الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 5

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 5


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامه المقدسي المتوفى سنة 682 ه‍ كلاهما. على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان خلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الخامس دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (باب الصلح) الصلح معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المختلفين ويتنوع أنواعا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. قال الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) وقال تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) وروى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حرما) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى بمثل ذلك وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الانواع التي ذكرنا ولكل واحد منها باب يفرد له وتذكر فيه أحكامه وهذا الباب للصلح بين المختلفين في الاموال (مسألة) (والصلح في الاموال قسمان أحدهما صلح على الاقرار وهو نوعان (أحدهما) صلح على جنس الحق مثل أن يقر له بدين فيضع عنه بعضه أو بعين فيهب له بعضها ويأخذ الباقي فيصح إن لم يكن بشرط مثل أن يقول على أن تعطيني الباقي أو يمنعه حقه بدونه) وجملة ذلك أن من اعترف بدين أو عين في يده فأبرأه الغريم من بعض الدين أو وهبه بعض العين وطلب منه الباقي صح إذا كانت البراءة مطلقة من غير شرط. قال أحمد إذا كان للرجل على الرجل الدين ليس عنده وفاء فوضع عنه بعض حقه وأخذ منه الباقي كان ذلك جائزا لهما ولو فعل ذلك قاض

[ 3 ]

شافعي لم يكن عليه في ذلك إثم لان النبي صلى الله عليه وسلم قد كلم غرماء جابر ليضعوا عنه وفي الذي أصيب في حديقته فمر به النبي صلى الله وسلم وهو ملزوم فأشار إلى غرمائه بالنصف فأخذوه منه، فان فعل ذلك قاض اليوم جاز إذا كان على وجه الصلح والنظر لهما، وقد روى عبد الله بن كعب عن أبيه انه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج اليهما ثم نادى (يا كعب) قال لبيك يارسول الله. فأشار إليه أن ضع الشطر من دينك. قال قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قم فاعطه) متفق عليه فأما إن منعه المقر حقه حتى يضع عنه بعضه فالصلح باطل لانه صالح عن بعض ماله ببعضه وسواء كان بلفظ الصلح أو بلفظ الابراء أو الهبة المقرون بشرط مثل أن يقول أبرأتك من خمسمائة أو وهبتك بشرط أن تعطيني ما بقي، قال ابن أبي موسى الصلح على الاقرار هضم للحق فمتى ألزم المقر له ترك بعض حقه فتركه من غير طيب نفسه لم يطب لاحد، وإن تطوع المقر له باسقاط بعض حقه جاز غير أن ذلك ليس بصلح ولا من باب الصلح بسبيل فلم يجعله صلحا، ولم يسم الخرقي الصلح إلا في حال الانكار، فأما مع الاعتراف فان قضاه من جنس حقه فهو وفاء وإن قضاء من غير جنسه فهو معاوضة وإن أبرأه من بعضه فهو إبراء وإن وهبه بعض العين فهو هبة فلا يسمى صلحا وسماه القاضي وأصحابه صلحا وهو قول الشافعي. والخلاف في التسمية أما المعنى فمتفق عليه، وهو ينقسم إلى إبراء وهبة ومعاوضة وقد ذكرنا الابراء، فأما الهبة فهو أن يكون له في يده عين فيقول قد وهبتك نصفها واعطني بقيتها فيصح ويعتبر له شروط الهبة، وإن أخرجه مخرج الشرط لم يصح وهذا مذهب الشافعي، لانه إذا شرط في الهبة الوفاء جعل الهبة عوضا عن الوفاء فكأنه عاوض بعض حقه ببعض، فان أبرأه من بعض الدين أو وهب له بعض العين بلفظ الصلح مثل أن يقول صالحني بنصف دينك علي أو بنصف دارك هذه، فيقول صالحتك بذلك لم يصح: ذكره القاضي وابن عقيل وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وقال أكثرهم يجوز الصلح لانه إذا لم يجر بلفظه خرج عن أن يكون صلحا ولا يبقى له تعلق به اما إذا كان بلفظه سمي صلحا لوجود اللفظ وان تخلف المعنى كالهبة بشرط الثواب، وانما يقتضي لفظ الصلح المعاوضة إذا كان ثم عوض أما مع عدمه فلا، وانما معنى الصلح الاتفاق والرضى وقد يحصل هذا من غير عوض كالتمليك إذا كان بعوض سمي بيعا وان خلا عن العوض سمي هبة ولنا أن لفظ الصلح يقتضي المعاوضة لانه إذا قال صالحني بهبة كذا أو على هبة كذا أو على نصف هذه العين ونحو هذا فقد أضاف إليه بالمقابلة فصار كقوله بعني بألف وان أضاف إليه على جرى مجرى الشرط كقوله (على أن تأجرني ثماني حجج) وقوله (فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) وكلاهما لا يجوز بدليل مالو صرح بلفظ الشرط أو بلفظ المعاوضة، وقولهم انه يسمى صلحا

[ 4 ]

ممنوع وان سمي صلحا فمجاز لتضمنه قطع التنازع وازالة الخصومة وقولهم ان الصلح لا يقتضي المعاوضة ممنوع وان سلمنا لكن المعاوضة حصلت من اقتران حرف الباء أو على أو نحوهما به فان لفظ الصلح يحتاج إلى حرف يتعدى به وذلك يقتضي المعاوضة على ما بينا (مسألة) (ولا يصح ذلك ممن لا يملك التبرع كالمكاتب والمأذون له وولي اليتيم إلا في حال الانكار وعدم البينة) لانه تبرع وليس لهم التبرع فاما إذا لم يكن بالدين أو كان على الانكار صح لان استيفاء هم البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه (مسألة) (وان صالح عن المؤجل ببعضه حالا لم يصح) كره ذلك زيد بن ثابت وابن عمر وقال نهى عمر أن تباع العين بالدين وكره ذلك سعيد بن المسيب والقاسم وسالم والحسن ومالك والشافعي والثوري وابن عيينه وابو حنيفة واسحاق وروي عن ابن عباس وابن سيرين والنخعي أنه لا بأس به، وعن الحسن وابن سيرين انهما كانا لا يريان بأسا بالعروض ان يأخذها من حقه قبل محله لانهما تبايعا العروض بما في الذمة فصح كما لو اشتراها بثمن مثلها ولعل ابن سيرين يحتج بان التعجيل جائز والاسقاط وحده جائز فجاز الجمع بينهما كما لو فعلا ذلك من غير مواطأة عليه ولنا أنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا من تعجيل ما في ذمته وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز كما لا بجوز أن يعطيه عشرة حالة بعشرين موجلة ولانه يبيعه عشرة بعشرين فلم يجز كما لو كانت معينة وفارق ما إذا كان من غير مواطأة ولا عقد لان كل واحد منهما متبرع ببذل حقه من غير عوض ولا يلزم من جواز ذلك جوازه في العقد أو مع الشرط كبيع درهم بدرهمين ويقارق ما إذا اشترى العروض بثمن مثلها لانه لم يأخذ عن الحلول عوضا (مسألة) (وان وضع بعض الحال واجل باقيه صح الاسقاط دون التأجيل) إذا صالحه عن الف حال بنصها مؤجلا اختيارا منه وتبرعا صح الاسقاط ولم يلزم التأجيل لان الحال لا يتأجل بالتأجيل على ما ذكرنا والاسقاط صحيح وان فعله لمنعه من حقه بدونه أو شرط ذلك في الوفاء لم يسقط على ما ذكرنا في اول الباب وذكر أبو الخطاب في هذا روايتين اصحهما لا يصح وما ذكرنا من التفصيل اولى (مسألة) (وان صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه مثل ان يصالح عن دية الخطأ أو قيمة متلف بأكثرمنها من جنسها لم يصح) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز لانه يأخذ عوضا عن المتلف فجاز ان بأخذ اكثر من قيمته كما لو باعه بذلك

[ 5 ]

ولنا ان الدية والقيمة تثبت في الذمة مقدرة فلم يجزان يصالح عنها باكثر منها من جنسها كالثابتة عن قرض أو ثمن مبيع ولانه إذا اخذ اكثر منها فقد اخذ حقه وزيادة لا مقابل لها فيكون أكل مال بالباطل (مسألة) (وان صالحه بعرض قيمته اكثر منها جاز) لانه بيع (فصل) ولو صالح عن المائة الثابتة بالاتلاف بمائة مؤجلة لم تصر مؤجلة وهذا قول الشافعي وعن احمد انها تصير مؤجلة وهو قول ابي حنيفة لانه عاوض عن المتلف بمائة مؤجلة فجاز كما لو باعه إياه ولنا انه انما استحق عليه قيمة المتلف وهو مائة حالة والحال لا يتأجل بالتأجيل وان جعلناه بيعا فهو بيع دين بدين وهو غير جائز (مسألة) (وان صالحه عن بيت على ان يسكنه سنة أو يبني له فوقه غرفة لم يصح) إذا ادعى على رجل بيتا فصالحه على بعضه أو على ان يبني له ثم على ان يسكنه سنة لم يصح لانه يصالحه عن ملكه على ملكه أو منفعته وان اسكنه كان تبرعا منه متى شاء اخرجه منها وان اعطاه بعض داره بناء على هذا فمتى شاء انتزعه منه لانه اعطاه إياه عوضا عما لا يصلح عوضا عنه وان فعل ذلك على سبيل المصالحة معتقدا ان ذلك وجب عليه بالصلح رجع عليه باجر ما سكن واجر ما كان في يده من الدار لانه اخذه بعقد فاسد فأشبه المبيع الموجود بعقد فاسد وسكنى الدار باجارة فاسدة، وان بنى وفوق البيت غرفة اجبر على نقضها وإذا اجر السطح مدة مقامه في يده وله اخذ آلته، وان انفقا على ان يصالحه صاحب البيت عن بنائه بعوض جاز وان بنى الغرفة بتراب من ارض صاحب البيت وآلاته فليس له اخذ بنائه لانه ملك صاحب البيت وان اراد نقض البناء لم يكن له ذلك إذا ابرأه المالك من ضمان ما يتلف به ويتخرج ان يملك نقضه كقولنا في الغاصب (مسألة) (ولو قال أقر لي بديني وأعطيك منه مائة ففعل صع الاقرار ولم يصح الصلح) لانه يجب عليه الاقرار بما عليه من الحق فلم يحل له أخذ العوض عما يجب عليه. فعلى هذا يردما أخذ لانه تبين كذبه باقراره وان عليه الدين فلزمه اداؤه بغير عوض (مسألة) (وان صالح انسانا ليقرله بالعبودية أو امرأة لتقرله بالزوجية لم يصح) لا يجوز الصلح على ما لا يجوز أخذ العوض عنه مثل ان يدعي على رجل أنه عبده فينكره فيصالحه على مال ليقرله بالعبودية فلا يجوز ذلك لانه يحل حراما فان ارقاق الحر نفسه لا يحل بعوض ولا غيره وكذلك ان صالح امرأة لتقرله بالزوجية لانه صلح يحل حراما ولانها لو أرادت بذل نفسها بعوض لم يجز فان دفعت إليه عوضا عن هذه الدعوى ليكف نفسه عنها ففيه وجهان (احدهما) لا يجوز لان الصلح في الانكار انما يكون في حق المنكر لافتداء اليمين وهذه لا يمين عليها وفي حق المدعي يأخذ العوض في مقابلة حقه الذي يدعيه وخروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له وانما

[ 6 ]

أجيز الخلع للحاجة إلى افتداء نفسها (والثاني) يصح ذكره أبو الخطاب وابن عقيل لان المدعي يأخذ عوضا عن حقه من النكاح فجاز كعوض الخلع والمرأة تبذله لقطع خصومته وازالة شره وربما توجهت اليمين عليها لكون الحاكم يرى ذلك ولانها مشروعة في حقها في احدى الروايتين، ومتى صالحته عن ذلك ثم يثبت الزوجية باقرارها أو ببينة فان قلنا الصلح باطل فانكاح باق بحاله لانه لم يوجد من الزوج طلاق ولا خلع وان قلنا هو صحيح احتمل ذلك أيضا لما ذكرنا، واحتمل أن تبين منه بأحد العوضين لانه أخذ العوض عما يستحقه من نكاحها فكان خلعا كما لو أقرت له بالزوجية فخالعها ولو ادعت أن زوجها طلقها ثلاثا فصالحها على مال لتنزل عن دعواها لم يجز لانه لا يجوز لها بذل نفسها لمطلقها بعوض ولا بغيره، وان دفعت إليه مالا ليقر بطلاقها لم يجز في أحد الوجهين وفي الآخر يجوز كما لو بذلت له عوضا ليطلقها ثلاثا (مسألة) وان دفع المدعى عليه العبودية إلى المدعي مالا صلحا عن دعواه صح) لانه يجوز أن يعتق عبده بمال وليشرع للدافع لدفع اليمين الواجبة عليه والخصومة المتوجهة إليه. (النوع الثاني) أن يصالحه عن الحق بغير جنسه فهو معاوضة وذلك مثل أن يعترف له بعين في يده أو دين في ذمته ثم يعوضه عن ذلك بما يجوز تعويضه به وهو ثلاثة أقسام (أحدها) أن يقر له بنقد فيصالحه على نقد آخر مثل أن يقر له بمائة درهم فيصالحه عنها بعشرة دنانير أو بالعكس فهذا صرف يشترط له شروط الصرف من التقابض في المجلس ونحوه (القسم الثاني) أن يعترف له بعروض فيصالحه على أثمان أو بالعكس فهذا بيع تثبت فيه أحكام البيع (الثالث) أن يصالحه على سكنى دار أو خذمة عبده أو على أن يعمل له عملا معلوما فتكون اجارة لها حكم سائر الاجارات فان تلفت الدار أو العبد قبل استيفاء شئ من المنفعة انفسخت الاجارة ورجع بما صالح عنه، وان تلفت بعد استيفاء بعض المنفعة انفسخت فيما بقي من المدة ورجع بقسط ما بقي، ولو صالحه على أن يزوجه أمته وكان ممن يجوز له نكاح الاماء صح وكان المصالح عنه صداقها فان انفسخ النكاح قبل الدخول بامر يسقط الصداق رجع الزوج بما صالح عنه وان طلقها قبل الدخول رجع بنصفه (مسألة) (وان صالحت المرأة بتزويج نفسها صح فان كان الصلح عن عيب في مبيعها فتبين أنه ليس بعيب رجعت بارشه لا بمهر مثلها) إذا اعترفت امرأة لرجل بدين أو عين فصالحته على ان تزوجه نفسها صح ويكون صداقا لها فان كان المعترف به عيبا في مبيعها فبان أنه ليس بعيب كبياض في عين العبد ظنته عمى رجعت بارشه لان ذلك صداقها فرجعت به لا يمهر مثلها فان لم يزل العيب ولكن انفسخ نكاحها بما يسقط صداقها رجع عليها بارشه

[ 7 ]

(مسألة) (وان صالح عما في الذمة بشئ في الذمة لم يجز التفرق قبل القبض لانه بيع دين بدين) وقد نهى الشارع عنه (فصل) وان صالحه بخدمة عبده سنة صح وكانت اجارة على ما ذكرنا فان باع العبد في السنة صح البيع ويكون المشتري مسلوب المنفعة بقية السنة وللمصالح استياء منفعته إلى انقضاء السنة كما لو زوج أمته ثم باعها وان يعلم المشتري بذلك فله الفسخ لانه عيب وان أعتق العبد في اثناء المدة صح عتقه لانه مملوك يصح بيعه فصح عتقه كغيره، وللمصالح أن يستوفي نفعه في المدة لانه اعتقه بعد ان ملك نفعه لغيره فأشبه مالو اعتق الامة المزوجة لحر ولا يرجع العبد على سيده بشئ لانه ما ازال ملكه بالعتق الا عن الرقبة والمنافع حينئذ مملوكة لغيره فلم تتلف منافعه بالعتق فلا يرجع بشئ ولانه اعتقه مسلوب المنفعة فلم يرجع بشئ كما لو اعتق زمنا أو مقطوع اليدين أو امة مزوجة وذكر القاضى وابن عقيل وجها انه يرجع على سيده بأجر مثله وهو قول الشافعي لان العتق اقتضى ازالة ملكه عن الرقبة والمنفعة جميعا فلما لم تحصل المنفعة للعبد ههنا فكأنه حال بينه وبين منفعته ولنا ان اعتاقه لم يصادف للمعتق سوى ملك الرقبة فلم يؤثر الافيه كما لو وصى لرجل برقبة عبد ولآخر بمنفعته فأعتق صاحب الرقبة وكما لو اعتق أمة مزوجة قولهم إنه اقتضى زوال الملك عن المنفعة قلنا انما يقتضي ذلك إذا كانت مملوكة له أما إذا كانت مملوكة لغيره فلا يقتضي اعتاقه ازالة ما ليس بموجود وان تبين أن العبد مستحق تبين بطلان الصلح لفساد العوض ورجع المدعي فيما أقر له به وان وجد العبد معيبا عيبا تنقص به المنفعة فله رده وفسخ الصلح وان صالح على العبد عينه صح والحكم فيما إذا خرج مستحقا أو معيبا كما ذكرنا (فصل) وإذا ادعى زرعا في يد رجل فأقر له به ثم صالحه على دراهم جاز على الوجه الذي يجوز بيع الزرع وقد ذكرناه في البيع، فان كان الزرع في يد رجلين فأقر له أحدهما بنفصه ثم صالحه عليه قبل اشتداد حبه لم يجز لانه ان كان الصلح مطلقا أو بشرط التبقية لم يجز لانه لا يجوز بيعه وان شرط القطع لم يجز أيضا لكونه لا يمكنه قطعه الا بقطع زرع الآخر، ولو كان الزرع لواحد فأقر للمدعي بنصفه ثم صالحه عنه بنصف الارض ليصير الزرع كله للمقر والارض بينهما نصفين فان شرط القطع جاز لان الزرع كله للمقر فجاز شرط قطعه ويحتمل أن لا يجوز لان في الزرع ما ليس بمبيع وهو النصف الذي لم يقر به وهو في النصف الباقي له فلا يصح شرط قطعه كما لو شرط قطع زرع آخر في أرض أخرى، وان صالحه منه بجميع الارض بشرط القطع ليسلم الارض إليه فارغة صح لان قطع جميع الزرع مستحق نصفه بحكم الصلح والباقي لتفريغ الارض فأمكن القطع وان كان اقراره بجميع الزرع فصالحه من نصفه على نصف الارض لتكون الارض والزرع بينهما نصفين وشرطا القطع في

[ 8 ]

الجميع احتمل الجواز لانهما قد شرطا قطع كل الزرع وتسليم الارض فارغة واحتمل المنع لان باقي الزرع ليس بمبيع فلا يصح بشرط قطعه في العقد (مسألة) (ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم إذا كان مما لا يمكن معرفته للحاجة) يصح الصلح عن المجهول سواء كان عينا أو دينا إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته قال أحمد في الرجل يصالح عن الشئ فان علم أنه أكثر منه لم يجز الا أن يوقفه عليه الا أن يكون مجهولا لا يدري ما هو، ونقل عنه عبد الله إذا اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير وطحنا فان عرف قيمة دقيق الحنطة ودقيق الشعير بيع هذا وأعطي كل واحد منهما قيمة ماله الا أن يصطلحا على شئ ويتحالا وقال ابن أبي موسى الصلح الجائز وصلح الزوجة من صداقها الذي لا بينة لها به ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه وكذلك الرجلان تكون بينهما المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمن الطويل لاعلم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه فيجوز الصلح بينهما، وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره جاز ان يصالح عليه وسواء كان الحق يعلم حقه ولا بينة له ويقول القابض ان كان لي عليك حق فأنت منه في حل ويقول الدافع ان كنت أخذت أكثر من حقك فأنت منه في حل وقال الشافعي لا يصح الصلح على مجهول لانه فرع البيع والبيع لا يصح على مجهول ولنا ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجلين اختصما في مواريث درست (استهما وتوخيا وليحلل احدكما صاحبه) رواه احمد بمعناه وهذا صلح على المجهول ولانه اسقاط حق فصح في المجهول كالعتاق ولانه إذا صح الصلح مع العلم وامكان أداء الحق بعينه فلان يصح مع الجهل اولى وذلك لانه إذا كان معلوما فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه ومع الجهل لا يمكن ذلك فلو لم يجز الصلح افضى إلى ضياع المال على تقدير ان يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه ولا نسلم كونه فرع بيع وانما هو إبراء وان سلمنا كونه فرع بيع فان البيع يصح في المجهول عند الحاجة كبيع أساسات الحيطان وطي الآبار وما مأ كوله في جوفه ولو أتلف رجل صبرة طعام لا يعلم قدرها فقال صاحب الطعام المتلفه بعتك الطعام الذي في ذمتك بهذا الدرهم أو بهذا الثوب صح. إذا ثبت هذا فمتى كان العوض في الصلح مما لا يحتاج إلى تسليمه ولا سبيل إلى معرفته كالمختصمين في مواريث دارسة وحقوق سالفة أو في أرض أو عين من المال لا يعلم كل واحد قدر حقه صح الصلح مع الجهالة من الجانبين لما ذكرنا من الخبر والمعنى، وان كان يحتاج إلى تسليمه لم يجز مع الجهالة ولا بد من العلم به لان تسليمه واجب والجهالة تمنعه وتفضي إلى التنازع فلا يحصل مقصود الصلح (فصل) فاما ما يمكنهما معرفته كتركة موجودة أو يعمله الذي هو عليه ويجهله صاحبه فلا يصح

[ 9 ]

الصلح عليه مع الجهل أحمد ان صولحت امرأة من ثمنها لم يصح، واحتج بقول شريح ايما امرأة صولحت من ثمنها فلم يبين لها ما ترك زوجها فهي الريبه كلها، قال وان ورث قوم مالا أودورأ وغير ذلك فقالوا لبعضهم نخرجك من الميراث بالف درهم اكره ذلك، ولا يشترى منها شيئا وهي لا نعلم لعلها تظن انه قليل وهو يعلم أنه كثير ولا يشترى حتى نعرفه وتعلم ما هو، انما يصالح الرجل الرجل على الشئ لا يعرفه ولا يدري ما هو؟ حساب بينهما فيصالحه، أو يكون رجل يعلم ماله عند رجل والآخر لا يعلمه فيصالحه فاما إذا علم فلم يصالحه انما يريد أن يهضم حقه ويذهب به وذلك لان الصلح انما جاز مع الجهالة للحاجة إليه لابراء الذمم وإزالة الخصام فمع امكان العلم لا حاجة إلى الصلح مع الجهالة فلم يصح كالبيع (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (القسم الثاني) أن يدعي عليه عينا أو دينا فينكره ثم يصالحه على مال فيصح ويكون بيعا في حق المدعي حتى ان وجد بما أخذه عيبا فله رده وفسخ الصلح) الصلح على الانكار صحيح وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح لانه عاوض عما لم ثبت له فلم تصح المعاوضة كما لو باع مال غيره ولانه عقد معاوضة خلاعن العوض في أحد جانبيه فبطل كالصلح على حد القذف ولنا عموم قول عليه السلام (الصلح بين المسلمين جائز) فيدخل هذا في عمومه فان قالوا فقد قال (الا صلحا احل حراما) وهذا داخل فيه لانه لم يكن له ان يأخذ من مال المد عى عليه فحل بالصلح قلنا

[ 10 ]

قلنا لا نسلم دخوله فيه ولا يصح حمل الحديث على ما ذكروه لوجهين (أحدهما) ان هذا يؤخذ في الصلح بمعنى البيع فانه يحل لكل واحد منهما ما كان محرما عليه قبله وكذلك الصلح بمعنى الهبة فانه يحل للموهوب له ما كان حراما عليه الثاني انه لو حل به المحرم لكان الصلح صحيحا فان الصلح الفاسد يحل الحرام وانما منعناه ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقائه على تحريمه كما لو صالحه على استرقاق حر أو احلال بضع محرم أو صالحه بخمر أو خنزير وليس ما نحن فيه كذلك وعلى أنهم لا يقولون بهذا فانهم يبيحون لمن له حق يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقفره أو دونه فإذا حل له ذلك من غير اختياره ولا علمه فلان يحل برضاه وبذله أو لى وكذلك إذا حل مع اعتراف الغريم فلان يحل مع جحده وعجزه عن الوصول إلى حقه الا بذلك أول ولان المدعي ههنا يأخذ عوض حقه الثابت له والمدعى عليه يدفعه لدفع الشرعنه ويقطع الخصومة ولم يرد الشرع بتحريم ذلك في موضع ولانه صلح يصح مع الاجنبي فصح مع الخصم كالصلح مع الاقرار، يحققه انه إذا صح مع الاجنبي مع غناه عنه فلان يصح مع الخصم مع حاجته إليه أولى، وقولهم انه معاوضة قلنا في حقهما أو في حق أحدهما؟ الاول ممنوع والثانى مسلم وهذا لان المدعي يأخذ عوض حقه من المنكر لعلمه بثبوت حقه عنده فهو معاوضة في حقه

[ 11 ]

والمنكر يعتقد أنه يدفع المال لدفع الخصومة واليمين عنه وتخلصه من شر المدعى فهوأبرأفى حقه وغير ممتنع ثبوت المعاوضة في حق أحد المعاقدين دون الآخر كما لو اشترى عبدا شهد بحريته فانه يصح ويكون معاوضة في حق البائع واستقاذا له من الرق في حق المشتري كذاههنا. إذا ثبت هذا فلا يصح هذا الصلح الا أن يكون المدعي شيئا معقتدا ان ما ادعاه حق والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه فيدفع إلى المدعي شيئا افتداء ليمينه وقطعا للخصومة وصيانة لنفسه عن التذل وحضور مجلس الحاكم فان ذوي الانفس الشريفة يصعب عليهم ذلك ويرون دفع ضررها عنهم من أعظم المصالح والشرع لا يمنعهم من وقاية أنفسهم وصيانتها ودفع الشر عنم ببذل اموالهم، والمدعي يأخذ ذلك عوضا عن حقه الذي يعتقد ثبوته فلا يمنعه الشرع من ذلك، سواء كان المأخوذ من جنس حقه بقدر حقه أو دونه فان أخذ من جنس حقه بقدره فقد استوفى حقه وان أخذ دونه فقد استوفى بعضه وترك بعضه وان اخذ من غير جنس حقه فقد أخذ عوضه ولا يجوز ان يأخذ من جنس حقه اكثر منه لان الزائد لا مقابل له فيكون ظالما بأخذه وان اخذ من غير جنسه جاز ويكون بيعا في حق المدعي لا عتقاده أخذه عوضا فيلزمه حكم اقراره فان وجد بما أخذه عيبا فله رده وفسخ الصلح كما لو اشترى شيئا فوجده معيبا (مسألة) (وان كان شقصا مشفوعا ثبتت فيه الشفعة ويكون إبراء في حق الآخر فلا يرد ما صولح عنه بعيب ولا يؤخذ بشفعة) إذا كان الذي أخذه المدعي شقصا في دار أو عقار وجبت فيه الشفعة لانه يقر ان الذي أخذه عوضا فهو كما لو اشتراه ويكون أبرأ في حق المنكر لانه دفع المال التداء ليمينه ودفعا للضرر عنه لا عوضا عن حق يعتقده فيلزمه ايضا حكم ا قراره، فان وجدبا لمصالح عنه عيبا لم يرجع به على المدعي لا عتقاده انه ما أخذه عوضا وان كان شقصا لم تثبت فيه الشفعة لانه يعتقده على ملكه لم يزل وما

[ 12 ]

ملكه بالصلح ولو دفع المدعى عليه إلى المدعي ما ادعاه أو بعضه لم يثبت فيه حكم البيع ولا تثبت فيه الشفعة لان المدعي يعتقد أنه استوفى بعض حقه واخذ عين ماله مسترجعا لها ممن هي عنده فلم يمن بيعا كاسترجاع العين المغصوبة (مسألة) (فان كان أحدهما عالما بكذك نفسه فالصلح باطل في حقه وما أخذه حرام عليه) متى علم أحدهما كذب نفسه كمن ادعى شيئا يعلم أنه ليس له أو أنكر حقا يعلم أنه عليه فالصلح باطل في الباطن لان المدعي إذا كان كاذبا فما يأخذه أكل للمال بالباطل أخذه بشره وظللمه لا عوضا من حق فيكون حراما عليه كمن خوف رجلا بالقتل حتى أخذ ماله، وان كان المدعى عليه يعلم صدق المدعي وجحده لينتقص حقه أو يرضيه عنه شئ فهو هضم للحق وأكل مال بالباطل فيكون ذلك حراما والصلح باطل لا يحل له مال المدعي بذلك هذا حكم الباطن وأما الظاهر لنا فهو الصحة لانا لا نعلم باطن الحال انما نبني الامر على الظاهر والظاهر من حال المسلمين الصحة، ولو ادعى على رجل وديعة أو قرضا أو تفريطا في وديعة أو مضاربة فانكر واصطلحا صح لما ذكرناه (مسألة) (فان صالح عن النمكر أجنبي بغير اذنه صح ولم يرجع عليه في أصح الوجهين) إذا صالح عن النمكر أجنبي صح سواء اعترف للمدعي بصحة دعواه أولم يعترف وسواء كان باذنه أو بغير اذنه وقال أصحاب الشافعي انما يصح إذا اعترف المدعي بصدقه وهذا مبني على صلح المنكر وقد ذكرناه. ثم لا يخلوا الصلح ان يكون عن دين أو عين فان كان عن دين صح سواء كان باذن المنكر أو بغير اذنه فان عليا وأبا قتادة قضيا عن الميت فاجازه النبي صلى الله عليه وسلم وان كان الصلح عن

[ 13 ]

عين باذن النمكر فهو كالصلح منه لان الوكيل يقوم مقام الموكل وان كان بغير اذنه فهو افتداء للمنكر من الخصومة وابراء له من الدعوى وذلك جائز وفي الموضعين إذا صالح عنه بغير اذنه لم يرجع عليه بشئ لانه أدى عنه مالا يلزمه اداؤه، وخرجه القاضي وأبو الخطاب على الروايتين فيما إذا قضى دينه الثابت بغير اذنه وهذا التخريج لا يصح لان هذا لم يثبت وجوبه على المنكر ولا يلزمه أداؤه إلى المدعي فكيف يلزمه أداؤه إلى غيره؟ ولانه ادى عنه مالا يجب عليه فكان متبرعا كما لو تصدق عنه ومن قال برجوعه فانه يجعله كالمدعي في الدعوى على المنكر اما انه يجب له الرجوع بما ادعاه حتما فلاوجه له أصلا لان أكثر ما يجب لمن قضى دين غيره أن يقوم مقام صاحب الدين وصاحب الدين ههنا لم يجب له حق ولالزم الاداء إليه ولم يثبت له اكثر من جواز الدعوى فكذلك هذا ويشترط في جواز الدعوى أن يعلم صدق المدعي فأما ان لم يعلم لم يحل له دعوى شئ لا يعلم ثبوته (مسألة) (وان صالح الاجنبي لنفسه لتكون المطالبة له غير معترف بصحة الدعوى أو معترفا بها عالما بعجزه عن استنقاذها لم يصح وإن ظن القدرة عليه صح فان عجز عنه فهو مخير بين فسخ الصلح وامضائه) إذا صالح الاجنبي المدعي لنفسه لتكون المطالبة له فلا يخلو إما أن يعترف للمدعي بصحة دعواه

[ 14 ]

أولا فان لم يعترف له فالصح باطل لانه يشتري منه ما لم يثت له ولم يتوجه إليه خصومة يفتدي منها اشبه مالو اشترى منه ملك غيره، وإن اعترف له بصحة دعواه: كان المدعى دينا لم يصح لانه اشترى مالا يقدر البائع على تسليمه ولانه بيع للدين من غير من هو في ذمته، وقال بعض أصحابنا يصح وليس بجيد لان بيع الدين المقر به من غير من هو في ذمته لا يصح فيع دين في ذمة منكر معجوز عن قبضه أولى، وإن كان المدعى عينا فقال الاجنبي للمدعي أنا أعلم أنك صادق فصالحني عنها فاني قادر على استنقاذها من المنكر فقال أصحابنا يصح الصلح وهو مذهب الشافعي لانه اشترى منه ملكه الذي يقدر على قبضه ثم إن قدر على أخذه استقر الصلح وإن عجز كان له الفسخ لانه لم يسلم له المعقود عليه فكان له الرجوع إلى بدله يحتمل انه إن تبين أنه لا يقدر على تسليمه تبين أن الصلح كان قاسدا لان الشرط الذي هو القدرة على قبضه معدوم حال العقد كان فاسدا كما لو اشترى عبده فتبين أنه آبق أو ميت ولو اعترف له بصحة دعواه ولا يمكنه استنقاذه لم يصح الصلح لانه اشترى مالا يمكنه قبضه فاشبه شراء العبد الآبق فان اشتراه وهو يظن انه عاجز عن قبضه فتبين ان قبضه ممكن صح البيع لان البيع تناول ما يمكن قبضه فصح كما لو علما ذلك ويحتمل أن لا يصح لانه ظن عدم الشرط فأشبه ما لو باع عبدا يظن أنه حر أو عبد غيره فتبين أنه ومحتمل أن يفرق بين من يعلم أن البيع يفسد بالعجز عن تسليم المبيع وبين من لا يعلم ذلك لان من يعلم ذلك معتقد فساد البيع والشراء فكان بيعه فاسدا

[ 15 ]

لكونه متلاعبا بقوله معتقدا فساده ومن لا يعلم يعتقده صحيحا وشروطه فصح كما لو علمه مقدورا على تسلميه. (فصل) فان قال الاجنبي للمدعي أنا وكيل المدعى عليه في مصالحتك عن هذه العين وهو مقر لك بها وانما جحدها في الظاهر فظاهر كلام الخرقي أن الصلح لا يصح لانه يجحدها في الظاهر لينتقص الدمعي بعض حقه أو يشتريه بأقل من ثمنه فهو هاضم للحق متوصل إلى أخذ المصالح عنه بالظلم والعدوان فهو بمنزلة مالو شافهه بذلك فقال أنا أعلم صحة دعواك وأن هذا لك لكن لا أسلمه اليك ولا أقر لك به عند الحاكم حتى تصالحني منه على بعضه أو عوض عنه، وقال القاضي يصح وهو مذهب الشافعي قالوا ثم ينظر إلى المدعى عليه فان صدقه على ذلك ملك العين ورجع الاجنبي عليه بما أدى عنه، وإن كان أذن في الدفع، وإن أنكر الاذن في الدفع فالقول قوله مع يمينه ويكون حكمه حكم من قضى دينه بغير اذنه وإن أنكر الوكالة فالقول قوله مع يمينه وليس للاجنبي الرجوع عليه ولا يحكم له بملكها في الظاهر، فأما حكم ملكها في الباطن فان كان وكل الاجنبي في الشراء فقد ملكها لانه اشترها باذنه

[ 16 ]

فلا يقدح إنكاره في ملكها لان ملكه ثبت قبل انكاره، وانما هو ظالم بالانكار للاجنبي وان كان لم يوكله لم يملكها لانه اشترى له عينا بغير إذنه ويحتمل أن يقف على إجازته كما قلنا فيمن اشترى لغيره شيئا بغير إذنه بثمن في ذمته فان أجازه ملكه وإلا لزم من اشتراه، وإن قال الاجنبي للمدعي قد عرف المدعى عليه صحة دعواك وهو يسألك أن تصالحه عنه وقد وكلنى في المصالحة عنه صح وكان الحكم كما ذكروه لانه ههنا لم يمتنع من أدائه بل اعترف به وصالح عليه مع بدله فأشبه مالو لم يجحده (فصل) قال الشيخ رحمه الله (يصح عن القصاص بديات وبكل ما يثبت مهرا) وجملة ذلك أن الصلح يجوز عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه سواء كان مما يجوز بيعه أو لا يجوز فيصح عن دم العمد وسكنى الدار وعيب المبيع ومتى صالح عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز وقد روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة اين خشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها ولان المال غير متعين فلا يقع العوض في مقابلته وان صالح عن

[ 17 ]

القصاص بعبد فخرج مستحقا رجع بقيته في قول الجميع وان خرج حرا فكذلك وبه قال أبو يوسف ومحمد وقا أبو حنيفة يرجع بالدية لان الصلح فاسد فيرجع ببدل ما صالح عنه وهو الدية ولنا أنه تعذر تسليم ما جعله عوضا فرجع في قيمته كما لو خرج مستحقا، فان صالحه عن القصاص يحر يعلمان حريته أو عبد يعلمان انه مستحق أو تصالحا بذلك عن غير القصاص رجع بالدية وبما صالح عنه لان الصلح باطل يعلمان بطلانه فكان وجوده كعدمه (فصل) وان صالح عن دار أو عبد بعوض فخرج العوض مستحقا أو حرا رجع في الدار وما صالح عنه أو بقيمته ان كا بالغا لان الصل ههنا مع في الحقيقة فإذا تبين أن العوض كان متسحقا أو حرا كان البيع فاسدا فرجع فيما كان له بخلاف الصلح عن القصاص فانه ليس ببيع وإنما يأخذ عوضا عن اسقاط القصاص ولو اشترى شيئا فوجده معيبا فصالحه عن عبيه بعبد فبان مستحقا أو حرا رجع بارش العيب. (مسألة) (ولو صالح سارقا ليطلعه أو شاهدا ليكتم شهادته أو شفيعا عن شفعته أو مقذوفا عن حده لم يصح الصلح وتسقط الشفعة وفي الحد وجهان)

[ 18 ]

إذا صالح السارق والزاني والشارب على أن لا يرقفعه إلى السلطان لم يصح ولا يجوز أخذا العوض عنه لان ذلك ليس بحق فلا يجوز أخذ العوض عنه كسائر ما لا حق فيه، وإن صالح شاهدا ليكتم شهادته لم يصح لانه لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يصالحه على ان لا يشهد عليه بحق تلزمه الشهادة به كدين الآدمي أو حق لله تعالى لا يسقط بالشبهة كالزكاة ونحوها غفلا يجوز كما نه ولا يجوز أخذ العوض عن ذلك كما لا يجوز أخذ العوضن عن شرب الخمر. (الثاني) ان يصالحه على ان لا يشهد عليه بالزور فهذا يجب عليه ترك ذلك ويحرم عليه فعله لم يجز أخذ العوض عنه كما لا يجوزان يصالحه على ان لا يقتله ولا يغصب ماله (الثالث) أن يصالحه على ان لا يشهد عليه بما يوجب حد الزنا والسرقة فلا يجوز أخذ العوض عنه لانه ليس بحق له وان صالح عن حق الشفعة لم يصح لانه حق شرع على خلاف الاصل لدفع ضرر الشركة فإذا رضي بالتزام الضرر سقط الحق من غير بدل ولم يجز العوضع نه لانه ليس بمال فهو كحد القذف وان صالحه عن حد الفذ ف لم يصح الصلح لانه ان كان حد الله تعالى لم يكن له أن

[ 19 ]

يأخذ عوضه لكونه ليس بحق له فأشبه حد الزنا والسرقة ان كان حقا له لم يجز الاعتياض عنه لكونه حقا ليس بمال ولهذا لا يسقط إلى بدل بخلاف القصاص ولانه شرع لتنزيه العرض فلا يجوز أن يعتاض عن عرضه بمال، وهل يسقط بالصلح فيه؟ بنبني على الخلاف في كون حدالقذف حقالله تعالى أو لآدمي فان كان حقا لله تعالى لم يسقط بصلح الآدمي بالاإسقاطه كحد الزنا وان كان حقا لآدمي سقط بصلحه واسقاطه كالقصاص. (مسألة) (وان اصالحه أن يجري على ارضه أو سطحه ماء معلوما صح) إذا صالح رجل على موضع قناة من ارضه يجري فبها ماه وبينا موضعها وعرضها وطولها جاز لان ذلك بيع لموضع من ارضه فلا حاجة إلى بيان عمقه لانه إذا ملك الموضع كان له إلى تخومه فله أن بترك فيه ما شاء، وان صالحه على إجراء الماء في ساقية من أرض رب الارض مع بقاء ملكه عليها فهو اجارة للارض يشترط له تفدير المدة فان كانت الارض في يد رجل باجارة جاز له ان يصالح رجلا على اجراء

[ 20 ]

الماء فيها في ساقية محفورة مدة لا تجاوز مدة الاجارة وان لم تكن الساقية محفورة لم يجز أن يصالحه على ذلك لانه لا يجوز احداث ساقية في أرض في يده باجارة، فان كانت الارض في يده وقفا عليه فقال القاضي هو كالمستأجر يجوز له ان يصالح على إجراء الماء في ساقية لانه لا يملكها انما يستوفي منفعتها كالارض المستأجرة وهذا كله مذهب الشافعي قال شيخنا والاولى أنه يجوز له حفر الساقية لان الارض له وله التصرف فيها كيفما شاء ما لم ينقل الملك فيها الى غيره بخلاف المستأجر فانه انما يتصرف فيها بما أذن له فيه فكان الموقوف عليه بمنزلة المستأجر إذا اذن له في الحفر، فان مات الموقوف عليه في أثناء المدة فهل لمن انتقل إليه فسخ الصلح فيما بقي من المدة؟ على وجهين بناء على ما إذا أجره مدة فمات في أثناء المدة فان قلنا له فسخ الصلح ففسخه رجع المصالح على ورثة الذي صالحه بقسط ما بقي من المدة وان قلنا ليس له الفسخ رجع من انتقل إليه الوقف على الورثة (فصل) وان صالح رجلا على اجراء ماء سطحه من المطر على سطحه أو في ارضه عن أرضه جاز إذا كمان ما يجري ماؤه معلوما إما بالمشاهدة وإما بمعرفة المساحة لان الماء يختلف بصغر السطح وكبره

[ 21 ]

ولا يمكن ضبطه بغير. ويشترط معرفة الموضع الذي يخرج منه لماء إلى السطح لان ذلك يختلف ولا يفتقر إلى ذكر مدة لان الحاجة تدعوإلى ذلك، ويجوز العقد على المنفعة في موضع الحاجة غير مقدر بمدة كما في النكاح، ولا يملك صاحب الماء مجراه لان هذا لا يستوفى به منافع المجرى دائما ولا في أكثر المدة بخلاف الساقية، ويختلفان ايضا في أن الماء الذي في الساقية لا يحتاج إلى ما يقدر به لان تقدير ذلك حصل بتقدير الساقية فانه لا يملك أن يجري فيها أكثر من مثلها والماء الذي على السطح يفتقر الى معرفة قدر السطح لانه يجري منه القليل والكثير، فان كان السطح الذي يجري عليه الماء مستأجرا أو عارية لم يجز أن يصالح على اجراء الماء عليه لانه يتضرر بذلك ولم يوذن له فيه فلم يكن له أن يتصرف به بخلاف الماء في الساقية المحفورة فان الارض لا قتضرر به، وان كان ماء السطح يجري على الارض احتمل ان لا يجوز له الصلح على ذلك لانه ان احتاج إلى حفر لم يجز له ان يحفر في أرض غيره ولانه يجعل لغير صاحب الارض رسما فربما ادعى استحقاق ذلك على صاحبها، واحتمل الجواز إذا لم يحتج إلى حفر ولم يكن فيه مضرة لانه بمنزلة اجراء الماء في ساقية محفورة ولا يجوز الا مدة لا تزيد على مدة الاجارة كما قلنا في أجراء الماء في الساقية

[ 22 ]

(فصل) وإذا أراد ان يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة لم يجز الا باذنه وان كان لضرورة مثل أن يكون له أرض للزراعة لها ماء لا طريق له الاارض جاره فهل له ذلك؟ على روايتين (احداهما) لا يجوز لانه تصرف في ارض غيره بغير اذنه فلم يجز كما لو لم تدع إليه ضرورة ولان مثل هذه الحاجة لا تبيح مال غيره بدليل أنه لا يباح له الزرع في أرض غيره ولا البناء فبها ولا الانتفاع بشئ من منافعها المحرمة عليه بمثل الحاجة (والاخرى) يجوز لما روي ان الضحاك بن خليفة ساق خليجا من العريض فأراد أن يمر به في ارض محمد بن مسلمة فأبى فقال له الضحاك لم يمعني وهو منفعة لك تشربه أو لا وآخر أو لا يضرك فأبى محمد فكلم فيه الضحاك عمر فدعا عمر محمد بن مسلمة وأمره ان يخلي سبيله فقال محمد لا والله فقال عمر لم تمنع أخاك ما بنفعه وهو لك افع؟ تشربه أو لا وآخرا فقال محمد لا والله فقال عمر والله لميرن به ولو على بطلنك فأمره عمر أن يمر به ففعل. رواه مالك في الموطأ وسعيد في سننه والاول أقيس وقول عمر بخالفه قول محمد بن مسلمة وهو موافق للاصول فكان أولى (فصل) وان صالح رجلا على أن يسقي أرضه من نهر الرجل يوما أو يومين أو من عينه وقدرة بشئ يعلم به لم يجز ذكره القاضي لان الماء ليس بمملوك ولا يجوز بيعه فلا يجوز الصلح عليه ولانه

[ 23 ]

مجهول قال وان صالحه على سهم من العين أو النهر كالثلث والربع جاز وكان بيعا للقرار والماء تابع له ويحتمال ان يجوز الصلح على السقي من نهره وقناته لان الحاجة تدعو إلى ذلك والماء مما يجوز أخذ العوض عنه في الجملة بدليل مالو أخذه في قربته والصلح يجوز على مالا يجوز بيعه بدليل الصلح عن دم العمد والصلح على المجهول (مسألة) (ويجوز ان يشتري ممرأفي دار وموضعا في حائطه يفتحه بابا، وبقعة بحفرها بئرا) لان، هذه الاما كن يجوز بيعها وإجارتها فجازا لاعتياض عنها كالدور (مسألة) (وان يشتري علو بيت بيني عليه بنيانا موصوفا) إذا كان البيت مبينا لما ذكرناه (فان كان البيت غير مبنيي لم يجز في أحد الوجهين) ذكر الفااضي واصحاب الشافعي لانه مبيع للهواء دون القرار والثاني بجوز لانه ملك للمصالح فجاز له أخذ عوضه كالقرار وانما يجوز بشرط أن يصف العلوو السفل بما يعلم به لان من شرط صحة البيع العلم بالمبيع (مسألة) (وان حصل في هوائه أغصان شجرة غيره فطالبه بالزالتها فله ذلك فان ابى فله فطعها) وجملة ذلك انه إذا حصلت اغصان شجرته في هواء ملك غيره أو هوا جدار له فيه شركة لزم

[ 24 ]

مالك الشجرة ازالة تلك الاغصان اما بردها الى ناحية اخرى واما بالقطع لان الهواء ملك لصا حب القرار فوجب ازالة ما يشغله من ملك غيره كالقرار فان امتنع المالك من إزالته لم يجبر لانه من غير فعله فلم يجبر على إزالته كما لو لم يكن ملكه وان تلف بها شئ لم يضمنه لذلك ويحتمل ان يجبر على إزالته ويضمن ما تلف به إذا امر بالزالته فلم يفعل بناء على ما إذا مال حائطه إلى ملك غيره عليما نذكره ان شاء الله تعالى، وعلى كلى الوجهين إذا امتنع من ازالته كان لصاحب الهواء إزالته باحد الامرين لانه بمنزلة البهيمة التي تدخل داره له اخراجها كذا ههنا وهذا مذهب الشافعي، فان امكنه إرالته بلا اتلاف ولا يقطع من غير مشقة تلزمه ولا غرامة لم يجز له اتلافها كما أنه إذا امكنه اخراج الهبيمة من غير اتلاف لم يجز له اتلافها فان اتلفها في هذه الحال غرمها، وان لم يمكله إزالتها الا بالاتلاف فله ذلك ولا شئ عليه فانه لا يلزمه اقرار مال غيره في ملكه (مسألة) (فان صالحه عن ذلك بعوض لم يجز) اختلف اصحابنا في ذلك فقال أبو الخطاب لا تصح المصالحة عن ذلك بحال رطبا كان الغصن أو يابسا لان الرطب يزيد ويتغير واليابس ينقص وربما ذهب كله، وقال ابن حامد وابن عقيل يجوز ذلك رطبا كان اغصن أو يابسا لان الجهالة في المصالح عنه

[ 25 ]

لا تمنع الصحة لكونها لا تمنع التسليم بخلاف العوض فانه يفتقر إلى العلم لوجوب تسليمه ولان الحاجة داعية إلى ذلك لكون ذلك يكثر في الاملاك المتجاورة وفي القطع اتلاف وضرر والزيادة المتجددة يعفى عنها كالسمن الحادث في المستأجر للركوب والمستأجر للغرفة يتجدد له أولاد والغراس المستأجر له الارض يعظم ويجفو وقال القاضي ان كان يابسا معتمدا على نفس الجدار صحت المصالحة عنه ولان الزيادة مأمونة فيه ولا يصح الصلح على غير ذلك لان الرطب يزيد في كل وقت وما لا يعتمد على الجدار لا يصح الصلح عليه لانه تبع الهواء وهذا مذهب الشافعي قال شيخنا واللائق بمذهب أحمد صحته لان الجهالة في المصالح عنه لا تمنع الصحة إذا لم يكن إلى العلم به سبيل وذلك لدعاء الحاجة إليه وكونه لا يحتاج إلى تسليم وهذا كذلك والهواء كالقرار في كونه ملكا لصاحبه فجاز الصلح على ما فيه كالذي في القرار (مسألة) (وان اتفقا على ان الثمرة له أو بينهما جاز ولم يلزم) وجملة ذلك انه إذا صالحه عن ذلك بجزء من الثمرة أو بالثمرة كلها فقد نقل المروذي واسحاق بن ابراهيم عن أحمد انه سئل عن ذلك فقال لا أدري فيحتمل ان يصح، ونحوه قال مكحول فانه نقل عنه

[ 26 ]

أنه قال أيما شجرة ظللت على قوم فهم بالخيار بين قطع ما ظلل أو أكل ثمرها، ويحتمل ان لا يصح وهو قول الاكثر وبه قال الشافعي لان العوض مجهول فان الثمرة مجهولة وجزؤها مجهول ومن شرط الصلح العلم بالعوص ولان المصالح عليه أيضا مجهول لانه يزيد ويتغير على ما اسلفناه، ووجه الاول ان هذا مم يكثر في الاملاك وتدعوا الحاجة إليه وفي القطع اتلاف فجاز مع الجهالة كالصلح على مجرى مياه الامطار وعلى المواريث الدارسة والحقوق المجهولة التي لا سبيل إلى علمها قال شيخنا ويقوى عندي ان الصلح هنا يصح بمعنى ان كل واحد منهما ييح صاحبه ما بذل له فصاحب الهواء يبيح صاحب الشجرة ابقاءها ويمتنع من قطعها وإزالتها وصاحب الشجرة يبيحه ما بذل له من ثمرتها ولا يكون هذا بمعنى البيع لان البيع لا يصح بمعدوم ولا مجهول والثمرة في حال الصلح معدومة مجهولة ولا هو لازم بل لكل واحد منهما الرجوع عا بذله والعود فيما قاله لانه مجرد اباحة من كل واحد منهما لصحابه فجرى مجرى قول كل واحد منهما لصاحبه اسكن داري وأسكن دارك من غير تقدير مدة ولا ذكر شروط الاجارة أو قوله أيحتك الاكل من ثمرة بستاني فابخمي الاكل من ثمرة بستانك وكذك قوله دعني

[ 27 ]

أجري في أرضك ماء ولك أن تسقى به ما شئت وتشرب منه ونحو ذلك فهذا مثله بل أولى فان هذا مما تدعو الحاجة إليه كثيرا وفي إلزام القطع ضرر كثيرو إتلاف أموال كثيرة وفي الترك من غير نفع يصل صاحب الهواء ضرر عليه، وفيما ذكرناه جمع بين الامرين ونظر للفريقين وهو على وفق الاصول فكان أولى. (فصل) وكذلك الحكم فيما امتد من عروق شجر انسان إلى ارض جاره سواء أثرت ضررا مثل تأثيرها في المصانع وطي الآبار وأساس الحيطان أو منعها من نبات شجر لصاحب الارض أو زرع أو لم توثر فان الحكم في قطعه والصلح عنه كالحكم في الفروع إلا أن العروق لا ثمرلها فان اتفقا على أن ما ينبت من عروقها لصاحب الارض أو جزء معلوم منه فهو كالصلح على الثمرة فيما ذكرنا، فعلى قولنا إذا اصطلحا على ذلك فمضت مدة ثم أبى صاحب الشجرة دفع نباتها إلى صاحب الارض فعليه أجر المثل لانه انما تركه في أرضه لهذا فلما لم يسلم له رجع باجر المثل كما لو بذلها بعوض لم يسلم له وكذلك فيمن مال حائطه إلى هواء ملك غيره أوزلف من أخشابه إلى ملك غيره فالحكم فيه علي ما ذكرنا

[ 28 ]

(مسألة) (ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحا ولا ساباطا ولا دكانا) الجناح والروشن يكون على أطراف خشبة مدفونة في الحائط وأطرافها خارجة إلى الطريق الاولى وهو المستوفي لهواء الطريق كله عليه جدارين سواء كان الجداران ملكه أولم يكونا اذان الامام في ذلك أولم يأذن، وقال ابن عقيل ان لم يكن فيه ضرر جاز باذن الامام فجرى اذنه مجرى اذن المشتركين في الدوب الذي ليس بنافذ، وقال أبو حنيفة يجوز من ذلك مالا ضرر فيه وان عارضه رجل من المسلمين وجب ققعله، وقال مالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو يوسف ومحمد يجوز إذا لم يضر بالمارة ولا يملك أحد منعه لانه ارتفق بما لم يعتعين ملك أحد فيه من غير مضرة فأشبه المشي في الطريق والجلوس فيها واختلفوا في الذي لا يضر ما هو فقال بعضهم إن كان في شارع تمر فيه الجبوش فيكون يحيث إذا سار فيه الفارص ورمحه منصوب لا يبلغه وقال أكثرهم لا يقدر بذلك بل يكون بحيث لا يضر بالعماريات والمحامل. ولنا أنه بنى في ملك غيره بغير اذنه فلم يجز كبناء الدكة أو بناء ذلك في درب غير نافذ بغير اذن أهله، ويفارق المرور في الطريق فاناها جعلت لذلك ولا مضرة فيه والجلوس لا يدوم ولا يمكن التحرز

[ 29 ]

منه ولا نسلم أنه لا مضرة فيه فانه يظلم الطريق وربما سقط على المارة أو سقط منه شئ وقد تعلوا الارض يمرور الزمان فيصدم رءوس الناس ويمنع مرور الدواب بالاحمال ويقطع الطريق الاعلى الماشي وقد رأينا مثل هذا كثيرا، وما يفضي إلى الضرر في ثاني الحال يجب المنع منه في ابتدائه كما لو أراد بناء حائط مائل إلى الطريق يخشى وقوعه على من يمر فيها ولنا على أبي حنيفة أنه بنى في حق مشترك لو منع منه بعض أهله لم يجز فلم يجز فلم يجز بغير إذنهم كما لو أخرجه إلى هواء دار مشتركة وذلك لان حق الآدمي لا يجوز لغيره التصرف فيه بغير إذنه وإن كان ساكنا كما لا يجوز إذا منع فاما الدكان فلا يجوز بناؤه في الطريق بغير خلاف علمناه سواء كان الطريق وواسعا أو لا وسواء أذن فيه الامام أولم يأذن لانه بناء في ملك غيره بغير إذنه ولانه يؤذي المارة يضيق عليهم ويعثر به العائر أشبه مالو كان الطريق ضيقا. (فصل) ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الاعظم ولا إلى درب غير نافذ إلا باذن أهله وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يجوز اخراجه إلى الطريق الاعظم لان عمر اجتاز على دار العباس

[ 30 ]

وقد نصب ميزابا إلى الطريق فقلعه فقال العباس تقلعه وقد نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال والله لا نصبته إلا على ظهري وانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه وما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلغيره فعله ما لم يقم دليل على اختصاصه به ولان الحاجة تدعو إلى ذلك ولا يمكنه رد مائه إلى الدار ولان الناس يعملون ذلك في جميع بلاد الاسلام من غير نكير ولنا ان هذا تصرف في هواء مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه فلم يجز كما لو كان الطريق غير نافذ ولانه يضر بالطريق وأهلها فلم يجز كبناء دكة فيها أو جناح يضر بأهلها ولا يخفى ما فيه من الضرر فان ماءه يقع على المارة وربما جرى فيه البول أو ماء نجس فبنجسهم ويزلق الطريق ويجعل فيها الطين والحديث قضية في عين فيحتمل أنه كان في درب غير نافذ أو تجددت الطريق بعد نصبه ويحتمل أن يجوز ذلك لان الحاجة داعية إليه والعادة جارية به مع ما فيه من الخبر المذكور (مسألة) (ولا يجوز أن يفعل ذلك في ملك إنسان أو درب غير نافذ إلا باذن أهله) أما في ملك الانسان فلا يجوز بغير اذنه لانه تصرف في ملك الغير فلم يجز بغير إذنه فلا يجوز ذلك في الدرب وبه قال الشافعي في الجناح والساباط إذا لم يكن له في الدرب باب، وان كان له في الدرب باب فقد اختلف اصحابه فمنهم من منعه أيضا ومنهم من اجاز له اخراج الجناح والساباط لان له في الدرب استطراقا فملك ذلك كما يملكه في الدرب النافذ

[ 31 ]

ولنا أنه بناء في هواء ملك قوم معينين اشبه إذا لم يكن له فيه باب ولا نسلم الاصل اذي قاسوا عليه فان أذن أهل الدرب فيه جاز لان الحق لهم فجاز باذنهم كما لو كان لمالك واحد (مسألة) (وان صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين) وقال القاضي وأصحاب الشافعي لا يجوز في الجناح والساباط لانه بيع للهواء. دون القرار ولنا أنه يبني فيه باذنهم فجاز كما لو أذنوا له بغير عوض ولانه ملك لهم فجاز لهم أخذ عوض كالقرار إذا ثبت هذا فانما يجوز بشرط كون ما يخرجه معلوم المقدر في الخروج والعلو وهكذا الحكم فيما إذا أخرجه إلى ملك انسان معين يجوز باذنه بعوض وبغيره إذا كان معلوم المقدار (فصل) ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذة بئرا لنفسه سواء جعلها لماء المطر أو ليستخرج منها ماء ينتفع به ولا غير ذلك لما ذكرنا من قبل، وان اراد حفرها للمسليمن ونفعهم أو لنفع الطريق مثل أن يحفرها ليسقي الناس من مائها ويشرب منه المارة أو لينزل فيها ماء المطر عن الطريق نظرنا

[ 32 ]

فان كان الطريق ضيقا أو كانت في ممر الناس بحيث يخاف سقوط إنسان فيها أو دابة أو يضيق عليهم ممرهم لم يجز لان ضررها أكثر من نفعها، وان حفرها في زاوية من طريق واسع وجعل عليها ما يمنع الوقوع فيها جاز لان ذلك يقع بلا ضرر فجاز كتمهيدها وبناء رصيف فيها فاما ما فعله في درب غير فافذ فلا يجوز بغير إذن أهله لان هذا ملك لقوم معينين فلم يجز فعل ذلك بغير اذنهم كما لو فعله في بستان انسان، ولو صالح أهل الدرب عن ذلك بعوض جاز سواء حفرها لنفسه ليزل فيها ماء المطر عن داره أو ليستقي منها ماء لنفسه أو حفرها للسبيل ونفع الطريق وكذلك ان فعل ذلك في ملك انسان معين (مسألة) (وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذ ففتح فيه بابا لغير الاستطراق جاز) لان له رفع جميع حائطه فبعضه أولى. قال ابن عقيل ويحتمل ان لا يجوز لان شكل الباب مع تقادم العهد ربما استدل به على حق الاستطراقن فيضرباهل الدرب بخلاف رفع الحائط فانه لا يدل على شئ (مسألة) (وان فتحه للاستطراق لم يجز بغير اذنهم) لانه ليس لهم حق في الدرب الذي هو ملك غيره وفيه وجه آخر أنه يجوز لان له رفع جميع والاول أولى لان الدرب لاحق له فيه فلم يجز ان يجعل له فيه حق استطراق فان صالحهم جاز لان الحق لهم فأشبه دورهم إذا صالحهم على شئ منها

[ 33 ]

(فصل) وان كان ظهر داره إلى زقاق نافذ ففتح في حائطه باب إليه جاز لانه يرتفق بما لم يتعين ملك أحد عليه فان قيل هذا فيه اضرار باهل الدرب لانه يحعله نافذا يستطرق إليه من الشارع قلنا لا يصير الدرب نافذا وانما تصير داره نافذة وليس لاحد استطراق داره (مسألة) (ولو كان بابه في آخر الدرب ملك نقله إلى أوله ولم يملك نقله إلى داخل منه في احد الوجهين) كان له لان حقه لم يسقط، فاما ان أراد نقل بابه إلى تلقاء صدر الزقاق لم يكن له ذلك نص عليه أحمد لانه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق له فيه، وفيه وجه آخر انه يجوز لانه كان له ان يجعل بابه في أول البناء في أي موضع شاء فتركه في موضع لا يسقط حقه كما ان تحويله بعد فتحه لا يسقطه ولان له ان يرفع حائطه كله فلم يمنع من رفع بعضه والاول أولى لانه لا يلزم من جواز رفع الحائط جواز الاستطراق كالمسألة التي قبلها (فصل) وان كان في الدرب بابان لرجلين أحدهما قريب من باب الزقاق والآخر في داخله فأراد صاحب الداخل ان يحول بابه فله تحويله حيث شاء لانه لا منازع له فيما يجاوز الباب الاول إذا قلنا

[ 34 ]

ان صاحب القريب ليس له ان يقذمه إلى داخل الدرب وان قلنا له تقديمه جاز لكل واحد منهما فان كان في داخل الدرب باب لثالث فحكم الاوسط حكم الاول فيما ذكرناه (فصل) إذا كان لرجل داران متلاصقتان ظهر كل واحدة منهما الى ظهر الاخرى وباب كل واحدة منهما إلى درب غير نافذ فرفع الحاجز بينهما وجعلهما دار واحدة جاز لانه تصرف في ملكه المختص وان فتح من كل واحدة منهما بابا إلى الاخرى ليتمكن إلى التطرق من كل واحدة منهما إلى كلي الدربين فقال القاضي لا يجوز لان ذلك يثبت الاستطراق في الدرب الذي لا ينفذ من دار لم يكن لها فيه طريق ولانه ربما ادى إلى إثبات الشفعة في قول من يثبتها بالطريق لكل واحدة من الدارين في زقاق الاخرى، ويحتمل جواز ذلك لان له رفع الحاجز جميعه فبعضه أولى قال شيخنا وهذا أشبه وما ذكرناه للمنع ينتقض بما إذا رفع الحائط جميعه، وفي كل موضع قلنا ليس له فعله إذا صالحه أهل الدرب جاز وكذلك ان أذنوا له بغير عوض

[ 35 ]

(فصل) إذا تنازع صاحبا البابين في الدرب ولم يكن فيه باب لغيرهما ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يحكم بالدرب من أوله إلى الباب الذي يليه بينهما لان لهما الاستطراق فيه جميعا وما بعده إلى صدر الدرب للآخر لان الاستطراق في ذلك له وحده فله اليد والتصرف (والثاني) ان من أوله إلى أقصى حائط الاول بينهما لان ما يقابل ذلك فلهما التصرف فيه بناء على أن للاول أن يفتح بابه فيما شاء من حائطه والباقي للثاني لانه ليس بفناء للاول ولا له فيه استطراق والثالث يكون بينهما لان لهم يدا وتصرفا، وهكذا الحكم فيما إذا كان لرجل علو خان ولآخر سفله ولصاحب العلو درجة في أثناء صحن الخان فاختلفا في الصحن فالذي من الدرجة إلى باب الخان بينهما وما زاد على ذلك إلى صدر الخان على الوجهين، فان كانت الدرجة في صدر الصحن فالصحن بينهما لوجود اليد والتصرف منهما جميعا فعلى الوجه الذي يقول ان صدر الدرب مختص بصاحب الباب الصدراني له ان يستبد له ان يستبد بما يختص به منه بان

[ 36 ]

يجعله دهليز ا لنفسه أو يدخله في داره على وجه لا يضر بجاره ولا يضع على حائطه شيئا لان ذلك ملك له ينفرد به (مسألة) (وليس له ان يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة ولا طاقا بغير اذن صاحبه) لان ذلك انتفاع بملك غيره وتصرف فيه بما يضره وكذلك لا يجوز ان يغرز فيه وتدا ولا يحدث عليه حائطا ولا سترة ولا يتصرف فيه بنوع تصرف لانه يضر بحائط غيره فهو كنقصه وان صالحه على ذلك بعوض جاز فأما الاستناد إليه واسناد شئ لا يضره فلا بأس به لكونه لا مضرة فيه ولا يمكن التحرز منه أشبه الاستظلال به (مسألة) (وليس له وضع خشبه عليه الاعند الضرورة بان لا يمكنه التسقيف الا به) أما وضع خشبه عليه فلا يجوز إذا كان يضر بالحائط لا نعمل فيه خلافا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وان كان لا يضر به الا أن به عنه غنى لامكان وضعه على غيره فقال أكثر أصحابنا لا يجوز أيضا وهو قول الشافعي وأني ثور لانه انتفاع بملك غيره بغير اذنه من غير ضرورة فلم يجز كبناء

[ 37 ]

حائط عليه واختار ابن عقيل جوازه لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يمنع أحدكم جاره ان يضع خشبه على جداره) متفق عليه ولان ما أبيح للحاجة العامة لم يعتبر فيه حقيقة الحاجة كالشفعة والفسخ بالخيار أو بالعيب واتخاذ الكلب للصيد وإباحة السلم ورخص السفر وغير ذلك، فاما ان دعت الحاجة إلى وضعه على جدار جاره أو الحائط المشترك بحيث لا يمكنه التسقيف إلا به فانه يجوز وضعه بغير اذن الشريك وهو قومل الشافعي في القديم وقال في الجديد ليس له وضعه وهو قول أبي حنيفة ومالك لانه انتفاع بملك غيره من غير ضرورة فلم يجز كزراعته ولنا الخبر وأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضر به أشبه الاستناد إليه والاستظلال به ويفارق الزرع فانه يضر ولم تدع إليه حاجة. إذا ثبت هذا فاشترط القاضي وأبو الخطاب للجواز أن يكون له حائط واحد ولجاره ثلاثة حوائط، وليس هذا في كلام أحمد انما قال في رواية أبي داود لا يمنعه إذا لم

[ 38 ]

يكن فيه ضرور كان الحائط يبقى ولانه قد يمتنع التسقيف على حائطين إذا كانا غير متقابلين أو كان البيت واسعا يحتاج إلى ان يجعل إليه جسرا ثم يضع الخشب على ذلك الجسر، قال شيخنا والاولى اعتباره بما ذكرنا من امتناع التسقيف بدونه، ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والعاقل والمجنون لما ذكرنا (مسألة) (وعنه ليس له وضع خشبه على جدار المسجد وهذا تنبيه على أنه لا يضعه على جدار جاره) اختلفت الرواية عن أحمد في وضع خشبه على جدار المسجد مع وجود الشرطين فعنه الجواز لانه ادا جار وضعه في ملك الجار مع ان حق مبني على الشح والضيق ففي حقوق الله تعالى المبنية على المسامحة أولى وعنه لا يجوز نقلها عنه أبو طالب لان القياس يقتضي المنع في حق الكل ترك في حق الجار للخبر الوارد فيه فوجب البقاء في غيره على مقتضى القياس اختاره أبو بكر، وخرج أبو الخطاب من هذه الرواية وجها للمنع من وضع الخشب في ملك الجار لانه إذا منع من وضع الخشب في الجدار المشترك بين المسلمين وللواضع فيه حق فلان يمنع من الملك المختص بغيره أولى ولانه إذا منع في حق

[ 39 ]

الله تعالى مع أنه مبني على المسامحة لغنى الله تعالى وكرمه فلان يمنع في حق الآدمي مع شحه وضيقه أولى والمذهب الاول، فان قيل فلم لا تجيزون فتح الطاق والباب في الحائط قياسا على وضع الخشب؟ قلنا الخشب يمسك الحائط وينفعه بخلاف الطاق والباب فانه يضعف الحائط لانه يبقى مفتوحا والذي يفتحه للخشبة يسده بها ولان وضع الخشب تدعو إليه الحاجة دون غيره (فصل) ومن ملك وضع خشبه على حائط فزال لسقوطه أو فعله أو سقوط الحائط ثم أعيد فله إعادة خشبه لان السبب المجوز لوضعه مستمر فاستمر الاستحقاق وان زال السبب مثل أن خشي على الحائط من وضعه عليه أو استغنى عن وضعه لم تجز اعادته لزوال السبب المبيح فان خيف سقوط الحائط بعد وضعه عليه لزم ازالته لانه يضر بالمالك وان لم يخف عليه لكن استغنى عن ابقائه عليه لم تلزم إزالته لان في إزالته ضررا بصاحبه ولا ضرر على صاحب الحائط في ابقائه بخلاف مالو خشي سقوطه (فصل) وإذا كان له وضع خشبه على جدار غيره لم يملك إجارته ولا إعارته لانه إنما ملك ذلك لحاجته الماسة إلى وضع خشبه ولا حاجة إلى وضع خشب غيره فلم يملكه وكذلك لا يملك بيع حقه من وضع خشبه ولا المصالحة عنه للمالك ولا لغيره لانه أبيح له من حق غيره لحاجته فلم يجز له ذلك فيه كطعام غيره

[ 40 ]

إذا أبيح له في حال الضرورة، ولو أراد صاحب الحائط إعارة الحائط أو اجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبه لم يملك ذلك لانه وسيلة إلى منع ذي الحق من حقه فلم يملكه كمنعه، ولو أراد هدم الحائط لغير حاجة لم يملك ذلك لما فيه من تفويت الحق وان احتاج إلى ذلك للخوف من انهدامه أو لتحويله مكان آخر أو لغرض صحيح ملك ذلك لان صاحب الخشب انما يثبت حقه للارفاق به مشروطا بعدم الضرر بصاحب الحائط فمتى أفضى إلى الضرر زال الاستحقاق لزوال شرطه (فصل) فان أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه أو وضع سترة عليه أو وضع خشبه عليه في الوضع الذي لا يستحق وضعه جاز لان الحق له فجاز باذنه فإذا فعل ما أذن فيه صارت العارية لازمة تذكر في باب العارية (فصل) وان أذن له في وضع خشبه أو البناء على جدار ه بعوض جداره بعوض جاز سواء كان إجارة في مدة

[ 41 ]

معلومة أو صلحا على وضعه على التأبيد ومتى زال فله إعادته سواء زال لسقوطه أو سقوط الحائط أو غير ذلك لانه استحق ابقاءه بعوض ويحتاج أن يكون البناء معلوم العرض والطول والسمك والآلات من الطين واللبن والآجر وما أشبه ذلك لان هذا يختلف فيحتاج إلى معرفته، وإذا سقط الحائط الذي عليه البناء أو الخشب في أثناء مدة الاجارة سقوطا لا يعود انفسخت الاجارة فيما بقي من المدة ورجع من الاجرة بقسط ما بقي من المدة، وان أعيد رجع من الاجرة بقدر المدة التي سقط البناء والخشب عنه، وان صالحه مالك الحائط على رفع خشبه أو بنائه بشئ معلوم جاز كما يجوز الصلح على وضعه سواء كان ما صالحه به مثل العوض الذي صولح به على وضعه أو أقل أو أكثر لان هذا عوض عن المنفعة المستحقة له وكذلك لو كان له مسيل في أرض غيره أو ميزاب أو غيره فصالح صاحب الارض مستحق ذلك بعوض لبزيله عنه جاز، وان كان الخشب أو الحائط قد سقط فصالحه بشئ على أن لا يعيده جاز لانه لما جاز ان يبيع ذلك منه جاز أن يصالح عنه لان الصلح بيع

[ 42 ]

(فصل) وإذا وجد بناءه أو خشبه على حائط مشترك أو حائط جاره ولم يعلم سببه فمتى زال فله اعادته لان الظاهر ان هذا الوضع بحق من صلح أو غيره فلا يزول هذا الظاهر حتى يعلم خلافه وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره وما أشبه هذا فهو له لان الظاهر أنه له بحق فجرى مجرى اليد الثابتة، ومتى اختلفا في ذلك هل هو بحق أو بعد وان فاقول قول صاحب الخشب والبناء والمسيل مع يمينه لان الظاهر معه (فصل) إذا ادعى رجل دارا في يد أخوين فأنكره أحدهما وأقر له له الآخر ثم صالحه على ما أقر له بعوض صح الصلح ولاخيه الاخذ بالشفعة ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كان الانكار مطلقا وبين ما إذا قال هذه لنا ورثناها جميعا عن أبينا أو أخينا فيقال إذا كان الانكار مطلقا كان له الاخذ بالشفعة وان قال ورثناها فلا شفعة له لان المنكر يزعم ان الملك لا خيه المقر لم يزل وان الصلح باطل

[ 43 ]

فيؤاخذ بذلك فلا يستحق به شفعة، ووجه الاول ان الملك ثبت للمدعي حكما وقد رجع إلى المقر بالبيع وهو معترف بانه بيع صحيح فتثبت فيه الشفعة كما لو كان الانكار مطلقا ويجوز أن يكون نصيب المقر انتقل إلى المدعي ببيع أو هبة أو سبب من الاسباب فلا ينافي انكار النمكر واقرار المقر كجالة اطلاق الانكار وهذا أصح (مسألة) (وان كان بينهما حائط فانهدم فطالب أحدهما صاحبه ببنائه أجبر عليه وعنه لا يجبر) إذا كان بين الشريكين حائط فانهدم فطلب أحدهما اعادته وأبى الآخر فذكر القاضي فيه روايتين (احداهما) يجبر نقلها ابن القاسم وحرب وسندي قال القاضي هي أصح قال ابن عقيل وعلى ذلك اصحابنا وهو احدى الروايتين عن مالك وقول الشافعي القديم واختاره بعض أصحابه لان في ترك بنائه اضرارا فيجبر عليه كما يجبر على القسمة إذا طلبها أحدهما وعلى نقض الحائط عند خوف سقوطه

[ 44 ]

عليهما ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا اضرار) وهذا وشريكه يتضرران في ترك بنائه (والرواية الثانية) لا يجبر نقل عن أحمد ما يدل على ذلك وهو أقوى في النظر ومذهب أبي حنيفة لانه ملك لاحرمة له في نفسه فلم يجبر مالكه على الانفاق عليه كما لو انفرد به ولانه بناء حائط فلم يجبر عليه كالابتداء ولانه لا يخلو إما أن يجبر على بنائه لحق نفسه أو لحق جاره أو لهما جميعا لا يجوز أن يجبر لحق نفسه بدليل مالو انفرد به ولا لحق غيره كما لو انفرد به جاره وإذا لم يكن واحد منهما موجبا فعليه فكذلك إذا اجتمعا وفارق القسمة فانها دفع للضرر عنهما بما لا ضرر فيه والبناء فيه ضرر لما فيه من الغرامة وانفلق ماله ولا يلزم من اجباره على إزالة الضرر بما لا ضرر فيه اجباره على إزالته بما فيه ضرر بدليل قسمة ما في قمسته ضرر ويفارق هدم الحائط إذا خيف سقوطه لانه يخاف سقوطه على ما يتلفه فيجبر على ما يزيل ذلك ولذلك يجبر عليه وان انفرد الحائط بخلاف مسئلتنا ولا نسلم أن في تركه اضرارا فان الضرر انما حصل بانهدامه وانما ترك النباء ترك لما يحصل النفع

[ 45 ]

به وهذا لا يمنع الانسان منه بدليل حالة الابتداء وإن سلمنا انه اضرار لكن في الاجبار اضرار ولا يزال الضرر بالضرر ولانه قد يكون الممتنع لانفع له في الحائط أو يكون الضرر عليه أكثر من النفع أو يكون معسرا ليس معه شي فيكلف الغرامة مع عجزه عنها (مسألة) (وليس له منعه من بنائه) على الرواية التى تقول لا يجبر الممتنع إذا أراد شريكه البناء فليس له منعه لان له حقا في الحمل ورسما فلا يجوز منعه منه (مسألة) (فان بناه بآلته فهو بينهما وان بناه بآلة من عنده فهو له وليس للآخر الانتفاع به وان طلب الانتفاع به خير الثاني بين أخذ نصف قيمته وبين أخذ آلته) وجملة ذلك أن للشريك بناء الحائط بانقاضه وله بناؤ بآلة من عنده، فان بناء بآلته وانقاضه فهو على الشركة كما كان لان المنفق انما أنفق على التالف وذلك أثر لاعين يملكها، وان بناه بآلة من عنده فالحائط ملكه خاصة، وله مع شريكه من الانتفاع ومن وضع خشبه ورسومه عليه لان الحائط له فان أراد نقضه وكان بناه بآلته فليس له نقضه لانه ملكهما فلم يكن له التصرف فيه بما فيه مضرة

[ 46 ]

عليهما وان كان بناه بآلة من عنده فله نقضه لانه يختص بملكه فان قال شريكه أنا أدفع اليك نصف قيمة البناء ولا تتقضه لم يجبر لانه لما لم يجبر على البناء لم يجبر على الابقاء وان أراد غير الباني نقضه واجبار بانيه على نقضه لم يكن له ذلك على كلتا الروايتين لانه إذا لم يملك منعه من بنائه فلان لا يملك إجباره على نقضه أولى، فان كان له على الحائط رسم انتفاع أو وضع خشب قال له إما أن تأخذ مني نصف قيمته وتمكنني من انتفاعي واما ان تقلع حائطك لنعيد البناء من بيننا فيلزم الآخر إجابته لانه لا يملك ابطال رسومه وانتفاعه ببنائه، وان لم يرد الانتفاع به فطالبه الثاني بالغرامة أو القيمة لم يلزمه ذلك لانه إذا لم يجبر على البناء فاولى ان لا يجبر على الغرامة الا أن يكون قد أذن في البناء والانفاق فيلزمه ما أذن فيه فأما على الرواية الاولى فمتى امتنع اجبره الحاكم على ذلك فان لم يفعل أخذ الحكام من ماله وأنفق عليه وان لم يكن له مال فأنفق عليه الشريك باذن الحاكم أو أذن الشريك رجع عليه متى قدر، وإذا أراد بناء لم يملك الشريك منعه، وما أنفق ان تبرع به لم يكن له الرجوع به وإن نوى الرجوع به فهل له الرجوع بذلك؟ يحتمل وجهين بناء على ما إذا قضى دينه بغير اذنه، وان بناه لنفسه بآلته فهو بينهما وان بناه بآلة من عنده فهو له خاصة فان أراد نقضه فله ذلك الا أن يدفع إليه شريكه نصف قيمته فلا يكون له نقضه لانه إذا أجبر على بنائه فأولى ان يجبر على ابقائه

[ 47 ]

(فصل) فان لم يكن بين ملكيهما حائط فطلب أحد هما من الآخر أن بينيا حائطا يحجز بين ملكيهما لم يجبرا الآخر عليه رواية واحدة فان أراد البناء وحده فليس له الا في ملكه لانه لا يملك التصرف في ملك جاره المختص به ولا في الملك المشترك بغير ماله فيه رسم وهذا لا رسم له فيه (فصل) فان كان السفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السقف الذي بينهما فطلب أحد هما المباناة من الاخر فامتنع فهل يجبر؟ على روايتين كالحائط بين البيتين وللشافعي فيه قولان، فان انهدمت حيطان السفل فطالبه صاحب العلو باعادتها ففيه روايتان (احداهما) يجبر وهو قول مالك وأبي ثور وأحد قولي الشافعي فعلى هذه الرواية يجبر على البناء وحده لانه ملكه خاصة (والثانية) لا يجبر وهو قول أبي حنيفة فان أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع من ذلك على الروايتين جميعا، فان بناه بآلته فهو على ما كان وان بناه بآلة من عنده فقد روي عن أحمد لا ينتفع به صاحب السفل يعني حتى يؤدي القيمة فيحتمل أنه لا يسكن وهو قول أبي حنيفة لان البيت انما يبنى للسكنى فلم يملكه كغيره ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد وفتح الطاق وتكون له السكنى من غير تصرف في ملك غيره وهو مذهب الشافعي لان السكنى انما هي اقامته في فناء الحيطان من غير تصرف فيها أشبه الاستظلال

[ 48 ]

بها من خارج فاما ان طالب صاحب السفل بالبناء وأبى صاحب العلوففيه روايتان: (إحداهما) لا يجبر على بنائه ولا مساعدته وهو قول الشافعي لان الحائط ملك صاحب السفل فلم يجبر غيره على بنائه ولا المساعدة فيه كما لو لم يكن عليه علو (والثانية) يجبر على مساعدته والبناء معه، وهو قول أبي الدرداء لانه حائط بشتركان في الانتفاع به أشبه الحائط بين الدارين. (فصل) فان كان بين البيتين حائط لاحدهما فانهدم فطلب أحدهما من الآخر بناءه أو المساعدة في بنائه لم يجبر لانه ان كان الممتنع مالكه لم يجبر على بناء ملكه المختص به كحائط الآخر وان كان الممتنع الآخر لم يجبر على بناء ملك غيره ولا المساعدة فيه ولا يلزم على هذا حائط السفل حيث يجبر صاحبه على بنائه مع اختصاصه بملكه لان الظاهر ان صاحب العلو ملكه مستحقا لا بقائه على حيطان السفل دائما فلزم صاحب السفل تمكينه مما يتسحقه وطريقه البناء فلذلك وجب بخلاف مسئلتنا وان أراد

[ 49 ]

صاحب الحائط بناءه أو نقضه بعد بنائه لم يكن لجاره منعه لانه ملكه خاصة وان أراد جاره بناءه أو نقضه أو التصرف فيه لم يملك ذلك لانه لاحق له فيه (فصل) ومتي هدم أحد الشريكين الحائط المشترك أو السقف الذي بينهما نظرت فان خيف سقوطه ووجب هدمه فلا شي ء على هادمه ويكون كما لو النهدم بنفسه لانه فعل الواجب وأزال الضرر الحاصل بسقوطه، وان هدمه لغير ذلك فعليه اعادته سواء كان هدمه لحاجة أو غيرها وسواء التزم اعادته أو لم يلتزم لان الضرر حصل بفعله فلزمته إزالته (فصل) فان اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين وملكه بينهما الثلث والثلثان لم يصح لانه يصالح عن بعض ملكه ببعض فلم يصح كما لو أقر له بدار فصالحه على سكناها ولو اتفقا على أن يحمله كل واحد منهما ما شاء لم يجز لجهالة الحمل فانه يحمله من الاثقال ما لا طاقة له بحمله وان اتفقا على أن يكون بينهما نصفين جاز. (مسألة) (وان كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب أو ناعورة أو قناة فاحتاج إلى عمارة ففي اجبار الممتنع وجهان) بناء على الحائط المشترك إذا انهدم وحكي عن أبي حنيفة أنه يجبر ههنا على الانفاق لانه لا يتمكن شريكه من مقاسمته فيتضرر بخلاف الحائط فانه يمكنهما قسمة العرصة قال شيخنا: والاولى التسوية لان في قسمة العرصة اضرارا بهما والانفاق أرفق بهما فكانا سواء

[ 50 ]

(مسألة) (وليس لاحدهما منع صاحبه من عمارته) فان عمره فالماء بينهما على الشركة أما الدولاب والناعورة فالحكم فيه كالحكم في الحائط على ما ذكرناه وأما النهر والبئر فلكل واحد منهما الانفاق عليه وإذا أنفق عليه لم يكن له منع الآخر من نصيبه من الماء لانه ينبع من ملكهما وانما أثر أحدهما في نقل الطين منه وليس له فيه عين مال فأشبه الحائط إذا بناه بآلته والحكم في الرجوع بالنفقة حكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى (فصل) وليس للرجل التصرف في ملكه بما يضر بجاره نحو أن يبني حما ما بين الدور أو يفتح

[ 51 ]

خبازا بين العطارين أو يجعله دكان قصارة بهز الحيطان ويخربها أو يحفر بئرا إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها وبهذا قال بعض الحنفية وعن أحمد رواية أخرى لايمنع وبه قال الشافعي وبعض الحنفية لانه تصرف في ملكه المختص به ولم يتعلق به حق غيره فلم يمنع منه كما لو طبخ في داره أو خبز فيها وسلموا أنه يمنع من الدق الذي يهدم الحيطان وينزها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا إضرار) ولان هذا إضرار بجير انه فمنع منه كالذي سلموء وكسقى

[ 52 ]

الارض الذي يتعدى إلى هدم حائط جاره أو اشعال نار يتعدى إلى إحراقها، قالوا ههنا تعدت النار التي أضرمها والماء الذي أرسله فكان مرسلا لذلك في ملك غيره أشبه مالو أرسله إليها قصدا، قلنا والدخان الذي هو اجزا الحريق الذي أحرقه فكان مرسلا له في ملك جاره فهو كالنار والماء وأما دخان الخبز والطبيخ فان ضرره يسير ولا يمكن التحرز منه وتدخله المسامحة (فصل) فان كان سطح احدهما أعلى من سطح الاخر فليس لصاحب الاعلى الصعود على سطحه

[ 53 ]

على وجه يشرف على سطح جاره الا أن يبني سترة تستره وقال الشافعي لا يلزمه ستره لان هذا حاجز بين ملكيهما فلم يجبر أحدهما عليه كالاسفل ولنا أنه أضر بجاره فمنع منه كدق يهز الحيطان وذلك أنه يكشف جاره ويطلع على حرمه فاشبه ما لو اطلع عليه من صئر بابه أو خصاصه وقد دل على المنع من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو أن رجلا اطلع اليك فحذمته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) ويفارق الاسفل فان تصرفه لا يضر بالاعلى ولا يكشف داره.

[ 54 ]

باب الحوالة الحوالة ثابتة بالسنة والاجماع أما السنة فما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع) متفق عليه وفي لفظ من (أحيل بحقه على ملئ فليحتل) واجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة، واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، وقد قيل إنها بيع فان المحيل يشتري ما في ذمته بماله في ذمة المحال عليه وجاز تأخير القبض رخصة لانه موضوع على الرفق فيدخلها خيار المجلس لذلك والصحيح انها عقد ارفاق منفد بنفسه ليس بمحمول على غيره لانها لو كانت بيعا لما جازت لانه بيع دين بدين ولما جاز التفرق قبل القبض لانه بيع مال الربا بجنسه ولجازت بلفظ البيع ولجازت بين جنسين كالبيع ولان لفظها يشعر بالتحول لا بالبيع فعلى هذا لا يدخلها خيار وتلزم بمجرد العقد وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله، ولابدء فيها من محيل ومحتال ومحال عليه (مسألة) (والحوالة تنقل احق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يملك المحتال الرجوع عليه بحال

[ 55 ]

إذا صحت الحوالة برئت ذمة المحيل وانتقل الحق إلى ذمة المحال عليه في قول عامة اهل العلم وروي عن الحسن انه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يبرئه وعن زفر أنه قال لا تنقل الحق وأجراها مجرى الضمان ولنا ان الحوالة مشتقة من تحويل الحق بخلاف الضمان فانه مشتق من ضم ذمة إلى ذمة فعلق على كل واحد مقتضاه وما دل عليه لفظه. إذا ثبت ذلك فمتى رضي بها المحتال ولم يشترط اليسار لم يعد الحق إلى المحيل أبدا سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غيره وبه قال الليث والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي، وقال شريح والشعبي والنخعي متى أفلس أو مات رجع على صاحبه وقال أبو حنيفة يرجع عليه في حالين إذا مات المحال عليه مفلسا وإذا جحده وحلف عليه عند الحاكم وقال أبو يوسف ومحمد يرجع عليه في هاتين الحالتين وإذا حجر عليه لفلس لانه روي عن عثمان انه سئل عن رجل أحيل بحقه فمات المحال عليه مفلسا فقال يرجع بحقه لانه لا توى على مال امرئ مسلم ولانه عقد معاوضة لم يسلم العوض فيه لاحد المتعاوضين فكان له الفسخ كما لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه ولنا أن حزنا حد سعيد بن المسيب كان له على علي رضي الله عنه دين فاحاله به فمات المحال

[ 56 ]

عليه فأخبره فقال اخترت علينا أبعدك الله فأبعده بمجرد احتياله ولم يخبره ان له الرجوع ولانها براءة من دين ليس فيها قبض ممن هي عليه ولا ممن يدفع عنه فلم يكن فيها رجوع كما لو أبرأه من الدين وحديث عثمان لم يصح يرويه خلد بن جعفر عن معاوية بن قرة عن عثمان ولم يصح سماعه وقد روي انه قال في حوالة أو كفالة وهذا يوجب التوقف ولو صح كان قول علي مخالفا له، وقولهم هو معاوضة لا يصح لانه يفضي إلى بيع الدين بالدين وهو منهي عنه ويقارق المعاوضة بالثوب لان في ذلك قبضا يقف استقرار العقد عليه وههنا الحوالة بمنزلة القبض والاكان بيع دين بدين (مسألة) (ولا تصح الا بشروط ثلاثة (أحدها) ان يحيل على دين مستقر فان احال على مال الكتابة أو السلم قبل قبضه أو الصداق قبل الدخول لم يصح وان احال المكاتب سيده أو الزوج امرأته صح) لا تصح الحوالة على دين غير مستقر لان مقتضاها الزام المحال عليه الدين مطلقا ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط ولا يعتبر أن يحيل بدين مستقر الا ان السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه لان دين السلم ليس بمستقر لكونه متعرضا للفسخ بانقطاع المسلم فيه ولا تصح الحوالة به لانها لا تصح الا فيما يجوز أخذ العوض عنه ولا يجوز ذلك في السلم لقوله عليه الصلاة والسلام (من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى

[ 57 ]

غيره فلا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة لانه غير مستقر لان له ان يمتنع من أدائه ويسقط بعجزه وتصح الحوالة عليه بدين غير دين الكتابة لان حكمه حكم الاحرار في المداينات، وان احال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه صح وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة ويكون ذلك بمنزلة القبض وان احالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح لانه غير مستقر يحتمل ان يسقط بانفساخ النكاح بسبب من جهتها، وان أحالها الزوج به صح لان له تسليمه إليها وحوالته به تقوم مقام تسليمه وان أحالت به بعد الدخول صح لانه مستقر، وان أحال البائع بالثمن على المشتري في مدة الخيار لم يصح في قياس ما ذكرنا وان أحاله المشتري به صح لانه بمنزلة الوفاء قبل الاستقرار، وان احال البائع بالثمن على المشتري ثم ظهر على عيب لم يتبين ان الحوالة كانت باطلة لان الثمن كان ثابتا مستقرا والبيع كان لازما وانما ثبت الجاز بعد العلم بالعيب بالنسبة إلى المشتري، ويحتمل ان تبطل الحوالة لان سبب الجواز عيب المبيع وقد كان موجودا وقت الحوالة. وكل موضع أحال من عليه دين غير مستقر به ثم سقط الدين كالزوجة ينفسخ نكاحها بسبب من جهتها أو المشتري يفسخ البيع ويرد المبيع فان كان ذلك قبل القبض من المحال عليه ففيه وجهان (أحدهما) تبطل الحوالة لعدم الفائدة في بقائها ويرجع

[ 58 ]

المحيل بدينه على المحال عليه والثاني لا تبطل لان الحق انتقل عن المحيل فلم يعد إليه وثبت للمحتال فلم يزل عنه ولان الحوالة بمنزلة القبض فكأن المحيل أقبض المحتال فيرجع عليه به ويأخذ المحتال من المحال عليه وسواء تعذر القبض من المحال عليه أو لم يتعذر وان كان بعد القبض لم تبطل وجها واحدا ويرجع المحيل على المحتال به (فصل) وان أحال من لادين عليه على من له عليه دين فهي وكالة يثبت فيها احكامها وليست بحوالة لان الحوالة مأخوذة من تحويل الحق وانتقاله ولا حق ههنا ينتقل ويتحول وانما جازت الوكالة بلفظ الحوالة لاشتراكهما في استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه و تحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحتال، وان أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة نص عليه أحمد فلا يلزم المحال عليه الاداء ولا المحتال القبول لان الحوالة معاوضة ولا معاوضة ههنا وانما هو اقتراض فان قبض المحتال منه الدين رجع على المحيل لانه قرض وان ابرأه لم تصح البراءة لانها براءة لمن لادين عليه وان وهبه إياه بعد أن قبضه منه رجع المحال عليه على على المحيل به لانه قد غرم عنه وانما عاد إليه المال بعقد مستأنف ويحتمل أن لا يرجع إليه لكونه ما

[ 59 ]

غرم عنه شيئا، وان أحال من لادين عليه على من لادين عليه فهي وكالة في اقتراض و ليست حوالة لان الحوالة انما تكون بدين على دين (الشرط الثاني) اتفاقن الدينين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل لانها تحويل للحق ونقل له فينتقل على صفته ويعتبر تماثلهما في الامور المذكورة (احدها) الجنس فيحيل من عليه ذهب بذهب ومن عليه فضة بفضة ولو أحال من عليه ذهب بفضة أو بالعكس لم يصح (الثاني) الصفة فلو احال من عليه صحاح بمكسرة أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح (الثالث) الحلول والتأجيل ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين فان كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا أو كان أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة، ولو كان الحقان حالين فشرط على المحتال أن يؤخر حقه أو بعضه إلى أجل لم تصح الحوالة لان الحال لا يتأجل ولانه شرط ما لو كان ثابتا في نفس الامر لم تصح الحوالة فكذلك إذا اشترطه. فإذا اجتمعت هذه الامور وصحت الحوالة فتراضيا بأن يدفع المحال عليه إلى المحتال خيرا من حقه أو رضي المحتال بدون الصفة أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله أو من له الحال بالظاره جاز لان ذلك يجوز في القرض ففي الحوالة أولى فان مات المحيل أو المحتال فالاجل بحال وان مات المحال عليه انبنى على حول الدين بالموت وفيه روايتان (الشرط الثالث) أن يحيل برضاه لان الحق

[ 60 ]

عليه فلا يلزمه اداؤه من جهة الدين الذى على المحال عليه ولا خلاف في هذا (فصل) ويعتبر لصحة الحوالة ان تكون بمال معلوم لانها ان كانت بيعا فلا يصح في مجهول وان كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، فتصح بكل ما يثبت في الذمة بالاتلاف من الاثمان والحبوب والادهان، ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه لانه لا يثبت في الذمة، ومن شرط الحوالة تساوي الدينين فاما ما يثبت في الذمة سلما غير المثليات كالمعدود والمذروع ففي صحة الحوالة به وجهان (أحدهما) لا يصح لان المثل فيه لا يتحرر ولهذا لا يضمن بمثله في الاتلاف وهذا ظاهر مذهب الشافعي (والثاني) يصح ذكره القاضي لانه حق ثابت في الذمة فاشبه ماله مثل ويحتمل ان يخرج هذان الوجهان على الخلاف فيما يقضي به قرض هذه الاموال فان كان عليه ابل من الدية وله على آخر مثلها في السن فقال القاضي يصح لانها تختص باقل ما يقع عليه الاسم في السن والقيمة وسائر القصات، وقال أبو الخطاب لا تصح في أحد الوجهين لانها مجهولة ولان الابل ليست من المثليات التي تضمن بمثلها في الاتلاف فلا تثبت في الذمة سلما في رواية، وإن كان عليه ابل في دية وله على آخر مثلها قرضا فأحاله عليه فان قلنا يرد القرض قيمتها لم تصح الحوالة لاختلاف الجنس وإن قلنا يرد مثلها اقتضى قول القاضي صحة الحوالة

[ 61 ]

لانه أمكن استيفاء الحق على صفته من المحال عليه ولان الخيرة في التسليم إلى من عليه الدية وقد رضي بتسليم ماله في ذمة المقترض فان كانت بالعكس فاحتال المقرض بابل الدية لم يصح لاننا ان قلنا تجب القيمة في القرض فقد اختلف الجنس وإن قلنا يجب المثل فللمقرض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك (مسألة) (ولا يعتبر رضى المحال عليه ولارضى المحتال ان كان المحال عليه مليئا) أما المحال عليه فلا يعتبر رضاه لان للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله وقد افام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل وانما تعتبر الملاءة في رضى المحتال بقرض الملئ غير المعدوم قال الشاعر: تطيلين لياني وأنت مليئة واحسن يا ذات الوشاح التقاضيا يعني قادرة على وفائي قال احمد في تفسير الملئ ان يكون مليئا بماله وقوله وبدنه فمتى احيل على من هذه صفته لزم المحتال والمحال عليه القبول ولم يعتبر رضاهما، وقال أبو حنيفة يعتبر رضاهما لانه معاوضة فيعتبر الرضا من المتعاقدين، وقال مالك والشافعي يعتبر رضى المحتال لان حقه في ذمة المحيل فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه كما لا يجوز ان يجبره على ان يأخذ بالدين عوضا، فأما المحال عليه فقال مالك لا يعتبر رضاؤه الا ان يكون المحتال عدوه وللشافعي في اعتبار رضاه قولان:

[ 62 ]

(احدهما) يعتبر وهو يحكى عن الزهري لانه احد من تتم به الحوالة فأشبه المحيل (والثاني) لا يعتبر لانه اقامه في القبض مقام نفسه فلم يفتقر إلى رضى من عليه الحق كالتوكيل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اتبع احدكم على ملئ فليتبع، ولان للمحيل ان يوفي الحق الذي عليه بنفسه وبوكيله وقد اقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض قلزم المحتال القبول كما لو وكل رجلا في إيفائه، وفارق ما إذا أراد ان يعطيه عما في ذمته عرضا لانه يعطيه غير ما وجب له فلم يلزمه قبوله وان لم يكن المحال عليه مليئا لم يلزمه ان يحتال لمفهوم الحديث ولان عليه ضررا في ذلك فلم يلزمه كما لو بذل له دون حقه في الصفة (ففصل) فان شرط المحتال ملاءة المحال عليه فبان معسرا رجع على المحيل وبه قال بعض الشافعية وقال بعضهم لا يرجع لان الحوالة لا ترد بالاعسار إذا لم يشترط الملاءة فلا ترد به وإن شرط كما لو شرط كونه مسلما ويفارق البيع فان الفسخ يثبت بالاعسار فيه من غير شرط بخلاف الحوالة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم) ولانه شرط ما فيه مصلحة العقد في عقد معاوضة فيثبت الفسخ بفواته كما لو شرط صفة في المبيع وقد يثبت بالشرط مالا يثبت باطلاق العقد بدليل اشتراط صفة في المبيع. (مسألة) (وان ظنه مليئا فبان مفلسا ولم يكن رضي بالحوالة رجع عليه وإلا فلا ويحتمل ان يرجع)

[ 63 ]

أما إذا لم يرض المحتال بالحوالة ثم بان المحال عليه مفلسا أو ميتا رجع على المحيل بغير خلاف، ولا يلزمه الاحتيال على غير الملئ لما عليه فيه من الضرر وانما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبول الحوالة على الملئ، وان كان رضي بالحوالة لم يرجع لانه رضي بدون حقه ويحتمل أن يرجع لان الفلس عيب في الذمة فاشبه مالو اشترى شيئا يظنه سليما فبان معيبا. (مسألة) (وإذا أحال المشتري البائع بالثمن أو أحال البائع عليه به فبان البيع باطلا فالحوالة باطلة) مثل أن يشتري عبدا فيحيل المشتري البائع بالثمن ثم يظهر العبد حرا وأو مستحقا فالبيع باطل والحوالة باطلة لانا تبينا أن لاثمن على المشتري وكذلك ان أحال البائع على المشتري أجنبيا بالثمن متى بطل البيع بطلت الحوالة لذلك والحرية انما ثبتت ببينة أو اتفاقهم فان اتفق المحيل والمحال عليه على حريته وكذبهما المحتال ولابينة بذلك لم يقبل قولهما عليه لانهما يبطلان حقه فاشبه ما لو باع المشتري العبد ثم اعترف هو وبائعه أنه كان حرا لم يقبل قولهما على المشتري الثاني وان أقاما بينه لم تسمع لانهما كذباها بدخولهما في التبايع، وان أقام العبد بينة بحريته قبلت وبطلت الحوالة وإن صدقهما المحتال وادعى أن الحوالة بغير ثمن العبد فالقول قوله مع يمينه لان الاصل صحة الحوالة وهما يدعيان بطلانها فكان جنبته أقوى فان أقام البينة أن الحوالة كانت بالثمن قبلت لانهما لم يكذباها، وإن اتفق المحيل والمحتال على حرية العبد وكذبهما المحال عليه لم يقبل قولهما عليه في حرية العبد لانه إقرار على غيرهما وتبطل

[ 64 ]

الحوالة لاتفاق المرجوع عليه بالدين والراجع به على استحقاق الرجوع والمحال عليه يعترف للمحتال بدين لا يصدقه فيه فلا يأخذ منه شيئا، وان اعترف المحتال والمحال عليه بحرية العبد عتق لاقرار من هو في يده بحريته وبطلت الحوالة بالنسبة اليهما ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لان دخوله معه في الحوالة اعتراف ببراءته فلم يكن له الرجوع عليه (مسألة) (فان العقد بعيب أو إقالة لم تبطل الحوالة) يعني إذا فسخ العقد بعيب أو إقالة بعدا لقبض فيما إذا أحال المشتري البائع بالثمن فقد برئ المحال عليه لانه قبض منه باذنه ويرجع المشتري على البائع فان كان ذلك قبل القبض فقال القاضي تبطل الحوالة ويعود المشتري إلى ذمة المحال عليه ويبرأ البائع فلا يبقى له دين ولا عليه لان الحوالة بالثمن وقد سقط بالفسخ، ويجب أن تبطل الحوالة لذهاب حقه من المال المحال به، وقال أبو الخطاب لا تبطل في أحد الوجهين لان المشتري عوض البائع عما في ذمته ماله في ذمة المحال عليه ونقل حقه إليه نقلا صحيحا وبرئ من الثمن ويرئ المحال عليه من دين المشتري فلم يبطل ذلك بفسخ العقد الاول كما لو أعطاه بالثمن ثوبا وسلمه إليه ثم فسخ العقد لم يرجع بالثوب كذا ههنا، فان قلنا ببطلان الحوالة رجع المحيل على المحال عليه بدينه ولم يبق بينهما وبين البائع معاملة وان قلنا لا تبطل رجع المشتري على البائع بالثمن ويأخذه البائع من المحال عليه وان كانت المسألة بحالها لكن أحال البائع أجنبيا بالثمن على المشتري ثم رد البعد المبيع ففي الحوالة وجهان:

[ 65 ]

(أحدهما) لا تبطل لان ذمة المشتري برئت بالحوالة من حق البائع وصار الحق عليه للمحتال فأشبه مالو دفعه المشتري إلى المحيل فعلى هذا يرجع المشتري على البائع بالثمن ويسلم للمحتال ما أحاله به (والثاني) تبطل الحوالة ان كان الرد قبل القبض لسقوط الثمن الذي كانت الحوالة به ولا فائدة في بقاء الحوالة فيعود البائع بدينه ويبرأ المشتري منهما كالمسألة قبلها (مسألة) (وللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الاولى وللمشتري أن يحيل المتحال عليه على البائع في الثانية) إذا قلنا إن الحوالة لا تبطل وبحتمل أن تبطل إذا لم يكن قبضها وقد ذكرناه (فصل) إذا أحال رجلا على زيد بألف فاحاله زيد بها على عمرو فالحوالة صحيحة لان حق الثاني ثابت مستقر في الذمة فصح أن يحيل به كالا ول وهكذا لو أحال الرجل عمرا على زيد بما يثبت له في ذمته صح أيضا لما ذكرنا وتكرر المحتال والمحيل لا يضر (مسألة) (وإذا قال احلتك قال بل وكلتني أو قال وكلتك قال بل أحلتني فالقول قول مدعي الوكالة) إذا كان لرجل دين على آخر فاذن لرجل في قبضه ثم اختلفا فقال احلتك بدينك قال بل وكلتني وديني باق في ذمتك أو قال وكلتك في قبض دينى بلفظ التوكيل قال بل أحلتني

[ 66 ]

بلفظ الحوالة فالقول قول مدعي الوكالة مع يمينه لانه يدعي بقاء الحق على ما كان وينكر انتقاله والاصل معه فان كان لاحدهما بينة حكم بها لان اختلافهما في اللفظ وهو مما يمكن اقامة البينة عليه (مسألة) (وإذا اتفقا على أنه قال أحلتك بالمال الذي قبل زيد ثم اختلفا فقال المحيل انما وكلتك في القبض لي وقال الآخر بل احلتني بديني عليك فالقول قول مدعي الحوالة في أحد الوجهين) لان الظاهر معه فان اللفظ حقيقة في الحوالة دون الوكالة فيجب حمل اللفظ على ظاهره كما لو اختلفا في دار في يد أحدهما (والثاني) القول قول المحيل لان الاصل بقاء حق المحيل على المحال عليه والمحتال يدعي نقله والمحيل ينكره والقول قول المنكر. فعلى الوجه الاول يحلف المحتال ويثبت حقه في ذمة المحال عليه ويستحق مطالبته ويسقط عن المحيل، وعلى الوجه الثاني يحلف المحيل ويبقى حقه في ذمة المحال عليه، وعلى كلا الوجهين ان كان المحتال قد قبض من المحال عليه وتلف في يده فقد برئ كل واحد منهما من صاحبه ولا ضمان عليه سواء تلف بتفريط أو غيره لانه ان تلف بتفريط وكان المحتال محقا فقد أتلف ماله وان كان مبطلا ثبت لكل واحد منهما في ذمة الآخر ما في ذمته له فيتقاصان ويسقطان وان تلف بغير تفريط فالمحتال يقول قد قبضت حقي وتلف في يدي وبرئ منه المحيل بالحوالة والمحال عليه بتسليمه والمحيل يقول قد تلف المال في يد وكيلي بغير تفريط فلا ضمان عليه وان لم يتلف احتمل ان لا يملك المحيل طلبه لانه معترف ان له عليه من الدين مثل ماله في يده وهو مستحق لقبضه فلا فائدة في أن يقبضه منه ثم يسلمه إليه ويحتمل أن يملك أخذه منه ويملك المحتال مطلبته بدينه وقيل يملك المحيل اخذه منه ولا يملك المحتال

[ 67 ]

المطالبة بدينه لا عترافه ببراءة المحيل منه بالحوالة وليس بصحيح لان المحتل ان اعترف بذلك فهو يدعي أنه قبض هذا المال منه بغير حق وانه لا يستحق المطالبة به فعلى كلا الحالين هو مستحق للمطالبة بمثل هذا المال المقبوض منه في قولهما جميعا فلا وجه لا سقاطه ولا موضع للبينة في هذه المسألة لانهما لا يختلفان في لفظ يسمع ولا فعل يرى وانما يدعي المحيل نيته وهذا لا تشهد به البينة نفيا ولا اثباتا. (فصل) فان قال احلتك بدينك قال بل وكلتني ففيهما وجهان ايضا لما قدمنا فان قلنا القول قول المحيل فحلف برئ من حق المحتال وللمحتال قبض المال من المحال عليه لنفسه لانه يجوز ذلك بقولهما معا فإذا قفبضه كان له بحقه، وان قلنا القول قول المححتال فحلف كان له مطالبة المحيل بحقه ومطالبة المحتال عليه لانه اما وكيل أو محتال، فان قبض منه قبل أخذه من المحيل فله اخذ ما قبض لنفسه لانه يجوز ذلك لان المحيل يقول هو لك والمحتال يقول هو امانة في يدي ولي مثله على صاحبه وقد أذن له في أخذه ضمنا فإذا أخذه لنفسه حصل غرضه ولم يأخذ من المحيل شيئا، وان استوفى من المحيل، دون المحال عليه رجع المحيل على المحال عليه في أحد الوجهين لان الوكالة قد ثبتت بيمين المحتال وبقي في ذمة المحال عليه للمحيل (والثاني) لا يرجع عليه لانه يعترف انه قد برئ من حقه وانما المحيل ظلمه باخذ ما كان عليه، قال القاضي والاول أصح وان كان قد أخذ الحوالة فتلفت في يده بتفريط أو اتلفها سقط حقه وجها واحدا لانه ان كان محقا فقد أتلف حقه وان كان مبطلا فقد أبطل مثل دينه فيثبت في ذمته فيتقاصان وان تلف بغير تقريطه فعلى الوجه الاول يسقط حقه أيضا لان ماله تلف تحت يده وعلى الثاني له ان يرجع على المحيل بحقه وليس للمحيل الرجوع على المحال عليه لانه يقر ببراته

[ 68 ]

(مسألة) (وان قال احتلك بدينك فالقول قول مدعي الحوالة وجها واحدا) إذا اتفقا على انه قال احتلك بدينك ثم اختلفا فالقول قول مدعي الحوالة وجها واحدا لان الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة فلم يقبل قول مدعيها وسواء اعترف المحيل بدين المحتال أو قال لادين لك علي لان قوله أحتلك بدينك اعتراف بدينه فلا يقبل جحده بعد ذلك فاما ان لم يقل بدينك بل قال احلتك ثم قال ليس لك علي دين وانما أردت التوكيل بلفظ الحوالة أو قال أردت أن أقول وكلتك فسبق لساني فقلت أحلتك وادعى المحتال انه حوالة بدينه وان دينه كان ثابتا على المحيل فهل هو اعتراف بالدين أولاء فيه وجهان سبق توجيهما (فصل) وان كان لرجل دين على آخر فطالبه به فقال قد أحلت به علي فلانا الغائب وانكر صاحب الدين فالقول قوله مع يمينه فان كان لمن عليه الدين بينة بدعواه سمعت بينته لاسقاط حق المحيل عليه، وان ادعى رجل ان فلانا الغائب أحالني عليك فأنكر المدعى عليه فالقول قوله فان اقام المدعي بينة ثبتت في حقه وحق الغائب لان البينة يقضى بها على الغائب ولزم الدفع إلى المحتال، وان لم يكن له بينة فأنكر الندعى عليه فهل يلزمه اليمين؟ فيه وجهان بناء على مالو اعترف له هل يلزمه الدفع على وجهين (أحدهما) يلزمه الدفع إليه لانه لا يأمن انكار المحيل ورجوعه عليه فكان له الاحتياط لنفسه كما لو ادعى أني وكيل فلان في قبض دينه منك فصدقه وقال لا أدفعه اليك فإذا قلنا يلزمه الدفع مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار فإذا حلف برئ ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لاعترافه ببراءته وكذلك ان قلنا لا يلزمه اليمين فليس للمحتال الرجوع على المخيل، ثم ينظر في المحيل فان صدق المدعي في انه أحاله ثبتت الحوالة لان رضا المحال عليه لا يعتبر وان أنكر الحوالة حلف وسقط حكم الحوالة فان نكل المحال عليه عن اليمين فقضي عليك بالنكول واستوفى الحق منه ثم ان المحيل صدق المدعي فلا كلام وان أنكر الحوالة فالقول قوله وله أن يستوفي من المحال عليه لانه معترف له بالحق ويدعي ان المحتال ظلمه وببقى دين المحتال على المحيل فان أنكر المحيل ان له عليه دينا فالعقول قوله بغير يمين لان المحتال يقر ببراءته منه لا يستيفائه من المحال عليه وان كان المحيل

[ 69 ]

يعترف به لم يكن للمحتال المطالبة به لانه يقر أنه قد برئ منه بالحوالة والمحيل يصدق المحال عليه في كون المحتال قد ظلمه واستوفى منه بغير حق والمحتال يزعم ان المحيل قذ أخذ منه أيضا بغير حق وانه يجب عليه ان يرد ما أخذ منه إليه فينبغي ان يقبضها المحتال ويسلمها إلى المحال عليه أو يأذن للمحيل في ذفعها إلى المحال عليه وإن صدق المحال عليه المحتال في الحوالة ودفع إليه فأنكر المحيل الحوالة حلف ورجع على المحال عليه، والحكم في الرجوع بما على المحيل من الدين على ما ذكرنا في التي قبلها (فصل) فان كان عليه الف ضمنه رجل فأحال الضامن صاحب الدين به برئت ذمته وذمة المضمون عنه لان الحوالة كالتسليم ويكون الحكم ههنا كالحكم فيما لو قضى عنه الدين على ما ذكرنا فان كان الالف على رجلين على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحد كفيل عن الآخر بذلك فأحاله أحدهما بالالف برئت ذمتهما معا كما لو قضاها وان أحال ضاحب الالف رجلا على أحدهما بعينه صحت الحوالة لان الدين على كل واحد منهما مستقر، وان احال عليهما جميعا ليستوفي منهما أو من أيهما شاء صحت الحوالة ايضا عند القاضي لانه لا فضل ههنا في نوع ولا أجل ولا عدد وانما هو زيادة استيثاق فلم فلم يمنع ذلك صحة الحوالة كحوالة المعسر على الملئ، وقال بعض الشافعية لا تصح الحوالة لان الفضل قد دخلها فان المحتال ارتفق بالتخيير الاستيفاء من أيهما شاء فأشبه مالو أحاله على رجلين له على كل واحد منهما الف ليستوفي من أيهما شاء والاول أصح، والفرق وبين هذه المسألة وبين ما إذا

[ 70 ]

أحاله بألفين انه لا فضل بينهما في العدد ههنا وثم تفاضلا ولان الحوالة ههنا بألف معين وثم الحوالة بأحدهما من غير تعيين وانه إذا قضاه أحدهما الالف فقد قضاه جميع الدين وثم إذا قضى احدهما بقي ما على الآخر ولو لم يكن كل واحد من الرجلين ضامنا عن صاحبه فأحال عليهما حصت الحوالة بغير إشكال لانه لما كان له ان يستوفي الالف من واحد كان له أن يستوفي من اثنين كالوكلين باب الضمان وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبت في ذمتهما جميعا ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، واستقاقه من الضم وقيل من التضمين لان ذمة الضامن تتضمن الحق، والاصل في جوازه الكتاب والسنة والاجماع. اما اكتاب فقوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم والزعيم الكفيل قاله بان عباس. واما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (الزعيم غارم) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، واجمع المسلمون على الضمان في الجملة واختلفوا في فروع تذكر ان شاء الله تعالى، يقال ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير بمعنى واحد ولا بد في الضمان من ضامن ومضمون عنه ومضمون له. (مسألة) (ولصاحب لحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت) وجملة ذلك أن المضمون عنه لا يبرأ بنفس الضمان كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض بل يثبت

[ 71 ]

الحق في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه فعلى هذا لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وبعد الموت، وبهذا قال الئوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد وحكي عن مالك في احدى الروايتين عنه أنه لا يطالب الضامن الا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه ولانه وثيقة فلا يستوفى الحق منها الا مع تعذر استيفائه من الاصل كالرهن ولنا قوله عليه السلام (الزعيم غارم) ولان الحق ثابت في ذمة الضامن فملك مطالبتة كالاصل ولان الحق ثابت في ذمتهما فملك مطالبة من شاء منهما كالضامنين إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه ولا يشبه الرهن لانه مال من عليه الحق وليس بدين ذمة يطالب إنما يطالب من عليه الدين ليقضي منه أو من غيره، وقال أبو ثور الكفالة والحوالة سواء وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود، وعن أحمد رواية أن الميت يبرأ بمجرد الضمان نص عليه في رواية يوسف بن موسى واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما وضعت قال (هل على صاحبكما من دين؟) قالوا نعم درهمان فقال (صلوا على صاحبكم) فقال علي هما علي يا رسول الله وأنا لهما ضامن فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه ثم أقبل على علي فقال (جزاك الله عن الاسلام خيرا أو فك رها نك كما فككت رهان أخيك) فقيل يا رسول

[ 72 ]

الله هذا لعلي خاصة أم للناس عامة؟ فقال (بل الناس عامة) رواه الدارقطني فدل على أن المضمون عنه برئ بالضامن ولذلك صلى الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى الامام أحمد في المسند عن جابر قال توفي صاحب لنا فاتينا به النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فخطا خطوة ثم قال (أعليه دين؟) قلنا ديناران فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فقال الديناران علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وجب حق الغريم وبرئ الميت منهما؟) قال نعم فصلى عليه ثم قال بعد ذلك (ما فعل الديناران؟) قال انما مات أمس قال فعاد إليه من الفد فقال قد قضيتهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الآن بردت جلدته) وهذا صريح في براءة المضمون عنه لقوله (وبرئ الميت منهما؟) ولانه دين واحد فإذا صار في ذمة نائبة برئت الاولى منه كالمحال به لان الدين الواحد لا يحل في محلين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وقوله في خبر أبي قتادة (الآن بردت جلدته) حين أخره أنه قضى دينه ولانها وثيقة فلا تنقل الحق كالشهادة، فأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المضمون عنه فلانه بالضمان صار له وفاء وانما كان عليه الصلاة والسلام يمتنع من الصلاة على مدين لم يخلف وفاء، وأما قوله لعلى (فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك) فانه كان بحال لا يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما ضمنه فكه من ذلك أو ما في معناه، وقوله (برئ الميت منهما؟) أي صرت أنت المطالب بهما وهذا على وجه التأكيد لثبوت الحق في ذمته ووجوب الاداء عنه بدليل قوله حين أخبره بالقضاء (الآن بردت عليه جلده) وفارق الضمان الحوالة

[ 73 ]

فان الضمان مشتق من الضم بين الذمتين في تعلق الحق بهما وثبوته فيهما والحوالة من التحول فيقتضي تحول الحق عن محله إلى ذمة المحال عليه وقولهم إن الدين الواحد لا يحل محلين قلنا يجوز تعلقه بمحلين على سبيل الاستيثاق كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن كذلك هذا (مسألة) (فان برئت ذمة المضمون عنه برئ الضامن) متى برئت ذمة المضمون بقضاء أو إبراء برئت ذمة الضامن لا نعلم فيه خلافا لانه بيع ولانه وثيقة فإذا برئ الاصل زالت الوثيقة كالرهن (مسأله) (وان برى الضامن أو أقر ببراءته لم يبرأ المضمون عنه لانه أصل فلا يبرأ بابراء التبع ولانه وثيقة انحلت من غير استيفاء الدين منها فلم تبرأ ذمة الاصل كالرهن إذا انفسخ من غير استيفاء وأيهما قضى الحق برئا جميعا من المضمون له لانه حق واحد فإذا استوفي مرة زال تعلقه بهما كما لو استوفي الحق الذي به رهن، وان أحال أحدهما الغريم برئا جميعا لان الحوالة كالقضاء (فصل) ويجوز ان يضمن الحق عن الرجل الواحد اثنان أو اكثر سواء ضمن كل واحد جميعه أو جزأ منه فان ضمن كل واحد منهم جميعه برئ كل واحد منهم بأداء أحدهم وان أبرأ المضمون عنه برئ الجميع لانهم فروع له وان أبرأ أحد الضامنين برئ واحده لانهم غير فروع له فلم يبرؤا ببراءته كالمضمون عنه وان ضمن أحد هم صاحب لم يجز لان الحق ثبت في ذمته بضمانه الاصلى فلا يجوز أن يثبت ثانيا ولانه أصل فيه بالضمان فلا يجوز ان يصير فيه فرعا، ولو تكفل بالرجل الواحد اثنان جازو يجوز أن يكفل كل واحد

[ 74 ]

من الكفيلين صاحبه صاحبه لان الكفالة ببدنه لا بما في ذمته وأي الكفيلين أخضر المكفول به برئ وبرئ صاحبه من الكفالة لانه فرعه ولم يبرأ من احضار المكفول به لانه أصل في ذك وان كفل المكفول به الكفيل لم يجز لانه أصل له في الكفالة فلم يجز أن يصير فرعا فيما كفل به وان كفل به في غيره جاز. (مسألة) (ولو ضمن ذمي لذمي عن ذمي خمرا فأسلم المضمون له أو المضمون عنه برئ هو والضامن معا) لانه برئ من الخمر الذي ضمن عنه إذ لا يجوز وجوب خمر على مسلم وإذا برئ المضمون عنه برئ الضامن لانه فرعه، وان أسلم المضمون له برئ أيضا لانه ليس للمسلم المطالبة بثمن الخمر لكونه لاقيمة له في الاسلام فان أسلم وحده برئ ولم يبرأ المضمون عنه لانه أصل فلم يبرأ ببراءة فرعه كما لو ابرأه المضمون له (مسألة) (ولا يصح الامن جائز التصرف) لا يصح لا لضمان الاممن يصح تصرفه في ماله رجلا كان أو امرأة لانه عقد يقصد به المال فصح من المرأة كالبيع. (مسألة) (ولا يصح من صبي ولا مجنون ولاسفيه ولامن عبد بغير إذن سيده وعنه يصح ويتبع به بعد العتق وان ضمن باذن سيده صح وهل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على روايتين)

[ 75 ]

لا يصح الضمان من مجنون ولا مبرسم ولا صبي غير مميز بغير خلاف لانه ايجاب مال فلم يصح منهم كالنذر والاقرار، ولا يصح من السفيه المحجور عليه وهو قول الشافعي وقال القاضي يصح ويتبع به بعد فك الحجر عنه لان من أصلنا ان اقراره صحيح يتبع به بعد فلك الحجر عنه كذلك ضمانه والاول أولى لانه إيجاب مال بعقد فلم يصح منه كالبيع والشراء وأما الاقرار فلنا فيه منع وان سلم فالفرق بينهما أن الاقرار اخبار بحق سابق وأما الصبي المميز فلا يصح ضمانه وهو قول الشافعي وخرج أصحابنا صحته على الروايتين في صحة اقراره وتصرفه باذن وليه، ولا يصح هذا الجمع لان هذا التزام مال لا فائدة له فيه فلم يصح كالتبرع والنذر بخلاف البيع، وان اختلفا في وقت الضمان بعد بلوغه فقال الصبي قبل بلوغي وقال المضمون له بعد البلوغ فقال القاضي قياس قول أحمد ان القول قول المضمون له لان معه سلامة العقد فأشبه ما لو اختلفا في شرط فاسد ويحتمل أن القول قول الضامن لان الاصل عدم البلوغ وعدم وجوب الحق عليه، وهذا قول الشافعي ولا يشبه هذا ما إذا اختلفا في شرط فاسد لان المختلفين ثم متفقان على أهلية التصرف والظاهر انهما لا يتصرفان الا تصرفا صحيحا فكان قول مدعي الصحة وههنا في اهلية التصرف وليس مع من يدعي اهلية ظاهر يستند إليه فلم ترجح دعواه، والحكم فيمن عرف له حال جنون كالحكم في الصبي وان لم يعرف له حال

[ 76 ]

جنون فالقول قول المضمون له لان الاصل عدمه، وأما المحجور عليه لفلس فيصح ضمانه ويتبع به بعد فك الحجر عنه لانه من أهل التصرف والحجر عليه في ماله لا في ذمته فهو كتصرف الراهن فيما عدا الرهن، فأما العبد فلا يصح ضمانه بغير اذن سيده سواء كان مأذونا له في التجارة أولا، وبهذا قال ابن أبي ليلى والثوري وابو حنيفة، ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد العتق وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه من أهل التصرف فصح تصرفه بما لا ضرر فيه على السيد كالاقرار بالاتلاف ولنا انه عقد تضمن إيجاب فلم يصح بغير اذن السيد كالنكاح وقال أبو ثور ان كان من جهه التجارة جاز وإلا لم يجز فان ضمن باذن سيده صح لان سيده لو أذن في التصرف صح قال القاضى وقياس المذهب تعلق المال برقبته لانه دين لزمه بفعله فتعلق برقبته كارش جنايته وقال ابن عقيل ظاهر المذهب وقياسه أنه يتعلق بذمة السيد. وقد ذكر شيخنا هنا روايتين وكذلك ذكره أبو الخطاب كاستدانته باذن سيده ونسذكر ذلك ان شاء الله تعالى، فان أذن له سيده في الضمان ليكون القضاء من

[ 77 ]

المال الذي في يده صح ويكون ما في ذمته متعلقا بالمال الذي ى في يد العبد كتعلق حق الجناية برقبة الجاني كما لو قال الحر لك هذا الدين على أن تأخذ من مالي هذا صح (فصل) ولا يصح ضمان المكاتب بغير اذن سيده كالقن لانه تبرع بالتزام مال أشبه نذر الصدقة بمال معين ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد عتقه كقولنا في العبد وإن ضمن باذنه ففيه وجهان (أحدهما لا يصح أيضا لانه ربما أدى إلى تفويت الحرية (والثاني) يصح لان الحق لهما لا يخرج عنهما فأما المريض فان كان مرضه غير مخوف أو لم يتصل به الموت فهو كالصحيح وان كان مرض الموت المخوف فحكم ضمانه حكم تبرعه يحسب من ثلثه لانه تبرع بالتزام مال لا يلزمه ولم يأخذ عنه عوضا أشبه الهبة، وإذا فهمت اشارة الاخرس صح ضمانه لا نه يصح بيعه واقراره وتبرعه أشبه الباطن، ولا يثبت الضمان بكتابته

[ 78 ]

منفردة عن اشارة يفهم بها أنه قصد الضمان لانه قد يكتب عبثا أو تجربة قلم فلم يثبت الضمان به مع الاحتمال ومن لاتفهم اشارته لا يصح مانه لانه لا يدري بضمانه وكذلك سائر تصرفاته (مسألة) (ولا يصح إلا برضى الضامن ولا يعتبر رضى المضمون له ولا المضمون عنه ولا معرفة الضامن لها) لا يصح الضمان الا برضى الضامن فان أكره عليه لم يصح لانه التزام مال فلم يصح بغير رضا الملتزم كالنذر ولا يعتبر رضا المضمون له وقال أبو حنيفة ومحمد يعتبر لانه اثبات مال لآدمي فلم يثبت الا برضاه أو رضا من ينو ب عنه كالبيع والشراء وعن أصحاب الشافعي كالمذهبين ولنا ان أبا قتادة ضمن من غير رضا المضمون له ولا المضمون عنه فأجاره النبئ صلى الله عليه وسلم

[ 79 ]

ولانها وثيقة لا يعتبر فيها قبض فأشبهت الشهادة ولانه ضمان دين فأشبه ضمان بعض الورثة دين الميت للغائب وقد سلموه، ولا يعبر رضى المضمون حديث أبي قتادة، ولا يعتبر أن يعرفهما الضامن وقال القاضي يعتبر معرفتهما لعيلم هل المضمون عنه أهل لا صطناع المعروف إليه أولا وليعرف المضمون له فيؤدي إليه وذكر وجها آخر أنه يعتبر معرفة المضمون له لذلك ولا تعتبر معرفة المضمون عنه لانه لا معاملة بينه وبينه ولا صحاب الشافعي ثلاثة أوجه نحو هذا ولنا حديث علي وأبي قتادة فانهما ضمنا لمن لم يعرفا وعن لم يعرفا ولانه تبرع بالتزام مال فلم تعتبر معرفة من يتبرع له به كالنذر

[ 80 ]

(مسألة) (ولا يعتبر كون الحق معلوما ولا واجبا إذا كان مآله إلى الوجوب فلو قال ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح) يصح ضمان المجهول فمتى قال أنا ضامن لك ما على فلان أو ما تقوم به البينة أو ما يقر به لك أو ما يخرج في روز ما نجك صح الضمان، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الثوري والليث وابن أبى ليلى والشافعي وابن المنذر لا يصح لانه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن. ولنا قول الله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وحمل البعير غير معلوم لان حمل البعير مختلف باختلافه وعموم قوله عليه السلام (الزعيم غارم) ولانه التزام حق في الذمه من غير معاوضة فصح في المجهول كالنذر والاقرار ولانه يصح تعليقه بغرر وخطر وهو ضمان العهدة، وإذا قال الق متاعك

[ 81 ]

في البحر وعلي ضمانه أو قال ادفع ثيابك إلى هذا الرقاء وعلي ضمانها فصح في المجهول كالعتق والطلاق (فصل) ويصح ضمان ما لم يجبفلو قال ما أعطيت فلانا فهو علي صح، والخلاف في هذه المسألة كالتي قبلها ودليل القولين ما ذكرنا، قد قال في هذه المسألة الضمان ضم ذمة إلى ذمة في التزام الدين فإذا لم يكن على المضمون عنه شئ لم يوجد ضم ولا يكون ضامنا قلنا: قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه وان ما يثبت مضمونه يثبت في ذمته وهذا كاف وقد سلموا ضمان ما يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله الق مناعك في البحر وعلي ضمانه وسلم أصحاب الشافعي في أحد الوجهين ضمان الجعل في الجعالة قبل العمل وما وجب شئ بعد (مسألة) (ويصح ضمان دين الضامن) نحو أن يضمن الضامن ضامن آخر لانه دين لازم في ذمته فصح ضمانه كسائر الديون ويثبت

[ 82 ]

الحق في ذمم الثلاثة أيهم برئت ذممهم كلها لانه حق واحد فإذا قضي مرة سقط فلم يجب مرة أخرى، وان أبرأ الغريم المضمون عنه الضامنان لانهما فرغ وان أبرئ الضامن الاول برئ الضامنان لذلك ولم يبرأ المضمون عنه لما تقدم وان ابرئ الضامن الثاني برئ وحده، ومتى حصلت براءة الذمة بالابراء فلا رجوع فيها لان الرجوع مع الغرء وليس في الابراء غرم والكفالة كالضمان في هذا المعنى. (فصل) وان ضمن المضمون عنه الضامن أو تكلفل المكفول عنه الكفيل لم يصح لان الضامن يقتضي الزامه الحق في ذمته والحق لازم له فلا يتصور الزامه ثابيا ولانه اصل في الدين فلا يجوز أن يصير فرعا فيه فان ضمن عنه دينا آخر أو تكفل به في حق آخر جاز لعدم ما ذكرنا (مسألة) (ويصح ضمان دين الميت المفلس وغيره ولا تبرأ ذمته قبل القضاء في أصح الروايتين)

[ 83 ]

يصح الضمان عن كل غريم وجب عليه حق حيا كان أو ميتا مليئا أو مفلسا وبه قال أكثر العلماء وقال أبو حنيفة لا يصح ضمان دين الميت الا ان يخلف وفاء فان خلف بعض الوفاء صح ضمانه بقدر ما خلف لانه دين صاقط فلم يصح ضمانه كما لو سقط بالابراء ولان ذمته قد خربت خرابا لا يعمر بعده فلم يبق فيه دين والضمان ضم ذمة إلى ذمة. ولنا حديث ابي قتادة فانهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء وقد حضهم النبي صلى الله عليه وسلم على ضمانه في حديث أبى قتادة بقوله (الاقام أحدكم فضمنه) وهذا صريح في المسألة ولانه دين ثابت فصح ضمانه كما لو خلف وفاء. ودليل ثبوته أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه جاز لصاحب الحق اقتضاؤه ولو ضمنه حياثم مات لم يبرأ منه الضامن ولو برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن وفي هذا انفصال عما ذكروه. وإذا ثبت صحة ضمان دين الميت فان ذمته لا تبرأ من الدين قبل القضاء في احدى

[ 84 ]

الروايتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) ولان النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا قتادة عن الدينارين الذين ضمنهما فقال قد قضيتهما فقال (الآن بردت جلدته) رواه الامام أحمد ولانه وثيقة بدين فلم يسقط قبل القضاء كالرهن وكالشهادة والثانية يبرأ بمرجد الضمان نص عليه أحمد في رواية يوسف بن موسى لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة (وبرئ الميت منهما) قال نعم وقد ذكر نا ذلك (فصل) ويصح الضمان في جميع الحقوق المالية الواجبة والتي تؤول إلى الوجوب كثمن المبيع في مدة الخيار وبعده والاجرة والمهر قبل الدخول وبعده ولان هذه الحقوق لازمة وجواز سقوطها لا يمنع صحة ضمانها كالثمن في المبيع بعد انقضاء الخيار يجوز أن يسقط بالرد بالعيب وبالمقايلة وهذا مذهب الشافعي (مسألة) (ويصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري وعن المشتري للبائع) فضمانه على المشتري هوان يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، وان ظهر فيه عيب أو استحق رجع بذلك على الضامن وضمانه عن البائع للمشتري هو أن يضمن عن البائع الثمن متى خرج المبيع متسحقا أو رد بعيب أو أرش العيب، فضمان العهدة في الموضعين هو ضمان الثمن أو جزء منه عن أحدهما للآخر، والعهدة الكتاب الذي تكتب فيه وثيقة البيع ويذكر فيه الثمن فعبر به عن الثمن الذي يضمنه، وممن أجاز ضمان العهدة في الجملة أبو حنيفة ومالك والشافعي ومنع منه بعض أصحابه لكونه ضمان ما لم يجب وضمان مجهول وضمان عين وقد ثبت جواز الضمان في ذلك كله ولان الحاجة تدعوا إلى الوثيقة على البائع، والوثائق ثلاثة الشهادة والرهن والضمان، فأما الشهادة فلا يستوفى منها الحق وأما الرهن فلا يجوز في ذلك بالاجماع لانه يؤدي إلى أن يبقى أبدا مرهونا فلم يبق الا الضمان ولانه لا يضمن الا ما كان واجبا حال العقد ومتى كان كذلك فقد ضمن ما وجب حين العقد والجهالة منتفية لانه ضمن الجملة فإذا خرج بعضه مستحقا لزمه بعض ما ضمنه، إذا ثبت هذا فانه يصح ضمان العهدة عن البائع للمشتري قبل قبض الثمن

[ 85 ]

وبعده. وقال الشافعي انما يصح بعد القبض لانه قبل القبض لو خرج مستحقا لم يجب على البائع شئ وهذا ينبني على ضمان ما لم يجب إذا كان مفضيا إلى الوجوب كالجعالة وسنذكرها، وألفاظ ضمان عهدة المبيع قوله ضمنت عهدته أو تمثه أو دركه أو يقول للمشتري ضمنت خلاصك منه أو متى خرج المبيع مستحقا فقد ضمنت لك الثمن وحكي عن أبي يوسف أنه إذا قال ضمنت عهدته أو ضمنت لك العهدة لم يصح لان العهدة الصك بالابتياع كذا فسره أهل اللغة فلا يصح ضمانه للمشتري لانه ملكه وليس بصحيح لان العهدة في العرف عبارة عن الدرك وضمان الثمن والمطلق يحمل على الاسماء العرفية كالرواية تحمل عند اطلاقها على المزادة لاعلى المحل وان كان الموضوع لغة. فأما ان ضمن له خلاص المبيع فقال أبو بكر هو باطل لانه إذا خرج حرا أو مستحقا لم يستطع تخليصه ولا يحل وقد قال أحمد في رجل باع عبدا أو أمة ومضن له الخلاص فقال كيف يستطيع الخلاص إذا خرج حرا فان ضمن عهدة المبيع وخلاصه بطل في الخلاص، وتنبني صحته في العهدة على تفريق الصفقة. إذا ثبت صحة ضمان العهدة فالكلام فيما يلزم الضامن فنقول استحقاق رجوع المشترى بالثمن إما أن يكون بسبب حادث بعد العقد أو مقارن له فأما الحادث فمثل تلف المكيل والموزون في يد البائع أو بغصب من يده أو يتقايلان فان المشتري يرجع على البائع دون الضامن لان هذا لم يكن موجودا حال العقد وانما ضمن الاستحقاق الموجود حال العقد ويحتمل أن يرجع به على الضامن لان ضمان ما لم يجب جائز وهذا منه، وأما إن كان بسبب مقارن نظر نا فان كان بسبب لا تفريط من البائع فيه كأخذه بالشفعة فان المشتري يأخذ الثمن من الشفيع ولا يرجع على البائع ولا الضامن ومتى لم يجب على المضمون عنه لم يجب على الضامن بطريق الاولى. فأما ان كان زوال ملكه عن المبيع بسبب مقارن لتفريط من البائع باستحقاق أو حرية أورد بعيب قديم فله الرجوع لعى الضامن وهذا ضمان العهدة، وان أراد اخذ أرش العيب رجع على الضامن أيضا لانه إذا لزمه كل الثمن لزمه بعضه إذا استحق ذلك على المضمون عنه وسواء ظهر

[ 86 ]

كل المبيع متسحقا أو بعضه لانه إذا ظهر بعضه مستحقا بطل العقد في الجميع في احدى الروايتين فقد خرجت العين كلها من يده بسبب الاستحقاق، وعلى الرواية الاخرى يبطل في البعض المستحق وله رد الجميع فان ردها فهو كما لو استحقت كلها وان أمسك بعضها فله المطالبة بالارش كما لو وجدها الكفالة لانه لا يلزم البائع فلا يلزم الكفيل مالا يلزم الاصل، وان ضمن للمشتري قيمة ما يحدث في المبيع من بناء أو غراس صح سواء ضمنه البائع أو أجنبيي فإذا بنى أو غرس فاستحق المبيع رجع المشتري على الضامن بقيمة ما تلف أو نقص وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح لانه ضمان مجهول وضمان ما لم يجب وقد بيناه جوازه (مسألة) (ولا يصح ضمان دين الكتابة في أصح الروايتين) وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم والاخرى يصح لانه دين على المكاتب فصح ضمانه كسائر ديونه والاولى أصح لانه ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم لان للمكاتب تعجيز نفسه والامتناع من الاداء فإذا لم يلزم الاصل فالضامن أولى (مسألة) (ولا يصح ضمان الامانات كالوديعة ونحوها الا أن يضمن التعدي فيها) أما الامانات كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين المدفوعة إلى الخياط والقصار فان ضمنها من غير تعد فيها لم يصح لانها غير مضمونة على صاحب اليد فكذلك على ضامنه وان ضمن التعدي فيها فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى صحة ضمانها فانه قال في رواية الاثرم في رجل يتقبل من الناس الثياب فقال له رجل ادفع إليه ثيابك وأنا ضامن فقال هو ضامن لما دفعه إليه يعني إذا تعدى أو تلف بفعله، فعلى هذا ان تلف بغير فعله ولا تفريط منه فلا شئ على الضامن وان تلف بفعله أو تفريط لزمه ضامنه أيضا لانها مضمونة على من هي في يده فهي كالغصوب والعواري وهذا في الحقيقة ضمان ما لم يجب وقد ذكرناه

[ 87 ]

(مسألة) (فأما الاعيان المضمونة كالغصوب والعواري والمقبوض على وجه السوم فيصح ضمانها) وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر لا يصح لان الاعيان غير ثابتة في الذمة فانما يضمن ما يثبت في الذمة ووصفنا لما بالضمان انما معناه أنه يلزم قيمتها عند التلف والقيمة مجهولة ولنا أنها مضمونة على من هي في يده فصح ضمانها كالحقوق الثابتة في الذمة، وقولهم ان الاعيان لا تثبت في الذمة قلنا الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلفها وهذا مما يصح ضمانه كعهدة المبيع فانه يصح وهي في الحقيقة التزام رد الثمن أو عوضه إن ظهر بالمبيع عيب أو استحق. (فصل) ويصح ضمان الجعل في الجعالة وفي المسابقة والمناضلة وقال أصحاب الشافعي لا يصح ضمانه في أحد الوجهين لانه لا يؤول إلى اللزوم أشبه مال الكتابة ولنا قول الله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) ولانه يؤول إلى اللزوم إذا عمل العمل وانما الذي لا يلزم العمل والمال يللزم بوجوده والضمان للمال دون العمل، ويصح ضمان أرش الجناية سواء كان نقودا كقيم المتلفات أو حيوانا كاليات وقال اصحاب الشافعي لا يصح ضمان الحيوان الواجب فيها لانه مجهول وقد مضى الدليل على صحة ضمان المجهول ولان الابل الواجبة في الدية معلومة الاسنان والعدد وجهالة اللون وغيره من الصفات الباقية لا تضر لانه انما يلزمه أدنى لون وصفة فيحصل معلومه وكذلك غيرها من الحيوان ولان جهل ذلك لا يمنع وجوبه باتلاف فلم يمنع وجوبه بالالتزام ويصح ضمان نفقة الزوجة سواء كانت نفقة يومها أو مستقبلة لان نفقة اليوم واجبة والمستقبلة مآلها إلى اللزوم ويلزمه ما يلزم الزوج في قياس المذهب، وقال القاضي: إذا ضمن نفقة المستقبل لميلزمه إلا نفقة المعسر لان الزيادة على ذلك تسقط بالاعسار، وهذا مذهب الشافعي على القول الذي قال فيه يصح ضمانها. ولنا أنه يصح ضمان الجعالة والصداق قبل الدخول والمبيع في مدة الخيار. فأما النفقة في الماضي

[ 88 ]

فان كانت واجبة بحكم حاكم أو قلنا بوجوبها بدون حكمه صح ضمانها والا فلا وفي صحة ضمان السلم اختلاف نذكره في بابه. (مسألة) (وان قضى الضامن الدين متبرعا لم يرجع بشئ لانه تطوع بذلك أشبه الصدقة وسواء ضمن باذنه أو بغير إذنه (مسألة) (وان نوى الرجوع وكان الضمان والقضاء بغير اذن المضمون عنه فهل يرجع؟ على روايتين وإن أذن له في أحدهما فله الرجوع بأقل الامرين مما قضى أو قدر الدين) وجملة ذلك أن الضامن متى أدى الدين بينة الرجوع لم يخل من أربعة أقسام (أحدها) أن يضمن باذن المضمون عنه ويؤدي بأمره فانه يرجع عليه سواء قال اضمن عني واد عني أو أطلق، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد ان قال اضمن عني وانقد عني رجع عليه وان قال انقد هذا لم يرجع عليه الا ان يكون مخالطا له يستقرض منه ويودع عنده لان قوله اضمن عنى وانقد عنى اقراره منه بالحق وإذا أطلق صار كانه قال هب لهذا أو تطوع وإذا كان مخالطاله رجع استحسانا لانه قدر يأمر مخالطه بالنقد عنه ولنا انه ضمن ودفع بامره فأشبه مالو كان مخالطا له أو قال اضمن عني وما ذكراه ليس بصحيح لانه إذا أمره بالضمان لا يكون الا لما هو عليه وأمره بالنقد بعد ذلك ينصرف إلى ما ضمنه بدليل المخالطة له فيجب عليه أداء ما ادى عنه كما لو صحربه (الثاني) ضمن بامره وقضى بغير أمره فله الرجوع أيضا وبه قال مالك والشافعي في أحد الوحوه عنه، والوجه الثاني لا يرجع لانه دفع بغير أمره أشبه مالو تبرع، الوجه الثالث أنه ان تعذر الرجوع على المضمون عنه فدفع ما عليه رجع وإلا فلا لانه تبرع بالدفع

[ 89 ]

ولنا أنه إذا أذن في الضمان تضمن ذلك اذنه في الاداء لان الضمان يوجب عليه الاداء فرجع عليه كما لو أذن في الاداء صريحا (الثالث) ضمن بغير امره وقضى بامره فله الرجوع أيضا وظاهر مذهب الشافعي أنه لا يرجع لان أمره بالقضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه ولنا أنه أدى دينه بامرمه فرجع عليه كما لو لم يكن ضامنا أو كما لو ضمن بامره، قولهم ان إذنه في القضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه قلنا والواجب بضمانه انما هو اداء دينه وليس هو شيئا آخر فمتى أداه عنه باذنه لزمه إعطاؤه بدله (الرابع) ضمن بغير أمره وقضى بغير أمره ففيه روايتان (احداهما) يرجع وهو قول مالك وعبيد الله بن الحسن واسحاق (والثانية) لا يرجع بشئ وهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر بدليل حديث علي وأبي قتادة فانهما لو كان يستحقان الرجوع على الميت صار الدين لهما فكانت ذمة الميت مشغولة بدينهما كاشتغالها بدين المضمون له ولم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم لانه تبرع بذلك أشبه مالو علف دوابه وأطعم عبيده بغير أمره. ووجه الاولى أنه قضاء مبرئ من دين واجب فكان من ضمان من هو عليه كالحاكم إذا قضى عنه عند امتناعه، فاما علي وأبو قتادة فانهما تبرعا بالقضاء والضمان فانهما قضيا دينه قصدا لتبرئة ذمته ليصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهما انه لم يترك وفاءه والمتبرع لا يرجع بشئ وانما الخلاف في المحتسب بالرجوع (فصل) ويرع الضامن على المضمون عنه باقل الامرين مما قضى أو قدر الدين لانه ان كان الاقل الدين فالزائد لم يكن واجبا فهو متبرع به وان كان المقضي أقل فانما يرجع بما غرم ولهذا لو أبرأه غريمه لم يرجع بشئ فان دفع عن الدين عرضا رجع باقل الامرين من قمته أو قدر الدين لما ذكرنا (فصل) ولو كان على رجلين مائة على كل واحد منهما نصفها وكل واحد ضامن عن صاحب ما عليه فضمن آخر عن احدهما المائة بأمره وقضاها سقط الحق عن الجميع وله الرجوع على الذي ضمن عنه ولم ين له أن يرجع على الآخر بشئ في احدى الروايتين لانه لم يفضي عنه ولا اذن له في القضاء

[ 90 ]

فإذا رجع على الذي ضمن رجع على الآخر بنضفها ان كان ضمن عنه باذنه لانه ضمنها عنه باذنه وقضاها ضامنه، والرواية الثانية له الرجوع على الآخر بالمائة لانها وجبت له على من أداها عنه فملك الرجوع بها كالاصل (فصل) وإذا ضمن عن رجل بامره فطولب الضامن فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه لانه لزمه الآداء عنه بامره فكانت له المطالبة بتبرئة ذمته وان لم يطالب الضامن لم يملك مطالبه المضمون عنه لانه لما لم يكن له الرجوع بالدين قبل غرامته لم تكن له المطالبة قبل طلبه منه وفيه وجه آخر أن له المطالبة لانه شغل ذمته باذنه فكانت له المطالبة بتفريغها كما لو استعار عبدا فرهنه كان لسيده مطالبته بفكاكه وتفريغه من الرهن والاولى أولى. ويفارق الضمان العارية لان السيد يتضرر بتعويق منافع عبده المستعار فملك المطالبة بما يزيل الضرر عنه والضامن لا يبطل بالضمان شئ من منافعه فاما ان ضمن عنه بغير اذنه لم يملك مطالبة المضمون عنه قبل الآداء بحال لانه لاحق له يطالب به ولا شغل ذمته بأمره فأشبه الاجنبي، وقيل ان ينبني على الروايتين في رجوعه على المضمون عنه بما أدى عنه فان قلنا لا يرجع فلا مطالبة له بحال وان قلنا يرجع فحكمه حكم من ضمن عنه بامره على ما مضى تفصيله (فصل) وان ضمن الضامن آخر فقضى أحدهما الدين برئ الجميع فان قضاه المضمون عنه لم يرجع على أحد وان قضاه الضامن الاول رجع على المضمون عنه دون الضامن الثاني وان قضاه الثاني رجع على الاول ثم رجع الاول على المضمون عنه إذا كان كل واحد منهما قد أذن لصاحبه فان لم يكن اذن له ففي الرجوع روايتان، وان أذن الاول للثاني ولم يأذن المضمون عنه أو أذن المضمون عنه لضامنه ولم يأذن الضامن لضامنه رجع المأذون له على من أذن له ولم يرجع على الآخر على احدي الروايتين فان أذن المضمون عنه للضامن الثاني في الضمان ولم يأذن له الضامن الاول رجع على المضمون عنه ولم يرجع على الضامن لانه انما يرجع على من أذن له دون غيره

[ 91 ]

(فصل) إذا كان له. الف على رجلين على كل واحد مهما نصفه وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فابرأ الغريم أحدهما من الالف برئ منه ويرئ صاحبه من ضمانه وبقي عليه خمسمائة وان قضاه أحدهما خمسمائة أو أبرأه الغريم منها وعين القضاء بلفظه أو ببينة عن الاصل أو الضمان انصرف إليه وان أطلق احتمل ان له صرفها إلى ما شاء منهما كمن أخرج زكاة نصاب وله نصابان غائب وحاضر كان له صرفها إلى ما شاء منهما واحتمال أن يكون نصفها عن الاصل ونصفها عن الضمان لان اطلاق القضاء والابراء ينصرف إلى جملة ما في ذمته فيكون بينهما، والمعتبر في القضاء لفظ القاضي ونيته وفي الابراء لفظ المبرئ ونيته ومتى اختلفوا في ذلك فالقول قول من اعتبر لفظه ونيته (فصل) ولو ادعى الفا على حاضر وغائب وان كل واحد منهما ضامن عن صاحبه فاعترف الحاضر بذلك فله أخذ الالف منه فان قدم الغائب فاعترف رجع عليه صاحبه بنصفه وان أنكر فالقول قوله مع يمينه وان كان الحاضر أنكر فالقول قوله مع يمينه، فان قامت عليه بينة فاستوفى الالف منه لم يرجع على الغائب بشئ لانه بانكاره معترف انه لا حق له عليه وانما المدعي ظلمه وان اعترف الغائب وعاد الحاضر عن انكاره فله الاستيفاء منه لانه يدعي عليه حقا يعترف له به فجاز له أخذه، وان لم يقم على الحاضر بينة حلف وبرئ فإذا قدم الغائب فان أنكر وحلف برئ فان اعترف لزمه دفع الالف وقال بعض أصحاب الشافعي لا يلزمه الا خمس المائة الاصيلة دون المضمونة لانها سقطت عن المضمون عنه بيمينه فتسقط عن ضامنه ولنا أنه مقربها وغريمه يدعيها واليمين انما اسقطت المطالبة عنه في الظاهر ولم تسقط عنه الحق الذي في ذمته بدليل أنه لو قامت عليه بينة بعد يمينه لزمه ولزم الضامن (مسألة) (وان أنكر المضمون له القضاء وحلف لم يرجع الضامن على المضمون عنه سواء صدقه أو كذبه)

[ 92 ]

إذا ادعى الضامن انه قضى الدين فأنكر المضمون له ولابينة له فالقول قول المضمون له لانه ادعى تسليم المال إلى من لم يأمنه فكان القول قول المنكر، وله مطالبة الضامن والاصيل فان رجع على المضمون عنه فهل يرجع الضامن بما قضاه عنه؟ ينظر فان لم يعترف له بالقضاء لم يرجع عليه وان اعترف له بالقضاء وكان قد قضى بغير بينة في غيبة المضمون عنه لم يرجع بشئ سواء صدقه المضمون عنه أو كذبه لانه أذن في قضاء مبرئ ولم يوجد، وان قضاه ببينة ثبت بها الحق لكن ان كانت غائبة أو ميتة فللضامن الرجوع على المضمون عنه لانه معترف أنه ما قصر وما فرط وان قضاه ببينة مردودة بأمر ظاهر كالكفر والفسق الظاهر لم يرجع الضامن لتفريطه لان هذه البينة كعدمها، وان ردت بأمر خفي كالسفق بالباطن أو كانت الشهادة مختلفا فيها مثل أن اشهد عبدين أو شاهدا واحدا فردت لذلك أو كان ميتا أو غائبا احتمل أن يرجع لانه قضى بينة شرعية والجرح والتعديل ليس له واحتمل ان لا يرجع لانه أشهد من لا يثبت الحق بشهادته، وان قضى بغير بينة بحضرة المضمون عنه ففيه وجهان أحدهما يرجع وهو مذهب الشافعي لانه إذا كان حاضرا كان الاحتياط إليه فإذا ترك التحفظ كان التفريط منه دون الضامن والثاني لا يرجع لانه قضى قضاء غير مبرئ فأشبه مالو قضى في غيبته (فصل) فان رجع المضمون له على الضامن فاستوفى منه مرة ثابنة رجع على المضمون عنه بما قضاه ثانيا لانه أبرأ به ذمته ظاهرا قال القاضي ويحتمل أن له الرجوع بالقضاء الاول دون الثاني لان البراءة

[ 93 ]

حصلت به في الباطن، ولا صاحب الشافعي وجهان كهذين ووجه ثالث أنه لا يرجع بشئ بحال لان الاول ما أبرأه ظاهرا والثاني ما أبرأه باطنا ولنا ان الضامن أدى عن المضمون عنه باذنه إذا أبرأه ظاهرا وباطنا فرجع به كما لو قامت به بينة والوجه الاول أرحج لان القضاء المبرئ في الباطن ما أوجب الرجوع فيجب أن يجب بالباقي المبرئ في الظاهر. (مسألة) (وان اعترف المضمون له بالقضاء وأنكر المضمون عنه لم يسمع إنكاره) لان ما في ذمته حق للمضمون له فإذا اعترف بالقبض من الضامن فقد اعترف بأن الحق الذي له صار للضامن فيجب أن يقبل اقراره لكونه اقرارا في حق نفسه وفيه وجه آخر أنه لا يقبل لان الضامن مدع لما يستحق به الرجوع على المضمون عنه وقول المضمون له شهادة على فعل نفسه فلا تقبل والاول أصح وشهادة الانسان على فعل نفسه صحيحه كشهادة المرضعة بالرضاع، وقد ثبت ذلك بخبر عقبة بن الحارث. (مسألة) (وان قضى المؤجل قبل أجله لم يرجع حتى يحل) لانه لا يجب له أكثر مما كان للغريم ولانه تبرع بالتعجيل، وان أحاله كانت الحوالة بمنزلة تقبيضه ورجع بالاقل مما أحال به أو قدر الدين سواء قبض الغريم من المحال عليه أو ابرأه أو تعذر عليه الاستيفاء لفلس أو مطل لان الحوالة كالاقباض

[ 94 ]

(مسألة) (وان مات الضامن أو المضمون عنه فهل يحل الدين؟ على روايتين وأيهما حل عليه لم يحل على الآخر) وجملة ذلك أنه إذا ضمن دينا مؤجلا فمات أحدهما. إما الضامن أو المضمون عنه فهل يحل الدين على الميت منهما؟ على روايتين يأتي ذكرهما. فان قلنا يحل على الميت لم يحل على الآخر لان الدين لا يحل على شخص بموت غيره. فان كان الميت المضمون عنه لم يستحق مطالبة الضامن قبل الاجل فان قضاه قبل الاجل كان متبرعا بتعجيل القضاء وهل له مطالبة المضمون عنه قبل الاجل؟ يخرج على الروايتين فيمن قضى الدين بغير اذن من هو عليه. وان كان الميت الضامن فاستوفى الغريم من تركته لم يكن لورثته مطالبه المضمون عنه حتى يحل الحق لانه مؤجل عليه فلا يستحق مطالبته قبل أجله وهذا مذهب الشافعي وحكى زفران لهم مطالبته لانه أدخله في ذلك مع علمه أنه يحل بموته ولنا أنه دين مؤجل فلا يجوز مطالبته به قبل الاجل كما لو لم يمت، وقولهم ادخله فيه قلنا انما ادخله في المؤجل وحلوله بسبب من جهته فهو كما لو قضى قبل الاجل (مسألة) (ويصح ضمان الحال مؤجلا وان ضمن المؤجل حالا لم يلزمه قبل أجله في أصح الوجهين)

[ 95 ]

إذا ضمن الدين الحال مؤجلا صح ويكون حالا على المضمون عنه مؤجلا على الضامن يملك مطالبة المضمون عنه دون الضامن، وبه قال الشافعي قال أحمد في رجل ضمن ما على فلان أنه يؤديه في ثلاث سنين فهو عليه ويؤديه كما ضمن، ووجه ذلك ماروى ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشره دنانير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندي شئ أعطيكه فقال والله لا أفارقك حتى تعطيني أو تأتيني بحميل فجره إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (كم تستنظره؟) فقال شهرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فأنا أحمل؟ فجاءه به في الوقت الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (من ابن أصبت هذا؟) قال من معدن قال (لا خير فيها) وقضاها عنه رواه ابن ماجه ولانه ضمن مالا بعقد مؤجل فكان مؤجلا كالبيع، فان قيل فعندكم الدين الحال لا يتأجل فكبف تأجل على الضامن؟ أم كيف يثبت في ذمة الضامن على غير الوصف الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه؟ قلنا الحق يتأجل في ابتداء ثبوته بعقد وهذا ابتداء ثبوته في حق الضامن فانه لم يكن ثابتا عليه حالا ويجوز ان يخالف ما في ذمة الضامن الذي في ذمة المضمون عنه بدليل ما لو مات المضمون عنه والدين مؤجل. إذا ثبت هذا فكان الدين حالا فضمنه إلى شهرين لم يكن له مطالبة الضامن إلى شهر فان قضاه قبل الاجل فله الرجوع به في الحال على الرواية

[ 96 ]

التي تقول إنه إذا قضى دينه بغير إذنه رجع به لان ما فيه ههنا انه قضى بغير اذن وعلى الرواية الاخرى لا يرجع به قبل الاجل لانه لم يأذن له في القضاء قبل ذلك (فصل) فان كان الدين مؤجلا فضمنه حالا لم يصر حالا ولم يلزمه أداؤه قبل أجله لان الضامن فرع للمضمون عنه فلا يلزمه مالا يلزمه ولان المضمون عنه لو ألزم نفسه تعجيل هذا الدين لم يلزمه تعجيله فبأن لا يلزم الضامن أولى ولان الضمان التزام دين في الذمه فلا يجوز أن يلتزم ما يلزم المضمون عنه، فعلى هذا ان قضاه حالا لم يرجع به قبل أجله لان ضمانه لم يغيره عن تأجيله، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها ان الدين الحال ثابت في الذمة مستحق القضاء في جميع الزمان فإذا ضمنه مؤجلا فقد التزم بعض ما يجب على المضمون عنه فصح كما لو كان الدين عشره فضمن خمسة، وأما الدين المؤجل فلا يستحق قضاءه الاعند أجله فإذا ضمنه حالا التزم ما لم يجب على المضمون عنه أشبه مالو كان الدين عشرة فضمن عشرين، وفيه وجه آخر انه يصح ضمان المؤجل حالا كما يضح ضمان الحال مؤجلا قياسا عليه وقد ذكرنا الفرق بينهما بما يمنع القياس ان شاء الله تعالى (فصل) ولا يدخل الضمان والكفالة خيار لان الخيار جعل ليعرف ما فيه الحظ والضمين والكفيل

[ 97 ]

دخلا على انه لا حظ لهمما ولانه عقد لا يفتقر إلى القبول فلم يدخله خيار كالنذر وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا، فان شرط الخيار فيها فقال القاضي عندي أن الكفالة تبطل وهو مذهب الشافعي لانه شرط ينافي مقتضاها ففسدت كمما لو شرط أن لا يؤدى عن الكفول به وذلك لان مقتضى الضمان والكفالة لزوم ما ضمنه أو كفل به والخيار ينافي ذلك ويحتمل أن يبطل الشرط وحده كما قلنا في الشروط الفاسدة في البيع وولو أقرانه كفل بشرط الخيار لزمته الكفالة وبطل الشرط لانه وصل باقراره ما يبطله فأشبه استثناء الكل (فصل) وإذا ضمن رجلان عن رجل الفاضمان اشتراك فقالا ضمنا لك الالف الذي على زيد فكل واحد منهما ضامن لنصفه وان كانوا ثلاثة فكل واحد ضامن ثلثه، فان قال واحد منهم انا وهذان ضامنون لكل الالف فسكت الآخران فعليه ثلث الالف ولا شئ عليهما وان قال كل واحد منهم كل واحد منا ضامن لك الالف فهذا ضمان اشتراك وانفراد وله مطالبة كل وحد منهم بالالف ان شاء وان أدى أحدهم الالف كله أو حصته منه لم يرجع الاعلى المضمون عنه لان كل واحد منهم ضامن أصلي وليس بضامن عن الضامن الآخر

[ 98 ]

(فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (الكفالة التزام احضار المكفول به) وجملة ذلك أن الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر اهل العلم منهم شريح ومالك والثوري والليث وأبو حنيفة، وقال الشافعي في بعض أقواله الكفالة بالبدن ضعيفة، واختلف أصحابه فمنهم من قال هي صحيحة قولا واحدا وإنما أراد أنها ضعيفة في القياس وإن كانت ثابتة بالاجماع والاثر ومنهم من قال فيها قولان (أحدهما) أنها غير صحيحة لانها كفالة بعين فلم تصح كالكفالة بالوجه وبدن الشاهدين ولنا قوله تعالى (قال لن أرسله معكم حتى تؤنون موثقا من الله لتأتنني به الا ان يحاط بحكم) ولان ما وجب تسليمه بعقد وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال (مسألة) (وتصح ببدن من عليه دين وبالاعيان المضمونة) تصح الكفالة ببدن كل من يلزه الضحور في مجلس الحكم بدين لازم سواء كان معلوما أو كان مجهولا، وقال بعض الشافعية لا يصح ممن عليه دين مجهول لانه قد يتعذر احضار المكفول فيلزمه الدين ولا يمكنه طلبه منه لجهله ولنا ان الكفالة بالبدن لا بالدين والبدن معلوم فلا تبطل الكفالة لا حتمال عارض ولانا قد

[ 99 ]

ببنا ان الضمان المجهول يصح وهو التزام المال ابتداء فالكفالة التي لا تتعلق بالمال ابتداء اولى، وتصح الكفالة بالصبي والمجنون لانه قد يجب احضارهما مجلس الحاكم للشهاده عليهما بالاتلاف واذن وليعما يقوم مقام اذنهما ويصح ببدن المحبوس والغائب وقال أبو حنيفة لا يصح ولنا ان كل وثيقة صحت مع الحضور صحت مع الغيبة والحبس كالرهن والضمان ولان الحبس لا يمنع من التسليم لكون المحبوس يمكن تسليمه بأمر الحاكم وامر من حبسه ثم يعيده إلى الحبس بالحقين جميعا والغائب يمضي إليه فيحضره ان كانت الغيبة غير منقطعة وهو أن يعلم خبره وان لم يعلم خبره لزمه عليه قاله القاضي وقال في موضع آخر لا يلزمه عليه حتى تمضي مدة يمكنه الرد فيها ولا يفعل وتصح بالاعيان المضمونة كالغصوب والعواري لانه يصح ضمانها وقد ذكرنا صحة ضمانها (مسألة) (ولا يصح ببدن من عليه حد ولا قصاص سواء كان حقا لله تعالى كحد الزنا والسرقة أو لآدمي كحد القذف والقصاص) وهو قول العلماء منهم شريح والحسن واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي والشافعي في حدود الله تعالى واختلف قوله في حدود الآدمي فقال في موضع لا كفالة في حد ولا لعان وقال

[ 100 ]

في موضع تجوز الكفالة بمن عليه حق أوحد لانه حق لآدمي فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين ولنا ما روى عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا كفالة في حد) ولانه حد فلم تصح الكفالة فيه كحدود الله تعالى، ولان الكفالة استيثاق والحدود مبناها على الاسقاط والدرء بالشبهات فلا يدخل فيها الاستيثاق ولانه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه احضار المكفول به فلا تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا (فصل) ولا تجوز الكفالة بالمكاتب من اجل دين الكتابة لان الحضور لا يلزمه فلا تجوز الكفالة به كدين الكتابة. (مسألة) (ولا يصح بغير معين كأحد هذين) لانه غير معلوم في الحال ولا في المآل فلا يمكن تسليمه (مسألة) (وان كفل بجزء شائع من انسان أو عضو أو كفل بانسان على أنه ان جاء به وإلا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه صح في أحد الوجهين) أما إذا قال أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو ببدنه أو بوجهه كان كفيلا به فان كفل برأسه أو كبده أو جزء لا تبقى الحياة بدونه أو بجزء شائع منه كثلثه أو ربعه صحت الكفالة لانه لا يمكنه احضار ذلك الا باحضاره كله، وقال القاضي تصح الكفالة ببعض البدن لان مالا يسري إذا حضر به عضو لم يصح كالبيع والاجارة، وان تكفل بعضو تبقى الحياة بعد زواله كاليد والرجل ففيه وجهان: (أحدهما) تصح الكفالة اختاره أبو الخطاب وهو أحد الوحهين لا صحاب الشافعي لانه لا يمكنه احضار هذه الاعضاء على صفتها الا باحضار البدن كله أشبه الكفالة بوجهه ورأسه ولانه حكم يتعلق بالجملة

[ 101 ]

فيثبت حكمه إذا أضيف إلى البعض كالطلاق والعتاق (والثاني) لا يصح لان تسليمه بدون تسليم الجملة ممكن مع بقائها. (فصل) إذا تكفل بانسان على أنه ان جاء به والا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه لم يصح عند القاضي فيهما لان الاول مؤقت والثاني معلق على شرط، وقال أبو الخطاب: يصح فيهما لانه ضمان أو كفالة فيصح تعليقه على شرط كضمان العهدة، فان قال ان جئت به في وقت كذا والا فأنا كفيل ببدن فلان أو فأنا ضامن لك المال الذي على فلان أو قال إذا جاء زيد فانا ضامن لك ما عليه أو إذا قدم الحاج فأنا كفيل بفلان أو قال أنا كفيل بفلان شهرا فقال القاضي لا تصح الكفالة، وهو مذهب الشافعي ومحمد ابن الحسن لان ذلك خطر فلم يجز تعليق الضمان والكفالة به كمجئ المطر ولانه اثبات حق لآدمي معين فلم يجز تعليقه على شرط ولا توقيته كالهبة. وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب يصح، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لانه أضاف الضمان إلى سبب الوجوب فيحب أن يصح كضمان الدرك والاول أقيس. (فصل) وان قال كفلت ببدن فلا على أن يبرأ فلان الكفيل أو على أن تبرئه من الكفالة لم يصح لانه شرط شرطا لا يلزم الوفاء به فيكون فاسدا وتفسد به الكفالة ويحتمل أن يصح لانه شرط تحويل الوثيقة التي على الكفيل إليه. فعلى هذا لا تلزمه الكفالة الا ان يبرئ المكفول له الكفيل الاول لانه انما كفل بهذا الشرط فلا تثبت كفالته بدون شرطه، وان قال كفلت لك بهذا الغريم على أن تبرئني من الكفالة بفلان أو ضمنت لك هذا الدين بشرط ان تبرئني من ضمان الدين الآخر أو على أن تبرئني من الكفالة بفلان خرج فيه الوجهان أصحهما البطلان لانه شرط فسخ عقد في عقد فلم يصح كالبيع بشرط فسخ سيع آخر وكذلك لو شرط في الكفالة

[ 102 ]

أو الضمان ان يتكفل المكفول به بآخر أو يضمن دينا عليه أو يبيعه شيئا عينه أو يؤجره داره صح لما ذكرنا. (مسألة) (الا برضا الكفيل وفي رضا المكفول به وجهان) يعتبر رضى الكفيل في صحة الكفالة لانه لا يلزمه الحق ابتداء الا برضاه، ولا يعتبر رضا المكفول له لانها وثيقة له لا قبض فيها فصحت من غير رضاه كالشهادة ولانها التزام حق له من غير عوض فلم يعتبر رضاه فيها كالنذر فأما رضا المكفول به ففيه وجهان (أحدهما) لا يعتبر كالضمان (الثاني) يعتبر وهو مذهب الشافعي لان مقصود ها احضاره فإذا تكفل بغير ادنه لم يلزمه الحضور معه ولانه يجعل لنفسه حقا عليه وهو الحضور معه من غير رضاه فلم يجزكما لو ألزمه الدين وفارق الضمان فان الضامن يقضي الحق ولايحتاج إلى المضمون عنه (مسألة) ومتى أحصره وسلمه برئ الا ان يحضره قبل الاجل وفى قبضه ضرر) وجملة ذالك ان الكفالة تصح حالة وموجلة كالضمان فان أطلق انصرف إلى الحلول لان كل عقد يدخله الحلول إذا أطلق اقتضى تكفل حالا كان له مطالبته باحضاره فان احضره وهناك يد حائلة ظالمة لم يبرأ منه ولم يلزم المكفول له تسلمه لانه لا يحصل له غرضه، وان لم تكن يد حائلة لزمه قبوله فان قبله برئ من الكفالة، وقال ابن أبي موسى لا يبرأ حتى يقول قد برئت اليك منه أو قد سلمته اليك أو قد أخرجت نفسي من كفالته، والصحيح الاول لانه عقد على عمل فبرئ منه بالعمل المعقود عليه كالاجارة فان امتنع من تسلمه برئ لانه أحضره ما يجب تسليمه عند غريمه وطلب منه تسلمه على وجه لا ضرر في قبضه فبرئ منه كالمسلم فيه وقال بعض أصحابنا إذا امتنع من تسلمه أشهد على امتناعه رجلين وبرئ لانه

[ 103 ]

فعل ما وقع العقد على فعله فبرئ منه، وقال القاضي يرفعه إلى الحاكم فيسلمه إليه فان لم يجد حاكما أشهد شاهدين على احضاره، وامتناع المكفول له من قبوله والاول أصح فان مع وجود صاحب الحق لا يلزمه دفعه إلى نائبه كحاكم أو غيره، وان كانت الكفالة مؤجلة لم يلزم احضاره قبل الاجل كالدين المؤجل فإذا حل الاجل فأحضره وسلمه برئ فان أحضر قبل الاجل ولا ضرر في تسلمه لزمه، وان كان فيه ضرر مثل أن تكون حجة الغريم غائبة أو لم يكن يوم مجلس الحاكم والدين مؤجل عليه لا يمكن اتقضاؤه منه أو قد وعده بالانظار في تلك المدة لم يلزمه قبوله كمن سلم المسلم فيه قبل محله أو في غير مكانه. (فصل) وإذا عين في الكفالة تسليمه في مكان فأحضره في غيره لم يبرأ من الكفالة، وبه قال ابو يوسف ومحمد وقال القاضي ان أحضره بمكان آخر من البلد وسلمه برئ من الكفالة وقال بعض أصحابنا متى أحضره في أي مكان كان وفي ذلك الموضع سلطان برئ من الكفالة لكونه لا يمكنه الامتناع من مجلس الحاكم ويمكن اثبات الحجة فيه وقيل ان كان عليه ضرر في إحضاره بمكان آخر لم يبرأ الكفيل إذا أحضره فيه والا برئ كقولنا فيما إذا أحضره قبل الاجل ولاصحاب الشافعي اختلاف على نحو ما ذكرنا ولنا أنه سلم ما شرط تسليمه في مكان في غيره فلم يبرأ كما لو أحضر المسلم فيه في غير الموضع الذي شرطه ولانه قد يسلم في موضع لا يقدر على اثبات الحجة فيه لغيبة شهوده أو غير ذلك وقد يهرب منه ولا يقدر على امساكه ويفارق ما إذا سلمه قبل الاجل فانه عجل الحق قبل أجله فزاده خيرا فمتى لم

[ 104 ]

يكن ضرر وجب قبوله فان وقعت الكفالة مطلقة وجب تسليمه في مكان العقد كالسلم فان سلمه في غيره فهو كتسليمه في غير المكان الذي عينه وان كان المكفول به محبوسا لان ذلك الحبس يمنعه استيفاء حقه وان كان محبوسا عندا الحاكم فسلمه إليه محبوسا لزمه تسليمه لان حبس الحاكم لا يمنعه استيفاء حقه وإذا طالب الحاكم باحضاره احضره وحكم بينهما ثم يرده إلى الحبس فان توجه عليه حق للمكفول له حبسه بالحق الاول وحق المكفول له (مسألة) (وان مات المكفول به أو تلفت العين بفعل الله تعالى أو سلم نفسه برئ الكفيل) إذا مات المكفول به برئ الكفيل وسقطت الكفالة، وبه قال شريح والشعبي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والشافعي ويحتمل أن لا يسقط ويطالب بما عليه وهو قول الحكم ومالك والليث وحكي عن ابن شريح لان الكفيل وثيقة بحق فإذا تعذرت من جهة من عليه الدين استوفي من الوثيقة كالرهن ولانه تعذر احضاره فلزم كفيله ما عليه كما لو غاب ولنا ان الحضور سقط عن المكفول به فبرئ الكفيل كما لو برئ من الدين ولان ما التزمه من أجله سقط عن الاصل فبرئ الفرع كالضامن إذا قضى المضمون عنه الدين أو أبرئ ممن، وفارق ما إذا غاب فان الحضور لم يسقط عنه وفارق الرهن فانه غلق به المال فاستوفى منه وكذلك الحكم ان تلفت المكفول بها بفعل الله تعالى وان سلم المكفول به نفسه برئ الكفيل لانه أتى بما يلزم الكفيل لاجله وهو احضار نفسه فبرئت ذمته كما لو قضى الدين (فصل) وإذا قال الكفيل قد برئ المكفول به من الدين وسقطت الكفالة أو قال لم يكن

[ 105 ]

عليه دين حين كفلته فانكر المكفول له فالقول قوله لان الاصل صحة الكفالة وبقاء الدين وعليه اليمين فان نكل قضي عليه، ويحتمل أن لا يستحلف فيما إذا ادعى الكفيل أنه تكفل بمن لا دين عليه لان الكفيل مكذب لنفسه فيما ادعاه فان من كفل بشخص معترف بدينه في الظاهر والاول أولى لان ما ادعاه محتمل (فصل) وإذا قال المكفول له للكفيل أبرأتك من الكفالة برئ لانه حقه فسقط باسقاطه كالدين، وان قال قد برئت إلي منه أو قد رددته الي برئ أيضا لانه معترف بوفاء الحق فهو كما لو اعترف بذلك في الضمان وكذلك إذا قال له برئت من الدين الذي كفلت به، ويبرأ الكفيل في هذه المواضع دون المكفول به ولا يكون افرارا بقبض الحق فيما إذا قال برئت من الدين الذي كفلت به والاول أصح لانه يمكن براءته بدون قبض الحق بابراء المستحق أو موت المكفول به فاما ان قال للمكفول به أبر أتك عمالي قبلك من الحق أو برئت من الدين الذي قبلك فانه يبرأ من الحق وتزول الكفالة لانه لفظ يقتضي العموم في كل ما قبله وان قال برئت من الدين الذي كفل به فلان برئ وبرئ كفيله (مسألة) (وان تعذر احضاره مع بقائه لزم الكفيل الدين أو عوض العين) متى تعذر إحضار المكفرل به مع حياته أو امتنع من احضاره لزمه ما عليه وقال أكثرهم لا غرم عليه ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام (الزعيم غارم) ولانه أحد نوعي الكفالة فوجب بهما الغرم كالكفالة بالمال (مسألة) (وان غاب أمهل الكفيل بقدر ما يمضي فيحضره فان تعذر احضاره ضمن ما عليه) إذا غاب المكفول به أو ارتد ولحق بدار الحرب لم يؤخذ الكفيل بالحق حتى يمضي زمن يمكن المضي فيه واعادته وقال ابن شبرمة يحبس في الحال لان الحق قد توجه عليه. ولنا ان الحق يعتبر في وجوب

[ 106 ]

ادائه امكان التسليم وان كان حالا كالدين فإذا مضت مدة يمكن إحضاره فيها ولم يحضره أو كانت الغيبة منقطعة لا يعلم خبره أو امتنع من احضاره مع امكانه أخذ بما عليه وقال أصحاب الشافعي ان كانت الغيبة منقطعة لا يعلم مكانه لم يطالب الكفيل باحضاره ولم يلزمه شئ وان امتنع من احضاره مع امكانه حبس وقد دللنا على وجوب الغرم في المسألة التي قبلها (فصل) وان (. كفل إلى أجل مجهول لم تصح الكفالة وهذا قول الشافعي لانه ليس له وقت يستحق مطالبته فيه وهكذا الضمان وان جعله إلى الحصاد والجذاذ والعطاء خرج على الوجهين كالاجل في البيع والاولى صحته ههنا لانه تبرع من غير عوض جعل له أجلا لا يمنع من حصول المقصود منه فصح كالنذر وهكذا كل مجهول لا يمنع مقصود الكفالة، وقد روى منها عن أحمد في رجل كفل رجلا وقال ان جئت به في وقت كذا والا فما عليه علي فقال لا ادري ولكن ان قال ساعة كذا لزمه، فنص على تعيين الساعة وتوقف عن تعيين الوقت ولعله أراد وقتا متسعا أو وقت شئ يحدث مثل وقت الحصاد ونحوه، فأما ان قال وقت طلوع الشمس أو نحو ذلك صح وان قال إلى الغد أو إلى شهر كذا تعلق باوله على ما ذكرنا في السلم. فان تكفل برجل إلى أجل ان جاء به فيه والا لزمه ما عليه صح وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد بن الحسن والشافعي لا تصح الكفالة ولا يلزمه ما عليه لان هذا تعليق الضمان بخطر فلم يصح كما لو علقه بقدوم زيد ولنا ان هذا موجب الكفالة ومقتضاها فصح اشتراطه كما لو قال ان جئت به في وقت كذا والا فلك حبسي، وميبنى هذا الخلاف ههنا على اخلاف في ان هذا مقتضى الكفالة وقد دللنا عليه (مسألة) (وإذا طالب الكفيل المكفول به بالحضور معه لزمه ذلك ان كانت الكفالة باذنه أو طالبة صاحب الحق باحضاره والا فلا إذا كفل رجلا باذنه احضاره ليسلمه إلى المكفول له لزمه الحضور معه لانه شغل ذمته من

[ 107 ]

أجله اذنه فلزمه تخليصها كما لو استعار عبده فرهنه باذنه فان عليه تخليصه إذا طلبه سيده، وان كانت بغير اذنه فان طلبه المكفول له لزمه الحضور لان حضوره حق للمكفول له وقد استناب الكفيل في ذلك وان لم يطلبه المكفول له لم يلزمه الحضور لانه لم يشغل ذمته وانما الكفيل شغلها باختيار نفسه فلم يجز أن يثبت له بذلك حق على غيره، وان قال له المكفول له احضر كفيلك كان توكيلا في احضاره ولزمه ان يحضر معه كما لو وكل غيره وان قال اخرج من كفالتك احتمل أن يكون توكيلا في إحضاره كاللفظ الاول واحتمل ان يكون مطالبة بالدين الذي عليه فلا يكون توكيلا ولا يلزمه الحضور معه (فصل) وإذا قال رجل لآخر اضمن عن فلان أو اكفل بفلان ففعل كان الضمان والكفالة لازمين للمباشر دون الآمر لانه كفل باختيار نفسه وانما الامر ارشاد وحث على فعل خير فلا يلزمه به شئ (فصل) ولو قال أعط فلانا الفا ففعل لم يرجع على الآمر ولم يكن ذلك كفالة ولا ضمانا الا أن يقول أعط عني وقال أبو حنيفة يرجع عليه إذا كان خليطا له ولنا انه لم يقل أعطه عني فلم يلزمه الضمان كما لو لم يكن خليطا ولا يلزم إذا كان له عليه مال فقال اعط فلانا حيث يلزمه لانه لم يلزمه لا جل هذا القول بل لان عليه حقا يلزمه أداؤه (فصل) ولو تكفل اثنان بواحد صح وأيهم قضى الدين برئ الآخر لما ذكرنا في الضمان وان سلم المكفول به نفسه برئ كفيلاه وان أحضره أحد الكفيلين لم يبرأ الآخر لان احدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء فلم ننحل الاخرى كما لو أبرأ أحدهما أو انفك أحد الرهنين من غير قضاء الحق بخلاف ما إذا سلم المكفول به نفسه لانه أصل لهما فإذا برئ الاصل مما تكفل به عنه برئ كفيلاه لانهما فرعاه وكل واحد من الكفيلين ليس بفرع للآخر فلم يبرأ يبراءته وكذلك لو أبرأ المكفول به برئ كفيلاه ولو أبرئ أحد الكفيلين وحده لم يبرأ الآخر

[ 108 ]

(مسألة) (ولو تكفل واحد غريمالا ثنين فأبرأه أحدهما أو أحضره عند أحدهما لم يبرأ من الآخر) لان عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين فقد التزم احضاره عن كل واحد منهما فإذا أحضره عند أحدهما برئ منه كما لو كان في عقدين وكما لو ضمن دينا لرجلين فوفا أحدهما حقه (فصل) وإذا كانت السفينة في البحر وفيها متاع فخيف غرقها فألقى بعض من فيها متاعه في البحر لتخف لم يرجع به على أحد سواء ألقاه محتسبا بالرجوع أو متبرعا لانه اتلف مال نفسه باختياره من غير ضمان، وان قال له بعضهم الق متاعك فألقاه فكذلك لانه لم يكرهه ولا ضمن له فان قال القه وعلي ضمانه فألقاه فعلى القائل الضمان ذكره أبو بكر لان ضمان ما لم يجب صحيح، وان قال القه وأنا وركبان السفينة ضمناء له ففعل فقال أبو بكر يضمنه القائل وحده إلا أن يتطوع بقيتهم، وقال القاضي ان كان ضمان اشتراك فليس عليه الا ضمان حصته ولانه لم يضمن الجميع انما ضمن حصته وأخير عن سائر ركبان السفينة بضمان سائره فلزمه حصته ولم يقبل قوله في حق الباقين وان كان ضمان اشتراك انفرادبان يقول كل واحد منا ضامن لك متاعك أو قيمته لزم القائل ضمان الجميع وسواء قال هذا والباقون يسمعون فسكتوا أو قالوا لا نفعل أولم يسمعوا لان سكوتهم لا يلزمهم به حق (فصل) قال منها سألت أحمد عن رجل له على رجل الف درهم فأقام بها كفيلين كل واحد منهما كفيل ضامن فأيهما شاء أخذه بحقه فأحال رب المال عليه رجلا بحقه فقال يبرأ الكفيلان قال فان مات الذي أحاله عليه بالحق ولم يترك شيئا؟ قال لا شئ له ويذهب الالف

[ 109 ]

باب الشركة الشركة هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف وهي ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله (سبحانه وتعالى فهم شركاء في الثلث) وقال تعالى (وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض) الآية والخلطاء هم الشركاء، ومن السنة ما روي ان البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان نسيئة فردوه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يقول الله عزوجل انا ثالثا الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما) رواه أبو داود وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا) واجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة وانما اختلفوا في أنوع منها نبينهما ان شاء الله تعالى، والشركة نوعان شركة أملاك وشركة عقود وهذا الباب لشركة العقود (مسألة) (وهي على خمسة أضرب أحدها شركة العنان والثاني شركة المضاربة وشركة الوجوه وشركة الابدان وشركة المفاوضة، ولا يصح شئ منها الا من جائز التصرف لانه عقد على التصرف فم يصح من غير جائز التصرف في المال كالبيع (فصل) قال أحمد يشارك اليهودي والنصراني ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه ويكون

[ 110 ]

هو الذي يليه لانه يعمل بالربا وبهذا قال الحسن والثوري، وكره الشافعي مشاركتهم مطلقا لانه روي عن عبد الله بن عباس أنه قال أكره أن يشارك المسلم اليهودي ولا يعرف له مخالف في الصحابة ولان مال اليهودي والنصراني ليس بطيب فانهم يبيعون الخمر ويتعاملون بالربا فكرهت معاملتهم ولنا ما روى الخلال باسناده عن عطاء قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم ولان العلة في كراهة ما خلوا به معاملتهم بالربا وبيع الخمر والخنزير وهذا منتف فيما حضره المسلم أو وليه وقول ابن عباس محمول على هذا فانه علل بكونهم يربون كذلك رواه الاثرم عن أبي حمزة عن ابن عباس أنه قال لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا لانهم يربون وان الربا لا يحل وهو قول واحد من الصحابة لم ينتشر بينهم وهم لا يحتجون به وقولهم ان أموالهم غير طيبة لا يصح فان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامهم ورهن درعه عند يهودي على شعير أخذه لاهله وأرسل إلى آخر يطلب منه ثوبين إلى الميسرة وأضافه يهودي بخبز وإهالة سنخة ولا يأكل النبي صلى الله عليه وسلم الا الطيب وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لا عتقادهم حله ولهذا قال عمر رضي الله عنه ولو هم بيعها وخذوا أثمانها فاما ما يشتربه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فانه يقع فاسدا وعليه الضمان لان عقد الوكيل يقع للموكل والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير فاشبه شراء الميتة والمعاملة بالربا واما خفي أمره ولم يعلم فهو مباح

[ 111 ]

الاصل فأما المجوسي فان أحمد كره مشاركته ومعاملته لانه يستحل مالا يستحل هذا قال حنبل قال عمي لا يشاركه ولا يضاربه وهذا والله أعلم على سبيل الا ستحباب لترك معاملته والكراهة لمشاركته فان فعل صح لان تصرفه صحيح (فصل) وشركة العنان ان يشترك اثنان بماليهما ليعملا فيه بدنيهما وربحه لهما فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، وهي جائزة بالاجماع ذكره ابن المنذر وانما اختلف في بعض شروطها واختلف في علة تسميتها بهذا الاسم فقيل سمتيت بذلك لانهما يتساويان في المال واتصرف كالفارسين إذا سويا بين فريسهما وتساويا في السير فانعنا نيهما يكونان سواء وقال الفراء هي مشتقة من عن الشئ إذا عرض يقال عنت الي حاجبها إذا عرضت فسميت الشركة بذلك لان كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه وقيل هي مشتقة من المعاننة وهي المعارضة يقال عاننت فلانا إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وأفعال وهذا يرجع إلى قول الفراء (مسألة) (ولا تصح الا بشرطين أحدهما ان يكون رأس المال دراهم أو دنانير) ولا خلاف في أنه يجوز أن يجعل رأس المال دراهم أو دنانير إذا كانت غير مغشوشة لانهما قيم الاموال واثمان البياعات والناس يشتركون فيها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمننا هذا من غير نكير (فصل) ولا تصح بالعروض في ظاهر المذهب نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب

[ 112 ]

وحكاه عنه ابن المنذر وكره ذلك يحيى بن أبي كثير وابن سيرين والثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لان الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها: لا يجوز وقوعها على أعيانها لان الشركة تقتضي الرجوع عند المفاضلة برأس المال أو بمثله وهذه لامثل لها فيرجع عليه وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الاخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال وقد تنقص قيمتها فيؤدي إلى أن يشاركه في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على قيمتها لان القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى النتازع وقد يقوم الشئ بأكثر من قيمته ولان القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا يجز وقوعها على أثمانها لانها معدومة حال العقد ولا يملكانها لانه ان أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن ملكه وصار للبائع وان أراد ثمنها الذي يبيعها به فانها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الاعيان وهذا لا يجوز، وفيه رواية أخرى ان الشركة والمضاربة تجوز بالعروض ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد قال أحمد إذا اشتركا في العروض يقسم الربح على ما اشترطا وقال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن المضاربة بالمتاع فقال جائز فظاهر هذا صحة الشركة بها اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وهو قول مالك وابن ابي ليلى وبه قال في المضاربة طاوس والا وزاعي وحماد بن ابى سليمان لان مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعا وكون ريح المالين بينهما وهو حاصل في العروض كحصوله في الاثمان فيجب ان تصح الشركة والمضاربة بها كالاثمان ويرجع

[ 113 ]

كل واحد منهما عند المفاضلة بقيمة ماله عند العقد كما اننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها، وقال الشافعي ان كانت العروض من ذوات الامثال اشبهت النقود ويرجع عند المفاضلة بمثلها وان لم تكن من ذوات الامثال لم يجز وجها واحدا لانه لا يمكن الرجوع بمثلها، ووجه الاول انه نوع شركة فاستوى فيها ماله مثل من العروض ومالا مثل له كالمضاربة فانه سلم ان المضاربة لا تجوز بشئ من العروض ولانها ليست بنقد فلم تصح الشركة بها كالذي لا مثل له (مسألة) (وهل تصح بالمغشوش والفلوس؟ على وجهين) اختلف اصحابنا في الشركة بالمغشوش من الاثمان هل تصح؟ على وجهين (احدهما) لا تصح سواء قل الغش أو كثر وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ان كان الغش اقل من النصف جازو ان كثر لم يجز لان الاعتبار بالغالب في كثير من الاصول ولنا انها مشغوشة اشبه مالو كان الغش اكثر ولان قيمتها تزيد وتنقص اشبهت العروض وقولهم الاعتبار بالغالب لا يصح فان الفضة إذا كانت اقل لم يسقط حكمها في الزكاة وكذلك الذهب اللهم إلا ان يكون الغش قليلا لمصلحه النقد كيسير الفضة في الدينار كالحبة ونحوها فلا اعتبار به لانه لا يمكن التحرز منه ولا يؤثر في ربا ولا غيره (والثاني) أن الشركة تصح بناء على صحة الشركة في العروض وقد ذكرنا ذلك، وحكم النقرة في الشركة بها كالحكم في العروض لان قيمتها تزيد وتنقص اشبهت

[ 114 ]

العروض، ولا تصح الشركة بالفولس وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم صاحب مالك، ويتخرج الجواز إذا كانت نافقة فان احمد قال لاارى السلم في الفلوس لانه يشبه الصرف وهذا قول محمد بن الحسن وابي ثور لانها ثمن فأشبهت الدراهم والدنانير، وفيه وجه آخر ان الشركة تجوز بها على كل حال وان لم تكن نافقة بناء على جواز الشركة بالعروض، ووجه الاول انها تنفق مرة وتكسد اخرى فأشبهت العروض فإذا قلنا بصحة الشركة بها فانها ان كانت نافقة كان رأس المال مثلها وان كانت كاسدة كانت قيمتها كالعروض (فصل) ولا يجوز أن يكون راس مال الشركة مجهولا ولا جزافا لانه لا بد من الرجوع به عند المفاضلة ولا يمكن مع الجهل به ولا يجوز بمال غائب ولا دين لانه لا يمكن التصرف فيه في الحال وهو مقصود الشركة. (مسألة) (الشرط الثاني أن يشرطا لكل واحد منهما جزاء من الربح مشاعا معلوما كالنصف والثلث والربع) لانها أحد أنواع الشركة فاشترط علم نصيب كل واحد منهما من الربح كالمضاربة ويكون الربح بينهما على ما شرطاه سواء شرطا لكل واحد منهما على قدر ماله من الربح أو أقل أو أكثر لان العمل يستحق به الربح بدليل المضاربة وقد يتفاضلان فيه لقوة أحدهما وحذقه فجاز ان يجعل له حظا

[ 115 ]

من الربح كالمضارب وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك والشافعي من شرط صحتها كون الربح والخسران على قدر المالين لان الربح في هذه الشركة بيع للمال فلا يجوز تغييره بالشرط كالوضيعة ولنا أن العمل مما يستحق به الربح فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما كالمضاربين لرجل واحد، وذلك أن أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر وأقوى على العمل فجاز أن يشرط له زيادة في الربح في مقابلة عمل المضارب، وفارق الوضيعة فانها لا تتعلق الا بالمال بدليل المضاربة (مسألة) (وان قالا الربح بيننا فهو بينهما نصفين) لان إضافته اليهما اضافة واحدة من غير ترجيح فاقتضى التسوية كقوله هذه الدار بيني وبينك وكذلك في المضاربة إذا قالا الربح بيننا (مسألة) (فان يذكر الربح لم يصح كالمضاربة) لانه المقصود من الشركة فلا يجوز الاخلال به فعلى هذا يكون الربح بينهما على قدر المالين (مسألة) (وان شرطا لاحدهما جزءا مجهولا لم يصح) لان الجهالة تمنع تسليم الواجب ولا الربح هو المقصود في الشركة فلم يصح مع الجهالة كالثمن والاجرة في الاجارة، وإن قال لك مثل ما شرط لفلان وهما يعلمانه صح وان جهلاه أو أحدهما لم يصح كالثمن في البيع

[ 116 ]

(مسألة) وان شرطا لاحدهما في الشركة والمضاربة دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين لم يصح وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يجعل لنفسه جزءا وعشرة دراهم بطلت الشركة. قال ابن المنذر أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على ابطال القراض إذا جعل أحدهما لنفسه دراهم معلومة، وبه قال مالك وأبو ثور والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأى، والجواب فيما إذا قال لك نصف الربح الا عشرة دراهم أو نصف الربح وعشرة دراهم كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة، وانما لم يصح لامرين (أحدهما) انه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أن لا يربح غيرها فيحصل غيرها على جميع الربح واحتمل ان لا يربحها فيأخذ من رأس المال وقد يربح كثيرا فيستضر من شرطت له الدراهم (الثاني) ان حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالاجزاء لما تعذر كونها معلومة بالقدر فإذا جهلت الاجزاء فسدت كما لو جهل القدر فيما أن يكون معلوما به ولان العامل في المضاربة متى شرط لنفسه دراهم معلومة ربما في طلب الربح لعدم فائدته منه وحصول نفعه لغيره بخلاف ما إذا شرط له جزء من الربح. (فصل) وكذلك الحكم إذا شرط لاحدهما ربح أحد الثوبين أو ربح احدي السفرتين أو ربح تجارته في شهر أوعام بعينه لانه قد يربح في ذلك المعين دون غيره فيختص أحدحما بالربح وهو مخالف لموضوع الشركة ولا نعلم في هذا خلافا وان دفع إليه ألفا مضاربة وقال لك ربح نصفه لم يجز وبهذا قال الشافعي

[ 117 ]

وقال أبو حنيفة وأبو ثور يجوز كما لو قال لك نصف ربحه ولان ربح هو نصف ربحه، ووجه الاول أنه شرط لاحدهما ربح بعض المال دون بعض فلم يجز كما لو قال لك ربح هذه الخمسمائة ولانه يمكن أن يفرد نصف المال فيربح فيه دون النصف الآخر بخلاف نصف الربح فانه لا يؤدي إلى انفراده بربح شئ من المال (مسألة) (وكذلك في المساقاة والمزارعة) قياسا على الشركة (مسألة) (ولا يشترط أن يخطا المالين ولا أن يكونا من جنس واحد) لا يشترط اختلاط المالين في شركة العنان إذا عيناهما أو احضراهما وبه قال أبو حنيفة ومالك الا أن مالكا شرط أن تكون أيدهما عليه بان يجعلاه في حانوت لهما أفي يدو كيلهما وقال الشافعي لا يصح حتى يخلطا المالين لانهما إذا لم يخلطا هما فمال كل واحد منهما يتلف منه دون صاحبه ويزيد له دون صاحبه فلم تنعقد الشركة كما لو كان من المكيل ولنا أنه عقد يقصد به الربح فلم يشترط فيه خلط المال كالمضاربة ولانه عقد على التصرف فلم يشترط فيه خلط المال كالوكالة ولنا على مالك فلم يكن من شزطه ان تكون أيديهما عليه كالوكالة وقولهم إنه يتلف من مال صاحبه أو يزيد على ملك صاحبه بل يتلف من مال لهما وزيادته لهما لان الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهكا في نصف مال صاحبه فيكون تلفه منهما وزيادته لهما، وقال أبو حنيفة متى تلف أحد المالين فهو من ضمان صاحبه

[ 118 ]

ولنا أن الوضيعة والضمان احد موجببي الشركة فتعلق بالشريكين كالربح وكما لو اختلطا (فصل) ولا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس بل يجوز أن يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير نص عليه أحمد وبه قال الحسن وابن سيرين، وقال الشافعي لا تصح الشركة الا ان يتفقا في مال واحد بناء على أن خلط المالين شرط ولا يمكن الا في المل الواحد ونحن لا تشترط ذلك ولنا انهما من جنس الاثمان فصحت الشركة فيهما كالجنس الواحد، فعلى هذا متى تفاضلا رجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه ثم اقتسما الفضل نص عليه احمد وقال كذا يقول محمد والحسن، وقال القاضي متى أراد المفاضلة قوما المبتاع بنقد البلد وقوما مال الآخر به ويكون التقويم حين صرفا الثمن فيه ولنا ان هذه شركة صحيحة رأس المال فيما الاثمان فيكون الرجوع بجنس رأس المال كما لو كان الجنس واحدا. (فصل) ولا يشترط تساوي المالين في القدر وهو قول الحسن والشعبي والنخعي والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وقال بعض أصحاب الشافعي يشترط ذلك لان صاحب المال القليل ان أخذ نصف الربح أخذ مالا يملكه وان أخذ بقدر ماله أخذ شريكه بعض الربح الحاصل بعمله لاستوائهما في العمل ولنا أنهما مالان من جنس الاثمان فجاز عقد الشركة عليهما كمما لو تساويا (مسألة) (وما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما)

[ 119 ]

شركة العنان مبنية علنى الوكالة والامانة لان كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه أمنه وبأذنه له في التصرف وكله ومن شرط صحتها ان يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فعلى هذا ما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما لان العقد وقع على ذلك فاما ما يشتريه لنفسه فهو له والقول قوله في ذلك لانه أعلم بنيته (مسألة) (وان تلف أحد المالين فهو من ضمانهما إذا خلطا المال وان لم يخلط فكذلك) لان العقد اقتضى ان يكون المالان كالمال الواحد فكذك في الضمان كحال الخلطة وقال أبو حنيفة متى تلف احد المالين فهو من ضمان صاحبه وقد ذكرنا ما يدل على خلافه (مسألة) (والوضيعة على قدر المال) الوضعية هي الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله فان كان متساويا في القدر فالخسران بينهما نصفين وان كان اثلاثا، فالوضيعة اثلاثا قال شيخنا لا نعلم في ذلك خلافا وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وغيرهما، وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في الشمترى سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن وسواء كانت الوضيعة لتلف أو نقصان في الثمن عما اشتريا به أو غير ذلك، والوضيعة في المضاربة على المال خاصة لا شئ على العامل منها لان الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال وهو

[ 120 ]

مختص بملك ربه لا شئ فيه للعامل فيكون نقصه من ماله دون غيره وانما يشتركان فيما يحصل من النماء فأشبه المساقاة والمزارعة فان رب الارض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والثمر وان تلف الشجر أو هلك شئ من الارض بغرق أو غيره لم يكن على العامل شئ (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (يجوز لكل واحد منما أن يبيع ويشتري ويقبض ويقبض ويطالب بالدين ويخاصم فيه ويحيل ويحتال ويرد بالعيب ويقر به ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما) يجوز لكل واحد من الشريكين ان يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة كيف رأى المصلحة لان هذه عادة التجار، وله ان يقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويخاصم في الدين ويطالب به ويحيل ويحتال ويرد بالعيب فيما وليه أو وليه صاحبه، وله أن يقر به كما يقبل اقرار الوكيل بالعيب على موكله نص عليه احمد وكذلك ان بالثمن أو بعضه أو اجرة المنادي أو الحمال لان هذا من توابع التجارة فهو كتسليم المبيع واداء ثمنه، ويفعل كل ما هو من صملحة التجارة بمطلق الشركة لان مبناها على الوكالة والامانة على ما ذكرنا، فيتصرف كل واحد منهما في المالين بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، في الاقالة وجهان أصحهما انه لا يملكها لانها ان كانت بيعا فقد أذن له فيه وان كانت فسخا ففسخ البيع المضر من مصلحة التجارة فملكه كالرد بالعيب والآخر لا يملكها لانها فسخ فلا يدخل في الاذن في التجارة وله ان يستأجر من مال الشركة ويؤجر لان المنافع أجريت مجرى الاعيان فصار كالشراء والبيع وله المطالبة بالاجر لهما وعليهما لان حقوق العقد لا تختص العاقد

[ 121 ]

(فصل) فان ردت السلعة عليه بعيب فله ان يقبلها وان يعطي أرش العيب أو يحط من ثمنه أو يؤخر ثمنه لا جل العيب لان ذلك قد يكون أحظ من الرد (مسألة) (وليس له أن يكانب الرقيق ولا يزوجه ولا يعتقه على مال ولا غيره لان الشركة انعقدت على التجاره وليست هذه الاشياء تجارة سيما تزويج العبد فانه محض ضرر ولا يهب ولا يقرض ولا يحابي لان ذلك ليس بتجارة (مسألة) (ولا يضارب بالمال ولا يأخذ به سفتجة ولا يعطيها الا باذن شريكه) ليس له أن يشارك بمال الشركة ولا يدفعه مضاربة لان ذلك يثبت في المال حقوقا ويستحق ربحه لغيره وليس له ان يخلط مال الشركة بماله ولا مال غيره لانه يتضمن إيجاب حقوق في المال وليس هو من التجارة المأذون فيها، وليس له ان يأخذ بالمال سفتجة ولا يعطيها لان فيه خطرا فان أذن شريكه في ذلك جاز لانه يصير من التجارة المأذون فيها، ومعنى قوله يأخذ به سفتجة أنه يدفع إلى انسان شيئا من مال الشركة ويأخذ منه كتابا إلى بلد آخر ليستوفي منه ذلك المال، ومعنى قوله يعطيها أنه يأخذ من إنسان بضاعة ويعطيه بثمن ذلك كتابا إلى بلد آخر ليستوفي ذلك منه فلا يجوز لان فيه خطرا على المال (مسألة) (وهل له أن يودع أو يبيع نساء أو يبضع أو يوكل فيما يتولى مثله بنفسه أو يرهن أو يرتهن؟ على وجهين)

[ 122 ]

اختلفت الرواية في الايداع والابضاع على روايتين (احداهما) له ذلك لانه عادة التجارو قد تدعوا الحاجة إلى الايداع (والثانية) لا يجوز لانه ليس من الشركة وفيه غرر، والصحيح ان الايداع يجوز عند الحاجة إليه لانه من ضرورة الشركة أشبه دفع المتاع إلى الحمال، وهل له ان يبيع نساء؟ يخرج على الروايتين في الوكيل والمضارب (احداهما) له ذلك لانه عادة النجار والربح فيه أكثر (والاخرى) لا يجوز لان فيه تغريرا بالمال، فان اشترى شيئا بنقد عنده مثله أو نقدمن غير جنسه أو اشترى شيئا من ذوات الامثال وعنده مثله جاز لانه إذا اشترى بجنس ما اشترى به أو كان عنده عرض فاستدان عرض فالشراء له خاصة وربحه له وضمانه عليه لانه استدانه على مال الشركة وليس له ذلك لما نذكره، قال شييخنا والاولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه أداء الثمن منه ببيعه أنه يجوز لانه أمكنه اداء الثمن من مال الشركة أشبه ما لو كان عنده نقد ولان هذا عادة التجار ولا يكمن التحرز عنه وهل له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه؟ على وجهين بناء على الوكيل وقيل يجوز للشريك التوكيل بخلاف الوكيل لانه لو جاز للوكيل التوكيل لاستفاد بحكم العقد مثل العقد والشريك يستفيد بعقد الشركة ما هو أخص منه ودونه لا التوكيل أخص من عقد الشركة فان وكل أحدهما ملك الاخر عزله لان لكل واحد منهما التصرف في حق صاحبه التوكيل فكذلك بالعزل، وهل لاحدهما ان يرهن أو يرتهن بالدين الذي لهم؟ على وجهين أصحهما ان له ذلك عند الحاجة لان الرهن يراد للايفاء والارتهان يراد

[ 123 ]

للاستيفاء وهو يملك الايفاء والاستيفاء فملك ما يراد لهما، والثاني ليس له ذلك لان فيه خطرا ولا فرق بين ان يكون ممن ولي العقد أو من غيره لكون القبض من حقوق العقد وحقوق العقد لا تختص العاقد فكذلك ما يراد له وهل له السفر؟ فيه وجهان نذكرهما في المضاربة (فصل) فان قال له اعمل برأيك جاز له أن يعمل كل ما نفع في التجارة من الابضاع والمضاربة بالمال والمشاركة به وخلطه بماله والسفر به والايداع والبيع نساء والرهن والارتهان والاقالة ونحو ذلك لانه فوض إليه الرأي في التصرف الذي تقتضيه الشركة فجاز له كل ما هو من التجارة، فاما التمليك بغير عوض كالبهة والحطيطة لغير فائدة والقر والعتق ومكاتبة الرقيق وتزويجهم ونحوه فليس له فعله لانه انما فوض إليه العمل برأيه في التجارة وليس هذا منها (مسألة) (وليس له ان يستدين على مال الشركة فان فعل فهو عليه وربحه له، الا أن بأذن شريكه) إذا استدان على مال الشركة لم يجز له ذلك فان فعل فهو له له ربحه وعليه وضيعته، قال أحمد في رواية صالح من استدان في المال بوجهه الفا فهو له ربحه له والوضيعة عليه، وقال القاضي إذا استقرض شيئا لزمهما وربحه لهما لانه تمليك مال بمال اشبه الصرف ومنصوص أحمد يخالف هذا لانه أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه فلم يجز كما لو ضم إليها الفا من ماله، ويفارق الصرف فانه بيع وإبدال عين بعين فهو كبيع الثياب بالدراهم فان أذن شريكه في ذلك جاز كيقية افعال التجارة المأذون فيها

[ 124 ]

(مسألة) (وان اخر حقه من الدين جاز) إذا كان لهما دين حال فأخر احدهما حصته من الدين جاز وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز ولنا انه اسقط حقه من المطالبة فصح ان ينفرد احدهما به كالابراء (مسألة) (وان تقاسما الدين في الذمة لم يصح) نص عليه في رواية حنبل لان الذمة لا تتكافأ ولا تتعاد ل والقسمة تقتضي التعد يل فاما القسمة بغير تعديل فهي بمنزلة البيع ولايجوز بيع الدين بالدين، فعلى بالدين، فعلى هذا لو تقاسما ثم توى بعض المال رجع الذي توى ماله على الذي لم يتوو به قال ابن سيرين والنخعي ونقل حرب جواز ذلك لان الاختلاف لا يمنع القسمة كاختلاف الاعيان وبه قال الحسن واسحاق، فعلى هذا لا يرجع من توى ماله على من لم يتو إذا أبرأ كل واحد منهما صاحبه وهذا إذا كان في ذمم فاما في ذمة واحدة فلا تمكن القسمة لان القسمة افراز حق ولا يتصور ذلك في ذمة وحدة (مسألة) (وان أبرأ من الدين لزم في حقه دون صاحبه) لانه تبرع فلزم في حقه دون صاحبه كالصدقة (مسألة) (وكذلك ان أقر بمال سواء أقر بعين أو دين) لان شريكه انما أذن في التجارة وليس الاقرار داخلا فيها، وقال القاضي يقبل اقراره على مال الشركة لان للشريك أن يشتري من غير أن يسلم الثمن في المجلس فلو لم يقبل اقراره بالثمن لضاعت أموال الناس وامتنعوا من معاملته ولان ذلك مما يحتاج إليه في البيع أشبه الاقرار بالعيب

[ 125 ]

(مسألة) (وعلى كل واحد منهما ان يتولى ما جرت العادة أن يتولاه من نشر الثوب وطيه وختم الكيس واحرازه) لان اطلاق الاذن يحمل على العرف، والعرف ان هذه الامور يتولاها بنفسه (فن استأجر من يفعل ذلك فالاجرة عليه) في ماله لانه بذلها عوضا عما يلزمه (وما جرت العادة ان يستنيب فيه) كحمل المتاع ووزن ما ينقل والنداء (فله ان يستأجر من يفعله) من مال القراض لانه العرف (مسألة) (فان فعله ليأخذ أحرته فهل له ذلك؟ على وجهين) أحدهما لا يستحقها نص عليه لانه تبرع بما لم يلزمه فلم يكن له أجر كالمرأة التى تستحق على زوجها خادما إذا خدمت نفسها وفيه وجه آخر ان له الاجرة لانه فعل ما يستحق الاجرة فيه فاستحقها كالاجنبي (فصل) قال المصنف رضي الله عنه (والشروط في الشركة ضربان صحيح مثل أن يشترط أن لا يتجر الافي نوع من المتاع أو بلد بعينه أو لا يبيع الا بنقد معلوم أو لا يسافر بامال أو لا يبيع إلا من فلان أو لا يشتري إلا من فلان) فهذا كله صحيح سواء كان النوع مما يعم وجوده أو لا يعم أو الرجل مما يكثر عنده المتاع أو يقل وبهذا قال أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي إذا شرط أن لا يشتري الا من رجل بعينه أو سلعة بعينها أو مالا يعم وجوده كالياقوت الاحمر والخيل البلق لم يصح لانه يفوت مقصود الشركة والمضاربة و هو التقلب وطلب الربح فلم يصح كما لو شرط أن لا يبيع ويشتري الا من فلان أو ان لا يبيع الا بمثل ما اشترى به

[ 126 ]

ولنا أنها شركة خاصة لا تمنع الربح بالكلية نصحت كما لو شرط أن لا يتجر الافي نوع يعم وجوده ولانه عقد ثصح تخصيصه بنوع فصح تخصيصه في رجل بعينه وسلعة بعينها كالوكالة، قولهم إنه يمنع المقصود ممنوع وانما يقلله وتقليله لا يمنع الصحة كتخصيصه بالنوع، ويفارق ما إذا شرط أن لا يبيع الا برأس المال فانه يمنع الربح بالكلية وكذلك إذا قال لا تبع إلا من فلان ولا تشتر إلا منه فانه يمنع الربح أيضا فانه لا يشتري ما باعه الا بدون ثمنه الذي باعه به ولهذا لو قال لا تبع إلا من اشتريت منه لم يصح لذلك (مسألة) (وفساد مثل ان يشترط ما يعود بجهالة الربح أو ضمان المال أو ان عليه من الوضيعة اكثر من قدر ماله أو ان يوليه ما يختار من السلع ويرتفق بها أو ان لا يفسخ الشركة مدة بعبنها، فما يعود بجهالة الربح يفسد به العقد وبخرج في سائرها روايتان) الشروط الفاسدة في الشركة والمضاربة تنقسم ثلاثة أقسام: (أحدها ما ينافي مقتضى العقد مثل ان يشترط لزوم المضاربة أو ان لا يعز له مدة بيعنها أو ان لا يبيع الا برأس المال أو اقل أو لا يبيع الا ممن اشترى منه أو شرط أن لا يتشري أو لا يبيع أو ان يوليه

[ 127 ]

ما يختار من السلع أو نحو ذلك فهذه شروط فاسدة لانها تفوت المقصود من المضاربة وهو الربح أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الاصل. (القسم الثاني) ما يعود بجهالة الربح مثل ان شرط للمضارب جزءا من الربح مجهولا أو ربح أخد الكيسين أو احد الالفين أو احد العبدين أو احد السفرتين أو ما يريج في هذا الشهر أو ان حق أحدهما في عبد يشتريه أو يشرط لاحدهما دراهم معلومة بجميع حقه أو ببعضه فهذه شروط فاسدة لانها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح أو إلى فواته بالكلية ومن شرط المضاربة والشركة كون الربح معلوما. (القسم الثالث) اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه مثل ان يشترط على المضارب المضاربة له في مال آخر أو يأخذه بضاعة أو قرضنا أو أن يخدمه في شئ بعينه أو يرتفق ببعض السلع مثل ان يلبس الثوب أو يستخدم العبد أو يشرط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة أو انه متى باع السلعة فهو أحق بها بالثمن أو شرط المضارب على رب المال شيئا من ذلك، فهذه كلها شروط فاسدة وقد ذكرنا بعضها في غير هذا الموضع معللا، ومتى اشترط شرطا فاسدا يعود بجهالة الربح فسدت المضاربة والشركة لان الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه فأسد العقد كما لو جعل رأس المال خمرا أو خنزيرا ولان لجهالة تمنع من التسليم فيفضي إلى التنازع والاختلاف ولا يعلم ما يدفعه إلى المضارب، وما عدا هذا من الشروط الفاسدة فالمنصوص عن احمد في اظهر الروايتين عته ان العقد صحيح ذكره عنه الاثرم وغيره ولانه

[ 128 ]

عقد يصح على مجهول فل تبطله الشروط الفاسدة كالنكاح والعتاق، وفيه رواية أخرى أن العقد يبطل ذكرها القاضي وأبو الخطاب لانه شرط فاسد فأبطل العقد كالمزارعة إذا شرط البذر من العامل وكالشروط الفاسدة في البيع، ودليل فساد هذه الشروط انها ليست من مصلحة العقد ولا يقتضيها العقد فان مقصوده الربح فكيف يقتضي الضمان ولا يقتضي مدة معينة؟ لانه جائز (مسألة) (وإذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين) لان التصرف صحيح لكونه باذن رب المال والوضيعة عليه لان كل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده ويقسم الربح على قدر المالين لانه نماء المال ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله يسقط منها أجرة عمله في ماله ويرجع على الآخر بقدر ما بقي له فان تساويا مالاهما وعملهما فقاص الدينان واقتسما الربح نصفين وان فضل أحدهما صاحبه يقاص دين القليل بمثله ويرجع على الآخر بالفضل والوجه الثاني ذكر الشريف أبو جعفر انهما يقتسان الربح على ما شرطاه لانه عقد يجوز ان يكون عوضه مجهولا فوجب المسمى في فاسده كالنكاح (فصل) والشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكين وجنونه والحجر عليه للسفه بالفسخ من أحدهما لانه عقد جائز فبطل بذلك كالوكالة وان عزل أحدهما صاحبه انعزل المعزول فلم يكن له أن يتصرف الا في قدر نصيبه، وللعازل التصرف في الجميع لان المعزول لم يرجع عن اذنه

[ 129 ]

هذا إذا نض المال وان كان عرضا فذكر القاضي ان ظاهر كلام أحمد أنه لا ينعزل بالعزل وله التصردف حتى ينض المال كالمضارب إذا عزله رب المال، وينبغي ان يكون له التصرف بالبيع دون المعاوضة بسلعة أخرى أو التصرف بغير ما ينض به المال، وذكر أبو الخطاب انه ينعزل مطلقا وهو مذهب الشافعي قياسا على الوكالة، فعلى هذا ان اتفقا على البيع أو القسمة فعلا وإن طلب أحدهما القسمة والآخر البيع قسم ولم يبع، فان قيل أليس إذا فسخ رب المال المضاربة فطلب العامل البيع أجيب إليه؟ فالجواب أن حق العامل في الربح ولا يظهر الا بالبيع فاستحقه العامل لو قوف حصول حقه عليه، وفي مسئلتنا ما يحصل من الربح يستدركه كل واحد منهما في نصيبه من المتاع فلم يجبر عى البيع، قال شيخنا وهذا انما يصح إذا كان الربح على قدر المالين أما إذا زاد ربح أحدهما عن ماله فانه لا يستدرك ربحه بالقسمة فيتعين البيع كالمضاربة. (فصل) إذا مات أحد الشريكين وله وارث رشيد فله ان يقيم على الشركة ويأذن له الشريك في التصرف لان هذا إتمام للشركة وليس بابتدائها فلا يتعتبر شروطها، وله المطالبة بالقسمة فان كان موليا عليه قام وليه مقامه في ذلك الا انه لا يفعل الا ما فيه المصلحة للمولي عليه، فان كان الميت قد وصى بمال الشركة أو ببعضه لمعين فالموصى له كالوارث فيما ذكرنا وان وصى به لغير معين كالفقراء لم يجز للوصي الاذن في التصرف لانه قد وجب دفعه إليهم فيعزل نصيبه ويفرقه عليهم فان كان على الميت دين تعلق بتركته فليس للوارث امضاء الشركة حتى يقضي دينه فان قضاه من غير مال الشركة فله الاتمام وان قضاه منه بطلت الشركة في قدر ما قضى.

[ 130 ]

(فصل) قال رضي الله عنه (الثاني المضاربة وهي أن يدفع ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما) فاهل العراق يسمونه مضاربة مأخوذة من الضرب في الارض وهو السفر فيها للتجارة قال الله تعالى (وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله) ويحتمل ان يكون من ضرب كل واحد منهما بسهم في الربح ويسميه اهل الحجاز القراض، قيل هو مشتق من الفطع يفال قرض الفأر الثوب إذا قطعه فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل واقتطع له قطعة من الربح، وقيل اشتقاقه من الساواة والموازنة يقال تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا، وينعقد بلفظ المضاربة والقراض وبكل ما يؤدي معناهما لان القصد المعنى فجاز بكل ما دل عليه كالوكالة وهي مجمع على جوازها في الجملة. وذكره ابن المنذر روي وعن حميد بن عبد الله عن ابيه عن جده ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق، وروي مالك عن زيد بن أسلم عن أببه ان عبد الله وعبيد الله ابي عمر بن الخطاب خرجا في حيش إلى العراق فتسلفا من أبي موسى مالا وابتاعا به متاعا وقد ما به إلى المدينة فباعاه وربحا فيه فأراد عمر اخذ رأس المال والربح كله فقالا لو تلف كان ضامنه علينا فلم يكون ربحه لنا؟ فقال رجل يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ قال قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح، وهذا يدل على جواز القراض وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان قارضه وعن قتادة

[ 131 ]

عن الحسن أن عليا قال إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على ما شرطا وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام انهما قارضا ولم يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان اجماعا ولان بالناس حاجة إلى المضاربة فان الدراهم الدنانير لا تنمي الا بالتقليب والتجارة وليس كل من يملكها يحسن التجارة ولا كل من يحسن التجاره له مال فاحتيج إليها من الجانبين فشرعت لدفع الحاجتين (فصل) ومن شرط صحتها تقدير نصيب العامل لانه يستحقه بالشرط فلم يقدر الا به، فلو قال خذ هذا المال مضاربه ولم يذكر سهم العامل فالربح كله لرب المال والوضيعة عليه وللعامل أجر مثله نص عليه احمد وهو قول الثوري والشافعي واسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وقال الحسن وابن سيرين والاوزاعي الربح بينهما نصفين كما لو قال والربح بيننا فانه يكون بينهما نصفين كذا هذا، ولنا أن المضارب انما يستحق بالشرط ولم يوجد وقوله مضاربة اقتضى ان له جزءا من الرب مجهولا فلم تصح المضاربة كما لو قال ولك جزء من الربح، فاما إذا قال الربح بيننا فان المضاربة تصح وتكون بينهما نصفين لانه أضافه اليهما اضافة واحدة فلم يترجح أحدهما على الآخر فاقتضى التسوية كما لو قال هذه الدار بيني وبينك (مسألة) (فان قال خذه فاتجر به والربح كله لي فهو ابضاع) لانه قرن به حكم الابضاع فانصرف إليه (مسألة) (وان قال والربح كله لك فهو قرض) لاقراض لان قوله خذه فاتجر به يصلح لهما

[ 132 ]

وقد قرن به حكم القرض فانصرف إليه وان قال مع ذلك فلا ضمان عليك فهو قرض شرط فيه نفي الضمان فلا ينتفي شرطه كما لو صرح به فقال خذ هذا قرضا ولا ضمان عليك (مسألة) (وان قال خذه مضاربة والربح كله لك أولي لم يصح) وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال والربح كله لي كان إبضاعا صحيحا لانه أثبت له حكم الابضاع فانصرف إليه كما لو قال اتجر به الربح كله لي، وقال مالك يكون مضاربة صحيحة في الصورتين لانهما دخلا في القراض فإذا شرطه لا حدهما فكأنه وهب الآخر نصيبه فلم يمنع صحة العقد ولنا ان المضاربة تقتضي كون الربح بينهما فإذا شرط اختصاص أحدهما الربح فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد ففسد كما لو شرط الربح كله في شركة العنان لاحدهما، ويفارق ما إذا لم يقل مضاربة لان اللفظ يصلح لما أثبت حكمه من الابضاع والقرض بخلاف ما إذا صرح بالمضاربة وما ذكره مالك لا يصح لان الهبة لا تصح قبل وجود الموهوب (مسألة) (ولو قال لك ثلث الربح صح والباقي لرب المال) إذا قدر نصيب العامل فقال لك ثلث الربح أو ربعه أو جزء معلوم صح والباقي لرب المال لانه يستحق الربح بماله لكونه نماؤه وفرعه والعامل يأخذ بالشرط فما له استحقه وما بقي فلرب المال بحكم الاصل (مسألة) (وان قال ولي ثلث الربح ولم يذكر نصيب العامل ففيه وجهان)

[ 133 ]

أحدهما لا يصح لان العامل انما يستحق بالشرط ولم يشرط له شئ فتكون المضاربة (فاسدة) والثاني يصح ويكون الباقي للعامل وهو قول أبي ثور وأصحاب الراي لان الربح لا يستحقه غيرهما فإذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ كما علم ذلك من قوله تعالى (وورثه أبواه فلامه الثلث) ولم يذكر نصيب الاب فعلم ان الباقي له لانه لو قال أوصيت بهذه المائة لزيد وعمرو ونصيب زيد منها ثلاثون كان الباقي لعمر وكذا ههنا وهي أصح (فصل) فان قال لي النصف ولك الثلث وسكت عن الباقي صح وكان لرب المال لانه لو سكت عن جميع الباقي بعد جزء العامل كان لرب المال فكذا إذا ذكر البعض وترك البعض، وان قال خذه مضاربة عليالثلث أو قال بالثلث صح وكان تقدير النصيب للعامل لان الشرط يراد لاجله لان رب المال يستحق بماله لا بالشرط والعامل يستحق بالعمل وهو يقل ويكثر وإنما تتقدر حصته بالشرط فكان الشرط له وهو مذهب الشافعي (مسألة) (وان اختلفا في الجزء المشروط فهو للعامل قليلا كان أو كثيرا) لما ذكرنا واليمين على مدعيه لانه يحتمل خلاف ما قاله فيجب اليمين لنفي الاحتمال كما يجب على النمكر لنفي ما يدعيه المدعي (فصل) وان قال خذه مضاربة ولك ثلث الربح وثلث ما بقي صح وله خمسة اسباع الربح لان

[ 134 ]

هذا معناه وان قال لك ثلث الربح وربع وما بقي فله النصف وان قال لك ربع الربح وربع ما بقي فله ثلاثة أثمان ونصف ثمن، وسواء عرفا الحساب أو جهلاه لان ذلك أجزاء معلومة مقدرة أشبه مالو شرط الخمسين ومذهب الشافعي في هذا الفعل كمذهبنا (فصل) ويجوز أن يدفع مالا إلى اثنين مضاربة في عقد واحد فان شرط لهما جزءا من الربح بينهما نصفين صح وان قال لك كذا وكذا من الربح ولم يبين كيف هو بينهما فهو بينهما نصفان لان اطلاق قوله لكما يقتضي التسوية كما لو قال لعامله الربح بيننا، وان شرط لاحدهما ثلث الربح وللآخر ربعه والباقي له جاز وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز لانهما في العمل بابدانهما فلم يجز تفاضلهما في الربح كشريكي الابدان ولنا ان عقد الواحد مع الاثنين عقدان فجاز ان يشترط في أحدهما أكثر من الآخر كما لو انفردا ولانهما يستحقان بالعمل وهما يتفاضلان فجاز تفاضلهما في العوض كالاجيرين، وشركة الا بدان كمسئلتنا لا يجب التساوى فيها ثم الفرق بينهما ان ذاك عقد واحد وهذا عقدان (فصل) وان قارض اثنان واحدا بالف لهما جاز فان شرطا له ربحا متساويا منها جازوكذلك ان بشرط أحدهما له النصف والآخر الثلث ويكون باقي ربح مال كل واحد منهما له، وان شرطا كون الباقي من الربح بينهما نصفين لم يجز وهذا مذهب الشافعي وكلام القاضي يقتضي جوازه وحكي عن أبي حنيفة وأبى ثور

[ 135 ]

ولنا أن احدهما يحصل له من ربح ماله النصف والآخر الثلثان فإذا شرط التساوي فقد شرط أحدهما للآخر جزءا من ربح ماله بغير عمل فلم يجز كما لو شرط ربح ماله المنفرد (فصل) إذا شرطا جزءا من الربح لغير العامل نظرت فان شرطاه لعبد أحدهما أو لعبد يهما صح وكان مشروطا لسيده فإذا جعالا الربح بينهما وبين عبد أحدهما اثلاثا كان لصاحب العبد الثالثان وللآخر الثلث وان شرطاه لاجبني أو لولد أحدهما أو امرأنه أو قريبه وشرطا عليه عملا مع العامل صح وكانا عاملين وان لم يشرطا عليه عملا لم تصح المضاربة وبه قال الشافعي، وحكي عن أصحاب الرأي انه يصح، والجزء المشروط له لرب المال سواء شرط لقريب العامل أو قريب رب المال أو لاجنبي لان العامل لا يستحق الا ما يشترط له ورب المال يستحق الربح بحكم الاصل والاجنبي لا يستحق شيئا لان الربح انما يستحق بمال أو عمل وليس له واحد منهما وما شرط لا يستحقه فرجع إلى رب المال كما لو ترك ذكره ولنا أنه شرط فاسد يعود إلى الربح فسد به العقد كما لو شرط دارهم معلومة وان قال لك الثلثان على أن تعطي امرأتك نصفه فكذلك لانه شرط في الربح شرطا لا يلزم فكان فاسدا والحكم في الشركة كالحكم في المضاربة فيما ذكرنا

[ 136 ]

(فصل) وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله أو لا يعله وفيما يلزمه فعله وفي الشروط كلما جاز للشريك عمله جاز للمضارب وما منع منه المضارب وما اختلف فيه ثم فههنا مثله، وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة مالا يجوز ثم لا يجوز ههنا على ما فصلناه لانها في معناها (مسألة) (وإذا فسدت فالربح لرب المال وللعامل الاجرة وعنه له الاقل من الاجرة أو ما شرط له من الربح) الكلام في المضاربة الفاسدة في فصول ثلاثة (أحدها) أنه إذا تصرف العامل نفذ تصرفه لانه إذ فيه رب المال فإذا بطل عقد المضاربة بقي الاذن فملك به التصرف كالوكيل، فان قيل فلو اشترى الرجل شراء فاسدا ثم تصرف فيه لم ينفذ مع ان البائع قد اذن له في التصرف؟ قلنا لان المشتري يتصرف من جهة الملك لا بالاذن فان اذن البائع كان على انه ملك المأذون له فإذا لم يملك لم يصح وههنا اذن له رب المال في التصرف في ملك نفسه وما شرط من الشرط الفاسد فليس بمشروط في مقابلة الاذن لانه اذن له في تصرف ما يقع له (الفصل الثاني) ان الربح جميعه لرب المال لانه نماء ماله وانما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط فلم يستحق به شيئا ولكن له أجر مثله نص عليه وهو مذهب الشافعي واختار الشريف أبو جعفر ان الربح بينهما على ما شرط له واحتج بما روي عن احمد انه قال إذا اشتركا قي العروض قسم الربح على ما شرطا قال وهذه شركة فاسدة واحتج بانه عقد يصح مع الجهالة

[ 137 ]

فيثبت المسمى في فاسده كالنكاح قال والاجرله وجعل احكامها كاحكام الصحيحة وقد ذكرنا ذلك قال القاضي أبو يعلى والمذهب ما حكينا وكلام احمد محمول على انه صحح الشركة بالعروض، وحكي عن مالك انه يرجع إلى قراض المثل وحكي عنه إن لم يربح فلا اجر له، ومقتضى هذا أنه ان ربح فله الاقل مما شرط له أو اجر مثله وعن احمد مثل ذلك لان الاجرة ان كانت اكثر فقد رضي باسقاط الزائد منها عن المسمى لرضائه به وان كانت اقل لم يستحق اكثر منها لفساد التسمية بفساد العقد لانه لو استحق اجر المثل لتوسل إلى فساد العقد وادى إلى الخسران والمشهور الاول لان تسمية الربح من توابع المضاربة أو ركن من اركانها فإذا فسدت فسدت اركانها وتوابعها كالصلاه، ونمنع وجوب المسمى في النكاح الفاسد وإذا لم يجب له المسمى وجب اجر المثل لانه إنما عمل ليأخذ المسمى فإذا لم يحصل له وجب رد عمله إليه وهو متعذر فتجب قبمته وهي اجر مثله كمما لو تبايعا فاسدا و تقابضا وتلف احد العوضين في يد قابضه وجب رد بدله، فعلى هذا له أجر المثل سواء ظهر في المال ربح أو لم يظر فان رضي المضارب بالعمل بغير عوض مثل ان يقول قارضتك والربح كله لي فالصحيح أنه لا شئ للمضارب ههنا لانه تبعر بعمله أشبه مالو أعانه في شئ أو توكل له بغير جعل أو اخذ له بضاعة (الفصل الثالث) ان لا يضمن ما تلف بغير تعديه وتفريطه لان ما كان المقبوض في صحيحه

[ 138 ]

مضمونا كان مضمونا في فاسده وما لم يضمن في صحيحه لم يضمن في فاسده، وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يضمن ولنا أنه عقد لا يضمن ما قبضه في صحيحه فلا يضمن في فاسده كالو كالة ولانها إذا فسدت صارت اجارة ولا يضمن الاجير ما تلف بغير فعله ولا تعديه كذلك ههنا (مسألة) (وإن شرطا تأقيت المضاربة فهل تفسد ء على روايتين) وتأقيتها ان يقول ضاربتك على هذه الدراهم سنة فإذا مضت السنة فلا تبع ولا تشتر (احداهما) يصح قال منها سألت أحمد عن رجل أعطى رجلا الفا مضاربة شهرا فإذا مضى شهر تكون قرضا قال لا بأس به قلت فإذا جاء الشهر وهي متاع قال إذا باع المتاع يكون قرضا وهذا قول أبي حنيفة (والثانية) لا يصح وهو قول الشافعي ومالك واختيار أبي حفص العكبري لامور ثلاثة (أحدها) أنه عقد يقع مطلقا فإذا شرط قطعه لم يصح كالنكاح (الثاني) أنه ليس من مقتضى العقد ولا فيه له مصلحه أشبه إذا شرط ان لا يبيع، وبيان أنه ليس من مقتضى العقد أنه يقتضي ان يكون رأس المال ناضا فإذا منعه البيع لم ينض (الثالث) أن هذا يؤدي إلى ضرر بالعامل لانه قد يكون الربح والخط في تبقية المتاع وبيعه بعد السنة فيمنتع ذلك بمضيها ولنا أنه تصرف يتوقت بنوع والمتاع فجاز توقيته في الزمان كالوكالة والمعني الاول الذي ذكره

[ 139 ]

يبطل بالوكالة والوديعة والناني والثالث يبطل. بتخصيصه بنوع من المتاع ولان لرب المال منعه من التصرف في كل وقت إذا رضي ان يأخذ بماله عرضا فإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد فصح كما لو قال إذا انقضت النسة فلا تشتر شيئا وقد سلموا صحة ذلك (مسألة) (وان قال بع هذا العرض وضارب بثمنه أو اقبض وديعتي وضارب بها أو إذا قدم الحاج فضارب بهذا صح في قولهم جميعا ويكون وكيلا في بيع العرض وقبض الوديعة مأذونا له في التصرف مؤتمنا عليه فجاز جعله مضاربة كمما لو قال اقبض المال من غلامي فضارب به، وأما إذا قال إذا قدم الحاج فضارب بهذا صح) لانه اذن في التصرف فجاز تعليقه على شرط مستقبل كالوكالة (فصل) فان كان في يد انسان وديعة فقاله له رب الوديعة ضارب بها صح وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال الحسن لا يجوز حتى يقبضها منه ققياسا على الدين ولنا أن الوديعة ملك رب المال فجاز أن يضاربه عليها كما لو كانت حاضرة فقال قارضتك على هذه الالف فارق الدين فانه لا يصير ملكا للغريم الا بقبضه، فأما ان كانت الوديعة قد تلفت بتفر بطله وصارت في الذمة لم يجز ان يضارب عليها لما نذكره

[ 140 ]

(فصل) ولو كان له في يد غيره مال مغصوب فضارب الغاصب به صح لانه مال لرب المال يصح بيعه لغاصبه ولمن يقدر على أخذه منه فأشبه الوديعة فإذا ضارب به سقط ضمان الغصب لعقد المضاربة وهو قول ابي حنيفة وقال القاضي لا يزول ضمان الغصب الا بدفعه ثمنا وهو مذهب الشافعي لان القراض لاينا في الضمان بدليل مالو تعدى فيه ولنا انه ممسك للمال باذن مالك لا يختص بنفعه ولم يتعد فيه فاشبه مالو قبضه وقبضه اياه (مسألة) (وان قال ضارب بالدين الذي عليك لم يصح) نص عليه احمد وهو قول اكثر اهل العلم قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم انه لا يجوز ان يجعل الرجل دينا له على رجل مضاربة وممن حفظنا ذلك عنه عطاء والحكم وحماد ومالك والثوري واسحاق وابو ثور واصحاب الراي پوبه قال الشافعي، وقال بعض اصحابنا يحتمل ان يصح لانه إذا اشترى شيئا للمضاربة فقد اشتراه باذن رب المال ودفع الثمن إلى من اذن له في دفع ثمنه إليه فتبرأ ذمته منه ويصير كما لو دفع إليه عرضا وقال به وضارب بثمنه وجعل اصحاب الشافعي مكان هذا الاحتمال ان الشراء لرب المال وللمضارب اجر مثله

[ 141 ]

لانه علقه على شرط، ولا يصح عندهم تعليق القراض بشرط والمذهب الاول لان المال الذي في يدي من عليه الذين له وانما يصير لغريمه بقبضه ولم يوجد القبض ههنا، فان قال له اعزل المال الذي لي عليك وقد قارضتك عليه ففعل واشترى بعين ذلك المال شيئا للمضاربة وقع الشراء له لانه اشترى لغيره بمال نفسه فحصل الشراء له وان اشترى في ذمته فكذلك لانه عقد القراض على مالا يملكه وعلقه على شرط لا يملك به المال (فصل) ومن شرط صحة المضاربة كون راس المال معلوم المقدار فان كان مجهولا أو جزافا لم تصح وان شاهدا وبهدا قال الشافعي وقال أبو ثور واصحاب الراي تصح إذا شاهداه والقول قول العامل مع يمينه في قدره لانه امين رب المال والقول قوله فيما في يده فقام ذلك مقام المعرفة به ولنا أنه مجهول فلم تصح المضاربة به كما لو لم يشاهداه ولانه لا يدري بكم يرجع عند المفاضلة ويقضي إلى المنازعة والاختلاف في مقداره فلم تصح كما لو كان في الكيس وما ذكروه بيطل بالسلم وبما إذا لم يشاهده (فصل) ولو احضر كيسين في كل واحد منهما مال معلوم المقدار وقال قارضتك على احدهما لم يصح سواء تساوى ما فيهما أو اختلف لانه عقد تمنع صحته الجهالة فلم يجز على غير معين كالبيع (مسألة) (وان أخرج مالا ليعمل فيه هو وآخر والربح بينهما صح) ذكره الخرقي ونص عليه احمد في رواية ابي الحارث وتكون مضاربة لان غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح

[ 142 ]

بعمله في مال غيره وهذا حقيقة المضاربة، وقال أبو عبد الله بن حامد والقاضي وأبو الخطاب إذا شرط أن يعمل معه رب المال لم يصح وهذا مذهب مالك والشافعي والاوزاعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر قال: ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويخلي بينه وبينه لان المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب فإذا شرط عليه العمل فيه فلم يسلمه فيخالف موضوعها وتاول القاضي كلام احمد والخرقي على أن رب المال عمل فيه من غير اشتراط والاول أظهر لان العمل أحد ركني المضاربة فجاز أن ينفرد به أحدهما مع وجود الامرين من الآخر كالمال وقولهم ان المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل ممنوع انما تقتضي اطلاق التصرف في مال غيره بجزء مشاع من ربحه وهذا حاصل مع اشتراكهما في العمل ولهذا لو دفع ماله إلى اثنين مضاربة صح ولم يصحل تسليمه إلى أحدهما (فصل) وان شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح وهذا ظاهر كلام الشافعي وقول أكثر أصحابه ومنعه وبعضهم وهو قول القاضي لان يد الغلام كيد سيده وقال أبو الخطاب فيه وجهان احدهما الجواز لان عمل الغلام مال ليسده فصح ضمه إليه كما يصح ان يضم إليه بهيمته يحمل عليها والثاني لا يجوز لان يد العبد كيد سيده (فصل) وان اشترك مالان ببدن صاحب احدهما فهذا يجمع شركة ومضاربة وهو صحيح، فلو كان بين رجلين ثلاثة ألاف درهم لاحدهما الف وللآخر الفان فاذن صاحب الالفين لصاحب الالف

[ 143 ]

أن يتصرف فيه على أن يكون الربح يبنهما نصفين صح ويكون لصاحب الالف ثلث الربح بحق ماله والقاي وهو ثلثا الربح بينهما لصاحب الالفين ثلاثة أربعاعها وللعامل ربعه وذلك لانه جعل له نصف الربح فجعلناه ستة أسهم منها ثلاثة للعامل حصة ماله سهمان وسهم يستحقه بعمله في مال شريكه، وحصة مال شريكه أربعة أسهم للعامل سهم وهو الربع، فان قيل فكيف تجوز المضاربة وراس المال مشاع قلنا إنما تنمنع الاشاعة الجواز إذا كانت مع غير العامل لانها تنمعه من التصرف بخلاف ما إذا كانت مع العامل فانها لا تمنعه من التصرف فلا تمنع صحة المضاربة وان شرط للعامل ثلث الربح فقط فمال صاحبه بضاعة في يده وليست مضاربة لان المضاربة انما تحصل إذا كان الربح بينهما فاما إذا قال ربح مالك لك وربح مالي لي فقبل الآخر كان إبضاعا لا غير وبهذا كله قال الشافعي وقال مالك لا يجوز ان يضم إلى القراض شركة كما لا يجوز ان يضم إليه عقد إجاوة. ولنا انهما لم يجعلا أحد العقد ين شرطا للآخر فلم يمنع من جمعهما كما لو كان المال متميزا (فصل) إذا دفع إليه الفا مضاربة وقال أضف إليه الفامن عندك واتجر بهما والربح بيننا لك ثلثاه ولي ثلثه جاز وكان شركة وقراضا وقال أصحاب الشافعي لا يجوز لان الشركة إذا وقعت على المال كان الربح تابعا له دون العمل ولنا أنهما تساويا في المال وانفرد احدهما بالعمل فجاز أن ينفرد بزيادة الربح كما لو لم يكن له

[ 144 ]

مال قولهم ان الربح تابع للمال وحده ممنوع بل تابع لهما كما أنه حاصل بهما فان شرط غير العامل لنفسه ثلثي الربح لم يجز، وقال القاضي يجوز بناء على جواز تفاضلهما في شركة العنان ولنا أنه شرط لنفسه جزء من الربح لا مقابل له فلم يصح كما لو شرط ربح مال العامل المنفرد، وفارق شركة العنان لان فيها عملا منهما فجاز أن يتفاضلا في الربح لتفاضلهما في العمل بخلاف مسئلتنا وان جعلا الربح بينهما نصفين ولم يقولا مضاربة جاز وكان ابضاعا كما تقدم وان قالا مضاربة فسد العقد لما ذكرنا (فصل) وقد ذكرنا ان حكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل ان يفعله أو لا يفعله والذي اختلف فيه في حق الشريك فكذلك في حق عامل المضاربة وهل له أن يبيع نساء إذا لم ينه عنه؟ فيه روايتان احداهما) ليس له ذلك وبه قال مالك وابن ابي ليلى والشافعي لانه نائب في البيع فلم يجز له ذلك بغير إذن كالوكيل، يحقق ذلك ان النائب لا يجوز له التصرف الا على وجه الحظ والاحتياط وفي النسيئة تغرير بالمال والثانية يجوز له ذلك وهو قول أبي حنيفة واختيار ابن عقيل لان اذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجاره والمتعادة وهذا عادة التجار ولانه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر والحكم في الوكالة ممنوع، ثم الفرق بين الوكالة المطلقة والمضاربة ان الوكالة المقصود منها تصحيل الثمن فحسب ولا تختص بقصد الربح فإذا أمكن تحصيله من غير خطر كان أولى ولان الوكالة المطلقة في البيع

[ 145 ]

تدل على ان حاجة الموكل إلى الثمن ناجزة فلم يجز تأخيره بخلاف المضاربة، فان قال له اعمل برأيك أو تصرف كيف شئت فله البيع نساء وقال الشافعي ليس له ذلك لان فيه تغريرا أشبه مالو لم يقل له ذلك ولنا أنه داخل في عموم لفظه وقرينة حاله تدل على رضاه برأيه في صفات البيع وفي أنواع التجارة وهذا منها فإذا قلنا له البيع نساء فالبيع صحيح ومنهما فات من الثمن لا يضمنه الا أن يفرط ببيع من لا يوثق به أو من لا يعرفه فيضمن الثمن المنكسر على المشتري وان قلنا ليس له البيع نساء فالبيع باطل لانه فعل ما لم يؤذن له فيه فهو كالبيع من الاجنبي إلا على الرواية التى تقول يقف بيع الاجنبي على الاجارة فههنا مثله، ويحتمل كلام الخرقي صحة البيع فانه قال إذا باع المضارب نساء بغير إذن ضمن ولم يذكر فساد البيع وعلى كل حال يلزم العامل الضمان لان ذهاب الثمن حصل بتفريطه وان قلنا بفساد البيع ضمن المبيع بقيمته إذا تعذر عليه استرجاعه بتلف المبيع أو امتناع المشتري من رده إليه وان قلنا بصحته احتمل أن يضمنه بقيمته أيضا لانه لم يفت بالبيع أكثر منها ولا ينحفظ بتركه سواها وزيادة الثمن حصلت بتفريطه فلا يضمنها واحتمل ان يضمن الثمن لانه وجب البيع وفات بتفريط البائع، فعلى هذا ان نقص عن القيمة فقد انتقل الوجوب إليه بدليل أنه لو حصل الثمن لم يضمن شيئا

[ 146 ]

(فصل) وهل له السفر بالمال؟ فيه وجهان (أحدهما) ليس له ذلك وهو مذهب الشافعي لان في السفر تغريرا بالمال وخطرا ولهذا يروى: ان المسافر وما معه على قلت الا ما وقى الله. أي هلاك ولا يجوز له التعزير بالمال بغير إذن مالكه (والثاني) له السفر إذا لم يكن مخوفا قال القاضي قياس المذهب جوازه بناء على السفر بالوديعة وهو قول مالك وحكي عن أبي حنيفة لان الاذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة والعادة جارية بالتجارة سفرا أو حضرا ولان المضاربة مشتقة من الضرب في الارض فملك ذلك بمطلقها وهذان الوجهان في المطلق، فاما ان أذن فيه أو نهى عنه أو وجدت قرينة دالة على أحد الامرين تعين ذلك وجاز مع الاذن وحرم مع النبي، وليس له السفر في موضع مخوف على كلا الوجهين وكذلك لو أذن له في السفر مطلقا لم يكن له السفر في طريق مخوف ولا إلى بلد مخوف فان فعل فهو ضامن لما يتلف لانه تعدى بفعل ما ليس له فعله (فصل) وليس للمضارب البيع بدون ثمن المثل ولا ان يشتري بأكثر منه مما لا يتغابن الناس بمثله فان فعل فقد روي عن أحمد أن البيع يصح ويضمن النقص كالو كيل ولان الضرر ينجبر بضمان النقص، قال شيخنا والقياس بطلان البيع وهو مذهب الشافعي لانه بيع لم يؤذن فيه اشبه بيع الاجنبي، فعلى هذا ان تعذر رد المبيع ضمن النقص أيضا وان أمكن رده وجب ان كان باقيا أو

[ 147 ]

قيمته ان تلف ولرب المال مطالبة من شاء من العامل والمشتري فان أخذ من المشتري قيمته رجع المشتري على العامل بالثمن وان رجع على العامل بقيمته رجع العامل على المشتري بها ورد عليه الثمن لان التف حصل في يده اما ما يتغابن الناس بمثله فلا يمنع منه لانه لا يمكن التحر ز منه واما إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل بعين المال فهو كالبيع وان اشترى في الذمة لزم العامل دون رب المال الا أن يجبزه فيكون له هذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي ان أطلق اشراء ولم يذكر رب المال فكذلك وإن صرح للبائع اني اشتريه لفلان فالبيع باطل أيضا (فصل) وهل له ان يبيع ويشتري بغير نفد البلد؟ على روايتين اصحهما جوازه اذار أي المصلحة فيه والربح حاصل به كما يجوز ان يبيع عرضا بعرض ويشتريه به فان قلنا لا يملك ذلك ففعل فحكمه حكم ما لو اشترى أو باع بغير ثمن المثل، وان قال اعمل برأيك فله ذلك وهل له المزارعة يحتمل ان لا يملكها لان المضاربة لا يفهم من الاقها المزارعة وقد روي عن احمد رحمه الله فيمن دفع إلى رجل الفاو قال اتجر فيها بما شئت فزرع زرعا فربح فيه فالمضاربة جائزة والربح بينهما قال القاضي ظاهر هذا ان قوله اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة لانها من الوجوه التي بيتغى بها النماء فعلى هذا لو توى المال في المزارعة لم يلزمه ضمانه

[ 148 ]

(فصل) وله ان يشتري المعيب إذا رأى المصلحة فيه لان المقصود الربح وقد يكون الربح في المعيب فان اشتراه يظنه سليمان فبان معيبا فله فعل ما يرى فيه المصلحة من رده أو إمساكه وأخذ الارش فان اختف العامل ورب المال في الرد فطلبه أحدهما وأباه الآخر فعل ما فيه النظر والخط لان المقصود تحصيله فيحمل الامر على ما فيه الحظ، وأما الشريكان إذا اختلفا في رد المعيب فلطالب الرد رد نصيبه وللآخر إمساك نصيبه الا أن لا يعلم البائع ان التسراء لهما فلا يلزمه قبول رد بعضه لان ظاهر الحال ان العقد لمن وليه فلم يجز إدخال الضرر على البائع بتبعيض الصفقة عليه، ولو أراد الذي ولي العقد رد بعض المبيع وإمساك البعض فان حمه حكم مالو أراد شريكه ذلك على ما فصلناه (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال) لان فيه ضررا ولانه لا حظ للتجارة فيه فان اشتراه باذن رب المال صح لانه صح شراؤه بنفسه فإذا أذن لغيره فيه جازو يعتق عليه وتنفسخ المضاربة في قدر ثمنه، وان كان في المال ربح رجع العامل بحصته منه فان كان بغير إذن رب المال احتمل أن لا يصح الشراء إذا كان الثمن عينا لان العامل اشترى ما ليس له ان يشتريه فهو كما لو اشترى شيئا بأكثر من ثمنه ولان الاذن في المضاربة إنما ينصرف إلى ما يمكن بيعه والربح فيه وليس هذا كذلك، وان كان اشتراه في الذمة وقع الشراء للعاقد وليس له دفع الثمن مال المضاربة فان فعل ضمن وهذا قول الشافعي وأكثر الفقهاء، وقال القاضي ظاهر كلام أحمد صحة الشراء

[ 149 ]

لانه مال متقوم قابل للعقود فصح شراؤه كما لو شاترى من نذرب المال عتقه ويعتق على رب المال ونتفسخ المضاربة فيه ويلزم العامل الضمان على ظاهر كلام أحمد علم بذلك أو جهل لان مال المضاربة تلف بسببه، ولا فرق في الاتلاف الموجب للضمان بين العلم والجهل ويضمن قيمته في أحد الوجهين لان الملك ثبت فيه ثم تلف اشبه مالو أتلفه بفعله والثاني يضمن الثمن الذي اشتراه به لان التفر يط منه حصل بالشراء وبذل الثمن فيما يتلف بالشراء فكان عليه ضمان ما فرط فيه ومتى ظهر في المال ربح فللعامل حصته منه وقال أبو بكر ان لم يعلم العامل أنه يعتق على رب المال لم يضمن لان التلف حصل لمعنى في المبيع لم يعلم به فلم يضمن كما لو اشترى معيبا لم يعلم عبيه فتلف به قال ويتوجه أن لا يضمن وإن علم (مسألة) (وإن اشترى امرأته صح وانفسخ نكاحهما) لانه ملكها فان كان قبل الدخول فهل يلزم الزوج نصف الصداق؟ فيه وجهان يذكران فيما بعد إن شاء الله تعالى، فان قلنا يلزمه رجع به على العامل لانه سبب تقريره عليه فرجع عليه كما لو أفسدت امرأه نكاحه بالرضاع، وإن اشترى زوج ربة المال صح وانفسخ النكاح لانها ملكت زوجها. وهذا قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا يصح الشراء إلا أن يكون باذنها لان الاذن إنما يتناول شراء مالها فيه حظ وهذا الشراء يضربها لانه يفسخ نكاحها وتسقط حصتها من النفقة والكسوة فلم يصح كشراء أبيها ولنا انه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه فجاز كما لو اشترى أجنبيا ولا ضمان على العامل فيما

[ 150 ]

يفوت من المهر ويسقط من النفقة لان ذلك لا يعود إلى المضاربة وانما هو بسبب آخر ولا فرق بين شرائه في الذمة أو بعين المال. (فصل) وان اشترى المأذون له من يعتق على رب المال باذنه صح وعتق فان كان على المأذون له دين يستغرق قيمته وما في يديه وقلنا يتعلق الدين برقبته فعليه دفع قيمة العبد الذي عتق إلى الغرماء لانه الذي أتلف عليهم بالعتق وان نهاه عن الشراء فالشراء باطل لانه يملكه بالاذن وقد زال بالنهي وان أطلق الاذن فقال أبو الخطاب يصح شراؤه لان من يصح أن يشتريه السيد صح شراء المأذون له كالأجنبي وهذا قول أبي حنيفة إذا أذن له في التجارة ولم يدفع إليه مالا وقال القاضي لا يصح لان فيه اتلافا على السيد فان إذنه يتناول ما فيه حظ فلا يدخل فيه الاتلاف، وفارق عامل المضاربة لانه يضمن القيمة فيزول الضرر وللشافعي قولان كالوجهين، وان اشترى امرأة رب المال أو زوج ربة المال فهل يصح؟ على وجهين أيضا كشراء من يعتق بالشراء (مسألة) (وان اشترى المضارب من يعتق عليه صح الشراء) فان لم يظهر في المال ربح لم يعتق منه شئ وان ظهر فيه ربح ففيه وجهان مبنيان على العامل متى يملك الربح؟ فان قلنا يملكه بالقسيمة لم يعتق منه شئ لانه مالكه وان قلنا يملكه بالظهور ففيه وجهان: (أحدهما) لا يعتق وهو قول أبى بكر لانه لم يتم ملكه عليه لكون الربح وقاية لرأس المال فلم يعتق

[ 151 ]

لذلك (والثاني) يعتق بقدر حصته من الربح ان كان معسرا ويقوم عليه باقيه ان كان موسرا لانه ملكه بفعله فعتق عليه كما لو اشتراه بماله وهذا قول الفاضي ومذهب أصحاب أبي حنيفة لكن عندهم يستسعى في بقيته ان كان معسرا ولنا رواية كقولهم وان اشتراه ولم يظهر ربح ثم ظهر بعد ذلك والعبد باق في التجارة فهو كما لو كان الربح ظاهرا وقت الشراء وقال الشافعي إن اشتراه بعد ظهور الربح لم يصح في أحد الوجهين لانه يودي إلى أن ينجر العامل حقه قبل رب المال ولنا انهما شريكان فصح شراء كل واحد منهما من يعتق عليه كشريكي العنان (فصل) وليس للمضارب أن يشتري بأكثر من رأس المال لان الاذن ما تناول أكثر منه فإذا كان رأس المال ألفا فاشتري عبدا بألف ثم اشترى عبدا آخر بعين الالف فالشراء فاسد لانه اشترى بمال يستحق تسليمه في البيع الاول، وإن اشتراه في ذمته صح الشراء والعبد له لانه اشترى في ذمته لغيره بغير إذنه في شرائه فوقع له وهل يقف على إجازة رب المال؟ على روايتين ومذهب الشافعي كنحو ما ذكرنا (فصل) وليس للمضارب وطئ أمة المضاربة سواء ظهر ربح أو لا فان فعل فعليه المهر والتعزير وان علقت منه ولم يظهر في المال ربح فولده رقيق لانها علقت منه في غير ملك ولا شبهة ملك ولا تصير أم ولد له لذلك وان ظهر في المال ربح فالولد حر وتصير أم ولد له وعليه قيمتها ونحو ذلك قال سفيان واسحاق وقال القاضي إن لم يظهر ريح فعليه الحد لانه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك والمنصوص

[ 152 ]

عن احمد أن عليه التعزير فقط لان ظهور الربح ينبني على التقويم وهو غير متحقق لاحتمال أن السلع تساوي أكثر مما قزمت به فيكون ذلك شبهة في درء الحد فانه يدرأ بالشبهات (فصل) وليس لرب المال وطئ الامة أيضا لانه ينقصها إن كانت بكرا ويعرضها للخروج من المضاربة والتلف فان فعل فلا حد عليه لانها ملكه فان أحبلها صارت أم ولد له وولده حر لذلك وتخرج من المضاربة وتحسب قيمتها ويضاف إليها بقية المال فان كان فيه ربح فللعامل حصته منه وليس لواحد منهما تزويج الامة لانه ينقصها ولا مكاتبة العبد لذلك وان اتفقا عليه جاز لان الحق لهما (فصل) وليس للمضارب دفع المال مضاربة بغير اذن نص عليه احمد في رواية الاثرم وحرب وعبد الله، وخرج القاضي وجهين في جواز ذلك بناء على توكيل الوكيل ولا يصح هذا التخريج والقياس لانه انما دفع إليه المال ههنا ليضارب به ودفعه إلى غيره مضاربة يخرجه عن كونه مضاربا له بخلاف الوكيل ولان هذا يوجب في المال حقا لغيره ولا يجوز ايجاب حق في مال انسان بغير اذنه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا يعلم عن غير هم خلافهم فان فعل فلم يتلف المال ولا ظهر فيه ربح رده إلى مالكه ولا شئ له ولا عليه وإن تلف أو ربح فيه فقال الشريف أبو جعفر هو في الضمان والتصرف كالغاصب ولرب المال مطالبة ومن شاء منهما برد المال إن كان باقيا وبزد بدله إن تلف أو تعذر رده فان طالب الاول وضمنه قيمة التلف ولم يكن الثاني علم الحال لم يرجع عليه بشئ لانه دفعه إليه على

[ 153 ]

وجه الامانة وإن علم رجع عليه لانه قبض مال غيره على سبيل العدوان وقد تلف تحت يده فاستقر عليه ضمانه وإن ضمن الثاني مع علمه بالحال لم يرجع على الاول وإن لم يعلم فكذلك في أحد الوجهين لان التلف حصل بيده فاستقر الضمان عليه، والثاني يرجع عليه لانه غره أشبه المغرور بحرية أمة وان ربح فالربح للمالك ولا شئ للمضارب الاول لانه لم يوجد منه مال ولا عمل وهل للثاني اجرة مثله؟ على روايتين (احداهما) له ذلك لانه عمل في مال غيره بعوض لم يسلم له فكان له أجر مثله كالمضاربة الفاسدة (والثانية) لا شئ له لانه عمل في مال غيره بغير إذن أشبه الغاصب، وفارق المضاربة لانه عمل في ماله باذنه وسواء اشترى بعين المال أو في الذمة ويحتمل أنه إن اشترى في الذمة يكون الربح له لانه ربح فيما اشتراه في ذمته مما لم يقع الشراء فيه لغيره فأشبه مالو ينقد الثمن من مال المضاربة، قال الشريف أبو جعفر هذا قول أكثرهم يعني قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ويحثمل أنه إن كان عالما بالحال فلا شئ للعامل كالغاصب وإن جهل الحال فله أجر مثله يرجع به على العاصب الاول لانه غره واستعمله بعوض لم يسلم له فكان أجره عليه كما لو استعمله في مال نفسه وقال القاضي إن اشترى بعين المال فالشراء باطل وإن اشترى في الذمة ثم نقد المال وكان قد شرط رب المال للمضارب النصف فدفعه المضارب إلى آخر على أن لرب المال النصف والنصف الاخر بينهما فهو على ما اتفقوا عليه لان رب المال رضي بنصف الربح فلا يدفع

[ 154 ]

إليه أكثر منه والعاملان على ما اتفقا عليه وهذا قول الشافعي القديم وليس هذا موافقا لا صول المذاهب ولا لنص احمد فان احمد قال لا يطيب الربح لمضارب ولان المضارب الاول ليس له عمل ولا مال ولا يستحق الربح في المضاربة إلا بواحد منهما والثاني عمل في مال غيره بغير اذنه ولا شرطه فلم يستحق ما شرطه له غيره كما لو دفع إليه الغاصب مضاربة ولانه لم يستحق ما شرطه له رب المال في المضاربة الفاسدة فما شرطه له غيره بغير إذنه أولى. (فصل) فان أذن رب المال في ذلك جاز نص عليه احمد ولا نعلم فيه خلافا ويكون المضارب الاول وكيل رب المال في ذلك فان دفعه إلى آخر ولم يشرط لنفسه شيئا من الربح كان صحيحا وإن شرط لنفسه شيئا منه لم يصح لانه ليس من جهته مال ولا عمل والربح انما يستحق لواحد منهما فان قال اعمل برأيك أو بما أراك الله جاز له دفعه مضاربة نص عليه لانه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه ويحتمل أن لا يجوز له ذلك لان قوله اعمل برأيك يعني في كيفية المضاربة والبيع والشراء وأنواع التجارة ولهذا يخرج به عن المضاربة فلا يتناوله إذنه (فصل) وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله فان فعل ولم يتميز ضمنه لانه أمانة فهو كالوديعة فان قال له اعمل برأيك جاز ذلك وهو قول مالك والثوري واصحاب الرأي وقال الشافعي ليس له ذلك وعليه الضمان ان فعله لان ذلك ليس من التجارة ولنا انه قد يرى الخلط أصلح له فيدخل في قوله أعمل برأيك وهكذا القول في المشاركة به ليس له فعلها إلا ان يقول له اعمل برأيك فيملكها

[ 155 ]

(فصل) وليس له شراء خمر ولا خنزير سواء كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلما فان فعل فعليه الضمان وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان العامل ذميا صح شراؤه للخمر وبيعه إياها لان الملك عنده ينتقل إلى الوكيل وحقوق العقد تتعلق به وقال أبو يوسف ومحمد يصح شراؤه إياها ولا يصح بيعه لانه يبيع ما ليس بملك له ولا لموكله ولنا أنه ان كان العامل مسلما فقد اشترى خمرا ولا يصح ان يشتري خمرا ولا يبيعه وان كان ذميا فقد اشترى للمسلم مالا يصح أن يملكه ابتداء فلا يصح كما لو اشترى الخنزير ولان الخمر محرمة فلم بصح شراؤها له كالخنزير والميتة ولان مالا يجوز بيعه لا يجوز شراؤه كالميتة والدم وكلما جاز في الشركة جاز في المضاربة وما جاز في المضاربة جاز في الشركة وما منع في إحداهما منع منه في الاخرى لان المضاربة شركة ومبنى كل واحد منهما على الوكالة والامانة (مسألة) (وليس للمضارب أن يضارب لآخر إذا كان فيه ضرر على الاول فان فعل رد نصيبه من الربح في شركة الاول) وجملة ذلك أنه إذا أخذ من إنسان مضاربة ثم أراد أخذ مضاربة من آخر باذن الاول جاز وكذلك ان لم يأذن ولم يكن عليه ضرر بغير خلاف علمناه فان كان فيه ضرر على الاول ولم بأذن مثل أن يكون المال الثاني كثيرا يستوعب زمانه فيشغله عن التجارة في الاول أو يكون المال الاول كثيرا

[ 156 ]

متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته لم يجز ذلك وقال أكثر الفقهاء يجوز لانه عقد لا يملك به منافعه كلها فلم يمنع من المضاربة كما لو لم يكن فيه ضرر وكالاجير المشترك ولنا أن المضاربة على الحظ والنماء فإذا فعل ما يمنعه لم يجز له كما لو أراد التصرف بالغبن وفارق مالا ضرر فيه فعلى هذا ان فعل وربح رد الربح في شركة الاول وليقسمانه فينظر ما ربح في المضاربة الثانية فيدفع إلى رب المال منه نصيبه ويأخذ المضارب نصيبه من الربح فيضمه إلى ربح المضاربة الاولى ويقاسمه لرب المضاربة الاولى لانه استجق حصته من الربح بالمنفعة التي استحقت بالعقد الاول فكان بينهما كربح المال الاول فأما حصة رب المال الثاني من الربح فيدفع إليه لان العدوان عن المضارب لا يسقط حق رب المال الثاني ولانا لو رددنا ربح الثاني كله في الشركة الاولى لاختص الضرر برب المال الثاني ولم يلحق المضارب شئ من الضرر والعدوان منه بل ربما انتفع إذا كان قد شرط الاول النصف أو الثاني الثلث ولانه لا يخلو إما أن يحكم بفساد المضاربة الثانية أو بصحتها فان كانت فاسدة فالربح كله لرب المال وللمضارب أجر مثله وان حكمنا بصحتها وجب صرف حصة رب المال إليه بمتقضى العقد وموجب الشرط قال شيخنا: والنظر يقتضي أن لا يستحق رب المضاربة الاولى من ريح الثانية شيئا لانه انما يستحق بمال أو عمل ولم يوجد واحد منهما وتعدي المضارب انما هو بترك العمل واشتغاله عن المال الاول وذلك لا يوجب عوضا كما لو اشتغل بالعمل في مال نفسه أو أجر نفسه أو ترك

[ 157 ]

التجارة للعب أو اشتغال بعلم أو غير ذلك ولانه لو أوجب عوضا لاوجب شيئا مقدرا لا يختلف ولا يتقدر بربحه في الثاني والله أعلم (فصل) فان دفع إليه مضاربة واشترط النفقة لم يجز أن يأخذ لغيره بضاعة ولا مضاربة وان لم يكن على الاول ضرر لقول أحمد إذا اشترط النفقة صار أجبراله فلا يأخذ من أحد بضاعة فانها تشغله عن المال الذي يضارب به، قيل له وان كانت لا تشغله قال ما يعجبني أن يكون إلا باذن صاحب المضاربة فانه لا بد من شغل قال شيخنا هذا والله العم على سبيل الا ستحباب وان فعل فلا شئ عليه لانه لا ضرر على رب المضاربة فيه، وان أخذ من رجل مضاربة ثم أخذ من آخر بضاعة أو عمل في مال نفسه واتجر فيه فربحه في مال البضاعة لصاحبها وفي مال نفسه له (فصل) إذا أخذ من رجل مائة قراضا ثم أخذ من آخر مثلها فاشترى بكل مائه عبدا فاختلط العبدان ولم يتميزا اصطلحا عليهما كما لو كانت لرجل حنطة فالثالت عليها أخرى، وذكر القاضي في ذلك وجهين أحدهما يكونا شريكين فيهما كما لو اشتركا في عقد البيع فيا عان ويقسم بينهما فان كان فيهما ربح دفع إلى العامل حصته والباقي بينهما نصفين والثاني يكونان للعامل وعليه آداء رأس المال والربح له والخسران عليه وللشافعي قولان كالوجهين والاول أولى لان ملك كل واحد منهما ثابت في أحد العبدين فلا يزول بالاشتباه عن جميعه ولا عن بعضه بغير رضاه كما لو لم يكونا في يد المضارب

[ 158 ]

ولا تنالوا جعلناهما للمضارب أدى إلى أن يكون تفريطه سببا لا نفراده بالربح وحرمان المعدى عليه وعكس ذلك أولى وان جعلنا هما شريكين أدى إلى ان يأخذ أحدهما ربح مال الآخر بغير رضاه وليس له مال ولا عمل (فصل) إذا تعدى المضارب بفعل ما ليس له فعله فهو ضامن للمال في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن أبي هريرة وحكم بن حزام وأبي قلابة ونافع واياس والشعبي والنخعي وحماد ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وعن علي رضي الله عنه لا ضمان على من شورك في الربح وروي معنى ذلك عن الحسن والزهري ولنا أنه متصرف في مال غيره بغير إذنه فلزمه الضمان كالغاصب ولا نقول بمشاركته في الربح فلا يتناوله قول علي رضي الله عنه، ومتى اشترى ما لم يؤذن فيه فربح فيه فالربح لرب المال نص عليه أحمد وبه قال أبو قلابة ونافع، وعن أحمد أنهما يتصدقان بالربح وبه قال الشعبي والنخعي والحكم وحماد قال القاضي قول أحمد يتصدقان بالربح على سبيل الورع وهو لرب المال في القضاء وهذا قول الاوزاعي، وقال إياس بن معاوية ومالك الربح على ما شرطاه كما لو ليس الثوب وركب دابة ليس له ركوبها وقال القاضي ان اشترى في الذمة ثم نقد المال فالربح لرب المال وان اشترى بعين المال فالشراء باطل في احدى الروايتين والاخرى هو موقوف على اجازة المالك فان أجازه صح والا بطل والمذهب الاول نص عليه أحمد في رواية الاثرم وقال أبو بكر لم بروانه يتصدق بالربح الا حنبل

[ 159 ]

واحتج أحمد بحديث عروة البارقي وهو ما روى أبو الوليد عن عروة بن الجعد قال عرض النبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا فقال (عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة) فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسو قهما أو أقودهما فلقيني رجل بالطريق فساومتي فبعت منه شاة بدينار فجئت بالدينار وبالشاة فقلت يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم قال (وكيف صنعت؟) فحدثته الحديث فقال (اللهم بارك له في صفقة يمينه) رواه الاثرم ولانه نماء مال غيره بغير إذن مالكه فكان لمالكه كما لو غصب حنطة فزرعها، فاما المضارب ففيه روايتان (احداهما) لا شئ له لانه عقد عقدا لم يؤذن له فيه فلم يكن له شئ كالغاصب وهذا اختيار أبي بكر (والثانية) له أجر لان رب المال رضي بالبيع وأخذ الربح فاستحق العامل عوضا كما لو عقده باذنه، وفي قدر الاجر روايتان (احداهما) أجر مثله ما لم يحط بالربح لانه عمل ما يستحق به العوض ولم يسلم له المسمى فكان له أجر مثله كالمضاربة الفاسدة (والثانية) له الاقل من المسمى أو أجر المثل لانه ان كان المسمى أقل فقد رضي به فلم يستحق أكثر منه وان كان أجر المثل أقل فلم يستحق أكثر مه لانه لم يعمل ما أمر به، فان قصد الشراء لنفسه فلا أجر له رواية واحدة وقال القاضي وأبو الخطاب ان اشترى في ذمته ونقد المال فلا أجر له رواية واحدة وان اشترى بعين المال فعلى روايتين (فصل) وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب من نشر الثوب وطيه

[ 160 ]

وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع وأخذ الثمن وانتقاه وشد الكيس وخمه واحرازه ونحو ذلك ولا أجر له عليه لانه استحق الربح في مقابلته وان استأجر من يفعل ذلك فالاجر عليه خاصة لان العمل عليه فاما مالا يليه في العادة كالنداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل علمه وله ان يكتري من يعمله نص عليه أحمد لان العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه فرجع فيه إلى العرف فان فعل العامل مالا يلزمه متبرعا فلا أجر له وان فعله ليأخذ عليه اجرا فنص احمد على أنه لا شئ له، وخرج أصحابنا وجها أن له الاجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه هل له أجر لذلك؟ على روايتين وهذا مثله، قال شيخنا والصحيح أنه لا أجر له في الموضعين لانه عمل في مال غيره عملا لم يجعل له في مقابلته شئ فلم يستحق شيئا كالاجنبي (فصل) وإذا غصب مال المضاربة أو سرق فهل للمضارب المطالبة به؟ على وجهين (احدهما) ليس له ذلك لان الضماربه عقد على التجارة فلا يدخل فيه الحصومة (والثاني) له ذلك لانه يقتضي حفظ المال ولا يتم ذلك الا بالخصومة والمطالبة سيما إذا كان غائبا عن رب المال فانه حينئذ لا يكون مطالبا به الا المضارب فان تركه ضاع، عفلى هذا ان ترك الخصومة وانطلب به في هذه الحال ضمن لانه ضيعه وفرط فيه فأما ان كان رب المال حاضرا وعلم الحال فانه لا يلزم العامل طلبه ولا يضمنه إذا تركه لان رب المال أولى بذلك من وكيله

[ 161 ]

(فصل) وإذا اشترى المضارب عبدا فقتله عبد لغيره ولم يكن ظهر في المال ربح فالامر لرب المال ان شاء اقتص وان شاء عفا على غير مال وتبطل المضاربة فيه لذ هاب رأس المال وان شاء عفا على مال فان عفا على مثل رأس المال أو أقل أو اكثر فالمضاربة بحالها والربح بينهما على ما شرطاه لانه وجد بدل عن رأس المال فهو كما لو وجد بدله بالبيع وان كان في العبد ربح فالقصاص اليهما والمصالحة كذلك لكونهما شريكين فيه والحكم في انفساخ المضاربة وبقائها على ما تقدم (مسألة) (وليس لرب المال ان يشتري من مال المضاربة شيئا لنفسه وعنه يجوز) إذا اشترى رب المال من مال المضاربة شيئا لنفسه لم يصح في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي ويصح في الاخرى وبه قال مالك والاوزاعي وأبو حنيفة لانه قد تعلق به حق المضارب فجاز شراؤء كما لو اشترى من مكاتبه. ولنا أنه ملكه فلم يصح شراؤه له كشرائه من وكيله، وفارق المكاتب فان السيد لا يملك ما في يده ولا تجب زكاته عليه وله أخذ ما فيه شفعة منه (مسألة) وكذلك شراء السيد من عبده المأذون) لما ذكر ناويحتمل ان يصح اذن استغر قته الديون لان الغرماء يأخذون ما في يده ولان الدين إذا تعلق برقبته

[ 162 ]

صار مستحقا للغرماء فصح شراء السيد منه كبقية الغرماء والاول اولى لان ملك السيد لم يزل عنه وان تعلق حق الغرماء به كالعبد الجاني (فصل) فان اشترى المضارب من مال المضاربة لنفسه ولم يظهر ربح صح نص عليه احمد وبه قال مالك والثوري والاوزاعي واسحاق وحكي ذلك عن أبي حنيقة وقال أبو ثور البيع باطل لانه شريك ولنا أنه ملك لغيره فصح شراؤء له كشراء الوكيل من موكله وانما يكون شريكا إذا ظهر الربح لانه انما شارك في الربح دون أصل المال فان ظهر ربح فشراؤه كشراء أحد الشريكين من شريكه (مسألة) (وان اشترى أحد الشريكين نصيب شريكه صح) لانه يشتري ملك غيره وقال أحمد في الشريكين في الطعام يريد أحدهما بيع حصته من صاحبه ان لم يكونا يعلمان كيله فلا بأس وان علما كيله فلا بد من كيله يعني ان من علم مبلغ شئ لم يبعه صبرة وان باعه إياه بالكيل والوزن جاز (مسألة) (وان اشترى الجميع بطل في نصيبه لانه ملكه)

[ 163 ]

وهل يصح في حصة شريكه؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة ويتخرج أن يصح في الجميع بناء على صحة شراء رب المال من مال المضاربة (فصل) ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه دارا ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز نص عليه أحمد في رواية صالح وان استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته جاز لان ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز ان يستأجر له الحيوان كمال الاجنبي، وفيه رواية أخرى لا يجوز لان هذا لا تجب الاجرة فيه الا بالعمل ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك لان نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر فإذا لا تجب الاجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيها ايقاع العمل إنما يجب بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه (مسألة) (وليس للمضارب نفقة إلا بشرط سواء كانت تجارته في الحضر أو السفر)

[ 164 ]

وبهذا قال ابن سيرين وحماد بن أبي سليمان وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال الحسن والنخعي والاوزاعي ومالك واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ينفق من المال المعروف إذا شخص به عن البلد لان سفره لا جل المال فكانت نفقته فيه كأجر الحمال ولنا أن نفقته تخصه فكانت عليه كنفقة الحضر وأجر الطبيب وثمن الطيب لانه دخل على أنه لا يستحق من الربح الا الجزء المسمى فلا يكون له غيره ولانه لو استحق النفقة أفضى إلى أن يختص بالربح إذا لم يربح سوى النفقة، فأما ان شرط له النفقة صح وله ذلك لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمنون على شروطهم) فان قدر له ذلك فحسن لان فيه قطع المنازعة وزوال الاختلاف قال أحمد في رواية الاثرم أحب إلي ان يشترط نفقة محدودة وله ما قدر له من مأكول وملبوس ومركوب وغيره وان أطلق صح نص عليه، وله نفقته من المأكول خاصة ولا كسوة له قال احمد إذا قال له نفقته فانه ينفق قيل له فيكتسي؟ قال لا انما له النفقة، فان كان سفره طويلا يحتاج إلى تجديد كسوة فظاهر كلام أحمد جوازها لا نه قيل

[ 165 ]

له فلم يشترط الكسوة الا أنه في بلد بعيد وله مقام طويل يحتاج فيه إلى الكسوة؟ فقال إذا أذن له في النفقة فعل ما لم يحمل على مال الرجل ولم يكن ذلك قصده هذا معناه. وقال القاضي وأبو الخطاب إذا شرط له النفقة فله جميع نفقته من مأكول وملبوس بالمعروف وقال أحمد ينفق على معنى ما كان ينفق على نفسه غير متعد بالنفقة ولا مضر بالمال ولم يذهب أحمد إلى تقدير النفقة لان الاسعار تختلف وقد تقل وقد تكثر (مسألة) (فان اختلفا في قدر النفقة فقال أبو الخطاب يرجع في القوت إلى الاطعام في الكفارة وفي الكسوة إلى أقل ملبوس مثله لانه العادة فينصرف الاطلاق إليه كما انصرف إليه في الاطعام في الكفارة، فان كان معه مال لنفسه أو مضاربة أخرى أو بضاعة لآخر فالنفقة على قدر المالين لانها لاجل السفر والسفر للمالين فيجب أن تكون النفقة مقسومة على قدرهما الا أن يكون رب المال قد شرط له النفقة من ماله مع علمه بذلك، ولو أذن له في السفر إلى موضع معين أو غير معين ثم لقيه رب المال في السفر في ذلك الموضع أو في غيره وقد نص المال فاخذ ماله فطالبه العامل بنفقة الرجوع إلى بلده لم يكن له ذلك لانه إنما استحق النفقة ماداما في القراض وقد زال فزالت النفقة ولذلك لو مات لم يجب تكفينه وقيل له ذلك لانه كان شرط له نفقة ذهابه ورجوعه وغره بتسفيره إلى الموضع الذي أذن له فيه معتقدا أنه مستحق للنفقة ذاهبا وراجعا فإذا قطع عنه النفقة تضرر بذلك (مسألة) (فأذن له في التسري فاشترى جارية ملكها وصار ثمنها قرضا نص عليه أحمد لان البضع لا يباح الا بملك أو نكاح لقوله سبحانه (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين)

[ 166 ]

ولم يوجد النكاح فتعين الملك ويخرج ثمنها من المضاربة ويكون قرضا في ذمته لما ذكرنا (مسألة) (وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال يعني أنه لا يستحق أخذ شئ من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسارن وربح جبرت الوضيعة من الربح سواء كان الربح والخسران في مرة واحدة أو الخسران في صفقة والربح في الاخرى أو أحد هما في سفرة والآخر في أخرى لان الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح ولام نعلم في هذا خلافا (فصل) وفي ملك العامل نصيبه من الربح قبل القسمة روايتان (إحداهما) يملكه ذكره القاضي وهو قول أبي حنيفة (والاخرى) لا يملكه ذكرها أبو الخطاب وهو قول مالك وللشافعي قولان كالروايتين واحتج من لم يملكه انه لو ملكه لاختص بربحه ولو جب أن يكون شريكا لرب المال كشريكي العنان، ووجه الاول ان الشرط صحيح فيثبت مقتضاه وهو ان يكون له جزء من الربح فإذا وجد وجب أن يملكه بحكم الشرط كما يملك المساقي حصته من الثمرة بظهورها وقياسا على كل شرط صحيح في عقد ولانه مملوك ولا بد له من مالك ورب المال لا يملكه اتفاقا ولا تثبت أحكام الملك في حقه فلزم أن يكون للمضارب ولانه يملك المطالبة بالقسمة فكان مالكا كأحد شريكي العنان ولا يمتنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب رب المال من الربح وبهذا امتنع اختصاصه بربحه ولانه لو اختص بربحه لا ستحق من الربح أكثر مما شرط له ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه، قال أحمد في المضارب يطأ جارية من المضاربة فان لم يكن ظهر في المال ربح لم تكن أم ولده وإن ظهر فيه ربح فهي أم ولده وفيه دليل على انه يملك الربح بالظهور وهذا ظاهر المذهب (فصل) إذا دفع إلى رجل مائة مضاربة فخسر عشرة ثم أخذ رب المال منها عشرة لم ينقص رأس

[ 167 ]

المال بالخسران لانه قد يربح فيجبر الخسران لكنه ينتقص بما أخذه رب المال وهي العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم وتسع ويبقى رأس المال ثمانية وثمانين وثمانية اتساع درهم فان كان أخذ نصف التسعين الباقية بقي رأس المال خمسين لانه أخذ نصف المال فسقط نصف الخسران وإن كان أخذ خمسين بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع ولذلك إذا ربح المال ثم أخذ رب المال بعضه كان ما أخذه من الربح ورأس المال فلو كان رأس المال مائة فربح عشرين فأخذها رب المال بعضه كان المال ثلاثة وثمانين وثلثا لانه أخذ سدس المال فنقص رأس المال سدسه وهو ستة عشروثلثان وحقها من الربح ثلاثة وثلث، ولو كان أخذ ستين بقي رأس المال خمسين لانه أخذ نصف المال فبقي نصفه وان كان أخذ خمسين بقي ثمانية وخسمون وثلث لانه أخذ ربح المال وسدسه بقي ثلثه وربعه وهو ما ذكرنا فان أخذ ستين ثم خسر في الباقي فصار أربعين فردها كان له على رب المال خمسة لان ما أخذه منه الرب المال انفسخت فيه المضاربة فلا يجبر بربحه خسران ما بقي في يده لمفارقته اياه وقد أخذ منه الربح عشرة لان سدس ما أخذه ربح فكانت العشرة بينهما وإن لم يرد الاربعين كلها بل رد منها الى رب المال عشرين بقي رأس المال خمسة وعشرين (مسألة) (فان اشترى سلعتين فربح في احداهما وخسر في الاخرى أو تلفت جبرت الوضعية من الربح) إذا دفع إلى المضارب الفين فاشترى بكل ألف عبدا فربح في أحدهما وخسر في الآخر أو تلف وجب جبر الخسران من الربح ولا يستحق المضارب شيئا الا بعد كمال الالفين وبه قال الشافعي الافيما

[ 168 ]

إذا تلف أحد العبدين فان أصحابه ذكر وافيه وجها ثانيا ان التالف من رأس المال لانه بدل أحد الالفين ولو تلف أحد الالفين كان من رأس المال فكذلك بدله ولنا ان تلفه بعد ان دار في القراض وتصرف في المال بالتجارة فكان تلفه من الربح كما لو كان رأس المال دينارا فاشترى به سلعتين ولانهما سلعتان تجبر خسارة احداهما بربح الاخرى فجبر تلفها به كما لو كان رأس المال دينارا واحدا ولانه رأس مال واحد فلا يستحق المضارب فيه ربحا حتى يكمل رأس المال كالذي ذكرنا (مسألة) (ان تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه انفسخت فيه المضاربة) وكان رأس المال الباقي خاصة وقال بعض أصحاب الشافعي مذهب الشافعي ان التالف من الربح لان المال انما يصير قراضا بالقبض فلا فرق بين هلاكه قبل التصرف أو بعده ولنا انه مال هلك على جهته قبل التصرف فيه فكان رأس المال الباقي كما لو تلف قبل القبض وفارق ما بعد التصرف لانهه دار في التجارة وشرع فيما قصد بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح (فصل) إذا دفع إليه ألفا مضاربة ثم دفع إليه ألفا آخرو اذن له في ضم أحدهما إلى الآخر قبل التصرف في الاول جاز وصار مضاربة واحدة كما لو دفعهما إليه جميعا، وان كان بعد التصرف في الاول في شراء المتاع لم يجزلان حكم الاول استقر وكان ربحه وخسرانه مختصا فضم الثاني إليه يوجب جبر خسران أحدهما بربح الآخر فإذا شرط ذلك في الثاني فسد فان نض الاول جاز ضم الثاني إليه لزوال هذا المعنى وان لم يأذن في ضم الثاني إلى الاول لم يجز نص عليه أحمد وقال اسحاق له ذلك قبل ان يتصرف في الاول ولنا انه أفرد كل واحد بعقد فكان عقدين لكل عقد حكم نفسه فلا يجبر وضيعة أحدهما ربح الآخر كما لو نهاه عن ذلك

[ 169 ]

(مسألة) (وان تلف المال ثم اشترى سلعة للمضاربة به فهي له وثمنها عليه سواء علم بتلف المال قبل نقد الثمن أو جهل ذلك إلا أن يجبزه رب المال) وذلك لانه اشتراها في ذمته وليست من مال المضاربة فاختصت به لانه لو صح شراؤه للمضاربة لكان مستدينا على غيره والاستدانة على الانسان بغير إذنه لا تجوز، فان أجازة رب المال جاز في إحدى الروايتين والثمن عليه لان من اشترى شيئا لغيره بغير اذنه وقف على إجازته فان أجازه فهو له والا فهو للمشتري وهذا كذلك، والثانية هو للعامل على كل حال لان هذا زيادة في مال المضاربة فلا تجوز (مسألة) (فان تلف بعد الشراء فالمضاربة بحالها والثمن على رب المال) لانه دار في التجارة ويصير رأس المال هذا الثمن دون التالف لان الاول تلف قبل التصرف فيه وهذا قول بعض الشافعية ومنهم من قال رأس المال هو التالف حكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ولنا ان التالف تلف قبل التصرف فيه فلم يكن من رأس المال كما لو تلف قبل الشراء فلو اشترى عبدين بمائة فتلف أحدهما وباع الآخر بخمسين فأخذ منها رب المال خمسة وعشرين بقي رأس المال خمسين لان رب المال أخذ نصف المال الموجود فسقط نصف الجبران، ولو لم يتلف العبد وباعهما بمائة وعشرين فأخذ رب المال ستين ثم خسر العامل فيما معه عشرين فله من الربح خمسة لان سدس ما أخذه رب المال ربح للعامل نصفه وقد انفسخت المضاربة فيه فلا يجبر به خسران الباقي ويبقى رأس المال خمسين فان اقتسما الربح خاصة ثم خسر عشرين فعلى العامل رد ما أخذه وبقي رأس المال تسعين لان العشرة الباقية مع رب المال تحسب من رأس المال

[ 170 ]

(فصل) ومهما بقي العقد على رأس المال وجب جبر خسرانه من ربحه وان اقتسما الربح قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن المضارب يربح ويضع مرارا فقال يرد الوديعة على الربح الا أن يقبض المال صاحبه ثم يرده إليه فيقول اعمل به ثانية فما ربح بعد ذلك لا يجبر به وضيعة الاول فهذا ليس في نفسي منه شئ وأمامالم يدفع فحتى يحتسبا حسابا كالقبض كما قال ابن سيربن، قيل وكيف يكون حسابا كالقبض؟ قال يظهر المال يعني ينض ويجئ فيحتسبان عليه فان شاء صاحب المال قبضه، قيل له فيحتسبان على المتاع؟ فقال لا يحتسبان الا على الناض لان المتاع قد ينحط سعره ويرتفع. قال أبو طالب قيل لاحمد رجل دفع إلى رجل عشرة ألاف درهم مضاربة فوضع فبقيت ألف فحاسبه صاحبها ثم قال له اذهب فاعمل بها فربح؟ قال يقاسمه ما فوق الالف يعني إذا كانت الالف ناضة حاضرة ان شاء صاحبها قبضها فهذا الحساب الذي كالقبض فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية كما لو قبضها منه ثم ردها إليه فأما قبل ذلك فلا شئ للمضارب حتى يكمل عشرة آلاف ولو أن رب المال والمضارب اقتسما الربح وأخذ أحدهما شيئا باذن الآخر والمضاربة بحالها ثم خسر المضارب رد ما أخذ من الربح لا ننا تبينا انه ليس بربح ما لم تنجبر الخسارة والله أعلم (مسألة) (وإذا ظهر الربح لم يكن للعامل أخذ شئ الا بأذن رب المال) لا نعلم في هذا بين اهل العلم خلافا لثلاثة امور، احدها ان الربح وقاية لرأس المال فلا يؤمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابراله فيخرج بذلك عن كونه ربحا، الثاني ان رب المال شريكه فلم يكن له مقاسمة نفسه الثالث، ان ملكه غير مستقر عليه لانه بعرض ان يخرج عن يديه لجبران خسارة المال فان اذن رب المال في ذلك جاز لان الحق لا يخرج عنهما (مسألة) (وإذا طلب العامل البيع فابى رب المال أجبر ان كان فيه ربح وإلا فلا)

[ 171 ]

وجملة ذلك ان المضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ احدهما ايهما كان وبموته والحجر عليه لسفه كالوكالة، ويستوي في ذلك ما قبل التصرف وبعده فان انفسخت والمال ناض لا ربح فيه أخذه وبه فان كان فيه ربح قسماه على ما شرطا فان انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز لان الحق لهما فجاز ما اتفقا عليه وان طلب العامل البيع فابى رب المال وقد ظهر في المال ربح اجبر رب المال على البيع وهذا قول الثوري واسحاق لان حق العامل في الربح ولا يظهر الا بالبيع وان لم يظهر ربع لم يجبر لانه لاحق له فيه وقد رضيه مالكه كذلك فلم يبجر على بيعه وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وقال بعضهم فيه وجه آخر أنه يجبر لانه ربما زاد فيه راغب فزاد على ثمن الثمل فيكون للعامل في البيع حظ ولنا أن المضارب انما استحق الربح إلى حين الفسخ وذلك لا يعلم إلا بالتقويم ألا ترى أن المستعير إذا غرس أو بنى أو المشتري كان للمعير والشفيع أن يدفعا قيمة ذلك إلى مستحق الارض؟ فههنا أولى وما ذكروه من احتمال الزيادة بزيادة راغب على القيمة فانما حدث ذلك بعد فسخ العقد فلا يستحقها العامل (مسألة) (وإن انفسخ القراض والمال عرض فرضي رب المال أن يأخذ بماله عرضا أو طلب البيع فله ذلك) أما إذا رضي رب المال أن يأخذ بماله عرضا فله ذلك لانه أسقط البيع عن المضارب وأخذ العروض بثمنها الذي يحصل من غيره، وأما إذا طلب البيع وأبى العامل ففيه وجهان (أحدهما) يجبر العامل عليه وهو قول الشافعي لان عليه رد المال ناضا كما أخذه (والثاني) لا يجبر إذا لم يكن في المال ربح وأسقط العامل حقه من الربح لانه بالفسخ زال تصرفه وصار أجنبيا من المال فأشبه الوكيل إذا اشترى ما يستحق رده فزالت وكالته قبل رده، ولو كان رأس المال دنانير فصار دراهم أو بالعكس فهو كما لو كان عرضا على ما شرح وإذا نض رأس المال جميعه لم يلزم العامل أن ينض له الباقي لانه شركة بينهما ولا يلزم الشريك أن ينض مال شريكه ولانه إنما لزمه أن ينض رأس المال ليرد إليه المال على صفته ولا يوجد هذا المعنى في الربح.

[ 172 ]

(مسألة) (وإن كان دينا لزم العامل تقاضيه) سواء ظهر في المال ربح أولم يظهر وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه إلا أن يظهر ربح لانه لا غرض له في العمل فهو كالوكيل ولنا أن المضاربة تقتضي رد المال على صفته والديون لا تجري مجرى الناض فلزمه أن ينضه كما لو ظهر ربح وكما لو كان رأس المال عرضا، ويفارق الوكيل فانه لا يلزمه رد المال كما قبضه ولهذا لا يلزمه بيع العروض ولا فرق بين كون الفسخ من العامل أو رب المال فان اقتضى منه قدر رأس المال أو كان الدين قدر الربح أو دونه لزم العامل تقاضيه أيضا لانه إنما يستحق نصيبه من الربح عند وصوله اليهما على وجه يمكن قسمته ووصول كل واحد منهما إلى حقه لا يحصل ذلك إلا بعد تقاضيه (فصل) إذا مات أحد المتقارضين أو جن انفسخ القراض وقد ذكرناه فان كان برب المال فأراد الوارث أو وليه اتمامه والمال ناض جازو يكون رأس المال وحصته من الربح رأس المال وحصة العامل من الربح شركة له مشاع وهذه الاشاعة لا تمنع لان الشريك هو العامل وذلك لا يمنع التصرف: وإن كان المال عرضا وأرادوا إتمامه فظاهر كلام احمد جوازه لانه قال في رواية علي بن سعيد إذا مات رب المال لم يجز للعامل أن يبيع ويشتري إلا باذن الورثة، فظاهر هذا إبقاء العامل على قراضه وهو منصوص الشافعي لان هذا إنمام للقراض لا ابتداء له ولان القراض إنما منع منه في العروض لانه يحتاج عند المفاصلة إلى رد مثلها أو قيمتها ويختلف ذلك باخلاف الاوقات وهذا غير موجود ههنا لان رأس المال غير العروض وحكمه باق ألا ترى أن للعامل أن يبيعه ليسلم رأس المال ويقسم الباقي؟ وذكر القاضي وجها آخر أنه لا يجوز لان القراض قد بطل بالموت وهذا اتبداء قراض على عروض، قال شيخنا وهذا الوجه أقيس لان المال لو كان ناضا كان ابتداء قرض وكانت حصة العامل من الربح شركة يختص بها دون رب المال

[ 173 ]

وإن كان المال ناقصا بخسارة أو تلف كان رأس المال الموجود منه حال ابتداء القراض فلو جوزنا ابتداء القراض ههنا وبناء هما على القراض لصارت حصة المضاربة من الربح غير مختصة به وحصتها من الربح مشتركة بينهما وحسبت عليه العروض بأكثر من قيمتها فيما إذا كان المال ناقصا، وهذا لا يجوز في القراض بلا خلاف وكلام أحمد محمول على أنه يبيع ويشتري باذن الورثة كبيعه وشرائه بعد انفساخ القراض، فاما إن مات العامل أو جن وأراد رب المال ابتداء القراض مع وارثه أو وليه والمال ناض جاز كما قلنا فيما إذا مات رب المال، وإن كان عرضا لم يجز ابتداء القراض على العروض بأن تقوم العروض ويجعل رأس المال قيمتها يوم العقد لان الذي كان منه العمل قد جن أو مات وذهب عمله ولم يخلف أصلايني عليه وارثه بخلاف ما إذا مات رب المال فان مال القراض موجود ومنافعه موجودة فأمكن استدامة العقد وبناء الوارث عليه، وإن كان المال ناضا جاز ابتداء القراض فيه فان لم يبتدئاه لم يكن للوارث شراء ولا يبع لان رب المال إنما رضي باجتهاد وارثه فإذا لم يرض ببيعه رفعه إلى الحاكم ليبيعه فان كان الميت رب المال فليس للعامل الشراء لان القراض انفسخ واما البيع فالحكم فيه وفي التقويم واقتضاء الدين على ما ذكرناه إذا انفسخت المضاربة ورب االمال حي (مسألة) (وان قارض في المرض فالربح من رأس المال وإن زاد على أجر المثل) إذا قارض في مرضه صح لانه عقد يبتغى فيه الفضل أشبه البيع والشراء وللعامل ما شرط له وإن زاد على أجر مثله ولا يحتسب به من ثلثه لان ذلك غير مستحق من رب المال وإنما حصل بعمل المضارب فما يوجد من الربح المشروط يحدث على ملك العامل ولا يزاحم به أصحاب الوصايا لانه لو أقرض المال كان الربح كله للمقترض فبعضه أولى وهذا بخلاف ما لو حابى الاجير في الاجرة فانه يحتسب بما حاباه من ثلثه لان الاجر يؤخذ من ماله، ولو شرط في المساقاة والمزارعة أكثر من أجر المثل احتمل أن لا

[ 174 ]

يحتسب به من ثلثه لان الثمرة تخرج على ملكيهما كالربح في المضاربة واحتمل أن يكون من ثلثه لان الثمرة زيادة في ملكه خارجة من عينه والربح لا يخرج من عين المال إنما يحتل بالتقليب (مسألة) (ويقدم به على سائر الغرماء إذا مات رب المال) لانه يملك الربح بالظهور فكان شريكا فيه ولان حقه متعلق بعين المال دون الذمة فكان متقدما على المتعلق بالذمة كحق الجناية أو كالمرتهن (مسألة) (وان مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة فهو دين في تركته) وكذلك الوديعة ولصاحبه أسوة الغرماء وقال الشافعي ليس على المضارب شئ لانه لم يكن في ذمته وهو حي ولم يعلم حدوث ذلك بالموت فانه يحتمل أن يكون المال قد هلك ولنا أن الاصل بقاء المال في يده واختلاطه بجملة التركة ولا سبيل إلى معرفة عينه فكان دينا كالوديعة إذا لم يعرف عينها وكما إذا خلطها بماله على وجه لا يتميز منه ولانه لا سبيل إلى اسقاط حق رب المال لان الاصل بقاؤه ولم يوجد ما يعارض ذلك ويخالفه ولا سبيل إلى اعطائه عينا من التركة لانه يحتمل أن تكون غير مال المضاربة فلم يبق إلا تعلقه بالذمة (فصل) قال رضي الله عنه (والعامل أمين والقول قوله فيما يدعيه من هلاك وخسران) لانه متصرف في مال غيره باذنه لا يختص بنفعه أشبه الوكيل بخلاف المستعير فان قبضه المنفته خاصة والقول قوله فيما يدعيه من تلف المال أو بعضه أو خسارة فيه ولا ضمان عليه في ذلك كالوكيل والقول قوله فيما يدعى عليه من خيانة أو تفريط وفيما يدعي أنه اشتراه لنفسه أو للقراض لان الاختلاف ههنا في نيته وهو أعلم بها لا يطلع عليها غيره فكان القول قوله فيما نواه كما لو اختلف الزوجان في نية الزوج بكناية الطلاق ولانه امين في الشراء فكان القول قوله كالوكيل، ولو اشترى عبدا فقال رب المال كنت نهيتك عن شرائه فأنكر العامل فالقول قوله لان الاصل عدم النهي ولا نعلم في هذا كله خلافا وكذلك القول قوله في

[ 175 ]

قدر رأس المال كذلك قال الثوري واسحاق واصحاب الراي حكاه عنهم ابن المنذر وقال اجمع على هذا كل من نحفظ عنه من اهل العلم وبه نقول لانه يدعى عليه قبض شئ وهو ينكره والقول قول المنكر (مسألة) (والقول قول رب المال في رده إليه مع يمينه) نص عليه احمد ولا صحاب الشافعي وجهان احدهما كقولنا والآخر يقبل قول العامل لانه امين ولان معظم النفع لرب المال فالعامل كالمودع وينبغى ان يخرج لنا مثل ذلك بناء على دعوى الوكيل الرد إذا كان بجعل، ووحه الاول انه قبض المال لنفع نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير ولان رب المال منكر والقول قول المنكر والمودع لا نفع له في الوديعة وقولهم ان معظم النفع لرب المال ممنوع وان سلم الا ان المضارب لم يقبضه الا لنفع نفسه لم يأخذه لنفع رب المال. (مسألة) (وفي الجزء المشروط للعامل) إذا اختلفا فيما شرط للعامل ففيه روايتان (إحداهما) القول قول رب المال نص عليه في رواية ابن منصور وسندي وبه قال الثوري واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لان رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل والقول قول المنكر (والثانية) ان العامل ان ادعى أجر المثل أو ما يتغابن الناس به فالقول قوله لان الظاهر صدقه وان أدعى أكثر فالقول قول رب المال فيما زاد على أجر الثمل كالزوجين إذا اختلفا في الصداق وقال الشافعي يتحالفان لانهما اختلفا في عوض عقد فيتحالفان كالمتبايعين

[ 176 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (ولكن اليمين على المدعى عليه) ولانه اختلاف في المضاربة فلم يتحالفا كسائر ما قدمنا اختلافهما فيه والمتبايعان يرجعان على رءوس امولهما بخلاف ما نحن فيه (مسألة) (وان قال أذنت لي في البيع نساء وفي الشراء بخسمة فأنكره رب المال وقال انما أذنت لك في البيع نقدا وفي الشراء باربعة فالقول قول العامل) نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقيل القول قول رب المال وهو قول الشافعي لان الاصل عدم الاذن ولان القول قول رب المال في أصل الاذن فكذلك في صته. ولنا أنهما اتفقا على الاذن واختلفا في صفته فكان القول قول العامل كمما لو قال نهيتك عن شراء عبد فأنكر النهي. (مسألة) (وان قال ربحت الفاثم خسرتها أو تلفت قبل قوله) لانه أمين يقبل قوله فقبل في الخسارة كالو كيل: (مسألة) (وان قال غلطت أو نسيت لم يقبل قوله) لانه مقر بحق لآدمي فلم يقبل قوله في الرجوع عنه كما لو أقربان رأس المال الف ثم رجع ولو ان العامل خسر فقال لرجل أقرضني ما اتمم به رأس المال لاعرضه على ربه فاني أخشى ان ينزعه مني ان علم بالخسارة فاقرضه فعرضه على رب المال فقال هذا رأس مالك فأخذه فله ذلك، وذلك ولا يقبل رجوع العامل عن اقراره ان رجع ولا شهادة المقرض له لانه يجر إلى نفسه نفعا وليس له مطالبة رب المال لان العامل ملكه بالقرض ثم سلمه إلى رب المال وأقر أنه له ولكن يرجع المقرض على العامل لا غير

[ 177 ]

(فصل) وإذا دفع رجل إلى رجلين مالا قراضا على النصف فنض المال وهو ثلاثة آلاف فقال رب المال رأس المال الفان فصدقه احدهما وقال الآخر بل هو الف فالقول قول المنكر مع يمينه فإذا حلف أنه الف فالربح الفان ونصيبه منهما خمسمائة يبقى الفان وخمسمائة يأخذ رب المال الفين لان الآخر يصدقه يبقى خمسمائة ربحا بين رب المال والعامل الآخر يقتسمانه اثلاثا لرب المال ثلثا ها وللعامل ثلثها وذلك لان نصيب رب المال نصف الربح ونصيب العامل ربعه فيقسم بينهما باقي الربح على ثلاثة وما أخذه الحالف فيما زاد على قدر نصيبه كالتالف منهما والتالف يحسب في المضاربة من الربح وهذا قول الشافعي (فصل) إذا دفع إلى رجل الفا يتجر فيه فربح فقال العامل كان قرضا لي ربحه كله وقال رب المال كان قراضا ربحه بيننا فالقول قول رب المال لانه ملكه فكان القول قوله في صفة خروجه عن يده فإذا حلف قسم الربح بينهما، ويحتمل ان يتحالفا ويكون للعامل أكثر الامرين مما شرط له من الربح أو أجر مثله لانه ان كان الاكثر نصيبه من الربح فرب المال معترف له وبه وهو يدعي الربح كله وان كان أجر مثله أكثر فالقول قوله في عمله كما أن القول قول رب المال في ما له فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل بهذا الشرط إنما عمل لغرض لم يسلم له فيكون له أجر المثل، فان أقام كل واحد منهما بينه

[ 178 ]

بدعواه فنص أحمد في رواية منها أنهما يتعارضان ويقسم المال بينهما نصفين، وان قال رب المال كان بضاعة وقال العامل كان قراضا احتمل أن يكون القول قول العامل لان عمله له فيكون القول قوله فيه ويحتمل ان يتحالفا ويكون للعامل أقل الامرين من نصيبه من الربح أو أجر مثله لانه يدعي أكثر من نصيبه من الربح فلم يستحق زيادة وان كان الاقل أجر مثله فلم يثبت كونه قراضا فيكون له أجر عمله، وان قال رب المال كان بضاعة وقال العامل كان قرضا حلف كل واحد منهما على إنكار ما ادعاه خصمه وكان للعامل أجر عمله لا غير وان خسر المال أو تلف فقال رب المال كان قرضا وقال العامل كان قراضا أو بضاعة فالقول قول رب المال (فصل) وإذا شرط المضارب النفقة ثم ادعى انه انفق من ماله واراد الرجوع فله ذلك سواء كان المال باقيا في يديه أو قد رجع إلى مالكه وبه قال أبو حنيفة إذا كان المال في يديه وليس له ذلك بعد رده. ولنا انه امين فكان القول قوله في ذلك كما لو كان باقيا في يديه وكالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم (فصل) إذا كان عبد بين رجلين فباعه احدهما بامر الآخر بالف وقال له اقبض ثمنه وادعى المشتري أنه قضه وصدقه الذي لم يبع برئ المشتري من نصف ثمنه لاعتراف شريك البائع بقبض وكيله حقه فبرئ المشتري منه كما لو أقر بقبضه بنفسه وتبقى الخصومة بين البائع وشريكه والمشتري

[ 179 ]

فان خاصمه شريكه وادعى عليه أنك قبضته نصيبي من الثمن فأنكر فالقول قوله مع يمينه فان كان للمدعي بينة حكم بها ولا تقبل شهادة المشتري له لانه يجبر بها إلى نفسه نفعا وان خاصم البائع المشتري فالقول قول البائع مع يمينه في عدم القبض لانه منكر فإذا حلف أخذ من المشتري نصف الثمن ولا يشاركه فيه شريكه لانه يقر انه يأخذه ظلما فلا يستحق مشاركته فيه وان كانت للمشتري بينة حكم بها ولا تقبل شهادة شريكه عليه شريكه عليه لانه يجربها إلى نفسه نفعا ومن شهد شهادة يجر بها إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل، ولا فرق بين مخاصمة الشريك قبل مخاصمة المشتري أو بعدها وان ادعى المشتري ان شريك البائع قبض الثمن منه فصدقه البائع نظرت فان كان البائع أذن لشريكه في القبض فهي كالتي قبلها وان لم يأذن له فيه لم تبرأ ذمة المشتري من شئ من الثمن لان البائع لم يوكله في القبض فقبضه لا يلزمه ولا يبرأ المشتري منه كما لو دفعه إلى أجنبي، ولا يقبل قول المشتري على شريك البائع لانه ينكره وللبائع بقدر نصيبه لا غير لانه مقر ان شريكه قبض حقه ويلزم المشتري دفع نصيبه إليه من غير يمين لان المشتري مقر ببقاء حقه وان دفعه إلى شريكه لم تبرأ ذمته فإذا قبض حقه فلشريكه مشاركته فيما قبض لان الدين لهما ثابت بسبب واحد فما قبض منه يكون بينهما كما لو كان ميراثا وله ان لا يشاركه ويطالب المشتري بحقه كله ويحتمل أن لا يملك الشريك مشاركته فيما قبض لان كل واحد منهما يستحق ثمن نصيبه الذي ينفرد به فلم يكن لشريكه مشاركته فيما قبض من ثمنه كما لو باع كل واحد نصيبه في

[ 180 ]

صففة، ويخالف الميراث لان سبب استحقاق الورثة لا يتبعض فلم يكن للورثة تبعيضه وههنا يتبعض لانه إذا كان البائع اثنين كان بمنزلة عقدين ولان الوارث نائب عن الموروث فكان ما يقضه هو للموروث يشترك فيه جميع الورثة بخلاف مسئلتنا فان ما يقبضه لنفسه، فان قلنا له مشاركته فيما قبض فعليه اليمين أنه لم يستوف حقه من المشتري ويأخذ من القابض نصف ما قبضه ويطالب المشتري ببقية حقه إذا حلف له أيضا أنه ما قبض منه شيئا وليس للمقبوض منه ان يرجع على المشتري بعوض ما أخذ منه لانه مقر ان المشتري قد برئت ذمته من حق شريكه وإنما أخذ منه ظلما فلا يرجع بما ظلمه هذا على غيره، وإن خاصم المشتري شريك البائع وادعى عليه انه قبض الثمن منه وكانت له بينة حكم بها وتقبل شهادة البائع له إذا كان عدلا لانه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنه ضررا لانه إذا ثبت ان شريكه قبض الثمن لم يملك مطالبته بشئ لانه ليس بوكيل له في القبض فلا يقع قبضه له هكذا ذكر بعض أصحابنا، قال شيخنا وعندي لاتقبل شهادته له لانه يدفع عن نفسه ضرر مشاركة شريكه له فيما يقضه من المشتري فإذا لم يكن بينة فحلف اخذ من المشتري نصف الثمن وان نكل أخذ المشتري منه نصفه (فصل) وإذا كان العبد بين اثنين فغصب رجل نصيب أحدهما بان يستولي على العبد ويمنع أحدهما

[ 181 ]

الانتفاع دون الآخر ثم ان مالك نصفه والغاصب باعا العبد صفقة واحدة صح في نصيب المالك وبطل في نصيب الغاصب، وان وكل الشريك الغاصب أو وكل الغاصب الشريك في البيع فباع العبد كله صفقة واحدة بطل في نصيب الغاصب في الصحيح وهل يصح في نصيب الشريك؟ على روايتين بناء على تفريق الصفقة وقد بطل البيع في بعضها فييطل في سائرها بخلاف ما إذا باع المالك والغاصب فانهما عقدان لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان ولو أن الغاصب ذكر للمشتري انه وكيل في نصفه لصح في نصيب الآذن لكونه كالعقد المنفرد. (فصل) إذا كان لرجلين دين بسبب واحد اما عقد أو ميراث أو استهلاك أو غير ذلك فقبض أحدهما منه شيئا فللآخر مشاركته فيه في ظاهر المذهب وعن احمد ما يدل على أن لاحدهما أخذ حقه دون صاحبه ولا يشاركه الآخر فيما أخذ وهو قول أبي العالية وأبي قلابة وابن سيرين وأبي عبيد، قيل لاحمد بعت أنا وصاحبي متاعا بيني وبينه فأعطاني حقي وقال هذا حقك خامة وأنا أعطي شريكك بعد؟ قال لا يجوز قيل له فان أخره أو أبرأه من حقه دون صاحبه؟ قال يجوز، قيل فقد قال أبو عبيد يجوز أن يأخذ دون صاحبه إذا كان له أن يؤخر ويبرئه دون صاحبه ففكر فيها ثم قال هذا يشبه الميراث إذا أخذ منه بعض الورثة دون بعض وقد قال ابن سيرين وابو قلابة وأبو العالية من أخذ شيئا فهو نصيبه قال فرأيته قد احتج له وأجازه قال أبو بكر العمل عندي على ما رواه حنبل وحرب انه لا يجوز أن يكون نصيب

[ 182 ]

القابض له فيما أخذه لما في ذلك من قسمة الدين في الذمة من غير رضا الشريك فيكون المأخوذ ولا باقي جميعا مشتركا، ولغير القابض الرجوع على القابض بحصته من الدين سواء كان المال باقيا في يده أو أخرجه عنها برهن أو قضاء دين أو غيره، وله ان يرجع على الغريم لان الحق يثبت في ذمته لهما على وجه سواء فليس له تسليم حق احدهما إلى الاخر فان أخذ من الغريم لم يرجع على الشريك بشئ لان حقه ثبت في أحد المحلين فإذا اختار أحدما سقط حقه من الآخر، وليس للقابض منعه من الرجوع على الغريم بأن يقول أنا أعطيك نصف ما قبضت بل الخيرة إليه من أيهما شاء قبض فان قبض من شريكه شيئا رجع الشريك على الغريم بمثله فان هلك المقبوض في يد القابض تعين حقه فيه ولم يضمنه للشريك لانه قدر حقه فما تعدى بالقبض وإنما كان لشريكه مشاركته لثبوته في الاصل مشتركا وإن أبرأ أحد الشريكين من حقه برئ منه لانه بمنزلة تلفه ولا يرجع على غريمه بشئ وان أبرأ أحدهما من عشر الدين ثم قبضا من الدين شيئا اقتسماه على قدر حقهما في الباقي للمبرئ أربعة أتساعه ولشريكه خمسة أتساعه فان قبضا نصف الدين ثم أبرأ أحدهما من عشر الدين كله نفذت في خمس الباقي وما بقي بينهما على ثمانية لمبرئ ثلاثة أثمانه وللآخر خمسة أثمانه فما قبضاه بعد ذلك اقتسماه على هذا، وإن اشترى احدهما بنصيبه ثوبا أو غيره فللا خر إبطال الشراء فان بذل له المشتري نصف الثوب ولا يبطل لم يلزمه ذلك وإن

[ 183 ]

أجاز البيع ليملك نصف الثوب انبنى على بيع الفضولي هل يقف على الاجازة أو لا؟ وإن أخر أحدهما حقه من الدين جاز لانه لو أسقط حقه جاز فتأخيره أولى فان قبض الشريك بعد ذلك شيئا لم يكن لشريكه الرجوع عليه بشئ ذكره القاضي، والاولى أن له الرجوع لان الدين الحال لا يتأجل بالتأجيل فوجود التأجيل كعدمه، واما إذا قلنا بالرواية الاخرى وأن ما يقبضه احدهما له دون صاحبه فوجهها ان ما في الذمة لا ينتقل إلى العين إلا تسليمه إلى غريمه أو وكيله وما قبضه أحدهما فليس لشريكه فيه قبض ولا لو كيله فلا يثبت له فيه حق ويكون لقابضه لثبوت يده عليه بحق فأشبه ما لو كان الدين بسببين وليس هذا قسمة الدين في الذمه وإنما تعين حقه بقبضه فأشبه تعينه بالابراء ولانه لو كان لغير لقابض حق في المقبوض لم يسقط بتلفه كسائر الحقوق ولان هذا القبض ان كان بحق لم يشاركه غيره فيه كما لو كان الدين بسببين وإن كان بغير حق لم يكن له مطالبته لان حقه في الذمة لا في العين فأشبه مالوا خذ غاصب منه مالا، فعلى هذا ما قبضه القابض يختص به وليس لشريكه الرجوع عليه، وإن اشترى بنصيبه شيئا صح ولم يكن لشريكه إبطال الشراء، وإن قبض اكثر من حقه بغير إذن شريكه لم يبرأ الغريم مما زاد على حقه (فصل) الثالث شركة الوجوه وقد اختلف في تفسيرها قال الخرقي وهو ان يشترك اثنان بمال غيرهما وقال القاضي معناها ان يدفع واحد ماله إلى اثنين مضاربة فكيون المضاربان شريكين في

[ 184 ]

الربح بمال غير هما لانهما إذا اخذا المال بجاههما لم يونا مشتركين بملك غيرهما وهذا محتمل، وقال غيره معناها انعما اشتركا فيما يأخذان من مال غيرهما وحملوا كلام الخرقي على ذلك ليكون كلامه جامعا لانواع الشركة، وعلى تفسير القاضي تكون الشركة بين ثلاثة ويكون الخرقي قد أخل بذكر نوع من انواع الشركة، وهي شركة الوجوه على تفسير القاضي فأما شركة الوجوه على ما ذكره شيخنا في الكتاب المشروح فهي ان يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجاربهما من غيران يكون لهما رأس مال على ان ما يشتريانه فهو بينهما نصفين أو أثلاثا أو نحو ذلك ويبيعان ذلك فما قسم الله من الربح فهو بينهما فهي جائزة سواء عين احدهما لصاحبه ما يشتريه أو قدره أو ذكر صنف المال أو لم يعين شيئا من ذلك بل قال ما اشتريت من شئ فهو بيننا، قال احمد في رواية ابن منصور في رجلين اشتركا بغير رءوس اموالهما على ان ما يشتريه كل واحد منهما بينهما فهو جائز وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفا من الثياب، وقال مالك والشافعي يشترط ذكر شرائط الوكالة لان شرائط الوكالة معتبرة في ذلك من تعيين الجنس وغيره من شروط الوكالة لان كل واحد منهما وكيل صاحبه ولنا انهما اشتركا في الابتياع وأذن كل واحد منهما للآخر فيه فصح وكان يتبايعانه بينهما كما لو ذكرا شرائط الوكالة وقولهم ان الوكالة لا تصح حتى يقدر الثمن والنوع ممنوع وان سلم فانما يعتبر في الوكالة المفردة أما الوكالة الداخلة في ضمن الشركة فلا يعتبر فيها ذلك بدليل المضاربة وشركة العنان فان في ضمنها توكيلا ولا يعتبر فيها شئ من هذا كذا ههنا، فعلى هذا ان قال لرجل ما اشتريت اليوم من شئ فهو بيني وبينك نصفان أو اطلق الوقت فقال نعم أو قال ما اشتريت انا من شئ فهو بينى وبينك نصفان جازو كانت شركة صحيحة لانه اذن له في التجارة على ان يكون المبيع بينهما وهذا معنى الشركة ويكون توكيلا له في شراء نصف المتاع بنصف الثمن فيستحق الربح في مقابلة ملكه الحاصل في المبيع سواء خص ذلك بنوع من المتاع أو اطلق وكذلك لو قالا ما اشتريناه

[ 185 ]

أو ما اشتراه أحدنا من تجارة فهو بيننا فكل واحد وكيل صاحبه كفيل عنه بالثمن لان مبناها على الوكالة والكفالة لان كل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه ويبيعه كفيل عنه بذلك (مسألة) (والملك بينهما على ما شرطاه) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنون على شروطهم، والوضيعة على قدر ملكيهما قياسا على شريكي العنان لانها في معناها، والربح بينهما على ما شرطاه لذلك، ويحتمل أن يكون على قدر ملكيهما قاله القاضى لان الربح يستحق بالضمان إذ الشركة وقعت عليه خاصة إذ لا مال لهما فيشتركان على العمل فيه والضمان لا تفاضل فيه فلا يجوز التفاضل في الربح ولانها شريكان في العمل والمال فجاز تفاضلهما في الربح مع تساو يهما في المال كشريكي العنان (مسألة) (وهما في التصرفات كشريكي العنان) يعني فيما يجب لهما وعليهما وفي إقراهما وخصومتهما وغير ذلك على ما ذكرناه وأيهما عزل صاحبه عن التصرف انعزل لانه وكيله، وسميت شركة الوجوه لانهما اشتركا فيما يشتريان بجاهما والجاه والوجه واحد يقال فلان وجيه إذا كان ذا جاه قال الله تعالى في موسى عليه السلام (وكان عند الله وجيها) (فصل) الرابع شركة الابدان وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما فهي شركة صحيحة فهي أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه من المباح كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الحبال والاصطياد والمعادن والتلصص على دار الحرب فهذا جائز نص عليه احمد في رواية أبي طالب فقال

[ 186 ]

لا بأس أن يشترك القوم بابدانهم وليس لهم مال مثل الصيادين والحمالين والنخالين قد اشرك انبي صلى الله عليه وسلم بين عمار وسعد وابن معسود فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشئ، وفسر احمد صفة الشركة في الغنيمة فقال يشتركان فيما يصيبان من سلب المقتول لان القاتل يختص به دون الفانمين وبه قال مالك وقال أبو حنيفة يصح في الصناعة ولا يصح في اكتساب المباح كالاحتشاش والاغتنام لان الشركة مقتضاها الوكالة ولا تصح الوكالة في هذه الاشياء لان من أخذها ملكها، وقال الشافعي شركة الابدان كلها فاسدة لانها شركة على غير مال فلم تصح كما لو اختلفت الصناعات ولنا ما ورى أبو داود والاثرم باسنادهما عن عبد الله قال اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجئ انا عمار بشئ وجاء سعد بأسيرين. ومثل هذا لا يخفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقرهم وقد قال أحمد أشرك بينهم النبي صلى الله عليه وسلم فان قيل فالمغانم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟ وقال بعض الشافعية غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له ان يدفعها إلى من يشاء فيحتمل أن يكون فعل ذلك لهذا قلنا أما الاول فالجواب عنه ان غنائم بدر كانت لمن أخذها قبل أن يشرك الله تعالى بينهم ولهذا نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أخذ شيئا فهو له) فكان ذلك من قبل المباحات من سبق إلى شيئ فهو له ويجوز أن يكون شرك بينهم فيما يصيبون من الاسلاب والنقل الا ان الاول اصح لقوله جاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعما بشئ

[ 187 ]

وأما الثاني فان الله تعالى انما جعل الغنيمة لنبيه عليه السلام بعد أن غنموا واختلفوا في الغنائم فأنزل الله تعالى (يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول) والشركة كانت قبل ذلك ويدل على صحة هذا أنها لو كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاما ان يكون قد أباحهم أخذها فصارت كالمباحات أولم يبحها لهم فكيف يشتركون في شئ لغيرهم؟ وفي هذا الخبر حجة على أبي حنيفة أيضا لانهم اشتركوا في مباح وفيما ليس بضاعة وهو يمنع ذلك ولان العمل أحد جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال وعلى أبي حنيفة أيضا أنهما اشتركا في مكسب مباح فصح كما لو اشتركا في الخياطة والقصارة ولا نسلم ان الوكالة لا تصح في المباحات فانه يصح أن يستنيب في تحصيلها باجرة فكذلك يصح بغير عوض إذا تبرع آخذها بذلك كالتوكيل في بيع ماله ومبناهما على الوكالة لان كل واحد منهما وكيل صاحبه وما يتقبله كل واحد منهما من الاعمال فهو من ضمانهما يطالب به كل واحد منهما (مسألة) (وتصح مع اتفاق الصنائع رواية واحدة فأما مع اختلافهما ففيه وجهان (أحدهما) لا تصح اختاره أبو الخطاب وهو قول مالك لان مقتضاها أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمها ويطالب به كل واحد منهما فإذا تقبل احدهما شيئا مع اختلاف صنائعهما لم يمكن الآخر ان يقوم به فكيف يلزمه عمله؟ ام كيف يطالب بما لا قدرة له عليه؟ (والثاني) تصح اختاره القاضي لانهما اشتركا في مكسب مباح فصح كما لو اتفقت الصنائع ولان الصنائع المتفقة قد يكون احد الرجلين احذق فيها من الآخر فربما يتقبل احدهما مالا يمكن الآخر عمله ولم يمنع ذلك صحتها فكذلك إذا اختلفت الصنائع

[ 188 ]

وقولهم يلزم كل واحد منهما ما يتقبله صاحبه قال القاضي يحتمل ان لا يلزمه ذلك كالوكيلين بدليل صحتها في المباح ولا ضمان فيها وإن قلنا يلزمه امكنه تحصيل ذلك بالاجرة أو بمن يتبرع له بعمله ويدل على صحة هذا انه لو قال احدهما انا اتقبل وانت تعمل صحت الشركة وعمل كل واحد منهما غير عمل صاحبه. وقال زفر لا تصح الشركة إذا قال احدهما انا اتقبل وانت تعمل ولا يستحق العامل المسمى وإنما له اجر المثل. ولنا ان الضمان يستحق به الربح بدليل شركة الابدان و تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضارب فينزل منزلة المضاربة (فصل) والربح في شركة الابدان على ما اتفقوا عليه من مساواة أو تفاضل لان العمل يستحق به الربح وقد يتفاضلان في المعل فجاز تفاضلهما في الربح الحاصل به ولكل واحد منهما المطالبة بالاجرة وللمستأجر دفعها إلى كل واحد منهما وايهما دفعها إليه برئ منها، وان تلفت في يد احدهما من غير تفريط فهي من ضمانهما لانهما كالوكيلين في المطالبة، وما يتفبله كل واحد منهما من الاعمال فهو من ضمانهما يطالب به كل واحد منهما ويلزمه عمله لان هذه الشركة لا تنعقد إلا على المضان ولا شئ فيها تنعقد عليه الشركة حال الضمان فكأن الشركة تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه

[ 189 ]

وقال القاضي يحتمل ان لا يلزم احدهما ما لزم الآخر كما ذكرنا من قبل وما يتلف بتعدي أحدهما أو تفريطه أو تحت يده على وجه يوجب الضمان عليه فهو عليه وحده وإن أقر أحدهما بما في يده قبل عليه وعلى شريكه لان اليد له فيقبل اقراره بما فيها ولا يقبل اقراره بما في يد شريكه ولا بدين عليه لان لا يدله على ذلك (مسألة) (وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما فان طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه ذلك) وجملة ذلك أنه إذا عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما قال ابن عقيل نص عليه أحمد في رواية اسحاق بن هانئ وقد سئل عن الرجلين يشتركان في عمل الابدان فيأتي أحدهما بشئ ولا يأتي الآخر بشئ؟ فقال نعم هذا بمنزلة حديث سعد وعمار وابن مسعود يعني حيث اشتركوا فجاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران ولا ن العمل مضمون عليهما معا وبضمانهما له وجبت الاجرة فتكون لهما كما كان الضمان عليهما ويكون العامل عونا لصاحبه في حصته ولا يمنع ذلك استحقاقه كم استأجر رجلا ليقصر له ثوبا فاستعان القاصر بانسان فقصر معه كانت الاجرة للقصار المستأجر كذاههنا وسواء ترك العمل لمرض أو غيره فان طالب أحدهما الآخران يعمل معه أو يقيم مقامه من يعمل فله ذلك فان امتنع فللآخر الفسخ ويحتمل أنه إذا ترك العمل لغير عذر ان لا يشارك صاحبه في أجرة ما عمله

[ 190 ]

دونه لانه إنما شاركه ليعملا جميعا فإذا ترك احدهما العمل فما وفي بما شرط على نفسه فلم يستحق ما جعل له في مقابلته وانما احتمل ذلك فيما إذا تركه لعذر لانه لا يمكن التحرز منه (مسألة) (وان اشتركا ليحملا على دابتيهما والاجرة بينهما صح) لانه نوع من الاكتساب والدابتان آلتان فاشبها الاداة (مسألة) (فإذا تقبلا حمل شئ فحملاه عليهما أو على غير الدابتين صحت الشركة) والاجرة بينهما على ما شرطاه لان تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتهما ولهما ان يحملا باي ظهر كان والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه فأشبه مالو تقب قصاره فقصراها بغير أداتهما (مسألة) (وان اجراهما بأعيانهما فلكل واحد منهما أجرة دابته) أما إذا أجرا الدابتين بأعيانهما على حمل شئ باجرة معلومة واشتركا على ذلك لم تصح الشركة ولكل واحد منهما أجرة دابته لانه لم يجب ضمان الحمل في ذممهما وإنما استحق المكتري منفعة البهيمة التي استأجرها ولهذا تنفسخ الاجارة بموت الدابة المستأجرة ولان الشركة إما أن تنعقد على الضمان في ذممهما أو على عملهما وليس هذا بواحد منهما فانه لم يثبت في ذممهما ضمان ولا عملا بابدانهما ما تجب الاجرة في مقابلته ولان الشركة تنضمن الوكالة والوكالة على هذا الوجه لا تصح ولهذا قال أجر

[ 191 ]

عبدك وتكون أجرته بينى وبينك لم يصح كما لو قال بع عبدك وثمنه بيننا لم يصح قال شيخنا ويحتمل ان تصح الشركة كما لو اشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما من المباح فان أعان أحدهما صاحبه في التحميل والنقل كان له أجر مثله لانها منافع وفاها بشبهة عقد (فصل) فان كان لاحدهما أداة قصارة ولآخر بيت فاشتركا على ان يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما جاز والاجرة على ما شرطاه لان الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة والآلة والبيت لا يستحق بهما شئ لانهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجرهما لحمل الشئ الذي تقبلا حمله، وان فسدت الشركة قسم الحاصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والاداة، وان كانت لاحدهما آلة وليس للآخر شئ أو لاحدهما بيت وليس للآخر شئ فاتفقا على ان يعملا بالآلة أو في البيت والاجرة بينهما جاز لما ذكرنا (فصل) وان دفع رجل دابته إلى آخر ليعملا عليها وما رزق الله بنيهما نصفين أو أثلاثا أو ما شرطاه صح نص عليه أحمد في رواية الاثرم ومحمد بن أبي حرب وامد بن سعيد ونقل عن الاوزاعي ما يدل عليه هذا وكره ذلك الحسن والنخعي، وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر واصحاب الرأي لا يصح والربح كله لرب الدابة لان الحمل الذي يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله لان هذا ليس من اقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض ولان المضاربة تكون

[ 192 ]

بالتجارة في الاعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا اخراجها عن ملك مالكها وقال القفاضي يتخرج أن لا يصح بناء على ان المضاربة بالعروض لا تصح فعلى، هذا ان كان أجر الدابة بعينها فالاجرة لما لكها وان تقبل حمل شئ فحمله عليها أو حمل عليها شيئا مباحا فباعه فالاجرة والثمن له وعليه أجر مثلها لما لكها ولنا أنها عين تنمي بالعمل عليها فصح العقد ببعض نمائها كالدارهم والدنانير وكالشجر في المساقاة والارض في المزارعة قولهم ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة المزارعة فانه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها وبهذا يتبين أن تخرجها على المضاربة بالعروض فاسد فان المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال وهذا بخلافه وذكر القاضي في موضع آخر ان من استأجر دابة بنصف ما يرزق الله تعالى أو ثلثه جاز قال شيخنا ولا أرى لهذا وجها فان الاجارة يشترط لصحاها العلم بالعوض وتقدير المدة أو العمل ولم يوجد ولان هذا عقد غير منصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص فهو كسائر العقود الفاسدة إلا أن يريد بالاجارة المعاملة على الوجه الذي تقدم وقد اشاره أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة فقال لا بأس

[ 193 ]

بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر وهذا يدل على انه صار في هذا ومثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة والاجارة (فصل) نقل أبو داود عن احمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة أرجوان لا يكون به بأس قال اسحاق بن ابراهيم قال أبو عبد الله إذا كان على النصف والربح فهو جائز وبه قال الاوزاعي ونقل أحمد بن سعيد عن احمد فيمن دع عبده إلى رجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله فمصا ويبيعها وله نصف ربحها بحق عمله جاز نص عليه في رواية حرب وكذلك ان دفع غزلا إلى رجل يسنجه بثلث ثمنه أو ربعه جاز نص عليه، وقال مالك وابو حنيفة والشافعي لا يجوز شئ من ذلك لانه عوض مجهول وعمل مجهول وقد ذكرنا وجه جوازه فان جعل له مع ذلك دراهم لم يجز نص عليه وعنه يجوز والصحيح الاول قال ابو بكر هذا قول قذيم وما روي غير هذا فعليه المتمد قال الاثرم سمت ابا عبد الله يقول لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع وسئل عن الرجل يعطي الثوب بلا ثلث ودراهم أو درهمين قال اكرهه لان هذا شئ لا يعرف والثلث إذا لم يكن معه شئ نراه جازا لحديث جابران

[ 194 ]

النبي صلى الله عليه وسلم اعطى خيبر على الشطر ققيل لابي عبد الله فان كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما؟ قال فليجعل له ثلثا وعشرا ثلثا ونصف عشر وما اشبهه وروى الاثرم عن ابن سيرين والنخعي والزهري وايوب ويعلى بن حكيم انهم اجازوا ذلك وقال ابن المنذ ركره هذا كله الحسن وقال أبو ثور واصحاب الراي: هذا كله فاسد واختاره ابن المنذر وابن عقيل وقالوا لو دفع شبكته إلى الصياد ليصيدبها السمك بينهما نصفان فالصيد كله للصائد ولصاحب الشبكة اجر مثلها وقياس ما نقل عن احمد صحة الشركة وما رزق الله بينهما على ما شرطاه لانها عين تنمي بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالارض (فصل) وقد ذكر ابن عقيل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قفيز الطحان وهو ان يعطي الطان اقفزة معلومة يطحنها يقفيز دقيق منها وعلة المنع انه جعل له بعض معموله اجرا لعمله فيصير الطحن مستحقا له وعليه وهذا الحديث لا نعرفه ولم تثبت صحته ولا ذكره اصحاب السنن وقياس قول احمد جوازه لما ذكرنا عنه من المسائل (فصل) فان كان لرجل دابة ولآخر إكاف وجو القات فاشتركا على ان يؤجراهما والاجرة

[ 195 ]

بينهما نصفان فهو فاسد لان هذه اعيان لا يصح الاشتراك فيها كذلك في منافعها إذا تقديره اجر دابتك لتكون اجرتها بيننا وأؤجر جوالقاتي لتكون اجرتها بيننا وتكون كلها لصاحب البهيمة لانه مالك الاصل وللآخر اجر مثله على صاحب البهيمة لانه استوفى منافع ملكه بعقد فاسد، هذا إذا اجر الدابة بما عليها من الاكاف والجوالقات في عقد واحد فأما ان اجر كل واحد منهما ملكه مفردا فلكل واحد اجر ملكه وهكذا لو قال رجل لصاحبه اجر عبدي والاجر بيننا كان الاجر لصاحبه وللآخر اجر مثله وكذلك في جميع الاعيان (فصل) فان اشترك ثلاثة من احدهم دابة ومن آخر رواية ومن آخر العمل على ان ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قول احمد فانه نص في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها على ان لهما الاجرة على الصحة وهذا لانه دفع دابته إلى آخر يعمل عليها والرواية عين تنمي بالعمل عليها فهي كالبهيمة فعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه وهذا قول الشافعي ولانهما وكلا العامل في كسب مباح بآلة دفعا ها إليه فاشبه مالو دفع إليه أرضه ليزرعها، وهكذا لو اشترك أربعة من أحدهم دكان ومن

[ 196 ]

اخر رحى ومن اخر بغل ومن اخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بينهم صح وكان بينهم على ما شرطوه وقال القاضي العقد فاسد في السمئلتين جميعا وهو ظاهر قول الشافعي، لان هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة لكونه لا يجوز أن يكون راس مالهما العروض ولان من شرطهما عود رأس المال سليما بمعني أنه لا يستحق شئ من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله والرواية هنا تخلق وتنقص، ولا اجارة لانها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم فتكون فاسدة، فعلى هذا يكون الاجر كله في المسألة الاولى للسقاء لانه لما غرف الماء في الاناء ملكه فإذا باعه فثمنه له لانه عوض ملكه وعليه لصاحبه أجر المثل لانه استعمل ملكهما بعوض يسلم لهما فكان لهما أجر المثل كسائر الاجارات الفاسدة وأما في المسألة الثانية فانهم إذا طحنوا الرجل طعاما باجرة نظرت في عقد الاجارة فان كان من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فالاجر كله له وعليه لاصحابه أجر المثل، وان نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كل واحد منهم منفردا أو استأجر من جميعهم فقال استأجر تكم لتطحنو الي هذا الطعام

[ 197 ]

بكذا فالاجر بينهم أرباعا لان كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه ويرجع كل واحد منهم على أصحابه بريع أجر مثله وان قال استأجرت هذا الدكان والبغل والرجا وهذا الرجل بكذا وكذا من الطعام صح والاجر بينهم على قدر أجر مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته في أحد الوجهين وفي الاخر يكون بينهم ارباعا بناء على ما إذا تزوج اربعا بمهر واحد أو كاتب أربعة أعبد بعوض واحد هل يكون العوض أرباعا أو على قدر قيمتهم؟ على وجهين

[ 198 ]

(مسألة) (وان جمعا بين شركة العنان والابدان والوجوه والمضاربة صح) لان كل واحد منهما يصح منفردا فصح مع غيره كحالة الانفراد (فصل) الخامس شركة المفاوضة وهو أن يدخلا في الشركة الاكساب النادرة كوجدان لقطة أو ركاز أو ما يحصل لهما من ميراث وما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو ارش جناية أو نحو ذلك

[ 199 ]

فهذه شركة فاسدة، وبهذا قال الشافعي واجازه الثوري والاوزاعي وأبو حنيفة وحكي عن مالك وشرط أبو حنيفة لها شروطا وهي ان يكونا حرين مسلمين وان يكون مالهما في الشركة سواء وان يخرجا جميعا ما يملكانه من جنس الشركة وهو الدراهم والدنانير، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تفاوضتم فاحسنوا المفاوضة ولانها نوع شركة تختص باسم فكان منها صحيح كشركة العنان ولنا أنه عقد لا يصح بين كافرين ولابين كافر ومسلم فلم يصح بين المسلمين كسائر العقود الفاسدة ولانه

[ 200 ]

عقد لم يرد الشرع بمثله فلا يصح كما ذكرنا ولان فيه غررا فلم يصح كبيع الغرر، بيان غرر انه يلزم كل واحد ما لزم الآخر وقد يلزمه شئ لا يقدر على القيام به وقد أدخلا فيه الاكساب النادرة فاما الخبز فلا نعرفه ولا رواه أصحاب المنن وليس فيه ما يدل على انه أراد هذا العقد فيحتمل انه أراد المفاوضة في الحديث ولهذا روي فيه (ولا تجادلوا فان المجادلة من الشيطان) وأما القياس فلا يصح فان اختصاصها باسم لا يقتضي الصحة كبيع المنابذة والملامسة وسائر البيوع الفاسدة وشركة العنان تصح بين الكفارين والكافر والمسلم بخلاف هذا

[ 201 ]

باب الوكالة وهي جائزة بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) فجوز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين وأيضا قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) وهذه وكالة، وأما السنة فروى أبو داود والاثرم وابن ماجه بانسادهم عن عروة بن الجعد قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا فقال (يا عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة) قال فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما وأقودهما فلقبني رجل بالطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة فقلت يا رسو الله هذا دينار كم وهذه شاتكم قال (وصنعت كيف؟) قال فحدثته الحديث فقال (اللهم بارك له في صفقة يمينه) هذا لفظ رواية الاثرم وروى أبو داود باسناده عن جابر بن عبد الله قال أردت الخروج إلى خيبر فاتيت النبي صلى الله عليه وقلت أني أردت الخروج إلى خيير فقال (ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فان ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته) وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه وكل عمر وبن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة

[ 202 ]

وأجمعت الامة على جواز الوكالة في الجملة، ولان الحاجة داعية إلى ذلك فانه لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه. (مسألة) (تصح الوكالة بكل قول بدل الاذن وكل قول أو فعل بدل القبول) لا تصح الوكالة الا بالايجاب والقبول لانه عقد تعلق به حق كل واحد منهما فافتقر إلى الايجاب والقبول كالبيع، والايجاب هو كل لفظ دل على الاذن نحو قوله افعل كذا أو اذنت لك في فعله فان النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجعد في شراء شاة بلفظ الشراء وكذلك قوله تعالى حكاية عن أهل الكهف (فابعثوا احدكم بورقكم هذه إلى المدينة إلى قوله فليأتكم برزق منه) ولانه لفظ دل على الاذن فهو كقوله وكلتك ويكفي في القبول قوله قبلت وكل لفظ دل عليه ويجوز بكل فعل دل عليه أيضا نحو ان يفعل لان ما أمره بفعله لان الذين وكلهم النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنهم سوى امتثال امره ولانه اذن في التصرف فجاز القبول فيه بالفصل كأكل الطعام (مسألة) (يجوز القبول على الفور والتراخي نحوان يوكله في بيع شئ فيبيعه بعد سنة أوبيلغه أنه وكله منذ شهر فيقول قبلت) لان قبول وكلاء النبي صلى الله عليه كان بفعلهم وكان متراخيا عن توكيله إياهم ولانه اذن في التصرف والاذن قائم ما لم يرجع عنه أشبه الاباحة وهذا كله مذهب الشافعي (فصل) ويجوز تعليقها على شرط نحو قوله إذا قدم الحاج فافعل كذا أو إذا جاء الشتاء فاشتر لنا

[ 203 ]

كذا أو إذا جاء الاضحى فاشتر لنا أضحية أو إذا طلب منك أهلي شيئا فادفعه إليهم أو إذا دخل رمضان فقد وكلتك في كذا أو فأنت وكيلي وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي لا تصح لكن إن تصرف صح تصرفه لوجود الاذن وان كان وكيلا بجعل فسد المسمى وله اجر المثل لانه عقد يملك التصرف به في الحياة أشبه البيع ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (أمير كم زيد فان قتل فجعفر فان قتل فعبد الله بن رواحة) وهذا في معناه ولا نه عقد اعتبر في حق الوكيل حكمة وهو إباحة التصرف وصحته فكان صحيحا كما لو قال انت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج ولانه لو قال وكلتك في شراء كذا في وقت كذا صح بلا خلاف ومحل النزاع في معناه ولانه اذن في التصرف أشبه الوصية والتأمير ولانه عقد يصح بغير جعل ولا يختص فاعله أن يكون من اهل القربة فصح بالجعل كالتوكيل الناجز (مسألة) (ولا يصح التوكيل والتوكل في شئ الاممن يصح تصرفه فيه) لان من يصح تصرفه بنفسه فبنائبه أولى وكل من صح تصرفه في شئ بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلا كان أو امرأة حرا أو عبدا مسلما أو كافرا فأما من يتصرف بالاذن كالعبد المأذون له والوكيل والمضارب فلا يدخلون في هذا، لكن يصح من العبد التوكيل فيما يملكه دون سيده كالطلاق والخلع، وكذلك الحكم في المحجور عليه لسفه لا يوكل الافيما له فعله كالطلاق

[ 204 ]

والخلع وطلب القصاص، وكل ما صح ان يستوفيه بنفسه وتدخله النيابة صح أن يتوكل لغيره فيه إلا الفاسق فانه يصح أن يقبل النكاح لنفسه، وذكر القاضي أنه لا يجوز ان يقبله لغيره وظاهر كلام شيخنا في الكتاب المشروح أنه يصح وهو قول ابى الخطاب وهو القياس ولا صحاب الشافعي وجهان كهذين فأما توكيله في الايجاب فلا يجوز إلا على الرواية التى تثبت الولاية له وذكر اصحاب الشافعي في في ذلك الوجهين (أحدهما) يجوز لانه ليس بولي (والثانى) لا يجوز لا نه موجب للنكاح أشبه الولي ولانه لا يجوز ان يتولى ذلك بنفسه فلم يجز ان يتوكل فيه كالمرأة ويصح توكيل المرأة في طلاق نفسها وغيرها ويصح توكيل العبد في قبول النكاح لانه ممن يجوز ان يقبله لنفسه وانما يقف ذلك على اذن سيده ليرضى بتعلق الحقوق به، ومن لا يملك التصرف في شئ لنفسه لا يصح ان يتوكل فيه كالمرأة في عقد انكاح وقبوله والكافر في تزويج مسلمة والطفل والمجنون في الحقوق كلها، وللمكاتب ان يوكل فيما يتصرف فيه بنفسه وله ان يتوكل بجعل لانه من اكتساب المال ولا يمنع من الاكتساب، وليس له ان يتوكل بغير جعل الا باذن سيده لان منافعه كاعيان ماله وليس له بذلك عين ماله بغير عوض وتصح وكالة الصبي المميز باذن الولي بناء على صحة تصرفه باذنه (مسألة) (ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه الا الظاهر واللعان والايمان)

[ 205 ]

وجملة ذلك أن التوكيل يجوز في الشراء والبيع ومطالبة الحقوق والعتق والطلاق حاضرا كان الموكل أو غائبا وقد ذكرنا الدليل على ذلك من الآية والخبر والحاجة تدعو إليه لانه قد يكون ممن لا يحسن البيع والشراء أو لا يمكنه الخروج إلى السوق وقد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه وقد يحسن ولا يتفرغ وقد لا تليق به التجارة لكونه امرأة أو ممن يتعير بها ويحط ذلك من منزلته فاباحها الشرع دفعا للحاجة وتحصيلا لمصلحة الآدمي المخلوق لعبادة الله سبحانه، وكذلك يجوز التوكيل في الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والاجارة والقرض والصلح والهبة والصدقة والوصية والفسخ والابراء لانها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه ولا نعلم فيه خلافا، ويجوز التوكيل في الخلع والرجعة لان الحاجة تدعو إليه كدعائها إلى التوكيل في البيع ويجوز التوكيل في تحصيل المباحات كاحياء الموات واستقاء الماء و الاصطياد والاحتشاش لانها تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز التوكيل فيه كالا بتياع والايهاب (فصل) ولا تصح في الايمان والنذور لانها تتعلق بعين الحالف والناذر فأشبهت العبادات البدنية والحدود ولا تصح في الايلاء والقسامة واللعان لانها أيمان ولا في الظهار لانه قول منكر وزور فلا يجوز فعله ولا الاستنابة فيه ولا تجوز في القسم بين الزوجات لانها تتعلق ببدن الزوج لامر يختص به

[ 206 ]

ولا في الرضاع لانه يختص بالمرضعة والمرتضع لامر يختص بانبات لحم المرتضع وإنشاز عظمه من لبنها، ولا تصح في الغصب ولا في الجنايات لان ذلك محرم وكذلك كل محرم لانه لا يحل له فعله بنفسه قلم تجز النيابة فيه (مسألة) (ويجوز أن يوكل من يقبل له النكاح ومن يزوج موليته إذا كان الوكيل ممن يصح له ذلك لنفسه وموليته لان النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح له ولان الحاجة تدعو إليه فانه ربما احتاج إلى التزويج من مكان بعيد لا يمكنه السفر إليه كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وهي بأرض الحبشة ويجوز أن يوكل من يزوج موليته لان الحاجة تدعو إليه فأشبه البيع إذا كان الوكيل ممن يصح منه ذلك لموليته، وهل يجز ان يكون فاسقا؟ ينبني على اشتراط ذلك في ولاية النكاح وسيذكر في بابه ان شاء الله (فصل) ولا يصح التوكيل في الشهادة لانها تتعلق بعين الشاهد لكونها خبرا عما رآه أو سمعه ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه فان استناب فيها كان النائب شاهدا على شهادة لكونه يؤدي ما سمعه من شاهد الاصل وليس بوكيل، ولا يصح في الاغتنام لانه متى حضر النائب تعين عليه الجهاد فكان السهم له ولا في الالتقاط لانه بأخذه يصير لملتقطه (فصل) ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها حاضرا كان الموكل أو غائبا صحيحا أو مريضا وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة للخصم

[ 207 ]

أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرا لان حضوره مجلس الحاكم ومخاصمته حق لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضاء خصمه كالدين عليه ولنا أنه حق تجوز النيابة فيه فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضاء خصمه كحالة غيبته ومرضه وكدفع المال الذي عليه ولانه اجماع الصحابة رضي الله عنهم فان عليا وكل عقيلا عند أبي بكر رضي الله عنه وقال ما قضي له فلي وما قضي عليه فعلي ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال ان للخصومة قحما وان الشيطان يحضرها واني لاكره أن أحضرها قال أبو زياد القحم المهالك وهذه قصص اشتهرت لانها في مظنة الشهرة فلم ينقل انكارها ولان الحاجة تدعو إلى ذلك فانه قد يكون له حق أو يدعى عليه ولا يحسن الخصومة أو لا يحب أن يتولاها بنفسه ويجوز التوكيل في الاقرار ولاصحاب الشافعي وجهان (احدهما) لا يجوز التوكيل فيه لانه إخبار بحق فلم يجز التوكيل فيه كالشهادة ولنا أنه إثبات حق في الذمة بالقول فجاز التوكيل فيه كالبيع وفارق الشهادة فانها لا تثبت الحق وإنما هو اخبار بثبوته على غيره، ويجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف واستيفائهما لانهما من من حقوق الآدميين وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما لان من له الحق قد لا يحسن الاستيفاء أو لا يحب أن يتولاهما (مسألة) (ويجوز في كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في اثباتها واستيفائها كحد الزنا والسرقة) لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (اغديا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر بها فرجت متفق عليه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ما عز فرجموه ووكل عثمان عليا في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة رواه مسلم ولان الحاجة تدعو إليه لان الامام لا يمكنه

[ 208 ]

تولي ذلك بنفسه، ويجوز التوكيل في اثباتها وقال أبو الخطاب لا يجوز وهو قول الشافعي لانها تسقط بالشبهات وقد أمرنا بدرئها بها والتوكيل توصل إلى الايجاب ولنا حديث أنيس الذي ذكرناه فان النبي صلى الله عليه وسلم وكله في إثباته واستيفائه جميعا يقوله (فان اعترفت فارجمها) وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت وقد وكله في اثباته ولان الحاكم إذا استناب دخل في ذلك الحدود فإذا دخلت في التوكيل بطريق العموم فبالتخصيص يكون دخولها أولى والوكيل يقوم مقام الموكل في درئها بالشبهات (فصل) فأما العبادات فما تعلق منها بالمال كالصدقات والزكاة والمنذورات والكفارات جاز التوكيل في قبضها وتفريقها ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها ودفعها إلى مستحقها ويجوز أن يقول لغيره اخرج زكاة مالى من مالك لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمين أعلمهم ان عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) متفق عليه ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه وكذلك العمرة ويجوز ان يستناب من يحج عنه بعد الموت، وفاما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدت فلا يجوز التوكيل فيها فانها تتعلق ببدن من هي عليه فلا يقوم غيره مقامه الا أن الصيام المنذور يفعل عن الميت وليس ذلك بتوكيل لانه لم يوكل في ذلك ولا وكل فيه غيره، ولا يجوز في الصلاة إلا في ركعتي الطواف تبعا للحج ولا تجوز الاستنابة في الطهارة الا في صب الماء وإيصاله إلى الاعضاء وفي تطهير النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما (مسألة) (ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته نص عليه احمد وهو قول مالك الا القصاص، وحد القذف عند بعض أصحابنا لا يجوز في غيبته)

[ 209 ]

وقد أومأ إليه احمد وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية لانه يحتمل ان يعفو الموكل في حال غيبته فيسقط وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء ولان العفو مندوب إليه فإذا حضر احتمل ان يرحمه فيعفو والاول ظاهر المذهب لان ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل جاز في غيبته كالحدود وسائر الحقوق واحتمال العفو بعيد والظاهر أنه لو عفا لبعث وأعلم وكيله وبعفوه والاصل عدمه فلا يؤثر الا ترى ان قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحكمون في البلاد ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ وكذلك لا يختلط في استيفاء الحدود باحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة أو بغير اجتهاد الحاكم. (مسألة) (ولايجوز للوكيل ان يوكل فيما يتولى مثله بنفسه إلا باذن الموكل وعنه يجوز وكذلك الوصي والحاكم وله التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه أو يعجز عنه لكثرته) وجملة ذلك ان التوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) ان ينهى الموكل وكيله عن التوكيل فلا يجوز له ذلك بغير خلاف لان مانهاه عنه غير داخل في اذنه فلم يجزله كما لو لم يوكله (الثاني) ان يأذن له في التوكيل فيجوز له لانه عقد أذن فيه فكان له فعله كالتصرف المأذون فيه ولا نعلم في هذا خلافا فان قال وكلتك فاصنع ما شئت فله ان يوكل، وقال اصحاب الشافعي ليس له التوكيل في أحد الوجهين لان التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه فقوله اصنع ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه ولنا ان لفظه عام فيما شاء فيدخل في عمومه التوكيل (الثالث) اطلق له الوكالة فلا يخلو من اقسام ثلاثة (أحدها) أن يكون العمل مما يترفع الوكيل عن مثله كالاعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه فانه لا يجوز له التوكيل فيه لانه إذا كان مما لا يعمله الوكيل عادة انصرف الاذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة فيه (القسم الثاني) ان يكون مما يعمله بنفسه الا أنه يعجز عن عمله لكثرته وانتشاره فيجوز له التوكيل في عمله أيضا لان الوكالة اقتضت جواز التوكيل في فعل جميعه كما لو أذن فيه بلفظه، وقال القاضي عندي

[ 210 ]

أنه إنما له التوكيل فيما زاد على ما يتمكن من عمله بنفسه لان التوكيل إنما جاز للحاجة فاختص ما دعت إليه الحاجة بخلاف وجود إذنه فانه مطلق ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (القسم الثالث) ما عدا هذين القسمين وهو ما يمكنه عمله بنفسه ولا يترفع عنه فهل يجوز له التوكيل فيه؟ على روايتين (احداهما) لا يجوز نقلها ابن منصور وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي لانه لم يأذن له بالتوكيل ولا تضمنه اذنه فلم يجز كما لو نهاه ولانه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه فلم يكن له ان يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة (والثانية) يجوز نقلها أحمد وبه قال ابن أبي ليلى إذا مرض أو غاب لان الوكيل له أن يتصرف بنفسه فملكه بنائبه كالمالك والاولى أولى ولا يشبه الوكيل المالك فان المالك يتصرف في ملكه كيف شاء بخلاف الوكيل (فصل) وكل وكيل جاز له التوكيل فليس له ان يوكل الا أمينا لانه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين فيفيد جواز التوكيل بما فيه الحظ والنظر كما ان الاذن في البيع يتقيد بالبيع بثمن المثل الا ان يعين له الموكل من يوكله فيجوز توكيله وان لم يكن أمينا لانه قطع نظره بتعيينه فان وكل أمينا فصار خائنا فعليه عزله لان تركه يتصرف مع الخياتة تضييع وتفريط والوكالة تقتضي استئمان أمين وهذا ليس بأمين فوجب عزله (فصل) والحكم في الوصي يوكل فيما أوصى به إليه وفي الحاكم يولى القضاء في ناحية يستنيب غيره حكم الوكيل فيما ذكرنا من التفصيل إلا أن المنصوص عن أحمد في رواية منها جواز ذلك وهو قول الشافعي في الوصي لان الوصي يتصرف بولائه بدليل انه لم يتصرف فيما لم ينص له على التصرف فيه والوكيل لا يتصرف الا فيما نص له عليه قال شيخنا والجمع بينهما أولى لانه متصرف في مال غيره بالاذن فأشبه الوكيل وانما يتصرف فيما اقتضته الوصية كالوكيل انما يتصرف فيما اقتضته الوكالة

[ 211 ]

(فصل) فأما الولي في النكاح فله التوكيل في تزويج موليته بغير إذنها أبا كان أو غيره وقال القاضي فيمن لا يجوز له الاجبار هل هو كالوكيل؟ يخرج على الروايتين المنصوص عليهما في الوكيل ولا صحاب الشافعي فيه وجهان (أحدهما) لا يملك التوكيل الا باذنها لانه لا يملك التزويج الا باذنها أشبه الوكيل ولنا ان ولايته من غير جهتها فلم يعتبر اذنها في توكيله فيها كالاب بخلاف الوكيل فان الولي متصرف بحكم الولاية الشرعية أشبه الحاكم ولان الحاكم يملك تفويض عقود الانكحة إلى غيره بعير إذن النساء فكذلك الولي وما ذكروه يبطل بالحاكم والذي يعتبر اذنها فيه هو غير ما يوكل فيه بدليل ان الوكيل لا يستغني عن إذنها في التزويج فهو كالموكل في ذلك (فصل) إذا أذن الموكل في التوكيل فوكل كان الوكيل الثاني وكيلا للموكل لا ينعزل بموت الوكيل الاول ولا عزله ولا يملك الاول عزل الثاني لانه ليس بوكيله وان أذن له ان يوكل لنفسه جاز وكان وكيلا للوكيل ينعزل بموته وعزله، وان مات الموكل أو عزل الاول انعزلا جميعا لانهما فرعان له لكن أحدهما فرع الآخر فذهب حكمهما بذهاب أصلهما وان وكل من غير أن يؤذن له في التوكيل نطلقا بل وجد عرفا أو على الرواية التي أجزنا له التوكيل من غير إذن فالثاني وكيل الوكيل الاول حكمه حكم ما لو أذن له ان يوكل لنفسه (مسألة) (ويجوز توكيل عبد غيره باذن سيده) لان المنع لحق السيد فجاز باذنه ولا يجوز بغير اذنه لانه لا يجوز له التصرف بغير اذن سيده لكونه محجورا عليه فإذا أذن في ذلك صح كما تصح تصرفاته باذنه (مسألة) (فان وكله باذنه في شراء نفسه من سيده فعلى روايتين) (إحداهما) يصح وبه قال أبو حنيفة وبعض الشافعية (والثانية) لا يجوز وهو قول بعض

[ 212 ]

الشافعية لان يد العبد كيد سيده فأشبه مالو وكله في الشراء من نفسه ولهذا يحكم للانسان بما في يد عبده، ولنا انه يجوز ان يشتري عبدامن غير مولاه فجازان يشتريه من مولاه كالاجنبي وإذا جاز ان يشتري غيره جاز ان يشتري نفسه كما ان المرأة لما جاز توكيلها في طلاق غيرها جاز في طلاق نفسها، والوجه الذي ذكروه لا يصح لان أكثر ما يقدر ههنا جعل توكيل العبد كتوكيل سيده وسنذكر صحة توكيل السيد في البيع والشراء من نفسه فههنا أولى، فعلى هذا إذا قال العبد اشتريت نفسي لزيد وصدقاه صح ولزم زيدا الثمن، وان قال السيد ما اشتريت نفسك الا لنفسك عتق العبد لاقرار السيد على نفسه بما يعتق به ويلزم العبد الثمن في ذمته لسيده لان زيدا لا يلزمه الثمن لعدم حصول العبد له وكون سيده لا يدعيه عليه فلزم العبد لان الظاهر ممن باشر العقد انه له، وان صدقه السيد وكذبه زيد نظرت في تكذيبه فان كذبه في الوكالة خلف وبرئ وللسيد فسخ البيع واسترجاع عبده لتعذر ثمنه وان صدقه في الوكالة وقال ما اشتريت نفسك لي فالقول قول العبد لان الوكيل يقبل قوله في التصرف المأذون فيه (فصل) وإذا وكل عبده في اعتاق نفسه أو امرأته في طلاق نفسها صح، وان وكل العبد في اعتاق عبيده أو المرأة في طلاق نسائه لم يملك اعتاق نفسه ولا المرأة طلاق نفسها لانه ينصرف باطلاقه إلى التصرف في غيره ويحتمل ان لهما ذلك لشمولهما عموم اللفظ كما يجوز للوكيل في البيع ان يبيع من نفسه في احدى الروايتين، وان وكل غريمه في إبراء نفسه صح لانه وكله في اسقاط حق من نفسه فهو كتوكيل البعد في اعتاق نفسه، وإن وكله في ابراء غرمائه لم يكن له أن يبرئ نفسه كما لو وكله في حبس غرمائه لم يملك حبس نفسه، وان وكله في خصومتهم لم يكن وكيلا في خصومة نفسه ويحتمل ان يملك ابراء نفسه لما ذكرنا من قبل، وان وكل المضمون في ابراء الضامن فابرأ صح ولم يبرأ المضمون عنه وإن وكل الضمان في ابراء المضمون عنه أو الكفيل في ابراء المكفول عنه صح وبرئ الوكيل ببراءته لانه فرع عليه فإذا برئ الاصل برئ الفرع

[ 213 ]

(مسألة) (والوكالة عقد جائز من الطرفين) لكل واحد منهما فسخها متى شاء لانه إذن في التصرف فكان لكل واحد منهما إبطاله كالاذن في أكل طعامه فان وكل المرتهن في بيع الرهن ففيه اختلاف ذكرناه (مسألة) (وتبطل بالموت والجنون والحجر للسفه وكذلك كل عقد جائز كالشركة والمضارية) تبطل الوكالة بموت الموكل والوكيل وجنون المطلق بغير خلاف علمناه إذا علم الحال وكذلك يبطل بخروجه عن أهلية التصرف كالحجر عليه لسفه لانه لا يملك التصرف فلا يملكه غيره من جهته كالجنون والموت وكذلك كل عقد جائز كالشركة والمضاربة قياسا على الوكالة قال أحمد في الشركة إذا وسوس أحدهما فهو مثل العزل (فصل) فان حجر على الوكيل لفلس فالوكالة بحالها لانه لم يخرج عن اهلية التصرف وان حجر على الموكل وكانت الوكالة في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه وان كانت في الخصومة أو الشراء في الذمة أو الطلاق أو الخلع أو القصاص لم تبطل لان الموكل أهل لذلك، وان فسق الوكيل لم ينعزل لانه من أهل التصرف الا ان تكون الوكالة فيما ينافية الفسق كالايجاب في عقد الكاح فانه ينعزل بفسق أحدهما لخروجه عن أهلية التصرف وان كان وكيلا في القبول لم ينعزل بفسق موكله لانه لا ينافي جواز قبوله، وهل يننعزل بفسق نفسه؟ على وجهين أولاهما انه لا ينعزل لانه يجوز ان يقبل النكاح لنفسه فجاز ان يقبله لغيره كالعدل، وان كان وكيلا فيما يشترط فيه الا مانة كوكيل ولي اليتيم وولي الوقف على المساكين ونحو هذا انعزل بفسقه وفسق موكله لخروجهما بذلك عن أهلية التصرف وان كان وكيلا لوكيل ومن يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه لان الوكيل ليس له توكيل فاسق ولا ينعزل بفسق موكله لان موكيله وكيل لرب المال ولا ينافيه الفسق (فصل) ولا تبطل الوكالة بالثوم والسكر والاغماء لان ذلك لا يخرجه عن أهلية التصرف ولا تثبت عليه الولاية الا أن يحصل الفسق بالسكر فقد ذكرناه مفصلا

[ 214 ]

ولا تبطل بالتعدي فيما وكل فيه مثل لبس الثوب وركوب الدابة وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي والثاني تبطل بذلك لانها عقد أمانة فبطلت بالتعدي كالوديعة ولنا أنه تصرف باذن موكمله فصح كما لو لم يتعد ويفارق الوديعة من حيث انها أمانة مجردة فنافاها التعدي والخيانة، والوكالة إذن في التصرف تضمنت الامانة فإذا انتفت الامانة بالتعدي بقي الاذن بحاله، فعلى هذا لو وكله في بيع ثوب فلبسه صار ضامنا فإذا باعه صح بيعه وبرئ من ضمانه لدخوله في ملك المشتري وضمانه فإذا قبض الثمن كان أمانة في يده غير مضمون عليه لانه قبضه باذن الموكل ولم يتعد فيه ولو دفع إليه مالا ووكله ان يشتري به شيئا فتعدى في الثمن صار ضامنا وإذا اشترى به وسلمه زال الضمان وقبضه للمبيع قبض امانة، وان ظهر بالمبيع عيب فرد عليه أو وجد هو بما اشتراه عيبا فرده وقبض الثمن كان مضمونا عليه لان العقد المزيل للضمان زال فعاد ما زال به (مسألة) (وهل تبطل بالردة وحرية عبده؟ على وجهين) يصح توكيل المسلم كافرا فيما يصح تصرفه فيه سواء كان ذميا أو مستأمنا أو حربيا أو مرتدا لان العدالة لا تشترط في صحة الوكالة فكذلك الدين كالبيع، فان وكل مسلما فارتد لم تبطل وكالته

[ 215 ]

في أحد الوجهين سواء لحق بدار الحرب أو أقام، وقال أبو حنيفة تبطل إذا لحق بدار الحرب لانه صار منهم ولنا أنه يصح تصرفه لنفسه فلم تبطل وكالته كما لو لم يلحق بدار الحرب ولان الردة لا تمنع ابتداء الوكالة فلا تمنع استدامتها كسائر الكفر، وفيه وجه آخر أنها تبطل بالردة إذا قلنا إن المرتد تزول أملاكه وتبطل تصرفاته والوكالة تصرف وان ارتد الموكل لم تبطل الوكالة فيما له التصرف فيه فأما الوكيل في ماله فينبني على تصرفه نفسه فان قلنا يصح تصرفه لم يبطل توكيله وان قلنا هو موقوف فوكالته موقوفة وان قلنا يبطل تصرفه بطل توكيله وان وكل في حال ردته ففيه الوجوه الثلاثة: (فصل) وإن وكل عبده ثم أعتقه أو باعه لم ينعزل لان زوال ملكه لا يمنع ابتداء الوكالة فلا يقطع استدامتها وفيه وجه آخر أنها تبطل لان توكيل عبده ليس بتوكيل في الحقيقة إنما هو استخدام بحق الملك فيبطل بزوال الملك وهكذا الوجهان فيما إذا وكل عبد غيره ثم باعه السيد، والصحيح الاول لان سيد العبد اذن له في بيع ماله والعتق لا يبطل الاذن فكذلك البيع الا ان المشتري ان رضى ببقائه على الوكالة والا بطلت وإن وكل عبد غيره فاعتقه فقال شيخنا لا تبطل الوكالة وجها واحدا لان هذا توكيل حقيقة والعتق غير مناف له وان اشتراه الموكل منه لم يبطل لان ملكه إياه لا ينافي اذنه له في البيع والشراء وان وكل امرأته ثم طلقها لم تبطل الوكالة لان زوال النكاح لا يمنع ابتداء الوكالة فلم يمنع استدامتها

[ 216 ]

(فصل) وان تلفت العين التي وكل في التصرف فيها بطلت الوكالة لان محلها ذهب فذهبت الوكالة كما لو وكله في بيع عبد فمات، وكذا لو دفع إليه دينارا ووكله في الشراء بعينه أو مطلقا لانه ان وكله في الشراء بعينه فقد استحال الشراء به بعد تلفه فبطلت الوكالة وان وكله في الشراء مطلقا ونقد الدينار بطلت أيضا لانه انما وكله في الشراء به، ومعناه ان ينقده ثمن ذلك المبيع إما قبل الشراء أو بعده وقد تعذر ذلك بتلفه ولانه لو صح شراؤه للزم الموكل ثمن لم يلتزمه ولا رضي بلزومه، وان استقرضه الوكيل وعزل دينارا عوضه واشترى به فهو كالشراء له من غير اذن لان الوكالة بطلت والدينار الذي عزله عوضا لا يصير للموكل حتى يقبضه فإذا اشترى للموكل به شيئا وقف على اجازة الموكل فان اجازه صح ولزمه الثمن والالزم الوكيل وعنه يلزم الوكيل بكل حال. وقال القاضي متى اشترى بعين ماله شيئا لغيره بغير اذنه فالشراء باطل لانه لا يصح أن يشتري بعين ماله ما يملكه غيره، وقال أصحاب الشافعي متى اشترى بعين ماله شيئا لغيره صح الشراء للوكيل لانه اشترى ما لم يؤذن له فيه أشبه مالو اشتراه في الذمة. (فصل) نقل الاثرم عن أحمد في رجل كان له على آخر دراهم فقال له إذا أمكنك قضاؤها فادفعها إلى فلان وغاب صاحب الحق ولم يوص إلى هذا الذي اذن له في القبض لكن جعله وكيلا وتمكن من عليه الدين من القضاء فخاف إن دفعها إلى الوكيل أن يكون الموكل قد مات ويخاف التبعة من

[ 217 ]

الورثة فقال لا يعجبني أن يدفع إليه لعله قد مات لكن يجمع بين الوكيل والورثة ويبرأ اليهما من ذلك هذا ذكره أحمد على طريق النظر للغريم خوفا من التبعة من الورثة ان كان موروثهم قد مات فانعزل وكيله وصار الحق لهم فيرجعون على الدافع إلى الوكيل فاما من طريق الحكم فللوكيل المطالبة وللآخر الدفع إليه فان أحمد قد نص في رواية حرب إذا وكله وغاب استوفاه الوكيل وهو أبلغ من هذا لكونه يدرأ بالشبهات لكن هذا احتياط حسن وتبرئه للغريم ظاهرا وباطنا وإزالة التبعة عنه، وفي هذه الرواية دليل على أن الوكيل انعزل بموت الموكل وان لم يعلم بموته لانه اختار أن لا يدفع إلى الوكيل خوفا من أن يكون الموكل قد مات فانتقل إلى الورثة ويجوز ان يكون اختار هذا لئلا يكون القاضي ممن يرى أن الوكيل ينعزل بالموت فيحكم عليه بالغرامة، وفيها دليل على جواز تراخي القبول عن الايجاب لانه وكله في قبض الحق ولم يعلمه ولم يكن حاضرا فيقبل، وفيها دليل على صحة التوكيل بغير لفظ التوكيل، وقد نقل جعفر بن محمد في رجل قال لرجل بع ثوبي ليس بشئ حتى يقول قد وكلتك وهذا سهو من الناقل، وقد تقدم ذكر الدليل على جواز التوكيل بغير لفظه وهو الذي نقله الجماعة. (مسألة) (وهل ينعزل الوكيل بالموت والعزل قبل علمه؟ على روايتين) وجملة ذلك ان الوكالة عقد جائز من الطرفين وقد ذكرنا ذلك فللموكل عزل وكيله متى شاء وللوكيل

[ 218 ]

عزل نفسه وتبطل بموت أحدهما أو جنونه فلمطبق ولا خلاف نعلمه في ذلك مع العلم بالحال فمتى تصرف بعد فسخ الموكل أو موته فهو باطل إذا علم ذلك، وان لم يعلم بالعزل ولا يموت الموكل ففيه روايتان وللشافعي فيه قولان (أحدهما) ينعزل وهو ظاهر كلام الخرقي، فعلى هذا متى تصرف فبان ان تصرفه بعد عزله أو موت موكله فتصرفه باطل لانه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه فصح بغير عمله كالطلاق والعتاق (والثانية) لا ينعزل قبل علمه نص عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد لما في ذلك من الضرر لانه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة وربما باع الجارية فيطؤها المشتري أو الطعام فيأكله أو غير ذلك فيتصرف فيه المشتري ويجب ضمانه فيتضرر المشتري والوكيل لانه يتصرف بأمر الموكل فلا يثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه كالفسخ، فعلى هذه الرواية متى تصرف قبل العلم صح تصرفه وهذا قول أبى حنيفة، وروي عن أبى حنيفة ان الوكيل ان عزل نفسه لم ينعزل الا بحضرة الموكل لانه متصرف بأمر الموكل فلا يصح رد أمره بغيره حضرته كالمودع في رد الوديعة، ووجه الاول ما ذكرناه فأما الفسخ ففيه وجهان كالروايتين، ويمكن الفرق بينهما بأن أمر الشارع يتضمن المعصبة بتركه ولا يكون عاصبا مع عدم العلم وهذا يتضمن العزل عنه إبطال التصرف فلا يمنع منه عدم العلم (فصل) وإذا وقعت الوكالة مطلقة ملك التصرف ابدا ما لم يفسخ الوكالة وتحصل بقوله فسخت الوكالة

[ 219 ]

أو أبطلتها أو نقضتها أو أزلتك أو صرفتك أو عزلتك عنها أو ينهاه عن فعل ما أمره به وما أشبه ذلك من الالفاظ المقتضية عزله والمؤدية معناه أو يعزل الوكيل نفسه أو يوجد ما يقتضي فسخها حكما على ما ذكرنا أو يوجد ما يدل على الرجوع عن الوكالة فإذا وكله في طلاق امرأته ثم وطئها انفسخت الوكالة لان ذلك يدل على رغبته فيها واختيار امساكها وكذلك لو وطئ الرجعية كان ارتجاعا لها فإذا اقتضى رجعتها بعد طلاقها فلان يقتضي استيقاءها على نكاحها ومنع طلاقها وان باشرها دون الفرج أو فعل ما يحرم على غير الزوج فهل تنفسخ الوكالة في الطلاق؟ يحتمل وجهين بناء على الخلاف في حصول الرجعة به، وان وكله في بيع عبد ثم كاتبه أو دبرها نفسخت الوكالة لانه على احدى الروايتين لا يبقى محلا للبيع وعلى الرواية الاخرى تصرفه فيه بذلك يدل على أنه قصد الرجوع عن بيعه وان باعه بيعا فاسدا لم تبطل الوكالة لان ملكه في العبد لم يزل ذكره ابن المنذر (مسألة) (وإذا وكل اثنين لم يكن لاحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه) وجملة ذلك أنه إذا وكل وكيلين وجعل لكل واحد الانفراد بالتصرف فله ذلك لانه مأذون فيه وان

[ 220 ]

لم يجعل له ذلك فليس لاحدهما الانفراد به لانه لم يأذن في ذلك وإنما يجوز له فعل ما أذن فيه موكله وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي فان وكلهما في حفظ ماله حفظاه معا في حرز لهما لان فوله افعلا كذا يقتضي اجتماعهما على فعله وهو مما يمكن تعلق بهما، وفارق هذا قوله بعتكما حيث كان منقسما ببنهما لانه لا يمكن أن يكون الملك على الاجتماع فانقسم بينهما فان غاب أحد الوكيلين لم يكن للآخر ان يتصرف ولا للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا لان الموكل رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه فلا يقيم الحاكم له بغير إذنه، وفارق مالو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم إلى الوصي أمينا ليتصرفا لكون الحاكم له النظر في حق الميت واليتيم ولهذا لو لم يوص إلى أحد اقام الحاكم أمينا في النظر لليتيم، وان حضر الحاكم أحد الوكيلين والآخر غائب فادعى الوكالة لهما وأقام بينة سمعها الحاكم وحكم بثبوت الوكالة لهما ولم يملك الحاضر التصرف وحده فإذا حضر الآخر تصرفا معا ولا يحتاج إلى إعادة البينة لان الحاكم سمعها لهما مرة، فان قيل هذا حكم الغائب قلنا يجوز تبعا لحق الحاضر كما يجوز ان بحكم بالوقف الذي يثبت لمن لم يحلف لاجل من يستحقه في الحال كذا ههنا وان جحد الغائب الوكالة أو عزل نفسه لم يكن للآخران يتصرف وبما ذكرناه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا

[ 221 ]

وجميع التصرفات في هذا سواء وقال أبو حنيفة إذا وكلهما في خصومة فلكل واحد منهما الانفراد بها ولنا أنه لم يرض بتصرف أحدهما أشبه البيع والشراء (مسألة) (ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع لنفسه، وعنه يجوز إذا زاد على مبلغ ثمنه في النداء أو وكل من يبيع وكان هو أحد المشترين، ولا في الشراء ان يتشري من نفسه) وجملة ذلك ان من وكل في بيع شئ لم يجز أن يبيعه لنفسه ولا للوكيل في الشراء أن يشتري من نفسه في أحدى الروايتين نقلها منها وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز ان يشتري من مال اليتيم شيئا لنفسه في احدى الروايتين وهو مذهب الشافعي وحكي عن مالك والاوزاعي جواز ذلك فيهما (والرواية الثانية) عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين احدهما أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء والثاني أن يتولى النداء غيره قال القاضي يحتمل أن يكون اشتراط تولي غيره للنداء واجبا ويحتمل أن يكون مستحبا والاول أشبه بطاهر كلامه وقال أبو الخطاب الشرط الثاني أن يولي من يبيع ويكون هو أحد المشترين، فان قيل فكيف يجوز له دفعها إلى غيره ليبيعها وهذا توكيل وليس للوكيل التوكيل؟ قلنا يجوز التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه والنداء مما لم تجربه العادة ان يتولاه أكثر

[ 222 ]

الناس بنفوسهم فان وكل إنسانا يشتري له وباع جاز على هذه الرواية لانه امتثل أمر موكله في البيع وحصل غرضه من الثمن فجاز كما لو اشتراها أجنيي وقال أبو حنيفة يجوز للوصي الشراء دون الوكيل لان الله تعالى قال (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن) وإذا اشترى مال اليتيم باكثر من ثمنه فقد قربه بالتي هي أحسن، ولانه نائب عن الاب وذلك جائز للاب فكذلك نائبه، ووجه الرواية الاولى ان العرف في البيع بيع الرجل من غيره فحملت الوكالة عليه كما لو صرح به ولانه تلحقه التهمة ويتنافى الغرضان في بيعه لنفسه فلم يجز كما لونهاه والوصي كالوكيل لانه يلي بيع مال غيره بتوليه فأشبه الوكيل أو متهم فأشبه الوكيل بل التهمة في الوصي آكد لان الوكيل متهم في ترك الاستقصاء في الثمن لا غير والوصي يتهم في ذلك وفي أنه يشتري من مال اليتيم مالا حظ لليتيم في بيعه فكان أولى بالمنع وعند ذلك لا يكون أخذه لماله قربانا بالتي هي احسن وقد روى ابن مسعود انه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك قريبا فقال الوصي اشتريه قال لا (فصل) وحكم الحاكم أمينه كحكم الوكيل والحكم في بيع احد هؤلاء لوكيله أو لولده الصغير أو طفل يلي عليه أو لوكيله أو عبد المأذون له كالحكم في بيعه لنفسه كل ذلك يخرج على روايتين بناء على

[ 223 ]

بيعه لنفسه، فاما ببعه لولده الكبير أو والده أو مكاتبه فذكر هم اصحابنا ايضا في جملة ما يخرج على روايتين ولا صحاب الشافعي فيهم وجهان وقال أبو حنيفة يجوز بيعه لولده الكبير لانه امتثل امر موكله ووافق العرف في بيع غيره كما لو باعه لاخيه، وفارق البيع لوكيله لان الشراء انما يقع لنفسه وكذلك بيع عبد المأذون وبيع طفل يلي عليه بيع لنفسه لان الشراء يقع لنفسه، ووجه الجمع بينهم انه يتهم في حقهم وبميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن كتهمته في حق نفسه وكذلك لا تقبل شهادته لهم، والحكم فيما إذا اراد ان يشتري لموكله كالحاكم في بيعه لماله لانهما سواء في المعنى (فصل) وان وكل رجلا يتزوج له امرأة فهل له ان يزوجه ابنته؟ يخرج على ما ذكرنا في الوكيل في البيع هل يبيع لولده الكبير وقال أبو يوسف ومحمد يجوز ووجه القولين ما تقدم فيما قبلهما وان اذنت له موليته في تزويجها خرج في تزويجها لنفسه أو ولده أو والده وجهان بناء عنى ما ذكر في البيع وكذلك لو وكله رجل في تزويج ابنته خرج فيه مثل ذلك (مسألة) (وهل يجوز ان يبيع لولده أو والده أو مكاتبه؟ على وجهين) وقد ذكر افي المسألة قبلها (فصل) فان وكله في بيع عبده ووكله آخر في شراء عبد فقياس المذهب جواز شرائه من

[ 224 ]

نفسه لانه اذن له في طرفي العقد فجاز ان يليهما إذا انتفت التهمة كالاب يشتري من مال ولده لنفسه، ولو وكله المنداعيان في الدعوى عنهما فالقياس جوازه لانه يمكنه الدعوى عن احدهما والجواب عن الآخر واقامة حجة كل واحد منهما ولاصحاب الشافعي في المسئلتين وجهان (فصل) فان اذن للوكيل ان يشتري من نفسه جاز ذلك وقال اصحاب الشافعي لا يجوز في احد الوجهين لانه يجتمع له في عقد غرضان الاسترخاص لنفسه والاستقصاء للموكل وهما متضادان فتما نعا ولنا انه وكله في التصرف لنفسه فجاز كما لو وكل المرأة في طلاق نفسها ولان علة المنع من المشتري لنفسه في محل الاتفاق التهمة لدلالتها على عدم رضا الموكل بهذا التصرف وإخراج هذا التصرف عن عموم لفظه وإرادته وقد صرح ههنا بالاذن فيها فلا ينفي دلالة الحال مع نصه بلفظه على خلافها، وقولهم إنه يتضاد مقصوده في البيع والشراء قلنا ان عين الموكل له الثمن فاشترى به فقد زال مقصود الاستقصاء فانه لا يراد أكثر مما حصل وان لم يعين له الثمن يعيد البيع بثمن المثل كما لو باع الاجنبي وقد ذكر اصحابنا فيما إذا وكل عبدا يشتري له نفسه من سيده وجها أنه لا يجوز ويخرج ههنا مثله والصحيح ما قلناه ان شاء الله تعالى

[ 225 ]

(مسألة) (ولايجوز أن يبيع نساء ولا بغير نقد البلد ويحتمل أن يجوز كالمضارب) وجملة ذلك ان الموكل إذا عين للوكيل الشراء أو البيع بنقد معين أو حالا لم تجز مخالفته لانه إنما يتصرف باذنه ولم يأذن في غير ذلك وان أذن له في الشراء أو البيع بنسيئة جاز وان اطلق لم بيع إلا حالا بنقد البلد لان الاصل في البيع الحلول واطلاق النقد ينصرف إلى نقد البلد كما لو باع ماله فان كان في البلد نقدان باع بأغلبهما فان تساويا باع بما شاء منهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه له البيع نساء لانه معتاد فأشبه الحال ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على الرواية في المضارب والاول أولى لانه لو اطلق البيع حمل على الحلول فكذلك إذا أطلق الوكالة ولا نسلم تساوي العادة فيهما فان بيع الحال أكثر، ويفارق المضارية لوجهين (أحدهما) ان المقصود من المضاربة الربح لادفع الحاجة بالثمن في الحال وقد يكون المقصود في الوكالة دفع حاجة بأجرة تفوت بتأخير الثمن (الثاني) ان استيفاء الثمن في المضاربة على المضارب فيعود ضرر التأخير في التقاضي عليه وههنا بخلافه وفلا يرضى به الموكل ولان الضرر في توى الثمن على المضارب لانه يحسب من الربح لكون الربح وقاية لرأس المال وههنا يعود على الموكل فانقطع الالحاق

[ 226 ]

(مسألة) (وان باع بدون ثمن مما قدره له صح وضمن النقص) وجملة ذلك ان الوكيل ليس له ان يبيع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد قال أبو حنيفة إذا اطلق الوكالة في البيع فله البيع بأي ثمن كان لان لفظه في الاذن مطلق فيجب حمله على اطلاقه ولنا أنه وكيل مطلق في عقد معاوضة فاقتضى ثمن المثل كالشراء فانه قد وافق عليه وبه ينتقض دليله فان باع بأقل من ثمن المثل مما لا يتغابن الناس بمثله أو بدون ما قدره له فحكمه حكم من لم يأذن له في البيع وعن أحمد البيع صحيح ويضمن الوكيل النقص لان من صح بيعه بثمن المثل صح بدونه كالمريض، فعلى هذه الرواية يكون على الوكيل ضمان النقص وفي قدره وجهان (أحدهما) ما بين ثمن المال وما باع به (والثاني) ما بين ما يتغابن الناس بمثله وما لا يتغابنون لان ما يتغابن الناس به يصح بيعه به ولا ضمان عليه والاول أقيس لانه بيع غير مأذون فيه أشبه بيع الاجنبي وكل تصرف كان الوكيل فيه مخالفا لموكله فحكمه فيه حكم تصرف الأجنبي على ما ذكرنا في موضعه فأما ما يتغابن الناس به عادة وهو درهم في عشرة فمعفو عنه إذا لم يكن الموكل قدر الثمن لان ما يتغابن الناس به بعد ثمن المثل ولا يمكن التحرز منه. (فصل) ولو حضر من يزيد على ثمن المثل لم يجز ان يبيع بثمن المثل لان عليه الاحتياط وطلب الخط لمولكه فان باع بثمن المثل فحضر من يزيد في مدة الخيار لم يلزمه فسخ العقد لان الزيادة منهي

[ 227 ]

عنها فلا يلزم الرجوع إليها ولان الزايد قد لا يثبت على الزيادة فلا يلزم الفسخ بالشك ويحتمل ان يلزمه ذلك لانها زيادة أمكن تحصيلها أشبه ما قبل البيع والنهي يتوجه إلى الذي زاد لا إلى الوكيل فأشبه ما إذا زاد قبل البيع بعد الاتفاق عليه (مسألة) (وان باع بأكثر من ثمن المثل صح سواء كانت الزيادة من جنس الثمن الذي أمر به أولم تكن هي) إذا وكله في بيع شئ معين فباعه باكثر منه صح قلت الزيادة أو كثرت وكذلك ان أطلق فباعه باكثر من ثمن المثل لانه باع بالمأذون فيه وزاد زيادة تنفعه ولا تضره وسواء كانت لزيادة من جنس الثمن المأمور به أو من غير جنسه كمن أذن في البيع بمائة درهم فباعه بمائة درهم ودينار أو ثوب وقال أصحاب الشافعي لا يصح بيعه بمائة وثوب في أحد الوجهين لانه من غير جنس الاثمان ولنا أنها زيادة تنفعه ولا تضره أشبه مالو باعه بمائة ودينار ولان الاذن في بيعه بمائة اذن في بيعه بزيادة عليها عرفا لان من رضي بمائة لا يكره أن يزاد عليها ما ينفعه ولا يضره ويصير كما لو وكله في الشراء فاشترى بدون ثمن المثل أو بدون ما قدر له (مسألة) (وان قال بعه بدرهم فباعه بدينار صح في أحد الوجهين) لانه مأذون فيه عرفا فان من رضي بدرهم رضي مكانه دينارا فجرى مجرى بيعه بمائة درهم ودينار على ما ذكرنا في المسألة قبلها وقال القاضي لا يصح وهو مذهب الشافعي لانه خالف موكله في الجنس

[ 228 ]

أشبه مالو باعه بثوب يساوي دينارا فاما ان قال بعه بمائة درهم فباعه بمائة ثوب قيمتها اكثر من الدراهم أو بثمانين درهما وعشرين ثوبا لم يصح وهو مذهب الشافعي لانها من غير الاثمان ولانه لم يؤذن فيه لفظا ولا عرفا بخلاف بيعه بدينار. (فصل) فان وكله في بيع عبد بمائة فباع بعضه بها أو وكله مطلقا فباع بعضه بثمن الكل جاز لانه مأذون فيه عرفا فان من رضي بمائة ثمنا للكل رضي بها ثمنا للبعض ولانه حصل له المائة وأبقى له زيادة تنفصه ولا تضره وله بيع النصف الآخر لانه مأذون فيه فأشبه مالو باع العبد كله بزيادة على ثمنه، ويحتمل ان لا يجوز لانه قد حصل للموكل غرضه من الثمن ببيع البعض فربما لا يختار بيع باقيه للغني عن بيعه يما حصل له من ثمن البعض وهكذا لو وكله في بيع عبدين بمائة فباع أحدهما بها يصح لما ذكرنا وهل له بيع الآخر على وجهين فأما ان وكله في بيع عبده بمائة فباع بعضه باقل منها أو وكله مطلقا فباع بعضه بدون ثمن الكل لم يصح وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يجوز فيما إذا أطلق الوكالة بناء على أصله في ان للوكيل المطلق البيع بما شاء ولنا أن على الموكل ضررا في تبعضه ولم يوجد الاذن فيه نطقا ولا عرفا فلم يجوز كما لو وكله في في شراء عبد فاشترى بعضه (مسألة) (فان قال بعه بالف نساء فباعه بألف حالة صح ان كان لا يستضر بحفظ الثمن في الحال)

[ 229 ]

إذا وكله في بيع سلعة نسيئة فباعها نقدا بدون ثمنها نسسيئة أو بدون ما عينه له لم ينفذ بيعه لانه خالف موكله لكونه انما رضي بثمن النسيئة دون النقد وان باعها نقدا بمثل ثمنها نسيئة أو بما عينه من الثمن فقال القاضي يصح لانه زاده خيرا فهو كما لو وكله في بيعها بعشرة فباعها باكثر من ثمنها والاولى أن ينظر له فيه فان لم يكن له غرض في النسيئة صح لما ذكرنا وان كان له فيها غرض مثل ان يستضر بحفظ الثمن في الحال أو يخاف عليه من التلف أو المتغلبين أو يتغير عن حاله إلى وقت الحلول أو نحو ذلك فهو كمن لم يؤذن له لان حكم الاذن لا يتناول المسكوت عنه الا إذا علم أنه في المصلحة كالمنطوق أو أكثر فيكون الحكم فيه ثابتا بطريق التنبيه أو المماثلة ومتى كان في المنطوق به غرض صحيح لم يجز تفويته ولا ثبوت الحكم في غيره (مسألة) (وان وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر مما قدره له (1) أما إذا وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل مما لا يتغابن الناس بمثله (فصل) فان وكله في بيع عبيد أو شرائهم ملك العقد عليهم جملة واحدة وواحدا واحدا لان الاذن يتناول العقد عليهم جملة والعرف في بيعهم وشرائهم العقد على واحد واحد ولاضرر في جمعهم ولا افرادهم بخلاف مالو وكله في شراء عبد فاشترى بعضه فانه لا يصح لانه يفضي إلى التشقيص وفيه اضرار بالموكل، فان قال اشتر لي عبيدا صفقة واحدة أو واحد واحدا أو بعهم لي لم يجز مخالفته لان (1)


هذه المسألة ذكرت في الاصل بهذا الوضع وهي كما ترى جملها ناقصة فلتراجع في مظنتها في المغني

[ 230 ]

تنصيصه على ذلك يدل على عغرضه فيه فلم يتناول اذنه سواه، وان قال اشتر لي عبدين صفقة فاشترى عبدين لا ثنين شركة بينهما من وكيليهما أو من أحدهما باذن الآخر جاز وان كان لكل واحد عبد منفرد فاشترى من الماليكن بأن أوجبا له البيع فيهما وقبل ذلك منهما بلفظ واحد فقال القاضي لا يلزم الموكل وهو مذهب الشافعي لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان ويحتمل أن يلزمه لان القبول هو الشراء وهو متحد والغرض لا يختلف، وان اشتراهما من وكيليهما وعين ثمن كل واحد منهما مثل ان يقول بعتك هذين العبدين هذا بمائة وهذا بثمانين فقال قبلت احتمل أيضا وجهين وان لم يعين الثمن لكل واحد لم يصح البيع لجهالة الثمن وفيه وجه أنه يصح ويقسط الثمن على قدر قيمتهما، وقد ذكر ذلك في تفريق الصفقة. (مسألة) (وان وكل في شراء شئ نقدا بثمن معين فاشتراه به مؤجلا صح) ذكره القاضي لانه زاده خيرا فأشبه مالو وكله في الشراء بمائة فاشترى بدونها، ويحتمل أن ينظر في ذلك فان كان فيه ضرر نحو أن يستضر ببقاء الثمن معه ونحو ذلك لم يجز ولاصحاب الشافعي في صحة الشراء وجهان: (مسألة) (وإن قال اشتر لي شاة بدينار فاشترى له شاتين تساوي احداهما دينارا أو اشترى له شاة تساوي دينارا بأقل منه صح والالم يصح)

[ 231 ]

وجملة ذلك أنه إذا وكله في شراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي كل واحدة منهما أقل من دينار لم يقع للموكل وان كانت كل واحدة منهما تساوي دينارا أو احداهما تساوي دينارا والاخرى أقل منه صح ولزم الوكل وهذا المشهور من مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة يقع للموكل إحدى الشاتين بنصف دينار واخرى للوكيل لانه لم يرض بالزامه عهدة شاة واحدة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عروة بن الجعد البارقي دينارا فقال (اشتر لنا به شاة) قال فأتيت الجلب فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو أقودهما فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالد ينار وبالشاة فقلت يا رسول الله هذا دينار كم وهذه شاتكم فقال (وضعت كيف؟) فحدثته الحديث فقال (اللهم بارك له في صفقة يمينه) ولانه حصل المأذون فيه وزيادة من جنسه تنفع ولا تضر فوقع ذلك له كما لو قال بعه بدينار فباعه بدينارين وما ذكروه يبطل بالبيع فان باع الوكيل احدى الشاتين بغير امر الموكل ففيه وجهان (احدهما) لا يصح لانه باع مال موكله بغير إذنه فلم يجز كبيع الشاتين (والثاني) ان كانت الباقية تساوي دينارا جاز لحديث عروة ولانه حصل له المأذون وزيادة من جنسه تنفع ولا تضر فوقع ذلك له كما لو قال له بعه بدينار فباعه بدينار وما ذكره يبطل بالبيع، فان باع الوكيل إحدى الشاتين بغير أمر الموكل ففيه وجهان (أحدهما) البيع باطل لانه باع مال موكله بغير أمره فلم يجز كبيع الشاتين (والثاني) ان كانت الباقية تساوي دينارا جاز لحديث عروة البارقي ولانه حصل له المقصود والزيادة لو كانت غير الشاة جاز

[ 232 ]

فجاز له ابدالها بغيرها وهذا ظاهر كلام احمد لانه اخذ بحديث عروة وذهب إليه، وإذا قلنا لا يجوز له بيع الشاة فباعها فهل يبطل البيع أو يصح ويقف على اجازة الموكل؟ على روايتين وهذا اصل لكل تصرف في ملك الغير بغير اذنه ووكيل خالف موكله فيه الروايتان وللشافعي في صحة البيع ههنا وجهان (فصل) وإذا وكله في شراء عبد معين بمائة فاشتراه بما دونها صح ولزم الموكل لانه مأذون فيه عرفا وان قال لا تشتره بدون المائة فخالفه لم يجز لانه خالف نصه وصريح قوله مقدم على دلالة العرف وان قال اتشره بمائة ولا تشتره بخمسين جاز له شراؤه بما فوق الخمسين لان اذنه في الشراء بمائة يدل عرفا على الشراء بما دونها خرج منه الخمسون بصريح النهي بقي فيما فوقها على مقتضى الاذن فان اشتراه بما دون الخمسين جاز في احدى الوجهين لذلك ولانه لم يخالف صريح نهيه أشبه ما زاد عليها (والثاني) لا يجوز لانه نهاه عن الخمسين استقلالا لها فكان تنبيها على النهي عما دونها كما ان الاذن في الشراء بمائة أذن فيما دونها فجرى مجرى صريح نهيه فان تنبيه الكلام كنصه، فان قال اشتره بمائة دينار فاشتراه بمائة درهم فالحكم فيه كما لو قال بعه بدرهم فباعه بدينار على ما مضى وان قال اشتر لي نصفه بمائة فاشتراه كله أو أكثر من نصفه بمائة جاز لانه مأذون فيه عرفاوان قال اشتر لي نصفه بمائة ولا تشتره جميعه فاشترى أكثر من النصف وأقل من الكل بمائة صح في قياس المسألة التي قبلها لكون دلالة العرف قاضية بالاذن في شراء كل ما زاد على النصف خرج الجميع بصربح نهيه ففيما عداه يبقى على مقتضى الاذن (فصل) وان كله في شراء عبد موصوف بمائة فاشتراه على الصفة بدونها جاز لانه مأذون فيه عرفا وان خالف في الصفة أو اشتراه باكثر منها لم يلزم الموكل وان قال اشتر لي عبدا بمائة فاشترى

[ 233 ]

عبدا يساوي مائة بدونها جاز لانه لو اشتراه بمائة جاز فإذا اشتراه بدونها فقد زاده خيرا فيجوز وان كان لا يساوي مائة لم يجز وان ساوى أكثر مما اشتراء به لانه خالف أمره ولم يحصل غرضه (مسألة) (وليس له شراء معيب فان وجد بما اشتراه عيبا فله رده) إذا وكله في شراء سلعة موصوفة لم يجز أن يشتري بها إلا سليمة العيوب لان اطلاق البيع يقتضي السلامة ولذلك جاز له الرد بالعيب فان اشترى معيبا يعلم عيبه لم يلزم الموكل لانه اشترى له ما لم يأذن فيه وان لم يعلم صح البيع لانه إنما يلزمه شراء صحيح في الظاهر لعجزه عن التحرز عن شراء معيب لا يعلم عيبه فإذا علم عيبه ملك رده لانه قائم مقام الموكل وللموكل رده أيضا لانه ملكه، فان حضر قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده لان الحق له بخلاف المضارب فان له الرد وان رضي رب المال فان له حقا فلا يسقط برضاء غيره وان لم يحضر فأراد الوكيل الرد فقال له البائع توقف حتى يحضر الموكل فربما رضي بالعيب لم يلزمه ذلك لانة لا يأمن فوات الرد بهرب البائع وفوات الثمن بتلفه فان اخره بناء على هذا القول فلم يرض به الموكل فله الرد وان قلنا الرد على الفور لانه أخره باذن البائع فيه وان رضي الموكل سقط الرد (مسألة) (وان قال البائع موكلك قد رضي بالعيب فالقول قول الوكيل بيمينه أنه لا يعلم ذلك)

[ 234 ]

لان الاصل عدم الرضى فلا يقبل قوله إلا ببينة فان لم يقم بينة لم يستحلف الوكيل الا أن يدعي علمه فيحلف على نفي العلم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في رواية لا يستحلف لانه لو حلف كان نائبا في اليمين وليس بصحيح فانه لا نيابة ههنا فانه إنما يحلف على نفي علمه وهذا لا ينوب فيه عن أحد ولو اشترى المضارب معيبا صح لان المقصود منها الربح وهو يحصل مع العيب بخلاف الوكيل فانه قد يكون غرض الموكل القنية والانتفاع والعيب يمنع بعض ذلك (مسألة) (فان رده فصدق الموكل البائع في الرضى بالعيب فهل يصح الرد؟ على وجهين) (احدهما) لا يصح وللموكل استرجاعه وللبائع رده عليه لان رضاءه به عزل للوكيل عن الرد بدليل انه لو علمه لم يكن له الرد (الثاني) يصح الرد بناء على ان الوكيل لا ينعزل قبل العلم بالعزل فان رضي الوكيل المعيب أو أمسكه امساكا ينقطع به الرد فحضر الموكل فأراد الرد فله ذلك على الوجه الاول ان صدق البائع الموكل أن الشراء له أو قامت به بينة وان كذبه ولم يكن بينة فحلف البائع أنه لا يعلم أن الشراء له فليس له رده لان الظاهر ان منن اشترى شيئا فهو له ويلزم الوكيل وعليه غرامة الثمن وهذا كله مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة للوكيل شراء المعيب لان التوكيل في البيع مطلقا يدخل الميعب في اطلاقه ولانه أمين في الشراء فجاز له ذلك كالمضارب ولنا ان البيع باطلاقه يقتضي الصحيح دون المعيب فكذلك الوكالة فيه ويفارق المضاربة من حيث

[ 235 ]

ان المقصود فيها الربح وهو يحصل من المعيب كحصوله من الصحيح بخلاف الوكالة فانه قد يكون المقصود بها القنية أو يدفع بها حاجة يكون المعيب مانعا منها فلا يحصل المقصود وقد ناقض أبو حنيفة قوله فانه قال في قوله تعالى (فتحرير رقبة) لا يجوز العمياء ولا معيبة عيبا يضر بالعمل وقال ههنا يجوز للوكيل شراء الاعمى والمقعد ومقطوع اليدين والرجلين (مسألة) (وان وكله في شراء معين فاشتراه ووجده معيبا فهل له رده قبل اعلام الموكل؟ على وجهين) (احدهما) له الرد لان الامر يقتضي السلامة اشبه مالو وكله في شراء موصوفة (والثاني) لا يملكه لان الموكل قطع نظره بالتعيين فربما رضيه على جميع صفاته فان قلنا له الرد فحكمه حكم غير المعين وان علم عيبه قبل شرائه فهل له شراؤه؟ يحتمل وجهين مبنيين على رده إذا علم عيبه بعد شراؤه ان قلنا له رده فليس له شراؤه لان العيب إذا جاز الرد به بعد العقد فلان يمنع من الشراء أولى وان قلنا لا يملك الرد ثم فله الشراء ههنا لان تعيين الموكل قطع نظره واجتهاده في جواز الرد فكذلك في الشراء (مسألة) (فان قال اشتر لي بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يلزم الموكل) وجملة ذلك أنه إذا دفع إليه دراهم وقال اشتر لي بهذه عبدا كا له ان يشتري بعينها وفي الذمة لان الشراء يقع على هذين الوجهين فإذا أطلق كان له فعل ما شاء منهما فان قال اشتر بعينها فاشتراه في ذمته ثم نقدها لم يلزم الموكل لانه إذا تعين الثمن انفسخ العقد بتلفه أو كونه مغصوبا ولم يلزمه

[ 236 ]

ثمن في ذمته وهذا غرض صحيح للموكل فلم يجز مخالفته ويقع الشراء للوكيل وهل يقف على اجازة الموكل؟ على روايتين (مسألة) (فان قال اشتر لي في ذمتك وانقد الثمن فاشترى بعينه صح) ولزم الموكل ذكره اصحابنا لانه أذن له في عقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها فكان اذنا في عقد لا يلزمه الثمن إلا مع بقائها، ويحتمل أن لا يصح لانه قد يكون له غرض في الشراء بغير عينها لشبهة فيها لا يجب أن تشترى بها أو يختار وقوع عقد لا ينفسخ بتلفها ولا يبطل بتحريهما وهذا غرض صحيح فلا يجوز تفويته عليه كما لم يجز تفويت غرضه في الصورة الاولى ومذهب الشافعي في هذا كله على نحو ما ذكرنا (مسألة) (وان أمره ببيعه في سوق بثمن فباعه في آخر صح وان قال بعه من زيد فباعه من غيره لم يصح) وجملة ذلك أن الوكيل لا يملك من التصرف الاما يقتضيه اذن موكله من جهة النطق أو العرف لان تصرفه بالاذن فاختص بما أذن فيه والاذن يعرف بالنطق تارة وبالعرف أخرى، ولو وكل رجلا في التصرف في زمن مقيد لم يملك التصرف قبله ولا بعده لانه لم يتناوله إذنه نطقا ولاعرفا فانه قد يختار التصرف في زمن الحاجة إليه دون غيره ولهذا لما عين الله تعالى لعبادته وقتا لم يجز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه فلو قال له بع ثوبي غدا لم يجز قبله ولا بعده، فان عين له المكان وكان يتعلق به غرض مثل أن يأمره ببيع ثوبه في سوق وكان السوق معروفا بجودة النقد أو كثرة الثمن أوحله أو بصلاح أهله أو بمودة بين الوكيل وبينهم تقيد الاذن به لانه نص على أمر له فيه غرض فلم يجز تفويته وان كان هو وغيره

[ 237 ]

سواء في الغرض لم يتقيد الاذن به وجاز له البيع في غيره لمساواته المنصوص عليه في الغرض فكان تنصيصه على أحدهما اذنا في الآخر كما لو استأجر أو استعار أرضا لزراعة شئ كان اذنا في زراعة مثله وما دونه ولو اكترى عقارا كان له أن يسكنه مثله ولو نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد جاز له ذلك في غيره وسواء قدر له الثمن أو لم يقدره، فأما ان عين له المشتري فقال بعه فلانا لم يملك بيعه لغيره بغير خلاف علمناه سواء قدر له الثمن أو لا لانه قد يكون له غرض في تمليكه اياه دون غيره إلا أن يعلم بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري (فصل) إذا اشترى الوكيل لموكله شيئا انتقل الملك من البائع إلى الموكل ولم يدخل في ملك الوكيل وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يدخل في ملك الوكيل ثم ينتقل إلى الموكل لان حقوق العقد تتعلق بالوكيل بدليل أنه لو اشتراه بأكثر من ثمنه دخل في ملكه ولم ينتقل إلى الموكل ولنا أنه قبل عقدا لغيره صح له فوجب ان ينتقل الملك إليه كالاب والوصي وكما لو تزوج له وقولهم ان حقوق العقد تتعلق به غير مسلم، ويتفرع من هذا ان المسلم لو وكل ذميا في شراء دم أو حنزير فاشتراه له لم يصح الشراء وقال أبو حنيفة يصح ويقع للذمي لان الخمر مال لهم لانهم يتمولونها ويتبايعونها فصح توكيلهم فيها كسائر أموالهم ولنا ان كل مالا يجوز للمسلم العقد عليه لا يجوز ان يوكل فيه كتزويج المجوسية وبهذا خالف سائر

[ 238 ]

اموالهم وإذا باع الوكيل بثمن معين ثبت الملك للموكل في الثمن لانه بمنزلة المبيع وان كان الثمن في الذمة فللوكيل والموكل المطالبة به وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ليس للموكل المطالبة لان حقوق العقد تتعلق بالوكيل دونه ولهذا يتعلق مجلس الصرف والخيار به دون موكله وكذلك القبض ولنا ان هذا دين للموكل يصح قبضه له فملك المطالبة به كسائر ديونه التي وكل فيها وفارق مجلس العقد لان ذلك من شرط العقد تعلق بالعاقد كالايجاب والقبول واما الثمن فهو حق للموكل ومال من ماله فكانت له المطالبة به ولانسلم ان حقوق العقد تتعلق به وإنما تتعلق بالموكل وهي تسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك فأما ثمن ما اشتراه إذا كان في الذمة فانه يثبت في ذمة الموكل اصلا وفي ذمة الوكيل تبعا كالضامن وللبائع مطالبة من شاء منهما فان أبرأ الوكيل لم يبرأ الموكل وان أبرأ الموكل برئ الوكيل كالضامن والمضمون عنه سواء وان دفع الثمن إلى البائع فوجد به عيبا فرده على الوكيل كان امانة في يده ان تلف فهو من ضمان الموكل، ولو وكل رجلا يستسلف له العامي كر حنطة ففعل ملك ثمنها والوكيل ضامن عن موكله كما تقدم قال أحمد في رواية منها إذا دفع إلى رجل ثوبا ليببعه ففعل فوهب له المشتري مند يلا فالمنديل لصاحب الثوب إنما قال ذلك لان هبة المنديل سببها المبيع فكان المنديل زيادة في الثمن وزيادة في مجلس العقد تلحق به

[ 239 ]

(مسألة) (وان وكله في بيع شئ ملك تسليمه ولم يملك قبض ثمنه الا بقرينة فان تعذر قبضه لم يلزم الوكيل) لان اطلاق التوكيل في البيع يقتضي التسليم لكونه من تمامه ولم يملك الابراء من الثمن وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يمكله ولنا أن الابراء ليس من المبيع ولا من ثمنه فلا يكون التوكيل في البيع توكيلا فيه كالابراء من غير ثمنه فاما قبض الثمن فقال القاضي وأبو الخطاب لا يملكه وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه قد يوكل في البيع من لا يأتمنه على قبض الثمن، فعلى هذا ان تعذر قبض الثمن من المشتري لم يلزم الوكيل شئ ويحتمل أن يملك قبض الثمن لانه من موجب البيع فملكه كتسليم المبيع فعلى هذا ليس له تسليم المبيع الا بقبض الثمن أو حضوره فان سلمه قبل قبض ثمنه ضمنه، قال شيخنا والاولى أن ينظر فيه فان دلت قرينة الحال على قبض الثمن مثل توكيله في بيع ثوب في سوق غائب عن الموكل أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل كان اذنا في قبضه فمتى ترك قبضه ضمنه لان ظاهر حال الموكل أنه انما أمره بالبيع لتصحيل ثمنه فلا يرضى بتضييعه ولهذا يعد من فعل ذلك مفرطا وان لم تدل القرينة على ذلك لم يكن له قبضه (فصل) وان وكله في شراء شئ ملك تسليم ثمنه لانه من ثمنه وحقوقه فهو كتسليم المبيع في

[ 240 ]

البيع والحكم في قبض المبيع كالحكم في قبض الثمن في البيع على ما ذكرنا، فان اتشرى عبدا فنقد ثمنه فخرج العبد مستحقا فهل يملك أن يخاصم البائع في الثمن؟ على وجهين، فان اشترى شيئا وقبضه وأخر تسليم الثمن لغير عذر فهلك في يده ضمنه وان كان له عذر مثل ان ذهب ينقده أو نحو ذلك فلا ضمان عليه نص أحمد على هذا لانه مفرط في امساكه في الصورة الاولى فلزمه الضمان بخلاف مااذا لم يفرط (مسألة) (وان وكله في بيع فاسد لم يصح ولم يملكه) لان الله تعالى لم يأذن فيه ولان الموكل لا يملكه فالوكيل أولى ولا يملك الصحيح لان الموكل لم يأذن فيه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يملك الصحيح لانه إذا أذن في الفاسد فالصحيح أولى ولنا أنه أذن له في محرم فلم يملك الحلال بالاذن في الفاسد كما لو اذن في شراء خمر وخنزير لم يملك شراء الخيل والغنم (مسألة) (وان وكله في كل قليل وكثير لم يصح) لانه يدخل فيه كل شئ فيعظم الغرر ولانه لا يصح التوكيل الا في تصرف معلوم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال ابن أبي ليلى يصح ويملك به كل ما تناوله لفظه لان لفظه عام فصح فيما تناوله كما لو قال بع مالي كله

[ 241 ]

ولنا أن في هذا غررا عظيما وخطرا كبيرا لانه يدخل فيه هبة ماله وطلاق نسائه واعتاق رقيقه وتزوج نساء كثير وتلزمه المهور الكثيرة والايمان العظيمة فيعظم الضرر (مسألة) (وان وكله في بيع ماله كله صح) لانه يعرف ماله فيعرف أقصى ما يبيع فيقل الغرر وكذلك لو وكله في بيع ما شاء من ماله أو قبض ديونه أو الابراء منها أو ما شاء منها صح لانه يعرف دينه فيعرف ما يقبض فيقل الغرر (مسألة) (وان قال اشتر لي ما شئت أو عبدا بما شئت لم يصح حتى يذكر النوع وقدر الثمن وعنه ما يدل على أنه يصح) إذا قال اشتر لي ما شئت بما شئت لم يصح ذكره أبو الخطاب لان ما يمكن شراؤه يكثر فيكثر فيه الغرر وان قدر له اكثر الثمن وأقله صح لانه يقبل الغرر وقال القاضي إذا ذكر النوع لم يحتج إلى ذكر الثمن لانه أذن في أعلاه وعنه ما يدل على أنه يصح فانه قد روي عن فيمن قال ما اشتريت من شئ فهو بيننا أن هذا جائز وأعجبه وهذا توكيل في شراء كل شئ ولانه اذن في التصرف فجاز من غير تعيين كالاذن في التجارة

[ 242 ]

(فصل) وقد ذكرنا أنه إذا قال بع ما شئت من مالي أنه يصح وقال أصحاب الشافعي إذا قال بع ما شئت من مالي لم يجز وان قال بع ما شئت من عبيدي جاز لانه محصور بالجنس ولنا أن ما جاز التوكيل في جميعه جاز التوكيل في بعضه وان قال اشتر لي عبدا تركيا أو ثوبا صرويا صح وكذلك ان قال اشتر لي عبدا أو ثوبا ولم يذكر جنسه صح أيضا وقال أبو الخطاب لا يصح وهو مذهب الشافعي لانه مجهول ولنا أنه ذكر نوعا فقد أذن في أعلاه ثمنا فيقل الغرر ولان تقدير الثمن يضربه فانه قد لا يجد بقدر الثمن ومن اعتبر ذكر الثمن جوز أن يذكر له أكثر الثمن وأقله وقد ذكرناه (مسألة) (وإن وكله في الخصومة لم يكن وكيلا في القبض) وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يملك قبضه لان المقصود من التثبت قبضه أو تحصيله

[ 243 ]

ولنا أن القبض لم يتناوله الاذن نطقا ولا عرفا لانه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض (فصل) إذا وكله في الخصومة لم يقبل إقراره على الموكل بقبض الحق ولا غيره وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة ومحمد يقبل اقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود والقصاص وقال أبو يوسف يقبل اقراره في مجلس الحكم وغيره لان الاقرار أحد جوابي المدعي فملكه كالانكار ولنا ان الاقرار يقطع الخصومة وينافيها فلم يملك الوكيل الاقرار فيها كالابراء وفارق الانكار فانه لا يقطع الخصومة ويملكه في الحدود والقصاص وفي غير مجلس الحاكم ولان الوكيل لا يملك الانكار على وجه يمنع الموكل من الاقرار فلو ملك الاقرار لا متنع على الموكل الانكار فافترقا ولا يملك المصالحة على الحق ولا الابراء منه بغير خلاف نعلمه الا ان الاذن في الخصومة لا يقتضي شيئا من ذلك (مسألة) (وان وكله في القبض كان وكيلا في الخصومة في أحد الوجهين) وقال أبو حنيفة والآخر ليس له ذلك وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانهما معنيان مختلفان فالوكيل في أحدهما لا يكون وكيلا في الآخر لانه لم يتناوله اللفظ

[ 244 ]

ووجه الاول أنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالتثبيت فكان أذنا فيه عرفا ولان القبض لا يتم إلا به فملكه كما لو وكل في شراء شئ ملك تسليم ثمنه أو في بيع شئ ملك تسليمه ويحتمل أنه ان كان الموكل عالما بجحد من عليه الحق أو مطله كان توكيلا في تثبيته والخصومة فيه لعلمه بوقوف القبض عليه ولا فرق بين كون الحق عينا أو دينا وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ان وكل في بيع عين لم يملك تثبيتها لانه وكيل في نقلها أشبه الوكيل في نقل الزوجة. ولنا انه وكيل في قبض حق أشبه الوكيل في قبض الدين وبه يبطل ما ذكروه فانه توكيل في قبضه ونقله إليه (مسألة) (وان وكل في قبض الحق من انسان لم يكن له القبض من وارثه وان قال اقبض حقي الذي قبله فله القبض من وارثه) إذا وكله في قبض دين من رجل فمات نظرت في لفظه فان قال اقبض حقى من فلان لم يكن له قبضه من وارثه لانه لم يؤمر بذلك ولا يقتضيه العرف لانه قد يرى بقاء الحق عندهم دونه وان قال اقبض حقى الذي قبله أو عليه فله مطالبة وارثه والقبض منه لان قبضه من الوارث قبض الحق الذي

[ 245 ]

على مورثه، فان قيل فلو قال اقبض حقي من زيد فوكل زيد انسانا في الدفع إليه كان له القبض والوارث نائب الموروث فهو كالوكيل، قلنا الوكيل إذا دفع عنه باذنه جرى مجرى تسليمه لانه أقامه مقام نفسه وليس كذلك ههنا فان الحق انتقل إلى الورثة واستحقت المطالبة عليه لا بطريق النيابة عن المورث ولهذا لو حلف لا يفعل شيئا حنث بفعل وكيله دون وارثه (مسألة) (وإن وكله في قبضه اليوم لم يكن له قبضه غدا لانه قد يختص غرضه به في زمن حاجته إليه (مسألة) وإن وكله في الايداع فأودع ولم يشهد لم يضمن إذا أنكر المودع) كذلك ذكره أصحابنا وعموم كلام الخرقي يقتضي أن لا يقبل قوله على الآخر وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان الوديعة لا تثبت إلا ببينة فهو كما لو وكله في قضاء الدين وقال أصحابنا لا يصح القياس لان قول المودع يقبل في الرد والهلاك فلا فائدة في استيثاق بخلاف قضاء الدين، فان قال الوكيل دفعت المال إلى المودع فقال لم تدفعه فالقول قول الوكيل لانهما اختلفا في تصرفه فيما وكل فيه فكان القول قوله فيه

[ 246 ]

(مسألة) (وإن وكله في قضاء الدين فقضاه ولم يشهد وأنكر الغريم ضمن إلا أن يقضيه بحضرة الموكل) إذا وكل رجلا في قبضاء دينه ودفع إليه مالا ليدفعه إليه فادعى الوكيل قضاء الدين ودفع المال إلى الغريم لم يقبل قوله على الغريم إلا ببينة لانه ليس بأمينه فلم يقبل قوله عليه في ذلك كما لو ادعاه الموكل فإذا حلف الغريم فله مطالبة الموكل لان ذمته لا تبرأ بدفع المال إلى وكيله وهل للموكل الرجوع على وكيله؟ ينظر فان كان قضاه بغير بينة فللموكل الرجوع عليه إذا قضاه في غيبته قال القاضى سواء صدقه أو كذبه وهذا قولا الشافعي لانه إذن في القضاء يبرأ به ولم يوجد وعن أحمد لا يرجع عليه بشئ إلا أن يكون أمره بالاشهاد فلم يفعل، فعلى هذه الرواية ان صدقه الموكل في الدفع لم يرجع عليه بشئ وإن كذبه فالقول قول الوكيل مع يمينه وهذا قول أبي حنيفة ووجه لاصحاب الشافعي لانه ادعى فعل ما أمره به موكله فكان القول قوله كما لو أمره ببيع ثوبه فادعى بيعه ووجه الاول أنه مفرط بترك الاشهاد فضمن كمما لو فرط في البيع بدون ثمن المثل، فان قيل فلم يأمره بالاشهاد؟ قلنا إطلاق الامر بالقضاء يقتضى ذلك لانه لا يثبت إلا به فيصير كامره بالبيع والشراء يقتضى ذلك العرف لا العموم كذاههنا وقياس القول الآخر يمكن القول بموجبه وأن قوله مقبول في القضاء وإنما لزمه الضمان لتفريطه لالرد قوله وعلى هذا لو كان القضاء بحضرة الموكل

[ 247 ]

لم يضمن الوكيل لان تركه الاحتياط والاشهاد رضا منه بما فعل وكيله وكذلك لو أذن له في القضاء بغير اشهاد فلا ضمان عليه لان صريح قوله يقدم على ما تقتضيه دلالة الحال وكذلك إن أشهد على القصاء عد ولا فماتوا أو غابوا فلا ضمان عليه لعدم تفريطه، وإن أشهد من يختلف في ثبوت الحق بشهادته كشاهد واحد أو رجلا وامرأتين فهل يبرأ من الضمان يخرج على روايتين فان اختلف الوكيل والموكل فقال قضيت الدين بحضرتك فأنكر الموكل ذلك أو قال أذنت لي في قضائه بغير بينة فأنكر الموكل أو قال أشهدت على القضاء شهودا فما توا فأنكر الموكل فالقول قوله لان الاصل معه (فصل) قال المصنف رحمه الله (والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف في يده بغير تفريط) سواء كان بجعل أولا لانه أمين أشبه المودع ومتى اختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفظ أو مخالفته أمر موكله مثل أن يدعي أنك حملت على الدابة فوق طاقتها أو حملت عليها شيئا لنفسك أو فرطت في حفظها أو لبست الثوب أو أمرتك برد المال فلم تفعل ونحو ذلك فالقول قول الوكيل مع يمنيه لانه أمين وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه فلا يكلف ذلك كالمودع ولانه منكر لما يدعى عليه والقول قول المنكر، وكذلك إن ادعى الوكيل التلف فأنكر الموكل فالقول قول الوكيل مع يمينه لما ذكرنا وهكذا حكم من كان في يده شئ لغيره على سبيل الامانة كالاب والوصي وأمين الحاكم والشريك والضمارب والمرتهن والمستأجر لانه لو كلف ذلك مع تعذره لا متنع الناس من الدخول في الامانات مع دعوى الحاجة إليها وذلك ضرر وقال

[ 248 ]

القاضي إلا أن يدعي تلفها بامر ظاهر كالحريق والنهب فعليه إقامة البينة على وجود هذا الامر في تلك الناحية ثم يكون القول قوله في تلفها به وهذا قول الشافعي لان وجود الامر الظاهر مما لا يخفى فلا يتعذر إقامة البينة عليه ومتى ثبت التلف في يده من غير تعديه إما لقبول قوله أو باقرار موكله أو تبينه فلاضمان عليه سواء تلف المتاع الذي أمر ببيعه أو باعه وقبض ثمنه فتلف الثمن سواء كان بجعل أو غيره لانه نائب المالك في اليد والتصرف فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك وجرى مجرى المودع والمضارب وشبههما فان تعدى أو فرط ضمن وكذلك سائر الامناء ولو باع الوكيل سلعة وقبض ثمنها فتلف في يده من غير تعد واستحق المبيع رجع المشترى بالثمن على الموكل دون الوكيل لان المبيع له فالرجوع بالعهدة عليه كما لو باع بنفسه (مسألة) (وإن قال بعت الثوب وقبضت الثمن فتلف فالقول قوله) إذا اختلف الوكيل والموكل في التصرف فيقول الوكيل بعت الثوب وقبضت الثمن فينكر الموكل ذلك أو يقول بعت ولم تقبض شيئا فالقول قول الوكيل ذكره ابن حامد وهو قول أصحاب الرأي لانه يملك البيع والقبض فقبل قوله فيهما كما يقبل قول ولي المرأة المجبرة على النكاح في تزويجها ويحتمل أن لا يقبل قوله وهذا أحد القولين لاصحاب الشافعي لانه يقر بحق لغيره على موكله فلم يقبل كما لو أقر بدين عليه فان وكله في شراء عبد فاشتراه واختلفا في قدر ما اشتراه به فقال اشتريته بألف قال بل بخمسمائة فالقول قول الوكيل لما ذكرناه

[ 249 ]

وقال القاضى القول قول الموكل الا أن يكون عين له الشراء بما ادعاه فقال اشتر لي عبدا بالف فادعى الوكيل أنه اشتراه بها فالقول قول الوكيل إذا وإلا فالقول قول الموكل لان من كان القول قوله في أصل شئ كان القول قوله في صفته وللشافعي قولان كهذين الوجهين، وقال أبو حنيفة إن كان الشراء في الذمة فالقول قول الموكل لانه غارم لكونه مطالبا بالثمن وان اشترى بعين المال فالقول قول الوكيل لكونه الغارم فانه مطالبه برد ما زاد على خمسمائة. ولنا أنهما اختلفا في تصرف الوكيل فكان القول قوله كما لو اختلفا في البيع ولانه وكيل في الشراء فكان القول قوله في قدر ثمن المشترى كالمضارب وكما لو قال له اشتر بألف عند القاضي (مسألة) (وان اختلفا في رده إلى الموكل فالقول قوله ان كان متطوعا وإن كان بجعل فعلى وجهين) إذا اختلفا في الرد فادعاه الوكيل و أنكره الموكل فان كان بغير جعل فالقول قول الوكيل لانه قبض المال لنفع مالكه فكان القول قوله كالمودع وان كان بجعل ففيه وجهان (أحدهما) أن القول قوله كالاول (والثاني) لا يقبل قوله لانه قبض المال لنفع نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير وسواء اختلفا في رد العين أو رد ثمنها.

[ 250 ]

(مسألة) (وكذلك يخرج في الاجير والمرتهن) وجملة ذلك ان الامناء على ضربين (أحدهما) من قبض المال لنفع مالكه لا غير كالمودع والوكيل بغير جعل فيقبل قولهم في الرد لانه لو لم يقبل قولهم لامتنع الناس من قبول هذه الامانة فيلحق الناس الضرر (الثاني) ينتفع بقبض الامانة كالوكيل بجعل والمضارب والاجير المشترك والمستأحر والمرتهن ففيهم وجهان ذكرهما أبو الخطاب (أحدهما) لا يقبل قول المرتهن والمضارب في الرد لان احمد نص عليه في المضارب في رواية ابن منصور ولان من قبض المال لنفع نفسه لا يقبل قوله في الرد كالمستعير ولو أنكر الوكيل قبض المال ثم ثبت ذلك ببينة أو اعتراف فادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله لان جنايته قد ثبتت بجحده، فان أقام بينة بما ادعاه من الرد أو التلف لم تقبل بينته في أحد الوجهين لانه كذبها بجحده فان قوله قبضت يتضمن أنه لم يرد شيئا (والثاني) يقبل لانه يدعي الرد والتلف قبل وجود خيانته فان كان جحوده انك لا تستحق علي شيئا أو مالك عندي شئ سمع قوله مع يمينه لان جوابه لا يكذب ذلك فانه إذا كان قد تلف أو رد فليس له عنده شئ فلا تنافي بين القولين الا أن يدعي انه رده أو تلف بعد قوله مالك عندي شئ فلا يسمع قوله لثبوت كذبه وخيانته (مسألة) (فان قال أذنت لي في البيع نسيئة وفي الشراء بخمسه فأنكره فعلى وجهين) وجملة ذلك أنهما متى اختلفا في صفة الوكالة فقال وكلتك في بيع هذا العبد قال بل في بيع هذه الجارية أو قال

[ 251 ]

في بيعه نقداقال بل نسيئة أو قال وكلتك في شراء عبد قال بل في شراء أمة أو قال بل وكلتك في الشراء بعشرة قال بل بخمسة فقال القاضي في المجرد القول قول الموكل وهو قول أصحاب الرأي والشافعي وابن المنذر، وقال أبو الحطاب إذا قال أذنت لك في البيع نقدا وفي الشراء بخمسة قال بل أذنت لي في البيع نساء وفي الشراء بعشرة فالقول قول الوكيل نص عليه أحمد واختاره القاضي والتعليق الكبير في المضاربة لانه أمين في التصرف فكان القول قوله في صفته كالخياط إذا قال أذنت لي في تفصيله قباء قال بل قميصا وحكي عن مالك ان أدركت السلعة فالقول قول الموكل وان فاتت فالقول قول الوكيل لانها إذا فاتت لزم الوكيل الضمان والاصل عدمه بخلاف ما إذا كانت موجودة، والقول الاول أصح لوجهين (أحدهما) أنهما اختلفا في التوكيل الذي يدعيه الموكل فكان القول قول من ينفيه كما لو لم يقر الموكل بتوكيله في غيره (والثاني) انهما اختلفا في صفة قول الموكل فكان القول قوله في صفة كلامه كما لو اختلف الزوجان في صفة الطلاق، فعلى هذا إذا قال اشتريت لك هذه الجارية باذنك فقال ما اذنت الا في شراء غيرها أو قال اشتريتها لك بألفين فقال ما أذنت لك في شرائها الا بألف فالقول قول الموكل وعليه اليمين فإذا خلف برئ من الشراء، ثم لا يخلو إمان يكون الشراء بعين المال أو في الذمة فان كان بعين المال فالبيع باطل ويرد الجارية على البائع ان اعترف بذلك وان كذبه في ان الشراء لغيره أو بمال غيره بغير اذنه فالقول قول البائع لان الظاهر ان ما في يد الانسان له فان ادعى الوكيل علمه بذلك حلف أنه

[ 252 ]

لا يعلم أنه اشتراه بمال موكله لانه يحلف على نفي فعل غيره فإذا حلف مضى البيع وعلى الوكيل غرامة الثمن لموكله ودفع الثمن إلى البائع وتبقى الجارية في يده لا تحل له لانه إن كان صادقا فهي للموكل وان كان كاذبا فهي للبائع، فان أراد استحلالها اشتراها ممن هي له في الباطن امتنع من بيعه إياها رفع الامر إلى الحاكم ليرفق به ليبيعه اياها ليثبت الملك له ظاهرا وباطنا ويصير ما ثبت له في ذمته ثمنا قصاصا بالثمن الذي أخذ منه الآخر ظلما فان امتنع الآخر من البيع لم يجبر عليه لانه عقد مراضاة، فان قال له ان كانت الجارية لي فقد بعتكها أو قال الموكل ان كنت أذنت لك في شرائها بألفين فقد بعتكها ففيه وجهان (أحدهما) لا يصح وهو قول القاضي وبعض الشافعية لانه بيع معلق على شرط (والثاني) يصح لان هذا أمر واقع يعلمان وجوده فلا يصح جعله شرطا كما لو قال ان كانت هذه الجارية جارية فقد بعتكها وكذلك كل شرط علما وجوده فانه لا يوجب وقوف البيع ولا شكافيه، وان كان الوكيل اشترى في الذمة ثم نقد الثمن صح الشراء ولزم الوكيل في الظاهر فأما في الباطن فان كان كاذبا في دعواه فالجارية لموكله فإذا أراد احلالها توصل إلى شرائها منه كما ذكرنا وكل موضع كانت للموكل في الباطن وامتنع من بيعها للوكيل فقد حصلت في يد الوكيل وهي للموكل وفي ذمته ثمنها في الوكيل فأقرب الوجوه ان يأذن للحاكم في بيعها وتوفية حقه من ثمنها فان كانت للوكيل فقد بيعت باذنه وإن كانت للموكل فقد باعها الحاكم في إيفاء دين امتنع المدين من وفائه وقد قيل غير ما ذكرنا وهذا أقرب إن شاء الله تعالى

[ 253 ]

وان اشتراها الوكيل من الحاكم بماله على الموكل جاز لانه قائم مقام الموكل في ذلك أشبه ما لو اشترى منه (فصل) ولو وكله في بيع عبد فباعه نسيئة فقال الموكل ما أذنت في بيعه الا نقدا فصدقه الوكيل والمشتري فسد البيع وله مطالبة من شاء منهما بالعبد إن كان باقيا وبقيمته ان تلف فان أخذ القيمة من الوكيل رجع على المشتري بها لان التلف في يده فاستقر الضمان عليه وان أخذها من المشتري لم يرجع بالضمان على أحد، وان كذباه وادعيا أنه أذن في البيع نسيئة فعلى قول القاضي يحلف الموكل ويرجع في العين إن كانت قائمة وان كانت تالفة رجع المشتري على الوكيل بالثمن الذي أخذه منه لانه لم يسلم له المنع وان ضمن الوكيل لم يرجع على المشتري في الحال لانه يقر بصحة البيع وتأجيل الثمن وان البائع ظلمه بالرجوع عليه وأنه انما يستحق المطالبة بالثمن بعد الاجل فإذا حل الاجل رجع الوكيل على المشتري بأقل الامرين من القيمة أو الثمن المسمى لان القيمة ان كانت أقل فما غرم اكثر منها فلم يرجع بأكثر مما غرم وإن كان الثمن أقل فالوكيل معترف للمشتري أنه لا يستحق عليه أكثر منه وان الموكل ظلمه بأخذ الزائد على الثمن فلا يرجع على المشتري بما ظلم به الموكل وان كذبه أحدهما دون الآخر فله الرجوع على المصدق بغير يمين ويحلف على المكذب ويرجع على حسب ما ذكرناه هذا ان اعترف المشتري بالوكالة وإن أنكر ذلك وقال انما بعتني ملكك فالقول قوله مع يمينه أنه لا يعلم كونه وكيلا ولا يرجع عليه بشئ.

[ 254 ]

(فصل) إذا قبض الوكيل ثمن المبيع فهو امانة في يده لا يلزمه تسليمه قبل طلبه ولا يضمنه بتأخيره لانه رضي بكونه في يده فان طلبه فأخر رده مع امكانه فتلف ضمنه وإن وعده رده ثم ادعى إنى كنت رددته قبل طلبه أو انه كان تلف لم يقبل قوله لانه مكذب لنفسه بوعده رده فان صدقه الموكل برئ فان كذبه فالقول قول الموكل فان أقام ببنة بذلك قبلت في أحد الوجهين لانه يبرأ بتصديق الموكل فكذلك إذا قامت له بينة لان البينة إحدى الحجتين فبرئ بها كالاقرار والثانى لا يقبل لانه كذبها بوعده بالدفع بخلاف ما إذا صدق لانه أقر ببراءته فلم يبق له منازع، وإن لم بعده برده لكن منعه أو مطله مع امكانه ثم ادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله الا بينة لانه صار بالمنع خارجا عن حال الامانة وتسمع بينته لانه لم يكذبها (مسألة) (وان قال اذنت لي ان تزوج لك فلانة ففعلت وصدقته المرأة فأنكر فالقول قول المنكر بغير يمين وهل يلزم الوكيل نصف الصداق ء على وجهين) وجملة ذلك أن الوكيل والموكل إذا ختلفا في أصل الوكالة فقال وكلتني فأنكر الموكل فالقول قوله لان الاصل عدم الوكالة ولم يثبت أنه أمينه فيقبل قوله عليه ولو قال وكلتك ودفعت اليك مالا فأنكر الوكيل ذلك كله أو اعترف بالتوكيل وأنكر دفع المال إليه فالقول قوله لذلك ولو قال رجل

[ 255 ]

لآخر وكلتني ان أتزوج لك فلانة ففعلت وادعت المرأه ذلك فأنكر الموكل فالقول قوله نص عليه أحمد فقال ان أقام البينة والا فلا يلزم الآخر عقد النكاح قال أحمد ولا يستحلف قال القاضي لان الوكيل يدعي حقا لغيره، وفأما ان ادعته المرأه فينبعي أن يستحلف لانها تدعي الصداق في ذمته فإذا حلف لم يلزمه الصداق ولم يلزم الوكيل منه شئ لان دعوى المرأة على الموكل وحقوق العقد لا تتعلق بالوكيل ونقل احساق بن ابراهيم عن أحمد أن الوكيل يلزمه نصف الصداق لان الوكيل في الشراء ضامن للثمن وللبائع مطالبته كذا ههنا ولانه فرط حيث لم يشهد على الزوج بالعقد والصداق والاول أولى لما ذكرناه، ويفارق الشراء لان الثمن مقصود البائع والعادة تعجيله وأخذه من المتولي للشراء والنكاح يخالفه في هذا كله، فان كان الوكيل ضمن المهر فلها الرجوع عليه بنصفه لانه ضمنه الموكل وهو مقر بأنه في ذمته وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي وقال محمد بن الحسن يلزم الوكيل جميع الصداق لان الفرقة لم تقع بانكاره فيكون ثابتا في الباطن فيجب جميعه ولنا أنه يملك الطلاق فإذا أنكر فقد أقر بتحريمها عليه فصار بمنزلة ايقاعه لما تحرم به قال أحمد ولا يتزوج المرأة حتى يطلق لعله يكون كاذبا في انكاره، وظاهر هذا تحريم نكاحها قبل طلاقها لابها

[ 256 ]

معترفة أنها زوجة له فيؤخذ باقرارها، وانكاره ليس بطلاق، وهل يلزم الموكل طلاقها؟ فيه احتمالان (أحدهما) لا يلزم لانه لم يثبت في حقه نكاح ولو ثبت لم يكلف الطلاق ويحتمل أن يلزمه لازالة الاحتمال والزالة الضرر عنها بما لا ضرر عليه فيه فأشبه النكاح الفاسد، ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر لانه لم يثبت صداقها فترث وهو ينكر أنها زوجته فلا يرثها ولو ادعى أن فلانا الغائب وكيله في تزوج امرأة فتزوجها له ثم مات الغائب لم ترثه المرأة الا بتصديق الورثة أو يثبت بينة، وان أقر الموكل بالتوكيل في التزويج وأنكر أن يكون تزوج له فان القول قول الوكيل فيه فيثبت التزويج ههنا وقال القاضي لا يثبت وهو قول أبى حنيفة لانه لا تتعذر اقامة البينة عليه لكونه لا ينعقد الا بها وذكر أن أحمد نص عليه وأشار إلى نصه فيما إذا أنكر الموكل الوكالة من أصلها ولنا أنهما اختلفا في فعل الوكيل ما أمره به فكان القول قوله كما لو وكله في بيع ثوب فادعى بيعه أو في شراء عبد بألف فادعى أنه اشتراه به وما ذكره القاضي من نص أحمد عليه فيما إذا أنكر الموكل الوكالة فيس بنص ههنا لاختلاف أحكام الصورتين وتباينهما فلا يكون النص في احداهما نصا في الآخر وما ذكره من المعنى لا أصل له فلا يعول عليه

[ 257 ]

(فصل) ولو غاب رجل فجاء رجل إلى امرأته فذكر أن زوجها طلقها وأبانها ووكله في تجديد نكاحها بألف فأذنت في نكاحها فعقد عليها وضمن الوكيل الالف ثم جاء زوجها وانكر هذا كله فاقول قوله والنكاح الاول بحاله وقياس ما ذكرناه ان المرأة ان صدقت الوكيل لزمه الالف الا أن يبينها زوجها قبل دخوله بها وحكي ذلك عن مالك وزفر وحكي عن أبي حنيفة والشافعي انه لا يلزم الضامن شئ لانه فرع على المضمون عنه والمضمون عنه لا يلزمه شئ فكذلك فرعه ولنا أن الوكيل مقر بأن الحق في ذمة المضمون عنه وانه ضامن عنه فلزمه ما اقربه كما لو ادعى على رجل انه ضمن ألفا على أجنبي فأقر الضامن بالضمان وصحته وثبوت الحق في ذمة المضمون عنه وكما لو ادعى شفعة على انسان في شقص اشتراه فأقر البائع وأنكر المشتري فان الشفيع يستحق الشفعة في أصح الوجهين فان لم تدع المرأه صحة ما ذكره الوكيل فلا شئ عليه، ويحتمل أن من أسقط عنه الضمان أسقطه في هذه الصورة ومن أوجبه أوجبه في الصورة الاخرى فلا يكون بينهما اختلاف والله أعلم (مسألة) (ويجوز التوكيل بجعل وبغيره) لانه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ الجعل عليه كرد الآبق

[ 258 ]

ويجوز بغير خلاف فإذا وكله بجعل فباع استحق الجعل قبل قبض الثمن لتحقق البيع قبل قبضه فان قال في التوكيل فإذا أسلمت إلي الثمن فلك كذا وقف استحقاقه على التسليم إليه لا شتراطه إياه ولو قال بع ثوبي بعشرة فما زاد فلك صح نص عليه، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول ابن سيرين واسحاق وكرهه النخعي وحماد وأبو حنيفة والثوري والشافعي وابن المنذر لانه أجر مجهول يحتمل الوجود ولنا ان عطاء روى عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا ان يعطي الرجل الرجل الثوب أو غيره فيقول بعه بكذا فما ازددت فهو لك ولا يعرف له في عصره مخالف فكان إجماعا لانها عين تنمي بالعمل عليها أشبه دفع ماله مضاربة. إذا ثبت ذلك فإذا باعه بزيادة فهي له لانه جعلها له وان باعه بما عينه فلا شئ له لانه جعل له الزيادة ولا زيادة فهو كالمضارب إذا لم يربح، وان باعه بنقص فعنه لا يصح لمخالفته فان تعذر ضمن النقص وعنه يصح ويضمن النقص وقد ذكرنا ذلك وان باعه نسيئة لم يصح ولا يستحق الوكيل وان باعه بزيادة نص عليه أحمد في رواية الاثرم (فصل) إذا وكله في شراء شئ فاشترى غيره مثل ان يوكله في شراء عبد فاشترى جارية فان كان الشراء بعين مال الموكل فالشراء باطل في أصح الروايتين وهو مذهب الشافعي وعن أحمد أنه يصح ويقف على إجازة المالك فان أجازه صح وإلا بطل وهو قول مالك وإسحاق وقد ذكرناه في كتاب البيع فان كان اشتراه في ذمته ثم نقد الثمن فالشراء صحيح لانه إنما اشترى بثمن في ذمته وليس ذلك ملكا لغيره وقال أصحاب الشافعي لا يصح في أحد الوجهين لانه عقد على أنه للموكل ولم يأذن فيه فلم يصح كما لو اشترى بعين ماله

[ 259 ]

ولنا أنه لم يتصرف في ملك غيره فصح كما لو لم ينوه إذا ثبت ذلك فروي عن أحمد روايتان (احداهما) الشراء لازم للمشتري وهو الوجه الثاني لاصحاب الشافعي لانه اشترى في ذمته بغير اذنه فكان الشراء له كما لو لم ينو غيره (والثانية) يقف على اجازة الموكل ان أجازه لزمه وان لم يجزه لزم الوكيل لانه لا يجوز أن يلزم الموكل لكونه لم ياذن في شرائه ولزم الوكيل لان الشراء صدر منه ولم يثبت لغيره فثبت في حقه كما لو اشتراه لنفسه وهكذا ذكر الخرقي وهذا حكم كل من اشترى شيئا في ذمته لغيره بغير إذنه سواء كان وكيلا للذي قصد الشراء له أو لم يكن (فصل) وان وكله في أن يتزوج له امرأة فتزوج له غيرها أو تزوج له بغير إذنه فالعقد فاسد بكل حال في إحدى الروايتين وهو مذهب الشافعي لان من شرط صحة عقد النكاح ذكرا لزوج فإذا كان بغير إذنه لم يقع له ولا للوكيل لان المقصود أعيان الزوجين بخلاف البيع فانه يجوز أن يشتري له من غير تسمية المشتري له والثانية يصح النكاح ويقف على إجازة المتزوج فان أجازه صح والابطل وهو مذهب أبي حنيفة والقول فيه كالقول في البيع على ما تقدم (فصل) قال القاضي إذا قال لرجل اشتر لي بديني عليك طعاما لم يصح ولو قال أسلف لي الفا من ملك في كر طعام ففعل لم يصح أيضا لانه لا يجوز أن يتشري الانسان بماله ما يملكه غيره وان قال اشتر لي في ذمتك أو قال أسلف لي الفافي كر طعام واقض الثمن عني من مالك أو من الدين الذي عليك صح لانه إذا اشترى في الذمة حصل الشراء للموكل والثمن عليه فإذا قضاه من الدين الذي عليه فقد دفع الدين إلى من أمره صاحب الدين بدفعه إليه وان قضاه من ماله عن دين السلف الذي عليه صار قرضا عليه

[ 260 ]

(فصل) قال أحمد في رواية أبي الحارث في رجل له على آخر دراهم فبعث إليه رسولا يقبضها فبعث إليه مع الرسول دينارا فضاع مع الرسول فهو من مال الباعث لانه لم يأمره بمصارفته انما كان من ضمان الباعث لانه دفع إلى الرسول غير ما أمره به المرسل لان المرسل انما أمره بقبض الدراهم ولم يدفعها انما دفع دينارا عوضا عنه وهذا صرف يفتقر إلى اذن صاحب الدين ومصارفته به فإذا تلف في يد وكيله كان من ضمانه اللهم الا ان يخبر الرسول الغريم ان رب الدين أذن له في قبض الدينار عن الدراهم فيكون من ضمان الرسول لانه غره وأخذ الدينار على انه وكيل للمرسل، وان قبض الدراهم التي أمر بقبضها فضاعت من الرسول بغير تفريط فهي من ضمان صاحب الدين، وقال أحمد في رواية منها في رجل له عند آخر دنانير وثياب فبعث إليه رسولا وقال خذ دينارا أو ثوبا فأخذ دينارين وثوبين فضاعت فالضمان على الباعث يعني الذي أعطاه الدينار ين والثور بين ويرجع به على الرسول يعني عليه ضمان الدينار والثوب الزائداين إنما جعل عليه الضمان لانه إلى من لم يؤمر بدفعهما إليه ورجع بهما على الرسول لانه غره وحصل التلف في يده فاستقر الضمان عليه وللموكل تضمين الوكيل لانه تعدى بقبض ما لم يؤمر بقبضه فإذا ضمنه لم يرجع على أحد لان التلف حصل في يده فاستقر الضمان عليه، وقال أحمد في رجل وكل وكيلا في اقتضاء دينه وغاب فأخذ الوكيل به رهنا فتلف الرهن في يد الوكيل فقال أساء الوكيل في أخذ الرهن ولا ضمان عليه إنما لم يضمنه لانه رهن فاسد والقبض في العقد الفاسد كالقبض في العقد الصحيح فما كان القبض في صحيحه مضمونا كان مضمونا في فاسده وما كان غير مضمون في صحيحه كان غير مضمون في فاسده، ونقل البغوي عن أحمد في رجل أعطى آخر دراهم ليشتري له بها شاة فخلطها مع دراهمه فضاعا فلا شئ عليه وان

[ 261 ]

ضاع أحدهما أيهما ضاع غرمه قال القاضي هذا محمول على انه خلطها بما تتميز منه ويحتمل أنه أذن له في خلطها أما ان خلطها بما لا تتميز منه بغير اذنه ضمنها كالوديعة وانما لزمه الضمان إذا ضاع أحدهما لانه لا يعلم ان الضائع دراهم الموكل والاصل بقاؤها، ومعنى الضمان ههنا أنه يحسب الضائع من دراهم نفسه فأما على المحمل الآخر وهو إذا خلطها بما تتميز منه فإذا ضاعت دراهم الموكل وحدها فلاضمان عليه لانها ضاعت من غير تعد منه (فصل) قال الشيخ رحمه الله (فان كان عليه حق لانسان فادعى آخر أنه وكيل صاحبه في قبضه فصدقه لم يلزمه الدفع إليه الا ان تقوم به بينة وان لم تقم به بينة لم يلزمه الدفع إليه وان صدقه) وبه قال الشافعي وسواء كان الحق في ذمته أو وديعة عنده وقال أبو حنيفة يلزمه وفاء الدين إن صدقه وفي الوديعة روايتان أشهر هما لا يجب تسليمها لانه أقر له بحق الاستيفاء فلزمه إيفاؤه كما لو أقر أنه وارثه ولنا أنه تسليم لا يبرئه فلا يجب عليه كما لو كان الحق عينا وكما لو أقر بأن هذا وصي الصغير وفارق الاقرار بكونه وارثه لانه يتضمن براءته فانه أقر بأنه لا حق لسواه (مسألة) (وان كذبه لم يستحلف) وقال أبو حنيفة يستحلف وهذا مبني على الخلاف في وجوب الدفع مع التصديق فمن أوجب عليه ثم أوجب عله اليمين مع التكذيب كسائر الحقوق ومن لم يوجب عليه الدفع مع التصديق لم يلزمه اليمين مع التكذيب لعدم فائدتها (مسألة) (فان دفعه إليه فأنكر صاحب الحق الوكالة وحلف رجع على الدافع وحده)

[ 262 ]

وجملة ذلك ان من عليه الحق إذا دفعه إلى الوكيل مع التصديق أو عدمه فحضر الموكل وصدق الوكيل برئ الدافع وان كذبه فالقول قوله مع يمينه لانه منكر فإذا حلف وكان الحق دينا لم يرجع إلا على الدافع وحده لان حقه في ذمته ولم يبرأ منه بتسليمه إلى غيرو كيل صاحب الحق والذي أخذه الوكيل عين مال الدافع في زعم صاحب الحق والوكيل والدافع يزعمان أنه صار ملكا لصاحب الحق وأنه ظالم للدافع بالاخذ منه فيرجع الدافع فيما أخذ منه الوكيل ويكون قصاصا مما أخذ منه صاحب الحق وإن كان قد تلف في يد الوكيل لم يرجع عليه بشئ لانه مقر بأنه أمين لا ضمان عليه إلا أن يتلف بتعديه وتفريطه فيرجع عليه (مسألة) (وإن كان المدفوع وديعة فوجدها أخذها وإن تلف فله تضمين أيهما شاء ولا يرجع من ضمنه على الآخر بشئ) إذا كان المدفوع عينا فوجدها صاحبها أخذها وله مطالبة من شاء بردها لان الدافع دفعها إلى غير مستحقها والوكيل عين ماله في يده فان طالب الدافع فللدافع مطالبة الوكيل بها وأخذها من يده ليسلمها إلى صاحبها فان تلفت العين أو تعذر ردها فلصاحبها الرجوع ببدلها على من شاء منهما لان الدافع ضمنها بالدفع والقابض قبض مالا يستحق قبضه وأيهما ضمنه لم يرجع على الآخر لان كل واحد منهما يدعي أن ما يأخذ ظلم ويقر بأنه لم يؤخذ من صاحبه بتعد فلا يرجع على صاحبه بظلم غيره الا أن يكون الدافع دفعها إلى الوكيل من غير تصديق فيرجع على الوكيل لكونه لم يقر بوكالته ولم يثبت ببينة وإن ضمن الوكيل لم يرجع على الدافع وان صدقه لكن ان كان الوكيل تعدى فيها أو

[ 263 ]

فرط استقر الضمان عليه فان ضمن لم يرجع على أحد وان ضمن الدافع رجع عليه لانه وان كان يقر بانه قبضه قبضا شرعيا لكن إنما لزمه الضمان لتفريطه وتعديه فالدافع يقول ظلمني المالك بالرجوع علي وله على الوكيل حق يعتردف به الوكيل فيرجع عليه به (مسألة) (فان كان ادعى ان صاحب الحق أحاله ففي وجوب الدفع إليه مع التصديق واليمين مع الانكار وجهان. (أحدهما) لا يلزمه الدفع إليه لان الدفع إليه غرى مبرئ لاحتمال ان ينكر المحيل الحوالة ويضمنه فأشبه المدعي للوكالة (والثاني) يلزمه الدفع إليه لانه معترف ان الحق انتقل إليه أشبه الوارث والاول أشبه لان العلة في جواز منع الوكيل كون الدافع لا يبرئ وهي موجودة ههنا والعلة في وجوب الدفع إلى الوارث كونه مستحقا والدفع إليه يبرئ وهو متخلف ههنا فالحاقة بالوكيل أولى وان قلنا يلزمه الدفع مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار وان قلنا لا يلزمه الدفع مع التصديق لم تلزمه اليمين مع الانكار لعدم الفائدة فيها ومثل هذا مذهب الشافعي (مسألة) (وان ادعى أنه مات وأنا وارثه فصدقه أنه وارث الحق لا وراث له سواه لزمه الدفع إليه) بغير خلاف نعلمه لانه مقر له بالحق وأنه يبرأ بهذا الدفع فلزمه كما لو جاء صاحب الحق وإن انكر لزمته اليمين أنه لا يعلم صحة ما قال لان اليمين ههنا على نفي فعل الغير فكانت على نفي العلم وإنما لزمته اليمين ههنا لان من لزمه الدفع مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار كسائر الحقوق المالية (فصل) ومن طلب منه حق فامتنع من دفعه حتى يشهد القابض على نفسه بالقبض وكان الحق

[ 264 ]

عليه بغير بينة لم يلزم القابض الاشهاد لانه لا ضرر في ذلك فانه متى ادعى الحق على الدافع بعد ذلك قال لا تستحق علي شيئا والقول قوله مع يمينه وان كان الحق ثبت ببينة وكان من عليه الحق بقبل قوله في الرد كالمودع والوكيل بلا جعل فكذلك لانه متى ادعي عليه حق أو قامت به بينة فالقول في الرد قوله، وان كان ممن لا يقبل قوله في الرد أو يختلف في قبول قوله كالغاصب والمستعير والمرتهن لم يلزمه تسليم ما قبله الا بالاشهاد لئلا ينكر القابض القبض ولا يقبل قول الدافع في الرد وإن أنكر قامت عليه البينة ومتى أشهد القابض على نفسه بالقبض لم يلزمه تسليم الوثيقة بالحق إلى من عليه الحق لان بينة القبض تسقط البينة الاولى والكتاب ملكه فلا يلزمه تسليمه إلى غيره (فصل) في الشهادة على الوكالة إذا شهد بالوكالة رجل وامرأتان أو شاهد وحلف معه فقال أصحابنا فيها روايتان (إحداهما) تثبت بذلك إذا كانت الوكالة في المال قال أحمد في الرجل يوكل وكيلا ويشهد على نفسه رجلا وامرأتين إذا كانت المطالبة بدين فأما غير ذلك فلا (والثانية) لا تثبت الا بشاهدين عدلين نقلها الخرقي في قوله ولا تقبل فيما سوى الاموال مما يطلع عليه الرجال أقل من رجلين وهذا قول الشافعي لان الوكالة اثبات للتصرف ويحتمل أن يكون قول الخرقي كالرواية الاولى لان الوكالة في المال يقصد بها المال فقبل شهادة النساء مع الرجال كالبيع والقرض. وان شهدا بوكالة ثم قال أحدهما قد عزله لم تثبت وكالته بذلك، وإن كان الشاهد بالعزل أجنبيا لم يثبت العزل بشهادته وجده لان العزل لا يثبت الا بما يثبت به التوكيل، ومتى عاد أحد الشاهدين بالتوكيل فقال

[ 265 ]

قد عزله لم بحكم بشهادتهما لانه رجوع عن الشهادة قبل الحكم بها فلا يجوز للحاكم الحكم بما رجع عنه الشاهد وان كان حكم الحاكم بشهادتهما ثم قال أحدهما قد عزله بعد ما وكله لم يلتفت إلى قوله لان الحكم قد نفذ بالشهادة ولم يثبت العزل فان قالا جميعا كان قد عزله ثبت العزل لان الشهادة قد تمت في العزل كتمامها في التوكيل (فصل) فان شهد أحدهما أنه وكله يوم الجمعة وشهد آخر أنه وكله يوم السبت لم تتم الشهادة لان التوكيل يوم الجمعة غير التوكيل يوم السبت فلم تكمل شهادتهما على فعل واحد، وان شهد أحدهما أنه أقر بتوكيله يوم الجمعة وشهد آخر أنه أقر به يوم السبت تمت الشهادة لان الاقرارين اخبار عن عقد واحد ويشق جمع الشهود ليقر عندهم حالة واحدة فجوز له الاقرار عند كل واحد وحده وكذلك لو شهد أحدهما أنه أقر عنده بالوكالة بالعجمية وشهد آخر أنه أقربها بالعريبة ثبتت، ولو شهد أحدهما انه قال وكله بالعربية وشهد الآخر انه وكله بالعجمية لم تكمل الشهادة لان التوكيل بالعربية غير التوكيل بالعجمية فلم تكمل الشهادة على فعل واحد، وكذلك لو شهد أحدهما أنه قال وكلتك وشهد الآخر أنه قال أذنت في التصرف أو أنه قال جعلتك وكيلا أو شهد أنه قال جعلتك جريا لم تتم الشهادة لان اللفظ مختلف والجري الوكيل، ولو قال أحدهما أشهد أنه وكله وقال الآخر أشهد أنه اذن له في التصرف تمت الشهادة لانهما لم يحكيا لفظ الموكل وإنما عبرا عنه بلفظهما واختلاف لفظهما لا يؤثر إذا اتفق معناه، ولو قال أحدهما أشهد انه أقر عندي انه وكيله وقال الآخر أشهد انه اقر عندي انه جريه أو انه اوصى إليه بالتصرف في حياته ثبتت الوكالة بذلك، ولو شهد احد بأنه وكل في بيع عبده وشهد الآخر انه وكله وزيدا أو شهد انه وكله في بيعه وقال لاتبعه حتى تستأمرني أو تستأمر فلانا لم تتم

[ 266 ]

الشهادة لان الاول اثبت استقلالا بالبيع من غير شرط والثاني ينفي ذلك فكانا مختلفين، وان شهد احدهما انه وكله في بيع عبده وشهد الآخر انه وكله في بيع عبده وجاريته حكم بالوكالة في العبد لاتفاقهما عليه وزيادة الثاني لا تقدح في تصرفه في الاول فلا تضرو هكذا لو شهد احدهما أنه وكله في بيعه لزيد وشهد الآخر انه وكله في بيعه لزيد وان شاء لعمرو (فصل) ولا تثبت الوكالة والعزل بخبر الواحد وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة تثبت بخبر الواحد وان لم يكن ثقة ويجوز التصرف للخبر بذلك إذا غلب على ظنه صدق المخبر بشرط الضمان ان انكر الموكل ويثبت العزل بخبر الواحد إذا كان رسولا لان اعتبار شاهدين عدلين في هذا يشق فسقط اعتباره ولانه اذن في التصرف ومنع منه فلم تعتبر فيه شروط الشهادة كاستخدام غلامه ولنا انه عقد مالي فلا يثبت بخبر الواحد كالبيع وفارق الاستخدام فانه ليس بعقد ولو شهد اثنان ان فلانا الغائب وكل فلانا الحاضر فقال الوكيل ما علمت هذا وانا اتصرف عنه ثبتت الوكالة لان معنى ذلك اني لم اعلم إلى الآن وقبول الوكالة بجوز متراخيا وليس من شرط التوكيل حضور الوكيل ولا عمله فلا يضر جهله به وان قال ما اعلم صدق الشاهدين لم تثبت وكالته لقدحه في شهادتهما وان قال ما علمت وسكت قيل له فسر فان فسر بالاول ثبتت وكالته وان فسر بالثاني لم تثبت (فصل) ويصح سماع البينة بالوكالة على الغائب وهو أن يدعي ان فلانا الغائب وكلني في كذا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح بناء على ان الحكم على الغائب لا يصح

[ 267 ]

ولنا أنه لا يعتبر رضاه في سماع البينة فلا يعتبر حضوره كغيره وإذا قال له من عليه الحق احلف أنك تستحق مطالبتي لم يسمع لان ذلك طعن في الشهادة وان قال قد عزلك الموكل فاحلف أنه ما عزلك لم يستحلف لان الدعوى على الموكل واليمين لا تدخلها النيابة، وان قال أنت تعلم ان موكلك قد عزلك سمعت دعواه وطلب اليمين من الوكيل حلف على نفي العلم لان الدعوى عليه وان أقام الخصم بينة بالعزل سمعت وانعزل الوكيل (فصل) وتقبل شهادة الوكيل على موكله لعدم التهمة لانه لا يجربها نفعا ولا يدفع بها ضررا

[ 268 ]

وتقبل شهادته له فيما لم يوكله فيه لكونه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا تقبل شهادته له فيما هو وكيل له فيه لانه يثبت لنفسه حقا بدليل أنه إذا كان وكله في قبض حق فشهد به ثبت له استحقاق قبضه ولانه خصم فيه بدليل انه يملك المخاصمة فيه فان شهد بما كان وكيلا فيه بعد عزله لم تقبل أيضا سواء كان خاصم فيه بالوكالة أو لم يخاصم وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة ان كان لم يخاصم فيه قبلت شهادته لانه لاحق له فيه وان لم يخاصم فيه فأشبه مالو لم يكن وكيلا فيه وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا أنه بعقد الوكالة صار خصما فيه فلم تقبل شهادته فيه كما لو خاصم فيه وفارق ما لم يكن وكيلا فيه فانه لم يكن خصما فيه (فصل) إذا كانت الامة بين نفسين فشهدا ان زوجها وكل في طلاقها لم تقبل شهادتهما لانهما يجران لانفسهما نفعا وهو زوال حق الزوج من البضع الذي هو ملكهما، وان شهدا بعزل الوكيل في الطلاق لم تقبل لانهما يجران إلى أنفسهما نفعا وهو إبقاء النفقة على الزوج، ولا تقبل شهادة ابني الرجل له بالوكالة ولا أبويه لانهما يثبتان له حق التصرف ولا يثبت للانسان حق بشهادة ابنه ولا أبيه ولا تقبل شهادة ابني الموكل ولا أبويه بالوكالة وقال بعض الشافعية تقبل لان هذا حق على الموكل يستحق به الوكيل المطالبة فقبلت فيه شهادة قرابة الموكل كالاقرار ولنا ان هذه شهادة ثبت بها حق لابيه آو ابنه فلم تقبل كشهادة ابني الوكيل وأبويه ولانهما

[ 269 ]

يثبتان لابيهما نائبا متصرفا، وفارق الشهادة عليه بالاقرار فانها شهادة عليه متمحضة ولو ادعى الوكيل الوكالة فأنكرها الموكل فشهد عليه ابناه أو أبواه ثبتت الوكالة وأمضي تصرفه لان ذلك شهادة عليه ولو ادعى الموكل أنه تصرف بوكالته وأنكر الوكيل فشهد عليه أبواه أو ابناه قبل أيضا كذلك وان ادعى وكيل الموكل الغائب حقا وطالب به فادعى الخصم ان الموكل عزله وشهد له بذلك ابنا الموكل قبلت شهادتهما ثبت العزل بها لانهما يشهدان على أبيهما وان لم يدع الخصم عزله لم تسمع شهادتهما لانهما يشهدان لمن لا يدعيها فان قبض الوكيل فحضر الموكل وادعى أنه كان قد عزل الوكيل وأن حقه باق في ذمة الغريم وشه له ابناه لم تقبل شهادتهما لانهما يثبتان حقا لا بيهما ولو ادعى مكاتب الوكالة فشهد له سيده أو ابنا سيده أو أبواه لم تقبل لان السيد يشهد لعبده وابناه يشهدان لعبد أبيهما والابوان يشهدان لعبد ابنهما، وان عتق فأعاد الشهادة فهل تقبل يحتمل وجهين (فصل) إذا حضر رجلان عند الحاكم فاقر احدهما ان الآخر وكيله ثم غاب الموكل وحضر الوكيل فقدم حضما لموكله وقال أنا وكيل فلان فأنكر الخصم كونه وكيلا فان قلنا لا يحكم الحاكم بعلمه لم تسمع دعواه حتى تقوم البينة بوكالته وان قلنا يحكم بعلمه وكان الحكم يعرف الموكل بعينه واسمه ونسبه صدقه ومكنه من التصرف لان معرفته كالبينة وإن عرفه بعينه دون اسمه ونسبه لم يقبل قوله حتى تقوم البينة عنده بالوكالة لانه يريد تثبيت نسبه عنده بقوله فلم يقبل

[ 270 ]

(فصل ولو حضر عند الحاكم رجل فادعى أنه وكيل فلان الغائب في شئ عينه أحضر بينة تشهد له بالوكالة سمعها الحاكم، ولو ادعى حقا لموكله قبل ثبوت وكالته لم يسمع الحاكم دعواه وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا يسمعها إلا ان يقدم خصما من خصماء الموكل فيدعي عليه حقا فإذا اجاب المدعي عليه حينئذ يسمع الحاكم البينة، فحصل الخلاف بيننا في حكمين (أحدهما) ان الحاكم يسمع البينة على الوكالة من غير حضور خصم وعنده لا يسمع (والثاني) أنه لا يسمع دعواه لموكله قبل ثبوت وكالته وعنده يسمع وبنى أبو حنيفة على أصله في ان القضاء على الغائب لا يجز وسماع البينة بالوكالة من غير خصم بها قضاء على الغائب وان الوكالة لا تلزم الخصم ما لم يجب الوكيل عن دعوى الخصم انك لست بوكيل ولنا أنه اثبات للوكالة فلم يفتقر إلى حضور الموكل عليه كما لو كان عليه جماعة فاحضر واحدا منهم فان الباقين لا يفتقر إلى حضور هم كذلك ههنا والدليل على أن الدعوى لا تسمع قبل ثبوت الوكالة أنها لا تسمع الا من خصم يخاصم عن نفسه أو عن موكله وهذا لا يخاصم عن نفسه ولم يثبت أنه وكل لمن يدعي له فلا تسمع دعواه كما لو ادعى لمن لم يدع وكالته وفي هذا الاصل جواب عما ذكره (فصل) ولو حضر رجل وادعى على غائب مالا في وجه وكيله فانكره فاقام بينة بما ادعاه حلفه الحاكم وحكم له بالمال فإذا حضر الموكل وجحد الوكالة وادعى أنه كان قد عزله لم يؤثر ذلك في الحكم لان القضاء على الغائب لا يفتقر إلى حضور وكيله

[ 271 ]

كتاب الاقرار الاقرار الاعتراف والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله قال أأقر رتم وأخذتم على ذلك اصري؟ قالوا أقررنا) وقال تعالى (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) وقال تعالى (ألست بربكم قالوا بلى) في آي كثيرة مثل هذا، وأما السنة فما روي ان ما عزا أقر بالزنا فرجمه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الغامدية وقال (واغديا أنيس على امرأة هذا فان اعترفت فارجمها)) وأما الاجماع فان الامة أجمعت على صحة الاقرار ولان الاقرار إخبار على وجه تنتفي عنه التهمة والريبة فان العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضربها ولهذا كان آكد من الشهادة فان المدعى عليه إذا اعترف لا تسمع عليه الشهادة وانما ستمع إذا أنكر ولو كذب المدعي بينته لم تسمع وإن كذب المقر ثم صدقه سمع. (مسألة) (ويصح الاقرار من كل مكلف مختار غير محجور عليه. أما الطفل المجنون فلا يصح اقرارهما وكذلك المبرسم والنائم والمغمى عليه) لا نعلم في هذا خلافا وقد قال عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) فنص عن الثلاثة والمبرسم والمغمى عليه في معنى المجنون

[ 272 ]

والنائم ولانه قول من غائب العقل فلم يثبت له حكم كالبيع والطلاق، فأما الصبي المميز فان كان محجورا عليه لم يصح اقراره للنص وإن كان مأذونا له في البيع والشراء فبيعه وشراؤه جائز، وان أقر انه اقتضى شيئا من ماله جاز بقدر ما أذن له وليه فيه وهذا قول أبى حنيفة وقال أبو بكر وابن أبي موسى إنما يصح اقراره فيما أذن له في التجارة فيه في الشئ اليسير وقال الشافعي لا يصح إقراره بحال لعموم الخبر ولانه غير بالغ أشبه الطفل ولانه لا تقبل شهادته ولا روايته أشبه الطفل ولنا أنه عامل مختار يصح تصرفه فصح إقراره كالبالغ وقد دللنا على صحة تصرفه فيما مضى والخبر محمول على رفع التكليف والاثم. (مسألة) (وكذلك العبد المأذون له في التجارة) لما ذكرنا في الصبي بل صحة اقرار العبد أولى لانه ملكف (مسألة) (فان أقر مراهق غير مأذون له ثم اختلف هو المقر له في بلوغه فالقول قول المقر) الا أن تقوم بينة ببلوغه لان الاصل الصغر ولا يحلف لاننا حمنا بعدم بلوغه الا أن يختلفا بعد ثبوت بلوغه فعليه اليمين أنه حين أقر لم يكن بالغا (مسألة) (ولا يصح اقرار السكران وتتخرج صحته بناء على طلاقه) اما من زال عقله بسبب مباح أو معذور فيه فهو كالمجنون لا يصح اقراره ببغير خلاف وان كان

[ 273 ]

خلاف وان كان بمعصية كالسكران ومن شرب ما يزيل عقله عامدا لغير حاجة لم يصح اقراره ويتخرج أن يصح كطلاقه وهو منصوص الشافعي لان أفعاله تجري مجرى الصاحي ولنا أنه غير عاقل فلم يصح اقراره كالمجنون الذي سبب جنونه فعل محرم ولان السكران لا يوثق بصحة ما يقول ولا تنتفي عنه التهمة فيما يخبر به فلم يوجد معنى الاقرار الموجب لقبول قوله. * (مسألة) * (ولا يصح اقرار المكره الا ان يقر بغير ما أكره عليه مثل ان يكره على الاقرار لانسان فيقر لغيره أو على الاقرار بطلاق امرأة فيقر بطلاق غيرها أو على الاقرار بدنانير فيقر بدراهم فيصح) لا يصح اقرار المكره بما أكره على الاقرار به، وهذا مذهب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولانه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح كالبيع فاما ان أقر بغير ما اكره عليه مثل ان يكره على الاقرار لرجل فيقر لغيره أو بنوع من المال فيقر بغيره أو على الاقرار بطلاق امرأة فيقر بطلاق أخرى أو أقر بعتق عبد صح لانه أقر بما لم يكره عليه فصح كما لو أقر به ابتداء * (مسألة) * (وان أكره على وزن ثمن فباع داره في ذلك صح بيعه) نص عليه احمد لانه لم يكره على البيع، ومن أقر بحق ثم ادعى أنه كان مكرها لم يقبل قوله إلا

[ 274 ]

ببينة سواء أقر عنه سلطان أو عند غيره لان الاصل عدم الاكراه، الا ان يكون هناك دلالة على الاقرار كالقيد والحبس والتوكل به فيكون القول قوله مع يمينه لان الحال تدل على الاكراه، ولو ادعى أنه كان زائل العقل حال اقراره لم يقبل قوله الا بينة لان الاصل السلامة حتى يعلم غيرها، ولو شهد الشهود باقراره لم تفتقر صحة الشهادة إلى أن يقولوا طوعا في صحة عقله لان الظاهر السلامة وصحة الشهادة وقد ذكرنا اقرار السفيه والمفلس فيما مضى * (مسألة) * (وأما المريض مرض الموت المخوف فيصح اقراره بغير المال) لانه لا تهمة عليه في ذلك وانما تلحقه التهمة في المال (مسألة) (وان أقر بمال لمن لا يرثه صح في أصح الروايتين) لانه غير متهم في حقه وهو قول أكثر اهل العلم قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن اقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز، وحكى أصحابنا رواية أنه لا يقبل لانه إقرار في مرض الموت أشبه الاقرار للوارث وفيه رواية أخرى أنه لا يصح بزيادة على الثلث ذكرها أبو الخطاب لانه ممنوع من عطية الوارث فلم يصح اقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون ولنا أنه اقرار غير متهم فيه فقبل كالاقرار في الصحة يحققه أن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وأبرأ لذمته وتحري الصدق فكان أولى بالقبول وفارق الاقرار للوارث فانه متهم فيه

[ 275 ]

(مسألة) (ولا يحاص المقر له غرماء الصحة) وقال أبو الحسن التميمي والقاضي يحاصهم إذا ثبت عليه دين في الصحة ثم أقر لاجنبي بدين في مرض موته واتسع ماله لهما تساويا وان ضاق عنهما فقيل بينهما سواء، والمذهب أن يقدم الدين الثابت على الدين الذي أقر به في المرض قاله أبو الخطاب قال القاضي وهو قياس المذهب، نص احمد في المفلس على أنه إذا أقر وعليه دين ببينة يبدأ بالدين الذي بالبينة، وبهذا قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي لانه أقر بعد تعلق الحق بتركته فوجب ان لا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة كغريم المفلس الذي أقر له بعد الحجر عليه، والدليل على تعلق الحق بماله منعه من التبرع والاقرار لوارث ولانه محجور عليه ولهذا لا تنفذ هباته فلم يشارك من أقر له قبل الحجر ومن ثبت دينه ببينة كالذي أقر له المفلس وظاهر كلام الخرقي انهما يتحاصان وهو قول أبي الحسن التميمي وبه قال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وذكر أبو عبيد أنه قول أكثر اهل المدينة فان أقر لهما في المرض جميعا تساويا (مسألة) (وان اقر لوارث لم يقبل الا ببينة) وبهذا قال شريح وأبو هاشم وابن أذينة والنخعي ويحيى الانصاري وأبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن القاسم وسالم وقال عطاء والحسن واسحاق وأبو ثور يقبل لان من صح الاقرار له في الصحة صح في المرض كالاجنبي وللشافعي قولان كالمذهبين وقال مالك يصح إذا لم يتهم ويبطل إذا اتهم كمن له بنت وابن

[ 276 ]

عم فاقر لابنته لم يقبل وان أقر لابن عمه قبل لانه لايتهم في انه يزوي ابنته ويوصل المال إلى ابن عمه وعلة منع الاقرار التهمة فاختص المنع بموضعها ولنا أنه إيصال لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته فلم يصح بغير رضا بقية ورثته كهبته ولانه محجور عليه في حقه فلم يصح الاقرار له كالصبي في حق جميع الناس، وفارق الاجنبي فان هبته تصح وما ذكره مالك لا يصح فان التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها فاجيز اعتبارها بمظنتها وهو الارث ولذلك اعتبر في الوصية والتبرع وغيرهما (مسألة) (إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فما دونه فيصح) في قول الجميع لا نعلم فيه مخالفا الا أن الشعبي قال لا يجوز اقراره لها لانه اقرار لوارث ولنا أنه اقرار با تحقق سببه وعلم وجوده ولم تعلم البراءة منه فاشبه مالو كان عليه دين ببينة فأقر بانه لم يوفه وكذلك ان اشترى من وارثه شيئا فاقر له بثمن مثله لان القول قول المقر له في أنه لم يقبض ثمنه وان أقر لامرأته بدين سوى الصداق لم يقبل (فصل) فان أقر لها ثم أبانها ثم تزوجها ومات من مرضه لم يقبل اقراره لها وقال محمد ابن الحسن يقبل لانها صارت إلى حال لايتهم فيها فأشبه مالو أقر لمريض ثم برئ، ولنا أنه أقر لوارث في مرض الموت

[ 277 ]

(مسألة) (وان أقر الوارث وأجنبي بطل في حق الوارث وصح في حق الاجنبي) وفيه وجه آخر أنه لا يصح كما لو شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها بطلت شهادته في الكل كما لو شهد لابنه وأجنبي وقال أبو حنيفة ان أقر لهما بدين من الشركة فاعترف الاجنبي بالشركة صح الاقرار لهما وان جحدها صح له دون الوارث. ولنا أنه أقر لوارث وأجنبي فيصح للاجنبي دون الوارث كما لو أقر بلفظين أو كما لو جحد الاجنبي الشركة ويفارق الاقرار الشهادة لقوة الاقرار ولذلك لا تعتبر فيه العدالة، ولو أقر بشئ له فيه نفع كالاقرار بنسب وارث موسر قبل، ولو أقر بشئ يتضمن دعوى على غيره قبل فيما عليه دون ماله كما لو قال لامرأته خلعتك على الف بانت باقراره والقول قولها في نفي العوض وكذلك ان قال لعبده اشتريت نفسك مني بألف (مسألة) (وان اقر لوارث فصار عند الموت غير وارث لم يصح وان اقر لغير وارث صح وان صار وارثا نص عليه وقال ان الاعتبار بحال الموت فيصح في الاولى ولا يصح في الثانية كالوصية) وجملة ذلك أنه إذا أقر لوارث فصار غير وارث أقر لاخيه ولا ولد له ثم ولد له ابن لم يصح اقراره له، وان أقر لغير وارث ثم صار وارثا صح اقراره له نص عليه أحمد في رواية ابن منصور إذا أقر لامرأة بدين في المرض ثم تزوجها جاز اقراره لانه غير متهم وحكي له قول سفيان في رجل

[ 278 ]

له ابنان فاقر لاحدهما بدين في مرضه ثم مات الابن وترك ابنا والاب حي ثم مات بعد ذلك جاز قراره فقال أحمد لا يجوز وبهذا قال عثمان البتي، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى في الصورتين مخالفة لما قلنا وهو قول سفيان الثوري والشافعي لانه معنى يعتبر فيه عدم الميراث فكان الاعتبار فيه بحالة الموت كالوصية ولنا انه قول يعتبر فيه التهمة فاعتبرت حال وجوده دون غيره كالشهادة ولانه إذا أقر لغير وارث ثبت الاقرار وصح لوجوده من اهله خاليا عن تهمة فثبت الحق به ولم يوجد مسقط له فلا يسقط وإذا اقر لوارث وقع باطلا لاقتران التهمة به فلا يصح بعد ذكل ولانه إذا اقر لوارث فلا يصح كما لو استمر الميراث وان اقر لغير وارث صح واستمر كما لو استمر عدم الارث اما الوضية فانها عطية بعد الموت فاعتبرت فيها حالة الموت يخالف مسئلتنا (مسألة) (وان اقر لامراته بدين ثم ابانها ثم تزوجها لم يصح اقراره لها) إذا مات من مرضه لانه اقرار لوارث في مرض الموت اشبه مالو لم يبنها (مسألة) (وان اقر المريض بوارث صحيح صح وعنه لا يصح) يصح اقرار المريض بوارث في احدى الروايتين والاخرى لا يصح لانه اقر لوارث فأشبه الاقرار له بمال والاول أصح لانه عند الاقرار غير وارث فصح كما لو لم يصر وارثا ويمكن بناء هذه المسألة على ما إذا اقر لغير وارث فصار وارثا فمن صحح الاقرار ثم صححه هاهنا ومن ابطله ابطله

[ 279 ]

(مسألة) (وان اقر بطلاق امراته في صحته لم يسقط ميراثها) إذا كان الاقرار في مرضه لانه متهم بقصد حرمانها الميراث فلم يبطل كما لو طلقها في مرضه (فصل) ويصح اقرار المريض باحبال الامة لانه ملك ذلك فملك الاقرار به وكذلك كل ما ملكه ملك الاقرار به فإذا أقر بذلك ثم مات فان بين أنه استولدها في ملكه فولده حر الاصل وأمه أم ولد تعتق من رأس المال وان قال من نكاح أو وطئ شبهة عتق الولد ولم تصر الامة أم ولد فان كان من نكاح فعليه الولاء لانه مسه رق وان كان من وطئ شبهة لم تصر الامة أم ولد وان لم يتبين السبب فالامة مملوكة لان الاصل الرق ولم يثبت سبب الحرية ويحتمل ان تصير أم ولد لان الظاهر استيلادها في ملكه من قبل أنها مملوكته والولادة موجودة ولا ولاء على الولد لان الاصل عدمه فلا يثبت الا بدليل. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (وان أقر العبد بحد أو قصاص أو طلاق صح وأخذ به الا ان يقر بقصاص في النفس فنص احمد أنه يتبع به عبد العتق وقال أبو الخطاب يؤخذ به في الحال) وجملة ذلك ان العبد يصح اقراره بالحد والقصاص فيما دون النفس لان الحق له دون مولاه ولا يصح اقرار المولى عليه بما يوجب القصاص ويجب المال دون القصاص لان المال يتعلق برقبته وهي مال السيد فصح اقراره بجناية الخطأ وهو الذي ذكره شيخنا في كتاب الكافي وأما اقراره بما يوجب

[ 280 ]

القصاص في النفس فالمنصوص عن احمد انه لا يقبل ويتبع به بعد العتق وبه قال زفر والمزني وداود وابن جرير الطبري لانه يسقط حق سيده باقراره فأشبه الاقرار بقتل الخطأ ولانه يتهم في أنه يقر لرجل ليعفو عنه ويستحق أخده فيتخلص بذلك من سيده، واختار أبو الخطاب انه يصح اقراره وهو قول ابي حنيفة ومالك والشافعي ولانه أحد نوعي القصاص فصح اقرره به كما دون النفس، وبهذا الاصل ينتقض دليل الاول وينبغي على هذا القول ان لا يصح عفو ولي الجناية على مال إلا باختيار سيده لئلا يفضي إلى إيجاب المال على سيده باقرار غيره ولا يقبل اقرار العبد بجناية الخطأ ولا شبه العمدولا بجناية عمد موجبها المال كالجائفة والمأمومة لانه إيجاب حق في رقبته وذلك بتعلق بالمولى (مسألة) (وان أقر العبد غير المأذون له بمال لم يقبل في الحال ويتبغ به بعد العتق) لانه تصرف فيما هو حق للسيد فعلي هذا يتبع به بعد العتق عملا باقراره على نفسه وعنه يتعلق برقبته كجنايته (مسألة) (وان أقر السيد عليه بمال أو ما يوجبه كجناية الخطأ قبل) لانه إيجاب حق في ماله (مسألة) (وان أقر العبد بسرقة مال في يده وكذبه السيد قبل اقراره في القطع دون المال) وجملة ذلك ان العبد إذا أقر بسرقة موجبها القطع والمال فأقر بها العبد وجب قطعه ولم يجب المال سواء كان ما أقر بسرقته باقيا أو تالفا في يد السيد أو يد العبد قال أحمد

[ 281 ]

في عبد أقر بسرقة دراهم في يده انه سرقها من رجل والرجل يدعي ذلك والسيد يكذبه فالدراهم لسيده ويقطع العبد ويتبع بذلك بعد العتق وللشافعي في وجوب المال في هذه الصورة وجهان، ويحتمل ان لا يجب القطع لان ذلك شبهة فيدرأبها القطع لكونه حدا يدرأ بالشبهات وهذا قول أبي حنيفة وذلك لان العين التي أقر بسرقتها لم يثبت حكم السرقة فيها فلا يثبت حكم القطع بها (فصل) وإن أقر العبد برقه لغير من هو في يده لم يقبل اقراره لان اقراره بالرق اقرار بالملك والعبد لا يقبل اقراره بمال لا نا لو قبلنا اقراره أضر بالسيد ولانه إذا شاء أقر لغير سيده فابطل ملكه فان أقر السيد لرجل وأقر هو لآخر فهو للذي أقر له السيد لانه في يد السيد لا في يد نفسصه ولانه لو قبل اقرار العبد لما قبل اقرار السيد كالحد وجناية العمد (فصل) ويصح الاقرار لكل من يثبت له الحق فإذا أقر لعبد بنكاح أو قصاص أو تعزير القذف صح الاقرار له صدقه المولى أو كذبه لان الحق له دون سيده وله المطالبة بذلك والعفو عنه وليس لسيده مطالبته به ولا عفو وإن كذبه العبد لم يقبل اقراره، وان أقر له بمال صح ويكون لسيده لان يد العبد كيد سيده، وقال اصحاب الشافعي ان قلنا يملك المال صح الاقرار له وان قلنا لا يملك كان الاقرار لمولاه يلزم بتصديقه ويبطل برده (مسألة) (وان اقر السد لعبده بمال لم يصح) لان العبد لسيده فلا يصح اقراره لنفسه وان أقر

[ 282 ]

العبد لسيده لم يصح لانه اقر له بماله فلم يفده الاقرار شيئا (مسألة) (وان أقر انه باع عبده من نفسه بألف وأقر العبد به ثبت ويكون كالكتابة وان انكر عتق ولم يلزمه الالف) لان أقر لعبده بسبب العتق فتعق وتبقى دعواه عليه لا تلزمه كما لم تلزم غيره (مسألة) (وان أقر لعبد غيره بمال صح وكان لمالكه) لان مال العبد لسيده (مسألة) (وان أقر لبهيمة لم يصح) لانها لا تملك ولا لها أهلية الملك، وان قال علي بسبب هذه البهيمة لم يكن اقرارا لاحد لانه لم يذكر لمن هي ومن شرط صحة الاقرار ذكر المقر له فان قال لمالكها ولزيد علي بسببها الف صح الاقرار، وان قال بسبب حمل هذه البهيمة لم يصح إذ لا يمكن إيجاب شئ بسبب الحمل وقيل يصح ويكون لما لكها كالاقرار للعبد (مسألة) (وان تزوج مجهولة النسب فاقرت بالرق لم يقبل اقزارها) لانها تقر على حق الزوج وعنه تقبل في نفسها لانها عاقلة مكلفة فيقبل اقرارها على نفسها كما لو أقرت بمال، ولا يقبل اقرارها بفسخ النكاح ورق الاولاد لان ذلك حق الزوج وان أولدها بعد الاقرار ولدا كان رقيقا لانه حدث بعد ثبوت رقها وان أقر بولد أمته أنه ابنه ثم مات ولم يتبين هل أتت به في ملكه أو غيره؟ فهل تصير أم ولد؟ على وجهين (أحدهما) لا تصير ام ولد لاحتمال أنها أتت به في ملك غيره (والثاني) تصير أم ولد له لانه أقر بولدها وهي في ملكه فالظاهر أنه استولدها في ملكه

[ 283 ]

(فصل) قال الشيخ رحمه الله (وإذا أقر الرجل نسب صغير أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه به) وجملة ذلك أن للاقرار بالنسب شروطا وهو على ضربين: (أحدهما) أن يقر على نفسه خاصة (والثاني) أن يقر عليه وعلى غيره فان أقر على نفسه خاصة مثل أن يقر بنسب ولد فيعتبر في ثبوت نسبه أربعة شروط (أحدها) أن يكون المقر به مجهول النسب، فان كان معروف النسب لم يصح لانه يقطع نسبه الثابت من غيره وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من انتسب إلى غير ابيه أو تولى غير مواليه (الثاني) أن لا ينازعه فيه منازع لانه إذا نازعه فيه غيره تعارضا فلم يكن إلحاقه باحدهما أولى من الآخر (الثالث) أن يمكن صدقه بأن يكون المقر به يحتمل ان يولد لمثل المقر (الرابع) أن يكون ممن لا قول له كالصغير والمجنون أو يصدق المقر إن كان ذا قول وهو المكلف لانه ملكف أقر بحق ليس فيه نفع فلزم كما لو أقر بمال فان كان غير المكلف لم يعتبر تصديقه فان كبر وعقل فأنكر لم يسمع انكاره لان نسبه ثابت وجرى ذلك مجرى من ادعى ملك عبد صغير في يده وثبت بذلك ملكه فلما كبر جحد ذلك ولو طلب احلافه على ذلك لم يستحلف لان الاب لو عاد بجحد النسب لم يقبل منه ويحتمل أن يبطل نسب المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه لانه يثبت باتفاقهما فزال برجوعهما كالمال والاول أصح لانه نسب ثبت بالاقرار فأشبه نسب الصغير والمجنون، وفارق المال لان النسب يحتاط

[ 284 ]

لاثباته وان اعترف انسان ان هذا أبوه فهو كاعترافه بانه ابنه (الضرب الثاني) أن يقر عليه وعلى غيره كاقراره باخ فسنذكره ان شاء الله تعالى * (مسألة) * (فان كان الصغير المقر بنسبه ميتا ورثه لانه ثبت نسبه وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن يثبت نسبه دون ميراثه لانه متهم في قصد أخذ ميراثه، وقال أبو حنيفة لا يثبت نسبه ولا ارثه لذلك ولنا أن علة ثبوت نسبه في حياته الاقرار به وهو موجود بعد الموت فيثبت كحالة الحياة وما ذكروه يبطل بما إذا كان المقر به حيا موسرا والمقر فقيرا فانه يثبت نسبه ويملك المقر التصرف في ماله وانفاقه على نفسه، وان كان المقر به كبيرا عاقلا فكذلك في قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي أنه لا قول له أشبه الصغير وفيه وجه آخر لا يثبت نسبه لان نسب المكلف لا يبت الا بتصديقه ولم يوجد ويجاب عن هذا بانه غير مكلف فان ادعى نسب المكلف في حياته فلم يصدقه حتى مات المقر ثم صدقه ثبت نسبه لانه وجد الاقرار والتصديق (فصل) فان اقرت امرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولانسب قبل اقرارها وان كانت ذات زوج فهل يقبل اقرارها؟ على روايتين (احداهما) لا يقبل لان فيه حملا لنسب الولد على زوجها ولم يقر به أو الحاقا للعار به بولادة امرأته من غيره (والثاني) يقبل لانها شخص اقر بولد يحتمل ان يكون منه فقبل كالرجل وقال أحمد في رواية ابن منصور في امرأة ادعت ولدا فان كان لها اخوة أو نسب معروف فلا بدان يثبت انه ابنها وان لم يكن لها دافع فمن يحول بينها وبينه وهذا لانها إذا كانت ذات اهل

[ 285 ]

فالظاهر انه لا يخفى عليهمو ولادتها فمتى ادعت ولدا لا يعرفونه فالظاهر كذبها، ويحتمل ان تقبل دعواها مطلقا لان النسب يحتاط له فأشبهت الرجل وقد ذكرنا نحو ذلك في اللقيط (فصل) وان قدمت امرأة من بلد الروم معها طفل فأقر به رجل لحقه لوجود الامكان وعدم المنازع لانه يحتمل ان يكون دخل ارضهم أو دخلت هي دار الاسلام فوطئها والنسب يحتاط لا ثباته ولهذا لو ولدت امرأة رجل وهو غائب عنها بعد عشر سنين أو اكثر من غيبته لحقه وان لم يعرف له قدوم إليها ولا عرف لها خروج من بلدها (مسألة) (ومن ثبت نسبه فجاءت امه بعد موت المقر فادعت الزوجية لم يثبت بذلك) لانها مجرد دعوى فلم تثبت بها زوجية كما لو كان حيا ولانه يحتمل ان يكون من وطئ شبهة أو نكاح فاسد. (فصل) وان اقر رجل بنسب صغير لم يكن مقرا بزوجية امه، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كانت مشهورة بالحرية كان مقرا بزوجيتها لان انساب المسلمين واحوالهم يجب حملها على الصحة وهو ان يكون ولدته منه في نكاح صحيح ولنا ان الزوجة ليست مقتضى لفظه ولا مضمونه فلم يكن مقرا بها كما لو لم تكن معروفة بالحرية وما ذكروه لا يصح فان النسب محمول على الصحة وقد يلحق بالوطئ والنكاح الفاسد والشهبة فلا يلزم بحكم إقراره ما لم يوجبه لفظ ولا يتضمنه

[ 286 ]

(فصل) إذا كان له أمة لها ثلاثة اولاد ولازوج لها ولا أقر بوطئها فقال أحد هؤلاء ولدي فاقراره صحيح ويطالب بالبيان فان عين أحدهم ثبت نسبه وحريته، ثم يسئل عن كيفية الاستيلاد فان قال بنكاح فعلى الولد الولاء والام والآخران من أولادها رقيق، فان قال استولدتها في ملكي فالمقر به حر الاصل لاولاء عليه والامة أم ولد ثم ان كان المقر به الاكبر فأخواه ابنا أم ولد حكمهما حكمها في العتق بموت سيدها وان كان الاوسط فالاكبرقن والاصفر له حكم أمه وان عين الاصغر فاخواه رقيق قن لانها ولدتهما قبل الحكم بكونها ام ولد، وان قال هي من وطئ شبهة فالولد حر الاصل وأخواه مملوكان وان مات قبل أن يبين اخذ ورثته بالبيان ويقوم بيانهم مقام بيانه فان بينوا النسب ولم يبينوا الاستيلاد ثبت النسب وحرية الولد ولم يثبت للام ولا لو لديها حكم الاسيتلاد لانه يحتمل أن يكون من نكاح أو وطئ شبهة، وان لم يبينوا النسب وقالوا لا نعرف ذلك ولا الاستيلاد فانا نريه القافة فان ألحقوا به واحدا منهم ألحقناه ولا يثبت حكم الاستيلاد لغيره فان لم يكن قافة أقرع بينهم فمن وقعت له القرعة عتق وورث وبهذا قال الشافعي لانه لا يورثه بالقرعة. ولنا أنه حر استندت حريته إلى اقرار أبيه فورث كما لو عينه في اقراره (فصل) إذا كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد فقال أحد هذين ولدي من أمتي نظرت فان كان لكل واحدة منهما زوج يمكن الحاق الولد به لم يصح اقراره ولحق الولدان بالزوجين وان كان لاحداهما زوج دون الاخرى انصرف الاقرار إلى ولد الاخرى لانه الذي يمكن إلحاقه به وان لم يكن لكل واحدة منهما زوج

[ 287 ]

ولكن أقر السيد بوطئهما صارنا فرشاو لحق ولداهمابه إذا امكن ان يولد ابعد وطئه وان امكن في إحداهما دون الاخرى انصرف الاقرار إلى من امكن لانه ولده حكما، وان لم يكن اقر بوطئ واحدة منها صح إقراره وثبتت حرية المقر به لانه اقر بنسب صغير مجهول النسب مع الامكان لا منازع له فيه فلحقه نسبه ثم يكلف البيان كما لو طلق احدى نسائه فإذا بين قبل بيانه لان المرجع في ذلك إليه ثم يطالب ببيان كيفية الولادة فان قال استولدتها في ملكي فالولد حرا لاصل لا ولاء عليه وامه ام ولد وان قال في نكاح فعلى الولد الولاء لانه مسه رق والامة قن لانها علقت بمملوك، وان قال بوطئ شبهة فالولد حر الاصل والامة قن لانها علقت به في غير ملك، وان ادعت الاخرى انها التي استولدها فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم الاستيلاد فأشبه ما لو ادعت ذلك منغير إقرار بشئ فإذا حلف رقت له ورق ولدها فإذا مات ورثه ولده المقر به وان كانت امه قد صارت ام ولد عتقت، وان لم تصر ام ولد عتقت على ولدها ان كان هو الوارث وحده وان كان معه غيره عتق منها بقدر ماملك وان عادت قبل ان يببن قام وارثه مقامه في البيان لانه يقوم مقامه في إلحاق النسب وغيره فإذا بين كان كما لو بين الموروث، وان يعلم الوارث كيفية الاستيلاد ففي الامة وجهان (أحدهما) يكون رقيقا لان الرق الاصل فلا يزول بالاحتمال (والثاني) يعتق لان الظاهر أنها ولدته في ملكه لانه أقر لولدها وهي في ملكه وهذا منصوص الشافعي، فان لم يكن وارث أو كان وارث لم يعين عرض على القافة فان ألحقته باحدهما ثبت نسبه وكان حكمه

[ 288 ]

كما لو عين الوارث فان لم تكن قافة أو كانت فلم تعرف اقرع بين الولدين فيعتق أحدهما بالقرعة لان للقرعة مدخلا في اثبات الحرية وقياس المذهب ثبوت نسبه وميراثه على ما ذكرنا في التي قبلها وقال الشافعي لا يثبت نسبب ولا ميراث، واختلفوا في الميراث فقال المزني يوقف نصيب الابن لانا تيقنا ابنا وارثا ولهم وجه آخر لا يوقف شئ لانه لا يرجى انكشافه وقال أبو حنيفة يعتق من كل واحد نصفه ويستسعى في باقيه ولا يرثان، وقال ابن أبي ليلى مثل ذلك إلا ان يجعل الميراث بينهما نصفين ويدفعانه في سعايتهما والكلام في قسمة الحرية والسعاية ذكره في باب العتق (مسألة) (وان أقر بنسب أخ أو عم في حياة أبيه وحده لم يقبل وان كان بعد موتهما وهو الوارث وحده قبل اقراره وثبت النسب وان كان معه غيره لم يثبت النسب وللمقر له من الميراث ما فضل في يد المقر) إنما لم يقبل اقراره في حياتهما لانه على غيره فلا يقبل فاما ان كان بعد الموت وهو الوارث وحده قبل اقراره وتثبت النسب سواء كان المقر واحدا أو جماعة ذكرا أو أنثى وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف وحكاه عن أبي حنيفة لان الوارث يقوم مقام المورث في ديونه والديون التي عليه وفي دعاويه كذلك في النسب إلا ان يكون الميت قد نفاه فلا يثبت لانه يحمل على غيره نسبا حكم بنفيه فان كان وارثا ومعه شريك في الميراث لم يثبت النسب لانه لا يثبت في حق شريكه فوجب أن لا يثبت في حقه

[ 289 ]

وقد دل على ثبوت النسب باقرار الواحد إذا كان وارثا حديث عائشة رضي الله عنها أن سعد بن ابي وقاص اختصم هو وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة فقال سعد اوصاني اخي عتبة إذا قدمت ان انظر إلى ابن أمة زمعة واقبضه فانه ابنه فقال عبد بن زمعة اخي وابن وليدة ابي ولد على فراشه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو لك يا عبدبن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر) فقضى به لعبد بن زمعة وقال (احتجبي منه يا سودة) والمشهور عن أبي حنيفة انه لا يثبت إلا باقرار رجلين أو رجل وامرأتين وقال مالك لا يثبت إلا باقرار اثنين لانه يحمل النسب على غيره فاعتبر فيه العدد كالشهادة ولنا انه حق ثبت بالاقرار فلم يعتبر فيه العدد كالدين ولانه قول لا يعتبر فيه العدالة فلم يعتبر فيه العدد كاقرار الموروث واعتباره بالشهادة لا يصح لانه لا يعتبر فيه اللفظ ولا العدالة ويبطل بالاقرار بالدين وللمقر له من الميراث ما فضل في يد المقر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى (مسألة) (وان اقر من عليه الولاء بنسب وارث لم يقبل اقراره الا ان يصدقه مولاه لان الحق لمولاه فلا يقبل اقراره بما يسقطه ويتخرج ان يقبل بدونه ذكره في المحرر (مسألة) (وان اقرت امرأة بنكاح على نفسها فهل يقبل؟ على روايتين) (إحداهما) يقبل لانه حق عليها فيقبل كما لو اقرت بمال (والاخرى) لا يقبل لانها تدعي النفقة والكسوة والسكنى فلا يقبل

[ 290 ]

(مسألة) (فان أقر المولى عليها به قبل ان كانت مجبرة) لان المرأه لا قول لها في حال الاجبار وكذلك ان كانت مقرة بالاذن نص عليه وقيل لا يقبل الا على المجبرة من المحرر وان لم تكن مجيرة لم يقبل لانه إقرار على الغير فلم يلزمها كما لو اقر عليها بمال (مسألة) (وان اقر أن فلانة امرأته أو اقرت ان فلانا زوجها فلم يصدق المقر له المقر إلا بعد موت المقر صح) وورثه كما لو صدقه في حياته وقد ذكرنا فيما إذا اقر بنسب كبير عاقل بعد موته هل يرثه؟ على وجهين بناء على ثبوت نسبه فيخرج ههنا مثله وان كان قد كذبه في حياته ففيه وجهان (مسألة) (وان اقر الورثة على موروثهم بدين لزمهم قضاؤه من التركة فان اقر بعضهم لزمه بقدر ميراثه فان لم تكن تركة لم يلزمهم شئ) إذا أقر الوارث بدين على موروثه قبل اقراره بغير خلاف نعلمه ويتعلق ذلك بتركة الميت كما لو اقربه الميت في حياته فان لم يخلف تركة لم يلزم الوارث شئ لانه لا يلزمه اداء دينه إذا كان حيا مفلسا فكذلك إذا كان ميتا، وان خلف تركة تعلق الدين بها وان احب الوارث تسليمها في الدين فله ذلك وان احب استخلاصها ووفا الدين من ماله فله ذلك ويلزمه اقل الامرين من قيمتها أو قدر الدين

[ 291 ]

بمنزلة الجاني فان كان الوارث واحدا فحكمه ما ذكرنا وان كانا اثنين أو اكثر وثبت الدين باقرار الميت أو ببينة أو اقرار جميع الورثة فكذلك وإذا اختار الورثة اخذ التركة وقضاء الدين من اموالهم فعلى كل واحد منهم من الدين بقدر ميراثه وإن اقر احدهم لزمه من الدين بقدر ميراثه والخيرة إليه في تسليم نصيبه في الدين أو استخلاصه، وإذا قدره من الدين فان كانا اثنين لزمه النصف وان كانوا ثلاثة فعليه الثلث وبهذا قال النخعي والحكم والحسن واسحاق وابو عبيد وابو ثور والشافعي في احد قوليه وقال اصحاب الرأي يلزمه جميع الدين أو جميع ميراثه وهو احد قولي الشافعي رجع إليه بعد قوله كقولنا لان الدين يتعلق بتركته فلا يستحق الوارث منها إلا ما فضل من الدين لقول الله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين) ولانه يقول ما أخذه المنكر اخذه بغير استحقاق فكان غاصبا فيتعلق الدين بما بقي من التركة كما لو غصبه اجنبي ولنا انه لا يستحق اكثر من نصف الميراث فلا يلزمه اكثر من نصف الدين كما لو اقر أخوه ولانه اقرر يتعلق بحصته أو حصة أخيه فلا يجب عليه الا ما يخصه كالاقرار بالوصية واقرار أحد الشريكين على مال الشركة ولانه حق لوثبت ببينة أو قول الميت أو اقرار الوارثين لم يلزمه الا نصفه فلم يلزمه باقراره اكثر من نصفه كالوصية ولان شهادته بالدين مع غيره تقبل، ولو لزمه اكثر من حصته لم تقبل شهادته لانه يجربها إلى نفسه نفعا فان كان عليه دين بينة أو اقرار الميت قدم على ما أقر به الورثة من المحرر

[ 292 ]

(فصل) قال رضي الله عنه (وان اقر بحمل امرأة صح فان القته ميتا أو لم يكن حملا بطل وإن ولدت حيا وميتا فهو للحي وإن ولدتهما حيين فهو بينهما سواء الذكر والاثنى ذكره ابن حامد) إذا اقر لحمل امرأة بمال وعزاه إلى ارث أو وصية صح وكان للحمل وان أطلق فقال أبو عبد الله بن حامد يصح وهو أصح قولي الشافعي لانه يجوز أن يملك بوجه صحيح فصح له الاقرار المطلق كالطفل، فعلى هذا إن ولدت ذكر أو أنثى كان بينهما نصفين وان عزاه إلى ارث أو وصية كان بينهما على حسب استحقاقها لذلك وان ولدت حيا وميتا فالكل للحي لانه لا يخلو اما ان يكون الاقرار له عن ارث أو وصية وكلاهما لا يصح للميت، وقال أبو الحسن التميمي لا يصح الاقرار الا أن يعزوه إلى ارث أو وصية وهو قول أبي ثور والقول الثاني للشافعي لانه لا يملك بغيرهما، فان وضعت الولد ميتا كان قد عزا الاقرار إلى ارث أو وصية عادت إلى ورثة الموصي وموروث الطفل وان اطلق الاقرار كلف ذكر السبب فيعمل بقوله فان تعذر التفسير بموته أو غيره بطل اقراره كمن أقر لرجل لا يعرف من اراد باقراره، وان عزا الاقرار إلى جهة غير صحيحة فقال لهذا الحمل على الف اقرضتها أو وديعة أخذتها منه فعلى قول التميمي الاقرار باطل وعلى قول ابن حامد ينبغي ان يصح اقراره لانه وصل باقراره ما يسقطه فيسقط ما وصله به كما لو قال له الف لا يلزمني، وان قال له علي الف جعلتها له أو نحو ذلك فهي عدة لا يؤخذ بها، ولا يصح الاقرار لحمل الا إذا تيقن أنه كان موجودا حال الاقرار على ما بين في الوصية له، وان أقر لمسجد

[ 293 ]

أو مصنع أو طريق وعزاه إلى السبب صحيح مثل أن يقول من غلة وقفه صح وان أطلق خرج على الوجهين وان لم يكن ثم حمل بطل الاقرار لانه أقر لغير شئ (مسألة) (وان أقر لكبير عاقل فلم يصدقه بطل اقراره في أحد الوجهين) لانه اقرار بحق أشبه النسب فعلى هذا يقر المال في يد المقر لانه كان في يده فإذا بطل إقراره بقي كانه لم يقر به والوجه الثاني يؤخذ المال إلى بيت المال فيحفظه حتى ظهر مالكه لانه باقراره خرج عن ملكه ولم يدخل في ملك المقر له وكل واحد منهما ينكر ملكه فهو كالمال الضائع يترك في بيت المال قال صاحب المحرر فعلى هذا الوجه أيهما غير قوله لم يقبل منه وعلى الاول ان عاد المقر فادعاه لنفسه أو لثالث قبل منه ولم يقبل بعدها عود المقر له أولا إلى دعواه، ولو كان عدوه إلى دعواه قبل ذلك ففيه وجهان ولو كان المقر به عبدا أو نفس المقر بأن أقر برقها للغير فهو كغيره من الاموال على الاول وعلى الثاني يحكم بحريتهما. باب ما يحصل به الاقرار إذا ادعى عليه الفا فقال نعم أو أجل أو صدقت أو انا مقر بها أو بدعواك كان مقرا ومثله أنا مقر بما ادعيت لان هذه الالفاظ وضعت للتصديق قال الله تعالى (هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قالوا نعم) وان

[ 294 ]

قال اليس لي عندك الف؟ قال بلى كان اقرارا صحيحا لان بلى جواب للسؤال بحرف النفي قال الله تعالى (ألست بربكم؟ قالوا بلى) (مسألة) (وان قال أنا اقر أولا أنكر أو يجوز ان يكون محقا وعسى أو لعل أو أحسب أو أظن أو أقدر أوخذ أو اتزن أو افتح كمك لم يكن مقرا إذا قال أنا مقر لم يكن اقرارا لانه وعد بالاقرار في المستقبل وكذلك ان قال لا انكر لانه لا يلزم من عدم الانكار الاقرار فان بينهما قسما آخر وهو السكوت عنهما، وان قال يجوز أن يكون محقا لم يكن اقرارا كذلك وان قال لعل أو عسى لم يكن مقرا لانهما للترجي، وان قال أظن أو أحسب أو اقدر لم يكن مقرا لان هذه الالفاظ تستعمل للشك، وكذلك ان قال خذ أو اتزن أو افتح كمك لانه يحتمل خذ الجواب أو اتزن أو افتح كمك لشئ آخر (مسألة) (وان قال انا مقر أو خذها أو اتزنها أو اقبضها أو احرزها أو هي صاح فهل يكون مقرا؟ يحتمل وجهين) إذا قال أنا مقر ولم يزد احتمل ان يكون مقرا لان ذلك عقيب الدعوى فينصرف إليها وكذلك ان قال اقررت قال الله تعالى (قال أاقررتم واخذتم على ذلكم اصري؟ قالو أقررنا) ولم يقولوا أقررنا بذلك ولا زادوا عليه فكان منهم اقرارا ويحتمل ان لا يكون مقرا لانه يحتمل ان يريد غير ذلك مثل

[ 295 ]

ان يريد انا مقر بالشهادة أو بطلان دعواك، وان قال خذها أو اتزنها أو اقبضها أو احرزها لي أو هي صحاح فهل يكون مقرا؟ يحتمل وجهين ففيه وجهان (أحدهما) ليس باقرار لان الصفة ترجع إلى المدعى ولم يقر بوجوبه ولا يجوز ان يعطيه ما يدعيه من غير ان يكون واجبا عليه فأمره باخذها أولى أن لا يلزم منه الوجوب (والثاني) يكون اقرارا لان الضمير يعود إلى ما تقدم (مسألة) (وان قال له علي الف ان شاء الله أو في علمي أو فيما أعلم أو قال اقضني ديني عليك الفا أو سلم إلي ثوبي هذا أو فرسي هذه فقال نعم فقد اقربها) إذا قال لك علي الف ان شاء الله كان مقرا نص عليه احمد وقال اصحاب الشافعي ليس باقرار لانه علق اقراره على شرط فلم يصح كما لو علقه على مشيئة زيد ولان ما علق على مشيئة الله لا سبيل إلى معرفته ولنا أنه وصل اقراره بما يرفعه كله ولا يصرفه إلى غير الاقرار فلزمه ما اقر به وبطل ما وصله به كما لو قال له علي الف الا الفا ولانه عقب الاقرار بما لا يفيد حكما آخر ولا يقتضي رفع الحكم أشبه مالو قال له علي الف ان شئت وان شاء في مشيئة الله وان قال له علي ألف الا أن يشاء الله صح الاقرار لانه أقر ثم علق رفع الاقرار على أمر لا يعلم فلم يرتفع، وان قال له على ألف ان شئت وان شاء زيد لم يصح الاقرار وقال القاضي يصح لانه عقبه ما يرفعه فصح الاقرار دون ما يرفعه كاستثناء الكل وكما لو قال ان شاء الله

[ 296 ]

ولنا أنه علقه على شرط يمكن علمه فلم يصح كما لو قال له علي ألف ان شهد به فلان وذلك لان الاقرار اخبار بحق سابق فلا يتعلق على شرط مستقبل، ويفارق التعليق على مشيئة الله تعالى فان مشيئة الله تذكر في الكلام تبركا وصلة وتفويضا إلى الله تعالى كقول الله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وقد علم الله سبحانه أنهم سيد خلونه بغير شك ويقول الناس صلينا إن شاء الله مع يقين صلاتهم بخلاف مشيئة الآدمي والثاني ان مشيئة الله تعالى لاتعلم إلا بوقوع الاومر فلا يمكن وقوف الامر على وجودها ومشيئة الآدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا بتوقف الامر على وجودها والماضي لا يمكن وقفه فتعين حمل الامر ههنا على المستقبل فيكون لا اقرارا وعدا (فصل) ولو قال بعتك ان شاء الله أو زوجتك ان شاء الله فقال أبو إسحاق بن شاقلا لا أعلم خلافا عنه في أنه إذا قيل له قبلت هذا النكاح فقال نعم إن شاء الله ان النكاح واقع وبه قال أبو حنيفة ولو قال بعتك الف ان شئت فقال قد شئت وقبل صح لان هذا الشرط من موجب العقد ومقتضاه فان الايجاب إذا وجد من البائع كان القبول إلى مشيئة المشتري واختياره (مسألة) (وان قال له علي الف في علمي أو فيما أعلم كان مقرا به) لان ما في علمه لا يحتمل إلا الوجوب ولو قال أقضيتني الا الف الذي لي عليك؟ قال نعم كان مقرا به لانه تصديق لما ادعاه وان قال سلم الي ثوبي وهذا أو فرسي هذه فقال نعم فقد أقر بها لما ذكرنا وان قال اشتر عبدي هذا أو قال أعطني عبدي هذا فقال نعم كان اقرارا لما ذكرنا

[ 297 ]

(مسألة) (وان قال ان قدم فلان فله علي الف درهم لم يكن مقرا) لانه ليس بمقر في الحال وما لا يلزمه في الحال لا يصير واجبا عند وجود الشرط، وان قال له على ألف ان قدم فلان فعلى وجهين (أحدهما) لا يكون اقرارا كالمسألة قبلها (والثاني) يكون مقرا لانه قدم الاقرار فثبت حكمه وبطل الشرط لانه لا يصلح ان يكون أجلا (مسألة) (وان قال له علي الف إذا جاء رأس الشهر كان اقرارا وان قال إذا جاء رأس الشهر فله علي الف فعلى وجهين) قال أصحابنا في المسألة الاولى هو اقرار وفي الثانية ليس باقرار وهو منصوص الشافعي لانه في الاول بدأ بالاقرار ثم عقبه بمالا يقتضي رفعه لان قوله إذا جاء رأس الشهر يحتمل أنه أراد المحل فلا يبطل الاقرار بأمر محتمل وفي الثانية بدأ بالشرط فعلق عليه لفظا يصح للاقرار ويصلح للواعد فلا يكون اقرار امع الاحتمال ويحتمل انه لا فرق بينهما لان تقديم الشرط وتأخيره سواء فيكون فيهما جميعا وجهان (مسألة) (وان قال له علي الف ان شهد به فلان أو إن شهد به فلان صدقته لم يكن مقرا) لانه يجوز أن يصدق الكاذب (مسألة) (وان قال ان شهد به فلان فهو صادق احتمل وجهين) (أحدهما) لا يكون اقرارا لانه

[ 298 ]

علقه على شرط فهي كالتي قبلها (والثاني) يكون إقرارا في الحال لانه لا يتصور صدقه إلا أن يكون ثابتا في الحال وقد اقر بصدقه (مسألة) (وان اقر العربي بالعجمية أو العجمي بالعربية وقال لم أرد ما قلت فالقول قوله مع يمينه لانه يحتمل أن يكون صادقا فلا يكون مقرا (باب الحكم فيما إذا وصل باقراره ما يغيره) إذا وصل باقراره ما يسقطه مثل ان يقول له علي الف لا يلزمني أو قد قبضه أو استوفاه أو الف من ثمن خمر أو تكلفت به على أني بالخيار لزمته الالف ولا يقبل قوله ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وذكر القاضي إذا قال له علي الف زيوف وفسره برصاص أو نحاص لم يقبل لانه رفع كل ما اعترف به وقال في سائر الصور التي ذكرناها يقبل قوله لانه عزا اقراره إلى سببه فقبل كما لو عزاه إلى سبب صحيح إلا في قوله علي الف لا يلزمني ولنا ان هذا يناقض ما أقر به فلم يقبل كالصورة التي قبلها وكما لو قال له علي الف لا تلزمني أو نقول رفع جميع ما أقربه فلم يقبل كاستثناء الكل وتناقض كلامه غير خاف فان ثبوت الف عليه في هذه المواضع لا يتصور واقراره اخبار بثبوته فتنافيا وان سلم ثبوت الالف عليه فهو ما قلنا

[ 299 ]

(مسألة) (وان قال له علي الف الا الفا لم يصح) لانه استثنى الكل ولا يصح بغير خلاف لانه رجوع عن الاقرار وان قال الاسمائة لم يصح وسنذكره ان شاء الله تعالى (فصل) ولا يقبل رجوع المقر عن اقراره الا ماكان حدا لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لا سقاطه فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوعه عنها ولا نعلم في هذا خلافا (مسألة) (وان قال كان له عندي الف وقضيته أو قضيت منه خمسمائة درهم فقال الخرقي ليس باقرار والقول قوله مع يمينه) وحكى ابن أبي موسي في هذه المسألة روايتين (احدهما) ان هذا ليس باقرار اختاره القاضي وقال لم اجد عن احمد رواية بغير هذا (والثانية) أنه مقر بالحق مدع لقضائه فعليه البينة بالقضاء والاحلف غريمه واخذه اختاره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة لانه اقر بالدين وادعى القضاء بكلام منفصل ولانه رفع جميع ما أثبته فلم يقبل كاستثناء الكل وللشافعي قولان كالمذهبين، ووجه قول الخرقي أنه قول متصل تمكن صحته ولا تناقض فيه فوجب ان لا يقبل كاستثناء البعض، وفارق المنفصل لان حكم الاول قد استقر بسكوته عنه فلا يمكن رفعه بعد استقراره ولذلك لا يرفع بعضه باستثناء ولا غيره فما يأتي بعده من دعوى القضاء يكون دعوى مجردة لا تقبل الا بينة

[ 300 ]

وأما استئناء الكل فمتناقض لانه لا يمكن أن يكون عليه ألف وليس عليه شئ (فصل) فان قال كان له علي الف وقضيته منه خمسمائة فالكلام فيه كالكلام فيما إذا قال وقضيته وان قال له انسان عليك مائة لي فقال قد قضيتك منها خمسين فقال القاضي لا يكون مقرا بشئ لان الخمسين التي ذكر أنه قضاها في كلامه ما يمنع بقاءها وهو دعوى القضاء وباقي المائة لم يذكرها وقوله منها يحتمل انه يريد بها مما يدعيه ويحتمل مما علي فلا يثبت عليه شئ بكلام محتمل ويجئ على قول من قال بالرواية الاخرى انه يلزمه الخمسون التي ادعى قضاءها لان في ضمن دعوى القضاء اقرارا بانها كانت عليه فلا تقبل دعوى القضاء بغير بينة (فصل) فان قال كان له علي الف وسكت لزمه الالف في ظاهر قول أصحابنا وهو قول ابي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يلزمه شئ وليس هذا باقرار لانه لم يذكر عليه شيئا في الحال انما اخبر بذلك في زمن ماض فلا يثبت في الحال ولذلك لو شهدت البينة لم يثبت ولنا أنه اقر بالوجوب ولم يذكر ما يرفعه فبقي على ما كان عليه، ولهذا لو تنازعا دارا فأقر أحدهما للآخرانها كانت ملكه حكم بها له الا انه ههنا ان عاد فادعى القضاء أو الابراء سمعت دعواه لانه لا تنافي بين الاقرار وبين ما يدعيه وهذا على احدى الروايتين (فصل) وان قال له علي الف قضيه اياه لزمه الالف ولم تقبل دعوى القضاء وقال القاضي تقبل

[ 301 ]

لانه رفع ما اثبته بدعوى القضاء متصلا فأشبه مالو قال كان له علي وقضيته له وقال ابن ابي موسى إن قال قضيت جميعه لم يقبل الا ببينة ولزمه الالف الذي اقربه وله اليمين على المقر له وأما لو قال قضيت بعضه قبل منه في احدى الروايتين لانه رفع بعض ما اقربه بكلام متصل فأشبه مالو استثناه بخلاف ما إذا قال قضيت جميعه لكونه رفع جميع ما هو ثابت فأشبه استثناء الكل ولنا ان هذا قول متناقض إذا لا يمكن ان يكون عليه الف قد قضاه فان كونه عليه يقتضي بقاءه في ذمته واستحقاق مطالبته به وقضاءه بمقتضى براءة ذمته منه وتحريم مطالبته به وهذا ضدان لا يتصور اجتماعهما في زمن واحد بخلاف ما إذا قال له كان علي وقضيته فانه أخبر بهما في زمانين ويمكن ان يرفع ما كان ثابتا ويقضى ما كان دينا وإذا لم يصح هذا في الجميع لم يصح في البعض لا ستحالة بقاء الف عليه قد قضى بعضه، ويفارق الاستثناء فان الاستثناء مع المستثنى منه عبارة عن الباقي من المستثنى منه فقول الله تعالى (فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما) عبارة عن تسعمائة وخمسين عاما اما القضاء فانما يرفع جزءا كان ثابتا فإذا ارتفع بالقضاء لا يجوز التعبير عنه بما يدل على القضاء (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ويصح استثناء ما دون النصف ولا يصح فيما زاد عليه وفي النصف وجهان) الاستثناء من الجنس - وهو ما دخل في المستثنى منه - جائز بغير خلاف علمناه فان ذلك كلام العرب وقد جاء في الكتاب والسنة قال الله تعالى (فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما) وقال النبي

[ 302 ]

صلى الله عليه وسلم (يكفر عنه خطاياه كلها الا الدين) وذلك في كلام العرب كثير فإذا اقر بشئ واستثنى منه كان مقرا بالباقي بعد الاستثناء فإذا قال له علي مائة إلا عشرة كان مقرا بتسعين لان الاستثناء يمنع ان يدخل في اللفظ ما لولاه لدخل فانه لو دخل ما امكن اخراجه ولو اقر بالعشرة المستثناة لما قبل منه انكارها وقول الله تعالى (فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما) اخبار بتسعمائة وخمسين فالاستثنا. بين ان الخمسين المستثناة غير مرادة كما ان التخصيص يبين ان المخصوص غير مراد باللفظ العام إذا ثبت ذلك فلا نعلم خلافا في جواز استثناء ما دون النصف وقد دل عليه ما ذكرنا من الكتاب والسنة (فصل) فأما استثناء ما زاد على النصف فلا يختلف المذهب انه لا يصح وهو كاستثناء الكل يؤخذ بالجميع ويحكى ذلك عن ابن درستويه النحوي وقال أبو حنيفة ومالك واصحابهم يصح استثناء ما دون الكل فلو قال له علي مائة إلا تسعة وتسعين لم يلزمه إلا واحد بدليل قول الله تعالى (قال فبعزتك لاغويهم أجميعن إلا عبادك منهم المخلصين) وقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) وأيهما كان الاكثر فقد دل على استثناء الاكثر وأنشدوا أدوا التي نقصت تعسين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قواما فاستثنى تسعين من مائة ولانه في معنى الاستثناء ومشبه به ولانه استثنى البعض فجاز كاستثناء الاقل

[ 303 ]

ولانه رفع بعض ما تناوله اللفظ فجاز كالتخصيص والبدل. ولنا أنه لم يرد في لسان العرب الاستثناء الا في الاقل وقد أنكروا استثناء الاكثر فقال أبو اسحاق الزجاج لم يأت الاستثناء الا في القليل من الكثير ولو قال قائل مائة الا تسعة وتسعين لم يكن متكلما بالعربية وكان عيا من الكلام ولكنة، وقال القتيبي يقال صمت الشهر الا يوما ولا يقال صمت الشهر الا تسعة وعشرين يوما ويقال لقيت القوم جميعهم الا واحدا أو اثنين ولا يجوزان يقال لقيت القوم الا أكثرهم وان لم يكن صحيحا في الكلام لم يرتفع به ما اقر به كاستثناء الكل وكما لو قال له علي عشرة بل خسمة، واما ما احتجوا به من التزيل فانه في الآية الاولى استثنى المخلصين من بني آدم وهم الافل كما قال (الا الذين آمنوا وعملوا الصلحات وقليل ماهم) وفي الآية الاخرى استثنى الغاوين من العباد وهم الاقل فان الملائكة من العباد وهم غير غاوين قال الله تعالى (بل عباد مكرمون) وقيل الاستثناء في هذه الآية منقطع بمعنى الاستدراك فيكون قوله (ان عبادي ليس لك عليهم سلطان) يبقى على عمومه لم يستثن منه شئ فيكون قوله (الا من اتبعك من الغاوين) أي لكن من ابتعك من الغاوين فانهم غووا باتباعك، وقد دل على صحة هذا قوله في الآية الاخرى لاتباعه (وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي) وعلى هذا لا يكون لهم فيها حجة وأما البيت فقال ابن فضال النحوي هو بيت مصنوع لم يثبت عن العرب على ان هذا ليس باستثناء فان الاستثناء له كلمات مخصوصة

[ 304 ]

ليس هذا منها والقياس لا يجوز في اللغة ثم نعارضه بانه استثنى أكثر من النصف فلم يجز كاستثناء الكل والفرق بين استثناء الاكثر والاقل ان العرب استحسنته في الاقل واستعملته ونفته في الاكثر وقبحته فلم يجز قياس ما قبحوه على ما حسنوه (فصل) وفي استثناء النصف وجهان (أحدهما) يجوز وهو ظاهر كلام الخرقي لانه ليس بالاكثر فجاز كالاقل (والثاني) لا يجوز ذكره أبو بكر لانه لم يرد في كلامهم إلا في القليل من الكثير والنصف ليس بقليل وهو أولى (مسألة) (فإذا قال له علي هولاء العبيد العشرة الا واحدا لزمه تسليم تسعة) فان عينه فقال إلا هذا صح وكان مقرا بمن سواه وان قال إلا واحدا ولم يعينه صح لان الاقرار يصح مجهولا فكذلك الاستثناء منه ويرجع في تعيين المسمى إليه لان الحكم يتعلق بقوله وهو أعلم بمراده به وان عين من عدا المستثنى صح وكان الباقي له. (مسألة) (فان ماتوا إلا وحدا فقال هو المستثنى فهل يقبل؟ على وجهين) (أحدهما) يقبل ذكره القاضي وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي (والوجه الثاني) لا يقبل ذكره أبو الخطاب وهو الوجه الثاني لاصحاب الشافعي لانه يرفع به الاقرار كله، والصحيح الاول لانه يقبل تفسيره به في حياتهم لمعنى هو موجود بعد موتهم فقبل كحالة حياتهم وليس هذا رفعا للاقرار وانما تعذر تسليم المقر

[ 305 ]

به لتلفه لا لمعنى يرجع إلى التفسير فأشبه مالو عينه في حياته فتلف بعد تعيبنه فان قتل الجميع إلا واحدا قبل تفسيره بالباقي وجها واحدا لانه غير متهم لان المقر له يحصل له قيمة المقتولين بخلاف الموت فانه لا يحصل للمقر له شئ، وان قتلوا كلهم فله قيمة أحدهم ويرجع في التفسير إليه، وان قال غصبتك هؤلاء العبيد إلا واحدا قبل تفسيره به وجها واحدا لان المقر له يستحق قيمة الهالكين فلا يفضي التفسير بالباقي إلى سقوط الاقرار بخلاف ما إذا ما توا (فصل) وحكم الاستثناء بسائر أدواته حكم الاستثناء بالافاذا قال له علي عشرة سوى درهم أو ليس درهما أو خلا درهما أو عدا درهما أولا يكون درهما أو غير درهم بفتح الراء كان مقرا بدرهم وان قال غير درهم بضم الراء وهو من أهل العربية كان مفسرا بعشرة لانها تكون صفة للعشرة المقر بها ولا تكون استثناء فانها لو كانت استثناء كانت منصوبة وان لم يكن من أهل العربية لزمه تسعة لان الظهر أنه يريد الاستثناء وإنما ضمها جهلا منه بالعربية لا قصدا للصفة (فصل) ولا يصح الاستثناء الا أن يكون متصلا بالكلام فان سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه أو فصل بين المستثنى والمستثنى منه بكلام أجنبي لم يصح لانه إذا سكت وعدل عن اقراره إلى شئ آخر استقر حكم ما أقر به فلم يرفع بخلاف ما إذا كان في كلامه فانه لا يثبت حكمه أو ينظر ما يتم به كلامه ويتعلق به حكم الاستثناء والشرط والبدل ونحوه

[ 306 ]

(مسألة) (وان قال له هذه الدار إلا هذا البيت لي قبل منه لان الاول استثناء فلا يدخل البيت في اقراره والثاني في معنى الاستثناء لكونه اخرج بعض ما يتناوله اللفظ بكلام متصل وسواء كان البيت أكثر من نصف الدار أو أقل (مسألة) (وإن قال له علي درهمان وثلاثة الادرهمين فهل يصح على وجهين؟) (أحدهما) يصح لان الاستثناء يعود إلى الجملتين وهو اقل من النصف (والثانى) لا يصح لانه يعود إلى اقرب المذكورين فيكون استثناء اكثر من النصف (مسألة) (وان قال له علي درهم ودرهم الادرهما أو ثلاثة ودرهمان إلا درهمين أو ثلاثة ونصف الا نصفا أو الا درهما أو خمسة وتسعون الا خمسة لم يصح الاستثناء. ولزمه جميع ما اقر به قبل الاستثناء وهذا قول الشافعي وهو الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة وفيه وجه آخر انه يصح لان الواو العاطفة تجمع بين العددين وتجعل الجملتين كالجملة الواحدة وعندنا ان الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفا بعضها على بعض بالواو عاد إلى جميعها كقولنا في قوله تعالى (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا) ان الاستثناء عاد إلى الجملتين فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته

[ 307 ]

الا باذنه) قال شيخنا والاول أولى لان الواو لم تخرج الكلام من ان يكون جملتين والاستثناء برفع احداهما جميعها ولا نظير لهذا في كلامهم ولان صحة الاستثناء تجعل احدى الجملتين مع الاستثناء لغوا لانه اثبت شيئا بلفظ مفرد ثم رفعه كله فلا يصح كما لو استثنى منها وهى غير معطوفة على غيرها فأما الآية والخبر فان الاستثناء لم يرفع احدى الجملتين انما أخرج من الجملتين معا من اتصف بصفة فنظيره قوله للبواب من جاء يستأذن فائذن له واعطه درهما الا فلانا ونظير مسئلتنا ما لو قال اكرم زيدا وعمرا الا عمرا (مسألة) وان قال له علي خمسة الا درهمين ودرهما لزمته الخمسة في أحد الوجهين) لانه استثنى اكثر من النصف وفي الاخر يلزمه ثلاثة ويبطل الاستثناء الثاني (مسألة) (ويصح الاستثناء من الاستثناء) فإذا استثنى استثناء بعد استثناء وعطف الثاني على الاول كان مضافا إليه فإذا قال له علي عشرة الا ثلاثة والا درهمين كان مستثنيا الخمسة مقرا بخمسة فان كان الثاني غير معطوف على الاول كان استثناء من الاستثناء وهو جائز في اللغة قال الله تعالى (انا ارسلنا إلى قوم مجرمين الا آل لوط انا لمنجوهم أجمعين الا امرأته قدرنا انها لمن الغابرين) فإذا كان صدر الكلام اثباتا كان الاستثناء الاول نفيا والثانى اثباتا فان استثنى استثناء ثالثا كان نفيا يعود كل استثناء إلى ما يليه من الكلام فإذا

[ 308 ]

قال له سبعة الا ثلاثة الادرهما لزمته خمسة لانه أثبت سبعة ثم نفى منها ثلاثة ثم اثبت درهما وبقي من الثلاثة المنفية درهمان مستثنيان من السبعة فيكون مقرا بخمسة (مسألة) (وإن قال له علي عشرة الا خمسة الا ثلاثة الادرهمين الادرهما لزمه عشرة) على قول أبي بكر لانه منع استثناء النصف وفي الوجه الآخر يلزمه ستة لان الاستثناء إذا رفع الكل أو الا كثر سقط ان وقف عليه وان وصله باستثناء آخر استعملناه فاستعملنا الاستثناء الاول لوصله بالثاني لان الاستثناء مع المستثنى عبارة عما بقي فان عشرة الادرهما عبارة عن تسعة فإذا قال له علي عشرة الا خمسة الا ثلاثة صح استثناء الخمسة لانه وصلها باستثناء آخر وكذلك صح استثناء الثلاثة والدرهمين لانه وصل ذلك باستثناء آخر والاستثناء من الاثبات نفي ومن النفي اثبات فصح استثناء الخمسة وهو نفي فنفى خسمة وصح استثناء الثلاثة وهي اثبات فعادت ثمانية وصح استثناء الدرهمين وهي نفي فبقيت ستة ولم يصح استثناء الدرهم لانه مسكوت عليه ويحتمل ان يكون وجه الستة ان يصح استثناء النصف ويبطل الزائد فيصح استثناء الخمسة والدرهم ولا يصح استثناء ثلاثة والاثنين (والوجه الثالث) يلزمه سبعة إذا صححنا الاستثناءات كلها فإذا قال عشرة الا خمسة بقي خمسة فإذا قال الا ثلاثة عادت ثمانية لانها اثبات فإذا قال الا درهمين كانت نفيا فبقي ستة فإذا استثنى درهما كان مثبتا فصارت سبعة (والوجه الرابع) يلزمه ثمانية لانه يلغى الاستثناء الاول لكونه النصف فإذا قال الا ثلاثة كانت مثبتة وهي مستثناة

[ 309 ]

من الخمسة وقد بطلت فتبطل الثلاثة أيضا لبطلان الخمسة ويبقى الاثنان لانهما نفي والنفي يكون من اثبات، وقد بطل الاثبات الذي قبلها فتكون منفية من العشرة تبقى ثمانية ولا يصح استثناء الواحد من الاثنين لانه نصف (فصل) فان قال له على ثلاثة الا ثلاثة الا درهمين بطل الاستثناء كله لان الاستثناء لدرهمين من الثلاثة استثناء الاكثر وهو موقوف عليه فبطل فإذا بطل الثاني بطل الاول لانه استثنى الكل ولاصحاب الشافعي في هذا ثلاثة أوجه (أحدها) يبطل الاستثناء لان الاول بطل لكونه استثناء الكل فبطل الثاني من الاقرار لانه فرعه (الثاني) يصح ويلزمه درهم لان الاستثناء الاول لما بطل جعلنا الاستثناء الثاني من الاقرار لانه وليه لبطلان ما بينهما ويصح (الثالث) ويكون مقرا بدرهمين لانه استثناء لاكثر واستثناء الاكثر عندهم يصح ووافقهم القاضي في هذا الوجه، وان قال ثلاثة الا الا ثلاثة الا درهما بطل الاستثناء كله، ويجئ على قول أصحاب الشافعي فيه مثل ما قلنا في التي قبلها (مسألة) (ولا يصح الاستثناء من غير الجنس نص عليه) وبهذا قال زفر ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة ان استثنى مكيلا أو موزونا جاز وان استثنى عبدا أو ثوبا من غير مكيل أو موزون لم يجز، وقال مالك والشافعي يصح الاستثناء من غير الجنس مطلقا لانه ورد في الكتاب العزيز ولغة العرب قال الله تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا

[ 310 ]

ابليس كان من الجن) وقال سبحانه (لا يسمعون فيها لغوا الاسلاما) وقال الشاعر: وبلدة. ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال آخر: أعيت جوابا وما بالربع من أحد الا أواري لاياما أينها ولنا ان الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاسثنا عما كان يقتضيه لولاه وقيل اخرج بعض ما تناوله المستثنى منه مشتق من قواه ثنيت فلانا عن رأيه إذا صرفته عن رأي كان عازما عليه وثبت عنان دابتي إذا صرفتها به عن وجهتها التي كانت تذهب إليها، وغير الجنس المذكور ليس بداخل في الكلام فإذا ذكره فما صرف الكلام عن صوبه ولا ثناه عن وجه استرساله فلا يكون استثناء وانما سمي استثناء تجوزا وانما هو في الحقيقة استدارك والاههنا بمعنى لكن هكذا قال اهل العربية منهم ابن قيبة وحكاه عن سيبويه والاستدراك لا يأتي الابعد الجحد ولذلك لم يأت الاستثناء في الكتاب العزيز من غير الجنس الا بعد النفي ولا يأتي بعد الاثبات إلا أن يوجد بعد جملة. إذا تقرر هذا فلا مدخل للاستدراك في الاقرار لانه اثبات للمقر به فإذا ذكر الاستدراك بعده كان باطلا وان ذكر بعده جملة كأنه قال له عندي مائة درهم الا ثوبا لي عليه فيكون مقرا لشئ مدعيا لشئ سواه فيقبل اقراره وتبطل دعواه

[ 311 ]

كما لو صرح بذلك بغير لفظ الاستثناء، واما قوله تعالى (فسجدوا الا ابليس) فان ابليس كان من الملائه بدليل ان الله تعالى لم يأمر بالسجود غيرهم فلو لم يكن منهم لما كان مأمورا بالسجود ولا عاصيا بتركه ولا قال الله تعالى في حقه (ففسق عن أمر ربه) ولا قال (ما منعك أن لا تسجد إذا أمرتك) وإذا لم يكن مأمورا فلم أبلسه الله واهبطه ودحره ولا يأمر الله بالسجود الا الملائكة، قان قالوا بل قد تناول الامر الملائكة ومن كان معهم فدخل ابليس في الامر لكونه معهم قلنا فقد سقط استدلالكم فانه متى كان ابليس داخلا في المستثنى منه مأمورا بالسجود فاستثناؤه من الجنس وهو ظاهر لمن أنصف ان شاء الله تعالى. فعلى هذا متى قال له علي مائة درهم الا ثوبا لزمته المائة لان الاستثناء باطل على ما بينا (مسألة) (الا ان يستثني عينا من ورق أو ورقا من عين فيصح) ذكره الخرقي وقال أبو بكر لا يصح (فإذا قال له علي مائة درهم الا دينارا فهل يصح؟ على وجهين) اختلف أصحابنا في صحة استثناء أحد النقدين من الآخر فذهب أبو بكر إلى أنه لا يصح لما ذكرنا وهو قول محمد بن الحسن وقال ابن أبي موسى فيه روايتان واختار الخرقي صحته لان قدر أحدهما معلوم الآخر ويعبر بأحدهما عن الآخر فان قوما يسمون تسعة دراهم دينارا وآخرون يسمون ثمانية دينارا فإذا استثنى أحدهما من الآخر علم أنه أراد التعبير باحدهما عن الآخر فإذا قال له علي دينار إلا ثلاثة دراهم في موضع يعبر فيه بالدينار عن تسعة كان معناه له علي تسعة دراهم الا ثلاثة ومتى أمكن حمل الكلام

[ 312 ]

على وجه صحيح لم يجز الغاؤه وقد أمكن بهذا الطريق فرجب تصحيحه وقال أبو الخطاب لا فرق بين العين والورق وبين غيرهما فيلزم من صحة استثناء احدهما من الآخر صحة استثناء الثياب وغيرها وقد ذكرنا الفرق ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل رواية الصحة على ما إذا كان أحدهما يعبر به عن الاخر أو يعلم قدره منه ورواية البطلان على ما إذا انتفى ذلك والله أعلم (فصل) ولو ذكر نوعا من جنس واستثنى نوعا آخر من غير ذلك الجنس مثل ان يقول له علي عشرة آصح تمرا برنيا الا ثلاثة تمرا معقيا لم يجز لما ذكرنا في الفصل الاول ويخالف العين والورق لان قيمة أحد النوعين غير معلومة من الآخر ولا يعبر بأحدهما عن الآخر ويحتمل على قول الخرقي جوازه لتقارب المقاصد من النوعين فهما كالعين والورق والاول أصح لان العلة الصحيحة في العين والورق غير ذلك (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (إذا قال له علي الف درهم ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال زيوفا أو صغارا أو الى شهر لزمه الف جياد وافية حالة) وجملة ذلك أن من أقر بدارهم وأطلق اقتضى اقراره الدراهم الوافية وهي دراهم الاسلام كل عشرة منها سبعة مثاقيل واقتضى أن تكون جيادا حالة كما لو باعه بعشرة دراهم وأطلق فانها تلزمه كذلك فإذا سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه أو أخذ في كلام آخر غير ما كان فيه استقرت عليه كذلك

[ 313 ]

فان عاد فقال زيوفا أو صغار أو هي الدراهم الناقصة وهي دراهم طبرية كان كل درهم منها أربعة دوانيق وذلك ثلثا درهم، أو إلى شهر يعني مؤجلة لم يقبل منه لانه رجوع عن بعض ما أقربه ويرفعه بكلام منفصل فلم يقبل كالاستثناء المفنصل وهذا مذهب الشافعي، ولا فرق بين الاقرار بها دينا أو وديعة أو غصبا، وقال أبو حنيفة يقبل قوله في الغصب والوديعة لانه اقرار بفعل في عين وذلك لا يقتضي سلامتها فأشبه مالو أقر بغصب عبد ثم جاء به معيبا ولنا ان اطلاق الاسم يقتضي الوازنة الجياد فلم يقبل تفسيره بما يخالف ذلك كالدين ويفارق العبد فان العيب لايمنع اطلاق اسم العبد عليه (مسألة) (الا أن يكون في بلد أوزانهم ناقصة أو مغشوشة فهل يلزمه من دراهم البلد أو من غيرها؟ على وجهين (أولهما) أنه يلزمه من دراهم البلد لان مطلق كلامهم يحمل على عرف بلدهم كما في البيع والصداق وغير ذلك (والثاني) يلزمه الوازنة الخالصة من الغش لان اطلاق الدراهم في الشرع ينصرف إليها بدليل ان بها تقدر نصب الزكواث ومقادير الديات فكذلك اطلاق الشخص، وفارق البيع فانه ايجاب في الحال فاختص بدراهم الموضع الذي هما فيه والاقرار اخبار عن حق سابق فانصرف إلى درهم الاسلام

[ 314 ]

(فصل) فان أقر بدراهم وأطلق ثم فسرها بسكة البلد الذي أقر بها فيه قبل لانه اطلاقه ينصرف إليه وان فسر بسكة غير سكة البلد اجود منها قبل لانه يقر على نفسه بما هو أغلظ وكذلك ان كانت مثلها لانه لا يتهم في ذلك وان كانت ادنى من سكة البلد لكنها مساوية في الوزن احتمل ان لا يقبل لان اطلاقها يقتضي دراهم البلد ونقده فلا يقبل منه دونها كما لا يقبل في البيع ولانها ناقصة القيمة أشبهت الناقصة في الوزن ويحتمل ان يقبل منه وهو قول الشافعي لانه يحتمل ما فسره به وفارق النقصة فان في الشرع الدراهم لا تناولها بخلاف هذه ولهذا يتعلق بهذا مقدار النصاب في الزكاة وغيره وفارق الثمن فانه ايجاب في الحال وهذا اخبار عن حق سابق (مسألة) (وان قال له علي الف إلى شهر لزمه مؤجلا ويحتمل ان يلزمه حالا) إذا أقربها مؤجلة بكلام متصل قبل منه وكذلك ان سكت للتنفس أو اعترضه سلعة ونحو ذلك ويحتمل ان تلزمه حالة ذكرها أبو الخطاب وهو قول ابي حنيفة وبعض الشافعية لان التأجيل يمنع استيفاء الحق في الحال فلم يقبل كما لو قال له علي دراهم قبضته اياها (مسألة) (وان قال له علي الف زيوف وفسره بمالا فضة فيه لم يقبل وان فسره بمغشوشة قبل وكذلك ان فسرها بمعيية عيبا ينقصها قبل لانه صادق وان فسرها برصاص أو نحاس أو مالا

[ 315 ]

قيمة له لم يقبل لان تلك ليست دراهم على الحقيقة فيكون تفسيره بها رجوعا عما اقر به فلم يقبل كاستثناء الكل (مسألة) (وان قال له علي دراهم ناقصة لزمته ناقصة) وقال اصحاب الشافعي لا يقبل تفسيره بالناقصة وقال القاضي إذا قال له علي دراهم ناقصة قبل قوله وان قال صغار وللناس دراهم صغار قبل قوله وان لم يكن لهم دراهم صغار لزمه وازنة كما لو قال دربهم فانه يلزمه درهم وازن وهذا قول ابن القاص من اصحاب الشافعي ولنا انه فسر كلامه بما يحتمله بكلام متصل فقبل منه كاستثناء البعض وذلك لان الدراهم يعبر بها عن الوازنة والناقصة والزيوف والجيدة وكونها عليه يحتمل الحلول والتأجيل فإذا وصفها بذلك تقيدت به كما لو وصف الثمن به فقال بعتك بعشرة دراهم مؤجلة أو ناقصة وثبوتها على غير هذه الصفة حالة الاطلاق لا يمنع من صحة تقييدها به كالثمن وقولهم ان التأجيل يمنع استيفاءها لا يصح وإنما يؤخره فأشبه الثمن المؤجل، يحققه ان الدراهم ثبتت في الذمة على هذه الصفات فإذا كانت ثابتة بهذه الصفة لم تقتض الشريعة المطهرة سد باب الاقرار بها على صفتها وعلى ما ذكروه لا سبيل إلى الاقرار بها إلا على وجه يؤاخذ بغير ما هو الواجب عليه فينسد باب الاقرار وقول من قال إن قوله صغار ينصرف إلى

[ 316 ]

مقدارها لا يصح لان مساحة الدرهم لا تعتبر في الشرع ولا يثبت في الذمة بمساحة مقدرة وإنما يعتبر الصغر والكبر في الوزن فيرجع إلى تفسير المقر (فصل) وان قال له علي درهم كبير لزمه درهم من دراهم الاسلام لانه كبير في العرف وإن قال له علي درهم فهو كما لو قال درهم لان الصغير قد يكون لصغره في ذاته أو لقلة قدره عنده وتحقيره وقد يكون لمحبته كما قال الشاعر بذيالك الوادي أهيم ولم أقل بذيالك الوادي وذياك من زهد ولكن إذا ماحب شئ تولعت به أحرف التصغير من شدة الوجد وان قال له على عشرة دراهم عددا لزمته عشرة معدودة وازنة لان اطلاق الدرهم يقتضي الوازن وذكر العدد لا ينافيها فوجب الجمع بينهما فان كان في بلد أو زانهم ناقصة أو دراهمم مغشوشة فهو على ما فصل فيه. (مسألة) (وان قال له عندي رهن وقال المالك بل وديعة فالقول قول المالك) لان العين ثبتت بالاقرار له وان ادعى المقر دينا لا يعترف به المقر له فالقول قول المنكر ولانه أقر بمال لغيره وادعى أن له به تعلقا فلم يقبل كما لو ادعاه بكلام منفصل ولذلك ولو أقر له بدار وقال استأجرتها أو أقر له

[ 317 ]

بثوب وادعى أنه قصره أو خاطه باجر يلزم المقر له لم يقبل لانه مدع على غيره حقا فلا يقبل قوله الا ببينة ومن ذلك ما لو قال هذه الدار له ولي سكناها ببينة (مسألة) (وان قال له علي الف من ثمن مبيع لم أقبضه وقال المقر له بل هو دين في ذمتك فعلى وجهين) (أحدهما) القول قول المقر لانه اعترف له بالالف وادعى عليه مبيعا فأشبه المسألة التي قبلها أو كما لو قال له علي الف ثم سكت ثم قال مؤجل (مسألة) (ولو قال له عندي ألف وفسره بدين أو وديعة قبل منه) لا نعلم فيه بين اهل العلم اختلافا سواء فسره بكلام متصل أو منفصل لانه فسر لفظه بما يقتضيه فقبل كما لو قال له علي دراهم وفسرها بدين عليه فعند ذلك تثبت فيه أحكام الوديعة بحيث لو ادعى تلفها بعد ذلك أو ردها قبل قوله وان فسره بدين عليه قبل أيضا لانه يقر على نفسه بما هو أغلظ وان قال له عندي وديعة ورددتها إليه أو تلفت لزمه ضمانها ولم يقبل قوله، وبهذا قال الشافعي لما فيه من مناقضة الاقرار والرجوع عما اقربه فان الالف المردود والتالف ليساعنده اصلا ولا هي وديعة وكل كلام يناقض الاقرار ويحيله يجب ان يكون مردودا، وقال القاضي يقبل قوله الا ان أحمد قال في رواية ابن منصور إذا قال لك عندي وديعة دفعتها اليك صدق لانه ادعى تلف الوديعة أو ردها

[ 318 ]

فقبل كما لو ادعى ذلك بكلام منفصل فان قال كانت عندي وظننت أنها باقية ثم عرفت أنها كانت قد هلكت فالحكم فيها كالتي قبلها (مسألة) (وان قال له علي الف وفسره بوديعة لم يقبل قوله وان ادعى بعد هذا تلفه لم يقبل قوله) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقيل عن الشافعي يقبل قوله انها وديعة و إذا ادعى بعد هذا تلفها قبل منه وقال القاضي ما يدل على هذا ايضا لان الوديعة عليه حفظها وردها فإذا قال له علي الف وفسرها بذلك احتمل صدقه فقبل منه كما لو وصله بكلامه فقال له علي الف وديعة لان حروف الصفات يخلف بعضها بعضا فيجوز ان تستعمل علي بمعنى عندي كما قال تعالى اخبارا عن موسى عليه السلام أنه قال (ولهم علي ذنب) أي عندي ولنا ان علي للايجاب وذلك يقتضي كونها في ذمته ولذلك لو قال ما على فلان علي كان ضامنا له والوديعة ليست في ذمته ولاهي عليه انما هي عنده وما ذكروه مجاز طريقه حذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه أو اقامة حرف مقام حرف والاقرار يؤخذ فيه بظاهر اللفظ بدليل انه لو قال له علي دراهم لزمته ثلاثة وان جاز التعبير عن اثنين وعن واحد بلفظ الجمع كقوله تعالى (فان كان له اخوة فلامه السدس) ومواضع كثيرة في القرآن ولو قال له علي درهم وقال أردت نصف درهم فأقمت المضاف إليه مقامه لم يقبل منه ولو قال لك من مالي الف قال صدقت ثم قال اردت ان عليك من مالي الفا أقمت اللام مقام علي كقوله تعالى (وان أسأتم فلها) لم يقبل منه ولو قبل في الاقرار مطلق الاحتمال لسقط ولقبل تفسير الدراهم

[ 319 ]

بالنقاصة والزائفة وللمؤجلة، وأما إذا قال لك علي الف ثم قال كانت وديعة فتلف لم يقبل قوله فانه متناقض وقد سبق نحو هذا (فصل) فان قال لك علي مائة درهم ثم أحضرها وقال هذه التي اقررت بها وهي وديعة كانت لك عندي فقال المقر له هذه وديعة والتي اقررت بها غيرها وهي دين عليك فالقول قول المقر له على مقتضى قول الخرقي وهو قول أبي حنيفة وقال القاضي القول قول المقر مع يمينه وللشافعي قولان كالوجهين وتعليلهما ما تقدم، فان كان قال في اقراره لك علي مائة في ذمتي فقد وافق القاضي ههنا في أنه لا يقبل قول المقر لان الوديعة عين لا تكون في الذمة قال وقد قيل يقبل لانه يحتمل في ذمتي اداؤها ولانه يجوز ان تكون عنده وديعة تعدى فيها فكان ضمانها عليه في ذمته ولا صحاب الشافعي في هذه وجهان فأما ان وصل ذلك بكلامه فقال لك علي مائة وديعة قبل لانه فسر كلامه بما يحتمله فصح كما لو قال له ودراهم ناقصة وان قال له علي مائة وديعة دينا أو مضاربة دينا صح ولزمه ضمانها لانه قد يتعدى فيها فيكون دينا وان قال اردت أنه شرط علي ضمانها لم يلزمه ضمانها لان الوديعة لا تصير بالشرط مضمونة وان قال علي أو عندي مائة درهم عارية لزمته وكانت مضمونة عليه سواء حكمنا بصحه العارية في الدراهم أو بفسادها لان ما ضمن في العقد الصحيح ضمن في الفاسد وان قال أودعني مائة فلم

[ 320 ]

اقبضها أو اقرضني مائة فلم آخذها قبل قوله متصلا ولم يقبل منفصلا وهكذا إذا قال نقدني مائة فلم اقبضها وهذا قول الشافعي (فصل) وان قال له في هذا العبد الف اوله من هذا العبد الف طولب بالبيان فان قال نقد عني الفا في ثمنه كان قرضا وان قال نقد في ثمنه الفا قلنا بين كم ثمن العبد وكيف كان الشراء فان قال بايجاب واحد وزن الفا ووزنت الفا كان مقرا بنصف العبد وان قال وزنت أنا الفين كان مقرا بثلثه والقول قوله مع يمينه سواء كانت القيمة قدر ما ذكره أو اقل لانه قد يغبن وقد يغبن وان قال اشتريناه بايجابين قيل له فكم اشترى منه؟ فان قال نصفا أو ثلثا أو اقل أو اكثر قبل منه مع يمينه وافق القيمة أو خالفها وان قال وصي له بألف من ثمنه بيع وصرف إليه من ثمنه الف فان أراد ان يعطيه الفا من ماله من غير ثمن العبد لم يلزمه قبوله لان الموصى له يتعين حقه في ثمنه وان فسر ذلك بجناية جناها العبد فتعلقت برقبته قبل ذلك وله بيع العبد ودفع الالف من ثمنه، وان قال اردت انه رهن عنده بالف فعلى وجهين (أحدهما) لا يقبل لان حق المرتهن في الذمة (والثاني) يقبل لان الدين يتعلق بالرهن فصح تفسيره به كالجناية ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما ذكرنا (مسألة) (وان قال له في هذا المال الف لزمه تسليمه إليه) لانه أقر له بالملك

[ 321 ]

(مسألة) (وان قال له من مالي أو في مالي أو في ميراثي من أبي الف أو نصف داري هذه وفسره بالهبة وقال بدالي من تقبيضه قبل) إذا قال له في مالي أو من مالي الف وفسره بدين أو وديعة أو وصية قبل وقال بعضن أصحاب الشافعي لا يقبل اقراره وليس هو لغيره. ولنا أنه أقر بألف فقبل كما لو قال له في مالي ويجوز ان يضيف إليه مال بعضه لغيره ويجوز أن يضيف مال غيره إليه لاختصاص له به بأن يكون عليه يد أو ولاية قال الله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي يجعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم) وقال سبحانه في النساء (ولا تخرجوهن من بيوتهن) وقال لازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقرن في بيوتكن) فلا يبطل اقراره مع احتمال صحته فان قال أردت هبة قبل منه لانه محتمل، وان امتنع من تقبيضها لم يجبر عليه لان الهبة فيها لا تلزم قبل القبض وكذلك يخرج إذا قال له نصف داري هذه أوله من داري نصفها، وقد نقل عن أحمد ما يدل على روايتين قال في رواية منها فيمن قال نصف عبدي هذا لفلان لم يجز الا ان يقول وهبته وان قال نصف مالي هذا لفلان لا أعرف هذا، ونقل ابن منصور إذا قال فرسي هذه لفلان فاقراره جائز فظاهر هذا صحة الاقرار فان قال له في هذا المال نصفه فاقراره جائز وان قال له في هذا المال نصفه أو له

[ 322 ]

نصف هذه الدار فهو اقرار صحيح وان قال له في هذا المال الف صح، وان قال في ميراثي من أبي الف وقال أردت هبة قبل منه لانه إذا أضاف الميراث إلى أبيه فمقتضاه ما خلفه فيتقضي وجوب المقربه فيه وإذا أضاف الميراث إلى نفسه فمعناه ما ورثته وانتقل إلي فلا تحمل الا على الوجوب وإذا أضاف إليه جزءا فالظاهر أنه جعل له جزءا في ماله (مسألة) (وان قال له في ميراث أبي الف فهو دين على التركة) لان لفظه يقتضي ذلك (مسألة) (وان قال نصف هذه الدار فهو مقر بنصفها) لما ذكرنا (مسألة) (وان قال له هذه ادار عارية ثبت لها حكم العارية) لا قراره بذلك (مسألة) (وان أقر انه وهب أو رهن أو قبض أو اقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر وقال ما قبضت ولا اقبضت وسأل اخلاف خصمه فهل تلزمه اليمين؟ على وجهين) وذكر شيخنا في كتاب المغني روايتين (احداهما) لا يستحلف وهو قول أبي حنيفة ومحمد لان دعواه تكذيب لا قراره فلا تسمع كما لو أقر المضارب أنه ربح الفاثم قال غلطت ولان الاقرار أقوى من البينة، ولو شهدت البينة ثم قال احلفوه لي مع بينة لم يستحلف كذاههنا (والثانية) يستحلف وهو قول الشافعي وأبي يوسف لان العادة جارية في الاقرار بالقبض قبله فيحتمل صحة ما قاله فينبغي أن يستحلف خصمه لنفي الاحتمال ويفارق الاقرار البينة من وجهين

[ 323 ]

(أحدهما) ان العادة جارية بالاقرار بالقبض قبله ولم تجر العادة بالشهادة على القبض قبلها لانها تكون شهادة زور (والثاني) انكاره مع الشهادة طعن في البينة وتكذيب لها وفي الاقرار بخلافه ولم يذكر القاضي في المجرد غير هذا الوجه، وكذلك ان أقر أنه اقترض منه الفا وقبضها أو قال له علي الف ثم قال ما كنت قبضتها وانها أقررت لاقبضها فالحكم كذلك ولانه يمكن أن يكون قد أقر بذلك بناء على قول وكيله وظنه والهشادة لا تجوز الا على اليقين (مسألة) (وان باع شيئا ثم اقر ان المبيع لغيره لم يقبل قوله على المشتري) لانه يقر على غيره ولا ينفسخ البيع لذلك وتلزمه غرامته للمقر له لانه ق فوته عليه بالبيع وكذلك ان وهبه أو أعتقه ثم أقر به. (مسألة) (وان قال لم يكن ملكي ثم ملكته بعد لم يقبل قوله) لان الاصل ان الانسان انما يتصرف فيما له التصرف فيه الا ان يقيم بينة فيقبل ذلك فان كان قد أقر أنه ملكه أو قال قبضت ثمن ملكي أو نحوه لم تسمع بينته أيضا لانها تشهد بخلاف ما أقربه (فصل) إذا قال له هذه الدارهبة أو سكنى أو عارية كان اقرارا بما أبدل به كلامه ولم يكن إقرارا بالدار لانه رفع بآخر كلامه بعض ما دخل في أوله فصح كما لو أقر بجملة واستثنى بعضها وذكر القاضي في هذا وجها أنه لا يصح لانه استثناء من غير الجنس وليس هذا استثناء انما هو بدل الاشتمال وهو ان يبدل من الشئ

[ 324 ]

بعض ما يشتمل عليه ذلك الشئ كقوله تعالى (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) فانه أبدل القتال من الشهر المشتمل عليه، وقال تعالى اخبارا من فتى موسى عليه السلام أنه قال (وما انسانية الا الشيطان ان اذكره) أي انساني ذكره وان قال له هذه الدار ثلثها أو ربعها صح ويكون مقرا بالجزء الذي أبدله وهذا بدل البعض وليس ذلك استثناء ومنه قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ولكنه في معنى الاستثناء في كونه يخرج من الكلام بعض ما دخل فيه لولاه ويفارقه في أنه يجوز أن يخرج أكثر من النصف وانه يجوز ابدال الشئ من غيره إذا كان مشتملا عليه ألا ترى ان الله تعالى ابدل المستطيع للحج من الناس وهو أقل من نصفهم وأبدل القتال من الشهر الحرام وهو غيره؟ ومتى قال له هذه الدار سكنى أو عارية ثبت فيها حكم ذلك وله أن يسكنه اياها وان يعود فيما أعاره والله أعلم (فصل) إذا قال بعتك جاريتي هذه قال بل زوجتنيها فلا يخلو إما أن يكون اختلافهما قبل نقده الثمن أو بعده وقبل الاستيلاد أو بعده فان كان بعد اعتراف البائع بقبض الثمن فهو مقربها لمدعي الزوجية لانه يدعي عليه شيئا والزوج ينكرانها ملكه ويدعي حلها بالزوجية فيثبت الحل لاتفاقهما عليه ولا ترد إلى البائع لاتفاقهما أنه لا يستحق أخذها وإن كان قبل قبض الثمن وبعد الاستيلاد فالبائع يقرأنها صارت ام ولدولدها حروانه لا مهر لها ويدعي الثمن والمشتري ينكر ذلك كله فيحكم بحرية الولد لاقرار من ينسب

[ 325 ]

إليه ملكه بحريته ولا ولاء عليه لاعترافه بانه حر الأصل، ولا ترد الامة إلى البائع لاعترافه بانها ام ولد لا يجوز نقل الملك فيها ويحلف المشتري انه ما اشتراها ويسقط عنه الثمن الاقدر المهر فانه يجب لاتفاقهما على وجوبه وان اختلف في سببه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم يتحالفان ولا يجب مهر ولا ثمن وهو قول القاضي الا انه لا يجعل على البائع يمينا لانه لا يرى اليمين في انكار النكاح، ونفقة الولد على ابيه لانه حر ونفقة الامة على زوجها لانه اما زوج واما سيد وكلاهما سبب لوجوب النفقة وقال القاضي نفقتها في كسبها فان كان فيه فضل فهي موقوفة لاننا ازلنا عنها ملك السيد واثبتنا لها حكم الاستيلاد فان ماتت وتركت مالا فللبائع قدر ثمنها لانه إما ان يكون صادقا فهو يستحق على المشتري ثمنها وتركتها للمشتري والمشتري مقر للبائع بها فيأخذ منها قدر ما يدعيه وان كان كاذبا فهي ملكه وتركتها كلها له فيأخذ منها قدر ما يدعيه وبقيته موقوفة، وان ماتت بعد الوطئ فقد ماتت حرة وميراثها لولدها وورثتها فان لم يكن لها وارث فميراثها موقوف لان أحدالا يدعيه وليس للسيد أن يأخذ منه قدر الثمن لانه يدعي الثمن على الواطئ وميراثها ليس له لانه قد مات قبلها وان كان اختلافهما قبل الاستيلاد فقال شيخنا عندي أنها تقبر في يد الزوج لاتفاقهما على حلها له واستحقاقه امساكها وإنما اختلفا في السبب ولا ترد إلى السيد لاتفاقهما على تحريهما عليه وللبائع أقل الامرين من الثمن أو المهر لاتفاقهما على استحقاقه لذلك والامر في الباطن على ذلك فان السيد ان كان صادقا فالامة حلال

[ 326 ]

لزوجها بالبيع وان كان كاذبا فهي حلال له بالزوجية والقدر الذي اتفقا عليه ان كان السيد صادقا فهو يستحقه ثمنا وإن كان كاذبا فهو يستحقه مهرا وقال القاضي يحلف الزوج أنه ما اشتراها لانه منكر ويسقط عنه الثمن ولا يحتاج السيد إلى اليمين على نفي الزوجية لانه لا يستحلف فيه وعند الشافعي يتحالفان معا ويسقط الثمن عن الزوج لان البيع ما ثبت ولا يجب المهر لان السيد لا يدعيه وترد الجارية إلى سيدها وفي كيفية رجوعها وجهان (أحدهما) ترجع إليه فيملكها ظاهرا وباطنا كما يرجع البائع في السلعة عند فلس المشتري بالثمن لان الثمن ههنا قد تعذر فيحتاج السيد أن يقول فسخت البيع وتعود إليه ملكا (والثاني) يرجع إليه في الظاهر دون الباطن لان المشتري امتنع من آداء الثمن مع امكانه فعلى هذا يبيعها الحاكم ويوفيه ثمنها فان كان وفق حقه أو دونه أخذه وان زاد فالزيادة لا يديعها أحد، ولان المشتري يقر بها للبائع والبائع لا يدعي أكثر من الثمن الاول فهل تقر في يد المشتري أو ترجع إلى بيت المال؟ يحتمل وجهين، وان رجع البائع فقال صدق خصمي ما بعته اياها بل زوجته لم يقبل في اسقاط حرية الولد ولا في استرجاعها ان صارت أم ولد وقبل في اسقاط الثمن واستحقاق ميراثها وميراث ولدها وان رجع الزوج ثبتت الحرية ووجب عليه الثمن (فصل) ولو أقر رجل بحرية عبد ثم اشتراه أو شهد رجلان بحرية عبد لغيرهما ثم اشتراه أحدهما من سيده عتق في الحال لاعترافه بان الذي اشتراه حر ويكون البيع صحيحا بالنسبة إلى البائع لانه

[ 327 ]

محكوم له برقه وفي حق المشتري استفاذا فإذا صار في يديه حكم بحريته لاقراره السابق ويصير كما لو شهد رجلان على رجل أنه طلق زوجته ثلاثا فرد الحاكم شهادتهما فدفعا إلى الزوج عوضا ليخلعها صح وكان في حقه خلعا صحيحا وفي حقهما استخلاصا، ويكون ولاؤه موقوفا لان أحدا لا يدعيه فان البائع يقول ما أعتقته والمشتري يقول ما أعتقه الا البائع وأنا استخلصته فان مات وخلف مالا فرجع أحدهما عن قوله فالمال له لان احدا لا يدعيه سواه لان الراجع ان كان البائع فقال فقال المشتري كنت اعتقته فالولاء له ويلزمه رد الثمن إلى المشتري لاقراره ببطلان البيع وان كان الراجع المشتري قبل في المال لان أحدا لا يدعيه سواه ولا يقبل قوله في نفي الحرية لانها حق لغيره وان رجعا معا فيحتمل أن يوقف حتى يصطلحا عليه لانه لاحدهما ولا نعرف عينه ويحتمل أن من هو في يده يأخذه ويحلف لانه منكر وان لم يرجع واحد منهما ففيه وجهان (أحدهما) يقر في يد من هو في يده فان لم يكن في يد أحدهما فهو لبيت المال لان أحدا لا يدعيه ويحتمل ان يكون لبيت المال على كل حال (فصل) ولو أقر لرجل بعبد أو غيره ثم جاء به وقال هذا الذي اقررت لك به قال بل هو غيره لم يلزمه تسلميه إلى المقر له لانه لا يدعيه ويحلف المقر انه ليس له عنده عبد سواه فان رجع المقر له فادعاه لزمه دفعه إليه لانه لا منازع له فيه وان قال المقر له صدقت والذي اقررت به آخر لي عندك لزمه تسليم هذا ويحلف على نفى الآخر

[ 328 ]

(فصل) قال الشيخ رحمه الله (وإذا قال غصبت هذا العبد من زيد لابل من عمرو أو غصبته من زيد وملكه لعمرو لزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو إذا قال غصبت هذا العبد من زيد لابل من عمر وحكم به لزيد ولزمه تسليمه إليه ويغرم لعمرو وبهذا قال أبو حنيفة وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال في الآخر لا يضمن لعمرو شيئا ولنا أنه أقر بالغصب الموجب للضمان والرد إلى المغصوب منه ثم لم يرد ما أقر بعضه فلزمه ضمانه كما لو تلف بفعل الله تعالى قال احمد في رواية ابن منصور في رجل قال لرجل استودعتك هذا الثوب قال صدقت ثم قال استودعنيه رجل آخر فالثوب للاول ويغرم قيمته للآخر ولا فرق بين أن يكون اقراره بكلام متصل أو منفصل. (مسألة) (وان قال ملكه لعمرو وغصبته من زيد فهي كالمسألة التي قبلها) ولا فرق بين التقديم والتأخير والمتصل والمنفصل وقيل يلزمه دفعه إلى عمرو يغرمه لزيد لانه لما أقربه لعمرو أولا لم يقبل اقراره باليد لزيد قال شيخنا وهذا وجه حسن ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين، ولو قال هذا الالف دفعه الي زيد وهي لعمرو أو قال هو لعمرو ودفعه الي زيد فكذلك على ما مضى من القول فيه (مسألة) (وان قال غصبته من أحدهما أو هو لاحدهما صح الاقرار)

[ 329 ]

لانه يصح بالمجهول فصح للمجهول ثم يطبالب بالبيان فان عين احدهما دفع إليه ويحلف للآخران ادعاه ولا يغرم له شيئا لانه لم يقر له بشئ، وان قال لا أعرف عينه فصدقاه نزع من يده وكانا خصمين فيه وان كذباه فعليه اليمين انه لا يعلم وينزع من يده فان كان لاحدهما بينة حكم له بها وان لم تكن بينة أقرعنا بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه، وان بين الغاصب بعد ذلك مالكها قبل منه كما لو بينه ابتداء ويحتمل أنه إذا ادعى كل واحد أنه المغصوب منه توجهت عليه اليمين لكل واحد منهما انه لم يغصبه فان حلف لاحدهما لزمه دفعها إلى الآخر لان ذلك يجري مجرى تعيينه وان نكل عن اليمين لهما جميعا فسلمت إلى احدهما بقرعة أو غيرها لزمه غرمها للآخر لانه نكل عن يمين توجهت عليه فقضي عليه كما لو ادعاها وحده (فصل) وان كان في يده عبدان فقال احد هذين لزيد طولب بالبيان فاذاعين أحدهما فصدقه زيد اخذه وان قال هذا لي والعبد الآخر فعليه اليمين في الذي ينكره وان قال زيد انما لي العبد الاخر فالقول قول المقر مع يمينه في العبد الذي ينكره ولا يدفع إلى زيد العبد الذي يقر به له ولكن يقر في يد المقر لانه لم يصح اقراره به في أحد الوجهين، وفي الآخر ينزع من يده لاعترافه انه لا تملكه ويكون في بيت المال لانه لامالك له معروف فأشبه ميراث من لا يعلم وارثه، فان ابى التعيين فعينه المقر له وقال هذا عبدي طولب بالجواب وان انكر حلف وكان بمنزلة تعيينه للآخر وان نكل عن اليمين

[ 330 ]

قضي عليه وان أقر له فهو كتعيينه (فصل) إذا قال هذه الدار لزيد لابل لعمرو أو ادعى زيد على ميت شيئا معينا من تركته فصدقه ابنه ثم ادعاه عمرو فصدقه حكم به لزيد ووجب عليه غرامته لعمرو، وسنذكر ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى (مسألة) (وان أقر بألف في وقتين لزمه الف واحد) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه الفان كما لو قال له علي الف والف لا فربق بين أن يكون في وقت واحد أو أوقات أو مجلس واحد أو مجالس ولنا أنه يجوز ان يكون قد كرر الخبر عن الاول كما كرر الله الخبر عن ارساله نوحا وهودا وصالحا وشعيبا وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولم يكن المذكور في قصة غير المذكور في الاخرى كذا ههنا لانه يجوز ان يكون المطلق هو الموصف اطلقه في حال ووصفه في حال وان وصفه بصفة واحدة في المرتين كان تأكيدا لما ذكرنا (مسألة) (وان أقر بألف من ثمن عبد ثم اقر بألف من ثمن فرس أو قرض لزمه الفان) وكذلك ان قال الف درهم سود والف درهم بيض لان الصفة اختلفت فهما متغايران (مسألة) (وان ادعى رجلان دار في يد غيرهما شركة بينهما بالسوية فأقر لاحدهما بنفصها فالمقر به بينهما نصفان.

[ 331 ]

وجملة ذلك انهما إذا ادعيا أنهما ملكاها بسبب يوجب الاشتراك مثل ان يقولا ورثناها وابتعناها معا فأقر المدعى عليه بنفصها فذلك لهما جميعا لانهما اعترفا أن الدار لهما مشاعة فإذا غصب غاصب نصفها كان منهما والباقي بينهما و ان لم يكونا ادعيا شيئا يقتضي الاشتراك بل ادعى كل وحد منهما فأقر لاحدهما بما ادعاه لم يشاركه الآخر وكان على خصومته لانهما لم يعترفا بالاشتراك، فان اقر لاحدهما بالكل وكان المقر له يعترف للآخر بالنصف سلمه إليه وكذلك ان كان قد تقدم اقراره بالنصف وجب تسليمه إليه لان الذي هي في يده قد اعترف له بها فصار بمنزلته فثبتت لمن يقر له وان لم يكن اعترف للآخر وادعى جميعها أو ادعى أكثر من النصف فهو له، فان قيل فكيف يملك جميعها ولم يدع الا نصفها؟ قلنا ليس من شرط صحة الاقرار تقدم الدعوى بل متى اقر بشئ لانسان فصدقه المقر له ثبت وقد وجد التصديق ههنا في النصف الذي لم يسبق دعواه، ويجوز ان يكون اقتصر على دعوى النصف لان له حجة به ولا النصف الآخر قد اعترف له به فادعى النصف الذي لم يعترف له به. فان لم يصدقه في اقراره بالنصف الذي لم يدعه ولم يعترف به الآخر ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يبطل الاقرار لانه اقر لمن لا يدعيه (الثاني) ينزعه الحاكم حتى يثبت لمدعيه ويؤجره ويحفظ أجرته لما لكه (والثالث) يدفع إلى مدعيه لعدم التنازع فيه ومذهب الشافعي في هذا الفصل على نحو ما ذكرنا

[ 332 ]

(مسألة) (وان قال في مرض موته هذا الالف لقطة فتصدقوا به لزم الورثة الصدقة بثلثه) قال أبو الخطاب إذا لم يكن له مال غيره لانه جميع ماله والامر بالصدقة وصية بجميع المال فلا يلزم منه إلا الثلث وحكي عن القاضي أنه يلزمهم الصدقة بجميعه لان أمره بالصدقة به يدل على تعديه فيه على وجه يلزمهم الصدقة بجميعه فيكون ذلك اقرارا منه لغير وارث فيجب امتثاله (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا مات رجل وخلف مائة فادعاها رجل فادعاها رجل فأقر ابنه له بها ثم ادعاها آخر فأقر له فهي للاول ويغرمها للثاني) وجملة ذلك أنه إذا ادعى زيد على ميت شيئا معينا من تركته فصدقه ابنه ثم ادعاه عمرو فصدقه أو قال هذه الدار لزيد لابل لعمرو حكم بها لزيد وعليه غرامتها لعمرو وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الاخر لا يغرم لعمرو شيئا وهو قول أبي حنيفة لانه أقر له بما وجب عليه الاقرار به وإنما منعه الحكم من قبوله وذلك لا يوجب الضمان ولنا أنه حال بين عمرو وبين ملكه الذي أقر له به باقراره لغيره فلزمه غرمه كما لو شهد رجلان على آخر باعتاق عبده ثم رجعا عن الشهادة أو كما لو رمى به في البحر ثم أقربه (مسألة) (وان أقربها لهما معا فهي بينهما) لتساويهما في الدعوى والاقرار لهما

[ 333 ]

(مسألة) (وان أقر لاحدهما وحده فهي له ويحلف للآخر أنه لا يعلم أنها له وان نكل فقضي عليه بالنكول) لان النكول كالاقرار ولو أقر لزمه الغرم فكذلك إذا نكل عن اليمين (مسألة) (وان ادعى رجل على الميت مائة دينا فأقر له ثم ادعى آخر مثل ذلك فأقر له فان كان في مجلس واحد فهي بينهما وان كان في مجلسين فهي للاول ولا شئ للثاني) وجملة ذلك ان الميت إذا خلف وارثا وتركة فأقر الوارث لرجل بدين على الميت يستغرق الميراث فقد أقر بتعلق دينه بجميع التركة واستحقاقه لها فإذا أقر بعد ذلك لآخر وكان في المجلس صح الاقرار واشتركا في التركة لان التركة حالة المجلس كحالة واحدة بدليل صحة القبض بها فيما يعتبر القبض فيه وامكان الفسخ فيه ولحقوق الزيادة في العقد فكذلك في الاقرار، وان كان في مجلس آخر لم يقبل اقراره لانه يقر بحق على غيره فانه يقر بما يقتضي مشاركة الاول في التركة وينقص حقه منها ولا يقبل اقرار الانسان على غيره وقال الشافعي يقبل اقراره ويشتركان فيها لان الوارث يقوم مقام الموروث ولو أقر الموروث لهما لقبل فكذلك الوارث ولان منعه من الاقرار يفضي إلى إسقاط حق الغرماء لانه قد لا يتفق حضورهم في مجلس واحد فيبطل حقه بتعيينه ولان من قبل اقراره اولا قبل اقراره ثانيا إذا لم تتغير حاله كالموروث.

[ 334 ]

ولنا أنه اقرار بما يتعلق بمحل تعلق به حق غيره تعلقا يمنع تصرفه فيه على وجه يضربه فلم يقبل كاقرار الراهن بجناية على الرهن أو الجاني، وأما الموروث فان أقرفي صحته صح لان الدين لا يتعلق بماله وان أقر في مرضه لم يحاص المقر له غرماء الصحة لذلك، وان أقر في مرضه لغيرم يستغرق تركته دينه ثم أقر لآخر في مجلس آخر فاقرق بينهما ان اقراره الاول لم يمنعه التصرف في ماله ولا أن يعلق به دينا آخر بأن يستدين دينا آخر فلم يمنع ذلك تعليق الدين بتركته بالاقرار بخلاف الوارث فانه لا يملك أن يتعلق بالتركة دينا آخر بفعله فلا يملكه بقوله ولا يملك التصرف في التركة ما لم يلتزم قضاء الدين (مسألة) (وان خلف ابنين ومائتين فادعى رجل مائة دينا على الميت فصدقه أحد الابنين وأنكر الآخر لزم المقر نصفها) لانه مقر على أبيه بدين ولا يلزمه أكثر من نصف دين أبيه ولانه يقر على نفسه وأخيه فلا يقبل اقراره على أخيه ويقبل على نفسه وفي ذلك اختلاف ذكرناه في أواخر كتاب الاقرار (مسألة) (الا أن يكون عدلا فيحلف الغريم مع شهادته ويأخذ مائة وتكون المائة الباقية بين الابنين) وانما لزم المقر نصف المائة لانه يرث نصف التركة فيلزمه نصف الدين لانه يقدر ميراثه ولو لزمه جميع الدين لم تقبل شهادته على أحد لكونه يدفع عن نفسه ضررا ولانه يرث نصف التركة فلزمه نصف الدين كما لو ثبت ببينة أو باقرار الميت

[ 335 ]

(مسألة) (وان خلف ابنين وعبدين متساوي القيمة لا يملك غيرهما فقال أحد الابنين أبي أعتق هذا وقال الآخر بل أعتق هذا عتق من كل واحد ثلثه وصار لكل ابن سدس العبد الذي أقر بعتقه ونصف الآخر، وان قال أحدهما أبي أعتق هذا وقال الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من هو منهما أقرع بينهما فان وقعت على من اعترف الابن بعتقه عتق ثلثاه ان لم يجيزا عتقه كاملا وان وقعت على الآخر كان حكمه كما لو عين العتق في العبد سواء). هذه المسألة محمولة على أن العتق كان في مرض الموت الخوف أو بالوصية لانه لو أعتقه في صحته عتق كله ولم يقف على اجازة الورثة، فإذا اعترفا أنه عتق أحدهما في مرضه لم يخل من أربعه أحوال (أحدها) أن يعينا العتق في أحدهما فيعتق منه ثلثاه لان ذلك ثلث جميع ماله الا أن يجيزا عتق جميعه فيعتق (الثاني) أن يعين كل منهما العتق في واحد غير الذي عينه أخوه فيعتق من كل واحد ثلثه لان كل واحد منهما حقه نصف العبدين فيقبل قوله في عتق حقه من الذي عينه وهو ثلثا النصف الذي له وذلك الثلث ولا نه يعترف بحرية ثلثيه فيقبل قوله في حقه منهما وهو الثلث ويبقى الرق في ثلثه فله النصف وهو السدس ونصف العبد الذي ينكر عتقه (الثالث) ان يقول أحدهما أبي أعتق هذا ويقول الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما فتقوم القرعة مقام تعيين الذي لم يعين فان وقعت على الذي عينه أخوه عتق ثلثاه كما لو عيناه بقولهما وإن

[ 336 ]

وقعت على الآخر كما لو عين كل واحد منهما عبدا يكون لكل واحد منهما سدس العبد الذي عينه ونصف العبد الذي ينكر عتقه ويصير ثلث كل واحد من العبدين حرا (الرابع) أن يقولا أعتق أحدهما ولا ندري من منهما فانه يقرع بين العبدين فمن وقت له القرعة عتق ثلثاه ان لم يجيزا عتق جميعه وكان الآخر رقيقا (فصل) فان رجع الابن الذي جهل عين العتق فقال قد عرفته قبل القرعة فهو كما لو عينه ابتداء من غير جهل وإذا كان بعد القرعة فوافقها تعيينه لم يتغير الحكم وان خالفها عتق من الذي عينه ثلثه بتعيينه فان عين الذي عينه أخوه عتق ثلثاه وان عين الآخر عتق منه ثلثه وهل يبطل العتق في الذي عتق بالقرعة على وجهين (باب الاقرار بالمجمل) (إذا قال له علي شئ أو كذا قيل له فسر فان أبي حبس حتى يفسر فان مات أخذ وارثه بمثل ذلك ان خلف الميت شيئا يقضى منه وإلا فلا) وجملة ذلك أنه إذا قال لفلان علي شئ أو كذا صح اقراره ولزمه تفسيره بغير خلاف، ويفارق

[ 337 ]

الدعوى حيث لا تصح بالمجهول لكون الدعوى له والاقرار عليه فلزمه ما عليه مع الجهالة دون ماله ولان المدعي إذا لم يصحح دعواه فله داع إلى تحريرها والمقر لا داعي له إلى التحرير ولا يمكن رجوعه عن اقراره فيضيع حق المقر له فألزمناه إياه مع الجهالة فان امتنع من تفسيره حبس حتى يفسر وقال القاضي يجعل ناكلا يؤمر المقر له بالبيان فان بين شيئا فصدقه المقر ثبت وان كذبه وامتنع من البيان قيل له ان بينت وإلا جعلناك ناكلا وقضينا عليك وهذا قول الشافعي إلا أنهم قالوا ان بنت وإلا أحلفنا المقر له على ما يدعيه وأو جبناه عليك فان فعل وإلا أحلفنا المقر له واوجبناه على المقر، ووجه الاول أنه ممتنع من حق عليه فحبس به كما لوعينه وامتنع من أدائه، ومع ذلك فمتى عينه المدعي وادعاه فنكل المقر فهو على ما ذكروه فان مات من عليه الحق أخذ وارثه بمثل ذلك لان الحق ثبت على موروثهم فتعلق بتركته وقد صارت إلى الورثة فلزمهم ما لزم موروثهم كما لو كان الحق معينا، وان لم يخلف الميت تركة. فلا شئ لى الورثة لانهم ليس عليهم وفاء دين الميت إذا لم يخلف تركة كما لا يلزمهم في حياته، وذكر صاحب المحرر رواية ان الوارث ان صدق موروثه في اقراره أخذ به وإلا فلا والصحيح الاول قال وعندي ان أبى الوارث أن يفسر وقال لاعلم لي بذلك حلف ولزمه من التركة ما يقع عليه الاسم فيما إذا وصى لفلان بشئ ويحتمل أن يكون حكم المقر كذلك إذا حلف أن لا يعلم كالوارث (مسألة) (وان فسره بحق شفعة أو مال قبل وان قل وان فسره بمال كقشر جوزة أو ميتة أو

[ 338 ]

خمر لم يقبل وان فسره بكلب أو حد قذف فعلى وجهين) متى فسر المقر اقراره بما يتمول عادة قبل تفسيره ويثبت الا أن يكذبه المقر له ويدعي جنسا آخر أولا يدعي شيئا فيبطل اقراره، وان فسره بمالا يتمول عادة كقشر جوزة أو قشر باذنجانة لم يقبل تفسيره لان اقراره اعترف بحق عليه ثابت في ذمته وهذا لا يثبت في الذمة وكذلك ان فسره بما ليس بمال في الشرع كالخمر والميتة، وان فسره بكلب لا يجوز اقتناؤه فكذلك، وان فسره بكلب يجوز اقتناؤه أو جلد ميتة غير مدبوغ ففيه وجهان (أحدهما) يقبل لانه شئ يجب رده وتسليمه إليه فالايجاب يتناوله (والثاني) لا يقبل لان الاقرار إخبار عما يجب ضمانه وهذا لا يجب ضمانه، وان فسره بحبة حنطة أو شعير ونحوها لم يقبل لانه هذا لا يتمول عادة على انفراده، وان فسره بحد قذف قبل لانه حق يجب عليه وفيه وجه آخر أنه لا يقبل لانه لا يؤول إلى مال والاول أصح لان ما يثبت في الذمة يصح ان يقال هو علي ويصح تفسيره بحق شفعة لانه حق واجب ويؤول إلى المال وان فسره برد السلام أو تشميت العاطس ونحوه لم يقبل لانه يسقط بفواته ولا يثبت في الذمة وهذا الاقرار يدل على ثبوت الحق في الذمة ويحتمل أن يقبل تفسيره إذا أراد حقا علي رد سلامه إذا سلم وتشميته إذا عطس لما روي في الخبر (للمسلم على المسلم ثلاثون حقا يرد سلامه ويشمت عطسته ويجب دعوته) (مسألة) (وان قال غصبت منه شيئا ثم فسره بنفسه أو ولده لم يقبل) لان الغصب لا يثبت عليه

[ 339 ]

وان أراد أني حبستك وسجنتك قبل ذكره في المحرر وان فسره بما ليس بمال مما ينتفع به قبل لان الغصب يشتمل عليه كالكلب وجلد الميتة لانه قد يقهره عليه، وان فسره بمالا نفع فيه أو مالا يباح الانتفاع به لم يقبل لان أخذ ذلك ليس بغصب وهذا الذي ذكرناه في هذا الباب أكثره مذهب الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يقبل تفسير اقراره بغير المكيل والموزن لان غيرهما لا يثبت في الذمة بنفسه. ولنا أنه مملوك يدخل تحت العقد فجازأن يفسر به الشئ في الاقرار كالمكيل والموزون ولانه يثبت في الذمة في الجملة فصح التفسير به كالمكيل ولا عبرة بسبب ثبوته في الاخبار به والاخبار عنه (فصل) تقبل الشهادة على الاقرار بالمجهول لان الاقرار به صحيح وما كان صحيحا في نفسه صحت الشهادة به كالمعلوم (مسألة) (وان قال له علي مال عظيم أو خطير أو كثير أو جليل قبل تفسيره بالكثير والقليل) كما لو قال له على مال ولم يصفه وهذا قول الشافعي وحكي عن أبي حنيفة لا يقبل تفسيره باقل من عشرة لان يقطع به السارق ويكون صداقا عنده وعنه لا يقبل أقل من مائتي درهم وبه قال صاحباه لانه الذي تجب فيه الزكاة وقال بعض أصحاب مالك كقولهم في المال ومنهم من قال يزيد على ذلك أقل زيادة منهم من قال قدر الدية وقال الليث بن سعد اثنان وسبعون لان الله سبحانه وتعالى قال

[ 340 ]

(لقد نصر كم الله في مواطن كثيرة) وكانت غزواته وسراياه اثنتين وسبعين قالوا ولان الحبة لا تسمى مالا عظيما ولا كثيرا ولنا أن العظيم والكثير لاحد له في الشرع ولا اللغة ولا العرف ويختلف الناس فيه فمنهم من يستعظم القليل ومنهم من يستعظم الكثير ومنهم من يحتقر الكثير فلم يلبث في ذلك حد يرجع في تفسيره إليه ولانه ما من مال الا وهو عظيم كثير بالنسبه إلى ما دونه ويحتمل أنه أراد عظيما لفقر نفسه ودناءتها واما ما ذكروه فليس فيه تحديد الكثير وكون ما ذكروه كثيرا لايمنع الكثرة فيما دونه وقد قال الله تعالى (واذكروا الله كثيرا) فلم ينصرف إلى ذلك وقال تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة فلم يحمل على ذلك والحكم فيما إذا قال عظيم جدا أو عظيم كما لو لم يقله لما قررناه (فصل) وان اقر بمال قبل تفسيره بالقليل والكثير كالمسألة قبل هذا وبهذا قال الشافعي وقال ابو حنيفة لا يقبل تفسيره بغير المال الزكوي لقول الله سبحانه (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وقوله (وفي اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) وحكي بعض اصحاب مالك عنه ثلاثة اوجه الاول كقولنا والثاني لا يقبل الافي اول نصاب من نصب الزكاة من نوع اموالهم والثالث ما يقطع به السارق ويصح مهرا لقول الله تعالى (لن تبتغوا بأموالكم)

[ 341 ]

ولنا ان غير ما ذكروه يقع عليه اسم المال حقيقة وعرفا ويتمول عادة فيقبل تفسيره به كالذي وافقوا عليه واما آية الزكاة فقد دخلها التخصيص وقوله تعالى (في أموالهم حق) لم يرد بها الزكاة لانها نزلت بمكة قبل قرض الزكاة فلا حجة لهم فيها ثم يرد قوله تعالى (ان تبتغوا بأموالكم) والترويج جائز بأي نوع كان من المال وبما دون النصاب (مسألة) (وان قال له علي دراهم كثيرة قبل تفسيره بثلاثة فصاعدا) اما إذا قال له علي دراهم لزمه ثلاثة لانها اقل الجمع، وان قال له دراهم كثيرة أو وافرة أو عظيمة لزمته ثلاثة ايضا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقبل تفسيره بأقل من عشرة لانها أقل جمع الكثرة وقال ابو يوسف لا يقبل اقل من مائتين لان بها يحصل الغنى وتجب الزكاة ولنا أن الكثرة والعظمة لا حد لها شرعا ولا لغة ولاعرفا وتختلف بالاوصاف وأحوال الناس فالثلاثة اكثر مما دونها وأقل مما فوقها ومن الناس من يستعظم اليسير ومنهم من لا يستعظم الكثير ويحتمل أن المقر أراد كثيرة بالنسبة إلى ما دونها أو كبيرة في نفسه فلا تجب الزدياة بالاحتمال (مسألة) (وان قال له علي كذا درهم أو كذا وكذا درهم أو كذا كذا درهم بالرفع لزمه درهم) لان تقديره شئ هو درهم وان قال بالخفض لزمه بعض درهم لان كذا يحتمل أن يكون جزءا

[ 342 ]

مضافا إلى درهم ويرجع في تفسيره إليه إذا فسره بذلك لانه محتمل (مسألة) (وان قال كذا درهما بالنصب لزمه درهم) ويكون منصوبا على التمييز (مسألة) (وان قال كذا وكذا درهما بالنصب فقال ابن حامد والقاضي يلزمه درهم) لان الدرهم الواحد يجوز أن يكون تفسيرا لشيئين كل واحد بعض درهم (وقال أبو الحسن التميمي يلزمه درهمان) لانه ذكر جملتين فسرهما بدرهم فيعود التفسير إلى كل واحدة منهما (كقوله عشرون درهما) إذا قال كذا ففيه ثلاث مسائل (أحدها) أن يقول كذا بغير تكرير ولا عطف (الثانية) أن يكرر بغير عطف (الثالثة) أن يعطف فيقول كذا وكذا: فأما الاولى فإذا قال له علي كذا درهم لم يخل من أربعة أحوال (أحدها) ان يقول له علي كذا درهم بالرفع فيلزمه درهم وتقديره شئ هو درهم فجعل الدرهم بدلامن كذا (الثاني) ان يقول درهم بالجر فيلزمه جزء درهم يرجع في تفسيره إليه والتقدير جزء درهم أو يعض درهم ويكون كذا كناية عنه (الثالث) أن يقول درهما بالنصف فيلزمه درهم ويكون منصوبا على التفسير وهو التمييز وقال بعض النحويين هو منصوب على القطع كانه قطع ما ابتدأ به وأقر بدرهم وهذا على قول الكوفيين (الرابع) أن يذكره بالوقف فيقبل تفسيره بجزء درهم أيضا لانه يجوز أن يكون أسقط حركة

[ 343 ]

الجر للوقف وهذا مذهب الشافعي وقال القاضي يلزمه درهم في الحالات كلها وهو قول بعض أصحاب الشافعي. ولنا ان كذا اسم مبهم فصح تفسيره بجزء درهم في حال الجر والوقف (المسألة الثانية) (إذا قال كذا كذا بغير عطف فالحكم فيها كالحكم في كذا بغير تكرير سواء) لا يتغير ولا يقتضي تكريره الزيادة كأنه قال شئ مشئ ولانه إذا قاله بالجر احتمل أن يكون قد أضاف جزءا إلى جزء ثم أضاف الجزء الاخير إلى الدرهم فقال نصف سبع درهم وهكذا لو قال كذا كذا لانه يحتمل أن يرد ثلث خمس تسع درهم ونحوه (المسألة الثالثة) (إذا عطف فقال كذاوكذا درهم بالرفع لزمه درهم واحد) لانه ذكر شيئين ثم أبدل منهما درهما فصار كأنه قال هما درهم، وان قال درهما بالنصب ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يلزمه درهم واحد وهو قول أبي عبد الله بن حامد والقاضي لان كذا يحتمل أقل من درهم فإذا عطف عليه مثله ثم فسرهما بدرهم واحد جاز وكان كلاما صحيحا وهذا يحكي قولا للشافعي (الثاني) يلزمه درهمان وهو اختيار أبي الحسن التميمي لانه ذكر جملتين فإذا فسر ذلك بدرهم عاد التفسير إلى كل واحد كقوله عشرون درهما يعود النفسير إلى العشرين كذا ههنا وهذا يحكي قولا ثابنا للشافعي (الثالث) يلزمه أكثر من درهم ولعله ذهب إلى ان الدرهم تفسير للجملة التي تليه فيلزمه بها درهم والاولى باقية على ابهامها فيرجع في تفسيرها إليه وهذا يشبه قول التميمي، وقال محمد بن الحسن إذا قال كذا درهما لزمه عشرون درهما لانه أقل

[ 344 ]

عددا يفسر بالواحد المنصوب، وان قال كذا كذا درهما لزمه أحد عشر درهما لانه أقل عدد مركب يفسر بالواحد المنصوب، وان قال كذا وكذا رهما لزمه أحد وعشرون درهما لانه أقل عدد عطف بعضه على بعض يفسر بذلك وان قال كذا درهم بالجر لزمه مائة لانه أقل عدد يضاف إلى الواحد وحكي عن أبي يوسف أنه قال كذا كذا أو كذا وكذا يلزمه بهما أحد عشر درهما ولنا أنه يحتمل ما قلنا ويحتمل ما قالوا فوجب المصير إلى ما قلنا لانه اليقين وما زاد مشكوك فيه فلا يجب بالشك كما لو قال علي دراهم لم يلزمه إلا أقل الجمع ولا يلزم كثرة الاستعمال فان اللفظ إذا كان حقيقة في الامرين جاز التفسير بكل واحد منهما، وعلى ما ذكره محمد يكون اللفظ المفرد يوجب أكثر من المكرر فانه يجب بالمفرد عشرون وبالمركب أحد عشر ولا نعرف لفظا مفردا متناولا لعدد صحيح يلزم به أكثر مما يلزم بمكرره (مسألة) (وان قال له علي الف رجع في تفسيره إليه فان فسره باجناس قبل منه) لانه يحتمل ذلك (مسألة) (وان قال له علي الف ودرهم أو الف ودينار أو الف وثوب أو فرس أو درهم وألف أو دينار والف فقال ابن حامد والقاضي الالف من جنس ما عطف عليه) وبه قال أبو ثور وقال التميمي وأبو الخطاب يرجع في تفسير الالف إليه لان الشئ يعطف على غير جنسه قال الله تعالى (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) ولان الالف مبهم فيرجع

[ 345 ]

في تفسيره إلى المقر كما لو لم يعطف عليه، وقال أبو حنيفة ان عطف على المبهم مكيلا أو موزونا كان تفسيرا له، وان عطف مذروعا أو معدودا لم يكن تفسيرا لان علي للايجاب في الذمة فإذا عطف عليه ما يثبت في ذمته بنفسه كان تفسيرا له كقوله مائة وخمسون درهما ولنا أن العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الاخرى قال الله تعالى (ولبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا) وقال تعالى (عن اليمين وعن الشمال قعيد) ولانه ذكر مبهما مع تفسير لم يقم الدليل على انه من غير جنسه فكان المبهم من جنس المفسر كما لو قال مائة وخمسون درهما أو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، يحققه أن المبهم يحتاج إلى التفسير وذكر التفسير في الجملة المقارنة له يصلح أن يفسره يوجب حمل الامر على ذلك، وأما قوله أربعة أشهر وعشرا فانه امتنع أن تكون العشر أشهر الوجهين (أحدهما) أن العشر بغير هاء عدد للمؤنث والاشهر مذكرة فلا يجوز أن تعد بغير هاء (والثاني) أنها لو كانت أشهرا لقال أربعة عشر شهرا بالتركيب لا بالعطف كما قال (عليها تسعة عشر) وقولهم إن الالف مبهم قلنا قرن به ما يدل على تفسيره فأشبه مالو قال مائة وخمسون درهما أو مائة ودرهم عند أبي حنيفة فان قيل إذا قال مائة وخمسون درهما فالدرهم ذكر للتفسير ولهذا لا يراد به العدد فصلح تفسير الجميع ما قبله بخلاف قوله مائة ودرهم فانه ذكر الدرهم للايجاب لا للتفسير بدليل أنه زاد به العدد قلنا هو صالح للايجاب والتفسير معا والحاجة داعية إلى التفسير فوجب حمل الامر على ذلك صيانة لكلام المقر عن الالباس والابهام وصرفا له إلى البيان والافهام، وقول أبي حنيفة إن علي للايجاب قلنا فمتى عطف ما يجب بها على ما لا يجب وكان أحدهما مبهما والآخر مفسرا وأمكن تفسيره به وجب ان يكون المبهم من جنس المفسر، فاما ان لم يكن من جنس المفسر مثل أن يعطف عدد المذكر

[ 346 ]

على المؤنث أو بالعكس ونحو ذلك فلا يكون أحدهما من جنس الآخر ويبقى المبهم على ابهامه كما لو قال له أربعة دراهم وعشر (مسألة) (وان قال له علي الف وخمسون درهما أو خمسون والف درهم فالجميع دراهم) ويحتمل على قول التميمي ان يرجع في تفسير الالف إليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي وكذلك ان قال الف وثلاثة دراهم أو مائة والف درهم والصحيح الاول فان الدرهم المفسر يكون تفسيرا لجميع ما قبله من الجمل المبهمة وجنس العدد قال الله تعالى مخبرا عن أحد الخصمين أنه قال (ان هذا أخي له تسع وتسعون تعجة) وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال عنترة: فيهان اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية العراب الاسحم ولان الدرهم ذكر تفسيرا ولهذا لا يجب به زيادة على العدد المذكور فكان تفسيرا لجميع ما قبله ولانها تحتاج إلى تفسير وهو صالح لتفسيرها فوجب جمله على ذلك وهذا المعنى موجود في قوله الف وثلاثة دراهم وسائر الصور المذكورة، فعلى قول من لا يجعل المجمل من جنس المفسر لو قال بعتك هذا بمائة وخمسين درهما أو بخمسة وعشرين درهما لا يصح وهو قول شاذ ضعيف لا يعول عليه وان قال له علي الف درهم الا خمسين فالمستثنى دراهم لان العرب لا تستثني في الاثبات إلا من الجنس (مسألة) (وهذا اختيار ابن حامد والقاضي وقال أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب يكون الالف مبهما يرجع في تفسيره إليه وهو قول مالك والشافعي) لان الاستثناء عندهما يصح من غير الجنس ولان لفظه في الالف مبهم والدرهم لم يذكر تفسيرا له فبقى على ابهامه.

[ 347 ]

ولنا أنه لم يرد عن العرب الاستثناء في الاثبات الا من الجنس فمتى علم أحد الطرفين علم ان الآخر من جنسه كما لو علم المستثنى منه وقد سلموه علته تلازم المستثنى والمستثنى منه في الجنس فما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر فعلى قول ابي الحسن التميمي وأبي الخطاب يسئل عن المستثنى فان فسره بغير الجنس بطل الاستثناء وعلى قول غيرهما ينظر في المستثنى ان كان مثل المستثنى منه أو اكثر يبطل في الاصح (فصل) وان قال له تسعة وتسعون درهما فالجميع دراهم ولا أعلم فيه خلافا وكذلك ان قال مائة وخمسون درهما وخرج بعض أصحابنا وجها أنه لا يكون تفسيرا الا لما يليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي (مسألة) (وان قال له في هذا العبد شركة أو هو شريكي فيه أو هو شركة بينهما رجع إلى تفسير نصيب الشريك إليه) وقال أبو يوسف يكون مقرا بنصفه لقول الله تعالى (فهم شركاء في الثلث) فاقتضى ذلك التسوية بينهم كذا ههنا. ولنا ان أي جزء كان له منه فله فيه شركة فكان له تفسيره بما شاء كالنصف وليس اطلاق لفظ الشركة على ما دون النصف مجازا ولا مخالفا للظاهر والآية ثبتت التسوية فيها بدليل آخر، وكذلك الحكم إذا قال هذا العبد شركة بيننا وان قال له فيه سهم فكذلك وقال القاضي يحمل على السدس كالوصية (مسألة) (وان قال له علي اكثر من مال فلان قيل له فسرفان فسره باكثر منه قدر اقبل وان قال أردت أكثر بقاء نفعا لان الحلال أنفع من الحرام قبل قوله مع يمينه) سواء علم مال فلان أو جهله أو ذكر قدره أولم يذكره أما إذا فسره باكثر منه قدرا فانه يقبل تفسيره ويلزمه اكثر منه وتفسر الزيادة بما يريد من قليل أو كثير ولو حبة حنطة، ولو قال ما علمت لفلان اكثر من كذا وقامت البينة بأكثر منه لم يلزمه

[ 348 ]

اكثر مما اعترف به لان مبلغ المال حقيقة لا تعرف في الاكثر وقد يكون ظاهرا وباطنا يملك ما يعرفه المقر فكان المرجع إلى ما اعتقده المقر مع يمينه إذا ادعى عليه اكثر منه وان فسره بأقل من ماله مع علمه بماله لم يقبل، وقال أصحابنا يقبل تفسيره بالكثير والقليل وهو مذهب الشافعي سواء علم مال فلان أو جهله أو ذكر قدره أولم يذكره أو قاله عقيب الشهادة بقدره أولا لانه لا يحتمل انه اكثر منه بقاء أو منفعة أو بركة لكونه من الحلال أو لانه في الذمة، قال القاضي ولو قال لي عليك الف دينار فقال لك علي أكثر من ذلك لم يلزمه اكثر منها لان لفظة أكثر مبهمة لاحتمالها ما ذكرنا ويحتمل أنه أراد أكثر منه فلوسا أو حبة حنطة أو شعير أو دخن فيرجع في تفسيرها إليه وهذا بعيد فان لفظة أكثر انما تستعمل حقيقة في العدد أو في القدر وينصرف إلى جنس ما أضيف اكثر إليه لا يفهم في الاطلاق غير ذلك قال الله تعالى (كانوا اكثر منهم) وأخبر عن الذي قال (أنا اكثر منك مالا وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا) والاقرار يؤخذ فيه بالظاهر دون مطلق الاحتمال، ولهذا لو أقر بدراهم لزمه أقل الجمع جيادا صحاحا وازنة حالة ولو قال له علي دراهم لم يقبل تفسيرها بالوديعة ولو رجع إلى مطل الاحتمال سقط الاقرار واحتمال ما ذكروه أبعد من هذه الاحتمالات التي لم يقبلوا تفسيره بها فلا يعول على هذا (مسألة) (ولو ادعى عليه ينا فقال لفلان علي اكثر ممالك، وقال أردت التهزئ لهما لزمه ويرجع في تفسيره إليه في أحد الوجهين) وفي الآخر لا يلزمه شئ لانه أقر لفلان بحق موصوف بالزيادة على مال المدعي فيجب عليه ما أقربه لفلان ويجب للمدعي حق لان لفظه يقتضي أن يكون له شئ، وفي الآخر لا يلزمه شئ لانه يجوز ان يكون أراد حقك علي اكثر من حقه والحق لا يختص بالمال

[ 349 ]

(فصل) إذا قال له علي الف إلا شيئا قبل تفسيره باكثر من خمسمائة لان الشئ يحتمل الكثير والقليل لكن لا يجوز استثناء الاكثر فيتعين حمله على ما دون النصف، وكذلك ان قال إلا قليلا لانه مبهم فأشبه قوله إلا شيئا وان قال له علي معظم الف أو جل الف أو قريب من الف لزمه أكثر من نصف الالف ويحلف على الزيادة ان ادعيت عليه (فصل) وان قال له علي ما بين درهم وعشرة لزمته ثمانية لان ذلك ما بينهما وان قال من درهم إلى عشرة ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يلزمه تسعة وهذا يحكى عن أبي حنيفة لان من لابتداء الغاية وأول الغاية منها وإلى لانتهاء الغاية فلا تدخل فيها كقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (والثاني) تلزمه ثمانية لان الاول والعاشر حدان فلا يدخلان في الاقرار ويلزمه ما بينهما كالتي قبلها. (والثالث) تلزمه عشرة لان العاشر أحد الطرفين فيدخل فيها كالاول وكما لو قال قرأت القرآن من أوله إلى آخره، وان قال أردت بقولي من واحد إلى عشرة مجموع الاعداد كلها أي الواحد والاثنان كذلك إلى العشرة لزمه خمسة وخمسون درهما واختصار حسابه أن تزيد أول العدد وهو واحد على العشرة فيصير أحد عشر ثم اضربها في نصف العشرة فما بلغ فهو الجواب (مسألة) (وان قال له علي درهم فوق درهم أو تحت درهم أو فوقه أو تحته أو قبله أو بعده أو معه درهم أو درهم ودرهم أو درههم بل درهمان أو درهمان بل درهم لزمه درهمان) إذا قال له علي درهم فوق درهم أو تحت درهم أو معه درهم أو مع درهم فقال القاضي يلزمه درهم وهو أحد قولي الشافعي لانه يحتمل فوق درهم في الجودة أو فوق درهم لي وكذلك تحت درهم، وقوله معه درهم يحتمل معه درهم لي وكذلك مع درهم فلم يجب الزائد بالاحتمال، وقال أبو الخطاب يلزمه درهمان وهو القول الثاني للشافعي لان هذا اللفظ يجري مجرى العطف لكونه يقتضي ضم درهم آخر لايه وقد ذكر ذلك في سياق الاقرار

[ 350 ]

فالظاهر انه اقرار، ولان قوله علي يقتضي في ذمتي وليس للمقر في ذمة نفسه درهم مع درهم المقر له ولا فوقه ولا تحته فانه لا يثبت للانسان في ذمة نفسه شئ، وقال أبو حنيفة واصحابه ان قال فوق درهم لزمه درهمان لان فوق يقتضي في الظاهر الزيادة وان قال تحت درهم لزمه درهم لان تحت يقتضي النقص. ولنا ان حمل كلامه على معنى العطف فلا فرق بينهما وان حمل على الصفة للدرهم المقر به وجب أن يكون المقر به درهما واحدا سواء ذكره بما يقتضي زيادة أو نقصا، وان قال له علي درهم قبله درهم أو بعده درهم لزمه درهمان فان قال قبله درهم وبعده درهم لزمه ثلاثة لان قبل وبعد تستعمل للتقديم والتأخير (مسألة) (وإن قال له علي درهم ودرهم أو درهم فدرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان) وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وذكر القاضي وجها فيما إذا قال درهم فدرهم وقال أردت درهم فدرهم لازم لي أنه يقبل منه وهو قول الشافعي لانه يحتمل الصفة ولنا أن الفاء أحد حروف العطف الثلاثة فأشبهت الواو وثم ولانه عطف شيئا على شئ بالفاء فاقتضى ثبوتهما كما لو قال انت طالق فطالق وقد سلمه الشافعي، وما ذكروه من احتمال الصفة بعيد لا يفهم حالة الاطلاق فلا يقبل تفسيره به كما لو فسر الدراهم المطلقة بانها زيوف أو صغار أو مؤجلة، وان قال له علي درهم ودرهم ودرهم لزمته ثلاثة وحكى ابن ابي موسى عن بعض اصحابنا انه إذا قال اردت بالثالث تأكيد الثاني وبيانه انه يقبل وهو قول بعض اصحاب الشافعي لان الثالث في لفظ الثاني وظاهر مذهبه انه تلزمه الثلاثة لان الواو للعطف وهو يقتضي المغايرة فوجب ان يكون الثالث غير الثاني كما كان الثاني غير الاول والاقرار لا يقتضي تأكيدا فوجب حمله على العدد، وكذلك الحكم

[ 351 ]

إذا قال علي درهم فدرهم اودرهم ثم درهم ثم درهم فان قال له علي درهم ودرهم ثم درهم أو درهم فدرهم ثم درهم أو درهم ثم درهم فدرهم لزمته الثلاثة وجها واحدا لان الثالث مغاير للثاني لاختلاف حرفي العطف الداخلين فلم يحتمل التأكيد (مسألة) (فان قال له علي درهم بل درهمان أو درهم لكن درهمان لزمه درهمان وبه قال الشافعي وقال زفر وداود تلزمه ثلاثة لان بل للاضراب فلما اقر بدرهم واضرب عنه لزمه لانه لا يقبل رجوعه عما اقر به ولزمه الدرهمان اللذان اقربهما ولنا انه إنما نفى الاقتصار على واحد واثبت الزيادة عليه فأشبه مالو قال له علي درهم بل اكثر فانه لا يلزم اكثر من اثنين. (مسألة) (وان قال له علي درهمان بل درهم أو درهم لكن درهم فهل يلزمه درهم أو درهمان؟ على وجهين) ذكرهما ابو بكر (احدهما) يلزمه درهم واحد لان احمد قال فيمن قال لامرأته أنت طالق بل أنت طالق انها لا تطلق إلا واحدة وهذا مذهب الشافعي لانه اقر بدرهم مرتين فلم يلزمه اكثر من درهم كما لو اقر بدرهم ثم انكره ثم قال بل علي درهم، ولكن للاستدراك فهي في معنى بل إلا ان الصحيح انها لا تستعمل إلا بعد الجحد إلا أن يذكر بعدها الجة (والوجه الثاني) يلزمه درهمان ذكره ابن أبي موسى وأبو بكر عبد العزيز ويقتضيه قول زفر وداود لان ما بعد الاضراب يغاير ما قبله فيجب أن يكون الدرهم الذي أضرب عنه غير الدرهم الذي اقربه بعده فيجب الاثبات كما لو قال له علي درهم بل دينار ولان بل من حروف العطف والمعطوف غير المعطوف عليه فوجبا جميعا كما لو قال له علي درهم ودرهم ولانا لو لم نوجب عليه الادرهما جعلنا كلامه لغوا واضرابه غير مفيد والاصل في كلام العاقل أن يكون مفيدا.

[ 352 ]

(مسألة) (ولو قال له علي هذا الدرهم بل هذان الدرهمان لزمته الثلاثة) لا نعلم في ذلك خلافا لانه متى كان الذي أضرب عنه لا يمكن أن يكون المذكور بعده ولا بعضه مثل أن يقول له علي درهم بل دينار أو قفيز حنطة بل قفيز شعير لزمه الجميع لان الاول لا يمكن ان يكون الثاني ولا بعضه فكان مقرا بهما ولا يقبل رجوعه معن شئ منهما وكذلك كل جملتين اقر باحداهما ثم رجع إلى الاخرى لزماه (مسألة) (وان قال درهم في دينار لزمه درهم وان قال له علي درهم في عشرة لزمه درهم إلا ان يريد الحساب فيلزمه عشرة، اما إذا قال له عندي درهم في دينار فانه يسئل عن مراده فان قال اردت العطف أو معنى مع لزمه الدرهم والدينار وان قال اسلمته في دينار فصدقه المقر له بطل اقراره لان سلم أحد النقدين في الآخر لا يصح وان كذبه فالقول قول المقر له لان المقر وصل اقراره بما يسقطه فلزمه درهم وبطل قوله في دينار وكذلك ان قال له درهم في ثوب وفسره بالسلم أو قال في ثوب اشتريته منه إلى سنه فصدقه بطل اقراره لانه ان كان بعد التفرق بطل السلم وسقط الثمن وان كان قبل التفرق فالمقر بالخيار بين الفسخ والامضاء وان كذبه المقر له فالقول قوله مع يمينه وله الدرهم وأما إذا قال درهم في عشرة وقال أردت في عشرة لي لزمه درهم لانه يحتمل ما يقول وان قال أردت الحساب لزمه عشرة وان قال أردت مع عشرة لزمه أحد عشر لان كثيرا من العوام يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى فان كان من أهل الحساب احتمل أن لا يقبل لان الظاهر من الحساب استعمال الفاظه في معاينها في اصطلاحهم ويحتمل أن يقبل فانه لا يمتنع ان يستعمل اصطلاح العامة (مسألة) (وان قال هل عندي تمر في جراب أو سكين في قراب أو ثوب في منديل أو عبد عليه عمامة أو دابة عليها سرج فهل يكون مقرا بالمظروف دون الظرف؟ وجهان) (أحدهما) يكون مقرا بالمظروف دون الظرف وهذا اختيار ابن حامد ومذهب مالك والشافعي لان اقراره يتناول الظرف فيحتمل أن يكون في ظرف للمقر فلم يلزمه (والثاني) يلزمه الجميع لانه ذكر ذلك في سياق الاقرار فلزمه كما لو قال له علي خاتم فيه فص وكذلك ان قال غصبت منه ثوبا في منديل أو زيتا في زق، واختار شيخنا فيما إذا قال عبد عليه عمامة أن يكون مقرا بهما وهو قول أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة في الغصب يلزمه ولا يلزمه في بقية الصور لان المنديل يكون ظرفا للثوب فالظاهر انه ظرف له في حال الغصب فصار كانه قال غصبت ثوبا ومنديلا

[ 353 ]

ولنا أنه يحتمل ان يكون المنديل للغاصب وهو ظرف للثوب فيقول غصبت ثوبا في منديل ولو قال هذا لم يكن مقرا بغصبه فإذا أطلق كان محتملا له فلم يكن مقرا بغصبه كما لو قال غصبت دابة في اصطبلها (مسألة) (وان قال له عندي خاتم فيه فص فهو مقر بهما) لان الفص جزء من الخاتم فأشبه مالو قال له علي ثوب فيه علم ويحتمل أن يخرج على الوجهين فيكون مقرا بالخاتم وحده، وان قال فص في بالخاتم احتمل وجهين، فان قال له عندي خاتم وأطلق لزمه الخاتم بفصه لان اسم الخاتم بفصه لان اسم الخاتم يجمعهما وكذلك ان قال له علي ثوب مطرز لزمه الثوب بطرازه لما ذكرنا. (فصل) وان قال له عندي دار مفروشة أو دابة مسرجة أو عبد عليه عمامة ففيه أيضا وجهان ذكرناهما وقال أصحاب الشافعي تلزمه عمامة العبد دون السرج لان العبد يده على عمامته ويده كيد سيده ولا يد للدابة والدار. ولنا أن الظاهر أن سرج الدابة لصاحبها وكذلك لو تنازع رجلان سرجا على دابة أحدهما كان لصاحبها فهو كعمامة العبد فاما ان قال له عندي دابة بسرجها أو دار بفرشها أو سفينة بطعامها كمان مقرابهما بغير خلاف لان الباء تعلق الثاني بالاول (مسألة) (وان قال له علي درهم أو دينار لزمه أحدهما يرجع في تفسيره إليه) لان أو وإما في الخبر الشك وتقتضي أحد المذكورين لاهما فان قال له علي إما درهم وإما درهمان كان مقرا بدرهم والثاني مشكوك فيه فلا يلزم بالشك

[ 354 ]

كتاب العارية وهي مشتقة من عار الشئ إذا ذهب وجاء ومنه قيل للبطال عيار لتردده في بطالته، والعرب تقول أعاره وعاره مثل أطاعه وطاعه، وهي اباحة الانتفاع بعين من أعيان المال، والاصل فيها الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى ويمنعون الماعون روي عن ابن عباسن وابن مسعود قالا العوراي وفسرها ابن مسعود قال القدر والميزان والدلو. واما السنة فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في خطبته في حجة الوداع (العارية مؤداة والمنحة مزدودة والدين مقتضي والزعيم غارم) قال الترمذي حديث حسن غريب وروى صفوان بن امية ان النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين فقال أغصبا يا محمد؟ قال (بل عارية مضمونة) رواه ابو داود واجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها ولانه لما جازت هبة الاعيان جازت هبة المنافع ولذلك صحت الوصية بالاعيان والمنافع جميعا، وهي مندوب إليها غير واجبة في قول اكثر اهل العلم وقيل هي واجبة للآية ولما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (مامن صاحب ابل لايؤدي حقها) الحديث قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال (إعارة دلوها واطراق فحلها ومنحة لبنها يوم ورودها) فذم الله تعالى

[ 355 ]

مانع العارية وتوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكره في خبره ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك) رواه ابن المنذر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (ليس في المال حق سوى الزكاة) وفي حديث الاعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما ذا فرض الله على من الصدقة؟ أو قال الزكاة، قال هل على غيرها؟ قال (لا، إلا أن تتطوع شيئا) أو كما قال والآية فسرها ابن عمر والحسن بالزكاة وكذلك زيد بن اسلم وقال عكرمة إذا جمع ثلاثتها فله الويل إذا سها من الصلاة وراءى ومنع الماعون. (فصل) ولا تجوز إلا من جائز التصرف لانه تصرف في المال أشبه البيع وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها كقوله أعرتك هذا، أو يدفع إليه شيئا ويقول أبحتك الانتفاع به أو خذ هذا فانتفع به أو يقول أعرني هذا أو اعطنيه أركبه أو أحمل عليه فيسلمه إليه وأشباه هذا لانه اباحة للتصرف فصح بالقول والفعل الدال عليه كاباحة الطعام بقوله وتقديمه إلى الضيف. (مسألة) (وهي هبة منفعه تجوز في كل المنافع الا منافع البضع) تجوز اعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام كالدور والعيبد والجوارى والدواب والثياب والحلي للبس والفحل للضراب والكلب للصيد وغير ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم استعار ادراعا وذكر اعارة دلوها وفلها وذكر ابن مسعود عارية القدر والميزان فثبت الحكم في هذه الاشياء

[ 356 ]

وما عداها يقاس عليها إذا كان في معناها ولان ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك اباحته إذا لم يمنع منه مانع كالثياب ويجوز استعارة الدراهم والدنانير للوزن فان استعارها لينفقها فهو قرض وهذا قول اصحاب الرأي، وقيل لا يجوز ذلك ولا تكون العارية في الدنانير وليس له ان يشتري بها شيئا ولنا ان هذا معنى القرض فانعقد القرض به كما لو صرح به فأما منافع البضع فلا تستباح بالبذل ولا بالاباحة اجماعا وانما يباح بأحد شيئين الزوجية وملك اليمين قال الله سبحانه (والذين هم لفروجهم حافظهون * الاعلى ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) ولان منافع البضع لو ابيجت بالبذل والعارية لم يحرم الزنا لان الزانية تبذل نفعها له والزاني مثلها (مسألة) (ولا تجوز اعارة العبد المسلم لكافر) لانه لا يجوز تمكينه من استخدامه فلم تجز عاريته لذلك ولا تجوز اعارة الصيد لمحرم لانه لا يجوز له امساكه (مسألة) (ويكره اعارة الامة الشابة لرجل غير محرمها) ان كان يخلو بها وينظر إليها لانه لا يؤمن عليها فان كانت شوهاء أو كبيرة فلا بأس لانها لا يشتهى مثلها وتجوز اعارتها لامرأة ولذي محرمها لعدم ذلك، ولا تجوز اعارة العين لنفع محرم كاعارة الدر لمن يشرب فيها الخمر أو يبيعه أو يعصي الله تعالى فيها أو لااعارة عبد للزمر أو لسقيه الخمر أو يحملها إليه أو يعصرها ونحو ذلك لانه اعانة على المحرم (مسألة) (واستعارة والديه للخدمة) لانه يكره استخدامهما فكر استعارتهما لذلك

[ 357 ]

(مسألة) (وللمعير الرجوع فيها متى شاء ما لم يأذن في شغلها بشئ يستضر المستعير برجوعه) تجوز العارية مطلقه ومؤقته لانها اباحة فأشبهت اباحة الطعام وللمعير الرجوع فيها متى شاء سواء كانت مطلقه أو مؤقته وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك ان كانت مؤقته فليس له الرجوع قبل الوقت وان لم يوقت له مدة لزمه تركه مدة ينتفع بها في مثلها لان المعير قد ملكه المنفعة مدة وصارت العين في يده بعقد مباح فلم يملك الرجوع فيها بغير رضى المالك كالعبد الموصى بخدمته والمستأجر ولنا أن المافع المستقبلة لم تحصل في يده فلم يملكها بالاعارة كما لو لم تحصل العين في يده ولان المنافع انما تستوفى شيئا فشيئا فكلما استوفى منفعة فقد قبضها والذي لم يستوفه لم يقبضه فجاز الرجوع فيه كالهبة قبل القبض، وأما العبد الموصى بخدمته فلموصي الرجوع ولم يلمك الورثة الرجوع لان التبرع من غيرهم وأما المستأجر فهو مملوك بعقد معاوضة فيلزم بخلاف مسئلتنا، ويجوز للمستعير الرد متى شاء بغير خلاف نعلمه لانه اباحة فكان لمن أبيح له تركه كالباحة الطعام (مسألة) (فان أذن له في شغله بشئ يستضر المستعير برجوعه فيه لم يجز له الرجوع) لما فيه من اضرار بالمستعير مثل ان يعيره سفينة لحمل متاعه أو لوحا يرقع به سفينة فرقعها به ولحج في البحر لم يجز الرجوع ما دامت في لجة البحر لذلك وله الرجوع قبل دخولها في البحر وبعد الخروج منه لعدم الضرر (مسألة) (وان أعاره ارضا للدفن لم يرجع حتى يبلى الميت)

[ 358 ]

وله الرجوع فيها قبل الدفن وليس له الرجوع بعد الدفن حتى يصير الميت رميا قاله ابن البنا (مسألة) (وان اعاره حائط ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع مادام عليه) إذا أعاره حائطا ليضع عليه اطراف خشبه جاز كما تجوز اعارة الارض للغراس والبناء وله الرجوع قل الوضع وبعده ما لم بين عليه لانه لاضرر عليه فيه فان بنى عليه لم يجز الرجوع لما في ذلك من هدم البناء وإن قال أنا أدفع اليك ما ينقص بالقطع لم يلزم المستعير ذلك لانه إذا قلعه انقلع ما في ملك المستعير منه ولا يجب على المستعير قلع شئ من ملكه بضمان القيمة (مسألة) (وان سقط عنه لهدم أو غيره لم يملك رده) سواء بنى الحائط بآلة أو بغيرها لان العارية لا تلزم وإنما امتنع الرجوع قبل انهدامه لما فيه من الضرر بالمستعير بازالة المأذون في وضعه وقد زال ذلك بانهدامه وسواء زال الخشب عنه بذلك أو أزاله المستعير باختياره وكذلك لو زال الخشب والحائط بحاله (مسألة) (وان أعاره أرضا للزرع لم يرجع إلى الحصاد الا ان يكون مما يحصد قصلا فيحصده) إذا أعاره ارضا للزرع فله الرجوع ما لم يزرع فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها إلى ان ينتهي الزرع فان بذل المعير له قيمة الزرع ليمكله فلم يكن له ذلك نص عليه احمد لان له وقتا ينتهي إليه فان كان مما يحصد قصيلا فله الرجوع في وقت امكان حصاده لعدم الضرر فيه

[ 359 ]

(مسألة) (وإن أعارها للغراس والبناء شرط عليه القطع في وقت أو عند رجوعه ثم رجع لزمه القلع) لقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون على شروطهم) حديث صحيح ولان العارية مقيدة غير مطلقة فلم تتناول ما عدا المقيد لان المستعير دخل في العارية راضيا با لتزام الضرر الداخل عليه بالقطع وليس على صاحب الارض ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافا فاما تسوية الحفر فان كانت مشروطة عليه لزمه لما ذكرنا والا لم يلزمه لانه رضي بضرر القطع من الحفر ونحوه بشرط القلع (مسألة) (وإن لم يشترط لم يلزمه الا أن يضمن له المعير النقص) فإذا لم يشترط المعير القلع لم يلزم المستعير القلع لما فيه من الضرر عليه فان ضمن له النقص لزمه لانه رجوع في العارية من غير اضرار فان قلع فعليه تسوية الارض وكذلك ان اختار أخذ بنائه وغراسه فانه يملكه فملك نقله لان القلع باختياره لو امتنع منه لم يجبر عليه قلعه لاستخلاص ملكه من ملك غيره فلزمته التسوية كالشفيع إذا أخذ غرسه وقال القاضي لا يلزمه ذلك لان المعير رضي بذلك حيث أعاره مع علمه بان له قلع غرسه الذي لا يمكن الا بالحفر (مسألة) (فان أبى القلع في الحال التي لا يجبر عليه فيها فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء ليملكه أجبر المستعير عليه) كالشفيع مع المشتري والمؤجر مع المستأجر فان قال المستعير أنا أدفع قيمة الارض لتصير لي لم يلزم المعير لان الغراس والبناء تابع والارض أصل ولذلك يتبعها الغراس والبناء في البيع ولا تتبعهما وبهذا كله قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يطالب المستعير بالقلع من غير ضمان الا أن يكون أعاره مدة معلومة فرجع

[ 360 ]

قبل انقضائها لان المعير لم يغره فكان عليه القطع كما لو شرط عليه ولنا أنه بنى وغرس باذن المعير من غير شرط القطع فلم يلزمه القلع من غير ضمان كما لو طالبه قبل انقضاء الوقت وقولهم لم يغره ممنوع فان الغراس والبناء يراد للتبقية وتقدير المدة ينصرف إلى ابتدائه كانه قال لا تغرس بعد هذه المدة (مسألة) (فان امتنع المعير من دفع القيمة وارش النقص وامتنع المستعير من القلع ودفع الاجر لم يقلع) لان العارية تقتضي الانتفاع بغير ضمان والاذن فيما يبقى على الدوام وتضر ازالته رضى بالابقاء ولان قول النبي صلى الله عليه وسلم (ليس لعرق ظالم حق) مفهومه أن العرق الذي ليس بظالم له حق فبعد ذلك ان اتفقا على البيع بيعت الارض بغراسها وبنائها ودفع مالى كل واحد منهما قدر حقه فيقال كم قيمة الارض بلا غراس ولابناء فإذا قيل عشرة قلنا وكم تساوي مغروسة مبنية فان قالوا خمسة عشر فيكون للمعير ثلثا الثمن وللمستعير ثلثه (مسألة) (وان أبيا البيع ترك بحاله) وقلنا لهما انصرفا فلا حكم لكما عندنا (مسألة) (وللمعير النصرف في أرضه على وجه لا يضر بالشجر) وجملته أن للمعير التصرف في أرضه (مسألة) ودخولها والانتفاع بها كيف شاء بما لا يضر بالغراس والبناء ولا ينتفع بهما، وللمتسعير الدخول للسقي والاصلاح وأخذ الثمرة وليس. له الدخول لغير حاجة من التفرج ونحوه لانه قد رجع في الاذن له

[ 361 ]

ولان الاذن في الغرس اذن فيما يعود بصلاحه ولكل واحد منهما بيع ما يختص به مع الملك ومنفردا فيقوم المشترى مقام البائع، وقال بعض الشافعية ليس للمستعير البيع لان ملكه في الشجر والبناء غير مستقر لان للمير اخذه منه متى شاء بقيمته قلنا عدم استقراره لا يمنع بيعه بدليل الشقص المشفوع والصداق قبل الدخول (مسألة) (ولم يذكر اصحابنا اجرة من حين الرجوع في هذه المسائل) الا فيما إذا استعار ارضا فزرعها ورجع المعير فيها قبل كمال الزرع فعليه اجر مثلها من حين الرجوع لان الاصل جواز الرجوع وانما منع القلع لما فيه من الضرر ففي دفع الاجر جمع بين الحقين فيخرج في سائر السمائل مثل هذا، وفيه وجه آخر انه لا يجب الاجر في شئ من المواضع لان حكم العارية باق فيه لكونها صارت لازمة للضرر اللاحق بفسخها والاعارة تقتضي الانتفاع (مسألة) (وان غرس أو بنى بعد الرجوع أو بعد الوقت فهو غاصب يأتي حكمه) العارية تنقسم قسمين مطلقة ومؤقتة تبيح الانتفاع ما لم ينقضي الوقت لانه استباح ذلك بالاذن ففيها عدا محل الاذن يببقى على اصل المنع فان كان المعار ارضا لم يكن له ان يغرس ولا يبني ولا يزرع بعد الوقت أو الرجوع فان فعل شيئا من ذلك فهو غاصب يأتي حكمه في باب لغصب

[ 362 ]

(فصل) يجوز ان يستعير دابة ليركبها إلى موضع معلوم لان إجارتها جائزة والاعارة أوسع لجوازها فيما لا تجوز إجارته كالكلب للصيد، فان استعارها إلى موضع فجاوزه فقد تعدى وعليه أجر المثل للزائد خاصة وان اختلفا فقالا لمالك أعرتكها إلى فرسخ وقال المستعير إلى فرسخين فالقول قول المالك وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك ان كان يشبه ما قال المستعير فالقول قوله وعليه الضمان. ولنا ان المالك مدعى عليه فكان القول قوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ولكن اليمين على المدعى عليه) (مسألة) (وان حمل السيل بذرا إلى أرض فنبت فيها فهو لصاحبه) ولا يجبر على قعله وقال أصحاب الشافعي يجبر عليه في أحد الوجهين إذا طالبه رب الارض لان ملكه حصل في ملك غيره بغير إذنه فأشبه مالو انتشرت اغصان شجرته في هواء ملك غيره ولنا ان قلعه اتلاف للمال عنى مالكه ولم يوجد منه تفريط ولا يدوم ضرره فلا يجبر على ذلك كما لو حصلت دابته في دار غيره على وجه لا يمكن خروجها إلا بقلع الباب أو قتلها فانهلا يجبر على قتلها، ويفارق أغصان الشجرة فنه يدوم ضرره ولا يعرف قدر ما يشغل في الهواء فيؤدي أجره إذا ثبت هذا فانه يقر في الارض إلى حين حصاده بأجر مثله وقال القاضي لا أجر عليه لانه حصل في أرض غيره بغير تفريطه أشبه ما إذا باتت دابته في أرض إنسان بغير تفريطه والاول أولى لان الزامه

[ 363 ]

تبقية زرع ما أذن فيه في أرضه بغير أجر ولا انتفاع اضرار به وشغل لملكه بغير اختياره فلم يجز كما لو أراد ابقاء البهيمة في دار غيره عاما، ويفارق مبيتها لان ذلك لا يجبر المالك عليه ولا يمنع من إخراجها فإذا تركها اختيارا منه كان راضيا به بخلاف مسئلتنا ويكون الزرع لمالك البذر لانه عين ماله ويحتمل ان لصاحب الارض اخذه بقيمته كزرع الغاصب على ما نذكره والاول أولى لانه بغير عدوان وقد امكن جبر حق مالك الارض بدفع الاجر إليه، وان احب مالكه قعله فله ذلك وعليه تسوية الحفر وما نقصت لانه أدخل النقص على ملك غيره لا ستصلاح ملكه (مسألة) (وإن حمل السيل نوى غرس رجل فنبت في أرض غيره كالزيتون ونحوه فهو لمالك النوى) لانه من نماء ملكه فهو كالزرع ويجبر على قلعه ههنا لان ضرره يدوم فهو كأغصان الشجرة المنتشرة في هواء ملك غيره، وهل يكون كغرس الشفع أو كغرس الغاصب؟ على وجهين (احدهما) يكون كغرس الغاصب لانه حصل في ملك غيره بغير اذنه (الثاني) كغرس الشفيع لانه حصل في ملك غيره بغير تفريط منه ولا عدوان. (فصل) وان حمل السيل ارضا بشجرها فنبتت في أرض آخركما كانت فهي لمالكها يجبر على ازالتها كما ذكرنا وفي كل ذلك إذا ترك صاحب الارض المنتقلة أو الشجر أو الزرع ذلك لصاحب الارض التي انتقل إليها لم يلزمه نقله ولا اجره ولا غيره لانه حصل بغير تفريطه ولا عدوانه وكانت الخيرة

[ 364 ]

إلى صاحب الارض المشغولة به ان شاء أخذه لنفسه وان شاء قلعه. (فصل) قال رضي الله عنه (وحكم المستعير في استيفاء المنفعة حكم المستأجر) لانه ملك التصرف بقول المالك واذنه فأشبه المستأجر لانه ملكه باذنه فوجب ان يملك ما يقتضيه الاذن كالمتسأجر، فعلى هذا ان اعاره للغراس والبناء فله ان يزرع ما شاء وان استعارها للزرع لم يغرس ولم بين وان استعارها للغرس أو البناء ملك المأذن له فيه منها دون الآخر لان ضررهما مختلف، وكذلك إن استعارها لزرع الحنطة فله زرع الشعير وقد ذكرنا ذلك مفصلا في الاجارة وكذلك إن أذن له في زرع مرة لم يكن له أن يزرع أكثر منها وإن أذن له في غرس شجرة فانقلعت لم يملك غرس أخرى لان الاذن اختص بشئ لم يجاوزه. (فصل) ومن استعار شيئا فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله لان وكيله نائب عنه ويده كيده، وليس له أن يؤجره إلا أن يأذن فيه لانه لم يملك المنافع فلم يكن له أن يملكها ولا نعلم في هذا خلافا ولا خلاف بينهم ان المستعير لا يملك العين وأجمعوا على أن للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه (فصل) وليس له أن يرهنه بغير اذن مالكه، وله ذلك باذنه بشروط ذكرناها في باب الرهن ولا يصير المعير ضامنا للدين وقال الشافعي يصير ضامنا في رقبة عبده في أحد قوليه لان العارية ما يستحق به منعفة العين والمنفعة ههنا للمالك فدل على أنه ضمان

[ 365 ]

ولنا انه اعاره ليقضي منه حاجته فلم يكن ضامنا كسائر العواري وإنما يستحق بالعارية النفع المأذون فيه وما عداه من النفع فهو لمالك العين. (مسألة) (والعارية مضمونة بقيمتها يوم التلف وان شرط نفي ضمانها سواء تعدى المستعير فيها أولم يتعد) روى ذلك عن ابن عباس وأبى هريرة وهو قول الشافعي واسحاق، وقال الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة ومالك والاوزاعي وابن شبرمة: هي أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المستعير غير المغل ضمان) ولانه قبضها باذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة، قالوا وقول النبي صلى الله عليه وسلم (العارية مؤداة) يدل على أنه أمانة لقول الله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها). ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان بل عارية مضمونة، وروى الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ولانه أخذ ملك غيره لنفع نفعه منفردا بنفعه من غير استحقاق ولا اذن في الاتلاف فكان مضمونا كالمغصوب والمأخوذ على وجه السوم وحديثهم يرويه عمر بن عبد الجبار عن عبيد بن حسان عن عمرو بن شعيب وعمر وعيبد ضعيفان قاله الدار قطعي ويحتمل أنه أراد ضمان المنافع والاجر وقياسهم منقوض بالمقبوض على وجه السوم.

[ 366 ]

(فصل) وان شرط نفي الضمان لم يسقط وبه قال الشافعي وقال أبو حفص العكبري يسقط قال أبو الخطاب أو ما إليه احمد وبه قال قتادة والعنبري لانه لو أذن في اتلافها لم يجب ضمانها فكذلك إذا اسقط عنه ضمانها وقيل بل مذهب قتادة والعنبري انها لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها فيجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان (بل عارية مضمونة) ولنا ان كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد وما اقتضى الامانة فكذلك كالوديعة والشركة والمضاربة والذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم اخبار بصفة العارية وحكمها، وفارق ما إذا أذن في الاتلاف فان الاتلاف فعل يصح فيه الاذن ويسقط حكمه إذ لا ينعقد موجبا للضمان مع الاذن فيه واسقاط الضمان ههنا نفي للحكم مع وجود سببه وليس ذلك للمالك ولا يملك الاذن فيه (فصل) وتضمن بقيمتها يوم التلف إلا على الوجه الذي يجب فيه ضمان الاجزاء التالفة بالانتفاع المأذون فيه فانه يضمنها بقيمتها قبل تلف أجزائها ان كانت قيمتها حينئذ أكثر وان كانت أقل ضمنها بقيمتها يوم تلفها على الوجهين جميعا ويضمنها بمثلها ان كانت مثلية (مسألة) (وكل ما كان أمانة لا يصير مضمونا بشرطه لان مقتضى العقد كونه أمانة فإذا شرط ضمانه فقد التزم ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه كما لو اشترط ضمان الوديعة أو ضمان مال في يد

[ 367 ]

مالكه وما كان مضمونا لا ينتفي ضمانه بشرطه لان مقتضى العقد الضمان فإذا شرط نفي ضمانه لا ينتفي مع وجود سببه كما لو اشترط نفي ضمان ما يتعدى فيه وعن أحمد انه ذكر له ذلك فقال المؤمنون على شروطهم وهذا يدل على نفى الضمان بشرطه والاول ظاهر المذهب لما ذكرناه (مسألة) (وان تلفت أجزاؤها بالاستعمال كخمل المنشفة فعلى وجهين) وجملة ذلك ان المستعير إذا انتفع بالعارية ثم ردها على صفتها فلا شئ عليه لان المنافع مأذون في اتلافها فلا يجب عوضها وان تلف شئ من أجزائها التي لا تذهب بالاستعمال ضمنه لان ما تضمن جملته تضمن أجزاؤه كالمغصوب فأما أجزاؤها التي تذهب بالاستعمال كخمل المنشفة والقطيفة ففيه وجهان (أحدهما) يجب ضمانه لانه أجزاء عين مضمونة فوجب ضمانها كالمغصوب ولانها أجزاء يجب ضمانها لو تلفت العين قبل استعمالها فتضمن إذا تلفت وحدها كالاجزاء التي لا تتلف بالاستعمال (والثاني) لا يضمنها وبه قال الشافعي لان الاذن في الاستعمال تضمنه فلا يجب ضمانه كالمنافع وكمالو أذن في إتلافها صريحا وفارق ما إذا تلفت العين قبل استعمالها لانه لا يمكن تمييزها من العين ولانه إنما أذن في اتلافها على وجه الانتفاع فإذا تلفت قبل ذلك فقد فاتت على غير الوجه الذي أذن فيه فضمنها كما لو أجر العين المستعارة فانه يضمن منافعها فان قلنا لا يضمن الاجزاء فتلفت العين بعد ذهابها بالاستعمال قومت حال التلف لان الاجزاء التالفة تلفت غير مضمونة لكونها مأذونا في إتلافها فلا يجز تقويمها عليه وان قلنا تضمن الاجزاء قومت العين قبل

[ 368 ]

تلف أجزائها فان تلفت الاجزاء باستعمال غير مأذون فيه كمن استعار ثوبا ليلبسه فحمل فيه ترابا فانه يضمن نقصه ومنافعه لانه تلف بتعديه وان تلفت بغير تعد منه ولا استعمال كتلفها بمرور الزمان الطويل عليها ووقوع نار فيها ضمن ما تلف بالنار ونحوها لانه تلف لم يتضمنه الاستعمال المأذون فيه فهو كتلفها بفعل لم يأذن فيه وما تلف بطول الزمان كالذي تلف بالاستعمال لانه تلف بالامساك المأذون فيه فأشبه تلفه بالفعل المأذون فيه (فصل) ولا يجب ضمان ولد العارية في احد الوجهين لانه لم يدخل في الاعارة فلم يدخل في الضمان ولا فائدة للمستعير فيه أشبه الوديعة ويضمن في الآخر لانه ولد عين مضمونة أشبه ولد المغصوبة والاول أصح فان ولد المغصوبة لا يضمن إذا لم يكن مغصوبا وكذلك العارية إذا لم يؤخذ مع أمه (مسألة) (وليس للمستعير أن يعير) وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي وفي الآخر له ذلك وهو قول أبى حنيفة لانه يملكه على حسب ما ملكه فجاز كاجارة المستأجر ويحتمل ان يكون مذهب لاحمد في العارية المؤقتة بناء على كونه إذا أعاره أرضه سنة ليبني فيها لم يحل الرجوع قبل السنة لانه قد ملك المنفعة فجازت له اعارتها كالمتسأجر بعقد لازم وحكاه صاحب المجرد قولا لاحمد، وقال أصحاب الرأي إذا استعار ثوبا ليلبسه فأعطاه غيره فلبسه فهو ضامن وان لم يسم من يلبسه فلا ضمان عليه وقال مالك إذا لم يعمل بها إلا الذي اعيرها فلا ضمان عليه ولنا ان العارية إباحة المنفعة فلا يجوز أن يبيحها غيره كاباحة الطعام وفارق الاجارة فانه ملك

[ 369 ]

الانتفاع على كل وجه فملك ان يملكها وفي العارية لم يملكها إنما ملك استيفاءها على وجه ما أذن فيه فأشبه من أبيح له أكل الطعام. فعلى هذا ان أعار فللمالك الرجوع بأجر المثل وله ان يطالب من شاء منهما لان الاول سلط غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه والثاني استوفاه بغير إذنه فان ضمن الاول رجع على الثاني لان الاستيفاء حصل منه فاستقر الضمان عله وان ضمن الثاني لم يرجع على الاول إلا أن يكون الثاني لم يعلم بحقيقة الحال فيحتمل ان يستقر الضمان على الاول لانه غر الثاني ودفع إليه العين على أنه يستوفي منافعها بغير عوض (مسألة) (وان تلفت عند الثاني فللمالك تضمين أيهما شاء) لما ذكرنا ويستقر الضمان على الثاني بكل حال لانه قبضها على أنها مضمونة عليه فان ضمن الاول رجع الاول على الثاني ولا يرجع الثاني ان ضمنه على أحد (مسألة) (وعلى المستعير مؤنة رد العارية) لقول النبي صلى الله عليه وسلم (العارية مؤداة) وقوله (على اليد ما أخذت حتى ترده) قال الترمذي هذا حديث حسن، ويجب ردها إلى المعير أو الوكيل في قبضها ويبرأ بذلك من ضمانها وان ردها إلى المكان الذي أخذها منه أو إلى ملك صاحبها لم يبرأ من ضمانها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبرأ لانها صارت كالمقبوضة فان رد العواري في العادة يكون إلى املاك اربابها فيكون مأذونا فيه عادة

[ 370 ]

ولنا انه لم يردها إلى مالكها ولا نائبه فيها فلم يبرأ منها كما لو دفعها إلى أجنبي وما ذكره يبطل بالسارق إذا رد المسروق إلى الحرز ولا نسلم ان العادة ما ذكر (مسألة) (وان رد الدابة إلى اصطبل المالك أو غلامه لم يبرا الا بردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يده كالسائس ونحوه) قد ذكرنا في المسألة قبلها الاردها إلى المكان الذي أخذها منه، وان ردها إلى زوجته المتصرفة في ماله أو رد الدابة إلى سائسها فقال القاضي يبرأ في قياس المذهب لان احمد قال في الوديعة إذا سلمها إلى امرأته لم يضمها لانه مأذون في ذلك أشبه مالو أذن فيه نطقا (فصل) ومن استعار شيئا فانتع به ثم ظهر مستخقا فلما لكنه أجر مثله يطالب به من شاء منهما فان ضمن المستعير رجع على المعير بما غرم لانه غره بذلك وغرمه لانه دخل عن انه لا أجرة عليه وان ضمن المعير لم يرجع على أحد لان الضمان استقر عليه قال احمد في قصار دفع ثوبا إلى غير صاحبه فلبسه فالضمان على القصار دون اللابس وسنذكره في الغصب ان شاء الله تعالى. (فصل) وان اختلفا فقال أجرتك قال بل أعرتي عقيب العقد والبهيمة قائمة فالقول قول الراكب إذا اختلف رب الدابة والراكب فقال الراكب هي عارية وقال المالك أكريتكها

[ 371 ]

وكانت الدابة باقية لم تنقص وكان الاختلاف عقيب العقد فالقول قول الراكب مع يمينه لان الاصل براءة ذمته منها لان الاصل عدم عقد الاجارة ويرد الدابة إلى مالكها وكذلك إذا ادعى المالك انها عارية وقال الراكب قد اكريتنيها فالقول قول المالك مع يمينه لما ذكرنا (مسألة) (وان كان بعد مضي مدة لها أجرة فالقول قول المالك فيما مضى من المدة دون ما بقي منها) حكي ذلك عن مالك وقال أصحاب الرأي القول قول الراكب وهو منصوص الشافعي لانهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب وادعى المالك عوضا لها والاصل عدم وجوبه وبراءة ذمة الراكب منه. ولنا أنهما اختللفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب فكان القول قول المالك كما لو اختلفا في عين ققال المالك بعتكها وقال الآخر وهبتنيها ولان المنافع تجري مجرى الاعيان في الملك والعقد عليها ولو اختلفا في الاعيان كان القول قول المالك كذا ههنا وما ذكروه يبطل بهذه المسألة ولانهما اتفقا على أن المنافع لا تنتقل إلى الراكب الا بنقل المالك لها فيكون القول قول في كيفية الانتقال كالاعيان فيحلف المالك ويستحق الاجر (مسألة) (وهل يستحق أجر المثل أو المدعى إذا زاد عليها؟ على وجهين) (أحدهما) أجر المثل لانهما لو اتفقا على وجوبه واختفافي قدره وجب أجر المثل فمع الاختلاف في أصله أولى (والثاني) المسمى لانه وجب بقول المالك ويمينه فوجب ما حلف عليه كالاصل والاول أصح لان الاجارة لا تثبت بدعوى المالك بغير بينة وانما يستحق بدل النفعة وهو أجر المثل وقيل يلزمه أقل الامرين لانه ان كان المسمى أقل ققد رضي به وان كان أكثر فليس له الا أجر المثل لان الاجارة لم تثبت وانما يكون القول قول المالك إذا اختلفا في أثناء المدة فيها مصى منها واما فيما قي فالقول قول المستعير لان ما بقي بمنزلة ما لو اختلفا

[ 372 ]

عقيب العقد وان ادعى المالك في هذه الصورة أنها عارية وادعى الآخر باجرة فهو يدعي استحقاق المنافع ويعترف بالاجر للمالك والمالك ينكر ذلك كله فالقول قوله مع يمينه فيحلف ويأخذ بهيمته (مسألة) (وان اختلفا بعد تلف الدابة فقال المالك اعرتك وقال الراكب بل أجرتني فالقول قول المالك إذا كان قبل مضي مدة لها اجرة) سواء ادعى الاجارة أو العارية لانه ان ادعى الاجارة فهو معترف للراكب ببراءة ذمته من ضمانها فيقبل اقراره على نفسه، وان ادعى الاعارة فهو يدعي قيمتها والقول قوله لانهما اختلفا في صفة القبض والاصل فيما يقبضه الانساب من مال غيره الضمان لقول النبي صلى الله وسلم (على اليد ما أخذت حتى ترده) حديث حسن وإذا حلف المالك استحق القيمة والقول في قدرها قول الراكب مع يمينه لانه منكر للزيادة المختلف فيها والاصل عدما، وان اختلفا في ذلك بعد مضي مدة لها أجرة والبهمية تالفة وكان الاجر بقدر قيمتها أو كان ما يدعيه المالك أقل مما يعترف به الراكب فالقول قول المالك بغير يمين سواء ادعى الاجارة أو الاعارة إذا لا فائدة في اليمين على شئ يعرف له به خصمه ويحتمل أن لا يأخذه الا بيمين لانه يدعي شيئا لا يصدق فيه ويعترف له خصمه بما لا يدعيه فيحلف على ما يدعيه وان كان ما يدعيه المالك أكثر بأن تكون قيمة الدابة

[ 373 ]

أكثر من أجرها فادعى المالك أنها عارية لتجب له القيمة وأنكر استحقاق الاخر ادعى الراكب انها مكتراة أو كان الكراء أكثر من قيمتها فادعى المالك أنه أجرها ليجب له الكراء وادعى الراكب أنها عارية فالقمول قول المالك في الصورتين لما قدمنا فإذا حلف استحق ما حلف عليه ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا (مسألة) (وان قال أجرتني أو أعرتني قال بل غصبتني فالقول قول المالك وقبل قول الغاصب) إذا كان الاختلاف عقيب العقد والدابة قائمة لم تنقص فلا معنى للاختلاف ويأخذ المالك دابته وكذلك ان كانت الدابة تالفة وادعى الراكب العارية لان القيمة تجب على المستعير كوجوبها على الغاصب، وان كان الاختلاف بعد مضي مدة لها أجرة فالاختلاف في وجوبه والقول قول المالك وهذا ظاهر قول الشافعي ونقل المزني عنه أن القول قول الراكب وذكره بعض أصحابنا لان المالك يدعي عليه عوضا الاصل براءة ذمته منه ولان الظاهر من اليد أنها لحق فكان القول قول صاحبها ولنا ما قدمنا في المسألة التي قبلها بل هذا أولى لانهما ثم اتفقا على أن المنافع ملك الراكب وههنا لم يتفقا على ذلك فان المالك ينكر انتقال الملك فيها إلى الراكب والراكب يدعيه والقول قول المنكر لان الاصل عدم الانتقال فيحلف ويستحق الاجر، فان قال المالك غصبتها وقال الراكب أجرتنيها فالاختلاف ههنا في وجوب القيمة لان الاجر يجب في الموضعين الا أن يختلف المسمى وأجر المثل فالقول قول المالك مع يمينه في وجوب القيمة فان كانت الدابة تالفة عقيب أخذها حلف وأخذ قيمتها وان كانت قد بقيت مدة لمثلها أجر والمسمى بقدر أجر المثل أخذه المالك لا تفاقهما على استحقاقه وكذلك ان كان أجر المثل دون المسمى وفي اليمين وجهان وان كان زائدا عن المسمى لم يستحقه الا باليمين وجها واحدا والله أعلم

[ 374 ]

كتاب الغصب وهو الاستيلاء على مال الغير قهرا بغير حق، وهو محرم بالكتاب والسنة والاجماع: أما الكتاب فقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلو افريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون) وأما السنة فروى جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر (ان دماء كم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) رواه مسلم وغيره، وعن سعيد ابن زيد قال مسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من أخذ شبرا من الارض ظلما طوقه من سبع أرضين) متفق عليه، وورى أبو حرة الرقاشي عن عمه وعمرو بن يثربي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) رواه الجوزجاني، وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة وإنما اختلفوا في فروع منه نذكرها ان شاء الله تعالى (مسألة) (وتضمن أم الولد والعقار بالغصب) وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يضمن لان أم الولد لا تجري مجرى المال بدليل أنه لا يتعلق بها حق الغير فأشبهت الحر ولنا أنها تضمن بالقيمة فضمنت بالغصب كالقن ولانها مملوكة أشبهت المدبرة وفارقت الحرة فانها ليست مملوكة ولا تضمن بالقيمة

[ 375 ]

(مسألة) (ويضمن العقار بالغصب ويتصور غصب الاراضي والدور ويجب ضمانه على عاصبه) هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عند أصحابه وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وروى ابن منصور عن أحمد فيمن غصب أرضا فزرعها ثم أصابها غرق من الغاصب غرم قيمة الارض وان كان شيئا من السماء لم يكن عليه شئ فظاهر هذا أنها لا تضمن بالغصب وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يتصور غصبها ولا تضمن بالغصب فان أتلفها ضمنها بالاتلاف لانه لم يوجد فيها النقول والتحويل فلم تزيضمنها كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع ولان الغصب اثبات اليد على المال عدوانا على وجه ول به يد المالك ولا يمكن ذلك في العقار ولنا قوله عليه السلام (من ظلم شبرا من الارض طوقه يوم القيمة من سبع أرضين) متفق على معناه وفي لفظ (من غصب شبرا من الارض) فاخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغصب ويظلم فيه ولان ما ضمن في البيع وجب ضمانه في الغصب كالمنقول ولانه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها فأشبه مالو أخذ الدابة والمتاع، وأما إذا حال بينه وبين متاعه واستولى على ماله فنظيره ههنا أن يحبس المالك ولا يستولي على داره، وأما ما تلف من الارض بفعله أو بسبب فعله كهدم حيطانها وتغريقها أو كشط ترابها والقاء الحجارة فيها أو نقص يحصل بغراسه أو بنائه فيضمنه بغير خلاف بين العلماء لان هذا إتلاف والعقار يضمن بالاتلاف من غير خلاف. (فصل) ولا يحصل الغصب من غير استيلاء فلو دخل أرض إنسان أو داره لم يضمنها بدخوله سواء دخلها باذنه أو غير إذنه وسواء كان صاحبها فيها أولم يكن وقال أصحاب الشافعي ان دخلها بغير

[ 376 ]

اذنه ولم صاحبها فيها ضمنها سواء قصد ذلك أو ظن أنها داره أو دار أذن له في دخولها لان يد الداخل تثبت عليها بذلك فيصير غاصبا فان الغصب اثبات اليد العادية وهذا قد تثبت يده بدليل أنهما لو تنازعا في الدار ولا بينة حكم بها لمن هو فيها دون الخارج منها ولنا أنه غير مستول عليها فلم يضنمها كما لو دخلها باذنه أو دخل صحراة له ولانه إنما يضمن بالغصبب ما يضمنه في العارية وهذا لا تثبت به العارية ولا يجب به الضمان فيها فكذلك لا يثبت به الغصب إذا كان بغير اذن. (مسألة) (وان غصب كلبا فيه نفع أو خمر ذمي لزمه ردهما) إذا غصب كلبا يجوز اقتناؤه وجب رده لانه يجوز الانتفاع به واقتناؤه فأشبه المال، وان أتلفه لم يغرمه وفيه اختلاف ذكر في البيع وهو مبني على جواز بيعه، وان حبسه مدة لم يلزمه أجر لانه لا يجوز وان غصب خمر ذمي لزمه ردها لانه يقر على شربها فان أتلفها لم يلزمه قيمتها سواء أتلفه مسلم أو ذمي وسواء كان المسلم أو ذمي نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهريق مسكرا لمسلم أو لذمي فلا ضمان عليه وكذلك الخنزير وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك يجب ضمان الخمر والخنزير إذا أتلفهما على ذمي قال أبو حنيفة ان كان مسلما بالقيمة وان كان ذميا بالمثل لان عقد الذمة إذا عصم عينا قومها كنفس الذمي وقد عصم خمر الذمي بديل ان المسلم يمنع من اتلافها فيجب أن يقومها ولانها مال لهم يتمولونها لما روي عن عمر رضي الله عنه ان عامله كتب إليه: ان أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب إليه عمر ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر ثمنها فإذا كانت مالا لهم وجب ضمانها كسائر أموالهم

[ 377 ]

ولنا ماروى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام) متفق عليه وما حرم بيعه لالحرمته لم تجب قيمته كاليمتة ولان ما لم يكن مضمونا في حق المسلم لا يكون مضمونا في حق الذمي كالمرتد، ولانها غير متقومة فلا تضمن كالميتة، ودليل أنها غير متقومة أنهغا غير متقومة في حق المسلم فكذلك في حق الذمي فان تحريهما ثبت في حقهما وخطاب النواهي يتوجه إليها فما ثبت في حق احدهما ثبت في حق الآخر ولا نسلم أنها معصومة بل متى أظهرت حلت إراقتها ثم لو عصمها ما لزم تقومها فان نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون غير متقومين وقولهم إنها مال عندهم ينتقض بالعبد المرتد فانه مال عندهم، فاما حديث عمر فمحمول على أنه اراد ترك التعرض لهم وإنما أمر باخذ عشر أثمانها لانهم إذا تبايعوا وتقابضوا حكمنا بالمالك ولم نتقضه وتسميتها أثمانا مجاز كما سمى الله تعالى ثمن يوسف ثمنا فقال (وشروه بثمن جنس) (فصل) فان غصب من مسلم خمرا حرم ردها ووجبت إراقتها لان أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فأمره بأراقتها، وان اتلفها أو تلفت عنده لم يجب ضمانها لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) ولان ما حرم الانتفاع به لم يجب ضمانه كالميتة والدم، فان امسكها حتى صارت خلا لزمه ردها لانها صارت خلاعلى حكم ملكه فلزمه ردها فان تلفت ضمنها له لانها مال المغصوب منه تلف في يد الغاصب، فان أراقها

[ 378 ]

فجمعها اسنان فتخلت عنده رد الخل لانه أخذها بعد اتلافها وزوال اليد عنها (مسألة) (وان غصب جلد ميتة فهل يجب رده؟ على وجهين) بناء على طهارته بالدباغ فمن قال بطهارته أوجب رده لانه يمكن اصلاحه فهو كالثوب النجس ومن قال لا يطهر لم يجب رده لانه لا سبيل إلى اصلاحه وان أتلفه أو اتلف ميتة بجلدها لم يضمن لانه لا قيمة له بدليل انه لا يحل بيعه (مسألة) (وان دبغه وقلنا بطهارته يلزمه رده كالخمر إذا تخللت ويحتمل أن لا يجب رده) لانه صار مالا بفعله بخلاف الخمر وان قلنا لا يظهر لم يجب رده لانه لا يباح الانتفاع به ويحتمل أن يجب رده إذا قلنا يباح الانتفاح به في اليابسات لانه نجس يباح الانتفاع به أشبه الكلب وكذلك قبل الدباغ (مسألة) (وان استولى على حرلم يضمنه بذلك) لا يثبت الغصب فيما ليس بمال كالحر فانه لا يضمن بالغصب انما يضمن بالاتلاف فان حبس حرافمات عنده لم يضمنه لانه ليس بمال إلا أن يكون صغيرا ففيه وجهان (أحدهما) لا يضمنه لانه حر أشبه الكبير وهذا مذهب الشافعي (والثاني) يضمنه لانه يمكن الاستيلاء عليه من غير ممانعة منه أشبه العبد الصغير، فان قلنا لا يضمنه فهل يضمن ثيابه وحليه؟ على وجهين (احدهما) لا يضمنه لانه تبع له وهو تحت يده أشبه ثياب الكبير (والثاني) يضمنه لانه استولى عليه أشبه مالو كان منفردا (مسألة) (وان استعمل الحر كرما فعليه أجرته (لانه استوفى منافعه وهي متقومة فلزمه ضمانها

[ 379 ]

كمنافع العبد، وان حبسه مدة لمثلها أجرة ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه أجرتك المدة لانه فوت منفعتبه وهي مال يجوز أخذ العوض عنها فضمنت بالغصب كمنافع العبد (والثاني) لا يلزمه أجرتك المدة لانها تابعة لما لا يصح غصبه فأشبهت ثيابه إذا بليت عليه وأطرافه ولانها تلفت تحت يديه فلم يجب ضمانها كنما ذكرنا لو منعه العمل من غير حبس لم يضمن منافعه وجها و احدا لانه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه فالحر أولى ولو حبس الحر وعليه ثباب لم يلزمه ضمانها لانها تابعة لما لم تثبت اليد عليه في الغصب وهذا كله مذهب الشافعي (فصل) ويلزمه رد المغصوب ان قدر على رده وان غرم عليه اضعاف قيمته إذا كان باقيا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (على ايد ما أخذت حتى ترده) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن وروى عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبا جادا ومن أخذ عصا أخيه فليردها) رواه أبو داود يعني أنه يقصد المزح مع صاحبه بأخذ متاعه وهو جاد في إدخال الغم والغيظ عليه ولانه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق فلزمته إعادتها، وأجمع العلماء على وجوب رد المغصوب إذا كان بحاله لم يتغير ولم يشتغل بغيره (فصل) فان غصب شيئا فبعد لزم رده وان عرم عليه أضعاف قيمته لانه جنى بتبعيده فكان ضرر ذلك عليه فان قال الغاصب خذ مني أجر رده وتسلمه مني ههنا أو بذل له أكثر من قيمته ولا يسترده لم يلزم المالك قبول ذلك لانها معاوضة فلا يجبر عليها كالبيع، وان قال المالك دعه لي في مكانه الذي نقلته

[ 380 ]

إليه لم يملك الغاصب رده لانه أسقط عنه حقا فسقط وان لم يقبله كما لو أبرأه من دينه وان قال رده لي إلى بعض الطريق لزمه لانه يلزمه جميع المسافة فلزمه بعضها المطلوب وسقط عنه ما أسقطه كما لو أسقط عنه بعض دينه وان طلب منه حمله إلى مكان آخر في غير طريق الرد لم يلزم الغاصب ذلك سواء كان اقرب إلى المكان الذي يلزم رده إليه أولا لانه معاوضة، وان قال دعه في مكانه واعطني أجر رده لم يلزمه ذلك ومهما اتفقا عليه من ذلك جاز لان الحق لهما لا يخرج عنهما (مسألة) (وان خلطه بما يتميز منه لزمه تخليصه ورده) مثل أن يخلط حنطة بشعير أو سمسم أو صغار الحب بكباره أو زبيبا أسود باحمر لما ذكرنا وأجر المميز عليه كاجر رده إذا بعده وان أمكن تمييز بعضه وجب تمييز ما أمكن منه وان لم يمكن تميز شئ منه فسنذكره ان شاء الله تعالى (مسألة) (وان بنى عليه لزمه رده الا أن يكون قد بلي) إذا غصب شيئا فشغله بملكه كحجر نبي عليه أو خيط خاط به ثوبه أو نحوه فان بلي الخيط أو انكسر الحجر أو كان مكانه خشبة فتلفت لم يجب رده ووجبت قيمته لانه صارها لكا فوجبت قيمته كما لو تلف، وان كان باقيا بحاله لزمه رده وان انتقض البناء وتفصل الثوب وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجب اداء الخشبة والحجر لانه صار تابعا لملكه يستضر بقلعه فلم يجب رده كما لو غصب خيطا فخاط به جرح عبده ولنا أنه مغصوب أمكن رده ويجوز له فيجوز كما لو بعد العين ولا يشبه الخيط الذي يخاف على العبد من قلعه لانه لا يجوز له رده لما في ضمنه من تلف الآدمي ولان حاجته إلى ذلك تبيح أخذه ابتداء بخلاف البناء

[ 381 ]

(مسألة) (وان سمر بالمسامير بابالزمه قلعها وردها) لما ذكرنا من الحديث (فصل) وان غصب فصيلا فأدخله داره فكبر ولم يخرج من الباب أو خشبة وأدخلها دار ثم بنى الباب ضيقا لا يخرج منه الا بنقضه وجب نقضه ورد الفصيل والخشبة كما ينقض البناء لرد الساجة فان كان حصوله في الدار بغير تفريط من صاحب الدار نقص الباب وضمانه على صاحب الفصيل لانه لتخليص ماله من غير تفريط من صاحب الدار، وأما الخشبة فان كان كسرها اكثر ضررا من نقض الباب فهي كالفصيل وان كان اقل كسرت ويحتمل في الفصيل مثل هذا متى كان ذبحه اقل ضررا ذبح وأخرج لحما لانه في معنى الخشبة، وان كان حصوله في الدار بعدوان من صاحبه كرجل غصب دارا وأدخلها فصيلا أو خشبة أو تعدى على انسان فأدخل داره فرسا ونحوها كسرت الخشبة وذبح الحيوان وإن زاد ضرره على نقض البناء لان سبب هذا الضرر عدوانه فيكون عينه، ولو باع دارا فيها خوابي لا تخرج الا بنقض الباب أو خزائن أو حيوان وكان نقض الباب أقل ضررا من بقاء ذلك في الدار أو تفصيله أو ذبح الحيوان نقض وكان إصلاحه على البائع لانه لتخليص ماله، وإن كان اكثر ضررا لم ينقض لانه لا فائدة فيه ويصطلحان على ذلك اما بان يشتريه مشترى الدار أو غير ذلك (فصل) وان غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة فقال أصحابنا حكمها حكم الخيط الذي خاط به جرحها على ما نذكره، قال شيخنا ويحتمل أن الجوهرة متى كانت أكثر قيمة من الحيوان ذبح وردت إلى مالكها وضمان الحيوان على الغاصب الا ان يكون الحيوان آدميا ويفارق الخيط فانه في الغالب أقل قيمة من

[ 382 ]

الحيوان والجوهرة أكثر قيمة ففي ذبح اليحوان رعاية حق المالك برد عين إليه ورعاية حق الغاصب بتقليل الضمان عليه، وان ابتلعت شاة رجل جوهرة آخر غير مغصوبة ولم يكن اخراجها الا بذبح الشاة ذبحت إذا كان ضرر ذبحها أقل وضمان نقصها على صاحب الجوهرة لانه لتخليص ماله فان كان التفريط من صاحب الشاة بكون يده عليها فلا شئ على صاحب الجوهرة لان التفريط من غيره فكان الضرر على المفرط. (فصل) وان أدخلت رأسها في قمقم ولم يمكن اخراجه الا بذبحها أو كسر القمقم وكان ضرر ذبحها أقل ذبحت وان كان كسر القمقم أقل كسر، فان كان التفريط من صاحب الشاة فالضمان عليه وان كان من صاحب القمقم بأن وضعه في الطريق فالضمان عليه وان لم يكن منهما تفريط فالضمان على صاحب الشاة، وان كسر القمقم لانه كسر لتخليص شاته وإذا ذبحت الشاة فالضمان على صاحب القمقم لانه لتخليص ماله فان قال من عليه الضمان منهما أنا أتلف مالي ولا أغرم شيئا للآخر فله ذلك لان اتلاف مال الآخر انما كان لحقه وسلامة ماله وتخليصه فإذا رضي بتلفه لم يجز إتلاف غيره، وان قال لا أتلف مالي ولا أغرم شيئا لم نمكنه من اتلاف مال صاحبه لكن صاحب القمقم لا يجبر على شئ لانه لاحرمة له فلا يجبر صاحبه على تخليصه، وأما صاحب الشاة فلا يحل له تركها لما فيه من تعذيب الحيوان فيقال له اما ان تذبح الشاة لتريحهما من العذاب واما أن تعرم القمقم لصاحبه إذا كان كسره أقل ضررا لان ذلك من ضرورة ابقائها أو تخليصها من العذاب فلزم كعلفها، فان كان الحيوان غير مأكول احتمل أن

[ 383 ]

يكون حمه حكم المأكول فيما ذكرنا، واحتمل ان يكسر القمقم وهو قول أصحابنا لانه لانفع في ذبحه ولا هو مشروع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة، ويحتمل ان يكون كالمأكول في أنه متى كان قتله أقل ضررا أو كانت الجناية من صاحبه قتل لان حرمته معارضة بحرمة مال الآدمي الذي يتلف والنهي عن ذبحه معارض بالنهي عن اضاعة المال، وفي كسر القمقم مع كثرة قيمته اضاعة المال. (فصل) وان غصب دينارا فوقع في محبرته أو اخذ دينار غيره فسهى فوقع في محبرته كسرت ورد الدينار كا ينقض البناء لرد الخشبة وكذلك ان كان درهما أو أقل وان وقع من غير فعله كسرت لرد الدينار ان أحب صاحبه والضمان عليه لتخيص ماله، وان غصب دينارا فوقع في محبرة آخر بفعل الغاصب أو بغير فعله كسرت لرده وعلى الغاصب ضمان المحبرة لانه السبب في كسرها وان كان كسرها أكثر ضررا من تبقيته الواقع فيها ضمنه الغاصب ولم يكسر، وان رمى انسان ديناره في محبرة غيره عدوانا فابى صاحب المحبرة كسرها لم يجبر عليه لان صاحبه تعدى برميه فيها فلم يجبر صاحبها على اتلاف ماله لازالة ضرر عدوانه عن نفسه وعلى الغصب نقص المحبرة بوقوع الدينار فيها ويحتمل ان يجبر على كسرها لردعين مال الغاصب ويضمن الغاصب قيمتها كما لو غرص في ارض غيره ملك حفر الارض بغير اذن المالك لاخذ غرسه يضمن نقصها بالحفر يضمن نقصها بالحفر وعلى الوجهين لو كسرها الغاصب قهرا لم يلزمه أكثر من قيمتها (مسألة) (وان زرع الارض وردها بعد أخذ الزرع فعليه أجرنها)

[ 384 ]

إذا غصب أرضا فزرعها وردها بعد حصاد الزرع فهو للغاصب لا نعلم فيه خلافا لانه نماء ماله وعليه أجر المثل إلى وقت التسليم وضمان النقص ولو لم يزرعها فنقصت لترك الزراعة كأراضي البصرة أو نقصت لغير ذلك ضمن نقصها لما نذكره فيما إذا غرسها أو بنى فيها (مسألة) (وان أدركها ربها وازرع قائم خير بين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله وبين أخذه بعوضه وهل ذلك قيمته أو نفقته؟ على وجهين) قوله أدركها والزرع قائم يعني استرجعها من الغاصب وقدر على أخذها منه متى أدركها ربها والزرع قائم لم يملك اجبار الغاصب على قلع الزرع وخير المالك بين أن يقر الزرع في الارض إلى الحصاد ويأخذ من الغاصب أجرة الارض وأرش نقصها وبين أن يدفع إليه نفقته ويكون له الزرع وهذا قول أبي عبيد وقال اكثر الفقهاء يملك اجبار الغاصب على قلعه لقوله عليه الصلاة والسلام ((ليس لعرق ظالم حق) لانه زرع في أرض غيره ظلما أشبه الغرس ولنا ما روى رافع بن خدبج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من زرع في أرض قوم بغير اذنهم فليس له من الزرع شئ وعليه نفقته) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح فيه دليل على أن الغاصب لا يجبر على القلع لانه ملك للمغصوب منه ولانه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير اتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان فلم يجز اتلافه كما لو غصب سفينة فحمل فيها ماله وادخلها البحر أو غصب لوحا فرقع به سفينة فانه لا يجبر على رد المغصوب في اللجة ينتظر حتى ترمي صيانة للمال عن

[ 385 ]

التلف كذا هذا، وفارق الشجر لان مدته تتطاول ولا يعلم متى ينقطع من الارض فانتظاره يؤدي إلى ترك رد الاصل بالكلية، وحديثهم ورد في الغرس وحديثنا في الرزع فيجمع بين الحديثين ويعمل بكل واحد منهما في موضعه وهو أولى من ابطال أحدهما. إذا ثبت هذا فمتى رضي المالك بترك الزرع للغاصب ويأخذ منه أجر الارض فله ذلك لانه شغل المغصوب بماله فملك صاحبه أخذ أجره كما لو ترك في الدار طعاما يحتاج في نقله إلى مدة وان أحب أخذ الزرع فله ذلك كما يستحق الشفيع أخذ شجر المشتري بقيمته، وفيما يرد على الغاصب روايتان: إحداهما) قيمة الزرع لانه بدل عن الزرع فيقدر بقيمته كما لو أتلفه ولان الزرع للغاصب إلى حين نتزاعه منه بدليل أنه لو اخذه قبل انتزاع المالك كان ملكا له يأخذه فيكون أخذ المالك له تملكا له الا ان يعوضه فيجب ان يكون بقيمته كما لو أخذ الشقص المشفوع، فعلى هذا يجب على الغاصب أجر الارض إلى حين تسليم الزرع لان الرزع كان محكوما له به وقد شغل به أرض غيره (والرواية الثانية) يرد على الغاصب ما أنفق من البذر ومؤنة الزرع في الحرث والسقي وغيره وهذا الذي ذكره القاضي وهو ظاهر كلام الخرقي وظاهر الحديث لقوله (عليه نفقته) وقيمة الشئ لا تسمى نفقة له والحديث مبني على هذه المسألة فان أحمد إنما ذهب إلى هذا الحكم استحسانا على خلاف القياس فان القياس ان الزرع لصاحب البذر لانه نماء ماله فأشبه ما لو غصب دجاجة فحضنت بيضا له كان الماء له وقد صرح به أحمد فقال هذا شئ لا يوافق القياس أستحسن ان يدفع إليه نفقته للاثر ولذلك جعلناه للغاصب إذا أخذت منه الارض بعد أخذه الزرع وإذا كان العمل بالحديث فيجب أن يتبع مدلوله ويحتمل ان يكون الزرع للغاصب وعليه الاجرة كما إذا رجع المستعير

[ 386 ]

(فصل) فان كان مما تبقى أصوله في الارض ويجز مرة بعد اخرى كالرطبة احتمل ان يكون حكمه ما ذكرنا لدخوله في عموم الزرع لانه ليس له فرع قوي اشبه الحنطة والشعير واحتمل ان حكمه حكم الغرس لبقاء أصله وتكرر اخذه ولان القياس يقتضي أن يثبت لكل زرع مثل حكم الغرس وانما ترك فيما تقل مدته للاثر ففيما عداه يبقى على قضية القياس (فصل) فان غصب ارضا فغرسها فأثمرت فأدركها ربها بعد اخذ الغاصب ثمرتها في له فان ادركها والثمرة فيها فكذلك لانها ثمرة شجرة فكانت له كما لو كانت في ارضه ولانها نماء اصل محكوم به للغاصب فكان له كاغصانها وورقها ولبن الشاة ونسلها، وقال القاضي هي لمالك الارض ان ادركها قى الغراس لان احمد قال في رواية عي بن سعيد إذا غصب ارضا فغرسها فالنماء لمالك الارض قال القاضي وعليه من انفقة ما انفقه الغارس من مؤنة الثمرة لان الثمرة في معنى الزرع فكان لصاحب الارض إذا ادركه قائما فيها كالزرع قال شيخنا والاول اصح لان احمد قد صرح بان اخذ رب الارض الزرع شئ لا يوافق القياس وانما صار إليه للاثر فيختص الحكم به ولا يتعدى إلى غيره، ولان الثمرة تفارق الزرع من وجهين (احدهما) ان الزرع نماء الارض فكان لصاحبها والثمرة نماء الشجر فكانت لصاحبه الثاني انه يرد عوض الزرع إذا اخذه مثل البذر الذي نبت منه الزرع مع ما انفق عليه ولا يمكنه مثل ذلك في الثمرة. (فصل) وان غصب شجرا فأثمر فالثمر لصاحب الشجر بغير خلاف نعلمه لانه نماء ملكه ولان الشجر عين ملكه نمى وزاد فأشبه مالو طالت اغصانه، ويرد الثمر ان كان باقيا وبدله ان تلف وان كان رطبا فصار تمرا أو عنبا فصا رزبيبا فعليه رده وارش نقصه ان نقص ولا شئ له بعلمه فيه ولا

[ 387 ]

اجرة عليه للشجر لان اجرتها لا تجوز في العقود فكذلك في الغصب ولان نفع الشجر تربية الثمر واخراجه وقد عادت هذه المنافع إلى المالك، ولو كانت ماشية فعليه ضمان ولدها ان ولدت عنده وضمان لبنها مثله لانه من ذوات الامثال ويضمن اربارها واشعارها بمثله كالقطن، وفي ضمان زوائد الغصب المنفصلة اختلاف نذكره فيما يأتي (مسألة) (وان غرس أو بنى اخذ بقلع غرسه وبنائه وتسوية الارض وارش نقصها واجرتها) متى غرس في ارض غيره بغير اذنه أو بنى فيها وطلب صاحب الارض قلع غراسه وبنائه لزم الغاصب ذلك ولا نعلم فيه خلافا لما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس لعرق ظالم حق) رواه الترمذي وقال حديث حسن رووى أبو داود وابو عبيد في الحديث انه قال فلقد اخبرني الذي حدثني هذا الحديث ان رجلا غرس في أرض رجل من الانصار من بني بياضة فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للرجل بأرضه وقضى للآخر أن ينزع نخله قال فلقد رأيثها يضرب في اصولها بالفؤس وانها لنخل عم ولانه شغل ملك غيره بملكه الذي لاحرمة له في نفسه بغير اذنه فلزمه تفريغه كما لو جعل فيه قماشا، وإذا قلعها لزمه تسوية الحفر ورد الارض إلى ما كانت عليه لانه ضرر حصل في ملك غيره بفعله فلزمته إزالته

[ 388 ]

(فصل) فان أراد صاحب الارض أخذ الشجرة والبناء بغير عوض لم يكن له ذلك لانه عين مال الغاصب فلم يملك صاحب الارض اخذه كما لو وضع فيها أثاثا أو حيوانا، وان طلب اخذه بقيمته وابى مالكه إلا القلع فله ذلك لانها ملكه فملك نقله ولا يجبر على اخذ القيمة لانه معاوضة فلم يجبر عليها وان اتفقا على تعويضه عنه جاز لانه الحق لهما فجاز ما اتفقا عليه، وان وهب الغاصب الغراس والبناء لمالك الارض ليتخلص من قلعه فقبله المالك جاز وان ابى قبوله وكان في قلعه غرض صحيح لم يجبر على قبوله وان لم يكن فيه غرض صحيح احتمل ان يجبر على قبوله لان فيه رفع الخصومة من غير غرض يفوت ويحتمل ان لا يجبر لان فيه اجبارا على عقد يعتبر الرضى فيه، وان غصب ارضا وغراسا من رجل واحد فغرسه فيها فالكل لمالك الارض فان طالبه المالك بقعله وله في فعله غرض أجبر على قلعه لانه فوت عليه غرضا مقصودا بالارض فأخذ باعادتها إلى ما كانت وعليه تسوية الارض ونقصها ونقص الغراس لانه نقص حصل في يد الغصب اشبه مالو غصب طعاما فتلف بعضه وان لم يكن في قلعه غرض صحيح لم يجبر على قلعه لانه سفه فلا يجبر عليه وقيل يجبر لان المالك محكم في ملكه والغاصب غير محكم فان اراد الغاصب قلعه ومنعه المالك لم يملك قلعه لان الجميع ملك للمغصوب منه فلم يملك غيره التصرف فيه بغير إذنه.

[ 389 ]

(فصل) والحكم فيما إذا بنى في الارض كالحكم فيما إذا غرس فيها في هذا التفصيل جميعه الا انه يتخرج انه إذا بذل مالك الارض القيمة لصاحب البناء اجبر على قبولها إذا لم يكن في النقض غرض صحيح لان النقض سفه والاول اصح لما روى الخلال باسناده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من بنى في رباع قوم باذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض) ولان ذلك معاوضة فلا يجبر عليها وإذا كانت الآلة من تراب الارض واحجارها فليس للغاصب النقض على ما ذكرنا في الغرس (فصل) وان غصب أرضا فكشط ترابها لزمه رده وفرشه على ما كان ان طالبه المالك وكان فيه غرض وان لم يكن فيه غرض فهل يجبر على فرشه يحتمل وجهين وان منعه المالك فرشه أورده وطلب الغاصب ذلك وكان في رده غرض من ازالة ضرر أو ضمان فله فرشه ورده وعليه أجر مثلها مدة شغلها وأجر نقصها، وان أخذ تراب أرض فضربه لبنا رده ولا شئ له الا ان يجعل فيه تبناله فله ان يحله ويأخذ تبنه، فان كان لا يحصل منه شئ ففيه وجهان بناء على كشط التزويق إذا لم يكن له قيمة وسنذكره، وان طالبه المالك بحله لزمه ذلك إذا كان فيه غرض فان لم يكن فيه غرض فعلى وجهين فان جعله آجرا أو فخارا لزمه رده ولا أجر له لعمله وليس له كسره ولا للمالك اجباره عليه لانه سفه واتلاف للمال واضاعة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال

[ 390 ]

(فصل) وعليه ضمان نقص الارض ان نقصت بالغرس والبناء وهكذا كل عين مغصوبة على الغاصب ضمان نقصها إذا كان نقصا مستقرا كاناء تكسر وطعام سوس وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا شق لرجل ثوبا شقا قليلا أخذ أرشه وان كثر فصاحبه بالخيار بين تسليمه وأخذ قيمته وبين امساكه مع الارش وروي عن أحمد كلام يحتمل هذا فانه قال في رواية موسى بن سعيد إن شاء شق الثوب وان شاء مثله يعني والله أعلم ان شاء أخذ ارش الشق ووجهه ان الجناية أتلفت معظم نفعه فكانت له المطالبة بقيمته كما لو قتل شاة له، وحكى أصحاب مالك عنه إذا جنى على عين فاتلف غرض صاحبها فيها كان المجني عليه بالخياران شاء رجع بما نقصت وإن شاء سلمها وأخذ قيمتها، ولعل ما يحكى عنه من قطع ذنب حمار القاضي ينبني على ذلك لانه أتلف غرضه به فانه لا يركبه في العادة وحجتهم أنه أتلف المنفعة المقصودة من السلعة فلزمته قيمتها كما لو أتلفها ولنا أنها جناية على مال أرشها دون قيمته فلم يملك المطالبة بجميع قيمته كما لو ان الشق يسيرا ولانها جناية نقص بها القيمة اشبه مالو لم يتلف غرض صاحبها وفي الشاة أتلف جميعها لان الاعتبار بالمجني عليه لا بغرض صاحبه لانه ان لم يصلح لصاحبه صلح لغيره. وعليه أجر الارض منذ غصبها إلى وقت تسليمه وهكذا كل ماله أجر فعلى الغاصب أجر مثله سواء استوفى المنافع أو تلفت تحت يده لانها

[ 391 ]

تلفت في يده العادية فكان عليه عوضها كالاعيان، وفيه اختلاف نذكره فيما يأتي ان شاء الله تعالى وان غصب أرضا فبناها دارا فان كانت آلات بنائها من مال الغاصب فعليه أجر الارض دون بنائها لانه إنما غصب الارض والبناء له فلم يلزمه أجز ماله وان بناها بتراب منها وآلات المغضوب منه فعليه أجرها مبنية لان الداركلها ملك للمغصوب منه وانما للغاصب فيها أثر الفعل فلا يكون في مقابلته أجر لانه وقع عدوانا. (فصل) وان غصب درار فنقضها ولم يبنها فعليه أجر دار إلى حين نقضها واجرها مهدومة من حين نقضها إلى حين ردها لان البناء انهدم وتلف فلم يجب أجره مع تلفه، وان نقضها ثم بناها بآلة من عنده فالحكم كذلك، وان بناها بآلتها أو آلة من ترابها أو ملك المغصوب منه فعليه اجرها عرصة منذ نقضها إلى أن بناها وأجرها دارا فيما قبل ذلك وبعده لان البناء للمالك، وحكمها في نقض بنائها الذي بناه الغاصب حكم مالو غصبها عرصة فبناها، وان كان الغاصب باعها فبناها المشتري أو نقضها ثم بناها لم يختلف الحكم وللمالك مطالبة من شاء منهما والرجوع عليه فان رجع عليه الغاصب رجع الغاصب على المشتري بقيمة ما أتلف من الاعيان لان المشتري دخل على انه مضمون عليه بالعوض فاستقر الضمان عليه، وان رجع المالك على المشتري رجع المشتري على الغاصب في نقص التالف ولم يرجع بقيمة ما تلف وهل يرجع كل واحد منها على صاحبه بالاجر؟ على روايتين وليس له مطالبة

[ 392 ]

المشتري من الاجر إلا باجرة مدة مقامها في يديه لان يده إنما تثبت حينئذ (مسألة) (وان غصب لوحا فرقع به سفينة لم يقلع حتى ترسي إذا كانت السفينة بخاف غرقها بقلع اللوح لم يقطع حتى تخرج إلى الساحل، وان كان في أعلاها لا تغرق بقلعه لزمه قلعه ولصاحب اللوح طلب قيمته فإذا أمكن رد اللوح استرجعه ورد القيمة كما لو غصب عبدا فأبق وقال أبو الخطاب ان كان فيها حيوان له حرمة أو مال لغير الغاصب لم يقلع كالخيط وان كان فيها مال للغاصب أولا مال فيها فكذلك أحد الوجهين والثاني يقلع في الحال لانه أمكن رد المغصوب فلزمه وان أفضى إلى تلف مال الغاصب كرد الساجة المبني عليها ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين ولنا أنه امكن رد المغصوب من غير اتلاف فلم يجز مع الاتلاف كما لو كان فيها مال غيره وفارق الساجة في البناء لانه لا يمكن ردها من غير اتلاف (مسألة) (وان غصب خيطا فخاط به جرح حيوان وخيف عليه من قلعه فعليه قيمته الا ان يكون الحيوان مأكولا للغاصب فهل يلزمه رده ويذبح الحيوان؟ على وجهين) هذه المسألة لا تخلو من ثلاثة اقسام (أحدها) ان يخيط به جرح حيوان لا حرمة له كالمرتد والخنزير والكلب والعقور فيجب رده لانه يتضمن تفويت ذي حرمة أشبه مالو خاط به ثوبا (الثاني) أن يخيط به جرح حيوان محترم لا يحل اكله كالآدمي فان خيف من نزعه الهلاك أو أبطأ برؤه فلا يجب لان الحيوان آكد حرمة

[ 393 ]

من غير المال ولهذا جاز له اخذ مال غيره لحفظ حيانه واتلاف المال لتبقيته وهو ما يأكله وكذلك الدواب التي لا يؤكل لحمها كالبغل والحمار الاهلي (الثالث) ان يخيط به جرح حيوان مأكول فان كان ملكا لغير الغاصب وخيف تلفه بقلعه لم يقطع لان فيه اضرارا بصاحبه ولا يزال الضرر بالضرر ولا يجب اتلاف مال من لم يجن صيانة لمال آخر وان كان للغاصب فقال القاضي يجب رده لانه يمكن ذبح الحيوان والانتفاع بلحمه وذلك جائز وان حصل فيه نقص على الغاصب فليس ذلك بمانع من وجوب رد المغصوب كنقض البناء وقال أبو الخطاب فيه وجهان احدهما هذا (والثاني) لا يجب قعله لان لليحوان حرمة في نفسه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين قال شيخنا ويحتمل ان يفرق بين ما يعد للاكل من الحيوان كبهيمة الانعام والدجاج وبين مالا يعدله كالخيل وما يقصد صوته ومن الطير فيجب ذبح الاول إذا توقف رد الخيط عليه ولا يجب ذبح الثاني لانه اتلاف له فجرى مجرى مالا يؤكل لحمه ومتى امكن رد الخيط من غير تلف الحيوان أو بعض اعضائه أو ضرر كثير وجب رده (مسألة) (فان مات الحيوان لزمه رده إلا ان يكون آدميا معصوما لان غير الآدمي لا حرمة له بعد الموت وحرمة الآدمي باقية ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كسر عظم الميت ككسره وهو حي) فعلى هذا يرد قيمته.

[ 394 ]

(مسألة) (وان غصب جارحا فصاد أو شبكة أو شركا فامسك شيئا غاو فرسا فصاد عليه أو أو غنم فهو لمالكه) كما لو غصب عبدا فصاد فان الصيد لسيد العبد ويحتمل انه للغاصب لان الصائد والجارحة آلة ولهذا اكتفى بتسميته عند ارسال الجارح وفيما إذا غصب فرسا أو سهما أو شبكة فصاد به وجه آخر انه للغاصب لان الصيد حصل بفعله وهذه آلات فأشبه مالو ذبح بسكين غيره فان قلنا هو للغاصب فعليه اجرة ذلك كله مدة مقامه في يده ان كان له اجر وان قلنا هو للمالك لم يكن له أجر في مدة اصطياده في أحد الوجهين لان منافعه في هذه المدة عادة إلى المالك فلم يستحق عوضها على غيره كما لو زرع أرض انسان فاخذ المالك الزرع بنفقته والثاني عليه أجر المثل لانه استوفى منافعه أشبه مالو لم يصد، ولو غصب عبدا فصاد أو كسب فالكسب للسيد وفي وجوب أجرة العبد على الغاصب في مدة كسبه وصيده الوجهان وإن غصب منجلا فقطع به خشبا أو حشيشا فهو للغاصب لان هذه آلة فهو كالحبل يربط به. (مسألة) (وان غصب ثوبا فقصره أو غزلا فنسجه أو فضة أو حديدا فضربه أو خشبا فنجره أو شاة فذبحها وشواها رد ذلك بزيادته وأرش نقصه) ولا شئ له هذا ظاهر المذهب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة في هذه المسائل ينقطع حق صاحبها عنها الا ان الغاصب لا يجوز له التصرف فيها الا بالصدقة الا أن يدفع قيمته فيملكها ويتصرف

[ 395 ]

فيها كيف شاء وروى محمد بن الحكم عن أحمد ما يدل على أن الغاصب يملكها بالقيمة إلا انه قول قديم رجع عنه فان محمدا مات قبل أبي عبد الله بنحو من عشرين سنة واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قوما من الانصار في دارهم فقدموا إليه شاة مشوية فتناول منها لقمة فجعل يلوكها ولا يسيغها فقال (ان هذه الشاة لتخبرني أنها أخذت بغير حق) قالو نعم يا رسول الله طلبنا في السوق فلم نجد فأخذنا شاة لبعض جيراننا ونحن نرضيهم من ثمنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أطعموها الاسرى) رواه أبو داود بنحو من هذا وهذا يدل على ان حق أصحابها انقطع عنها لولا ذلك لامر يردها عليهم ولنا أن عين مال المغصوب منه قائمة فلزم ردها إليه كما لو ذبح الشاة ولم يشوها ولانه لو فعله بملكه لم يزل عنه فكذلك إذا فعله يملك غيره كذبح الشاة وضرب النقرة دراهم ولانه لا يزيل الملك إذا كان بغير فعل آدمي فلم يزله إذا فعله آدمي كالذي ذكرناه وأما الخبر فليس بمعروف كما رووه في رواية أبي داود ونحن نرضيهم عنها. إذا ثبت هذا فانه لا شئ للغاصب بعمله سواء زادت العين أولم تزدوهذا مذهب الشافعي وعنه يكون شريكا بالزيادة ذكرها أبو الخطاب لانها حصلت بمنافعه والمنافع أجريت مجرى الاعيان أشبه مالو غصب ثوبا فصبغه والمذهب الاول ذكره أبو بكر والقاضي لان الغاصب عمل

[ 396 ]

في ملك غيره بغير اذنه فلم يستحق لذلك عوضا كما لو أغلى زيتا فزادت قيمته أو بنى حائطا لغيره أو زرع حنطة انسان في أرضه فأما صبغ الثوب فان الصبغ عين مال لا يزول ملك صاحبه عنه بجعله مع ملك غيره وهذا حجة عليه لانه إذا لم يزل ملكه عن صبغه بجعله في ملك غيره وجعله كالصفة فلان لا يزول ملك غيره بعلمه فيه أولى فان احتج بان من زرع في أرض غيره ترد عليه نفقته قلنا الزرع ملك للغاصب لانه عين ماله ونفقته عليه تز داد به قيمته فإذا أخذه مالك الارض احتسب بما انفق على ملكه وفي مسئلتنا عمله في ملك المغصوب منه بغير إذنه فكان لاغيا على اننا نقول إنما تجب قيمة الزرع على احدى الروايتين وقال ابو بكر يملكه وعليه قيمته لما روى محمد بن الحكم ووجهه كما ذكرنا والصحيح الاول (فصل) فان نقصت العين دون القيمة رد الموجود وقيمة النقص وان نقصت اليعن القيمة ضمنهما معا كالزيت إذا أغلاه وهكذا القول في كل ما تصرف فيه كنقرة ضربها دراهم أو حليا أو طينا جعله لبنا أو عزلا نسجه أو ثوبا قصره لانه نقص بفعل غير مأذون فيه أشبه مالو أتلف بعضه وان جعل فيه شيئا من عين ماله مثل ان سمر الدفوف بمساميره فله قلعها ويضمن ما نقصت الدفوف، وان كانت المسامير من الخشبة المغصوبة أو مال المغصوب منه فلا شئ للغاصب وليس له قلعها الا ان يأمره

[ 397 ]

المالك فيلزمه، وان كانت المسامير للغاصب فوهبها للمالك لم يجبر على قبلوها في أقوى الوجهين وان استأجر الغاصب على عمل شئ من هذا الذي ذكرناه فالاجر عليه والحكم في زيادته ونقصه كما لو فعل ذلك بنفسه وللمالك تضمين النقص من شاء منهما فان غرم الغاصب لم يرجع على أحد إذا لم يعلم الاجير الحال وان ضمن الاجير رجع على الغاصب لانه أتلف مال غيره بغير إذنه عالما بالحال، وإن ضمن الغاصب رجع على الاجير لان النقص حصل منه فاستقر الضمان عليه وإن استعان بمن فعل ذلك فهو كالاجير. (مسألة) (وان غصب أرضا فحفر فيها بئرا ووضع ترابها في أرض مالكها لم يملك طمها إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها في أحد الوجهين) إذا طمه المالك بطمها لزمه لانه يضر بالارض ولان التراب ملكه نقله من موضعه فلزمه رده كتراب الارض وكذلك لو حفر فيها نهرا أو حفر بئرا في ملك رجل بغير اذنه، وان أراد الغاصب طمها فمنعه المالك نظرنا فان كان له غرض في طمها بأن يسقط عنه ضمان ما يقع فيها أو يكون قد نقل ترابها إلى ملكه أو ملك غيره أو طريق يحتاج إلى تفريغه فله ذلك لما فيه من الغرض وبه قال الشافعي وان لم يكن له غرض مثل أن يكون قد وضع التراب في ملك المغصوب وأبرأه من ضمان ما يتلف بها لم يكن له طمها في أحد الوجهين لانه اتلاف لا نفع فيه فلم يكن له فعله كما لو غصب نقرة فطبعها دراهم ثم

[ 398 ]

أراد ردها نقرة وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وبعض الشافعية وقال بعضهم له طمها وهو الوجه الثاني لنا لانه لا يبرأ من الضمان بابراء المالك لكونه ابرأ مما لم يجب بعد وهو أيضا إبراء من حق غيره وهو الواقع فيها ولنا أن الضمان انما يلزمه لوجود التعدي فإذا رضي صاحب الارض زال التعدي فزال الضمان وليس هذا إبراء مما يجب انما هو اسقاط التعدي برضاه به وهكذا ينبغي أن يكون الحكم إذا لم يتلفظ بالابراء لكن منعه من طمها لانه يتضمن رضاه بذلك (مسألة) (وان غصب حبا فزرعه أو نوى فصار غرسا أو بيضا فصار فراخا رده ولا شئ للغاصب لانه عين مال المغصوب منه ويتخرج أن يملكه الغاصب كما إذا قصر الثوب أو ضرب الفضة لكونه غيره بفعله فالتغيير في البيضة أعظم فانه استحال بزوال اسمه، فعلى هذا يتخرج أيضا أن يكون شريكا بالزيادة كالمسألة الاولى (فصل) وان غصب دجاجة فباضت عنده ثم حضنت بيضها فصار فراخا فهما لما لكها ولا شئ للغاصب في علفها. قال أحمد في طيرة جاءت إلى دراه قوم فأفرخت عندهم يردها وفراخها إلى أصحاب الطيرة ولا شئ للغاصب فيما عمل وان غصب شاة فانزا عليها فحله فالولد لصاحب الشاة لانه من نمائها وان غصب فحلا فانراه عل شاته فالولد لصاحب الشاة لانه يتبع الامام ولا أجرة له لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل، وان نقصه الضراب ضمنه وان نقص المغصوب لزمه ضمان نقصه بقيمته رقيقا

[ 399 ]

كان أو غيره وبه قال الشافعي وعن احمد في العبد رواية أخرى أنه يضمن بما يضمن به في الاتلاف فيجب في يده نصف قيمته وفي موضحته نصف عشر قيمته وهو قول بعض أصحاب الشافعي لانه ضمان لابعاض العبد فكان مقدرا من قيمته كارش الجناية ولنا أنه ضمان مال من غير جناية فكان الواجب ما نقص كالبهيمة وكنقص الثوب يحققه أن القصد بالضمان جبر حق المالك بايجاب قدر المفوت عليه وقدر النقص هو الجابر ولانه لو فات الجميع لو جبت قيمته فإذا فات منه شئ وجب قدره من القيمة كغير الحيوان وضمان الجناية على أطراف العبد معدول به عن القياس للالحاق بالجناية على الحر والواجب ههنا ضمان اليد وهي لا تثبت على الحر فوجب البقاء فيه على موجب الاصل والحاقه بسائر الاموال المغصوبة على أن في الجناية على العبد رواية أنه يضمن بما نقص فتنفض الروايتان والتفريع على الاول، ويتخرج أن يضمنه بأكثر الامريين منهما لان سبب كل واحد منهما قد وجد، فأما ان كان النقص في الرقيق مما لا مقدر فيه كنقصه لكبر أو مرض أو شجة دون الموضحة فعليه ما نقص مع الرد لا غير لا نعلم فيه خلافا فان كان العبد أمرد فنبتت ليحته فنقصت قيمته وجب ضمان نقصه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب ضمانه لان الفائت لا يقصد قصدا صحيحا أشبه الصناعة المحرمة، ولنا أنه نقص في القبمة بتغير صفه فيضمنه كبقية الصور

[ 400 ]

(مسألة) (وان غصبه وجني عليه ضمنه بأكثر الامرين) وجملة ذلك أنه إذا غصب عبدا وجني عليه جناية مقدرة الدية فعلى قولنا ضمان الغصب ضمان الجناية يكون الواجب ارش الجناية كما لو جني عليه من غير غصب ونقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر وان قلنا ضمان الغصب غير ضمان الجناية وهو الصحيح فعليه أكثر الامرين من ارش النقنص أو دية ذلك العضو لان سبب كل واحد منهما وجد فوجب أكثرهما ودخل الآخر فيه فان الجناية واليد وجدا جميعا فلو غصب وقيمته الف فزادت قيمته إلى الفين ثم قطع يده فنقص الفا لزمه الف ورد العبد لان زيادة السوق إذا تلفت العين مضمونة ويد العبد كنصفه فكان يقطع يده فوت نصفه وان نقص الفا وخمسمائة وقلنا الواجب ما نقص فعليه الف وخمسمائة ويرد العبد وان قلنا ضمان الجناية فعليه الف ويرد العبد حسب وإن نقص خمسمائة فعليه رد العبد وهل يلزمه الف أو خمسمائة؟ على وجهين. (مسألة) (وان جنى عليه غير الغاصب فله تضمين الغاصب أكثر الامرين ويرجع الغاصب على الجاني بأرش الجناية وله تضمين الجاني أرش الجناية وتضمين الغاصب ما بقي من النقص) إذا غصب عبدا فقطع آخر يده فللمالك تضمين من شاء منهما لان الجاني قطع يده والغاصب حصل النقص

[ 401 ]

في يده فان ضمن الجاني ضمنه نصف الفيمة لا غير ولم يرجع على أحد لانه لم يضمنه أكثر مما وجب عليه ويضمن الغاصب ما زاد على نصف القيمة ان نقص أكثر من النصف ولا يرجع على أحد وان قلنا ضمان الغصب ضمان الجناية أو لم ينقص أكثر من نصف قيمته لم يضمن الغاصب ههنا شيئا وان اختار تضمين الغاصب وقلنا ان ضمان الغصب كضمان الجناية ضمنه نصف القيمة ورجع بها الغاصب على الجاني لان التلف حصل بفعله فاستقر الضمان عليه، وان قلنا ان ضمان الغصب بما نقص فلرب العبد تضمينه باكثر الامرين لان ما وجد في يده فهو في حكمه الموجود منه ثم يرجع الغاصب على الجاني بنصف القيمة لانها أرش جنايته فلا يجب عليه أكثر منها (مسألة) (وان غصب عبدا فخصاه لزمه رده ورد قيمته) إذا غصب عبدا فقطع خصييه أو يديه أو ذكره أو لسانه أو ما تجب فيه الدية من الحر لزمه رده ورد قيمته كلها نص عليه وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة يخير المالك بين ان يصبر ولا شئ له وبين أخذ قيمته ويملكه الجاني لانه ضمان مال فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه كسائر الاموال ولنا ان المتلف البعض فلا يقف ضمانه على زوال الملك كقطع ذكر المدبر ولان المضمون التالف فلا يزول الملك عن غيره بضمانه كما لو قطع تسع أصابع، وبهذا ينفصل عما ذكروه فان الضمان في مقابلة

[ 402 ]

التالف لا في مقابلة الجملة، فان ذهبت هذه الاعضاء بغير جناية فهل يضمنها ضمان الاتلاف أو ما نقص؟ على روايتين مضى ذكرهما، وعن أحمد رواية أخرى أن عين الدابة تضمن بربع قيمتها من الخيل والبغال والحمير فانه قال في رواية أبي الحارث في رجل فقأ عين دابة عليه ربع قيمتها قيل له فقأ العينين؟ قال إذا كانت واحدة فقال عمر ربع القيمة واما العينان فما سمعت فيهما شيئا قيل له فان كان بعيرا أو بقرة أو شاة؟ فقال هذا غير الدابة هذا ينتفع بلحمه ينظر ما نقصها، وهذا يدل على ان احمد انما أو جب مقدرا في العين الواحدة من الدابة وهي الغرس والبغل والحمار خاصة للاثر الوارد فيه وما عدا هذا يرجع إلى القياس. واحتج أصحابنا لهذه الرواية بما روى زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم قضي في عين الدابة بربع قيمتها وروي عن عمر رضي الله عنه انه كتب إلى شربح لما كتب إليه يسأله عن عين الدابة: انا كنا نزلها منزلة الآدمي الا أنه اجمع رأينا ان قيمتها ربع الثمن. وهذا اجماع يقدم على القياس ذكر هذين أبو الخطاب في رءوس المسائل، وقال أبو حنيفة إذا قلع عيني بهيمة ينتفع بها من وجهين كالدابة والبعير والبقرة وجب نصف قيمتها وفي إحداهما ربع قيمتها لقول عمر أجمع رأينا على ان قيمتها ربع الثمن، والمذهب ان قدر الارش ما نقص من القيمة كسائر الاعيان فاما حديث زيد بن ثابت فلا أصل له ولو كان صحيحا لما احتج احمد وغيره بحديث عمر وتركوه واما قول عمر فمحمول على ان ذلك كان قدر نقصها كما روي عنه أنه قضى في العين الفائمة بخمسين دينارا

[ 403 ]

(مسألة) (وإن نقصت قيمة العين لتغير الاسعار لم يضمن نص عليه) وهو قول جمهور العلماء وحكي عن ابى ثور انه يضمنه لانه يضمنه إذا تلفت العين فلزمه إذا ردها كالسمن وذكره ابن أبي موسي رواية عن احمد ولنا انه رد العين بحالها لم تنقص منها عين ولا صفه فلم يلزمه شئ كما لو لم تنقص ولانسلم انه يضمنها مع تلف العين وان سلمنا فلانه وجبت قيمة العين اكثر ما كانت قيمتها فدخلت في التقويم بخلاف ما إذا ردها فان القيمة لا تجب ويخالف السمن فانه من عين المغصوب والعلم بالصناعة صفة فيها وههنا لم تذهب عين ولا صفة ولانه لا حق للمغصوب منه في القيمة مع بقاء العين وانما حقه في العين وهي باقية كما كانت ولان الغاصب يضمن ما غصبه والقيمة لا تدخل في الغصب بخلاف زيادة العين فانها مغصوبة وقد ذهبت (مسألة) وان نقصت القيمة لمرض أو غيره ثم عادت ببرئه لم يلزمه شئ الارده) إذا مرض المغصوب ثم برئ أو ابيضت عينه ثم زال بياضها أو غصب جارية حسناء فسمنت سمنا نقصها ثم خف سمنها فعاد حسنها وقيمتها ردها ولا شئ عليه لانه لم يذهب ماله قيمة والعيب الذي أوجب الضمان زال في يديه، وكذلك لو حملت فنقصت ثم وضعت فزال نقصها لم يضمن شيا فان رد المغصوب ناقصا بمرض أو عيب أو سمن مفرط أو حمل فعليه أرش نفصه فان زال عيبه في يد مالكه لم يلزمه رد ما أخذ لانه استقر ضمانه برد المغصوب وكذلك أن اخذ المغصوب دون أرشه ثم زال العيب قبل أخذ أرشه لم يسقط ضمانه لذلك (مسألة) وإن زادت القيمة لسمن أو غيره ثم نقصت ضمن الزيادة) إذا زادت قيمة المغصوب في يد

[ 404 ]

الغاصب لسمن أو تعلم صنعة مثل ما إذا غصب عبدا أو امة وقيمته مائة فزاد بتعليمه أو في بدنه حتى صارت قيمته مائتين ثم نقص بنقصان بدنه أو نيسان ما علم حتى صارت قيمته مائة لزمه رده وياخذ من الغاصب مائة وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب عليه عوض الزيادة الا ان يطالب بردها زائدة فلا يردها لانه رد العين كما أخذها فلم يضمن نقص قيمتها كنقص سعرها، وذكر ابن أبى موسى في الارشاد رواية ان المغصوب إذا زادت قيمته بسمن أو تعلم صنعة ثم نقصت بزوال ذلك فلا ضمان عليه إذا رده بعينه ولنا انها زيادة في نفس المغصوب فلزم الغاصب ضمانها كما لو طالبه بردها فلم يفعل ولانها زادت على ملك المغصوب منه فلزمه ضمانها كما لو كانت موجودة حال الغصب، وفارق زيادة السعر لانها لو كانت موجودة حال الغصب لم يضمنها والصناعة وإن لم تكن من عين المغصوب فهي صفة فيه ولذلك يضمنها إذا طولب برد العين وهي موجودة فلم يردها، اجريناها هي والتعليم مجرى السمن الذي هو عين لانها صفة تتبع العين، واجر ينا الزيادة الحادثة في يد الغاصب مجرى الزيادة الموجودة حال الغصب لانها زيادة في العين المملوكة للمغصوب منه فتكون مملوكة له لانها تابعة للعين، فاما ان غصب العين سمينة أو ذات صناعة فهزلت أو نسيت فنقصت قيمتها فعليه ضمان نقصها لا نعلم فيه خلافا لانها نقصت عن حال غصبها نقصا اثر في قيمتها فوجب ضمانها كما لو ذهب بعض أعضائها (فصل) إذا غصبها وقيمتها مائة فسمنت فبلغت قيمتها الفاثم تعلمت صناعة فبلغت الفين ثم هزلت ونسيت

[ 405 ]

فعادت إلى مائة ردها ورد الفا وثمانمائة لانها نقصت بالهزال تسعمائة وبالنسيان تسعمائة وإن سمنت فبلغت الفا ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت فعادت إلى الف ردها وتسعمائة لان زوال الزيادة الاولى أو جب الضمان ثم حدثت زيادة اخرى من وجه آخر على ملك المغصوب منه فلا ينجبر ملك الانسان بملكه (مسألة) (فان عاد مثل الزيادة الاولى من جنسها مثل ان كانت قيمتها مائة فسمنت فبلغت الفاثم هزلت فعادت إلى مائة صم سمنت فعادت إلى الف ففيه وجهان) (احدهما) يردها زائدة ويضمن نقص الزيادة الاولى كما لو كانا من جنسين لان الزيادة الثانية غير الاولى، فعلى هذا ان هزلت مرة ثانية فعادت إلى مائة ضمن النقصين بألف وثمانمائة (والثاني) إذا ردها سمينة فلا شي ء عليه لان ما ذهب عاد فهي كما لو مرضت فنقصت ثم برئت فعادت القيمة أو نسيت صناعة ثم تعلمتها أو أبق عبد ثم عاد وفارق ما إذا زادت من جهة أخرى لانه لم يعد ما ذهب وهذا الوجه أقيس لما ذكرنا من الشواهد فعلى هنا لو سمنت بعد الهزال ولم تبلغ قيتهما إلى ما بلغت بالسمن الاول أو زادت عليه ضمن أكثر الزيادتين وتدخل فيها الاخرى وعلى الوجه الاول يضمنهما جميعا، فأما ان زادت بالتعليم أو الصناعة ثم نسبت ثم تعلمت ما نسيته فعادت القيمة الاولى لم يضمن النقص الاول لان العلم الثاني هو الاول فقد

[ 406 ]

عاد ما ذهب، وان تعلمت علما آخر أو صناعة أخرى فهو كعود السمن فيه وجهان ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي، وقال أبو الخطاب متى زادت ثم نقصت ثم زادت مثل الزيادة الاولى ففي ذلك وجهان سواء كانا من جنس كالسمن مرتين أو من جنسين كالسمن والتعلم والاول أولى (مسألة) (وان كانت من غير جنس الاولى لم يسقط ضمانها) قد ذكرناه في المسألة قبلها (مسألة) (وان غصب عبدا مفرطا في السمن فهزل فزادت قيمته أو لم ينقص رده ولا شئ عليه) لان الشرع انما أوجب في هذا ما نقص من القيمة ولم يقدر بدله ولم تنقص القيمة فلم يجب شئ (فصل) فان نقصت عين المغصوب دون قيمته لم يخل من ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون الذاهب مقدر البدل كعبد خصاه وزيت أغلاه ونقرة ضربها دراهم فنقصت عينها دون قيمتها فانه يجب ضمان النقص فيضمن العبد بقيمته ونقص الزيت والنقرة بمثلها مع رد الباقي منهما لان الناقص من العين له بدل مقدر فلزم ما يقدر به كما لو اذهب الكل (الثاني) أن لا يكون مقدرا كهزال العبد إذا لم تنقص قيمته وقد ذكرناه (الثالث) ان يكون النقص مقدر البدل لكن الذاهب منه اجزاء غير مقصودة كعصير اغلاه فذهبت مائيته وانعقدت اجزاؤه فقصت عينه دون قيمته فلا شئ فيه في أحد الوجهين سوى رده لان النار انما اذهبت مائيته التي يقصد اذهابها ولهذا تزداد حلاوته وتكثر قيمته فهو كسمن العبد الذي لا تنقص به قيمته إذا ذهب (والثاني) يجب ضمانه لانه مقدر البدل فأشبه الزيت إذا اغلاه، ان نقصت العين والقيمة جميعا وجب في الزيت وشبهه ضمان النقصين جميعا لان كل واحد منهما مضمونا منفردا فكذلك إذا اجتمعا

[ 407 ]

وذلك مثل رطل زيت قيمته درهم فأغلاه فنقص ثلثه وصار قيمة الباقي درهم فعليه ثلث رطل وسدس درهم وان كان قيمة الباقي ثلثي درهم فليس عليه أكثر من ثلث رطل لان قيمة الباقي لم تنقص وان خصى العبد فنقصت قيمته فليس عليه أكثر من ضمان خصييه لان ذلك بمنزلة مالو فقأ عينه (مسألة) (وان نقص المغصوب نقصا غير مستقر كخطة ابتلت وعفنت وخشي فسادها فعليه ضمان نقصه) وقال القاضي عليه بدله لان لا يعلم قدر نقصه وهذا منصوص الشافعي وله قول آخر أنه يضمن نقصه وكلما نقص شئ ضمنه لانه يستند إلى السبب الموجود في يد الغاصب فكان كالموجود في يده وقال أبو الخطاب يتخير صاحبه بين أخذ بدله وبين تركه حتى يستقر فساده ويأخذ ارش نقصه وهو الذي ذكره شيخنا في الكتاب المشروح، وقال أبو حنيفة يتخير بين أخذه ولا شئ له أو تسليمه إلى الغاصب ويأخذ قيمته لانه لو ضمن النقص مع أخذه لحصل له مثل كيله وزيادة وهذا لا يجوز كما لو باع قفيزا جيدا بقفيز ردئ ولنا أن عين ماله باقية وانما حدث فيه نقص فوجب فيه ما نقص كما لو كان عبدا فمرض، وقد وافق بعض أصحاب الشافعي على هذا في العفن وقال بضمن ما نقص قولا واحدا ولا يضمن ما تولد فيه لانه ليس من فعله وهذا الفرق لا يصح لان البلل قد يكون من غير فعله أيضا وقد يكون العفن بسبب منه ثم ان ما وجد في يد العاصب فهو مضمون عليه لوجوده في يده فلا فرق، وقول أبي حنيفة لا يصح

[ 408 ]

لان الطعام عين ماله وليس ببدل عنه وقال شيخنا: وقول أبي الخطاب لا بأس به والله أعلم (مسألة) (وان جنى المغصوب فعليه ارش جنايته سواء جنى على سيده أو غيره) إذا جنى العبد المغصوب فجنايته مضمونة على الغاصب لانه نقص في العبد الجاني لكون الجناية تتعلق برقبته فكان مضمونا على الغاصب كسائر نقصه وسواء في ذلك ما يوجب القصاص أو المال ولا يلزمه أكثر من النقص الذي لحق العبد وكذلك ان جنى على سيده لانها من جملة جناياته فكان مضمونا كالجناية على الا جني (فصل) ويضمنه بأقل الامرين من قيمته أو أرش جنايته كما يفديه سيده، وان جنى على ما دون النفس مثل أن قطع يدا فقطعت يده قصاصا فعلى الغاصب ما نقص العبد بذلك دون ارش اليد لان اليد ذهبت بسبب غيره مضمون فأشبه مالو سقطت، وان عفي عنه على مال تعلق ارش اليد برقبته وعلى الغاصب أقل الامرين من قيمته أو ارش اليد، فان زادت جناية العبد على قيمته ثم مات فعلى الغاصب يدفعها إلى سيده فإذا أخذها تعلق ارش الجناية بها لانها كانت متعلقة بالعبد فتعلقت ببدله كما أن الرهن إذا أتلفه متلف وجبت قيمته وتعلق الرهن بها، فإذا اخذ ولي الجناية القيمة من المالك رجع المالك على الغاصب بقيمته مرة أخرى لان القيمة التي أخذها استحقت بسبب كان في يد الغاصب فكان من ضمانه، ولو كان العبد وديعة فجنبي جناية استغرقت قيمته ثم ان المودع قتله بعدها

[ 409 ]

فعليه قيمته وتعلق بها ارش الجناية فإذا أخذها ولي الجناية لم يرجع على المودع لانه جنبى وهو غير مضمون عليه ولو جنى العبد في يد سيده جناية تستغرق قيمته بيع في الجنايتين وقسم ثمنه بينهما ورجع صاحب العبد على الغاصب بما أخذه الثاني منهما لان الجناية كانت في يده وكان للمجني عليه أولا أن يأخذه دون الثاني لان الذي يأخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانيا فلا يتعلق به حقه ويتعلق به حق الاول لانه بدل عن قيمة الجاني لا يزاحم فيه، وان مات هذا العبد في يد الغاصب فعليه قيمته تقسيم بينهما ويرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة لانه ضامن للجناية الثانية ويكون للمجني عليه أولا أن يأخذه لما ذكرنا (مسألة) (وجنايته على الغاصب وعلى ماله هدر) لانه إذا جنى على أجنبي وجب ارشه على الغاصب فلو وجب له شئ لوجب على نفسه فكان هدرا (مسألة) (ويضمن زوائد الغصب كالولد والثمرة إذا تلفت أو نقصت كالاصل سواء كان منفردا أو مع أصله مثل ثمرة الشجرو ولد الحيوان) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب ضمان زوائد الغصب الا أن يطالب بها فيمنع من أدائها لانها غير مغصوبة فلا يجب ضمانها كالوديعة ودليل عدم الغصب أنه فعل محرم، بثبوت يده على هذه الزوائد واثبات يده على الام محظور لا يصح لانه بامساك الام تسبب إلى اثبات يده

[ 410 ]

(مسألة) (فان خلط المغصوب بماله على وجه لا يتميز منه مثل أن خلط حنطة أو زيتا بمثله لزمه مثله منه في أحد الوجهين وفي الآخر يلزمه مثله من حيث شاء) إذا خلط المغصوب بماله بحيث لا يتميز منه كزيت بزيت أو دقيق بمثله أو دراهم أو دنانير بمثلها فقال ابن حامد يلزمه مثل المغصوب منه وهو ظاهر كلام أحمد لانه لا نص على ان يكون شريكا له إذا خلطه بغير جنسه فيكون تنبيها على ما إذا خلطه بجنسه وهو قول بعض الشافعية الا في الدقيق فانه تجب قيمته لانه عندهم ليس بمثلي وقال القاضي قياس المذهب أنه يلزمه مثله من حيث شاء الغاصب لانه تعذر عليه رد عين ماله بالخلط أشبه مالو تلف لانه لا يتميز له شئ من ماله ولنا أنه قدر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي فلم يتنقل إلى المثل في الجميع كما لو غصب صاعا فتلف بعضه وذلك لانه إذا دفع إليه منه فقد دفع إليه بعض ماله وبدل الباقي فكان أولى من دفعه من غيره (مسألة) (وان خلطه بدونه أو خير منه أو بغير جنسه فله مثله في قياس التي قبلها) وظاهر كلام أحمد أنهما شريكان بقدر ملكيهما فانه قال في رواية أبي الحارث في رجل له رطل زيت وآخر له رطل شيرج اختلطا يباع الدهن كله ويعطى كل واحد منهما قدر حصته وذلك أننا إذا فعلنا ذلك أو صلنا إلى كل واحد منهما يدل عين ماله، وان نقص المغصوب عن قيمته منفردا فعلى الغاصب

[ 411 ]

ضمان النقص لانه حصل بفعله، وقال القاضي قياس المذهب أن يلزم الغاصب مثله لانه صار بالخلط مستهلكا ولذلك لو اشترى زيتا فخلطه بزيته ثم أفلس صار البائع كبعض الغرماء لانه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله فكان له بدله كما لو كان تالفا ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على ما إذا اختلطا من غير غصب. أما المغصوب فقد وجد من الغاصب ما منع المالك أخذ حقه من المثليات متميزا فلزمه مله كما لو أتلفه. (فصل) الا انه إذا خلطه يخير منه وبذل لصاحبه مثل حقه منه لزمه قبوله لانه اوصل إليه بعض حقه بعينه وتبرع بالزيادة في مثل الباقي، وان خلطه بأدنى منه فرضي المالك بأخذ قدر حقه منه لزم الغاصب بذله لانه أمكنه رد بعض المغصوب ورد مثل الباقي من غير ضرر وقيل لا يلزم الغاصب ذلك لان حقه انتقل إلى الذمة فلم يجبر على عين ماله، وان بذله للمغصوب منه فأباه لم يجبر على قبوله لانه ان كان دون حقه من الردئ أو دون حقه من الجيد لم يجز لانه ربا لكونه يأخذ الزيادة في القدر عوضا عن الجودة وان كان بالعكس فرضي بأخذ دون حقه من الردئ أو سمح الغاصب بدفع أكثر من حقه من الجيد جاز لانه لا مقابل للزيادة وانما هي تبرع مجرد، وان خلطه بغير جنسه فتراضيا على أن يأخذا كثر من قدر حقه أو أقل جاز لانه بماله من غير جنس فلاتحرم الزيادة بينهما (فصل) وان خاله بما لا قيمة له كزيت خلطه بماء أو لبن شابه بماء فان أمكن تخليصه خاصه ورده

[ 412 ]

ورد نقصه وان لم يكن تخليصه أو كان ذلك يفسده لزمه مثله لانه صار كالهالك وان كان يفسده رده ورد نقصه وان احتج في تخليصه إلى غرامة لزم الغصب ذلك لانه سببه ولاصحاب الشافعي في هذه الفصول نحو ما ذكرنا. (مسألة) (وان غصب ثوبا فصبغه أو سويقا فلته بزيت وكان الصبغ والزيت من مال الغاصب فان نقصت قيمتهما أو قيمة أحدهما ضمن لغاصب النقص) لانه بتعديه الا أن ينقص لتغير الاسعار فلا يضمن لما ذكرنا من قبل (مسألة) (وان لم تنقص ولم تزد مثل أن كانت قيمة كل منهما خمسة فصارت قيمتهما عشرة فهما شريكان) لان الصبغ والزيت عين مال له قيمة فان تراضيا بتركه لهما جاز وان باعه فثمنه بينهما نصفين (مسألة) (وإن زادت قيمتهما مثل ان كانت قيمة كل واحد منهما خمسة فصارت قيمتهما عشرين فان كان ذلك لزيادة الثياب في السوق كانت الزيادة لصاحب الثوب وان كانت لزيادة الصبغ فهي لصاحب الصبغ وان كانت لزيادتهما معا فهي بينهما على قدر زيادة كل واحد منهما) فان تساويا في الزيادة في السوق تساوا صاحباها فيها وان زاد أحدهما ثمانية والآخر اثنين فهي بينهما كذلك، وان زاد ابا لعمل فالزيادة بينهما لان عمل الغاصب زاد به في الثوب والصبغ وما علمه في المغصوب للمغصوب منه إذا كان أثرا وزيادة مال الغاصب له

[ 413 ]

(مسألة) (وان أراد أحدهما قلع الصبغ لم يجبر الآخر عليه ويحتمل ان يجبر إذا ضمن له الغاصب النقص) إذا أراد الغاصب قطع الصبغ فقال أصحابنا له ذلك سواء أضر بالثوب أو لم يضر ويضمن نقص الثوب ان نقص وبهذا قال الشافعي لانه عين ماله فملك أخذه كما لو غرس في أرض غيره، ولم يفرق أصحابنا بين ما يهلك صبغه بالقلع وبين مالا يهلك قال شيخنا وينبغي ان ما يهلك بالقلع لا يملك قلعه لانه سفه وظاهر كلام الخرقي أنه لا يملك قلعه إذا تضرر به الثوب لانه قال في المشتري إذا بنى أو غرس في الارض المشفوعة فله أخذه إذا لم يكن في أخذه ضرر، وقال أبو حنيفة ليس له أخذه لان فيه اضرارا بالثوب المغصوب فلم يمكن منه كقطع خرقة منه، وفارق قلع الغرس لان الضرر قليل ويحصل به نفع قلع العروق من الارض وان اختار المغصوب منه قلع الصبغ ففيه وجهان (أحدهما) يملك اجبار الغاصب عليه كما يملك اجباره على قلع شجرة من أرضه وذلك لانه شغل ملكه بملكه على وجه أمكن تخليصه فلزمه تخليصه وان استضر الغاصب كقلع الشجر وعلى الغاصب ضمان نقص الثوب وأجر بالاستخراج وقد أمكن وصول الحق إلى مستحقه بدونه بالبيع فلم يجبر على قلع كقلع الزرع من الارض، وفارق الشجر فانه لا يتلف بالقلع قفال القاضي هذا ظاهر كلام أحمد ولعله أخذ ذلك من قول

[ 414 ]

أحمد في الزرع وهذا مخالف للزرع لان له غاية ينتهي إليها ولصاحب الارض أخذه بنفقته فلا يمتنع عليه اتسرجاع ارضه في الحال بخلاف الصبغ فانه لا نهاية له الا تلف الثوب فهو أشبه بالشجة في الارض ولا يختص وجوب القلع في الشجر بما لا يتلف فانه يجبر على قلع ما يتلف وما لا يتلف ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين. (فصل) وان بذل رب الثوب قيمة الصبغ للغاصب ليملكه لم يجبر على قبوله لانه اجبار على بيع ماله فلم يجبر عليه كما لو بذل له قيمة الغراس ويحتمل أن يجبر على ذلك إذا لم يقلعه قياسا على الشجر والبناء في الارض المشفوعة والعارية وفي الارض المغصوبة إذا لم يقله الغاصب ولانه أمر يرتفع به النزاع ويتخلص به أحدهما من صاحبه من غير ضرر فاجبر عليه كما ذكرنا، وان بذل الغصب قيمة الثوب لصاحبه ليملكه لم يجبر على ذلك كما لو بذل صاحب الغرس قيمة الارض لما لكها في هذه المواضع (مسألة) (وان وهب الغاصب الصبغ للمالك أو وهبه تزويق الدار ونحوها فهل يلزه قبوله؟ على وجهين) (أحدهما) يلزمه لان الصبغ صار من صفات العين فهو كزيادة الصفة في المسلم فيه وهذا ظاهر كلام الخرقي لانه قال في الصداق إذا كان ثوبا فصبغته فبذلت له نصفه مضبوغا لزمه قبوله (والثاني) لا يجبر لانها أعيان متميزة فأشبهت الغراس، وان أراد المالك بيع الثوب وأبي الغاصب فله بيعه لانه ملكه فلا يملك الغاصب منعه من بيع ملكه بعدوانه وان أراد الغاصب بيعه لم يجبر المالك

[ 415 ]

على بيعه لانه منه فلم يستحق ازالة ملك صاحب الثوب عنه بعدوانه ويحتمل أن يجبر ليصل الغاصب إلى ثمن صبغه. (مسألة) (وان غصب صبغا فصبغ به ثوبا أو زيتا فلت به سويقا احتمل أن يكون كذلك كما إذا غصب ثوبا فصبغه حكمه كحكمه إذا كان الثوب والسويق للغاصب لانه خلط المغصوب بماله ويحتمل ان يلزمه قيمته أو مثه ان كان مثليا لان المغصوب الصبغ وقد تفرق في الثوب وتلف يخلاف المسألة المتقدمة. (مسألة) (وان غصب ثوبا وصبغا فصبغه به رده وأرش نقصه ولا شئ في زيادته) إذا غصب ثوبا وصبغا من واحد فصبغه به فلم تزد قيمتهما ولم تنقص أو زادت القيمة ردهما ولا شئ عليه وليس للغاصب شئ في الزيادة لانه انما له في الصبغ أثر لا عين وان نقص لزمه ضمان النقص لانه بتعديه إلا أن ينقص لتغير الاسعار (فصل) وان غصب ثوب رجل وضبغ آخر فصبغه به فان كانت القيمتان بحالهما فهما شريكان بقدر ماليهما وان زادت فالزيادة لهما وان نقصت بالصبغ فالضمان على الغاصب ويكون النقص من صاحب الصبغ لانه تبدد في الثوب ويرجع بها على الغاصب، وان نقص لنقص سعر الثياب أو الصبغ أو لنقص سعرهما لم يضمنه الغاصب وكان نقص كل واحد منهما من صاحبه، وان أراد صاحب الصبغ قلمه أو أراد

[ 416 ]

ذلك صاحب الثوب فالحكم فيه كما لو صبغه الغاصب بصبغ من عنده على ما مر بيانه والحكم فيما إذا غصب سويقا فلته بزيت أو عسلا ونشا فعقده حلواء حكم مالو غصب ثوبا فصبغه على ما ذكر فيه (فصل) (وان وطئ الجارية فعليه الحد والمهر وأرش البكارة) إذا غصب جارية فوطئها فهو زان لانها ليست زوجته ولا مك يمين وعليه حد الزنا ان كان عالما بالتحريم وعليه مهر مثلها مكرهة كانت أو مطاوعة وقال الشافعي لامهر للمطاوعة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي: ولنا ان المهر حق للسيد فلم يسقط بمطاوعتها كما لو أذنت في قطع يدها ولانه حق للسيد يجب مع الاكراه فيجب مع المطاوعة كأجر منافعها والخبر محمول على الحرة، ويجب أرش بكارتها لانها بدل جزء منها ويحتمل أن لا يجب لانه يدخل في مهر الكبر ولهذا يزيد على مهر الثيب عادة لاجل ما يتضمنه من تفويت البكارة ووجه الاول ان كل واحد منهما يضمن منفردا بدليل أنه لو وطئها ثيبا وجب مهرها وإذا أفضاها باصبعه وجب أرش بكارتها فكذلك وجب ان يضمنهما إذا اجتمعا وعنه لا يلزمه مهر الثيب لانه لم ينقصها ولم يؤلهما أشبه مالو قبلها والاول أولى (مسألة) (وان ولدت فالولد رقيق للسيد لانه من نمائها وأجزائها ولا يلحق نسبه بالواطئ لانه من زنا وان وضعته حيا وجب رده معها كزاوئد الغصب وان أسقطته ميتا لم يضمن لانا لا نعلم

[ 417 ]

حياته قبل هذا هذا، قول القاضي وهو ظاهر مذهب الشافعي عند أصحابه وقال القاضي أبو الحسين يجب ضمانه يقيمته لو كان حيا نص عليه الشافعي لانه يضمنه لو سقط بضربة وما يضمن بالاتلاف يضمنه الغاصب إذا تلف في يده كأجرة الارض، قال شيخنا والاولى ان شاء الله انه يضمنه بعشر قيمة أمه لانه الذي يضمنه به في الجناية وان وضعته حياثم مات ضمنه بقيمته (مسألة) (ويضمن نقص الولادة ولا ينجبر بزادتها بالولد) وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة ينجبر نقصها بولدها. ولنا ان ولدها ملك للمصغوب منه فلا ينجبر به نقص حصل بجناية الغاصب كالنقص الحاصل بغير الولادة وان ضرب العاصب بطنها فالقت الجنين ميتا فعليه عشر قيمة أمه وان فعله أجنبي ففيه مثل ذلك وللمالك تضمين أيهما شاء ويستقر الضمان على الضارب لان الاتلاف وجد منه، وان ماتت الجارية فعليه قيمتها أكثر ما كانت ويدخل في ذلك أرش بكارتها ونقص ولادتها ولا يدخل فيه ضمان ولدها ولامهر مثلها، ولا فرق في هذه الاحوال بين المكرهة والمطاوعة لانها حقوق لسيدها ولا تسقط بمطاوعتها وقد ذكرنا الخلاف في مهر المطاوعة، فاما حقوقا لله تعالى من الحد والتعزير فان كانت مطاوعة عالمة بالتحريم فعليها الحد إذا كانت من أهله والافلا (فصل) فان كان الغاصب جاهلا بتحريم ذلك لقرب عهده بالاسلام أو ناشئا بيادية بعيدة يخفى

[ 418 ]

عليه مثل هذا أو اعتقدها أمته فاخذها ثم بان انها غيرها فلا حد عليه لان الحدود تدرأ بالشبهات وعليه المهر وأرش البكارة وان حملت فالولد حر لاعتقاده أنها ملكه ويحلقه النسب لمكان الشبهة وان وضعته ميتا لم يضمنه لانه لم يعلم حياته ولانه لم يحل بينه وبينه وانما وجب تقويمه لا جل الحيلولة وان وضعته حيا فعليه قيمته يوم انفصاله لانه فوت عليه رقه باعتقاده ولا يمكن تقويمه حملا فقوم عليه عند انفصاله لانه أول حال امكان تقويمه ولانه وقت الحيلولة بينه وبين سيده، وان ضرب الغاصب بطنها فألقت جنبنا ميتا فعليه غرة قيمتها خمس من الابل موروثة عنه لا يرث الضارب منها شيئا لانه أتلف جنبنا حرا وعليه للسيد عشر قيمة أمه لان الاسقاط لما يعقب الضرب ينسب إليه لان الظاهر حصوله به وضمانه للسيد ضمان المماليك ولهذا لو وضعته حيا قومناه مملوكا، وان ضربه أجبني فعليه غرة دية الجنين الحر لانه محكوم بحريته وتكون مورثة عنه وعلى الغاصب عشر قيمة امه لانه يضمنه ضمان المماليك وقد فوت رقه على السيد وحصل التلف في يديه، والحكم في المهر والارش والاجر ونقص الولادة وقيمتها ان تلفت على ما ذكرنا ان كانا عاليمن لان هذه حقوق الآدميين فلا تسقط بالجهل والخطأ كالدية (مسألة) (وان باعها أو وهبها لعالم بالغصب فوطئها فللمالك تضمين أيهما شاء نقصها ومهرها وأجرتها وقيمة ولدها ان تلف فان ضمن الغاصب رجع على الآخر ولا يرجع الآخر عليه)

[ 419 ]

تصرف الغاصب في العين المضمونة فاسد لانه تصرف في مال الغير بغير اذنه وفيه اختلاف نذكره ان شاء الله تعالى، فإذا باع الجارية المغصوبة أو وهبها لعالم بالنصب فوطئها فللمالك تضمين الغاصب لانه السبب في ايصالها إلى المشتري وله تضمين المشتري والمتهب لانه المتلف ويستقر الضمان على المشتري لان كل واحد منهما غاصب لان الغصب الاستيلاء على مال الغير قهرا بغير حق وقد وجد منهما ولان كل واحد منهما يلزم ردها إذا كانت في يده لان يده عليها بغير حق وقد قال عليه الصلاة والسلام (على اليد ما اخذت حتى تؤدى) ويلزم المشتري كل ما يلزم الغاصب من النقص والمهر وغيره لانه غاصب وقد ذكرنا دليله في المسألة قبلها الا أن المالك ان ضمن الغاصب رجع على المشتري والمتهب ولا يرجع الآخر على الغاصب بما ضمنه لانه المتلف فاستقر الضمان عليه (مسألة) (وإن لم يعلما بالغصب فضمنهما رجعا على الغاصب) إذا باع الغاصب الجارية فبيعه فاسد لما ذكرنا وفيه رواية أخرى أنه يصح ويقف على إجازة المالك وفيه رواية ثالثة أن البيع يصح لما نذكره والتفريع على الرواية الاولى، والحكم في وطئ المشترى كالحكم في وطئ الغاصب الا أن المشتري إذا ادعى الجهالة قبل منه بخلاف الغاصب فانه لا يقبل منه إلا بالشرط الذي ذكرناه ويجب رد الجارية إلى سيدها وللمالك مطالبة أيهما شاء بردها لان الغاصب أخذها بغير حق والمشتري أخذ مال غيره بغير حق

[ 420 ]

أيضا فيدخل في عموم قوله عليه السلام (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) وهذا لا خلاف فيه بحمدالله ويلزم المشتري المهر لانه وطئ جارية غيره بغير نكاح وعليه أرش البكارة ونقص الولادة كالغاصب ويلزم ذلك مع الجهل لان الاتلاف لا يعذر فيه بالجهل والنسيان (مسألة) (وإن ولدت منه فالولد حر) لانه اعتقد أنه يطأ مملوكته فمنع ذلك انخلاق الولد رقيقا ويلحقه النسب وعليه فداؤهم لانه فوت رقهم على السيد باعتقاده حل الوطئ هذا الصحيح من المذهب وعليه الاصحاب، وقد نقل ابن منصور عن أحمد أن المشتري لا يلزمه فداء أولاده وليس للسيد بدلهم لانهم كانوا في حال العلوق أحرارا ولم تكن لهم قيمة حينئذ قال الخلال أحسبه قولا لابي عبد الله أول والذي أذهب إليه أنه يفديهم وقد نقله ابن منصور أيضا وجعفر به محمد وهو قول أبى حنيفة والشافعي ويفديهم ببدلهم يوم الوضع وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يجب يوم المطالبة لان ولد المغصوب لا يضمنه عنده إلا بالمنع وقيل المطالبة لم يحصل منع فلم تجب وقد ذكرنا فيما مضى أنه يحدث مضمونا عليه وقوم يوم وضعه لانه أول حال أمكن تقويمه (مسألة) (ويفديه بمثله في صفاته تقريبا) هذا ظاهر قول الخرقي لانهم أحرار والحر لا يضمن بقيمته وقال أبو بكر يفديهم بثهلهم في القيمة وعن أحمد رواية ثالثة أنه يفديهم بقيمتهم حكاها أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهي أصح ان شاء الله تعالى لان الحيوان ليس بمثلي فيضمن بقيمته كسائر

[ 421 ]

المتقومات ولانه لو أتلفه ضمنه بقيمته كذلك هذا (مسألة) (ويرجع بذلك على الغاصب) يعنى بالمهر وما فدى به الاولاد لان المشتري دخل على أن يسلم له الاولاد وان يتمكن من الوطئ بغير عوض فإذا لم يسلم له ذلك فقد غره البائع فيرجع به عليه وان كانت الجارية باقية ردها إلى سيدها ولا يرجع بيدلها لانها ملك المغصوب منه رجعت عليه لكنه يرجع على الغاصب بالثمن الذي أخذه منه لقوله عليه السلام (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (مسألة) (وان تلفت فعليه قيمتها لمالكها كما يلزمه نقصها ولا يرجع بها على الغاصب إن كان مشتريا) لان المشتري دخل مع الغاصب على ان يكون ضامنا لذلك بالثمن فإذا ضمنه القيمة لم يرجع بها لكنه يرجع بالثمن لان البيع باطل فلم يدخل الثمن في ملك الغاصب كما لو وجد العين باقية فاخذها المالك فانه يرجع بالثمن، فأما المتهب فيرجع بالقيمة على الغاصب لانه دخل مع الغاصب على ان يسلم له العين فينبغي ان يرجع بما غرم من قيمتها على الغاصب كقيمة الاولاد (مسألة) (وعنه أن ما حصلت له منفعة كالاجرة والمهر وأرش البكارة لا يرجع به) وجملة ذلك ان المالك إذا رجع على المشتري فاراد المشتري الرجوع على الغاصب فهو على ثلاثة اضرب: ضرب لا يرجع به وهو قيمتها ان تلفت في يده وارش بكارتها، وفيه رواية اخرى انه يرجع به كالمهر وبدل جزء من اجزائها لانه دخل مع الغاصب على ان يكون ضامنا لذلك بالثمن فإذا ضمنه لم يرجع به، وضرب يرجع

[ 422 ]

به وهو بدل الولد إذا ولدت منه لانه دخل معه في العقد على أن لا يكون الولد مضمونا ولم يحصل من جهته اتلاف وانما الشرع أتلفه بحكم بيع الغاصب منه وكذلك نقص الولادة، وضرب اختلف فيه وهو مهر مثلها واجر نفعها وفيه روايتان (احداهما) يرجع به وهو قول الخرقي لانه دخل العقد على ان يتلفه بغير عوض فإذا غرمه رجع به كبدل الولد ونقص الولادة (والثانية) لا يرجع به وهو اختيار ابي بكر وقول ابي حنيفة لانه غرم ما استوفى بدله فلا يرجع كقيمة الجارية وبدل اجزائها وللشافعي قولان كالروايتين (مسألة) (فان ضمن الغاصب رجع على المشتري بما لا يرجع به عليه كما لو رجع به على المشتري لا يرجع به المشتري على الغاصب) إذا رجع به المالك على الغاصب رجع الغاصب به على المشتري وكل مالو رجع به على المشتري رجع به المشتري على الغاصب إذا غرمه الغاصب لم يرجع به على المشتري لانه الضمان استقر على الغاصب فان ردها حاملا فماتت من الوضع فهي مضمونة على الواطئ لان التلف بسبب من جهته (مسألة) (فان ولدت من زوج فمات الولد ضمنه بقيمته) إذا اشترى الجارية المغصوبة من لا يعلم بذلك فزوجها لغير عالم بالغصب فولدت من الزوج فهو مملوك لانه من زوائدها ونمائها فيكون مضمونا على من هو في يده بقيمته إذا تلف لانه مال وليس بمثلي، وهل يرجع يها على الغاصب؟ على روايتين على ما ذكرنا فيما إذا ضمن المشتري ما حصل به نفع ووجه الروايتين ما سبق (فصل) إذا وهب المغصوب لعالم بالغصب استقر الضمان عليه ولا يرجع به على احد لانه غاصب

[ 423 ]

ولم يغره احد وان لم يعلم فلصاحبه تضمين ايهما شاء ويرجع المتهب على الواهب بقيمة العين والاجر لانه غيره وقال أبو حنيفة ايهما ضمن لم يرجع على الآخر ولنا ان المتهب دخل على ان يسلم له العين فيجب ان يرجع بما غرم من قيمتها كقيمة الاولاد فانه وافقنا على الرجوع بها فأما الاجر والمهر وارش البكارة ففيه وجهان مبنيان على الروايتين في المشتري (مسألة) (وإن اعارها فتلفت عند المستعير استقر ضمان قيمتها عليه وضمان الاجر على الغاصب) فان ضمن المستعير مع علمه بالغصب لم يرجع على احد وان ضمن الغاصب رجع على المستعير وان لم يكن علم بالغصب فضمنه لم يرجع بقيمة العين لانه قبضها على انها مضمونة عليه، وفي الرجوع بالاجر وجهان (أحدهما) يرجع لانه دخل على أن المنافع غير مضمونة عليه (والثاني) لا يرجع به لانه انتفع بها فقد استوفى بدل ما غرم وكذلك الحكم فيما تلف من الاجزاء بالاستعمال إذا كانت العين وقت القبض أكثر قيمة من يوم التلف فضمن الاكثر فينبغي أن يرجع بما بين القيمتين لانه دخل على أنه لم يضمنه ولم يستوف بدله فان ردها المستعير على الغاصب لم يسقط عنه الضمان لانه فوت الملك على مالكه بتسليمه إلى غير مستحقه ويستقر الضمان على الغاصب ان حصل التلف في يده وكذلك الحكم في المودع (مسألة) (وان اشترى أرضا فغرسها أو بنى فيها فخرجت مستحقة وقلع غرسه وبناءه رجع المشتري على البائع بما غرمه) ذكره القاضي في القسمة لانه ببيعه إياها غره وأوهمه أنها ملكه وكان ذلك سبيا

[ 424 ]

في بنائه و غرسه فرجع عليه بما غرمه عليها كرجوعه بما أعطاه من ثمنها (مسألة) (وان أطعم المغصوب لعالم بالغصب استقر الضمان عليه) لكونه أتلف مال غيره بغير اذنه عالما من غير تعرير وللمالك تضمين الغاصب لانه حال بينه وبين ماله والاكل لانه أتلف مال غيره بغير إذنه وقبضه من يد ضامنه بغير إذن مالكه فان ضمن الغاصب رجع على الآكل وان ضمن الآكل لم يرجع على أحد (مسألة) (وإن لم يعلم وقال له الغاصب كله فانه طعامي استقر الضمان على الغاصب) لاعتراف، بان الضمان باق عليه وان لم يلزم الآكل شئ ولانه غر الآكل (مسألة) (وإن لم يقل ففي أيهما يستقر عليه الضمان؟ وجهان) أحدهما يستقر الضمان على الآكل وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد لانه ضمن فلم يرجع به على أحد والثاني يستقر على الغاصب لانه غر الآكل وأطعمه على أنه لا يضمنه وهذا ظاهر كلام الخرقي وأيهما استقر عليه الضمان فغرم لم يرجع على أحد وإن غرم صاحبه رجع عليه (مسألة) (إن أطعمه لمالكه ولم يعلم لم يبرأ نص عليه) إذا أطعم المغصوب لمالكه فأكله عالما أنه طعامه برئ الغاصب وإن لم يعلم وقال له كله فانه طعامي استقر الضمان على الغاصب لما ذكرنا وإن كانت له بينة بانه طعام المغصوب منه، وإن لم يقبل ذلك بل قدمه إليه وقال كله فظاهر كلام أحمد أنه لا يبرأ

[ 425 ]

لانه قال في رواية الاثرم في رجل له قبل رجل تبعة فأوصلها إليه على سبيل صدقة أو هدية فلم يعلم فقال كيف هذا؟ هذا يرى أنه هدية يقول له هذا لك عندي، وهذا يدل على أنه لا يبرأ ههنا فيأكل المالك طعامه بطريق الاولى لانه ثم رد إليه يده وسلطانه وههنا بالتقديم إليه لم يعد إليه اليد والسلطان فانه لا يتمكن من التصرف فيه بكل ما يريد من أخذه وبيعه والصدقة به فلم يبرأ به الغاصب كما لو علفه لدوابه ويتخرج أن يبرأ بناء على ما إذا أطعمه لاجنبي فانه يستقر الضمان على الاكل في إحدى الروايتين فكذلك ههنا وهذا مذب أبي حنيفة (فصل) وإن وهب المغصوب لمالكه أو أهداء إليه برئ في الصحيح لانه سلمه إليه تسليما تاما وزالت يد الغاصب وكلام أحمد في رواية الاثرم محمول على ما إذا أعطاه عوض حقه على سبيل الهبة فاخذه المالك على هذا الوجه لا على سبيل العوض فلم تثبت المعاوضة ومسئلتنا فيما إذا رد عليه عين ماله وأعاد يده التي أزالها وان باعه إياه وسلمه إليه برئ من الضمان لانه قبضه بالابتياع وهو موجب للضمان وكذلك إن أقرضه إياه لما ذكرنا (مسألة) (وان رهنه عند مالكه أو أودعه إياه أو أجره أو استأجره على قصارته أو خياطته ولم يعلم لم يبرأ من الضمان) لانه لم يعد إليه سلطانه إنما قبضه على أنه أمانة، وقال بعض أصححابنا يبرأ رده إلى يده

[ 426 ]

وسلطانه وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي والاول أولى فانه لو أباحه أكله فأكله لم يبرأ فههنا أولى. (مسألة) (وان أعاره إياه برئ علم أو لم يعلم) لان العارية توجب الضمان على المستعير فلو وجب الضمان على الغاصب رجع به على المستعير ولا فائدة في وجوب شئ عليه يرجع به على من وجب له (مسألة) (وان اشترى عبدا فأعتقه فادعى رجل ان البائع غصبه فصدقه أحدهما لم يقبل على الاخر وان صدقاه مع العبد لم يبطل العتق ويستقر الضمان على المشتري ويحتمل أن يبطل العتق إذا صدقوه كلهم) إذا أقام المدعي بينه بما أدعاه بطل البيع والعتق ويرجع المشتري على البائع بالثمن وان صدقه البائع أو المشتري لم يقبل قول أحدهما على الآخر لانه لا يقبل اقراره في حق غيره وان صدقاه جميعا لم يبطل العتق وكان العبد حرا لانه قد تعلق به حق لغيرهما فان وافقهما العبد فقال القاضي لا يقبل أيضا لان الحرية حق يتعلق بها حق لله تعالى ولهذا لو شهد شاهدان بالعتق مع اتفاق السيد والعبد علياالرق قبلت شهادتهما، ولو قال رجل أنا حرثم أقر بالرق لم يقبل اقراره وهذا مذهب الشافعي ويحتمل أن يبطل العتق إذا اتفق عليه كلهم ويعود العبد إلى المدعي لانه مجهول النسب أقر بالرق لمن

[ 427 ]

يدعيه فصح كما لو لم يعتقه المشتري، ومتى حكمنا بالحرية فللمالك تضمين أيهما شاء قيمته يوم عتقه فان ضمن البائع رجع على المشتري لانه أتلفه وان ضمن المشتري لم يرجع على البائع الا بالثمن لان التلف حصل منه فاستقر الضمان عليه وان مات العبد فخالف مالا فهو للمدعي لاتفاقهم على أنه له وانما لم يرد العبد إليه لتعلق حق الحرية به الا أن يخلف وارثا فيأخذه وليس عليه ولاء لان أحدا لا يدعيه وان صدق المشتري البائع وحده رجع عليه بقيمته ولم يرجع المشتري بالثمن وبقية الاقسام على ما نذكر في الفصل بعده (فصل) وان كان المشتري لم يعتقه وأقام المدعي بينة بما ادعاه انتقض البيع ورجع المشتري على البائع بالثمن وكذلك إذا أقرا بذلك وان أقر أحدهما لم يقبل على الآخر فان كان المقر البائع لزمته القيمة للمدعي لانه حال بينه وبين ملكه ويقر العبد في يد المشتري لانه ملكه في الظاهر وللبائع احلافه ان كان البائع لم يقبض الثمن فليس له مطالبة المشتري لانه لا يدعيه ويحتمل أن يملك مطالبته بأقل الامرين من الثمن أو قيمة العبد لانه يدعي القيمة على المشتري والمشتري يقر له بالثمن فقد اتفقا على استحقاق أقل الامرين فوجب ولا يضر اختلافهما في السبب بعد اتفاقهما على حكمه كما لو قال لي عليك الف من ثمن مبيع فقال بل الف من قرض وان كان قد قبض الثمن فليس للمشتري استرجاعه لانه لا يدعيه ومتى عاد العبد إلى البائع بفسخ أو غيره لزمه رده إلى مدعيه وله استرجاع ما أخذ منه

[ 428 ]

وان كان اقرار البائع في مدة الخيار انفسخ البيع لانه يملك فسخه فقبل اقراره بما يفسخه وان كان المقر المشتري وحده لزمه رد العيب ولم يقبل اقراره على البائع ولا يملك الرجوع عليه بالثمن ان كان قبضه وعليه دفعه إليه ان لم يكن قبضه فان أقام المشتري بينة بما أقر به قبلت وله الرجوع بالثمن وان كان البائع المقر فأقام بينة فان كان في حال البيع قال بعتك عبدي هذا أو ملكي لم تقبل بينته لانه تكذبها وان لم يكن قال ذلك قبلت لانه يبيع ملكه وغيره، وان أقام المدعي البينة سمعت ولا تقبل شهادة البائع له لانه يجربها إلى نفسه نفعا وان أنكراه جميعا فله احلافهما قال احمد في رجل يجد سرقته عند إنسان بعينها قال هو ملكه يأخذه اذهب إلى حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به ويتبع المتباع من باعه) رواه هشيم عن موسى بن السائب عن قتادة عن الحسن عن سمرة وموسى بن السائب ثقة (فصل) قال رضي الله عنه (وان أتلف المغصوب ضمنه بمثله ان كان مكيلا أو موزونا) متى تلف المغصوب في يد الغاصب لزمه رد بدله لقوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ولانه لما تعذر رد العين لزمه رد ما يقوم مقامها فان كان المتلف مثليا كالمكيل والموزون مكيلا أو موزونا وجب المثل قال ابن عبد البركل مطعوم من مأكول أو مشروب فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته ولان المثل أقرب إليه من القيمة فهو ممائل له من طريق الصورة والمشاهدة

[ 429 ]

كالنص والمعنى والقيمة مماثلة من طريق الظن والاجتهاد فقدم ما طريقه المشاهدة كالنص لما كان طريقه الادراك بالسماع كان أولى من القياس لان طريقه الظن والاجتهاد (مسألة) (وان أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعوازه) وقال القاضي تجب قيمته يوم قبض البدل لانه الواجب المثل إلى حين قبض البدل بدليل أنه لو وجد المثل بعد إعوازه لكان الواجب هو دون القيمة، وقال أبو حنيفة ومالك وأكثر أصحاب الشافعي تجب قيمته يوم المحاكمة لان القيمة لم تنتقل إلى ذمته الاحين حكم بها الحاكم ولنا ان القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل فاعتبرت القيمة حنيئذ لتلف المتقوم ودليل وجوبها حينئذ أنه يستحق طلبها واستيفاء ها ويجب على الغاصب أداؤها ولا ينفى وجوب المثل لانه معجوز عنه والتكليف يستدعي الوسع ولانه لا يستحق طلب المثل ولا استيفاء ولا يجب على الآخر أداؤه فلم يكن واجبا كحالة المحاكمة، وأما إذا قدر على المثل بعد فقده فانه يعود وجوبه لانه الاصل قدر عليه قبل أداء البدل فأشبه القدرة على الماء بعد التيمم ولهذا لو قدر عليه بعد المحاكمة وقبل الاستيفاء استحق المالك طلبه وأخذه وعنه تلزمه قيمته يوم تلفه لان القيمة نما ثبتت في الذمة حين التلف لانه قبل التلف يجب رده فإذا تلف وجبت قيمته يوم تلفه كغير المثلي (مسألة) (وان لم يكن مثليا ضمنه قول باقي الجماعة)

[ 430 ]

وحكي عن العنبري أنه يجب في كل شئ مثله لما روت جسرة بنت دجاجة عز عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت صانعا مثل حفصة صنعت طعاما فبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذني الافكل فكسرت الاناء فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت فقال (إنا مثل الاناء وطعام مثل الطعام) رواه أبو داود وعن أنس ان احد نساء النبي صلى الله عليه وسلم كسرت قصعة الاخرى فدفع النبي صلى الله عليه وسلم قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة وحبس المكسورة في بيته رواه الترمذي بنحوه وقال حسن صحيح ولنا ما روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أعتق شركاله في عبد قوم عليه قيمة العدل) متفق عليه فأمر بالتقويم في حصة الشريك لانها متلفة بالعتق ولم يأمر بالمثل والحديث محمول على أنه جوز ذلك بالتراضي وعلم أنها ترضى به ولان هذه الاشياء لا تتساوى أجزاؤها وتخلف صفلتها فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها فكانت أولى ويكون ذلك يوم تلفه لما ذكرنا ويكون في بلده من نقده لانه موضع الضمان يعني يضمنه في البلد الذي غصبه فيه من نقده، ويتخرج أن يضمنه بقيمته يوم غصبه وهو قول أبي حنيفة ومالك وروي عن أحمد لانه قوته عليه بغصبه فكان عليه قيمة ما فوت عليه حين فوته وقد روي عن أحمد في رجل أخذ من رجل أرطالا من كذا وكذا أعطاه على السعريوم أخذه لا يوم محاسبته ولذلك روي عنه في حوائج البقال عليه القيمة يوم الاخذ وهذا يدل على ان القيمة تعتبر يوم الغصب والاولى أولى. قال شيخنا ويمكن التفريق بين هذا وبين الغصب من قبل أن ما أخذه ههنا باذن مالكه

[ 431 ]

ملكه وحل له التصرف فيه فثبتت قيمته يوم ملكه ولم يعتبر ما ثبت في ذمته بتغير قيمة ما أخذه لانه ملكه والمغصوب ملك المغصوب منه والواجب رده لا قيمته، وإنما تثبت قيمته في الذمة يوم تلفه أو انقطاع مثله فاعتبرت القيمة حينئذ وتغيرت بتغيره قبل ذلك، فأما ان كان المغصوب باقيا وتعذر رده فأوجبنا رد قيمته فانه يطالبه بها يوم قبضها لان القيمة لم تثبت في الذمة قبل ذلك ولهذا يتخير بين أخذها والمطالبة بها وبين الصبر إلى وقت إمكان الرد ومطالبة الغاصب بالسعي في رده وإنما يأخذ القيمة لاجل الحيلولة بينه وبينه فيعتبر ما يقوم مقامه لان ملكه لم يزل عنه بخلاف غيره (فصل) وقد قال الخرقي فيمن غصب جارية حاملا فولدت في يديه ثم مات الولد أخذها سيدها وقيمة ولدها أكثر ما كانت قيمته، فحمل القاضي قول الخرقي على ما إذا اختلفت القيمة لتغير الاسعار وهو مذهب الشافعي، فعلى هذا إذا تلف المغصوب لزم الغاصب قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف لان أكثر القيمتين فيه للمغصوب منه فإذا تعذر ردها ضمنه كقيمته يوم التلف، إنما سقطت القيمة مع رد العين، والمذهب أن زيادة القيمة بتغير الاسعار غير مضمونة على الغاصب وقد ذكرنا ذلك، وعلى هذا فكلام الخرقي محمول علي ما إذا اختلف القيمة لمعنى في المغصوب من كبر وصغر وسمن وهزال ونسيان ونحو ذلك فالواجب القيمة أكثر ما كانت لانهما مغصوبة في الحال التي زادت فيها والزيادة لما لكها مضمونة على الغاصب على ما قدرناه بدليل أنه لورد العين ناقصة لزمه أرش نقصها

[ 432 ]

وهو بدل الزيادة فإذا ضمن الزيادة مع بقائها ضمنها عند تلفها بخلاف زيادة القيمة لتغير الاسعار فانها لا تضمن مع ردها فكذلك مع تلفها، وقولهم انها انما سقطت مع رد العين لا يصح لانها لو وجبت ما سقطت بالرد كزيادة السمن قال القاضي ولم أجد عن أحمد رواية بانها تضمن باكثر القيمتين لتغير الاسعار فعلى هذا تضمن بقيمتها يوم التلف وقد روي عن أحمد أنها تضمن بقيمتها يوم الغصب إلا أن الخلال قال جبن أحمد عنه كأنه رجع إلى القول الاول وقد ذكرناه (مسألة) (فان كان مصوغا أو تبرا تخالف قيمته وزنه قومه بغير جنسه) متى كان المصاغ تزيد قيمته على وزنه أو تنقص والصناعة مباحة كحلي السناء وجب ضمانه بقيمته لكن يقومه بغير جنسه فيقوم الذهب بالفضة والفضة بالذهب لئلا يفضي ذلك إلى الربا، وقال القاضي يجوز تقويمه بجنسه لان ذلك قيمته والصنعة لها قيمة بدليل أنه لو استأجره لعملها جاز، ولو كسر الحلي وجب عليه أرش ذلك ويخالف البيع لان الصنعة لا يقابلها العوض في العقود ويقابلها في الاتلاف ألا ترى أنها لا تنفرد بالعقد وتنفرد بضمانها في الاتلاف؟ قال بعض أصحاب الشافعي هذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم مثل القول الاول وهو الذي ذكره أبو الخطاب لان القيمة مأخوذة على سبيل العوض فالزيادة ربا كالبيع وكالنقص، وقد قال أحمد في روااية ابن منصور إذا كسر الحلي يصلحه أحب إلي قال القاضي هذا محمول على أنهما تراضيا بذلك لا على طريق الوجوب، فان كانت الصناعة محرمة كالاواني وحلي الرجال المحرم

[ 433 ]

لم يجز ضمانه بأكثر من وزنه وجهاد واحدا لان الصناعة لا قيمة لها شرعا (مسألة) (فان كان محلى بالنقدين معاقومه بما شاء منهما) للحاجة وأعطاه بقيمته عوضا لئلا يفضي إلى الربا ولا يمكن تقويمه إلا بأحدهما لانهما قيم الاموال فدعت الحاجه إلى تقويمهما بأحدهما وليس أحدهما باولى من الآخر فكانت الخيرة إليه في تقويمه بما شاه منهما، والدليل على أنه لا يمكن تقويمه إلا بأحد النقدين انه لا يمكن تقويمه بكل واحد منهما منفردا لعدم معرفة ما فيه منه ولان قيمة الحلية قد تنقص بالتحلية بها وقد تزيد ولا يمكن افرادها بالبيع ولا بغيره من التصرفات وإنما يقوم المحلى كالسيف بان يقال كم قيمة هذا؟ ولو بيع ماكان الثمن الا عوضا له لان الحلية صارت فصة له وزينة فيه فكانت القيمة فيه موصوفا بهذا الصفة كقيمته في بيعه والله أعلم. (فصل) وقد ذكرنا ان ما تتماثل أجزاؤه وتنقارب كالاثمان والحبوب والادهان يضمن بمثله وهذا لا خلاف فيه، فأما سائر المكيل والموزون فظاهر كلام أحمد أنه يضمنه بمثله أيضا فانه قال في رواية حرب ما كان من الدراهم والدنانير وما يكال ويوزن فظاهره وجوب المثل في كل مكيل وموزون إلا أن يكون مما فيه صناعة مباحة كمعمول الحديد والنحاس والرصاص والصوف والشعر العزول فانه يضمن بقيمته لان الصناعة تؤثر في قيمته وهي مختلفة فالقيمة فيه أحصر فأشبه غير المكيل والموزون

[ 434 ]

وذكر القاضي ان النقرة والسبيكة من الاثمان والعنب والرطب والكمثرى انما يضمن بقيمته، وظاهر كلام أحمد يدل على ما قلنا وإنما خرج منه ما فيه الصناعة لما ذكرنا ويحتمل ان تضمن النقرة بقيمتها لتعذر وجود مثله إلا بكسر النقود المضروبة وسبكها وفيه اتلاف (مسألة) (وان تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقية كزوجي خف تلف أحدهما فعليه رد الباقي وقيمة التالف وأرش النقص وقيل لا يلزم أرش النقص) إذا غصب شيئين ينقصهما التفريق كزوجي خف أو مصراعي باب فتلف أحدهما رد الباقي وقيمة التلف وأرش نقصهما فإذا كانت قيمتهما ستة دراهم، فصارت قيمة الباقي بعد التلف درهمين رده وأربعة دراهم وفيه وجه آخر أنه لا يلزمه الا قيمة التالف مع رد الباقي وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه لم يتلف غيره ولان نقص الباقي نقص قيمة فلا يضمنه كالنقص لتغير الاسعار. ولنا أنه نقص حصل بجنايته فلزمه ضمانه كما لو غصب ثوبا فشقه ثم تلف أحد الشقين فانه يلزمه رد الباقي وقيمة التالف وأرش النقص ان نقص بخلاف نقص السعر فانه لم يذهب من المغصوب عين ولا معنى وههنا فوت معنى وهو امكان الانتفاع به وهذا هو الموجب لنقص قيمته وهو حاصل من جهة الغاصب فينبغي أن يضمنه كما لو فوت بصره أو سمعه أو علقه أو فك تركيب باب ونحوه

[ 435 ]

(فصل) وإن غصب ثوبا فلبسه فأبلاه فنقص نصف قيمته ثم غلت الثياب فعادت قيمته كما كانت مثل ان غصب ثوبا قيمته عشرة فنقصه لبسه حتى صارت قيمته خمسة ثم زادت قيمته فصارت عشرة رده وأرش نقصه لان ما تلف قبل غلاء الثوب ثبتت قيمته، في الذمة فلا يتغير ذلك بغلاء الثوب ولا رخصه وكذلك لو رخصت الثياب فارت قيمته ثلاثة لم يلزم الغاصب إلا خمسة مع رد الثوب ولو تلف الثوب كله وقيمته عشرة ثم غلت الثياب فصارت قيمته عشرين لم يضمن إلا عشرة لانها تثبت في الذمة عشرة فلا تزاد بغلاء الثياب ولا تنقص برخصها (فصل) فان غصب ثوبا أو زليا فذهب بعض أجزائه كخمل المنشفة فعليه أرش نقصه، وان أقام عنده مدة لمثلها أجرة لزمته أجرته سواء استمعله أو تركه، ولو اجتمعا مثل ان اقام عنده مدة وذهب بعض أجزائه فعليه ضمانهما معا الاجرة وأرش النقص سواء كان ذهاب الاجزاء بالاستعمال كثوب ينقصه النسر نقص بنشره وبقي عنده مدة ضمن الاجر والنقص، وان كان النقص بالاستمال كثوب لبسه فأبلاه فكذلك يضمنهما معا في أحد الوجهين والثاني يجب أكثر الامرين من الاجر أو أرش النقص لان ما نقص من الاجزاء في مقابلة الاجر ولذلك لا يضمن المستأجر تلك الاجزاء ويتخرج لنا مثل ذلك. ولنا أن كل واحد منهما ينفرد بالايجاب عن صاحبه فإذا اجتمعا وجبا كما لو أقام في يده مدة ثم

[ 436 ]

تف والاجرة تجب في مقابلة من المنافع لا في مقابلة الاجزاء ولذلك يجب الاجر وان لم تفقت الاجزاء، وان لم يكن للمغصوب أجرة كثوب غير مخيط فليس على الغاصب الاضمان نقصه (فصل) وإن نقص المغصوب عندا لغاصب ثم باعه فتلف عند المشتري فله تضمين من شاء منهما إذا لم يكن النقص لتغير الاسعار وقد ذكرناه، فان ضمن الغاصب ضمنه فيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف لانه في ضمانه من حين غصبه إلى يوم تلفه وان ضمن المشتري ضمنه قيمته اكثر ما كانت من حين قبضه إلى يوم تلفه لان ما قبل القبض لم يدخل في ضمانه، وان كانت له أجرة فله الرجوع على الغاصب بجمعيها وعلى المشتري بأجر مقامه في يده وبالباقي على الغاصب وقد مر الكلام في رجوع كل واحد منهما على صاحبه (مسألة) (وان غصب عبدا فابق أو فرسا فشرد أو شيئا تعذر رده مع بقائه ضمن قيمته فان قدر عليه بعد رده وأخذ القيمة) وجملته أن من غصب شيئا فعجز عن رده مع بقائه كعبد آبق فللمغصوب منه المطالبة ببدله فإذا أخذه ملكه ولم يلمك الغاصب العين المغصوبة بل متى قدر عليه لزمه رده ويسترد بدلها الذي أداه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يتخير المالك بين الصبر إلى امكان ردها فيستردها وبين تضمينه إياها فيزول ملكه عنها وتصير ملكا للغاصب لا يلزمه ردها إلا أن يكون دفع دون قيمتها فهو له مع

[ 437 ]

يمينه لان المالك ملك البدل فلا يبقى ملكه على المبدل كالبيع ولانه تضمين فيما ينقل الملك فيه ففقله كما لو خلط زيته بزيته. ولنا ان المغصوب لا يصح ملكه بالبيع ههنا فلا يصح بالتضمين كالتالف ولانه ضمن ما تعذر عليه رده بخر وجه عن يده فلا يملكه بذلك كما لو كان المغصوب مدبرا وليس هذا جميعا بين البدل والمبدل لانه ملك القيمة لاجل الحيلولة لا على سبيل العوض ولهذا إذا رد المغصوب إليه رد القيمة عليه ولا يثبه الزيت لانه يجوز بيعه ولان حق صاحبه انقطع عنه لتعذر رده. إذا ثبت ذلك فانه إذا قدر على المغصوب رده ونماءه المنفصل والمتصل وأجر مثله إلى حين دفع بدله، ويجب على المالك ردما أخذه بدلا عنه إلى الغاصب لانه أخذه بالحيلولة وقد زالت فيجب رد ما أخذ من أجلها ان كان باقيا بعينه ورد زيادته المتصلة لانها تتبع في الفسوخ وهذا فسخ ولا يلزم منه رد زيادته المنفصلة لانها وجدت في ملكه ولا تتبع في الفسوخ فأشبهت زيادة المبيع المردود بعيب، وان كان البدل تالفا فعليه مثله أو قيمته ان لم يكن من ذوات الامثال. (مسألة) (وان غصب عصيرا فتخمر فعليه مثله) لانه تلف في يده فان صار خلا وجب رده وما نقص من قيمة العصير ويسترجع ما أداه من بدله وقال بعض أصحاب الشافعي يرد الخل ولا يسترجع البدل لان العصير تلف بتخمره فوجب ضمانه فان

[ 438 ]

عاد خلا كان كما لو هزلت الجارية السمينة ثم عاد سنمها فانه يردها وأرش نقصها ولنا ان الخل عن العصير تغير صفته وقد رده فكان له استرجاع ما أداه بدلا عنه كما لو غصبه فغصبه منه غاصب ثم رده عليه وكما لو غصب حملا فصار كبشا، وأما السمن الاول فلنا فيه منع وان سلمنا فالثاني غير الاول بخلاف مسئلتنا (فصل) إذا غصب أثمانا فطالبه مالكها بها في بلد آخر وجب ردها إليه لان الاثمان قيم الاموال فلا يضر اختلاف قيمتها، وان كان المغصوب من المتقومات لزم دفع قيمته في بلد الغصب وان كان من المثليات وقيمته في البلدين واحدة أو هي أقل في البلد الذي لقيه فيه فله مطالبته بمثله لانه لا ضرر على الغاصب فيه، وان كانت أكثر فليس له المثل لانا لا نكلفه النقل إلى غير البلد الذي غصب فيه وله المطالبة بقيمته في بلد الغصب، وفي جميع ذلك متى قدر على المغصوب أو المثل في بلد الغصب رده وأخذ القيمة كما لو غصب عبدا فأبق. (فصل) قال رضي الله عنه (فان كانت للمغصوب أجرة فعلى الغاصب أجرة مثله مدة مقامه في يده سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب) هذا المعروف في المذهب نص عليه أحمد في رواية الاثرم وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يضمن المنافع وهو الذي نصره أصحاب مالك وقد روى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن غصب دارا فسكنها عشرين سنة لا أجترئ أن أقول عليه سكنى ما سكن وهذا يدل على

[ 439 ]

توقفه عن إيجاب الاجر الا أن أبا بكر قال هذا قول قديم لان محمد بن الحكم مات قبل أبي عبد الله بعشرين سنة. واحتج من لم يوجب الاجر بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الخراج بالضمان) وضمانها على الغاصب ولانه استوفى منفعته بغير عقد ولا شبهة ملك أشبه مالو زنا بامرأة مطاوعة ولنا ان كل ما ضمنه بالاتلاف في العقد الفاسد جاز أن يضمنه بمجرد الاتلاف كالاعيان ولانه أتلف متقوما فوجب ضمانه كالاعيان أو نقول مال متقوم مغصوب فوجب ضمانه كالعين وأما الخبر فوارد في البيع ولا يدخل فيه الغاصب لانه لا يجوز له الانتفاع بالمغصوب بالاجماع ولا يشبه الزنا لانها رضيت باتلاف منافعها بغير عوض ولا عقد يقتضي العوض فكان بمنزلة من أعاره دارا، ولو أكرهها عليه لزمه مهرها، والخلاف فيما له منافع تستباح بعقد الاجارة كالعقار والثياب والدواب ونحوها فاما الغنم والشجر والطير ونوحها فلا شئ فيها لانها لا منافع لها يستحق بها عوض، ولو غصب جارية ولم يطأها ومضى عليها زمن يمكن الوطئ فيه لم يضمن مهرها لان منافع البضع لا تتلف إلا بالاستيفاء بخلاف غيرها ولانها لا تقدر بزمن فيتلفها مضي الزمن بخلاف المنفعة، ولو أطرق الفحل لم يضمن منفعته لانه لاعوض له لكن عليه ضمان نقصه (مسألة) (وان تلف المغصوب فعليه أجرته إلى وقت تلفه) لانه بعد التلف لم تبقن له منفعة لم يجب ضمانها كما لو أتلفه من غير غصب

[ 440 ]

(مسألة) (وان غصب شيئا فعجز عن رده فأدى قيمته فعليه أجرته إلى وقت أداء القيمة) لان منافعه إلى وقت أداء القيمة ممولكة لصاحبه فلزمه ضمانها وهل يلزم أجره من حين دفع بدله إلى رده؟ فيه وجهان أصحهما لا يلزمه لان استحق الانتفاع ببدله انلذي أقيم مقامه فلم يستحق الانتفاع به وبما قام مقامه والثاني له الاجر لان العين باقية على ملكه والمنفعة له (فصل) وتصرفات الغاصب الحكمية كالحج وسائر العبادات والعقود كالبيع والنكاح ونحوها باطلة في احدى الروايتين والاخرى صحيحة) تصرفات الغاصب كتصرف الفضولي وفيه روايتان أظهرهما بطلانها والثانية صحتها ووقوفها على إجازة المالك وذكر شيخنا في الكتاب المشروح رواية أنها تقع صحيحة وذكره أبو الخطاب وسواء في ذلك العبادات كالطهارة والصلاة والزكاة والحج والعقود كالبيع والاجارة والنكاح وهذا ينبغي أن يتقيد في العقود بما لم يبطله المال، فاما ما اختار المالك ابطاله وأخذ المعقود عليه فلا نعلم فيه خلافا وأما ما لم يدركه المالك فوجه التصحيح فيه ان الغاصب تطول مدته وتكثر تصرفاته ففي القضاء ببطلانها ضرر كثير وربما عاد الضرر على المالك فان الحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك والعوض نمائه وزيادته له الحكم ببطلانها يمنع ذلك (مسألة) (وان اتجر بالدراهم فالربح لمالكها) إذا غصب أثمانا فاتجر بها أو عروضا فباعها واتجر بثمنها فقال أصحابنا الربح للمالك والسلع

[ 441 ]

المشتراة له وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب ان كان الشراء بعين المال فالربح للمالك لانه نماء ملكه قال الشريف وعن أحمد أنه يتصدق وبه لو قوع الخلاف فيه (مسألة) (وان اشترى في ذمته ثم تقدها احتمل ان يكون الربح للغاصب) وكذلك ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لانه اشتري لنفسه في ذمته فكان الشراء له والربح له، وعليه بدل المغصوب وهذا قياس قول الخرقي وذكر ذلك عن أحمد واحتمل أن يكون للمالك لانه نماء ملكه أشبه مالو اشترى بعين المال وهذا المشهور في المذهب وقال صاحب المحرر إذا اشترى في ذمته بنية نقدها لئلا بتخذ ذلك طريقا إلى غصب مال الغير والتجارة به وان خسر فهو على الغاصب لانه نقص حصل في المغصوب، وادفع المال إلى من يضارب به فالحكم في الربح على ما ذكرنا وليس على المالك من أجر العامل شئ لانه لم يأذن له في العمل في ماله وان كان المضارب عالما بالغاصب فلا أجر له لانه متعد بالعمل ولم يغره أحد وان لم يعلم فعلى الغاصب أجر مثله لانه استعمله عملا بعوض لم يحصل له فلزمه أجره كالعقد الفاسد (فصل) وان أجر الغاصب المغصوب فالاجارة باطلة في احدى الروايات كالبيع وللمالك تضمين أيهما شاء أجر المثل فان ضمن المستأجر لم يرجع بذلك لانه دخل في العقد على أنه يضمن المنفعة

[ 442 ]

ويسقط عنه في العقد وان كان دفعه إلى الغاصب رجع به وان تلفت العين في يد المستأجر فلمالكها تضمين من شاء منهما قيمتها فان ضمن المستأجر رجع بذلك على الغارم لانه دخل معه على أنه لا يضمن العين ولم يحصل بدل في مقابلة ما غرم، وان كان عالما بالغصب لم يرجع على الغاصب لانه دخل على بصيرة وحصل التلف في يده فاستقر الضمان عليه فان ضمن الغاصب الاجر والقيمة رجع بالاجر على المستأجر علم أو لم يعلم ويرجع بالقيمة ان كان المستأجر علم بالغصب وهذا قول الشافعي ومحمد بن الحسن في هذا الفصل وحكي عن أبي حنيفة أن الاجر اللغاصب دون صاحب الدار وهو فاسد لان الاجر عوض المنافع المملوكة لرب الدار فلم يملكها الغاصب كعوض الاجزاء (مسألة) (وان اختلفا في قيمة المغصوب أو قدره أو صناعة فيه فالقول قول الغاصب) إذا اختلف المالك والغاصب في قيمة المغصوب ولا بينة فالقول قول الغاصب لان الاصل براءة ذمته فلا يلزمه ما لم يقم عليه حجة كما لو ادعى عليه دينا فأقر ببعضه وكذلك ان اختلفا في قدره فقال غصبتني مائة قال بل خمسين لما ذكرنا وكذلك ان قال المالك كان كاتبا أو له صناعة فأنكر الغاصب فالقول قوله لذلك فان شهدت البينه بالصفة ثبتت (مسألة) (وان اختلفا في رده أو عيب فيه فالقول قول المالك) لان الاصل عدم الرد وبقاؤه في يد الغاصب وان قال الغاصب كانت فيه سلعة أو أصبغ زائدة أو عيب

[ 443 ]

وأنكر المالك فالقول قوله لان الاصل عدم ذلك، وان اختلفا بعد زيادة قيمة المغصوب في وقت الزيادة فقال المالك زادت قبل تلفه وقال الغاصب بعد تلفه فالقول قول الغاصب لان الاصل براءة ذمته وان شاهدنا العبد معيبا فقال الغاصب كان معيبا قبل غصبه وقال المالك تعيب عندك فالقول قول الغاصب لانه غارم ولان الظاهر أن صفة العبد لم تتغير، ويتخرج أن القول قول المالك كما إذا اختلف البائع والمشتري في العيب هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري؟ فان فيه رواية أن القول قول البائع كذلك هذا، وان غصبه خمرا فقال المالك تخلل عندك وأنكر الغاصب فالقول قوله لان الاصل عدم تغيره وبراءة ذمة الغاصب، وان اختلفا في تلفه فالقول قول الغاصب إذا ادعى التلف لانه أعلم بذلك ويتعذر اقامة البينة عليه فإذا حلف فللمالك المطالبة ببدله لانه تعذر رد العين فلزم بدلها كما لو غصب عبدا فابق وقيل ليس له المطالبة بالبدل لانه لا يدعيه، وان قال غصبت مني حديثا قال بل عتيقا فالقول قول الغاصب لان الاصل عدم وجوب الحديث وللمالك المطالبة بالعتيق لانه دون حقه، وان اختلفا في الثياب التي على العبد فهي للغاصب لانها في يده فكان القول قوله فيها ولم يثبت أنها كانت لمالك العبد (مسألة) (وان بقيت في يده غصوب لا يعلم أربابها تصدق بها عنهم بشرط الضمان كاللقطة) لانه عاجز عن ردها على أصحابها فإذا تصدق بها عنهم كان ثوباها لا ربابها فيسقط ذلك اثم غصبها ولان قضاء الحقوق في الآخرة بالحسنات وحمل السيئات فإذا طلب منه عوض الغصب احالهم بثواب الصدقة

[ 444 ]

وعنه في اللقطة لا تجوز الصدقة بها فيخرج هنا له دفعه فلى هذا له دفعه إلى نائب الامام كالضوال (فصل) قال رضي الله عنه (ومن أتلف مالا محترما لغيره ضمنه إذا كان بغير اذنه لا نعلم في ذلك خلافا) لانه فوته عليه فوجب عليه ضمانه كما لو غصبه فتلف عنده (مسألة) (وان فتح قفصا عطائر فطار أو حل قيد عبده أو رباط فرسه فذهبت ضمنه) وبه قال ملك وقال أبو حنيفة والشافعي لا ضمان عليه الا أن يكون اهاجهما حتى ذهبا وقال أصحاب الشافعي ان وقفا عبد الحل والفتح ثم ذهبا لم يضمنهما وان ذهبا عقيب ذلك ففيه قولان واحتجابان لهما اختبارا وقد وجدت منهما المباشرة ومن الفاتح سبب غير ملجئ فإذا اجتمعا لم يتعلق الضمان بالسبب كما لو حفر بئرا فجاء عبد لانسان فرمى نفسه فيها ولنا أنه ذهب بسبب فعله فلزمه الضمان كما لو نفره أو ذهب عقيب فتحه وحله والمباشرة انما حصلت ممن لا يمكن احالة الحكم عليه فيسقط كما لو نفر الطائر وأهاج الدابة واشلى كلبا على صبي فقتله أو أطلق نارا في متاع انسان فان للنار فعلا لكن لما لم يكن احالة الحكم عليها كان وجوده كعدمه ولان الطائر وسائر الصيد من طبعه النفور وانما يبقى بالمانع فإذا أزيل المانع ذهب بطبعه فكان ضمانه على من أزال المانع كمن قطع علاقة قنديل فوقع فانكسر وهكذا لو حل قيد عبد فذهب أو أسير فأفلس لانه تلف بسبب فلعه فأما ان فتح القفص وحل الفرس فبقيا واقفين فجاء انسان فنفرهما فذهبا

[ 445 ]

فالضمان على منفرهما لان سببه أخص فاختص الضمان به كالدافع مع الحافر، وان وقع طائر انسان على جدارفنفره انسان فطار لم يضمنه لان تنفيره لم يكن سبب فواته فانه كان ممتنعا قبل ذلك، وان رماه فقلته ضمنه وان كان في داره لانه كان يمكنه تنفيره بغيره قتله وكذلك لو مر طائر في هواء داره فرماه فقتله مضنه لانه لا يملك منع الطائر من هواء الدار فهو كما لو رماه في هواء دار غيره (مسألة) (وان حل وكاء زق مائع أو جامد فاذابته الشمس أو بقي بعد حله فألقته الربح فاندفق ضمنه) إذا حل وكاء زق مائع فاندفق أو كان جامدا فذاب بشمس أو سقط بريح أو زلزلة ضمنه سواء خرج في الحال أو قليلة أو خرج منه شئ بل أسلفه فسقط أو ثقل أحد جانبيه فلم يزل يميل قليلا قليلا حتى سقط لانه تلف بسبب فعله وقال القاضي لا يضمن إذا سقط بريح أو زلزلة ويضمن فيها سوى ذلك وبه قال أصحاب الشافعي، ولهم فيما إذا ذاب بالتسس وجهان قالوا لان فعله غير ملجئ والمعنى الحادث مباشره فلم يتعلق الضمان بفعله كما لو دفعه انسان ولنا ان فعله سبب تلفه ولم يتخلل بينهما ما يمكن احالة الحكم عليه فوجب عليه الضمان كما لو خرج عقيب فعله أو مال قليلا قليلا وكما لو جرح انسانا فأصابه الحر أو البرد فسرت الجناية فانه يضمن واما إذا دفعه إنسان فان المتخلل بينهما مباشرة من يمكن الاحالة عليه بخلاف مسئلتنا (مسألة) (وان ربط دابة في طريق فأتلفت أو اقتنى كلبا عقوررا فعقر أو خرق ثوبا ضمن) إذا أوقف الدابة في طريق ضيق ضمن ما جنت بيد أو رجل أو فم لانه متعد بوففها فيه وإن كان الطريق واسعا ضمن في أحدى الروايتين وهو مذهب الشافعي لان انتفاعه بالطريق مشروط بالسلامة ولذلك لو ترك في الطريق طينا فرلق به إنسان ضمنه والثانية لا يضمن لانه غير متعد بوقفها في الطريق

[ 446 ]

الواسع فلم يضمن كما لو وقفها في موات وفارق الطين فانه متعد بتركه في الطريق وأما الكلب فيلزمه ضمان ما أتلف لانه تعدى بذلك فلزمه الضمان كما لو بنى في الطريق دكانا (مسألة) (الا أن يكون دخل منزله بغير إذنه لانه متعد بالدخول فقد تسبب إلى اتلاف نفسه بجنايته، وان دخل باذن المالك فعليه ضمانه لانه تسبب إلى اتلافه فان أتلف الكلب بغير العقر مثل ان ولغ في إناء إنسان أو بال لم يضمنه لان هذا لا يختص الكلب العقور قال القاضي وان اقتنى سنورا يأكل أفراخ الناس ضمن ما أتلفه كالكلب العقور، ولافرق بين الليل والنهار فان لم تكن له عادة بذلك لم يضمن صاحبه جنايته كالكلب الذي ليس بعقورولو ان الكلب العقور أو السنور حصل عند إنسان من غير اقتنائه ولا اختياره فأفسد لم يضمنه لانه لم يحصل الاتلاف بتسببه فان اقتنى حماما أو غيره من الطير فأرسله نهارا فلقط حبا لم يضمنه لان العادة ارساله (مسألة) (وقيل في الكلب روايتان في الجملة (احداهما) يضمن سواء كان في منزل صاحبه أو خارجا وسواء دخل باذن صاحب المنزل أو بغير إذنه لان اقتناءه الكلب العقور سبب للعقر وأذى الناس فضمن صاحبه كمن ربط دابة في طريق ضيق (والثانية) لا يضمن لقوله عليه الصلاة والسلام (جرح العجماء جبار) ولانه أتلف من غير أن تكون يد صاحبه عليه أشبه سائر البهائم (مسألة) (وان أجج نارا في ملكه أو سقى أرضه فتعدى إلى ملك غيره فاتلفه ضمن إذا كان قد أسرف فيه أو فرط والا فلا) وجملته أنه إذا فعل ذلك لم يضمن إذا كان ما جرت به العادة من غير تفريط لان غير متعد ولانها سراية فعل مباح فلا يضمن كسراية القود، وفارق من حل وكاء زق فاندفق لانه متعد بحله ولان الغالب خروج المائع من الزق المفتوح بخلاف هذا، فان كان بتفريط منه أو اسراف بان أجج نارا تسري

[ 447 ]

في العادة لكثرتها أو في ريح شديدة تحملها أو فتح ماء كثيرا يتعدى أو فتح الماء في أرض غيره أو أوقد في دار غيره ضمن ما تلف به وان سرى إلى غير الدار التي أوقد فيها والارض التي فتح الماء فيها لانها سراية عدوان أشبهت سراية الجرح الذي تعدى به ولذلك إن يبست النار أغصان شجرة غيره يضمن لان ذلك لا يكون الا من نار كثيرة الا أن تكون الاغصان في هوائه فلا يضمن لان دخولها إليه غير مستحق فلا يمنع من التصرف في داره لحرمتها ومذهب الشافعي كما ذكرنا في هذا الفصل. (فصل) وان ألقت الريح إلى داره ثوب غيره لزمه حفظه لانه أمانة حصلت تحت يده أشبهت اللقطة فان لم يعرف صاحبه فهو لقطة يثبت فيها أحكامها وان عرف صاحبه لزمه إعلامه فان لم يفعل ضمنه لانه أمسك مال غيره بغير إذنه من غيرت عريف فهو كالغاصب، وان سقط طائر في داره لم يلزمه حفظه ولا إعلام صاحبه لانه محفوظ بنفسه إلا أن يكون غير ممتنع فهو كالثوب وان دخل برجه فأغلق عليه الباب ناويا إمساكه لنفسه ضمنه لانه أمسك مال غيره لنفسه فهو كالغاصب وإلا فلا ضمان عليه لانه يتصرف في برجه كيف شاء فلا يضمن مال غيره بتلفه ضمنا لتصرفه الذي لم يتعد فيه (مسألة) (وان حفر في فنائه بئرا لنفسه ضمن ما تلف به، والفناما كان خارج الدار قريبا منها) إذا حفر في الطريق بئرا لنفسه ضمن ما تلف بها سواء حفرها باذن الامام أو بغير إذنه وسواء كان فيها ضرر أولا وقال أصحاب الشافعي ان حفرها باذن الامام لم يضمن لان للامام أن يأذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه بدليل أنه يجوز ان يأذن في العقود فيه ويقطعه لمن يبيع فيه ولنا أنه تلف بحفر حفره في مكان مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم فضمن كما لو لم يأذن فيه الامام ولا نسلم أن للامام الاذن في هذا وانما جاز الاذن في العقود لانه لا يدوم ويمكن إزالته في الحال اشبه العقود في المسجد ولان العقود حائز من غير اذن الامام بخلاف الحفر

[ 448 ]

(مسألة) (وان حفرها في سابلة لنفع المسلمين لم يضمن في أصح الروايتين) مثل أن يحفرها لينزل فيها ماء المطر أو ليشرب منه المارة ونحو هذا فلا يضمن لانه محسن بفعله غير متعد أشبه باسط الحصير في المسجد، وقال بعض أصحابنا لا يضمن إذا كان باذن الامام وان كان بغير اذنه لم يضمن في احدى الروايتين فان أحمد قال في رواية اسحاق بن ابراهيم إذا أحدث بئرا لماء المطر فيه نفع للمسلمين أرجو أن لا يضمن والثانية يضمن أوما إليه أحمد لانه اقتات على الامام ولم يذكر القاضي سوى هذه الرواية، والصحيح الاول لان هذا مما تدعو الحاجة إليه ويشق استئذان الامام فيه وتعم البلوى به ففي وجوب الاستئذان فيه تفويت لهذه المصلحة العامة لانه لا يكاد يوجد من يتحمل كلفة الاستئذان والحفر معا فتضيع هذه المصلحة فوجب سقوط الاستئذان كما في سائر المصالح العامة من بسط حصير في المسجد أو وضع سراج أو رم شعث واشباه ذلك وحكم البناء في الطريق حكم الحفر فيها على ما ذكرنا من التفصبل والخلاف وهو أنه متى بنى بناء يضر لكونه في طريق ضيق أو واسع إلا أنه يضر بالمارة أو بناه لنفسه ضمن ما تلف به وساء في ذلك كله اذن الامام وعدم الاذن قال شيخنا ويحتمل ان يعتبر اذن الامام في البناء لنفع المسلمين دون الحفر لان الحفر تدعو الحاجة إليه لنفع الطريق واصلاحها وإزالة الطين والماء منها بخلاف البناء فجرى حفرها مجرى تبقيتها وحفر هدفة منها وقلع حجر يضر بالمارة ووضع الحصى في حفرة فيها ليسهلها، ويملكها بازالة الطين ونحوه منها تسقيف ساقية فيها ووضع حجر في طين فيها ليطأ الناس عليها فهذا كله مباح لا يضمن ما تلف به لا نعلم فيه خلافا وكذلك ينبغي أن يكون في بناء القناطر ويحتمل أن يعتبر إذن الامام فيها لان مصلحته لاتعم بخلاف غيره قال بعض أصحابنا في حفر البئر ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان إذا حفرها في مكان مائل عن القارعة وجعل عليه حاجزاء يعلم به ليتوقى (فصل) وان حفر العبد بسرا في ملك إنسان بغير إذنه أو في طريق يتضرر به ثم أعتق ثم تلف بها شئ ضمنه العبد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة الضمان على السيد لان الجناية بالحفر

[ 449 ]

في حال رقه فكان ضمان جنايته حيئنذ على سيده ولا يزال ذلك بعتقه كما لو جرح في حال رقه ثم سرى جرحه بعد عتقه ولنا ان التلف الموجب للضمان وجد بعد العتق فكان الضمان عليه كما لو اشترى سيفا في حال رقه ثم قتل به بعد عتقه وفارق ما قاسوا عليه لان الاتلاف الموجب للضمان وجد حال رقه وههنا حصل بعد عتقه وكذلك القول في نصيب حجر أو غيره من الاسباب التي يجب بها الضمان (مسألة) (وان بسط في مسجد حصيرا أو علق فيه قنديلا أو سقفه أو نصب عليه بابا أو جعل فيه رقا لينتفع به الناس فتلف به شئ فلا ضمان عليه) وقال أصحاب الشافعي ان فعل شيئا من ذلك بغير اذن الامام ضمن في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة يضمن اذالم يأذن فيه الجيران ولنا أن هذا فعل أحسن به ولم يتعد فيه فلم يضمن ما تلف به كما لو أذن فيه الامام والجيران ولانه فعل ما يتنفع به المسلمون غالبا فلم يضمن كمن مهد الطريق ولان هذا مأذون فيه عرفا لان العادة جارية بالتبرع به من غير استئذان فلم يضمن فاعله كالمأذون فيه نطلقا (مسألة) (وان جلس في مسجد أو طريق واسع فعثر به حيوان فتلف لم يضمن في أحد الوجهين) لانه جلس في مكان له الجلوس فيه من غير تعد على أحد، وفي الآخر يضمن لان الطريق انما جعلت للمرور فيها لا الجلوس، والمسجد للصلاة وذكر الله تعالى والاول أولى لانه فعل فلا مباحا، وقولهم ان الطريق انما جعلت للمرور ممنوع فان الطريق الواسع يجلس فيه عادة وكذلك المسجد جعل للصلاة وانتظارها والاعتكاف فيه في جميع الاوقات وبعضها لا تباح الصلاة فيه ولان انتظار الصلاة والاعتكاف قربة فلم يتعلق به الضمان كالصلاة والله أعلم (مسألة) (وان أخرج جناحا أو ميزابا إلى الطريق فسقط على شئ فأتلفه ضمن) وجملة ذلك أنه إذا أخرج إلى الطريق النافذ جناحا أو ساباطا فسقط أو شئ منه على شئ فأتلفه ضمنه المخرج وقال

[ 450 ]

أصحاب الشافعي ان وقعت خشبة ليست مركبة على حائط وجب نصف الضمان لانه تلف بما وضعه على ملكه وملك غيره فيقسم الضمان عليهما. ولنا أنه تلف بما أخرجه إلى هوا الطريق فكما لو بنى حائطه مائلا إلى الطريق أو كما لو لم تكن الخشبة الساقطة موضوعة على الحائط ولانه اخراج يضمن به البعض فضمن به الكل كالذي ذكرنا ولانه تلف بعدوانه فضمنه كما لو وضع البناء على أرض الطريق والدليل على عدوانه وجوب ضمان البعض لانه لو كان مباحا لم يضمن به كسائر المباحات، ولان هذه خشبة لو سقط الخارج مها حسب فأتلف شيئا ضمنه فيجب أن يضمن ما أتلف جميعها كسائر المواضع التي يجب الضمان فيها ولا ننا لم نعلم موضعا يجب الضمان كله ببعض الخشبة ونصفه بجميعها، وان كان اخراج الجناح إلى درب غير نافذ بغير اذن أهله ضمن ما تلف به وان كان باذنهم فلا ضمان عليه لانه غير متعد فيه (فصل) وان أخرج ميزابا إلى الطريق النافذ فسقط على انسان أو شئ فأتلفه ضمن وبهذا قال أبو حنيفة وحكي عن مالك أنه لا يضمن ما أتلفه لانه غير متعد باخراجه فلم يضمن ما تلف به كما لو أخرجه إلى ملكه وقال الشافعي ان سقط كله فلعيه نصف الضمان لانه تلف بماوضعه على ملكه وملك غيره وان انقصف الميزاب فسقط منه الخارج حسب ضمن الجميع لانه كله في غير ملكه ولنا ما سبق في الجناح ولا نسلم أن اخراجه مباح بل هو محرم لانه أخرج إلى هواء ملك غيره شيئا يضربه أشبه ما أخرجه إلى ملك آدمي معين بغير اذنه، فأما ان أخرجه إلى ملك آدمي معين بغير اذنه فهو متعد ويضمن ما تلف به لا نعلم في ذلك خلافا (مسألة) (وان مال حائطه فلم يهدمه حتى أتلف شيئا لم يضمنه نص عليه وأومأ في موضع انه ان تقدم إليه لنقضه وأشهد عليه فلم يفعل ضمن) إذا كان في ملكه حائط متسو أو مائل إلى ملكه أو بناء كذلك فسقط من غير استهدام ولا ميل فلا ضمان على صاحبه فيما تلف به لانه لم يتعد ببنائه ولا حصل منه تفريط بابقائه وان مال قبل وقوعه إلى ملكه ولم يتجاوزه فلا ضمان عليه أيضا لانه بمنزلة بناءئه مائلا في ملكه وإن مال قبل وقوعه إلى هواء الطريق أو الى ملك انسان أو ملك مشترك بينه وبين غيره وكان بحيث لا يمكنه نقضه فلا ضمان عليه لانه لم يتعد ببنائه ولا فرط في ترك نقضه لعجزه عنه أشبه مالو سقط من غير ميل، فان أمكنه نقضه ولم

[ 451 ]

ينقضه ولم يطالب بذلك لم يضمن في المنصوص عن أحمد وهو الظاهر عن الشافعي ونحوه قول الحسن والنخعي والثوري وأصحاب الررأي لانه بناه في ملكه والميل حادث بغير فعله أشبه مالو وقع ميله، وذكر بعض أصحابنا فيه وجها آخر ان عليه الضمان وهو قول ابن أبي ليلى وأبي ثور وإسحاق لانه متعد بتركه مائلا فضمن ما تلف به كما لو بناه مائلا إلى ذلك ابتداء ولانه لو طولب بنقضه فلم يفعل ضمن ما تلف به ولو لم يكن موجبا للضمان لم يضمن بالمطالبة كما لو لم يكن مائلا أو كان مائلا إلى ملكه، وأما ان طولب بنقضه فلم يفعل فقد توقف أحمد عن الجواب فيها وقال أصحابنا يضمن وقد أومأ إليه أحمد وهو مذهب مالك ونحو قال الحسن والنخعي والثوري، وقال أبو حنيفة الاستحسان ان يضمن لان حق الجواز للمسلمين وميل الحائط يمنعهم ذلك فكان لهم المطالبة بازالته فإذا لم يزله ضمن كما لو وضع شيئا على حائط نفسه فسقط في ملك غيره فطولب برفعه فلم يفعل حتى عثر به انسان، وفيه وجه آخر لا ضمان عليه قال أبو حنيفة وهو القياس لانه بناه في ملكه ولم يسقط بفعله فأشبه مالو لم يطالب بنقضه أو سقط قبل ميله أولم يمكنه نقضه، ولانه لو وجب الضمان به لم تشترط المطالبة به كما لو بناه مائلا إلى غير ملكه فان قلنا عليه الضمان إذا طولب فان المطالبة من كل مسلم أو ذمي توجب المضان إذا كان ميله إلى الطريق لان لكل واحد منهم حق المرور فكانت له المطالبة كما لو مال الحائط إلى ملك جماعة فان لكل واحد منهم المطالبة وإذا طالب واحد فاستأجله صاحب الحائط أو أجله الامام لم يسقط عنه الضمان لان الحق لجميع المسلمين فلا يملك الواحد منهم اسقاطه وان كانت المطالبة لمستأجر الدار ومرتهنيها ومستعيرها ومستودعها فلا ضمان عليهم لانهم لا يملكون القبض و ليس الحائط ملكها لهم وان طولب المالك في هذه الحال فلم يمكنه استرجاع الدار ونقض الحائط فلا ضمان عليه لعدم تفريطه وان أمكنه استرجاعها كالمعير و المودع والراهن إذا أمكنه فكاك الرهن فم يفعل ضمن لانه أمكنه النقض، وان كان

[ 452 ]

المالك محجورا عليه لسفه أو صغر أو جنون فطولب هو لم يلزمه الضمان لانه ليس أهلا للمطالبة وان طولب وليه أو وصيه فلم ينقضه فالضمان على المالك لان سبب الضمان ماله فكان الضمان عليه دون التصرف كالوكيل مع الموكل وان كان الملك مشتركا بين جماعة فولب احدهم بنقضه احتمل وجهين احدهما لا يلزمه شئ لانه لا يمكنه نقضه بدون إذنهم فهو كالعاجز والثانى يلزمه بحصته لانه يتمكن من النقض بمطالبته شركاءه والزامهم النقض فصار بذلك مفرطا فان كان ميل الحائط إلى ملك آدمي معين اما واحد أو جماعة فالحكم على ما ذكرنا إلا ان المطالبة تكون للمالك أو ساكن الملك الذي مال إليه دون غيره، وان كان لجماعة فأيهم طالب وجب النقض بمطالبته كما لو طالب واحد بنقض المائل إلى الطريق إلا أنه متى طولب إلا أنه متى طولب ثم اجله صاحب الملك أو ابرأة منه أو فعل ذلك ساكن الدار التي مال إليها جاز لان الحق له وهو يملك اسقاطه، وان مال إلى درب غير نافذ فالحق لاهل الدرب والمطالبة لهم لان الملك لهم يلزم النقض بمطالبة احدهم ولا يبرأ بابرائه وتأجيله الا ان يرضى بذلك جميعهم لان الحق للجميع. (فصل) وان لم يمل الحائط لكن تشقق فان لم يخش سقوطه لكون سقوطه بالطول لم يجب نقضه وحكمه حكم الصحيح قياسا عليه وان خيف وقوعه لكونه مشقوقا بالعرض فحكمه حكم المائل لانه يخاف منه التلف اشبه المائل (فصل) ولو بنى في ملكه حائط مائلا إلى الطريق أو إلى ملك غيره فتلف به شئ أو سقط على شئ أتلفه ضمن لتعديه فانه ليس له النباء في هواء ملك غيره أو هواء مشترك ولانه يعرضه للوقوع على غيره في غير ملكه أشبه مالو نصب فيه منجلا يصيد به وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا (فصل) إذا تقدم إلى صاحب الحائط المائل بنقضه فباعه مائلا فسقط على شئ فتلف به فلا

[ 453 ]

ضمان على بائعه لانه ليس بملكه ولا على المشتري لانه لم يطالب بنقضه وكذلك ان وهبه واقبضه وان قلنا بلزوم الهبة زال الضمان عنه بمجرد العقد، وإذا وجب الضمان عنه وكان التلف به آدميا فالدية على عاقلته فان أنكرت العاقلة كون الحائط لصاحبهم لم يلزمهم إلا أن يثبت ذلك ببينة لان الاصل عدم الوجوب عليهم فلا يجب بالشك وان اعترف صاحب الحائط فالضمان عليه دونهم لان العاقلة لاتحمل الاعتراف وكذلك ان انكروا مطالبته بنقضه فالحكم على ما ذكرنا وان كان الحائط في يد صاحبهم وهو ساكن في الدارلم يثبت بذلك الوجوب عليهم لان دلالة ذلك على الملك من جهة الظاهر والظاهر لا تثبت به الحقوق وإنما ترجح به الدعوى (مسألة) (وما أتلفت البهية فلا ضمان على صاحبها الا أن تكون في يد إنسان كالراكب والسائق والقائد قد يضمن ما جنت يدها أو فمها دون ما جنت رجلها) إذا أتلف البهيمة شيئا فلا ضمان على صاحبها إذا لم تكن يد أحد عليه القول النبي صلى الله عليه وسلم (العجماء جرحها جبار) يعني هدرا فاما ان كانت يد صاحبها عليها كالراكب والسائق القائد فانه يضمن وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي وقال مالك لا ضمان عليه لما ذكرنا من الحديث ولانه جناية بهبمة فلم يضمنها كما لو لم تكن ييده عليها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (والرجل جبار) رواه سعيد باسناده عن الهزبل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيص الرجل بكونه جبارا دليل على وجوب الضمان في جناية غيرها ولانه يمكنه حفظها من الجناية إذا كان راكبها أو يده عليها بخلاف من لا يدله عليه وحديثه محمول على من لا يدله عليها (فصل) ولا يضمن ما جنت برجلها وبه قال أبو حنيفة وعن أحمد رواية أخرى أنه يضمنها وهو قول شريح والشافعي لانه من جناية بهيمة يده عليها فضمنه كجناية يدها

[ 454 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (الرجل جبار) ولانه لا يملك حفظ رجلها عن الجناية فلم يضمنها كما لو لم يكن يده، عليها فاما ان كانت جنايتها بفعله مثل أن كبحها أو ضربها في وجهها ونحو ذلك فانه يضمن جناية رجلها لانه السبب في جنايتها فكان عليه ضمانها ولو كان السبب غيره مثل أن نخسها أو نفرها فالضمان على من فعل ذلك دون راكبها وسائقها وقائدها لانه السبب في جنايتها (فصل) فان كان على الدابة راكبان فالضمان على الاول منهما لانه المتصرف فيها القادر على كفها الا أن يكون الاول منهما صغيرا أو مريضا ونحوهما ويكون الثاني هو المتولي لتدبيرها فيكون الضمان عليه فان كان مع الدابة قائد وسائق فالضمان عليهما لان كل واحد منهما لو انفرد ضمن فإذا اجتمعا ضمنا، وان كان معهما أو مع أحدهما راكب فالضمان عليهم جميعا في أحد الوجهين لذلك والثاني الضمان على الراكب لانه أقوى يدا وتصرفا، ويحتمل أن يكون على القائد لانه لاحكم للراكب معه (فصل) والجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب يضمن جنايته لانه في حكم القائد فاما الجمل المقطور على الجمل الثاني فينبغي أن لا يضمن جنايته إلا أن يكون له سائق لان الراكب الاول لا يمكنه حفظه عن الجناية، ولو كان مع الدابة ولدها لم يضمن جنايته لانه لا يمكنه حفظه وذكر ابن ابي موسى في الارشاد أنه يضمن قال لانه يمكنه ضبطه بالشد (مسألة) (ويضمن ما أفسدت من الزرع والشجر ليلا ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهارا) يعني إذا لم تكن يد أحد عليها وهذا قول مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز وقال الليث يضمن مالكها ما أفسدته ليلا ونهارا بأقل الامرين من قيمتها أو قدر ما أتلفته كالعبد إذا جنبى، وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه بحال لقول النبي صلى الله عليه وسلم (العجماء جرحها جبار) يعني هدراو لانها أفسدت وليست يده عليها فلم يضمن كالنهار أو كما لو أتلفت غير الزرع ولنا ما روى مالك عن الزهري عن حزام بن سعيد بن محيصة ان ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: على أهل الاموال حفظها بالنهار وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم. قال ابن عبد البر ان كان هذا مرسلا فهو مشهور حدث به الائمة الثقاة وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول ولان العادة من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعى وحفظها ليلا وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل فإذا ذهبت ليلا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ

[ 455 ]

وان تلفت نهارا كان التفريط من أهل الزرع فكان عليهم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته فصل) قال بعض اصحابنا انما يضمن مالكها ما اتلفته ليلا إذا فرط بارسالها ليلا أ نهارا اولم يضمها بالليل أو ضمها بحيث يمكنها الخروج اما إذا ضمها فأخرجها غيره بغير إذنه أو فتح عليها بابها فالضمان على مخرجها أو فاتح بابها لانه المتلف قال القاضي هذه المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراعي اما القرى العامرة التي لامرعى على فيها الابين قراحين (1) كساقية وطريق وطرف زرع فليس لصاحبها ارسالها بغير حافظ عن الزرع فان فعل فعليه الضمان لتفريطه وهذا قول بعض اصحاب الشافعي. (فصل) فان اتلفت البهيمة غير الزرع والشجر لم يضمن مالكها ما اتلفته ليلا كان أو نهارا ما لم تكن يده عليها، وحكي عن شريح انه قضى في شاة وقعت في غزل حائك ليلا بالضمان على صاحبها وقرأ (إذ نفشت فيه غنم القوم) قال والنفش لا يكون الا بالليل وعن الثوري يضمن وان كان نهارا لنفريطه بارسالها. ولنا قول النبي صلى الله عليه (العجماء جرحها جبار) متفق عليه اي هدر واما الآية فالنفش هو الرعي بالليل وكان هذا في الحرث الذي تفسده البهائم بالرعي طبعا وتدعوها نفسها إلى اكله بخلاف غيره فلا يصح قياس غير عليه (فصل) إذا استعار بهيمة فاتلفت شيئا وهي في يد المستعير فضمانه عليه سواء كان المتلف لمالكها أو لغيره لان ضمانه يجب باليد واليد للمستعير، وإن كانت البهيمة في يد الراعي فأتلفت زرعا أو شجرا فالضمان على الراعي دون المالك لان اتلاف ذلك في النهار لا يضمن إلا بثبوت اليد عليها واليد للراعي دون المالك فضمن كالمستعير، وان كان الزرع للمالك وكان ليلا ضمن ايضا لان ضمان اليد اقوى بدليل انه يضمن في الليل والنهار جميعا (مسألة) (ومن صال عليه آدمي أو غيره فقتله دفعا عن نفسه لم يضمنه لانه قتله بالدفع الجائز فلم يجب ضمانه فان كان الصائل بهيمة فلم يمكنه دفعها إلا بقتلها جاز له قتلها اجماعا ولا يضمنها إذا كانت لغيره وهذا قول مالك والشافعي واسحاق وقال أبو حنيفة يضمنها لانه اتلف مال غيره لا حياء نفسه فضمنه كالمضطر إذا اكل طعام غيره وكذلك الخلاف في غير المكلف من الآدمين كالصبي والمجنون يجوز قتله ويضمنه لانه لا يملك إباحة نفسه ولذلك لو ارتد لم يقتل ولنا انه قتله بالدفع الجائز فلم يضمنه كالعبد ولانه حيوان جاز اتلافه فلم يضمنه كالآدمي المكلف ولانه


(1) كذا في الاصل

[ 456 ]

قتله لدفع شره فاشبه وذلك أنه إذا قتله لدفع شره كان الصائل هو القاتل لنفسه فاشبه مالو نصب حربة في طريقه فقذف نفسه عليها فمات بها وفارق المضطر فان الطعام لم يلجئه إلى اتلافه ولم يصدر منه ما يزيل عصمته ولهذا لو قتله لصياله لم يضمنه ولو قتله ليأكله في المخمصة وجب عليه الضمان وغير المكلف كالمكلف في هذا وقولهم لا يملك إباحة نفسه قلنا: والمكلف لا يملك اباحة نفسه ولو قال أبحت دمي لم يبح مع أنه إذا صال فقد أبيح دمه بفعله فلم يضمنه كالمكلف (مسألة) (وان اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر وما فيها) إذا اصطدمت سفينتان متساويتان كاللتين في بحر أو ماء واقف فان كان القيمان مفرطين ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر بما فيها من نفس ومال كالفارسين إذا تصادما وان لم يكونا مفرطين فلا ضمان عليهما، وقال الشافعي: يضمن في أحد الوجهين لانهما في أيديهما فضمنا كما لو اصطدما فارسان لغلبة الفرسين لهما ولنا أن الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب ولا الاحتراز من ذلك فأشبه الصاعقة إذا نزلت فاحرقت سفينة ويخالف الفرسين فانه يمكن ضبطهما والاحتراز من طردهما وان كان أحدهما مفرطا وحده ضمن وحده، وان اختلفا في تفريط القيم ولا بينه فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدمه وهو أمين أشبه المودع وعند الشافعي أنهما إذا كانا مفرطين فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه وقال مثل ذلك في الفارسين وسنذكره ان شاء الله تعالى والتفريط ان يكون قادرا على ضبطها أوردها عن الاخرى فلم يفعل أو أمكنه أن يعد لها إلى ناحية أخرى فلم يفعل أو لم يكمل آلتها من الرجال والحبال وغيرهما (مسألة) (وان كانت احداهما منحدرة فعلى صاحبها ضمان المصعدة إلا أن يكون عليه ريح فلم يقدر على ضبطها) متى كان قيم المنحدرة مفرطا فعليه ضمان المصعدة لانها تنحط عليها من علو فيكون ذلك سببا لغرقها فتزل المنحدرة بمنزلة السائر والمصعدة منزلة الواقف إذا اصطدما، وإن غرقتا جميعا فلا شئ على المصعد وعلى المنحدر قيمة المصعدة أو ارش ما تقصت ان لم تتلف كلها الا ان يكون التفريط من المصعد بان يمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادر ولا مفرط فيكون الضمان على المصعد، وان لم يكن من واحد منهما تفريط لكن هاجت ريح أو كان الماء شديد الجرية فلم يمكنه ضبطها فلا ضمان عليه لانه لايدخل في وسعه (ولا يكلف الله لفسا إلا وسعها) فان كانت إحدى السفينتين واقفة

[ 457 ]

والاخرى سائرة فلا شئ على الواقفة وعلى السائرة ضمان الوافقة إن كان القيم مفرطا، فلا ضمان عليه إذا لم يفرط على ما ذكرنا. (فصل) فان خيف على السفينة الغرق فالقى بعض الركبان متاعه لتخف وتسلم من الغرق لم يضمنه أحد لانه أتلف متاع نفسه باختياره لصلاحه وصلاح غيره، وان القى متاع غيره بغير إذنه ضمنه وحده وان قال لغيره الق متاعك فقبل منه لم يضمنه لانه لم يلتزم ضمانه، وان قال القه وأنا ضامن له أو علي قيمته لزم ضمانه لانه أتلف ماله بعوض لمصحلة فوجب له العوض على من التزمه كما لو قال اعتق عبدك وعلي ثمنه. وان قال القه وعلي وعلى ركاب السفينة ضمانه فالقاه ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه ضمانه وحده ذكره أبو بكر وهو نص الشافعي لانه التزم ضمان جميعه فلزمه ما التزمه، وقال القاضي ان كان ضمان اشتراك مثل أن يقول نحن نضمن لك أوقال على كل واحد منا ضمان قسطه أو ربع متاعك لم يلزمه الا ما يخصه من الضمان وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لانه لم يضمن إلا حصته وانما أخبر عن الباقين بالضمان فسكتوا وسكوتهم ليس بضمان، وان الترم ضمان الجميع وأخبر عن كل واحد منهم بمثل ذلك لزمه ضمان الكل لانه ضمن الكل، وان قال القه على أن أضمنه لكل أنا وركبان السفينة فقد أذنوا لي في ذلك فانكروا الاذن فهو ضامن للجميع وان قال القي متاعي وتضمنه؟ فقال نعم ضمنه له وان قال الق متاعك وعلي ضمان نصفه وعلى أخي ضمان ما بقي فالقاه فعليه ضمان النصف وحده ولا شئ على الآخر لانه لم يضمن والله أعلم. (فصل) إذا خرق سفينة فغرقت بما فيها وكان عمدا وهو مما يغرقها غالبا ويهلك من فيها لكونهم في اللجة أو لعدم معرفتهم بالسياحة فعليه القصاص ان قتل من يجب القصاص بقتله وعليه ضمان السفينة بما قفيها من مال ونفس وان كان خطأ فعليه ضمان العبيد ودية الاحرار على عاقلته وان كان عمد خطأ مثل ان اخذ السفينة ليصلح موضعا فقلع لوحا أو يصلح مسمارا فنقب موضعا فهو عمدا لخطأ ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي، والصحيح ان هذا خطأ محض لانه قصد فعلا مباحا فأفضى إلى التلف لما لم يرده فاشبه مالو رمى صيدا فاصاب آدميا فقتله ولكن ان قصد قلع اللوح في موضع الغالب أنه لا يتلفها فاتلفها فهو عمد الخطأ فيه ما فيه (مسألة) (وان كسر مزمارا أو طنبورا أو صليبا لم يضمنه) وقال الشافعي ان كان ذلك إذا فصل يصلح لنفع مباح وإذا كسر لم يصلح لزمه ما بين قيمته مفصلا ومكسورا لانه أتلف بالكسر ماله قيمه، وان كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يضمن، وقال أبو حنيفة يضمن.

[ 458 ]

ولنا أنه لا يحل بيعه فلم يضمنه كالميتة والدليل على أنه لا يحل بيعه قول النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام (بعثت بمحق القينات والمعازف) (مسألة) (وان كسر آنية ذهب أو فضة لم يضمنها) وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن احمد انه يضمن فان منها نقل عنه فيمن هشم على غيره ابريق فضه عليه قيمته يصوغه كما كان، فقيل له أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها فسكت، والصحيح أنه لا يضمن نص عليه في رواية المروذي فيمن كسر ابريق فضة لا ضمان عليه لانه أتلف ما ليس بمباح فلم يضمنه كالميتة، ورواية منها تدل على أنه رجع عن قوله ذلك لكونه سكت حين ذكرا لسائل النهي عن وليس في رواية منها أنه قال يصوغه ولا تحل صناعته فكيف تجب؟ (مسألة) (وان كسر اناء خمر لم يضمنه في أصح الروايتين) لما روي عن ابن عمر قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آنية بمدية وهي الشفرة فأتيته بها فارسل بها فارهفت ثم أعطانيها وقال (اغد علي بها) ففعلت فخرج باصحابه إلى اسواق المدينة وفيها زفاق الخمر قد جلبت من الشام فاخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته كلها وأمر اصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني وامرني ان آتي الاسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر الاشققته رواه أحمد، وروي عن انس قال كنت اسقي ابا طلحة وابي بن كعب وابا عبيدة شرابا من فضيخ فأنانا آت فقال ان الخمر قد حرمت فقال ابو طلحة قم يا أنس إلى هذه الدنان فاكسرها وهذا يدل على سقوط حرمتها وإباحة اتلافها فلا يضمنها كسائر المباحات (والثانية) يضمنها إذا كان ينتفع بها في غيره لانها مال يمكن الانتفاع به ويحل بيعه فيضمنها كما لو لم يكن فيها خمرولان جعل الخمر فيها لا يفتضي سقوط ضمانها كالبيت الذي جعل مخزمنا للخمر (فصل) إذا غصب ارضا فحكمها في جواز دخول غيره إليها حكمها قبل الغصب فان كانت محوطة كالدار والبستان المحوط عليه لم يجز دخولها لغير مالكها الا باذنه لان ملك مالكها لم يزل عنها فلم يجز دخولها بغير اذنه كما لو كانت في يده. قال احمد: في الضيعة تصير غيضة فيها سمك لا يصيد فيها احد إلا باذنهم، وان كانت صحراء جاز الدخول فيها ورعي حشيشها. قال احمد: لا بأس برعي الكلا في الارض المغصوبة وذلك لان الكلا لا يملك بملك الارض ويتخرج في كل واحدة من الصورتين مثل حكم الاخرى قياسا لها عليها ونقل عنه المرذوي في دار طوابيقها غصب لا يدخل على والديه لان دخوله عليهما تصرف في الطوابيق المغصوبة ونقل عنه الفضل بن عبد الصمد

[ 459 ]

في رجل له إخوة في أرض غصب يزورهم ويراودهم على الخروج فان أجابوه وإلا لم يقم معهم ولا يدع زيارتهم يعني يزورهم يأتي باب دارهم ويتعرف أخبارهم ويسلم عليهم ويكلمهم ولا يدخل إليهم ونقل المرذوي عنه أكره المشي على العبارة التى بجري فيها الماء وذلك لان العبارة وضعت لعبور الماء لا للمشي عليها، قال أحمد لا يدفن في الارض المغصوبة لما في ذلك من التصرف في أرضهم بغير إذنهم وقال أحمد فيمن ابتاع طعاما من موضع غصب ثم علم رجع إلى الموضع الذي أخذه منه فرده وروي عنه أنه قال يطرحه يعني على من ابتاعه منه وذلك لان قعوده فيه حرام منهي عنه فكان البيع فيه محرما ولان الشراء ممن يقعد في الموضع المحرم يحملهم على العقود والبيع فيه وترك الشراء منهم يمنعهم القعود فقال لا يبتاع من الخانات التي في الطرق الا أن لا يجد غيره كان بمنزلة المضطر، وقال في السلطان إذا بنى دارا وجمع الناس إليها أكره الشراء منها. قال شيخنا وهذا على سيبل الورع ان شاء الله تعالى لما فيه من الاعانة على فعل المحرم والظاهر صحة البيع لانه إذا صحت الصلاة في الدار المغصوبة في رواية وهي عبادة فما ليس بعبادة أولى وقال فيمن غصب ضيعة وغصبت من الغاصب وأراد الثاني ردها جمع بينهما يعني بين مالكها والغاصب الاول وان مات بعضهم جمع ورثته انما قال هذا احتياطا خوف التبعة من الغاصب الاول لانه ربما طالب ربها فادعاها ملسكا باليد والا فالواجب ردها على مالكها وقد صرح بهذا في رواية عبد الله في رجل استودع رجلا الفا فجاء رجل إلى المستودع فقال ان فلانا غصبني الالف الذي استودعكه وصح ذلك عند المستودع فان لم يخف التبعة وهو أن يرجعوا به عليه دفعه إليه باب الشفعة وهي استحقاق الانسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها وهي ثابتة بالسنة والاجماع أما السنة فما روى جابر قال قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة متفق عليه ولمسلم قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه فان شاء أخذ وان شاء ترك فان باع ولم يستأذنه فهو أحق به وللبخاري: انما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، وأما الاجماع

[ 460 ]

فقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص شريكه من الضرر فإذا لم يفعل ذلك وباعه لاجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه. قال شيخنا ولا نعلم أحدا خالف هذا الا الاصم فانه قال لا تثبت الشفعة فان في ذلك اضرارا بارباب الاملاك فان المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا اشتراه لم يبتعه ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر المالك وهذا الذي ذكره ليس بشئ لمخالفته الاحاديث الصحيحة والاجماع المنعقد قبله، والجواب عما ذكره من وجهين (أحدهما) أنا نشاهد الشركاء يبيعون ولا يعدم من يشتري منهم غير شركائهم ولم يمنعهم استحقاق الشفعة من الشراء (الثاني) أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم فتسقط الشفعة، واشتقاقها من الشفع وهو الزوج فان الشفيع كان نصيبه منفردا في ملكه فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به وقيل اشتقاقها من الزيادة لان الشفيع يزيد المبيع في ملكه (مسألة) ولا يحل الاحتيال على اسقاطها فان فعل لم يسقط نص عليه أحمد في رواية اسماعيل بن سعيد وقد سأله عن الحيلة في إبطال الشفعة فقال لا يجوز شئ من الحيل في ذلك ولا في ابطال حق مسلم

[ 461 ]

وبهذا قال أبو أيوب وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني، وقال عبد الله بن عمر من يخدع الله يخدعه، ومعنى الحيلة أن يظهرو افي البيع شيئا لا يؤخذ بالشفعة معه ويتواطئون في الباطن على خلافه مثل أن يشتري شيئا يساوي عشرة دنانير بألف درهم ثم يقضيه عنها عشرة دنانير أو يشتريه بمائة دينار ويقضيه عنها مائة درهم أو يشترى البائع من المشتري عبدا قيمته مائة بألف في ذمته ثم يبيعه الشقص بالالف أو يشتري شقصا بألف ثم يبرئه البائع من تسعمائة أو يشتري جزءا من الشقص بمائة ثم يهب له البائع باقيه أو يهب الشقص للمشتري ويهب المشتري له الثمن أو يعقد البيع بثمن مجهول المقدار كحفنة قراضة أو جوهرة معينة أو سلعة غير موصوفة أو بمائة درهم ولؤلؤة وأشباء هذا فان وقع ذلك من غير تحيل سقطت الشفعة، وان تحيلا به على اسقاط الشفعة لم تسقط ويأخذ الشفيع الشقص في الصورة الاولى بعشرة دنانير أو قيمتها من الدراهم وفى الثانية بمائة درهم أو قيمتها ذهبا وفي الثالثة بقيمة العبد المبيع وفي الرابعة بالباقي بعد الابراء وفي الخامسة يأخذ الجزء المبيع من الشقص بقسطه من الثمن ويحتمل أن يأخذ الشقص كله بجميع الثمن لانه انما وهبه بقية الشقص عوضا عن الثمن الذي اشترى به جزءا من الشقص وفي السادسة يأخذ بالثمن الموهوب وفي سائر الصور المجهول ثمنها يأخذه بمثل الثمن أو قيمته ان لم يكن مثليا إذا كان الثمن موجودا فان لم يوجد دفع إليه قيمة الشقص لان الاغلب وقوع العقد على الاشياء بقيمتها وقال أصحاب الرأي والشافعي يجوز ذلك كله وتسقط به الشفعة لانه لم يأخذ بما وقع البيع به فلم يجز كما لو يكن حيلة

[ 462 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أدخل فرسا بين فرسين ولا يأمن ان يسبق فليس بقماروان امن ان يسبق فهو قمار) رواه أبو داود وغيره فجعل ادخال الفرس المحل قمارا في الموضع الذي يقصد به اباحة اخراج كل واحد من المتسابقين جعلا مع عدم معنى المحال فيه وهو كونه بحال يحتمل ان يأخذ سبقهما وهذا يل على ابطال كل حيلة لم يقصد بها الااباحة المحرم مع عدم المعنى فيها فاستدل اصحابنا بما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله اليهود ان الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه) متفق عليه ولان الله تعالى ذم المخادعين له بقوله (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون) والحيل مخادعة وقد مسخ الله تعالى الذين اعتدوا في السبت قردة بحيلهم فانه روي عنهم انهم كانوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة ومنهم من يحفر جبابا ويرسل الماء إليها يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان يوم السبت وقعت في الشباك والجباب فيدعوها إلى ليلة الاحد فيأخذونها ويقولون ما اصطدنا يوم السبت شيئا فمسخهم الله تعالى بحيلتهم وقال تعالى (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) قيل يعني به امة محمد صلى الله عليه وسلم أي ليتعظ بذلك امة محمد صلى الله عليه وسلم فيجتنبوا مثل فعل المعتدين ولان الحية خديعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الخديعة لمسلم ولان الشفعة وجعت لدفع للضرر فلو سقطت بالتحيل للحق الضرر فلم تسقط كما لو اسقطها المشتري عنه بالوقف

[ 463 ]

والبيع، وفارق ما لم يقصد به التحيل لانه لا خداع فيه ولا قصد به ابطال حق والاعمال بالنيات، فان اختلفا هل وقع شئ من هذا حيلة أو لا فالقول قول المشتري مع يمينه لانه أعلم بنيته وحاله، إذا ثبت هذا فان الغرر في الصورتين الاوليين على المشتري لشرائه ما يساوي عشرة بمائة وما يساوي مائة درهم بمائة دينار وأشهد على نفسه ان عليه الفا فربما طالبه بها فلزمه في ظاهر الحكم، وفي الثالثة الغرر على البائع لانه اشترى عبدا يساوي مائة بألف، وفي الرابعة الغرر على المشتري لانه اشترى شقصا قيمته مائة بالف وكذلك في الخامسة لانه اشترى بعض الشقص بثمن جميعه، وفي السادسة على البادئ منهما بالهبة لانه قد لا يهب له الآخر شيئا فان خالف أحدهما ما تواطأ عليه فطالب صاحبه بما أظهره لزمه في ظاهر الحكم لانه عقد البيع مع صاحبه بذلك مختارا فاما ما بينه وبين الله تعالى فلا يحل لمن غرصاحبه الاخذ بخلاف ما تواطأ عليه لان صاحبه إنما رضي بالعقد للتواطؤ فمع فواته لا يتحقق الرضى به (مسألة) (ولا تثبت إلا بشروط خمسة أحدها أن يكون مبيعا فلا شفعة فيما انتقل بغير عوض بحال) كالهبة بغير ثواب والصدقة والوصية والارث فلا شفعة فيه في قول الاكثرين منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحاب الرأي إلا أنه حكي عن مالك رواية أخرى ان الشفعة تجب في المنتقل بهبة أو صدقة ويأخذه الشفيع بقيمته وحكي عن ابن أبي ليلى لان الشفعة تثبت لازالة ضرر الشركة وهو موجود في الشركة كيفما كان ولان الضرر اللاحق بالمتهب دون ضرر المشتري لان اقدام المشتري على

[ 464 ]

شراء الشقص وبذل ماله دليل حاجته إليه فانتزاعه منه أعظم ضررا من أخذه ممن لم يوجد منه دليل الحاجة إليه ولنا أنه انتقل بغير عوض أشبه الميراث ولان محل الوفاق هو البيع والخبر ورد فيه وليس غيره في معناه لان الشفيع يأخذه ومن المشتري بمثل السبب الذي انتقل إليه به ولا يمكن هذا في غيره ولان الشفيع يأخذ الشقص بثمنه لا يقيمته وفي غيره يأخذه بقيمته فافترقا (مسألة) (ولا تجب فيما عوضه غير المال كالصداق وعوض الخلع والصلح عن دم العمد في أحد الوجهين) والمستقل بعوض على ضربين أحدهما ما عوضه المال كالبيع ففيه الشفعة بغير خلاف وكذلك كل ما جرى مجراه كالصلح بمعنى البيع والصلح عن الجناية الموجبة للمال والهبة والمشروط فيها ثواب معلوم لان ذلك بيع يثبت فيه أحكام البيع وهذا منها وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا لا تثبت الشفعة في الهبة المشروط فيها ثواب حتى يتقابضا لان الهبة لا تثبت إلا بالقبض فأشبهت البيع بشرط الخيار. ولنا أنه تملكها بعوض هو مال فلم يفتقر إلى القبض في استحقاق الشفعة كالبيع ولا يصح ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة لان العوض صرف اللفظ عن مقتضاه وجعله عبارة عن البيع خاصة عندهم فانه ينعقد بها النكاح الذي لا تصح الهبة فيه بالاتفاق (الضرب الثاني) ما انتقل بعوض غير المال نحو أن

[ 465 ]

يجعل الشقص مهرا أو عوضا في الخلع أوفي الصلح عن دم العمد فلا شقعة فيه في ظاهر كلام الخرقي لانه لم يتعرض في جميع مسائله لغير البيع اختاره أبو بكر وبه قال الحسن الشعبي وأبو ثور وأصحاب الرأي حكاه عنهم ابن المنذر واختاره، ووقال ابن حامد تجب فيه الشفعة وبه قال ابن شبرمة والحارث العكلي ومالك وابن أبي ليلى والشافعي لانه عقار مملوك بعقد معاوضة أشبه البيع. ووجه الاول أنه مملوك بغير مال أشبه الموهوب والموروث ولانه يمتنع أخذه بمهر المثل لاننا لو أوجبنا مهر المثل لقومنا البضع على الاجانب وأضررنا بالشفيع لان مهر المثل يتفاوت مع المسمى لتسامح الناس فيه في العادة ويمتنع أخذه بالقيمة لانها ليست عوض الشقص فلا يجوز الاخذ بها كالموروث فيتعذر أخذه، وفارق البيع فانه أمكن الاخذ بعوضه، فان قلنا يؤخذ بالشفعة فطلق الزوج قبل الدخول بعد عفو الشفيع رجع بنصف ما أصدقها لانه موجود في يدها يصفته وان طلق بعد أخذ الشفيع رجع بنصف قيمته لان ملكها زال عنه فهو كما لو باعته وان طلق عقبل علم الشفيع ثم علم ففيه وجهان (أحدهما) يقدم حق الشفيع لانه ثبت بالنكاح السابق على الطلاق فهو أسبق (والثاني) حق الزوج مقدم لانه ثبت بالنص والاجماع والشفعة ههنا لانص فيها ولا اجماع. فاما ان عفا الشفيع ثم طلق الزوج فرجع في نصف الشقص لم يستحق الشفيع الاخذ منه لانه عاد إلى المالك لزوال العقد فلم يستحق به الشفيع كالرد بالعيب وكذلك كل فسخ يرجع به الشقص إلى العاقد كرده بعيب أو مقايلة أو اختلاف المتبايعين أورده لغبن

[ 466 ]

وقد ذكرنا في الاقالة رواية أخرى أنها بيع فثبت فيها الشفعة وهو قول أبي حنيفة، فعلى هذا لو لم يعلم الشفيع حتى تقايلا فله أن يأخذ من أيهما شاء، وان عفا عن الشفعة في البيع ثقايلا فله الاخذ بها (فصل) فإذا جنى جنايتين عمدا وخطأ فصالحه منهما على شقص فالشفعة في نصف الشقص دون باقيه وبه قال أبو يوسف ومحمد وهذا على الرواية التي نقول فيها ان موجب العمد القصاص عينا وان قلنا موجبه أحد شيئين وجبت الشفعة في الجميع، وقال أبو حنيفة لا شفعة في الجميع لان الاخذ بها تبعيض للصفقة على المشتري ولنا أن ما قابل الخطأ عوض عن مال فوجبت فيه الشفعة كما لو انفرد ولان الصفقة جمعت ما يجب فيه وما لا يجب فوجبت فيما يجب دون الآخر كما لو اشترى شقصا وسفيا، وبهذا الاصل يبطل ما ذكره قال شيخنا وقول أبي حنيفة أقيس لان في الشفعة تبعيض الشقص على المشتري وربما لا يبقى منه إلا مالا نفع فيه فأشبه مالو أراد أخذ بعضه مع عفو صاحبه بخلاف مسألة الشقص والسيف واما إذا قلنا ان الواجب أحد شيئين فباختياره الصلح سقط القصاص وتعينت الدية فكان الجميع عوضا عن مال. (مسألة) (الثاني أن يكون شقصا مشاعا من عقار فيقسم فاما المقسوم المحدود فلا شفعة لمجاوره فيه)

[ 467 ]

وبه قال وعمر بن عبد العزيز وابن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ويحيى الانصاري وأبو الزناد وربيعة ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال ابن شبرمة والثوري وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي الشفعة بالشركة ثم بالشركة في الطريق ثم بالجواز، قال أبو حنيفة يقدم الشريك فان لم يكن وكان الطريق مشتركا كالدرب لا ينفذ تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب الاقرب فالاقرب فان لم يأخذوا ثبتت للملاصق من درب آخر خاصة وقال العنبري وسوار تثبت بالشركة في الملك وبالشركة في الطريق واحتجوا بما روى أبو رافع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجار أحق بصقبه) رواه البخاري وأبو داود وروي الحسن عن سمرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (جاز الدار أحق بالدار) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروى الترمذي في حديث جابر (الجار احق بشفعته بداره ينتظر به إذا كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا) وقال حديث حسن ولانه إيصال ملك يدوم ويتأبد فثبتت الشفعة به كالشركة. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (الشفعة فيما لم يقسم فإذا وتعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري وروى ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب أو عن أبي سلعة أو أو عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا قسمت الارض وحدت فلا شفعة فيها) رواه أبو داود ولان الشفعة تبتت في موضع الوفاق على خلاف الاصل لمعنى معدوم في محل النزاع

[ 468 ]

فلا تثبت فيه، وبيان انتفاء المعنى هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته أو يطلب الداخل المقاسمة فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم، فأما حديث أبي رافع فليس بصريح في الشفعة فان الصقب القرب يقال بالسين والصاد قال الشاعر * كوفيه نازح محلتها لا أمم دارها ولا صقب * فيحتمل أنه أراد باحسان جاره وصلته وعيادته ونحو ذلك، وخبرنا صحيح صريح فيقدم وبقية الاحاديث في أسانيدها مقال فحديث سمرة يرويه عن الحسن ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة قاله أصحاب الحديث قال ابن المنذر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث جابر الذي رويناه وما عداه من الاحاديث فيها مقال، على أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك فانه جار أيضا وتسمى الضرتان جارتين لا شتراكهما في الزوج، قال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لي فضربت احداهما الاخرى بمسطح فقتلها وجنينها، وهذا يمكن في تأويل حديث أبي رافع أيضا. إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون الطريق مفردة أو مشتركة، قال أحمد في رواية ابن القاسم في رجل له أرض تشرب هي وأرض غيره من نهر واحد فلا شفعة له من أجل الشرب إذا وقعت الحدود فلا شفعة. وقال في رواية أبي طالب وعبد الله ومثنى قيمن لا يرى الشفعة بالجوار وقدم إلى الحاكم فأنكر لم يحلف إنما هو اختيار وقد اختلف الناس فيه،

[ 469 ]

قال القاضي إنما قال هذا لان يمين المنكر ههنا على اقطع والبت ومسائل الاجتهاد مظنونة فلا يقطع ببطلان مذهب المخالف ويمكن أن يحمل كلام احمد ههنا على الورع لاعلى التحريم لانه لم يحكم ببطلان مذهب المخالف ويجور المشترى الامتناع به من تسليم المبيع فيما بينه وبنى الله تعالى (فصل) ولا تثبت الشفعة فيما لا تجب قسمته كالحمام الصغير والبئر والطرق الضيقة والرحى الصغيرة والعضادة والعراص الضيقة في إحدى الروايتين عن احمد وبه قال يحيي الانصاري وسعيد وربيعة والشافعي. والثانية فيها الشفعة وهو قول أبى حنيفة والثوري وابن شريح، وعن مالك كالروايتين لقوله صلى الله عليه وسلم (الشفعة فيما لم يقسم) وسائر النصوص العامة ولان الشفعة تثبت لازالة ضرر المشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره والاول ظاهر المذهب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة) والمقنبة الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في رءوس المسائل وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل، ولان إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لانه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة وقد يمتنع المشتري لاجل الشفيع فيتضرر البائع وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها ويمكن أن يقال ان الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من احداث المرافق الخاصة ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم، قولهم ان الضرر ههنا أكثر لتأبده قلنا إلا أن الضرر في محل الوفاق من

[ 470 ]

غير جنس هذا الضررو هو ضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا يمكن التعدية وفي الشفعة ههنا ضرر غير موجود في محل الوفاق وهو ما ذكرناه فتعذر الالحاق، فاما ما أمكن قسمته مما ذكرنا كالحمام الكبير الواسع بحيث إذا قسم لا يستضر بالقسمة وأمكن الانتفاع به حماما فان الشفعة تجب فيه وكذلك البئر والدور والعضائد متى أمكن أن يحصل من ذلك شيئان كالبئر يقسم بئرين يرتقى الماء منهما وجبت الشفعة أيضا لانه يمكن القسمة وهكذا الحرى إن كان لها حصن يمكن قسمته بحيث يحصل الحجران في أحد القسمين أو كان فيها أربعة أحجار دائرة يمكن أن يفرد كل واحد منهما بحجرين وجبت الشفعة وإن لم يكن إلا أن يحصل لكل واحد منهما مالا يتمكن به من ابقائها رحى لم تجب الشفعة فاما الطريق فان الدار إذا بيعت ولها طريق في شارع أو درب نافذ فلا شفعة في الدار ولا الطريق لانه لا شركة لاحد في ذلك وإن كان الطريق في درب غير نافذ ولا طريق، للدارسوى ذلك الطريق فلا شعفة أيضا لان اثبات ذلك يضر بالمشترى لان الدار تبقى بلا طريق، وان كان للدرب باب آخر يستطرق منه أو كان لها موضع يفتح منه باب لها إلى الطريق النافذ نظرنا في الطريق المبيع مع الدار فان كان ممرا لاتمكن قسمته فلا شفعة فيه وان كان يمكن قسمته وجبت الشفعة فيه لانه أرض مشتركة تحتمل القسمة فوجبت فيما الشفعة كغير الطريق ويحتمل أن لا تجب الشفعة فيها بحال

[ 471 ]

لان الضرر يلحق المشتري بتحويل الطريق إلى مكان آخر مع ما في الاخذ بالشفعة من تفريق صفقته وأخذ بعض المبيع من العقار دون بعض فلم يجزكما لو كان الشريك في الطريق شريكا في الدار فأراد أخذ الطريق وحدها، والقول في دهليز الدار وصحنه كالقول في الطريق المملوك، وان كان نصيب المشتري من الطريق أكثر من حاجته فذكر القاضي ان الشفعة تجب في الزائد بكل حال لوجود المقتضي وعدم المانع، والصحيح انه لا شفعة فيه لان في ثبوتها تبعيض صفقة المشتري ولا يخلو من الضرر (مسألة) (ولا تجب فيما ليس بعقار كالشجر والحيوان والبناء المفرد في احدى الروايتين الا أن الغراس والبناء يؤخذ تبعا للارض ولا يؤخذ الزرع والثمرة تبعا في احد الوجهين) وجملة ذلك أن من شروط وجوب الشفعة أن يكون المبيع أرضا لانها التي تبقى على الدوام ويدوم ضررها وغيرها ينقسم قسمين (أحدهما) تثبت فيه الشفعة تبعا للارض وهو البناء والغراس يباع مع الارض فانه يؤخذ بالشفعة تبعا بغير خلاف في المذهب ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا، وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقضاؤه بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط وهذا يدخل فيه البناء والاشجار (القسم الثاني) مالا تثبت فيه الشفعة تبعا ولا مفردا وهو الزرع والثمرة الظاهرة ويباع مع الارض فلا يؤخذ بالشفعة مع الاصل وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك يؤخذ بالشفعة مع أصوله، وقد ذكر أصحابنا وجها مثل قولهما لانه متصل بما فيه الشفعة فثبتت فيه الشفعة تبعا كالبناء والغراس

[ 472 ]

ولنا انه لا يدخل في البيع تبعا فلا يؤخذ بالشفعة كقماش الدار وعكسه البتاء والغراس، يحقق ذلك ان الشفعة بيع في الحقيقة لكن الشارع جعل له سلطان الاخذ بغير رضى المشتري، فان بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة كالطلع غير المؤبر دخل في الشفعة لانها تبع في البيع فأشبهت الغراس في الارض فان بيع ذلك مفردا فلا شفعة فيه سواء كان ممن ينقل كالحيوان والثياب والسفن والحجارة والزرع والثمار أولا ينقل كالبناء والغراس إذا بيع مفردا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وروي عن الحسن والثوري والاوزاعي والعنبري وقتادة وربيعة واسحاق لا شفعة في المنقولات، واختلف فيه عن عطاء ومالك فقالا مرة كذلك ومرة قالا الشفعة في كل شئ حتى في الثوب، قال ابن أبي موسى وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى ان الشفعة واجبة فيما لا ينقسم كالحجر والسيف والحيوان وما في معنى ذلك قال أبو الخطاب وعن احمد ان الشفعة تجب في البناء والغراس وان بيع منفردا وهو قول مالك لعموم قوله عليه السلام (الشفعة فيما لم يقسم) ولان الشفعة وجبت لدفع الضرر والضرر فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ينقسم وقد روى ابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (الشفعة في كل شئ) ولنا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) لا يتناول الا ما ذكرناه وانما أراد مالا ينقسم من الارض لقوله (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق)

[ 473 ]

ولان هذا مما لا ينافى ضرره على الدوام فلم تجب فيه الشفعة كصبرة الطعام وحديث ابن أبي مليكه مرسل ولم يرو في الكتب الموثوق بها والحكم في الغراف والدولاب والناعورة كالحكم في البناء، فأما ان بيعت الشجرة مع قرارها من الارض مفردة عما يتخلها من الارض فحكمها حكم مالا ينقسم من العقار فيه من الخلاف ما ذكرناه لانه مما لا ينقسم ويحتمل أن لا تجب الشفعة فيها بحال لان القرار تابع لها فإذا لم تجب الشفعة فيها مفرده لم تجب في تبعها وان بيعت حصة من علودار مشترك وكان السقف الذي تحته لصاحب السفل فلا شفعة في العلو لانه بناء مفردوان كان لصاحب العلو فكذلك لانه بناء مفرد لانه لا أرض له فهو كما لو لم يكن السقف له ويحتمل ثبوت الشفعة فيه لان له قرارا أشبه السفل (فصل) الشرط الثالث المطالبة بها على الفور ساعة يعلم نص عليه، وقال القاضي له طلبها في المجلس وان طال فان أخر الطلب سقطت شفعته) ظاهر المذهب ان حق الشفعة على الفور ان طالب بها ساعة يعلم بالبيع والابطلت نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فقال الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم وهو قول ابن شبرمة والبتي والاوزاعي وابي حنيفة والعنبري والشافعي في جديد قوله وعن أحمد رواية ثانية ان الشفعة على التراخي لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى بعفو أو مطالبة بقسمة ونحوه وهو قول مالك وقول الشافعي الا أن مالكا قال تنقطع بمضي سنة وعنه بمضي مدة يعلم انه تارك لها لان هذا الخيار لا ضرر في تراخيه فلم يسقط بالتأخير كحق القصاص، وبيان عدم الضرر ان النفع للمشتري باستغلال المبيع فان أحدث فيه عمارة من بناء أو غراس

[ 474 ]

فله قيمته وحكي عن ابن أبي ليلى والثوري ان الخيار مقدر بثلاثة أيام وهو أحد أقوال الشافعي لان الثلاث حدبها خيار الشرط فصلحت حدا لهذا الخيار ولنا ماروى ابن السلماني عن أبيه عن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الشفعة كحل العقال) رواه ابن ماجه وفي لفظ (الشفعة كنشطة العقال قيدت ثبت وان تركت فاللوم على من تركها) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ((الشفعة لمن واثبها) رواه الفقهاء في كتبهم ولانه خيار لدفع الضرر عن المال فكان على الفور كخيار الرد بالعيب لان اثباته على التراخي يضر المشتري لكونه لا يستقر ملكه على المبيع ويمنعه من التصرف بعمارة خشية أخذه منه ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمته لان خسارتها في الغالب أكثر من قيمتها مع تعب قبله وبدنه فيها، والتحديد بثلاثة أيام تحكم لا دليل عليه، والاصل المقيس عليه ممنوع ثم هو باطل بخيار الرد العيب. إذا تقرر هذا فقال ابن حامد يتقدر الخيار بالمجلس وهو قول القاضي وبه قال أبو حنيفة فمتى طالب في مجلس العلم ثبتت الشفعة وان طال لان المجلس كله في حكم حالة العقد بدليل أن القبض فيه لما يشترط فيه القبض كالقبض حالة العقد، وظاهر كلام أحمد انه لا يتقدر بالمجلس بل متى طالب عقيب عمله والا بطلت شفعته وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي في الجديد لما ذكرنا من الخبر والمعنى، وما ذكروه يبطل بخيار الرد بالعيب، فعلى هذا متى أخر المطالبة عن وقت العلم لغير عذر بطلت شفعته وان أخرها لعذر مثل أن أن لا يعلم أو يعلم ليلا فيؤخر إلى الصبح أو لشدة جوع أو عطش حتى يأكل ويشرب أو أخرها لطهارة أو اغلاق

[ 475 ]

باب أو ليخرج من الحمام أو ليؤذن ويقيم ويأتي بالصلاة وسنتها أو ليشهدها في جماعة يخاف فوتها لم تبطل شفعته لان العادة تقديم هذه الحوائج على غيرها فلا يكون الاشتغال بها رضى بترك الشفعة الا أن يكون المشتري حاضرا عنده في هذه الاحوال فيمكنه مطالبته من غير اشتغاله عن اشتغاله فان شفعته تبطل بتركه المطالبة لان هذا لا يشغله عنها ولا تشغله المطالبة عنه فاما مع غيبته فلافان العادة تقديم هذه الاشياء فلم يلزمه تأخيرها كما لو أمكنه أن يسرع في مشيه ويحرك دابته فلم يفعل ومضى على حب عادته لم تسقط شفعته لانه طلب بحكم العادة، وإذا فرغ من حوائجه من مضى على حسب عادته إلى المشتري فاذالقيه بدأه بالسلام لان ذلك الشنة لان في الحديث (من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ثم يطالب فان قال بعد السلام بارك الله لك في صفقة يمينك أو دعا له بالمغفرة ونحو ذلك لم تبطل شفعته لان ذلك يتصل بالسلام فهو من جملته والدعاء له بالبركة في الصفقة دعاء لنفسه لان الشقص يرجع إليه فلان يكون ذلك رضا فان اشتغل بكلام آخر أو سكت لغير حاجة بطلت شفعته لما قدمنا (مسألة) (الا أن يعلم وهو غائب فيشهد على الطلب ثم ان اخر الطلب بعد الاشهاد مع امكانه أو ترك الاشهاد أو لم يشهد لكن سار في طلبها فعلى وجهين) متى عليم الغائب بالبيع وقدر على الاشهاد على المطالبة فلم يفعل بطلت شفعته سواء قدر على التوكيل أو عجز عنه أو سار عقيب العلم أو أقام هذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب وهو ظاهر قول الخرقي وهو وجه

[ 476 ]

للشافعي والوجه الآخر لا يحتاج إلى الاشهاد لانه إذا ثبت عذره فالظاهر انه ترك الشفعة لذلك فقبل قوله فيه ولنا انه قد يترك الطلب للعذر وقد يتركه لغير وقد يسير لطلب الشفعة ويسير لغيره وقد قدر على أن يبين ذلك بالاشهاد فإذا لم يفعل سقطت شفعته كتارك الطلب مع الحضور وقال القاضي ان سار عقيب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غيره اشهاد احتمل ان لا تبطل شفعته لان ظاهر سيره انه للطلب وهو قل أصحاب الرأي والعنبري وقول للشافعي وقال أصحاب الرأي له من الاجل بعد العلم قدر السيرفان مضى الاجل قبل أن يطلب أو يبعث بطلت شفعته وقال العنبري له مسافة الطريق ذاهبا وجائيا لان عذره في ترك الطلب ظاهر لم يحتچ معه إلى الشهادة وقد ذكر نا وجه القول الاول (فصل) فان أخر الطلب بعد الاشهاد مع امكانه فظاهر كلام الخرقي ان الشفعة بحالها وقال القاضي تبطل. إذا قدر على المسير وأخره وان لم يقدر على المسير وقدر على التوكيل في طلبها فلم يفعل بطلت أيضا لانه تارك للطلب بها مع قدرته عليه فسقطت كالحاضر أو كما لو لم يشهد وهذا مذهب الشافعي، الا أن لهم فيما إذا قدر على التوكيل فلم يفعل وجهين (أحدهما) لا تبطل شفعته لان له غرضا في المطالبة بنفسه لكونه أقوم بذلك أو يخاف الضرر من جهة وكيله بان يقر عليه برشوة أو غير ذلك فيلزمه اقراره فكان معذورا ولنا أن عليه في السفر ضررا لالتزامه كلفته وقد يكون له حوائج وتجارة ينقطع عنها وتضيع بغيبته

[ 477 ]

والتوكيل ان كان بجعل لزمه غرم وان كان بغير جعل ففيه منة ويخاف الضرر من جهته فاكتفي بالاشهاد فاما ان ترك السفر لعجزه عنه أو لضرر يلحقه فيه لم تبطل شفعته وجها واحدا لانه معذور كمن لم يعلم (فصل) تجب الشفعة للغائب في قول الاكثرين منهم مالك والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن النخعي ليس للغائب شفعة وبه قال الحارث العكلي والبتي الا للغائب القريب لان اثباتها يضر بالمشتري ويمنع استقرار ملكه وتصرفه على حسب اختياره خوفا من أخذه فلم يثبت كما لا يثبت للحاضر على التراخي ولنا عموم قوله عليه السلام (الشفعة فيما لم يقسم) وسائر الاحاديث ولان الشفعة حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب فيثبت له كالارث ولانه شريك لم يعلم بالبيع فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر إذا كتم عنه البيع والغائب غيبة قريبة وضرر المشتري يندفع بايجاب الثمن له كما في الصور المذكورة. إذا ثبت هذا ولم يعلم بالبيع إلا عند قدومه فله المطالبة وان طالت غيبته لانه خيار ثبت لازالة والضرر عن المال فتراخي الزمان قبل العلم به لا يسقطه كالرد بالعيب ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر في أنه ان طالب على الفور استحق والابطلت شفعته، وحكم المريض والمحبوس ومن لم يعلم بالبيع حكم الغائب لما ذكرنا (مسألة) (فان ترك الطلب والاشهاد لعجزه عنهما كالمريض والمحبوس ومن لا يجد من يشهده لم تبطل شفعته) أما إذا كان مرضه لا يمنع المطالبة كالصداع اليسير والالم القليل فهو كالصحيح، وان كان المرض

[ 478 ]

يمنع المطالبة كالحمى وأشباهها فهو كالغائب في الاشهاد والتوكيل، وأما المحبوس فان كان حبس ظلما أو بدين لا يمكنه أداؤه فهو كالمريض وان كان محبوسا بحق يلزمه أداؤه وهو قادر عليه فهو كالمطلق إن لم يبادر إلى المطالبة ولم يوكل بطلت شفعته (فصل) فان عجز عن الاشهاد في سفره لم تبطل شفعته بغير خلاف لانه معذور في تركه فأشبه ما لو ترك الطلب لعذر أو لعدم العلم، ومتى قدر على الاشهاد فأخره كان كتأخير الطلب بالشفعة ان كان لعذر لم تسقط الشفعة وان كان لغير عذر سقطت لان الاشهاد قائم مقام الطلب ونائب عنه فيعتبر له ما يعتبر للطلب، ومن لم يقدر الاعلى اشهاد من لا تقبل شهادته كالمرأة والفاسق فترك الاشهاد لم تسقط شفعته بتركه لان قولهم غير مقبول فلم تزم شهادتهم كالا طفال والمجانين، وان لم يجد من يشهده الا من لا يقدم معه إلى موضع المطالبة قلم يشهد فالاولى أن شفعته لا تبطل لان اشهاده لا يفيد فأشبه اشهاد من لا تقبل شهادته، وان لم يجد الامستوري الحال فلم يشهدهما احتمل ان تبطل لان شهادتهما يمكن اثباتها بالتزكية فاشبها العدلين، ويحتمل أن لا تبطل لانه يحتاج في اثبات شهادتهما إلى كلفة كثيرة وقد لا يقدر على ذلك فلا تقبل شهادتهما فان أشهدهما لم تبطل شفعته سواء قبلت شهادتهما أو لم تقبل لانه لا يمكنه أكثر من ذلك فاشبه العاجز عن الاشهاد وكذلك ان لم يقدر إلا على اشهاد واحد فاشهده أو ترك اشهاده

[ 479 ]

(مسألة) (أو لاظهارهم زيادة في الثمن أو نقصا في المبيع أو ان المشتري غيره أو أخبره من لا يقبل خبره فلم يصدقه أو قال للمشتري بعني ما اشتريت أو صالحني سقطت شفعته) إذا أظهر المشتري أن الثمن أكثر مما وقع عليه العقد فترك الشفيع الشفعة لم تبطل بذلك وبه قال الشافعي وأصصحاب الرأي ومالك الا أنه قال بعد أن يحلف ما سلمت الشفعة الا لمكان الثمن الكثيرو قال ابن أبي ليلى لاشفعة له لانه سلم ورضي ولنا أنه تركها للعذر فانه لا يرضاه بالثمن الكثير ويرضاه بالقليل وقد يعجز عن الكثير فلم تسقط بذلك كما لو تركها لعدم العلم وكذلك ان ظهر أن المبيع سهام قليلة فبانت كثيرة لانه قد يرغب في الكثير دون القليل وكذلك ان كان بالعكس لانه قد يقدر على ثمن القليل دون الكثير أو انهما تبايعا بدنانير فبانت بدراهم أو بالعكس وبه قال الشافعي وزفر، وقال أبو حنيفة وصاحباه ان كان قيمتهما سواء سقطت الشفعة لانهما كالحنس الواحد ولنا أنهما جنسان أشبها الثياب والحيوان ولانه قد يملك النقد الذى وقع به البيع دون ما أظهره فيتركه لعدم ملكه له وكذلك إن أظهر أنه اشتراه بنقد فبان أنه اشتراه بعرض أو بالعكس أو بنوع من العروض فبان أنه بغيره أو أظهر أنه اشتراه له فبان أن اشتراه لغيره أو بالعكس أو انه اشتراه لانسان فبان أنه اشتراه لغيره لانه قد يرضى بشركة إنسان دون غيره وقد يحابي أنسانا أو يخافه

[ 480 ]

فيترك لذلك وكذلك ان أظهر أنه اشترى الكل بثمن فبان أنه اشترى نصفه بنصفه أو أنه اشترى نصفه بثمن فبان أنه اشترى جميعه بضعفه أو أنه اشترى الشقص وحده فبان أنه اشتراه هو وغيره وأو بالعكس لم تسقط الشفعة في جميع ذلك لانه قد يكون له غرض فيما أبطنه دون ما أظهره فيترك لذلك فلم تسقط شفعته كما لو أظهر أنه اشتراه بثمن فبان أقل منه. فأما ان أظهر أنه اشتراه بثمن فبان أنه اشتراه باكثر أو أنه اشترى الكل بثمن فبان أنه اشترى به بعضه سقطت شفعته لان الضرر فيما أبطنه أكثر فإذا لم يرض بالثمن القليل مع قلة ضرره فبالكثير أولى (فصل) فان أخبره بالبيع مخبر فصدقه ولم يطالب بالشفعة بطلت شفعته سواء كان المخبر ممن يقبل خبره أولا لان العلم قد يحصل بخبر من لا يقبل خبره لقرائن دالة على صدقه وان قال لم أصدقه وكان المخبر ممن يحكم بشهادته كرجلين عدلين بطلت شفعته لان قولهم حجة تثبت بها الحقوق، وان كان ممن لا يعمل بقوله كالفاسق والصبي لم تبطل وحكي عن أبي يوسف أنها تسقط لانه خبر يعمل به في الشرع في الاذن في دخول الدار وشبهه فسقطت كخبر العدل ولنا أنه خبر لا يقبل في الشرع اشبه قول الطفل والمجنون، وان أخبره رجل عدل أو مستور الحال سقطت شفعته، ويحتمل ان لا يستقط يروى هذا عن أبي حنيفة وزفر لان الواحد لا تقوم به البينة.

[ 481 ]

ولنا أنه خبر لا تعتبر فيه الشهادة فقبل من العدل كالرواية والفتيا وسائر الاخبار الدينية، وفارق الشهادة فانه يحتاط لها باللفظ والمجلس وحضور المدعى عليه وإنكاره ولان الشهادة يعارضها إنكار المنكر وتوجب الحق عليه بخلاف هذا الخبر، والمرأة كالرجل في ذلك والعبد كالحر وقال القاضي هما كالفاسق والصبي وهذا مذهب الشافعي لان قولهما لا يثبت به حق ولنا ان هذا خبر وليس بشهادة فاستوى فيه الرجل والمرأة والعبد والحر كالرواية والاخبار الدينية والعبد من أهل الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص وهذا مما عداهما فأشبه الحر (مسألة) (وان قال الشفيع للمشتري بعني ما اشتريت أو قاسمني بطلت شفعته) لانه يدل على رضاه يشرائه وتركه الشفعة وان قال صالحني على مال سقطت أيضا وهو قول أبي الخطاب وقال القاضي لا تسقط لانه لم يرض باسقاطها وإنما رضي بالمعاوضة ولم تثبت العاوضة فبقيت الشفعة ولنا أنه رضي بتركها وطلب عوضها فثبت الترك المرضي به ولم يثبت العوض كما لو قال بعني فلم يبيعه ولان ترك المطالبة بها كاف في سقوطها فمع طلب عوضها أولى ولا صحاب الشافعي وجهان كهذين فان صالحه عنه بعوض لم يصح وبه قال أبوحنية والشافعي وقال مالك يصح لانه عوض عن ازالة ملك فجاز كاخذ العوض عن تمليك المرأة أمرها

[ 482 ]

ولنا أنه خيار لا يسقط إلى فلم يجز أخذ العوض عنه كخيار الشرط وبه يبطل ما قاله وأما الخلع فهو عما ملكه بعوض وههنا بخلافه (فصل) وان لقيه الشفيع في غير بلده فلم يطالبه قال انما تركت المطالبة لا طالبه في البلد الذي فيه البيع أو المبيع أو لا آخذ الشقص في موضع الشفعة سقطت شفعته لان ذلك ليس بعذر في ترك المطالبة فانها لا تقف على تسليم الشقص ولا حضور البلد الذي هو فيه، وان قال نسيت فلم أذكر المطالبة أو نسيت البيع سقطت شفعته لانه خيار على الفور فإذا أخره نسيانا بطل كالرد بالعيب وكما لو أمكنت المعتقة زوجها من وطئها نسيانا ويحتمل ان لا تسقط المطالبة لانه تركها لعذر فأشبه مالو تركها لعدم علمه بها وإن تركها جهلا لاستحقاقه لها إذا كان مثله يجهل ذلك بطلت كالرد بالعيب ويحتمل ان لا تبطل كما إذا ادعت المعتقة الجهل بملك الفسخ (مسألة) (وان دل في البيع لم تبطل شفعته) لان ذلك لا يدل على الرضى باسقاطها بل لعله أراد البيع ليأخذ بالشفعة (مسألة) (وان توكل الشفيع في البيع لم تسقط شفعته بذلك سواء توكل للبائع أو للمشتري) ذكره الشريف وأبو الخطاب وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال القاضي وبعض الشافعية إن كان وكيل البائع فلا شفعة له لانه تحلقه التهمة في البيع لكونه يقصد تقليل الثمن ليأخذ به بخلاف المشتري وقال

[ 483 ]

أصحاب الرأى لاشفعة لوكيل المشتري بناء على أصلهم ان الملك ينتقل إلى الوكيل فلا يستحق على نفسه ولنا انه وكيل فلا تسقط شفعته كالاجر ولا نسلم ان الملك ينتقل إلى الوكيل بل ينتقل إلى الموكل ثم لو انتقل إلى الوكيل لما ثبت في ملكه انما ينتقل في الحال إلى الموكل فلا يكون الاخذ من نفسه ولا الا ستحقاق عليها وأم التهمة فلا تؤثر لان الموكل وكله من علمه بثبوت شفعه راضيا بتصرفه فلم يؤثر كما لو وكله في الشراء من نفسه، وفعلى هذا لو قال لشريكه بع نصف نصبي مع نصف نصيبك ففعل ثبتت الشفعة لكل واحد منهما في المبيع من نصيب صاحبه وعند القاضي تثبت في نصيب الوكيل دون نصيب الموكل (مسألة) (وان جعل له الخيار فاختار امضاء البيع فهو على شفعته) إذا شرط للشفيع الخيار فاختار امضاء العقد أو ضمن العهدة للمشتري فالشفعة بحالها وبه قال الشافعي وقال أصحاب الرأي تسقط لان العقد تم به فأشبه البائع إذا باع بعض نصيب نفسه ولنا ان هذا سبب سبق وجوب الشفعة فلم تسقط به الشفعة كالاذن في البيع والعفو عن الشفعة قبل تمام البيع وما ذكروه لا يصح فان البيع لا يقف على الضمان ويبطل بما إذا كان المشتري شريكا فان البيع تم به وثبتت له الشفعة بقدر نصيبه (مسألة) (وان أسقط شفعته قبل البيع لم تسقط ويحتمل أن تسقط) ادا عفا الشفيع عن الشفعة قبل البيع فقال قد أذنت في البيع أو أسقطت شفعتي أو ما أشبه ذلك

[ 484 ]

لم تسقط وله المطالبة بها في ظاهر المذهب وبه قال مالك والشافعي والبتى وأصحاب الرأي، وعن أحمد ما يدل على ان الشفعة تسقط بذلك فان إسماعيل بن سعيد قال قلت لاحمد ما معني قول النبي صلى الله عليه وسلم (من كان بينه وبين أخيه ربعة فأراد بيعها فليعرضها عليه) وقد جاء في بعض الحديث (لا يحل له الا أن يعرضها عليه إذا كانت الشفعة ثابتة) فقال ما هو بيعيد من أن يكون على ذلك وأن لا تكون له شفعة وهذا قول الحكم والثوري وابي خيثمة وطائفة من أهل الحديث، قال ابن المنذر وقد اختلف فيه عن أحمد فقال مرة تبطل شفعته وقال مرة لا تبطل، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (من كان له شركة في أرض ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يستأدن شريكه فان شاء أخذ وان شاء ترك) ومحال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم (وان شاء ترك) فلا يكون لتركه معنى ولان مفهوم قوله (فان باع ولم يؤذنه فهو أحق به) انه إذا باعه باذنه لاحق له ولان الشفعة ثبتت في موضع الاتفاق على خلاف الاصل لكونه يأخذ ملك المشترى بغير رضاه ويجبره على المعاوضة به لدخوله مع البائع في العقد الذى أساء فيه بادخاله الضرر على شريكه وتركه الاحسان إليه في عوضه عليه وهذا المعنى معدوم ههنا فانه قد عرضه عليه، وامتناعه من أخذه دليل على عدم الضرر في حقه ببيعه فان كان فيه ضرر فهو أدخله على نفسه فلا يستحق الشفعة كما لو أخر المطالبة بعد البيع. ووجه الاول انه اسقاط حق قبل وجوبه فلم يصح كما لو ابرأه مما يجب له أو لو أسقطت المرأة صداقها قبل التزويج، وأما الخبر فيحتمل انه أراد العرض عليه ليبتاع ذلك ان أراد فتخف عليه المؤنة

[ 485 ]

ويكتفي أخذ المشترى الشقص لا اسقاط حقه من شفعته (مسألة) وان ترك الولي شفعة للصبي فيها حظ له لم تسقط وله الاخذ بها إذا كبر وان تركها لعدم الخط فيها سقطت ذكره ابن حامد وقال القاضي يحتمل أن لا تسقط) إذا بيع في شركة الصغير شقص ثبتت له الشفعة في قول عامة الفقهاء منهم الحسن وعطاء ومالك والاوزاعي والشافعي وسوار والعنبري واصحاب الرأي وقال ابن أبي ليلى لا شفعة له وروي ذلك عن النخعي والحارث العكلي لان الصبي لا يمكنه الاخذ ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ لما فيه من الاضرار بالمشتري، وليس للولي الاخذ لان من لا يملك العفو لا يملك الاخذ كالاجنبي ولنا عموم الاحاديث ولانه خيار جعل لازالة الضرر عن المال فثبت في حق الصبي كخيار الرد بالعيب، قولهم لا يمكن الاخذ ممنوع فان الولي يأخذ بها كما يرد بالعيب، قولهم لا يمكنه العفو يبطل بالوكيل فيها وبالرد بالعيب فان ولي الصبى لا يمكنه العفو ويمكنه الرد ولان في الاخذ تحصيلا للملك للصبي ونظرا له وفي العفو تضييع وتفريط في حقه ولا يلزم من ملك ما فيه الحظ ملك ما فيه تضبيع ولان العفو إسقاط لحقه والاخذ استيفاء له ولا يلزم من ملك الولي استيفاء حق المولى عليه ملك اسقاطه بدليل سائر حقوقه وديونه، فان لم يأخذ الولي انتظر بلوغ الصبي كما ينتظر قدوم الغائب، وبه يبطل ما ذكروه من الضرر في الانتظار. إذا ثبت هذا فان الصغير إذا كبر فله الاخذ بها في ظاهر قول الخرقي سواء عفا

[ 486 ]

عنها الولي أولم يعف وسواء كان الخط في الاخذ بها أو في تركها وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور وهذا قول الاوزاعي وزفر ومحمد بن الحسن وحكاه بعض أصحاب الشافعي عنه لان المستحق للشفعة يملك الاخذ بها سواء كان له الحظ فيها أولم يمكن فلم تسقط بترك غيره كالغائب إذا ترك وكيله الاخذ بها، وقال ابن حامدا تركها المولى لحظ الصبي أو لانه ليس للصبي ما يأخذها به سقطت وهو ظاهر مذهب الشافعي لان الولي فعل ماله فعله فلم يجز للصبي نقضه كالرد العيب ولانه فعل ما للصبي فيه حظ فصح كالاخذ مع الحظ، وان تركها لغير ذلك لم تسقط، وقال أبو حنيفة تسقط بعفو الولي عنها في الحالين لان من ملك الاخذ بها ملك العفو عنها كالمالك، وخالفه صاحباه في هذا لانه اسقط حقا للمولي عليه ولا حظ له في اسقاطه فلم يصح كالابراء وخيار الرد بالعيب، ولا يصح قياس الولي على المالك لان للمالك التبرع والابراء وما لا حظ له فيه بخلاف الولي (فصل) فاما الولي فان كان للصبي حظ في الاخذ بها مثل أن يكون الشراء رخيصا أو بثمن المثل وللصبي ما يشتري به العقار لزم وليه الاخذ بالشفعة لان عليه الاحتياط له والاخذ بما فيه الحظ فإذا أخذ بها ثبت الملك للصبي ولم يملك نقضه بعد البلوغ في قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الاوزاعي ليس للولي الاخذ بها لانه لا يملك العفو عنها ولا يملك الاخذ بها كالاجنبي وإنما يأخذ بها الصبي إذا كبر، وهذا لا يصح لانه خيار جعل لازالة الضرر عن المال فملكه الولي كالرد بالعيب

[ 487 ]

وقد ذكرنا فساد قياسه فيما مضى، فان تركها الولي مع الحظ للصبي الاخذ بها إذا كبر ولا يلزم الولي غرم لذلك لانه لم يفوت شيئا من ماله وإنما ترك تحصيل ماله الحظ فيه فأشبه مالو ترك شراء العقار له مع الخط في شرائه وان كان الحظ في تركها مثل أن يكون المشتري قد غبن أو كان في الاحذ بها يحتاج إلى أن يستقرض ويرهن مال الصبي له الاخذ لانه لا يملك فعل مالا حظ للصبي فيه، وفان أخذ لم يصح في احدى الروايتين ويكون باقيا على ملك المشتري لانه اشترى له ما لا يملك شراءه فلم يصح كما لو اشترى بزيادة كثيرة على ثمن المثل أو اشترى معيبا يعلم عيبه، ولا يملك الولي المبيع لان الشفعة تؤخذ بحق الشركة ولا شركة للولي ولذلك لو أراد الاخذ لنفسه لم يصح فأشبه مالو تزوج لغيره بغير إذنه فانه يقع باطلا ولا يصح لواحد منهما كذا ههنا وهذا مذهب الشافعي (والثانية) يصح الاخذ للصبي لانه اشترى له ما يندفع عنه الضرر به فصح كما لو اشترى معيبا لا يعلم عيبه والحظ يختلف ويخفى فقد يكون له حظ في الاخذ باكثر من ثمن المثل لزيادة قيمة ملكه والشقص الذي يشتريه بزوال الشركة أو لان الضرر الذي يندفع باخذه كثير فلا يمكن اعتبار الحظ بنفسه لخفائه ولا بكثرة الثمن لما ذكرناه فسقط اعتباره وصح البيع (فصل) وإذا باع وصي الايتام فباع لاحدهم نصيبا في شركة الآخر فله الاخذ للآخر بالشفعة لانه

[ 488 ]

كالشراء له، وان كان الوصي شريكا لمن باع عليه فليس له الاخذ للتهمة في البيع ولانه بمنزلة من يشتري لنفسه من مال يتيمه، ولو باع الوصي نصيبه كان له الاخذ لليتيم بالشفعة مع الحظ لليتيم لان التهمة منتفية فانه لا يقدر على الزيادة في ثمنه لكون المشتري لا يوافقه ولان الثمن حاصل له من المشتري كحصوله من اليتيم بخلاف بيعه مال اليتيم فانه يمكنه تقليل الثمن ليأخذ الشقص به، فان رفع الامر إلى الحاكم فباع عليه فللوصي الاخذ حينئذ لعدم التهمة، فان كان مكان الوصي أب فباع شقص ولده فله الاخذ بالشفعة لان له أن يشتري من نفسه مال ولده لعدم التهمة، وان بيع شقص في شركة حمل لم يكن لوليه الاخذ له بالشفعة لانه لا يمكن تمليكه بغير الوصية فإذا ولد الحمل ثم كبر فله الاخذ بالشفعة كالصبي إذا كبر (فصل) وإذا عفا ولي الصبي عن شفعته التي له فيها حظ ثم أراد الاخذ بها فله ذلك في قياس المذهب لانها لم تسقط باسقاطه ولذلك ملك الصبي الاخذ بها إذا كبر ولو سقطت لم يملك الاخذ بها، ويحتمل أن لا يملك الاخذ بها لان ذلك يؤدي إلى ثبوت حق الشفعة على التراخي وذلك على خلاف الخبر والمعنى ويخالف أخذ الصبي بها إذا كبر لان الحق يتجدد له عند كبره فلا يملك تأخيره حينئذ وكذلك أخذ الغائب بها إذا اقدم، فاما ان تركها لعدم الحظ فيها ثم أراد الا خذ بها والامر بحاله لم يملك ذلك كمالم يملكه ابتداء، وان صار فيها حظ أو كان معسرا عند البيع فأيسر بعد ذلك انبنى ذلك على سقوطها بذلك فان قلنالا تسقط وللصبي الاخذ بها إذا كبر فحكمها حكم ما فيه الحظ وان قلنا تسقط فليس له الاخذ بها بحال لانها قد سقطت مطلقا فهو كما لو عفا الكبير عن شفعته

[ 489 ]

(فصل) والحكم في المجنون المطبق كالحكم في الصبي سواء لانه محجور عليه لحظه وكذلك السفيه فاما المغمى عليه فحكمه الغائب لان لا ولاية عليه وكذلك المحبوس، فعلى هذا ننتظر افاقته وأما مفلس فله الاخذ بالشفعة والعفو عنها وليس لغرمائه الا خذ بها لانها معاوضة فلا يجبر عليها كسائر المعاوضات وليس لهم اجباره على العفو لانه اسقاط حق فلا يجبر، وسواء كان له حظ في الاخذ بها أو لم يكن لانه يأخذ في ذمته وليس بمحجور عليه في ذمته لكن لهم منعه من دفع ماله في ثمنها لتعلق حقوقهم بماله فاشبه مالو اشترى في ذمته شقصا غير هذا، ومتي ملك الشقص المأخوذ بالشفعة تعلقت حقوق الغرماء به سواء أخذه برضاهم أو بغيره لانه مال له فأشبه مالوا كتسبه. وأما المكاتب فله الاخذ والترك وليس لسيده الاعتراض عليه لان التصرف يقع له دون سيده، وكذلك المأذون له في التجارة من العبيد له الاخذ بالشفعة لانه مأذون له في الشراء وان عفاعنها لم ينفذ عفوه لان الملك للسيد ولم يأذن في ابطال حقوقه، فان أسقطها السيد سقطت ولم يكن للعبد أن يأخذ لان للسيد الحجر عليه ولان الحق قد أسقطه مستحقه فسقط باسقاطه (فصل) (الشرط الرابع) أن يأخذ جميع المبيع فان طلب أخذ البعض سقطت شفعته وبه قال محمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي وقال أبو يوسف لا تسقط لان طلبه لبعضها طلب لجميعها لكونه لا يتبعض ولا يجوز أخذ بعضها

[ 490 ]

ولنا انه تارك لطلب بعضها فتسقط ويسقط باقيها لانها لاتتبعض، ولا يصح ما ذكره فان طلب بعضها ليس بطلب جميعها ومالا يتبعض لا يثبت حتي يثت السبب في جميعه كالنكاح بخلاف السقوط فان الجميع يسقط بوجود السبب في بعضه كالطلاق (فصل) فان أخذ الشقص بثمن مغصوب ففيه وجهان (أحدهما) لا تسقط شفعته لانه بالعقد استحق الشقص بمثل ثمنه في الذمة فإذا عينه فيمالا يملكه سقط التعيين وبقي الاستحقاق في الذمة أشبه مالو أخر الثمن أو ما لو اشترى شيأ آخر ونقد فيه ثمنا مغصوبا (والثاني) يسقط لان أخذه للشقص بمالا يصح أخذه به ترك له واعراض عنه فسقطت الشفعة كما لو ترك الطلب بها (مسألة) (وان كانا شفيعين فالشفعة بينهما على قدر ملكهما وعنه على عدد الرؤوس) ظاهر المذهب ان الشقص المشفوع إذا اخذه الشفعاء قسم بينهم على قدر أملاكهم اختاره ابو بكر وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين وعطاء وبه قال مالك وسوار والعنبري واسحاق وابو عبيد وهو احد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية ثانية انه يقسم بينهم على عدد الرؤوس اختارها ابن عقيل وروي ذلك عن النخعي والشعبي وهو قول ابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري وأصحاب الرأي لان كل واحد منهم لو انفرد لا يستحق الجميع فإذا اجتمعوا تساووا كالبنين في الميراث وكالمعتقين في سراية العتق ولنا انه حق يستفاد بسبب الملك فكان على قدر الاملاك كالغلة ودليلهم ينتقض بالابن والاب أو

[ 491 ]

الجد وبالفرسان والرجالة في الغنيمة وباصحاب الديون والوصايا إذا نقص ماله عن دين احدهم أو الثلث عن وصية أحدهم، وأما الاعتاق فلنا فيه منع وان سلم فلانه اتلاف والاتلاف يستوي فيه القليل والكثير كالنجاسة تلقى في مائع، واما البنون فانهم تساووا في السبب وهو النبوة فتساووا في الارث بها فنظيره في مسئلتنا تساوي الشفعاء في سهامهم، فإذا كانت دار بين ثلاثة لاحدهم النصف وللآخر الثلث وللآخر السدس فباع أحدهم فعلى هذا ينظر مخرج سهام الشركاء كلهم فيأخذ منهم سهام الشفعاء فإذا علمت عدتها قسمت السهم المشفوع عليها ويصير العقار بين الشفعاء على تلك العدة كما يفعل في مسائل الرد ففي هذه المسألة مخرج سهام الشركاء ستة فإذا باع صاحب النصف فسهام الشفعاء ثلاثة لصاحب الثلث سهمان وللآخر سهم فالشفعة بينهم على ثلاثة ويصير العقر بينهم أثلاثا لصاحب الثلث ثلثاه وللآخر ثلثه وان باع صاحب الثلث كانت بين الآخرين أرباعا لصاحب النصف ثلاثة أرباعها وللآخر ربعها وان باع صاحب السدس كانت بين الآخرين أخماسا لصاحب النصف ثلاثة أخماسه وللآخر خمساه هذا على ظاهر المذهب، وعلى الرواية الثانية ينقسم الشقص المشفوع بين الاخرين نصفين فإذا باع صاحب النصف قسم النصف بين الاخرين لكل واحد الربع فيصير لصاحب الثلث ثلث وربع وللاخر ربع وسدس وإن باع صاحب الثلث صار لصاحب النصف الثلثان وللاخر الثلث وان باع صاحب السدس فلصاحب النصف ثلث وربع ولصاحب الثلث ربع وسدس

[ 492 ]

(مسألة) (فان ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر الا أن يأخذ الكل أو يترك) وجملة ذلك أنه إذا كان الشقص بين شفعاء فترك بعضهم فليس للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأى لان في أخذ البعض اضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه ولا يزال الضرر بالضرر، ولان الشفعة انما تثبت على خلاف الاصل دفعا لضرر الشريك الداخل خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع عنه الضرر فلم يتحقق المعنى المجوز لمخالفة الاصل فلا تثبت، وإن وهب بعض الشركاء نصيبه من الشفعة لبعض الشركاء أو لغيره لم يصح لان ذلك عفو وليس بهبة فلم يصح لغير من هو عليه كالعفو عن القصاص (فصل) فان كان الشفعاء غائبين لم تسقط الشفعة لموضع العذر فإذا قدم أحدهم فليس له الا أن يأخذ الكل أو يترك لانا لا نعلم اليوم مطالبا سواه ولان في أخذ البعض تبعيضا لصفقة المشتري فلم يجز ذلك كما لو لم يكن معه غيره، ولا يجوز تأخير حقه إلى أن يقدم شركاؤه لان في التأخير ضررا بالمشتري فإذا أخذ الجميع ثم حضر آخر قاسمه ان شاء أو عفا فيبقى للاول لان المطالبة إنما وجدت منهما فان قاسمه ثم حضر الثالث قاسمهما ان أحب أو عفافيبقى للاولين، فان نما الشقص في يد الاول نماء منفصلا لم يشاركه فيه واحد منهما لانه انفصل في ملكه أشبه مالو انفصل في يد المشتري قبل الاخذ بالشفعة

[ 493 ]

وكذلك إذا أخذ الثاني فنما في يده منفصلا لم يشاركه الثالث فيه، فان خرج الشقص مستحقا فالعهدة على المشتري يرجع الثلاثة عليه ولا يرجع أحدهم على الآخر فان الاخذ وإن كان من الاول فهو بمنزلة النائب عن المشتري في الدفع اليهما والنائب عنهما في دفع الثمن إليه لان الشفعة مستحقة عليه لهم هذا ظاهر مذهب الشافعي، وان امتنع الاول من المطالبة حتى يحضر صاحباه أو قال آخذ قدر حقي ففيه وجهان (أحدهما) يبطل حقه لانه قدر على أخذ الكل وتركه فأشبه المفرد (والثاني) لا تبطل لانه تركه لعذر وهو خوف قدوم الغائب فينزعه منه والترك لعذر لا يسقط الشفعة بدليل ما لو أظهر المشتري ثمنا كثيرا فترك لذلك فبان خلافه، وان ترك الاول شفعته توفرت الشفعة على صاحبيه وإذا قدم الاول منهما فله أخذ الجميع على ما ذكرنا في الاول، فان أخذ الاول بها ثم رد ما أخذه بعيب فكذلك وبهذا قال الشافعي وحكي عن محمد بن الحسن أنها لا تتوفر عليهما وليس لهما أخذ نصيب الاول لانه لم يعف وانما رد نصيبه بالعيب فأشبه مالو رجع إلى المشتري ببيع أو هبة ولنا أن الشفيع فسخ ملكه ورجع إلى المشترى بالسبب الاول فكان لشريكه أخذه كما لو عفا ويفارق عوده بسبب آخر لانه عاد غير الملك الاول الذي تعلقت به الشفعة (فصل) وإذا حضر الثاني بعد أخذ الاول فأخذ نصف الشقص منه واقتسما ثم قدم الثالث وطالب بالشفعة وأخذ بها بطلت القسمة لان هذا الثالث إذا أخذ بالشفعة فهو كانه مشارك حال القسمة لثبوت

[ 494 ]

حقه، ولهذا لو باع المشتري ثم قدم الشفيع كان له ابطال البيع، فان قيل وكيف تصح القسمة وشريكهما الثالث غائب؟ قلنا يحتمل أن يكون وكل في القسمة قبل البيع أو قبل عمله به أو يكون الشريكان رفعا ذلك إلى الحاكم وطالباه بالقسمة عن الغائب فقاسمهما وبقي الغائب على شفعته، فان قيل وكيف تصح مقاسمتهما للشقص وحق الثالث ثابت فيه؟ قلنا ثبوت حق الشفعة لايمنع التصرف لانه لا يصح بيعه وهبته وغيرهما ويملك الفسع ابطاله كذا ههنا. إذا ثبت هذا فان الثالث إذا قدم فوجد أحد شريكيه غائبا أخذ من الحاضر ثلث ما في يده لانه قدر ما يستحقه ثم ان حكم له القاضي على الغائب أخذ ثلث ما في يده أيضا وان لم يقض انتظر الغائب حتى يقدم لان موضع عذر (فصل) إذا أخذ الاول الشقص كله بالشفعه فقدم الثاني فقال لا آخذ منك نصفه بل اقتصر على قذر نصيبي وهو الثلث فله ذلك لانه اقتصر على بعض حقه وليس فيه ببعض الصفقة على المشتري فجاز كترك الكل، فإذا قدم الثالث فله أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده فيضيفه إلى ما في يد الاول ويقسمانه نصفين فتصح قسمة الشقص من ثمانية عشر سهما لان الثالث أخذ حقه من الثاني ثلث الثلث ومخرجه تسعة فيضمه إلى الثلثين وهي ستة صارت سبعة ثم قسما السبعة نصفين لا تنقسم فاضرب اثنين في تسعة يكن ثمانية عشر للثاني أربعة ولكل واحد من شريكيه سبعة، وإنما كان كذلك لان الثاني ترك سدسا كان له أخذه وحقه منه ثلثاه وهو السبع فيوفر ذلك على شريكيه في الشفعة، فللاول والثالث أن يقولا نحن سواء في الاستحقاق ولم يترك واحد منا شيئا من حقه فنجمع ما معنا فنقسمه فيكون على ما ذكرنا، وان قال الثاني أنا آخذ الربع فله ذلك لما ذكرنا في التي قبلها، فإذا قدم الثالث أخذ منه

[ 495 ]

نصف سدس وهو ثلث في يده فضمنه إلى ثلاثه الارباع وهي تسعة يصير الجميع عشرة فيقسمانها لكل واحد منهما خمسة وللثاني سهمان وتصح من اثنى عشر (مسألة) (وان كان المشتري شريكا فالشفعة بينه وبين الآخر) وللآخر الاخذ بقدر نصيبه وبه قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن الحسن والشعبي والبتي لا شفعة للآخر لانها تثبت لدفع ضرر الشريك الداخل وهذا شركته متقدمة فلا ضرر في شرائه، وحكى ابن الصباغ عنهم أن الشفعة كلها لغير المشتري ولا شئ للمشتري فيها لانها تستحق عليه فلا يستحقها على نفسه ولنا أنهما تساويا في الشركة فتساويا في الشفعة كما لو اشترى أجنبي بل المشتري أولى لانه قد ملك الشقص المشفوع من غير نظر إلى المشتري وقد حصل شراؤه والثاني لا يصح أيضا لا نالا نقول أنه يأخذ من نفسه بالشفعة وإنما يمنع الشريك أن يأخذ قدر حقه بالشفعة فيبقى على ملكه ثم لا يمتنع أن يستحق الانسان على نفسه لاجل تعلق حق الغير به ألا ترى ان العبد المرهون إذا جنى على عبد آخر لسيده ثبت للسيد على عبده أرش الجناية لاجل تعلق حق المرتهن ولو لم يكن رهنا ما تعلق به، إذا ثبت هذا فان لشريك المشتري أخذ بقدر نصيبه لا غير أو العفو (مسألة) (وان ترك المشتري شفعته ليوجب الكل على شريكه لم يكن له ذلك) إذا قال المشتري قد أسقطت شفعتي فخذ الكل أو اترك لم يلزمه ذلك ولم يصح اسقاط المشتري

[ 496 ]

لان ملكه استقر على قدر حقه فجرى مجرى الشفيعين إذا أخذا بالشفعة ثم عفاأحدهما عن حقه ولذلك لو حضر أحد الشفيعين فأخذ جميع الشقص بالشفعة ثم حضر الآخر فله أخذ النصف من ذلك فان قال الاول خذ الكل أودع فاني قد اسقطت شفعتي لم يكن له ذلك، فان قيل هذا تبعيض للصفقة على المشتري قلنا هذا تبعيض اقتضاه دخوله في العقد فصار كالرضى منه به كما قلنا في الشفيع الحاضر إذا أخذ جميع الشقص وكما لو اشترى شقصا وسيفا (مسألة) (وإذا كانت دار بين اثنين فباع أحدهما نصيبه لاجنبي صفقتين ثم علم الشريك فله أن يأخذ بالبيعين وله أن يأخذ باحدهما، فان أخذ بالثاني شاركه المشتري في شفعته في أحد الوجهين وإن أخذ بالاول لم يشاركه وإن أخذ بهما جميعا لم يشاركه في شفعة الاول، وهل يشاركه في شفعة الثاني؟ على وجهين) وجملة ذلك ان الشريك إذا باع بعض الشقص لاجنبي ثم باعه باقيه في صفقة أخرى ثم على الشفيع فله أخذ المبيع الاول والثاني وله أخذ أحدهما، فان أخذ الاول لم يشاركه في شفعته أحد، وإن أخذ بالثاني فهل يشاركه المشتري في شفعته بنصيبه الاول؟ فيه ثلاثة أوجه (أحدها) يشاركه فيها وهو مذهب أبى حنيفة وبعض أصحاب الشافعي لانه شريك في وقت البيع الثاني بملكه الذي اشتراه أولا (والثاني) لا يشاركه لان ملكه على الاول لم يستقر لكون الشفيع يملك أخذه (والثالث) ان عفا الشفيع عن

[ 497 ]

الاول شاركه في الثاني وان أخذ بهما جميعا لم يشاركه وهذا مذهب الشافعي لانه إذا عفا عنه استقر ملكه بخلاف ما إذا أخذ، فان قلنا يشاركه في الشفعة ففي قدر ما يستحق وجهان أحدهما ثلثه والثاني نصفه بناء على الروايتين في قسم الشفعة على قدر الاملاك أو عدد الرؤوس فإذا قلنا يشاركه فعفا له عن الاول صار له ثلث العقار في أحد الوجهين وفي الآخر ثلاثة أثمانه وباقيه لشريكه وان لم يعف عن الاول فله نصف سدسه في أحد الوجهين وفي الآخر ثمنه والباقي لشريكه، وان باعه الشريك الشقص في ثلاث صفقات متساوية فحكمه حكم مالو باعه لثلاثة أنفس على ما نذكره ويستحق ما يستحقون وللشفيع ههنا مثل ماله مع الثلاثة والله أعلم (فصل) وان كانت دار بين ثلاثة فوكل أحدهم شريكه في بيع نصيبه مع نصيبه فباعهما لرجل واحد فلشريكهما الشفعة فيهما، وهل له أخذ أحذ النصيبين دون الآخر؟ فيه وجهان (أحدهما) له ذلك لان المالك اثنان فيما بيعان فكان له أخذ نصيب أحدهما كما لو توليا العقد (والثاني) ليس له ذلك لان الصفقة واحدة وفي أخذ أحدهما تبعيض الصفقة على المشتري فلم يجز كما لو كانا لرجل واحد، وان وكل رجل رجلا في شراء نصف نصيب أحد الشركاء فاشترى الشقص كله لنفسه ولموكله فلشريكه أخذ نصيب احدهما لانهما مشتريان أشبه مالو وليا العقد، والفرق بين هذه الصورة

[ 498 ]

والتي قبلها ان أخذ أحد النصيبين لا يفضي إلى تبعيض الصفقة على المشتري ولانه قد يرضى شركة أحد المشتريين دون الآخر بخلاف التى قبلها فان المشتري واحد (مسألة) (وان اشترى اثنان حق واحد فللشفيع أخذ حق أحدهما) وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة في احدى الروايتين عنه وقال في الاخرى يجوز له ذلك بعد القبض ولايجوز قبله لانه قبل القبض يبعض صفقة البائع ولنا أنهما مشتريان فجاز للشفيع أخذ نصيب أحدهما كما بعد القبض وما ذكروه ممنوع على أن المشتري الاخر يأخذ نصيبه فلا يكون تبعيضا فان باع اثنان من اثنين فهي أربعة عقود وللشفيع أخذ الكل أو ما شاء منها (فصل) وإذا باع شقصا لثلاثة دفعة واحدة فلشريكه أن يأخذ من الثلاثة وله أن يأخذ بمن أحدهم وله أن يأخذ من اثنين دون الثالث لان كل عقد منها منفرد فلا يتوقف الاخذ به على الاخذ بما في العقد الاخر كما لو كانت متفرقة وإذا أخذ نصيب أحدهم لم يكن اللاخرين مشاركته في الشفعة لان ملكهما لم يسبق ملك من أخذ نصيبه ولا يستحق الشفعة الا بملك سابق، فأما ان باع نصيبه لثلاثة في ثلاثة عقود متفرقة ثم على الشفيع فله أيضا أن يأخذ الثلاثة وله ان يأخذ ما شاء منها فان أخذ نصيب الاول لم يكن للآخرين مشاركته في شفعته لانهما لم يكن لهما ملك حين بيعه وان أخذ

[ 499 ]

نصيب الثاني وحده لم يملك الثالث مشاركته لذلك ويشاركه الاول في شفعته لان ملكه سابق لشراء الثاني فهو شريك في استحقاقها حال شرائه ويحتمل ان لا يشاركه لان ملكه حال شراء الثاني يستحق اخذه بالشفعة فلا يكون سببا في استحقاقها، وان اخذ من الثالث وعفا عن الاولين ففي مشاركتهما له وجهان، وان اخذ من الثلاثة ففيه وجهان (احدهما) لا يشاركه واحد منهم لان املاكهم قد استحقاقها بالشفعة فلا يستحق عليه بها شفعة (والثاني) يشاركه الثاني في شفعة الثالث وهو قول ابي حنيفة وبعض اصحاب الشافعي لانه كان مالكا ملكا صحيحا شراء الثالث ولذلك استحق مشاركته إذا عفا عن شفعته فكذلك اذالم يعف لا انما استحق الشفعة بالملك الذي صار به شريكا لا بالعفو عنه ولذلك قلنا في الشفيع إذا لم يعلم بالشفعة حتى باع نصيبه ان له اخذ نصيب المشترى الاول وللمشتري الاول اخذ نصيب المشتري الثاني، وعلى هذا يشاركه الاول في شفعة الثاني والثالث جميعا. قعلى هذا إذا كانت دار بين اثنين نصفين فباع احدهما نصيبه لثلاثة في ثلاثة عقود في كل عقد سدسا فللشفيع السدس الاول وثلاثة ارباع الثاني وثلاثة أخماس الثالث وللمشترى الاول ربع السدس الثاني وخمس الثالث وللمشترى

[ 500 ]

الثاني خمس الثالث فتصح المسألة من مائة وعشرين سهما للشفيع الاول مائة وسبعة أسهم وللثاني تسعة وللثالث أربعة، وان قلنا إن الشفعة على عدد الرؤوس فللمشتري الاول نصف السدس الثاني وثلث الثالث وللثاني ثلث الثالث وهو نصف التسع فتصح من ستة وثلاثين فلشفيع تسعة وعشرون وللثاني خمسة وللثالث سهمان (فصل) دار بين أربعة أرباعا باع ثلاثة منهم في عقود متفرقة ولم يعلم شريكهم ولا بعضهم ببعض فلذي لم يبع الشفعة في الجميع، وهل يستحق البائع الثاني والثالث الشفعة فيما باعه البائع الاول؟ على وجهين، وكذلك هل يستحق الثالث الشفعة فيما باعه الاول والثاني؟ على وجهين وهل يستحق مشتري الربع الاول الشفعة فيما باعه الثاني والثالث؟ أو هل يستحق الثاني شفعة الثالث على ثلاثة أوجه (أحدها) يستحقان لانهما مالكان حال البيع (والثاني) لا حق لهما لان ملكهما متزلزل يستحق أخذه بالشفعة فلا تثبت به (و الثالث) ان عفا عنهما أخذ وإلا فلا فإذا قلنا يشترك الجميع فللذى لم يبع ثلث كل ربع لان له شريكين فصار له الربع مضموما إلى ملكه فكمل له النصف للبائع الثالث والمشتري الاول الثلث لكل واحد منهما سدس لانه شريك في شفعة مبيعين وللبائع الثاني والمشتري الثاني السدس لكل واحد منهما نصفه لانه شريك في شفعة بيع واحد وتصح من اثنى عشر (مسألة) (وان اشترى واحد حق اثنين أو اشترى شقصين من دارين صفقة واحدة فللشفيع

[ 501 ]

أخذا احدهما على أصح الوجهين) إذا اشترى رجل من رجلين شقصا صفقة واحدة فللشفيع أخذ نصيب أحدهما دون الآخر وبه قال الشافعي وحكي عن القاضي أنه لا يملك ذلك وهو قول أبي حنيفة ومالك لئلا تتبعض صفقة المشتري ولنا أن عقد الاثنين مع واحد عقدان لانه مشترمن كل واحد منهما ملكه بثمن مفرد فكان للشفيع أخذه كما لو أفرده بعقد وبهذا ينفصل عما ذكروه، وأما إذا باع شقصين من أرضين صفقة واحدة لرجل واحد وكان الشريك في أحدهما غير الشريك في الآخر فلهما أن ياخذا ويقسما الثمن على قدر القيمتين، وان أخذ أحدهما دون الآخر جازو يأخذ الشقص الذي في شركته بحصته من الثمن، ويتخرج أن لا شفعة له لان فيه تبعيض الصفقة على المشتري وذلك ضرر به وليس له أخذهما معا لان أحدهما لا شركة له فيه ولا هو تابع لما فيه الشفعة فجرى مجرى الشقص والسيف على ما نذكره، وان كان الشريك فيهما واحدا فله أخذهما وتركهما لانه شريك فيهما وله أخذ أحدهما دون الآخر وهو منصوص الشافعي، وفيه وجه آخر أنه لا يملك ذلك، ومتى اختاره سقطت الشفعة فيهما لانه أمكنه أخذ المبيع كله فلم يملك أخذ بعضنه كما لو كان شقصا واحدا ذكره أبو الخطاب وبعض الشافعية ولنا أنه يستحق كل واحد منهما بسبب غير الآخر فجرى مجرى الشريكين ولانه لو جرى مجرى

[ 502 ]

الشقص الواحد لوجب إذا كانا شريكين فترك أحدهما شفعته أن يكون للآخر أخذ الكل والامر بخلافه (مسألة) (وان باع شقفصا وسيفا فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن ويحتمل أن لا يجوز) إذا باع شقصا مشفوا ومعه مالا شفعة فيه كالسيف والثوب في عقد واحد ثبتت الشفعة في الشقص بحصته من الثمن دون ما معه فيقوم كل واحد منهما ويقسم الثمن على قدر قيمتهما فما يخص الشقص بأخذ به الشفيع وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ويحتمل أن لا يجب لئلا تتبعض شفعة المشتري وفي ذلك اضرار به أشبه مالو أراد أخذ بعض الشقص وقال مالك تثبت الشفعة فيهما لذلك ولنا أن السيف لا شفعة فيه ولا هو تابع لما فيه الشفعة فلم يؤخذ بالشفعة كما لو أفرده والضرر اللاحق بالمشتري هو ألحقه بنفسه لجمعه في العقد بين ما تثبت فيه الشفعة وما لا تثبت ولان في الاخذ بالكل اضرارا بالمشتري أيضا لانه ربما كان غرضه في ابقاء السيف له ففي أخذه منه اضرار به من غير سبب يقتضيه (مسألة) (وان تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن وقال ابن حامد ان كان تلفه بفعل الله تعالى فليس له أخذه الا بجميع الثمن) إذا تلف الشقص أو بعضه في يد المشتري فهو من ضمانه لانه ملكه تلف في يده، فان أراد

[ 503 ]

الشغيغ الاخذ إذا تلف بعضه أخذ الموجود بحصته من الثمن سواء كان التلف بفعل الله تعلى أو بفعل آدمي وسواء تلف باختيار المشتري كنقضه البناء أو بغير اختياره مثل أن انهدم، ثم ان كانت الابعاض موجودة أخذها مع العرصة بالحصة وان كانت معدومة اخذ العوض وما بقي من البناء، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم وهو قول الثوري والعنبري وأبي يوسف وقول للشافعي، وقال ابن حامد ان كان التلف بعفل آدمي كما ذكرنا وان كان بفعل الله تعالى كانهدام البناء بنفسه أو حريق أو غرق فليس للشغيع أخذ الباقي الا بكل الثمن أو يترك وهو قول أبي حنيفة وقول للشافعي لانه متى كان النقص بفعل آدمي رجع بدله إلى المشتري فلا يتضرر ومتى كان بغير ذلك لم يرجع إليه شئ فيكون الاخذ منه اضرارا به والضرر لا يزال بالضرر. ولنا انه تعذر علي الشفيع اخذ الجميع وقدر على اخذ البعض فكان له بالحصة كما لو تلف بفعل سواء وكما لو كان له شفيع آخر، أو نقول أخذ بعض ما دخل معه في العقد فاخذه بالحصة كما لو كان معه سيف، وأما الضرر فانما حصل بالتلف ولا صنع للشفيع فيه والذي يأخذه الشفيع يؤدي ثمنه فلا يتضرر المشتري بأخذه وانما قلنا يأخذ الابعاض وان كانت منفصلة لان استحقاقه كان حال عقد البيع وفي تلك الحال كان متصلا اتصالا ليس مآله إلى الانفصال وانفصاله بعد ذلك لا يسقط حق الشفعة، ويفارق الثمرة غير المؤبرة إذا أبرت فان مآلها إلى الانفصال والظهور فإذا ظهر فقد انفصلت فلم تدخل في الشفعة، وان نقصت القيمة مع بقاء صورة المبيع مثل ان انشق الحائط واستهدم

[ 504 ]

البناء وشعث الشجر وبارت الارض فليس له إلا أن يأخذ بجميع الثمن أو يترك لان هذه المعاني لا يقابلها الثمن بخلاف الاعيان، ولهذا لو بنى المشتري أعطاه الشفيع قيمة بنائه، ولو زاد المبيع زيادة متصلة دخلت في الشفعة. (فصل) (الشرط الخامس أن يكون للشفيع ملك سابق) لان الشفعة انما ثبتت للشريك لدفع الضرر عنه وإذا لم يكن له ملك سابق فلا ضرر عليه فلا تثبت له الشفعة (مسألة) (فان اشترى اثنان دارا صفقة واحدة فلا شفعة لاحدهما على صاحبه) لانه لا مزية لاحدهما على صاحبه لتساويهما. (مسألة) (فان ادعى كل واحد منهما السبق فتحالفا أو تعارضت بينتا هما فلا شفعة لهما) إذا كانت دار بين رجلين فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه يستحق ما في يده بالشفعة سئلا متى ملكتماها؟ فان قالا ملكناها دفعة واحدة فلا شفعة لاحدهما على الآخر لان الشفعة إنما ثبتت بملك سابق في ملك متجدد بعده وان قال كل واحد منهما ملكي سابق ولاحدهما بينة بما ادعاه قضي له وان كان لكل واحدم منهما بينة قدم اسبقهما تاريخا فان شهدت بينة كل واحد منهما بسبق ملكه وتجدد ملك صاحبه تعارضتا، وان لم يكن لواحد منهما بينة سمعنا دعوى السابق وسألنا خصمه فان أنكر فالقول

[ 505 ]

قوله مع يمينه فان حلف سقطت دعوى الاول ثم نسمع دعوى الثاني على الاول فان أنكر وحلف سقطت دعواهما جميعا وان ادعى الاول فنكل الثاني عن اليمين قضينا عليه ولم نسمع دعواه لان خصمه قد استحق ملكه وان حلف الثاني ونكل الاول قضينا عليه (مسألة) (ولا شفعة بشركة الوقف في أحد الوجهين) ذكره القاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى وهو ظاهر مذهب الشافعي لانه لا يؤخذ بالشفعة فلا تجب به كالمجاور وما لا ينقسم ولاننا إن قلنا هو غير مملوك فالموقوف عليه غير مالك وان قلنا هو مملوك فملكه غير تام لانه لا يبيح اباحة التصرف في الرقبة فلا يملك به ملكا تاما، وقال أبو الخطاب ان قلنا هو مملوك وجبت به الشفعة لانه مملوك بيع في شركته شقص فوجبت به الشفعة كالطلق ولان الضرر يندفع عنه بالشفعة فوجبت فيه كوجوبها في الطلق وإنما لم يستحق بالشفعة لان الاخذ بها بيع وهو مما لا يجوز بيعه (فصل) وان تصرف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقف أو هبة سقطت الشفعة نص عليه في رواية علي بن سعيد وبكر بن محمد وحكي ذلك عن الماسرجسي في الوقف لان الشفعة انما تثبت في المملوك وقد خرج بهذا عن كونه مملوكا قال ابن أبي موسى من اشترى دارا فجعلها مسجدا فقد استهلكها

[ 506 ]

ولا شفعة فيها ولان في الشفعة ههنا إضرارا بالموهوب له والموقوف عليه لان ملكه يزول عنه بغير عوض ويزال الضرر بالضرر بخلاف البيع فانه إذا فسخ البيع الثاني رجع المشترى الثاني بالثمن الذي أخذ منه فلا يلحقه ضرر، ولان ثبوت الشفعة ههنا يوجب رد العوض إلى غير المالك وسلبه عن المالك وفي ذلك ضرر فيكون منفيا، وقال أبو بكر للشفيع فسخ ذلك وأخذه بالثمن الذى وقع به البيع وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأى لان الشفيع يملك فسخ البيع الثاني والثالث مع امكان الاخذ بهما فلان يملك فسخ عقد لا يمكنه الاخذ به أولى، ولان حق الشفيع أسبق وجنبته أقوى فلم يملك المشتري تصرفا يبطل حقه ولا يمتنع أن يبطل الوقف لاجل حق الغير كما لو وقف المريض املاكه وعليه دين فانه إذا مات رد الوقف إلى الغرماء والورثة فيما زاد على ثلثه بل لهم ابطال العتق والوقف أولى، فإذا قلنا بثبوت الشفعة أخذ الشفيع الشقص ممن هو في يده ويفسخ عقده ويدفع الثمن إلى المشترى وحكي عن مالك أنه يكون للموهوب له لانه يأخذ ملكه. ولنا أن الشفيع يبطل الهبة ويأخذ الشقص بحكم العقد الاول ولو لم يكن وهب كان الثمن له فكذلك بعد الهبة المفسوخة (مسألة) (وان باع فله الاخذ بأى البيعين شاء فان أخذ بالاول رجع الثاني على الاول) إذا تصرف المشترى في المبيع قبل أخذ الشفيع أو قبل علمه صح تصرفه لانه ملكه وصح قبضه

[ 507 ]

له ولم يبق الا أن الشفيع ملك أن يتملكه عليه وذلك لا يمنع من تصرفه كما لو كان أحد العوضين في البيع معينا لم يمنع التصرف في الآخر، والموهوب له يجوز له التصرف في الهبة وان كان الواصب ممن له الرجوع فيه مفتى تصرف فيه تصرفا تجب به الشفعة كالبيع فللشفيع الخيار ان شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الاول بثمنه لان الشفعة وجبت له قبل تصرف المشتري وان شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني لانه شفيع في العقدين فكان له الاخذ بأيهما شاء، وان تبايع ذلك ثلاثة فله ان يأخذ بالبيع الاول وينفسخ العقدان الاخران وله أن يأخذه بالثاني وينفسخ الثالث وحده وله ان يأخذه بالثلث ولا ينفسخ شئ من العقود، فإذا أخذه من الثالث دفع إليه الثمن الذي اشترى به ورجع الثالث عليه بما أعطاه لانه قد انفسخ عقده وأخذ الشقص منه فرجع بثمنه على الثاني لانه أخذه منه وان أخذ بالبيع الاول دفع إلى المشتري الاول الثمن الذي اشترى به وانفسخ عقد الآخرين ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه والثاني على الاول بما أعطاه، فان كان الاول اشتراه بعشرة ثم اشتراه الثاني بعشرين ثم اشتراه الثالث بثلاثين فاخذه بالبيع الاول دفع إلى الاول عشرة وأخذ الاول من الثاني عشرين وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين لان الشقص انما يؤخذ من الثالث لكونه في يده وقد انفسخ عقده فيرجع بثمنه الذي ورثه ولا نعلم في هذا خلافا، وبه يقول مالك والشافعي والعنبري وأصحاب الرأي وما كان في معنى البيع مما تجب به الشفعة فهو كالبيع على ما ذكرنا وان كان مما لا تجب به الشفعة فو كالهبة والوقف على ما ذكرنا من الخلاف فيه والله أعلم

[ 508 ]

(مسألة) (وإن فسخ العقد بعيب أو إقالة أو تحالف فللشفيع أخذه ويأخذه في التحالف بما حلف عليه البائع) إذا رد المشتري الشقص بعيب أو قايل البائع فللشفيع فسخ الاقالة والرد والاخذ بالشفعة لان حقه سابق عليهما ولا يمكنه الاخذ معهما فان تحالفها على الثمن وفسخا البيع فللشفيع أن يأخذ الشقص بما حلف على البائع لان البائع مقر بالبيع الثمن الذى حلف عليه ومقر للشفيع باستحقاق الشفعة بذلك فإذا بطل حق المشتري بانكاره لم يبطل حق الشفيع بذلك وله أن يبطل فسخهما ويأخذه لان حقه أسبق (فصل) وان اشترى شقصا بعبد ثم وجد بائع الشقص بالعبد عيبا فله رد العبد واسترجاع الشقص ويقدم على حق الشفيع لان في تقديم حق الشفيع إضرارا بالبائع باسقاط حقه من الفسخ الذى استحقه والشفعه ثبتت لازالة الضرر فلا تثبت على وجه يحصل به الضرر فان الضرر لا يزال بالضرر وقال أصحاب الشافعي يقدم حق الشفيع في أحد الوجهين لان حقه أسبق فوجب تقديمه كما لو وجد المشتري بالشقص عيبا فرده ولنا أن في الشفعة ابطال حق البائع وحقه أسبق لانه استند إلى وجود العيب وهو موجود حال البيع والشفعة ثبتت بالبيع فكان حق البائع سابقا وفي الشفعة ابطاله فلم تثبت، وينارق ما إذا كان

[ 509 ]

الشقص معيبا فان حق المشتري إنما هو في استرجاع الثمن قد تحصل له من الشفيع فلا فائدة في الرد وفي مسئلتنا حق البائع في استرجاع الشقص ولا يحتمل ذلك مع الاخذ بالشعفة فافترقا، فان لم يرد البائع العبد المعيب حتى أخذ الشفيع كان له رد العبد ولم يملك استرجاع المبيع لان الشفيع ملكب بالاخذ فلم يملك البائع إبطال ملكه كما لو باعه المشتري لاجني فان الشفعة بيع في الحقيقة ولكن يرجع بقيمة الشقص لانه بمنزلة التالف والمشتري قد أخذ من الشفيع قيمة العبد فهل يتراجعان؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يتراجعان لان الشفيع أخذ بالثمن الذي وقع عليه العقد وهو قيمة العبد صحيحا لاعيب فيه بدليل أن البائع إذا علم بالعيب ملك رده ويحتمل أن يأخذه بقيمته معيبا لانه إنما أعطى عبدا معيبا فلا يأخذ قيمة غير ما أعطى (والثاني) يتراجعان لان الشفيع إنما يأخذ بالثمن الذي استقر عليه العقد والذي استقر عليه العقد قيمة الشقص فإذا قلنا يتراجعان فأيهما كان ما دفعه أكثر رجع بالفضل على صاحبه، وان لم يرد البائع العبدو لكن أخذ أرشه لم يرجع المشتري على الشفيع بشئ لانه إنما دفع إليه قيمة العبد غير معيب وان أدى قيمته معيبا رجع المشتري عليه بما أدى من أرشه وان عفا عنه ولم يأخذ أرشا لم يرجع الشفيع عليه بشئ لان البيع لازم من جهة المشتري لا يملك فسخه فاشبه مالو حط عنه بعض الثمن بعد لزوم العقد، وان عاد الشقص إلى المشتري ببيع أو هبة أو ارث أو غيره فليس للشفيع أخذه بالبيع الاول لان ملك المشتري زال عنه وانقطع حقه منه وانتقل حقه إلى

[ 510 ]

القيمة فإذا أخذها لم يبق له حق بخلاف مالو غصب شيئا لم يقدر على رده فادى قيمته ثم قدر عليه فانه يرده لان ملك المغصوب منه لم يزل عنه (فصل) ولو كان ثمن الشقص مكيلا أو موزونا فتلف قبل قبضه بطل البيع وبطلت الشفعة لانه تعذر التسليم فتعذر امضاء العقد فلم تثبت الشفعة كما لو فسخ البيع في مدة الخيار بخلاف الاقالة والرد بالعيب وان كان الشفيع قد أخذ الشقص فهو كما لو أخذه في المسألة التي قبلها لان لمشتري النقص التصرف فيه قبل نقبيض ثمنه فأشبه مالو اشتراه منه أجنبي (فصل) فان اشترى شقصا بعبد أو ثمن معين فخرج مستحقا فالبيع باطل ولا شفعة فيه لانها إنما تثبت في عقد ينقل الملك إلى المشتري وهو العقد الصحيح فاما الباطل فوجوده كعدمه فان كان الشفيع قد أخذ بالشفعة لزمه رد ما أخذ على البائع ولا يثبت ذلك إلا ببينة أو اقرارا من الشفيع والمتبايعين وان أقر المتبايعان وأنكر الشفيع لم يقبل قولهما عليه وله الاخذ بالشفعة ويرد العبد إلى صاحبه ويرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص وان أقر الشفيع أو المشتري دون البائع لم تثبت الشفعة ويجب على المشتري رد قيمة العبد على صاحبه ويبقى الشقص معه يزعم أنه للبائع والبائع ينكره ويدعي عليه وجوب رد العبد والمشتري ينكره فيشتري الشقص منه ويتبار آن، وان أقر الشفيع والبائع وأنكر المشتري وجب على البائع رد العبد لعى صاحبه ولم تثبت الشفعة ولم يملك البائع مطالبة المشتري بشئ لان البيع صحيح في الظاهر وقد أدى ثمنه الذي هو ملكه في الظاهر، ان أقر الشفيع وحده

[ 511 ]

لم تثبت الشفعة ولا يثبت شئ من أحكام البطلان في حق المتبايعين، فاما ان اشترى الشقص بثمن في في الذمة ثم نقد الثمن فبان مستحقا كانت الشفعة واجبة لان البيع صحيح، فان تعذر قبض الثمن من المشتري لاعسار أو غيره فللبائع فسخ البيع ويقدم حق الشفيع لان بالاخذ بها يحصل للمشتري ما يؤديه ثمنا فتزول عسرته ويحصل الجمع بين الحقين فكان أولى (فصل) وإذا وجبت الشفعة وقضى القاضي بها والشقص في يد البائع ودفع الثمن إلى المشتري فقال البائع للثفيع أقلني فأقاله لم تصح الاقالة لانها تصح بين المتبايعين وليس بين الشفيع والبائع بيع وإنما هو مشتر من المشتري فان باعه إياه صح لان العقار يجوز التصرف فيه قبل قبضه (مسألة) (وان أجره المشتري أخذه الشفيع وله الاجرة من يوم أخذه) لانه صار ملكه بأخذه. (مسألة) (وان استغله المشتري فالغلة له) لانها نماء ملكه (مسألة) (وان أخذه الشفيع وفيه زرع أو ثمرة ظاهرة فهي للمشتري مبقاة إلى الحصاد والجذاذ) إذا زرع المشتري الارض فللشفيع الاخذ بالشفعة ويبقى زرع المشتري إلى الحصاد لان ضرره لا يتباقى ولا أجرة عليه لانه زرعه في ملكه ولان الشفيع اشترى الارض وفيها زرع للبائع فكان له مبقى إلى الحصاد بلا أجرة كغير المشفوع وإن كان في الشجر ثمر ظاهر أثمر في ملك المشتري فهو له مبقى إلى الجذاذ كالزرع

[ 512 ]

(فصل) وإذا نمى المبيع في يد المشتري لم يخل من حالين أحدهما) ان يكون نماء منتصلا كالشجر إذا كبر أو ثمرة غير ظاهرة فان الشفيع يأخذه بزيادته لانها زيادة غير متميزة فتبعت الاصل كما لو رد بعيب أو خيار أو إقالة، فان قيل فلم لا يرجع الزوج في نصفه زائدا إذا طلق قبل الدخول؟ قلنا لان الزوج يقدر على الرجوع بالسيمة إذا فاته الرجوع في العين وفي مسئلتنا إذا لم يرجع في الشقص سقط حقه من الشفعة فلم يسقط حقه من الاصل لاجل ما حدث من البائع وإذا أخذ الاصل تبعه نماؤه المتصل كما ذكرنا في الفسوخ كلها (الحال الثاني) أن تكون الزيادة مننفصلة كالغلة والاجرة والطلع المؤبرو الثمرة الظاهرة فهي للمشتري لانها حدثت في ملكه وتكون مبقاة في رءوس النخل إلى الجذاذ لان أخذ الشفيع من يشتري شراء ثان فيكون حكمه حكم مالو اشترى برضاه وان اشتراه وفيه طلع غيره مؤبر فأبرأ ثم أخذه الشفيع أخذ الاصل دون الثمرة ويأخذ الارض والنخيل بحصتهما من الثمن كما لو كما لو كان المبيع شقصا (مسألة) وان قاسم المشترى وكيل الشفيع أو قاسم الشفيع لكونه أظهر له زيادة في الثمن أو نحوه وغرس أو بنى فللشفيع أن يدفع إليه قيمة الغراس والبناء ويملكه أو يقلعه ويضمن النقص فان اختار الشفيع أخذه واختار المشتري قلعه فله ذلك إذا لم يكن فيه ضرر بالقلع) وجملة ذلك أنه يتصور بناء المشترى وغرسه في الشقص المشفوع على وجه مباح في مسائل (منها)

[ 513 ]

أن يظهر المشتري أنه اشتراه بأكثر من ثمنه أو أنه وهب له أو غير ذلك مما يمنع الشفيع من الاخذ بها فيتركها ويقاسمه ثم يبني المشترى ويغرس فيه (ومنها) أن يكون غائبا فيقاسمه وكيله أو صغيرا فيقاسمه وليه أو نحو ذلك ثم يقدم الغائب أو يبلغ الصبي فيأخذ بالشفعة، وكذلك ان كان غائبا أو صغيرا فطالب المشتري الحاكم بالقسمة فقاسم ثم قدم الغائب وبلغ الصبي فيأخذ بالشفعة بعد غرس المشتري وبنائه فان للمشترى قلع غرسه وبنائه ان اختار ذلك لانه ملكه فإذا قلعه فلليس عليه تسوية الحفر ولا نقص الارض ذكره القاضي وهو قول الشافعي لانه غرس وبنى في ملكه وما حدث من النقص انما حدث في ملكه وذلك مما لا يقابله ثمن، وظاهر كلام الخرقي أن عليه ضمان النقص الحاصل بالقلع لانه اشترط في قلع الغرس والبناء عدم الضرر وذلك لانه نقص دخل على ملك غيره لاجل تخليص ملكه فلزمه ضمانه كما لو كسر مجبرء غيره لا خراج ديناره منها، قولهم ان النقص حصل في ملكه ليس كذلك فان النقص الحاصل بالقلع إنما حصل في ملك الشفيع فاما نقص الارض الحاصل بالغرس والبناء فلا يضمنه لما ذكروه، فان لم يختر المشترى القلع فللشفيع الخيار بين ثلاثة أشياء: ترك الشفعة وبين دفع قيمة الغراس والبناء فيملكه مع الارض وبين قلع الغراس والبناء وبضمن له ما نقص بالقلع. وبهذا قال الشعبي والاوزاعي وابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي والبتي وسوار واسحاق، وقال حماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي يكلف المشتري القلع ولا شئ له لانه بنى فيما استحق عليه أخذه فأشبه الغاصب ولانه بنى في حق غيره بغير إذنه فأشبه مالو كانت مستحقة

[ 514 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا اضرار) ولا يزول الضرر عنهما إلا بذلك ولانه بنى في ملكه الذي ملك بيعه فلم يكلف قلعه مع الاضرار كما لو لم يكن مشفوعا، وفارق ما قاسوا عليه فانه بنى في غير ملكه، ولانه عرق ظالم وليس لعرق ظالم حق. إذا ثبت هذا فانه لا يمكن إيجاب قيمته مستحقا للبقاء في الارض لانه لا يستحق ذلك، ولا قيمته مقلوعا لانه لو وجبت قيمته مقلوعا لوجب قلعه ولم يضمن شيئا ولانه قد يكون مما لا قيمة له إذا قلعه، ولم يذكر أضحابنا كيفية وجوب القيمة فالظاهر ان الارض تقوم مغروسة مبنية ثم تقوم خالية منها فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء فيدفعه الشفيع إلى المشتري إن أحب أو ما نقص مننه ان اختار القلع لان ذلك هو الذي زاد بالغرس والبناء، ويحتمل أن يقوم والبناء مستحق للترك بالاجرة أو لاخذه بالقيمة إذا امتنعا من قلعه، فان كان للغرس وقت يقلع فيه فيكون له قيمة وان قلع قبله لم يكن له قيمة أو تكون قيمته قليلة فاختار الشفيع قلعه قبل وقته فله ذلك لانه يضمن النقص فينجبر به ضرر المشتري سواء كثر النقص أو قل ويعود ضرر كثرة النقص على الشفيع وقد رضي بتحمله، وان غرس أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع ثم أخذه الشفيع فالحكم في أخذ نصيبه من ذلك كالحكم في أخذ جميعه بعد المقاسمة (مسألة) (فان باع الشفيع ملكه قبل العلم لم تسقط شفعته في أحد الوجهين وللمشتري الشفعة فيما باعه الشفيع في أصح الوجهين)

[ 515 ]

وجملة ذلك ان الشفيع إذا باع ملكه عالما بالحال سقطت شفعته لانه لم يبق له ملك يستحق به، ولانه الشفعة تثبت لازالة الضرر الحاصل بالشركة، وقد زال ذلك بييعه، وان باع بعضه ففيه وجهان (أحدهما) تسقط أيضا لانها استحقت بجميعه، وإذا باع بعضه سقط ما تعلق بذلك من الشفعة فسقط باقيها لانها لا تتبعض فيسقط جميعها بسقوط بعضها كالرق والنكاح وكما لو عفا عن بعضها (والثاني) لا تسقط لانه قد بقي من نصيبه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد، وفكذلك إذا بقي، وللمشتري الاول الشفعة على الثاني في المسألة الاولى، وفي الثانية إذا قلنا بسقوط شفعة البائع الاول لانه شريك في المبيع، وان قلنا لا تسقط شفعة البائع فله أخذ الشقص من المشتري الاول، وهل للمشتري الاول شفعة على المشتري الثاني؟ فيه وجهان (أحدهما) له الشفعة لانه شريك فان الملك ثابت له يملك التصرف فيه بجميع التصرفات ويستحق نماء وفوائده، واستحقاق الشفعة به من فوائده (والثاني) لا شفعة له لان ملكه يؤخذ بها فلا تؤخد الشفعة به ولان ملكه متزلزل ضعيف فلا يستحق الشفعة به لضعفه، قاغل شيخنا والاول أقيس فان استحقاق أخذه منه لا يمنع أن يستحق به الشفعة كالصداق قبل الدخول والشقص الموهوب للولي. فعلى هذا للمشتري الاول الشفعة على المشتري الثاني سواء أخذ منه المبيع بالشفعة أو لم يؤخذ، وللبائع الثاني إذا باع بعض الشقص الاخذ من المشتري الاول في أحد الوجهين، فاما ان باع الشفيع ملكه قبل علمه بالبيع الاول فقال القاضي تسقط شفعته

[ 516 ]

أيضا لما ذكرناه وهو مذهب الشافعي ولانه زال السبب الذي يستحق به الشفعة وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه فصار كمن اشترى معيبا لا يعلم عيبه حتى زال أو حتى باعه. فعلى هذا حكمه حكم مالو باع مع علمه سواء فيما إذا باع جميعه أو بعضه، وقال أبو الخطاب لا تسقط شفعته لانها ثبتت له ولم يوجد منه رضى بتركها ولا ما يدل على إسقاطها والاصل بقاؤها بخلاف ما إذا علم فان بيعه دليل على رضاه بتركها. فعلى هذا للبائع الثاني أخذ الشقص من المشتري الاول فان عفا عنه فللمشتري الاول أخذ الشقص من المشتري الثاني، وان أخذ منه فهل للمشتري الاول الاخذ من الثاني؟ على وجهين (أولاهما ان له الاخذ لان ملكه كان ثابتا حال البيع ولم يوجد منه ما يمنع ذلك (مسألة) (وان مات بطلت شفعته إلا أن يموت بعد طلبها فتكون لوارثه) وجملة ذلك ان الشفيع إذا مات قبل الاخذ بالشفعة فان كان قبل الطلب بها سقطت ولا تنقل إلى الورثة، قال احمد الموت يبطل به ثلاثة أشياء الشفعة والحد إذا مات المقذوف والخيار إذا مات الذي اشترط الخيار، لم يكن للورثة هذه الثلاثة أيضا إنما هي بالطلب فإذا لم يطلب فليس تجب الا أن يشهد أني على حقي من كذا وكذا وأني قد طلبته فان مات بعده كان لوارثه الطلب به، وروي سقوط الشفعة بالموت عن الحسن وابن سيرين والشعي والنخعي وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وقال مالك والشافعي والعنبري يورث، قال أبو الخطاب ويتخرج لنا مثل ذلك لانه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فيورث كخيار الرد بالعيب

[ 517 ]

ولنا انه حق فسخ ثبت لا لفوات جزء فلم يورث كالرجوع في الهبة ولانه نوع خيار جعل للتمليك أشبه خيار القبول فاما خيار الرد بالعيب فانه لا ستدارك جزء فات من المبيع (فصل) فان مات بعد طلب الشفعة انتقل حق المطالبة بالشفعة إلى الورثة قولا واحدا ذكره أبو الخطاب، وقد ذكرنا نص أحمد عليه لان الحق يتقرر بالطلب ولذلك لا يسقط بتأخير الحق بعده وقبله يسقط، وقال القاضي يصير الشقص ملكا للشفيع بنفس المطالبة والاول أصح فانه لو صار ملكا للشفيع لم يصح العفو عن الشفعة بعد طلبها كما لا يصح العفو عنها بعد الاخذ بها. فإذا ثبت هذا فان الحق ينتقل إلى جميع الورثة على قدر إرثهم لانه حق مالي موروث فينتقل إلى الجميع كسائر الحقوق المالية وسواء قلنا الشفعة على قدر الاملاك أو على عدد الرؤوس لان هذا ينتقل إليهم من موروثهم فان ترك بعض الورثة حقه توفر الحق على باقي الورثة ولم يكن لهم إلا أن يأخذوا الكل أو يتركوا كالشفعاء إذا عفا بعضهم عن شفعته لانا لو جوزنا أخذ بعض الشقص لتشقص المبيع وتبعضت الصفقة على المشتري وهذا ضرر في حقه (فصل) وان أشهد الشفيع على مطالبته بها للعذر ثم مات لم تبطل وللورثة المطالبة بها نص عليه احمد لان الاشهاد على الطلب عند العجز عنه يقوم مقامه فلم تسقط الشفعة بالموت بعده كنفس الطلب

[ 518 ]

(فصل) وإذا بيع شقص له شفيعان فعفاعنها أحدهما وطالب بها الآخر ثم مات الطالب فورثه العافي فله أخذ الشقص بها لانه وارث لشفيع مطالب بالشفعة فملك الاخذ بها كالاجنبي وكذلك لو قذف رجل أمهما وهي ميتة فعفا أحدهما وطلب الآخر ثم مات الطالب فورثه العافي ثبت له استيفاؤه بالنيابة عن أخيه الميت إذا قلنا بوجوب الحد بقذفها (فصل) ولو مات مفلس وله شقص فباع شريكه كان لورثته الشفعة وهذا مذهب الشافعي، و قال أبو حنيفة لا شفعة لهم لان الحق النتقل إلى الغرماء ولنا انه بيع في شركة ما خلفه موروثهم شقص فكان لهم المطالبة بشفعته كغير المفلس، ولا نسلم أن التركة انتقلت إلى الغرماء بل هي للورثة بدليل انها لو نمت أو زاد ثمنا لحسب على الغرماء في قضاء ديونهم، وانما تعلق حقهم به فلم يمنع ذلك من الشفعة كما لو كان لرجل شقص مرهون فباع شريكه فانه يستحق الشقعة به، ولو كانت للميت دار فبيع بعضها في قضاء دينه لم يكن للورثة شفعة لان البيع يقع لهم فلا يستحقون الشفعة على أنفسهم ولو كان الورث شريكا للمورث فباع نصيب الموروث في دينه فلا شفعة أيضا لانه نصيب الموروث انتقل بموته إلى الوارث فإذا بيع فقد بيع ملكه فلا يستحق الشفعة على نفسه (فصل) ولو اشترى شقصا مشفوعا ووصى به ثم مات فللشفيع أخذه بالشفعة لان حقه أسبق

[ 519 ]

من حق الموصى له فإذا أخذه دفع الثمن إلى الورثة وبطلت الوصية لان الموصى به ذهب فبطلت الوصية به كما لو تلف، ولا يستحق الموصى له بدله لانه لم يوص له الا بالشقص، وقد فات بأخذه، ولو وصى رجل لانسان بتقص ثم مات فبيع في شركته شقص قبل قبول الموصى له فالشفعة للورثة في الصحيح لان الموصى به لا يصير للموصى له الا بعد القبول ولم يوجد فيكون باقيا على ملك الورثة، ويحتمل أن يكون للموصى له إذا قلنا ان الملك ينقل إليه بمجرد الموت فإذا قبل الوصية استحق المطالبة لاننا تبينا ان الملك كان له فكان المبيع في شركته، ولا يستحق المطالبة قبل القبول لانا لا نعلم ان الملك له قبل القبول لانا لا نعلم ان الملك له قبل القبول وانما يتبين ذلك بقبوله فان قبل تبينا انه كانله وان رد تبينا انه كان للورثة ولا يستحق الورثة المطالبة ايضا لذلك ويحتمل ان لهم المطالبة لان الاصل عدم القبول وبقاء الحق لهم، ويفارق الموصى له من وجهين (احدهما) ان الاصل عدم القبول منه (والثاني) انه يمكنه ان يقبل ثم يطالب بخلاف الوارث فانه لا سبيل له إلى فعل ما يعلم به ثبوت الملك له أو لغيره فإذا طالبوا ثم قبل الوصي الوصية كانت الشفعة له ويفتقر إلى الطلب منه لان الطلب الاول يتبين نه من غير المستحق، وان قلنا بالرواية الاولى فطالب الورثة بالشفعة فلهم الاخذ بها وإذا قبل الوصي اخذ الشقص الموصى به دون الشقص المشفوع لان الشقص الموصى به انما انتقل إليه بعد الاخذ بشفعته فأشبه ما لو اخذ بها الموصى في حياته، وان لم يطالبوا بالشفعة حتى قبل الموصى له فلا شفعة له لان البيع وقع قبل ثبوت الملك له وحصول شركته وفي ثبوتها للورثة وجهان بناء على مالو باع الشفيع نصيبه قبل علمه ببيع شريكه

[ 520 ]

(فصل) ولو اشتري رجل شقصا ثم ارتد فقتل أو مات فللشفيع اخذه بالشقعة لانها وجبت بالشراء وانتقاله إلى المسلمين بقتله أو موته لا يمنع الشفعة كما لو مات على الاسلام فورثه ورثته أو صار ماله لبيت المال لعدم ورثته والمطالب بالشفعة وكيل بيت المال (فصل) وإذا اشترى المرتد شقصا فتصرفه موقوف فان قتل على ردته أو مات عليها تبينا ان شراءه باطل ولا شفعة فيه وان اسلم تبينا صحته وثبوت الشفعة فيه، وقال ابو بكر تصرفه غير صحيح في الحالين لان ملكه يزول بردنه فإذا اسلم عاد إليه تمليكا مستأنفا، وقال الشافعي وابو يوسف تصرفه صحيح في الحالين وتجب الشفعة فيه، ومبنى الشفعة ههنا على صحة تصرف المرتد ويذكر في غير هذا الموضع، وان بيع شقص في شركة المرتد وكان المشتري كافرا فأخذه بالشفعة انبنى على ذلك ايضا لان اخذ بالشفعة شراء للشقص من المشترى فاشبه شراءه لغيره، فان ارتد الشفيع المسلم وقتل بالردة أو مات عليها انتقل ماله إلى المسلمين، فان كان طالب بالشفعة انتقلت ايضا إلى المسلمين ينظر فيها الامام أو نائبه وان قتل أو مات قبل طلبها بطلت شفعته كما لو مات على اسلامه، ولو مات الشفيع المسلم ولم يحلف وارثا سوى بيت المال انتقل نصيبه إلى المسلمين ان مات بعد الطلب والافلا (فصل) قال رحمه الله (ويأخذ الشفيع بالثمن الذي وقع عليه العقد فان عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته) وجملة ذلك ان الشفيع يأخذ الشقص من المشترى بالثمن الذى استقر عليه العقد لما روى في

[ 521 ]

حديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (هو أحق به بالثمن) رواه الجوزجاني في كتابه ولان الشفيع انما استحق الشقص بالبيع فكان مستحقا له بالثمن كالمشترى فان قيل ان الشفيع استحق اخذه بغير رضا مالكه فينبغي ان يأخذ بقيمته كالمضطر يأخذ طعام غيره، قلنا المضطر استحق اخذه بسبب حاجة خاصة فكان المرجع في بدله إلى قيمته والشفيع استحقه لا جل البيع ولهذا لو انتقل بهبة أو ميراث لم يستحق الشفعة وإذا استحق ذلك بالبيع وجب ان يكون بالعوض الثابت بالبيع. إذا ثبت هذا فاننا نتظر في الثمن فان كان دراهم أو دنانير أعطاه الشفيع مثله (فصل) ولا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على الثمن لان في أخذه بدون دفع الثمن اضرارا بالمشتري ولا يزال الضرر بالضرر، فان أحضر رهنا أو ضمينا لم يلزم المشتري قبوله لان عليه ضررا في تأخير الثمن فلم يلزم المشتري ذلك كما لو أراد تأخير ثمن حال، وإن بذل عوضا عن الثمن لم يلزمه قبوله لانها معاوضة فلم يجبر عليها، وإذا أخذ بالشفعة لم يلزم المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن فان كان موجودا سلمه وإن تعذر في الحال فقال أحمد في رواية حرب ينظر الشفيع يوما أو يومين بقدر ما يرى الحاكم فإذا كان أكثر فلا وهذا قول مالك، وقال ابن شبرمة وأصحاب الشافعي نيظر ثلاثا لانها آخر حد القلة فان أحضر الثمن والافسخ عليه، وقال أبو حنيفة وأصحاب لا يأخذ بالشفعة ولا

[ 522 ]

يقتضي القاضي بها حتى يحضر الثمن لان الشفيع يأخذ الشقص بغير احتيار المشتري فلا يستحق ذلك الا باحضار عوضه كتسليم المبيع ولنا انه تملك للمبيع بعوض فلا يفف على احضار العوض كالبيع، واما التسليم في البيع فالتسليم في الشفعة مثله وكون الاخذ بغير اختيار المشتري يدل على قوته فلا يمنع من اعتباره في الصحة، ومتى أجلناه مدة فأحضر الثمن فيها والافسخ الحاكم الاخذ ورده إلى المشتري، وكذا لو هرب لشفيع بعد الاخذ قال شيخنا والاولى ان للمشتري الفسخ من غير حاكم لانه فات شرط الاخذ ولانه تعذر على البائع الوصول إلى الثمن فملك الفسخ كغير من أخذت الشفعة منه، وكما لو أفلس الشفيع والشفعة لا تقف على حكم الحاكم فلا يقف فسخ الاخذ بها على الحاكم كفسخ غيرها من البيوع وكالرد بالعيب ولان وقف ذلك على الحاكم يفضي إلى الضرر بالمشترى لانه قد يتعذر عليه اثبات ما يدعيه وقد يصعب عليه حضور مجلس الحاكم لبعده أو غير ذلك فلا يشرع فيها ما يفضي إلى الضرر، ولانه لو وقف الامر على الحاكم لم يملك الاخذ الابعد احضار الثمن لئلا يفضي إلى هذا الضرر، وان أفلس الشفيع خير المشترى بين الفسخ وبين أن يضرب مع الغرماء بالثمن كالبائع إذا أفلس المشترى (مسألة) (وما يزاد في ثمن أو يحط منه في مدة الخيار يلحق به وما بعد ذلك لا يلحق به) قد ذكرنا ان الشفيع انما يستحق الشقص بالثمن الذى استقر عليه العقد فلو تبايعا بقدر ثم غيراه

[ 523 ]

في زمن الخيار بزيادة أو نقص ثبت ذلك التغيير في حق الشفيع لان حق الشفيع انما يثبت إذا تم العقد وانما يستحق بالثمن الذى هو ثابت حال استحقاقه ولان زمن الخيار بمنزلة حالة العقد والتعيير يلحق بالعقد فيه لانهما على اختيارهما فيه كما لو كانا في حال العقد، فاما إذا انقضى الخيار وانبرم العقد فزادا أو نقصا لم يلحق بالعقد لان الزيادة بعده هبة تعتبر لها شروط الهبة والنقص ابراء مبتدأ، ولا يثبت ذلك في حق الشفيع وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يثبت النقص في حق الشفيع دون الزيادة وان كانا عنده ملحقان بالعقد لان الزيادة تضر بالشفيع فلم يملكاها بخلاف النقص، وقال مالك ان بقي ما يكون ثمنا أخذ به وان حظ الاكثر أخذه بجميع الثمن الاول. ولنا ان ذلك يعتبر بعد استقرار العبد فلم يثبت في حق الشفيع كالزيادة ولان الشفيع استحق الاخذ بالثمن الاول قبل التغيير فلم يؤثر التغيير بعد ذلك فيه كالزيادة وما ذكروه من العذدر لا يصح لان ذلك لو لحق العقد لزم الشفيع وان أضر به كالزيادة في مدة الخيار ولانه حط بعد لزوم العقد فاشبه حط الجميع أو الاكثر عند مالك (مسألة) (وان كان مؤجلا أخذه الشفيع بالاجل ان كان مليئا والا أقام كفيلا مليئا وأخذه به) وبهذا قال مالك وعبد الملك وإسحاق، وقال الثوري لا يأخذها إلا بالنقد حالا، وقال أبو حنيفة لا يأخذ الا بثمن حال أو ينتظر مضي الاجل ثم يأخذ، وعن الشافعي كمذهبنا ومذهب أبي حنيفة

[ 524 ]

لانه لا يمكنه أخذه بالمؤجل لانه يقضي إلى أن يلزم المشتري قبول ذمة الشفيع والذمم لا تتماثل وانما يأخذ بمثله ولا يلزمه أن يأخذ بمثله حالا لئلا يلزمه أكثر مما يلزم المشتري ولا بسلعة بمثل الثمن إلى الاجل لانه انما يأخذه بمثل الثمن أو القيمة والسلعة ليست واحدا منهما فلم يبق إلا التخيير ولنا ان الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته والتأجيل من صفاته ولان في الحلول زيادة على التأجيل فلم يلزم الشفيع كزيادة القدر، وما ذكروه من اختلاف الذمم فانا لا نوجبها حتى توجد الملاءة في الشفيع أو في الضامن بحيث ينحفظ المال فلا يضر اختلافهما فيها وراء ذلك، كما لو اشترى الشقص بسلعة وجبت قيمتها ولا يضر اختلافهما، ومتى أخذه الشفيع بالاجل فمات الشفيع أو المشتري وقننا يحل الدين بالموت حل الدين على الميت منهما دون صاحبه لان سبب حلوله الموت فاختص بمن وجد في حقه (مسألة) (وإن كان الثمن عرضا أعطاه مثله ان كان ذا مثل والا أعطاه قيمته) أما إذا كان من المثليات كالحبوب والادهان فهو كالاثمان قياسا عليها فيعطيه الشفيع مثلها مثلها هكذا ذكره أصحابنا وهو قول أصحاب الرأي وأصحاب الشافعي لان هذا مثل من طريق الصورة والقيمة فكان أولى من الممائل في إحداهما ولان الواجب بذل الثمن فكان مثله كبدل العرض والمتلف وان كان

[ 525 ]

مما لا مثل له كالثياب والحيوان فان الشفيع يستحق الشقس بقيمة الثمن وهذا قول: أكثر أهل العلم وبه يقول أصحاب الرأي والشافعي وحكي عن الحسن وسوار أن الشفعة لا تجب ههنا لانها تجب بمثل الثمن وهذا لا مثل له فتعذر الاخذ فلم يجب كما لو جهل الثمن ولنا أنه أحد نوعي الثمن فجاز أن تثبت به الشفعة في المبيع كالمثلى وما ذكروه لا يصح لان الثمل يكون من طريق الصورة ومن طريق القيمة كبدل المتلف (فصل) وإن كان الثمن تجب قيمته فانها تعتبر وقت البيع لانه وقت الاستحقاق والاعتبار بعد ذلك بالزايدة والنقص في القيمة، وان كان فيه خيار اعتبرت القيمة حين انقضاء الخيار واستقرار العقد لانه حين استحقاق الشفعة وبه قال الشافعي، وحكي عن مالك أنه يأخذه بقيمته يوم المحاكمة وليس بصحيح لان وقت الاستحقاق وقت العقد وما زاد بعد ذلك حصل في ملك البائع فلا يكون للمشتري وما نقص فمن مال البائع فلا ينقص حق المشترى (مسألة) (وان اختلفا في قدر الثمن فالقول قول المشترى الا أن تكون للشفيع بينة) اذ اختلف الشفيع والمشترى في الثمن فقال المشترى اشتريته بمائة فقال الشفيع بل بخمسين فاقول قول المشترى لانه العاقد فهو أعرف بالثمن ولان الشقص ملكه فلا ينزع عنه بالدعوى بغير بينة وبهذا قال الشافعي، قان قيل فهلا قلتم القول قول الشفيع لانه غارم ومنكر للزيادة فهو كالغاصب

[ 526 ]

والمتلف والضامن نصيب شريكه إذا أعتق؟ قلنا الشفيع ليس بغارم لانه لا شئ عليه وانما يريد أن يملك الشقص بثمنه بخلاف الغاصب والمتلف والمعتق، فاما ان كان للشفيع بينة حكم له بها وكذلك ان كان للمشترى بينة حكم بها واستغنى عن يمينه ويثبت ذلك بشاهد ويمين وشهادة رجل وامرأتين، ولا تقبل شهادة البائع لانه إذا شهد للشفيع كان متهما لانه يطلب تقليل الثمن خوفا من الدرك عليه، فان أقام كل واحد منهما بينة احتمل تعارضهما لانهما يتنازعان فيما وقع عليه العقد فيصيران كمن لابينة لهما، وذكر الشريف أن بينة الشفيع تقدم لانها خارجة ويقتضيه قول الخرقى لان بينة الخارج عنده تقدم على بينة الداخل والشفيع خارج وهو قول أبي حنيفة وقال صاحباه تقدم بنية المشتري لانها ترجح بقول المشترى فانه مقدم على قول الشفيع، ويخالف الخارج والداخل لان بينة الداخل يجوز أن تكون مستندة إلى يده وفي مسئلتنا البينة تشهد على نفس العقد كشهادة بينة الشفيع ولنا أنهما بينتان تعارضتا فقدمت بينة من لا يقبل قوله عند عدمها كالداخل والخارج ويحتمل أن يقرع بينهما لانهما يتنازعان في العقد ولا يدلهما عليه فصار كالمتنازعين عينا في يد غيرهما (فصل) فان قال المشتري لا أعلم قدر الثمن فالقول قوله لان ما يدعيه ممكن يجوز أن يكون اشتراه جزافا أو بثمن نسي قدره ويحلف فإذا حلف سقطت الشفعة لانها لا تستحق بغير بدل

[ 527 ]

ولا يمكن أن يدفع إليه مالا يدعيه فان ادعى أنك فعلت ذلك تحليلا على اسقاط الشفعة حلف على نفي ذلك (فصل) فان اشترى شقصا بعرض واختلفا في قيمته فان كان موجودا عرضناه على المقومين وان تعذر احضاره فالقول قول المشتري كما لو اختلفا في قدره فان ادعى جهل قيمته فهو على ما ذكرنا فيما إذا ادعى جهل ثمنه وان اختلفا في الغراس والبناء في الشقص فقال المشترى أنا أحدثته فانكر فالقول قول المشتري لانه ملكه والشفيع يريد تملكه عليه فكان القول قول المالك (مسألة) (وان قال المشتري اشتريته بألف وأقام البائع بينة أنه باعه بألفين فللشفيع أخذه بألف فان قال المشترى غلطت فهل يقبل قوله مع يمينه؟ على وجهين) وجملة ذلك أن للشفيع أن يأخذه بما قال المشترى لان المشترى مقر له باستحقاقه بألف ويدعي أن البائع ظلمه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان حكم الحاكم بالفين أخذه الشفيع بهما لان الحاكم إذا حكم عليه بالبينة بطل قوله وثبت ما حكم به ولنا أن المشتري يقر بأن هذه البينة كاذبة وأنه ظلم بالف فلم يحكم له به وانما حكم بها للبائع لانه لا يكذبها فان قال المشتري صدقت البينة وكنت أنا كاذبا أو ناسيا ففيه وجهان (احدهما) لا يقبل رجوعه لانه رجوع عن اقرار تعلق به حق آدمي غيره فاشبه مالو أقر له بدين (والثاني) يقبل

[ 528 ]

قوله وقال القاضي هو قياس المذهب عندي كما لو أخبر في المرابحة بثمن ثم قال غلطت والثمن أكثر قبل قوله مع يمينه بل ههنا أولى لانه قد قامت البينة بكذبه وحكم الحاكم بخلاف قوله فقبل رجوعه عن الكذب، وان لم تكن للبائع بينة فتحالفا فللشفيع أخذه بما حلف عليه البائع، فان أراد أخذه بما حلف عليه المشتري لم يكن له ذلك لان للبائع فسخ البيع وأخذه بما قال المشتري يمنع ذلك، ولانه يفضي إلى الزام العقد بما حلف عليه المشتري ولا يملك ذلك، فان رضي المشترى بأخذه بما قال البائع جاز وملك الشفيع أخذه بالثمن الذي حلف عليه المشتري لان حق البائع من الفسخ قد زال فان عاد المشتري فصدق البائع وقال الثمن الفان وكنت غالطا فهل للشفيع أخذه بالثمن الذي حلف عليه؟ فيه وجهان كما لو قامت به بينة (فصل) ولو اشترى شقصا له شفيعان فادعى على أحد الشفيعين أنه عفا عن الشفعة وشهد له بذلك الشفيع الآخر قبل عفوه عن شفعته لم تقبل شهادته لانه يجر إلى نفسه نفعا وهو توفر الشفعة عليه فإذا ردت شهادته ثم عفا عن الشفعة ثم أعاد تلك الشهادة لم تقبل لانها ردت للتهمه فلم تقبل بعد زوالها كشهادة الفاسق إذا ردت ثم تاب وأعادها لم تقبل، ولو لم يشهد حتى عفا قبلت شهادته لعدم التهمة ويحلف المشتري مع شهادته ولو لم تكن بينة فالقول قول المنكر مع يمينه وان كانت الدعوى على

[ 529 ]

الشفيعين معا فحلفا ثبتت الشفعة وان حلف أحدهما ونكل الآخر نظرنا في الحالف فان صدق شريكه في الشفعة في أنه لم يعف لم يحتج إلى يمين وكانت الشفعة بينهما لان الحق له فان الشفعة تتوفر عليه إذا سقطت شفعة شريكه وان ادعى أنه عفا فنكل قضي له بالشفعة كلها وسواء ورثا الشفعة أو كانا شريكين، فان شهد أجنبي بعفو أحد الشفيعين واحتيج إلى يمين معه قبل عفو الآخر حلف وأخذ الكل بالشفعة وان كان بعده حلف المشتري وسقطت الشفعة ء وان كانوا ثلاثة شفعاء فشهد اثنان منهم على الثالث بالعفو بعد عفوهما قبلت وان شهدا قبله ردت، وان شهدا بعد عفو أحدهماو قبل عفو الآخر ردت شهادة غير العافي وقبلت شهادة العافي وان شهد البائع بعفو الشفيع عن شفعته بعد قبض الثمن قبلت شهادته، وان كان قبله قبلت شهادة قبلت في أحد الوجهين لانهما سواء عنده (والثاني) لا تقبل لانه يحتمل أن يكون قصد ذلك ليسهل استيفاء الثمن لان المشتري يأخذ الشقص من الشفيع فيسهل عليه وفاؤه أو يتعذر على المشتري الوفاء لفلسه فيستحق استرجاع المبيع، وان شهد لمكاتبه بعفو شفعته أو شهد بشراء شئ لمكاتبه فيه شفعة لم تقبل لان المكاتب عبده فلا تقبل شهادته له كمدبره ولان ما يحصل للمكاتب ينتفع به السيد لانه ان عجز صار له وان لم يعجز سهل عليه وفاؤه وان شهد على مكانبه بشئ من ذلك قبلت شهادته لانه غير متهم فأشبه الشهادة على ولده (مسألة) (وان ادعى أنك اشتريته بألف قال بل اتهبته أو ورثته فالقول قوله مع يمينه فان نكل

[ 530 ]

أو قامت للشفيع بينة فله اخذه ويقال للمشترى اما أن تقبل الثمن أو تبرئ منه) وجملة ذلك أنه إذا ادعى الشفيع على بعض الشركاء انك اشتريت نصيبك فلي أخذه بالشفعة فانه يحتاج إلى تحرير دعواه فيحدد المكان الذى فيه الشقص ويذكر ققدر الشقص والثمن ويدعي الشفعة فيه فإذا ادعى سئل المدعى عليه فان أقر لزمه وان أنكر وقال إنما اتهبته أو ورثته فلا شفعة لك فيه فالقول قول من ينفيه كما لو ادعى عليه نصيبه من غير شفعة فان حلف برئ وان نكل قضي عليه وان قال لا يستحق علي شفعة فالقول قوله مع يمينه ويكون يمينه على حسب قوله في الانكار وإذا نكل وقضي عليه بالشفعة عرض عليه الثمن فإذا أخذه دفع إليه، وان قال لا أستحقه ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يقر في يد الشفيع إلى أن يدعيه المشتري فيدفع إليه كما لو أقر له بدار فانكرها (والثاني) يأخذه الحاكم فيحفظه لصاحبه إلى أن يدعيه، ومتى ادعاه المشتري دفع إليه (والثالث) يقال له اما أن تقبضه واما ان تبرئ منه كسيد المكاتب إذا جاءه المكاتب بمال الكتابة فادعى أنه حرام احتاره القاضي، وهذا يفارق المكاتب لان سيده يطالبه بالوفاء من غير هذا الذي أتاه به فلا يلزمه ذلك بمجرد دعوى سيده تحريم ما أتاه به وهذا لا يطالب الشفيع بشئ فلا ينبغي ان يكلف الابراء مما يدعيه والوجه الاول أولى ان شاء الله تعالى

[ 531 ]

(فصل) فان قال اشتريته لفلان وكان حاضرا استدعاه الحاكم وسأله فان صدقه كان الشراء له والشفعة عليه، وان قال هذا ملكي ولم اشتره انتقلت الخصومة إليه وان كذبه حكم بالشراء لمن اشتراه وأخذه منه بالشفعة وإن كان المقر له غائبا أخذه الحاكم ودفعه إلى الشفيع وكان الغائب على حجته إذا قدم لاننا لو وقفنا الامر في الشفعة إلى حضور المقر له كان في ذلك اسقاط الشفعة لان كل مشتر يدعي أنه لغائب، وان قال اشتريته لابني الطفل أو لهذا الطفل وله عليه ولاية لم تثبت الشفعة في أحد الوجهين لان الملك ثبت للطفل ولا تجب الشفعة باقرار الولي عليه لانه إيجاب حق في مال صغير باقرار وليه (والثانى) تثبت لانه يملك الشراء له فصح اقراره فيه كما يصح اقراره بعيب في مبيعه، فاما ان ادعى عليه شفعة في شقص فقال هذا لفلان الغائب أولفلان الطفل ثم أقر بشرائه له لم تثبت فيه الشفعة الا ان تثبت ببينة أو يقدم الغائب ويبلغ الطفل فيطالبهما بها لان الملك ثبت لهما باقراره به واقراره بالشراء بعد ذك اقرار في ملك غيره فلا يقبل بخلاف ما إذا أقر بالشراء ابتداء لان الملك ثبت لهما بذلك الاقرار المثبت للشفعة فثبتا جميعا وان لم يذكر سبب الملك لم يسأله الحاكم عنه ولم يطالب ببيانه لانه لو صرح بالشراء لم تثبت به شفعة فلا فائدة في الكشف عنه ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا. (فصل) وإذا كانت دار بين حاضر وغائب فادعى الحاضر على من في يده نصيب الغائب أنه اشتراه

[ 532 ]

منه وأنه يستحقه بالشفعة فصدقه فللشفيع أخذه بالشفعة لان من في يده العين يصدق في تصرفه فيما في يده، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه ولاصحاب الشافعي في ذلك وجهان (أحدهما) ليس له أخذه لان هذا اقرار على غيره ولنا أنه أقر بما في يده فقبل اقراره كما لو أقر بأصل ملكه، وهكذا لو ادعى عليه انك بعت نصيب الغائب باذنه وأقر له الوكيل كان كاقرار البائع بالبيع فإذا قدم الغائب فانكر البيع أو الاذن في البيع فالقول قوله مع يمينه وينتزع الشقص ويطالب بأجرته من شاء منهما ويستقر الضمان على الشفيع لان المنافع تلفت تحت يده، فان طالب الوكيل رجع عل الشفيع وان طالب الشفيع لم يرجع على أحد وان ادعى على الوكيل أنك اشتريت الشقص الذي في يدك فانكر وقال إنما أنا وكيل فيه أو مستودع له فالقول قوله مع يمينه وإن كان للمدعي بينة حكم بها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي مع أن أبا حنيفة لا يرى القضاء على الغائب لان القضاء ههنا على الحاضر لوجوب الشفعة عليه واستحقاقه انتزاع الشقص من يده فحصل القضاء على الغائب ضمنا، فان لم تكن بينة وطلب الشفيع بينة ونكل الوكيل عنها احتمل أن يقضى عليه لانه لو أقر لقضي عليه فكذلك إذا نكل واحتمل ان لا يقضى عليه لانه قضاء على الغائب

[ 533 ]

بغير بينة ولا اقرار من الشقص في يده (فصل) وإذا ادعى على رجل شفعة في شقص اشتراه فقال ليس له ملك في شركتي فعلى الشفيع اقامة البينة بالشركة وبه قال أبو حنيفة ومحمد والشافعي، وقال أبو يوسف إذا كان في يده استحق الشفعة به لان الظاهر من اليد الملك ولنا ان الملك لا يثبت بمجرد اليد وإذا لم يثبت الملك الذي يستحق به الشفعة لم تثبت ومجرد الظاهر لا يكفي كما لو ادعى ولد أمة في يده فان ادعى أن المدعى عليه يعلم أنه شريك فعلى المشتري اليمين أنه لا يعلم ذلك لا نها يمين على نفي فعل الغير فمكانت على العلم كاليمين على نفي دين الميت فإذا حلف سقطت دعواه وان نكل قضي عله (فصل) إذا ادعى على شريكه انك اشتريت نصيبك من عمرو فلي شفعته فصدقه عمرو وأنكر الشريك وقال بل ورثته من أبي فأقام المدعي بينة أنه كان ملك عمر ولم تثبت الشفعة بذلك وقال محمد تثبت ويقال له اما أن تدفعه وتأخذ الثمن واما أن ترده إلى البائع فيأخذه الشفيع لانهما شهدا بالملك لعمرو فكأنهما شهدا بالبيع ولنا أنهما لم يشهدا بالبيع واقرار عمرو على المنكر بالبيع لا يقبل لانه اقرار على غيره فلا يقبل في حقه ولا تقبل شهادته عليه وليست الشفعة من حقوق العقد فيقبل فيها قول البائع فصار بمنزلة مالو

[ 534 ]

حلف اني ما اشتريت الدار فقال من كانت الدارملكه أنا بعته إياها لم يقبل عليه في الحنث ولا يلزم إذا أقر البائع بالبيع والشقص في يده وأنكر المشتري الشراء لان الذي في يده الدار مقربها للشفيع ولا منازع له فيها سواه وههنا من الدار في يده يدعيها لنفسه والمقر بالبيع لا شئ في يده ولا يقدر على تقسيم الشقص فافترقا (مسألة) (وإن كان عوضا في الخلع والصداق والصلح عن دم العمد وقلنا بوجوب الشفعة فيه فقال القاضي يأخذه بقيمته) قال وهو قياس قول ابن حامد وهو قول مالك وابن شبرمة وابن أبي ليلى لانه ملك الشقص القابل للشفعة ببدل ليس له مثل فوجب الرجوع إلى قيمته في الاخذ بالشفعة كما لو باعه بسلعة لامثل لها ولا ننا لو أوجبنا مهر المثل لا فضى إلى تقويم البضع على الاجانب واضر بالشفيع لان المهر يتفاوت مع المسمى لتسامح الناس فيه في العادة بخلاف البيع وقال غير القاضي يأخذه بالدية ومهر المثل وحكاه الشريف أبو جعفر عن ابن حامد وهو قول العكلي والشافعي لانه ملك الشقص ببدل ليس له مثل فيجب الرجوع إلى قيمة البدل إذا لم يكن نقدا ولا مثليا وعوض الشقص هو البضع وقيمة البضع مهر المثل.

[ 535 ]

(فصل) قال الشيخ رحمه الله تعالى (ولا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه نص عليه ويحتمل ان تجب) لا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه سواء كان الخيار لهما أو لاحدهما وحده أيهما كان، وقال أبو الخطاب يتخرج أن تثبت الشفعة لان الملك انتقل فثبتت الشفعة في مدة الخيار كما بعد انقضائه، وقال أبو حنيفة ان كان الخيار للبائع أو لهما لم تثبت الشفعة حتى يتقضي لان في الاخذ بها اسقاط حق البائع من الفسخ وإلزام البيع في حقه بغير رضاه ولان الشفيع انما يأخذ من المشترى ولم ينتقل الملك إليه وان كان الخيار للمشتري فقد انتقل الملك إليه ولا حق لغيره فيه والشفيع يملك أخذه بعد لزوم البيع واستقرار الملك فلان يملك ذلك قبل لزومه أولى وغاية ما يقدر ثبوت الخيار له وذلك الا يمنع الاخذ بالشفعة كما لو وجد به عيبا وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا أنه مبيع فيه الخيار فلم تثبت الشفعة كما لو كان للبائع وذلك لان الاخذ بالشفعة يلزم المشترى بالعقد بغير رضاه ويوجب العهدة عليه ويفوت حقه من الرجوع في عين الثمن فلم يجز كما لو كان الخيار للبائع فاننا إنما منعنا من الشفعة لما فيه من إبطال خيار البائع وتفويت حق الرجوع في عين ماله وهما في نظر الشرع على السواء، وفارق الرد بالعيب فانه إنما تثبت لا ستدارك الظلامة وذلك يزول بأخذ الشفيع فان باع الشفيع حصته في مدة الخيار عالما ببيع الاول سقطت شفعته وقد ذكرنا ذلك فيما مضى

[ 536 ]

(فصل) وبيع المريض كبيع الصحيح في الصحة وثبوت الشفعة وسائر الاحكام إذا باع بثمن المثل سواء كان لوارث أو غير وارث وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يصح بيع المريض مرض الموت لوارثه لانه محجور عليه في حقه فلم يصح بيعه كالصبى ولنا أنه إنما حجر عليه في التبرع في حقه فلم يمنع الصحة فيما سواه كالاجنبي إذا لم يزد على التبرع بالثلث وذلك لان الحجر في شئ لا يمنع صحة غيره كما أن الحجر على المرتهن في الرهن لا يمنع التصرف في غيره والحجر على المفلس في ماله لا يمنع التصرف في ذمته، فاما بيعه بالمحاباة فلا يخلو اما أن يكون لوارث أو لغيره فان كان لوارث بطلت المحاباة لانها في المرض بمنزلة محاباة الوصية في الوصية لوارث لا تجوز ويبطل البيع في قدر المحاباة من المبيع وهل يصح فيما عداه؟ فيه ثلاثة أوجه (أحدها) لا يصح لان المشتري أبرأ الضامن في كل المبيع فلم يصح في بعضه كما لو قال بعتك هذا الثوب بعشرة فقال قبلت البيع في نصفه أو قال قبلته بخمسة أو قبلت نصفه بخمسة ولانه لا يمكن تصحيح البيع على الوجه الذي تواجبا عليه فلم يصح لتفريق الصفقة (الثاني) أن يبطل البيع في قدر المحاباة ويصح فيما يقابل الثمن المسمى وللمشتري الخيار بين الاخذ والفسخ لان الصفقة تفرقت عليه وللشفيع أخذ ما صح فيه البيع وإنما قلنا بالصحة لان البطلان إنما جاء من المحاباة فاختص بما قابلها (الثالث) أنه يصح في الجميع ويفف على إجازة الورثة لان الوصية للوارث صحيحة في أصح الروايتين وتقف على إجازة الورثة فكذلك

[ 537 ]

المحاباة له فان أجازوا المحاباة صح البيع في الجميع ولا خيار للمشتري ويملك الشفيع الاخذ به لانه يأخذ بالثمن، وان ردوا بطل البيع في قدر المحاباة وصح فيما بقي ولا يملك الشفيع الاخذ قبل إجازة الورثة وردهم لان حقهم متعلق بالبيع فلم يملك إبطاله وله أخذ ما صح البيع فيه فان اختار المشتري الرد في هذه الصورة وفي التي قبلها واختار الشفيع الاخذ بالشفعة قدم الشفيع لانه لا ضرر على المشتري وجرى مجرى المعيب إذا رضيه الشفيع بعيبه (فصل) إذا كان المشتري أجنبيا والشفيع أجنبي فن لم تزد المحاباة على الثلث صح البيع وللشفيع الاخذ بذلك الثمن لان البيع حصل به فلا يمنع منها كون المبيع مسترخصا فان زادت على الثلث فالحكم فيه حكم أصل المحاباة في حق الوارث وان كان الشفيع وارثا ففيه وجهان (أحدهما) له الاخذ بالشفعة لان المحاباة وقعت لغيره فلم يمنع منها تمكن الوارث من أخذها كما لو وهب غريم وارثه مالا فأخذه الوارث (والثاني) يصح البيع ولا تجب الشفعة وهو قول أصحاب أبي حنيفة لاننا لو أثبتناها جعلنا للموروث سبيلا إلى إثبات حق لوارثه في المحاباة، ويفارق الهبة لغريم الوارث لان استحقاق الوارث الاخذ بدينه لامن جهة الهبة وهذا استحاقه بالبيع الحاصل من موروثه فافترقا. ولاصحاب الشافعي في هذا خمسة أوجه وجهان كهذين (والثالث) أن البيع باطل من أصله لا فضائه إلى إيصال المحاباة إلى الوارث

[ 538 ]

وهذا فاسد لان الشفعة فرع للبيع ولا يبطل الاصل فرعه وعلى الوجه الاول ما حصلت للوارث المحاباة إنما حصلت لغيره ووصلت إليه بجبهة الاخذ من المشتري فأشبه هبة غريم الوارث (الوجه الرابع) أن للشفيع أن يأخذ بقدر ما عدا المحاباة بجميع الثمن بمنزلة هبة المقابل للمحاباة لان المحاباة بالنصف مثلا هبة للنصف وهذا لا يصح لانه لو كان بمنزلة هبة النصف ما كان للشفيع الاجنبي أخذ الكل لان الموهوب لا شفعة فيه (الخامس) ان البيع يبطل في قدر المحاباة وهو فاسد لانها محاباة لاجنبي بما دون الثلث فلا يبطل كما لو لم يكن الشقص مشفوعا (فصل) ويملك الشفيع الشقص بأخذه وبكل لفظ يدل على أخذه بأن يقول قد أخذته بالثمن أو تملكته بالثمن ونحو ذلك إذ كان الشقص والثمن معلومين ولا يفتقر إلى حكم حاكم وبهذا قال الشافعي، وقال القاضي وأبو الخطاب يملكه بالمطالبة لان البيع السابق سبب فإذا انضمت إليه المطالبة كان كالايجاب في البيع إذا نضم إليه القبول، وقال أبو حنيفة لا يحصل الا بحكم حاكم لانه نقل للملك عن مالكه إلى غيره قهرا فاقتقر إلى حكم حاكم كأخذ دينه ولنا أنه حق ثبت بالنص والاجماع فلم يفتقر إلى حكم حاكم كالرد بالعيب وبهذا ينتقض ما ذكروه ويأخذ الزوج نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول ولانه مال يتملكه قهرا فملكه بالاخذ كالغنائم والمباحات، ومكله باللفظ الدال على الاخذ لانه بيع في الحقيقة لكن الشفيع يستقل به فاستقل باللفظ الدال عليه، وقولهم يملك المطالبة بمجردها لا يصح لانه لو ملك بها لما سقطت الشفعة بالعفو بعد

[ 539 ]

المطالبة ولوجب إذا كان له شفيعان فطلبا الشفعة ثم ترك أحدهما أن يكون للآخر أخذ قدر نصيبه ولا يملك أخذ نصيب صاحبه. إذ ثبت هذا فانه إذا قال قد أخذت الشقص بالثمن الذي ثم عليه العقد وهو عالم بقدره وبالمبيع صح الاخذ وملك الشقص ولا خيار له ولا للمشتري لان الشقص يؤخذ قهرا والمقهور لا خيارن له والآخذ قهرا لا خيار له أيضا كمسترجع المبيع لعيب في ثمنه أو الثمن لعيب في الميبع وان كان الثمن مجهولا أو الشقص لم يملكه بذلك لانه بيع في الحقيقة فيعتبر العلم بالعوض كسائر البيوع وله المطالبة بالشفعة ثم يتعرف مقدار الثمن من المشتري أو من غيره والمبيع فيأخذه بثمنه ويحتمل أن له الاخذ مع جهالة الشقص بناء على بيع الغائب (مسألة) (وان أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري فهل تجب الشفعة؟ على وجهين (أحدهما) تجب الشفعة وهو قول أبي حنيفة والمزني (والثاني) لا تجب ونصره الشريف أبو جعفر في مسائله وهو قول مالك وابن شريح لان الشفعة فرع للبيع ولم يثبت فلا يثبت فرعه ولان الشفيع إنما يأخذ الشقص من المشتري وإذا أنكر البيع لم يمكن الاخذ منه، ووجه الاول أن البائع أقر بحقين حق للشفيع وحق للمشتري فإذا سقط حق المشتري بانكاره ثبت حق الشفيع كما لو أقر بدار لرجلين فأنكر أحدهما ولانه أقر للشفيع أنه مستحق لاخذ هذه الدار والشفيع يدعي ذلك فوجب قبوله كما لو أقر أنها ملكه، فعلى هذا يقبض الشفيع من البائع ويسلم إليه الثمن ويكون درك الشفيع على البائع لان القبض منه ولم يثبت

[ 540 ]

الشراء في حق المشتري وليس للشفيع ولا للبائع محاكمة المشتري ليثبت البيع في حقه وتكون العهدة عليه لان مقصود البائع الثمن وقد حصل من الشفيع ومقصود الشفيع أخذ الشقص وضمان العهدة وقد حصل من البائع فلا فائدة في المحاكمة، فان قيل أليس لو ادعى على رجل دينا فقال آخر أنا أدفع اليك الدين الذي تدعيه ولا تخاصمه لا يلزمه قبوله فهلا قلتم ههنا كذلك؟ قلنا في الدين عليه منة في قبوله من غير غريمه وههنا بخلافه، ولان البائع يدعي أن الثمن الذى يدفعه الشفيع حق للمشتري عوضا عن هذا البيع فصار كالنائب عن المشتري في دفع الثمن، والبائع كالنائب عنه في دفع الشقص بخلاف الدين فلن كان البائع مقرار بقبض الثمن من المشتري بقي الثمن الذي على الشفيع لا يدعيه أحد لان البائع يقول هو للمشترى والمشتري يقول لا أستحقه ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن يقال للمشترى اما أن تقبضه وإما أن تبرئ منه (والثاني) يأخذه الحاكم عنده (والثالث) يبقى في ذمة الشفيع وفي جميع ذلك متى ادعاه البائع أو المشترى دفع إليه لانه لاحدهما، وإن تداعياء جميعا فأقر المشتري بالبيع وأنكر البائع أنه ما قبض منه شيئا فهو للمشتري لان البائع قد أقر له به ولان البائع إذ أنكر القبض لم يكن مدعيا لهذا الثمن لان البائع لا يستحق على الشفيع ثمنا انما يستحقه على المشتري وقد أقر بالقبض منه وأما المشتري فانه يدعيه وقد أقر له باستحقاقه فوجب دفع إليه (مسألة) (وعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشترى على البائع)

[ 541 ]

إذا أخذ الشفيع الشقص فظهر مستحقا فرجوعه بالثمن على المشتري ويرجع المشتري على البائع وان وجده معيبا فله رده على المشترى أو أخذ ارشه منه والمشترى يرد على البائع أو بأخذ الارش منه سواء قبض الشقص من المشتري أو من البائع وبه قال الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وتبقى عهدة الشفيع على البائع لان الحق ثبت له بايجاب البائع فكان رجوعه عليه كالمشتري، وقال أبو حنيفة ان أخذ، من المشتري فالعهدة عليه وان أخذه من البائع فالعهدة عليه لان الشفيع إذا أخذه من البائع تعذر قبض المشتري فينفسخ البيع بين البائع والمشتري فكأن الشفيع أخذه من البائع مالكا من جهته فكانت عهدته عليه ولنا أن الشفعة مستحقة بعد الشراء وحصول الملك للمشتري ثم يزول الملك من المشتري إلى الشقص بالثمن فكانت العدة عليه كما لو أخذه منه ببيع ولانه ملكه من جهة المشتري بالثمن فملك رده عليه بالعيب كالمشتري في البيع الاول، وقياسه على المشتري في جعل عهدته على البائع لا يصح لان المشترى ملكه من البائع بخلاف الشفيع، وأما إذا أخذه من البائع فالبائع نائب عن المشتري في التسليم المستحق عليه ولو انفسخ العقد بين المشتري والبائع بطلت الشفعة لانها استحقت به (فصل) وحكم الشفيع في الرد بالعيب حكم المشتري من المشتري فان علم المشتري بالعيب ولم يعلم الشفى فللشفيع رده على المشتري أو أخذ ارشه منه وليس للمشترى شئ ويحتمل أن لا يملك الشفيع

[ 542 ]

أخذ الارش لان الشفيع يأخذ بالثمن الذي استقر عليه العقد فإذا أخذ الارش فما أخذه بالثمن الذى استقر على المشترى وان علم الشفيع وحده فليس لواحد منهما رد ولا أرش لان الشفيع أخذه عالما بعيبه فلم يثبت له رد ولا ارش كالمشترى إذا علم العيب والمشتري قد استغنى عن الرد لزوال ملكه عن المبيع وحصول الثمن له من الشفيع ولم يملك الارش لانه استدرك ظلامته ورجع إليه جميع الثمن فأشبه ما لورده على البائع ويحتمل أن يملك أخذ الارش لانه بدل عن الجزء الفائت من المبيع فلم يسقط بزوال ملكه عن المبيع كما لو اشترى قفيزين فتلف أحدهما وأخذ الآخر فعلى هذا ما يأخذه من الارش يسقط عن الشفيع من الثمن بقدره لان الشقص يجب عليه بالثمن الذي استقر عليه العقد فأشبه مالو اخذ الارش قبل اخذ الشفيع منه وان علما جميعا فليس لواحد منهما رد ولارش لان كل واحد منهما دخل على بصيرة ورضي ببذل الثمن فيه بهذه الصفة، وان لم يعلما فللشفيع رده على المشتري وللمشتري رده على البائع فان لم يرلد الشفيع فلا رد للمشتري لما ذكرنا اولا، وان اخذ الشفيع أرشه من المشتري فللمشترى أخذه من البائع وان لم يأخذ منه فلا شئ للمشتري ويحتمل أن يملك أخذه على الوجه الذي ذكرناه فاذا أخذه فان كان الشفيع لم يسقطه عن المشترى سقط عنه من الثمن بقدره لانه الثمن الذي استقر عليه البيع وسكوته لا يسقط حقه، وان أسقطه عن المشتري نوفر عليه كما لو زاده على الثمن باختياره، فأما ان اشتراه بالبراءة من كل عيب فالصحيح في المذهب أنه لا يبرأ وحكمه حكم مالو لم يشترط وفيه رواية

[ 543 ]

أخرى أنه يبرأ الا أن يكون البائع علم بالعيب فدلسه واشترط البراءة، فعلى هذه الرواية ان علم الشفيع باشتراط البراءة فحكمه حكم المشتري لانه دخل على شرائه فصار كمشتريين اشترطا البراءه وان لم يعلم ذلك فحكمه حكم مالو علمه المشتري دون الشفيع (مسألة) (وان أبى المشتري قبض المبيع أجبره الحاكم عليه ثم يأخذه الشفيع منه قاله القاضي قال وليس له أخذه من البائع وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان الشفيع يشترى الشقص من المشتري فلا يأخذه من غيره، وبنوا ذلك علي أن البيع لا يتم الا بالقبض فإذا فات القبض بطل العقد وسقطت الشفعة وقال أبو الخطاب قياس المذهب أن يأخذه الشفيع من يد البائع ويكون كاخذه من المشتري وهو قول أبي حنيفة لان العقد يلزم في بيع العقار قبل قبضه ويدخل المبيع في ملك المشتري وضمانه ويجوز له التصرف فيه بنفس العقد فصار كما لو قبضه المشتري والله أعلم (مسألة) (ولو ورث اثنان شقصا عن أبيهما فباع أحدهما نعيبه فالشفعة بين أخيه وشريك أبيه) وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد وقال في القديم الاخ أحق بالشفعة وبه قال مالك لان أخاه أخص بشركته من شريك أبيه لاشتراكهما في سبب المالك ولنا أنهما شريكان حال ثبوت الشفعة فكانت بينهما كما لو ملكوا كلهم بسبب واحد ولان الشفعة ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسنبب شركته وهو موجود في حق الكل وما ذكروه لاأصل

[ 544 ]

له ولم يثبت اعتبار الشرع له في موضع والاعتبار بالشركة لا بسببها وهكذا لو اشترى رجل نصف دار ثم اشترى اثنان نصفها الآخر أو ورثاه أو اتهباه أو وصل اليهما بسبب من أسباب الملك فباع أحدهما نصيبه، أو ورث ثلاثة دارا فباع أحدهم نصيبه من اثنين ثم باع أحد الشريكين نصيبه فالشفعة بين جميع الشركاء وكذلك لو مات رجل وخلف ابنين وأختين فباعت أحدى البنتين نصيبها أو احدى الاختين فالشفعة بين جميع الشركاء، ولو مات رجل وترك ثلاث بنين وأرضا فمات أحدهم عن ابنين فباع أحد العمين نصيبه فالشفعة بنى أخيه وابي أخيه، ولو خلف ابنين أو وصى بثلثه لا ثنين فباع أحد الشريكين الوصيين أو أحد الابنين فالشفعة بين شركائه كلهم ولمخالفينا في هذه المسائل اختلاف يطول ذكره (مسألة) (ولا شفعة لكافر على مسلم) روي ذلك عن الحسن والشعبي ويقال الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وجماعة من أهل العلم تجب له الشفعة لعموم قوله عليه السلام (لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه وان باع ولم يؤذنه فهو أحق به) ولانه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب ولنا ما ورى الدار قطني في كتاب العلل باسناده عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا شفعة لنصراني) وهذا يخص عموم ما احتجوا به ولانه معنى يختص العقار فأشبه الاستعلاء في البنيان يحققه أن الشفعة انما تثبت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه وقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري ولا يلزم من تقديم دفع ضرر

[ 545 ]

المسلم على المسلم تقديم دفع اضرر الذمي فان حق المسلم أرجح ورعايته أولى ولان ثبوت الشفعة في محل الاجماع على خلاف الاصل رعاية لحق الشريك المسلم وليس الذمي في معني المسلم فيبقى فيه على مقتضى الاصل وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي لعموم الادلة ولانها إذا تثبت للمسلم على المسلم مع عظم حرمته فلان تثبت على الذمي مع دناءته أولى (فصل) وتثبت للذمي على الذمي لعموم الاخبار ولانهما تساويا في الدين فتثبت لاحدهما على الاخر كالمسلمين ولا نعلم في هذا خلافا نبايعوا بخمر أو خنزير وأخذ الشفيع بذلك لم ينقض ما فعلوه، وان جرى التقابض بين المتبايعين دون الشفيع وترافعوا الينا لم نحكم له بالشفعة وبه قال الشافعي وقال أبو الخطاب ان تبايعوا بخمر وقلنا هي مال لهم حكمنا لهلهم بالشفعة وقال أبو حنيفة تثبت الشفعة إذا كان الثمن خمرا لانها مال لهم فاشبه مالو تبايعوا بدراهم لكن ان كان الشفيع ذميا أخذه بمثله وان كان مسلما أخذه بقيمة الخمر ولنا أنه عقد بخمر فلم تثبت فيه الشفعة كما لو كان بين مسلمين ولانه عقد بثمن محرم أشبه البيع بالخنزير والميتة، ولا نسلم أن الخمر مال لهم فان الله تعالى حرمه كما حرم الخنزير واعتقادهم حله لا يجعله مالا كالخنزير، وانما لم ينتقض عقد هم إذا تقابضوا لاننا لا نتعرض لما فعواه مما يعتقدونه في دينهم ما لم يتحاكموا الينا قبل تمامه ولو تحاكموا الينا قبل التقابض لفسخناه. فاما أهل البدع فتثبت الشفعة لمن حكمنا باسلامه منهم كالفاسق بالافعال لعموم الادلة التى ذكرناها، وروى حرب عن أحمد انه سئل عن أصحاب البدع هل لهم شفعة؟ وذكر

[ 546 ]

له عن ابن ادريس انه قال ليس للرافضة شفعة فضحك، وقال أراد أن يخرجهم من الاسلام فظاهر هذا انه أثبت لهم الشفعة، وهذا محمول على غير الغلاة منهم فأما الغلاة كالعتقد ان جبريل غلط في الرسالة فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أرسل إلى على ونحوه ومن حكم بكفره من الدعاة إلى القول بخلق القرآن فلا شفعة له لان الشفعة إذا لم تثبت للذمي الذي يقر على كفره فغيره أولى (فصل) وتثبت الشفعة للبدوي على القروي وللقروي على البدوي في قول أكثر أهل العلم، وقال الشعبي والبتي لا شفعة لمن لم يسكن المصر وعموم الادلة واشتراكها في المعنى المقتضي لوجوب الشفعة يدل على ثبوتها لهم (فصل) قال احمد في رواية حنبل لا نرى في أرض السواد شفعة لان عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين فلا يجوز بيعها والشفعة إنما تكون في البيع وكذلك الحكم في سائر الارض التي وقفها عمر وهي التي فتحت عنوة في زمنه ولم يقسمها كأرض الشام ومصر وكذلك كل أرض فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين الا أن يحكم ببيعها حاكم أو يفعله الامام أو نائبه فان فعل ذلك ثبتت فيه الشفعة لانه فصل مختلف فيه ومتى حكم الحاكم في المختلف فيه بشئ نفذ حكمه (مسألة) (وهل تجب الشفعة للمضارب على رب المال ولرب المال على المضارب فيما يشتريه من مال المضاربة؟ على وجهين)

[ 547 ]

إذا بيع شقص في شركة مال المضاربة فللعامل الاخذ بها إذا كان الحظ فيها، فان تركها فلرب المال الاخذ لان مال المضاربة ملكه ولا ينفذ عفو العامل لان الملك لغيره فلم ينفذ عفوه كالمأذون له، فان اشترى المضارب بمال المضاربة شقصا في شركة رب المال فهل لرب المال فيه شفعة؟ على وجهين مبنيين على شراء رب المال من مال المضاربة وقد ذكرناهما، وإن كان المضارب شفيعه ولا ربح في المال فله الاخذ بها لان الملك لغيره، وان كان فيه ربح وقلنا لا يملك بالظهور فكذلك، وان قلنا يملك بالظهور ففيه وجهان كرب المال ومذهب الشافعي في هذا كله على ما ذكرنا، فان باع المضارب شقصا في شركته لم يكن له أخذه بالشفعة لانه متهم فاشبه شراءه من نفسه (فصل) إذا كانت دار بين ثلاثة فقارض واحد منهم أحد شريكيه بالف فاشترى به نصف نصيب الثالث لم تثبت فيه شفعة في أحد الوجهين لان أحد الشريكين رب المال والآخر العامل فهما كالشريكين في المتاع فلا يستحق أحدهما على الآخر شفعة، وان باع الثالث باقي نصيبه لا جنبي كانت الشفعة مستحقة يبنهم أخماسا لرب المال خمساها وللعامل مثله ولرب المضاربة خمسها بالسدس الذي له فيجعل مال المضاربة كشريك آخر لان حكمه متميز عن مال كل واحد منهما (فصل) فان كانت الدار بين ثلاثة أثلاثا فاشترى أجنبي نصيب أحدهم فطالبه أحد الشريكين بالشفعة فقال انما اشتريته لشريكك لم تؤثر هذه الدعوى في قدر ما يستحق من الشفعة فان الشفعة بين

[ 548 ]

الشريكين نصفين سواء اشتراها الاجنبي لنفسه أو للشريك الآخر، وان ترك المطالب بالشفعة حقه منها بناء على هذا القول ثم تبين كذبه فلم تسقط شفعته، وان أخذ نصف المبيع كذلك ثم تبين كذب المشتري وعفا الشريك عن شفعته فله أخذ نصيبه من الشفعة لان اقتصاره على أخذ النصف انبنى على خبر المشتري فلم يؤثر في إسقاط الشفعة واستحق أخذ الباقي لعفو شريكه عنه، وان امتنع من أخذ الباقي سقطت شفعته كلهما لانه لا يملك تبعيض صفقة المشتري ويحتمل أن لا يسقط حقه من النصف الذي أخذه ولا يبطل أخذه له لان المشتري أقر بما تضمن استحقاقه لذلك فلا يبطل برجوعه عن اقراره، وان أنكر الشريك كون الشراء له وعفا عن شفعته وأصر المشتري على الاقرار للشريك به فللشفيع أخذ اكل لانه لا منازع له في استحقاقه وله الاقتصار علين النصف لاقرار المشتري له باستحقاق ذلك (فصل) فان قال أحد الشريكين للمشتري شراؤك باطل وقال الآخر هو صحيح فالشفعة كلها للمعترف بالصحة، وكذلك ان قال ما اشتريته إنما اتهبته وصدقه الآخران اشتراه فالشفعة لمصدق بالشراء لان شريكه مسقط لحقه باعترافه أنه لا بيع أو لا بيع صحيح، ولو احتال المشتري على اسقاط الشفعة بحيلة لا نسقطها فقال أحد الشفيعين قد سقطت الشفعة توفرت على الآخر لاعتراف صاحبه بسقوطها، ولو توكل أحد التفيعين في البيع أو الشراء أو ضمن عهدة المبيع أو عفا عن الشفعة قبل

[ 549 ]

البيع وقال لاشفعة لي لذلك توفرت على الآخر، وان اعتقد ان له شفعة وطالب بها فارتفعا إلى حاكم فحكم بأنه لاشفعة له توفرت على الآخر لانها سقطت بحكم الحاكم فأشبه مالو سقطت باسقاط المستحق (فصل) إذا ادعى رجل على آخر ثلث دار فانكره ثم صالحه عن دعواه بثلث دار أخرى صح ووجبت الشفعة في الثلث المصالح به لان المدعي يزعم أنه محق في دعواه وان ما أخذه عوض عن الثلث الذى ادعاه فلزمه حكم دعواه ووجبت الشفعة، ولا شفعة على المنكر في الثلث المصالح عنه لانه يزعم انه على ملكه لم يزل وانما دفع ثلث داره إلى المدعي اكتفاء لشرء ودفعا لضرر الخصومة واليمين عن نفسه فلم تلزمه فيه شفعة، وإن قال المنكر للمدعي خذ الثلث الذى تدعيه بثلث دارك ففعل فلا شفعة على المدعي فيما أخذه وعلى المنكر الشفعة في الثلث الذى يأخذه لانه يزعم انه أخذه عوضا عن ملكه الثابت له وقال أصحاب الشافعي تجب الشفعة في الثلث الذى أخذه المدعي أيضا لانها معاوضة من الجانبين بشقصين فوجبت الشفعة فيهما كما لو كانت بين مقرين ولنا ان المدعي يزعم ان ما أخذه كان ملكا له قبل الصلح ولم يتجدد له عليه ملك وانما استنقذه بصلحه فلم تجب فيه شفعة كما لو أقر له به (فصل) إذا كانت دار بين ثلاثة اثلاثا فاشترى أحدهم نصيب أحد شريكيه ثم باعه لاجنبي ثم علم شريكه فله أن يأخذ بالعقدين وله الاخذ بأحدهما لانه شريك فيهما فان أخذ بالعقد الثاني أخذ جميع ما في يد مشتريه لانه لا شريك له في شفعته وان أخذ العقد الاول ولم يأخذ بالثاني أخذ نصف المبيع

[ 550 ]

وهو السدس لان المشتري شريكه في شفعته، ويأخذ نصفه من المشتري الاول ونصفه من المشتري الثاني لان شريكه لما اشترى الثلث كان بينهما نصفين لكل واحد منهما السدس فإذا باع الثلث من جميع ما في يده وفي يده ثلثان فقد باع نصف ما في يده والشفيع يستحق ربع ما في يده وهو السدس فصار منقسما في يديهما نصفين فيأخذ من كل واحد منهما نصفه وهو نصف السدس ويدفع ثمنه إلى الاول ويرجع المشتري الثاني على الاول بربع الثمن الذي اشترى به وتكون المسألة من اثنى عشرثم ترجع إلى أربعة للشفيع نصف الدار ولكل واحد من الاخرين الربع، وان أخذ بالعقدين أخذ جميع ما في يد الثاني وربع ما في يد الاول فصار له ثلاثة أرباع الدار ولشريكه الربع ويدفع إلى الاول نصف الثمن الاول ويدفع إلى الثاني ثلاثة أربع الثمن الثاني ويرجع الثاني على الاول بربع الثمن الثاني لانه يأخذ الثمن الاول ويدفع إلى الثاني ثلاثة أرباع الثمن الثاني ويرجع الثاني على الاول بربع الثمن الثاني لانه يأخذ نصف ما اشتراه الاول وهو اسدس فيدفع إليه نصف الثمن لذلك، وقد صار نصف هذا النصف في يد الثاني وهو ربع ما في يده فيأخذه منه ويرجع الثاني على الاول بثمنه وبقي المأخوذ من الثاني ثلاثة أرباع ما اشتراه فأخذها منه ودفع إليه ثلاثة أرباع الثمن، وان كان المشتري الثاني هو البائع الاول فالحكم على ما ذكرنالا يختلف، وان كانت الدار بين الثلاثة أرباعا لاحدهم نصفها وللآخرين نصفها بينهما فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه ثم باع ربعا مما في يده لا جنبي ثم علم شريكه فأخذ بالبيع الثاني أخذ جميعه ودفع إلى المشتري ثمنه وان أخذ بالبيع الاول وحده أخذ ثلث المبيع وهو

[ 551 ]

نصف سدس لان المبيع كله ربغ فثلثه نصف سدس ويأخذ ثلثيه من المشتري الاول وثلثه من الثاني ومخرج ذلك من ستة ثلاثين النصف ثمانية عشر ولكل واحد منهما تسعة فلما اشترى صاحب النصف تسعة كانت شفعتها بينة وبين شريكه الذي لم يبع أثلاثا لشريكه ثلثها ثلاثة، فلما باع صاحب النصف ثلث ما في يده حصل في المبيع من الثلاثة ثلثها وهو سهم بقي في يد البائع منها سهمان فيرد الثلاثة إلى الشريك يصير في يده اثنا عشروهي الثلث ويبقى في يد المشترى الثاني ثمانية وهي تسعان وفي يد صاحب النصف ستة عشر وهي أربعة أتساع ويدفع الشريك الثمن إلى المشترى الاول ويرجع المشترى الثاني عليه بتسع الثمن الذى اشترى به لانه قد أخذ منه تسع مبيعه، وان أخذ بالعقدين أخذ من من الثاني جميع ما في يده وأخذ من الاول نصف التسع وهي سهمان من ستة وثلاثين فيصير في يده عشرون سهماو هي خمسة أتساع ويبقى في يد الاول ستة عشر سهما وهي أربعة أتساع ويدفع إليه ثلث الثمن الاول ويدفع إلى الثاني ثمانية أتساع الثمن الثاني ويرجع الثاني على الاول بتسع الثمن الثاني (فصل) إذا كانت دار بين ثلاثة لزيد نصفها ولعمر وثلثها ولكبر سدسها فاشترى بكر من زيد ثلث الدار ثم باع عمرا سدسها ولم يعلم عمرو بشرائه للثلث ثم علم فله المطالبة بحقه من شفعة الثلث وهو ثلثاه وهو تسعا الدار فيأخذ من بكر ثلثي ذلك وقد حصل ثلثه الباقي في يده بشرائه للسدس فيفسخ بيعه في ويأخذه بشفعة البيع الاول ويبققى من بيعه خمسة أتساعه لزيد ثلث شفعته فتقسم بينهما أثلاثا وتصح المسألة من مائة واثنبين وستين سهما الثلث المبيع أربعة وخسمون لعمرو ثلثاها بشفعته ستة وثلاثون سهما يأخذ ثلثها من بكر وهي أربعة وعشرون سهما وثلثها في يده اثنا عشر سهما والسدس الذى

[ 552 ]

اشتراه سبعة وعشرون سهما قد أخذ منها اثنا عشر بالشفعة بقي منها خمسة عشر له ثلثاها عشرة ويأخذ منها زيد خمسة فحصل لزيد اثنان وثلاثون سهما ولكبر ثلاثون سهما ولعمرو مائة سهم وذلك نصف الدار وتسعها ونصف تسع تسعها، ويدفع بكر إلى عمر وثلثي الثمن في البيع الاول وعلى زيد خمسة أتساع الثمن الثاني بينهما أثلاثا، فان عفا عمرو عن شفعة الثلث فشفعة السدس الذي اشتراه بينه وبين زيد أثلاثا، ويحصل لعمرو اربعة أتساع الدار ولزيد تسعاها ولبكر ثلثها وتصح من تسعة، وان باع بكر السدس لاجنبي فهو كبيعه إياه لعمرو الا أن لعمرو العفو عن شفعته في السدس بخلاف ما إذا كان هو المشتري فانه لا يصح عفو عن نصيبه منها، وان باع بكر الثلث لاجنبي فلعمرو ثلثا شفعة المبيع الاول وهو التسعان يأخذ ثلثهما من بكر وثلثيهما من المشتري الثاني وذلك تسع وثلث تسع يبقى في يد الثاني سدس وسدس تسع وهو عشرة من أربعة وخمسين بين عمرو وزيد اثلاثا، وتصح أيضا من مائة واثنين وستين ويدفع عمرو إلى بكر ثلثي ثمن مبيعه ويدفع هو وز يد إلى المشتري الثاني ثمن خمسة أتساع مبيعه بينهما أثلاثا، ويرجع المشتري الثاني على بكر بثمن أربعة أتساع مبيعه، وان لم يعلم عمرو حتى باع مما في يديه سدسا لم تبطل شفعته في أحد الوجوه وله أن يأخذ بها كما لو لم يبع شيئا (والثاني) تبطل شفعته كلها (والثالث) تبطل في قدر ما باع وتبقى فيما لم يبع وقد ذكرنا توجيه هذه، والوجوه فاما

[ 553 ]

شفعة ما باعه ففيها ثلاثة أوجه (أحدها) أنها بين المشترى الثاني وزيد وبكر ارباعا للمشترى نصفها ولكل واحد منهم ربعها على قدر املاكهم حين بيعه (والثاني) أنها بين زيد وبكر على أربعة عشر سهما زيد تسعة ولبكر خمسة لان لزيد السدس ولبكر سدس يستحق منه أربعة أتساعه بالشفعة فيبقى معه خمسة أتساع السدس ملكه مستقر عليها فأضفناها إلى سدس زيد وقسمنا الشفعة على ذلك ولم نعط المشتري الثاني ولا بكرا بالسهام المستحقة بالشفعة شيئا لان الملك عليها غير مستقر (والثالث) ان عفا لهم عن التفعة استحقوا بها وان أخذت بالشفعة لم يستحقوا بها شيئا وان عفا عن بعضهم دون بعض استحق المعفو عنه، بسهامه دون غير المعفو عنه وما بطلت الشفعة فيه ببيع عمرو فهو بمنزلة المعفو عنه فيخرج في قدره وجهان، ولو استقصينا فروع هذه المسألة على سبيل البسط لطال وخرج إلى الاملال (فصل) إذا كانت دار بين أربعة أرباعا فاشترى اثنان منهم نصيب أحدهم استحق الرابع الشفعة عليهما واستحق كل واحد من المشتريين الشفعة على صاحبه فان طالب كل واحد منهم بشفعته قسم المبيع بينهم أثلاثا وصارت الدار ببنهم كذلك، وان عفا الرابع وحده قسم المبيع بين المشتريين نصفين وكذلك ان عفا الجميع عن شفعتهم فيصير لهما ثلاثة أرباع الدار وللرابع الربع بحاله وان طالب الرابع وحده أخذ منهما نصف المبيع لان كل واحد منهما له من الملك مثل ما للمطالب فشفعة مبيعه بينه وبين شفعيه نصفين فيحصل للرابع ثلاثة أثمان الدار وباقيها بينهما نصفين، وتصح من ستة عشر، وان طالب الرابع وحده أحدهما دون الاخر قاسمه الثمن نصفين فيحصل للمعفو عنه ثلاثة أثمان والباقي بين الرابع والاخر نصفين وتصح من ستة عشر، وان عفا أحد المشترين ولم يعف الاخر ولا الرابع قسم مبيع المعفو عنه بينه وبين الرابع نصفين ومبيع الاخر بينهم أثلاثا فيحصل للذي لم يعف عنه ربع

[ 554 ]

وثلث ثمن وذلك سدس وثمن والباقي بين الآخرين نصفين وتصح من ثمانية وأربعين، وان عفا الرابع عن أحدهما ولم يعف أحدهما عن صاحبه أخذ ممن لم يعف عنه ثلث الثمن والباقي بينهما نصفين ويكون الرابع كالعافي في التى قبلها وتصح أيضا من ثمانية وأربعين، وان عفا الرابع وأحدهما عن الآخر ولم يعف الآخر فلغير العافي ربع وسدس والباقي بين العافيين نصفين لكل واحد منهما سدس وثمن وتصح من أربعة وعشرين وما يفرع من المسائل فهو على مساق ما ذكرناه باب المساقاة وهي أن يدفع إنسان شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه يجزء معلوم له من الثمرة، وسميت مساقاة لانها مفاعلة من السقي لان أهل الحجاز أكثر حاجتهم إلى السقي لكونهما يسقون من الآبار، فسميت بذلك والاصل في جوازها السنة والاجماع أما السنة فما روى عبد الله بن عمر قال عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع متفق عليه، وأما الاجماع فقال أبو جعفر علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن آبائه عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر ثم عمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع وهذا عمل به الخلفاء الراشدون مدة خلافتهم واشتهر ذلك ولم ينكره منكر فكان إجماعا

[ 555 ]

(مسألة) (تجوز المساقاة في ثمر النخل وفي كل شجر له ثمر مأكول ببعض ثمرته) هذا قول الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب وسالم ومالك والثوري والاوزاعي وأبو يوسف ومحمد واسحاق وأبو ثور، وقال داود لا تجوز إلا في تمر النخل لان الخبر إنما ورد بها فيه، وقال الشافعي لا تجوز إلا في النخل والكرم لان الزكاة تجب في ثمرتهما، وفي سائر الشجر قولان (أحدهما) لا تجوز فيه لان الزكاة لا تجب في نمائها فأشبه مالا ثمرة له، وقال أبو حنيفة، وزفر لا تجوز بحال لانها إجارة بثمرة لم تخلق أو إجارة بثمرة مجهولة أشبه إجارته بثمرة غير الشجر الذي يسقيه ولنا ما ذكرنا من الحديث والاجماع ولا يجوز التعويل على ما خالفهما فان قيل راوي حديث خيبر ابن عمر وقد رجع عنه فقال. كنا نخابر اربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن المخابرة ولا ينعقد الاجماع مع مخالفته، ويدل على نسخ حديث ابن عمر أيضا رجوعه عن العمل به إلى حديث رافع، قلنا لا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الاجماع ولا حديث ابن عمر لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يعامل أهل خيبر حتى مات ثم عمل به الخلفاء بعده ثم من بعدهم فكيف يتصور نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ ثم يخالفه؟ أم كيف يعمل ذلك في عصر الخلفاء ولم يخبرهم من سمع النهي وهو حاضر معهم وعالم يفعلهم؟ فلو صح خبر رافع لوجب حمله على ما يوافق السنة والاجماع، على أنه قد روى في تفسير خبر

[ 556 ]

رافع عنه ما يدل على صحة قولنا فروى البخاري باسناده عنه قال كنا نكري الارض بالناحية منها تسمى لسيد الارض فربما يصاب ذلك وتسلم الارض وربما تصاب الارض ويسلم ذلك فنهينا فاما الذهب والورق فلم يكن يومئذ، وروي تفسيره أيضا بشئ غير هذا من أنواع الفساد وهو مضطرب جدا، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن حديث رافع نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزارعة فقال رافع يروى عنه في هذا ضروب وكأنه يريد أن اختلاف الرويات عنه يوهن حديثه، وقال طاوس ان أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني ان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه ولكن قال (لان يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليها خراجا معلوما) رواه البخاري ومسلم وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع، عليه فكيف يجوز نسخ أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات وهو يفعله ثم أجمع عليه خلفاؤه وأصحابه بعده؟ ولا يجوز العمل به ولو لم يخالفه غيره ورجوع ابن عمر إليه يحتمل أنه رجع عن شئ من المعاملات الفاسدة التي فسرها رافع في حديثه، وأما غير ابن عمر فقد أنكر على رافع ولم يقبل حديثه وحمله على أنه غلط في روايته، والمعنى يدل على ذلك فان كثيرا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر ففي تجويز المساقاة دفع الحاجتين وتحصيل لمصلحة الفئين

[ 557 ]

فجاز كالمصاربة بالاثمان، فاما قياسهم فيبطل بالمضاربة فانه يعمل في المال بنمائه وهو معدوم مجهول وقد جاز بالاجماع وهذا في معناه، ثم إن الشارع قد جوز العقد في الاجارة على المنافع المعدومة للحاجة فلم لا يجوز على الثمرة المعدومة للحاجة؟ مع أن القياس إنما يكون في إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه أو الجمع عليه، فاما في إبطال نص وخرق إجماع بقياس نص آخر فلا سبيل إليه، وأما تخصيص ذلك بالنخل أو به وبالكرم فيخالف عموم قوله عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر وهذا عام في كل ثمر ولا تكاد بلد ذات اشجار تخلو من شجر غير النخل وقد جاء في لفظ بعض الاخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر رواه الدار قطني ولانه شجر يثمر كل حول فأشبه النخل والكرم ولان الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه كالنخل وأكثر لكثرته فأشبه النخل ووجوب الزكاة ليس من العلة المجوزة للمساقاه ولا أثر فيها وإنما العلة ما ذكرناه (فصل) فأما مالا ثمر له كالصفصاف والجوز أو له ثمر غير مقصود كالصنوبر والارز فلاتجوز المساقاة عليه وبه قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لانه غير منصوص عليه ولا في معنى المنصوص ولان المساقاة إنما تجوز بجزء من الثمرة وهذا لا ثمرة له إلا ان يكون مما يقصد ورقه أو زهره كالتوت

[ 558 ]

والورد فالقياس يقتضي جواز المساقاة عليه لانه في معنى الثمر لكونه مما يتكرر كل عام ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه فيثبت له حكمه (مسألة) (وتصح بلفظ المساقاة) لانه موضوعها حقيقة وبلفظ المعاملة لقوله في الحديث عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها، وتصح بكل ما يؤدي معناها من الالفاظ نحو فالحتك واعمل في بستاني هذا حتى تكمل ثمرته وما أشبهه لان القصد المعني فإذا أتى بأي لفظ دل عليه صح كالبيع (مسألة) (وتصح بلفظ الاجارة في أحد الوجهين) لانه مؤد للمعنى فصح به العقد كسائر الالفاظ المتفق عليها والثاني لا تصح وهو اختيار أبي الخطاب لان الاجارة يشترط لها كون العوض معلوما وتكون لازمة والمساقاة بخلافه والاول أقيس لما ذكرنا (مسألة) (وقد نص أحمد في رواية جماعة فيمن قال أجرتك هذه الارض بثلث مايخرج منها أنه يصح وهذه مزارعة بلفظ الاجارة ذكره أبو الخطاب) فمعنى قوله أجرتك هذه الارض بثلث أي زارعتك عليها بثلث عبر عن المزاعة بالاجارة على سبيل المجاز كما يعبر عن الشجاع بالاسد، فعلى هذا يكون نهيه عليه السلام عنها بثلث أو ربع إنما ينصرف إلى الاجارة الحقيقة لاعن المزارعة وقال أكثر أصحابنا هي إجارة لانها مذكورة بلفظها فتكون إجارة حقيقة وتصح بعض الخارج من الارض كما تصح بالدراهم قال شيخنا والاول أقيس وأصح لما سبق

[ 559 ]

(مسألة) (وهل تصح على ثمرة موجودة، على روايتين (احداهما تجوز اختارها أبو بكر وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور وأحد قولي الشافعي لانها إذا جازت مع كثرة الغرر فيها فمع وجودها وقلة الغرر فيها أولى وإنما تصح إذا بقي من العمل ما تزيد به الثمرة كالتأبير والسقي واصلاح الثمرة فان ببقي مالا تزيد به الثمرة كالجذاذ ونحوه لم يجز بغير خلاف (والثانية) لا يجوز وهو القول الثاني للشافعي لانه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص فان النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من زرع أو ثمر، ولان هذا يفضي إلى أن يستحق بالعقد عوضا موجودا ينتقل الملك فيه عن رب المال إلى المساقي فلم يصح كما لو بدا صلاح الثمرة ولانه عقد على العمل في المال ببعض نمائه فلم يجز بعد ظهور النماء كالمضاربة ولان هذا يجعل اجارة بمعلوم ومجهول فلم يصح كما لو استأجره على العمل بذلك، وقولهم إنهما أقل غررا قلنا قلة الغرر ليس من المقتضي للجواز ولا كثرته الموجودة في محل النص مانعة منه فلا تؤثر قلته شيئا، والشرع ورد به على وجه لا يستحق العامل فيه عوضا موجودا ولا ينتقل إليه من ملك رب المال شئ وانما يحدث النماء الموجود على ملكهما على ما شرطاه فلم تجز مخالفة هذا الموضوع ولا اثبات عقد ليس في معناه الحاقا به كما لو بدا صلاح الثمرة وكالمضاربة بعدن ظهور الربح، ومن نصر الوجه الاول قال نص النبي صلى الله عليه وسلم على المساقاة على الثمرة المعدومة بجزء منها نبيه على جوازها على الموجودة لما

[ 560 ]

ذكرنا، ولا يصح القياس على المضاربة إذا ظهر الربح لانها لا تحتاج إلى عمل وههنا يحتاج إليه فلا يصح القياس، ونظير ذلك المساقاه على الثمرة بعد بدو صلاحها فانه لا يصح بغير خلاف علمناه لكون العمل لا يزيد في الثمرة بخلاف الرواية الاولى فان العمل يزيد فيها فافترقا (فصل) وإذا ساقاه على ودي النخل أو صغار الشجر إلى مدة يحمل فيها غالبا بجزء من الثمرة صح لانه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر وذلك لا يمنع الصحة كما لو جعل له سهم من الف، وفيه الاقسام التي نذكرها في كبار النخل والشجر فان قلنا المساقاة عقد جائز لم يحتج إلى ذكر مدة وان قلناهو لازم اشترط ذكر المدة وسنذكره (مسألة) (وان ساقاه على شجر بغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمرة صح) والحكم فيه كالحكم فيما إذا ساقاه على صغار الشجر على ما بينته قال أحمد في رواية المروذي فيمن قال لرجل اغرس في أرضي هذه شجرا أو نخلا فما كان من غلة فلك بعملك كذا وكذا سهما من كذا وكذا فاجازه، واحتج بحديث خيبر في الزرع والنخل لكن يشترط أن يكون الغرس من رب الارض كما يشترط في المزارعة كون البذر من رب الارض، فان كان من العامل خرج على الروايتين في المزارعة إذا شرط البذر من العامل، وقال القاضي المعاملة باطلة وصاحب الارض بالخيار بين تكليفه قلعها ويضمن له نقصها وبين تركها في أرضه ويدفع إليه قيمتها كالمشتري إذا غرس في الارض ثم جاء الشفيع

[ 561 ]

فاخذها وان اختار العامل قلع شجره فله ذلك سواء بذلك بذل له القيمة أو لم يبذلها لانه ملكه فلم يمنع من تحويله وان اتفقا على ابقاء الغرس ودفع أجر الارض جاز (فصل) ولو دفع أرضه إلى رجل يغرسها على أن الشجر بينهما لم يجر ويحتمل الجواز بناء على المزارعة فان المزارع يبذر الارض فتكون بينه وبين صاحب الارض وهذا نظيره، فأما ان دفعها على أن الارض والشجر بينهما فذلك فاسد وجها واحدا وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد ولا نعلم فيه مخالفا لانه يشترط اشتراكهما في الاصل ففسد كما لو دفع إليه الشجر أو النخيل ليكون الاصل والثمرة بينهما أو شرط في المزارعة كون الارض والزرع بينهما (فصل) ومن شرط صحة المساقاة تقدير نصيب العامل بجزء معلوم من الثمرة كالثلث والربح لحديث ابن عمر في خيبر وسواء قل الجزء أو كثر فلو جعل للعامل جزءا من مائة جزء أو جعل الجزء لنفسة والباقي للعامل جاز إذا لم يفعل ذلك حيلة، فان عقد على جزء مبهم كالسهم والجزء والنصيب لم يجز لانه إذا لم يكن معلوما لم يمكن القسمة بينهما ولو جعل له آصعا معلومة أو جعل مع الجزء المعلوم آصعا لم يجز لانه ربما لم يحصل ذلك أو لم يحصل غيره فيستضر رب الشجر أو يكثر الحاصل فيتضرر العامل وكذلك ان شرط له ثمر شجر بعينه لانه قد لا يحمل وقد لا يحمل غيرها ولهذه العلة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزارعة التى يجعل فيها لرب الارض مكانا معينا وللعامل مكانا معينا قال رافع كنا نكتري الارض على أن لنا

[ 562 ]

هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك، فأما الذهب والورق فلم ينهنا متفق عليه، فمتى شرط شيئا من هذه الشروط الفاسدة فسدت المسافاة، والثمرة كلها لرب المال لانها نماء ملكه وللعامل أجر مثله كالمضاربة الفاسدة (فصل) ولا يحتاج أن يشرط لرب المال لانه يأخذ بماله لا بالشرط فإذا قال ساقيتك على أن لك ثلث الثمرة صح والباقي لرب المال، وان قال على ان لي ثلث الثمرة فقال ابن حامد يصح وقيل لا يصح وقد ذكرنا تعليل ذلك في المضاربة، وان اختلفا في الجزء المشروط فهو للعامل لانه انما يستحق بالشرط كما ذكرنا، وفان اختلفا في قدر المشروط للعامل فقال ابن حامد القول قول رب المال وقال مالك القول قول العامل إذا ادعى ما يشبه لانه أقوى سببا لتسلمه الحائط والعمل، وقد ذكرنا في المضارب رواية ان القول قول إذا ادعى أجر المثل فيخرج ههنا مثله وقال الشافعي يتحالفان وكذلك ان اختلفا فيما تتاولته المساقاة من الشجر ولنا أن رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل فكان القول قوله فان كان مع أحدهما بينة حكم بها وان كان مع كل واحد منهما بينة انبنى على بينة الداخل والخارج فان كان الشجر لا ثنين فصدق أحدهما العامل وكذبه الآخر أخذ نصيبه مما يدعيه من مال المصدق وان شهد على المنكر قبلت شهادته إذا كان عدلا لانه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا ويحلف مع شاهده وان لم يكن عدلا

[ 563 ]

كانت شهادته كعدمه ولو كانا عاملين ورب المال واحدا فشهد أحدهما على صاحبه قبلت شهادته لما ذكرنا (فصل) وإذا كان في البستان شجر من أجناس كالتين والزيتون والكرم فشرط للعامل من كل جنس قدرا كنصف ثمر التين وثلث الزيتون وربع الكرم، أو كان فيه أنواع من جنس فشرط من كل نوع قدرا وهما يعرفان قدر كل نوع صح لان ذلك كثلاثة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر، وان لم يعلما قدره أو أحدهما لم يجز للجهالة، ولو قال ساقيتك على هذين البساتين بالنصف من هذا والثلث من هذا صح لانها صفقة واحدة جمعت عوضين فصار كقوله بعتك داري هاتين هذه بألف وهذه بمائة، وان قال بالنصف من أحدهما والثلث من الآخر ولم يعينه لم يصح الجهالة لانه لا يعلم الذي يستحق نصفه، لو ساقاه على بستان واحد نصفه هذا بالنصف ونصفه هذا بالثلث وهما متميزان صح لانهما كبستانين (فصل) فان كان البستان لاثنين فساقيا عاملا واحدا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر والعامل عامل ما لكل واحد منهما جاز لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان، ولو أفرد كل واحد منهما بعقد كان له أن يشرط ما اتفقا عليه وان جهل نصيب كل واحد منهما لم يجز لانه غرر فانه قد يقل نصيب من شرط له النصف فيقل حظه، وقد يكثر فيتوفر حظه، فاما ان شرطا قدرا واحدا من مالهما جاز وان لم يعلم قدر مالكل واحد منهما لانها جهالة لا غرر فيها ولا ضرر فهو كا لو قالا بعناك

[ 564 ]

دارنا هذه بألف ولم يعلم نصيب كل واحد منهما جاز لانه أي نصيب كان فقد علم عوضه وعلم جملة المبيع فصح كذلك ههنا، ولو ساقى واحد اثنين جاز ويجوز أن يشرط لهما التساوي في النصيب وان يشرط لاحدهما أكثر من الآخر (فصل) ولو ساقاه ثلاث سنين على أن له في الاولى النصف وفي الثانية الثلث وفي الثالثة الربع جاز لانه قدر ماله في كل سنة معلوم فصح كما لو شرط له من كل نوع قدرا (فصل) ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها كالبيع وإن ساقاه على بستان لم يره ولم يوصف له لم يصح لانه عقد على مجهول أشبه البيع وان ساقاه على أحد هذين الحائطين لم يصح لانها معاوضة يختلف العوض فيها باختلاف الاعيان فلم يجز على غير معين كالبيع. (فصل) وتصح على البعل كما تصح على السقي وبه قال مالك ولا نعلم فيه خلافا عند من يجوز المساقاة لان الحاجة تدعوا إلى المعاملة في ذلك كدعائها إلى المعاملة في غيره فيقاس عليه (مسألة) (والمساقاة عقد جائز في ظاهر كلامه) وكذلك المزارعة أو ما إليه أحمد في رواية الاثرم قد سئل عن الاكار يخرج من غير ان يخرجه صاحب الضيعة فلم يمنعه من ذلك ذكره ابن حامد وهو قول بعض أصحاب الحديث، وقال بعض أصحابنا

[ 565 ]

هو لازم وهو قول أكثر الفقهاء لانه عقد معاوضة فكان لازما كالاجارة لانه لو كان جائزا كان لرب المال فسخه إذا ظهرت الثمرة فيسقط سهم العامل فيتضرر ولنا ما روى مسلم عن ابن عمر أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نقر كم على ذلك ما شئنا) ولو كان لازما لم يجز بغير تقدير مدة ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة اقرارهم، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لو قدر لهم مدة لنقل لان هذا مما يحتاج إليه فلا يجوز الاخلال بنقله وعمر رضي الله عنه اجلاهم من أرض الحجاز وأخرجهم من خيبر ولو كانت لهم مدة مقدرة لم يجز اخراجهم فيها ولانه عقد على جزء من نماء المال فكان جائزا كالمضاربة، وفارق الاجارة لانها بيع فكانت لازمة كبيع الاعيان ولان عوضها معلوم أشبهت البيع وقياسهم ينتقض بالمضاربة وهي أشبه بالمساقاة من الاجارة فقياسها عليها أولى وقولهم إنه يفضي إلى أن رب المال يفسخ بعد ادراك الثمرة قلنا إذا ظهرت الثمرة ظهرت على ملكيهما فلا يسقط حق العامل منها بفسخ ولاغيره كما إذا فسخ المضارب بعد ظهور الربح، فعلى هذا لا يفتقر إلى ذكر مدة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب لاهل خيبر مدة معلومة ولا خلفاؤه حين عاملوهم، ولانه عقد جائز فلم يفتقر إلى ضرب مدة كالمضاربة وسائر العقود الجائزة، ومتى فسخ أحدهما بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه وعلى العامل تمام العمل كما يلزم المضارب بيع العروض إذا فسخت المضاربة بعد

[ 566 ]

ظهور الربح وان فسخ العامل قبل ذلك فلا شئ له لانه رضي باسقاط حقه فهو كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح وعامل الجعالة إذا فسخ قبل اتمام عمله، فان فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة فعليه أجر المثل للعامل لانه منعه اتمام عمله الذي يستحق به العوض فأشبه مالو فسخ الجاعل قبل اتمام عمل الجعالة وفارق رب المال في المضاربة إذا فسخها قبل ظهور الربح لان عمل هذا مفض إلى ظهور الثمرة غالبا فلولا السفخ لظهرت الثمرة فملك نصيبه منها وقد قطع ذلك بفسخه فأشبه فسخ الجعالة بخلاف المضاربة فانه لا يعلم افضاؤها إلى الربح ولان الثمرة إذا ظهرت في الشجر كان العمل عليها في الابتداء من أسباب ظهورها والربح إذا ظهر في المضاربة قد لا يكون للعمل الاول فيه أثر أصلا (مسألة) (فان قلناهي عقد لازم فلا تصح الا على مدة معلومة) وهذا قول الشافعي وقال أبو ثور تصح وتقع على سنة واحدة وأجازه بعض الكوفبين استحسانا ولانه لما شرط له جزءا من الثمرة كان ذلك دليلا على ارادة مدة تحصل فيها الثمرة ولنا أنه عقد لازم فوجب تقديره بمدة معلومه كالاجارة ولان المساقاة أشبه بالاجارة لانها تقتضي العمل على العين مع بقائها ولانها إذا وقعت مطلقة لم يمكن حملها على اطلاقها مع لزومها لانها تفضي إلى أن العامل يستبد بالشجر كل مدته فيصير كالمالك ولا يمكن تقديره بالسنة لانه تحكم وقد تكمل الثمرة في أقل من السنة فعلى هذا لاتتقدر أكثر المدة بل يجوز ما يتفقان عليه من المدة التي يبقى الشجر فيها وان طالت وقيل لا يجوز

[ 567 ]

أكثر من ثلاثين سنة وهذا تحكم وتوقيت لا يصار إليه الا بنص أو اجماع فأما أقل المدة فتقدر بمدة تكمل فيها الثمرة ولا يجوز على أقل منها لان المقصود اشتراكهما في الثمرة ولا يوجد في أقل من هذه المدة (مسألة) (فان شرطا مدة لا تكمل فيها لم يصح) لذلك فإذا عمل فيها فظهرت الثمرة فيها ولم تكمل فله أجرة مثله في أحد الوجهين وفي الآخر لا شئ له لانه رضي بالعمل بغير عوض فهو كالمتبرع والاول أصح لان هذا لم يرض الا بعوض وهو جزء من الثمرة وذلك الجزء موجود لكن لا يمكن تسليمه إليه فلما تعذر دفع العوض الذي اتفقا عليه كان له أجر مثله كما في الاجارة الفاسدة بخلاف المتبرع فانه رضي بغير شئ، وان لم تظهر الثمرة فلا شئ له في أصح الوجهين لانه رضي بالعمل بغير عوض (فصل) فان ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبا فلم تحمل تلك السنة فلا شئ للعامل لانه عقد صحيح لم يظهر فيه النماء أشبه المضاربة إذا لم يربح فيها وان ظهرت الثمرة ولم تكمل فله نصيبه منها وعليه اتمام العمل فيها كما لو انفسخت قبل كمالها (مسألة) (وان شرطا مدة قد تكمل فيها الثمرة وقد لا تكمل ففي صحة المساقاة وجهان) (أحدهما) تصح لان الشجر يحتمل أن يحمل ويحتمل أن لا يحمل والمساقاة جائزة فيه (والثاني) لا يصح لانه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده فلم يصح كالسلم في مثل ذلك ولان ذلك غرر أمكن

[ 568 ]

التحرز منه فلم يجز العقد معه كما لو شرط ثمرة نخلة بعينها، وفارق ما إذا شرط مدة تكمل فيها الثمرة فان الغالب أن الشجر يحمل واحتمال أن لا يحمل نادر لم يمكن التحرز عنه، فان قلنا العقد صحيح فله حصته من الثمر فان لم يحمل فلا شئ له وان قلنا هو فاسد استحق أجر المثل سواء حمل أو لم يحمل لانه لم يرض بغير عوض ولم يسلم له العوض فاستحق أجر المثل بخلاف مااذا شرطا مدة لا يحمل في مثلها، وفيه وجه آخر أنه لا شئ له كما لو اشترطاه مدة لا يحمل فيها الشجر غالبا ومتى خرجت الثمرة قبل انقضاء المدة فله حقه منها إذا قلنا بصحة العقد وان خرجت بعدها فلا شئ له فيها ومذهب الشافعي في هذا قريب مما ذكرنا (مسألة) (وان مات العامل تم الوارث فان لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته) وجملة ذلك انا قد ذكرنا ان ظاهر المذهب أن المساقاة عقد جائز لا يفتقر إلى ذكر مدة لان ابقاء ها اليهما وفسخها جائز لكل واحد منهما فلم تحتج إلى مدة، فان قدرها بمدة، جاز لانه لا ضرر في ذلك وقد يناه في المضاربة والمساقاة مثلها، فعلى هذا تنفسخ بموت كل واحد منهما وجنونه والحجر عليه للسفه كالمضاربة ويكون الحكم فيها كما لو فسخها احدهما، فاما ان قلنا بلزومها لم ينفسخ العقد ويقوم الوارث مقام الميت منهما لانه عقد لارم أشبه الاجارة، فانه كان الميت العامل فأبي وارثه القيام مقامه لم يجبر لان الوارث لا يلزمه من الحقوق التى على مورته الا ما أمكن دفعه من تركته والعمل ليس مما يمكن فيه ذلك

[ 569 ]

فعلى هذا يستأجر الحاكم من التركة من يعمل فان لم يكن له تركة أو تعذر الاستجار فلرب المال الفسخ لانه تعذر استيفاء المعقود عليه فثبت الفسخ كما لو تعذر ثمن المبيع قبل قبضه (مسألة) (فان فسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما فان فسخ قبل ظهورها فهل للعامل أجرة؟ على وجهين) أما إذا فسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما كما إذا انفسخت المضاربة بعد ظهور الربح، فعلى هذا يباع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لاجر ما بقي من العمل واستؤجر من يعمل ذلك وان احتيج إلى بيع الجميع بيع ثم لا يخلو إما أن يكون قد بد اصلاح الثمرة أو لافان كان قد بداصلاحها خير المالك بين البيع والشراء فان اشترى نصيب العامل جاز وان اختار بيع نصبيبه باعه وباع الحاكم نصيب العامل وان أبى البيع والشراء باع الحاكم نصيب العامل وحده وما بقي على العامل يستأجر من يعمله والباقي لورثته، وان كانت لم يبد صلاحها خير المالك أيضا فان ببع لا جنبي لم يجز الا بشرط القطع، ولا يجوز بيع نصيب العامل وحده لانه لا يمكن قطعه إلا بقطع نصيب المالك ولا يجوز ذلك الا باذنه وهل يجوز شراء المالك لها؟ على وجهين (أحدهما) لا يجوز كالاجنبي (والثاني) يجوز كما إذا بع نخلا مؤبرا جاز للمشتري أن يبتاع الثمرة التي للبائع من غير شرط القطع وهكذا الحكم إذا انفسخت المساقاة بموت العامل إذا قلنا بجوازها وأبى الوارث العلم، فأما ان فسخ قبل ظهور الثمرة فللعامل الاجر في أحد الوجهين لانه عمل بعوض لم يصح له فكانت له الاجرة

[ 570 ]

كما لو فسخ بغير عذر (والثاني) لا شئ له لان الفسخ مستند إلى موته ولا صنع لرب المال فيه أشبه إذا فسخ العامل قبل ظهور الثمرة (مسألة) (وكذلك ان هرب العامل ولم يوجد له ما ينفق عليها فهو كما لو مات) ان كان العقد جائزا فلرب الارض الفسخ وإن قلنا بلزومه فوجد الحاكم له مالا أو أمكنه الاقتراض عليه من بيت المال أو غيره فعل وان لم يمكنه ووجد من يعمل بأجرة مؤجلة إلى وقت إدراك الثمرة فعل فان تعذر ذلك فلرب المال الفسخ لما ذكرنا، وأما الميت فلا يقترض عليه لانه لا ذمة له والاولى في هذه الصورة أن لا يكون للعامل أجرة لانه ترك العمل اختيارا منه فلم يكن له أجرة كما لو ترك العمل من غير هرب مع القدرة عليه (مسألة) (فان عمل فيها رب المال باذن حاكم أو اشهاد رجع به وإلا فلا) قد ذكرنا أن لرب المال الفسخ فان اختار البقاء على المساقاة لم تنفسخ إذا قلنا بلزومها ويستأذن الحاكم في الانفاق على الثمرة ويرجع بما أنفق فان عجز عن استئذان الحاكم فأفق بنية الرجوع وأشهد على الانفاق بشرط الرجوع رجع بما أنفق وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه مضطر، وان أمكنه استئذان الحاكم وأنفق بنية الرجوع ولم يستأذنه فهل يرجع بذلك؟ على وجهين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه، فان تبرع بالانفاق لم يرجع كما لو تبرع بالصدقة والحكم فيما إذا أنفق على الثمرة بعد فسخ العقد إذا تعذر بيعها كالحكم ههنا سواء

[ 571 ]

(فصل) قال رحمه الله (ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها من السقي والحرث والزبار والتفليح والتشميس واصلاح طرق الماء وموضع الشمس) وجملة ذلك أنه يلزم العامل باطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها من حرث الارض تحت الشجرة والبقر التي تحرث وآلة الحرث وسقي الشجر واستقاء الماء وإصلاح طرق الماء وقطع الحشيش المضر والشوك وقطع الشجر اليابس وزبار الكرم وقطع ما يتحاج إلى قطعه وتسوية الثمرة واصلاح الاجاحين وهي الحفر التي يجتمع فيها الماء على أصول التحل وإدارة الدولاب وحفظ الثمر في الشجر وبعده حتى يقسم، وان كان مما يشمس فعليه تشميسه لان إطلاق عقد المساقاة يقتضي ذلك فان موضوعها على أن العمل من العامل (مسألة) (وعلى رب المال ما فيه حفظ الاصل من شد الحيطان وأجر الانهار وحفر البئر والدولاب وما يدبره) وكذلك شراء ما يلقح به إذا أطلقا العقد وان شرطا ذلك كان تأكيدا وقيل ما يتكرر كل عام فهو على العامل ومالا فلا، قال شيخنا وهذا صحيح الا في شراء ما يلقح به فانه على رب المال وان تكرر لان هذا ليس من العمل، فاما البقرة التي تدير الدولاب فقال أصحابنا هي على رب المال لانها ليست من العمل أشبه ما يلقح به، قال شيخنا والاولى أنها على العامل لانها تراد للعمل أشبهت بقر الحرث ولان

[ 572 ]

استقاء الماء على العامل إذا لم يحتج إلى بهيمة فكان عليه وان احتاج إليها كغيره من الاعمال وقال بعض أصحاب الشافعي ما يتعلق بالاصول والثمرة معا ككسح النهر هو على من شرط عليه منهما وان أهمل شرط ذلك على أحدهما لم تصح المساقاة وقد ذكرنا ما يدل على أنه من العامل، فاما تسميد الارض بالزبل إذا احتاجت إليه فتحصيله على رب المال لانه ليس من العمل أشبه ما يلقح به وتفريقه في الارض على العامل كالتلقيح. (فصل) فان شرطا على أحدهما شيئا مما يلزم الآخر فقال القاضي وأبو الخطاب لا يجوز ذلك فعلى هذا تفسد المساقاة وهو مذهب الشافعي لانه شرط يخالف مقتضى العقد فأفسده كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال، وقد روي عن أحمد ما يدل على صحة ذلك فانه ذكر أن الجذاذ عليهما فان شرطه على العامل جاز لانه شرط لا يخل بمصلحة العقد ولا مفسدة فيه فصح كتأجيل الثمن في البيع وشرط الرهن والضمين والخيار فيه لكن يشترط أن يكون ما يلزم كل واحد منهما من العمل معلوما لئلا يفضي إلى التنازع فيختل العمل، وان لا يكون على رب المال أكثر العمل ولا نصفه لان العامل إنما يستحق بعمله فإذا لم يعمل أكثر العمل كان وجود عمله كعدمه فلا يستحق شيئا (فصل) فان شرط أن يعمل معه غلمان رب المال فهو كعمل رب المال فان يد الغلام كيد مولاه وقال أبو الخطاب فيه وجهان أحدهما كما ذكرنا والثاني يجوز لان غلمانه ماله فجاز أن يجعل تبعا لماله كثور

[ 573 ]

الدولاب وكما يجوز في القراض أن يدفع إلى العامل بهيمة يحمل عليها، وأما رب المال لا يجوز جعله تبعا وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن، فإذا شرط غلمانا يعملون معه فنفقتهم على ما يشترطان عليه فان أطلقا فهي على رب المال وبهذا قال الشافعي وقال مالك نفقتهم على المساقي ولا ينبغي أن يشرطها على رب المال لان العمل على المساقي فمؤنة من يعمله عليه كمؤنة غلمانه ولنا أنه مملوك رب المال فكانت نفقته عليه عند الاطلاق كما لو اجره فان شرطها على العامل جاز ولا يشترط تقديرها وبه قال الشافعي وقال محمد بن الحسن يشترط لانه اشترط عليه مالا يلزمه فوجب أن يكون معلوما كسائر الشروط ولنا أنه لو وجب تقديرها لوجب ذكر صفاتها ولا يجب ذلك فلم يجب تقدبرها ولابد من معرفة الغلمان المشروط عملهم برؤية أو صفة تحصل بها معرفتهم كما في عقد الاجارة (فصل) فان شرط العامل ان أجر الاجراء الذين يحتاج إلى الاستعانة بهم من الثمرة وقدر الاجرة لم يصح لان العمل عليه فإذا شرط أجرة من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وكذلك ان لم يقدره لذلك لانه مجهول، ويفارق هذا ما إذا شرط المضارب أجر من يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم لان ذلك لا يلزم العامل فكان على المال ولو شرط أجرما يلزمه عمله بنفسه لم يصح (مسألة) (وحكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وفيما يرد)

[ 574 ]

لان رب المال ائتمنه فأشبه المضارب فان اتهم حلف وان ثبتت خيانته ضم إليه من اشاء ربه كالوصي إذا ثبتت خيانته فان لم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل عمله، وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب مالك لا يقام غيره مقامه بل يحفظ منه لان فسقه لا يمنع استيفاء المنافع المقصودة منه فأشبه ما لو فسق بغير الخيانة ولنا أنه تعذر استيفاء المنافع المقصودة منه فاستوفيت بغيره كما لو هرب ولانسلم امكان استيفاء المنافع منه لانه لا يؤمن من تركها ولا يوثق منه بفعلها ولا نقول إن له فسخ المساقاة وإنما نقول لما لم يمكن حفظها من خيانتك أقم غيرك يعمل ذلك وارفع يدك عنها لان الامانة قد تعذرت في حقك فلا يلزم رب المال ائتمانك وفارق فسقه بغير الخيانة فانه لا ضرر على رب المال فيها وههنا يفوت ماله، فان عجز عن العمل لضعفه مع أماننه ضم إليه غيره ولا تنزع يده لان العمل مستحق عليه ولا ضرر في بقاء يده عليه وان عجز بالكلية أقام مقامه من يعمل والاجرة عليه في الموضعين لان عليه تمام العمل وهذا من تمامه (فصل) ويملك العامل حصته من الثمرة بظهورها فلو تلفت كلها الا واحدة كانت بينهما وهذا أحد قولي الشافعي والثانى يملكه بالمقاسمة كالمضارب ولنا أن الشرط صحيح فيثبت مقتضاه كسائر الشروط الصحيحة ومقتضاه كون الثمرة بينهما على كل حال، واما القراض فنقول إنه يملك الربح بالظهور كمسئلتنا وان سلم فالفرق بينهما ان الربح وقاية

[ 575 ]

لرأس المال فلم يملك حتى سلم رأس المال لربه وهذا ليس بوقاية لشئ فانه لو تلفت الاصول كلها كان الثمر بينهما. إذا ثبت ذلك فانه يلزم كل واحد منهما زكاة حصته إذا بلغت نصابا نص عليه أحمد في المزارعة فان لم تبلغ نصابا الا بجمعهما لم تجب الاعلى قولنا ان الخلطة تؤثرفي غير السائمة، فيبدأ باخراج الزكاة ثم يقسمان ما بقي فان بلغت حصة احدهما نصابا دون الآخر فعلى من بلغت حصته نصابا الزكاة وحده يخرجها بعد المقاسمة الا ان يكون لمن لم تبلغ حصته نصابا ما يتم به النصاب من موضع آخر فيجب عليهما جميعا، وان كان أحدهما لا زكاة عليه كالمكاتب والذمي فعلى الآخر زكاة حصته ان بلغت نصابا وبهذا كله قال مالك والشافعي وقال الليث ان كان شريكه نصرانيا أعلمه أن الزكاة مؤداة في الحائط ثم يقاسمه بعد الزكاة ما بقي ولنا أن النصراني لا زكاة عليه فلم يخرج من حصته شئ كما لو انفرد بها وقد روي أبو داود سنته عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فخيرض النخيل حين يطيب قبل أن يؤكل ثم يخبر يهود خيبر أيأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه إليهم بذلك الخرص؟ لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار ويفترق قال جابر خرصها ابن رواحة أربعين الف وسق وزعم ان اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا الثمر وعليهم عشرون الف وسق (فصل) وان ساقاه على أرض خراجية فالخراج على رب المال لانه يجب على الرقبة بدنه أليل

[ 576 ]

تجب سواء أثمرت الشجرة أو لم تثمر ولان الخراج يجب أجرة للارض فكان على رب الارض كما لو اسنأجر أرضا وزارع غيره فيها وبه قال الشافعي، وقد نقل أحمد في الذي يتقبل الارض البيضاء لعمل عليها وهي من أرض السواد يقبلها من السلطان فعلى من تقبلها أن يؤدي وظيفة عمر رضي الله عنه ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر وهذا معناه والله أعلم إذا دفع السلطان أرض الخراج إلى رجل يعملها ويؤدي خراجها فانه يبدأ بخراجها ثم يزكي ما بقي كما ذكر الخراقي في باب الزكاة ولا تنافي بين ذلك وبين ما ذكرناه ههنا (فصل) ولا يجوز أن يجعل له فضل دراهم زائدة على ما شرط له من الثمرة بغير خلاف لانه ربما يحدث من النماء بقدر تلك الدراهم فيضر برب المال ولذلك معنا من اشتراط اقفزة معلومة فان جعل له ثمرة سنة غير السنة التي ساقاه عليها فيها أو ثمر شجر غير الشجر الذي ساقاه عليه لم يجز وكذلك لو شرط عليه في غير الشجر الذي ساقاه عليه أو عملا في السنة فهذا يفسد العقد سواء جعل ذلك كله حقه أو بعضه أو جميع العمل أو بعضه لانه يخالف موضع المساقاة إذ موضوعها أن يعمل في شجر معين بجزء مشاع من ثمرته في ذلك الوقت الذي يستحق عليه فيه العمل (فصل) إذا ساقاه رجلا أو زارعه فعامل العامل غيره على الارض أو الشجر لم يجز وبه قال أبو يوسف وأبو ثور واجازه مالك إذا جاء برجل أمين

[ 577 ]

ولنا أنه عامل في المال بجزء من نمائه فلم يجز أن يعامل غيره فيه كالمضارب ولانه انما أذن له في العمل فيه فلم يجز أن يأذن لغيره كالوكيل، فأما ان استأجر أرضا فانه يزارع غيره فيها لان منافعها صارت مستحقة له فملك المزارعة فيها كالمالك والاجرة على المستأجر دون المزارع كما ذكرنا في الخراج وكذلك يجوز لمن في يده أرض خراجية أن يزارع فيها لانها كالمستأجرة وللموقوف عليه أن يزارع في الوقف ويساقي على شجره لانه اما مالك لرقبة ذلك أو بمنزلة المالك ولا نعلم فيه خلافا عند من أجاز المساقاة والمزارعة (فصل) وان ساقاه على شجرفبان مستحقا بعد العمل أخذه وبه وثمرته لانه عين ماله ولاحق للعامل في ثمرته ولانه عمل فيها بغير اذن مالكها ولا أجرة له لذلك وله على الغاصب أجر مثله لانه غره واستعمله فأشبه مالو غصب نقرة واستأجر من ضربها دراهم، وان شمس الثمرة فلم تنقص أخذهما ربها وان نقصت فله ارش نقصها ويرجع به على من شاء منهما ويستقر الضمان على الغاصب، وان استحقت بعد أن اقتسماها وأكلاها فللمالك تضمين من شاء منهما فان ضمن الغاصب فله تضمينه الكل وله تضمينه قدر نصيبه وتضمين العامل قدر نصيبه لان الغاصب سبب يد العامل فلزمه ضمان الجميع فان ضمنه الكل رجع على العامل بقدر نصيبه لان التلف حصل في يده فاستقر الضمان عليه ويرجع العامل على الغاصب بأجر مثله ويحتمل أن لا يرجع الغاصب على العامل بشئ لانه غره فلم يرجع عليه كما لو أطعم انسانا

[ 578 ]

شيئا وقال كله فانه طعامي ثم تبين أنه مغصوب، وان ضمن العامل احتمل أنه لا يضمنه الا نصيبه خاصة لانه ما قبض الثمرة كلها وانما كان مراعيا لها وحافظا فلا يلزمه ضمانها ما لم يقبضها ويحتمل أن يضمنه الكل لانه يده ثبتت على الكل مشاهدة بغير حق فان ضمنه الكل رجع على الغاصب ببدل نصيبه منها وأجر مثله، وان ضمن كل واحد منهما ما صار إليه رجع العامل على الغاصب بأجر مثله لا غير وان تلفت الثمرة في شجرها أو بعد الجذاذ قبل القسمة فمن جعل العامل قابضا لها بثبوت يده على حائطها قال يلزمه ضمانها ومن قال لا يكون قابضا الا بأخذ نصيبه منها قال لا يلزمه الضمان ويكون على الغاصب (مسألة) (وان شرط إن سقى سيحا فله الربع وان سقى بكلفة فله النصف أو ان زرعها شعيرا فله الربع وان زرعها حنطة فله النصف لم يصح في أحد الوجهين) لان العمل مجهول والنصيب مجهول وهو في معنى يعتين في بيعة (والثاني) يصح بناء على قوله في الاجارة ان خطته روميا فلك درهم وان خطته فارسيا فلك نصف درهم فانه ثصح في المنصوص عنه وهذا مثله، فأما إن قال ما زرعتها من شئ فلي نصفه صح لان النبي صلى الله عليه وسلم ساقى أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر ولو جعل له في المزارعة ثلث الحنطة ونصف الشعير وثلثي الباقلا وبينا قدر ما يزرع من كل واحد من هذه الانواع اما بتقدير البذر أو تقدير المكان وتعيينه مثل أن يقول

[ 579 ]

تزرع هذا المكان قحما وهذا شعيرا أو تزرع مدين حنطة ومدي شعير جاز لان كل واحد من هذه طريق إلى العلم فاكتفى به (مسألة) (وان قال ما زرعت من شعير فلي ربعه وما زرعت من حنطة فلي نصفه لم يصح) لان ما يزرعه من كل واحد منهما مجهول القدر فهو كما لو شرطه له في المساقاة ثلث هذا النوع ونصف النوع الآخر وهو جاهل بما فيه منهما (مسألة) (ولو قال سافيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع لم يصح وجها واحدا) لانه يشرط عقدا في عقد فصار في معنى قوله بعتك هذا على أن تبيعني هذا وتشتري مني هذا وإنما فسد لمعنيين (أحدهما) أنه شرط في العقد عقدا آخر والنفع الحاصل بذلك مجهول فكأنه شرط العوض في مقابلة معلوم ومجهول (الثاني) أن العقد الآخر لا يلزم بالشرط فيسقط الشرط وإذا سقط وجب رد الجزء الذي تركه من العوض لا جله وذلك مجهول فيصير الكل مجهولا (فصل) ولو قال لك الخمسان ان كانت عليك خسارة وان لم يكن عليك خسارة فلك الربع لم يصح نص عليه أحمد وقال هذا شرطان في شرط وكرهه، قال شيخنا ويخرج فيها مثل ما إذا شرط ان سقى سيحا له الربع وان سقى بكلفة فله النصف

[ 580 ]

(فصل) وان ساقى أحد الشريكين شريكه وجعل له من الثمر أكثر من نصيبه مثل ان يكون الاصل بينهما نصفين فجعل له ثلثي الثمرة صح وكان السدس حصته من المساقاة فصار كأنه قال ساقيتك على نصيبي بالثلث وان جعل الثمرة بينهما نصفين أو جعل للعامل الثلث فهي مساقاة فاسدة لان العامل يستحق نصفها بملكه فلم يجعل له في مقابلة عمله شيئا وإذا شرط له الثلث فقد شرط ان غير العامل يأخذ من نصيب العامل ثلثه ويستعمله بلا عوض فلا يصح فإذا عمل في الشجر بناء على هذا كانت الثمرة بينهما بحكم الملك ولا يستحق العامل بعمله شيئا لانه تبرع به لرضاه بالعمل بغير عوض فاشبه مالو قال له أنا اعمل فيه بغير شئ وذكر أصحابنا وجها آخر أنه يستحق أجر المثل لان المساقاة تقتضي عوضا فلم تسقط برضاه باسقاطه كالنكاح إذا لم يسلم له المسمى يجب فيه مهر المثل ولنا أنه عمل في مال غيره متبرعا فلم يستحق عوضا كما لو لم يعقد المساقاة ويفارق النكاح من وجهين (أحدهما) أن عقد النكاح صحيح فوجب به العوض لصحته وهذا فاسد لا يوجب شيئا (والثاني) أن الابضاع لاتستباح بالبذل والاباحة والعمل ههنا يستباح بذلك، ولان المهر في النكاح لا يخلو من أن يكون واجبا بالعقد أو بالاصابة أو بهما فان وجب بالعقد لم يصح قياس هذا عليه لوجهين (أحدهما) أن النكاح صحيح وهذا فاسد (والثاني) أن العقد ههنا لو أوجب لا وجب قبل العمل ولا خلاف أن هذا لا يوجب قبل العمل شيئا وان وجب بالاصابة لم يصح القياس عليه أيضا لوجهين (أحدهما) أن الاصابة لاتستباح بالاباحة والبذل بخلاف العمل (والثاني) ان الاصابة لو خلت من العقد لاوجبت وهذا بخلافه وان وجب بهما امتنع القياس عليه أيضا لهذه الوجوه كلها، فأما ان ساقى أحدهما شريكه على ان يعملا معا فالمساقاة فاسدة والثمرة بينهما على قدر ملكيهما ويتقاصان العمل ان تساويا فيه، وان كان لاحدهما فضل نظرت فان كان قد شرط له فضل في مقابلة عمله استحق ما فضل له من أجر المثل وان لم يشرط فليس له شئ الاعلى الوجه اذي ذكره أصحابنا وتكلمنا عليه

[ 581 ]

فصل في المزارعة (مسألة) (تجوز المزارعة بجزء معلوم يجعل للعامل من الزرع في قول أكثر أهل العلم قال البخاري قال أبو جعفر ما بالمدينة أهل بيت الا ويزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبى بكر وآل علي وابن سيرين، وهو قول سعيد بن المسيب وطاوس وعبد الرحمن

[ 582 ]

ابن الاسود وموسى بن طلحة والزهري وعبد الرحمن بن أبى ليلى وابنه وأبى يوسف ومحمد وروي ذلك عن معاذ والحسن وعبد الرحمن بن مرثد، قال البخاري وعامل عمر الناس على أنه ان جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وان جاءوا بالبذر فلهم كذا وكذا. وكرهها عكرمة ومجاهد والنخعي ومالك وأبو حنيفة وروي عن ابن عباس الامران جميعا، وأجازها الشافعي في الارض بين النخل إذا كان بياض الارض أقل فان كان أكثر فعلى وجهين، ومنهما في الارض البيضاء لما روى رافع بن خديج قال كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن بعض عمومته أتاه فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا وطواعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفع قلنا ما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كانت له أرض فليزرعها ولا يكريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى) وعن ابن عمر قال ما كنا نرى بالمزارعة بأسا حتى سمعت رافع بن خديج يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وقال جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة، وهذه كلها أحاديث صحاح متفق عليها والمخابرة المزارعة واشتقاقها من الخبار وهي الارض اللينة والخبير الاكار وقيل المخابرة معاملة أهل خيبر وقد جاء حديث جابر مفسرا فروى البخاري عن جابر قال كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من كانت له أرض فلبزرعها أو لمينحها فان لم يفعل فليمسك أرضه) وروي تفسيرها عن زيد بن ثابت فروى أبو داود باسناده عن زيد بن ثابت قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة قلت وما المخابرة؟ قال ((أن يأخذ الارض بنصف أو ثلث أو ربع) ولنا ما روى ابن عمر قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر متفق عليه، وقد روي ذلك عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وقال أبو جعفر عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خبير بالشطر ثم أبو بكر ثم عمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع وهذا صحيح مشهور عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ثم خلفاؤه الراشدون حتى ما تواثم أهلوهم ثم من بعدهم لم يبق بالمدينة أهل بيت إلا عمل به وعمل به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده

[ 583 ]

فروى البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر فكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون وسقا تمرا وعشرون وسقا شعيرا فقسم عمر خيبر فخير أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الماء والارض أو يمضي لهن الاوسق فمنهن من اختار الارض ومنهن من اختار الوسق فكانت عائشة اختارت الارض، فان قيل حديث خيبر منسوخ بخبر رافع قلنا مثل هذا لا يجوز أن ينسخ لان التسخ إنما يكون في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاما شئ عمل به إلى أن مات ثم عمل به خلفاؤه بعده وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم عليه وعملوا به ولم يخالف فيه منهم أحد فكيف يجوز نسخه ومتى نسخ؟ فان كان نسخ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف عمل به بعد نسخه؟ وكيف خفي نسخه فلم يبلغ خلفاءه مع اشتهار قصة خيبر وعملهم فيها؟ وأبن كان راوي النسخ حتى لم يذكره ولم يخبرهم به فأما ما احتجوا به فالجواب عن حديث رافع من أربعة أوجه (أحدها) أنه قد فسر المنهي عنه في حديثه بما لا يختلف في فساده فانه قال كنا من أكثر الانصار حقلا فكنا فكري الارض على أن لنا هذه، ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما الذهب والورق فلم ينهنا متفق عليه وفي لفظ فأما بشئ معلوم مضمون فلا بأس، وهذا خارج عن محل الخلاف فلا دليل فيه عليه ولا تعارض بين الحديثين (والثاني) أن خبره ورد في الكراء بثلث أو ربع والنزاع في المزارعة

[ 584 ]

ولم يدل حديثه عليها أصلا وحديثه الذي فيه المزارعة يحمل على الكراء أيضا لان القصة واحدة أتت بألفاظ مختلفة فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الاخر (الثالث) ان أحاديث رافع مضطربة جدا مختلفة اختلافا كثيرا يوجب ترك العمل بها لو انفردت فكيف تقدم على مثل حديثنا، قال الامام أحمد حديث رافع ألوان وقال ابن المنذر قد جاءت الاخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لذلك (منها) الذى ذكرنا (ومنها) خمس أخرى وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة زيد بن ثابت وابن عباس، قال زيد أنا أعلم بذلك منه وانما سمع النبي صلى الله عليه وسلم الرجلين قد اقتتلا فقال (ان كان هذا شأنكم فلا تكرو المزارع) رواه أبو داود، وروى البخاري عن عمرو ابن دينار قال قلت لطاوس لو تركت المخابرة فانهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها قال ان أعلمهم يعنى ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال (ان يمنع أحدكم خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما) ثم ان احاديث رافع منها ما يخالف الاجماع وهو النهي عن كراء المزارع على الاطلاق ومنها مالا يختلف في فساده كما قد بينا، وتارة يحدث عن بعض عمومته وتارة عن سماعه وتارة عن ظهير بن رافع وإذا كانت اخبار رافع هكذا وجب اطراحها واستعمال الاخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التى لا اختلاف فيها وقد عمل بها الخلفاء الراشدون وغيرهم فلا معنى لتركها بمثل هذه الاحاديث والجواب الرابع أنه لو قدر صحة خبر رافع وامتنع تأويله وتعذر الجمع وجب حمله على أنه منسوخ

[ 585 ]

لانه لا بد من نسخ أحد الخبرين ويستحيل القول بنسخ خبر خيبر لكونه معمولا به من جهة النبي صلى الله عليه وسلم إلى حين موته ثم من بعده إلى عصر التابعين فمتى كان نسخه؟ فأما حديث جابر في النهي عن المخابرة فيجب حمله على أحد الوجوه التي حمل عليها خبر رافع فانه قد روى حديث خيبر أيضا فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن ثم لو حمل على المزارعة لكان منسوخا بقصة خيبر لا ستحالة نسخها كما ذكرنا وكذلك القول في حديث زيد بن ثابت، فان قال أصحاب الشافعي تحمل أحاديثكم على الارض التي بين النخيل وأحاديث النهي على الارض البيضاء جمعا بينهما قلنا هذا بعيد لوجوه خمسة (أحدهما) أنه يبعد أن تكون بلدة كبيرة يأني منها أربعون الف وسق ليس فيها أرض بيضاء ويبعد أن يكون قد عاملهم على بعض الارض دون بعض فينقل الرواة كلهم القصة على العموم من غير تفصيل مع الحاجة إليه (الثاني) أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه وما ذكرناه دلت عليه بعض الروايات وفسره روايه بما ذكرناه، وليس معهم سوى الجمع بين الاحاديث والجمع بينهما بحمل بعضها على ما فسره روايه به أولى من التحكم بما لادليل عليه (الثالث) أن قولهم يفضى إلى تقييد كل واحد من الحديثين وما ذكرناه حمل لاحدهما على بعض محتملاته لاغير (الرابع) أن فيما ذكرناه موافقه عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم وفقهاء الصحابة وهم أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته ومعانيها فكان أولى من قول من خالفهم (الخامس) أن ما ذهبنا إليه مجمع عليه على ما رواه أبو جعفر رحمة الله عليه وما روي في مخالفته فقد بينا فساده فيكون هذا اجماع من الصحابة رضي الله عنهم

[ 586 ]

فلا يسوع لاحد خلافه والقياس يقتضيه فان الارض عين تنمي بالعمل فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها كالمال في المضاربة والنخل في المساقاة، ولانه أرض فجازت المزارعة عليها كالارض بين النخل، ولان الحاجة داعية إلى المزارعة لان أصحاب الارض لا يقدرون على زرعها والعمل عليها والاكرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرض لهم فاقتضت الحكمة جواز المزارعة كما قلنا في المضاربة والمساقاة بل ههنا آكد لان الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره لكونه قوتا ولان الارض لا يفتفع بها إلا بالعمل فيها بخلاف المال والله أعلم (مسألة) (فان كان في الارض شجر فزارعه الارض وساقاه على الشجر صح) سواء قل بياض الارض أو كثر نص عليه أحمد وقال قد دفع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على هذا وبهذا قال كل من أجاز المزارعة في الارض المفردة، فإذا قال ساقيتك على الشجر وزارعتك على الارض بالنصف جاز وكذلك ان قال عاملتك على النصف لان المعاملة تشملهما، وان قال زارعتك الارض بالنصف وساقيتك على الشجر بالربع جاز كما يجوز أن يساقيه على أنواع من الشجر ويجعل له في كل نوع قدرا، وان قال ساقيتك على الارض والشجر بالنصف جاز لان المزارعة مساقاة من حيث انها تحتاج إلى السقي، وقال أصحاب الشافعي لا يصح لان المساقاة لا نتناول الارض فصح في النخل وحده وقيل ينبني على تفريق الصفقة

[ 587 ]

ولنا انه عبر عن عقد بلفظ عقد يشاركه في المعنى المشهور به في الاشتقاق فصح كما لو عقد بلفظ البيع في السلم، وهكذا إن قال في الارض البيضاء ساقيتك على هذه الارض بنصف ما يزرع فيها، فان قال ساقيتك على الشجر بالنصف ولم يذكر الارض لم تدخل في العقد، وليس للعامل أن يزرع وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو يوسف: الداخل زرع البياض، فان تشارطا أن ذلك بينهما فهو جائز، وان اشترط صاحب الارض انه يزرع البياضن لم يصح لان الداخل يسقي لرب الارض فتلك زيادة ازدادها عليه ولنا ان هذا لم يتناوله العقد فلم يدخل فيه كما لو كانت أرضا منفردة (فصل) وإن زارعه أرضا فيها شجرات يسيرة لم يجز أن يشترط العامل ثمرتها وبه قال الشافعي وابن المنذر وأجازه مالك إذا كان الشجر يقدر الثلث أو أقل لانه يسير فيدخل تبعا، ولنا انه اشترط الثمرة كلها فلم يجز كما لو كان الشجر أكثر من الثلث (فصل) وان أجره بياض الارض وساقاه على الشجر الذي فيها جاز لانهما عقدان يجوز افراد كل واحد منهما فجاز الجمع بينهما كالبيع والاجارة، وقيل لا يجوز بناء على الوجه الذي لا يجوز الجمع بينهما في الاصل والاول أولى الا أن يفعلا ذلك حيلة على شراء الثمرة قبل وجودها أو قبل بدو صلاحها فلا يجوز سواء جمعا بين العقدين أو عقدا أحدهما بعد الآخر لما ذكرنا في إبطال الحيل (مسألة) (ولا يشترط كون البذر من رب الارض وظاهر المذهب اشتراطه) اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة فروي عنه اشتراط كون البذر من رب الارض نص

[ 588 ]

عليه في رواية جماعة وهو اختيار الخرقي وعامة الاصحاب وهو قول ابن سيرين والشافعي واسحاق لانه عقد يشترك رب المال والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما كالمساقاة والمضاربة، وروي عنه ما يذل على أن البذر يجوز أن يكون من العامل فانه قال في رواية منها في الرجل يكون له الارض فيها نخل وشجر يدفعها إلى قوم يزرعون الارض ويقومون على الشجر على أنه له النصف ولهم النصف فلا بأس بذلك فدفع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على هذا، فأجاز دفع الارض ليزرعها من غير ذكر البذر، فعلى هذا أيهما أخرج البذر جاز، روي نحو ذلك عن عمر رضي الله عنه وهو قول أبي يوسف وطائفة من أهل الحديث وهو أصح ان شاء الله تعالى وروى عن سعد وابن مسعود وابن عمر أن البذر من العامل، ولعلهم أرادوايه أنه يجوز أن يكون من العامل فيكون كقول عمر ولا يكون قولا ثالثا، والدليل على ذلك قول ابن عمر دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها وفي لفظ على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها فجعل عملها من أموالهم وزرعها عليهم ولم يذكر شيئا آخر وظاهره ان البذر من أهل خيبر، والاصل المعمول به في المزارعة قصة خيبر ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ان البذر على المسلمين ولو كان شرطا لما أخل بذكره ولو فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لنقل ولم يجز ترك نقله ولان عمر رضي الله عنه فعل الامرين جميعا فروى البخاري عنه انه عامل الناس على

[ 589 ]

أنه ان جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وان جاء وابالبذر فلهم كذا، وظاهر هذا ان ذلك اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا، فان قيل هذا بمنزلة بيعتين في بيعة فكيف يفعله عمر؟ قلنا يحمل على انه فعل ذلك ليخيرهم في أي العقدين شاءوا فمن اختار عقدا عقده معه معينا كما لو قال في البيع ان شئت بعتك بعشرة صحاح وان شئت بأحد عشر مكسرة فاختار أحدهما فعقد البيع عليه معينا، ويجوز أن يكون مجيئه بالبذر أو شروعه في العمل بغير بذر مع اقرار عمر له على ذلك وعمله به جرى مجرى العقد، ولهذا روي عن أحمد صحة الاجارة فيما إذا قال ان خطته روميا فلك درهم وان خطته فارسيا فلك نصف درهم، وما ذكره أصحابنا من القياس يخالف ظاهر النص والاجماع الذي ذكرنا هما فكيف يعمل به؟ ثم هو منتقض بما إذا اشترك مالان ببدن صاحب أحدهما (فصل) فان كان البذر منهما نصفين وشرطا أن الزرع بينهما نصفان فهو بينهما سواء قلنا بصحة المزارعة أو فسادها لانها ان كانت صحيحة فالزرع بينهما على ما شرطاه وان كانت فاسدة فلكل واحد منهما بقدر بذره لكن ان حكمنا بصحتها لم يرجع احدهما على صاحبه بشئ وان وان قلنا من شرط صحتها أن يكون البذر من رب الارض فهي فاسدة فعلى العامل نصف اجر الارض وله على رب الارض نصف أجر عمله فيتقاصان بقدر الاقل منهما ويرجع أحدهما على صاحبه بالفضل، وان شرطا التفاضل في الرزع وقلنا بصحتها فالزرع بينهما على ما شرطاه ولا تراجع وان قلنا بفسادها فالزرع بينهما

[ 590 ]

على قدر البذر ويتراجعان كما ذكرنا وكذلك ان تفاضلا في البذر وشرطا التساوي في الزرع أو شرطا لاحدهما أكثر من قدر بذره أو أقل (فصل) فان قال صاحب الارض أجرتك نصف أرضي بنصف البذر ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لان المنفعة غير معلومة وكذلك لو جعلها اجرة لارض اخرى أو دارا لم يجز والزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الارض فان أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا يختلف معه ومعرفة البذز جاز كان الزرع بينهما ويحتمل أن لا يصح لان البذر عوض في الاجارة فيشترط قبضه كما لو كان مبيعا وما حصل فيه قبض وان قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بنهما على كل حال (مسألة) (فان شرط أن يأخذ رب الارض مثل بذره ويقتسما الباقي لم يصح) لانه كأنه اشترط لنفسه قفزانا معلومة وهو شرط فاسد تفسديه المزارعة لان الارض ربما لا تخرج إلا تلك القفزان فيختص رب المال بها وربما لا تخرجه وموضوع المرزاعة على اشتراكهما في الزرع (مسألة) (وكذلك لو شرطا لاحدهما دراهم معلومة أو زرع ناحية معينة أو شرط لاحدهما ما على الجداول إما منفردا أو مع نصيبه فهو فاسد باجماع العلماء) لان الخبر صحيح في النهى عنه غير معارض ولا منسوخ ولانه ربما تلف ما عين لاحدهما دون الآخر فينفرد أحدهما بالغلة دون صاحبه

[ 591 ]

(مسألة) (ومتى فسد فالزرع لصاحب البذر) لانه عين ماله ينقلب من حال إلى حال وينمي فهو كصغار الشجر إذا غرس فطال وعليه اجرة صاحبه فان كان البذر من العامل فعليه اجرة الارض لان ربها إنما بذلها بعوض لم يسلم له فرجع إلى عوض منافعها الفائتة بزرعها على الزرع وان فسدت والبذر من رب الارض فالزرع له لما ذكرنا وعليه مثل أجر العامل لذلك وان كان منهما فالزرع بينهما على قدر البذر ويتراجعان بما يفضل لاحدهما على ما ذكرنا (مسألة) وحكم المزارعة حكم المساقاة) فيما ذكرنا من الجواز واللزوم وأنها لا تجوز إلا بجزء للعامل من الزرع وما يلزم العامل ورب الارض وغير ذلك من أحكامها لانها معاملة على الارض ببعض نمائها (مسألة) (والحصاد على العامل نص عليه وكذلك الجذاذ وعنه أن الجذاذ عليهما) الجذاذ والحصاد واللقاط على العامل نص عليه أحمد في الحصاد وهو مذهب الشافعي لانه من العمل فكان على العمل كالتشميس، وروي عن أحمد في الجذاذ انه إذا شرط على العامل فجائز لان العمل عليه وان لم يشرطه فعلى رب المال بحصة ما يصير إليه وعلى العامل بحصة ما يصير إليه فجعل الجذاذ

[ 592 ]

عليهما وأجاز اشتراطه على العامل وهو قول بعض الشافعية، وقال محمد بن الحسن تفسد المساقاة بشرطه على العامل لانه شرط ينافي مقتضى العقد، واحتج من جعله عليهما بأنه بعد تكامل الثمرة وانقضاء المعاملة فاشبه نقله إلى منزله ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى يهود خيبر على أن يعملوها من أموالهم ولان هذا من العمل أشبه التشميس وبه يبطل ما ذكروه، وفارق النقل إلى المنزل فانه يكون بعد القسمة وزوال العقد فأشبه المخزن (فصل) وان دفع رجل بذره إلى صاحب الارض ليرزعه في أرضه ويكون ما يخرج بينهما فهو فاسد لان البذر ليس من رب الارض ولا من العامل ويكون الزرع لمالك البذر وعليه أجر الارض والعمل ويتخرج أن تنبني صحته على احدى الروايتين كالمسألة التي بعدها (مسألة) وان قال أنا أزرع الارض بذري وعواملي وتسفيها بمائك والزرع بيننا ففيها روايتان (احداهما) لا تصح اختارها القاضي لان موضوع المزراعة على ان من تكون أحدهما اقترض من الآخر العمل وصاحب الماء ليس منه أرض ولا عمل بذر ولان الماء لا يباع ولا يستأجر فكيف تصح المزارعة به؟ (والثانية) تصح اختارها أبو بكر ونقلها عن احمد يعقوب بن بختان وحرب لان الماء أحد ما يحتاج إليه في الزرع فجاز أن يكون من أحدهما كالارض والعمل والاول أصح لان هذا ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص

[ 593 ]

(فصل) وان اشترك ثلاثة من أحدهم الارض ومن الآخر البذر ومن الآخر البقر والعمل على أن ما رزق الله تعالى بينهم فعملوا فهذا عقد فاسد نص عليه احمد في رواية أبي داود ومنها واحمد ابن القاسم، وذكر حديث مجاهد في اربعة اشتركوا في زرع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم علي الفدان وقال الاخر قبلي الارض وقال الاخر قبلي البذر وقال الا خر قبلي العمل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الزرع لصاحب البذر وألغى صاحب الارض وجعل لصاحب العمل كل يوم درهما ولصاحب الفدان شيئا معلوما، فقال أحمد لا يصح والعمل على غيره وذكر هذا الحديث سعيد بن منصور عن الوليد ابن مسلم عن الاوزاعي عن واصل بن أبي جميل عن مجاهد وقال في آخره فحدثبت به مكحو لا فقال ما يسرني بهذا الحديث وصيفا، وحكم هذه المسألة حكم المسألة التي ذكرنا ها في أول الفصل وهما فاسدتان لان موضوع المزارعة على أن البذر من رب الارض أو من العامل وليس هو واحد منهما، وليست شركة لان الشركة تكون بالاثمان فان كانت بالعروض اعتبر كونها معلومة ولم يوجد شئ من ذلك ههنا، ولا هي اجارة لان الاجارة تفتقر إلى مدة معلومة وعوض معلوم وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. فعلى هذا يكون الزرع لصاحب البذر لانه نماء ماله ولصاحبيه عليه أجر مثلهما لانهما دخلا على أن يسلم لهما المسمى فإذا لم يسلم عاد إلى بدله وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي يتصدق بالفضل والصحيح ان النماء لصاحب البذر لا تلزمه الصدقة به كسائر ماله

[ 594 ]

(فصل) فان كانت الارض لثلاثة فاشتركوا على أن يزرعوها ببذرهم ودوابهم واعوانهم على أن ما اخرج الله بينهم على قدر مالهم جاز وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر ولا نعلم فيه خلافا لان أحدهم لا يفضل صاحبه بشئ فصل فان زارع رجلا أو آجره أرضه فزرعها وسقط منن الحب شئ فنبت في تلك الارض عاما آخر فهو لصاحب الارض نص عليه احمد في رواية أبي داود ومحمد بن الحارث، وقال الشافعي هو هو لصاحب الحب لانه عين ماله فهو كما لو بذره قصدا ولنا ان صاحب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف وزال ملكه عنه لان العادة ترك ذلك لمن يأخذه ولهذا أبيح له التقاطه ورعيه ولا نعلم خلافا في إباحة التقاط ما خلفه الحصادون من سنبل وحب وغيرهما فجرى ذلك مجرى نبذه على سيبل الترك له وصار كالشئ التافه يسقط منه الثمرة والقمة ونحوهما والنوى لو التقطه انسان فغرسه كان له دون من سقط منه كذا هذا (مسألة) (وإن زارع شريكه في نصيبه صح) إذا جعل له في الزرع أكثر من نصيبه مثل أن تكون الارض بينهما نصفين فجعل للعامل الثلثين صح وكان السدس حصته من المزارعة فصار كأنه قال زارعتك على نصيبي بالثلث فصح كما لو زارع

[ 595 ]

أجنبيا، وفيه وجه آخر أنه لا يصح لان النصف للمزارع ولا يصح أن يزارع الانسان لنفسه فاذا فسد في نصيبه فسد في الجميع كما لو جمع في البيع بين ما يصح ومالا يصح والاول أصح إن شاء الله تعالى وقد ذكرنا في المساقاة نحو هذا (فصل في اجارة الارض) تجوز اجارتها بالذهب والفضة وسائر العروض غير المطعوم في قول عامة أهل العلم، قال أحمد: قلما اختلفوا في الذهب والورق، وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الارض وقتا معلوما جائز بالذهب والفضة. وروي هذا القول عن سعد ورافع بن خديج وابن عمر وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وعروة والقاسم ومالك والليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي اروي عن طاوس والحسن كراهة ذلك لما روى رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع متفق عليه. ولنا أن رافعا قال أما بالذهب والورق فلم ينهنا يعني النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه ولمسلم (اما بشئ معلوم مضمون فلا بأس) وعن حنظلة بن قيس أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الارض فقال نهى رسول

[ 596 ]

الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض فقلت بالذهب والفضة؟ قال انما نهى عنها ببعض ما يخرج منها اما بالذهب والفضة فلا بأس متفق عليه، وعن سعد قال: كنا نكري الارض بما على السواقي وما سعد بالماء منها فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمرنا أن نكربها بذهب أو فضة. رواه أبو داود، ولانها عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها فجازت إجارتها بالاثمان ونحوها كالدور، والحكم في العروض كالحكم في الاثمان. وأما حديثهم فقد فسره الراري بما ذكرنا عنه فلا يجوز الاحتجاج به على غيره وحديثنا مفسر لحديثهم فان راويهما واحد وقد رواه عاما وخاصا فيحمل العام على الخاص مع موافقة الخاص لسائر الاحاديث والقياس وقول أكثر أهل العلم فأما اجارتها بطعام فتقسم ثلاثة أقسام (أحدها) أن يؤجرها بطعام معلوم غير الخارج منها فيجوز نص عليه أحمد في رواية الحسن بن ثواب وهو قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ومنع منه مالك حتى منع اجارتها باللبن والعسل، وقد روي عن أحمد أنه قال ربما تهيبته، قال القاضي هذا من أحمد على سبيل الورع ومذهبه الجواز، واحتج مالك بما روى رافع بن خديج عن بعض عمومته قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كانت له أرض

[ 597 ]

فلا يكريها بطعام مسمى) رواه أبو داود وابن ماجه. وروى ظهير بن رافع قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (ما تصنعون بمحاقلكم؟) قلت نؤاجرها على الربع أو على الاوسق من التمر أو الشعير قال (لا تفعلوا ازرعوها أو امسكوها) متفق عليه. وروى أبو سعيد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمحاقلة استكراء الارض بالحنطة ولنا قول رافع فاما بشئ معلوم مضمون فلا بأس به ولانه عوض معلوم مضمون لا يتخذ وسيلة إلى الربا فجازت اجارتها بها كالاثمان وحديث رافع وظهير قد سبق الكلام عليه في المزارعة على أنه يحتمل النهي عن إجارتها بذلك إذا كان خارجا منها، ويحتمل النهي عنه إذا أجرها بالربع والاوسق وحديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها بالحنطة إذا اكتراها لزرع الحنطة (القسم الثاني) اجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها كاجارتها بقفزان حنطة ليزرعها فقال ابو الخطاب فيها روايتان (إحداهما) المنع وهي التي ذكرها القاضي مذهبا وهي قوال مالك لما ذكرنا من الاحاديث ولانه ذريعة إلى المزارعة عليها بشئ معلوم من الخارج منها لانه يجعل مكان قوله زارعتك أجرتك فتصير

[ 598 ]

مالك بما روى رافع بن خديج عن بعض عمومته قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كانت له أرض

[ 597 ]

فلا يكريها بطعام مسمى) رواه أبو داود وابن ماجه. وروى ظهير بن رافع قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (ما تصنعون بمحاقلكم؟) قلت نؤاجرها على الربع أو على الاوسق من التمر أو الشعير قال (لا تفعلوا ازرعوها أو امسكوها) متفق عليه. وروى أبو سعيد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمحاقلة استكراء الارض بالحنطة ولنا قول رافع فاما بشئ معلوم مضمون فلا بأس به ولانه عوض معلوم مضمون لا يتخذ وسيلة إلى الربا فجازت اجارتها بها كالاثمان وحديث رافع وظهير قد سبق الكلام عليه في المزارعة على أنه يحتمل النهي عن إجارتها بذلك إذا كان خارجا منها، ويحتمل النهي عنه إذا أجرها بالربع والاوسق وحديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها بالحنطة إذا اكتراها لزرع الحنطة (القسم الثاني) اجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها كاجارتها بقفزان حنطة ليزرعها فقال ابو الخطاب فيها روايتان (إحداهما) المنع وهي التي ذكرها القاضي مذهبا وهي قوال مالك لما ذكرنا من الاحاديث ولانه ذريعة إلى المزارعة عليها بشئ معلوم من الخارج منها لانه يجعل مكان قوله زارعتك أجرتك فتصير

[ 598 ]

مزارعة بلفظ الاجارة والذرائع معتبرة (والثانية) جواز ذلك اختارها أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة والشافعي لما ذكرنا في القسم الاول ولان ما جازت اجارته اجارتها بقفزان حنطة ليزرعها فقال ابو الخطاب فيها روايتان (إحداهما) المنع وهي التي ذكرها القاضي مذهبا وهي قوال مالك لما ذكرنا من الاحاديث ولانه ذريعة إلى المزارعة عليها بشئ معلوم من الخارج منها لانه يجعل مكان قوله زارعتك أجرتك فتصير

[ 598 ]

مزارعة بلفظ الاجارة والذرائع معتبرة (والثانية) جواز ذلك اختارها أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة والشافعي لما ذكرنا في القسم الاول ولان ما جازت اجارته بغير المطعوم جازت به كالدور (القسم الثالث) اجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها كنصف وثلث فالمنصوص عن احمد جوازه وهو قول أكثر الاصحاب، واختار أبو الخطاب أنها لا تصح وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لما تقدم من الاحاديث في النهي من غير معارض لها، ولانها اجارة بعوض مجهول فلم تصح كاجارتها بثلث ما يخرج من أرض أخرى، فأما نص أحمد في الجواز فيتعين حمله على المزارعة بلفظ الاجارة فيكون حكمها حكم المزراعة فيما ذكرنا من أحكامها، ذكرناه في المساقاة (تم بحمد الله وعونه الجزء الخامس.)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية