفار عليه كالساحل

[ 377 ]

فهذا كالقسم الذي قبله وان كان فيه مسلم حكم باسلام لقيطه وان لم يكن فيه مسلم فهو كافر، وقال القاضي يحكم باسلامه أيضا لانه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه بخلاف الذي قبله فانه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الاسلام (الثاني) دار لم تكن للمسلمين أصلا كبلاد الهند والروم فان لم يكن فيها مسلم فلقيطها كافر لان الدار لهم وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم ففيه وجهان (أحدهما) يحكم باسلامه تغليبا للاسلام والثاني يحكم بكفره تغليببا للدار والاكثر وهذا التفصيل مذهب الشافعي وقال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد أنه يجب غسله ودفنه في مقابر المسلمين وقد منعوا أن يدفن اطفال المشركين في مقابر المسلمين قال وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر هذا قول الشافعي وأصحاب الرأي. * (مسألة) * (وما وجد معه من فراش تحته أو ثياب أو مال في جيبه أو تحت فراشه أو حيوان مشدود بثيابه فهو له، وان كان مدفونا تحته أو مطروحا قريبا منه فعلى وجهين) وجملة ذلك أن ما وجد مع اللقيط فهو له ينفق عليه منه وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي لان الطفل يملك وله يد صحيحة بدليل أنه يرث ويوررث ويصح أن يشتري له وليه ويبيع ومن له ملك

[ 378 ]

صحيح فله يد صحيحة كالبلغ. إذا ثبت هذا فكل ما كان متصلا به أو متعلقا بمنفعته فهو تحت يده ويثبت بذلك ملكا له في الظاهر، فمن ذلك ما كان لابسا له أو مشدودا في ملبوسه أو في يديه أو تحته أو مجعولا فيه كالسرير والسفط وما فيه من فرش أو دراهم والثياب التي تحته والتي عليه، وان كان مشدودا على دابة أو كانت مشدودة في ثيابه أو كان في خيمة أو دار فهي له وأما المنفصل عنه فان كان بعيدا منه فليس في يده، وان كان قريبا منه كثوب موضوع إلى جانبه ففيه وجهان (أحدهما) ليس له ذلك لانه منفصل عنه فهو كالبعيد (والثاني) هو له ولان الظاهر أنه ترك له فهو كالذي تحته ولان القريب من البالغ يكون في يده، ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه ويحكم بانه في يده والحمال إذا جلس للاستراحة ترك حمله قريبا منه وهذا أصح، فأما المدفون تحته فقال ابن عقيل إن كان الحفر طريا فهو له وإلا فلا لان الظاهر أنه إذا كان طريا فواضع اللقيط حفره وإذا لم يكن طريا كان مدفونا قبل وضعه وقيل ليس هو له بحال لانه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طريا فلم يكن له إذا كان طريا كالبعيد منه، ولان الظاهر أنه لو كان له لشده واضعه في ثيابه ليعلم به ولم يتركه في مكان لا يطلع عليه وكان ما حكمنا بانه ليس له فحكمه حكم اللقطة أو الركاز * (مسألة) * (وأولى الناس بحضانته واجده إن كان أمينا لان عمر رضي الله عنه اقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال عريفه انه رجل صالح ولانه سبق إليه فكان أولى به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من

[ 379 ]

سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " وهل يجب الاشهاد عليه؟ فيه وجهان (احدهما) لا يجب كما لا يجب الاشهاد في اللقطة (والثاني) يجب لان القصد بالاشهاد حفظ النسب والحرية فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح، وفارق اللقطة فان المقصود منها حفظ المال فلم يجب الاشهاد فيها كالبيع * (مسألة) * (وله الانفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكم، وعنه ما يدل على أنه لا ينفق عليه إلا باذنه) وجملة ذلك أنه ينفق على اللقيط مما وجد معه وما حكم له به فان كان فيه كفايته لم تجب نفقته على أحد لانه ذو مال فأشبه غيره من الناس ولملتقطه الانفاق عليه منه بغير اذن الحاكم ذكره ابن حامد لانه وليه فلم يعتبر في الانفاق عليه إذن الحاكم كولي اليتيم ولان هذا من الامر بالمعروف فاستوى فيه الامام وغيره كتبديد الخمر، وروى أبو الحارث عن أحمد في رجل أودع رجلا مالا وغاب وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة له هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب فقال تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالانفاق عليهم فلم يجعل له الانفاق من غير إذن الحاكم فقال بعض أصحابنا هذا مثله والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين (أحدهما) أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله فان له ولاية أخذه وحفظه (والثاني) أنه ينفق على اللقيط من ماله وهذا بخلافه ولان الانفاق على الصبي من مال الله مشروط بكون الصبي محتاجا إلى ذلك لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه وذلك لا يقيل

[ 380 ]

فيه قول المدوع فاحتيج إلى اثبات ذلك عند الحاكم ولا كذلك في مسئلتنا فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط، ومتى لم يجد حاكما فله الانفاق بكل حال لانه حال ضرورة وقال الشافعي ليس له أن ينفق بغير إذن حاكم في موضع يجد حاكما وان أنفق ضمنه بمنزلة ما لو كان لابي الصغير وديعة عند إنسان فأنفق عليه منها وذلك لانه لا ولاية له على ماله وإنما له حق الحضانة فان لم يجد حاكما ففي جواز الانفاق وجهان ولنا ما ذكرناه ابتداء ولا نسلم أنه لا ولاية له على ماله فانا قد بينا أن له أخذه وحفظه وهو أولى الناس، به وذكرنا الفرق بين اللقيط وبين ما قاسوا عليه. إذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع يجد حاكما لانه أبعد من التهمة وأقطع للظنة وفيه خروج من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق وينبغي أن ينفق، عليه بالمعروف كما ذكرنا في ولي اليتيم فان بلغ اللقيط واختلفا في قدر ما أنفق وفي التفريط في الانفاق فالقول قول المنفق لانه أمين فكان القول قوله في ذلك كولي اليتيم. * (مسألة) * (فان كان الملتقط فاسقا لم تقر في يده وهو قول الشافعي) لان حفظه للولاية عليه ولا ولاية لفاسق وظاهر كلام الخرقي أنه يقر في يده لقوله وان لم يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به لئلا يدعي رقه، فعلى قوله ينبغي أن يجب الاشهاد عليه ويضم إليه من يشرف عليه لاننا إذا

[ 381 ]

ضمنا إليه في اللقطة من يشرف عليه فههنا أولى قال القاضي والمذهب أنه ينزع من يده، ويفارق اللقطة من ثلاثة أوجه (أحدها) أن في اللقطة معنى الكسب وليس ههنا إلا الولاية (الثاني) أن اللقطة لو انزعناها منه رددناها إليه بعد الحول فلذلك احتطنا عليها مع بقائها في يده وههنا لا يرد إليه بعد الانتزاع منه بحال فكان الانتزاع أحفظ (والثالث) أن المقصود ثم حفظ المال ويمكن الاحتياط عليه بان يستظهر عليه في التعريف أو ينصب الحاكم من يعرفها وههنا المقصود حفظ الحرية والنسب ولا سبيل إلى الاستظهار عليه لانه قد يدعي رقه في بعض البلدان أو في بعض الزمان ولان اللقطة إنما يحتاج إلى حفظها والاحتياط عليها عاما واحدا وهذا يحتاج إلى الاحتياط عليه في جميع زمانه وقد ذكرنا أن ظاهر قول الخرقي أنه لا ينزع منه لانه قد ثبتت له الولاية بالتقاطه إياه وسبقه إليه وأمكن حفظه في يديه بالاشهاد عليه وضم أمين يشارفه إليه ويشيع أمره فيظهر أنه لقيط فينحفظ بذلك من غير زوال ولايته جمعا بين الحقين كاللقطة وكما لو كان الوصي خائنا، قال شيخنا وما ذكره القاضي من الترجيح للقطه يمكن معارضته بان اللقيط ظاهر مكشوف لا تخفى الخيانة فيه بخلاف اللقطة فانها خفية تتطرق إليها الخيانة ولا يعلم بها ويمكن أخذ بعضها وتنقيصها وابدالها بخلاف اللقيط، ولان المال محل الخيانة والنفوس إلى أخذه داعية بخلاف النفوس فعلى هذا متى أراد هذا الملتقط السفر باللقيط منع منه لانه يبعده ممن عرف حاله فلا يؤمن أن يدعي رقه ويبيعه

[ 382 ]

(فصل) فان كان الملتقط مستور الحال لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا خيانة أقر اللقيط في يديه لان حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفي أكثر الاحكام لان الاصل في المسلم العدالة ولذلك قال عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض فان أراد السفر بلقيطه ففيه وجهان (أحدهما) لا يقر في يديه وهو مذهب الشافعي لانه لم تتحقق أمانته فلا تؤمن الخيانة منه فيه (والثاني) يقر في يديه لانه يقر في يديه في الحضر من غير مشرف يضم إليه فأشبه العدل ولان الظاهر الستر والصيانة، فأما من عرفت عدالته وظهرت أمانته فيقر اللقيط في يده حضرا وسفرا لانه مأمون إذا كان سفره لغير النقلة * (مسألة) * (فان كان الملتقط رقيقا لم يقر في يده) وجملته أنه ليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه لان منافعه مملوكة لسيده فلا يذهبها في غير نفعه الا باذنه ولانه لا يثبت على اللقيط الا الولاية ولا ولاية لعبد فان التقطه لم يقر في يده الا باذن السيد فان أذن له أقر في يده لانه استعان به في ذلك فصار كما لو التقطه سيده وسلمه إليه، قال ابن عقيل إذا أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه السيد والحكم في الامة كالحكم في العبد، فاما ان لم يجد أحدا يلتقطه سواه وجب التقاطه لانه تخليص له

[ 383 ]

من الهلاك فهو كتخليصه من الغرق، والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة كالقن وكذلك المكاتب لانه ليس له التبرع بماله ولا بمنافعه الا أن يأذن له سيده في ذلك * (مسألة) * (أو كافرا واللقيط مسلم) ليس للكافر التقاط من حكم باسلامه لانه لا ولاية لكافر على مسلم ولانه لا يؤمن أن يعلمه الكفر بل الظاهر أنه يربيه على دينه وينشأ على ذلك كولده فان التقطه لم يقر في يده فان كان الطفل محكوما بكفره فله التقاطه لان الذين كفروا بعضهم أولياء بعض * (مسألة) * (أو بدويا ينتقل في المواضع ففيه وجهان) (أحدهما) أنه يقر في يده لان الظاهر أنه ابن بدوبين واقراره في يد ملتقطه أرجى لكشف نسبه (والثاني) يؤخذ منه فيدفع إلى صاحب قرية لانه أرفه له وأخف عليه * (مسألة) * (وان وجده في الحضر وأراد نقله إلى البادية لم يقر في يده لوجهين) (أحدهما) أن مقامه في الحضر أصل له في دينه ودنياه وأرفه له (والثاني) أنه إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور اهله واعترافهم به * (مسألة) * (وان التقطه في البادية مقيم في حلة أقر في يده لانه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة والدين

[ 384 ]

* (مسألة) * (وان التقطه في الحضر من يريد نقله إلى بلد آخر للاقامة فيه لم يجز في أحد الوجهين) لان بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه فلم يقر في يده قياسا على المنتقل به إلى البادية (والثاني) يقر في يده والبلد الثاني كالاول في الرفاهية فيقر في يده كالمنتقل من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر وفارق المنتقل به إلى البادية لانه يضر به بتفويت الرفاهية عليه * (مسألة) * (وان التقطه اثنان قدم الموسر على المعسر والحاضر على المسافر فان استويا وتشاحا اقرع بينهما) إذا التقطه اثنان وتناولاه تناولا واحدا لم يخل من ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون أحدهما ممن يقر في يده كالمسلم العدل الحر والآخر لا يقر في يديه كالكافر إذا كان الملتقط التقطه وحده ولان الشريك لو التقطه وحده لم يسلم إليه فإذا شاركه من هو من أهل الالتقاط كان أولى باالتسليم إليه واقراره في يده (والثاني) أن يكونا جميعا ممن لا يقر في يدي واحد منهما فانه ينزع منهما ويسلم إلى غيرهما (الثالث) أن يكون كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد الا أن أحدهما أحظ للقيط من الآخر بأن يكون أحدهما موسرا والآخر معسرا فالموسر أحق لان ذلك أحظ للطفل وكذلك ان كان أحدهما مقيما والآخر مسافرا لانه أرفق بالطفل (فصل) وان التقط مسلم وكافر طفلا محكوما بكفره فالمسلم أحق وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي

[ 385 ]

هما سواء لان للكافر ولاية على الكافر ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه فساوى المسلم في ذلك ولنا أن دفعه إلى المسلم أحظ له لانه يصير مسلما فيسعد في الدنيا والآخرة وينجو من النار ويتخلص من الجزية والصغار، فالترجيح بهذا أولى من الترجيح باليسار الذي انما يتعلق به توسعة عليه في الانفاق وقد يكون الموسر بخيلا فلا تحصل التوسعة فان تعارض الترجيحان فكان المسلم فقيرا والكافر موسرا فالمسلم أولى لان النفع الحاصل له باسلامه أعظم من النفع الحاصل له بيساره مع كفره وعندهم يقدم الكافر وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغي أن يقدم الجواد على البخيل لان حظ الطفل عنده أكثر من الجهة التي يحصل له الحظ فيها باليسار، فان تساويا وتشاحا أقرع ببنهما وإذا تساويا في الاوصاف التي تقتضي تقديم أحدهما على الآخر فرضي أحدهما بتسليمه إلى صاحبه جاز لان الحق له فلا يمنع من الايثار به وان تشاحا اقرع بينهما لقوله تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) ولانه لا يمكن كونه عندهما في حالة واحدة وان تهايأه يوما ويوما أو أكثر أضر بالطفل لاختلاف الاغذية عليه والانس والالف ولا يمكن دفعه إلى أحدهما من غير قرعة لان حقهما متساو فتقديم أحدهما بغير قرعة تحكم لا يجوز فتعين الاقراع بينهما كما يقرع بين الشركاء في تعيين السهام في القسمة وبين النساء في البداية بالقسمة وبين العبيد في الاعتاق والرجل والمرأة سواء ولا

[ 386 ]

ترجح المرأة ههنا كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه لانها رجحت ثم لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها والاب يحضنه باجنبية فكانت أمه أحظ له وأرفق به أما ههنا فهي أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه باجنبية فاستوتا، ومذهب الشافعي على ما ذكرنا فان كان أحدهما مستور الحال والآخر ظاهر العدالة احتمل ترجيح ظاهر العدالة لان المانع من الالتقاط منتف في حقه بغير شك والآخر مشكوك فيه فيكون الحظ للطفل في تسليمه إليه أتم ويحتمل أن يتساويا لان احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر في الترجيح (فصل) فان رأياه جميعا فسبق إليه أحدهما فأخذه أو وضع يده عليه فهو احق به لقوله عليه السلام " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " فان رآه أحدهما قبل صاحبه فسبق إلى اخذه الآخر فالسابق إلى أخذه أحق لان الالتقاط هو الاخذ دون الرؤية فان قال أحدهما لصاحبه ناولنيه فأخذه الآخر نظرنا إلى نيته فان نوى أخذه لنفسه فهو أحق به كما لو لم يأمره الآخر بمناولته إياه وان نوى مناولته فهو للآخر لانه فعل ذلك بنية النيابة عنه فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح * (مسألة) * (فان اختلفا في الملتقط منهما قدم من له بينة) لانها أقوى فان كان لكل واحد منهما بينة قدم أسبقهما تاريخا لان الثاني انما أخذ ما قد ثبت الحق فيه لغيره فان استوى تاريخهما أو اطلقتا أو أرخت احداهما وأطلقت الاخرى تعارضتا وهل

[ 387 ]

يسقطان أو يستعملان؟ فيه وجهان (أحدهما) يسقطان فيصيران كمن لا بينة لهما (والثاني) يستعملان ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه فهو اولى، ونذكر ذلك في بابه ان شاء الله تعالى فان كان اللقيط في يد أحدهما فهل تقدم بينته أو تقدم بينة الخارج فيه وجهان مبنيان على الروايتين في دعوى المال * (مسألة) * (فان لم يكن لهما بينة قدم صاحب اليد فيكون القول قوله مع يمينه أنه التقطه) ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال القاضي قياس المذهب أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " رواه مسلم * (مسألة) * (فان كان في أيديهما أقرع بينهما فيسلم إلى من تقع له القرعة مع يمينه) وعلى قول القاضي لا يشرع اليمين ههنا ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له * (مسألة) * (فان لم يكن لهما يد فوصفه أحدهما قدم) نحو ان يقول في ظهره شامة أو بجسده علامة فيقدم بذلك ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا يقدم بالصفة كما لو وصف المدعي المدعى فان دعواه لا تقدم بذلك ولنا أن ه‍؟ ا نوع من اللقطة فقدم بوصفها كلقطة المال ولان ذلك يدل على قوة يده فكان

[ 388 ]

مقدما بها، وقياس اللقيط على اللقطة أولى من قياسه على غيرها لان اللقيط لقطة، وان لم يصفه أحدهما فقال القاضي وأبو الخطاب يسلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما لانه لا حق لهما قال شيخنا والاولى أن يقرع بينهما كما لو كان في أيديهما لانهما تنازعا حقا في يد غيرهما أشبه ما لو تنازعا وديعة عند غيرهما * (فصل) * قال رحمه الله (وميراث اللقيط وديته ان قتل لبيت المال ان لم يخلف وارثا، ولا ولاء عليه) وانما يرثه المسلمون لانهم خولوا كل مال لا مالك له ولانهم يرثون مال من لا وارث له غير اللقيط فكذلك اللقيط وهو قول مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وقال شريح واسحاق عليه الولاء لملتقطه لقول عمر رضي الله عنه لابي جميلة في لقيطه هو حر ولك ولاؤه ولما روى واثلة بن الاسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المرأة تحوز ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه " أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الولاء لمن اعتق " ولانه لم يثبت عليه رق ولا على آبائه فلم يثبت عليه ولاء كمعروف النسب ولانه لا ولاء عليه ان كان ابن حرين، وان كان ابن معتقين فلا يكون عليه ولاء لغير معتقهما وحديث واثلة لا يثبت قاله ابن المنذر وقال في خبر عمر أبو جميلة رجل مجهول لا تقوم بحديثه حجة، ويحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه عنى بقوله لك ولاؤه ولاية القيام به وحفظه ولذلك ذكره عقيب قول عريفه أنه رجل صالح وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه لكونه مأمونا عليه دون الميراث

[ 389 ]

إذا ثبت هذا فحكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه وانقرض أهله يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث فان كانت له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال كمن عرف نسبه والله أعلم فان قتل خطأ فالدية لبيت المال لان حكمها حكم الميراث وهو لبيت المال كذلك الدية * (مسألة) * (وان قتل عمدا فوليه الامام إن شاء اقتص وان شاء أخذ الدية) أي ذلك فعل جاز إذا رآه أصلح وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر الا أن أبا حنيفة يخيره بين القصاص والمصالحة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فالسلطان ولي من لا ولي له " ومتى عفا على مال أو صالح عليه كان لبيت المال كجناية الخطأ الموجبة للمال. * (مسألة) * (وان قطع طرفه عمدا انتظر بلوغه إلا أن يكون فقيرا مجنونا فللامام العفو على مال ينفقه عليه) إذا جني على اللقيط جناية فيما دون النفس توجب المال قبل بلوغه فلوليه أخذ الارش وان كانت موجبة للقصاص وله مال يكفيه وقف الامر على بلوغه ليقتص أو يعفو سواء كان عاقلا أو معتوها وكذلك ان لم يكن له مال وكان عاقلا وان كان معتوها فللامام العفو على مال ينفق عليه لان المعتوه ليست له حال معلومة تنتظر لان ذلك قد يدوم به بخلاف العاقل فان له حالة تنتظر ويحبس الجاني في الحال التي ينتظر بلوغه حتى يبلغ ويستوفي لنفسه وهذا مذهب الشافعي وقد روي عن أحمد أن

[ 390 ]

للامام استيفاء القصاص له قبل بلوغه وهو مذهب أبي حنيفة لانه أحد نوعي القصاص فكان للامام استيفاؤه عن اللقيط كالنفس ولنا أنه قصاص لم يتحتم استيفاؤه فوقف على من هو له كما لو كان بالغا غائبا، وفارق القصاص في النفس لان القصاص ليس هو له بل هو لوارثه والامام المتولي له (فصل) إذا جنى اللقيط جناية تحملها العاقلة فهي على بيت المال لان ميراثه له ونفقته عليه وان جنى جناية لا تحملها العاقلة فحكمه فيها حكم غير اللقيط ان كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل اقتص منه وان كانت موجبة للمال وله مال استوفي منه والا كان في ذمته حتى يوسر وان قذف اللقيط بعد بلوغه محصنا حد ثمانين لانه حر * (مسألة) * وان ادعى الجاني عليه أو قاذفه رقه وكذبه اللقيط بعد بلوغه فالقول قول اللقيط) إذا قذف اللقيط قاذف وهو محصن فعليه الحد فان ادعى القاذف رقه فصدقه اللقيط سقط الحد لاقرار المستحق بسقوطه وان ادعى أنه عبد فصدقه وجب على القاذف التعزير لقذفه من ليس بمحصن وان كذبه اللقيط فالقول قوله لانه محكوم بحريته فقوله موافق للظاهر ولذلك أوجبنا عليه حد الحر إذا كان قاذفا، وان ادعى الجاني رقه وكذبه اللقيط وادعى الحرية أوجبنا له القصاص وان كان الجاني

[ 391 ]

حرا لما ذكرنا، قال شيخنا ويحتمل أن يكون القول قول القاذف لانه يحتمل صحة قوله بأن يكون ابن أمة فيكون ذلك شبهة والحد يندرئ بالشبهات، وفارق القصاص له إذا ادعى الجاني عليه أنه عبد لان القصاص ليس بحد وانما وجب حقا لآدمي ولذلك جازت المصالحة عنه وأخذ بدله بخلاف حد القذف وإن قلنا ان القذف حق لآدمي فهو كالقصاص ويخرج من هذا أن اللقيط إذا كان قاذفا فادعى أنه عبد ليجب عليه حد العبد قبل منه لذلك والاول أصح لان من كان محكوما بحريته لا يسقط الحد عن قاذفه باحتمال رقه بدليل مجهول النسب ولو سقط لهذا الاحتمال لسقط وان لم يدع القاذف رقه لانه موجود وان لم يدعه. * (مسألة) * (وإذا ادعى انسان أنه مملوكه لم يقبل الا ببينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه ويحتمل أن لا يعتبر قولها في ملكه) وجملة ذلك أنه إذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه لانها ممكنة وان كانت مخالفة لظاهر الدار فان لم يكن له بينة فلا شئ له لانها دعوى تخالف الظاهر، وتفارق دعوى النسب من وجهين (أحدهما) أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق تخالفه (والثانى) أن دعوى النسب يثبت بها حقا للقيط ودعوى الرق يثبت بها حقا عليه فلم تقبل بمجردها كما لو ادعى رق غير اللقيط فان لم يكن له بينة سقطت الدعوى وان كانت له بينة فشسهدت بالملك أو باليد لم يقبل فيه الا شهادة رجلين أو رجل

[ 392 ]

وامرأتين وان شهدت بالولادة قبل فيه رجل واحد وامرأة واحدة لانه مما لا يطلع عليه الرجال ومتى شهدت البينة باليد فان كانت للملتقط لم يثبت بها ملك لاننا عرفنا سبب يده وان كانت لاجنبي حكم له باليد والقول قوله مع يمينه في الملك، وان شهدت بالملك فقالت نشهد أنه عبده أو مملوكه حكم بها وإن لم تذكر سبب الملك كما لو شهدت بملك دار أو ثوب فان شهدت بأن أمته ولدته في ملكه حكم له به لان أمته لا تلد في ملكه الا ملكه وان شهد أنه ابن أمته أو أن أمته ولدته ولم يقل في ملكه احتمل ان يثبت له الملك بذلك كقولها في ملكه لان أمته ملكه فنماؤها ملكه كسمنها واحتمل أن لا يثبت به الملك لانه يجوز ان تلده قبل ملكه اياها فلا يكون له وهو ابن أمته (فصل) فان كانت الدعوى بعد بلوغ اللقيط كلف إجابته فان انكر ولا بينة للمدعي لم تقبل دعواه وان كانت له بينة حكم بها فان كان اللقيط قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء نقضت تصرفاته لان تصرفه كان بغير اذن مالكه. * (مسألة) * (وان أقر بالرق بعد بلوغه لم يقبل وعنه يقبل وقال القاضي يقبل فيما عليه رواية واحدة وهل يقبل في غيره؟ على روايتين) إذا ادعى انسان رق اللقيط بعد بلوغه فصدقه وكان قد اعترف بالحرية لنفسه قبل ذلك لم يقبل اقراره بالرق لانه اعترف بالحرية وهي حق لله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطالها، وان لم يكن اعترف

[ 393 ]

بالحرية احتمل وجهين (أحدهما) يقبل وهو قول أصحاب الرأي لانه مجهول الحال أقر بالرق فقبل كما لو قدم رجلان من دار الحرب فأقر أحدهما للآخر بالرق وكاقراره بالحد والقصاص في نفسه فانه يقبل وان تضمن فوات نفسه ويحتمل أن لا يقبل قال شيخنا وهو الصحيح لانه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها فلم يصح كما لو أقر بالحرية قبل ذلك ولان الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه لانه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له رق بعد التقاطه فكان إقراره باطلا وهذا قول ابن القاسم وابن المنذر وللشافعي وجهان كما ذكرنا فان قلنا يقبل اقراره صارت أحكامه أحكام العبيد فيما عليه خاصة وهذا الذي قاله القاضي، وبه قال أبو حنيفة والمزني وهو أحد قولي الشافعي لانه أقر بما يوجب حقا عليه وحقا له فوجب ان يثبت ما عليه دون ما له كما لو قال لفلان علي الف ولي عنده رهن وفيه وجه آخر أنه يقبل اقراره في الجميع وهو القول الثاني للشافعي لانه يثبت ما عليه فيثبت ماله كالبينة ولان هذه الاحكام تبع للرق فإذا ثبت الاصل بقوله ثبت التبع كما لو شهدت امرأة بالولادة ثبتت وثبت النسب تبعا لها (فصل) فاما ان أقر بالرق ابتداء الانسان فصدقه فهو كما لو أقر به جوابا وان كذبه بطل اقراره فان أقر به بعد ذلك لرجل آخر جاز، وقال بعض أصحابنا يتوجه أن لا يسمع اقراره الثاني لان اقراره الاول يتضمن الاعتراف بنفي مالك له سوى المقر له فإذا بطل اقراره برد المقر له بقي الاعتراف بنفي مالك له غيره فلم يقبل اقراره بما نفاه كما لو أقر بالحرية ثم أقر بعد ذلك بالرق

[ 394 ]

ولنا أنه إقرار لم يقبله المقر له فلم يمنع اقراره ثانيا كما لو أقر له بثوب ثم أقر به لآخر بعد رد الاول وفارق الاقرار بالحرية فان الاقرار بها لم يبطل ولم يرد (فصل) فإذا قبلنا إقراره بالرق بعد نكاحه وهو ذكر وكان قبل الدخول فسد النكاح في حقه لانه عبد تزوج بغير اذن مواليه ولها عليه نصف المهر لانه حق عليه فلم يسقط بقوله وان كان بعد الدخول فسد نكاحه وليه المهر كله لما ذكرنا لان الزوج يملك الطلاق فإذا أقر به قبل وولده حر تابع لامه وان كان متزوجا بأمه فولده لسيدها ويتعلق المهر برقبته لان ذلك من جناياته يفديه سيده أو يسلمه وان كان في يده كسب استوفي المهر منه لانه لم يثبت اقراره به لسيده بالنسبة إلى امرأته ولا ينقطع حقها منه باقراره، وإن قلنا يقبل قوله في جميع الاحكام فالنكاح فاسد لكونه تزوج بغير اذن سيده ويفرق بينهما ولا مهر لها عليه إن لم يكن دخل بها، وإن كان دخل بها فلها عليه المهر المسمى في احدى الروايتين والاخرى خمساه (فصل) وإن كان اللقيط أنثى وقلنا يقبل فيما عليه خاصة فالنكاح صحيح في حقه فان كان قبل الدخول فلا مهر لها لاقرارها بفساد نكاحها أو أنها أمة تزوجت بغير اذن سيدها والنكاح الفاسد لا يجب المهر فيه إلا بالدخول وإن كان دخل بها لم يسقط مهرها ولسيدها الاقل من المسمى أو مهر المثل لان المسمى إن كان أقل فالزوج ينكر وجوب الزيادة عليه وقولها غير مقبول في حقه وان كان الاقل مهر المثل فهي وسيدها يقران بفساد النكاح وان الواجب مهر المثل فلا يجب أكثر منه إلا

[ 395 ]

على الرواية التي يجب فيها المسمى في النكاح الفاسد فيجب ههنا قل أو كثر لاقرار الزوج بوجوبه، وأما الاولاد فأحرار لا تحب قيمتهم لانها لو وجبت لوجبت بقولها ولا يجب بقولها حق على غيرها ولا يثبت الرق في حق أولادها بقولها فاما إبقاء النكاح فيقال للزوج قد ثبت أنها أمة ولدها رقيق لسيدها فان اخترت المقام على ذلك فأقم وان شئت ففارقها وسواء كان ممن يجوز له نكاح الاماء أو لم يكن لاننا لو اعتبرنا ذلك وأفسدنا نكاحه لكان افسادا للعقد جميعه بقولها لان شروط نكاح الامة لا تعتبر في استدامة العقد انما تعتبر في ابتدائه فان قيل فقد قبلتم قولها في أنها أمة في المستقبل وفيه ضرر على الزوج قلنا لم يقبل قولها في ايجاب حق لم يدخل في العقد عليه فاما الحكم في المستقبل فيمكن ابقاء حقه وحق من ثبت له الرق عليها بان يطلقها فلا يلزمه ما لم يدخل عليه أو يقيم على نكاحها فلا يسقط حق سيدها فان طلقها اعتدت عدة الحرة لان عدة الطلاق حق للزوج بدليل انها لا تجب إلا بالدخول وسببها النكاح السابق فلا يقبل قولها في تنقيصها وإن مات اعتدت عدة الامة لان المغلب فيها حق الله تعالى بدليل وجوبها قبل الدخول فقبل قولها فيها وان قلنا بقبول قولها في جميع الاحكام فهي أمة تزوجت بغير اذن سيدها فنكاحها فاسد ويفرق بينهما ولا مهر لها ان كان قبل الدخول وان كان دخل بها وجب لها مهر أمة تزوجت بغير اذن سيدها على ما ذكر في موضعه، وهل يجب مهر المثل أو المسمى؟ فيه روايتان، وتعتد حيضتين لانه وطئ في نكاح فاسد وأولاده أحرار

[ 396 ]

لاعتقاده حريتها فهو مغرور عليه قيمتهم يوم الوضع وان مات فليس عليها عدة الوفاة. (فصل) فان كان قد تصرف ببيع أو شراء فتصرفه صحيح وما عليه من الحقوق والاثمان يؤدى مما في يده وما بقي ففي ذمته لان معامله لا يقر برقه وان قلنا بقبوله اقراره في جميع الاحكام فسدت عقوده كلها ووجب رد الاعيان إلى أربابها ان كانت باقية وان كانت تالفة وجبت قيمتها في رقبته أو في ذمته على ما ذكرنا في استدانة العبد لانه ثبت برضى صاحبه (فصل) فان كان قد جنى جناية موجبة للقصاص فعليه القود حرا كان المجني عليه أو عبدا لان اقراره بالرق يقتضي وجوب القود عليه فيما إذا كان المجني عليه عبدا أو حرا فقبل اقراره فيه وان كانت الجناية خطأ تعلق أرشها برقبته لان ذك مضر به فان كان ارشها أكثر من قيمته وكان في يده مال استوفي منه، وان كان مما تحمله العاقلة لم يقبل قوله في اسقاط الزيادة لان ذك يضر بالمجني عليه فلا يقبل قوله فيه وقيل تجب الزيادة في بيت المال لان ذلك كان واجبا للمجني عليه فلا يقبل قوله في اسقاطه وان جنى عليه جناية موجبة للقود وكان الجاني حرا سقط لان الحر لا يقاد بالعبد وقد أقر المجني عليه بما يسقط القصاص وان كانت موجبة للمال تقل بالرق وجب أقل الامرين وان كان مساويا للواجب قبل الاقرار وجب ويدفع الواجب إلى سيده وان كان الواجب يكثر لكونه قيمته عبدا أكثر من ديته حرا لم يجب الا ارش الجناية على الحر وان قلنا يقبل قوله في جميع الاحكام وجب

[ 397 ]

أرش الجناية على العبد وان كان الارش تحمله العاقلة إذا كان حرا سقط عن العاقلة ولم يجب على الجاني لان اقراره بالرق يتضمن اقراره بالسقوط عن العاقلة ولم يقبل اقراره على الجاني فسقط، وقيل لا يتحول عن العاقلة وعلى قول من قال: يقبل اقراره في الاحكام كلها يوجب الارش على الجاني والله أعلم * (مسألة) * (وان قال اني كافر لم يقبل قوله وحكمه حكم المرتد، وقيل يقبل الا أن يكون قد نطق بالاسلام وهو لا يعقله) وجملة ذلك أنا في الموضع الذي حكمنا باسلام اللقيط انما ذلك ظاهرا لا يقينا لاحتمال أن يكون ولد كافرين ولهذا لو أقام كافر بينة انه ولده ولد على فراشه حكمنا له به وسنذكر ذلك، ومتى بلغ اللقيط حدا يصح فيه اسلامه وردته فوصف الاسلام فهو مسلم سواء كان ممن حكم باسلامه أو كفره ولا يقبل اقراره بالكفر بعد ذلك لانه انكار بعد اقراره فلا يقبل كغيره وان وصف الكفر وهو ممن حكم باسلامه بالدار فهو مرتد لا يقر على كفره، وبهذا قال أبو حنيفة، وذكر القاضي وجها أنه يقر على كفره، وهو منصوص الشافعي لان قوله أقوى من ظاهر الدار وهذا وجه بعيد لان دليل الاسلام وجد عريا عن المعارض فثبت حكمه واستقر فلا تجوز ازالة حكمه كما لو كان ابن مسلم ولان قوله لا دلالة فيه أصلا لانه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه؟ وانما يقول هذا من تلقاء نفسه فعلى هذا إذا بلغ استتيب ثلاثا فان تاب والا قتل فأما على قولهم فقال القاضي ان وصف

[ 398 ]

كفرا يقر عليه بالجزية عقدت له الذمة، فان امتنع من التزامها ووصف كفرا لا يقر أهله ألحق بمأمنه، قال شيخنا وهذا بعيد جدا فان هذا اللقيط لا يخلو إما أن يكون ابن حربي فهو حاصل في أيدي المسلمين بغير عهد ولا عقد فيكون لواجده ويصير مسلما باسلام سابيه، أو يكون ابن ذميين أو احدهما ذمي فلا يقر على الانتقال إلى غير دين أهل الكتاب، أو يكون ابن مسلم أو مسلمين فيكون مسلما، وقد قال احمد في امة نصرانية ولدت من فجور، ولدها مسلم لان ابويه يهودانه وينصرانه وهذا ليس معه الا امه، وإذا لم يكن لهذا الولد حال يحتمل ان يقر فيها على دين لا يقر اهله عليه فكيف يرد إليه دار الحرب؟ * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (وإن أقر انسان أنه ولده الحق به مسلما كان أو كافرا رجلا أو امرأة حيا كان اللقيط أو ميتا) وجملة ذلك أنه إذا ادعى مدع نسب اللقيط لم يخل من قسمين (أحدهما) أن يدعيه واحد ينفرد بدعوته فان كان المدعي حرا مسلما لحقه نسبه إذا أمكن أن يكون منه بغير خلاف بين أهل العلم، لان الاقرار محض يقع للطفل لايصال نسبه ولا ضرر على غيره فيه فقبل كما لو أقر له بمال فان كان المقر به ملتقطه أقر في يده، وان كان غيره فله أن ينزعه من الملتقط لانه قد ثبت أنه أبوه فيكون أحق به كما لو قامت به بينة.

[ 399 ]

(فصل) فان كان المدعي عبدا ألحق به لان لمائه حرمة فلحق به نسبه كالحر وهذا قول الشافعي وغيره غير أنه لا تثبت له حضانة لانه مشغول بخدمة سيده ولا تجب عليه نفقته لانه لا مال له ولا تجب على سيده لان الطفل محكوم بحريته فعلى هذا تكون نفقته في بيت المال (فصل) فان كان المدعي ذميا لحق به لانه أقوى من العبد في ثبوت الفراش فان يثبت له النكاح والوطئ في الملك وقال أبو ثور لا يلحق به لانه محكوم باسلامه ولنا أنه أقر بنسب مجهول النسب يمكن أن يكون منه وليس في اقراره اضرار لغيره فيثبت اقراره كالمسلم. * (مسألة) * ولا يتبع الكافر في دينه الا ان يقيم بينة انه ولد علي فراشه) وجملة ذلك انه يتبع الكافر في النسب لا في الدين ولا حق له في حضانته ولا يسلم إليه لانه لا ولاية للكافر على المسلم وقال الشافعي في أحد قوليه يتبعه في دينه لان كل ما لحق به بنسبه لحقه به في دينه كالبينة الا أنه يحال بينه وبينه ولنا أن هذا محكوم باسلامه فلا يقبل قول الذمي في كفره كما لو كان معروف النسب ولانها دعوى تخالف الظاهر فلم تقبل بمجردها كدعوى رقه، ولانه لو تبعه في دينه لم يقبل اقراره بنسبه لانه يكون اضرارا به فلا يقبل كدعوى الرق، أما مجرد النسب بدون اتباعه في الدين فمصلحة عارية

[ 400 ]

عن الضرر فقبل قوله فيه ولا يجوز قبوله فيما هو أعظم الضرر والخزي في الدنيا والآخرة، فان أقام بينة أنه ولد على فراشه لحق به نسبا ودينا كذلك ذكره ههنا وهو قول بعض اصحابنا لانه ثبت أنه ابنه ببينة، وقياس المذهب أنه لا يلحقه في الدين الا أن تشهد البينة أنه ولد كافرين حيين لان الطفل يحكم باسلامه باسلام أحد ابويه أو موته (فصل) فان كان المدعي امرأة فروي عن أحمد أن دعوتها تقبل ويلحقها نسبه لانها أحد الابوبن اشبهت الاب، ولانه يمكن كونه منها كما يمكن أن يكون من الرجل بل أكثر لانها تأتي به من زوج ووطئ شبهة ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل، وقد روي في قصة داود وسليمان عليهما السلام حين تحاكم اليهما امرأتان كان لهما ابنان فذهب الذئب باحدهما فادعت كل واحدة منهما أن الباقي ابنها فحكم به داود للكبرى وحكم به سليمان للصغرى بمجرد الدعوى منهما، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، فعلى هذه الرواية يلحق بها دون زوجها لانه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به، ولذلك إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته، فان قيل الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة أخرى ومن أمته والمرأة لا يحل لها نكاح غير زوجها ولا يحل لغيره وطؤها قلنا يمكن ان تلد من وطئ شبهة أو غيره، وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجودا قبل تزوجها بهذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر، فان قيل إنما قبل الاقرار بالنسب من الزوج لما فيه من المصلحة ودفع العار عن الصبي وصيانته عن النسبة

[ 401 ]

إلى كونه ولد زنا ولا يحصل هذا بالحاق نسبه بالمرأة بل في الحاق نسبه بها دون زوجها يطرق العار إليه واليها قلنا بل قبلنا دعواه لانه يدعي حقا لا منازع له فيه ولا مضرة فيه على أحد فقبل قوله فيه كدعوى المال وهذا متحقق في دعوى المرأة، وروي عن احمد انها إن كانت ذات زوج لم يثبت النسب بدعوتها لافضائه إلى الحاق النسب بزوجها بغير اقراره ولا رضائه أو إلى أن امرأته وطئت بزنا أو شبهة وفي ذلك ضرر عليه فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به وإن لم يكن لها زوج قبلت دعوتها لعدم الضرر، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي أيضا، وروى عن احمد رواية ثالثة نقلها الكوسنج عن احمد في امرأة ادعت ولدا ان كان لها اخوة أو نسب معروف فلا تصدق الا ببينة وان لم يكن لها دافع لم يخل بينهما وبينه لانه إذا كان لها أهل وناس معروف لم تخف ولادتها عليهم ويتضررون بالحاق النسب بها لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها وليس كذلك إذا لم يكن لها أهل قال شيخنا ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعوتها بحال وهذا قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النسب لا يثبت بدعوة المرأة لانها يمكنها إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها ولنا أنها أحد الوالدين أشبهت الاب وامكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل فان يمكنه إقامة

[ 402 ]

البينة ان هذا ولد على فراشه وان كان المدعي أمة أي كالحرة إلا أنا إذا قبلنا دعوتها في نسبه لم نقبل قولها في رقه لاننا لا نقبل الدعوى فيما يضره كما لم نقبل الدعوى في كفره إذا ادعى نسبه كافر * (مسألة) * (فان ادعان اثنان أو أكثر لاحدهما بينة قدم بها فان استووا في بينة أو عدمها عرض معهما على القافة أو مع أقاربهما إن ماتا) الكلام في ذلك في فصول (أحدها) أنه إذا ادعاه مسلم وكافر وحر وعبد فهما سواء وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة المسلم اولى من الذمي والحر أولى من العبد لان على اللقيط ضررا في الحاقه بالعبد والذمي فيكون الحاقه بالحر المسلم اولى كما لو تنازعوا في الحضانة ولنا ان كل واحد لو انفرد صحت دعوته فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالاحرار المسلمين وما ذكروه من الضرر لا يتحقق فاننا لا نحكم برقه ولا كفره ولا يشبه النسب الحضانة بدليل اننا نقدم في الحضانة الموسر والحضري ولا نقدمهما في دعوى النسب ولان الحضانة انما يراعي فيهما حق الطفل حسب وههنا ينبغي ان يراعى حق المدعي ايضا قال ابن المنذر إذا كان عند امرأته أمة في أيديهما صبي فادعى رجل من العرب امرأته عربية أنه ابنه من امرأته وأقام العبد بينة بدعواه فهو ابنه في قول أبي ثور وغيره وقال أصحاب الرأي يقضى به للعربي للعتق الذي يدخل فيه وكذلك ان كان المدعي من الموالي عندهم قال شيخنا وهذا غير صحيح لان العرب وغيرهم في أحكام الله تعالى ولحوق النسب بهم سواء.

[ 403 ]

(الفصل الثاني) انه إذا ادعاه اثنان أو اكثر وكان لاحدهما بينة فهو ابنه وان اقام كل واحد منهم بينة تعارضت وسقطت لانه لا يمكن استعمالها ههنا لان استعمالها في المال اما بقسمته بين المتنازعين ولا يمكن ههنا أو بالقرعة لا يثبت بها النسب فان قيل إنما يثبت ههنا بالبينة لا بالقرعة وإنما القرعة مرجحة قلنا فيلزم انه إذا اشترك رجلان في وطئ امرأة وأتت بولد أن يقرع بينهما ويكون لحوقه بالوطئ لا بالقرعة (الفصل الثالث) انه إذا لم تكن بينة أو تعارضت بينتان وسقطتا أري القافة معهما أو مع عصبتهما عند فقدهما فنلحقه بمن الحقته به منهما هذا قول أنس وعطاء والاوزاعي والليث والشافعي وأبي وقال أصحاب الرأي لا حكم للقافة ويلحق بالمدعيين جميعا لان الحكم بالقيافة مبني على الشبه والظن والتخمين فان اشبه يوجد بين الاجانب وينتفي بين الاقارب ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه فقال يا رسول الله ان امرأتي ولدت غلاما أسود فقال " هل لك من إبل؟ قال نعم - قال - فما ألوانها؟ قال حمر - قال فيها من أورق؟ قال - نعم - قال اين أتاها ذلك؟ قال لعل عرقا نزع قال - وهذا لعل عرقا نزع " متفق عليه قالوا ولو كان الشبه كافيا لاكتفي به في ولد الملاعنة وفيها إذا أقر أحد الورثة بأخ فأنكره الباقون. ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها مسرورا تبرق

[ 404 ]

أسارير وجهه فقال " الم تري أن محرزا نظر آنفا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال ان هذه الاقدام بعضها من بعض؟ " متفق عليه فلو لا جواز الاعتماد على القيافة لما سر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتمد عليه ولان عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره منكر فكان إجماعا ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة " انظروها فان جاءت به حمش الساقين كأنه وحرة فلا اراه الا قد كذب عليها وان جاءت به جعدا جماليا سابغ الاليتين خدلج الساقين فهو الذي رميت به " فاتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لو لا الايمان لكان لي ولها شأن " فحكم به النبي صلى الله عليه وسلم الذى اشبهه منهما وقوله " لو لا الايمان لكان لي ولها شأن يدل على انه لم يمنعه من العمل بالشبه الا الايمان فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن امة زمعة حين راى به شبها بينا بعتبة بن ابي وقاص احتجبي منه يا سودة فعمل بالشبه في حجب سودة فان قيل فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه فيهما بل الحق الولد بزمعة وقال لعبد بن زمعة " هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف قلنا إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة لان الفراش أقوى وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو اقوى منها لا يوجب الاعراض

[ 405 ]

عنها إذا خلت عن المعارض ولذلك ترك إقامة الحد عليها من اجل أيمانها بدليل قوله " لو لا الايمان لكان لي ولها شأن " علي ان ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب، فان الحد في الزنا لا يثبت إلا بأقوى البينات واكثرها عددا واقوى الاقرار حتى يعبر فيه تكراره اربع مرات وتدرأ بالشبهات، والنسب يثبت بشهادة امرأه على الولادة ويثبت بمجرد الدعوى مع ظهور انتفائه حتى لو ان امرأة اتت بولد وزوجها غائب منذ عشرين سنة لحقه ولدها فكيف يجنح إلى نفيه بعدم إقامة الحد؟ ولانه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو من اهل الخبرة فجاز كقول المقومين وقولهم ان الشبه يجوز وجوده وعدمه قلنا الظاهر وجوده ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت ام سلمة أو ترى ذلك المراة؟ قال " فمن اين يكون الشبه، والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم لان إنكار الرجل ولده لمخالقة لونه لونه وعزمه على نفيه لذلك يدل على ان العادة خلافه وان في طباع الناس إنكاره فان ذلك إنما يوجد نادرا وإنما الحقه النبي صلى الله عليه وسلم به لوجود الفراش وتجوز مخالفة الظاهر للدليل ولا يجوز تركه لغير دليل ولان ضعفه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن اثباته، فان النسب يحتاط له لاثباته ويثبت بأدنى دليل ويلزم من ذلك التشديد في نفيه وانه لا ينتفي الا بأقوى الادلة كما أن الحد لما انتفى بالشبهة لم يثبت الا بأقوى دليل فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به

[ 406 ]

النسب في مسئلتنا، فان قيل فههنا إذا عملتم بالقيافة فقد نفيم النسب عمن لم تلحقه القافة به قلنا انما انتسب ههنا لعدم دليله لانه لم يوجد الا مجرد الدعوى وقد عارضها مثلها فسقط حكمها وكان الشبه مرجحا لاحدهما فانتفت دلالة الاخرى فلزم انتفاء النسب لانتفاء دليله، وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل به عند عدمه كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها عند عدمها. (فصل) والقافة قوم يعرفون الانساب بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة معينة بل من عرف منه المعرفة بذلك وتكررت منه الاصابة فهو قائف، وقيل أكثر ما يكون في بنى مدلج رهط محرز الذي رأي اسامة وزيدا قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال ان هذه الاقدام بعضها من بعض، وكان اياس بن معاوية المزني قائفا وكذلك قيل في شريح * (مسألة) * (فان ألحقته بأحدهما لحق به ليرجح جانبه وان ألحقته بهما لحق بهما وكان ابنها يرثهما ميراث ابن ويرثانه جميعا ميراث أب واحد) يروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وهو قول أبي ثور وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى، وقال الشافعي لا يلحق باكثر من واحد فان ألحقته بهما سقط قولهما ولم يحكم به واحتج برواية عن عمر رضي الله عنه ان القافة قالت اشتركا فيه، فقال عمر وال أيهما شئت ولانه لا يتصور كونه من رجلين فإذا ألحقته القافة بهما تبينا كذبهما فسقط قولهما كما لو ألحقته بأمين ولان المتداعيين

[ 407 ]

لو اتفقا على ذلك لم يثبت، ولو ادعاه كل واحد منهما وأقام بينة سقطتا، ولو جاز أن يلحق بهما لثبت باتفاقهما وألحق بهما عند تعارض بينتهما ولنا ما روى سعيد في سننه ثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال الافئف قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما، وباسناده عن الشعبي قال وعلي يقول هو ابنهما وهما أبواه يرثهما ويرثانه، رواه الزبير بن بكار باسناده عن عمر، وقال الامام احمد حديث قتادة عن سعيد عن عمر جعله بينهما، وقال قابوس عن أبيه عن علي جعله بينهما، وروى الاثرم باسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فدعى القافة فنظروا فقالوا نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه، قال سعيد عصبته الباقي منهما وما ذكروه عن عمر لا نعلم صحته وان صح فيحتمل أنه ترك قولهما لامر آخر إما لعدم ثقتها وإما لانه ظهر له من قولهما واختلافه ما يوجب تركه فلا ينحصر المانع من قبول قولهما انهما اشتركا فيه. قال أحمد إذا ألحقته القافة بهما ورثهما وورثاه، فان مات أحدهما فهو للباقي منهما ونسبه من الاول قائم لا يزيله شئ، ومعنى قوله هو للباقي منهما والله أعلم أنه يرثه ميراث أب كامل كما أن الجدة إذا انفردت أخذت ما تأخذه الجدات، والزوجة تأخذ وحدها ما يأخذه جميع الزوجات.

[ 408 ]

* (مسألة) *) ولا يلحق بأكثر من أم واحدة) إذا ادعت امرأتان نسب اللقيط فهو مبني على قبول دعوتهما، وقد ذكرنا ذلك، وإن كانت احداهما ممن تقبل دعوتها دون الاخرى فهو ابنها كالمنفردة، وإن كانتا ممن لا تقبل دعوتهما فوجودها كعدمها وإن كانتا جميعا ممن تقبل دعوتهما فهما في اثباته بالبينة وكونه يرى القافة عند عدمها أو تعارضهما كالرجلين). قال احمد في رواية بكر بن محمد في يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف فقيل يرى القافة فقال ما أحسنه، ولان الشبه يوجد بينهما وبين ابنها كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر لاختصاصها بحمله وتعذيته، والكافرة والمسلمة، والحرة والامة، في الدعوة واحدة كقولنا في الرجال، وهذا قول اصحاب الشافعي على الوجه الذى يقولون بقبول دعوتها، إذا ثبت ذلك فانه لا يلحق بأكثر من أم واحدة، فان ألحقته القافة بأمين سقط قولهما لاننا لا نعلم خصأه قطعا، وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى لان الام أحد الابوين فجاز ان يلحق باثنتين كالآباء ولنا ان هذا محال يقينا فلم يجز الحكم به كما لو كان اكبر منهما أو مثلهما بخلاف الرجلين فان كونه منهما ممكن فانه يجوز اجتماع نطفتي الرجلين في رحم امرأة فيمكن ان يخلق منهما ولدكما يخلق من نطفة الرجل وامرأة ولذلك فال القائف لعمر قد اشتركا فيه ولا يلزم من الحاقه بمن يتصور كونه منه الحاقه بمن يستحيل ذلك منه كما لا يلزم من الحاقه بمن يولد مثله لمثله الحاقه بأصغر منه

[ 409 ]

(فصل) فان ادعى نسبه رجل وامرأة فلا تنافي بينهما لامكان كونه منهما بنكاح كان بينهما أو وطئ شبهه فيلحق بهما جميعا ويكون ابنهما بمجرد دعوتهما كما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوة وإن قال الرجل هذا ابني من زوجتي وادعت زوجته ذلك وادعته امرأة اخرى فهو ابن الرجل وترجح زوجته على الاخرى لان زوجها ابوه فالظاهر انها امه، ويحتمل ان يستاويا لان كل واحدة منهما لو انفردت الحق بها فإذا اجتمعتا تساوتا (فصل) ولو ولدت امرأتان ابنا وبنتا فادعت كل واحدة منهما ان الابن ولدها احتمل وجهين (احدهما) ان يرى المرأتان القافة مع الولدين فيلحق كل منهما بمن الحقته به كما لو لم يكن لهما ولد آخر. (والثاني) يعرض لبنهما على اهل الطب والمعرفة فان لبن الذكر يخالف لبن الانثى في طبعه وزنته وقد قيل لبن الابن ثقيل ولبن البنت خفيف فيعتبران بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عند اهل المعرفة فمن كان لبنها لبن فهو ولدها والبنت للاخرى، فان لم يوجد قافة اعتبر باللبن خاصة فاما ان تنازعا احد الوالدين وهما ذكران أو ابنتان عرضوا على القافة كما ذكرنا فيما تقدم (فصل) فان ادعى اللقيط رجلان فقال احدهما هو ابني وقال الآخر هو ابنتي فان كان ابنا فهو لمدعيه وان كان بنتا فهي لمدعيها لان كل واحد منهما لا يستحق غير ما ادعاه فان كان خنثى مشكلا اري القافة لانه ليس قوله كل واحد منهما اولى من الآخر، فان اقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه فالحكم فيها كالحكم فيما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى لان بينة الكاذب منهما كاذبة فوجودها كعدمها والاخرى صادقة فيتعين الحكم بها

[ 410 ]

* (مسألة) * (فان ادعاه أكثر من اثنين فألحقته بهم لحق وان كثروا) وقد نص أحمد في رواية مهنا انه يلحق بثلاثة، ومقتضى هذا انه يلحق بمن ألحقته القافة وان كثروا، وقال ابن حامد لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف لاننا صرنا إلى ذلك للاثر فيقتصر عليه وقال القاضي: لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروي ذلك عن أبي يوسف أيضا ولنا أن المعنى الذي لاجله ألحق باثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه، وإذا جاز أن يخلق من اثنين جاز أن يخلق من أكثر منهما، وقولهم: ان إلحاقه باثنين على خلاف الاصل ممنوع وان سلمناه لكنه ثبت لمعنى موجود في غيره فيجب تعدية الحكم به كما ان اباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح على خلاف الاصل ولا يمنع من أن يقاس على ذلك مال الغير والصيد الحرمي وغيرهما من المحرمات لوجود المعنى وهو إبقاء النفس وتخليصها من الهلاك، وأما قول من قال يجوز إلحاقه بثلاثة ولا يزاد عليه فتحكم فانه لم يقتصر على المنصوص عليه ولا عدى الحكم إلى ما في معناه ولا نعلم في الثلاثة معنى خاصا يقتضي الحاق النسب بهم دون ما زاد عليهم فلم يجز الاقتصار عليه بالتحكم * (مسألة) * (فان نفته القافة عنهم أو أشكل عليهم أو لم يوجد قافة ضاع نسبه في أحد الوجهين وفي الآخر يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء أومأ إليه أحمد) وجملة ذلك انه إذا ادعاه أكثر من واحد وأري القافة فنفته عنهم أو لم يوجد قافة أو تعارضت أقوالهم أو لم يوجد من يوثق بقوله لم يرجح أحدهم بذكر علامة في جسده لان ذك لا يرجح به في سائر الدعاوى سوى الالتقاط في المال واللقيط ليس بمال، فعلى هذا يضيع نسيه، هذا قول أبي بكر لانه

[ 411 ]

لا دليل لاحدهم أشبه من لم يدع أحد نسبه، وقال ابن حامد نتركه حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهم قال القاضي وقد أومأ أحمد إلى هذا في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد إلى أن الابن يخير أيهما أحب وهو قول الشافعي في الجديد وقال في القديم حتى يميز لقول عمر: وال أيهما شئت ولان الانسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره ولانه مجهول النسب أقر به من هو من أهل الاقرار فثبت نسبه كما لو انفرد، وقال أصحاب الرأي: يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى لان كل واحد منهم لو انفرد سمعت دعواه فإذا اجتمعا وأمكن العمل بهما وجب كما لو أقر له بمال ولنا أن دعواهما تعارضت ولا حجة لواحد منهما فلم يثبت كما لو ادعى رقه وليس هو في أيديهما قال شيخنا وقول أبي بكر أقرب لما ذكرنا وقولهم يميل طبعه إلى قرابته قلنا انما يميل إلى قرابته بعد معرفة أنه قرابته فالمعرفة بذلك سبب الميل فلا يثبت قبله ولو سلم ذلك فانه يميل أيضا إلى من أحسن إليه فان القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقد يميل إليه لاساءة الآخر إليه وقد يميل إلى أحسنهما خلقا وأعظمهما قدرا أو جاها أو مالا فلا يبقى للميل أثر في الدلالة على النسب، ولا خلاف بين أصحابنا في أنه لا يثبت نسبه بالانتساب قبل البلوغ، قولهم انه صدق المقر بنسبه قلنا لا يحل له تصديقه فان النبي صلى الله عليه وسلم لعن من ادعى إلى غير أبيه وهذا يعلم أنه أبوه فلا نامن أن يكون ملعونا بتصديقه، ويفارق ما إذا انفرد فان المنفرد يثبت النسب بقوله من غير تصديق، وقول عمر رضي الله عنه وال أيهما شئت لم يثبت ولو ثبت لم يكن فيه حجة لانه انما أمره بالموالاة لا بالانتساب وعلى قول من جعل له الانتساب إلى أحدهما إذا انتسب إلى أحدهما ثم عاد فانتسب إلى الآخر أو نفى نسبه من الاول ولم

[ 412 ]

ينتسب إلى أحد لم يقبل منه لانه قد ثبت نسبه فلا يقبل رجوعه عنه كما لو ادعى منفرد نسبه ثم أنكره ويفارق الصبي الذي يخير بين أبويه فيختار أحدهما ثم يرد إلى الآخر إذا اختاره فانه لا حكم لقول الصبي وانما تبع اختياره وشهوته فهو كما لو اشتهى طعاما في يوم وغيره في يوم آخر، فأما إن قامت للآخر بينة بنسبه عمل بها لانها تبطل قول القافة الذي هو مقدم على الانتساب فأولى أن تبطل الانتساب وإن وجدت قافة بعد انتسابه فألحقته بغير من انتسب إليه بطل انتسابه لانه أقوى فبطل به الانتساب كالبينة مع القافة * (مسألة) * وكذلك الحكم إن وطئ امرأة اثنان بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في طهر واحد أو وطئت زوجة رجل أو أم ولده بشبهة وأتت بولد يمكن أن يكون منه فادعى الزوج أنه من الواطئ أري القافة معهما) كاللقيط فألحق بمن ألحقوه به منهما سواء ادعياه أو جحداه أو أحدهما وقد ثبت الافتراش ذكره القاضي وشرط أبو الخطاب في وطئ الزوجة أن يدعي الزوج أنه من الشبهة ذكره في المحرر وكذلك ان تزوجها كل واحد منهما تزويجا فاسدا وكان نكاح أحدهما صحيحا والآخر فاسدا مثل أن يطلق امرأته فينكحها غيره في عدتها ويطؤها أو يبيع أمة فيطؤها المشتري قبل استبرائها وتاتي بولد يمكن أن يكون منهما فانه يرى القافة معما فبأيهما ألحقوه لحق، والخلاف فيه كالخلاف في اللقيط على ما ذكرنا * (مسألة) * (ولا يقبل قول القائف الا أن يكون ذكرا عدلا مجربا في الاصابة) وفي اعتبار حريته وجهان من المحرر قول القافة قوم يعرفون الانساب بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة، وقد قيل أكثر ما يكون ذلك في بني مدلج رهط محرز المدلجي وكان اياس بن معاوية المزني قائفا ولا يقبل قول القائف الا أن يكون ذكرا عدلا مجربا في الاصابة لان قوله حكم فاعتبرت له هذه الشروط، قال القاضي في معرفة القائف بالتجربة هو أن يترك الصبي مع عشرة رجال غير من يدعيه ويرى اياهم فان ألحقه بواحد منهم سقط قوله لتبين خطئه وان لم يلحقه بواحد منهم أريناه اياه مع عشرين منهم مدعيه فان ألحقه به لحق، ولو اعتبر بأن يرى صبيا معروف النسب مع قوم فيه أبوه أو أخوه فإذا ألحقه بقريبه عرفت اصابته وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة اصابته ولو لم يجربه بعد أن يكون مشهورا بالاصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة جاز، فقد روي أن رجلا شريفا شك في ولده من جاريته وأبى أن يستلحقه فمر به اياس بن معاوية في المكتب ولا يعرفه فقال له ادع لي أباك فقال له المعلم ومن ابو هذا؟ قال فلان، قال من أين علمت أنه أبوه؟ قال هو أشبه به من الغراب بالغراب فقام المعلم مسرورا إلى أبيه فأعلمه بقول اياس فخرج

[ 413 ]

الرجل وسأل اياسا من أين علمت أن هذا ولدي؟ فقال سبحان الله وهل يخفى ذلك على أحد إنه لاشبه بك من الغراب بالغراب فسر الرجل واستلحق ولده (فصل) نقل عن أحمد أنه لا يقبل الا قول اثنين من القافة ولفظ الشهادة منهما فروى عنه الاثرم أنه قيل له إذا قال أحد القافة هو لهذا وقال الآخر هو لهذا قال لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان فيكونان شاهدين فإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا فهو لهذا لانه قول يثبت به النسب أشبه الشهادة ولانه حكم بالشبه في الخلقة فاعتبر فيه اثنان كالحكم بالمثل في جزاء الصيد، وقال القاضي يقبل قول الواحد لانه حكم ويكتفي في الحكم قول واحد وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين فقال إذا خالف القائف غيره تعارضا وسقطا، ولان النبي صلى الله عليه وسلم اكتفي بقول محرز وحده فان قال اثنان قولا وخالفهما واحد فقولهما أولى لانه أقوى من قول واحد، وإن عارض قول اثنين قول اثنين سقط قول الجميع، فان عارض قول اثنين قول ثلاثة أو اكثر لم يرجح وسقط الجميع كما لو كانت احدى البينتين اثنين والاخرى ثلاثة فأما ان ألحقته القافة بواحد فجاءت قافة أخرى فألحقته بآخر كان للاول لان قول القائف جرى مجرى حكم الحاكم إذا حكم حكما لم ينتقض بمخالفة غيره ولذلك لو ألحقته بواحد ثم عادت فألحقته بغيره كذلك، وإن أقام الآخر بينة أنه ولده حكم له وسقط قول القائف لانه بدل فسقط بوجود الاصل كالتيمم مع الماء (فصل) وإذا ألحقته القافة بكافر أو رقيق لم يحكم بكفره ولا رقه لان الحرية والاسلام ثبتا له بظاهر الدار فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد لها وانما قبلنا قول القافة في النسب للحاجة إلى اثباته ولكونه غير مخالف للظاهر ولهذا اكتفينا فيه بمجرد الدعوى من المنفرد ولا حاجة إلى اثبات رقه وكفره واثباتهما يخالف الظاهر (فصل) لو ادعى نسب اللقيط انسان فألحق نسبه به لانفراده بالدعوى ثم جاء آخر فادعاه لم يزل نسبه عن الاول لانه حكم له به فلا يزول بمجرد الدعوى فان ألحقته به القافة لحق به وانقطع عن الاول لانها بينة في إلحاق النسب فيزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى كالشهادة

[ 414 ]

كتاب الوصايا (وهي الامر بالتصرف بعد الموت) الوصايا جمع وصية مثل العطايا جمع عطية والوصية بالمال هي المتبرع به بعد المو ت، وقال أبو الخطاب هو التبرع بمال يقف نفوذه على خروجه من الثلث، فعلى قوله تكون العطية في مرض الموت وصية، والصحيح أنها ليست وصية لانها تخالفها في الاسم والحكم في أشياء ذكرناها في عطية المريض، والاصل فيها الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله سبحانه (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية) وقوله (من بعد وصية يوصي بها أو دين) وأما السنة فروى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني الا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال " لا " قلت فبالشطر يا رسول الله؟ قال لا قلت فبالثلث؟ قال " الثلث والثلث كثير انك ان تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " متفق عليه وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما حق أمرئ مسلم له ما يوصي ففيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده "

[ 415 ]

متفق عليه وعن أبي امامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن علي رضي الله عنه قال انكم تقرؤن هذه الآية (من بعد وصية يوصي بها أو دين) وان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية رواه الترمذي وأجمع العلما في جميع الامصار والاعصار على جواز الوصية (فصل) ولا تجب إلا على من عليه دين أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه لان الله تعالى أوجب أداء الامانات إلى أهلها وطريقه الوصية فتكون واجبة عليه، فأما الوصية ببعض ماله فليست واجبة عند الجمهور يروى ذلك عن الشعبي والنخعي والثوري ومالك وأصحاب الرأي والشافعي وغيرهم، قال ابن عبد البر أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حق بغير بينة أو أمانة بغير إشهاد إلا طائفة شذت فأوجبتها فروي عن الزهري أنه قال: جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر، وقيل لابي مجلز على كل ميت وصية؟ قال ان ترك خيرا وقال أبو بكر عبد العزيز هي واجبة للاقربين الذين لا يرثون وبه قال داود وحكي ذلك عن مسروق وطاوس واياس وقتادة وابن جرير واحتجوا بالآية وبخبر ابن عمر فقالوا تستحب الوصية للوالدين والاقربين الوارثين وبقيت فيمن لا يرث من الاقربين

[ 416 ]

ولنا أن أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوصوا ولم ينقل لذلك نكير ولو كانت واجبة لم يخلوا بذلك ولنقل عنهم نقلا ظاهرا ولانها عطية لا تجب في الحياة فلم تجب بعد الموت كعطية الاجانب فأما الآية فقال ابن عباس نسخها قول سبحانه (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون) الآية وقال ابن عمر نسختها آية الميراث وبه قال عكرمة ومجاهد ومالك والشافعي وذهب جماعة ممن يرى نسخ القرآن بالنسبة إلى أنها نسخت بقول النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " وحديث ابن عمر محمول على من عليه واجب أو عنده وديعة * (مسألة) * (وتصح من البالغ الرشيد) عدلا كان أو فاسقا رجلا أو امرأة مسلما أو كافرا لان هبتهم صحيحة فالوصية أولى * (مسألة) * (وتصح من السفيه في أصح الوجهين) المحجور عليه للسفه تصح وصيته في قياس قول أحمد قال الخبري وهو قول الاكثرين وفيه وجه آخر أنها لا نصح حكاه أبو الخطاب لانه محجور عليه في تصرفانه فلم تصح منه كالهبة ولنا أنه عاقل مكلف فصحت وصيته كالرشيد ولان وصيته محض مصلحة من غير ضرر لانه

[ 417 ]

ان عاش لم يذهب من ماله شئ وان مات فهو محتاج إلى الثواب فصحت وصيته كعباداته (فصل) وتصح من الصبي العاقل إذا جاوز العشر ولا تصح ممن له دون السبع وفيما بينهما روايتان المنصوص من أحمد صحة وصية الصبي العاقل إذا جاوز العشر رواه عنه صالح وحنبل قال أبو بكر لا يختلف المذهب ان من له عشر سنين تصح وصيته ومن له دون السبع لا تصح وصيته وفيما بين السبع والعشر روايتان وقال ابن أبي موسى لا تصح وصية الغلام لدون العشر ولا الجارية لدون تسع قولا واحدا وما زاد على العشر فيصح على المنصوص وفيه وجه آخر لا تصح حتى يبلغ وقال القاضي وأبو الخطاب تصح وصية الصبي إذا عقل وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه أجاز وصية الصبي وهو قول عمر بن عبد العزيز وشريح وعطاء والزهري واياس وعبد الله بن عتبة والشعبي والنخعي ومالك واسحاق، قال اسحاق إذا بلغ اثنتي عشرة، وحكاه ابن المنذر عن احمد وعن ابن عباس لا تصح

[ 418 ]

وصيته حتى يبلغ وبه قال الحسن ومجاهد وأصحاب الرأي وللشافعي قولان كالمذهبين ولانه تبرع بالمال فلا يصح من الصبي كالهبة والعتق ولنا ما روي أن صبيا من غسان له عشر سنين وصى لاخوال له فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأجاز وصيته رواه سعيد، وروى مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عمرو بن سليم أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب ان ههنا غلاما يفاعا لم يحتلم وورثته بالشام وهو ذو مال وليس له ههنا لا ابنة عم فقال عمر فليوص لها فأوصى بمال يقال له بئر خشم قال عمرو بن سليم فبعث ذلك المال بثلاثين ألفا وابنة عمه التي اوصى لها هي أم عمر بن سليم قال أبو بكر وكان الغلام بن عشر أو اثنتي عشرة سنة وهذه قضية انتشرت ولم تنكر ولانه تصرف محض نفع للصبي فصح منه كالاسلام والصلاة وذلك لان الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد غناه عن ملكه فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه ولا أخراه بخلاف الهبة والمعتق المنجز فانه يفوت من ماله ما يحتاج إليه وإذا ردت رجعت إليه وههنا لا يرجع إليه بالرد والطفل لا عقل له ولا تصح عباداته ولا اسلامه وأما من له فوق السبع ولم يبلغ العشر فقد ذكرنا فيه روايتين (احداهما) تصح وصيته وهو ظاهر قول القاضي وأبي الخطاب لانه عاقل يصح اسلامه

[ 419 ]

يؤمر بالصلاة وتصح منه أشبه من جاوز العشر (والثانية) لا تصح كمن له دون السبع والاول أقيس والله أعلم قال الخرقي ومن جاوز العشر فوصيته جائزة إذا وافق الحق يريد إذا وصى وصية يصح مثلها من البالغ صحت منه ومالا فلا قال شريح وعبد الله بن عتبة وهما قاضيان من أصاب الحق أجزنا وصيته * (مسألة) * (ولا تصح من غير عاقل كالطفل والمجنون والمبرسم، وفي السكران وجهان) أما الطفل ومن له دون سبع سنين والمجنون والمبرسم فلا وصية لهم في قول الاكثرين منهم حميد بن عبد الرحمن ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ومن تبعهم قال شيخنا ولا نعلم أحدا خالفهم إلا إياس بن معاوتة فانه قال في الصبي والمجنون إذا وافقت وصيتهما الحق جازت وليس بصحيح فانه لا حكم لكلامهما ولا تصح عبداتهما ولا شئ من تصرفاتهما فكذلك الوصية بل أولى فانه إذا لم يصح اسلامه وصلاته التي هي محض نفع لا ضرر فيها فأولى أن لا يصح بذله لمال يتضرر به وارثه فاما من يفيق في الاحيان فإذا أوصى حال جنونه لم يصح، وان أوصى حال افاقته صحت وصيته لانه بمنزلة العقلاء في شهادته ووجوب العبادات عليه فكذلك وصيته ولا تصح وصية السكران في أصح الوجهين وفيه وجه آخر أنها تصح بناء على

[ 420 ]

طلاقه والاول أصح لانه غير عاقل أشبه المجنون وطلاقه انا أوقعه من أوقعه تغليظا عليه لارتكابه المعصية فلا يتعدى هذا إلى وصيته فانه لا ضرر عليه فيها انما الضرر على وارثه فأما الضعيف في عقله فان منع ذلك رشده في ماله فهو كالسفيه والا فهو كالعاقل والله أعلم * (مسألة) * (وتصح وصية الاخرس بالاشارة ولا تصح ممن اعتقل لسانه بها ويحتمل أن تصح) إذا فهمت اشارة الاخرس صحت وصيته بها لانها أقيمت مقام نطقه في طلاقه ولعانه وغيرهما فان لم تفهم اشارته فلا حكم لهاربه قال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما فأما الناطق إذا اعتقل لسانه فعرضت عليه وصيته فاشار بها رفعت اشارته فلا تصح وصيته إذا لم يكن مأيوسا من نطقه ذكره القاضي وابن عقيل وبه قال الثوري والاوزاعي وأبو حنيفة ويحتمل أن يصح وهو قول الشافعي وابن المنذر لانه غير قادر على الكلام أشبه الاخرس واحتج ابن المنذر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وهو قاعد فأشار إليهم فقعدوا رواه البخاري وخرجه ابن عقيل وجها إذا اتصل باعتقال لسانه الموت ولنا أنه غير مأيوس من نطقه فلم تصح وصيته بالاشارة كالقادر على الكلام والخبر لا يلزم فان النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الكلام ولا خلاف في أن اشارة القادر لا تصح بها وصيته ولا اقراره وفارق الاخرس فانه مأيوس من نطقه

[ 421 ]

(فصل) وان وصى عبد أو مكاتب أو أم ولد وصية ثم ماتوا على الرق فلا وصية لهم لانه لا مال لهم وان عتقوا ثم ماتوا ولم يغيروا وصيتهم صحت لان لهم قولا صحيحا وأهلية تامة وفارقوا الحر بانهم لا مال لهم والوصية تصح مع عدم المال كما لو وصى الفقير ولا شئ له ثم استغنى وان قال أحدهم متى عتقت ثم مت فثلثي لفلان وصية فعتق ثم مات صحت وصيته وبه قال أبو يوسف ومحمد وأبو ثور ولا أعلم عن غيرهم خلافهم * (مسألة) * (وان وجدت وصيته بخطه صحت وعنه لا تصح حتى يشهد عليها) نقل اسحاق بن ابراهيم عن احمد أنه قال من مات فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه ولم يشهد عليها وعرف خطه وكان مشهور الخط يقبل ما فيها ووجه ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه ببيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده ولم يذكر شهادة " ولان الوصية يتسامح فيها ويصح تعليقها على الخطر والغرر وتصح للحمل وبالحمل وبما لا يقدر على تسليمه فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط كرواية الحديث وكما لو كتب الطلاق ولم يلفظ به وعن أحمد ما يدل على أنه لا يقبل الخط في الوصية ولا يشهد على الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه أو تقرأ عليه فيقر بما فيه

[ 422 ]

وبهذا قال الحسن وأبو قلابة والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، لان الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة فكذا ههنا وأبلغ من هذا ان الحاكم لو رأى حكمه خطه تحت ختمه ولم يذكر أنه حكم به أو رأى الشاهد شهادته بخطه ولم يذكر الشهادة لم يجز للحاكم انفاذ الحكم بما وجده ولا للشاهد الشهادة بما رأى خطه به فههنا أولى، وان كتب وصيته وقال اشهدوا علي بما في هذه الورقة أو قال هذه وصيتي فاشهدوا علي بها فقد حكي عن أحمد أن الرجل إذا كتب وصيته وختم عليها وقال للشهود اشهدوا علي بما في هذا الكتاب لا يجوز حتى يسمعوا منه ما فيه أو يقرأ عليه فيقر بما فيه وهو قول من سمينا في المسألة الاولى ويحتمل جوازه على ما نقله عن أحمد اسحاق بن ابراهيم في المسألة قبلها وذكره الخرقي، وممن قال ذلك عبد الملك بن يعلي ومكحول ونمير بن ابراهيم ومالك والليث والاوزاعي ومحمد بن مسلمة وأبو عبيد واسحاق وروي عن سالم بن عبد الله وقتادة وسوار بن عبد الله بن الحسن ومعاذ بن معاذ العنبريين وهو مذهب فقهاء أهل البصرة وقضاتهم واحتج أبو عبيد بكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عماله وأمرائه في أمر ولايته وأحكامه وسننه ثم ما عمل به الخلفاء الراشدون المهديون بعده من كتبهم إلى ولاتهم بالاحكام التي فيها الدماء والفروج والاموال

[ 423 ]

مختومة لا يعلم حاملها ما فيها وأمضوها على وجهها وذكر استخلاف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بكتاب كتبه وختم عليه، ولا نعلم أحدا أنكر ذلك مع شهريه وانتشاره في علماء العصر فيكون اجماعا، ووجه القول الاول أنه كتاب لا يعلم الشاهد ما فيه فلم يجز أن يشهد عليه ككتاب القاضي إلى القاضي والاولى الجواز ان شاء الله تعالى لظهور دليله والاصل لنافيه منع (فصل) وأما إذا ثبتت الوصية بشهادة أو اقرار الورثة به فانه يثبت حكمه ويعمل به ما لم يعلم رجوعه عنه وان تطاولت مدته وتغيرت أحوال الموصي مثل أن يوصي في مرض فيبرأ منه ثم يموت بعد أو بقتل لان الاصل بقاؤه فلا يزول حكمه بمجرد الاحتمال والشك كسائر الاحكام (فصل) ويستحب أن يكتب الموصي وصيته وبشهد عليها لانه أحوط لها وأحفظ لما فيها وقد ذكرنا حديث ابن عمر وروى أنس رضي الله عنه قال كانوا يكتبون في صدور وصاياهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله ان كانوا مؤمنين وأوصاهم بما أوصى به ابراهيم بنيه ويعقوب (يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وأنتم مسلمون) أخرجه سعيد عن فضيل بن عياض

[ 424 ]

عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس، وروي عن ابن مسعود أنه كتب في وصيته بسم الله الرحمن الرحيم هذا ذكر ما أوصى به عبد الله بن مسعود ان حدث بي حادث الموت من مرضه هذا أن مرجع وصيتي إلى الله تعالى ثم إلى الزبير بن العوام وابنه عبد الله وانهما في حل وبل مما وليا وقضيا وأنه لا يزوج امرأة من بنات عبد الله الا باذنهما، وروى ابن عبد قال كان في وصيته أبى الدرداء بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى أبو الدرداء أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وان الله يبعث من في القبور وأنه يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت على ذلك يحيى ويموت ان شاء الله وأوصى فيما رزقه الله بكذا وكذا وأن هذه وصيته إذ لم يغيرها. * (فصل) * قال رحمه الله (والوصية مستحبة لمن ترك خيرا وهو المال الكثير بخمس ماله وتكره لغيره ان كان له ورثة) وجملة ذلك أن الوصية مستحبة لمن ترك خيرا لقول الله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم المو ت ان ترك خيرا) الوصية فنسخ الوجوب وبقي الاستحباب في حق من لا يرث، وروى ابن عمر

[ 425 ]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا ابن آدم جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك لا طهرك وازكيك " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم " رواهما ابن ماجه، وقال الشعبي من أوصى بوصية فلم يجر ولم يحف كان له من الاجر مثل ما لو أعطاه وهو صحيح، فأما الفقير الذي له ورثة محتاجون فلا يستحب له ان يوصي لان الله تعالى قال في الوصية ان ترك خيرا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد " انك ان تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " وقال ابدأ بنفسك ثم بمن تعول وقال علي رضي الله عنه لرجل أراد أن يوصي انك لم تدع طائلا إنما تركت شيئا يسيرا فدعه لورثتك، وروي عنه أنه قال في أربعمائة دينار ليس فيها فضل عن الوراث وروى عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها لي ثلاثة آلاف درهم وأربعة أولاد أفأوصي؟ فقالت اجعل الثلاثة للاربعة وعن ابن عباس قال من ترك سبعمائة درهم ليس عليه وصية وقال عروة دخل علي على صديق له يعوده فقال الرجل اني أريد أن أوصي فقال له علي ان الله تعالى يقول ان ترك خيرا وانك انما تدع شيئا يسيرا فدعه لورثتك، واختلف أهل العلم في القدر الذي

[ 426 ]

لا نستحب الوصية لمالكه فروي عن أحمد إذا ترك دون الالف لا تستحب له الوصية وعن علي أربعمائة دينار وعن ابن عباس إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي وقال من ترك ستين دينارا ما ترك خيرا وقال طاوس الخير ثمانون دينارا، وقال النخعي الف إلى خمسمائة وقال أبو حنيفة القليل أن يصيب أقل الورثة سهما خمسون درهما، قال شيخنا والذي يقوى عندي انه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة لم تستحب الوصية لان النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من الوصية بقوله " انك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة، ولان اعطاء القريب المحتاج خير من اعطاء الاجنبي فمتى لم يبلغ الميراث غناءهم كان تركه لهم كعطيتهم اياه فيكون أفضل من الوصية به لغيرهم. فعلى هذا تختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغنائهم وحاجتهم فلا يتقيد بقدر من المال وقد قال الشعبي ما من مال أعظم أجرا من مال يتركه الرجل لولده يغنيهم به عن الناس (فصل) والاولى أن لا يستوعب الثلث بالوصية وان كان غنيا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " والثلث كثير " قال ابن عباس لو أن الناس نقصوا من الثلث فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الثلث كثير " متفق عليه وقال القاضي وأبو الخطاب إن كان غنيا استحب الوصية بالثلث

[ 427 ]

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد " والثلث كثير " مع اخباره إياه بكثرة ماله وقلة عياله فانه قال في الحديث: إن لي مالا كثيرا ولا يرثني الا ابنتي. وروى سعيد ثنا خالد بن عبد الله ثنا عطاء بن الساثب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد بن مالك قال مرضت مرضا فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي " أوصيت؟ " فقلت نعم أوصيت بمالي كله للفقراء وفي سبيل الله فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " أوص بالعشر؟ فقلت يا رسول الله مالي كثير وورثتي أغنياء فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناقصني وأناقصه حتى قال " أوص بالثلث والثلث كثير " قال أبو عبد الرحمن لم يكن منا من يبلغ في وصيته الثلث حتى ينقص منه شيئا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الثلث والثلث كثير " إذا ثبت هذا فالافضل للغني الوصية بالخمس روى نحو هذا عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبى طالب رضي الله عنهما وهو ظاهر قول السلف وعلماء أهل البصرة، ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه جاءه شيخ فقال يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير ومالي كثير ويرثني اعراب موالي كلالة منزوح بينهم أفأوصي بمالي كله؟ قال لا فلم يزل يحطه حتى بلغ العشر وقال اسحاق السنة الربع الا أن يكون الرجل يعرف في ماله حرمة شبهات أو غيرها فله استيعاب الثلث

[ 428 ]

ولنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى بالخمس وقال رضيت بما رضي الله به لنفسه يريد قوله تعالى (واعلموا انما غنتم من شئ فأن لله خمسه) وروي أن أبا بكر وعليا رضي الله عنهما أوصيا بالخمس، وعن علي رضي الله عنه انه قال لان اوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع وعن ابراهيم قال كانوا يقولون صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع وعن الشعبي قال كان الخمس أحب إليهم من الثلث فهو منتهى الجامح، وعن العلاء بن زياد قال أوصى أبي أن أسأل العلماء أي الوصية أعدل فما تتابعوا عليه فهو وصية فتتابعوا على الخمس. (فصل) والافضل أن يجعل وصيته لاقاربه الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء في قول عامة أهل العلم قال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء علمت في ذلك إذا كانوا ذوي حاجة وذك لان الله تعالى كتب الوصية للوالدين والاقربين فخرج منه الوارثون بقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا وصية لوارث " وبقي سائر الاقارب على الوصية لهم وأقل ذلك الاستحباب، وقد قال الله تعالى (وآت ذا القربى حقه) وقال تعالى (وأتى المال على حبه ذوي القربى) فبدأ بهم ولان الصدقة عليهم في الحياة أفضل فكذلك بعد

[ 429 ]

الموت فان أوصى لغيرهم وتركهم صحت وصيته في قول أكثر أهل العلم منهم سالم وسليمان بن يسار وعطاء ومالك والثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي والشافعي واسحاق وحكي عن طاوس والضحاك وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا ينزع عنهم ويرد إلى قرابته، وعن سعيد بن المسيب والحسن وجابر بن زيد للذي أوصى له ثلث الثلث والباقي يرد إلى قرابة الموصي لانه لو أوصى بماله كله لجاز منه الثلث والباقي يرد على الورثة وأقاربه الذين لا يرثونه في استحقاق الوصية كالورثة في اسحقاق المال كله. ولنا ما روى عمران بن حصين أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فاعتق اثنين وارق اربعة فأجاز العتق في ثلثه لغير أقاربه ولانها عطية فجازت لغير اقاربه كالعطية في الحياة * (مسألة) * (فأما من لا وارث له فتجوز وصيته بجميع ماله وعنه لا يجوز الا الثلث) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن لم يخلف من وراثه عصبة ولا ذا فرض فروي عنه أن وصيته جائزة بكل ماله ثبت ذلك عن ابن مسعود وبه قال عبيدة السلماني ومسروق واسحاق وأهل العراق والرواية الاخرى لا يجوز إلا الثلث وبه قال مالك والاوزاعي وابن شبرمة والشافعي والعنبري

[ 430 ]

لان له من يعقل عنه فلم تنفذ وصيته في اكثر من الثلث كما لو ترك وارثا ولان المسلمين يرثونه وهو بيت المال. ولنا ان المنع من الزيادة على الثلث إنما كان لتعلق حق الورثة به بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " انك ان تدع ورثتك اغنياء خير من ان تدعهم عالة يتكففون الناس " وههنا لا وارث له يتعلق حقه بماله فأشبه حال الصحة ولانه لم ينعق بماله حق وارث ولا غريم اشبه حال الصحة والثلث (فصل) وان خلف ذا فرض لا يرث جميع المال كبنت أو أم لم تكن له الوصية باكثر من الثلث لان سعدا قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا يرثني إلا ابنة فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من الزيادة على الثلث، ولانها تستحق جميع المال بالفرض والرد فأشبه العصبة وان كان للميتة زوج أو كان للرجل امرأة فكذلك لان الوصية تنقص حقه لانه إنما يستحق فرضه بعد الوصية لقول الله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين) وقيل تبطل في قدر فرضه من الثلثين فإذا كان للميتة زوج فله الثلث وإن كان للميت امرأة فلها السدس وهو ربع الباقي بعد الثلث والباقي للموصى له وهذا أولى إن شاء الله تعالي لان الثلث ليس للوارث فيه أمر إنما اجازته ورده في الثلثين ولم ينقص عليه منهما شئ فأما ذوو

[ 431 ]

الارحام فظاهر كلام الخرقي أنه لا يمنع الوصية بجميع المال لانه قال ومن أوصى بجميع ماله ولا عصبة له ولا مولى فجائز وذلك لان ذا الرحم إرثه كالفضلة والصلة ولذلك لا يصرف إليه شئ إلا عند عدم الرد والمولى، ولا تجب نفقتهم في الصحيح ويحتمل كلام شيخنا في الكتاب المشروح أنه لا تنفذ وصيته فيما زاد على الثلث لان له وارثا فيدخل في معنى قوله عليه السلام " إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " ولانهم ورثة يستحقون ماله بعد موته فأشبهوا ذوي الفروض والعصبات وتقديم غيرهم عليهم لا يمنع مساواتهم لهم في مسئلتنا كذوي الفروض الذين يحجب بعضهم بعضا (فصل) فان خلف ذا فرض لا يرث المال كله بفرضه أو قال أوصيت لفلان بثلثي على أنه لا ينقص ذا الفرض شيئا من فرضه أو خلف امرأة وقال أوصيت لك بما فضل من المال عن فرضها صح في المسألة الاولى لان ذا الفرض يرث المال كله لو لا الوصية فلا فرق في الوصية بين أن يجعلها من رأس المال أو يجعلها من الزائد على الفرض، فأما المسألة الثانية فتنبني على الوصية بجميع المال فان قلنا تصح ثم صحت ههنا لان الباقي عن فرض الزوجة مال لا وارث له فصحت الوصية به كما لو لم تكن زوجة وان قلنا لا تصح ثم فههنا مثله لان بيت المال جعل كالوارث فصار كأنه ذو ورثة يستغرقون

[ 432 ]

المال إذا عين الوصية من نصيب العصبة منهم، فعلى هذا يعطى الموصى له الثلث من رأس المال ويسقط تخصيصه. * (مسألة) * (ولا يجوز لمن له وارث بزيادة على الثلث لاجنبي ولا لوارثه بشئ إلا باجازة الورثة) وجملة ذلك أن الوصية لغير الوارث تلزم في الثلث من غير إجازة وما زاد على الثلث يقف على إجازة الورثة فان أجازوه جاز وان ردوه بطل في قول أكثر العلماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد حين قال أوصي بمالي كله؟ قال " لا - الحديث إلى أن قال - فبالثلث والثلث كثير " وقوله عليه السلام " ان الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند مماتكم " يدل على أنه لا شئ له في الزائد عليه وحديث عمران ابن حصين في المملوكين السنة الذين أعتقهم المريض ولم يكن له مال سواهم. فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرث أربعة وقال له قولا شديدا يدل على أنه لا يصح تصرفه فيها زاد على الثلث إذا لم تجز الورثة وتجوز باجازتهم لان الحق لهم وقد قيل ان الوصية بما زاد على الثلث باطلة كما يذكر فيما إذا أوصى للوارث، وحكم الوصية للوارث كالحكم في الوصية لغيره بالزيادة على الثلث في أنها تبطل بالرد بغير خلاف بين العلماء، قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على هذا

[ 433 ]

وجاءت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فروى أبو أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي ولان النبي صلى الله عليه وسلم منع من تفضيل بعض ولده عنى بعض في حال الصحة مع إمكان تلافي العدل بينهم باعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ذلك لما فيه من إيقاع العدواة والحسد بينهم ففي حال موته وتعلق الحقوق به وتعذر تلافي العدل بينهم أولى وأحرى فان أجازها باقي الورثة جازت في قول الجمهور من أهل العلم وقال بعض أصحابنا الوصية باطلة وان أجازها الورثة إلا أن يعطوه عطية مبتدأه أخذا من ظاهر قول أحمد رحمه اله في رواية حنبل لا وصية لوارث وهذا قول المزني وأهل الظاهر وقول للشافعي واحتجوا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا وصية لوارث " وظاهر مذهب أحمد والشافعي ان الوصية صحيحة في نفسها لانه تصرف صدر من اهله في محله فصح كما لو وصى لاجنبي والخبر قد روي فيه " إلا أن يجيز الورثة " والاستثناء من النفي اثبات فيكون ذلك دليلا

[ 434 ]

على صحة الوصية عند الاجازة ولو خلا من الاستثناء جاز أن يكون معناه لا وصية نافذة أو لازمة أو ما أشبه هذا أو يقدر فيه لا وصية لوارث عند عدم الاجازة من غيره من الورثة، وفائدة الخلاف ان الوصية إذا كانت صحيحة فاجازة الورثة تنفيذ واجازة محضة يكفي فيها قول الوارث أجزت وان كانت باطلة كانت الاجازة هبة مبتدأة وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى (فصل) وان أسقط عن وارثه دينا أو وصى بقضاء دينه أو أسقطت المرأة صداقها عن زوجها أو عفى عن جناية موجبها المال فهي كالوصية له وان عفى عن القصاص وقلنا الواجب القصاص عينا سقط إلى غير بدل وان قلنا الواجب أحد شيئين سقط القصاص ووجب المال وان عفى عن حد القذف سقط مطلقا، وان وصى لغريم وارثه صحت الوصية وكذلك ان وهب له وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وقال أبو يوسف هي وصية للوارث لان الوارث ينتفع بهذه الوصية ويستوفى دينه منها ولنا أنه وصى لاجنبي فصح كما لو وصى لمن عادته الاحسان إلى وارثه، وان وصى لولد وارثه صح فان كان يقصد بذلك نفع الوارث لم يجز فيما بينه وبين الله تعالى قال طاوس في قوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما قال أن يوصي لولد ابنته وهو يريد ابنته رواه سعيد وقال ابن عباس الجنف في الوصية والاضرار فيها من الكبائر

[ 435 ]

* (مسألة) * (فان وصى لكل وارث بمعين قدر نصيبه كرجل خلف ابنا وبنتا وعبدا قيمته مائة وأمة قيمتها خمسون فوصى للابن بالعبد وللبنت بالامة صحت الوصية في أحد الوجهين) لان حق الوارث في القدر لا في العين بدليل ما لو عاوض المريض بعض ورثته أو أجنبيا بجميع ماله فانه يصح إذا كان بثمن المثل وان تضمن فوات عين المال (والثاني) يقف على إجازة الورثة لان في الاعيان غرضا صحيحا فكما لا يجوز ابطال حق الوارث من قدر حقه لا يجوز من عينه * (مسألة) * (وإن لم يف الثلث بالوصايا تحاصوا فيه وادخل النقص على كل واحد بقدر وصيته وعنه يقدم العتق) إذا خلت الوصايا من العتق وتجاوزت الثلث فرد الورثة الزيادة فان الثلث يقسم بين الموصى لهم على قدر وصاياهم ويدخل النقص على كل واحد منهم بقدر ماله في الوصية كمسائل العول إذا زادت الفروض عن المال فلو وصي لرجل بثلث ماله ولآخر بمائة ولآخر بمعين قيمته خمسون ووصى بفداء أسير بثلاثين ولعمارة مسجد بعشرين وثلث ماله مائة جمعت الوصايا كلها فبلغت ثلاثمائة ونسبت منها الثلث فكان

[ 436 ]

ثلثها فيعطى كل واحد منهم ثلث وصيته فلصاحب الثلث ثلث المائة وكذلك صاحب المائة ولصاحب الخمسين سدسها ولفداء الاسير عشرة ولعمارة المسجد ستة وثلثان وان كان فيها عتق ففيها روايتان (احداهما) أن الثلث يقسم بين الوصايا والعتق كما لو لم يكن فيها عتق وهذا قول ابن سيرين والشعبي وأبي ثور لانهم تساووا في سبب الاستحقاق فتساووا فيه كسائر الوصايا (والروية الثانية) يقدم العتق وما فضل منه يقسم بين سائر الوصايا على قدر وصاياهم روي ذلك عن عمر وبه قال شريح ومسروق وعطاء الخراساني وقتادة والزهري ومالك والثوري واسحاق لان فيه حقا لله وللآدمي فكان آكد ولانه لا يلحقه فسخ ويلحق غيره ولانه أقوى بدليل سرايته ونفوذ من الراهن والمفلس وروي عن الحسن والشافعي كالروايتين (فصل) والعطايا المعلقة بالمو ت كقوله إذا مت فاعطوا فلانا كذا أو اعتقوا فلانا ونحوه وصايا حكمها حكم غيرها من الوصايا في مقدمها ومؤخرها والخلاف في تقديم العتق منها لانها تلزم بالموت فتتساوى كلها.

[ 437 ]

(فصل) إذا أوصى بعتق عبده لزم الوارث اعتاقه ويجبره الحاكم عليه ان أبى لانه حق واجب عليه فأجبر عليه كتنفيذ الوصية بالعطية وان أعتقه الوارث أو الحاكم فهو حر من حين أعتقه لانه حنيئذ عتق وولاؤه للموصي لانه السبب وهؤلاء نواب عنه ولهذا لزمهم إعتاقه فان كانت الوصية بعتقه إلى غير الوارث كان الاعتاق إليه لانه نائب الموصي في اعتاقه فلم يملك ذلك غيره إذا لم يمتنع كالوكيل في الحياة: * (مسألة) * (وان أجاز الورثة الوصية جازت) لان الحق لهم وان ردوها بطلت بغير خلاف لان الحق لهم فجاز باجازتهم وبطل بردهم واجازتهم تنفيد في الصحيح من المذاهب لان ظاهر المذهب أن الوصية للوارث وللاجنبي بالزيادة على الثلث صحيحة موقوفة على اجازة الورثة فعلى هذا تكون اجازته تنفيذا واجازة محضة يكفي فيها قول الوارث أجزت أو أمضيت أو نفذت فإذا قال ذلك لزمت الوصية ولا خلاف في تسميتها اجازة فعلى هذا لا تفتقر إلى شروط الهبة ولا تثبت فيها احكام الهبة لانها ليست هبة وقال بعض اصحابنا الوصية باطلة فعلى هذا تكون هبة تفتقر إلى شروط الهبة وتثبت فيها أحكامها فلو كان المجيز أبا للمجاز له لم يكن له الرجوع

[ 438 ]

فيه إذا قلنا إنها إجازة مجردة وان قلنا هي هبة مبتدأة فله الرجوع ولو أعتق عبدا لا مال له سواه في مرضه أو وصى بعتقه فأعتقوه بوصيته نفذ العتق في ثلثه ووقف عتق باقيه على إجازة الورثة فان أجازوه عتق جميعه واختص عصبات الميت بولائه كله على قولنا بصحة اعتاقه ووصيته وكذلك لو تبرع بثلث ماله في مرضه ثم أعتق أو وصى بالاعتاق فالحكم فيه على ما ذكرنا وان قلنا الوصية باطلة والاجازة عطية مبتدأة اختص عصبات الميت بثلث ولائه وكان ثلثاه لجميع الورثة بينهم على قدر ميراثهم لانهم باشروه بالاعتاق ولو تزوج رجل ابنة عمه فاوصت له بوصية أو أعطته في مرض موتها ثم ماتت وخلفته وأباه فأجاز أبوه وصيته وعطيته ثم أراد الرجوع فليس له ذلك ان قلنا هي تنفيذ وله الرجوع ان قلنا هي هبة مبتدأة ولو وقف في مرضه على ورثته فأجازوا الوقف صح ان قلنا اجازتهم تنفيذ وان قلنا هي عطية مبتدأة انبنى على صحة وقف الانسان على نفسه على ما ذكر من الخلاف فيه (فصل) ولا فرق في الوصية بين المرض والصحة وقد روى حنبل عن أحمد أنه قال ان وصى في المرض فهو من الثلث وان كان صحيحا فله أن يوصي بما شاء قال القاضي يريد بذلك العطية أما الوصية فهي عطية بعد الموت فلا يجوز منها الا الثلث على كل حال

[ 439 ]

* (مسألة) * (ومن أوصى له وهو في الظاهر وارث فصار عند الموت غير وارث صحت الوصية، وان أوصى له وهو غير وارث فصار عند الموت وارثا بطلت لان اعتبار الوصية بالموت) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن اعتبار الوصية بالموت، فلو وصى لثلاثة اخوة له مفترقين ولا ولد له ومات ولم يولد لم تصح الوصية لغير الاخ من الاب الا باجازة الورثة، وان ولد له ابن صحت الوصية للجميع من غير اجازة إذا لم تتجاوز الثلث، وان ولد له بنت جازت الوصية لغير الاخ من الابوين فيكون لهما ثلثا الموصى به بينهما، ولا يجوز للاخ من الابوين لانه وارث، وبهذا يقول الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلاف ذلك ولو وصى لهم وله ابن فمات ابنه قبل موته لم تجز الوصية لاخيه من أبويه ولا لاخيه من أمه وجازت لاخيه من أبيه، وان مات الاخ من الابوين قبل موته لم تجز الوصية للاخ من الاب أيضا لانه صار وارثا (فصل) ولو وصى لامرأة أجنبية وأوصت له ثم تزوجها لم تجز وصيتها الا باجازة الورثة وان أوصى أحدهما للآخر ثم طلقها جازت الوصية لانه صار غير وارث الا أنه ان طلقها في مرض موته

[ 440 ]

فقياس المذهب أنها لا تعطى أكثر من ميراثها لانه يتهم أنه طلقها ليوصل إليها ماله بالوصية فلم ينفذ لها ذلك كما لو طلقها في مرض موته وأوصى لها بأكثر من ميراثها * (مسألة) * (ولا تصح اجازتهم وردهم الا بعد موت الموصي وما قبل ذلك لا عبرة به) فلو أجازوا قبل ذلك ثم ردوا أو اذنوا لموروثهم بالوصية في حياته بجميع المال أو بالوصية لبعض الورثة ثم بدا لهم فردوا بعد وفاته فلهم الرد سواء كانت الاجازة في صحة الموصي أو مرضه نص عليه احمد في رواية ابي طالب وروي ذلك عن ابن مسعود وهو قول شريح وطاوس والحكم والثوري والحسن ابن صالح والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وأبي حنيفة واصحابه وقال الحسن وعطاء وحماد بن ابي سليمان وعبد الملك بن يعلى والزهري وربيعة والاوزاعي وابن ابي ليلى ذلك جائز عليهم لان الحق للورثة فإذا رضوا بتركه سقط حقهم كما لو رضي المشتري بالعيب وقال مالك ان اذنوا له في صحته فلهم ان يرجعوا وان كان ذلك في مرضه وحين يحجب عن ماله فكذلك جائز عليهم ولنا انهم اسقطوا حقوقهم فيما لم يملكوه فلم يلزمهم كالمراة إذا اصدقت صداقها قبل النكاح أو أسقط الشفيع حقه من الشفعة قبل البيع ولانها حالة لا يصح فيها ردهم للوصية فلم تصح فيها اجازتهم كما قبل الوصية.

[ 441 ]

* (مسألة) * (ومن اجاز الوصية ثم قال انما اجزت لاني ظننت المال قليلا فالقول قوله مع يمينه وله الرجوع بما زاد على ما ظنه في اظهر الوجهين الا ان تقوم به بينة) وجملة ذلك انه إذا وصى بزيادة على الثلث فأجاز الوارث الوصية ثم قال إنما اجزتها ظنا ان المال قليل فبان كثيرا فان كانت للموصى له بينة تشهد باعترافه بقدر المال أو كان المال ظاهرا لا يخفى عليه لم يقبل قوله إذا قلنا الاجازة تنفيذ فان قلنا هي هبة مبتدأة فله الرجوع فيما يجوز الرجوع في الهبة في مثله وان لم تشهد بينة باعترافه ولم يكن المال ظاهرا فالقول قوله مع يمينه لان الاجازة تنزلت منزلة الابراء فلا تصح في المجهول فالقول قوله في الجهل به مع يمينه لان الاصل عدم العلم فإذا وصى بنصف ماله فأجازه الوارث وكان المال ستة آلاف فقال ظننته ثلاثة آلاف فله الرجوع بخمسائة لانه رضي باجازة الوصية على أن الزائد على الثلث خمسمائة فكانت الفا فيرجع بخمسائة فيحصل للموصى له الفان وخمسمائة

[ 442 ]

وفيه وجه آخر أنه لا يقبل قوله لانه أجاز عقدا له الخيار في فسخه فبطل خياره كما لو اجاز البيع من له الخيار في فسخه بعيب أو خيار أو أقر بدين ثم قال غلطت * (مسألة) * (وان كان المجاز عينا أو فرسا يزيد على الثلث فأجاز الوصية بها ثم قال ظننت باقي المال كثيرا تخرج الوصية من ثلثه فبان قليلا أو ظهر عليه دين لم اعلمه تبطلل الوصية) لان العبد معلوم لا جهالة فيه، وفيه وجه آخر انه يملك الفسخ لانه قد يسمح بذلك ظنا منه ان يبقى له من المال ما يكفيه فإذا بان خلاف ذلك لحقه الضرر في الاجازة فملك الرجوع كالمسألة التي قبلها (فصل) ولا تصح الاجازة إلا من جائز التصرف ولا تصح من الصبي والمجنون والمحجور عليه للسفه لانها تبرع بالمال فلم تصح منهم كالهبة، فأما المحجور عليه لفلس فتصح منه ان قلنا هي تنفيذ وإن قلنا هي هبة لم تصح منه لانه ليس له هبة ماله * (مسألة) * (ولا يثبت الملك للموصى له إلا بالقبول بعد الموت فأما رده وقبوله قبل ذلك فلا عبرة به) يشترط لثبوت الملك للموصى له شرطان (احدهما) القبول إذا كانت لمعين يمكن القبول منه في قول جمهور الفقهاء لانها تمليك مال لمن هو من اهل الملك متعين فاعتبر قبوله كالهبة والبيع قال احمد الهبة

[ 443 ]

والوصية واحد فان كانت لغير معنى كالفقراء والمساكين أو لمن لا يمكن حصرهم كبني تميم أو على مصلحة كمسجد أو حج لم يفتقر إلى قبول ولزمت بمجرد الموت لان اعتبار القول من جميعهم متعذر فسقط اعتباره كالوقف عليهم ولا يتعين واحد منهم فيكتفى بقبوله ولذلك لو كان منهم ذو رحم من الموصى به مثل أن يوصي بعبد للفقراء وأبوه فقير لم يعتق عليه ولان الملك لا يثبت للموصى لهم بدليل ما ذكرنا من المسألة وإنما يثبت لك واحد منهم بالقبض فيقوم قبضه مقام قبوله أما الآدمي المعين فيثبت له الملك فعيتبر قبوله لكن لا يتعين القبول باللفظ بل يحصل بما قام مقامه من الاخذ والفعل الدال على الرضى كقولنا في الهبة والبيع ويجوز القبول على الفور والتراخى (الثاني) أن يقبل بعد موت الموصي لانه قبل ذلك لم يثبت له حق ولذلك لم يصح رده * (مسألة) * (وان مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية) هذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وربيعة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال الحسن تكون لولد الموصى له وقال عطاء إذا علم المريض بموت الموصى له ولم يحدث فيما أوصى به شيئا فهو لوارث الموصى له لانه مات بعد عقد الوصية فيقوم الوارث مقامه كما لو مات بعد موت الموصي وقبل القبول

[ 444 ]

ولنا أنها عطية صادقت المعطى ميتا فلم تصح كما لو وهب ميتا وذلك لان الوصية عطية بعد الموت وإذا مات قبل القبول بطلت الوصية أيضا وان سلمنا صحتها فان العطية صادفت حيا بخلاف مسئلتنا. * (مسألة) * (وان ردها بعد موته بطلت أيضا) لا يخلو رد الوصية من أربعة أحوال (احدها) أن يردها قبل موت الموصي فلا يصح الرد لان الوصية لم تقع بعد أشبه رد المبيع قبل إيجاب البيع ولانه ليس بمحل للقبول فلا يكون محلا للرد كما قبل الوصية (الثاني) أن يردها بعد الموت وقبل القبول فيصح الرد وتبطل الوصية لا نعلم فيه خلافا لانه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه فأشبه عفو الشفيع عن الشفعة بعد البيع (الثالث) أن يرد بعد القبول والقبض فلا يصح الرد لان ملكه قد استقر عليه فاشبه رده لسائر ملكه الا أن يرضى الورثة بذلك فتكون هبة منه لهم تفتقر إلى شروط الهبة (الرابع) أن يرد بعد القبول وقبل القبض فينظر فان كان الموصى به مكيلا أو موزونا صح الرد لانه لا يستقر ملكه عليه قبل قبضه فأشبه رده قبل القبول وان كان غير ذلك لم يصح لان ملكه قد استقر عليه فهو كالمقبوض ويحتمل أن يصح الرد بناء على أن القبض معتبر فيه، ولاصحاب الشافعي في هذه الحال وجهان

[ 445 ]

(أحدهما) يصح الرد في الجميع فلا فرق بين المكيل والموزون وغيرهما وهو المنصوص عن الشافعي لانهم لما ملكوا الرد من غير قبول ملكوا الرد من غير قبض ولان ملك الوصي لم يستقر عليه قبل القبض فصح رده كما قبل القبول (والثاني) لا يصح الرد لان الملك يحصل بالقول من غير قبض (فصل) وكل موضع صح الرد فيه فان الوصية تبطل بالرد ويرجع الموصى به إلى التركة فيكون الجميع للوارث لان الاصل ثبوت الحق لهم وإنما خرج بالوصية فإذا بطلت رجع إلى ما كأن عليه كان الوصية لم توجد ولو عين بالرد واحدا فقصد تخصيصه بالمردود لم يكن له ذلك وكان لجميعهم لان رده امتناع من تملكه فبقي على ما كان عليه ولانه لا يملك دفعه إلى أجنبي فلم يملك دفعه إلى وار ث يخصه به. وكل موضع امتنع الرد لاستقرار ملكه عليه فله أن يخص به بعض الورثة لانه ابتداء هبة ولانه يملك دفعه إلى أجنبي فملك دفعه إلى الوراث فلو قال رددت هذه الوصية لفلان قيل له ما أرددت بقولك لفلان؟ فان قال أردت تمليكه إياها وتخصيصه بها فقبلها اختص بها وان قال أردت ردها إلى جميعهم ليرضى فلان عادت إلى الجميع إنما قبلوها فان قبلها بعضهم دون بعض فمن قبل حصته منها (فصل) ويحصل الرد بقوله رددت الوصية وقوله ما أقبلها وما أدى هذا المعنى قال أحمد إذا

[ 446 ]

وصى لرجل بألف فقال لا أقبلها فهي لورثة الموصى له * (مسألة) * (وان مات بعده وقبل الرد والقبول قام وارثه مقامه ذكره الخرقي وقال القاضي يبطل على قياس قوله) إذا مات الموصى له بعد موت الموصي وقبل الرد والقبول قام وارثه مقامه في القبول والرد كذلك ذكره الخرقي لانه حق يثبت للموروث فثبت للوارث بعد موته لقوله عليه الصلاة والسلام " من ترك حقا فلورثته " وكخيار الرد بالعيب وقال أبو عبد الله بن حامد تبطل الوصية لانه عقد يفتقر إلى القبول فإذا مات من له القبول قبل القبول بطل العقد كالهبة قال القاضي هو قياس المذهب لانه خيار لا يعتاض عنه فبطل كخيار المجلس والشرط وخيار الاخذ بالشفعة، وقال أصحاب الرأي تلزم الوصية في حق الوارث وتدخل في ملكه حكما بغير قبول لان الوصية قد لزمت من جهة الموصي وانما الخيار للموصى له فإذا مات بطل خياره ودخل في ملكه كما لو اشترى شيئا على أن الخيار له فمات بعد انقضائه ولنا على ان الوصية لا تبطل بموت الوصي أنها عقد لازم من أحد الطرفين فلم يبطل بموت من له الخيار كعقد الرهن والبيع إذا شرط فيه الخيار لاحدهما ولانه عقد لا يبطل بموت الموجب له فلا يبطل

[ 447 ]

يموت الآخر كالذي ذكرنا، ويفارق الهبة والبيع قبل القبول من الوجهين الذين ذكرناهما وهو أنه جائز من الطرفين ويبطل بموت الموجب له ولا يصح قياسه على الخيارات لان ثم يبطل الخيار ويلزم العقد فنظيره في مسئلتنا قول أصحاب الرأي ولنا على إبطال قولهم أنه عقد يفتقر إلى قبول التملك فلم يلزم قبل القبول كالبيع والهبة إذا ثبت هذا فان الوراث يقوم مقام الموصي له في الرد والقبول لان كل حق مات عنه المستحق فلم يبطل بالموت قام الوارث فيه مقامه فان رد الوارث الوصية بطلت وان قبلها صحت وان كان الوراث جماعة اعتبر القبول والرد من جميعهم فان رد بعضهم وقبل بعض ثبت الملك لمن قبل في حصته وبطلت الوصية في حق من رد فان كان منهم من ليس له التصرف قام وليه مقامه في ذلك وليس له أن يفعل إلا ما للمولي عليه فيه الحظ فان فعل غيره لم يصح، فإذا كان الحظ في قبولها لم يصح الرد وكان له قبولها بعد ذلك وان كان الحظ في ردها لم يصح قبوله لها لان الولي لا يملك التصرف في حق المولي عليه بغير ماله الحظ فيه فلو وصى لصبي بذي رحم يعتق بمكله له وكان على الصبي ضرر في ذلك بان تلزمه نفقة الموصي به لكونه فقيرا لا كسب له والمولي عليه موسر لم يكن له قبول الوصية وان لم يكن عليه ضرر لكون

[ 448 ]

الموصى به ذا كسب أو لكون المولي عليه فقيرا لا تلزمه نفقته تعين القبول لان في ذلك نفعا للمولي عليه لعتق قرابته من غير ضرر يعود عليه فتعين ذلك والله أعلم * (مسألة) * (وان قبلها بعد الموت ثبت الملك حين القبول في الصحيح من المذهب) وهو قول مالك وأهل العراق وروي عن الشافعي وفيه وجه آخر ذكره أبو الخطاب أنه إذا قبل تبينا أن الملك ثبت حين موت الموصي وهو ظاهر مذهب الشافعي لان ما وجب انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب عند الايجاب كالهبة والبيع ولانه لا يجوز أن يثبت الملك فيه للوارث لان الله تعالى قال (من بعد وصية يوصي بها أو دين) والارث بعد الوصية ولا يبقى للميت لانه صار جمادا لا يملك شيئا وللشافعي قول ثالث غير مشهور ان الوصية تملك بالموت ويحكم بذلك قبل القبول لما ذكرنا ولنا أنه تمليك عين لمعين يفتقر إلى القبول فلم يسبق الملك القبول كسائر العقود ولان القبول من تمام السبب والحكم لا يتقدم سببه ولان القبول لا يخلو من أن يكون شرطا أو جزءا من السبب والحكم لا يتقدم سببه ولا شرطه ولان الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل، فان قيل فلو قال لامرأته انت طالق قبل موتي بشهر ثم مات تبينا وقوع الطلاق قبل موته بشهر، قلنا ليس هذا شرطا في وقوع الطلاق وانما نتبين الوقت الذي يقع فيه الطلاق ولو قال إذا مت فأنت طالق قبله

[ 449 ]

بشهر لم يصح، وأما انتقاله من جهة الموجب في سائر العقود فانه لا ينتقل الا بعد القبول فهو كمسئلتنا غير ان ما بين الايجاب والقبول ثم يسير لا يظهر له أثر بخلاف مسئلتنا، قولهم ان الملك لا يثبت للوارث ممنوع فان الملك ينتقل إلى الوراث بحكم الاصل الا أن يمنع منه مانع فأما قول الله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين) قلنا المراد به الوصية المقبولة بدليل أنه لو لم يقبل لكان ملكا للوارث وقبل قبولها فليست مقبولة ويحتمل أن يكون المراد بقوله (فلكم الربع من بعد وصية يوصى بها) أي لكم ذلك مستقر ولا يمنع هذا ثبوت الملك غير مستقر ولهذا لا يمنع الدين ثبوت الملك في التركة وهو آكد من الوصية وان سلمنا أن الملك لا يبقى للوارث فانه يبقى ملكا للميت كما إذا كان عليه دين، وقولهم لا يبقى له ملك ممنوع فانه يبقى ملكه فيما يحتاج إليه من مؤنة تجهيزه ودفنه وقضاء ديونه ويجوز أن يتجدد له ملك في ديته إذا قتل وفيما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته بحيث تقضى ديونه وننفذ وصاياه ويجهز ان كان قبل تجهيزه فهذا يبقى على ملكه لتعذر انتقاله إلى الوارث من أجل الوصية وامتناع انتقاله إلى الوصي قبل تمام السبب فان رد الموصي له أو قبل انتقل حينئذ فان قلنا بالاول وانه ينتقل إلى الوارث فانه يثبت له الملك على وجه لا يفيد اباحة التصرف كثبوته في العين المرهونة

[ 450 ]

فلو باع الموصى به أو رهنه أو أعتقه أو تصرف بغير ذلك لم ينفذ شئ من تصرفاته ولو كان الوارث ابنا للموصي به مثل أن تملك امرأة زوجها الذي لها منه ابن فتوصي به لاجنبي فإذا ماتت انتقل الملك فيه إلى ابنه حين القبول ولا يعتق عليه * (مسألة) * (فما حصل من كسب أو نماء منفصل في الموصى به بعد موت الموصي وقبل القبول كالولد والثمرة والكسب فهو للورثة على الوجه الاول) لانه ملكهم فان كان متصلا تبعها لانه يتبع في العقود والفسوخ * (مسألة) * (وان كانت الوصية بأمة فوطئها الوراث قبل القبول فأولدها صارت أم ولد له وولدها حر لانه وطئها في ملكه) وعليه قيمتها للوصي إذا قبلها لانه فوتها عليه ولا مهر عليه ولا تلزمه قيمة الولد لذلك، فان قيل فكيف قضيتم بعتقها ههنا وهي لا تعتق باعتاقه؟ قلنا الاستيلاد أقوى ولذلك يصح من المجنون والراهن والاب والشريك المعسر وان لم ينفذ اعتاقهم، وعلى الوجه الآخر يكون ولده رقيقا والامة باقية على الرق فان وطئها الموصى له قبل ذلك كان قبولا لها ويثبت الملك له به لانه لا يجوز الا في الملك

[ 451 ]

فاقدامه عليه دليل على اختياره الملك فأشبه ما لو وطئ من له الرجعة زوجته الرجعية أو وطئ من له الخيار في البيع الامة المبيعة أو وطئ من له خيار فسخ النكاح امرأته * (مسألة) * (وان وصى له بزوجته فأولدها بعد موت الموصي وقبل القبول فولده رقيق للوارث) وعلى الوجه الاخر يكون حر الاصل ولا ولاء عليه وأمه أم ولد لانها علقت منه بحر في ملكه * (مسألة) * (وان وصى له بأبيه فمات قبل القبول فقبل ابنه عتق الموصى به ولم يرث شيئا) وجملة ذلك أنه إذا وصى له بأبيه فمات الموصى له بعد موت الموصي وقبل الرد والقبول فلوارثه قبولها على قول الخرقي وهو الصحيح ان شاء الله تعالى فان قبلها ابنه صح وعتق عليه الجد ولم يرث من ابنه شيئا لان حريته إنما حدثت حين القبول بعد ان صار الميراث لغيره وعلى الوجه الآخر نثبت حريته من حين موت الموصي ويرث من ابنه السدس وقال بعض أصحاب الشافعي لا يرث ايضا لانه لو ورث لاعتبر قبوله ولا يجوز اعتبار قبوله قبل الحكم بحريته وإذا لم يجز اعتباره لم يعتق فيؤدي توريثه إلى ابطال توريثه وهذا فاسد فانه لو أقر جميع الورثة بمشارك لهم في الميراث ثبت نسبه وورث مع أنه يخرج المقرون به عن كونهم جميع الورثة ومن

[ 452 ]

فروع ذلك أنه لو مات الموصى له فقبل وارثه لثبت الملك للوارث القابل ابتداء من جهة الموصي لا من جهة موروثه ولم يثبت للموصى له شئ فحينئذ لا تقضى ديونه ولا ننفذ وصاياه ولا يعتق من يعتق عليه فان كان منهم من يعتق على الوراث عتق عليه وكان ولاؤه له دون الموصى له وعلى الوجه الاخر نتبين أن الملك كان ثابتا للموصى له وان انتقل منه إلى وارثه فتنعكس هذه الاحكام فتقضى ديونه وننفذ وصاياه ويعتق من يعتق عليه وله ولاؤه يختص به الذكور من ورثته ويحتمل أن يثبت الملك من حين الموت فتنعكس هذه الاحكام وقد ذكرناه (فصل) وتصح الوصية مطلقة ومقيدة فالمطلقة أن يقول ان مت فثلثي للمساكين أو لزيد والمقيدة أن يقول ان مت في مرضي هذا أو في هذه البلدة أو في سفري هذا فثلثي للمساكين فان برأ من مرضه أو قدم من سفره أو خرج من البلدة ثم مات بطلت الوصية المقيدة دون المطلقة قال أحمد فيمن وصى وصية ان مات من مرضه هذا أو من سفره هذا ولم يغير وصيته ثم مات بعد ذلك فليس له وصية وبهذا قال الحسن والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك ان قال قولا ولم يكتب كتابا فهو كذلك وان كتب كتابا ثم صح من مرضه وأقر الكتاب فالوصية بحالها ما لم ينقضها.

[ 453 ]

ولنا أنها وصية بشرط لم يوجد شرطها فبطلت كما لو لم يكتب كتابا أو كما لو وصى لقوم فماتوا قبله ولانه قيد وصيته بقيد فلا تتعداه كما ذكرناه وان قال لاحد عبديه أنت حر بعد موتي وقال للآخر أنت حر ان مت من مرضي هذا فمات من مرضه فالعبدان سواء في التدبير وان برأ من مرضه ذلك بطل تدبير المقيد وبقي تدبير المطلق بحاله، ولو وصى لرجل بثلثه وقال ان مت قبلي فهو لعمرو صحت وصيته على حسب ما شرطه وكذلك سائر الشروط فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " المسلمون على شروطهم " (فصل) قال رضي الله عنه (ويجوز الرجوع في الوصية) اتفق أهل العلم على أن للموصي أن يرجع في كل ما وصى به وفي بعضه الا الوصية بالاعتاق فقد اختلف فيها فالاكثرن على جواز الرجوع فيها ايضا روي ذلك عن عمر رضي الله عنه أنه قال يغير الرجل ما شاء من وصيته وبه قال عطاء وجابر بن زيد والزهري وقنادة ومالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور وقال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي يغير ما شاء منها الا العتق لانه اعتاق بعد الموت فلم يملك تغييره كالتدبير

[ 454 ]

ولنا أنها وصية فملك الرجوع عنها ولانها عطية تنجز بالموت فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها كهبة ما يفتقر إلى القبض قبل قبضه، وأما التدبير فلنا فيه منع وان سلم فان الوصية تفارق التدبير فانه تعليق على شرط فلم يملك تغييره كتعليته على صفة في الحياة * (مسألة) * (فإذا قال قدر رجعت في وصيتى أو أبطلتها أو نحو ذلك كقوله غيرتها بطلت) لانه صريح في الرجوع وان قال في الموصى به هو لورثتي أو في ميراثي فهو رجوع لان ذلك ينافي كونه وصية * (مسألة) * (وان قال ما أوصيت به لفلان فهو لفلان كان رجوعا) وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا لانه صرح بالرجوع عن الاول بذكره أن ما أوصى به مردود إلى الثاني أشبه ما لو قال رجعت عن وصيتي لفلان وأوصيت بها لفلان * (مسألة) * (وان وصى به لاخر ولم يقل ذلك فهو بينهما) إذا وصى لانسان بمعين من ماله ثم وصى به لآخر أو وصى لرجل بثلثه ثم وصى لآخر بثلثه أو وصى بجميع ماله لرجل ثم وصى به لآخر فهو بينهما وليس ذلك رجوعا

[ 455 ]

في الوصية الاولى وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي وقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وطاوس وداود وصيته للاخير منهما لانه وصى للثاني بما وصى به للاول فكان رجوعا كما لو قال ما وصيت به لفلان فهو لفلان ولان الثانية تنافي الاولى فإذا أتى بها كان رجوعا كما لو قال هذا لورثتي ولنا انه وصى بها لهما فاستويا فيها كما لو قال وصيت لكما بهذه العين وما قاسوا عليه صرح فيه بالرجوع عن وصيته للاول وفي مسئلتنا يحتمل انه قصد التشريك فلم تبطل وصية الآخر بالشك (فصل) إذا وصى بعبد لرجل ثم وصى لآخر بثلثه فهو بينهما أرباعا وعلى قول الآخرين ينبغي ان يكون للثاني ثلثه كاملا وان وصى بعبده لاثنين فرد احدهما وصيته فللآخر نصفه وان وصى لاثنين بثلثي ماله فرد الورثة ذلك ورد احد الوصيين وصيته فللآخر الثلث كاملا لانه وصى له به منفردا وزالت المزاحمة فكمل له كما لو انفرد به (فصل) إذا أقر الوارث أن اباه وصى بالثلث لرجل وأقام آخر شاهدين أنه أوصى له بالثلث، فرد الوارث الوصيين وكان الوارث رجلا عدلا وشهد بالوصية حلف معه الموصى له واشتركا في

[ 456 ]

الثلث، وبهذا قال أبو ثور، وهو قياس قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي لا يشاركه المقر له بناء منهم على أن الشاهد واليمين ليس بحجة شرعية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين رواه مسلم، وان كان المقر ليس بعدل أو كان امرأة فالثلث لمن شهدت له البينة، لان وصيته ثابتة ولم تثبت وصية الآخر وإن لم يكن لواحد منهما بينة فأقر الوراث أنه أقر لفلان بالثلث أو بهذا العبد، أو أقر لآخر به بكلام متصل فالمقر به بينهما، وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا وإن أقر به لواحد ثم أقر به لآخر في مجلس آخر لم يقبل إقراره لانه ثبت للاول باقراره فلا يقبل قوله فيما ينقص به حق الاول إلا أن يكون عدلا فيشهد بذلك ويحلف معه المقر له فيشاركه كما لو ثبت للاول ببينة، وان أقر للثاني في المجلس بكلام منفصل ففيه وجهان (أحدهما) لا يقبل لان حق الاول ثبت في الجميع فأشبه ما لو أقر له في مجلس آخر (والثاني) يقبل لان المجلس الواحد كالحال الواحدة. * (مسألة) * (وإن باعه أو وهبه أو رهنه كان رجوعا) إذا وهب الموصى به أو تصدق به أو أكله أو أطعمه أو أتلفه أو كان ثوبا ففصله ولبسه

[ 457 ]

أو جارية فأحبلها أو ما أشبه ذلك فهو رجوع. قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أنه إذا أوصى لرجل بطعام فأكله أو بشئ فأتلفه أو وهبه أو تصدق به أو بجارية فأحبلها أو أولدها فانه يكون رجوعا، وكذلك ان باعها، وحكي عن أصحاب الرأي أن بيعه ليس برجوع لانه أخذ بدله بخلاف الهبة. ولنا أنه أزال ملكه عنه، فكان رجوعا كما لو وهبه وان عرضه على البيع أو وصى ببيعه أو أوجب الهبة فلم يقبلها الموهوب له كان رجوعا لانه يدل على اختياره للرجوع ووصيته ببيعه أو اعتاقه رجوع لكونه وصي بما ينافي الوصية الاولى وان رهنه كان رجوعا لانه علق به حقا يجوز بيعه، فكان أعظم من عرضه على البيع، وفيه وجه آخر أنه ليس برجوع، وهو وجه لاصحاب الشافعي لانه لا يزيل الملك أشبه اجارته * (مسألة) * (وان كاتبه أو دبره أو جحد الوصيه فعلى وجهين) (أحدهما) يكون رجوعا لان الكتابة بيع والتدبير اقوى من الوصية لانه ينتجز بالموت فسبق أخذ الموصى له وجحد الوصية رجوع لانه لا يدل على الرجوع ولان جحده يدل على أنه لا يريد ايصاله إلى الموصى له.

[ 458 ]

و (الثاني) لا يكون رجوعا لآل الكتابة والتدبير لا يخرج بهما عن ملكه ولان الوصية عقد فلا تبطل بالجحود كسائر العقود وهو رواية عن أبي حنيفة. * (مسألة) * (وإن خلطه بغيره على وجه لا يتميز منه كان رجوعا) لانه يتعذر تسليمه فيدل على رجوعه، وان خلطه بما يتميز منه لم يكن رجوعا، لانه لا يمنع التسليم وان أزال اسمه فطحن الحنطة أو عجن الدقيق أو خبز الحنطة أو جعل الخبز فتيتا فهو رجوع لانه أزال اسمه وذكره القاضي لانه أزال اسمه وعرضه للاستعمال، وذلك دليل على رجوعه وبهذا قال الشافعي، وعلى قياس ذلك إذا نجر الخشبة بابا ونحوه لانه أزال اسمه فهو في معناه، وان كان قطنا أو كتانا فغزله، أو غزلا فنسجه، أو ثوبا فقطعه، أو بقرة فضربها، أو شاة فذبحها كان رجوعا، وبه قال أصحاب الرأي والشافعي في ظاهر مذهبه، واختار أبو الخطاب أنه ليس برجوع وهو قول أبو ثور لانه لا يزيل اسمه ولنا أنه عرضه للاستعمال فكان رجوعا لان فعله يدل على الرجوع، وقولهم انه لا يزيل اسمه لا يصح فان الثوب لا يسمى غزلا، والغزل لا يسمى كتانا. (فصل) وان حدث بالموصى به ما يزيل اسمه من فعل الموصي مثل ان سقط الحب في الارض

[ 459 ]

فصار زرعا أو انهدمت الدار فصارت فضاء في حياة الموصي بطلت الوصية بها لان الباقي لا يتناوله الاسم وهو اختيار القاضي وذكر أبو الخطاب في الدار إذا انهدمت وزال اسمها وجها أنه لا يكون رجوعا لان الموصي لم يقصد ذلك والاول أولى وان كان انهدام الدار لا يزيل اسمها سلمت إليه. * (مسألة) * (وان زاد في الدار عمارة أو انهدام بعضها فهل يستحقه الموصى له؟ على وجهين: (أحدهما): لا يستحقه لان الزيادة لم تتناولها الوصية والانقاض لا تدخل في مسمى الدار وانما يتبع الدار في الوصية وما يتبعها في البيع. و (الوجه الآخر): يدخلان في الوصية لان الزيادة تابعة للموصى به فأشبه سمن العبد وتعليمه والمنهدم قد دخل في الوصية فتبقى الوصية ببقائه. * (مسألة) * (وان وصى له بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بأخرى لم يكن رجوعا سواء خلطها بمثلها أو خير منها أو دونها لانه كان مشاعا وبقي مشاعا وقيل ان خلطه بخير منه كان رجوعا لانه لا يمكنه تسليم الموصى به الا بتسليم خير منه ولا يجب على الوارث تسليم خير منه فصار متعذر التسليم بخلاف ما إذا خلطه بمثله أو دونه. (فصل) نقل الحسن بن ثواب عن احمد في رجل قال هذا ثلثي لفلان ويعطي فلان منه مائة

[ 460 ]

في كل شهر إلى ان يموت فهو للاخر منهما ويعطى هذا مائة في كل شهر فان مات وفضل شئ رد إلى صاحب الثلث فحكم بصحة الوصية وانفاذها على ما امر به الموصى. * (مسألة) * (وان وصى لرجل بشئ ثم قال ان قدم فلان فهو له، فقدم في حياة الموصي فهو له لانه جعله له بشرط قدومه وقد وجد الشرط، وان قدم بعد موت الموصي فهو للاول في احد الوجهين، لانه لما مات قبل قدومه انتقل إلي الاول لعدم الشرط في الثاني وقدم وقدم الثاني بعد ملك الاول له وانقطاع حق الموصي منه فيبقى للاول، ذكره القاضي، وفي الوجه الثاني هو للقادم لانه مشروط له بقدومه فأشبه ما لو قال ان حملت نخلتي بعد موتي فهو لفلان، فحملت بعد موته فانه يستحق حملها، بعد ملك الورثة لاصلها. (فصل) إذا اوصى بأمة لزوجها الحر فقبلها انفسخ النكاح، لان النكاح لا يجتمع مع ملك اليمين وظاهر المذهب ان الموصى له انما ملك الموصى به بالقبول فحينئذ ينفسخ النكاح، وفيه وجه آخر انه إذا قبل تبينا ان الملك كان ثابتا من حين موت الموصي فتبين ان النكاح انفسخ من حين موت الموصي فان اتت بولد لم يخل من ثلاثة احوال.

[ 461 ]

(احدها) ان تكون حاملا حين الوصية ويعمل ذلك بأن تأتي به لاقل من ستة اشهر منذ اوصى فالصحيح انه يكون موصى به معها لان للحمل حكما ولهذا تصح الوصية به وله وإذا صحت الوصية به منفردا صحت به مع امه فيصير كما لو كان منفصلا فأوصى بهما جميعا وفيه آخر لا حكم للحمل فلا يدخل في الوصية وانما يثبت له الحكم عند انفصاله كأنه حدث حينئذ فعلى هذا ان انفصل في حياة الموصي فهو كسائر كسبها، وإن انفصل بعد موته وقبل القبول فهو للورثة على ظاهر المذهب وان انفصل بعده فهو للموصي. (الحال الثاني) ان تحمل به بعد الوصية ويعلم ذلك بأن تضعه بعد ستة اشهر من حين اوصى لانها ولدته لمدة الحمل بعد الوصية فيحتمل انها حملته بعدها فلم تتناوله والاصل عدم الحمل حال الوصية فلا نثبته بالشك فيكون مملوكا للموصي ان ولدته في حياته وإن ولدته بعده وقلنا للحمل حكم فكذلك وان قلنا لا حكم له فهو للورثة ان ولدته قبل القبول ولابيه ان ولدته بعده وكل موضع كان الولد للموصى له فانه يعتق عليه بأنه ابنه وعليه ولاء لابيه لانه عتق عليه بالقرابة وامه امة ينفسخ نكاحها بالملك ولا تصير ام ولد لانها لم تعلق منه بحر في ملكه

[ 462 ]

(الحال الثالث) ان تحمل بعد موت الموصي وقبل القبول ويعلم ذلك بأن تضعه لاكثر من ستة اشهر من حين الموت فان وضعته قبل القبول فهو للوارث في ظاهر المذهب لان الملك انما يثبت للموصى له بعد القبول وعلى الوجه الآخر يكون للموصى له، وان وضعته بعد القبول فكذلك لان الظاهر ان للحمل حكما فيكون حادثا على ملك الوارث وعلى الوجه الآخر يكون للموصى له فعلى هذا يكون حرا لا ولاء عليه لانها ام ولد لكونها علقت منه بحر في ملكه فهو كما لو حملت به بعد القبول ومذهب الشافعي في هذا الفصل قريب مما قلناه، وقال أبو حنيفة إذا وضعته بعد موت الموصي دخل في الوصية بكل حال لانها تستقر بالموت وتلزم فوجب ان تسرى إلى الولد كالاستيلاد ولنا انها زيادة منفصلة حادثة بعد عقد الوصية فلا تدخل فيها كالكسب وكما لو وصى بعتق جارية فولدت ويفارق الاستيلاد لان له تغليبا وسراية وهذا التفريع فيما إذا خرجت من الثلث وان لم تخرج من الثلث ملك منها بقدر الثلث وانفسخ النكاح لان ملك بعضها يفسخ النكاح كملك جميعها وكل موضع يكون الولد لابيه فان يكون له منه ههنا بقدر ما ملك من أمه ويسري العتق إلى باقيه إن كان موسرا وان كان معسرا فقد عتق منه ما ملك وحده وكل موضع قلنا تكون أم ولد فانها تصير أم ولد ههنا

[ 463 ]

سواء كان موسرا أو معسرا على قول الخرقي كما إذا استولد الامة المشتركة وقال القاضي يصير منها أم ولد بقدر ما ملك منها وهذا مذهب الشافعي والله أعلم (فصل) قال رضي الله عنه (وتخرج الواجبات من رأس المال أوصى بها أو لم يوص كقضاء الدين والحج والزكاة) لان حق الورثة بعد أداء الدين لقوله سبحانه (من بعد وصيه يوصي بها أو دين) وقال علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية رواه الترمذي والواجب لحق الله سبحانه بمنزلة الدين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " دين الله أحق أن يقضى " فان وصى معها بتبرع اعتبر الثلث من الباقي فيخرج الواجب أولا من رأس المال ثم يخرج ثلث الباقي كمن تكون تركته أربعين فيوصي بثلث ماله وعليه دين عشرة فتخرج العشرة أولا وتدفع إلى الموصى له بالثلث عشرة وهي ثلث الباقي بعد الدين * (مسألة) * (وان قال اخرجوا الواجب من ثلثي أخرج من الثلث وتمم من رأس المال على ما قال الموصي كأنه قصد إرفاق ورثته بذلك فان كان معها وصية بتبرع فقال القاضي يبدأ بالواجب فان فضل عنه من الثلث شئ فهو لصاحب التبرع وإن لم يفضل منه شئ سقط وذلك لان الدين تجب

[ 464 ]

البداءة به قبل الميراث والتبرع فإذا عينه في الثلث وجب البداية به وما فضل للتبرع فان لم يفضل شئ سقط لانه لم يوص له بشئ إلا أن يجيز الورثة فيعطى ما أوصي له به وقال أبو الخطاب يزاحم به أصحاب الوصايا فيحتمل ما قاله القاضي ويحتمل أن يقسم الثلث بين الواجب والتبرع بالحصة فما بقي من الواجب تمم من الثلثين فيدخله الدور ويحتاج إلى العمل بطريق الخبر فلو كان المال ثلاثين فالواجب عشرة والوصية عشرة فاجعل تتمة الواجب شيئا يبقى ثلاثون إلا شيئا فثلثه عشرة إلا ثلث شئ اقسمها بين الواجب والتبرع يحصل للواجب خمسة إلا سدس شئ فإذا أضفت إليها الشئ الذي هو تتمة الواجب كان عشرة فاجبر الخمسة من الشئ بسدسه يبقى خمسة أسداس شئ تعدل خمسة فتبين ان الشئ ستة وللوصي الآجر وهو صاحب التبرع أربعة (فصل) فان كان عليه دين خمسة أيضا عزلت تتمة الواجب شئ وتتمة الدين نصف شئ بقي ثلث المال عشرة الا نصف شئ فاقسمه بين الوصايا فيحصل للواجب أربعة الا خمس شئ اضمم إليها تتمته يصير شيئا وأربعة الا خمس شئ تصير عشرة وبعد الجبر تصير أربعة أخماس تعدل ستة فرد على الستة ربعها تكن سبعة ونصفها تعدل شيئا فالشئ سبعة ونصف ونصف الشئ ثلاثة ونصف وربع

[ 465 ]

وبقية المال ثمانية عشر وثلاثة أرباع ثلثها ستة وربع للدين خمسها أحد وربع إذا ضمت إليه تتمته كمل خمسة وللواجب اثنان ونصف يكمل بتتمته وللصدقة اثنان ونصف، وفي عملها طريق آخر وهو أن يقسم الثلث بكماله بين الوصايا بالقسط ثم ما بقي من الواجب أخذته من الورثة وصاحب التبرع بالقسط ففي المسألة الاولى يحصل للواجب خمسة يبقى له خمسة يأخذ من صاحب التبرع دينارا ومن الورثة أربعة وفي المسألة الثانية حصل للواجب أربعة وبقي له ستة وحصل للدين دينار وبقي له ثلاثة فيأخذان ما بقي لهما وذلك تسعة من الورثة نصفها وثلثها وذلك سبعة ونصف ومن صاحب التبرع سدسها دينار ونصفها للواجب منها ثلثاها وللدين ثلثها فان اوصى بالواجب واطلق فهو من راس المال فيبدا باخراجه قبل التبرعات والميراث فان كانت وصية ثم بتبرع فلصاحبها ثلث الباقي وهذا قول اكثر اصحاب الشافعي وذهب بعضهم إلى ان الواجب من الثلث كالقسم الذي قبله لانه إنما يملك الوصية بالثلث. ولنا ان الواجب من راس المال وليس في وصيته ما يقتضي تغييره فيبقى على ما كان عليه كما لو لم يوص به وقولهم لا يملك الوصية إلا بالثلث قلنا في التبرع واما في الواجبات فلا ينحصر في الئلث

[ 466 ]

ولا يتقيد به فان اوصى بالواجب وقرن به الوصية بتبرع مثل ان يقول حجوا عني وأدوا ديني وتصدقوا عني ففيه وجهان (اصحهما) ان الواجب من راس المال لان الاقتران في اللفظ لا يدل على الاقتران في الحكم ولا في كيفيته ولذلك قال الله تعالى (كلوا من ثمره إذا اثمر وآتو حقه يوم حصاده) والاكل لا يجب والايتاء يجب ولانه ههنا قد عطف غير الواجب عليه فكما لم يستويا في الوجوب لا يلزم استواءهما في محل الاخراج (والثاني) انه من الثلث لانه قرن به ما مخرجه من الثلث والله سبحانه وتعالى اعلم. (باب الموصى له) تصح الوصية لكل من يصح تمليكه من مسلم وذمي وحربي ومرتد، أما صحة الوصية للمسلم والذمي فلا نعلم فيه خلافا وبه قال شريح والشعبي والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي قال محمد بن الحنفية في قوله تعالى (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) هو وصية المسلم لليهودي والنصراني ولان الهبة تصح له فصحت الوصية كالمسلم وتصح وصية الذمي للمسلم لانه إذا صحت وصية المسلم للذمي

[ 467 ]

فوصية الذمي للمسلم أولى وحكم وصية الذمي حكم وصية المسلم فيما ذكرنا، وتصح الوصية للحربي وان كان في دار الحرب نص عليه أحمد وبه قال مالك وأكثر أصحاب الشافعي، وقال بعضهم لا تصح وهو قول أبي حنيفة لان الله تعالى قال (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم) الآية إلى قوله (انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم) الآية فدل على أن من قاتلنا لا يحل بره ولنا انه تصح هبة فصحت الوصية له كالذمي وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم اعطى عمر حلة من حرير فقال يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت فقال " اني لم اعطكها لتلبسها " فكساها عمر خاله مشركا بمكة وعن اسماء بنت ابي بكر قالت أتتني أمي وهي راغبة تعني عن الاسلام فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله اتتنى امي وهي راغبة افاصلها؟ قال " نعم " وهذان فيهما صلة اهل الحرب وبرهم والآية حجة لنا فيمن لم يقاتل فأما المقاتل فانما نهى عن توليه لا عن بره ولا الوصية له وان احتج بالمفهوم فهو لا يراه حجة ثم قد حصل الاجماع على صحة الهبة للحربي والوصية في معناها.

[ 468 ]

* (مسألة) * (وتصح للمرتد كما تصح الهبة له) ذكره أبو الخطاب وقال ابن ابي موسى لا تصح لان ملكه غير مستقر ولا يرث ولا يورث فهو كالميت ولان ملكه يزول عن ماله بردته في قول ابي بكر وجماعة فلا يثبت له الملك بالوصية * (مسألة) * (وتصح لمكاتبه ومدبره وام ولده) تصح الوصية للمكاتب سواء كان مكاتبه أو مكاتب وارثه أو مكاتب اجنبي سواء وصي له يجزء شائع أو معين لان ورثته لا يستحقون المكاتب ولا يملكون ماله ولانه يملك المال بالعقود فصحت الوصية له كالحر، فان قال ضعوا عن مكاتبي بعض كتابته أو بعض ما عليه وضعوا ما شاؤا وان قال ضعوا عنه نجما من نجومه فلهم ان يضعو اي نجم شاؤا وسواء كانت نجومه متفقة أو مختلفة لتناول اللفظ له فان قال ضعوا عنه أي نجم شاء رجع إلى مشيئته لان سيده جعل المشيئة إليه وان قال ضعوا عنه أكثر نجومه وضعوا عنه اكثرها مالا لانه اكبرها قدرا، وان قال ضعوا عنه اكثر نجومه وضعوا عنه اكثر من نصفها لان اكثر الشئ يزيد على نصفه فان كانت نجومه خمسة وضعوا ثلاثة وان كانت ستة وضعوا اربعة ويحتمل ان يصرف إلى واحد منها اكثرها مالا فان كانت نجومه سواء تعين القول الاول فان قال ضعوا عنه اوسط نجومه ولم يكن فيها الا وسط واحد تعين مثل ان تكون نجومه متساوية القدر والاجل وعددها مفرد فيتعين الاوسط في العدد فان كانت خمسة تعين الثالث، وان كانت

[ 469 ]

سبعة فالرابع فان كان عددها مزدوجا وهي مختلفة المقدار فبعضها مائة وبعضها مائتان وبعضها ثلاثمائة فأوسطها المائتان فيتعين وان كانت متساوية القدر مختلفة الاجل مثل أن يكون اثنان إلى شهر شهر وواحد إلى شهرين وواحد إلى ثلاثة أشهر تعنيت الوصية في الذي إلى شهرين، وإن اتفقت هذه المعاني في واحد تعين، وان كان لها أوسط في القدر وأوسط في الاجل وأوسط في العدد يخالف بعضها بعضا رجع إلى قول الورثة، وان اختلفت الورثة والمكاتب في ارادة الموصي منها فالقول قول الورثة مع أيمانهم أنهم لا يعلمون ما أراد، ومتى كان العدد وترا فأوسطه واحد وان كانت شفعا كأربعة فأوسطه اثنان وهكذا القول فيما إذا أوصي بأوسط نجومه، وان قال ضعوا عنه ما يخف أو ما يثقل أو ما يكثر رجع إلى تقدير الورثة لان كل شئ يخف إلى حيث ما هو أثقل منه، ويثقل إلى حيث ما هو أخف منه،

[ 470 ]

كما قال أصحابنا فيما إذا أقر بمال عظيم أو كثير أو ثقيل أو خفيف، وان قال ضعوا عنه أكثر ما عليه وضع عنه النصف وأدنى زيادة وان قال ضعوا عنه أكثر ما عليه ومثل نصفه فذلك ثلاثة أرباع وأدنى زيادة وان قال ضعوا أكثر ما عليه ومثله فذلك الكتابة كلها وزيادة عليها فيصح في الكتابة ويبطل في الزيادة لعدم محلها وان قال ضعوا عنه ما شاء فشاء وضع كل ما عليه وضع لتناوله اللفظ فان قال ضعوا عنه ما شاء من مال الكتابة لم يضعوا عنه الكل، لان من للتبعيض ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا في هذا الفصل.

[ 471 ]

* (مسألة) * (وتصح الوصية لمدبره) لانه يصير حرا حين لزوم الوصية فصحت الوصية له كأم الولد فان لم يخرج من الثلث هو والوصية جميعا قدم عتقه على الوصية لانه أنفع له، وقال القاضي يعتق بعضه ويملك من الوصية بقدر ما عتق منه. ولنا أنه وصى لعبده وصية صحيحة فيقدم عتقه على ما يحصل له من المال كما لو وصى لعبده القن بمشاع من ماله. * (مسألة) * (وتصح الوصية لام ولده لانها حرة حين لزوم الوصية) وقد روي ذلك عن عمر رضي الله عنه انه أوصى لامهات أولاده بأربعة آلاف أربعة آلاف، رواه سعيد وروي ذلك عن عمران بن حصين، وبه قال ميمون بن مهران، والزهري، ويحيى الانصاري، ومالك، والشافعي، واسحق.

[ 472 ]

* (مسألة) * (وتصح لعبد غيره) وتكون الوصية لسيده والقبول من العبد لان العقد مضاف إليه أشبه ما لو وهبه شيئا فإذا قبل نثبت لسيده لانه من كسب عبده وكسب العبد للسيد ولا يفتقر في القبول إلى اذن السيد لانه كسب من غير اذن سيده كالاحتطاب وهذا قول أهل العراق والشافعي ولاصحابه وجه آخر أنه يفتقر إلى اذن السيد لانه تصرف العبد فهو كبيعه وشرائه ولنا أنه تحصيل مال بغير عوض فلم يفتقر إلى اذنه كقبول الهبة وتحصيل المباح (فصل) وان وصى لعبد وارثه فهي كالوصية لوارثه تقف على اجازة الورثة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وقال مالك ان كان يسيرا جاز لان العبد يملك وانما لسيده أخذه من يده فأذا أوصى له بشئ يسير علم انه قصد بذلك العبد دون سيده.

[ 473 ]

ولنا أنها وصية لعبد وارثه أشبه الوصية بالكثير وما ذكره من ملك العبد ممنوع لا اعتبار به فانه مع هذا القصد يستحق سيده أخذه فهو كالكثير. (فصل) وإذا وصى بعتق أمته على أن لا تتزوج ثم مات فقالت لا أتزوج عتقت فان تزوجت بعد ذلك لم يبطل عتقها وهذا مذهب الاوزاعي والليث وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لان العتق إذا وقع لم يمكن رفعه فان وصى لام ولده بألف على أن لا تتزوج أو على أن تبيت مع ولده ففعلت وأخذت الالف ثم تزوجت أو تركت ولده ففيها وجهان (أحدهما) تبطل وصيتها لانه فات الشرط ففاتت الوصية، وفارق العتق فانه لا يمكن رفعه (والثاني) لا تبطل وصيتها وهو قول أصحاب الرأي لان وصيتها صحت فلم تبطل بمخالفة ما شرط عليها كالاولى * (مسألة) * (وتصح لعبده بمشاع كثلثه فان خرج العبد من الوصية عتق واستحق باقيه وان لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث) وبهذا قال الحسن وابن سيرين وأبو حنيفة إلا أنهم قالوا إن لم يخرج من الثلث سعى في قيمة باقيه

[ 474 ]

وقال الشافعي الوصية باطلة إلا أن يوصي بعتقه لانه أوصى لمال يصير للورثة فلم يصح كما لو وصى له بمعين. ولنا ان الجزء الشائع يتناول نفسه أو بعضها لانه من جملة الثلث الشائع والوصية له بنفسه تصح ويعتق وما فضل استحقه لانه يصير حرا فملك الوصية فيصير كأنه قال أعتقوا عبدي من ثلثي واعطوه ما فضل منه، وفارق ما إذا وصى له بمعين لانه لا يتناول شيئا منه على أن لنا في الاصل المقيس عليه منعا. * (مسألة) * (وان وصى له بمعين كثوب أو دار أو مائة لم تصح الوصية في قول الاكثرين منهم الثوري وأصحاب الرأي والشافعي واسحاق وذكر ابن أبي موسى رواية عن أحمد أنها تصح وهو قول مالك وأبي ثور وقال الحسن وابن سيرين ان شاء الورثة أجازوا وان شاءوا ردوا ولنا أن العبد يصير ملكا للورثة فما وصى به له فهو لهم فكأنه أوصى لورثته بما يرثونه فلا فائدة فيه، وفارق ما إذا وصى له بمشاع لما ذكرناه. * (مسألة) * (وتصح الوصية للحمل إذا علم أنه كان موجودا حين الوصية بان تضعه لاقل من ستة أشهر إن كانت ذات زوج أو سيد يطؤها أو لاقل من أربع سنين ان لم يكن كذلك في أحد الوجهين) وفي الآخر لاقل من سنتين لا نعلم في صحة الوصية للحمل خلافا وبه قال الثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي

[ 475 ]

وذلك لان الوصية جرت مجرى الميراث من حيث كونها انتقال المال من الانسان بعد موته إلى الموصى له بغير عوض كانتقاله إلى وارثه، وقد سمى الله تعالى الميراث وصية بقوله سبحانه (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الاثنين) وقال سبحانه (فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله) والحمل يرث فتصح الوصية له ولان الوصية أوسع من الميراث لانها تصح للمخالف في الدين والعبد بخلاف الميراث فإذا ورث الحمل فالوصية له أولى ولان الوصية تتعلق بخطر وغرر فصحت للحمل كالعتق فان انفصل الحمل ميتا بطلت الوصية لانه لا يرث ولانه يحتمل أن لا يكون حيا حين الوصية فلا تثبت له الوصية والميراث بالشك، وسواء مات لعارض من ضرب البطن أو شرب دواء أو غيره لما بينا من أنه لا يرث وان وضعته حيا صحت الوصية له إذا حكمنا بوجوده حال الوصية بأن تأتي به لاقل من ستة أشهر ان كانت المرأة فراشا لزوج أو سيد يطؤها فانا نعلم وجوده حين الوصية فان أتت به لاكثر منها لم تصح الوصية لاحتمال حدوثه بعد الوصية، وان كانت بائنا فأتت به لاكثر من أربع سنين من حين الفرقة وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية لم تصح الوصية له وان أتت به لاقل من ذلك صحت الوصية لان الولد يعلم وجوده إذا كان لستة أشهر ويحكم بوجوده إذا أتت به لاقل من أربع سنين من حين

[ 476 ]

الفرقة وهذا مذهب الشافعي، وان وصى لحمل امرأه من زوجها أو سيدها صحت الوصية له مع اشتراط الحاقه به، فان كان منفيا باللعان أو دعوى الاستبراء لم تصح الوصية له لعدم نسبه المشترط في الوصية فان كانت المرأة فراشا لزوج أو سيد الا أنه لا يطؤها لكونه غائبا في بلد بعيد أو مريضا مرضا يمنع الوطئ أو كان أسيرا أو محبوسا أو علم الورثة أنه لم يطأها أو أقروا بذلك فان أصحابنا لم يفرقوا بين هذه الصور وبين ما إذا كان يطؤها لانهما لم يفترقا في لحوق النسب بالزوج والسيد فكانت في حكم من يطؤها، قال شيخنا ويحتمل أنها متى أتت به في هذه الحال أو لوقت يغلب على الظن أنه كان موجودا حال الوصية مثل أن تضعه لاقل من غالب مدة الحمل أو تكون أمارات الحمل ظاهرة أو أتت به على وجه يغلب على الظن أنه كان موجودا بامارات الحمل بحيث يحكم لها بكونه حاملا صحت الوصية له لانه يثبت له أحكام الحمل في غير هذا الحكم وقد انتفت أسباب حدوثه ظاهرا فنبغى أن تثبت له الوصية، والحكم بالحاقه بالزوج والسيد في تلك الصور انما كان احتياطا للنسب فانه يلحق بمجرد الاحتمال وان كان بعيدا، ولا يلزم من اثبات النسب بمطلق الاحتمال نفي استحقاق الوصية فانه لا يحتاط لابطال الوصية كما يحتاط لاثبات النسب فلا يلزم الحاق ما لا يحتاط له بما يحتاط له مع ظهور ما يثبته

[ 477 ]

ويصححه، وفيه وجه آخر أنه إذا أتت به لاكثر من سنتين إذا كانت بائنا لا تثبت له الوصية بناء على ان اكثر مدة الحمل سنتان * (مسألة) * (وان وصى لما تحمل هذه المرأه لم يصح) وقال بعض أصحاب الشافعي تصح كما تصح الوصية بما تحمل هذه الجارية ولنا أن الوصية تمليك فلا تصح للمعدوم بخلاف الموصى به فانه يملك فلم يعتبر وجوده ولان الوصية جرت مجرى الميراث ولو مات انسان لم يرثه من الحمل إلا من كان موجودا كذلك الوصية، ولو تجدد للميت مال بعد موته بأن يسقط في شبكته صيد لورثه ورثته ولذلك قضينا بثبوت الارث في ديته وهي تتجدد بعد موته فجاز ان تملك بالوصية. فان قيل فلو وقف على من يحدث من ولده أو ولد فلان صح فالوصية أولى لانها تصح بالمعدوم والمجهول بخلاف الوقف، قلنا الوصية أجريت مجرى الميراث ولا يحصل الميراث إلا لموجود فكذلك الوصية، والوقف يراد للدوام فمن ضرورته اثباته للمعدوم. (فصل) وإذا وصى لحمل امرأة فولدت ذكرا وأنثى فالوصية لهما بالسوية لان ذلك عطية وهبة فأشبه ما لو وهبهما شيئا بعد ولادتهما، وان فاضل بينهما فهو على ما قال كالوقف وإن قال إن كان في

[ 478 ]

بطنها غلام فله ديناران وإن كانت فيه جارية فلها دينار فولدت غلاما وجارية فلكل منهما ما وصي له به لان الشرط وجد فيه، وإن ولدت أحدهما منفردا فله وصيته، ولو قال إن كان حملها أو إن كان ما في بطنها غلاما فله ديناران وان كانت جارية فلها دينار فولدت أحدهما منفردا فله وصيته، وان ولدت غلاما وجارية فلا شئ لهما لان أحدهما ليس هو جميع الحمل ولا كل ما في البطن، وبه قال أصحاب الرأي والشافعي وأبو ثور. * (مسألة) * (وان قتل الوصي الموصي بطلت الوصية وان جرحه ثم أوصى له فمات من الجرح لم تبطل في ظاهر كلامه وقال أصحابنا في الوصية للقاتل روايتان) اختلف أصحابنا في الوصية للقاتل على ثلاثة أوجه، فقال ابن حامد تجوز الوصية له واحتج بقول أحمد فيمن جرح رجلا خطأ فعفا المجروح فقال احمد تعتبر من الثلث قال وهذه وصية لقاتل وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر واظهر قولي الشافعي لان الهبة له تصح فصحت الوصية له كالذمي وقال أبو بكر لا تصح الوصية له فان أحمد قد نص على أن المدبر إذا قتل سيده بطل تدبيره والتدبير وصية وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي لان القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية

[ 479 ]

أولى، ولان الوصية أجريت مجرى الميراث فمنعها ما يمنعه وقال أبو الخطاب ان وصى له بعد جرحه صح وإن وصى له قبل ثم طرأ القتل على الوصية أبطلها جمعها بين نصي احمد في الموضعين، وهو قول الحسن بن صالح وهذا قول حسن، لان الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها لم يطرأ عليه ما يبطلها بخلاف ما إذا تقدمت فان القتل طرأ عليها فأبطلها فانه يبطل ما هو آكد منها، يحققه ان القتل إنما يمنع الميراث لكونه بالقتل استعجل الميراث الذي انعقد سببه فعورض بنقيض قصده وهو منع الميراث دفعا لمفسدة قتل الموروثين ولذلك بطل التدبير بالقتل قبل الطارئ عليه أيضا وهذا المعنى متتحقق في القتل الطارئ على الوصية فانه ربما استعجلها بقتله وفارق القتل قبل الوصية لانه لم يقصد به استعجال مال لعدم انعقاد سببه والموصي راض بالوصية له بعد ما صدر منه في حقه وعلى هذا لا فرق بين الخطأ والعمد كما لا تفترق الحال بذلك في الميراث. * (مسألة) * (وإن وصى لصنف من أصناف الزكاة أو لجميع الاصناف صح) لانهم من أبواب البر فصحت لهم كغيرهم ويعطى كل واحد منهم القدر الذي يعطاه من الزكاة قياسا عليها، لان المطلق من كلام الآدمي يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ولما أطلق الله تعالى أعطاهم من الزكاة حمل على ذلك كذلك هذا

[ 480 ]

قال شيخنا وإذا وصى لاصناف الزكاة المذكورين في القرآن فهم الذين يستحقون الزكاة وينبغي أن يجعل لكل صنف ثمن الوصية، كما لو وصى لثمان قبائل، والفرق بين هذا وبين الزكاة حيث يجوز الاقتصار على صنف واحد أن آية الزكاة أريد بها بيان من يجوز الدفع إليه والوصية اريد بها بيان من يجب الدفع إليه، ويجوز الاقتصار من كل صنف على واحد في ظاهر المذهب لانه لا يمكن استيعابهم وحكي هذا عن أصحاب الرأي وعن محمد بن الحسن انه قال لا يجوز الدفع إلى أقل من اثنين، وعن أحمد رواية ثانية أنه لا يجوز الدفع إلى أقل من ثلاثة من كل صنف حكاها أبو الخطاب وهو مذهب الشافعي وقد ذكرنا ذلك وأدلته في الزكاة ولا يجوز الصرف الا إلى المستحق من أهل بلده كما ذكرنا في الزكاة (فصل) وإذا اوصى للفقراء وحدهم دخل فيه المساكين وكذلك إن أوصى للمساكين دخل فيهم الفقراء لانهم صنف واحد في غير الزكاة الا أن يذكر الصنفين جميعا فيدل ذلك على أنه أراد المغايرة بينهما، ويستحب تعميم من أمكن منهم والدفع إليهم على قدر الحاجة والبداءة بأقارب الموصي كما ذكرنا في الزكاة. * (مسألة) * (وإن وصى لكتب القرآن أو العلم أو لمسجد أو لفرس حبيس ينفق عليه صح لان ذلك قربة يصح بذل المال فيه، فصحت الوصية له كالوصية للفقراء فان مات الفرس رد الموصى به

[ 481 ]

أو باقيه إلى الورثة لانه عين للوصية جهة فإذا فاتت عادت إلى الورثة كما لو وصى أن يشترى عبد زيد فيعتق فمات العبد أو لم يبعه سيده أو تعذر شراؤه، وان أنفق بعض الدراهم ثم مات الفرس بطلت الوصية في الباقي كما لو وصى بشراء عبدين معينين فاشترى أحدهما ومات الآخر قبل شرائه قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل أوصى بألف درهم في السبيل أيجعل في الحج منها؟ قال لا، انما يعرف الناس السبيل الغزو. (فصل) إذا قال يخدم عبدي فلان سنة ثم هو حر صحت الوصية فان قال الموصى له بالخدمة لا أقبل الوصية أو قال قد وهبت الخدمة لم يعتق في الحال وبهذا قال الشافعي، وقال مالك ان وهب الخدمة للعبد عتق في الحال. ولنا أنه أوقع العتق بعد مضي السنة فلم يقع قبله كما لو رد الوصية (فصل) وان وصى أن يشترى عبد زيد بخمسمائة فيعتق فلم يبعه سيده فالخمسائة للورثة وكذلك ان امتنع عن بيعه بالخمسمائة أو تعذر شراؤه بموته أو لعجز الثلث عن ثمنه فالثمن للورثة لان الوصية بطلت

[ 482 ]

لتعذر العمل بها فأشبه ما لو وصى لرجل فمات قبل موت الموصي أو بعده ولم يدع وارثا ولا يلزم الورثة شراء عبد آخر لان الوصية لمعين فلا تصرف إلى غيره فان اشتروه بأقل من ذلك فالباقي للورثة وقال الثوري يدفع جميع الثمن إلى سيد العبد لانه قصد ارفاقه بالثمن ومحاباته فأشبه ما لو قال بيعوه عبدي بخمسمائة وقيمته أكثر منها وكما لو وصى أن يحج عنه فلان بخمسمائة وهي أكثر من أجر المثل وقال اسحاق يجعل بقية الثمن في العتق كما لو وصى أن يحج عنه بخمسمائة رد ما فضل في الحج ولنا أنه أمر بشرائه بخمسمائة فكان ما فضل من الثمن راجعا إليه كما لو وكل في شرائه في حياته وفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه رجل بخمسمائة لان القصد ثم ارفاق الذي يحج بالفضلة، وفي مسئلتنا المقصود العتق، ويفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه بخمسمائة لغير معين لان الوصية ثم للحج مطلقا فتصرف جميعها فيه وههنا لمعين فلا تتعداه، وقوله انه قصد ارفاق زيد ومحاباته به قلنا ان كان ثم قرينة تدل على ذلك اما لكون البائع صديقه أو ذا حاجة أو من أهل الفضل الذين يقصدون بهذا أو كان يعلم حصول العبد بدون الخمسمائة لقلة قيمته فنه يدفع جميع الثمن إلى زيد كما لو صرح بذلك فقال ادفعوا إليه جميعها

[ 483 ]

وإن بذله بدونها وإن عدمت هذه القرائن فالظاهر أنه انما قصد العتق وقد حصل فكان الثمن عائدا إلى الورثة كما لو أمره بالشراء في حياته قال شيخنا وهذا الصحيح ان شاء الله تعالى (فصل) ولو وصى أن يشترى عبد بألف فيعتق عنه فلم يخرح من ثلثه اشتري عبد بالثلث وبه قال الشافعي، وقال أبوحينفة تبطل الوصية لانه أمر بشراء عبد بألف فلا يجوز للمأمور الشراء بدونه كالوكيل. ولنا أنها وصية يجب تنفيذها إذا احتملها الثلث فإذا لم يحملها وجب تنفيذها فيما حمله كما لو وصى بعتق عبد فلم يحمله الثلث، وفارق الوكالة فانه لو وكله في اعتاق عبد لم يملك اعتاق بعضه، ولو وصى إليه باعتاق عبد أعتق منه ما يحتمله الثلث فان حمله الثلث فاشتراه وأعتقه ثم ظهر على الميت دين يستغرق المال فالوصية باطلة ويرد العبد إلى الرق ان كان اشتراه بعين المال لاننا تبينا أن الشراء باطل لكونه اشترى بمال مستحق للغرماء بغير اذنهم وان كان اشتراه في الذمة صح الشراء ونفذ العتق وعلى المشتري غرامة ثمنه لا يرجع به على أحد لان البائع ما غره انما غره الموصي ولا تركة له فيرجع عليها وهذا ظاهر مذهب الشافعي ويحتمل أن يشارك الغرماء في التركة ويضر ب معهم بقدر دينه لان الدين غرمه بتغرير الموصي فيرجع به عليه فإذا كان ميتا لزمه في تركته كارش جنايته

[ 484 ]

(فصل) وان وصى بشراء عين وأطلق أو ببيع عبده وأطلق فالوصية باطلة لان الوصية لا بد لها من مستحق ولا مستحق ههنا فان وصى ببيعه بشرط العتق صحت الوصية وبيع كذلك لان في البيع نفعا للعبد بالعتق فان لم يوجد من يشتريه كذلك بطلت الوصية لتعذرها كما لو وصى بشراء عبد يعتق فلم يبعه سيده، وان وصى ببيعه لرجل بعينه بثمن معلوم بيع لانه قصد ارفاقه بذلك في الغالب وان لم يسم ثمنا بيع بقيمته وتصح الوصية لكونه قصد ايصال العبد المعين إلى رجل بعينه فيحتمل أن يتعلق الغرض بارفاق العبد بايصاله إلى من هو معروف بحسن الملك واعتاق الرقاب ويحتمل أن يريد ارفاق المشتري لمعنى يحصل له من العبد فان تعذر بيعه لذلك الرجل أو أبى أن يشتريه بالثمن أو بقيمته ان لم يعين الثمن بطلت الوصية * (مسألة) * (وان وصى في أبواب البر فقال شيخنا يصرف في القرب كلها) لان اللفظ للعموم فيجب حمله على عمومه ولا يجوز تخصيص العموم بغير دليل، وقيل عن أحمد تصرف في أربع جهات في الاقارب والمساكين والحج والجهاد، وعنه فداء الاسرى مكان الحج لان الصدقة على الاقارب صدقة وصلة والمساكين مصارف الصدقات والزكاة والحج والجهاد من أكبر

[ 485 ]

شعائر الاسلام وفداء الاسرى من أعظم القربات، وقد نقل المروذي عن أحمد فيمن أوصى بثلثه في أبواب البر يجزأ ثلاثة أجزاء جزءا في الجهاد وجزءا يتصدق به في أقاربه وجزءا في الحج وقال في رواية أبي داود الغزو يبدأ به وحكي عنه أنه جعل جزءا في فداء الاسرى، قال شيخنا وهذا والله أعلم ليس على سبيل اللزوم والتحديد بل يجوز صرفه في جهات البر كلها لان اللفظ للعموم فيجب حمله على عمومه ولانه ربما كان غير هذه الجهات أحوج من بعضها وأحق فقد تدعو الحاجة إلى تكفين ميت واصلاح طريق واعتاق رقبة وقضاء دين واغاثة ملهوف أكثر من دعائها إلى حج من لا يجب عليه الحج فيكلف وجوب ما لم يكن عليه واجبا وتعبا كأن الله تعالى قد أراحه منه من غير مصلحة تعود على أحد من خلق الله تعالى فتقديم هذا على ما مصلحته ظاهرة والحاجة إليه داعية بغير دليل تحكم لا معنى له (فصل) وان قال ضع ثلثي حيث اراك الله فله صرفه في أي جهة من جهات القرب رأى وضعه فيها عملا بمقتضى وصيته وذكر القاضي أنه يجب صرفه إلى الفقراء والمساكين، والافضل صرفه إلى فقراء أقاربه فان لم يجد فالى محارمه من الرضاع فان لم يكن فالى جيرانه وقال أصحاب الشافعي يجب ذلك لانه رده إلى اجتهاده فيما فيه الحظ وهذا أحظ ولنا أنه قد يرى غير هذا أهم منه وأصلح فلا يجوز تقييده بالتحكم ونقل أبو داود عن أحمد

[ 486 ]

أنه سئل عن رجل أوصى بثلثه في المساكين وله أقارب محاويج فلم يوص لهم بشئ ولم يرثوا فانه يبدأ بهم فانهم أحق قال وسئل عن النصراني يوصي بثلثه للفقراء من المسلمين ايعطى اخوته وهم فقراء؟ قال نعم هم أحق يعطون خمسين درهما لا يزادون على ذلك يعني لا يزاد كل واحد منهم على ذلك لانه القدر الذي يحصل به الغنى * (مسألة) * (وان وصى أن يحج عنه بألف صرف في حجة بعد أخرى حتى ينفذ) إذا أوصى أن يحج عنه بقدر من المال صرف جميع ذلك في الحج إذا حمله الثلث لانه وصى به في جهة قربة فوجب صرفه فيها كما لو وصى في سبيل الله تعالى وليس للوصي أن يصرف إلى من يحج أكثر من نفقة المثل لانه أطلق له التصرف في المعاوضة فاقتضى عوض المثل كالتوكيل في البيع ثم لا يخلو اما أن يكون بقدر نفقة المثل لحجة واحدة فيصرف فيها أو ناقصا فيحج به من حيث يبلغ في ظاهر نصوص أحمد فانه قال في رواية حنبل في رجل أوصى أن يحج ولا تبلغ النفقة فقال يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من أهل مدينته وهذا قول العنبري وقال القاضي يعان به في الحج وهو قول سوار القاضي حكاه عنه العنبري وعن أحمد أنه مخير في ذلك فانه قال في

[ 487 ]

رواية أبي داود في امرأة أوصت بحج لا يجب عليها: أرى أن يؤخذ ثلث مالها فيعان به في الحج أو يحج به من حيث يبلغ فان كان يفضل عن الحجة دفع في حجة ثانية وثالثة إلى أن ينفذ أو يبقى مالا يبلغ حجة فيحج به من حيث يبلغ أو يعان به في الحج على ما ذكرنا من الخلاف فيه ولا يستنيب في الحج مع الامكان الا من بلد المحجوج عنه لانه نائب عن الميت وقائم مقامه فينوب عنه من موضع لو حج المنوب عنه لحج منه فان كان الموصى به لا يحمله الثلث لم يخل من أن يكون الحج فرضا أو تطوعا فان كان فرضا أخذ أكثر الامرين من الثلث أو القدر الكافي الحج الفرض ان كان قد أوصى بالثلث فان كان الثلث أكثر أخذ ثم يصرف منه في الفرض قدر ما يكفيه ثم يحج بالباقي تطوعا حتى ينفذ كما ذكرنا من قبل، وان كان الثلث أقل تمم قدر ما يكفي الحج من رأس المال وبهذا قال عطاء وطاوس والحسن وسعيد بن المسيب والزهري والشافعي واسحاق قال سعيد بن المسيب والحسن كل واجب من رأس المال، وقال ابن سيرين والنخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة وداود ابن أبي هند ان وصى بالحج من ثلثه والا فليس على ورثته شئ فعلى قولهم ان لم يف الثلث بالموصى به والا لم يزد على الثلث لان الحج عبادة فلا يلزم الوارث كالصلاة

[ 488 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال نعم قال " فدين الله أحق أن يقضى " والدين من رأس المال فما هو أحق منه أولى ولانه واجب فكان من رأس المال كدين الآدمي وان كان تطوعا اخذ الثلث لا غير إذا لم يجز الورثة ويحج به على ما ذكرنا * (مسألة) * (وان وصى ان يحج عنه حجة بألف دفع الكل إلى من يحج) إذا وصى ان يحج عنه حجة واحدة بقدر من المال وكان فيه فضل عما يحج به فهو لمن يحج لانه قصد ارفاقه بذلك فكأنه صرح فقال حجوا عني حجة واحدة بألف وما فضل منها فهو لمن يحج * (مسألة) * (فان عينه في الوصية فقال يحج عني فلان بألف صرف ذلك إليه وان لم يعين فللموصى إليه صرفه إلى من شاء) لانه فوض إليه الاجتهاد الا انه لا يملك صرفها إلى وارث إذا كان فيها فضل الا باذن الورثة وان لم يكن فيها فضل جاز لانه لا محاباة فيها ثم ينظر فان كان الحج الموصى به تطوعا اعتبر من الثلث وان كان واجبا فالزائد عن نفقة المثل معتبر من الثلث وان لم يف الموصى به بالحج اتم من رأس المال وفيه من الخلاف ما ذكرنا

[ 489 ]

* (مسألة) * (فان أبى الحج وقال اصرفوا لي الفضل لم يعطه وبطلت الوصية في حقه) إذا قال المعين ذلك بطل التعيين ويحج عنه بأقل ما يمكن انسان ثقة سواه ويصرف الباقي اللى الورثة ويحتمل أن تبطل الوصية ان كان الحج تطوعا لانه عين لها جهة فإذا لم يقللها بطلت كما لو قال بيعوا عبدي لفلان بمائة فأبى شراءه والظاهر انها لا تبطل لانه قصد القربة والتعيين فإذا بطل التعيين لم تبطل القربة كما لو قال بيعوا عبدي لفلان وتصدقوا بثمنه فلم يقبل فلان فانه يباع من غيره ويتصدق بثمنه فان قال المعين اصرفوا لي الفضل عن نفقة الحج لانه موصى لي به لم يصرف إليه شئ لانه إنما أوصي له بالزيادة بشرط ان يحج فإذا لم يوجد الشرط لم يستحق شيئا (فصل) فإذا قال حجوا عني حجة ولم يذكر قدرا من المال فانه لا يدفع إلى من يحج الا قدر نفقة المثل لما ذكرنا والباقي للورثة وهذا ينبني على أنه يجوز الاستئجار عليه إنما ينوب عنه نائب فما ينفق عليه فيما يحتاج إليه فهو من مال الموصي وما بقي للورثة فان تلف المال في الطريق فهو من مال الموصي وليس على النائب اتمام الحج وإن قلنا يجوز الاستئجار على الحج فلا يستأجر الا ثقة بأقل ما

[ 490 ]

يمكن وما فضل فهو للاجير لانه ملك ما أعطي بعقد الاجارة وان تلف المال في الطريق بعد قبض الاجير له فهو من ماله ويلزمه اتمام الحج، وإن قال حجوا عني ولم يقل حجة واحدة لم يحج عنه إلا حجة ولانه أقل ما يقع عليه الاسم فان عين مع هذا فقال يحج عني فلان دفع إليه بقدر نفقته من بلده إذا خرج من الثلث فان أبى الحج إلا بزيادة تصرف إليه فينبغي أن يصرف إليه اقل قدر يمكن ان يحج به غيره فان ابى الحج وكان واجبا استنيب غيره بأقل ما يمكن استنابته والله اعلم (فصل) وان وصى ان يحج عنه زيد بمائة ولعمرو بتمام الثلث ولسعد بثلث ما له فأجاز الورثة امضيت على ما قال الموصي فان لم يفضل عن المائة شئ فلا شئ لعمرو لانه إنما وصى له بالفضل ولا فضل وان رد الورثة قسم الثلث بينهم نصفين لسعد السدس ولزيد مائة وما فضل من الثلث فلعمرو فان لم يفضل منه شئ فلا شئ لعمر ولانه إنما وصى له بالزيادة ولا زيادة ولا تمتنع المزاحمة به ولا يعطى شيئا كولد الاب مع ولد الابوين في مزاحمة الجد ويحتمل انه متى كان في الثلث فضل عن المائة ان يرد كل واحد إلى نصف وصيته لان زيدا إنما استحق المائة بالاجازة فمع الرد يدخل عليه من النقص بقدر وصيته كسائر الوصايا

[ 491 ]

(فصل) وان وصى لزيد بعبد بعينه ولعمرو ببقية الثلث قوم العبد يوم موت الموصي لانه حال نفوذ الوصية ودفع إلى زيد ودفع إلى بقية الثلث إلى عمرو فان لم يبق من الثلث شئ بطلت وصية عمرو، وان مات العبد بعد موت الموصي قومنا التركة حال موت الموصي بدون العبد ثم نقوم العبد لو كان حيا فان بقي من الثلث بعد قيمته شئ فهو لعمرو وإلا بطلت وصيته، لو قال لاحد عبديه أنت مدبر ثم قال لآخر انت مدبر في زيادة الثلث عن قيمة الاول ثم بطل تدبير الاول بموته فهي كالتي قبلها على ما ذكرنا أو رجوعه فيه أو خروجه مستحقا أو غير ذلك * (مسألة) * (وان وصى لاهل سكته فهو لاهل دربه) لان السكة الطريق والدرب مضاف إليه * (مسألة) * (وان وصى لجيرانه تناول أربعين دارا من كل جانب) نص عليه احمد وبه وقال الاوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة الجار الملاصق لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الجار احق بصقبه " يعني الشفعة وإنما يثبت للملاصق ولان الجار مشتق من المجاورة وقال قتادة الجار الدار والداران وروي عن علي عليه السلام في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد قال من سمع النداء وقال سعيد بن عمرو بن جعدة من سمع الاقامة وقال أبو يوسف الجيران اهل المحلة ان جمعهم مسجد فان تفرق أهل المحلة في مسجدين صغيرين متقاربين فالجميع جيران وان كانا عظيمين فكل اهل مسجد جيران واما الامصار التي فيها القبائل فالجوار على الافخاذ

[ 492 ]

ولنا ما روى ابو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الجار اربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا وهكذا " وهذا نص لا يجوز العدول عنه ان صح وان لم يثبت الخبر فالجار هو المقارب ويرجع في ذلك إلى العرف وقال أبو بكر مستدار اربعين دارا من كل جانب والحديث يحتمله * (مسألة) * (وان وصى لاقرب قرابته أو لاقرب الناس إليه أو اقربهم به رحما لم يدفع بنفسه من غير واسطة والاخ والجد سواء) لان كل واحد يدلي إلى الابعد مع وجود الاقرب فان كان له اب وابن فهما سواء، لان كل واحد منهما يدلي بالاب من غير واسطة ويحتمل تقديم الابن على الاب لانه يسقط تعصيبه والاولى أولى لان إسقاط تعصيبه لا يمنع مساواته في القرب ولا كونه أقرب مه بدليل أن ابن الابن يسقط تعصيبه مع بعده ويحتمل تقديم الاخ على الجد لان الاخ يدلي ببنوة الاب والجد يدلي بالابوة فهما كالاب والابن والاول اولى ولا يصح قياس الاخ على الابن لانه لا يسقط تعصيب الجد بخلاف الابن ويقدم الابن على الجد والاب على ابن الابن وقال اصحاب الشافعي يقدم ابن الابن على الاب في وجه لانه يسقط تعصيبه ولنا ان الاب يدلي بنفسه ويلي ابنه من غير حاجز ولا يسقط ميراثه بحال بخلاف ابن الابن والاب والام سواء وكذلك الابن والبنت والجد ابو الاب وابو الام وام الاب وام الام كلهم سواء

[ 493 ]

هكذا ذكره شيخنا ويحتمل تقديم ابي الاب على اب الام لانه يسقطه ثم بعد الاولاد اولاد البنين وان سفلوا الاقرب فالاقرب الذكور والاناث وفي اولاد البنات وجهان بناء على دخولهم في الوقف ثم من بعد الولد الاجداد الاقرب منهم فالاقرب لانهم العمود الثاني ثم الاخوة والاخوات ثم ولدهم وان سفلوا ولا شئ لولد الاخوات إذا قلنا لا يدخل ولد البنات * (مسألة) * (والاخ من الاب والاخ من الام سواء والاخ من الابوين أحق منهما) الاخ من الاب والاخ من الام سواء لانهما على درجة واحدة وكذلك ولداهما والاخ من الابوين أحق منهما لان له قرابتين فهو أقرب ممن له قرابة واحدة (فصل) والاخ للاب أولى من ابن الاخ من الابوين كما في الميراث ثم بعدهم الاعمام ثم بنوهم وان سفلوا ويستوي العم من الاب والعم من الام وعلى الاحتمال الذي ذكرناه في تقديم أبي الاب على أبي الام تقديم العم من الاب على العم من الام وكذلك أبناؤهما وعلى هذا الترتيب ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي إلا أنه يرى دخول ولد البنات والاخوات والاخوال والخالات وهذا القول يخرج

[ 494 ]

على مذهب أحمد على الرواية التي تجعل القرابة فيها كل من يقع عليه اسم القرابة فاما على الرواية التي تقول ان اسم القرابة يختص من كان من أولاد الآباء وهي التي اختارها الخرقي فلا تدخل فيه الام ولا أقاربها لان من لم يكن من القرابة لم يكن من أقرب القرابة فعلى هذا تتناول الوصية من كان أقرب من أولاد الموصي وأولاد آبائه إلى أربعة آباء ولا تعدوهم فان وصى لجماعة من أقرب الناس إليه أعطي ثلاثة من أقرب الناس إليه فان وجد أكثر من ثلاثة في درجة واحدة كاخوة فالوصية لجميعهم لان بعضهم ليس بأولى من بعض والاسم يشملهم وان لم يوجد ثلاثة في درجة واحدة كملت من الثانية فان كان في الدرجة الثانية جماعة سوي بينهم لما ذكرنا في الدرجة الاولى، وان لم يكمل من الثانية فمن الثالثة فإذا وجد ابن واخ وعم فالوصية بينهم أثلاثا وكذلك إن كان ابن واخوان وان كان ابن وثلاثة أخوة دخل جميعهم في الوصية وينبغي أن يكون للابن ثلث الوصية ولهم ثلثاها فان كان الابن وارثا سقط حقه من الوصية ان لم يجز له والباقي للاخوة وإن وصى لعصبته فهو لمن يرثه بالتعصيب في الجملة سواء كان من يرث في الحال أو يكن ويسوي بين قريبهم وبعيدهم لشمول اللفظ لهم ولا خلاف في أنهم لا يكونون من جهة الام بحال * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (ولا تصح الوصية لكنيسة ولا بيت نار ولا لعمارتهما والانفاق

[ 495 ]

عليهما وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وسواء كان الموصي مسلما أو ذميا وقال أصحاب الرأي تصح وأجاز أبو حنيفة الوصية بأرضه تبنى كنيسة وخالفه صاحباه وأجاز أصحاب الرأي أن يوصي بشراء خمر أو خنازير ويتصدق بها على أهل الذمة ولنا أن هذه الافعال محرمة وفعلها معصية فلم تصح الوصية بها كما لو وصى بعبده أو مته للفجور ولانها لا تجوز في الحياة فلا يجوز في الممات * (مسألة) * (وان وصى لكتب التوراة والانجيل لم تصح) لانها كتب منسوخة وفيها تبدليل والاشتغال بها غير جائز وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين راى مع عمر شيئا مكتوبا من التوراة وذكر القاضي أنه لو اوصى لحصر البيع وقناديلها وما شاكل ذلك ولم يقصد اعظامها بذلك صحت الوصية لان الوصية لاهل الذمة فان النفع يعود إليهم والوصية لهم صحيحة والصحيح أن الوصية لا تصح بهذا لان ذلك انما هو اعانة لهم على معصيتهم وتعظيم لكنائسهم ونقل عن أحمد ما يدل على صحة الوصية من الذمي بخدمة الكنيسة والاول أولى وأصح وان وصى ببناء بيت ليسكنه المجتازون من اهل الذمة واهل الحرب صح لان بناء مساكنهم ليس بمعصية

[ 496 ]

(فصل) ولا تصح الوصية لكافر بمصحف ولا عبد مسلم لانه لا يجوز هبتهما له ولا بيعهما منه وان وصى له بعبد كافر فأسلم قبل موت الموصى بطلت الوصية وان أسلم بعد الموت وقبل القبول وقلنا إن الملك انما ثبت حين القبول بطلت لانه لا يجوز ان يبتدئ الملك على مسلم وان قلنا يثبت الملك بالموت قبل القبول فالوصية صحيحة لانا نتبين انه أسلم بعد ان ملكه ويحتمل ان لا يصح أيضا لانه يأتي بسبب لولاه لم يثبت الملك فمنع منه كابتداء الملك * (مسألة) * (ولا تصح لملك ولا لبهيمة ولا لجني) لانه تمليك فلم يصح لهم كالهبة ولا تصح لميت لذلك وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك ان علم انه ميت صحت الوصية وهي لورثته بعد قضاء ديونه وتنفيذ وصاياه لان الغرض نفعه بها فأشبه ما لو كان حيا. ولنا انه اوصى لمن لا تصح الوصية له لو لم يعلم حاله فلا تصح إذا علم حاله كالبهيمة وفارق الحي فان الوصية تصح له في الحالين ولانه عقد يفتقر إلى القبول فلم يصح للميت كالهبة * (مسألة) * (وان وصى لحي وميت يعلم موته فالكل للحي ويحتمل أن لا يكون له إلا النصف وإن لم يعلم فللحي نصف الموصى به

[ 497 ]

إذا وصى بثلثه أو بمائة لحي وميت فللحي نصف الوصية سواء علم موته أو لم يعلم، وهذا قول أبي حنيفة واسحق والبصريين وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد إذا قال هذه المائة لفلان وفلان الميت فهي للحي منهما، وان قال بين فلان وفلان فوافقنا الثوري على أن نصفها للحي وعن الشافعي كالمذهبين وقال أبو الخطاب عندي إذا علمه ميتا فالكل للحي وان لم يعلمه ميتا فللحي النصف وقد نقل عن احمد ما يدل على هذا القول فانه قال في رواية ابن القاسم إذا وصى لفلان وفلان بمائة فبان أحدهما ميتا فللحي خمسون، فقيل له أليس إذا قال ثلثي لفلان وللحائط أليس كله لفلان؟ قال وأي شئ يشبه هذا الحائط له ملك؟ فعلى هذا متى شرك بين من تصح الوصية له وبين من لا تصح مثل أن يوصي لفلان وللملك أو الحائط أو لفلان وللميت فالموصى به كله لمن تصح الوصية له إذا كان عالما بالحال لانه إذا اشرك بينهما في هذه الحال علم أنه قصد بالوصية كلها من تصح الوصية له وان لم يعلم بالحال فلمن تصح الوصية له نصفها لانه قصد ايصال نصفها إليه والى الآخر النصف ظنا منه ان الوصية له صحيحة فإذا بطلت الوصية في حق أحدهما صحت في حق الآخر بقسطه كتفريق

[ 498 ]

الصفقة ووجه القول الاول انه جعل الوصية لاثنين فلم يستحق أحدهما جميعها كما لو كانا ممن تصح الوصية لهما فمات أحدهما أو كما لو لم يعلم الحال، فاما ان وصى لاثنين حيين فمات أحدهما فللآخر نصف الوصية لا نعلم في هذا خلافا ومثله لو بطلت الوصية في حق أحدهما لرده لها أو لخروجه عن أن يكون من أهلها ولو قال أوصيت لكل واحد من فلان وفلان بنصف الثلث أو بنصف المائة أو بخمسين لم يستحق أحدهما أكثر من نصف الوصية سواء كان شريكه حيا أو ميتا لانه عين وصيته في النصف فلم يكن له حق فيما سواه. * (مسألة) * (فان وصى لوارثه واجنبي بثلثه فأجاز سائر الورثة وصية الواراث فالثلث بينهما نصفين) وان وصى لكل واحد منهما بمعين قيمتهما الثلث فأجاز سائر الورثة وصية الوارث جازت الوصيتان

[ 499 ]

لهما وان ردوا بطلت وصية الوارث في المسئلتين وللاجنبي السدس في الاولى والمعين الموصى له به في الثانية وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وغيرهم * (مسألة) * (وان وصى لهما بثلثي ماله وأجاز الورثة لهما جازت وان عينوا نصيب الوارث بالرد وحده فللاجنبي الثلث كاملا) لانهم خصوا الوارث بالابطال فالثلث كله للاجنبي وسقطت وصية الوراث فصار كأنه لم يوص له وان أبطلوا الزائد عن الثلث من غير تعيين نصيب أحدهما فالثلث الباقي بين الوصيين لكل واحد منهما السدس وهذا الذي ذكره القاضي هو قول مالك والشافعي لان الوارث يزاحم الاجنبي إذا أجاز الورثة الوصيتين فيكون لكل واحد منهما الثلث فإذا أبطلوا نصفهما بالرد كان البطلان راجعا اليهما وما بقي منهما بينهما كما لو تلف ذلك بغير الرد، اختار أبو الخطاب أن الثلث جميعه للاجنبي وحكي نحوه عن أبي حنيفة لانهم لا يقدرون على إبطال الثلث فما دون إذا كان لاجنبي ولو جعلنا الوصية بينهما لملكوا ابطال ما زاد على السدس فان صرح الورثة بذلك فقالوا أجزنا الثلث لكما ورددنا ما زاد عليه من وصيتكما أو قالوا رددنا من وصية كل واحد منكما نصفها وبقينا له نصفها كان ذلك آكد

[ 500 ]

في جعل السدس لكل واحد منهما لتصريحهم به وان قالوا أجزنا وصية الوارث كلها ورددنا وصية الاجنبي فهو على ما قالوا لان لهم أن يجيزوا لهما وان يردوا عليهما فكان لهم أن يجيزوا لاحدهما ويردوا على الآخر، وان أجازوا للاجنبي جميع وصيته وردوا على الوارث نصف وصيته جاز كما قلنا وان أرادوا أن ينقصوا الاجنبي عن نصف وصيته لم يملكوا ذلك سواء أجازوا للوارث أو ردوا عليه فان ردوا جميع وصية الوارث ونصف وصية الاجنبي فعلى قول القاضي لهم ذلك لان لهم أن يجيزوا الثلث لهما فيشتركان فيه ويكون لكل واحد منهما نصفه ثم إذا رجعوا فيما للوارث لم يزد الاجنبي على ما كان له في حالة الاجازة للوارث وعلى قول أبي الخطاب يتوفر الثلث كله للاجنبي لانه إنما ينقص منه بمزاحمة الوارث فإذا زالت المزاحمة وجب توفير الثلث عليه لانه قد أوصى له به * (مسألة) * (ولو وصى بماله لابنيه وأجنبي فردوا وصية الوارث فهو على ما قال وان أجازوا للوارث فالثلث بينهما) لان الوصية تتعلق بالشرط ولو قال أوصيت لفلان بثلثي فان مات قبلي فهو لفلان صح فان وصى لوارثه فأجاز بعض باقي الوثة الوصية دون البعض نفذ في نصيب من أجاز وحده وان أجازوا بعض الوصية دون بعض نفذت فيما أجازوا دون ما لم يجيزوا وان أجاز بعضهم بعض الوصية وأجاز بعضهم جميعها أو ردوها فهو على ما فعلوا من ذلك فلو خلف ثلاثة بنين وعبدا لا يملك غيره فوصى به لاحدهم أو وهبه اياه في مرض موته فأجاز له أخواه فهو له وان أجاز أحدهما وحده فله ثلثاه وان أجاز له نصف العبد فله نصفه ولهما نصفه وان أجاز أحدهما له نصف نصيبه ورد الاخر فله النصف الثلث بنصيبه والسدس من نصيب المجيز، وان أجاز كل واحد منهما له نصف نصيبه كمل له الثلثان وان أجاز له

[ 501 ]

أحدهما نصف نصيبه والآخر ثلثه أو باع نصيبه كمل له ثلاثة أرباع العبد وان وصى بالعبد لاثنين منهما فللثالث أن يجيز لهما أو يرد عليهما أو يجيز لهما بعض وصيتهما ان شاء متساويا وان شاء متفاضلا أو يرد على أحدهما ويجيز للآخر وصيته كلها أو بعضها أو يجيز لاحدهما جميع وصيته وللآخر بعضها فكل ذلك جائز لان الحق له فكيفما شاء فعل فيه * (مسألة) * (وان وصى لزيد والفقراء والمساكين بثلثه فلزيد التسع) وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد، وعن محمد لزيد الخمس وللفقراء الخمسان وللمساكين الخمسان لان أقل الجمع اثنان ولاصحاب الشافعي وجهان (أحدهما) كقولنا (والثاني) له السبع لان أقل الجمع ثلاثة فإذا انضم إليهم صاروا سبعة ولنا أنه وصى لثلاث جهات فوجب أن يقسم بينهم بالسوية كما لو وصى لزيد وعمرو وخالد وان كان زيد مسكينا لم يدفع إليه من سهم المساكين شئ وبه قال الحسن واسحاق لان عطفهم عليه يدل على المغايرة بينهم إذ الظاهر بين المعطوف والمعطوف عليه المغايرة ولان تجويز ذلك يفضي إلى تجويز دفع نصيب المساكين كله إليه ولفظه يقتضي خلاف ذلك فأما ان كانت الوصية لقوم يمكن استيعابهم وحصرهم مثل أن يقول هذا لزيد واخوته فهي كالتي قبلها ويحتمل أن يكون كأحدهم لانه شرك بينه وبينهم على وجه لا يجوز الاخلال ببعضهم فتتساووا فيه كما لو قال هذا لكم

[ 502 ]

باب الموصى به تصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه كالآبق والشارد والطير في الهواء والحمل في البطن واللبن في الضرع لان الوصية إذا صحت بالمعدوم فبغيره أولى ولانها أجريت مجرى الميراث وهذا يورث فيوصى به فان قدر عليه أخذه وسلمه إذا خرج من الثلث وللوصي السعي في تحصيله فان قدر عليه أخذه إذا خرج من الثلث. (فصل) وتصح بالحمل إذا كان مملوكا بان يكون رقيقا أو حمل بهيمة مملوكة لان الغرر والخطر لا يمنع صحة الوصية فجرى مجرى اعتاق الحمل فان انفصل ميتا بطلت الوصية وان خرج حيا وعلمنا وجوده حال الوصية أو حكمنا بوجوده صحت الوصية وان لم يكن كذلك لم يصح لجواز حدوثه * (مسألة) * (وتصح بالمعدوم) فلو قال أوصيت لك بما تحمل جاريتي هذه أو ناقتي هذا أو نخلتي هذه صح لما ذكرنا من صحتها مع الغرر سواء وصى بما تحمله أبدا أو مدة بيعها لان المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة فجاز أن يملك بالوصية فان حصل منه شئ والا بطلت وصيته لان الموصى به عدم فبطلت الوصية به كالموهوب إذا عدم لان الوصية كالهبة وان وصى له بمائة لا يملكها صح فان قدر عليه عند الموت أو على شئ منها والا بطلت لما ذكرنا في المسألة قبلها * (مسألة) * (وتصح بما فيه نفع مباح من غير المال كالكلب والزيت النجس

[ 503 ]

تصح الوصية بالكلب المباح اقتناؤه ككلب الصيد والماشية والحرب لان فيه نفعا مباحا وتقر اليد عليه والوصية تبرع فصحت في المال وفي غير المال كالهبة، وإن كان مما لا يباح اقتناؤه لم تصح الوصية به سواء قال كلبا من كلابي أو من مالي لانه لا يصح شراء الكلب لانه لا قيمة له بخلاف ما إذا أوصى له بشاة ولا شاة له فانه يمكن تحصيلها بالشراء فان كان له كلب ولا مال له سواه فله ثلثه وإن كان له مال سواه فقد قيل للموصى له جميع الكلب وإن قل المال لان قليل المال خير من الكلب لكونه لا قيمة له وقيل للموصى له به ثلثه وان كثر المال لان موضوع الوصية على أن يسلم ثلثا التركة للورثة وليس في التركة شئ من جنس الموصى به (فصل) وان وصى لرجل بكلابه ولآخر بثلث ماله فلموصى له بالثلث الثلث وللموصى له بالكلاب ثلثها وجها واجها واحدا لان ما حصل الورثة من ثلثي المال قد جازت الوصية فيما يقابله من حق الموصي له وهو الثلث فلا يحسب عليهم في حق الكلاب ولو وصى بثلث ماله ولم يوص بالكلاب دفع إليه ثلث المال ولم يحتسب بالكلاب على الورثة لانها ليست بمال وإذا قسمت الكلاب بين الوارث والموصى له أو بين اثنين موصى لهما بها قسمت على عددها لانها لا قيمة لها فان تشاحوا في بعضها فينبغي ان يقرع بينهم وان وصى له بكلاب وله كلاب يباح اتخاذها ككلاب الصيد والماشية والحرث فله واحد منها بالقرعة أو ما احب الورثة على الرواية الاخرى وان كان له كلب يباح اتخاذه وكلب هراس فله الكلب المباح ومذهب الشافعي في هذا الفصل على ما ذكرنا إلا انه يجعل للموصى له بكلب ما احب الورثة دفعه إليه ولا تصح الوصية بالجر والصغير في احد الوجهين وتصح في الآخر بناء على جواز اقتنائه وتربيته للصيد وقد سبق ذلك في كتاب البيع

[ 504 ]

(فصل) فاما الزيت النجس فان قلنا بجواز الاستصباح به فهو كالكلب الذي يباح اتخاذه وان قلنا لا يجوز لم تصح الوصية لانه ليس فيه نفع مباح أشبه الخنزير (فصل) ولا تصح الوصية بالخنزير ولا بشئ من السباع التي لا تصلح للصيد كالاسد والذئب لانها لا منفعة فيها ولا تصح بشئ ليس فيه منفعة مباحة من غيرها كالخمر والميتة ونحوهما لان الوصية تمليك فلا تصح بذلك كالهبة ولان ذلك محرم فلا تصح الوصية به كالخنرير * (مسألة) * (وتصح الوصية بالمجهول كعبد وشاة لان الوصية تصح بالمعدوم فالمجهول بطريق الاولى ولان المجهول ينتقل إلى الوراث فصحت الوصية به كالمعلوم ويعطيه الورثة ما شاءوا مما يقع عليه الاسم لانه اليقين كما لو أقر له بعبد فان لم يكن له عبيد اشترى له ما سمي عبدا وان كان له عبيد اعطاه الورثة ما شاءوا لما ذكرنا وقال القاضي يعطيه الورثة ما شاءوا من ذكر أو أنثى قال شيخنا والصحيح عندي أنه لا يستحق إلا ذكرا فان الله تعالى قرق بين العبيد والاماء بقوله سبحانه (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) والمعطوف يغاير المعطوف عليه ظاهرا ولانه في العرف كذلك فانه لا يفهم من اطلاق اسم العبد إلا الذكر فانه لو وكله في شراء عبد لم يكن له شراء أمة وان وصى له بأمة لم يكن له أن يعطيه إلا أنثى وليس له أن يعطيه خنثى مشكلا لانه لا يعلم كونه

[ 505 ]

ذكرا ولا أنثى وإن وصى له بواحد من رقيقه أو برأس مما ملكت يمينه دخل في وصيته الذكر والانثى والخنثى. * (مسألة) * (فان اختلف الاسم بالحقيقة والعرف كالشاة في العرف اسم للانثى والبعير والثور اسم المذكر غلب العرف) في اختيار شيخنا لان الظاهر أن المتكلم إنما يتكلم بعرفه ولا يريد إلا ما يفهمه أهل بلده وقال أصحابنا تغلب الحقيقة ولهذا يحمل عليه كلام الله تعالى وكلام رسوله. فعلى هذا إذا أوصى له بشاة يتناول الضأن والمعز قال أصحابنا ويتناول الصغيرة والكبيرة والانثى لان اسم الشاة يتناول جميع ذلك بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " في أربعين شاة شاة " يريد الذكور والاناث والصغار والكبار وقال شيخنا لا يتناول إلا أنثى كبيرة إلا أن يكون في عرفهم في بلد يتناول ذلك، فاما من لا يتناول عرفهم إلا الاناث فان وصيته لا نتناول إلا ما يسمى في عرفهم لما ذكرنا، والكبش الذكر الكبير من الضأن والتيس لا يقع إلا على الذكر الكبير من المعز فان وصى بعشرة من الغنم تناول عشرة من الذكور والاناث والصغار والكبار (فصل) وان وصى بجمل فهو الذكر وان وصى بناقة فهي الانثى وان قال عشرة من إبلي وقع على الذكر والانثى جميعا ويحتمل أنه إن قال عشرة بالهاء فهي للذكور وان قال عشر فهو للاناث وكذلك الغنم لان العدد في العشرة من الثلاثة إلى العشرة للذكور بالها وللمؤنث بغيرها قال الله تعالى (سخرها

[ 506 ]

عليهم سبع ليال وثمانية أيام) وان وصى ببعير ففيه وجهان (أحدهما) هو للذكر وحده لانه في العرف اسم له (والثاني) هو للذكر والانثي لانه يتناولهما جميعا في لسان العرب فيقول حلبت البعير يريد الناقة، والجمل في لسانهم كالرجل من بني آدم والناقة كالمرأة والبكرة كالفتاة وكذلك القلوص والبعير كالانسان وان وصى له بثور فهو ذكر وان وصى ببقرة فهي أنثى * (مسألة) * (والدابة اسم للذكر والانثى من الخيل والبغال والحمير) لان الاسم في العرف يقع على جميع ذلك فان قرن به ما يصرفه إلى أحدها كقوله دابة يقاتل عليها انصر ف إلى الخيل وان قال دابة ينتفع بظهرها ونسلها خرج منه البغال وخرج منه الذكر وان وصى له بحمار فهو ذكر والاتان انثى وان وصى بحصان فهو ذكر والفرس يتناول الذكر والانثى * (مسألة) * (وان وصى له بغير معين كعبد من عبيده صح ويعطيه الورثة ما شاءوا) الوصية بغير معين كعبد من عبيده وشاة من غنمه صحيحة وقد ذكرنا صحة الوصية بالمجهول فيما مضى وبه يقول مالك والشافعي واسحاق، واختلفت الرواية فيما يستحقه الموصى له فروي أنه يستحق أحدهم بالقرعة اختارها الخرقي ونقل ابن منصور أنه يعطى أخسهم يعني يعطيه الورثة ما أحبوا وهو قول الشافعي وقال مالك قولا يقتضي أنه إذا وصى بعبد وله ثلاثة أعبد فله ثلثهم وان كانوا أربعة فله ربعهم فانه قال إذا وصى بعشر من ابله وهي مائة يعطى عشرها والنخل والرقيق والدواب على ذلك والصحيح ان

[ 507 ]

شاء الله تعالى أنه يعطى عشرة بالعدد لانه الذي تناوله لفظه ولفظه هو المقتضى فلا يعدل عنه لكن يعطى واحدا بالقرعة لانه يستحق واحدا غير معين وليس واحد بأولى من واحد فوجب المصير إلى القرعة كما لو أعتق واحدا منهم وعلى ما نقله ابن منصور يعطيه الورثة ما شاءوا من صحيح أو معيب جيد أو ردئ لانه يتناوله اسم العبد فاجزأ كما لو وصى له بعبد ولم يضفه إلى عبيده * (مسألة) * (وان لم يكن له عبيد لم تصح الوصية في أحد الوجهين) لانه أوصى له بلا شئ فهو كما لو قال أوصيت لك بما في كيسى ولا شئ فيه أو بداري ولا دار له وهذا أحد الوجهين، فان اشترى قبل موته عبيدا احتمل أن لا تصح الوصية لانها وقعت باطلة فهو كما لو قال أوصيت لك بما في كيسي ولا شئ فيه ثم جعل في كيسه شيئا، ولان الوصية تقتضي عبدا من الموجودين حال الوصية، وقد روى ابن منصور عن أحمد فيمن قال في مرضه أعطوا فلانا من كيسي مائة درهم فلم يوجد في كيسه شئ يعطى مائة درهم فلم يبطل الوصية لانه قصد اعطاء مائة درهم وظنها في الكيس فإذا لم يكن له في الكيس أعطي من غيره فكذلك يخرج في الوصية بعبد من عبيده إذا لم يكن له عبيد يشترى له عبد ويعطاه وهذا الوجه الثاني ووجهه أنه لما تعذرت الصفة بقي أصل الوصية فأشبه ما لو وصى له بألف لا يملكه ثم ملكه * (مسألة) * (فان كان عبيد فماتوا إلا واحدا تعينت الوصية فيه وكذلك لان لم يكن له إلا عبد واحد لتعذر تسليم الباقي، وان تلف رقيقه جميعهم قبل موت الموصي بطلت الوصية لانها إنما تلزم بالموت ولا عبيد له حينئذ، وان تلفوا بعد موته بغير تفريط من الورثة بطلت أيضا لان التركة عند الورثة غير مضمونة لانها حصلت في أيديهم بغير فعلهم، وان قتلهم قاتل فللموصى له قيمة أحدهم مبنيا على

[ 508 ]

الروايتين فيمن يستحقه منهم في الحياة إما قيمة أحدهم بالقرعة أو قيمة من يختاره الورثة لانه بدل عما وجب له. * (مسألة) * (وان وصى له بقوس وله أقواس للرمي والبندق والندف فله قوس النشاب لانه أظهرها إلا أن يقترن به قرينة تصرفه إلى غيره وعند أبي الخطاب له أحدهم بالقرعة كالوصية بعبد من عبيده) إذا وصى له بقوس صحت الوصية لان فيه منفعة مباحة سواء كان قوس نشاب وهو الفارسي أو نبل وهو العربي أو قوس يمجرى أو قوس جرح أو ندف أو بندق فان لم يكن له إلا قوس واحد من هذه القسي تعينت الوصية فيه وان كانت له جميعها وكان في لفظه أو حاله قرينة تصرفه إلى أحدهما انصرف إليه مثل أن يقول قوس يندف به أو يتعيش به أو نحو ذلك فهذا يصرفه إلى قوس الندف وان قال قوس يغزو به خرج منه قوس الندف والبندق، وان كان الموصى له ندافا لا عادة له بالرمي أو بندقانيا لا عادة له بالرمي بشئ سواه أو يرمي بقوس غيره ولا يرمي بسواه انصرفت الوصية إلى القوس الذى يستعمله عادة لان ظاهر حال الموصي أنه قصد نفعه بما جرت عادته بالانتفاع به فان انتفت القرائن فاختار أبو الخطاب أنه يأخذ أحدها بالقرعة كالوصية بعبد من عبيده أو يعطيه الورثة ما يختارونه لان اللفظ يتناول جميعها قال شيخنا والصحيح أن وصيته لا تتناول قوس الندف، ولا البندق ولا العربية في بلد لا عادة لهم بالرمي بها، وهذا مذهب الشافعي، إلا أنه لم يذكر العربية،

[ 509 ]

ويكون له واحد مما عدا هذه لان هذه لا يطلق عليها اسم القوس في العادة من غير أهلها حتى يضيفها فيقول قوس القطن أو الندف أو البندق، وأما لعربية فلا يتعارفها غير طائفة من العرب فلا يخطر ببال الموصي غالبا ويعطى القوس معموله لانها لا تسمى قوسا إلا كذلك، ولا يستحق وترها لان الاسم يقع عليها دونه، وفيه وجه آخر أنه يعطاها بوترها لانها لا ينتفع بها إلا به فكان كجزء من أجزائها. * (مسألة) * (وإن وصى له بطبل حرب صحت الوصية به لان فيه منفعة مباحة، وإن كان بطبل لهو لا يصلح إلا للهو لم تصح لعدم المنفعة المباحة، فان كان إذا فصل صلح للحرب لم تصح الوصية به أيضا لان منفعة في الحال معدومة، فان كان يصلح لهما صحت الوصية به لان المنفعة به قائمة، وان وصى له بطبل واطلق وله طبلان تصح الوصية بأحدهما دون الآخر انصرفت الوصية إلى الطبل المباح فان كان له طبول تصح الوصية بجميعها فله أحدها بالقرعة أو ما شاء الورثة على اختلاف الروايتين. وان وصى بدف صحت الوصية به لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " اعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف " ولا تصح الوصية بمزمار ولا طنبور ولا عود لهو لانها محرمة وسواء كانت فيها الاوتار أو لم تكن لانها مهيأة لفعل المعصية فأشبه ما لو كانت فيه الاوتار. * (مسألة) * (وتنفذ الوصية فيما علم من ماله أو لم يعلم) وقال مالك لا تنفذ الا فيما علم، وحكي ذلك عن ابان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك

[ 510 ]

إلا في المدبر فانه يدخل في كل شئ. ولنا أنه من ماله فدخل في وصيته كالمعلوم ولان الوصية بجزء من ماله لفظ عام فيدخل فيه ما لم يعلم به من ماله كما لو نذر الصدقة بثلثه * (مسألة) * (وإن وصى بثلثه فاستحدث مالا دخل ثلثه في الوصية) في قول أكثر أهل العلم ولا فرق عندهم بين التلاد والمستفاد في أنه يعتبر ثلث الجميع وممن قال ذلك النخعي والاوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لانه من ماله يرثه ورثته وتقضى منه ديونه أشبه ما ملكه قبل الوصية ولما ذكرنا في التي قبلها. * (مسألة) * (وإن قتل وأخذت ديته فهل تدخل الدية في الوصية ? على روايتين) (احداهما) تدخل قال مهنا روي عن أحمد فيمن أوصى بثلث ماله أو جزء مشاع فقتل الموصي وأخذت ديته فقال يستحق منها، وروي عن على رضي الله عنه في دية الخطأ مثل ذلك، وهو قول الحسن ومالك (والثانية) لا تدخل في وصيته نقلها ابن منصور وروي ذلك عن مكحول وشريك وأبي ثور وداود وهو قول اسحاق، وقال مالك في دية العمد لان الدية انما تجب للورثة بعد موت الموصي لان سببها الموت فلا يجوز وجوبها قبله لان الحكم لا يتقدم سببه ولا يجوز أن يجب للميت بعد موته لانه بالموت تزول أملاكه الثابتة له فيكف يتجدد له ملك فلا تدخل في الوصية لان الميت إنما

[ 511 ]

يوصى بجزء من ماله لا بمال ورثته، ووجه الرواية الاولى أن الدية تجب للميت لانها بدل نفسه ونفسه له فكذلك بدلها، ولان بدل أطرافه في حياته له فكذلك بدل نفسه بعد موته، ولذلك تقضى منها ديونه ويجهز منها إن كان قبل تجهيزه، وإنما يجوز ورثته من أملاكه ما استغنى عنه فاما ما تعلقت به حاجته فلا ولانه يجوز أن يتجدد له ملك بعد الموت كمن نصب شبكة فسقط فيها شئ بعد موته فانه يملكه بحيث تقضى منه ديونه ويجهز فكذلك ديته لان تنفيذ وصيته من حاجته فأشبه قضاء دينه. * (مسألة) * (فان وصى بمعين بقدر نصف الدية فهل الدية على الورثة من الثلثين؟ على وجهين) بناء على الروايتين فعلى الرواية الاولى تحسب الدية من ماله فان كانت وصيته بقدر نصف الدية أو أقل منه نفذت الوصية والا أخرج منه قدر ثلثها. وعلى الرواية الثانية لا تحسب الدية وتخرج الوصية من تلاد ماله دون ديته بناء على أن الدية ليست من ماله. * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (وتصح الوصية بالمنفعة المفردة وتصح بخدمة عبد ومنفعة أمة وغلة دار وبثمرة بستان أو شجرة سواء وصى بذلك مدة معلومة أو بجميع الثمرة والمنفعة في الزمان كله وهذا قول الجمهور منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن أبي ليلى لا تصح الوصية بالمنفعة المفردة لانها معدومة. ولنا أنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة فتصح الوصية بها كالاعيان ويعتبر خروج ذلك من ثلث المال

[ 512 ]

نص عليه أحمد في سكنى الدار وهو قول من قال بصحة الوصية بها، وان لم تخرج من الثلث أجيز منها بقدر الثلث، وقال مالك إذا وصى بخدمه عبده سنة فلم تخرج من الثلث فالورثة بالخيار بين تسليم خدمته سنة وبين المال، وقال أصحاب الرأي وأبو ثور إذا وصى بخدمة عبده سنة فان العبد يخدم الموصى له يوما والورثة يومين حتى يستكمل الموصى له سنة فان أراد الورثة بيع العبد بيع على هذا ولنا أنها وصية صحيحة فوجب تنفيذها على صفتها إذا اخرجت من الثلث أو بقدر ما خرج من الثلث منها كسائر الوصايا أو كالاعيان إذا ثبت هذا وأريد تقويمها وكانت الوصية مقيدة بمدة قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة تلك المدة ثم تقوم المنفعة في تلك المدة فينظر كم قيمتها (فصل) فان أراد الموصى له بمنفعة العبد أو الدار اجارة العبد أو الدار في المدة التي أوصى له بنفعها فله ذلك، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا تجوز اجارة المنفعة المستحقة بالوصية لانه أوصى له باستيفائه. ولنا أنها منفعة يملكها ملكا تاما فملك أخذ العوض عنها بالاعيان كما لو ملكها بالاجارة وإن أراد الموصى له اخراج العبد عن البلد فله ذلك وبه قال أبو ثور، وقال أصحاب الرأي لا يخرجه إلا أن يسكون أهله في غير البلد فيخرجه إلى أهله.

[ 513 ]

ولنا أنه مالك لنفعه فملك إخراجه كالمستأجر. * (مسألة) * (إذا أوصى بمنافع عبده أو أمته أبدا أو مدة بعينها فللورثة عتقها لانها مملوكة لهم ومنفعتها باقية للموصى له ولا يرجع على المعتق بشئ وان أعتقه صاحب المنفعة لم يعتق لان العتق للرقبة وهو لا يملكها فان وهب صاحب المنفعة منافعه للعبد أو أسقطها عنه فللورثة الانتفاع به لان ما يوهب للعبد يكون لسيده. (فصل) ولهم بيعها وتباع مسلوبة المنفعة ويقوم المشتري مقام البائع فيما له وعليه وقيل لا يجوز بيعها لان ما لا نفع فيه لا يصح بيعه كالحشرات والميتات وقيل يجوز بيعها لمالك منفعتها دون غيره لان مالك منفعتها يجتمع له الرقبة والمنفعة فينتفع بذلك بخلاف غيره ولذلك جاز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لصاحب الشجرة دون غيره وكذلك بيع الزرع لصاحب الارض، ووجه الاول انها أمة مملوكة تصح الوصية بها فصح بيعها لغيره ولانه يمكنه اعتاقها وتحصيل ولائها وثواب عتقها بخلاف الحشرات. * (مسألة) * (ولهم ولاية تزويجها لانهم يملكون رقبتها) وليس لهم ذلك إلا باذن صاحب المنفعة وليس لواحد منهما تزويجها منفردا لان مالك المنفعة لا يملك رقبتها وصاحب المنفعة يتضرر به فان انفقا على ذلك جاز لان الحق لهما وكذلك لو طت

[ 514 ]

التزويج وجب ترويجها عند طلبها لانه لحقها وحقها في ذلك مقدم عليهما لانها لو طلبته من سيدها الذي يملك رقبتها ومنفعتها لزمه ذلك وقدم حقها على حقه ووليها في الموضعين مالك الرقبة لانه مالكها. * (مسألة) * (ومهرها ههنا وفي كل موضع واجب للورثة) في اختار شيخنا لان منافع البضع لا تصح الوصية بها مفردة ولا مع غيرها، ولا يجوز نقلها مفردة عن الرقبة بعد التزويج وإنما هي تابعة للرقبة فتكون لصاحبها وعند أصحابنا المهر للموصى له بالمنفعة لانه من منافعها. * (مسألة) * (وان وطئت بشبهة فالولد حر لان وطئ الشبهة يكون الولد حرا لاعتقاد الواطئ انه يطأ في ملك فهو كوطئ المغرور بأمة وتجب قيمته يوم وضعه لصاحب الرقبة في أحد الوجهين وفي الآخر يشتري بها ما يقوم مقامها ويجب على الواطئ لانه الذي فوت رقه وانما اعتبرت قيمته يوم الوضع لان مقتضى الدليل أن تجب قيمته حين العلوق لانه وقت نفويت الحرية فلما يكن ذلك قومناه في أول حال الامكان وذلك حالة وضعه وهي للورثة ولا شئ للوصي فيها لانه انما وصى له بنفع الام وليس الولد من المنافع ولا وصى له بمنفعته فلا يستحقه. * (مسألة) * وان قتلت فللورثة قيمتها في أحد الوجهين) لانهم مالكوها لان القيمة بدل الرقبة فتكون لصاحبها وتبطل الوصية بالمنفعة كما تبطل الاجارة وفي الوجه الآخر يشتري بها ما يقوم مقامها لان كل حق تعلق بالعين تعلق ببدلها إذا لم يبطل استحاقها ويفارق الزوجة والعين المستأجرة لان الاستحقاق يبطل بتلفهما

[ 515 ]

* (مسألة) * (وللوصي استخدامها واجارتها واعارتها) لان الوصية له بنفعها وهذا منه * (مسألة) * (وليس لواحد منهما وطؤها) لان صاحب المنفعة لا يملك رقبتها ولا هو زوجها ولا يباح وطئ بغيرهما لقول الله تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) وصاحب الرقبة لا يملكها ملكا تاما ولا يأمن أن تحمل منه فربما أفضى إلى هلاكها وايهما وطئها فلا حد عليه لانه وطئ بشبهة لوجود الملك لكل واحد منهما وولده حر لانه من وطئ شبهة فان كان الواطئ صاحب المنفعة لم تصر أم ولد له لانه لا يملكها وعليه قيمة ولدها يوم وضعه وحكمها على ما ذكرنا فيما إذا وطئها اجنبي بشبهة وان كان الواطئ مالك الرقبة صارت ام ولدله لانها علقت منه بحر في ملكه وفي وجوب قيمته عليه الوجهان، وأما المهر فان كان الواطئ ملك الرقبة فلا مهر عليه في اختيار شيخنا وله المهر على صاحب المنفعة ان كان هو الواطئ وعند أصحابنا وأصحاب الشافعي ينعكس الحال وقد تقدم تعليل ذلك ويحتمل ان يجب الحد على صاحب المنفعة إذا وطئ لانه لا يملك الا المنفعة فوجب عليه الحد كالمستأجر وعلى هذا يكون ولده مملوكا * (مسألة) * (وان ولدت من زوج أو زنا فحكمه حكمها) لان الولد يتبع الام في حكمها كولد المكاتبة والمدبرة ويحتمل ان يكون لمالك الرقبة لان ذلك ليس من النفع الموصى به ولا هو من الرقبة الموصى بنفعها

[ 516 ]

* (مسألة) * (وفي نفقتها ثلاثة أوجه) (أحدها) تجب على مالك الرقبة وهو الذي ذكره الشريف أبو جعفر مذهبا لاحمد وبه قال أبو ثور وهو ظاهر مذهب الشافعي لان النفقة على الرقبة فكانت على صاحبها كنفقة العبد المستأجر وكما لو لم يكن له منفعة قال الشريف ولان الفطرة تلزمه والفطرة تتبع النفقة ووجوب التابع على انسان دليل على وجوب المتبوع عليه (والثاني) تجب على صاحب المنفعة وهو قول الاصطخري وأصحاب الرأي وهو أصح ان شاء الله تعالى لانه يملك نفعها على التأبيد فكانت النفقة عليه كالزوج ولان نفعه له فكان عليه ضرره وكالمالك لهما جميعا يحققه أن إيجاب النفقة على من لا نفع له ضرر مجرد فيصير معنى الوصية أوصيت لك بنفع أمتي وابقيت على ورثتي ضررها والشرع ينفي هذا بقوله " لا ضرر ولا اضرار " ولذلك جعل الخراج بالضمان ليكون ضرره على من له نفعه وفارق المستأجر فان نفعه في الحقيقة للمؤجر لانه يأخذ الاجر عوضا عن المنافع (والثالث) أنها تجب في كسبه وهذا راجع إلى إيجابها على صاحب المنفعة لان كسبه من منافعه فإذا صرفت في نفقته فقد صرفت المنفعة الموصى بها بها إلى النفقة فصار كما لو صرف إليه شيئا من ماله سواء فان لم يكن لها كسب فقيل تجب نفقتها في بيت المال لان مالك الرقبة لا ينتفع بها وصاحب المنفعة لا يملك الرقبة فلا يلزمه اجبارها وكذلك سائر الحيوانات الموصى بمنفعتها قياسا على الامة.

[ 517 ]

* (مسألة) * (وفي اعتبارها من الثلث وجهان) (أحدهما) يعتبر جميعها من الثلث يعني تقوم بمنفعتها ويعتبر خروج ثمنها من الثلث لان أمة لا منفعة فيها لا قيمة لها غالبا (والثاني) تقوم بمنفعتها ثم تقوم مسلوبة المنفعة فيعتبر ما بينهما فإذا كان قيمتها بمنفعتها مائة وقيمتها مسلوبة المنفعة عشر علمنا ان قيمة المنفعة تسعون. * (مسألة) * (وان وصى لرجل برقبتها ولآخر بمنفعتها صح) وصاحب الرقبة كالوارث فيما ذكرنا (فصل) وإذا وصى بثمرة شجرة مدة أو بماء تثمر أبدا صح ولا يملك واحد من الموصى له والوارث اجبار الآخر على سقيها لانه لا يجبر على سقي ملكه ولا سقي ملك غيره فان أراد أحدهما سقيها بحيث لا يضر بصاحبه لم يملك الآخر منعه فان يبست الشجرة فحطبها للوارث وان وصى له بثمرتها مدة بعينها فلم تحمل في تلك المدة فلا شئ للموصى له وان قال لك ثمرتها أول عام تثمر صح وله ثمرتها في ذلك العام وكذلك إذا وصى له بما تحمل أمته أو شاته وان وصى لرجل بشجرة ولآخر بثمرتها صح وقام صاحب الرقبة مقام الوراث فيما له وان وصى له بلبن شاته وصوفها صح كما تصح الوصية بثمرة الشجرة وان أوصى بلبنها أو صوفها صح ويقوم الموصى به دون العين (فصل) وإذا وصى لرجل بحب زرعه ولآخر بتبنه صح والنفقة بينهما لان كل واحد منهما تعلق حقه بالزرع فان امتنع أحدهما من الانفاق فهما بمنزلة الشريكين أصل الزرع إذا امتنع أحدهما من

[ 518 ]

سقيه والانفاق عليه فيخرج في ذلك وجهان (أحدهما) يجبر على الانفاق عليه هذا قول أبي بكر لان في ترك الانفاق ضررا عليهما واضاعه للمال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا إضرار " ونهى عن اضاعة المال (والثاني) لا يجبر على الانفاق على ما نصيبه ولا على مال غيره إذا كان كل واحد منهما منفردا فكذلك إذا اجتمعها واصل الوجهين إذا استهدم الحائط المشترك فدعا أحد الشريكين الآخر إلى مباناته فامتنع وينبغي أن تكون النفقة عليهما على قدر قيمة كل واحد منهما كما لو كانا مشتركين في أصل الزرع (فصل) وان أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه صح وليس لواحد منهما الانتفاع به إلا باذن الآخر وايهما طلب قلع الفص من الخاتم أجيب إليه وأجبر الآخر عليه وان انفقا على بيعه واصطلحا على لبسه جاز لان الحق لهما (فصل) فان وصى لرجل بدينار من غلة داره وغلتها ديناران صح فان أراد الورثة بيع نصفها وترك النصف الذي أجره دينار فله منعهم منه لا يجوز أن ينقص أجره عن الدنيا وان كانت الدار لا يخرج من الثلث فلهم بيع ما زاد عليه خاصة وترك الباقي فان كان عليه دينار أو أقل فهو للموصى له وان زادت فله دينار والباقي للورثة. * (مسألة) * تصح الوصية بالمكاتب إذا قلنا يصح بيعه)

[ 519 ]

لانه مملوك يصح بيعه فصحت الوصية به كالقن ويقوم من انتقل إليه مقام السيد في الاداء إليه وان عجز عاد رقيقا له وان عتق فالولاء له كالمشتري فان عجز في حياة الموصي لم تبطل الوصية لان رقه لا ينافيها وان أدى بطلت فان قال ان عجز ورق فهو لك بعد موتي فعجز في حياة الموصي صحت الوصية وان عجز بعد موته بطلت كما لو قال لعبده ان دخلت الدار فانت حر بعد موتي فلم يدخلها حتى مات سيده وان قال ان عجز بعد موتي فهو لك ففيه وجهان نذكرهما في العتق فيما إذا قال ان دخلت الدار بعد موتى فأنت حر * (مسألة) * وان وصى له بمال الكتابة أو ينجم منها صح لانها تصح بما ليس بمستقر كما تصح بما لا يملكه في الحال كحمل الجارية وللموصى له أن يستوفي المال عند حلوله وله ان يبرئ منه ويعتق بأحدهما والولاء لسيده لانه المنعم عليه فان عجز وأراد الوارث تعجيزه وأراد الوصي انظاره فالقول قول الوارث لان حق الوصي في المال إذا كان العقد قائما وحق الوارث متعلق به إذا عجز يوده في الرق وليس للوصي ابطال حق الوارث من تعجيزه وكذلك إن أراد الوارث انظاره واراد الوصي تعجيزه فالحكم للوارث ولا حق للوصي في ذلك ولا نفع له لان حقه يسقط به ومتى عجز عاد عبدا للوارث وان وصى بما يعجله المكاتب صح فان عجل شيئا فهو للوصي وان لم يعجل شيئا حتى حلت نجومه بطلت الوصية

[ 520 ]

* (مسألة) * (وان وصى لرجل برقبته ولآخر بما عليه صح فان أدى إلى صاحب المال أو ابرأه منه عتق وبطلت وصيته صاحب الرقبة) قاله أصحابنا ويحتمل أن لا تبطل ويكون الولاء له لانه أقامه مقام نفسه ولو لم يوص بها كان الولاء له فإذا أوصى بها كان الولاء للموصى له وكما لو وصى له بالمكاتب مطلقا لان الولاء يستفاد من الوصية بالرقبة دون الوصية بالمال وان عجز فسخ صاحب الرقبة كتابته وكان رقيقا له وبطلت وصية صاحب المال وان كان صاحب المال قبض من مال الكتابة شيئا فهو له فان اختلفا في فسخ الكتابة بعد العجز قد قول صاحب الرقبة لانه يقوم مقام الورثة على ما ذكرنا (فصل) فان كانت الكتابة فاسدة فوصى لرجل بما في ذمة المكاتب لم يصح لانه لا شئ في ذمته فان قال أوصيت لك بما أقبضه من مال الكتابة صح لان الكتابة الفاسدة يؤدى منها المال كما يؤدى في الصحيحة وان وصى برقبة المكاتب فيها صح لانها تصح في المكاتبة الصحيحة ففي الفاسدة أولى والله أعلم (فصل) وإذا قال اشتروا بثلثي رقابا فاعتقوهم لم يجز صرفه إلى المكاتبين لانه أوصى بالشراء لا بالدفع إليهم فان اتسع الثلث لم يجز أن يشتري أقل منها لانها أقل الجمع فان قدر أن يشتري أكثر من ثلاثة بثمن ثلاثة غالية كان أولى وأفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أعتق امرأ مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار " ولانه يفرج عن نفس زائدة فكان أفضل من عدم ذلك وان أمكن

[ 521 ]

شراء ثلاثة رخيصة وحصة من الرابعة بثمن ثلاثة غالية فالثلاثة أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الرقاب قال " أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها " والقصد من العتق تكميل الاحكام من الولاية والجمعة والحج والجهاد وسائر الاحكام التي تختلف بالرق والحرية ولا يحصل ذلك الا باعتاق جميعه، وهذا التفصيل والله أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم انما يكون مع التساوي في المصلحة، فأما ان ترجح بعضهم بدين وعفة وصلاح ومصلحة له في العتق بأن يكون مضرورا بالرق وله صلاح في العتق وغيره له مصلحة في الرق ولا مصلحة في العتق بل ربما تضرر به من فوات نفقته وكفايته ومصالحه وعجزه بعد العتق عن عن الكسب وخروجه عن الصيانة والحفظ فان اعتاق من كثرت المصحلة في اعتاقه أفضل وأولى وان قلت قيمته ولا يسوغ اعتاق من في اعتاقه مفسدة لان مقصود الموصي تحصيل الثواب والاجر ولا أجر في اعتاق هذا، ولا يجوز أن يعتق الا رقبة مسلمة فان الله تعالى لما قال (فتحرير رقبة) فلم يتناول الا المسلمة ومطلق كلام الآدمي محمول على مطلق كلام الله تعالى ولا يجوز اعتاق معيبة عيبا يمنع من الاجزاء في الكفارة والله أعلم * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (ومن اوصي له بشئ بعينه فتلف قبل موت الموصي أو بعده بطلت الوصية) كذلك حكاه ابن المنذر فقال أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا اوصي له بشئ فهلك الشئ ان لا شئ له في سائر مال الميت وذلك لان الموصى له انما يستحق بالوصية لا غير وقد تعلقت بمعين فإذا ذهب ذهب حقه كما لو تلف في يده والتركة في يد الورثة غير مضمونة عليهم لانها حصلت في أيديهم بغير فعلهم ولا تفريطهم فلا يضمنوا شيئا * (مسألة) * (ولو تلف المال كله غيره بعد موت الموصي فهو للموصى له)

[ 522 ]

لان حقوق الورثة لم تتعلق به لتعينه للموصى له ولذلك يملك أخذه بغير رضاهم واذنهم فكان حقه فيه دون سائر المال فحقوقهم في سائر المال دونه فأيهما تلف حقه لم يشارك الآخر في حقه كما لو كان التلف بعد ان اخذه الموصي له وكالورثة إذا اقتسموا ثم تلف نصيب احدهم قال احمد فيمن خلف مائتي دينار وعبدا قيمته مائة ووصى لرجل بالعبد فسرقت الدنانير بعد الموت فالعبد للموصى له به * (مسألة) * (وان لم يأخذه زمانا قوم وقت الموت لا وقت الاخذ) وذلك لان الاعتبار في قيمة الوصية وخروجها من الثلث وعدم خروجها بحالة الموت لانها حال لزوم الوصية فتعتبر قيمة المال فيها وهذا قول الشافعي واصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا فينظر كم كان الموصى به وقت الموت فان كان ثلث التركة أو دونه نفذت الوصية واستحقه الموصى له كله فان زادت قيمته حتى صار معادلا لسائر الاموال أو اكثر منه أو هلك المال كله سواه فهو للموصى له ولا شئ للورثة فيه فان كان حين الموت زائدا عن الثلث فللموصى له منه قدر ثلث المال فان كان نصف المال فللموصى له ثلثاه وان كان ثلثيه فللموصى له نصفه وان كان نصف المال وثلثه فللموصى له خمساه فان نقص بعد ذلك أو زاد أو نقص سائر المال أو زاد فليس للموصى له سوى ما كان حين الموت فلو وصى بعبد قيمته مائة وله مائتان فزادت قيمته بعد الموت حتى صار يساوي مائتين فهو للموصى له كله وان كانت قيمته حين الموت مائتين فللموصى له ثلثاه لانهما ثلث المال فان نقصت قيمته بعد الموت حتى صار يساوي مائة لم يزد حق الموصى له عن ثلثيه شيئا الا ان يجيز الورثة وان كانت قيمته اربعمائه فللموصى له نصفه لا يزداد حقه عن ذلك سواء نقص العبد أو زاد * (مسألة) * (فان لم يكن له سوى المعين الا مال غائب أو دين في ذمة موسر أو معسر فللموصى له ثلث الموصى به وكلما اقتضى من الدين شئ أو حضر من الغائب ملك من الموصى به قدر ثلثه حتى يكمله كله)

[ 523 ]

وجملة ذلك ان من اوصى بمعين حاضر وسائر ماله دين أو غائب فليس للوصي اخذ المعين قبل قدوم الغائب وقبض الدين لانه ربما تلف فلا تنفذ الوصية في المعين كله ويأخذ الوصي من المعين ثلثه وهو ظاهر كلام الخرقي ذكره في المدبر وقيل لا يدفع إليه شئ لان الورثة شركاؤه في التركة فلا يحصل له شئ ما لم يحصل الورثة مثلاه ولم يحصل لهم شئ وهذا وجه لاصحاب الشافعي، والصحيح الاول لان حقه في الثلث مستقر فوجب تسليمه إليه لعدم الفائدة في وقفه كما لو لم يخلف غير المعين ولانه لو تلف سائر المال لوجب تسليم ثلث المعين إلى الوصي وليس تلف المال سببا لاستحقاق الوصية وتسليمها ولا يمتنع نفوذ الوصية في الثلث المستقر وان لم ينتفع الورثة بشئ كما لو ابرأ معسرا من دين عليه وقال مالك يخير الورثة بين دفع العين الموصى بها وبين جعل وصيته ثلث المال لان الموصي كان له ان يوصي بثلث ماله فعدل إلى المعين وليس له ذلك لانه بؤدي إلى ان يأخذ الموصى له المعين فينفرد بالتركة على تقدير تلف الباقي قبل وصوله إلى الورثة فيقال للورثة ان رضيتم بذلك والا فعودوا إلى ما كان له ان يوصي به وهو الثلث ولنا أنه اوصى بما لا يزيد على الثلث لاجنبي فوقع لازما كما لو وصى له بمشاع وما قاله لا يصح لان جعل حقه في قدر الثلث اشاعة وابطال لما عينه فلا يجوز اسقاط ما عينه الموصي للموصى له ونقل حقه إلى ما لم يوص به كما لو وصى له بمشاع لم يجز نقله إلى معين، وكما لو كان المال كله

[ 524 ]

حاضرا أو غائبا. إذا ثبت هذا فان للموصى له ثلث العين الحاضرة وكلما اقتضي من دينه شئ أو حضر من الغائب شئ فللموصى له بقدر ثلثه من الموصى به كذلك حتى يكمل للموصى له الثلث أو يأخذ المعين كله، فلو خلف تسعة عينا وعشرين دينارا وابنا ووصى بالتسعة لرجل فللوصي ثلثها ثلاثة وكلما اقتضي من الدين شئ فللوصي ثلثه فإذا اقتضى ثلثه فله من التسعة واحد حتى يقتضي ثمنانية عشر فتكمل له التسعة فان جحد الغريم أو مات أو يئس من استيفاء الدين أخذ الورثة الستة الباقية من العين ولو كان الدين تسعة فان الابن يأخذ ثلث العين ويأخذ الوصي ثلثها ويبقى ثلثها موقوفا كلما استوفي من الدين شئ فللوصي من العين قدر ثلثه فإذا استوفى الدين كله كمل للموصى له ستة وهي ثلث الجميع، وإن كانت الوصية بنصف العين أخذ الوصي ثلثها، واخذ الابن نصفها وبقي سدسها موقوفا، فمتى اقتضي من الدين مثليه كملت وصيته. * (مسألة) * (وكذلك الحكم في المدبر) في أنه يعتق في الحال ثلثه وكلما اقتضي من الدين شئ أو حضر من الغائب شئ عتق منه بقدر ثلثه حتى يعتق جميعا ان خرج من الثلث. (فصل) فان كان الدين مثل العين فوصى لرجل بثلثه فلا شئ له قبل استيفائه فكلما اقتضى منه شئ فله ثلثه وللابن ثلثاه وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر هو أحق بما يخرج من الدين حتى يستوفي وصيته، وهذا قول أهل العراق لان ذلك يخرج من ثلث المال الحاضر.

[ 525 ]

ولنا ان الورثة شركاؤه في الدين وليس له معهم شركة في العين فلا يختص بما يخرج منه دونهم، كما لو كان شريكه في الدين وصيا آخر، وكما لو وصى لرجل بالعين ولاخر بالدين فالمنفرد بوصية الدين لا يختص بما خرج منه دون صاحبه كذا ههنا. (فصل) ولو وصى لرجل بثلث ماله وله مائتان دينا وعبد يساوي مائة ووصى لآخر بثلث العبد اقتسما ثلث العبد نصفين وكلما اقتضى من الدين شئ فللموصى له بثلث المال ربعه، وله وللآخر من العبد بقدر ربع ما استوفى بينهما نصفين فإذا استوفي الدين كله كمل للوصيين نصف العبد ولصاحب الثلث ربع المائتين وذلك هو ثلث المال، وإن استوفي الدين قبل القسمة قسما بينهما كذلك للموصى له ثلث العبد ربعه، لان للوصيين أربعة أتساع المال والجائز منهما ثلث المال وهو ثلاثة أتساع وذلك ثلاثة أرباع وصيتهما، فرددنا كل واحد منهما إلى ثلاثة أرباع وصيته وهي ربع المال كله لصاحب ثلثه وربع العبد لصاحب ثلثه، وفي المسألة أقوال سوى ما قلناه تركناها لطولها، وهذا أسدها إن شاء الله لاننا أدخلنا النقص على كل واحد منهما بقدر ماله في الوصية وكملنا لهما الثلث فان أجيز لهما أخذ كل واحد منهما ما بقي من وصيته وهو ربعها فيكمل ثلث المال لصاحبه وثلث العبد للآخر. (فصل) وان خلف ابنين وترك عشرة عينا وعشرة دينا على أحد ابنيه وهو معسر ووصى لاجنبي بثلث ماله فان الوصي والابن الذي لا دين عليه يقتسمان العشرة العين نصفين ويسقط عن المدين ثلثا

[ 526 ]

دينه ويبقى لهما عليه ثلثه، فان كانت الوصية بالربع قسمت العشرة العين بينهما أخماسا للوصي خمساها أربعة وللابن ستة وسقط عن المدين ثلاثة أرباع دينه وبقي عليه ربعه فإذا استوفى قسم بينهما أخماسا كما قسمت العين لان الوصية بالربع وهو ثمنان ويبقى ستة أثمان لكل ابن ثلاثة أثمان فصار نصيب الوصي والابن الذي لا دين عليه خمسة أثمان للابن ثلاثة وللوصي سهمان فلذلك قسمنا العين وما حصل لهما من الدين أخماسا وسقط عن المدين ثلاثة أرباع ما عليه لان له ثلاثة أثمان وهي ثلاثة أرباع النصف الذي عليه. (فصل) ونماء العين الموصى بها ان كان متصلا تبعها وهو للموصى له، وان كان منفصلا في حياة الموصي فهو له يكون ميراثا وإن حدث بعد الموت قبل القبول فهو للورثة في ظاهر المذهب وقيل للوصي وقد ذكرناه. * (مسألة) * (وان وصى له بثلث عبد فاستحق ثلثاه فله الثلث الباقي وإن وصى له بثلث ثلاثة أعبد فاستحق اثنان منهم أو ماتا فله ثلث الباقي) إذا وصى له بمعين فاستحق بعضه فله ما بقي منه ان حمله الثلث فإذا وصى له بثلث عبد أو دار فاستحق الثلثان منه فالثلث الباقي للموصى له وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لان الباقي كله موصى به وقد خرج من الثلث فاستحقه الموصي له كما لو كان شيئا معينا وان وصى له بثلث ثلاثة أعبد فهلك عبدان أو استحقا فليس له الا ثلث الباقي

[ 527 ]

وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي لانه لم يوص له من الباقي باكثر من ثلثه وقد شرك بينه وبين ورثته في استحقاقه. * (مسألة) * (وان وصى له بعبد لا يملك غيره قيمته مائة ولآخر بثلث ماله وملكه غير العبد مائتان فأجاز الورثة فاللموصى له بالثلث ثلث المائتين وربع العبد وللموصى له بالعبد ثلاثة أرباعه وان ردوا فقال الخرقي للموصى له بالثلث سدس المائتين وسدس العبد وللموصى له بالعبد نصفه قال شيخنا وعندي أنه يقسم الثلث بينهما على حسب مالهما في حال الاجازة لصاحب الثلث خمس المائتين وعشر العبد ونصف عشره ولصاحب العبد ربعه وخمسه) وجملة ذلك أنه إذا أوصى لرجل من ماله ولآخر بجز؟ مشاع منه كثلثه فاجيز لهما انفرد صاحب المشاع بوصيته من غير المعين ثم شارك صاحب المعين فيه فيقسم بينهما على قدر حقيهما ما فيه ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر ماله في الوصية كمسائل العول وكما لو وصى لرجل بماله ولآخر بجزء منه فاما في حال الرد فان كانت وصيتهما لا تجاوز الثلث مثل ان يوصي لرجل بسدس ماله ولآخر بمعين قيمته سدس المال فهي كحالة الاجازة سواء إذ لا أثر للرد وان جاوزت الثلث رددنا وصيتهما إلى الثلث وقسمناه بينهما على قدر وصيتيهما الا أن صاحب المعين يأخذ نصيبه من المعين والآخر يأخذ حقه من جميع المال هذا قول الخرقي وسائر الاصحاب ويقوى عندي أنهما في حال الرد يقتسمان الثلث على حسب مالهما في حال الاجازة وهذا

[ 528 ]

قول ابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة ومالك في الرد يأخذ صاحب المعين نصيبه منه ويضم الآخر سهامه إلى سهام الورثة ويقتسمون الباقي على خمسة في مثل مسألة الخرقي لان له السدس وللورثة أربعة أسداس وهو مثل قول الخرقي الا أن الخرقي يعطيه السدس من جميع المال وعندهما أنه يأخذ خمس المائتين وعشر العبد واتفقوا على أن كل واحد من الوصيين يرجع إلى نصف وصيته لان كل واحد منهما قد أوصي له بثلث المال وقد رجعت الوصيتان إلى الثلث وهو نصف الوصيتين فيرجع كل واحد إلى نصف وصيته ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر ماله في الوصية، وفي قول الخرقي يأخذ سدس الجميع لانه وصى له بثلث الجميع، وأما في قول شيخنا فان وصية صاحب العبد دون وصية صاحب الثلث لانه وصى له بشئ شرك معه غيره فيه وصاحب السدس أفرد بشئ لم يشاركه فيه غيره فوجب أن يقسم بينهما الثلث حالة الرد على حسب مالهما في حال الاجازة كما في سائر الوصايا ففي هذه المسألة لصاحب الثلث ثلث المائتين ستة وستون وثلثان لا يزاحمه الاخر فيها ويشتركان في العبد لهذا ثلثه وللآخر جميعه فابسطه من جنس الكسر وهو الثلث يصر العبد ثلاثة واضمم إليها الثلث الذي للآخر يصر أربعة ثم اقسم العبد على أربعة اسهم يصر الثلث ربعا كما في مسائل العول وفي حالة الرد ترد وصيتهما إلى ثلث المال وهو نصف وصيتيهما فيرجع كل واحد إلى نصف وصيته فيرجع صاحب الثلث إلى سدس الجميع ويرجع صاحب العبد إلى نصفه، وفي قول شيخنا تضرب مخرج الثلث في مخرج الربع

[ 529 ]

يكن اثني عشر ثم في ثلاثة تكن ستة وثلاثين فلصاحب الثلث ثلث المائتين وهو ثمانية وربع العبد وهو ثلاثة أسهم صار له أحد عشر ولصاحب العبد ثلاثة أرباعه وذلك تسعة فبضمها إلى صاحب الثلث تصير عشرين سهما ففي حال الرد يجعل الثلث عشرين سهما والمال كله ستون فلصاحب العبد تسعة من العبد وهو ربعه وخمسه ولصاحب الثلث ثمانية من المائتين وهي خمسها وثلثه من العبد وذلك عشرة ونصف عشرة * (مسألة) * (وان كانت الوصية بالنصف مكان الثلث فله في حال الاجازة مائة وثلث العبد ولصاحب العبد ثلثاه. وفي الرد لصاحب النصف خمس المائتين وخمس العبد ولصاحب العبد خمساه هذا قول أبي الخطاب وهو قياس قول الخرقي وعلى اختيار شيخنا لصاحب النصف ربع المائتين وسدس العبد ولصاحب العبد ثلثه والطريق فيها ان ينسب الثلث إلى ما حصل لهما في حال الاجازة ثم يعطي كل واحد مما حصل له في الاجازة مثل نسبة الثلث إليه وعلى قول الخرقي ينسب الثلث إلى وصيتيهما جميعا ثم يعطي كل واحد في الرد مثل الخارج بالنسبة وبيانه في هذه المسألة أن نسبة الثلث إلى وصيتيهما بالخمسين لان النصف والثلث خمسة من ستة فالثلث خمساها فلصاحب العبد خمسا العبد لانه وصيته ولصاحب النصف الخمس لانه خمسا وصيته وعلى اختيار شيخنا قد حصل لهما في الاجازة الثلثان ونسبة الثلث اليهما بالنصف

[ 530 ]

فلكل واحد منهما مما حصل في الاجازة نصفه وقد كان لصاحب النصف من المائتين نصفها فله ربعها وكان له من العبد ثلثه فصار له سدسه وكان لصاحب العبد ثلثاه فصار له ثلثه (فصل) فان كانت المسألة بحالها وملكه غير العبد ثلاثمائة ففي الاجازة لصاحب النصف مائة وخمسون وثلث العبد ولصاحب العبد ثلثاه وفي الرد لصاحب النصف تسعا المال كله ولصاحب العبد أربعة أتساعه على الوجه الاول وعلى اختيار شيخنا لصاحب العبد ثلثه وخمس تسعه وللآخر تسعه وثلث خمسه ومن المال ثمانون وهو ربعها وسدس عشرها وان وصى لرجل بجميع ماله ولآخر بالعبد ففي الاجازة لصاحب العبد نصفه والباقي كله للآخر وفي الرد يقسم الثلث بينهما على خمسة لصاحب العبد خمسه وهو ربع العبد وسدس عشره وللاخر أربعة أخماسه فله من العبد مثل ما حصل لصاحبه ومن كل مائة مثل وهو ثمانون. (فصل) فلو خلف عبدا قيمته مائة ومائتين ووصى لرجل بمائة وبالعبد كله ووصى بالعبد لاخر ففى حال الاجازة يقسم العبد بينهما نصفين وينفرد صاحب المائة بنصف الباقي وفي الرد للمولى له بالعبد ثلثه وللآخر ثلث وثلث المائة وعلى الوجه الاخر لصاحب العبد ربعه وللاخر ربعه ونصف المائة يرجع كل واحد منهما إلى نصف نصيبه فان لم تزد الوصيتان على الثلث كرجل خلف خمسمائة وعبدا قيمته مائة ووصى بسدس ماله لرجل ولآخر بالعبد فلا أثر للرد ههنا ويأخذ صاحب المشاع سدس

[ 531 ]

المال وسبع العبد وللآخر ستة أسباعه فان وصى لصاحب المشاع بخمس المال فله مائة وسدس العبد ولساحب العبد خمسة أسداسه ولا أثر للرد أيضا لان الوصيتين لا تزيد على ثلث المال. * (مسألة) * وان وصى لرجل بثلث ماله ولآخر بمائة ولثالث بتمام الثلث على المائة فلم يزد الثلث على المائة وذلك إذا كان المال ثلاثمائة بطلت وصية صاحب التمام) لانه لم يوص له بشئ أشبه ما لو أوصى له بداره وليس له دار ويقسم الثلث في حال الرد بين الوصيين على قدر وصيتهما، وإن زاد الثلث على المائة بأن يكون المال ستمائة فأجاز وانفذت الوصية على ما قال الموصي فيأخذ صاحب الثلث مائتين وكل واحد من الوصيين مائة، وإن ردوا ففيه وجهان (أحدهما) يرد كل واحد منهم إلى نصف وصيته لان الوصايا رجعت إلى نصفها فيدخل النقص على كل واحد بقدر ماله في الوصية كسائر الوصايا، وهذا اختيار شيخنا. (والثاني) لا شئ لصاحب التمام حتي تكمل المائة لصاحبها ثم يكون الثلث بين الوصيين الآخرين نصفين فلا يحصل لصاحب التمام إذا كان المال ستماثة شئ، اختاره القاضي لانه إنما يستحق بعد تمام المائة لصاحبها، ولم يفضل ههنا له شئ قال ويجوز أن يزاحم به ولا يعطي شيئا كولد الاب مع ولد الابوين في مزاحمة الجد يزاحم الجد بالاخ من الاب ولا يعطيه شيئا، فان كان المال تسعمائة ورد الورثة فعلي الوجه الاول لصاحب الثلث مائة وخمسون ولصاحب المائة خمسون ولصاحب التمام مائة لان الوصية كانت بالثلثين فرجعت إلى الثلث فرددنا كل واحد منهم إلى نصف وصيته، وعلى الوجه

[ 532 ]

الثاني لصاحب المائة مائة لا ينقص منها شئ ولصاحب التمام خمسون وهذا اختيار القاضي. (فصل) فان ترك ستمائة ووصى لاجنبي بمائة ولآخر بتمام الثلث فلكل واحد منهما مائة، وإن رد الاول وصيته فللآخر مائة، وإن وصى للاول بثمانين وللآخر باقي الثلث فلا شئ للثاني، سواء رد الاول وصيته أو أجازها، وهذا قياس قول الشافعي وأهل البصرة، وقال أهل العراق إن رد الاول فللثاني مائتان في المسئلتين. ولنا أن المائة ليست باقي الثلث ولا تتمته فلا يكون موصى بها للثاني كما لو قتل الاول ولو وصى لوارث بثلثه ولآخر بتمام الثلث، فلا شئ للثاني، وعلى قول أهل العراق له الثلث كاملا. باب الوصية بالانصباء والاجزاء إذا وصى لرجل بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضموما إلى المسألة ومزادا عليها، هذا قول الجمهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك وابن أبي ليلى وزفر وداود: يعطى مثل نصيب المعين، أو مثل نصيب أحدهم إن كانوا يتساوون من أصل المال غير مزيد ويقسم الباقي بين الورثة لان نصيب الوارث قبل الوصية من أصل المال فلو أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد فالوصية بجميع المال، وإن كان له ابنان فالوصية بالنصف، وإن كانوا ثلاثة فله الثلث، وقال مالك ان كانوا يتفاضلون نظر إلى عدد رؤوسهم فاعطي سهما من عددهم لانه لا يمكن اعتبار أنصبائهم لتفاضلهم فاعتبر عدد رؤوسهم.

[ 533 ]

ولنا أنه جعل وارثه أصلا وقاعدة حمل عليه نصيب الموصى له وجعل مثلا له، وهذا يفضي إلى أن لا يزاد أحدهما على صاحبه، ومتى أعطي من أصل المال فما أعطي مثل نصيبه ولا حصلت التسوية به والعبارة تقتضي التسوية. * (مسألة) * (فإذا وصى له بمثل نصيب ابنه، وله ابنان، فله الثلث وإن كانوا ثلاثة فله الربع وإن كان معهم بنت فله التسعان لان المسألة من سبعة لكل ابن سهمان ويزاد عليها مثل نصيب ابن، سهمان، فتصير تسعة فالاثنان منها تسعاها. * (مسألة) * (وإن وصى بنصيب ابنه فكذلك في أحد الوجهين) تصح الوصية وتكون كما لو وصى بمثل نصيب ابن، وهذا قول مالك وأهل المدينة واللؤلؤي وأهل البصرة وابن أبي ليلى وزفر وداود، والوجه الثاني: لا تصح الوصية، وهو الذي ذكره القاضي، وهو قول أصحاب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه، لانه أوصى بما هو حق للابن فلم يصح كما لو قال بدار ابني، وبما يأخذه ابني، ووجه الاول أنه أمكن تصحيح وصيته بحمل لفظه على مجازة فصح كما لو طلق بلفظ الكناية أو أعتق وبيان إمكان التصحيح أنه أمكن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي بمثل نصيب ابني ولانه لو أوصى بجميع ماله صح وإن تضمن ذلك الوصية بنصيب ورثته كلهم * (مسألة) * (وإن وصى بضعف نصيب ابنه أو ضعفيه فله مثله مرتين وإن وصى بثلاثة أضعافه فله ثلاثة أمثاله).

[ 534 ]

قال شيخنا هذا الصحيح عندي، وقال أصحابنا ضعفاه ثلاثة أمثاله وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، كلما زاد ضعفا زاد مرة واحدة) إذا وصى بضعف نصيب ابنه فله مثلا نصيبه، وبه قال الشافعي، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام الضعف المثل لقول الله تعالى (يضاعف لها العذاب ضعفين) أي مثلين، وقوله (فآتت أكلها ضعفين) أي مثلين، وإذا كان الضعفان مثلين فالضعف مثل. ولنا على أن الضعف مثلان قوله تعالى (إذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) وقال (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا)، وقال (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) ويروى عن عمر أنه أضعف الزكاة على نصارى بني تغلب فكان يأخذ من الثمانين عشرة، وقال لحذيفة وعثمان بن حنيفة لعلكما حملتما الارض ما لا تطيق، فقال عثمان لو أضعفت عليها لاحتملت، قال الازهري الضعف المثل فما فوقه، فأما قوله ان الضعفين المثلان فقد روى ابن الانباري عن هشام ابن معاوية النحوي قال العرب تتكلم بالضعف مثنى فتقول ان أعطيتني درهما فلك ضعفاه، أي مثلاه، وإفراده لا بأس به إلا أن التثنية أحسن يعني أن المفرد والمثنى في هذا بمعنى واحد وكلاهما يراد به المثلان وإذا استعملوه على هذا الوجه وجب اتباعهم وإن خالفنا القياس. (فصل) وان وصى له بضعفيه فله مثله مرتين وإن قال ثلاثة أضعافه فله ثلاثة أمثاله، هذا الصحيح عندي، وهو قول أبي عبيد، وقال أصحابنا ضعفاه ثلاثة أمثاله وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله وعلى هذا كلما زاد ضعفا زاد مرة واحدة، وهو قول الشافعي، واحتجوا بقول أبي عبيدة مسعر بن المثنى ضعف الشئ هو ومثله وضعفاه: هو ومثلاه وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، وقال أبو ثور ضعفاه

[ 535 ]

أربعة أمثاله وثلاثة أضعافه ستة أمثاله لانه قد ثبت ان ضعف الشئ مثلاه فتثنيته مثلا مفرده. ولنا قول الله (فآتت أكلها ضعفين) قال عكرمة: تحمل في كل عام مرتين، قال عطاء أثمرت في سنة مثل ثمرة غيرها سنتين، ولا خلاف بين المفسرين فيما علمنا في تفسير قوله تعالى: (يضاعف لها العذاب ضعفين) ان المراد به مرتين، وقد دل عليه قوله تعالى (نؤتها أجرها مرتين ومحال أن يجعل أجرها على العمل الصالح مرتين وعذابها على الفاحشة ثلاث مرات فان الله تعالى انما يريد تضعيف الحسنات على السيئات هذا المعهود من كره وفضله، وأما قول أبي عبيدة فقد خالفه فيه غيره وأنكر قوله قال ابن عرفة لا أحب قول ابي عبيدة في (يضاعف لها العذاب ضعفين) لان الله تعالى قال في آية أخرى (نؤتها أجرها مرتين) فأعلم أن لها من هذا حظين ومن هذا حظين وقد نقل هشام بن معاوية النحوي عن العرب أنهم ينطقون بالضعف مثنى ومفردا بمعنى واحد وموافقة العرب على لسانهم مع ما دل عليه كلام الله تعالى العزيز وأقوال المفسرين من التابعين وغيرهم أولى من قول أبي عبيدة المخالف لذلك كله مع مخالفة القياس ونسبة الخطأ إليه أولى من تخطئة ما ذكرناه وأما قول أبي ثور فظاهر الفساد، لما فيه من مخالفة الكتاب والعرب وأقوال المفسرين من التابعين وغيرهم، واهل العربية، فلا يجوز التمسك بمجرد القياس المخالف للنقل، فقد شذ من العربية كلمات تؤخذ نقلا بغير قياس.

[ 536 ]

(فصل) ولو وصى بمثل نصيب له كمن يوصي بمثل نصيب ابنه وهو لا يرث لرقه أو كونه مخالفا لدينه أو بنصيب اخيه وهو محجوب عن ميراثه فلا شئ للوصي لانه لا نصيب له فمثله لا شئ * (مسألة) * (وإذا وصى له بمثل نصيب احد ورثته ولم يسمه كان له مثل ما لاقلهم نصيبا) فلو كانوا ابنا واربع زوجات صحت من اثنين وثلاثين سهما لكل امرأة سهم وللموصى له سهم يزاد عليها فتصح من ثلاثة وثلاثين سهما للموصي سهم ولكل امرأة سهم والباقي للابن. وجملة ذلك انه إذا وصى بمثل نصيب احدهم غير مسمى فان كان الورثة يتساوون في الميراث كالبنين فله مثل نصيب احدهم مزادا على الفريضة ويجعل كواحد منهم زاد فيهم وان كانوا يتفاضلون كهذه، المسألة فله مثل اقلهم ميرانا يزاد على فريضتهم هذا قول الجمهور وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك ان كانو يتفاضلون نظر إلى عدد رؤوسهم فأعطي سهما من عددهم لانه لا يمكن اعتبار انصبائهم لتفاضلهم فاعتبر عدد رؤوسهم ولنا أن اليقين أن يعطى الوصي مثل أقلهم نصيبا وما زاد مشكوك فيه فلا يثبت مع الشك وقوله يعطى سهما من عددهم مخالف لما يقتضيه لفظ الموصي لانه ليس بنصيب أحد ورثته ولفظه إنما اقتضى نصيب أحدهم وتفاضلهم لا يمنع كون نصيب الاقل نصيب أحدهم فيصرفه إلى الوصي عملا بمقتضى وصيته وذلك أولى من اختراع شئ لا يقتضيه قول الموصي أصلا وقوله تعذر العمل بقول الموصي ممنوع فقد أمكن العمل به بما قلناه ثم لو تعذر العلم به لم يجز أن يجب في ماله حق لم يأذن فيه ولم يأمر به ولو قال أوصيت بمثل نصيب أقلهم ميراثا كان كما لو أطلق وكان ذلك تأكيدا وان قال أوصيت بمثل

[ 537 ]

نصيب أكثرهم ميراثا فله ذلك مضافا إلى المسألة ثماينة وعشرون تضم إلى المسألة فتكون ستين سهما. * (مسألة) * (ولو وصى له بمثل نصيب وارث لو كان فله مثل ماله لو كانت الوصية وهو موجود فقدر الوارث موجودا وانظر ما للموصى له مع وجوده فهو له مع عدمه) فان خلف ابنين ووصى بمثل نصيب ثالث لو كان فللموصى له الربع وان خلف ثلاثة بنين فله الخمس وان وصى بمثل نصيب خامس لو كان فللموصى له السدس وعلى هذا أبدا، فلو خلفت امرأة زوجا وأختا وأوصت بمثل نصيب أم لو كانت فللموصى له الخمس لان للام الربع لو كانت فيجعل له سهم مضاف إلى أربعة يكن خمسا فقس على ذلك. * (مسألة) * (فان خلف أربعة بنين فأوصى بمثل نصيب خاسم لو كان الا مثل نصيب سادس لو كان فقد أوصى له بالخمس إلا السدس بعد الوصية فله سهم يزاد على ثلاثين وتصح من اثنين وستين له سهمان ولكل ابن خمسة عشر) لانه استثنى السدس من الخمس. فطريقها أن تضرب مخرج أحدهما في مخرج الآخر تكن ثلاثين خمسها ستة وسدسها خمسة فإذا استثنيت الخمسة من الستة بقي سهم للموصى له فزده على الثلاثين تصر واحدا وثلاثين فأعط الموصى له سهما يبقى ثلاثون على أربعة لا تنقسم وتوافق بالنصف فزدها إلى خمسة عشر واضربها في أربعة تكن ستين زد عليها سهمين للموصى له ولكل ابن خمسة عشر. وطريقها بالجبر أن تجعل المال أربعة وشيئا تدفع الشئ إلى الموصى له يبقى أربعة

[ 538 ]

تقسمها على خمسة يخرج أربعة أخماس وتقسمها على ستة يخرج ثلثان فتسقط الثلثين من أربعة الاخماس يبقى سهمان من خمسه عشر ثم تضر ب الاربعة الاسهم في الخمسة عشر لانها مخرج الثلث تكن ستين تزيد عليها السهمين فهي للموصى له ولكل ابن خمسة عشر فقد حصل له خمس الستين إلا سدسها الخمس اثنا عشر والسدس عشرة (فصل) وإذا خلف بنتا وحدها ووصى بمثل نصيبها فهو كما لو وصى بنصيب ابن عند من يرى الرد لانه يأخذ المال كله بالفرض والرد، ومن لا يرى الرد يقتضي قوله أن يكون له الثلث ولها نصف الباقي وما بقي لبيت المال، وعلى قول مالك ومن وافقه للموصى له النصف في حال الاجازة ولها نصف الباقي وما بقي لبيت المال، فان خلف ابنتين ووصى بمثل نصيب إحداهما فهي من ثلاثة عندنا ويقتضي قول من لا يرى الرد أنها من أربعة لبيت المال الربع ولكل واحد منهم الربع وعلى قول مالك الثلث للموصى له وللبنتين ثلثا ما بقي والباقي لبيت المال وتصح من تسعة. فان خلف جدة وحدها وأوصى بمثل نصيبها فقياس قولنا أن المال بينهما نصفين وعلى قول من لا يرى الرد هي من سبعة لكل واحد منهما السبع والباقي لبيت المال وقياس قول مالك للموصى له السدس وللجدة سدس ما بقي والباقي لبيت المال. (فصل) إذا خلف ثلاثة بنين ووصى لثلاثة بمثل انصبائهم فالمال بينهم على ستة ان أجازوا وان

[ 539 ]

ردوا فمن تسعة للموصى لهم الثلث ثلاثة والباقي بين البنين على ثلاثة فان أجازوا لواحد وردوا على اتنين فللمردود عليهما التسعان اللذان كانا لهما في حال الرد عليهم، وفي المجاز له وجهان أحدهما له السدس الذي كان له في حال الاجازة للجميع وهذا قول أبي يوسف وابن شريح فتأخذ السدس والتسعين من مخرجهما وهي ثمانية عشر بين البنين على ثلاثة لا تصح فتضرب عددهم في ثمانية عشر تكن أربعة وخمسين للمجاز له السدس تسعة ولكل واحد من صاحبيه ستة ولكل ابن أحد عشر (والوجه الثاني) ان تضم المجاز له إلى البنين وتقسم الباقي بعد التسعين عليهم وهم أربعة لا تنقسم فتضرب في تسعة تكن ستة وثلاثين فان أجاز الورثة بعد ذلك للآخرين أتموا لكل واحد منهم تمام سدس المال فيصير المال بينهم اسداسا على الوجه الاول، وعلى الوجه الآخر يضمون ما حصل لهم وهو أحد وعشرون من ستة وثلاثين إلى ما حصل لهما وهو ثمانية ثم يقتسمونه بينهم على خمسة لا تصح فتضرب خمسة في ستة وثلاثين تكن مائة وثمانين ومنها تصح، فان أجاز أحد البنين لهم ورد الآخر ان عليهم فللمجيز السدس وهو ثلاثة من ثمانية عشر وللذين لم يجيزا أربعة اتساعه ثمانية يبقى سبعة بين الموصى لهم على ثلاثة نضربها في ثمنانية عشر تكن أربعة وخمسين فان أجاز واحد لواحد دفع إليه ثلث ما في يده من الفضل وهو ثلث سهم من ثمانية عشر فاضربها في ثلاثة تكن أربعة وخسمين والله أعلم

[ 540 ]

(فصل) في الوصية بالاجزاء إذا وصى له بجزء وحظ أو نصيب أو شئ فللورثة أن يعطوه ما شاءوا لا نعلم فيه خلافا وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر وغيرهم لان كل ما يعطونه جزء وشئ وحظ ونصيب وكذلك ان قال أعطوا فلانا من مالي أو ارزقوه لان ذلك لاحد له في الشرع ولا في اللغة فكان على اطلاقه * (مسألة) * (وان وصى له بسهم ففيه ثلاث روايات (احداها) له له السدس بمنزلة سدس المفروض إن لم تكمل فروض المسألة أو كانوا عصبة أعطي سدسا كاملا وان كملت فروضها أعيلت به وان عالت أعيل معها (والثانية) له سهم مما تصح منه المسألة ما لم تزد على السدس (والثالثة) له مثل نصيب أقل الورثة ما لم يزد على السدس اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن أوصى بسهم من ماله فروي عنه أن للموصى له السدس روي ذلك علي وابن مسعود رضي الله عنهما وبه قال الحسن وإياس بن معاوية والثوري (والرواية الثانية) أنه يعطى سهما مما تصح منه الفريضة فينظركم سهما صحت منه الفريضة فيزاد عليها مثل سهم من سهامها للموصى له وهذا قول شريح، قال ترفع السهام فيكون للموصى له سهم قال القاضى هذا ما لم يزد على السدس فان زاد السهم على السدس فله السدس لانه متحقق، ووجه ذلك ان قوله سهما ينصرف إلى سهام فريضته لان وصيته منها فينصرف السهم إليها فكان واحدا من سهامها كما لو قال فريضتي كذا وكذا سهما لك منها سهم (والثالثة) له سهم من سهام اقل الورثة اختارها الخلال وصاحبه قال أحمد في رواية أبي طالب والاثرم إذا أوصى له بسهم من ماله يعطى سهما من الفريضة قيل أنصيب رجل أو نصيب امرأة؟ فقال أقل ما يكون من السهام قال القاضي ما لم يزد على السدس وهذا قول أبي حنيفة وقال صاحباه إلا أن يزيد على الثلث فيعطى الثلث، ووجه هذا القول أن سهام الورثة أنصباؤهم فيكون له

[ 541 ]

أقلها لانه اليقين، فإذا زاد على السدس دفع إليه السدس لانه اقل سهم يرثه ذو قرابة وقال أبو ثور يعطى سهما من اربعة وعشرين لانها اكثر أصول الفرائض فالسهم منها اقل السهام، وقال الشافعي وابن المنذر يعطيه الورثة ما شاؤا لان ذلك يقع عليه اسم السهم فأشبه ما لو وصى له بجزء أو حظ وقال عطاء وعكرمة لا شئ له ولنا ما روى ابن مسعود أن رجلا أوصى لرجل بسهم من المال فأ عطاه النبي صلى الله عليه وسلم السدس ولان السهم في كلام العرب السدس قاله إياس بن معاوية فتنصرف الوصية إليه كما لو لفظ به ولانه قول علي وابن مسعود ولا مخالف لهما في الصحابة. إذا ثبت هذا فان السدس الذي يستحقه الموصى له يكون بمنزلة سدس مفروض فان كانت المسألة كاملة الفروض اعيلت به وان كانت عائلة زاد عولها به وان كانت فيها رد أو كانوا عصبة اعطي سدسا كاملا قال احمد في رواية ابن منصور وحرب إذا اوصى لرجل بسهم من ماله يعطى السدس إلا ان تعول الفريضة فيعطى سهما مع العول فكأن معنى الوصية اوصيت لك بسهم من يرث السدس فان وصى له بسهم في مسألة فيها زوج واخت كان له السبع كما لو كان معها جدة على الروايات الثلاث وكذلك لو كان في المسألة ام وثلاث اخوات متفرقات فان كان معهم زوج فالمسألة من تسعة وللموصى له العشر

[ 542 ]

وان كان الورثة ثلاث أخوات مفترقات فللموصى له السدس على الروايات الثلاث وان كانوا زوجا وأبوين وابنتين فالمسألة من خمسة عشر وتعول بسدس آخر إلى سبعة عشر وكذلك على قول الخلال لان أقل سهام الورثة سدس وعلى الرواية الاخرى يكون للوصي سهم واحد يزاد على المسألة فتصير سته عشر، وان كانوا زوجة وأبوين وابنا فالفريضة من أربعة وعشرين وتعول بالسدس الموصى به إلى ثمانية وعشرين، وعلى الرواية الثانية يزاد عليها سهم واحد للموصى له فتكون من خمسة وعشرين وعلى الرواية الثالثة التي اختارها الخلال يزاد عليها مثل سهم الزوجة ثلاثة فتكون من سبعة وعشرين وان كانوا خمسة بنين فللموصى السدس كاملا وتصح من ستة على الروايات الثلاث فان كان معهم زوجة صحت الفريضة من أربعين فتزيد عليها سهما للوصي على احدى الروايات فتصير احدا وأربعين وعلى قول الخلال تزيد مثل نصيب الزوجة فتصير خمسة وأربعين وعلى الرواية الاولى تزيد عليها مثل سدسها ولا سدس لها صحيحا فتضربها في ستة ثم تزيد عليها سدسها تكون مائتين وثمانين للوصي أربعون وللزوجة ثلاثون ولكل ابن اثنان وأربعون وترجع بالاختصار إلى مائة وأربعين. والذي يقتصيه القياس فيما إذا وصى بسهم من ماله أنه ان صح أن السهم في لسان العرب السدس أو صح الحديث المذكور فهو كما لو وصى له بسدس ماله والا فهو كما لو وصى له بجزء من ماله على ما اختاره الشافعي وابن المنذر أن الورثة يعطونه ما شاؤا. والاولى انه إن ثبت أن السهم في كلام العرب يراد به السدس فالحكم في ذلك كما لو وصى له بالسدس سواء وان لم يثبت ذلك أعطي مثل سهم اقل الورثة وهو اختيار الخلال واحدى الروايات عن أحمد رحمه الله (فصل) فلو خلف ابوين وابنتين ووصى لرجل بسدس ماله ولآخر بسهم منه جعلت ذا السهم كاحد الابوين وأعطبت صاحب السدس سدسا كاملا وقسمت الباقي بين الورثة والوصي على سبعة

[ 543 ]

فتصح من اثنين وأربعين لصاحب السدس سبعة ولصاحب السهم خمسة على الروايات الثلاث ويحتمل أن يعطى الموصى له بالسهم السبع كاملا كما لو أوصى له به من غير وصية أخرى فيكون له ستة ويبقى تسعة وعشرون على ستة لا تنقسم فتضربها في اثنين وأربعين تكن ماثتين واثنين وخمسين * (مسألة) * (وان وصى بجزء معلوم كثلث أو ربع أخذته من مخرجه فدفعته إليه وقسمت الباقي على مسألة ما لورثة الا أن يزيد على الثلث ولا يجيزوا له فنفرض له الثلث وتقسم الثلثين عليها) فان لم تنقسم ضربت المسألة أو وفقها في مخرج الوصية فما بلغ فمنه تصح * (مسألة) * وان وصى بجزأين أو أكثر أخذتها من مخرجها وقسمت الباقي على المسألة فان زادث على الثلث وردوا جعلت السهام الحاصلة للاوصياء ثلث المال وقسمت الثلثين على الورثة فإذا وصى لرجل بثلث ماله ولآخر بربعه وخلف ابنين اخذت الثلث والربع من مخرجهما سبعة من اثني عشر يبقى للابنين خمسة ان اجاز أو ان ردا جعلت السبعة ثلث المال فتكون المسألة من أحد وعشرين للوصيين الثلث سبعة ولصاحب الثلث أربعة ولصاحب الربع ثلاثة ولكل واحد من الابنين سبعة فان أجازا لاحدهما دون الآخر أو أجاز أحدهما لهما دون الآخر أو أجاز كل واحد من الابنين لو احد فاضرب وفق مسألة الاجازة وهي ثمانية في مسألة الرد تكن مائة وثمانية وستين الذي أجيز له سهمه من مسألة مضروب في وفق مسألة الرد وللمردود عليه سهمه من مسألة الرد مضروب في وفق مسألة الاجازة والباقي للورثة وللذي أجاز لهما سهم من مسألة الاجازة في

[ 544 ]

وفق مسألة الرد وللآخر سهم من مسألة الرد في وفق مسألة الاجازة والباقي بين الوصيين على سبعة وبيان ذلك أن مسألة الاجازة من اثنى عشر لانها مخرج الثلث والربع لصاحب الثلث أربعة ولصاحب الربع ثلاثة يبقى خمسة للابنين لا تصح عليهما تضرب اثنين في أصله تكن أربعة وعشرين للموصى لهما سبعة في اثنين اربعة عشر لصاحب الثلث ثمانية ولصاحب الربع ستة يبقى عشرة للابنين لكل واحد خمسة، ومسألة الرد من أحد وعشرين لان ثلثها سبعة للموصى لهما ويبقى أربعة عشر للابنين بينهما نصفين، فان أجازا لاحدهما دون الآخر أو أجاز أحد الابنين لهما دون الآخر أو أجاز كل واحد لواحد فوافق بين مسألة الاجازة ومسألة الرد وهما متفقان بالاثلاث فاضرب ثلث احداهما في جميع الاخرى تكن مائة وثمانية وستين كما ذكر، فان كانت الاجازة لصاحب الثلث وحده فسهمه من مسألة الاجازة ثمانية مضروب في وفق مسألة الرد وهي سبعه ستة وخمسون لصاحب الربع نصيبه من مسألة الرد ثلاثة في وفق مسألة الاجازة ثمانية تكن أربعة وعشرين صار المجموع للوصيين ثمانين سهما والباقي بين الابنين وهو ثمانية وثمانون لكل ابن أربعة وأربعون سهما، وان أجازا لصاحب الربع وحده أخذت سهمه من مسألة الاجازة ستة من أربعة وعشرين فتضربها في وفق مسألة الرد وهو سبعة تكن اثنين وأربعين تدفعها إليه ولصاحب الثلث سهمه من مسألة الرد أربعة تضربها في وفق مسألة الاجازة وهو ثمانية تكن اثنين وثلاثين فصار المجموع اربعة وسبعين يبفى اربعة وتسعون للابنين، فان اجاز احد الابنين لهما ورد الآخر فللذي اجاز سهمه من مسألة الاجازة خمسة مضروب في وفق مسألة الرد سبعة تكن خمسة وثلاثين وللذي رد سهمه من مسألة الرد سبعة مضروب في وفق مسألة الاجازة وهو ثمانية ستة وخمسون تضمها إلى خمسة وثلاثين تكن احدى وتسعين يبقى للوصيين سبعة وسبعون

[ 545 ]

بينهما على سبعة لصاحب الثلث أربعة أربعون ولصاحب الربع ثلاثة وثلاثون فان اجاز كل واحد منهما لواحد فان صاحب الثلث إذا أجاز له الابنان كان له ستة وحمسون وإذا ردا عليه كان له اثنان وثلاثون فقد نقصه ردهما أربعة وعشرين فينقصه رد احدهما نصف ذلك اثني عشر يبقى له أربعة واربعون وصاحب الربع إذا أجازا له كان له اثنان واربعون وان ردا عليه كان له اربعة وعشرون فقد نقصه ردهما ثمانية عشر فينقصه رد احدهما نصفها يبقى له ثلاثة وثلاثون واما الاثنان فالذي اجاز لصاحب الثلث إذا اجاز لهما كان له خمسة وثلاثون وإذا رد عليهما كان له ستة وخمسون فتنقصه الاجازة لهما احدا وعشرين لصاحب الثلث منها اثنا عشر يبقى له اربعة واربعون والذي اجاز لصاحب الربع إذا اجاز لهما كان له خمسة وثلاثون وإذا رد عليهما كان له ستة وخمسون فقد نقصته الا جازة احدا وعشرين منها تسعة لصاحب الربع بقي له سبعة واربعون وللوصيين سبعة وسبعون لصاحب الثلث أربعة واربعون ولصاحب الربع ثلثة وثلاثون فصار المجموع لهما وللابنين مائة وثمانية وستين (فصل) إذا وصى لرجل بنصف ماله ولآخر بربعه فأجاز الورثة فلصاحب النصف نصف المال والربع للآخر وان ردوا قسمت الثلث بين الوصيين على قدر سهامهما لصاحب النصف ثلثاه وللآخر ثلثه وقسمت الثلثين على الورثة هذا قول الجمهور منهم الحسن والنخعي ومالك وابن ابي ليلى والثوري

[ 546 ]

والشافعي واسحاق وابو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة وابو ثور وابن المنذر لا يضرب الموصى له بزيادة على الثلث في حال الرد باكثر من الثلث لان ما زاد على الثلث باطل فكيف يضرب به؟ ولنا انه فاضل بينهما في الوصية فوجبت المفاضلة بينهما في حال الرد كما لو وصى بالثلث والربع أو بمائة ومائتين وماله أربعمائة وبهذا يبطل ما ذكروه ولانها وصية صحيحة ضاق عنها الثلث فقسم بينهم على قدر الوصايا كالثلث والربع ودعوى بطلان الوصية فيما زاد على الثلث ممنوع وقد ذكرنا ما يدل على صحتها فيما مضى فعلى قولنا في هذه المسألة فللموصى لهما ثلاثة ارباع ان اجاز الورثة ويبقى للورثة الربع، وان ردوا فالثلث بين الوصيين على ثلاثة والمسألة كلها من تسعة وان اجازوا لاحدهما دون صاحبه ضربت مسألة الرد في مسألة الاجازة واعطيت المجاز له سهمه من مسألة الاجازة في مسألة الرد والمردود عليه سهمه من مسألة الرد مضروبا في مسألة الاجازة فان اجاز بعض الورثة لهما ورد الباقون عليهما اعطيت للمجيز سهمه من مسألة الاجازة في مسألة الرد ومن لم يجز سهمه من مسألة الرد في مسألة الاجازة وقسمت الباقي بين الوصيين على ثلاثة فان اتفقت المسئلتان ضربت وفق احداهما في الاخرى ومن له سهم من احدى المسئلتين مضروب في وفق الاخرى، وان دخلت احدى المسئلتين في الاخرى اجتزأت بأكثرهما فتقول في هذه المسألة إذا كان اما وثلاث اخوات متفرقات فأجازوا فالمسألة من اربعة للوصيين ثلاثة ويبقى سهم على ستة تضربها في اربعة تكن أربعة

[ 547 ]

وعشرين وان ردوا فللوصيين الثلث ثلاثة من تسعة يبقى ستة على المسألة وهي ستة فتصح من تسعة، وان أجازوا لصاحب النصف وحده ضربت وفق التسعة في أربعة وعشرين تكن اثنين وسبعين لصاحب النصف اثنا عشر في ثلاثة ستة وثلاثون وللآخر سهم في ثمانية يبقى ثمانية وعشرون للورثة وان أجازت الام لهما ورد الباقون عليهما أعطيت الام سهما في ثلاثة وللباقين خمسة أسهم في ثمانية فالجميع ثلاثة واربعون يبقى تسعة وعشرون بين الوصيين على ثلاثة وان أجازت الاخت من الابوين وحدها فلها تسعة ولباقي الورثة أربعة وعشرون يبقى تسعة وثلاثون لهما على ثلاثة لصاحب النصف ستة وعشرون ولصاحب الربع ثلاثة عشر * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (فان زادت الوصايا على المال عملت فيها عملك في مسائل العول فتجعل وصاياهم كالفروض التي فرض الله تعالى للورثة) إذا زادت على المال وان ردوا قسمت الثلث بينهم على تلك السهام فإذا وصى بنصف وثلث وربع وسدس أخذتها من مخرجها اثنى عشر وعالت إلى خمسة عشر وقسمت المال بينهم كذلك إن أجيز لهم والثلث ان رد عليهم فتصح في حال الاجازة من خمسة عشر وفي الرد من خمسة وأربعين هذا قول النخعي ومالك والشافعي، قال سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية ثنا أبو عاصم الثقفي قال: قال لي ابراهيم النخعي ما تقول في رجل أوصى بنصف ماله وثلث ماله وربع ماله؟ قلت لا يجوز قال فانهم قد أجازوا قلت لاأدري؟ قال امسك

[ 548 ]

اثني عشر فاخرج نصفها ستة وثلثها أربعة وربعها ثلاثة فاقسم المال على ثلاثة عشر لصاحب النصف ستة ولصاحب الثلث اربعة ولصاحب الربع ثلاثة وكان أبو حنيفة يقول يأخذ أكثرهم وصية ما يفضل به على من دونه ثم يقسمون الباقي ان اجازوا وفي الرد لا يضرب لاحد بأكثر بالثلث وان نقص بعضهم عن عن الثلث اخذ اكثر ما يفضل به على من دونه ومثال ذلك رجل اوصى بثلثي ماله ونصفه وثلثه فالمال بينهم على تسعة في الاجازة والثلث بينهم كذلك في الرد كمسألة فيها زوج واختان لاب واختان لام وقال أبو حنيفة صاحب الثلثين يفضلهما بسدس فيأخذه وهو وصاحب النصف يفضلان صاحب الثلث بسدس فيأخذانه بينهما نصفين ويقتسمون الباقي بينهم أثلاثا وتصح من ستة وثلاثين لصاحب الثلثين سبعة عشر ولصاحب النصف أحد عشر ولصاحب الثلث ثمانية وان ردوا قسم بينهم على ثلاثة ولو أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلثه فالمال بينهما على أربعة ان أجازوا والثلث بينهما كذلك في حال الرد وعند أبي حنيفة ان أجازوا فلصاحب المال الثلثان ينفرد بهما ويقاسم صاحب الثلث فيحصل له خمسة أسداس ولصاحب الثلث السدس وان ردوا اقتسما الثلث نصفين فلا يحصل لصاحب الثلث الا السدس في حال الاجازة والرد جميعا ولو جعل مكان الثلث سدسا لكان لصاحب المال خمسة أسداسه في الاجازة ويقاسم صاحب السدس فيأخذ نصفه ويبقى لصاحب السدس سهم من اثني عشر وفي الرد يقتسمان الثلث بينهما أثلاثا فيحصل لصاحب السدس التسع سهم من تسعة وذلك أكثر مما حصل له

[ 549 ]

في حال الاجازة وهذا دليل على فساد هذا القول لزيادة سهم الموصى له في الرد على حال الاجازة ومتى كان للوصي حق في حال الرد لا ينبغي أن يتمكن الوارث من تغييره ولا تنقيصه ولا اخذه منه ولا صرفه إلى غيره مع ان ما ذهب إليه الجمهور نظيره مسائل العول في الفرائض والديون وما ذكره لا نظير له مع ان فرص الله تعالى للوارث آكد من فرض الموصي ووصيته ثم ان صاحب الفضل المفروض لا ينفرد بفضله فكذا في الوصايا * (مسألة) * (وان وصى لرجل بجميع ماله ولآخر بنصفه وخلف ابنين فالمال بينهما على ثلاثة أن أجيز لهما والثلث على ثلاثة ان رد عليهما) إنما كان كذلك لانك إذا بسطت المال من جنس الكسر كان نصفين فإذا ضممت اليهما النصف الآخر صارت ثلاثة فيقسم المال على ثلاثة ويصير النصف ثلثا كمسألة فيها زوج وأم وثلاث أخوات متفرقات وان ردوا فالثلث بينهما على ثلاثة * (مسألة) * (فان أجازوا لصاحب النصف وحده فلصاحب المال التسعان ولصاحب النصف النصف في أحد الوجهين) لانه موصي له به وإنما منعه أخذه في حال الاجازة لهما مزاحمة صاحبه فإذا زالت مزاحمته أخذ جميع وصيته (والثاني) ليس له إلا الثلث الذي كان له في حال الاجازة لهما لان ما زاد على ذلك إنما كان حقا لصاحب المال أخذه الورثة منه بالرد فيأخذه الابنان، وان أجازا لصاحب الكل وحده فله ثمانية أتساع

[ 550 ]

على الوجه الاول والتسع للآخر وعلى الوجه الثاني ليس إلا الثلثان اللذان كانا له في حال الاجازة لهما ويبقى التسعان للورثة * (مسألة) * (فان اجاز احد الابنين لهما دون الآخر فسهمه بينهما على ثلاثة ولا شئ للمجيز وللابن الاخر الثلث والثلثان بين الوصيين على ثلاثة فان اجاز احدهما لصاحب المال وحده فللآخر التسع وللابن الاخر الثلث والباقي لصاحب المال في احد الوجهين) وفي الآخر له أربعة أتساع والتسع الباقي للمجيز وان اجاز لصاحب النصف وحده دفع إليه نصف ما يتم به النصف وهو تسع ونصف سدس في أحد الوجهين وهو ثلث ما في يده وربعه وفي الآخر يدفع التسع وهو ثلث ما في يده فيصير له تسعان ولصاحب المال تسعان وللمجيز تسعان والثلث للذي لم يجز وتصح من تسعة وعلى الوجه الاول تصح من ستة وثلاثين للذي لم يجز اثنا عشر وللمجيز خمسة ولصاحب النصف أحد عشر ولصاحب المال ثمانية وذلك لان مسألة الرد من تسعة ولصاحب النصف منها سهم فلو أجاز له الابنان كان له تمام النصف ثلاثة ونصف فإذا أجاز له أحدهما لزمه نصف ذلك وهو سهم ونصف وربع فتضرب مخرج الربع في تسعة تكن ستة وثلاثين (فصل) في الجمع بين الوصية بالانصياء والاجزاء، إذا خلف ابنين ووصى لرجل بثلث ماله ولآخر بمثل نصيب ابن ففيها وجهان (أحدهما) لصاحب النصيب ثلث المال في حال الاجازة كما لو لم يكن معه

[ 551 ]

وصي آخر وهذا قول يحيى بن آدم وعند الرد يقسم الثلث بين الوصيين نصفين لانه وصى لهما بثلثي ماله وقد رجعت وصيتهما بالرد إلى نصفها وتصح من ستة (والوجه الثاني) يحصل لصاحب النصيب مثل ما يحصل للابن وهو ثلث الباقي وذلك التسعان عند الاجازة لان للموصى له بالثلث ثلث المال ويبقى سهمان بين الموصى له بالنصيب وبين الابنين على ثلاثه لا تصح تضربها في ثلاثة لكن تسعة لصاحب الثلث ثلاثة ويبقى ستة لكل ابن سهمان وللموصى له بالنصيب سهمان وهي التسعان وفي الرد يقسم الثلث بينهما على الخمسة التي كانت لهما في حال الاجازة لصاحب الثلث ثلاثة ولصاحب النصيب سهمان: * (مسألة) * (وان كان الجزء الموصى به النصف خرج فيها وجه ثالث) وهو أن يكون لصاحب النصيب في حال الاجازة ثلث الثلثين وفي الرد يقسم الثلث بينهما على ثلاثة عشر سهما لصاحب النصف تسعة ولصاحب النصيب أربعة وانما كان كذلك لان الورثة لا يلزمهم اجازة أكثر من ثلث المال فإذا جازوا أكثر من ذلك حسب من نصيبهم لانهم تبرعوا به ويبقى نصيب الموصى له بالنصيب على حاله كانه لم يخرج من المال الا الثلث فيبقى الثلثان بينه وبين الابنين على ثلاثة لان له مثل نصيب ابن فتجعل المسألة من ثمانيه عشر لانها أقل عدد له نصف ولثلثه ثلث لصاحب النصف تسعة لانه مجاز له ويعطى الموصى له بالنصيب ثلث الثلثين أربعة صار الجميع ثلاثة عشر يبقى

[ 552 ]

خمسة للابنين لا تصح عليهما فتضرب عددها في ثمانية عشر تكن ستة وثلاثين للموصى لهما ستة وعشرون لصاحب النصف ثمانية عشر وللآخر ثمانية يبقى عشرة للابنين بينهما نصفين وان ردوا قسم الثلث بينهما على ثلاثة عشر فتصح من تسعة وثلاثين ثلاثة عشر للوصيين وللابنين ستة وعشرون (فصل) فان كان الجزء الموصى به الثلثين فعلى الوجه الاول للموصى له بالنصيب الثلث في حال الاجازة وتصح من ثلاثة وفى الرد يقسم الثلث بينهما على ثلاثة وتصح من تسعة وعلى الوجه الثاني للموصى له بالنصيب التسع وللآخر الثلثان في حال الاجازة وتصح من تسعة أيضا وفي الرد يقسم الثلث بينهما على سبعة وتصح من أحد وعشرين، وفي الوجه الثالث لصاحب النصيب ثلث الثلثين وللآخر الثلثان وأصلها من تسعة وتصح من ثمانية عشر في الاجازة لصاحب الثلثين اثنا عشر وللآخر أربعة يبقى سهمان للابنين وفي الرد يقسم الثلث بينهما على ستة عشر وتصح من ثمانية وأربعين (فصل) فان كان الموصى به جميع المال فعلى الوجه الاول يقسم المال بينهما على أربعة في حال الاجازة لصصاحب المال ثلاثة ولصاحب النصيب سهم كما لو وصى بماله كله وبثلثه، وفي الرد يقسم الثلث بينهما على أربعة، وعلى الوجه الثاني لا يحصل لصاحب النصيب شئ لانه انما يحصل له مثل ابن والابن لا يحصل له شئ وهذا ما يوهن هذا الوجه لانه لا يطرد ويكون الكل لصاحب المال في حال الاجازة وفي الرد يأخذ صاحب المال الثلث ويبقى الثلثان بين صاحب النصيب وبين الابنين على ثلاثة وتصح من تسعة، وعلى الوجه الثالث لصاحب النصيب ثلث الثلثين اثنان من تسعة ولصاحب المال

[ 553 ]

تسعة فتصح من أحد عشر في حال الاجازة وفي الرد من ثلاثة وثلاثين لصاحب المال تسعة ولصاحب النصيب اثنان ولكل ابن أحد عشر * (مسألة) * (إذا وصى لرجل بمثل نصيب أحد ابنيه ولآخر بثلث باقي المال فعلى الوجه الاول لصاحب النصيب ثلث المال وللآخر ثلث باقي المال تسعان والباقي للابنين وتصح من تسعة) وعلى الوجه الثاني يدخلها الدور لكونه انما يحصل لصاحب النصيب مثل ما يحصل للابن وهو لا يعلم ثلث الباقي حتى يعلم نصيب الابن ولا يعلم نصيب الابن حتى يعلم ثلث الباقي فيخرجه ويقسم الباقي على الابنين وصاحب النصيب والتفريع على هذا الوجه. ولعملها طرق (أحدها) أن تجعل المال ثلاثة أسهم ونصيبا وانما جعلته ثلاثة أسهم ليكون للباقي بعد النصيب ثلث فيدفع النصيب إلى الموصى له به وإلى الآخر ثلث الباقي سهما يبقى سهمان لكل ابن سهم وذلك هو النصيب فصحت من أربعة (والطريق الثاني) طريق الجبر فتأخذ مالا وتلقي منه نصيبا ويبقى مال إلا نصيبا تدفع إلى الوصي الآخر ثلثه وهو ثلث مال الا ثلث نصيب يبقى ثلثا مال إلا ثلثي نصيب يعدل نصيبين اجبر ثلثي المال بثلثي نصيب ورد على النصيبين مثل ذلك يبقى ثلثا مال تعدل نصيبين وثلثين ابسط الكل اثلاثا من جنس الكسر واقلب وحول فاجعل النصيب اثنين والمال ثمانية ويرجع بالا ختصار إلى أربعة (والطريق الثالث) الطريق المنكوس وهي أن تقول للابنين سهمان وهو مال ذهب ثلثه فزد عليه مثل

[ 554 ]

نصفه سهما يصر ثلاثة ثم زد عليه مثل نصيب ابن تصر أربعة وان شئت ضربت ثلاثة مخرج الثلث في ثلاثة وهي عدد البنين مع الوصي تكن تسعة انقص منها واحدا يبقى ثمانية تصح ومنها تصح وتسمى طريق الباب وتعمل بها ما يرد عليك من هذه المسائل * (مسألة) * (وان كانت وصية الثاني بثلث ما يبقى من النصف فعلى الوجه الاول تصح من ثمانية عشر لصاحب النصيب الثلث ستة وللآخر ثلث ما يبقى من النصف سهم يبقى أحد عشر للابنين) وتصح من ستة وثلاثين لصاحب النصيب اثنا عشر وللآخر سهمان ولكل ابن أحد عشر سهما في حال الاجازة وفي الرد، وتصح من أحد وعشرين للاول ستة أسهم وللآخر سهم ولكل ابن سبعة وعلى الوجه الثاني يجعل المال ستة أسهم ونصيبين يدفع النصيب إلى الموصى له به والى الاخر ثلث باقي النصف سهما والى أحد الابنين نصيبا يبقى خمسة للابن الآخر فالنصيب خمسة والمال ستة عشر للموصى له بثلث باقي النصف سهم يبقى خمسة عشر للموصى له بالنصيب خمسة ولكل ابن خمسة وبالجبر تأخذ مالا وتلقي منه نصيبا يبقى مال الا نصيبا تلقي منه ثلث باقي النصف يبقى خمسة أسداس مال الا ثلثي نصيب تعدل نصيبين اجبرها بثلثي نصيب وزد على النصيين مثلها يبقى خمسه أسداس مال تعدل نصيبين وثلثين ابسط الكل اسداسا واقلب وحول واجعل أجزاء المال النصيب واجزاء النصيب المال يصر النصيب خمسة والمال ستة عشر وان شئت

[ 555 ]

أخذت نصف مال القيت منه نصيبا يبقى نصف مال الا نصيبا الق ثلثه يبقى ثلث مال الا ثلثي نصيب ضمه إلى نصف المال يصر خمسة أسداس إلا ثلثي نصيب تعدل نصيين اجبر وقابل يصر خمسة أسداس مال تعدل نصيبين وثلثين ابسط الكل أسداسا من جنس الكسر واقلب يكن المال ستة عشر والنصيب خمسة كما سبق (فصل) إذا خلف ثلاثة بنين ووصى لرجل بمثل نصيب أحدهم ولآخر بنصف باقي المال ففيها ثلاثة أوجه (أحدها) أن يعطى صاحب النصيب مثل نصيب الوارث إذا لم يكن ثم وصية أخرى (والثانى) أن يعطى نصيبه من ثلث المال (والثالث) أن يعطى مثل نصيب ابن بعد أخذ صاحب النصف وصيته وعلى هذا الوجه يدخلها الدور والتفريح عليه ولعملها طرق: (أحدها) أن تأخذ مخرج النصف فتسقط منه سهما يبقى سهم فهو النصيب ثم تزيد على عدد البنين واحدا يصر اربعة فتضربها في المخرج تكن ثمانية تنقصها سهما يبقى سبعة فهي المال للموصى له بالنصيب سهم وللآخر نصف الباقي وهو ثلاثة ولكل ابن سهم. * (طريق آخر) * أن تزيد سهام البنين نصف سهم وتضربها في المخرج تكن سبعة * (طريق ثالث) * يسمى المنكوس أن تأخذ سهام البنين وهي ثلاثة فتقول هذا بقية مال ذهب نصفه فإذا أردت تكميله زدت عليه مثله ثم زد عليه مثل نصيب ابن تكن سبعة

[ 556 ]

* (طريق رابع) وهو أن تجعل المال سهمين ونصيبا وتدفع النصيب إلى صاحبه والى الآخر سهما يبقى سهم للبنين يعدل ثلاثة أنصباء فالمال كله سبعة، وبالجبر تأخذ مالا وتلقي منه نصيبا يبقى مال الا نصيبا وتدفع نصف الباقي إلى الوصي الآخر يبقى نصف مال الانصف نصيب تعدل ثلاثة أنصباء فاجبره بنصف نصيب وزده على الثلاثة يبقى نصف كامل يعدل ثلاثة ونصفا فالمال كله سبعة (فصل) فان كانت الوصية الثانية بنصف ما يبقى من الثلث أخذت مخرج النصف والثلث من ستة نقصت منها واحدا يبقى خمسة فهي النصيب ثم تزيد واحدا على سهام البنين وتضربها في المخرج تكن أربعة وعشرين تنقصها ثلاثة يبقى أحد وعشرون فهو المال تدفع إلى صاحب النصيب خمسة يبقى من الثلث سهمان تدفع منها سهما إلى الوصي الآخر يبقى خمسة عشر لكل ابن خمسة وبالطريق الثاني تزيد على سهام البنين نصفا وتضربها في المخرج يكن أحدا وعشرين. وبالثالث تعمل كما عملت في الاولى فإذا بلغت سبعة ضربتها في ثلاثة من أجل الوصية الثانية بنصف الثلث وبالرابع تجعل الثلث سهمين ونصيبا تدفع النصيب إلى الموصى له به والى الآخر سهما يبقى من المال خمسة أسهم ونصيبان تدفع النصيبين إلى اثنين يبقى خمسة للثالث فهي النصيب فإذا بسطتها كانت احدى وعشرين وبالجبر تأخذ مالا تلقي من ثلثه نصيبا وتدفع إلى الاخ نصف باقي الثلث يبقى من المال خمسة أسداسه الا نصف

[ 557 ]

نصيب اجبره بنصف نصيب وزده على سهام البنين تصر ثلاثة ونصفا تعدل خمسة أسداس اقلب وحول يكن النصيب خمسة وكل ستة والمال أحدا عشرين (فصل) فان أوصى لثالث بربع المال فخذ المخارج وهي اثنان ثلاثة واربعة واضرب بعضها في بعض تكن اربعة وعشرين وزد على عدد البنين واحدا واضربها في أربعة وعشرين تكن ستة وتسعين انقص منها ضرب نصف سهم في أربعة وعشرون وذلك اثنا عشر يبقى أربعة وثمانون وهي المال ثم انظر الاربعة والعشرين فانقص منها سدسها لاجل الوصية الثانية وربعها لاجل الوصية الثالثة يبقى أربعة عشر وهي النصيب فادفعها إلى الموصى له بالنصيب ثم ادفع إلى الثاني نصف ما يبقى من الثلث وهو سبعة والى الثالث ربع المال أحدا وعشرين يبقى اثنان وأربعون لكل ابن أربعة عشر. وبالطريق الثاني تزيد على عدد البنين نصف سهم وتضرب ثلاثة ونصفا في أربعة وعشرين تكن أربعة وثمانين وبالطريق الثالث تعمل في هذه كما عملت في التي قبلها فإذا بلغت أحدا وعشرين ضربتها في أربعة من أجل الربع تكن أربعة وثمانين. وبطريق النصيب تفرض المال ستة أسهم وثلاثة أنصبا تدفع نصيبا إلى صاحب النصيب والى الآخر سهما والى صاحب الربع سهما ونصفا وثلاثة أرباع نصيب يبقى من المال نصيب وربع وثلاثة أسهم ونصف للورثة تعدل ثلاثة أنصباء فأسقط نصيبا وربعا بمثلها يبقى ثلاثة أسهم ونصف تعدل نصيبا وثلاثة أرباع فالنصيب إذا سهمان فابسط الثلاثة الانصباء تكن ستة فصار المال اثنا عشر ومنها تصح لصاحب النصيب سهمان وللآخر نصف باقي الثلث سهم ولصاحب الربع

[ 558 ]

ثلاثة يبقى ستة للبنين لكل ابن سهمان وهذا أخصر وأحسن. وبالجبر تأخذ مالا تدفع منه نصيبا يبقى مال الا نصيبا تدفع نصف باقي ثلثه وهو سدس الا نصف نصيب يبقى من المال خمسة أسداس الا نصف نصيب تدفع منها ربع المال يبقى ثلث المال وربعه الا نصف نصيب تعدل ثلاثة أنصباء اجبر وقابل واقلب وحول يكن النصيب سبعة والمال اثنين وأربعين فتضربها في اثنين ليزول الكسر تصر أربعة وثمانين. (فصل) فان كانت الوصية الثالثة بربع ما بقي من المال بعد الوصيتين الاوليين فاعملها بطريق النصيب كما ذكرنا يبقى معك ثلاثة أسهم وثلاثة أرباع سهم تعدل نصيبا ونصفا ابسطها ارباعا تكن السهام خمسة عشر والانصباء ستة توافقهما وتردهما إلى وفقهما تصر خمسة اسهم تعدل نصيبين اقلب واجعل النصيب خمسة والسهم اثنين وابسط ما معك يصر سبعة وعشرين فادفع خمسة إلى صاحب النصيب والى الآخر

[ 559 ]

نصف باقي الثلث سهمين والى الثالث ربع الباقي خمسة يبقى خمسة عشر لكل ابن خمسة وهذه الطريق أخصر. وان عملت بالطريق الثاني أخذت اربعة وعشرين فنقصت سدسها وربع الباقي يبقى خمسة عشر فهي النصيب ثم زدت على عدد البنين سهما ونقصت نصفه وربع ما بقي منه يبقى ثلاثة أثمان زدها على سهام البنين تكن ثلاثة أثمان تضربها في أربعة وعشرين تكن أحدا وثمانين ومنها تصح وبالجبر يفضي إلى ذلك أيضا * (مسألة) * (وان خلف أما وبنتا واختا واوصى بمثل نصيب الام وسبع ما بقي ولآخر بمثل نصيب الاخت وربع ما بقي ولآخر بمثل نصيب البنت وثلث ما بقي فاعملها بالمنكوس فقل مسألة الورثة من ستة وهي بقية مال ذهب ثلثه فزد عليه نصفه ثلاثة يكن تسعة ومثل نصيب البنت ثلاثة تكن اثنى عشر وهي بقية مال ذهب ربعه فزد عليه ثلثه أربعة صار ستة عشر ومثل نصيب الاخت اثنين تكن ثمانية عشر وهي بقية مال ذهب سبعه فزد عليه سدسه ثلاثة يكن احدا وعشرين ومثل نصيب الام سهما يكن

[ 560 ]

اثنين وعشرين ومنها تصح تدفع إلى الموصى له بمثل نصيب الام سهما وسبع الباقي ثلاثة يبقى ثمانية عشر تدفع إلى الموصى بمثل الاخت سهمين وربع الباقي فيحصل له ستة ويبقى اثنا عشر، تدفع إلى الموصى له بمثل نصيب البنت ثلاثة يبقى تسعة تدفع إليه ثلثها ثلاثة يصر له ستة ويبقى ستة للورثة، هذا في حال الاجازة، وفي الرد تجعل الثلث ستة عشر فتصح من ثمانية وأربعين للموصى له بمثل نصيب الام أربعة ولكل واحد من الوصيين الآخرين ستة وللورثة اثنان وثلاثون لا تنقسم على مسئلتهم وتوافقها بالانصاف فتضرب وفق أحدهما في الاخرى تكن مائة واربعة واربعين (فصل) فان خلفت امرأة زوجا وأما وأختا لاب وأوصت بمثل نصيب الام وثلث ما بقي ولآخر بمثل نصيب الزوج ونصف ما بقي فمسألة الورثة من ثمانية وهي مال ذهب نصفه فزد عليه مثله يكن ستة عشر ومثل نصيب الزوج ثلاثة تصر تسعة عشر وهو بقية مال ذهب ثلثه فزد عليه

[ 561 ]

نصفه صار ثمانية وعشرين نصفا فرد عليه مثل نصيب الاخت سهمين يكن ثلاثين ونصفا ابسطها من جنس الكسر تكن احدا وستين للموصى له بمثل نصيب الام أربعة بقي سبعة وخمسون ادفع إليه ثلثها تسعة عشر بقي ثمانية وثلاثون ادفع إلى الموصى له بمثل نصيب الزوج ستة يبقي اثنان وثلاثون ادفع إليه نصفها ستة عشر يبقي سته عشر للورثة، للزوج ستة وللام اربعة وللاخت ستة هذا في حال الاجازة وفي الرد تجعل السهام الحاصلة للاوصياء وهي خمسة وأربعون ثلث المال فتكون المسألة جميعها من خمسة وثلاثين. * (مسألة) * (إذا خلف ثلاث بنين ووصى بمثل نصيب أحدهم الاربع المال فخذ مخرج الكسر أربعة وزد عليها تكن خمسة فهو النصيب وزد على عدد البنين واحدا واضربه في مخرج الكسر يكن ستة عشر تدفع إلى الموصى له بالنصيب خمسة ويستثني من ربع المال اربعة اقسام يبقى له سهم ولكل ابن خمسة)

[ 562 ]

وان شئت خصصت كل ابن بربع وقسمت الربع الباقي بينهم وبينه على اربعة فان قال الاربع الباقي بعد النصيب فزد على سهام البنين سهما وربعا واضربه في أربعة يكن سبعة عشر للوصي سهمان ولكل ابن خمسة وبالجبر تأخذ مالا وتدفع منه نصيبا إلى الوصي ويستثني منه ربع الباقي وهو ربع مالا الا ربع نصيب صار معك ما وربع الا نصيبا وربعا يعدل انصباء البنين وهو ثلاثة اجبر وقابل يخرج النصيب خمسة والمال سبعة عشر * (مسألة) * (فان قال الا ربع الباقي بعد الوصية جعلت المخرج ثلاثة وزدت عليه واحدا صار أربعة فهو النصيب وتزيد على عدد البنين سهما وتضربه في ثلاثة يكن ثلاثة عشر فهو المال) وان شئت قلت المال كله ثلاثة أنصباء ووصية الوصية هي نصيب الاربع الباقي بعدها وذلك ثلاثة أرباع نصيب فبقي

[ 563 ]

ربع نصيب فهو الوصية وبين ان المال كله ثلاثة وربع ابسطها تكن ثلاثة عشر ولهذه المسائل طرق سوى ما ذكرنا. (فصل) فان قال أوصيت لك بمثل نصيب أحد بني الا ثلث ما يبقى من الثلث فخذ مخرج ثلث الثلث وهو تسعة زد عليها سهما تكن عشرة فهي النصيب وزد على أنصباء البنين سهما وثلثا واضرب ذلك في تسعة يكن تسعة وثلاثين ادفع عشرة إلى الوصي واستثن منه ثلث بقية الثلث سهما يبقى له تسعة ولكل ابن عشرة وان قال الا ثلث ما يبقى من الثلث بعد الوصية جعلت المال ستة وزدت عليه سهما صار سبعة فهذا هو النصيب وزدت على انصياء البنين سهما ونصفا وضربته في ستة يصر سبعة وعشرين ودفعت إلى الوصي سبعة وأخذت منه نصف بقية الثلث سهما بقي معه ستة وبقي أحد وعشرون لكل ابن سبعة وانما كان كذلك لان الثالث بعد الوصية هو النصف بعد النصيب ومتى أطلق الاستثناء

[ 564 ]

فلم يقبل بعد النصيب ولا الوصية فعند الجمهور يحمل على ما بعد النصيب وعند محمد بن الحسن والبصريين يكون بعد الوصية (فصل) فان قالا الا خمس ما يبقى من المال بعد النصيب ولآخر بثلث ما يبقى من المال بعد وصية الاول فخذ المخرج خمسة وزد عليها خمسها تكن ستة انقص ثلثها من أجل الوصية بالثلث يبقى أربعة فهي النصيب ثم خذ سهما وزد عليه خمسها وانقص من ذلك ثلثه يبقى أربعة أخماس زدها على أنصباء البنين واضربها في خمسة تصر تسعة عشر فهي المال ادفع إلى الاول أربعة واستثن منه خمس الباقي ثلاثة يبقى معه سهم وادفع إلى الآخر ثلث الباقي ستة يبقى اثنا عشر لكل ابن أربعة وبالجبر خذ مالا وألق منه نصيبا واسترجع منه خمس الباقي يصر مال وخمس الا نصيبا وخمسا الق ثلث ذلك بقى أربعة أخماس مال الا أربعة أخماس نصيب يعدل ثلاثة أنصباء اجبر وقابل وابسط

[ 565 ]

يكن المال تسعة عشر والنصيب أربعة، وان شئت قلت أنصباء البنين ثلاثة وهي بقية مال ذهب ثلثه فزد عليه نصفه يصر أربعة أنصباء ونصفا ووصية والوصية هي نصيب الا خمس الباقي وهو نصف نصيب وخمس نصيب وخمس وصيته يبقى خمس نصيب وعشر نصيب الا خمس وصية اجبر وقابل وابسط تصر ثلاثة من النصيب تعدل اثني عشر سهما من الوصية وهي لا تنفق بالاثلاث فردها إلى وقفها تصر سهما تعدل اربعة والوصية سهم والنصيب أربعة فابسطها تكن تسعة عشر فان كان الاستثناء بعد الوصية قلت المال أربعة أسهم ونصف ووصية وهي نصيب الا خمس الباقي وهي تسعة أعشار نصيب يبقى عشر نصيب فهو الوصية فابسط الكل اعشارا تكن الانصباء خمسة وأربعين والوصية سهم وان كان استثنى خمس المال كله فالوصية عشر نصيب الا خمس وصية اجبر يصر العشر يعدل وصية وخمسا أبسط يصر النصيب ستين والوصية خمسة والمال كله مائتان وخمسة وسبعون الق منها ستين واسترجع منه خمس المال وهي خمسة وخمسون يبقى له خمسه وللاخر ثلث الباقي تسعون ويبقى مائة وثمانون لكل

[ 566 ]

ابن ستون ويرجع بالاختصار إلى خمسها وذلك خمسة وخمسون للوصي الاول سهم وللثاني ثمانية عشر ولكل ابن اثنا عشر وبالجبر تأخذ ما لا تلقي منه نصيبا وتزيد على المال خمسة يصر مالا وخمسا الا نصيبا الق ثلث ذلك يبقى أربعة اخماس مال الا ثلثي نصيب تعدل ثلاثة اجبر وقابل وابسط يكن المال ثمانية عشر وثلثا اضربها في ثلاثة ليزول الكسر تصير خمسة وخمسين وان كان استثنى الخمس كله وأوصى بالثلث كله فخذ مخرج الكسرين خمسة عشر وزد عليها خمسها ثم انقص ثلث المال كله يبقى ثلاثة عشر فهي النصيب وزد على انصباء البنين سهما واضربه في المال يكن ستين وهي المال وان كان استثنى خمس الباقي وأوصى بثلث المال كله فالعمل كذلك إلا أنك تزيد على سهام البنين سهما وخمسا وتضربها تكن ثلاثة وستين فان كان استثنى خمس ما بقي من الثلث زدت على الخمسة عشر سهما واحدا فصار ستة عشر ثم نقصت ثلث المال كله بقي أحد عشر فهي النصيب ثم زدت على سهام البنين سهما وخمسا وضربتها في خمسة عشر تكن ثلاثة وستين تدفع إلى الوصي الاول أحد عشر وتستثني منه خمس بقية الثلث سهمين يبقى

[ 567 ]

معه تسعة وتدفع إلى صاحب الثلث أحدا وعشرين يبقى ثلاثة وثلاثون لكل ابن أحد عشر فان كانت الوصية الثانية بثلث باقي المال زدت على الخمسة عشر واحدا نقصت ثلث الستة عشر ولا ثلث لها فاضربها في ثلاثة تكن ثمانية واربعين انقص منها ثلثها يبقى اثنان وثلاثون فهي النصيب وخذ سهما وزد عليه خمسه ثم انقص ثلث ذلك من أجل الوصية بثلث الباقي يبقى أربعة أخماس زدها على سهام الورثة واضربها في خمسة وأربعين تكن مائة واحدا وسبعين ومنها تصح (فصل) إذا وصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه وهم ثلاثة ولآخر بثلث ما يبقى من الثلث ولآخر بدرهم فاجعل المال تسعة دراهم وثلاثة انصباء فادفع إلى الوصي الاول نصيبا وإلى الثاني والثالث درهمين بقي سبعة ونصيبان ادفع نصيبين إلى ابنين يبقى سبعة للابن الثالث فالنصيب سبعة والمال ثلاثون فان كانت الوصية الثالثة بدرهمين فالنصيب ستة والمال سبعة وعشرون (فصل) إذا وصى لعمه بثلث ماله ولخاله بعشره فردت وصيتهما فتحاصا الثلث وأصاب الخال

[ 568 ]

ستة فاضربها في وصيته وذلك عشرة تكن ستين واقسمه على الفاضل بينهما يخرج بالقسم خمسة عشر فهي الثلث وان شئت قلت قد أصاب الخال ثلاثة أخماس وصيته يجب أن يصيب العم كذلك فيبقى من الثلث خمساه وهي تعدل ما أصاب الخال فزد على ما أصاب الخال مثل نصفه وهو ثلاثة يصر تسعة وهو الذي أصاب العم، وان قال أصاب العم الربع فقد أصابه ثلاثة أرباع وصيته وبقي من الثلث نصف سدس يعدل ثلاثة أرباع وصية الخال وذلك سبعة ونصف وللعم ثلاثة أمثالها اثنان وعشرون ونصف والمال كله تسعون وان قال أصاب الخال خمس المال فقد بقي من الثلث خمساه للعم فيكون الحاصل للخال خمسا وصيته أيضا وذلك أربعة دنانير ووصية وللعم مثل ثلثيها ديناران وثلثان والثلث كله ستة وثلثان والمال عشرون فان كان معهما وصية بسدس المال فأصاب الخال ستة فهي ثلاثة أخماس وصيته ولكل واحد من الآخرين ثلاثة أخماس وصيته وذلك تسعة أعشار الثلث يبقى منه عشر

[ 569 ]

يعدل ما حصل للعم وهو ستة فالثلث ستون، وان أصاب صاحب السدس عشر المال فقد أصاب صاحب الثلث خمسه يبقى من الثلث أيضا عشره فهو نصيب الخال وذلك ثلاثة أخماس وصيته ستة فيكون الثلث ستين كما ذكرنا (فصل) إذا خلف ثلاثة بنين ووصى لعمه بمثل أحدهم إلا ثلث وصية خاله ولخاله بمثل نصيب أحدهم الاربع وصية عمه فاضرب مخرج الثلث في مخرج الربع تكن اثنى عشر انقصها سهما يبقى احد عشر فهي نصيب ابن انقصها سهمين يبقى تسعة فهي وصية الخال، وان نقصتها ثلاثة فهي ثمانية فهي وصية العم، وبالجبر تجعل مع العم أربعة دراهم ومع الخال ثلاثة دنانير ثم تزيد على الدراهم دينارا وعلى الدنانير درهما يبلغ كل واحد منهما نصيبا اجبر وقابل وأسقط المشترك يبقى معك ديناران تعدل ثلاثة دراهم فاقلب وحول تصر الدراهم ثمانية والدنانير تسعة كما قلنا، وان وصى لعمه بعشرة إلا

[ 570 ]

وصية ربع خاله ولخاله بعشرة إلا خمس وصية عمه فاضرب مخرج الربع في مخرج الخمس تكن عشرين انقصها سهما تكن تسعة عشر فهي المقسوم عليه ثم اجعل مع الخال أربعة وانقصها سهما يبقى ثلاثة اضربها في العشرة ثم فيما مع العم وهو خمسة تكن مائة وخمسين اقسمها على تسعة عشر تخرج سبعة وسبعة عشر جزءا من تسعة عشر فهي وصية عمه واجعل مع العم خمسة وانقصها سهما واضربها في عشرة ثم في أربعة تكن مائة وستين واقسمها تكن ثمانية وثمانية اجزاء فهي وصية خاله (طريق آخر) تنقص من العشرة ربعها وتضرب الباقي في العشرين ثم تقسهما على تسعة عشر وتنقص منها خمسها وتضرب الباقي في عشرين وتقسمها وبالجبر تجعل وصية الخال شيئا ووصية العم عشرة إلا ربع شئ فخذ خمسها فزده على الشئ وهي سهمان الا نصف عشر شئ تعدل عشرة فأسقط المشترك من الجانبين تصر ثمانية وثمانية أجزاء من تسعة عشر إذا أسقطت ربعها من العشرة بقيت سبعة وسبعة عشر جزءا، وان وصى لعمه بعشرة الا نصف وصية خاله ولخاله بعشرة إلا ثلث

[ 571 ]

وصية جده ولجده بعشرة إلا ربع وصية عمه فوصية عمه ستة وخمسان وصية خاله سبعة وخمس ووصية جده ثمانية وخمسان، وبابها أن تضرب المخارج بعضها في بعض فتضرب اثنين في أربعة في ثلاثة تكن أربعة وعشرين تزيدها واحدا تكن خمسة وعشرين فهذا هو المقسوم عليه ثم تنقص من الاثنين واحدا وتضرب واحدا في ثلاثة ثم تزيدها واحدا وتضربها في أربعة تكن ستة عشر ثم اضربها في عشرة تكن مائة وستين واقسمها على خمسة وعشرين يخرج بالقسم ستة وخمسان فهي وصية العم وانقص الثلاثة واحدا يبق اثنان اضربها في الاربعة تكن ثمانية زدها واحدا واضربها في اثنين في عشرة تكن مائة وثمانين اقسمها على خمسة وعشرين تخرج بالقسم سبعة وخمس وهي وصية الخال ثم انقص من الاربعة واحدا واضرب ثلاثة في اثنين ثم زدها واحدا تكن سبعة اضربها في ثلاثة ثم في عشرة تكن مائتين وعشرة مقسومة على خمسة وعشرين تخرج بالقسم ثمانية وخمسان وهي وصية الجد.

[ 572 ]

(طريق آخر) تجعل مع العم أربعة أشياء ومع الخال دينارين ومع الجد ثلاثة دراهم ثم تضم إلى ما مع العم دينارا وإلى ما مع الخال درهما وتقابل ما مع أحدهما بما مع الآخر وتسقط المشترك فيصير أربعة أشياء تعدل دينارا ودرهما فأسقط لفظة الاشياء واجعل مكانها دينارا ودرهما ثم قابل ما مع الخال بما مع الجد بعد الزيادة وهو ديناران ودرهم مع الخال لثلاثة دراهم وربع درهم وربع دينار مع الجد فإذا أسقطت المشترك بقي درهمان وربع معادلة لدينار وثلاثة أرباع فابسط الكل أرباعا يصر سبعة أرباع من الدينار تعدل تسعة من الدراهم فاقلب واجعل الدرهم سبعة والدينار تسعة ثم ارجع إلى ما فرضت فتجد مع العم درهما ودينارا ستة عشر ومع الخال ثمانية عشر ومع الجد أحد وعشرون والعشرة الكاملة خمس وعشرون والستة عشر منها ستة وخمسان والثمانية عشر سبعة وخمس والاحد وعشرون ثمانية وخمسان، فان كان معهم أخ ووصية الجد عشرة إلا ربع ما مع الاخ ووصية الاخ عشرة إلا خمس ما مع العم فهذه الطريق تجعل مع العم خمسة أشياء ومع الخال دينارين

[ 573 ]

ومع الجد ثلاثة دراهم ومع الآخر أربعة أفلس ثم تقابل ما مع العم بما مع الخال كما ذكرنا وتجعل الاشياء دينارا ودرهما ثم تقابل ما مع الخال بما مع الجد فتجعل الدينارين درهمين وفلسا ثم تقابل ما مع الجد بما مع الاخ فتخرج الفلس ستة وعشرين والدرهم أحدا وثلاثين الدينار أربعة وأربعين فتبين مع العم خمسة وسبعين ومع الخال ثمانية وثمانين وثمانين ومع الجد ثلاثة وتسعين ومع الاخ مائة وأربعة إذا زدت على ما مع كل واحد ما استثنيته منه صار معه مائة وتسعة عشر وهي العشرة الكاملة فصارت وصية العم ستة وستة وثلاثين جزءا ووصية الخال سبعة وسبعة وأربعين جزءا ووصية الجد سبعة وسبعة وتسعين جزءا ووصية الاخ ثمانية وثمانين جزءا وبطريق الباب تضرب المخارج بعضها في بعض تكن مائة وعشرين تنقصها واحدا يبقى مائة وتسعة عشر فهو المقسوم عليه وتنقص الاثنين واحدا وتضربه في ثلاثة تزيدها واحدا وتضربها في أربعة تكن ستة عشر تنقصها واحدا وتضربها في خمسة تكن خمسة وسبعين فهذه وصية العم تضربها في عشرة ثم

[ 574 ]

تقسمها على تسعة عشر تكن ستة وستة وثلاثين جزءا ثم تنقص الثلاثة واحدا وتضربها في أربعة وتزيدها واحدا وتضربها في خمسة تكن خمسة وأربعين تنقصها واحد وتضربها في اثنين تكن ثمانية وثمانين فهذه وصية الخال ثم تنقص الاربعة واحدا وتضربها في خمسة تكن خمسة عشر تزيدها واحدا وتضربها في اثنين تكن اثنين وثلاثين تنقصها واحدا وتضربها في ثلاثة تكن ثلاثة وتسعين فهذه وصية الجد، ثم تنقص الخمسة واحدا وتضربها في اثنين تكن ثمانية تزيدها واحدا وتضربها في ثلاثة تكن سبعة وعشرين تنقصها واحدا وتضربها في أربعة تكن مائة وأربعة وهي وصية الاخ، وفي كل ذلك تضرب العدد الذي مع كل واحد منهم في عشرة وتقسمه على تسعة عشر فالخارج بالقسم هو وصيته. (فصل) فان وصى لعمه بعشرة ونصف وصية خاله ولخاله بعشرة وثلث وصية عمه كانت وصية العم ثمانية عشر ووصية الخال ستة عشر، وبابها أن تضرب أحد المخرجين في الآخر وتنقصه واحدا فهو المقسوم عليه وتزيد مخرج النصف واحدا وتضربه في مخرج الثلث وتضربه في عشرة يكن تسعين مقسومه

[ 575 ]

على خمسة تكن ثمانية عشر ثم تزيد مخرج الثلث واحدا وتضربه في مخرج النصف ثم في عشرة تكن ثمانين مقسومة على خمسة فان كان معهما آخر ووصى للخال بعشرة وثلث وصيته ووصى له بعشرة وربع وصية العم ضربت المخارج ونقصتها واحدا تكن ثلاثة وعشرين فهي المقسوم عليه ثم تزيد الاثنين واحدا وتضربها في ثلاثة تكن تسعة فزدها واحدا واضربها في أربعة تكن أربعين ثم في عشرة ثم اقسمها تخرج سبعة عشر وتسعة أجزاء فهي وصية العم ثم تصنع في الباقين كما ذكرنا فتكون وصية الخال أربعة عشر وثمانية عشر جزءا وصية الثالث أربعة عشر وثمانية أجزاء، وان شئت بعد ما عملت وصية العم فاضرب الزائد من وصيته في اثنين فهي وصية الخال واضرب الزائد عن العشرة من وصية الخال في ثلاثة فهي وصية العم، ومتى عرفت ما مع الواحد منهم أمكنك معرفة ما مع الآخرين والله أعلم. وهذا القدر من هذا الفن يكفي فان الحاجة إليه قليلة وفروعه كثيرة طويلة وغيرها أهم منها والله تعالى المسئول أن يوفقنا لما يرضيه وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 576 ]

باب الموصى إليه * (تصح وصية المسلم إلى كل مسمل عاقل عدل، وإن كان عبدا أو مراهقا أو امرأة أو أم ولد) * تصح الوصية إلى الرجل العاقل المسلم الحر العدل إجماعا فأما العبد فتصح الوصية إليه قال ابن حامد سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره وبه قال مالك، وقال النخعي والاوزاعي وابن شبرمه تصح الوصية إلى عبده ولا تصح إلى عبد غيره، وقال أبو حنيفة تصح الوصية إلى عبد نفسه إذا لم يكن في ورثته رشيد وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي لا تصح الوصية إلى عبد بحال لانه لا يكون وليا على ابنه بالنسب فلا يجوز أن يلي الوصية كالمجنون ولنا أنه تصح استنابته في الحياة فصح أن يوصى إليه كالحر وقياسهم يبطل بالمرأة والخلاف في المكاتب والمدبر والمعتق بعضه كالخلاف في العبد القن، وأما الصبي المميز فقال القاضي قياس المذهب

[ 577 ]

صحة الوصية لان أحمد قد نص على صحة وكالته وعلى هذا يعتبر أن يكون قد جاوز العشر، وقال شيخنا لا أعلم فيه نصا عن أحمد فيحتمل أنه لا تصح الوصية إليه لانه ليس من أهل الشهادة والاقرار ولا يصح تصرفه إلا باذن هو مولى عليه فلم يكن من أهل الولاية كالطفل وهذا مذهب الشافعي، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى (فصل) وتصح الوصية إلى المرأة في قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن شريح وبه قال. مالك والثوري والاوزاعي والحسن بن صالح واسحاق والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولم يجزه عطاء لانها لا تكون قاضية فلا تكون وصية كالمجنون ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أوصى إلى حفصة ولانها من أهل الشهادة أشبهت الرجل ويخالف القضاء فانه يعتبر له الكمال في الخلقة والاجتهاد بخلاف الوصية وتصح الوصية إلى أم الولد، ذكره الحرقي ونص عليه أحمد لانها تكون حرة من أصل المال عند نفوذ الوصية.

[ 578 ]

* (مسألة) * (ولا تصح إلى غيرهم كالطفل والمجنون ولا وصية المسلم إلى كافر بغير خلاف تعلمه) لان المجنون والطفل ليسا أهلا للتصرف في أموالهما فلا يليان على غيرهما والكافر ليس من أهل الولاية على المسلم ولانه ليس من أهل الشهادة والعدالة أشبه المجنون، وأما الفاسق فقد روي عن احمد أن الوصية إليه لا تصح، وهو قول مالك والشافعي، وعن احمد ما يدل على صحة الوصية إليه فانه قال في رواية ابن منصور إذا كان متهما لم تخرج عن يده، وقال الخرقى إذا كان خائنا ضمن إليه أمين، وهذا يدل على صحة الوصية إليه ويضم الحاكم إليه أمينا، وقال أبو حنيفة تصح الوصية إليه وينفذ تصرفه وعلى الحاكم عزله لانه بالغ عاقل فصحت الوصية إليه كالعدل ولنا أنه لا يجوز افراده بالوصية فلم تجز الوصية إليه كالمجنون، وعلى أبي حنيفة أنه لا يجوز اقراره على الوصية فأشبه ما ذكرنا * (مسألة) * (وان كانوا على غير هذه الصفات ثم وجدت عند الموت فهل تصح؟ على وجهين)

[ 579 ]

يعتبر وجود هذه الشروط في الوصي حال العقد والموت في أحد الوجهين، وفي الآخر تعتبر حالة الموت حسب كالوصية له ولان شروط الشهادة تعتبر عند ادائها لا عند تحملها كذلك ههنا، وهو قول بعض أصحاب الشافعي. ولنا أنها شروط العقد فتعتبر حال وجوده كسائر العقود فأما الوصية له فهي صحيحة، وإن كان وارثا وإنما يعتبر عدم الارث وخروجها من الثلث للنفوذ واللزوم فاعتبرت حالة اللزوم بخلاف مسئلتنا فانها شروط لصحة العقد فاعتبرت حالة العقد ولا ينفع وجودها بعده (فصل) وتصح الوصية إلى الاعمى، قال أصحاب الشافعي فيه وجه أن الوصية لا تصح إليه بناء منهم على أنه لا يصح بيعه ولا شراؤه فلا يوجد فيه معنى الولاية، وهذا لا يسلم له مع أنه يمكنه التوكيل في ذلك وهو من أهل الشهادة، والولاية في النكاح، والولاية على أولاده الصغار، فصحت لوصية إليه كالبصير.

[ 580 ]

* (مسألة) * (وإذا أوصى إلى رجل وبعده إلا آخر فهما وصيان إلا أن يقول قد أخرجت الاول) ونظير ذلك ما إذا أوصى لرجل بمعين من ماله ثم وصى به لآخر، أو وصى بجميع ماله لرجل ثم وصى به لآخر فانه يكون بينهما وقد ذكرنا ذلك، فكذلك إذا أوصى إلى رجل ثم وصى إلى آخر فانهما يصيران وصيين، وكما لو وصى اليهما جميعا في حال واحدة وإن قال قد أخرجت الاول بطلت وصيته لانه صرح بعزله فانعزل كما لو وكله ثم عزله. * (مسألة) * (وليس لاحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه) وجملة ذلك أن يجوز أن يوصي إلى رجلين معا في شئ واحد ويجعل لكل واحد منهما التصرف منفردا فيقول أوصيت إلى كل واحد منكما وجعلت له أن ينفرد بالتصرف فان هذا يقتضي تصرف كل واحد منهما على الانفراد، وله أن يوصي اليهما ليتصرفا مجتمعين فلا يجوز لاحدهما الانفراد بالتصرف لانه لم يجعل ذلك إليه ولم يرض بنظره وحده ولا نعلم خلافا في هانين الصورتين، فان أطلق فقال

[ 581 ]

أوصيت اليكما في كذا فليس لاحدهما الانفراد بالتصرف وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو يوسف له ذلك لان الصوية والولاية لا تتبعض فملك كل واحد منهما الانفراد بها كالاخوين في تزويج أختهما وقال أبو حنيفة ومحمد يستحسن على خلاف القياس فيبيح أن ينفرد كل واحد منهما بسبعة أشياء: كفن الميت، وقضاء دينه، وانفاذ وصيته، ورد الوديعة بعينها، وشراء ما لابد للصغير منه من الكسوة، والطعام، وقبول الهبة له، والخصومة عن الميت فيما يدعى له وعليه، لان هذه يشق الاجتماع عليها ويضر تأخيرها فجاز الانفراد بها. ولنا انه شرك بينهما في النظر فلم يكن لاحدهما الانفراد كالوكيلين وما قاله أبو يوسف نقول به فانه جعل الولاية اليهما باجتماعهما فليست ستبعضه كما لو وكل وكيلين أو صرح للوصيين بان لا يتصرفا الا مجتمعين وببطل ما قاله بهاتين الصورتين وبهما يبطل ما قاله أبو حنيفة ايضا ومتى تعذر اجتماعهما قام الحاكم امينا مقام الغائب

[ 582 ]

(فصل) إذا قال اوصيت إلى زيد فان مات فقد اوصيت إلى عمر وصح ذلك رواية واحدة ويكون كل واحد منهما وصيا إلى ان عمرا وصي بعد زيد لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في جيش مؤتة " اميركم زيد فان قتل فأميركم جعفر فان قتل فأميركم عبد الله بن رواحة " والوصية في معنى التأمير وكذلك ان قال اوصيت اليك فإذا كبر ابني كان وصيي صح لذلك وإذا كبر ابنه صار وصيه ومثله لو قال اوصيت اليك فإذا ناب ابني من فسقه أو قدم من غيبته أو صح من مرضه أو اشتغل بالعلم أو صالح امه أو رشد فهو وصيي صحت الوصية إليه ويصير وصيا عند وجود هذه الشروط * (مسألة) * (وان مات احدهما اقام الحاكم مقامه امينا) قد ذكرنا ان الوصية تجوز إلى اثنين وانه متى اوصى اليهما مطلقا فليس لاحدهما الانفراد بالتصرف فان مات احدهما أو جن أو وجد منه ما يوجب عزله اقام الحاكم مقامه امينا لان الموصي لم يرض بنظر هذا الباقي وحده، وان اراد الحاكم ان يكتفى بالباقي منهما لم يجز له ذلك، وذكر اصحاب الشافعي

[ 583 ]

وجها في جوازه لان النظر لو كان للحاكم بموت الموصي من غير وصية كان له رده إلى واحد كذلك ههنا فيكون ناظرا بالوصية من الموصي والامانة من جهة الحاكم ولنا ان الموصي لم يرض بتصرف هذا وحده فوجب ضم غيره إليه لان الوصية مقدمة على نظر الحاكم واجتهاده فان تغيرت حالهما جميعا بموت أو غيره فللحاكم ان ينصب مكانهما، وهل له نصب واحد؟ فيه وجهان (احدهما) له ذلك لانه لما عدم الوصيان صار الامر إلى الحاكم بمنزلة من لم يوص ولو لم يوص لاكتفى بواحد كذا ههنا، ويفارق ما إذا كان احدهما حيا لان الموصي بين انه لا يرضى بهذا وحده بخلاف ما إذا ماتا معا (والثانى) لا يجوز لان الموصي لم يرض بواحد فلم يكتف به كما لو كان احدهما حيا فأما ان جعل لكل واحد منهما التصرف منفردا فمات احدهما أو خرج من الوصية لم يكن للحاكم ان يقيم مقامه امينا لان الباقي منهما له النظر بالوصية فلا حاجة إلى غيره وان ماتا معا أو خرجا عن الوصية

[ 584 ]

فللحاكم ان يقيم واحدا فان تغيرت حال احد الوصيين تغيرا لا يزيله عن الوصية كالعجز عنها لضعف أو علة أو نحو ذلك أو كانا ممن لكل واحد منها التصرف منفردا فليس للحاكم ان يضم اليهما امينا لان الباقي منهما يكفى، الا ان يكون الباقي منهما يعجز عن التصرف وحده لكثرة العمل ونحوه فله ان يقيم امينا، وان كانا ممن ليس لاحدهما التصرف منفردا فعلى الحاكم ان يقيم مقام من ضعف منهما امينا يتصرف معه على كل حال فيصيرون ثلاثة الوصيان والامين * (مسألة) * (وكذلك ان فسق وعنه يضم إليه امين) قد ذكرنا الاختلاف في صحة الوصية إلى الفاسق وان كلام الخرقى يدل على صحة الوصية إليه ويضم إليه امين وكذلك ان كان عدلا ففسق ونقل ابن منصور عن احمد نحو ذلك فقال إذا كان الوصي متهما لم يخرج عن يده ونقل المروذي عن أحمد فيمن وصى إلى رجلين ليس احدهما بموضع الوصية فقال للآخر اعطني لا يعطيه شيئا ليس هذا بموضع للوصية فقيل له اليس المريض قد رضي به؟ فقال وان

[ 585 ]

رضي به فظاهر هذا ابطال الوصية إليه وحمل القاضي كلام الخرقي وكلام احمد على ابقائه في الوصية على ان جنايته طرأت بعد الموت. فاما ان كانت جنايته موجودة حال الوصية إليه لم يصح لانه لا يجوز تولية الخائن على يتيم في حياته فكذلك بعد موته ولان الوصية ولاية وامانة والفاسق ليس من اهلهما فعلى هذا إذا كان الوصي فاسقا فحكمه حكم من لا وصي له وينظر في ماله الحاكم وان طرأ فسقه بعد الوصية زالت ولايته واقام الحاكم مقام امينا هذا اختيار القاضي وهو قول الثوري والشافعي واسحاق وعلى قول الخرقي لا تزول ولايته ويضم إليه امين ينظر معه روي ذلك عن الحسن وابن سيرين لانه امكن حفظ المال بالامين وتحصيل نظر الموصي بابقائه في الوصية فيكون جمعا بين الحقين فأما ان لم يمكن حفظ المال بالامين تعين ازالة يد الفاسق الخائن وقطع تصرفه لان حفظ المال على اليتيم اولى من رعاية قول الموصي الفاسد واما التفريق بين الفسق الطارئ والمقارن فان الشروط تعتبر في الدوام كاعتبارها في الابتداء سيما إذا كانت لمعنى

[ 586 ]

يحتاج إليه في الدوام وإذا لم يكن بد من التفريق فاعتبار العدالة في الدوام اولى من قبل ان الفسق إذا كان موجودا حال الوصية فقد رضي به الموصي مع علمه بحاله واوصى إليه راضيا بتصرفه مع فسقه فيشعر ذلك بانه علم ان عنده من الشفقة على اليتيم ما يمنعه من التفريط فيه وخيانته في ماله بخلاف ما إذا طرأ الفسق فانه لم يرض به على تلك الحال والاعتبار برضائه الا تري انه إذا وصى إلى واحد جاز له التصرف وحده ولو وصى إلى اثنين لم يجز للواحد التصرف (فصل) إذا تغيرت حال الموصى إليه بموت أو فسق أو جنون أو سفه فقد ذكرنا حكمه، فان تغيرت حاله قبل الموت وبعد الوصية ثم عاد فكان عند الموت جامعا لشروط الوصية صحت الوصية إليه لان الشروط موجودة حال العقد والموت صحت الوصية كما لو لم تتغير حاله ويحتمل ان تبطل لان كل حالة منها حالة للقبول والرد فاعتبرت الشروط فيها فأما ان زالت بعد الموت فانعزل ثم عاد فكمل الشروط لم تعد وصية لانها زالت فلا تعود الا بعقد جديد

[ 587 ]

(فصل) فأما العدل الذي يعجز عن النظر لعلة أو ضعف فان الوصية تصح إليه ويضم الحاكم إليه امينا ولا يزيل يده عن المال ولا نظره لان الضعيف اهل للولاية والامانة فصحت الوصية إليه وهكذا ان كان قويا فحدث فيه ضعف أو علة ضم الحاكم إليه يدا اخرى ويكون الاول الوصي دون الثاني وهذا معاون لان ولاية الحاكم انما تكون عند عدم الموصى إليه وهذا قول الشافعي وأبي يوسف وما نعلم فيه مخالفا * (مسألة) * (ويصح قبوله للوصية ورده في حياة الموصي) لانه اذن في التصرف فصح قبوله بعد العقد كالتوكيل بخلاف الوصية له فانها تمليك في وقت فلم صح القبول قبل الوقت ويجوز تأخير القبول إلى ما بعد الموت لانها نوع وصية فصح قبولها بعد الموت كالوصية له ومتى قتل صار وصيا * (مسألة) * (وله عزل نفسه متى شاء) مع القدرة والعجز في حياة الموصي وبعد موته في حضوره وغيبته وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجوز له ذلك بعد الموت ولا يجوز في حياته الا بحضرته لانه غره بالتزام وصيته ومنعه بذلك الايصاء إلى غيره وعن احمد انه لا يجوز له عزل نفسه بعد الموت ذكره

[ 588 ]

ابن ابي موسى في الارشاد لما ذكرنا: ولنا انه متصرف بالآن فكان له عزل نفسه كالوكيل * (مسألة) * (وللموصي عزله متى شاء) لانه متصرف باذنه فكان له عزله كالموكل له عزل وكيله متى شاء * (مسألة) * (وليس للوصي ان يوصي الا ان يجعل ذلك إليه وعنه له ذلك) وجملة ذلك انه إذ اوصى إلى رجل واذن له في الايصاء لمن شاء نحو ان يقول اذنت لك إلى ان توصي إلى من شئت أو كل من اوصيت إليه فقد اوصيت إليه أو فهو وصيي صح وبه قال اكثر اهل العلم وحكى عن الشافعي في احد قوليه انه قال ليس له أن يوصي لانه يلي بتوليه فلا يصح ان يوصي كالوكيل ولنا انه ماذون له في الاذن في التصرف فجاز له ان يأذن لغيره كالوكيل إذا امر بالتوكيل فالوكيل حجة عليه من الوجه الذي ذكرناه فان وصى إليه واطلق فلم يأذن له ولم ينهه عنه ففيه روايتان (احداهما) له ان يوصي إلى غيره وهو قول مالك وابى حنيفة وابي يوصف لان الاب اقامه مقام نفسه فكان له الوصية كالاب والثاني ليس له ذلك اختاره أبو بكر وهو مذهب الشافعي واسحاق وهو الظاهر من قول الخرقي

[ 589 ]

لقوله ذلك في التوكيل لانه تصرف بتوليه فلم يكن له ذلك التفويض كالوكيل ويخالف الاب لانه يلي بغير توليه (فصل) ويجوز أن يجعل للوصي جعلا لانها بمنزلة الوكالة والوكالة تجوز بجعل فكذلك الوصية، ونقل اسحاق بن ابراهيم في الرجل يوصي إلى الرجل ويجعل له دراهما مسماة فلا بأس ومقاسمة الوصي الموصى له جائزة على الورثة لانه نائب عنهم ومقاسمته للورثة على اللموصى له لا تجوز لانه ليس نائبا عنه (فصل) إذا اختلف الوصيان عند من يجعل المال منهما لم يجعل عند واحد منهما ولم يقسم بينهما وجعل في مكان تحت أيديهما جميعا لان الموصي لم يأمن أحدهما على حفظه ولا التصرف فيه وقال مالك يجعل عند أعدلهما وقال أصحاب الرأي يقسم بينهما وهو المنصوص عن الشافعي إلا أن أصحابه اختلفوا في مراده بكلامه فقال بعضهم إنما أراد إذا كان كل واحد موصى إليه منفردا وقال بعضهم بل هو عام فيهما. ولنا ان حفظ المال من جملة الموصى به فلم يجز لاحدهما الانفراد به كالتصرف ولانه لو جاز لكل

[ 590 ]

واحد منهما أن ينفرد بحفظ بعضه لجاز له أن ينفرد بالتصرف في بعضه * (مسألة) * (ولا تصح الوصية إلا في معلوم يملك الموصي فعله كقضاء الدين وتفريق الوصية والنظر في أمر الاطفال) لان الوصي يتصرف بالاذن فلم يجز إلا في معلوم يملك الموضي فعله كالوكالة فيجوز أن يوصي إليه بقضاء ديونه واقتضائها ورد الودائع واستردادها لانه يملك ذلك فملكه وصية فأما النظر لورثته في أموالهم فان كان ذا ولاية عليهم كأولاده الصغار والمجانين ومن لم يؤنس رشده فله أن يوصي إلى من ينظر لهم في أموالهم بحفظها ويتصرف لهم فيها بما لهم الحظ فيه، فأما من لا ولاية له عليهم كالعقلاء الراشدين وغير أولاده من الاخوة والاعمام وسائر من عدا الاولاد فلا تصح الوصية عليهم لانه لا ولاية للموصي عليهم في الحياة فلا يكون ذلك لنائبه بعد الممات ولا نعلم في هذا كله خلافا وبه يقول أبو حنيفة والشافعي ومالك إلا أن أبا حنيفة والشافعي قالا للجد ولاية على ابن ابنه وان سفل لان له ولادة وتعصيبا فأشبه الاب ولاصحاب الشافعي في الام عند عدم الاب والجد وجهان (احدهما) لها ولاية لانها أحد الابوين فأشبهت الاب

[ 591 ]

ولنا ان الجد يدلي بواسطة أشبه الاخ والعم بخلاف الاب فانه يدلي بنفسه ويحجب الجد ويخالفه في منزلته وحجبه فلا يصح إلحاقه به ولا قياسه عليه واما المرأة فلا تلى لانها قاصرة لا تلي النكاح بحال ولا تلي مال غيرها كالعبد * (مسألة) * (وإذا وصى إليه في شئ لم يصر وصيا في غيره) يجوز أن يوصى إلى رجل بشئ دون شئ مثل أن يوصي إليه بتفريق ثلثه دون غيره أو بقضاء ديونه أو بالنظر في أمر أطفاله حسب فلا يكون له غير ما جعل إليه ويجوز أن يوصي إلى إنسان بتفريق وصيته وإلى آخر بقضاء ديونه وإلى آخر بالنظر في أمر أطفاله فيكون لكل واحد ما جعل إليه دون غيره ومتى أوصى إليه بشئ لم يصر وصيا في غيره، بهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يكون وصيا في كل ما يملكه الموصي لان هذه ولاية تنتقل من الاب بموته فلا تتبعض كولاية الجد ولنا أنه استفاد التصرف بالاذن من جهة الآدمي فكان مقصورا على ما أذن فيه كالوكيل وولاية الجد ممنوعة ثم تلك ولاية استفادها بقرابته وهي لا تتبعض والاذن يتبعض فافترقا

[ 592 ]

(فصل) ولا بأس بالدخول في الوصية فان الصحابة رضي الله عنهم كان بعضهم يوصى إلى بعض فيقبلون الوصية فروي عن أبي عبيدة أنه لما عبر الفرات أوصى إلى عمر وأوصى إلى الزبير ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عثمان وابن مسعود والمقداد وعبد الرحمن بن عوف ومطيع بن الاسود وآخر وروي عن بن عمر أنه كان وصيا لرجل وفي وصية ابن مسعود: ان حدث بي حادث الموت من مرضي هذا ان مرجع وصيتي إلى الله عزوجل ثم إلى الزبير بن العوام وابن عبد الله ولانها وكالة وأمانة فأشبهت الوديعة والوكالة في الحياة وقياس مذهب أحمد ان ترك الدخول ففيها أولى لما فيها من الخطر وهو لا يعدل بالسلامة شيئا ولذلك يرى ترك الالتقاط وترك الاحرام قبل الميقات أفضل طلبا للسلامة واجتنابا للخطر وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابي ذر " اني اراك ضعيفا واني أحب لك ما أحب لنفسي فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم " أخرجه مسلم (فصل) فان مات رجل لا وصي له ولا حاكم في بلده فظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه يجوز لرجل

[ 593 ]

من المسلمين أن يتولى أمره ويبيع ما دعت الحاجة إلى بيعه فان صالحا نقل عنه في رجل بارض عرية لا قاضي بها مات وخلف جواري ومالا اترى لرجل من المسلمين بيع ذلك؟ فقال اما المنافع والحيوان فان اضطروا الي بيعه ولم يكن قاض فلا بأس واما الجواري فأحب أن يتولى بيعهن حاكم من الحكام وانما توقف عن بيع الاماء على طريق الاختيار احتياطا لان بيعهن يتضمن إباحة فرج وأجاز بيع ذلك لانه موضع ضرورة * (مسألة) * (وإذا أوصى إليه بتفرقة ثلثه فأبى الورثة اخراج ثلث ما في أيديهم ففيه روايتان) (احداهما) يخرج الثلث كله مما في يده نقلها أبو طالب لان حق الموصى له متعلق باجزاء التركة فجاز أن يدفع إليه مما في يده كما يدفع إلى بعض الورثة (والاخرى) يدفع إليه ثلث ما في يده ولا يعطيهم شيئا مما في يده حتى يخرجوا ثلث ما في أيديهم نقلها أبو الحارث لان صاحب الدين إذا كان في يده مال لم يملك استيفاءه مما في يده كذا ههنا ويمكن حمل الروايتين على اختلاف حالين فالرواية

[ 594 ]

الاولى محمولة على ما إذا كان المال جنسا واحدا فللوصي أن يخرج الثلث كله مما في يده لانه لا فائدة في انتظار اخراجهم مما في أيديهم مع اتحاد الجنس (والرواية الثانية) محمولة على ما إذا كان المال أجناسا فان الوصية تتعلق بثلث كل جنس فليس له أن يخرج عوضا عن ثلث ما في أيديهم مما في يده لانه معاوضة لا تجوز الا برضاهم والله أعلم * (مسألة) * (وان أوصاه بقضاء دين معين فأبى الورثة ذلك قضاه بغير علمهم) لانه واجب سواء رضوا به أو أبوه فإذا أبوه قضاه كما لو وصى لرجل بمعين يخرج من الثلث فلم يقبلوا الوصية فانه يدفع إليه وصيته بغير رضاهم ولا يعتبر علمهم كذا ههنا وعن أحمد فيمن عليه دين لميت وعلى الميت دين أنه يقضي دين الميت ان لم يخف بيعه يعني إذا خاف أن يطلبه الورثة بما عليه وينكروا الدين الذي على موروثهم فلا يقضيه لانه لا يأمن رجوعهم عليه وان لم يخف ذلك قضى دين الميت الذي عليه بدين الميت الذي له لما فيه من تبرئة ذمته وذمة الميت

[ 595 ]

(فصل) إذا علم الموصى إليه أن على الميت دينا إما بوصية الميت أو غيرها فقال أحمد لا يقضيه إلا ببيته قيل له فان كان ابن الميت يصدقه قال يكون ذلك في حصة من أقر بدر حصته، وقال في من استودع رجلا الف درهم فقال ان أنا مت فادفعها إلى ابني الكبير وله ابنان أو قال ادفعها إلى أجنبي فقال ان دفعها إلى أحد الابنين ضمن للآخر قدر حصته وان دفعها إلى الآخر ضمن ولعل هذا من أحمد فيما إذا لم يصدق الورثة الوصي ولم يقروا فلم يقبل قوله عليهم وليس له الدفع بغير إذنهم لان قوله أقر عندي وأذن لي إثبات ولائه فلا يقبل قوله فيه ولا شهادته لانه يشهد لنفسه بالولاية وقد نقل أبو داود في رجل أوصى أن لفلان علي كذا فينبغي للوصي أن ينفذه ولا يحل له لا إن لم ينفذه فهذه المسألة محمولة على أن الورثة يصدقون الوصي أو المدعي أو له بينة بذلك جمعا بيئن الروايتين وموافقة الدليل قيل لاحمد فان علم الموصى إليه لرجل حقا على الميت فجاء الغريم يطالب الوصي وقدمه إلى القاضي ليستحلفه أن مالي في يديك حق فقال لا يحلف ويعلم القاضي بالقضية فان أعطاه القاضي

[ 596 ]

فهو أعلم فان ادعى رجلا دينا على الميت وأقام بينة فهل يجوز للوصي قبولها وقضاء الدين بها من غير حضور حاكم؟ فكلام أحمد يدل على روايتين (احداهما) لا يجوز الدفع إليه بدعواه إلا أن تقوم بينة فظاهر هذا أنه جوز الدفع بالبينة من غير حكم حاكم لان البينة حجة له وقال في موضع آخر إلا أن تثبت بينة عند الحاكم بذلك فاما ان صدقهم الورثة قبل لانه اقرار منهم على أنفسهم * (مسألة) * (وتصح وصية الكافر إلى المسلم إذا لم تكن تركته خمرا أو خنزيرا لان المسلم مقبول الشهادة عليه وعلى غيره فأما وصية الكافر إلى الكافر العدل في دينه ففيها وجهان (أحدهما) تصح الوصية إليه وهو قول أصحاب الرأي لانه يلي بالنسب فيلي بالوصية كالمسلم والثاني لا يصح وهو قول أبي ثور لانه فاسق فلم تصح الوصية إليه كفاسق المسلمين ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين فان لم يكن الكافر عدلا في دينه لم تصح الوصية إليه لان عدم العدالة في المسلم تمنع صحة الوصية إليه فالكافر أولى * (مسألة) * (إذا قال ضع ثلثي حيث شئت أو أعطه من شئت لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى ولده ولا والده) قال أحمد إذا كان في يده مال للمساكين وأبواب البر وهو محاتج إليه فلا يأكل منه شيئا انما أمر بتنفيذه، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي إذا قال الموصي جعلت لك ولده ولا والده) قال أحمد إذا كان في يده مال للمساكين وأبواب البر وهو محاتج إليه فلا يأكل منه شيئا انما أمر بتنفيذه، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي إذا قال الموصي جعلت لك أن تضع ثلثي حيث شئت أو حيث رأيت فله أخذه لنفسه وولده ويحتمل أن يجوز ذلك عندنا أيضا لان لفظ الموصي يتناوله ويحتمل أن ينظر إلى قرائن الاحوال فان دلت على أنه أراد أخذه منه مثل أن يكون من جملة المستحقين الذين يصرف إليهم ذلك أو عادته الاخذ من مثله فله الاخذ منه والا فلا،

[ 597 ]

ويحتمل أن له اعطاء ولده وسائر أقاربه إذا كانوا مستحقين دون نفسه لانه مأمور بالتفريق وقد فرق فيمن يستحق فأشبه الدفع إلى الاجنبي. ولنا أنه تمليك ملكه بالاذن فلا يجوز أن يكون قابلا كما لو وكله في بيع سلعة لم يجز بيعها من نفسه * (مسألة) * (وان دعت الحاجة إلى بيع بعض العقار لقضاء دين الميت أو حاجة الصغار وفي بيع بعضه نقص فله البيع على الكبار والصغار) وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى يجوز البيع على الصغار والكبار فيما لابد منه وكذلك ان كان جميعهم كبارا وهناك دين أو وصية وقيل لا يملك أن يبيع الا ما يخص الصغار ويقدر الدين والوصية ولنا أنه وصي يملك بيع بعض التركة فملك بيع جميعها كما لو كان جميع الورثة صغارا وكان الدين يستغرق التركة ولان الوصي قائم مقام الاب وللاب أن إلى بيع بعض العقار لقضاء دين الميت أو حاجة الصغار وفي بيع بعضه نقص فله البيع على الكبار والصغار) وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى يجوز البيع على الصغار والكبار فيما لابد منه وكذلك ان كان جميعهم كبارا وهناك دين أو وصية وقيل لا يملك أن يبيع الا ما يخص الصغار ويقدر الدين والوصية ولنا أنه وصي يملك بيع بعض التركة فملك بيع جميعها كما لو كان جميع الورثة صغارا وكان الدين يستغرق التركة ولان الوصي قائم مقام الاب وللاب أن يبيع الجميع ولانه لما جاز بيعها في الدين المستغرق جاز بيعها فيما لا يستغرق كالعين المرهونة ولان في بيع البعض نقصا على الصغار قيتعين بيع الجميع دفعا للضرر عنهم ويحتمل أن لا يجوز البيع على الكبار، وبه قال الشافعي، وهو أقيس إن شاء الله تعالى لانه لا يجب على الانسان بيع ملكه ليزداد ثمن ملك غيره كما لو كان شريكهم غير وارث، وهذا اختيار شيخنا، وهو الصحيح والله سبحانه وتعالى أعلم. * (تم بحمد الله وعونه الجزء السادس من كتابي المغني والشرح الكبير) * * (ويليه بمشيئة الله وتوفيقه الجزء السابع منهما وأوله (كتاب الفرائض)) *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية